######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000071 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن رجب الحنبلي #META# 010.AuthorNAME :: زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي #META# 011.AuthorBORN :: 736هـ #META# 011.AuthorDIED :: 795 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: مجموعات حديثية في الأخلاق والتزكية :: مجموعات ومنتخبات وزوائد حديثية #META# 022.BookVOLS :: 2*1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: جامع العلوم والحكم #META# 030.LibURI :: JK_000071 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: شعيب الأرناؤوط / إبراهيم باجس #META# 041.EdNUMBER :: السابعة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مؤسسة الرسالة #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1417هـ - 1997م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # جامع العلوم والحكم PageV01P003 وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة وجعل أمتنا ولله ~~الحمد خير أمة وبعث فينا رسولا منا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا ~~الكتاب والحكمة أحمده على نعمه الجمة وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له ~~شهادة تكون لمن اعتصم بها خير عصمة وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله ~~للعالمين رحمة وفرض عليه بيان ما أنزل إلينا فأوضح لنا كل الأمور المهمة ~~وخصه بجوامع الكلم فربما جمع أشتات الحكم والعلوم في كلمة أو شطر كلمة صلى ~~الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة تكون لنا نورا من كل ظلمة وسلم تسليما أما ~~بعد فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم ~~وخصه ببدائع الحكم كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال بعثت بجوامع الكلم قال النووي رحمه الله جوامع الكلم ~~فيما بلغنا أن الله تعالى يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب ~~قبله في الأمر الواحد والأمرين ونحو ذلك وخرج الإمام أحمد رحمه الله من ~~حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوما كالمودع فقال أنا محمد النبي الأمي قال ذلك ثلاث مرات ولا نبي ~~بعدي أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه وذكر الحديث وخرج أبو يعلى الموصلي ~~من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنى ~~أوتيت جوامع الكلم وخواتمه واختصر لي الكلام اختصارا وخرج الدارقطني رحمه ~~الله من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P004 قال أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الحديث اختصارا وروينا من ~~حديث عبد الرحمن بن إسحاق القرشي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله ~~عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطيت فواتح الكلم وخواتمه ~~وجوامعه فقلنا يا رسول الله علمنا مما ms001 علمك الله عز وجل قال فعلمنا التشهد ~~وفي صحيح مسلم عن سعيد بن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عن جده أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سئل عن البتع والمزر قال وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه فقال أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة ~~وروي هشام بن عمار في كتاب البعث بإسناده عن أبي سالم الحبشي قال حدثت أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول فضلت على من قبلي بست ولا فخر فذكر منها ~~جوامع الكلم فقال وأعطيت جوامع الكلم وكان أهل الكتاب يجعلونها جزءا بالليل ~~إلى الصباح فجمعها لي ربي في آية واحدة سبح لله ما في السموات وما في الأرض ~~وهو العزيز الحكيم في جوامع الكلم التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم ~~نوعان أحدهما ما هو في القرآن كقوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي قال الحسن لم تترك هذه ~~الآية خيرا إلا أمرت به ولا شرا إلا نهت عنه والثاني ما هو في كلامه صلى ~~الله عليه وسلم وهو منتشر موجود في السنن المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم ~~وقد جمع العلماء رضي الله عنهم جموعا من كلماته صلى الله عليه وسلم الجامعة ~~فصنف الحافظ أبو بكر بن السني كتابا سماه الإيجاز وجوامع الكلم من السنن ~~المأثورة وجمع القاضي أبو عبدالله القضاعي من جوامع الكلم المجيزة كتابا ~~سماه الشهاب في الحكم والآداب وصنف على منواله قوم آخرون فزادوا على ما ~~ذكره زيادة كثيرة وأشار الخطابي في أول كتابه غريب الحديث إلى يسير من ~~الأحاديث الجامعة وأملي الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح مجلسا سماه ~~الأحاديث الكلية جمع فيه الأحاديث الجوامع التي يقال إن مدار الدين عليها ~~وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة فاشتمل مجلسه هذا على ستة ~~وعشرين حديثا ثم إن الفقيه الإمام الزاهد القدوة أبا زكريا يحيى النووي ~~رحمة الله عليه أخذ هذه الأحاديث ms002 التي أملاها ابن الصلاح وزاد عليها تمام ~~اثنين وأربعين حديثا وسمى كتابه بالأربعين واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها ~~وكثر حفظها ونفع الله بها ببركة نية جامعها وحسن قصده رحمه الله تعالى وقد ~~تكرر سؤال جماعة من طلبة العلم والدين لتعليق شرح لهذه الأحاديث المشار ~~إليها فاستخرت الله تعالى في جمع كتاب يتضمن شرح ما يسره الله تعالى من ~~معانيها PageV01P005 وتقييد ما يفتح به سبحانه من تبيين قواعدها ومبانيها ~~وإياه أسأل العون على ما قصدته والتوفيق لصالح النية والقصد فيما أردته ~~وأعول في أمري كله عليه وأبرأ من الحول والقوة إلا إليه وقد كان بعض من شرح ~~هذه الأربعين قد تعقب على جامعها رحمه الله تركه لحديث ألحقوا الفرائض ~~بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولي رجل ذكر قال لأنه الجامع لقواعد الفرائض ~~التي هي نصف العلم فكان ينبغي ذكره في هذه الأحاديث الجامعة كما ذكر حديث ~~البينة على المدعي واليمين على من أنكر لجمعه لأحكام القضاء فرأيت أنا أن ~~أضم هذا الحديث إلى أحاديث الأربعين التي جمعها الشيخ رحمه الله وأن أضم ~~إلى ذلك كله أحاديث أخر من جوامع الكلم الجامعة لأنواع العلوم والحكم حتى ~~تكمل عدة الأحاديث كلها خمسين حديثا فهذه تسمية الأحاديث المزيدة على ما ~~ذكره الشيخ رحمه الله في كتابه حديث ألحقوا الفرائض بأهلها وحديث يحرم من ~~الرضاع ما يحرم من النسب وحديث إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وحديث أربع ~~من كن فيه كان منافقا وحديث لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ~~يرزق الطير وحديث لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله تعالى وسميته جامع العلوم ~~والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم واعلم أنه ليس غرضي إلا شرح ~~الألفاظ النبوية التي تضمنتها هذه الأحاديث الكلية فلذلك لا أتقيد بكلام ~~الشيخ رحمه الله في تراجم رواة هذه الأحاديث من الصحابة رضي الله عنهم ولا ~~بألفاظه في العزو إلى الكتب التي يعزو إليها وإنما آتي بالمعنى الذي يدل ~~على ذلك لأني قد أعلمتك أنه ms003 ليس لي غرض في غير شرح معاني كلمات النبي صلى ~~الله عليه وسلم الجوامع وما يتضمنه من الآداب والحكم والمعارف والأحكام ~~والشرائع وأشير إشارة لطيفة قبل الكلام في شرح الحديث إلى إسناده ليعلم ~~بذلك صحته وقوته وضعفه وأذكر بعض ما روي في معناه من الأحاديث إن كان في ~~ذلك الباب شيء غير الحديث الذي ذكره الشيخ وإن لم يكن في الباب غيره أو لم ~~يكن يصح فيه غيره نبهت على ذلك كله وبالله التوفيق والمستعان وعليه التكلان ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله # | 1 ( الحديث الأول ) 1 # عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى فمن ~~كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا ~~يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه رواه البخاري ومسلم ~~PageV01P007 هذا الحديث تفرد بروايته يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن ~~إبراهيم التيمي عن علقمة بن أبي وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وليس له طريق يصح غير هذا الطريق كذا قال علي بن المديني وغيره وقال ~~الخطابي لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في ذلك مع أنه قد روى من حديث أبي ~~سعيد وغيره وقد قيل إنه قد روى من طرق كثيرة لكن لا يصح من ذلك شيء عند ~~الحفاظ ثم رواه عن الأنصاري الخلق الكثير والجم الغفير فقيل رواه عنه أكثر ~~من مائتي راو وقيل رواه عنه سبعمائة راو ومن أعيانهم الإمام مالك والثوري ~~والأوزاعي وابن المبارك والليث بن سعد وحماد بن زيد وشعبة وابن عيينة ~~وغيرهم واتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول وبه صدر البخاري كتابه ~~الصحيح وأقامه مقام الخطبة له إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله ~~فهو باطل لاثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي ~~لو صنفت كتابا في الأبواب لجعلت ms004 حديث عمر بن الخطاب في الأعمال بالنيات في ~~كل باب وعنه أنه قال من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ PageV01P008 بحديث ~~الأعمال بالنيات وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها فروى عن ~~الشافعي أنه قال هذا الحديث ثلث العلم ويدخل في سبعين بابا من الفقه وعن ~~الإمام أحمد رضي الله عنه قال أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث حديث عمر إنما ~~الأعمال بالنيات وحديث عائشة من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وحديث ~~النعمان بن بشير الحلال بين والحرام بين وقال الحاكم حدثونا عن عبدالله بن ~~أحمد عن أبيه أنه ذكر قوله عليه الصلاة والسلام الأعمال بالنيات وقوله إن ~~خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما وقوله من أحدث في ديننا ما ليس منه ~~فهو رد فقال ينبغي أن يبتدأ بهذه الأحاديث في كل تصنيف فإنها أصول الأحاديث ~~وعن إسحاق بن راهويه قال أربعة أحاديث هي من أصول الدين حديث عمر إنما ~~الأعمال بالنيات وحديث الحلال بين والحرام بين وحديث إن خلق أحدكم يجمع في ~~بطن أمه أربعين يوما وحديث من صنع في أمرنا شيئا ما ليس منه فهو رد وروى ~~عثمان بن سعيد عن أبي عبيد قال جمع النبي صلى الله عليه وسلم جميع أمر ~~الآخرة في كلمة واحدة من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد وجمع أمر الدنيا ~~كله في كلمة واحدة إنما الأعمال بالنيات يدخلان في كل باب وعن أبي داود قال ~~نظرت في الحديث المسند فإذا هو أربعة آلاف حديث ثم نظرت فإذا مدار أربعة ~~آلاف الحديث على أربعة أحاديث حديث النعمان بن بشير الحلال بين والحرام بين ~~وحديث عمر إنما الأعمال بالنيات وحديث أبي هريرة إن الله طيب لا يقبل إلا ~~طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين الحديث وحديث من حسن إسلام ~~المرء تركه PageV01P009 ما لا يعنيه قال فكل حديث من هذه الأربعة ربع العلم ~~وعن أبي داود رضي الله عنه أيضا قال كتبت عن رسول الله ms005 صلى الله عليه وسلم ~~خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما تضمنه هذا الكتاب يعني كتاب السنن جمعت ~~فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث ~~أحدهما قوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات والثاني قوله صلى ~~الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه والثالث قوله صلى الله ~~عليه وسلم لا يكون المؤمن مؤمنا حتى لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه ~~والرابع قوله صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وفي رواية أخرى ~~عنه أنه قال الفقه يدور على خمسة أحاديث الحلال بين والحرام بين وقوله صلى ~~الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار وقوله إنما الأعمال بالنيات وقوله الدين ~~النصيحة وقوله ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم ~~وفي رواية عنه قال أصول السنن في كل فن أربعة أحاديث حديث عمر إنما الأعمال ~~بالنيات وحديث الحلال بين والحرام بين وحديث من حسن إسلام المرء تركه ما لا ~~يعنيه وحديث ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ~~وللحافظ أبي الحسن طاهر بن مفوز المعافري الأندلسي عمدة الدين عندنا كلمات ~~أربع من كلام خير البرية اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية ~~فقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وفي رواية الأعمال بالنيات ~~وكلاهما يقتضي الحصر على الصحيح وليس غرضنا ههنا توجيه ذلك ولا بسط القول ~~فيه وقد اختلفوا في تقدير قوله الأعمال بالنيات فكثير من المتأخرين يزعم أن ~~تقديره الأعمال صحيحة أو معتبرة ومقبولة بالنيات وعلى هذا فالأعمال إنما ~~أريد بها الأعمال الشرعية المفتقرة إلى النية فأما مالا يفتقر إلى نية ~~كالعادات من الأكل والشرب واللبس وغيرها أو مثل رد الأمانات والمضمونات ~~كالودائع والغصوب فلا يحتاج شيء من ذلك إلى نية فيخص هذا كله من عموم ~~الأعمال المذكورة ههنا وقال آخرون بل الأعمال ههنا على عمومها لايختص منها ~~شيء وحكاه بعضهم عن الجمهور كأنه يريد به جمهور المتقدمين ms006 وقد وقع ذلك في ~~كلام ابن جرير الطبري وأبي طالب المكي وغيرهما من المتقدمين وهو ظاهر كلام ~~الإمام أحمد قال في رواية حنبل أحب لكل من عمل من صلاة أو صيام أو صدقة أو ~~نوع من أنواع البر أن تكون النية متقدمة في ذلك قبل الفعل قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم الأعمال بالنيات فهذا يأتي على كل أمر من الأمور وقال الفضل ~~بن زياد سألت أبا عبد الله يعني أحمد عن النية في العمل قلت كيف النية قال ~~يعالج نفسه إذا أراد عملا لا يريد به الناس وقال أحمد بن داود الحربي قال ~~حدث يزيد بن هارون بحديث عمر الأعمال بالنيات وأحمد جالس فقال أحمد ليزيد ~~يا أبا خالد هذا الخناق وعلى هذا القول فقيل تقدير الكلام الأعمال واقعة أو ~~حاصلة بالنيات فيكون إخبارا عن الأعمال الاختيارية أنها لاتقع إلا عن قصد ~~من العامل هو سبب عملها ووجودها ويكون قوله بعد ذلك وإنما لكل امريء ما نوى ~~إخبارا عن حكم الشرع وهو أن حظ العامل من عمله نيته فإن كانت صالحة فعمله ~~صالح فله أجره وإن كانت فاسدة فعمله فاسد فعليه وزره ويحتمل أن يكون ~~التقدير في قوله الأعمال بالنيات صالحة أو فاسدة أو مقبولة أو مردودة أو ~~مثاب عليها أو غير مثاب عليها بالنيات فيكون خبرا عن الحكم الشرعي وهو أن ~~صلاحها وفسادها بحسب صلاح النية وفسادها كقوله صلى الله عليه وسلم إنما ~~الأعمال بالخواتيم أي إن صلاحها وفسادها وقبولها وعدمها بحسب الخاتمة وقوله ~~بعد ذلك وإنما لكل امريء مانوى إخبار أنه لا يحصل PageV01P010 له من عمله ~~إلا ما نواه به فإن نوى خيرا حصل له خير وإن نوى به شرا حصل له شر وليس هذا ~~تكريرا محضا للجملة الأولي فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده ~~بحسب النية المقتضية لإيجاده والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على ~~عمله بحسب نيته الصالحة وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة وقد تكون نيته ~~مباحة فيكون العمل مباحا ms007 فلا يحصل له ثواب ولا عقاب فالعمل في نفسه صلاحه ~~وفساده وإباحته بحسب النية الحاملة عليه المقتضية لوجوده وثواب العامل ~~وعقابه وسلامته بحسب النية التي صار بها العمل صالحا أو فاسدا أو مباحا ~~واعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة وإن كان قد فرق بين هذه ~~الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين أحدهما ~~تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلا وتمييز ~~رمضان من صيام غيره أو تمييز العبادات من العادات كتمييز الغسل من الجنابة ~~من غسل التبرد والتنظيف ونحو ذلك وهذه النية هي التي توجد كثيرا في كلام ~~الفقهاء في كتبهم والمعنى الثاني بمعنى تمييز المقصود بالعمل وهل هو لله ~~وحده لا شريك له أم لله وغيره وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في ~~كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه وهي التي توجد كثيرا في كلام السلف ~~المتقدمين وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفا سماه كتاب الإخلاص والنية ~~وإنما أراد هذه النية وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم تارة بلفظ النية وتارة بلفظ الإرادة وتارة بلفظ مقارب لذلك وقد ~~جاء ذكرها كثيرا في كتاب الله عز وجل بغير لفظ النية أيضا من الألفاظ ~~المقاربة لها وإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة والقصد ونحوهما ~~لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء فمنهم من قال النية ~~تختص بفعل الناوي والإرادة لا تختص بذلك كما يريد الإنسان من الله أن يغفر ~~له ولا ينوي ذلك وقد ذكرنا أن النية في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وسلف ~~الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني غالبا فهي حينئذ بمعنى الإرادة ~~ولذلك يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيرا كما في قوله تعالى منكم من ~~يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة آل عمران وقوله عز وجل تريدون عرض الدنيا ~~والله يريد الآخرة الأنفال وقوله تعالى من كان يريد الحياة الدنيا ms008 وزينتها ~~هود وقوله ومن كان يريد حرث الآخرة الشورى وقوله تعالى من كان يريد العاجلة ~~عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد الإسراء وقوله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه الأنعام وقوله تعالى واصبر نفسك مع الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة ~~الحياة الدينا الكهف وقوله ذلك خير للذين يريدون وجه الله الروم وقوله وما ~~آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة ~~تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون الروم وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ ~~الابتغاء PageV01P011 كما في قوله تعالى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى الليل ~~وقوله تعالى ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من ~~أنفسهم البقرة وقوله تعالى وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله البقرة وقوله لا ~~خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف النساء فنفى الخير عن ~~كثير مما يتناجى الناس به إلا في الأمر بالمعروف وخص من أفراده الصدقة ~~والإصلاح بين الناس لعموم نفعها فدل ذلك على أن التناجي بذلك خير وأما ~~الثواب عليه من الله فخصه بمن فعله ابتغاء مرضات الله وإنما جعل الأمر ~~بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرا وإن لم يبتغ به وجه ~~الله لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي فيحصل به للناس إحسان وخير وأما ~~بالنسبة إلى الأمر فإن قصد به وجه الله وابتغاء مرضاته كان خيرا له وأثيب ~~عليه وإن لم يقصد ذلك لم يكن خيرا له ولا ثواب له عليه وهذا بخلاف من صلى ~~وصام وذكر الله يقصد بذلك عرض الدنيا فإنه لا خير له فيه بالكلية لأنه ~~لاتقع في ذلك لصاحبه لما يترتب عليه من الإثم فيه ولا لغيره لأنه لا يتعدى ~~نفعه إلى أحد اللهم إلا أن يحصل لأحد اقتداء به في ذلك وأما ماورد في السنة ~~وكلام السلف من تسمية هذا المعنى بالنية فكثير جدا ونحن نذكر بعضه كما خرج ms009 ~~الإمام أحمد والنسائي من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالا فله مانوى ~~وخرج الإمام أحمد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ورب قتيل بين صفين الله أعلم ~~بنيته وخرج ابن ماجه من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال يحشر الناس على نياتهم ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما يبعث الناس على نياتهم وخرج ابن أبي ~~الدنيا من حديث عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قالإنما يبعث ~~المقتتلون على نياتهم وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث فإذا كانوا ببيداء من ~~الأرض خسف بهم فقلت يارسول الله فكيف بمن كان كارها قال يخسف به معهم ولكنه ~~يبعث يوم القيامة على نيته وفيه أيضا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم معنى هذا الحديث وقال فيه يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر ~~شتى ويبعثهم الله على نياتهم وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث زيد بن ~~ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كانت همه الدنيا فرق الله شمله ~~وفي لفظ أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن ~~كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي ~~راغمة هذا لفظ ابن ماجه ولفظ أحمد من كانت همه الآخرة ومن كانت نيته الدنيا ~~وخرجه ابن أبي الدنيا وعنده من كانت نيته الآخرة ومن كانت نيته الدنيا وفي ~~الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنك لن تنفق ~~نفقة تبتغي بها وجه الله ms010 إلا أثبت عليها حتى اللقمة تجعلها في فى امرأتك ~~PageV01P012 وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع عن عمر قال لا عمل لمن لا ~~نية له ولا أجر لمن لا حسبة له يعني لا أجر لمن لم يحتسب ثواب عمله عند ~~الله عز وجل وبإسناد ضعيف عن ابن مسعود قال لا ينفع قول إلا بعمل ولا ينفع ~~قول ولا عمل إلا بنية ولا ينفع قول ولا عمل ولا نية إلا بما وافق السنة وعن ~~يحيى ابن أبي كثير قال تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل وعن زيد الشامي ~~قال إنى لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب وعنه أنه قال ~~انو في كل شيء تريد الخير حتى خروجك إلى الكناسة وعن داود الطائي قال رأيت ~~الخير كله إنما يجمعه حسن النية وكفاك بها خيرا وإن لم تنصب قال داود والبر ~~همة التقي ولو تلعقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردته يوما نيته إلى أصله وعن ~~سفيان الثوري قال ما عالجت شيئا أشد على من نيتي لأنها تنقلب علي وعن يوسف ~~بن أسباط قال تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد وقيل ~~لنافع بن جبير ألا تشهد الجنازة قال كما أنت حتى أنوي قال ففكر هنيهة ثم ~~قال امض وعن مطرف بن عبد الله قال صلاح القلب بصلاح العمل وصلاح العمل ~~بصلاح النية وعن بعض السلف قال من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته فإن ~~الله عز وجل يأجر العبد إذا حسن نيته حتى باللقمة وعن ابن المبارك قال رب ~~عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية وقال ابن عجلان لا يصلح ~~العمل إلا بثلاث التقوى لله والنية الحسنة والإصابة وقال الفضيل بن عياض ~~إنما يريد الله عز وجل منك نيتك وإرادتك وعن يوسف بن أسباط قال إيثار الله ~~عز وجل أفضل من القتل في سبيل الله خرج ذلك كله ابن أبي الدنيا في كتاب ~~الإخلاص والنية وروى فيه بإسناد منقطع عن عمر ms011 قال أفضل الأعمال أداء ما ~~افترض الله عز وجل والورع عما حرم الله عز وجل وصدق النية فيما عند الله عز ~~وجل وبهذا يعلم معنى ما روى الإمام أحمد أن أصول الإسلام ثلاثة أحاديث حديث ~~إنما الأعمال بالنيات وحديث من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد وحديث ~~الحلال بين والحرام بين فإن الدين كله يرجع إلى فعل المأمورات وترك ~~المحظورات والتوقف عن الشبهات وهذا كله تضمنه حديث النعمان بن بشير وإنما ~~يتم ذلك بأمرين أحدهما أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة وهذا هو ~~الذي يتضمنه حديث عائشة من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد والثاني أن ~~يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله عز وجل كما تضمنه حديث عمر الأعمال ~~بالنيات وقال الفضيل في قوله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا الملك قال أخلصه ~~وأصوبه وقال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ~~ولم يكن خالصا لم يقبل حتى PageV01P013 يكون خالصا وصوابا قال والخالص إذا ~~كان لله عز وجل والصواب إذا كان على السنة وقد دل على هذا الذي قال الفضي ~~لقوله عز وجل فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا الكهف وقال بعض العارفين إنما تفاضلوا بالإرادات ولم يتفاضلوا بالصوم ~~والصلاة وقوله صلى الله عليه وسلم فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته ~~إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ~~ما هاجر إليه لما ذكر صلى الله عليه وسلم أن الأعمال بحسب النيات وأن حظ ~~العامل من عمله نيته من خير أو شر وهاتان كلمتان جامعتان وقاعدتان كليتان ~~لا يخرج عنهما شيء ذكر بعد ذلك مثلا من الأمثال والأعمال التي صورتها واحدة ~~ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات وكأنه يقول سائر الأعمال على حذو هذا ~~المثال وأصل الهجرة هجران بلد الشرك والانتقال منه إلى دار الإسلام كما كان ~~المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينه ms012 النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقد هاجر من هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشي فأخبر صلى الله ~~عليه وسلم أن هذه الهجرة تختلف باختلاف المقاصد والنيات بها فمن هاجر إلى ~~دار الإسلام حبا لله ورسوله ورغبة في تعلم دبن الإسلام وإظهار دينه حيث كان ~~يعجز عنه في دار الشرك فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقا وكفاه شرفا ~~وفخرا أن حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله ولهذا المعنى اقتصر في ~~جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب في ~~الدنيا والآخرة ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام ليطلب دنيا ~~يصيبها أو امرأة ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر من ذلك فالأول ~~تاجر والثاني خاطب وليس بواحد منهما مهاجر وفي قوله إلى ما هاجر إليه تحقير ~~لما طلبه من أمر الدنيا واستهانة به حيث لم يذكر بلفظه وأيضا أن الهجرة إلى ~~الله ورسوله واحدة فلا تعدد فيها فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط ~~والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر فقد يهاجر الإنسان لطلب دنيا مباحة تارة ~~ومحرمة تارة وأفراد ما يقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر فلذلك قال ~~فهجرته إلى ما هاجر إليه يعني كائنا ما كان وقد روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في قوله تعالى إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الممتحنة قال ~~كانت المرأة إذا أتت النبي صلى الله عليه وسلم حلفها بالله ما خرجت من بغض ~~زوج وبالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض وبالله ما خرجت التماس دنيا وبالله ما ~~خرجت إلا حبا لله ورسوله أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير والبزار في مسنده ~~وخرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصرا وقد روى وكيع في كتابه عن الأعمش عن ~~شقيق هو أبو وائل قال خطب أعرابي من الحي امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن ~~تزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجته فكنا نسميه مهاجر أم قيس قال فقال عبد الله ~~يعني ms013 ابن مسعود من هاجر يبتغي شيئا فهو له وهذا السياق يقتضي أن هذا لم يكن ~~في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان في عهد ابن مسعود ولكن روي من ~~طريق سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود قال كان فينا رجل ~~خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها وكنا ~~نسميه مهاجر أم قيس قال ابن مسعود من هاجر لشيء فهو له وقد اشتهر أن قصة ~~مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي صلى الله عليه وسلم من كانت هجرته إلى ~~دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم ولم نر ~~لذلك أصلا يصح والله أعلم وسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعني فصلاحها ~~وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد والحج وغيرهما وقد سئل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن اختلاف الناس في الجهاد وما يقصد به من الرياء وإظهار ~~الشجاعة والعصبية وغير ذلك أي ذلك في سبيل الله فقال من قاتل لتكون كلمة ~~الله هي العليا فهو في سبيل الله فخرج بهذا كل ما سألوه عنه من المقاصد ~~الدنيوية ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن أعرابيا أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل ~~يقاتل ليرى مكانه فمن قاتل في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وفي رواية لمسلم سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ~~رياء فأي ذلك في سبيل الله فذكر الحديث وفي رواية له أيضا الرجل يقاتل غضبا ~~ويقاتل حمية وخرج النسائي من حديث PageV01P014 أبي أمامة قال جاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاشيء ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن ms014 الله لا يقبل إلا ما كان خالصا وابتغى به وجهه وخرج أبو داود من ~~حديث أبي هريرة أن رجلا قال يا رسول الله رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضا من ~~عرض الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أجر له فأعاد عليه ثلاثا ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لا أجر له وخرج الإمام أحمد وأبو داود من ~~حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الغزو غزوان فأما من ~~ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد فإن ~~نومه ونبهه أجر كله وأما من غزا فخرا ورياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في ~~الأرض فإنه لم يرجع بالكفاف وخرج أبو داود من حديث عبدالله بن عمرو قال قلت ~~يا رسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو فقال إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك ~~الله صابرا محتسبا وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا على أي ~~حال قاتلت أو قتلت بعثك الله بتلك الحال وخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن أول الناس يقضى يوم ~~القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها قال ~~قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر ~~به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن ~~فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت ~~القرآن فيك قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال ~~قاريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله ~~عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال فما عملت فيها ~~فقال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك ~~فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي ms015 في النار وفي ~~الحديث إن معاوية لما بلغه هذا الحديث بكى حتى غشي عليه فلما أفاق قال صدق ~~الله ورسوله قال الله عز وجل من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم ~~أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~هود وقد ورد الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله كما خرجه الإمام أحمد ~~وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب عرضا من ~~الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة يعني ريحها وخرج الترمذي من حديث كعب ~~بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من طلب العلم ليماري به السفهاء ~~أو يجاري به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار وخرجه ~~ابن ماجه بمعناه من حديث ابن عمر وحذيفة وجابر رضي الله عنهم عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولفظ حديث جابر لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا ~~لتماروا به السفهاء ولا تخيروا بالمجالس فمن فعل ذلك فالنار PageV01P015 ~~النار فقال ابن مسعود لا تعلموا العلم لثلاث لتماروا به السفهاء أو ~~لتجادلوا به الفقهاء أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم وابتغوا بقولكم وفعلكم ما ~~عند الله فإنه يبقى ويذهب ما سواه وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله ~~عموما كما خرج الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال بشر هذه الأمة بالثناء بالعز والرفعة والدين والتمكين ~~في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب ~~واعلم أن العمل لغير الله أقسام فتارة يكون رياء محضا بحيث لا يراد به سوى ~~مرئيات المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم قال الله عز وجل ~~وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس النساء وقال تعالى فويل ~~للمصلين الماعون وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء ms016 المحض في قوله ولا ~~تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس الأنفال وهذا الرياء المحض ~~لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام وقد يصدر في الصدقة الواجبة ~~والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة والتي يتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز ~~وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة ~~وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة ~~تدل على بطلانه أيضا وحبوطه وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن ~~الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه وخرجه ابن ماجه ولفظه ~~فأنا منه بريء وهو للذي أشرك وخرج الإمام أحمد عن شداد بن أوس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال من صلى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق ~~يرائي فقد أشرك فإن الله عز وجل يقول أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئا فإن ~~جدة عمله قليلة وكثيرة لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني وخرج الإمام أحمد ~~والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة وكان من الصحابة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب ~~فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله ~~عز وجل فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك وخرج البزار في مسنده من حديث ~~الضحاك بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله عز وجل يقول أنا ~~خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكه يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله ~~عز وجل فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أخلص له ولا تقولوا هذا لله ~~والرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها ~~لوجوهكم وليس لله منها شيء وخرج النسائي بإسناد جيد ms017 عن أبي أمامة الباهلي ~~رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ~~أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لاشيء له فأعادها عليه ثلاث مرات يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لاشيء له ثم قال إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغى به ~~وجهه وخرج الحاكم PageV01P016 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رجل ~~يا رسول الله إنى أقف الموقف أريد به وجه الله وأريد أن يرى موطني فلم يرد ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزلت فمن كان يرجو لقاء ربه ~~الكهف ومن يروي عنه هذا المعنى أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلا ~~طائفة من السلف منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء والحسن وسعيد بن المسيب ~~وغيرهم وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ~~يقبل الله عملا فيه مثقال حبة من خردل من رياء ولا نعرف عن السلف في هذا ~~خلافا وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين فإن خالط نيته الجهاد مثل نية غير ~~الرياء مثل أخذه أجرة للخدمة أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك ~~أجر جهاده ولم يبطل بالكلية وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو رضي الله ~~عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قالإن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ~~ثلثي أجرهم فإن لم يغنموا شيئا تم لهم أجرهم وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل ~~على أن من أراد بجهاده عرضا من الدنيا أنه لا أجر له وهي محمولة على أنه لم ~~يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا وقال الإمام أحمد التاجر والمستأجر ~~والمكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم ولا يكون مثل من جاهد ~~بنفسه وماله لا يخلط به غيره وقال أيضا فيمن يأخذ جعلا على الجهاد إذا لم ~~يخرج إلا لأجل الدراهم فلا ms018 بأس أن يأخذ كأنه خرج لدينه فإن أعطي شيئا أخذه ~~وكذا روي عن عبدالله بن عمرو قال إذا جمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقا ~~فلا بأس بذلك وأما إن أحدكم إن أعطي درهما غزا وإن منع درهما مكث فلا خير ~~في ذلك وكذا قال الأوزاعي إذا كانت نية الغازي على الغزو فلا أرى بأسا ~~وهكذا يقال فيمن أخذ شيئا في الحج ليحج به إما عن نفسه أو عن غيره وقد روي ~~عن مجاهد أنه قال في حج الحمال وحج الأجير وحج التاجر هو تام لا ينقص من ~~أجورهم شيء وهذا محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب وأما إن ~~كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره فإن كان خاطرا ودفعة ~~فلا يضره بغير خلاف فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى ~~على أصل نيته في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن ~~جرير الطبري وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولي وهو مروي ~~عن الحسن البصري وغيره ويستدل لهذا القول بما خرجه أبو داود في مراسيله عن ~~عطاء الخراساني أن رجلا قال يا رسول الله إن بني سلمة كلهم يقاتل فمنهم من ~~يقاتل للدنيا ومنهم من يقاتل نجدة ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله فأيهم ~~الشهيد قال كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كملة الله هي العليا وذكر ابن ~~جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام ~~والحج فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم فإنه ~~ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه ويحتاج إلى تجديد نية وكذلك روي عن سليمان ~~بن داود الهاشمي أنه قال ربما أحدث بحديث ولي فيه نية فإذا أتيت على بعضه ~~تغيرت نيتي فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات ولا يرد على هذا الجهاد كما ~~في مرسل عطاء الخراساني فإن الجهاد يلزم بحضور الصف ولا يجوز تركه حينئذ ms019 ~~فيصير كالحج فأما إذا عمل العمل لله خالصا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في ~~قلوب المؤمنين بذلك بفضل ورحمة واستبشر بذلك لم يضره ذلك وفي هذا المعنى ~~جاء حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يعمل العمل ~~لله من الخير يحمده الناس عليه فقال تلك عاجل بشرى المؤمن خرجه مسلم وخرجه ~~ابن ماجه وعنده الرجل يعمل العمل فيحبه الناس عليه ولهذا المعنى فسره ~~الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وابن جرير الطبري وغيرهم وكذلك الحديث الذي ~~خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال يا ~~رسول الله الرجل يعمل فيسره فإذا اطلع عليه أعجبه فقال له أجران أجر السر ~~وأجر العلانية ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء فإن ~~فيه كفاية وبالجملة فما أحسن قول سهل بن عبد الله ليس على النفس شيء أشق من ~~الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب وقال يوسف بن الحسين الرازي أعز شيء في ~~الدنيا الإخلاص وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون ~~آخر وقال ابن عيينة كان من دعاء مطرف بن عبد الله اللهم إنى أستغفرك مما ~~تبت إليك منه ثم عدت فيه وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي ثم لم أوف به لك ~~وأستغفرك مما زعمت إنى أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد عملت PageV01P017 # | 1 ( فصل وأما النية بالمعنى الذي ذكره الفقهاء ) 1 # وهو تمييز العبادات وتمييز العبادات بعضها من بعض فإن الإمساك عن الأكل ~~والشرب يقع تارة حمية وتارة لعدم القدرة على الأكل وتارة تركا للشهوات لله ~~عز وجل فيحتاج في الصيام إلى نية ليتميز بذلك عن ترك الطعام على غير هذا ~~الوجه وكذلك العبادات كالصلاة والصيام منها فرض ومنها نفل والفرض يتنوع ~~أنواعا فإن الصلوات المفروضات خمس صلوات في كل يوم وليلة والصيام الواجب ~~تارة يكون صيام رمضان وتارة يكون كفارة أو عن نذر ولا يتميز هذا كله إلا ~~بالنية ms020 وكذلك الصدقة تكون نفلا وتكون فرضا والفرض منه زكاة ومنه كفارة ولا ~~يتميز ذلك إلا بالنية فيدخل ذلك في عموم قوله صلى الله عليه وسلم وإنما لكل ~~امريء مانوى وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء PageV01P018 فإن منهم من ~~لا يوجب تعيين النية للصلاة المفروضة بل يكفي عنده أن ينوي فرض الوقت وإن ~~لم يستحضر تسميته في الحال وهي رواية عن الإمام أحمد وينبني على هذا القول ~~أن من فاتته صلاة من يوم وليلة ونسي عينها أن عليه أن يقضي ثلاث صلوات ~~الفجر والمغرب ورباعية واحدة وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن صيام رمضان ~~لا يحتاج إلى نية معينة أيضا بل يجزى نية الصيام مطلقا لأن وقته غير قابل ~~لصيام آخر وهو أيضا رواية عن الإمام أحمد وربما حكي عن بعضهم أن صيام رمضان ~~لا يحتاج إلى نية بالكلية لتعيينه بنفسه فهو كرد الودائع وحكي عن الأوزاعي ~~أن الزكاة كذلك وتأول بعضهم قوله على أنه أراد أنها تجزي بنية الصدقة ~~المطلقة كالحج وكذلك قال أبو حنيفة لو تصدق بالنصاب كله من غير نية أجزأه ~~عن زكاته وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا يلبي بالحج عن ~~رجل فقال له أحججت عن نفسك قال لا قال هذه عن نفسك ثم حج عن الرجل وقد تكلم ~~في صحة هذا الحديث ولكنه صحيح عن ابن عباس وغيره وأخذ بذلك الشافعي وأحمد ~~في المشهور عنه وغيرهما في أن حجة الإسلام تسقط بنية الحج مطلقا سواء نوى ~~التطوع أو غيره ولا يشترط للحج تعيين النية فمن حج عن غيره ولم يحج عن نفسه ~~وقع عن نفسه وكذلك لو حج عن نذر أو نفلا ولم يكن حج حجة الإسلام فإنها ~~تنقلب عنها وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه في حجة ~~الوداع بعدما دخلوا معه وطافوا وسعوا أن يفسخوا حجهم ويجعلوه عمرة وكان ~~منهم القارن والمفرد وإنما كان طوافهم عند قدومهم طواف القدوم وليس بفرض ~~وقد أمرهم ms021 أن يجعلوه طواف عمرة وهو فرض وقد أخذ بذلك الإمام أحمد في فسخ ~~الحج وعمل به وهو مشكل على أصله فإنه يوجب تعيين الطواف الواجب للحج ~~والعمرة بالنية وخالفه في ذلك أكثر الفقهاء كمالك والشافعي وأبي حنيفة وقد ~~يفرق الإمام أحمد بين أن يكون طوافه في إحرام انقلب كالإحرام الذي يفسخه ~~ويجعله عمرة فينقلب الطواف فيه تبعا لانقلاب الإحرام كما ينقلب الطواف في ~~الإحرام الذي نوى به التطوع إذا كان عليه حجة الإسلام تبعا لانقلاب الإحرام ~~من أصله ووقوعه عن فرضه بخلاف ما إذا طاف للزيارة بنية الوداع أو التطوع ~~فإن هذا لا يجزيه إلا أن ينوي به الفرض ولم ينقلب فرضا تبعا لانقلاب إحرامه ~~والله أعلم ومما يدخل في هذا الباب أن رجلا في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان قد وضع صدقته عند رجل فجاء ولد صاحب الصدقة فأخذها ممن هي عنده ~~فعلم بذلك أبوه فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما إياك أردت ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمتصدق لك ما نويت وقال للآخذ لك ما أخذت ~~PageV01P019 خرجه البخاري وقد أخذ الإمام أحمد بهذا الحديث وعمل به في ~~المنصوص عنه وإن كان أكثر أصحابه على خلافه فإن الرجل إنما منع من دفع ~~الصدقة إلى ولده خشية أن تكون محاباة فإذا وصلت إلى ولده من حيث لا يشعر ~~كانت المحاباة منتفية وهو من أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر ولهذا لو دفع ~~صدقته إلى من يظنه فقيرا وكان غنيا في نفس الأمر أجزأته على الصحيح لأنه ~~إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه والفقر أمر خفي لا يكاد يطلع عل حقيقته ~~وأما الطهارة فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور وهو يرجع إلى أن الطهارة ~~للصلاة هل هي عبادة مستقلة أم هي شرط من شروط الصلاة كإزالة النجاسة وستر ~~العورة فمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر شروط الصلاة ومن اشترط لها ~~النية جعلها عبادة مستقلة فإذا كانت عبادة في نفسها لم تصح بدون النية وهذا ms022 ~~قول جمهور العلماء ويدل على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن الوضوء يكفر الذنوب والخطايا وأن من توضأ كما أمر كان ~~كفارة لذنوبه وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادة مستقلة ~~بنفسها حيث رتب عليه تكفير الذنوب والوضوء الخالي من النية لا يكفر شيئا من ~~الذنوب بالاتفاق فلا يكون مأمورا به ولا تصح به الصلاة ولهذا لم يرد في شيء ~~من بقية شرائط الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة ماورد في الوضوء من ~~الثواب ولو شرك بين نية الوضوء وبين قصد التبرد أو إزالة النجاسة أو الوسخ ~~أجزأه في المنصوص عن الشافعي وهذا قول أكثر أصحاب أحمد لأن هذا القصد ليس ~~بمحرم ولا مكروه ولهذا لو قصد مع رفع الحدث تعليم الوضوء لم يضره ذلك وقد ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد أحيانا بالصلاة تعليمها للناس وكذلك ~~الحج كما قال خذوا عني مناسككم ومما تدخل النية فيه من أبواب العلم مسائل ~~الأيمان فلغوا اليمين لا كفارة فيه وهو ماجرى على اللسان من غير قصد بالقلب ~~ألبتة كقوله لا والله وبلى والله في أثناء الكلام قال تعالى لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم الآية وكذلك يرجع في الأيمان إلى نية الحالف وما ~~قصد بيمينه فإن حلف بالطلاق أو عتاق ثم ادعى أنه نوى ما يخالف ظاهر لفظه ~~فإنه يدين فيما بينه وبين الله عز وجل وهل يقبل منه في ظاهر الحكم فيه ~~قولان للعلماء مشهوران وهما روايتان عن أحمد وقد روي عن عمر أنه رفع إليه ~~رجل قالت له امرأته شبهني قال كأنك ظبية كأنك حمامة فقالت لا أرضى حتى تقول ~~أنت خلية طالق فقال ذلك فقال عمر خذ بيدها فهي امرأتك خرجه أبو عبيد وقال ~~أراد الناقة تكون معقولة ثم تطلق من عقالها ويحل عنها فهي خلية من العقال ~~وهي طالق لأنها قد انطلقت منه فأراد الرجل ذلك PageV01P020 فأسقط عنه عمر ~~الطلاق لنيته قال وهذا أصل لكل من تكلم بشيء يشبه ms023 لفظ الطلاق والعتاق وهو ~~ينوي غيره إن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله عز وجل في الحكم على ~~تأويل عمر رضي الله عنه ويروي عن السميط السدسي وقال خطبت امرأة فقالوا لا ~~نزوجك حتى تطلق امرأتك فقلت إنى طلقتها ثلاثا فزوجوني ثم نظروا فإذا امرأتي ~~عندي فقالوا أليس قد طلقتها ثلاثا فقلت كان عندي فلانة فطلقتها وفلانة ~~فطلقتها فأما هذه فلم أطلقها فأتيت شقيق بن ثور وهو يريد الخروج إلى عثمان ~~وافدا فقلت له سل أمير المؤمنين عن هذه فخرج فسأله فذكر ذلك لعثمان فجعلها ~~له فقال بنيته خرجه أبو عبيد في كتاب الطلاق وحكي إجماع العلماء على مثل ~~ذلك وقال إسحاق بن منصور قلت لأحمد حديث السميط تعرفه قال نعم السدسي وإنما ~~جعل نيته بذلك وقال إسحق فإن كان الحالف ظالما ونوى خلاف ما حلفه عليه ~~غريمه لم تنفعه نيته وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك وفي رواية له اليمين على ~~نية المستحلفوهو محمول على الظالم فأما المظلوم فينفعه ذلك وقد خرج الإمام ~~أحمد وابن ماجه من حديث سويد بن حنظلة قال خرجنا نريد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومعناه وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج الناس أن يحلفوا فحلفت ~~أنا أنه أخي فخلي سبيله وأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته أن القوم ~~تحرجوا أن يحلفوا فحلفت أنا أنه أخي فقال صدقت المسلم أخو المسلم وكذلك قد ~~تدخل النية في الطلاق والعتاق فإذا أتى بلفظ من ألفاظ الكنايات المحتملة ~~للطلاق أو العتاق فلا بد له من النية وهل يقوم مقام النية دلالة الحال من ~~غضب أو سؤال الطلاق ونحوه أم لا فيه خلاف مشهور بين العلماء وهل يقع بذلك ~~الطلاق في الباطن كما لو نواه أم يلزم به في ظاهر الحكم فقط فيه خلاف أيضا ~~مشهور ولو أوقع الطلاق بكناية ظاهرة كالبتة ونحوها فهل يقع به الثلاث أو ~~واحدة ms024 فيه قولان مشهوران فظاهر مذهب أحمد أنه يقع به الثلاث مع إطلاق النية ~~فإن نوى به مادون الثلاث وقع به ما نواه وحكي عنه رواية أخرى أنه يلزمه ~~الثلاث أيضا ولو رأى امرأة يظنها امرأته فطلقها ثم بانت أجنبية طلقت امرأته ~~لأنه إنما قصد طلاق امرأته نص على ذلك أحمد وحكي عنه رواية أخرى أنها لا ~~تطلق وهو قول الشافعي ولو كان بالعكس بأن رأى امرأة ظنها أجنبية فطلقها ~~فبانت امرأته فهل تطلق فيه قولان وهما روايتان عن أحمد والمشهور من مذهب ~~الشافعي وغيره أنها لا تطلق ولو كان له امرأتان فنهى إحداهما عن الخروج ثم ~~رأى امرأة قد خرجت فظنها المنهية فقال لها فلانة خرجت أنت طالق فقد اختلف ~~العلماء فيها فقال الحسن تطلق المنهية لأنها هي التي نواها وقال إبراهيم ~~يطلقها وقال عطاء لا تطلق واحدة منها وقال أحمد إنها تطلق المنهية رواية ~~واحدة لأنه نوى طلاقها وهل تطلق المواجهة على روايتين عنه فاختلف الأصحاب ~~على القول بأنها تطلق PageV01P021 هل تطلق في الحكم فقط أم في الباطن أيضا ~~على طريقتين لهم وقد استدل بقوله صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات وإنما ~~لكل امريء مانوى على أن العقود التي يقصد بها في الباطن التوصل إلى ما هو ~~محرم غير صحيحة كعقود البيوع التي يقصد بها معنى الربا ونحوها كما هو مذهب ~~مالك وأحمد وغيرهما فإن هذا العقد إنما نوى به الربا لا بالبيع وإنما لكل ~~امريء مانوى ومسائل النية المتعلقة بالفقه كثيرة جدا وفيما ذكرنا كفاية وقد ~~تقدم عن الشافعي أنه قال في هذا الحديث إنه يدخل في سبعين بابا من الفقه ~~والله أعلم والنية هي قصد القلب ولا يجب التلفظ بما في القلب في شيء من ~~العبادات وخرج بعض أصحاب الشافعي له قولا باشتراط التلفظ بالنية للصلاة ~~وغلط المحققون منهم واختلف المتأخرون من الفقهاء في التلفظ بالنية في ~~الصلاة وغيرها فمنهم من استحبه ومنهم من كرهه ولا نعلم في هذه المسائل نقلا ~~خاصا عن السلف ولا عن الأئمة ms025 إلا في الحج وحده فإن مجاهدا قال إذا أراد ~~الحج يسمي ما يهل به وروى عنه أنه قال يسميه في التلبية وهذا ليس مما نحن ~~فيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر نسكه في تلبيته فيقول لبيك عمرة ~~وحجة وإنما كلامنا أنه يقول عند إرادة عقد الإحرام اللهم إنى أريد الحج ~~والعمرة كما استحب ذلك كثير من الفقهاء وكلام مجاهد ليس صريحا في ذلك وقال ~~أكثر السلف منهم عطاء وطاوس والقاسم بن محمد والنخعي تجزيه النية عند ~~الإهلال وصح عن ابن عمر أنه سمع رجلا عند إحرامه يقول اللهم إنى أريد الحج ~~والعمرة فقال له أتعلم الناس أو ليس الله يعلم ما في نفسك ونص مالك على مثل ~~هذا وأنه لا يستحب له أن يسمي ما أحرم به حكاه صاحب كتاب تهذيب المدونة من ~~أصحابه وقال أبو داود فقلت لأحمد أتقول قبل التكبير يعني في الصلاة شيئا ~~قال لا وهذا قد يدخل فيه أنه لا يتلفظ بالنية والله سبحانه وتعالى أعلم ~~الحديث الثاني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا قال بينما نحن جلوس عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ~~شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه ~~وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم ~~رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ~~ويصدقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قال ~~أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال صدقت قال فأخبرني عن ~~الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم ms026 من السائل قال فأخبرني عن أماراتها قال ~~أن تلد الأمة ربتها وأن تري الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في ~~البنيان ثم انطلق فلبث مليا ثم قال يا عمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله ~~أعلم قال هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم رواه مسلم PageV01P022 هذا الحديث ~~تفرد به مسلم عن البخاري بإخراجه فخرجه من طريق كهمس عن عبدالله بن بريدة ~~عن يحيى بن يعمر قال كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني فانطلقت ~~أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا لو لقينا أحدا ~~PageV01P023 من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء ~~في القدر فوفق لنا عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما داخلا المسجد ~~فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله فظننت أن صاحبي سيكل ~~الكلام إلى فقلت ياأبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ~~ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف قال ~~إذا لقيت أولئك فأخبرهم إنى بريء منهم وأنهم برآء مني والذي يحلف به ~~عبدالله ابن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبله الله منه حتى ~~يؤمن بالقدر ثم قال حدثني أبي عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال بينما نحن ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله ثم خرجه من طرق أخرى ~~بعضها يرجع إلى عبدالله بن بريدة وبعضها يرجع إلى يحيى بن يعمر وذكر أن في ~~بعض ألفاظها زيادة ونقصانا وخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق سليمان التيمي ~~عن يحيى بن يعمر وقد خرجه مسلم من هذا الطريق إلا أنه لم يذكر لفظه فيه ~~زيادات منها في الإسلام قال وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وأن تتم الوضوء ~~قال فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم قال نعم وقال في الإيمان وتؤمن بالجنة والنار ~~والميزان وقال فيه فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن قال نعم وقال في آخرههذا جبريل ~~أتاكم ليعلمكم أمر ms027 دينكم خذوا عنه والذي نفسي بيده مااشتبه على منذ أتاني ~~قبل مرتي هذه وما عرفته حتى ولى وخرجنا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بارزا للناس فأتاه رجل ~~فقال ما الإيمان فقال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه وبلقائه ورسله ~~وتؤمن بالبعث الآخر قال يا رسول الله ما الإسلام قال الإسلام أن تعبد الله ~~لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان ~~قال يا رسول الله ما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه ~~فإنه يراك قال يارسول الله متى الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل ~~ولكن سأحدثك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها فذلك من أشراطها وإذا رأيت ~~الحفاة العراة رءوس الناس فذلك من أشراطها وإذا تطاول رعاء البهم في ~~البنيان فذلك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ~~وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ~~قال ثم أدبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على بالرجل فأخذوا ~~ليردوه فلم يروا شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا جبريل جاء ~~ليعلم الناس دينهم وخرجه مسلم بسياق أتم من هذا وفيه في خصال الإيمان وتؤمن ~~بالقدر كلهوقال في الإحسانأن تخشى الله كأنك تراهوخرجه الإمام أحمد في ~~مسنده من PageV01P024 حديث شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما ومن ~~حديث شهر بن حوشب أيضا عن ابن عامر أو أبي عامر أو أبي مالك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفي حديثه قال ونسمع رجع النبي صلى الله عليه وسلم ولا نرى ~~الذي يكلمه ولا نسمع كلامه وهذا يرده حديث عمر الذي خرجه مسلم وهو أصح وقد ~~روى حديث عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ms028 من حديث أنس بن مالك وجرير بن ~~عبدالله البجلي وغيرهما وهو حديث عظيم الشأن جدا يشتمل على شرح الدين كله ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخره هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ~~بعد أن شرح درجة الإسلام ودرجة الإيمان ودرجة الإحسان فجعل ذلك كله دينا ~~واختلفت الرواية في تقديم الإسلام على الإيمان وعكسه ففي حديث عمر الذي ~~خرجه مسلم أنه بدأ بالسؤال عن الإسلام وفي حديث الترمذي وغيره أنه بدأ ~~بالسؤال عن الإيمان كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وجاء في بعض روايات ~~حديث عمر أنه سأله عن الإحسان بين الإسلام والإيمان فأما الإسلام فقد فسره ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل وأول ذلك ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وهو عمل اللسان ثم إقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا وهي ~~منقسمة إلى عمل بدني كالصلاة والصوم وإلى عمل مالي وهو إيتاء الزكاة وإلى ~~ما هو مركب منهما كالحج بالنسبة إلى البعيد عن مكة وفي رواية ابن حبان أضاف ~~إلى ذلك الاعتمار والغسل من الجنابة وإتمام الوضوء وفي هذا تنبيه على أن ~~جميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام وإنما ذكرنا ههنا أصول أعمال ~~الإسلام التي ينبني عليها كما سيأتى شرح ذلك في حديث ابن عمر رضي الله ~~عنهما بني الإسلام على خمس في موضعه إن شاء الله تعالى وقوله في بعض ~~الروايات فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم قال نعم يدل على أن من أكمل الإتيان ~~بمباني الإسلام الخمس صار مسلما حقا مع أن من أقر بالشهادتين صار مسلما ~~حكما فإذا دخل في الإسلام بذلك ألزم بالقيام ببقية خصال الإسلام ومن ترك ~~الشهادتين خرج من الإسلام وفي خروجه من الإسلام بترك الصلاة خلاف مشهور بين ~~العلماء وكذلك في تركه بقية مباني الإسلام الخمس كما سنذكره في موضعه إن ~~شاء الله تعالى ومما يدل على أن جميع الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى ms029 الإسلام ~~قوله صلى الله عليه وسلم المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وفي ~~الصحيحين عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رجلا سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم أي الإسلام خير قال أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن ~~لم تعرف وفي صحيح الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إن للإسلام ضوءا ~~ومنارا كمنار الطريق بين ذلك أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة ~~وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتسليمك على ~~بني آدم إذا لقيتهم وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم فمن انتقص منهن ~~شيئا فهو متهم من الإسلام بتركه ومن PageV01P025 تركهن فقد نبذ الإسلام ~~وراء ظهره وخرجه ابن مردويه من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال للإسلام ضياء ونور وعلامات كمنار الطريق فرأسها وجماعها ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~وإتمام الوضوء والحكم بكتاب الله وسنة نبيه وطاعة ولاة الأمر وتسليمكم على ~~أنفسكم وتسليمكم على أهلكم إذا دخلتم بيوتكم وتسليمكم على بني آدم إذا ~~لقيتموهم وفي إسناده ضعف ولعله موقوف وصح من حديث أبي إسحاق عن صلة بن زفر ~~عن حذيفة رضي الله عنه قال الإسلام ثمانية أسهم الإسلام سهم والصلاة سهم ~~والزكاة سهم والجهاد سهم وصوم رمضان سهم ولعل السهم الثامن الحج والأمر ~~بالمعروف سهم والنهي عن المنكر سهم وخاب من لا سهم له وخرجه البزار مرفوعا ~~والموقوف أصح ورواه بعضهم عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم خرجه أبو يعلي الموصلي وغيره ~~والموقوف على حذيفة أصح قال الدارقطني وغيره وقوله يعني الإسلام سهم أي ~~الشهادتين لأنهما علم الإسلام وبهما يصير الإنسان مسلما وكذلك ترك المحرمات ~~داخل في مسمى الإسلام أيضا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~حسن إسلام المرء تركه ما لا ms030 يعنيه وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى ويدل ~~على هذا أيضا ما خرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث العرباض بن ~~سارية رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ضرب الله مثلا صراطا ~~مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور ~~مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول يأيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا ~~تعوجوا وداع يدعو من جوف الصراط فإذا أراد أحد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب ~~قال ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه والصراط الإسلام والسوران حدود الله ~~عز وجل والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله ~~والداعي من جوف الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم زاد الترمذي والله يدعو ~~إلى دار الإسلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم يونس ففي هذا المثل الذي ~~ضربه النبي صلى الله عليه وسلم أن الإسلام هو الصراط المستقيم الذي أمر ~~الله بالاستقامة عليه ونهى عن مجاوزة حدوده وإن من ارتكب شيئا من المحرمات ~~فقد تعدى حدوده وأما الإيمان فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الحديث بالاعتقادات الباطنة فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره وقد ذكر الله في كتابه الإيمان ~~بهذه الأصول الخمسة في مواضع كقوله تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون البقرة وقوله تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب البقرة وقال تعالى PageV01P026 الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون البقرة والإيمان بالرسل يلزم منه ~~الإيمان بجميع ما أخبروا به من الملائكة والأنبياء والكتاب والبعث والقدر ~~وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به وغير ذلك من صفات الله وصفات اليوم الآخر ~~كالصراط والميزان والجنة والنار وقد أدخل في هذه الآيات الإيمان بالقدر ~~خيره وشره ولأجل هذه الكلمة روى ابن عمر رضي الله عنهما هذا الحديث محتجا ~~به على من أنكر القدر وزعم أن الأمر أنف يعني أنه مستأنف لم يسبق ms031 به سابق ~~قدر من الله عز وجل وقد غلظ عبدالله بن عمر عليهم وتبرأ منهم وأخبر أنه لا ~~تقبل منهم أعمالهم بدون الإيمان بالقدر والإيمان بالقدر على درجتين إحداهما ~~الإيمان بأن الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر وطاعة ~~ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل ~~النار وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم وأنه كتب ~~ذلك عنده وأحصاه وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في عمله وكتابه والدرجة ~~الثانية إن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان ~~وشاءها منهم فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة وتنكرها القدرية ~~والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني الذي ~~سئل ابن عمر عن مقالته وكعمرو بن عبيد وغيره وقد قال كثير من أئمة السلف ~~ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن جحدوا فقد كفروا يريدون أن ~~من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد وأن الله تعالى قسمهم قبل خلقهم ~~إلى شقي وسعيد وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ فقد كذب بالقرآن فيكفر بذلك وإن ~~أقروا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد وشاءها وأرادها منهم إرادة ~~كونية قدرية فقد خصموا لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه وفي تكفير ~~هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء وأما من أنكر العلم القديم فنص الشافعي وأحمد ~~على تكفيره وكذلك غيرهما من أئمة الإسلام فإن قيل فقد فرق النبي صلى الله ~~عليه وسلم في هذا الحديث بين الإسلام والإيمان وجعل الأعمال كلها من ~~الإسلام لا من الإيمان والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ~~ونية وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان وحكى الشافعي على ذلك إجماع ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم وأنكر السلف على من أخرج الأعمال ~~من الإيمان إنكارا شديدا وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولا محدثا سعيد بن ~~جبير وميمون بن مهران وقتادة وأيوب السختياني والنخعي والزهري وإبراهيم ms032 ~~ويحيى بن أبي كثير وغيرهم على الثوري هو رأي محدث أدركنا الناس على غيره ~~وقال الأوزاعي وكان من مضى من السلف لا يفرقون بين العمل والإيمان وكتب عمر ~~بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار أما بعد فإن الإيمان فرائض وشرائع فمن ~~استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ذكره البخاري ~~في صحيحه قيل الأمر على ما PageV01P027 ذكره وقد دل على دخول الأعمال في ~~الإيمان قوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الأنفال وفي الصحيحين عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس ~~آمركم بأربع الإيمان بالله وحده وهل تدرون ما الإيمان بالله شهادة أن لا ~~إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغنم ~~الخمس وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبه فأفضلها قول لا إله إلا الله ~~وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ولفظه لمسلم وفي ~~الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ~~يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمى الإيمان ~~لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها لأن الاسم لا ينتفى إلا بانتفاء ~~بعض أركان المسمى أو واجباته وأما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال ~~جبريل عليه السلام عن الإسلام والإيمان وتفريق النبي صلى الله عليه وسلم ~~بينهما وإدخاله الأعمال في مسمى الإسلام دون الإيمان فإنه يتضح بتقرير أصل ~~وهو أن من الأسماء ما يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه فإذا ~~قرن ذلك الاسم بغيره صار دالا على بعض تلك المسميات والاسم المقرون به دال ~~على باقيها وهذا كاسم الفقير والمسكين فإذا ms033 أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو ~~محتاج فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات ~~والآخر على باقيها فكهذا اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه ~~الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده فإذا قورن بينهما دل ~~أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده ودل الآخر على الباقي وقد صرح بهذا ~~المعنى جماعة من الأئمة قال أبو بكر الإسماعيلي في رسالته إلى أهل الجبل ~~قال كثير من أهل السنة والجماعة إن الإيمان قول وعمل والإسلام فعل ما فرض ~~الله على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضموما إلى آخر فقيل ~~المؤمنون والمسلمون جميعا مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد به الآخر وإذا ~~ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمهم وقد ذكر هذا المعنى أيضا الخطابي في كتابه ~~معالم السنن وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده ويدل على صحة ذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإيمان في حديث جبريل وفسر في حديث آخر ~~الإسلام بما فسر به الإيمان كما في مسند الإمام أحمد عن عمرو بن عنبسة قال ~~جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما الإسلام قال أن ~~تسلم قلبك لله وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك قال فأي الإسلام أفضل قال ~~الإيمان قال وما الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث ~~بعد الموت PageV01P028 قال فأي الأعمال أفضل قال الهجرة قال فما الهجرة قال ~~أن تهجر السوء قال فأي الهجرة أفضل قال الجهاد فجعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم الإيمان أفضل الإسلام وأدخل فيه الأعمال وبهذا التفصيل يظهر تحقيق ~~القول في مسألة الإيمان والإسلام هل هما واحد أو مختلفان فإن أهل السنة ~~والحديث مختلفون في ذلك وصنفوا في ذلك تصانيف متعددة فمنهم من يدعي أن ~~جمهور أهل السنة على أنهما شيء واحد منهم محمد بن نصر المروزي وابن عبد ~~البر وقد روي هذا القول عن سفيان الثوري من رواية أيوب ms034 بن سويد الرملي عنه ~~وأيوب فيه ضعف ومنهم من يحكي عن أهل السنة التفريق بينهما كأبي بكر بن ~~السمعاني وغيره وقد نقل هذا التفريق بينهما عن كثير من السلف منهم قتادة ~~وداود بن أبي هند وأبو جعفر الباقر والزهري وحماد بن زيد وابن مهدي وشريك ~~وابن أبي ذئب وأحمد بن حنبل وأبو خيثمة ويحيى بن معين وغيرهم على اختلاف ~~بينهم في صفة التفريق بينهما وكان الحسن وابن سيرين يقولان مسلم ويهابان ~~مؤمن وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الاختلاف فيقال إذا أفرد كل من ~~الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ وإن قرن بين الاسمين كان ~~بينهما فرق والتحقيق في الفرق بينهما أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ~~ومعرفته والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له وذلك يكون ~~بالعمل وهو الدين كما سمي الله في كتابه الإسلام دينا وفي حديث جبريل سمي ~~النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان والإحسان دينا وهذا أيضا مما ~~يدل على أن أحد الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر وإنما يفرق بينهما حيث قرن ~~أحد الاسمين بالآخر فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب وبالإسلام ~~جنس العمل وفي المسند للإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال الإسلام علانية والإيمان في القلب وهذا لأن الأعمال تظهر ~~علانية والتصديق في القلب لا يظهر وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ~~دعائه إذا صلى على الميت اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته ~~منا فتوفه على الإيمان لأن الأعمال بالجوارح وإنما يتمكن منه في الحياة ~~فأما عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب ومن هنا قال المحققون من ~~العلماء كل مؤمن مسلم فإن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام ~~كما قال صلى الله عليه وسلم ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ~~وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا ~~وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام وليس كل ms035 مسلم مؤمنا فإنه قد يكون الإيمان ~~ضعيفا فلا يتحقق القلب به تحقيقا تاما عمل مع جوارحه أعمال الإسلام فيكون ~~مسلما وليس بمؤمن الإيمان التام كما قال تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا الحجرات فلم يكونوا منافقين بالكلية على أصح ~~التفسيرين وهو قول ابن عباس وغيره بل كان إيمانهم ضعيفا ويدل عليه قوله ~~تعالى وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا الحجرات يعني لا ~~ينقصكم من PageV01P029 أجورها فدل على أن معهم من الإيمان ما يقبل به ~~أعمالهم وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص لما قال له ~~لم تعط فلانا وهو مؤمن فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو مسلم يشير إلى أنه ~~لم يتحقق فإنما هو في مقام الإسلام الظاهر ولا ريب أنه متي ضعف الإيمان ~~الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضا لكن اسم الإيمان ينفي عمن ~~ترك شيئا من واجباته كما في قوله لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وقد ~~اختلف أهل السنة هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان أو يقال ليس بمؤمن لكنه مسلم ~~على قولين وهما روايتان عن أحمد وأما اسم الإسلام فلا ينتفي بانتفاء بعض ~~واجباته أو انتهاك بعض محرماته وإنما ينفي بالإتيان بما ينافيه بالكلية ~~ولايعرف في شيء من السنة الصحيحة نفى الإسلام عمن ترك شيئا من واجباته كما ~~ينفي الإيمان عمن ترك شيئا من واجباته وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل ~~بعض المحرمات وإطلاق النفاق أيضا وقد اختلف العلماء هل يسمى مرتكب الكبائر ~~كافرا صغيرا أو منافقا النفاق الأصغر ولا أعلم أن أحدا منهم أجاز إطلاق نفى ~~اسم الإسلام عنه إلا أنه روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال ما تارك ~~الزكاة بمسلم ويحتمل أنه كان يراه كافرا بذلك خارجا عن الإسلام وكذلك روي ~~عن عمر فيمن تمكن من الحج ولم يحج أنهم ليسوا بمسلمين والظاهر أنه كان ~~يعتقد كفرهم ولهذا أراد أن يضرب عليهم الجزية بقوله لم ms036 يدخلوا في الإسلام ~~بعد فهم مستمرون على كتابيتهم وإذا تبين أن اسم الإسلام لا ينتفي إلا بوجود ~~ما ينافيه ويخرج عن الملة بالكلية فاسم الإسلام إذا أطلق أو اقترن به المدح ~~دخل فيه الإيمان كله من التصديق وغيره كما سبق في حديث عمرو بن عنبسة وخرج ~~النسائي من حديث عقبة بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فغارت ~~على قوم فقال رجل منهم إنى مسلم فقتله رجل من السرية فنمى الحديث إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولا شديدا فقال الرجل إنما قالها تعوذا ~~من القتل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله أبي على أن أقتل مؤمنا ~~ثلاث مرات فلولا أن الإسلام المطلق يدخل فيه الإيمان والتصديق بالأصول ~~الخمسة لم يصر من قال أنا مسلم مؤمنا بمجرد هذا القول وقد أخبر الله تعالى ~~عن ملكة سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة قالت رب إنى ظلمت نفسي ~~وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين النمل وأخبر عن يوسف عليه السلام أنه دعا ~~بأن يموت على الإسلام وهذا كله يدل على أن الإسلام المطلق يدخل فيه ما يدخل ~~في الإيمان من التصديق وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم قال قال لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يا عدي أسلم تسلم قلت وما الإسلام قال أن تشهد أن ~~لا إله إلا الله وتشهد إنى رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها ~~وحلوها ومرها فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام ثم إن الشهادتين من ~~خصال الإسلام بغير نزاع وليس المراد الإتيان بلفظهما دون التصديق بهما فعلم ~~أن التصديق بهما داخل في الإسلام وقد فسر الإسلام المذكور في قوله تعالى إن ~~الدين عند الله الإسلام آل عمران بالتوحيد والتصديق طائفة من السلف منهم ~~محمد بن جعفر بن الزبير وأما إذا نفي الإيمان عن أحد وأثبت له الإسلام ~~كالأعراب الذين أخبر الله عنهم فإنه ينتفي عنهم رسوخ الإيمان في القلب ~~وتثبت لهم المشاركة ms037 في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل ~~إذ لولا هذا القدر من الإيمان لم يكونوا مسلمين وإنما نفي عنهم الإيمان ~~لانتفاء ذوق حقائقه ونقص بعض واجباته وهذا مبني على أن التصديق القائم ~~بالقلوب يتفاضل وهذا هو الصحيح وهو أصح الروايتين عن أبي عبدالله أحمد بن ~~حنبل فإن إيمان الصديقين الذين يتجلى الغيب لقلوبهم يصير كأنه شهادة بحيث ~~لا يقبل التشكيك والارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لا يبلغ هذه الدرجة بحيث ~~لوشكك لدخله الشك ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم مرتبة الإحسان أن ~~يعبد العبد ربه كأنه يراه وهذا لا يحصل لعموم المؤمنين ومن هنا قال بعضهم ~~ما سبقكم أبو بكر رضي الله عنه بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره ~~وسئل ابن عمر رضي الله عنهما هل كانت الصحابة رضي الله عنهم يضحكون فقال ~~نعم وإن الإيمان في قلوبهم أمثال الجبال فأين هذا ممن الإيمان في قلبه ما ~~يزن ذرة أو شعيرة كالذين يخرجون من أهل التوحيد من النار فهؤلاء يصح أن ~~يقال لم يدخل الإيمان في قلوبهم لضعفه عندهم وهذه المسائل أعني مسائل ~~الإسلام والإيمان والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدا فإن الله عز وجل علق بهذه ~~الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة والنار والاختلاف في مسمياتها أول ~~اختلاف وقع في هذه الأمة وهو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة ~~الموحدين من الإسلام بالكلية وأدخلوهم في دائرة الكفر وعاملوهم معاملة ~~الكفار واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم ثم حدث بعدهم خلاف بالمنزلة ~~وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين ثم حدث خلاف المرجئة وقولهم إن الفاسق مؤمن ~~كامل الإيمان وقد صنف العلماء قديما وحديثا في هذه المسائل تصانيف متعددة ~~وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف الإمام أحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام ~~وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن أسلم الطوسي وكثرت فيه التصانيف بعدهم من ~~جميع الطوائف وقد ذكرنا هنا نكتة جامعة لأصول كثيرة من هذه المسائل ~~والاختلاف فيها وفيه إن شاء الله كفاية PageV01P030 # | 1 ( فصل ) 1 ms038 # قد تقدم أن الأعمال تدخل في مسمى الإسلام ومسمى الإيمان أيضا وذكرنا ما ~~يدخل في ذلك من أعمال الجوارح الظاهرة ويدخل في مسماها أيضا أعمال الجوارح ~~الباطنة فيدخل في أعمال الإسلام إخلاص الدين لله تعالى والنصح له والعباده ~~وسلامة القلب لهم من الغش والحسد والحقد وتوابع ذلك من أنواع الأذى ~~PageV01P031 ويدخل في مسمى الإيمان وجل القلوب من ذكر الله وخشوعها عند ~~سماع ذكره وكتابه وزيادة الإيمان بذلك وتحقيق التوكل على الله عز وجل وخوف ~~الله سرا وعلانية والرضا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه ~~وسلم رسولا واختيار تلف النفوس بأعظم أنواع الآلام على الكفر واستشعار قرب ~~الله من العبد ودوام استحضاره وإيثار محبة الله ورسوله على محبة ما سواهما ~~والحب في الله والبغض فيه والعطاء له والمنع له وأن يكون جميع الحركات ~~والسكنات له وسماحة النفوس بالطاعة المالية والبدنية والاستبشار بعمل ~~الحسنات والفرح بها والمساءة بعمل السيئات والحزن عليها وإيثار المؤمنين ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أنفسهم وأموالهم وكثرة الحياء وحسن ~~الخلق ومحبة ما يحبه لنفسه لإخوانه المؤمنين ومواساة المؤمنين خصوصا ~~الجيران ومعاضدة المؤمنين ومناصرتهم والحزن بما يحزنهم ولنذكر بعض النصوص ~~الواردة بذلك فأما ماورد في دخوله في اسم الإسلام ففي مسند الإمام أحمد ~~والنسائي عن معاوية بن حيدة قال قلت يا رسول الله بالذي بعثك بالحق ما الذي ~~بعثك الله به قال الإسلام قلت وما الإسلام قال أن تسلم قلبك لله تعالى وأن ~~توجه وجهك لله وأن تصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وفي رواية ~~قلت وما آية الإسلام فقال أن تقول أسلمت وجهي لله وتخليت وتقيم الصلاة ~~وتؤتي الزكاة وكل المسلم على المسلم حرام وفي السنن عن جبير بن مطعم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته بالخيف من منى ثلاث لا يغل ~~عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمور ولزوم جماعة المسلمين ~~فإن دعوتهم تحيط من ورائهم فأخبر أن هذه الثلاث الخصال تنفي الغل عن قلب ~~المسلم وفي ms039 الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي ~~المسلمين أفضل قال من مسلم المسلمون من لسانه ويده وفي صحيح مسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلم أخو المسلم فلا ~~يظلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل ~~المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه وأما ماورد في دخوله في اسم ~~الإيمان فمثل قوله ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل ~~من الحق وقوله وعلى الله فليتوكل المؤمنون آل عمران وقوله وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين المائدة وقوله وخافون إن كنتم مؤمنين آل عمران وفي ~~صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذاق ~~طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا والرضا بربوبية ~~الله تتضمن الرضا بعبادته وحده لا شريك له وبالرضا بتدبيره للعبد وأختياره ~~له والرضا بالإسلام دينا يتضمن أختياره على سائر PageV01P032 الأديان ~~والرضا بمحمد رسولا يتضمن الرضا بجميع ما جاء به من عند الله وقبول ذلك ~~بالتسليم والانشراح كما قال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم النساء وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث من ~~كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن ~~يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله ~~منه كما يكره أن يلقى في النار وفي رواية وجد بهن حلاوة طعم الإيمان وفي ~~بعض الروايات طعم الإيمان وحلاوته وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يؤمن أحدكم أكون أحب إليه من ولده ووالده ~~والناس أجمعينوفي رواية من أهله وماله والناس أجمعين وفي مسند الإمام أحمد ~~عن أبي رزين العقيلي قال قلت يا رسول الله ما الإيمان قال أن تشهد أن لا ms040 ~~إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن يكون الله ورسوله ~~أحب إليك مما سواهما وأن تحترق في النار أحب إليك من أن تشرك بالله شيئا ~~وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله فإذا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان في ~~قلبك كما دخل حب الماء للظمآن في اليوم القائظ قلت يا رسول الله كيف لي بأن ~~أعلن إنى مؤمن قال ما من أمتي أو قال هذه الأمة عبد يعمل حسنة فيعلم أنها ~~حسنة وأن الله مجازيه بها خيرا ولا يعمل سيئة فيعلم أنها سيئة ويستغفر الله ~~منها ويعلم أنه لا يغفرها إلا الله إلا وهو مؤمن وفي المسند وغيره عن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سرته حسناته ~~وساءته سيئاته فهو مؤمن وفي مسند بقي بن مخلد عن رجل سمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال صريح الإيمان إذا أسأت أو ظلمت عبدك أو أمتك أو أحدا من ~~الناس صمت أو تصدقت وإذا أحسنت استبشر وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ثم الذي إذا أشرف على طمع تركه لله ~~عز وجل وفيه أيضا عن عمرو بن عنبسة قال قلت يا رسول الله ما الإسلام قال ~~طيب الكلام وإطعام الطعام فقلت ما الإيمان قال الصبر والسماحة قلت أي ~~الإسلام أفضل قال من سلم المسلمون من لسانه ويده قلت أي الإيمان أفضل قال ~~خلق حسن وقد فسر الحسن البصري الصبر والسماحة فقال هو الصبر عن محارم الله ~~والسماحة بأداء فرائض الله وفي الترمذي وغيره عن عائشة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخرجه أبو داود وغيره من ~~PageV01P033 حديث أبي هريرة وخرجه البزار في مسنده من حديث عبدالله ms041 بن ~~معاوية العامري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث من فعلهن فقد طعم ~~الإيمان من عبدالله وحده بأنه لا إله إلا هو وأعطي ذكاة ماله طيبة بها نفسه ~~في كل عام فذكر الحديث وفي آخره فقال رجل فما تزكية المرء نفسه يا رسول ~~الله قال أن يعلم أن الله معه حيثما كان وخرج أبو داود أول الحديث دون آخره ~~وخرج الطبراني من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ~~أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت وفي الصحيحين عن عبدالله ابن ~~عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحياء شعبة من ~~الإيمان وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث العرباض بن سارية رضي الله ~~عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد ~~انقاد إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم وفي الصحيحين عن النعمان بن ~~بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل المؤمنين في توادهم ~~وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر ~~الجسد بالحمى والسهر وفي رواية لمسلم المؤمنون كرجل واحد وفي رواية أيضا ~~المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله وفي ~~الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤمن ~~للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه وفي مسند الإمام أحمد عن ~~سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤمن في أهل ~~الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد ~~لما في الرأس وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال المؤمن مرآة المؤمن المؤمن أخو المؤمن يكف عنه ضيعته ~~ويحوطه من ورائه وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا يؤمن ms042 أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وفي صحيح البخاري عن ~~أبي شريح الكعبي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لا ~~يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قالوا من ذلك يا رسول الله قال من لا ~~يأمن جاره بوائقة وخرج الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع وخرج الإمام أحمد ~~والترمذي من حديث سهل بن معاذ الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ~~أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله زاد أحمد وأنكح للتفقد استكمل إيمانه ~~وفي رواية للإمام أحمد أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الإيمان ~~فقال أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله فقال وماذا يا رسول ~~الله قال وأن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك وفي رواية له ~~وأن تقول خيرا أو تصمت وفي هذا الحديث أن كثرة ذكر الله من أفضل الإيمان ~~وخرج أيضا من حديث عمرو بن الجموح أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~لا يستحق العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله فإذا أحب لله وأبغض ~~للتفقد استحق الولاية من الله تعالى وخرج أيضا من حديث البراء بن عازب رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أوثق عري الإيمان أن تحب في ~~الله وتبغض في الله وقال ابن عباس رضي الله عنهما من أحب في الله وأبغض في ~~الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما ينال ولاية الله بذلك ولن يجد عبد ~~طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك وقد صارت عامة مؤاخاة ~~الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا خرجه ابن جرير الطبري ~~ومحمد بن نصر المروزي PageV01P034 فصل وأما الإحسان فقد جاء ذكره في القرآن ~~في مواضع تارة مقرونا بالإيمان وتارة مقرونا بالإسلام وتارة مقرونا بالتقوى ~~أو ms043 بالعمل الصالح فالمقرون بالإيمان كقوله تعالى ليس على الذين آمنوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا ~~وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين المائدة وكقوله تعالى إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا الكهف والمقرون ~~بالإسلام كقوله تعالى ك بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ~~البقرة وكقوله تعالى ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة ~~لقمان الآية والمقرون بالتقوى كقوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة يونس ~~وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير الزيادة بالنظر ~~إلى وجه الله تعالى في الجنة وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان ولأن ~~الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة كأنه ~~يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله ~~عيانا في الآخرة وعكس هذا ما أخبر الله تعالى به عن جزاء الله الكفار في ~~الآخرة إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون المطففين وجعل ذلك جزاء لحالهم في ~~الدنيا وهو تراكم الران على قلوبهم حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا ~~فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة وقوله صلى الله عليه وسلم ~~في تفسير الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه الخ يشير إلى أن العبد يعبد الله ~~تعالى على هذه الصفة وهو استحضار قربه وأنه بين يديه كأنه يراه وذلك يوجب ~~الخشية والخوف والهيبة والتعظيم كما جاء في رواية أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن تخشى الله كأنك تراه ويوجب أيضا النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها ~~وإتمامها وإكمالها وقد وصى النبي جماعة من الصحابة بهذه الوصية كما روى ~~إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن أبي ذر رضي الله عنه قال أوصاني خليلي صلى ~~الله عليه وسلم أن أخشى الله كأني أراه فإن PageV01P035 لم أكن أراه فإنه ~~يراني وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أخذ ms044 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ببعض جسدي فقال اعبد الله كأنك تراه وخرجه النسائي من حديث زيد ابن ~~أرقم مرفوعا وموقوفا كن كأنك ترى الله فإن لم تكن تراه فإنه يراك وخرج ~~الطبراني من حديث أنس رضي الله عنه أن رجلا قال يا رسول الله حدثني بحديث ~~واجعله موجزا فقال صل صلاة مودع فإنك إن كنت لا تراه فإنه يراكوفي حديث ~~حارثة المشهور وقد روي من وجوه مرسلة وروي متصلا والمرسل أصح أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال له يا حارثة كيف أصبحت قال أصبحت مؤمنا حقا قال انظر ما ~~تقول فإن لكل قول حقيقة قال يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي ~~وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر أهل الجنة في الجنة ~~كيف يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار كيف يتعاوون فيها قال أبصرت ~~فالزم عبد نور الله الإيمان في قلبه وروي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى رجلا فقال له استحي من الله استحياءك من ~~رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك ويروى من وجه آخر مرسلا استحي من ربك ~~ويروى عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم وصاه لما بعثه إلى اليمن فقال ~~استحي من الله كما تستحي من رجل ذي هيبة من أهلك وسئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن كشف العورة خاليا فقال الله أحق أن يستحيا منه ووصى أبو الدرداء ~~رجلا فقال له اعبد الله كأنك تراه وخطب عروة بن الزبير إلى ابن عمر ابنته ~~وهما في الطواف فلم يجبه ثم لقيه بعد ذلك فاعتذر إليه وقال كنا في الطواف ~~نتخايل الله بين أعيننا أخرجه أبو نعيم وغيره قوله صلى الله عليه وسلم فإن ~~لم تكن تراه فإنه يراك قيل إنه تعليل للأول فإنك العبد إذا أمر بمراقبة ~~الله تعالى في العبادة واستحضار قربه من عبده حتى كأن العبد يراه فإنه قد ~~يشق ذلك عليه فيستعين على ms045 ذلك بإيمانه بأن الله يراه ويطلع على سره ~~وعلانيته وباطنه وظاهره ولا يخفى عليه شيء من أمره فإذا تحقق هذا المقام ~~سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني وهو دوام التحقيق بالبصيرة إلى قرب ~~الله من عبده ومعيته حتى كأنه يراه وقيل بل هو إشارة إلى أن من شق عليه أن ~~يعبد الله تعالى كأنه يراه فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه ~~فليستحي من نظره إليه كما قال بعض العارفين اتق الله أن يكون أهون الناظرين ~~إليك وقال بعضهم خف الله على قدر قدرته عليك واستحي من الله على قدر قربه ~~منك وقال بعض العارفين من السلف من عمل لله على المشاهدة فهو عارف ومن عمل ~~على مشاهدة الله إياه فهو مخلص فيه إشارة إلى PageV01P036 المقامين اللذين ~~تقدم ذكرهما أحدهما مقام الإخلاص وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة ~~الله إياه واطلاعه وقربه منه فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو ~~مخلص لله تعالى لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله ~~وإرادته بالعمل والثاني مقام المشاهدة وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته ~~لله تعالى بقلبه وهو أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى ~~يصبر الغيب كالعبادة وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل ~~عليه السلام ويتفاوت أهل هذه المقامات فيه بحسب قوة نفوذ البصائر وقد فسر ~~طائفة من العماء المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى وله المثل الأعلى في ~~السموات والأرض الروم بهذا المعنى ومثل قوله تعالى الله نور السموات والأرض ~~مثل نوره كمشكاة فيها مصباح النور والمراد مثل نوره في قلب المؤمن كذا قال ~~أبي بن كعب وغيره من السلف وقد سبق حديث أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك ~~حيث كنت وحديث ما تزكية المرء نفسه قال أن يعلم أن الله معه حيث كان وخرج ~~الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة في ظل ~~الله تعالى يوم القيامة يوم ms046 لا ظل إلا ظله رجل حيث توجه علم أن الله معه ~~وذكر الحديث وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة كقوله تعالى وهو ~~معكم أينما كنتم الحديد وقوله وإذا سألك عبادي عني فإني قريب وقوله ما يكون ~~من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا ~~أكثر إلا هو معهم أينما كانوا المجادلة وقوله وما تكون في شأن وما تتلو منه ~~من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه يونس وقوله ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ق وقوله ولا يستخفون من الله وهو معهم النساء ~~وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالندب إلى استحضار هذا القرب في حال العبادات ~~كقوله صلى الله عليه وسلم إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه أو ربه ~~بينه وبين القبلة وقوله إن الله قبل وجهه إذا صلى وقوله إن الله ينصب وجهه ~~لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت وقوله للذين رفعوا أصواتهم بالذكر إنكم لا ~~تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وفي رواية وهو أقرب إلى أحدكم ~~من عنق راحلته وفي رواية هو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد وقوله ك يقول ~~الله عز وجل أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحركت بي شفتاه وقوله يقول الله عز وجل ~~أنا مع ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ~~وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا ~~وإن تقرب منى ذراعا تقربت منه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ومن فهم ~~شيئا من هذه النصوص تشبيها أو حلولا أو اتحادا فإنما أتى من جهله وسوء ~~PageV01P037 فهمه عن الله عز وجل وعن رسوله والله ورسوله بريئان من ذلك كله ~~فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير قال بكر المزني من مثلك يا ابن ~~آدم خلي بينك وبين المحراب وبين الماء كلما شئت دخلت على ms047 الله عز وجل ليس ~~بينك وبينه ترجمان ومن وصل إلى استحضار هذا في حال ذكر الله وعبادته أستأنس ~~بالله واستوحش من خلقه ضرورة قال ثور ابن يزيد قرأت في بعض الكتب أن عيسى ~~عليه السلام قال يا معشر الحواريين كلموا الله عز وجل كثيرا وكلموا الناس ~~قليلا قالوا كيف نكلم الله كثيرا قال ادخلوا بمناجاته اخلوا بدعائه خرجه ~~أبو نعيم وخرج أيضا بإسناده عن رباح قال كان رجل يصلي كل يوم وليلة ألف ~~ركعة حتى أقعد من رجليه فكان يصلي جالسا كل ليلة ألف ركعة فإذا صلى العصر ~~احتبى واستقبل القبلة ويقول عجبت للخليقة كيف أنست بسواك بل عجبت للخليقة ~~كيف أستأنست قلوبها بذكر سواك وقال أبو أسامة دخلت على محمد بن النضر ~~الحارثي فرأيته كأنه ينقبض فقلت كأنك تكره أن تؤتي قال أجل فقلت أو ما ~~تستوحش قال كيف أستوحش وهو يقول أنا جليس من ذكرني وقيل لمالك بن مغفل وهو ~~جالس في بيته وحده ألا تستوحش قال أو يستوحش مع الله أحد وكان حبيب أبو ~~محمد يخلو في بيته ويقول من لم تقر عينه بك فلا قرت عينه ومن لم يأنس بك ~~فلا أنس وقال غزوان إنى أصبت راحة قلبي في مجالسة من لديه حاجتي وقال مسلم ~~بن يسار ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل وقال مسلم بن ~~عابد لولا الجماعة ما خرجت من بابي أبدا حتى أموت وقال ما يجد المطيعون لله ~~لذة في الدنيا أحلى من الخلوة بمناجاة سيدهم ولا أحسب لهم في الآخرة من ~~عظيم الثواب أكبر في صدورهم وألذ في قلوبهم من النظر إليه ثم غشي عليه وعن ~~إبراهيم بن أدهم قال أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك وتستأنس إليه بقلبك ~~وعقلك وجميع جوارحك حتى لا ترجوا إلا ربك ولا تخاف إلا ذنبك وترسخ محبته في ~~قلبك حتى لا تؤثر عليها شيئا فإذا كنت كذلك لم تنل في بر كنت أو في بحر أو ~~في سهل أو في جبل وكان شوقك ms048 إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد ~~وشوق الجائع إلى الطعام الطيب ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل وأحلى من ~~الماء العذب عند العطشان في اليوم الصائف وقال الفضيل طوبى لمن استوحش من ~~الناس وكان الله جليسه وقال أبو سليمان لا أنسني الله إلا به أبدا وقال ~~معروف لرجل توكل على الله حتى يكون جليسك وأنيسك وموضع شكواك وقال ذو النون ~~من علامات المحبين لله أن لا يأنسوا بسواه ولا يستوحشوا معه ثم قال إذا سكن ~~القلب حب الله تعالى أنس بالله لأن الله أجل في صدور العارفين أن يحبوا ~~سواه وكلام القوم في هذا الباب يطول ذكره جدا PageV01P038 وفيما ذكرنا ~~كفاية إن شاء الله تعالى فمن تأمل ما أشرنا إليه مما دل عليه هذا الحديث ~~العظيم على أن جميع العلوم والمعارف يرجع إلى هذا الحديث ويدخل تحته وأن ~~جميع العلماء من فرق هذه الأمة لا تخرج علومهم التي يتكلمون فيها عن هذا ~~الحديث وما دل عليه مجملا ومفصلا فإن الفقهاء إنما يتكلمون في العبادات ~~التي هي من جملة خصال الإسلام ويضيفونه إلى ذلك الكلام في أحكام الأموال ~~والأبضاع والدماء وكل ذلك من علم الإسلام كما سبق التنبيه عليه ويبقى كثير ~~من علم الإسلام من الآداب والأخلاق وغير ذلك لا يتكلم عليه إلا القليل منهم ~~ولا يتكلمون على معنى الشهادتين وهما أصل الإسلام كله والذين يتكلمون على ~~أصول الديانات يتكلمون على الشهادتين وعلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر والذين يتكلمون على علم المعارف ~~والمعاملات يتكلمون على مقام الإحسان وعلى الأعمال الباطنة التي تدخل في ~~الإيمان أيضا كالخشية والمحبة والتوكل والرضا والصبر ونحو ذلك فانحصرت ~~العلوم الشرعية التي يتكلم عليها فرق المسلمين في هذا الحديث ورجعت كلها ~~إليه ففي هذا الحديث وحده كفاية ولله الحمد والمنة وبقي الكلام على ذكر ~~الساعة من الحديث فقول جبريل عليه السلام أخبرني عن الساعة فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما المسئول عنها بأعلم من السائل يعني أن علم ms049 الخلق كلهم في ~~وقت الساعة سواء وهذه إشارة إلى أن الله تعالى استأثر بعلمها ولهذا جاء أن ~~العالم إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول لا أعلمه وأن ذا لا ينقصه شيئا بل ~~هو من ورعه ودينه لأن فوق كل ذي علم عليم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى ثم تلا إن ~~الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا ~~تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير لقمان وقوله عز وجل ~~يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا ~~هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة الآية وفي صحيح البخاري عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مفاتيح الغيب خمس ~~لا يعلمهن إلا الله ثم تلا هذه الآية إن الله عنده علم الساعة الآية وخرجه ~~الإمام أحمد ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أوتيت مفاتيح كل شيء ~~إلا الخمس إن الله عنده علم الساعة وخرج أيضا بإسناده عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه قال أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير خمس إن الله ~~عنده علم الساعة الآية فقوله فأخبرني عن أمارتها يعني عن علاماتها التي تدل ~~على اقترابها وفي حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قالسأحدثك عن ~~أشراطها وهي علاماتها أيضا وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P039 ~~للساعة علامتين الأولى أن تلد الأمة ربتها والمراد بربتها سيدتها ومالكتها ~~وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه ربها وهذه إشارة إلى فتح البلاد وكثرة جلب ~~الرقيق حتى تكثر السراري وتكثر أولادهن فتكون الأمة رقيقة لسيدها وأولاده ~~منه بمنزلته فإن ولد السيد بمنزلة السيد فيصير ولد الأمة بمنزلة ربها ~~وسيدها وذكر الخطابي أنه استدل بذلك من يقول إن أم الولد إنما تعتق على ms050 ~~ولدها من نصيبه من ميراث والده وإنها تنتقل إلى أولادها بالميراث فتعتق ~~عليهم وإنها قبل موت سيدها تباع قال وفي هذا الاستدلال نظر قلت قد استدل ~~بعضهم به على عكس ذلك وأن أم الولد لا تباع وأنها تعتق بموت سيدها بكل حال ~~لأنه جعل ولد الأمة ربها فكأن ولدها هو الذي أعتقها فصار عتقها منسوبا إليه ~~لأنه سبب عتقها فصار كأنه مولاها وهذا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال في أم ولده مارية لما ولدت إبراهيم عليه السلام أعتقها ولدها وقد ~~استدل بهذا الإمام أحمد رضي الله عنه فإنه قال في رواية محمد بن الحكم عنه ~~تلد الأمة ربتها تكثر أمهات الأولاد يقول إذا ولدت فقد عتقت لولدها وقال ~~فيه حجة أن أمهات الأولاد لا يبعن وقد فسر قوله تلد الأمة ربتها بأنه يكثر ~~جلب الرقيق حتى تجلب البنت فتعتق ثم تجلب الأم فتشتريها البنت وتستخدمها ~~وهي جاهلة بأنها أمها وقد وقع هذا في الإسلام وقيل معناه أن الإماء تلدن ~~الملوك وقال وكيع معناه تلد العجم العرب والعرب ملوك العجم وأرباب لهم ~~والعلامة الثانية أن ترى الحفاة العراة العالة والمراد بالعالة الفقراء ~~كقوله تعالى ووجدك عائلا فأغنى وقوله رعاء الشاء يتطاولون في البنيان هكذا ~~في حديث عمر رضي الله عنه والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم وتكثر ~~أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه وفي حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه ذكر ثلاث علامات منها أن تكون الحفاة العراة رؤساء الناس ومنها أن ~~يتطاول رعاة البهم في البنيان وروى هذا الحديث عبدالله بن عطاء عن عبدالله ~~بن بريدة فقال فيه وأن ترى الصم البكم العمي الحفاة رعاة الشاء يتطاولون في ~~البنيان ملوك الناس قال فقام رجل فانطلق فقلنا يا رسول الله من هؤلاء الذين ~~نعت قال هم العريب وكذا روى هذا الحديث بهذه اللفظة الأخيرة علي بن زيد عن ~~يحيى بن يعمر عن ابن عمر وأما الألفاظ الأولى فهي في الصحيح من حديث أبي ~~هريرة بمعناه ms051 وقوله الصم البكم العمي إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم وفهمهم ~~وفي هذا المعنى أحاديث متعددة فخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث حذيفة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد ~~الناس بالدنيا لكع بن لكع وفي صحيح ابن حبان عن أنس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا تنقضي الدنيا حتى تكون عند لكع بن لكع وخرج الطبراني من حديث ~~أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى ~~يغلب على الدنيا لكع بن لكع وخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث أنس رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بين يدي PageV01P040 الساعة سنون ~~خداعة يتهم فيها الأمين ويؤتمن فيها المتهم وينطق فيها الرويبضة قالوا وما ~~الرويبضة قال السفيه ينطق في أمر العامة وفي رواية الفاسق يتكلم في أمر ~~العامة وفي رواية الإمام أحمد إن بين يدي الدجال سنين خداعة يصدق فيها ~~الكاذب ويكذب فيها الصادق ويخون فيها الأمين ويؤمن فيها الخائن وذكر بقيته ~~ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمور توسد إلى ~~غير أهلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الساعة إذا وسد ~~الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء ~~وهم أهل الجهل والجفاء رؤساء الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولوا في ~~البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا فإنه إذا كان رؤوس الناس من كان ~~فقيرا عائلا فصار ملكا على الناس سواء كان ملكه عاما أو خاصا في بعض ~~الأشياء فإنه لا يكاد يعطى الناس حقوقهم بل يستأثر عليهم بما استولى عليهم ~~من المال فقد قال بعض السلف لأن تمد يدك إلى فم التنين فيقضمها خير لك من ~~أن تمدها إلى يد غني قد عالج الفقر وإذا كان مع هذا جاهلا جافيا فسد بذلك ~~الدين لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ms052 ولا تعليمهم بل همته في ~~جباية المال وإكثاره ولا يبالي بما أفسد من دين الناس ولا بمن أضاع من أهل ~~حاجاتهم وقال في حديث آخر لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها وإذا ~~كان ملوك الناس ورؤوسهم على هذه الحال انعكست سائر الأحوال فصدق الكاذب ~~وكذب الصادق وائتمن الخائن وخون الأمين وتكلم الجاهل وسكت العالم أو عدم ~~بالكلية كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن من أشراط الساعة أن ~~يرفع العلم ويظهر الجهل وأخبر أنه يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق ~~عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وقال ~~الشعبي لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلا والجهل علما وهذا كله من انقلاب ~~الحقائق في آخر الزمان وانعكاس الأمور وفي صحيح الحاكم عن عبدالله بن عمرو ~~مرفوعا إن من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار وفي قوله ~~يتطاولون في البنيان دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصا بالتطاول في ~~البنيان ولم يكن إطالة البناء معروفا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه رضي الله عنهم بل كان بنيانهم قصيرا بقدر الحاجة روى أبو الزناد عن ~~الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان خرجه البخاري وخرج أبو داود من ~~حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فرأى قبة مشرفة ~~فقال ما هذه قالوا هذه لفلان رجل من الأنصار فجاء صاحبها فسلم على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه فعل ذلك مرارا فهدمها الرجل وخرجه ~~الطبراني من وجه آخر عن أنس أيضا PageV01P041 وعنده فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم كل بناء وأشار بيده هكذا على رأسه أكثر من هذا فهو وبال وقال في ~~حديث ابن السائب عن الحسن كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في ~~خلافة عثمان رضي الله عنه فأتناول سقفها بيدي وروى ms053 عن عمر رضي الله عنه أنه ~~كتب لا تطيلوا بناءكم فإنه شر أيامكم وقال يزيد بن أبي زياد قال حذيفة رضي ~~الله عنه لسلمان ألا تبني لك مسكنا يا أبا عبدالله قال لم تجعلني ملكا قال ~~لا ولكن تبني لك بيتا من قصب وتسقفه بالبواري إذا قمت كاد أن يمس رأسك وإذا ~~نمت كاد أن يمس طرفيك قال كأنك كنت في نفسي وعن عمار بن أبي عمار قال إذا ~~رفع الرجل بناءه فوق سبعة أذرع نودي يا أفسق الفاسقين إلى أين خرجه كله ابن ~~أبي الدنيا وقال يعقوب بن أبي شيبة في مسنده قال بلغني عن ابن أبي عائشة ~~قال حدثنا ابن أبي شميل قال نزل المسلمون حول المسجد يعني بالبصرة في أخبية ~~الشعر ففشا فيهم السرق فكتبوا إلى عمر فأذن لهم في اليراع فبنوا بالقصب ~~فقشا فيهم الحريق فكتبوا إلى عمر فأذن لهم في المدر ونهي أن يرفع الرجل ~~سمكه أكثر من سبعة أذرع وقال إذا بنيتم منه بيوتكم فابنوا منه المسجد قال ~~ابن أبي عائشة وكان عتبة بن غزوان بنى مسجد البصرة بالقصب وقال من صلى فيه ~~وهو من قصب أفضل ممن صلى فيه وهو من لبن ومن صلى فيه وهو من لبن أفضل ممن ~~صلى فيه وهو من اجر وخرج ابن ماجه من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد من حديث ابن عباس رضي الله ~~عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أراكم تشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت ~~اليهود كنائسها وكما شرفت النصارى بيعها وروي ابن أبي الدنيا بإسناده عن ~~إسماعيل بن مسلم عن الحسن رضي الله عنه قال لما بنى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مسجده قال ابنوه عريشا كعريش موسى عليه السلام قيل للحسن وما ~~عريش موسى قال إذا رفع يده بلغ العريش يعني السقف الحديث الثالث عن أبي عبد ~~الرحمن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله ms054 صلى ~~الله عليه وسلم يقول بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان رواه ~~البخاري ومسلم PageV01P042 هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية عكرمة بن ~~خالد عن ابن عمر رضي الله عنهما وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن ابن عمر وله ~~طرق أخر وقد روي هذا الحديث من رواية جرير بن عبدالله البجلي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وخرج حديثه الإمام أحمد وقد سبق في الحديث الذي قبله ذكر ~~الإسلام والمراد من هذا الحديث أن الإسلام مبني على هذه الخمس فهي كالأركان ~~والدعائم لبنيانه وقد خرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة ولفظه بني ~~الإسلام على خمس دعائم فذكره والمقصود تمثيل الإسلام بالبنيان ودعائم ~~البنيان هذه الخمس فلا يثبت البنيان بدونها وبقية خصال الإسلام كتتمة ~~البنيان فإذا فقد منها شيء نقص البنيان وهو قائم لا ينقص بنقص ذلك بخلاف ~~نقص هذه الدعائم الخمس فإن الإسلام يزول بفقدها جميعا بغير إشكال وكذلك ~~يزول بفقد الشهادتين والمراد بالشهادتين الإيمان بالله ورسوله وقد جاء في ~~رواية ذكرها البخاري تعليقا بني الإسلام على خمس الإيمان بالله ورسوله وذكر ~~بقية الحديث وفي رواية لمسلم على خمس على أن توحد الله عز وجل وفي رواية له ~~على أن تعبد الله وتكفر بما دونه وبهذا يعلم أن الإيمان بالله ورسوله داخل ~~في ضمن الإسلام كما سبق في الحديث الماضي وأما إقام الصلاة فقد وردت ~~PageV01P043 أحاديث متعددة تدل على أن من تركها فقد خرج من الإسلام ففي ~~صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بين الرجل ~~وبين الكفر والشرك ترك الصلاة وروى مثله من حديث بريدة وثوبان وأنس وغيرهم ~~وخرج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لا تترك الصلاة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد خرج من ~~الملة وفي حديث معاذ رضي الله ms055 عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم رأس الأمر ~~الإسلام وعموده الصلاة فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي لا يقوم الفسطاط إلا ~~به ولا يثبت إلا به ولو سقط العمود لسقط الفسطاط ولم يثبت بدونه وقال عمر ~~رضي الله عنه لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة وقال سعد رضي الله عنه وعلي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه من تركها فقد كفر وقال عبدالله بن شقيق كان أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر إلا الصلاة ~~وقال أبو أيوب السختياني ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه وذهب إلى هذا القول ~~جماعة من السلف والخلف وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق وحكى إسحاق عليه ~~إجماع أهل العلم وقال محمد بن نصر المروزي هو قول جمهور أهل الحديث وذهب ~~طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمس عمدا أنه كافر وروى ~~ذلك عن سعيد بن جبير ونافع والحكم وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة ~~من أصحابه وهو قول ابن حبيب من المالكية وخرج الدارقطني وغيره من حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله الحج في كل عام قال لو قلت نعم ~~أوجب عليكم ولو وجب عليكم ما أطقتموه ولو تركتموه لكفرتم وخرج اللالكائي من ~~طريق مؤمل قال حدثنا حماد بن زيد بن عمرو بن مالك البكرى عن أبي الجوزي عن ~~ابن عباس ولا أحسبه إلا رفعه قال عري الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس ~~الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة وصوم رمضان من ترك منهم واحدة ~~فهو بها كافر حلال الدم وتجده كثير المال لم يحج فلا يزال بذلك كافرا ولا ~~يحل بذلك دمه وتجده كثير المال ولا يزكي فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل دمه ~~ورواه قتيبة بن سعيد بن حماد بن زيد مرفوعا مختصرا ورواه سعيد بن زيد أخو ~~حماد عن عمرو بن مالك بهذا الإسناد مرفوعا وقال ومن ترك منهن واحدة فهو ~~بالله ms056 كافر ولا يقبل منه صرف ولا عدل وقد حل دمه وماله ولم يذكر ما بعده ~~وقد روي عن عمر رضي الله عنه ضرب الجزية على من لم يحج وقال ليسوا بمسلمين ~~وعن ابن مسعود أن تارك الزكاة ليس بمسلم وعن أحمد رواية أن ترك الصلاة ~~والزكاة خاصة كفر دون الصيام والحج وقال ابن عيينة المرجئة سموا ترك ~~الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم وليس سواء لأن ركوب المحارم متعمدا من ~~غير استحلال معصية وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر وبيان ذلك في ~~أمر إبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه وقد استدل أحمد وإسحق على كفر تارك PageV01P044 ~~الصلاة بكفر إبليس بترك السجود لآدم وترك السجود لله أعظم وفي صحيح مسلم عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قرأ ابن آدم ~~السجدة وسجد اعتزل إبليس يبكي ويقول يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله ~~الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار واعلم أن هذه الدعائم الخمس بعضها ~~مرتبط ببعض وقد روي أنه لا يقبل بعضها بدون بعض كما في مسند الإمام أحمد عن ~~زياد بن نعيم الحضرمي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع فرضهن ~~الله في الإسلام فمن أتي بثلاث لم يغنين عنه شيئا حتى يأتي بهن جميعا ~~الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت وهذا مرسل وقد روي عن زياد عن عمار بن ~~حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن عثمان بن عطاء الخرساني عن أبيه ~~عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين خمس لا يقبل الله ~~منهن شيئا دون شيء شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإيمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالجنة والنار والحياة بعد الموت هذه واحدة ~~والصلوات الخمس عمود الدين لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة والزكاة طهور ~~من الذنوب ولا يقبل الله الإيمان ولا الصلاة إلا ms057 بالزكاة فمن فعل هؤلاء ~~الأربع ثم جاء رمضان فترك صيامه متعمدا لم يقبل الله منه الإيمان ولا ~~الصلاة ولا الزكاة فمن فعل هؤلاء الأربع ثم تيسر له الحج فلم يحج ولم يوصي ~~بحجته ولم يحج عنه بعض أهله لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها ذكره ابن ~~أبي حاتم فقال سألت أبي عنه فقال هذا حديث منكر يحتمل أن هذا من كلام عطاء ~~الخرساني قلت الظاهر أنه من تفسيره لحديث ابن عمر وعطاء من أجلاء علماء ~~الشام وقال ابن مسعود من لم يزك فلا صلاة له ونفي القبول هنا لا يراد به ~~نفي الصحة ولا وجوب الإعادة بتركه وإنما يراد بذلك انتفاء الرضا به ومدح ~~عامله والثناء بذلك عليه في الملأ الأعلى والمباهاة به للملائكة فمن قام ~~بهذه الأركان على وجهها حصل له القبول بهذا المعني ومن أتى ببعضها دون بعض ~~لم يحصل له ذلك وإن كان لا يعاقب على ما أتى به منها عقوبة تاركه بل تبرأ ~~به ذمته وقد يثاب عليه أيضا ومن هاهنا يعلم أن ارتكاب بعض المحرمات التي ~~ينقص بها الإيمان تكون مانعة من قبول بعض الطاعات ولو كان من بعض أركان ~~الإسلام بهذا المعنى الذي ذكرناه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من شرب ~~الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما وقال من أتى عرافا فصدقه بما يقول لم ~~تقبل له صلاة أربعين يوما وقال أيما عبد أبق من مواليه لم تقبل له صلاة ~~وحديث ابن عمر يستدل به على أن الاسم إذا شمل أشياء متعددة لم يزل زوال ~~الاسم بزوال بعضها فيبطل بذلك قول من قال إن الإيمان لو دخلت فيه الأعمال ~~للزم أن يزول بزوال عمل مما دخل في مسماه فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ~~هذه الخمس دعائم الإسلام ومبانيه وفسر بها الإسلام في حديث جبرائيل وفي ~~حديث طلحة بن عبدالله الذي فيه أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الإسلام ففسره له بهذه الخمس ومع هذا فالمخالفون ms058 في الإيمان يقولون لو زال ~~من PageV01P045 الإسلام خصلة واحدة أو أربع خصال سوى الشهادتين لم يخرج ~~بذلك من الإسلام وقد روى بعضهم أن جبرائيل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~شرائع الإسلام لا عن الإسلام وهذه اللفظة لم تصح عند أئمة الحديث ونقاده ~~منهم أبو زرعة والرازي ومسلم بن الحجاج وأبو جعفر العقيلي وغيرهم وقد ضرب ~~العلماء مثل الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشعب فاسم الشجرة يشتمل على ~~ذلك كله ولو زال شيء من شعبها وفروعها لم يزل عنه اسم الشجرة وإنما يقال هي ~~شجرة ناقصة وغيرها أتم منها وقد ضرب الله مثل الإيمان بذلك في قوله تعالى ~~ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء إبراهيم ~~والمراد بالكلمة كلمة التوحيد وبأصلها التوحيد الثابت في القلوب وأكلها هو ~~الأعمال الصالحة الناشئة منها وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن ~~والمسلم بالنخلة ولو زال شيء من فروع النخلة ومن ثمرها لم يزل بذلك عنها ~~اسم النخلة بالكلية وإن كانت ناقصة الفروع أو الثمر ولم يذكر الجهاد في ~~حديث ابن عمر هذا مع أن الجهاد أفضل الأعمال وفي رواية إن ابن عمر قيل له ~~فالجهاد قال الجهاد حسن ولكن هكذا حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجه ~~الإمام أحمد وفي حديث معاذ بن جبل إن رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة ~~وذروة سنامه الجهاد وذروة سنامه أعلى شيء فيه ولكنه ليس من دعائمه وأركانه ~~التي بني عليها وذلك لوجهين أحدهما أن الجهاد فرض كفاية عند جمهور العلماء ~~ليس بفرض عين بخلاف هذه الأركان والثاني أن الجهاد لا يستمر فعله إلى آخر ~~الدهر بل إذا نزل عيسى عليه السلام ولم يبق حينئذ ملة إلا ملة الإسلام ~~فحينئذ تضع الحرب أوزارها ويستغني عن الجهاد بخلاف هذه الأركان فإنها واجبة ~~على المؤمنين إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم ~~الحديث الرابع عن أبي عبد الرحمن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا ms059 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في ~~بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم ~~يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله ~~وشقي أو سعيد فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ~~ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ~~فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها رواه البخاري ومسلم ~~PageV01P046 هذا حديث متفق على صحته وتلقته الأمة بالقبول رواه الأعمش عن ~~زيد بن وهب عن ابن مسعود ومن طريقه خرجه الشيخان في صحيحيهما وقد روي عن ~~محمد بن زيد الأسفاطي قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم ~~فقلت يا رسول الله حديث ابن مسعود الذي حدث عنك فقال حدثني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق فقال صلى الله عليه وسلم والذي لا إله ~~غيره حدثته به أنا يقوله ثلاثا ثم قال غفر الله للأعمش كما حدث به وغفر ~~الله لمن حدث به قبل الأعمش ولمن حدث به بعده وقد روي عن ابن مسعود من وجوه ~~أخر قوله صلى الله عليه وسلم إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ~~نطفة قد روي عن ابن مسعود تفسيره وروى الأعمش PageV01P047 عن خيثمة عن ابن ~~مسعود قال إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعرة وظفر فتمكث أربعين ~~يوما ثم تنحدر في الرحم فتكون علقة قال فذلك جمعها خرجه ابن أبي حاتم وغيره ~~وروي تفسير الجمع مرفوعا بمعنى آخر فخرج الطبراني وابن منده في كتاب ~~التوحيد من حديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله ~~تعالى إذا أراد خلق عبد فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعضو منها ~~فإذا كان يوم ms060 السابع جمعه الله تعالى ثم أحضره في كل عرق له دون آدم في أي ~~صورة ما شاء ركبك قال ابن منده إسناده متصل مشهور على رسم أبي عيسى ~~والنسائي وغيرهما وخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني من رواية مظهر بن ~~الهيثم عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لجده يا فلان ما ولد لك قال يا رسول الله وما عسى أن يولد لي إما غلام ~~وإما جارية قال فمن يشبه قال جده عسى أن يشبه أمه أو أباه قال فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يقولن أحدكم كذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم ~~أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم أما قرأت هذه الآية في أي صورة ما شاء ~~ركبك قال سلكت وهذا إسناد ضعيف ومظهر عن موسى بن على عن أبيه أن أباه لم ~~يسلم إلا في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه يعني أنه لا صحبة له ويشهد ~~لهذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي قال له ولدت امرأتي غلاما ~~أسود قال لعله نزعه عرق قوله ثم يكون علقة مثل ذلك يعني أربعين يوما ~~والعلقة قطعة من دم ثم يكون مضغة مثل ذلك يعني أربعين يوما والمضغة قطعة من ~~لحم ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه ~~وأجله وعمله وشقي أم سعيد فهذا الحديث يدل على أنه ينقلب في مائة وعشرين ~~يوما في ثلاثة أطوار في كل أربعين يوما منها يكون في طور فيكون في الأربعين ~~الأولى نطفة ثم في الأربعين الثانية علقة ثم في الأربعين الثالثة مضغة ثم ~~بعد المائة وعشرين يوما ينفخ فيه الملك الروح ويكتب له هذه الأربع الكلمات ~~وقد ذكر الله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة تقلب الجنين في هذه الأطوار ~~كقوله تعالى يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم ~~من نطفة الحج وذكر هذه ms061 الأطوار الثلاثة النطفة والعلقة والمضغة في مواضع ~~متعددة من القرآن وفي مواضع أخر ذكر زيادة عليها فقال في سورة المؤمنين ~~ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا ~~النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم ~~أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين المؤمنون فبهذه سبع تارات ~~ذكرها الله في هذه الآية لخلق ابن آدم قبل نفخ الروح فيه وكان ابن عباس رضي ~~الله عنهما يقول خلق ابن آدم من سبع ثم يتلو هذه الآية وسئل عن العزل فقرأ ~~هذه الآية ثم قال فهل يخلق أحد حتى تجري فيه هذه الصفة PageV01P048 وفي ~~رواية عنه قال وهل تموت نفس حتى تمر على هذا الخلق وروي عن رفاعة بن رافع ~~قال جلس إلى عمر وعلي والزبير وسعد ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فتذاكروا العزل فقال لا بأس به فقال رجل إنهم يزعمون أنها الموءودة ~~الصغرى فقال على رضي الله عنه لا تكون موءودة حتى تمر على التارات السبع ~~تكون سلالة من طين ثم تكون نطفة ثم تكون علقة ثم تكون مضغة ثم تكون عظاما ~~ثم تكون لحما ثم تكون خلقا آخر فقال عمر رضي الله عنه صدقت أطال الله بقاءك ~~وقد رخص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها مال لم ينفخ فيه ~~الروح وجعلوه كالعزل وهو قول ضعيف لأن الجنين ولد انعقد وربما تصور وفي ~~العزل لم يوجد ولد بالكلية وإنما تسبب إلى منع انعقاده وقد لا يمتنع ~~انعقاده بالعزل إذا أراد الله خلقه كما قال النبي لما سئل عن العزل قال لا ~~عليكم أن لا تعزلوا إنه ما من نفس منفوسة إلا أن الله خلقها وقد صرح ~~أصحابنا بأنه إذا صار الولد علقة لم يجز للمرأة إسقاطه لأنه ولد انعقد ~~بخلاف النطفة فإنها لم تنعقد بعد وقد لا تنعقد ولدا وقد ورد في بعض ~~الروايات في حديث ابن مسعود رضي الله عنه ذكر ms062 العظام وأنه يكون عظما أربعين ~~يوما فخرج الإمام أحمد من رواية علي بن زيد سمعت أبا عبيدة يحدث قال قال ~~عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن النطفة تكون في الرحم أربعين ~~يوما على حالها لا تغير فإذا مضت الأربعون صارت علقة ثم مضغة كذلك ثم عظاما ~~فإذا أراد الله تعالى أن يسوي خلقه بعث الله إليه ملكا وذكر بقية الحديث ~~ويروى من حديث عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إن النطفة إذا استقرت في الرحم تكون أربعين ليلة نطفة ~~ثم تكون علقة أربعين ليلة ثم تكون عظاما أربعين ليلة ثم يكسو الله العظام ~~لحما ورواية الإمام أحمد تدل على أن الجنين لا يكسى اللحم إلا بعد مائة ~~وستين يوما وهذا غلط لا ريب فيه فإنه بعد مائة وعشرين يوما ينفخ فيه الروح ~~بلا ريب كما سيأتي ذكره وعلي بن زيد هو ابن جدعان لا يحتج به وقد ورد في ~~حديث حذيفة بن أسيد ما يدل على خلق العظام واللحم في أول الأربعين الثانية ~~ففي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا مر ~~بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها ~~وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب ذكر أو أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب ~~الملك ثم يقول يا رب أجله فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب رزقه ~~فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ~~ما أمر ولا ينقص فظاهر هذا الحديث يدل على أن تصوير الجنين وخلق سمعه وبصره ~~وجلده ولحمه وعظامه يكون في PageV01P049 أول الأربعين الثانية فيلزم من ذلك ~~أن يكون في الأربعين الثانية لحما وعظاما وقد تأول بعضهم ذلك على أن الملك ~~يقسم النطفة إذا صارت علقة إلى أجزاء فيجعل بعضها للجلد وبعضها للحم وبعضها ~~للعظام فيقدر ذلك كله ms063 قبل وجوده وهذا خلاف ظاهر الحديث بل ظاهره أن يصورها ~~ويخلق هذه الأجزاء كلها وقد يكون خلق ذلك بتصويره وتقسيمه قبل وجود اللحم ~~والعظام قد يكون هذا في بعض الأجنة دون بعض وحديث مالك بن الحويرث المتقدم ~~يدل على أن التصوير يكون في النطفة أيضا في اليوم السابع وقد قال الله ~~تعالى إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه وفسر طائفة من السلف أمشاج ~~النطفة بالعروق التي فيها قال ابن مسعود رضي الله عنه أمشاجها عرقوها وقد ~~ذكر علماء الطب ما يوافق ذلك وقالوا إن المني إذا وقع في الرحم حصل له ~~زبدية ورغوة ستة أيام أو سبعة أيام وفي هذه الأيام تصور النطفة من غير ~~استمداد من الرحم ثم بعد ذلك تستمد منه وابتداء الخطوط والنقط بعد هذا ~~بثلاثة أيام وقد يتقدم يوما ويتأخر يوما ثم بعد ستة أيام وهو الخامس عشر من ~~وقت العلوق ينفذ الدم إلى الجميع فيصير علقة ثم تتميز الأعضاء تميزا ظاهرا ~~ويتنحى بعضها عن ممارسة بعض وتمتد لرطوبة النخاع ثم بعد تسعة أيام ينفصل ~~الرأس عن المنكبين والأطراف عن الأصابع تميزا يستبين في بعض ويخفى في بعض ~~قالوا وأقل مدة يتصور فيها الذكر ثلاثون يوما والزمان المعتدل في تصوير ~~الجنين خمسة وثلاثون يوما وقد يتصور في خمسة وأربعين يوما قالوا ولم يوجد ~~في الأسقاط ذكر تم قبل ثلاثين يوما ولا لأنثى قبل أربعين يوما فهذا يوافق ~~ما دل عليه حديث حذيفة بن أسيد في التخليق في الأربعين الثانية ومصيره لحما ~~فيها أيضا وقد جعل بعضهم حديث بن مسعود على أن الجنين يغلب عليه في ~~الأربعين الأولى وصف المني وفي الأربعين الثانية وصف العلقة وفي الأربعين ~~الثالثة وصف المضغة وإن كانت خلقته قد تمت وتم تصويره وليس في حديث ابن ~~مسعود ذكر وقت تصوير الجنين وقد روي عن ابن مسعود نفسه ما يدل عن أن تصويره ~~قد يقع قبل الأربعين الثالثة أيضا فروي الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود رضي ~~الله عنهم قال النطفة إذا ms064 استقرت في الرحم جاءها ملك فأخذها بكفه فقال أي ~~رب مخلقة أم غير مخلقة فإن قيل غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دما ~~وإن قيل مخلقة قال أي رب ذكر أم أنثى شقي أم سعيد ما الأجل وما الأثر وبأي ~~أرض تموت قال فيقال للنطفة من ربك فتقول الله فيقال من رازقك فتقول الله ~~فيقال اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد فيه قصة هذه النطفة قال فتخلق فتعيش في ~~أجلها وتأكل في رزقها وتطأ في أثرها حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك ~~ثم تلا الشعبي PageV01P050 هذه الآية يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث ~~فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة الحج فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع ~~فكانت نسمة فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما وإن كانت مخلقة نكست ~~نسمة خرجه ابن أبي حاتم وغيره وقد روى من وجه آخر عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه أن لا تصوير قبل ثمانين يوما فروى السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل هو الذي يصوركم في الأرحام كيف ~~يشاء قال إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يوما ثم تكون ~~علقة أربعين يوما ثم تكون مضغة أربعين يوما فإذا بلغ أن تخلق بعث الله ملكا ~~يصورها فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه فيخلطه في المضغة ثم يعجنه بها ثم ~~يصورها كما يؤمر فيقول أذكر أم أنثى شقي أم سعيد وما رزقه وما عمره وما ~~أثره وما مصائبه فيقول الله تبارك وتعالى فيكتب الملك فإذا مات ذلك الجسد ~~دفن حيث أخذ ذلك التراب خرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ولكن السدي مختلف ~~في أمره وكان الإملام أحمد ينكر عليه جمعه الأسانيد المتعددة للتفسير ~~الواحد كما كان هو وغيره ينكرون على الواقدي جمعه الأسانيد المتعددة للحديث ~~الواحد وقد أخذ طائفة من ms065 الفقهاء بظاهر هذه الرواية وتأولوا حديث ابن مسعود ~~المرفوع عليها وقالوا أقل ما يتبين فيه خلق الولد أحد وثمانون يوما لأنه لا ~~يكون مضغة إلا في الأربعين الثالثة ولا يتخلق ويتصور قبل أن يكون مضغة وقال ~~أصحابنا وأصحاب الشافعي بناء على هذا الأصل إنه لا تنقضي العدة ولا تعتق أم ~~الولد إلا بالمضغة المخلقة وأقل ما يكون أن يتخلق ويتصور في أحد وثمانين ~~يوما وقال أحمد رحمه الله في العلقة هي دم لا يستبين فيها الخلق فإن كانت ~~المضغة غير مخلقة فهل تنقضي بها العدة وتصير بها أم الولد مستولدة على ~~قولين هما روايتان عن أحمد وإن لم يظهر فيها التخطيط ولكن كان خفيا لا ~~يعرفه إلا أهل الخبرة من النساء فتشهدن بذلك قبلت شهادتين ولا فرق بين أن ~~يكون بعد تمام أربعة أشهر أو قبلها عند أكثر العلماء ونص على ذلك الإمام ~~أحمد في رواية خلق من أصحابه ونقل عنه ابنه صالح في الطفل يتبين خلقه في ~~الأربعة قال الشعبي إذا نكس في الخلق الرابع كان مخلقا انقضت به العدة ~~وعتقت به الأمة إذا كان لأربعة أشهر وكذا نقل عنه حنبل إذا اسقطت أم الولد ~~فإن كانت خلقته تامة عتقت وانقضت به العدة وإذا دخل في الخلق الرابع في ~~أربعة أشهر ينفخ فيه الروح وهذا يخالف رواية الجماعة عنه وقد قال أحمد في ~~رواية عنه إذا تبين خلقه ليس فيه اختلاف فإنها تعتق بذلك إذا كانت أمة ونقل ~~عنه أيضا جماعة في العلقة إذا تبين أنها ولد أن الأمة تعتق بها وهو قول ~~النخعي وحكى قولا للشافعي ومن أصحابنا من طرد هذه الرواية عن PageV01P051 ~~أحمد في انقضاء العدة به أيضا وهذا كله مبني على أنه يمكن التخليق في ~~العلقة كما قد يستدل على ذلك بحديث حذيفة بن أسيد المتقدم أن يقال إن حديث ~~حذيفة إنما يدل على أنه يتخلق إذا صار لحما وعظما وإن ذلك قد يقع في ~~الأربعين الثانية لا في حال كونه علقة وفي ذلك نظر والله ms066 أعلم وما ذكره ~~الأطباء يدل على أن العلقة تتخلق وتتخطط وكذلك القوابل من النسوة يشهدن ~~بذلك وحديث مالك بن الحويرث يشهد بالتصوير في حال كون الجنين نطفة والله ~~أعلم ومابقي في حديث ابن مسعود أن بعد مصيره مضغة أنه يبعث إليه الملك ~~فيكتب الكلمات الأربع وينفخ فيه الروح وذلك كله بعد مائة وعشرين يوما ~~واختلفت ألفاظ روايات هذا الحديث في ترتيب الكتابة والنفخ ففي رواية ~~البخاري في صحيحه ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات ثم ينفخ فيه الروح ~~ففي هذه الرواية تصريح بتأخير نفخ الروح عن الكتابة وفي رواية خرجها ~~البيهقي في كتاب القدر ثم يبعث الملك فينفخ فيه الروح ثم يؤمر بأربع كلمات ~~وهذه الرواية تصرح بتقدم النفخ على الكتابة فإما أن يكون هذا من تصرف ~~الرواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه وإما أن يكون المراد ترتيب الأخبار ~~فقط لا ترتيب ما أخبر به وبكل حال فحديث ابن مسعود يدل على تأخير نفخ الروح ~~في الجنين وكتابة الملك لأمره إلى بعد أربعة أشهر حتى تتم الأربعون الثالثة ~~فأما نفخ الروح فقد روي صريحا عن الصحابة رضي الله عنهم أنه ينفخ فيه الروح ~~بعد أربعة أشهر كما دل عليه ظاهر حديث ابن مسعود فروى زيد بن على عن أبيه ~~عن على قال إذا تمت النطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملكا فينفخ فيها ~~الروح في الظلمات فذلك قوله تعالى ثم أنشأناه خلقا آخر المؤمنون خرجه ابن ~~أبي حاتم وإسناده منقطع وخرج اللالكائي بإسناده عن ابن عباس قال إذا وقعت ~~النطفة في الرحم مكثت أربعة أشهر وعشرا ثم نفخ فيه الروح ثم مكثت أربعين ~~ليلة ثم بعث إليها ملك فنقفها في نقرة القفا وكتب شقيا أو سعيدا وفي إسناده ~~نظر وفيه أن نفخ الروح يتأخر عن الأربعة الأشهر بعشرة أيام وبني الإمام ~~أحمد مذهبه المشهور عنه على ظاهر حديث ابن مسعود وأن الطفل ينفخ فيه الروح ~~بعد أربعة أشهر وأنه إذا سقط بعد تمام أربعة أشهر صلى عليه حيث كان قد نفخ ms067 ~~فيه الروح ثم مات وحكى ذلك أيضا عن سعيد بن المسيب وهو أحد قولي الشافعي ~~وإسحاق ونقل غير واحد عن أحمد أنه قال إذا بلغ أربعة أشهر وعشرا ففي تلك ~~العشر ينفخ فيه الروح ويصلي عليه وقال في رواية لأبي الحارث عنه تكون ~~النسمة نطفة أربعين ليلة وعلقة أربعين ليلة ومضغة أربعين ليلة ثم تكون عظما ~~ولحما فإذا تم أربعة أشهر وعشرا نفخ فيه الروح وظاهر هذه الرواية أنه لا ~~ينفخ فيه الروح إلا بعد تمام أربعة أشهر وعشر PageV01P052 كما روي عن ابن ~~عباس والروايات التي قبل هذه عن أحمد أنها تدل على أنه ينفخ فيه الروح في ~~مدة العشر بعد تمام الأربعة وهذا هو المعروف عنه وكذا قال ابن المسيب لما ~~سئل عن عدة الوفاة حيث جعلت أربعة أشهر وعشرا ما بال العشر قال ينفخ فيه ~~الروح وأما أهل الطب فذكروا أن الجنين إن تصور في خمسة وثلاثين يوما تحرك ~~في سبعين يوما وولد في مائتين وعشرة أيام وذلك سبعة أشهر وربما تقدم أياما ~~وتأخر في التصوير والولادة وإذا كان التصوير في خمسة وأربعين يوما تحرك في ~~تسعين يوما وولد في مائتين وسبعين يوما وذلك تسعة أشهر والله أعلم وأما ~~كتابة الملك فحديث ابن مسعود يدل على أنها تكون بعد أربعة أشهر أيضا على ما ~~سبق وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وكل الله بالرحم ~~ملكا يقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقا ~~قال يا رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد فما الرزق فما الأجل فيكتب كذلك في ~~بطن أمه وظاهر هذا يوافق حديث ابن مسعود لكن ليس فيه تقدير المدة وحديث ~~حذيفة ابن أسيد الذي تقدم يدل على أن الكتابة تكون في أول الأربعين الثانية ~~وخرجه مسلم أيضا بلفظ آخر من حديث حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ms068 أو ~~خمسة وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد فيكتبان فيقول أي رب أذكر أم ~~أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ~~ولا ينقص وفي رواية أخرى لمسلم أيضا إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ~~يتسور عليها الملك فيقول يا رب أذكر أم أنثى وذكر الحديث وفي رواية أخرى ~~لمسلم أيضا لبضع وأربعين ليلة وفي مسند الإمام أحمد من حديث جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال إذا استقرت النطفة في الرحم أربعين يوما أو أربعين ~~ليلة بعث إليها ملك فيقول يا رب شقي أم سعيد فيعلم وقد سبق مار واه الشعبي ~~عن علقمة عن ابن مسعود من قوله وظاهره يدل على أن الملك يبعث إليه وهو نطفة ~~وقد روي عن ابن مسعود من وجهين آخرين أنه قال إن الله عز وجل تعرض عليه كل ~~يوم أعمال بني آدم فينظر فيها ثلاث ساعات ثم يؤتى بالأرحام فينظر فيها ثلاث ~~ساعات وهو قوله يصوركم في الأرحام كيف يشاء آل عمران وقوله يهب لمن يشاء ~~إناثا ويهب لمن يشاء الذكور الشورى ويؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات ~~وتسبحه الملائكة ثلاث ساعات قال فهذا من شأنكم وشأن ربكم ولكن ليس في هذا ~~توقيت ما ينظر فيه من الأرحام بمدة وقد روي عن جماعة من الصحابة أن الكتابة ~~تكون في الأربعين الثانية فخرج اللالكائي بإسناده عن عبدالله بن عمرو بن ~~العاص قال إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة جاءها الملك فاختلجها ~~ثم عرج بها إلى الرحمن عز وجل فيقول اخلق يا أحسن الخالقين فيقضي الله فيها ~~ما يشاء من أمره ثم تدفع إلى الملك عند ذلك فيقول يا رب أسقط أم تمام فيبين ~~له فيقول يا رب أناقص الأجل أم PageV01P053 تام الأجل فيبين له فيقول يا رب ~~أواحد أم توأم فيبين له فيقول يا رب أذكر أم أنثي فيبين له فيقول يا رب ~~أشقي أم سعيد فيبين له ثم يقول يا رب اقطع ms069 له رزقه فيقطع له رزقه مع أجله ~~فيهبط بهما جميعا فوالذي نفسي بيده لا ينال من الدنيا إلا ما قسم له وخرج ~~ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي ذر رضي الله عنه قال إن المني يمكث في الرحم ~~أربعين ليلة فيأتيه ملك النفوس فيعرج به إلى الرحمن عز وجل فيقول يا رب ~~أذكر أم أنثى فيقضي الله عز وجل ما هو قاض ثم يقول يا رب أشقي أم سعيد ~~فيكتب ما هو لاق بين يديه ثم تلا أبو ذر يقول يا رب أشقي أم سعيد فيكتب ما ~~هو لاق بين يديه ثم تلا أبو ذر من فاتحة سورة التغابن إلى قوله وصوركم ~~فأحسن صوركم وإليه المصير التغابن فهذا كله يوافق ما في حديث حذيفة بن أسيد ~~وقد تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن كتابة الملك تكون بعد نفخ الروح ~~بأربعين ليلة وأن إسناده فيه نظر وقد جمع بعضهم بين هذه الأحاديث والآثار ~~وبين حديث ابن مسعود فأثبت الكتابة مرتين وقد يقال مع ذلك إن أحدهما في ~~السماء والآخر في بطن الأم والأظهر والله أعلم أنها مرة واحدة ولعل ذلك ~~يختلف باختلاف الأجنة فبعضهم يكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى وبعضهم بعد ~~الأربعين الثالثة وقد يقال إن لفظة ثم في حديث ابن مسعود إنما يراد به ~~ترتيب الأخبار لا ترتيب المخبر عنه في نفسه والله أعلم ومن المتأخرين من ~~رجح أن الكتابة تكون في أول الأربعين الثانية كما دل عليه حديث حذيفة بن ~~أسيد وقال إنما أخر ذكرها في حديث ابن مسعود إلى ما بعد ذكر المضغة وأن ~~ذكره بلفظ ثم لئلا ينقطع ذكر الأطوار الثلاثة التي ينقلب فيها الجنين وهو ~~كونه نطفة وعلقة ومضغة فإن ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجب وأحسن ولذلك ~~أخر المعطوف عليها وإن كان المعطوف متقدما على بعضها في الترتيب واستشهد ~~لذلك بقوله وبدأ خلق الإنسان من طين الآية والمراد بالإنسان آدم عليه ~~السلام ومعلوم أن تسويته ونفخ الروح فيه كان قبل جعل ms070 نسله من سلالة من ماء ~~مهين لكن لما كان المقصود ذكره قدرة الله عز وجل في مبدأ خلق آدم وخلق نسله ~~عطفت أحدهما على الآخر وأخر ذكر تسوية آدم ونفخ الروح وإن كان ذلك متوسطا ~~بين خلق آدم من طين وبين خلق نسله والله أعلم وقد ورد أن هذه الكتابة تكتب ~~بين عيني الجنين ففي مسند البزار عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إذا خلق الله النسمة قال ملك الأرحام أي رب أذكر أم ~~أنثي قال فيقضي الله إليه أمره ثم يقول أي رب أشقي أم سعيد فيقضي الله إليه ~~أمره ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبها وقد ورد موقوفا عن ابن ~~عمر غير مرفوع وحديث حذيفة بن أسيد المتقدم صريح في أن الملك يكتب ذلك في ~~صحيفته ولعله يكتب في صحيفته ويكتب بين عيني الولد وقد روي أنه تقترن بهذه ~~الكتابة أنه يخلق مع الجنين ما تضمنت من صفاته القائمة فروي عن عائشة رضي ~~الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله إذا أراد أن يخلق الخلق ~~بعث ملكا فدخل الرحم فيقول أي رب ماذا PageV01P054 فيقول غلام أو جارية أو ~~ما شاء أن يخلق في الرحم فيقول أي رب أشقي أم سعيد ويقول أي رب ما أجله ~~فيقول كذا وكذا فيقول ما خلقه ما خلائقه فيقول كذا كذا فما من شيء إلا وهو ~~يخلق معه في الرحم خرجه أبو داود في كتاب القدر والبزار في مسنده وبكل حال ~~فهذه الكتابة التي تكتب للجنين في بطن أمه غير كتابة المقادير السابقة لخلق ~~الخلائق المذكورة في قوله تعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ~~الحديد الآية كما في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ~~ألف سنة وفي حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه ms071 وسلم قال أول ما ~~خلق الله القلم قال له اكتب فجري بما هو كائن إلى يوم القيامة وقد سبق ذكر ~~ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن الملك إذا سأل عن حال النطفة أمر أن ~~يذهب إلى الكتاب السابق ويقال له إنك تجد فيه قصة هذه النطفة وقد تكاثرت ~~النصوص بذكر الكتاب السابق بالسعادة والشقاوة ففي الصحيحين عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من نفس منفوسة ~~إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة ~~فقال رجل يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا ندع العمل فقال اعملوا فكل ~~ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل ~~الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ~~الليل وفي هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما وأن ذلك مقدر ~~بحسب الأعمال وأن كلا ميسر لما خلق له من الأعمال التي هي سبب السعادة ~~والشقاوة وفي الصحيحين عن عمران بن حصين قال قال رجل يا رسول الله أيعرف ~~أهل الجنة من أهل النار قال نعم قال فلم يعمل العاملون قال كل يعمل لما خلق ~~له أو لما يسر له وقد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ~~كثيرة وحديث ابن مسعود فيه أن السعادة والشقاوة بحسب خواتيم الأعمال وقد ~~قيل إن قوله في آخر الحديث فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل ~~الجنة حتى ما يكون بينه إلى آخر الحديث مدرج من كلام ابن مسعود كذلك رواه ~~مسلم بن كهيل عن زيد بن وهب عن ابن مسعود من قوله قد روى هذا المعنى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة أيضا وفي صحيح البخاري عن سهل بن ~~سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الأعمال بالخواتيم وفي صحيح ابن ~~حبان عن عائشة ms072 رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما ~~الأعمال بالخواتيم وفيه أيضا عن معاوية قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول إنما الأعمال بخواتيمها كالوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله وإذا خبث ~~أعلاه خبث أسفله وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل ~~PageV01P055 النار وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار ثم يختم ~~له عمله بعمل أهل الجنة وخرج الإمام أحمد رحمه الله من حديث أنس رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا عليكم أن لا تعجبوا بأحد حتى ~~تنظروا بم يختم له فإن العامل يعمل زمانا من عمره أو برهة من دهره بعمل ~~صالح لو مات عليه دخل الجنة ثم يتحول فيعمل عملا سيئا وإن العبد ليعمل ~~البرهة من عمره بعمل سييء لو مات عليه دخل النار ثم يتحول فيعمل عملا صالحا ~~وخرج أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ~~الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وهو مكتوب في الكتاب من أهل النار فإذا كان قبل ~~موته تحول يعمل بعمل أهل النار فمات فدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل ~~النار وإنه لمكتوب في الكتاب من أهل الجنة فإذا كان قبل موته تحول فعمل ~~بعمل أهل الجنة فمات فدخلها وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث ~~عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفي يده كتابان فقال أتدرون ما هذان الكتابان فقلنا لا يا رسول الله ~~إلا أن تخبرنا فقال للذي في يده اليمني هذا الكتاب من رب العالمين فيه ~~أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيه ~~ولا ينقص منه أبدا ثم قال للذي في شماله هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء ~~أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل ms073 على آخرهم فلا يزاد فيه ولا ينقص ~~منه أبدا فقال أصحابه ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمرا قد فرغ منه فقال ~~سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل وإن ~~صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيديه فنبذهما ثم قال فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة ~~وفريق في السعير وقد روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ~~متعددة وخرجه الطبراني من حديث علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وزاد فيه صاحب الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة وصاحب النار مختوم له ~~بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل وقد يسلك بأهل السعادة طريق أهل الشقاوة حتى ~~يقال ما أشبههم بهم بل هم منهم وتدركهم السعادة فتستنقذهم وقد يسلك بأهل ~~الشقاوة طريق أهل السعادة حتى يقال ما أشبههم بهم بل هم منهم وتدركهم ~~الشقاوة من كتبه الله سعيدا في أم الكتاب لم يخرجه من الدنيا حتى يستعمله ~~بعمل يسعده قبل موته ولو بفواق ناقة ثم قال الأعمال بخواتيمها الأعمال ~~بخواتيمها وخرج البزار في مسنده بهذا المعنى أيضا من حديث ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفي الصحيحين عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم التقي هو والمشركون وفي أصحابه PageV01P056 رجل لا يدع شاذة ولا فاذة ~~إلا اتبعها يضربها بسيفه فقالوا ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من أهل النار فقال رجل من القوم أنا ~~أصاحبه فأتبعه فجرح الرجل جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه على ~~الأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه فخرج الرجل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال أشهد أنك رسول الله وقص عليه القصة فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ms074 فيما يبدو للناس ~~وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من ~~أهل الجنة زاد البخاري رواية إنما الأعمال بالخواتيم وقوله فيما يبدو للناس ~~إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك وإن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة ~~باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس إما من جهة عمل سييء ونحو ذلك فتلك الخصلة ~~الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي ~~باطنه خصلة خفيه من خصال الخير فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره فتوجب له ~~حسن الخاتمة قال عبد العزيز بن أبي رواد حضرت رجلا عند الموت يلقن الشهادة ~~لا إله إلا الله فقال في آخر ما قال هو كافر بما تقول ومات على ذلك قال ~~فسألت عنه فإذا هو مدمن خمر وكان عبد العزيز يقول اتقوا الذنوب فإنها هي ~~التي أوقعته وفي الجملة فالخواتيم ميراث السوابق فكل ذلك سبق في الكتاب ~~السابق ومن هنا كان يشتد خوف السلف من سوء الخواتيم ومنهم من كان يقلق من ~~ذكر السوابق وقد قيل إن قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم يقولون بماذا يختم ~~لنا وقلوب المقربين معلقة بالسوابق يقولون ماذا سبق لنا وبكى بعض الصحابة ~~عند موته فسئل عن ذلك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله ~~تعالى قبض خلقه قبضتين فقال هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار ولا أدري في أي ~~القبضتين كنت قال بعض السلف ما أبكى العيون ما أبكاها الكتاب السابق وقال ~~سفيان لبعض الصالحين هل أبكاك قط علم الله فيك فقال له ذلك الرجل تركني لا ~~أفرح أبدا وكان سفيان يشتد قلقه من السوابق والخواتيم فكان يبكي ويقول أخاف ~~أن أكون في أم الكتاب شقيا ويبكي ويقول أخاف أن أسلب الإيمان عند الموت ~~وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضا على لحيته ويقول يا رب قد علمت ~~ساكن الجنة من ساكن النار ففي أي الدارين منزل مالك وقال حاتم الأصم من خلا ms075 ~~قلبه من ذكر أربعة أخطار فهو مغتر فلا يأمن الشقاء الأول خطر يوم الميثاق ~~حين قال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي فلا يعلم في ~~أي الفريقين كان والثاني حين خلق في ظلمات ثلاث فنادى الملك PageV01P057 ~~بالشقاوة والسعادة ولا يدري أمن الأشقياء هو أم من السعداء والثالث ذكر هول ~~المطلع فلا يدري أيبشر برضا الله أم بسخطه والرابع يوم يصدر الناس أشتاتا ~~فلا يدري أي الطريقين يسلك به وقال سهل التستري المريد يخاف أن يبتلى ~~بالمعاصي والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر ومن هنا كان الصحابة ومن بعدهم من ~~السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق ويشتد قلقهم وجزعهم منه فالمؤمن ~~يخاف على نفسه النفاق الأصغر ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه ~~إلى النفاق الأكبر كما تقدم أن دسائس السوء الخلفية توجب سوء الخاتمة وقد ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في دعائه يا مقلب القلوب ثبت ~~قلبي على دينك فقيل له يا نبي الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا ~~فقال نعم إن القلوب بين اصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يقلبها كيف شاء خرجه ~~الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس وخرج الإمام أحمد من حديث أم سلمة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول اللهم يا مقلب القلوب ~~ثبت قلبي على دينك فقلت يا رسول الله أو إن القلوب لتتقلب قال نعم ما من ~~خلق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين اصبعين من أصابع الله عز وجل ~~فإن شاء عز وجل أقامه وإن شاء أزاغه فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد ~~إذ هدانا ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب قالت قلت يا رسول ~~الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي قال بلى وقولي اللهم رب النبي محمد ~~صلى الله عليه وسلم اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن ما ~~أحييتني وفي ms076 هذا المعنى أحاديث كثيرة وخرج مسلم من حديث عبدالله بن عمرو ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن قلوب بني آدم كلها بين اصبعين ~~من أصابع الرحمن عز وجل كقلب واحد يصرفه حيث يشاء ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك الحديث الخامس عن ~~أم المؤمنين أم عبدالله عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد رواه البخاري ومسلم وفي ~~رواية لمسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد PageV01P058 هذا الحديث ~~خرجاه في الصحيحين من رواية القاسم بن محمد عن عمته عائشة رضي الله عنها ~~وألفاظه مختلفة ومعناها متقارب وفي بعض ألفاظه من أحدث في ديننا ما ليس فيه ~~فهو رد وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث الأعمال بالنيات ~~ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا ~~يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه ~~أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به ~~الله ورسوله فليس من الدين في شيء وسيأتي حديث العرباض بن سارية عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ~~ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكان صلى الله عليه وسلم ~~يقول في خطبته إن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه ~~وسلم وشر الأمور محدثاتها وسنؤخر الكلام على المحدثات إلى ذكر حديث العرباض ~~المشار إليه ونتكلم هاهنا على الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع وردها ~~فهذا الحديث بمنطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود ويدل ~~بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود ms077 والمراد بأمره ههنا دينه ~~وشرعه كالمراد بقوله PageV01P059 في الرواية الأخرى من أحدث في أمرنا هذا ~~ما ليس فيه فهو رد فالمعنى إذا أن من كان عمله خارجا عن الشرع ليس متقيدا ~~بالشرع فهو مردود وقوله ليس عليه أمرنا إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ~~ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ~~ونهيها فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشريعة موافقا لها فهو مقبول ومن كان ~~خارجا عن ذلك فهو مردود فأما العبادات فما كان منها خارجا عن حكم الله ~~ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله وعامله يدخل تحت قوله تعالى أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله فمن تقرب إلى الله بعمل لم ~~يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه وهو شبيه بحال ~~الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية وهذا كمن تقرب إلى الله تعالى ~~بسماع الملاهي أو بالرقص أو بكشف الرأس في غير الإحرام وما أشبه ذلك من ~~المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله التقرب بها بالكلية وليس ما كان قربة في ~~عبادة يكون قربة في غيرها مطلقا فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ~~قائما في الشمس فسأل عنه فقيل إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه فلم يجعل ~~قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفي بنذرهما وقد روي أن ذلك كان في يوم جمعة ~~عند سماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فنذر أن يقوم ولا ~~يقعد ولا يستظل ما دام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إعظاما لسماع خطبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قربة يوفي ~~بنذره مع أن القيام عبادة في مواضع أخر كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة ~~والبروز للشمس قربة للمحرم فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن يكون ~~قربة في كل ms078 المواطن وإنما يتبع في ذلك كله ما وردت به الشريعة في مواضعها ~~وكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها كمن صام يوم العيد أو صلى وقت النهي ~~وأما من عمل عملا أصله مشروع وقربة ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع أو أخل فيه ~~بمشروع فهذا أيضا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به أو إدخاله ما أدخل ~~فيه وهل يكون عمله من أصله مردودا عليه أو لا فهذا لا يطلق القول فيه برد ~~ولا قبول بل ينظر فيه فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل أو شروطه موجبا ~~لبطلانه في الشريعة كمن أخل بالطهارة مع القدرة عليها أو كمن أخل بالركوع ~~أو بالسجود مع الطمأنينة فيهما فهذا عمل مردود عليه وعليه إعادته إن كان ~~فرضا وإن كان ما أخل به لا يوجب بطلان العمل كمن أخل بالجماعة للصلاة ~~المكتوبة عند من يوجبها ولا يجعلها شرطا فهذا لا يقال إن عمله مردود من ~~أصله بل هو ناقص وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع فزيادته ~~مردودة عليه بمعنى أنها لا تكون قربة ولا يثاب عليها ولكن تارة يبطل بها ~~العمل من أصله فيكون مردودا كمن زاد ركعة عمدا في صلاته مثلا وتارة لا ~~يبطله ولا يرده من أصله كمن توضأ أربعا PageV01P060 أربعا أو صام الليل مع ~~النهار وواصل في صيامه وقد يبدل ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه كمن ~~ستر عورته في الصلاة بثوب محرم أو تؤضأ للصلاة بماء مغصوب أو صلى في بقعة ~~غصب فهذا قد اختلف العلماء فيه هل عمله مردود من أصله أو أنه غير مردود ~~وتبرأ به الذمة من عهدة الواجب وأكثر الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله ~~وقد حكى عبد الرحمن بن مهدي عن قوم من أصحاب الكلام يقال لهم الشمرية أصحاب ~~أبي شمر أنهم يقولون إنه من صلى في ثوب كان في ثمنه درهم حرام أن عليه ~~إعادة صلاته وقال ما سمعت قولا أخبث من قولهم نسأل ms079 الله العافية وعبد ~~الرحمن بن مهدي من أكابر فقهاء أهل الحديث المطلعين على مقالات السلف وقد ~~استنكر هذا القول وجعله بدعة فدل على أنه لم يعلم عن أحد من السلف القول ~~بإعادة الصلاة في مثل هذا ويشبه هذا الحج بمال حرام وقد ورد في حديث أنه ~~مردود على صاحبه ولكنه حديث لا يثبت وقد أختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم ~~لا وقريب من ذلك الذبح بآلة محرمة أو ذبح من لا يجوز له الذبح كالسارق ~~فأكثر العلماء قالوا إنه تباح الذبيحة بذلك ومنهم من قال هي محرمة وكذا ~~الخلاف في ذبح المحرم الصيد لكن القول بالتحريم فيه أشهر وأظهر لأنه منهي ~~عنه بعينه فلهذا فرق من فرق من العلماء بين أن يكون النهي لمعنى يختص ~~بالعبادة فيبطلها وبين أن لا يكون مختصا بها فلا يبطلها فالصلاة بالنجاسة ~~أو بغير طهارة أو بغير ستارة أو إلى غير القبلة يبطلها لا ختصاص النهي ~~بالصلاة بخلاف الصلاة في الغصب ويشهد لهذا أن الصيام لا يبطله إلا ارتكاب ~~ما نهي عنه فيه بخصوصه وهو جنس الأكل والشرب والجماع بخلاف ما نهي عنه ~~الصائم لا بخصوص الصيام كالكذب والغيبة عند الجمهور وكذلك الحج ما يبطله ~~إلا ما نهي عنه في الإحرام وهو الجماع ولا يبطله ما لا يختص بالإحرام من ~~المحرمات كالقتل والسرقة وشرب الخمر وكذلك الاعتكاف إنما يبطل بما نهي عنه ~~فيه بخصوصه وهو الجماع وإنما يبطل بالسكر عندنا وعند الأكثرين لنهي السكران ~~عن قربان المسجد ودخوله على أحد التأويلين في قوله تعالى لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى أن المراد مواضع الصلاة فصار كالحائض ولا يبطل الاعتكاف بغيره ~~من ارتكابه الكبائر عندنا وعند كثير من العلماء وقد خالف في ذلك طائفة من ~~السلف منهم عطاء والزهري والثوري ومالك وحكي عن غيرهم أيضا المعاملات وأما ~~المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما فما كان منها مغير الأوضاع الشرعية كجعل ~~حد الزنا عقوبة مالية وما أشبه ذلك فإنه مردود من أصله لا ينتقل به الملك ~~لأن هذا غير ms080 معهود في أحكام الإسلام ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال للذي سأله إن ابني كان عسيفا على فلان فزنى بامرأته فافتديت منه ~~بمائة شاة وخادم فقال النبي صلى الله عليه وسلم المائة الشاة والخادم رد ~~عليك وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام وما كان منها عقدا منهيا عنه في الشرع ~~إما لكون المعقود عليه ليس محلا للعقد PageV01P061 أو لفوات شرط فيه أو ~~لظلم يحصل به للمعقود معه وعليه أو لكون العقد يشغل عن ذكر الله عز وجل ~~الواجب عند تضايق وقته أو غير ذلك فهذا العقد هل هو مردود بالكلية لا ينتقل ~~به الملك أم لا هذا الموضع قد اضطرب الناس فيه اضطرابا كثيرا وذلك أنه ورد ~~في بعض الصور أنه مردود لا يقيد الملك وفي بعضها أنه يقيده فحصل الاضطراب ~~فيه بسبب ذلك والأقرب إن شاء الله تعالى أنه إن كان النهي عنه لحق الله ~~تعالى لا يقيد الملك بالكلية ومعنى أنه يكون الحق لله أنه لا يسقط برضا ~~المتعاقدين عليه وإن كان النهي عنه لحق آدمي معين بحيث يسقط برضاه به فإنه ~~يقف على رضاه به فإن رضي لزم العقد واستمر الملك وإن لم يرض به فله الفسخ ~~فإن كان الذي يلحقه الضرر لا يعتبر رضاه بالكلية كالزوجة والعبد في الطلاق ~~والعتاق فلا عبرة برضاه ولا بسخطه وإن كان النهي رفقا بالمنهي خاصة لما ~~يلحقه من المشقة فخالف وارتكب المشقة لم يبطل بذلك عمله فأما الأول فله صور ~~كثيرة منها نكاح من يحرم نكاحه إما لعينه كالمحرمات على التأبيد بسبب أو ~~نسب أو للجمع أو لفوات شرط لا يسقط بالتراضي بإسقاطه كنكاح المعتدة ~~والمحرمة والنكاح بغير ولي ونحو ذلك قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فرق بين رجل وامرأة تزوجها وهي حبلي فرد النكاح لوقوعه في العدة ومنها عقود ~~الربا فلا يفيد الملك ويؤمر بردها وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من باع ~~صاع تمر بصاعين أن يرده ومنها بيع الخمر ms081 والميتة والخنزير والأصنام والكلب ~~وسائر ما نهي عن بيعه مما لا يجوز بيعه وأما الثاني فله صور عديدة منها ~~إنكاح الولي مالا يجوز له إنكاحها إلا بإذنها لا بغير إذنها وقد رد النبي ~~صلى الله عليه وسلم نكاح امرأة ثيب زوجها أبوها وهي كارهة وروى عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه خير امرأة زوجت بغير إذنها وفي إبطال هذا النكاح أو ~~وقوفه على الإجازة روايتان عن أحمد وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن من ~~تصرف لغيره في ماله بغير إذنه لم يكن تصرفه باطلا من أصله بل يقف على ~~إجازته فإن أجازه جاز وإن رده بطل واستدلوا بحديث عروة بن الجعد في شرائه ~~للنبي صلى الله عليه وسلم شاتين وإنما كان أمره بأن يشتري شاة واحدة ثم باع ~~إحداهما وقبل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وخص ذلك الإمام أحمد في المشهور ~~عنه بمن كان يتصرف لغيره في ماله بإذن إذا خالف الإذن ومنها تصرف المريض في ~~ماله كله هل يقع باطلا من أصله أم يوقف تصرفه في الثلث على إجازة الورثة ~~فيه اختلاف مشهور للفقهاء والخلاف في مذهب أحمد وغيره وقد صح أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رفع إليه أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لا مال له ~~غيرهم فدعا بهم فجزأهم أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة وقال له قولا شديدا ~~ولعل الورثة لم يجيزوا إعتاق الجميع والله أعلم ومنها بيع المدلس ونحوه ~~كالمصراة وبيع النجش وتلقى الركبان ونحو ذلك وفي صحته كله اختلاف مشهور في ~~مذهب الإمام أحمد وذهب طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه ورده والصحيح أنه ~~يصح ويقف على إجازة من حصل له ظلم بذلك فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه جعل مشتري PageV01P062 المصراة بالخيار وأنه جعل للركبان الخيار إذا ~~هبطوا السوق وهذا كله يدل على أنه غير مردود من أصله وقد ورد على بعض من ~~قال بالبطلان حديث المصراة فلم يذكر عنه جوابا وأما بيع الحاضر للبادي فمن ms082 ~~صححه جعله من هذا القبيل ومن أبطله جعل الحق فيه لأهل البلد كلهم وهم غير ~~منحصرين فلا يتصور إسقاط حقوقهم فصار كحق الله عز وجل ومنها لوباع رقيقا ~~يحرم التفريق بينهم وفرق بينهم كالأم وولدها فهل يقع باطلا مردودا أم يقف ~~على رضاهم بذلك وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برد هذا البيع ونص ~~أحمد على أنه لا يجوز التفريق بينهم ولو رضوا بذلك وذهب طائفة إلى جواز ~~التفريق بينهم برضاهم منهم النخعي وعبيد الله بن الحسن البصري فعلى هذا ~~يتوجه أن يصح ويقف على الرضا ومنها لو خص بعض أولاده بالعطية دون بعض فقد ~~صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بشير بن سعد لما خص ولده النعمان ~~بالعطية أن يرده إليه ولم يدل ذلك على أنه لم ينتقل الملك بذلك إلى الولد ~~فإن هذه العطية تصح وتقع مراعاة فإن ساوى بين الأولاد في العطية أو استرد ~~ما أعطي الولد جاز وإن مات ولم يفعل شيئا من ذلك فقال مجاهد هو ميراث وحكي ~~عن أحمد نحوه وأن العطية تبطل والجمهور على أنها لا تبطل وهل للورثة الرجوع ~~فيها أم لا فيه قولان مشهوران وهما روايتان عن أحمد ومنها الطلاق المنهي ~~عنه كالطلاق في زمن الحيض فإنه قد قيل إنه قد نهي عنه لحق الزوج حيث كان ~~يخشى عليه أن يعقبه فيه الندم ومن نهي عن شيء رفقا به فلم ينته عنه بل فعله ~~وتجشم مشقته فإنه لا يحكم ببطلان ما أتى به كمن صام في المرض أو السفر أو ~~واصل في الصيام أو أخرج ماله وجلس يتكفف الناس أو صلى قائما مع تضرره ~~بالقيام للمرض أو اغتسل وهو يخشى على نفسه الضرر والتلف ولم يتيمم أو صام ~~الدهر ولم يفطر أو قام الليل ولم ينم وكذلك إذا جمع الطلاق الثلاث على ~~القول بتحريمه وقيل إنما نهي عن طلاق الحائض لحق المرأة لما فيه من الإضرار ~~بها بتطويل العدة ولو رضيت بذلك بأن سألته الطلاق ms083 بعوض في الحيض فهل يزول ~~بذلك تحريمه فيه قولان مشهوران للعلماء والمشهور من مذهبنا ومذهب الشافعي ~~أنه يزول التحريم بذلك فإن قيل إن التحريم فيه لحق الزوج خاصة فإذا قدم ~~عليه فقد أسقط حقه فقط وإن علل بأنه لحق المرأة لم يمنع نفوذه ووقوعه أيضا ~~فإن رضا المرأة بالطلاق غير معتبر لوقوعه عند جميع المسلمين لم يخالف فيه ~~سوى شرذمة يسيرة من الروافض ونحوهم كما أن رضا الرقيق بالعتق غير معتبر ولو ~~تضرر به ولكن إذا تضررت المرأة بذلك وكان قد بقي شيء من طلاقها أمر الزوج ~~بارتجاعها كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر بارتجاع زوجته تلافيا ~~منه لضررها وتلافيا منه لما وقع منه من الطلاق المحرم حتى لا تصير بينونتها ~~منه ناشئة عن طلاق محرم وليتمكن من طلاقها على وجه مباح فتحصل إبانتها على ~~هذا الوجه وقد روي عن أبي الزبير عن ابن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ردها عليه ولم يرها PageV01P063 شيئا وهذا مما تفرد به أبو ~~الزبير عن أصحاب ابن عمر كلهم مثل ابنه سالم ومولاه نافع وأنس وابن سيرين ~~وطاوس ويونس بن جبير وعبد الله بن دينار وسعيد بن جبير وميمون بن مهران ~~وغيرهم وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين ~~والفقهاء وقالوا إنه تفرد بما خالف الثقات فلا يقبل تفرده فإن في رواية ~~الجماعة عن ابن عمر ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حسب عليه ~~الطلقة من وجوه كثيرة وكان ابن عمر يقول لمن سأله عن طلاق المرأة في الحيض ~~إن كنت طلقت واحدة أو اثنتين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بذلك ~~يعني بارتجاع المرأة وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد عصيت ربك وبانت منك امرأتك ~~وفي رواية أبي الزبير زيادة أخرى لم يتابع عليها وهو قوله ثم تلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا ~~العدة الطلاق ولم يذكر ذلك ms084 أحد من الرواة عن ابن عمر وإنما روى عبدالله بن ~~دينار عن ابن عمر أنه كان يتلو هذه الآية عند روايته للحديث وهذا هو الصحيح ~~وقد كان طوائف من الناس يعتقدون أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما ردها عليه لأنه لم يوقع الطلاق في الحيض وقد روى ذلك ~~عن أبي الزبير أيضا من رواية معاوية بن عمار الدهني عنه فلعل أبا الزبير ~~اعتقد هذا حقا فروى تلك اللفظة بالمعنى الذي فهمه وروى ابن لهيعة هذا ~~الحديث عن أبي الزبير فقال عن جابر أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعها فإنها امرأته وأخطأ في ذكر جابر في هذا ~~الإسناد وتفرد بقوله فإنها امرأته ولا يدل على عدم وقوع الطلاق إلا على ~~تقدير أن يكون ثلاثا فقد اختلف في هذا الحديث على أبي الزبير وأصحاب ابن ~~عمر الثقات الحفاظ العارفون به الملازمون له لم يختلف عليهم فيه فروى أيوب ~~عن ابن سيرين قال مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهمهم أن ابن عمر طلق ~~امرأته ثلاثا وهي حائض فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها فجعلت لا ~~أتهمهم ولا أعرف الحديث حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير وكان ذا ثبت فحدثني ~~أنه سأل ابن عمر فحدثه أنه طلقها واحدة خرجه مسلم وفي رواية قال له ابن ~~سيرين فجعلت لا أعرف للحديث وجها ولا أفهمه وهذا يدل على أنه كان قد شاع ~~بين الثقات من غير أهل الفقه والعلم أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا ولعل أبا ~~الزبير من هذا القبيل ولذلك كان نافع يسئل كثيرا عن طلاق ابن عمر هل كان ~~ثلاثا أو واحدة ولما قدم نافع مكة أرسلوا إليه من مجلس عطاء يسئلونه عن ذلك ~~لهذه الشبهة واستنكار ابن سيرين لرواية الثلاث يدل على أنه لم يعرف قائلا ~~معتبرا يقول إن الطلاق المحرم غير واقع وأن هذا القول لا وجه له قال الإمام ~~أحمد في ms085 رواية أبي الحارث وسئل عمن قال لا يقع الطلاق المحرم لأنه يخالف ما ~~أمر به فقال هذا قول سوء رديء ثم ذكر قصة ابن عمر PageV01P064 وأنه احتسب ~~بطلاقه في الحيض وقال أبو عبيدة الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في ~~جميع الأمصار حجازهم وتهامهم ويمنهم وشأمهم وعراقهم ومصرهم وحكى ابن المنذر ~~ذلك عن كل من يحفظ قوله من أهل العلم إلا ناسا من أهل البدع لا يعتد بهم ~~وأما ما حكاه ابن حزم عن ابن عمر أنه لا يقع الطلاق في الحيض مستندا إلى ~~مار واه من طريق محمد بن عبد السلام الخشني الأندلسي حدثنا محمد بن بشار ~~حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر في الرجل ~~يطلق امرأته وهي حائض قال لا تعتد بها وبإسناده عن خلاس نحوه فإن هذا الأثر ~~قد سقط عن آخر لفظه وهي قال لا يعتد بتلك الحيضة كذلك رواه أبو بكر بن أبي ~~شيبة في كتابه عن عبد الوهاب الثقفي وكذا رواه يحيى بن معين عن عبد الوهاب ~~أيضا قال هو غريب لا يحدث به إلا عبد الوهاب ومراد ابن عمر أن الحيضة التي ~~تطلق فيها المرأة لا تعتد بها المرأة قرأ وهذا هو مراد خلاس وغيره وقد روي ~~ذلك أيضا عن جماعة من السلف منهم زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب فوهم جماعة ~~من المفسرين وغيرهم كما وهم ابن حزم فحكوا عن بعض من سمينا أن الطلاق في ~~الحيض لا يقع وهذا سبب وهمهم والله أعلم وهذا الحديث إنما رواه القاسم بن ~~محمد لما سئل عن رجل له مساكن فأوصى بثلث ثلاث مساكن هل يجمع له في مسكن ~~واحد فقال يجمع ذلك له في مسكن واحد حدثتني عائشة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد خرجه مسلم ومراده أن تغيير ~~وصية الموصي إلى ما هو أحب إلى الله وأنفع جائز وقد حكى هذا عن عطاء وابن ~~جريج وربما ms086 يستدل بعض من ذهب إلى هذا بقوله تعالى فمن خاف من موص جنفا أو ~~إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه البقرة ولعله أخذ هذا من جمع العتق فإنه ~~أعتق ستة مماليك عند موته فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزأهم ثلاثة ~~أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة خرجه مسلم وذهب فقهاء الحديث إلى هذا الحديث ~~لأن تكميل عتق العبد مهما أمكن فهو أولى من تشقيصه ولهذا شرعت السراية ~~والسعاية إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من عبد وقال صلى الله عليه وسلم فيمن ~~أعتق بعض عبده هذا هو عتيق كله ليس لله شريك وأكثر العلماء على خلاف قول ~~القاسم وإن وصية الموصي لا تجمع ويتبع لفظه إلا في العتق خاصة لأن المعنى ~~الذي جمع له فيه العتق موجود في بقية الأموال فيعمل فيها المقتضى وصية ~~الموصي وذهب طائفة من الفقهاء في العتق على أنه يعتق من كل عبد ثلثه ~~ويستسعون في الباقي واتباع قضاء النبي صلى الله عليه وسلم أحق وأولي ~~والقاسم نظر إلى أن في مشاركة الموصي له للورثة في المساكن كلها ضررا عليهم ~~فيدفع عنهم هذا الضرر ويجمع الوصية في مسكن واحد فإن الله شرط في الوصية ~~عدم المضارة لقوله غير مضار PageV01P065 وصية من الله النساء فمن ضار في ~~وصيته كان عمله مردودا عليه لمخالفته ما شرط الله تعالى في الوصية وقد ذهب ~~طائفة من الفقهاء إلى أنه لو أوصى بثلث مساكنه ثم ثلثي المساكن كلها ثم تلف ~~ثلث المساكن وبقي منها ثلث أنه يعطي كلها للموصى له وهذا قول طائفة من ~~أصحاب أبي حنيفة وحكي عن أبي يوسف ومحمد ووافقهم القاضي أبو يعلى من ~~أصحابنا في خلافه وبنوا ذلك على أن المساكن المشتركة تقسم بين المشتركين ~~فيها قسمة إجبار كما هو قول مالك وظاهر كلام ابن أبي موسى من أصحابنا ~~والمشهور عند أصحابنا أن المساكن المتعددة لا تقسم قسمة إجبار وهو قول أبي ~~حنيفة والشافعي رحمهما الله وقد تأول بعض المالكية فتيا القاسم المذكورة في ~~هذا الحديث على أن ms087 أحد الفريقين من الورثة والموصى لهم طلب قسمة المساكن ~~فكانت متقاربة بحيث يضم بعضها إلى بعض في القسمة فإنه يجاب إلى قسمتها على ~~قولهم وهذا التأويل بعيد مخالف للظاهر والله أعلم الحديث السادس عن أبي ~~عبدالله النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا ~~يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في ~~الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن ~~لكل ملك حمي ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح ~~الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب رواه البخاري ومسلم ~~PageV01P066 هذا الحديث صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي عن النعمان بن ~~بشير وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص والمعنى واحد متقارب وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وعمار بن ياسر وجابر وابن مسعود وابن ~~عباس وحديث النعمان أصح أحاديث الباب فقوله صلى الله عليه وسلم الحلال بين ~~والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس معناه أن الحلال ~~المحض بين لا اشتباه فيه وكذلك الحرام المحض ولكن بين الأمرين أمور تشتبه ~~على كثير من الناس هل هي من الحلال أم من الحرام وأما الراسخون في العلم ~~فلا يشتبه عليهم ذلك ويعلمون من أي القسمين هي فأما الحلال المحض فمثل أكل ~~الطيبات من الزروع والثمار وبهيمة الأنعام وشرب الأشربة الطيبة ولباس ما ~~يحتاج إليه من القطن والكتان والصوف والشعر وكالنكاح والتسري وغير ذلك إذا ~~كان اكتسابه بعقد صحيح كالبيع أو بميراث أو هبة أو غنيمة والحرام المحض مثل ~~أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر ونكاح المحارم ولباس الحرير ~~للرجال ومثل الاكتساب المحرم كالربا والميسر وثمن مالا يحل بيعه وأخذ ~~PageV01P067 الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب ونحو ذلك وأما المشتبه فمثل بعض ~~ما اختلف في ms088 حله أو تحريمه إما من الأعيان كالخيل والبغال والحمير والضب ~~وشرب ما اختلف في تحريمه من الأنبذة التي يسكر كثيرها ولبس ما اختلف في ~~إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها وإما من المكاسب المختلف فيها كمسائل ~~العينة والتورق ونحو ذلك وبنحو هذا المعنى فسر المشتبهات أحمد وإسحاق ~~وغيرهما من الأئمة وحاصل الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه الكتاب وبين ~~فيه للأمة ما يحتاج إليه من حلال وحرام كما قال تعالى ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء النحل قال مجاهد وغيره كل شيء أمروا به ونهوا عنه وقال ~~تعالى في آخر سورة النساء التي بين فيها كثيرا من أحكام الأموال والأبضاع ~~يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم النساء وقال تعالى ومالكم أن لا ~~تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه الأنعام الآية وقال تعالى وما كان الله ليضل ~~قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون التوبة ووكل بيان ما أشكل من ~~التنزيل إلى الرسول كما قال تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم النحل وما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكمل له ولأمته ~~الدين ولهذا أنزل عليه بعرفة قبل موته بمدة يسيرة اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا المائدة وقال صلى الله عليه ~~وسلم تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك وقال أبو ~~ذر رضي الله عنه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يحرك جناحيه ~~في السماء إلا وقد ذكر لنا منه علما ولما شك ناس في موته صلى الله عليه ~~وسلم قال عمه العباس رضي الله عنه والله ما مات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى ترك السبيل نهجا واضحا وأحل الحلال وحرم الحرام ونكح وطلق وحارب ~~وسالم وما كان راعي غنم يتبع بها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاه بمخبطته ~~ويمدرحوضها بيده أنصب ولا أدأب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيكم ~~وفي الجملة فما ms089 ترك الله ورسوله حلالا إلا مبينا ولا حراما إلا مبينا لكن ~~بعضه كان أظهر بيانا من بعض فما ظهر بيانه واشتهر وعلم من الدين بالضرورة ~~من ذلك لم يبق فيه شك ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيها الإسلام وما كان ~~بيانه دون ذلك فمنه ما يشتهر بين حملة الشريعة خاصة فأجمع العلماء على حله ~~أو حرمته وقد يخفى على بعض من ليس منهم ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة ~~أيضا فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب منها أنه قد يكون النص عليه ~~خفيا لم ينقله إلا قليل من الناس فلم يبلغ جميع حملة العلم ومنها أنه قد ~~ينقل فيه نصان أحدهما بالتحليل والآخر بالتحريم فيبلغ طائفة منهم أحد ~~النصين دون الآخر فيتمسكون بما بلغهم أو يبلغ النصان معا من لا يبلغه ~~التاريخ فيقف لعدم معرفته بالناسخ والمنسوخ ومنها ما ليس فيه نص صريح وإنما ~~يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس فتختلف PageV01P068 أفهام العلماء في هذا ~~كثيرا ومنها ما يكون فيه أمر أو نهي فتختلف العلماء في حمل الأمر على ~~الوجوب أو الندب وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه وأسباب الاختلاف ~~أكثر مما ذكرنا ومع هذا فلابد في الأمة من عالم يوافق الحق فيكون هو العالم ~~بهذا الحكم وغيره يكون الأمر مشتبها عليه ولا يكون عالما بهذا فإن هذه ~~الأمة لا تجتمع على ضلالة ولا يظهر أهل باطلها على أهل حقها فلا يكون الحق ~~مهجورا غير معمول به في جميع الأمصار والأعصار ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم في المشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فدل على أن من الناس من يعلمها ~~وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها وليست مشتبهة في نفس الأمر فهذا هو السبب ~~المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء وقد يقع الاشتباه في ~~الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر وهو أن من الأشياء ~~ما يعلم سبب حله وهو الملك المتيقن ومنها ما يعلم سبب تحريمه وهو ثبوت ms090 ملك ~~الغير عليه فالأول لا تزول إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه اللهم إلا في ~~الأبضاع عند من يوقع الطلاق بالشك فيه كمالك أو إذا غلب على الظن وقوعه ~~كإسحاق بن راهويه والثاني لا يزول تحريمه إلا بيقين العلم بانتقال الملك ~~فيه وأما ما لا يعلم له أصل ملك كما يجده الإنسان في بيته ولا يدري هل هو ~~له أو لغيره فهذا مشتبه ولا يحرم عليه تناوله لأن الظاهر إنما في ملكه ~~لثبوت يده عليه والورع اجتنابه فقد قال صلى الله عليه وسلم إنى لأنقلب إلى ~~أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون من ~~الصدقة فألقيها خرجاه في الصحيحين فإن كان هناك من جنس المحظور وشك هل هو ~~منه أم لا قويت الشبهة وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أصابه أرق من الليل فقال له بعض نسائه يا رسول ~~الله أرقت الليلة فقال إني كنت أصبت تمرة تحت جنبي فأكلتها وكان عندنا تمر ~~من تمر الصدقة فخشيت أن تكون منه ومن هذا أيضا ما أصله الإباحة كطهارة ~~الماء والثوب والأرض إذا لم يتيقن زوال أصله فيجوز استعماله وما أصله الحظر ~~كالأبضاع ولحوم الحيوان فلا تحل إلا بيقين حله من التذكية والعقد فإن تردد ~~في شيء من ذلك لظهور سبب آخر رجع إلى الأصل فيبنى عليه فيتبين فيما أصله ~~الحرمة على التحريم ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الصيد الذي ~~يجد فيه الصائد أثر سهم غير سهمه أو كلب غير كلبه أو يجده قد وقع في ماء ~~وعلل بأنه لا يدري هل مات من السبب المبيح له أو من غيره فيرجع فيما أصله ~~الحل إلى الحل فلا ينجس الماء والأرض والثوب بمجرد ظن النجاسة وكذلك البدن ~~إذا تحقق طهارته وشك هل انتقضت بالحدث عند جمهور العلماء خلافا لمالك رحمه ~~الله إذا لم يكن قد دخل في الصلاة وقد صح عن النبي ms091 صلى الله عليه وسلم أنه ~~شكا إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال لا تنصرف حتى تسمع ~~صوتا أو تجد ريحا وفي بعض الروايات في المسجد بدل الصلاة وهذا يعم حال ~~الصلاة وغيرهما PageV01P069 فإن وجد سببا قويا يغلب معه على الظن نجاسة ما ~~أصله الطهارة مثل أن يكون الثوب يلبسه كافر لا يتحرز من النجاسات فهذا محل ~~اشتباه فمن العلماء من رخص فيه آخذا بالأصل ومنهم من كرهه تنزيها ومنهم من ~~حرمه إذا قوي ظن النجاسة مثل أن يكون الكافر ممن لا تباح ذبيحته أو يكون ~~ملاقيا لعورته كالسراويل والقميص وترجع هذه المسائل وأشباهها على قاعدة ~~تعارض الأصل والظاهر فإن الأصل الطهارة والظاهر النجاسة وقد تعارضت الأدلة ~~في ذلك فالقائلون بالطهارة يستدلون بأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب ~~وطعامهم إنما يصنعونه بأيديهم في أوانيهم وقد أجاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم دعوة يهودي وكان هو وأصحابه يلبسون ويستعملون ما يجلب إليهم مما ينسجه ~~الكفار بأيديهم من الثياب والأواني وكانوا في المغازي يقتسمون ما وقع لهم ~~من الأوعية والثياب ويستعملونها وصح عنهم أنهم يستعملون الماء من مزادة ~~مشركة والقائلون بالنجاسة يستدلون بأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~سئل عن آنية أهل الكتاب الذين يأكلون الخنزير ويشربون الخمر فقال إن لم ~~تجدوا غيرها فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها وقد فسر الإمام أحمد الشبهة ~~بأنها منزلة بين الحلال والحرام يعني الحلال المحض والحرام المحض وقال من ~~اتقاها فقد استبرأ لدينه وفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام وبتفرع على ~~هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط فإن كان أكثر ماله الحرام فقال ~~أحمد ينبغي أن يتجنبه إلا أن يكون شيئا يسيرا أو شيئا لا يعرف واختلف ~~أصحابنا هل هو مكروه أو محرم على وجهين وإن كان أكثر ماله الحلال جازت ~~معاملته والأكل من ماله وقد روى الحارث عن على رضي الله عنه أنه قال في ~~جوائز السلطان لا بأس بها ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم ms092 من الحرام ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعاملون المشركين وأهل الكتاب مع ~~علمهم بأنهم لا يجتنبون الحرام كله وإن اشتبه الأمر فهو شبهة والورع تركه ~~قال سفيان لا يعجبني ذلك وتركه أعجب إلي وقال الزهري ومكحول لا بأس أن يؤكل ~~منه ما لم يعرف أنه حرام بعينه فإن لم يعرف في ماله حرام بعينه ولكن علم أن ~~فيه شبهة فلا بأس بالأكل منه نص عليه أحمد في رواية حنبل وذهب إسحاق بن ~~راهويه إلى ما روي عن ابن مسعود وسلمان وغيرهما من الرخصة وإلى ما روي عن ~~الحسن وابن سيرين في إباحة الأخذ بما يقضي من الربا والقمار ونقله عن ابن ~~منصور وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه إن كان المال كثيرا ~~أخرج منه قدر الحرام وتصرف في الباقي وإن كان المال قليلا اجتنبه كله وهذا ~~لأن القليل إذا تناول منه شيئا فإنه يتعذر معه السلامة من الحرام بخلاف ~~الكثير ومن أصحابنا من حمل ذلك على الورع دون التحريم وأباح التصرف في ~~القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه وهو قول الحنفية وغيرهم وأخذ به ~~قوم من أهل الورع منهم بشر الحافي ورخص قوم من السلف في الأكل PageV01P070 ~~ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنه من الحرام بعينه فصح كما تقدم عن ~~مكحول والزهري وروي مثله عن الفضيل بن عياض وروى في ذلك آثار عن السلف فصح ~~عن ابن مسعود أنه سئل عمن له جار يأكل الربا علانية ولا يتحرج من مال خبيث ~~يأخذه يدعوه إلى طعام قال أجيبوه فإنما المهنأ لكم والوزر عليه وفي رواية ~~أنه قال لا أعلم له شيئا إلا خبيثا أو حراما فقال أجيبوه وقد صحح الإمام ~~أحمد هذا عن ابن مسعود ولكنه عارضه عارض بما روي عنه أنه قال الإثم حزاز ~~القلوب وروى عن سلمان مثل قول ابن مسعود الأول وعن سعيد ابن جبير والحسن ~~البصري ومورق العجلي وإبراهيم النخعي وابن سيرين وغيرهم والآثار بذلك ~~موجودة في كتب الأدب ms093 لحميد بن زنجويه وبعضها في كتاب الجامع للخلال وفي ~~مصنف عبدالرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم ومتى علم أن عين الشيء حرام أخذ بوجه ~~محرم فإنه يحرم تناوله وقد حكي الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره وقد روي ~~عن ابن سيرين في الرجل يقضي من الربا قال لا بأس به وعن الرجل يقضي من ~~القمار قال لا بأس به خرجه الخلال بإسناد صحيح وروى عن الحسن خلاف هذا وأنه ~~قال إن هذه المكاسب قد فسدت فخذوا منها ما أشبه المضطر وعارض المروزي عن ~~ابن مسعود وسلمان ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أكل طعاما ثم أخبر ~~أنه من حرام فاستقاءه وقد يقع الاشتباه في الحكم لكون الفرع مترددا بين ~~أصول تجتذبه كتحريم الرجل زوجته فإن هذا متردد بين تحريم الظهار الذي ترفعه ~~الكفارة الكبرى وبين تحريم الطلقة الواحدة بانقضاء عدتها الذي تباح معه ~~الزوجة بعقد جديد وبين تحريم الطلاق الثلاث الذي لا تباح معه الزوجة بدون ~~زوج وإصابة وبين تحريم الرجل عليه ما أحله الله له من الطعام والشراب الذي ~~لا يحرمه وإنما يوجب الكفارة الصغرى أو لا يوجب شيئا على الاختلاف في ذلك ~~فمن ههنا كثر الاختلاف في هذه المسئلة في زمن الصحابة ومن بعدهم وبكل حال ~~فالأمور المشتبهة التي لا تتبين أنها حلال ولا حرام لكثير من الناس كما ~~أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قد يتبين لبعض الناس أنها حلال أو حرام ~~لما عنده من ذلك من مزيد علم وكلام النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن ~~هذه المشتبهات من الناس من يعلمها وكثير منهم لا يعلمها فدخل فيمن لا ~~يعلمها نوعان أحدهما من يتوقف فيها لاشتباهها عليه والثاني من يعتقدها على ~~غير ما هي عليه ودل الكلام على أن غير هؤلاء يعلمها ومراده أنه يعلمها على ~~ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم وهذا من أظهر الأدلة على أن ~~المصيب عند الله في مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلف ms094 فيها واحد عند ~~الله عز وجل وغيره ليس بعالم بها بمعنى أنه غير مصيب لحكم الله فيها في نفس ~~الأمر وإن كان يعتقد فيها اعتقادا يستند PageV01P071 فيه إلى شبهة يظنها ~~دليلا ويكون مأجورا على اجتهاده ومغفورا له خطؤه لعدم اعتماده وقوله صلى ~~الله عليه وسلم فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في ~~الشبهات وقع في الحرام قسم الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين وهذا إنما ~~هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه وهو ممن لا يعلمها فأما من كان عالما بها ~~واتبع ما دله علمه عليها فلذلك قسم ثالث لم نذكره لظهور حكمه فإن هذا القسم ~~أفضل الأقسام الثلاثة لأنه علم حكم الله في هذه الأمور المشتبهة على الناس ~~واتبع علمه في ذلك وأما من لم يعلمه حكم الله فيها فهم قسمان أحدهما من ~~يتقي هذه الشبهات لاشتباهها عليه فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه ومعنى استبرأ ~~طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين والعرض هو موضع المدح والذم من ~~الإنسان وما يحصل له بذكره بالجميل مدح وبذكره بالقبيح قدح وقد يكون ذلك ~~تارة في نفس الإنسان وتارة في سلفه أو في أهله فمن اتقى الأمور المشتبهة ~~واجتنبها فقد حصن عرضه من القدح والشين الداخل على من لا يجتنبها وفي هذا ~~دليل على أن من ارتكب الشبهات فقد عرض نفسه للقدح فيه والطعن كما قال بعض ~~السلف من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء الظن به وفي رواية للترمذي في ~~هذا الحديث فمن تركها استبراء لدينه وعرضه فقد سلم والمعني أن من تركها ~~بهذا القصد وهو براءة دينه وعرضه عن النقص لا لغرض آخر فاسد من رياء ونحوه ~~وفيه دليل على أن طلب البراءة للعرض ممدوح كطلب البراءة للدين ولهذا ورد كل ~~ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة وفي رواية في الصحيحين في هذا الحديث فمن ~~ترك ما يشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك يعني أن من ترك الإثم مع ~~اشتباهه عليه وعدم تحققه ms095 فهو أولى بتركه إذا استبان له أنه إثم وهذا إذا ~~كان تركه تحرزا من الإثم فأما من يقصد التصنع للناس فإنه لا يترك إلا ما ~~يظن أنه ممدوح عندهم القسم الثاني من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهة عنده ~~فأما من أتى شيئا مما يظنه الناس شبهة لعلمه بأنه حلال في نفس الأمر فلا ~~حرج عليه من الله في ذلك لكن إذا خشي من طعن الناس عليه بذلك كان تركها ~~حينئذ استبراء لعرضه فيكون حسنا وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن ~~رآه واقفا مع صفية إنها صفية بنت حيي وخرج أنس إلى الجمعة فرأى الناس قد ~~صلوا ورجعوا فاستحيا ودخل موضعا لا يراه الناس فيه وقال من لا يستحيي من ~~الناس لا يستحيي من الله وخرجه الطبراني مرفوعا ولا يصح وإن أتى ذلك ~~لاعتقاده أنه حلال إما باجتهاد سائغ أو تقليد سائغ وكان مخطئا في اعتقاده ~~فحكمه حكم الذي قبله فإن كان الاجتهاد ضعيفا أو التقليد غير سائغ وإنما حمل ~~عليه مجرد اتباع الهوى فحكمه حكم من أتاه مع اشتباهه عليه والذي يأتي ~~الشبهات مع اشتباهها عليه قد أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقع في ~~الحرام فهذا يفسر بمعنيين أحدهما أن يكون ارتكابه للشبهة مع اعتقاده أنها ~~شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنه حرام بالتدريج PageV01P072 ~~والتسامح وفي رواية في الصحيحين لهذا الحديث ومن اجترأ على ما يشك فيه من ~~الإثم أوشك أن يواقع ما استبان وفي رواية من يخالط الريبة يوشك أن يجسر أي ~~يقرب أن يقدم على الحرام المحض والجسور المقدام الذي لا يهاب شيئا ولا ~~يراقب أحدا ورواه بعضهم يجشر بالشين المعجمة أي يرتع والجشر الرعي وجشرت ~~الدابة إذا رعيتها وفي مراسيل أبي المتوكل الناجي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من يرعى بجنبات الحرام يوشك أن يخالطه ومن تهاون بالمحقرات يوشك أن ~~يخالط الكبائر والمعنى الثاني أن من أقدم على ما هو مشتبه عنده لا يدري أهو ~~حلال أو ms096 حرام فإنه لا يأمن أن يكون حراما في نفس الأمر فيصادف الحرام وهو ~~لا يدري أنه حرام وقد روي من حديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات فمن اتقاها كان أنزه ~~لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات أوشك أن يقع في الحرام كالراعي يرعى حول ~~الحمى يوشك أن يواقع الحمى وهو لا يشعر خرجه الطبراني وغيره واختلف العلماء ~~هل يطيع والديه في الدخول في شيء من الشبهة أم لا يطيعهما فروى عن بشير بن ~~الحارث قال لا طاعة لهما في الشبهة وعن محمد بن مقاتل العباداني قال ~~يطيعهما وتوقف أحمد في هذه المسئلة وقال يداريهما وأبى أن يجيب فيها وقال ~~أحمد لا يبيع الرجل من الشبهة ولا يشتري الثوب للتجمل من الشبهة وتوقف في ~~حل ما يؤكل وما يلبس منها وقال في التمرة يلقيها الطير لا يأكلها ولا ~~يأخذها ولا يتعرض لها وقال الثوري في الرجل يجد في بيته الأفلس أو الدراهم ~~أحب إلى أن ينتنزه عنها يعني إذا لم يدر من أين هي وكان بعض السلف لا يأكل ~~إلا شيئا يعلم من أين هو ويسأل عنه حتى يقف على أصله وقد روي في ذلك حديث ~~مرفوع إلا أن فيه ضعفا وقوله صلى الله عليه وسلم كالراعي يرعى حول الحمى ~~يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمي ألا وإن حمى الله محارمه هذا مثل ~~ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لمن وقع في الشبهات وأنه يقرب وقوعه في ~~الحرام المحض وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سأضرب لكم ~~مثلا ثم ذكر هذا الكلام فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مثل المحرمات كالحمى ~~الذي يحميه الملوك ويمنعون غيرهم من قربانه وقد جعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم حول مدينته اثني عشر ميلا حمى محرما لا يقطع شجره ولا يصاد صيده وحمى ~~عمر وعثمان أماكن ينبت فيها الكلأ لأجل إبل الصدقة والله سبحانه وتعالى ms097 حمى ~~هذه المحرمات ومنع عباده من قربانها وسماها حدوده فقال تلك حدود الله فلا ~~تقربوها وهذا فيه بيان أنه حد لهم ما أحل لهم وما حرم عليهم فلا يقربوا ~~الحرام ولا يعتدوا الحلال وكذلك قال في آية أخرى تلك حدود الله فلا تعتدوها ~~ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون البقرة وجعل من يرعى حول الحمى أو ~~قريبا منه جديرا بأن يدخل الحمى فيرتع فيه فلذلك من تعدى الحلال ووقع في ~~الشبهات فإنه قد قارب الحرام غاية المقاربة فما أخلقه بأن يخالط الحرام ~~المحض ويقع فيه وفي هذا إشارة إلى PageV01P073 أنه ينبغي التباعد عن ~~المحرمات وأن يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزا وقد خرج الترمذي وابن ماجه من ~~حديث عبدالله بن يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يبلغ العبد أن ~~يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس وقال أبو الدرداء ~~رضي الله عنه تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى ~~يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما حجابا بينه وبين الحرام وقال ~~الحسن مازالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام وقال ~~الثوري إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا مالا يتقي وروي عن ابن عمر قال إنى ~~لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها وقال ميمون بن ~~مهران لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال ~~وقال سفيان بن عيينة لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام ~~حاجزا من الحلال وحتى يدع الإثم وما تشابه منه ويستدل بهذا الحديث من يذهب ~~إلى سد الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل إليها ويدل على ذلك أيضا من ~~قواعد الشريعة تحريم قليل ما يسكر كثيرة وتحريم الخلوة بالأجنبية وتحريم ~~الصلاة بعد الصبح وبعد العصر سدا لذريعة الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ~~ومنع الصائم من المباشرة إذا كانت تتحرك شهوته ومنع كثير من العلماء مباشرة ~~الحائض ms098 فيما بين سرتها وركبتها إلا من وراء حائل كما كان صلى الله عليه ~~وسلم يأمر امرأته إذا كانت حائضا أن تتزر فيباشرها من فوق الإزار ومن أمثلة ~~ذلك وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم من سيب دابته ترعى ~~بقرب زرع غيره فإنه ضامن لما أفسدته من الزرع ولو كان ذلك نهارا وهذا هو ~~الصحيح لأنه مفرط بإرسالها في هذه الحال وكذا الخلاف لو أرسل كلب الصيد ~~قريبا من الحرم فدخل فصاد فيه ففي ضمانه روايتان عن أحمد وقيل يضمنه بكل ~~حال وقوله صلى الله عليه وسلم ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد ~~كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب فيه إشارة إلى أن صلاح حركات ~~العبد بجوارحه واجتنابه المحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه فإذا ~~كان قلبه سليما ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله وخشية الوقوع ~~فيما يكرهه صلحت حركات الجوارح كلها ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها ~~وتوفي للشبهات حذرا من الوقوع في المحرمات وإن كان القلب فاسدا قد استولى ~~عليه اتباع الهوى وطلب ما يحبه ولو كرهه الله فسدت حركات الجوارح كلها ~~وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب ولهذا يقال القلب ~~ملك الأعضاء وبقية الأعضاء جنوده وهم مع هذا جنود طائعون له منبعثون في ~~طاعته وتنفيذ أوامره لا يخالفونه في شيء من ذلك فإن كان الملك صالحا كانت ~~هذه الجنود صالحة وإن كان فاسدا كانت جنوده بهذه المشابهة فاسدة ولا ينفع ~~عند الله إلا القلب السليم كما قال تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من ~~أتى الله بقلب سليم الشعراء وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه ~~اللهم إنى PageV01P074 أسألك قلبا سليما فالقلب السليم هو السالم من الآفات ~~والمكروهات كلها وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وخشيته وخشية ما ~~يباعد منه وفي مسند الإمام أحمد رضي الله عنه عن أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ms099 قال لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه والمراد باستقامة ~~إيمانه استقامة أعمال جوارحه فإن أعمال جوارحه لا تستقيم إلا باستقامة ~~القلب ومعني استقامة القلب أن يكون ممتلئا من محبة الله تعالى ومحبة طاعته ~~وكراهة معصيته وقال الحسن لرجل داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح ~~قلوبهم يعني أن مراده منهم ومطلوبه صلاح قلوبهم فلا صلاح للقلوب حتى يستقر ~~فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه ويمتلئ ~~من ذلك وهذا هو حقيقة التوحيد وهو معنى قول لا إله إلا الله فلا صلاح ~~للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو إله واحد لا شريك ~~له ولو كان في السموات والأرض إله يؤله سوى الله لفسدت بذلك السموات والأرض ~~كما قال تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا الأنبياء فعلم بذلك أنه ~~لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معا حتى تكون حركات أهلها كلها لله وحركات ~~الجسد تابعة لحركات القلب وإرادته فإن كانت حركته وإرادته لله وحده فقد صلح ~~وصلحت حركات الجسد كله وإن كانت حركة القلب وإراداته لغير الله فسد وفسدت ~~حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب وروى الليث عن مجاهد في قوله تعالى ولا ~~تشركوا به شيئا النساء قال لا تحبوا غيري وفي صحيح الحاكم عن عائشة رضي ~~الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشرك أخفى من دبيب الذر على ~~الصفا في الليلة الظلماء وأدناه أن تحب على شيء من الجور وأن تبغض على شيء ~~من العدل وهل الدين إلا الحب والبغض قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله آل عمران فهذا يدل على أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما ~~يحبه متابعة للهوى والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي ويدل ~~على ذلك قوله قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله آل عمران فجعل ~~الله علامة الصدق في محبته اتباع رسوله فدل على أن المحبة لا تتم بدون ~~الطاعة والموافقة قال الحسن رحمه الله ms100 قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا رسول الله إنا نحب ربنا حبا شديدا فأحب الله أن يجعل لحبه علما ~~فأنزل الله هذه الآية قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله آل عمران ~~ومن هنا قال الحسن أعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته وسئل ذو النون ~~المصري متى أحب ربي قال إذا كان ما يبغضه عندك أمر من الصبر وقال بشر بن ~~السري ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك قال أبو يعقوب النهرجوري كل ~~من ادعى محبة الله عز وجل ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطل وقال رويم ~~المحبة الموافقة في كل الأحوال وقال يحيى بن معاذ ليس بصادق من ادعى محبة ~~الله ولم يحفظ حدوده وعن بعض السلف قال قرأت في بعض PageV01P075 الكتب ~~السالفة من أحب الله لم يكن عنده شيء آثر من مرضاته ومن أحب الدنيا لم يكن ~~عنده شيء آثر من هوى نفسه وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ~~أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان ومعني هذا أن كل ~~حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله فقد كمل إيمان العبد بذلك باطنا ~~وظاهرا ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح فإذا كان القلب صالحا ~~ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده ~~الله فسارعت إلى ما فيه رضاه وكفت عما يكرهه وعما يخشى أن يكون مما يكرهه ~~وإن لم يتيقن ذلك قال الحسن رضي الله عنه ما ضربت ببصري ولا نطقت بلساني ~~ولا بطشت بيدي ولا نهضت على قدمي حتى أنظر أعلى طاعة أو على معصية فإن كانت ~~طاعته تقدمت وإن كانت معصية تأخرت وقال محمد بن الفضل البلخي ما خطوت منذ ~~أربعين سنة خطوة لغير الله عز وجل وقيل لداود الطائي لو تنحيت من الظل إلى ~~الشمس فقال هذه خطي لا أدري كيف تكتب فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبهم فلم يبق ms101 ~~فيها إرادة لغير الله صلحت جوارحهم فلم تتحرك إلا لله عز وجل وبما فيه ~~مرضاته والله أعلم الحديث السابع عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ~~ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم رواه مسلم PageV01P076 هذا الحديث ~~خرجه مسلم من رواية سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي عن تميم ~~الداري وقد روي عن سهيل وغيره عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وخرجه الترمذي من هذا الوجه فمن العلماء من صححه من الطريقين ~~جميعا ومنهم من قال إن الصحيح حديث تميم والإسناد الآخر وهم وقد روي هذا ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وثوبان وابن عباس ~~وغيرهم وقد ذكرنا في أول الكتاب عن أبي داود أن هذا الحديث أحد الأحاديث ~~التي يدور عليها الفقه وقال الحافظ أبو نعيم هذا الحديث له شأن عظيم وذكر ~~محمد بن أسلم الطوسي أنه أحد أرباع الدين وخرجه الطبراني من حديث حذيفة بن ~~اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لا يهتم بأمر المسلمين فليس ~~منهم ومن لم يمس ويصبح ناصحا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين ~~فليس منهم وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال قال الله عز وجل أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي وقد ورد في أحاديث ~~كثيرة النصح للمسلمين عموما وفي بعضها النصح لولاة أمورهم وفي بعضها نصح ~~ولاة الأمور لرعاياهم فأما الأول وهو النصح للمسلمين عموما ففي الصحيحين عن ~~جرير بن عبدالله قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال حق المؤمن PageV01P077 على المؤمن ست فذكر ~~منها وإذا استنصحك فانصح له وروي هذا الحديث من وجوه أخر عن النبي صلى ms102 الله ~~عليه وسلم قال إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له وأما الثاني وهو النصح ~~لولاة الأمور ونصحهم لرعاياهم ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله يرضى لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ~~ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ~~ولاه الله أمركم وفي المسند وغيره عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال في خطبته بالخيف من منى ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ ~~مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين وقد روى هذه ~~الخطبة عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم أبو سعيد الخدري وقد روي من ~~حديث أبي سعيد بلفظ آخر خرجه الدارقطني في الأفراد بإسناد جيد ولفظه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم النصيحة لله ~~ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين وفي الصحيحين عن معقل بن يسار عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ما من عبد يسترعيه الله رعية ثم لم يحطها بنصحه إلا ~~لم يدخل الجنة وقد ذكر الله في كتابه عن الأنبياء عليهم السلام أنهم نصحوا ~~لأممهم كما أخبر الله بذلك عن نوح عليه السلام وعن صالح عليه السلام وقال ~~ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا ~~نصحوا لله ورسوله التوبة يعني أن من تخلف عن الجهاد لعذر فلا حرج عليه بشرط ~~أن يكون ناصحا لله ورسوله في تخلفه فإن المنافقين كانوا يظهرون الأعذار ~~كاذبين ويتخلفون عن الجهاد من غير نصح لله ورسوله وقد أخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن الدين النصيحة فهذا يدل على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام ~~والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل عليه السلام وسمى ذلك كله دينا ~~فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها وهو مقام ~~الإحسان فلا يكمل النصح لله بدون ms103 ذلك ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة ~~الواجبة والمستحبة ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرب إليه بنوافل الطاعات على ~~هذا الوجه وترك المحرمات والمكروهات على هذا الوجه أيضا وفي مراسيل الحسن ~~رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أرأيتم لو كان لأحدكم عبدان ~~فكان أحدهما يطيعه إذا أمره ويؤدى إليه إذا ائتمنه وينصح له إذا غاب عنه ~~وكان الآخر يعصيه إذا أمره ويخونه إذا ائتمنه ويغشه إذا غاب عنه كانا سواء ~~قالوا لا قال فكذا أنتم عند الله عز وجل خرجه ابن أبي الدنيا وخرج الإمام ~~أحمد معناه من حديث أبي الأحوص عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ~~الفضيل بن عياض الحب أفضل من الخوف ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يحبك ~~والآخر يخافك فالذي يحبك منهما ينصحك شاهدا كنت أو غائبا لحبه إياك والذي ~~يخافك عسى أن ينصحك إذا شهدت لما PageV01P078 يخافك ويغشك إذا غبت ولا ~~ينصحك قال عبد العزيز بن رفيع قال الحواريون لعيسى عليه الصلاة والسلام ما ~~الخالص من العمل قال مالا تحب أن يحمدك الناس عليه قالوا فما النصح لله قال ~~أن تبدأ بحق الله قبل حق الناس وإن عرض لك أمران أحدهما لله تعالى والآخر ~~للدنيا بدأت بحق الله تعالى وقال الخطابي النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي ~~إرادة الخير للمنصوح له قال وأصل النصح في اللغة الخلوص يقال نصحت العسل ~~إذا خلصته من الشمع فمعنى النصيحة لله سبحانه صحة الإعتقاد في وحدانيته ~~وإخلاص النية في عبادته والنصيحة لكتابه الإيمان به والعمل بما فيه ~~والنصيحة لرسوله التصديق بنبوته وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهي عنه ~~والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم انتهي وقد حكى الإمام أبو ~~عبدالله محمد بن نصر المروزي في كتابه تعظيم قدر الصلاة عن بعض أهل العلم ~~أنه فسر هذا الحديث بما لا مزيد على حسنه ونحن نحكيه هاهنا بلفظه إن شاء ~~الله تعالى قال محمد بن نصر قال بعض أهل العلم جماع تفسير النصيحة ms104 هي عناية ~~القلب للمنصوح له كائنا من كان وهي على وجهين أحدهما فرض والآخر نافلة ~~فالنصيحة المفترضة لله هي شدة العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ~~مافترض ومجانبة ما حرم وأما النصيحة التي هي نافلة فهي إيثار محبته على ~~محبة نفسه وذلك أن يعرض له أمران أحدهما لنفسه والآخر لربه فيبدأ بما كان ~~لربه ويؤخر ما كان لنفسه فهذه جملة تفسير النصيحة لله الفرض منه وكذلك ~~تفسير النافلة وسنذكر بعضه ليفهم بالتفسير من لا يفهم بالجملة فالفرض منها ~~مجانبة نهيه وإقامة فرضه بجميع جوارحه ما كان مطيقا له فإن عجر عن الإقامة ~~بفرضه لآفة حلت به من مرض أو حبس أو غير ذلك عزم على أداء ما افترض عليه ~~متى زالت عنه العلة المانعة له قال الله عز وجل ليس على الضعفاء ولا على ~~المرضى التوبة فسماهم محسنين لنصيحتهم لله بقلوبهم لما منعوا من الجهاد ~~بأنفسهم وقد ترفع الأعمال كلها عن العبد في بعض الحالات ولا يرفع عنهم ~~النصح لله فلو كان من مرض بحال لا يمكنه عمل شيء من جوارحه بلسان ولا غيره ~~غير أن عقله ثابت لم يسقط عنه النصح لله بقلبه وهو أن يندم على ذنوبه وينوي ~~إن صح أن يقوم بما افترض الله عليه ويجتنب ما نهاه عنه وإلا كان غير ناصح ~~لله بقلبه وكذلك النصح لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيما أوجبه على ~~الناس عن أمر ربه ومن النصح الواجب لله أن لا يرضى بمعصية العاصي ويحب طاعة ~~من أطاع الله ورسوله وأما النصيحة التي هي نافلة لا فرض فبذل المجهود ~~بإيثار الله تعالى على كل محبوب بالقلب وسائر الجوارح حتى لا يكون في ~~الناصح فضلا عن غيره لأن الناصح إذا اجتهد لم يؤثر نفسه عليه وقام بكل ما ~~كان في القيام به سروره ومحبته فكذلك الناصح لربه ومن تنفل لله بدون ~~الاجتهاد فهو ناصح على قدر عمله غير مستحق للنصح بكماله وأما النصيحة ~~لكتابه فشدة حبه وتعظيم قدره إذ هو كلام ms105 PageV01P079 الخالق وشدة الرغبة في ~~فهمه وشدة العناية في تدبره والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن ~~يفهمه عنه أو يقوم به له بعد ما يفهمه وكذلك الناصح من العباد يفهم وصية من ~~ينصحه إن ورد عليه كتاب من غني يفهمه ليقوم عليه بما كتب فيه إليه فكذلك ~~الناصح لكتاب ربه يعني يفهمه ليقوم لله بما أمره به كما يحب ربنا ويرضي ثم ~~ينشر ما فهم في العباد ويديم دراسته بالمحبة له والتخلق بأخلاقه والتأدب ~~بآدابه وأما النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم في حياته فبذل المجهود في ~~طاعته ونصرته ومعاونته وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته وأما بعد ~~وفاته فالعناية بطلب سنته والبحث عن أخلاقه وآدابه وتعظيم أمره ولزوم ~~القيام به وشدة الغضب والإعراض عمن يدين بخلاف سنته والغضب على من صنعها ~~لأثرة دنيا وإن كان متدينا بها وحب من كان منه بسبيل من قرابة أو صهر أو ~~هجرة أو نصرة أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام والتشبه به في زيه ~~ولباسه وأما النصيحة لأئمة المسلمين فحب صلاحهم ورشدهم وعدلهم وحب اجتماع ~~الأمة عليهم وكراهة افتراق الأمة عليهم والتدين بطاعتهم في طاعة الله عز ~~وجل والبغض لمن رأى الخروج عليهم وحب إعزازهم في طاعة الله عز وجل وأما ~~النصيحة للمسلمين فأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه ويشفق ~~عليهم ويرحم صغيرهم ويوقر كبيرهم ويحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم وإن ضره ذلك في ~~دنياه كرخص أسعارهم وإن كان في ذلك فوات ربح ما يبيع في تجارته وكذلك جميع ~~ما يضرهم عامة ويحب ما يصلحهم وألفتهم ودوام النعم عليهم ونصرهم على عدوهم ~~ودفع كل أذى ومكروه عنهم وقال أبو عمرو بن الصلاح النصيحة كلمة جامعة تتضمن ~~قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا فالنصيحة لله تعالى توحيده ~~ووصفه بصفات الكمال والجلال وتنزيه عما يضادها ويخالفها وتجنب معاصيه ~~والقيام بطاعته ومحابه بوصف الإخلاص والحب فيه والبغض فيه وجهاد من كفر به ~~تعالى وما ms106 ضاهى ذلك والدعاء إلى ذلك والحث عليه والنصيحة لكتابه الإيمان به ~~وتعظيمه وتنزيهه وتلاوته حق تلاوته والوقوف مع أوامره ونواهيه وتفهم علومه ~~وأمثاله وتدبر آياته والدعاء إليه وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه ~~والنصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم قريب من ذلك الإيمان به وبما جاء به ~~وتوقيره وتبجيله والتمسك بطاعته وإحياء سنته واستنشار علومه ونشرها ومعاداة ~~من عاداه وموالاة من والاه ووالاها والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة ~~آله وأصحابه ونحو ذلك والنصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق وطاعتهم ~~فيه وتذكيرهم به وتنبيههم في رفق ولطف ومجانبة الوثوب عليهم والدعاء لهم ~~بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم ~~وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم وستر عوراتهم وسد خلاتهم ونصرتهم على أعدائهم ~~والذب عنهم ومجانبة الغش والحسد لهم وأن يحب لهم PageV01P080 ما يحب لنفسه ~~ويكره لهم ما يكره لنفسه وما شابه ذلك انتهى ما ذكره ومن أنواع نصحهم دفع ~~الأذى والمكروه عنهم وإيثار فقيرهم وتعليم جاهلهم ورد من زاغ منهم عن الحق ~~في قول أو عمل بالتلطف في ردهم إلى الحق والرفق بهم في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر ومحبة إزالة فسادهم ولو بحصول ضرر له في دنياه كما قال ~~بعض السلف وددت أن هذا الخلق أطاعوا الله وأن لحمي قرض بالمقاريض وكان عمر ~~بن عبد العزيز يقول ياليتني عملت فيكم بكتاب الله وعملتم به فكلما عملت ~~فيكم بسنة وقع منى عضو حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي ومن أنواع النصح ~~لله تعالى وكتابه ورسوله وهو مما يختص به العلماء رد الأهواء المضلة ~~بالكتاب والسنة على موردها وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها وكذلك ~~رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردها ~~ومن ذلك بيان ما صح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح منه بتبيين ~~حال رواته ومن تقبل رواياته منهم ومن لا تقبل وبيان غلط من غلط من ثقاتهم ~~الذين تقبل روايتهم ومن أعظم أنواع النصح أن ينصح لمن ms107 استشاره في أمره كما ~~قال صلى الله عليه وسلم إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له وفي بعض الأحاديث ~~إن من حق المسلم على المسلم أن ينصح له إذا غاب ومعنى ذلك أنه إذا ذكر في ~~غيبة بالسوء أن ينصره ويرد عنه وإذا رأى من يريد أذاه في غيبته كفه عن ذلك ~~فإن النصح في الغيب يدل على صدق الناصح فإنه قد يظهر النصح في حضوره تملقا ~~ويغشه في غيبته وقال الحسن إنك لن تبلغ حق نصيحتك لأخيك حتى تأمره بما يعجز ~~عنه قال الحسن وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده إن ~~شئتم لأقسمن لكم بالله إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى ~~عباده ويحببون عباد الله إلى الله ويسعون في الأرض بالنصيحة وقال فرقد ~~السبخي قرأت في بعض الكتب المحب لله عز وجل أمير مؤمر على الأمراء زمرته ~~أول الزمر يوم القيامة ومجلسه أقرب المجالس فيما هناك والمحبة فيما هناك ~~والمحبة منتهى القربة والاجتهاد ولن يسأم المحبون من طول اجتهادهم لله عز ~~وجل ويحبونه ويحبون ذكره ويحببون إلى خلقه يمشون بين خلقه بالنصائح ويخافون ~~عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح أولئك أولياء الله وأحباؤه وصفوته أولئك ~~الذين لا راحة لهم دون لقائه وقال ابن علية في قول أبي بكر المزني ما فاق ~~أبو بكر رضي الله عنه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بصوم ولا صلاة ولكن ~~بشيء كان في قلبه قال الذي كان في قلبه الحب لله عز وجل والنصيحة في خلقه ~~وقال الفضيل بن عياض رحمه الله ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام ~~وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس وسلامة الصدور والنصح للأمة وسئل ابن ~~المبارك أي الأعمال أفضل قال النصح لله وقال معمر كان يقال PageV01P081 ~~أنصح الناس لك من خاف الله فيك وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرا ~~حتى قال بعضهم من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة ومن وعظه على رؤوس ~~الناس فإنما وبخه ms108 وقال الفضيل بن عياض رحمه الله المؤمن يستر وينصح والفاجر ~~يهتك ويعير وقال عبد العزيز بن أبي رواد كان من كان قبلكم إذا رأى الرجل من ~~أخيه شيئا يأمره في رفق فيؤجر في أمره ونهيه وإن أحد هؤلاء يخرق بصاحبه ~~فيستغضب أخاه ويهتك ستره وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن أمر السلطان ~~بالمعروف ونهيه عن المنكر فقال إن كنت فاعلا ولابد ففيما بينك وبينه وقال ~~الإمام أحمد رحمه الله ليس على المسلم نصح الذمي وعليه نصح المسلم وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم والنصح لكل مسلم وأن تنصح لجماعة المسلمين ~~وعامتهم الحديث الثامن عن عبدالله عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى ررواه البخاري ~~ومسلم PageV01P082 هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية واقد بن محمد بن ~~زيد بن عبدالله بن عمر عن أبيه عن جده عبدالله بن عمر وقوله إلا بحق ~~الإسلام هذه اللفظة تفرد بها البخاري دون مسلم وقد روى معنى هذا الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ففي صحيح البخاري عن أنس رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس يعني المشركين ~~حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فإذا شهدوا أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ~~ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وخرج الإمام أحمد من ~~حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا رسول الله ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا أو عصموا دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وحسابهم ms109 على الله عز وجل وخرجه ابن ماجه مختصرا وخرج ~~نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضا ولكن المشهور من رواية أبي هريرة ~~ليس فيه ذكر إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم منى ماله ونفسه إلا بحقها ~~وحسابه على الله عز وجل وفي رواية لمسلم PageV01P083 حتى يشهدوا أن لا إله ~~إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به وخرجه مسلم أيضا من حديث جابر رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ حديث أبي هريرة الأول وزاد في آخره ~~ثم قرأ فذكر إنما أنت مذكر الآية الغاشية وخرجه أيضا من حديث أبي مالك ~~الأشجعي عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من قال لا إله ~~إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم الله دمه وماله وحسابه على الله عز ~~وجل وقد روي عن سفيان بن عيينة أنه قال كان هذا في أول الإسلام قبل فرض ~~الصلاة والصيام والزكاة والهجرة وهذا ضعيف جدا وفي صحته عن سفيان نظر فإن ~~رواة هذه الأحاديث إنما صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ~~وبعضهم تأخر إسلامه ثم قوله عصموا منى دماءهم وأموالهم يدل على أنه كان عند ~~هذا القول مأمورا بالقتال ويقتل من أبي الإسلام وهذا كله بعد هجرته إلى ~~المدينة ومن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل ~~من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلما ~~فقد أنكر على أسامة ابن زيد قتله لمن قال لا إله إلا الله لما رفع عليه ~~السيف واشتد نكيره عليه ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يشترط على من ~~جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة بل قد روي أنه قبل من قوم ~~الإسلام واشترطوا ms110 أن لا يزكوا ففي مسند الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه ~~قال اشترطت ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليهم ~~ولاجهاد وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سيتصدقون ويجاهدون وفيه أيضا ~~عن نصر بن أيضا عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم أنه أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين فقبل منه وأخذ الإمام أحمد بهذه ~~الأحاديث وقال يصح الإسلام على الشرط الفاسد ثم يلزم بشرائع الإسلام كلها ~~واستدل أيضا بأن حكيم بن حزام قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على أن ~~لا آخر إلا قائما قال أحمد معناه أن يسجد من غير ركوع وخرج محمد بن نصر ~~المروزي بإسناد ضعيف جدا عن أنس رضي الله عنه قال لم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~وكانتا فريضتين على من أقر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالإسلام وذلك قول ~~الله عز وجل فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~المجادلة وهذا لا يثبت وعلى تقدير ثبوته فالمراد منه أنه لم يكن يقر أحدا ~~دخل في الإسلام على ترك الصلاة والزكاة وهذا حق فإنه صلى الله عليه وسلم ~~أمر معاذا لما بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أولا إلى الشهادتين وقال إن هم ~~أطاعوك لذلك فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة ومراده أن من صار PageV01P084 ~~مسلما بدخوله في الإسلام أمر بعد ذلك بإقام الصلاة ثم بإيتاء الزكاة وكان ~~من سأله عن الإسلام يذكر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام كما قال جبريل ~~عليه الصلاة والسلام لما سأله عن الإسلام وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائر ~~الرأس يسأله عن الإسلام وبهذا الذي قررناه يظهر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا ~~الباب ويتبين أن كلها حق فإن كلمتي الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما ~~ويصير بذلك مسلما فإذا دخل في الإسلام فإن أقام الصلاة وآتى الزكاة وقام ~~بشرائع الإسلام ms111 فله ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين وإن أخل بشيء من هذه ~~الأركان فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا وقد ظن بعضهم أن معنى الحديث أن ~~الكافر يقاتل حتى يأتي بالشهادتين ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة وجعلوا ذلك ~~حجة على خطاب الكفار بالفروع وفي هذا نظر وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قتال الكفار تدل على خلاف هذا وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليا يوم خيبر فأعطاه الراية وقال امش ولا ~~تلتفت حتى يفتح الله عليك فسار على شيئا ثم وقف فصرخ يا رسول الله على ماذا ~~أقاتل الناس فقال قاتلهم على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على ~~الله عز وجل فجعل مجرد الإجابة إلى الشهادتين عصمة للنفوس والأموال إلا ~~بحقها ومن حقها الامتناع عن الصلاة والزكاة بعد الدخول في الإسلام كما فهمه ~~الصحابة رضي الله عنهم ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة من القرآن قوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم التوبة وقوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم في الدين التوبة وقوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله البقرة مع قوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة البينة وثبت أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانا وإلا ~~أغار عليهم مع احتمال أن يكونوا قد دخلوا في الإسلام وكان يوصي سراياه إن ~~سمعتم مؤذنا أو رأيتم مسجدا فلا تقتلوا أحدا وقد بعث عيينة بن حصن إلى قوم ~~من بني العنبر فأغار عليهم ولم يسمع أذانا ثم ادعوا أنهم قد أسلموا قبل ذلك ~~وبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل عمان كتابا فيه من محمد النبي إلى ms112 ~~أهل عمان سلام عليكم أما بعد فأقروا بشهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول ~~الله وأدوا الزكاة وخطوا المساجد وإلا غزوتكم خرجه البزار والطبراني ~~وغيرهما فهذا كله يدل على أنه كان يعتبر حال الداخلين في الإسلام فإن ~~أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وإلا لم يمتنع عن قتالهم وفي هذا وقع تناظر أبي ~~بكر وعمر رضي الله عنهما كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ~~لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه بعده وكفر من كفر من العرب قال PageV01P085 عمر رضي الله عنه لأبي بكر ~~كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ~~ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل فقال أبو بكر رضي الله عنه والله ~~لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ولو منعوني عقالا ~~كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه فقال عمر ~~فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق ~~فأبو بكر رضي الله عنه أخذ قتالهم من قوله إلا بحقه فدل على أن قتال من أتى ~~بالشهادتين جائز ومن حقه أداء حق المال الواجب وعمر رضي الله عنه ظن أن ~~مجرد الإتيان بالشهادتين يعصم الدم في الدنيا تمسكا بعموم أول الحديث كما ~~ظن طائفة من الناس أن من أتى بالشهادتين امتنع من دخول النار في الآخرة ~~تمسكا بعموم ألفاظ وردت وليس الأمر على ذلك ثم إن عمر رجع إلى موافقة ~~الإمام أبي بكر رضي الله عنه وقد خرج النسائي قصة تناظر أبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما بزيادة وهي أن أبا بكر قال لعمر إنما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني ms113 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وخرجه ابن خزيمة في ~~صحيحه ولكن هذه الرواية خطأ أخطأ فيها عمران القطان إسنادا ومتنا قاله أئمة ~~الحفاظ منهم علي بن المديني وأبو زرعة وأبو حاتم والترمذي والنسائي ولم يكن ~~هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر ~~وإنما قال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق ~~المال وهذا أخذه والله أعلم من قوله في الحديث إلا بحقها وفي رواية إلا بحق ~~الإسلام فجعل من حق الإسلام إقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما أن من حقه أن لا ~~ترتكب الحدود وجعل كل ذلك مما استثني بقوله إلا بحقها وقوله لأقاتلن من فرق ~~بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال يدل على أن من ترك الصلاة فإنه ~~يقاتل لأنها حق البدن فكذلك من ترك الزكاة التي هي حق المال وفي هذا إشارة ~~إلى أن قتال تارك الصلاة أمر مجمع عليه لأنه جعله أصلا مقيسا عليه وليس هو ~~مذكورا في الحديث الذي احتج به عمر رضي الله عنه وأنه أخذ من قوله إلا ~~بحقها فكذلك الزكاة لأنها من حقها وكل ذلك من حقوق الإسلام ويستدل أيضا على ~~القتال على ترك الصلاة بما في صحيح مسلم عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد ~~سلم ولكن من رضي وتابع فقالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال لا ما صلوا ~~وحكم من ترك سائر أركان الإسلام أن يقاتلوا عليها كما يقاتلوا على ترك ~~الصلاة والزكاة وروى ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسقع أن أبا بكر الصديق ~~رضي الله عنه بعث خالد بن الوليد رضي الله PageV01P086 عنه وأمره أن يقاتل ~~الناس على خمس فمن ترك واحدة من الخمس فقاتلهم عليها كما تقاتل على الخمس ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~وصوم ms114 رمضان وقال سعيد بن جبير قال عمر بن الخطاب لو أن الناس تركوا الحج ~~لقاتلناهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة فهذا الكلام في قتال ~~الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات وأما قتل الواحد الممتنع عنها ~~فأكثر العلماء على أنه يقتل الممتنع عن الصلاة وهو قول مالك والشافعي وأحمد ~~وأبي عبيد وغيرهم ويدل على ذلك ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن خالد ~~بن الوليد استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل رجل فقال لا لعله أن ~~يكون يصلي فقال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم وفي ~~المسند للإمام أحمد رحمه الله عن عبيد الله بن عدي ابن الخيار أن رجلا من ~~الأنصار حدثه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في قتل رجل من ~~المنافقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم أليس يشهد أن لا إله إلا الله قال ~~بلى ولا شهادة له قال أليس يصلي قال بلى ولا صلاة قال أولئك الذين نهانا ~~الله عن قتلهم وأما قتل الممتنع عن أداء الزكاة ففيه قولان لمن قال يقتل ~~الممتنع من فعل الصلاة أحدهما يقتل أيضا وهو المشهور عن أحمد رحمه الله ~~ويستدل له بحديث بن عمر هذا والثاني لا يقتل وهو قول مالك والشافعي وأحمد ~~في رواية وأما الصوم فقال مالك وأحمد في رواية عنه يقتل بتركه وقال الشافعي ~~وأحمد في رواية لا يقتل بذلك ويستدل له بحديث ابن عمر وغيره مما في معناه ~~فإنه ليس في شيء منها ذكر الصوم ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب الصوم ~~ولم يجئ فيه شيء قلت وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا وموقوفا أن ~~من ترك الشهادتين أو الصلاة أو الصيام فهو كافر حلال الدم بخلاف الزكاة ~~والحج وقد سبق ذكر شرحه في حديث بني الإسلام على خمس وأما الحج فعن أحمد ms115 ~~رحمه الله في القتل بتركه روايتان وحمل بعض أصحابنا رواية قتله على من أخره ~~عازما على تركه بالكلية أو أخره وغلب على ظنه الموت في عامه وأما إن أخره ~~معتقدا أنه على التراخي كما يقوله كثير من العلماء فلا قتل بذلك وقوله صلى ~~الله عليه وسلم إلا بحقها وفي رواية إلا بحق الإسلام قد سبق أن أبا بكر ~~أدخل في هذا الحق فعل الصلاة والزكاة وأن من العلماء من أدخل فيه فعل ~~الصيام والحج أيضا ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من المحرمات وقد ورد ~~تفسير حقها بذلك خرجه الطبراني وابن جرير الطبري من حديث أنس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا ~~قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل قيل ~~وما حقها قال زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس فيقتل بها ولعل آخره ~~من قول أنس وقد قيل إن الصواب وقف الحديث كله عليه ويشهد لهذا ما في ~~الصحيحين عن PageV01P087 ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ~~بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ~~وسيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفي عند ذكره في موضعه من هذا الكتاب إن ~~شاء الله تعالى وقوله صلى الله عليه وسلم وحسابهم على الله عز وجل يعني أن ~~الشهادتين مع إقام الصلاة وإيتاء الزكاة تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا ~~إلا أن يأتي ما يبيح دمه وأما في الآخرة فحسابه على الله عز وجل فإن كان ~~صادقا أدخله الله بذلك الجنة وإن كان كاذبا فإنه من جملة المنافقين في ~~الدرك الأسفل من النار وقد تقدم أن في بعض الروايات في صحيح مسلم ثم تلا ~~فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب ~~الأكبر إن إلينا إيابهم ms116 ثم إن علينا حسابهم والمعنى إنما عليك أن تذكرهم ~~بالله وتدعوهم إليه ولست مسلطا على إدخال الإيمان في قلوبهم قهرا ولا مكلفا ~~بذلك ثم أخبر أن مرجع العباد كلهم إليه وحسابهم عليه وفي مسند البزار عن ~~عياض الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن لا إله إلا الله كلمة ~~على الله كريمة لها عند الله مكان وهي كلمة من قالها صادقا أدخله الله بها ~~الجنة ومن قالها كاذبا حقنت ماله ودمه ولقي الله غدا فحاسبهوقد استدل بهذا ~~من يرى قبول توبة الزنديق وهو المنافق إذا أظهر العود إلى الإسلام ولم ير ~~قتله بمجرد ظهور نفاقه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل المنافقين ~~ويجريهم على أحكام المسلمين في الظاهر مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن وهذا ~~قول الشافعي وأحمد في رواية عنه وحكاه الخطابي عن أكثر العلماء والله أعلم ~~الحديث التاسع عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا ~~منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على ~~أنبيائهم رواه البخاري ومسلم PageV01P088 هذا الحديث بهذا اللفظ خرجه مسلم ~~وحده من رواية الزهري عن سعيد ابن المسيب وأبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة ~~وخرجاه من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه وفي رواية له ذكر ~~سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال خطبنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يأيها الناس قد فرض الله عليكم الحج ~~فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms117 لوقلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم ~~فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء ~~فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه وخرجه الدارقطني من وجه آخر ~~مختصرا وقال فيه فنزل قوله تعالى يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن ~~تبد لكم تسؤكم المائدة وقد روي من غير وجه أن هذه الآية نزلت لما سألوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الحج وقالوا أفي كل عام وفي الصحيحين عن أنس ~~رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من أبي فقال ~~فلان فنزلت هذه الآية لا تسألوا عن أشياء المائدة وفيهما أيضا عن قتادة عن ~~أنس قال سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة فغضب ~~فصعد المنبر فقال لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته فقام رجل كان إذا لاحى ~~PageV01P089 الرجل دعي إلى غير أبيه فقال يا رسول الله من أبي قال أبوك ~~حذافة ثم أنشأ عمر فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا نعوذ ~~بالله من الفتن وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية يأيها الذين ~~آمنوا لا تسألوا عن أشياء المائدة وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قالكان قوم ~~يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل من أبي ويقول ~~الرجل تضل ناقته أين ناقتي فأنزل الله هذه الآية يأيها الذين آمنوا لا ~~تسألوا عن أشياء المائدة وخرج ابن جرير الطبري في تفسيره من حديث أبي هريرة ~~قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على ~~المنبر فقام إليه رجل فقال أين أنا فقال في النار فقام إليه آخر فقال من ~~أبي قال أبوك حذافة فقام عمر رضي الله عنه فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام ~~دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك ~~والله أعلم بآبائنا قال فسكن غضبه ونزلت هذه الآية ياأيها الذين ms118 آمنوا لا ~~تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم المائدة وروي أيضا من طريق العوفي عن ابن ~~عباس في قوله يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم ~~المائدة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس فقال يا قوم كتب ~~عليكم الحج فقام رجل فقال يا رسول الله أفي كل عام فأغضب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غضبا شديدا فقال والذي نفسي بيده لوقلت نعم لوجبت ولو وجبت ~~ما استطعتم وإذن لكفرتم فاتركوني ما تركتم فإذا أمرتكم بشيء فافعلوا وإذا ~~نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه فأنزل الله عز وجل يأيها الذين آمنوا لا تسألوا ~~عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم المائدة نهاهم أن يسألوا مثل الذي سألت النصارى ~~في المائدة فأصبحوا بها كافرين فنهى الله تعالى عن ذلك ولكن انظروا فإذا ~~نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه فدلت هذه الأحاديث على ~~النهي عن السؤال عما لا يحتاج إليه ما يسوء السائل جوابه مثل سؤال السائل ~~هل هو في النار أو في الجنة وهل أبو ما ينسب إليه أو غيره وعلى النهي عن ~~السؤال على وجه التعنت والعبث والاستهزاء كما كان يفعله كثير من المنافقين ~~وغيرهم وقريب من ذلك سؤال الآيات واقتراحها على وجه التعنت كما كان يسأله ~~المشركون وأهل الكتاب وقال عكرمة وغيره إن الآية نزلت في ذلك ويقرب من ذلك ~~السؤال عما أخفاه الله عن عباده ولم يطلعهم عليه كالسؤال عن وقت الساعة وعن ~~الروح ودلت أيضا على نهى المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلال والحرام مما ~~يخشى أن يكون السؤال سببا لنزول التشديد فيه كالسؤال عن الحج هل يجب كل عام ~~أم لا وفي الصحيح عن سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل ~~مسألته ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللعان كره المسائل وأعابها ~~حتى ابتلي ms119 السائل به عينه قبل وقوعه بذلك في أهله وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ولم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يرخص في المسائل إلا PageV01P090 للأعراب ونحوهم من الوفود ~~القادمين عليه يتألفهم بذلك فأما المهاجرون والأنصار المقيمون بالمدينة ~~الذين رسخ الإيمان في قلوبهم نهوا عن المسئلة كما في صحيح مسلم عن النواس ~~بن سمعان قال أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنة ما يمنعني ~~من الهجرة إلا المسئلة كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفيه أيضا عن أنس رضي الله عنه قال نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ~~ونحن نسمع وفي المسند عن أبي أمامة قال كان الله قد أنزل يأيها الذين آمنوا ~~لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم المائدة قال فكنا قد كرهنا كثيرا من ~~مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم قال فأتينا ~~أعرابيا فرشوناه بردا ثم قلنا له سل النبي صلى الله عليه وسلم وذكر حديثا ~~وفي مسند أبي يعلى عن البراء بن عازب قال إن كان لتأتي على السنة أريد أن ~~أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فأتهيب منه وإن كنا لنتمنى ~~الأعراب وفي مسند البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ما رأيت قوما خيرا ~~من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها ~~في القرآن يسألونك عن الخمر والميسر البقرة يسألونك عن الشهر الحرام البقرة ~~يسألونك عن الأهلة البقرة ويسألونك عن اليتامى البقرة وذكر الحديث وقد كان ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها ~~لكن للعمل بها عند وقوعها كما قالوا له إنا لاقوا العدو غدا وليس معنا مدى ~~أفنذبح بالقصب وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده وعن طاعتهم ms120 وقتالهم ~~وسأله حذيفة عن الفتن وما يصنع فيها فبهذا الحديث وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم وهو يدل على كراهة المسائل وذمها ولكن بعض الناس يزعم أن ذلك كان ~~مختصا بزمن النبي صلى الله عليه وسلم لما يخشى حينئذ من تحريم ما لم يحرم ~~أو إيجاب ما يشق القيام به وهذا قد أمن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ولكن ~~ليس هذا وحده هو سبب كراهة المسائل بل له سبب آخر وهو الذي أشار إليه ابن ~~عباس في كلامه الذي ذكرنا بقوله ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لا ~~تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه ومعنى هذا أن جميع ما يحتاج إليه المسلمون ~~في دينهم لا بد أن يبينه الله في كتابه العزيز ويبلغ ذلك رسوله صلى الله ~~عليه وسلم عنه فلا حاجة بعد هذا لأحد في السؤال فإن الله تعالى أعلم بمصالح ~~عباده منهم فما كان فيه هدايتهم ونفعهم فإن الله تعالى لا بد أن يبينه لهم ~~ابتداء من غير سؤال كما قال يبين الله لكم أن تضلوا وحينئذ فلا حاجة إلى ~~السؤال عن شيء ولا سيما قبل وقوعه والحاجة إليه وإنما الحاجة المهمة إلى ~~فهم ما أخبر الله به ورسوله ثم اتباع ذلك والعمل به وقد كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يسئل عن المسائل فيحيل على القرآن كما سأله عمر عن الكلالة فقال ~~يكفيك آية الصيف وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى أن ~~في الاشتغال بامتثال أمره واجتناب نهيه شغلا عن المسائل فقال إذا نهيتكم عن ~~شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فالذي يتعين على ~~المسلم PageV01P091 الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم ثم يجتهد في فهم ذلك والوقوف على معانيه ثم يشتغل ~~بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية وإن كان من الأمور العملية بذل ~~وسعه في الاجتهاد ms121 في فعل ما يستطيعه من الأوامر واجتناب ما ينهى عنه فيكون ~~همته مصروفة بالكلية إلى ذلك لا إلى غيره وهكذا كان حال أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع من الكتاب والسنة ~~فأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع ~~وقد لا تقع فإن هذا مما يدخل في النهي ويثبط عن الجد في متابعة الأمر وقد ~~سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر فقال له رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستلمه ويقبله فقال له الرجل أرأيت إن غلبت عنه أرأيت إن زوحمت فقال له ابن ~~عمر اجعل أرأيت باليمن رأيت رسول الله يستلمه وقبله خرجه الترمذي ومراد ابن ~~عمر أن لا يكون لك هم إلا في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا حاجة ~~إلا فرض العجز عن ذلك أو تعسره قبل وقوعه فإنه يفتر العزم على التصميم عن ~~المتابعة فإن التفقه في الدين والسؤال عن العلم إنما يحمد إذا كان للعمل لا ~~للمراء والجدال وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه ذكر فتنا تكون في آخر ~~الزمان فقال له عمر متى ذلك يا علي قال إذا تفقه لغير الدين وتعلم لغير ~~العمل والتمست الدنيا بعمل الآخرة وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال كيف ~~بكم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير وتتخذ سنة فإن غيرت ~~يوما قيل هذا منكر قالوا ومتى ذلك قال إذا قلت أمناؤكم وكثرت أمراؤكم وقلت ~~فقهاؤكم وكثرت قراؤكم وتفقه لغير الدين والتمست الدنيا بعمل الآخرة خرجها ~~عبدالرازق في كتابه ولهذا المعنى كان كثير من الصحابة والتابعين يكرهون ~~السؤال عن الحوادث قبل وقوعها ولا يجيبون عن ذلك قال عمرو بن مرة خرج عمر ~~على الناس فقال أحرج عليكم أن تسألون عن ما لم يكن فإن لنا فيما كان شغلا ~~وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر رضي ~~الله عنه ms122 لعن السائل عما لم يكن وكان زيد بن ثابت إذا سئل عن شيء يقول كان ~~هذا فإن قالوا لا قال دعوه حتى يكون وقال مسروق سألت أبي بن كعب عن شيء ~~فقال أكان بعد فقلت لا فقال أجمعنا يعني أرحنا حتى يكون فإذا كان اجتهدنا ~~لك رأينا وقال الشعبي سئل عمار عن مسئلة فقال هل كان هذا بعد قالوا لا قال ~~فدعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناه لكم وعن الصلت بن راشد قال سألت طاوسا عن ~~شيء فانتهرني فقال أكان هذا قلت نعم قال آلله قلت آلله أصحابنا أخبرونا عن ~~معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال يأيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله ~~فيذهبكم هاهنا وهاهنا فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله لم ينفك ~~المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد أو قال وفق وقد خرجه أبو داود في ~~كتاب المراسيل مرفوعا من PageV01P092 طريق ابن عجلان عن طاوس عن معاذ بن ~~جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها ~~فإنكم إن لم تفعلوا لم ينفك المسلمون أن يكون منهم من إذا قال سدد ووفق ~~وأنكم إن عجلتم تشتت بكم السبل هاهنا وهاهنا ومعنى إرساله أن طاوسا لم يسمع ~~من معاذ وخرجه أيضا من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن النبي مرسلا ~~وروى الحجاج بن منهال حدثنا جرير بن حازم سمعت الزبير بن سعيد رجلا من بني ~~هاشم قال سمعت أشياخنا يحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يزال ~~في أمتي من إذا سئل سدد وأرشد حتى يسألوا عن ما لا ينزل تبيينه فإذا فعلوا ~~ذلك ذهب بهم هاهنا وهاهنا وقد روى الصنابحي عن معاوية عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه نهى عن الأغلوطات خرجه الإمام أحمد رحمه الله وفسره الأوزاعي ~~وقال هي شداد المسائل وقال عيسى بن يونس هي ما لا يحتاج إليه من كيف وكيف ~~ويروي من حديث ثوبان عن النبي صلى ms123 الله عليه وسلم قال سيكون قوم من أمتي ~~يغلطون فقهاءهم بعضل المسائل أولئك شرار أمتي وقال الحسن شرار عباد الله ~~الذين يتبعون شرار المسائل يعمون بها عباد الله وقال الأوزاعي إن الله إذا ~~أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقي على لسانه المغاليط فلقد رأيتهم أقل ~~الناس علما وقال ابن وهب عن مالكم أدركت هذه البلدة وإنهم ليكرهون الإكثار ~~الذي فيه الناس اليوم يريد المسائل وقال أيضا سمعت مالكا وهو يعيب كثرة ~~الكلام وكثرة الفتيا ثم قال يتكلم كأنه جمل مغتلم يقول هو كذا هو كذا يهدر ~~في كلامه وقال سمعت مالكا يكره الجواب في كثرة المسائل وقال قال الله عز ~~وجل ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي الإسراء فلم يأته في ذلك جواب ~~فكان مالك يكره المجادلة عن السنن وقال أيضا الهيثم بن جميل قلت لمالك يا ~~أبا عبدالله الرجل يكون عالما بالسنن يجادل عنها قال لا ولكن يخبر بالسنة ~~فإن قبلت منه وإلا سكت قال إسحاق بن عيسي كان مالك يقول المراء والجدال في ~~العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل وقال وهب سمعت مالكا يقول المراء في ~~العلم يقسي القلب ويؤثر الضغن وكان أبو شريح الإسكندراني يوما في مجلسه ~~فكثرت المسائل فقال قد درنت قلوبكم منذ اليوم فقوموا إلى أبي حميد خالد ابن ~~حميد صقلوا قلوبكم وتعلموا هذه الرغائب فإنها تجدد العبادة وتورث الزهادة ~~وتجر الصداقة وأقلوا المسائل إلا ما نزل فإنها تقسي القلب وتورث العداوة ~~وقال الميموني سمعت أبا عبدالله يعني أحمد يسأل عن مسألة فقال وقعت هذه ~~المسألة بليتم بها بعد وقد انقسم الناس في هذا الباب قسمان فمن أتباع أهل ~~الحديث من سد باب المسائل حتى قل فهمه وعلمه لحدود ما أنزل الله على رسوله ~~وصار حامل فقه غير فقيه ومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل قبل ~~وقوعها ما يقع في العادة منها وما لا يقع واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك ~~وكثرة الخصومات فيه والجدال عليه حتى يتولد من ms124 ذلك افتراق القلوب ويستقر ~~فيها بسببه الأهواء والشحناء PageV01P093 والعداوة والبغضاء ويقترن ذلك ~~كثيرا بنية المغالبة وطلب العلو والمباهاة وصرف وجوه الناس وهذا مما ذمه ~~العلماء الربانيون ودلت السنة على قبحه وتحريمه وأما فقهاء أهل الحديث ~~العاملون به فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله وما يفسره من السنن ~~الصحيحة وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان وعن سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومعرفة صحيحها وسقيمها ثم التفقه فيها وفهمها والوقوف على ~~معانيها ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من ~~التفسير والحديث ومسائل الحلال والحرام وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ~~ذلك وهذا هو طريق الإمام أحمد ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين وفي ~~معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أحدث من الرأي ما لا ينتفع به ولا يقع ~~وإنما يورث التجادل فيه كثرة الخصومات والجدال وكثرة القيل والقال وكان ~~الإمام أحمد كثيرا إذا سئل عن شيء من المسائل المحدثة المتولدات التي لا ~~تقع يقول دعونا من هذه المسائل المحدثة وما أحسن ما قاله يونس بن سليمان ~~السقطي نظرت في الأمر فإذا هو الحديث والرأي فوجدت في الحديث ذكر الرب عز ~~وجل وربوبيته وإجلاله وعظمته وذكر العرش وصفة الجنة والنار وذكر النبيين ~~والمرسلين والحلال والحرام والحث على صلة الأرحام وجماع الخير فيه ونظرت في ~~الرأي فإذا فيه المكر والغدر والحيل وقطيعة الأرحام وجماع الشر فيه وقال ~~أحمد بن شبويه من أراد علم القبر فعليه بالآثار ومن أراد علم الخير فعليه ~~بالرأي ومن سلك طريقه لطلب العلم على ما ذكرناه تمكن من فهم جواب الحوادث ~~الواقعة غالبا لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها ولابد أن يكون ~~سلوك هذا الطريق خلاف أئمة أهل الدين المجمع على هدايتهم ودرايتهم كالشافعي ~~وأحمد وإسحق وأبي عبيد ومن سلك مسلكهم فإن من ادعى سلوك هذا الطريق على غير ~~طريقهم وقع في مفاوز ومهالك وأخذ بما لا يجوز الأخذ به وترك ما يجب العمل ~~به وملاك الأمر كله أن يقصد بذلك ms125 وجه الله عز وجل والتقرب إليه بمعرفة ما ~~أنزل على رسوله وسلوك طريقه والعمل بذلك ودعاء الخلق إليه ومن كان كذلك ~~وفقه الله وسدده وألهمه رشده وعلمه ما لم يكن يعلم وكان من العلماء ~~الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء فاطر ~~ومن الراسخين في العلم وقد خرج ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي الدرداء ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم ~~فقال من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه ومن عف بطنه وفرجه فذلك من ~~الراسخين في العلم قال نافع بن زيد يقال الراسخون في العلم المتواضعون لله ~~والمتذللون لله في مرضاته لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحقرون من دونهم ~~ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم أتاكم أهل اليمن هم أبر قلوبا ~~PageV01P094 وأرق أفئدة الإيمان يماني والفقه يماني والحكمة يمانية وهذا ~~إشارة منه إلى أبي موسى الأشعري ومن كان على طريقه من علماء أهل اليمن ثم ~~إلى مثل أبي موسى الخولاني وأويس القرني وطاوس ووهب بن منبه وغيرهم من ~~علماء أهل اليمن وكل هؤلاء من العلماء الربانيين الخائفين لله فكلهم علماء ~~بالله يخشونه ويخافونه وبعضم أوسع علما بأحكام الله وشرائع دينه من بعض ولم ~~يكن تمييزهم عن الناس بكثرة قيل وقال ولا بحث ولا جدال وكذلك معاذ ابن جبل ~~رضي الله عنه أعلم الناس بالحلال والحرام وهو الذي يحشر يوم القيامة أمام ~~العلماء برتوة ولم يكن علمه بتوسعة المسائل وتكثيرها بل قد سبق عنه كراهة ~~الكلام فيما لا يقع وإنما كان عالما بالله وعالما بأصول دينه رضي الله عنه ~~وقد قيل للإمام أحمد من نسأل بعدك قال عبدالوهاب الوراق قيل له إنه ليس له ~~اتساع في العلم قال إنه رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق وسئل عن معروف ~~الكرخي فقال كان معه أصل العلم خشية الله وهذا يرجع إلى قول بعض السلف كفى ~~بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا وهذا ms126 باب واسع يطول استقصاؤه ~~ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه فنقول من لم يشتغل بكثرة ~~المسائل التي لا توجد مثلها في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بل اشتغل بفهم كلام الله ورسوله وقصده بذلك امتثال الأوامر واجتناب النواهي ~~فهو ممن امتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وعمل ~~بمقتضاه ومن لم يكن اهتمامه بفهم ما أنزل الله على رسله واشتغل بكثرة توليد ~~المسائل قد تقع وقد لا تقع وتكلف أجوبتها بمجرد الرأي خشي عليه أن يكون ~~مخالفا لهذا الحديث مرتكبا لنهيه تاركا لأمره واعلم أن كثرة وقوع الحوادث ~~التي لا أصل لها في الكتاب والسنة وإنما هو من ترك الاشتغال بامتثال أوامر ~~الله ورسوله واجتناب نواهي الله ورسوله فلو أن من أراد أن يعمل عملا سأل ~~عما شرع الله في ذلك العمل فامتثله وعما نهى عنه فيه فاجتنبه وقعت الحوادث ~~مقيدة بالكتاب والسنة وإنما يعمل العامل بمقتضى رأيه وهواه فتقع الحوادث ~~عامتها مخالفة لما شرعه الله وربما عسر ردها إلى الأحكام المذكورة في ~~الكتاب والسنة لبعدها عنها وفي الجملة فمن امتثل ما أمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم في هذا الحديث وانتهي عما نهى عنه وكان مشتغلا بذلك عن غيره حصل ~~له النجاة في الدنيا والآخرة ومن خالف ذلك واشتغل بخواطره وما يستحسنه وقع ~~فيما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم من حال أهل الكتاب الذين هلكوا ~~بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم ~~PageV01P095 وقوله صلى الله عليه وسلم إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا ~~أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم قال بعض العلماء هذا يؤخذ منه أن النهي ~~أشد من الأمر لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه والأمر قيد بحسب ~~الاستطاعة وروى هذا عن الإمام أحمد رحمه الله ويشبه هذا قول بعضهم أعمال ~~البر يعملها البر الفاجر وأما المعاصي فلا يتركها إلا صديق وروي عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي ms127 صلى الله عليه وسلم قال له اتق المحارم تكن ~~أعبد الناس وقالت عائشة رضي الله عنها من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف ~~عن الذنوب وروي مرفوعا وقال الحسن ما عبد العابدون بشيء أفضل من ترك ما ~~نهاهم الله عنه والظاهر أن ما ورد من تفضيل ترك المحرمات على فعل الطاعات ~~إنما أريد به على نوافل الطاعات وإلا فجنس الأعمال الواجبات أفضل من جنس ~~ترك المحرمات لأن الأعمال مقصودة لذاتها والمحارم مطلوب عدمها ولذلك لا ~~تحتاج إلى نية بخلاف الأعمال وكذلك كان جنس ترك الأعمال قد تكون كفرا كترك ~~التوحيد وكترك أركان الإسلام أو بعضها على ما سبق بخلاف ارتكاب المنهيات ~~فإنه لا يقتضي الكفر بنفسه ويشهد لذلك قول ابن عمر رضي الله عنهما لرد دانق ~~من حرام أفضل من مائة ألف تنفق في سبيل الله وعن بعض السلف قال ترك دانق ~~مما يكرهه الله أحب إلى الله من خمسمائة حجة وقال ميمون بن مهران ذكر الله ~~باللسان حسن وأفضل منه أن يذكر الله العبد عند المعصية فيمسك عنها وقال ابن ~~المبارك لأن أرد درهما من شبهة أحب إلى من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف ~~حتى بلغ ستمائة ألف وقال عمر بن عبدالعزيز ليست التقوى قيام الليل وصيام ~~النهار والتخليط فيما بين ذلك ولكن التقوى أداء ما افترض الله وترك ما حرم ~~الله فإن كان مع ذلك عمل فهو خير إلى خير أو كما قال وقال أيضا وددت أني لا ~~أصلي غير الصلوات الخمس سوى الوتر وأن أؤدي الزكاة ولا أتصدق بعدها بدرهم ~~وأن أصوم رمضان ولا أصوم بعده يوما أبدا وأن أحج حجة الإسلام ثم لا أحج ~~بعدها أبدا ثم أعمد إلى فضل قوتي فأجعله فيما حرم الله على فأمسك عنه وحاصل ~~كلامهم يدل على اجتناب المحرمات وإن قلت فهي أفضل من الإكثار من نوافل ~~الطاعات فإن ذلك فرض وهذا نفل وقال طائفة من المتأخرين إنما قال صلى الله ~~عليه وسلم إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم ms128 بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم لأن امتثال الأمر لا يحصل إلا بعمل والعمل يتوقف وجوده على شروط ~~وأسباب وبعضها قد لا يستطاع فلذلك قيده بالاستطاعة كما قيد الله الأمر ~~بالتقوى بالاستطاعة قال الله PageV01P096 عز وجل فاتقوا الله ما استطعتم ~~وقال في الحج ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا آل عمران وأما ~~النهي فالمطلوب عدمه وذلك هو الأصل فالمقصود استمرار العدم الأصلي وذلك ~~ممكن وليس فيه ما لا يستطاع وهذا فيه أيضا نظر فإن الداعي إلى فعل المعاصي ~~قد يكون قويا لا صبر معه للعبد على الامتناع مع فعل المعصية مع القدرة ~~عليها فيحتاج للكف عنها حينئذ إلى مجاهدة شديدة وربما كانت أشق على النفوس ~~من مجرد مجاهدة النفوس على فعل الطاعات ولهذا يوجد كثيرا من يجتهد في فعل ~~الطاعات ولا يقوي على ترك المحرمات وقد سئل عمر عن قوم يشتهون المعصية ولا ~~يعملون بها فقال أولئك قوم امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ~~وقال يزيد بن ميسرة يقول الله في بعض الكتب أيها الشاب التارك لشهوته ~~المتبذل في شبابه من أجلي أنت عندي كبعض ملائكتي وقال ما أشد الشهوة في ~~الجسد إنها مثل حريق النار وكيف ينجو منها الحصوريون والتحقيق في هذا أن ~~الله لا يكلف العباد من الأعمال ما لا طاقة لهم به وقد أسقط عنهم كثيرا من ~~الأعمال بمجرد المشقة رخصة عليهم رحمة لهم وأما المناهي فلم يعذر أحد ~~بارتكابها بقوة الداعي والشهوات بل كلفهم تركها على كل حال وإن ما أباح أن ~~يتناولوا من المطاعم المحرمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة لا لأجل ~~التلذذ والشهوة ومن هنا يعلم صحة ما قال الإمام أحمد رحمه الله إن النهي ~~أشد من الأمر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ثوبان وغيره أنه ~~قال استقيموا ولن تحصوا يعني لن تقدروا على الاستقامة كلها وروى الحكم بن ~~حزن الكلفي قال وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه الجمعة ~~فقام ms129 رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئا على عصا أو قوس فحمد الله وأثنى ~~عليه بكلمات خفيفات طيبات مباركات ثم قال يأيها الناس إنكم لن تطيقوا ولن ~~تفعلوا كل ما أمرتكم به ولكن سددوا وأبشروا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود ~~وفي قوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم دليل ~~على أن من عجز عن فعل المأمور به كله وقدر على بعضه فإنه يأتي بما أمكن منه ~~وهذا مطرد في مسائل منها الطهارة فإذا قدر على بعضها وعجز عن الباقي إما ~~لعدم الماء أو لمرض في بعض أعضائه دون بعض فإنه يأتي من ذلك بما قدر عليه ~~ويتيمم للباقي وسواء في ذلك الوضوء والغسل على المشهور ومنها الصلاة فمن ~~عجز عن فعل الفريضة قائما صلى قاعدا فإن عجز صلاها مضطجعا وفي صحيح البخاري ~~عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صل قائما ~~فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك فإن عجز عن ذلك كله أومأ بطرفه ~~وصلي بنيته ولم تسقط عنه الصلاة على المشهور ومنها زكاة الفطر فإذا قدر على ~~إخراج بعض صاع لزمه ذلك على الصحيح فأما من PageV01P097 قدر على صيام بعض ~~النهار دون تكملته فلا يلزمه ذلك بغير خلاف لأن صيام بعض اليوم ليس بقربة ~~في نفسه وكذلك لو قدر على عتق بعض رقبة في الكفارة لم يلزمه لأن تبعيض ~~العتق غير محبوب للشارع بل أمر بتكملته بكل طريق وأما من فاته الوقوف بعرفة ~~في الحج فهل يأتي بما بقي منه من المبيت بمزدلفة ورمي الجمار أم لا بل ~~يقتصر على الطواف والسعي ويتحلل بعمرة على روايتين عن أحمد أشهرهما أنه ~~يقتصر على الطواف والسعي لأن المبيت والرمي من لواحق الوقوف بعرفة وتوابعه ~~وإنما أمر الله تعالى بذكره عند المشعر الحرام وبذكره في الأيام المعدودات ~~لمن أفاض من عرفات فلا يؤمر به من لا يقف بعرفة كما لا يؤمر به المعتمر ~~والله أعلم الحديث العاشر ms130 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله تعالى أمر ~~المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى يأيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا المؤمنون وقال تعالى ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون البقرة ثم ذكر الرجل يطيل السفر ~~أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه ~~حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك رواه مسلم PageV01P098 هذا الحديث خرجه ~~مسلم من رواية فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة ~~وخرجه الترمذي وقال حسن غريب وفضيل بن مرزوق ثقة وسط خرج له مسلم دون ~~البخاري وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله طيب هذا قد جاء أيضا من حديث سعد ~~بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله طيب يحب ~~الطيب نظيف يحب النظافة وجواد يحب الجود خرجه الترمذي وفي إسناده مقال ~~والطيب هنا معناه الطاهر والمعنى أن الله سبحانه وتعالى مقدس منزه عن ~~النقائص والعيوب كلها وهذا كما في قوله تعالى والطيبات للطيبين والطيبون ~~للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون والمراد المنزهون من أدناس الفواحش ~~وأوضارها وقوله لا يقبل إلا طيبا قد ورد معناه في حديث الصدقة ولفظه لا ~~يتصدق أحد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا والمراد أنه تعالى لا ~~PageV01P099 يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبا حلالا وقد قيل إن المراد في ~~هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله لا يقبل إلا طيبا أعم من ذلك وهو أن ~~لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبا طاهرا من المفسدات كلها كالرياء والعجب ~~ولا من الأموال إلا ما كان طيبا حلالا فإن الطيب يوصف به الأعمال والأقوال ~~والاعتقادات وكل هذه تنقسم إلى طيب وخبيث وقد قيل إنه يدخل في قوله تعالى ~~قل لا يستوي ms131 الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث المائدة هذا كله وقد قسم ~~الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث فقال ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ~~إبراهيم ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة إبراهيموقال تعالى إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه فاطر ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يحل ~~الطيبات ويحرم الخبائث وقد قيل إنه يدخل في ذلك الأقوال والأعمال ~~والاعتقادات أيضا ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب بقوله تعالى الذين ~~تتوفاهم الملائكة طيبين النحل وإن الملائكة تقول عند الموت اخرجي أيتها ~~النفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب وإن الملائكة تسلم عليهم عند دخولهم ~~الجنة يقولون لهم طبتم وقد ورد في الحديث أن المؤمن إذا زار أخاه في الله ~~تقول له الملائكة طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا فالمؤمن كله طيب ~~قلبه ولسانه وجسده بما يسكن في قلبه من الإيمان وظهر على لسانه من الذكر ~~وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان وداخلة في اسمه في ~~هذه الطيبات كلها يقبلها الله عز وجل ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال ~~للمؤمن من طيب مطعمه وأن يكون من حلال فبذلك يزكو عمله وفي هذا الحديث ~~إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال وإن أكل الحرام يفسد ~~العمل ويمنع قبوله فإنه قال بعد تقريره إن الله لا يقبل إلا طيبا وإن الله ~~أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى يأيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا المؤمنون وقال يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون البقرة والمراد بهذا أن الرسل وأممهم ~~مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال وبالعمل الصالح فما كان الأكل ~~حلالا فالعمل الصالح مقبول فإذا كان الأكل غير حلال فكيف يكون العمل مقبولا ~~وما ذكره بعد ذلك من الدعاء وأنه كيف يتقبل مع الحرام فهو مثال لاستبعاد ~~قبول الأعمال مع التغذية بالحرام وقد خرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما ms132 قال تليت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ~~يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا البقرة فقام سعد بن أبي وقاص ~~فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة والذي نفس محمد بيده إن ~~العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عملا أربعين يوما ~~وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله ~~بإسناد فيه نظر أيضا عن ابن PageV01P100 عمر رضي الله عنهما قال من اشترى ~~ثوبا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام لم يتقبل الله له صلاته ما كان عليه ثم ~~أدخل أصبعيه في أذنيه فقال صمتا إن لم أكن سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويروى من حديث على رضي الله عنه مرفوعا معناه أيضا خرجه البزار ~~وغيره بإسناده ضعيف جدا وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف من حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا خرج الرجل حاجا بنفقة ~~طيبة ووضع رجله في الغرز فنادي لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لبيك ~~وسعديك وزادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور وإذا خرج الرجل ~~بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من ~~السماء لا لبيك لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور ~~ويروى من حديث عمر رضي الله عنه بنحوه بإسناد ضعيف أيضا وروي أبو يحيى ~~القتات عن مجاهد عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لا يقبل الله ~~صلاة امريء في جوفه حرام وقد اختلف العلماء في حج من حج بمال حرام ومن صلى ~~في ثوب حرام هل يسقط عنه فرض الصلاة والحج بذلك وفيه عن الإمام أحمد رحمه ~~الله روايتان وهذه الأحاديث المذكورة تدل على أنه لا يتقبل العمل مع مباشرة ~~الحرام لكن القبول قد يراد به الرضا ms133 بالعمل ومدح فاعله والثناء عليه بين ~~الملائكة والمباهاة به وقد يراد به حصول الثواب والأجر عليه وقد يراد به ~~سقوط الفرض به من الذمة فإن كان المراد ههنا القبول بالمعنى الأول أو ~~الثاني لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة كما ورد أنه لا تقبل صلاة ~~الآبق ولا المرأة التي زوجها عليها ساخط ولا من أتى كاهنا ولا من شرب خمرا ~~أربعين يوما والمراد والله أعلم نفي القبول بالمعنى الأول أو الثاني وهو ~~المراد والله أعلم من قوله عز وجل إنما يتقبل الله من المتقين ولهذا كانت ~~هذه الآية يشتد منها خوف السلف على نفوسهم فخافوا أن لا يكونوا من المتقين ~~الذين يتقبل الله منهم وسئل أحمد عن معنى المتقين فيها فقال يتقي الأشياء ~~فلا يقع فيما لا يحل وقال أبو عبدالله النباجي الزاهد رحمه الله خمس خصال ~~بها تمام العمل الإيمان بمعرفة الله عز وجل ومعرفة الحق وإخلاص العمل لله ~~والعمل على السنة وأكل الحلال فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل وذلك إذا عرفت ~~الله عز وجل ولم تعرف الحق لم تنتفع وإذا عرفت الحق ولم تعرف الله لم تنتفع ~~وإن عرفت الله وعرفت الحق ولم تخلص العمل لم تنتفع وإن عرفت الله وعرفت ~~الحق وأخلصت العمل ولم يكن على السنة لم تنتفع وإن تمت الأربع ولم يكن ~~الأكل من حلال لم تنتفع وقال وهب بن الورد لو قمت مقام هذه السارية لم ~~ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك حلال أم حرام وأما الصدقة بالمال ~~الحرام فغير مقبولة كما في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله PageV01P101 ~~عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة ~~من غلول وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ما تصدق عبد بصدقة من مال طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها ~~الرحمن بيمينه وذكر الحديث وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله عن ابن ms134 مسعود ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يكتسب عبد مالا من حرام ~~فينفق منه فيبارك فيه ولا يتصدق به فيتقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان ~~زاده إلى النار إن الله لا يمحو السييء بالسيئ ولكن يمحو السييء بالحسن إن ~~الخبيث لا يمحو الخبيث ويروى من حديث دراج عن ابن حجيرة عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كسب مالا حراما فتصدق به لم ~~يكن له فيه أجر وكان إصره عليه خرجه ابن حبان في صحيحه ورواه بعضهم موقوفا ~~على أبي هريرة وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من أصاب مالا من مأثم فوصل به رحمه وتصدق به أو أنفقه في سبيل الله ~~جمع ذلك جميعا ثم قذف به في نار جهنم وروي عن أبي الدرداء ويزيد بن ميسرة ~~أنهما جعلا مثل من أصاب مالا من غير حله فتصدق به مثل من أخذ مال يتيم وكسا ~~به أرملة وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عمن كان على عمل فكان يظلم ويأخذ ~~الحرام ثم تاب فهو يحج ويعتق ويتصدق منه فقال إن الخبيث لا يكفر الخبيث ~~وكذا قال ابن مسعود رضي الله عنه إن الخبيث لا يكفر الخبيث ولكن الطيب يكفر ~~الخبيث وقال الحسن أيها المتصدق على المسكين ترحمه ارحم من قد ظلمت واعلم ~~أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين أحدهما أن يتصدق به الخائن أو ~~الغاصب ونحوهما على نفسه فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يتقبل منه ~~يعني أنه لا يؤجر عليه بل يأثم بتصرفاته في مال غيره بغير إذنه ولا يحصل ~~للمالك بذلك أجر لعدم قصده ونيته كذا قال جماعة من العلماء منهم ابن عقيل ~~من أصحابنا وفي كتاب عبدالرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي أنه سأل ~~سعيد بن المسيب قال وجدت لقطة أفأتصدق بها قال لا تؤجر أنت ولا صاحبها ولعل ~~مراده فإذا تصدق بها ms135 قبل تعريفها الواجب ولو أخذ السلطان أو بعض نوابه من ~~بيت المال مالا يستحقه فتصدق منه أو أعتق أو بنى به مسجدا أو غيره مما ~~ينتفع به الناس فالمنقول عن ابن عمر أنه كالغاصب إذا تصدق بما غصبه كذلك ~~قيل لعبد الله بن عامر أمير البصرة وكان الناس قد اجتمعوا عنده في حال موته ~~وهم يثنون عليه ببره وإحسانه وابن عمر ساكت فطلب منه أن يتكلم فروى له ~~حديثا لا يقبل الله صدقة من غلول ثم قال له وكنت على البصرة وقال أسد بن ~~موسى في كتاب الورع حديث الفضيل بن PageV01P102 عياض عن منصور عن تميم بن ~~مسلمة قال قال قال ابن عامر لعبد الله بن عمر أرأيت هذا العقاب التي نسهلها ~~والعيون التي نفجرها ألنا فيها أجر فقال ابن عمر أما علمت أن خبيثا لا يكفر ~~خبيثا قط حدثنا عبدالرحمن بن زياد عن أبي مليح عن ميمون بن مهران قال قال ~~ابن عمر لابن عامر وقد سأله عن العتق فقال مثلك مثل رجل سرق إبل حاج ثم ~~جاهد بها في سبيل الله فانظر هل يقبل منه وقد كان طائفة من أهل التشديد في ~~الورع كطاوس ووهيب بن الورد يتوقون الانتفاع بما أحدثه مثل هؤلاء الملوك ~~وأما الإمام أحمد رحمه الله فإنه رخص فيما فعلوه من المنافع العامة ~~كالمساجد والقناطر والمصانع فإن هذه ينفق عليها من مال الفيء اللهم إلا أن ~~يتيقن أنهم فعلوا أشياء من ذلك بمال حرام كالمكوس والغصوب ونحوهما فحينئد ~~يتوقى الانتفاع بما عمل بالمال الحرام ولعل ابن عمر رضي الله عنهما إنما ~~أنكر عليهم أخذهم لأموال بيت المال لأنفسهم ودعواهم أن ما فعلوه منها بعد ~~ذلك فهو صدقة منهم فإن هذا شبيه بالغصوب وعلى مثل هذا يحمل إنكار من أنكر ~~من العلماء على الملوك بنيان المساجد قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله ~~رأيت بعض المتقدمين يسأل عمن كسب حلالا أو حراما من السلاطين والأمراء ثم ~~بنى الأربطة والمساجد هل له ثواب فأفتى بما يوجب طيب ms136 القلب المنفق وأنه له ~~في إنفاق ما لا يملكه نوع سمسرة لأنه لا يعرف أعيان المغصوبين فيرد عليهم ~~قال فقلت واعجبا من متصدرين للفتوى لا يعرفون أصول الشريعة ينبغي أن ينظر ~~في حال هذا المنفق أو لا فإن كان سلطانا فما يخرج من بيت المال فقد عرفت ~~وجوه مصارفه فكيف يمنع مستحقيه ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة أو رباط ~~وإن كان من الأمراء أو نواب السلاطين فيجب أن يرد ما يجب رده إلى بيت المال ~~وإن كان حراما أو غصبا فكل شيء يصرف فيه حرام والواجب رده على من أخذ منه ~~أو ورثته فإن لم يعرف رده إلى بيت المال يصرف في المصالح أو في الصدقة ولم ~~يحظ آخذه بغير الإثم انتهي وإنما كلامه في السلاطين الذين عهدهم في وقته ~~الذين يمنعون المستحقين من الفيء حقوقهم ويتصرفون فيه لأنفسهم تصرف الملاك ~~ببناء ما يبنونه إليهم من المدارس والأربطة ونحوهما مما قد لا يحتاج إليه ~~ويخص به قوما دون قوم فأما لو فرض إمام عادل يعطي الناس حقوقهم من الفيء ثم ~~يبني لهم ما يحتاجون إليه من مسجد أو مدرسة أو مارستان ونحو ذلك كان ذلك ~~جائزا فلو كان بعض من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بنى بما أخذ منه بناء ~~محتاجا إليه في حال فيجوز البناء فيه من بيت المال لكنه ينسبه إلى نفسه فقد ~~يتخرج على الخلاف في الغاصب إذا رد المال إلى المغصوب منه على وجه الصدقة ~~PageV01P103 والهبة هل يبرأ بذلك أم لا وهذا كله إذا بنى على قدر الحاجة من ~~غير سرف ولا زخرفة وقد أمر عمر بن عبدالعزيز بترميم مسجد البصرة من بيت ~~المال ونهاهم أن يتجاوزوا ما تصدع منه وقال إني لم أجد للبنيان في مال الله ~~حقا وروي عنه أنه قال لا حاجة للمسلمين فيما أضر بيت مالهم واعلم أن من ~~العلماء من جعل تصرف الغاصب ونحوه في مال غيره موقفا على إجازة مالكه فإن ~~أجاز تصرفه فيه جاز وقد حكى ms137 بعض أصحابنا رواية عن أحمد أنه من أخرج زكاته ~~من مال مغصوب ثم أجازه المالك جاز وسقطت عنه الزكاة وكذلك خرج ابن أبي ~~الدنيا رواية عن أحمد أنه إذا أعتق عبد غيره عن نفسه ملتزما ضمانه في ماله ~~ثم أجازه المالك جاز ونفذ عتقه وهو خلاف نص أحمد وحكى عن الحنفية أنه لو ~~غصب شاة فذبحها لمتعته وقرانه ثم أجازه المالك أجزأت عنه الوجه الثاني من ~~تصرفات الغاصب في المال المغصوب أن يتصدق به عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه ~~وإلى ورثته فهذا جائز عند أكثر العلماء منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم ~~قال ابن عبدالبر ذهب الزهري ومالك والثوري والأوزاعي والليث إلى أن الغال ~~إذا تفرق أهل العسكر ولم يصل إليهم أنه يدفع إلى الإمام خمسة ويتصدق ~~بالباقي روي ذلك عن عبادة بن الصامت ومعاوية والحسن البصري وهو يشبه مذهب ~~ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي ~~لا يعرف صاحبه وقال قد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف ~~وانقطاع صاحبها وجعلوه إذا جاء مخيرا بين الأجر والضمان وكذلك المغصوب ~~انتهي وروي عن مالك بن دينار قال سألت عطاء بن أبي رباح عمن عنده مال حرام ~~ولا يعرف أربابه ويريد الخروج منه قال يتصدق به ولا أقول إن ذلك يجزي عنه ~~قال مالك كان هذا القول من عطاء أحب إلى من وزنة ذهب وقال سفيان فيمن اشترى ~~من قوم شيئا مغصوبا يرده إليهم فإن لم يقدر عليهم يتصدق به كله ولا يأخذ ~~رأس ماله وكذا قال فيمن باع شيئا ممن تكره معاملته لشبهة ماله قال يتصدق ~~بالثمن وخالفه ابن المبارك وقال يتصدق بالربح خاصة وقال أحمد يتصدق بالربح ~~وكذا قال فيمن ورث مالا من أبيه وكان أبوه يبيع ممن يكره معاملته أنه يتصدق ~~منه بمقدار الربح ويأخذ الباقي وقد روى عن طائفة من الصحابة نحو ذلك منهم ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن يزيد الأنصاري رضي ms138 الله عنه ~~والمشهور عن الشافعي رحمه الله في الأموال الحرام أنها تحفظ ولا يتصدق بها ~~حتى يظهر مستحقها وكان الفضيل بن عياص يرى أن من عنده مال حرام لا يعرف ~~أربابه أنه يتلفه ويلقيه في البحر ولا يتصدق به وقال لا يتقرب إلى الله إلا ~~بالطيب والصحيح الصدقة به لأن إتلاف المال وإضاعته منهي عنه وإرصاده أبدا ~~تعريض له للإتلاف واستيلاء الظلمة عليه والصدقة به ليست عند مكتسبه حتى ~~يكون تقربا منه PageV01P104 بالخبيث وإنما هي صدقة عن مالكه ليكون نفعه له ~~في الآخرة حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا وقوله ثم ذكر الرجل يطيل ~~السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام ~~وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك هذا الكلام أشار فيه صلى الله ~~عليه وسلم إلى آداب الدعاء وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته وإلى ما يمنع من ~~إجابته فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة أحدهما إطالة السفر ~~والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ~~ودعوة المسافر ودعوة الوالد لولده خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وعنده ~~دعوة الوالد على ولده وروي مثله عن ابن مسعود رضي الله عنه من قوله ومتى ~~طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول ~~الغربة عن الأوطان وتحمل المشاق والانكسار من أعظم أسباب إجابة الدعاء ~~والثاني حصول التبذل في اللباس والهيئة بالشعث والإغبار وهو أيضا من ~~المقتضيات لإجابة الدعاء كما في الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ولما ~~خرج النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء خرج متبذلا متواضعا متضرعا وكان ~~مطرف بن عبدالله قد حبس له ابن أخ فلبس خلقان ثيابه وأخذ عكازا بيده فقيل ~~له ما هذا قال أستكين لربي لعله أن ms139 يشفعني في ابن أخي الثالث مد يديه إلى ~~السماء وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها إجابته وفي حديث سلمان رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى حي كريم يستحيى إذا ~~رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين خرجه الإمام أحمد وأبو داود ~~والترمذي وابن ماجه وروي نحوه من حديث أنس وجابر وغيرهما وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه ورفع يديه يوم ~~بدر يستنصر الله على المشركين حتى سقط رداؤه عن منكبيه وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في صفة رفع يديه في الدعاء أنواع متعددة فمنها أنه كان ~~يشير بأصبعه السبابة فقط وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على المنبر وفعله لما ~~ركب راحلته وذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه ~~بأصبعه منهم الأوزاعي وسعيد بن عبدالعزيز وإسحاق بن راهويه وقال ابن عباس ~~وغيره هذا هو الإخلاص في الدعاء وقال ابن سيرين إذا أثنيت على الله فأشر ~~بأصبع واحد ومنها أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة ~~القبلة وهو مستقبلها وجعل بطونهما مما يلي وجهه وقد رويت هذه الصفة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستسقاء واستحب بعضهم الرفع في ~~الاستسقاء على هذه الصفة منهم الجوزجاني وقال بعض السلف الرفع على هذا ~~الوجه تضرع ومنها PageV01P105 عكس ذلك وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الاستسقاء أيضا وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك وقال ~~بعضهم الرفع على هذا الوجه استجارة بالله واستعاذة به منهم ابن عمر وابن ~~عباس وأبو هريرة رضي الله عنهم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~إذا استعاذ رفع يديه على هذا الوجه وجعل كفيه إلى السماء وظهورهما إلى ~~الأرض وقد ورد الأمر بذلك في سؤال الله عز وجل في غير حديث وعن ابن عمر ~~وأبي هريرة وابن سيرين أن هذا هو ms140 الدعاء والسؤال لله عز وجل ومنها عكس ذلك ~~وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطنهما إلى ما يلي الأرض وفي صحيح ~~مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى ~~السماء وخرجه الإمام أحمد رحمه الله ولفظه فبسط يديه وجعل ظاهرهما مما يلي ~~السماء خرجه أبو داود ولفظه استسقي هكذا يعني النبي صلى الله عليه وسلم مد ~~يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة يدعو هكذا ورفع ~~يديه حيال ثندويه وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض وهكذا وصف حماد بن سلمة رفع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يديه بعرفة وروي عن ابن سيرين أن هذا هو ~~الاستجارة وقال الحميدي هذا هو الابتهال والرابع الإلحاح على الله عز وجل ~~بتكرير ذكر ربوبيته وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء وخرج البزار من ~~حديث عائشة أم المؤمنين مرفوعا إذا قال العبد يا رب أربعا قال الله لبيك ~~عبدي سل تعطه وخرج الطبراني وغيره من حديث سعد بن خارجة أن قوما شكوا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فقال اجثوا على الركب وقولوا يا رب يا ~~رب وارفعوا السبابة إلى السماء فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم وفي المسند ~~وغيره عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~الصلاة مثنى مثنى وتشهد في كل ركعتين وتضرع وتخشع وتمسكن وتقنع يديك يقول ~~ترفعهما إلى ربك مستقبلا بهما وجهك وتقول يا رب يا رب فمن لم يفعل ذلك فهي ~~خداج وقال يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا ما من عبد يقول يا رب يا رب يا رب ~~إلا قال له ربه لبيك لبيك ثم روي عن أبي الدرداء وابن عباس رضي الله عنهما ~~كانا يقولان اسم الله الأكبر رب رب وعن عطاء قال ما قال عبد يا رب يا رب ~~ثلاث مرات ms141 إلا نظر الله إليه فذكر ذلك للحسن فقال أما تقرءون القرآن ثم تلا ~~قوله تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق ~~السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من ~~تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي ~~للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ~~وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة ~~إنك لا تخلف الميعاد ومن تأمل الأدعية المذكورة في القرآن PageV01P106 ~~وجدها غالبا تفتتح باسم الرب كقوله تعالى ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة وقنا عذاب النار البقرة ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ~~ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما ~~لا طاقة لنا به البقرة وقوله ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا آل ~~عمرانومثل هذا في القرآن كثير وسئل مالك وسفيان عمن يقول في الدعاء يا سيدي ~~فقال ألا يقول يا رب زاد مالك كما قالت الأنبياء في دعائهم وأما ما يمنع ~~إجابة الدعاء فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أنه التوسع في الحرام أكلا ~~وشربا ولبسا وتغذية وقد سبق حديث ابن عباس في هذا المعنى أيضا وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لسعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة فأكل الحرام ~~وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لعدم إجابة الدعاء وروى عكرمة بن عمار ~~حدثنا الأصفر قال قيل لسعد بن أبي وقاص تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين ~~مجيئها ومن أين خرجت وعن وهب بن منبه قال من سره أن يستجيب الله دعوته ~~فليطيب طعمته وعن سهل بن عبدالله قال من أكل الحلال أربعين صباحا أجيبت ~~دعوته وعن يوسف بن أسباط قال بلغنا أن دعاء العبد يحبس عن السموات بسوء ~~المطعم وقوله صلى ms142 الله عليه وسلم فأنى يستجاب لذلك معناه كيف يستجاب له فهو ~~استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد وليس صريحا في استحالة الاستجابة ~~ومنعها بالكلية فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع ~~الإجابة وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه وقد يكون ارتكاب المحرمات ~~الفعلية مانعا من الإجابة أيضا وكذلك ترك الواجبات كما في الحديث أن ترك ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار وفعل الطاعات ~~يكون موجبا لاستجابة الدعاء ولهذا لما توسل الذين دخلوا الغار وانطبقت ~~الصخرة عليهم بأعمالهم الصالحة التي أخلصوا فيها لله تعالى ودعوا الله بها ~~أجيبت دعوتهم وقال وهب ابن منبه مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي ~~بغير وتر وعنه قال العمل الصالح يبلغ الدعاء ثم تلا قوله تعالى إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فاطر وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ~~بالورع عما حرم الله يقبل الله الدعاء والتسبيح وعن أبي ذر رضي الله عنه ~~قال يكفي مع البر من الدعاء مثل ما يكفي الطعام من الملح وقال محمد بن واسع ~~يكفي من الدعاء مع الورع اليسير وقيل لسفيان لو دعوت الله قال إن ترك ~~الذنوب هو الدعاء وقال الليث رأى موسى عليه الصلاة والسلام رجلا رافعا يديه ~~وهو يسأل الله مجتهدا فقال موسى عليه السلام أي رب عبدك دعاك حتى رحمته ~~وأنت أرحم الراحمين فما صنعت في حاجته فقال يا موسى لو رفع يديه حتى ينقطع ~~ما نظرت في حاجته حتى ينظر في حقي وخرج الطبراني بإسناد ضعيف عن ابن عباس ~~مرفوعا معناه وقال مالك بن دينار أصاب بني إسرائيل بلاء فخرجوا مخرجا فأوحى ~~الله تعالى إلى نبيه أن PageV01P107 أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان ~~نجسة وترفعون إلى أكفا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام ~~الآن اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدا وقال بعض السلف لا تستبطيء ~~الإجابة وقد سددت طرقها بالمعاصي وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى ms143 فقال نحن ~~ندعو الإله في كل كرب ثم ننساه عند كشف الكروب كيف نرجو إجابة لدعاء قد ~~سددنا طريقها بالذنوب الحديث الحادي عشر عن أبي محمد الحسن بن على بن أبي ~~طالب رضي الله عنهما سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته قال حفظت ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك رواه النسائي ~~والترمذي وقال حسن صحيح PageV01P108 هذا الحديث خرجه الإمام أحمد والترمذي ~~والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث يزيد بن أبي مريم عن أبي ~~الجوزاء عن الحسن ابن علي وصححه الترمذي وأبو الجوزاء السعدي قال الأكثرون ~~اسمه ربيعة بن شيبان ووثقه النسائي وابن حبان وتوقف أحمد في أن أبا الجوزاء ~~اسمه ربيعة بن شيبان ومال إلى التفرقة بينهما وقال الجوزجاني أبو الجوزاء ~~مجهول لا يعرف وهذا الحديث قطعة من حديث طويل فيه ذكر قنوت الوتر وعند ~~الترمذي وغيره زيادة في هذا الحديث وهي فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة ولفظ ~~ابن حبان فإن الخير طمأنينة وإن الشر ريبة وقد خرجه الإمام أحمد بإسناد فيه ~~جهالة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ~~وخرجه من وجه آخر أجود منه موقوفا على أنس وخرجه الطبراني من رواية مالك عن ~~نافع عن ابن عمر مرفوعا قال الدارقطني وإنما يروي هذا من قول ابن عمر وعن ~~عمر ويروي عن مالك من قوله انتهي ويروي بإسناد ضعيف عن عثمان بن عطاء ~~الخراساني عن أبيه عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لرجل دع ما يريبك إلى ما لا يريبك قال وكيف لي بالعلم بذلك قال إذا ~~أردت أمرا فضع يدك على صدرك فإن القلب يضطرب للحرام ويسكن للحلال وإن ~~المسلم الورع يدع الصغيرة مخافة الكبيرة وقد روي عن عطاء الخراساني مرسلا ~~وخرج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وزاد فيه فقيل له ms144 فمن الورع قال الذي يقف عند الشبهة وقد روي ~~PageV01P109 هذا الكلام موقوفا على جماعة من الصحابة منهم عمر وابن عمر رضي ~~الله عنهم وأبو الدرداء وعن ابن مسعود قال ما تريد إلى ما يريبك وحولك ~~أربعة آلاف لا تريبك وقال عمر دعوا الربا والريبة يعني ما ارتبتم فيه وإن ~~لم تتحققوا أنه ربا ومعنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتقائها ~~فإن الحلال المحض لا يحصل لمؤمن في قلبه منه ريب والريب بمعنى القلق ~~والاضطراب بل تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب وأما المشتبهات فيحصل بها ~~للقلوب القلق والاضطراب الموجب للشك وقال أبو عبدالرحمن العمري الزاهد إذا ~~كان العبد ورعا ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه وقال الفضيل يزعم الناس أن ~~الورع شديد وما ورد على أمران إلا أخذت بأشدهما فدع ما يريبك إلى ما لا ~~يريبك وقال حسان بن أبي سنان ما شيء أهون من الورع إذا رابك شيء فدعه وهذا ~~إنما يسهل على مثل حسان رحمه الله قال ابن المبارك كتب غلام لحسان بن أبي ~~سنان إليه من الأهواز أن قصب السكر أصابته آفة فاشتر السكر فيما قبلك ~~فاشتراه من رجل فلم يأت عليه إلا قليل فإذا فيما اشتراه ربح ثلاثين ألفا ~~قال فأتى صاحب السكر فقال يا هذا إن غلامي كان قد كتب إلى فلم أعلمك فأقلني ~~فيما اشتريت منك فقال له الآخر قد أعلمتني الآن وقد طيبته لك قال فرجع فلم ~~يحتمل قلبه فأتاه فقال يا هذا إني لم آت هذا الأمر من قبل وجهه فأحب أن ~~تسترد هذا البيع قال فما زال به حتى رده عليه وكان يونس بن عبيد إذا طلب ~~المتاع ونفق وأرسل ليشتريه يقول لمن يشتري له أعلم من تشتري منه أن المتاع ~~قد طلب وقال هشام بن حسان ترك محمد بن سيرين أربعين ألفا فيما لا ترون به ~~اليوم بأسا وكان الحجاج بن دينار قد بعث طعاما إلى البصرة مع رجل وأمره أن ~~يبيعه يوم يدخل بسعر يومه فأتاه ms145 كتابه أني قدمت البصرة فوجدت الطعام منقصا ~~فحبسته فزاد الطعام فازددت فيه كذا أو كذا فكتب إليه الحجاج إنك قد خنتنا ~~وعملت بخلاف ما أمرناك به فإذا أتاك كتابي فتصدق بجميع ذلك الثمن ثمن ~~الطعام على فقراء البصرة فليتني أسلم إذا فعلت ذلك وتنزه يزيد بن زريع عن ~~خمسائة ألف من ميراث أبيه فلم يأخذه وكان أبوه يلي الأعمال للسلاطين وكان ~~يزيد يعمل الخوص ويتقوت منه إلى أن مات رحمه الله وكان المسور بن مخرمة قد ~~احتكر طعاما كثيرا فرأى سحابا في الخريف فكرهه فقال ألا أراني كرهت ما ينفع ~~المسلمين فآلي أن لا يربح فيه شيئا فأخبر بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فقال له عمر جزاك الله خير وفي هذا أن المحتكر ينبغي له التنزه عن ربح ما ~~احتكره احتكارا منهيا عنه وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على التنزه عن ربح ~~ما لم يدخل في ضمانه لدخوله في ربح ما لم يضمن وقد نهى عنه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال أحمد في رواية عنه PageV01P110 فمن أجر ما استأجره بربحه ~~إنه يتصدق بالربح وقال في رواية عنه في ربح مال المضاربة إذا خالف فيه ~~المضارب أنه يتصدق به وقال في رواية عنه فيما إذا اشترى ثمرة قبل بدو ~~صلاحها بشرط القطع ثم تركها حتى بدا صلاحها إنه يتصدق بالزيادة وحمله طائفة ~~من أصحابنا على الاستحباب لأن الصدقة بالشبهات مستحبة وروي عن عائشة رضي ~~الله عنها أنها سئلت عن أكل الصيد للمحرم إذا لم يصبه فقالت إنما هي أيام ~~قلائل فما رابك فدعه يعني ما اشتبه عليك هل هو حلال أو حرام فاتركه فإن ~~الناس اختلفوا في إباحة أكل الصيد للمحرم إذا لم يصد هو وقد يستدل بهذا على ~~أن الخروج من اختلاف العلماء أفضل لأنه أبعد عن الشبهة ولكن المحققين من ~~العلماء من أصحابنا وغيرهم على أن هذا ليس هو على إطلاقه فإن من مسائل ~~الاختلاف ما ثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم رخصة ms146 ليس لها معارض ~~فاتباع تلك الرخصة أولى من اجتنابها وإن لم تكن تلك الرخصة بلغت بعض ~~العلماء فامتنع منها لذلك وهذا كمن تيقن الطهارة وشك في الحدث فإنه صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ولا ~~سيما إن كان شكه في الصلاة فإنه لا يجوز له قطعها لصحة النهي عنه وإن كان ~~بعض العلماء يوجب ذلك وإن كان للرخصة معارض إما من سنة أخرى أو من عمل ~~الأمة بخلافها فالأولى ترك العمل بها وكذا لو كان قد عمل بها شذوذ من الناس ~~واشتهر في الأمة العمل بخلافها في أمصار المسلمين من عهد الصحابة رضي الله ~~عنهم فإن الأخذ بما عليه عمل المسلمين هو المتعين فإن هذه الأمة قد أجارها ~~الله أن يظهر أهل باطلها على أهل حقها فما ظهر العمل به في القرون الثلاثة ~~المفضلة فهو الحق وما عداه فهو باطل وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن ~~التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها وتشابهت ~~أعماله في التقوى والورع فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة ثم يريد ~~أن يتورع عن شيء من دقائق الشبهة فإنه لا يحتمل له ذلك بل ينكر عليه كما ~~قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق يسألونني عن دم البعوض ~~وقد قتلوا الحسين وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول هما ريحانتاي من ~~الدنيا وسأل رجل بشر بن الحارث عن رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها فقال إن ~~كان بر أمه في كل شيء ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل وإن كان يبرها ~~بطلاق زوجته ثم يقوم بعد ذلك إلى أمه فيضربها فلا يفعل وسئل الإمام أحمد ~~رحمه الله عن رجل يشتري بقلا ويشترط الخوصة يعني التي تربط بها حزمة البقل ~~فقال أحمد إيش هذه المسائل قيل له إن إبراهيم بن أبي نعيم يفعل ذلك فقال ~~أحمد إن كان إبراهيم بن أبي نعيم فنعم ms147 هذا يشبه ذاك وإنما أنكر هذه المسائل ~~ممن لا يشبه حاله وأما أهل التدقيق في الورع فيشبه حالهم هذا وقد كان ~~الإمام أحمد نفسه يستعمل في نفسه هذا الورع فإنه أمر من يشتري له سمنا فجاء ~~به على ورقة فأمر برد الورقة إلى البائع وكان الإمام أحمد لا PageV01P111 ~~يستمد من محابر أصحابه وإنما يخرج معه محبرته يستمد منها واستأذنه رجل أن ~~يكتب من محبرته فقال له اكتب فهذا ورع مظلم واستأذن رجل آخر في ذلك فتبسم ~~فقال لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا وهذا قاله على وجه التواضع وإلا فهو كان في ~~نفسه يستعمل هذا الورع وكان ينكره على من لم يصل إلى هذا المقام بل يتسامح ~~في المكروهات الظاهرة ويقدم على الشبهات من غير توقف وقوله صلى الله عليه ~~وسلم فإن الخير طمأنينة وإن الشر ريبة يعني أن الخير تطمئن به القلوب والشر ~~ترتاب به ولا تطمئن إليه وفي هذا إشارة إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه ~~وسيأتي مزيد لهذا الكلام على حديث النواس بن سمعان إن شاء الله تعالى وخرج ~~ابن جرير بإسناده عن قتادة عن بشر بن كعب أنه قرأ هذه الآية فامشوا في ~~مناكبها الملك ثم قال لجاريته إن دريت ما مناكبها فأنت حرة لوجه الله قالت ~~مناكبها جبالها فكأنما سفع في وجهه ورغب في جاريته فسألهم فمنهم من أمره ~~ومنهم من نهاه فسأل أبا الدرداء فقال الخير طمأنينة والشر ريبة فذر ما ~~يريبك إلى ما لا يريك وقوله في الرواية الأخرى إن الصدق طمأنينة والكذب ~~ريبة يشير إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على قول كل قائل كما قال في حديث ~~وابصة وإن أفتاك الناس وأفتوك وإنما يعتمد على قول من يقول الصدق وعلامة ~~الصدق أن تطمئن به القلوب وعلامة الكذب أن تحصل به الريبة فلا تسكن القلوب ~~إليه بل تنفر منه ومن هنا كان العقلاء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا سمعوا كلامه وما يدعو إليه عرفوا أنه جاء بالحق وإذا سمعوا كلام ms148 مسيلمة ~~عرفوا أنه كاذب وأنه جاء بالباطل وقد روي أن عمرو بن العاص سمعه قبل إسلامه ~~يدعي أنه أنزل عليه يا وبر لك أذنان وصدر وإنك لتعلم يا عمرو فقال والله ~~إني لأعلم أنك تكذب وقال بعض المتقدمين صور ما شئت في قلبك وتفكر فيه ثم ~~قسه إلى ضده فإنك إذا ميزت بينهما عرفت الحق من الباطل والصدق من الكذب قال ~~كأنك تصور محمدا صلى الله عليه وسلم ثم تتفكر فيما أتى به من القرآن فتقرأ ~~إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر ~~بما ينفع الناس البقرة الآية ثم تتصور ضد محمد صلى الله عليه وسلم فتجده ~~مسيلمة فتتفكر فيما جاء به فتقرأ ألا يا ربة المخدع قد هيئ لك المضجع يعني ~~قوله سجاعحين تزوج بها قال فترى هذا يعني القرآن رصينا عجيبا يلوط بالقلب ~~ويحسن في السمع وترى ذا يعني قول مسيلمة باردا غثا فاحشا فتعلم أن محمدا ~~حقا أتى بوحي وأن مسيلمة كذاب أتى بباطل الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء ~~تركه ما لا يعنيه رواه الترمذي وغيره هكذا PageV01P112 هذا الحديث خرجه ~~الترمذي وابن ماجه من رواية الأوزاعي عن قرة بن عبدالرحمن عن الزهري عن أبي ~~سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنهم وقال الترمذي غريب وقد حسنه الشيخ المصنف ~~رحمه الله لأن رجال إسناده ثقات وقرة بن عبدالرحمن بن حيوة وثقة قوم وضعفه ~~آخرون وقال ابن عبدالبر هذا الحديث محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من رواية ~~الثقات وهذا موافق لتحسين الشيخ له رضي الله عنه وأما أكثر الأئمة فقالوا ~~ليس هو محفوظا بهذا الإسناد إنما هو محفوظ عن الزهري عن على بن حسين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا كذلك رواه الثقات عن الزهري منهم مالك في ~~الموطأ ويونس ومعمر وإبراهيم ابن سعد إلا أنه قال من إيمان المرء تركه ما ~~لا يعنيه وممن قال ms149 إنه لا يصح إلا عن على بن حسين مرسلا الإمام أحمد ويحيي ~~بن معين والبخاري والدارقطني وقد خلط الضعف في إسناده عن الزهري تخليطا ~~فاحشا والصحيح فيه المرسل ورواه عبدالله بن عمرو العمري عن الزهري عن على ~~بن حسين عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فوصله وجعله من مسند الحسين ~~بن علي وخرجه الإمام أحمد في مسنده من هذا الوجه والعمري ليس بالحافظ وخرجه ~~أيضا من وجه آخر عن الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم وضعفه البخاري في ~~تاريخه من هذا الوجه أيضا وقال لا يصح إلا عن على بن حسين مرسلا وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر وكلها ضعيفة وهذا الحديث أصل عظيم من ~~أصول الأدب وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد إمام ~~المالكية في زمانه أنه قال جماع آداب الخير وأزمته تتفرع من أربعة أحاديث ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P113 من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليقل خيرا أو ليصمت وقوله صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما ~~لا يعنيه وقوله صلى الله عليه وسلم الذي اختصر له في الوصية لا تغضب وقوله ~~صلى الله عليه وسلم المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ومعنى هذا الحديث أن من ~~حسن إسلامه تركه ما لا يعنيه من قول وفعل واقتصر على ما يعنيه من الأقوال ~~والأفعال ومعنى يعنيه أن تتعلق عنايته به ويكون من مقصده ومطلوبه والعناية ~~شدة الاهتمام بالشيء يقال عناه يعنيه إذا اهتم به وطلبه وليس المراد أنه ~~يترك ما لا عناية له به ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس بل بحكم الشرع ~~والإسلام ولهذا جعله من حسن الإسلام فإذا حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه ~~في الإسلام من الأقوال والأفعال فإن الإسلام يقتضي فعل الواجبات كما سبق ~~ذكره في شرح حديث جبريل عليه السلام وإن الإسلام الكامل الممدوح يدخل فيه ~~ترك المحرمات كما قال النبي صلى الله ms150 عليه وسلم المسلم من سلم المسلمون من ~~لسانه ويده وإذا حسن اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات أو المشتبهات ~~والمكروهات وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها فإن هذا كله لا يعني المسلم ~~إذا كمل إسلامه وبلغ إلى درجة الإحسان وهو أن يعبد الله تعالى كأنه يراه ~~فإن لم يكن يراه فإن الله يراه فمن عبدالله على استحضار قربه ومشاهدته ~~بقلبه أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه فقد حسن إسلامه ولزم من ~~ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام ويشتغل بما يعنيه فيه فإنه يتولى من ~~هذين المقامين الاستحياء من الله وترك كل ما يستحيا منه كما وصى صلى الله ~~عليه وسلم رجلا أن يستحيى من الله كما يستحيى من رجل من صالحي عشيرته لا ~~يفارقه وفي المسند والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا الاستحياء من ~~الله تعالى أن تحفظ الرأس وما وعي وتحفظ البطن وما حوي ولتذكر الموت والبلي ~~ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ~~قال بعضهم استحيى من الله على قدر قربه منك وخف الله على قدر قدرته عليك ~~وقال بعض العارفين إذا تكلمت فاذكر سمع الله لك وإذا سكت فاذكر نظره إليك ~~وقد وقعت الإشارة في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كقوله تعالى ~~ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ~~إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه ~~رقيب عتيد ق وقوله تعالى وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون ~~من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في ~~الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين يونس وقال ~~تعالى أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون الزخرف ~~وأكثر ما يراد بترك ما لا ms151 يعني حفظ اللسان من لغو الكلام كما أشير إلى ذلك ~~في الآيات الأول التي هي في سورة ق وفي المسند من حديث الحسن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إن PageV01P114 من حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا ~~يعنيه وخرج الخرائطي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله إني مطاع في قومي فما آمرهم قال له ~~مرهم بإفشاء السلام وقلة الكلام إلا فيما يعنيهم وفي صحيح ابن حبان عن أبي ~~ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان في صحف إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن تكون له ساعات ~~ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر فيها في صنع الله ~~تعالى وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب وعلى العاقل أن لا يكون ~~ظاعنا إلا لثلاث تزود لمعاد أو حرفة لمعاش أو لذة في غير محرم وعلى العاقل ~~أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله ~~قل كلامه إلا فيما يعنيه قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله من عد كلامه من ~~عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه وهو كما قال فإن كثيرا من الناس لا يعد كلامه ~~من عمله فيجازف فيه ولا يتحري وقد خفي هذا على معاذ بن جبل رضي الله عنه ~~حتى سأل عنه صلى الله عليه وسلم فقال أنؤاخذ بما نتكلم به فقال ثكلتك أمك ~~يامعاذ وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم وقد نفى الله ~~الخير عن كثير مما يتناجى به الناس بينهم فقال لا خير في كثير من نجواهم ~~إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس النساء وخرج الترمذي وابن ~~ماجه من حديث أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل كلام ابن آدم ~~عليه لا له إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر ms152 الله عز وجل وقد تعجب ~~قوم من هذا الحديث عند سفيان الثوري فقال سفيان وما يعجبكم من هذا أليس قد ~~قال الله تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس النساء أليس قد قال تعالى يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا ~~يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا النبا وخرج الترمذي من حديث أنس ~~رضي الله عنه قال توفى رجل من أصحابه يعني النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~رجل أبشر بالجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا تدري فلعله تكلم ~~بما لا يعنيه أو بخل بما لا يغنيه وقد روي معنى هذا الحديث من وجوه متعددة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعضها أنه قتل شهيدا وخرج أبو القاسم ~~البغوي في معجمه من حديث شهاب بن مالك وكان وفد على النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وقالت له امرأة يا رسول الله ألا ~~تسلم علينا فقال إنك من قبيل يقللن الكثير ومنعها ما لا يغنيها وسؤالها عما ~~لا يعنيها وخرجه العقيلي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا أكثر الناس ~~ذنوبا أكثرهم كلاما فيما لا يعنيه قال عمرو بن قيس الملائي مر رجل بلقمان ~~والناس عنده فقال له ألست عبد بني فلان قال بلى قال الذي كنت ترعى عند جبل ~~كذا وكذا PageV01P115 قال بلى فقال فما بلغ بك ما أرى قال صدق الحديث وطول ~~السكوت عما لا يعنيني وقال وهب بن منبه كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما ~~عبادتهما أن مشيا على الماء فبينما هما يمشيان في البحر إذ هما برجل يمشي ~~على الهواء فقالا له يا عبدالله بأي شيء أدركت هذه المنزلة قال بيسير من ~~الدنيا فطمت نفسي عن الشهوات وكففت لساني عما لا يعنيني ورغبت فيما دعاني ~~إليه ربي ولزمت الصمت فإن أقسمت على الله أبر قسمي وإن سألته أعطاني ودخلوا ~~على بعض الصحابة في ms153 مرضه ووجهه يتهلل فسألوه عن سبب تهلل وجهه فقال ما من ~~عمل أوثق عندي من خصلتين كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني وكان قلبي سليما ~~للمسلمين وقال مورق العجلي أمر أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدر عليه ~~ولست بتارك طلبه أبدا قالوا وما هو قال الكف عما لا يعنيني رواهما ابن أبي ~~الدنيا وروى أسد بن موسى قال حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من يدخل عليكم رجل من أهل الجنة ~~فدخل عبدالله بن سلام فقام إليه ناس فأخبروه وقالوا له أخبرنا بأوثق عملك ~~في نفسك قال إن عملي لضعيف وأوثق ما أرجو به سلامة الصدر وتركي ما لا ~~يعنيني وروى أبو عبيدة عن الحسن قال من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن ~~يجعل شغله فيما لا يعنيه خذلانا من الله عز وجل وقال سهل بن عبدالله ~~التستري من تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق وقال معروف كلام العبد فيما لا ~~يعنيه خذلان من الله عز وجل وهذا الحديث يدل على أن ترك ما لا يعني المرء ~~من حسن إسلامه فإذا ترك ما لا يعنيه وفعل ما يعنيه كله فقد كمل حسن إسلامه ~~وقد جاءت الأحاديث بفضل من حسن إسلامه وأنه تضاعف حسناته وتكفر سيئاته ~~والظاهر أن كثرة المضاعفة تكون بحسب حسن الإسلام ففي صحيح مسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أحسن أحدكم إسلامه ~~فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف وكل سيئة تكتب بمثلها ~~حتى يلقى الله عز وجل فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لا بد منه والزيادة ~~على ذلك تكون بحسب إحسان الإسلام وإخلاص النية والحاجة إلى ذلك العمل وفضله ~~كالنفقة في الجهاد وفي الحج وفي الأقارب وفي اليتامى والمساكين وأوقات ~~الحاجة إلى النفقة ويشهد لذلك ما روى عطية عن ابن عمر رضي الله عنه قال ~~نزلت من جاء بالحسنة ms154 فله عشر أمثالها الأنعام في الأعراب قيل له فما ~~للمهاجرين قال ما هو أكثر ثم تلا قوله تعالى وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من ~~لدنه أجرا عظيما النساء وخرج النسائي من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها ~~ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها ثم كان بعد ذلك القصاص الحسنة بعشر أمثالها ~~إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله وفي رواية أخرى وقيل له ~~استأنف العمل والمراد بالحسنات والسيئات التي كان أزلفها ما سبق منه ~~PageV01P116 قبل الإسلام وهذا يدل على أنه يثاب بحسناته في الكفر إذا أسلم ~~ويمحي عنه سيئاته إذا أسلم لكن بشرط أن يحسن إسلامه ويتقي تلك السيئات في ~~حال إسلامه وقد نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله ويدل على ذلك ما في ~~الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله أنؤاخذ بما ~~عملنا في الجاهلية قال أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها ومن أساء ~~أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله ~~عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما أسلم أريد أن أشترط قال تشترط ماذا ~~قلت أن يغفر لي قال أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وخرجه الإمام ~~أحمد ولفظه أن الإسلام يجب ما كان قبله من الذنوب وهذا محمول على الإسلام ~~الكامل الحسن جمعا بينه وبين حديث ابن مسعود الذي قبله وفي صحيح مسلم أيضا ~~عن حكيم بن حزام قال قلت يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أصنعها في الجاهلية ~~من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم أفيها أجر فقال رسول صلى الله عليه وسلم أسلمت ~~على ما أسلفت من خير وفي رواية قال فقلت والله لا أدع شيئا صنعته في ~~الجاهلية إلا صنعت في الإسلام مثله وهذا يدل على أن حسنات الكافر إذا أسلم ~~يثاب عليها كما دل عليه حديث ms155 أبي سعيد المتقدم وقد قيل إن سيئاته في الشرك ~~تبدل حسنات ويثاب عليها أخذا من قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك ~~أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل ~~عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات الفرقان وقد اختلف المفسرون في ~~هذا التبديل على قولين فمنهم من قال هو في الدنيا بمعنى أن الله يبدل من ~~أسلم وتاب إليه بدل ما كان عليه من الكفر والمعاصي الإيمان والأعمال ~~الصالحة وحكى هذا القول إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن أكثر المفسرين ~~وسمي منهم ابن عباس وعطاء وقتادة والسدي وعكرمة قلت وهو المشهور عن الحسن ~~رضي الله عنه قال وقال الحسن وأبو مالك وغيرهما هي في أهل الشرك خاصة ليس ~~هي في أهل الإسلام قلت إنما يصح هذا القول على أن يكون التبديل في الآخرة ~~كما سيأتي وأما إن قيل إنه في الدنيا فالكافر إذا أسلم والمسلم إذا تاب في ~~ذلك فهي أحسن حالا من الكافر إذا أسلم قال وقال آخرون التبديل في الآخرة ~~جعلت لهم مكان كل سيئة حسنة منهم عمرو بن ميمون ومكحول وابن المسيب وعلى بن ~~الحسين قال وأنكره أبو العالية ومجاهد وخالد سبلان وفيه مواضع إنكار ثم ذكر ~~ما حاصله أنه يلزم من ذلك أن يكون من كثرت سيئاته احسن حالا ممن قلت سيئاته ~~حيث يعطي مكان كل سيئة حسنة ثم قال ولو قال قائل إنما ذكر الله أن تبدل ~~السيئات حسنات ولم يذكر العدد كيف تبدل فيجوز أن معنى تبدل أن من عمل سيئة ~~واحدة وتاب منها يبدله الله مائة ألف حسنة ومن عمل ألف سيئة أن تبدل ألف ~~حسنة فيكون حينئذ من قلت PageV01P117 سيئاته أحسن حالا قلت هذا القول وهو ~~التبديل في الآخرة قد أنكره أبو العالية وتلا قوله تعالى يوم تجد كل نفس ما ~~عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود ms156 لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا آل ~~عمران ورده بعضهم بقوله تعالى ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزلة وقوله ~~تعالى ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا الكهف ولكن قد أجيب عن هذا بأن التائب يوقف على سيئاته ثم ~~تبدل حسنات قال أبو عثمان النهدي إن المؤمن يؤتي كتابه في ستر من الله عز ~~وجل فيقرأ سيئاته فإذا قرأ تغير لها لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع ~~إليه لونه ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات فعند ذلك يقول هاؤم اقرءوا ~~كتابيه الحاقة ورواه بعضهم عن أبي عثمان عن ابن مسعود وقال بعضهم عن أبي ~~عثمان عن سلمان وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها رجل ~~يؤتى به يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها ~~فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال له علمت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا ~~وكذا كذا وكذا فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض ~~عليه فيقال له فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول يا رب وقد عملت أشياء لا ~~أراها هاهنا قال فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت ~~نواجذه فإذا بدلت السيئات بالحسنات في حق من عوقب على ذنوبه بالنار ففي حق ~~من محيت سيئاته بالإسلام والتوبة النصوح أولي لأن محوها بذلك أحب إلى الله ~~من محوها بالعقاب وخرج الحاكم من طريق الفضل بن موسى عن أبي العنبس عن أبيه ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمنين ~~أقوام أنهم أكثروا من السيئات قالوا بم يا رسول الله قال الذين بدل الله ~~سيئاتهم حسنات وخرجه ابن أبي حاتم من طريق سلمان ms157 بن داود الزهري عن أبو ~~العنبس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفا وهو أشبه من المرفوع ويروي مثل هذا عن ~~الحسن البصري أيضا ويخالف قوله المشهور إن التبديل في الدنيا وأما ما ذكره ~~الحربي في التبديل وأن من قلت سيئاته يزاد في حسناته ومن كثرت سيئاته يقل ~~من حسناته فحديث أبي ذر صريح في رد هذا وأنه يعطى مكان كل سيئة حسنة وأما ~~قوله يلزم من ذلك أن يكون من كثرت سيئاته أحسن حالا ممن قلت سيئاته فيقال ~~إنما التبديل في حق من ندم على سيئاته وجعلها نصب عينيه فكلما ذكرها ازداد ~~خوفا ووجلا وحياء من الله ومسارعة إلى الأعمال الصالحة المكفرة كما قال ~~تعالى إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا الفرقان وما ذكرناه كله داخل في ~~العمل الصالح ومن كانت هذه حاله فإنه يتجرع PageV01P118 من مرارة الندم ~~والأسف على ذنوبه أضعاف ما ذاق من حلاوتها عند فعلها ويصير كل ذنب من ذنوبه ~~سببا للأعمال الصالحة ماحية له فلا يستنكر بعد هذا تبديل هذه الذنوب حسنات ~~وقد وردت أحاديث صريحة في أن الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه تبدلت سيئاته في ~~الشرك حسنات فخرج الطبراني من حديث عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبي فروة ~~شطب أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها ولم ~~يترك حاجة ولا داجة فهل له من توبة فقال أسلمت فقال نعم قال فافعل الخيرات ~~واترك السيئات فيجعلها الله لك خيرات كلها قال وغدراتى وفجراتى قال نعم قال ~~فما زال يكبر حتى تواري وخرجه من وجه آخر بإسناد ضعيف عن أبي نفيل عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وخرج ابن أبي حاتم نحوه من حديث مكحول مرسلا وخرج ~~البزار الحديث الأول وعنده عن أبي طويل أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكره بمعناه وكذا خرجه أبو القاسم البغوي في معجمه وذكر أن الصواب عن ~~عبدالرحمن بن جبير بن نفير مرسلا أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~طويل ms158 شطب الحديث الثالث عشر عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله عنه خادم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال لا ~~يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه رواه البخاري ومسلم PageV01P119 ~~الحديث خرجاه في الصحيحين من حديث قتادة عن أنس ولفظ مسلم حتى يحب لجاره أو ~~لأخيه بالشك وخرجه الإمام أحمد رحمه الله ولفظه لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان ~~حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير وهذه الرواية تبين معنى الرواية ~~المخرجة في الصحيحين وأن المراد بنفي الإيمان نفي بلوغ حقيقته ونهايته فإن ~~الإيمان كثيرا ما ينفي لانتفاء بعض أركانه وواجباته كقوله صلى الله عليه ~~وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ~~ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وقوله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ~~وقد اختلف العلماء في مرتكب الكبائر هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان أم لا يسمى ~~مؤمنا وإنما يقال هو مسلم فليس بمؤمن على قولين وهما روايتان عن أحمد رحمه ~~الله فأما من ارتكب الصغائر فلا يزول عنه اسم الإيمان بالكلية بل هو مؤمن ~~ناقص الإيمان ينقص من إيمانه بحسب ما ارتكب من ذلك والقول بأن مرتكب ~~الكبائر يقال له مؤمن ناقص الإيمان مروي عن جابر بن عبدالله وهو قول ابن ~~المبارك وإسحاق وابن عبيد وغيرهم والقول بأنه مسلم ليس بمؤمن مروي عن أبي ~~جعفر محمد بن علي وذكر بعضهم أنه المختار عند أهل السنة وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما الزاني ينزع عنه نور الإيمان وقال أبو هريرة ينزع منه الإيمان ~~فيكون فوقه كالظلة فإن تاب عاد إليه وقال عبدالله بن رواحة وأبو الدرداء ~~الإيمان كالقميص يلبسه الإنسان تارة ويخلعه تارة أخرى وكذا قال الإمام أحمد ~~رحمه الله وغيره والمعنى أنه إذا PageV01P120 أكمل خصال الإيمان لبسه فإذا ~~نقص منها شيء نزعه وكل هذا إشارة إلى الإيمان الكامل التام الذي لا ينقص من ~~واجباته شيء والمقصود أن ms159 من جملة خصال الإيمان الواجبة أن يحب المرء لأخيه ~~المؤمن ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه فإذا زال ذلك عنه فقد نقص ~~إيمانه وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة أحب للناس ما ~~تحب لنفسك تكن مؤمنا خرجه الترمذي وابن ماجه وخرج الإمام أحمد من حديث معاذ ~~أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الإيمان قال أفضل الإيمان أن تحب ~~لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله قال وما ذا يا رسول الله قال أن تحب ~~للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك وأن تقول خيرا أو تصمت وقد رتب ~~النبي صلى الله عليه وسلم دخول الجنة على هذه الخصلة ففي مسند الإمام أحمد ~~رحمه الله عن يزيد بن أسد القسري قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أتحب الجنة قلت نعم قال فأحب لأخيك ما تحب لنفسك وفي صحيح مسلم من حديث ~~عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أحب أن يزحزح ~~عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى ~~الناس الذي يحب أن يؤتى إليه وفيه أيضا عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب ~~لنفسي لا تتأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم وإنما نهاه عن ذلك لما رأى ~~من ضعفه وهو صلى الله عليه وسلم يحب هذا لكل ضعيف وإنما كان يتولى أمور ~~الناس لأن الله قواه على ذلك وأمره بدعاء الخلق كلهم إلى طاعته وأن يتولى ~~سياسة دينهم ودنياهم وقد روي عن على رضي الله عنه أنه قال قال لي النبي صلى ~~الله عليه وسلم إني أرضى لك ما أرضى لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي لا تقرأ ~~القرآن وأنت جنب ولا أنت راكع ولا ساجد وكان محمد بن واسع يبيع حمارا له ms160 ~~فقال له رجل أترضاه لي قال لو رضيته لم أبعه وهذه إشارة منه إلى أنه لا ~~يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه وهذا كله من جملة النصيحة لعامة المسلمين ~~التي هي من جملة الدين كما سبق تفسير ذلك في موضعه وقد ذكرنا فيما تقدم ~~حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل ~~المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى ~~له سائر الجسد بالحمى والسهر خرجاه في الصحيحين وهذا يدل على أن المؤمن ~~يسوءه ما يسوء أخاه المؤمن ويحزنه ما يحزنه وحديث أنس الذي نتكلم الآن فيه ~~يدل على أن المؤمن يسره ما يسر أخاه المؤمن ويريد لأخيه المؤمن ما يريد ~~لنفسه من الخير وهذا كله إنما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغش والغل ~~والحسد فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير أو يساويه فيه ~~لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله وينفرد بها عنهم والإيمان يقتضي خلاف ~~ذلك وهو أن يشركه المؤمنون كلهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص ~~عليه منه شيء وقد مدح الله تعالى في كتابه من لا يريد العلو في الأرض ولا ~~الفساد فقال تلك الدار الآخرة PageV01P121 نجعلها للذين لا يريدون علوا في ~~الأرض ولا فسادا القصص وروى ابن جرير بإسناد فيه نظر عن على رضي الله عنه ~~قال إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل في ~~قوله تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين القصص وكذا روي عن الفضيل بن عياض في هذه الآية قال لا ~~يحب أن يكون نعله أجود من نعل غيره ولا شراكه أجود من شراك غيره وقد قيل إن ~~هذا محمول على أنه إذا أراد الفخر على غيره لا بمجرد التجمل قال عكرمة ~~وغيره من المفسرين في هذه الآية العلو في الأرض التكبر وطلب الشرف والمنزلة ~~عند ذي ms161 سلطانها والفساد العمل بالمعاصي وقد ورد ما يدل على أنه لا يأثم من ~~كره أن يفوقه من الناس أحد في الجمال فخرج الإمام أحمد رحمه الله والحاكم ~~في صحيحه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال أتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعنده مالك بن مرارة الرهاوي فأدركته وهو يقول يا رسول الله قد قسم لي ~~من الجمال ما تري فما أحب أحدا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما أليس ذلك ~~هو البغي فقال لا ليس ذلك بالبغي ولكن البغي من بطر أو قال سفه الحق وغمط ~~الناس وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم معناه وفي حديثه الكبر بدل البغي فنفى أن يكون كراهته لأن يفوقه ~~أحد في الجمال بغيا أو كبرا وفسر البغي والكبر ببطر الحق وهو التكبر عليه ~~والامتناع من قبوله كبرا إذا خالف هواه ومن هنا قال بعض السلف التواضع أن ~~تقبل الحق من كل من جاء به وإن كان صغيرا فمن قبل الحق ممن جاء به سواء كان ~~صغيرا أو كبيرا وسواء كان يحبه أو لا يحبه فهو متواضع ومن أبي قبول الحق ~~تعاظما عليه فهو متكبر وغمط الناس هو احتقارهم وازدراؤهم وذلك يحصل من ~~النظر إلى النفس بعين الكمال وإلى غيره بعين النقص وفي الجملة فينبغي ~~للمؤمن أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه فإن رأى في ~~أخيه المسلم نقصا في دينه اجتهد في إصلاحه قال بعض الصالحين من السلف أهل ~~المحبة لله نظروا بنور الله وعطفوا على أهل معاصي الله مقتوا أعمالهم ~~وعطفوا عليهم ليزيلوهم بالمواعظ عن فعالهم وأشفقوا على أبدانهم من النار ~~ولا يكون المؤمن مؤمنا حقا حتى يرضى للناس ما يرضاه لنفسه وإن رأى في غيره ~~فضيلة فاق بها عليه فيتمنى لنفسه مثلها فإن كانت تلك الفضيلة دينية كان ~~حسنا وقد تمنى النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه منزلة الشهادة وقال صلى الله ~~عليه وسلم لا حسد ms162 إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل ~~وآناء النهار ورجل آتاه الله القرآن فهو يقرؤه آناء الليل وآناء النهار ~~وقال في من ينفق ماله في طاعة الله فقال لو أن لي مالا لفعلت فيه كما فعل ~~هذا فهما في الأجر سواء وإن كانت دنيويه فلا خير في تمنيها كما قال تعالى ~~فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما ~~أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير ~~لمن آمن وعمل صالحا القصص وأما قوله عز PageV01P122 وجل ولا تتمنوا ما فضل ~~الله به بعضكم على بعض النساء فقد فسر ذلك بالحسد وهو تمني الرجل نفس ما ~~أعطي أخوه من أهل ومال وأن ينتقل ذلك إليه وفسر بتمني ما هو ممتنع شرعا أو ~~قدرا كتمني النساء أن يكن رجالا أو يكون لهن مثل ما للرجال من الفضائل ~~الدينية كالجهاد والدنيوية كالميراث والعقل والشهادة ونحو ذلك وقيل إن ~~الآية تشمل ذلك كله ومع هذا كله فينبغي للمؤمن أن يحزن لفوات الفضائل ~~الدينية ولهذا أمر أن ينظر في الدين إلى من هو فوقه وأن ينافس في طلب ذلك ~~جهده وطاقته كما قال تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون المطففين ولا يكره ~~أن أحدا يشاركه في ذلك بل يحب للناس كلهم المنافسة فيه ويحثهم على ذلك وهو ~~من تمام أداء النصيحة للإخوان كما قال الفضيل إن كنت تحب أن يكون للناس ~~مثلك فما أديت النصيحة لربك كيف وأنت تحب أن يكونوا دونك يشير إلى أن ~~النصيحة لهم أن يحب أن يكونوا فوقه وهذه منزلة عالية ودرجة رفيعة في النصح ~~وليس ذلك بواجب وإنما المأمور به في الشرع أن يحب أن يكونوا مثله ومع هذا ~~فإذا فاقه أحد في فضيلة دينية اجتهد على إلحاقة وحزن على تقصير نفسه وتخلفه ~~عن لحاق السابقين لا حسدا لهم على ما آتاهم الله بل منافسة لهم وغبطة وحزنا ~~على النفس بتقصيرها وتخلفها عن درجات ms163 السابقين وينبغي للمؤمن أن لا يزال ~~يرى نفسه مقصرا عن الدرجات العالية فيستفيد بذلك أمرين نفيسين الاجتهاد في ~~طلب الفضائل والازدياد منها والنظر إلى نفسه بعين النقص وينشأ من هذا أن ~~يحب للمؤمنين أن يكونوا خيرا منه لأنه لا يرضى لهم أن يكونوا على مثل حاله ~~كما أنه لا يرضى لنفسه بما هي عليه بل يجتهد في صلاحها وقد قال محمد بن ~~واسع لابنه أما أبوك فلا كثر الله في المسلمين مثله فمن كان لا يرضى عن ~~نفسه فكيف يحب للمسلمين أن يكونوا مثله مع نصحه لهم بل هو يحب للمسلمين أن ~~يكونوا خيرا منه ويحب لنفسه أن يكون خيرا مما هو عليه وإن علم المرء أن ~~الله قد خصه على غيره بفضل فأخبر به لمصلحة دينية وكان إخباره على سبيل ~~التحدث بالنعم ويرى نفسه مقصرا في الشكر كان جائزا فقد قال ابن مسعود ما ~~أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني ولا يمنع هذا أن يحب للناس أن يشاركوه فيما ~~خصه الله به فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما إني لأمر على الآية من كتاب ~~الله فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم وقال الشافعي وددت أن الناس ~~تعلموا هذا العلم ولم ينسب إلى منه شيء وكان عتبة الغلام إذا أراد أن يفطر ~~يقول لبعض إخوانه المطلعين على أمره وأعماله أخرج إلى ماء أو تمرات أفطر ~~عليها ليكون لك أجر مثل أجري الحديث الرابع عشر عن ابن مسعود رضي الله ~~تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امريء مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة رواه ~~البخاري ومسلم PageV01P123 هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية الأعمش ~~عن عبدالله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود وفي رواية لمسلم التارك للإسلام ~~بدل قوله التارك لدينه وفي هذا المعنى أحاديث متعددة فخرج مسلم من حديث ~~عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث ابن مسعود ms164 وخرج ~~الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل كفر بعد إسلامه أو ~~زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس وفي رواية للنسائي رجل زنى بعد إحصانه ~~فعليه الرجم أو قتل عمدا فعليه القود أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل وقد ~~روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عباس وأبي هريرة ~~وأنس بن مالك وغيرهم وقد ذكرنا حديث أنس فيما تقدم وفيه تفسير أن هذه ~~الثلاث خصال هي حق الإسلام التي يستباح بها دم من شهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله والقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق عليه بين ~~المسلمين فأما زنا الثيب فأجمع المسلمون على أن حده الرجم حتى يموت وقد رجم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية وكان في القرآن الذي نسخ لفظه ~~والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم وقد ~~استنبط ابن عباس الرجم من القرآن من قوله تعالى يا أهل الكتاب قد جاءكم ~~رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير المائدة قال ~~فمن كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب ثم تلا هذه الآية وقال كان ~~الرجم مما أخفوا PageV01P124 أخرجه النسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد ~~ويستنبط أيضا من قوله تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا إلى قوله وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ~~المائدة وقال الزهري بلغنا أنها نزلت في اليهوديين اللذين رجمهما النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال إني أحكم بما في التوارة وأمر بهما فرجما وخرج مسلم في ~~صحيحه من حديث البراء بن عازب قصة رجم اليهوديين وقال في حديثه فأنزل الله ~~يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر المائدة وأنزل ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون المائدة ms165 في الكفار كلها وخرجه الإمام ~~أحمد وعنده فأنزل الله لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر المائدة إلى قوله ~~إن أوتيتم هذا فخذوا يقولون ائتوا محمدا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه ~~وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا إلى قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون المائدة قال في اليهود وروي من حديث جابر قصة رجم اليهوديين وفي ~~حديثه قال فأنزل الله فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم إلى قوله وإن ~~حكمت فاحكم بينهم بالقسط المائدة وكان الله تعالى قد أمر أولا بحبس النساء ~~الزواني إلى أن يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ثم جعل الله لهن ~~سبيلا ففي صحيح مسلم عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خذوا عني ~~خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالكبر جلد مائة وتغريب عام والثيب ~~بالثيب جلد مائة والرجم وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعة من العلماء وأوجبوا ~~جلد الثيب مائة ثم رجمه كما فعل على بشراحة الهمدانية وقال جلدتها بكتاب ~~الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشير إلى أن كتاب الله ~~فيه جلد الزانيين من غير تفصيل بين ثيب وبكر وجاءت السنة برجم الثيب خاصة ~~مع استنباطه من القرآن أيضا وهذا القول هو المشهور عن الإمام أحمد رحمه ~~الله وإسحاق وهو قول الحسن وطائفة من السلف وقالت طائفة منهم إن كان ~~الثيبان شيخين جلدا ورجما وإن كانا شابين رجما بغير جلد لأن ذنب الشيخ أقبح ~~لا سيما بالزنا وهذا قول أبي بن كعب وروي عنه مرفوعا ولا يصح رفعه وهو ~~رواية عن أحمد وإسحق أيضا وأما النفس بالنفس فمعناه أن المكلف إذا قتل نفسا ~~بغير حق عمدا يقتل بها وقد دل القرآن على ذلك بقوله تعالى وكتبنا عليهم ~~فيها أن النفس بالنفس المائدة وقال تعالى يأيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى البقرة ويستثنى ~~من عموم قوله تعالى النفس بالنفس صور منها أن يقتل الوالد ولده فالجمهور ms166 ~~على أنه لا يقتل به وصح ذلك عن عمر رضي الله عنه وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من وجوه متعددة وقد تكلم في أسانيدها وقال مالك إن تعمد قتله ~~تعمدا لا يشك فيه مثل أن يذبحه فإنه يقتل به وإن حذفه بسيف أو عصا لم ~~PageV01P125 يقتل وقال الليث يقتل بقتله بجميع وجوه العمد للعمومات ومنها ~~أن يقتل الحر عبدا فالأكثرون على أنه لا يقتل به وقد وردت في ذلك أحاديث في ~~أسانيدها مقال وقيل يقتل بعبد غيره دون عبده وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ~~وقيل يقتل بعبده وعبد غيره وهي رواية عن الثوري وقول طائفة من أهل الحديث ~~لحديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من قتل عبده قتلناه ومن جدعه ~~جدعناه وقد طعن فيه الإمام أحمد وغيره وقد أجمعوا على أنه لا قصاص بين ~~العبيد والأحرار في الأطراف وهذا يدل على أن هذا الحديث مطرح لا يعمل به ~~وهذا مما يستدل به على أن المراد بقوله تعالى النفس بالنفس المائدة الأحرار ~~لأنه ذكر بعده القصاص في الأطراف وهو يختص بالأحرار ومنها أن يقتل المسلم ~~كافرا فإن كان حربيا لم يقتل به بغير خلاف لأن قتل الحربي مباح بلا ريب وإن ~~كان ذميا أو معاهدا فالجمهور على أنه لا يقتل به أيضا وفي صحيح البخاري عن ~~على عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقتل مسلم بكافر وقال أبو حنيفة ~~وجماعة من فقهاء الكوفيين يقتل به وقد روى ربيعة عن أبي البيلماني عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قتل رجلا من أهل القبلة برجل من أهل الذمة وقال أنا ~~أحق من وفي بذمته وهذا مرسل ضعيف قد ضعفه الإمام أحمد وأبو عبيد وإبراهيم ~~الحربي والجوزجاني وابن المنذر والدارقطني وقال ابن البيلماني ضعيف لا تقوم ~~به حجة إذا الحديث فكيف بما يرسل وقال الجوزجاني إنما أخذه ربيعة عن ~~إبراهيم بن أبي يحيى عن ابن المنذر عن ابن البيلماني وابن أبي يحيى متروك ~~الحديث وفي مراسيل أبو ms167 داود حديث آخر مرسل أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل ~~يوم خيبر مسلما بكافر غيلة وقال أنا أولى وأحق من وفي بذمته وهذا مذهب مالك ~~وأهل المدينة أن القتل غيلة لا تشترط له المكافأة فيقتل فيه والمسلم ~~بالكافر وعلى هذا حملوا حديث ابن البيلماني أيضا على تقدير صحته ومنها أن ~~يقتل الرجل امرأة فيقتل بها بغير خلاف وفي كتاب عمرو ابن حزم عن النبي قال ~~إن الرجل يقتل بامرأة وصح أنه صلى الله عليه وسلم قتل يهوديا قتل جارية ~~وأكثر العلماء على أنه لا يدفع إلى أولياء الرجل شيء وروي عن على أنه يدفع ~~إليهم نصف الدية لأن دية المرأة نصف دية الرجل وهو قول طائفة من السلف ~~وأحمد في رواية عنه وأما التارك لدينه المفارق للجماعة فالمراد به من ترك ~~الإسلام وارتد عنه وفارق جماعة المسلمين كما جاء التصريح بذلك في حديث ~~عثمان وإنما استثناه مع من يحل دمه من أهل الشهادتين باعتبار ما كان عليه ~~قبل الردة وحكم الإسلام لازم له بعدها ولهذا يستتاب ويطلب منه العود إلى ~~الإسلام وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الردة من العبادات اختلاف مشهور ~~بين العلماء وأيضا فقد يترك دينه ويفارق الجماعة وهو مقر بالشهادتين ~~PageV01P126 ويدعي الإسلام كما إذا جحد شيئا من أركان الإسلام أو سب الله ~~ورسوله أو كفر ببعض الملائكة أو النبيين أو الكتب المذكورة في القرآن مع ~~العلم بذلك وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال من بدل دينه فاقتلوه ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة عند ~~أكثر العلماء ومنهم من قال لا تقتل المرأة إذا ارتدت كما لا تقتل نساء أهل ~~الحرب في الحرب وإنما تقتل رجالهم وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه وجعلوا الكفر ~~الطاريء كالأصل والجمهور فرقوا بينهما وجعلوا الطاريء أغلظ لما سبقه من ~~الإسلام ولهذا يقتل بالردة عنه من لا يقتل من أهل الحرب كالشيخ الفاني ~~والزمن والأعمى ولا يقتلون في الحرب وقوله صلى ms168 الله عليه وسلم التارك لدينه ~~المفارق للجماعة يدل على أنه لو تاب ورجع إلى الإسلام لا يقتل لأنه ليس ~~بتارك لدينه بعد رجوعه ولا مفارق للجماعة فإن قيل بل استثنى هذا ممن يعصم ~~دمه من أهل الشهادتين يدل على أنه يقتل ولو كان مقرا بالشهادتين كما يقتل ~~الزاني المحصن وقاتل النفس وهذا يدل على أن المرتد لا تقبل توبته كما حكي ~~عن الحسن أو أن يحمل ذلك على من ارتد ممن ولد على الإسلام فإنه لا تقبل ~~توبته وإنما تقبل توبة من كان كافرا ثم أسلم ثم ارتد على قول طائفة من ~~العلماء ومنهم الليث بن سعد وأحمد في رواية عنه وإسحق قيل إنما استثناه من ~~المسلمين باعتبار ما كان عليه قبل مفارقة دينه كما سبق تقريره وليس هذا ~~كالثيب الزاني وقاتل النفس لأن قتلهما يوجب عقوبة لجريمتهما الماضية ولا ~~يمكن تلافي ذلك وأما المرتد فإنما قتل لوصف قائم به في الحال وهو ترك دينه ~~ومفارقة الجماعة فإذا عاد إلى دينه وإلى موافقته للجماعة فالوصف الذي أبيح ~~به دمه قد انتفى فتزول إباحة دمه والله أعلم فإن قيل فقد خرج النسائي من ~~حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم امريء ~~مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال زان محصن يرجم ورجل قتل متعمدا فيقتل ورجل خرج من ~~الإسلام فحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض وهذا يدل على أن ~~المراد من جمع بين الردة والمحاربة قيل قد خرج أبو داود حديث عائشة رضي ~~الله عنها بلفظ آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم ~~امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا في إحدى ثلاث ~~زنا بعد إحصان فإنه يرجم ورجل خرج محاربا لله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ~~ينفى من الأرض أو يقتل نفسا فيقتل بها وهذا يدل على أن من وجد منه الحرب من ~~المسلمين خير الإمام فيه ms169 مطلقا كما يقوله علماء أهل المدينة كمالك وغيره ~~والرواية الأولى قد تحمل على أن المراد بخروجه عن الإسلام خروجه عن أحكام ~~الإسلام وقد تحمل على ظاهرها وقد يستدل بذلك من يقول إن آية المحاربة تختص ~~بالمرتدين فمن ارتد وحارب فعل به ما في الآية ومن حارب من غير ردة أقيمت ~~عليه أحكام المسلمين من القصاص والقطع في السرقة وهذا رواية عن أحمد رحمه ~~الله لكنها غير مشهورة عنه وكذا قالت طائفة من السلف إن آية PageV01P127 ~~المحاربة تختص بالمرتدين منهم أبو قلابة وغيره وبكل حال فحديث عائشة رضي ~~الله عنها ألفاظه مختلفة وقد روى عنها مرفوعا وروي عنها موقوفا وحديث ابن ~~مسعود رضي الله عنه لفظه لا اختلاف فيه وهو ثابت متفق على صحته ولكن يقال ~~على هذا إنه قد ورد قتل المسلم بغير إحدى الثلاث الخصال فمنها في اللواط ~~وقد جاء من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اقتلوا الفاعل ~~والمفعول به وأخذ به كثير من العلماء كمالك وأحمد وقالوا إنه موجب للقتل ~~بكل حال محصنا كان أو غير محصن وقد روي عن عثمان أنه قال لا يحل دم امريء ~~مسلم إلا بأربع فذكر الثلاثة المتقدمة وزاد ورجل عمل عمل قوم لوط ومنها من ~~أتى ذات محرم وقد روي الأمر بقتله وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل من ~~تزوج بامرأة أبيه وأخذ بذلك طائفة من العلماء وأوجبوا قتله محصنا كان أو ~~غير محصن ومنها الساحر وفي الترمذي من حديث جندب مرفوعا حد الساحر ضربة ~~بالسيف وذكر أن الصحيح وقفه على جندب وهو مذهب جماعة من العلماء منهم عمر ~~بن عبدالعزيز ومالك وأحمد وإسحق ولكن هؤلاء يقولون إنه يكفر بسحره فيكون ~~حكمه حكم المرتد ومنها قتل من وقع على بهيمة ومنها من ترك الصلاة فإنه يقتل ~~عند كثير من العلماء مع قولهم إنه ليس بكافر وقد سبق ذكر ذلك مستوفي ومنها ~~قتل شارب الخمر في المرة الرابعة وقد ورد الأمر به عن النبي صلى الله ms170 عليه ~~وسلم من وجوه متعددة وأخذ بذلك عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه ~~وغيره وأكثر العلماء على أن القتل نسخ وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتى بالشارب في المرة الرابعة فلم يقتله وفي صحيح البخاري أن رجلا كان يؤتى ~~به للنبي صلى الله عليه وسلم في الخمر فلعنه رجل وقال ما أكثر ما يؤتى به ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ولم يقتله ~~بذلك وقد روي قتل السارق في المرة الخامسة وقيل إن بعض الفقهاء ذهب إليه ~~ومنها ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا بويع لخليفتين فاقتلوا ~~الآخر منهما خرجه مسلم من حديث أبي سعيد وقد ضعف العقيلي أحاديث هذا الباب ~~كلها ومنها قوله صلى الله عليه وسلم من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد ~~فأراد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه وفي رواية فاضربوا رأسه بالسيف ~~كائنا من كان وقد خرجه مسلم أيضا من رواية عرفجة ومنها من شهر السلاح فخرج ~~النسائي من حديث ابن الزبير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~من شهر السلاح ثم وضعه فدمه هدر وقد روي عن ابن الزبير مرفوعا وموقوفا وقال ~~البخاري إنما هو موقوف وسئل أحمد رحمه الله عن معنى هذا الحديث فقال ما ~~أدري ما هذا وقال إسحاق بن راهويه إنما يريد من شهر سلاحه ثم وضعه في الناس ~~حتى استعرض الناس فقد حل قتله وهو مذهب الحرورية يستعرضون PageV01P128 ~~الرجال والنساء والذرية وقد روي عن عائشة ما يخالف تفسير إسحق فخرج الحاكم ~~من رواية علقمة بن أبي علقمة عن أمه أن غلاما شهر السيف على مولاه في إمرة ~~سعيد بن العاص وتفلت به عليه فأمسكه الناس عنه فدخل المولى على عائشة فقالت ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أشار بحديدة إلى أحد من ~~المسلمين يريد قتله فقد وجب دمه فأخذه مولاه فقتله وقال صحيح على شرط ~~الشيخين وقد صح ms171 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قتل دون ماله فهو ~~شهيد وفي رواية من قتل دون دمه فهو شهيد فإذا أريد مال المرء أو دمه دفع ~~عنه بالأسهل هذا مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله وهل يجب أن ينوي أنه لا ~~يريد قتلة أم لا فيه روايتان عند الإمام أحمد وذهب طائفة إلى أن من أراد ~~ماله أو دمه أبيح له قتله ابتداء ودخل على ابن عمر لص فقام إليه بالسيف ~~صلتا فلولا أنهم حالوا بينه وبينه لقتله وسئل الحسن عن لص دخل بيت رجل ومعه ~~حديدة قال اقتله بأي قتلة قدرت عليه وهؤلاء أباحوا قتله وإن ولى هاربا من ~~غير جناية منهم أبو أيوب السختياني وخرج الإمام أحمد من حديث عبادة بن ~~الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدار حرمك فمن دخل عليك حرمك ~~فاقتله ولكن في إسناده ضعف ومنها قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على ~~المسلمين وقد توقف فيه أحمد وأباح قتله طائفة من أصحاب مالك وابن عقيل من ~~أصحابنا ومن المالكية من قال إن تكرر ذلك منه أبيح قتله واستدل من أباح ~~قتله بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حق حاطب بن أبي بلتعة لما كتب ~~الكتاب إلى أهل مكة يخبرهم بسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ويأمرهم ~~فاستأذن عمر في قتله فقال إنه شهد بدرا فلم يقل إنه لم يأت بما يبيح دمه ~~وإنما علل بوجود مانع من قتله وهو شهوده بدرا ومغفرة الله لأهل بدر وهذا ~~المانع منتف في حق من بعده ومنها ما خرجه أبو داود في المراسيل من رواية ~~ابن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ضرب أباه فاقتلوه وروي ~~مسندا من وجه آخر لا يصح والله أعلم وأعلم أن من هذه الأحاديث المذكورة ما ~~لا يصح ولا يعرف به قائل معتبر كحديث من ضرب أباه فاقتلوه وحديث قتل السارق ~~في المرة الخامسة وباقي النصوص كلها يمكن ردها إلى حديث ابن مسعود وذلك ms172 أن ~~حديث ابن مسعود يتضمن أنه لا يستباح دم المسلم إلا بإحدى ثلاث خصال إما أن ~~يترك ويفارق جماعة المسلمين وأما أن يزني وهو محصن وإما أن يقتل نفسا بغير ~~حق فيؤخذ منه أن قتل المسلم لا يستباح إلا بإحدى ثلاثة أنواع ترك الدين ~~وإراقة الدم المحرم وانتهاك الفرج المحرم فهذه الأنواع الثلاثة هي التي ~~تبيح دم المسلم دون غيرها فأما انتهاك الفرج المحرم فقد ذكر في حديث أنه ~~الزنا بعد الإحصان وهذا والله أعلم على وجه المثال فإن المحصن قد تمت عليه ~~النعمة بنيل هذه الشهوة بالنكاح فإذا أتاها بعد ذلك من فرج محرم عليه أبيح ~~دمه وقد ينفي شرط الإحصان فيخلفه شرط آخر وهو كون PageV01P129 الفرج لا ~~يستباح بحال إما مطلقا كاللواط أو في حق الواطيء كمن وطيء ذات محرم بعقد أو ~~غيره فهذا الوصف هل يكون قائما مقام الإحصان وخلفا عنه هذا هو محل النزاع ~~بين العلماء والأحاديث دالة على أنه يكون خلفا عنه ويكتفي به في إباحة ~~الدماء وأما سفك الدم الحرام فهل يقوم مقامه إثارة الفتن المؤدية إلى سفك ~~الدماء كتفريق جماعة المسلمين وشق العصا والمبايعة لإمام ثان ودل الكفار ~~على عورات المسلمين هذا هو محل النزاع وقد روي عن عمر ما يدل على إباحة ~~القتل بمثل هذا وكذلك شهر السلاح لطلب القتل هل يقوم مقام القتل في إباحة ~~الدم أم لا فابن الزبير وعائشة رأياه قائما مقام القتل الحقيقي في ذلك ~~وكذلك قطع الطريق بمجرده هل يبيح القتل أم لا لأنه مظنة لسفك الدماء ~~المحرمة وقال الله عز وجل من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا يدل على أنه إنما يباح قتل النفس بشيئين أحدهما بالنفس ~~والثاني بالفساد في الأرض ويدخل في الفساد في الأرض الحرب والردة والزنا ~~فإن ذلك كله فساد في الأرض وكذلك يكون شرب الخمر والإصرار عليه هو مظنة سفك ~~الدماء المحرمة وقد أجمع الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه على حده ثمانين ~~وجعلوا ms173 السكر مظنة الافتراء والقذف الموجب لجلد الثمانين ولما قدم وفد ~~عبدالقيس على النبي صلى الله عليه وسلم ونهاهم عن الأشربة والانتباذ في ~~الظروف قال إن أحدكم ليقوم إلى ابن عمه يعني إذا شرب فيضربه بالسيف وكان ~~فيهم رجل قد أصابته جراحة من ذلك فكان يخبؤها حياء من النبي صلى الله عليه ~~وسلم فهذا كله يرجع إلى إباحة الدم بالقتل إقامة لمظان القتل مقام حقيقته ~~لكن هل نسخ ذلك أم حكمه باق وهذا هو محل النزاع وأما ترك الدين ومفارقة ~~الجماعة فمعناه الارتداد عن دين الإسلام ولو أتى بالشهادتين فلو سب الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو مقر بالشهادتين أبيح دمه لأنه قد ترك بذلك ~~دينه وكذلك لو استهان بالمصحف وألقاه في القاذورات أو جحد ما يعلم من الدين ~~بالضرورة كالصلاة وما أشبه ذلك مما يخرج من الدين وهل يقوم مقام ذلك ترك ~~شيء من أركان الإسلام الخمس وهذا ينبني على أنه هل يخرج من الدين بالكلية ~~بذلك أم لا فمن رآه خروجا عن الدين كان عنده كترك الشهادتين وإنكارهما ومن ~~لم يره خروجا عن الدين فاختلفوا هل يلحق بتارك الدين في القتل لكونه ترك ~~أحد مباني الإسلام أم لا لكونه لم يخرج عن الدين ومن هذا الباب ما قاله ~~كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع فإنهم نظروا إلى أن ذلك شبيه ~~بالخروج عن الدين وهو ذريعة ووسيلة إليه فإن استخفى بذلك ولم يدع غيره كان ~~حكمه حكم المنافقين إذا استخفوا وإذا دعا إلى ذلك تغلظ جرمه بإفساد دين ~~الأمة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بقتال الخوارج وقتلهم وقد ~~اختلف العلماء في حكمهم فمنهم من قال هم كفار فيكون قتلهم لكفرهم ومنهم من ~~قال إنما يقتلون لفسادهم في الأرض بسفك دماء المسلمين وتكفيرهم PageV01P130 ~~لهم وهو قول مالك وطائفة من أصحابنا وأجازوا الأبتداء بقتالهم والإجهاز على ~~جريحهم ومنهم من قال إن دعوا إلى ما هم عليه قوتلوا وإن أظهروه ولم يدعوا ~~إليه لم يقاتلوا وهو ms174 نص عن أحمد رحمه الله وإسحق وهو يرجع إلى قتال من دعا ~~إلى بدعة مغلظة ومنهم من لم ير البداءة بقتالهم حتى يبدءوا بقتالنا وإنما ~~يبيح قتالهم من سفك دماء ونحوه كما روي عن على رضي الله عنه وهو قول ~~الشافعي وكثير من أصحابنا وقد روي من وجوه متعددة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر بقتل رجل كان يصلي وقال لو قتل لكان أول فتنة وآخرها وفي رواية لو ~~قتل لم يختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الدجال خرجه الإمام أحمد رحمه الله ~~وغيره فاستدل بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شره عن المسلمين ويحسم ~~مادة الفتن وقد حكى ابن عبدالبر وغيره عن مذهب مالك جواز قتل الداعي إلى ~~البدعة فرجعت نصوص القتل كلها إلى ما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه بهذا ~~التقدير ولله الحمد وكثير من العلماء يقول في كثير من هذه النصوص التي ~~ذكرناها هاهنا إنها منسوخة بحديث ابن مسعود وفي هذا نظر من وجهين أحدهما ~~أنه لا يعلم أن حديث ابن مسعود كان متأخرا عن تلك النصوص كلها لا سيما وابن ~~مسعود من قدماء المهاجرين وكثير من تلك النصوص يرويها من تأخر إسلامه كأبي ~~هريرة وجرير بن عبدالله ومعاوية فإن هؤلاء كلهم رووا حديث قتل شارب الخمر ~~في المرة الرابعة والثاني أن الخاص لا ينسخ بالعام ولو كان العام متأخرا ~~عنه في الصحيح الذي عليه جمهور العلماء لأن دلالة الخاص على معناه بالنص ~~ودلالة العام عليه بالظاهر عند الأكثرين فلا يبطل الظاهر حكم النص وقد روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجل كذب عليه في حياته وقال لحي من ~~العرب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني وأمرني أن أحكم في دمائكم ~~وأموالكم وهذا روي من وجوه متعددة كلها ضعيفة وفي بعضها أن هذا الرجل كان ~~قد خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه وأنه لما قال لهم هذه ~~المقالة صدقوه ونزل على تلك المرأة وحينئذ فهذا ms175 الرجل قد زني ونسب إباحة ~~ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كفر وردة عن الدين وفي صحيح مسلم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا بقتل القبطي الذي كان يدخل على أم ولده ~~مارية وكان الناس يتحدثون بذلك فلما وجده على مجبوبا تركه وقد حمله بعضهم ~~على أن القبطي لم يكن أسلم بعد وأن المعاهد إذا فعل ما يؤذي المسلمين أنقض ~~عهده فكيف إذا آذى النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم بل كان مسلما ولكنه ~~نهى عن ذلك فلم ينته حتى تكلم الناس بسببه في فراش النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأذى النبي صلى الله عليه وسلم في فراشه مبيح للدم لكن لما ظهرت ~~براءته بالعيان تبين للناس براءة مارية فزال السبب المبيح للقتل وقد روي عن ~~الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل بغير هذه الأسباب ~~الثلاثة التي في حديث ابن مسعود وغيره ليس له ذلك كأنه يشير إلى أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان له أن يعزر بالقتل إذا رأى ذلك مصلحة لأنه صلى الله ~~عليه وسلم معصوم من التعدي والحيف وأما غيره PageV01P131 فليس له ذلك لأنه ~~غير مأمون عليه من التعدي بالهوى قال أبو داود سمعت أحمد سئل عن حديث أبي ~~بكر ما كانت لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم قال لم يكن لأبي بكر أن ~~يقتل رجلا إلا بإحدى ثلاث والنبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل وحديث ~~أبي بكر المشار إليه هو أن رجلا كلم أبا بكر فأغلظ له فقال له أبو برزة ألا ~~أقتله يا خليفة رسول الله فقال أبو بكر ما كانت لأحد بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعلى هذا يتخرج حديث الأمر بقتل هذا القبطي ويتخرج عليه أيضا ~~حديث الأمر بقتل السارق إن كان صحيحا فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمر بقتله في أول مرة فراجعوه فيه فقطعه ثم فعل ذلك أربع مرات وهو يأمر ~~بقتله ms176 فيراجع فيه فيقطع حتى قطعت أطرافه الأربع ثم قتل في الخامسة والله ~~أعلم الحديث الخامس عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ومن كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليكرم ضيفه رواه البخاري ومسلم PageV01P132 هذا الحديث خرجاه من طرق عن ~~أبي هريرة وفي بعض ألفاظها فلا يؤذي جاره وفي بعض ألفاظها فليحسن قرى ضيفه ~~وفي بعضها فليصل رحمه بدل ذكر الجار وخرجاه أيضا بمعناه من حديث أبي شريح ~~الخزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من حديث عائشة وابن مسعود وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب الأنصاري ~~وابن عباس وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم فقوله صلى الله عليه وسلم من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليفعل كذا وكذا يدل على أن هذه الخصال من ~~خصال الإيمان وقد سبق أن الأعمال تدخل في الإيمان وقد فسر النبي صلى الله ~~عليه وسلم الإيمان بالصبر والسماحة قال الحسن المراد بالصبر عن المعاصي ~~والسماحة بالطاعة وأعمال الإيمان تارة تتعلق بحقوق الله كأداء الواجبات ~~وترك المحرمات ومن ذلك قول الخير والصمت عن غيره وتارة تتعلق بحقوق عباده ~~كإكرام الضيف وإكرام الجار والكف عن أذاه فهذه ثلاثة أشياء يؤمر بها المؤمن ~~أحدهما قول الخير والصمت عما سواه وقد روى الطبراني من حديث أسود بن أصرم ~~المحاربي قال قلت يا رسول الله أوصني قال هل تملك لسانك قلت ما أملك إذا لم ~~أملك لساني قال فهل تملك يدك قلت فما أملك إذا لم أملك يدي قال فلا تقل ~~بلسانك إلا معروفا ولا تبسط يدك إلا إلى خير وقد ورد أن استقامة اللسان من ~~خصال الإيمان كما في المسند عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى ms177 يستقيم ~~لسانه وخرج الطبراني من PageV01P133 حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يخزن من لسانه وخرج الطبراني من حديث ~~معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنك لن تزال سالما ما سكت ~~فإذا تكلمت كتب لك أو عليك وفي مسند الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو بن ~~العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صمت نجا وفي الصحيحين عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل ليتكلم ~~بالكلمة ما يتبين ما فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب ~~وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في ~~النار وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالا يرفعه ~~الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا ~~يهوي بها في جهنم وخرج الإمام أحمد من حديث سليمان بن سحيم عن أمه قالت ~~سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الرجل ليدنو من الجنة حتى ما يكون ~~بينه وبينها إلا ذراع فيتكلم بالكلمة فيتباعد بها أبعد من صنعاء وخرج ~~الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث بلال بن الحارس قال سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ~~ما بلغت فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من ~~سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه وقد ~~ذكرنا فيما سبق حديث أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كلام ابن ~~آدم عليه لا له إلا ذكر الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن ms178 المنكر ~~وقوله صلى الله عليه وسلم فليقل خيرا أو ليصمت أمر بقول الخير وبالصمت عما ~~عداه وهذا يدل على أنه ليس هناك كلام يساوي قوله والصمت عنه إما أن يكون ~~خيرا فيكون مأمورا بقوله وإما أن يكون غير خير فيكون مأمورا بالصمت عنه ~~وحديث معاذ وأم حبيبه يدلان على هذا وخرج ابن أبي الدنيا من حديث معاذ بن ~~جبل ولفظه إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا معاذ ثكلتك أمك وهول تقول ~~شيئا إلا وهو لك أو عليك وقد قال الله تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد ق وقد أجمع السلف الصالح على أن الذي عن يمينه يكتب الحسنات والذي عن ~~شماله يكتب السيئات وقد روي ذلك مرفوعا من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف وفي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان أحدكم يصلي فإنه يناجي ربه ~~والملك عن يمينه وروي من حديث حذيفة مرفوعا إن عن يمينه كاتب الحسنات ~~واختلفوا هل يكتب كل ما يتكلم به أم لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب على ~~قولين مشهورين وقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس يكتب كل ما تكلم به من خير ~~أو شر حتى إنه ليكتب قوله أكلت وشربت ذهبت وجئت حتى إذا كان يوم الخميس عرض ~~قوله وعمله فأقر ما كان فيه من خير أو شر وألقي سائره فذلك قوله تعالى يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب الرعد وعن يحيى بن أبي كثير قال ركب ~~رجل الحمار فعثر PageV01P134 به فقال تعس الحمار فقال صاحب اليمين ما هي ~~حسنة أكتبها وقال صاحب الشمال ما هي من السيئات فأكتبها فأوحى الله إلى ~~صاحب الشمال ما ترك صاحب اليمين من شيء فاكتبه فأثبت في السيئات تعس الحمار ~~وظاهر هذا أن ما ليس بحسنة فهو سيئة وإن كان لا يعاقب عليها فإن بعض ~~السيئات قد لا يعاقب عليها وقد تقع مكفرة باجتناب الكبائر ولكن زمانها قد ~~خسره صاحبها حيث ذهبت باطلا ms179 فيحصل له بذلك حسرة في القيامة وأسف عليه وهو ~~نوع عقوبة وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون ~~الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة وخرجه الترمذي ولفظه ما ~~جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم صلى الله عليه وسلم ~~إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم وفي رواية لأبي داود ~~والنسائي من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه إلا كان عليه من الله ترة ومن ~~اضطجع مضطجعا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة زاد النسائي ومن قام ~~مقاما لم يذكر الله فيه كان عليه من الله ترة وخرج أيضا من حديث أبي سعيد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من قوم يجلسون مجلسا لا يذكرون الله ~~فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة وقال مجاهد ما جلس قوم ~~مجلسا فتفرقوا قبل أن يذكروا الله إلا تفرقوا عن أنتن من ريح الجيفة وكان ~~مجلسهم يشهد عليهم بغفلتهم وما جلس قوم مجلسا فذكروا الله قبل أن يتفرقوا ~~إلا أن يتفرقوا عن أطيب من ريح المسك وكان مجلسهم يشهد لهم ذكرهم وقال بعض ~~السلف يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره فكل ساعة لم يذكر الله فيها ~~تتقطع نفسه عليها حسرات وخرجه الطبراني من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا ~~ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها بخير إلا حسر عندها يوم القيامة ~~فمن هنا يعلم أن ما ليس بخير من الكلام فالسكوت عنه أفضل من التكلم به ~~اللهم إلا ما تدعو إليه الحاجة ممالا بد منه وقد روي عن ابن مسعود قال ~~إياكم وفضول الكلام حسب امريء ما بلغ حاجته وعن النخعي قال يهلك الناس في ~~فضول المال والكلام وأيضا قال فإن الإكثار من الكلام الذي ms180 لا حاجة إليه ~~يوجب قساوة القلب كما في الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا لا تكثروا الكلام ~~بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وإن أبعد الناس عن ~~الله القلب القاسي وقال عمر رضي الله عنه من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر ~~سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به وخرجه العقيلي من حديث ~~ابن عمر مرفوعا بإسناد ضعيف وقال محمد بن عجلان إنما الكلام أربعة أن تذكر ~~الله وتقرأ القرآن وتسئل عن علم فتخبر به أو تكلم فيما يعنيك من أمر دنياك ~~وقال رجل لسلمان أوصني قال لا تتكلم قال ما يستطيع من عاش في الناس أن لا ~~يتكلم قال فإن تكلمت فتكلم بحق أو اسكت وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~يأخذ PageV01P135 بلسانه ويقول هذا أوردني الموارد وقال ابن مسعود والله ~~الذي لا إله إلا هو ما على الأرض أحق بطول سجن من اللسان وقال وهب بن منبه ~~أجمعت الحكماء على أن رأس الحكمة الصمت وقال شميط بن عجلان يا بن آدم إنك ~~ما سكت فأنت سالم فإذا تكلمت فخذ حذرك إما لك وإما عليك وهذا باب يطول ~~استقصاؤه والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالكلام بالخير والسكوت ~~عما ليس بخير وخرج الإمام أحمد وابن حبان من حديث البراء بن عازب أن رجلا ~~قال يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة فذكر الحديث وفيه قال فأطعم ~~الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك ~~إلا من خير فليس الكلام مأمورا به على الإطلاق ولا السكوت كذلك بل لا بد من ~~الكلام بالخير والسكوت عن الشر وكان السلف كثيرا يمدحون الصمت عن الشر وعما ~~لا يعني لشدته على النفس وذلك يقع الناس فيه كثيرا فكانوا يعالجون أنفسهم ~~ويجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم قال الفضيل بن عياض ما حج ولا رباط ~~ولا جهاد أشد من حبس اللسان ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في ms181 هم شديد وقال ~~سجن اللسان سجن المؤمن ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في غم شديد وسئل ابن ~~المبارك عن قول لقمان لابنه إن كان الكلام من فضة فإن الصمت من ذهب فقال ~~معناه لو كان الكلام بطاعة الله من فضة فإن الصمت عن معصية الله من ذهب ~~وهذا يرجع إلى أن الكف عن المعاصي أفضل من عمل الطاعات وقد سبق القول في ~~هذا مستوفي وتذاكروا عند الأحنف بن قيس أيما أفضل الصمت أو النطق فقال قوم ~~الصمت أفضل فقال الأحنف النطق أفضل لأن فضل الصمت لا يعدو صاحبه والنطق ~~الحسن ينتفع به من سمعه وقال رجل من العلماء عند عمر بن عبدالعزيز رحمه ~~الله الصامت على علم كالمتكلم على علم فقال عمر إني لأرجو أن يكون المتكلم ~~على علم أفضلهما يوم القيامة حالا وذلك أن منفعته للناس وهذا صمته لنفسه ~~فقال له يا أمير المؤمنين وكيف بفتنة النطق فبكى عمر عند ذلك بكاء شديدا ~~ولقد خطب عمر بن عبدالعزيز يوما فرق الناس وبكوا فقطع خطبته فقيل له لو ~~أتممت كلامك رجونا أن ينفع الله به فقال عمر إن القول فتنة والفعل أولى ~~بالمؤمن من القول وكنت من مدة طويلة قد رأيت في المنام أمير المؤمنين عمر ~~بن عبدالعزيز رضي الله عنه وسمعته يتكلم في هذه المسئلة وأظن أني فاوضته ~~فيها وفهمت من كلامه أن التكلم بالخير أفضل من السكوت وأظنه أنه وقع في ~~أثناء الكلام ذكر سليمان بن عبدالملك وأن عمر قال ذلك له وهذا روي عن ~~سليمان ابن عبدالملك أنه قال الصمت منام العقل والنطق يقظته ولا يتم حال ~~إلا بحال يعني لا بد من الصمت والكلام وما أحسن ما قال عبيد الله بن أبي ~~جعفر فقيه أهل مصر في وقته وكان أحد الحكماء إذا كان المرء يحدث في مجلس ~~فأعجبه الحديث فليسكت وإن كان ساكتا فأعجبه السكوت PageV01P136 فليحدث وهذا ~~حسن فإن من كان كذلك كان سكوته وحديثه بمخالفة هواه وإعجابه بنفسه ومن كان ~~كذلك كان جديرا بتوفيق الله ms182 إياه وتسديده في نطقه وسكوته لأن كلامه وسكوته ~~يكون لله عز وجل وفي مراسيل الحسن رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما يرويه عن ربه عز وجل قال علامة الطهر أن يكون قلب العبد عندي متعلقا ~~فإذا كان كذلك لم ينسني على حال وإذ كان كذلك مننت عليه بالاشتغال بي كيلا ~~ينساني فإذا نسيني حركت قلبه فإن تكلم تكلم لي وإن سكت سكت لي فذلك الذي ~~تأتيه المعونة من عندي خرجه إبراهيم بن الجنيد وبكل حال فالتزام الصمت ~~مطلقا واعتقاده قربة إما مطلقا أو في بعض العبادات كالحج والاعتكاف والصيام ~~منهي عنه وروي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام ~~الصمت وخرج الإسماعيلي من حديث على رضي الله عنه نهانا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الصمت في العكوف وخرج الإسماعيلي من حديث على أيضا قال نهانا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصمت في الصلاة وفي سنن أبي داود من حديث ~~على عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا صمات يوم إلى الليل وقال أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه لامرأة حجت مصمتة إن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية ~~وروي عن على بن الحسين زين العابدين أنه قال صوم الصمت حرام والثاني مما ~~أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث المؤمنين إكرام الجار وفي ~~بعض الروايات النهي عن أذى الجار فأما أذى الجار فمحرم لأن الأذى بغير حق ~~محرم لكل أحد ولكن في حق الجار هو أشد تحريما وفي الصحيحين عن ابن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك قيل ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قيل ثم أي قال أن تزاني ~~حليلة جارك وفي مسند الإمام أحمد عن المقداد بن الأسود قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما تقولون في الزنا قالوا حرام حرمه ms183 الله ورسوله فهو ~~حرام إلى يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يزني الرجل ~~بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره قال فما تقولون في السرقة ~~قالوا حرام حرمها الله ورسوله فهي حرام قال لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات ~~أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره وفي صحيح البخاري عن أبي شريح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من ~~يا رسول الله قال من لا بأمن جاره بوائقه وخرجه الإمام أحمد وغيره من حديث ~~أبي هريرة وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه وخرج الإمام أحمد والحاكم ~~من حديث أبي هريرة أيضا قال قيل يا رسول الله إن فلانة تصلي بالليل وتصوم ~~النهار وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها سليطة قال لا خير فيها هي في النار ~~وقيل له إن فلانة تصلي المكتوبة وتصوم رمضان وتتصدق بالأثوار وليس لها شيء ~~غيره ولا تؤذي أحدا قال هي في الجنة ولفظ الإمام أحمد ولا تؤذي بلسانها ~~جيرانها وخرج الحاكم من حديث أبي PageV01P137 جحيفة قال جاء رجل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم يشكو جاره فقال له اطرح متاعك في الطريق قال فجعل الناس ~~يمرون به فيلعنونه فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما ~~لقيت من الناس قال وما لقيت قال يلعنوني قال فقد لعنك الله قبل الناس قال ~~يا رسول الله فإني لا أعود وخرجه أبو داود بمعناه من حديث أبي هريرة ولم ~~يذكر فيه فقد لعنك الله قبل الناس وخرج الخرائطي من حديث أم سلمة قالت دخلت ~~شاة لجارة لنا فأخذت قرصة لنا فقمت إليها فأخذتها من بين لحييها فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنه لا قليل من أذى الجار فأما إكرام الجار ~~والإحسان إليه فمأمور به وقد قال الله ms184 تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى ~~والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب ~~من كان مختالا فخورا النساء فجمع الله تعالى في هذه الآية بين ذكر حقه على ~~العبد وحقوق العباد على العباد أيضا وجعل العباد الذين أمر بالإحسان إليهم ~~خمسة أنواع أحدها من بينه وبين الإنسان قرابة وخص منهم الوالدين بالذكر ~~لامتيازهما عن سائر الأقارب بما لا يشركونهما فيه فإنهما كانا السبب في ~~وجود الولد ولهما حق التربية والتأديب وغير ذلك الثاني من هو ضعيف محتاج ~~إلى الإحسان وهو نوعان من هو محتاج لضعف بدنه وهو اليتيم ومن هو محتاج لقلة ~~ماله وهو المسكين والثالث من له حق القرب والمخالطة وجعلهم ثلاثة أنواع جار ~~ذو قربى وجار جنب وصاحب بالجنب وقد اختلف المفسرون في تأويل ذلك فمنهم من ~~قال الجار ذو القربى الجار الذي له قرابة والجار الجنب الأجنبي ومنهم من ~~أدخل المرأة في الجار ذي القربى ومنهم من أدخلها في الجار الجنب ومنهم من ~~أدخل الرفيق في السفر في الجار الجنب وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يقول في دعائه أعوذ بك من جار السوء في دار الإقامة فإن جار ~~البادية يتحول ومنهم من قال الجار ذو القربى الجار المسلم والجار الجنب ~~الكافر وفي مسند البزار من حديث جابر مرفوعا الجيران ثلاثة جار له حق واحد ~~وهو أدنى الجيران حقا وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق وهو أفضل الجيران ~~حقا فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له له حق الجوار وأما الذي لم ~~حقان فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار ~~مسلم ذو رحم فله حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم وقد روي هذا الحديث من ~~وجوه أخرى متصلة ومرسلة ولا تخلو كلها من مقال وقيل الجار ذو القربى هو ~~القريب الملاصق والجار الجنب البعيد الجوار وفي صحيح ms185 البخاري عن عائشة قالت ~~قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلي أيهما أهدي قال إلى أقربهما بابا وقال ~~طائفة من السلف حد الجوار PageV01P138 أربعون دارا وقيل مستدار أربعين دارا ~~من كل جانب وفي مراسيل الزهري أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو ~~جارا له فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أن ينادي ألا إن أربعين ~~دارا جار وقال الزهري وأربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا ~~يعني ما بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وسئل الإمام أحمد عمن يطبخ ~~قدرا وهو في دار السبيل ومعه في الدار نحو ثلاثين أو أربعين نفسا يعني أنهم ~~سكان معه في الدار قال يبدأ بنفسه وبمن يعول فإن فضل أعطي الأقرب إليه وكيف ~~يمكنه أن يعطيهم كلهم قيل له لعل الذي هو جاره يتهاون بذلك القدر ليس له ~~عنده موقع فرأى أنه لا يبعث إليه وأما الصاحب بالجنب ففسره طائفة بالزوجة ~~وفسره طائفة منهم ابن عباس بالرفيق في السفر ولم يريدوا إخراج الصاحب ~~الملازم في الحضر وإنما أرادوا أن صحبة السفر تكفي فالصحبة الدائمة في ~~الحضر أولى ولهذا قال سعيد بن جبير هو الرفيق الصالح وقال زيد بن أسلم هو ~~جليسك في الحضر ورفيقك في السفر وقال ابن زيد هو الرجل يعتريك ويلم بك ~~لتنفعه وفي المسند والترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله ~~خيرهم لجاره الرابع من هو وارد على الإنسان غير مقيم عنده وهو ابن السبيل ~~يعني المسافر إذا ورد إلى بلد آخر وفسره بعضهم بالضيف يعني به ابن السبيل ~~إذا نزل ضيفا على أحد والخامس ملك اليمين وقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بهم كثيرا وأمر بالإحسان إليهم وروي أن آخر ما وصى به عند موته الصلاة وما ~~ملكت أيمانكم وأدخل بعض السلف في هذه الآية ما يملكه الإنسان من الحيوانات ~~والبهائم ولنرجع إلى شرح ms186 حديث أبي هريرة في إكرام الجار وفي الصحيحين عن ~~عائشة وابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل ~~يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه فمن أنواع الإحسان إلى الجار مواساته ~~عند حاجته وفي المسند عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لا يشبع المؤمن دون جاره وخرج الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع وفي رواية ~~أخرى عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما آمن ~~من بات شبعان وجاره طاويا وفي المسند عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أول خصمين يوم القيامة جاران وفي كتاب الأدب للبخاري عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما يا رب هذا أغلق بابه دوني يمنع معروفه وخرج الخرائطي وغيره ~~بإسناد ضعيف من حديث عطاء PageV01P139 الخراساني عن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أغلق بابه دون جاره مخافة على ~~أهله وماله فليس ذلك بمؤمن وليس مؤمنا من لا يأمن جاره بوائقه أتدري ما حق ~~الجار إذا استعانك أعنته وإذا استقرضك أقرضته وإذا افتقر عدت عليه وإذا مرض ~~عدته وإذا أصابه خير هنيته وإذا أصابته مصيبة عزيته وإذا مات اتبعت جنازته ~~ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ولا تؤذيه بقتار قدرك ~~إلا أن تغرف له وإن اشتريت فاكهة فاهد له فإن لم تفعل فأدخلها سرا ولا يخرج ~~بها ولدك ليغيظ بها ولده ورفع هذا الكلام منكر ولعله من تفسير عطاء ~~الخراساني وقد روي أيضا عن عطاء عن الحسن عن جابر مرفوعا أدنى حق الجوار أن ~~لا تؤذي جارك بقتار قدرك إلا أن تقدح له منها وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال ~~أوصاني خيلي صلى الله عليه وسلم إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه ثم انظر إلى أهل ~~بيت جيرانك ms187 فأصبهم منها بمعروف وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك وفي المسند والترمذي عن ~~عبدالله بن عمرو بن العاص أنه ذبح شاة فقال هل أهديتم منها لجارنا اليهودي ~~ثلاث مرات ثم قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما زال جبريل يوصيني ~~بالجار ظننت أنه سيورثه وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره ثم يقول ~~أبو هريرة رضي الله عنه مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين ~~أكتافكم ومذهب الإمام أحمد أن الجار يلزمه أن يمكن جاره من وضع خشبة على ~~جداره إذا احتاج الجار إلى ذلك ولم يضر بجداره لهذا الحديث الصحيح وظاهر ~~كلامه أنه يجب عليه أن يواسيه من فضل ما عنده بما لا يضر به إذا علم حاجته ~~قال المروزي قلت لأبي عبدالله إني لأسمع السائل في الطريق يقول إني جائع ~~فقال قد يصدق وقد يكذب قلت فؤدا كان لي جار أعلم أنه يجوع قال تواسيه قلت ~~إذا كان قوتي رغيفين قال تطعمه شيئا ثم قال الذي جاء في الحديث إنما هو ~~الجار وقال المروزي قلت لأبي عبدالله الأغنياء يجب عليهم المواساة قال إذا ~~كان قوم يصنعون شيئا على شيء كيف لا يجب عليهم قلت فإذا كان للرجل قميصان ~~أو قلت جبتان يجب عليه المواساة قال إذا كان يحتاج إلى أن يكون فضلا وهذا ~~نص منه في وجوب المواساة من الفضائل ولم يخصه بالجار ونصه الأول يقتضي ~~اختصاصه بالجار وقال في رواية ابن هانيء في السؤال يكذبون أحب إلينا لو ~~صدقوا ما وسعنا إلا مواساتهم وهذا يدل على وجوب مواساة الجائع من الجيران ~~وغيرهم وفي الصحيح عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أطعموا ~~الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني وفي المسند وصحيح الحاكم عن عمر رضي ~~الله عنه عن PageV01P140 النبي صلى الله عليه ms188 وسلم قال أيما أهل عرصة أصبح ~~فيهم امرؤ وجائع فقد برئت منهم ذمة الله عز وجل ومذهب أحمد ومالك أنه يمنع ~~الجار أن يتصرف في خاص ملكه بما يضر بجاره فيجب عندهما كف الأذى عن الجار ~~بمنع إحداث الانتفاع المضر به ولو كان المنتفع إنما ينتفع بخاص ملكه ويجب ~~عند أحمد أن يبذل لجاره ما يحتاج إليه ولا ضرر عليه في بذله وأعلى من هذين ~~أن يصبر على أذى جاره ولا يقابله بالأذى قال الحسن ليس حسن الجوار كف الأذى ~~ولكن حسن الجوار احتمال الأذي ويروى من حديث أبي ذر إن الله يحب الرجل يكون ~~له الجار يؤذيه جواره فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما الموت أو ظعن خرجه ~~الإمام أحمد وفي مراسيل أبي عبدالرحمن الحبلي أن رجلا جاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يشكو إليه جاره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كف أذاك ~~عنه واصبر لأذاه فكفى بالموت مفرقا خرجه ابن أبي الدنيا الثالث مما أمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين إكرام الضيف والمراد إحسان ضيافته وفي ~~الصحيحين من حديث أبي شريح رضي الله عنه قال أبصرت عيناي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسمعته أذناي حين تكلم به قال من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا وما جائزته قال يوم وليلة قال والضيافة ~~ثلاثة أيام وما كان بعد ذلك فهو صدقة وخرج مسلم من حديث أبي شريح أيضا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة وما ~~أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يؤثمه قالوا يا ~~رسول الله كيف يؤثمه قال يقيم ولا شيء له يقريه به وخرج الإمام أحمد من ~~حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه قالها ثلاثا قالوا وما إكرام الضيف يا ~~رسول الله قال ثلاثة أيام فما حبس بعد ذلك ms189 فهو صدقة ففي هذه الأحاديث أن ~~جائزة الضيف يوم وليلة وأن الضيافة ثلاثة أيام ففرق بين الجائزة والضيافة ~~وكذا الجائزة قد ورد في تأكيدها أحاديث أخر وخرج أبو داود من حديث المقدام ~~بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليلة للضيف حق على كل مسلم ~~فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين إن شاء اقتضى وإن شاء ترك وخرجه ابن ماجه ~~ولفظه ليلة الضيف حق على كل مسلم وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث ~~المقدام أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل أضاف قوما فأصبح ~~الضيف محروما فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقري ليلة من زرعه وماله ~~وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر قال قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم ~~لا يقروننا فما ترى فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن نزلتم بقوم ~~فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف ~~الذي ينبغي لهم وخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ~~PageV01P141 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما ضيف نزل بقوم فأصبح ~~الضيف محروما فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه وقال عبدالله بن عمرو من ~~لم يضيف فليس من محمد صلى الله عليه وسلم ولا من إبراهيم عليه السلام وقال ~~عبدالله بن الحارث بن جزء من لم يكرم ضيفه فليس من محمد صلى الله عليه وسلم ~~ولا من إبراهيم عليه السلام وقال أبو هريرة لقوم نزل عليهم فاستضافهم فلم ~~يضيفوه فتنحى ونزل فدعاهم إلى طعام فلم يجيبوه فقال لهم لا تنزلون الضيف لا ~~تجيبون الدعوة ما أنتم من الإسلام على شيء فعرفه رجل منهم فقال له انزل ~~عافاك الله قال هذا شر وشر لا تنزلون إلا من تعرفون وروي عن أبي الدرداء ~~نحو هذه القضية إلا أنه قال لهم ما أنتم من الدين إلا على مثل هذه وأشار ~~إلى هدبة في ثوبه وهذه النصوص تدل ms190 على وجوب الضيافة يوما وليلة وهو قول ~~الليث وأحمد وقال أحمد له المطالبة بذلك إذا منعه لأنه حق له واجب وهل يأخذ ~~بيده من ماله إذا منعه أو يرفعه إلى الحاكم على روايتين منصوصتين عنه وقال ~~حميد بن زنجويه ليلة الضيف واجبة وليس له أن يأخذ قراه منهم قهرا إلا أن ~~يكون مسافرا في مصالح المسلمين العامة دون مصلحة نفسه وقال الليث بن سعد لو ~~نزل الضيف بالعبد أضافه من المال الذي بيده وللضيف أن يأكل وإن لم يعلم أن ~~سيده أذن لأن الضيافة واجبة وهو قياس قول أحمد لأنه نص على أنه يجوز إجابة ~~دعوة العبد المأذون له في التجارة وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم أجابوا ~~دعوة المملوك وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا فإذا جاز له أن ~~يدعو الناس إلى طعامه ابتداء جاز إجابة دعوته فإضافته لمن نزل به أولى ومنع ~~من ذلك مالك والشافع وغيرهما من دعوة العبد المأذون له بدون إذن سيده ونقل ~~عن على بن سعيد عن أحمد ما يدل على وجوب الضيافة للغزاة خاصة بمن مروا بهم ~~ثلاثة أيام والمشهور عنه الأول وهو وجوبها لكل ضيف نزل بقوم واختلف في قوله ~~هل يجب على أهل الأمصار والقرى أم تختص بأهل القرى ومن كان على طريق يمر ~~بهم المسافرون على روايتين منصوصتين عنه والمنصوص عنه أنها تجب للمسلم ~~والكافر وخص كثير من أصحابه الوجوب للمسلم كما لا تجب نفقة الأقارب مع ~~اختلاف الدين على إحدى الروايتين فأما اليومان الآخران وهما الثاني والثالث ~~فهما تمام الضيافة والنصوص عن أحمد أنه لا يجب إلا الجائزة الأولى وقال قد ~~فرق بين الجائزة والضيافة والجائزة أوكد ومن أصحابنا من أوجب الضيافة ثلاثة ~~أيام منهم أبو بكر بن عبدالعزيز وابن أبي موسى والآمدي وما بعد الثلاث فهو ~~صدقة وظن بعض الناس أن الضيافة ثلاثة أيام بعد اليوم والليلة الأولى ورده ~~أحمد بقوله صلى الله عليه وسلم الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة ولو ~~كان ms191 كما ظن هذا لكان أربعة قلت ونظير هذا قوله تعالى قل أئنكم لتكفرون ~~بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة ~~أيام فصلت والمراد في تمام الأربعة وهذا الحديث الذي احتج به أحمد قد تقدم ~~من حديث أبي شريح وخرجه البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن قري الضيف قيل يا رسول ~~الله وما قري الضيف قال ثلاثة فما كان بعد فهو صدقة قال جندب بن رواحة عليه ~~أن يتكلف له في اليوم والليلة من الطعام أطيب ما يأكله هو وعياله وفي تمام ~~الثالث يطعمهم من طعامه وفي هذا نظر وسنذكر حديث سلمان بالنهي عن التكلف ~~للضيف ونقل أشهب عن مالك قال جائزته يوم وليلة يكرمه ويتحفه ويخصه يوما ~~وليلة وثلاثة أيام ضيافة وكان ابن عمر يمتنع من الأكل من مال من نزل عليه ~~فوق ثلاثة أيام ويأمر أن ينفق عليه من ماله ولصاحب المنزل أن يأمر الضيف ~~بالتحول عنه بعد الثلاث لأنه قضى ما عليه وفعل ذلك الإمام أحمد رحمه الله ~~وقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه يعني يقيم عنده ~~حتى يضيق عليه لكن هل هذا في الأيام الثلاثة أم فيما زاد عليها فأما فيما ~~ليس بواجب فلا شك في تحريمه وأما ما هو واجب وهو اليوم والليلة فيبنى على ~~أنه هل تجب الضيافة على من لا يجد شيئا أم لا تجب إلا على من وجد ما يضيف ~~به فإن قيل إنها لا تجب إلا على من يجد ما يضيف به وهو قول طائفة من أهل ~~الحديث منهم حميد بن زنجويه لم يحل للضيف أن يستضيف من هو عاجز عن ضيافته ~~وقد روي من حديث سلمان قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتكلف ~~للضيف ما ليس عندنا فإذا نهى المضيف أن يتكلف للضيف ما ليس عنده دل على أنه ~~لا تجب ms192 عليه المواساة للضيف إلا بما عنده فإذا لم يكن عنده فضل لم يلزمه ~~شيء وأما إذا آثر على نفسه كما فعل الأنصاري الذي نزل فيه ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة فذلك مقام فضل وإحسان وليس بواجب ولو علم الضيف ~~أنهم لا يضيفونه إلا بقوتهم وقوت صبيانهم وأن الصبية يتأذون بذلك لم يجز له ~~استضافتهم حينئذ عملا بقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل له أن يقيم عنده حتى ~~يحرجه وأيضا فالضيافة نفقة واجبة ولا تجب إلا على من عنده فضل عن قوته وقوت ~~عياله كنفقه الأقارب وزكاة الفطر وقد أنكر الخطابي تفسير تأثمه بأن يقيم ~~عنده ولا شيء له يقريه به وقال أراه غلطا وكيف يأثم في ذلك وهو لا يتسع ~~لقراه ولا يجد سبيلا إليه وإنما الكلفة على قدر الطاقة قال وإنما وجه ~~الحديث أنه كره له المقام عنده بعد ثلاث لئلا يضيق صدره بمكانه فتكون ~~الصدقة منه على وجه المن والأذى فيبطل أجره وهذا الذي قاله فيه نظر فإنه قد ~~صح تفسيره في الحديث بما أنكره وإنما وجهه أنه أقام عنده ولاشيء له يقريه ~~به فربما دعاه ضيق صدره به وحرجه إلى ما يأثم به في قول أو فعل وليس المراد ~~أنه يأثم بترك قراه مع عجزه عنه والله أعلم الحديث السادس عشر عن أبي هريرة ~~رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال لا ~~تغضب فردد مرارا قال لا تغضب رواه البخاري PageV01P142 هذا الحديث خرجه ~~البخاري من طريق أبي الحصين الأسدي عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~ولم يخرجه مسلم لأن الأعمش رواه عن أبي صالح واختلف عليه في إسناده فقيل ~~عنه عن أبي صالح عن أبي هريرة كقول أبي حصين وقيل عنه عن أبي صالح عن أبي ~~سعيد الخدري وعند يحيى بن معين أن هذا هو الصحيح وقيل عنه أبي صالح عن أبي ~~هريرة وأبي سعيد وقيل عنه عن أبي صالح عن أبي هريرة أو ms193 جابر وقيل عنه عن ~~أبي صالح عن رجل من الصحابة غير مسمي وخرج الترمذي هذا الحديث من طريق أبي ~~حصين أيضا ولفظه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ~~علمني شيئا ولا تكثر على لعلي أعيه قال لا تغضب فردد ذلك مرارا كل ذلك يقول ~~لا تغضب وفي رواية أخرى لغير الترمذي قال قلت يا رسول الله دلني على عمل ~~يدخلني الجنة ولا تكثر علي قال لا تغضب فهذا الرجل طلب من النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يوصيه وصية وجيزة جامعة لخصال الخير ليحفظها عنه خشية أن لا ~~يحفظها لكثرتها ووصاه النبي أن لا يغضب ثم ردد هذه المسئلة عليه مرارا ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يردد عليه هذا الجواب فهذا يدل على أن الغضب ~~جماع الشر وأن التحرز منه جماع الخير ولعل هذا الرجل الذي سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم هو أبو الدرداء فقد خرج الطبراني من حديث أبي الدرداء قال ~~قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة قال لا تغضب ولك الجنة وقد روى ~~الأحنف بن قيس عن عمه حارثة بن قدامة أن رجلا قال يا رسول الله قل لي قولا ~~وأقلل علي لعلي أعقله قال لا تغضب فأعاد عليه مرارا كل ذلك يقول لا تغضب ~~خرجه الإمام أحمد وفي PageV01P144 رواية له أن حارثة بن قدامة قال سألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذكره فهذا يغلب على الظن أن السائل هو حارثة بن ~~قدامة ولكن ذكر الإمام أحمد عن يحيى القطان أنه قال هكذا قال هشام يعني أن ~~هشاما ذكر في الحديث أن حارثة سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال يحيي وهم ~~يقولون إنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم وكذا قال العجلي وغيره إنه ~~تابعي وليس بصحابي وخرج الإمام أحمد من حديث الزهري عن حميد بن عبدالرحمن ~~عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال قلت يا رسول الله أوصني قال ~~لا تغضب قال ms194 الرجل ففكرت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال فإذا ~~الغضب يجمع الشر كله ورواه مالك في الموطأ عن الزهري عن حميد مرسلا وخرج ~~الإمام أحمد من حديث عبدالله بن عمرو أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~ماذا يباعدني من غضب الله عز وجل قال لا تغضب وقول الصحابي ففكرت فيما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإذا الغضب يجمع الشر كله يشهد لما ذكره أن الغضب ~~جماع الشر كله قال جعفر بن محمد الغضب مفتاح كل شر وقيل لابن المبارك اجمع ~~لنا حسن الخلق في كلمة قال ترك الغضب وكذا فسر الإمام أحمد وإسحاق بن ~~راهويه حسن الخلق بترك الغضب وقد روى ذلك مرفوعا خرجه محمد بن نصر المروزي ~~في كتاب الصلاة من حديث أبي العلاء بن الشخير أن رجلا أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم من قبل وجهه فقال يا رسول الله أي العمل أفضل فقال حسن الخلق ثم ~~أتاه عن يمينه فقال يا رسول الله أي العمل أفضل فقال حسن الخلق ثم أتاه عن ~~شماله فقال يا رسول الله أي العمل أفضل قال حسن الخلق ثم أتاه من بعده يعني ~~من خلفه فقال يا رسول الله أي العمل أفضل فالتفت إليه رسول الله رسول صلى ~~الله عليه وسلم فقال مالك لا تفقه حسن الخلق هو أن لا تغضب إن استطعت وهذا ~~مرسل فقوله صلى الله عليه وسلم لمن استوصاه لا تغضب يحتمل أمرين أحدهما أن ~~يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الكرم والسخاء والحلم ~~والحياء والتواضع والاحتمال وكف الأذى والصفح والعفو وكظم الغيظ والطلاقة ~~والبشر ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة فإن النفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق ~~وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه والثاني أن يكون ~~المراد لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه ~~والعمل بما يأمر به فإن الغضب إذا ملك شيئا من بني آدم كان الآمر والناهي ~~له ولهذا ms195 المعنى قال الله عز وجل ولما سكت عن موسى الغضب الأعراف وإذا لم ~~يمتثل الإنسان ما يأمره به غضبه وجاهد نفسه على ذلك اندفع عنه شر الغضب ~~وربما سكن غضبه وذهب عاجلا وكأنه حينئذ لم يغضب وإلى هذا المعنى وقعت ~~الإشارة في القرآن بقوله عز وجل وإذا ما غضبوا هم يغفرون الشورى وبقوله عز ~~وجل والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب PageV01P145 المحسنين آل ~~عمران وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر من غضب بتعاطي أسباب تدفع عنه ~~الغضب وتسكنه ويمدح من ملك نفسه عند غضبه ففي الصحيحين عن سليمان بن صرد ~~قال استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب ~~صاحبه مغضبا قد احمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لا أعلم كلمة ~~لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقالوا ~~للرجل ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم قال إني لست بمجنون وخرج ~~الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال في خطبته ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أفما رأيتم إلى حمرة عينيه ~~وانتفاخ أوداجه فمن أحس من ذلك بشيء فليلزق بالأرض وخرج الإمام أحمد وأبو ~~داود من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا غضب أحدكم وهو ~~قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع وقد قيل إن المعنى في هذا أن ~~القائم متهيئ للانتقام والجالس دونه في ذلك والمضطجع أبعد عنه فأمره ~~بالتباعد عنه حالة الانتقام ويشهد لذلك أنه روي من حديث سنان بن سعد عن أنس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن حديث الحسن مرسلا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال الغضب جمرة في قلب الإنسان توقد ألا ترى إلى حمرة عينيه وانتفاخ ~~أوداجه فإذا أحس أحدكم من ذلك شيئا فليجلس ولا يعدونه الغضب والمراد أنه ~~يحبسه في نفسه ولا يعديه إلى غيره بالأذى ms196 بالفعل ولهذا المعنى قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الفتن إن المضطجع فيها خير من القاعد والقاعدة فيها ~~خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي وإن كان هذا ~~على وجه ضرب المثال في الإسراع في الفتن إلا أن المعنى أن من كان أقرب إلى ~~الإسراع فيها فهو شر ممن كان أبعد عن ذلك وخرج الإمام أحمد من حديث ابن ~~عباس عن النبي قال إذا غضب أحدكم فليسكت قالها ثلاثا وهذا أيضا دواء عظيم ~~للغضب لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال ~~غضبه كثيرا من السباب وغيره مما يعظم ضرره فإذا سكت زال هذا الشر كله عنده ~~وما أحسن قول مورق العجلي رحمه الله ما امتلأت غضبا قط ولا تكلمت في غضب قط ~~بما أندم عليه إذا رضيت وغضب يوما عمر بن عبدالعزيز فقال له ابنه عبدالملك ~~رحمهما الله أنت يا أمير المؤمنين مع ما أعطاك الله وفضلك به تغضب هذا ~~الغضب فقال له أو ما تغضب يا عبدالملك فقال له عبدالملك وما يغني عني سعة ~~جوفي إذا لم أردد فيه الغضب حتى لا يظهر فهؤلاء قوم ملكوا أنفسهم عند الغضب ~~رضي الله عنهم وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث عروة بن محمد السعدي أنه ~~كلمه رجل فأغضبه فقام فتوضأ ثم قال حدثني أبي عن جدي عطية قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار ~~وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ وروى أبو نعيم بإسناده عن ~~أبي مسلم الخولاني أنه كلم معاوية بشيء وهو على المنبر PageV01P146 فغضب ثم ~~نزل فاغتسل ثم عاد إلى المنبر وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~إن الغضب من الشيطان والشيطان من النار والماء يطفيء النار فإذا غضب أحدكم ~~فليغتسل وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس ~~الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك ms197 نفسه عند الغضب وفي صحيح مسلم عن ~~ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما تعدون الصرعة فيكم قلنا الذي ~~لا تصرعه الرجال قال ليس ذلك ولكنه الذي يملك نفسه عن الغضب وخرج الإمام ~~أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم ~~القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء وخرج الإمام أحمد من ~~حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما تجرع عبد جرعة أفضل عند ~~الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله تعالى ومن حديث ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما ~~كظم عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانا وخرج أبو داود معناه من رواية بعض ~~الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ملأه الله أمنا وإيمانا وقال ~~ميمون بن مهران جاء رجل إلى سلمان فقال يا أبا عبدالله أوصني قال لا تغضب ~~قال أمرتني أن لا أغضب وإنه ليغشاني ما لا أملك قال فإن غضبت فاملك لسانك ~~ويدك خرجه ابن أبي الدنيا وملك لسانه ويده هو الذي أشار إليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأمره لمن غضب أن يجلس ويضطجع وبأمره له أن يسكت قال عمر بن ~~عبدالعزيز قد أفلح من عصم عن الهوى والغضب والطمع وقال الحسن أربع من كن ~~فيه عصمه الله من الشيطان وحرمه على النار من ملك نفسه عند الرغبة والرهبة ~~والشهوة والغضب فهذه الأربع التي ذكرها الحسن هي مبدأ الشر كله فإن الرغبة ~~في الشيء هي ميل النفس إليه لاعتقاد نفعه فمن حصل له رغبة في شيء حملته تلك ~~الرغبة على طلب ذلك الشيء من كل وجه يظنه موصلا إليه وقد يكون كثير منها ~~محرما وقد يكون ذلك الشيء المرغوب فيه محرما والرهبة هي الخوف من الشيء ms198 ~~وإذا خاف الإنسان من شيء تسبب في دفعه عنه بكل طريق يظنه دافعا له وقد يكون ~~كثير منها محرما والشهوة هي ميل النفس إلى ما يلائمها وتلتذ به وقد تميل ~~كثيرا إلى ما هو محرم كالزنا والسرقة وشرب الخمر وإلى الكفر والسحر والنفاق ~~والبدع والغضب هو غليان دم القلب طلبا لدفع المؤذي عنه خشية وقوعه أو طلبا ~~للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعد وقوعه وينشأ من ذلك كثير من الأفعال ~~المحرمة كالقتل والضرب وأنواع الظلم والعدوان وكثير من الأقوال المحرمة ~~كالقذف والسب والفحش وربما ارتقى إلى درجة الكفر كما جرى لجبلة بن الأيهم ~~وكالأيمان التي لا يجوز التزامها شرعا وكطلاق الزوجة الذي يعقب الندم ~~والواجب على المؤمن أن تكون شهوته مقصورة على طلب ما أباحه الله له وربما ~~تناولها بنية صالحة فأثيب عليها وأن يكون غضبه دفعا للأذى في الدين له أو ~~لغيره وانتقاما PageV01P147 ممن عصى الله ورسوله كما قال تعالى قاتلوهم ~~يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ ~~قلوبهم التوبة وهذه كانت حال النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان لا ينتقم ~~لنفسه ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء ولم يضرب بيده خادما ~~ولا امرأة إلا أن يجاهد في سبيل الله وخدمه أنس عشر سنين فما قال له أف قط ~~ولا قال له لشيء فعله لم فعلت كذا ولا لشيء لم يفعله ألا فعلت كذا وفي ~~رواية أنه كان إذا لامه بعض أهله قال صلى الله عليه وسلم دعوه فلو قضى شيء ~~كان وفي رواية للطبراني قال أنس خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ~~سنين فما دريت شيئا قط وافقه ولا شيئا خالفه رضي من الله بما كان وسئلت ~~عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه ~~القرآن يعني أنه كان يتأدب بآدابه ويتخلق بأخلاقه فما مدحه القرآن كان فيه ~~رضاه وما ذمه القرآن كان فيه سخطه وجاء في رواية عنها ms199 قالت كان خلقه القرآن ~~يرضى لرضاه ويسخط لسخطه وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حيائه لا يواجه أحدا ~~بما يكره بل تعرف الكراهة في وجهه كما في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا ~~يكرهه عرفناه في وجهه ولما بلغه ابن مسعود قول القائل هذه قسمة ما أريد بها ~~وجه الله شق عليه صلى الله عليه وسلم وتغير وجهه وغضب ولم يزد على أن قال ~~لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى أو سمع ~~ما يكرهه الله غضب لذلك وقال فيه ولم يسكت وقد دخل بيت عائشة رضي الله عنها ~~فرأى سترا فيه تصاوير فتلون وجهه وهتكه وقال إن من أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة الذين يصورون هذه الصور ولما شكي إليه الإمام الذي يطيل بالناس ~~صلاته حتى يتأخر بعضهم عن الصلاة معه غضب واشتد غضبه ووعظ الناس وأمر ~~بالتخفيف ولما رأى النخامة في قبلة المسجد تغيظ وحكها وقال إن أحدكم إذا ~~كان في الصلاة فإن الله حيال وجهه فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة وكان من ~~دعائه صلى الله عليه وسلم أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وهذا عزيز جدا ~~وهو أن الإنسان لا يقول سوى الحق سواء غضب أو رضي فإن أكثر الناس إذا غضب ~~لا يتوقف فيما يقول وخرج الطبراني من حديث أنس مرفوعا ثلاث من أخلاق ~~الإيمان من إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل ومن إذا رضي لم يخرجه رضاه من حق ~~ومن إذا قدر لم يتعاط ما ليس له وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~أخبر عن رجلين ممن كان قبلنا كان أحدهما عابدا وكان الآخر مسرفا على نفسه ~~وكان العابد يعظه فلا ينتهي فرآه يوما على ذنب استعظمه فقال والله لا يغفر ~~الله لك فغفر للمذنب وأحبط عمل العابد وقال أبو هريرة لقد تكلم بكلمة أوبقت ~~دنياه وآخرت فكان ms200 أبو هريرة يحذر الناس أن يقولوا مثل هذه الكلمة في غضب ~~وقد خرجه الإمام أحمد وأبو داود فهذا غضب لله ثم تكلم في حال غضبه لله بما ~~لا يجوز وحتم على الله بما لا يعلم فأحبط الله عمله فكيف بمن PageV01P148 ~~تكلم في غضبه لنفسه ومتابعة هواه بما لا يجوز وفي صحيح مسلم عن عمران بن ~~حصين أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأة من ~~الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال خذوا ~~متاعها ودعوها وفيه أيضا عن جابر قال سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في غزوة ورجل من الأنصار على ناضح له فتلدن عليه بعض التلدن فقال له سر ~~يلعنك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انزل عنه فلا يصحبنا ملعون ~~لا تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من ~~الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم فهذا كله يدل على أن دعاء الغضبان قد ~~يجاب إذا صادف ساعة إجابة وأنه ينهى عن الدعاء على نفسه وأهله وماله في ~~الغضب وأما ما قاله مجاهد في قوله تعالى ولو يعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم يونس قال هو الواصل لأهله وولده وماله ~~إذا غضب عليه قال اللهم لا تبارك فيه اللهم العنه يقول لو عجل له ذلك لأهلك ~~من دعا عليه فأماته فهذا يدل على أنه لا يستجاب ما يدعوا به الغضبان على ~~نفسه وأهله وماله والحديث دل على أنه قد يستجاب لمصادفته ساعة إجابة وأما ~~ما روي عن الفضيل بن عياض قال ثلاثة لا يلامون على غضب الصائم والمريض ~~والمسافر وعن الأحنف بن قيس قال يوحي الله إلى الحافظين اللذين مع ابن آدم ~~لا تكتبا على عبدي في ضجره شيئا وعن أبي عمران الجوني قال إن المريض إذ جزع ~~فأذنب قال الملك الذي على اليمين للملك الذي على الشمال لا تكتب خرجه ابن ~~أبي الدنيا فهذا كله ms201 لا يعرف له أصل صحيح من الشرع يدل عليه والأحاديث التي ~~ذكرناها من قبل تدل على خلافه وقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا غضب ~~فليسكت يدل على أن الغضبان مكلف في حال غضبه بالسكوت فيكون حينئذ مؤاخذة ~~بالكلام وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر من غضب أن يتلافى غضبه ~~بما يسكته من أقوال وأفعال وهذا هو عين التكليف له بقطع الغضب فكيف يقال ~~إنه غير مكلف في حال غضبه بما يصدر منه وقال عطاء بن أبي رباح ما أبكى ~~العلماء بكاء آخر العمر من غضبة يغضبها أحدهم فيهدم عمر خمسين سنة أو ستين ~~سنة أو سبعين سنة ورب غضبة قد أقحمت صاحبها مقحما ما استقاله خرجه ابن أبي ~~الدنيا ثم إن من قال من السلف إن الغضبان إذا كان سبب غضبه مباحا كالمرض أو ~~السفر أو الطاعة كالصوم لا يلام عليه إنما مراده أنه لا إثم عليه إذا كان ~~مما يقع منه في حال الغضب كثيرا من كلام يوجب تضجرا أو سبا ونحوه كما قال ~~صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر أرضى كما يرضي البشر وأغضب كما يغضب البشر ~~فأيما مسلم سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة فأما ما كان من كفر أو رده أو ~~قتل نفس أو أخذ مال بغير حق ونحو ذلك فهذا لا يشك مسلم أنهم لم يريدوا أن ~~الغضبان لا يؤاخذ به وكذلك ما يقع من الغضبان من طلاق وعتاق أو يمين فإنه ~~يؤاخذ بذلك كله بغير خلاف وفي مسند الإمام أحمد PageV01P149 عن خولة بنت ~~ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أنها راجعت زوجها فغضب فظاهر منها وكان شيخا ~~كبيرا قد ساء خلقه وضجر وأنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت ~~تشكو إليه ما تلقى من سوء خلقه فأنزل الله آية الظهار وأمره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بكفارة في قصة طويلة وخرجها ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي ~~العالية أن خولة غضب زوجها فظاهر منها ms202 فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبرته بذلك وقالت إنه لم يرد الطلاق فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~أراك إلا حرمت عليه وذكر القصة بطولها وفي آخرها قال فحول الله الطلاق ~~فجعله ظهارا فهذا الرجل ظاهر في حال غضبه وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يرى حينئذ أن الظهار طلاق وقد قال إنها حرمت عليه بذلك يعني لزمه الطلاق ~~فلما جعله الله ظهارا مكفرا ألزمه بالكفارة ولم يلغه وروى مجاهد عن ابن ~~عباس أن رجلا قال له إني طلقت امرأتي ثلاثا وأنا غضبان فقال ابن عباس لا ~~يستطيع أن يحل لك ما حرم الله عليك عصيت ربك وحرمت عليك امرأتك خرجه ~~الجوزجاني والدارقطني بإسناد على شرط مسلم وخرج القاضي إسماعيل بن إسحاق في ~~كتاب أحكام القرآن بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت اللغو في ~~الأيمان ما كان في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا يعقد عليه القلب ~~وأيمان الكفارة على كل يمين حلفت عليها على جد من الأمر في غضب أو غيره ~~لتفعلن أو لتتركن فذلك عقد الأيمان فيها الكفارة وكذا رواه وهب عن يونس عن ~~الزهري عن عروة عن عائشة وهذا من أصح الأسانيد وهذا يدل على أن الحديث ~~المروي عنها مرفوعا لا طلاق ولا عتاق في إغلاق إما أنه غير صحيح أو إن ~~تفسيره بالغضب غير صحيح وقد صح عن غير واحد من الصحابة أنهم أفتوا أن يمين ~~الغضبان منعقدة وفيها الكفارة وما روي عن ابن عباس مما يخالف ذلك فلا يصح ~~إسناده قال الحسن طلاق السنة أن يطلقها واحدة طاهرا من غير جماع وهو ~~بالخيار ما بينه وبين أن تحيض ثلاث حيض فإن بداله أن يراجعها كان أملك بذلك ~~فإن كان غضبان ففي ثلاث حيض أو في ثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض ما يذهب غضبه ~~وقال الحسن لقد بين الله لئلا يندم أحد في طلاق كما أمره الله خرجه القاضي ~~إسماعيل وقد جعل كثير من العلماء الكنايات مع الغضب كالصريح في أنه ms203 يقع بها ~~الطلاق ظاهرا ولا يقبل تفسيرها مع الغضب بغير الطلاق ومنهم من جعل الغضب مع ~~الكنايات كالنية فأوقع بذلك الطلاق في الباطن أيضا فكيف يجعل الغضب مانعا ~~من وقوع صريح الطلاق الحديث السابع عشر عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله ~~تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب الإحسان على كل ~~شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم ~~شفرته وليرح ذبيحته رواه مسلم PageV01P150 وهذا حديث خرجه مسلم دون البخاري ~~من رواية أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس وتركه البخاري ~~لأنه لم يخرج في صحيحه لأبي الأشعث شيئا وهو شامي وقد روي نحوه من حديث ~~سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله عز وجل محسن فأحسنوا فإذا ~~قتل أحدكم فليحسن مقتوله وإذا ذبح فليحد شفرته وليرح ذبيحته خرجه ابن عدي ~~وخرج الطبراني من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا حكمتم ~~فاعدلوا وإذا قلتم فأحسنوا فإن الله محسن يحب المحسنين فقوله صلى الله عليه ~~وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء وفي رواية لأبي إسحاق الفزاري في كتاب ~~السير عن خالد عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله كتب ~~الإحسان على كل شيء أو قال على كل خلق هكذا خرجها مرسلة وبالشك في كل شيء ~~أو كل خلق وظاهره يقتضي أنه كتب على كل مخلوق الإحسان فيكون كل شيء أو كل ~~مخلوق هو المكتوب عليه والمكتوب هو الإحسان وقيل إن المعنى أن الله كتب ~~الإحسان إلى كل شيء أو في كل شيء أو كتب الإحسان في الولاية على كل شيء ~~فيكون المكتوب عليه غير مذكور وإنما المذكور المحسن إليه ولفظ الكتابة ~~يقتضي الوجوب عند أكثر الفقهاء والأصوليين خلافا لبعضم وإنما استعمال لفظة ~~الكتابة في القرآن فيما هو واجب حتم إما شرعا كقوله تعالى إن الصلاة كانت ~~على المؤمنين كتابا موقوتا النساء وقوله كتب عليكم ms204 الصيام البقرة كتب عليكم ~~القتال البقرة أو فيما هو واقع قدرا لا محالة كقوله كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي المجادلة وقوله ولقد PageV01P151 كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن ~~الأرض يرثها عبادي الصالحون الأنبياء وقوله أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ~~المجادلة وقال النبي صلى الله عليه وسلم في قيام شهر رمضان إني خشيت أن ~~يكتب عليكم وقال أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب على وقال كتب على ابن آدم ~~حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة وحينئذ فهذا الحديث نص في وجوب الإحسان ~~وقد أمر الله تعالى به فقال إن الله يأمر بالعدل والإحسان النحلوقال أحسنوا ~~إن الله يحب المحسنين البقرة وهذا الأمر بالإحسان تارة يكون للوجوب ~~كالإحسان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البر والصلة والإحسان ~~إلى الضيف بقدر ما يحصل به قراه على ما سبق ذكره وتارة يكون للندب كصدقة ~~التطوع ونحوها وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال لكن ~~إحسان كل شيء بحسبه فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة ~~الإتيان بها على وجه كمال واجباتها فهذا القدر من الإحسان فيها واجب وأما ~~الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب والإحسان في ترك الحرمات ~~الانتهاء عنها وترك ظاهرها وباطنها كما قال تعالى وذروا ظاهر الإثم وباطنه ~~الأنعام فهذا القدر من الإحسان فيها واجب وأما الإحسان في الصبر على ~~المقدورات فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تسخط ولا جزع والإحسان ~~الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك كله ~~والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم القيام بواجبات الولاية كلها ~~والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب والإحسان في قتل ما ~~يجوز قتله من الناس والدواب إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأرجاها من ~~غير زيادة في التعذيب فإنه إيلام لا حاجة إليه وهذا النوع هو الذي ذكره ~~النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ولعله ذكره على سبيل المثال أو ~~لحاجته إلى بيانه في ms205 تلك الحال فقال إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم ~~فأحسنوا الذبحة والقتلة والذبحة بالكسر أي الهيئة والمعني أحسنوا هيئة ~~الذبح وهيئة القتل وهذا يدل على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح ~~إزهاقها على أسهل الوجوه وقد حكى ابن حزم الإجماع على وجوب الإحسان في ~~الذبيحة وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق قال الله تعالى في حق ~~الكفار فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب محمد وقال سألقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان الأنفال وقد قيل إنه ~~عين الموضع الذي يكون الضرب فيه أسهل على المقتول وهو فوق العظام ودون ~~الدماغ ووصى دريد بن الصمة قاتله أن يقتله PageV01P152 كذلك وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا بعث سرية تغزوا في سبيل الله قال لهم لا تمثلوا ولا ~~تقتلوا وليدا وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال أعف الناس قتلة أهل الإيمان وخرج أحمد وأبو داود من حديث ~~عمران بن حصين وسمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن ~~المثلة وخرج البخاري من حديث عبدالله بن يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه نهى عن المثلة وخرج الإمام أحمد من حديث يعلى بن مرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال الله تعالى لا تمثلوا بعبادي وخرج أيضا من حديث رجل من ~~الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مثل بذي روح ثم لم يتب مثل ~~الله به يوم القيامة واعلم أن القتل المباح يقع على وجهين أحدهما قصاص فلا ~~يجوز التمثيل فيه بالمقتص منه بل يقتل كما قتل فإن كان قد مثل بالمقتول فهل ~~يمثل به كما فعل أم لا يقتل إلا بالسيف فيه قولان مشهوران للعلماء أحدهما ~~أنه يفعل به كما فعل وهو قول مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه وفي ~~الصحيحين عن أن قال خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة فرماها يهودي بحجر ~~فجيء بها ms206 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها رمق فقال لها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلان قتلك فرفعت رأسها فقال لها في الثالثة فلان قتلك ~~فخفضت رأسها فدعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين وفي ~~رواية لهما فأخذ فاعترف وفي رواية لمسلم أن رجلا من اليهود قتل جارية من ~~الأنصار على حلي لها ثم ألقاها في القليب ورضخ رأسها بالحجارة فأخذ فأتى به ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به أن يرجم حتى يموت فرجم حتى مات والقول ~~الثاني لا قود إلا بالسيف وهو قول الثوري وأبي حنيفة رضي الله عنه ورواية ~~عن أحمد وعن أحمد رواية ثالثة يفعل به كما فعل إلا أن يكون حرقه بالنار أو ~~مثل به فيقتل بالسيف للنهي عن المثلة وعن التحريق بالنار نقلها عنه الأثرم ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قود إلا بالسيف خرجه ابن ~~ماجه بإسناد ضعيف وقال أحمد يروي لا قود إلا بالسيف وليس إسناده بجيد وحديث ~~أنس يعني في قتل اليهودي بالحجارة أسند منه وأجود لو مثل به ثم قتله مثل أن ~~قطع أطرافه ثم قتله فهل يكتفي بقتله أم يصنع به كما صنع فيقطع أطرافه ثم ~~يقتل على قولين أحدهما يفعل به كما فعل سواء وهو قول أبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد في إحدى الروايتين وإسحاق وغيرهم والثاني يكتفي بقتله وهو قول الثوري ~~وأحمد في رواية وأبى يوسف ومحمد وقال مالك إن فعل به ذلك على سبيل التمثيل ~~والتعذيب فعل به كما فعل وإن لم يكن على هذا الوجه اكتفى بقتله والوجه ~~الثاني أن يكون القتل للكفر إما لكفر أصلي أو لردة عن الإسلام فأكثر ~~العلماء على كراهة المثلة فيه أيضا وأنه يقتل فيه بالسيف وقد روى عن طائفة ~~من السلف جواز التمثيل فيه بالتحريق بالنار وغير ذلك كما فعله خالد بن ~~الوليد وغيره وروي عن أبي بكر أنه حرق الفجأة بالنار وروي أن أم فرقد ~~الفرارية ارتدت ms207 في عهد أبي بكر الصديق فأمر بها PageV01P153 فشدت ذؤابتها ~~في أذناب قلوصين أو فرسين ثم صاح بهما فتقطعت المرأة وأسانيد هذه القصة ~~متقطعة وقد ذكر ابن سعد في طبقاته بغير إسناد أن زيد بن حارثة قتلها هذه ~~القتلة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك وصح عن على أنه حرق المرتدين وأنكر ذلك ابن عباس عليه وقيل إنه ~~لم يحرقهم وإنما دخن عليهم حتى ماتوا وقيل إنه قتلهم ثم حرقهم ولا يصح ذلك ~~وروي عنه أنه جيء بمرتد فأمر به فوطيء بالأرجل حتى مات واختار ابن عقيل من ~~أصحابنا جواز القتل بالتمثيل للكفر لا سيما إذا تغلظ وحمل النهي عن المثلة ~~على القتل بالقصاص واستدل من أجاز ذلك بحديث العرنيين وقد خرجاه في ~~الصحيحين من حديث أنس أن أناسا من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة فاجتووها فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئتم أن ~~تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها فافعلوا ففعلوا فصحوا ~~ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام واستاقوا ذود رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث في آثرهم فأتى ~~بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا وفي رواية ~~ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا وفي رواية وسمر أعينهم وألقوا في الحرة ~~يستسقون فلا يسقون وفي رواية الترمذي قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وفي رواية ~~النسائي وحرقهم وقد اختلف العلماء في وجه عقوبة هؤلاء فمنهم من قال من فعل ~~مثل فعلهم فمن ارتد وحارب وأخذ المال صنع به كما صنع بهؤلاء وروي هذا عن ~~طائفة منهم أبو قلابة وهو رواية عن أحمد ومنهم من قال بل هذا يدل على جواز ~~التمثيل ممن تغلظت جرائمه في الجملة وإنما نهى عن التمثيل في القصاص وهو ~~قول ابن عقيل من أصحابنا ومنهم من قال نسخ ما فعل بالعرنيين بالنهي عن ~~المثلة ms208 ومنهم من قال كان قبل نزول الحدود وآية المحاربة ثم نسخ بذلك وهذا ~~قول جماعة منهم الأوزاعي وأبو عبيدة ومنهم من قال بل ما فعله النبي صلى ~~الله عليه وسلم بهم إنما كان من باب المحاربة ولم ينسخ شيء من ذلك وقالوا ~~إنما قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وقطع أيديهم لأنهم أخذوا المال ومن ~~أخذ المال وقتل قطع وقتل وصلب حتما فيقتل لقتله ويقطع لأخذه المال يده ~~ورجله من خلاف ويصلب لجمعه بين الجنايتين وهما القتل وأخذ المال وهذا قول ~~الحسن ورواية عن أحمد وإنما سمل أعينهم لأنه سملوا أعين الرعاة كذا خرجه ~~مسلم من حديث أنس وذكر ابن شهاب أنهم قتلوا الراعي ومثلوا به وذكر ابن سعد ~~أنهم قطعوا يده ورجله وغرسوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات وحينئذ فقد ~~يكون قطعهم وسمل أعينهم وتعطيشهم قصاصا وهذا يتخرج على قول من يقول إن ~~المحارب إذا جنى جناية توجب القصاص استوفاه منه قبل قتله وهو مذهب أحمد لكن ~~هل يستوفى منه تحتما كقتله أم على وجه القصاص فيسقط بعفو الولي على روايتين ~~عنه ولكن PageV01P154 رواية الترمذي أن قطعهم من خلاف يدل على أن قطعهم ~~للمحاربة إلا أن يكونوا قد قطعوا يد الراعي ورجله من خلاف والله أعلم وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أذن في التحريق بالنار ثم نهى عنه ~~كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بعثنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في بعث فقال إن وجدتم فلانا وفلانا لرجلين من قريش ~~فاحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج ~~إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار وإن النار لا يعذب بها إلا ~~الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما وفيه أيضا عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لا تعذبوا بعذاب الله عز وجل وخرج الإمام أحمد رحمه الله ~~وأبو داود والنسائي من حديث ابن مسعود قال كنا مع النبي صلى الله ms209 عليه وسلم ~~فمررنا بقرية نمل قد أحرقت فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال إنه لا ~~ينبغي لبشر أن يعذب بعذاب الله عز وجل وقد حرق خالد جماعة في الردة وروي عن ~~طائفة من الصحابة تحريق من عمل عمل قوم لوط وروي عن على أنه أشار على أبي ~~بكر أن يقتله ثم يحرقه بالنار واستحسن ذلك إسحاق بن راهويه لئلا يكون ~~تعذيبا بالنار وفي مسند الإمام أحمد أن عليا لما ضربه ابن ملجم قال افعلوا ~~به كما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل برجل أراد قتله قال ~~اقتلوه ثم حرقوه وأكثر العلماء على كراهة التحريق بالنار حتى للهوام وقال ~~إبراهيم النخعي تحريق العقرب بالنار مثله ونهت أم الدرداء عن تحريق البرغوث ~~بالنار وقال أحمد لا يشوى السمك في النار وهو حي وقال الجراد أهون لأنه لا ~~دم له وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صبر البهائم وهو أن ~~تحبس البهيمة ثم تضرب بالنبل ونحوه حتى تموت ففي الصحيحين عن أنس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى أن تصبر البهائم وفيهما أيضا عن ابن عمر أنه مر ~~بقوم نصبوا دجاجة يرمونها فقال ابن عمر من فعل هذا إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعن من فعل هذا وخرج مسلم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه نهى أن يتخذ شيء فيه الروح غرضا والغرض هو الذي يرمي فيه ~~بالسهام وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن الرمية أن ترمي الدابة ثم تؤكل ولكن تذبح ثم يرموا إن شاءوا وفي هذا ~~المعنى أحاديث كثيرة فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم إحسان القتل ~~والذبح وأمر أن تحد الشفرة وأن تراح الذبيحة يشير إلى أن الذبح بآلة حادة ~~تريح الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ابن ~~عمر قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحد ms210 الشفار وأن توارى عن البهائم ~~وقال إذا ذبح أحدكم فليجهز يعني فليسرع الذبح وقد ورد الأمر بالرفق ~~بالذبيحة عند ذبحها وخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري قال مر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم برجل وهو يجر شاة بأذنها فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دع أذنها وخذ بسالفتها والسالفة مقدم العنق وخرج الخلال ~~والطبراني من حديث عكرمة عن ابن عباس قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~برجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه PageV01P155 ~~ببصرها فقال أفلا قبل هذا تريد أن تميتها موتات وقد روي عن عكرمة مرسلا ~~خرجه عبدالرزاق وغيره وفيه زيادة هلا أعددت شفرتك قبل أن تضجعها وقال ~~الإمام أحمد تقاد إلى الذبح قودا رفيقا وتواري السكين عنها ولا يظهر السكين ~~إلا عند الذبح أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أن تواري الشفار وقال ~~ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أنها تعرف ربها وتعرف أنها تموت وقال يروى ~~عن ابن أسباط أنه قال إن البهائم جبلت على كل شيء إلا أنها تعرف ربها وتخاف ~~الموت وقد ورد الأمر بقطع الأدواج عند الذبح كما خرجه أبو داود من حديث ~~عكرمة عن ابن عباس وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ~~شريطة الشيطان وهي التي تذبح وتقطع الجلد ولا تفري الأوداج وخرجه ابن حبان ~~في صحيحه وعنده قال عكرمة كانوا يقطعون منها الشيء اليسير ثم يدعونها حتى ~~تموت ولا يقطعون الودج فنهى عن ذلك وروي عبدالرزاق في كتابه عن محمد بن ~~راشد عن الوضعين بن عطاء قال إن جزارا فتح بابا على شاة ليذبحها فانفلتت ~~منه حتى جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فأتبعها فأخذ يسحبها برجلها فقال ~~لها النبي صلى الله عليه وسلم اصبري لأمر الله وأنت يا جزار فسقها إلى ~~الموت سوقا رفيقا وبإسناده عن ابن سيرين أن عمر رأى رجلا يسحب شاة برجلها ~~ليذبحها فقال له ويلك قدها إلى الموت قودا ms211 جميلا وروى محمد بن زياد أن عمر ~~رأى قصابا يجر شاة فقال سقها إلى الموت سوقا جميلا فأخرج القصاب شفرة فقال ~~ما أسوقها سوقا جميلا وأنا أريد أن أذبحها الساعة فقال سقها إلى الموت سوقا ~~جميلا فأخرج القصاب شفرته فقال ما أسوقها سوقا جميلا وأنا أريد أن أذبحها ~~فقال سقها سوقا جميلا وفي مسند الإمام أحمد عن معاوية ابن قرة عن أبيه أن ~~رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إني لأذبح الشاة أنا ~~أرحمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم والشاة إن رحمتها رحمك الله وقال ~~مطرف بن عبدالله إن الله ليرحم برحمة العصفور وقال عوف البكالي إن رجلا ذبح ~~عجلا له بين يدي أمه فخبل فبينما هو تحت شجرة فيها وكر فيه فرخ فوقع الفرخ ~~إلى الأرض فرحمه فأعاده في مكانه فرد الله عليه قوته وقد روي من غير وجه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن توله والدة عن ولدها وهو عام في بني ~~آدم وغيرهم وفي سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفرع ~~فقال هو حق وإن تتركوه حتى يكون بكرا ابن مخاض أو ابن لبون فتعطيه أرملة أو ~~يحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلصق لحمه بوبره وتكفي إناءك ~~وقوله ناقتك والمعنى أن ولد الناقة إذا ذبح وهو صغير عند ولادته لم ينتفع ~~بلحمه وتضرر صاحبه بانقطاع لبن ناقته ويكفي إناه وهو المحلب الذي تحتلب فيه ~~الناقة وتوله الناقة على ولدها بفقدها إياه الحديث الثامن عشر عن أبي ذر ~~جندب بن جنادة وأبي عبدالرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق ~~الناس بخلق حسن رواه الترمذي وقال حديث حسن PageV01P156 هذا الحديث خرجه ~~الترمذي من رواية سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب ~~عن أبي ذر وخرجه أيضا بهذا الإسناد عن ميمون ms212 عن معاذ وذكر عن شيخه محمود بن ~~غيلان أنه قال حديث أبي ذر أصح فهذا الحديث قد اختلف في إسناده فقيل فيه عن ~~حبيب عن ميمون أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى بذلك مرسلا ورجح الدارقطني ~~هذا المرسل وقد حسن الترمذي هذا الحديث وما وقع في بعض النسخ من تصحيحه ~~فبعيد ولكن الحاكم خرجه وقال صحيح على شرط الشيخين وهو وهم من وجهين أحدهما ~~أن ميمون بن أبي شبيب ويقال ابن شبيب لم يخرج له البخاري في صحيحه شيئا ولا ~~مسلم إلا في مقدمة كتابه عن المغيرة بن شعبة والثاني أن ميمون بن شبيب لم ~~يصح سماعه من أحد من الصحابة قال الفلاس ليس من روايته سمعت ولم أخبر أن ~~أحدا يزعم أنه سمع في شيء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو حاتم ~~الرازي روايته عن أبي ذر وعائشة غير متصلة وقال أبو داود لم يدرك عائشة ولم ~~ير عليا وحينئذ فلم يدرك معاذا بطريق الأولي وروى البخاري وشيخه على بن ~~المديني وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم أن الحديث لا يتصل إلا بصحة اللقي ~~وكلام أحمد يدل على ذلك ونص عليه الشافعي في الرسالة وهذا كله خلاف رأي ~~مسلم رحمه الله وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصى به الوصية ~~معاذا وأبا ذر من وجوه PageV01P157 أخر فخرج البزار من حديث أبي لهيعة عن ~~أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى ~~قوم فقال يا رسول الله أوصني فقال أفش السلام وابذل الطعام واستحي من الله ~~استحياء رجل ذي هيئة من أهلك وإذا أسأت فأحسن ولتحسن خلقك ما استطعت وخرج ~~الطبراني والحاكم من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن معاذ ابن جبل أراد ~~سفرا فقال يا رسول الله زدني قال استقم ولتحسن خلقك وخرج الإمام أحمد من ~~حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ~~أوصيك بتقوى ms213 الله في سر أمرك وعلانيته وإذا أسأت فأحسن ولا تسألن أحدا عن ~~شيء وإن سقط سوطك ولا تقض أمانة ولا تقض بين اثنين وخرج أيضا من حديث آخر ~~عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله علمني عملا يقربني من الجنة ويباعدني من ~~النار قال إذا عملت سيئة فاعمل حسنة فإنها عشر أمثالها قال قلت يا رسول ~~الله أمن الحسنات لا إله إلا الله قال هي أحسن الحسنات وخرج ابن عبدالبر في ~~التمهيد بإسناد فيه نظر عن أنس قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى ~~اليمن فقال يا معاذ اتق الله وخالق الناس بخلق حسن وإذا عملت سيئة فأتبعها ~~حسنة فقال قلت يا رسول الله لا إله إلا الله من الحسنات قال هي من أكبر ~~الحسنات وقد رويت وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ من حديث ابن عمر ~~وغيره بسياق مطول من وجوه فيها ضعف ويدخل في هذا المعنى حديث أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل ما أكثر ما يدخل الناس الجنة قال تقوى ~~الله وحسن اللقاء خرجه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه ابن حبان في ~~صحيحه فهذه الوصية وصية عظيمة جامعة لحقوق الله وحقوق عباده فإن حق الله ~~على عباده أن يتقوه حق تقاته والتقوى وصية الله للأولين والآخرين قال الله ~~تعالى ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وأصل ~~التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه فتقوى ~~العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية ~~تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله ~~عز وجل كقوله تعالى واتقوا الله الذي إليه تحشرون المائدة وقال تعالى يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله ~~خبير بما تعملون الحشر فإذا أضيفت التقوى إليه سبحانه فالمعنى اتقوا سخطه ~~وغضبه وهو أعظم ما يتقي وعن ms214 ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي قال تعالى ~~ويحذركم الله نفسه آل عمران وقال تعالى هو أهل التقوى وأهل المغفرة المدثر ~~فهو سبحانه أهل أن يخشى ويهاب ويجل ويعظم في صدور عبادة حتى يعبدوه ويطيعوه ~~لما يستحقه من الإجلال والإكرام وصفات الكبرياء والعظمة وقوة البطش وشدة ~~البأس وفي الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية هو أهل ~~التقوى PageV01P158 وأهل المغفرة المدثر قال الله تعالى أنا أهل التقوى فمن ~~اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر فأنا أهل أن غفر له وتارة تضاف التقوى إلى ~~عقاب الله وإلى مكانه كالنار أو إلى زمانه كيوم القيامة كما قال تعالى ~~واتقوا النار التي أعدت للكافرين آل عمران وقال تعالى فاتقوا النار التي ~~وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين البقرة وقال تعالى واتقوا يوما ترجعون ~~فيه إلى الله البقرة واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا البقرة ويدخل في ~~التقوى الكاملة فعل الواجبات وترك المحرمات والشبهات وربما دخل فيها بعد ~~ذلك فعل المندوبات وترك المكروهات وهي أعلى درجات التقوى قال الله تعالى ~~الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~وبالآخرة هم يوقنون البقرة وقال تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعدهم ~~إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا ~~وأولئك هم المتقون البقرة قال معاذ بن جبل ينادي يوم القيامة أين المتقون ~~فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب منهم ولا يستتر قالوا له من المتقون قال ~~قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله بالعبادة وقال ابن عباس ~~المتقون الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدي ويرجون ~~رحمته في التصديق بما جاء به وقال الحسن المتقون اتقوا ما حرم الله عليهم ~~وأدوا ما اقترض الله ms215 عليهم وقال عمر بن عبدالعزيز ليس تقوى الله بصيام ~~النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله ترك ما حرم ~~الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير وقال طلق ~~بن حبيب التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن ~~تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله وعن أبي الدرداء قال تمام ~~التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى ~~أنه حلال خشية أن يكون حراما يكون حجابا بينه وبين الحرام فإن الله قد بين ~~للعباد الذي يصيرهم إليه فقال فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره الزلزلة فلا تحقرن شيئا من الخير أن تفعله ولا شيئا من الشر أن ~~تتقيه وقال الحسن ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة ~~الحرام وقال الثوري إنما سموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يتقي وقال موسى بن ~~أعين المتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام فسماهم ~~الله متقين وقد سبق حديث لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا ~~بأس به حذرا مما به بأس وحديث من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه وقال ~~ميمون بن مهران المتقي أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه وقال ابن ~~مسعود PageV01P159 في قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته قال أن يطاع فلا يعصي ~~ويذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر وخرجه الحاكم مرفوعا والموقوف أصح وشكره ~~يدخل فيه جميع فعل الطاعات ومعنى ذكره فلا ينسي ذكر العبد بقلبه لأوامر ~~الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها وقد ~~يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرمات كما قال أبو هريرة وسئل عن التقوى ~~فقال هل أخذت طريقا ذا شوك قال نعم قال فكيف صنعت قال إذا رأيت الشوك عزلت ~~عنه أو جاوزته أو قصرت عنه قال ذاك ms216 التقوى وأخذ هذا المعنى ابن المعتمر ~~فقال خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقي واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ~~ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى وأصل التقوى أن يعلم العبد ما ~~يتقثم يتقي قال عون بن عبدالله تمام التقوى أن تبتغي علم مالم تعلم منها ~~إلى ما علمت منها وذكر معروف الكرخي عن بكر بن خنيس قال كيف يكون متقيا من ~~لا يدري ما يتقي ثم قال معروف الكرخي إذا كنت لا تحسن تتقي أكلت الربا وإذا ~~كنت لا تحسن تتقي لقيتك امرأة ولم تغض بصرك وإذا كنت لا تحسن تتقي وضعت ~~سيفك على عاتقك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة إذا رأيت ~~أمتي قد اختلفت فاعمد إلى سيفك فاضرب به أحدا ثم قال معروف ومجلسي هذا لعله ~~كان ينبغي لنا أن نتقيه ثم قال مجيئكم معي من المسجد إلى ها هنا كان ينبغي ~~لنا أن نتقيه أليس جاء في الحديث أن فتنة المتبوع مذلة التابع يعني مشى ~~الناس خلف الرجل وفي الجملة فالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه ووصية رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأمته وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على ~~سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا ولما خطب ~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم النحر وصى الناس بتقوى الله وبالسمع ~~والطاعة لأئمتهم ولما وعظ الناس قالوا له كأنها موعظة مودع فأوصنا قال ~~أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وفي حديث أبي ذر الطويل الذي خرجه ابن ~~حبان وغيره قلت يا رسول الله أوصني قال أوصيك بتقوى الله فإنه رأس الأمر ~~كله وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال قلت يا رسول الله أوصني ~~قال أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام ~~وخرجه غيره ولفظه قال عليك بتقوى الله فإنه جماع كل خير وفي الترمذي عن ~~يزيد بن سلمة أنه سأل النبي صلى ms217 الله عليه وسلم قال يا رسول الله إني سمعت ~~منك حديثا كثيرا فأخاف أن ينسيني أوله آخره فحدثني بكلمة تكون جماعا قال ~~اتق الله فيما تعلم ولم يزل السلف الصالح يتواصون بها وكان أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه يقول في خطبه أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وأن PageV01P160 ~~تثنوا عليه بما هو أهله وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة وتجمعوا الإلحاف ~~بالمسألة فإن الله عز وجل أثني على زكريا وأهل بيته فقال إنهم كانوا ~~يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين الأنبياء ولما ~~حضرته الوفاة وعهد إلى عمر دعاه فوصاه بوصيته وأول ما قال له اتق الله يا ~~عمر وكتب عمر إلى ابنه عبدالله أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل فإنه ~~من اتقاه وقاه ومن أقرضه جزاه ومن شكره زاده واجعل التقوى نصب عينيك وجلاء ~~قلبك واستعمل على بن أبي طالب رجلا على سرية فقال له أوصيك بتقوى الله عز ~~وجل الذي لا بد لك من لقاه ولا منتهى لك دونه وهو يملك الدنيا والآخرة وكتب ~~عمر بن عبدالعزيز إلى رجل أوصيك بتقوى الله عز وجل التي لا يقبل غيرها ولا ~~يرحم إلا أهلها ولا يثيب إلا عليها فإن الواعظين بها كثير والعاملين بها ~~قليل جعلنا الله وإياك من المتقين ولما ولى خطب فحمد الله وأثنى عليه وقال ~~أوصيكم بتقوى الله عز وجل فإن تقوى الله عز وجل خلف من كل شيء وليس من تقوى ~~الله خلف وقال رجل ليونس بن عبيد أوصني فقال أوصيك بتقوى الله والإحسان فإن ~~الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وقال له رجل يريد الحج أوصني فقال له ~~اتق الله فمن اتقى الله فلا وحشة عليه وقيل لرجل من التابعين عند موته ~~أوصنا فقال أوصيكم بخاتمة سورة النحل إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون النحل وكتب رجل من السلف إلى أخ له أوصيك بتقوى الله فإنها من أكرم ~~ما أسررت وأزين ما أظهرت وأفضل ما ادخرت أعاننا الله وإياك ms218 عليها وأوجب لنا ~~ولك ثوابها وكتب رجل منهم إلى أخ له أوصيك وأنفسنا بالتقوى فإنها خير زاد ~~الآخرة والأولى واجعلها إلى كل خير سبيلك ومن كل شر مهربك فقد تكفل الله عز ~~وجل لأهلها بالنجاة مما يحذرون والرزق من حيث لا يحتسبون وقال شعبة كنت إذا ~~أردت الخروج قلت للحكم ألك حاجة فقال أوصيك بما أوصي به النبي صلى الله ~~عليه وسلم معاذ بن جبل اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق ~~الناس بخلق حسن وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه ~~اللهم إني أسألك الهدي والتقى والعفة والغنى وقال أبو ذر قرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هذه الآية ومن يتق الله يجعل له مخرجا ثم قال يا أبا ذر لو ~~أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم فقوله صلى الله عليه وسلم اتق الله حيثما ~~كنت مراده في السر والعلانية حيث يراه الناس وحيث لا يرونه وقد ذكرنا من ~~حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أوصيك بتقوى الله فى سر ~~أمرك وعلانيته وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه أسألك خشيتك في ~~الغيب والشهادة وخشية الله في الغيب والشهادة هي من المنجيات وقد سبق من ~~حديث أبي الطفيل عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له استح من الله ~~استحياء رجل ذي هيبة من أهلك وهذا هو السبب الموجب لخشية الله في السر فإن ~~من علم أن الله يراه حيث كان وأنه مطلع على باطنه وظاهره وسره وعلانيته ~~واستحضر ذلك في خلواته أوجب له ذلك PageV01P161 ترك المعاصي في السر وإلى ~~هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله تعالى واتقوا الله الذي تساءلون به ~~والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا النساء كان بعض السلف يقول لأصحابه زهدنا ~~الله وإياكم في الحرام زهد من قدر عليه في الخلوة فعلم أن الله يراه فتركه ~~من خشيته أو كما قال وقال الشافعي أعز الأشياء ثلاثة الجود ms219 من قلة والورع ~~في خلوة وكلمة الحق عند من يرجى أو يخاف وكتب ابن السماك الواعظ إلى أخ له ~~أما بعد أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك ورقيبك في علانيتك فاجعل ~~الله من بالك على كل حال في ليلك ونهارك وخف الله بقدر قربه منك وقدرته ~~عليك واعلم أنك بعينه ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره ولا من ملكه إلى ~~ملك غيره فليعظم منه حذرك وليكثر منه وجلك والسلام قال أبو الجلد أوحى الله ~~تعالى إلى نبي من الأنبياء قل لقومك ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي ~~وتظهرونها لي إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون بي وإن كنتم ترون أني ~~أراكم فلم تجعلوني أهون الناظرين إليكم وكان وهب بن الورد يقول خف الله على ~~قدر قدرته عليك واستحي منه على قدر قربه منك وقال له رجل عظني فقال له اتق ~~الله أن يكون أهون الناظرين إليك وكان بعض السلف يقول أتراك ترحم من لم يقر ~~عينيه بمعصيتك حتى علم أن لا عين تراه غيرك وقال بعضهم ابن آدم إن كنت حيث ~~ركبت المعصية لم تصف لك من عيني ناظرة إليك فلما خلوت بالله وحده صفت لك ~~معصيته ولم تستحي منه حياءك من بعض خلقه ما أنت إلا أحد رجلين إن كنت ظننت ~~أنه لا يراك فقد كفرت وإن كنت علمت أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أضعف ~~خلقه لقد اجترأت دخل بعضهم غيضة ذات شجر فقال لو خلوت ههنا بمعصية من كان ~~يراني فسمع هاتفا بصوت ملأ الغيضة ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير راود ~~بعضهم أعرابية وقال لها ما يرانا إلا الكواكب قالت أين مكوكبها رأى محمد بن ~~المنكدر رجلا واقفا مع امرأة يكلمها فقال إن الله يراكما سترنا الله ~~وإياكما وقال الحارث المحاسبي المراقبة علم القلب بقرب الرب وسئل الجنيد بم ~~يستعان على غض البصر قال بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره وكان ~~الإمام أحمد ينشد إذا ms220 ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب ~~ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب وكان ابن السماك ينشد ~~يا مدمن الذنب أما تستحي والله في الخلوة ثانيكا غرك من ربك إمهاله وستره ~~طول مساويكا PageV01P162 والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصى ~~معاذ بتقوى الله سرا وعلانية أرشده إلى ما يعينه على ذلك وهو أن يستحيى من ~~الله كما يستحي من رجل ذي هيبة من قومه ومعنى ذلك أن يستشعر دائما بقلبه ~~قرب الله منه واطلاعه عليه فيستحيى من نظره إليه وقد امتثل معاذ ما وصاه به ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان عمر قد بعثه على عمل فقدم وليس معه شيء ~~فعاتبته امرأته فقال كان معي ضاغط يعني من يضيق على ويمنعني من أخذ شيء ~~وإنما أراد معاذ ربه عز وجل فظنت امرأته أن عمر بعث معه رقيبا فقامت تشكوه ~~إلى الناس ومن صار له هذا المقام حالا دائما أو غالبا فهو من المحسنين ~~الذين يعبدون الله كأنهم يرونه ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم وفي الجملة فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإيمان ~~وله تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين وفي الحديث ~~ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية إن خيرا فخير وإن شرا فشر ~~روي هذا مرفوعا وروي عن ابن مسعود من قوله وقال أبو الدرداء ليتق أحدكم أن ~~تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر يخلو بمعاصي الله فيلقى الله له البغض في ~~قلوب المؤمنين وقال سليمان التيمي إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح ~~وعليه مذلته وقال غيره إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله ثم يجيء ~~إلى إخوانه فيرون أثر ذلك عليه وهذا من أعظم الأدلة على وجود الإله الحق ~~المجازي بذرات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة ولا يضيع عنده عمل عامل ولا ~~ينفع من قدرته حجاب ولا استتار فالسعيد من أصلح ما بينه وبين ms221 الله فإنه من ~~أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الخلق ومن التمس محامد ~~الناس بسخط الله عاد حامده من الناس ذاما له قال أبو سليمان إن الخاسر من ~~أبدى للناس صالح عمله وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد ومن ~~أعجب ما روي في هذا ما روي عن أبي جعفر السائح قال كان حبيب أبو محمد تاجرا ~~يكري الدراهم فمر ذات يوم بصبيان فإذا هم يلعبون فقال بعضهم لبعض قد جاء ~~آكل الربا فنكس رأسه وقال يا رب أفشيت سري إلى الصبيان فرجع فجمع ماله كله ~~وقال يا رب إني أسير وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال فاعتقني فلما أصبح ~~تصدق بالمال كله وأخذ في العبادة ثم مر ذات يوم بأولئك الصبيان فلما رأوه ~~قال بعضهم لبعض اسكتوا فقد جاء حبيب العابد فبكى وقال يا رب أنت تذم مرة ~~وتحمد مرة وكله من عندك وقوله صلى الله عليه وسلم واتبع السيئة الحسنة ~~تمحها لما كان العبد مأمورا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لا بد أن يقع ~~منه أحيانا تفريط في التقوى إما بترك بعض المأمورات أو بارتكاب بعض ~~المحظورات فأمره بأن يفعل ما يمحو به هذه السيئة وهو أن يتبعها بالحسنة قال ~~الله عز وجل وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ذلك ذكرى للذاكرين هود وفي PageV01P163 الصحيحين عن ابن مسعود أن ~~رجلا أصاب من امرأة قبلة ثم أتى النبي فذكر ذلك له فسكت النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية فدعاه فقرأها عليه فقال رجل هذا له خاصة قال ~~بل للناس عامة وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصى به النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذه الوصية في قوله عز وجل وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ~~وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء ~~والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا ~~فاحشة أو ظلموا أنفسهم ms222 ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا ~~الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين آل عمران فوصف ~~المتقين بمعاملة الخلق بالإحسان إليهم بالإنفاق وكظم الغيظ والعفو عنهم ~~فجمع بين وصفهم ببذل الندي واحتمال الأذى وهذا هو غاية حسن الخلق الذي وصى ~~به النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ثم وصفهم بأنهم إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا عليها فدل على أن ~~المتقين قد يقع منهم أحيانا كبائر وهي الفواحش وصغائر وهي ظلم النفس لكنهم ~~لا يصرون عليها بل يذكرون الله عقب وقوعها ويستغفرونه ويتوبون إليه منها ~~والتوبة هي ترك الإصرار ومعنى قوله ذكروا الله ذكروا عظمته وشدة بطشه ~~وانتقامه وما يوعد به على المعصية من العقاب فيوجب ذلك لهم الرجوع في الحال ~~والاستغفار وترك الإصرار وقال الله تعالى إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون الأعراف وفي الصحيح انفرد مسلم برواية أخرى ~~وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أذنب عبد ذنبا فقال رب ~~إني عملت ذنبا فاغفر لي فقال الله علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ ~~بالذنب قد غفرت لعبدي ثم إذا أذنب ذنبا آخر إلى أن قال في الرابعة فليعمل ~~ما شاء يعني ما دام على هذه الحال كلما أذنب ذنبا استغفر منه وفي الترمذي ~~من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما ~~أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة وخرج الحاكم من حديث عقبة بن ~~عامر أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله أحدنا يذنب ~~قال يكتب عليه قال ثم يستغفر منه قال يغفر له ويثاب عليه قال فيعود فيذنب ~~قال يكتب عليه قال ثم يستغفر منه ويتوب قال يغفر له ويثاب عليه ولا يمل ~~الله حتى تملوا وخرج ms223 الطبراني بإسناد ضعيف عن عائشة رضي الله عنها قالت جاء ~~حبيب بن الحارث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني رجل ~~مقراف للذنوب قال فتب إلى الله عز وجل قال أتوب ثم أعود قال فكلما أذنبت ~~فتب قال يا رسول الله إذا تكثر ذنوبي قال فعفو الله أكثر من ذنوبك يا حبيب ~~بن الحارث وخرجه بمعناه من حديث أنس مرفوعا بإسناد ضعيف وبإسناده عن ~~عبدالله بن عمرو قال من ذكر خطيئة عملها فوجل قلبه منها واستغفر الله لم ~~يحسبها بشيء حتى يمحها وروي ابن أبي الدنيا PageV01P164 بإسناده عن على قال ~~خياركم كل مفتن تواب قيل فإذا عاد قال يستغفر الله ويتوب قيل فإن عاد قال ~~يستغفر الله ويتوب قيل فإن عاد قال يستغفر الله ويتوب قيل حتى متى قال حتى ~~يكون الشيطان هو المحسور وخرج ابن ماجه من حديث ابن مسعود مرفوعا التائب من ~~الذنب كمن لا ذنب له وقيل للحسن ألا يستحيى أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ~~ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود فقال ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا فلا تملوا من ~~الاستغفار وروي عنه أنه قال ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين يعني أن ~~المؤمن كلما أذنب تاب وقد روي المؤمن مفتن تواب وروي من حديث جابر بإسناد ~~ضعيف مرفوعا المؤمن واه راقع فسعيد من هلك على دقعة وقال عمر بن عبدالعزيز ~~في خطبته من أحسن منكم فليحمد الله ومن أساء فليستغفر الله وليتب فإنه لا ~~بد من أقوام من أن يعملوا أعمالا وظفها الله في رقابهم وكتبها عليهم وفي ~~رواية أخرى أنه قال أيها الناس من ألم بذنب فليستغفر الله وليتب فإن عاد ~~فليستغفر الله وليتب فإن عاد فليستغفر وليتب فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق ~~الرجال وإن الهلاك في الإصرار عليها ومعنى هذا أن العبد لا بد أن يفعل ما ~~قدر عليه من الذنوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كتب على ابن آدم حظه ~~من الزنا فهو ms224 مدرك ذلك لا محالة ولكن الله جعل للعبد مخرجا مما وقع فيه من ~~الذنوب ومحاه بالتوبة والاستغفار فإن فعل فقد تخلص من شر الذنوب وإن أصر ~~على الذنب هلك وفي المسند من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم ويل لأقماع القول ويل للمصرين ~~الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون وفسر أقماع القول بمن كانت أذناه ~~كالقمع لما سمع من الحكمة والموعظة الحسنة فإذا دخل شيء من ذلك في أذنه خرج ~~في الأخرى ولم ينتفع بشيء مما سمع وقوله صلى الله عليه وسلم واتبع السيئة ~~الحسنة قد يراد بالحسنة التوبة من تلك السيئة وقد ورد ذلك صريحا في حديث ~~مرسل خرجه ابن أبي الدنيا من مراسيل محمد بن جبير أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما بعث معاذ إلى اليمن قال يا معاذ اتق الله ما استطعت واعمل بقوتك ~~لله عز وجل ما أطقت واذكر الله عز وجل عند كل شجرة وحجر وإن أحدثت ذنبا ~~فأحدث عنده توبة إن سرا فسر وإن علانية فعلانية وخرجه أبو نعيم بمعناه من ~~وجه آخر ضعيف عن معاذ وقال قتادة قال سلمان إذا أسأت سيئة في سريرة فأحسن ~~حسنة في سريرة وإذا أسأت سيئة في علانية فأحسن حسنة في علانية لكي تكون هذه ~~بهذه وهذا يحتمل أنه أراد بالحسنة التوبة أو أعم منها وقد أخبر الله في ~~كتابه أن من تاب من ذنبه فإنه يغفر له ذنبه أو يثاب عليه في مواضع كثيرة ~~كقوله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من ~~قريب فأولئك يتوب الله عليهم النساء وقوله ثم إن ربك للذين عملوا السوء ~~بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك PageV01P165 وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم النمل وقوله إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات الفرقان وقوله وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ~~طه وقوله إلا من تاب وآمن وعمل ms225 صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا ~~مريم وقوله والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله آل عمران قال عبدالرازق أخبرنا جعفر بن ~~سليمان عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية ~~والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم آل ~~عمران الآية بكي ويروي عن ابن مسعود قال هذه الآية خير لأهل الذنوب من ~~الدنيا وما فيها وقال ابن سيرين أعطانا الله هذه الآية مكان ما جعل لبني ~~إسرائيل في كفارات ذنوبهم وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي ~~العالية قال رجل يا رسول الله لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لا نبغيها ثلاثا ما أعطاكم الله خير مما ~~أعطى بني إسرائيل كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة ~~على بابه وكفارتها فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا وإن لم يكفرها كانت ~~خزيا في الآخرة فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل قال ومن يعمل ~~سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما النساء وقال ابن ~~عباس في قوله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج الحج قال هو سعة الإسلام ~~وما جعل لأمة محمد من التوبة والكفارة وظاهر هذه النصوص يدل على أن من تاب ~~إلى الله توبة نصوحا واجتمعت شروط التوبة في حقة فإنه يقطع بقبول الله ~~توبته كما يقطع بقبول إسلام الكافر إذا أسلم إسلاما صحيحا وهذا قول الجمهور ~~وكلام ابن عبدالبر يدل على أنه إجماع ومن الناس من قال لا يقطع بقبول ~~التوبة بل يرجى وصاحبها تحت المشيئة وإن تاب واستدلوا بقوله إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فجعل الذنوب كلها تحت مشيئته ~~وربما استدل بمثل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا عسى ربكم أن يكفر ms226 عنكم سيئاتكم التحريم وبقوله فأما من تاب وآمن وعمل ~~صالحا فعسى أن يكون من المفلحين القصص وقوله وتوبوا إلى الله جميعا أيها ~~المؤمنون لعلكم تفلحون النور وقوله وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم التوبة والظاهر أن هذا في حق ~~التائب لأن الاعتراف يقتضي الندم وفي حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه والصحيح قول ~~الأكثرين وهذه الآيات لا تدل على عدم القطع فإن الكريم إذا أطمع لم يقطع من ~~رجائه المطمع ومن ههنا قال ابن عباس إن عسى من الله واجب نقله عنه على بن ~~طلحة وقد ورد جزاء الإيمان والعمل الصالح بلفظ عسى أيضا ولم يدل ذلك على ~~أنه مقطوع به كما في قوله إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ~~وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين التوبة وأما قوله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء فإن التائب ~~ممن PageV01P166 شاء أن يغفر له كما أخبر بذلك في مواضع كثيرة من كتابه وقد ~~يراد بالحسنة في قول النبي صلى الله عليه وسلم أتبع السيئة الحسنة ما هو ~~أعم من التوبة كما في قوله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ~~إن الحسنات يذهبن السيئات هود وقد روي من حديث معاذ أن الرجل الذي أنزلت ~~بسببه هذه الآية أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ويصلي وخرج الإمام ~~أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم ~~فيتطهر ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ثم قرأ هذه الآية والذين ~~إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم آل عمران ~~وفي الصحيحين عن عثمان أنه توضأ ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ms227 ~~توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث ~~فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه وفي مسند الإمام أحمد عن أبي الدرداء ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام ~~فصلى ركعتين أو أربعا يحسن فيهما الركوع والخشوع ثم استغفر الله عز وجل غفر ~~له وفي الصحيحين عن أنس قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل ~~فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي قال ولم يسأله عنه فحضرت الصلاة ~~فصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضي النبي صلى الله عليه وسلم قام ~~إليه الرجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله قال أليس قد ~~صليت معنا قال نعم قال فإن الله قد غفر لك ذنبك أو قال حدك وخرجه مسلم ~~بمعناه من حديث أبي أمامة وخرجه ابن جرير الطبري من وجه آخر عن أبي أمامة ~~وفي حديثه قال فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك فلا تعد فأنزل الله وأقم ~~الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات هود وفي ~~الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أرأيتم لو أن نهرا ~~بباب أحدكم يغسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء قالوا لا يبقى من ~~درنه شيء قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحوا الله بهن الخطايا وفي صحيح مسلم ~~عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من توضأ فأحسن الوضوء خرجت ~~خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره وفيه عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به ~~الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا ~~إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط وفي ~~الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ms228 وسلم قال من صام رمضان ~~إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر ~~له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وفيهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حج هذا البيت ~~فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وفي صحيح مسلم عن عمرو بن ~~العاص PageV01P167 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الإسلام يهدم ما كان ~~قبله وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها وإن الحج يهدم ما كان قبله وفيه من حديث ~~أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صوم عاشوراء أحتسب على الله ~~أن يكفر السنة التي قبله وقال في صوم يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر ~~السنة التي قبله والتي بعده وخرج الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل ~~رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته ثم عمل حسنة فانفكت حلقة ثم عمل حسنة أخرى ~~فانفكت أخرى حتى يخرج إلى الأرض ومما يكفر الخطايا ذكر الله عز وجل وقد ~~ذكرنا فيما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قول لا إله إلا الله ~~أمن الحسنات قال هي من أحسن الحسنات وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال سبحان الله وبحمده في كل يوم ~~مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر وفيهما عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ~~يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب ~~وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك ~~حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما ms229 جاء به إلا أحد عمل أفضل من ذلك وفي المسند ~~وكتاب ابن ماجه عن أم هانيء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا إله إلا ~~الله لا تترك ذنبا ولا يسبقها عمل وخرج الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه مر بشجرة يابسة الورق فضربها بعصاة فتناثر الورق فقال إن ~~الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر لتساقط من ذنوب العبد ~~كما يتساقط ورق هذه الشجرة وخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أنس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال إن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها والأحاديث في هذا كثيرة جدا ~~ويطول الكتاب بذكرها وسئل الحسن عن رجل لا يتحاشى عن معصية إلا أن لسانه لا ~~يفتر عن ذكر الله قال إن ذلك لعون حسن وسئل الإمام أحمد عن رجل اكتسب مالا ~~من شبهة أصلاته وتسبيحه يحط عنه شيئا من ذلك فقال إن صلى وسبح يريد به ذلك ~~فأرجو قال الله تعالى خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ~~التوبة وقال مالك بن دينار البكاء على الخطيئة يحط الخطايا كما يحط الريح ~~الورق اليابس وقال عطاء من جلس مجلسا من مجالس الذكر كفر به عشرة مجالس من ~~مجالس الباطل وقال شويش العدوي وكان من قدماء التابعين إن صاحب اليمين أمير ~~أو قال أمين على صاحب الشمال فإذا عمل ابن آدم سيئة فأراد صاحب الشمال أن ~~يكتبها قال له صاحب اليمين لا تعجل لعله يعمل حسنة فإن عمل حسنة ألقى واحدة ~~وكتبت له تسع حسنات فيقول الشيطان يا ويله من يدرك تضعيف ابن آدم وخرج ~~الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي مالك الأشعري عن النبي الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان أعطني صحيفتك PageV01P168 فيعطيه ~~إياها فما وجد في صحيفته من حسنة محى بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان ~~وكتبهن حسنات فإذا أراد أن ms230 ينام أحدكم فليكبر ثلاثا وثلاثين تكبيرة ويحمد ~~أربعا وثلاثين تحميدة ويسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة فتلك مائة وهذا غريب منكر ~~وروى وكيع حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال قال عبدالله يعني ~~ابن مسعود وددت أني صولحت على أن أعمل كل يوم تسع خطيئات وحسنة وهذا إشارة ~~منه إلى أن الحسنة يمحي بها التسع الخطيئات ويفضل له ضعف واحد من ثواب ~~الحسنة فيكتفي به والله أعلم وقد اختلف الناس في مسئلتين إحداهما هل تكفر ~~الأعمال الصالحة الكبائر والصغائر أم لا تكفر سوى الصغائر فمنهم من قال لا ~~تكفر سوى الصغائر وقد روي هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أنه يكفر ~~الصغائر وقال سلمان الفارسي في الوضوء إنه يكفر الجراحات الصغار والمشي إلى ~~المسجد يكفر أكبر من ذلك والصلاة تكفر أكبر من ذلك خرجه محمد بن نصر ~~المرزوي وأما الكبائر فلابد لها من التوبة لأن الله أمر العباد بالتوبة ~~وجعل من لم يتب ظالما واتفقت الأمة على أن التوبة فرض والفرائض لا تؤدي إلا ~~بنية وقصد ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة وأداء بقية أركان ~~الإسلام لم يحتج إلى التوبة وهذا باطل بالإجماع وأيضا فلو كفرت الكبائر ~~بفعل الفرائض لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى بالفرائض وهذا يشبه ~~قول المرجئة وهو باطل هذا ما ذكره ابن عبدالبر في كتابه التمهيد وحكي إجماع ~~المسلمين على ذلك واستدل عليه بأحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم ~~الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما ~~اجتنبت الكبائر وهو مخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة وهذا يدل على أن ~~الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض وقد حكى ابن عطية في تفسيره في معنى هذا ~~الحديث قولين أحدهما عن جمهور أهل السنة أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه ~~الفرائض للصغائر فإن لم يجتنب لم تكفر هذه الفرائض شيئا بالكلية والثاني ~~أنها تكفر الصغائر مطلقا ولا تكفر الكبائر إن وجدت لكن يشترط التوبة من ~~الصغائر وعدم ms231 الإصرار عليها ورجح هذا القول وحكاه عن الحذاق وقوله بشرط ~~التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها مراده أنه إذا أصر عليها صارت كبيرة ~~فلم تكفرها الأعمال والقول الأول الذي حكاه غريب مع أنه إذا أصر عليها وقد ~~حكي عن أبي بكر عبدالعزيز بن جعفر من أصحابنا مثله وفي صحيح مسلم عن عثمان ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من امريء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن ~~وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب مالم يؤت كبيرة ~~وذلك الدهر كله وفي مسند الإمام أحمد عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لا يتطهر الرجل يعني يوم الجمعة فيحسن طهوره ثم يأتي الجمعة فينصت حتى ~~يقضي الإمام صلاته إلا كان كفارة ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما أجتنبت ~~الكبائر المقتلة وخرج النسائي وابن حبان PageV01P169 والحاكم من حديث أبي ~~سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده ما من ~~عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا ~~فتحت له أبواب الجنة ثم قيل له أدخل بسلام وخرج الإمام أحمد والنسائي من ~~حديث أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه أيضا وخرج الحاكم معناه ~~من حديث عبدالله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ويروى من حديث ~~ابن عمر مرفوعا يقول الله عز وجل ابن آدم اذكرني من أول النهار ساعة ومن ~~آخر النهار ساعة أغفر لك ما بين ذلك إلا الكبائر أو تتوب منها وقال ابن ~~مسعود الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر وقال سلمان حافظوا ~~على الصلوات الخمس فإنهن كفارات لهذه الجوارح مالم تصب المقتلة وقال ابن ~~عمر لرجل أتخاف النار أن تدخلها وتحب الجنة أن تدخلها قال نعم قال بر أمك ~~فوالله لئن ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت ~~الكبائر وقال قتادة إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر وذكر لنا أن ~~رسول الله صلى الله ms232 عليه وسلم قال اجتنبوا الكبائر وسددوا وأبشروا وذهب قوم ~~من أهل الحديث وغيرهم إلى أن هذه الأعمال تكفر الكبائر ومنهم ابن حزم ~~الظاهري وإياه عني ابن عبدالبر في كتاب التمهيد بالرد عليه وقال قد كنت ~~أرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب لولا قول ذلك القائل وخشيت أن يغتر به ~~جاهل فينهمك في الموبقات اتكالا على أنها تكفرها الصلوات دون الندم ~~والاستغفار والتوبة والله أسأله العصمة والتوفيق قلت وقد وقع مثل هذا في ~~كلام طائفة من أهل الحديث في الوضوء ونحوه ووقع مثله في كلام ابن المنذر في ~~قيام ليلة القدر قال يرجى لمن قامها أن يغفر له جميع ذنوبه كبيرها وصغيرها ~~فإن كان مرادهم أن من أتى بفرائض الإسلام وهو مصر على الكبائر تغفر له ~~الكبائر قطعا فهذا باطل قطعا يعلم بالضرورة من الدين بطلانه وقد سبق قوله ~~صلى الله عليه وسلم من أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر يعني بعمله في ~~الجاهلية والإسلام وهذا أظهر من أن يحتاج إلى بيان وإن أراد هذا القائل أن ~~من ترك الإصرار على الكبائر وحافظ على الفرائض من غير توبة ولا ندم على ما ~~سلف منه كفرت ذنوبه كلها بذلك واستدل بظاهر قوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما النساء وقال السيئات تشمل ~~الكبائر والصغائر وكما أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر من غير قصد ولا نية ~~فكذلك الكبائر وقد يستدل لذلك بأن الله وعد المؤمنين والمتقين بالمغفرة ~~وتكفير السيئات وهذا مذكور في غير موضع من القرآن وقد صار هذا من المتقين ~~فإنه فعل الفرائض واجتنب الكبائر واجتناب الكبائر لا يحتاج إلى نية وقصد ~~فهذا القول يمكن أن يقال في الجملة والصحيح قول الجمهور أن الكبائر لا تكفر ~~بدون التوبة لأن التوبة فرض على العباد وقد قال عز وجل ومن لم يتب فأولئك ~~هم PageV01P170 الظالمون الحجرات وقد فسرت الصحابة كعمر وعلى وابن مسعود ~~التوبة بالندم ومنهم من فسرها بالعزم على أن لا يعود وقد روي ذلك ms233 مرفوعا من ~~وجه فيه ضعف لكن لا يعلم مخالف من الصحابة في هذا وكذلك التابعون ومن بعدهم ~~كعمر بن عبدالعزيز والحسن وغيرهما وأما النصوص الكثيرة المتضمنة مغفرة ~~الذنوب وتكفير السيئات للمتقين كقوله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ~~ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم الأنفالوقوله تعالى ومن يؤمن بالله ويعمل ~~صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار التغابن وقوله ~~ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا الطلاق فإنه لم يبين في هذه ~~الآيات خصال التقوى ولا العمل الصالح ومن جملة ذلك التوبة النصوح فمن لم ~~يتب فهو ظالم غير متق وقد بين في سورة آل عمران خصال التقوى التي يغفر ~~لأهلها ويدخلهم الجنة فذكر منها الاستغفار وعدم الإصرار فلم يضمن تكفير ~~السيئات ومغفرة الذنوب إلا لمن كانت هذه الصفة له و الله أعلم ومما يستدل ~~به على أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة منها أو العقوبة عليها حديث عبادة ~~بن الصامت قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بايعوني على أن لا ~~تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولاتزنوا وقرأ عليهم الآية فمن وفي منكم ~~فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب من ~~ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له خرجاه ~~في الصحيحين وفي رواية لمسلم من أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارته فهذا ~~يدل على أن الحدود كفارات قال الشافعي لم أسمع في هذا الباب أن الحد يكون ~~كفارة لأهله شيئا أحسن من حديث عبادة بن الصامت وقوله فعوقب يعم العقوبات ~~الشرعية وهي الحدود المقدرة أو غير المقدرة أو غير المقدرة كالتعزيزات ~~ويشمل العقوبات القدرية كالمصائب والأسقام والآلام فإنه صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن قال لا يصيب المسلم نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن حتى ~~الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه وروي عن علي أن الحد كفارة لمن أقيم ~~عليه ms234 وذكر ابن جرير الطبري في هذه المسئلة اختلافا بين الناس ورجح أن إقامة ~~الحد بمجرده كفارة ووهن القول بخلاف ذلك جدا قلت وقد روي عن سعيد بن المسيب ~~وصفوان بن سليم أن إقامة الحد ليس بكفارة ولابد معه من التوبة ورجحه طائفة ~~من المتأخرين منهم البغوي وأبو عبدالله بن تيمية في تفسيريهما وهو قول ابن ~~حزم الظاهري والأول قول مجاهد وزيد بن أسلم والثوري وأحمد وأما حديث أبي ~~هريرة المرفوع لا أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا فقد خرجه الحاكم وغيره ~~وأعله البخاري وقال لا يثبت وإنما هو مراسيل الزهري وهي ضعيفة وغلط ~~عبدالرازق فوصله قال وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحدود كفارات ~~ومما يستدل به من قال الحد ليس بكفارة قوله تعالى في المحاربين ذلك لهم خزي ~~في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم المائدة وظاهره أنه يجتمع لهم عقوبة الدنيا والآخرة ويجاب ~~PageV01P171 عنه بأنه ذكر عقوبتهم في الدنيا وعقوبتهم في الآخرة ولا يلزم ~~اجتماعهما وأما استثناء من تاب فإنما استثناه من عقوبة الدنيا خاصة فإن ~~عقوبة الآخرة تسقط بالتوبة قبل القدرة وبعدها وقوله صلى الله عليه وسلم ومن ~~أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ~~صريح في أن هذه الكبائر من لقي الله بها كانت تحت مشيئته وهذا يدل على أن ~~إقامة الفرائض لا تكفرها ولا تمحوها فإن عموم المسلمين يحافظون على الفرائض ~~لا سيما من بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من ذلك من لقي الله وقد ~~تاب عنها بالنصوص الدالة من الكتاب والسنة على أن من تاب إلى الله تاب الله ~~عليه وغفر له فبقى من لم يتب داخلا تحت المشيئة وأيضا فيدل على أن الكبائر ~~لا تكفرها الأعمال إن الله لم يجعل للكبائر في الدنيا كفارة واجبة وإنما ~~جعل الكفارة للصغائر ككفارة وطء المظاهر ووطء المرأة في الحيض على حديث ابن ~~عباس ms235 الذي ذهب إليه الإمام أحمد وغيره وكفارة من ترك شيئا من واجبات الحج ~~أو ارتكاب بعض محظوراته وهي أربعة أجناس هدي وعتق وصدقة وصيام ولهذا لا تجب ~~الكفارة في قتل العمد عند جمهور العلماء ولا في اليمين الغموس أيضا عند ~~أكثرهم وإنما يؤمر القاتل بعتق رقبة استحبابا كما في حديث واثلة بن الأسقع ~~أنهم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب لهم قد أوجب فقال اعتقوا ~~عنه رقبة يعتقه الله بها من النار ومعنى أوجب عمل عملا يجب له به النار ~~ويقال إنه كان قتل قتيلا وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أنه ضرب عبدا له فأعتقه ~~وقال ليس لي فيه من الأجر مثل هذا وأخذ عودا من الأرض إني سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول من لطم مملوكه أو ضربه فإن كفارته أن يعتقه فإن قيل ~~فالمجامع في رمضان يؤمر بالكفارة والفطر في رمضان من الكبائر قيل ليست ~~الكفارة للفطر ولهذا لا يجب عند الأكثرين على كل مفطر في رمضان عمدا وإنما ~~هي لهتك حرمة رمضان بالجماع ولهذا لو كان مفطرا فطرا لا يجوز له نهار رمضان ~~ثم جامع للزمته الكفارة عند الإمام أحمد لما ذكرنا ومما يدل على أن تكفير ~~الواجبات مختص بالصغائر ما أخرجه البخاري عن حذيفة قال بينما نحن جلوس عند ~~عمر إذ قال أيكم يحفظ قول رسول صلى الله عليه وسلم في الفتنة قال قلت فتنة ~~الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر قال ليس عن هذا أسألك وخرجه مسلم بمعناه وظاهر هذا السياق ~~يقتضي رفعه وفي رواية البخاري أن حذيفة قال سمعته يقول فتنة الرجل فذكره ~~وهذا كالصريح في رفعه وفي رواية مسلم أن هذا من كلام عمر وأما قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم للذي قال له أصبت حدا فأقمه على فتركه حتى صلى ثم قال ~~له إن الله غفر لك حدك فليس صريحا في أن المراد به شيء من الكبائر لأن حدود ms236 ~~الله محارمه كما قال تعالى تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ~~الطلاق وقوله تلك حدود الله فلا تعتدوها البقرة وقوله تلك حدود الله ~~PageV01P172 ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات النساء الآية إلى قوله ومن يعص ~~الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين النساء وفي ~~حديث العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم في ضرب مثل الإسلام ~~بالصراط المستقيم على جنبيه سوران قال السوران حدود الله وقد سبق ذكره ~~بتمامه فكل من أصاب شيئا من محارم الله فقد أصاب حدوده وركبها وتعدى بها ~~وعلى تقدير أن يكون الحد الذي أصابه كبيرة فهذا الرجل جاء نادما تائبا ~~وأسلم نفسه إلى إقامة الحد عليه والندم توبة والتوبة تكفر الكبائر بغير ~~تردد وقد روي ما يستدل به على أن الكبائر تكفر ببعض الأعمال الصالحة فخرج ~~الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن عمر أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا رسول الله إني أصبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة قال فهل لك من ~~أم قال لا قال فهل لك من خالة قال نعم قال فبرها وخرجه ابن حبان في صحيحه ~~والحاكم وقال على شرط الشيخين لكن خرجه الترمذي من وجه آخر مرسلا وذكر أن ~~المرسل أصح من الموصول وكذا قال على بن المديني والدارقطني وروي عن عمر أن ~~رجلا قال له قتلت نفسا قال أمك حية قال لا قال فأبوك قال نعم قال فبره ~~وأحسن إليه ثم قال عمر لو كانت أمه حية فبرها وأحسن إليها رجوت أن لا تطعمه ~~النار أبدا وعن ابن عباس بمعناه أيضا وكذلك المرأة التي عملت بالسحر بدومة ~~الجندل وقدمت المدينة فسأل عن توبتها فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~توفي فقال لها أصحابه لو كان أبواك حيين أو أحدهما يكفيانك خرجه الحاكم ~~وقال فيه إجماع الصحابة حدثان وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على أن بر ~~الأبوين الوالدين يكفيانها وقال مكحول والإمام أحمد بر ms237 الوالدين كفارة ~~الكبائر وروي عن بعض السلف في حمل الجنائز أنه يحبط الكبائر وروي مرفوعا من ~~وجوه لا تصح وقد صح من رواية أبي بردة أن أبا موسى لما حضرته الوفاة قال يا ~~بني اذكروا صاحب الرغيف كان رجل يتعبد في صومعة أراه سبعين سنة فشبه ~~الشيطان في عينه امرأة فكان معها سبعة أيام وسبع ليال ثم كشف عن الرجل ~~غطاءه فخرج تائبا ثم ذكر أنه بات بين مساكين فتصدق عليهم برغيف فأعطوه ~~رغيفا ففقده صاحبه الذي كان يعطاه فلما علم بذلك أعطاه الرغيف وأصبح ميتا ~~فوزنت السبعون سنة بالسبع ليال فرجحت الليالي ووزن الرغيف بالسبع ليال فرجح ~~الرغيف وروي ابن المبارك بإسناده في كتاب البر والصلة عن ابن مسعود قال ~~عبدالله رجل سبعين سنة ثم أصاب فاحشة فأحبط الله عمله ثم أصابته زمانة ~~وأقعد فرأى رجلا يتصدق على مساكين فجاء إليه فأخذ منه رغيفا فتصدق به على ~~مسكين فغفر الله له ورد عليه عمل سبعين سنة وهذه كلها لا دلالة فيها على ~~تكفير الكبائر بالأعمال لأن كل من ذكر فيها كان نادما تائبا من ذنبه وإنما ~~كان سؤاله عن عمل صالح يتقرب به إلى الله بعد التوبة حتى يمحو به أثر الذنب ~~بالكلية فإن الله شرط في قبول التوبة ومغفرة الذنوب بها العمل الصالح كقوله ~~إلا من تاب وآمن PageV01P173 وعمل صالحا مريم وقوله فأما من تاب وآمن وعمل ~~صالحا فعسى أن يكون من المفلحين القصص وفي هذا متعلق لمن يقول إن التائب ~~بعد التوبة في المشيئة وكان هذا حال كثير من الخائفين من السلف وقال بعضهم ~~هل أذنبت ذنبا قال نعم قال فعلمت أن الله كتبه عليك قال نعم قال فاعمل حتى ~~تعلم أن الله قد محاه ومنه قال ابن مسعود إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل ~~جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب طار على أنفه فقال به ~~هكذا وهكذا خرجه البخاري وكانوا يتهمون أعمالهم وتوباتهم ويخافون أن لا ~~يكون قد قبل منهم ذلك ms238 فكان ذلك يوجب لهم شدة الخوف وكثرة الاجتهاد في العمل ~~الصالح قال الحسن أدركت أقواما لو أنفق أحدهم ملء الأرض ما أمن لعظم الذنب ~~في نفسه وقال ابن عون لا تثق بكثرة العمل فإنك لا تدري أيقبل منك أم لا ولا ~~تأمن ذنوبك فإنك لا تدري أكفرت عنك أم لا إن عملك مغيب عنك كله والأظهر ~~والله أعلم في هذه المسألة أعني مسئلة تكفير الكبائر بالأعمال إن أريد أن ~~الكبائر تمحي بمجرد الإتيان بالفرائض وتقع الكبائر مكفرة بذلك كما تكفر ~~الصغائر باجتناب الكبائر فهذا باطل وإن أريد أنه قد يوازن يوم القيامة بين ~~الكبائر وبين بعض الأعمال فتمحي الكبيرة بما يقابلها من العمل ويسقط العمل ~~فلا يبقى له ثواب فهذا قد يقع وقد تقدم عن ابن عمر أنه لما أعتق مملوكه ~~الذي ضربه قال ليس لي فيه من الأجر شيء حيث كان كفارة لذنبه ولم يكن ذنبه ~~من الكبائر فكيف بما كان من الأعمال مكفرا للكبائر وسبق أيضا قول من قال من ~~السلف إن السيئة تمحي ويسقط نظيرها حسنة من الحسنات التي هي ثواب العمل ~~فإذا كان هذا في الصغائر فكيف بالكبائر فإن بعض الكبائر قد يحبط بعض ~~الأعمال المنافية لها كما يبطل المن والأذى الصدقة وتبطل المعاملة بالربا ~~الجهاد كما قالت عائشة وقال حذيفة قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة وروي عنه ~~مرفوعا خرجه البزار في مسنده والحاكم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال يؤتي بحسنات العبد وسيئاته يوم القيامة فيقض أو يقضي بها ~~بعضها من بعض فإن بقيت له حسنة وسع له بها في الجنة وخرج بن أبي حاتم من ~~حديث ابن لهيعة قال حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله عز ~~وجل فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة قال كان المسلمون يرون أنهم لا ~~يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه فيجيء المسكين فيستقلون أن يعطوه تمرة ~~وكسرة وجوزة ونحو ذلك فيردونه ويقولون ما هذا بشيء إنما نؤجر ms239 على ما يعطي ~~ونحن نحبه وكانوا يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير مثل الكذبة والنظرة ~~والغيبة وأشباه ذلك يقولون إنما وعد الله النار على الكبائر فرغبهم الله في ~~القليل من الخير أن يعملوه فإنه يوشك أن يكثر وحذرهم اليسير من الشر فإنه ~~يوشك أن يكثر فنزلت فمن يعمل مثقال ذرة الزلزلة يعني ذرة أصغر النمل خيرا ~~يره الزلزلة يعني في PageV01P174 ويسره ذلك قال يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة ~~واحدة سيئة وبكل حسنة عشر حسنات فإذا كان يوم القيامة ضاعف الله حسنات ~~المؤمن أيضا بكل واحدة عشرا فيمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات فمن زادت حسناته ~~على سيئاته مثقال ذرة دخل الجنة وظاهر هذا أنه يقع المقاصة بين الحسنات ~~والسيئات ثم يسقط الحسنات المقابلة للسيئات وينظر إلى ما يفضل منها بعد ~~المقاصة وهذا يوافق قول من قال بأن من رجحت حسناته على سيئاته بحسنة واحدة ~~أثيب بتلك الحسنة خاصة وتسقط باقي حسناته في مقابلة سيئاته خلافا لمن قال ~~يثاب بالجميع وتسقط سيئاته كأنها لم تكن وهذا في الكبائر أما الصغائر فإنه ~~قد تمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها كما قال صلى الله عليه وسلم ألا ~~أدلكم على ما يمحق الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على ~~المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فأثبت لهذه ~~الأعمال تكفير الخطايا ورفع الدرجات وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم من قال ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له مائة مرة كتب الله له مائة حسنة ومحيت عنه ~~مائة سيئة وكانت له عدل عشر رقاب فهذا يدل على أن الذكر يمحو السيئات ويبقى ~~ثوابه لعامله مضاعفا وكذلك سيئات التائب توبة نصوحا تكفر عنه وتبقى له ~~حسناته كما قال الله تعالى حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ~~أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ~~ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما ms240 عملوا ~~ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون الأحقاف ~~وقال تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ~~ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم ~~بأحسن الذي كانوا يعملون الزمر فلما وصف هؤلاء بالتقوى والإحسان دل على ~~أنهم ليسوا بمصرين على الذنوب بل تائبون منها وقوله ليكفر الله عنهم أسوأ ~~الذي عملوا الزمر يدخل فيه الكبائر لأنها أسوأ الأعمال وقال ومن يتق الله ~~يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا الطلاق فرتب على التقوى المتضمنة لفعل ~~الواجبات وترك المحرمات تكفير السيئات وتعظيم الأجر وأخبر الله عن المؤمنين ~~المتفكرين في خلق السموات والأرض أنهم قالوا ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي ~~للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ~~وتوفنا مع الأبرار آل عمران فأخبر أنه استجاب لهم ذلك وأنه كفر عنهم ~~سيئاتهم وأدخلهم الجنات وقوله فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا آل عمران ~~فخص الله الذنوب بالمغفرة والسيئات بالتكفير فقد يقال السيئات تخص الصغائر ~~والذنوب يراد بها الكبائر فالسيئات تكفر لأن الله جعل لها كفارات في الدنيا ~~شرعية وقدرية والذنوب تحتاج إلى مغفرة تقي صاحبها من شرها أو المغفرة ~~والتكفير يتقاربان فإن المغفرة قد قيل إنها ستر الذنوب وقيل وقاية شر ~~الذنوب مع ستره ولهذا يسمى ما ستر الرأس ووقاه في الحرب مغفرا ولا يسمى ~~PageV01P175 كل ساتر للرأس مغفرا وقد أخبر الله عن الملائكة أنهم يدعون ~~للمؤمنين التائبين بالمغفرة ووقاية السيئات والتكفير من هذا الجنس لأن أصل ~~الكفر الستر والتغطية أيضا وقد فرق بعض المتأخرين بينهما بأن التكفير محو ~~أثر الذنب حتى كأنه لم يكن والمغفرة تتضمن مع ذلك إفضال الله على العبد ~~وإكرامه وفي هذا نظر وقد يفسر بأن مغفرة الذنوب بالأعمال الصالحة تقلبهما ~~حسنات وتكفيرها بالمكفرات تمحوها فقط وفيه أيضا نظر فإنه قد صح أن الذنوب ~~المعاقب عليها بدخلول النار تبدل حسنات فالمكفرة بعمل صالح يكون كفارة لها ~~أولي ويحتمل معنيين آخرين ms241 أحدهما أن المغفرة لا تحصل إلا مع عدم العقوبة ~~والمؤاخذة لأنها وقاية شر الذنب بالكلية والتكفير قد يقع بعد العقوبة فإن ~~المصائب الدنيوية كلها مكفرات للخطايا وهي عقوبات وكذلك العفو يقع مع ~~العقوبة وبدونها وكذلك الرحمة والثاني أن الكفارات من الأعمال ما جعل الله ~~لمحو الذنوب المكفرة بها ويكون ذلك هو ثوابها ليس لها ثواب غيره والغالب ~~عليها أن تكون من جنس مخالفة هوى النفس وتجشم المشقة كاجتناب الكبائر الذي ~~جعله الله كفارة للصغائر وأما الأعمال التي تغفر بها الذنوب فهي ما عدا ذلك ~~ويجتمع فيها المغفرة والثواب عليها كالذكر الذي يكتب به الحسنات ويمحي به ~~السيئات وعلى هذا الوجه فيفرق بين الكفارات من الأعمال وغيرها وأما تكفير ~~الذنوب ومغفرتها إذا أضيف ذلك إلى الله فلا فرق بينهما وعلى الوجه الأول ~~يكون بينهما فرق أيضا ويشهد لهذا الوجه الثاني أمران أحدهما قول ابن عمر ~~لما أعتق العبد الذي ضربه ليس لي في عتقه من الأجر شيء واستدل بأنه كفارة ~~والثاني أن المصائب الدنيوية كلها مكفرات للذنوب وقد قال كثير من الصحابة ~~وغيرهم من السلف إنه لا ثواب فيها مع التكفير وإن كان بعضهم قد خالف في ذلك ~~ولا يقال فقد فسر الكفارات في حديث المنام بإسباغ الوضوء في المكروهات ونقل ~~الإقدام إلى الصلاة وقال من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته ~~كيوم ولدته أمه وهذه كلها مع تكفيرها للسيئات ترفع الدرجات ويحصل عليه ~~الثواب لأنا نقول قد يجتمع في العمل الواحد شيئان يرفع بأحدهما الدرجات ~~ويكفر بالآخر السيئات فالوضوء نفسه يثاب عليه لكن إسباغه في شدة البرد من ~~جنس الآلام التي تحصل للنفوس في الدنيا فيكون كفارة في هذه الحال وأما في ~~غير هذه الحالة فتغفر به الخطايا كما يغفر بالذكر وغيره وكذلك المشي إلى ~~الجماعات هو قربة وطاعة ويثاب عليه ولكن ما يحصل للنفس به من المشقة والألم ~~بالتعب والنصب هو كفارة وكذلك حبس النفس في المسجد لانتظار الصلاة وقطعها ~~عن مألوفاتها من الخروج إلى المواضع ms242 التي تميل النفوس إليها إما لكسب ~~الدنيا أو للتنزه هو من هذه الجهة مؤلم للنفس فيكون كفارة وقد جاء في ~~الحديث إن إحدى خطوات الماشي إلى المسجد ترفع له درجة والأخرى تحط عنه ~~خطيئة وهذا يقوي ما ذكرناه وإن ما حصل به التكفير غير ما حصل به ~~PageV01P176 رفع الدرجات والله أعلم وعلى هذا فيجتمع في العمل الواحد تكفير ~~السيئات ورفع الدرجات من جهتين ووصف في كل حال بكلا الوصفين فلا تنافي بين ~~تسميته كفارة وبين الإخبار عنه بمضاعفة الثواب به أو وصفه برفع الدرجات ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى ~~رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر فإن في حبس النفس على المواظبة ~~على الفرائض من مخالفة هواها وكفها عما تميل إليه ما يوجب ذلك تكفير ~~الصغائر وكذلك الشهادة في سبيل الله تكفر الذنوب بما يحصل بها من الألم ~~وترفع الدرجات بما اقترن بها من الأعمال الصالحة بالقلب والبدن فتبين بها ~~أن بعض الأعمال يجتمع فيها ما يوجب رفع الدرجات وتكفير السيئات من وجهين ~~ولا يكون بينهما منافاة وهذا ثابت في الذنوب الصغائر وبلا ريب وأما الكبائر ~~فقد تكفر بالشهادة مع حصول الأجر للشهيد لكن الشهيد ذا الخطايا في رابع ~~درجة من درجات الشهداء كذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث فضالة ~~بن عبيد خرجه الإمام أحمد والترمذي وأما مغفرة الذنوب ببعض الأعمال مع ~~توفير أجرها وثوابها فقد دلت عليه الأحاديث الصحيحة في الذكر وقد قيل إن ~~تلك السيئات تكتب حسنات أيضا كما في حديث أبي مالك الأشعري الذي سبق ذكره ~~وذكرنا أيضا عن بعض السلف أنه يمحي بإزاء السيئة الواحدة ضعف واحد من أضعاف ~~ثواب الحسنة وتبقى له تسع حسنات والظاهر أن هذا مختص بالصغائر وأما في ~~الآخرة فيوازن بين الحسنات والسيئات ويقتص بعضها من بعض فمن رجحت حسناته ~~على سيئاته فقد نجا ودخل الجنة وسواء في هذا الصغائر والكبائر وهكذا من ~~كانت له حسنات وعليه مظالم فاستوفى المظلومون ms243 حقوقهم من حسناته وبقي له ~~حسنة ودخل بها الجنة قال ابن مسعود رضي الله عنه إن كان وليا لله ففضل له ~~مثقال ذرة ضاعفها الله حتى يدخل الجنة وإن كان شقيا قال الملك رب فنيت ~~حسناته وبقي له طالبون كثير قال خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم ~~صكوا له صكاكا إلى النار خرجه ابن أبي حاتم وغيره والمراد أن تفضيل مثقال ~~ذرة من الحسنات إنما هو بفضل الله عز وجل لمضاعفته لحسنات المؤمن وبركته ~~فيها وهكذا حال من كانت له حسنات وسيئات وأراد الله رحمته فضل له من حسناته ~~ما يدخله به الجنة وكله من فضل الله ورحمته فإنه لا يدخل أحد الجنة إلا ~~بفضل الله ورحمته وخرج أبو نعيم بإسناد ضعيف عن على مرفوعا أوحى الله إلى ~~نبي من أنبياء بني إسرائيل قل لأهل طاعتي من أمتك لا يتكلوا على أعمالهم ~~فإني لا أقاص عبدا الحساب يوم القيامة أشاء أن أعذبه إلا عذبته وقل لأهل ~~معصيتي من أمتك لا يلقوا بأيديهم فإني أغفر الذنب العظيم ولا أبالي ومصداق ~~هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من نوقش الحساب عذب وفي ~~رواية هلك المسألة الثانية PageV01P177 أن الصغائر هل تجب التوبة منها ~~كالكبائر أم لا لأنها تقع مكفرة باجتناب الكبائر لقوله تعالى إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما النساء هذا مما ~~اختلف الناس فيه فمنهم من أوجب التوبة منها وهو قول أصحابنا وغيرهم من ~~الفقهاء والمتكلمين وغيرهم وقد أمر الله بالتوبة عقيب ذكر الصغائر والكبائر ~~فقال تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن ~~الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن النور ~~إلى قوله وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون النور وأمر ~~بالتوبة من الصغائر بخصوصها في قوله يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من ~~قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ms244 ولا ~~تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم ~~يتب فأولئك هم الظالمون الحجرات ومن الناس من لم يوجب التوبة منها وحكي عن ~~طائفة من المعتزلة ومن المتأخرين من قال يجب أحد الأمرين إما التوبة منها ~~أو الإتيان ببعض المكفرات للذنوب من الحسنات وحكي ابن عطية في تفسيره في ~~تكفير الصغائر بامتثال الفرائض واجتناب الكبائر قولين أحدهما وحكاه عن ~~جماعة من الفقهاء وأهل الحديث أنه يقطع بتكفيرها بذلك قطعا لظاهر الآية ~~والحديث والثاني وحكاه عن الأصوليين أنه لا يقطع بذلك بل يحمل على غلبة ~~الظن وقوة الرجاء وهو في مشيئته الله عز وجل إذ لو قطع بتكفيرها لكانت ~~الصغائر في حكم المباح الذي لا تبعة فيه وذلك نقض لعري الشريعة قلت قد يقال ~~لا يقطع بتكفيرها بها لأن أحاديث التكفير المطلقة بالأعمال جادت مقيدة ~~بتحسين العمل كما ورد ذلك في الوضوء والصلاة وحينئذ يتحقق حسن العمل الذي ~~يوجب التكفير وعلى هذا الاختلاف الذي ذكره ابن عطية ينبني الاختلاف في وجوب ~~التوبة من الصغائر وقد خرج ابن جرير من رواية الحسن أن قوما أتوا عمر ~~فقالوا نرى أشياء من كتاب الله لا يعمل بها فقال لرجل منهم أقرأت القرآن ~~كله قال نعم قال فهل أحصيته في نفسك قال اللهم لا قال فهل أحصيته في بصرك ~~فهل أحصيته في لفظك هل أحصيته في أثرك ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم ثم قال ~~ثكلت عمر أمه أتكلفونه أن يقيم على الناس كتاب الله قد علم ربنا أنه سيكون ~~لنا سيئات قال وتلا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ~~وندخلكم مدخلا كريما النساء وبإسناده عن أنس بن مالك أنه قال لم أر مثل ~~الذي بلغنا عن ربنا تعالى لم نخرج له عن كل أهل ومال ثم سكت ثم قال والله ~~لما خلقنا ربنا أهون من ذلك لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر فمالنا ولها ثم ~~تلا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا ms245 كريما ~~النساء وخرجه البزار في مسنده مرفوعا والموقوف أصح وقد وصف الله المحسنين ~~باجتناب الكبائر قال تعالى ويجزي الذين PageV01P178 أحسنوا بالحسنى الذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة النجم وفي ~~تفسير اللمم قولان للسلف أحدهما أنه مقدمات الفواحش كاللمس والقبلة وعن ابن ~~عباس هو ما دون الحد من وعيد الآخرة بالنار وحد الدنيا والثاني أنه الإلمام ~~بشيء من الفواحش والكبائر مرة واحدة ثم يتوب منه وروي عن ابن عباس وأبي ~~هريرة وروي عنه مرفوعا بالشك في رفعه قال اللمة من الزنا ثم يتوب فلا يعود ~~واللمة من شرب الخمر ثم يتوب فلا يعود واللمة من السرقة ثم يتوب فلا يعود ~~ومن فسر الآية بهذا قال لا بد أن يتوب منه بخلاف من فسره بالمقدمات فإنه لم ~~يشترط توبة والظاهر أن القولين صحيحان وأن كليهما مراد من الآية وحينئذ ~~فالمحسن هو من لا يأتي بكبيرة إلا نادرا ثم يتوب منها ومن إذا أتى بصغيرة ~~كانت مغمورة في حسناته المكفرة بها ولا بد أن يكون مصرا عليها كما قال ~~تعالى ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون آل عمران وروي عن ابن عباس أنه ~~قال لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار وروي مرفوعا من وجوه ضعيفة ~~وإذا صارت الصغائر كبائر بالمداومة عليها فلابد للمحسنين من اجتناب ~~المداومة على الصغائر حتى يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش وقال الله ~~عز وجل وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا ~~لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا ~~أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على ~~الله إنه لا يحب الظالمين الشورى فهذه الآيات تضمنت وصف المؤمنين بقيامهم ~~بما أوجب الله عليهم من الإيمان والتوكل وإقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم ~~الله والاستجابة لله في جميع طاعاته ومع هذا فهم مجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش فهذا هو تحقيق التقوى ms246 ووصفهم في معاملتهم للخلق بالمغفرة عند ~~الغضب وندبهم إلى العفو والإصلاح وأما قوله والذين إذا أصابهم البغي هم ~~ينتصرون الشورى فليس منافيا للعفو فإن الانتصار يكون بإظهار القدرة على ~~الانتقام ثم يقع العفو بعد ذلك فيكون أتم وأكمل قال النخعي في هذه الآية ~~كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا وقال مجاهد كانوا يكرهون للمؤمن ~~أن يذل نفسه فتجتريء عليه الفساق فالمؤمن إذا بغى عليه يظهر القدرة على ~~الانتقام ثم يعفو بعد ذلك وقد جرى مثل هذا لكثير من السلف منهم عطاء وقتادة ~~وغيرهما فهذه الآيات تتضمن جميع ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته ~~لمعاذ فإنها تضمنت حصول خصال التقوى بفعل الواجبات والانتهاء عن كبائر ~~المحرمات ومعاملة الخلق بالإحسان والعفو ولازم هذا أنهم إن وقع شيء من ~~الإثم من غير الكبائر والفواحش يكونون مغمورين بخصال التقوى المفضية ~~لتكفيرها ومحوها وأما الآيات التي في سورة آل عمران فوصف فيها المتقين ~~بالإحسان إلى الخلق وبالاستغفار من PageV01P179 الفواحش وظلم النفس وعدم ~~الإصرار على ذلك وهذا هو الأكمل وهو إحداث التوبة والاستغفار عقيب كل ذنب ~~من الذنوب صغيرا كان أو كبيرا كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصى ~~بذلك معاذا وقد ذكرناه فيما سبق وإنما بسطنا القول في هذا لأن حاجة الخلق ~~إليه شديدة وكل أحد محتاج إلى معرفة هذا ثم إلى العمل بمقتضاه والله الموفق ~~والمعين فقوله صلى الله عليه وسلم أتبع السيئة الحسنة تمحها ظاهره أن ~~السيئات تمحى بالحسنات وقد تقدم ذكر الآثار التي فيها أن السيئة تمحى من ~~صحف الملائكة بالحسنة إذا عملت بعدها قال عطية العوفي بلغني أن من بكى على ~~خطيئة محيت عنه وكتبت له حسنة وعن عبدالله بن عمرو قال من ذكر خطيئة عملها ~~فوجل قلبه منها فاستغفر الله عز وجل لم يحبسها شيء حتى يمحوها عنه الرحمن ~~وقال بشير بن الحارث بلغني عن الفضيل بن عياض قال بكاء النهار يمحو ذنوب ~~العلانية وبكاء الليل يمحو ذنوب السر وقد ذكرنا قول النبي ms247 صلى الله عليه ~~وسلم ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات الحديث وقال ~~طائفة لا تمحى الذنوب من صحائف الأعمال بتوبة ولا غيرها بل لا بد أن يوقف ~~عليها صاحبها ويقرأها يوم القيامة واستدلوا بقوله تعالى ووضع الكتاب فترى ~~المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها الكهف وفي الاستدلال بهذه الآية نظر لأنه إنما ذكر ~~فيها حال المجرمين وهم أهل الجرائم والذنوب العظيمة فلا يدخل فيهم المؤمنون ~~التائبون من ذنوبهم أو المغفورة ذنوبهم بحسناتهم وأظهر من هذا الاستدلال ~~قوله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزلة وقد ~~ذكر بعض العلماء والمفسرين أن هذا القول هو الصحيح عند المحققين وقد روي ~~هذا القول عن الحسن البصري وبلال بن سعد الدمشقي قال الحسن فالعبد يذنب ثم ~~يتوب ويستغفر الله له ولكن لا يمحاه من كتابه دون أن يقف عليه ثم يسأله عنه ~~ثم بكى الحسن بكاء شديدا وقال ولو لم نبك إلا للحياء من ذلك المقام لكان ~~ينبغي لنا أن نبكي وقال بلال بن سعد إن الله يغفر الذنوب ولكن لا يمحوها من ~~الصحيفة حتى يوقفه عليها يوم القيامة وإن تاب وقال أبو هريرة يدني الله ~~العبد يوم القيامة فيضع عليه كنفه فيستره من الخلائق كلها ويدفع إليه كتابه ~~في ذلك الستر فيقول اقرأ يا بن آدم كتابك فيقرأ فيمر بالحسنة فيبيض لها ~~وجهه ويسر بها قلبه فيقول الله أتعرف ياعبدي فيقول نعم يا رب فيقول إني ~~قبلتها منك فيسجد فيقول ارفع رأسك وعد في كتابك فيمر بالسيئة فيسود لها ~~وجهه ويوجل لها قلبه وترتعد منها فرائضه ويأخذه من الحياء من ربه ما لا ~~يعلمه غيره فيقول الله أتعرف يا عبدي فيقول نعم يا رب فيقول إني قد غفرتها ~~لك فيسجد فلا يرى منه الخلائق إلا السجود حتى ينادي بعضهم بعضا طوبى لهذا ~~العبد الذي لم يعص الله قط ولا يدرون ما ms248 قد لقي فيما بينه وبين ربه عز وجل ~~مما قد وقفه عليه PageV01P180 وقال أبو عثمان النهدي عن سلمان يعطى الرجل ~~صحيفته يوم القيامة فيقرأ أعلاها فإذا سيئاته فإذا كاد يسوء ظنه نظر في ~~أسفلها فإذا حسناته ثم نظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات وروي عن أبي ~~عثمان عن ابن مسعود وعن أبي عثمان من قوله وهو أصح وروى ابن أبي حاتم ~~بإسناده عن بعض أصحاب معاذ بن جبل قال يدخل أهل الجنة الجنة على أربعة ~~أصناف المتقين ثم الشاكرين ثم الخائفين ثم أصحاب اليمين قيل لم سموا أصحاب ~~اليمين قال لأنهم عملوا الحسنات والسيئات فأعطوا كتبهم بأيمانهم فقرؤوا ~~سيئاتهم حرفا حرفا قالوا يا ربنا هذه سيئاتنا فأين حسناتنا فعند ذلك محا ~~الله السيئات وجعلها حسنات فعند ذلك قالوا هاؤم أقرؤوا كتابيه الحاقة فهم ~~أكثر أهل الجنة وأهل هذا القول قد يحملون أحاديث محو السيئات بالحسنات على ~~محو عقوباتها دون محو كتابتها من الصحف والله أعلم وقوله صلى الله عليه ~~وسلم وخالق الناس بخلق حسن هذا من خصال التقوى ولا تتم التقوى إلا به وإنما ~~أفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه فإن كثيرا من الناس يظن أن التقوى هي القيام ~~بحق الله دون حقوق عباده فنص له على الأمر بإحسان العشرة للناس فإنه كان قد ~~بعثه إلى اليمن معلما لهم ومفقها وقاضيا ومن كان كذلك فإنه يحتاج إلى ~~مخالقة الناس بخلق حسن ما لا يحتاج إليه غيره مما لا حاجة للناس به ولا ~~يخالطهم وكثيرا ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله والانعكاف على ~~محبته وخشيته وطاعته وإهمال حقوق العباد بالكلية أو التقصير فيها والجمع ~~بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جدا لا يقوى عليه إلا الكمل من ~~الأنبياء والصديقين وقال الحارث المحاسبي ثلاثة أشياء عزيزة أو معدومة حسن ~~الوجه مع الصيانة وحسن الخلق مع الديانة وحسن الإخاء مع الأمانة وقال بعض ~~السلف جلس داود عليه الصلاة والسلام خاليا فقال الله عز وجل مالي أراك ~~خاليا قال هجرت ms249 الناس فيك يا رب العالمين قال يا داود ألا أدلك على ما ~~تستبقى به وجوه الناس وتبلغ فيه رضاي خالق الناس بأخلاقهم واحتجز الإيمان ~~بيني وبينك وقد عد الله في كتابه مخالقة الناس بخلق حسن من خصال التقوى بل ~~بدأ في قوله أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين آل عمران وروى ابن أبي الدنيا ~~بإسناده عن سعيد المقبري قال بلغنا أن رجلا جاء إلى عيسى بن مريم عليه ~~الصلاة والسلام فقال يا معلم الخير كيف أكون تقيا لله عز وجل كما ينبغي قال ~~بيسير من الأمر تحب الله بقلبك كله وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت وترحم ابن ~~جنسك كما ترحم نفسك قال من بني جنسي يا معلم الخير قال ولد أم كلهم ومالا ~~تحب أن يؤتى إليك فلا تأته لأحد وأنت تتقي لله عز وجل كما ينبغي له ~~PageV01P181 وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حسن الخلق من حسن خصال أخلاق ~~الإيمان كما خرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخرجه محمد ~~بن نصر المروزي وزاد فيه إن المرء ليكون مؤمنا وإن في خلقه شيئا فينقص ذلك ~~من إيمانه وخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أسامة بن شريك ~~قال قالوا يا رسول الله ما أفضل ما أعطي المرء المسلم قال الخلق الحسن ~~وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صاحب الخلق الحسن يبلغ بخلقه درجة ~~الصائم ليلا يشتغل المريد للتقوى عن حسن الخلق بالصوم والصلاة ويظن أن ذلك ~~يقطعه عن فضلهما فخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث عائشة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجات الصائم والقائم وأخبر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إن حسن الخلق أثقل ما يوضع في الميزان وإن ~~صاحبه أحب الناس إلى الله وأقربهم من النبيين مجلسا فخرج الإمام ms250 أحمد وأبو ~~داود والترمذي من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ما من شيء يوضع في ميزان العبد أثقل من حسن الخلق وإن صاحب حسن ~~الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة وخرج ابن حبان في صحيحه من حديث ~~عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم بأحبكم إلى ~~الله وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة قالوا بلى قال أحسنكم خلقا وقد سبق ~~حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله ~~وحسن الخلق وخرج أبو داود من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال أنا زعيم بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه وخرجه الترمذي وابن ماجه ~~بمعناه من حديث أنس وقد روي عن السلف تفسير حسن الخلق فعن الحسن قال حسن ~~الخلق الكرم والبذلة والاحتمال وعن الشعبي قال حسن الخلق البذلة والعطية ~~والبشر الحسن وكان الشعبي كذلك وعن ابن المبارك قال هو بسط الوجه وبذل ~~المعروف وكف الأذى وسئل سلام بن أبي مطيع عن حسن الخلق فأنشد شعرا فقال ~~تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله ولو لم يكن في كفه غير ~~روحه لجاد بها فليتق الله سائله هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته ~~المعروف والجود ساحله وقال الإمام أحمد حسن الخلق أن لا تغضب ولا تحقد وعنه ~~أنه قال حسن الخلق أن تحتمل ما يكون من الناس وقال إسحاق بن راهويه هو بسط ~~الوجه وأن لا تغضب ونحو ذلك قال محمد بن نصر وقال بعض أهل العلم حسن الخلق ~~كظم الغيظ لله وإظهار الطلاقة والبشر إلا للمبتدع والفاجر والعفو عن ~~الزالين إلا تأديبا وإقامة الحد وكف الأذى عن كل مسلم ومعاهد PageV01P182 ~~إلا تغيير منكر وأخذا بمظلة لمظلوم من غير تعد وفي مسند الإمام أحمد من ~~حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الفضائل أن ~~تصل من قطعك وتعطي ms251 من حرمك وتصفح عمن شتمك وخرج الحاكم من حديث عقبة ابن ~~عامر الجهني قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عقبة ألا أخبرك ~~بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك ~~وخرج الطبراني من حديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أدلكم على ~~أكرم أخلاق أهل الدنيا والآخرة أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظمك ~~الحديث التاسع عشر عن أبي العباس عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال كنت ~~خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال لي يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ ~~الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن ~~بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد ~~كتبه الله لك إن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله ~~عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح في رواية ~~غير الترمذي احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ~~واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر ~~مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا PageV01P183 هذا الحديث ~~خرجه الترمذي من رواية حنش الصنعاني عن ابن عباس وخرجه الإمام أحمد من حديث ~~حنش الصنعاني مع إسنادين آخرين منقطعين ولم يميز لفظ بعضها من بعض ولفظ ~~حديثه يا غلام أو يا غليم أعلمك كلمات ينفعك الله بهن فقلت بلى فقال احفظ ~~الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ~~وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد جف القلم بما هو كائن ~~فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لم يقدروا ~~عليه وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه واعلم أن ~~في الصبر على ما ms252 تكره خيرا كثيرا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب ~~وأن مع العسر يسرا وهذا اللفظ أتم من اللفظ الذي ذكره الشيخ رحمه الله ~~وعزاه إلى غير الترمذي واللفظ الذي ذكره الشيخ رواه عبد بن حميد في مسنده ~~بإسناد ضعيف PageV01P184 عن عطاء عن ابن عباس وكذلك عزاه ابن الصلاح في ~~الأحاديث الكلية التي هي أصل أربعين الشيخ رحمه الله إلى عبد بن حميد وغيره ~~وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه على ومولاه ~~عكرمة وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وعبيد الله بن عبدالله وعمر مولى ~~عفرة وابن أبي مليكة وغيرهم وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرجها ~~الترمذي كذا قال ابن مندة وغيره وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~وصى ابن عباس بهذه الوصية من حديث على بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وسهل ~~بن سعد وعبد الله بن جعفر وفي أسانيدها كلها ضعف وذكر العقيلي أن أسانيد ~~الحديث كلها لينة وبعضها أصلح من بعض وبكل حال فطريق حنش التي خرجها ~~الترمذي حسنة جيدة وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور ~~الدين حتى قال بعض العلماء تدبرت هذا الحديث فأدهشني وكدت أطيش فوا أسفا من ~~الجهل بهذا الحديث وقلة التفهم لمعناه قلت وقد أفردت لشرحه جزء كبيرا ونحن ~~نذكر هاهنا مقاصد على وجه الاختصار إن شاء الله تعالى قوله صلى الله عليه ~~وسلم احفظ الله يعني احفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه وحفظ ذلك هو الوقوف ~~عند أوامره بالامتثال وعند نواهيه بالاجتناب وعند حدوده فلا يتجاوز ما أمر ~~به وأذن فيه إلى ما نهى عنه فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله الذين ~~مدحهم الله في كتابه وقال عز وجل هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي ~~الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ق وفسر الحفيظ هنا بالحافظ لأوامر الله ~~وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها ومن أعظم ما يجب حفظه من أوامر الله الصلاة وقد ms253 ~~أمر الله بالمحافظة عليها فقال حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى البقرة ~~ومدح المحافظين عليها بقوله والذين هم على صلاتهم يحافظون المعارج وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم من حافظ عليها كان له عند الله عهد أن يدخله ~~الجنة وفي حديث آخر من حافظ عليهن كن له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ~~وكذلك الطهارة فإنها مفتاح الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحافظ ~~على الوضوء إلا مؤمن ومما يؤمر بحفظه الأيمان قال الله عز وجل واحفظوا ~~أيمانكم المائدة فإن الأيمان يقع الناس فيها كثيرا ويهمل كثير منهم ما يجب ~~بها فلا يحفظه ولا يلتزمه ومن ذلك حفظ الرأس والبطن كما في حديث ابن مسعود ~~المرفوع الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن ~~وما حوى خرجه الإمام أحمد والترمذي وحفظ الرأس وما وعى يدخل فيه حفظ السمع ~~والبصر واللسان من المحرمات وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن الإصرار ~~على ما حرم الله قال الله عز وجل واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم ~~فاحذروه البقرة وقد جمع الله ذلك كله في قوله إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسئولا الإسراء ويتضمن أيضا حفظ البطن من PageV01P185 إدخال ~~الحرام إليه من المآكل والمشارب ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله عز وجل ~~اللسان والفرج وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة خرجه الحاكم وخرج ~~الإمام أحمد من حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال من حفظ ما بين فقميه وفرجه دخل الجنة وأمر الله عز وجل بحفظ الفرج ومدح ~~الحافظين لها فقال قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم النور وقال ~~والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم ~~مغفرة وأجرا عظيما الأحزاب وقال قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون المؤمنون إلى قوله والذين هم ms254 لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أوما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين النور وقال أبو إدريس الخولاني أول ما وصى ~~الله به آدم عند إهباطه إلى الأرض حفظ فرجه وقال لا تضعه إلا في حلال وقوله ~~صلى الله عليه وسلم يحفظك يعني أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه حفظه الله ~~فإن الجزاء من جنس العمل كما قال تعالى وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم البقرة ~~وقال اذكروني أذكركم البقرة وقال إن تنصروا الله ينصركم محمد وحفظ الله ~~لعبده يدخل فيه نوعان أحدهما حفظه له في مصالح دنياه كحفظه في بدنه وولده ~~وأهله وماله قال الله عز وجل له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من ~~أمر الله الرعد قال ابن عباس هم الملائكة يحفظونه بأمر الله فإذا جاء القدر ~~خلوا عنه وقال على رضي الله عنه إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر ~~فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه وإن الأجل جنة حصينة وقال مجاهد ما من عبد ~~إلا وله ملك يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فما من شيء يأتيه ~~إلا قال له وراءك إلا شيئا أذن الله فيه فيصيبه وخرج الإمام أحمد وأبو داود ~~والنسائي من حديث ابن عمر قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع ~~هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح اللهم إني أسألك العافية في الدنيا ~~والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهل ومالي اللهم ~~استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ~~ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ومن حفظ الله في صباه وقوته حفظه ~~الله في حال كبره وضعف قوته ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله وكان بعض ~~العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله فوثب يوما وثبة شديدة ~~فعوتب في ذلك فقال هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر فحفظها الله ~~علينا في الكبر وعكس هذا أن بعض السلف رأى شيخا يسأل الناس فقال ms255 إن هذا ~~ضعيف ضيع الله في صغره فضيعه الله في كبره وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد ~~موته في ذريته كما قيل في قوله تعالى وكان أبوهما صالحا الكهف PageV01P186 ~~أنهما حفظا بصلاح أبيهما قال سعيد بن المسيب لابنه لأزيدن في صلاتي من أجلك ~~رجاء أن أحفظ فيك ثم تلا هذه الآية وكان أبوهما صالحا وقال عمر بن ~~عبدالعزيز ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه وقال ابن ~~المنكدر إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حوله ~~فما يزالون في حفظ من الله وستر ومتى كان العبد مشتغلا بطاعة الله فإن الله ~~يحفظه في تلك الحال وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~كانت امرأة في بيت فخرجت في سرية من المسلمين وتركت ثنتي عشرة عنزة وصيصتها ~~كانت تنسج بها قال ففقدت عنزة لها وصيصيتها فقالت يا رب إنك قد ضمنت لمن ~~خرج في سبيلك أن تحفظ عليه وإني قد فقدت عنزا من غنمي وصيصيتي وإني أنشدك ~~عنزة لي وصيصيتي قال وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شدة مناشدتها ربها ~~تبارك وتعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبحت عنزها ومثلها ~~وصيصيتها هي الصنارة التي يغزل بها وينسج فمن حفظ الله حفظه الله من كل أذى ~~قال بعض السلف من اتقى الله فقد حفظ نفسه ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه والله ~~غنى عنه ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع ~~حافظة له من الأذى كما جرى لسفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كسر ~~به المركب وخرج إلى جزيرة فرأى الأسد فجعل يمشي معه حتى دله على الطريق ~~فلما أوقفه عليها جعل يهمهم كأنه يودعه ثم رجع عنه ورؤي إبراهيم بن أدهم ~~نائما في بستان وعنده حية في فمها طاقة نرجس فما زالت تذب عنه حتى استيقظ ~~وعكس هذا أن من ضيع الله ضيعه الله فضاع بين خلقه حتى يدخل عليه الضرر ms256 ~~والأذى ممن كان يرجو نفعه من أهله وغيرهم كما قال بعض السلف إني لأعصي الله ~~فأعرف ذلك في خلق خادمي ودابتي النوع الثاني من الحفظ وهو أشرف النوعين حفظ ~~الله للعبد في دينه وإيمانه فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة ومن الشهوات ~~المحرمة ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان قال بعض السلف إذا ~~حضر الرجل الموت يقال للملك شم رأسه قال أجد في رأسه القرآن قال شم قلبه ~~قال أجد في قلبه الصيام قال شم قدميه قال أجد في قدميه القيام قال حفظ نفسه ~~فحفظه الله وفي الصحيحين عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه أمره أن يقول عند منامه إن قبضت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما ~~تحفظ به عبادك الصالحين وفي حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه أن ~~يقول اللهم احفظني بالإسلام قائما واحفظني بالإسلام قاعدا واحفظني بالإسلام ~~راقدا ولا تطمع في عدوا ولا حاسدا خرجه ابن حبان في صحيحه وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يودع من أراد سفرا فيقول استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم ~~عملك وقال صلى الله عليه وسلم إن الله إذا استودع شيئا حفظه خرجه النسائي ~~وغيره وفي الجملة فإن الله عز وجل يحفظ المؤمن الحافظ لحدود دينه ويحول ~~بينه وبين ما يفسد عليه دينه بأنواع من الحفظ وقد لا يشعر العبد ببعضها ~~PageV01P187 وقد يكون كارها له كما قال في حق يوسف عليه السلام كذلك لنصرف ~~عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين يوسف قال ابن عباس في قوله ~~تعالى إن الله يحول بين المرء وقلبه قال يحول بين المؤمن وبين المعصية التي ~~تجره إلى النار وقال الحسن وذكر أهل المعاصي هانوا عليه فعصوه ولو عزوا ~~عليه لعصمهم وقال ابن مسعود إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ~~ييسر له فينظر الله إليه فيقول للملائكة اصرفوه عنه فإنه إن يسرته له ~~أدخلته النار فيصرفه الله عنه فيظل يتطير بقوله سبني فلان وأهانني فلان وما ms257 ~~هو إلا فضل الله عز جل وخرجه الطبراني من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول الله عز وجل إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر وإن بسط ~~عليه أفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغني ولو أفقرته ~~لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ~~ذلك وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك وإن ~~من عبادي من يطلب بابا من العبادة فأكفه عنه لكيلا يدخله العجب إني أدبر ~~أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم إني عليم خبير وقال صلى الله عليه وسلم احفظ ~~الله تجده تجاهك وفي رواية أمامك معناه أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه ~~وجد الله معه في كل أحواله حيث توجه يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده إن ~~الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون قال قتادة من يتق الله يكن معه ومن ~~يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب والحارس الذي لا ينام والهادي الذي ~~لا يضل بل كتب بعض السلف إلى أخ له أما بعد فإن كان الله معك فمن تخاف وإن ~~كان عليك فمن ترجو وهذه المعية الخاصة هي المذكورة في قوله تعالى لموسى ~~وهارون لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى طه وقول موسى كلا إن معي ربي سيهدين ~~الشعراء وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وهما في الغار ما ظنك ~~باثنين الله ثالثهما لا تحزن إن الله معنا التوبة فهذه المعية الخاصة تقتضي ~~النصر والتأييد والحفظ والإعانة بخلاف المعية المذكورة في قوله تعالى ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ~~ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا المجادلة وقوله ولا يستخفون من الله وهو ~~معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول النساء فإن هذه المعية تقتضي علمه ~~واطلاعه ومراقبته لأعمالهم فهي مقتضية لتخويف العباد منه والمعية الأولي ms258 ~~تقتضي حفظه وحياطته ونصره فمن حفظ الله وراعى حقوقه وجده أمامه وتجاهه على ~~كل حال فاستأنس به واستغنى عن خلقه كما في حديث أفضل الإيمان أن يعلم العبد ~~أن الله معه حيث كان وقد سبق وروي عن نبهان الحمال أنه دخل البرية وحده على ~~طريق تبوك فاستوحش فهتف به هاتف لم تستوحش أليس حبيبك معك وقيل لبعضهم ألا ~~تستوحش PageV01P188 وحدك فقال كيف أستوحش وهو يقول أنا جليس من ذكرني وقيل ~~لآخر نراك وحدك فقال من يكن الله معه كيف يكون وحده وقيل لآخر أما معك مؤنس ~~قال بلى قيل أين هو قال أمامي ومعي وخلفي وعن يميني وعن شمالي وفوقي وكان ~~الشبلي ينشد إذا نحن أدجلنا وأنت أمامنا في المطايا بذكرك هاديا وقوله صلى ~~الله عليه وسلم تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة يعني أن العبد إذا ~~اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه فقد تعرف بذلك إلى الله ~~وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة فعرفه ربه في الشدة روعي له تعرفه إليه في ~~الرخاء فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة وهذه معرفة خاصة تقتضي قرب العبد من ~~ربه ومحبته له وإجابته لدعائه فمعرفة العبد لربه نوعان أحدهما المعرفة ~~العامة وهي معرفة الإقرار به والتصديق والإيمان وهو عامة للمؤمنين والثاني ~~معرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية والانقطاع إليه والأنس به ~~والطمأنينة بذكره والحياء منه والهيبة له وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور ~~حولها العارفون كما قال بعضهم مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ~~ما فيها قيل له وما هو قال معرفة الله عز وجل وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي ~~أحب أن لا أموت حتى أعرف مولاي وليس معرفته الإقرار به ولكن المعرفة إذا ~~عرفته استحييت منه ومعرفة الله أيضا لعبده نوعان معرفة عامة وهي علمه تعالى ~~بعباده واطلاعه على ما أسروه وما أعلنوه كما قال ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ~~ما توسوس به نفسه ق قال هو أعلم بكم إذا أنشأكم من الأرض وإذا ms259 أنتم أجنة في ~~بطون أمهاتكم النجم والثاني معرفة خاصة وهي تقتضي محبته لعبده وتقريبه إليه ~~وإجابة دعائه وإنجائه من الشدائد وهي المشار إليها بقوله صلى الله عليه ~~وسلم فيما يحكي عن ربه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وفي رواية ولئن ~~دعاني لأجيبنه ولما هرب الحسن من الحجاج دخل إلى بيت حبيب بن محمد فقال له ~~حبيب يا أبا سعيد أليس بينك وبين ربك ما تدعوه به فيسترك من هؤلاء ادخل ~~البيت فدخل ودخل الشرط على أثره فلم يروه فذكر ذلك للحجاج فقال بل كان في ~~البيت إلا أن الله طمس أعينهم فلم يروه واجتمع الفضيل بن عياض بشعوانه ~~العابدة فسألها الدعاء فقالت يا فضيل وما بينك وبينه ما إن دعوته أجابك ~~فغشي على الفضيل وقيل لمعروف وما الذي PageV01P189 هيجك إلى الانقطاع ~~والعبادة وذكرت الموت والبرزخ والجنة والنار فقال معروف إن ملكا هذا كله ~~بيده إن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا وفي الجملة فمن عامل الله ~~بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته وخرج ~~الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من سره أن يستجيب ~~الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء وخرج ابن أبي حاتم وغيره من ~~رواية أبي يزيد الرقاشي عن أنس يرفعه أن يونس عليه الصلاة والسلام لما دعا ~~في بطن الحوت قالت الملائكة يا رب هذا صوت معروف من بلاد غريبة فقال الله ~~عز وجل أما تعرفون ذلك قالوا ومن هو قال عبدي يونس قالوا عبدك يونس الذي لم ~~يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة قال نعم قالوا يا رب أفلا ترحم ما كان ~~يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء قال بلى قال فأمر الله الحوت فطرحه ~~بالعراء وقال الضحاك بن قيس اذكروا الله في الرخاء ms260 يذكركم في الشدة إن يونس ~~عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله تعالى فلما وقع في بطن الحوت قال الله ~~تعالى فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون الصافات وإن ~~فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله فلما أدركه الغرق قال آمنت فقال الله ~~تعالىءآلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين يونس وقال سلمان الفارسي إذا كان ~~الرجل دعا في السر فنزلت به ضراء فدعا الله تعالى قالت الملائكة صوت معروف ~~فشفعوا له وإذا كان ليس بدعاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله تعالى ~~قالت الملائكة صوت ليس بمعروف فلا يشفعون له وقال رجل لأبي الدرداء أوصني ~~فقال اذكر الله في السراء يذكرك الله عز وجل في الضراء وعنه أنه قال ادع ~~الله في يوم سرائك لعله أن يستجيب لك في يوم ضرائك وأعظم الشدائد التي تنزل ~~بالعبد في الدنيا الموت وما بعده أشد منه إن لم يكن مصير العبد إلى خير ~~فالواجب على المؤمن الاستعداد للموت وما بعده في حال الصحة بالتقوى ~~والأعمال الصالحة قال الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر ~~نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين ~~نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون الحشر فمن ذكر الله في حال ~~صحته ورخائه واستعد حينئذ للقاء الله عز وجل بالموت وما بعده ذكره الله عند ~~هذه الشدائد فكان معه فيها ولطف به وأعانه وتولاه وثبته على التوحيد فلقيه ~~وهو عنه راض ومن نسي الله في حال صحته ورخائه ولم يستعد حينئذ للقائه نسيه ~~الله في هذه الشدائد بمعنى أنه أعرض عنه فأهمله فإذا نزل الموت بالمؤمن ~~المستعد له أحسن الظن بربه وجاءته البشرى من الله فأحب لقاء الله وأحب الله ~~لقاءه والفاجر بعكس ذلك وحينئذ يفرح المؤمن ويستبشر بما قدمه مما هو قادم ~~عليه ويندم المفرط ويقول يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله قال أبو ~~عبدالرحمن السلمي قبل موته كيف لا أرجو ربي ms261 وقد صمت له ثمانين رمضان وقال ~~أبو بكر بن عياش لابنه عند موته أترى الله يضيع PageV01P190 لأبيك أربعين ~~سنة يختم القرآن كل ليلة وختم آدم بن أبي إياس القرآن وهو مسجي للموت ثم ~~قال بحبي لك ألا رفقت بي في هذا المصرع كنت آملك لهذا اليوم كنت أرجوك لا ~~إله إلا الله ثم قضى ولما احتضر زكريا بن عدي رفع يديه وقال اللهم إني إليك ~~لمشتاق وقال عبدالصمد الزاهد عند موته سيدي لهذه الساعة خبأتك فلهذا اليوم ~~اقتنيتك حقق حسن ظني بك وقال قتادة في قول الله عز وجل ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا الطلاق قال من الكرب عند الموت وقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~في هذه الآية ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة وقال زيد بن أسلم في قوله ~~عز وجل إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا ~~تخافوا ولاتحزنوا فصلت قال يبشر بذلك عند موته وفي قبره وحين يبعث فإنه لفي ~~الجنة وما ذهبت فرحة البشارة من قلبه وقال ثابت البناني في هذه الآية بلغنا ~~أن المؤمن حيث يبعثه الله من قبره ويتلقاه ملكاه اللذان كانا معه في الدنيا ~~فيقولان له لا تخف ولا تحزن فيؤمن من الله خوفه ويقر الله عينه فما من ~~عظيمة تغشى الناس يوم القيامة إلا هي للمؤمن قرة عين لما هداه الله ولما ~~كان يعمل في الدنيا وقوله صلى الله عليه وسلم إذا سألت فاسأل الله وإذا ~~استعنت فاستعن بالله هذا منزع من قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين فإن ~~السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه والدعاء هو العبادة كذا روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من حديث النعمان بن بشير وتلا قوله تعالى وقال ربكم ادعوني ~~أستجب لكم خرجه الإمام وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وخرج الترمذي ~~من حديث انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء مخ العبادة فتضمن ~~هذا الكلام أن يسأل الله عز وجل ولا يسأل ms262 غيره وأن يستعان بالله دون غيره ~~وأما السؤال فقد أمر الله بسؤاله فقال واسألوا الله من فضله وفي الترمذي عن ~~ابن مسعود مرفوعا سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل وفيه أيضا عن أبي ~~هريرة مرفوعا من لا يسأل الله يغضب عليه وفي حديث آخر يسأل أحدكم ربه حاجته ~~كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع وفي النهي عن مسئلة المخلوقين أحاديث ~~كثيرة صحيحة وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه على أن لا ~~يسألوا الناس شيئا منهم أبو بكر الصديق وأبو ذر وثوبان وكان أحدهم يسقط ~~السوط أو خطام ناقته فلا يسأل أحدا أن يناوله إياه وخرج ابن أبي الدنى من ~~حديث أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا رسول الله إن بني فلان أغاروا على فذهبوا بابني وإبلي فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن آل محمد كذا وكذا أهل بيت مالهم مد من طعام أو ~~صاع فاسأل الله عز وجل فرجع إلى امرأته PageV01P191 فقالت ما قال لك ~~فأخبرها فقالت نعم ما رد عليك فما لبث أن رد الله عليه ابنه وإبله أوفر ما ~~كانت فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فصعد المنبر فحمد الله وأثنى ~~عليه وأمر الناس بمسئلة الله عز وجل والرغبة إليه وقرأ ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن الله عز وجل يقول هل من داع فأستجيب له دعاءه هل من سائل ~~فأعطيه سؤله هل من مستغفر فأغفر له وخرج المحاملي وغيره من حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله تعالى من ذا الذي ~~دعاني فلم أجبه وسألني فلم أعطه واستغفرني فلم أغفر له وأنا أرحم الراحمين ~~واعلم أن سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعين لأن السؤال فيه إظهار الذل ~~من ms263 السائل والمسكنة والحاجة والافتقار وفيه الاعتراف بقدرة المسئول على رفع ~~هذا الضر ونيل المطلوب وجلب المنافع ودرء المضار ولا يصلح الذل والافتقار ~~إلا الله وحده لأنه حقيقة العبادة وكان الإمام أحمد يدعو ويقول اللهم كما ~~صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسئلة لغيرك ولا يقدر على كشف الضر ~~وجلب النفع سواك كما قال وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك ~~بخير فلا راد لفضله يونس وقال ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما ~~يمسك فلا مرسل له من بعده فاطر والله سبحانه يحب أن يسئل ويرغب إليه في ~~الحوائج ويلح في سؤاله ودعائه ويغضب على من لا يسأله ويستدعي من عباده ~~سؤاله وهو قادر على إعطاء خلقه كلهم سؤلهم من غير أن ينقص من ملكه شيء ~~والمخلوق بخلاف ذلك يكره أن يسأل ويحب أن لا يسأل لعجزه وفقره وحاجته ولهذا ~~قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك ويحك تأتي من يغلق عنك بابه ويظهر لك ~~فقره ويواري عنك غناه وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ونصف النهار ويظهر لك ~~غناه ويقول ادعني أستجب لك وقال طاووس لعطاء إياك أن تطلب حوائجك إلى من ~~أغلق بابه دونك ويجعل دونها حجابه وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة ~~أمرك أن تسأله ووعدك أن يجيبك وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من ~~الخلق فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره ولا معين له ~~على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله ~~فهو المخذول وهذا تحقيق معنى قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإن المعنى لا ~~تحول للعبد من حال إلى حال ولاقوة له على ذلك إلا بالله وهذه كلمة عظيمة ~~وهي كنز من كنوز الجنة فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات ~~وترك المحظورات والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من ~~أهوال البرزخ ويوم القيامة ولا يقدر على ms264 الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل ~~فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال احرص على ما ينفعك PageV01P192 واستعن بالله ولا تعجز ~~ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به فصار ~~مخذولا كتب الحسن إلى عمر بن العزيز لا تستعن بغير الله فيكلك الله إليه ~~ومن كلام بعض السلف يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك وعجبت لمن يعرفك ~~كيف يستعين بغيرك قوله صلى الله عليه وسلم جف القلم بما هو كائن وفي رواية ~~أخرى رفعت الأقلام وجفت الصحف هو كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها ~~والفراغ منها من أمد بعيد فإن الكتاب إذا فرغ من كتابه ورفعت الأقلام عنه ~~وطال عهده فقد رفعت عنه الأقلام وجفت الأقلام التي كتب بها من مدادها وجفت ~~الصحف التي كتب فيها بالمداد المكتوب به فيها وهذا من أحسن الكنايات ~~وأبلغها وقد دل الكتاب والسنن الصحيحة الكثيرة على مثل هذا المعنى قال الله ~~تعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبرأها إن ذلك على الله يسير الحديد وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بخمسين ألف سنة وفيه أيضا عن جابر أن رجلا قال يا رسول الله ~~ففيم العمل اليوم أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل ~~قال لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير قال ففيم العمل قال اعملوا ~~فكل ميسر لما خلق له وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبادة بن ~~الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أول ما خلق الله القلم ثم قال ~~اكتب فكتب في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة والأحاديث في هذا ~~المعنى كثيرة جدا يطول ذكرها قوله صلى الله عليه وسلم فلو أن ms265 الخلق جميعا ~~أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله عليك لم يقدروا عليه وإن أرادوا أن ~~يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه هذه رواية الإمام أحمد ~~ورواية الترمذي بهذا المعنى أيضا والمراد إنما يصيب العبد في دنياه مما ~~يضره أو ينفعه فكله مقدر عليه ولا يصيب العبد إلا ما كتب له من مقادير ذلك ~~في الكتاب السابق ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعا وقد دل القرآن على ~~مثل هذا في قوله عز رجل قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا التوبة وقوله ما ~~أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها الحديد ~~وقوله قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم آل ~~عمران وخرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إن لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم ~~أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وإن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وخرج أبو داود وابن ~~ماجه من حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى ذلك أيضا واعلم ~~أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه ~~وراجع إليه فإن العبد إذا علم أن لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر ~~ونفع وضر وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة علم حينئذ ~~أن الله وحده هو الضار النافع المعطي المانع PageV01P193 فأوجب ذلك للعبد ~~توحيد ربه عز وجل وإفراده بالطاعة وحفظ حدوده فإن المعبود إنما يقصد ~~بعبادته جلب المنافع ودفع المضار ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر ~~ولا يغني عن عابده شيئا فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع ~~غير الله أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرع ~~والدعاء وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا وأن يتقي سخطه ms266 ولو كان فيه سخط ~~الخلق جميعا وإفراده بالاستعانة به والسؤال له وإخلاص الدعاء له في حال ~~الشدة وحال الرخاء خلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند ~~الشدائد ونسيانه في الرخاء ودعاء من يرجون نفعه من دونه قال الله عز وجل قل ~~أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون الزمر ~~و قوله صلى الله عليه وسلم واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا يعني ~~أن ما أصاب العبد من المصائب المؤلمة المكتوبة عليه إذا صبر عليها كان له ~~في الصبر خير كثير وفي رواية عمر مولى عفرة وغيره عن ابن عباس زيادة أخرى ~~قبل هذا الكلام وهي فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل فإن لم ~~تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وفي رواية أخرى من رواية على بن ~~عبدالله بن عباس عن أبيه لكن إسنادها ضعيف زيادة أخرى بعد هذا وهي قلت يا ~~رسول الله كيف أصنع باليقين قال أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما ~~أخطأك لم يكن لصيبك فإذا أنت أحكمت باب اليقين ومعنى هذا أن حصول اليقين ~~للقلب بالقضاء السابق والتقدير الماضي يعني أن العبد يجهد على أن يرضي نفسه ~~بما أصابه فمن استطاع أن يعمل في اليقين بالقضاء والقدر على الرضا بالمقدور ~~فليفعل فإن لم يستطع الرضا فإن في الصبر على المكروه خيرا كثيرا فهاتان ~~درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب أحدهما أن يرضى بذلك وهي درجة ~~عالية رفيعة جدا قال الله عز وجل ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن ~~بالله يهد قلبه قال علقمة هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله ~~فيسلم لها ويرضى وخرج الترمذي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط ms267 فله السخط وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه أسألك الرضا بعد القضاء ومما يدعو ~~المؤمن إلى الرضا بالقضاء تحقيق إيمانه بمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر وكان خيرا ~~له وإن أصابته ضراء صبر وكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن وجاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يوصيه وصية جامعة موجزة فقال لا تتهم ~~الله في قضائه قال أبو الدرداء إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به وقال ~~ابن مسعود إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا وجعل ~~الهم والحزن في الشك والسخط في الرضا أن لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ~~ورخاء كذا روي عن عمر PageV01P194 وابن مسعود وغيرهما وقال عمر بن ~~عبدالعزيز أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر فمن وصل إلى هذه ~~الدرجة كان عيشه كله في نعيم وسرور قال الله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة قال بعض السلف الحياة الطيبة هي الرضا ~~والقناعة وقال عبدالواحد بن زيد الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح ~~العابدين وأهل الرضا تارة يلاحظون حكمة المبتلي وخيرته لعبده في البلاء ~~وأنه غير متهم في قضائه وتارة يلاحظون ثواب الرضا بالقضاء فينسيهم ألم ~~المقضي به وتارة يلاحظون عظمة المبتلي وجلاله وكماله فيستغرقون في مشاهدة ~~ذلك حتى لا يشعرون بالألم وهذا يصل إليه خواص أهل المعرفة والمحبة حتى ربما ~~تلذذوا بما أصابهم لملاحظتهم صدوره عن حبيبهم كما قال بعضهم أوجدهم في ~~عذابه عذوبة وسئل بعض التابعين عن حاله في مرضه فقال أحبه إليه أحب إلي ~~وسئل سري هل يجد المحب ألم البلاء فقال لا وقال بعضهم عذابه فيك عذب وبعده ~~فيك قرب وأنت عندي كروحي بل أنت منها أحب حسبي من الحب أني لما تحب أحب ~~والدرجة الثانية أن يصبر على البلاء وهذه لمن لم يستطع ms268 الرضا بالقضاء ~~فالرضا فضل مندوب إليه مستحب والصبر واجب على المؤمن حتم وفي الصبر خير ~~كثير فإن الله أمر به ووعد عليه جزيل الأجر قال الله عز وجل إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب الزمر وقال وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم ~~مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ~~وأولئك هم المهتدون البقرة قال الحسن الرضا عزيز ولكن الصبر معول المؤمن ~~والفرق بين الرضا والصبر أن الصبر كف النفس وحبسها عن السخط مع وجود الألم ~~وتمني زوال ذلك وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع والرضا انشراح الصدر ~~وسعته بالقضاء وترك تمني زوال الألم وإن وجد الإحساس بألم لكن الرضا يخففه ~~ما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساس ~~بالألم بالكلية كما سبق وقوله صلى الله عليه وسلم واعلم أن النصر مع الصبر ~~هذا موافق لقول الله عز وجل قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة ~~قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين البقرة وقوله إن يكن ~~منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ~~والله مع الصابرين الأنفال وقال عمر لأشياخ من بني عبس بم قاتلتم الناس ~~قالوا بالصبر لم نلق قوما إلا صبرنا لهم كما صبروا لنا وقال بعض السلف كلنا ~~يكره الموت وألم الجراح ولكن نتفاضل بالصبر وقال ابن بطال الشجاعة صبر ساعة ~~وهذا في جهاد العدو الظاهر وهو جهاد الكفار وكذلك جهاد العدو الباطن ~~PageV01P195 وهو جهاد النفس والهوى فإن جهادهما من أعظم الجهاد كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم المجاهد من جاهد نفسه في الله وقال عبدالله بن ~~عمر لمن سأله عن الجهاد ابدأ بنفسك فجاهدها وابدأ بنفسك فاغزها وقال بقية ~~بن الوليد أخبرنا إبراهيم بن أدهم قال حدثنا الثقة عن على بن أبي طالب قال ~~أول ما تنكرون من جهادكم أنفسكم وقال إبراهيم بن أبي علقمة لقوم جاءوا من ~~الغزو قد جئتم من الجهاد الأصغر فما ms269 فعلتم في الجهاد الأكبر قالوا وما ~~الجهاد الأكبر قال جهاد القلب ويروى هذا مرفوعا من حديث جابر بإسناد ضعيف ~~ولفظه قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا وما الجهاد الأكبر ~~قال مجاهدة العبد لهواه ويروى من حديث سعد بن أنس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ليس عدوك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة وإذا قتلته كان نورا لك وإنما ~~أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في وصيته ~~لعمر حين استخلفه إن أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك فهذا الجهاد يحتاج ~~أيضا إلى صبر فمن صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه غلبه وحصل له النصر ~~والظفر وملك نفسه فصار ملكا عزيزا ومن جزع ولم يصبر على مجاهدة ذلك غلب ~~وقهر وأسر وصار عبدا ذليلا أسيرا في يد شيطانه وهواه كما قيل إذا المرء لم ~~يغلب هواه أقامه بمنزلة فيها العزيز ذليل قال ابن المبارك من صبر فما أقل ~~ما يصبر ومن جزع فما أقل ما يتمتع فقوله صلى الله عليه وسلم إن النصر مع ~~الصبر يشمل النصر في الجهادين جهاد العدو الظاهر وجهاد العدو الباطن فمن ~~صبر فيهما نصر وظفر بعدوه ومن لم يصبر فيهما وجزع قهر وصار أسيرا لعدوه أو ~~قتيلا له وقوله صلى الله عليه وسلم وإن الفرج مع الكرب وهذا يشهد له قوله ~~عز وجل وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته الشورى وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره خرجه الإمام أحمد ~~وخرجه ابنه عبدالله في حديث طويل وفيه علم الله يوم الغيث أنه يشرف عليكم ~~أذلين قنطين فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قرب والمعنى أنه سبحانه يعجب من ~~قنوط عباده عند احتباس القطر عنهم وقنوطهم ويأسهم من الرحمة وقد اقترب وقت ~~فرجه ورحمته لعباده بإنزال الغيث عليهم وتغيره لحالهم وهم لا يشعرون وقال ~~تعالى فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن ms270 كانوا من قبل أن ~~ينزل عليهم من قبله لمبلسين الروم وقال تعالى حتى إذا استيأس الرسل وظنوا ~~أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا يوسف وقال تعالى حتى يقول الرسول والذين آمنوا ~~معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب البقرة وقال حاكيا عن يعقوب أنه قال ~~لبنيه يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله ثم قص ~~قصة اجتماعهم عقب ذلك وكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي ~~الكرب PageV01P196 كإنجاء نوح ومن معه في الفلك وإنجاء إبراهيم من النار ~~وفدائه لولده الذي أمر بذبحه وإنجاء موسى وقومه من اليم وإغراق عدوهم وقصة ~~أيوب ويونس وقصص محمد صلى الله عليه وسلم مع أعدائه وإنجائه منهم كقصته في ~~الغار ويوم بدر ويوم أحد ويوم الأحزاب ويوم حنين وغير ذلك وقوله صلى الله ~~عليه وسلم فإن مع العسر يسرا هو منتزع من قوله تعالى سيجعل الله بعد عسر ~~يسرا وقوله عز وجل فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا وخرج البزار في ~~مسنده وابن أبي حاتم واللفظ له من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لو جاء العسر فدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه فأنزل ~~الله عز وجل فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا وخرج البزار في مسنده وابن ~~أبي حاتم واللفظ له من حديث أنس مرسلا نحوه وفي حديثه فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لن يغلب عسر يسرين وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال ~~لو أن العسر دخل في جحر لجاء اليسر حتى يدخل معه ثم قال قال الله تعالى فإن ~~مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا وبإسناده أن أبا عبيدة حضر فكتب عمر يقول ~~مهما ينزل بامريء شدة يجعل الله بعدها فرجا وإنه لن يغلب عسر يسرين وإنه ~~يقول اصبروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون آل عمران ومن لطائف أسرار ~~أقتران الفرج بالكرب واليسر بالعسر أن الكرب إذا اشتد وعظم ms271 وتناهى وحصل ~~للعبد اليأس من كشفه من جهة المخلوقين وتعلق قلبه بالله وحده وهذا هو حقيقة ~~التوكل على الله وهو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج فإن الله يكفي ~~من توكل عليه كما قال تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه الطلاق وروى آدم ~~بن أبي إياس في تفسيره عن محمد بن إسحاق قال جاء مالك الأشجعي إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال أسر ابني عوف فقال له أرسل إليه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يأمرك أن تكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فأتاه ~~الرسول فأخبره فأكب عوف يقول لا حول ولا قوة إلا بالله وكانوا قد شدوه ~~بالقد فسقط القد عنه فخرج فإذا هو بناقة لهم فركبها فأقبل فإذا هو بسرح ~~القوم الذين كانوا قد شدوه فصاح بهم فاتبع آخرها أولها فلم يفاجأ أبويه إلا ~~هو ينادي بالباب فقال أبوه عوف ورب الكعبة فقالت أمه واسوأتاه عوف كئيب ~~بألم ما فيه من القد فاستبق الأب والخادم إليه فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلا ~~فقص على أبيه أمره وأمر الإبل فأتى أبوه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره بخبر عوف وخبر الإبل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اصنع بها ~~ما أحببت وما كنت صانعا بإبلك ونزل ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب ومن يتوكل على فهو حسبه الحشر قال الفضيل لو يئست من الخلق ~~حتى لا تريد منهم شيئا لأعطاك مولاك كل ما تريد وذكر إبراهيم بن أدهم عن ~~بعضهم قال ما سأل السائلون مسئلة PageV01P197 هي ألحلف من أن يقول العبد ما ~~شاء الله قال يعني بذلك التفويض إلى الله عز وجل وقال سعيد بن سالم القداح ~~بلغني أن موسى عليه الصلاة والسلام كانت له إلى الله حاجة فأبطأت عليه فقال ~~ما شاء الله فإذا حاجته بين يديه فعجب فأوحى الله إليه أما علمت أن قولك ما ~~شاء الله أنجح ما طلبت به الحوائج ms272 وأيضا فإن المؤمن إذا استبطأ الفرج وأيس ~~منه بعد كثرة دعائه وتضرعه ولم يظهر عليه أثر الإجابة فرجع إلى نفسه ~~باللائمة وقال لها إنما أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت وهذا اللوم أحب ~~إلى الله من كثير من الطاعات فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه واعترافه له ~~بأنه أهل لما نزل من البلاء وأنه ليس أهلا لإجابة الدعاء فلذلك تسرع إليه ~~حينئذ إجابة الدعاء وتفريج الكرب فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله ~~قال وهب تعبد رجل زمانا ثم بدت له إلى الله حاجة فقام سبعين سبتا يأكل في ~~كل سبت إحدى عشرة تمرة ثم سأل الله حاجته فلم يعطها فرجع إلى نفسه فقال منك ~~أتيت لو كان فيك خيرا أعطيت حاجتك فنزل إليه عند ذلك ملك فقال له يا ابن ~~آدم ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت وقد قضى الله حاجتك خرجه ابن أبي ~~الدنيا ولبعض المتقدمين في هذا المعنى عسى ما ترى أن لا يدوم وإن ترى له ~~فرجا مما ألح به الدهر عسى فرج يأتي به الله أنه له كل يوم في خليقته أمر ~~إذا لاح عسر فارتج اليسر إنه قضى الله أن العسر يتبعه اليسر الحديث العشرون ~~عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولي إذا لم تستح ~~فاصنع ما شئت رواه البخاري PageV01P198 هذا الحديث خرجه البخاري من رواية ~~منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش عن أبي مسعود عن حذيفة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فاختلف في إسناده لكن أكثر الحفاظ حكموا بأن القول قول من قال عن ~~أبي مسعود منهم البخاري وأبو زرعة الرازي والدارقطني وغيرهم ويدل على صحة ~~ذلك أنه قد روي من وجه آخر عن أبي مسعود من رواية مسروق عنه وخرجه الطبراني ~~من حديث أبي الطفيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا فقوله صلى الله عليه ~~وسلم إن ms273 مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى يشير إلى أن هذا مأثور عن ~~الأنبياء المتقدمين وأن الناس تداولوه بينهم وتوارثوه عنهم قرنا بعد قرن ~~وهذا يدل على أن النبوة المتقدمة جاءت بهذا الكلام وأنه اشتهر بين الناس ~~حتى وصل إلى أول هذه الأمة وفي بعض الروايات قال لم يدرك الناس من كلام ~~النبوة الأولى إلا هذا خرجها عبيد بن زنجويه وغيره وقوله إذا لم تستح فاصنع ~~ما شئت في معناه قولان أحدهما أنه ليس بمعنى الأمر أن يصنع ما شاء ولكنه ~~على معنى الذم والنهي عنه وأهل هذه المقالة لهم طريقان أحدهما أنه أمر ~~بمعنى التهديد والوعيد والمعني إذا لم يكن حياء فاعمل ما شئت فالله يجازيك ~~عليه كقوله اعملوا بما شئتم إنه بما تعملون بصير وقوله فاعبدوا ما شئتم من ~~دونه وقول النبي صلى الله عليه وسلم من باع الخمر فليشقص الخنازير يعني ~~ليقطعها إما لبيعها أو لأكلها وأمثلته متعددة وهذا اختيار جماعة منهم أبو ~~العباس بن ثعلبة والطريق الثاني أنه أمر ومعناه الخبر والمعنى أن من لم ~~يستح صنع ما شاء فإن المانع من فعل القبائح هو الحياء PageV01P199 فمن لم ~~يكن له حياء انهمك في كل فحشاء ومنكر وما يمتنع من مثله من له حياء على حد ~~قوله صلى الله عليه وسلم من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار فإن ~~لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر وإن من كذب عليه يتبوأ مقعده من النار وهذا ~~اختيار أبي عبيد والقاسم بن سلام رحمه الله وابن قتيبة ومحمد بن نصر ~~المروزي وغيرهم وروى أبو داود عن الإمام أحمد ما يدل على مثل هذا القول ~~وروى ابن أبي لهيعة عن أبي قبيل عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إذا أبغض الله عبدا نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه ~~إلا بغيضا مبغضا فإذا نزع منه الأمانة نزع منه الرحمة وإذا نزع منه الرحمة ~~نزع منه ربقة الإسلام فإذا نزع منه ربقة الإسلام لم تلقه ms274 إلا شيطانا مريدا ~~خرجه حميد بن زنجويه وخرجه ابن ماجه بمعناه بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعا ~~أيضا وعن سلمان الفارسي قال إن الله إذا أراد بعبد هلاكا نزع منه الحياء ~~فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا فإذا كان مقيتا ممقتا نزع منه ~~الأمانة فلم تلقه إلا خائنا مخونا فإذا كان خائنا مخونا نزع منه الرحمة فلم ~~تلقه إلا فظا غليظا فإذا كان فظا غليظا نزع ربقة الإيمان من عنقه فإذا نزع ~~ربقة الإيمان من عنقه لم تلقه إلا شيطانا لعينا ملعنا وعن ابن عباس قال ~~الحياء والإيمان في قرن فإذا نزع الحياء تبعه الآخر خرجه كله حميد بن ~~زنجويه في كتاب الأدب وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحياء من الإيمان ~~كما في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل وهو ~~يعاتب أخاه في الحياء يقول إنك تستحي كأنه يقول قد أضر بك فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم دعه فإن الحياء من الإيمان وفي الصحيحين عن أبي هريرة ~~قال الحياء شعبة من الإيمان وفي الصحيحين عن عمران بن حصين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال الحياء لا يأتي إلا بخير وفي رواية لمسلم قال الحياء ~~خير كله أو قال الحياء كله خير وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث الأشج ~~المنقري قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فيك لخصلتين يحبهما ~~الله قلت ما هما قال الحلم والحياء قلت أقديما كان أو حديثا قال بل قديما ~~قلت الحمد صلى الله عليه وسلم الذي جعلني على خليقتين يحبهما الله وقال ~~إسماعيل بن أبي خالد دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده ~~رجل فاستسقى فأتى بماء فشرب فستره النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا ~~قال الحياء أوتوها ومنعتموها واعلم أن الحياء نوعان أحدهما ما كان خلقا ~~وجبلة غير مكتسب وهو من أجل الأخلاق التي يمنحها الله العبد ويجبله عليها ~~ولهذا ms275 قال صلى الله عليه وسلم الحياء لا يأتي إلا بخير فإنه يكف عن ارتكاب ~~القبائح ودناءة الأخلاق ويحث على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها فهو من ~~خصال الإيمان بهذا الاعتبار وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال من استحيا ~~اختفى ومن اختفى اتقى ومن اتقى وقى وقال الجراح بن عبدالله الحكمي وكان ~~فارس أهل الشام تركت الذنوب حياء أربعين سنة ثم أدركني الورع وعن بعضهم قال ~~رأيت المعاصي نذالة PageV01P200 فتركتها مروءة فاستحالت ديانة النوع الثاني ~~ما كان مكتسبا من معرفة الله ومعرفة عظمته وقربه من عباده واطلاعه عليهم ~~وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور فهذا من أعلى خصال الإيمان بل هو من ~~أعلى درجات الإحسان وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل استحي ~~من الله كما تستحي من رجل من صالح عشيرتك وفي حديث ابن مسعود الاستحياء من ~~الله أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وماحوى وأن تذكر الموت والبلى ومن أراد ~~الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله خرجه الإمام أحمد ~~والترمذي مرفوعا وقد يتولد الحياء من مطالعة نعمه تعالى ورؤية التقصير في ~~شكرها فإذا سلب العبد الحياء المكتسب والغريزي لم يبق له ما يمنعه من ~~ارتكاب القبيح والأخلاق الدنيئة فصار كأنه لا إيمان له وقد روي من مراسيل ~~الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحياء حياءان طرف من الإيمان ~~والآخر عجز ولعله من كلام الحسن كذلك قال بشير بن كعب العدوي لعمران بن ~~حصين إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقارا لله ومنه ضعف فغضب عمران ~~وقال أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه والأمر كما قاله ~~عمران رضي الله عنه فإن الحياء الممدوح في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما يريد به الخلق الذي يحث عل فعل الجميل وترك القبيح فأما الضعف والعجز ~~الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده فليس هو من الحياء ~~فإنما هو ضعف ms276 وخور وعجز ومهانة و الله أعلم والقول الثاني في معنى قوله إذا ~~لم تستح فاصنع ما شئت أنه أمر بفعل ما يشاء على ظاهر أمره وأن المعنى إذا ~~كان الذي يريد فعله مما لا يستحي من فعله لا من الله ولا من الناس لكونه من ~~أفعال الطاعات أو من جميل الأخلاق والآداب المستحسنة فاصنع منه حينئذ ما ~~شئت وهذا قول جماعة من الأئمة منهم إسحاق المروزي الشافعي وحكى مثله عن ~~الإمام أحمد ووقع كذلك في بعض نسخ مسائل أبي داود المختصرة عنه والذي في ~~النسخ المعتمدة التامة كما حكيناه عنه من قبل وكذلك رواه عنه الخلال في ~~كتاب الأدب ومن هذا قول بعض السلف وقد سئل عن المروءة فقال أن لا تعمل في ~~السر شيئا تستحي منه في العلانية وسيأتي قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس في موضعه من هذا الكتاب إن ~~شاء الله تعالى وروي عبدالرازق في كتابه عن معمر عن أبي إسحاق عن رجل من ~~مزينة قال قيل يا رسول الله ما أفضل ما أوتي الرجل المسلم قال الخلق الحسن ~~قال فما شر ما أوتي الرجل المسلم قال إذا كرهت أن يرى عليك شيء في نادى ~~القوم فلا تفعله إذا خلوت وفي صحيح ابن حبان عن أسامة بن شريك قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما كره منك شيء فلا تفعله إذا خلوت PageV01P201 ~~وخرج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري قال قلت يا رسول الله ما تمام البر ~~قال أن تعمل في السر عمل العلانية وخرجه أيضا من حديث أبي عامر السكوني قال ~~قلت يا رسول الله فذكره وروى عبدالغني ابن سعيد الحافظ في كتاب أدب المحدث ~~بإسناده عن حرملة بن عبدالله قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأزداد من ~~العلم فقمت بين يديه فقلت يا رسول الله ما تأمرني أن أعمل به قال ائت ~~المعروف واجتنب المنكر وانظر الذي سمعته أذنك من الخير الذي ms277 يقوله القوم لك ~~إذا قمت من عندهم فأته وانظر الذي تكره أن يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم ~~فاجتنبه قال فنظرت فإذا هما أمران لم يتركا شيئا إتيان المعروف واجتناب ~~المنكر وخرج ابن سعد في طبقاته بمعناه وحكى أبو عبيد في معنى الحديث قولا ~~آخر حكاه عن جرير قال معناه أن يريد الرجل أن يعمل الخير فيدعه حياء من ~~الناس كأنه يخاف الرياء يقول فلا يمنعك الحياء من المضي لما أردت كما جاء ~~في الحديث إذا جاءك الشيطان وأنت تصلي فقال إنك ترى فزدها طولا ثم قال أبو ~~عبيد وهذا الحديث ليس يجيء سياقه ولا لفظه على هذا التفسير ولا على هذا ~~يحملها الناس قلت لو كان على ما قاله جرير لكان لفظ الحديث إذا استحييت مما ~~لا يستحيا منه فافعل ما شئت ولا يخفى بعد هذا من لفظ الحديث ومعناه والله ~~أعلم الحديث الحادي والعشرون عن أبي عمرو وقيل أبي عمرة سفيان بن عبدالله ~~رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا ~~غيرك قال قل آمنت بالله ثم استقم رواه مسلم PageV01P202 هذا الحديث خرجه ~~مسلم من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن سفيان وسفيان هو ابن عبدالله الثقفي ~~الطائفي له صحبة وكان عاملا لعمر بن الخطاب على الطائف وقد روي عن سفيان بن ~~عبدالله من وجوه أخر بزيادات فخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من ~~رواية الزهري عن محمد بن عبدالرحمن بن ماعز وعند الترمذي من رواية ~~عبدالرحمن بن ماعز عن سفيان بن عبدالله قال قلت يا رسول الله حدثني بأمر ~~أعتصم به قال قل ربي الله ثم استقم قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف على ~~فأخذ بلسان نفسه قال هذا وقال الترمذي حسن صحيح وخرجه الإمام أحمد والنسائي ~~من رواية عبدالله بن سفيان الثقفي عن أبيه أن رجلا قال يا رسول الله مرني ~~بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك قال قل آمنت بالله ms278 ثم استقم قلت فما ~~أتقي فأومأ إلى لسانه وقال سفيان بن عبدالله للنبي صلى الله عليه وسلم قل ~~لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحد بعدك طلب منه أن يعلمه كلاما جامعا ~~لأمر الإسلام كافيا حتى لا يحتاج بعده إلى غيره فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم قل آمنت بالله ثم استقم وفي الرواية الأخرى قل ربي الله ثم استقم ~~هذا منتزع من قوله عز وجل إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل ~~عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ~~فصلت وقوله عز وجل إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون الاحقاف ~~وخرج النسائي في تفسيره من رواية سهيل بن أبي حزم PageV01P203 حدثنا ثابت ~~عن أنس فقال قد قالها الناس ثم كفروا أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فمن مات عليها فهو من أهل الاستقامة ~~وخرجه الترمذي ولفظه فقال قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم فمن مات عليها فهو ~~ممن استقام وقال حسن غريب وسهيل تكلم فيه من قبل حفظه وقال أبو بكر الصديق ~~في تفسيره ثم استقاموا قال لم يشركوا بالله شيئا وعنه قال لم يلتفتوا إلى ~~إله غيره وعنه قال ثم استقاموا على أن الله ربهم وعن ابن عباس بإسناد ضعيف ~~قال نص آية في كتاب الله قالوا ربنا الله ثم استقاموا على شهادة أن لا إله ~~إلا الله وروى نحوه عن أنس ومجاهد والأسود بن هلال وزيد بن أسلم والسدي ~~وعكرمة وغيرهم وروي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فصلت فقال لم يروغوا روغان الثعلب وروي ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا فصلت قال استقاموا على أداء فرائضه وعن أبي العالية قال ثم أخلصوا ms279 ~~له الدين والعمل وعن قتادة قال استقاموا على طاعة الله وكان الحسن إذا قرأ ~~هذه الآية قال اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة ولعل من قال أن المراد ~~الاستقامة على التوحيد إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرم صاحبه على النار ~~وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله فإن الإله هو المعبود الذي يطاع فلا يعصي ~~خشية وإجلالا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلا ودعاء والمعاصي قادحة كلها في هذا ~~التوحيد لأنها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان قال الله عز وجل أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه الجاثية قال الحسن وغيره هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه هذا ~~ينافي الاستقامة على التوحيد وأما على رواية من روى قل آمنت بالله فالمعنى ~~أظهر لأن الإيمان يدخل فيه الأعمال الصالحة عند السلف ومن تابعهم من أهل ~~الحديث وقال الله عز وجل فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما ~~تعملون بصير هود فأمره أن يستقيم ومن تاب معه وأن لا يجاوزوا ما أمروا به ~~وهو الطغيان وأخبر أنه بصير بأعمالكم مطلع عليها قال تعالى فلذلك فادع ~~واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم الشورى وقال قتادة أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم أن يستقيم على أمر الله وقال الثوري على القرآن وعن الحسن قال ~~لما نزلت هذه الآية شمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رؤي ضاحكا خرجه ~~ابن أبي حاتم وذكر القشيري عن بعضهم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المنام فقال له يا رسول الله قلت شيبتني هود وأخواتها فما شيبك منها قال ~~قوله فاستقم كما أمرت هود وقال عز وجل قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما ~~إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه فصلت وقد أمر الله تعالى بإقامة ~~الدين عموما كما قال شرع لكم في الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى PageV01P204 أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الشورى وأمر بإقامة الصلاة في غير ms280 ~~موضع من كتابه كما أمر بالاستقامة على التوحيد في نيتك الآيتين والاستقامة ~~في سلوك الصراط المستقيم وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة ~~ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة وترك المنهيات كلها كذلك ~~فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها وفي قوله عز وجل فاستقيموا إليه ~~واستغفروه فصلت إشارة إلى أنه لا بد من تقصير في الاستقامة المأمور بها ~~فيجير ذلك الاستغفار المقتضي للتوبة والرجوع إلى الاستقامة فهو كقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لمعاذ اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها ~~وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس لن يستطيعوا الاستقامة حق ~~الاستقامة كما خرجه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ثوبان عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال استقيموا ولن تحصوا وأعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ ~~على الوضوء إلا مؤمن وفي رواية الإمام أحمد رحمه الله سددوا وقاربوا ولا ~~يحافظ على الصلاة إلا مؤمن وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال سددوا وقاربوا فالسداد هو حقيقة الاستقامة ~~وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد كالذي يرمي إلى غرض فيصيبه ~~وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يسأل الله عز وجل السداد والهدى ~~وقال له اذكر بالسداد تسديدك السهم وبالهدى هدايتك الطريق والمقاربة أن ~~يصيب ما قرب من الغرض إذا لم يصب الغرض نفسه ولكن بشرط أن يكون مصمما على ~~قصد السداد وإصابة الغرض فتكون مقاربته عن غير عمد ويدل عليه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حديث الحكم ابن حزم الكلبي أيها الناس إنكم لن تعملوا ~~ولن تطيقوا كل ما أمرتكم ولكن سددوا وأبشروا والمعني اقصدوا التسديد ~~والإصابة والاستقامة فإنهم لو سددوا في العمل كله لكانوا قد قعلوا ما أمروا ~~به كله فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد كما فسر أبو بكر الصديق ~~وغيره قوله إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فصلت بأنهم لم يلتفتوا ~~إلى غيره ms281 فمتى استقام القلب على معرفة الله وعلى خشيته وإجلاله ومهابته ~~ومحبته وإرادته ورجائه ودعائه والتوكل عليه والإعراض عما سواه استقامت ~~الجوارح كلها على طاعته فإن القلب هو ملك الأعضاء وهي جنوده فإذا استقام ~~الملك استقامت جنوده ورعاياه وكذلك فسر قوله تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا ~~الروم بإخلاص القصد لله وإرادته لا شريك له وأعظم ما يراعي استقامته بعد ~~القلب من الجوارح اللسان فإنه ترجمان القلب والمعبر عنه ولهذا لما أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة وصاه بعد ذلك بحفظ لسانه ففي مسند ~~الإمام أحمد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يستقيم إيمان عبد ~~حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه وفي رواية الترمذي عن ~~أبي سعيد مرفوعا وموقوفا إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها نفكر اللسان ~~فتقول اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا ~~الحديث الثاني والعشرون عن أبي عبدالله جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله ~~عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت إذا صليت ~~المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئا ~~أدخل الجنة قال نعم رواه مسلم ومعنى حرمت الحرام اجتنبته ومعنى أحللت ~~الحلال فعلته معتقدا حله PageV01P205 هذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي ~~الزبير عن جابر وزاد في آخره قال والله لا أزيد عن ذلك شيئا وخرجه أيضا من ~~رواية الأعمش عن أبي صالح وأبي سفيان عن جابر قال قال النعمان بن قوقل يا ~~رسول الله أرأيت إذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال ولم أزد على ~~ذلك شيئا أدخل الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم وقد فسر بعضهم تحليل ~~الحلال باعتقاد حله وتحريم الحرام باعتقاد حرمته مع اجتنابه ويحتمل أن يراد ~~بتحليل الحلال إتيانه ويكون الحلال ههنا عبارة عما ليس بحرام فدخل فيه ~~الواجب والمستحب والمباح ويكون المعنى أنه يفعل ما ليس بمحرم عليه ولا ~~يتعدى ما أبيح له إلى غيره ويجتنب ms282 المحرمات وقد روي عن طائفة من السلف منهم ~~ابن مسعود وابن عباس في قوله عز وجل الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ~~أولئك يؤمنون به البقرة يقالوا يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن ~~مواضعه والمراد بالتحريم والتحليل فعل الحلال واجتناب الحرام كما ذكر في ~~هذا الحديث وقد قال الله تعالى في حق الكفار الذين كانوا يغيرون تحريم ~~الشهور الحرم إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله التوبة والمراد أنهم كانوا يقاتلون ~~في الشهر الحرام عاما فيحلونه بذلك ويمتنعون من القتال فيه عاما فيحرمونه ~~بذلك وقال الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات PageV01P206 ما ~~أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين المائدة وهذه الآية نزلت ~~بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زهدا في الدينا وتقشفا وبعضهم حرم ~~ذلك على نفسه إما بيمين حلف بها أو بتحريمه على نفسه وذلك كله لا يوجب ~~تحريمه في نفس الأمر وبعضهم امتنع عنه من غير يمين ولا تحريم فسمى الجميع ~~تحريما حيث قصد الامتناع منه إضرارا بالنفس وكفا لها عن شهواتها ويقال في ~~الأمثال فلان لا يحلل ولا يحرم إذا كان لا يمتنع من فعل حرام ولا يقف عند ~~ما أبيح له وإن كان يعتقد تحريم الحرام فيجعلون من فعل الحرام ولا يتحاشى ~~منه محللا وإن كان لا يعتقد حله وبكل حال فهذا الحديث يدل على أن من قام ~~بالواجبات وانتهى عن المحرمات دخل الجنة وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بهذا المعنى أو ما هو قريب منه كما خرج النسائي وابن حبان ~~والحاكم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما ~~من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع ~~إلا فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء ثم تلا إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ms283 وخرج الإمام أحمد ~~والنسائي من حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من ~~عبد عبدالله لا يشرك به شيئا وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان واجتنب ~~الكبائر فله الجنة أو دخل الجنة وفي المسند عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~ضمام بن ثعلبة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له الصلوات الخمس ~~والصيام والزكاة والحج وشرائع الإسلام كلها فلما فرغ قال أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه لا ~~أزيد ولا أنقص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صدق دخل الجنة وخرجه ~~الطبراني من وجه آخر وفي حديثه قال والخامسة لا أرب لي فيها يعني الفواحش ~~ثم قال لأعملن بها ومن أطاعني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن صدق ~~ليدخلن الجنة وفي صحيح البخاري عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلا ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرني بعمل يدخلني الجنة قال تعبد الله لا ~~تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم وخرجه مسلم إلا أن عنده ~~أنه قال أخبرني بعمل يدنيني من الجنة ويباعدني من النار وعنده في رواية ~~فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تمسك بما أمر به دخل الجنة ~~وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا قال يا رسول الله دلني ~~على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة ~~المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان قال والذي بعثك بالحق لا أزيد ~~على هذا شيئا أبدا ولا أنقص منه فلما ولي قال النبي صلى الله عليه وسلم من ~~سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا وفي الصحيحين عن طلحة بن ~~عبيد الله رضي الله عنه أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثائر الرأس فقال يا رسول الله أخبرني ماذا فرض ms284 الله علي PageV01P207 من ~~الصلاة فقال الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا فقال أخبرني بما فرض الله على ~~من الصيام فقال شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا فقال أخبرني بما فرض الله على ~~من الزكاة فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام فقال والذي ~~أكرمك بالحق لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله على شيئا فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق ولفظه للبخاري وفي ~~صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكره بمعناه وزاد فيه حج البيت من استطاع إليه سبيلا فقال والذي بعثك ~~بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم لئن صدق ~~ليدخلن الجنة ومراد الأعرابي أنه لا يزيد على الصلاة المكتوبة والزكاة ~~المفروضة وصيام رمضان وحج البيت شيئا من التطوع ليس مراده أنه لا يعمل بشيء ~~من شرائع الإسلام وواجباته غير ذلك وهذه الأحاديث لم يذكر فيها اجتناب ~~المحرمات لأن السائل إنما سأله عن الأعمال التي يدخل بها عاملها الجنة وخرج ~~الترمذي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يخطب في حجة الوداع يقول أيها الناس اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا ~~شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا إذا أمركم تدخلوا جنة ربكم وقال حسن صحيح ~~وخرجه الإمام أحمد وعنده اعبدوا ربكم بدل قوله اتقوا الله وخرجه بقي بن ~~مخلد في مسنده من وجه آخر ولفظ حديثه صلوا خمسكم وصوموا شهركم وحجوا بيتكم ~~وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم تدخلوا جنة ربكم وخرج الإمام أحمد ~~بإسناده عن ابن المنتفق قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعرفات فقلت ~~ثنتان أسألك عنهما ما ينجيني من النار وما يدخلني الجنة فقال لئن كنت أوجزت ~~في المسألة لقد أعظمت وأطولت فاعقل عني إذن اعبد الله لا تشرك به شيئا وأقم ~~الصلاة المكتوبة وأد الزكاة المفروضة وصم رمضان وما تحب ms285 أن يفعله الناس بك ~~فافعله بهم وما تكره أن يؤتى إليك فذر الناس منه وفي رواية له أيضا قال اتق ~~الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان ~~ولم يزد على ذلك وقيل إن هذا الصحابي هو واقد بن المنتفق واسمه لقيط فهذه ~~الأعمال أسباب مقتضية لدخول الجنة وقد يكون ارتكاب المحرمات موانع ويدل على ~~هذا ما خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن مرة الجهني قال جاء رجل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك ~~رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من مات على هذا كان مع النبيين والصديقيين والشهداء يوم ~~القيامة هكذا ونصب أصبعيه ما لم يعق والديه وقد ورد ترتب دخول الجنة على ~~فعل بعض هذه الأعمال كالصلاة ففي الحديث المشهور من صلى الصلوات لوقتها كان ~~له عند الله عهد أن يدخله الجنة وفي الحديث الصحيح من صلى البردين دخل ~~الجنة وهذا كله من ذكر السبب المقتضي الذي لا يعمل عليه إلا باستجماع شروطه ~~وانتفاء موانعه PageV01P208 ويدل هذا على ما خرجه الإمام أحمد عن بشير بن ~~الخصاصية قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبايعه فشرط على شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن أقيم الصلاة وأؤدي الزكاة وأن أحج ~~حجة الإسلام وأن أصوم رمضان وأن أجاهد في سبيل الله فقلت يا رسول الله فأما ~~اثنتان فوالله ما أطيقهما الجهاد والصدقة فقبض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يده ثم حركها فقال فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة قلت إذا يا رسول ~~الله أبايعك فبايعته عليهن كلهن ففي هذا الحديث أنه لا يكفي في دخول الجنة ~~هذه الخصال بدون الجهاد والزكاة وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ارتكاب بعض ~~الكبائر يمنع دخول الجنة كقوله لا يدخل الجنة قاطع وقوله لا يدخل الجنة من ~~في قلبه ms286 مثقال ذرة من كبر وقوله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى ~~تحابوا والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنة بالدين حتى يقضي وفي الصحيح ~~أن المؤمنين إذا جازوا على الصراط حبسوا على قنطرة يقتص منهم مظالم بينهم ~~كانت في الدنيا وقال بعض السلف إن الرجل ليحبس على باب الجنة مائة عام ~~بالذنب كان يعمله في الدنيا فهذه كلها موانع ومن هنا يظهر معنى الأحاديث ~~التي جاءت في ترتب دخول الجنة على مجرد التوحيد ففي الصحيحين عن أبي ذر رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من عبد قال لا إله إلا الله ~~ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق ~~قالها ثلاثا ثم قال في الرابعة على رغم أنف أبي ذر فخرج أبو ذر يقول وإن ~~رغم أنف أبي ذر وفيهما عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى ~~عبدالله ورسوله وكلمة ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق ~~أدخله الله الجنة على ما كان من العمل وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أو أبي ~~سعيد بالشك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فتحجب عنه الجنة وفيه ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يوما من ~~لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة وفي المعنى ~~أحاديث كثيرة جدا وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما لمعاذ ~~ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله ~~على النار وفيهما عن عتبان بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ~~الله ms287 قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله وقال ~~طائفة من العلماء إن كلمة التوحيد سبب مقتض لدخول الجنة والنجاة من النار ~~لكن له شروط وهي الإتيان بالفرائض وموانع وهي اجتناب الكبائر قال الحسن ~~للفرزدق إن للاإله إلا الله شروطا فإياك وقذف المحصنة وروي عنه أنه قال هذا ~~العمود فأين الطنب يعني أن كلمة التوحيد عمود الفسطاط ولكن لا يثبت الفسطاط ~~بدون أطنابه وهي فعل الواجبات وترك المحرمات قيل للحسن إن ناسا يقولون ~~PageV01P209 من قال لا إله إلا الله دخل الجنة فقال من قال لا إله إلا الله ~~فأدى حقها وفرضها دخل الجنة وقيل لوهب بن منبه أليس لا إله إلا الله مفتاح ~~الجنة قال بلى ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح ~~لك وإلا لم يفتح لك ويشبه ما روي عن ابن عمر أنه سئل عن لا إله إلا الله هل ~~يضر معها عمل كما لا ينفع مع تركها عمل فقال ابن عمر اعمل ولا تغتر وقالت ~~طائفة منهم الضحاك والزهري كان هذا قبل الفرائض والحدود فمن هؤلاء من أشار ~~إلى أنها نسخت ومنهم من قال بل ضم إليها شروط زيدت عليها وزيادة الشروط هل ~~هي نسخ أم لا فيه خلاف مشهور بين الأصوليين وفي هذا كله نظر فإن كثيرا من ~~هذه الأحاديث متأخر بعد الفرائض والحدود وقال الثوري نسختها الفرائض ~~والحدود فيحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء ويحتمل أن يكون مراده أن وجوب ~~الفرائض والحدود تبين بها أن عقوبات الدنيا لا تسقط بمجرد الشهادتين فكذلك ~~عقوبات الآخرة ومثل هذا البيان وإزالة الإيهام كان السلف يسمونه نسخا وليس ~~هو نسخا في الاصطلاح المشهور وقالت طائفة هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة ~~بأن يقولها بصدق وإخلاص وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار على معصيته وجاء من ~~مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله مخلصا ~~دخل الجنة قيل وما إخلاصها قال أن تحجزك عما ms288 حرم الله وروي ذلك مسندا من ~~وجوه أخر ضعيفة ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبل إلى هنا فإن ~~تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ ~~فيه تأله الله وحده إجلالا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاء وتعظيما وتوكلا ~~ويمتليء بذلك وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين ومتى كان كذلك لم يبق ~~فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه وينتفي بذلك من ~~القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها وسواس الشيطان فمن أحب شيئا أو أطاعه ~~وأحب عليه وأبغض عليه فهو إلهه فمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله ولا يوالي ~~ولا يعادي إلا لله فالله إلهه حقا ومن أحب لهواه وأبغض له ووالى عليه وعادى ~~عليه فإلهه هواه كما قال تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه قال الحسن هو الذي ~~لا يهوى شيئا إلا ركبه وقال قتادة هو الذي كلما هوى شيئا ركبه وكلما اشتهى ~~شيئا أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوي ويروى من حديث أبي أمامة مرفوعا ما ~~تحت ظل السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع وكذلك من أطاع الشيطان ~~في معصية الله فقد عبده كما قال الله عز وجل ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن ~~لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين يس فتبين بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى ~~قول لا إله إلا الله إلا لمن لم يكن في قلبه إصرار على محبة ما يكرهه الله ~~ولا على إرادة ما لا يريده الله ومتى كان في القلب شيء من ذلك كان ذلك نقصا ~~في التوحيد وهو نوع من الشرك الخفي ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى لا ~~تشركوا به شيئا قال لا تحبوا غيري وفي صحيح الحاكم عن عائشة رضي الله عنها ~~PageV01P210 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشرك أخفى من دبيب الذر على ~~الصفا في الليلة الظلماء وأدناه على أن تحب على شيء من الجور وتبغض ms289 على شيء ~~من العدل وهل الدين إلا الحب والبغض قال الله عز وجل قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله وهذا نص في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه ~~متابعة للهوى والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي وخرج ابن ~~أبي الدنيا من حديث أنس مرفوعا لا تزال لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط ~~الله ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ~~ثم قالوا لا إله إلا الله ردها الله عليهم وقال الله كذبتم فتبين بهذا ~~المعنى قوله صلى الله عليه وسلم من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه ~~حرمه الله على النار وإن من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في ~~قولها فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله فمن صدق في ~~قول لا إله إلا الله لم يحب سواه ولم يرج إلا إياه ولم يخش إلا الله ولم ~~يتوكل إلا على الله ولم يبق له بقية من إيثار نفسه وهواه ومتى بقي في القلب ~~أثر لسوي الله فمن قلة الصدق في قولها نار جهنم تطفأ بنور إيمان الموحدين ~~كما في الحديث المشهور تقول النار للمؤمن جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي ~~وفي مسند الإمام أحمد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يبقى بر ~~ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم ~~حتى أن للنار ضجيجا من بردهم فهذا ميراث ورثة المؤمنين من حال إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام فنار المحبة في قلوب المؤمنين تخاف منها نار جهنم قال ~~الجنيد رحمه الله قالت النار يا رب لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء هو أشد ~~مني قال نعم كنت أسلط عليك ناري الكبرى قالت وهل نار أعظم مني وأشد قال نعم ~~نار محبتي أسكنتها قلوب أوليائي المؤمنين وفي هذا يقول بعضهم ففي فؤاد ~~المحب نار الهوى أحر نار ms290 الجحيم أبردها ويشهد لهذا المعنى حديث معاذ عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ~~فإن المحتضر لا يكاد يقولها إلا بإخلاص وتوبة وندم على ما مضى وعزم على أن ~~لا يعود لمثله ورجح هذا القول الخطابي في مصنف له في التوحيد وهو حسن ~~الحديث الثالث والعشرون عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ ~~الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض ~~والصلاة نور والصدقة بزهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أوحجة عليك كل الناس ~~يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها رواه مسلم PageV01P211 هذا الحديث أخرجه ~~مسلم من رواية يحيى بن أبي كثير أن زيد بن سلام حدثه أن سلاما حدثه عن أبي ~~مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفي أكثر ~~نسخ مسلم والصبر ضياء وفي بعضها والصيام ضياء وقد اختلف في سماع يحيى بن ~~أبي كثير من زيد بن سلام فأنكره يحيى بن معين وأثبته الإمام أحمد وفي هذه ~~الرواية التصريح بسماعه منه وخرج هذا الحديث النسائي وابن ماجه من رواية ~~معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام عن جده أبي سلام عن عبدالرحمن بن غنم ~~عن أبي مالك فزاد في إسناده عبدالرحمن بن غنم ورجح هذه الرواية بعض الحفاظ ~~وقال معاوية بن سلام أعلم بحديث أخيه زيد من يحيى بن أبي كثير ويقول ذلك ~~أنه قد روي عن عبدالرحمن بن غنم عن أبي مالك من وجه آخر وحينئذ فتكون رواية ~~منقطعة وفي حديث معاوية بعض المخالفة لحديث يحيى بن أبي كثير فإنه لفظ ~~حديثه عند ابن ماجه إسباغ الوضوء شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان ~~والتسبيح والتكبير تملآن السماء والأرض والصلاة نور والزكاة برهان والصبر ~~ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ~~وخرج الترمذي ms291 PageV01P212 حديث يحيى بن أبي كثير الذي خرجه مسلم فلفظ حديثه ~~الوضوء شطر الإيمان وباقي حديثه مثل سياق مسلم الذي خرجه الإمام أحمد ~~والترمذي من حديث رجل من بني سليم قال عدهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في يدي أو في يده التسبيح نصف الميزان والحمد لله تملؤه والتكبير تملأ ما ~~بين السماء والأرض والصوم نصف الصبر و الطهور نصف الإيمان وقوله صلى الله ~~عليه وسلم الطهور شطر الإيمان فسر بعضهم الطهور ها هنا بترك الذنوب كما في ~~قوله تعالى إنهم أناس يتطهرون وقوله وثيابك فطهر المدثر وقوله إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين البقرة وقال الإيمان نوعان فعل وترك فنصفه فعل ~~المأمورات ونصفه ترك المحظورات وهو تطهير النفس بترك المعاصي وهذا القول ~~محتمل لولا أن رواية الوضوء شطر الإيمان ترده وكذلك رواية إسباغ الوضوء ~~وأيضا ففيه نظر من جهة المعنى فإن كثيرا من الأعمال تطهر النفس من الذنوب ~~السابقة كالصلاة فكيف لا تدخل في اسم الطهور ومتى دخلت الأعمال أو بعضها في ~~اسم الطهور لم يتحقق كون ترك الذنوب شطر الإيمان والصحيح الذي عليه ~~الأكثرون أن المراد بالطهور ها هنا التطهير بالماء من الإحداث وكذلك بدأ ~~مسلم بتخريجه في أبواب الوضوء وكذلك خرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما وعلى ~~هذا فاختلف الناس في معنى كون الطهور بالماء شطر الإيمان فمنهم من قال ~~المراد بالشطر الجزء لا أنه النصف بعينه فيكون الطهور جزءا من الإيمان وهذا ~~فيه ضعف لأن الشطر إنما يعرف استعماله لغة في النصف ولأن في حديث الرجل من ~~سليم الطهور نصف الإيمان كما سبق ومنهم من قال المعنى أنه يضاعف ثواب ~~الوضوء إلى نصف ثواب الإيمان لكن من غير تضعيف وفي هذا نظر وبعد ومنهم من ~~قال الإيمان يكفر الكبائر كلها والوضوء يكفر الصغائر فهو شطر الإيمان بهذا ~~الاعتبار وهذا يرده حديث من أساء في الإسلام أخذ بما عمل في الجاهلية وقد ~~سبق ذكره منهم من قال الوضوء يكفر الذنوب مع الإيمان فصار نصف الإيمان وهذا ~~ضعيف ومنهم ms292 من قال المراد بالإيمان ها هنا الصلاة كما في قوله عز وجل وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم البقرة والمراد صلاتكم إلى بيت المقدس فإذا كان ~~المراد بالإيمان الصلاة فالصلاة لا تقبل إلا بطهور فصار الطهور شطر الإيمان ~~بهذا الاعتبار حكى هذا التفسير محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن ~~إسحاق بن راهوية عن يحيى بن آدم وأنه قال في معنى قولهم لا أدري نصف العلم ~~إنما هو أدري ولا أدري فأحدهما نصف الآخر قلت كل شيء كان تحته نوعان ~~فأحدهما نصف له وسواء كان عدد النوعين على السواء أو أحدهما أزيد من الآخر ~~ويدل على هذا حديث قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين والمراد قراءة الصلاة ~~ولهذا فسرها بالفاتحة والمراد أنها مقسومة للعبادة والمسئلة فالعبادة حق ~~الرب والمسئلة حق العبد وليس المراد قسمة كلماتها على السواء وقد ذكر هذا ~~الخطابي واستشهد بقول العرب نصف السنة PageV01P213 سفر ونصفها حضر قال وليس ~~على تساوي الزمانين فيهما لكن على انقسام الزمانين هنا وإن تفاونت مدتاهما ~~ويقول شريح وقد قيل كيف أصبحت قال أصبحت ونصف الناس على غضبان يريد أن ~~الناس بين محكوم له ومحكوم عليه فالمحكوم عليه غضبان عليه والمحكوم له راض ~~عنه فهما حزبان مختلفان ويقول الشاعر إذا مت كان الناس نصفين شامت بموتي ~~ومثن الذي كنت أفعل ومراده أنهم ينقسمون قسمين قلت ومن هذا المعنى حديث أبي ~~هريرة المرفوع في الفرائض أنها نصف العلم أخرجه ابن ماجه فإن أحكام ~~المكلفين نوعان نوع يتعلق بالحياة ونوع يتعلق بما بعد الموت وهذا هو ~~الفرائض وقال ابن مسعود الفرائض ثلث العلم ووجه ذلك الحديث الذي خرجه أبو ~~داود وابن ماجه من حديث عبدالله بن عمرو مرفوعا العلم ثلاثة وما سوى ذلك ~~فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة وروي عن مجاهد أنه قال ~~المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء ولعله أراد أن الوضوء قسمان أحدهما مذكور في ~~القرآن والثاني مأخوذ من السنة وهو المضمضة والاستنشاق وأراد أن المضمضة ~~والاستنشاق يطهران باطن الجسد ms293 وغسل سائر الأعضاء يطهر ظاهره فهما نصفان ~~بهذا الاعتبار ومنه قول ابن مسعود الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله ~~وجاء من رواية يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا الإيمان نصفان نصف في الصبر ونصف ~~في الشكر فلما كان الإيمان يشمل فعل الواجبات وترك المحرمات ولا ينال ذلك ~~كله إلا بالصبر كان الصبر نصف الإيمان فهكذا يقال في الوضوء إنه نصف الصلاة ~~وأيضا فالصلاة تكفر الذنوب والخطايا بشرط إسباغ الوضوء وإحسانه فصار شطر ~~الصلاة بهذا الاعتبار أيضا كما في صحيح مسلم عن عثمان رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مؤمن مسلم يتطهر فيتم الطهور الذي كتب ~~عليه فيصلي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارة لما بينهن وفي رواية له من ~~أتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات المكتوبة كفارات لما بينهن وأيضا ~~فالصلاة مفتاح الجنة والوضوء مفتاح الصلاة كما خرجه الإمام أحمد والترمذي ~~من حديث جابر مرفوعا وكل من الصلاة والوضوء موجب لفتح أبواب الجنة كما في ~~صحيح مسلم عن عقبة بن عامر سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما من مسلم ~~يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت ~~له الجنة وعن عقبة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما منكم من أحد ~~يتوضأ فيبلغ أو يسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء وفي ~~الصحيحين عن عبادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال ~~أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى ~~عبدالله وابن أمته وكلمته PageV01P214 ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة ~~حق والنار حق أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء فإذا كان الوضوء ~~مع الشهادتين موجبا لفتح أبواب الجنة صار الوضوء نصف الإيمان بالله ورسوله ~~بهذا الاعتبار وأيضا فالوضوء من خصال الإيمان ms294 الخفية التي لا يحافظ عليها ~~إلا مؤمن كما في حديث ثوبان وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحافظ ~~على الوضوء إلا مؤمن والغسل من الجنابة قد ورد أنه أداء الأمانة كما خرجه ~~العقيلي من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~خمس من جاء بهن مع الإيمان دخل الجنة من حافظ على الصلوات الخمس طيب النفس ~~على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها ~~قال وكان يقول وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن وصام رمضان وحج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا وأدى الأمانة قالوا يا أبا ذر وما أداء الأمانة قال ~~الغسل من الجنابة فإن الله لم يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها وخرج ~~ابن ماجه من حديث أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصلوات الخمس ~~والجمعة إلى الجمعة وأداء الأمانة كفارة لما بينهن قيل وما أداء الأمانة ~~قال الغسل من الجنابة فإن تحت كل شعرة جنابة وحديث أبي الدرداء الذي قبله ~~جعل فيه الوضوء من أجزاء الصلاة وجاء في حديث أخرجه البزار من رواية شبابة ~~بن سوار حدثنا مغيرة بن مسلم عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا ~~الصلاة ثلاثة أثلاث الطهور ثلث والركوع ثلث والسجود ثلث فمن أداها بحقها ~~قبلت منه وقبل منه سائر عمله ومن ردت عليه صلاته رد عليه سائر عمله وقال ~~تفرد به المغيرة والمحفوظ عن أبي صالح عن كعب من قوله فعلى هذا القسم ~~الوضوء ثلث الصلاة إلا أن يجعل الركوع والسجود كالشيء الواحد لتقاربهما في ~~الصورة فيكون الوضوء نصف الصلاة أيضا ويحتمل أن يقال خصال الإيمان من ~~الأعمال والأقوال كلها تطهر القلب وتزكيه وأما الطهارة بالماء فهي تختص ~~بتطهير الجسد وتنظيفه فصارت خصال الإيمان قسمين أحدهما يطهر الظاهر والآخر ~~يطهر الباطن فهما نصفان بهذا الاعتبار والله أعلم بمراده ومراد رسوله في ~~ذلك كله وقوله صلى الله عليه وسلم والحمد لله تملأ الميزان وسبحان ms295 الله ~~والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض فهذا شك من الراوي في لفظه ~~وفي رواية مسلم والنسائي وابن ماجه والتسبيح والتكبير ملء السماء والأرض ~~وفي حديث الرجل من بني سليم التسبيح نصف الميزان والحمد لله تملؤه والتكبير ~~يملأ ما بين السماء والأرض وخرج الترمذي من حديث الأفريقي عن عبدالله بن ~~يزيد عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال التسبيح نصف ~~الميزان والحمد لله تملؤه ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تصل ~~إليه وقال ليس إسناده بالقوي قلت اختلف في إسناده على الأفريقي فروي عنه عن ~~أبي علقمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه زيادة والله أكبر ~~ملء السموات والأرض وروى جعفر الفريابي في كتاب الذكر وغيره من حديث على ~~رضي الله عنه PageV01P215 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحمد لله ملء ~~الميزان وسبحان الله نصف الميزان ولا إله إلا الله والله أكبر ملء السموات ~~والأرض وما بينهن وخرج الفريابي أيضا من حديث معاذ رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال كلمتان إحداهما من قالها لم يكن له ناهية دون العرش ~~والأخرى تملأ ما بين السماء والأرض لا إله إلا الله والله أكبر فقد تضمنت ~~هذه الأحاديث فضل هذه الكلمات الأربع التي هي أفضل الكلام وهي سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فأما الحمد لله فاتفقت الأحاديث ~~كلها على أنه يملأ الميزان وقد قيل إنه ضرب مثل وأن المعنى لو كان الحمد ~~جسما لملأ الميزان وقيل بل الله عز وجل يمثل أعمال بني آدم وأقوالهم صورا ~~ترى يوم القيامة وتوزن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يأتي القرآن يوم ~~القيامة تقدمه البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير ~~صواف وقال كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان خفيفتان على ~~اللسان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وقال أثقل ما يوضع في الميزان ~~الخلق ms296 الحسن المؤمن يأتيه عمله الصالح في قبره في أحسن صورة والكافر يأتيه ~~عمله في أقبح صورة وروي أن الصلاة والزكاة والصيام وأعمال البر تكون حول ~~الميت في قبره تدافع عنه وأن القرآن يصعد فيشفع له وأما سبحان الله ففي ~~رواية مسلم سبحان الله والحمد لله تملأ أو تملآن ما بين السماء والأرض فشك ~~الراوي في الذي يملأ ما بين السماء والأرض هل هو الكلمتان أو إحداهما وفي ~~رواية النسائي وابن ماجه التسبيح والتكبير ملء السماء والأرض وهذه الرواية ~~أسند وهل المراد أنهما معا يملآن ما بين السماء والأرض أو أن كلا منهما ~~يملأ ذلك هذا محتمل وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه والرجل الآخر أن ~~التكبير وحده يملأ ما بين السماء والأرض وبكل حال فللتسبيح دون التحميد من ~~الفضل كما جاء صريحا في حديث على وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو والرجل من ~~بني سليم رضي الله عنهم أن التسبيح نصف الميزان والحمد لله تملؤه وسبب ذلك ~~أن التحميد إثبات المحامد كلها لله فدخل في ذلك إثبات صفات الكمال ونعوت ~~الجلال كلها والتسبيح هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب والآفات والإثبات ~~أكمل من السلب ولهذا لم يرد التسبيح مجردا لكن مقرونا بما يدل على إثبات ~~الكمال فتارة يقرن بالحمد كقوله سبحان الله وبحمده سبحان الله والحمد لله ~~وتارة باسم من الأسماء الدالة على العظمة والجلال كقوله سبحان الله العظيم ~~فإن كان حديث أبي مالك يدل على أن الذي يملأ ما بين السماء والأرض هو مجموع ~~التسبيح والتكبير فالأمر ظاهر وإن كان المراد أن كلا منهما يملأ ذلك فإن ~~الميزان أوسع مما ما بين السماء والأرض فما يملأ الميزان فهو أكثر مما يملأ ~~ما بين السماء والأرض ويدل عليه أنه صح عن سلمان رضي الله عنه أنه قال يوضع ~~الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعهما فتقول الملائكة يا ~~رب لمن تزن هذا فيقول الله تعالى لمن شئت من PageV01P216 خلقي فتقول ~~الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك وخرجه ms297 الحاكم مرفوعا وصححه ولكن ~~الموقوف هو المشهور وأما التكبير ففي حديث أبي هريرة والرجل من بني سليم ~~أنه وحده يملأ السموات والأرض وما بينهما وفي حديث على أن التكبير مع ~~التهليل يملأ ما بين السماء والأرض وما بينهن وأما التهليل وحده فإنه يصل ~~إلى الله من غير حجاب بينه وبينه وخرج الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصا إلا ~~فتحت له أبواب السماء حتى يفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر وقال أبو أمامة ~~ما من عبد يهلل تهليلة فينهنهها شيء دون العرش وورد أنه لا يعدلها شيء في ~~الميزان في حديث البطاقة المشهور وقد خرجه أحمد والنسائي وفي آخره عند ~~الإمام أحمد ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم وفي المسند عن عبدالله بن ~~عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن نوحا عليه ~~السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات ~~السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت ~~بهن لا إله إلا الله وفيه أيضا عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال إن موسى عليه الصلاة والسلام قال يا رب علمني شيئا ~~أذكرك به وأدعوك به قال يا موسى قل لا إله إلا الله قال كل عبادك يقول هذا ~~إنما أريد شيئا تخصني به قال يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري ~~والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله ~~وقد اختلف أي الكلمتين أفضل أكلمة الحمد أم كلمة التهليل وقد حكى هذا ~~الاختلاف ابن عبدالبر وغيره وقال النخعي كانوا يرون أن الحمد أكثر الكلام ~~تضعيفا وقال الثوري ليس يضاعف من الكلام مثل الحمد والحمد يتضمن إثبات جميع ~~أنواع الكمال لله فيدخل فيه التوحيد وفي مسند الإمام أحمد عن ms298 أبي سعيد وأبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله اصطفى من الكلام أربعا ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فمن قال سبحان الله ~~كتبت له عشرون حسنة وحطت عنه عشرون سيئة ومن قال الله أكبر مثل ذلك ومن قال ~~لا إله إلا الله مثل ذلك ومن قال الحمد لله مثل ذلك ومن قال الحمد لله رب ~~العالمين من قبل نفسه كتبت له ثلاثون حسنة وحطت عن ثلاثون سيئة وقد روي هذا ~~عن كعب من قوله وقيل إنه أصح من المرفوع وقوله صلى الله عليه وسلم والصلاة ~~نور والصدقة برهان والصبر ضياء وفي بعض نسخ صحيح مسلم والصيام ضياء فهذه ~~الأنواع الثلاثة من الأعمال أنوار كلها لكن منها ما يختص بنوع من أنواع ~~النور فالصلاة نور مطلق وروي بإسنادين فيهما نظر عن أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال الصلاة نور المؤمن فهي للمؤمنين في الدنيا نور في قلوبهم ~~وبصائرهم تشرق بها قلوبهم وتستنير بصائرهم ولهذا كانت قرة عين المتقين كما ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول جعلت قرة عيني في الصلاة PageV01P217 ~~خرجه أحمد والنسائي وفي رواية الجائع يشبع والظمآن يروي وأنا لا أشبع من حب ~~الصلاة وفي المسند عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال جبريل للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إن الله قد حبب إليك الصلاة فخذ منها ما شئت وخرج أبو داود ~~من حديث رجل من خزاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا بلال أقم الصلاة ~~وأرحنا بها قال مالك بن دينار قرأت في التوراة يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم ~~بين يدي في صلاتك باكيا أنا الذي اقتربت بقلبك وبالغيب رأيت نوري يعني ما ~~يفتح للمصلي في الصلاة من الرقة والبكاء وخرج الطبراني من حديث عبادة بن ~~الصامت مرفوعا إذا حافظ العبد على صلاته فأقام وضوءها وركوعها وسجودها ~~والقراءة فيها قالت له حفظك الله كما حفظتني وصعد بها إلى السماء ولها نور ~~تنتهي ms299 إلى الله عز وجل فتشفع لصاحبها وهي نور للمؤمنين ولاسيما صلاة الليل ~~كما قال أبو الدرداء صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور وكانت رابعة قد ~~فترت عن وردها بالليل مدة فأتاها آت في منامها فأنشدها صلاتك نور والعباد ~~رقود ونومك ضد للصلاة عنيد وهي في الآخرة نور للمؤمنين في ظلمات القيامة ~~وعلى الصراط فإن الأنوار تقسم لهم على حسب أعمالهم وفي المسند وصحيح ابن ~~حبان عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة فقال ~~من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها ~~لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر من حديث ~~ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم من صلى الصلوات ~~الخمس في جماعة جاز على الصراط كالبرق اللامع في أول زمرة من السابقين وجاء ~~يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر وأما الصدقة فهي برهان والبرهان هو ~~الشعاع الذي يلي وجه الشمس ومنه حديث أبي موسى أن روح المؤمن تخرج من جسده ~~لها برهان كبرهان الشمس ومنه سميت الحجة القاطعة برهانا لوضوح دلاتها على ~~ما دلت عليه فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان وطيب النفس بها علامة على ~~وجود حلاوة الإيمان وطعمه كما في حديث عبدالله بن معاوية العامري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان من عبدالله وحده ~~وأنه لا إله إلا الله وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه وافدة عليه في كل عام ~~وذكر الحديث خرجه أبو داود وقد ذكرنا قريبا حديث أبي الدرداء فيمن أدى زكاة ~~ماله طيبة بها نفسه قال وكان يقول لا يفعل ذلك إلا مؤمن وسبب هذا أن المال ~~تحبه النفوس وتبخل به فإذا سمحت بإخراجه لله عز وجل دل ذلك عل صحة إيمانها ~~بالله ووعده ووعيده ولهذا منعت العرب الزكاة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقاتلهم الصديق على منعها والصلاة أيضا برهان على ms300 صحة الإسلام وخرج الإمام ~~أحمد والترمذي من حديث كعب بن عجزه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصلاة ~~برهان وقد ذكرنا في شرح حديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة PageV01P218 ويؤتوا الزكاة أن ~~الصلاة هي الفارقة بين الكفر والإسلام والإيمان وهي أيضا أول ما يحاسب به ~~المرء يوم القيامة فإن تمت صلاته فقد أفلح وأنجح وقد سبق حديث عبدالله بن ~~عمرو فيمن حافظ عليها أنها تكون له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة وأما ~~الصبر فإنه ضياء والضياء هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق كضياء ~~الشمس بخلاف القمر فإنه نور محض فيه إشراق بغير إحراق قال الله عز وجل هو ~~الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا يونس ومن هنا وصف الله شريعة موسى بأنها ~~ضياء كما قال ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرى للمتقين الأنبياء ~~وإن كان قد ذكر أن في التوراة نورا كما قال إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور لكن الغالب على شريعتهم الضياء لما فيها من الآصار والأغلال والأثقال ~~ووصف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها نور لما فيها من الحنيفية السمحة ~~قال الله تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين المائدة وقال الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون الأعراف ولما كان الصبر ~~شاقا على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها وكفها عما تهواه كان ضياء ~~فإن معنى الصبر في اللغة الحبس ومنه قتل الصبر وهو أن يحبس الرجل حتى يقتل ~~والصبر المحمود أنواع منه صبر على طاعة الله عز وجل ومنه صبر عن معاصي الله ~~عز وجل ومنه صبر على أقدار الله عز وجل والصبر على الطاعات وعن المحرمات ~~أفضل من الصبر على ms301 الأقدار المؤلمة صرح بذلك السلف منهم سعيد بن جبير ~~وميمون بن مهران وغيرهما وقد روي بإسناد ضعيف من حديث على مرفوعا أن الصبر ~~على المعصية يكتب به للعبد ثلاثمائة درجة وأن الصبر على الطاعة تكتب به ~~ستمائة درجة وأن الصبر عن المعاصي يكتب له به تسعمائة درجة وقد خرجه ابن ~~أبي الدنيا وابن جرير الطبري وأفضل أنواع الصبر الصيام فإنه يجمع الصبر على ~~الأنواع الثلاثة لأنه صبر على طاعة الله عز وجل وصبر عن معاصي الله لأن ~~العبد يترك شهواته لله ونفسه قد تنازعه إليها ولهذا جاء في الحديث الصحيح ~~أن الله عز وجل يقول كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ~~لأنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي وفيه أيضا صبر على الأقدار المؤلمة ~~بما قد يحصل للصائم من الجوع والعطش وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمى ~~شهر الصيام شهر الصبر وقد جاء في حديث الرجل من بني سليم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن الصوم نصف الصبر وربما عسر الوقوف على سر كونه نصف الصبر أكثر ~~من عسر الوقوف على سر كون الطهور شطر الإيمان وقوله صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن حجة لك أو حجة عليك قال الله عز وجل وننزل من القرآن ما هو شفاء ~~ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا الإسراء قال بعض السلف ما جالس ~~أحد PageV01P219 القرآن فقام عنه سالما بل إما أن يربح أو أن يخسر ثم تلا ~~هذه الآية وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال يمثل القرآن يوم القيامة رجلا فيؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره ~~فيتمثل له خصما فيقول يا رب حملته إياي فبئس حاملي تعدي حدودي وضيع فرائضي ~~وركب معصيتي وترك طاعتي فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال شأنك به فيأخذه ~~بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار ويؤتى بالرجل الصالح كان قد ~~حمله فيمتثل خصما دونه فيقول يا رب ms302 حملته إياي فخير حامل حفظ حدودي وعمل ~~بفرائضي واجتنب معصيتي واتبع طاعتي فما يزال يقذف له بالحجج حتى يقال شأنك ~~به فيأخذه بيده فما يرسله حتى يلبسه حلة الإستبرق ويعقد عليه تاج الملك ~~ويسقيه كأس الخمر وقال ابن مسعود رضي الله عنه القرآن شافع مشفع وحامل مصدق ~~فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلف ظهره قاده إلى النار وعنه قال ~~يجيء القرآن يوم القيامة فيشفع لصاحبه فيكون قائدا إلى الجنة أو يشهد عليه ~~فيكون سائقا إلى النار وقال أبو موسى الأشعري إن هذا القرآن كائن لكم أجرا ~~وكائن عليكم وزرا فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم القرآن فإنه من اتبع القرآن ~~هبط به على رياض الجنة ومن اتبعه القرآن زج في قفاه فقذفه في النار قوله ~~صلى الله عليه وسلم كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها وخرج ~~الإمام أحمد وابن حبان من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال الناس غاديان فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها وفي رواية أخرى خرجها ~~الطبراني الناس غاديان فبائع نفسه فموبقها وقائد نفسه فمعتقها وقال الله عز ~~وجل ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من ~~دساها الشمس والمعنى قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وخاب من دساها ~~بالمعاصي فالطاعة تزكي النفس وتطهرها فترتفع بها والمعاصي تدسى النفس ~~وتقمعها فتنخفض وتصير كالذي يدس في التراب ودل الحديث على أن كل إنسان إما ~~ساع في هلاك نفسه أو في فكاكها فمن سعى في طاعة الله فقد باع نفسه لله ~~وأعتقها من عذابه ومن سعى في معصية الله تعالى فقد باع نفسه بالهوان ~~وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه قال الله تعالى إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة إلى قوله فاستبشرا ببيعكم الذي ~~بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم التوبة وقال تعالى ومن الناس من يشري نفسه ~~ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد البقرة وقال تعالى قل إن الخاسرين ~~الذين خسروا ms303 أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين الزمر ~~وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين أنزل الله عليه وأنذر عشيرتك الأقربين يا معشر قريش اشتروا أنفسكم ~~من الله لا أغني عنكم من الله شيئا يا بني عبدالمطلب لا أغني عنكم من الله ~~شيئا وفي رواية للبخاري يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله يا بني ~~عبدالمطلب اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم PageV01P220 من الله شيئا يا ~~عمة رسول الله يا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما من الله لا أملك لكما من ~~الله شيئا وفي رواية لمسلم أنه دعا قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال يا بني كعب ~~بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار ~~يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من ~~النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبدالمطلب أنقذوا أنفسكم ~~من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا وخرج ~~الطبراني والخرائطي من حديث ابن عباس مرفوعا من قال إذا أصبح سبحان الله ~~وبحمده ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله وكان من آخر يومه عتيقا من النار ~~وقد اشترى جماعة من السلف أنفسهم من الله عز وجل بأموالهم فمنهم من تصدق ~~بماله كله كحبيب بن أبي محمد ومنهم من تصدق بوزنه فضة ثلاث مرات أو أربعا ~~كخالد بن الطحاوي ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة ويقول إنما أنا ~~أسير أسعى في فكاك رقبتي منهم عمرو بن عتبة وكان بعضهم يسبح كل يوم اثني ~~عشر ألف تسبيحة بقدر ديته كأنه قد قتل نفسه فهو يفتكها بديتها قال الحسن ~~المؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته لا يأمن شيئا حتى يلقى الله ~~عز وجل وقال ابن آدم إنك تغدو وتروح في طلب الأرباح فليكن همك نفسك فإنك لن ~~تربح مثلها ms304 أبدا قال أبو بكر بن عياش قال لي رجل مرة وأنا شاب خلص رقبتك ما ~~استطعت في الدنيا من رق الآخرة فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبدا قال فوالله ~~ما نسيتها بعد وكان بعض السلف يبكي ويبكي ويقول ليس لي نفسان إنما لي نفس ~~واحدة إذا ذهبت لم أجد أخرى وقال محمد بن الحنفية إن الله عز وجل جعل الجنة ~~ثمنا لأنفسكم فلا تبيعوها بغيرها وقال أيضا من كرمت نفسه عليه لم يكن ~~للدنيا عنده قدر وقيل من أعظم الناس قدرا قال من لم ير الدنيا كلها لنفسه ~~خطرا وأنشد بعض المتقدمين أثامن بالنفس النفيسة ربها وليس لها في الخلق ~~كلهم ثمن بها تملك الأخرى فإن أنا بعتها بشيء من الدنيا فذاك هو الغبن لئن ~~ذهبت نفسي بدنيا أصيبها لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن الحديث الرابع ~~والعشرون عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~يرويه عن ربه عز وجل أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته ~~بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ~~يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا ~~من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر ~~الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن ~~تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على ~~أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي ~~شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ~~فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل ~~البحر ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا ~~فليحمد الله ومن وجد غير ms305 ذلك فلا يلومن إلا نفسه PageV01P221 هذا الحديث ~~خرجه مسلم من رواية سعيد بن عبدالعزيز عن ربيعة بن زيد عن أبي إدريس ~~الخولاني عن أبي ذر وفي آخره قال سعيد بن عبدالعزيز كان أبو إدريس الخولاني ~~إذا حدث بهذا الحديث جثى على ركبتيه وخرجه مسلم أيضا من رواية قتادة عن أبي ~~قلابة عن أبي أسماء عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسقه بلفظهم ~~ولكنه قال وساق الحديث بنحو سياق أبي إدريس وحديث أبي إدريس أتم وخرجه ~~الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من رواية شهر بن حوشب عن عبدالرحمن بن غنم ~~عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى ~~PageV01P222 يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاسألوني الهدي أهدكم وكلكم ~~فقير إلا من أغنيته فاسألوني أرزقكم وكلكم مذنب إلا من عافيته فمن علم منكم ~~أني ذو قدرة على المغفرة واستغفرني غفرت له ولا أبالي ولو أن أولكم وآخركم ~~وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي ما زاد ذلك ~~في ملكي جناح بعوضة ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم ~~اجتمعوا في صعيد واحد فيسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته فأعطيت كل سائل ~~منكم ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس فيه إبرة ثم ~~رفعها إليه ذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد عطائي كلام وعذابي كلام ~~إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون وهذا لفظ الترمذي وقال حديث ~~حسن وخرجه الطبراني بمعناه من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا أن إسناده ضعيف وحديث أبي ذر قال الإمام أحمد هو أشرف حديث ~~لأهل الشام فقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه يا عبادي إني حرمت ~~الظلم على نفسي يعني أنه منع نفسه من الظلم لعباده كما قال عز وجل وما أنا ~~بظلام للعبيد ق وقال وما الله يريد ظلما للعالمين ms306 آل عمران وقال وما الله ~~يريد ظلما للعباد غافر وقال وما ربك بظلام للعبيد فصلت وقال إن الله لا ~~يظلم الناس شيئا يونس وقال إن الله لا يظلم مثقال ذرة النساء وقال ومن يعمل ~~من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما طه والهضم أن ينقص من جزاء ~~حسناته والظلم أن يعاقب بذنوب غيره ومثل هذا كثير في القرآن وهو مما يدل ~~على أن الله قادر على الظلم ولكن لا يفعله فضلا منه وجودا وكرما وإحسانا ~~إلى عباده وقد فسر كثير من العلماء الظلم بأنه وضع الأشياء في غير مواضعها ~~وأما من فسره بالتصرف في ملك الغير بغير إذنه وقد نقل نحوه عن إياس بن ~~معاوية وغيره فإنهم يقولون إن الظلم مستحيل عليه وغيره متصور في حقه لأن كل ~~ما يفعله فهو تصرف في ملكه وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لعمران بن ~~حصين حين سأله عن القدر وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سنان سعيد بن ~~سنان عن وهب بن خالد الحمصي عن ابن الديلمي أنه سمع أبي بن كعب يقول لو أن ~~الله تعالى عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم ~~لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم وأنه أتى ابن مسعود فقال له مثل ذلك ثم ~~أتى زيد بن ثابت فحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك وفي هذا ~~الحديث نظر ووهب بن خالد ليس بذلك المشهور بالعلم وقد يحمل على أنه لو أراد ~~تعذيبهم لقدر لهم ما يعذبهم عليه فيكون غير ظالم لهم حينئذ وكونه خلق أفعال ~~العباد وفيها الظلم لا يقتضي وصفه بالظلم سبحانه وتعالى كما أنه لا يوصف ~~بسائر القبائح التي يفعلها العباد وهي خلقه وتقديره فإنه لا يوصف إلا ~~بأفعاله لا يوصف بأفعال عباده فإن أفعال عباده مخلوقاته ومفعولاته وهو لا ~~يوصف بشيء منها إنما يوصف بما قام به من صفاته وأفعاله والله أعلم وقوله ~~وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا PageV01P223 يعني أنه تعالى حرم ms307 الظلم على ~~عباده ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم فحرام على كل عبد أن يظلم غيره مع أن ~~الظلم في نفسه محرم مطلقا وهو نوعان أحدهما ظلم النفس وأعظمه الشرك كما قال ~~تعالى إن الشرك لظلم عظيم لقمان فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق ~~فعبده وتألهه فهو وضع الأشياء في غير مواضعها وأكثر ما ذكر في القرآن وعيد ~~للظالمين إنما أريد به المشركون كما قال الله عز وجل والكافرون هم الظالمون ~~البقرة ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر والثاني ظلم ~~العبد لغيره وهو المذكور في هذا الحديث وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في خطبته في حجة الوداع إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة ~~يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا وروي عنه أنه خطب بذلك في يوم النحر ~~من يوم عرفة وفي اليوم الثاني من أيام التشريق وفي رواية ثم قال اسمعوا مني ~~تعيشوا ألا لا تظالموا إنه لا يحل مال امريء مسلم إلا عن طيب نفس منه وفي ~~الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الظلم ظلمات ~~يوم القيامة وفيهما عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله ~~ليملي الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ~~وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد هود وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها فإنه ليس ثم ~~دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته فإن لم يكن له حسنات أخذ من ~~سيئات أخيه فطرحت عليه قوله يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني ~~أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم ~~عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار ~~وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم هذا يقتضي أن جميع الخلق ~~مفتقرون إلى ms308 الله تعالى في جلب مصالحهم ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم ~~وإن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئا من ذلك كله وإن من لم يتفضل الله عليه ~~بالهدي والرزق فإنه يحرمهما في الدنيا ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه ~~أوبقته خطاياه في الآخرة قال الله تعالى من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا الكهف ومثل هذا كثير في القرآن وقال تعالى ما يفتح ~~الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم فاطر وقال وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها هود وقال تعالى ~~حاكيا عن آدم وزوجه عليهما السلام أنهما قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين الأعراف وعن نوح عليه الصلاة والسلام ~~أنه قال وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين هود وقد استدل إبراهيم ~~الخليل عليه السلام بتفرد الله بهذه الأمور على أنه لا إله غيره وإن كل ما ~~أشرك معه باطل فقال لقومه أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون ~~فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ~~PageV01P224 ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع ~~أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين الشعراء فإن ~~من تفرد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا وبمغفرة ~~ذنوبه في الآخرة مستحق أن يفرد بالإلهية والعبادة والسؤال والتضرع ~~والاستكانة له قال الله عز وجل الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون ~~الروم وفي الحديث دليل على أن الله يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ~~ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك كما يسألونه الهداية والمغفرة ~~وفي الحديث ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع وكان بعض ~~السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه حتى ملح عجينة ms309 وعلف شاته وفي ~~الإسرائيليات أن موسى عليه الصلاة والسلام قال يا رب إنه ليعرض لي الحاجة ~~من الدنيا فأستحي أن أسألك قال سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك فإن كل ما ~~يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله فقد أظهر حاجته فيه وافتقاره إلى الله ~~وذاك يحبه الله وكان بعض السلف يستحي من الله أن يسأله شيئا من مصالح ~~الدنيا والاقتداء بالسنة أولى وقوله كلكم ضال إلا من هديته قد ظن بعضهم أنه ~~معارض لحديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل ~~خلقت عبادي حنفاء وفي رواية مسلمين فاجتالتهم الشياطين وليس كذلك فإن الله ~~خلق بني آدم وفطرهم على قبول الإسلام والميل إليه دون غيره والتهيؤ ~~والاستعداد له بالقوة لكن لا بد للعبد من تعليم الإسلام بالفعل فإنه قبل ~~التعلم جاهل لا يعلم كما قال عز وجل والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا النحل وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم ووجدك ضالا فهدى الضحي ~~والمراد وجدك غير عالم بما علمك من الكتاب والحكمة كما قال تعالى وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشاء من عبادنا الشورى فالإنسان يولد مفطورا على قبول الحق ~~فإن هداه الله تعالى سبب له من يعلمه الهدى فصار مهديا بالفعل بعد أن كان ~~مهديا بالقوة وإن خذله الله قيض له من يعلمه ما يغير فطرته كما قال صلى ~~الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ~~وأما سؤال المؤمن من الله الهداية فإن الهداية نوعان هداية مجملة وهي ~~الهداية للإسلام والإيمان وهي حاصلة للمؤمن وهداية مفصلة وهي هداية إلى ~~معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإسلام وإعانته على فعل ذلك وهذا يحتاج إليه ~~كل مؤمن ليلا ونهارا ولهذا أمر الله عباده أن يقرأوا في كل ركعة من صلاتهم ~~قوله اهدنا الصراط المستقيم الفاتحة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ~~دعائه بالليل ms310 اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط ~~مستقيم و لهذا يشمت العاطس فيقال له يهديكم الله كما جاءت به السنة وإن ~~أنكره من أنكره من فقهاء العراق ظنا منهم أن المسلم لا يحتاج أن يدعى له ~~بالهدى وخالفهم جمهور العلماء PageV01P225 اتباعا للسنة في ذلك وقد أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يسأل الله السداد والهدى وعلم الحسن أن ~~يقول في قنوت الوتر اللهم اهدني فيمن هديت وأما الاستغفار من الذنوب فهو ~~طلب المغفرة والعبد أحوج شيء إليه لأنه يخطيء بالليل والنهار وقد تكرر في ~~القرآن ذكر التوبة والاستغفار والأمر بهما والحث عليهما وخرج الترمذي وابن ~~ماجه من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل بني آدم ~~خطاء وخير الخطائين التوابون وخرج البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة ~~وخرج من حديث الأغر المزني سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول يا أيها ~~الناس توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة وخرجه النسائي ~~ولفظه يا أيها الناس توبوا إلى ربكم واستغفروه فإني أتوب إلى الله وأستغفره ~~كل يوم مائة مرة وخرج الإمام أحمد من حديث حذيفة يقال كان في لساني ذرب على ~~أهلي لم أعده إلى غيره فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال أين أنت من ~~الاستغفار يا حذيفة إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة ومن حديث أبي بكر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إني أستغفر الله مائة مرة وأتوب إليه وخرج ~~النسائي من حديث أبي موسى قال كنا جلوسا فجاء النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله مائة مرة وخرج الإمام أحمد وأبو داود ~~والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عمر قال إن كنا لنعد لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة ms311 يقول رب اغفر لي وتب على إنك ~~أنت التواب الرحيم وخرج النسائي من حديث أبي هريرة قال لم أكثر أن يقول ~~أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج الإمام أحمد ~~من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ~~اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا وسنذكر ~~بقية الكلام في الاستغفار فيما بعد إن شاء الله تعالى وقوله يا عبادي إنكم ~~لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يعني أن العباد لا يقدرون ~~أن يوصلوا إلى الله نفعا ولاضرا فإن الله تعالى في نفسه غني حميد لا حاجة ~~له بطاعات العباد ولا يعود نفعها إليه وإنما هم ينتفعون