######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shamela_0004268
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795هـ)
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 795
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: شروح الحديث
#META# 022.BookVOLS :: 2 (في مجلد واحد)
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shamela_0004268
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-4268
#META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/4268
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: شعيب الأرناؤوط - إبراهيم باجس
#META# 041.EdNUMBER :: السابعة، 1422هـ - 2001م
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: مؤسسة الرسالة - بيروت
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: NODATA
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#META#Header#End#
# PageV00P000
### | [مقدمة المؤلف]
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا
~~النعمة، وجعل أمتنا - ولله الحمد - خير أمة، وبعث فينا رسولا منا يتلو
~~علينا آياته، ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة. أحمده على نعمه الجمة، وأشهد
~~أن لا إله الله وحده لا شريك له، شهادة تكون لمن اعتصم بها خير عصمة، وأشهد
~~أن محمدا عبده ورسوله، أرسله للعالمين رحمة، وفرض عليه بيان ما أنزل إلينا،
~~فأوضح لنا كل الأمور المهمة، وخصه بجوامع الكلم، فربما جمع أشتات الحكم
~~والعلوم في كلمة، أو شطر كلمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة تكون
~~لنا نورا من كل ظلمة، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى
~~بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم، وخصه ببدائع الحكم. كما في "
~~الصحيحين "، عن أبي هريرة، عن «النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بعثت
~~بجوامع الكلم» قال الزهري: جوامع الكلم - فيما بلغنا - أن الله يجمع له
~~الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين،
~~ونحو ذلك.
# PageV01P053
# خرج الإمام أحمد رحمه الله من حديث عمرو بن العاص، قال: «خرج علينا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم يوما كالمودع، فقال: " أنا محمد النبي الأمي ".
~~قال ذلك ثلاث مرات. " ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه» "،
~~وذكر الحديث. وخرج أبو يعلى الموصلي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنى أوتيت جوامع الكلم وخواتمه، واختصر لي
~~اختصارا» . وخرج الدارقطني من حديث ابن عباس، «عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال أعطيت جوامع الكلم، واختصر لي الحديث اختصارا» . وروينا من حديث عبد
~~الرحمن بن إسحاق القرشي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: «قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: " أعطيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه " فقلنا: يا رسول
~~الله، علمنا مما علمك الله عز وجل، قال: فعلمنا التشهد» .
# PageV01P054
# وفي " صحيح مسلم "، عن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن جده،
~~«أن ms001 النبي صلى الله عليه وسلم سئل، عن البتع والمزر، قال وكان رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه، فقال: أنهى عن كل مسكر
~~أسكر عن الصلاة» . وروى هشام بن عمار في كتاب " المبعث " بإسناده، عن أبي
~~سلام الحبشي، قال: «حدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " فضلت على
~~من قبلي بست ولا فخر " فذكر منها: قال: " وأعطيت جوامع الكلم، وكان أهل
~~الكتاب يجعلونها جزءا بالليل إلى الصباح، فجمعها لي ربي في آية واحدة {سبح
~~لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الحديد: 1] (الحديد: 1) » .
~~فجوامع الكلم التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم نوعان: أحدهما: ما هو
~~في القرآن، كقوله عز وجل: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى
~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} [النحل: 90] (النحل: 90) قال الحسن: لم
~~تترك هذه الآية خيرا إلا أمرت به، ولا شرا إلا نهت عنه. والثاني: ما هو في
~~كلامه صلى الله عليه وسلم، وهو منتشر موجود في السنن المأثورة عنه
# PageV01P055
# صلى الله عليه وسلم. وقد جمع العلماء جموعا من كلماته صلى الله عليه وسلم
~~الجامعة، فصنف الحافظ أبو بكر بن السني كتابا سماه: " الإيجاز وجوامع الكلم
~~من السنن المأثورة " وجمع القاضي أبو عبد الله القضاعي من جوامع الكلم
~~الوجيزة كتابا سماه: " الشهاب في الحكم والآداب "، وصنف على منواله قوم
~~آخرون، فزادوا على ما ذكره زيادة كثيرة. وأشار الخطابي في أول كتابه " غريب
~~الحديث " إلى يسير من الأحاديث الجامعة. وأملى الإمام الحافظ أبو عمرو بن
~~الصلاح مجلسا سماه " الأحاديث الكلية " جمع فيه الأحاديث الجوامع التي
~~يقال: إن مدار الدين عليها، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة،
~~فاشتمل مجلسه هذا على ستة وعشرين حديثا. ثم إن الفقيه الإمام الزاهد القدوة
~~أبا زكريا يحيى النووي رحمة الله عليه أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن
~~الصلاح، وزاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثا، وسمى كتابه " بالأربعين "،
~~واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها، وكثر حفظها، ونفع الله بها ببركة نية ms002
~~جامعها، وحسن قصده رحمه الله. وقد تكرر سؤال جماعة من طلبة العلم والدين
~~لتعليق شرح لهذه الأحاديث المشار إليها، فاستخرت الله سبحانه وتعالى في جمع
~~كتاب يتضمن شرح ما ييسره الله تعالى من معانيها، وتقييد ما يفتح به سبحانه
~~من تبيين قواعدها ومبانيها، وإياه أسأل العون على ما قصدت، والتوفيق لصلاح
~~النية والقصد فيما أردت، وأعول في أمري كله عليه، وأبرأ من الحول والقوة
~~إلا إليه. وقد كان بعض من شرح هذه الأربعين قد تعقب على جامعها رحمه الله
~~تركه
# PageV01P056
# لحديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض، فلأولى رجل ذكر» قال:
~~لأنه الجامع لقواعد الفرائض التي هي نصف العلم، فكان ينبغي ذكره في هذه
~~الأحاديث الجامعة، كما ذكر حديث «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر»
~~لجمعه لأحكام القضاء. فرأيت أنا أن أضم هذا الحديث إلى أحاديث الأربعين
~~التي جمعها الشيخ رحمه الله، وأن أضم إلى ذلك كله أحاديث أخر من جوامع
~~الكلم الجامعة لأنواع العلوم والحكم، حتى تكمل عدة الأحاديث كلها خمسين
~~حديثا، وهذه تسمية الأحاديث المزيدة على ما ذكره الشيخ رحمه الله في كتابه:
~~حديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها» حديث: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»
~~حديث: «إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه» حديث: «كل مسكر حرام» حديث: «ما ملأ
~~آدمي وعاء شرا من بطن» حديث: «أربع من كن فيه كان منافقا» حديث: «لو أنكم
~~توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير» حديث: «لا يزال لسانك
~~رطبا من ذكر الله عز وجل» . وسميته:
# PageV01P057
# جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم. واعلم أنه ليس
~~غرضي إلا شرح الألفاظ النبوية التي تضمنتها هذه الأحاديث الكلية، فلذلك لا
~~أتقيد بكلام الشيخ رحمه الله في تراجم رواة هذه الأحاديث من الصحابة رضي
~~الله عنهم، ولا بألفاظه في العزو إلى الكتب التي يعزو إليها، وإنما آتي
~~بالمعنى الذي يدل على ذلك؛ لأني قد أعلمتك أنه ليس لي غرض إلا في شرح معاني
~~كلمات النبي صلى الله عليه ms003 وسلم الجوامع، وما يتضمنه من الآداب والحكم
~~والمعارف والأحكام والشرائع. وأشير إشارة لطيفة قبل الكلام في شرح الحديث
~~إلى إسناده؛ ليعلم بذلك صحته وقوته وضعفه، وأذكر بعض ما روي في معناه من
~~الأحاديث إن كان في ذلك الباب شيء غير الحديث الذي ذكره الشيخ، وإن لم يكن
~~في الباب غيره، أو لم يكن يصح فيه غيره، نبهت على ذلك كله، وبالله
~~المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
# PageV01P058
### | [الحديث الأول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى]
# PageV01P058
# بسم الله الرحمن الرحيم الحديث الأول عن عمر بن
~~الخطاب رضي الله عنه، «قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما
~~الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله،
~~فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها،
~~فهجرته إلى ما هاجر إليه» . رواه البخاري ومسلم.
# هذا الحديث تفرد بروايته يحيى بن
~~سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن أبي وقاص الليثي،
~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
# PageV01P059
# وليس له طريق تصح غير هذا الطريق، كذا قال علي بن المديني وغيره. وقال
~~الخطابي: لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في ذلك، مع أنه قد روي من حديث أبي
~~سعيد وغيره، وقد قيل إنه قد روي من طرق كثيرة، لكن لا يصح من ذلك شيء عند
~~الحفاظ. ثم رواه عن الأنصاري الخلق الكثير والجم الغفير، فقيل: رواه عنه
~~أكثر من مائتي راو، وقيل: رواه عنه سبعمائة راو، ومن أعيانهم: مالك،
~~والثوري،
# PageV01P060
# والأوزاعي، وابن المبارك، والليث بن سعد وحماد بن زيد، وشعبة، وابن
~~عيينة، وغيرهم. واتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول، وبه صدر البخاري
~~كتابه " الصحيح " وأقامه مقام الخطبة له، إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد
~~به وجه الله، فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال عبد
~~الرحمن بن مهدي: لو صنفت كتابا في الأبواب، لجعلت حديث عمر ms004 بن الخطاب في
~~الأعمال بالنيات في كل باب، وعنه أنه قال: من أراد أن يصنف كتابا، فليبدأ
~~بحديث " «الأعمال بالنيات» ". وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين
~~عليها، فروي عن الشافعي أنه قال: هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين
~~بابا من الفقه. وعن الإمام أحمد قال: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث
~~عمر: «إنما الأعمال بالنيات» وحديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس
~~منه فهو رد» وحديث النعمان بن بشير: «الحلال بين والحرام بين.» وقال
~~الحاكم: حدثونا عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه أنه ذكر قوله عليه الصلاة
~~والسلام: «الأعمال بالنيات» وقوله: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين
~~يوما،» وقوله: «من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد» فقال: ينبغي أن يبدأ
~~بهذه الأحاديث في كل تصنيف، فإنها أصول الأحاديث
# PageV01P061
# وعن إسحاق بن راهويه قال: أربعة أحاديث هي من أصول الدين: حديث عمر:
~~«إنما الأعمال بالنيات،» وحديث: «الحلال بين والحرام بين» ، وحديث «إن خلق
~~أحدكم يجمع في بطن أمه» ، وحديث: «من صنع في أمرنا شيئا ليس منه فهو رد.»
~~وروى عثمان بن سعيد، عن أبي عبيد، قال: جمع النبي صلى الله عليه وسلم جميع
~~أمر الآخرة في كلمة: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» ، وجمع أمر
~~الدنيا كله في كلمة: «إنما الأعمال بالنيات» يدخلان في كل باب. وعن أبي
~~داود، قال نظرت في الحديث المسند، فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثم نظرت، فإذا
~~مدار أربعة آلاف حديث على أربعة أحاديث: حديث النعمان بن بشير: «الحلال بين
~~والحرام بين،» وحديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات» ، وحديث أبي هريرة: «إن
~~الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين»
~~الحديث، وحديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.» قال: فكل حديث من
~~هذه ربع العلم. وعن أبي داود أيضا، قال كتبت عن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما تضمنه هذا الكتاب ms005 - يعني كتاب "
~~السنن " - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك
~~أربعة أحاديث: أحدها: قوله صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات» ،
~~والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه،»
~~والثالث: قوله صلى الله عليه وسلم «لا يكون المؤمن مؤمنا حتى لا
# PageV01P062
# يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه» ، والرابع: قوله صلى الله عليه وسلم:
~~«الحلال بين والحرام بين» . وفي رواية أخرى عنه أنه قال: الفقه يدور على
~~خمسة أحاديث: «الحلال بين والحرام بين» ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا
~~ضرر ولا ضرار» ، وقوله «الأعمال بالنيات» ، وقوله «الدين النصيحة» ، وقوله:
~~«ما نهيتكم عنه فاجتنبوه» ، «وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» . وفي
~~رواية عنه، قال: أصول السنن في كل فن أربعة أحاديث: حديث عمر «الأعمال
~~بالنيات» ، وحديث: «الحلال بين والحرام بين» ، وحديث: «من حسن إسلام المرء
~~تركه ما لا يعنيه» ، وحديث: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي
~~الناس يحبك الناس» . وللحافظ أبي الحسن طاهر بن مفوز المعافري الأندلسي:
# عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البريه
# اتق الشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملن بنيه
# فقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» ، وفي رواية: «الأعمال
~~بالنيات» . وكلاهما يقتضي الحصر على الصحيح، وليس غرضنا هاهنا توجيه ذلك،
~~ولا بسط القول فيه. وقد اختلف في تقدير قوله: الأعمال بالنيات، فكثير من
~~المتأخرين يزعم
# PageV01P063
# أن تقديره: الأعمال صحيحة أو معتبرة ومقبولة بالنيات، وعلى هذا فالأعمال
~~إنما أريد بها الأعمال الشرعية المفتقرة إلى النية، فأما ما لا يفتقر إلى
~~النية كالعادات من الأكل والشرب، واللبس وغيرها، أو مثل رد الأمانات
~~والمضمونات، كالودائع والغصوب، فلا يحتاج شيء من ذلك إلى نية، فيخص هذا كله
~~من عموم الأعمال المذكورة هاهنا. وقال آخرون: بل الأعمال هاهنا على عمومها،
~~لا يخص منها شيء. وحكاه بعضهم عن الجمهور، وكأنه يريد به جمهور المتقدمين،
~~وقد وقع ذلك في كلام ابن جرير الطبري، وأبي طالب المكي وغيرهما من ms006
~~المتقدمين، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد. قال في رواية حنبل: أحب لكل من عمل
~~عملا من صلاة، أو صيام، أو صدقة، أو نوع من أنواع البر أن تكون النية
~~متقدمة في ذلك قبل الفعل، قال النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات،
~~فهذا يأتي على كل أمر من الأمور. وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله -
~~يعني أحمد - عن النية في العمل، قلت كيف النية؟ قال: يعالج نفسه، إذا أراد
~~عملا لا يريد به الناس. وقال أحمد بن داود الحربي: قال حدث يزيد بن هارون
~~بحديث عمر: الأعمال بالنيات، وأحمد جالس، فقال أحمد ليزيد: يا أبا خالد،
~~هذا الخناق. وعلى هذا القول فقيل: تقدير الكلام: الأعمال واقعة أو حاصلة
~~بالنيات، فيكون إخبارا عن الأعمال الاختيارية أنها لا تقع إلا عن قصد من
~~العامل هو سبب عملها ووجودها، ويكون قوله بعد ذلك: «وإنما لكل امرئ ما نوى»
~~إخبارا عن حكم الشرع، وهو أن حظ العامل من عمله نيته، فإن كانت صالحة،
~~فعمله صالح، فله أجره، وإن كانت فاسدة، فعمله فاسد، فعليه وزره. ويحتمل أن
~~يكون التقدير في قوله: الأعمال بالنيات: الأعمال صالحة،
# PageV01P064
# أو فاسدة، أو مقبولة، أو مردودة، أو مثاب عليها، أو غير مثاب عليها
~~بالنيات، فيكون خبرا عن حكم شرعي، وهو أن صلاح الأعمال وفسادها بحسب صلاح
~~النيات وفسادها، كقوله: صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالخواتيم» أي:
~~إن صلاحها وفسادها وقبولها وعدمه بحسب الخاتمة. وقوله بعد ذلك: «وإنما لكل
~~امرئ ما نوى» إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه به، فإن نوى خيرا
~~حصل له خير، وإن نوى به شرا حصل له شر، وليس هذا تكريرا محضا للجملة
~~الأولى، فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية
~~المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب
~~نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وقد تكون نيته مباحة،
~~فيكون العمل مباحا، فلا يحصل له ثواب ولا عقاب، فالعمل في ms007 نفسه صلاحه
~~وفساده وإباحته بحسب النية الحاملة عليه، المقتضية لوجوده، وثواب العامل
~~وعقابه وسلامته بحسب النية التي بها صار العمل صالحا، أو فاسدا، أو مباحا.
# واعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وإن كان قد فرق بين هذه
~~الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره. والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين:
~~أحدهما: بمعنى تمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز صلاة الظهر من صلاة
~~العصر مثلا، وتمييز صيام رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من
~~العادات، كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظف، ونحو ذلك، وهذه
~~النية هي التي توجد كثيرا في كلام الفقهاء في كتبهم. والمعنى الثاني: بمعنى
~~تمييز المقصود بالعمل، وهل هو الله وحده لا
# PageV01P065
# شريك له، أم غيره، أم الله وغيره، وهذه النية هي التي يتكلم فيها
~~العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيرا في
~~كلام السلف المتقدمين. وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفا سماه: كتاب "
~~الإخلاص والنية " وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في
~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم تارة بلفظ النية، وتارة بلفظ الإرادة، وتارة
~~بلفظ مقارب لذلك، وقد جاء ذكرها كثيرا في كتاب الله عز وجل بغير لفظ النية
~~أيضا من الألفاظ المقاربة لها. وإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة
~~والقصد ونحوهما؛ لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء،
~~فمنهم من قال: النية تختص بفعل الناوي، والإرادة لا تختص بذلك، كما يريد
~~الإنسان من الله أن يغفر له، ولا ينوي ذلك. وقد ذكرنا أن النية في كلام
~~النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني
~~غالبا، فهي حينئذ بمعنى الإرادة، ولذلك يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن
~~كثيرا، كما في قوله تعالى: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} [آل
~~عمران: 152] [آل عمران: 152] ، وقوله: {تريدون عرض الدنيا والله يريد
~~الآخرة} [الأنفال: 67] (الأنفال: 67) ، وقوله: {من كان يريد حرث الآخرة نزد
~~له في حرثه ms008 ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب}
~~[الشورى: 20] (الشورى: 20) ، وقوله: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما
~~نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا - ومن أراد الآخرة
~~وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} [الإسراء: 18 - 19]
~~(الإسراء: 18 - 19) ، وقوله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف
~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون - أولئك الذين ليس لهم في الآخرة
~~إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} [هود: 15 - 16] (هود:
~~15 - 16) وقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}
~~[الأنعام: 52] (الأنعام: 52) ، وقوله: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم
~~بالغداة
# PageV01P066
# والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} [الكهف:
~~28] (الكهف: 28) ، وقوله: {ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم
~~المفلحون} [الروم: 38] وقوله: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا
~~يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون}
~~[الروم: 39] (الروم: 38 - 39) . وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ " الابتغاء "
~~كما في قوله تعالى: {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} [الليل: 20] (الليل: 20) ،
~~وقوله: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله} [البقرة: 265]
~~(البقرة: 265) ، وقوله: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} [البقرة: 272]
~~(البقرة: 272) ، وقوله: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو
~~معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا
~~عظيما} [النساء: 114] (النساء: 114) . فنفى الخير عن كثير مما يتناجى به
~~الناس إلا في الأمر بالمعروف، وخص من أفراده الصدقة والإصلاح بين الناس
~~لعموم نفعها، فدل ذلك على أن التناجي بذلك خير، وأما الثواب عليه من الله،
~~فخصه بمن فعله ابتغاء مرضات الله. وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة
~~والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرا، وإن لم يبتغ به وجه الله؛ لما يترتب على
~~ذلك من النفع المتعدي، فيحصل به للناس إحسان وخير، وأما بالنسبة إلى الأمر،
~~فإن قصد به وجه الله وابتغاء ms009 مرضاته، كان خيرا له، وأثيب عليه، وإن لم يقصد
~~ذلك لم يكن خيرا له، ولا ثواب له عليه، وهذا بخلاف من صام وصلى وذكر الله،
~~يقصد بذلك عرض الدنيا، فإنه لا خير له فيه بالكلية؛ لأنه لا نفع في ذلك
~~لصاحبه لما يترتب عليه من الإثم فيه، ولا لغيره لأنه لا يتعدى نفعه إلى
~~أحد، اللهم إلا أن يحصل لأحد به اقتداء في ذلك. وأما ما ورد في السنة،
~~وكلام السلف من تسمية هذا المعنى بالنية، فكثير
# PageV01P067
# جدا، ونحن نذكر بعضه، كما خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث عبادة بن
~~الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من غزا في سبيل الله ولم
~~ينو إلا عقالا، فله ما نوى» . وخرج الإمام أحمد من حديث ابن مسعود، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش، ورب قتيل
~~بين صفين الله أعلم بنيته» . وخرج ابن ماجه من حديث جابر،، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «يحشر الناس على نياتهم» . ومن حديث أبي هريرة، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنما يبعث الناس على نياتهم.» وخرج ابن
~~أبي الدنيا من حديث عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنما يبعث
~~المقتتلون على النيات.» وفي " صحيح مسلم " عن أم سلمة، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من
~~الأرض، خسف بهم، فقلت:
# PageV01P068
# يا رسول الله، فكيف بمن كان كارها؟ قال: يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم
~~القيامة على نيته.» وفيه أيضا عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى
~~هذا الحديث، «وقال فيه يهلكون مهلكا واحدا، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله
~~على نياتهم.» وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت، عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «من كانت الدنيا همه، فرق الله أمره، وجعل فقره
~~بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع ms010
~~الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة.» هذا لفظ ابن
~~ماجه، ولفظ أحمد: «من كان همه الآخرة، ومن كانت نيته الدنيا،» وخرجه ابن
~~أبي الدنيا، وعنده: «من كانت نيته الدنيا، ومن كانت نيته الآخرة.» وفي "
~~الصحيحين "، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنك
~~لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أثبت عليها، حتى اللقمة تجعلها في في
~~امرأتك.» وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع، عن عمر، قال: لا عمل لمن لا
~~نية
# PageV01P069
# له، ولا أجر لمن لا حسبة له يعني: لا أجر لمن لم يحتسب ثواب عمله عند
~~الله عز وجل. وبإسناد ضعيف، عن ابن مسعود، قال: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا
~~ينفع قول ولا عمل إلا بنية، ولا ينفع قول ولا عمل ولا نية إلا بما وافق
~~السنة. وعن يحيى بن أبي كثير، قال: تعلموا النية، فإنها أبلغ من العمل. وعن
~~زبيد اليامي، قال: إنى لأحب أن تكون لي نية في كل شيء، حتى في الطعام
~~والشراب، وعنه أنه قال: انو في كل شيء تريده الخير، حتى خروجك إلى الكناسة.
~~وعن داود الطائي، قال: رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية، وكفاك بها
~~خيرا وإن لم تنصب. قال داود: والبر همة التقي، ولو تعلقت جميع جوارحه بحب
~~الدنيا، لردته يوما نيته إلى أصله. وعن سفيان الثوري، قال: ما عالجت شيئا
~~أشد علي من نيتي؛ لأنها تنقلب علي. وعن يوسف بن أسباط، قال: تخليص النية من
~~فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد. وقيل لنافع بن جبير: ألا تشهد
~~الجنازة؟ قال: كما أنت حتى أنوي، قال ففكر هنية، ثم قال: امض.
# PageV01P070
# وعن مطرف بن عبد الله قال: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح
~~النية. وعن بعض السلف قال: من سره أن يكمل له عمله، فليحسن نيته، فإن الله
~~عز وجل يأجر العبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة. وعن ابن المبارك، قال: رب
~~عمل صغير تعظمه النية، ورب ms011 عمل كبير تصغره النية. وقال ابن عجلان: لا يصلح
~~العمل إلا بثلاث: التقوى لله، والنية الحسنة، والإصابة. وقال الفضيل بن
~~عياض: إنما يريد الله عز وجل منك نيتك وإرادتك. وعن يوسف بن أسباط، قال:
~~إيثار الله عز وجل أفضل من القتل في سبيله. خرج ذلك كله ابن أبي الدنيا في
~~كتاب " الإخلاص والنية ". وروى فيه بإسناد منقطع عن عمر رضي الله عنه، قال:
~~أفضل الأعمال أداء ما افترض الله عز وجل، والورع عما حرم الله عز وجل، وصدق
~~النية فيما عند الله عز وجل. وبهذا يعلم معنى ما روى الإمام أحمد أن أصول
~~الإسلام ثلاثة أحاديث: حديث: «الأعمال بالنيات،» وحديث: «من أحدث في أمرنا
~~ما ليس منه، فهو رد،» وحديث: «الحلال بين والحرام بين.» فإن الدين كله يرجع
~~إلى فعل المأمورات، وترك المحظورات، والتوقف عن الشبهات، وهذا كله تضمنه
~~حديث النعمان بن بشير.
# PageV01P071
# وإنما يتم ذلك بأمرين: أحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة،
~~وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو رد.»
~~والثاني: أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله عز وجل، كما تضمنه حديث
~~عمر: «الأعمال بالنيات.» وقال الفضيل في قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن
~~عملا} [الملك: 2] (الملك: 2) ، قال: أخلصه وأصوبه. وقال: إن العمل إذا كان
~~خالصا، ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا، ولم يكن خالصا، لم يقبل حتى
~~يكون خالصا وصوابا، قال: والخالص إذا كان لله عز وجل، والصواب إذا كان على
~~السنة. وقد دل على هذا الذي قاله الفضيل قول الله عز وجل: {فمن كان يرجوا
~~لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110]
~~(الكهف: 110) . وقال بعض العارفين: إنما تفاضلوا بالإرادات، ولم يتفاضلوا
~~بالصوم والصلاة. وقوله صلى الله عليه وسلم: «فمن كانت هجرته إلى الله
~~ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة
~~ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه.» لما ذكر صلى الله عليه وسلم أن ms012 الأعمال
~~بحسب النيات، وأن حظ العامل من عمله نيته من خير أو شر، وهاتان كلمتان
~~جامعتان، وقاعدتان كليتان، لا يخرج عنهما شيء، ذكر بعد ذلك مثالا من أمثال
~~الأعمال التي صورتها واحدة، ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات، وكأنه
~~يقول سائر الأعمال على حذو هذا المثال. وأصل الهجرة: هجران بلد الشرك،
~~والانتقال منه إلى دار الإسلام، كما
# PageV01P072
# كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينة النبي صلى الله عليه
~~وسلم، وقد هاجر من هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشي. فأخبر
~~صلى الله عليه وسلم أن هذه الهجرة تختلف باختلاف النيات والمقاصد بها، فمن
~~هاجر إلى دار الإسلام حبا لله ورسوله، ورغبة في تعلم دين الإسلام، وإظهار
~~دينه حيث كان يعجز عنه في دار الشرك، فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقا،
~~وكفاه شرفا وفخرا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله. ولهذا
~~المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه؛ لأن حصول ما نواه بهجرته
~~نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة. ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار
~~الإسلام لطلب دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها في دار الإسلام، فهجرته إلى ما
~~هاجر إليه من ذلك، فالأول تاجر، والثاني خاطب، وليس واحد منهما بمهاجر. وفي
~~قوله: «إلى ما هاجر إليه» تحقير لما طلبه من أمر الدنيا، واستهانة به، حيث
~~لم يذكر بلفظه. وأيضا فالهجرة إلى الله ورسوله واحدة فلا تعدد فيها، فلذلك
~~أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط. والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر، فقد يهاجر
~~الإنسان لطلب دنيا مباحة تارة، ومحرمة تارة، وأفراد ما يقصد بالهجرة من
~~أمور الدنيا لا تنحصر، فلذلك قال: «فهجرته إلى ما هاجر إليه،» يعني كائنا
~~ما كان. وقد روي «عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {إذا جاءكم
~~المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} [الممتحنة: 10] الآية (الممتحنة: 10) . قال:
~~كانت المرأة إذا أتت النبي صلى الله عليه وسلم، حلفها بالله: ما خرجت من
~~بغض زوج، وبالله: ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، ms013 وبالله: ما خرجت التماس دنيا،
~~وبالله: ما خرجت إلا
# PageV01P073
# حبا لله ورسوله» . أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، والبزار في " مسنده "،
~~وخرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصرا. وقد روى وكيع في كتابه، عن الأعمش،
~~عن شقيق - هو أبو وائل - قال: خطب أعرابي من الحي امرأة يقال لها: أم قيس،
~~فأبت أن تزوجه حتى يهاجر، فهاجر، فتزوجته، فكنا نسميه مهاجر أم قيس. قال:
~~فقال عبد الله: يعني ابن مسعود: من هاجر يبتغي شيئا، فهو له. وهذا السياق
~~يقتضي أن هذا لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كان في عهد ابن
~~مسعود، ولكن روي من طريق سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن
~~مسعود، قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس فأبت أن تزوجه حتى
~~يهاجر، فهاجر، فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس. قال ابن مسعود: من هاجر
~~لشيء فهو له. وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي صلى
~~الله عليه وسلم: «من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها،» وذكر
~~ذلك كثير من المتأخرين
# PageV01P074
# في كتبهم، ولم نر لذلك أصلا بإسناد يصح، والله أعلم. وسائر الأعمال
~~كالهجرة في هذا المعنى، فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها، كالجهاد
~~والحج وغيرهما، وقد «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اختلاف نيات الناس في
~~الجهاد وما يقصد به من الرياء، وإظهار الشجاعة والعصبية، وغير ذلك: أي ذلك
~~في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله»
~~فخرج بهذا كل ما سألوا عنه من المقاصد الدنيوية. ففي " الصحيحين " عن أبي
~~موسى الأشعري «أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول
~~الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه،
~~فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة
~~الله هي العليا، فهو في سبيل الله» . وفي رواية لمسلم: «سئل رسول الله صلى ms014
~~الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك
~~في سبيل الله» ؟ فذكر الحديث. وفي رواية له أيضا: «الرجل يقاتل غضبا،
~~ويقاتل حمية» . وخرج النسائي من حديث أبي أمامة، قال: «جاء رجل إلى النبي
~~صلى الله عليه وسلم، فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شيء له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا، وابتغي به وجهه» .
# PageV01P075
# وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة «أن رجلا قال: يا رسول الله، رجل يريد
~~الجهاد وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
~~لا أجر له، فأعاد عليه ثلاثا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا أجر له» .
~~وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال «الغزو غزوان، فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق
~~الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من
~~غزا فخرا ورياء وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع
~~بالكفاف.» وخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: «قلت: يا رسول
~~الله، أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: إن قاتلت صابرا محتسبا، بعثك الله
~~صابرا محتسبا، وإن قاتلت مرائيا مكاثرا، بعثك الله مرائيا مكاثرا، على أي
~~حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تيك الحال» .
# PageV01P076
# وخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه
~~وسلم يقول: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به،
~~فعرفه نعمه، فعرفها، قال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال
~~كذبت، ولكنك قاتلت، لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه،
~~حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه
~~نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم ms015 وعلمته، وقرأت فيك
~~القرآن. قال كذبت، ولكنك تعلمت العلم، ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال،
~~قارئ، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله
~~عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما
~~عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال:
~~كذبت، ولكنك فعلت، ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى
~~ألقي في النار.» وفي الحديث: إن معاوية لما بلغه هذا الحديث، بكى حتى غشي
~~عليه، فلما أفاق، قال: صدق الله ورسوله، قال الله عز وجل: {من كان يريد
~~الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون - أولئك
~~الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} [هود: 15 - 16] (هود: 15 - 16) . وقد
~~ورد الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله، كما خرجه الإمام أحمد وأبو داود
~~وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من
~~الدنيا، لم
# PageV01P077
# يجد عرف الجنة يوم القيامة» يعني: ريحها. وخرج الترمذي من حديث كعب بن
~~مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من طلب العلم ليماري به السفهاء،
~~أو يجاري به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار.»
~~وخرجه ابن ماجه بمعناه من حديث ابن عمر وحذيفة، وجابر، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، ولفظ حديث جابر: «لا تعلموا العلم، لتباهوا به العلماء، ولا
~~لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك، فالنار النار.»
~~وقال ابن مسعود: لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، أو لتجادلوا
~~به الفقهاء، أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند
~~الله، فإنه يبقى ويذهب ما سواه. وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله عموما،
~~كما خرج الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب رضي ms016 الله عنه، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «بشر هذه الأمة
# PageV01P078
# بالسناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة
~~للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب» .
# واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء محضا، بحيث لا يراد به
~~سوى مراءات المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، كما قال الله
~~عز وجل: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله
~~إلا قليلا} [النساء: 142] (النساء: 142) . وقال تعالى: {فويل للمصلين -
~~الذين هم عن صلاتهم ساهون - الذين هم يراءون} [الماعون: 4 - 6] (الماعون: 4
~~- 6) . وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء في قوله: {ولا تكونوا كالذين
~~خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس} [الأنفال: 47] (الأنفال: 47) . وهذا
~~الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في
~~الصدقة الواجبة أو الحج، وغيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي يتعدى نفعها،
~~فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق
~~المقت من الله والعقوبة. وتارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه
~~من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضا. وفي " صحيح مسلم " عن
~~أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله
~~تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري،
~~تركته وشريكه» وخرجه ابن ماجه، ولفظه: فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك.
# PageV01P079
# وخرج الإمام أحمد عن شداد بن أوس،، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من
~~صلى يرائي، فقد أشرك ومن صام يرائي، فقد أشرك، ومن تصدق يرائي، فقد أشرك،
~~وإن الله عز وجل يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئا، فإن جدة عمله قليله
~~وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني» . وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن
~~ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة - وكان من الصحابة - قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، ms017
~~نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله عز وجل، فليطلب ثوابه من عند غير
~~الله عز وجل، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» . وخرج البزار في " مسنده "
~~من حديث الضحاك بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله عز وجل
~~يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكا، فهو لشريكه. يا أيها الناس أخلصوا
~~أعمالكم لله عز وجل، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أخلص له، ولا
~~تقولوا: هذا لله وللرحم، فإنها للرحم، وليس لله منها شيء، ولا تقولوا هذا
~~لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم، وليس لله فيها شيء»
# PageV01P080
# وخرج النسائي بإسناد جيد، عن أبي أمامة الباهلي «أن رجلا جاء إلى رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر
~~والذكر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له فأعادها ثلاث مرات،
~~يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له ثم قال إن الله لا يقبل
~~من العمل إلا ما كان له خالصا، وابتغي به وجهه» . وخرج الحاكم من حديث ابن
~~عباس: «قال رجل: يا رسول الله، إنى أقف الموقف أريد وجه الله، وأريد أن يرى
~~موطني، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزلت {فمن كان
~~يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110]
~~» (الكهف: 110) . وممن روي عنه هذا المعنى، وأن العمل إذا خالطه شيء من
~~الرياء كان باطلا: طائفة من السلف، منهم عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء،
~~والحسن، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال «لا يقبل الله عملا فيه مثقال حبة خردل من رياء» .
~~ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين. فإن
~~خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء، مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ
# PageV01P081
# شيء من الغنيمة، أو التجارة، نقص بذلك أجر جهادهم، ولم يبطل ms018 بالكلية، وفي
~~" صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو،، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«إن الغزاة إذا غنموا غنيمة، تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئا، تم
~~لهم أجرهم» . وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضا من
~~الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا
~~الدنيا. وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على قدر ما
~~يخلص من نيتهم في غزاتهم، ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به
~~غيره. وقال أيضا فيمن يأخذ جعلا على الجهاد: إذا لم يخرج لأجل الدراهم، فلا
~~بأس أن يأخذ، كأنه خرج لدينه، فإن أعطي شيئا، أخذه. وكذا روي، عن عبد الله
~~بن عمرو، قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو، فعوضه الله رزقا، فلا بأس بذلك،
~~وأما إن أحدكم إن أعطي درهما غزا، وإن منع درهما مكث، فلا خير في ذلك. وكذا
~~قال الأوزاعي: إذا كانت نية الغازي على الغزو، فلا أرى بأسا. وهكذا يقال
~~فيمن أخذ شيئا في الحج ليحج به: إما عن نفسه، أو عن غيره، وقد روي عن مجاهد
~~أنه قال في حج الجمال وحج الأجير وحج التاجر: هو تمام لا ينقص من أجورهم
~~شيء، وهو محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب. وأما إن كان
~~أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطرا
# PageV01P082
# ودفعه، فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه، فهل يحبط به عمله أم لا يضره
~~ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه
~~الإمام أحمد وابن جرير الطبري، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى
~~بنيته الأولى وهو مروي عن الحسن البصري وغيره. ويستدل لهذا القول بما خرجه
~~أبو داود في " مراسيله " عن عطاء الخراساني «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن
~~بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نجدة، ومنهم
~~من يقاتل ms019 ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: كلهم إذا كان أصل أمره أن
~~تكون كلمة الله هي العليا» . وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل
~~يرتبط آخره بأوله، كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة
~~والذكر وإنفاق المال ونشر العلم، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه،
~~ويحتاج إلى تجديد نية. وكذلك روي عن سليمان بن داود الهاشمي أنه قال: ربما
~~أحدث بحديث ولي نية، فإذا أتيت على بعضه، تغيرت نيتي، فإذا الحديث الواحد
~~يحتاج إلى نيات. ولا يرد على هذا الجهاد، كما في مرسل عطاء الخراساني، فإن
~~الجهاد يلزم بحضور الصف، ولا يجوز تركه حينئذ، فيصير كالحج. فأما إذا عمل
~~العمل لله خالصا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك،
~~ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك، لم يضره ذلك.
# PageV01P083
# وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه «سئل
~~عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ويحمده الناس عليه، فقال: تلك عاجل بشرى
~~المؤمن» خرجه مسلم، وخرجه ابن ماجه، وعنده: «الرجل يعمل العمل لله فيحبه
~~الناس عليه» . وبهذا المعنى فسره الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وابن جرير
~~الطبري وغيرهم. وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي
~~هريرة «أن رجلا قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل، فيسره، فإذا اطلع
~~عليه، أعجبه، فقال: له أجران: أجر السر، وأجر العلانية» . ولنقتصر على هذا
~~المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء، فإن فيه كفاية. وبالجملة، فما أحسن
~~قول سهل بن عبد الله التستري: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص، لأنه ليس
~~لها فيه نصيب. وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم
~~أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر. وقال ابن
~~عيينة: كان من دعاء مطرف بن عبد الله: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه،
~~ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي، ثم لم أف لك به، ms020 وأستغفرك مما
~~زعمت أني أردت به وجهك، فخالط قلبي منه ما قد علمت.
# PageV01P084
# فصل وأما النية بالمعنى الذي يذكره الفقهاء، وهو أن تمييز العبادات من
~~العادات، وتمييز العادات بعضها من بعض، فإن الإمساك عن الأكل والشرب يقع
~~تارة حمية، وتارة لعدم القدرة على الأكل، وتارة تركا للشهوات لله عز وجل،
~~فيحتاج في الصيام إلى نية ليتميز بذلك عن ترك الطعام على غير هذا الوجه.
~~وكذلك العبادات، كالصلاة والصيام منها فرض، ومنها نفل. والفرض يتنوع
~~أنواعا، فإن الصلوات المفروضات خمس صلوات كل يوم وليلة، والصوم الواجب تارة
~~يكون صيام رمضان، وتارة صيام كفارة، أو عن نذر، ولا يتميز هذا كله إلا
~~بالنية، وكذلك الصدقة، تكون نفلا وتكون فرضا، والفرض منه زكاة، ومنه كفارة،
~~ولا يتميز ذلك إلا بالنية، فيدخل ذلك في عموم قوله صلى الله عليه وسلم:
~~«وإنما لامرئ ما نوى» . وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء، فإن منهم من
~~لا يوجب تعيين النية للصلاة المفروضة، بل يكفي عنده أن ينوي فرض الوقت، وإن
~~لم يستحضر تسميته في الحال، وهو رواية، عن الإمام أحمد. ويبنى على هذا
~~القول: أن من فاتته صلاة من يوم وليلة، ونسي عينها، أن عليه أن يقضي ثلاث
~~صلوات: الفجر والمغرب ورباعية واحدة. وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن
~~صيام رمضان لا يحتاج إلى نية تعيينية، أيضا بل تجزئ بنية الصيام مطلقا؛ لأن
~~وقته غير قابل لصيام آخر
# PageV01P085
# وهو أيضا رواية عن الإمام أحمد. وربما حكي عن بعضهم أن صيام رمضان لا
~~يحتاج إلى نية بالكلية، لتعيينه بنفسه، فهو كرد الودائع، وحكي عن الأوزاعي
~~أن الزكاة كذلك وتأول بعضهم قوله على أنه أراد أنها تجزئ بنية الصدقة
~~المطلقة كالحج. وكذلك قال أبو حنيفة: لو تصدق بالنصاب كله من غير نية أجزأه
~~عن زكاته. وقد روي «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا، يلبي بالحج
~~عن رجل، فقال له أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: هذه عن نفسك، ثم حج عن
~~الرجل» . وقد تكلم ms021 في صحة هذا الحديث، ولكنه صحيح عن ابن عباس وغيره. وأخذ
~~بذلك الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما، في أن حجة الإسلام تسقط بنية
~~الحج مطلقا، سواء نوى التطوع أو غيره، ولا يشترط للحج تعيين النية، فمن حج
~~عن غيره، ولم يحج عن نفسه وقع عن نفسه، وكذلك لو حج عن نذره، أو نفلا ولم
~~يكن حج حجة الإسلام، فإنه ينقلب عنها، وقد ثبت «عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم أنه أمر أصحابه في حجة الوداع بعدما دخلوا معه، وطافوا وسعوا أن
~~يفسخوا حجهم ويجعلوه عمرة، وكان منهم القارن والمفرد، وإنما كان طوافهم عند
~~قدومهم طواف القدوم وليس بفرض، وقد أمرهم أن يجعلوه
# PageV01P086
# طواف عمرة وهو فرض» ، وقد أخذ بذلك الإمام أحمد في فسخ الحج، وعمل به،
~~وهو مشكل على أصله، فإنه يوجب تعيين الطواف الواجب للحج والعمرة بالنية،
~~وخالفه في ذلك أكثر الفقهاء، كمالك والشافعي وأبي حنيفة. وقد يفرق الإمام
~~أحمد بين أن يكون طوافه في إحرام انقلب، كالإحرام الذي يفسخه، ويجعله عمرة،
~~فينقلب الطواف فيه تبعا لانقلاب الإحرام، كما ينقلب الطواف في الإحرام الذي
~~نوى به التطوع إذا كان عليه حجة الإسلام، تبعا لانقلاب إحرامه من أصله،
~~ووقوعه، عن فرضه، بخلاف ما إذا طاف للزيارة بنية الوداع، أو التطوع، فإن
~~هذا لا يجزئه لأنه لم ينو به الفرض، ولم ينقلب فرضا تبعا لانقلاب إحرامه،
~~والله أعلم. ومما يدخل في هذا الباب: أن «رجلا في عهد النبي صلى الله عليه
~~وسلم كان قد وضع صدقته عند رجل، فجاء ابن صاحب الصدقة، فأخذها ممن هي عنده،
~~فعلم بذلك أبوه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما إياك أردت
~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمتصدق: لك ما نويت، وقال للآخذ: لك ما
~~أخذت» خرجه البخاري. وقد أخذ الإمام أحمد بهذا الحديث، وعمل به في المنصوص
~~عنه، وإن كان أكثر أصحابه على خلافه، فإن الرجل إنما يمنع من دفع الصدقة
~~إلى ولده؛ خشية أن يكون محاباة، فإذا وصلت إلى ms022 ولده من حيث لا يشعر، كانت
~~المحاباة منتفية، وهو من أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر، ولهذا لو دفع
~~صدقته إلى من يظنه فقيرا، وكان غنيا في نفس الأمر، أجزأته على الصحيح، لأنه
~~إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه، والفقر أمر خفي، لا يكاد يطلع على حقيقته.
# وأما الطهارة، فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور، وهو يرجع إلى أن
~~الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة، أم هي شرط من شروط الصلاة كإزالة
# PageV01P087
# النجاسة، وستر العورة؟ فمن لم يشترط لها النية، جعلها كسائر شروط الصلاة،
~~ومن اشترط لها النية، جعلها عبادة مستقلة، فإذا كانت عبادة في نفسها، لم
~~تصح بدون النية، وهذا قول جمهور العلماء، ويدل على صحة ذلك تكاثر النصوص
~~الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الوضوء يكفر الذنوب والخطايا، وأن
~~من توضأ كما أمر، كان كفارة لذنوبه. وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في
~~القرآن عبادة مستقلة بنفسها، حيث رتب عليه تكفير الذنوب، والوضوء الخالي من
~~النية لا يكفر شيئا من الذنوب بالاتفاق، فلا يكون مأمورا به، ولا تصح به
~~الصلاة، ولهذا لم يرد في شيء من بقية شرائط الصلاة، كإزالة النجاسة، وستر
~~العورة ما ورد في الوضوء من الثواب، ولو شرك بين نية الوضوء، وبين قصد
~~التبرد، أو إزالة النجاسة أو الوسخ، أجزأه في المنصوص عن الشافعي، وهذا قول
~~أكثر أصحاب أحمد، لأن هذا القصد ليس بمحرم ولا مكروه، ولهذا لو قصد مع رفع
~~الحدث تعليم الوضوء، لم يضره ذلك. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد
~~أحيانا بالصلاة تعليمها للناس، وكذلك الحج، كما قال: «خذوا عني مناسككم» .
~~ومما تدخل النية فيه من أبواب العلم: مسائل الأيمان. فلغو اليمين لا كفارة
~~فيه، وهو ما جرى على اللسان من غير قصد بالقلب إليه، كقوله: لا والله، وبلى
~~والله في أثناء الكلام، قال تعالى: {لا يؤاخذكم
# PageV01P088
# الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة: 225]
~~(البقرة: 225) . وكذلك يرجع في الأيمان إلى نية الحالف وما قصد ms023 بيمينه، فإن
~~حلف بالطلاق أو عتاق، ثم ادعى أنه نوى ما يخالف ظاهر لفظه، فإنه يدين فيما
~~بينه وبين الله عز وجل. وهل يقبل منه في ظاهر الحكم؟ فيه قولان للعلماء
~~مشهوران وهما روايتان عن أحمد، وقد روي عن عمر أنه رفع إليه رجل قالت له
~~امرأته: شبهني، قال: كأنك ظبية، كأنك حمامة، فقالت: لا أرضى حتى تقول: أنت
~~خلية طالق، فقال ذلك، فقال عمر: خذ بيدها فهي امرأتك. خرجه أبو عبيد وقال:
~~أراد الناقة تكون معقولة، ثم تطلق من عقالها ويخلى عنها، فهي خلية من
~~العقال، وهي طالق، لأنها قد طلقت منه، فأراد الرجل ذلك، فأسقط عنه عمر
~~الطلاق لنيته. قال: وهذا أصل لكل من تكلم بشيء يشبه لفظ الطلاق والعتاق وهو
~~ينوي غيره أن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله، وفي الحكم على تأويل عمر
~~رضي الله عنه. ويروى عن سميط السدوسي، قال: خطبت امرأة، فقالوا: لا نزوجك
~~حتى تطلق امرأتك، فقلت: إني قد طلقتها ثلاثا، فزوجوني ثم نظروا، فإذا
~~امرأتي عندي، فقالوا أليس قد طلقتها ثلاثا؟ فقلت: كان عندي فلانة، فطلقتها،
~~وفلانة فطلقتها، فأما هذه، فلم أطلقها، فأتيت شقيق بن ثور وهو يريد الخروج
~~إلى
# PageV01P089
# عثمان وافدا، فقلت له: سل أمير المؤمنين عن هذه، فخرج فسأله، فقال: نيته.
~~خرجه أبو عبيد في " كتاب الطلاق " وحكى إجماع العلماء على مثل ذلك. وقال
~~إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: حديث السميط تعرفه؟ قال: نعم، السدوسي وإنما
~~جعل نيته بذلك، فذكر ذلك شقيق لعثمان، فجعلها نيته. فإن كان الحالف ظالما،
~~ونوى خلاف ما حلفه عليه غريمه، لم تنفعه نيته، وفي " صحيح مسلم " عن أبي
~~هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال «يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك»
~~وفي رواية له: «اليمين على نية المستحلف» ، وهذا محمول على الظالم، فأما
~~المظلوم، فينفعه ذلك. وقد خرج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث سويد بن
~~حنظلة، قال: «خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا وائل بن حجر،
~~فأخذه عدو له، ms024 فتحرج الناس أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي، فخلى سبيله،
~~وأتينا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا،
~~وحلفت أنا أنه أخي، فقال: صدقت، المسلم أخو المسلم» . وكذلك تدخل النية في
~~الطلاق والعتاق، فإذا أتى بلفظ من ألفاظ الكنايات المحتملة للطلاق أو
~~العتاق، فلابد له من النية. وهل يقوم مقام النية دلالة الحال من غضب أو
~~سؤال الطلاق ونحوه أم لا؟
# PageV01P090
# فيه خلاف مشهور بين العلماء، وهل يقع بذلك الطلاق في الباطن كما لو نواه،
~~أم يلزم به في ظاهر الحكم فقط؟ فيه خلاف مشهور أيضا، ولو أوقع الطلاق
~~بكناية ظاهرة، كالبتة ونحوها، فهل يقع به الثلاث أو واحدة؟ فيه قولان
~~مشهوران، وظاهر مذهب أحمد أنه يقع به الثلاث مع إطلاق النية، فإن نوى به ما
~~دون الثلاث، وقع به ما نواه، وحكي عنه رواية أنه يلزمه الثلاث أيضا. ولو
~~رأى امرأة، يظنها امرأته، فطلقها، ثم بانت أجنبية، طلقت امرأته، لأنه إنما
~~قصد طلاق امرأته. نص على ذلك أحمد، وحكي عنه رواية أخرى: أنها لا تطلق، وهو
~~قول الشافعي، ولو كان العكس، بأن رأى امرأة ظنها أجنبية، فطلقها، فبانت
~~امرأته، فهل تطلق؟ فيه قولان هما روايتان، عن أحمد، والمشهور من مذهب
~~الشافعي وغيره أنها لا تطلق. ولو كان له امرأتان، فنهى إحداهما عن الخروج،
~~ثم رأى امرأة قد خرجت، فظنها المنهية، فقال لها: فلانة خرجت؟ أنت طالق، فقد
~~اختلف العلماء فيها، فقال: الحسن تطلق المنهية، لأنها هي التي نواها، وقال
~~إبراهيم: تطلقان، وقال عطاء: لا تطلق واحدة منها، ومذهب أحمد: أنه تطلق
~~المنهية رواية واحدة، لأنه نوى طلاقها. وهل تطلق المواجهة على روايتين عنه،
~~واختلف الأصحاب على القول بأنها تطلق: هل تطلق في الحكم فقط، أم في الباطن
~~أيضا؟ على طريقتين لهم. وقد استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال
~~بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» على أن العقود التي يقصد بها في الباطن
~~التوصل إلى ما هو محرم غير صحيحة، كعقود البيوع التي يقصد بها ms025 معنى الربا
~~ونحوها، كما هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما، فإن هذا العقد إنما نوى به الربا
~~لا البيع " «وإنما لكل امرئ ما نوى» ". ومسائل النية المتعلقة بالفقه كثيرة
~~جدا، وفيما ذكرناه كفاية.
# PageV01P091
# وقد تقدم، عن الشافعي أنه قال في هذا الحديث: إنه يدخل في سبعين بابا من
~~الفقه، والله أعلم.
# والنية: هي قصد القلب، ولا يجب التلفظ بما في القلب في شيء من العبادات،
~~وخرج بعض أصحاب الشافعي له قولا باشتراط التلفظ بالنية للصلاة، وغلطه
~~المحققون منهم، واختلف المتأخرون من الفقهاء في التلفظ بالنية في الصلاة
~~وغيرها، فمنهم من استحبه، ومنهم من كرهه. ولا يعلم في هذه المسائل نقل خاص
~~عن السلف، ولا عن الأئمة إلا في الحج وحده، فإن مجاهدا قال: إذا أراد الحج،
~~يسمي ما يهل به، وروي عنه أنه قال: يسميه في التلبية، وهذا ليس مما نحن فيه
~~فإن «النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر نسكه في تلبيته، فيقول: لبيك عمرة
~~وحجا» ، وإنما كلامنا في أنه يقول عند إرادة عقد الإحرام: اللهم إني أريد
~~الحج أو العمرة، كما استحب ذلك كثير من الفقهاء، وكلام مجاهد ليس صريحا في
~~ذلك. وقال أكثر السلف، منهم عطاء وطاوس والقاسم بن محمد والنخعي: تجزئه
~~النية عند الإهلال، وصح عن ابن عمر أنه سمع رجلا عند إحرامه يقول: اللهم
~~إني أريد الحج أو العمرة، فقال له: أتعلم الناس؟ أو ليس الله يعلم ما في
~~نفسك؟ . ونص مالك على مثل هذا، وأنه لا يستحب له أن يسمي ما أحرم به. حكاه
~~صاحب كتاب " تهذيب المدونة " من أصحابه. وقال أبو داود: قلت لأحمد: أتقول
~~قبل التكبير - يعني في الصلاة - شيئا؟ قال: لا. وهذا قد يدخل فيه أنه لا
~~يتلفظ بالنية. والله أعلم.
# PageV01P092
### | [الحديث الثاني بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر]
# PageV01P092
# الحديث الثاني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: «بينما نحن عند رسول
~~الله صلى الله عليه ms026 وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد
~~سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي
~~صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال
~~يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "
~~الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة،
~~وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ". قال: صدقت،
~~قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: " أن تؤمن
~~بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ".
~~قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن
~~لم تكن تراه، فإنه يراك ". قال: فأخبرني عن الساعة؟ . قال: " ما المسئول
~~عنها بأعلم من السائل ". قال: فأخبرني عن أمارتها؟ . قال: " أن تلد الأمة
~~ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ".
# PageV01P093
# ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال لي: " يا عمر، أتدري من
~~السائل؟ . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» ".
~~رواه مسلم.
# هذا الحديث تفرد به مسلم عن
~~البخاري بإخراجه، فخرجه من طريق كهمس عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن
~~يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا
~~وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من
~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر،
~~فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي،
~~أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت:
~~يا أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم،
~~وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف. فقال: إذا لقيت
~~أولئك، فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني،
# PageV01P094
# والذي يحلف به عبد الله بن ms027 عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه، ما
~~قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال:
~~بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث بطوله. ثم خرجه
~~من طرق أخرى، بعضها يرجع إلى عبد الله بن بريدة، وبعضها يرجع إلى يحيى بن
~~يعمر، وذكر أن في بعض ألفاظها زيادة ونقصا. وخرجه ابن حبان في " صحيحه " من
~~طريق سليمان التيمي، عن يحيى بن يعمر، وقد خرجه مسلم من هذا الطريق، إلا
~~أنه لم يذكر لفظه، وفيه زيادات منها: في الإسلام، قال: " «وتحج وتعتمر
~~وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء [وتصوم رمضان] " قال: فإذا فعلت ذلك،
~~فأنا مسلم؟ قال: نعم» . وقال في الإيمان: " «وتؤمن بالجنة والنار والميزان
~~"، وقال فيه: فإذا فعلت ذلك، فأنا مؤمن؟ قال: " نعم» ". وقال في آخره: "
~~«هذا جبريل أتاكم ليعلمكم أمر دينكم، خذوا عنه، والذي نفسي بيده ما شبه علي
~~منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولى» ". وخرجنا في " الصحيحين " من
~~حديث أبي هريرة، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يوما بارزا للناس،
~~فأتاه رجل، فقال: ما الإيمان؟ فقال: " الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته
~~وكتابه، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر ". قال: يا رسول الله، ما
~~الإسلام؟ قال: " الإسلام: أن تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة
~~المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان "
# PageV01P095
# قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن
~~لا تراه، فإنه يراك ". قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ " قال ما المسئول
~~عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك، عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها،
~~فذاك من أشراطها، وإذا رأيت العراة الحفاة رؤوس الناس، فذاك من أشراطها،
~~وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان، فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا
~~الله، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الله عنده علم الساعة
~~وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري ms028 نفس
~~بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} [لقمان: 34] (لقمان: 34) . قال: ثم أدبر
~~الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " علي بالرجل "، فأخذوا ليردوه،
~~فلم يروا شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا جبريل جاء ليعلم
~~الناس دينهم» ". وخرجه مسلم بسياق أتم من هذا، وفيه في خصال الإيمان: "
~~«وتؤمن
# PageV01P096
# بالقدر كله» " «وقال في الإحسان: " أن تخشى الله كأنك تراه» ". وخرجه
~~الإمام أحمد في " مسنده " من حديث شهر بن حوشب، عن ابن عباس. ومن حديث شهر
~~بن حوشب أيضا، عن ابن عامر أو أبي عامر، أو أبي مالك، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، وفي حديثه قال: «ونسمع رجع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نرى
~~الذي يكلمه، ولا نسمع كلامه» ، وهذا يرده حديث عمر الذي خرجه مسلم وهو أصح.