بها ولا يتضرر ~~بمعاصيهم وإنما هم يتضررون بها قال الله تعالى ولا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا آل عمران وقال ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ~~الله شيئا آل عمران وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته ومن يعص ~~الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا قال الله عز وجل ~~وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا ~~النساء وقال حاكيا عن موسى وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا ~~فإن الله لغني حميد إبراهيم وقال ومن كفر فإن الله غني عن العالمين آل ~~عمران وقال لن ينال الله لحومها PageV01P226 ولا دماؤها ولكن يناله التقوى ~~منكم الحج والمعنى أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه كما أنه يكره ~~منهم أن يعصوه ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشد من فرح من ضلت راحلته التي ~~عليها طعامه وشرابه بفلاة من الأرض وطلبها حتى أعيى وأيس منها واستسلم ~~للموت وأيس من الحياة ثم غلبته عينه فنام واستيقظ وهي قائمة عنده وهذا أعلى ~~ما يتصوره المخلوق من الفرح هذا كله مع غناه عن طاعات عباده وتوباتهم إليه ~~وإنه إنما يعد نفعها ms312 إليهم دونه ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ~~ومحبته لنفعهم ودفع الضر عنهم فهو يحب من عباده أن يعرفوه ويحبوه ويخافوه ~~ويتقوه ويطيعوه و يتقربوا إليه ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره ~~وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده كما في رواية عبدالرحمن بن غنم عن أبي ذر ~~لهذا الحديث من علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة ثم استغفرني غفرت له ولا ~~أبالي وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عبدا أذنب ذنبا فقال يا ~~رب إني فعلت ذنبا فاغفر لي فقال الله علم عبدي أن له ربا يغفر الذنوب ويأخذ ~~بالذنب قد غفرت لعبدي وفي حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه لما ركب دابته حمد الله ثلاثا وكبر ثلاثا وقال سبحانك ~~إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك وقال إن ربك ~~ليعجب من عبده إذا قال رب اغفر لي ذنوبي يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري خرجه ~~الإمام أحمد والترمذي وصححه وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~والله لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها كان بعض أصحاب ذي النون يطوف ~~ينادي آه أين قلبي من وجد قلبي فدخل يوما بعض السكك فوجد صبيا يبكي أمه ~~تضربه ثم أخرجته من الدار وأغلقت الباب دونه فجعل الصبي يلتفت يمينا وشمالا ~~لا يدري أين يذهب ولا أين يقصد فرجع إلى باب الدار فجعل يبكي ويقول يا أماه ~~من يفتح لي الباب إذا أغلقت بابك عني ومن يدنيني إذا طردتيني ومن الذي ~~يدنيني إذا غضبت علي فرحمته أمه فنظرت من خلل الباب فوجدت ولدها تجري ~~الدموع على خديه متمعكا في التراب ففتحت الباب وأخذته حتى وضعته في حجرها ~~وجعلت تقبله وتقول يا قرة عيني ويا عزيز نفسي أنت الذي حملتني على نفسك ~~وأنت الذي تعرضت لما حل بك لو كنت أطعتني لم تلق مني مكروها فتواجد الفتى ~~ثم صاح وقال ms313 قد وجدت قلبي قد وجدت قلبي وتفكروا في قوله تعالى والذين إذا ~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب ~~إلا الله آل عمران فإن فيه إشارة إلى أن المذنبين ليس لهم من يلجأون إليه ~~ويعولون عليه في مغفرة ذنوبهم غيره وكذلك قوله في حق الثلاثة الذين خلفوا ~~حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من ~~الله إلا إليه ثم PageV01P227 تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ~~التوبة فرتب توبته على ظنهم أن لا ملجأ من الله إلا إليه فإن العبد إذا خاف ~~من مخلوق هرب منه وفر إلى غيره وأما من خاف من الله فما له من ملجأ يلجأ ~~إليه ولا مهرب يهرب إليه إلا هو فيهرب منه إليه كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول في دعائه لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك وكان يقول أعوذ ~~برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وبك منك قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه ~~ما من ليلة اختلط ظلامها وأرخى الليل سربال سترها إلا نادى الجليل جل جلاله ~~من أعظم مني جودا والخلائق لي عاصون وأنا لهم مراقب أكلؤهم في مضاجعهم ~~كأنهم لم يعصوني وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا فيما بيني وبينهم أجود ~~بالفضل على العاصي وأتفضل على المسيء من ذا الذي دعاني فلم أستجب إليه أم ~~من ذا الذي سألني فلم أعطه أم من الذي أناخ ببابي فنحيته أنا الفضل ومني ~~الفضل أنا الجواد ومني الجود وأنا الكريم ومني الكرم ومن كرمي أن أغفر ~~للعاصين بعد المعاصي ومن كرمي أن أعطي العبد ما سألني وأعطيه ما لم يسألني ~~ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني فأين إلى غيره يهرب الخلائق وأين عن ~~بابه يلتجيء العاصون خرجه أبو نعيم ولبعضهم في المعنى قائلا أسأت ولم أحسن ~~وجئتك تائبا وأني لعبد عن مواليه يهرب يؤمل غفرانا فإن خاب ظنه فما أحد منه ~~على الأرض أخيب فقوله بعد ms314 هذا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ~~كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ولو كانوا على ~~أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا هو إشارة إلى أن ملكه لا ~~يزيد بطاعة الخلق ولو كانوا كلهم بررة أتقياء قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم ~~ولا ينقص ملكه بمعصية العاصين ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة قلوبهم ~~على قلب أفجر رجل منهم فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه وله الكمال المطلق ~~في ذاته وصفاته وأفعاله فملكه ملك كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أي ~~وجه كان ومن الناس من قال إن إيجاده لخلقه على هذا الوجه الموجود أكمل من ~~إيجاده على غيره وهو خير من وجوده على غيره وما فيه من الشر فهو شر إضافي ~~نسبي بالنسبة إلى بعض الأشياء دون بعض وليس شرا مطلقا بحيث يكون عدمه خيرا ~~من وجوده من كل وجه بل وجوده خير من عدمه وقال هذا معنى قوله بيده الخير ~~ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم والشر ليس إليك يعني أن الشر المحض ~~الذي عدمه خير من وجوده ليس موجودا في ملكك فإن الله تعالى أوجد خلقه على ~~ما تقتضيه حكمته وعدله وخص قوما من خلقه بالفضل وترك آخرين منهم في العدل ~~لما له في ذلك من الحكمة البالغة وهذا فيه نظر PageV01P228 وهو يخالف ما في ~~الحديث من أن جميع الخلق لو كانوا على صفة أكمل خلقه من البر والتقوى لم ~~يزد ذلك في ملكه شيئا ولا قدر جناح بعوضة ولو كانوا على صفة أنقص خلقه من ~~الفجور لم ينقص ذلك من ملكه شيئا فدل على أن ملكه كامل على أي وجه كان لا ~~يزدا ولا يكمل بالطاعة ولا ينقص بالمعاصي ولا يؤثر فيه شيئا وفي هذا الكلام ~~دليل على أن الأصل في التقوى والفجور هي القلوب فإذا بر القلب واتقي برت ~~الجوارح وإذا فجر القلب فجرت الجوارح كما قال ms315 النبي صلى الله عليه وسلم ~~التقوى ههنا وأشار إلى صدره فقوله لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا ~~في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسئلته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ~~ينقص المخيط إذا أدخل البحر فالمراد بهذا ذكر كمال قدرته سبحانه وكمال ملكه ~~وإن ملكه وخزائنه لا تنفذ ولا تنقص بالعطاء ولو أعطي الأولين والآخرين من ~~الجن والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد وفي ذلك حث الخلق على سؤاله وإنزال ~~حوائجهم به وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال يد الله ملأي لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أفرأيتم ما أنفق ~~ربكم منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه وفي صحيح مسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دعا أحدكم فلا يقل ~~اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء ~~وقال أبو سعيد الخدري إذا دعوتم الله فارفعوا في المسئلة فإن ما عنده لا ~~ينفذه شيء وإذا دعوتم فاعزموا فإن الله لا مستكره له وفي بعض الإسرائيليات ~~يقول الله عز وجل أيؤمل غيري للشدائد والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم ويرجي ~~غيري و يطرق بابه بالبكرات وبيدي مفاتيح الخزائن وبابي مفتوح لمن دعاني من ~~ذا الذي أملني لنائبة فقطعت به أو من ذا الذي رجاني لعظيم فقطعت به أو من ~~ذا الذي طرق بابي فلم أفتحه له أنا غاية الآمال فكيف تنقطع الآمال دوني ~~أبخيل أنا فيبخلني عبدي أليس الدنيا والآخرة والكرم والفضل كله لي فما يمنع ~~المؤملين أن يؤملوني لو جمعت أهل السموات والأرض ثم أعطيت كل واحد منهم ما ~~أعطيت الجميع وبلغت كل واحد أمله لم ينقص ذلك من ملكي عضو ذرة كيف ينقص ملك ~~أنا قيمه فيا بؤسا للقانطين من رحمتي ويا بؤسا لمن عصاني وتوثب على محارمي ~~وقوله ولم ينقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا ms316 أدخل البحر لتحقيق أن ~~ما عنده لا ينقص البتة كما قال تعالى ما عندكم ينفذ وما عند الله باق فإن ~~البحر إذا غمس فيه إبرة ثم أخرجت لم تنقص من البحر بذلك شيئا وكذلك لو فرض ~~أنه شرب منه عصفور مثلا فإنه لا ينقص البحر البتة ولهذا ضرب الخضر لموسى ~~عليهما السلام هذا المثل في نسبة علمهما إلى علم الله عز وجل وهذا لأن ~~البحر لا يزال تمد مياه الدنيا وأنهارها الجارية فمهما أخذ منه لم ينقصه ~~شيء لأنه يمده ما هو أزيد مما أخذ منه وهكذا طعام الجنة وما فيها فإنه لا ~~ينقص كما قال تعالى PageV01P229 وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة الواقعة ~~وقد جاء كلما نزعت ثمرة عاد مكانها مثلها وروي مثلاها فهي لا تنقص أبدا ~~ويشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الكسوف ورأيت الجنة ~~فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا خرجاه في ~~الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وخرجه الإمام أحمد من حديث جابر ~~ولفظه ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه شيئا وهكذا ~~لحم الطير الذي يأكله أهل الجنة يستخلف ويعود كما كان حيا لا ينقص منه شيء ~~وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه فيها ضعف وقاله ~~كعب وروي أيضا عن أبي أمامة الباهلي من قوله قال أبو أمامة وكذلك الشراب ~~يشرب منه حتى تنتهي نفسه ثم يعود مكانه ورؤي بعض العلماء الصالحين بعد موته ~~بمدة في المنام فقال ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ أما علمتم أن طعام ~~الجنة لا ينفد وقد تبين في الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه السبب الذي ~~لأجله لا ينقص ما عند الله بالعطاء بقوله ذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما ~~أريد عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردت إنما أقول له كن ~~فيكون وهذا مثل قوله تعالى إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ms317 كن فيكون يس ~~وقوله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون النحل وفي ~~مسند البزار بإسناد فيه نظر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال خزائن الله الكلام فإذا أراد الله شيئا قال له كن فكان ~~فهو سبحانه إذا أراد شيئا من عطاء أو عذاب أو غير ذلك قال له كن فيكون فكيف ~~يتصور أن ينقص هذا وكذلك إذا أراد أن يخلق شيئا قال له كن فيكون كما قال إن ~~مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون آل عمران وفي ~~بعض الآثار الإسرائيلية أوحى الله تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام يا ~~موسى لا تخافن غيري ما دام لي السلطان وسلطاني دائم لا ينقطع يا موسى لا ~~تهتمن برزقي أبدا ما دامت خزائني مملوءة لا تفنى أبدا يا موسى لا تأنس ~~بغيري ما وجدتني أنيسا لك متى طلبتني وجدتني يا موسى لا تأمن مكري ما لم ~~تجز الصراط إلى الجنة وقال بعضهم لا تخضعن لمخلوق على طمع فإن ذاك مضر منك ~~بالدين واسترزق الله مما في خزائنه فإنما هي بين الكاف والنون وقوله يا ~~عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها يعني أنه سبحانه يحصي ~~أعمال عباده ثم يوفيهم إياها بالجزاء عليها وهذا كقوله فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزلة وقوله ووجدوا ما عملوا حاضرا ~~ولا يظلم ربك أحدا الكهف وقوله يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا آل عمران وقوله يوم يبعثهم ~~الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه المجادلة وقوله ثم أوفيكم ~~إياها PageV01P230 الظاهر أن المراد توفيتها يوم القيامة كما قال تعالى ~~وإنما توفون أجوركم يوم القيامة آل عمران ويحتمل أن المراد يوفي عباده جزاء ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة كما في قوله من يعمل سوء يجز به ms318 النساء وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر ذلك بأن المؤمنين يجازون بسيئاتهم في ~~الدينا وتدخر لهم حسناتهم في الآخرة فيوفون أجورهم وأما الكافر فإنه يعجل ~~له في الدنيا ثواب حسناته وتدخر له سيئاته فيعاقب بها في الآخرة ويوفيه ~~جزاءها من خير أو شر فالشر يجازى به مثله من غير زيادة إلا أن يعفو الله ~~عنه والخير تضاعف الحسنة عنه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ~~لا يعلم قدرها إلا الله كما قال تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ~~الزمر وقوله فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ~~إشارة إلى أن الخير كله فضل من الله على عبده من غير استحقاق له والشر كله ~~من عند ابن آدم من اتباع هوى نفسه كما قال عز وجل ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك النساء وقال على رضي الله عنه لا يرجو عبد ~~إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه فالله سبحانه إذا أراد توفيق عبد وهدايته أعانه ~~ووفقه لطاعته وكان ذلك فضلا منه ورحمة وإذا أراد خذلان عبد وكله إلى نفسه ~~وخلى بينه وبينها فأغواه الشيطان لغفلته عن ذكر الله واتبع هواه وكان أمره ~~فرطا وكان ذلك عدلا منه فإن الحجة قائمة على العبد بإنزال الكتاب وإرسال ~~الرسول فما بقي لأحد من الناس على الله حجة بعد الرسل فقوله بعد هذا فمن ~~وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه إن كان المراد من ~~وجد ذلك في الدنيا فإنه يكون حينئذ مأمورا بالحمد لله على ما وجده من جزاء ~~الأعمال الصالحة الذي عجل له في الدنيا كما قال من عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ~~النحل ويكون مأمورا بلوم نفسه على ما فعلت من الذنوب التي وجد عاقبتها في ~~الدنيا كما قال تعالى ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ms319 الأكبر لعلهم ~~يرجعون السجدة فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء رجع إلى نفسه باللوم ودعاه ~~ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار وفي المسند وسنن أبي داود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إن المؤمن إذا أصابه سقم ثم عافاه الله منه ~~كان كفارة لما مضى من ذنوبه وموعظة له فيما يستقبل من عمره وإن المنافق إذا ~~مرض وعوفي كان كالبعير عقله أهله وأطلقوه لا يدري بما عقلوه ولا بما أطلقوه ~~وقال سلمان الفارسي إن المسلم ليبتلى فيكون كفارة لما مضى ومستعتبا فيما ~~بقى وإن الكافر يبتلى فمثله كمثل البعير أطلق فلم يدر لما أطلق وعقل وإن ~~كان المراد من وجد خيرا أو غيره في الآخرة كان إخبارا منه بأن الذين يجدون ~~الخير في الآخرة يحمدون الله على ذلك وأن من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه حين لا ينفعه اللوم فيكون الكلام لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر كقوله ~~صلى الله عليه وسلم من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار والمعنى أن ~~الكاذب عليه يتبوأ مقعده من النار PageV01P231 وقد أخبر الله تعالى عن أهل ~~الجنة أنهم يحمدون الله على ما رزقهم من فضله فقال ونزعنا ما في صدورهم من ~~غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي ~~لولا أن هدانا الله الأعراف وقال تعالى وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء الزمر وقال تعالى وقالوا الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا ~~يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب فاطر وأخبر عن أهل النار أنهم يلومون ~~أنفسهم ويمقتونها أشد المقت فقال تعالى وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله ~~وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم إبراهيم وقال تعالى إن الذين كفروا ~~ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى ms320 الإيمان فتكفرون غافر ~~وقد كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة حذرا من لوم النفس عند ~~انقطاع الأعمال على التقصير وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا ما من ميت ~~يموت إلا ندم إن كان محسنا ندم على أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن ~~لا يكون استعتب وقيل لمسروق لو قصرت عن بعض ما تصنع من الاجتهاد فقال والله ~~لو أتاني آت فأخبرني أن لا يعذبني لاجتهدت في العبادة قيل كيف ذاك قال حتى ~~تعذرني نفسي إن دخلت النار أن لا ألومها أما بلغك في قول الله تعالى ولا ~~أقسم بالنفس اللوامة القيامة إنما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنم ~~فاعتنقتهم الزبانية وحيل بينهم وبين ما يشتهون وانقطعت عنهم الأماني ورفعت ~~عنهم الرحمة وأقبل كل امريء منهم يلوم نفسه وكان عامر بن عبد قيس يقول ~~والله لأجتهدن ثم والله لأجتهدن فإن نجوت فبرحمة الله وإلا لم ألم نفسي ~~وكان زياد بن عياش يقول لابن المنكدر ولصفوان بن سليم الجد الجد والحذر ~~الحذر فإن يكن الأمر على ما نرجو كان ما عملتما فضلا وإلا لم تلوما أنفسكما ~~وكان مطرف بن عبدالله يقول اجتهدوا في العمل فإن يكن الأمر ما نرجو من رحمة ~~الله وعفوه كانت لنا درجات وإن يكن الأمر شديدا كما نخاف ونحذر لم نقل ربنا ~~أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل فاطر نقول قد عملنا فلم ينفعنا ذلك ~~الحديث الخامس والعشرون عن أبي ذر رضي الله عنه أيضا أن ناسا من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ذهب ~~أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول ~~أموالهم قال أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون إن بكل تسبيحة صدقة وكل ~~تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن ~~منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون ~~له فيها أجر قال أرأيتم لو ms321 وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في ~~الحلال كان له أجر رواه مسلم PageV01P232 هذا الحديث خرجه مسلم من رواية ~~يحيى بن معمر عن أبي الأسود الديلمي عن أبي ذر رضي الله عنه وقد روي معناه ~~عن أبي ذر من وجوه كثيرة بزيادة ونقصان وسنذكر بعضها فيما بعد إن شاء الله ~~تعالى وفي الحديث دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم لشدة حرصهم على ~~الأعمال الصالحة وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما يتعذر عليهم ~~فعله من الخير مما يقدر عليه غيرهم فكان الفقراء يحزنون على فوات الصدقة ~~بالأموال التي يقدر عليها الأغنياء ويحزنون على التخلف عن الخروج في الجهاد ~~لعدم القدرة على آلته وقد أخبر الله عنهم بذلك في كتابه فقال ولا على الذين ~~إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من ~~الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون التوبة وفي هذا الحديث أن الفقراء غبطوا ~~أهل الدثور والدثور هي الأموال مما يحصل لهم من أجر الصدقة بأموالهم ~~PageV01P233 فدلهم النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات يقدرون عليها وفي ~~الصحيحين عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن فقراء المهاجرين أتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ذهب أهل الدثور بالدرجات العلي والنعيم ~~المقيم فقال وما ذاك قالوا يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا ~~نتصدق ويعتقون ولا نعتق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا أعلمكم ~~شيئا تدركون به من قد سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم ~~إلا من صنع مثل ما صنعتم قالوا بلى يا رسول الله قال تسبحون وتكبرون ~~وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة قال أبو صالح فرجع فقراء المهاجرين ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا سمع إخواننا أهل الأموال بما ~~فعلنا ففعلوا مثله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء وقد روي نحو هذا الحديث من رواية جماعة من ms322 الصحابة منهم على وأبو ~~ذر وأبو الدرداء وابن عمر وابن عباس وغيرهم ومعنى هذا أن الفقراء ظنوا أن ~~لا صدقة إلا بالمال وهم عاجزون عن ذلك فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~جميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقة وفي صحيح مسلم عن حذيفة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال كل معروف صدقة وخرجه البخاري من حديث جابر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال الصدقة تطلق على جميع أنواع المعروف والإحسان حتى أن ~~فضل الله الواصل منه إلى عباده صدقة منه عليهم وقد كان بعض السلف ينكر ذلك ~~ويقول إنما الصدقة ممن يطلب جزاءها وأجرها والصحيح خلاف ذلك وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قصر الصلاة في السفر صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته خرجه مسلم وقال من كانت له صلاة بليل فغلب عليه نوم فنام ~~عنها كتب الله له أجر صلاته وكان نومه صدقه من الله تصدق بها عليه خرجه ~~النسائي وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها وخرجه ابن ماجه من حديث أبي ~~الدرداء وفي مسند بقي بن مخلد والبزار من حديث أبي ذر مرفوعا ما من يوم ولا ~~ليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده وما من الله ~~على عبد مثل أن يلهمه ذكره وقال خالد بن معدان إن الله يتصدق كل يوم بصدقة ~~وما تصدق الله على أحد من خلقه بشيء خير من أن يتصدق عليه بذكره والصدقة ~~بغير المال نوعان أحدهما ما فيه تعدية الإحسان إلى الخلق فتكون صدقة عليهم ~~وربما كان أفضل من الصدقة بالمال وهذا كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~فإنه دعاء إلى الله طاعة وكف عن معاصيه وذلك خير من النفع بالمال وكذلك ~~تعليم العلم وإقراء القرآن وإزالة الأذى عن الطريق والسعي في جلب النفع ~~للناس ودفع الأذى عنهم وكذلك الدعاء للمسلمين والاستغفار لهم وخرج ابن ~~مردويه بإسناد فيه ضعف عن ابن عمر مرفوعا من كان له مال فليتصدق من ms323 ماله ~~ومن كان له قوة فليتصدق من قوته ومن كان له علم فليتصدق من علمه ولعله ~~موقوف وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أفضل الصدقة صدقة اللسان قيل يا رسول الله وما صدقة اللسان PageV01P234 قال ~~الشفاعة تفك بها الأسير وتحقن بها الدم وتجر بها المعروف والإحسان إلى أخيك ~~وتدفع عنه الكريهة وقال عمرو بن دينار بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال ما من صدقة أحب إلى الله من قول ألم تسمع إلى قوله تعالى قول ~~معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى البقرة خرجه ابن أبي حاتم وفي مراسيل ~~الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم إن من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت ~~طليق الوجه خرجه ابن أبي الدنيا وقال معاذ تعليم العلم لمن لا يعلمه صدقة ~~وروي مرفوعا ومن أنواع الصدقة كف الأذى عن الناس ففي الصحيحين عن أبي ذر ~~رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال الإيمان بالله ~~والجهاد في سبيل الله قلت فأي الرقاب أفضل قال أنفسها عند أهلها وأكثرها ~~ثمنا قلت فإن لم أفعل قال تعين صانعا وتصنع لأخرق قلت يا رسول الله أرأيت ~~إن ضعفت عن بعض العمل قال تكف شرك عن الناس فإنها صدقة وقد روي في حديث أبي ~~ذر زيادات أخرى فخرج الترمذي من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة ~~وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن ~~الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة وخرج ابن حبان في ~~صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طعلت فيه الشمس قيل يا رسول ~~الله ومن أين لنا صدقة نتصدق بها قال إن أبواب الجنة ms324 لكثيرة التسبيح ~~والتكبير والتحميد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتميط الأذى عن الطريق ~~وتسمع الأصم وتهدي الأعمى وتدل المستدل على حاجته وتسعى بشدة ساقيك مع ~~اللهفان المستغيث وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف فهذا كله صدقة منك على نفسك ~~وخرج الإمام أحمد من حديث أبي ذر قال قلت يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجر ~~يتصدقون ولا نتصدق قال وأنت فيك صدقة رفعك العظم عن الطريق صدقة وهدايتك ~~الطريق صدقة عونك الضعيف بفضل قوتك صدقة وبيانك عن الأغتم صدقة ومباضعتك ~~امرأتك صدقة قلت يا رسول الله نأتي شهوتنا ونؤجر قال أرأيت لو جعلت ذلك في ~~حرام أكان تأثم قال قلت نعم قال أفتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير وفي ~~رواية أخرى فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن فيك صدقة كثيرة فذكر فضل سمعك ~~وفضل بصرك وفي رواية أخرى للإمام أحمد قال إن من أبواب الصدقة التكبير ~~وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وأستغفر الله وتأمر بالمعروف ~~وتنهى عن المنكر وتعزل الشوكة عن الطريق والعظم والحجر وتهدي الأعمى وتسمع ~~الأصم والأبكم حتى يفقه وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها وتسعى ~~بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف كل ذلك من ~~أبواب الصدقة منك على نفسك ولك في جماع زوجتك أجر PageV01P235 قلت كيف يكون ~~لي أجر في شهوتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت لو كان لك ولد ~~فأدرك ورجوت خيره فمات أكنت تحتسب به قلت نعم قال فأنت خلقته قلت بل الله ~~خلقه قال أفأنت هديته قلت بل الله هداه قال أفأنت كنت ترزقه قلت بلى الله ~~كان يرزقه قال كذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه فإن شاء الله أحياه وإن شاء ~~أماته ولك أجر ظاهر هذا السياق يقتضي أنه يؤجر على جماعه لأهله بنية طلب ~~الولد الذي يترتب الأجر على تربيته وتأديبه في حياته ويحتسبه عند موته وأما ~~إذا لم ينو شيئا بقضاء شهوته فهذا قد تنازع الناس في دخوله في هذا الحديث ms325 ~~وقد صح الحديث بأن نفقة الرجل على أهله صدقة ففي الصحيحين عن أبي مسعود ~~الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نفقة الرجل على أهله صدقة وفي ~~رواية لمسلم وهو يحتسبها وفي لفظ للبخاري وإذا أنفق الرجل على أهله وهو ~~يحتسبها عند الله كما في حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها ~~إلى في امرأتك وفي صحيح مسلم عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~أفضل الدنانير دينار ينفقه الرجل على عياله ودينار ينفقه على فرسه في سبيل ~~الله ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله قال أبو قلابة عند رواية ~~هذا الحديث بدأ بالعيال وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال له صغار ~~يعفهم الله به ويغنيهم الله به وفيه أيضا عن سعد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إن نفقتك على عيالك صدقة وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة وهذا قد ~~ورد مقيدا في الرواية الأخرى بابتغاء وجه الله وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته ~~في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أفضلها الدينار ~~الذي أنفقته على أهلك وخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقوا فقال رجل ~~عندي دينار فقال تصدق به على نفسك قال عندي دينار آخر قال تصدق به على ~~زوجتك قال عندي دينار آخر قال تصدق به على ولدك قال عندي دينار آخر قال ~~تصدق به على خادمك قال عندي دينار آخر قال أنت أبصر وخرج الإمام أحمد من ~~حديث المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أطعمت نفسك ~~فهو لك صدقة وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة وما ms326 أطعمت زوجك فهو لك صدقة وما ~~أطعمت خادمك فهو لك صدقة وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة يطول ذكرها وفي ~~الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مسلم ~~يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو دابة إلا كان له صدقة ~~وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من ~~مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه له صدقة وما أكل ~~السبع منه فهو له صدقة وما أكلت الطيور فهو له صدقة ولا ينقصه أحد إلا كان ~~له صدقة وفي رواية PageV01P236 له أيضا فلا يأكل منه إنسان ولا دابة ولا ~~طائر إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة وفي المسند بإسناد ضعيف عن معاذ بن ~~أنس الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من بنى بنيانا في غير ظلم ولا ~~اعتداء أو غرس غراسا في غير ظلم ولا اعتداء إلا كان له أجر جاريا ما انتفع ~~به أحد من خلق الرحمن وذكر البخاري في تاريخه من حديث جابر مرفوعا من حفر ~~ماء لم تشرب منه كبد حرا من جن ولا إنس ولا سبع ولا طائر إلا آجره الله يوم ~~القيامة وظاهر هذه الأحاديث كلها يدل على أن هذه الأشياء تكون صدقة يثاب ~~عليها الزارع والغارس ونحوهما من غير قصد ولا نية وكذلك قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم أرأيت لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في ~~الحلال كان له أجر يدل بظاهره على أنه يؤجر في إتيان أهله من غير نية فإن ~~الباضع لأهله كالزارع في الأرض التي يحرث ويبذر فيها وقد ذهب إلى هذا طائفة ~~من العلماء ومال إليه أبو محمد بن قتيبة في الأكل والشرب والجماع واستدل ~~بقول النبي صلى الله عليه وسلم إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى في اللقمة ~~يرفعها إلى فيه وهذا اللفظ الذي استدل ms327 به غير معروف إنما المعروف قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لسعد إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت ~~عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك وهو مقيد بإخلاص النية لله فتحمل ~~الأحاديث المطلقة عليه والله أعلم ويدل عليه أيضا قول الله عز وجل لا خير ~~في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ~~ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما النساء فجعل ذلك خيرا ولم ~~يرتب عليه الأجر إلا مع نية الإخلاص وأما إذا فعله رياء فإنه يعاقب عليه ~~وإنما يحمل التردد إذا فعله بغير نية صالحة ولا فاسدة وقد قال أبو سليمان ~~الداراني من عمل عمل خير من غير نية كفاه نية اختياره للإسلام على غيره من ~~الأديان فظاهر هذا أنه يثاب عليه من غير نية بالكلية لأنه بدخوله في ~~الإسلام مختار لأعمال الخير في الجملة فيثاب على كل عمل يعمله منها بتلك ~~النية والله أعلم وقوله أرأيت لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر فكذلك إذا ~~وضعها في الحلال كان له أجر هذا يسمى عند الأصوليين قياس العكس ومنه قول ~~ابن مسعود رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت أنا ~~أخرى قال من مات يشرك بالله شيئا شيئا دخل النار وقلت من مات لا يشرك بالله ~~دخل الجنة والنوع الثاني من الصدقة التي ليست مالية ما نفعه قاصر على فاعله ~~كأنواع الذكر من التكبير والتسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار وكذلك ~~المشي إلى المساجد صدقة ولم يذكر في شيء من الأحاديث الصلاة والصيام والحج ~~والجهاد أنه صدقة وأكثر هذه الأعمال أفضل من الصدقات المالية لأنه إنما ذكر ~~جوابا لسؤال الفقراء الذين سألوه عما يقاوم تطوع الأغنياء بأموالهم وأما ~~الفرائض فإنهم قد كانوا كلهم مشتركين فيها وقد تكاثرت النصوص بتفضيل الذكر ~~على الصدقة بالمال وغيره من الأعمال كما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا ms328 أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند ~~PageV01P237 مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة ~~وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى يا ~~رسول الله قال ذكر الله عز وجل خرجه الإمام أحمد والترمذي وذكره مالك في ~~الموطأ موقوفا على أبي الدرداء وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له ~~عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من ~~الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر ~~من ذلك وفيهما أيضا عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل وخرج الإمام أحمد ~~والترمذي من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي العباد أفضل ~~درجة عند الله يوم القيامة قال الذاكرون الله كثيرا قلت يا رسول الله ومن ~~الغازي في سبيل الله قال لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ~~ويختضب دما لكان الذاكرون الله أفضل منه درجة ويروي نحوه من حديث معاذ ~~وجابر مرفوعا والصواب وقفه على معاذ من قوله وخرج الطبراني من حديث أبي ~~الوازع عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو أن ~~رجلا في حجره دراهم يقسمها وآخر يذكر الله كان الذاكر أفضل قلت الصحيح عن ~~أبي الوازع عن أبي برزة الأسلمي من قوله خرجه جعفر الفريابي وخرج أيضا من ~~حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كبر مائة وسبح مائة وهلل مائة ~~كانت خيرا له من عشر رقبات يعتقها ومن سبع بدنات ينحرها وخرج ابن أبي ~~الدنيا بإسناده عن أبي الدرداء أنه قيل له ms329 إن رجلا أعتق مائة نسمة فقال إن ~~مائة نسمة من مال رجل كثير وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار وأن لا ~~يزال لسان أحدكم رطبا من ذكر الله عز وجل وعن أبي الدرداء أيضا قال لأن ~~أقول الله أكبر مائة مرة أحب إلى من أن أتصدق بمائة دينار وكذلك قال سلمان ~~الفارسي وغيره من الصحابة والتابعين إن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من ~~المال وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أم هانئ أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لها سبحي الله مائة تسبيحة فإنها تعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل ~~واحمدي الله مائة تحميدة فإنها تعدل لك مائة فرس ملجمة مسرجة تحملين عليهن ~~في سبيل الله وكبري الله مائة تكبيرة فإنها تعدل مائة بدنة مقلدة متقبلة ~~وهللي الله مائة تهليلة لا أحسبه إلا قال تملأ ما بين السماء والأرض ولا ~~يرفع يومئذ لأحد مثل عملك إلا أن يأتي بمثل ما أتيت وخرجه أحمد أيضا وابن ~~ماجه وعندهما وقولي لا إله إلا الله مائة مرة لا تذر ذنبا ولا يسبقها العمل ~~وخرجه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بنحوه وخرج الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا قال ما من صدقة أفضل من ~~ذكر الله عز وجل وخرج الفريابي بإسناد فيه نظر عن أبي أمامة مرفوعا ~~PageV01P238 ومن فاته الليل أن يكابده ويبخل بماله أن ينفقه وجبن عن العدو ~~أن يقاتله فليكثر من سبحان الله وبحمده فإنها أحب إلى الله عز وجل من جبل ~~ذهب أو جبل فضة ينفقه في سبيل الله عز وجل وخرج البزار بإسناد مقارب من ~~حديث ابن عباس مرفوعا قال في حديثه فليكثر ذكر الله ولم يزد على ذلك وفي ~~المعنى أحاديث أخر متعددة الحديث السادس والعشرون عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل سلامى من الناس عليه صدقة كل ~~يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة وتعين ms330 الرجل في دابته فتحمله عليها ~~أو ترفع له عليها متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقة وبكل خطوة تمشيها إلى ~~الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة رواه البخاري ومسلم PageV01P239 ~~هذا الحديث خرجاه من رواية همام بن منبه عن أبي هريرة وخرجه البزار من ~~رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال للإنسان ~~ثلاثمائة وستون عظما أو ستة وثلاثون سلامي عليه في كل يوم صدقة قالوا فمن ~~لم يجد قال يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قالوا فمن لم يستطع قال يرفع ~~عظما عن الطريق قالوا فمن لم يستطع قال فليعن ضعيفا قالوا فمن لم يستطع ذلك ~~قال فليدع الناس من شره وخرج مسلم من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال خلق الله ابن آدم على ستين وثلاثمائة مفصل فمن ذكر الله وحمد الله ~~وهلل الله وسبح الله وعزل حجرا عن طريق المسلمين أو عزل شوكة أو عزل عظما ~~أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر عدد تلك الستين والثلاث المائة السلامي أمسى ~~من يومه وقد زحزح نفسه من النار وخرج مسلم أيضا من رواية أبي الأسود ~~الديلمي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يصبح على كل سلامي ~~أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة ~~صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزي من ذلك ركعتا الضحي ~~يركعهما وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال PageV01P240 في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلا عليه أن يتصدق عن كل ~~مفصل منه بصدقة قالوا ومن يطيق ذلك يا نبي الله قال النخاعة في المسجد ~~يدفنها والشيء ينحيه عن الطريق فإن لم يجد فركعتا الضحى يجزئك وفي الصحيحين ~~عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال على كل مسلم صدقة قالوا فإن ~~لم يجد قال فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق قالوا فإن لم يستطع أو لم يفعل ~~قال يعين ذا ms331 الحاجة الملهوف قالوا فإن لم يفعل قال فليأمر بالمعروف قالوا ~~فإن لم يفعل قال فليمسك عن الشر فإنه صدقة وخرج ابن حبان في صحيحه من حديث ~~ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال على كل منسم من ~~ابن آدم صدقة كل يوم فقال رجل من القوم ومن يطيق هذا قال أمر بالمعروف ونهي ~~عن المنكر صدقة والحمل على الضعيف صدقة وكل خطوة يخطوها أحدكم إلى الصلاة ~~صدقة وخرجه البزار وغيره وفي مسنده رواية على كل ميسم من الإنسان صدقة كل ~~يوم أو صلاة فقال رجل هذا أشد ما يتشابه فقال إن أمرا بالمعروف ونهيا عن ~~المنكر صلاة أو صدقة وحملك عن الضعيف صلاة إنحاؤك القذر عن الطريق صلاة وكل ~~خطوة يخطوها إلى الصلاة صلاة وفي رواية البزار وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ~~أو قال صلاة قال بعضهم يريد بالميسم كل عضو على حدة مأخوذ من الوسم وهو ~~العلامة إذ ما من عظم ولا عرق ولا عصب إلا وعليه أثر صنع الله عز و جل فيجب ~~على العبد الشكر على ذلك والحمد لله على خلقه سويا صحيحا وهذا هو المراد ~~بقوله عليه الصلاة والسلام كل يوم لأن الصلاة تحتوي على الحمد والشكر ~~والثناء وخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس رفع الحديث إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال على كل سلامي أو على كل عضو من بني آدم في كل يوم صدقة ~~ويجزي من ذلك كله ركعتا الضحي ويروى من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال على كل نفس في كل يوم صدقة قيل فإن كان لا يجد شيئا قال أليس ~~بصيرا شهما فصيحا صحيحا قال بلى قال يعطي من قليلة وكثيرة وإن نصرك للمنقوص ~~صدقة وإن سمعك للمنقوص سمعه صدقة وقد ذكرنا في شرح الحديث الماضي حديث أبي ~~ذر الذي خرجه ابن حبان في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس من ~~نفس ابن آدم إلا عليها ms332 صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس قيل يا رسول الله ومن ~~أين لنا صدقة نتصدق بها قال إن أبواب الخير لكثيرة التسبيح والتحميد ~~والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتميط الأذى عن الطريق ~~وتسمع الأصم وتهدي الأعمى وتدل المستدل على حاجته وتسعى بشدة ساقيك مع ~~اللهفان المستغيث وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف فهذا كله صدقة منك على نفسك ~~فقوله صلى الله عليه وسلم على كل سلامي من الناس عليه صدقة قال أبو عبيد ~~السلامي في الأصل عظم يكون في فرسن البعير قال فكأن معنى الحديث على كل عظم ~~من عظام ابن آدم صدقة يشير أبو عبيد إلى أن السلامي اسم PageV01P241 لبعض ~~العظام الصغار التي في الإبل ثم عبر بها عن العظام في الجملة بالنسبة إلى ~~الآدمي و غيره فمعنى الحديث عنده على كل عظم من عظام بني آدم صدقة وقال ~~غيره السلامي عظم في طرف اليد والرجل وكني بذلك عن جميع عظام الجسد ~~والسلامي جمع وقيل هو مفرد وقد ذكر علماء الطب أن جميع عظام البدن مائتان ~~وثمانية وأربعون عظما تسمى السمسمانيات وبعضهم يقول هي ثلاثة مائة وستون ~~عظما يظهر منها للحس مائتان وخمسة وستون عظما والباقية صغار لا تظهر وتسمى ~~السمسمانية وهذه الأحاديث تصدق هذا القول ولعل السلامي عبر بها عن هذه ~~العظام الصغار كما أنها في الأصل اسم لأصغر ما في البعير من العظام ورواية ~~البزار لحديث أبي هريرة يشهد بهذا حيث قال فيها أو ستة وثلاثون سلامي وقد ~~خرجه غير البزار وقال فيه إن في ابن آدم ستمائة وستين عظما وهذه الرواية ~~غلط وفي حديث عائشة وبريدة ذكر ثلاث مائة وستين مفصلا ومعنى الحديث أن تركب ~~هذه العظام وسلامتها من أعظم نعم الله على عبده فيحتاج كل عظم منها إلى ~~صدقة يتصدق ابن آدم عنه ليكون ذلك شكرا لهذه النعمة قال الله عز وجل يا ~~أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ~~ركبك الانفطار وقال عز وجل ms333 قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة قليلا ما تشكرون الملك وقال والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون النحل وقال ألم ~~نجعل له عينين ولسانا وشفتين البلد قال مجاهد هذه نعم من الله متظاهرة ~~يقررك بها كيما تشكر وقرأ الفضل هذه الآية ليلة فبكى فسئل عن بكائه فقال هل ~~بت ليلة شاكرا لله أن جعل لك عينين تبصر بهما هل بت ليلة شاكرا لله أن جعل ~~لك لسانا تنطق به وجعل يعدد من هذا الضرب وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ~~سلمان الفارسي قال إن رجلا بسط له من الدنيا فانتزع ما في يديه فجعل يحمد ~~الله عز وجل ويثني عليه حتى لم يكن له فراش إلا بوري فجعل يحمد الله ويثني ~~عليه وبسط للآخر من الدنيا فقال لصاحب البوري أرأيتك أنت على ما تحمد الله ~~عز وجل قال أحمد الله على ما لو أعطيت به ما أعطى الخلق لم أعطهم إياه قال ~~وما ذاك قال أرأيت بصرك أرأيت لسانك أرأيت يديك أرأيت رجليك وبإسناده عن ~~أبي الدرداء أنه كان يقول الصحة غناء الجسد وعن يونس بن عبيد أن رجلا شكا ~~إليه ضيق حاله فقال له يونس أيسرك أن لك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف ~~درهم قال الرجل لا قال فبيدك مائة ألف درهم قال لا قال فرجليك قال لا قال ~~فذكره نعم الله عليه فقال يونس أرى عندك مئين ألوفا وأنت تشكو الحاجة وعن ~~وهب بن منبه قال مكتوب في PageV01P242 حكمة آل داود العافية الملك الخفي ~~وعن بكر المزني قال يا ابن آدم إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك فغمض ~~عينيك وفي بعض الآثار كم من نعمة لله في عرق ساكن وفي صحيح البخاري عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نعمتان مغبون فيهما ~~كثير من الناس الصحة والفراغ فهذه النعم مما يسأل الإنسان عن شكرها يوم ms334 ~~القيامة ويطالب بها كما قال تعالى ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم وخرج الترمذي ~~وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم فيقال له ألم نصح لك جسمك ~~ونروك من الماء البارد وقال ابن مسعود رضي الله عنه النعيم الأمن والصحة ~~وروي عنه مرفوعا وقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ثم لتسئلن يومئذ ~~عن النعيم التكاثر قال النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل الله ~~العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منهم وهو قوله تعالى إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا وخرج الطبراني من رواية أيوب بن عقبة وفيه ~~ضعف عن عطاء عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا ~~الله كان له بها عهد عند الله ومن قال سبحان الله وبحمده كتب له بها مائة ~~ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة فقال رجل كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله ~~قال إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة ~~من نعم الله فتكاد أن تستنفد ذلك كله إلا أن يتطاول الله برحمته وروي ابن ~~أبي الدنيا بإسناد فيه ضعف أيضا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~يؤتى بالنعم يوم القيامة وبالحسنات والسيئات فيقول الله لنعمة من نعمه خذي ~~حقك من حسناته فما تترك له حسنة إلا ذهبت بها وبإسناده عن وهب بن منبه قال ~~عبدالله عابد خمسين عاما فأوحى الله عز وجل إني قد غفرت لك قال يا رب وما ~~تغفر لي ولم أذنب فأذن الله عز وجل لعرق في عنقه فضرب عليه فلم ينم ولم يصل ~~ثم سكن وقام فأتاه ملك فشكا إليه ما لقي من ضربات العرق فقال الملك إن ربك ~~عز وجل يقول عبادتك خمسين سنة لم تعدل سكون ذلك العرق و خرج الحاكم هذا ~~المعنى مرفوعا من رواية ms335 سلمان بن هرم الفرشي عن محمد بن المنكدر عن جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن جبرائيل أخبره أن عابدا عبدالله على رأس جبل ~~في البحر خمسمائة سنة ثم سأل ربه أن يقبضه وهو ساجد قال فنحن نمن عليه إذا ~~هبطنا وإذا عرجنا ونجد في العلم أنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله ~~عز و جل فيقول الله عز و جل ادخلو عبدي الجنة برحمتي فيقول العبد يا رب ~~بعملي ثلاث مرات ثم يقول الله للملائكة قيسوا عبدي بنعمتي عليه و بعمله ~~فيجدون نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة وبقيت نعم الجسد له فيقول ~~أدخلوا عبدي النار فيجر إلى النار فينادي ربه برحمتك أدخلني الجنة برحمتك ~~أدخلني الجنة فيدخله الجنة قال جبرائيل إنما الأشياء برحمة الله يا محمد ~~وسلمان بن هرم قال العقيلي هو مجهول وحديثه PageV01P243 غير محفوظ وروى ~~الخرائطي بإسناد فيه نظر عن عبدالله بن عمرو مرفوعا يؤتى بالعبد يوم ~~القيامة فيوقف بين يدي الله عز و جل فيقول للملائكة انظروا في عمل عبدي ~~ونعمتي عليه فينظرون فيقولون و لا بقدر نعمة واحدة من نعمك عليه فيقول ~~انظروا في عمله سيئه وصالحه فينظرون فيجدونه كفافا فيقول عبدي قد قبلت ~~حسناتك وغفرت سيئاتك وقد وهبت لك نعمتي فيما بين ذلك والمقصود أن الله ~~تعالى أنعم على عباده بما لا يحصونه كما قال تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها إبراهيم النحل وطلب منهم الشكر و الرضا به منهم قال سليمان التيمي ~~إن الله أنعم على العباد على قدره وكلفهم الشكر على قدرهم حتى رضي منهم من ~~الشكر بالاعتراف بقلوبهم بنعمه وبالحمد بألسنتهم عليها كما خرجه أبو داود ~~والنسائي من حديث عبدالله بن غنام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال من قال حين يصبح اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك ~~فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر ذلك اليوم ومن قالها ~~حين يمسي أدى ms336 شكر ليلته وفي رواية النسائي عن عبدالله بن عباس رضي الله ~~عنهما وخرج الحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله ~~شكرها قبل أن يشكرها وما أذنب عبد ذنبا فندم عليه إلا كتب الله له مغفرته ~~قبل أن يستغفره وقال أبو عمرو الشيباني قال موسى عليه الصلاة والسلام يوم ~~الطور يا رب إن أنا صليت فمن قبلك وإن أنا تصدقت فمن قبلك وإن أنا بلغت ~~رسالتك فمن قبلك فكيف أشكرك قال الآن شكرتني وعن الحسن قال قال موسى عليه ~~السلام يا رب كيف يستطيع ابن آدم أن يؤدي شكر ما صنعت إليه خلقته بيدك ~~ونفخت فيه من روحك وأسكنته جنتك وأمرت الملائكة فسجدوا له فقال يا موسى علم ~~أن ذلك مني فحمدني عليه فكان ذلك شكرا لما صنعته وعن أبي الجلد قال قرأت في ~~مسئلة داود عليه السلام أنه قال يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل إلى ~~شكرك إلا بنعمتك قال فأتاه الوحي أن يا داود أليس تعلم أن الذي بك من النعم ~~مني قال بلى قال فإني أرضى بذلك منك شكرا قال وقرأت في مسئلة موسى عليه ~~السلام قال يا رب كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا يجازى ~~بها عملي كله قال فأتاه الوحي قال يا موسى الآن شكرتني وقال أبو بكر بن ~~عبدالله ما قال عبد قط الحمد لله مرة إلا وجبت عليه نعمة بقوله الحمد لله ~~فما جزى تلك النعمة جزاءها أن يقول الحمد لله فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد ~~نعماء الله وقد روى ابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان ~~الذي أعطى أفضل مما أخذ وروينا نحوه من حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد ~~مرفوعا أيضا ms337 وروي هذا عن الحسن البصري من قوله وكتب بعض عمال عمر بن ~~عبدالعزيز إليه إني PageV01P244 بأرض قد كثرت فيها النعم حتى لقد أشفقت على ~~أهلها من ضعف الشكر فكتب إليه عمر إني قد كنت أراك أعلم بالله لما أنت إن ~~الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته لو ~~كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل قال الله تعالى ولقد آتينا داود ~~وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين النمل ~~وقال تعالى وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت ~~أبوابها وقال لهم خزنتها إلى قوله وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده الزمر ~~أي نعمة أفضل من دخول الجنة وقد ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر عن بعض ~~العلماء أنه صوب هذا القول أعني قول من قال إن الحمد أفضل من النعمة وعن ~~ابن عيينة أنه خطأ قائله وقال لا يكون فعل العبد أفضل من فعل الرب عز و جل ~~ولكن الصواب قول من صوبه فإن المراد بالنعم النعم الدنيوية كالعافية والرزق ~~والصحة ودفع المكروه ونحو ذلك والحمد لله هو من النعم الدينية وكلاهما نعمة ~~من الله لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه بالحمد عليها أفضل من ~~النعمة الدنيوية على عبده فإن النعم الدنيوية إن لم يقترن بها الشكر كانت ~~بلية كما قال أبو حازم كل نعمة لا تقرب من الله فهي بلية فإذا وفق الله ~~عبده للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر كانت هذه ~~النعمة خيرا من تلك النعم و أحب إلى الله عز وجل فإن الله يحب المحامد و ~~يرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها ~~والثناء بالنعم والحمد عليها وشكرها عند أهل الجود والكرم أحب إليهم من ~~أموالهم فهم يبذلونها طلبا للثناء والله عز و جل أكرم الأكرمين و أجود ~~الأجودين فهو يبذل نعمه لعباده ويطلب منهم الثناء ms338 بها وذكرها منهم والحمد ~~عليها ويرضى منهم بذلك شكرا عليها وإن كان ذلك كله من فضله عليهم وهو غير ~~محتاج إلى شكرهم لكنه يحب ذلك من عباده حيث كان صلاح العبد وفلاحه وكماله ~~فيه ومن فضله سبحانه أنه نسب الحمد والشكر إليهم وإن كان من أعظم نعمه ~~عليهم وهذا كما أنه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال واستقرض منهم بعضه ومدحهم ~~بإعطائه والكل ملكه ومن فضله ولكن كرمه اقتضى ذلك ومن هنا يعلم معنى الأثر ~~الذي جاء مرفوعا وموقوفا الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافيء مزيده ولنرجع ~~الآن إلى تفسير حديث كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس ~~يعني أن الصدقة على ابن آدم من هذه الأعضاء في كل يوم من أيام الدنيا فإن ~~اليوم قد يعبر به عن مدة أزيد من ذلك كما يقال يوم صفين وكانت مدة أيام وعن ~~مطلق الوقت كما قال تعالى ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم هود وقد يكون ذلك ~~ليلا ونهارا فإذا قيل كل يوم تطلع فيه الشمس علم أن هذه الصدقة على ابن آدم ~~في كل يوم يعيش فيه من أيام الدنيا وظاهر الحديث يدل على أن هذا الشكر بهذه ~~الصدقة واجب على المسلم كل يوم ولكن الشكر على درجتين إحداهما واجب وهو أن ~~يأتي بالواجبات PageV01P245 ويتجنب المحرمات فهذا لا بد منه ويكفي في شكر ~~هذه النعم ويدل على ذلك ما خرجه أبو داود من حديث أبي الأسود الديلي قال ~~كنا عند أبي ذر فقال يصبح على كل سلامي من أحدكم في كل يوم صدقة فله بكل ~~صلاة صدقة وصيام صدقة وحج صدقة وتسبيح صدقة وتكبير وتحميد صدقة فعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من هذه الأعمال الصالحات وقال يجزيء أحدكم من ذلك ~~ركعتا الضحى وقد تقدم في حديث أبي موسى المخرج في الصحيحين فإن لم يفعل ~~فليمسك عن الشر فإنه له صدقة وهذا يدل على أنه يكفيه أن لا يفعل شيئا من ~~الشر و إنما يكون مجتنبا ms339 للشر إذا قام بالفرائض واجتنب المحارم فإن أعظم ~~الشر ترك الفرائض ومن هنا قال بعض السلف الشكر ترك المعاصي قال بعضهم الشكر ~~أن لا يستعان بشيء من النعم على معصيته وذكر أبو حازم الزاهد شكر الجوارح ~~كلها أن تكف عن المعاصي وتستعمل في الطاعات ثم قال وأما من شكر بلسانه ولم ~~يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه فلم يلبسه فلم ينفعه ~~ذلك من البرد والحر والثلج والمطر وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم لينظر ~~العبد في نعم الله عليه في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك وليس من ~~هذا شيء إلا وفيه نعمة من الله عز وجل حق على العبد أن يعمل بالنعمة التي ~~في بدنه لله عز وجل في طاعته ونعمة أخرى في الرزق حق عليه أن يعمل لله عز و ~~جل فيما أنعم عليه من الرزق في طاعته فمن عمل بهذا كان قد أخذ بحزم الشكر ~~وأصله وفرعه ورأى الحسن رجلا يتبختر في مشيه فقال لله في كل عضو منه نعمة ~~اللهم لا تجعلنا ممن يتقوى بنعمتك على معصيتك الدرجة الثانية من الشكر ~~الشكر المستحب وهو أن يعمل العبد بعد أداء الفرائض واجتناب المحارم بنوافل ~~الطاعات وهذه درجة السابقين المقربين وهي التي أرشد إليها النبي صلى الله ~~عليه وسلم في هذه الأحاديث التي سبق ذكرها وكذلك كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يجتهد في الصلاة ويقوم حتى تنفطر قدماه فإذا قيل لم تفعل هذا وقد غفر ~~لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيقول أفلا أكون عبدا شكورا وقال بعض السلف ~~لما قال الله عز وجل اعملوا آل داود شكرا سبأ لم يأت عليهم ساعة من ليل أو ~~نهار إلا وفيهم مصل يصلي وهذا مع أن بعض الأعمال التي ذكرها النبي صلى الله ~~عليه وسلم واجب إما على الأعيان كالمشي إلى الصلاة عند من يرى وجوب الصلاة ~~في الجماعات في المساجد وإما على الكفاية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وإغاثة اللهفان والعدل بين ms340 الناس إما في الحكم بينهم أو في الإصلاح فقد روي ~~من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~أفضل الصدقة إصلاح ذات البين وهذه الأنواع التي أشار إليها النبي صلى الله ~~عليه وسلم من الصدقة منها ما نفعه متعد كالإصلاح وإعانة الرجل على ~~PageV01P246 دابته بحمله عليها لرفع متاعه عليها والكلمة الطيبة ويدخل فيها ~~السلام وتشميت العاطس وإزالة الأذى عن الطريق والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ودفن النخاعة في المسجد وإعانة ذي الحاجة الملهوف وإسماع الأصم ~~وتبصير المنقوص بصره وهداية الأعمى أو غيره الطريق وجاء في بعض رواية أبي ~~ذر وبيانك عن الأرتم صدقة يعني من لا يطيق الكلام إما لآفة في لسانه أو ~~لعجمة في لغته فبين عنه ما يحتاج إلى بيانه ومنه ما هو قاصر النفع كالتسبيح ~~والتكبير والتحميد والتهليل والمشي إلى الصلاة وصلاة ركعتي الضحى وإنما ~~كانتا مجزئتين عن ذلك كله لأن في الصلاة استعمال الأعضاء كلها في الطاعة ~~والعبادة فتكون كافية في شكر سلامي هذه الأعضاء وبقية كلام هذه الخصال ~~المذكورة أكثرها استعمال لبعض أعضاء البدن خاصة فلا تكمل الصدقة بها حتى ~~يأتي منها بعدد سلامي البدن وهي ثلاثمائة وستون كما في حديث عائشة رضي الله ~~عنها وعن أبويها وفي المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال أتدرون أي الصدقة أفضل أو أخير قالوا الله ورسوله أعلم قال ~~المنحة تمنح أخاك الدراهم أو ظهر دابة أو لبن الشاة أو لبن البقرة والمراد ~~بمنحة الدراهم قرضها ومنحة ظهر الدابة إفقارها وهو إعارتها لمن يركبها ~~ومنحة لبن الشاة أو البقرة أن تمنحه بقرة أو شاة يشرب لبنها ثم يعيدها إليه ~~وإذا أطلقت المنيحة لم تنصرف إلا إلى هذا وخرجه الإمام أحمد والترمذي من ~~حديث البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من منح ~~لبن أو ورق أو أهدي زقاقا كان له مثل عتق رقبة وقال الترمذي معنى قوله من ms341 ~~منح منحة لبن أو ورق إنما يعني به قرض الدراهم وقوله وأهدي زقاقا إنما يعني ~~به هداية الطريق وهو إرشاد السبيل وخرجه البخاري من حديث حسان بن عطية عن ~~أبي كبشة السلولي قال سمعت عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقول قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أربعون خصلة أعلاها منحة العنز ما من عامل يعمل ~~بخصلة منها رجاء ثوابها أو تصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة قال ~~حسان بن عطية فعددنا ما دون منحة العنز من رد السلام وتشميت العاطس وإماطة ~~الأذى عن الطريق ونحوه فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة وفي صحيح مسلم عن ~~جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حق الإبل حلبها على ~~الماء وإعارة دلوها وإعارة فحلها ومنحتها وحمل عليها في سبيل الله وخرج ~~الإمام أحمد من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل ~~معروف صدقة ومن المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق وأن تفرغ من دلوك في إنائه ~~وخرج الحاكم وغيره بزيادات وهي ما أنفق المرء على نفسه وأهله كتب له به ~~صدقة وما وقى به عرضه كتب له به صدقة وكل نفقة أنفقها المؤمن فعلى الله ~~خلفها ضامن إلا نفقة في معصية أو PageV01P247 بنيان وفي المسند عن أبي جري ~~الجهني قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المعروف فقال لا تحقرن من ~~المعروف شيئا ولو أن تعطي صلة الحبل ولو أن تعطي شسع النعل ولو أن تفرغ من ~~دلوك في إناء المستسقي ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم ولو أن تلقى ~~أخاك بوجه منطلق ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض ~~ومن أنواع الصدقة كف الأذى عن الناس باليد واللسان كما في الصحيحين عن أبي ~~ذر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال الإيمان بالله ~~والجهاد في سبيل الله قلت فإن لم أفعل قال تعين صانعا أو ms342 تصنع لأخرق قلت ~~أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل قال فكف شرك عن الناس فإنها صدقة وفي صحيح ابن ~~حبان عن أبي ذر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله دلني على عمل إذا عمل به ~~العبد دخل به الجنة قال يؤمن بالله قال قلت يا رسول الله إن مع الإيمان ~~عملا قال يرضخ مما رزقه الله قلت فإن كان معدما لا شيء له قال يقول قولا ~~معروفا بلسانه قلت فإن كان عييا لا يبلغ عنه لسانه قال فيعين مغلوبا قلت ~~فإن كان ضعيفا لا قدرة له قال فليصنع لأخرق قلت فإن كان أخرق فالتفت إلى ~~فقال ما تريد أن تدع في صاحبك شيئا من الخير فليدع الناس من أذاه قلت يا ~~رسول الله إن هذا كله ليسير قال والذي نفسي بيده ما من عبد يعمل بخصلة منها ~~يريد ما عند الله إلا أخذت بيده يوم القيامة فأدخلته الجنة فاشترط في هذا ~~الحديث لهذه الأعمال كلها إخلاص النية كما في حديث عبدالله بن عمرو الذي ~~فيه ذكر الأربعين خصلة وهذا كما في قوله عز وجل لا خير في كثير من نجواهم ~~إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات ~~الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما النساء وقد روي عن الحسن و ابن سيرين أن فعل ~~المعروف يؤجر عليه وإن لم يكن له فيه نية سئل الحسن عن الرجل يسأله آخر ~~حاجة وهو يبغضه فيعطيه حياء هل له فيه أجر فقال إن ذلك لمن المعروف وإن في ~~المعروف لأجرا خرجه حميد بن زنجويه وسئل ابن سيربن عن الرجل يتبع الجنازة ~~لا يتبعها حسبة يتبعها حياء من أهلها أله في ذلك أجر فقال أجر واحد بل له ~~أجران أجر الصلاة على أخيه وأجر لصلته الحي خرجه أبو نعيم في الحلية ومن ~~أنواع الصدقة أداء حقوق المسلم على المسلم بعضها مذكور في الأحاديث الماضية ~~ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ms343 عليه وسلم قال ~~حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنازة وإجابة ~~الدعوة وتشميت العاطس وفي رواية لمسلم للمسلم على المسلم ست قيل ما هن يا ~~رسول الله قال إذا لقيته تسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له ~~وإذا عطس فحمد الله فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فانبعثه وفي الصحيحين عن ~~البراء بن عازب رضي الله عنه قال PageV01P248 أمرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بسبع بعيادة المريض وأتباع الجنائز وتشميت العاطس وإبرار القسم ~~ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام وفي رواية لمسلم وإرشاد الضال ~~بدل إبرار القسم ومن أنواع الصدقة المشي بحقوق الآدميين الواجبة إليهم قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما من مشى بحق أخيه إليه ليقضيه فله بكل خطوة صدقة ~~ومنها إنظار المعسر وفي المسند وسنن ابن ماجه عن بريدة مرفوعا من أنظر ~~معسرا فله كل يوم صدقة قبل أن يحل الدين فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم ~~مثله صدقة ومنها الإحسان إلى البهائم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~سئل عن سقيها قال في كل كبد رطبة أجر وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~بغيا سقت كلبا يلهث من العطش فغفر لها وأما الصدقة القاصرة على نفس العامل ~~فمثل أنواع الذكر من التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل والاستغفار ~~والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك تلاوة القرآن والمشي إلى ~~المساجد والجلوس فيها لانتظار الصلاة أو لاستماع الذكر ومن ذلك التواضع في ~~اللباس والمشي والهدي والتبذل في المهنة واكتساب الحلال والتحري فيه ومنها ~~أيضا محاسبة النفس على ما سلف من أعمالها والندم والتوبة من الذنوب السالفة ~~والحزن عليها واحتقار النفس والازدراء بها ومقتها في الله عز و جل والبكاء ~~من خشية الله تعالى والتفكر في ملكوت السموات والأرض وفي أمور الآخرة ~~ومافيها من الوعد والوعيد ونحو ذلك مما يزيد الإيمان في القلب وينشأ عنه ~~كثير من أعمال القلوب كالخشية والمحبة والرجاء والتوكل وغير ذلك وقد قيل إن ~~هذا ms344 التفكر أفضل من نوافل الأعمال البدنية روي ذلك عن غير واحد من التابعين ~~منهم سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبدالعزيز وفي كلام الإمام أحمد ما يدل ~~عليه وقال كعب لأن أبكي من خشية الله أحب إلى من أن أتصدق بوزني ذهبا ~~الحديث السابع والعشرون عن النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال البر حسن الخلق و الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه ~~الناس رواه مسلم وعن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال جئت تسأل عن البر والإثم قلت نعم قال استفت قلبك البر ~~ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في ~~الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك حديث حسن رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن ~~حنبل والدارمي بإسناد حسن PageV01P249 أما حديث النواس بن سمعان فخرجه مسلم ~~من رواية معاوية بن صالح عن عبدالرحمن ابن حبيب بن نفير عن أبيه النواس ~~ومعاوية وعبد الرحمن وأبوه تفرد بتخريج حديثهم مسلم دون البخاري وأما حديث ~~وابصة فخرجه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة عن الزبير بن عبدالسلام عن ~~أيوب بن عبدالله بن مكرز عن وابصة بن معبد قال أتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والإثم إلا سألته عنه فقال لي ~~ادن يا وابصة فدنوت منه حتى مست ركبتي ركبته فقال يا وابصة أخبرك ما جئت ~~تسأل عنه أو تسألني قلت يا رسول الله أخبرني قال جئت تسألني عن البر والإثم ~~قلت نعم فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري ويقول يا وابصة استفت ~~نفسك البر ما اطمأنت إليه النفس و اطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في القلب ~~وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك وفي رواية أخرى للإمام أحمد أن ~~الزبير لم يسمعه من أيوب وقال حدثني جلساؤه وقد رأيته ففي إسناد هذا الحديث ~~أمران يوجب كل ms345 منهما ضعفه أحدهما الانقطاع بين أيوب والزبير فإنه رواه عن ~~PageV01P250 قوم لم يسمعهم والثاني ضعف الزبير هذا قال الدارقطني روي ~~أحاديث مناكير وضعفه ابن حبان أيضا لكنه سماه أيوب بن عبدالسلام وأخطأ في ~~اسمه وله طريق آخر عن وابصة خرجه الإمام أحمد أيضا من رواية معاوية بن صالح ~~عن أبي عبدالله السلمي قال سمعت وابصة وذكر الحديث مختصرا ولفظه قال البر ~~ما انشرح له الصدر والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك عنه الناس والسلمي هذا ~~قال على بن المديني هو مجهول وخرجه البزار والطبراني وعندهما أبو عبدالله ~~الأسدي وقال البزار لا نعلم أحدا سماه كذا قال وقد سمي في بعض الروايات ~~محمد قال عبدالغني بن سعيد الحافظ لو قال قائل إنه محمد بن سعيد المصلوب ~~لما رفعت ذلك والمصلوب هذا صلبه المنصور في الزندقة وهو مشهور بالكذب ~~والوضع ولكنه لم يدرك وابصة والله أعلم وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من وجوه متعددة وبعض طرقه جيدة فخرجه الإمام أحمد وابن حبان ~~في صحيحه من طريق يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن أبي ~~أمامة قال قال رجل يا رسول الله ما الإثم قال إذا حاك في صدرك شيء فدعه ~~وهذا إسناد جيد على شرط مسلم فإنه خرج حديث يحيى بن كثير عن زيد بن سلام ~~وأثبت أحمد سماعه منه وإن أنكره ابن معين وخرج الإمام أحمد من رواية ~~عبدالله بن العلاء بن زيد قال سمعت مسلم بن مسلم قال سمعت أبا ثعلبة الخشني ~~يقول قلت يا رسول الله أخبرني ما يحل لي و ما يحرم علي قال البر ما سكنت ~~إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولا يطمئن إليه ~~القلب وإن أفتاك المفتون وهذا أيضا إسناد جيد وعبد الله بن علاء بن زبير ~~ثقة مشهور وخرجه البخاري ومسلم بن مسلم ثقة مشهور أيضا وخرج الطبراني وغيره ~~بإسناد ضعيف من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله ms346 عنه قال قلت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم أفتني عن أمر لا أسألك عنه أحدا بعدك قال استفت نفسك قلت كيف لي ~~بذلك قال تدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وإن أفتاك المفتون قلت كيف بذلك قال ~~تضع يدك على قلبك فإن الفؤاد ليسكن للحلال ولا يسكن للحرام ويروى نحوه من ~~حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف أيضا وروى ابن لهيعة عن أبي زيد بن أبي حبيب أن ~~سويد بن قيس أخبره عن عبدالرحمن بن معاوية أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا رسول الله ما يحل لي وما يحرم على و ردد عليه ثلاث مرات كل ~~ذلك يسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال أين السائل فقال له أنا يا رسول ~~الله فقال بأصبعه ما أنكر قلبك فدعه خرجه أبو القاسم البغوي في معجمه وقال ~~لا أدري عبدالرحمن بن معاوية سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ولا ~~أعلم له غير هذا الحديث قلت هو عبدالرحمن بن معاوية بن خديج جاء منسوبا في ~~كتاب الزهد لابن المبارك وعبدالرحمن هو تابعي مشهور فحديثه مرسل وقد صح عن ~~ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال الإثم حزاز القلوب واحتج به الإمام أحمد و ~~رواه عن جرير PageV01P251 عن منصور عن محمد بن عبدالرحمن عن أبيه قال قال ~~عبدالله إياكم وحزاز القلوب وما حز في قلبك فدعه قال أبو الدرداء الخير في ~~طمأنينة والشر في ريبة وروى ابن مسعود من وجه منقطع أنه قيل له أرأيت شيئا ~~يحيك في صدورنا لا ندري حلال هو أم حرام فقال وإياكم والحكاكات فإنهن الإثم ~~و الحك والحز متقاربان في المعنى والمراد ما أثر في القلب ضيقا وحرجا و ~~نفورا وكراهة وهذه الأحاديث مشتملة على تفسير البر و الإثم وبعضها في تفسير ~~الحلال والحرام فحديث النواس بن سمعان فسر النبي صلى الله عليه وسلم البر ~~بحسن الخلق وفسره في حديث وابصة وغيره بما اطمأنت إليه النفس والقلب كما ~~فسر الحلال والحرام ms347 بذلك في حديث أبي ثعلبة وإنما اختلف في تفسير البر لأن ~~البر يطلق باعتبارين معينين أحدهما باعتبار معاملة الخلق بالإحسان إليهم ~~وربما خص بالإحسان إلى الوالدين فيقال بر الوالدين ويطلق كثيرا على الإحسان ~~إلى الخلق عموما وقد صنف ابن المبارك كتابا سماه كتاب البر والصلة وكذلك في ~~صحيح البخاري وجامع الترمذي كتاب البر والصلة ويتضمن هذا الكتاب الإحسان ~~إلى الخلق عموما ويقدم فيه بر الوالدين على غيرهما وفي حديث بهز ابن حكيم ~~عن أبيه عن جده أنه قال يا رسول الله من أبر قال أمك قال ثم من قال أباك ~~قال ثم من قال ثم الأقرب فالأقرب ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة وفي المسند أنه صلى الله عليه ~~وسلم سئل عن بر الحج فقال إطعام الطعام وإفشاء السلام و في رواية أخرى قال ~~وطيب الكلام وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول البر شيء هين وجه طلق وكلام ~~لين وإذا قرن البر بالتقوى كما في قوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ~~المائدة فقد يكون المراد بالبر معاملة الخلق بالإحسان وبالتقوى معاملة الحق ~~بفعل طاعته واجتناب محرماته وقد يكون أريد بالبر فعل الواجبات وبالتقوى ~~اجتناب المحرمات وقوله تعالى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان المائدة قد ~~يراد بالإثم المعاصي وبالعدوان ظلم الخلق وقد يراد بالإثم ما هو محرم في ~~نفسه كالزنا والسرقة وشرب الخمر وبالعدوان تجاوز ما أذن فيه إلى ما نهى عنه ~~مما جنسه مأذون فيه كقتل ما أبيح قتله بقصاص ومن لا يباح فيه وأخذ زيادة ~~على الواجب من الناس في الزكاة ونحوها ومجاوزة الحد في الذي وصى به في ~~الحدود ونحو ذلك والمعنى الثاني من معنى البر أن يراد به فعل جميع الطاعات ~~الظاهرة والباطنة كقوله تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ms348 والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك ~~الذين PageV01P252 صدقوا وأولئك هم المتقون البقرة وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سئل عن الإيمان فتلا هذه الآية فالبر بهذا المعنى يدخل فيه ~~جميع الطاعات الباطنة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والطاعات ~~الظاهرة كإنفاق الأموال فيما يحبه الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء ~~بالعهد والصبر على الأقدار كالمرض والفقر وعلى الطاعات كالصبر على لقاء ~~العدو وقد يكون جواب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النواس شاملا لهذه ~~الخصال كلها لأن حسن الخلق قد يراد به التخلق بأخلاق الشريعة والتأدب بآداب ~~الله التي أدب بها عباده في كتابه كما قال لرسوله صلى الله عليه وسلم وإنك ~~لعلى خلق عظيم القلم وقالت عائشة رضي الله عنها كان خلقه صلى الله عليه ~~وسلم القرآن يعني أنه يتأدب بآدابه فيفعل أوامره ويتجنب نواهيه فصار العمل ~~بالقرآن له خلقا كالجبلة والطبيعة لا يفارقه وهذا من أحسن الأخلاق وأشرفها ~~وأجملها وقد قيل إن الدين كله خلق وأما في حديث وابصة فقال البر ما اطمأن ~~إليه القلب واطمأنت إليه النفس وفي رواية ما انشرح إليه الصدر وفسر الحلال ~~بنحو ذلك كما في حديث أبي ثعلبة وغيره وهذا يدل على أن الله فطر عباده على ~~معرفة الحق والسكون إليه وقبوله و ركز في الطباع محبة ذلك والنفور عن ضده ~~وقد يدخل هذا في قوله في حديث عياض بن حمار إني خلقت عبادي حنفاء مسلمين ~~فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن ~~يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وقوله كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها ~~من جدعاء قال أبو هريرة رضي الله عنه اقرأوا إن شئتم فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله الروم ولهذا سمى الله ما أمره به معروفا ~~وما نهى عنه منكرا فقال تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى وينهى عن ms349 الفحشاء والمنكر والبغي النحل وقال تعالى في صفة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث الأعراف وأخبر أن ~~قلوب المؤمنين تطمئن بذكره فالقلب الذي دخله نور الإيمان وانشرح به وانفسح ~~سكن للحق واطمأن به و يقبله وينفر عن الباطل و يكرهه و لا يقبله وقال معاذ ~~بن جبل أحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان ~~الحكيم وقد يقول المنافق كلمة الحق فقيل لمعاذ ما يدريني أن الحكيم قد يقول ~~كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق قال اجتنب من كلام الحكيم ~~المشتهرات التي يقال ما هذه ولا يثنيك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع و تلق ~~الحق إن سمعته فإنه على الحق نور خرجه أبو داود وفي رواية له قال بل ما ~~تشابه عليك من قول الحكيم حتى تقول ما أدري بهذه الكلمة فهذا يدل على أن ~~الحق والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن البصير بل يعرف الحق بالنور عليه ~~فيقبله قلبه وينفر عن الباطل فينكره ولا يعرفه ومن هذا المعنى قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم سيكون في آخر الزمان قوم يحدثونكم بما لا تسمعون أنتم ~~ولا آباؤكم فإياكم وإياهم يعني أنهم يأتون بما تستنكره PageV01P253 قلوب ~~المؤمنين ولا تعرفه وفي قوله أنتم ولا آباؤكم إشارة إلى أن ما استقرت ~~معرفته عند المؤمنين مع تقادم العهد وتطاول الزمان فهو الحق وأن ما أحدث ~~بعد ذلك فما يستنكر فلا خير فيه فدل حديث وابصة وما في معناه على الرجوع ~~إلى القلوب عند الاشتباه مما سكن إليه القلب وانشرح إليه الصدر فهو البر ~~والحلال وما كان خلاف ذلك فهو الإثم والحرام وقوله في حديث النواس بن سمعان ~~الإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس إشارة إلى أن الإثم ما أثر ~~في الصدر حرجا وضيقا وقلقا واضطرابا فلم ينشرح له الصدر ومع هذا فهو عند ~~الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم ~~عند الاشتباه وهو ما ms350 استنكر الناس فاعله وغير فاعله ومن هذا المعنى قول ابن ~~مسعود رضي الله عنه ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه ~~المومنون قبيحا فهو عند الله قبيح وقوله في حديث وابصة وأبي ثعلبة وإن ~~أفتاك المفتون يعني أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم وإن أفتاه غيره بأنه ~~ليس بإثم فهذه مرتبة ثانية وهو أن يكون الشيء مستنكرا عند فاعله دون غيره ~~وقد جعله أيضا إثما وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان ~~وكان المتفتي يفتي له بمجرد ظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي فأما ما ~~كان مع المفتي به دليل شرعي فالواجب على المفتى الرجوع إليه وإن لم ينشرح ~~له صدره وهذا كالرخصة الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة في ~~السفر ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال فهذا لا عبرة به وقد ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يأمر أصحابه بما لا تنشرح به صدور ~~بعضهم فيمتنعون من قوله فيغضب من ذلك كما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فكرهه ~~من كرهه منهم وكما أمرهم بنحر هديهم والتحلل من عمرة الحديبية فكرهوه ~~وكرهوا مفاوضته لقريش على أن يرجع من عامه وعلى أن من أتاه منهم يرده إليهم ~~وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال ~~تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا فإن ما شرعه ~~الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به والتسليم له كما قال تعالى فلا و ربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و ~~يسلموا تسليما النساء وأما ما ليس فيه نص من الله ولا رسوله ولا عمن يقتدي ~~بقوله من الصحابة وسلف الأمة فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان ~~المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شيء ms351 وحك في صدره بشبهة موجودة ولم ~~يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه ~~بل هو معروف باتباع الهوى فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه ~~هؤلاء المفتون وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا أيضا قال المروزي في كتاب ~~الورع قلت لأبي عبدالله إن القطيعة أرفق بي من سائر الأسواق وقد وقع في ~~قلبي من أمرها شيء فقال أمرها أمر قذر PageV01P254 متلوث قلت فتكره العمل ~~فيها قال دع عنك هذا إن كان لا يقع في قلبك شيء قلت قد وقع في قلبي منها ~~فقال قال ابن مسعود الإثم حواز القلب قلت إنما هذا على المشاورة قال أي شيء ~~يقع في قلبك قلت قد اضطرب على قلبي قال الإثم هو حواز القلوب وقد سبق في ~~شرح حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه الحلال بين والحرام بين وفي شرح ~~حديث الحسين بن على رضي الله عنهما دع ما يريبك وشرح حديث إذا لم تستح ~~فاصنع ما شئت شيء يتعلق بتفسير هذه الأحاديث المذكورة ههنا وقد ذكر طوائف ~~من الفقهاء من الشافعية والحنفية المتكلمين في أصول الفقه مسألة الإلهام هل ~~هو حجة أم لا وذكروا فيه اختلافا بينهم وذكر طائفة من أصحابنا أن الكشف ليس ~~بطريق إلى الأحكام وأخذه القاضي أبو يعلى من كلام أحمد في ذم المتكلمين في ~~الوساوس والخطرات وخالفهم طائفة من أصحابنا في ذلك وقد ذكرنا نصا عن أحمد ~~ههنا بالرجوع إلى حواز القلوب وإنما ذم أحمد وغيره المتكلمين على الوساوس ~~والخطرات من الصوفية حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي بل إلى ~~مجرد رأي و ذوق كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي ~~من غير دليل شرعي فأما الرجوع إلى الأمور المشتبهة إلى حواز القلوب فقد دلت ~~عليه النصوص النبوية وفتاوي الصحابة فكيف ينكره الإمام أحمد بعد ذلك لا ~~سيما وقد نص على الرجوع إليه موافقة لهم وقد سبق الحديث ms352 إن الصدق طمأنينة ~~والكذب ريبة فالصدق يتميز من الكذب بسكون القلب إليه ومعرفته وبنفوره عن ~~الكذب وإنكاره كما قال الربيع بن خثيم إن للحديث نورا كنور النهار فيعرف به ~~وللكذب ظلمة كظلمة الليل ينكره وخرج الإمام أحمد من حديث ربيعة عن عبدالملك ~~بن سعيد بن سويد وأبي أسيد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون ~~أنه منكم قريب فأنا أولاكم به وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر ~~عنه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه وإسناده قد قيل ~~على شرط مسلم لأنه خرج بهذا الإسناد بعينه حديثا لكن هذا الحديث معلول فإنه ~~رواه بكير بن الأشج عن عبدالملك بن سعيد عن عباس بن سهل عن أبي بن كعب من ~~قوله قال البخاري هو أصح من يحيى ابن آدم عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا حدثتم عني ~~حديثا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوه فإني أقول ما يعرف ولا ينكر وإذا حدثتم ~~عني PageV01P255 بحديث تنكرونه ولا تعرفونه فلا تصدقوا به فإني لا أقول ما ~~ينكر ولا يعرف وهذا الحديث معلول أيضا وقد اختلفوا في إسناده على ابن أبي ~~ذئب ورواه الحفاظ عنه عن سعيد مرسلا والمرسل أصح عند أئمة الحفاظ منهم ابن ~~معين والبخاري وأبو حاتم الرازي وابن خزيمة وقال ما رأيت أحدا من علماء ~~الحديث يثبت وصله وإنما يحمل مثل هذه الأحاديث على تقدير صحتها على معرفة ~~أئمة أهل الحديث الجهابذة النقاد الذين كثرت دراستهم لكلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولكلام غيره لحال رواة الأحاديث ونقلة الأخبار ومعرفتهم بصدقهم ~~وكذبهم وضبطهم وحفظهم فإن هؤلاء لهم نقد خاص في الحديث مختصون بمعرفته كما ~~يختص الصيرفي الحاذق بمعرفة النقود جيدها ورديئها وخالصها ومشوبها والجوهري ~~الحاذق في معرفة الجوهر بانتقاد الجواهر وكل من هؤلاء لا يمكن أن يعبر عن ~~سبب معرفته ms353 ولا يقيم عليه دليلا لغيره وآية ذلك أنه يعرض الحديث الواحد على ~~جماعة ممن يعلم هذا العلم فيتفقون على الجواب فيه من غير مواطأة وقد امتحن ~~منهم غير هذا مرة في زمن أبي زرعة وأبي حاتم فوجد الأمر على ذلك فقال ~~السائل أشهد أن هذا العلم إلهام قال الأعمش كان إبراهيم النخعي صيرفيا في ~~الحديث كنت أسمع من لرجال فأعرض عليه ما سمعته وقال عمرو بن قيس ينبغي ~~لصاحب الحديث أن يكون مثل الصيرفي الذي ينقد الدرهم الزائف والبهرج وكذا ~~الحديث وقال الأوزاعي كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم ~~الزائف على الصيارفة فما عرفوا أخذنا وما أنكروا تركنا وقيل لعبد الرحمن بن ~~مهدي إنك تقول للشيء هذا يصح وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك فقال أرأيت لو ~~أتيت الناقد فأريته دراهمك فقال هذا جيد وهذا بهرج أكنت تسأله عن ذلك أو ~~تسلم الأمر إليه قال لا بل كنت أسلم الأمر إليه فقال فهذا كذلك لطول ~~المجادلة والمناظرة والخبرة وقد روي نحو هذا المعنى عن الإمام أحمد أيضا ~~وأنه قيل له يا أبا عبدالله تقول هذا الحديث منكر فكيف علمت ولم تكتب ~~الحديث كله قال مثلنا كمثل ناقد العين لم تقع بيده العين كلها فإذا وقع ~~بيده الدينار يعلم بأنه جيد أو أنه رديء وقال ابن مهدي معرفة الحديث إلهام ~~وقال إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة وقال أبو حاتم الرازي مثل معرفة ~~الحديث كمثل فص ثمنه مائة دينار وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم قال ~~وكما لا يتهيأ للناقد أن يخبر بسبب نقده فكذلك نحن رزقنا علما لا يتهيأ لنا ~~أن نخبر كيف علمنا بأن هذا حديث كذب وأن هذا حديث منكر إلا بما نعرفه قال ~~ويعرف جودة الدينار بالقياس إلى غيره فإن تخلف عنه في الحمرة والصفاء علم ~~أنه مغشوش ويعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره فإن خالفه في المائية ~~والصلابة علم أنه زجاج ويعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه وأن يكون كلاما يصلح ~~مثل أن يكون ms354 كلام النبوة ويعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته ~~بروايته والله أعلم وبكل حال فالجهابذة النقاد العارفون بعلل الحديث أفراد ~~قليل من أهل الحديث جدا وأول من اشتهر في الكلام في نقد الحديث ابن سيرين ~~ثم خلفه أيوب السختياني وأخذ ذلك عنه شعبة وأخذ عن شعبة يحيى القطان وابن ~~مهدي وأخذ عنهما أحمد وعلى بن المديني وابن معين وأخذ عنهم مثل البخاري ~~وأبي داود وأبي زرعة وأبي حاتم وكان أبو زرعة في زمانه يقول من قال يفهم ~~هذا وما أعزه إلا رفعت هذا عن واحد واثنين فما أقل من تجد من يحسن هذا ولما ~~مات أبو زرعة قال أبو حاتم ذهب الذي كان يحسن هذا المعنى يعني أبا زرعة ما ~~بقي بمصر ولا بالعراق واحد يحسن هذا وقيل له بعد موت أبي زرعة يعرف اليوم ~~واحد يعرف هذا قال و جاء بعد هؤلاء جماعة منهم النسائي والعقيلي وابن عدي ~~والدارقطني وقل من جاء بعدهم من هو بارع في معرفة ذلك حتى قال أبو الفرج ~~الجوزي في أول كتابه الموضوعات قل من يفهم هذا بل عدم والله أعلم الحديث ~~الثامن والعشرون عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه قال وعظنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا ~~يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع ~~والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات ~~الأمور فإن كل بدعة ضلالة رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح ~~PageV01P256 هذا الحديث خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من ~~رواية ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي رضي الله ~~عنه زاد أحمد في رواية له وأبو داود وحجر بن حجر الكلاعي كلاهما عن العرباض ~~رضي الله عنه وقال الترمذي حسن صحيح وقال الحافظ أبو نعيم هو ms355 حديث جيد من ~~صحيح حديث الشاميين قال ولم يترك له البخاري ومسلم من جهة إنكار منهما له ~~وزعم الحاكم أن سبب تركهما له أنهما توهما أنه ليس له راو عن خالد بن معدان ~~عن ثور بن يزيد وقد رواه عنه أيضا بجير بن سعد ومحمد بن إبراهيم التيمي ~~وغيرهما قلت ليس الأمر كما ظنه وليس الحديث على شرطهما فإنما لم يخرجا لعبد ~~الرحمن بن عمرو السلمي ولا لحجر الكلاعي شيئا وليس ممن اشتهر بالعلم ~~والرواية وأيضا فقد اختلف فيه على خالد بن معدان فروي عنه كما تقدم وروي ~~عنه ابن عمرو عن أبي بلال عن العرباض وخرجه الإمام أحمد من هذا الوجه أيضا ~~عن ضمرة بن أبي حبيب عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي عن PageV01P258 العرباض ~~خرجه من طريقه الإمام أحمد وابن ماجه وزاد في حديثه فقد تركتكم على البيضاء ~~ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك وزاد في آخر الحديث فإنما المؤمن ~~كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد وقد أنكر طائفة من الحفاظ هذه الزيادة في آخر ~~الحديث وقالوا هي مدرجة فيه وليست منه قاله أحمد بن صالح المصري وغيره وقد ~~خرجه الحاكم وقال في حديثه وكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث فإن ~~المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد وخرجه ابن ماجه أيضا من رواية عبدالله ~~بن العلاء بن زبير حدثني يحيى بن أبي المطاع سمعت العرباض فذكره وهذا في ~~الظاهر إسناد جيد متصل ورواته ثقات مشهورون وقد صرح فيه بالسماع وقد ذكر ~~البخاري في تاريخه أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العرباض اعتمادا على هذه ~~الرواية إلا أن حفاظ أهل الشام أنكروا ذلك وقالوا يحيى بن أبي المطاع لم ~~يسمع من العرباض ولم يلقه وهذه الرواية غلط وممن ذكر ذلك زرعة الدمشقي ~~وحكاه عن دحيم وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم والبخاري رحمه الله يقع له في ~~تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام وقد روي عن العرباض من وجوه أخر وروي من ~~حديث بريدة عن النبي صلى ms356 الله عليه وسلم إلا أن إسناد بريدة لا يثبت والله ~~أعلم فقول العرباض وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية الإمام ~~أحمد وأبي داود والترمذي بليغة وفي روايتهم أن ذلك بعد صلاة الصبح وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة كخطب ~~الجمع والأعياد وقد أمره الله عز وجل بذلك فقال تعالى وعظهم وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا النساء وقال تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة النمل ولكنه كان لا يديم وعظهم بل يتخولهم بها أحيانا كما في ~~الصحيحين عن أبي وائل قال كان عبدالله بن مسعود يذكرنا كل يوم خميس فقال له ~~رجل يا أبا عبدالرحمن إنا نحب حديثك ونشتهيه ولوددنا أنك تحدثنا كل يوم ~~فقال ما يمنعني أن أحدثكم كل يوم إلا كراهة أن أملكم إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علنيا والبلاغة في الموعظة ~~مستحسنة لأنها أقرب إلى قبول القلوب واستجلابها والبلاغة هي التوصل إلى ~~إفهام المعاني المقصودة وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ ~~الدالة عليها وأفصحها وأحلاها لدى أسماع وأوقعها في القلوب وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقصر الخطبة ولا يطيلها بل كان يبلغ ويوجز وفي صحيح مسلم عن ~~جابر بن سمرة رضي الله عنه قال كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فكانت ~~صلاته قصدا وخطبته قصدا وخرجه أبو داود ولفظه كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هي كلمات يسيرات وخرجه مسلم من حديث ~~أبي وائل قال خطبنا عمار رضي الله عنه فأوجز وأبلغ فلما نزل قلنا يا أبا ~~اليقظا لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست قال إني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته PageV01P259 مئنة من فقهه ~~فأطيل الصلاة وأقصر الخطبة فإن من البيان سحرا وخرج الإمام أحمد وأبو داود ~~من حديث الحاكم بن حزم رضي الله عنه قال ms357 شهدت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الجمعة فقام متوكئا على عصا أو قوس فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات ~~طيبات مباركات وخرج أبو داود عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رجلا قام ~~يوما فأكثر القول فقال عمرو فلو قصد في قوله لكان خيرا له سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول لقد رأيت أو أمرت أن أتجوز في القول فإن الجواز هو ~~خير وقوله ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب هذان الوصفان بهما مدح الله ~~المؤمنين عند سماع الذكر كما قال تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا الأنفال وقال ألم يأن ~~للذين امنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق الحديد وقال تعالى ~~الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ~~ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله الزمر وقال تعالى وإذا سمعوا ما أنزل ~~إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق المائدة وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتغير حاله عند الموعظة كما قال جابر كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته واحمرت عيناه كأنه ~~منذر جيش يقول صبحكم ومساكم خرجه مسلم بمعناه وفي الصحيحين عن أنس رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فلما سلم ~~قام على المنبر فذكر الساعة وذكر أن بين يديها أمورا عظاما ثم قال من أحب ~~أن يسأل عن شيء فليسأل عنه فوالله ما تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به في ~~مقامي هذا قال أنس فأكثر الناس البكاء وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول سلوني فقام إليه رجل فقال أين مدخلي يا رسول الله قال النار وذكر ~~الحديث وفي مسند الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه خطب فقال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول أنذرتكم ms358 النار حتى لو أن رجلا ~~كان بالسوق لسمع من مقامي هذا قال حتى وقعت خميصته على عاتقه عند رجليه وفي ~~الصحيحين عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اتقوا النار قال ثم التاح ثم قال اتقوا النار قال ثم أعرض وأشاح ثلاثا ~~حتى قلت إنه ينظر إليها ثم قال اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد فبكلمة ~~طيبة وخرجه الإمام أحمد من حديث عبدالله بن سلمة عن على أو عن الزبير بن ~~العوام قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا فيذكرنا بأيام الله ~~حتى يعرف ذلك في وجهه وكأنه نذير قوم يصبحهم الأمر غدوة وكان إذا كان حديث ~~عهد بجبرائيل لم يتبسم ضاحكا حتى يرتفع عنه وخرج الطبراني والبزار من حديث ~~جابر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الوحي أو وعظ قلت نذير قوم ~~أتاهم العذاب فإذا ذهب عنه ذلك رأيته أطلق الناس وجها PageV01P260 وأكثرهم ~~ضحكا وأحسنهم بشرا صلى الله عليه وسلم وقوله فقلنا يا رسول الله كأنها ~~موعظة مودعة فأوصنا يدل على أنه كان صلى الله عليه وسلم قد أبلغ في تلك ~~الموعظة ما لم يبلغ في غيرها فلذلك فهموا أنها موعظة مودع فإن المودع ~~يستقصي ما لم يستقص غيره في القول والفعل ولذلك أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يصلي صلاة مودع لأنه من استشعر أنه مودع بصلاته أتقنها على أكمل ~~وجوهها وربما كان قد وقع منه صلى الله عليه وسلم تعريض في تلك الخطبة ~~بالتوديع كما عرض بذلك في خطبته في حجة الوداع وقال لا أدري لعلي لا ألقاكم ~~بعد عامي هذا وطفق يودع الناس فقالوا هذه حجة الوداع ولما رجع من حجه إلى ~~المدينة جمع الناس بماء بين مكة والمدينة يسمى خما وخطبهم وقال يا أيها ~~الناس إنما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه ثم حض على التمسك ~~بكتاب الله ووصى بأهل بيته خيرا خرجه مسلم وفي الصحيحين ms359 ولفظه لمسلم عن ~~عقبة بن عامر رضي الله عنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى ~~أحد ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات فقال إني فرطكم على الحوض فإن ~~عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكن ~~أخشى عليكم الدنيا تتنافسوا فيها فتقتتلون فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم ~~قال عقبة رضي الله عنه فكان آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~المنبر وخرج الإمام أحمد ولفظه صلي رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى ~~أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر فقال أيها الناس ~~إني فرطكم وأنا شهيد عليكم وإن موعدكم الحوض وإني لأنظر إليه ولست أخشى ~~عليكم الفقر ولكن الدينا أن تنافسوها وخرج الإمام أحمد أيضا عن عبدالله بن ~~عمر رضي الله عنهما قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ~~كالمودع فقال أنا محمد النبي الأمي قال ذلك ثلاث مرات ولا نبي بعدي أوتيت ~~فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه وعلمتكم خزنة النار وحملة العرش وتجوز لي ربي ~~وعوفيت أمتي فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله ~~أحلوا حلاله وحرموا حرامه فلعل في الخطبة التي أشار إليها العرباض بن سارية ~~في حديثه كانت بعض هذه الخطبة أو شبيهة بها ما يشعر بالتوديع وقولهم أوصنا ~~يعنون وصية جامعة كافية فإنهم لما فهموا أنه مودع استوصوه PageV01P261 وصية ~~ينفعهم بها التمسك بعده ويكون فيها كفاية لمن تمسك بها وسعادة له في الدنيا ~~والآخرة وقوله صلى الله عليه وسلم أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة فهاتان ~~الكلمتان يجمعان سعادة الدنيا والآخرة أما التقوى فهي كافلة سعادة الدنيا ~~والآخرة لمن تمسك بها وهي وصية الله للأولين والآخرين كما قال تعالى ولقد ~~وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وقد سبق في شرح ~~التقوى بما فيه كفاية في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله ~~عنه وأما السمع ms360 والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا وبها تنتظم ~~مصالح العباد في معاشهم وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم كما قال ~~على بن أبي طالب رضي الله عنه إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر إن ~~كان فاجرا عبدالمؤمن فيه ربه وحمل الفاجر فيها إلى أجله وقال الحسن في ~~الأمراء هم يلون من أمورنا خمسا الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود ~~والله ما يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا أو ظلموا والله لما يصلح الله بهم ~~أكثر مما يفسدون مع أن والله إن طاعتهم لغيظ وإن فرقتهم لكفر وخرج الخلال ~~في كتاب الإمارة من حديث أبي أمامة قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه حين صلوا العشاء أن احشدوا فإن لي إليكم حاجة فلما فرغوا من صلاة ~~الصبح قال هل حشدتم كما أمرتكم قالوا نعم قال اعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا هل عقلتم هذه ثلاثا قلنا نعم قال فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة هل ~~عقلتم هذه ثلاثا قلنا نعم قال اسمعوا وأطيعوا هل عقلتم هذه ثلاثا قلنا نعم ~~قال فكنا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتكلم كلاما طويلا ثم نظرنا ~~في كلامه فإذا هو قد جمع لنا الأمر كله في هذين الأصلين وصى النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حجة الوداع في خطبته أيضا كما خرجه الإمام أحمد والترمذي من ~~رواية أم الحصين الأحمسية قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في ~~حجة الوداع فسمعته يقول يا أيها الناس اتقوا الله وإن تأمر عليكم عبد حبشي ~~مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله وخرج مسلم منه ذكر السمع ~~والطاعة وخرج الإمام أحمد والترمذي أيضا من حديث أبي أمامة رضي الله عنه ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول اتقوا الله ~~وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة ما لكم وأطيعوا إذ أمركم تدخلوا جنة ~~ربكم وفي رواية أخرى قال يا أيها الناس إنه لا ms361 نبي بعد ولا أمة بعدكم وذكر ~~الحديث بمعناه وفي المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال من لقي الله لا يشرك به شيئا وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه ~~محتسبا وسمع وأطاع فله الجنة وقوله صلى الله عليه وسلم ولو تأمر عليكم عبد ~~وفي رواية حبشي هذا مما تكاثرت به الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو مما اطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أمر أمته بعده وولاية ~~العبيد عليهم PageV01P262 وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كان رأسه ~~زبيبة وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال إن خليلي صلى الله عليه ~~وسلم أوصاني أن أسمع وأطيع ولو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف والأحاديث في ~~هذا المعنى كثيرة جدا ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم لا يزال هذا ~~الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان وقوله صلى الله عليه وسلم الناس تبع ~~لقريش وقوله الأئمة من قريش لا ولاية للعبيد قد تكون من جهة إمام قريش ~~ويشهد لذلك ما أخرجه الحاكم من حديث على رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها ~~ولكل حق فآتوا كل ذي حق حقه وإن أمرت قريش فيكم عبدا حبشيا فاسمعوا له ~~وأطيعوا وإسناده جيد ولكنه روي عن على موقوفا وقال الدارقطني هو أشبه وقد ~~قيل إن العبد الحبشي إنما ذكره على وجه ضرب المثل وإن لم يصح وقوعه كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيمن بنى مسجدا و لو كمحفص قطاة وقوله صلى الله ~~عليه وسلم فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ هذا إخبار منه صلى ~~الله عليه وسلم بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في ms362 أصول الدين ~~وفروعه وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات وهذا موافق لما روي عنه من افتراق ~~أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة وهي ما كان ~~عليه وأصحابه ولذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك ~~بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده والسنة هي الطريق المسلوك فيشمل ذلك ~~التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال ~~وهذه هي السنة الكاملة ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون اسم السنة إلا على ~~ما يشمل ذلك كله وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض وكثير ~~من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد إلا أنها أصل ~~الدين والمخالف فيها على خطر عظيم وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمر بالسمع ~~والطاعة لأولي الأمر إشارة إلى أنه لا طاعة لأولي الأمر في غير طاعة الله ~~كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما الطاعة في المعروف وفي المسند ~~عن أنس أن معاذ بن جبل رضي الله عنهما قال يا رسول الله أرأيت إن كان علينا ~~أمراء لا يستنون بسنتك ولا يأخذون بأمرك فما تأمر في أمرهم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل وخرجه ابن ماجه من حديث ~~ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيلي أموركم بعدي ~~رجال يطفئون السنة بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها فقلت يا رسول الله ~~وإن أدركتهم كيف أفعل قال لا طاعة لم عصى الله وفي أمره صلى الله عليه وسلم ~~باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور ~~عموما دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين متبعة كاتباع السنة بخلاف غيرهم من ~~ولاة الأمور وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه قال ~~كنا عند PageV01P263 النبي صلى الله عليه وسلم جلوسا فقال إني لا أدري ما ~~قدر بقائي فيكم فاقتدوا بالذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي ms363 الله ~~عنهما وتمسكوا بعهد عمار وما حدثكم به ابن مسعود فصدقوه وفي رواية فتمسكوا ~~بعهد ابن أم عبد واهتدوا بهدي عمار فنص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~آخر عمره على من يقتدي به من بعده والخلفاء الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء ~~بهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم فإن في حديث سفينة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم والخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا وقد صحيح الإمام ~~أحمد واحتج به على خلافة الأئمة الأربعة ونص كثير من الأئمة على أن عمر بن ~~عبدالعزيز خليفة راشد أيضا ويدل عليه ما خرجه الإمام أحمد من حديث حذيفة ~~رضي الله عنه عن النبوة صلى الله عليه وسلم قال تكون النبوة فيكم ما شاء ~~الله أن تكون ثم يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبي فتكون ما شاء الله ~~أن تكون ثم يرفعها الله ثم تكون ملكا عاضا ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها ~~إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم إذا ~~شاء الله أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج نبوة ثم سكت فلما ولي عمر بن ~~عبدالعزيز دخل عليه رجل فحدثه بهذا الحديث فسر به وأعجبه وكان محمد بن ~~سيرين يسئل أحيانا عن شيء من الأشربة فيقول نهى عنه إمام هدي عمر بن ~~عبدالعزيز رضي الله عنه ورحمه وقد اختلف العلماء في إجماع الخلفاء الأربعة ~~هل هو إجماع أو حجة مع مخالفة غيرهم من الصحابة أم لا وفيه روايتان عن ~~الإمام أحمد وحكم أبو حازم الحنفي في زمن المعتضد بتوريث ذوي الأرحام ولم ~~يعتد بمن خالف الخلفاء وأنفذ حكمه في ذلك في الآفاق ولو قال بعض الخلفاء ~~الأربعة قولا ولم يخالفه أحد بل خالفه غيره من الصحابة فهل يقدم قوله على ~~قول غيره فيه قولان أيضا للعلماء والمنصوص عن أحمد أنه يقدم قوله على قول ~~غيره من الصحابة وكذا ذكره الخطابي وغيره وكلام أكثر السلف يدل على ذلك ~~خصوصا ms364 عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~وجوه أنه قال إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وكان عمر بن عبد العزيز ~~يتبع أحكامه ويستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله جعل الحق على ~~لسان عمر وقلبه وقال مالك قال عمر بن عبد العزيز سن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على ~~دين الله وليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر في أمر خالفها من اهتدى ~~بها فهو المهتدي ومن استنصر بها فهو المنصور ومن تركها واتبع غير سبيل ~~المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا وحكى عبدالله بن عبد ~~الحكم عن مالك أنه قال أعجبني عزم عمر على ذلك يعني هذا الكلام وروى عبد ~~الرحمن بن مهدي هذا الكلام عن مالك ولم يحكه عن عمر وقال خلف بن خليفة شهدت ~~عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة فقال في خطبته ألا إن ما سن ~~PageV01P264 رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه فهو وظيفة دين نأخذ به ~~وننتهي إليه وروى أبو نعيم من حديث عزوب الكندي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال إنه سيحدث بعدي أشياء فاجتهدوا إلى أن تلزموا ما أحدث عمر وكان ~~على رضي الله عنه يتبع قضاياه وأحكامه ويقول إن عمر كان رشيد الأمر وروى ~~الأشعث عن الشعبي قال إذا اختلف الناس في شيء فانظروا فيه كيف قضى عمر فإنه ~~لم يكن يقضي عمر في أمر لم يقض فيه قلبه حتى يشاور وقال مجاهد إذا اختلف ~~الناس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به وقال أيوب عن الشعبي انظروا ما ~~اجتمعت عليه أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله لم يكن يجمعها على ضلالة ~~فإذا اختلفت فانظروا ما صنع عمر بن الخطاب فخذوا به وسئل عكرمة عن أم الولد ~~فقال تعتق بموت سيدها قيل له بأي شيء تقول ms365 قال بالقرآن قال بأي القرآن قال ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم النساء وعمر رضي الله عنه من ~~أولي الأمور وقال وكيع إذا اجتمع عمر وعلي على شيء فهو الأمر وروى عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه أنه كان يحلف أن الصراط المستقيم هو الذي ثبت عليه عمر ~~رضي الله عنه وبكل حال فما جمع عمر عليه الصحابة فاجتمعوا عليه في عصره فلا ~~شك أنه الحق ولو خالفه من بعد ذلك من خالفه كقضائه في مسائل من الفرائض ~~كالعول وفي زوج وأبوين وزوجة وأبوين أن للأم ثلث الباقي وكقضائه فيمن جامع ~~في إحرامه أنه يمضي في نسكه وعليه القضاء والهدي ومثل ما قضى به في امرأة ~~المفقود ووافقه غيره من الخلفاء أيضا ومثل ما جمع عليه الناس في الطلاق ~~الثلاث وفي تحريم متعة النساء ومثل ما فعله من وضع الديوان ووضع الخراج على ~~أرض العنوة وعقد الذمة لأهل الذمة بالشروط التي شرطها عليهم ونحو ذلك ويشهد ~~لصحته ما جمع عليه عمر أصحابه فاجتمعوا عليه رضي الله عنهم ولم يخالف في ~~وقته قول النبي صلى الله عليه وسلم رأيتني في المنام أنزع على قليب فجاء ~~أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم جاء عمر بن ~~الخطاب فاستحالت غربا فلم أر أحدا يفري فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن وفي ~~رواية فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع ابن الخطاب وفي رواية أخرى حتى تولى ~~الحوض يتفجر وهذا إشارة إلى أن عمر لم يمت حتى وضع الأمور في مواضعها ~~واستقامت الأمور وذلك لطول مدته وتفرغه للحوادث واهتمامه بها بخلاف مدة أبي ~~بكر فإنها كانت قصيرة وكان مشغولا فيها بالفتوح وبعث البعوث للقتال فلم ~~يتفرغ لكثير من الحوادث وربما كان يقع في زمنه ما لا يبلغه ولا يرفع إليه ~~حتى رفعت تلك الحوادث إلى عمر فرد الناس فيها إلى الحق وحملهم على الصواب ~~رضي الله عنه وعن أبي بكر وعن الصحابة أجمعين وأما ما لم يجمع ms366 عمر الناس ~~عليه بل كان له فيه رأي وهو يسوغ لغيره أن يرى رأيا يخالف رأيه كمسائل الجد ~~مع الإخوة ومسئلة طلاق البتة فلا يكون قول عمر فيه PageV01P265 حجة على ~~غيره من الصحابة والله أعلم وإنما وصف الخلفاء بالراشدين لأنهم عرفوا الحق ~~وقضوا به والراشد ضد الغاوي والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه وفي رواية ~~المهديين يعني أن الله يهديهم للحق ولا يضلهم عنه فالأقسام ثلاثة راشد وغاو ~~وضال فالراشد عرف الحق واتبعه والغاوي عرفه ولم يتبعه والضال لم يعرفه ~~بالكلية فكل راشد فهو مهتد وكل مهتد هداية تامة فهو راشد لأن الهداية إنما ~~تتم بمعرفة الحق والعمل به أيضا وقوله عضوا عليها بالنواجذ كناية عن شدة ~~التمسك بها والنواجذ الأضراس قوله وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ~~تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة وأكد ذلك بقوله كل بدعة ~~ضلالة والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه وأما ما ~~كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة وفي صحيح ~~مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته ~~إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر ~~الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن ~~عبدالله المزني وفيه ضعف عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~من ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ولا رسوله كان عليه مثل آثام من عمل ~~بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا وخرج الإمام أحمد من رواية غضيف بن الحارث ~~الشمالي قال بعث إلى عبد الملك بن مروان فقال إنا قد جمعنا الناس على أمرين ~~رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة والقصص بعد صلاة الصبح والعصر فقال أما ~~إنهما أمثل بدعتكم عندي ولست بمجيبكم إلى شيء منها لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ما أحدث قوم بدعة إلا رفع ms367 مثلها من السنة فتمسك بسنة خير من إحداث ~~بدعة وقد روى ابن عمر رضي الله عنه من قوله نحو هذا فقوله صلى الله عليه ~~وسلم كل بدعة ضلالة من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول ~~الدين وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ~~رد فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه ~~فهو ضلالة والدين بريء منه وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو ~~الأقوال الظاهرة والباطنة وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع ~~فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لما ~~جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك ~~فقال نعمت البدعة هذه وروى عنه أنه قال إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة وروى ~~عن أبي بن كعب قال له إن هذا لم يكن فقال عمر قد علمت ولكنه حسن ومراده أن ~~هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت ولكن له أصل في الشريعة يرجع ~~إليها فمنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على قيام رمضان ويرغب فيه ~~وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانا وهو صلى الله ~~عليه وسلم صلى بأصحابه في رمضان PageV01P266 غير ليلة ثم امتنع من ذلك ~~معللا بأنه خشي أن يكتب عليهم فيعجزوا عن القيام به وهذا قد أمن بعده صلى ~~الله عليه وسلم وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم بأصحابه ليالي ~~الإفراد في العشر الأواخر ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع سنة ~~خلفائه الراشدين وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين فإن الناس اجتمعوا ~~عليه في زمن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ومن ذلك أذان الجمعة الأول زاده ~~عثمان لحاجة الناس إليه وأقره واستمر عمل المسلمين عليه وروى عن ابن عمر ~~أنه قال ms368 هو بدعة ولعله أراد ما أراد أبوه في قيام شهر رمضان ومن ذلك جمع ~~المصحف في كتاب واحد توقف فيه زيد بن ثابت وقال لأبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما كيف تفعلان ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ثم علم أنه مصلحة ~~فوافق على جمعه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بكتابة الوحي ولا ~~فرق بين أن يكتب مفرقا أو مجموعا بل جمعه صار أصلح وكذلك جمع عثمان الأمة ~~على مصحف وإعدامه لما خالفه خشية تفرق الأمة وقد استحسنه على وأكثر الصحابة ~~رضي الله عنهم وكان ذلك عين المصلحة وكذلك قتال من منع الزكاة توقف فيه عمر ~~وغيره حتى بين له أبو بكر أصله الذي يرجع إليه من الشريعة فوافقه الناس على ~~ذلك ومن ذلك القصص وقد سبق قول غضيف بن الحارث إنه بدعة وقال الحسن إنه ~~بدعة ونعمت البدعة كم من دعوة مستجابة وحاجة مقضية وأخ مستفاد وإنما عني ~~هؤلاء بأنه بدعة الهيئة الاجتماعية عليه في وقت معين فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن له وقت معين يقص على أصحابه فيه غير خطبته الراتبة في ~~الجمع والأعياد وإنما كان يذكرهم أحيانا أو عند حدوث أمر يحتاج إلى التذكير ~~عنده ثم إن الصحابة رضي الله عنهم اجتمعوا على تعيين وقت له كما سبق عن ابن ~~مسعود أنه كان يذكر أصحابه كل يوم خميس وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قال حدث الناس في كل جمعة مرة فإن أبيت فمرتين فإن أكثرت ~~فثلاثا ولا تمل الناس وفي المسند عن عائشة رضي الله عنها أنها وصت قاص أهل ~~المدينة بمثل ذلك وروى عنها أنها قالت لسعيد بن عمير حدث الناس يوما ودع ~~الناس يوما وروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاص أن يقص كل ثلاثة أيام ~~مرة وروى عنه أنه قال روح الناس ولا تثقل عليهم ودع القصص يوم السبت ويوم ~~الثلاثاء وقد روى الحافظ أبو نعيم بإسناد عن إبراهيم ms369 بن الجنيد قال سمعت ~~الشافعي يقول البدعة بدعتان بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو ~~محمود وما خالف السنة فهو مذموم واحتج بقول عمر رضي الله عنه نعمت البدعة ~~هي ومراد الشافعي رضي الله عنه ما ذكرناه من قبل أن أصل البدعة المذمومة ما ~~ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه وهي البدعة في إطلاق الشرع وأما البدعة ~~المحمودة فما وافق السنة يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه وإنما هي ~~بدعة لغة لا شرعا لموافقتها السنة وقد روى عن الشافعي كلام آخر يفسر هذا ~~وأنه قال المحدثات ضربان ما أحدث مما يخالف كتابا أو PageV01P267 سنة أو ~~أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة وما أحدث فيه من الخير لا خلاف فيه ~~لواحد من هذا وهذه محدثة غير مذمومة وكثير من الأمور التي أحدثت ولم يكن قد ~~اختلف العلماء في أنها بدعة حسنة حتى ترجع إلى السنة أم لا فمنها كتابة ~~الحديث نهى عنه عمر وطائفة من الصحابة ورخص فيها الأكثرون واستدلوا له ~~بأحاديث من السنة ومنها كتابة تفسير الحديث والقرآن كرهه قوم من العلماء ~~ورخص فيه كثير منهم وكذلك اختلافهم في كتابه الرأي في الحلال والحرام ونحوه ~~وفي توسعة الكلام في المعاملات وأعمال القلوب التي لم تنقل عن الصحابة ~~والتابعين وكان الإمام أحمد يكره أكثر ذلك وفي هذه الأزمان التي بعد العهد ~~فيها بعلوم السلف يتعين ضبط ما نقل عنهم من ذلك كله ليتميز به ما كان من ~~العلم موجودا في زمانهم وما أحدث في ذلك بعدهم فيعلم بذلك السنة من البدعة ~~وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنهما أنه قال إنكم قد أصبحتم اليوم على ~~الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالعهد الأول وابن ~~مسعود قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين وروى ابن حميد عن مالك قال لم يكن ~~شيء من هذه الأهواء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ~~وكان مالك يشير بالأهواء إلى ما حدث من ms370 التفرق في أصول الديانات من أمور ~~الخوارج والروافض والمرجئة ونحوهم ممن تكلم في تكفير المسلمين واستباحة ~~دمائهم وأموالهم أو في تخليدهم في النار أو في تفسيق خواص هذه الأمة أو عكس ~~ذلك من زعم أن المعاصي لا تضر أهلها وأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد ~~وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في أفعال الله تعالى في قضائه وقد مرد وكذب ~~بذلك من كذب وزعم أنه نزه الله بذلك عن الظلم وأصعب من ذلك ما حدث من ~~الكلام في ذات الله وصفاته مما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~والتابعون لهم بإحسان فقوم نفوا كثيرا مما أورد في الكتاب والسنة من ذلك ~~وزعموا أنهم فعلوا تنزيها لله عما تقتضيه العقول بتنزيهه عنه وزعموا أن ~~لازم ذلك لمستحيل على الله عز و جل وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا ما ~~يظن أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين وهذه اللوازم نفيا وإثباتا درج صدر ~~الأمة على السكوت عنها ومما حدث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين الكلام ~~في الحلال والحرام بمجرد الرأي و رد كثير مما وردت به السنة في ذلك ~~لمخالفته الرأي والأقيسة العقلية ومما حدث بعد ذلك الكلام في الحقيقة ~~بالذوق والكشف وزعم أن الحقيقة تنافي الشريعة وأن المعرفة وحدها تكفي مع ~~المحبة وأنه لا حاجة إلى الأعمال وأنها حجاب أو أن الشريعة إنما يحتاج ~~إليها العوام وربما انضم إلى ذلك الكلام في الذات والصفات بما يعلم قطعا ~~مخالفته الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم الحديث التاسع والعشرون عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قلت يا ~~رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار قال لقد سألت عن ~~عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم ~~الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال ألا أدلك على أبواب ~~الخير الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة ms371 الرجل في ~~جوف الليل ثم تلا تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ يعلمون ثم قال ألا ~~أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه قلت بلى يا رسول الله قال رأس الأمر ~~الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد ثم قال ألا أخبرك بملاك ذلك كله ~~قلت بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه ثم قال كف عليك هذا قلت يا نبي الله وإنا ~~لمؤاخذون بما نتكلم به فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على ~~وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم رواه الترمذي وقال حديث حسن ~~صحيح PageV01P268 هذا الحديث خرجه الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه ~~من رواية معمر عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن معاذ بن جبل رضي الله ~~عنه وقال الترمذي حسن صحيح وفيما قاله رحمه الله نظر من وجهين أحدهما أنه ~~لم يثبت سماع أبي وائل عن معاذ وإن كان قد أدركه بالسن وكان معاذ بالشام ~~وأبو وائل بالكوفة وما زال الأئمة كأحمد وغيره PageV01P269 يستدلون على ~~انتفاء السماع بمثل هذا وقد قال أبو حاتم الرازي في سماع أبي وائل من أبي ~~الدرداء قد أدركه وكان بالكوفة وأبو الدرداء بالشام يعني أنه لم يصح منه ~~سماع وقد حكى أبو زرعة الدمشقي عن قوم أنهم توقفوا في سماع أبي وائل من عمر ~~أو نفوه فسماعه من معاذ أبعد والثاني أنه قد رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن ~~أبي النجود عن شهر بن حوشب عن معاذ خرجه الإمام أحمد مختصرا قال الدارقطني ~~وهو أشبه بالصواب لأنه الحديث معروف من رواية شهر على اختلاف عليه فيه قلت ~~رواية شهر عن معاذ مرسلة يقينا وشهر مختلف في توثيقه وتضعيفه وقد خرجه ~~الإمام أحمد من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ وخرجه الإمام أحمد ~~أيضا من رواية عروة بن النزال بن عروة وميمون بن أبي شبيب كلاهما عن معاذ ~~ولم يسمع عروة ولا ميمون من معاذ وله طرق أخرى عن معاذ كلها ضعيفة وقوله ms372 ~~أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار وقد تقدم في شرح الحديث الثاني ~~والعشرين من وجوه ثابتة من حديث أبي هريرة وأبي أيوب وغيرهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سئل عن مثل هذه المسئلة فأجاب بنحو ما أجاب به في حديث معاذ ~~وفي رواية الإمام أحمد في حديث معاذ أنه قال يا رسول الله إني أريد أن ~~أسألك عن كلمة قد أمرضتني وأسقمتني وأحرقتني قال سل عما شئت قال أخبرني ~~بعمل يدخلني الجنة لا أسألك غيره وهذا يدل على شدة اهتمام معاذ رضي الله ~~عنه بالأعمال الصالحة وفيه دليل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة كما قال ~~تعالى وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون الزخرف وأما قوله صلى ~~الله عليه وسلم لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله فالمراد والله أعلم أن العمل ~~بنفسه لا يستحق به أحد الجنة لولا أن الله عز وجل جعله بفضله ورحمته سببا ~~لذلك والعمل بنفسه من فضل الله ورحمته على عبده فالجنة وأسبابها كل من فضل ~~الله ورحمته وقوله لقد سألت عن عظيم قد سبق في شرح الحديث المشار إليه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل سأله عن مثل هذا لئن كنت أوجزت المسئلة ~~لقد أعظمت وأطولت وذلك لأن دخول الجنة والنجاة من النار أمر عظيم جدا ~~ولأجله أنزل الله الكتب وأرسل الرسل وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل ~~كيف تقول إذا صليت قال أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار ولا أحسن دندنتك ~~ولا دندنة معاذ يشير إلى كثرة دعائهما واجتهادهما في المسئلة فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم حولها ندندن وفي رواية هل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلا ~~أن نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار وقوله صلى الله عليه وسلم وإنه ليسير ~~على من يسره الله عليه إشارة إلى أن التوفيق كله بيد الله عز وجل فمن يسر ~~الله عليه الهداية اهتدى ومن لم ييسر عليه لم ييسر له ذلك قال تعالى فأما ~~من أعطى واتقى وصدق ms373 بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب ~~بالحسنى فسنيسره للعسرى الليل وقال النبي صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ~~ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل ~~الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم تلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية ~~PageV01P270 وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه واهدني ويسر ~~الهدي لي أخبر الله عن نبيه موسى عليه السلام أنه قال في دعائه رب اشرح لي ~~صدري ويسر لي أمري طه وكان ابن عمر رضي الله عنهما يدعو اللهم يسرني لليسرى ~~وجنبني العسرى وقد سبق في شرح الحديث المشار إليه توجيه ترتيب دخول الجنة ~~على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام ~~والحج وقوله ألا أدلك على أبواب الخير لما رتب دخول الجنة على واجبات ~~الإسلام دله بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل فإن أفضل أولياء الله ~~المقربين الذين يتقربون إليه بالنوافل بعد أداء الفرائض وقوله الصوم جنة ~~هذا الكلام ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة وخرجاه في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وخرجه الإمام أحمد بزيادة وهي الصيام جنة وحصن حصين من النار وخرجه من حديث ~~عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصوم ~~جنة من النار كجنة أحدكم من القتال ومن حديث جابر رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال قال ربنا عز وجل الصيام جنة يستجن بها العبد من ~~النار وخرج الإمام أحمد والنسائى من حديث أبي عبيدة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال الصيام جنة ما لم تخرقها وقوله ما لم تخرقها يعني ~~بالكلام السيء ونحوه ولهذا في حديث أبي هريرة المخرج في الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ~~ولا يجهل فإن امرؤ سابه فليقل إني امرؤ ms374 صائم وقال بعض السلف الغيبة تخرق ~~الصيام والاستغفار يرفعه فمن استطاع منكم أن لا يأتي بصوم مخرق فليفعل وقال ~~ابن المنكدر الصائم إذا اغتاب خرق وإذا استغفر رقع وخرجه الطبراني بإسناد ~~فيه نظر عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا إن الصيام جنة ما لم يخرقها قيل ~~بم يخرقها قال بكذب أو غيبة فالجنة هي ما يستجن به العبد كالمجن الذي يقيه ~~عند القتال من الضرب فكذلك الصيام يقي صاحبه من المعاصي في الدنيا كما قال ~~عز وجل يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون البقرة فإذا كان له جنة من المعاصي كان له في الآخرة جنة من ~~النار ومن لم يكن له جنة في الدنيا من المعاصي لم يكن له جنة في الآخرة من ~~النار وخرجه ابن مردويه من حديث على مرفوعا قال بعث الله يحيى بن زكريا إلى ~~بني إسرائيل بخمس كلمات فذكر الحديث بطوله وفيه إن الله يأمركم أن تصوموا ~~ومثل ذلك كمثل رجل مشى إلى عدوه وقد أخذ للقتال جنة فلا يخاف من حيث ما أتي ~~وخرجه من وجه آخر عن على رضي الله عنه مرفوعا وفيه قال الصيام مثله كمثل ~~رجل أبصره الناس فاستحد في السلاح حتى ظن أن لن يصل إليه سلاح العدو فكذلك ~~الصيام جنة قوله صلى الله عليه وسلم والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء ~~النار هذا الكلام روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر فخرجه ~~الإمام أحمد PageV01P271 والترمذى من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال الصوم جنة حصينة والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء ~~النار وخرجه الطبراني وغيره من حديث أنس بمعناه مرفوعا وخرجه الترمذي وابن ~~حبان في صحيحه من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن صدقة السر ~~لتطفيء غضب الرب وتدفع ميتة السوء وروى عن على بن الحسين رضي الله عنهما ~~أنه كان يحمل الخبز على ظهره بالليل يتتبع به ms375 المساكين في ظلمة الليل ويقول ~~إن الصدقة في ظلام الليل تطفئ غضب الرب عز وجل وقد قال الله تعالى إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من ~~سيئاتكم البقرة فدل على أن الصدقة تكفر بها السيئات إما مطلقات أو صدقة ~~السر وقوله صلى الله عليه وسلم وصلاة الرجل في جوف الليل يعني أنها تطفيء ~~الخطيئة أيضا كالصدقة ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من رواية عروة بن ~~النزال عن معاذ رضي الله عنه قال أقبلت مع النبي صلى الله عليه وسلم من ~~غزوة تبوك فذكر الحديث وفيه إن الصوم جنة والصدقة وقيام العبد في جوف الليل ~~يكفر الخطيئة وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل وقد روى عن جماعة من ~~الصحابة أن الناس يحرقون بالنهار من الذنوب وكلما قاموا إلى صلاة من ~~الصلوات المكتوبات أطفأوا ذنوبهم وروى ذلك مرفوعا من وجوه فيها نظر وكذلك ~~قيام الليل يكفر الخطايا لأنه أفضل نوافل الصلاة وفي الترمذي من حديث بلال ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عليكم بقيام الليل فإنه دأب ~~الصالحين قبلكم وإن قيام الليل قربة إلى الله عز وجل ومنهاة عن الإثم ~~وتكفير السيئات ومطردة للداء عن الجسد وخرجه أيضا من حديث أبي أمامة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وقال هو أصح من حديث بلال ~~وخرجه الحاكم وابن خزيمة في صحيحيهما من حديث أبي أمامة أيضا وقال ابن ~~مسعود فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية ~~وخرجه أبو نعيم عنه مرفوعا والموقوف أصح وقد تقدم أن صدقة السر تطفيء ~~الخطيئة وتطفيء غضب الرب فكذلك صلاة الليل وقوله صلى الله عليه وسلم ثم تلا ~~قوله تعالى تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ~~ينفقون السجدة حتى بلغ يعملون يعني أن النبي صلى ms376 الله عليه وسلم تلا هاتين ~~الآيتين عند ذكره فضل صلاة الليل ليبين بذلك فضل صلاة الليل وقد روى عن أنس ~~رضي الله عنه أن هذه الآية نزلت في انتظار صلاة العشاء خرجه الترمذي وصححه ~~وروى عنه أنه قال في هذه الآية كانوا ينتظرون بين المغرب والعشاء خرجه أبو ~~داود وروى نحوه عن بلال وخرجه البزار بإسناد ضعيف وكل هذا يدخل في عموم لفظ ~~الآية فإن الله مدح الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع لدعائه فيشمل ذلك كله ~~من ترك النوم بالليل لذكر الله ودعائه فيدخل فيه من صلى بين العشاءين ومن ~~انتظر صلاة العشاء فلم يقم حتى يصليها لا سيما مع حاجته إلى النوم ومجاهدة ~~نفسه على تركه PageV01P272 لأداء الفريضة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لمن انتظر صلاة العشاء إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ويدخل فيه ~~من نام ثم قام من نومه بالليل للتهجد وهو أفضل أنواع التطوع بالصلاة مطلقا ~~وربما دخل فيه من ترك النوم عند طلوع الفجر وقام إلى أداء صلاة الصبح لا ~~سيما مع غلبة النوم عليه ولهذا شرع للمؤذن في أذان الفجر أن يقول في أذانه ~~الصلاة خير من النوم وقوله صلى الله عليه وسلم وصلاة الرجل في جوف الليل ~~ذكر أفضل أوقات التهجد بالليل وهو جوف الليل وخرج النسائي والترمذى من حديث ~~أبي أمامة قيل يارسول الله أي الدعاء أسمع قال جوف الليل الآخر ودبر ~~الصلوات المكتوبات وخرجه ابن أبي الدنيا ولفظه جاء رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال أي الصلاة أفضل قال جوف الليل الأوسط قال أي الدعاء أسمع ~~قال دبر المكتوبات وخرج النسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال سألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم أي الليل خير قال خير الليل جوفه وخرجه الإمام ~~أحمد من حديث أبي مسلم قال قلت لأبي ذر أي قيام الليل أفضل قال سألت النبي ~~صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال جوف الليل الغابر أو نصف الليل وقليل ~~فاعله ms377 وخرجه البزار والطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال سئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أي الليل أجوب دعوة قال جوف الليل زاد البزار في ~~روايته الأخرى وخرجه الترمذي من حديث عمرو بن عبسة سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر فإن استطعت ~~أن تكون ممن يذكر الله تلك الساعة فكن وصححه وخرجه الإمام أحمد ولفظه قال ~~قلت يا رسول الله أي الساعات أفضل قال جوف الليل الآخر وفي رواية له أيضا ~~وقال جوف الليل الآخر أجوب دعوة وفي رواية له قلت يارسول الله هل من ساعة ~~أقرب إلى الله من ساعة أخري قال جوف الليل الآخر وخرجه ابن ماجه وعنده جوف ~~الليل الأوسط وفي رواية الإمام أحمد عن عمر بن عبسة قال قلت يا رسول الله ~~هل من ساعة أفضل من ساعة قال إن الله لينزل في جوف الليل فيغفر إلا ما كان ~~من الشرك وقد قيل إن جوف الليل إذا أطلق فالمراد به وسطه وإن قيل جوف الليل ~~الآخر فالمراد به وسط النصف الثاني وهو السدس الخامس من أسداس الليل وهو ~~الوقت الذي ورد فيه النزول الإلهي وقوله صلى الله عليه وسلم ألا أخبرك برأس ~~الأمر وعموده وذروة سنامه قلت بلى يارسول الله قال رأس الأمر الإسلام ~~وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد وفي رواية الإمام أحمد من رواية شهر بن ~~حوشب عن ابن غنم عن معاذ رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن شئت حدثتك برأس هذا الأمر وقوام هذا الدين وذروة السنام قلت بلى ~~فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم إن رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وإن قوام هذا الأمر إقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وإن ذروة السنام منه الجهاد في سبيل الله وإنما أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويشهدوا أن لا ms378 إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله فإذا PageV01P273 فعلوا ذلك فقد عصموا دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والذي نفس محمد بيده ما شج وجه ولا اغبرت قدم في عمل يبتغي به درجات ~~الجنة بعد الصلاة المفروضة كالجهاد في سبيل الله عز وجل ولا ثقل ميزان عبد ~~كالدابة تنفق له في سبيل الله أو يحمل عليها في سبيل الله عز وجل فأخبرني ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أشياء رأس الأمر وعموده وذروة سنامه ~~فأما رأس الأمر فيعني بالأمر الدين الذي بعث به وهو الإسلام وقد جاء تفسيره ~~في رواية أخرى بالشهادتين فمن لم يقر بهما باطنا وظاهرا فليس من الإسلام في ~~شيء وأما قوام الدين الذي يقوم به الدين كما يقوم الفسطاط على عموده فهي ~~الصلاة وفي الرواية الأخرى وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما سبق القول في ~~أركان الإسلام وارتباط بعضها ببعض وأما ذروة سنامه وهو أعلى ما فيه وأرفعه ~~فهو الجهاد وهذا يدل على أنه أفضل الأعمال بعد الفرائض كما هو قول الإمام ~~أحمد وغيره من العلماء وقوله في رواية الإمام أحمد والذي نفس محمد بيده ما ~~شحت وجه ولا اغبرت قدم في عمل يبتغي به درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة ~~كالجهاد في سبيل الله عز وجل يدل على ذلك صريحا وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي ~~الله عنه قال قلت يا رسول الله أي العمل أفضل قال إيمان بالله ثم جهاد في ~~سبيل الله وفيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال أفضل الأعمال إيمان بالله ثم جهاد في سبيل الله والأحاديث في هذا ~~المعنى كثيرة جدا وقوله صلى الله عليه وسلم ألا أخبرك بملاك ذلك كله قلت ~~بلى يا رسول الله فأخذ بلسان نفسه ثم قال كف عليك هذا إلى آخر الحديث هذا ~~يدل على أن كف اللسان وضبطه وحبسه هو أصل الخير كله وأن من ملك لسانه فقد ms379 ~~ملك أمره وأحكمه وضبطه وقد سبق الكلام على هذا المعنى في شرح حديث من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وفي شرح حديث قل آمنت بالله ~~ثم استقم وخرجه البزار في مسنده من حديث أبي اليسر أن رجلا قال يارسول الله ~~دلني على عمل يدخلني الجنة قال أمسك هذا وأشار إلى لسانه فأعادها عليه فقال ~~ثكلتك أمك هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم وقال ~~إسناده حسن والمراد بحصائد الألسنة جزاء الكلام المحرم وعقوباته فإن ~~الإنسان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات ثم يحصد يوم القيامة ما زرع فمن ~~زرع خيرا من قول أو عمل حصد الكرامة ومن زرع شرا من قول أو عمل حصد غدا ~~الندامة وظاهر حديث معاذ يدل على أن أكثر ما يدخل الناس به النار النطق ~~بألسنتهم فإن معصية النطق يدخل فيها الشرك وهي أعظم الذنوب عند الله عز وجل ~~ويدخل فيها القول على الله بغير علم وهو قرين الشرك ويدخل فيها شهادة الزور ~~التي عدلت الإشراك بالله عز وجل ويدخل فيها السحر والقذف وغير ذلك من ~~الكبائر والصغائر كالكذب والغيبة والنميمة وسائر المعاصي الفعلية لا يخلو ~~غالبا من قول يقترن بها يكون معينا عليها وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه ~~PageV01P274 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أكثر ما يدخل الناس النار ~~الأجوفان الفم والفرج خرجه الإمام أحمد والترمذى وفي الصحيحين عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما ~~يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب وخرجه الترمذي ~~ولفظه إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في ~~النار وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر دخل على أبي بكر رضي الله ~~عنهما وهو يجبذ لسانه فقال عمر مه غفر الله لك فقال أبو بكر هذا الذي ~~أوردني الموارد وقال ابن بريدة رأيت ابن عباس رضي الله عنهما ms380 أخذ بلسانه ~~وهو يقول ويحك قل خيرا تغنم أو اسكت عن سوء تسلم وإلا فاعلم أنك ستندم قال ~~فقيل له يا ابن عباس لم تقول هذا قال إنه بلغني أن الإنسان أراه قال ليس ~~على شيء من جسده أشد حنقا أو غيظا يوم القيامة منه على لسانه إلا من قال به ~~خيرا أو أملي به خيرا وكان ابن مسعود رضي الله عنه يحلف بالله الذي لا إله ~~إلا هو ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لساني وقال الحسن اللسان أمير ~~البدن فإذا جنى على الأعضاء شيئا جنت وإذا عف عفت وقال يونس بن عبيد ما ~~رأيت أحدا لسانه منه على بال إلا رأيت ذلك صالحا في سائر عمله وقال يحيى بن ~~أبي كثير ما صلح منطق رجل إلا عرفت ذلك في سائر عمله ولا فسد منطق رجل قط ~~إلا عرفت ذلك في سائر عمله وقال ابن المبارك عن فضالة عن يونس بن عبيد ~~رحمهم الله لا تجد شيئا من البر واحدا يتبعه البر كله غير اللسان فإنك تجد ~~الرجل يصوم النهار ويفطر على حرام ويقوم الليل ويشهد الزور بالنهار وذكر ~~أشياء نحو هذا ولكن لا تجده لا يتكلم إلا بحق فيخالف ذلك عمله أبدا الحديث ~~الثلاثون عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر رضي الله عنه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها ~~وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا ~~عنها حديث حسن رواه الدارقطني PageV01P275 وغيره هذا الحديث من رواية مكحول ~~عن أبي ثعلبة الخشني وله علتان إحداهما أن مكحولا لم يصح له السماع عن أبي ~~ثعلبة كذلك قال أبو شهر الدمشقي وأبو نعيم الحافظ وغيرهما والثانية أنه ~~اختلف في رفعه ووقفه على ابن ثعلبة ورواه بعضهم عن مكحول عن قوله لكن قال ~~الدارقطني الأشبه بالصواب المرفوع قال وهو أشهر وقد حسن الشيخ رحمه الله ~~هذا الحديث وكذلك حسن ms381 قبله الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليه وقد روى معنى ~~هذا الحديث مرفوعا من وجوه أخر خرجه البزار في مسنده والحاكم من حديث أبي ~~الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أحل الله في ~~كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله ~~عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا ثم تلا هذه الآية وما كان ربك نسيا مريم ~~وقال الحاكم صحيح الإسناد وقال البزار إسناده صالح وقد خرجه الطبراني ~~والدارقطني من وجه آخر عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ~~حديث أبي ثعلبة وقال في آخره رحمة من الله فاقبلوها ولكن إسناده ضعيف وخرجه ~~الترمذي وابن ماجه من رواية سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن ~~سلمان رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن ~~والفراء فقال الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه ~~PageV01P276 وما سكت عنه فهو مما عفا عنه قال الترمذي رواه سفيان يعني ابن ~~عيينة عن سليمان عن أبي عثمان عن سلمان رضي الله عنه من قوله وكأنه أصح ~~وذكر في كتاب العلل عن البخاري أنه قال في الحديث المرفوع ما أراه محفوظا ~~وقال أحمد هو منكر وأنكره ابن معين أيضا وقال أبو حاتم الرازي هو خطاء رواه ~~الثقات عن التيمي عن أبي عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ليس فيه ~~سلمان قلت وقد روى عن سلمان من قوله من وجوه أخر وخرجه ابن عدي من حديث ابن ~~عمر رضي الله عنهما مرفوعا وضعف إسناده ورواه أبو صالح المري عن الجريري عن ~~أبي عثمان النهدي عن عائشة رضي الله عنها أخطأ في إسناده وروى عن الحسن ~~مرسلا وخرجه أبو داود من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال كان أهل ~~الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا فبعث الله نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وأنزل كتابه وأحل ms382 حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام ~~وما سكت عنه فهو عفو ثم تلا قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما ~~الأنعام وهذا موقوف وقال عبيد بن عمير إن الله عز وجل أحل الحلال وحرم ~~الحرام وما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فحديث أبي ~~ثعلبة قسم فيه أحكام الله أربعة أقسام فرائض ومحارم وحدود ومسكوت عنه وذلك ~~يجمع أحكام الدين كلها وقال أبو بكر السمعاني هذا الحديث أصل كبير من أصول ~~الدين وفروعه قال وحكي عن بعضهم أنه قال ليس في أحاديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حديث واحد أجمع بانفراده لأصول الدين وفروعه من حديث أبي ثعلبة ~~قال وحكي عن أبي واثلة المزني أنه قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الدين في أربع كلمات ثم ذكر حديث أبي ثعلبة ثم قال ابن السمعاني من عمل ~~بهذا الحديث فقد حاز الثواب وأمن من العقاب لأن من أدى الفرائض واجتنب ~~المحارم ووقف عند الحدود وترك البحث عما غاب عنه فقد استوفى أقسام الفضل ~~وأوفى حقوق الدين لأن الشرائع لا تخرج عن هذه الأنواع المذكورة في هذا ~~الحديث انتهى فأما الفرائض فما فرضه الله على عباده وألزمهم به القيام ~~كالصلاة والزكاة والصيام والحج وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم هل الواجب ~~والفرائض بمعنى واحد أم لا فمنهم من قال هما سواء وكل واجب بدليل شرعي ~~بكتاب أو سنة أو إجماع أو غير ذلك من أدلة الشرع فهو فرض وهو المشهور عن ~~أصحاب الشافعي وغيرهم وحكي رواية عن أحمد قال كل ما في الصلاة فهو فرض ~~ومنهم من قال بل الفرض ما ثبت بدليل مقطوع به والواجب ما ثبت بغير مقطوع به ~~وهو قول الحنفية وغيرهم وأكثر النصوص عن أحمد يفرق بين الفرض والواجب فنقل ~~جماعة من أصحابه عنه أنه قال لا يسمى فرضا إلا ما كان في كتاب الله تعالى ~~وقال في صدقة الفطر ما أجترئ ms383 أن أقول إنها فرض مع أنه يقول بوجوبها فمن ~~أصحابنا من قال مراده أن الفرض ما يثبت بالكتاب والواجب ما يثبت بالسنة ~~ومنهم من قال أراد أن الفرض ما ثبت بالاستفاضة والنقل المتواتر والواجب ~~PageV01P277 ما ثبت من جهة الاجتهاد وساغ الخلاف في وجوبه ويشكل على هذا أن ~~أحمد قال في رواية الميموني في بر الوالدين ليس بفرض ولكن أقول واجب ما لم ~~تكن معصية وبر الوالدين مجمع على وجوبه وقد كثرت الأوامر به في الكتاب ~~والسنة فظاهر هذا أنه لا يقول فرض إلا ما ورد في الكتاب والسنة فرضا وقد ~~اختلف السلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هل يسمى فريضة أم لا فقال ~~جويبر عن الضحاك هما من فرائض الله عز وجل وكذا روى عن مالك وروى عبد ~~الواحد بن زيد عن الحسن فقال ليس بفريضة كان فريضة على بني إسرائيل فرحم ~~الله هذه الأمة لضعفهم فجعله عليهم نافلة وكتب عبدالله بن شبرمة إلى عمرو ~~بن عبيد أبياتا مشهورة أولها الأمر بالمعروف يا عمرو نافلة والقائمون به ~~صلى الله عليه وسلم أنصار واختلف كلام الإمام أحمد فيه هل يسمى واجبا أم لا ~~فروى عنه جماعة ما يدل على وجوبه ورواه عنه أبو داود في الرجل يرى الطنبور ~~ونحوه أواجب عليه تغييره قال ما أدري ما واجب إن غيره فهو نفل وقال إسحاق ~~بن راهوية هو واجب على كل مسلم إلا أن يخشى على نفسه ولعل أحمد يتوقف في ~~إطلاقه الواجب على ما ليس بواجب على الأعيان بل على الكفاية وقد اختلف ~~العلماء رضي الله عنهم في الجهاد هل هو واجب أم لا فأنكر جماعة منهم وجوبه ~~منهم عطاء وعمرو بن دينار وابن شبرمة ولعلهم أرادوا هذا المعنى وقال طائفة ~~هو واجب منهم سعيد بن المسيب ومكحول ولعلهما أرادوا وجوبه على الكفاية وقال ~~أحمد في رواية حنبل الغزو واجب على الناس كلهم كوجوب الحج فإذا غزا بعضهم ~~أجزأ عنهم ولابد للناس من الغزو وسأله المروزي عن الجهاد أفرض هو قال ms384 قد ~~اختلفوا فيه وليس هو مثل الحج ومراده أن الحج لا يسقط عمن لم يحج مع ~~الاستطاعة بحج غيره بخلاف الجهاد وسئل عن النفير متى يجب فقال أما إيجابه ~~فلا أدري ولكن إذا خافوا على أنفسهم فعليهم أن يخرجوا وظاهر هذا التوقف في ~~إطلاق لفظ الواجب على ما لم يأت فيه لفظ الإيجاب تورعا ولذلك توقف في إطلاق ~~لفظ الحرام على ما اختلف فيه وتعارضت أدلته من نصوص الكتاب والسنة فقال في ~~متعة النساء لا أقول هي حرام ولكن ننهى عنه ولم يتوقف في معنى التحريم ولكن ~~في إطلاق لفظه لاختلاف النصوص والصحابة فيها هذا هو الصحيح في تفسير كلام ~~أحمد وقال في الجمع بين الأختين بملك اليمين لا أقول هو حرام ولكن ننهى عنه ~~والصحيح في تفسيره أنه توقف في إطلاق لفظ الحرام دون معناه وهذا كله على ~~سبيل الورع في الكلام حذرا من الدخول تحت قوله تعالى ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب النحل قال الربيع ~~بن خثيم ليتق أحدكم أن يقول أحل كذا وحرم كذا فيقول الله كذبت لم أحل كذا ~~ولم أحرم كذا وقال ابن وهب سمعت مالك بن أوس PageV01P278 يقول أدركت ~~علماءنا يقول أحدهم إذا سئل أكره هذا ولا أحبه ولا يقول حلال ولا حرام وأما ~~ما حكي عن أحمد أنه قال كل ما في الصلاة فرض فليس كلامه كذلك إنما نقل عنه ~~ابنه عبدالله أنه قال كل شيء في الصلاة ذكره الله فهو فرض وهذا يعود إلى ~~معنى قوله إنه لا فرض إلا ما في القرآن والذي ذكره الله من أمر الصلاة ~~القيام والقراءة والركوع والسجود وإنما قال أحمد هذا لأن بعض الناس كان ~~يقول الصلاة فرض و الركوع والسجود لا أقول إنه فرض ولكنه سنة وقد سئل مالك ~~بن أنس عمن يقول ذلك فكفره فقيل له إنه يتأول فلعنه فقال لقد قال قولا ~~عظيما وقد نقله أبو بكر النيسابوري في كتاب مناقب مالك من وجوه ms385 عنه وقد روى ~~أيضا بإسناده عن عبدالله بن عمرو بن ميمون بن الرماح قال دخلت على مالك بن ~~أنس فقلت يا أبا عبدالله ما في الصلاة من فريضة وما فيها من سنة أو قال ~~نافلة فقال مالك كلام الزنادقة أخرجوه ونقل إسحاق بن منصور عن إسحاق بن ~~راهوية أنه أنكر تقسيم أجزاء الصلاة إلى سنة وواجب فقال كل ما في الصلاة ~~فهو واجب وأشار إلى أن منه ما تعاد الصلاة بتركه ومنه ما لا تعاد وسبب هذا ~~والله أعلم أن التعبير بلفظ السنة قد يفضي إلى التهاون بفعل ذلك وإلي الزهد ~~فيه وتركه وهذا خلاف مقصود الشارع من الحث عليه والترغيب فيه بالطرق ~~المؤدية إلى فعله وتحصيله فإطلاق لفظ الواجب أدعى إلى الإتيان به والرغبة ~~فيه وقد ورد إطلاق الواجب في كلام الشارع على ما لا يأثم بتركه ولا يعاقب ~~عليه عند الأكثرين كغسل الجمعة وكذلك ليلة النصف عند كثير من العلماء أو ~~أكثرهم وإنما المراد به المبالغة في الحث على فعله وتأكيده وأما المحارم ~~فهي التي حماها الله تعالى ومنع من قربانها وارتكابها وانتهاكها والمحرمات ~~المقطوع بها مذكورة في الكتاب والسنة كقوله تعالى قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم عليكم أنلا تشركوا به شيئا الأنعام وقوله تعالى قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن الأعراف إلى قوله وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون الأعراف وقد ذكر في بعض الآيات المحرمات المختصة بنوع من الأنواع ~~كما ذكر المحرمات من المطاعم في مواضع منها قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحى ~~إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ~~فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به الأنعام وقوله إنما حرم عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به النحل وقوله حرمت عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا ms386 ~~بالأزلام المائدة وذكر المحرمات في النكاح في قوله تعالى حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم النساء وذكر المحرمات من المكاسب في قوله تعالى وأحل الله ~~البيع وحرم الربا البقرة وأما السنة ففيها ذكر كثير من المحرمات كقوله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام وقوله إن ~~الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وقوله كل مسكر حرام وقوله إن دماءكم وأموالكم ~~PageV01P279 وأعراضكم عليكم حرام فما ورد التصريح بتحريمه في الكتاب والسنة ~~فهو محرم وقد يستفاد التحريم من النهي مع الوعيد والتشديد كما في قوله عز ~~وجل إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ~~لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون المائدة وأما النهي ~~المجرد فقد اختلف الناس هل يستفاد منه التحريم أم لا وقد روى عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما إنكار استفادة التحريم منه قال ابن المبارك أخبرنا سلام بن ~~أبي مطيع عن ابن أبي دخيلة عن أبيه قال كنت عند ابن عمر فقال نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن الزبيب والتمر يعني أن يخلطا فقال لي رجل من خلفي ما ~~قال فقلت حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم التمر والزبيب فقال عبدالله ابن ~~عمر كذبت فقلت ألم تقل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فهر حرام فقال ~~أنت تشهد بذلك قال سلام كأنه يقول نهى النبي صلى الله عليه وسلم فهو أدب ~~وقد ذكرنا فيما تقدم عن العلماء الورعين كأحمد ومالك توقيا إطلاق لفظ ~~الحرام على ما لم يتيقن تحريمه ما فيه نوع شبهة أو اختلاف وقال النخعي ~~كانوا يكرهون أشياء لا يحرمونها وقال ابن عون قال لي مكحول ما تقولون في ~~الفاكهة تلقى بين القوم فينتهبونها قلت إن ذلك عندنا لمكروه قال أحرام هي ~~قال ابن عون فاستخفنا ذلك من قول مكحول وقال جعفر بن محمد سمعت رجلا يسأل ~~القاسم بن محمد ms387 الغناء أحرام هو فسكت عنه القاسم ثم عاد فسكت عنه ثم عاد ~~فقال إن الحرام ما حرم الله في القرآن أرأيت إذا أتي بالحق والباطل إلى ~~الله فأيهما يكون الغناء فقال الرجل في الباطل فقال فأفت نفسك فقال عبدالله ~~بن الإمام أحمد سمعت أبي يقول أما نهى النبي صلى الله عليه وسلم فمنها ~~أشياء حرام مثل قوله نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها فهذا حرام ~~ونهى عن جلود السباع فهذا حرام وذكر أشياء من نحوها هذا ومنها أشياء نهى ~~عنها فهي أدب وأما حدود الله التي نهى عن اعتدائها فالمراد بها جملة ما أذن ~~في فعله سواء كان على طريق الوجوب أو الندب أو لإباحة واعتداؤها هو تجاوز ~~ذلك إلى ارتكاب ما نهى عنه كما قال تعالى تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله ~~فقد ظلم نفسه الطلاق والمراد من طلق على غير ما أمر الله به وأذن فيه وقال ~~تعالى تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ~~البقرة والمراد من أمسك بعد أن طلق بغير معروف أو سرح بغير إحسان أو أخذ ~~مما أعطى المرأة شيئا على غير وجه الفدية التي أذن الله فيها وقال تعالى ~~تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~النساء إلى قوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين النساء ~~والمراد من تجاوز ما فرضه الله للورثة ففضل وارثا وزاد على حقه أو نقصه منه ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع إن الله أعطى ~~كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث وروى النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال PageV01P280 ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى ~~جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب ~~الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا وداع يدعو ~~من جوف الصراط فإذا أراد أن يفتح ms388 شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه ~~فإنك إن تفتحه تلجه والصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة ~~محارم الله وذلك الداعي على الصراط كتاب الله والداعي من فوق واعظ الله في ~~قلب كل مسلم خرجه الإمام أحمد وهذا لفظه والنسائى في تفسيره والترمذى وحسنه ~~فضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل الإسلام في هذا الحديث بصراط مستقيم وهو ~~الطريق السهل الواسع الموصل سالكه إلى مطلوبه وهو مع هذا مستقيم لا عوج فيه ~~فيقتضي ذلك قربه وسهولته وعلى جنبتي الصراط يمنة ويسرة سوران وهما حدود ~~الله وكما أن السور يمنع من كان داخله من تعديه ومجاوزته فكذلك الإسلام ~~يمنع من دخل فيه من الخروج عن حدوده ومجاوزتها وليس وراء ما حد الله من ~~المأذون فيه إلا ما نهى عنه ولهذا مدح سبحانه الحافظين لحدوده وذم من لا ~~يعرف حد الحلال من الحرام كما قال تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن ~~لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله التوبة وقد تقدم حديث إن القرآن ~~يقول من عمل به حفظ حدودي ومن لم يعمل به تعدى حدودي والمراد أن من لم ~~يجاوز ما أذن له فيه إلى ما نهى عنه فقد حفظ حدود الله ومن تعدى ذلك فقد ~~تعدى حدود الله وقد تطلق الحدود ويراد بها نفس المحارم وحينئذ فيقال لا ~~تقربوا حدود الله كما قال تعالى تلك حدود الله فلا تقربوها البقرة والمراد ~~النهي عن ارتكاب ما نهى عنه في الآية من محظورات الصيام والاعتكاف في ~~المساجد ومن هذا المعنى وهو تسمية المحارم حدودا وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها كمثل قوم اقتسموا سفينة ~~الحديث المشهور وأراد بالقائم على حدود الله المنكر للمحرمات والناهي عنها ~~وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني آخذ ~~بحجزكم اتقوا النار اتقوا الحدود قالها ثلاثا خرجه الطبراني والبزار وأراد ~~بالحدود محارم الله ومعاصيه ومنه قول الرجل الذي قال ms389 للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فإني أصبت حدا فأقمه علي وقد تسمى العقوبات المقدرة الرادعة عن ~~المحارم المغلظة حدودا كما يقال حد الزنا وحد السرقة وحد شرب الخمر ومنه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة أتشفع في حد من حدود الله يعني في ~~القطع في السرقة وهذا هو المعروف من أسماء الحدود في اصطلاح الفقهاء وأما ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود ~~الله فهذا قد اختلف الناس في معناه فمنهم من فسره ههنا بهذه الحدود المقدرة ~~وقال إن التعزير لا يزاد على عشر جلدات ولا يزاد عليها إلا في هذه الحدود ~~المقدرة ومنهم من فسر الحدود ههنا بجنس محارم الله وقال إن المراد بمجاوزة ~~العشر الجلدات لا يجوز إلا في ارتكاب محرم من محارم الله فأما ضرب التأديب ~~على غير محرم فلا PageV01P281 يتجاوز به عشر جلدات وقد حمل بعضهم قوله صلى ~~الله عليه وسلم وحد حدودا فلا تعتدوها على هذه العقوبات الزاجرة عن ~~المحرمات وقال المراد النهي عن تجاوز هذه الحدود وتعديها عن إقامتها على ~~أهل الجرائم ورجح ذلك بأنه لو كان المراد بالحدود الوقوف عند الأوامر ~~والنواهي لكان تكريرا لقوله وفرض فرائض فلا تضيعوها وحرم أشياء فلا ~~تنتهكوها وليس المراد على ما قاله فإن الوقوف عند الحدود يقتضي أنه لا يخرج ~~عما أذن فيه إلا ما نهى عنه وذلك أعم من كون المأذون فيه فرضا أو ندبا أو ~~مباحا كما تقدم وحينئذ فلا تكرير في هذا الحديث والله أعلم وأما المسكوت ~~عنه فهو ما لم يذكر حكمه بتحليل ولا إيجاب ولا تحريم فيكون معفوا عنه لا ~~حرج على فاعله وعلى هذا دلت الأحاديث المذكورة ههنا كحديث أبي ثعلبة وغيره ~~وقد اختلفت ألفاظ حديث أبي ثعلبة فروى باللفظ المتقدم وروى بلفظ آخر وهو إن ~~الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها وعفا عن أشياء من ~~غير نسيان فلا تبحثوا عنها خرجه إسحاق بن راهوبه وروى بلفظ ms390 آخر هو إن الله ~~فرض فرائض فلا تضيعوها وسن لكم سننا فلا تنتهكوها وحرم عليكم أشياء فلا ~~تعتدوها وترك بين ذلك أشياء من غير نسيان رحمة منه فاقبلوها ولا تبحثوا ~~عنها خرجه الطبراني وهذه الرواية تبين أن المعفو عنه ما ترك ذكره فلم يحرم ~~ولم يحلل ولكن مما ينبغي أن يعلم أن ذكر الشيء بالتحليل والتحريم مما قد ~~يخفى فهمه من نصوص الكتاب والسنة فإن دلالة هذه النصوص قد تكون بطريق النص ~~والتصريح وقد تكون بطريق العموم والشمول وقد تكون دلالته بطريق الفحوي ~~والتنبيه كما في قوله تعالى فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما الإسراء فإن دخول ~~ما هو أعظم من التأفيف من أنواع الأذى يكون بطريق الأولى ويسمى ذلك مفهوم ~~الموافقة وقد تكون دلالته بطريق مفهوم المخالفة كقوله صلى الله عليه وسلم ~~في الغنم السائمة الزكاة فإنه يدل بمفهومه على أنه لا زكاة في غير السائمة ~~وقد أخذ الأكثرون بذلك واعتبروا بمفهوم المخالفة وجعلوه حجة وقد تكون ~~دلالته من باب القياس فإذا نص الشارع على حكم في شيء لمعنى من المعاني وكان ~~ذلك المعنى موجودا في غيره فإنه يتعدى الحكم إلى كل ما وجد في ذلك المعنى ~~عند جمهور العلماء وهو من باب العدل والميزان الذي أنزل الله وأمر ~~بالاعتبار به فهذا كله مما يعرف به دلالة النصوص على التحليل والتحريم فأما ~~ما انتفى فيه ذلك كله فهنا يستدل بعدم ذكره بإيجاب أو تحريم على أنه معفو ~~عنه وههنا مسلكان أحدهما أن يقال لا إيجاب ولا تحريم إلا بالشرع وما لم ~~يوجب الشرع شيئا ولم يحرمه فيكون غير واجب أو غير محرم كما يقال مثل هذا في ~~الاستدلال على نفي وجوب الوتر والأضحية أو نفي تحريم الضب ونحوه أو نفي ~~تحريم بعض العقود المختلف فيها كالمساقاة والمزارعة ونحو ذلك ويرجع هذا إلى ~~استصحاب براءة الذمة حيث لم يوجد ما يدل على اشتغالها ولا يصح هذا ~~PageV01P282 الاستدلال إلا لمن عرف أنواع أدلة الشرع وسيرها فإن قطع مع ذلك ~~بانتفاء ما ms391 يدل على إيجاب أو تحريم قطع بنفي الوجوب والتحريم كما يقطع ~~بانتفاء فريضة صلاة سادسة أو صيام شهر غير شهر رمضان أو وجوب الزكاة في غير ~~الأموال الزكوية أو حجة غير حجة الإسلام وإن كان هذا كله يستدل عليه بنصوص ~~مصرحة بذلك وإن ظن انتفاء ما يدل على إيجاب أو تحريم ظن انتفاء الوجوب ~~والتحريم من غير قطع والمسلك الثاني أن يذكر من أدلة الشرع العامة ما يدل ~~على ما لم يوجبه الشرع ولم يحرمه فإنه معفو عنه كحديث أبي ثعلبة هذا وما في ~~معناه من الأحاديث المذكورة معه مثل قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ~~الحج في كل عام فقال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ~~واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا منه ما استطعتم ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي ~~وقاص رضي الله عنه إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم ~~يحرم فحرم من أجل مسألته وقد دل القرآن على مثل هذا أيضا في مواضع كقوله ~~تعالى قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو ~~دما مسفوحا الأنعام فهذا يدل على أن ما لم يوجد تحريمه فليس بمحرم وكذلك ~~قوله تعالى وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم إلا ما اضطررتم إليه فعنفهم على ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه ~~معللا بأنه قد بين لهم الحرام وهذا ليس منه فدل على أن الأشياء على الإباحة ~~وإلا لما لحق اللوم بمن امتنع من الأكل مما لم ينص له على حكمه بمجرد كونه ~~لم ينص على تحريمه واعلم أن هذه الأسئلة غير مسألة الأعيان قبل ورود الشرع ~~هل هو الحظر أو الإباحة أو لا حكم فيها فإن تلك المسئلة مفروضة فيما قبل ~~ورود الشرع فأما بعد وروده فقد دلت هذه النصوص وأشباهها على ms392 أن حكم ذلك ~~الأصل زال واستقر أن الأصل في الأشياء كالإباحة بأدلة الشرع وقد حكى بعضهم ~~الإجماع على ذلك وغلط من سوى بين المسئلتين وجعل حكمهما واحدا وكلام الإمام ~~أحمد يدل على أن ما لم يدخل في نصوص التحريم فإنه معفو عنه قال أبو الحارث ~~قلت لأبي عبدالله يعني أحمد إن أصحاب الطير يذبحون من الطير أشياء لا ~~نعرفها فما ترى في أكله فقال كل ما لم يكن ذا مخلب أو يأكل الجيف فلا بأس ~~به فحصر تحريم الطير في ذي المخلب المنصوص عليه وما يأكل الجيف لأنه في ~~معنى الغراب المنصوص عليه وحكم بإباحة ما عداهما وحديث ابن عباس الذي سبق ~~ذكره يدل على مثل هذا وحديث سلمان الفارسي فيه السؤال عن الجبن والسمن ~~والفراء فإن الجبن كان يصنع بأرض المجوس ونحوهم من الكفار وكذلك السمن ~~والفراء كذلك تجلب من عندهم وذبائحهم ميتة وهذا مما يستدل به على إباحة لبن ~~الميتة وأنفحتها وعلى إباحة طعام المجوس وفي ذلك كله خلاف مشهور ويحمل على ~~أنه إذا اشتبه الأمر لم PageV01P283 السؤال والبحث عنه كما قال ابن عمر رضي ~~الله عنهما لما أسأل عن الجبن الذي تصنعه المجوس فقال ما وجدته في سوق ~~المسلمين اشتريته ولم أسئل عنه وذكر عند عمر الجبن وقيل أنه يوضع فيه أنافح ~~الميتة فقال سموا الله وكلوا قال الإمام أحمد أصح حديث فيه هذا الحديث يعني ~~جبن المجوس وقد روى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أتى بجفنة في غزوة الطائف فقال أين تصنع هذه قالوا بفارس فقال ~~صلى الله عليه وسلم ضعوا فيها السكين وقطعوا واذكروا اسم الله وكلوا خرجه ~~الإمام أحمد وسئل عنه فقال هو حديث منكر وكذا قال أبو حاتم الرازي وخرجه ~~أبو داود بمعناه من حديث ابن عمر إلا أنه قال في غزوة تبوك وقال أبو حاتم ~~هو منكر أيضا وخرجه عبد الرازق في كتابه مرسلا وهو أشبه وعنده زيادة وهي ~~أنه قيل يا رسول الله ms393 نخشى أن تكون ميتة قال سموا عليه وكلوا وخرج الطبراني ~~معناه من حديث ميمونة وإسناده جيد لكنه غريب جدا وفي صحيح البخاري عن عائشة ~~رضي الله عنها أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن قوما يأتوننا ~~باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا فقال سموا عليه أنتم وكلوا قلت ~~وكانوا حديثي عهد بالكفر وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله عن الحسن أن عمر ~~رضي الله عنه أراد أن ينهى عن حلل الحبرة لأنها تصبغ بالبول فقال له أبي ~~ليس ذلك لك قد لبسهن النبي صلى الله عليه وسلم ولبسناهن في عهده وخرجه ~~الخلال من لفظ آخر ولفظه إن أبيا قال له يا أمير المؤمنين قد لبسها نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم ورأى الله مكانها ولو علم الله أنها حرام لنهى ~~عنها قال صدقت وسئل الإمام أحمد عن لبس ما يصنعه الكفار أهل الكتاب من غير ~~غسل فقال لم تسأل عما لم تعلم لم يزل الناس منذ أدركناهم لا ينكرون ذلك ~~وسئل عن يهود يصبغون بالبول فقال المسلم والكافر في هذا سواء ولا تسئل عن ~~هذا ولا تبحث عنه وقال إذا علمت أنه لا محالة يصبغ بشيء من البول وصح عندك ~~فلا تصل فيه حتى تغسله وخرج من حديث المغيرة ابن شعبة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أهدى إليه خفان فلبسهما ولا يدري أذكبا أم لا وقد ورد ما يستدل ~~به على البحث والسؤال فخرج الإمام أحمد من حديث رجل عن أم سلمة الأشجعية أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أتاها وهي في قبة فقال ما أحسنها إن لم يكن فيها ~~ميتة قال فجعلت تتبعها والرجل مجهول وخرج الأثرم بإسناده عن زيد بن وهب قال ~~أتانا كتاب عمر رضي الله عنه بأذربيجان إنكم بأرض فيها الميتة فلا تلبسوا ~~من الفراء حتى تعلموا حله من حرامه وروى الخلال بإسناده عن مجاهد أن ابن ~~عمر رأى على رجل فردانيسية فقال لو أعلم أنه ذكي لسرني أن يكون ms394 لي منه ثوب ~~وعن محمد ابن كعب أنه قال لعائشة رضي الله عنها ما يمنعك أن تتخذي لحافا من ~~الفراء قالت كرهت أن ألبس الميتة وروى عبدالرازق بإسناده عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه أنه قال لمن نزل من المسلمين بفارس إذا اشتريتم لحما فاسألوا فإن ~~كان ذبيحة يهودي أو نصراني فكلوا وهذا لأن الغالب على أهل فارس المجوس ~~PageV01P284 ذبائحهم محرمة والخلاف في هذا يشبه الخلاف في إباحة طعام من لا ~~تباح ذبيحته من الكفار وفي استعمال أواني المشركين وثيابهم والخلاف فيها ~~يرجع إلى قاعدة تعارض الأصل بالظاهر وقد سبق ذكر ذلك في الكلام على حديث ~~الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات وقوله في الأشياء التي سكت ~~عنها وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان يعني أنه سكت عن ذكرها رحمة ~~بعباده ورفقا حيث لم يحرمها عليهم حتى يعاقبهم على فعلها ولم يوجبها عليهم ~~حتى يعاقبهم على تركها بل جعلها عفوا فإن فعلوها فلا حرج عليهم وإن تركوها ~~فكذلك وفي حديث أبي الدرداء ثم تلا وما كان ربك نسيا مريم ومثل قوله عز وجل ~~في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى طه وقوله فلا تبحثوا عنها يحتمل اختصاص هذا ~~النهي بزمن النبي صلى الله عليه وسلم لأن كثرة البحث والسؤال عما لم يذكر ~~قد يكون سببا لنزول التشديد فيه بإيجاب أو تحريم وحديث سعد بن أبي وقاص رضي ~~الله عنه يدل على هذا فيحتمل أن يكون النهي عاما والمروى عن سلمان من قوله ~~يدل على ذلك فإن كثرة البحث والسؤال عن حكم ما لم يذكر في الواجبات ولا في ~~المحرمات قد يوجب اعتقاد تحريمه أو إيجابه لمشابهته لبعض الواجبات أو ~~المحرمات فقبول العافية فيه وترك البحث عنه والسؤال خير وقد يدخل في ذلك ~~قوله صلى الله عليه وسلم هلك المتنطعون قالها ثلاثا خرجه مسلم من حديث ابن ~~مسعود رضي الله عنه مرفوعا والمتنطع هو المتعمق البحاث عما لا يعنيه وهذا ~~قد يتمسك به من يتعلق بظاهر اللفظ وينفي ms395 المعاني والقياس كالظاهرية ~~والتحقيق في هذا المقام والله أعلم أن البحث عما لم يوجد فيه نص خاص أو عام ~~على قسمين أحدهما أن يبحث عن دخوله في دلالات النصوص الصحيحة من الفتوى ~~والمفهوم والقياس الظاهر الصحيح فهذا حق وهو مما يتعين فعله على المجتهدين ~~في معرفة الأحكام الشرعية والثاني أن يدقق الناظر نظره وفكره في وجوه ~~الفروق المستبعدة فيفرق بين متماثلين بمجرد فرق لا يظهر له أثر في الشرع مع ~~وجود الأوصاف المقتضية للجمع أو يجمع بين متفرقين بمجرد الأوصاف الطارئة ~~التي هي غير مناسبة ولا يدل دليل على تأثيرها في الشرع فهذا النظر والبحث ~~غير مرضي ولا محمود مع أنه قد وقع في طوائف من الفقهاء وإنما المحمود النظر ~~الموافق لنظر الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من القرون المفضلة كابن عباس ~~ونحوه ولعل هذا مراد ابن مسعود رضي الله عنه يقول إياكم والتنطع إياكم ~~والتعمق وعليكم بالعتيق يعني ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم ومن كلام ~~بعض أعيان الشافعية لا يليق بنا أن نكتفي بالخيالات في الفروق كدأب أصحاب ~~الرأي والسر في تلك أن متعلق الأحكام في الحال الظنون وغلباتها فإذا كان ~~اجتماع مسئلتين أظهر في الظن من افتراقهما وجب القضاء باجتماعهما وإن انقدح ~~فرق على بعد فافهموا ذلك فإنه من قواعد الدين انتهى ومما يدخل في النهي عن ~~التعمق والبحث عنه أمور الغيب الخبرية التي أمرنا PageV01P285 بها ولم يبين ~~كيفيتها وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا العام المحسوس فالبحث عن كيفية ~~ذلك هو مما لا يعني وهو مما ينهى عنه وقد يوجب الحيرة والشك ويرتقي إلى ~~التكذيب وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا يزال الناس يسألون حتى يقال هذا خلق الله فمن خلق الله فمن وجد ~~من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله وفي رواية له لا يزال الناس يسألونك عن العلم ~~حتى يقولوا هذا الله خلقنا فمن خلق الله وفي رواية له أيضا ms396 ليسألنكم الناس ~~عن كل شيء حتى يقولوا الله خلق كل شيء فمن خلقه وخرجه البخاري أيضا ولفظه ~~يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق ربك فإذا ~~لغه فليستعذ بالله ولينته وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال قال الله عز وجل إن أمتك لا يزالون يقولون ما كذا ما ~~كذا حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله وخرجه البخاري ولفظه لم ~~يزل الناس يسألون هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله قال إسحاق بن راهوية ~~لا يجوز التفكر في الخالق ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما سمعوا ~~فيهم ولا يزيدون على ذلك لأنهم إن فعلوا تاهوا قال وقال الله عز وجل وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده الإسراء ولا يجوز أن يقال كيف تسبيح القصاع والأخونة ~~والخبز والمخبوز والثياب المنسوجة وكل هذا قد صح العلم فيهم أنهم يسبحون ~~فذلك إلى الله أن يجعل تسبيحهم كيف شاء وكما شاء وليس للناس أن يخوضوا في ~~ذلك إلا بما علموا ولا يتكلموا في هذا وشبهه إلا بما أخبر الله ولا يزيدوا ~~على ذلك فاتقوا الله ولا تخوضوا في هذه الأشياء المتشابهة فإنه يرديكم ~~الخوض فيه عن سنن الحق نقل ذلك كله حرب عن إسحاق رحمه الله تعالى الحديث ~~الحادي والثلاثون عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال جاء ~~رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله دلني على عمل إذا ~~عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما ~~عند الناس يحبك الناس حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة ~~PageV01P286 هذا الحديث خرجه ابن ماجه من رواية خالد بن عمرو القرشي عن ~~سفيان الثوري عن أبي حازم عن سهل بن سعد وقد ذكر الشيخ رحمه الله أن إسناده ~~حسن وفي ذلك نظر فإن خالد بن عمرو القرشي الأموي قال فيه الإمام أحمد ms397 منكر ~~الحديث وقال مرة ليس بثقة يروى أحاديث بواطيل وقال ابن معين ليس حديثه بشيء ~~وقال مرة كان كذابا يكذب حدث عن شعبة أحاديث موضوعة وقال البخاري وأبو زرعة ~~منكر الحديث وقال أبو حاتم متروك الحديث ضعيف ونسبه صالح بن محمد وابن عدي ~~إلى وضع الحديث وتناقض ابن حبان في أمره فذكره في كتاب الثقات وذكره في ~~كتاب الضعفاء وقال كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات لا يحل الاحتجاج بخبره ~~وخرج العقيلي حديثه هذا وقال ليس له أصل من حديث سفيان الثوري قال وقد تابع ~~خالدا عليه محمد بن كثير الصنعاني ولعله أخذه عنه ودلسه لأن المشهور به ~~خالد هذا قال أبو بكر الخطيب وتابعه أيضا أبو قتادة الحراني ومهران بن أبي ~~عمر الرازي وغيره فروى عن الثوري قال وأشهرها حديث ابن كثير كذا قال ~~PageV01P287 وهذا يخالف قول العقيلي إن أشهرها حديث خالد بن عمرو وهذا أصح ~~ومحمد بن كثير الصنعاني هو المصيصي ضعفه أحمد وأبو قتادة ومهران تكلم فيهما ~~أيضا لكن محمد بن كثير خير منهما فإنه ثقة عند كثير من الحفاظ وقد تعجب ابن ~~عدي من حديثه هذا وقال ما أدري ما أقول فيه وذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أبان ~~عن حديث محمد بن كثير عن سفيان الثوري فذكر هذا الحديث فقال هذا حديث باطل ~~يعني بهذا الإسناد يشير إلى أنه لا أصل له عن محمد بن كثير عن سفيان وقال ~~ابن مشيش سألت أحمد عن حديث سهل بن سعد فذكر هذا الحديث فقال أحمد لا إله ~~إلا الله تعجبا من يروى هذا الحديث قلت خالد بن عمرو فقال وقعنا في خالد بن ~~عمرو وسكت مراده الإنكار على من ذكر له شيئا من حديث خالد هذا فإنه لا ~~يشتغل به وخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب المواعظ له عن خالد بن ~~عمرو ثم قال كنت منكرا لهذا الحديث فحدثني هذا الشيخ يعني وكيعا أنه سأله ~~عنه ولولا مقالته هذه لتركته وخرج ابن عدي هذا الحديث في ms398 ترجمة خالد بن ~~عمرو وذكر رواية محمد بن كثير له أيضا وقال هذا الحديث عن الثوري منكر وقال ~~ورواه زافر يعني ابن سلمان عن محمد بن عيينة أخي سفيان عن أبي حازم عن ابن ~~عمر انتهى وزافر ومحمد بن عيينة كلاهما ضعيف وقد روى هذا الحديث من وجه آخر ~~مرسلا أخرجه أبو سليمان بن زبر الدمشقي في مسند إبراهيم بن أدهم قد جمعه من ~~رواية معاوية بن حفص عن إبراهيم بن أدهم عن منصور عن ربعي بن حراش قال جاء ~~رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله دلني على عمل يحبني ~~الله عليه ويحبني الناس عليه فقال أما العمل الذي يحبك الله عليه فازهد في ~~الدنيا وأما العمل الذي يحبك عليه الناس فانظر هذا الحطام فانبذه إليهم ~~وخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا من رواية على بن بكار عن إبراهيم ~~بن أدهم قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ولم يذكر في ~~إسناده منصورا ولا ربعيا وقال في حديثه فانبذ إليهم ما في يدك من الحطام ~~وقد اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين إحداهما الزهد في الدنيا وأنه ~~مقتض لمحبة الله عز وجل لعبده والثانية الزهد فيما في أيدي الناس فإنه مقتض ~~لمحبة الناس فأما الزهد في الدنيا فقد كثر في القرآن الإشارة إلى مدحه وكذا ~~ذم الرغبة في الدنيا كما قال الله تعالى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة ~~خير وأبقي الأعلى وقال تعالى تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة الأنفال ~~وقال تعالى في قصة قارون فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة ~~الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا ~~العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون إلى ~~قوله تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين القصص وقوله وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا متاع ms399 الرعد وقال تعالى قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن ~~اتقي ولا تظلمون فتيلا النساء PageV01P288 وقال حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه ~~قال لقومه يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا ~~متاع وإن الآخرة هي دار القرار غافر وقد ذم الله عز وجل من كان يريد الدنيا ~~بعمله وسعيه ونيته وقد سبق ذكر ذلك في الكلام على حديث الأعمال بالنيات ~~والأحاديث في ذم الدنيا وحقارتها عند الله عز وجل كثيرة جدا ففي صحيح مسلم ~~عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كنفيه ~~فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بأذنه فقال أيكم يحب أن هذا له بدرهم فقالوا ~~ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به قال أتحبون أنه لكم قالوا والله لما كان ~~حيا لما رغبنا فيه لأنه أسك فكيف وهو ميت فقال والله للدنيا أهون على الله ~~من هذا عليكم وفيه أيضا عن المستورد الفهري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بماذا ~~يرجع وخرج الترمذي من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ~~ماء صححه ومعنى الزهد في الشيء الإعراض عنه لاستقلاله واحتقاره وارتفاع ~~الهمة عنه يقال شيء زهيد أي قليل حقير وقد تكلم السلف ومن بعدهم في تفسير ~~الزهد في الدنيا وتنوعت عباراتهم عنه وورد في ذلك حديث مرفوع خرجه الترمذي ~~وابن ماجه من رواية عمرو بن واقد عن يونس بن حليس عن أبي إدريس الخولاني عن ~~أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والزهادة في الدنيا ليست بتحريم ~~الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك ~~أوثق مما في يد الله وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها ~~لو أنها ms400 بقيت لك وقال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وعمرو ابن ~~واقد منكر الحديث قلت الصحيح وقفه كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد ~~حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي خالد بن صبيح حدثنا يونس بن حليس قال قال أبو ~~مسلم الخولاني رضي الله عنه ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة ~~المال إنما الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك ~~وإذا أصبت مصيبة كنت أشد رجاء لأجرها وذخرها من إياها لو بقيت لك وخرجه ابن ~~أبي الدنيا من راوية محمد بن مهاجر عن يونس بن ميسرة قال ليس الزهادة في ~~الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما ~~في يد الله أوثق منك بما في يدك وأن تكون حالك في المصيبة وحالك إذا لم تصب ~~بها سواء وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء ففسر الزهد في الدنيا بثلاثة ~~أشياء كلها من أعمال القلوب لا من أعمال الجوارح ولهذا كان أبو سليمان يقول ~~لا تشهد لأحد بالزهد فإن الزهد في القلب أحدها أن يكون العبد بما في يد ~~الله أوثق منه بما في يد نفسه وهذا ينشأ من صحة PageV01P289 اليقين وقوته ~~فإن الله سبحانه وتعالى ضمن أرزاق عباده وتكفل بها كما قال تعالى وما من ~~دابة في الأرض إلا على الله رزقها وقال تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون ~~وقال تعالى فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه وقال الحسن إن من ضعف يقينك أن ~~تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله عز وجل وعن على وابن مسعود قالا ~~إن أرجي ما يكون الرزق إذا قالوا ليس في الدنيا دقيق وقال مسروق إن أحسن ما ~~أكون ظنا حين يقول الخادم ليس في البيت قفيز من قمح ولا درهم وقال الإمام ~~أحمد أسر أيامي إلى يوم أصبح وليس عندي شيء وقيل لأبي حازم الزاهد ما مالك ~~قال لي مالان لا أخشى معهما الفقر الثقة بالله ms401 واليأس مما في أيدي الناس ~~وقيل له أما تخاف الفقر فقال أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في السموات ~~والأرض وما بينهما وما تحت الثري ودفع إلى على بن الموفق ورقة فقرأها فإذا ~~فيها يا على بن الموفق أتخاف الفقر وأنا ربك وقال الفضيل بن عياض أصل الزهد ~~الرضا عن الله عز وجل وقال القنوع هو الزاهد وهو الغني فمن حقق اليقين وثق ~~بالله في أموره كلها ورضي بتدبيره له وانقطع عن التعلق بالمخلوقين رجاء ~~وخوفا ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة ومن كان كذلك كان زاهدا ~~في الدنيا حقيقة وكان من أغني الناس وإن لم يكن له شيء من الدنيا كما قال ~~عمار رضي الله عنه كفي بالموت واعظا وكفي باليقين غني وكفي بالعبادة شغلا ~~وقال ابن مسعود رضي الله عنه اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله ولا تحسد ~~أحدا على رزق الله ولا تلم أحدا على ما لم يؤتك الله فإن رزق الله لا يسوقه ~~حرص حريص ولا يرده كراهية كاره فإن الله تعالى بقسطه وعلمه وحكمته جعل ~~الروح والفرح في اليقين والرضا وجعل الهم والحزن في السخط والشك وفي حديث ~~مرسل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء اللهم إني أسألك ~~إيمانا يباشر قلبي ولسانا صادقا حتى أعلم أنه لا يمنعني رزقا قسمته لي ~~ورضني من العيش بما قسمته لي وكان عطاء الخراساني رحمه الله لا يقوم من ~~مجلسه حتى يقول اللهم هب لنا يقينا منك حتى تهون علينا مصائب الدنيا وحتى ~~نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبت علينا ولا يصيبنا من الرزق إلا ما قسمت لنا ~~وروينا من حديث ابن عباس مرفوعا قال من سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما ~~في يدي الله أوثق منه بما في يده والثاني أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في ~~دنياه من ذهاب مال أو ولد أو غير ذلك أرغب في ثواب ذلك مما ذهب منه من ~~الدنيا أن يبقي له وهذا أيضا ms402 ينشأ من كمال اليقين وقد روي عن ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه اللهم اقسم لنا من خشيتك ما ~~تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون ~~به علينا مصائب الدنيا وهو من PageV01P290 علامات الزهد في الدنيا وقلة ~~الرغبة فيها كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه من زهد الدنيا هانت عليه ~~المصيبات والثالث أن يستوي عند العبد حامده وذامه في الحق وهذه من علامات ~~الزهد في الدنيا واحتقارها وقلة الرغبة فيها فإن من عظمت الدنيا عنده اختار ~~المدح وكره الذم فربما حمله ذلك على ترك كثير من الحق خشية الذم وعلى فعل ~~كثير من الباطل رجاء المدح فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق دل على سقوط ~~منزلة المخلوقين من قلبه وامتلائه من محبة الحق وما فيه رضا مولاه كما قال ~~ابن مسعود رضي الله عنه اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله وقد مدح الله ~~الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم وقد روي عن السلف عبارات ~~أخر في تفسير الزهد في الدنيا وكلها ترجع إلى ما تقدم كقول الحسن الزاهد ~~الذي إذا رأى أحدا قال هو أفضل مني وهذا يرجع إلى أن الزاهد حقيقة هو ~~الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها ولهذا يقال الزاهد في الرياسة أشد منه في ~~الذهب والفضة فمن أخرج من قلبه حب الرياسة في الدنيا والترفع فيها على ~~الناس فهو الزاهد حقا وهذا هو الذي يستوي عنده حامده وذامه في الحق وكقول ~~وهب بن الورد رحمه الله والزهد في الدنيا أن لا تأس على ما فات منها ولا ~~تفرح بما آتاك منها قال ابن السماك رحمه الله هذا هو الزاهد المبرز في زهده ~~وهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إقبالها وإدبارها وزيادتها ونقصها وهو ~~مثل استواء حال المصيبة وعدمها كما سبق وسئل بعضهم أظنه الإمام أحمد عمن ~~معه مال هل يكون زاهدا قال إن كان لا ms403 يفرح بزيادته ولا يحزن بنقصه فهو زاهد ~~أو كما قال وسئل الزهري عن الزاهد فقال من لم يغلب الحرام صبره ولم يشغل ~~الحلال شكره وهذا قريب مما قبله فإن معناه أن الزاهد في الدنيا إذا قدر ~~منها على حرام صبر عنه فلم يأخذه وإذا حصل له منها حلال لم يشغله عن الشكر ~~بل قام بشكر الله عليه وقال أحمد بن الحواري رحمه الله قلت لسفيان بن عيينة ~~من الزاهد في الدنيا قال من إذا أنعم عليه شكر وإذا ابتلي صبر وفقلت يا أبا ~~محمد الذي قد أنعم عليه فشكر وإذا ابتلي فصبر وحبس النعمة كيف يكون زاهدا ~~فقال اسكت من لم تمنعه النعماء من الشكر ولا البلوى من الصبر فذلك الزاهد ~~وقال ربيعة رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها ووضعها في حقها وقال سفيان ~~الثوري رحمه الله الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا بلبس ~~العباء وقال وكان من دعائهم اللهم زهدنا في الدنيا ووسع علينا منها ولا ~~تردها عنا فترغبنا فيها ولهذا قال الإمام أحمد الزهد في الدنيا قصر الأمل ~~وقال مرة قصر الأمل واليأس مما في أيدي الناس ووجه هذا أن قصر الأمل يوجب ~~محبة الله ولقائه والخروج من الدنيا وطول الأمل يقتضي محبة البقاء فيها فمن ~~قصر أمله فقد كره البقاء في الدنيا وهذا نهاية الزهد فيها والإعراض عنها ~~واستدل ابن عيينة لهذا بقوله تعالى قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله ~~خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين إلى قوله ولتجدنهم أحرص ~~الناس على حياة لبقرة الآية وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الضحاك بن ~~مزاحم قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله من أزهد ~~الناس PageV01P291 فقال من لم ينس القبر والبلى وترك زينة الدنيا وآثر ما ~~يبقى على مايفنى ولم يعد غدا من أيامه وعد نفسه من الموتى وهذا مرسل وقد ~~قسم كثير من السلف الزهد أقساما فمنهم من قال أفضل الزهد الزهد في الشرك ~~وفي ms404 عبادة ما عبد من دون الله ثم الزهد في الحرام كله من المعاصي ثم الزهد ~~في الحلال وهو أقل أقسام الزهد والقسمان الأولان من هذا الزهد كلاهما واجب ~~والثالث ليس بواجب فإن أعظم الواجبات الزهد في الشرك ثم في المعاصي كلها ~~وكان بكر المزني يدعو لإخوانه زهدنا الله وإياكم زهد من أمكنه الحرام ~~والذنوب في الخلوات فعلم أن الله يراه فتركه وقال ابن المبارك قال معلي بن ~~أبي مطيع الزهد على ثلاثة وجوه أحدهما أن يخلص العمل لله عز وجل والقول ولا ~~يراد بشيء منه الدنيا والثاني ترك مالا يصلح والعمل بما يصلح والثالث ~~الحلال أن يزهد فيه وهو التطوع وهو أدناها وهذا أقرب مما قبله إلا أنه جعل ~~الدرجة الأولى من الزهد الزهد في الرياء المنافي للإخلاص في القول والعمل ~~وهو الشرك الأصغر والحامل عليه محبة المدح في الدنيا والتقدم عند أهلها وهو ~~من نوع محبة العلو فيها والرياسة وقال إبراهيم بن أدهم الزهد ثلاثة أصناف ~~فزهد فرض وزهد فضل وزهد سلامة فأما الزهد الفرض فالزهد في الحرام والزهد ~~الفضل الزهد في الحلال والزهد السلامة الزهد في الشبهات وقد اختلف الناس هل ~~يستحق اسم الزهد من زهد في الحرام خاصة ولم يزهد في فضول المباحات أم لا ~~على قولين أحدهما أنه يستحق اسم الزهد بذلك وقد سبق ذكر ذلك عن الزهري وابن ~~عيينة وغيرهما والثاني لا يستحق اسم الزهد بدون الزهد في فضول المباحات وهو ~~قول طائفة من العلماء العارفين وغيرهم حتى قال بعضهم لا زهد اليوم لفقد ~~المباح المحض وهو قول يوسف بن أسباط وغيره وفي ذلك نظر وكان يونس بن عبيد ~~يقول وما قدر الدنيا حتى يمدح من زهد فيها وقال أبو سليمان الداراني ~~اختلفوا علينا في الزهد بالعراق فمنهم من قال الزهد في ترك لقاء الناس ~~ومنهم من قال في ترك الشهوات ومنهم من قال في ترك الشبع وكل منهم قريب بعضه ~~من بعض قال وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك عن الله ms405 عز وجل وهذا ~~الذي قاله أبو سليمان حسن وهو يجمع جميع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه واعلم ~~أن الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا ليس راجعا إلى زمانها الذي هو ~~الليل والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة فإن الله تعالى جعلهما خلفه لمن ~~أراد أن يذكر أو أراد شكورا ويروي عن عيسى عليه السلام أنه قال إن هذا ~~الليل والنهار خزانتان فانظروا ما تصنعون فيهما وكان يقول عليه الصلاة ~~والسلام اعملوا الليل لما خلق له والنهار لما خلق له وقال مجاهد ما من يوم ~~إلا يقول لابن آدم قد دخلت عليك اليوم ولن أرجع إليك بعد اليوم فانظر ماذا ~~تعمل في فإذا انقضى طوي ثم يختم عليه فلا يفك حتى يكون الله هو الذي ~~PageV01P292 يقضيه يوم القيامة ولاالليلة إلا تقول كذلك وقد أنشد بعض السلف ~~إنما الدنيا إلى الجنة والنار طريق والليالي متجر الإنسان والأيام سوق وليس ~~الذم راجعا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مهادا ~~ومسكنا ولا إلى ما أودع الله فيها من الجبال والبحار والأنهار والمعادن ولا ~~إلى ما أنبته فيها من الزرع والشجر ولا إلى ما بث فيها من الحيوانات وغير ~~ذلك فإن ذلك كله من نعمة الله على عباده بما لهم فيه من المنافع ولهم به من ~~الاعتبار والاستدلال عل وحدانية صانعه وقدرته وعظمته وإنما الذم راجع إلى ~~أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا لأن غالبها واقع على غير الوجه الذي تحمد ~~عاقبته بل يقع على ما تضر عاقبته أو لا ينفع كما قال عز وجل اعلموا أنما ~~الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ~~كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا الحديد وانقسم بنو آدم في ~~الدنيا إلى قسمين أحدهما من أنكر أن يكون للعباد دار بعد الدنيا للثواب ~~والعقاب وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا ~~بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم ~~النار بما كانوا ms406 يكسبون يونس وهؤلاء همهم التمتع في الدنيا واغتنام لذاتها ~~قبل الموت كما قال تعالى والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ~~والنار مثوى لهم محمد ومن هؤلاء من كان يأمر بالزهد في الدنيا لأنه يرى أن ~~الاستكثار منها موجب الهم والغم ويقول كلما كثر التعلق بها تألمت النفس ~~بمفارقتها عند الموت فكان هذا غاية زهدهم في الدنيا والقسم الثاني من يقر ~~بدار بعد الموت للثواب والعقاب وهم المنتسبون إلى شرائع المرسلين وهم ~~منقسمون إلى ثلاثة أقسام ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات بإذن الله ~~والظالم لنفسه هم الأكثرون منهم وأكثرهم واقف مع زهرة الدنيا وزينتها ~~فأخذها من غير وجهها واستعملها في غير وجهها وصارت الدنيا أكبر همه بها ~~يرضى وبها يغضب ولها يوالي وعليها يعادي وهؤلاء هم أهل اللهو واللعب ~~والزينة والتفاخر والتكاثر وكلهم لم يعرف المقصود من الدنيا ولا أنها منزلة ~~سفر يتزود منها لما بعدها من دار الإقامة وإن كان أحدهم يؤمن بذلك إيمانا ~~مجملا فهو لا يعرفه مفصلا ولا ذاق ما ذاقه أهل المعرفة بالله في الدنيا مما ~~هو أنموذج ما ادخر لهم في الآخرة والمقتصد منهم أخذ الدنيا من وجوهها ~~المباحة وأدى واجباتها وأمسك لنفسه الزائد على الواجب يتوسع به في التمتع ~~بشهوات الدنيا وهؤلاء قد اختلف في دخولهم في اسم الزهاد في الدنيا كما سبق ~~ذكره ولا عقاب عليهم في ذلك إلا أنه ينقص من درجاتهم في الآخرة بقدر توسعهم ~~في الدنيا قال ابن عمر لا يصيب عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند ~~الله وإن كان عليه كريما خرجه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد وروي مرفوعا من ~~حديث عائشة بإسناد فيه نظر وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده أن رجلا ~~دخل على معاوية فكساه فخرج فمر على أبي مسعود الأنصاري PageV01P293 ورجل ~~آخر من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فقال أحدهما خذها من حسناتك وقال ~~الآخر خذها من طيباتك وبإسناده عن عمر رضي الله عنه قال لولا أن تنقص من ~~حسناتي لخالطتكم في ms407 لين عيشكم ولكن سمعت الله عير قوما فقال أذهبتم طيباتكم ~~في حياتكم الدنيا واستمتعم بها الأحقاف وقال الفضيل ابن عياض إن شئت استقل ~~من الدنيا وإن شئت استكثر منها فإنما تأخذ من كيسك ويشهد لهذا إن الله حرم ~~على عباده أشياء من فضول شهوات الدنيا وزينتها وبهجتها حيث لم يكونوا ~~محتاجين إليه وادخره لهم عنده في الآخرة وقد وقعت الإشارة إلى هذا بقوله عز ~~وجل ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا ~~من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا وإن ~~كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين الزخرف وصح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في ~~الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة وقال لا تلبسوا الحرير ~~ولا الديباج ولا تشربوا في إناء الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها ~~لهم في الدنيا ولكم في الآخرة وقال وهب إن الله عز وجل قال لموسى عليه ~~السلام إني لأذود أوليائي عن نعيم الدنيا ورخائها كما يذود الراعي الشفيق ~~إبله عن مبارك العرة وما ذلك لهوانهم علي ولكن ليستمسكوا نصيبهم من كرامتي ~~سالما موفرا لم أعجل لهم شيئا في الدنيا لم تكمله ويشهد لهذا ما خرجه ~~الترمذي عن قتادة بن النعمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله إذا ~~أحب عبدا حماه عن الدينا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء وخرجه الحاكم ~~ولفظه إن الله ليحمي عبده من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام ~~والشراب تخافون عليه وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وأما السابق ~~بالخيرات بإذن الله فهم الذين فهموا المراد من الدنيا وعملوا بمقتضى ذلك ~~فعلموا أن الله إنما أسكن عباده في هذه الدار ليبلوهم أيهم أحسن عملا كما ~~قال هو الذي خلق السموات والأرض في ستة ms408 أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا هود وقال تعالى الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا الملك قال بعض السلف أيهم أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة وجعل ما في ~~الدنيا من البهجة والنضرة محنة لينظر من يقف منهم معه ويركن إليه ومن ليس ~~كذلك كما قال تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا الكهف ثم بين انقطاعه ونفاده فقال وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ~~الكهف فلما فهموا أن هذا هو المقصود من الدنيا جعلوا همهم التزود منها ~~للآخرة التي هي دار القرار فاكتفوا من الدنيا بما يكتفي به المسافر في سفره ~~كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل ~~الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح عنها وتركها ووصى صلى الله عليه وسلم ~~جماعة من الصحابة أن يكون بلاغ أحدهم من الدنيا كزاد راكب منهم PageV01P294 ~~سلمان وأبو عبيدة بن الجراح وأبو ذر وعائشة رضي الله عنهم ووصى ابن عمر أن ~~يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل وأن يعد نفسه من أهل القبور وأهل ~~هذه الدرجة على قسمين منهم من يقتصر من الدنيا على قدر ما يسد الرمق فقط ~~وهو حال كثير من الزهاد ومنهم من يفسح لنفسه أحيانا في تناول بعض شهواتها ~~المباحة لتقوى النفس بذلك وتنشط للعمل كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال حبب إلى من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة خرجه ~~الإمام أحمد والنسائي من حديث أنس وخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة رضي ~~الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب من الدنيا النساء والطيب ~~والطعام فأصاب من النساء والطيب ولم يصب من الطعام قال وهب مكتوب في حكمة ~~آل داود عليهم السلام ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات ساعة يحاسب ~~فيها نفسه وساعة يناجي فيها ربه وساعة يلقى فيها إخوانه الذين يخبرونه ~~بعيوبه ويصدقونه عن ms409 نفسه وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما لا يحل ~~ويجمل فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات وأفضل بلغة واستجماعا للقلوب ~~يعني ترويحا لها ومتى نوى من تناول شهواته المباحة التقوى على طاعة الله ~~كانت شهواته له طاعة يثاب عليها كما قال معاذ رضي الله عنه إني لأحتسب ~~نومتي كما أحتسب قومتي يعني أنه ينوي بنومه التقوي على القيام في آخر الليل ~~فيحتسب ثواب نومه كما يحتسب ثواب قيامه وكان بعضهم إذا تناول شيئا من ~~شهواته المباحة واسى منها إخوانه كما روي عن ابن المبارك رحمه الله أنه كان ~~إذا اشتهى شيئا لم يأكله حتى يشهد بعض أصحابه فيأكله معهم وكان إذا اشتهى ~~شيئا دعا ضيفا له ليأكل معه وكان يذكر عن الأوزاعي أنه قال ثلاثة لا حساب ~~عليهم في مطعمهم المتسحر والصائم حين يفطر وطعام الضيف وقال الحسن ليس من ~~حبك الدنيا طلبك ما يصلحك فيها ومن زهد فيها ترك الحاجة يسدها عنك تركها ~~ومن أحب الدنيا وسرته ذهب خوف الآخرة من قلبه وقال سعيد بن جبير متاع ~~الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة وما لم يلهك فليس متاع الغرور ولكنه متاع ~~بلاغ إلى ما هو خير منه وقال يحيى بن معاذ الرازي كيف لا أحب دنيا قدر لي ~~فيها قوت أكتسب بها حياة أدرك بها طاعة أنال بها الآخرة وسئل أبو صفوان ~~الرعيني وكان من العارفين ما هي الدنيا التي ذمها الله في القرآن التي ~~ينبغي للعاقل أن يتجنبها فقال كل ما أصبت في الدنيا تريد به الدنيا فهو ~~مذموم وكل ما أصبت منها تريد بها الآخرة فليس منها وقال الحسن رحمه الله ~~نعمت الدار الدنيا كانت للمؤمن وذلك أنه عمل قليلا وأخذ زاده منها إلى ~~الجنة وبئست الدار كانت للكافر والمنافق وذلك أنه ضيع لياليه وكان زاده ~~منها إلى النار وقال أبقع بن عبيد الكلاعي قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قال الله يا أهل الجنة ms410 كم ~~لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قال نعم ما اتجرتم في ~~يوم أو بعض يوم رحمتي PageV01P295 ورضواني وجنتي امكثوا فيها خالدين مخلدين ~~ثم يقول لأهل النار كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض ~~يوم فيقول بئسما اتجرتم في يوم أو بعض يوم سخطي ومعصيتي وناري امكثوا فيها ~~خالدين مخلدين وخرج الحاكم من حديث عبد الجبار بن وهب أنبأنا سعيد بن طارق ~~عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها ~~لآخرته حتى يرضي ربه وبئست الدار لمن صدته عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه ~~وإذا قال العبد قبح الله الدنيا قالت الدنيا قبح الله أعصانا لربه وقال ~~صحيح الإسناد وخرجه العقيلي وقال عبد الجبار بن وهب مجهول وحديثه غير محفوظ ~~قال وهذا الكلام يروي عن علي من قوله وقول علي خرجه ابن أبي الدنيا عنه ~~بإسناد فيه نظر أن عليا سمع رجلا يسب الدنيا فقال إنها لدار صدق لمن صدقها ~~ودار عافية لمن فهم عنها ودار غني لمن تزود منها مسجد أحباب الله ومهبط ~~وحيه ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة ~~فمن ذا يذم الدنيا وقد آذنت بفراقها ونادت بعيبها نعت نفسها وأهلها فمثلت ~~ببلائها البلاء وشوقت بسرورها إلى أهل السرور فذمها قوم عند الندامة ومدحها ~~آخرون حدثتهم فصدقوا وذكرتهم فذكروا فيا أيها المغتر بالدنيا المغتر ~~بغرورها متى استلأمت إليك الدنيا بل متى غرتك بمضاجع آبائك تحت الثرى أم ~~بمصارع أمهاتك من البلى كم قلبت بكفيك ومرضت بيديك تطلب له الشفاء وتسأل له ~~الأطباء فلم تظفر بحاجتك ولم تسعف بطلبتك قد مثلت لك الدنيا بمصرعه مصرعك ~~غدا ولا يغني عنك بكاؤك ولا ينفعك أحباؤك فبين أمير المؤمنين رضي الله عنه ~~أن الدنيا لا تذم مطلقا وأنها تحمد بالنسبة إلى من تزود منها الأعمال ~~الصالحة وأن فيها مساجد الأنبياء ومهبط الوحي وهي دار التجارة للمؤمنين ~~اكتسبوا منها الرحمة وربحوا بها ms411 الجنة فهي نعم الدار لمن كانت هذه صفته ~~وأما ما ذكر من أنها تغر وتخدع فإنها تنادي بمواعظها وتنصح بعبرها وتبدي ~~عيوبها بما ترى من أهلها من مصارع الهلكى وتقلب الأحوال من الصحة إلى السقم ~~ومن الشيبة إلى الهرم ومن الغنى إلى الفقر ومن العز إلى الذل لكن محبها قد ~~أصمه وأعماه حبها فهو لا يسمع نداءها كما قيل وقد نادت الدنيا على نفسها لو ~~كان في العالم من يسمع كم واثق بالعمر أفنيته وجامع بددت ما يجمع وقال يحيى ~~بن معاذ رحمه الله لو يسمع الخلائق صوت النياحة على الدنيا في المغيب من ~~ألسنة الفناء لتساقطت القلوب منهم حزنا وقال بعض الحكماء الدنيا أمثال ~~تضربها الأيام للأنام وعلم الزمان لا يحتاج إلى ترجمان وبحب الدنيا صمت ~~أسماع القلوب عن المواعظ PageV01P296 وما أحث السائق لو شعر الخلائق وأهل ~~الزهد في فضول الدنيا أقسام فمنهم من يحصل له فيمسكه ويتقرب به إلى الله ~~كما كان كثير من الصحابة وغيرهم قال أبو سليمان كان عثمان وعبدالرحمن بن ~~عوف رضي الله عنهما خازنين من خزان الله في أرضه ينفقان في طاعته وكانت ~~معاملتهما لله بقلوبهما ومنهم من يخرجه من يده ولا يمسكه وهؤلاء نوعان منهم ~~من يخرجه اختيارا وطواعية ومنهم من يخرجه ونفسه تأبى إخراجه ولكن يجاهدها ~~على ذلك وقد اختلف في أيهما أفضل فقال ابن السماك والجنيد الأول أفضل ~~للتحقق نفسه بمقام السخاء والزهد وقال ابن عطاء الثاني أفضل لتحقق نفسه بأن ~~له عملا ومجاهدة وفي كلام الإمام أحمد ما يدل عليه رضي الله عنه ومنهم من ~~لم يحصل له شيء من الفضول وهو زاهد في تحصيله إما مع قدرته أو بدونها ~~والأول أفضل من هذا ولهذا قال كثير من السلف أن عمر بن عبد العزيز كان أزهد ~~من أويس ونحوه كذا قال أبو سليمان وغيره وكان مالك بن دينار يقول الناس ~~يقولون مالك زاهد إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز وقد اختلف العلماء أيما ~~أفضل من طلب الدنيا من الحلال ليصل ms412 رحمه ويقدم منها لنفسه أم من تركها فلم ~~يطلبها بالكلية فرجحت طائفة من تركها وجانبها منهم الحسن وغيره ورجحت طائفة ~~من طلبها على ذلك الوجه منهم النخعي وغيره وروي عن الحسن رضي الله عنه نحوه ~~والزاهدون في الدنيا بقلوبهم لهم ملاحظ ومشاهد يشهدونها فمنهم من يشهد كثرة ~~التعب بالسعي في تحصيلها فهو يزهد فيها قصد الراحة لنفسه قال الحسن الزهد ~~في الدنيا يريح القلب والبدن ومنهم من يخاف أن ينقص حظه من الآخرة بأخذ ~~فضول الدنيا ومنهم من يخاف من طول الحساب عليها قال بعضهم من سأل الله ~~الدنيا فإنما يسأل طول الوقوف للحساب ومنهم من يشهد كثرة عيوب الدنيا وسرعة ~~تقلبها وفنائها ومزاحمة الأراذل في طلبها كما قيل لبعضهم ما الذي زهدك في ~~الدنيا قال قلة وفائها وكثرة جفائها وخشية شركائها ومنهم من كان ينظر إلى ~~حقارة الدنيا عند الله فيقذرها كما قال الفضيل لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت ~~علي حلالا ولا أحاسب بها في الآخرة لكنت أقتذرها كما يقتذر الرجل الجيفة ~~إذا مر بها أن تصيب ثوبه ومنهم من كان يخاف أن تشغله عن الاستعداد للآخرة ~~والتزود لها قال الحسن إن كان أحدهم ليعيش عمره مجهودا شديد الجهد والمال ~~الحلال إلى جنبه يقال له ألا تأتي هذا فتصيب منه فيقول لا والله لا أفعل ~~إني أخاف أن آتيه فأصيب منه فيكون فساد قلبي وعملي وبعث إلى عمر بن المنكدر ~~بمال فبكى واشتد بكاؤه وقال خشيت أن تغلب الدنيا على قلبي فلا يكون للآخرة ~~مني نصيب فذلك الذي منه أبكاني ثم أمر به فتصدق به على فقراء أهل المدينة ~~وخواص هؤلاء يخشى أن يشتغل بها عن الله كما قالت رابعة ما أحب أن لي الدنيا ~~كلها من أولها إلى آخرها حلالا أنفقها في سبيل الله وأنها شغلتني عن الله ~~طرفة عين وقال أبو سليمان الزهد ترك ما PageV01P297 يشغل عن الله وقال كل ~~ما يشغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو مشئوم وقال الزهد في الدنيا على ~~طبقتين منهم ms413 من يزهد في الدنيا فلا يفتح له فيها روح الآخرة ومنهم من إذا ~~زهد فيها فتح له فيها روح الآخرة فليس شيء أحب إليه من البقاء ليطيع وقال ~~ليس الزاهد من ألقى هموم الدنيا واستراح منها إنما الزاهد من زهد في الدنيا ~~وتعب فيها للآخرة فالزهد في الدنيا يراد به تفريغ القلب من الاشتغال بها ~~ليتفرغ لطلب الله ومعرفته والقرب منه والأنس به والشوق إلى لقائه وهذه ~~الأمور ليست من الدنيا كما كان النبي صلى الله عليه آله وسلم يقول حبب إلى ~~من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة ولم يجعل الصلاة مما حبب ~~إليه من الدنيا كذا في المسند والنسائي وأظنه وقع في غيرهما حبب إلى من ~~دنياكم ثلاث فأدخل الصلاة في الدنيا ويشهد لذلك حديث الدنيا ملعونة ملعون ~~ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالما أو متعلما أخرجه ابن ماجه ~~والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة مرفوعا وروي نحوه من غير وجه مرسلا ~~ومتصلا وخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء مرفوعا قال الدنيا ملعونة ملعون ~~ما فيها إلا ما ابتغى به وجه الله وخرجه ابن أبي الدنيا موقوفا وخرجه أيضا ~~من رواية شهر بن حوشب عن عبادة قال أراه رفعه قال يؤتي بالدنيا يوم القيامة ~~فيقال ميزوا منها ما كان لله عز وجل وألقوا سائرها في النار فالدنيا وكل ما ~~فيها ملعونة أي مبعدة عن الله لأنها تشغل عنه إلا العلم النافع الدال علي ~~الله وعلي معرفته وطلب قربه ورضاه وذكر الله وما والاه مما يقرب من الله ~~فهذا هو المقصود من الدنيا فإن الله إنما أمر عباده بأن يتقوه ويطيعوه ~~ولازم ذلك دوام ذكره كما قال ابن مسعود تقوي الله حق تقواه أن يذكر فلا ~~ينسي وإنما شرع الله إقام الصلاة لذكره وكذلك الحج والطواف وأفضل أهل ~~العبادات أكثرهم لله ذكرا فيها فهذا كله ليس من الدنيا المذمومة وهو ~~المقصود من إيجاد الدنيا وأهلها كما قال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ms414 الذاريات وقد ظن طوائف من الفقهاء والصوفية أن ما يوجد في الدنيا ~~من هذه العبادات أفضل مما يوجد في الجنة من النعيم قالوا لأن نعيم الجنة حظ ~~العبد والعبادات في الدنيا حق الرب وحق الرب أفضل من حظ العبد وهذا غلط ~~ويقوي غلطهم قول كثير من المفسرين في قوله من جاء بالحسنة فله خير منها ~~النمل قالوا الحسنة لا إله إلا الله وليس شيء خيرا منها ولكن الكلام على ~~التقديم والتأخير والمراد فله منها خير أي له خير بسببها ولأجلها والصواب ~~إطلاق ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة أن الآخرة خير من الأولى مطلقا وفي ~~صحيح الحاكم عن المستورد بن شداد قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فتذكروا الدنيا والآخرة فقال بعضهم إنما الدنيا بلاغ للآخرة وفيها العمل ~~وفيها الصلاة وفيها الزكاة وقالت طائفة منهم الآخرة فيها الجنة وقالوا ما ~~شاء الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الدنيا في الآخرة إلا كما ~~يمشي أحدكم إلى PageV01P298 اليم فأدخل إصبعه فيه فما خرج منه فهو الدنيا ~~فهذا نص بتفضيل الآخرة على الدنيا وما فيها من الأعمال ووجه ذلك أن كمال ~~الدنيا إنما هو في العلم والعمل والعلم مقصود الأعمال فتضاعف في الآخرة بما ~~لا نسبة لما في الدنيا إليه فإن العلم أصله العلم بالله وأسمائه وصفاته وفي ~~الآخرة ينكشف الغطاء ويصير الخبر عيانا ويصير علم اليقين عين اليقين وتصير ~~المعرفة بالله رؤية له ومشاهدة فأين هذا مما في الدنيا وأما الأعمال ~~البدنية فإن لها في الدنيا مقصدين أحدهما اشتغال الجوارح بالطاعة وكدها ~~بالعبادة والثاني اتصال القلوب بالله وتنويرها بذكره فالأول قد رفع عن أهل ~~الجنة ولهذا روي أنهم إذا هموا بالسجود لله عند تجليه لهم يقال لهم ارفعوا ~~رؤوسكم إنكم لستم في دار مجاهدة وأما المقصود الثاني فحاصل لأهل الجنة على ~~أكمل الوجوه وأتمها ولا نسبة لما حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القرب ~~والأنس والاتصال إلى ما يشاهدونه في الآخرة عيانا فتتنعم قلوبهم وأبصارهم ~~وأسماعهم بقرب ms415 الله ورؤيته وسماع كلامه لا سيما في أوقات الصلاة في الدنيا ~~كالجمع والأعياد والمقربون منهم يحصل ذلك لهم كل يوم مرتين بكرة وعشيا في ~~وقت صلاة الصبح وصلاة العصر ولهذا لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل ~~الجنة يرون ربهم حض عقيب ذلك على المحافظة على صلاة العصر وصلاة الفجر لأن ~~وقت هاتين الصلاتين وقت لرؤية خواص أهل الجنة ربهم وزيارتهم له وكذلك نعيم ~~الذكر وتلاوة القرآن لا ينقطع عنهم أبدا فيلهمون التسبيح كما يلهمون النفس ~~قال ابن عيينة لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا فإن ~~لذة الذكر للعارفين في الدنيا من لذتهم به في الجنة فتبين بهذا أن قوله من ~~جاء بالحسنة فله خير منها على ظاهره فإن ثواب كلمة التوحيد في الدنيا أن ~~يصل صاحبها إلى قولها في الجنة على الوجه الذي يختص به أهل الجنة وبكل حال ~~فالذي يحصل لأهل الجنة من تفاصيل العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ومن ~~قربه ومشاهدته ولذة ذكره هو أمر لا يمكن التعبير عن كنهه في الدنيا لأن ~~أهلها لم يدركوه على وجهه بل هو مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر والله تعالى المسئول أن لا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا بمنه ~~وكرمه ورحمته آمين اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم ولنرجع إلى شرح حديث ~~ازهد في الدنيا يحبك الله فهذا الحديث يدل على أن الله يحب الزاهد في ~~الدنيا قال بعض السلف قال الحواريون لعيسى عليه السلام يا روح الله علمنا ~~عملا واحدا يحبنا الله عز وجل عليه قال ابغضوا الدنيا يحبكم الله عز وجل ~~وقد ذم الله تعالى من يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة كما قال كلا بل تحبون ~~العاجلة وتذرون الآخرة القيامة وقال وتحبون المال حبا جما الفجر وقال وإنه ~~لحب الخير لشديد العاديات والمراد حب المال فإذا ذم من أحب الدنيا دل على ~~مدح من لا يحبها بل يرفضها ويتركها وفي المسند وصحيح ms416 ابن حبان عن أبي موسى ~~عن النبي صلى الله PageV01P299 عليه وآله وسلم قال من أحب دنياه أضر بآخرته ~~ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى وفي المسند وسنن ابن ~~ماجه عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كانت همه الدنيا ~~فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ~~ومن كانت الآخرة نيته جمع الله عليه أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا ~~وهي راغمة وخرجه الترمذي من حديث أنس مرفوعا بمعناه ومن كلام جندب بن عبد ~~الله الصنعاني رضي الله عنه حب الدنيا رأس كل خطيئة وروي مرفوعا وروي عن ~~الحسن مرسلا وقال الحسن من أحب الدنيا وسرته خرج حب الآخرة من قلبه وقال ~~عون بن عبد الله الدنيا والآخرة في القلب ككفتي الميزان بقدر ما ترجح ~~إحداهما تخف الأخرى وقال وهب إنما الدنيا والآخرة كرجل له امرأتان إن رضي ~~إحداهما أسخط الأخرى وبكل حال فالزهد في الدنيا شعار أنبياء الله وأوليائه ~~وأحبائه قال عمرو بن العاص رضي الله عنه ما أبعد هديكم من هدي نبيكم صلى ~~الله عليه وسلم إنه كان أزهد الناس في الدنيا وأنتم أرغب الناس فيها خرجه ~~الإمام أحمد وقال ابن مسعود رضي الله عنه لأصحابه أنتم أكثر صلاة وصوما ~~وجهادا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيرا منكم قالوا كيف ~~ذلك قال كانوا أزهد منكم في الدنيا وأرغب منكم في الآخرة وقال أبو الدرداء ~~لئن حلفتم لي على رجل أنه أزهدكم لأحلفن لكم أنه خيركم ويروى عن الحسن قال ~~قالوا يا رسول الله من خيرنا قال أزهدكم في الدنيا وأرغبكم في الآخرة ~~والكلام في هذا الباب يطول جدا وفيما أشرنا إليه كفاية إن شاء الله تعالى ~~الوصية الثانية وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه وصى رجلا فقال ايأس مما في أيدي الناس تكن غنيا خرجه ~~الطبراني ms417 وغيره ويروي من حديث سهل بن سعد مرفوعا شرف المؤمن قيامه بالليل ~~وعزة استغناؤه عن الناس وقال الحسن لا تزال كريما على الناس ولا يزال الناس ~~يكرمونك ما لم تعاط ما في أيديهم فإذا فعلت ذلك استخفوا بك وكرهوا حديثك ~~وأبغضوك وقال أيوب السختياني لا يقبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان العفة عما ~~في أيدي الناس والتجاوز عما يكون منهم وكان عمر يقول في خطبته على المنبر ~~إن الطمع فقر وإن اليأس غني وإن الإنسان إذا أيس من شيء استغنى عنه وروي أن ~~عبد الله بن سلام لقي كعب الأحبار عند عمر فقال يا كعب من أرباب العلم قال ~~الذين لا يعملون به قال فما يذهب بالعلم من قلوب العلماء بعد أن حفظوه ~~وعقلوه قال يذهبه الطمع وشره النفس وتطلب الحاجات إلى الناس قال صدقت وقد ~~تكاثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالاستعفاف عن مسئلة ~~الناس والاستغناء عنهم فمن سأل الناس ما بأيديهم كرهوه وأبغضوه لأن المال ~~محبوب لنفوس بني آدم فمن طلب منهم ما يحبونه كرهوه لذلك وأما من كان يرى ~~المنة للسائل عليه ويرى أنه لو خرج له عن ملكه كله لم PageV01P300 يف له ~~ببذل سؤاله له وذلته له أو كان يقول لأهله ثيابكم على غيركم أحسن منها ~~عليكم ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم فهذا نادر جدا من طباع بني آدم ~~وقد انطوى بساط ذلك من أزمان متطاولة وأما من زهد فيما في أيدي الناس وعف ~~عنهم فإنهم يحبونه ويكرمونه لذلك ويسود به عليهم كما قال أعرابي لأهل ~~البصرة من سيد أهل هذه القرية قالوا الحسن قال بم سادهم قالوا احتاج الناس ~~إلى علمه واستغنى هو عن دنياهم وما أحسن قول بعض السلف في وصف الدنيا ~~وأهلها وما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت ~~سلما لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها PageV01P301 الحديث الثاني ~~والثلاثون لا ضرر ولا ضرار عن أبي سعيد سعد بن مالك الخدري رضي الله عنه أن ~~رسول ms418 الله صلى الله عليه وسلم قال لا ضرر ولا ضرار حديث حسن رواه ابن ماجه ~~والدارقطني وغيرهما مسندا ورواه مالك في الموطإ مرسلا عن عمرو بن يحيى عن ~~أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا فأسقط أبا سعيد وله طرق يقوي بعضها ~~بعضا حديث أبي سعيد لم يخرجه ابن ماجه وإنما أخرجه الدارقطني والحاكم ~~والبيهقي من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة حدثنا الدراوردي عن ~~عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا ضرر ولا ضرار من ضار ضره الله ومن شاق شق الله عليه وقال ~~الحاكم صحيح الإسناد على شرط مسلم وقال البيهقي تفرد به عثمان عن الدراوردي ~~وخرجه مالك في الموطإ عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلا قال ابن عبد البر لم ~~يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث قال ولا يسند من وجه صحيح ثم خرجه من ~~رواية عبد الملك بن معاذ النصيبي عن الدراوردي موصولا والدراوردي كان ~~الإمام أحمد يضعف ما حدث به من حفظه ولا يعبأ به ولا شك في تقديم قول مالك ~~على قوله وقال خالد ابن سعد الأندلسي الحافظ لم يصح حديث لا ضرر ولا ضرار ~~مسندا وأما ابن ماجه فخرجه من رواية فضيل بن سليمان حدثنا موسى بن عقبة ~~حدثنا إسحاق بن يحيى ابن الوليد عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قضي أن لا ضرر ولا ضرار وهذا من جملة صحيفة يروى بهذا الإسناد ~~وهي منقطعة مأخوذة من كتاب قاله ابن المديني وأبو زرعة وغيرهما وإسحاق بن ~~يحيى قيل هو ابن طلحة وهو ضعيف لم يسمع من PageV01P302 عبادة قاله أبو زرعة ~~وابن أبي حاتم والدارقطني في موضع وقيل إسحاق بن يحيى ابن الوليد عن عبادة ~~ولم يسمع أيضا من عبادة قاله الدارقطني أيضا وذكره ابن عدي في كتابه ~~الضعفاء وقال عامة أحاديثه غير محفوظة وقيل إن موسى بن عقبة لم يسمع منه ~~وإنما ms419 روى هذه الأحاديث عن أبي عياش الأسدي عنه وأبو عياش لا يعرف وخرجه ~~ابن ماجه أيضا من وجه آخر من رواية جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس قال ~~قال رسول الله صلى الله PageV01P303 عليه وآله وسلم لا ضرر ولا ضرار وجابر ~~الجعفي ضعفه الأكثرون وخرجه الدارقطني من رواية إبراهيم بن إسماعيل عن داود ~~بن الحصين عن عكرمة وإبراهيم ضعفه جماعة وروايات داود عن عكرمة مناكير ~~وخرجه الدارقطني من حديث الواقدي حدثنا خارجة بن عبدالله بن سليمان بن زيد ~~بن ثابت عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لا ضرر ولا ضرار والواقدي متروك وشيخه مختلف في تضعيفه وخرجه ~~الطبراني من وجهين ضعيفين أيضا عن القاسم عن عائشة وخرجه الطبراني أيضا من ~~رواية محمد بن سلمة عن أبي إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن ~~حبان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ~~وهذا إسناد متقارب وهو غريب ولكن خرجه أبو داود في المراسيل من رواية ~~عبدالرحمن ابن معز عن أبي إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع مرسلا ~~وهذا أصح وخرجه الدارقطني من رواية أبي بكر بن عياش قال أراه عن ابن عطاء ~~عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ضرر ~~ولا ضرورة ولا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على حائطه وهذا الإسناد فيه شك ~~وابن عطاء هو يعقوب وهو ضعيف وروى كثير بن عبد اللهبن عمرو بن عوف المزني ~~عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ضرر ولا إضرار قال ابن ~~عبد البر إسناده غير صحيح قلت كثير هذا يصحح حديثه الترمذي ويقول البخاري ~~في بعض حديث هو أصح حديث في الباب وحسن حديث إبراهيم بن المنذر الخزاعي ~~وقال هو خير مراسيل ابن المسيب وكذلك حسنه ابن أبي ms420 عاصم وترك حديثه آخرون ~~منهم الإمام أحمد وغيره فهذا ما حضرنا من ذكر طرق أحاديث هذا الباب وقد ذكر ~~الشيخ رحمه أن بعض طرقه تقوي ببعض وهو كما قال وقد قال البيهقي في بعض ~~أحاديث كثير بن عبدالله المزني إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ~~ضعف قوتها وقال الشافعي في المرسل إنه إذا استند من وجه آخر وأرسله من يأخذ ~~العلم عن غير من يأخذ عنه المرسل الأول فإنه يقبل وقال الجوزجاني إذا كان ~~الحديث المسند من رجل غير مقنع يعني لا يقنع برواياته وشد أركانه المراسيل ~~بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار استعمل واكتفي به وهذا إذا لم يعارض ~~بالمسند الذي هو أقوي منه وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث وقال قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار وقال أبو عمرو بن الصلاح هذا ~~الحديث أسنده الدارقطني من وجوه ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه وقد تقبله ~~جماهير أهل العلم واحتجوا به وقول أبي داود إنه من الأحاديث التي يدور ~~الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف والله أعلم وفي المعنى أيضا حديث أبي صرمة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ضار ضار الله به ومن شاق شاق الله عليه ~~خرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه وقال الترمذي حسن غريب وخرج الترمذي ~~بإسناد فيه ضعف عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به وقوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ~~ولا ضرار هذه الرواية الصحيحة ضرار بغير همزة وروى إضرار بالهمزة ووقع ذلك ~~في بعض روايات ابن ماجه والدراقطني بل وفي بعض نسخ الموطأ وقد أثبت بعضهم ~~هذه الرواية وقال ضر وأضر بمعنى واحد وأنكرها آخرون وقالوا لا صحة لها ~~واختلفوا هل بين اللفظين أعني الضر والضرار فرق أم لا فمنهم من قال هما ~~بمعنى واحد على وجه التأكيد والمشهور أن بينهما فرقا ثم قيل إن الضرر هو ~~الاسم والضرار الفعل فالمعنى أن ms421 الضرر نفسه منتف في الشرع وإدخال الضرر ~~بغير حق كذلك وقيل الضرر أن يدخل على غيره ضررا بما ينتفع هو به والضرار أن ~~يدخل على غيره ضررا بلا منفعة له به كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع ~~ورجح هذا القول طائفة منهم ابن عبد البر وابن الصلاح وقيل الضرر أن يضر به ~~من لا يضره والضرار أن يضر بمن قد أضر به على وجه غير جائز وبكل حال فالنبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما نفي الضرر والضرار بغير حق فأما إدخال الضرر على ~~أحد يستحقه إما لكونه تعدي حدود الله فيعاقب بقدر جريمته أو كونه ظلم نفسه ~~وغيره فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل فهذا غير مراد قطعا وإنما المراد إلحاق ~~الضرر بغير حق وهذا على نوعين أحدهما أن لا يكون في ذلك غرض سوي الضرر بذلك ~~الغير فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه وقد ورد في القرآن النهي عن المضارة في ~~مواضع منها في الوصية قال تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار ~~النساء وفي الحديث عن أبي هريرة مرفوعا إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة ~~ثم يحضره الموت فيضار في الوصية فيدخل النار ثم تلا تلك حدود الله إلى قوله ~~ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ~~النساء وخرجه الترمذي وغيره بمعناه وقال ابن عباس رضي الله عنه الإضرار في ~~الوصية من الكبائر ثم تلا هذه الآية والإضرار في الوصية تارة يكون بأن يخص ~~بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي فرضه الله له فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد أعطي كل ذي حق حقه فلا وصية ~~لوارث وتارة بأن يوصي لأجنبي بزيادة على الثلث فينقص حقوق الورثة ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم الثلث والثلث كثير ومتي PageV01P304 وصي لوارث أو ~~لأجنبي بزيادة على الثلث لم ينفذ ما وصي به إلا بإجازة الورثة وسواء قصد ~~المضارة أو لم يقصد وأما ms422 إن قصد المضارة بالوصية لأجنبي بالثلث فإنه يأثم ~~بقصده المضارة وهل ترد وصيته إذا ثبت بإقراره أم لا حكي ابن عطية رواية عن ~~مالك أنها ترد وقيل إنه قياس مذهب أحمد ومنها الرجعة في النكاح وقال تعالى ~~فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك ~~فقد ظلم نفسه البقرة وقال وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ~~البقرة فدل ذلك على أن من كان قصده بالرجعة المضارة فإنه آثم بذلك وهذا كما ~~كانوا في أول الإسلام قبل حصر الطلاق في ثلاث يطلق الرجل امرأته ثم يتركها ~~حتى يقارب انقضاء عدتها ثم يراجعها ثم يطلقها ويفعل ذلك أبدا بغير نهاية ~~فيدع المرأة لا مطلقة ولا ممسكة فأبطل الله ذلك وحصر الطلاق في ثلاث مرات ~~وذهب مالك إلى أن من راجع امرأته قبل انقضاء عدتها ثم طلقها من غير مسيس ~~أنه إن قصد بذلك مضارتها بتطويل لم تستأنف العدة وبنت على ما مضي منها وإن ~~لم يقصد بذلك استأنفت عدة جديدة وقيل تبين مطلقا وهو قول عطاء وقتادة ~~والشافعي في القديم وأحمد في رواية وقيل تستأنف مطلقا وهو قول الأكثرين ~~منهم أبو قلابة والزهري والثوري وأبو حنيفة والشافعي في الجديد وأحمد في ~~رواية وإسحاق وأبو عبيد وغيرهم ومنها في الإيلاء فإن الله جعل مدة المولي ~~أربعة أشهر إذا حلف الرجل على امتناعه من وطء زوجته فإنه يضرب له مدة أربعة ~~أشهر فإن فاء ورجع إلى الوطء كان ذلك توبته وإن أصر على الامتناع لم يمكن ~~من ذلك ثم فيه قولان للسلف والخلف أحدهما أنها تطلق عليه بمضي هذه المدة ~~والثاني أنه يوقف فإن فاء وإلا أمر بالطلاق ولو ترك الوطء لقصد إضرار بغير ~~يمين مدة أربعة أشهر فقال كثير من أصحابنا حكمه حكم المولي في ذلك وقالوا ~~هو ظاهر في كلام أحمد وكذا قال جماعة منهم إذا ترك الوطء أربعة أشهر لغير ~~عذر ثم طلب الفرقة فرق بينهما بناء على أن الوطء عندنا في هذه المدة واجب ms423 ~~واختلفوا هل يعتبر لذلك قصد الإضرار أم لا يعتبر ومذهب مالك وأصحابه إذا ~~ترك الوطء من غير عذر فإنه يفسخ نكاحه مع اختلافهم في تقدير المدة ولو أطال ~~السفر من غير عذر وطلبت امرأته قدومه فأبي فقال مالك وأحمد وإسحاق يفرق ~~الحاكم بينهما وقدره أحمد بستة أشهر وإسحاق بمضي سنتين ومنها في الرضاع قال ~~تعالى لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده البقرة قال مجاهد في قوله ~~لا تضار والدة بولدها قال لا يمنع أمه أن ترضعه ليحزنها بذلك وقال عطاء ~~وقتادة والزهري وسفيان والسدي وغيرهم إذا رضيت ما يرضي به غيرها فهي أحق به ~~وهذا هو المنصوص عن أحمد رحمه الله ولو كانت الأم في حبال الزوج وقيل إن ~~كانت في حبال الزوج فله منعها من إرضاعه إلا أن لا يمكن ارتضاعه من غيرها ~~وقول الشافعي وبعض أصحابنا لكن إنما يجوز ذلك إذا كان قصد الزوج به توفير ~~الزوجة PageV01P305 للاستمتاع لا مجرد إدخال الضرر عليها وقوله ولا مولود ~~له بولده البقرة يدخل فيه أن المطلقة إذا طلبت إرضاع ولدها بأجرة مثلها لزم ~~الأب إجابتها إلى ذلك وسواء وجد غيرها أو لم يوجد هذا منصوص الإمام أحمد ~~فإن طلبت زيادة على أجرة مثلها زيادة كثيرة ووجد الأب من يرضعه بأجرة المثل ~~لم يلزم الأب إجابتها إلى ما طلب لأنها تقصد المضارة وقد نص عليه الإمام ~~أحمد أيضا ومنها في البيع قد ورد النهي عن بيع المضطر خرجه أبو داود من ~~حديث على بن أبي طالب أنه خطب الناس فقال إنه سيأتي على الناس زمان عضوض ~~يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك قال تعالى ولا تنسوا الفضل بينكم ~~البقرة ويبايع المضطرون وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ~~المضطر وخرجه الإسماعيلي وزاد فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان ~~عندك خير تعود به على أخيك وإلا فلا تزيدنه هلاكا إلى هلاكه وخرجه أبو يعلي ~~الموصلي بمعناه من حديث حذيفة مرفوعا أيضا ms424 وقال عبد اللهبن معقل بيع ~~الضرورة ربا قال حرب سئل أحمد عن بيع المضطر فكرهه فقيل له كيف هو قال ~~يجيئك وهو محتاج فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين وقال أبو طالب قيل لأحمد إن ~~ربح بالعشرة خمسة فكره ذلك وإن كان المشتري مسترسلا لا يحسن أن يماكس فباعه ~~بغبن كثير لم يجز أيضا قال أحمد الخلابة الخداع وهو أنه يغتبنه فيما لا ~~يتغابن الناس في مثله يبيعه ما يساوي درهما بخمسة ومذهب مالك وأحمد أنه ~~يثبت له خيار الفسخ بذلك ولو كان محتاجا إلى نقد فلم يجد من يقرضه فاشتري ~~سلعة بثمن إلى أجل في ذمته ومقصوده بيع تلك السلعة ليأخذ ثمنها فهذا فيه ~~قولان للسلف ورخص أحمد في رواية وقال في رواية أخشى أن يكون مضطرا فإن باع ~~السلعة من بائعها فأكثر السلف على تحريم ذلك وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ~~رحمهم الله وأحمد وغيرهم ومن أنواع الضر في البيوع التفريق بين الوالدة ~~وولدها في البيع فإن كان صغيرا حرم بالاتفاق وقد روى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم ~~القيامة فإن رضيت الأم بذلك ففي جوازه اختلاف ومسائل الضرر في الأحكام ~~كثيرة جدا وإنما ذكرنا هذا على وجه المثال والنوع الثاني أن يكون له غرض ~~آخر صحيح مثل أن يتصرف في ملكه بما فيه مصلحة له فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره ~~أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه توفيرا فيتضرر الممنوع بذلك فأما الأول وهو ~~التصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى غيره فإن كان على غير الوجه المعتاد مثل ~~أن يؤجج في أرضه نارا في يوم عاصف فيحترق ما يليه فإنه متعد بذلك وعليه ~~الضمان وإن كان على الوجه المعتاد ففيه للعلماء قولان مشهوران أحدهما لا ~~يمنع من ذلك وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما والثاني المنع وهو قول ~~أحمد ووافقه مالك في بعض الصور فمن صور ذلك أن يفتح كوة في بنائه العالي ~~مشرفة على ms425 جاره أو يبني بناء عاليا يشرف على جاره ولا يستره فإنه يلزمه ~~بستره نص عليه أحمد PageV01P306 ووافقه طائفة من أصحاب الشافعي قال ~~الروياني منهم في كتاب الحلية يجتهد الحاكم في ذلك ويمنع إذا ظهر له التعيث ~~وقصد الفساد قال وكذلك القول في إطالة البناء ومنع الشمس والقمر وقد خرج ~~الخرائطي وابن عدي بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا ~~حديثا طويلا في حق الجار وفيه ولا يستطيل البناء فيحجب عنه الريح إلا بإذنه ~~ومنها أن يحفر بئرا بالقرب من بئر جاره فيذهب ماؤها فإنها تطم في ظاهر مذهب ~~مالك وأحمد وخرج أبو داود في المراسيل من حديث أبي قلابة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا تضاروا في الحفر وذلك أن يحفر الرجل إلى جنب الرجل ~~ليذهب بمائه ومنها أن يحدث في ملكه ما يضر ملك جاره من هز أو دق ونحوهما ~~فإنه يمنع منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد وهو أحد الوجوه للشافعية وكذا إذا ~~كان يضر بالسكان كما إذا كان له رائحة خبيثة ونحو ذلك ومنها أن يكون له ملك ~~في أرض غيره ويتضرر صاحب الأرض بدخوله إلى أرضه فإنه يجبر على إزالته ~~ليندفع به ضرر الدخول خرجه أبو داود في سننه من حديث أبي جعفر محمد بن على ~~أنه حدث سمرة بن جندب أنه كان له عذق من نخل في حائط رجل من الأنصار ومع ~~الرجل أهله وكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذي به وشق عليه فطلب إليه أن ~~يناقله فأبي فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فطلب إليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يبيعه فأبي فطلب إليه أن يناقله فأبي قال فهبه له ~~ولك كذا وكذا أمرا رغبه فيه فأبي فقال أنت مضار فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم للأنصاري اذهب فاقلع نخله وقد روى عن أبي جعفر مرسلا قال أحمد في ~~رواية حنبل بعد أن ذكر له هذا الحديث كل ما كان على هذه الجهة ms426 وفيه ضرر ~~يمنع من ذلك فإن أجاب وإلا أجبره السلطان ولا يضر بأخيه في ذلك وفيه مرفق ~~له وخرجه أبو بكر الخلال من رواية عبد اللهبن محمد بن عقيل عن عبد اللهبن ~~سليط بن قيس عن أبيه أن رجلا من الأنصار كانت له في حائطه نخلة لرجل آخر ~~وكان صاحب النخل لا يريحها غدوة وعشية فشق ذلك على صاحب الحائط فأتي النبي ~~صلى الله عليه وسلم فدكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب ~~النخلة خذ منه نخلة مما يلي الحائط مكان نخلتك قال لا والله قال فخذ مني ~~ثنتين قال لا والله قال فهبها له قال لا والله قال فردد عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأبي فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيه نخلة مكان ~~نخلته وخرجه أبو داود في المراسيل من رواية إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان ~~عن عمه واسع بن حبان قال كان لأبي لبابة عذق في حائط رجل فكلمه فقال إنك ~~تطأ حائطي إلى عذقك فأنا أعطيك مثله في حائطك وأخرجه عن فأبي عليه فكلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا لبابة خذ مثل عذقك فحزها إلى مالك ~~واكفف عن صاحبك ما يكره فقال ما أنا بفاعل فقال اذهب فاخرج له مثل عذقه ~~PageV01P307 إلى حائطه ثم اضرب فوق ذلك بجدار فإنه لا ضرر في الإسلام ولا ~~ضرار ففي هذا الحديث والذي قبله إجباره على المعاوضة حيث كان على شريكه أو ~~جاره ضرر في تركه وهذا مثل إيجاب الشفعة لدفع ضرر الشريك الطارئ ويستدل ~~بذلك أيضا على وجوب العمارة على الشريك الممتنع من العمارة وعلي إيجاب ~~البيع إذا تعذرت القسمة وقد ورد من حديث محمد بن أبي بكر عن أبيه مرفوعا لا ~~تعضيه في الميراث إلا ما احتمل القسم وأبو بكر هو ابن عمرو بن حزم قاله ~~الإمام أحمد والحديث حينئذ مرسل والتعضية هي القسمة ومتي تعذرت القسمة لكون ~~المقسوم يتضرر بقسمته وطلب أحد الشريكين البيع أجبر ms427 الآخر وقسم الثمن نص ~~عليه أحمد وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة وأما الثاني وهو منع الجار من ~~الانتفاع بملكه والاتفاق به فإن كان ذلك يضر بمن انتفع بملكه فله المنع كمن ~~له جدار واه لا يحمل أن يطرح عليه خشب وأما إن لم يضر به فهل يجب عليه ~~التمكين ويحرم عليه الامتناع أم لا فمن قال في القسم الأول لا يمنع المالك ~~من التصرف في ملكه وإن أضر بجاره وقال هنا للجار المنع من التصرف في ملكه ~~بغير إذنه ومن قال هناك بالمنع فاختلفوا ههنا على قولين أحدهما المنع ههنا ~~وهو قول مالك والثاني أنه لا يجوز المنع وهو مذهب أحمد في طرح الخشب على ~~جدار دار جاره ووافقه الشافعي في القديم وإسحاق وأبو ثور وداود بن المنذر ~~وعبد الملك بن حبيب المالكي وحكاه مالك عن بعض قضاة المدينة وفي الصحيحين ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يمنعن أحدكم ~~جاره أن يغرز خشبه على جداره قال أبو هريرة مالي أراكم عنها معرضين والله ~~لأرمين بها بين أكتافكم وقضي عمر بن الخطاب رضي الله عنه على محمد بن مسلمة ~~أن يجري ماء جاره في أرضه وقال لتمرن به ولو على بطنك وفي الإجبار على ذلك ~~روايتان عن الإمام أحمد ومذهب أبي ثور الإجبار على إجراء الماء في أرض جاره ~~إذا أجراه في قناة في باطن أرضه نقله عنه حرب الكرماني ومما ينهى عن منعه ~~الضرر منع الماء والكلأ وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ وفي سنن أبي داود ~~أن رجلا قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الماء قال يا نبي ~~الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الملح قال يا نبي الله ما الشيء الذي ~~لا يحل منعه قال أن تفعل الخير خير لك وفيه أيضا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms428 قال الناس شركاء في ثلاث الماء والنار والكلأ وذهب أكثر العلماء إلى ~~أنه لا يمنع فضل الماء الجاري والنابع مطلقا سواء قيل إن الماء لمالك أرضه ~~أم لا وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم والمنصوص ~~عن أحمد وجوب بذله مجانا بغير عوض للشرب وسقي الزروع ومذهب أبي حنيفة ~~والشافعي لا يجب بذله للزرع واختلفوا هل يجب بذله مطلقا أو إذا كان بقرب ~~الكلأ PageV01P308 وكان منعه مفضيا إلى منع الكلأ على قولين لأصحابنا ~~وأصحاب الشافعي وفي كلام أحمد ما يدل على اختصاص المنع بالقرب من الكلأ ~~وأما مالك فلا يجب عنده بذل فضل الماء المملوك بملك منبعه ومجراه إلا ~~للمضطر كالمجاز في الأوعية وإنما يجب عنده بذل فضل الماء الذي لا يملك وعند ~~الشافعي حكم الكلأ كذلك يجوز منع فضله إلا في أرض الموات ومذهب أبي حنيفة ~~وأحمد وأبي عبيد أنه لا يمنع فضل الكلأ مطلقا ومنهم من قال لا يمنع أحد ~~الماء والكلأ إلا أهل الثغور خاصة وهو قول الأوزاعي لأن أهل الثغور إذا ذهب ~~ماؤهم وكلؤهم لم يقدروا أن يتحولوا من مكانهم من وراء بيضة الإسلام وأهله ~~وأما النهي عن منع النار فحمله طائفة من الفقهاء على النهي عن الاقتباس ~~منها دون أعيان الجمر ومنهم من حمله على منع الحجارة المورية للنار وهو ~~بعيد ولو حمل على منع الاستضاءة بالنار وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها بها لم ~~يستدفئ بها أو ينضج عليها طعاما ونحوه لم يبعد وأما الملح فلعله يحمل على ~~منع أخذه من المعادن المباحة فإن الملح من المعادن الظاهرة لا يملك ~~بالإحياء ولا بالإقطاع نص عليه أحمد وفي سنن أبي دواد أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أقطع رجلا الملح فقيل لمه يا رسول الله إنه بمنزلة الماء أي ~~النابع المعد فانتزعه منه ومما يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم لا ~~ضرر أن الله لم يكلف عباده فعل ما يضرهم البتة فإن ما يأمرهم به هو عين ~~صلاح دينهم ودنياهم ms429 وما نهاهم عنه هو عين فساد دينهم ودنياهم لكنه لم يأمر ~~عباده بشيء هو ضار لهم في أبدانهم أيضا ولهذا أسقط الطهارة بالماء عن ~~المريض وقال ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج المائدة وأسقط الصيام عن ~~المريض والمسافر وقال يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر البقرة وأسقط ~~اجتناب محظورات الإحرام كالحلق ونحوه عمن كان مريضا أو به أذى من رأسه وأمر ~~بالفدية وفي المسند عن ابن عباس قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي ~~الأديان أحب إلى الله قال الحنيفية السمحة ومن حديث عائشة رضي الله عنها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إني أرسلت بحنيفية سمحة ومن هذا المعنى ما في ~~الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم رأي رجلا يمشي قيل له إنه نذر ~~أن يحج ماشيا فقال إن الله لغني عن مشيه فليركب وفي رواية إن الله لغني عن ~~تعذيب هذا نفسه وفي السنن عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا فلتركب وقد ~~اختلف العلماء في حكم من نذر أن يحج ماشيا فمنهم من قال لا يلزمه المشي وله ~~الركوب بكل حال وهو رواية عن الأوزاعي وأحمد وقال أحمد يصوم ثلاثة أيام ~~وقال الأوزاعي عليه كفارة يمين والمشهور أنه يلزمه ذلك إن أطاقه فإن عجز ~~عنه فقيل يركب عند العجز ولاشيء عليه وهو أحد قولي الشافعي وقيل بل عليه مع ~~ذلك كفارة يمين وهو قول PageV01P309 الثوري وأحمد في رواية وقيل بل عليه دم ~~قاله طائفة من السلف منهم عطاء ومجاهد والحسن والليث وأحمد في رواية وقيل ~~يتصدق بكراء ما ركب وروى عن الأوزاعي وحكاه عن عطاء وروى عن عطاء يتصدق ~~بقدر نفقته عند البيت وقالت طائفة من الصحابة وغيرهم لا يجزيه الركوب بل ~~يحج من قابل فيمشي ما ركب ويركب ما مشى وزاد بعضهم وعليه هدي وهو قول مالك ~~إذا كان ما ms430 ركبه كثيرا و مما يدخل في عمومه أيضا بأن من عليه دين لا يطالب ~~به مع إعساره بل ينظر إلى حال يساره قال تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ~~ميسرة البقرة وعلي هذا جمهور العلماء خلافا لشريح في قوله إن الآية مختصة ~~بديون الربا في الجاهلية والجمهور أخذوا باللفظ العام لا يكلف المدين أن ~~يقضي بما عليه في خروجه من ملكه ضرر كثيابه ومسكنه المحتاج إليه وخادمه ~~كذلك ولا ما يحتاج إلى التجارة به لنفقته ونفقة عياله هذا مذهب الإمام أحمد ~~رحمه الله تعالى الحديث الثالث والثلاثون البينة على المدعي واليمين على من ~~أنكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لو يعطى الناس بدعواهم لادعي رجال أموال قوم ودماءهم لكن البينة على ~~المدعي واليمين على من أنكر حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا وبعضه في ~~الصحيحين PageV01P310 أصل هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من حديث ابن جريج ~~عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لو يعطي الناس بدعواهم لادعي ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين ~~على المدعي عليه وخرجاه أيضا من رواية نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة ~~عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضي أن اليمين على المدعي عليه ~~واللفظ الذي ساقه به الشيخ ساق ابن الصلاح مثله في الأحاديث الكليات وقال ~~رواه البيهقي بإسناد حسن وخرجه الإسماعيلي في صحيحه من رواية الوليد بن ~~مسلم حدثنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لو يعطي الناس بدعواهم لادعي رجال دماء رجال وأموالهم ولكن البينة ~~على الطالب واليمين على المطلوب وروى الشافعي أنبأ مسلم بن خالد عن ابن ~~جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~البينة على المدعي قال الشافعي وأحسبه ولا أثبته أنه قال واليمين على ms431 ~~المدعي عليه وروى محمد بن عمر بن لبانة الفقيه الأندلسي عن عثمان بن أيوب ~~الأندلسي ووصفه بالفضل عن غازي بن قيس عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذكر هذا الحديث ولكن قال البينة على من ادعي ~~واليمين على من أنكر وغازي بن قيس الأندلسي كبير صالح سمع من مالك وابن ~~جريج وطبقتهما وسقط من هذا الإسناد ابن جريج وقد استدل الإمام أحمد وأبو ~~عبيد أن PageV01P311 النبي صلى الله عليه وسلم قال البينة على المدعي ~~واليمين على من أنكر وهذا يدل على أن هذا اللفظ عندهما صحيح محتج به وفي ~~المعنى أحاديث كثيرة ففي الصحيحين عن الأشعث بن قيس قال كان بيني وبين رجل ~~خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شاهداك أو يمينه قلت إذا يحلف ولا يبالي فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين يستحق بها ما لا هو فيها فاجر لقي الله ~~وهو عليه غضبان فأنزل الله تصديق ذلك ثم قرأ هذه الآية إن الذين يشترون ~~بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا آل عمران وفي رواية لمسلم بعد قوله إذا يحلف ~~قال ليس لك إلا ذلك وخرجه أيضا مسلم بمعناه من حديث وائل ابن حجر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وخرج الترمذي من حديث العرزمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته البينة على المدعي ~~واليمين على المدعي عليه وقال في إسناده مقال والعرزمي يضعف في الحديث من ~~جهة حفظه وخرجه الدارقطني من رواية مسلم بن خالد الزنجي وفيه ضعف عن ابن ~~جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة ورواه الحافظ عن ابن ~~جرير عن عمرو بن شعيب مرسلا وخرجه أيضا من رواية مجاهد عن ابن عمر ms432 عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته يوم الفتح المدعي عليه أولي باليمين ~~إلا أن تقوم بينة وخرجه الطبراني وعنده عن عبدالله ابن عمرو بن العاص وفي ~~إسناده كلام وخرج الدارقطني هذا المعنى من وجوه متعددة ضعيفة وروى حجاج ~~الصواف عن حميد بن هلال عن زيد بن ثابت قال قضي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أيما رجل طلب عند رجل طلبة فإن المطلوب هو أولي باليمين وخرجه أبو ~~عبيد والبيهقي وإسناده ثقات إلا أن حميد بن هلال ما أظنه لقي زيدا بن ثابت ~~وخرجه الدارقطني وزاد فيه بغير شهداء وخرجه النسائي من حديث ابن عباس قال ~~جاء خصمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فادعي أحدهما على الآخر حقا فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم للمدعي أقم بينتك فقال يا رسول الله ما لي بينة ~~فقال الآخر احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عليك أو عندك شيء وقد روى ~~عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ~~وقضي بذلك زيد بن ثابت على عمر لأبي بن كعب ولم ينكراه وقال قتادة فصل ~~الخطاب الذي أوتيه داود عليه وعلي نبينا الصلاة والسلام هو أن البينة على ~~المدعي واليمين على من أنكر قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن البينة ~~على المدعي واليمين على المدعي عليه قال ومعنى قوله البينة على المدعي يعني ~~أنه يستحق بها ما ادعي لأنها واجبة يؤخذ بها ومعنى قوله علي المدعي عليه أي ~~يبرأ بها لأنها واجبة عليه يؤخذ بها PageV01P312 على كل حال انتهى وقد ~~اختلف الفقهاء من أصحابنا والشافعية في تفسير المدعي والمدعي عليه فمنهم من ~~قال المدعي هو الذي يخلي وسكوته من الخصمين والمدعي عليه من لا يخلي وسكوته ~~منهما ومنهم من قال المدعي من يطلب أمرا خفيا على خلاف الأصل والظاهر ~~والمدعي عليه بخلافه وبنوا على ذلك مسألة وهي إذا أسلم الزوجان الكافران ~~قبل الدخول ثم اختلفا فقال الزوج ms433 أسلمنا معا فنكاحنا باق وقالت الزوجة بل ~~سبق أحدنا إلى الإسلام فالنكاح منفسخ فإن قلنا المدعي يخلي وسكوته فالمرأة ~~هي المدعي فيكون القول قول الزوج لأنه مدعي عليه إذ لا يخلي وسكوته وإن ~~قلنا إن المدعي من يدعي أمرا خفيا فالمدعي هنا هو الزوج إذ التقارن في ~~الإسلام خلاف الظاهر فالقول قول المرأة لأن الظاهر معها وأما الأمين إذا ~~ادعي التلف كالمودع إذا ادعي تلف الوديعة فقد قيل إنه مدع لأن الأصل يخالف ~~ما ادعاه وإنما لم يحتج إلى بينة لأن المودع ائتمنه والائتمان يقتضي قبول ~~قوله وقيل إن المدعي الذي يحتاج إلى بينة هو المدعي ليعطي بدعواه مال قوم ~~أو دماءهم كما ذكر ذلك في الحديث فأما الأمين فلا يدعي ليعطي شيئا وقيل بل ~~هو مدعي عليه لأنه إذا سكت لم يترك بل لابد له من رد الجواب والمودع مدع ~~لأنه إذا سكت ترك ولو ادعي الأمين رد الأمانة إلى من ائتمنه فالأكثرون على ~~أن قوله مقبول أيضا لدعوى التلف وقال الأوزاعي لا يقبل قوله لأنه مدع وقال ~~مالك وأحمد في رواية إن ثبت قبضه للأمانة ببينة لم يقبل قوله في الرد بدون ~~البينة و وجه بعض أصحابنا ذلك بأن الإشهاد على دفع الحقوق الثابتة بالبينة ~~واجب فيكون تركه تفريطا فيجب به الضمان و لذلك قال طائفة منهم في دفع مال ~~اليتيم إليه لابد له من بينة لأن الله تعالى أمر بالإشهاد عليه فيكون واجبا ~~وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين أحدهما أن البينة على المدعي ~~أبدا واليمين على المدعي عليه أبدا وهو قول أبي حنيفة ووافقه طائفة من ~~الفقهاء والمحدثين كالبخارى وطردوا ذلك في كل دعوى حتى في القسامة وقالوا ~~لا يحلف إلا المدعي عليه ورأوا أن لا يقضي بشاهد ولا يمين لأن اليمين لا ~~تكون إلا على المدعي عليه ورأوا أن اليمين لا ترد على المدعي لأنها لا تكون ~~إلا في جانب المنكر المدعي عليه واستدلوا في مسئلة القسامة بما روى سعيد بن ~~عبيد حدثنا ms434 بشير بن بشار الأنصاري عن سهل بن أبي خيثمة أنه أخبره أن نفرا ~~منهم انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها فوجدوا أحدهم قتيلا فذكر الحديث وفيه ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم تأتوني بالبينة على من قتله قالوا ما لنا ~~بينة قال فيحلفون قالوا لا نرضي بأيمان اليهود فكره النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة خرجه البخاري وخرجه مسلم ~~مختصرا ولم يتمه ولكن هذه الرواية تعارض رواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن ~~بشير ابن بشار عن سهل بن أبي خيثمة فذكر قصة القتيل وقال فيه فذكروا لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله PageV01P313 وسلم مقتل عبدالله بن سهل فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته وهذه هي ~~الرواية المشهورة الثابتة المخرجة بلفظها بكمالها في الصحيحين وقد ذكر ~~الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عبيد الطائي ~~فإنه أجل وأحفظ وأعلم وهو من أهل المدينة وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين وقد ~~ذكر الإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيي بن سعيد في هذا الحديث فنفض يده ~~وقال ذاك ليس بشيء رواه على ما يقول الكوفيين وقال أذهب إلى حديث المديني ~~يحيى بن سعيد وقال النسائي لا نعلم أحدا تابع سعيدا بن عبيد على روايته عن ~~بشير بن بشار وقال مسلم في كتاب التمييز لم يحفظه سعيد بن عبيد على وجهه ~~لأن جميع الأخبار فيها سؤال النبي صلى الله عليه وسلم إياهم قسامة خمسين ~~يمينا وليس في شيء من أخبارهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم البينة ~~وترك سعيد القسامة وتواطؤ الأخبار بخلافه يقضي عليه بالغلط وقد خالفه يحيى ~~بن سعيد وقال ابن عبد البر في رواية سعيد بن عبيد هذه رواية أهل العراق عن ~~بشير بن بشار ورواية أهل المدينة عنه أثبت وهم به أقعد ونقلهم أصح عند أهل ~~العلم قلت وسعيد بن عبيد اختصر قصة القسامة وهي محفوظة في الحديث فقد ms435 خرج ~~النسائي من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~طلب من ولي القتيل شاهدين على من قتله فقال ومن أين أصيب شاهدين قال فتحلف ~~خمسين قسامة قال كيف أحلف على ما لم أعلم قال فتستحلف منهم خمسين قسامة ~~فهذا الحديث يجمع بين روايتي سعيد بن عبيد ويحيى ابن سعيد ويكون كل منهما ~~ترك بعض القصة فترك سعيد ذكر قسامة المدعين وترك يحيى ذكر البينة قبل طلب ~~القسامة والله أعلم وأما مسألة الشاهد مع اليمين فاستدل من أنكر الحكم ~~بالشاهد واليمين بحديث شاهداك أو يمينه وقوله صلى الله عليه وسلم ليس لك ~~إلا ذلك وقد تكلم القاضي إسماعيل المالكي في هذه اللفظة وقال تفرد بها ~~منصور عن أبي وائل وخالفه سائر الرواة وقالوا إنه سأله ألك بينة أولا ~~والبينة لا تقف على الشاهدين فقط بل تعم سائر ما يبين الحق وقال غيره يحتمل ~~أن يريد بشهادته كل نوعين يشهدان للمدعي بصحة دعواه يتبين بهما الحق فيدخل ~~ذلك بشهادة الرجلين وشهادة الرجل مع المرأتين وشهادة الواحد مع اليمين وقد ~~أقام الله سبحانه أيمان المدعي مقام الشهود في اللعان وقوله في تمام الحديث ~~ليس لك إلا ذلك لم يرد به النفي العام بل النفي الخاص وهو الذي أراده ~~المدعي وهو أن يكون القول قوله بغير بينة فمنعه من ذلك وأبي ذلك عليه وكذلك ~~قوله في الحديث الآخر ولكن اليمين على المدعي عليه إنما أريد بها اليمين ~~المجردة عن الشهادة وأول الحديث يدل على ذلك و هو قوله لو يعطي الناس ~~بدعواهم لادعي رجال دماء رجال وأموالهم فدل على أن قوله اليمين على المدعي ~~عليه إنما هي اليمين القاطعة PageV01P314 للمنازعة مع عدم البينة وأما ~~اليمين المثبتة للحق مع وجود الشهادة فهذا نوع آخر وقد ثبت بسنة أخرى وأما ~~رد اليمين على المدعي فالمشهور عن أحمد موافقة أبي حنيفة وأنها لا ترد ~~واستدل أحمد بحديث اليمين على المدعي عليه وقال في رواية أبي طالب عنه ما ~~هو ms436 بعيد أن يقال له يحلف ويستحق واختار ذلك طائفة من متأخري الأصحاب وهو ~~قول مالك والشافعي وأبي عبيد وروى عن طائفة من الصحابة وقد ورد فيه حديث ~~مرفوع خرجه الدارقطني وفي إسناده نظر قال أبو عبيد ليس هذا إزالة لليمين عن ~~موضعها فإن الإزالة أن لا تقضي باليمين على المطلوب فأما إذا قضي بها عليه ~~فرضي بيمين صاحبه كان هو الحاكم على نفسه بذلك لأنه لو شاء لحلف وبريء ~~وبطلت عنه الدعوى والقول الثاني في المسألة أنه يرجح جانب أقوي المتداعيين ~~وتجعل اليمين في جانبه هذا مذهب مالك وكذا ذكر القاضي أبو يعلي في خلافه ~~أنه مذهب أحمد وعلي هذا تتوجه المسائل التي تقدم ذكرها من الحكم بالقسامة ~~والشاهد واليمين فإن جانب المدعي في القسامة لما قوي باللوث جعلت اليمين في ~~جانبه وحكم له بها وكذلك المدعي إذا أقام شاهدا فإنه قوي جانبه فحلف معه ~~وقضي له وهؤلاء لهم في الجواب عن قوله البينة على المدعي طريقان أحدهما أن ~~هذا خص من هذا العموم بدليل والثاني أن قوله البينة على المدعي ليس بعام ~~لأن المراد المدعي المعهود و هو من لا حجة له سوي الدعوى كما في قوله لو ~~يعطي الناس بدعواهم لادعي رجال دماء قوم وأموالهم فأما المدعي الذي معه حجة ~~تقوي دعواه فليس داخلا في هذا الحديث وطريق ثالث وهو أن البينة كل ما بين ~~صحة دعوى المدعي وشهد بصدقه فاللوث مع القسامة بينة والشاهد مع اليمين بينة ~~وطريق رابع سلكه بعضهم وهو الطعن في صحة هذه اللفظة أعني قوله البينة على ~~المدعي وقالوا إنما الثابت هو قوله اليمين على المدعي عليه وقوله لو يعطي ~~الناس بدعواهم لادعي قوم دماء قوم وأموالهم يدل على أن مدعي الدم والمال ~~لابد له من بينة تدل على ما ادعاه ويدخل في عموم ذلك أن من ادعي على رجل ~~أنه قتل مورثه وليس معه إلا قول المقتول عند موته جرحني فلان أنه لا يكتفي ~~بذلك ولا يكون بمجرده لوثا وهذا قول الجمهور ms437 خلافا للمالكية فإنهم جعلوه ~~لوثا يقسم معه الأولياء ويستحقون الدم ويدخل في عمومه أيضا من قذف زوجته ~~ولاعنها فإنه لا يباح دمها بمجرد لعانه وهذا قول الأكثرين خلافا للشافعي ~~واختار قوله الجوزجاني لظاهر قوله عز وجل ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الكاذبين النور والأولون منهم من حمل العذاب على ~~الحبس وقالوا إن لم تلاعن حبست حتى تقر أو تلاعن وفيه نظر ولو ادعت امرأة ~~على رجل بأنه استكرهها على الزنا فالجمهور على أنه لا يثبت بدعواها عليه ~~شيء وقال أشهب من المالكية لها الصداق بيمينها وقال غيره منهم لها الصداق ~~بغير يمين هذا كله إذا كانت ذات قدر و ادعت ذلك على متهم PageV01P315 تليق ~~به الدعوى وإن كان المرمي بذلك من أهل الصلاح ففي حدها للقذف عن مالك ~~روايتان وقد كان شريح وإياس بن معاوية يحكمان في الأموال المتنازع فيها ~~بمجرد القرائن الدالة على صدق إحدى المتداعيين وقضي شريح في أولاد هرة ~~تداعاها امرأتان كل منهما تقول هي ولد هرتي قال شريح ألقها مع هذه فإن هي ~~قرت ودرت واستبطرت فهي لها وإن فرت وهربت وبارت فليس لها قال ابن قتيبة ~~قوله استبطرت يريد امتدت للإرضاع وإن بارت اقشعرت وتنفشت وكان يقضي بنحو ~~ذلك أبو بكر الشامي من الشافعية ورجح قوله ابن عقيل من أصحابنا وقد روى عن ~~الشافعي وأحمد السختياني قول القافة في سرقة الأموال والأخذ بذلك ونقل ابن ~~منصور عن أحمد إذا قال صاحب الزرع أفسدت غنمك زرعي بالليل ينظر في الأثر ~~فإن لم يكن أثر غنمه في الزرع لابد لصاحب الزرع من أن يجئ بالبينة قال ~~إسحاق ابن راهويه كما قال أحمد لأنه مدع وهذا يدل على اتفاقهما على ~~الاكتفاء برؤية أثر الغنم وأن البينة إنما تطلب عند عدم الأثر وقوله ~~واليمين على المدعي عليه يدل على أن كل من ادعي عليه دعوى فأنكر فإن عليه ~~اليمين وهذا قول أكثر الفقهاء وقال مالك إنما تجب اليمين على المنكر إذا ~~كان بين المتداعيين ms438 نوع مخالطة خوفا من أن يتبذل السفهاء على الرؤساء بطلب ~~أيمانهم وعنده ولو ادعي على رجل أنه غصبه أو سرق منه ولم يكن المدعي عليه ~~متهما بذلك لم يستحلف المدعي عليه وحكي أيضا عن القاسم بن محمد وحميد بن ~~عبدالرحمن وحكاه بعضهم عن فقهاء المدينة السبعة فإن كان من أهل الفضل أو ~~ممن لا يشار إليه بذلك أدب المدعي عند مالك واستدل بقوله اليمين على المدعي ~~عليه على أن المدعي لا يمين عليه وإنما عليه البينة وهو قول الأكثرين وروى ~~عن على أنه أحلف المدعي مع بينته أن شهوده شهدوا بحق وفعله أيضا شريح وعبد ~~الله بن عقبة وابن مسعود وابن أبي ليلي وسوار العنبري وعبيد الله بن الحسين ~~ومحمد بن عبدالله الأنصاري وروى عن النخعي أيضا وقال إسحاق إذا استراب ~~الحاكم وجب ذلك وسأل مهنا الإمام أحمد عن هذه المسألة فقال أحمد قد فعله ~~علي فقال له أيستقيم هذا فقال قد فعله علي فأثبت القاضي هذه الرواية عن ~~أحمد لكنه حملها على الدعوى على الغائب والصبي وهذا لا يصح لأن عليا إنما ~~حلف المدعي مع بينته على الحاضر معه وهؤلاء يقولون هذه اليمين لتقوية ~~الدعوى إذا ضعفت باسترابة الشهود كاليمين مع الشاهد الواحد وكان بعض ~~المتقدمين يحلف الشهود إذا استرابهم أيضا ومنهم سوار العنبري قاضي البصرة ~~وجوز ذلك القاضي أبو يعلي من أصحابنا لوالي المظالم دون القضاة وقد قال ابن ~~عباس في المرأة الشاهدة على الرضاع إنها تستحلف وأخذ به الإمام أحمد وقد دل ~~القرآن على استحلاف المشهود عند الارتياب بشهادتهم في الوصية في السفر في ~~قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين ~~الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم PageV01P316 إلى قوله فيقسمان ~~بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربي ولا نكتم شهادة الله ~~المائدة وهذه الآية لم ينسخ العمل بها عند جمهور السلف وقد عمل بها أبو ~~موسى وابن مسعود وأفتي بها على وابن عباس وهو ms439 مذهب شريح والنخعي وابن أبي ~~ليلي وسفيان والأوزاعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم قالوا تقبل شهادة الكفار في ~~وصية المسلمين في السفر ويستحلفان مع شهادتهما وهل يمنعهما من باب تكميل ~~الشهادة فلا يحكم بشهادتهما بدون يمين أم من باب الاستظهار عند الريبة وهذا ~~محتمل وأصحابنا جعلوها شرطا و هو ظاهر ما روى عن أبي موسى وغيره وقد ذهب ~~طائفة من السلف إلى أن اليمين مع الشاهد الواحد هو من باب الاستظهار فإن ~~رأي الحاكم الاكتفاء بالشاهد الواحد لبروز عدالته وظهور صدقه اكتفي بشهادته ~~بدون يمين الطالب وقوله فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان ~~مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من ~~شهادتهما المائدة يدل على أنه إذا ظهر خلل في شهادة الكفار حلف أولياء ~~الميت على خيانتهما وكذبهما واستحقوا عليه وهذا قول مجاهد وغيره من السلف ~~ووجه ذلك أن اليمين في جانب أقوي المتداعيين وقد قويت هنا دعوى الورثة ~~بظهور كذب الشهود الكفار فترد اليمين على المدعين ويحلفون مع اللوث ~~ويستحقون ما ادعوا كما يحلف الأولياء في القسامة مع اللوث ويستحقون بذلك ~~الدية والدم أيضا عند مالك وأحمد وغيرهما وقضي ابن مسعود في رجل مسلم حضره ~~الموت فأوصي إلى رجلين مسلمين معه وسلمهما ما معه من المال وأشهد على وصيته ~~كفارا ثم قدم الوصيان فدفعا بعض المال إلى الورثة وكتما بعضه ثم قدم الكفار ~~فشهدوا عليهم بما كتموه من المال فدعا الوصيين المسلمين فاستحلفهما ما دفع ~~إليهما أكثر مما دفعاه ثم دعا الكفار فشهدوا وحلفوا على شهادتهم ثم أمر ~~أولياء الميت أن يحلفوا أن ما شهدت به اليهود والنصارى حق فحلفوا فقضي على ~~الوصيين بما حلفوا عليه وكان ذلك في خلافة عثمان وتأول ابن مسعود الآية على ~~ذلك وكأنه قابل بين يمين الأوصياء والشهود الكفار فحلفوا معها واستحقوا لأن ~~جانبهم ترجح بشهادة الكفار لهم فجعل اليمين مع أقوي المتداعيين وقضي بها ~~واختلف الفقهاء هل يستحلف في جميع حقوق الآدميين كقول الشافعي ورواية عن ~~أحمد أو لا ms440 يستحلف إلا فيما يقضي فيه بالنكول كرواية عن أحمد ولا يستحلف ~~إلا فيما يصح بذله كما هو المشهور عن أحمد ولا يستحلف إلا في كل دعوى لا ~~تحتاج إلى شاهدين كما حكي عن مالك وأما حقوق الله عز وجل فمن العلماء من ~~قال لا يستحلف فيها بحال وهو قول أصحابنا وغيرهما ونص عليه أحمد في الزكاة ~~وبه قال طاوس PageV01P317 والثوري والحسن بن صالح وغيرهم وقال أبو حنيفة ~~ومالك والليث والشافعي إذا اتهم فإنه يستحلف وكذا حكي عن الشافعي فيمن تزوج ~~من لا تحل له ثم ادعي الجهل أنه يحلف على دعواه وكذا قال إسحاق في طلاق ~~السكران يحلف أنه ما كان يعقل وفي طلاق الناسي يحلف على نسيانه وكذا قال ~~القاسم بن محمد و سالم بن عبدالله في رجل قال لامرأته أنت طالق يحلف أنه ما ~~أراد به الثلاث وترد إليه وخرج الطبراني من رواية أبي هارون العبدي عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه قال كان أناس من الأعراب يأتون بلحم وكان في ~~أنفسنا منه شيء فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اجهدوا ~~أيمانهم أنهم ذبحوها ثم اذكروا اسم الله وكلوا وأبو هارون ضعيف جدا وأما ~~المؤتمن في حقوق الآدميين حيث قبل قوله فهل عليه يمين أم لا ففيه ثلاثة ~~أقوال للعلماء أحدهما لا يمين عليه لأنه صدقه ولا يمين مع التصديق وبالقياس ~~على الحاكم وهذا قول الحارث العكلي والثاني عليه اليمين لأنه منكر فيدخل في ~~عموم قوله واليمين على من أنكر وهو قول شريح وأبي حنيفة والشافعي ومالك في ~~رواية وأكثر أصحابنا والثالث لا يمين عليه إلا أن يتهم وهو نص أحمد وقول ~~مالك في رواية لما تقدم من ائتمانه وأما إذا قامت قرينة تنافي حال الائتمان ~~فقد اختل معنى الائتمان وقوله البينة على المدعي واليمين على من أنكر إنما ~~أريد به إذا ادعي على رجل ما يدعيه لنفسه وينكر أنه ادعاه عليه ولهذا قال ~~في أول الحديث لو يعطي الناس بدعواهم لادعي رجال دماء ms441 قوم وأموالهم فأما من ~~ادعي ما ليس له مدعي لنفسه منكر لدعواه فهذا أسهل من الأول ولابد للمدعي ~~هنا من بينة ولكن يكتفي من البينة هنا بما لا يكتفي بها في الدعوى على ~~المدعي لنفسه المنكر ويشهد لذلك مسائل منها اللقطة إذا جاء من وصفها فإنها ~~تدفع إليه من غير بينة بالاتفاق لكن منهم من يقول يجوز الدفع إذا غلب على ~~الظن صدقه ولا يجب كقول الشافعي وأبي حنيفة ومنهم من يقول يجب دفعها بذكر ~~الوصف المطابق كقول مالك وأحمد ومنها الغنيمة إذا جاء من يدعي منها شيئا ~~وأنه كان له واستولي عليه الكفار وأقام على ذلك ما يبين أنه له اكتفي به ~~وسئل عن ذلك أحمد وقيل له فتريد على ذلك بينة قال لابد به من بيان يدل على ~~أنه له وإن علم ذلك دفعه إليه الأمير وروى الخلال بإسناده عن الركين بن ~~الربيع عن أبيه قال أحمس أي شرد لأخي فرس بعين القمر فرآه في مربط سعد فقال ~~فرسي فقال سعد ألك بينة قال لا ولكن أدعوه فيحمحم فدعاه فحمحم فأعطاه إياه ~~وهذا يحتمل أنه كان لحق بالعدو ثم ظهر عليه المسلمون ويحتمل أنه عرف أنه ~~ضال فوضع بين الدواب الضالة فيكون كاللقطة ومنها المغصوب إذا علم ظلم ~~الولاة فطلب ردها من بيت المال قال أبو الزناد PageV01P318 كان عمر بن عبد ~~العزيز يرد المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة كان يكتفي باليسير إذا ~~عرف صرف وجه مظلمة الرجل ردها عليه ولم يكلفه تحقيق البينة لما يعرف من غشم ~~الولاة قبله على الناس ولقد انقضت أموال العراق في رد المظالم حتى حمل ~~إليها من الشام وذكر أصحابنا أن الأموال المغصوبة مع قطاع الطريق واللصوص ~~يكتفي من مدعيها بالصفة كاللقطة ذكره القاضي في خلافه وأنه ظاهر كلام أحمد ~~والله أعلم الحديث الرابع والثلاثون النهي عن المنكر من الإيمان عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول من رأى منكم منكرا فليغيره ms442 بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع ~~فبقلبه وذلك أضعف الإيمان رواه مسلم PageV01P319 هذا الحديث خرجه مسلم من ~~رواية قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي سعيد ومن رواية إسماعيل بن رجاء ~~عن أبيه عن أبي سعيد وعنده في حديث طارق قال أول من بدأ بالخطبة يوم العيد ~~قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال الصلاة قبل الخطبة فقال قد ترك ما ~~هنالك فقال أبو سعيد أما هذا فقد قضي ما عليه ثم روى هذا الحديث وقد روى ~~معناه من وجه آخر فخرجه مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له ~~من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم ~~خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ~~ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من ~~الإيمان حبة خردل وروى سالم المرادي عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد عن عمر ~~بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيصيب أمتي ~~في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لا ينجو منه إلا رجل عرف دين الله ~~فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه فذلك الذي سبقت له السوابق ورجل عرف دين الله ~~وصدق به وللأول عليه سابقة ورجل عرف دين الله فسكت عليه فإن كان رأي من ~~يعمل بخير أحبه عليه وإن رأي من يعمل بباطل أبغضه عليه فذلك الذي ينجو على ~~إبطانه كله وهذا غريب وإسناده منقطع وخرج الإسماعيلي من حديث أبي هارون ~~العبدي وهو ضعيف جدا عن مولي لعمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~توشك هذه الأمة أن تهلك إلا PageV01P320 ثلاثة نفر رجل أنكر بيده وبلسانه ~~وبقلبه فإن جبن بيده فبلسانه وقلبه فإن جبن بلسانه وبيده فبقلبه وخرج أيضا ~~من رواية الأوزاعي عن ms443 عمير بن هانئ عن على أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول سيكون بعدي فتن لا يستطيع المؤمن فيها أن يغير بيده ولا بلسانه ~~قلت يا رسول الله وكيف ذلك قال ينكرونه بقلوبهم قلت يا رسول الله وهل ينقص ~~ذلك إيمانهم شيئا قال لا إلا كما ينقص القطر من الصفا وهذا الإسناد منقطع ~~وخرج الطبراني معناه من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإسناد ضعيف فدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة ~~عليه وأما إنكاره بالقلب فلابد منه فمن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب ~~الإيمان من قلبه وقد روى عن أبي جحيفة قال قال على إن أول ما تغلبون عليه ~~من الجهاد الجهاد بأيديكم ثم الجهاد بألسنتكم ثم الجهاد بقلوبكم فمن لم ~~يعرف قلبه المعروف وينكر قلبه المنكر نكس فجعل أعلاه أسفله وسمع ابن مسعود ~~رجلا يقول هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر فقال ابن مسعود هلك ~~من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر ~~بالقلب فرض لا يسقط عن أحد فمن لم يعرفه هلك وأما الإنكار باللسان واليد ~~فإنما يجب بحسب الطاقة وقال ابن مسعود يوشك من عاش منكم أن يري منكرا لا ~~يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره وفي سنن أبي داود عن العرس ~~بن عميرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا عملت الخطيئة في الأرض كان ~~من شهدها فكرهها كمن غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها فمن شهد ~~الخطيئة فكرهها في قلبه كان كمن لم يشهدها إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده ~~ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها لأن الرضا ~~بالخطايا من أقبح المحرمات ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب وهو فرض على كل ~~مسلم لا يسقط عن أحد في كل حال من الأحوال وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي ~~هريرة رضي الله تعالى ms444 عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حضر معصية ~~فكرهها فكأنه غاب عنها ومن غاب عنها فأحبها فكأنه حضرها وهذا مثل الذي قبله ~~فتبين بهذا أن الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم في كل حال وأما الإنكار ~~باليد واللسان فبحسب القدرة كما في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على ~~أن يغيروا فلا يغيروا إلا يوشك الله أن يعمهم بعقابه أخرجه أبو داود بهذا ~~اللفظ وقال قال شعبة فيه ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أكثر ممن يعمله ~~وخرج أيضا من حديث جرير سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما من رجل يكون ~~في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه فلم يغيروا إلا أصابهم ~~الله بعقاب قبل أن يموتوا وخرجه الإمام أحمد ولفظه ما من قوم يعمل فيهم ~~بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله PageV01P321 فلم يغيروه إلا عمهم الله ~~بعقاب وخرج أيضا من حديث عدي بن عمير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ~~ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله ~~العامة والخاصة وخرج أيضا هو وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري قال سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول ~~ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره فإذا لقن الله عبدا حجته قال يا رب رجوتك ~~وفرقت من الناس فأما ما أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد أيضا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبة ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن ~~يقول بحق إذا علمه وبكي أبو سعيد وقال قد والله رأينا أشياء فهبنا وخرجه ~~الإمام أحمد وزاد فيه فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقال بحق أو ~~يذكر بعظيم ms445 وكذلك خرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لا يحقر أحدكم نفسه قالوا يا رسول الله كيف يحقر أحدنا ~~نفسه قال يري أمرا لله عليه فيه مقال ثم لا يقول فيه فيقول الله له ما منعك ~~أن تقول في كذا وكذا فيقول خشيت الناس فيقول الله إياي كنت أحق أن تخشى ~~فهذان الحديثان محمولان على أن يكون المانع له من الإنكار مجرد الهيبة دون ~~الخوف المسقط للإنكار قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس آمر السلطان بالمعروف ~~وأنهاه عن المنكر قال إن خفت أن يقتلك فلا ثم عدت فقال لي مثل ذلك ثم عدت ~~فقال لي مثل ذلك وقال إن كنت لابد فاعلا ففيما بينك وبينه وقال طاوس أتي ~~رجل ابن عباس فقال ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه قال لا تكن له ~~فتنة قال أفرأيت إن أمرني بمعصية الله قال ذلك الذي تريد فكن حينئذ رجلا ~~وقد ذكرنا حديث ابن مسعود الذي فيه يخلف من بعدهم خلوف فمن جاهدهم بيده فهو ~~مؤمن الحديث وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد وقد استنكر الإمام أحمد هذا ~~الحديث في رواية أبي داود وقال هو خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيها بالصبر على جور الأئمة وقد يجاب عن ذلك بأن التغيير ~~باليد لا يستلزم القتال وقد نص على ذلك أحمد أيضا في رواية صالح فقال ~~التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح فحينئذ جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ~~ما فعلوه من المنكرات مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات اللهو التي لهم أو ~~نحو ذلك أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك وكل ذلك ~~جائز وليس هو من باب قتالهم ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه فإن ~~هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتله الأمراء وحده وأما الخروج عليهم بالسيف ~~فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين نعم ms446 إن خشي في الإقدام ~~على الإنكار على الملوك PageV01P322 أن يؤذي أهله أو جيرانه لم ينبغ له ~~التعرض لهم حينئذ لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره كذلك قال الفضيل بن عياض ~~وغيره ومع هذا متي خاف على نفسه السيف أو السوط أو الحبس أو القيد أو النفي ~~أو أخذ المال أو نحو ذلك من الأذى سقط أمرهم ونهيهم وقد نص الأئمة على ذلك ~~منهم مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم قال أحمد لا يتعرض إلى السلطان فإن سيفه ~~مسلول وقال ابن شبرمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالجهاد يجب على ~~الواحد أن يصابر فيه الاثنين ويحرم عليه الفرار منهما ولا يجب عليه مصابرة ~~أكثر من ذلك فإن خاف السب أو سماع الكلام السيء لم يسقط عنه الإنكار بذلك ~~نص عليه الإمام أحمد وإن احتمل الأذى وقوي عليه فهو أفضل نص عليه أحمد أيضا ~~وقيل له أليس قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس للمؤمن أن ~~يذل نفسه أي يعرضها من البلاء ما لا طاقة له به قال ليس هذا من ذلك ويدل ~~على ما قاله ما خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذى من حديث أبي سعيد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر وخرج ~~ابن ماجه معناه من حديث أبي أمامة وفي مسند البزار بإسناد فيه جهالة عن أبي ~~عبيدة بن الجراح قال قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله قال رجل ~~قام إلى إمام جائر فأمره بمعروف ونهاه عن المنكر فقتله وقد روى معناه من ~~وجوه أخرى كلها فيها ضعف وأما حديث لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه فإنما يدل ~~على أنه إذا علم أنه لا يطيق الأذى ولا يصبر عليه فإنه لا يتعرض حينئذ ~~للأمراء وهذا حق وإنما الكلام فيمن علم من نفسه الصبر لذلك قاله الأئمة ~~كسفيان وأحمد والفضيل بن عياض وغيرهم وقد روى عن أحمد ما يدل على الاكتفاء ~~بالإنكار بالقلب قال في رواية أبي ms447 داود نحن نرجو إن أنكر بقلبه فقد سلم وإن ~~أنكر بيده فهو أفضل وهذا محمول على أنه يخاف كما صرح بذلك في رواية غير ~~واحد وقد حكي القاضي أبو يعلي روايتين عن أحمد في وجوب إنكار المنكر على من ~~يعلم أنه لا يقبل منه وصح القول بوجوبه وهذا قول أكثر العلماء وقد قيل لبعض ~~السلف في هذا فقال يكون لك معذرة وهذا كما أخبر الله تعالى عن الذين أنكروا ~~على المعتدين في السبت أنهم قالوا لمن قال لهم أتعظون قوما الله مهلكهم أو ~~معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون الأعراف وقد ورد ما ~~يستدل به على سقوط الأمر والنهي عند عدم القبول والانتفاع به ففي سنن أبي ~~داود وابن ماجه والترمذى عن أبي ثعلبة الخشني أنه قيل له كيف تقول في هذه ~~الآية عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم المائدة قال سألت عنها ~~خبيرا أما والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بل ~~ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوي متبعا ~~ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام وفي ~~سنن أبي داود عن عبدالله بن عمر قال بينما نحن جلوس حول رسول الله صلى الله ~~عليه وآله PageV01P323 وسلم إذ ذكر الفتنة فقال إذا رأيتم الناس مرجت ~~عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا وشبك أصابعه فقمت إليه فقلت له كيف أفعل ~~عند ذلك جعلني الله فداك فقال الزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ بما تعرف ودع ~~ما تنكر وعليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العامة وكذلك روى عن طائفة من ~~الصحابة في قوله تعالى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم المائدة ~~قالوا لم يأت تأويلها بعد إنما تأويلها في آخر الزمان وعن ابن مسعود قال ~~إذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فيأمر الإنسان ~~حينئذ نفسه فهو حينئذ تأويل هذه الآية وعن ابن عمر قال هذه الآية ms448 لأقوام ~~يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم وقال جبير بن نفير عن جماعة من ~~الصحابة قالوا إذا رأيت شحا مطاعا وهوي متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك ~~حينئذ بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت وعن مكحول قال لم يأت تأويلها بعد ~~إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ فعليك حينئذ بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت ~~وعن الحسن أنه كان إذا تلا هذه الآية قال يا لها من ثقة ما أوثقها ومن سعة ~~ما أوسعها وهذا كله قد يحمل على أن من عجز عن الأمر بالمعروف أو خاف الضرر ~~سقط عنه وكلام ابن عمر يدل على أن من علم أنه لا يقبل منه لم يجب عليه كما ~~حكي رواية عن أحمد وكذا قال الأوزاعي اأمر من تري أن يقبل منك وقوله صلى ~~الله عليه وسلم في الذي ينكر بقلبه وذلك أضعف الإيمان يدل على أن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان ويدل على أن من قدر على خصلة من ~~خصال الإيمان وفعلها كان أفضل ممن تركها عجزا ويدل على ذلك أيضا قوله صلى ~~الله عليه وسلم في حق النساء أما نقصان دينها فإنها تمكث الأيام والليالي ~~لا تصلي يشير إلى أيام الحيض مع أنها ممنوعة حينئذ من الصلاة وقد جعل ذلك ~~نقصا في دينها فدل على أن من قدر على واجب وفعله فهو أفضل ممن عجز عنه ~~وتركه وإن كان معذورا في تركه والله أعلم ماهو المنكر المراد بالحديث قوله ~~صلى الله وآله وسلم من رأى منكم منكرا يدل على أن الإنكار متعلق بالرؤية ~~فإن كان مستورا فلم يره ولكن علم به فالمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات أنه ~~لا يتعرض له وأنه لا يفتش عما استراب به وعنه رواية أخرى أنه يكشف المغطي ~~إذا تحققه ولو سمع صوت غناء محرم أو آلات الملاهي وعلم المكان التي هي فيه ~~فإنه ينكرها لأنه قد تحقق المنكر وعلم موضعه فهو كما رآه ونص عليه أحمد ~~وقال أما ms449 إذا لم يعلم مكانه فلا شيء وأما تسور الجدران على من علم اجتماعهم ~~على منكر فقد أنكره مثل سفيان الثوري وغيره وهو داخل في التجسس المنهي عنه ~~وقد قيل لابن مسعود إن فلانا تقطر لحيته خمرا فقال نهانا الله عن التجسس ~~وقال القاضي أبو يعلي في كتاب الأحكام السلطانية إن كان في المنكر الذي غلب ~~على ظنه الاستسرار به بإخبار ثقة عنه انتهاك حرمة يفوت استدراكها كالزنا ~~والقتل فله التجسس والإقدام على الكشف والبحث حذرا PageV01P324 من فوات ما ~~لا يستدرك من انتهاك المحارم وإن كان دون ذلك في الرتبة لم يجز التجسس عليه ~~ولا الكشف عنه والمنكر الذي يجب إنكاره ما كان مجمعا عليه فأما المختلف فيه ~~فمن أصحابنا من قال لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدا أو مقلدا لمجتهد ~~تقليدا سائغا واستثني القاضي في الأحكام السلطانية ما ضعف فيه الخلاف وإن ~~كان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد فالخلاف فيه ضعيف وهو ذريعة إلى ~~ربا النساء المتفق على تحريمه وكنكاح المتعة فإنه ذريعة إلى الزنا وذكر عن ~~إسحاق بن شاقلا أنه ذكر أن المتعة هي الزنا صراحا عن ابن بطة قال لا يفسخ ~~نكاح حكم به قاض إن كان قد تأول فيه تأويلا إلا أن يكون قضي لرجل بعقد متعة ~~أو طلق ثلاثا في لفظ واحد وحكم بالمراجعة من غير زوج فحكمه مردود وعلي عله ~~العقوبة والنكال والمنصوص عن أحمد الإنكار على الملاعب بالشطرنج وتأوله ~~القاضي على من لعب بها بغير اجتهاد أو تقليد سائغ وفيه نظر فإن المنصوص عنه ~~أنه يحد شارب النبيذ المختلف فيه وإقامة الحد أبلغ مراتب الإنكار مع أنه لا ~~يفسق عنده بذلك فدل على أنه ينكر كل مختلف فيه ضعف الخلاف فيه لدلالة السنة ~~على تحريمه ولا يخرج فاعله المتأول من العدالة بذلك والله أعلم وكذلك نص ~~أحمد على الإنكار على من لا يتم صلاته ولا يقيم صلبه من الركوع والسجود مع ~~وجود الاختلاف في وجوب ذلك واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي ms450 عن المنكر تارة ~~يحمل على رجاء ثوابه وتارة خوف العقاب في تركه وتارة الغضب لله على انتهاك ~~محارمه وتارة النصيحة للمؤمنين والرحمة لهم ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا ~~أنفسهم فيه من التعرض لعقوبة الله وغضبه في الدنيا والآخرة وتارة يحمل عليه ~~إجلال الله وإعظامه ومحبته وأنه أهل أن يطاع ويذكر فلا ينسي ويشكر فلا يكفر ~~وأنه يفتدي من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال كما قال بعض السلف وددت أن ~~الخلق كلهم أطاعوا الله وأن لحمي قرض بالمقاريض وكان عبد الملك بن عمر بن ~~عبدالعزيز يقول لأبيه وددت أني غلت بي وبك القدور في الله تعالى ومن لحظ ~~هذا المقام والذي قبله هان عليه كل ما يلقي من الأذى في الله تعالى وربما ~~دعا لمن آذاه كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما ضربه قومه فجعل ~~يمسح الدم عن وجهه ويقول رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وبكل حال فتبين ~~الرفق في الإنكار قال سفيان الثوري لا يأمر بالمعروف ولا ينهي عن المنكر ~~إلا من كان فيه ثلاث خصال رفيق بما يأمر رفيق بما ينهي عدل بما يأمر عدل ~~بما ينهي عالم بما يأمر عالم بما ينهي وقال أحمد الناس محتاجون إلى مداراة ~~ورفق الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجل ملعن بالفسق فلا حرمة له قال وكان ~~أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون مهلا رحمكم الله ~~مهلا رحمكم الله وقال أحمد يأمر بالرفق والخضوع فإن أسمعوه ما يكره لا يغضب ~~فيكون يريد أن ينتصر لنفسه والله أعلم الحديث الخامس والثلاثون أخوة ~~الإسلام عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول صلى الله عليه وسلم لا ~~تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعص ~~وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله و لا يكذبه ~~ولا يحقره التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امريء من الشر أن ~~يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه ms451 وماله وعرضه رواه مسلم ~~PageV01P325 هذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي سعيد مولي عبدالله بن عامر ~~بن كريز عن أبي هريرة وأبو سعيد هذا لا يعرف اسمه وقد روى عنه غير واحد ~~وذكره ابن حبان في ثقاته وقال ابن المديني هو مجهول وروى هذا الحديث سفيان ~~الثوري فقال فيه سعيد بن يسار عن أبي هريرة ووهم في قوله سعيد بن يسار إنما ~~هو أبو سعيد مولي ابن كريز قاله أحمد ويحيى والدارقطني وقد روى بعضه من وجه ~~آخر وخرجه الترمذي من رواية أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا ~~يخذله كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه التقوى ههنا بحسب امرئ من ~~الشر أن يحقر أخاه المسلم وخرج أبو داود من قوله كل المسلم على المسلم حرام ~~إلى آخره وخرجه في الصحيحين من رواية الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا ~~تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا وخرجاه من وجوه أخر عن أبي هريرة وخرج ~~الإمام أحمد من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل ~~المسلم على المسلم حرام دمه PageV01P326 وعرضه وماله المسلم أخو المسلم لا ~~يظلمه ولا يخذله والتقوى هاهنا وأومأ بيده إلى القلب وحسب امريء من الشر أن ~~يحقر أخاه المسلموخرج أبو داود آخره فقط وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا ~~يسلمه وخرجه الإمام أحمد ولفظه المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا ~~يحقره وحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد ~~الله إخواناويروى معناه من حديث أبي بكر الصديق مرفوعا وموقوفا فقوله صلى ~~الله عليه وسلم ms452 لا تحاسدوا يعني لا يحسد بعضكم بعضا والحسد مركوز في طباع ~~البشر وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل ثم ~~ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام فمنهم من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي ~~عليه بالقول والفعل ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه ومنهم من يسعى في ~~إزالته عن المحسود فقط من غير نقل إلى نفسه وهو شرهما وأخبثهما وهذا هو ~~الحسد المذموم المنهي عنه وهو كان ذنب إبليس حيث كان حسد آدم عليه السلام ~~لما رآه قد فاق على الملائكة بأن الله خلقه بيده وأسجد له ملائكته وعلمه ~~أسماء كل شيء وأسكنه في جواره فما زال يسعى في إخراجه من الجنة حتى أخرجه ~~منها ويروى عن ابن عمر أن إبليس قال لنوح اثنان أهلك بهما بني آدم الحسد ~~وبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما والحرص أبيح آدم الجنة كلها فأصبت حاجتي ~~منه بالحرص خرجه ابن أبي الدنيا وقد وصف الله اليهود بالحسد في مواضع من ~~كتابه القرآن كقوله تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم ~~كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق البقرة وقوله أم يحسدون ~~الناس على ما آتاهم الله من فضله النساء وخرج الإمام أحمد والترمذى من حديث ~~الزبير بن العوام عن النبي صلى الله عليه وسلم دب إليكم داء الأمم قبلكم ~~الحسد والبغضاء والبغضاء هي الحالقة حالقته الدين لا حالقة الشعر والذي نفس ~~محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم ~~أفشوا السلام بينكم وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ~~أو قال العشب وخرج الحاكم وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال سيصيب أمتي داء الأمم قالوا يا نبي الله وما داء الأمم قال الأشر ~~والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى ms453 يكون البغي ثم ~~الهرج وقسم آخر من الناس إذا حسد غيره لم يعمل بمقتضى حسده ولم يبغ على ~~المحسود بقول ولا بفعل وقد روى عن الحسن أنه لا يأثم بذلك وروى مرفوعا من ~~وجوه ضعيفة وهذا على نوعين أحدهما أن لا يمكنه إزالة ذلك الحسد عن نفسه ~~ويكون مغلوبا على PageV01P327 ذلك فلا يأثم به والثاني من يحدث نفسه بذلك ~~اختيارا ويعيده ويبدئه في نفسه مستروحا إلى تمني زوال نعمة أخيه فهذا شبيه ~~بالعزم المصمم على المعصية وفي العقاب على ذلك اختلاف بين العلماء وربما ~~يذكر في موضع آخر إن شاء الله تعالى لكن هذا يبعد أن يسلم من البغي على ~~المحسود بالقول فيأثم بل يسعى في اكتساب مثل فضائله ويتمني أن يكون مثله ~~فإن كانت الفضائل دنيوية فلا خير في ذلك كما قال الله تعالى قال الذين ~~يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون القصص وإن كانت فضائل ~~دينية فهو حسن وقد تمني النبي صلى الله عليه وسلم الشهادة في سبيل الله وفي ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله ~~مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به ~~آناء الليل و آناء النهار وهذا هو الغبطة وسماه حسدا من باب الاستعارة وقسم ~~آخر إذا وجد في نفسه الحسد سعي في إزالته وفي الإحسان إلى المحسود بإبداء ~~الإحسان إليه والدعاء له ونشر فضائله وفي إزالة ما وجد له في نفسه من الحسد ~~حتى يبدله بمحبته أن يكون المسلم خيرا منه وأفضل وهذا من أعلي درجات ~~الإيمان وصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه وقوله صلى ~~الله عليه وسلم ولا تناجشوا فسره كثير من العلماء بالنجش في البيع وهو أن ~~يزيد في السلعة من لا يريد شراءها إما لنفع البائع لزيادة الثمن له أو ~~بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه نهى ms454 عن النجش وقال ابن أبي أوفي الناجش آكل ربا خائن ~~ذكره البخاري قال ابن عبد البر أجمعوا على أن فاعله عاص لله تعالى إذا كان ~~بالنهي عالما واختلفوا في البيع فمنهم من قال إنه فاسد وهو رواية عن أحمد ~~اختارها طائفة من أصحابه ومنهم من قال إن الناجش هو البائع أو من واطأه ~~البائع على النجش فقد فسد لأن النهي هنا يعود إلى العاقد نفسه وإن لم يكن ~~كذلك لم يفسد لأنه يعود إلى أجنبي وكذا حكي عن الشافعي أنه علل صحة البيع ~~بأن البائع غير الناجش وأكثر الفقهاء على أن البيع صحيح مطلقا وهو قول أبي ~~حنيفة رحمه الله ومالك رحمه الله والشافعي رحمه الله وأحمد رحمه الله في ~~رواية عنه إلا أن مالكا وأحمد أثبتا للمشتري الخيار إذا لم يعلم بالحال ~~وغبن غبنا فاحشا يخرج عن العادة وقد رواه مالك وبعض أصحاب أحمد بثلث الثمن ~~فإن اختار المشتري حينئذ الفسخ فله ذلك وإن أراد الإمساك فإنه يحط ما غبن ~~به من الثمن ذكره أصحابنا ويحتمل أن يفسر التناجش المنهي عنه في هذا الحديث ~~بما هو أعم من ذلك فإن أصل النجش في اللغة إثارة الشيء بالمكر والحيلة ~~والمخادعة ومنه من سمي الناجش في البيع ناجشا ويسمي الصائد في اللغة ناجشا ~~لأنه يصيد الصيد بحيلته عليه وخداعه له وحينئذ فيكون المعنى لا تخادعوا ولا ~~يختل بعضكم بعضا بالمكر والاحتيال وإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصال الأذى ~~إلى المسلم PageV01P328 إما بطريق الاحتيال وإما اجتلاب نفعه بذلك ويلزم ~~منه وصول الضرر إليه ودخوله عليه وقد قال تعالى ولا يحيق المكر السيء إلا ~~بأهله فاطر وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم من غشنا فليس ~~منا والمكر والخداع في النار وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي بكر الصديق ~~المرفوع ملعون من ضار مسلما أو مكر به خرجه الترمذي فيدخل على هذا التقدير ~~في التناجش المنهي عنه جميع أنواع المعاملات بالغش ونحوه كتدليس العيوب ~~وكتمانها وغش المبيع الجيد بالرديء وغبن المسترسل ms455 الذي لا يعرف المماكسة ~~وقد وصف الله تعالى في كتابه الكفار والمنافقين بالمكر بالأنبياء وأتباعهم ~~وما أحسن قول أبي العتاهية ليس دنيا إلا بدين ولي س الدين إلا مكارم ~~الأخلاق إنما المكر والخديعة في النار هما من خصال أهل النفاق وإنما يجوز ~~المكر بمن يجوز إدخال الأذى عليه وهم الكفار والمحاربون كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم الحرب خدعة وقوله صلى الله عليه وسلم ولا تباغضوا نهى ~~المسلمين عن التباغض بينهم في غير الله تعالى بل على أهواء النفوس فإن ~~المسلمين جعلهم الله إخوة والإخوة يتحابون بينهم ولا يتباغضون وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا ~~حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلمتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم ~~خرجه مسلم وقد ذكرنا فيما تقدم أحاديث في النهي عن التباغض والتحاسد وقد ~~حرم الله على المؤمنين ما يوقع بينهم العداوة والبغضاء كما قال تعالى إنما ~~يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ~~ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون المائدة وامتن على عباده بالتأليف بين ~~قلوبهم كما قال تعالى واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين ~~قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا آل عمران وقال هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ~~وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ~~ألف بينهم الأنفال ولهذا المعنى حرم المشي بالنميمة لما فيها من إيقاع ~~العداوة والبغضاء ورخص في الكذب في الإصلاح بين الناس ورغب الله في الإصلاح ~~بينهم كما قال تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف ~~أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف يؤتيه أجرا عظيما ~~وقال وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما وقال فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذى من حديث أبي ~~الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم بأفضل من درجة ms456 الصلاة ~~والصيام والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين فإن فساد ذات ~~البين هي الحالقة وخرج الإمام أحمد وغيره من حديث أسماء بنت يزيد ~~PageV01P329 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أنبئكم بشراركم قالوا بلى ~~يا رسول الله قال المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء ~~العنت وأما البغض في الله فهو من أوثق الإيمان عري وليس داخلا في النهي ولو ~~ظهر لرجل من أخيه شر فأبغضه عليه وكان الرجل معذورا فيه في نفس الأمر أثيب ~~المبغض له وإن عذر أخوه كما قال عمر إنا كنا نعرفكم إذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين أظهرنا وإذ ينزل الوحي وإذ ينبئنا الله من أخباركم ألا وإن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انطلق به وانقطع الوحي وإنما نعرفكم بما ~~نخبركم ألا من أظهر منكم لنا خيرا ظننا به خيرا وأحببناه عليه ومن أظهر ~~منكم شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه سرائركم بينكم وبين ربكم تعالى وقال ~~الربيع بن خيثم لو رأيت رجلا يظهر خيرا ويسر شرا أحببته عليه آجرك الله على ~~حبك الخير ولو رأيت رجلا يظهر شرا ويسر خيرا بغضته عليه آجرك الله على بغضك ~~الشر ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم كثر بسبب ذلك ~~تباغضهم وتلاعنهم وكل منهم يظهر أنه يبغض لله وقد يكون في نفس الأمر معذورا ~~وقد لا يكون معذورا بل يكون متبعا لهواه مقصرا في البحث عن معرفة ما يبغض ~~عليه فإن كثيرا من البغض كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا ~~الحق وهذا الظن خطأ قطعا وإن أريد أنه لا يقول إلا الحق فيما خولف فيه فهذا ~~الظن قد يخطئ ويصيب وقد يكون الحامل على الميل مجرد الهوى والألفة أو ~~العادة وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله فالواجب على المؤمن أن ينصح ~~لنفسه ويتحرز في هذا غاية التحرز وما أشكل منه فلا يدخل نفسه فيه خشية أن ~~يقع فيما نهى ms457 عنه من البغض المحرم وهاهنا أمر خفي ينبغي التفطن له وهو أن ~~كثيرا من أئمة الدين قد يقول قولا مرجوحا ويكون مجتهدا فيه مأجورا على ~~اجتهاده فيه موضوعا عنه خطؤه فيه ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في ~~هذه الدرجة لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله بحيث لو ~~أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لما قبله ولا انتصر له ولا والي من يوافقه ~~ولا عادي من خالفه ولا هو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه ~~وليس كذلك فإن متبوعه إنما كان قصده الانتصار للحق وإن أخطأ في اجتهاده ~~وأما هذا التابع فقد شابه انتصاره لما يظنه الحق إرادة علو متبوعه وظهور ~~كلمته وأنه لا ينسب إلى الخطأ وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحق فافهم ~~هذا فإنه مهم عظيم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم قوله ولا تدابروا ~~قال أبو عبيد التدابر المصارمة والهجران مأخوذ من أن يولي الرجل صاحبه دبره ~~ويعرض عنه بوجهه وهو التقاطع وخرج مسلم من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا كما ~~أمركم الله تعالى وخرجه أيضا بمعناه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفي الصحيحين عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ~~يحل PageV01P330 لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا ~~وخيرهما الذي يبدأ بالسلام وخرج أبو داود من حديث أبي خراش السلمي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه وكل هذا في التقاطع ~~للأمور الدنيوية فأما لأجل الدين فتجوز الزيادة على الثلاثة نص عليه الإمام ~~أحمد واستدل بقصة الثلاثة الذين خلفوا وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بهجرانهم لما خاف منهم النفاق وأباح هجران أهل البدع المغلظة والدعاة إلى ~~الأهواء وذكر الخطابي أن هجران الوالد لولده والزوج لزوجته وما كان في معنى ~~ذلك ms458 تأديبا تجوز الزيادة فيه على الثلاث لأن النبي صلى الله عليه وسلم هجر ~~نساءه شهرا واختلفوا هل ينقطع الهجران بالسلام فقالت طائفة ينقطع بذلك وروى ~~عن الحسن ومالك في رواية وهب وقاله طائفة من أصحابنا وخرج أبو داود من حديث ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ~~ثلاث فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في ~~الأجر وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجر ولكن هذا فيما ~~إذا امتنع الآخر من الرد عليه فأما مع الرد إذا كان بينهما قبل الهجر مودة ~~ولم يعودوا إليها ففيها نظر وقد قال أحمد في رواية الأثرم وسئل عن السلام ~~يقطع الهجران فقال قد يسلم عليه وقد صد عنه ثم قال قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم يلتقيان فيصد هذا فإذا كان قد عوده أي أن يكلمه أو يصافحه وكذلك روى ~~عن مالك أنه قال لا يقطع الهجران بدون العودة إلى المودة وفرق بعضهم بين ~~الأقارب والأجانب فقال في الأجانب يزول الهجر بينهم بمجرد السلام بخلاف ~~الأقارب وإنما قال هذا لوجوب صلة الرحم قوله صلى الله عليه وسلم ولا يبيع ~~بعضكم على بيع بعض وقد تكاثر النهي عن ذلك ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يبيع المؤمن على بيع أخيه ولا يخطب على ~~خطبة أخيه وفي رواية لمسلم لا يسم المسلم على سوم أخيه ولا يخطب على خطبته ~~وخرجاه من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يبيع الرجل على ~~بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له ولفظه لمسلم وخرج مسلم من ~~حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤمن أخو المؤمن فلا ~~يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر وهذا ~~دليل على أن هذا حق المسلم فلا يساويه الكافر ms459 في ذلك بل يجوز للمسلم أن ~~يبتاع على بيع الكافر ويخطب على خطبته وهو قول الأوزاعي وأحمد كما لا يثبت ~~للكافر على المسلم حق الشفعة عنده وكثير من الفقهاء ذهبوا إلى أن النهي عام ~~في حق المسلم والكافر واختلفوا هل النهي للتحريم أو التنزيه فمن أصحابنا من ~~قال هو للتنزيه دون التحريم والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه للتحريم ~~واختلفوا هل يصح البيع على بيع PageV01P331 أخيه والنكاح على خطبته فقال ~~أبو حنيفة رحمه الله والشافعي رحمه الله وأكثر أصحابنا يصح وقال مالك في ~~النكاح إنه إن لم يدخل بها فرق بينهما وإن دخل بها لا يفرق وقال أبو بكر من ~~أصحابنا في البيع والنكاح إنه باطل على كل حال وحكاه عن أحمد ومعنى البيع ~~على بيع أخيه أن يكون قد باع منه شيئا فيبذل للمشتري سلعته ليشتريها ويفسخ ~~بيع الأول وهل يختص ذلك بما إذا كان البذل في مدة الخيار بحيث يمكن المشتري ~~من الفسخ فيه أم هو عام في مدة الخيار وبعدها فيه اختلاف بين العلماء وقد ~~حكاه الإمام أحمد في رواية حرب ومال إلى القول بأنه عام في الحالين وهو قول ~~طائفة من أصحابنا ومنهم من خصه بما إذا كان في مدة الخيار وهو ظاهر كلام ~~أحمد في رواية ابن مشيقس ومنصوص الشافعي والأول أظهر لأن المشتري وإن لم ~~يتمكن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة الخيار فإنه إذا رغب في رد السلعة ~~الأولي على بائعها فإنه يتسبب في ردها عليه بأنواع من الطرق المستفيضة ~~لضرره ولو بإلحاح عليه في المسألة وما أدي إلى ضرر المسلم كان محرما والله ~~أعلم وقوله صلى الله عليه وسلم وكونوا عباد الله إخوانا هكذا ذكره النبي ~~صلى الله عليه وسلم كالتعليل لما تقدم وفيه إشارة إلى أنهم إذا تركوا ~~التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر وبيع بعضهم على بعض كانوا إخوانا وفيه ~~أمر باكتساب ما يصير المسلمون به إخوانا على الإطلاق وذلك يدخل فيه أداء ~~حقوق المسلم على المسلم من رد السلام وتشميت العاطس ms460 وعيادة المريض وتشييع ~~الجنازة وإجابة الدعوة والابتداء بالسلام عند اللقاء والنصح بالغيب وفي ~~الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تهادوا فإن الهدية ~~تذهب وحر الصدر وخرجه غيره ولفظه تهادوا تحابوا وفي مسند البزار عن أنس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة ويروى عن عمر ~~بن عبد العزيز يرفع الحديث قال تصافحوا فإنه يذهب الشحناء وتهادوا وقال ~~الحسن المصافحة تزيد في المودة وقال مجاهد بلغني أنه إذا تراءى المتحابان ~~فضحك أحدهما إلى الآخر وتصافحا تحاتت خطاياهما كما يتحات الورق من الشجر ~~فقيل له إن هذا ليسير من العمل قال يقولون يسير والله يقول لو أنفقت ما في ~~الأرض جمعيا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم الأنفال ~~وقوله صلى الله عليه وسلم المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ~~ولا يحقره هذا مأخوذ من قوله تعالى إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ~~فإذا كان المؤمنون إخوة أمروا فيما بينهم بما يوجب تآلف القلوب واجتماعها ~~ونهوا عما يوجب تنافر القلوب واختلافها وهذا من ذلك وأيضا فإن الأخ من شأنه ~~أن يوصل لأخيه النفع ويكف عنه الضرر وهذا من أعظم الضرر الذي يجب كفه عن ~~الأخ المسلم وهذا لا يختص بالمسلم بل هو محرم في حق كل أحد وقد سبق الكلام ~~على الظلم مستوفي عند ذكر حديث أبي ذر الإلهي يا PageV01P332 عبادي إني ~~حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ومن ذلك خذلان المسلم ~~لأخيه فإن المؤمن مأمور أن ينصر أخاه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~انصر أخاك ظالما أو مظلوما قال يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما ~~قال تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه خرجه البخاري بمعناه من حديث أنس وخرجه ~~مسلم بمعناه من حديث جابر وخرجه أبو داود من حديث أبي طلحة الأنصاري وجابر ~~ابن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من امرئ مسلم يخذل ms461 امرأ ~~مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موضع ~~يحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وتنتهك ~~فيه حرمته إلا نصره الله في موضع يحب فيه نصرته وخرج الإمام أحمد من حديث ~~أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أذل عنده ~~مؤمن فلم ينصره وهو يقدره على أن ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم ~~القيامة وخرج البزار من حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال من نصر أخاه بالغيب وهو يستطيع نصره الله في الدنيا والآخرة ومن ذلك ~~كذب المسلم لأخيه فلا يحل له أن يحدثه ويكذبه بل لا يحدثه إلا صدقا وفي ~~مسند الإمام أحمد عن النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كبرت ~~خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق وأنت به كاذب ومن ذلك احتقار المسلم ~~لأخيه المسلم وهو ناشئ عن الكبر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الكبر ~~بطر الحق وغمط الناس خرجه مسلم من حديث ابن مسعود وخرجه الإمام أحمد وفي ~~رواية له الكبر سفه الحق وازدراء الناس وفي رواية زيادة فلا يراهم شيئا ~~وغمط الناس الطعن عليهم وازدراؤهم قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ~~يسخر قوم من قوم عسي أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسي أن يكن خيرا ~~منهن الحجرات فالمتكبر ينظر إلى نفسه بعين الكمال وإلي غيره بعين النقص ~~فيحتقرهم ويزدريهم ولا يراهم أهلا لأن يقوم بحقوقهم ولا أن يقبل من أحدهم ~~الحق إذا أورده عليه وقوله صلى الله عليه وسلم التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ~~ثلاث مرات فيه إشارة إلى أن كرم الخلق عند الله بالتقوى فرب من يحقره الناس ~~لضعفه وقلة حظه من الدنيا هو أعظم قدرا عند الله تعالى ممن له قدر في ~~الدنيا فإنما الناس يتفاوتون بحسب التقوى كما قال الله تعالى إن ms462 أكرمكم عند ~~الله أتقاكم الحجرات وسئل النبي صلى الله عليه وسلم من أكرم الناس قال ~~أتقاهم لله تعالى وفي حديث آخر الكرم التقوى والتقوى أصلها في القلب كما ~~قال الله تعالى ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوي القلوب الحج وقد سبق ذكر ~~هذا المعنى في الكلام على حديث أبي ذر الإلهي عند قوله لو أن أولكم وآخركم ~~وإنسكم وجنكم كانوا على أتقي قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ~~وإذا كان أصل التقوى في القلوب فلا يطلع PageV01P333 أحد على حقيقتها إلا ~~الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ~~ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم وحينئذ فقد يكون كثير ممن له صورة حسنة أو ~~مال أو جاه أو رياسة في الدنيا قلبه خراب من التقوى ويكون من ليس له شيء من ~~ذلك قلبه مملوء من التقوى فيكون أكرم عند الله تعالى بل ذلك هو الأكثر ~~وقوعا كما في الصحيحين عن حارثة بن وهب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره ألا أخبركم ~~بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر وفي المسند عن أنس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال أما أهل الجنة فكل ضعيف مستضعف أشعث ذو طمرين لو أقسم على الله ~~لأبره وأما أهل النار فكل جعظري جواظ جماع مناع ذي تبع وفي الصحيحين عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تحاججت الجنة والنار فقالت النار ~~أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم ~~فقال الله تعالى للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار أنت ~~عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي وخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال افتخرت الجنة والنار فقالت النار يا رب ~~يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف وقالت الجنة يا رب يدخلني ~~الضعفاء والفقراء والمساكين وذكر ms463 الحديث وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد ~~قال مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس ما رأيك ~~في هذا فقال رجل من أشراف الناس هذا والله حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن ~~يشفع وإن قال أن يسمع لقوله قال فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم مر رجل ~~آخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيك في هذا قال يا رسول الله ~~هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع ~~وإن قال لا ويسمع لقوله فقال رسول صلى الله عليه وسلم هذا خير من ملء الأرض ~~مثل هذا وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى إذا وقعت الواقعة ليس ~~لوقعتها كاذبة خافضة رافعة الواقعة قال تخفض رجالا كانوا في الدنيا مرتفعين ~~وترفع رجالا كانوا في الدنيا مخفوضين قوله صلى الله عليه وسلم بحسب امرئ من ~~الشر أن يحقر أخاه المسلم يعني يكفيه من الشر احتقاره أخاه المسلم فإنه ~~إنما يحقر أخاه المسلم لتكبره عليه والكبر من أعظم خصال الشر وفي صحيح مسلم ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من ~~كبر وفيه أيضا عنه صلى الله عليه وسلم قال تعالى العز إزاري والكبرياء ~~ردائي فمن نازعني عذبته فمنازعة الله تعالى في صفاته التي لا تليق بالمخلوق ~~كفي بها شرا وفي صحيح ابن حبان عن فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ثلاثة لا تسأل عنهم رجل PageV01P334 ينازع الله إزاره ورجل ينازع ~~الله رداءه فإن رداءه الكبرياء وإزاره العز ورجل في شك من أمر الله تعالى ~~والقنوط من رحمة الله وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال من قال هلك الناس فهو أهلكهم فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال ~~اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت قال مالك إذا قال ذلك تحزنا لما يري ms464 في الناس ~~يعني في دينهم فلا أري به بأسا وإذا قال ذلك تعجبا بنفسه وتصاغرا فهو ~~المكروه الذي نهى عنه ذكره أبو داود في سننه قوله صلى الله عليه وسلم كل ~~المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه وهذا مما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يخطب به في المجامع العظيمة فإنه خطب به في حجة الوداع يوم النحر ويوم ~~عرفة ويوم الثاني من أيام التشريق وقال إن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم ~~حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا وفي رواية للبخاري وغيره ~~وأبشاركم وفي رواية وفي رواية ثم قال ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب وفي ~~رواية للبخاري فإن الله حرم عليكم أموالكم وأعراضكم ودماءكم إلا بحقها وفي ~~رواية دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام مثل هذا اليوم وهذا البلد إلى ~~يوم القيامة حتى دفعة يدفعها مسلم مسلما يريد بها سوء حرام وفي رواية ~~المؤمن حرام على المؤمن كحرمة هذا اليوم لحمه عليه حرام أن يأكله أو يغتابه ~~بالغيب وعرضه عليه حرام أن يخرقه ووجهه عليه حرام أن يلطمه ودمه عليه حرام ~~أن يسفكه وحرام عليه أن يدفعه دفعة بغتة وفي سنن أبي داود عن بعض الصحابة ~~أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل منهم فانطلق بعضهم ~~إلى حبل معه فأخذها ففزع فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل لمسلم أن ~~يروع مسلما وخرج أحمد وأبو داود والترمذى عن السائب بن يزيد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعبا جادا فمن أخذ عصا أخيه ~~فليردها إليه قال ابن أبي عبيد يعني أن يأخذ شيئا لا يريد سرقته إنما يريد ~~إدخال الغيظ عليه فهو لاعب في مذهب السرقة جاد في إدخال الروع والأذى عليه ~~وفي الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كنتم ثلاثة ~~فلا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه ولفظه لمسلم وخرج الطبراني من ~~حديث ابن عباس عن النبي صلى ms465 الله عليه وسلم قال لا يتناجى اثنان دون الثالث ~~فإن ذلك يؤذي المؤمن والله يكره أذى المؤمن وخرج الإمام أحمد من حديث ثوبان ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم ولا ~~تطلبوا عوارتهم فإن من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في ~~بيته وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ~~الغيبة فقال ذكرك أخاك بما يكره قال أرأيت إن كان فيه ما أقول فقال إن كان ~~فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته فتضمنت هذه ~~PageV01P335 النصوص كلها أن المسلم لا يحل إيصال الأذى إليه بوجه من الوجوه ~~من قول أو فعل بغير حق وقد قال الله تعالى والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات ~~بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا الأحزاب وإنما جعل الله ~~المؤمنين إخوة ليتعاطفوا ويتراحموا وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ~~مثل الجسد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالحمى والسهر وفي رواية ~~المؤمنون كرجل واحد إن اشتكي رأسه تداعي له سائر الجسد بالحمى وفي رواية له ~~أيضا المسلمون كرجل واحد إن اشتكي عينه اشتكي كله وإن اشتكي رأسه اشتكي كله ~~وفيهما عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤمن للمؤمن ~~كالبنيان يشد بعضه بعضا وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال المؤمن مرآة المؤمن المؤمن أخو المؤمن يكف عنه ضيعته ويحوطه ~~من ورائه وخرجه الترمذي ولفظه إن أحدكم مرآة أخيه فمن رأي به أذى فليمطه ~~عنه قال رجل لعمر بن عبد العزيز اجعل كبير المسلمين عندك أبا وصغيرهم ابنا ~~و أوسطهم أخا فأي أولئك تحب أن تسيء إليه ومن كلام يحيى بن معاذ الرازي ~~ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة إن لم تنفعه فلا تضره وإن لم تفرحه فلا تغمه ms466 وإن ~~لم تمدحه فلا تذمه الحديث السادس والثلاثون فضل الاجتماع على تلاوة القرآن ~~وعلى الذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ~~نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ~~يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في ~~الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا ~~يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من ~~بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ~~وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن أبطأ به عمله لم ~~يسرع به نسبه رواه مسلم بهذا اللفظ PageV01P336 هذا الحديث خرجه مسلم من ~~رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة واعترض عليه غير واحد من الحفاظ في ~~تخريجه منهم الفضل الهروي والدارقطني فإن أسباط بن محمد رواه عن الأعمش قال ~~حدثنا عن أبي صالح فتبين أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح ولم يذكر من حدثه ~~عنه ورجح الترمذي وغيره هذه الرواية وزاد بعض أصحاب الأعمش في متن الحديث ~~ومن أقال لله مسلما أقال الله عثرته يوم القيامة وخرجه في الصحيحين من حديث ~~ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا ~~يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم فرج الله ~~عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة وخرج ~~الطبراني من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نفس عن ~~مؤمن كربة نفس الله عنه PageV01P337 كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر على ~~مؤمن عورته ستر الله عورته ومن فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه كربته وخرج ~~الإمام أحمد من حديث سلمة بن مخلد عن النبي صلى الله عليه وسلم ms467 قال من ستر ~~مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ومن نجي مكروبا فك الله عنه كربة من كرب ~~يوم القيامة ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته فقوله صلى الله عليه ~~وسلم من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم ~~القيامة هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل وقد تكاثرت النصوص بهذا ~~المعنى كقوله صلى الله عليه وسلم إنما يرحم الله من عباده الرحماء وقوله إن ~~الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا والكربة هي الشدة العظيمة التي ~~توقع صاحبها في الكرب وتنفيسها أن يخفف عنه منها مأخوذ من تنفس الخناق كأنه ~~يرخي له الخناق حتى يأخذ نفسا والتفريج أعظم من ذلك وهو أن يزيل عنه الكربة ~~فتفرج عنه كربته ويزول همه وغمه فجزاء التنفيس التنفيس وجزاء التفريج ~~التفريج كما في حديث ابن عمر وقد جمع بينهما في حديث كعب بن عجرة وخرج ~~الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا أيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع ~~أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة وأيما مؤمن سقي مؤمنا على ظمأ سقاه ~~الله يوم القيامة من الرحيق المختوم وأيما مؤمن كسا مؤمنا على عري كساه ~~الله من خضر الجنة وخرجه الإمام أحمد بالشك في رفعه وقيل إن الصحيح رفعه ~~وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال يحشر الناس يوم القيامة أعري ~~ما كانوا قط وأجوع ما كانوا قط وأظمأ ما كانوا قط وأنصب ما كانوا قط فمن ~~كسا لله كساه الله ومن أطعم لله أطعمه الله ومن سقي لله سقاه الله ومن عفي ~~لله أعفاه الله وخرج البيهقي من حديث أنس مرفوعا أن رجلا من أهل الجنة يشرف ~~يوم القيامة على أهل النار فيناديه رجل من أهل النار يا فلان هل تعرفني ~~فيقول لا والله ما أعرفك من أنت فيقول أنا الذي مررت بي في دار الدنيا ~~فاستسقيتني شربة من ماء فسقيتك قال قد عرفت قال فاشفع لي بها عند ms468 ربك قال ~~فيسأل الله تعالى فيقول شفعني فيه فيأمر به فيخرجه من النار وقوله كربة من ~~كرب يوم القيامة ولم يقل من كرب الدنيا والآخرة كما قيل في التيسير والستر ~~وقد قيل في مناسبة ذلك إن الكرب هي الشدائد العظيمة وليس كل أحد يحصل له ~~ذلك في الدنيا بخلاف الإعسار والعورات المحتاجة إلى الستر فإن أحدا لا يكاد ~~يخلو من ذلك ولو بتعسر الحاجات المهمة وقيل لأن كرب الدنيا بالنسبة إلى كرب ~~الآخرة كلا شيء فلذا ادخر الله جزاء تنفيس الكرب عنده لينفس به كرب الآخرة ~~ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم يجمع الله الأولين والآخرين في ~~صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفدهم البصر وتدنو الشمس منهم فيبلغ الناس من ~~الكرب والغم ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس بعضهم لبعض ألا ترون ما ~~بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم عند PageV01P338 ربكم وذكر حديث الشفاعة ~~خرجاه بمعناه من حديث أبي هريرة وخرجاه من حديث عائشة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال تحشر الناس حفاة عراة غرلا قالت فقلت يا رسول الله الرجال ~~والنساء ينظر بعضهم بعضا فقال الأمر أشد من أن يهمهم