~~وقد روي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس بن مالك وجرير بن
~~عبد الله البجلي وغيرهما. وهو حديث عظيم جدا، يشتمل على شرح الدين كله،
~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخره: " «هذا جبريل أتاكم يعلمكم
~~دينكم» " بعد أن شرح درجة الإسلام، ودرجة الإيمان، ودرجة الإحسان، فجعل ذلك
~~كله دينا. واختلفت الرواية في تقديم الإسلام على الإيمان وعكسه ففي حديث
# PageV01P097
# عمر الذي خرجه مسلم أنه بدأ بالسؤال عن الإسلام، وفي حديث الترمذي وغيره
~~أنه بدأ بالسؤال عن الإيمان، كما في حديث أبي هريرة، وجاء في بعض روايات
~~حديث عمر أنه سأله عن الإحسان بين الإسلام والإيمان. فأما الإسلام، فقد
~~فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل،
~~وأول ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهو عمل اللسان،
~~ثم إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه
~~سبيلا. وهي منقسمة إلى عمل بدني: كالصلاة والصوم، وإلى عمل مالي: وهو إيتاء
~~الزكاة، وإلى ما هو مركب منهما، كالحج بالنسبة إلى البعيد عن مكة. وفي
~~رواية ابن حبان أضاف إلى ذلك الاعتمار، والغسل ms029 من الجنابة، وإتمام الوضوء،
~~وفي هذا تنبيه على أن جميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام. وإنما
~~ذكر هاهنا أصول أعمال الإسلام التي ينبني عليها كما سيأتي شرح ذلك في حديث
~~ابن عمر بني الإسلام على خمس في موضعه إن شاء الله تعالى. وقوله في بعض
~~الروايات: «فإذا فعلت ذلك، فأنا مسلم؟» قال: " نعم " يدل على أن من كمل
~~الإتيان بمباني الإسلام الخمس، صار مسلما حقا، مع أن من أقر بالشهادتين،
~~صار مسلما حكما، فإذا دخل في الإسلام بذلك، ألزم بالقيام ببقية خصال
~~الإسلام، ومن ترك الشهادتين، خرج من الإسلام، وفي خروجه من الإسلام بترك
~~الصلاة خلاف مشهور بين العلماء، وكذلك في تركه بقية مباني الإسلام الخمس،
~~كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى
# PageV01P098
# ومما يدل على أن جميع الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإسلام قول النبي
~~صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» . وفي "
~~الصحيحين " عن عبد الله بن عمرو أن «رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي
~~الإسلام خير؟ قال: أن تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»
~~. وفي " صحيح الحاكم " عن أبي هريرة، عن النبي قال: «إن للإسلام
# PageV01P099
# صوى ومنارا كمنار الطريق من ذلك: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم
~~الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،
~~وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، فمن
~~انتقص منهن شيئا، فهو سهم من الإسلام تركه، ومن يتركهن، فقد نبذ الإسلام
~~وراء ظهره» . وخرجه ابن مردويه من حديث أبي الدرداء، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «للإسلام ضياء وعلامات كمنار الطريق، فرأسها وجماعها شهادة
~~أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة،
~~وإتمام الوضوء، والحكم بكتاب الله وسنة نبيه، وطاعة ولاة الأمر، وتسليمكم
~~على أنفسكم، وتسليمكم على أهليكم إذا دخلتم بيوتكم، وتسليمكم على بني آدم
~~إذا لقيتموهم» وفي إسناده ضعف، ولعله موقوف. وصح من ms030 حديث أبي إسحاق، عن صلة
~~بن زفر، عن حذيفة، قال: الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم،
~~والزكاة سهم، وحج البيت سهم، والجهاد سهم، وصوم رمضان سهم، والأمر بالمعروف
~~سهم، والنهي عن المنكر سهم، وخاب من لا سهم له. وخرجه البزار مرفوعا،
~~والموقوف أصح.
# PageV01P100
# ورواه بعضهم عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم خرجه أبو يعلى الموصلي وغيره، والموقوف على حذيفة أصح. قاله الدارقطني
~~وغيره. وقوله: " الإسلام سهم " يعني الشهادتين، لأنهما علم الإسلام، وبهما
~~يصير الإنسان مسلما. وكذلك ترك المحرمات داخل في مسمى الإسلام أيضا، كما
~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا
~~يعنيه» وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. ويدل على هذا أيضا ما خرجه
~~الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث العرباض بن سارية، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما
# PageV01P101
# وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة،
~~وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعا، ولا
~~تعوجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أحد أن يفتح شيئا من تلك
~~الأبواب، قال ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه. والصراط: الإسلام،
~~والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس
~~الصراط: كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم» زاد
~~الترمذي: {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}
~~[يونس: 25] (يونس: 25) . ففي هذا المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم
~~أن الإسلام هو الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى بالاستقامة عليه، ونهى
~~عن تجاوز حدوده، وأن من ارتكب شيئا من المحرمات، فقد تعدى حدوده.
# وأما الإيمان، فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث
~~بالاعتقادات الباطنة، فقال أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث
~~بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره. وقد ذكر الله في كتابه الإيمان بهذه
~~الأصول ms031 الخمسة في مواضع، كقوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه
~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله}
~~[البقرة: 285] (البقرة: 285) . وقوله تعالى: {ولكن البر من آمن بالله
~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} [البقرة: 177] الآية (البقرة:
~~277) ، وقال تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم
~~ينفقون - والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم
~~يوقنون} [البقرة: 3 - 4] (البقرة: 3 - 4) . والإيمان بالرسل يلزم منه
~~الإيمان بجميع ما أخبروا به من الملائكة،
# PageV01P102
# والأنبياء، والكتاب والبعث، والقدر، وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به، من
~~صفات الله وصفات اليوم الآخر كالميزان والصراط، والجنة، والنار. وقد أدخل
~~في الإيمان الإيمان بالقدر خيره وشره، ولأجل هذه الكلمة روى ابن عمر هذا
~~الحديث محتجا به على من أنكر القدر، وزعم أن الأمر أنف: يعني أنه مستأنف لم
~~يسبق به سابق قدر من الله عز وجل، وقد غلظ ابن عمر عليهم وتبرأ منهم، وأخبر
~~أنه لا تقبل منهم أعمالهم بدون الإيمان بالقدر. والإيمان بالقدر على
~~درجتين: إحداهما: الإيمان بأن الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من
~~خير، وشر، وطاعة، ومعصية، قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة،
~~ومن هو منهم من أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل
~~خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما
~~سبق في عمله وكتابه. والدرجة الثانية: أن الله خلق أفعال العباد كلها من
~~الكفر، والإيمان، والطاعة، والعصيان، وشاءها منهم، فهذه الدرجة يثبتها أهل
~~السنة والجماعة، وينكرها القدرية، والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية،
~~ونفاها غلاتهم، كمعبد الجهني، الذي سئل ابن عمر، عن مقالته، وكعمرو بن عبيد
~~وغيره. وقد قال كثير من أئمة السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به
~~خصموا، وإن جحدوه فقد كفروا، يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال
~~العباد، وأن الله تعالى قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد، وكتب ذلك عنده في
~~كتاب حفيظ، فقد كذب بالقرآن، ms032 فيكفر بذلك، وإن أقروا بذلك، وأنكروا أن الله
~~خلق أفعال عباده، وشاءها، وأرادها منهم إرادة كونية قدرية، فقد خصموا، لأن
~~ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه. وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين
~~العلماء.
# PageV01P103
# وأما من أنكر العلم القديم، فنص الشافعي وأحمد على تكفيره، وكذلك غيرهما
~~من أئمة الإسلام. فإن قيل: فقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث
~~بين الإسلام والإيمان، وجعل الأعمال كلها من الإسلام، لا من الإيمان،
~~والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان: قول وعمل ونية، وأن الأعمال
~~كلها داخلة في مسمى الإيمان. وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين
~~ومن بعدهم ممن أدركهم. وأنكر السلف على من أخرج الأعمال من الإيمان إنكارا
~~شديدا. وممن أنكر ذلك على قائله، وجعله قولا محدثا: سعيد بن جبير، وميمون
~~بن مهران، وقتادة، وأيوب السختياني، وإبراهيم النخعي، والزهري، ويحيى بن
~~أبي كثير، وغيرهم. وقال الثوري: هو رأي محدث، أدركنا الناس على غيره. وقال
~~الأوزاعي: كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل. وكتب عمر بن
~~عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أما بعد، فإن الإيمان فرائض وشرائع [وحدود]
~~وسنن، فمن استكملها، استكمل الإيمان. ومن لم يستكملها، لم يستكمل الإيمان،
~~ذكره البخاري في " صحيحه ". قيل الأمر على ما ذكره، وقد دل على دخول
~~الأعمال في الإيمان قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت
~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون - الذين
~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون - أولئك هم المؤمنون حقا} [الأنفال: 2 -
~~4] (الأنفال: 2 - 4) .
# PageV01P104
# وفي " الصحيحين " عن ابن عباس: أن «النبي صلى الله عليه وسلم قال: لوفد
~~عبد القيس: آمركم بأربع: الإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة
~~أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا
~~من المغنم الخمس» . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها
~~قول: لا إله إلا الله، ms033 وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من
~~الإيمان» ولفظه لمسلم. وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين
~~يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» . فلولا أن ترك هذه
~~الكبائر من مسمى الإيمان، لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها؛ لأن
~~الاسم لا ينتفى إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته. وأما وجه الجمع
~~بين هذه النصوص وبين حديث سؤال جبريل عليه السلام عن الإسلام والإيمان،
~~وتفريق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، وإدخاله الأعمال في مسمى الإسلام
~~دون الإيمان، فإنه يتضح بتقرير أصل، وهو أن من الأسماء ما
# PageV01P105
# يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم
~~بغيره، صار دالا على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دال على باقيها،
~~وهذا كاسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما، دخل فيه كل من هو محتاج،
~~فإذا قرن أحدهما بالآخر، دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات، والآخر
~~على باقيها، فهكذا اسم الإسلام والإيمان: إذا أفرد أحدهما، دخل فيه الآخر
~~ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما، دل أحدهما
~~على بعض ما يدل عليه بانفراده، ودل الآخر على الباقي. وقد صرح بهذا المعنى
~~جماعة من الأئمة. قال أبو بكر الإسماعيلي في رسالته إلى أهل الجبل: قال
~~كثير من أهل السنة والجماعة: إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض على
~~الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضموما إلى آخر فقيل: المؤمنون
~~والمسلمون جميعا مفردين، أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر، وإذا ذكر أحد
~~الاسمين، شمل الكل وعمهم. وقد ذكر هذا المعنى أيضا الخطابي في كتابه "
~~معالم السنن "، وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده. ويدل على صحة ذلك أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإيمان عند ذكره مفردا في حديث وفد عبد
~~القيس بما فسر به الإسلام المقرون بالإيمان في حديث ms034 جبريل، وفسر في حديث
~~آخر الإسلام بما فسر به الإيمان، كما في " مسند الإمام أحمد "، عن
# PageV01P106
# عمرو بن عبسة، قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا
~~رسول الله، ما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك
~~ويدك، قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: " الإيمان " قال: وما الإيمان؟ قال: "
~~أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت "، قال: فأي
~~الإيمان أفضل؟ قال: " الهجرة " قال: فما الهجرة؟ قال: " أن تهجر السوء "
~~قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: " الجهاد» ". فجعل النبي صلى الله عليه وسلم
~~الإيمان أفضل الإسلام، وأدخل فيه الأعمال. وبهذا التفصيل يظهر تحقيق القول
~~في مسألة الإسلام والإيمان: هل هما واحد، أو مختلفان؟ . فإن أهل السنة
~~والحديث مختلفون في ذلك، وصنفوا في ذلك تصانيف متعددة، فمنهم من يدعي أن
~~جمهور أهل السنة على أنهما شيء واحد: منهم محمد بن نصر المروزي، وابن عبد
~~البر، وقد روي هذا القول عن سفيان الثوري من رواية أيوب بن سويد الرملي
~~عنه، وأيوب فيه ضعف. ومنهم من يحكي عن أهل السنة التفريق بينهما، كأبي بكر
~~بن السمعاني، وغيره، وقد نقل هذا التفريق بينهما عن كثير من السلف، منهم
~~قتادة، وداود بن أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزهري، وحماد بن زيد، وابن
~~مهدي، وشريك، وابن أبي ذئب، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، ويحيى بن معين،
~~وغيرهم، على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما. وكان الحسن وابن سيرين
~~يقولان: " مسلم " ويهابان " مؤمن ". وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول
~~الاختلاف، فيقال: إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر، فلا فرق بينهما
~~حينئذ، وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق.
# PageV01P107
# والتحقيق في الفرق بينهما: أن الإيمان هو تصديق القلب، وإقراره، ومعرفته،
~~والإسلام: هو استسلام العبد لله، وخضوعه، وانقياده له، وذلك يكون بالعمل،
~~وهو الدين، كما سمى الله في كتابه الإسلام دينا، وفي حديث جبريل سمى النبي
~~صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان والإحسان دينا، وهذا أيضا مما يدل على
~~أن أحد الاسمين إذا ms035 أفرد دخل فيه الآخر، وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد
~~الاسمين بالآخر. فيكون حينئذ المراد بالإيمان: جنس تصديق القلب، وبالإسلام
~~جنس العمل. وفي " مسند الإمام أحمد " عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «الإسلام علانية، والإيمان في القلب» . وهذا لأن الأعمال تظهر علانية،
~~والتصديق في القلب لا يظهر. «وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه
~~إذا صلى على الميت: " اللهم من أحييته منا، فأحيه على الإسلام، ومن توفيته
~~منا، فتوفه على الإيمان» "، لأن العمل بالجوارح، إنما يتمكن منه في الحياة،
~~فأما عند الموت، فلا يبقى غير التصديق بالقلب. ومن هنا قال المحققون من
~~العلماء: كل مؤمن مسلم، فإن من حقق الإيمان، ورسخ في قلبه، قام بأعمال
~~الإسلام، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في
# PageV01P108
# الجسد مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي
~~القلب» فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام،
~~وليس كل مسلم مؤمنا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفا، فلا يتحقق القلب به تحققا
~~تاما مع عمل جوارحه بأعمال الإسلام، فيكون مسلما، وليس بمؤمن الإيمان
~~التام، كما قال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا
~~ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 14] (الحجرات: 14) ، ولم يكونوا
~~منافقين بالكلية على أصح التفسيرين، وهو قول ابن عباس وغيره بل
# PageV01P109
# كان إيمانهم ضعيفا ويدل عليه قوله تعالى: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا
~~يلتكم من أعمالكم شيئا} [الحجرات: 14] (الحجرات: 14) ، يعني لا ينقصكم من
~~أجورها، فدل على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم. وكذلك «قول النبي
~~صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص لما قال له: لم تعط فلانا وهو مؤمن،
~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو مسلم» يشير إلى أنه لم يحقق مقام
~~الإيمان، وإنما
# PageV01P110
# هو في مقام الإسلام الظاهر، ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن، لزم منه
~~ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضا، لكن اسم الإيمان ينفى عمن ترك شيئا من
~~واجباته، كما ms036 في قوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» .
# وقد اختلف أهل السنة: هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان، أو يقال: ليس بمؤمن،
~~لكنه مسلم، على قولين، وهما روايتان عن أحمد. وأما اسم الإسلام، فلا ينتفي
~~بانتفاء بعض واجباته، أو انتهاك بعض محرماته، وإنما ينفى بالإتيان بما
~~ينافيه بالكلية، ولا يعرف في شيء من السنة الصحيحة نفي الإسلام عمن ترك
~~شيئا من واجباته، كما ينفى الإيمان عمن ترك شيئا من واجباته، وإن كان قد
~~ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرمات، وإطلاق النفاق أيضا. واختلف
~~العلماء: هل يسمى مرتكب الكبائر كافرا كفرا أصغر أو منافقا النفاق الأصغر،
~~ولا أعلم أن أحدا منهم أجاز إطلاق نفي اسم الإسلام عنه، إلا أنه روي عن ابن
~~مسعود أنه قال: ما تارك الزكاة بمسلم. ويحتمل أنه كان يراه كافرا بذلك،
~~خارجا من الإسلام. وكذلك روي عن عمر فيمن تمكن من الحج، ولم يحج أنهم ليسوا
~~بمسلمين، والظاهر أنه كان يعتقد كفرهم، ولهذا أراد أن يضرب عليهم الجزية
# PageV01P111
# يقول: لم يدخلوا في الإسلام بعد، فهم مستمرون على كتابيتهم. وإذا تبين أن
~~اسم الإسلام لا ينتفي إلا بوجود ما ينافيه، ويخرج عن الملة بالكلية، فاسم
~~الإسلام إذا أطلق أو اقترن به المدح، دخل فيه الإيمان كله من التصديق
~~وغيره، كما سبق في حديث عمرو بن عبسة. وخرج النسائي من حديث عقبة بن مالك:
~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فغارت على قوم، فقال رجل منهم إني
~~مسلم، فقتله رجل من السرية فنمي الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
~~فقال فيه قولا شديدا، فقال الرجل: إنما قالها تعوذا من القتل، فقال النبي
~~صلى الله عليه وسلم إن الله أبى علي أن أقتل مؤمنا ثلاث مرات» .
# PageV01P112
# فلولا أن الإسلام المطلق يدخل فيه الإيمان والتصديق بالأصول الخمسة، لم
~~يصر من قال: أنا مسلم مؤمنا بمجرد هذا القول، وقد أخبر الله تعالى عن ملكة
~~سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة: {قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت ms037 مع
~~سليمان لله رب العالمين} [النمل: 44] (النمل: 44) ، وأخبر، عن يوسف عليه
~~السلام أنه دعا بالموت على الإسلام. وهذا كله يدل على أن الإسلام المطلق
~~يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق. وفي " سنن ابن ماجه " «عن عدي بن
~~حاتم؛ قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عدي، أسلم تسلم، قلت:
~~وما الإسلام؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أني رسول الله، وتؤمن
~~بالأقدار كلها خيرها وشرها، وحلوها ومرها» فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من
~~الإسلام. ثم إن الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع، وليس المراد الإتيان
~~بلفظهما دون التصديق بهما، فعلم أن التصديق بهما داخل في الإسلام، وقد فسر
~~الإسلام المذكور في قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران:
~~19] (آل عمران: 19) بالتوحيد والتصديق طائفة من السلف، منهم محمد بن جعفر
~~بن الزبير. وأما إذا نفي الإيمان عن أحد، وأثبت له الإسلام، كالأعراب الذين
~~أخبر الله عنهم، فإنه ينتفي عنهم رسوخ الإيمان في القلب، وتثبت لهم
~~المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل، إذ لولا
~~هذا القدر من الإيمان، لم يكونوا مسلمين، وإنما نفي عنهم الإيمان، لانتفاء
~~ذوق حقائقه، ونقص بعض واجباته، وهذا مبني على أن التصديق القائم بالقلوب
~~متفاضل
# PageV01P113
# وهذا هو الصحيح، وهو أصح الروايتين عن أحمد، فإن إيمان الصديقين الذين
~~يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة، بحيث لا يقبل التشكيك ولا
~~الارتياب، ليس كإيمان غيرهم ممن لم يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شكك لدخله
~~الشك. ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم مرتبة الإحسان أن يعبد العبد ربه
~~كأنه يراه، وهذا لا يحصل لعموم المؤمنين، ومن هنا قال بعضهم: ما سبقكم أبو
~~بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره. وسئل ابن عمر: هل كانت
~~الصحابة يضحكون؟ فقال: نعم والإيمان في قلوبهم أمثال الجبال. فأين هذا ممن
~~الإيمان في قلبه ما يزن ذرة أو شعيرة؟ ! كالذين يخرجون من أهل التوحيد من
~~النار، فهؤلاء ms038 يصح أن يقال: لم يدخل الإيمان في قلوبهم لضعفه عندهم. وهذه
~~المسائل - أعني مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق - مسائل عظيمة جدا،
~~فإن الله علق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار،
~~والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج
~~للصحابة، حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة
~~الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم
~~حدث بعدهم خلاف المعتزلة وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، ثم حدث خلاف
~~المرجئة، وقولهم: إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان
# PageV01P114
# وقد صنف العلماء قديما وحديثا في هذه المسائل تصانيف متعددة، وممن صنف في
~~الإيمان من أئمة السلف: الإمام أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو بكر
~~بن أبي شيبة، ومحمد بن أسلم الطوسي. وكثرت فيه التصانيف بعدهم
# PageV01P115
# من جميع الطوائف، وقد ذكرنا هاهنا نكتة جامعة لأصول كثيرة من هذه المسائل
~~والاختلاف فيها، وفيه - إن شاء الله - كفاية. فصل قد تقدم أن الأعمال تدخل
~~في مسمى الإسلام ومسمى الإيمان أيضا، وذكرنا ما يدخل في ذلك من أعمال
~~الجوارح الظاهرة، ويدخل في مسماها أيضا أعمال الجوارح الباطنة. فيدخل في
~~أعمال الإسلام إخلاص الدين لله، والنصح له ولعباده، وسلامة القلب لهم من
~~الغش والحسد والحقد، وتوابع ذلك من أنواع الأذى. ويدخل في مسمى الإيمان وجل
~~القلوب من ذكر الله، وخشوعها عند سماع ذكره وكتابه، وزيادة الإيمان بذلك،
~~وتحقيق التوكل على الله، وخوف الله سرا وعلانية، والرضا بالله ربا،
~~وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، واختيار تلف النفوس
~~بأعظم أنواع الآلام على الكفر، واستشعار قرب الله من العبد، ودوام
~~استحضاره، وإيثار محبة الله ورسوله على محبة ما سواهما، والحب في الله
~~والبغض فيه، والعطاء، له والمنع له، وأن يكون جميع الحركات والسكنات له،
~~وسماحة النفوس بالطاعة المالية والبدنية، والاستبشار بعمل الحسنات، والفرح
~~بها، والمساءة بعمل السيئات والحزن عليها، وإيثار المؤمنين لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم على أنفسهم وأموالهم، وكثرة الحياء، وحسن الخلق، ومحبة ما
~~يحبه لنفسه لإخوانه المؤمنين، ومواساة ms039 المؤمنين، خصوصا الجيران، ومعاضدة
~~المؤمنين، ومناصرتهم، والحزن بما يحزنهم. ولنذكر بعض النصوص الواردة بذلك:
~~فأما ما ورد في دخوله في اسم الإسلام، ففي " مسند الإمام أحمد "
# PageV01P116
# و " النسائي "، «عن معاوية بن حيدة، قال: قلت: يا رسول الله، بالذي بعثك
~~بالحق، ما الذي بعثك الله به؟ قال: الإسلام قلت: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم
~~قلبك لله، وأن توجه وجهك إلى الله، وتصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة
~~المفروضة، وفي رواية له: قلت: وما آية الإسلام؟ فقال: أن تقول أسلمت وجهي
~~لله، وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وكل المسلم على المسلم حرام» .
~~وفي السنن، عن جبير بن مطعم، عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قال: في
~~خطبته بالخيف من منى: ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله،
~~ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم،
~~فأخبر أن هذه الثلاث الخصال تنفي الغل، عن قلب المسلم» . وفي " الصحيحين "،
~~عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «سئل: أي المسلمين أفضل؟
~~قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده» .
# PageV01P117
# وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال «المسلم أخو المسلم، فلا يظلمه، ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ
~~من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله،
~~وعرضه» . وأما ما ورد في دخوله في اسم الإيمان، فمثل قوله: {إنما المؤمنون
~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى
~~ربهم يتوكلون - الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون - أولئك هم
~~المؤمنون حقا} [الأنفال: 2 - 4] (الأنفال: 2 - 3) وقوله: {ألم يأن للذين
~~آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا
~~الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم} [الحديد: 16] (الحديد: 16) .
~~وقوله {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 122] ، وقوله {وعلى الله
~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23] (المائدة: 23) ، وقوله {وخافون إن
~~كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175] (آل عمران: 175) . وفي " صحيح مسلم " عن ms040
~~العباس بن عبد المطلب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذاق طعم الإيمان
~~من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا» . والرضا بربوبية الله
~~تتضمن الرضا بعبادته وحده لا شريك له، وبالرضا بتدبيره للعبد واختياره له.
~~والرضا بالإسلام دينا يتضمن اختياره على سائر الأديان. والرضا بمحمد رسولا
~~يتضمن الرضا بجميع ما جاء به من عند الله، وقبول ذلك بالتسليم والانشراح
~~كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى
# PageV01P118
# يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا
~~تسليما} [النساء: 65] (النساء: 65) . وفي " الصحيحين " عن أنس، عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان
~~الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره
~~أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» . وفي
~~رواية: وجد بهن حلاوة طعم الإيمان. وفي بعض الروايات طعم الإيمان وحلاوته.
~~وفي " الصحيحين " عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم
~~حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده والناس أجمعين، وفي رواية من أهله
~~وماله، والناس أجمعين» . وفي " مسند الإمام أحمد " «عن أبي رزين العقيلي
~~قال: قلت يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده
~~لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما
~~سواهما، وأن تحترق في النار أحب إليك من أن تشرك بالله، وأن تحب غير ذي نسب
~~لا تحبه إلا لله، فإذا كنت كذلك، فقد دخل حب الإيمان في قلبك، كما دخل حب
~~الماء للظمآن في اليوم القائظ. قلت: يا رسول الله، كيف لي بأن أعلم أني
~~مؤمن؟ قال:
# PageV01P119
# ما من أمتي - أو هذه الأمة - عبد يعمل حسنة فيعلم أنها حسنة، وأن الله عز
~~وجل مجازيه بها خيرا، ولا يعمل سيئة فيعلم أنها سيئة، ويستغفر الله منها،
~~ويعلم أنه لا يغفرها إلا هو، إلا ms041 وهو مؤمن» . وفي " المسند " وغيره عن عمر
~~بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سرته حسنته وساءته سيئته
~~فهو مؤمن» . وفي " مسند بقي بن مخلد " عن رجل سمع رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قال: «صريح الإيمان إذا أسأت، أو ظلمت أحدا: عبدك أو أمتك، أو أحدا من
~~الناس، صمت أو تصدقت، وإذا أحسنت استبشرت» . وفي " مسند الإمام أحمد " عن
~~أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمنون في الدنيا على ثلاثة
~~أجزاء: الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم
~~في سبيل الله، والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، ثم الذي إذا أشرف
~~على طمع، تركه لله عز وجل»
# PageV01P120
# وفيه أيضا «عن عمرو بن عبسة، قال: قلت: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال:
~~طيب الكلام، وإطعام الطعام. فقلت: ما الإيمان؟ قال: الصبر والسماحة. قلت:
~~أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. قلت: أي الإيمان
~~أفضل؟ قال: خلق حسن» . وقد فسر الحسن البصري الصبر والسماحة، فقال هو الصبر
~~عن محارم الله، والسماحة بأداء فرائض الله عز وجل. وفي " الترمذي وغيره "
~~عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم
~~خلقا» ، وخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة. وخرجه البزار في " مسنده
~~" من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«ثلاث من فعلهن، فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده بأنه لا إله إلا
~~هو، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام» ، وذكر الحديث، وفي آخره:
~~«فقال رجل: وما تزكية المرء نفسه يا رسول الله؟ قال: أن يعلم أن
# PageV01P121
# الله معه حيث كان» وخرج أبو داود أول الحديث دون آخره. وخرج الطبراني من
~~حديث عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أفضل الإيمان
~~أن تعلم أن الله معك حيث كنت» . وفي " الصحيحين " عن عبد الله بن عمر، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم ms042 قال: «الحياء من الإيمان» . وخرج الإمام أحمد،
~~وابن ماجه من حديث العرباض بن سارية، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«إنما المؤمن كالجمل الأنف، حيثما قيد انقاد» . وقال الله عز وجل {إنما
~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] (الحجرات: 10) . وفي "
~~الصحيحين " عن النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل
~~المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه
~~عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. وفي رواية لمسلم: المؤمنون كرجل
# PageV01P122
# واحد. وفي رواية أيضا: المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه، اشتكى كله، وإن
~~اشتكى رأسه اشتكى كله» . وفي " الصحيحين " عن أبي موسى، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه» .