ذلك وخرجاه من حديث ~~ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين المطففين قال يقوم أحدهم في الرشح إلى أنصاف أذنيه وخرجاه من حديث ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يعرق الناس يوم القيامة حتى ~~يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم ولفظه للبخاري ~~ولفظ مسلم إن العرق ليذهب في الأرض سبعين ذراعا وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس ~~أو إلى آذانهم وخرج مسلم من حديث المقداد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~تدنو الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين فتصهرهم الشمس فيكونون في ~~العرق قدر أعمالهم فمنهم من يأخذه إلى عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ~~ومنهم من يأخذه إلى حقويه ومنهم من يلجمه إلجاما وقال ابن ms469 مسعود الأرض كلها ~~يوم القيامة نار والجنة من ورائها تري أكوابها وكواعبها فيعرق الرجل حتى ~~يرشح عرقه في الأرض قدر قامة ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه و ما مسه الحساب قال ~~فمم ذلك يا أبا عبد الرحمن قال مما يري الناس ما يصنع بهم وقال أبو موسى ~~الشمس فوق رؤوس الناس يوم القيامة فأعمالهم تظلهم أو تضحيتهم وفي المسند من ~~حديث عقبة بن عامر مرفوعا كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس قوله صلى ~~الله عليه وسلم ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة وهذا ~~أيضا يدل على أن الإعسار قد يحصل في الآخرة وقد وصف الله يوم القيامة بأنه ~~عسير وأنه على الكافرين غير يسير فدل على أن يسره على غيرهم وقال وكان يوما ~~على الكافرين عسيرا الفرقان والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال ~~يكون بأحد أمرين إما بإنظاره إلى الميسرة وذلك واجب كما قال تعالى وإن كان ~~ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة البقرة وتارة بالوضع عنه إن كان غريما وإلا ~~فبإعطائه ما يزول به إعساره وكلاهما له فضل عظيم وفي الصحيحين عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان تاجر يداين الناس فإذا رأي معسرا قال ~~لصبيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه وفيهما عن ~~حذيفة وأبي مسعود الأنصاري سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول مات رجل ~~فقيل له بم غفر الله لك فقال كنت أبايع الناس فأتجاوز عن الموسر وأخفف عن ~~المعسر وفي رواية قال كنت أنظر المعسر وأتجوز في السكة أو قال في النقد ~~فغفر له وخرجه مسلم من حديث أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي ~~حديثه قال الله نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه وخرج أيضا من حديث أبي قتادة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سره أن ينجيه الله من كرب يوم ~~PageV01P339 القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه وخرج أيضا من حديث أبي ms470 ~~اليسر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله ~~في ظله يوم لا ظل إلا ظله وفي المسند عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال من أراد أن تستجاب دعوته أو تكشف كربته فليفرج عن معسر وقوله صلى ~~الله عليه وسلم ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة هذا مما تكاثرت ~~النصوص بمعناه وخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة ومن كشف عورة أخيه ~~المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته وخرج الإمام أحمد من حديث ~~عقبة بن عامر سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول من ستر على المؤمن عورته ~~ستره الله يوم القيامة وقد روى عن بعض السلف أنه قال أدركت قوما لم يكن لهم ~~عيوب فذكروا عيوب الناس فذكر الناس لهم عيوبا وأدركت قوما كانت لهم عيوب ~~فكفوا عن عيوب الناس فنسيت عيوبهم أو كما قال وشاهد هذا الحديث حديث أبي ~~بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل ~~الإيمان في قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوارتهم فإنه من اتبع ~~عوراتهم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته خرجه الإمام ~~أحمد وأبو داود وخرج الترمذي معناه من حديث ابن عمر واعلم أن الناس على ~~ضربين أحدهما من كان مستورا لا يعرف بشيء من المعاصي فإذا وقعت منه هفوة أو ~~زلة فإنه لا يجوز هتكها ولا كشفها ولا التحدث بها لأن ذلك غيبة محرمة وهذا ~~هو الذي وردت فيه النصوص وفي ذلك قال الله تعالى إن الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة النور والمراد ~~إشاعة الفاحشة على المؤمن فيما وقع منه واتهم به مما بريء منه كما في قضية ~~الإفك قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمر بالمعروف ms471 اجتهد أن تستر ~~العصاة فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام و أولي الأمور ستر العيوب ومثل ~~هذا لو جاء تائبا نادما وأقر بحده لم يفسره ولم يستفسر بل يؤمر بأن يرجع ~~ويستر نفسه كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية وكما لم ~~يستفسر الذي قال أصبت حدا فأقمه على ومثل هذا لو أخذ بجريمته ولم يبلغ ~~الإمام فإنه يشفع له لا يبلغ الإمام وفي مثله جاء في الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم خرجه أبو داود والنسائى من حديث ~~عائشة والثاني من كان مشتهرا بالمعاصي معلنا بها ولا يبالي بما ارتكب منها ~~ولا بما قيل له هذا هو الفاجر المعلن وليس له غيبة كما نص على ذلك الحسن ~~البصري وغيره ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره لتقام عليه الحدود وصرح بذلك ~~بعض أصحابنا واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم واغد يا أنيس على امرأة ~~هذا فإن اعترفت فارجمها ومثل هذا لا يشفع له إذا أخذ ولو PageV01P340 لم ~~يبلغ السلطان بل يترك حتى يقام عليه الحد ليكشف ستره ويرتدع به أمثاله قال ~~مالك من لم يعرف منه أذى للناس وإنما كانت منه زلة فلا بأس أن يشفع له ما ~~لم يبلغ الإمام وأما من عرف بشر أو فساد فلا أحب أن يشفع له أحد ولكن يترك ~~حتى يقام عليه الحد حكاه ابن المنذر وغيره وكره الإمام أحمد رفع الفساق إلى ~~السلطان بكل حال وإنما كرهه لأنهم غالبا لا يقيمون الحدود على وجوهها ولهذا ~~قال إن علمت أنه يقيم عليه الحد فارفعه ثم ذكر أنهم ضربوا رجلا فمات يعني ~~أنه لم يكن قتله جائزا ولو تاب أحد من الضرب الأول كان الأفضل له أن يتوب ~~فيما بينه وبين الله تعالى ويستر على نفسه وأما الضرب الثاني فقيل إنه كذلك ~~وقيل بل الأولي له أن يأتي الإمام ويقر على نفسه بما يوجب الحد حتى يطهره ~~قوله والله في عون العبد ما كان العبد ms472 في عون أخيه وفي حديث ابن عمر ومن ~~كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته وقد سبق في شرح الحديث الخامس والعشرين ~~والسادس والعشرين فضل قضاء الحوائج والسعي فيها وخرج الطبراني من حديث عمر ~~مرفوعا أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن كسوت عورته أو أشبعت جوعته أو ~~قضيت له حاجته وبعث الحسن البصري قوما من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال ~~لهم مروا بثابت البناني فخذوه معكم فأتوا ثابتا فقال أنا معتكف فرجعوا إلى ~~الحسن فأخبروه فقال قولوا يا أعمش أما تعلم أن مشيك في حاجة أخيك المسلم ~~خير لك من حجة بعد حجة فرجعوا إلى ثابت فترك اعتكافه وذهب معهم وخرج الإمام ~~أحمد من حديث بنت الخباب بن الأرت قالت خرج خباب في سرية فكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يتعاهدنا حتى يحلب عنزة لنا في جفنة لنا فتمتلئ حتى تفيض ~~فلما قدم خباب حلبها فعاد حلابها إلى ما كان وكان أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه يحلب للحي أغنامهم فلما استخلف قالت جارية منهم الآن لا يحلبها فقال ~~أبو بكر بل وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله أو كما ~~قال وإنما كانوا يقومون بالحلاب لأن العرب كانت لا تحلب النساء منهم وكانوا ~~يستقبحون ذلك وكان الرجال إذا غابوا احتاج النساء إلى من يحلب لهن وقد روى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لقوم لا تسقوني حلب امرأة وكان عمر ~~يتعاهد الأرامل يستقي لهن الماء بالليل ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة ~~فدخل إليها طلحة نهارا فإذا هي عجوز عمياء مقعدة فسألها ما يصنع هذا الرجل ~~عندك قالت هذا مذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى ~~فقال طلحة ثكلتك أمك يا طلحة أعورات عمر تتبع وكان أبو وائل يطوف على نساء ~~الحي وعجائزهن كل يوم فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن وقال مجاهد صحبت ابن ~~عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني وكان كثير من الصالحين يشترط على أصحابه ms473 ~~أن يخدمهم في السفر وصحب رجل قوما في الجهاد فاشترط عليهم أن يخدمهم وكان ~~إذا أراد أحد منهم PageV01P341 أن يغسل رأسه أو ثوبه قال هذا من شرطي ~~فيفعله فمات فجردوه للغسل فرأوا على يده مكتوبا من أهل الجنة فنظروا فإذا ~~هي كتابة بين الجلد واللحم وفي الصحيحين عن أنس قال كنا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر قال فنزلنا منزلا في يوم حار ~~أكثرنا ظلا صاحب الكساء ومنا من يتقي الشمس بيده قال فسقط الصوام وقام ~~المفطرون وضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذهب المفطرون اليوم بالأجر ويروى عن رجل من أسلم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أتي بطعام في بعض أسفاره فأكل منه وأكل أصحابه وقبض الأسلمي يده فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك فقال إني صائم قال فما حملك على ذلك ~~قال كان معي ابنان يرجلان لي ويخدماني فقال مازال لهم الفضل عليك بعد وفي ~~مراسيل أبي داود عن أبي قلابة أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قدموا يثنون على صاحب لهم خيرا قالوا مارأينا مثل فلان قط ما كان في ~~مسير إلا وكان في قراءة ولا نزلنا منزلا إلا كان في صلاة قال فمن كان يكفيه ~~ضيعته حتى ذكر من كان يعلف جمله أو دابته قالوا نحن قال فكلكم خير منه قوله ~~صلى الله عليه وسلم ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى ~~الجنة وقد روى المعنى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلوك ~~الطريق لالتماس العلم يدخل فيه سلوك الطريق الحقيقي وهو المشي بالأقدام إلى ~~مجالس العلماء ويدخل فيه سلوك الطرق المعنوية المؤدية إلى حصول العلم مثل ~~حفظه ومدارسته ومذاكرته ومطالعته وكتابته والتفهم له ونحو ذلك من الطرق ~~المعنوية التي يتوصل بها إلى العلم شرح قوله سهل الله له طريقا إلى الجنة ~~وقوله صلى الله عليه وسلم سهل الله له طريقا ms474 إلى الجنة قد يراد بذلك أن ~~الله يسهل له العلم الذي طلبه وسلك طريقه وييسره عليه فإن العلم طريق يوصل ~~إلى الجنة وهذا كقوله تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر القمر ~~وقال بعض السلف هل من طالب علم فيعان عليه وقد يراد أيضا أن الله ييسر ~~لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله تعالى والامتناع به والعمل بمقتضاه ~~فيكون سببا لهدايته ولدخول الجنة بذلك وقد ييسر الله لطالب العلم علوما أخر ~~ينتفع بها وتكون موصلة إلى الجنة كما قيل من عمل بما علم أورثه الله علم ما ~~لم يعلم وكما قيل إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وقد دل على ذلك قوله ~~تعالى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى مريم وقوله تعالى والذين اهتدوا زادهم ~~هدى وآتاهم تقواهم محمد وقد يدخل في ذلك أيضا تسهيل طريق الجنة الحسنى يوم ~~القيامة وهو الصراط وما قبله وما بعده من الأهوال فييسر ذلك على طالب العلم ~~للانتفاع به فإن العلم يدل على الله من أقرب الطريق إليه فمن سلك طريقه ولم ~~يعوج عنه وصل إلى الله تعالى وإلي الجنة من أقرب الطرق وأسهلها فسهلت عليه ~~الطرق الموصلة إلى الجنة كلها في الدنيا PageV01P342 والآخرة فلا طريق إلى ~~معرفة الله وإلي الوصول إلى رضوانه والفوز بقربه ومجاورته في الآخرة إلا ~~بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه فهو الدليل عليه وبه ~~يهتدي في ظلمات الجهل والشبه والشكوك ولهذا سمي الله كتابه نورا يهتدي به ~~في الظلمات وقال الله تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله ~~من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم المائدة ومثل النبي صلى الله عليه وسلم حملة العلم الذي جاء به ~~بالنجوم التي يهتدي بها في الظلمات ففي المسند عن أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدي بها في ~~ظلمات البر والبحر فإذا انطمست النجوم ms475 أوشك أن تضل الهداة وما دام العلم ~~باقيا في الأرض فالناس في هدي وبقاء العلم ببقاء حملته فإذا ذهب حملته ومن ~~يقوم به وقع الناس في الضلال كما في الصحيحين عن عبدالله بن عمرو عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس ~~ولكن يقبضه بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا ~~فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوما رفع ~~العلم فقيل له كيف يذهب العلم وقد قرأنا القرآن وأقرأناه نساءنا وأبناءنا ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى ~~فماذا تغني عنهم فسئل عبادة بن الصامت عن هذا الحديث فقال لو شئت لأخبرتك ~~بأول علم يرفع من الناس الخشوع وإنما قال عبادة هذا لأن العلم قسمان أحدهما ~~ما كان ثمرته في قلب الإنسان وهو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله ~~المقتضي لخشيته ومهابته وإجلاله والخضوع له ومحبته ورجائه ودعائه والتوكل ~~عليه ونحو ذلك فهذا هو العلم النافع كما قال ابن مسعود إن أقواما يقرءون ~~القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع وقال الحسن ~~العلم علمان علم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم كما في الحديث ~~القرآن حجة لك أو عليك وعلم في القلب فذاك العلم النافع والقسم الثاني ~~العلم الذي على اللسان وهو حجة لك أو عليك فأول ما يرفع من العلم العلم ~~النافع وهو الباطن الذي يخالط القلوب ويصلحها ويبقي علم اللسان حجة فيتهاون ~~الناس به ولا يعملون بمقتضاه لا حملته ولا غيرهم ثم يذهب هذا العلم بذهاب ~~حملته فلا يبقي إلا القرآن في المصاحف وليس ثم من يعلم معانيه ولا حدوده ~~ولا أحكامه ثم يسري به في آخر الزمان فلا يبقي في المصاحف ولا في القلوب ~~منه شيء بالكلية وبعد ذلك تقوم الساعة كما قال صلى الله عليه وسلم لا تقوم ~~الساعة إلا على شرار الناس وقال لا تقوم الساعة ms476 وفي الأرض أحد يقول الله ~~الله قوله صلى الله عليه وسلم ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب ~~الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم ~~PageV01P343 الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده هذا يدل على استحباب الجلوس في ~~المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته وهذا إن حمل على تعلم القرآن وتعليمه فلا ~~خلاف في استحبابه وفي صحيح البخاري عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال خيركم من تعلم القرآن وعلمه وقال أبو عبد الرحمن السلمي فذلك الذي ~~أقعدني في مقعدي هذا وكان قد علم القرآن في زمن عثمان بن عفان حتى بلغ ~~الحجاج بن يوسف فإن حمل على ما هو أعم من ذلك دخل فيه الاجتماع في المسجد ~~على دراسة القرآن مطلقا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يأمر من ~~يقرأ القرآن ليسمع قراءته كما كان ابن مسعود يقرأ عليه وقال إني أحب أن ~~أسمعه من غيري وكان عمر يأمر من يقرأ عليه وعلي أصحابه وهم يستمعون فتارة ~~يأمر أبا موسى وتارة يأمر عقبة بن عامر وسئل ابن عباس أي العمل أفضل قال ~~ذكر الله وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتعاطون فيه كتاب الله فيما ~~بينهم ويتدارسونه إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها وكانوا أضياف الله ما داموا ~~على ذلك حتى يخوضوا في حديث غيره وروى مرفوعا والموقوف أصح وروى يزيد ~~الرقاشي عن أنس قال كانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حلقا حلقا يقرءون القرآن ~~ويتعلمون الفرائض والسنن ويذكرون الله تعالى وروى عطية عن أبي سعيد الخدري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من قوم صلوا صلاة الغداة ثم قعدوا في ~~مصلاهم يتعاطون كتاب الله ويتدارسونه إلا وكل بهم ملائكة يستغفرون لهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره وهذا يدل على استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة ~~لمدارسة القرآن ولكن عطية فيه ضعف وقد روى حرب الكرماني بإسناده عن ~~الأوزاعي أنه سئل عن الدراسة بعد صلاة الصبح فقال أخبرني حسان بن عطية أن ~~أول ms477 من أحدثها في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل المخزومي في خلافة عبد الملك ~~بن مروان فأخذ الناس بذلك وبإسناده عن سعيد بن عبد العزيز وإبراهيم بن ~~سليمان أنهما كانا يدرسان القرآن بعد صلاة الصبح ببيرون والأوزاعي في ~~المسجد لا يغير عليهم وذكر حرب أنه رأي أهل دمشق وأهل حمص وأهل مكة وأهل ~~البصرة يجتمعون على القرآن بعد صلاة الصبح ولكن أهل الشام يقرءون القرآن ~~كلهم جملة من سورة واحدة بأصوات عالية وأهل البصرة وأهل مكة يجتمعون فيقرأ ~~أحدهم عشر آيات والناس ينصتون ثم يقرأ آخر عشر آيات حتى يفرغوا قال حرب وكل ~~ذلك حسن جميل وقد أنكر مالك على أهل الشام وقال زيد بن عبيد الدمشقي قال لي ~~مالك بن أنس بلغني أنكم تجلسون حلقا تقرءون فأخبرته بما كان يفعل أصحابنا ~~فقال مالك عندنا كان المهاجرون والأنصار ما نعرف هذا قال فقلت هذا طريف قال ~~وطريف رجل يقرأ ويجتمع الناس حوله فقال هذا من غير رأينا قال أبو مصعب ~~وإسحاق بن محمد القروي سمعنا مالك بن أنس يقول الاجتماع بكرة بعد صلاة ~~الصبح لقراءة القرآن بدعة ما كان PageV01P344 أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا العلماء بعدهم علي هذا كانوا إذا صلوا يخلو كل بنفسه ويقرأ ~~ويذكر الله تعالى ثم ينصرفون من غير أن يكلم بعضهم بعضا اشتغالا بذكر الله ~~فهذه كلها محدثة وقال ابن وهب سمعت مالكا يقول لم تكن القراءة في المسجد من ~~أمر الناس القديم و أول من أحدث في المسجد الحجاج بن يوسف قال مالك وأنا ~~أكره ذلك الذي يقرأ في المسجد في المصحف وقد روى هذا كله أبو بكر ~~النيسابوري في كتاب مناقب مالك رحمه الله واستدل الأكثرون على استحباب ~~الاجتماع لمدارسة القرآن في الجملة بالأحاديث الدالة على استحباب الاجتماع ~~للذكر والقرآن أفضل أنواع الذكر ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا ~~وجدوا قوما يذكرون الله تعالى تنادوا هلموا ms478 إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم ~~إلى السماء الدنيا فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم ما يقول عبادي قال يقولون ~~يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك فيقول هل رأوني فيقولون لا والله ما ~~رأوك فقال كيف لو رأوني فيقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأكثر لك ~~تحميدا وتمجيدا وأكثر لك تسبيحا فيقول فما يسألوني قالوا يسألونك الجنة ~~فيقول وهل رأوها فيقولون لا والله يا رب ما رأوها فيقول كيف لو رأوها ~~فيقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد حرصا عليها وأشد لها طلبا وأشد فيها رغبة ~~قال فمم يتعوذون فيقولون من النار قال فيقول هل رأوها فيقولون لا والله يا ~~رب ما رأوها فيقول كيف لو رأوها فيقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد لها مخافة ~~فيقول الله تعالى أشهدكم أني قد غفرت لهم فيقول ملك من الملائكة فيهم فلان ~~ليس منهم إنما جاء لحاجته قال هم الجلساء لا يشقي جليسهم وفي صحيح مسلم عن ~~معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال ما ~~أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده لما هدانا للإسلام ومن علينا به فقال ~~آلله ما أجلسكم إلا ذلك قالوا آلله ما أجلسنا إلا ذلك قال أما أني لم ~~أستحلفكم لتهمة لكم ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة ~~وخرج الحاكم من حديث معاوية قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوما فدخل ~~المسجد فإذا هو بقوم في المسجد قعود فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~أقعدكم فقالوا صلينا الصلاة المكتوبة ثم قعدنا نتذاكر الله وسنة نبيه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شيء تعاظم ذكره وفي المعنى أحاديث ~~أخر متعددة وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن جزاء الذين يجلسون في بيت الله ~~يتدارسون كتاب الله أربعة أشياء أحدها تنزل السكينة عليهم وفي الصحيحين عن ~~البراء بن عازب قال كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس فتغشته سحابة فجعلت ~~تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها فلما أصبح أتي النبي ms479 صلى الله عليه وسلم ~~فذكر ذلك له فقال تلك PageV01P345 السكينة تنزل للقرآن وفيهما أيضا عن أبي ~~سعيد أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده إذ جالت فرسه فقرأ ثم ~~جالت أخرى فقرأ ثم جالت أيضا قال أسيد فخشيت أن تطأ يحيى يعني ابنه قال ~~فقمت إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما ~~أراها فغدا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال تلك الملائكة ~~كانت تسمع لك ولو قرأت لأصبحت تراها الناس ما تستتر منهم واللفظ لمسلم ~~فيهما وروى ابن المبارك عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن سعد بن ~~مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مجلس فرفع بصره إلى السماء ~~ثم طأطأ بصره ثم رفعه فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال إن ~~هؤلاء القوم كانوا يذكرون الله تعالى يعني أهل مجلس أمامه فنزلت عليهم ~~السكينة تحملها الملائكة كالقبة فلما دنت منهم تكلم رجل منهم بباطل فرفعت ~~عنهموهذا مرسل والثاني غشيان الرحمة قال الله تعالى إن رحمة الله قريب من ~~المحسنين الأعراف وخرج الحاكم من حديث سلمان أنه كان في عصابة يذكرون الله ~~تعالى فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما كنتم تقولون فإني رأيت ~~الرحمة تنزل عليكم فأردت أن أشارككم فيها وخرج البزار من حديث أنس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا ~~أتوا إليهم حفوا بهم ثم بعثوا رائدهم إلى السماء إلى رب العزة تعالى ~~فيقولون ربنا أتينا على عباد من عبادك يعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون ~~على نبيك ويسألونك لآخرتهم ودنياهم فيقول الله تعالى غشوهم برحمتي فيقولون ~~ربنا إن فيهم فلانا الخطاء إنما اعتنقهم اعتناقا فيقول تعالى غشوهم برحمتي ~~والثالث أن الملائكة تحف بهم وهذا مذكور في الأحاديث التي ذكرناها وفي حديث ~~أبي هريرة المتقدم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا وفي رواية ms480 الإمام ~~أحمد علا بعضهم على بعض حتى يبلغوا العرش وقال خالد بن معدان يرفع الحديث ~~إن ملائكة في الهواء يسيحون بين السماء والأرض يلتمسون الذكر فإذا سمعوا ~~قوما يذكرون الله تعالى قالوا رويدا زادكم الله فينشرون أجنحتهم حولهم حتى ~~يصعد كل منهم إلى العرش خرجه الخلال في كتاب السنة والرابع أن الله يذكرهم ~~فيمن عنده وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول ~~الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في ~~نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وهذه الخصال الأربع لكل ~~مجتمعين على ذكر الله تعالى كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد ~~كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن لأهل ذكر الله تعالى أربعا تنزل ~~عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة وتحف بهم الملائكة ويذكرهم الرب فيمن عنده ~~وقد قال الله تعالى فاذكروني أذكركم البقرة وذكر الله لعبده هو ثناؤه عليه ~~في الملأ الأعلى بين ملائكته PageV01P346 ومباهاته به وتنويهه بذكره قال ~~الربيع بن أنس إن الله ذاكر من ذكره وزائد من شكره ومعذب من كفره قال تعالى ~~يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي ~~يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور الأحزاب وصلاة الله على ~~عبد هي ثناؤه عليه بين ملائكته وتنويهه بذكره كذا قال أبو العالية ذكره ~~البخاري في صحيحه وقال رجل لأبي أمامة رأيت في المنام كأن الملائكة تصلي ~~عليك كلما دخلت وكلما خرجت وكلما قمت وكلما جلست فقال أبو أمامة وأنتم لو ~~شئتم صلت عليكم الملائكة ثم قرأ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا وسبحوه بكره وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته الأحزاب خرجه الحاكم ~~قوله صلى الله عليه وسلم ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه معناه أن العمل ~~هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة كما قال تعالى ولكل درجات مما عملوا ~~الأنعام فمن أبطأ به ms481 عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله لم يسرع به ~~نسبه فيبلغه تلك الدرجات فإن الله تعالى رتب الجزاء على الأعمال لا على ~~الأنساب كما قال تعالى فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون المؤمنون وقد أمر الله تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته ~~بالأعمال كما قال تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات ~~والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين آل عمران وقال إن الذين هم من خشية ~~ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين ~~يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات ~~وهم لها سابقون المؤمنون قال ابن مسعود يأمر الله بالصراط فيضرب على جهنم ~~فيمر الناس على قدر أعمالهم زمرا زمرا أوائلهم كلمح البرق ثم كمر الريح ثم ~~كمر المطر ثم كمر البهائم حتى يمر الرجل سعيا وحتى يمر الرجل مشيا حتى يمر ~~آخرهم يتلبط على بطنه فيقول يا رب لم أبطأت بي فيقول إني لم أبطئ بك إنما ~~أبطأ بك عملك وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين أنزل عليه وأنذر عشيرتك الأقربين يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من ~~الله لا أغني عنكم من الله شيئا يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله ~~شيئا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية عمة النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئا يا فاطمة بنت محمد سليني ما ~~شئت لا أغني عنك من الله شيئا وفي رواية خارج الصحيحين إن أوليائي منكم ~~المتقون تأتي الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون ~~يا محمد يا محمد فأقول قد بلغت وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أوليائي المتقون يوم القيامة وإن كان نسب ~~أقرب من نسب ms482 يأتي الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم ~~تقولون يا محمد يا محمد فأقول هكذا وهكذا PageV01P347 فأعرض في كلا عطفيه ~~وخرج البزار من حديث رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر ~~اجمع لي قومك يعني قريشا فجمعهم فقال إن أوليائي منكم المتقون فإن كنتم ~~أولئك فذاك وإلا فانظروا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتوني بالأثقال ~~فيعرض عنكم وخرجه الحاكم مختصرا وصححه وفي المسند عن معاذ بن جبل أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن خرج معه يوصيه ثم التفت وأقبل بوجهه ~~إلى المدينة فقال إن أولي الناس بي المتقون من كانوا حيث كانوا وخرجه ~~الطبراني وزاد فيه إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنهم أولي الناس بي وليس كذلك إن ~~أوليائي منكم المتقون من كانوا وحيث كانوا ويشهد لهذا كله ما في الصحيحين ~~عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن آل بني فلان ~~ليسوا لي بأولياء وإنما وليي الله وصالحو المؤمنين يشير إلى أن ولايته لا ~~تنال بالنسب وإن قرب وإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح فمن كان أكمل ~~إيمانا وعملا فهو أعظم ولاية له سواء كان له نسب قريب أو لم يكن وفي هذا ~~المعنى يقول بعضهم لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تترك التقوى اتكالا على ~~النسب لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب الحديث ~~السابع والثلاثون فضل الله تعالى ورحمته عن ابن عباس رضي الله عنهما عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال إن الله ~~كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فعملها كتبها الله عنده عشر ~~حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها عنده ~~حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة رواه البخاري ومسلم في ~~صحيحيهما بهذه الحروف فانظر يا أخي وفقنا الله وإياك إلى عظيم لطف الله ~~تعالى وتأمل هذه الألفاظ وقوله ms483 عنده إشارة إلى الاعتناء بها وقوله كاملة ~~للتأكيد وشدة الاعتناء بها وقال في السيئة التي هم بها ثم تركها كتبها الله ~~عنده حسنة كاملة فأكدها بكاملة وإن عملها كتبها سيئة واحدة فأكد تقليلها ~~بواحدة ولم يؤكدها بكاملة فلله الحمد والمنة سبحانه لا نحصي ثناء عليه ~~وبالله التوفيق PageV01P348 هذا الحديث خرجاه من رواية أبي عثمان حدثنا أبو ~~رجاء العطاردي عن ابن عباس وفي رواية لمسلم زيادة في آخر الحديث وهي أو ~~محاها الله ولا يهلك على الله إلا هالك وفي هذا المعنى أحاديث متعددة فخرجا ~~في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه PageV01P349 وآله ~~وسلم قال يقول الله للملائكة إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه ~~حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة ~~وإن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له ~~عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وهذا لفظ البخاري وفي رواية لمسلم قال الله ~~تعالى إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل فإذا ~~عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما ~~لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها وقال صلى الله عليه وسلم قالت ~~الملائكة رب ذلك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به قال ارقبوه فإن عملها ~~فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جرائي قال ~~رسول الله صلى عليه وآله وسلم إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعلمها تكتب ~~له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقي ~~الله تعالى وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل ~~عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى إلا ~~الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي وفي رواية ~~لمسلم بعد قوله إلى سبعمائة ضعف إلى ما ms484 يشاء الله وفي صحيح مسلم عن أبي ~~ذرعن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله من عمل حسنة فله عشر أمثالها ~~أو أزيد ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفرها وفيه أيضا عن أنس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة وإن عملها ~~كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء فإن عملها كتبت ~~عليه سيئة واحدة وفي المسند عن خريم بن فاتك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال من هم بحسنة فلم يعملها وعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كتبت ~~له حسنة ومن هم بسيئة لم تكتب عليه ومن عملها كتبت له واحدة ولم تضاعف عليه ~~ومن عمل حسنة كتبت له بعشر أمثالها ومن أنفق نفقة في سبيل الله كانت له ~~سبعمائة ضعف وفي المعنى أحاديث أخر متعددة فتضمنت هذه النصوص كتابة الحسنات ~~والسيئات والهم بالحسنة والسيئة فهذه أربعة أنواع النوع الأول عمل الحسنات ~~فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ومضاعفة ~~الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات وقد دل عليه قوله تعالى من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها وأما زيادة المضاعفة على العشر لمن شاء الله أن ~~يضاعف له فدل عليه قوله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل ~~حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع ~~عليم البقرة فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف ~~وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال جاء رجل بناقة مخطومة فقال يا رسول الله ~~هذه في سبيل الله فقال لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة وفي PageV01P350 ~~المسند بإسناد فيه نظر عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة ومن أنفق على نفسه وأهله ~~وعياله أو عاد مريضا أو أماط أذى فالحسنة بعشر أمثالها وخرج أبو داود ms485 من ~~حديث سهل بن معاذ عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الصلاة ~~والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف وروى ابن أبي حاتم ~~بسنده عن الحسن عن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ~~أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا ~~بنفسه في سبيل الله فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم ثم تلا هذه الآية والله ~~يضاعف لمن يشاء البقرة وخرج ابن صحيحه من حديث عيسي بن المسيب عن نافع عن ~~ابن عمر قال لما نزلت هذه الآية مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل البقرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رب زد ~~أمتي فأنزل الله تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا ~~كثيرة البقرة فقال رب زد أمتي فأنزل الله تعالى إنما يوفي الصابرون أجرهم ~~بغير حساب الزمر وخرج الإمام أحمد من حديث على بن زيد بن جدعان عن أبي ~~عثمان النهدي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله ليضاعف ~~الحسنة ألفي حسنة ثم تلا أبو هريرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما النساء وقال إذا قال الله أجرا عظيما فمن يقدر قدره وروى عن أبي ~~هريرة موقوفا وخرج الترمذي من حديث ابن عمر موقوفا من دخل السوق فقال لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا ~~يموت بيده الخير وهو علي كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ~~ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة ومن حديث تميم الداري مرفوعا من قال ~~أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا صمدا لم يتخذ صاحبة ~~ولا ولدا ولم يكن له كفوا أحد عشر مرات كتب الله له أربعين ألف ألف حسنة ~~وفي كلا الإسنادين ms486 ضعف وخرج الطبراني بإسناد ضعيف أيضا عن ابن عمر مرفوعا ~~من قال سبحان الله كتب الله له مائة ألف حسنة وقوله في حديث أبي هريرة إلا ~~الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدل على أن الصيام لا يعلم قدر مضاعفة ثوابه ~~إلا الله تعالى لأنه أفضل أنواع الصبر وإنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب ~~الزمر وقد روى هذا المعنى عن طائفة من السلف منهم كعب وغيره وقد ذكرنا فيما ~~سبق في شرح حديث من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه أن مضاعفة الحسنات ~~زيادة على العشر تكون بحسب حسن الإسلام كما جاء ذلك مصرحا به في حديث أبي ~~هريرة وغيره ويكون بحسب كمال الإخلاص وبحسب فضل ذلك PageV01P351 العمل في ~~نفسه وبحسب الحاجة إليه وذكرنا من حديث ابن عمر أن قوله من جاء بالحسنة فله ~~عشر أمثالها الأنعام نزلت في الأعراب وأن قوله وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من ~~لدنه أجرا عظيما النساء نزلت في المهاجرين النوع الثاني عمل السيئات فتكتب ~~السيئة بمثلها من غير مضاعفة كما قال الله تعالى ومن جاء بالسيئة فلا يجزي ~~إلا مثلها وهم لا يظلمون الأنعام وقوله كتبت له سيئة واحدة إشارة إلى أنها ~~غير مضاعفة كما خرج في حديث آخر لكن السيئة تعظم أحيانا بشرف الزمان أو ~~المكان كما قال تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا شهرا في كتاب الله يوم ~~خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ~~التوبة قال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية فلا تظلموا فيهن ~~أنفسكم التوبة في كلهن ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرما وعظم حرمتهن ~~وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم وقال قتادة في هذه الآية ~~اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا فيما سوي ذلك وإن كان ~~الظلم في كل حال غير طائل ولكن الله تعالى يعظم من أمره ما يشاء تعالى ربنا ~~وقد روى في حديثين مرفوعين أن السيئات ms487 تضاعف في رمضان ولكن إسنادهما لا يصح ~~وقال الله تعالى الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج البقرة قال ابن عمر الفسوق ما أصيب من معاصي الله صيدا كان أو ~~غيره وعنه قال الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم وقال تعالى ومن يرد فيه ~~بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم الحج وكان جماعة من الصحابة يتقون سكني ~~الحرم خشية ارتكاب الذنوب فيه منهم ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص ~~وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل وكان عبدالله بن عمرو بن العاص يقول ~~الخطيئة فيه أعظم وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لأن أخطئ سبعين ~~خطيئة يعني بغير مكة أحب إلى من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة وعن مجاهد قال ~~تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات وقال ابن جريح بلغني أن الخطيئة بمكة ~~بمائة خطيئة والحسنة على نحو ذلك وقال إسحاق بن منصور قلت لأحمد في شيء من ~~الحديث إن السيئة تكتب بأكثر من واحدة قال لا ما سمعنا إلا بمكة لتعظيم ~~البلد ولو أن رجلا بعدن أبين هم وقال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد وقوله ~~ولو أن رجلا بعدن أبين هم من قول ابن مسعود وسنذكره فيما بعد إن شاء الله ~~تعالى وقد تضاعف السيئات بشرف فاعلها وقوة معرفته بالله وقربه منه فإن من ~~عصي السطان على بساطه أعظم جرما ممن عصاه على بعد ولهذا توعد الله خاصة ~~عباده على المعصية بمضاعفة الجزاء وإن كان قد عصمهم منها ليبين لهم فضله ~~عليهم بعصمتهم من ذلك كما قال تعالى ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات الإسراء وقال تعالى يا نساء ~~النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله ~~يسيرا ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين PageV01P352 ~~إلى قوله أجرا عظيما الأحزاب وكان على بن الحسين يتأول في آل ms488 النبي صلى ~~الله عليه وسلم من بني هاشم يقربهم لقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم ~~النوع الثالث الهم بالحسنات فتكتب حسنة كاملة وإن لم يعملها كما في حديث ~~ابن عباس وغيره وفي حديث أبي هريرة الذي خرجه مسلم كما تقدم إذا تحدث عبدي ~~بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة والظاهر أن المراد بالتحدث حديث النفس ~~وهو الهم وفي حديث خريم بن فاتك من هم بحسنة فلم يعملها فعلم الله منه أنه ~~قد أشعر قلبه وحرص عليها كتبت له حسنة وهذا يدل على أن المراد بالهم هنا هو ~~العزم المصمم الذي يوجد معه الحرص على العمل لا مجرد الخطرة التي تخطر ثم ~~تنفسخ من غير عزم ولا تصميم قال أبو الدرداء من أتي فراشه وهو ينوي أن يصلي ~~من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح كتب له ما نوى وروى عنه مرفوعا وخرجه ابن ~~ماجه مرفوعا قال الدارقطني المحفوظ الموقوف وروى معناه من حديث عائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن سعيد بن المسيب قال من هم بصلاة أو صيام ~~أو حج أو عمرة أو غزوة فحيل بينه وبين ذلك بلغه الله تعالى ما نوي وقال أبو ~~عمران الجوني ينادي الملك اكتب لفلان كذا وكذا فيقول يا رب إنه لم يعمله ~~فيقول الله إنه نواه وقال زيد ابن أسلم كان رجل يطوف على العلماء يقول من ~~يدلني على عمل لا أزال منه لله عاملا فإني لا أحب أن يأتي على ساعة من ~~الليل والنهار إلا وإني عامل لله تعالى فقيل له قد وجدت حاجتك فاعمل الخير ~~ما استطعت فإذا فترت أو تركت فهم بعمله فإن الهام بفعل الخير كفاعله ومتي ~~اقترن بالنية قول أو سعي تأكد الجزاء والتحق صاحبه بالعامل كما روى أبو ~~كبشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الدنيا أربعة نفر عبد رزقه الله ~~مالا وعلما فهو يتقي ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل ~~المنازل وعبد رزقه الله علما ولم ms489 يرزقه مالا فهو صادق النية فيقول لو أن لي ~~مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجر هما سواء وعبد رزقه الله مالا ولم ~~يرزقه علما فهو يتخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ~~ولا يعلم فيه لله حقا فهذا بأخبث المنازل وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما ~~وهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء وخرجه ~~الإمام أحمد والترمذى وهذا لفظ ابن ماجه وقد حمل قوله وهما في الأجر سواء ~~على استوائهما في أصل أجر العمل دون مضاعفته فالمضاعفة يختص بها من عمل ~~العمل دون من نواه ولم يعمله فإنهما لو استويا من كل وجه لكتب لمن هم بحسنة ~~ولم يعملها عشر حسنات وهو خلاف النصوص كلها ويدل على ذلك قوله تعالى فضل ~~الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله ~~PageV01P353 الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ~~قال ابن عباس وغيره القاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجة القاعدون من أهل ~~الأعذار والقاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجات هم القاعدون من غير أهل ~~الأعذار النوع الرابع الهم بالسيئات من غير عمل لها ففي حديث ابن عباس أنها ~~تكتب حسنة كاملة وكذلك في حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما أنها تكتب حسنة ~~كاملة وفي حديث أبي هريرة إنما تركها من جرائي يعني من أجلي وهذا يدل على ~~أن المراد من قدر على ما هم به من المعصية فتركه لله تعالى وهذا لا ريب في ~~أنه يكتب له بذلك حسنة لأن تركه المعصية بهذا المقصد عمل صالح فأما إن هم ~~بمعصية ثم ترك عملها خوفا من المخلوقين أو مراءاة لهم فقد قيل أنه يعاقب ~~على تركها بهذه النية لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله محرم وكذلك قصد ~~الرياء للمخلوقين محرم فإذا اقترن به ترك المعصية لأجله عوقب على هذا الترك ~~وقد خرج أبو نعيم بسند ضعيف عن ابن عباس قال يا صاحب الذنب لا تأمنن من ms490 ~~مدقق سوء عاقبته ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته وذكر كلاما وقال ~~خوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر ~~الله إليك أعظم من الذنب إذا فعلته وقال الفضيل بن عياض كانوا يقولون ترك ~~العمل للناس رياء والعمل لهم شرك وأما إن سعي في حصولها بما أمكنه ثم حال ~~بينه وبينها القدر فقد ذكر جماعة أنه يعاقب عليها حينئذ لقوله النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن الله يتجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تتكلم به أو ~~تعمل ومن سعي في حصول المعصية بجهده ثم عجز عنها فقد عمل بها وكذلك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقي المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في ~~النار قالوا يارسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على ~~قتل صاحبه وقوله ما لم تتكلم به أو تعمل يدل على أن الهام بالمعصية إذا ~~تكلم بما هم به بلسانه فإنه يعاقب على الهم حينئذ لأنه قد عمل بجوارحه ~~معصية وهو التكلم باللسان ودل على ذلك حديث الذي قال لو أن لي مالا لعملت ~~فيه ما عمل فلان يعني الذي يعصي الله في ماله قال فهما في الوزر سواء ومن ~~المتأخرين من قال لايعاقب على التكلم بماهم به ما لم تكن المعصية التي هم ~~بها قولا محرما كالقذف والغيبة والكذب فأما ما كان متعلقها العمل بالجوارح ~~فلا يأثم بمجرد تكلم ما هم به وهذا قد يستدل به على حديث أبي هريرة المتقدم ~~وإذا تحدث عبدي بما لم يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها ولكن المراد ~~بالحديث هنا حديث النفس جمعا بينه وبين قوله ما لم تتكلم به وحديث أبي كبشة ~~يدل على ذلك صريحا فإن قول القائل بلسانه لو أن PageV01P354 لي مالا لعملت ~~فيه بالمعاصي كما عمل فلان ليس هو العمل بالمعصية التي هم بها وإنما أخبر ~~عما هم به فقط مما متعلقه إنقاق المال في المعاصي وليس له مال بالكلية ms491 ~~وأيضا فالكلام بذلك محرم فكيف يكون معفوا عنه غير معاقب عليه وأما إن ~~انفسخت نيته وفترت عزيمته من غير سبب منه فهل يعاقب على ما هم به من ~~المعصية أم لا هذا على قسمين أحدهما أن يكون الهم بالمعصية خاطرا ولم ~~يساكنه صاحبه ولم يعقد قلبه عليه بل تكرهه ونفر منه فهو معفو عنه وهو ~~الوساوس الرديئة التي سئل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال ذلك صريح ~~الإيمان ولما نزل قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء البقرة شق ذلك على المسلمين وظنوا دخول ~~هذه الخواطر فيه فنزلت الآية بعدها وفيها قوله ربنا ولا تحملنا مالا طاقة ~~لنا به البقرة فبينت أن ما لا طاقة لهم به فهو غير مؤاخذ به ولا يكلف به ~~وقد سمي ابن عباس وغيره ذلك نسخا ومرادهم أن هذه الآية أزالت الإبهام ~~الواقع في النفوس من الآية الأولي وبين أن المراد بالآية الأولي العزائم ~~المصمم عليها ومثل هذا كان السلف يسمونه نسخا القسم الثاني العزائم المصممة ~~التي تقع في النفوس وتدوم ويساكنها صاحبها فهذا أيضا نوعان أحدهما ما كان ~~عملا مستقلا بنفسه من أعمال القلوب كالشك في الوحدانية أو النبوة أو البعث ~~أو غير ذلك من الكفر واعتقاد تكذيب ذلك فهذا كله يعاقب عليه العبد ويصير ~~بذلك كافرا أو منافقا وقد روى عن ابن عباس أنه حمل قوله تعالى وإن تبدوا ما ~~في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله البقرة على مثل هذا وروى عنه حملها على ~~كتمان الشهادة لقوله ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ويلحق بهذا القسم سائر ~~المعاصي المتعلقة بالقلوب كمحبة ما يبغضه الله وبغض ما يحب الله والكبر ~~والعجب والحسد وسوء الظن بالمسلم من غير موجب مع أنه قد روى عن سفيان أنه ~~قال في سوء الظن إذا لم يترتب عليه قول أو فعل فهو معفو عنه وكذلك روى عن ~~الحسن أنه قال في الحسد ولعل هذا محمول من قولها ms492 على ما يجده الإنسان ولا ~~يمكنه دفعه فهو يكرهه ويدفعه عن نفسه فلا يندفع إلا على ما يساكنه ويستروح ~~إليه ويعيد حديث نفسه به ويبديه والنوع الثاني ما لم يكن من أعمال القلوب ~~بل كان من أعمال الجوارح كالزنا والسرقة وشرب الخمر والقتل والقذف ونحو ذلك ~~إذا أصر العبد على إرادة ذلك والعزم عليه ولم يظهر له أثر في الخارج أصلا ~~فهذا في المؤاخذة به قولان مشهوران للعلماء أحدهما الأخذ به قال ابن ~~المبارك سألت سفيان الثوري أيؤاخذ العبد بالهم فقال إذا كانت عزما أوخذ ~~ورجح هذا القول كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم ~~واستدلوا له بنحو قوله تعالى واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ~~PageV01P355 البقرة وقوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم البقرة وبنحو ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه ~~الناس وحملوا قوله صلى الله عليه وسلم إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به ~~أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل على الخطرات وقالوا ما أكنه العبد وعقد عليه ~~قلبه فهو من كسبه وعمله فلا يكون معفوا عنه ومن هؤلاء من قال إنه يعاقب ~~عليه في الدنيا بالهموم والغموم روى ذلك عن عائشة مرفوعا وموقوفا وفي صحته ~~نظر وقيل بل يحاسب العبد به يوم القيامة فيقفه الله عليه ثم يعفو عنه ولا ~~يعاقبه فتكون عقوبته المحاسبة وهذا مروى عن ابن عباس والربيع بن أنس وهو ~~اختيار ابن جرير واحتج له بحديث ابن عمر في النجوي وذلك ليس فيه عموم وأيضا ~~فإنه وارد في الذنوب المستورة في الدنيا لا في وساوس الصدور والقول الثاني ~~لايؤاخذ بمجرد النية مطلقا ونسب ذلك إلى نص الشافعي وهو قول ابن حامد من ~~أصحابنا عملا بالعمومات وروى العوفي عن ابن عباس ما يدل على مثل هذا القول ~~وفيه قول ثالث أنه لا يؤاخذ بالهم بالمعصية إلا بأن يهم بارتكابها في الحرم ~~كما روى السدي عن مرة عن عبدالله بن مسعود قال ما ms493 من عبد يهم بخطيئة فلم ~~يعملها فتكتب عليه ولو هم بقتل الإنسان عند البيت وهو بعدن أبين أذاقه الله ~~من عذاب أليم وقرأ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم الحج خرجه ~~الإمام أحمد وغيره وقد رواه عن السدي شعبة وسفيان فرفعه شعبة ووقفه سفيان ~~والقول قول سفيان في وقفه وقال الضحاك إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو ~~بأرض أخرى ولم يعملها فتكتب عليه وقد تقدم عن أحمد وإسحاق ما يدل على مثل ~~هذا القول وكذا حكاه القاضي أبو يعلي عن أحمد وروى أحمد في رواية المروزي ~~حديث ابن مسعود هذا ثم قال أحمد يقول ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم الحج قال أحمد لو أن رجلا بعدن أبين هم بقتل رجل في الحرم هذا قول ~~الله تعالى نذقه من عذاب أليم الحج هكذا قول ابن مسعود وقد أورد بعضهم هذا ~~إلى ما تقدم من المعاصي التي متعلقها القلب وقال الحرم يجب احترامه وتحريمه ~~وتعظيمه بالقلوب فالعقوبة على ترك هذا الواجب وهذا لا يصح فإن حرمة الحرم ~~ليست بأعظم من حرمة محرمه سبحانه والعزم على معصية الله عزم على انتهاك ~~محارمه ولكن لو عزم على ذلك قصدا كانتهاك حرمة الحرم واستخفافا بحرمته فهذا ~~كما لو عزم على فعل معصية بقصد الاستخفاف بحرمة الخالق تعالى فيكفر بذلك ~~وإنما ينتفي الكفر عنه إذ كان همه بالمعصية بمجرد نيل شهوته وغرض نفسه مع ~~ذهوله عن قصد مخالفة الله والاستخفاف بهيبته وبنظره ومتي اقترن العمل بالهم ~~فإنه يعاقب عليه سواء كان الفعل متأخرا أو متقدما فمن فعل محرما مرة ثم عزم ~~على فعله متي قدر عليه فهو مصر على المعصية ومعاقب على هذه النية وإن لم ~~يعد إلى عمله إلا بعد سنين عديدة وبذلك فسر ابن المبارك وغيره الإصرار على ~~المعصية وبكل حال فالمعصية إنما تكتب بمثلها من غير PageV01P356 فتكون ~~العقوبة على المعصية ولا ينضم إليها الهم بها إذا لو ضم إلى المعصية الهم ~~بها لعوقب على عمل المعصية ms494 عقوبتين ولا يقال فهذا يلزم مثله في عمل الحسنة ~~فإنها إذا عملها بعد الهم بها أثيب على الحسنة دون الهم بها لأنا نقول هذا ~~ممنوع فإن من عمل حسنة كتبت له عشر أمثالها فيجوز أن يكون بعض هذه الأمثال ~~جزاء للهم بالحسنة والله أعلم وقوله في حديث ابن عباس في رواية مسلم أو ~~مجاهد يعني أن عمل السيئة إما أن تكتب لعاملها سيئة واحدة أو يمحوها الله ~~بما شاء من الأسباب كالتوبة والاستغفار وعمل الحسنات وقد سبق الكلام فيما ~~تمحي به السيئات في شرح حديث أبي ذر أتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة ~~الحسنة تمحها وقوله بعد ذلك ولا يهلك على الله إلا هالك يعني بعد هذا الفضل ~~العظيم من الله والرحمة الواسعة منه بمضاعفة الحسنات والتجاوز عن السيئات ~~لايهلك على الله إلا من هلك وألقي بيده إلى التهلكة وتجرأ على السيئات ورغب ~~عن الحسنات وأعرض عنها ولهذا قال ابن مسعود ويل لمن غلبت وحداته عشراته ~~وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مرفوعا هلك من غلب واحده عشرا وخرج ~~الإمام أحمد وأبو داود والنسائى والترمذى من حديث عبدالله بن عمرو قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة ~~وهما يسير ومن يعمل بهما قليل تسبح الله دبر كل صلاة عشرا وتحمده عشرا ~~وتكبره عشرا قال فذلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان فإذا ~~أخذت مضجعك تسبحه وتكبره وتحمده مائة فتلك مائة باللسان وألف في الميزان ~~فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة وفي المسند عن أبي ~~الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لايدع أحدكم أن يعمل لله ألف حسنة ~~حين يصبح يقول سبحان الله وبحمده مائة مره فإنها ألف حسنة فإنه لن يعمل إن ~~شاء الله تعالى مثل ذلك في يومه من الذنوب ويكون ما عمل من خير سوي ذلك ~~وافرا الحديث الثامن والثلاثون العبادة لله تعالى وسيلة القرب والمحبة عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه ms495 قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ~~تعالى قال من عادي لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب ~~إلى مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه رواه البخاري ~~PageV01P357 هذا الحديث نفرد بإخراجه البخاري دون بقية أصحاب الكتب خرجه عن ~~محمد بن عثمان بن كرامة قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا سليمان بن بلال ~~قال حدثني شريك ابن عبدالله بن أبي تمر عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وذكر الحديث بطوله وزاد في آخره وما ترددت في شيء أنا فاعله ~~ترددي عن نفسي عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته وهو من غرائب ~~الصحيح تفرد به ابن كرامة عن خالد وليس في مسند أحمد مع أن خالد بن مخلد ~~القطواني تكلم فيه الإمام أحمد وغيره وقالوا له مناكير وعطاء الذي في ~~إسناده قيل أنه ابن أبي رياح وقيل إنه ابن يسار وإنه وقع في بعض نسخ الصحيح ~~منسوبا كذلك وقد روى هذا الحديث من وجوه أخر لا تخلو كلها عن مقال ورواه ~~عبد الواحد بن ميمون أبو حمزه مولي عروة ابن الزبير عن عروة عن عائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال من آذي لي وليا فقد استحل محاربتي وما تقرب ~~إلى عبد بمثل أداء فرائضي وإن عبدي ليتقرب إلى بالنوافل PageV01P358 حتى ~~أحبه فإذا أحببته كنت عينه التي يبصر بها ويده التي يبطش بها ورجله التي ~~يمشي بها وفؤاده الذي يعقل به ولسانه الذي يتكلم به إن دعاني أجبته وإن ~~سألني أعطيته وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن موته وذلك أنه يكره ~~الموت وأنا أكره مساءته خرجه ابن أبي الدنيا وغيره وخرجه الإمام أحمد ~~بمعناه وذكر ابن عدي أنه تفرد به عبد الواحد هذا عن عروة ms496 وعبدا لواحد هذا ~~قال فيه البخاري منكر الحديث ولكن خرجه الطبراني حدثنا هارون بن كامل قال ~~حدثنا إبراهيم بن سويد المدني قال حدثنا أبو حرزة يعقوب بن مجاهد قال ~~أخبرني عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وهذا أيضا إسناده ~~جيد ورجاله كلهم ثقات مخرج لهم في الصحيحين سوي شيخ الطبراني فإنه لا ~~يحضرني الآن معرفة حاله ولعل الرواي قال حدثنا أبو حمزة يعني عبد الوهاب بن ~~ميمون فخيل للسامع أنه قال أبو حرزة ثم سماه من عنده بناء على وهمه والله ~~أعلم وخرج الطبراني وغيره من رواية عثمان بن أبي عاتكة عن على بن يزيد عن ~~القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى من ~~أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ابن آدم إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ~~ما افترضت عليك ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فأكون قلبه الذي ~~يعقل به ولسانه الذي ينطق به وبصره الذي يبصر به فإذا دعاني أجبته وإذا ~~سألني أعطيته وإذا استنصرني نصرته وأحب عبادة عبدي إلى النصيحة وعثمان وعلي ~~بن زيد ضعيفان قال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث هو منكر جدا وقد روى من ~~حديث على عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند ضعيف وخرجه الإسماعيلي في مسند ~~علي وروى من حديث ابن عباس بسند ضعيف وخرجه الطبراني وفيه زيادة في لفظه ~~ورويناه من وجه آخر عن ابن عباس وهو ضعيف أيضا خرجه الطبراني وغيره من حديث ~~الحسن بن يحيى الخشني عن صدقة بن عبدالله الدمشقي عن هشام الكناني عن أنس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن ربه تعالى قال من أهان لي وليا ~~فقد بارزني بالمحاربة وما ترددت عن شيء أنا فاعله ما ترددت في قبض نفس عبدي ~~المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه وإن من عبادي المؤمنين من ~~يريد بابا من العبادة فأكفه عنه أن لا يدخله عجب فيفسده ذلك وما ms497 تقرب إلى ~~عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال يتنفل حتى أحبه ومن أحببته كنت له ~~سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغني ولو ~~أفقرته لأفسده ذلك دعاني فأجبته وسألني فأعطيته ونصح لي فنصحت له وإن من ~~عبادي من لايصلح إيمانه إلا الفقر وإن بسطت له لأفسده ذلك وإن من عبادي من ~~لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلح ~~إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك إني أدبر عبادي بعلمي بما في ~~قلوبهم إني عليم خبير والخشني وصدقة ضعيفان وهشام لا يعرف وسئل ابن معين عن ~~هشام هذا من هو قال لا أحد يعني لا يعتبر به وقد PageV01P359 خرج البزار ~~بعض الحديث من طريق صدقة بن عبد الكريم الجزري عن أنس وخرج الطبراني من ~~حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش سمعت حذيفة يقول قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى أوحي إلى يا أخا المرسلين يا ~~أخا المنذرين أنذر قومك لا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد عندهم مظلمة فإني ~~ألعنه ما دام قائما بين يدي حتى يرد تلك الظلامة على أهلها فأكون سمعه الذي ~~يسمع به وأكون بصر الذي يبصره به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري من ~~النبيين والصديقين والشهداء في الجنة وهذا إسناد جيد وهو غريب جدا ولنرجع ~~إلى شرح حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري وقد قيل إنه أشرف حديث في ذكر ~~الأولياء قوله تعالى من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب يعني فقد أعلمته بأني ~~محارب له حيث كان محاربا لي بمعاداته أوليائي ولهذا جاء في حديث عائشة فقد ~~استحل محاربتي وفي حديث أبي أمامة وغيره فقد بارزني بالمحاربة وخرج ابن ~~ماجه بسند ضعيف عن معاذ بن جبل سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن يسير ~~الرياء شرك وإن من عادي لله وليا فقد بارز الله بالمحاربة وأن الله تعالى ~~يحب الأبرار ms498 الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم ~~يدعوا ولم يعرفوا مصابيح الهدي يخرجون من كل غبراء مظلمة فأولياء الله تجب ~~موالاتهم وتحرم معاداتهم كما أن أعداءه تجب معاداتهم وتحرم موالاتهم قال ~~تعالى لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء الممتحنة وقال إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ~~ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون المائدة ووصف أحباءه الذين ~~يحبهم ويحبونه بأنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين وروى الإمام أحمد ~~في كتاب الزهد بإسناده عن وهب بن منبه قال إن الله تعالى قال لموسي عليه ~~السلام حين كلمه اعلم أن من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة ~~وعاداني وعرض نفسه ودعاني إليها وإن أسرع شيء إلى نصرة أوليائي أفيظن الذي ~~يحاربني أن يقوم لي أو يظن الذي يعاديني أنه يعجزني أم يظن الذي يبارزني أن ~~يسبقني ويفوتني وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة فلا أكل نصرتهم إلى ~~غيري واعلم أن جميع المعاصي محاربة لله تعالى قال الحسن بن آدم هل لك ~~بمحاربة الله من طاقة فإن من عصي الله فقد حاربه لكن كلما كان الذنب أقبح ~~كانت المحاربة لله أشد ولهذا سمي الله تعالى أكلة الربا وقطاع الطريق ~~محاربين لله تعالى ورسوله لعظم ظلمهم لعباده وسعيهم بالفساد في بلاده وكذلك ~~معاداة أوليائه فإنه تعالى يتولي نصرة أوليائه ويحبهم ويؤيدهم فمن عاداهم ~~فقد عادي الله تعالى وحاربه وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا فمن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد ~~آذي الله ومن آذي الله يوشك أن يأخذه خرجه الترمذي وغيره وقوله وما تقرب ~~إلى عبدي بمثل أداء ما PageV01P360 افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى ~~بالنوافل حتى أحبه لما ذكر أن معاداة أوليائه محاربة له ذكر بعد ذلك وصف ~~أوليائه الذين تحرم معاداتهم وتجب موالاتهم فذكر ما يقرب به إليه وأصل ~~الموالاة القرب وأصل المعاداة ms499 البعد فأولياء الله هم الذين يتقربون إليه ~~بما يقربهم منه وأعداؤه الذين أبعدهم منه بأعمالهم المقتضية لطردهم ~~وإبعادهم منه فقسم أولياءه المقربين قسمين أحدهما من تقرب إليه بأداء ~~الفرائض ويشمل ذلك فعل الواجبات وترك المحرمات لأن ذلك كله من فرائض الله ~~التي افترضها على عباده والثاني من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل فظهر ~~بذلك أن دعوي طريق يوصل إلى التقرب إلى الله تعالى وموالاته ومحبته سوي ~~طاعته التي شرعها على لسان رسوله ممن ادعي ولاية الله ومحبته بغير هذا ~~الطريق تبين أنه كاذب في دعواه كما كان المشركون يتقربون إلى الله تعالى ~~بعبادة من يعبدونه من دونه كما حكي الله عنهم أنهم قالوا ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفي الزمر وكما حكي الله عن اليهود والنصاري أنهم قالوا ~~نحن أبناء الله وأحباؤه المائدة مع إصرارهم على تكذيب رسله وارتكاب نواهيه ~~وترك فرائضه فلذلك ذكر في هذا الحديث أن أولياء الله على درجتين أحدهما ~~المقربون إليه بأداء الفرائض وهذه درجة المقتصدين أصحاب اليمين وأداء ~~الفرائض أفضل الأعمال كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفضل الأعمال ~~أداء ما افترض الله والورع عما حرم الله وصدق النية فيما عند الله تعالى ~~وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته أفضل العبادات أداء الفرائض واجتناب ~~المحارم وذلك أن الله تعالى إنما افترض على عباده هذه الفرائض فيقربهم عنده ~~ويوجب لهم رضوانه ورحمته وأعظم فرائض البدن التي تقرب إليه الصلاة كما قال ~~تعالى واسجد واقترب العلق وقال النبي صلى الله عليه وسلم أقرب ما يكون ~~العبد من ربه وهو ساجد وقال إذا كان أحدكم يصلي فإنما يناجي ربه وربه بينه ~~وبين القبلة وقال إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت ومن ~~الفرائض المقربة إلى الله تعالى عدل الراعي في رعيته سواء كانت رعيه عامة ~~كالحاكم أو خاصة كعدل آحاد الناس في أهله وولده كما قال صلى الله عليه وسلم ~~كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته وفي صحيح مسلم عن ms500 عبدالله بن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال إن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين ~~الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم و أهليهم وما والوا وفي ~~الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أحب العباد إلى ~~الله يوم القيامة وأدناهم إليه مجلسا إمام عادل الدرجة الثانية درجة ~~السابقين المقربين وهم الذين تقربوا إلى الله بعد الفرائض بالاجتهاد في ~~النوافل والطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات بالورع وذلك يوجب للعبد ~~محبة الله كما قال ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ومن أحبه ~~الله رزقه محبته وطاعته والاشتغال بذكره وخدمته فأوجب له ذلك القرب منه ~~والزلفي لديه والحظ عنده كما قال الله تعالى PageV01P361 من يرتد منكم عن ~~دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم المائدة ففي هذه الآية إشارة إلى أن من أعرض عن حبنا ~~وتولي عن قربنا ولم يبال استبدلنا به من هو أولي بهذه المنحة منه وأحق فمن ~~أعرض عن الله فما له عن بدل ولله منه أبدال مالي شغل سواه مالي شغل ما يصرف ~~عن هواه قلبي عذل ما أصنع إن جفا وخاب الأمل مني بدل وما لي منه بدل وفي ~~بعض الآثار يقول الله تعالى ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء ~~وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء وكان ذو النون يردد هذه ~~الأبيات بالليل كثيرا اطلبوا لأنفسكم مثل ما وجدت أنا قد وجدت لي سكنا ليس ~~في هواه عنا إن بعدت قربني وإن قربت منه دنا من فاته الله فلو حصلت له ~~الجنة بحذافيرها لكان مغبونا فكيف إذا لم يحصل له إلا نزر حقير يسير من دار ~~كلها لا تعدل جناح بعوضة ولذا قيل من فاته أن يراك يوما فكل أوقاته فوات ~~وحيثما كنت ms501 في بلاد فلي إلى وجهك التفات ثم ذكر وصف الذين يحبهم الله ~~ويحبونه فقال أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يعني أنهم يعاملون ~~المؤمنين بالذلة واللين وخفض الجناح ويعاملون الكافرين بالعزة والشدة عليهم ~~والغلظ لهم فلما أحبوا أولياءه الذين يحبونه فعاملوهم بالمحبة والرأفة ~~والرحمة وبغضوا أعداءه الذين يعادونه فعاملوهم بالشدة والغلظة كما قال ~~تعالى أشداء على الكفار رحماء بينهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم المائدة فإن من تمام المحبة مجاهدة أعداء المحبوب وأيضا فالجهاد في ~~سبيل الله دعاء للمعرضين عن الله إلى الرجوع إليه بالسيف والسنان بعد ~~دعائهم إليه بالحجة والبرهان فالمحب لله يحب اجتلاب الخلق كلهم إلى الله ~~فمن لم يجد الدعوة باللين والرفق احتاج بالدعوة إلى الشدة والعنف عجب ربك ~~من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ولا يخافون لومة لائم ما للمحب غير ما ~~يرضي حبيبه رضي من رضي عليه وسخط من سخط من خاف الملامة في هوي من يحبه ~~فليس PageV01P362 بصادق في المحبة وقف الهوي بي حيث أنت فليس لي متأخر عنكم ~~ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة حبا لذكرك فليلمني اللوم وقوله ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء المائدة يعني درجة الذين يحبهم ويحبونه بأوصافهم ~~المذكورة والله واسع عليم المائدة واسع العطاء عليم بمن يستحق الفضل فيمنحه ~~ومن لا يستحقه فيمنعه ويروى أن داود عليه السلام كان يقول اللهم اجعلني من ~~أحبابك فإنك إذا أحببت عبدا غفرت ذنبه وإن كان عظيما وقبلت عمله وإن كان ~~يسيرا وكان داود يقول في دعائه اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب العمل ~~الذي يبلغني حبك اللهم اجعل حبك أحب إلى من نفسي وأهلي ومالي ومن الماء ~~البارد وقال النبي صلى الله عليه وسلم أتاني ربي يعني في المنام فقال لي يا ~~محمد قل اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك وكان من ~~دعائه عليه الصلاة والسلام اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك اللهم ~~ما رزقتني ما أحب فاجعله ms502 قوة لي فيما تحب اللهم ما زويت عني مما أحب فاجعله ~~فراغا لي فيما تحب وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو اللهم اجعل ~~حبك أحب الأشياء إلي وخشيتك أخوف الأشياء عندي واقطع عني حاجة الدنيا ~~بالشوق إلى لقائك فإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فاقرر عيني من ~~عبادتك فأهل هذه الدرجة من المقربين ليس لهم هم إلا فيما يقربهم ممن يحبهم ~~ويحبونه قال بعض السلف العمل على المخافة قد يغير الرجاء والعمل على المحبة ~~لا يدخله الفوز ومن كلام بعضهم إذا سئم البطالون من بطالتهم فلا يسأم محبوك ~~من مناجاتك وذكرك قال فرقد السنحي قرأت في بعض الكتب من أحب الله لم يكن ~~عنده شيء آثر من هواه ومن أحب الدنيا لم يكن عنده آثر من هوي نفسه فالحب ~~لله تعالى أمير مؤمر على الأمراء زمرته أول الزمر يوم القيامة ومجلسه أقرب ~~المجالس فيما هنالك والمحبة منتهي القربة والاجتهاد ولن يسأم المحبون من ~~طول اجتهادهم لله تعالى يحبونه ويحبون ذكره ويحببونه إلى خلقه يمشون بين ~~عباده بالنصائح ويخافون عليهم من أعمالهم يوم القيامة يوم تبدو الفضائح ~~أولئك أولياؤه وأحباؤه وأهل صفوته أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه وقال ~~فتح الموصلي المحب لا يجد مع حب الله للدنيا لذة ولا يغفل عن ذكر الله طرفة ~~عين وقال محمد بن النضر الحارثي ما يكاد يمل القربة إلى الله تعالى محب لله ~~وما يكاد يسأم من ذلك وقال بعضهم المحب لله طائر القلب كثير الذكر متسبب ~~إلى رضوانه بكل سبيل يقدر عليها من الوسائل والنوافل دأبا وشوقا وأنشد ~~بعضهم PageV01P363 وكن لربك ذا حب لتخدمه إن المحبين للأحباب خدام وأنشد ~~آخر ما للمحب سوي إرادة حبه إن المحب بكل حال يصرع ومن أعظم ما يتقرب به ~~العبد إلى الله تعالى من النوافل كثرة تلاوة القرآن وسماعه بتفكر وتدبر ~~وتفهم قال حبان بن الأرت لرجل تقرب إلى الله تعالى ما استطعت واعلم أنك لن ~~تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه ms503 من كلامه وفي الترمذي عن أبي أمامة مرفوعا ما ~~تقرب العبد إلى الله تعالى بمثل ما خرج منه يعني القرآن لاشيء عندالمحبين ~~أحلي من كلام محبوبهم فهو لذة قلوبهم وغاية مطلوبهم قال عثمان لو طهرت ~~قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم وقال ابن مسعود من أحب القرآن أحب الله ~~ورسوله قال بعض العارفين لمريد أتحفظ القرآن قال لا واغوثاه بالله لمريد لا ~~يحفظ القرآن فبنم يتنعم فبنم يترنم فبنم يناجي ربه تعالى كان بعضهم يكثر ~~تلاوة القرآن ثم اشتغل عنه بغيره فرأي في المنام قائلا يقول له إن كنت تزعم ~~حبي فلم جفوت كتابي أما تأملت ما فيه من لطيف عتابي ومن ذلك كثرة ذكر الله ~~الذي يتوطأ عليه القلب واللسان وفي مسند البزار عن معاذ قال قلت يا رسول ~~الله أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها إلى الله تعالى قال أن تموت ولسانك رطب ~~من ذكر الله تعالى وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ~~ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم وفي حديث آخر أنا مع ~~عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه وقال عز وجل اذكروني أذكركم البقرة ولما سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذين يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل وهم معه ~~في سفر قال لهم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سمعيا قريبا وهو ~~معكم وفي رواية وهو أقرب إليكم من أعناق رواحلكم ومن ذلك محبة أحبابه ~~وأوليائه فيه ومعاداة أعدائه فيه وفي سنن أبي داود عن عمر قال إن من عباد ~~الله أناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من ~~الله تعالى قالوا يا رسول الله من هم قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير ~~أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فو الله إن وجوههم لنور وإنهم لعلي منابر ~~من نور ولا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن ms504 الناس ثم تلا هذه ~~الآية ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون يونس وروى نحوه من ~~حديث أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي حديث يغبطهم ~~النبيون بقربهم ومقعدهم من الله تعالى وفي المسند عن عمرو بن الجموح عن ~~النبي صلى الله عليه وآله PageV01P364 وسلم قال لا يجد العبد صريح الإيمان ~~حتى يحب لله ويبغض لله فإذا أحب لله وأبغض لله فقد استحق ولاية من الله إن ~~أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم وسئل ~~المرتعش بم تنال المحبة قال بموالاة أولياء الله ومعادة أعدائه وأصله ~~الموافقة وفي الزهد للإمام أحمد عن عطاء بن يسار قال قال موسي عليه السلام ~~يارب من هم أهلك الذين تظلهم تحت ظل عرشك قال ياموسي هم البريئة أيديهم ~~الطاهرة قلوبهم الذين يتحابون بجلالي الذين إذا ذكرت ذكروا بي وإذا ذكروا ~~ذكرت بهم الذين يسبغون الوضوء في المكاره وينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور ~~إلى أوكارها ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس ويغضبون لمحارمي إذا ~~استحلت كما يغضب النمر إذا حورب قوله فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ~~وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وفي بعض ~~الروايات وقلبه الذي يعقل به ولسانه الذي ينطق به المراد من هذا الكلام أن ~~من اجتهد بالتقرب إلى الله تعالى بالفرائض ثم بالنوافل قربه إليه ورقاه من ~~درجة الإيمان إلى درجة الإحسان فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه ~~يراه فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى ومحبته وعظمته وخوفه ومهابته وإجلاله ~~والأنس به والشوق إليه حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدا له ~~بعين البصيرة كما قيل ساكن في القلب يعمره لست أنساه فأذكره غاب عن سمعي ~~وعن بصري فسويد القلب يبصره قال الفضيل بن عياض إن الله تعالى يقول كذب من ~~ادعي محبتي ونام عني أليس كل محب يحب خلوة محبوبه ها أنا مطلع على أحبابي ~~وقد مثلوني بين ms505 أعينهم وخاطبوني على المشاهدة وكلموني بحضوره غدا أقر ~~أعينهم في جناني ولا يزال هذا الذي في قلوب المحبين المقربين يقوي حتى ~~تمتلئ قلوبهم به فلا يبقي في قلوبهم غيره ولا تستطيع جوارحهم أن تنبعث إلا ~~بموافقة ما في قلوبهم ومن كان حاله هذا قيل فيه ما بقي في قلبه إلا الله ~~والمراد معرفته ومحبته وذكره وفي هذا المعنى الأثر المشهور ما وسعني سمائي ~~ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن وقال بعض العارفين احذروه فإنه غيور ~~لا يحب أن يري في قلب عبده غيره وفي هذا المعنى يقول بعضهم ليس للناس موضع ~~في فؤادي زاد فيه هواك حتى ملاه وقال آخر PageV01P365 قد صبغ قلبي على ~~مقدار حبهم فما لحب سواهم فيه متسع وإلي هذا المعنى أشار النبي صلى الله ~~عليه وسلم في خطبته لما قدم المدينة فقال أحبوا الله من كل قلوبكم كما ذكره ~~ابن إسحاق في سيرته فمتي امتلأ القلب بعظمة الله تعالى محا ذلك من القلب كل ~~ما سواه ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه ولا إرادة إلا لما يريده منه ~~مولاه فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره ولا يتحرك إلا بأمره فإن نطق نطق ~~بالله وإن سمع سمع به وإن نظر نظر به وإن بطش بطش به فهذا هو المراد بقوله ~~كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي ~~يمشي بها ومن أشار إلى غير هذا فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول والاتحاد ~~والله ورسوله بريئان منه ومن هنا كان بعض السلف كسليمان التيمي يقولون إنه ~~لا يحسن أن يعصي الله وأوصت امرأة من السلف أولادها فقالت لهم تعودوا حب ~~الله وطاعته فإن المتقين ألفوا الطاعة فاستوحشت جوارحهم من غيرها فإن عرض ~~لهم الملعون بمعصية مرت المعصية بهم محتشمة فهم لها منكرون ومن هذا المعنى ~~قول على بن أبي طالب إن كنا نري أن شيطان عمر ليهابه أن يأمره بالخطيئة وقد ~~أشرنا فيما سبق إلى أن هذا من أسرار ms506 التوحيد الخاص فإن معنى لا إله إلا ~~الله لا يؤله غيره حبا ورجاء وخوفا وطاعة فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام ~~لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله ولا كراهة لغير ما يكرهه الله ومن كان ~~كذلك لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله وإنما تنشأ الذنوب من محبة ما يكرهه ~~الله أو كراهة ما يحبه الله وذلك ينشأ من تقديم هوي النفس على محبة الله ~~تعالى وخشيته وذلك يقدح في كمال التوحيد الواجب فيقع العبد بسبب ذلك في ~~التفريط في بعض الواجبات وارتكاب بعض المحظورات فإن من تحقق قلبه بتوحيد ~~الله فلا يبقي له هم إلا في الله وفيما يرضيه به وقد ورد في الحديث مرفوعا ~~من أصبح وهمه غير الله فليس من الله قال بعض العارفين من أخبرك أن لوليه هم ~~في غيره فلا تصدقه وكان داود الطائي ينادي بالليل همك عطل على الهموم وحال ~~بيني وبين السهاد وشوقي إلى النظر إليك أوبق مني اللذات وحال بيني وبين ~~الشهوات فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب وفي هذا المعنى يقول بعضهم قالوا ~~تشاغل عنا واصطفي بدلا منا وذلك فعل الخائن السالي وكيف أشغل قلبي عن ~~محبتكم بغير ذكركم ياكل أشغالي قوله ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني ~~لأعيذنه وفي رواية أخرى إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته يعني أن هذا ~~المحبوب المقرب له عند الله منزلة خاصة تقتضي أنه إذا سأل الله أعطاه شيئا ~~وإذا استعاذ به من شيء أعاذه منه وإن دعاه أجابه فيصير مجاب PageV01P366 ~~الدعوة لكرامته على الله تعالى وقد كان كثير من السلف الصالح معروفا بإجابه ~~الدعوة وفي الصحيح أن الربيع بنت النضر كسرت ثنية جارية فعرضوا عليهم الأرش ~~فأبوا فطلبوا منهم العفو فأبوا فقضي بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالقصاص فقال أنس ابن النضر أتكسر ثنية الربيع والذي بعثك بالحق لا تكسر ~~ثنيتها فرضي القوم وأخذوا الأرش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من ~~عباد الله من لو أقسم على الله لأبره وفي ms507 صحيح الحاكم عن أنس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال كم من ضعيف متضاعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره ~~منهم البراء بن مالك وإن البراء لقي زخفا من المشركين فقال له المسلمون ~~اقسم على ربك فقال أقسمت عليك يارب لما منحتنا أكتافهم فمنحهم أكتافهم ثم ~~التقوا مرة أخرى فقالوا اقسم على ربك فقال أقسمت عليك يارب لما منحتنا ~~أكتافهم وألحقني بنبيك صلى الله عليه وسلم فمنحوا أكتافهم وقتل البراء وعن ~~أبي الدنيا بإسناد له أن النعمان بن نوفل قال يوم أحد اللهم إني أقسم عليك ~~أن أقتل فأدخل الجنة فقتل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن النعمان أقسم ~~على الله فأبره وروى أبو نعيم بإسناده عن سعيد أن عبدالله بن جحش قال يوم ~~أحد يارب إذا لقيت العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ~~ويقتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك غدا قلت يا عبدالله من جدع ~~أنفك وأذنك فأقول فيك وفي رسولك فتقول صدقت قال سعيد لقد لقيته آخر النهار ~~وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط وكان سعد ابن أبي وقاص مجاب الدعوة فكذب ~~عليه رجل فقال اللهم إن كان كاذبا فاعم بصره وأطل عمره وعرضه للفتن فأصاب ~~الرجل ذلك كله فكان يتعرض للجواري في السكك ويقول شيخ كبير مفتون أصابتني ~~دعوة سعد ودعا علي رجل سمعه يشتم عليا فما برح من مكانه حتى جاء بعير ناد ~~فخبطه بيديه ورجليه حتى قتله و نازعته امرأة سعيد بن زيد في أرض له فادعت ~~أنه أخذ منها أرضها فقال اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها واقتلها في أرضها ~~فعميت فبينما هي ذات ليلة تمشي في أرضها إذ وقعت في بئر فيها فماتت وكان ~~العلاء بن الحضرمي في سرية فعطشوا فصلي ثم قال اللهم ياعليم ياحكيم ياعلي ~~ياعظيم إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك فاسقنا غيثا نشرب منه ونتوضأ ولا ~~تجعل لأحد فيه نصيبا غيرنا فساروا قليلا فوجدوا نهرا من ماء السماء يتدفق ~~فشربوا ms508 وملأوا أوعيتهم ثم ساروا فرجع بعض أصحابه إلى موضع النهر فلم ير ~~شيئا وكأنه لم يكن في موضعه ماء قط وشكا أنس بن مالك عطش أرضه في البصرة ~~فتوضأ وخرج إلى البرية وصلي ركعتين ودعا فجاء المطر وسقا أرضه ولم يجاوز ~~المطر أرضه إلا يسيرا واحترقت خصاص بالبصرة في زمن أبي موسي الأشعري وبقي ~~في وسطها خص لم يحترق فقال أبو موسي لصاحب الخص ما بال خصك لم يحترق فقال ~~إني أقسمت على ربي أن لا PageV01P367 يحرقه فقال أبو موسي إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول في أمتي رجال طلس رؤوسهم دنس ثيابهم لو ~~أقسموا على الله لأبرهم وكان أبو مسلم الخولاني مشهورا بإجابة الدعوة فكان ~~يمر به الضب فيقول له الصبيان ادع الله لنا أن يحبس علينا هذا الضب فيدعو ~~الله فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم ودعا على امرأة أفسدت عليه عشرة امرأة له ~~بذهاب بصرها فذهب بصرها في الحال فجاءته فجعلت تناشده بالله وتطلب من الله ~~فرحمها ودعا الله تعالى فرد عليها بصرها ورجعت امرأته إلى حالها معه وكذب ~~رجل على مطرف ابن عبدالله بن الشخير فقال له إن كنت كاذبا فعجل الله حتفك ~~فمات الرجل مكانه وكان رجل من الخوارج يغشي مجلس الحسن البصري فيؤذيهم فلما ~~ازداد أذاه قال الحسن اللهم قد عملت أذاه لنا فاكفناه بما شئت فخر الرجل من ~~قامته فما حمل إلى أهله إلا ميتا على سريره وكان صلة بن أشيم في سرية فذهبت ~~بغلته بثقلها وارتحل الناس فقام يصلي فقال اللهم إني أقسم عليك أن ترد على ~~بغلتي وثقلها فجاءت حتى قامت بين يديه وكان مرة في برية فقرأ فجاع فاستطعم ~~الله وجبة خلفه فإذا هو بثوب أو منديل فيه دوخلة رطب طري فأكل منه وبقي ~~الثوب عند امرأته معاذة العدوية وكانت من الصالحات وكان محمد بن المنكدر في ~~غزاة فقال له رجل من رفقائه اشتهي رطبا جنيا فقال ابن المنكدر استطعموا ~~الله يطعمكم فإنه القادر فدعا القوم فلم يسيروا إلا ms509 قليلا حتى رأوا مكتلا ~~مخيطا فإذا هو خير رطب فقال بعض القوم لو كان عسلا فقال ابن المنكدر إن ~~الذي أطعمكم رطبا جنيا ها هنا قادر على أن يطعمكم عسلا فاستطعموه فدعوا ~~فساروا قليلا فوجدوا ظرف عسل على الطريق فنزلوا وأكلوا وكان حبيب العجمي ~~أبو محمد معروفا بإجابة الدعوة دعا لغلام أقرع الرأس وجعل يبكي ويمسح ~~بدموعه رأس الغلام فما قام حتى اسود رأسه وعاد كأحسن الناس شعرا وأوتي برجل ~~زمن في محمل فدعا له فقام الرجل على رجليه فحمل محمله على عنقه ورجع إلى ~~عياله واشتري في زمن مجاعة طعاما كثيرا فتصدق به على المساكين ثم خاط أكيسة ~~فوضعها تحت فراشه ثم دعا الله تعالى فجاء أصحاب الطعام يطلبون ثمنه فأخرج ~~تلك الأكيسة فإذا هي مملوءة دراهم فوزنها فإذا هي قدر حقوقهم فدفعها إليهم ~~وكان رجل يعبث به كثيرا فدعا عليه حبيب فبرص وكان مرة عند مالك بن دينار ~~فجاء رجل فأغلظ لمالك من أجل دراهم قسمها مالك فلما طال ذلك من أمره رفع ~~حبيب يده إلى السماء فقال اللهم إن هذا قد شغلنا عن ذكرك فأرحنا منه كيف ~~شئت فسقط الرجل على وجهه ميتا وخرج قوم في غزاة في سبيل الله وكان لبعضهم ~~حمار فمات وارتحل أصحابه فقام فتوضأ وصلي وقال اللهم إني خرجت PageV01P368 ~~مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك وأشهد أنك تحيي الموتي وتبعث من في القبور ~~فأحي لي حماري فقام إلى الحمار فضربه فقام الحمار ينفض أذنيه فركبه ولحق ~~أصحابه ثم باع الحمار بعد ذلك بالكوفة وخرجت سرية في سبيل الله فأصابهم برد ~~شديد حتى كادوا أن يهلكوا فدعوا الله تعالى وإلي جانبهم شجرة عظيمة فإذا هي ~~تلتهب نارا فجففوا ثيابهم ودفئوا بها حتى طلعت عليهم الشمس فانصرفوا وردت ~~الشجرة إلى هيئتها وخرج أبو قلابة صائما حاجا فتقدم أصحابه في يوم صائف ~~فأصابه عطش شديد فقال اللهم إنك قادر على أن تذهب عطشي من غير فطر فأظلته ~~سحابة فأمطرت عليه حتى بلت ثوبه وذهب العطش عنه فنزل ms510 فحوض حياضا فملأها ~~فانتهي إليه أصحابه فشربوا وما أصاب أصحابه من ذلك المطر شيء ومثل هذا كثير ~~جدا ويطول استقصاؤه وأكثر من كان مجاب الدعوة من السلف كان يصبر على البلاء ~~ويختار ثوابه ولا يدعو لنفسه بالفرج منه وقد روى أن سعد بن أبي وقاص كان ~~يدعو للناس لمعرفتهم له بإجابة الدعوة فقيل له لو دعوت الله لبصرك وكان قد ~~أضر فقال قضاء الله أحب إلى من بصري وابتلي بعضهم بالجذام فقيل له بلغنا ~~أنك تعرف اسم الله الأعظم فلو سألته أن يكشف ما بك فقال يا ابن أخي إنه هو ~~الذي ابتلاني وأنا أكره أن أرده وقيل لإبراهيم التيمي وهو في سجن الحجاج لو ~~دعوت الله تعالى فقال أكره أن أدعوه أن يفرج عني مالي فيه أجر وكذلك سعيد ~~بن جبير صبر على أذي الحجاج حتى قتله وكان مجاب الدعوة كان له ديك يقوم ~~بالليل بصياحه إلى الصلاة فلم يصح ليلة في وقته فلم يقم سعيد إلى الصلاة ~~فشق عليه فقال ماله قطع صوته فما صاح الديك بعد ذلك فقالت له أمه يابني لا ~~تدع بعد هذا على شيء وذكر لرابعة رجل له منزلة عند الله وهو يقتات بما ~~يلتقطه من المنبوذات على المزابل فقال رجل ما ضر هذا أن يدعو الله أن يغنيه ~~عن هذا فقالت رابعة إن أولياء الله إذا قضي الله لهم قضاء لم يستسخطوه وكان ~~حيوة بن شريح ضيق العيش جدا فقيل له لو دعوت الله أن يوسع عليك فأخذ حصاة ~~من الأرض فقال اللهم اجعلها ذهبا فصارت تبرة في كفه وقال ما خير في الدنيا ~~إلا الآخرة ثم قال هو أعلم بما يصلح عباده وربما دعا المؤمن المجاب الدعوة ~~بما يعلم الله الخيرة له في غيره قال فلا يجيبه إلى سؤاله ويعوضه مما هو ~~خير له إما في الدنيا أو في الآخرة وقد تقدم في حديث أنس المرفوع إن الله ~~يقول إن من عبادي من يسألني بابا من العبادة فأكفه كيلا يدخله العجب وخرج ms511 ~~الطبراني من حديث سالم بن أبي الجعد عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال إن من أمتي من لو جاء أحدكم يسأله دينارا يعطه ولو سأله درهما لم يعطه ~~ولو سأله فلسا لم يعطه ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها ذو طمرين لا يؤبه ~~له لو أقسم على الله لأبره وخرجه غيره من حديث سالم مرسلا وزاد فيه ولو سأل ~~الله شيئا من الدنيا ما أعطاه تكرمة له وقوله PageV01P369 ما ترددت عن شيء ~~أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته المراد ~~بهذا أن الله تعالى قضي على عباده بالموت كما قال تعالى كل نفس ذائقة الموت ~~آل عمران هو مفارقة الروح للجسد ولا يحصل ذلك إلا بألم عظيم جدا وهو أعظم ~~الآلام التي تصيب العبد في الدنيا قال عمر لكعب أخبرني عن الموت قال ياأمير ~~المؤمنين هو مثل شجرة كثيرة الشوك في جوف ابن آدم فليس منه عرق ولا مفصل ~~وهو كرجل شديد الذراعين فهو يعالجها ينتزعها فبكي عمر ولما احتضر عمرو بن ~~العاص سأله ابنه عن صفة الموت فقال والله لكأن جنبي في تخت ولكأني أتنفس من ~~سم إبرة وكأن غصن شوك يجر به من قدمي إلى هامتي وقيل لرجل عند الموت كيف ~~تجدك فقال أجدني أجتذب اجتذابا وكأن الخناجر مختلفة في جوفي وكأن جوفي في ~~تنور محمي يلتهب توقدا وقيل لآخر كيف تجدك قال أجدني كأني السموات منطبقة ~~على الأرض علي وأجد نفسي كأنها تخرج من ثقب إبرة فلما كان الموت بهذه الشدة ~~والله قد حتمه على عباده كلهم ولابد لهم منه والله تعالى يكره أذي المؤمن ~~ومساءته سمي ترددا في حق المؤمن وأما الأنبياء فلا يقبضون حتى يخيروا قال ~~الحسن لما كرهت الأنبياء الموت هون الله عليهم بلقائه لما أحبوه من تحفة ~~وكرامة حتى إن نفس أحدهم تنزع من بين جنبيه وهو يحب ذلك لما قد مثل له ~~وقالت عائشة ما أغبط أحدا يهون الله عليه الموت بعد الذي رأيت ms512 من شدة موت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كانت عنده قدح من ماء فيدخل يده في ~~القدح ثم يمسح وجهه بالماء ويقول اللهم أعني على سكرات الموت قالت وجعل ~~يقول لا إله إلا الله إن للموت سكرات وجاء في حديث مرسل أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب والقصب والأنامل اللهم ~~فأعني على الموت وهونه على وقد كان بعض السلف يستحب أن يجتهد عند الموت كما ~~قال عمر بن عبد العزيز ما أحب أن تهون على سكرات الموت إنه لآخر ما يكفر به ~~عن المؤمن وقال النخعي كانوا يستحبون أن يجتهدوا عند الموت وكان بعضهم يخشي ~~من تشديد الموت أن يفتن وإذا أراد الله أن يهون على العبد الموت هونه عليه ~~وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن المؤمن إذا حضره الموت ~~بشر برضوان من الله وكرامة فليس شيءأحب إليه مما أمامه وأحب لقاء الله فأحب ~~الله لقاءه قال ابن مسعود إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال له إن ربك ~~يقرئك السلام وقال محمد بن كعب يقول له ملك الموت السلام عليك ياولي الله ~~والله يقرئك السلام ثم قال الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ~~النحل وقال زيد بن أسلم تأتي الملائكة PageV01P370 للمؤمن إذا احتضر وتقول ~~له لا تخف مما أنت قادم عليه فيذهب الله خوفه ولا تحزن على الدنيا وأهلها ~~وأبشر بالجنة فيموت وقد جاءته البشري وخرج البزار من حديث عبدالله بن عمرو ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله أضن بموت عبده المؤمن من أحدكم بكريمة ~~ماله حتى يقبضه على فراشه وقال زيد بن أسلم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن لله عبادا هم أهل المعافاة في الدنيا والآخرة وقال ثابت البناني إن ~~لله عبادا يضن بهم في الدنيا عن القتل والأوجاع يطيل الله أعمارهم ويحسن ~~أرزاقهم ويميتهم على فرشهم ويطبعونهم بطابع الشهداء وخرجه ابن أبي الدنيا ~~والطبراني مرفوعا من ms513 وجوه ضعيفة وفي بعض ألفاظها إن لله ضنائن من خلقه يأبي ~~بهم عن البلاء يحييهم في عافيه ويميتهم في عافية ويدخلهم الجنة في عافية ~~قال ابن مسعود وغيره إن موت الفجأة تخفيف عن المؤمن وقال أبو ثعلبة الخشني ~~إني لأرجو أن لا يخنقني كما أراكم تخنقون عند الموت وكان ليلة في داره ~~فسمعوه ينادي يا عبد الرحمن وكان عبد الرحمن قد قتل مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم أتي مسجد بيته فصلي فقبض وهو ساجد وقبض جماعة من السلف في ~~الصلاة وهم سجود وكان بعضهم يقول لأصحابه إني لا أموت موتكم ولكن أدعي ~~فأجيب وكان يوما قاعدا مع أصحابه فقال لبيك ثم خر ميتا وكان بعضهم جالسا مع ~~أصحابه فسمعوا صوتا يقول يا فلان أجب فهذه والله آخر ساعتك من الدنيا فوثب ~~فقال هذا والله منادي الموت فودع أصحابه وسلم عليهم ثم انطلق نحو الصوت وهو ~~يقول سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ثم انقطع عنهم الصوت ~~فتتبعوا أثره فوجدوه ميتا وكان بعضهم جالسا يكتب في مصحف فوضع القلم من يده ~~وقال إن كان موتكم هكذا فوالله إنه لموت طيب ثم سقط ميتا وكان آخر جالسا ~~يكتب الحديث فوضع القلم من يده ورفع يديه يدعو الله فمات رحمه الله تعالى ~~الحديث التاسع والثلاثون التجاوز عن المخطى والناسي والمكره عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن رسول صلى الله عليه وسلم قال إن الله تجاوز لي عن أمتي ~~الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما ~~PageV01P371 هذا الحديث خرجه ابن ماجه من طريق الأوزاعي عن عطاء عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وخرجه ابن حبان في صحيحه والدارقطني ~~وعندهما عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهذا إسناد صحيح في ظاهر الأمرو رواته كلهم محتج بهم في ~~الصحيحين وقد خرجه الحاكم وقال صحيح على شرطهما كذا قال ولكن له علة وقد ms514 ~~أنكره الإمام أحمد جدا وقال ليس يروى فيه إلا عن الحسن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مرسلا وقيل لأحمد أن الوليد بن مسلم روى عن مالك عن نافع عن ابن ~~عمر مثله فأنكره أيضا وذكر لابن أبي حاتم الرازي حديث الأوزاعي وحديث مالك ~~وقيل له إن الوليد روى أيضا عن ابن لهيعة عن موسي بن وردان عن عقبة بن عامر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله فقال أبو حاتم هذه أحاديث منكرة كأنها ~~موضوعة وقال لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث عن عطاء وإنما سمعه من رجل لم ~~يسمه توهم أنه عبدالله بن عامر أو إسماعيل بن مسلم قال ولا يصح هذا الحديث ~~ولا يثبت إسناده قلت وقد روى عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير مرسلا من ~~غير ذكر ابن عباس وروى يحيى بن سليم عن ابن جريج قال بلغني أن رسول الله ~~صلى عليه وآله وسلم قال إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان ومااستكرهوا ~~عليه خرجه PageV01P372 الجوزجاني وهذا بالمرسل أشبه وقد ورد من وجه آخر عن ~~ابن عباس مرفوعا رواه مسلم ابن خالد الزنجي عن ابن عباس قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى تجوز لأمتي عن ثلاث الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه خرجه الجوزجاني وسعيد العلاف وهو سعيد بن أبي صالح قال أحمد ~~وهو مكي قيل له كيف حاله قال لا أدري وما علمت أحدا روى عنه غير مسلم بن ~~خالد قال أحمد وليس هذا مرفوعا إنما هو عن ابن عباس قوله نقل ذلك عنه مهنا ~~ومسلم بن خالد ضعفوه وروى من وجه ثالث من رواية بقية بن الوليد عن على ~~الهمداني عن أبي حمزة عن ابن عباس مرفوعا خرجه حرب ورواية بقية عن مشايخه ~~المجاهيل لا تساوي شيئا وروى من وجه رابع خرجه ابن عدي من طريق عبد الرحيم ~~بن زيد الأعمي عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعبد الرحيم ms515 هذا ضعيف وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ~~أخر وقد تقدم أن الوليد بن مسلم رواه عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا ~~وصححه الحاكم وغربه وهو عند حذاق الحفاظ باطل على مالك كما أنكره الإمام ~~أحمد وأبو حاتم وكانا يقولان عن الوليد إنه كثير الخطأ ونقل أبو عبيد ~~الآجري عن أبي داود قال روى الوليد بن مسلم عن مالك عشرة أحاديث ليس لها ~~أصل منها عن نافع أربعة قلت والظاهر أن منها هذا الحديث والله أعلم وخرجه ~~الجوزجاني من رواية يزيد بن ربيعة سمعت أبا الأشعث يحدث عن ثوبان عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال إن الله تجاوز عن أمتي عن ثلاث الخطأ والنسيان وما ~~أكرهوا عليه و يزيد بن ربيعة ضعيف جدا وخرج أبو حاتم من رواية أبي بكر ~~الهذلي عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ~~الله تجاوز لأمتي عن ثلاث عن الخطأ والنسيان والاستكراه قال أبو بكر فذكرت ~~ذلك للحسن فقال أجل أما تقرأ بذلك قرآنا ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا البقرة وأبو بكر الهذلي متروك الحديث وخرجه ابن ماجه ولكن عنده عن ~~شهر عن أبي ذر الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تبارك ~~وتعالى تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكر هوا عليه ولم يذكر كلام ~~الحسن وأما الحديث المرسل عن الحسن فرواه عنه هشام بن حبان ورواه منصور ~~وعوف عن الحسن من قوله لم يرفعه ورواه جعفر بن حبيش بن الحسن عن أبيه عن ~~الحسن عن أبي بكرة مرفوعا وجعفر وأبوه ضعيفان قال محمد بن نصر المروزي ليس ~~لهذا الحديث إسناد يحتج به حكاه البيهقي وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس قال لما نزل قوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ~~البقرة قال الله تعالى قد فعلت وعن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أنها لما ~~نزلت قال ms516 نعم وليس واحد منهما مصرحا برفعه وخرج الدارقطني من رواية ابن ~~PageV01P373 جريج عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ~~الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها وما أكرهوا عليه إلا أن يتكلموا به ~~أو يعملوا وهو لفظ غريب وقد خرجه النسائي ولم يذكر الإكراه وكذا رواه ابن ~~عيينة عن مسعر عن قتادة عن زرارة بن أوفي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وزاد فيه وما استكرهوا عليه خرجه ابن ماجه وقد أنكرت هذه ~~الزيادات على ابن عيينة ولم يتابعه عليها أحد والحديث مخرج من رواية أبي ~~قتادة في الصحيحين والسنن والأسانيد بدونها ولنرجع إلى شرح حديث ابن عباس ~~المرفوع فقوله إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان إلى آخره تقديره إن ~~الله رفع لي عن أمتي الخطأ أو ترك ذلك عنهم فإن تجاوز لا يتعدي بنفسه وقوله ~~الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فأما الخطأ والنسيان فقد صرح القرآن ~~بالتجاوز عنهما قال الله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا البقرة ~~وقال تعالى ولا جناح عليكم فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم الأحزاب ~~وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا حكم ~~الحاكم ثم اجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد وحكم فأخطأ فله أجر وقال الحسن ~~لولا ما ذكر الله من أمر هذين الرجلين يعني داود وسلمان لرأيت أن القضاة قد ~~هلكوا فإنه أثني على هذا بعمله وعلي هذا باجتهاده يعني قوله وداود وسليمان ~~إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم الأنبياء وأما الإكراه فصرح ~~القرآن أيضا بالتجاوز عنه قال تعالى من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان النحل وقال تعالى لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة آل ~~عمران الآية ونحن نتكلم إن شاء الله في هذا الحديث في فصلين أحدهما في ms517 حكم ~~الخطأ والنسيان والثاني في حكم الإكراه الفصل الأول في الخطأ والنسيان ~~الخطأ هو أن يقصد بفعله شيئا فيصادف فعله غير ما قصده مثل أن يقصد قتل كافر ~~فصادف قتله مسلما والنسيان أن يكون ذاكرا لشيء فينساه عند الفعل وكلاهما ~~معفو عنه يعني أنه لا إثم فيه ولكن رفع الإثم لا ينافي أن يترتب على نسيانه ~~حكم كما أن من نسي الوضوء وصلي ظانا أنه متطهر فلا إثم عليه بذلك ثم إن ~~تبين له أنه كان قد صلى محدثا فإن عليه الإعادة ولو ترك التسمية على الوضوء ~~نسيانا وقلنا بوجوبها فهل يجب عليه إعادة الوضوء فيه روايتان عن الإمام ~~أحمد وكذا لو ترك التسمية على الذبيحة نسيانا فيه عنه روايتان وأكثر ~~الفقهاء على أنها تؤكل ولو ترك الصلاة نسيانا ثم ذكر فإن عليه القضاء كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ~~لا كفارة لها إلا ذلك ثم PageV01P374 تلا أقم الصلاة لذكري ولو صلى حاملا ~~في صلاته نجاسة لا يعفي عنها ثم علم بها بعد أو في أثنائها فأزالها فهل ~~يعيد صلاته أم لا فيه قولان وهما روايتان عن أحمد وقد روى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه خلع نعليه في صلاته وأتمها وقال إن جبرائيل أخبرني أن ~~فيهما أذي ولم يعد صلاته ولو تكلم في صلاته ناسيا لأنه في صلاة ففي بطلان ~~صلاته بذلك قولان مشهوران هما روايتان عن أحمد ومذهب الشافعي أنها تبطل ~~بذلك ولو أكل في صيامه ناسيا فالأكثرون على أنه يبطل صيامه عملا بقوله صلى ~~الله عليه وسلم من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطمعه الله وسقاه ~~وقال مالك عليه الإعادة لأنه بمنزلة من ترك الصلاة ناسيا والجمهور يقولون ~~أنه أتي بنية الصيام وإنما ارتكب بعض محظوراته ناسيا فيعفي عنه ولو جامع ~~ناسيا فهل حكمه حكم الآكل نسيانا أم لا فيه قولان أحدهما وهوالمشهور عن ~~أحمد أنه يبطل صيامه بذلك وعليه القضاء وفي الكفارة عنه ms518 روايتان والثاني ~~لايبطل صيامه بذلك كالأكل وهو مذهب الشافعي وحكي رواية عن أحمد وكذا الخلاف ~~في الجماع في الإحرام ناسيا هل يبطل به النسك أم لا ولو حلف لا يفعل شيئا ~~ففعله ناسيا ليمينه أو مخطئا ظانا أنه غير المحلوف عليه فهل يحنث في يمينه ~~أم لا فيه ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد أحدها لا يحنث بكل حال ولو ~~كانت اليمين بالطلاق والعتاق وأنكر هذه الرواية عن أحمد الخلال وقال هي سهو ~~من ناقلها وهو قول الشافعي في أحد قوليه وإسحاق وأبي ثور وابن أبي شيبة ~~وروى عن عطاء قال إسحاق يستخلف أنه كان ناسيا والثاني يحنث بكل حال وهو قول ~~جماعة من السلف ومالك والثالث يفرق بين أن يكون يمينه بطلاق أوعتاق أو ~~بغيرهما وهو المشهور عن أحمد رحمه الله وهو قول أبي عبيد وكذا قال الأوزاعي ~~في الطلاق قال وإنما الحديث الذي جاء في العفو عن الخطأ والنسيان ما دام ~~ناسيا وأقام على امرأته فلا إثم عليه فإذا ذكر فعليه اعتزال امرأته فإن ~~نسيانه قد زال وحكي إبراهيم الحربي إجماع التابعين على وقوع الطلاق بالناسي ~~ولو قتل مؤمنا فإن عليه الكفارة والدية بنص الكتاب وكذا لو أتلف مال غيره ~~خطأ بظنه أنه مال نفسه وكذا قال الجمهور في المحرم يقتل الصيد خطأ أو ناسيا ~~لإحرامه أن عليه جزاءه ومنهم من قال لا جزاء عليه إلا أن يكون متعمدا لقتله ~~تمسكا بظاهر قوله تعالى ومن قتله منكم منعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ~~المائدة الآية وهو رواية عن أحمد وأجاب الجمهور عن الآية بأنه رتب على ~~قاتله متعمدا الجزاء وانتقام الله تعالى ومجموعهما يختص بالعامد وإذا انتفي ~~العمد انتفي الانتفام وبقي الجزاء ثابتا بدليل الآخر والأظهر والله أعلم أن ~~الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما لأن الأمر مرتب على ~~المقاصد والنيات والناسي والمخطئ لا قصد لهما فلا إثم عليهما وأما رفع ~~الأحكام عنهما فليس مرادا من هذه النصوص فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى ms519 دليل ~~آخر الفصل الثاني في حكم المكره وهو PageV01P375 نوعان أحدهما من لا اختيار ~~له باللية ولا قدرة له على الامتناع كمن حمل كرها وأدخل إلى مكان حلف على ~~الامتناع من دخوله أو حمل كرها وضرب به غيره حتى مات ذلك الغير ولا قدرة له ~~على الامتناع أو أضجعت ثم زني بها من غير قدرة لها على الامتناع فهذا لا ~~إثم عليه بالاتفاق ولا يترتب عليه حنث في يمينه عند جمهور العلماء وقد حكي ~~عن بعض السلف كالنخعي فيه خلاف ووقع في كلام بعض أصحاب الشافعي وأحمد ~~والصحيح عندهم أنه لايحنث بحال وروى عن الأوزاعي في امرأة حلفت على شيء ~~وأحنثها زوجها كرها أن كفارتها عليه وعن أحمد رواية كذلك فيما إذا وطيء ~~امرأته مكرهة في صيامها أو إحرامها أن كفارتها عليه والمشهور عنه أنه يفسد ~~صيامها بذلك وحجها والنوع الثاني من أكره بضرب أو غيره حتى فعل هذا الفعل ~~يتعلق به التكليف فإن أمكنه أن لا يفعل فهو مختار للفعل ليس غرضه نفس الفعل ~~بل دفع الضرر عنه فهو مختار من وجه غير مختار من وجه آخر ولهذا اختلف الناس ~~هل هو مكلف أم لا واتفق العلماء على أنه لو أكره على قتل معصوم لم يصح له ~~أن يقتله فإنه إنما يقتله باختياره افتداء لنفسه من القتل هذا إجماع من ~~العلماء المعتد بهم وكان في زمن الإمام أحمد يخالف فيه من لا يعتد به فإذا ~~قتله في هذه الحال فالجمهور على أنهما يشتركان في وجوب القود المكره ~~والمكره لاشتراكهما في القتل وهو قول مالك والشافعي وفي المشهور عن أحمد ~~وقيل يجب على المكره وحده لأن المكره صار كالآلة وهو قول أبي حنيفة وأحد ~~قولي الشافعي وروى عن زفر كالأول وروى عنه أنه يجب على المكرة لمباشرته ~~وليس هو كالآلة لأنه آثم بالاتفاق وقال أبو يوسف لا قود على واحد منهما ~~وخرجه بعض أصحابنا وجهان من رواية لا يوجب فيها قتل الجماعة بالواحد وأولي ~~لو أكره بالضرب ونحوه على إتلاف مال ms520 الغير والمعصوم فهل يباح له ذلك فيه ~~وجهان لأصحابنا فإن قلنا يباح له ذلك فضمنه المالك رجع بما ضمنه على المكره ~~وإن قلنا لا يباح له ذلك فالضمان عليهما معا كالقود وقيل على المباشر ~~المكره وحده وهو ضعيف ولو أكره على شرب الخمر أو غيره من الأفعال المحرمة ~~ففي إباحته قولان أحدهما يباح له ذلك استدلالا بقوله تعالى ولا تكرهوا ~~فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن ~~فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم النور وهذه نزلت في عبدالله بن أبي بن ~~سلول كانت له أمتان وكان يكرههما على الزنا وهما يأبيان ذلك وهذا قول ~~الجمهور كالشافعي وأبي حنيفة وهو المشهور عن أحمد وروى نحوه عن الحسن ~~ومكحول ومسروق وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يدل عليه وأهل هذه ~~المقالة اختلفوا في إكراه الرجل على الزنا فمنهم من قال لا يصح إكراههم ~~عليه ولا إثم عليه وهو قول الشافعي وابن عقيل من أصحابنا ومنهم من قال لا ~~يصح إكراههم PageV01P376 عليه وعليه الإثم والحد وهو قول أبي حنيفة رحمه ~~الله تعالى ومنصوص أحمد وروى عن الحسن والقول الثاني إن التقاة تكون في ~~الأموال ولا تقاة في الأفعال ولا إكراه عليها وروى ذلك عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما وأبي العالية وأبي الشعثاء والربيع بن أنس والضحاك وهو رواية عن ~~أحمد وروى عن سحنون أيضا وعلي هذا لو شرب الخمر أو سرق مكرها حد و لو على ~~الأول ولو شرب الخمر مكرها ثم طلق أو أعتق فهل يكون حكمه حكم المختار ~~لشربها أم لابل يكون طلاقه وإعتاقه لغوا فيه لأصحابنا وجهان وروى عن الحسن ~~فيمن قيل له اسجد لصنم وإلا قتلناك قال إن كان الصنم تجاه القبلة فليسجد ~~ويجعل نيته لله وإن كان إلى غير القبلة فلا يفعل وإن قتلوه قال ابن حبيب ~~المالكي وهذا قول حسن قال أبو عطية وما يمنعه أن يجعل نيته لله وإن كان ~~لغير القبلة وفي كتاب الله فأينما تولوا ms521 فثم وجه الله البقرة وفي الشرع ~~إباحة التنفل للمسافر إلى غير القبلة وأما الإكراه على الأقوال فاتفق ~~العلماء على صحته وإن من أكره على قول محرم إكراها معتبرا أن له أن يفتدي ~~نفسه به ولا إثم عليه وقد دل عليه قول الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان النحل وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار وإن عادوا فعد وكان ~~المشركون قد عذبوه حتى يوافقهم على ما يريدون من الكفر ففعل وأما ما ورد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوصي طائفة من أصحابه وقال لا تشركوا بالله ~~وإن قطعتم وحرقتم فالمراد الشرك بالقلوب كما قال تعالى وإن جاهداك على أن ~~تشرك بي ماليس لك به علم فلا تطعهما لقمان وقال تعالى ولكن من شرح بالكفر ~~صدرا فعليهم غضب من الله النحل وسائر الأقوال متصور عليها الإكراه فإذا ~~أكره بغير حق قول من الأقوال لم يترتب عليه حكم من الأحكام وكان لغوا فإن ~~كلام المكره صدر منه وهو غير راض به فلذلك عفي عنه ولم يؤاخذ به في أحكام ~~الدنيا والآخرة وبهذا فارق الناسي والجاهل وسواء في ذلك العقود كالبيع ~~والنكاح أو الفسوخ كالخلع والطلاق والعتاق وكذلك الأيمان والنذور وهذا قول ~~جمهور العلماء وهو قول مالك والشافعي وأحمد وفرق أبو حنيفة بين ما يقبل ~~الفسخ عنده ويثبت فيه الخيار كالبيع ونحوه فقال لا يلزم مع الإكراه وماليس ~~كذلك كالنكاح والطلاق والعتاق والأيمان فألزم بها مع الإكراه ولو حلف لا ~~يفعل شيئا ففعله مكرها فعلي قول أبي حنيفة يحنث وعلي قول الجمهور ففيه ~~قولان أحدهما لايحنث كما لايحنث إذا فعل به ذلك كرها ولم يقدر على الامتناع ~~كما سبق وهذا قول الأكثرين منهم والثاني يحنث هاهنا لأنه فعله باختياره ~~بخلاف ما إذا حمل ولم يمكنه الامتناع وهو رواية عن أحمد وقول الشافعي ومن ~~أصحابه وهو القفال من فرق بين اليمين والطلاق والعتاق وغيرهما كما قلنا نحن ~~في الناسي وخرجه بعض أصحابنا وجهالنا ولو أكره على أداء ماله بغير حق ms522 فباع ~~عقاره ليؤدي ثمنه فهل يصح الشراء منه أم لا فيه روايتان عن أحمد وعنه رواية ~~ثالثة إن باعه بثمن المثل اشتري منه PageV01P377 وإن باعه بدونه لم يشتر ~~منه ومتي رضي المكره بما أكره عليه لحدوث رغبة له فيه بعد الإكراه والإكراه ~~قائم صح ما صدر منه من العقود وغيرها بهذا القصد هذا هو المشهور عند ~~أصحابنا وفيه وجه آخر أنه لا يصح أيضا وفيه بعد وأما الإكراه بحق فهو غير ~~مانع من لزوم ما أكره عليه فلو أكره الحربي على الإسلام فأسلم صح إسلامه ~~كذا لو أكره الحاكم أحدا على بيع ماله ليوفي دينه أو أكره موليا بعد مدة ~~الإيلاء وامتناعه من الفيئة على الطلاق ولو حلف لايوفي دينه فأكرهه الحاكم ~~على وفائه فإنه يحنث بذلك لأنه فعل ماحلف عليه حقيقة على وجه لايعذر فيه ~~ذكره أصحابنا بخلاف ما إذا امتنع من الوفاء فأدي عنه الحاكم فإنه لايحنث ~~لأنه لم يوجد منه فعل المحلوف عليه الحديث الأربعون الدنيا وسيلة ومزرعة ~~الآخرة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمنكبي فقال كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وكان ابن عمر رضي الله ~~عنهما يقول إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من ~~صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك رواه البخاري PageV01P378 هذا الحديث خرجه ~~البخاري عن على بن المدنيي حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي حدثنا الأعمش ~~حدثنا مجاهد عن ابن عمر فذكره وقد تكلم غير واحد من الحفاظ في قوله حدثنا ~~مجاهد وقالوا هي غير ثابتة وأنكروها على ابن المديني وقالوا لم يسمع الأعمش ~~هذا الحديث عن مجاهد إنما سمعه من ليث بن أبي سليم وقد ذكره العقيلي وغيره ~~وأخرجه الترمذي من حديث ليث عن مجاهد وزاد فيه وعد نفسك من أهل القبور وزاد ~~في كلام ابن عمر فإنك لا تدري ياعبد الله ما اسمك غدا وخرجه ابن ماجه ولم ~~يذكر قول ابن عمر وخرج الإمام أحمد والنسائى ms523 من حديث الأوزاعي عن عبدة بن ~~أبي لبابة عن ابن عمر قال أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي وقال ~~اعبد الله كأنك تراه وكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعبدة بن أبي ~~لبابة أدرك ابن عمر واختلف في سماعه منه وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في ~~الدنيا فإن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنا ومسكنا فيطمئن فيها ~~ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يعني جهازه للرحيل وقد اتفقت ~~على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم قال تعالى حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال ~~إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار غافر وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول مالي و لي الدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال ~~في ظل شجرة ثم راح وتركها ومن PageV01P379 وصايا المسيح عليه السلام ~~لأصحابه أنه قال لهم اعبروها ولا تعمروها وروى عنه أنه قال من ذا الذي يبني ~~على موج البحر دارا تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا ودخل رجل على أبي ذر ~~فجعل يقلب بصره في بيته فقال يا أبا ذر أين متاعكم فقال إن لنا بيتا نتوجه ~~إليه فقال إنه لا بد لك من متاع مادمت هاهنا فقال إن صاحب المنزل لا يدعنا ~~هاهنا ودخلوا على بعض الصالحين فقلبوا بصرهم في بيته فقالوا إنا نري بيتك ~~بيت رجل مرتحل فقال لا أرتحل ولكن أطرد طردا وكان على بن أبي طالب رضي الله ~~عنه يقول إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ولكل منهما ~~بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ~~ولاحساب وغدا حساب ولا عمل قال بعض الحكماء عجبت ممن الدنيا مولية عنه ~~والآخرة مقبلة إليه يشغل بالمدبرة ويعرض عن المقبلة وقال عمر بن عبدالعزيز ~~في خطبته إن الدنيا ليست بدار قراركم كتب الله عليها الفناء وكتب الله على ~~أهلها منها الظعن فكم من عامر موثق عن قليل يخرب وكم من ms524 مقيم مغتبط عما ~~قليل يظعن فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة بأحسن مابحضرتكم من النقلة ~~وتزودوا فإن خير الزاد التقوي وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ولاوطنا ~~فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين إما أن يكون كأنه غريب مقم ~~في بلد غربة همه التزود للرجوع إلى وطنه أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة ~~بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة فلهذا وصي النبي صلى الله عليه ~~وسلم ابن عمر أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين فأحدهما أن يترك ~~المؤمن نفسه كأنه غريب في الدنيا يتخيل الإقامة لكن في بلد غربة فهو غير ~~متعلق القلب ببلد الغربة بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه وإنما هو مقيم ~~في الدنيا ليقضي مرمة جهازه إلى الرجوع إلى وطنه قال الفضيل بن عياض المؤمن ~~في الدنيا مهموم حزين همه مرمة جهازه ومن كان في الدنيا كذلك فلا هم له إلا ~~التزود بما ينفعه عند العود إلى وطنه فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب ~~بينهم في عزهم ولا يجزع من الذل عندهم قال الحسن المؤمن كالغريب لا يجزع من ~~ذلها ولا ينافس في عزها له شأن وللناس شأن لما خلق الله آدم عليه السلام ~~أسكن هو وزوجته الجنة ثم أهبط منها ووعد بالرجوع إليها وصالحوا ذريتهما ~~فالمؤمن أبدا يحن إلى وطنه الأول وحب الوطن من الإيمان كما قيل كم منزل ~~للمرء يألفه الفتي وحنينه أبدا لأول منزل ولبعض شيوخنا فحي على جنات عدن ~~فإنها منازلك الأولي وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل تري نعود إلى ~~أوطاننا ونسلم PageV01P380 وقد زعموا أن الغريب إذا نأي وشطت به أوطانه فهو ~~مغرم وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم وكان عطاء ~~السلمي يقول في دعائه اللهم ارحم في الدنيا غربتي وارحم في القبر وحشتي ~~وارحم موقفي غدا بين يديك قال الحسن بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لأصحابه إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كقوم سلكوا ms525 مفازة غبراء حتى إذا ~~لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي أنفدوا الزاد وحسروا الظهر وبقوا ~~بين ظهراني المفازة لا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك إذ ~~خرج عليهم رجل يقطر رأسه ماء فقالوا إن هذا قريب عهد بريف وما جاءكم هذا ~~إلا من قريب فلما انتهى إليهم قال علام أنتم قالوا على ما تري قال أرأيتكم ~~إن هديتكم على ماء رواء ورياض خضر ما تعملون قالوا لا نعصيك شيئا قال ~~أعطوني عهودكم ومواثيقكم بالله قال فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا ~~يعصونه شيئا قال فأوردهم ماء ورياضا خضرا فمكث فيهم ما شاء الله ثم قال يا ~~هؤلاء الرحيل قالوا إلى أين قال إلى ماء ليس كمائكم وإلي رياض ليست كرياضكم ~~فقال جل القوم وهم أكثرهم والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده وما نصنع ~~بعيش خير من هذا وقالت طائفة وهم أقلهم ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ~~ومواثيقكم بالله لا تعصونه شيئا وقد صدقكم في أول حديثه فو الله ليصدقنكم ~~في آخره قال فراح فيمن تبعه وتخلف بقيتهم فنزل بهم عدو فأصبحوا بين أسير ~~وقتيل خرجه ابن أبي الدنيا وخرجه الإمام أحمد من حديث على بن زيد بن جدعان ~~عن يوسف بن مهران عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه مختصرا ~~فهذا المثل في غاية المطابقة بحال النبي صلى الله عليه وسلم مع أمته فإنه ~~أتاهم والعرب إذ ذاك أذل الناس وأقلهم وأسوأهم عيشا في الدنيا وحالا في ~~الآخرة فدعاهم إلى سلوك طريق النجاة وظهر لهم من براهين صدقه كما ظهر من ~~صدق أمر الذي جاء إلى القوم الذين في المفازة وقد نفد ماؤهم وهلك ظهرهم ~~برؤيته في حلة رجلا يقطر رأسه ماء ودلهم على الماء والرياض المعشبة ~~فاستدلوا بهيئته وجماله وحاله على صدق مقالته فاتبعوه ووعد من اتبعوه بفتح ~~بلاد فارس والروم وأخذ كنوزها وحذرهم من الاغترار بذلك والوقوف معهم وأمرهم ~~بالتجزي من الدنيا بالبلاغ والجد والاجتهاد في طلب الآخرة ms526 والاستعداد لها ~~فوجدوا ما وعدهم به حقا كله فلما فتحت عليهم الدنيا كما وعدهم اشتغل أكثر ~~الناس بجمعها واكتنازها والمنافسة فيها ورضوا بالإقامة فيها والتمتع ~~بشهواتها وتركوا الآخرة الاستعداد للآخرة التي أمرهم بالجد والاجتهاد في ~~طلبها وقبل قليل من الناس وصيته في الجد في طلب والاستعداد لها فهذه ~~الطائفة القليلة نجت ولحقت نبيها صلى الله عليه وسلم في الآخرة PageV01P381 ~~حيث سلكت طريقته في الدنيا وقبلت وصيته وامتثلت ماأمرت به وأما أكثر الناس ~~فلم يزالوا في سكرة الدنيا والتكاثر فيها فشغلهم ذلك عن الآخرة حتى فاجأهم ~~الموت بغتة على هذه الغرة فهلكوا وأصبحوا مابين قتيل وأسير وماأحسن قول ~~يحيى بن معاذ الرازي الدنيا خمر الشيطان من سكر منها لم يفق إلا في عسكر ~~الموت نادما مع الخاسرين الحال الثاني أن يترك المؤمن نفسه في الدنيا كأنه ~~مسافر غير مقيم البتة وإنما هو سائر في قطع منازل السفر حتى ينتهي به السفر ~~إلى آخره وهو الموت ومن كانت هذه حاله في الدنيا فهمته تحصيل الزاد للسفر ~~فليس له همة للاستكثار من طلب متاع الدنيا ولهذا وصي النبي صلى الله عليه ~~وسلم جماعة من أصحابه أن يكون بلاغهم من الدنيا كزاد الراكب قيل لمحمد بن ~~واسع كيف أصبحت قال ما ظنك برجل يرتحل كل يوم مرحلة إلى الآخرة وقال الحسن ~~إنما أنت أيام مجموعة كلما مضي يوم مضي بعضك وقال ابن آدم إنما أنت بين ~~مطيتين يوضعانك يوضعك الليل إلى النهار والنهار إلى الليل حتى يسلمانك إلى ~~الآخرة فمن أعظم منك يا ابن آدم خطرا وقال الموت معقود بنواصيكم والدنيا ~~تطوي من ورائكم قال داود الطائي إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس ~~مرحلة مرحلة حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم فإن استطعت أن تقدم في كل ~~مرحلة زادا لما بين يديها فافعل فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو والأمر ~~أعجل من ذلك فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك فكأنك بالأمر قد بغتك ~~وكتب بعض السلف إلى أخ له ياأخي ms527 يخيل لك أنك مقيم بل أنت دائب السير تساق ~~مع ذلك سوقا حثيثا الموت متوجه إليك والدنيا تطوي من ورائك ومامضي من عمرك ~~فليس بكار عليك يوم الغابن سبيلك في الدنيا سبيل مسافر ولا بد من زاد لكل ~~مسافر ولا بد للإنسان من حمل عدة ولا سيما إن خاف صولة قاهر PageV01P382 ~~وقال بعض الحكماء كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره وشهره يهدم سنته ~~وسنته تهدم عمره كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله وتقوده حياته إلى موته ~~وقال الفضيل بن عياض لرجل كم أتت عليك قال ستون سنة قال فأنت منذ ستين سنة ~~تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ فقال الرجل إنا لله وإنا إليه راجعون فقال ~~الفضيل أتعرف تفسيره تقول إنا لله وإنا إليه راجعون فمن عرف أنه لله عبد ~~وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسئول ومن ~~علم أنه مسئول فليعد للسؤال جوابا فقال الرجل فما الحيلة قال يسيرة قال ما ~~هي قال تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضي فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضي ~~وما بقي وفي هذا المعنى قال بعضهم وإن المرء قد سار ستين حجة إلى منهل من ~~ورده لقريب قال بعض الحكماء من كانت الأيام والليالي مطاياه سارت به وإن لم ~~يسر وفي هذا قال بعضهم وما هذه الأيام إلا مراحل يحث بها داع إلى الموت ~~قاصد وأعجب شيء لو تأملت أنها منازل تطوي والمسافر قاعد وقال آخر و يا ويح ~~نفس من نهار يقودها إلى عسكر الموتي وليل يذودها قال الحسن لم يزل الليل ~~والنهار سريعين في نقص الأعمار وتقريب الآجال هيهات قد صحبا نوحا وعادا ~~وثمودا وقرونا بين ذلك كثيرا فأصبحوا قد أقدموا على ربهم ووردوا على ~~أعمالهم وأصبح الليل والنهار غضين جديدين لم يبلهما ما مرا به مستعدين لمن ~~بقي بمثل ما أصاب به من مضي وكتب الأوزاعي إلى أخ له أما بعد فقد أحيط بك ~~من كل جانب واعلم أنه ms528 يسار بك في كل يوم وليلة فاحذر الله والمقام بين يديه ~~وأن يكون آخر عهدك به والسلام نسير إلى الآجال في كل لحظة وأيامنا تطوي وهن ~~مراحل ولم أر مثل الموت حقا كأنه إذا ما تخطته الأماني باطل وما أقبح ~~التفريط في زمن الصبا فكيف به والشيب للرأس شاعل ترحل من الدنيا بزاد من ~~التقي فعمرك أيام وهن قلائل وأما وصية ابن عمر فهي مأخوذه من هذا الحديث ~~الذي رواه وهي متضمنة لنهاية قصر الأمل وإن الإنسان إذا أمسي لم ينتظر ~~الصباح وإذا أصبح لم ينتظر المساء بل يظن أن أجله يدرك قبل ذلك وبهذا فسر ~~غير واحد من العلماء الزهد في الدنيا قال المروزي قيل لأبي عبدالله يعني ~~أحمد أي شيء الزهد في الدنيا قال قصر الأمل من إذا أصبح قال لا أمسي قال ~~وهكذا قال سفيان قيل لأبي عبدالله بأي شيء نستعين على قصر الأمل قال ما ~~ندري إنما هو توفيق قال الحسن اجتمع ثلاثة من العلماء فقالوا لأحدهم ما ~~أملك قال ما أتي على شهر إلا ظننت أني سأموت فيه قال فقال صاحباه إن هذا هو ~~الأمل فقالا لأحدهم فما أملك قال ما أتت على جمعة إلا ظننت أني سأموت فيها ~~قال فقال صاحباه إن هذا هو الأمل فقالا للآخر فما أملك قال ما أمل من نفسه ~~في يد غيره قال داود الطائي سألت عطوان بن عمرو التيمي قلت ما قصر الأمل ~~قال ما بين تردد النفس فحدث بذلك الفضيل بن عياض فبكي وقال يقول يتنفس ~~فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه لقد كان عطوان من الموت على حذر وقال بعض ~~السلف مانمت نوما قط فحدثت نفسي أني أستيقظ منه وكان PageV01P383 حبيب أبو ~~محمد كل يوم يوصي بما يوصي به المحتضر عند موته من يغسله ونحوه وكان يبكي ~~كلما أصبح أو أمسي فسألت امرأته عن بكائه فقالت يخاف الله إذا أمسي أن ~~لايصبح وإذا أصبح أن لايمسي وكان محمد بن واسع إذا أراد أن ينام قال ms529 لأهله ~~أستودعكم الله فلعلها أن تكون منيتي لاأقوم منها وكان هذا دأبه إذا أراد ~~النوم وقال بكر المزني إن استطاع أحدكم أن لا يبيت إلا وعهده عند رأسه ~~مكتوب فليفعل فإنه لا يدري لعله أن يبيت في أهل الدنيا ويصبح في أهل الآخرة ~~وكأن أويس إذا قيل له كيف الزمان عليك قال كيف الزمان على رجل إن أمسي يظن ~~أنه لايصبح وإن أصبح ظن أنه لايسمي فمبشر بالجنة أو النار وقال عون بن ~~عبدالله ما أنزل الموت كنه منزلته من عد غدا من أجله كم من مسقبل يوما ~~لايستكمله وكم من مؤمل لغد لا يدركه إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره لبغضتم ~~الأمل وغروره وكان يقول إن من أنفع أيام المؤمن له في الدنيا ما ظن أنه لا ~~يدرك آخره وكانت امرأة متعبدة بمكة إذا أمست قالت يا نفس الليلة ليلتك لا ~~ليلة لك غيرها فاجتهدت فإذا أصبحت قالت يانفس اليوم يومك لا يوم لك غيره ~~فاجتهدت وقال بكر المزني إذا أردت أن تنفعك صلاتك فقل لعلي لا أصلي غيرها ~~وهذا مأخوذ مما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صل صلاة مودع ~~وأقام معروف الكرخي الصلاة ثم قال لرجل تقدم فصل بنا فقال الرجل إني إن ~~صليت بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرها فقال معروف وأنت تحدث نفسك أنك تصلي ~~صلاة أخرى نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع خير العمل وطرق بعضهم باب أخ ~~له فسأل عنه فقيل له ليس هو في البيت فقال متي يرجع فقالت له جارية من ~~البيت من كانت نفسه في يد غيره من يعلم متي يرجع ولأبي العتاهية وما أدري ~~وإن أملت عمرا لعلي حين أصبح لست أمسي ألم تر أن كل صباح يوم وعمرك فيه ~~أقصر منه أمس وهذا البيت الثاني أخذه مما روى عن أبي الدرداء والحسن أنهما ~~قالا ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك ومما أنشد بعض ~~السلف إنا لنفرح بالأيام ms530 نقطعها وكل يوم مضي يدني من الأجل فاعمل لنفسك قبل ~~الموت مجتهدا فإنما الربح والخسران في العمل قوله وخذ من صحتك لسقمك ومن ~~حياتك لموتك يعني اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها ~~السقم وفي الحياة قبل أن يحول بينك وبينها الموت وفي رواية فإنك ياعبد الله ~~لا تدري ما اسمك غدا يعني لعلك غدا من الأموات دون الأحياء وقد روى معنى ~~هذه الوصية عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ففي صحيح البخاري عن ابن ~~عباس عن PageV01P384 النبي صلى الله عليه وسلم قال نعمتان مغبون فيهما كثير ~~من الناس الصحة والفراغ وفي صحيح الحاكم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لرجل وهو يعظه اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل ~~سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك وقال غنيم بن قيس كنا ~~نتواعظ في أول الإسلام ابن آدم اعمل في فراغك قبل شغلك وفي شبابك لكبرك وفي ~~صحتك لمرضك وفي دنياك لآخرتك وفي حياتك لموتك وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم بادروا بالأعمال ستا طلوع الشمس من مغربها ~~والدخان والدجال والدابة وخاصة أحدكم وأمر العامة وفي الترمذي عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال بادروا بالأعمال سبعا هل تنظرون إلا إلى فقر منس أو ~~غني مطغ أو مرض مفسد أو هرم مفند أو موت مجهز أو الدجال فشر غائب منتظر أو ~~الساعة والساعة أدهى وأمر والمراد من هذا أن هذه الأشياء كلها تعوق عن ~~الأعمال فبعضها يشغل عنه إما في خاصة الإنسان كفقره وغناه ومرضه وهرمه ~~وموته وبعضها عام كقيام الساعة وخروج الدجال وكذلك الفتن المزعجة كما جاء ~~في حديث آخر بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم وبعض هذه الأمور ~~العامة لا ينفع بعدها عمل كما قال تعالى يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع ~~نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا الأنعام ms531 وفي ~~الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى ~~تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع ~~نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا وفي صحيح مسلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت ~~من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض ~~وفيه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من تاب قبل أن تطلع الشمس من ~~مغربها تاب الله عليه وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ~~الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء ~~الليل حتى تطلع الشمس من مغربها وخرج الإمام أحمد والنسائى والترمذى وابن ~~ماجه من حديث صفوان بن عسال عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله فتح ~~بابا قبل المغرب عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه وفي ~~المسند عن عبد الرحمن بن عوف عن عبدالله بن عمرو عن معاوية عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب فإذا ~~طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل وروى عن عائشة قالت إذا خرج ~~أول الآيات طرحت الأقلام وحبست الحفظة وشهدت الأجساد على الأعمال خرجه ابن ~~جرير الطبري وكذا قال كثير بن مرة ويزيد بن شريح وغيرهما من السلف إذا طلعت ~~الشمس من مغربها طبع على PageV01P385 القلوب بما فيها وترفع الحفظة الأعمال ~~وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملا وقال سفيان الثوري إذا طلعت الشمس من ~~مغربها طوت الملائكة صحائفها ووضعت أقلامها فالواجب على المؤمن المبادرة ~~بالأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر عليها ويحال بينها وبينه إما بمرض أو موت ~~أو بأن يدركه بعض هذه الآيات التي لا يقبل معها عمل قال أبو حازم إن بضاعة ~~الآخرة كاسدة يوشك أن ms532 تنفق فلا يوصل منها إلى قليل ولا كثير ومتي حيل بين ~~الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليه ويتمني الرجوع إلى حال ~~يتمكن فيها من العمل فلا تنفعه الأمنية قال تعالى وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا ~~له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتي ~~على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني ~~لكنت من المتقين أو تقول حين تري العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ~~الزمر وقال تعالى حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا ~~فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ~~المؤمنون وقال عز وجل وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ~~فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله ~~نفسا إذا جاء أجلها المنافقون وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا ما من ميت ~~يموت إلا ندم قالوا وما ندامته قال إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد وإن ~~كان مسيئا ندم أن لا يكون استعتب فإذا كان الأمر على هذا فيتعين على المؤمن ~~اغتنام ما بقي من عمره ولهذا قيل إن بقية عمر المؤمن لا قيمة له وقال سعيد ~~بن جبير كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة وقال بكر المزني ما من يوم أخرجه الله ~~إلى الدنيا إلا يقول يا ابن آدم اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي ولا ليلة إلا ~~تنادي ابن آدم اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي ولبعضهم اغتنم في الفراغ فضل ~~ركوع فعسي أن يكون موتك بغتة كم صحيح مات من غير سقم ذهبت نفسه الصحيحة ~~فلتة وقال محمود الوراق مضي أمسك الماضي شهيدا معدلا وأعقبه يوم عليك جديد ~~فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثن بإحسان وأنت حميد فيومك إن أعقبته عاد ~~نفعه ms533 عليك وماضي الأمس ليس يعود ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد لعل غدا ~~يأتي وأنت فقيد الحديث الحادي والأربعون علامة الإيمان عن أبي محمد عبدالله ~~بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به حديث حسن صحيح رويناه في كتاب ~~الحجة بإسناد صحيح PageV01P386 يريد بصاحب كتاب الحجة الشيخ أبا الفتح نصر ~~بن إبراهيم المقدسي الشافعي الفقيه الزاهد نزيل دمشق وكتابه هذا هو كتاب ~~الحجة على تاركي سلوك طريق المحجة يتضمن ذكر أصول الدين على قواعد أهل ~~الحديث والسنة وقد خرج هذا الحديث الحافظ أبو نعيم في كتاب الأربعين وشرط ~~في أولها أن تكون من صحاح الأخبار وجياد الآثار مما أجمع الناقلون على ~~عدالة ناقليه وخرجته الأئمة في مسانيدهم ثم خرجه عن الطبراني حدثنا الوزير ~~عبد الرحمن بن حاتم المرادي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن ~~هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عقبة بن أوس عن عبدالله بن عمرو قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ~~ولا يزيغ عنه ورواه الحافظ أبو بكر بن عاصم الأصبهاني عن ابن واره عن نعيم ~~بن حماد حدثنا عبد الوهاب الثقفي حدثنا بعض مشايخنا هشام أو غيره عن ابن ~~سيرين فذكره وليس عنده ولا يزيغ عنه قال الحافظ أبو موسى المديني هذا ~~الحديث مختلف فيه على نعيم وقيل فيه حدثنا بعض مشيختنا مثل هشام وغيره قلت ~~تصحيح هذا الحديث بعيد جدا من وجوه منها أنه حديث ينفرد به نعيم بن حماد ~~المروزي ونعيم هذا وإن كان وثقه جماعة من الأئمة وخرج له البخاري فإن أئمة ~~الحديث كانوا يحسنون به الظن لصلابته في السنة وتشدده على أهل الرد في ~~الأهواء وكانوا ينسبونه إلى أنه يهم PageV01P387 ويشبه عليه في بعض ~~الأحاديث فلما كثر عثورهم على مناكيره حكموا عليه بالضعف فروى صالح بن محمد ~~الحافظ ms534 عن ابن معين أنه سئل عنه فقال ليس بشيء إنما هو صاحب سنة قال صالح ~~وكان يحدث من حفظه وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها وقال أبو داود عند ~~نعيم نحو عشرين حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس لها أصل وقال ~~النسائي ضعيف وقال مرة ليس ثقة وقال مرة قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين ~~في أحاديث كثيرة فصار في حد من لا يحتج به وقال أبو زرعة الدمشقي يصل ~~أحاديث يوقفها الناس يعني أنه يرفع الموقوفات وقال أبو عروبة الخوافي هو ~~مظلم الأمر وقال أبو سعيد بن يونس روى أحاديث مناكير عن الثقات ونسبه آخرون ~~إلى أنه كان يضع الحديث وأين كان أصحاب عبد الوهاب الثقفي وأصحاب ابن سيرين ~~عن هذا الحديث حتى ينفرد به نعيم ومنها أنه قد اختلف على نعيم في إسناده ~~فروى عنه الثقفي عن هشام وروى عنه الثقفي حدثنا بعض مشيختنا حدثنا هشام أو ~~غيره وعلي هذه الرواية يكون الشيخ الثقفي غير معروف عنه وروى عن الثقفي ~~حدثنا بعض مشيختنا حدثنا هشام أو غيره وعلي هذه الرواية فالثقفي رواه عن ~~شيخ مجهول وشيخه رواه عن غير معين فتزداد الجهالة في إسناده ومنها أن في ~~إسناده عقبة بن أوس السدوسي البصري ويقال فيه يعقوب بن أوس أيضا وقد خرج له ~~أبو داود والنسائى وابن ماجه حديثا عن عبدالله بن عمرو ويقال عبدالله بن ~~عمر وقد اضطرب في إسناده وقد وثقه العجلي وابن سعد وابن حبان وقال ابن ~~خزيمة روى عنه ابن سيرين مع جلالته وقال ابن عبد البر هو مجهول وقال ~~الغلابي في تاريخه يزعمون أنه لم يسمع من عبدالله بن عمرو وإنما يقول قال ~~عبدالله بن عمرو فعلي هذا تكون رواياته عن عبدالله بن عمرو منقطعة والله ~~أعلم شرح الحديث وأما معنى الحديث من الأوامر والنواهي وغيرها فيحب ما أمر ~~به ويكره ما نهى عنه وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع قال تعالى فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ms535 بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما النساء وقال تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي ~~الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم الأحزاب وذم سبحانه من كره ~~ما أحبه الله وأحب ما كرهه الله قال الله تعالى ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل ~~الله فأحبط أعمالهم محمد وقال تعالى ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا ~~رضوانه فأحبط أعمالهم محمد فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبة ~~توجب له الإتيان بما وجب عليه منه فإن زادت المحبة حتى أتي بما ندب إليه ~~منه كان ذلك فضلا وأن يكره ما كرهه الله تعالى كراهة توجب له الكف عما حرم ~~عليه منه فإن زادت الكراهة حتى أوجبت PageV01P388 الكف عما كرهه تنزيها كان ~~ذلك فضلا وقد ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يؤمن ~~أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وأهله والناس أجمعين فلا يكون ~~المؤمن مؤمنا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق ومحبة الرسول تابعة ~~لمحبة مرسله والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات ~~وبغض المكروهات قال تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره التوبة وقال ~~تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم آل ~~عمران قال الحسن قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إنا نحب ~~ربنا حبا شديدا فأحب الله أن يجعل لحبه علما فأنزل الله هذه الآية وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة ~~الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه ~~إلا لله وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن ~~يلقي في النار فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة ms536 من قلبه أوجب له ذلك أن يحب ~~بقلبه ما يحبه الله ورسوله ويكره ما يكرهه الله ورسوله ويرضي ما يرضي الله ~~ورسوله ويسخط ما يسخط الله ورسوله وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض ~~فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله أو ترك بعض ~~ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة ~~فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة قال أبو يعقوب ~~النهرجوري كل من ادعي محبة الله تعالى ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطل ~~وكل محب ليس يخاف الله فهو مغرور وقال يحيى بن معاذ ليس بصادق من ادعي محبة ~~الله ولم يحفظ حدوده وسئل رويم عن المحبة فقال الموافقة في جميع الأحوال ~~وأنشد ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا ولبعضهم ~~تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس شنيع لو كان حبك صادقا ~~لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع فجميع المعاصي إنما تنشأ من PageV01P389 ~~تقديم هوي النفوس على محبة الله ورسوله وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى ~~في مواضع من كتابه فقال تعالى فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله القصص وكذلك البدع إنما ~~تنشأ من تقديم الهوي على الشرع ولهذا يسمي أهلها أهل الأهواء وكذلك المعاصي ~~إنما تقع من تقديم الهوي على محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه وكذلك حب ~~الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فيجب على المؤمن محبة الله ومحبة من يحبه الله من الملائكة والرسل ~~والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموما ولهذا كان من علامات وجوده ~~حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا لله وتحريم موالاة أعداء الله ومن ~~يكرهه الله عموما وقد سبق ذلك في مواضع أخر وبهذا يكون الدين كله لله ومن ~~أحب لله وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله فقد استكمل ms537 الإيمان ومن كان حبه ~~وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوي نفسه كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب فيجب عليه ~~التوبة من ذلك والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوي النفس ومراداتها ~~كلها قال وهيب بن الورد بلغنا والله أعلم أن موسي عليه السلام قال يارب ~~أوصني قال أوصيك بي قالها ثلاثا حتى قال في الأخري أوصيك بي أن لا يعرض لك ~~أمر إلا آثرت فيه محبتي على ما سواها فمن لم يفعل ذلك لم أزكه ولم أرحمه ~~والمعروف في استعمال الهوي عند الإطلاق أنه الميل إلى خلاف الحق كما في ~~قوله تعالى ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله صلى الله عليه وسلم وقال ~~تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ~~النازعات وقد يطلق الهوي بمعنى المحبة والميل مطلقا فيدخل فيه الميل إلى ~~الحق وغيره وربما استعمل بمعنى محبة الحق خاصة والانقياد إليه وسئل صفوان ~~بن عسال هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الهوي فقال سأله أعرابي عن ~~الرجل يحب القوم ولم يلحق بهم قال المرء مع من أحب ولما نزل قوله تعالى ~~ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء الأحزاب قالت عائشة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ما أرى ربك إلا يسارع في هواك وقال عمر في قصة المشاورة في أساري ~~بدر فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وهذا ~~الحديث مما جاء في استعمال الهوي بمعنى المحبة المحمودة وقد وقع مثل ذلك في ~~الآثار الإسرائيلية كثيرا وكلام مشايخ القوم وإشاراتهم نظما ونثرا يكثر في ~~هذا الاستعمال وممايناسب معنى الحديث من ذلك قول بعضهم إن هواك الذي بقلبي ~~صيرني سامعا مطيعا أخذ قلبي وغمض عيني سلبتني النوم والهجوعا فذر فؤادي وخذ ~~رقادي فقال لا بل هما جميعا الحديث الثاني والأربعون سعة مغفرة الله تعالى ~~عن أنس بن مالك ms538 رضي عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال ~~الله تعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا ~~أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ياابن ~~آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك ~~بقرابها مغفرة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح PageV01P390 هذا الحديث ~~تفرد به الترمذي خرجه من طريق كثير بن فائدة حدثنا سعيد بن عبيد سمعت بكر ~~بن عبدالله المزني يقول حدثنا أنس فذكره قال و حسن غريب لا نعرفه إلا من ~~هذا الوجه انتهى وإسناده لا بأس به وسعيد بن عبيد هو الهنائي قال أبو حاتم ~~شيخ وذكره ابن حبان في الثقات ومن زعم أنه غير الهنائي فقد وهم وقال ~~الدارقطني تفرد به كثير بن فائدة عن سعيد مرفوعا ورواه مسلم بن قتيبة عن ~~سعيد بن عبيد فوقفه أنس قلت قد روى عنه مرفوعا وموقوفا وتابعه على رفعه أبو ~~سعيد أيضا مولي بني هاشم فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعا أيضا وقد روى أيضا ~~من حديث ثابت عن أنس مرفوعا ولكن قال أبو حاتم هو منكر وقد روى أيضا عن ~~سعيد بن عبيد مرفوعا أيضا من حديث أبي ذر خرجه الإمام أحمد من رواية شهر بن ~~حوشب عن معديكرب عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه تعالى ~~فذكره بمعناه ورواه بعضهم عن شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر و قيل عن ~~شهر عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح هذا ~~القول وروى من حديث ابن عباس خرجه الطبراني من رواية قيس بن الربيع عن جيد ~~بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس PageV01P391 عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وروى بعضه من وجوه أخر فخرج مسلم في صحيحه من حديث معرور بن سويد ~~عن أبي ذر عن النبي ms539 صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى من تقرب مني ~~شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي ~~أتيته هرولة ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بقرابها ~~مغفرة وخرج الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسي قال دخلت على أنس فقال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ ~~خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله لغفر لكم وقد تضمن حديث أنس ~~المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة أحدها الدعاء مع ~~الرجاء فإن الدعاء مأمور به وموعود عليه بالإجابة كما قال تعالى وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم غافر وفي السنن الأربعة عن النعمان بن بشير عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إن الدعاء هو العباده ثم تلا هذه الآية وفي حديث آخر ~~خرجه الطبراني مرفوعا من أعطي الدعاء أعطي الإجابة لأن الله تعالى يقول ~~ادعوني أستجب لكم وفي حديث آخر ما كان الله ليفتح على عبد باب الدعاء ويغلق ~~عنه باب الإجابة لكن الدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه وانتفاء ~~موانعه وقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض شروطه أو وجود بعض موانعه وآدابه وقد ~~سبق ذكر بعض شرائطه وموانعه وآدابه في شرح الحديث العاشر ومن أعظم شرائطه ~~حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى كما خرجه الترمذي من حديث أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ~~وإن الله تعالى لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه وفي المسند عن عبدالله بن ~~عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن هذه القلوب أوعية فبعضها أوعي من ~~بعض فإذا سألتم الله فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة فإن الله لا يستجيب ~~لعبد دعاء من مظهر قلب غافل ولهذا نهى العبد أن يقول في دعائه الله م اغفر ~~لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له ونهي أن يستعجل ويترك ~~الدعاء لاستبطاء ms540 الإجابة وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد ~~رجاءه من إجابة دعائه ولو طالت المدة فإنه سبحانه يحب الملحين في الدعاء ~~وجاء في الآثار إن العبد إذا دعا ربه وهو يحبه قال ياجبريل لا تعجل بقضاء ~~حاجة عبدي فإني أحب أن أسمع صوته وقال تعالى وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت ~~الله قريب من المحسنين الأعراف فما دام العبد يلح في الدعاء ويطمع في ~~الإجابة من غير قطع الرجاء فهو قريب من الإجابة ومن أدمن قرع الباب يوشك أن ~~يفتح له وفي صحيح الحاكم عن أنس مرفوعا لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يهلك ~~مع الدعاء أحد ومن أهم ما يسأل العبد ربه مغفرة ذنوبه وما يستلزم ذلك ~~كالنجاة من النار ودخول الجنة وقد قا ل ا لنبي صلى الله عليه وسلم حولها ~~PageV01P392 ندندن يعني حول سؤال الجنة والنجاة من النار وقال أبو مسلم ~~الخولاني ما عرضت لي دعوة فذكرت النار إلا صرفتها إلى الاستعاذة منها ومن ~~رحمة الله تعالى بعبده أن العبد يدعوه بحاجه من الدنيا فيصرفها عنه يعوضه ~~خيرا منها إما أن يصرف عنه بذلك سوءا أو يدخرها له في الآخرة أو يغفر له ~~بها ذنبا كما في المسند والترمذى من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ماسأل أو كف عنه من السوء مثله ما ~~لم يدع بإثم أو قطيعة رحم وفي المسند وصحيح الحاكم عن أبي سعيد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال مامن مسلم يدعو بدعوة ليس له فيها إثم أو قطيعة رحم ~~إلا أعطاه الله بها إحدي ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخرها له في ~~الآخرة وإما أن يكشف عنه من السوء مثلها قالوا إذا نكثر قال الله أكثر ~~وخرجه الطبراني وعنده أويغفر له بها ذنبا قد سلف بدل قوله أو يكشف عنه من ~~السوء مثلها وخرج الترمذي من حديث عبادة مرفوعا نحو حديث أبي سعيد أيضا ~~وبكل حال ms541 فالإلحاح بالدعاء بالمغفرة مع رجاء الله تعالى موجب للمغفرة و ~~الله تعالى يقول أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ماشاء وفي رواية فلا تظنوا ~~بالله إلا خيرا ويروى من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر مرفوعا يأتي الله ~~بالمؤمن يوم القامة فيقربه حتى يجعله في حجابه من جميع الخلق فيقول له أقرأ ~~فيعرفه ذنبا ذنبا أتعرف أتعرف فيقول نعم نعم ثم يلتفت العبد يمنة ويسرة ~~فيقول الله تعالى لا بأس عليك ياعبدي أنت في ستري من جميع خلقي ليس بيني ~~وبينك اليوم أحد يطلع على ذنوبك غيري غفرتها لك بحرف واحد من جميع ما ~~أتيتني به قال ماهو يارب قال كنت لا ترجو العفو من أحد غيري فمن أعظم أسباب ~~المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبا لم يرج مغفرته من غير ربه ويعلم أنه لا ~~يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره وقد سبق ذكر ذلك في شرح حديث أبي ذر ياعبادي ~~إني حرمت الظلم على نفسي وقوله إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ~~ولا أبالي يعني على كثرة ذنوبك وخطاياك ولا يتعاظمني ذلك ولا أستكثره وفي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن ~~الله لا يتعاظمه شيء فذنوب العبد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها ~~وأعظم فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته وفي صحيح الحاكم عن جابر أن رجلا ~~جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول واذنوباه مرتين أو ثلاثا فقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم قل الله م مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجي ~~عندي من عملي فقالها ثم قال له عد فعاد ثم قال له عد فعاد له قم قد غفر ~~الله لك وفي هذا المعنى يقول بعضهم ياكبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر ~~أعظم الأشياء في جانب عفو الله تغفر PageV01P393 وقال آخر يارب إن عظمت ~~ذنوني كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن فمن ms542 ذا الذي ~~يدعو ويرجو المجرم مالي إليك وسيلة إلا الرجا وجميل عفوك ثم إني مسلم السبب ~~الثاني للمغفرة الاستغفار ولو عظمت الذنوب وبلغت الكثرة عنان السماء وهو ~~السحاب وقيل ما انتهى إليه البصر منها وفي الرواية الأخري لو أخطأتم حتى ~~بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله لغفر لكم والاستغفار ~~طلب المغفرة والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها وقد كثر في القرآن ذكر ~~الاستغفار فتارة يؤمر به كقوله تعالى واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ~~المزمل وقوله وان استغفروا ربكم ثم توبوا إليه هود وتارة يمدح أهله كقوله ~~تعالى والمستغفرين بالأسحار آل عمران وقوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة ~~أو ظلمموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ~~آل عمران وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره كقوله تعالى ومن يعمل سوء أو ~~يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما النساء وكثيرا ما يقرن ~~الاستغفار بذكر التوبة فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان ~~والتوبة عبارة عن الإقلاع من الذنوب بالقلوب والجوارح وتارة يفرد الاستغفار ~~ويرتب عليه المغفرة كما ذكر في هذا الحديث وما أشبهه فقد قيل إنه أريد به ~~الاستغفار المقترن بالتوبة وقيل إن نصوص الاستغفار كلها المفردة مطلقة تقيد ~~بما ذكر في آية آل عمران من عدم الإصرار فإن الله وعد فيها بالمغفرة لمن ~~استغفره من ذنوبه ولم يصر على فعله فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها ~~على هذا القيد ومجرد قول القائل اللهم اغفر لي طلب منه للمغفرة ودعاء بها ~~فيكون حكمه حكم سائر الدعاء فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه لاسيما إذا خرج ~~عن قلب منكسر بالذنوب أو صادف ساعة من ساعات الإجابة كالأسحار وأدبار ~~الصلوات ويروى عن لقمان أنه قال لابنه يابني عود لسانك الله م اغفر لي فإن ~~لله ساعات لا يرد فيها سائلا وقال الحسن أكثروا من الاستغفار في بيوتكم ~~وعلي موائدكم وفي طرقكم وفي أسواقكم وفي مجالسكم وأينما كنتم فإنكم ما ~~تدرون متي ms543 تنزل المغفرة وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن من حديث أبي ~~هريرة مرفوعا بينما رجل مستلق إذ نظر إلى السماء وإلي النجوم فقال إني ~~لأعلم أن لك ربا خالقا الله م اغفر لي فغفر له وعن مورق قال كان رجل يعمل ~~السيئات فخرج إلى البرية فجمع ترابا فاضطجع مستلقيا عليه فقال ربي اغفر لي ~~ذنوبي فقال إن هذا ليعرف أن له ربا يغفر ويعذب فغفر له وعن مغيث بن سمي قال ~~بينما رجل خبيث فتذكر يوما فقال الله م غفرانك الله م غفرانك ثم مات فغفر ~~له ويشهد لهذا ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~عبدا أذنب فقال رب PageV01P394 أذنبت ذنبا فاغفر لي قال الله تعالى علم ~~عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ~~ذنبا آخر فذكر مثل الأول مرتين أخرتين وفي رواية لمسلم أنه قال في الثالثة ~~قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء والمعنى مادام على هذا الحال كلما أذنب استغفر ~~والظاهر أن مراده الاستغفار المقرون بعدم الإصرار ولهذا في حديث أبي بكر ~~الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم ~~سبعين مرة خرجه أبو داود والترمذى والاستغفار باللسان مع إصرار القلب على ~~الذنب فهو دعاء مجرد إن شاء الله أجابه وإن شاء رده وقد يكون الإصرار مانعا ~~من الإجابة وفي المسند من حديث عبدالله بن عمر مرفوعا ويل للذين يصرون على ~~ما فعلوا وهم يعملون وخرج ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ~~مرفوعا التائب من الذنب كمن لا ذنب له والمستغفر من ذنب وهو مقيم عليه ~~كالمستهزي بربه ورفعه منكر ولعله موقوف قال الضحاك ثلاثة لا يستجاب لهم ~~فذكر منهم رجلا مقيما على امرأة زنا قضي منها شهوته قال رب اغفر لي ما أصبت ~~من فلانة فيقول الرب تحول عنها وأغفر لك وأما ما دمت عليها مقيما ms544 فإني لا ~~أغفر لك ورجلا عنده مال قوم يري أهله فيقول رب اغفرلي ما آكل من فلان فيقول ~~تعالى رد إليهم مالهم وأغفر لك وأما ما لم ترد إليهم فلا أغفر لك وقول ~~القائل أستغفر الله معناه أطلب مغفرته فهو كقوله الله م اغفر لي فالاستغفار ~~التام الموجب للمغفرة هو ما قارن عدم الإصرار كما مدح الله تعالى أهله ~~ووعدهم بالمغفرة قال بعض العارفين من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته فهو ~~كاذب في استغفاره وكان بعضهم يقول استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير ~~وفي ذلك يقول بعضهم أستغفر الله من أستغفر الله من لفظة بدرت خالفت معناها ~~وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد سددت بالذنب عند الله مجراها فأفضل الاستغفار ~~ما قرن به ترك الإصرار وهو حينئذ يؤمل توبة نصوحا وإن قال بلسانه أستغفر ~~الله وهو غير مقلع بقلبه فهو داع لله بالمغفرة كما يقول الله م اغفر لي وهو ~~حسن وقد يرجي له الإجابة وأما من تاب توبة الكذابين فمراده أنه ليس بتوبة ~~كما يعتقده بعض الناس وهذا حق فإن التوبة لا تكون مع الإصرار وإن قال ~~أستغفر الله وأتوب إليه فله حالتان إحداهما أن يكون مصرا بقلبه على المعصية ~~فهو كاذب في قوله وأتوب إليه لأنه غير تائب فلا يجوز له أن يخبر عن نفسه ~~بأنه تائب وهو غير تائب والثانية أن يكون مقلعا عن المعصية بقلبه فاختلف ~~الناس في جواز قوله وأتوب إليه فكرهه طائفة من السلف وهو قول أصحاب أبي ~~حنيفة حكاه عنهم الطحاوي وقال الربيع بن خيثم يكون قوله وأتوب إليه كذبة ~~وذنبا ولكن ليقل الله م إني أستغفرك فتب علي وهذا قد يحمل على من لم يقلع ~~بقلبه وهو بحاله PageV01P395 أشبه وكان محمد بن سوقة يقول في استغفاره ~~استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله توبة نصوحا وروى ~~عن حذيفة أنه قال يحسب من الكذب أن يقول أستغفر الله ثم يعود وسمع مطرف ~~رجلا يقول أستغفر الله وأتوب إليه فتغيظ ms545 عليه وقال لعلك لا تفعل وهذا ظاهره ~~يدل على أنه إنما كره أن يقول وأتوب إليه لأن التوبة النصوح أن لا يعود إلى ~~الذنب أبدا فمتي عاد إليه كان كاذبا في قوله وأتوب إليه وكذلك سئل محمد بن ~~كعب القرظي عمن عاهد الله أن لا يعود إلى معصية أبدا فقال من أعظم منه إثما ~~يتألي على الله أن لا ينفذ فيه قضاءه ورجح قوله في هذا أبو الفرج بن الجوزي ~~وروى عن سفيان بن عيينة نحو ذلك وجمهور العلماء على جواز أن يقول التائب ~~أتوب إلى الله وأن يعاهد العبد ربه على أن لا يعود إلى المعصية فإن العزم ~~على ذلك واجب عليه في الحال لهذا قال ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم ~~سبعين مرة وقال في المعاود للذنب قد غفرت لعبدي فليعمل ماشاء وفي حديث ~~كفارة المجلس أستغفرك اللهم وأتوب إليك وقطع النبي صلى الله عليه وسلم يدي ~~سارق ثم قال له استغفر الله وتب إليه فقال أستغفر الله وأتوب إليه فقال ~~اللهم تب عليه خرجه أبو داود واستحب جماعة من السلف الزيادة على قوله ~~أستغفر الله وأتوب إليه فروى عن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقول أستغفر ~~الله وأتوب إليه فقال له قل ياحميق قل توبة من لا يملك لنفسه نفغا ولا ضرا ~~ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وسئل الأوزاعي عن الاستغفار يقول أستغفر الله ~~العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه فقال إن هذا لحسن ولكن ~~يقول رب اغفرلي حتى يتم الاستغفار وأفضل أنواع الاستغفار أن يبدأ العبد ~~بالثناء على ربه ثم يثني بالاعتراف بذنبه ثم يسأل الله المغفرة كمافي حديث ~~شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيد الاستغفار أن يقول العبد ~~الله م أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما ~~استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي فاغفر لي ~~فإنه لايغفر ms546 الذنوب إلا أنت خرجه البخاري وفي الصحيحين عن عبدالله بن عمرو ~~أن أبا بكر الصديق قال يارسول الله علمني