~~وفي " مسند الإمام أحمد " عن سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان
~~كما يألم الجسد لما في الرأس» . وفي " سنن أبي داود " عن أبي هريرة، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن مرآة المؤمن، المؤمن أخو المؤمن،
~~يكف عنه ضيعته، ويحوطه من ورائه» . وفي " الصحيحين " عن أنس، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» . وفي "
~~صحيح البخاري " عن أبي شريح الكعبي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من ذاك يا رسول
~~الله؟ ! قال:
# PageV01P123
# من لا يأمن جاره بوائقه» . وخرج " الحاكم " من حديث ابن عباس، عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع» . وخرج الإمام
~~أحمد والترمذي من حديث سهل بن معاذ الجهني، عن أبيه، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: «من أعطى لله ومنع لله، وأحب لله وأبغض لله، زاد أحمد:
~~وأنكح لله فقد استكمل إيمانه» . وفي رواية للإمام أحمد: أنه «سأل النبي صلى
~~الله عليه وسلم، عن أفضل الإيمان، فقال: أن تحب ms043 لله وتبغض لله، وتعمل لسانك
~~في ذكر الله، فقال وماذا يا رسول الله؟ قال: أن تحب للناس ما تحب لنفسك،
~~وتكره لهم ما تكره لنفسك، وفي رواية له: وأن تقول خيرا أو تصمت» . وفي هذا
~~الحديث أن كثرة ذكر الله من أفضل الإيمان. وخرج أيضا من حديث عمرو بن
~~الجموح أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يستحق العبد صريح
~~الإيمان حتى يحب لله، ويبغض لله، فإذا أحب لله وأبغض لله، فقد استحق
~~الولاية من الله تعالى» . وخرج أيضا من حديث البراء بن عازب، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله»
# PageV01P124
# وقال ابن عباس: أحب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله،
~~فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان - وإن كثرت صلاته
~~وصومه - حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك
~~لا يجدي على أهله شيئا. خرجه ابن جرير الطبري، ومحمد بن نصر المروزي.
# فصل وأما الإحسان، فقد جاء ذكره في القرآن في مواضع، تارة مقرونا
~~بالإيمان، وتارة مقرونا بالإسلام، وتارة مقرونا بالتقوى، أو بالعمل.
~~فالمقرون بالإيمان كقوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح
~~فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا
~~وأحسنوا والله يحب المحسنين} [المائدة: 93] (المائدة: 93) . وكقوله تعالى:
~~{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} [الكهف:
~~30] (الكهف: 30) . والمقرون بالإسلام: كقوله تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله
~~وهو محسن فله أجره عند ربه} [البقرة: 112] (البقرة: 112) ، وكقوله تعالى:
~~{ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى} [لقمان: 22]
~~الآية (لقمان: 22) . والمقرون بالتقوى كقوله تعالى: {إن الله مع الذين
~~اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128] (النحل: 128) ، وقد يذكر مفردا كقوله
~~تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] (يونس: 26) ، وقد ثبت في "
~~صحيح مسلم " عن النبي صلى الله عليه وسلم
# PageV01P125
# تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله ms044 عز وجل في الجنة، وهذا مناسب لجعله
~~جزاء لأهل الإحسان، لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه
~~الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء
~~ذلك النظر إلى الله عيانا في الآخرة. وعكس هذا ما أخبر الله تعالى به عن
~~جزاء الكفار في الآخرة: {إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15]
~~(المطففين: 15) ، وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الران على
~~قلوبهم، حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن
~~حجبوا عن رؤيته في الآخرة. فقوله صلى الله عليه وسلم في تفسير الإحسان: أن
~~تعبد الله كأنك تراه إلخ يشير إلى أن العبد يعبد الله على هذه الصفة، وهي
~~استحضار قربه وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة
~~والتعظيم، كما جاء في رواية أبي هريرة: «أن تخشى الله كأنك تراه» . ويوجب
~~أيضا النصح في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها. وقد وصى
~~النبي جماعة من أصحابه بهذه الوصية، كما روى إبراهيم الهجري، عن أبي
~~الأحوص، «عن أبي ذر، قال أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أخشى الله
~~كأني أراه، فإن لم أكن أراه، فإنه يراني» . وروي «عن ابن عمر، قال: أخذ
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي، فقال: اعبد الله، كأنك تراه» خرجه
~~النسائي ويروى من حديث زيد بن أرقم مرفوعا
# PageV01P126
# وموقوفا " «كن كأنك ترى الله، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» ". وخرج
~~الطبراني من حديث أنس «أن رجلا قال: يا رسول الله، حدثني بحديث، واجعله
~~موجزا، فقال: صل صلاة مودع، فإنك إن كنت لا تراه، فإنه يراك» . وفي حديث
~~حارثة المشهور - وقد روي من وجوه مرسلة، وروي متصلا، والمرسل أصح - «أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا
~~حقا، قال: انظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة، قال: يا رسول الله، عزفت نفسي
~~عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ms045 ربي بارزا، وكأني
~~أنظر أهل الجنة في الجنة كيف يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار كيف
~~يتعاوون فيها. قال: أبصرت فالزم، عبد نور الله الإيمان في قلبه»
# PageV01P127
# ويروى من حديث أبي أمامة أن «النبي صلى الله عليه وسلم وصى رجلا فقال له:
~~استحي من الله استحياءك من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك» . ويروى من
~~وجه آخر مرسلا. ويروى «عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم وصاه لما بعثه
~~إلى اليمن، فقال: استحي من الله كما تستحيي رجلا ذا هيبة من أهلك» . «وسئل
~~النبي صلى الله عليه وسلم عن كشف العورة خاليا، فقال: الله أحق أن يستحيا
~~منه» . ووصى أبو الدرداء رجلا، فقال له: اعبد الله كأنك تراه. وخطب عروة بن
~~الزبير إلى ابن عمر ابنته وهما في الطواف، فلم يجبه، ثم لقيه بعد ذلك،
~~فاعتذر إليه، وقال كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا. أخرجه أبو نعيم
~~وغيره. قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . قيل: إنه
~~تعليل للأول، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله في العبادة،
# PageV01P128
# واستحضار قربه من عبده، حتى كأن العبد يراه، فإنه قد يشق ذلك عليه،
~~فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه، ويطلع على سره وعلانيته وباطنه
~~وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره، فإذا حقق هذا المقام، سهل عليه
~~الانتقال إلى المقام الثاني، وهو دوام التحديق بالبصيرة إلى قرب الله من
~~عبده ومعيته، حتى كأنه يراه. وقيل: بل هو إشارة إلى أن من شق عليه أن يعبد
~~الله كأنه يراه، فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه، فليستحي من نظره
~~إليه، كما قال بعض العارفين: اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك. وقال
~~بعضهم: خف الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك. قالت بعض
~~العارفات من السلف: من عمل لله على المشاهدة، فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة
~~الله إياه، فهو مخلص. فأشارت إلى المقامين اللذين تقدم ذكرهما. أحدهما:
~~مقام الإخلاص، وهو ms046 أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه، واطلاعه
~~عليه وقربه منه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه، فهو مخلص لله،
~~لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله وإرادته بالعمل.
~~والثاني: مقام المشاهدة، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله بقلبه،
~~وهو أن يتنور القلب بالإيمان، وتنفذ البصيرة في العرفان، حتى يصير الغيب
~~كالعيان. وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل عليه
~~السلام، ويتفاوت أهل هذا المقام فيه بحسب قوة نفوذ البصائر.
# PageV01P129
# وقد فسر طائفة من العلماء المثل الأعلى المذكور في قوله عز وجل {وله
~~المثل الأعلى في السماوات والأرض} [الروم: 27] (الروم: 27) بهذا المعنى،
~~ومثله قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح}
~~[النور: 35] (النور: 35) ، والمراد: مثل نوره في قلب المؤمن، كذا قال أبي
~~بن كعب وغيره من السلف. وقد سبق حديث " «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك
~~حيث كنت» " وحديث: «ما تزكية المرء نفسه؟ ، قال: " أن يعلم أن الله معه حيث
~~كان» ". وخرج الطبراني من حديث أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «ثلاثة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل حيث توجه علم أن الله معه»
~~، وذكر الحديث. وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة، كقوله
~~تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة:
~~186] (البقرة: 186) وقوله تعالى {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4] وقوله:
~~{ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من
~~ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} [المجادلة: 7] (المجادلة: 7)
~~وقوله: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا
~~عليكم شهودا إذ تفيضون فيه} [يونس: 61] (يونس: 61) وقوله: {ونحن أقرب إليه
~~من حبل الوريد} [ق: 16] (ق: 16) . وقوله: {ولا يستخفون من الله وهو معهم}
~~[النساء: 108] (النساء: 108) . وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالندب إلى
~~استحضار هذا القرب في حال ms047 العبادات، كقوله صلى الله عليه وسلم «إن أحدكم
~~إذا قام يصلي، فإنما يناجي ربه، أو ربه بينه
# PageV01P130
# وبين القبلة، وقوله: إن الله قبل وجهه إذا صلى وقوله: إن الله ينصب وجهه
~~لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت» . «وقوله للذين رفعوا أصواتهم بالذكر:
~~إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا» ، وفي رواية: «وهو
~~أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» ، وفي رواية: «هو أقرب إلى أحدكم من حبل
~~الوريد» . وقوله: «يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي إذا ذكرني، وتحركت بي
~~شفتاه» . وقوله: «يقول الله عز وجل: أنا مع ظن عبدي بي، وأنا معه حيث
~~ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ، ذكرته في ملإ
~~خير منه، وإن تقرب مني شبرا، تقربت منه ذراعا، وإن تقرب منى ذراعا، تقربت
~~منه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» . ومن فهم من شيء من هذه النصوص
~~تشبيها أو حلولا أو اتحادا، فإنما أتي
# PageV01P131
# من جهله، وسوء فهمه عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله
~~بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال بكر
~~المزني: من مثلك يا ابن آدم: خلي بينك وبين المحراب والماء كلما شئت دخلت
~~على الله عز وجل، ليس بينك وبينه ترجمان. ومن وصل إلى استحضار هذا في حال
~~ذكره الله وعبادته، استأنس بالله، واستوحش من خلقه ضرورة. قال ثور بن يزيد:
~~قرأت في بعض الكتب أن عيسى عليه السلام قال: يا معشر الحواريين، كلموا الله
~~كثيرا، وكلموا الناس قليلا قالوا: كيف نكلم الله كثيرا؟ قال: ادخلوا
~~بمناجاته، اخلوا بدعائه. خرجه أبو نعيم. وخرج أيضا بإسناده عن رياح، قال:
~~كان عندنا رجل يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، حتى أقعد من رجليه، فكان يصلي
~~جالسا ألف ركعة، فإذا صلى العصر، احتبى فاستقبل القبلة، ويقول: عجبت
~~للخليقة كيف أنست بسواك، بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك.
~~وقال أبو أسامة: دخلت على محمد بن النضر الحارثي، ms048 فرأيته كأنه منقبض، فقلت:
~~كأنك تكره أن تؤتى؟ قال أجل، فقلت: أوما تستوحش؟ فقال كيف أستوحش وهو يقول:
~~أنا جليس من ذكرني
# PageV01P132
# وقيل لمالك بن مغول وهو جالس في بيته وحده: ألا تستوحش؟ فقال: ويستوحش مع
~~الله أحد؟ . وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول: من لم تقر عينه بك،
~~فلا قرت عينه، ومن لم يأنس بك، فلا أنس. وقال غزوان: إني أصبت راحة قلبي في
~~مجالسة من لديه حاجتي. وقال مسلم بن يسار: ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة
~~بمناجاة الله عز وجل. وقال مسلم العابد: لولا الجماعة، ما خرجت من بابي
~~أبدا حتى أموت، وقال: ما يجد المطيعون لله لذة في الدنيا أحلى من الخلوة
~~بمناجاة سيدهم، ولا أحسب لهم في الآخرة من عظيم الثواب أكبر في صدورهم وألذ
~~في قلوبهم من النظر إليه، ثم غشي عليه. وعن إبراهيم بن أدهم، قال: أعلى
~~الدرجات أن تنقطع إلى ربك، وتستأنس إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك حتى لا
~~ترجو إلا ربك ولا تخاف إلا ذنبك، وترسخ محبته في قلبك حتى لا تؤثر عليها
~~شيئا، فإذا كنت كذلك لم تبال في بر كنت، أو في بحر، أو في سهل، أو في جبل،
~~وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد، وشوق الجائع إلى
~~الطعام الطيب، ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل وأحلى من الماء العذب
~~الصافي عند العطشان في اليوم الصائف.
# PageV01P133
# وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس، وكان الله جليسه. وقال أبو
~~سليمان لا آنسني الله إلا به أبدا. وقال معروف لرجل: توكل على الله حتى
~~يكون جليسك، وأنيسك وموضع شكواك. وقال ذو النون: من علامة المحبين لله أن
~~لا يأنسوا بسواه، ولا يستوحشوا معه، ثم قال: إذا سكن القلب حب الله تعالى،
~~أنس بالله، لأن الله تعالى أجل في صدور العارفين أن يحبوا سواه. وكلام
~~القوم في هذا الباب يطول ذكره جدا، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى.
~~فمن تأمل ما أشرنا إليه مما دل ms049 عليه هذا الحديث العظيم علم أن جميع العلوم
~~والمعارف ترجع إلى هذا الحديث وتدخل تحته، وأن جميع العلماء من فرق هذه
~~الأمة لا تخرج علومهم التي يتكلمون فيها عن هذا الحديث، وما دل عليه مجملا
~~ومفصلا فإن الفقهاء إنما يتكلمون في العبادات التي هي من جملة خصال
~~الإسلام، ويضيفون إلى ذلك الكلام في أحكام الأموال والأبضاع والدماء وكل
~~ذلك من علم الإسلام كما سبق التنبيه عليه، ويبقى كثير من علم الإسلام من
~~الآداب والأخلاق وغير ذلك لا يتكلم عليه إلا القليل منهم، ولا يتكلمون على
~~معنى الشهادتين، وهما أصل الإسلام كله. والذين يتكلمون في أصول الديانات،
~~يتكلمون على الشهادتين، وعلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله،
~~واليوم الآخر، والإيمان بالقدر.
# PageV01P134
# والذين يتكلمون على علم المعارف والمعاملات يتكلمون على مقام الإحسان،
~~وعلى الأعمال الباطنة التي تدخل في الإيمان أيضا، كالخشية، والمحبة،
~~والتوكل، والرضا، والصبر، ونحو ذلك فانحصرت العلوم الشرعية التي يتكلم
~~عليها فرق المسلمين في هذا الحديث، ورجعت كلها إليه، ففي هذا الحديث وحده
~~كفاية، ولله الحمد والمنة.
# وبقي الكلام على ذكر الساعة من الحديث. فقول جبريل عليه السلام «أخبرني
~~عن الساعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما المسئول عنها بأعلم من
~~السائل» يعني أن علم الخلق كلهم في وقت الساعة سواء، وهذه إشارة إلى أن
~~الله تعالى استأثر بعلمها، ولهذا في حديث أبي هريرة: قال النبي صلى الله
~~عليه وسلم في «خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى ثم تلا: {إن الله عنده علم
~~الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما
~~تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} [لقمان: 34] (لقمان: 34) ، وقال
~~الله عز وجل {يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا
~~يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة}
~~[الأعراف: 187] (الأعراف: 187) » . وفي " صحيح البخاري "، عن ابن عمر، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، ثم
~~قرأ هذه ms050 الآية: {إن الله عنده علم الساعة} [لقمان: 34] الآية» . وخرجه
~~الإمام أحمد، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوتيت مفاتيح كل شيء
# PageV01P135
# إلا الخمس: {إن الله عنده علم الساعة} [لقمان: 34] الآية» . وخرج أيضا
~~بإسناده عن ابن مسعود، قال: أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء
~~غير خمس {إن الله عنده علم الساعة} [لقمان: 34] الآية. قوله: «فأخبرني عن
~~أماراتها» . يعني: عن علاماتها التي تدل على اقترابها، وفي حديث أبي هريرة
~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سأحدثك عن أشراطها،» وهي علاماتها أيضا.
~~وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للساعة علامتين: الأولى: " «أن تلد الأمة
~~ربتها» " والمراد بربتها سيدتها ومالكتها، وفي حديث أبي هريرة " ربها "
~~وهذه إشارة إلى فتح البلاد، وكثرة جلب الرقيق حتى تكثر السراري، ويكثر
~~أولادهن، فتكون الأمة رقيقة لسيدها وأولاده منها بمنزلته، فإن ولد السيد
~~بمنزلة السيد، فيصير ولد الأمة بمنزلة ربها وسيدها. وذكر الخطابي أنه استدل
~~بذلك من يقول: إن أم الولد إنما تعتق على ولدها من نصيبه من ميراث والده،
~~وإنها تنتقل إلى أولادها بالميراث، فتعتق عليهم وإنها قبل موت سيدها تباع،
~~قال: وفي هذا الاستدلال نظر. قلت: قد استدل به بعضهم على عكس ذلك، وأن أم
~~الولد لا تباع وأنها تعتق بموت سيدها بكل حال؛ لأنه جعل ولد الأمة ربها،
~~فكأن ولدها هو الذي أعتقها فصار عتقها منسوبا إليه، لأنه سبب عتقها، فصار
~~كأنه مولاها. وهذا كما روي عن «النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أم
~~ولده مارية لما ولدت إبراهيم عليه
# PageV01P136
# السلام " أعتقها ولدها» ". وقد استدل بهذا الإمام أحمد، فإنه قال في
~~رواية محمد بن الحكم عنه: «تلد الأمة ربتها» : تكثر أمهات الأولاد، يقول:
~~إذا ولدت فقد عتقت لولدها وقال: فيه حجة أن أمهات الأولاد لا يبعن. وقد فسر
~~قوله: " تلد الأمة ربتها " بأنه يكثر جلب الرقيق، حتى تجلب البنت، فتعتق ثم
~~تجلب الأم فتشتريها البنت وتستخدمها وهي جاهلة بأنها أمها، وقد وقع هذا في
~~الإسلام. وقيل: معناه ms051 أن الإماء تلدن الملوك، وقال وكيع: معناه تلد العجم
~~العرب، والعرب ملوك العجم وأرباب لهم. والعلامة الثانية: " «أن ترى الحفاة
~~العراة العالة» ". والمراد بالعالة: الفقراء، كقوله تعالى: {ووجدك عائلا
~~فأغنى} [الضحى: 8] (الضحى: 8) . وقوله: " «رعاء الشاء يتطاولون في البنيان»
~~" هكذا في حديث عمر، والمراد: أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر
~~أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه. وفي حديث أبي هريرة ذكر
~~ثلاث علامات: منها: أن تكون الحفاة العراة رؤوس الناس، ومنها أن يتطاول
~~رعاة البهم في البنيان. وروى هذا الحديث عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن
~~بريدة فقال فيه:
# PageV01P137
# " «وأن ترى الصم البكم العمي الحفاة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ملوك
~~الناس " قال: فقام رجل، فانطلق، فقلنا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين نعت؟
~~قال: " هم العريب» " وكذا روى هذه اللفظة الأخيرة علي بن زيد، عن يحيى بن
~~يعمر، عن ابن عمر. وأما الألفاظ الأول، فهي في الصحيح من حديث أبي هريرة
~~بمعناه. وقوله: " الصم البكم العمي " إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم وفهمهم.
~~وفي هذا المعنى أحاديث متعددة، فخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث حذيفة،،
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس
~~بالدنيا لكع بن لكع» . وفي " صحيح ابن حبان " عن أنس،، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: «لا تنقضي الدنيا حتى تكون عند لكع بن لكع» .
# PageV01P138
# وخرج الطبراني من حديث أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا
~~تقوم الساعة حتى يغلب على الدنيا لكع بن لكع» . وخرج الإمام أحمد والطبراني
~~من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بين يدي الساعة سنون
~~خداعة، يتهم فيها الأمين، ويؤتمن فيها المتهم، وينطق فيها الرويبضة، قالوا:
~~وما الرويبضة؟ قال: السفيه ينطق في أمر العامة» . وفي رواية: " «الفاسق
~~يتكلم في أمر العامة» " وفي رواية الإمام أحمد " «إن بين يدي الدجال سنين
~~خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن
~~فيها الخائن» ، وذكر باقيه. ومضمون ما ms052 ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث
~~يرجع إلى أن الأمور توسد إلى غير أهلها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
~~لمن سأله، عن الساعة: " «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» "،
~~فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء - وهم أهل الجهل والجفاء - رؤوس
~~الناس، وأصحاب الثروة والأموال، حتى يتطاولوا في البنيان، فإنه يفسد بذلك
~~نظام الدين والدنيا، فإنه إذا كان رأس الناس من كان فقيرا عائلا، فصار ملكا
~~على الناس، سواء كان ملكه عاما أو خاصا في بعض الأشياء، فإنه لا يكاد يعطي
~~الناس حقوقهم، بل يستأثر عليهم بما استولى عليه من المال، فقد قال بعض
~~السلف: لأن تمد يدك إلى فم التنين، فيقضمها،
# PageV01P139
# خير لك من أن تمدها إلى يد غني قد عالج الفقر. وإذا كان مع هذا جاهلا
~~جافيا، فسد بذلك الدين، لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا
~~تعليمهم، بل همته في جباية المال واكتنازه، ولا يبالي بما فسد من دين
~~الناس، ولا بمن ضاع من أهل حاجاتهم. وقال في حديث آخر " «لا تقوم الساعة
~~حتى يسود كل قبيلة منافقوها» ". وإذا صار ملوك الناس ورؤوسهم على هذه الحال
~~انعكست سائر الأحوال، فصدق الكاذب، وكذب الصادق، وائتمن الخائن، وخون
~~الأمين، وتكلم الجاهل، وسكت العالم، أو عدم بالكلية، كما صح عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم أنه قال: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل،
~~وأخبر: أنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا
~~جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا.» وقال الشعبي: لا تقوم
~~الساعة حتى يصير العلم جهلا، والجهل علما. وهذا كله من انقلاب الحقائق في
~~آخر الزمان وانعكاس الأمور. وفي " صحيح الحاكم " عن عبد الله بن عمرو
~~مرفوعا: " «إن من أشراط
# PageV01P140
# الساعة أن يوضع الأخيار، ويرفع الأشرار» ". وفي قوله: " يتطاولون في
~~البنيان " دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصا بالتطاول في البنيان، ولم
~~يكن إطالة البناء معروفا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ms053 وأصحابه، بل كان
~~بنيانهم قصيرا بقدر الحاجة، روى أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال:
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة، حتى يتطاول الناس في
~~البنيان» خرجه البخاري. وخرج أبو داود من حديث أنس «أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم خرج فرأى قبة مشرفة، فقال " ما هذه "؟ قالوا: هذه لفلان، رجل من
~~الأنصار، فجاء صاحبها، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه،
~~فعل ذلك مرارا، فهدمها الرجل.» وخرجه الطبراني من وجه آخر عن أنس أيضا،
~~وعنده فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بناء - وأشار بيده هكذا على رأسه
~~- أكثر من هذا، فهو وبال.» وقال حريث بن السائب عن الحسن: كنت أدخل بيوت
~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان رضي الله عنه فأتناول سقفها
~~بيدي. وروي عن عمر أنه كتب: لا تطيلوا بناءكم فإنه شر أيامكم. وقال يزيد بن
~~أبي زياد: قال حذيفة لسلمان: ألا نبني لك مسكنا يا أبا عبد الله، قال: لم
~~تجعلني ملكا؟ قال: لا، ولكن نبني لك بيتا من قصب ونسقفه بالبواري، إذا قمت
~~كاد أن يصيب رأسك، وإذا نمت كاد أن يمس طرفيك، قال: كأنك كنت في نفسي
# PageV01P141
# وعن عمار بن أبي عمار قال: إذا رفع الرجل بناءه فوق سبعة أذرع، نودي يا
~~أفسق الفاسقين، إلى أين؟ . خرجه كله ابن أبي الدنيا. وقال يعقوب بن أبي
~~شيبة في " مسنده ": بلغني عن ابن أبي عائشة حدثنا ابن أبي شميلة قال: نزل
~~المسلمون حول المسجد: يعني بالبصرة في أخبية الشعر، ففشا فيهم السرق،
~~فكتبوا إلى عمر، فأذن لهم في اليراع، فبنوا بالقصب، ففشا فيهم الحريق،
~~فكتبوا إلى عمر، فأذن لهم في المدر، ونهى أن يرفع الرجل سمكه أكثر من سبعة
~~أذرع، وقال: إذا بنيتم منه بيوتكم فابنوا منه المسجد قال ابن أبي عائشة:
~~وكان عتبة بن غزوان بنى مسجد البصرة بالقصب، قال: من صلى فيه وهو من قصب
~~أفضل ممن صلى فيه وهو من لبن، ومن ms054 صلى فيه وهو من لبن، أفضل ممن صلى فيه
~~وهو من آجر. وخرج ابن ماجه من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» . ومن حديث ابن عباس، «عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: أراكم ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود
~~كنائسها، وكما شرفت النصارى بيعها.» وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن
~~إسماعيل بن مسلم، عن الحسن رضي الله
# PageV01P142
# عنه، قال: «لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، قال: ابنوه
~~عريشا كعريش موسى. قيل للحسن: وما عريش موسى؟ قال إذا رفع يده بلغ العريش:
~~يعني السقف» .
# PageV01P143
### | [الحديث الثالث بني الإسلام على خمس]
# PageV01P143
# الحديث الثالث عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله
~~عنهما قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بني الإسلام على خمس:
~~شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء
~~الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان،» رواه البخاري ومسلم.
# هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين "
~~من رواية عكرمة بن خالد، عن ابن عمر، وخرجه مسلم من طريقين آخرين، عن ابن
~~عمر، وله طرق أخرى عنه. وقد روي هذا الحديث من رواية جرير بن عبد الله
~~البجلي، عن النبي صلى الله عليه وسلم وخرج حديثه الإمام أحمد. وقد سبق في
~~الحديث الذي قبله ذكر الإسلام.
# PageV01P144
# والمراد من هذا الحديث أن الإسلام مبني على هذه الخمس، فهي كالأركان
~~والدعائم لبنيانه، وقد خرجه محمد بن نصر المروزي في " كتاب الصلاة " ولفظه:
~~«بني الإسلام على خمس دعائم» فذكره. والمقصود تمثيل الإسلام ببنيانه ودعائم
~~البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كتتمة
~~البنيان، فإذا فقد منها شيء، نقص البنيان وهو قائم لا ينتقض بنقص ذلك،
~~بخلاف نقض هذه الدعائم الخمس؛ فإن الإسلام يزول بفقدها جميعا بغير إشكال،
~~وكذلك يزول بفقد الشهادتين، والمراد بالشهادتين الإيمان بالله ورسوله. وقد
~~جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقا: " «بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ms055
~~ورسوله» " وذكر بقية الحديث. وفي رواية لمسلم: " «على خمس: على أن يوحد
~~الله» " وفي رواية له: " «على أن يعبد الله ويكفر بما دونه» ". وبهذا يعلم
~~أن الإيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام كما سبق تقريره في الحديث
~~الماضي. وأما إقام الصلاة، فقد وردت أحاديث متعددة تدل على أن من تركها،
~~فقد خرج من الإسلام، ففي " صحيح مسلم " عن جابر، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» ، وروي مثله من حديث
~~بريدة
# PageV01P145
# وثوبان وأنس وغيرهم. وخرج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت،،
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تترك الصلاة متعمدا، فمن تركها
~~متعمدا، فقد خرج من الملة» . وفي حديث معاذ عنه عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة» فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي
~~لا يقوم الفسطاط إلا به ولا يثبت إلا به ولو سقط العمود لسقط الفسطاط ولم
~~يثبت بدونه وقال عمر: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وقال سعد
# PageV01P146
# وعلي بن أبي طالب: من تركها، فقد كفر. وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر غير
~~الصلاة. وقال أيوب السختياني: ترك الصلاة كفر، لا يختلف فيه. وذهب إلى هذا
~~القول جماعة من السلف والخلف، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وحكى
~~إسحاق عليه إجماع أهل العلم! وقال محمد بن نصر المروزي: هو قول جمهور أهل
~~الحديث. وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمسة عمدا
~~أنه كافر بذلك وروي ذلك، عن سعيد بن جبير ونافع والحكم، وهو رواية عن أحمد
~~اختارها طائفة من أصحابه، وهو قول ابن حبيب من المالكية. وخرج الدارقطني
~~وغيره من حديث أبي هريرة قال: «قيل: يا رسول الله، الحج في كل عام؟ قال: لو
~~قلت: نعم، لوجب عليكم ولو وجب عليكم، ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم» .
# PageV01P147
# وخرج الالكائي من طريق مؤمل، ms056 قال: حدثنا حماد بن زيد بن عمرو بن مالك
~~النكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، ولا أحسبه إلا رفعه قال: «عرى
~~الإسلام، وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله،
~~والصلاة، وصوم رمضان. من ترك منهن واحدة، فهو بها كافر، حلال الدم، وتجده
~~كثير المال لم يحج فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل بذلك دمه، وتجده كثير المال
~~فلا يزكي، فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل دمه» ورواه قتيبة بن سعيد عن حماد
~~بن زيد موقوفا مختصرا، ورواه سعيد بن زيد أخو حماد، عن عمرو بن مالك بهذا
~~الإسناد مرفوعا، وقال: «ومن ترك منهن واحدة، فهو بالله كافر، ولا يقبل منه
~~صرف ولا عدل، وقد حل دمه وماله» ولم يذكر ما بعده. وقد روي عن عمر ضرب
~~الجزية على من لم يحج، وقال: ليسوا بمسلمين. وعن ابن مسعود أن تارك الزكاة
~~ليس بمسلم، وعن أحمد رواية: أن ترك الصلاة والزكاة خاصة كفر دون الصيام
~~والحج. وقال ابن عيينة: المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب
~~المحارم، وليس سواء، لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال معصية، وترك
~~الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر. وبيان ذلك في أمر إبليس وعلماء اليهود
~~الذين أقروا بنعت النبي صلى الله عليه وسلم بلسانهم، ولم يعملوا بشرائعه.
# PageV01P148
# وقد استدل أحمد وإسحاق على كفر تارك الصلاة بكفر إبليس بترك السجود لآدم،
~~وترك السجود لله أعظم. وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل إبليس يبكي ويقول: يا
~~ويلي أمر ابن آدم بالسجود، فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي
~~النار.» واعلم أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض، وقد روي أنه لا يقبل
~~بعضها بدون بعض كما في " مسند الإمام أحمد " عن زياد بن نعيم الحضرمي، قال:
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أربع فرضهن الله في الإسلام فمن أتى
~~بثلاث لم يغنين عنه شيئا حتى ms057 يأتي بهن جميعا: الصلاة، والزكاة، وصوم رمضان،
~~وحج البيت» وهذا مرسل، وقد روي عن زياد، عن عمارة بن حزم، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم. وروي عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن ابن عمر،
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدين خمس لا يقبل الله منهن شيئا
~~دون شيء: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإيمان بالله
~~وملائكته وكتبه ورسله، وبالجنة والنار، والحياة بعد الموت هذه واحدة،
~~والصلوات الخمس عمود الدين لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة، والزكاة طهور
~~من الذنوب، ولا يقبل الله الإيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة، فمن فعل هؤلاء،
~~ثم جاء رمضان فترك صيامه متعمدا
# PageV01P149
# لم يقبل الله منه الإيمان، ولا الصلاة، ولا الزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع
~~ثم تيسر له الحج، فلم يحج، ولم يوص بحجة، ولم يحج عنه بعض أهله، لم يقبل
~~الله منه الأربع التي قبلها» ذكره ابن أبي حاتم وقال سألت أبي عنه فقال:
~~هذا حديث منكر يحتمل أن هذا من كلام عطاء الخرساني. قلت: الظاهر أنه من
~~تفسيره لحديث ابن عمر، وعطاء من أجلاء علماء الشام. وقال ابن مسعود: من لم
~~يزك، فلا صلاة له، ونفي القبول هنا لا يراد به نفي الصحة، ولا وجوب الإعادة
~~بتركه، وإنما يراد بذلك انتفاء الرضا به، ومدح عامله، والثناء بذلك عليه في
~~الملأ الأعلى، والمباهاة به للملائكة. فمن قام بهذه الأركان على وجهها، حصل
~~له القبول بهذا المعنى، ومن قام ببعضها دون بعض، لم يحصل له ذلك، وإن كان
~~لا يعاقب على ما أتى به منها عقوبة تاركه، بل تبرأ به ذمته، وقد يثاب عليه
~~أيضا. ومن هاهنا يعلم أن ارتكاب بعض المحرمات التي ينقص بها الإيمان تكون
~~مانعة من قبول بعض الطاعات، ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي
~~ذكرناه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر لم يقبل الله له
~~صلاة أربعين يوما» وقال: «من أتى عرافا فصدقه بما يقول، ms058 لم تقبل له صلاة
~~أربعين يوما» وقال: «أيما عبد أبق من مواليه، لم تقبل له صلاة.»
# PageV01P150
# وحديث ابن عمر يستدل به على أن الاسم إذا شمل أشياء متعددة، لم يزل زوال
~~الاسم بزوال بعضها، فيبطل بذلك قول من قال: إن الإيمان لو دخلت فيه الأعمال
~~للزم أن يزول بزوال عمل مما دخل في مسماه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم
~~جعل هذه الخمس دعائم الإسلام ومبانيه، وفسر بها الإسلام في حديث جبريل، وفي
~~حديث طلحة بن عبيد الله الذي فيه أن «أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم
~~عن الإسلام، ففسره له بهذه الخمس» . ومع هذا فالمخالفون في الإيمان يقولون:
~~لو زال من الإسلام خصلة واحدة، أو أربع خصال سوى الشهادتين، لم يخرج بذلك
~~من الإسلام. وقد روى بعضهم أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شرائع
~~الإسلام، لا عن الإسلام، وهذه اللفظة لم تصح عند أئمة الحديث ونقاده، منهم
~~أبو زرعة الرازي، ومسلم بن الحجاج، وأبو جعفر العقيلي وغيرهم. وقد ضرب
~~العلماء مثل الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشعب، فاسم الشجرة يشتمل على
~~ذلك كله، ولو زال شيء من شعبها وفروعها لم يزل عنه اسم الشجرة، وإنما يقال
~~هي شجرة ناقصة أو غيرها أتم منها. وقد ضرب الله مثل الإيمان بذلك في قوله
~~تعالى: {ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء
~~تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم: 24] (إبراهيم: 24) . والمراد
~~بالكلمة كلمة التوحيد، وبأصلها التوحيد الثابت في القلوب، وأكلها: هو
~~الأعمال الصالحة الناشئة منه. وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن
~~والمسلم بالنخلة ولو زال شيء من فروع
# PageV01P151
# النخلة، أو من ثمرها، لم يزل بذلك عنها اسم النخلة بالكلية، وإن كانت
~~ناقصة الفروع أو الثمر. ولم يذكر الجهاد في حديث ابن عمر هذا، مع أن الجهاد
~~أفضل الأعمال، وفي رواية «أن ابن عمر قيل له: فالجهاد؟ قال الجهاد حسن،
~~ولكن هكذا حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» . خرجه الإمام ms059 أحمد. وفي
~~حديث معاذ بن جبل «إن رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه
~~الجهاد» ، وذروة سنامه: أعلى شيء فيه، ولكنه ليس من دعائمه وأركانه التي
~~بني عليها، وذلك لوجهين: أحدهما: أن الجهاد فرض كفاية عند جمهور العلماء،
~~ليس بفرض عين بخلاف هذه الأركان. والثاني: أن الجهاد لا يستمر فعله إلى آخر
~~الدهر، بل إذا نزل عيسى عليه السلام، ولم يبق حينئذ ملة غير ملة الإسلام،
~~فحينئذ تضع الحرب أوزارها، ويستغني عن الجهاد بخلاف هذه الأركان، فإنها
~~واجبة على المؤمنين إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك، والله أعلم.
# PageV01P152
### | [الحديث الرابع إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة]
# PageV01P152
# الحديث الرابع عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
~~قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم
~~يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون
~~مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك، فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع
~~كلمات: بكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن
~~أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه
~~الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى
~~ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة
~~فيدخلها» رواه البخاري ومسلم.
# هذا الحديث متفق على صحته، وتلقته
~~الأمة بالقبول، رواه الأعمش عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود، ومن طريقه خرجه
~~الشيخان في " صحيحيهما " وقد روي عن محمد بن زيد الأسفاطي، قال: رأيت النبي
~~صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم، فقلت: يا رسول الله، حديث ابن مسعود
~~الذي حدث عنك، فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق
~~المصدوق. فقال صلى الله عليه وسلم: " والذي لا إله غيره حدثته به أنا "
~~يقوله ثلاثا، ثم قال غفر الله للأعمش كما حدث به، وغفر الله
# PageV01P153
# لمن ms060 حدث به قبل الأعمش، ولمن حدث به بعده. وقد روي عن ابن مسعود من وجوه
~~أخر. فقوله صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين
~~يوما نطفة» قد روي تفسيره عن ابن مسعود؛ روى الأعمش، عن خيثمة، عن ابن
~~مسعود قال: إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعرة وظفر، فتمكث
~~أربعين يوما، ثم تنحدر في الرحم، فتكون علقة. قال: فذلك جمعها. خرجه ابن
~~أبي حاتم وغيره. وروي تفسير الجمع مرفوعا بمعنى آخر، فخرج الطبراني وابن
~~منده في كتاب " التوحيد " من حديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: «إن الله تعالى إذا أراد خلق عبد، فجامع الرجل المرأة، طار ماؤه
~~في كل عرق وعضو منها، فإذا كان يوم السابع جمعه الله، ثم أحضره في كل عرق
~~له دون آدم:» {في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 8] قال ابن منده: إسناده
~~متصل مشهور على رسم أبي عيسى والنسائي وغيرهما
# PageV01P154
# وخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني من رواية مطهر بن الهيثم، عن
~~موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~لجده «يا فلان ما ولد لك؟ قال يا رسول الله، وما عسى أن يولد لي؟ إما غلام
~~وإما جارية، قال: فمن يشبه؟ قال من عسى أن يشبه؟ يشبه أمه أو أباه، قال:
~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقولن كذا. إن النطفة إذا استقرت في
~~الرحم، أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت هذه الآية {في أي صورة
~~ما شاء ركبك} [الانفطار: 8] (الانفطار: 8) قال: سلكك» وهذا إسناد ضعيف
~~ومطهر بن الهيثم ضعيف جدا: وقال البخاري: هو حديث لم يصح وذكر بإسناده عن
~~موسى بن علي، عن أبيه أن أباه لم يسلم إلا في عهد أبي بكر الصديق يعني: أنه
~~لا صحبة له. ويشهد لهذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي قال له:
~~ولدت امرأتي غلاما أسود قال: «لعله ms061 نزعه عرق» . وقوله «ثم يكون علقة مثل
~~ذلك» يعني: أربعين يوما، والعلقة قطعة من دم. «ثم يكون مضغة مثل ذلك» يعني:
~~أربعين يوما. والمضغة: قطعة من لحم. «ثم يرسل الله إليه الملك، فينفخ فيه
~~الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.» فهذا
~~الحديث يدل على أنه يتقلب في مائة وعشرين يوما، في ثلاثة أطوار، في كل
~~أربعين يوما منها يكون في طور، فيكون في الأربعين الأولى نطفة، ثم في
# PageV01P155
# الأربعين الثانية علقة، ثم في الأربعين الثالثة، مضغة ثم بعد المائة
~~وعشرين يوما ينفخ الملك فيه الروح، ويكتب له هذه الأربع الكلمات. وقد ذكر
~~الله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة تقلب الجنين في هذه الأطوار كقوله
~~تعالى: {ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من
~~نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما
~~نشاء إلى أجل مسمى} [الحج: 5] (الحج: 5) . وذكر هذه الأطوار الثلاثة:
~~النطفة والعلقة والمضغة في مواضع متعددة من القرآن، وفي مواضع أخر ذكر
~~زيادة عليها، فقال في سورة المؤمنون (12 - 14) {ولقد خلقنا الإنسان من
~~سلالة من طين - ثم جعلناه نطفة في قرار مكين - ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا
~~العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر
~~فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 12 - 14] . فهذه سبع تارات ذكرها
~~الله في هذه الآية لخلق ابن آدم قبل نفخ الروح فيه. وكان ابن عباس يقول:
~~خلق ابن آدم من سبع، ثم يتلو هذه الآية. وسئل عن العزل، فقرأ هذه الآية ثم
~~قال، فهل يخلق أحد حتى تجري فيه هذه الصفة؟ وفي رواية عنه قال: وهل تموت
~~نفس حتى تمر على هذا الخلق؟ . وروي عن رفاعة بن رافع قال: جلس إلي عمر وعلي
~~والزبير وسعد ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكروا العزل،
~~فقالوا لا بأس به، فقال رجل: إنهم يزعمون أنها الموءودة الصغرى فقال علي:
~~لا تكون ms062 موءودة حتى تمر على التارات السبع: تكون سلالة من طين، ثم تكون
~~نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظاما، ثم تكون لحما، ثم تكون
~~خلقا آخر، فقال عمر: صدقت أطال الله بقاءك. رواه الدارقطني في " المؤتلف
~~والمختلف ".
# PageV01P156
# وقد رخص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها ما لم ينفخ فيه
~~الروح، وجعلوه كالعزل، وهو قول ضعيف؛ لأن الجنين ولد انعقد، وربما تصور وفي
~~العزل لم يوجد ولد بالكلية، وإنما تسبب إلى منع انعقاده، وقد لا يمتنع
~~انعقاده بالعزل إذا أراد الله خلقه، كما قال «النبي لما سئل عن العزل: قال:
~~لا عليكم أن لا تعزلوا إنه ليس من نفس منفوسة إلا أن الله خلقها» . وقد صرح
~~أصحابنا بأنه إذا صار الولد علقة، لم يجز للمرأة إسقاطه؛ لأنه ولد انعقد
~~بخلاف النطفة، فإنها لم تنعقد بعد، وقد لا تنعقد ولدا. وقد ورد في بعض
~~الروايات في حديث ابن مسعود ذكر العظام وأنه يكون عظما أربعين يوما، فخرج
~~الإمام أحمد من رواية علي بن زيد سمعت أبا عبيدة يحدث قال: قال عبد الله:
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما
~~على حالها لا تغير، فإذا مضت الأربعون، صارت علقة، ثم مضغة كذلك، ثم عظاما
~~كذلك، فإذا أراد الله تعالى أن يسوي خلقه، بعث الله إليها ملكا،» وذكر بقية
~~الحديث. ويروى من حديث عاصم عن أبي وائل، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «إن النطفة إذا استقرت في الرحم، تكون أربعين ليلة نطفة،
~~ثم تكون علقة أربعين ليلة، ثم تكون عظاما أربعين ليلة، ثم يكسو الله العظام
~~لحما» . ورواية الإمام أحمد تدل على أن الجنين لا يكسى اللحم إلا بعد مائة
~~وستين
# PageV01P157
# يوما، وهذا غلط بلا ريب، فإنه بعد مائة وعشرين يوما ينفخ فيه الروح بلا
~~ريب كما سيأتي ذكره، وعلي بن زيد: هو ابن جدعان لا يحتج به، وقد ورد في
~~حديث حذيفة بن أسيد ما ms063 يدل على خلق العظام واللحم في أول الأربعين الثانية،
~~ففي " صحيح مسلم " عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا
~~مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها
~~وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما
~~شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم
~~يقول يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة
~~في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص» . وظاهر هذا الحديث يدل على أن تصوير
~~الجنين وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه يكون في أول الأربعين الثانية،
~~فيلزم من ذلك أن يكون في الأربعين الثانية لحما وعظاما. وقد تأول بعضهم ذلك
~~على أن الملك يقسم النطفة إذا صارت علقة إلى أجزاء، فيجعل بعضها للجلد،
~~وبعضها للحم، وبعضها للعظام، فيقدر ذلك كله قبل وجوده. وهذا خلاف ظاهر
~~الحديث، بل ظاهره أن يصورها ويخلق هذه الأجزاء كلها، وقد يكون خلق ذلك
~~بتصويره وتقسيمه قبل وجود اللحم والعظام، قد يكون هذا في بعض الأجنة دون
~~بعض. وحديث مالك بن الحويرث المتقدم يدل على أن التصوير يكون للنطفة أيضا
~~في اليوم السابع، وقد قال الله عز وجل {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج}
~~[الإنسان: 2] (الإنسان: 2) وفسر طائفة من السلف أمشاج النطفة بالعروق التي
~~فيها. قال ابن مسعود: أمشاجها: عروقها
# PageV01P158
# وقد ذكر علماء الطب ما يوافق ذلك، وقالوا: إن المني إذا وقع في الرحم،
~~حصل له زبدية ورغوة ستة أيام أو سبعة، وفي هذه الأيام تصور النطفة من غير
~~استمداد من الرحم، ثم بعد ذلك تستمد منه، وابتداء الخطوط والنقط بعد هذا
~~بثلاثة أيام، وقد يتقدم يوما ويتأخر يوما، ثم بعد ستة أيام - وهو الخامس
~~عشر من وقت العلوق - ينفذ الدم إلى الجميع فيصير علقة، ثم تتميز الأعضاء
~~تميزا ظاهرا، ويتنحى بعضها عن ممارسة بعض، وتمتد رطوبة النخاع، ثم بعد تسعة
~~أيام ينفصل الرأس عن ms064 المنكبين والأطراف عن الأصابع تميزا يستبين في بعض،
~~ويخفى في بعض. قالوا: وأقل مدة يتصور الذكر فيها ثلاثون يوما، والزمان
~~المعتدل في تصوير الجنين خمسة وثلاثون يوما، وقد يتصور في خمسة وأربعين
~~يوما، قالوا: ولم يوجد في الأسقاط ذكر تم قبل ثلاثين يوما، ولا أنثى قبل
~~أربعين يوما، فهذا يوافق ما دل عليه حديث حذيفة بن أسيد في التخليق في
~~الأربعين الثانية، ومصيره لحما فيها أيضا. وقد حمل بعضهم حديث ابن مسعود
~~على أن الجنين يغلب عليه في الأربعين الأولى وصف المني، وفي الأربعين
~~الثانية وصف العلقة، وفي الأربعين الثالثة وصف المضغة، وإن كانت خلقته قد
~~تمت وتم تصويره، وليس في حديث ابن مسعود ذكر وقت تصوير الجنين. وقد روي عن
~~ابن مسعود نفسه ما يدل على أن تصويره قد يقع قبل الأربعين
# PageV01P159
# الثالثة أيضا، فروى الشعبي عن علقمة، عن ابن مسعود قال: النطفة إذا
~~استقرت في الرحم جاءها ملك فأخذها بكفه، فقال: أي رب، مخلقة أم غير مخلقة؟
~~فإن قيل: غير مخلقة، لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام، وإن قيل مخلقة، قال: أي
~~رب، أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد، ما الأجل وما الأثر؟ ، وبأي أرض تموت؟ قال:
~~فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فيقال:
~~اذهب إلى الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتخلق، فتعيش في
~~أجلها وتأكل في رزقها، وتطأ في أثرها، حتى إذا جاء أجلها، ماتت، فدفنت في
~~ذلك، ثم تلا الشعبي هذه الآية: {ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا
~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة}
~~[الحج: 5] (الحج: 5) . فإذا بلغت مضغة، نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة،
~~فإن كانت غير مخلقة، قذفتها الأرحام دما، وإن كانت مخلقة نكست نسمة. خرجه
~~ابن أبي حاتم وغيره. وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود أن لا تصوير قبل
~~ثمانين يوما، فروى السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، ms065 وعن مرة
~~الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في
~~قوله عز وجل: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} [آل عمران: 6] (آل
~~عمران: 6) قال: إذا وقعت النطفة في الأرحام، طارت في الجسد أربعين يوما، ثم
~~تكون علقة أربعين يوما، ثم تكون مضغة أربعين يوما، فإذا بلغ أن تخلق، بعث
~~الله ملكا يصورها، فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه، فيخلطه في المضغة، ثم
~~يعجنه بها، ثم يصورها كما يؤمر فيقول: أذكر أم أنثى؟ أشقي أو سعيد؟ وما
~~رزقه، وما عمره، وما أثره، وما مصائبه؟ فيقول الله تبارك وتعالى، ويكتب
~~الملك، فإذا مات ذلك الجسد، دفن حيث
# PageV01P160
# أخذ ذلك التراب، خرجه ابن جرير الطبري في " تفسيره " ولكن السدي مختلف في
~~أمره، وكان الإمام أحمد ينكر عليه جمعه الأسانيد المتعددة للتفسير الواحد،
~~كما كان هو وغيره ينكرون على الواقدي جمعه الأسانيد المتعددة للحديث
~~الواحد. وقد أخذ طوائف من الفقهاء بظاهر هذه الرواية، وتأولوا حديث ابن
~~مسعود المرفوع عليها، وقالوا: أقل ما يتبين خلق الولد أحد وثمانون يوما،
~~لأنه لا يكون مضغة إلا في الأربعين الثالثة، ولا يتخلق قبل أن يكون مضغة.
~~وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي بناء على هذا الأصل: إنه لا تنقضي العدة، ولا
~~تعتق أم الولد إلا بالمضغة المخلقة، وأقل ما يمكن أن يتخلق ويتصور في أحد
~~وثمانين يوما. وقال أحمد في العلقة: هي دم لا يستبين فيها الخلق، فإن كانت
~~المضغة غير مخلقة، فهل تنقضي بها العدة، وتصير أم الولد بها مستولدة؟ على
~~قولين، هما روايتان عن أحمد، وإن لم يظهر فيها التخطيط، ولكن كان خفيا لا
~~يعرفه إلا أهل الخبرة من النساء، فشهدن بذلك، قبلت شهادتين، ولا فرق بين أن
~~يكون بعد تمام أربعة أشهر أو قبلها عند أكثر العلماء، ونص على ذلك الإمام
~~أحمد في رواية خلق من أصحابه، ونقل عنه ابنه صالح في الطفل يتبين خلقه.
# PageV01P161
# قال الشعبي: إذا نكس في الخلق الرابع، كان مخلقا، انقضت به العدة، وعتقت
~~به الأمة، إذا ms066 كان لأربعة أشهر، وكذا نقل عنه حنبل: إذا أسقطت أم الولد،
~~فإن كان خلقة تامة عتقت، وانقضت به العدة إذا دخل في الخلق الرابع في أربعة
~~أشهر ينفخ فيه الروح، وهذا يخالف رواية الجماعة عنه، وقد قال أحمد في رواية
~~عنه: إذا تبين خلقه، ليس فيه اختلاف أنها تعتق بذلك إذا كانت أمة، ونقل عنه
~~أيضا جماعة في العلقة إذا تبين أنها ولد أن الأمة تعتق بها، وهو قول
~~النخعي، وحكى قولا للشافعي، ومن أصحابنا من طرد هذه الرواية عن أحمد في
~~انقضاء العدة به أيضا. وهذا كله مبني على أنه يمكن التخليق في العلقة كما
~~قد يستدل على ذلك بحديث حذيفة بن أسيد المتقدم إلا أن يقال: حديث حذيفة
~~إنما يدل على أنه يتخلق إذا صار لحما وعظما، وأن ذلك قد يقع في الأربعين
~~الثانية، لا في حال كونه علقة، وفي ذلك نظر، والله أعلم. وما ذكره الأطباء
~~يدل على أن العلقة تتخلق وتتخطط، وكذلك القوابل من النسوة يشهدن بذلك،
~~وحديث مالك بن الحويرث يشهد بالتصوير في حال كون الجنين نطفة أيضا، والله
~~تعالى أعلم.