دعاء أدعوبه في صلاتي قال قل ~~اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من ~~عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ومن أنواع الاستغفار أن يقول العبد ~~أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه وقد روى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن من قاله غفر له وإن كان فر من الزحف خرجه أبو ~~داود والترمذى وفي كتاب اليوم والليلة للنسائي عن خباب بن الأرت قال قلت ~~يارسول الله كيف نستغفر قال قل الله م اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت ~~التواب الرحيم وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال مارأيت أحدا أكثر أن ~~يقول أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله صلى عليه وآله وسلم PageV01P396 ~~وفي الأربعة عن ابن عمر قال إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~المجلس الواحد مائة مرة يقول رب اغفر لي وتب على إنك أنت التواب الغفور وفي ~~صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله إني ~~لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة وفي صحيح مسلم عن ~~الأغر المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنه ليغان على قلبي وإني ~~لأستغفر الله في اليوم مائة مرة وفي المسند عن حذيفة قال قلت يارسول الله ~~إني ذرب اللسان وإن عامة ذلك على أهلي فقال أين أنت من الاستغفار إني ~~لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة وفي سنن أبي داود عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم ~~فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقة من حيث لا يحتسب قال أبو هريرة إني لأستغفر ~~الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرة وذلك على قدر ديتي وقالت عائشة رضي الله ms547 ~~عنها طوبي لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا قال أبو المنهال ما جاور عبد ~~في قبره من جار أحب إليه من استغفار كثير وبالجملة فدواء الذنوب الاستغفار ~~وروينا من حديث أبي ذر مرفوعا إن لكل داء دواءا وإن دواء الذنوب الاستغفار ~~قال قتادة إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم فأما داؤكم فالذنوب وأما ~~دواؤكم فالاستغفار وقال بعضهم إنما معول المذنبين البكاء والاستغفار فمن ~~أهمته ذنوبه أكثر لها من الاستغفار قال رباح القيسي لي نيف وأربعون ذنبا قد ~~استغفرت الله لكل ذنب مائة ألف مرة وحاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه فإذا ~~زلاته لا تجاوز ستا وثلاثين فاستغفر الله لكل زلة مائة ألف مرة وصلي لكل ~~زلة ألف ركعة وختم في كل ركعة منها ختمة قال ومع ذلك فإني غير آمن من سطوة ~~ربي أن يأخذني بها فأنا على خطر من قبول التوبة ومن زاد اهتمامه بذنوبه ~~فربما تعلق بأذيال من قلت ذنوبة فالتمس منهم الاستغفار وكان عمر يطلب من ~~الصبيان الاستغفار ويقول إنكم لم تذنبوا وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكتاب ~~قولوا الله م اغفر لأبي هريرة فيؤمن على دعائهم قال بكر المزني لو كان رجل ~~يطوف على الأبواب كما يطوف المسكين يقول استغفروا لي لكان قبوله أن يفعل ~~ومن كثرت ذنوبه وسيئاته حتى فاقت العدد والإحصاء فليستغفر الله مما علم فإن ~~الله قد علم كل شيء وأحصاه كما قال تعالى يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم ~~بما عملوا أحصاه الله ونسوه وفي حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك ~~أنت علام الغيوب وفي مثل هذا يقول بعضهم أستغفر الله مما يعلم الله إن ~~الشقي لمن لا يرحم الله ما أحلم الله عمن لا يراقبه كل مسيء ولكن يحلم الله ~~فاستغفر الله مما كان من زلل طوبي لمن كف عما يكره الله PageV01P397 طوبي ~~لمن حسنت منه سريرته طوبي لمن ينهي عما نهى ms548 الله السبب الثالث من أسباب ~~المغفرة التوحيد وهو السبب الأعظم فمن فقدة فقد المغفرة ومن جاء به فقد أتي ~~بأعظم أسباب المغفرة قال الله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء النساء فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض وهو ملؤها أو ما ~~يقارب ملأها خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل ~~فإن شاء غفر له وإن شاء أخذه بذنوبه ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار بل ~~يخرج منها ثم يدخل الجنة قال بعضهم الموحد لا يلقي في النار كما يلقي ~~الكفار ولا يبقي فيها كما يبقي الكفار فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه ~~وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك ~~مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية فمن تحقق بكلمة ~~التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوي الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية ~~ورجاء وتوكلا وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر وربما ~~قلبتها حسنات كما سبق ذكره في تبديل السيئات حسنات فإن هذا التوحيد هو ~~الإكسير الأعظم فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات كما ~~في المسند وغيره عن أم هانئ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا إله إلا ~~الله لا تترك ذنبا ولا يسبقها عمل وفي المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن ~~الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ارفعوا أيديكم وقولوا لا ~~إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ~~ثم قال الحمد لله اللهم بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني الجنة ~~عليها وإنك لاتخلف الميعاد ثم قال أبشروا فإن الله قد غفر لكم قال الشبلي ~~من ركن إلى الدنيا أحرقته بنارها فصار رمادا تذوره الرياح ومن ركن إلى ~~الآخرة أحرقته بنورها فصار ذهبا أحمر ينتفع به ومن ركن إلى الله أحرقه نور ~~التوحيد ms549 فصار جوهرا لا قيمة له إذا علقت نار المحبة بالقلب أحرقت منه كل ~~شيء ما سوي الرب عز وجل فطهر القلب حينئذ من الأغيار وصلح غرسا للتوحيد ~~ماوسعني سمائي ولاأرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن غصني الشوق إليهم بريقي ~~وا حريقي في الهوي وا حريقي قد رماني الحب في لج بحر فخذوا بالله كف الغريق ~~حل عندي حبكم في شغافي حل مني كل عهد وثيق فهذا آخر ما ذكره الشيخ رحمه ~~الله تعالى من الأحاديث في هذا الكتاب ونحن بعون الله ومشيئته نذكر تتمة ~~الخمسين حديثا من الأحاديث الجامعة لأنواع العلوم والآداب والحكم الموعود ~~بها في أول الكتاب والله الموفق للصواب وهو حسبنا ونعم الوكيل وإليه المآب # | 1 ( الحديث الثالث والأربعون ) 1 # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحقوا ~~الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولي رجل ذكر خرجه البخاري ومسلم ~~PageV01P398 هذا الحديث الذي زعم بعض شراح هذه الأربعين أن الشيخ رحمه الله ~~تعالى أغفله فإنه مشتمل على أحكام المواريث وجامع لها وهذا الحديث خرجاه من ~~رواية وهيب وروح ابن القاسم عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس وخرجه مسلم من ~~رواية معمر ويحيى ابن أيوب عن ابن طاوس أيضا وقد رواه الثوري وابن عيينة ~~وابن جريج وغيرهم عن ابن طاوس عن أبيه مرسلا من غير ذكر ابن عباس ورجح ~~النسائي إرساله وقد اختلف العلماء في معنى قوله ألحقوا الفرائض بأهلها ~~فقالت طائفة المراد بالفرائض الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى والمراد ~~أعطوا الفرائض المقدرة لمن سماها الله لهم فما بقي بعد هذه الفروض فيستحقه ~~أولي الرجال والمراد بالأولي الأقرب كما يقال هذا يلي هذا أي يقرب منه ~~فأقرب الرجال هو أقرب العصبات فيستحق الباقي بالتعصيب وبهذا المعنى فسر ~~الحديث جماعة من الأئمة منهم الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه نقله عنهما ~~إسحاق بن منصور وعلي هذا فإذا اجتمع بنت وأخت وعم وابن عم أو ابن أخ فينبغي ~~أن يأخذ الباقي بعد نصف ms550 البنت العصبة وهذا قول ابن عباس وكان يتمسك بهذا ~~الحديث ويقر بأن الناس كلهم على خلافه وذهبت الظاهرية إلى قوله أيضا وقال ~~إسحاق إذا كان مع البنت والأخت عصبة فالعصبة أولي وإن لم يكن معها أحد ~~فالأخت لها الباقي وحكي عن ابن مسعود أنه قال البنت عصبة PageV01P399 من ~~لاعصبة له ورد بعضهم هذا وقال لا يصح عن ابن مسعود وكان ابن الزبير ومسروق ~~يقولان بقول ابن عباس ثم رجعا عنه وذهب جمهور العلماء إلى أن الأخت مع ~~البنت عصبة لها مافضل منهم عمر و على وعائشة وزيد وابن مسعود ومعاذ بن جبل ~~وتابعهم سائر العلماء وروى عبد الرزاق أنبأنا ابن جريج سألت ابن طاوس عن ~~ابنة أخت فقال كان أبي يذكر عن ابن عباس عن رجل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيها شيئا وكان طاوس لا يرضي بذلك الرجل قال وكان أبي يشك فيها ولا ~~يقول شيئا وقد كان يسئل عنها والظاهر والله أعلم أن مراد طاوس هو هذا ~~الحديث فإن ابن عباس لم يكن عنده نص صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~ميراث الأخت البنت إنما كان يتمسك بمثل عموم هذا الحديث وما ذكر طاوس أن ~~ابن عباس رواه عن رجل وأنه لا يرضاه فابن عباس أكثر رواياته للحديث عن ~~الصحابة والصحابة كلهم عدول قد رضي الله عنهم وأثني عليهم فلا عبرة بعد ذلك ~~بعدم رضا طاوس وفي صحيح البخاري عن أبي قيس الأودي عن هرقل بن شرحبيل قال ~~جاء رجل إلى أبي موسي فسأله عن ابنة وابنة ابن وأخت لأب وأم فقال للابنة ~~النصف وللأخت ما بقي ائت ابن مسعود فسيتابعني فأتي ابن مسعود فذكر ذلك له ~~فقال لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للابنة النصف ولابنه الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي ~~فللأخت قال فأتينا أبا موسي فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال لا تسألوني مادام ~~هذا الحبر فيكم وفيه أيضا عن الأعمش عن إبراهيم ms551 عن الأسود بن يزيد قال قضي ~~فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النصف للابنة ~~والنصف للأخت ثم ترك الأعمش ذكر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~يذكره وخرجه أبو داود من وجه آخر عن الأسود وزاد فيه ونبي الله صلى الله ~~عليه وسلم يومئذ حي واستدل ابن عباس لقوله بقول الله عز وجل قل الله يفتيكم ~~في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك النساء وكان ~~يقول أأنتم أعلم أم الله يعني أن الله لم يجعل لها النصف إلا مع عدم الولد ~~وأنتم تجعلون لها النصف مع الولد وهو البنت والصواب قول عمر والجمهور ولا ~~دلالة في هذه الآية على خلاف ذلك لأن المراد بقوله فلها نصف ما ترك بالفرض ~~وهذا مشروط بعدم الولد بالكلية ولهذا قال بعده فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك النساء يعني بالفرض والأخت الواحدة إنما تأخذ النصف مع عدم ~~وجود الولد الذكر والأنثي فكذلك الأختان فصاعدا إنما يستحقون الثلثين مع ~~عدم وجود الولد الذكر والأنثي فإن كان هناك ولد فإن كان ذكرا فهو مقدم على ~~الإخوة مطلقا ذكورهم وإناثهم وإن لم يكن هناك ولد ذكر بل أنثي فالباقي بعد ~~فرضها يستحقه الأخ مع أخته بالاتفاق فإذا كانت الأخت لا يسقطها أخوها فكيف ~~يسقطها من هو أبعد منه من العصبات كالعم وابنه وإذا لم يكن العصبة الأبعد ~~مسقطا لها فيتعين PageV01P400 تقديمها عليه لامتناع مشاركته لها فمفهو م ~~الآية أن الولد يمنع أن يكون للأخت النصف بالفرض وهو حق ليس مفهومها أن ~~الأخت تسقط بالبنت ولا تأخذ ما فضل من ميراثها يدل عليه قوله تعالى وهو ~~يرثها إن لم يكن لها ولد النساء وقد أجمعت الأمة على أن الولد الأنثي لا ~~يمنع الأخ أن يرث من مال أخته ما فضل عن البنت أو البنات وإنما وجود الولد ~~الأثني يمنع أن يحوز الأخ ميراث أخته كله فكما أن الولد إن كان ذكرا منع ms552 ~~الأخ من الميراث فإن كان أنثي لم يمنعه الفاضل عن ميراثها وإن منعه حيازة ~~الميراث فكذلك الولد إن كان ذكرا منع الأخت الميراث بالكلية وإن كان أنثي ~~منعت الأخت أن يفرض لها النصف ولم يمنعها أن تأخذ ما فضل عن فرضها والله ~~أعلم وأما قوله فما أبقت الفرائض فلأولي رجل ذكر فقد قيل أن المراد به ~~العصبة البعيد خاصة كبني والأعمام وبنيهم دون العصبة القريب بدليل أن ~~الباقي بعد الفروض يشترك فيه الذكروالأنثي إذا كان العصبة قريبا كالأولاد ~~والإخوة بالاتفاق فكذلك الأخت مع البنت بالنص الدال عليه وأيضا فإنه يخص ~~منه الصورة بالاتفاق وكذلك يخص منه المعتقة مولاة النعمة بالاتفاق فتخص منه ~~صورة الأخت مع البنت بالنص وقالت طائفة أخرى المراد بقوله ألحقوا الفرائض ~~بأهلها ما يستحقه ذوو الفروض في الجملة سواء أخذوه بفرض أو تعصيب طرأ لهم ~~والمراد بقوله فما بقي فلأولي رجل ذكر العصبة الذي ليس له فرض بحال ويدل ~~عليه أنه قد روى الحديث بلفظ آخر وهو اقسموا المال بين أهل الفرائض على ~~كتاب الله فدخل في ذلك كل من كان من أهل الفروض بوجه من الوجوه وعلي هذا ~~فما تأخذه الأخت مع أخيها أو ابن عمها إذا عصبها هو داخل في هذه القسمة ~~لأنها من أهل الفرائض في الجملة فكذلك ما تأخذه الأخت مع البنت وقالت فرقة ~~أخرى المراد بأهل الفرائض في قوله ألحقوا الفرائض بأهلها وقوله اقسموا ~~المال بين أهل الفرائض جملة من سماه الله في كتابه من أهل المواريث من ذوي ~~الفروض والعصبات كلهم فإن كل ما يأخذه الورثة فهو فرض فرضه الله لهم سواء ~~كان مقدرا أو غير مقدر كما قال بعد ذكر ميراث الوالدين والأولاد فريضة من ~~الله النساء وفيهم ذو فرض وعصبة وكما قال للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر ~~نصيبا مفروضا النساء وهذا يشمل العصبات وذوي الفروض فذلك قوله اقسموا ~~الفرائض بين أهلها على كتاب الله يشمل قسمته بين ms553 ذوي الفروض والعصبات على ~~مافي كتاب الله فإن قسم على ذلك فضل منه شيء فنخص بالفاضل أقرب الذكور من ~~الورثة ولذلك إن لم يوجد في كتاب الله تصريح بقسمته بين من سماه الله من ~~الورثة فيكون المال حينئذ لأولي رجل ذكر منهم فهذا الحديث مبين لكيفية قسمة ~~المواريث المذكورة في كتاب الله بين أهلها ومبين لقسمة ما فضل من المال عن ~~تلك القسمة مما لم يصرح به القرآن من أحوال أولئك الورثة PageV01P401 ~~وأقسامهم ومبين أيضا لكيفية توريث بقية العصبات الذين لم يصرح بتسميتهم في ~~القرآن فإذا ضم هذا الحديث إلى آيات القرآن انتظم ذلك كله معرفة قسمة ~~المواريث بين جميع ذوي الفروض والعصبات ونحن نذكر حكم توريث الأولاد ~~والوالدين كما ذكره الله تعالى في أول سورة النساء حكم توريث الإخوة من ~~الأبوين أو من الأب كما ذكره الله تعالى في آخر السورة المذكورة فأما ~~الأولي فقد قال الله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ~~النساء فهذا حكم اجتماع ذكورهم وإناثهم أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين يدخل ~~في ذلك الأولاد وأولاد البنين باتفاق العلماء فمتي اجتمع من الأولاد إخوة ~~وأخوات اقتسموا الميراث على هذا الوجه عند الأكثرين فلو كان هناك بنت للصلب ~~أو ابنتان وكان هناك ابن ابن مع أخته اقتسما الباقي أثلاثا لدخولهم في هذا ~~العموم هذا قول جمهور العلماء منهم عمر رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه ~~وزيد رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنه وذهب إليه عامة العلماء والأئمة ~~الأربعة وذهب ابن مسعود إلى أن الباقي بعد استكمال بنات الصلب الثلثين كله ~~لابن ابن ولا يعصب أخته وهو قول علقمة وأبي ثور وأهل الظاهر فلا يعصب الولد ~~عندهم أخته إلا أن يكون لها فريضة لو انفردت عنه وكذلك قالوا فيما إذا كان ~~هناك بنت وأولاد ابن ذكور وإناث أن الباقي لجميع ولد الابن للذكر مثل حظ ~~الأنثيين وقال ابن مسعود في بنت وبنات ابن وبني ابن للبنت النصف والباقي ~~بين ولد الابن ms554 للذكر مثل حظ الأنثيين إلا أن تزيد المقاسمة بنات الابن على ~~السدس فيفرض لهن السدس ويجعل الباقي لبني الابن وهذا قول أبي ذر وأما ~~الجمهور فقالوا النصف الباقي لولد الابن للذكر مثل حظ الأنثيين عملا بعموم ~~الآية وعندهم أن الولد وإن ترك يعصب من في درجته بكل حال سواء كان للأنثي ~~فرض بدونه أو لم يكن لايعصب من هو أعلي منه من الإناث إلا بشرط أن لا يكون ~~له فرض بدونه ولا يعصب من أسفل منه بكل حال ثم قال تعالى فإن كن نساء فوق ~~اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف فهذا حكم انفراد الإناث ~~من الأولاد أن للواحدة النصف و لما فوق الأنثيين الثلثان ويدخل في ذلك بنات ~~الصلب وبنات الابن عند عدمهن فإن اجتمعن فإن استكمل بنات الصلب الثلثين فلا ~~شيء لبنات الابن المنفردات وإن لم يستكمل البنات الثلثين بل كان ولد الصلب ~~بنتا واحدة ومعها بنات ابن فللبنت النصف ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين ~~لئلا يزيد فرض البنات على الثلثين وبهذا قضي النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حديث ابن مسعود الذي تقدم ذكره وهو قول عامة العلماء إلا ما روى عن ابن ~~مسعود وسلمان بن ربيعة أنه لا شيء لبنات الابن وقد رجع أبو موسي إلى قوله ~~ابن مسعود لما بلغه قوله في ذلك وإنما أشكل على العلماء حكم ميراث البنتين ~~فإن لهما الثلثين بالإجماع كما حكاه ابن المنذر وغيره وما حكي فيه عن ابن ~~عباس أن لهما النصف فقد قيل إن إسناده لا يصح والقرآن يدل على PageV01P402 ~~خلافه حيث قال وإن كانت واحدة فلها النصف فكيف تورث أكثر من واحدة النصف ~~وحديث ابن مسعود في توريث البنت النصف وبنت الابن السدس تكملة الثلثين يدل ~~على توريث البنت الثلثين بطريق الأولي وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذى ~~من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه و آله وسلم ورث ابنتي سعد بن الربيع ~~الثلثين ولكن أشكل فهم ذلك من القرآن لقوله تعالى ms555 فإن كن نساء فوق اثنتين ~~النساء فلهذا اضطربت الناس في هذا وقال كثير من الناس فيه أقوالا متعددة ~~ومنهم من قال استفيد حكم ميراث الابنتين من ميراث الأختين فإنه قال تعالى ~~فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك النساء واستفيد حكم ميراث أكثر من ~~الأختين من حكم ميراث ما فوق الاثنتين ومنهم من قال البنت مع أخيها لها ~~الثلث بنص القرآن فلأن يكون لها الثلث مع أختها أولي وسلك بعضهم مسلكا آخر ~~وهو أن الله تعالى ذكر حكم توريث اجتماع الذكور والإناث من الأولاد وذكر ~~حكم توريث الإناث إذا انفردن عن الذكور ولم ينص على حكم انفراد الذكور منهم ~~عن الإناث وجعل حكم الاجتماع أن الذكر له مثل حظ الأنثتين فإن اجتمع مع ~~الابن ابنتان فصاعدا فله مثل نصيب اثنتين منهن وإن لم يكن معه إلا ابنة ~~واحدة فله الثلثان ولها الثلث وقد سمي الله ما يستحقه الذكر حظ الانثيين ~~مطلقا وليس الثلثان حظ الأنثيين في حال اجتماعهما مع الذكر لأن حظهما حينئذ ~~النصف فتعين أن يكون الثلثان حظهما حال الانفراد وبقي هاهنا قسم ثالث لم ~~يصرح القرآن بذكره وهو حكم انفراد الذكور من الولد وهذا مما يمكن إدخاله في ~~حديث ابن عباس فما بقي فلأولي رجل ذكر فإن هذا القسم قد بقي ولم يصرح بحكمه ~~في القرآن فيكون المال حينئذ لأقرب الذكور من الولد والأمر على هذا فإنه لو ~~اجتمع ابن وابن الابن لكان المال كله للابن ولو كان ابن ابن وابن ابن ابن ~~لكان المال كله لابن الابن على مقتضي حديث ابن عباس رضي الله عنهما والله ~~أعلم ثم ذكر تعالى حكم ميراث الأبوين فقال ولأبويه لكل واحد منهما السدس ~~مما ترك إن كان له ولد النساء فهذا حكم ميراث الأبوين إذا كان الولد ~~المتوفي ولدا وسواء في الولد الذكر والأنثي وسواء فيه ولد الصلب وولد الابن ~~هذا كالإجماع من العلماء وقد حكي بعضهم عن مجاهد خلافا فيه فمتي كان للميت ~~ولد أو ولد ابن وله أبوان فلكل ms556 واحد من أبويه السدس فرضا ثم إن كان الولد ~~ذكرا فالباقي بعد سدس الأبوين له وربما دخل هذا في قوله صلى الله عليه وسلم ~~ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولي رجل ذكر وأقرب العصبات الابن وإن كان ~~الولد أنثي فإن كانتا اثنتين فصاعدا فالثلثان لهن ولا يفضل من المال شيء ~~وإن كانت بنتا واحدة فلها النصف ويفضل من المال سدس آخر فيأخذه الأب ~~بالتعصيب عملا بقوله صلى الله عليه وسلم ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي ~~فلأولي رجل ذكر فهو أولي رجل ذكر عند فقد الابن إذ هو أقرب من الأخ وابنه ~~والعم وابنه ثم قال تعالى فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ~~PageV01P403 النساء يعني إذا لم يكن للميت ولد وله أبوان يرثانه فلأمه ~~الثلث فيفهم من ذلك أن الباقي بعد الثلث للأب لأنه أثبت ميراثه لأبويه وخص ~~الأم من الميراث بالثلث فعلم أن الباقي للأب ولم يقل فللأب مثلا ما للأم ~~لئلا يوهم أن اقتسامهما المال هو بالتعصيب كالأولاد والأخوة إذا كان فيهم ~~ذكور وإناث وكان ابن عباس يتمسك بهذه الآية بقوله في المسألتين الملقبتين ~~بالعمريتين وهما زوجة وأبوان فإن عمر قضي أن الزوجين يأخذان فرضهما من ~~المال وما بقي فرضهما في المسئلتين فللأم ثلث والباقي للأب وتابعه على ذلك ~~جمهور الأمة وقال ابن عباس بل للأم الثلث كاملا تمسكا بقوله تعالى فإن لم ~~يكن له ولد و ورثة أبواه فلأمه الثلث النساء وقد قيل في جواب هذا إن الله ~~إنما جعل للأم الثلث بشرطين أحدهما أن لا يكون للولد المتوفي ولد والثاني ~~أن يرثه أبواه أي أن ينفرد أبواه بميراثه فما لم ينفرد أبواه بميراثه فلا ~~تستحق الأم الثلث وإن لم يكن للمتوفي ولد وقد يقال وهو أحسن إن قوله وورثه ~~أبواه فلأمه الثلث أي مما ورثه الأبوان ولم يقل فلأمه الثلث مما ترك كما ~~قال في السدس فالمعنى أنه إذا لم يكن له ولد وكان لأبويه من ماله ميراث ~~فللأم ثلث ذلك الميراث الذي يختص ms557 به الأبوان ويبقي الباقي للأب ولهذا السر ~~والله أعلم حيث ذكر الله الفروض المقدرة لأهلها قال فيها مما ترك أو ما يدل ~~على ذلك كقوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء ليبين أن ذا الفرض ~~حقه ذلك الجزء المفروض المقدر له من جميع المال بعد الوصايا والديون وحيث ~~ذكر ميراث العصبات أو ما يقتسمه الذكور والإناث على وجه التعصيب كالأولاد ~~والإخوة لم يقيده بشيء من ذلك ليبين أن المال المقتسم بالتعصيب ليس هو ~~المال كله بل تارة يكون جميع المال وتارة يكون هو الفاضل عن الفروض ~~المفروضة المقدرة وهنا لما ذكر ميراث الأبوين من ولدهما الذي لا ولد له ولم ~~يكن اقتسامهما المال بالفرض المحض كما في ميراثهما مع الولد ولاكان ~~بالتعصيب المحض الذي يعصب فيه الذكر والأنثي ويأخذ مثلي ما تأخذه الأنثي بل ~~كانت الأم تأخذ ما تأخذه بالفرض والأب يأخذ ما يأخذه بالتعصيب قال وورثه ~~أبواه فلأمه الثلث النساء يعني أن القدر الذي يستحقه الأبوان من ميراثه ~~تأخذ الأم ثلثه فرضا والباقي يأخذه الأب بالتعصيب وهذا مما فتح الله به ولا ~~أعلم أحدا سبق إليه ولله الحمد والمنة ثم قال تعالى فإن كان له إخوة فللأمه ~~السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء يعني للأم السدس مع الأخوة من ~~جميع التركة الموروثة التي تقسمها الورثة ولم يذكر هنا ميراث الأب مع الأم ~~ولا شك أنه إذا اجتمع أم وإخوة ليس معهم أب فإن للأم السدس والباقي للإخوة ~~ويحجبها الأخوان فصاعدا عند الجمهور وأما إن كان مع الأم والإخوة أب فقال ~~الأكثرون يحجب الإخوة الأب ولا يرثون وروى عن ابن عباس أنهم يرثون السدس ~~الذي حجبوا عنه الأم بالفرض كما يرث ولد الأم مع الأم بالفرض وقد قيل إن ~~هذا مبني على قوله إن PageV01P404 الكلالة من لا ولد له خاصة ولا يشترط ~~للكلالة فقد الوالد فيرث الإخوة مع الأب بالفرض ومن العلماء المتأخرين من ~~قال إذا كان الإخوة محجوبين بالأب فلا يحجبون الأم عن ms558 شيء بل لها حينئذ ~~الثلث ورجحه الإمام أبو العباس بن تيمية وقد يؤخذ من عموم قول عمر وغيره من ~~السلف من لا يرث عولا لا يحجب وقد قال نحوه أحمد الخرقي لكن أكثر العلماء ~~يحملون ذلك على أن المراد من ليس له أهلية بالكلية كالكافر والرقيق دون من ~~لايرث لإحجابه بمن هو أقرب منه والله أعلم وقد يشهد للقول بأن الإخوة إذا ~~كانوا محجوبين لا يحجبون الأم أن الله تعالى قال فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس النساء ولم يذكر الأب فدل على أن ذلك حكم انفراد الأم مع الإخوة ~~فيكون الباقي بعد السدس كله لهم وهذا ضعيف فإن الإخوة قد يكونون من أم فلا ~~يكون لهم سوي الثلث والله أعلم اعلم أن الله تعالى ذكر حكم ميراث الأبوين ~~ولم يذكر الجد ولا الجدة فأما الجدة فقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~وعمر بن الخطاب رضي الله عنه إنه ليس لهما في كتاب الله شيء وقد حكي بعض ~~العلماء الإجماع على ذلك وأن فرضها إنما ثبت بالسنة وقيل إن السدس طعمة ~~أطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بفرض كذا روى عن ابن مسعود وسعيد ~~بن المسيب وقد روى عن ابن عباس من وجوه فيها ضعف أنها بمنزلة الأم عند فقد ~~الأم ترث ميراث الأم فترث الثلث تارة والسدس أخرى وهذا شذوذ ولا يصح إلحاق ~~الجدة بالجد لأن الجد عصبة يدلي بعصبة والجدة ذات فرض تدلي بذات فرض فضعفت ~~وقد قيل إنه ليس لها فرض بالكلية وإنما السدس طعمة أطعمها النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولهذا قالت طائفة ممن يري الرد على ذوي الفروض إنه لا يرد على ~~الجدة لضعف فرضها وهو رواية عن أحمد وأما الجد فاتفق العلماء على أنه يقوم ~~مقام الأب في أحواله المذكورة من قبل فيرث مع الولد السدس بالفرض ومع عدم ~~الولد يرث بالتعصيب وإن بقي شيء مع إناث الولد أخذه بالتعصيب أيضا عملا ~~بقوله فما أبقت الفرائض فلأولي رجل ذكر ولكن ms559 اختلفوا إذا اجتمع أم وجد مع ~~أحد الزوجين فروى عن طائفة من الصحابة أن للأم ثلث الباقي كما لو كان معها ~~الأب كما سبق وروى ذلك عن عمر وابن مسعمود كذا نقله بعضهم ومنهم من قال ~~إنما روى عن عمر وابن مسعود في زوج وأم وجد أن للأم ثلث الباقي وروى عن ابن ~~مسعود رواية أخرى أن النصف الفاضل بين الجد والأم نصفان وأما في زوجة وأم ~~وجد فروى عن ابن مسعود رواية شاذة إن للأم ثلث الباقي والصحيح عنه كقول ~~الجمهور إن لها الثلث كاملا وهذا يشبه تفريق ابن سيرين في الأم مع الأب أنه ~~إن كان معهما زوج للأم الثلث وجمهور العلماء على أن الأم لها الثلث مع الجد ~~مطلقا وهو قول على وزيد وابن عباس والفرق PageV01P405 بين الأم مع الأب ~~والجد أنها مع الأب شملها اسم واحد وهما في القرب سواء إلى الميت فيأخذ ~~الذكر منهما مثل حظ الأنثيين كالأولاد والإخوة وأما الأم مع الجد فليس ~~يشملها اسم واحد والجد أبعد من الأب فلا يلزم مساواته به في ذلك وأما إن ~~اجتمع الجد مع الإخوة فإن كانوا لأم سقطوا به لأنهم إنما يرثون من الكلالة ~~والكلالة من لا ولد له ولا والد إلا رواية شذت عن ابن عباس وأما إن كانوا ~~لأب أو لأبوين فقد اختلف العلماء في حكم ميراثهم قديما وحديثا فمنهم من ~~أسقط الإخوة بالجد مطلقا كما أسقطوه بالأب وهذا قول الصديق رضي الله عنه ~~ومعاذ وابن عباس وغيرهم واستدلوا بأن الجد أب في كتاب الله عز وجل فيدخل في ~~مسمي الأب في المواريث كما أن ولد الولد ولد ويدخل في مسمي الولد عند عدم ~~الولد بالاتفاق وبأن الإخوة إنما يرثون مع الكلالة فيحجبهم الجد كالإخوة من ~~الأب وبأن الجد أقوي من الإخوة لاجتماع الفرض والتعصيب له من جهة واحدة فهو ~~كالأب وحينئذ فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم فما بقي فلأولي رجل ~~ذكر ومنهم من شرك بين الإخوة والجد وهو قول كثير ms560 من الصحابة وأكثر الفقهاء ~~بعدهم على اختلاف طويل بينهم في كيفية التشريك بينهم في الميراث وكان من ~~السلف من يتوقف في حكمهم ولا يجيب فيهم بشيء لاشتباه أمرهم وإشكاله ولولا ~~خشية الإطالة لبسطت القول في هذه المسئلة ولكن ذلك يؤدي إلى الإطالة جدا ~~وأما حكم ميراث الإخوة للأبوين أو للأب فقد ذكره الله تعالى في آخر سورة ~~النساء في قوله تعالى يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس ~~له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك والكلالة مأخوذة من تكلل النسب وإحاطته ~~بالميت وذلك يقتضي انتفاء الانتساب مطلقا من العمودين الأعلي والأسفل ~~وتنصيصه سبحانه وتعالى على انتفاء الوالد تنبيه على انتفاء الولد بطريق ~~الأولي لأن انتساب الولد إلى والده أظهر من انتسابه إلى ولده فإن ذكر عدم ~~الولد تنبيها على عدم الوالد بطريق الأولي وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه الكلالة من لا ولد له ولا والد وتابعه جمهور الصحابة والعلماء بعدهم ~~وقد روى ذلك مرفوعا من مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وخرجه أبو داود في المراسيل وخرجه الحاكم من رواية عن أبي سلمة ~~عن أبي هريرة مرفوعا وصححه ووصله بذكر أبي هريرة ضعيف فقوله إن امرؤ هلك ~~ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك النساء يعني إذا لم يكن للميت ولد ~~بالكلية لا ذكر ولا أنثي فللأخت حينئذ النصف مما ترك فرضا ومفهوم هذا أنه ~~إذا كان له ولد فليس للأخت النصف فرضا ثم إن كان الولد ذكرا فهو أولي ~~بالمال كله لما سبق تقريره في ميراث الأولاد الذكور إذا انفردوا فإنهم أقرب ~~العصبات وهم يسقطون الإخوة فكيف لا يسقطون الأخوات وأيضا فقد قال تعالى وإن ~~كانوا أخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين النساء وهذا يدخل فيه ما ~~إذا كان هناك ذو فرض كالبنات وغيرهن PageV01P406 فإذا استحق الفاضل ذكور ~~الإخوة مع الأخوات فإذا انفردوا فكذلك يستحقونه وأولي وإن كان الولد أنثي ~~فليس للأخت هنا ms561 النصف بالفرض ولكن لها الباقي بالتعصيب عند جمهور العلماء ~~وقد سبق ذكر ذلك والاختلاف فيه فلو كان هناك ابن لا يستوعب المال كله وأخت ~~مثل ابن نصفه حر عند من يورثه نصف الميراث وهو مذهب الإمام أحمد وغيره من ~~العلماء فهل يقال إن الابن هنا يسقط نصف فرض الأخت فترث معه الربع فرضا أم ~~يقال أنه يصير كالبنت فتصير الأخت معه عصبة كما يصير مع الأخت لكنه يسقط ~~نصف تعصيبها وتأخذ معه النصف الباقي بالتعصيب هذا محتمل وفي هذه المسألة ~~لأصحابنا وجهان وقوله تعالى وهو يرثها إن لم يكن لها ولد النساء يعني أن ~~الأخ يستقل بميراث أخته إذا لم يكن لها ولد ذكر أو أنثي فإن كان لها ولد ~~ذكر فهو أولي من الأخ بغير إشكال فإنه أولي رجل ذكر وإن كان أنثي فالباقي ~~بعد فرضها يكون للأخ لأنه أولي رجل ذكر لكن لا يستقل بميراثها حينئذ لأنه ~~كما إذا لم يكن لها ولد وقوله تعالى وإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ~~ترك النساء يعني أن فرض البنتين الثلثان كما أن فرض الواحدة النصف فهذا كله ~~في حكم انفراد الإخوة والأخوات وأما حكم اجتماعهم فقد قال تعالى وإن كانوا ~~إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين النساء فدخل في ذلك ما إذا كانوا ~~منفردين وأما إذا كان هناك ذو فرض من الأولاد أو غيرهم كأحد الزوجين أو ~~الأم أو الإخوة من الأم فيكون الفاضل عن فروضهم للأخوة والأخوات بينهم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين فقد تبين بما ذكرناه أن وجود الولد إنما يسقط فرض ~~الأخوات من الأبوين أو الأب ولا يسقط توريثهن بالتعصيب مع أخواتهن بالإجماع ~~ولا يعصبهن بانفرادهن مع البنات عند الجمهور فالكلالة شرط لثبوت فرض ~~الأخوات لا لثبوت ميراثهن كما أنه ليس بشرط لميراث ذكورهم بالإجماع وهذا ~~بخلاف ولد الأم فإن انتفاء الكلالة أسقطت فروضهم وإذا أسقطت فروضهم سقطت ~~مواريثهم لأنه لا تعصيب لهم بحال لإدلائهم بأنثي وللأخوات للأبوين أو للأب ~~يدلون بذكر فيرثان بالتعصيب مع أخواتهن بالاتفاق ms562 وبانفرادهن مع البنات عند ~~الجمهور وإذا كان الولد مسقطا لفرض ولد الأبوين أو للأب دون أصل توريثهم ~~بغير الفرض فقد يقال إن الله تعالى إنما خص انتفاء الولد في قوله ليس له ~~ولد النساء ولم يذكر انتفاء الوالد والأب لأنه كان يدخل فيه الجد والجد لا ~~يسقط الميراث الإخوة بالكلية وإنما يشتركون معه في ميراث تارة بالفرض وتارة ~~بغيره وهذا على قول من يقول إن الجد لا يسقط الإخوة وهم الجمهور ظاهر وهذا ~~كله في انفراد ولد الأبوين والأب فإن اجتمعوا فإن العصبات ولد الأبوين ~~يسقطون ولد الأب كلهم بغير خلاف حتى في الأخت من الأبوين مع البنت عند من ~~يجعلها عصبة يسقط بها الأخ من الأبوين وفي المسند والترمذى وابن ماجه عن ~~على رضي الله عنه قال قضي رسول الله صلس الله عليه وآله وسلم أن أعيان بني ~~الأم يرثون دون بني العلات يرث الرجل أخاه PageV01P407 لأبيه وأمه دون أخيه ~~لأبيه وقال عمرو بن شعيب قضي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأخ للأب ~~والأم أولي الكلالة بالميراث ثم الأخ للأب وهذا أيضا مما يدخل في قوله عليه ~~الصلاة والسلام فما بقي فلأولي رجل ذكر والتحقيق في ذلك أن كل ما دل عليه ~~القرآن ولو بالتنبيه فليس هو مما أبقته الفرائض بل هو من إلحاق الفرائض ~~المذكورة في القرآن بأهلها كتوريث الأولاد ذكورهم وإناثهم الفاضل عن الفروض ~~للذكر مثل حظ الأنثيين وتوريث الإخوة ذكورهم وإناثهم كذلك ودل ذلك بطريق ~~التنبيه على أن الباقي يأخذه الذكر منهم عند الانفراد بطريق الأولي ودل ~~أيضا بالتنبيه عليه أن الأخت تأخذ الباقي مع البنت كما كانت تأخذه مع أخيها ~~ولا يقدم عليها من هو أبعد منه كابن الأخ والعم وابنه فإن أخاها إذا لم ~~يسقطها فكيف يسقطها من هو أبعد منه فهذا كله من باب إلحاق الفرائض بأهلها ~~ومن باب قسمة المال بين أهل الفرائض على كتاب الله وأما من لم يذكر باسمه ~~من العصبات في القرآن كابن الأخ والعم وابنه فإنما ms563 دخل في عمومات مثله قوله ~~تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولي ببعض في كتاب الله الأنفال وقوله ولكل ~~جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون النساء فهذا يحتاج في توريثهم إلى ~~هذا الحديث أعني حديث ابن عباس فإذا لم يوجد للمال وارث غيرهم انفردوا به ~~ويقدم منهم الأقرب فالأقرب لأنه أولي رجل ذكر وإن وجدت فروض لا تستغرق ~~المال كأحد الزوجين أو الأم أو ولد الأم أو بنات منفردات أو أخوات منفردات ~~فالباقي كله لأولي ذكر من هؤلاء ولهذا لو كان هؤلاء إخوة رجالا ونساء لاختص ~~به رجالهم دون نسائهم بخلاف الأولاد والإخوة فإنه يشترك في الباقي أو في ~~المال كله ذكورهم دون إناثهم وهم من عدا الأولاد والإخوة فهذا حكم العصبات ~~المذكورين في كتاب الله تعالى وفي حديث ابن عباس وأما ذوو الفروض فقد ذكرنا ~~حكم مواريثهم ولم يبق منهم إلا الزوجات والإخوة للأم فأما الزوجات فيرثن ~~بسبب عقد النكاح ولما كان بين الزوجين من الألفة والمودة والتناصر والتعاقب ~~ما بين الأقارب جعل ميراثهما كميراث الأقارب وجعل للذكر منهما مثلا ما ~~للأنثي لامتياز الذكر على الأنثي بمزيد النفع بالإنفاق والنصرة وأما ولد ~~الأم فإنهم ليسوا من قبيلة الرجل ولا عشيرته وإنما هم في المعنى من ذوي ~~رحمه ففرض الله لواحدهم السدس ولجماعتهم الثلث صلة وسوي فيه بين ذكورهم ~~وإناثهم حيث لم يكن لذكرهم زيادة على أنثاهم من المعاضدة والمناصرة كمابين ~~أهل القبيلة والعشيرة الواحدة فسوي بينهم في الصلة ولهذا لم تشرع الوصية ~~للأجانب بزيادة على الثلث بل كان الثلث كثيرا في حقهم لأنهم أبعد من ولد ~~الأم فينبغي أن لا يزادوا على ما يوصل به ولد الأم بل ينقصون منه واستدل ~~بعضهم بقوله فما بقي فلأولي رجل ذكر على أنه لا ميراث لذوي الأرحام لأنه لم ~~يجعل حق الميراث لمن لم يذكر في القرآن إلا لأقرب الذكور وهذا الحكم يختص ~~بالعصبات دون ذوي الأرحام فإن من ورث ذوي الأرحام ورث PageV01P408 ذكورهم ~~وإناثهم وأجاز من يري توريث ذوي الأرحام بأن هذا الحديث ms564 دل على توريث ~~العصبات لا على نفي توريث غيرهم وتوريث ذوي الأرحام مأخوذ من أدلة أخرى ~~فيكون ذلك زيادة على ما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما وأما قوله ~~فلأولي رجل ذكر مع أن الرجل لا يكون إلا ذكرا فالجواب الصحيح عنه أنه يطلق ~~الرجل ويراد به الشخص كقوله من وجد ماله عند رجل قد أفلس ولافرق بين أن ~~يجده عند رجل أو امرأة فتقييده بالذكر ينفي هذا الاحتمال وتخلصه للذكر دون ~~الأنثي وهو المقصود وكذلك الابن لما كان قد يطلق ويراد به أعم من الذكر ~~كقوله ابن السبيل جاء تقييد ابن اللبون في نصاب الزكاة بالذكر وللسهيلي ~~كلام على هذا الحديث فيه تكليف وتعسف شديد ولا طائل تحته وقد رده عليه ~~جماعة ممن أدركناهم والله أعلم # | 1 ( الحديث الرابع والأربعون ) 1 # عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرضاعة تحرم ما ~~تحرم الولادة خرجه البخاري ومسلم PageV01P409 هذا الحديث خرجاه في الصحيحين ~~من رواية عمرة عن عائشة وخرجه مسلم أيضا من رواية عروة عن عائشة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وخرجاه أيضا من ~~رواية عروة عن عائشة من قولها وخرجاه من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وخرجه الترمذي من حديث على عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أجمع ~~العلماء على العمل بهذه الأحاديث في الجملة وإن الرضاع يحرم مايحرمه النسب ~~ولنذكر المحرمات من النسب كلهن حتى يعلم بذلك ما يحرم من الرضاع فنقول ~~الولادة والنسب قد يؤثران التحريم في النكاح وهو على قسمين أحدهما تحريم ~~مؤبد على الانفراد وهو نوعان أحدهما ما يحرم بمجرد النسب فيحرم على الرجل ~~أصوله وإن علون وفروعه وإن سفلن وفروع أصله الأدني وإن سفلن فروع أصوله ~~البعيدة دون فروعهن فدخل في أصوله أمهاته وإن علون من جهة أبيه وأمه وفي ~~فروعه بناته وبنات أولاده وإن سفلن وفي فروع أصله الأدني أخواته من الأبوين ~~أو ms565 من أحدهما وبناتهن وبنات الإخوة وأولادهم وإن سفلن ودخل في فروع أصوله ~~البعيدة العمات والخالات وعمات الأبوين وخالاتهما وإن علون فلم يبق من ~~الأقارب حلالا للرجل سوي فروع أصوله البعيدة وهن بنات العم وبنات العمات ~~وبنات الخال وبنات الخالات والنوع الثاني مايحرم من النسب مع سبب آخر وهو ~~المصاهرة فيحرم على الرجل حلائل آبائه وحلائل أبنائه وأمهات نسائه وبنات ~~نسائه PageV01P410 المدخول بهن فيحرم على الرجل أم امرأته وأمهاتها من جهة ~~الأم والأب وإن علون ويحرم عليه بنات امرأته وهن الربائب وبناتهن وإن سفلن ~~وكذلك بنات بني زوجته وهن بنات الربائب نص عليه الشافعي رحمه الله وأحمد ~~رحمه الله ولا يعلم فيه خلاف ويحرم عليه أن يتزوج بامرأة أبيه وإن علا ~~وبامرأة ابنه وإن سفل ودخول هؤلاء في التحريم بالنسب ظاهر لأن تحريمهن من ~~جهة نسب الرجل بسبب المصاهرة وأما أمهات نسائه وبناتهن فتحريمهن مع ~~المصاهرة بسبب نسب المرأة فلم يخرجه التحريم بذلك عن أن يكون بالنسب مع ~~انضمامه إلى سبب المصاهرة فإن التحريم بالسبب المجرد والنسب المضاف إلى ~~المصاهرة يشترك فيه الرجال والنساء فيحرم على المرأة أن تتزوج أصولها وإن ~~علوا وفروعها وإن سفلوا وفروع أصولها الأدني وإن سفلوا من أخواتها وأولاد ~~الإخوة وإن سفلوا وفروع أصولها البعيدة وهم الأعمام والأخوال وإن علوا دون ~~أبنائهم فهذا كله بالنسب المجرد وأما النسب المضاف إلى المصاهرة فيحرم ~~عليها نكاح أبي زوجها وإن علا ونكاح ابنه وإن سفل بمجرد العقد ويحرم عليها ~~زوج ابنتها وإن سفلت بالعقد وزوج أمها وإن علت لكن بشرط الدخول بها والقسم ~~الثاني التحريم المؤبد على الاجتماع دون الانفراد وتحريمه يختص بالرجال ~~لاستحالة إباحة جمع المرأة بين زوجين فكل امرأتين بينهما رحم محرم يحرم ~~الجمع بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكرا لم يجز له التزوج بالأخري فإنه ~~يحرم الجمع بينهما بعقد النكاح قال الشعبي كان أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم يقولون لا يجمع الرجل بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلا لم يصلح له أن ~~يتزوجها وهذا إذا كان ms566 التحريم لأجل النسب وبذلك فسره سفيان الثوري وأكثر ~~العلماء فلو كان لغير النسب مثل أن يجمع بين زوجة رجل وابنته من غيرها فإنه ~~يباح عند الأكثرين وكرهه بعض السلف فإذا علم ما يحرم من النسب وكل ما يحرم ~~منه فإنه يحرم من الرضاع نظيره فيحرم على الرجل أن يتزوج أمهاته من الرضاعة ~~وإن علون وبناته من الرضاعة وإن سفلن وأخواته من الرضاعة وبنات أخواته من ~~الرضاعة وعماته وخالاته من الرضاعة وإن علون دون بناتهن ومعنى هذا أن ~~المرأة إذا أرضعت طفلا الرضاع المعتبر في المدة المعتبرة صارت أما له بنص ~~كتاب الله فتحرم عليه هي وأمهاتها وإن علون من نسب أو رضاع وتصير بناتها ~~كلهن أخوات له من الرضاعة فيحرمن عليه بنص القرآن وبقية التحريم من الرضاعة ~~استفيد من السنة كما استفيد من السنة أن تحريم الجمع لا يختص بالأختين بل ~~المرأة وعمتها والمرأة وخالتها كذلك وإذا كان أولاد المرضعة من نسب أو رضاع ~~إخوة للمرتضع فيحرم عليه بنات إخوته أيضا وقد امتنع النبي صلى الله عليه ~~وسلم من تزويج ابنة عمه حمزة وابنة أبي سلمة وعلل بأن أبو يهما كانا أخوين ~~له من الرضاعة وتحرم عليه أيضا أخوات المرضعة لأنهن خالاته وينتشر التحريم ~~أيضا إلى الفحل صاحب اللبن الذي ارتضع منه الطفل فيصير PageV01P411 صاحب ~~اللبن أبا للطفل وتصير أولاده كلهم من المرضعة أو من غيرها من نسب أو رضاع ~~إخوة للمرتضع وتصير إخوته أعماما للطفل المرتضع وهذا قول الجمهور من السلف ~~وأجمع عليه الأئمة الأربعة ومن بعدهم وقد دل على ذلك من السنة ما روت عائشة ~~رضي الله عنها أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها بعد ما أنزل الحجاب ~~قالت عائشة فقلت والله لا آذن له حتى أستأذن رسول صلى الله عليه وسلم فإن ~~أبا القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأته قالت فلما دخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال ائذني له فإنه عمك تربت يمينك وكان أبو ~~القعيس زوج المرأة التي أرضعت ms567 عائشة رضي الله عنها خرجاه في الصحيحين ~~بمعهناه وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان أرضعت إحداهما جارية والأخري ~~غلاما أيحل للغلام أن يتزوج الجارية فقال لا اللقاح واحد ولو كان اللبن ~~الذي ارتضع به الطفل قد ثاب للمرأة من غير وطئ فحل بأن تكون امرأة لا زوج ~~لها قد ثاب لها لبن أو هي بكر أو آيسة فأكثر العلماء على أنه يحرم الرضاع ~~به وتصير المرضعة أما للطفل قد حكاه ابن المندر إجماعا عمن يحفظ عنه من أهل ~~العلم وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق وغيرهم وذهب الإمام أحمد في ~~المشهور المنصوص عنه إلى أنه لا ينشر التحريم به بحال حتى يكون له فحل يدر ~~اللبن من رضاعه وحكي عن الشافعي قول مثله ولو انقطع نسبه من جهة صاحب اللبن ~~كولد الزنا فهل ينشر الحرمة إلى الزاني صاحب اللبن هذا ينبني على أن البنت ~~من الزنا هل تحرم على الزاني أم لا ومذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك في رواية ~~عنه تحريمها عليه خلافا للشافعي وبالغ الإمام أحمد في الإنكار على من خالف ~~في ذلك فعلي قولهم هل ينشر التحريم إلى الزاني صاحب اللبن فيكون أبا ~~للمرتضع أم لا فيه قولان هما وجهان لأصحابنا واختار ابن حامد أن التحريم لا ~~ينتشر إليه واختار أبو بكر والقاضي أبو يعلي أن التحريم ينتشر إلى الزاني ~~وهو نص أحمد وحكاه عن ابن عباس وهو قول إسحاق بن راهويه نقله عنه حرب ~~وينتشر التحريم بالرضاع إلى ما حرم بالنسب مع الصهر أما من جهة نسب الرجل ~~كامرأة أبية وابنه أو من جهة نسب الزوجة كأمها وابنتها وإلي ماحرم جمعه ~~لأجل نسب المرأة أيضا كالجمع بين الأختين والمرأة وعمتها أو خالتها فيحرم ~~ذلك كله من الرضاع كما يحرم من النسب لدخوله في قوله صلى الله عليه وسلم ~~يحرم من الرضاع مايحرم من النسب ويحرم هذا كله للنسب فبعضه لنسب الزوج ~~وبعضه لنسب الزوجة وقد نص على ذلك أئمة السلف ولايعلم بينهم اختلاف ونص ~~عليه ms568 الإمام أحمد واستدل بعموم قوله يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وأما ~~قوله عز وجل وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم النساء فقالوا لم يرد بذلك ~~أنه لا يحرم حلائل الأبناء من الرضاع إنما أراد إخراج حلائل الذين تبنوا ~~ولم يكونوا أبناء من النسب كما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زوجة زيد بن ~~حارثة بعد أن كان قد PageV01P412 تبناه وهذا التحريم بالرضاع يختص بالمرتضع ~~نفسه وينتشر إلى أولاده ولا ينتشر تحريمه إلى من في درجة المرتضع من إخوته ~~وأخواته ولا إلى من هو أعلي منه من آبائه وأمهاته وأعمامه وعماته وأخواله ~~وخالاته فتباح المرضعة نفسها لأبي المرتضع من النسب ولأخيه وتباح أم ~~المرتضع وأخته منه لأبي المرتضع من الرضاع ولأخيه هذا قوله جمهور العلماء ~~وقالوا يباح أن يتزوج أخت أخته من الرضاعة وأخت ابنته من الرضاعة حتى قال ~~الشعبي هي أحل من ماء قدس وصرح بإباحتها حبيب بن أبي ثابت وأحمد وروى ~~الأشعث عن الحسن أنه كره أن يتزوج الرجل بنت ظئر ابنه ويقول أخت ابنه ولم ~~ير بأسا أن يتزوج أمها يعني ظئر ابنه وروى سليمان التيمي عن الحسن أنه سئل ~~عن رجل يتزوج أخت أخته من الرضاعة فلم يقل فيه شيئا وهذا يقتضي توقفه فيه ~~ولعل الحسن إنما كان يكره ذلك تنزيها لا تحريما لمشابهته للمحرم بالنسب في ~~الاسم وهذا بمجرده لا يوجب تحريما وقد استثني كثير من الفقهاء من أصحابنا ~~وغيرهم مما يحرم من النسب صورتين فقالوا لايحرم نظيرها من الرضاع إحداهما ~~أم الأخت فتحرم من النسب ولاتحرم من الرضاع والثانية أخت الابن فتحرم من ~~النسب دون الرضاع ولاحاجة إلى استثناء هذين ولا أحدهما أما أم الأخت فإنما ~~تحرم من النسب لكونها أما أو زوجة أب لا لمجرد كونها أم أخت فلا يعلق ~~التحريم بما لم يعلقه الله به وحينئذ فيوجد في الرضاع من هي أم أخت ليست ~~أما ولا زوجة أب فلا يحرم لأنها ليست نظيرا لذات النسب وأما أخت الابن فإن ~~الله تعالى إنما ms569 حرم الربيبة المدخول بأمها فتحرم لكونها ربيبة دخل بأمها ~~لا لكونها أخت ابنه والدخول في الرضاع منتف فلا تحرم به أولاد المرضعة ومما ~~قد يدخل في عموم قوله يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب لو ظاهر من امرأته ~~فشبهها بمحرمة من الرضاع فقال لها أنت على كأمي من الرضاع فهل يثبت بذلك ~~تحريم الظهار أم لا فيه قولان أحدهما أنه يثبت به تحريم الظهار وهو قول ~~الجمهور منهم مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والحسن بن صالح وعثمان ~~التيمي وهو المشهور عن أحمد والثاني لا يثبت به التحريم وهو قول الشافعي ~~وتوقف فيه أحمد في رواية ابن منصور الحديث الخامس والأربعون عن جابر رضي ~~الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول إن ~~الله عز وجل ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول ~~الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلي بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها ~~الناس قال لا هو حرام ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك قاتل ~~الله اليهود إن الله حرم عليهم الشحوم فأجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه خرجه ~~البخاري ومسلم PageV01P413 هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من حديث يزيد بن ~~أبي حبيب عن عطاء عن جابر وفي رواية لمسلم أن يزيد قال كتب إلى عطاء فذكره ~~ولهذا قال أبو حاتم الرازي لا أعلم يزيد بن أبي حبيب سمع من عطاء شيئا يعني ~~أنه إنما يروى عنه كتابة وقد رواه أيضا يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد ~~بن عبدة عن عبدالله بن عمر وعن النبي صلى الله عليه وآله بنحوه وفي ~~الصحيحين عن ابن عباس قال بلغ عمر أن رجلا باع خمرا فقال قاتله الله ألم ~~يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قاتل الله اليهود حرمت عليهم ~~الشحوم فجملوها فباعوها وفي رواية وأكلوا أثمانها وخرجه أبو داود من حديث ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وزاد فيه وإن الله ms570 إذا حرم أكل شيء ~~حرم عليهم ثمنه وخرجه ابن أبي شيبة ولفظه إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه ~~وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم قال قاتل ~~الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها وفي الصحيحين عن عائشة ~~قالت لما أنزلت الآيات من آخر سورة البقرة خرج رسول الله PageV01P414 صلى ~~الله عليه وسلم فاقترأهن على الناس ثم نهى عن التجارة في الخمر وفي رواية ~~لمسلم لما نزلت الآية من آخر سورة البقرة في الربا فخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المسجد فحرم التجارة في الخمر وخرجه مسلم من حديث أبي سعيد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية ~~وعنده منها شيء فلا يشرب ولايبع فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق ~~المدينه فسفكوها وخرجه أيضا من حديث ابن عباس أن رجلا أهدي لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم راوية خمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل علمت أن ~~الله قد حرمها قال لا قال فسار إنسانا فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بم ساررته قال أمرته ببيعها قال إن الذي حرم شربها حرم بيعها قال ففتح ~~المزادة حتى ذهب ما فيها فالحاصل من هذه الأحاديث كلها أن ما حرم الله ~~الانتفاع به فإنه يحرم بيعه وأكل ثمنه كما جاء مصرحا به في الرواية ~~المتقدمة إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وهذه كلمة عامة جامعة تطرد في كل ~~ما كان المقصود من الانتفاع به حراما وهو قسمان أحدهما ما كان الانتفاع به ~~حاصلا مع بقاء عينه كالأصنام فإن منفعتها المقصودة منها الشرك بالله وهو ~~أعظم المعاصي على الإطلاق ويلتحق بذلك ما كانت منفعته محرمة ككتب الشرك ~~والسحر والبدع والضلال وكذلك الصور المحرمة وآلات الملاهي المحرمة كالطنبور ~~وكذلك شراء الجواري للغناء وفي المسند عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إن الله بعثني رحمة ms571 وهدي للعالمين وأمرني أن أمحق المزامير ~~والكتارات يعني البرابط والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية ~~وأقسم ربي بعزته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر إلا سقيته مكانها من ~~حميم جهنم معذبا أو مغفورا له ولا يسقاها صبيا صغيرا إلاسقيته مكانها من ~~حميم جهنم معذبا أو مغفورا له ولا يدعها عبد من عبيدي من مخافتي إلا سقيتها ~~إياه في حظيرة القدس ولا يحل بيعهن ولا شراؤهن ولا تعليمهن ولا تجارة فيهن ~~وأثمانهم حرام المغنيات وخرجه الترمذي ولفظه لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ~~ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام وفي مثل ذلك أنزل الله ومن ~~الناس من يشتري لهو الحديث لقمان الآيه وخرجه ابن ماجه أيضا وفي إسناد ~~الحديث مقال وقد روى نحوه من حديث عمر رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه ~~بإسنادين فيهما ضعف أيضا ومن يحرم الغناء كأحمد ومالك فإنهما يقولان إذا ~~بيعت الأمة المغنية تباع على أنها ساذجة ولا يؤخذ لغنائها ثمن ولو كانت ~~الجارية ليتيم ونص ذلك أحمد ولا يمنع الغناء من أصل بيع العبد والأمة لأن ~~الانتفاع به في غير الغناء حاصل بالخدمة وغيرها وهو من أعظم مقاصد الرقيق ~~نعم لو علم أن المشتري لا يشتريه إلا للمنفعة المحرمة منه لم يجز بيعه له ~~عند الإمام أحمد وغيره من العلماء كما لا يجوز بيع العصير ممن يتخذه خمرا ~~ولا بيع السلاح في الفتنة ولا بيع الرياحين والأقداح لمن يعلم أنه ~~PageV01P415 يشرب عليها الخمر والغلام لمن يعلم منه الفاحشة والقسم الثاني ~~ما لا ينتفع به مع إتلاف عينه فإذا كان المقصود الأعظم منه محرما فإنه يحرم ~~بيعه كما يحرم بيع الخنزير والخمر والميتة مع أن في بعضها منافع غير محرمة ~~كأكل الميتة للمضطر ودفع الغصة بالخمر وإطفاء الحريق به والخرز بشعر ~~الخنزير عند قوم والانتفاع بشعره وجلده عند من يري ذلك ولكن لما كانت هذه ~~المنافع غير مقصودة لم يعبأ بها وحرم البيع ولكن المقصود الأعظم من الخنزير ~~والميتة أكلها ومن ms572 الخمر شربها ولم يلتفت إلى ما عدا ذلك وقد أشار صلى الله ~~عليه وسلم إلى هذا المعنى لما قيل له أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلي بها ~~السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام وقد اختلف الناس ~~في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم هو حرام فقالت طائفة أراد أن الانتفاع ~~المذكور بشحوم الميتة حرام وحينئذ يكون ذلك تأكيدا للمنع من بيع الميتة حيث ~~لم يجعل شيئا من الانتفاع بها مباحا وقالت طائفة بل أراد أن بيعها حرام وإن ~~كان قد ينتفع بها لهذه الوجوه لكن المقصود الأعظم من الشحوم هو الأكل ~~ولايباح بيعها لذلك وقد اختلف العلماء في الانتفاع بشحوم الميتة فرخص فيها ~~عطاء وكذلك نقل ابن منصور عن أحمد وإسحقاق إلا أن إسحاق قال إذا احتج إليه ~~وأما إذا وجد عنه مندوحة فلا وقال أحمد يجوز إذا لم يمسه بيده وقالت طائفة ~~لايجوز ذلك وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وحكاه ابن عبد البر إجماعا من ~~غير عطاء وأما الأدهان الطاهرة إذا تنجست بما وقع فيها من النجاسات ففي ~~جواز الانتفاع بها بالاستصباح ونحوه اختلاف مشهور في مذهب الشافعي وأحمد ~~وغيرهما وفيه روايتان عن أحمد وأما بيعها فالأكثرون على أنه لايجوز بيعها ~~وعن أحمد رواية بجواز بيعها من كافر ويعلم نجاستها وهو مروى عن أبي موسي ~~الأشعري ومن أصحابنا من خرج جواز بيعها على جواز الاستصباح وهو ضعيف مخالف ~~لنص أحمد بالتفرقة فإن شحوم الميتة لا يجوز بيعها وإن قيل بجواز الانتفاع ~~بها ومنهم من خرجه على القول بطهارتها بالغسل فيكون حينئذ كالثوب المتضمخ ~~بنجاسة وظاهر كلام أحمد منع بيعها مطلقا لأنه علل بأن الدهن المتنجس فيه ~~ميتة والميتة لا يؤكل ثمنها وأما بقية أجزاء الميتة فما حكم بطهارته منها ~~جاز بيعه لجواز الانتفاع به وهذا كالشعر والقرن عند من يقول بطهارتهما ~~وكذلك الجلد عند من يري أنه طاهر بغير دباغ كما حكي عن الزهري وتبويب ~~البخاري يدل عليه واستدل بقوله إنما حرم من الميتة ms573 أكلها وأما الجمهور ~~الذين يرون نجاسة الجلد قبل الدباغ فأكثرهم منعوا من بيعه حينئذ لأنه جزء ~~من الميتة وشذ بعضهم فأجاز بيعه كالثوب النجس ولكن الثوب طاهر طرأت عليه ~~النجاسة وجلد PageV01P416 الميتة جزء منها وهو نجس العين وقال سالم بن ~~عبدالله بن عمر هل بيع جلود الميتة إلا كأكل لحمها وكرهه طاوس وعكرمة وقال ~~النخعي كانوا يكرهون أن يبيعوها فيأكلون أثمانها وأما إذا دبغت فمن قال ~~بطهارتها بالدبغ أجاز بيعها ومن لم ير طهارتها بذلك لم يجز بيعها ونص أحمد ~~على منع بيع القمح إذا كان فيه بول الحمار حتى يغسله ولعله أراد بيعه ممن ~~لا يعلم بحاله خشية أن يأكله ولا يعلم نجاسته وأما الكلب فقد ثبت في ~~الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~ثمن الكلب وفي صحيح مسلم عن رافع بن خديج سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول شر الكسب مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام وفيه عن معقل الجزري عن ~~أبي الزبير قال سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور فقال زجر النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك وهذا مما يعرف عن ابن لهيعة عن أبي الزبير وقد استنكر ~~الإمام أحمد روايات معقل عن أبي الزبير وقال هي تشبه أحاديث ابن لهيعة وقد ~~تتبع ذلك فوجد كما قاله أحمد رحمه الله وقد اختلف العلماء في بيع الكلب ~~فأكثرهم حرموه منهم الأوزاعي ومالك في المشهور عنه والشافعي وأحمد وإسحاق ~~وغيرهم وقال أبو هريرة هو سحت وقال ابن سيرين هو أخبث الكسب وقال عبد ~~الرحمن بن أبي ليلي ما أبالي ثمن كلب أكلت أو ثمن خنزير وهؤلاء لهم مآخذ ~~أحدها أنه إنما نهى عن بيعها لنجاستها وهؤلاء التزموا تحريم بيع كل نجس ~~العين وهذا قول الشافعي وابن جرير الطبري ووافقهم جماعة من أصحابنا كابن ~~عقيل وغيره التزموا أن البغل والحمار إنما يجيز بيعهما إذا لم نقل ~~بنجاستهما وهذا مخالف للإجماع والثاني أن الكلب لم يبح الانتفاع به ~~واقتناؤه مطلقا كالبغل ms574 والحمار وإنما أبيح اقتناؤه لحاجات مخصوصة وذلك لا ~~يبيح بيعه كما لا يبيح الضرورة إلى الميتة والدم بيعهما وهذا مأخذ طائفة من ~~أصحابنا وغيرهم والثالث أنه إنما نهى عن بيعه لخسته ومهانته فإنه لا قيمة ~~له إلا عند ذوي الشح والمهانة وهو متيسر الوجود فنهي عن أخذ ثمنه ترغيبا في ~~المواساة بما يفضل منه عن الحاجة وهذا مأخذ حسن البصري وغيره من السلف وكذا ~~قال بعض أصحابنا في النهي عن بيع السنور ورخصت طائفة في بيع ما يباح ~~اقتناؤه من الكلاب وككلب الصيد وهو قول عطاء والنخعي وأبي حنيفة رحمه الله ~~تعالى وأصحابه ورواية عن مالك قالوا إنما نهى عن بيع ما يحرم اقتناؤه منها ~~وروى حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن ثمن مكررة الكلب والسنور إلا كلب صيد خرجه النسائي وقال هو حديث منكر ~~قال أيضا ليس بصحيح وذكر الدارقطني إن الصحيح وقفه على جابر وقال أحمد لم ~~يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم رخصة في كلب الصيد وأشار البيهقي وغيره ~~إلى أنه اشتبه على بعض الرواة هذا الاستثناء فظنه من البيع وإنما هو من ~~الاقتناء وحماد بن سلمة في رواياته عن أبي الزبير ليس بالقوي ومن قال إن ~~هذا الحديث على شرط مسلم كما ظنه طائفة من المتأخرين فقد أخطأ لأن مسلما لم ~~يخرج PageV01P417 لحماد بن سلمة عن أبي الزبير شيئا وقد بين في كتاب ~~التمييز أن رواياته عن كثير من شيوخه أو أكثرهم غير قوية فأما بيع الهر فقد ~~اختلف العلماء في كراهته فمنهم من كرهه وروى ذلك عن أبي هريرة وجابر وعطاء ~~وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد والأوزاعي وأحمد في رواية عنه وقال هو أهون من ~~جلود السباع وهذا اختيار أبي بكر من أصحابنا ورخص في بيع الهر ابن عباس ~~وعطاء في رواية الحسن وابن سيرين والحكم وهناد وهو قول الثوري وأبي حنيفة ~~رحمه الله تعالى ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه وعن إسحاق روايتان ms575 ~~وعن الحسن أنه كره بيعها ورخص في شرائها للانتفاع بها وهؤلاء منهم من لم ~~يصحح النهي عن بيعها قال أحمد ما أعلم فيه شيئا يثبت أو يصح وقال أيضا ~~الأحاديث فيه مضطربة ومنهم من حمل النهي على ما لا يقع فيه كالبري ونحوه ~~ومنهم من قال إنما نهى عن بيعها لأنه دناءة وقلة مروءة لأنها متيسرة الوجود ~~والحاجة إليها داعية فهي مرافق الناس التي لاضرر عليهم في بذل فضلها فالشح ~~بذلك من أقبح الأخلاق الذميمة فلذلك زجر عن أخد ثمنها وأما بقية الحيوانات ~~التي لاتؤكل فما لانفع فيه كالحشرات ونحوه لا يجوز بيعه وما يذكر من نفع في ~~بعضها فهو قليل فلا يكون مبيحا للبيع كما لم يبح النبي صلى الله عليه وسلم ~~بيع الميتة لما ذكر له ما فيها من الانتفاع ولهذا كان الصحيح أنه لا يباح ~~العلق لمص الدم ولا الديدان للاصطياد ونحو ذلك وأما ما فيه نفع للاصطياد ~~منها كالفهد والبازي والصقر فحكي أكثر الأصحاب في جواز بيعها روايتين عن ~~أحمد ومنهم من أجاز بيعها وذكر الإجماع عليه وتأول رواية الكراهة كالقاضي ~~أبي يعلي في المجرد ومنهم من قال لا يجوز بيع الفهد والنسر وحكي فيه وجها ~~آخر بالجواز وأجاز بيع البزاة والصقور ولم يحك فيه خلافا وهو قول أبي موسي ~~وأجاز بيع الصقر والبازي والعقاب ونحو أكثر العلماء منهم الثوري والأوزاعي ~~والشافعي وإسحاق والمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات عنه جواز بيعها وتوقف ~~في رواية عنه في جوازه إذا لم تكن معلمة قال الخلال العمل على ما رواه ~~الجماعة أنه يجوز بيعها بكل حال وجعل بعض أصحابنا الفيل حكمه حكم الفهد ~~ونحوه وفيه نظر والمنصوص عن أحمد في رواية حنبل أنه لا يحل بيعه ولا شراؤه ~~وجعله كالسبع وحكي عن الحسن أنه قال لا يركب ظهره وقال هو مسخ وهذا كله يدل ~~على أنه لا منفعة فيه ولا يجوز بيع الدب قاله القاضي في المجرد وقال ابن ~~أبي موسي لايجوز بيع القرد قال ابن عبد البر ms576 لا أعلم في ذلك خلافا بين ~~العلماء وقال القاضي في المجرد إن كان ينتفع به في موضع لحفظ المتاع ~~فهوكالصقر والبازي وإلا فهو كالأسد لا يجوز بيعه والصحيح المنع مطلقا وهذه ~~المنفعة يسيرة وليست هي المقصودة منه فلا يبيح البيع كمنافع الميتة ومما ~~نهى عن بيعه جيف الكفار إذا قتلوا خرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي ~~الله عنه قال قتل المسلمون يوم الخندق رجلا PageV01P418 من المشركين فأعطوا ~~بجيفته مالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادفعوا إليهم جيفته فإنه ~~خبيث الجيفة خبيث الدية فلم يقبل منهم شيئا وخرجه الترمذي ولفظه أن ~~المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبي النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يبيعهم وخرجه وكيع في كتابه من وجه آخر عن عكرمة مرسلا ثم قال وكيع ~~الجيفة لا تباع وقال حارثة قلت لإسحاق ماتقول في بيع جيف المشركين من ~~المشركين قال لا وروى أبو عمرو الشيباني أن عليا أتي بالمستورد العجلي وقد ~~تنصر فاستتابه فأبي أن يتوب فقتله فطلبت النصاري جيفته بثلاثين ألفا فأبي ~~علي فأحرقه الحديث السادس والأربعون عن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسي ~~الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فسأله عن الأشربة تصنع ~~بها فقال وما هي قال البتع والمزر فقيل لأبي بردة ما البتع قال نبيذ العسل ~~والمزر نبيذ الشعير فقال كل مسكر حرام خرجه البخاري PageV01P419 وخرجه مسلم ~~ولفظه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ومعاذ إلى اليمين فقلت ~~يارسول الله إن شرابا يصنع بأرضنا يقال له المزر من الشعير وشراب يقال له ~~البتع من العسل فقال كل مسكر حرام وفي رواية لمسلم فقال كل ما أسكر عن ~~الصلاة فهو حرام وفي رواية له قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~أعطي جوامع الكلم بخواتمه فقال أنهي عن كل مسكر أسكر عن الصلاة فهذا الحديث ~~أصل في تحريم تناول جميع المسكرات المغطية للعقل وقد ذكر الله تعالى في ~~كتابه ms577 العلة المقتضية لتحريم المسكرات وكان أول ما حرمت الخمر عند حضور وقت ~~الصلاة لما صلى بعض المهاجرين وقرأ في صلاته فخلط في قراءته فنزل قوله ~~تعالى ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكاري حتى تعلموا ما ~~تقولون النساء وكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي لا يقرب ~~الصلاة سكران ثم إن الله حرمها على الإطلاق بقوله إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون المائدة فذكر علة تحريم الخمر والميسر وهو ~~القمار وهو أن الشيطان يوقع بينهم العداوة والبغضاء PageV01P420 فإن من سكر ~~اختل عقله فربما تسلط على أذي الناس في أنفسهم وأموالهم وربما بلغ إلى ~~القتل وهي أم الخبائث فمن شربها قتل النفس وزني وربما كفر وقد روى هذا ~~المعنى عن عثمان وغيره وروى مرفوعا أيضا ومن قامر فربما قهر وأخذ ماله قهرا ~~فلم يبق له شيء فيشتد حقده على من أخذ ماله وكل ما أدي إلى إيقاع العداوة ~~والبغضاء كان حراما وأخبر أن الشيطان يصدكم بالخمر والميسر عن ذكر الله وعن ~~الصلاة فإن السكران يزول عقله أو يختل فلا يستطيع أن يذكر الله ولا أن يصلي ~~ولهذا قالت طائفة من السلف إن شارب الخمر تمر عليه ساعة لا يعرف فيها ربه ~~والله سبحانه وتعالى إنما خلقهم ليعرفوه ويذكروه ويعبدوه ويطيعوه فما أدي ~~إلى الامتناع من ذلك وحال بين العبد وبين معرفة ربه وذكره ومناجاته كان ~~محرما وهو السكر وهذا بخلاف النوم فإن الله تعالى جبل العباد عليه واضطرهم ~~إليه ولا قوام لأبدانهم إلا به إذ هو راحة لهم من السعي والنصب فهو من أعظم ~~أنعم الله على عباده فإذا نام المؤمن بقدر الحاجة ثم استيقظ إلى ذكر الله ~~ومناجاته ودعائه كان نومه عونا له على الصلاة والذكر ولهذا قال بعض الصحابة ~~إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي وكذلك الميسر يصد عن ذكر ms578 الله وعن الصلاة ~~فإن صاحبه يعكف بقلبه عليه ويشتغل به عن جميع مصالحه ومهماته حتى لا يكاد ~~يذكرها لاستغراقه فيه ولهذا قال على لما فشبههم على قوم يلعبون بالشطرنج ما ~~هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون فشبهم بالعاكفين على التماثيل وجاء في ~~الحديث إن مدمن الخمر كعابد الوثن فإن يتعلق قلبه به فلا يكاد يمكنه أن ~~يدعها كما لا يدع عابد الوثن عبادته وهذا كله مضاد لما خلق الله العباد ~~لأجله من تفريغ قلوبهم لمعرفته ومحبته وخشيته وذكره ومناجاته ودعائه ~~والابتهال إليه فما حال بين بالعبد وبين ذلك ولم يكن العبد إليه ضرورة بل ~~كان ضررا محضا عليه كان محرما وقد روى عن على أنه قال لمن رآهم يلعبون ~~بالشطرنج ما لهذا خلقتم ومن هنا يعلم أن الميسر محرم سواء كان بعوض أو بغير ~~عوض وإن الشطرنج كالنرد أو شر منه لأنها تشغل أصحابها عن ذكر الله وعن ~~الصلاة أكثر من النرد والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل مسكر ~~حرام وكل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام وقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فخرجا في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال كل مسكر خمر وكل خمر حرام ولفظ مسلم وكل مسكر حرام وخرج أيضا من ~~حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البتع فقال ~~كل شراب مسكر حرام وقد صحح هذا الحديث أحمد ويحيى بن معين وأصحابه واحتجابه ~~ونقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم بالحديث على صحته وأنه أثبت شيء يروى ~~النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم المسكر وأما ما نقله بعض فقهاء الحنفية ~~عن ابن معين من طعنه فيه فلا يثت ذلك عنه وخرج مسلم من حديث أبي الزبير عن ~~PageV01P421 جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل مسكر حرام وإلي هذا ~~القول ذهب جمهور من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من ~~علماء الأمصار وهو مذهب ms579 مالك والشافعي والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد ~~بن الحسن وغيرهم وهو مما أجمع على القول به أهل المدينة كلهم وخالف فيه ~~طوائف من علماء أهل الكوفة وقالوا إن الخمر إنما هو خمر العنب خاصة وما ~~عداها فإنما محرم منه القدر الذي يسكر ولا يحرم مادونه ومازال علماء ~~الأمصار ينكرون ذلك عليهم وإن كانوا في ذلك مجتهدين مغفورا لهم وفيهم خلق ~~من أئمة العلم والدين قال ابن المبارك ما وجدت في النبيذ رخصة عن أحد صحيح ~~إلا عن إبراهيم يعني النخعي ولذلك أنكر الإمام أحمد أن يكون فيه شيء يصح ~~وقد صنف كتاب الأشربة ولم يذكر فيه شيئا من الرخصة وصنف كتابا في المسح على ~~الخفين وذكر فيه عن بعض السلف إنكاره فقيل له كيف لم تجعل في كتاب الأشربة ~~الرخصة كما جعلت في المسح فقال ليس في الرخصة في السكر حديث صحيح ومما يدل ~~على أن كل مسكر خمر أن تحريم الخمر إنما نزل في المدينة بسبب سؤال أهل ~~المدينة عما عندهم من الأشربة ولم يكن بها خمر العنب فلو لم تكن آية تحريم ~~الخمرشاملة لما عندهم لما كان فيها بيان لما سألوا عنه ولكان محمل السبب ~~خارجا من عموم الكلام وهو ممتنع ولما نزل تحريم الخمر أن أقواما أهرقوا ما ~~عندهم من الأشربة فدل على أنهم فهموا أنه من الخمر المأمور باجتنابه وفي ~~صحيح البخاري عن أنس قال حرمت علينا الخمر حين حرمت ومانجد خمر الأعناب إلا ~~قليلا وعامة خمرنا البسر والتمر وعنه أنه قال إني لأسقي أبا طلحة وأبا ~~دجانة وسهيل بن بيضاء خليط بسر وتمر إذ حرمت الخمر فقذفتها وأنا ساقيهم ~~وأصغرهم وإنا لنعدها حينئذ الخمر وفي الصحيحين عنه قال ماكان لنا خمر غير ~~فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ وفي صحيح مسلم عنه قال لقد أنزل الله الآية ~~التي حرم فيها الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر وفي صحيح البخاري ~~عن ابن عمر قال نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ الخمسة أشربة ما منها ~~شراب ms580 العنب وفي الصحيحين عن الشعبي عن ابن عمر قال قام عمر رضي الله عنه ~~على المنبر فقال أما بعد نزل تحريم الخمر وهي من خمس العنب والتمر والعسل ~~والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل وخرجه الإمام أحمد وأبو داود ~~والترمذى من حديث الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه آله ~~وسلم وذكر الترمذي أن قول من قال عن الشعبي عن ابن عمر عن عمر صح وكذا قال ~~ابن المديني وروى أبو إسحاق عن أبي هريرة قال قال عمر ما خمرته فعتقته فهو ~~خمر وأني كانت لنا الخمر خمر العنب وفي مسند الإمام أحمد عن المختار بن ~~فلفل قال سألت أنس بن مالك عن الشرب في الأوعية قال نهي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن المزفت فقال كل مسكر حرام قلت له PageV01P422 صدقت فالشربة ~~والشربتان على طعامنا قال المسكر قليله وكثيره حرام وقال الخمر من العنب ~~والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة فما خمرت من ذلك فهو الخمر خرجه أحمد ~~عن عبدالله بن إدريس سمعت المختار يقول فذكر ه وهذا إسناد على شرط مسلم وفي ~~صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الخمر من هاتين ~~الشجرتين النخلة والعنبة وهذا صريح في أن نبيذ التمر خمر وجاء التصريح ~~بالنهي عن قليل ما أسكر كثيره كما خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذى وحسنه ~~من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه آله وسلم قال ماأسكر كثيره فقليله ~~حرام وخرج أبو داود والترمذى وحسنه من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال كل مسكر حرام وماأسكر الفرق فملء الكف منه حرام وفي ~~رواية الحسوة منه حرام وقد احتج به أحمد وذهب إليه وسئل عمن قال إنه لايصح ~~فقال هذا رجل مغل يعني أنه قد غلا في مقالته وقد أخرج النسائي هذا الحديث ~~من رواية سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقد روى عن ms581 النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة يطول ذكرها وروى ابن ~~عجلان عن عمرو بن شعيب حدثني أبو وهيب الجيشاني عن وفد أهل اليمن أنهم ~~قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن أشربة تكون باليمن فسموا له ~~البتع من العسل والمزر من الشعير قال النبي صلى الله عليه وسلم هل تسكرون ~~منها قالوا إن أكثرنا من اسكرنا قال فحرام قليله ما أسكر كثيره خرجه القاضي ~~إسماعيل وقد كانت الصحابة رضي الله عنهم تحتج بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم كل مسكر حرام على تحريم جميع أنواع المسكرات ماكان موجودا منها على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم وما حدث بعده كما سئل ابن عباس عن ~~الباذق فقال سبق محمد صلى الله عليه وسلم الباذق فما أسكر فهو حرام خرجه ~~البخاري يشير إلى أنه إن كان مسكرا فقد دخل في هذه الكلمة الجامعة العامة ~~واعلم أن المسكر المزيل للعقل نوعان أحدهما ما كان فيه لذة وطرب فهذا هو ~~الخمر المحرم شربه وفي المسند عن طلق الحنفي أنه كان جالسا عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال رجل يا رسول الله ما تري في شراب نصنعه بأرضنا من ~~ثمارنا فقال صلى الله عليه وسلم من سائل عن المسكر فلا تشربه ولا تسقه أخاك ~~المسلم فو الذي نفسي بيده أوبالذي يحلف به لايشربه رجل ابتغاء لذة مسكرة ~~فيسقيه الله الخمر يوم القيامة قالت طائفة من العلماء وسواء كان هذا المسكر ~~جامدا أو مائعا وسواء كان مطعوما أو مشروبا وسواء كان من حب أوتمر أو لبن ~~أو غير ذلك وأدخلوا في ذلك الحشيشة التي تعمل من ورق العنب وغيرها مما يؤكل ~~لأجل لذته وسكره وفي سنن أبي داود من حديث شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر والمفتر هو المخدر للجسد ~~وإن لم ينته إلى حد الإسكار والثاني ما يزيل العقل PageV01P423 ويسكره لا ~~للذة فيه ولا طرب كالبنج ms582 ونحوه فقال أصحابنا إن تناوله لحاجة التداوي وكان ~~الغالب منه السلامة جاز وقد روى عن عروة بن الزبير لما وقعت الأكلة في رجله ~~وأرادوا قطعها قال له الأطباء نسقيك دواءا حتى يغيب عقلك ولا تحس بألم ~~القطع فأبي وقال ما ظننت أن خلقا يشرب شرابا يزول منه عقله حتى لا يعرف ربه ~~وروى عنه أنه قال لا أشرب شيئا يحول بيني وبين ذكر ربي عز وجل وإن تناول ~~ذلك لغير حاجة التداوي فقال أكثر أصحانبا كالقاضي وابن عقيل وصاحب المغني ~~إنه محرم لأنه سبب إلى إزالة العقل لغير حاجة فحرم شرب المسكر وروى حبيش ~~الرحبي وفيه ضعف عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا فقد أتي بابا من أبواب ~~الكبائر وقالت طائفة منهم ابن عقيل في فنونه لا يحرم ذلك لأنه لا لذة فيه ~~والخمر إنما حرمت لما فيها من الشدة المطربة ولا اطراب في الينج ونحوه ولا ~~شدة فعلي قول الأكثرين لو تناول ذلك لغير حاجة وسكر به فطلق فحكم طلاقه حكم ~~طلاق السكران قاله أكثر أصحابنا كابن حامد والقاضي وأصحاب الشافعي وقالت ~~الحنفية لا يقع طلاقه وعللوا بأنه ليس فيه لذة وهذا يدل على أنهم لم يحرموه ~~وقالت الشافعية هو محرم وفي وقوع الطلاق معه وجهان وظاهر كلام أحمد أنه ~~لايقع طلاقه بخلاف السكران وتأوله القاضي وقال إنما قال ذلك إلزاما للحنفية ~~لا اعتقادا له وسياق كلامه محتمل لذلك وأما الحد فإنما يجب بتناول ما فيه ~~شدة وطرب من المسكرات لأنه هو الذي تدعو النفوس إليه فجعل الحد زاجرا عنه ~~فأما ما فيه سكر بغير طرب ولا لذة فليس فيه سوي التعزير لأنه ليس في النفوس ~~داع إليه حتى يحتاج إلى حد مقدر زاجر عنه فهو كأكل الميتة ولحم الخنزير ~~وشرب الدم وأكثر العلماء الذين يرون تحريم قليل ما أسكر كثيره يرون حد من ~~شرب ما يسكر كثيره وإن اعتقد حله متأولا وهو قول الشافعي وأحمد خلافا لأبي ~~ثور فإنه قال لا يحد لتأوله فهو كالناكح بلا ولي وفي ms583 حد الناكح بلا ولي ~~خلاف أيضا ولكن الصحيح أنه لا يحد وقد فرق بينه وبين شرب النبيذ متأولا بأن ~~شرب النبيذ المختلف فيه داع إلى شرب الخمر المجمع على تحريمه بخلاف النكاح ~~بغير ولي فإنه مغن عن الزنا المجمع على تحريمه وموجب للاستعفاف عنه ~~والمنصوص عن أحمد أنه إنما حد شارب النبيذ متأولا أن تأويله ضعيف لا يدرأ ~~عنه الحد به فإنه قال في رواية للأثرم يحد من شرب النبيذ متأولا ولو رفع ~~إلى الإمام من طلق البتة ثم راجعها متأولا أن طلاق البتة واحدة والإمام يري ~~أنها ثلاث لا يفرق بينهما وقال هذا غير ذاك وأمره بين في كتاب الله عز وجل ~~وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ونزل تحريم الخمر وشرابهم الفضيخ وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر فهذا بين وطلاق البتة إنما هو شيء اختلف ~~الناس فيه الحديث السابع والأربعون عن المقدام بن معدي كرب قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول ماملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم ~~لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ~~رواه الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن ~~PageV01P424 هذا الحديث خرجه الإمام أحمد والترمذى من حديث يحيى بن جابر ~~الطائي عن المقدام وخرجه النسائي من هذا الوجه ومن وجه آخر من رواية صالح ~~بن يحيى بن المقدام عن جده وخرجه ابن ماجه من وجه آخر عنده وله طرق أخر وقد ~~روى هذا الحديث مع ذكر سببه فروى أبو القاسم البغوي في معجمه من حديث عبد ~~الرحمن بن المرقع قال فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وهي مخضرة من ~~الفواكة فوقع الناس في الفاكهة فغشيتهم الحمي فشكوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الحمي رائد الموت وسجن ~~الله في الأرض وهي قطعة من النار فإذا أخذتكم فبردوا الماء في الشنان ~~فصبوها عليكم بين الصلاتين ms584 يعني المغرب والعشاء قال فعلوا فذهبت عنهم فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخلق الله وعاء إذا ملئ شرا من بطن فإذا ~~كان لابد فاجعلوا ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للريح وهذا الحديث أصل ~~جامع لأصول الطب كلها وقد روى أن ابن أبي ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث ~~في كتاب أبي خيثمة قال لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض ~~والأسقام ولتعطلت المارشايات ودكاكين الصيادلة وإنما قال هذا لأن أصل كل ~~داء التخم كما قال بعضهم أصل كل داء البردة وروى مرفوعا ولا يصح رفعه وقال ~~الحارث بن كلدة طبيب العرب PageV01P425 الحمية رأس الدواء والبطنة رأس ~~الداء ورفعه بعضهم ولا يصح أيضا وقال الحارث أيضا الذي قتل البرية وأهلك ~~السابع في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام وقال غيره لو قيل ~~لأهل القبور ما كان سبب آجالكم لقالوا التخم فهذا بعض منافع قليل الغذاء ~~وترك التملؤ من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته وأما منافعه بالنسبة ~~إلى القلب وصلاحه فإن قلة الغذاء توجب رقة القلب وقوة الفهم وانكسار النفس ~~وضعف الهوي والغضب وكثرة الغذاء يوجب ضد ذلك قال الحسن يا ابن آدم كل في ~~ثلث بطنك واشرب في ثلثه ودع ثلث بطنك يتنفس ويتفكر وقال المروزي جعل أبو ~~عبدالله يعني الإمام أحمد يعظم من الجوع والفقر فقلت له يؤجر الرجل في ترك ~~الشهوات فقال وكيف لا يؤجر وابن عمر يقول ما شبعت منذ ثلاثة أشهر قلت لأني ~~عبدالله يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع قال ما أري ثم روى المروزي عن أبي ~~عبدالله قول ابن عمر هذا من وجوه فروى بإسناده عن ابن سيرين قال قال رجل ~~لابن عمر ألا أجيئك بجوارش قال وأي شيء هو قال شيء يهضم الطعام إذا أكلته ~~قال ما شبعت منذ أربعة أشهر وليس ذاك لأبي لا أقدر عليه ولكن أدركت أقواما ~~يجوعون أكثر مما يشبعون وبإسناده عن نافع قال جاء رجل بجوارش إلى ابن عمر ~~فقال ما هذا ms585 قال شيء يهضم به الطعام قال ما أصنع به إني ليأتي على الشهر ما ~~أشبع فيه من الطعام وبإسناده عن رجل قال قلت لابن عمر يا أبا عبد الرحمن ~~رقت مضغتك وكبر سنك وجلساؤك لا يعرفون لك حقك ولا شرفك فلو أمرت أهلك أن ~~يجعلوا لك شيئا يلطفونك إذا رجعت إليهم قال ويحك والله ما شبعت منذ إحدي ~~عشرة سنة ولا اثنتي عشرة سنة ولا ثلاثة عشر سنة ولا أربع عشرة سنة مرة ~~واحدة فكيف بي وإنما بقي مني ما بقي وبإسناده عن عمرو ابن الأسود العنسي ~~أنه كان يدع كثيرا من الشبع مخافة الأشر وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع ~~بإسناده عن نافع عن ابن عمر قال ماشبعت منذ أسلمت وروى بإسناده عن محمد بن ~~واسع قال من قل طعمه فهم وأفهم وصفا ورق وإن كثرة الطعام ليثقل صاحبه عن ~~كثير مما يريد وعن أبي عبيدة الخواص قال حتفك في شبعك وحفظك في جوعك وإذا ~~أنت شبعت ثقلت فنمت واستمكن منك العدو فجثم عليك وإذا أنت تجوعت كنت للعدو ~~بمرصد وعن عمرو بن قيس قال إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب وعن سلمة بن ~~سعيد قال إن كان الرجل ليعير بالبطنة كما يعير بالذنب يعلمه وعن بعض ~~العلماء قال إذا كنت بطينا فاعدد نفسك زمنا حتى تخمص وعن ابن الأعرابي قال ~~كانت العرب تقول ما بات رجل بطينا فتم غرمه وعن أبي سليمان الداراني قال ~~إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فلا تأكل حتى تقضيها فإن الأكل يغير ~~العقل وعن مالك بن دينار قال ما ينبغي للمؤمن أن تكون بطنه أكبر همه وأن ~~تكون شهوته هي الغالبة قال وحدثني الحسن بن عبد الرحمن قال قال الحسن أو ~~PageV01P426 غيره كانت بلية أبيكم آدم عليه السلام أكلة وهي بليتكم إلى يوم ~~القيامة قال وكان يقال من ملك بطنه ملك الأعمال الصالحة كلها وكان يقال لا ~~تسكن الحكمة معدة ملأي وعن عبد العزيز بن أبي داود قال كان يقال ثلث الطعام ms586 ~~عون على التسرع إلى الخيرات وعن قثم العابد قال كان يقال ما قل طعم امريء ~~قط إلا رق قلبه ونديت عيناه وعن عبدالله بن مرزوق قال لم نر للأشر مثل دوام ~~الجوع فقال له أبو عبد الرحمن العمري الزاهد وما دوامه عندك قال دوامه أن ~~لا يشبع أبدا قال وكيف يقدر من كان في الدنيا على هذا قال ما أيسر يا أبا ~~عبد الرحمن على أهل ولا يته ومن وفقه لطاعته لا يأكل إلا دون الشبع وهو ~~دوام الجوع ويشبه هذا قول الحسن لما عرض الطعام على بعض أصحابه فقال له ~~أكلت حتى لا أستطيع أن آكل فقال الحسن سبحان الله وما يأكل المسلم حتى لا ~~يستطيع أن يأكل وروى أيضا بإسناده عن أبي عمران الجوني قال كان يقال من أحب ~~أن ينور قلبه فليقل طعمه وعن عثمان بن زائدة قال كتب إلى سفيان الثوري إن ~~أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فأقلل من الأكل وعن ابن السماك قال خلا رجل ~~بأخيه فقال أي أخي نحن أهون على الله من أن يجيعنا إنما يجيع أولياءه ومن ~~عبدالله بن أبي الفرج قال قلت لأبي سعيد التميمي الخائف يشبع قال لا قلت ~~المشتاق يشبع قال لا وعن رباح القيسي أنه قرب إليه طعام فأكل منه فقيل له ~~ازدد فما أراك شبعت فصاح صيحة فقال كيف أشبع أيام الدنيا وشجرة الزقوم طعام ~~الأثيم بين يدي فرفع الرجل الطعام من بين يديه وقال أنت في شيء ونحن في شيء ~~قال المروزي قال لي رجل كيف ذاك المتنعم يعني أحمد قلت له و كيف هو متنعم ~~قال أليس يجد خبزا يأكل وله امرأة يسكن إليها ويطأها فذكرت ذلك لأبي ~~عبدالله فقال صدق وجعل يسترجع فقال إنا لنشبع وقال بشر بن الحارث ما شبعت ~~منذ خمسين سنة وقال ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم من الحلال لأنه إذا شبع ~~من الحلال دعته نفسه إلى الحرام فكيف من هذه الأقذار وعن إبراهيم بن أدهم ~~قال من ضبط ms587 بطنه ضبط دينه ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة وإن معصية الله ~~بعيدة من الجائع قريبة من الشبعان والشبع يميت القلب ومنه يكون الفرح ~~والمرح والضحك وقال ثابت البناني بلغنا أن إبليس لعنه الله ظهر ليحيي بن ~~زكريا عليهما السلام فرأي عليه معاليق من كل شيء فقال له يحيى عليه السلام ~~يا إبليس ما هذه المعاليق التي أري عليك قال هذه الشهوات التي أصيب من بني ~~آدم قال فهل لي فيها شيء قال ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر قال ~~فهل غير هذا قال لا قال لله على أن لا أملأ بطني من طعام أبدا قال فقال ~~إبليس لعنه الله لله على أن لا أنصح مسلما أبدا وقال أبو سليمان الداراني ~~إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورق وإذا شبعت ورويت عمي القلب وقال ~~مفتاح الدنيا الشبع ومفتاح الآخرة PageV01P427 الجوع وأصل كل خير في الدنيا ~~والآخرة الخوف من الله عز وجل وإن الله ليعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب وإن ~~الحق عنده في خزائن مدخرة فلا يعطي إلا من أحب خاصة ولأن أدع من عشائي لقمة ~~أحب إلى من أن آكلها ثم أقوم من أول الليل إلى آخره وقال الحسن بن يحيى ~~الخشني من أراد أن يغزر دموعه ويرق قلبه فليأكل وليشرب في نصف بطنه وقال ~~أحمد بن أبي الحواري فحدثت بهذا أبا سليمان فقال إنما جاء الحديث ثلث طعام ~~وثلث شراب وأري هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم فربحوا سدسا وقال محمد بن النضر ~~الحارثي الجوع يبعث على البر كما تبعث البطنة على الأشر وعن الشافعي قال ما ~~شبعت منذ ستة عشر سنة إلا شبعة أطرحها لأن الشبع يثقل البدن ويزيل الفطنة ~~ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~التقلل من الأكل في حديث المقدام وقال حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه وفي ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال المؤمن يأكل في معي واحد والكافر ~~يأكل في سبعة أمعاء ms588 والمراد أن المؤمن يأكل بآداب الشرع فيأكل في معي واحد ~~والكافر يأكل بمقتضي الشهوة والشرة والنهم فيأكل في سبعة أمعاء وندب صلى ~~الله عليه وسلم مع التقلل من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار ~~بالباقي منه فقال طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الثلاثة ~~وطعام الثلاثة يكفي الأربعة فأحسن ما كل المؤمن في ثلث بطنه وشرب في ثلث ~~وترك للنفس ثلثا كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المقدام فإن ~~كثرة الشرب تجلب النوم وتفسد الطعام قال سفيان كل ماشئت ولا تشرب فإذا لم ~~تشرب لم يجئك النوم وقال بعض السلف كان شباب يتعبدون في بني إسرائيل فإذا ~~كان فطرهم قام عليهم قائم فقال لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فتناموا ~~كثيرا فتخسروا كثيرا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يجوعون ~~كثيرا ولا يشربون كثيرا يتقللون من أكل الشهوات وإن كان ذلك لعدم وجود ~~الطعام إلا أن الله لا يختار لرسوله إلا أكمل الأحوال وأفضلها ولهذا كان ~~ابن عمر يتشبه به في ذلك مع قدرته على الطعام وكذلك أبوه من قبله ففي ~~الصحيحين عن عائشة قالت ماشبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة ~~من خبز بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض ولمسلم قالت ما شبع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض وخرج البخاري عن أبي هريرة ~~قال ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعام ثلاثة أيام حتى قبض وعنه ~~قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز شعير وفي ~~صحيح مسلم عن عمر أنه خطب فذكر ما أصاب الناس من الدنيا فقال لقد رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلا وخرج الترمذي وابن ~~ماجه من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقد أوذيت في الله وما ~~يؤذي أحد ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أتت على ms589 ثلاث من بين يوم ~~وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال PageV01P428 وخرجه ابن ماجه ~~بإسناده عن سليمان بن صرد قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكثنا ~~ثلاث ليال لا نقدر على طعام وبإسناده عن أبي هريرة قال أتي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بطعام سخن فأكل فلما فرغ قال الحمد لله ما دخل بطني طعام ~~سخن منذ كذا و كذا وقد ذم الله ورسوله من اتبع الشهوات قال تعالى فخلف من ~~بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب مريم ~~وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ~~ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يوفون ويظهر ~~فيهم السمن وفي المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي رجلا سمينا فجعل ~~يومئ بيده إلى بطنه ويقول لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك وفي المسند ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أخوف ما أخاف عليكم ~~الشهوات التي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوي وفي مسند البزار وغيره عن ~~فاطمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال شرار أمتي الذين غذوا بالنعم يأكلون ~~ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام وخرج البزار وابن ~~ماجه من حديث ابن عمر قال تجشأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال كف ~~عنا جشاءك فإن أكثرهم شعبا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة وخرج ابن ~~ماجه من حديث سلمان أيضا بنحوه وخرجه الحاكم من حديث أبي جحيفة وفي ~~أسانيدها كلها مقال وروى يحيى بن مندة في كتاب مناقب الإمام أحمد بإسناد له ~~عن الإمام أحمد أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم ثلث للطعام وثلث ~~للشراب وثلث للنفس فقال ثلث الطعام هو القوت وثلث الشراب هو القوي وثلث ~~النفس هو الروح الحديث الثامن والأربعون عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال أربع ms590 من كن فيه كان منافقا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت ~~فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر ~~وإذا عاهد غدر خرجه البخاري ومسلم PageV01P429 هذا الحديث خرجاه في ~~الصحيحين من رواية الأعمش عن عبدالله بن مرة عن مسروق عن عبدالله بن عمرو ~~بن العاص وخرجاه في الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وفي ~~رواية لمسلم وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم وفي رواية له أيضا من علامات ~~المنافق ثلاث وقد روى هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر وهذا ~~الحديث قد حمله طائفة ممن يميل إلى الإرجاء على المنافقين الذين كانوا في ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم حدثوا النبي صلى الله عليه وسلم فكذبوه ~~وائتمنهم على سره فخانوه ووعدوه أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه وقد روى ~~محمد المحرم هذا التأويل عن عطاء وأنه قال حدثني به جابر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وذكر أن الحسن رجع إلى قول عطاء هذا لما بلغه عنه وهذا كذب ~~والمحرم شيخ كذاب معروف بالكذب وقد روى عن عطاء هذا لما بلغه من وجهين ~~آخرين ضعيفين أنه أنكر على الحسن قوله ثلاث من كن فيه فهو منافق وقال حدث ~~إخوة يوسف فكذبوا ووعدوا فأخلفوا وائتمنوا فخانوا ولم يكونوا منافقين وهذا ~~لا يصح عن عطاء والحسن أم هذا من عنده وإنما بلغه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فالحديث ثابت عنه صلى الله عليه وسلم لا شك في ثبوته وصحته والذي فسره ~~به أهل العلم المعتبرون أن النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار ~~الخير وإبطان خلافه وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين أحدهما النفاق الأكبر وهو ~~PageV01P430 أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه وهذا هو النفاق الذي كان على عهد ms591 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم وأخبر أن أهله ~~في الدرك الأسفل من النار والثاني النفاق الأصغر وهو نفاق العمل وهو أن ~~يظهر الإنسان علانية صالحة ويبطن ما يخالف ذلك وأصول هذا النفاق يرجع إلى ~~الخصال المذكورة في هذه الأحاديث وهي خمس أحدها أن يحدث بحديث لم يصدق به ~~وهو كاذب له وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كبرت خيانة أن ~~تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق وأنت به كاذب قال الحسن كان يقال النفاق اختلاف ~~السر والعلانية والقول والعمل والمدخل والمخرج وكان يقال أس النفاق الذي ~~بني عليه الكذب والثاني إذا وعد أخلف وهو على نوعين أحدهما أن يعد ومن نيته ~~أن لا يوفي بوعده وهذا أشر الخلق ولو قال أفعل كذا إن شاء الله تعالى ومن ~~نيته أن لا يفعل كان كذبا وخلفا قاله الأوزاعي الثاني أن يعد ومن نيته أن ~~يفي ثم يبدو له فيخلف من غير عذر له في الخلف وخرج أبو داود والترمذى من ~~حديث زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا وعد الرجل ونوي أن ~~يفي به فلم يف فلا جناح عليه وقال الترمذي ليس إسناده بالقوي وخرج ~~الإسماعيلي وغيره من حديث سلمان أن عليا لقي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ~~فقال مالي أراكما ثقلين قالا حديث سمعناه من النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ~~خلال المنافق إذا وعد أخلف وإذا حدث كذب وإذا ائتمن خان فأينا ينجو من هذه ~~الخصال فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال قد حدثتهما ولم ~~أضعه على الوضع الذي تضعونه ولكن المنافق إذا حدث وهو يحدث نفسه أن يكذب ~~وإذا وعد وهو يحدث نفسه أن يخلف وإذا اؤتمن وهو يحدث نفسه أن يخون وقال أبو ~~حاتم الرازي في هذا الحديث من رواية سلمان وزيد بن أرقم الحديثان مضطربان ~~والإسنادان مجهولان وقال الدراقطني الحديث مضطرب غير ثابت والله أعلم وخرجه ~~الطبراني والإسماعيلي ms592 من حديث على مرفوعا العدة دين ويل لمن وعد ثم أخلف ~~قالها ثلاثا وفي إسناده جهالة ويروى من حديث ابن مسعود قال لايعد أحدكم ~~صبيه ثم لا ينجز له قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العدة عطية وفي ~~إسناده نظر وأوله صحيح عن ابن مسعود من قوله وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال العدة هبة وفي سنن أبي داود عن مولي لعبد الله بن عامر ~~بن ربيعة عن عبدالله بن عامر بن ربيعة قال جاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى بيتنا وأنا صبي فخرجت لألعب فقالت أمي ياعبد الله تعالى أعطك فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ماأردت أن تعطيه قلت أردت أن أعطيه تمرا فقال إن ~~لم تفعلي كتبت عليك كذبة وفي إسناده من لا يعرف وذكر الزهري عن أبي هريرة ~~قال من قال لصبي تعالى هاك تمرا ثم لايعطيه شيئا فهي كذبة وقد اختلف ~~العلماء في وجوب الوفاء بالوعد فمنهم من أوجبه مطلقا وذكر البخاري في صحيحه ~~أن ابن أشوع قضي بالوعد وهو قول PageV01P431 طائفة من أهل الظاهر وغيرهم ~~ومنهم من أوجب الوفاء به إذا اقتضي نفعا للموعود وهو المحكي عن مالك وكثير ~~من الفقهاء لا يوجبونه مطلقا والثالث إذا خاصم فجر ويعني بالفجور أن يخرج ~~عن الحق عمدا حتى يصير الحق باطلا والباطل حقا وهذا مما يدعو إليه الكذب ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ~~وإن الفجور يهدي إلى النار وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم وقال صلى الله عليه وسلم إنكم لتختصمون ~~إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي على نحو مما أسمع فمن ~~قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار وقال صلى ~~الله عليه وسلم إن من البيان لسحرا فإذا كان الرجل ذا قدرة عند الخصومة ~~سواء كانت خصومته ms593 في الدين أو في الدنيا على أن ينتصر للباطل ويخيل للسامع ~~أنه حق ويوهن الحق ويخرجه في صورة الباطل كان ذلك من أقبح المحرمات وأخبث ~~خصال النفاق وفي سنن أبي داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع وفي رواية له أيضا ~~ومن أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله الرابع إذا عاهد غدر ولم يف ~~بالعهد وقد أمر الله بالوفاء بالعهد فقال وأوفوا بالعهد إن العهد كان ~~مسئولا الإسراء وقال وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا النحل وقال إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر ~~إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم آل عمران وفي الصحيحين عن ابن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به ~~وفي رواية إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال ألا هذه غدرة فلان ~~وخرجاه أيضا من حديث أنس بمعناه وخرج مسلم من حديث أبي سعيد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لكل غادر لواء عند يوم القيامة يعرف به والغدر حرام في ~~كل عهد بين المسلم وغيره ولو كان المعاهد كافرا ولهذا في حديث عبدالله بن ~~عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح ~~رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماخرجه البخاري وقد أمر ~~الله تعالى في كتابه الوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم ولم ~~ينقضوا منها شيئا وأما عهود المسلمين فيما بينهم بالوفاء بها أشد ونقضها ~~أعظم إثما ومن أعظمها نقض عهد الإمام على من تابعه ورضي به وفي الصحيحين عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا يكلمهم الله يوم ~~القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم فذكر منهم ms594 ورجل بايع إماما لا يبايعه ~~إلا لدنيا فإن أعطاه ما يريد وفي له وإلا لم يف له ويدخل في العهود التي ~~يجب الوفاء بها ويحرم الغدر جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا ~~عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء ~~بها و كذلك ما يجب الوفاء به لله عز وجل مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر ~~PageV01P432 التبرر ونحوه الخامس الخيانة في الأمانة فإذا اؤتمن الرجل ~~أمانة فالواجب عليه أن يردها كما قال تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها النساء وقال النبي صلى الله عليه وسلم أد الأمانة إلى ~~من ائتمنك وقال في خطبته في حجة الوداع من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ~~ائتمنه عليها قال الله عز وجل ياآيها الذين أمنوا لا تخونوا الله والرسول ~~وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون الأنفال فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق ~~وفي حديث ابن مسعود من قوله وروى مرفوعا القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب ~~إلا الأمانة يؤتي بصاحب الأمانة فيقال له أد أمانتك فيقول من أين يارب وقد ~~ذهبت الدنيا فيقول اذهبوا به إلى الهاوية فيهوي حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها ~~هناك كهيئتها فيحملها فيضعها على عنقه فيصعد بها في نار جهنم حتى إذا رأي ~~أنه قد خرج منها زلت فهوي فيهوي هو في أثرها أبد الآبدين قال والأمانة في ~~الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث وأشد من ذلك الودائع وقد روى ~~عن محمد بن كعب القرظي أنه استنبط ما في هذا الحديث أعني حديث آية المنافق ~~ثلاث من القرآن وقال مصداق ذلك في كتاب الله تعالى إذا جاءك المنافقون ~~المنافقون إلى قوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون المنافقون وقال تعالى ~~ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن إلى قوله فأعقبهم نقاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون التوبة ~~وقال إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال الأحزاب إلى قوله ليعذب ~~الله المنافقين الأحزاب ms595 وروى عن ابن مسعود نحو هذا الكلام ثم تلا قوله ~~فأعقبهم نفاقا في قلوبهم التوبة الآية وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله ~~يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن وقال الحسن أيضا من ~~النفاق اختلاف القلب واللسان واختلاف السر والعلانية واختلاف الدخول ~~والخروج وقال طائفة من السلف خشوع النفاق أن تري الجسد خاشعا والقلب ليس ~~بخاشع وقد روى معنى ذلك عن عمر وروى عنه أنه قال على المنبر إن أخوف ما ~~أخاف عليكم المنافق العليم قالوا كيف يكون المنافق عليما قال يتكلم بالحكمة ~~ويعمل بالجور أو قال المنكر وسئل حذيفة عن المنافق فقال الذي يصف الإيمان ~~ولا يعمل به وفي صحيح البخا ري عن ابن عمر أنه قيل له إنا ندخل على سلطاننا ~~فنقول له بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عنده قال كنا نعد هذا نفاقا وفي ~~المسند عن حذيفة قال إنكم لتكلمون كلاما إن كنا لنعده على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم النفاق وفي رواية قال إن الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا وأني لأسمعها من أحدكم في ~~اليوم أو في المجلس عشر مرات قال بلال بن سعد المنافق يقول ما يعرف ويعمل ~~ماينكر ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم وكان عمر يسأل حذيفة ~~عن نفسه وسئل أبو رجاء العطاردي هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم PageV01P433 يخشون النفاق فقال نعم إني أدركت منهم بحمد ~~الله صدرا حسنا نعم شديدا نعم شديدا وقال البخاري في صحيحه وقال ابن أبي ~~مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق ~~على نفسه ويذكر عن الحسن قال ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق انتهى ~~وروى الحسن أنه حلف ما مضي مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق غير آمن وما ~~مضي منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن وكان يقول من لم يخف النفاق ms596 ~~فهو منافق وسمع رجل أبا الدرداء يتعوذ من النفاق في صلاته فلما سلم قال له ~~ما شأنك وشأن النفاق فقال اللهم اغفر لي ثلاثا لا تأمن البلاء والله إن ~~الرجل ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه والآثار عن السلف في هذا كثيرة ~~جدا قال سفيان الثوري خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث فذكر منها قال نحن ~~نقول نفاق وهم يقولون لا نفاق وقال الأوزاعي قد خاف عمر النفاق على نفسه ~~قيل لهم إنهم يقولون إن عمر لم يخف أن يكون يومئذ منافقا حتى سأل حذيفة ~~ولكن خاف أن يبتلي بذلك قبل أن يموت قال هذا قول أهل البدع يشير إلى أن عمر ~~كان يخاف على النفاق على نفسه في الحال الظاهر أنه أراد أن عمر كان يخاف ~~نفسه في الحال من النفاق الأصغر والنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق الأكبر ~~كما أن المعاصي بريد الكفر وكما يخشي على من أصر على المعصية أن يسلب ~~الإيمان عند الموت كذلك يخشي على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان ~~فيصير منافقا خالصا وسئل الإمام أحمد ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق ~~قال ومن يأمن على نفسه النفاق وكان الحسن يسمي من ظهرت منه أوصاف النفاق ~~العملي منافقا وروى نحوه عن حذيفة وقال الشعبي من كذب فهو منافق وحكي محمد ~~بن نصر المروزي هذا القول عن فرقة من أهل الحديث وقد سبق في أوائل الكتاب ~~ذكر الاختلاف عن الإمام أحمد وغيره في مرتكب الكبائر هل يسمي كافرا كفرا لا ~~ينقل عن الملة أم لا واسم الكفر أعظم من اسم النفاق ولعل هذا هو الذي أنكره ~~عطاء على الحسن إن صح ذلك عنه و من أعظم خصال النفاق العملي أن يعمل ~~الإنسان عملا ويظهر أنه قصد به الخير وإنما عمله ليتوصل به إلى غرض له سييء ~~فيتم له ذلك ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه ويفرح بمكره وخداعه وحمد الناس ~~له على ما أظهره ويتوصل به إلى غرضه السييء الذي أبطنه وهذا ms597 قد حكاه الله ~~في القرآن عن المنافقين واليهود فحكي عن المنافقين أنهم اتخذوا مسجدا ضرارا ~~وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن ~~إن أردنا إلا الحسني والله يشهد إنهم لكاذبون التوبة وأنزل في اليهود لا ~~تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم ~~بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم آل عمران وهذه الآية نزلت في اليهود سألهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن ~~قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم وما ~~سئلوا عنه قال ذلك ابن عباس وحديثه مخرج في الصحيحين وفيهما أيضا عن أبي ~~سعيد أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى الغزو وتخلفوا عنه فرحوا بمقعدهم خلافه فإذا قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من غشنا فليس ~~منا والمكر والخديعة في النار وقد وصف الله المنافقين بالمخادعة ولقد أحسن ~~أبو العتاهية في قوله ليس الدنيا إلا بدين وليس الدين إلا مكارم الأخلاق ~~إنما المكر والخديعة في النا ر وهما من خصال أهل النفاق ولما تقرر عند ~~الصحابة رضي الله عنهم أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية خشي بعضهم على ~~نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر برجوعه ~~إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقا كما ~~في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدي أنه مر به أبو بكر رضي الله عنه وهو يبكي ~~فقال مالك قال نافق حنظلة يا أبا بكر نكون عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنهما رأي العين فإذا رجعنا عافسنا الأزواج ~~والصبية فنسينا كثيرا قال أبو بكر فو الله إنا لكذلك فانطلقا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه ms598 وسلم فقال مالك يا حنظلة قال نافق حنظلة يا رسول الله وذكر ~~له مثل ما قال لأبي بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تدومون على ~~الحال التي تقومون بها من عندي لصافتحكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم ~~ولكن يا حنظلة ساعة وساعة وفي مسند البزار عن أنس قال قالوا يا رسول الله ~~إنا نكون عندك على حال فإذا فارقناك كنا على غيره قال كيف أنتم قالوا الله ~~ربنا في السر والعلانية قال ليس ذاكم من النفاق وروى من وجه آخر عن أنس قال ~~غدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هلكنا قال وما ذاك قالوا ~~النفاق قال ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قالوا بلى ~~قال فليس ذاك بالنفاق ثم ذكر يعني حديث حنظلة كما تقدم الحديث التاسع ~~والأربعون عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح ~~بطانا رواه الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه وابن حبان والحاكم ~~وقال الترمذي حسن صحيح PageV01P434 هذا الحديث خرجه هؤلاء كلهم من رواية ~~عبدالله بن هبيرة سمع أبا حاتم الحساني سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~يحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو تميم وعبد الله خرج لهما مسلم ~~ووثقهما غير واحد وأبو تميم ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر ~~إلى المدينة في زمن عمر رضي الله عنه وروى هذا الحديث من حديث ابن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولكن في إسناده من ال يعرف حاله قال أبو حاتم ~~الرازي وهذا الحديث أصل في التوكل وأنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها ~~الرزق قال الله عز وجل ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه الطلاق وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية على أبي ذر ms599 وقال له لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم يعني لو حققوا ~~التقوى والتوكل لاكتفوا بذلك في مصالح دينهم وديناهم وقد سبق الكلام على ~~هذا المعنى في شرح حديث ابن عباس احفظ الله يحفظك قال بعض السلف فحسبك من ~~التوسل إليه أن يعلم من قلبك حسن توكلك عليه فكم من عبد من عباده قد فوض ~~إليه أمره وكفاه منه ما أهمه ثم قرأ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب الطلاق وحقيقة التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في ~~استجلاب المنافع ودفع المضار من أمور الدينا والآخرة كلها ووكلت الأمور ~~كلها إليه وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه قال ~~سعيد بن جبير التوكل جماع الإيمان وقال وهب PageV01P436 بن منبه الغاية ~~القصوى التوكل قال الحسن إن توكل العبد على ربه أن يعلم أن الله هو ثقته ~~وفي حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سره أن يكون أقوي ~~الناس فليتوكل على الله وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه ~~إني أسألك صدق التوكل عليكوأنه كان يقول اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيته ~~واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله سبحانه ~~وتعالى المقدورات بها وجرت سنته في خلقه بذلك فإن الله تعالى أمر بتعاطي ~~الأسباب مع أمره بالتوكل فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له والتوكل ~~بالقلب عليه إيمان به قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ~~النساء وقال تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل الأنفال ~~وقال فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله الجمعة وقال ~~سهل التستري من طعن في الحركة يعني في السعي والكسب فقد طعن في السنة ومن ~~طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان فالتوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم ~~والكسب سنته فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته ثم إن الأعمال التي ms600 يعملها ~~العبد ثلاثة أقسام أحدها الطاعات التي أمر الله عباده بها وجعلها سببا ~~للنجاة من النار ودخول الجنة فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله فيه ~~والاستعانة به عليه فإنه لا حول ولا قوة إلا به وما شاء كان وما لم يشأ لم ~~يكن فمن قصر في شيء مما وجب عليه من ذلك استحق العقوبة في الدنيا والآخرة ~~شرعا وقدرا قال يوسف بن أسباط يقال اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله وتوكل ~~توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له والثاني ما أجري الله العادة به في الدنيا ~~وأمر عباده بتعاطيه كالأكل عند الجوع والشرب عند العطش والاستظلال من الحر ~~والتدفؤ من البرد ونحو ذلك فهذا أيضا واجب على المرء تعاطي أسبابه ومن قصر ~~فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله فهو مفرط يستحق العقوبة لكن ~~الله سبحانه وتعالى قد يقوي بعض عباده من ذلك مالا يقوي عليه غيره فإذا عمل ~~بمقتضى قوته التي اختص بها عن غيره فلا حرج عليه ولهذا كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يواصل في صيامه وينهي عن ذلك أصحابه ويقول لهم إني لست كهيئتكم ~~إني أطعم وأسقيوفي رواية إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني وفي رواية إن لي ~~مطعما يطعمني وساقيا يسقيني والأظهر أنه أراد بذلك أن الله يقوته ويغذيه ~~بما يورده على قلبه من الفتوح القدسية والمنح الإلهية والمعارف الربانية ~~التي تغنيه عن الطعام والشراب برهة من الدهر كما قال القائل لها أحاديث من ~~ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور تستضئ به وقت ~~المسير وفي أعقابها حادي PageV01P437 إذا اشتكت من كلال السير أو عدها روح ~~القدوم فتحيا عند ميعاد وقد كان كثير من السلف لهم من القوة على ترك الطعام ~~والشراب ما ليس لغيرهم ولا يتضررون بذلك وكان ابن الزبير يواصل ثمانية أيام ~~وكان أبو الجوزاء يواصل في صومه بين سبعة أيام ثم يقبض على ذراع الشاة ~~فيكاد يحطمها وكان إبراهيم التيمي يمكث شهرين لا يأكل ms601 شيئا غير أنه يشرب ~~شربة حلوي وكان حجاج بن فرافصة يبقي أكثر من عشرة أيام لا يأكل ولا يشرب ~~ولا ينام وكان بعضهم لا يبالي بالحر ولا بالبرد كما كان على رضي الله عنه ~~يلبس لباس الصيف في الشتاء ولباس الشتاء في الصيف وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم دعا له أن يذهب الله عنه الحر والبرد فمن كان له قوة على مثل هذه ~~الأمور فعمل بمقتضى قوته ولم يضعفه عن طاعة الله فلا حرج عليه ومن كلف نفسه ~~ذلك حتى أضعفها عن بعض الواجبات فإنه ينكر عليه ذلك وكان السلف ينكرون على ~~عبد الرحمن بن غنم حيث كان يترك الأكل مدة حتى يعاد من ضعفه القسم الثالث ~~ما جرى الله العادة به في الدينا في الأعم الأغلب وقد يخرق العادة في ذلك ~~لمن شاء من عباده وهو أنواع منها ما يخرقه كثيرا ويغني كثيرا من خلقه ~~كالأدوية بالنسبة إلى كثير من البلدان وسكان البوادي ونحوها وقد اختلف ~~العلماء هل الأفضل لمن أصابه المرض التداوي أم تركه لمن حقق التوكل على ~~الله فيه قولان مشهوران وظاهر كلام أحمد أن التوكل لمن قوي عليه أفضل لما ~~صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا ~~بغير حساب ثم قال هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلي ربهم ~~يتوكلون ومن رجح التداوي قال إنه حال النبي صلى الله عليه وسلم كان يداوم ~~عليه وهو لا يفعل إلا الأفضل وحمل الحديث على الرقي المكروهة التي يخشى ~~منها الشرك بدليل أنه قرنها بالكي والطيرة وكلاهما مكروه ومنها ما يخرقه ~~لقليل من العامة كحصول الرزق لمن ترك السعي في طلبه فمن رزقه الله صدق يقين ~~وتوكل وعلم من الله أن يخرق له العوائد ولا يحوجه إلى الأسباب المعتادة في ~~طلب الرزق ونحوه جاز له ترك الأسباب ولم ينكر عليه ذلك وحديث عمر هذا الذي ~~نتكلم عليه يدل على ذلك ويدل على أن الناس إنما يؤتون من قلة ms602 تحقيق التوكل ~~ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم ومساكنتهم لها فلذلك يتعبون أنفسهم في ~~الأسباب ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد ولا يأتيهم إلا ما قدر لهم فلو حققوا ~~التوكل على الله بقلوبهم لساق إليهم أرزاقهم مع أدني سبب كما يسوق الطير ~~إلى أرزاقها بمجرد الغدو والرواح وهو نوع من الطلب والسعي لكنه سعي يسير ~~وربما حرم الإنسان رزقه أو بعضه بذنب يصيبه كما في حديث ثوبان عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وفي حديث جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله ~~وأجملوا في الطلب خذوا ما PageV01P438 حل ودعوا ما حرم وقال عمر بين العبد ~~وبين رزقه حجاب فإن قنع ورضيت نفسه آتاه الله رزقه وإن اقتحم وهتك الحجاب ~~لم يزد فوق رزقه قال بعض السلف توكل تسق إليك الأرزاق بلا تعب ولا تكلف قال ~~سالم بن أبي الجعد حدثت أن عيسي عليه السلام كان يقول اعملوا لله ولا ~~تعملوا لبطونكم وإياكم وفضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز هذا طير ~~السماء يغدو ويروح ليس معه من أرزاقه شيء لا يحرث ولا يحصد ويرزقه الله فإن ~~قلتم إن بطوننا أعظم من بطون الطير فهذه الوحوش من البقر والحمير تغدو وليس ~~معها من أرزاقها شيء لا تحرث ولا تحصد يرزقها الله خرجه ابن أبي الدنيا ~~وخرج بإسناده عن ابن عباس قال كان عابد يتعبد في غار وكان غراب يأتيه كل ~~يوم برغيف يجد فيه طعم كل شيء حتى مات ذلك العابد وعن سعيد بن عبد العزيز ~~عن بعض مشيخة دمشق قال أقام إلياس هاربا من قومه في جبل عشرين ليلة أو قال ~~أربعين تأتيه الغربان برزقه وقال سفيان الثوري قرأ واصل الأحذب هذه الآية ~~وفي السماء رزقكم وما توعدون الذاريات فقال ألا إن رزقي في السماء وأنا ~~أطلبه في الأرض فدخل خربة فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا فلما كان اليوم الرابع ~~إذ هو بدوخلة من رطب وكان له ms603 أخ أحسن نية منه فدخل معه فصارتا دوخلتين فلم ~~يزل ذلك دأبهما حتى فرق الموت بينهما ومن هذا الباب من قوي توكله على الله ~~ووثقه به فدخل المفاوز بغير زاد فإنه يجوز لمن هذه صفته دون من لم يبلغ هذه ~~المنزلة وله في ذلك أسوة بإبراهيم الخليل عليه السلام حيث ترك هاجر وابنها ~~إسماعيل بواد غير ذي زرع وترك عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء فلما ~~تبعته هاجر وقالت له إلى من تدعنا قال لها إلى الله قالت رضيت بالله وهذا ~~كان يفعله بأمر الله ووحيه فقد يقذف الله في قلوب بعض أوليائه من الإلهام ~~الحق ما يعلمون أنه حق ويثقون به قال المروزي قيل لأبي عبدالله أي شيء صدق ~~التوكل على الله قال أن يتوكل على الله ولا يكون في قلبه أحد من الآدميين ~~يطمع أن يجيبه بشيء فإذا كان كذلك كان الله يرزقه وكان متوكلا قال وذكرت ~~لأبي عبدالله التوكل فأجازه لمن استعمل فيه الصدق قال وسألت أبا عبدالله عن ~~رجل جلس في بيته ويقول أجلس وأصبر ولا أطلع على ذلك أحدا وهو يقدر أن يحترف ~~قال لو خرج فاحترف كان أحب إلي وإذا جلس خفت أن يحوجه إلى أن يكون يتوقع أن ~~يرسلوا إليه بشيء قلت فإذا كان يبعث إليه بشيء فلا يأخذه قال هذا جيد قلت ~~لأبي عبدالله إن رجلا بمكة قال لا آكل شيئا حتى يطعمني ربي ودخل في جبل أبي ~~قبيس فجاء إليه رجلان وهو متزر بخرقة فألقيا إليه قميصا وأخذا بيده فألبساه ~~القميص ووضعا بين يديه شيئا فلم يأكل حتى وضعا مفتاحا حديدا في فيه وجعلا ~~يدسان في فمه فضحك أبو عبدالله وجعل يتعجب قلت لأبي عبدالله إن رجلا ترك ~~البيع والشراء وجعل على نفسه أن لا يقع في يده ذهب ولا فضة وترك دوره فلم ~~يأمر فيها بشيء PageV01P439 وكان يمر في الطريق فإذا رأي شيئا مطروحا أخذ ~~بيده مما قد ألقي قال المروزي قلت للرجل مالك حجة على هذا غير أبي ms604 معاوية ~~الأسود قال بل أويس القرني كان يمر بالمزابل فيلتقط الرقاع فصدقه أبو ~~عبدالله قال قد شدد على نفسه ثم قال لقد جاءني البقلي ونحوه فقلت لهم لو ~~تعرضتم للعمل تشهرون أنفسكم قال وإيش ينالني من الشهرة وروى أحمد بن الحسين ~~بن حسان عن أحمد أنه سئل عن رجل يخرج إلى مكة بغير زاد فقال إن كنت تطيق ~~وإلا فلا تخرج إلا بزاد وراحلة لا تخاطر قال أبو بكر الخلال يعني إن أطاق ~~وعلم أنه يقوي على ذلك ولا يسأل ولا يستشرف نفسه لأن يأخذ أو يعطي فيقبل ~~فهو متوكل على الصدق وقد أجاز العلماء التوكل على الصدق قال وقد حج أبو ~~عبدالله وكفاه في حجته أربعة عشر درهما وسئل إسحاق ابن راهويه هل للرجل أن ~~يدخل المفازة من غير زاد فقال إن كان الرجل مثل عبدالله بن جبير فله أن ~~يدخل المفازة بغير زاد وإلا لم يكن له أن يدخل ومتي كان الرجل ضعيفا وخشي ~~على نفسه أن لا يصبر أو يتعرض للسؤال أو أن يقع في الشك والسخط لم يجز له ~~ترك الأسباب حينئذ وأنكر عليه غاية الإنكار كما أنكر الإمام أحمد وغيره على ~~من ترك الكسب وعلي من دخل المفازة بغير زاد وخشي عليه التعرض للسؤال وقد ~~روى عن ابن عباس قال كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن متوكلون ~~فيحجون فيأتون مكة فيسألون الناس فأنزل الله هذه الآية وتزودوا فإن خير ~~الزاد التقوى البقرة وكذلك قال مجاهد وعكرمة والنخعي وغير واحد من السلف ~~فلا يرخص في ترك السبب بالكلية إلا لمن انقطع قلبه عن الاستشراف إلى ~~المخلوقين بالكلية وقد روى عن أحمد أنه سئل عن التوكل فقال قطع الاستشراف ~~باليأس من الخلق فسئل عن الحجة في ذلك فقال قول إبراهيم عليه السلام لما ~~عرض له جبريل وهو يرمي في النار فقال له ألك حاجة فقال أما إليك فلا وظاهر ~~كلام أحمد أن الكسب أفضل بكل حال فإنه سئل عمن يقعد ولا يكتسب ويقول توكلت ~~على ms605 الله فقال ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله ولكن يعودون على ~~أنفسهم بالكسب وروى الخلال بإسناده عن الفضيل بن عياض أنه قيل له لو أن ~~رجلا قعد في بيته زعم أنه يثق بالله فيأتيه رزقه قال إذا وثق بالله حتى ~~يعلم منه أنه وثق به لم يمنعه شيء أراده ولكن لم يفعل ذلك الأنبياء ولا ~~غيرهم وقد كان الأنبياء يؤجرون أنفسهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤجر ~~نفسه وأبو بكر وعمر ولم يقولوا نقعد حتى يرزقنا الله عز وجل وقال الله عز ~~وجل فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله الجمعة ولابد من طلب المعيشة ~~وقد روى عن بشر ما يشعر بخلاف هذا فروى أبو نعيم في الحلية أن بشر سئل عن ~~التوكل فقال اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب فقال له السائل فسره لنا ~~فقال بشرا اضطراب بلا سكون رجل تضطرب جوارحه وقلبه ساكن إلى الله لا إلى ~~عمله وسكون بلا اضطراب رجل PageV01P440 ساكن إلى الله بلا حركة وهذا عزيز ~~وهو من صفات الأبدال وبكل حال فمن لم يصل إلى هذه المقامات العالية فلا بد ~~له من معاناة الأسباب لا سيما من له عيال لا يصبرون وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم كفي بالمرء إثما أن يضيع من يقوت وكان بشر يقول لو كان لي عيال ~~لعملت واكتسبت وكذلك من ضيع بتركه الأسباب حقا له ولم يكن راضيا بفوات حقه ~~فإن هذا عاجز مفرط وفي مثل هذا جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن ~~القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك ~~واستعن بالله ولا تعجز فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا ~~ولكن قل قدر قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان خرجه مسلم ~~بمعناه من حديث أبي هريرة وفي سنن أبي داود وعن عوف بن مالك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قضي بين رجلين فقال المقضي عليه لما ms606 أدبر حسبنا الله ونعم ~~الوكيل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك ~~بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل وخرج الترمذي من حديث أنس ~~قال قال رجل يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل قال اعقلها وتوكل ~~وذكر عن يحيى القطان أنه قال هو عندي حديث منكر وخرجه الطبراني من حديث ~~عمرو بن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى الوضين بن عطاء عن محفوظ بن ~~علقمة عن ابن عابد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن التوكل بعد الكيس ~~وهذا مرسل ومعناه أن الإنسان يأخذ بالكيس والسعي في الأسباب المباحة ويتوكل ~~على الله بعد سعيه وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب ~~بل قد يكون جمعهما أفضل قال معاوية بن قرة لقي عمر بن الخطاب ناسا من أهل ~~اليمن فقال من أنتم قالوا نحن المتوكلون قال بل أنتم المتأكلون إنما ~~المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله قال الخلال أخبرنا محمد بن ~~منصور قال سأل المازني بشر بن الحارث عن التوكل فقال المتوكل لا يتوكل على ~~الله ليكفي ولو حلت هذه القصة في قلوب المتوكلين لضجوا إلى الله بالندم ~~والتوبة ولكن المتوكل يحل بقلبه الكفاية من الله تبارك وتعالى فيصدق الله ~~فيما ضمن ومعنى هذا الكلام أن المتوكل على الله حق التوكل لا يأتي بالتوكل ~~ويجعله سببا لحصول الكفاية له من الله بالرزق وغيره فإنه لو فعل ذلك لكان ~~كمن أتي سائر الأسباب لاستجلاب الرزق والكفاية بها وهذا نوع نقص في تحقيق ~~التوكل وإنما التوكل حقيقة من يعلم أن الله قد ضمن لعبده برزقه وكفايته ~~فيصدق الله فيما ضمنه ويثق بقلبه ويحقق الاعتماد عليه فيما ضمنه من الرزق ~~من غير أن يخرج التوكل مخرج الأسباب في استجلاب الرزق به والرزق مقسوم لكل ~~أحد من بر وفاجر ومؤمن وكافر كما قال تعالى وما من دابة في الأرض إلا على ~~الله رزقها هود هذا مع ms607 ضعف كثير من الدواب وعجزها عن السعي في طلب الرزق ~~قال تعالى وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم العنكبوت فما ~~دام العبد حيا فرزقه على الله وقد ييسره الله له بكسب وبغير كسب فمن ~~PageV01P441 توكل على الله لطلب الرزق فقد جعل التوكل سببا وكسبا ومن توكل ~~عليه لثقته بضمانه فقد توكل عليه ثقة به وتصديقا بوعده وما أحسن قول المثني ~~الأنباري وهو من أعيان أصحاب الإمام أحمد لا تكونوا بالمضمون مهتمين ~~فتكونوا للضامن متهمين وبرزقه غير راضين واعلم أن ثمرة التوكل الرضاء ~~بالقضاء فمن وكل أموره إلى الله ورضي بما يقضيه له ويختاره فقد حقق التوكل ~~ولذلك كان الحسن والفضيل وغيرهما يفسرون التوكل على الله بالرضا قال ابن ~~أبي الدنيا بلغني عن بعض الحكماء قال التوكل على ثلاث درجات أولها ترك ~~الشكاية والثانية الرضا والثالثة المحبة بترك الشكاية ودرجة الصبر والرضا ~~سكون القلب بما قسم الله له وهي أرفع من الأولي والمحبة أن يكون حبه لما ~~يصنع الله به فالأولي للزاهدين والثانية للصادقين والثالثة للمرسلين انتهى ~~المتوكل على الله إن صبر على ما يقدره الله له من الرزق أو غيره فهو صابر ~~وإن رضي بما يقدر له بعد وقوعه فهو الراضي وإن لم يكن له اختيار بالكلية ~~ولا رضا إلا فيما يقدر له فهو درجة المحبين العارفين كما كان عمر بن عبد ~~العزيز يقول أصبحت ومالي سرور إلا في وضع القضاء والقدر الحديث الخمسون عن ~~عبدالله بن بشر قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله إن ~~شرائع الإسلام قد كثرت علي فباب نتمسك به جامع قال لا يزال لسانك رطبا من ~~ذكر الله خرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ PageV01P442 وخرجه الترمذي وابن ماجه ~~وابن حبان في صحيحه بمعناه وقال الترمذي حسن غريب وكلهم خرجه من رواية عمرو ~~بن قيس الكندي عن عبدالله بن بشر وخرجه ابن حبان في صحيحه وغيره من حديث ~~معاذ بن جبل قال آخر ما فارقت عليه رسول الله صلى ms608 الله عليه وسلم أن قلت له ~~أي الأعمال خير وأقرب إلى الله قال أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله وقد سبق ~~في هذا الكتاب مفرقا ذكر كثير من فضائل الذكر ونذكر هنا فضل إدامته ~~والإكثار منه قد أمر الله المؤمنين بأن يذكروه ذكرا كثيرا ومدح من ذكره ~~كذلك قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة ~~وأصيلا الأحزاب وقال تعالى واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون الجمعة وقال ~~تعالى والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ~~الأحزاب وقال تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلي جنوبهم آل عمران ~~وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على جبل ~~يقال له جمدان فقال سيروا هذا جمدان سبق المفردون قالوا ومن المفردون يا ~~رسول الله قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات وخرجه الإمام أحمد ولفظه سبق ~~المفردون قالوا ومن المفردون قال الذين يهترون في ذكر الله وخرجه الترمذي ~~وعنده قالوا يا رسول الله وما المفردون قال المستهترون في ذكر الله يضع ~~الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا وروى موسى بن PageV01P443 ~~عبيدة عن أبي عبدالله القراظ عن معاذ بن جبل قال بينما نحن مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نسير بالقريب من جمدان إذ استنبه فقال يا معاذ أين ~~السابقون فقلت قد مضوا وتخلف أناس فقال يا معاذ إن السابقين الذين يستهترون ~~بذكر الله خرجه جعفر الفرباني ومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا ~~الحديث فإنه لما سبق الركب وتخلف بعضهم نبه النبي صلى الله عليه وسلم على ~~أن السابقين على الحقيقة هم الذين يدمنون ذكر الله ويولعون به فإن ~~الاستهتار بالشيء هو الولوع به والشغف حتى لا يكاد يفارق ذكره وهذا على ~~رواية من رواه المستهترون ورواه بعضهم فقال فيه الذين اهتروا في ذكر الله ~~فسر ابن قتيبة الهتر بالسقط في الكلام كما في الحديث المستبان شيطانان ~~يتكاذبان ويتهاتران قال والمراد من هذا الحديث من عمر ms609 وخرف في ذكر الله ~~وطاعته قال والمراد بالمفردين على هذه الرواية من انفرد بالعمر عن القرن ~~الذي كان فيه وأما على الرواية الأولي فالمراد بالمفردين المتحلون من الناس ~~بذكر الله تعالى كذا قال ويحتمل وهو الأظهر أن المراد بالانفراد على ~~الروايتين الانفراد بهذا العمل وهو كثرة الذكر دون الانفراد الحسي إما عن ~~القرن أو عن المخالطة والله أعلم ومن هذا المعنى ولي عمر بن عبد العزيز ~~ليلة عرفة بعرفة عند قرب الإفاضة ليس السابق اليوم من سبق بعيره وإنما ~~السابق من غفر له وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أحب أن ~~يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله وخرج الإمام أحمد والنسائى وابن حبان ~~في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~استكثروا من الباقيات الصاحات قيل وما هن يا رسول الله قال التكبير ~~والتسبيح والتهليل والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وفي المسند وصحيح ~~ابن حبان عن أبي سعيد الخدري أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أكثروا ~~ذكر الله حتى يقولوا مجنون وروى أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عباس ~~مرفوعا أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون إنكم تراءون وخرج الإمام أحمد ~~والترمذى من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي العباد ~~أفضل درجة عند الله يوم القيامة قال الذاكرون الله كثيرا وقيل يا رسول الله ~~ومن الغازي في سبيل الله قال لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ~~ويتخضب دما لكان الذاكرون لله أفضل منه درجة وخرج الإمام أحمد من حديث سهل ~~بن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله فقال أي الجهاد أعظم ~~أجرا يا رسول الله قال أكثرهم لله ذكرا ثم قال أي الصائمين أعظم قال أكثرهم ~~لله ذكرا ثم ذكر لنا الصلاة والزكاة والحج والصدقة كلا ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول أكثرهم لله ذكرا فقال أبو بكر ذهب ms610 الذاكرون بكل خير فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل وقد خرج ابن المبارك وابن أبي الدنيا من ~~وجوه مرسلة بمعناه وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يذكر الله على كل PageV01P444 أحيانه وقال أبو الدرداء الذين لا ~~تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله يدخل أحدهما الجنة وهو يضحك وقيل له أن رجلا ~~أعتق مائة نسمة فقال إن مائة نسمة من مال رجل كثير وأفضل من ذلك إيمان ~~ملزوم بالليل والنهار وأن لا يزال لسان أحدكم رطبا من ذكر الله وقال معاذ ~~لأن أذكر الله من بكرة إلى الليل أحب إلى من أن أحمل على جياد الحيل في ~~سبيل الله من بكرة إلى الليل وقال ابن مسعود في قوله تعالى اتقوا الله حق ~~تقاته قال أن يطاع فلا يعصي ويذكر فلا ينسي ويشكر فلا يكفر خرجه الحاكم ~~مرفوعا وصححه والمشهور وقفه ولم يرفعه الحاكم وإنما رواه موقوفا على ~~عبدالله وصححه على شرطهما وقال زيد بن أسلم قال موسى عليه السلام يا رب قد ~~أنعمت على كثيرا فدلني على أن أشكرك كثيرا قال اذكرني كثيرا فإن ذكرتني ~~كثيرا فقد شكرتني وإذا نسيتني فقد كفرتني وقال الحسن أحب عباد الله إلى ~~الله أكثرهم له ذكرا وأتقاهم قلبا وقال أحمد بن أبي الحواري حدثني أبو ~~المخارق قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مررت ليلة أسري بي برجل مغيب ~~في نور العرش فقلت من هذا أملك قيل لا قلت أنبي قيل لا قلت من هو قال هذا ~~رجل كان لسانه رطبا من ذكر الله وقلبه معلق بالمساجد ولم يستسب والديه قط ~~وقال ابن مسعود قال موسى عليه السلام رب أي الأعمال أحب إليك قال أكثرهم لي ~~ذكرا قال كعب من أكثرت ذكر الله برئ من النفاق ورواه مؤمل عن حماد بن سلمة ~~عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا وخرج الطبراني بهذا الإسناد مرفوعا من ~~لم يكثر ذكر الله فقد برئ من الإيمان ويشهد ms611 لهذا المعنى أن الله وصف ~~المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلا فمن أكثر ذكر الله فقد باينهم في ~~أوصافهم ولهذا ختمت سورة المنافقين بالأمر بذكر الله وأن لا يلهي المؤمن عن ~~ذلك مال ولا ولد وإن من ألهاه ذلك عن ذكر الله فهو من الخاسرين قال الربيع ~~بن أنس عن بعض أصحابه علامة حب الله كثرة ذكره فإنك لن تحب شيئا إلا أكثر ~~ذكره قال فتح الموصلي المحب لله لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين وقال ذو ~~النون من اشتغل قلبه ولسانه بالذكر قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه ~~وقال إبراهيم الجنيد كان يقال من علامة المحب لله دوام الذكر بالقلب ~~واللسان وقلما ولع المرء بذكر الله إلا أفاد منه حب الله وكان بعض السلف ~~يقول في مناجاته إذا سئم البطالون من بطالتهم فلن يسأم محبك من مناجاتك ~~وذكرك وقال أبو جعفر المحولي ولي الله المحب لله لا يخلو قلبه من ذكر ربه ~~ولا يسأم من خدمته وقد ذكرنا قول عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر ~~الله على كل أحيانه والمعنى في حال قيامه PageV01P445 ومشيه وقعوده ~~واضطجاعه وسواء كان على طهارة أو على حدث وقال مسعر كانت دواب البحر في ~~البحر تسكن ويوسف عليه السلام في السجن لا يسكن عن ذكر الله وكان لأبي ~~هريرة خيط فيه ألف عقدة فلا ينام حتى يسبح به وكان خالد بن معدان يسبح كل ~~يوم أربعين ألف تسبيحة سوي ما يقرأ من القرآن فلما مات وضع على سريره ليغسل ~~فجعل يشير بأصبعه يحركها بالتسبيح وقيل لعمير بن هانيء ما نري لسانك يفتر ~~فكم تسبح كل يوم قال مائة ألف تسبيحة إلا أن تخطيء الأصابع يعني أنه يعد ~~ذلك بأصابعه وقال عبد العزيز بن أبي رواد كانت عندنا امرأة بمكة تسبح كل ~~يوم اثني عشرة ألف تسبيحة فماتت فلما بلغت القبر اختلست من أيدي الرجال ~~وكان الحسن البصري كثيرا ما يقول إذا لم يحدث ولم يكن له شغل سبحان الله ms612 ~~العظيم فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة فقال إن صاحبكم لفقيه ما قالها أحد سبع ~~مرات إلا بني له بيت في الجنة وكان عامة كلام ابن سيرين سبحان الله العظيم ~~سبحان الله وبحمده وكان المغيرة بن حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون نزل إلى ~~البحر وقام في الماء يذكر الله مع دواب البحر نام بعضهم عند إبراهيم بن ~~أدهم قال فكنت كلما استيقظت من الليل وجدته يذكر الله فأغتم ثم أعزي نفسي ~~بهذه الآية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء الجمعة المحب اسم محبوبه لا يغيب عن ~~قلبه فلو كلف أن ينسي ذكره لما قدر ولو كلف أن يكف عن ذكره بلسانه لما صبر ~~كيف ينسي المحب ذكر حبيب اسمه في فؤاده مكتوب كان بلال كلما عذبه المشركون ~~في الرمضاء على التوحيد يقول أحد أحد فإذا قالوا له قل واللات والعزى قال ~~لا أحسنه يراد من القلب نسيانكم وتأبي الطباع على الناقل كلما قويت المعرفة ~~صار الذكر يجري على لسان الذاكر من غير كلفة حتى كان بعضهم يجري على لسانه ~~في منامه الله الله ولهذا يلهم أهل الجنة التسبيح كما يلهمون النفس وتصير ~~لا إله إلا الله لهم كالماء البارد لأهل الدنيا كان الثوري ينشد لا لأني ~~أنساك أكثر ذكراك لكن بذاك يجري لساني إذا سمع المحب ذكر اسم حبيبه من غيره ~~زاد طربه وتضاعف قلقه قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن مسعود اقرأ على ~~القرآن قال أقرأ عليك وعليك أنزل قال إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأ عليه ~~ففاضت عيناه سمع الشبلي قائلا يقول يا الله يا جواد فاضطرب فتذكر قول ~~الشاعر % وداع دعا إذ نحن بالخيف من مني % فهيج أشواق الفؤاد وما ندري % ~~PageV01P446 % دعا باسم ليلي غيرها فكأنما % أطار بليلي طائر كان في صدري % ~~أليس تنزعج عند ذكر المحبوب % إذا ذكر المحبوب عند حبيبه % ارتج نشوان وحن ~~طروب % ذكر المحبين على خلاف ذكر الغافلين إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم % وإني لتعروني لذكراك هزة % كما انتفض ms613 العصفور بلله ~~القطر % أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله رجل ذكر ~~الله خاليا ففاضت عيناه قال أبو الجلد أوحي الله إلى موسى إذا ذكرتني ~~فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك وكن عند ذكري خاشعا مطمئنا وإذا ذكرتني فاجعل ~~لسانك من وراء قلبك وصف على يوما الصحابة فقال كانوا إذا ذكروا الله مادوا ~~كما تميد الشجرة في اليوم الشديد الريح وجرت دموعهم على ثيابهم قال زهير ~~البابي إن لله عبادا ذكروه فخرجت نفوسهم إعظاما واشتياقا وقوم ذكروه فوجلت ~~قلوبهم فرقا وهيبة فلو حرقوا بالنار لم يجدوا مس النار وآخرون ذكروه في ~~الشتاء فارفضوا عرقا من خوف وقوم ذكروه فحالت ألوانهم غبرا وقوم ذكروه فجفت ~~أعينهم سهرا صلى أبو يزيد الظهر فلما أراد أن يكبر لم يقدر إجلالا لاسم ~~الله وارتعدت فرائصه حتى سمعت قعقعة عظامه كان أبو حفص النيسابوري إذا ذكر ~~الله تغيرت عليه حاله حتى يري جميع ذلك من عنده وكان يقول ما أظن أن محقا ~~يذكر الله عن غير غفلة ثم يبقي حيا إلا الأنبياء فإنهم أيدوا بقوة النبوة ~~وخواص الأولياء بقوة ولايتهم إذا سمعت باسم الحبيب تقعقعت مفاصلها من هول ~~ما يتذكر وقف أبو زيد ليلة إلى الصباح يجتهد أن يقول لا إله إلا الله فما ~~قدر إجلالا وهيبة فلما كان عند الصباح نزل فبال الدم وما ذكرتكم إلا نسيتكم ~~نسيان إجلال لا نسيان إهمال إذا تذكرت من أنتم وكيف أنا أجللت مثلكم يخطر ~~على بالي الذكر لذة قلوب العارفين قال الله تعالى الذين آمنوا وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الرعد قال مالك بن دينار ما ~~تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله في بعض الكتب السالفة يقول الله معشر ~~الصديقين بي فافرحوا وبذكري فتنعموا وفي أثر آخر سبق ذكره وينيبون إلى ~~الذكر كما تنيب النسور إلى وكورها وعن ابن عمر قال أخبرني أهل الكتاب ~~PageV01P447 أن هذه الأمة تحب الذكر كما تحب الحمامة وكرها ولهم أسرع إلى ~~ذكر الله من الإبل إلى ms614 وردها يوم ظمئها قلوب المحبين لا تطمئن إلا بذكره ~~وأرواح المشتاقين لا تسكن إلا برؤيته قال ذو النون ما طابت الدنيا إلا ~~بذكره ولا طابت الآخرة إلا بعفوه ولا طابت الجنة إلا برؤيته أبدا نفوس ~~الطالبين إلى طلولكم تحن وكذا القلوب بذكركم بعد المخافة تطمئن حنت بحبكم ~~ومن يهوي الحبيب ولا يحن بحياتكم يا سادتي جودوا بوصلكم ومنوا وقد سبق حديث ~~اذكروا الله حتى يقولوا مجنون ولبعضهم لقد أكثرت من ذكرا ك حتى قيل وسواس ~~كان أبو مسلم الخولاني كثير الذكر فرآه بعض الناس فأنكر حاله فقال لأصحابه ~~أمجنون صاحبكم فسمعه أبو مسلم فقال لا يا أخي ولكن هذا دواء الجنون وحرمة ~~الود مالي عنكم عوض وليس لي في سواكم سادتي عوض وقد شرطت على قوم صحبتهم ~~فإن قلبي لكم من دونهم فرض ومن حديثي بكم قالوا به مرض فقلت لا زال عني ذلك ~~المرض المحبون يستوحشون من كل شاغل يشغل عن الذكر فلا شيء أحب إليهم من ~~الخلوة بحبيبهم قال عيسي عليه السلام يا معشر الحواريين كلموا الله كثيرا ~~وكلموا الناس قليلا قالوا كيف نكلم الله كثيرا قال اخلوا بمناجاته بدعائه ~~وكان بعض السلف يصلي كل يوم ألف ركعة حتى أقعد من رجليه وكان يصلي ألف ركعة ~~جالسا فإذا صلى العصر جثا واستقبل القبلة ويقول عجبت للخليقة كيف أنست ~~بسواك بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك وكان بعضهم يصوم الدهر ~~فإذا كان وقت الفطور قال أخشى بنفسي تخرج لاشتغالي عن الذكر بالأكل قيل ~~لمحمد بن النضر أما تستوحش وحدك قال كيف أستوحش وهو يقول أنا جليس من ذكرني ~~كتمت اسم الحبيب من العباد ورددت الصبابة في فؤادي فو اشوقا إلى بلد خلي ~~لعلي باسم من أهوي أنادي فإذا قوي حال المحب ومعرفته لم يشغله عن الذكر ~~بالقلب واللسان شاغل فهو بين PageV01P448 الخلق بجسمه وقلبه معلق بالمحل ~~الأعلى كما قال على في وصفهم صحبوا الدنيا بأجساد أوراحها معلقة بالمحل ~~الأعلى وفي هذا المعنى قيل جسمي معي غير أن ms615 الروح عندكم فالجسم في غربة ~~والروح في وطن وقال غيره ولقد جعلتك في الفؤادي محدثي وأبحت جسمي من أراد ~~جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وهذه كانت حال ~~الرسل والصديقين كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا الأنفال وفي الترمذي مرفوعا يقول الله إن عبدي كل عبدي ~~الذي يذكرني وهو ملاق قرنه وقال تعالى فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله ~~كذكركم آباءكم البقرة وقال تعالى فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ~~النساء الصلاة في حال الخوف ولهذا قال فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة النساء ~~وقال تعالى في ذكر صلاة الجمعة فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون الجمعة فأمر بالجمع بين ~~الابتغاء من فضله وكثرة ذكره ولهذا ورد فضل الذكر في الأسواق ومواطن الغفلة ~~كما في المسند والترمذى وسنن ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعا من دخل سوقا يصاح ~~فيه ويباع فيه فقال لا إله إلا وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ~~ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف ~~حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة وفي حديث آخر ذاكر الله ~~في الغافلين كمثل المقاتل عن الفارين وذاكر الله في الغافلين كشجرة خضراء ~~في وسط شجر يابس قال أبو عبيدة ابن عبدالله بن مسعود ما دام قلب الرجل يذكر ~~الله فهو في صلاة وإن كان في السوق وإن حرك به شفته فهو أفضل وكان بعض ~~السلف يقصد السوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة والتقي رجلان منهم في ~~السوق فقال أحدهما لصاحبه تعال حتى نذكر الله في غفلة الناس فخلوا في موضع ~~فذكرا الله ثم تفرقا ثم مات أحدهما فلقيه الآخر في منامه فقال له أشعرت أن ~~الله غفر لنا عشية التقينا في السوق فصل في وظائف الذكر الموظفة في اليوم ~~والليلة معلوم أن الله فرض ms616 على المسلمين أن يذكروه كل يوم وليلة خمس مرات ~~بإقامة الصلوات الخمس في مواقيتها الموقتة وشرع لهم مع هذه الفرائض الخمس ~~أن يذكروه ذكرا يكون لهم نافلة والنافلة الزيادة فيكون ذلك زيادة على ~~الصلوات الخمس وهي نوعان احداهما ما هو PageV01P449 من جنس الصلاة فشرع لهم ~~أن يصلوا مع الصلوات الخمس قبلها أو بعدها أو قبلها وبعدها سننا فتكون ~~زيادة على الفريضة فإن كان في الفريضة نقص جبر نقصها بهذه النوافل وإلا ~~كانت النوافل زيادة على الفرائض وأطوال ما يتخلل بين مواقيت الصلاة مما ليس ~~فيه صلاة مفروضة ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر وما بين صلاة الفجر وصلاة ~~الظهر فشرع ما بين كل واحدة من هاتين الصلاتين صلاة تكون نافلة لئلا يطول ~~وقت الغفلة عن الذكر فشرع ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر صلاة الوتر وقيام ~~الليل وشرع ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر صلاة الضحى وبعض هذه الصلوات آكد ~~من بعض فآكدها الوتر ولذلك اختلف العلماء في وجوبه ثم قيام الليل وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يداوم عليه حضرا وسفرا ثم صلاة الضحى وقد اختلف ~~الناس فيها وفي استحباب المدوامة عليها وفي الترغيب فيها أحاديث صحيحة وورد ~~الترغيب أيضا في الصلاة عقيب زوال الشمس وأما الذكر باللسان فمشروع في جميع ~~الأوقات ويتأكد في بعضها فمما يتأكد فيه الذكر عقيب الصلوات المفروضات وأن ~~يذكر الله عقيب كل صلاة منها مائة مرة ما بين تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل ~~ويستحب أيضا الذكر بعد الصلاتين اللتين لا تطوع بعدهما وهما الفجر والعصر ~~فيشرع الذكر بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس ~~وهذان الوقتان أعني وقت الفجر ووقت العصر هما أفضل أوقات النهار للذكر ~~ولهذا أمر الله تعالى بذكره فيهما في مواضع من القرآن كقوله وسبحوه بكرة ~~وأصيلا الأحزاب وقوله واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا الإنسان وقوله وسبح بالعشي ~~والإبكار آل عمران وقوله فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا مريم وقوله ~~فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون الروم ms617 وقوله فسبح بحمد ربك واستغفره ~~النصر وقوله واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو ~~والآصال ولا تكن من الغافلين الأعراف وقوله وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل غروبها طه وقوله وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ق وأفضل ما ~~فعل في هذين الوقتين من الذكر صلاة الفجر وصلاة العصر وهما أفضل الصلوات ~~وقد قيل في كل منهما إنها الصلاة الوسطي وهما البردان اللذان من حافظ ~~عليهما دخل الجنة ويليهما من أوقات الذكر الليل والنهار ولهذا يذكر بعد ~~هذين الوقتين في القرآن تسبيح الليل وصلاته والذكر المطلق يدخل فيه الصلاة ~~وتلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه والعلم النافع كما يدخل فيه التسبيح والتكبير ~~والتهليل ومن أصحابنا من رجح التلاوة على التسبيح ونحوه بعد الفجر والعصر ~~وسئل الأوزاعي عن ذلك فقال كان هديهم ذكر الله فإن قرأ فحسن وظاهر هذا أن ~~الذكر في هذا الوقت أفضل من التلاوة وكذا قال إسحاق في التسبيح عقيب ~~المكتوبات مائة مرة إنه أفضل من التلاوة حينئذ والأذكار والأدعية المأثورة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصباح والمساء كثيرة جدا ويستحب أيضا ~~إحياء ما بين العشاءين بالصلاة والذكر وقد تقدم حديث PageV01P450 أنس أنه ~~نزل في ذلك قوله تعالى تتجافى جنوبهم عن المضاجع السجدة ويستحب تأخير ~~العشاء إلى ثلث الليل كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة وهو مذهب الإمام أحمد ~~وغيره حتى يفعل هذه الصلاة في أفضل وقتها وهو آخره ويشتغل منتظر هذه الصلاة ~~في الجماعة في هذا الثلث الأول من الليل بالصلاة أو بالذكر أو انتظار ~~الصلاة في المسجد ثم إذا صلى العشاء وصلي بعدها ما يتبعها من سنتها الراتبة ~~أو أوتر بعد ذلك إن كان يريد أن يوتر قبل النوم فإذا أوي إلى فراشه بعد ذلك ~~للنوم فإنه يستحب له أن لا ينام إلا على طهارة وذكر فيسبح ويحمد ويكبر تمام ~~مائة كما علم النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وعليا أن يفعلاه عند منامهما ~~ويأتي بما قدر عليه من الأذكار ms618 الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم عند ~~النوم وهي أنواع متعددة من تلاوة القرآن وذكر الله ثم ينام على ذلك فإذا ~~استيقظ من الليل وتقلب على فراشه فليذكر الله كلما تقلب ففي صحيح البخاري ~~عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من تعار من الليل فقال لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم ~~قال رب اغفر لي أو قال ثم دعا استجيب له فإن عزم فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته ~~وفي الترمذي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أوي إلى ~~فراشه طاهرا يذكر الله حتى يدركه النعاس لم تمض ساعة من الليل يسأل الله ~~فيها شيئا من خيري الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وخرج أبو داود معناه من ~~حديث معاذ وخرجه النسائي من حديث عمر بن عبسة والإمام أحمد من حديث عمر بن ~~عبسة في هذا الحديث وكان أول ما يقول إذا استيقظ سبحانك لا إله إلا أنت ~~فاغفر لي إلا انسلخ من خطاياه كما تنسلخ الحية من جلدها وثبت أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا استيقظ من منامه يقول الحمد لله الذي أحياني بعد ما ~~أماتني وإليه النشور ثم إذا قام إلى الوضوء والتهجد أتي بذلك كله على ماورد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ويختم تهجده بالاستغفار في السحر كما مدح الله ~~المستغفرين بالأسحار وإذا طلع الفجر صلى ركعتي الفجر ثم صلى الفجر واشتغل ~~بعد صلاة الفجر بالذكر المأثور إلى أن تطلع الشمس على ما تقدم ذكره فمن كان ~~حاله على ما ذكرنا لم يزل لسانه رطبا من ذكر الله فيستحب الذكر في يقظته ~~حتى ينام عليه ثم يبدأ به عند استيقاظه وذلك من دلائل صدق المحبة كما قال ~~بعضهم وآخر شيء أنت في كل هجعة وأول شيء أنت وقت هبوب وأما ms619 ما يفعله ~~الإنسان في آناء الليل وأطراف النهار من مصالح دينه وبدنه ودنياه فعامة ذلك ~~يشرع ذكر اسم الله عليه فيشرع له ذكر اسم الله وحمده على أكله وشربه ولباسه ~~وجماعه لأهله ودخول منزله وخروجه منه ودخوله الخلاء وخروجه منه وركوبه ~~دابته ويسمي على ما يذبحه من نسك وغيره ويشرع له حمد الله على عطاسه وعند ~~رؤية أهل البلاء في الدين أو الدنيا وعند PageV01P451 التقاء الإخوان وسؤال ~~بعضهم بعضا عن حاله وعند تجدد ما يحبه الإنسان من النعم واندفاع ما يكرهه ~~من النقم وأكمل من ذلك أن يحمد الله على السراء والضراء والشدة والرخاء ~~ويحمده على كل حال ويشرع له دعاء الله عند دخول السوق وعند سماع أصوات ~~الديكة بالليل وعند سماع الرعد وعند نزول المطر وعند اشتداد هبوب الرياح ~~وعنه رؤية الأهلة وعند رؤية باكورة الثمار ويشرع أيضا ذكر الله ودعاؤه عند ~~نزول الكرب وحدوث المصائب الدنيوية وعند الخروج للسفر وعند نزول المنازل في ~~السفر وعند الرجوع من السفر ويشرع التعوذ بالله عند الغضب وعند رؤية ما ~~يكره في منامه وعند سماع أصوات الكلاب والحمير بالليل ويشرع استخارة الله ~~عند العزم على مالا يظهر الخيرة فيه وتجب التوبة إلى الله والاستغفار من ~~الذنوب كلها صغيرها وكبيرها كما قال تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم آل عمران فمن حافظ على ذلك لم يزل ~~لسانه رطبا بذكر الله في كل أحواله فصل قد ذكرنا في أول الكتاب أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد بعث بجوامع الكلم فكان صلى الله عليه وسلم يعجبه ~~جوامع الكلم ويختاره على غيره من الذكر كما في الصحيح في مسلم عن ابن عباس ~~عن جويرية بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين ~~صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن ضحي وهي جالسة فقال مازلت على الحال ~~التي فارقتك عليها قالت نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد قلت بعدك ~~أربع كلمات ms620 ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله وبحمده ~~عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته وخرجه النسائي ولفظه سبحان الله ~~والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ~~ومداد كلماته وخرجه أبو داود والترمذى والنسائى من حديث سعد بن أبي وقاص ~~أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوي أو قال حصى ~~تسبح به فقال ألا أخبرك بما هو أيسر من هذا وأفضل سبحان الله عدد ما خلق في ~~السماء وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض وسبحان الله عدد ما بين ذلك وسبحان ~~الله عدد ما هو خالق والله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله مثل ذلك وخرج الترمذي من حديث صفية قالت دخل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بها فقال سبحت بهذه فقال ~~ألا أعلمك بأكثر مما سبحت به فقلت علمني فقال قولي سبحان الله عدد خلقه ~~وخرج النسائي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مر به وهو يحرك شفتيه فقال ماذا تقول يا أبا أمامة قال أذكر ربي قال ~~ألا أخبرك بأكثر أو أفضل PageV01P452 من ذكرك الليل مع النهار والنهار مع ~~الليل أن تقول سبحان الله عدد ما خلق سبحان الله ملء ما خلق سبحان الله عدد ~~ما في الأرض والسماء وسبحان الله ملء ما في الأرض والسماء وسبحان الله عدد ~~ما أحصي كتابه وسبحان الله ملء ما أحصي كتابه وسبحان الله عدد كل شيء ~~وسبحان الله ملء كل شيء وتقول الحمد لله مثل ذلك وخرج البزار نحوه من حديث ~~أبي الدرداء وخرج ابن أبي الدنيا بإسناد له أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لمعاذ يا معاذ كم تذكر ربك كل يوم تذكره كل يوم عشرة آلاف قال كل ذلك ~~أفعل قال أفلا أدلك على كلمات هن ms621 أهون عليك من عشرة آلاف وعشرة آلاف أن ~~تقول لا إله إلا الله عدد ما أحصاه علمه لا إله إلا الله عدد كلماته لا إله ~~إلا الله عدد خلقه لا إله إلا الله زنة عرشه لا إله إلا الله ملء سمواته لا ~~إله إلا الله ملء أرضه لا إله إلا الله مثل ذلك معه والله أكبر مثل ذلك معه ~~والحمد لله مثل ذلك معه وبإسناده أن ابن مسعود ذكر له امرأة تسبح بخيوط ~~معقدة فقال ألا أدلك على ما هو خير لك منه سبحان الله ملء البر والبحر ~~سبحان الله ملء السموات والأرض سبحان الله عدد خلقه سبحان الله رضا نفسه ~~فإذا أنت قد ملأت البر والبحر والسماء والأرض وبإسناده عن المعتمر بن ~~سليمان التيمي قال كان أبي يحدث خمسة أحاديث ثم يقول امهلوا سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله عدد ما ~~خلق وعدد ما هو خالق وزنة ما هو خالق وملء ما هو خالق وملء سمواته وملء ~~أرضه ومثل ذلك وأضعاف ذلك وعدد خلقه وزنة عرشه ومنتهى رحمته ومداد كلماته ~~ومبلغ رضاه وحتى يرضي وإذا رضي وعدد ما ذكره به خلقه في جميع ما مضي وعدد ~~ما هم ذاكرونه فيما بقي في كل سنة وشهر وجمعة ويوم وليلة وساعة من الساعات ~~وتنسم وتنفس من الأبد إلى الأبد أبد الدنيا والآخرة أبدا من ذلك لا ينقطع ~~أولاه ولا ينفد أخراه وبإسناده عن المعتمر بن سليمان قال رأيت عبد الملك بن ~~خالد بعد موته فقلت ما صنعت قال خيرا فقلت ترجو للخاطئ شيئا قال يلتمس علم ~~تسبيحات أبي المعتمر نعم الشيء قال ابن أبي الدنيا وحدثني محمد بن أبي ~~الحسين حدثني بعض البصريين أن يونس بن عبيد رآه رجل فيما يري النائم كان قد ~~أصيب ببلاد الروم فقال ما أفضل ما رأيت ثم من الأعمال قال رأيت تسبيحات أبي ~~المعتمر من الله بمكان كذلك كان صلى الله عليه وسلم يعجبه من ms622 الدعاء جوامعه ~~ففي سنن أبي داود عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه ~~الجوامع من الدعاء ويدع ما بين ذلك وخرجه البزار وغيره من حديث عائشة رضي ~~الله عنها أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يا عائشة عليك بجوامع ~~الدعاء اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم ~~وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم اللهم إني أسألك ~~من خير ما سألك منه محمد عبدك ونبيك وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبدك ونبيك ~~اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما ~~قرب إليها من قول وعمل وأسألك ما قضيت لي من قضاء أن تجعل عاقبته رشدا ~~وخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وليس عندهم ذكر ~~جوامع الدعاء وعند الحاكم عليك بالكوامل وذكره وخرجه أبو بكر الأثرم وعنده ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ما منعك أن تأخذي بجوامع الكلم ~~وفواتحه وذكر هذا الدعاء وخرجه الترمذي من حديث أبي لبابه قال دعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا فقلنا يا رسول الله ~~دعوت بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا قال ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كله ~~تقولون اللهم إنا نسألك من خير ما أسالك منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ~~ونعوذ بك من شر ما استعاذ منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وأنت المستعان ~~وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله وخرجه الطبراني وغيره من حديث أم ~~سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعاء له طويل اللهم إني سألك ~~فواتح الخير وخواتمه وجوامعه وأوله وآخره وظاهره وباطنه وفي المسند أن سعد ~~بن أبي وقاص سمع ابنا له يدعو ويقول اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها ~~وإستبرقها ونحوا من هذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها ms623 فقال لقد سألت ~~الله خيرا كثيرا وتعوذت بالله من شر كثير وإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء وقرأ هذه الآية ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين الأعراف وإن حسبك أن تقول اللهم إني أسألك ~~الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول ~~وعمل وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم السلام على الله السلام على جبريل و ميكائيل السلام على ~~فلان وفلان فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إن الله هو ~~السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات لله ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلي عباد الله ~~الصالحين فإذا قالها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم ليتخير من المسألة ما شاء وفي ~~المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ~~مفاتح الخير وجوامعه أو جوامع الخير وفواتحه وخواتمه وإن كنا لا ندري ما ~~نقول في صلاتنا حتى علمنا فقال قولوا التحيات لله فذكره إلى آخره والله ~~أعلم وأحكم وصلى الله على خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم PageV01P453 ms624