# وبقي في حديث ابن مسعود أن بعد مصيره مضغة أنه يبعث إليه الملك، فيكتب
~~الكلمات الأربع، وينفخ فيه الروح، وذلك كله بعد مائة وعشرين يوما. واختلفت
~~ألفاظ روايات هذا الحديث في ترتيب الكتابة والنفخ، ففي رواية البخاري في "
~~صحيحه " «ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، ثم ينفخ فيه الروح» ففي هذه
~~الرواية تصريح بتأخير نفخ الروح عن الكتابة، وفي رواية خرجها البيهقي في
~~كتاب " القدر " «ثم يبعث الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بأربع كلمات،»
~~وهذه الرواية تصرح بتقدم النفخ على الكتابة، فإما أن يكون
# PageV01P162
# هذا من تصرف الرواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه، وإما أن يكون المراد
~~ترتيب الأخبار فقط لا ترتيب ما أخبر به. وبكل حال، فحديث ابن مسعود يدل على
~~تأخير نفخ الروح في الجنين وكتابة الملك لأمره إلى بعد أربعة أشهر حتى تتم
~~الأربعون الثالثة. فأما نفخ الروح، فقد روي صريحا ms067 عن الصحابة أنه إنما ينفخ
~~فيه الروح بعد أربعة أشهر، كما دل عليه ظاهر حديث ابن مسعود. فروى زيد بن
~~علي عن أبيه، عن علي، قال: إذا تمت النطفة أربعة أشهر بعث إليها ملك، فنفخ
~~فيها الروح في الظلمات، فذلك قوله تعالى: {ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون:
~~14] (المؤمنون: 14) ، خرجه ابن أبي حاتم، وإسناده منقطع. وخرج الالكائي
~~بإسناده عن ابن عباس، قال: إذا وقعت النطفة في الرحم، مكثت أربعة أشهر
~~وعشرا، ثم نفخ فيها الروح، ثم مكثت أربعين ليلة، ثم بعث إليها ملك، فنقفها
~~في نقرة القفا، وكتب شقيا أو سعيدا، وفي إسناده نظر، وفيه أن نفخ الروح
~~يتأخر عن الأربعة أشهر بعشرة أيام. وبنى الإمام أحمد مذهبه المشهور عنه على
~~ظاهر حديث ابن مسعود، وأن الطفل ينفخ فيه الروح بعد الأربعة أشهر، وأنه إذا
~~سقط بعد تمام أربعة أشهر، صلي عليه؛ حيث كان قد نفخ فيه الروح ثم مات. وحكي
~~ذلك أيضا عن سعيد بن المسيب وهو أحد أقوال الشافعي وإسحاق، ونقل غير واحد
~~عن أحمد أنه قال: إذا بلغ أربعة أشهر وعشرا، ففي تلك العشر ينفخ فيه الروح،
~~ويصلى عليه. وقال في رواية أبي الحارث عنه: تكون النسمة نطفة أربعين ليلة،
~~وعلقة
# PageV01P163
# أربعين ليلة، ومضغة أربعين ليلة، ثم تكون عظما ولحما، فإذا تم أربعة أشهر
~~وعشرا، نفخ فيه الروح. فظاهر هذه الرواية أنه لا ينفخ فيه الروح إلا بعد
~~تمام أربعة أشهر وعشر، كما روي عن ابن عباس والروايات التي قبل هذه عن أحمد
~~إنما تدل على أنه ينفخ فيه الروح في مدة العشر بعد تمام الأربعة، وهذا هو
~~المعروف عنه، وكذا قال ابن المسيب لما سئل عن عدة الوفاة حيث جعلت أربعة
~~أشهر وعشرا: ما بال العشر؟ قال: ينفخ فيها الروح. وأما أهل الطب، فذكروا أن
~~الجنين إن تصور في خمسة وثلاثين يوما تحرك في سبعين يوما، وولد في مائتين
~~وعشرة أيام، وذلك سبعة أشهر، وربما تقدم أياما، وتأخر في التصوير والولادة،
~~وإذا كان التصوير في خمسة وأربعين ms068 يوما، تحرك في تسعين يوما، وولد في
~~مائتين وسبعين يوما، وذلك تسعة أشهر، والله أعلم. وأما كتابة الملك، فحديث
~~ابن مسعود يدل على أنها تكون بعد الأربعة أشهر أيضا على ما سبق، وفي "
~~الصحيحين " عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وكل الله بالرحم ملكا
~~يقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقا،
~~قال: يا رب أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك
~~في بطن أمه» وظاهر هذا يوافق حديث ابن مسعود لكن ليس فيه تقدير مدة، وحديث
~~حذيفة بن أسيد الذي تقدم يدل على أن الكتابة تكون في أول الأربعين الثانية،
~~وخرجه مسلم أيضا بلفظ آخر من حديث حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو
~~خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أو
# PageV01P164
# سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله، وأثره
~~وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ينقص.» وفي رواية أخرى
~~لمسلم أيضا: «إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة يتسور عليها الملك فيقول:
~~يا رب أذكر أم أنثى؟» وذكر الحديث. وفي رواية أخرى لمسلم أيضا: " لبضع
~~وأربعين ليلة ". وفي " مسند " الإمام أحمد من حديث جابر، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: «إذا استقرت النطفة في الرحم أربعين يوما، أو أربعين ليلة
~~بعث إليها ملك، فيقول: يا رب، شقي أو سعيد؟ فيعلم» . وقد سبق ما رواه
~~الشعبي عن علقمة، عن ابن مسعود من قوله، وظاهره يدل على أن الملك يبعث إليه
~~وهو نطفة، وقد روي عن ابن مسعود من وجهين آخرين أنه قال: " إن الله عز وجل
~~تعرض عليه كل يوم أعمال بني آدم، فينظر فيها ثلاث ساعات، ثم يؤتى بالأرحام،
~~فينظر فيها ثلاث ساعات، وهو قوله: {يصوركم في الأرحام كيف يشاء} [آل عمران:
~~6] (آل عمران: 6) ، وقوله: {يهب لمن يشاء إناثا} ms069 [الشورى: 49] (الشورى: 49)
~~الآية، ويؤتى بالأرزاق، فينظر فيها ثلاث ساعات، وتسبحه الملائكة ثلاث
~~ساعات، قال: فهذا من شأنكم وشأن ربكم " ولكن ليس في هذا توقيت ما ينظر فيه
~~من الأرحام بمدة. وقد روي عن جماعة من الصحابة أن الكتابة تكون في الأربعين
~~الثانية؛ فخرج الالكائي بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال إذا
~~مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة، جاءها الملك فاختلجها، ثم عرج بها
~~إلى الرحمن عز وجل، فيقول: اخلق يا أحسن الخالقين، فيقضي الله فيها ما يشاء
# PageV01P165
# من أمره، ثم تدفع إلى الملك عند ذلك، فيقول: يا رب أسقط أم تمام؟ فيبين
~~له، فيقول: يا رب أناقص الأجل أم تام الأجل؟ فيبين له، ويقول: يا رب أواحد
~~أم توءم؟ فيبين له، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب
~~أشقي أم سعيد؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب اقطع له رزقه، فيقطع له رزقه مع
~~أجله، فيهبط بهما جميعا. فوالذي نفسي بيده لا ينال من الدنيا إلا ما قسم
~~له. وخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي ذر قال: إن المني يمكث في الرحم
~~أربعين ليلة، فيأتيه ملك النفوس، فيعرج به إلى الجبار عز وجل، فيقول: يا رب
~~أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله عز وجل ما هو قاض، ثم يقول: يا رب أشقي أم سعيد؟
~~فيكتب ما هو لاق بين يديه، ثم تلا أبو ذر من فاتحة سورة التغابن إلى قوله
~~{وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير} [التغابن: 3] (التغابن: 3) . وهذا كله
~~يوافق ما في حديث حذيفة بن أسيد وقد تقدم، عن ابن عباس أن كتابة الملك تكون
~~بعد نفخ الروح بأربعين ليلة وأن إسناده فيه نظر. وقد جمع بعضهم بين هذه
~~الأحاديث والآثار، وبين حديث ابن مسعود، فأثبت الكتابة مرتين، وقد يقال مع
~~ذلك: إن إحداهما في السماء والأخرى في بطن الأم، والأظهر - والله أعلم -
~~أنها مرة واحدة، ولعل ذلك يختلف باختلاف الأجنة، فبعضهم يكتب له ذلك بعد
~~الأربعين الأولى، وبعضهم بعد الأربعين ms070 الثالثة
# PageV01P166
# وقد يقال: إن لفظة " ثم " في حديث ابن مسعود إنما يراد به ترتيب الإخبار،
~~لا ترتيب المخبر عنه في نفسه، والله أعلم. ومن المتأخرين من رجح أن الكتابة
~~تكون في أول الأربعين الثانية، كما دل عليه حديث حذيفة بن أسيد وقال: إنما
~~أخر ذكرها في حديث ابن مسعود إلى ما بعد ذكر المضغة وإن ذكرت بلفظ " ثم "
~~لئلا ينقطع ذكر الأطوار الثلاثة التي ينقلب فيها الجنين وهو كونه: نطفة
~~وعلقة ومضغة، فإن ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجب وأحسن، فلذلك أخر
~~المعطوف عليها، وإن كان المعطوف متقدما على بعضها في الترتيب، واستشهد لذلك
~~بقوله تعالى: {وبدأ خلق الإنسان من طين - ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين
~~- ثم سواه ونفخ فيه من روحه} [السجدة: 7 - 9] (السجدة: 7 - 9) ، والمراد
~~بالإنسان: آدم عليه السلام، ومعلوم أن تسويته، ونفخ الروح فيه، كان قبل جعل
~~نسله من سلالة من ماء مهين، لكن لما كان المقصود ذكره قدرة الله عز وجل في
~~مبدأ خلق آدم وخلق نسله، عطف ذكر أحدهما على الآخر، وأخر ذكر تسوية آدم
~~ونفخ الروح فيه، وإن كان ذلك متوسطا بين خلق آدم من طين وبين خلق نسله،
~~والله أعلم. وقد ورد أن هذه الكتابة تكتب بين عيني الجنين، ففي " مسند
~~البزار " عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«إذا خلق الله النسمة، قال ملك الأرحام: أي رب أذكر أم أنثى؟ قال: فيقضي
~~الله إليه أمره، ثم يقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله إليه أمره، ثم
~~يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبها.» وقد روي موقوفا على ابن عمر
~~غير مرفوع، وحديث حذيفة بن أسيد المتقدم صريح في أن الملك يكتب ذلك في
~~صحيفة، ولعله يكتب في صحيفة، ويكتب بين عيني الولد
# PageV01P167
# وقد روي أنه تقترن بهذه الكتابة أنه يخلق مع الجنين ما تضمنت من صفاته
~~القائمة، فروي عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم «قال: إن الله ms071 إذا
~~أراد أن يخلق الخلق، بعث ملكا، فدخل الرحم، فيقول: أي رب، ماذا؟ فيقول:
~~غلام أو جارية أو ما شاء أن يخلق في الرحم، فيقول: أي رب، أشقي أم سعيد؟
~~فيقول: ما شاء الله، فيقول: يا رب ما أجله؟ فيقول: كذا وكذا، فيقول: ما
~~خلقه؟ ما خلائقه؟ فيقول: كذا كذا، فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم»
~~خرجه أبو داود في كتاب " القدر " والبزار في " مسنده ". وبكل حال، فهذه
~~الكتابة التي تكتب للجنين في بطن أمه غير كتابة المقادير السابقة لخلق
~~الخلائق المذكورة في قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم
~~إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] (الحديد: 22) ، كما في " صحيح
~~مسلم " عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله
~~قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.» وفي حديث
~~عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما خلق الله القلم
~~فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة.» وقد سبق ذكر ما روي، عن
~~ابن مسعود رضي الله عنه أن الملك إذا سأل عن حال النطفة، أمر أن يذهب إلى
~~الكتاب السابق، ويقال له: إنك تجد فيه قصة هذه النطفة، وقد تكاثرت النصوص
~~بذكر الكتاب السابق، بالسعادة والشقاوة،
# PageV01P168
# ففي " الصحيحين " عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
~~قال: «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، وإلا
~~قد كتبت شقية أو سعيدة، فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا، ندع
~~العمل؟ فقال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة، فييسرون لعمل
~~أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: {فأما
~~من أعطى واتقى} [الليل: 5] الآيتين (الليل: 5) » . ففي هذا الحديث أن
~~السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما، وأن ذلك مقدر بحسب الأعمال، وأن كلا
~~ميسر لما خلق له من الأعمال ms072 التي هي سبب للسعادة أو الشقاوة. وفي "
~~الصحيحين " عن عمران بن حصين، قال: «قال رجل: يا رسول الله، أيعرف أهل
~~الجنة من أهل النار؟ قال: " نعم " قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: كل يعمل
~~لما خلق له، أو لما يسر له» . وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم من وجوه كثيرة، وحديث ابن مسعود فيه أن السعادة والشقاوة بحسب خواتيم
~~الأعمال. وقد قيل: إن قوله في آخر الحديث " «فوالله الذي لا إله غيره، إن
~~أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة» " إلى آخر الحديث مدرج من كلام ابن مسعود،
~~كذلك رواه سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود من قوله، قد روي هذا
~~المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة أيضا.
# PageV01P169
# وفي " صحيح البخاري " عن سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«إنما الأعمال بالخواتيم» . وفي " صحيح ابن حبان " عن عائشة، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: إنما «الأعمال بالخواتيم» . وفيه أيضا عن معاوية قال:
~~سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بخواتيمها، كالوعاء،
~~إذا طاب أعلاه، طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه، خبث أسفله» . وفي " صحيح مسلم "
~~عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليعمل الزمان
~~الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل
~~الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة» . وخرج
~~الإمام أحمد رحمه الله من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا
~~عليكم أن لا تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له، فإن العامل يعمل زمانا من
~~عمره، أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه، دخل الجنة، ثم يتحول، فيعمل
~~عملا سيئا، وإن العبد ليعمل البرهة من عمره بعمل سيئ، لو مات عليه دخل
~~النار، ثم يتحول فيعمل عملا صالحا» . وخرج أيضا من حديث عائشة عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليعمل ms073 بعمل أهل الجنة، وهو مكتوب في الكتاب
~~من أهل النار، فإذا كان قبل موته تحول، فعمل بعمل أهل النار، فمات، فدخل
~~النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل
# PageV01P170
# النار، وإنه لمكتوب في الكتاب من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته تحول،
~~فعمل بعمل أهل الجنة، فمات فدخلها» . وخرج أحمد، والنسائي، والترمذي من
~~حديث عبد الله بن عمرو قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي
~~يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ فقلنا: لا يا رسول الله، إلا
~~أن تخبرنا، فقال: للذي في يده اليمنى: " هذا الكتاب من رب العالمين، فيه
~~أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد
~~فيهم، ولا ينقص منه أبدا " ثم قال للذي في شماله: " هذا كتاب من رب
~~العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم،
~~فلا يزاد فيه ولا ينقص منهم أبدا " فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله
~~إن كان أمرا قد فرغ منه؟ فقال: " سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له
~~بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار،
~~وإن عمل أي عمل، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه فنبذهما، ثم
~~قال: فرغ ربكم من العباد: فريق في الجنة، وفريق في السعير» . وقد روي هذا
~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، وخرجه الطبراني من
~~حديث علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد فيه: " «صاحب
~~الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة، وصاحب النار مختوم له بعمل أهل النار، وإن
~~عمل أي
# PageV01P171
# عمل، وقد يسلك بأهل السعادة طريق أهل الشقاء حتى يقال: ما أشبههم بهم، بل
~~هم منهم، وتدركهم السعادة فتستنقذهم، وقد يسلك بأهل الشقاء طريق أهل
~~السعادة حتى يقال: ما أشبههم بهم بل هم منهم ويدركهم الشقاء، من كتبه الله
~~سعيدا في أم الكتاب لم يخرجه من الدنيا حتى يستعمله بعمل يسعده قبل موته
~~ولو بفواق ms074 ناقة، ثم قال: الأعمال بخواتيمها، الأعمال بخواتيمها» " وخرجه
~~البزار في " مسنده " بهذا المعنى أيضا من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم. وفي " الصحيحين " عن سهل بن سعد أن «النبي صلى الله عليه وسلم
~~التقى هو والمشركون وفي أصحابه رجل لا يدع شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها
~~بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: " هو من أهل النار " فقال رجل من القوم: أنا أصاحبه،
~~فاتبعه، فجرح الرجل جرحا شديدا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه على الأرض
~~وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم، فقال: أشهد أنك رسول الله، وقص عليه القصة، فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: " إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس
~~وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من
~~أهل الجنة» " زاد البخاري رواية له " «إنما الأعمال بالخواتيم» ". وقوله: "
~~فيما يبدو للناس " إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة
~~السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة
# PageV01P172
# عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك
~~قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير، فتغلب
~~عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة. قال عبد العزيز بن أبي
~~رواد: حضرت رجلا عند الموت يلقن لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو
~~كافر بما تقول، ومات على ذلك، قال فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر. فكان عبد
~~العزيز يقول: اتقوا الذنوب، فإنها هي التي أوقعته. وفي الجملة: فالخواتيم
~~ميراث السوابق، فكل ذلك سبق في الكتاب السابق، ومن هنا كان يشتد خوف السلف
~~من سوء الخواتيم، ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق. وقد قيل: إن قلوب
~~الأبرار معلقة بالخواتيم، يقولون: بماذا يختم ms075 لنا؟ وقلوب المقربين معلقة
~~بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا. وبكى بعض الصحابة عند موته، فسئل عن ذلك
~~فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن الله تعالى قبض خلقه
~~قبضتين، فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار» " ولا أدري في أي القبضتين
~~كنت؟ . قال بعض السلف: ما أبكى العيون ما أبكاها الكتاب السابق. وقال سفيان
~~لبعض الصالحين: هل أبكاك قط علم الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل: تركني لا
~~أفرح أبدا. وكان سفيان يشتد قلقه من السوابق والخواتيم، فكان يبكي ويقول:
~~أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيا، ويبكي، ويقول: أخاف أن أسلب الإيمان عند
~~الموت.
# PageV01P173
# وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضا على لحيته، ويقول: يا رب، قد
~~علمت ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين منزل مالك؟ . وقال حاتم
~~الأصم: من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار، فهو مغتر، فلا يأمن الشقاء: الأول:
~~خطر يوم الميثاق حين قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا
~~أبالي، فلا يعلم في أي الفريقين كان، والثاني: حين خلق في ظلمات ثلاث،
~~فنودي الملك بالسعادة والشقاوة، ولا يدري: أمن الأشقياء هو أم من السعداء؟
~~والثالث: ذكر هول المطلع، ولا يدري أيبشر برضا الله أو بسخطه؟ والرابع: يوم
~~يصدر الناس أشتاتا، ولا يدري، أي الطريقين يسلك به. وقال سهل التستري:
~~المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر. ومن هنا كان
~~الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق ويشتد قلقهم
~~وجزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه
~~عند الخاتمة، فيخرجه إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفية
~~توجب سوء الخاتمة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في
~~دعائه: " «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " فقيل له: يا نبي الله آمنا
~~بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ فقال: " نعم إن القلوب بين أصبعين من
~~أصابع الله عز وجل يقلبها ms076 كيف شاء» " خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث
~~أنس. وخرج الإمام أحمد من حديث أم سلمة أن «النبي صلى الله عليه وسلم كان
~~يكثر في دعائه أن يقول: " اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك " فقلت:
~~يا رسول الله،
# PageV01P174
# أوإن القلوب لتتقلب؟ قال: " نعم؛ ما من خلق الله تعالى من بني آدم من بشر
~~إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله، فإن شاء عز وجل، أقامه، وإن شاء
~~أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا
~~من لدنه رحمة إنه هو الوهاب " قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة
~~أدعو بها لنفسي؟ قال: " بلى، قولي اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي،
~~وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني» ، وفي هذا المعنى
~~أحاديث كثيرة. وخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن عز
~~وجل كقلب واحد يصرفه حيث يشاء "، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
~~اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك»
# ".
# PageV01P175
### | [الحديث الخامس من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد]
# PageV01P175
# الحديث الخامس عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه
~~البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» .
# هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين "
~~من حديث القاسم بن محمد عن عمته عائشة رضي الله عنها وألفاظه مختلفة،
~~ومعناها متقارب، وفي بعض ألفاظه: " «من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد»
~~". وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها
~~كما أن حديث: «الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال في باطنها، فكما أن كل عمل
~~لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون ms077
~~عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم
~~يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء. وسيأتي حديث العرباض بن سارية
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا
~~كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين
# PageV01P176
# المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل
~~محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» . «وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: "
~~إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها» "
~~وسنؤخر الكلام على المحدثات إلى ذكر حديث العرباض المشار إليه، ونتكلم
~~هاهنا على الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع وردها. فهذا الحديث بمنطوقه
~~يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع، فهو مردود، ويدل بمفهومه على أن كل
~~عمل عليه أمره فهو غير مردود، والمراد بأمره هاهنا: دينه وشرعه، كالمراد
~~بقوله في الرواية الأخرى: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» .
~~فالمعنى إذا: أن من كان عمله خارجا عن الشرع ليس متقيدا بالشرع، فهو مردود.
~~وقوله: " ليس عليه أمرنا " إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون
~~تحت أحكام الشريعة، وتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها، فمن
~~كان عمله جاريا تحت أحكام الشرع موافقا لها، فهو مقبول، ومن كان خارجا عن
~~ذلك، فهو مردود.
# والأعمال قسمان: عبادات ومعاملات. فأما العبادات، فما كان منها خارجا عن
~~حكم الله ورسوله بالكلية، فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله: {أم
~~لهم شركاء شرعوا لهم من
# PageV01P177
# الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] (الشورى: 21) فمن تقرب إلى الله
~~بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله، فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه
~~بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وهذا كمن تقرب إلى الله
~~تعالى بسماع الملاهي، أو بالرقص، أو بكشف الرأس في غير الإحرام، وما أشبه
~~ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله التقرب بها بالكلية. وليس ما كان ms078
~~قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقا، فقد «رأى النبي صلى الله عليه
~~وسلم رجلا قائما في الشمس، فسأل عنه، فقيل إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا
~~يستظل وأن يصوم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد ويستظل، وأن يتم
~~صومه» فلم يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفي بنذرهما وقد روي أن ذلك
~~كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر،
~~فنذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ما دام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب؛
~~إعظاما لسماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل النبي صلى الله عليه
~~وسلم ذلك قربة توفي بنذره، مع أن القيام عبادة في مواضع أخر، كالصلاة
~~والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرم، فدل على أنه ليس كل ما
~~كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن، وإنما يتبع في ذلك كله ما وردت
~~به الشريعة في مواضعها. وكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها، كمن صام
~~يوم العيد، أو صلى وقت النهي. وأما من عمل عملا أصله مشروع وقربة، ثم أدخل
~~فيه ما ليس بمشروع، أو أخل فيه بمشروع، فهذا مخالف أيضا للشريعة بقدر
~~إخلاله بما أخل به، أو
# PageV01P178
# إدخاله ما أدخل فيه، وهل يكون عمله من أصله مردودا عليه أم لا؟ فهذا لا
~~يطلق القول فيه برد ولا قبول، بل ينظر فيه: فإن كان ما أخل به من أجزاء
~~العمل أو شروطه موجبا لبطلانه في الشريعة، كمن أخل بالطهارة للصلاة مع
~~القدرة عليها، أو كمن أخل بالركوع أو بالسجود أو بالطمأنينة فيهما، فهذا
~~عمل مردود عليه، وعليه إعادته إن كان فرضا، وإن كان ما أخل به لا يوجب
~~بطلان العمل، كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها ولا يجعلها
~~شرطا، فهذا لا يقال: إن عمله مردود من أصله، بل هو ناقص. وإن كان قد زاد في
~~العمل المشروع ما ليس بمشروع، فزيادته مردودة عليه، بمعنى أنها لا تكون ms079
~~قربة ولا يثاب عليها، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله، فيكون مردودا، كمن
~~زاد في صلاته ركعة عمدا مثلا، وتارة لا يبطله، ولا يرده من أصله، كمن توضأ
~~أربعا أربعا، أو صام الليل مع النهار، وواصل في صيامه، وقد يبدل ما يؤمر به
~~في العبادة بما هو منهي عنه، كمن ستر عورته في الصلاة بثوب محرم، أو توضأ
~~للصلاة بماء مغصوب، أو صلى في بقعة غصب، فهذا قد اختلف العلماء فيه: هل
~~عمله مردود من أصله، أو أنه غير مردود وتبرأ به الذمة من عهدة الواجب؟
~~وأكثر الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله، وقد حكى عبد الرحمن بن مهدي عن
~~قوم من أصحاب الكلام يقال لهم: الشمرية أصحاب أبي شمر أنهم يقولون: إن من
~~صلى في ثوب كان في ثمنه درهم حرام أن عليه إعادة صلاته، وقال: ما سمعت قولا
~~أخبث من قولهم، نسأل الله العافية، وعبد الرحمن بن مهدي من أكابر فقهاء أهل
~~الحديث، المطلعين على مقالات السلف، وقد استنكر هذا القول وجعله بدعة، فدل
~~على أنه لم يعلم عن أحد من السلف القول بإعادة الصلاة في مثل هذا.
# PageV01P179
# ويشبه هذا الحج بمال حرام، وقد ورد في حديث أنه مردود على صاحبه، ولكنه
~~حديث لا يثبت، وقد اختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم لا؟ . وقريب من ذلك
~~الذبح بآلة محرمة، أو ذبح من لا يجوز له الذبح، كالسارق، فأكثر العلماء
~~قالوا: إنه تباح الذبيحة بذلك، ومنهم من قال: هي محرمة، وكذا الخلاف في ذبح
~~المحرم الصيد، لكن القول بالتحريم فيه أشهر وأظهر، لأنه منهي عنه بعينه.
~~ولهذا فرق من فرق من العلماء بين أن يكون النهي لمعنى يختص بالعبادة
~~فيبطلها، وبين أن لا يكون مختصا بها فلا يبطلها، فالصلاة بالنجاسة، أو بغير
~~طهارة، أو بغير ستارة، أو إلى غير القبلة يبطلها لاختصاص النهي بالصلاة
~~بخلاف الصلاة في الغصب، ويشهد لهذا أن الصيام لا يبطله إلا ارتكاب ما نهي
~~عنه فيه بخصوصه، وهو جنس الأكل والشرب والجماع، ms080 بخلاف ما نهي عنه الصائم،
~~لا بخصوص الصيام، كالكذب والغيبة عند الجمهور. وكذلك الحج ما يبطله إلا ما
~~نهي عنه في الإحرام، وهو الجماع، ولا يبطله ما لا يختص بالإحرام من
~~المحرمات، كالقتل والسرقة وشرب الخمر. وكذلك الاعتكاف: إنما يبطل بما نهي
~~عنه فيه بخصوصه، وهو الجماع، وإنما يبطل بالسكر عندنا وعند الأكثرين، لنهي
~~السكران عن قربان المسجد
# PageV01P180
# ودخوله على أحد التأويلين في قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}
~~[النساء: 43] (النساء: 43) أن المراد مواضع الصلاة، فصار كالحائض، ولا يبطل
~~الاعتكاف بغيره من ارتكابه الكبائر عندنا وعند كثير من العلماء، وإن خالف
~~في ذلك طائفة من السلف، منهم عطاء والزهري والثوري ومالك، وحكي عن غيرهم
~~أيضا. وأما المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما، فما كان منها تغيرا للأوضاع
~~الشرعية، كجعل حد الزنا عقوبة مالية، وما أشبه ذلك، فإنه مردود من أصله، لا
~~ينتقل به الملك، لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام، ويدل على ذلك أن
~~«النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفا على فلان،
~~فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، فقال النبي صلى الله عليه
~~وسلم: المائة الشاة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام» .
# وما كان منها عقدا منهيا عنه في الشرع، إما لكون المعقود عليه ليس محلا
~~للعقد، أو لفوات شرط فيه، أو لظلم يحصل به للمعقود معه وعليه، أو لكون
~~العقد يشغل عن ذكر الله الواجب عند تضايق وقته، أو غير ذلك، فهذا العقد: هل
~~هو مردود بالكلية، لا ينتقل به الملك، أم لا؟ هذا الموضع قد اضطرب الناس
~~فيه اضطرابا كثيرا، وذلك أنه ورد في بعض الصور أنه مردود لا يفيد الملك،
~~وفي بعضها أنه يفيده، فحصل الاضطراب فيه بسبب ذلك، والأقرب - إن شاء الله
~~تعالى - أنه إن كان النهي عنه لحق لله عز وجل لا يفيد الملك بالكلية، ونعنى
~~أنه بكون الحق لله: أنه لا يسقط برضا المتعاقدين عليه، وإن كان النهي عنه
~~لحق آدمي معين بحيث يسقط ms081 برضاه به، فإنه يقف على رضاه به، فإن رضي لزم
~~العقد، واستمر الملك، وإن لم يرض به، فله الفسخ، فإن كان
# PageV01P181
# الذي يلحقه الضرر لا يعتبر رضاه بالكلية، كالزوجة والعبد في الطلاق
~~والعتاق، فلا عبرة برضاه ولا بسخطه، وإن كان النهي رفقا بالمنهي خاصة لما
~~يلحقه من المشقة، فخالف وارتكب المشقة، لم يبطل بذلك عمله. فأما الأول فله
~~صور كثيرة: منها نكاح من يحرم نكاحه، إما لعينه، كالمحرمات على التأبيد
~~بسبب أو نسب، أو للجمع أو لفوات شرط لا يسقط بالتراضي بإسقاطه: كنكاح
~~المعتدة والمحرمة، والنكاح بغير ولي ونحو ذلك، وقد روي أن «النبي صلى الله
~~عليه وسلم فرق بين رجل وامرأة تزوجها وهي حبلى فرد النكاح لوقوعه في العدة»
~~32.
# PageV01P182
# ومنها عقود الربا، فلا تفيد الملك، ويؤمر بردها، وقد «أمر النبي صلى الله
~~عليه وسلم من باع صاع تمر بصاعين أن يرده» . ومنها بيع الخمر والميتة
~~والخنزير والأصنام والكلب، وسائر ما نهي عن بيعه
# PageV01P183
# مما لا يجوز التراضي ببيعه. وأما الثاني، فله صور عديدة: منها إنكاح
~~الولي من لا يجوز له إنكاحها إلا بإذنها بغير إذنها، وقد «رد النبي صلى
~~الله عليه وسلم نكاح امرأة ثيب زوجها أبوها وهي كارهة» ، وروي عنه أنه «خير
~~امرأة زوجت بغير إذنها» ، وفي بطلان هذا النكاح ووقوفه على الإجازة روايتان
~~عن أحمد. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن من تصرف لغيره في ماله بغير إذنه
~~لم يكن تصرفه باطلا من أصله، بل يقف على إجازته، فإن أجازه جاز، وإن رده
~~بطل، واستدلوا بحديث عروة بن الجعد في شرائه للنبي صلى الله عليه وسلم
~~شاتين، وإنما كان أمره بشراء شاة واحدة، ثم باع إحداهما، وقبل ذلك النبي
~~صلى الله عليه وسلم. وخص ذلك الإمام أحمد في المشهور عنه بمن كان يتصرف
~~لغيره في ماله بإذن إذا خالف الإذن. ومنها تصرف المريض في ماله كله: هل يقع
~~باطلا من أصله أم يقف تصرفه في الثلثين على إجازة الورثة؟ فيه اختلاف مشهور
~~للفقهاء، والخلاف في
# PageV01P184
# مذهب ms082 أحمد وغيره، وقد صح أن «النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه أن رجلا
~~أعتق ستة مملوكين له عند موته، لا مال له غيرهم، فدعا بهم، فجزأهم ثلاثة
~~أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا» ، ولعل الورثة لم
~~يجيزوا عتق الجميع والله أعلم. ومنها بيع المدلس ونحوه كالمصراة، وبيع
~~النجش، وتلقي الركبان ونحو ذلك، وفي صحته كله اختلاف مشهور في مذهب الإمام
~~أحمد، وذهب طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه ورده. والصحيح أنه يصح ويقف على
~~إجازة من حصل له ظلم بذلك، فقد صح عن «النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل
~~مشتري المصراة بالخيار، وأنه جعل للركبان الخيار إذا
# PageV01P185
# هبطوا السوق» ، وهذا كله يدل على أنه غير مردود من أصله، وقد أورد على
~~بعض من قال بالبطلان حديث المصراة، فلم يذكر عنه جوابا. وأما بيع الحاضر
~~للبادي، فمن صححه، جعله من هذا القبيل، ومن أبطله جعل الحق فيه لأهل البلد
~~كلهم، وهم غير منحصرين، فلا يتصور إسقاط حقوقهم، فصار كحق الله عز وجل.
~~ومنها: لو باع رقيقا يحرم التفريق بينهم، وفرق بينهم كالأم وولدها، فهل يقع
~~باطلا مردودا، أم يقف على رضاهم بذلك؟ وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم
~~أمر برد هذا البيع. ونص أحمد على أنه لا يجوز التفريق بينهم، ولو رضوا
~~بذلك، وذهب طائفة إلى جواز التفريق بينهم برضاهم: منهم النخعي، وعبيد الله
~~بن الحسن العنبري، فعلى هذا يتوجه أن يصح ويقف على الرضا. ومنها لو خص بعض
~~أولاده بالعطية دون بعض، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «أمر بشير
~~بن سعد لما خص ولده النعمان بالعطية أن يرده» ، ولم يدل ذلك على أنه لم
~~ينتقل الملك بذلك إلى الولد، فإن هذه العطية تصح وتقع مراعاة، فإن سوى بين
~~الأولاد في العطية، أو استرد ما أعطى الولد، جاز وإن مات ولم يفعل شيئا من
~~ذلك، فقال مجاهد: هي ميراث وحكي عن أحمد نحوه، وأن العطية
# PageV01P186
# تبطل، والجمهور على أنها لا ms083 تبطل وهل للورثة الرجوع فيها أم لا؟ فيه
~~قولان مشهوران هما روايتان عن أحمد. ومنها الطلاق المنهي عنه، كالطلاق في
~~زمن الحيض، فإنه قد قيل: إنه قد نهي عنه لحق الزوج، حيث كان يخشى عليه أن
~~يعقبه فيه الندم، ومن نهى عن شيء رفقا به، فلم ينته عنه بل فعله وتجشم
~~مشقته، فإنه لا يحكم ببطلان ما أتى به، كمن صام في المرض أو السفر، أو واصل
~~في الصيام، أو أخرج ماله وجلس يتكفف الناس، أو صلى قائما مع تضرره بالقيام
~~للمرض، أو اغتسل وهو يخشى على نفسه الضرر أو التلف ولم يتيمم، أو صام الدهر
~~ولم يفطر، أو قام الليل ولم ينم، وكذلك إذا جمع الطلاق الثلاث على القول
~~بتحريمه. وقيل: إنما نهي عن طلاق الحائض لحق المرأة لما فيه من الإضرار بها
~~بتطويل العدة، ولو رضيت بذلك بأن سألته الطلاق بعوض في الحيض، فهل يزول
~~بذلك تحريمه؟ فيه قولان مشهوران للعلماء، والمشهور من مذهبنا ومذهب الشافعي
~~أنه يزول التحريم بذلك، فإن قيل: إن التحريم فيه لحق الزوج خاصة، فإذا أقدم
~~عليه فقد أسقط حقه فسقط، وإن علل بأنه لحق المرأة لم يمنع نفوذه ووقوعه
~~أيضا، فإن رضا المرأة بالطلاق غير معتبر لوقوعه عند جميع المسلمين، لم
~~يخالف فيه سوى شرذمة يسيرة من الروافض ونحوهم، كما أن رضا الرقيق بالعتق
~~غير معتبر، ولو تضرر به، ولكن إذا تضررت المرأة بذلك، وكان قد بقي شيء من
~~طلاقها، أمر الزوج بارتجاعها، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر
~~بارتجاع زوجته تلافيا منه لضررها، وتلافيا لما وقع منه من الطلاق المحرم
~~حتى لا تصير بينونتها منه ناشئة عن طلاق محرم، وليتمكن من طلاقها على وجه
~~مباح، فتحصل إبانتها على هذا الوجه. وقد روي عن أبي الزبير، عن ابن عمر أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم ردها عليه ولم يرها شيئا، وهذا مما تفرد به أبو
~~الزبير عن أصحاب
# PageV01P187
# ابن عمر كلهم مثل ابنه سالم، ومولاه نافع، وأنس، وابن سيرين، وطاوس، ms084
~~ويونس بن جبير، وعبد الله بن دينار، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران
~~وغيرهم. وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين
~~والفقهاء، وقالوا: إنه تفرد بما خالف الثقات، فلا يقبل تفرده، فإن في رواية
~~الجماعة عن ابن عمر ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حسب عليه
~~الطلقة من وجوه كثيرة، وكان ابن عمر يقول لمن سأله عن الطلاق في الحيض: إن
~~كنت طلقت واحدة أو اثنتين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بذلك:
~~يعني بارتجاع المرأة، وإن كنت طلقت ثلاثا، فقد عصيت ربك، وبانت منك امرأتك.
# PageV01P188
# وفي رواية أبي الزبير زيادة أخرى لم يتابع عليها وهو قوله: ثم تلا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن
~~وأحصوا العدة} [الطلاق: 1] ولم يذكر ذلك أحد من الرواة عن ابن عمر، وإنما
~~روى عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه كان يتلو هذه الآية عند روايته
~~للحديث وهذا هو الصحيح. وقد كان طوائف من الناس يعتقدون أن طلاق ابن عمر
~~كان ثلاثا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ردها عليه، لأنه لم يوقع
~~الطلاق في الحيض، وقد روي ذلك عن أبي الزبير أيضا من رواية معاوية بن عمار
~~الدهني عنه، فلعل أبا الزبير اعتقد هذا حقا، فروى تلك اللفظة بالمعنى الذي
~~فهمه، وروى ابن لهيعة هذا الحديث عن أبي الزبير، فقال: «عن جابر أن ابن عمر
~~طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليراجعها فإنها
~~امرأته» " وأخطأ في ذكر جابر في هذا الإسناد، وتفرد بقوله: " فإنها امرأته
~~" وهي لا تدل على عدم وقوع الطلاق إلا على تقدير أن يكون ثلاثا، فقد اختلف
~~في هذا الحديث على أبي الزبير، وأصحاب ابن عمر الثقات الحفاظ العارفون به
~~الملازمون له لم يختلف عليهم فيه، وروى أيوب عن ابن سيرين قال: مكثت عشرين
~~سنة يحدثني من لا أتهم «أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثا وهي حائض، فأمره ms085 النبي
~~صلى الله عليه وسلم أن يراجعها» ، فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتى
~~لقيت أبا غلاب يونس بن جبير وكان ذا ثبت، فحدثني أنه سأل ابن عمر فحدثه أنه
~~طلقها واحدة، خرجه مسلم. وفي رواية: قال ابن سيرين: فجعلت لا أعرف للحديث
~~وجها ولا أفهمه. وهذا يدل على أنه كان قد شاع بين الثقات من غير أهل الفقه
~~والعلم أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا، ولعل أبا الزبير من هذا القبيل، ولذلك
~~كان نافع يسأل كثيرا عن طلاق ابن عمر، هل كان ثلاثا أو واحدة؟ ولما قدم
~~نافع مكة، أرسلوا
# PageV01P189
# إليه من مجلس عطاء يسألونه عن ذلك لهذه الشبهة، واستنكار ابن سيرين
~~لرواية الثلاث يدل على أنه لم يعرف قائلا معتبرا يقول: إن الطلاق المحرم
~~غير واقع، وأن هذا القول لا وجه له. قال الإمام أحمد: في رواية أبي الحارث،
~~وسئل عمن قال: لا يقع الطلاق المحرم، لأنه يخالف ما أمر به، فقال: هذا قول
~~سوء رديء، ثم ذكر قصة ابن عمر وأنه احتسب بطلاقه في الحيض. وقال أبو عبيد:
~~الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار حجازهم وتهامهم،
~~ويمنهم وشامهم، وعراقهم ومصرهم، وحكى ابن المنذر ذلك عن كل من يحفظ قوله من
~~أهل العلم إلا ناسا من أهل البدع لا يعتد بهم. وأما ما حكاه ابن حزم عن ابن
~~عمر أنه لا يقع الطلاق في الحيض مستندا إلى ما رواه من طريق محمد بن عبد
~~السلام الخشني الأندلسي حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن
~~عبيد الله بن عمر، عن نافع، «عن ابن عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض،
~~قال: لا يعتد بها» ، وبإسناده، عن خلاس نحوه، فإن هذا الأثر قد سقطت من
~~آخره لفظة وهي قال: لا يعتد بتلك الحيضة، كذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة في
~~كتابه عن عبد الوهاب الثقفي، وكذا رواه يحيى بن معين عن عبد الوهاب أيضا،
~~وقال: هو غريب لم يحدث به إلا عبد الوهاب، ومراد ms086 ابن عمر أن الحيضة التي
~~طلق فيها لا تعتد بها المرأة قرءا، وهذا هو مراد خلاس وغيره. وقد روي ذلك
~~أيضا عن جماعة من السلف، منهم زيد بن ثابت،
# PageV01P190
# وسعيد بن المسيب، فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم، كما وهم ابن حزم، فحكوا
~~عن بعض من سمينا أن الطلاق في الحيض لا يقع، وهذا سبب وهمهم والله أعلم.
~~وهذا الحديث إنما رواه القاسم بن محمد لما سئل عن رجل له ثلاثة مساكن،
~~فأوصى بثلث ثلاث مساكن هل تجمع له في مسكن واحد؟ فقال: تجمع له في مسكن
~~واحد، حدثتني عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عمل عملا ليس
~~عليه أمرنا فهو رد» خرجه مسلم. ومراده أن تغيير وصية الموصي إلى ما هو أحب
~~إلى الله وأنفع جائز، وقد حكي هذا عن عطاء وابن جريج، وربما يستدل بعض من
~~ذهب إلى هذا بقوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا
~~إثم عليه} [البقرة: 182] ولعله أخذ هذا من جمع العتق، فإنه صح " «أن رجلا
~~أعتق ستة مملوكين له عند موته، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزأهم
~~ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة» " خرجه مسلم. وذهب فقهاء الحديث إلى
~~هذا الحديث؛ لأن تكميل عتق العبد مهما أمكن أولى من تشقيصه، ولهذا شرعت
~~السراية والسعاية إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من عبد. «وقال صلى الله عليه
~~وسلم فيمن أعتق بعض عبد له: هو عتيق كله ليس لله شريك» . وأكثر العلماء على
~~خلاف قول القاسم هذا، وأن وصية الموصي لا تجمع، ويتبع لفظه إلا في العتق
~~خاصة، لأن المعنى الذي جمع له في العتق غير موجود في بقية الأموال، فيعمل
~~فيها بمقتضى وصية الموصي.
# PageV01P191
# وذهب طائفة من الفقهاء في العتق إلى أنه يعتق من كل عبد ثلثه، ويستسعون
~~في الباقي، واتباع قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق وأولى، والقاسم
~~نظر إلى أن في مشاركة الموصى له للورثة في المساكن كلها ضررا عليهم، فيدفع
~~عنهم هذا الضرر ms087 بجمع الوصية في مسكن واحد، فإن الله قد شرط في الوصية عدم
~~المضارة بقوله تعالى: {غير مضار وصية من الله} [النساء: 12] (النساء: 12)
~~فمن ضار في وصيته، كان عمله مردودا عليه لمخالفته ما شرط الله في الوصية.
~~وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى أنه لو وصى له بثلث مساكنه كلها، ثم تلف ثلثا
~~المساكن، وبقي منها ثلث أنه يعطى كله للموصى له، وهذا قول طائفة من أصحاب
~~أبي حنيفة، وحكي عن أبي يوسف ومحمد، ووافقهم القاضي أبو يعلى من أصحابنا في
~~خلافه، وبنوا ذلك على أن المساكن المشتركة تقسم بين المشتركين فيها قسمة
~~إجبار، كما هو قول مالك، وظاهر كلام ابن أبي موسى من أصحابنا، والمشهور عند
~~أصحابنا أن المساكن المتعددة لا تقسم قسمة إجبار وهو قول أبي حنيفة
~~والشافعي، وقد تأول بعض المالكية فتيا القاسم المذكورة في هذا الحديث على
~~أن أحد الفريقين من الورثة أو الموصى لهم طلب قسمة المساكن فكانت متقاربة
~~بحيث يضم بعضها إلى بعض في القسمة، فإنه يجاب إلى قسمتها على قولهم، وهذا
~~التأويل بعيد مخالف للظاهر، والله أعلم.
# PageV01P192
### | [الحديث السادس إن الحلال بين وإن الحرام بين]
# PageV01P192
# الحديث السادس عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما
~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الحلال بين وإن الحرام
~~بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات
~~استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول
~~الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه،
~~ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله،
~~ألا وهي القلب» رواه البخاري ومسلم.
# هذا الحديث صحيح متفق على صحته من
~~رواية الشعبي عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص، والمعنى
~~واحد أو متقارب. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر
~~وعمار بن ياسر، وجابر، وابن مسعود، وابن عباس، ms088 وحديث النعمان أصح أحاديث
~~الباب.
# PageV01P193
# فقوله صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات
~~لا يعلمهن كثير من الناس» معناه: أن الحلال المحض بين لا اشتباه فيه، وكذلك
~~الحرام المحض، ولكن بين الأمرين أمور تشتبه على كثير من الناس، هل هي من
~~الحلال أم من الحرام؟ وأما الراسخون في العلم، فلا يشتبه عليهم ذلك،
~~ويعلمون من أي القسمين هي. فأما الحلال المحض: فمثل أكل الطيبات من الزروع،
~~والثمار وبهيمة الأنعام، وشرب الأشربة الطيبة، ولباس ما يحتاج إليه من
~~القطن والكتان، أو الصوف أو الشعر، وكالنكاح، والتسري وغير ذلك إذا كان
~~اكتسابه بعقد صحيح كالبيع، أو بميراث، أو هبة، أو غنيمة. والحرام المحض:
~~مثل أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولباس
~~الحرير للرجال، ومثل الأكساب المحرمة كالربا والميسر وثمن مالا يحل بيعه،
~~وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب أو تدليس أو نحو ذلك. وأما المشتبه:
~~فمثل بعض ما اختلف في حله أو تحريمه، إما من الأعيان كالخيل والبغال
~~والحمير، والضب، وشرب ما اختلف في تحريمه من الأنبذة التي يسكر كثيرها،
~~ولبس ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها، وإما من المكاسب
~~المختلف فيها كمسائل العينة والتورق ونحو
# PageV01P194
# ذلك، وبنحو هذا المعنى فسر المشتبهات أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة.
~~وحاصل الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه الكتاب، وبين فيه للأمة ما يحتاج
~~إليه من حلال وحرام، كما قال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء}
~~[النحل: 89] (النحل: 89) قال مجاهد وغيره: كل شيء أمروا به أو نهوا عنه،
~~وقال تعالى في آخر سورة النساء (الآية: 176) التي بين فيها كثيرا من أحكام
~~الأموال والأبضاع: {يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم} [النساء:
~~176] وقال تعالى: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم
~~ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] (الأنعام: 119) ، وقال
~~تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}
~~[التوبة: 115] (التوبة: 115) ووكل ms089 بيان ما أشكل من التنزيل إلى الرسول صلى
~~الله عليه وسلم كما قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل
~~إليهم} [النحل: 44] (النحل: 44) وما قبض صلى الله عليه وسلم حتى أكمل له
~~ولأمته الدين، ولهذا أنزل عليه بعرفة قبل موته بمدة يسيرة: {اليوم أكملت
~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3]
~~(المائدة: 3) . وقال صلى الله عليه وسلم «تركتكم على بيضاء نقية ليلها
~~كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» . وقال أبو ذر: توفي رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وما طائر يحرك جناحيه في السماء إلا وقد ذكر لنا منه علما.
# PageV01P195
# ولما شك الناس في موته صلى الله عليه وسلم، قال عمه العباس رضي الله عنه:
~~والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ترك السبيل نهجا واضحا،
~~وأحل الحلال وحرم الحرام، ونكح وطلق، وحارب وسالم، وما كان راعي غنم يتبع
~~بها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاه بمخبطه، ويمدر حوضها بيده بأنصب ولا
~~أدأب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيكم.
# وفي الجملة فما ترك الله ورسوله حلالا إلا مبينا ولا حراما إلا مبينا،
~~لكن بعضه كان أظهر بيانا من بعض، فما ظهر بيانه واشتهر وعلم من الدين
~~بالضرورة من ذلك لم يبق فيه شك، ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيه
~~الإسلام، وما كان بيانه دون ذلك، فمنه ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة،
~~فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم، ومنه ما لم
~~يشتهر بين حملة الشريعة أيضا، فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب:
~~منها أنه قد يكون النص عليه خفيا لم ينقله إلا قليل من الناس، فلم يبلغ
~~جميع حملة العلم. ومنها أنه قد ينقل فيه نصان، أحدهما بالتحليل، والآخر
~~بالتحريم، فيبلغ طائفة منهم أحد النصين دون الآخر، فيتمسكون بما بلغهم، أو
~~يبلغ النصان معا من لم يبلغه التاريخ، فيقف لعدم معرفته بالناسخ.
# PageV01P196
# ومنها ما ليس فيه نص صريح، وإنما يؤخذ من عموم ms090 أو مفهوم أو قياس، فتختلف
~~أفهام العلماء في هذا كثيرا. ومنها ما يكون فيه أمر، أو نهي، فتختلف
~~العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو
~~التنزيه، وأسباب الاختلاف أكثر مما ذكرنا. ومع هذا فلابد في الأمة من عالم
~~يوافق الحق، فيكون هو العالم بهذا الحكم، وغيره يكون الأمر مشتبها عليه ولا
~~يكون عالما بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهر أهل باطلها
~~على أهل حقها، فلا يكون الحق مهجورا غير معمول به في جميع الأمصار
~~والأعصار، ولهذا «قال صلى الله عليه وسلم في المشتبهات: لا يعلمهن كثير من
~~الناس» فدل على أن من الناس من يعلمها، وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها،
~~وليست مشتبهة في نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على
~~كثير من العلماء. وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء
~~وغيرهم من وجه آخر، وهو أن من الأشياء ما يعلم سبب حله وهو الملك المتيقن
~~ومنها ما يعلم سبب تحريمه وهو ثبوت ملك الغير عليه، فالأول لا تزول إباحته
~~إلا بيقين زوال الملك عنه، اللهم إلا في الأبضاع عند من يوقع الطلاق بالشك
~~فيه كمالك، أو إذا غلب على الظن وقوعه كإسحاق بن راهويه والثاني: لا يزول
~~تحريمه إلا بيقين العلم بانتقال الملك فيه. وأما ما لا يعلم له أصل ملك كما
~~يجده الإنسان في بيته ولا يدري: هل هو له أو لغيره فهذا مشتبه، ولا يحرم
~~عليه تناوله، لأن الظاهر أن ما في بيته ملكه لثبوت يده عليه، والورع
~~اجتنابه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنى لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة
~~ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون من الصدقة فألقيها»
# PageV01P197
# خرجاه في " الصحيحين " فإن كان هناك من جنس المحظور، وشك هل هو منه أم
~~لا؟ قويت الشبهة. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن «النبي صلى
~~الله عليه وسلم أصابه أرق من الليل، فقال ms091 له بعض نسائه: يا رسول الله، أرقت
~~الليلة فقال: إني كنت أصبت تمرة تحت جنبي، فأكلتها وكان عندنا تمر من تمر
~~الصدقة، فخشيت أن تكون منه» .
# ومن هذا أيضا ما أصله الإباحة كطهارة الماء، والثوب، والأرض، إذا لم
~~يتيقن زوال أصله، فيجوز استعماله، وما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان،
~~فلا تحل إلا بيقين حله من التذكية والعقد، فإن تردد في شيء من ذلك لظهور
~~سبب آخر رجع إلى الأصل فبنى عليه، فيبني فيما أصله الحرمة على التحريم
~~ولهذا «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الصيد الذي يجد فيه الصائد أثر
~~سهم غير سهمه، أو كلب غير كلبه، أو يجده قد وقع في ماء وعلل بأنه لا يدري:
~~هل مات من السبب المبيح له أو من غيره» ، فيرجع فيما أصله الحل إلى الحل،
~~فلا ينجس الماء والأرض والثوب بمجرد ظن النجاسة، وكذلك البدن إذا تحقق
~~طهارته وشك: هل انتقضت بالحدث عند جمهور العلماء خلافا لمالك رحمه الله إذا
~~لم يكن قد دخل في الصلاة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «أنه شكى
~~إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع
# PageV01P198
# صوتا أو يجد ريحا» وفي بعض الروايات: " في المسجد " بدل الصلاة. وهذا يعم
~~حال الصلاة وغيرها، فإن وجد سبب قوي يغلب معه على الظن نجاسة ما أصله
~~الطهارة مثل أن يكون الثوب يلبسه كافر لا يتحرز من النجاسات، فهذا محل
~~اشتباه، فمن العلماء من رخص فيه أخذا بالأصل، ومنهم من كرهه تنزيها، ومنهم
~~من حرمه إذا قوي ظن النجاسة مثل أن يكون الكافر ممن لا تباح ذبيحته أو يكون
~~ملاقيا لعورته كالسراويل والقميص، وترجع هذه المسائل وشبهها على قاعدة
~~تعارض الأصل والظاهر، فإن الأصل الطهارة والظاهر النجاسة وقد تعارضت الأدلة
~~في ذلك. فالقائلون بالطهارة يستدلون بأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب،
~~وطعامهم إنما يصنعونه بأيديهم في أوانيهم، وقد أجاب النبي صلى الله عليه
~~وسلم دعوة يهودي، وكان هو وأصحابه يلبسون ms092 ويستعملون ما يجلب إليهم مما
~~ينسجه الكفار بأيديهم من الثياب والأواني، وكانوا في المغازي يقتسمون ما
~~وقع لهم من الأوعية، والثياب ويستعملونها، وصح عنهم أنهم استعملوا الماء من
~~مزادة مشركة. والقائلون بالنجاسة يستدلون بأنه صح عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم أنه «سئل عن آنية أهل الكتاب الذين يأكلون الخنزير، ويشربون الخمر،
~~فقال: إن لم تجدوا غيرها، فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها» . وقد فسر الإمام
~~أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام: يعني الحلال المحض والحرام
~~المحض، وقال: من اتقاها، فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارة باختلاط الحلال
~~والحرام.
# PageV01P199
# ويتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط، فإن كان أكثر ماله
~~الحرام؛ فقال أحمد: ينبغي أن يتجنبه إلا أن يكون شيئا يسيرا، أو شيئا لا
~~يعرف، واختلف أصحابنا: هل هو مكروه أو محرم؟ على وجهين. وإن كان أكثر ماله
~~الحلال، جازت معاملته والأكل من ماله. وقد روى الحارث عن علي أنه قال في
~~جوائز السلطان: لا بأس بها، ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من
~~الحرام. وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعاملون المشركين وأهل
~~الكتاب مع علمهم بأنهم لا يجتنبون الحرام كله. وإن اشتبه الأمر فهو شبهة،
~~والورع تركه قال سفيان: لا يعجبني ذلك، وتركه أعجب إلي. وقال الزهري
~~ومكحول: لا بأس أن يؤكل منه ما لم يعرف أنه حرام بعينه، فإن لم يعلم في
~~ماله حرام بعينه، ولكن علم أن فيه شبهة؛ فلا بأس بالأكل منه، نص عليه أحمد
~~في رواية حنبل. وذهب إسحاق بن راهويه إلى ما روي عن ابن مسعود وسلمان
~~وغيرهما من الرخصة، وإلى ما روي عن الحسن وابن سيرين في إباحة الأخذ بما
~~يقضي من الربا والقمار، نقله عنه ابن منصور. وقال الإمام أحمد في المال
~~المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيرا أخرج منه قدر الحرام، وتصرف في
~~الباقي، وإن كان المال قليلا، اجتنبه كله، وهذا لأن القليل إذا تناول منه
~~شيئا، فإنه تبعد معه السلامة من الحرام بخلاف الكثير، ms093 ومن أصحابنا من حمل
~~ذلك على الورع دون التحريم، وأباح التصرف في القليل والكثير بعد إخراج قدر
~~الحرام منه، وهو قول الحنفية وغيرهم، وأخذ به قوم من أهل الورع منهم بشر
~~الحافي. ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنه
# PageV01P200
# من الحرام بعينه، كما تقدم عن مكحول والزهري، وروي مثله عن الفضيل بن
~~عياض. وروي في ذلك آثار عن السلف، فصح عن ابن مسعود أنه سئل عمن له جار
~~يأكل الربا علانية ولا يتحرج من مال خبيث يأخذه يدعوه إلى طعامه، قال:
~~أجيبوه فإنما المهنأ لكم والوزر عليه وفي رواية أنه قال: لا أعلم له شيئا
~~إلا خبيثا أو حراما، فقال: أجيبوه وقد صحح الإمام أحمد هذا عن ابن مسعود
~~ولكنه عارضه عارض بما روي عنه أنه قال: الإثم حواز القلوب. وروي عن سلمان
~~مثل قول ابن مسعود الأول، وعن سعيد بن جبير، والحسن البصري، ومورق العجلي،
~~وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، وغيرهم، والآثار بذلك موجودة في كتاب " الأدب
~~" لحميد بن زنجويه، وبعضها في كتاب " الجامع " للخلال وفي مصنفي عبد الرزاق
~~وابن أبي شيبة وغيرهم. ومتى علم أن عين الشيء حرام، أخذ بوجه محرم، فإنه
~~يحرم تناوله، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره، وقد روي عن ابن
~~سيرين في
# PageV01P201
# الرجل يقضى من الربا، قال: لا بأس به، وعن الرجل يقضى من القمار قال: لا
~~بأس به، خرجه الخلال بإسناد صحيح، وروي عن الحسن خلاف هذا، وأنه قال: إن
~~هذه المكاسب قد فسدت، فخذوا منها ما شبه المضطر. وعارض المروي عن ابن مسعود
~~وسلمان، ما روي عن أبي بكر الصديق أكل طعاما ثم أخبر أنه من حرام فاستقاءه.
# وقد يقع الاشتباه في الحكم لكون الفرع مترددا بين أصول تجتذبه، كتحريم
~~الرجل زوجته، فإن هذا متردد بين تحريم الظهار الذي ترفعه الكفارة الكبرى،
~~وبين تحريم الطلقة الواحدة بانقضاء عدتها الذي تباح معه الزوجة بعقد جديد،
~~وبين تحريم الطلاق الثلاث الذي لا تباح معه ms094 الزوجة بدون زوج وإصابة وبين
~~تحريم الرجل عليه ما أحله الله له من الطعام والشراب الذي لا يحرمه، وإنما
~~يوجب الكفارة الصغرى، أو لا يوجب شيئا على الاختلاف في ذلك، فمن هاهنا كثر
~~الاختلاف في هذه المسألة من زمن الصحابة فمن بعدهم. وبكل حال، فالأمور
~~المشتبهة التي لا تتبين أنها حلال ولا حرام لكثير من
# PageV01P202
# الناس، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، قد يتبين لبعض الناس أنها
~~حلال أو حرام، لما عنده من ذلك من مزيد علم، وكلام النبي صلى الله عليه
~~وسلم يدل على أن هذه المشتبهات من الناس من يعلمها، وكثير منهم لا يعلمها،
~~فدخل فيمن لا يعلمها نوعان: أحدهما: من يتوقف فيها، لاشتباهها عليه.
~~والثاني: من يعتقدها على غير ما هي عليه، ودل كلامه على أن غير هؤلاء
~~يعلمها، ومراده أنه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم،
~~وهذا من أظهر الأدلة على أن المصيب عند الله في مسائل الحلال والحرام
~~المشتبهة المختلف فيها واحد عند الله عز وجل، وغيره ليس بعالم بها، بمعنى
~~أنه غير مصيب لحكم الله فيها في نفس الأمر، وإن كان يعتقد فيها اعتقادا
~~يستند فيه إلى شبهة يظنها دليلا، ويكون مأجورا على اجتهاده، ومغفورا له
~~خطؤه لعدم اعتماده. وقوله صلى الله عليه وسلم: «فمن اتقى الشبهات فقد
~~استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام» قسم الناس في
~~الأمور المشتبهة إلى قسمين، وهذا إنما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه،
~~وهو ممن لا يعلمها، فأما من كان عالما بها، واتبع ما دله علمه عليها، فلذلك
~~قسم ثالث، لم يذكره لظهور حكمه، فإن هذا القسم أفضل الأقسام الثلاثة، لأنه
~~علم حكم الله في هذه الأمور المشتبهة على الناس، واتبع علمه في ذلك. وأما
~~من لم يعلمه حكم الله فيها، فهم قسمان: أحدهما من يتقي هذه الشبهات،
~~لاشتباهها عليه، فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه. ومعنى استبرأ: طلب البراءة
~~لدينه وعرضه من النقص والشين، والعرض: ms095 هو موضع المدح والذم من الإنسان، وما
~~يحصل له بذكره بالجميل مدح، وبذكره بالقبيح قدح، وقد يكون ذلك تارة في نفس
~~الإنسان، وتارة في سلفه، أو في
# PageV01P203
# أهله، فمن اتقى الأمور المشتبهة واجتنبها، فقد حصن عرضه من القدح والشين
~~الداخل على من لا يجتنبها، وفي هذا دليل على أن من ارتكب الشبهات، فقد عرض
~~نفسه للقدح فيه والطعن، كما قال بعض السلف: من عرض نفسه للتهم، فلا يلومن
~~من أساء به الظن. وفي رواية للترمذي في هذا الحديث: " «فمن تركها استبراء
~~لدينه وعرضه، فقد سلم» " والمعنى: أنه يتركها بهذا القصد - وهو براءة دينه
~~وعرضه عن النقص - لا لغرض آخر فاسد من رياء ونحوه. وفيه دليل على أن طلب
~~البراءة للعرض ممدوح كطلب البراءة للدين، ولهذا ورد " أن ما وقى به المرء
~~عرضه، فهو صدقة ". وفي رواية في " الصحيحين " في هذا الحديث: " «فمن ترك ما
~~يشتبه عليه من الإثم، كان لما استبان أترك» " يعني: أن من ترك الإثم مع
~~اشتباهه عليه، وعدم تحققه، فهو أولى بتركه إذا استبان له أنه إثم، وهذا إذا
~~كان تركه تحرزا من الإثم، فأما من يقصد التصنع للناس، فإنه لا يترك إلا ما
~~يظن أنه ممدوح عندهم تركه. القسم الثاني: من يقع في الشبهات مع كونها
~~مشتبهة عنده، فأما من أتى شيئا مما يظنه الناس شبهة، لعلمه بأنه حلال في
~~نفس الأمر، فلا حرج عليه من الله في ذلك، لكن إذا خشي من طعن الناس عليه
~~بذلك، كان تركها حينئذ استبراء لعرضه، فيكون حسنا، وهذا كما «قال النبي صلى
~~الله عليه وسلم لمن رآه واقفا مع صفية: " إنها صفية بنت حيي» " وخرج أنس
~~إلى الجمعة، فرأى الناس قد صلوا
# PageV01P204
# ورجعوا فاستحيا، ودخل موضعا لا يراه الناس فيه، وقال: " من لا يستحيي من
~~الناس لا يستحيي من الله " وخرجه الطبراني مرفوعا، ولا يصح. وإن أتى ذلك
~~لاعتقاده أنه حلال، إما باجتهاد سائغ، أو تقليد سائغ، وكان مخطئا في
~~اعتقاده، فحكمه حكم الذي قبله، فإن كان الاجتهاد ضعيفا، ms096 أو التقليد غير
~~سائغ، وإنما حمل عليه مجرد اتباع الهوى، فحكمه حكم من أتاه مع اشتباهه
~~عليه، والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه، قد أخبر عنه النبي صلى الله
~~عليه وسلم أنه وقع في الحرام، فهذا يفسر بمعنيين: أحدهما: أن يكون ارتكابه
~~للشبهة مع اعتقاده أنها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنه حرام
~~بالتدريج والتسامح. وفي رواية في " الصحيحين " لهذا الحديث: «ومن اجترأ على
~~ما يشك فيه من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان» . وفي رواية: " «ومن يخالط
~~الريبة، يوشك أن يجسر» " أي: يقرب أن يقدم على الحرام المحض، والجسور:
~~المقدام الذي لا يهاب شيئا، ولا يراقب أحدا، ورواه بعضهم: " يجشر " بالشين
~~المعجمة، أي: يرتع، والجشر: الرعي، وجشرت الدابة: إذا رعيتها. وفي مراسيل
~~أبي المتوكل الناجي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «من يرعى بجنبات
~~الحرام، يوشك أن يخالطه، ومن تهاون بالمحقرات، يوشك أن يخالط الكبائر» ".
~~والمعنى الثاني: أن من أقدم على ما هو مشتبه عنده، لا يدري: أهو حلال أو
~~حرام، فإنه لا يأمن أن يكون حراما في نفس الأمر، فيصادف الحرام وهو لا
# PageV01P205
# يدري أنه حرام وقد روي من حديث ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات، فمن اتقاها، كان أنزه لدينه
~~وعرضه، ومن وقع في الشبهات أوشك أن يقع في الحرام، كالمرتع حول الحمى، يوشك
~~أن يواقع الحمى وهو لا يشعر» خرجه الطبراني وغيره.
# واختلف العلماء: هل يطيع والديه في الدخول في شيء من الشبهة أم لا
~~يطيعهما؟ فروي عن بشر بن الحارث، قال: لا طاعة لهما في الشبهة، وعن محمد بن
~~مقاتل العباداني قال: يطيعهما، وتوقف أحمد في هذه المسألة، وقال: يداريهما،
~~وأبى أن يجيب فيها. وقال أحمد: لا يشبع الرجل من الشبهة، ولا يشتري الثوب
~~للتجمل من الشبهة، وتوقف في حد ما يؤكل وما يلبس منها، وقال في التمرة
~~يلقيها الطير: لا يأكلها، ولا يأخذها، ولا يتعرض لها. وقال الثوري في الرجل
~~يجد في بيته ms097 الأفلس أو الدراهم: أحب إلي أن يتنزه عنها، يعني: إذا لم يدر
~~من أين هي. وكان بعض السلف لا يأكل إلا شيئا يعلم من أين هو، ويسأل عنه حتى
~~يقف على أصله وقد روي في ذلك حديث مرفوع، إلا أن فيه ضعفا
# PageV01P206
# وقوله صلى الله عليه وسلم «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا
~~وإن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه» : هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه
~~وسلم لمن وقع في الشبهات، وأنه يقرب وقوعه في الحرام المحض، وفي بعض
~~الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سأضرب لكم مثلا ثم ذكر هذا
~~الكلام، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مثل المحرمات كالحمى الذي يحميه
~~الملوك، ويمنعون غيرهم من قربانه، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حول
~~مدينته اثني عشر ميلا حمى محرما لا يقطع شجره ولا يصاد صيده، وحمى عمر
~~وعثمان أماكن ينبت فيها الكلأ لأجل إبل الصدقة
# PageV01P207
# والله عز وجل حمى هذه المحرمات، ومنع عباده من قربانها وسماها حدوده،
~~فقال: {تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون}
~~[البقرة: 187] (البقرة: 187) ، وهذا فيه بيان أنه حد لهم ما أحل لهم وما
~~حرم عليهم، فلا يقربوا الحرام، ولا يعتدوا الحلال، وكذلك قال في آية أخرى:
~~{تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون}
~~[البقرة: 229] (البقرة: 229) ، وجعل من يرعى حول الحمى وقريبا منه جديرا
~~بأن يدخل الحمى ويرتع فيه، فلذلك من تعدى الحلال، ووقع في الشبهات، فإنه قد
~~قارب الحرام غاية المقاربة، فما أخلقه بأن يخالط الحرام المحض، ويقع فيه،
~~وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن المحرمات، وأن يجعل الإنسان بينه
~~وبينها حاجزا. وقد خرج الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن يزيد، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع
~~ما لا بأس به حذرا مما به بأس»
# PageV01P208
# وقال أبو الدرداء: تمام التقوى أن يتقي ms098 الله العبد، حتى يتقيه من مثقال
~~ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حراما، حجابا بينه وبين
~~الحرام. وقال الحسن: مازالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال
~~مخافة الحرام. وقال الثوري: إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا مالا يتقى وروي
~~عن ابن عمر قال: إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا
~~أخرقها. وقال ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين
~~الحرام حاجزا من الحلال. وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب عبد حقيقة الإيمان
~~حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه.
# ويستدل بهذا الحديث من يذهب إلى سد الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل
~~إليها، ويدل على ذلك أيضا من قواعد الشريعة تحريم قليل ما يسكر كثيره،
~~وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الصلاة بعد الصبح وبعد العصر سدا لذريعة
~~الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ومنع الصائم من المباشرة إذا كانت تحرك
~~شهوته، ومنع كثير من العلماء مباشرة الحائض فيما بين سرتها وركبتها إلا من
~~وراء حائل، كما «كان صلى الله عليه وسلم يأمر امرأته إذا كانت حائضا أن
~~تتزر، فيباشرها من فوق الإزار» .
# PageV01P209
# ومن أمثلة ذلك وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم: من
~~سيب دابته ترعى بقرب زرع غيره، فإنه ضامن لما أفسدته من الزرع، ولو كان ذلك
~~نهارا، وهذا هو الصحيح، لأنه مفرط بإرسالها في هذه الحال. وكذا الخلاف لو
~~أرسل كلب الصيد قريبا من الحرم، فدخل فصاد فيه، ففي ضمانه روايتان عن أحمد،
~~وقيل يضمنه بكل حال.
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد
~~كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» فيه إشارة إلى أن صلاح حركات
~~العبد بجوارحه، واجتنابه المحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه.
~~فإذا كان قلبه سليما، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية
~~الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات ms099 الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك
~~اجتناب المحرمات كلها، وتوق للشبهات حذرا من الوقوع في المحرمات. وإن كان
~~القلب فاسدا، قد استولى عليه اتباع هواه، وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله،
~~فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع
~~هوى القلب. ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع
~~هذا جنود طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء
~~من ذلك، فإن كان الملك صالحا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدا كانت
~~جنوده بهذه المثابة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم، كما قال
~~تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون - إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء:
~~88 - 89] (الشعراء: 88 - 89) ،
# PageV01P210
# وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: " «أسألك قلبا سليما» "،
~~فالقلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلها، وهو القلب الذي ليس
~~فيه سوى محبة الله وما يحبه الله، وخشية الله، وخشية ما يباعد منه. وفي "
~~مسند " الإمام أحمد عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يستقيم
~~إيمان عبد حتى يستقيم قلبه» . والمراد باستقامة إيمانه: استقامة أعمال
~~جوارحه، فإن أعمال جوارحه لا تستقيم إلا باستقامة القلب، ومعنى استقامة
~~القلب أن يكون ممتلئا من محبة الله، ومحبة طاعته، وكراهة معصيته. وقال
~~الحسن لرجل: داو قلبك؛ فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم: يعني أن
~~مراده منهم ومطلوبه صلاح قلوبهم، فلا صلاح للقلوب حتى يستقر فيها معرفة
~~الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه، وتمتلئ من ذلك،
~~وهذا هو حقيقة التوحيد، وهو معنى قول " لا إله إلا الله " فلا صلاح للقلوب
~~حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو الله وحده لا شريك له،
~~ولو كان في السماوات والأرض إله يؤله سوى الله، لفسدت بذلك السماوات والأرض
~~كما قال تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22]
~~(الأنبياء: 22) .
# PageV01P211
# فعلم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معا حتى تكون حركات أهلها
~~كلها لله، وحركات ms100 الجسد تابعة لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته
~~لله وحده، فقد صلح وصلحت حركات الجسد كله، وإن كانت حركة القلب وإراداته
~~لغير الله تعالى، فسد، وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب. وروى
~~الليث، عن مجاهد في قوله تعالى {ألا تشركوا به شيئا} [الأنعام: 151]
~~(الأنعام: 151) قال: لا تحبوا غيري. وفي " صحيح الحاكم " عن عائشة، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في
~~الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور، وأن تبغض على شيء من
~~العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله عز وجل: {قل إن كنتم تحبون
~~الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] (آل عمران: 31) » فهذا يدل على
~~أن محبة ما يكرهه الله، وبغض ما يحبه متابعة للهوى، والموالاة على ذلك
~~والمعاداة عليه من الشرك الخفي، ويدل على ذلك قوله: {قل إن كنتم تحبون الله
~~فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] فجعل الله علامة الصدق في محبته
~~اتباع رسوله، فدل على أن المحبة لا تتم بدون الطاعة والموافقة. قال الحسن:
~~قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنا نحب ربنا حبا
~~شديدا فأحب الله أن يجعل لحبه علما، فأنزل الله هذه الآية: {قل إن كنتم
~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] ومن هنا قال الحسن: اعلم
~~أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته.
# PageV01P212
# وسئل ذو النون: متى أحب ربي؟ قال: إذا كان ما يبغضه عندك أمر من الصبر.
~~وقال بشر بن السري: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك. قال أبو
~~يعقوب النهرجوري: كل من ادعى محبة الله عز وجل، ولم يوافق الله في أمره،
~~فدعواه باطل. وقال رويم: المحبة الموافقة في كل الأحوال، وقال يحيى بن
~~معاذ: ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده، وعن بعض السلف قال:
~~قرأت في بعض الكتب السالفة: من أحب الله لم يكن عنده شيء آثر من رضاه، ومن
~~أحب الدنيا لم يكن عنده شيء ms101 آثر من هوى نفسه. وفي " السنن " عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، فقد
~~استكمل الإيمان» ومعنى هذا أن كل حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله
~~فقد كمل إيمان العبد بذلك ظاهرا وباطنا، ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح
~~حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحا ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما
~~يريده لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفت
~~عما يكرهه، وعما يخشى أن يكون مما يكرهه وإن لم يتيقن ذلك. قال الحسن: ما
~~ضربت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي حتى أنظر
~~على طاعة أو على معصية؟ فإن كانت طاعته تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت.
# PageV01P213
# وقال محمد بن الفضل البلخي: ما خطوت منذ أربعين سنة خطوة لغير الله عز
~~وجل. وقيل لداود الطائي: لو تنحيت من الظل إلى الشمس، فقال: هذه خطى لا
~~أدري كيف تكتب. فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبهم، فلم يبق فيها إرادة لغير
~~الله عز وجل، صلحت جوارحهم، فلم تتحرك إلا لله عز وجل، وبما فيه رضاه،
~~والله تعالى أعلم.
# PageV01P214
### | [الحديث السابع الدين النصيحة]
# PageV01P214
# الحديث السابع عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة ثلاثا قلنا: لمن يا رسول الله؟
~~قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه مسلم.
# هذا الحديث خرجه مسلم من رواية
~~سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري، وقد روي عن سهيل
~~وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم وخرجه
~~الترمذي من هذا الوجه، فمن العلماء من صححه من الطريقين جميعا، ومنهم من
~~قال: إن الصحيح حديث تميم، والإسناد الآخر وهم. وقد روي هذا الحديث عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر، وثوبان، وابن عباس، وغيرهم. وقد
~~ذكرنا في أول الكتاب عن أبي داود أن هذا ms102 الحديث أحد الأحاديث التي يدور
~~عليها الفقه.
# PageV01P215
# وقال الحافظ أبو نعيم: هذا الحديث له شأن، ذكر محمد بن أسلم الطوسي أنه
~~أحد أرباع الدين. وخرجه الطبراني من حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «من لا يهتم بأمر المسلمين، فليس منهم، ومن لم يمس
~~ويصبح ناصحا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه، ولعامة المسلمين فليس منهم» .
~~وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال
~~الله عز وجل: أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي» . وقد ورد في أحاديث كثيرة
~~النصح للمسلمين عموما، وفي بعضها النصح لولاة أمورهم، وفي بعضها: نصح ولاة
~~الأمور لرعاياهم. فأما الأول - وهو النصح للمسلمين - عموما، ففي " الصحيحين
~~" «عن جرير بن عبد الله قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام
~~الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» . وفي " صحيح مسلم " عن أبي
~~هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حق المؤمن على المؤمن ست فذكر
~~منها: وإذا استنصحك فانصح له» . وروي هذا الحديث من وجوه أخر عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم. وفي " المسند " عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه، عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا
# PageV01P216
# استنصح أحدكم أخاه، فلينصح له» . وأما الثاني: وهو النصح لولاة الأمور،
~~ونصحهم لرعاياهم، ففي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به
~~شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله
~~أمركم» . وفي " المسند " وغيره عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: في خطبته بالخيف من منى «ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص
~~العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين» وقد روى هذه الخطبة
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم أبو سعيد الخدري. وقد روي من حديث
~~أبي سعيد بلفظ آخر خرجه الدارقطني في " الأفراد " بإسناد جيد، ولفظه ms103 أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم:
# PageV01P217
# النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين» . وفي " الصحيحين " عن
~~معقل بن يسار، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد يسترعيه الله
~~رعية ثم لم يحطها بنصيحة إلا لم يدخل الجنة» . وقد ذكر الله في كتابه عن
~~الأنبياء عليهم السلام أنهم نصحوا لأممهم كما أخبر الله بذلك عن نوح، وعن
~~صالح وقال: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما
~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} [التوبة: 91] (التوبة: 91) يعني: أن من
~~تخلف عن الجهاد لعذر، فلا حرج عليه بشرط أن يكون ناصحا لله ورسوله في
~~تخلفه، فإن المنافقين كانوا يظهرون الأعذار كاذبين، ويتخلفون عن الجهاد من
~~غير نصح لله ورسوله. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدين النصيحة،
~~فهذا يدل على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في
~~حديث جبريل، وسمى ذلك كله دينا، فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته
~~على أكمل وجوهها، وهو مقام الإحسان، فلا يكمل النصح لله بدون ذلك، ولا
~~يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة، ويستلزم ذلك الاجتهاد في
~~التقرب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه وترك المحرمات والمكروهات على
~~هذا الوجه أيضا. وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«أرأيتم لو كان لأحدكم عبدان، فكان أحدهما يطيعه إذا أمره، ويؤدي إليه إذا
~~ائتمنه، وينصح له إذا غاب عنه، وكان الآخر يعصيه إذا أمره، ويخونه إذا
~~ائتمنه، ويغشه إذا غاب عنه كانا سواء؟ قالوا: لا، قال: فكذاكم أنتم عند
~~الله عز وجل» خرجه ابن أبي الدنيا.
# PageV01P218
# وخرج الإمام أحمد معناه من حديث أبي الأحوص عن أبيه، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم. وقال الفضيل بن عياض: الحب أفضل من الخوف، ألا ترى إذا كان لك
~~عبدان أحدهما يحبك، والآخر يخافك، فالذي يحبك منهما ينصحك شاهدا كنت أو
~~غائبا لحبه إياك، والذي يخافك عسى أن ينصحك إذا ms104 شهدت لما يخاف ويغشك إذا
~~غبت ولا ينصحك. قال عبد العزيز بن رفيع: قال الحواريون لعيسى عليه السلام:
~~ما الخالص من العمل؟ قال: ما لا تحب أن يحمدك الناس عليه، قالوا: فما النصح
~~لله؟ قال: أن تبدأ بحق الله تعالى قبل حق الناس، وإن عرض لك أمران: أحدهما
~~لله، والآخر للدنيا، بدأت بحق الله تعالى. قال الخطابي: النصيحة كلمة يعبر
~~بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، قال: وأصل النصح في اللغة الخلوص،
~~يقال: نصحت العسل: إذا خلصته من الشمع. فمعنى النصيحة لله سبحانه: صحة
~~الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية
# PageV01P219
# في عبادته، والنصيحة لكتابه: الإيمان به، والعمل بما فيه، والنصيحة
~~لرسوله: التصديق بنبوته، وبذل الطاعة له فيما أمر به، ونهى عنه، والنصيحة
~~لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم. انتهي. وقد حكى الإمام أبو عبد الله
~~محمد بن نصر المروزي في كتابه " تعظيم قدر الصلاة " عن بعض أهل العلم أنه
~~فسر هذا الحديث بما لا مزيد على حسنه، ونحن نحكيه هاهنا بلفظه. قال محمد بن
~~نصر: قال بعض أهل العلم: جماع تفسير النصيحة هو عناية القلب للمنصوح له من
~~كان، وهي على وجهين: أحدهما فرض، والآخر نافلة، فالنصيحة المفترضة لله: هي
~~شدة العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ما افترض، ومجانبة ما حرم.
~~وأما النصيحة التي هي نافلة، فهي إيثار محبته على محبة نفسه، وذلك أن يعرض
~~أمران، أحدهما لنفسه، والآخر لربه، فيبدأ بما كان لربه، ويؤخر ما كان
~~لنفسه، فهذه جملة تفسير النصيحة لله، الفرض منه والنافلة، ولذلك تفسير،
~~وسنذكر بعضه ليفهم بالتفسير من لا يفهم بالجملة. فالفرض منها مجانبة نهيه،
~~وإقامة فرضه بجميع جوارحه ما كان مطيقا له، فإن عجر عن الإقامة بفرضه لآفة
~~حلت به من مرض، أو حبس، أو غير ذلك، عزم على أداء ما افترض عليه متى زالت
~~عنه العلة المانعة له، قال الله عز وجل {ليس على الضعفاء ولا على المرضى
~~ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ms105 ما على
~~المحسنين من سبيل} [التوبة: 91] (التوبة: 91) ، فسماهم محسنين لنصيحتهم لله
~~بقلوبهم لما منعوا من الجهاد بأنفسهم. وقد ترفع الأعمال كلها عن العبد في
~~بعض الحالات، ولا يرفع عنه النصح لله، فلو كان من المرض بحال لا يمكنه عمل
~~بشيء من جوارحه بلسان ولا
# PageV01P220
# غيره، غير أن عقله ثابت، لم يسقط عنه النصح لله بقلبه وهو أن يندم على
~~ذنوبه، وينوي إن صح أن يقوم بما افترض الله عليه، ويجتنب ما نهاه عنه، وإلا
~~كان غير ناصح لله بقلبه. وكذلك النصح لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيما
~~أوجبه على الناس عن أمر ربه، ومن النصح الواجب لله أن لا يرضى بمعصية
~~العاصي، ويحب طاعة من أطاع الله ورسوله. وأما النصيحة التي هي نافلة لا
~~فرض، فبذل المجهود بإيثار الله على كل محبوب بالقلب وسائر الجوارح حتى لا
~~يكون في الناصح فضل عن غيره، لأن الناصح إذا اجتهد، لم يؤثر نفسه عليه،
~~وقام بكل ما كان في القيام به سروره ومحبته، فكذلك الناصح لربه، ومن تنفل
~~لله بدون الاجتهاد، فهو ناصح على قدر عمله، غير مستحق للنصح بكماله.
# وأما النصيحة لكتاب الله، فشدة حبه وتعظيم قدره، إذ هو كلام الخالق، وشدة
~~الرغبة في فهمه، وشدة العناية لتدبره والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب
~~مولاه أن يفهمه عنه، أو يقوم به له بعد ما يفهمه، وكذلك الناصح من العباد
~~يفهم وصية من ينصحه، وإن ورد عليه كتاب منه، عني بفهمه ليقوم عليه بما كتب
~~به فيه إليه، فكذلك الناصح لكتاب ربه، يعنى بفهمه ليقوم لله بما أمره به
~~كما يحب ويرضى، ثم ينشر ما فهم في العباد ويديم دراسته بالمحبة له، والتخلق
~~بأخلاقه، والتأدب بآدابه. وأما النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم في
~~حياته، فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته، وبذل المال إذا أراده
~~والمسارعة إلى محبته، وأما بعد وفاته: فالعناية بطلب سنته، والبحث عن
~~أخلاقه وآدابه، وتعظيم أمره، ولزوم القيام به، وشدة الغضب والإعراض عمن
~~تدين بخلاف سنته، والغضب ms106 على من ضيعها لأثرة
# PageV01P221
# دنيا، وإن كان متدينا بها، وحب من كان منه بسبيل من قرابة، أو صهر، أو
~~هجرة أو نصرة، أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام والتشبه به في زيه
~~ولباسه. وأما النصيحة لأئمة المسلمين، فحب صلاحهم ورشدهم وعدلهم، وحب
~~اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة
~~الله عز وجل، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحب إعزازهم في طاعة الله عز
~~وجل. وأما النصيحة للمسلمين، فأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره
~~لنفسه، ويشفق عليهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويحزن لحزنهم، ويفرح
~~لفرحهم، وإن ضره ذلك في دنياه كرخص أسعارهم، وإن كان في ذلك فوات ربح ما
~~يبيع من تجارته، وكذلك جميع ما يضرهم عامة، ويحب صلاحهم وإلفتهم ودوام
~~النعم عليهم، ونصرهم على عدوهم، ودفع كل أذى ومكروه عنهم. وقال أبو عمرو بن
~~الصلاح: النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير
~~إرادة وفعلا. فالنصيحة لله تعالى: توحيده ووصفه بصفات الكمال والجلال،
~~وتنزيهه عما يضادها ويخالفها، وتجنب معاصيه، والقيام بطاعته ومحابه بوصف
~~الإخلاص، والحب فيه والبغض فيه، وجهاد من كفر به تعالى وما ضاهى ذلك،
~~والدعاء إلى ذلك، والحث عليه. والنصيحة لكتابه: الإيمان به وتعظيمه
~~وتنزيهه، وتلاوته حق تلاوته،
# PageV01P222
# والوقوف مع أوامره ونواهيه، وتفهم علومه وأمثاله، وتدبر آياته، والدعاء
~~إليه، وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه. والنصيحة لرسوله قريب من ذلك:
~~الإيمان به وبما جاء به وتوقيره وتبجيله، والتمسك بطاعته، وإحياء سنته
~~واستثارة علومها ونشرها ومعاداة من عاداه وعاداها، وموالاة من والاه
~~ووالاها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة آله وصحابته، ونحو ذلك.
~~والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به،
~~وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق وحث
~~الأغيار على ذلك. والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم
~~أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذب
~~عنهم، ومجانبة الغش، والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره ms107 لهم ما
~~يكرهه لنفسه، وما شابه ذلك. انتهى ما ذكره. ومن أنواع نصحهم بدفع الأذى
~~والمكروه عنهم إيثار فقيرهم وتعليم جاهلهم، ورد من زاغ منهم عن الحق في قول
~~أو عمل بالتلطف في ردهم إلى الحق، والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن
~~المنكر محبة لإزالة فسادهم ولو بحصول ضرر له في دنياه، كما قال بعض السلف:
~~وددت أن هذا الخلق أطاعوا الله وإن لحمي قرض بالمقاريض، وكان عمر بن عبد
~~العزيز يقول: يا ليتني عملت فيكم بكتاب الله وعملتم به، فكلما عملت فيكم
~~بسنة، وقع مني عضو حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي. ومن أنواع النصح لله
~~تعالى وكتابه ورسوله - وهو مما يختص به العلماء - رد الأهواء المضلة
~~بالكتاب والسنة، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها
# PageV01P223
# وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة
~~على ردها، ومن ذلك بيان ما صح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وما لم
~~يصح منه بتبيين حال رواته ومن تقبل رواياته منهم ومن لا تقبل، وبيان غلط من
~~غلط من ثقاتهم الذين تقبل روايتهم. ومن أعظم أنواع النصح أن ينصح لمن
~~استشاره في أمره، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إذا استنصح أحدكم أخاه،
~~فلينصح له» وفي بعض الأحاديث: «إن من حق المسلم على المسلم أن ينصح له إذا
~~غاب» ومعنى ذلك: أنه إذا ذكر في غيبه بالسوء أن ينصره، ويرد عنه، وإذا رأى
~~من يريد أذاه في غيبه، كفه عن ذلك، فإن النصح في الغيب يدل على صدق النصح،
~~فإنه قد يظهر النصح في حضوره تملقا، ويغشه في غيبه. وقال الحسن: إنك لن
~~تبلغ حق نصيحتك لأخيك حتى تأمره بما تعجز عنه. قال الحسن: وقال بعض أصحاب
~~النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن شئتم لأقسمن لكم بالله إن
~~أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ويحببون عباد الله إلى
~~الله ويسعون في الأرض بالنصيحة. وقال فرقد السبخي، قرأت في بعض ms108 الكتب:
~~المحب لله عز وجل أمير مؤمر على الأمراء، زمرته أول الزمر يوم القيامة،
~~ومجلسه أقرب المجالس فيما هناك والمحبة فيما هناك والمحبة منتهى القربة
~~والاجتهاد، ولن يسأم المحبون من طول اجتهادهم
# PageV01P224
# لله عز وجل، يحبونه ويحبون ذكره، ويحببون إلى خلقه، يمشون بين عباده
~~بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح، أولئك أولياء الله
~~وأحباؤه وأهل صفوته، أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه. وقال ابن علية في
~~قول أبي بكر المزني: ما فاق أبو بكر رضي الله عنه أصحاب رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء كان في قلبه، قال: الذي كان في قلبه
~~الحب لله عز وجل، والنصيحة في خلقه. وقال الفضيل بن عياض: ما أدرك عندنا من
~~أدرك بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور،
~~والنصح للأمة. وسئل ابن المبارك: أي الأعمال أفضل؟ قال: النصح لله. وقال
~~معمر: كان يقال: أنصح الناس لك من خاف الله فيك. وكان السلف إذا أرادوا
~~نصيحة أحد، وعظوه سرا حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي
~~نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه. وقال الفضيل: المؤمن يستر
~~وينصح، والفاجر يهتك ويعير. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: كان من كان قبلكم
~~إذا رأى الرجل من أخيه شيئا يأمره في رفق، فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد
~~هؤلاء يخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره. وسئل ابن عباس رضي الله عنهما،
~~عن أمر السلطان بالمعروف، ونهيه عن المنكر، فقال: إن كنت فاعلا ولابد،
~~ففيما بينك وبينه. وقال الإمام أحمد رحمه الله: ليس على المسلم نصح الذمي،
~~وعليه نصح المسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والنصح لكل مسلم، وأن
~~ينصح لجماعة المسلمين وعامتهم» .
# PageV01P225
### | [الحديث الثامن أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله]
# PageV01P225
# الحديث الثامن عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ms109 لا
~~إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا
~~فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله
~~تعالى» رواه البخاري ومسلم.
# هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين "
~~من رواية واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه، عن جده عبد الله
~~بن عمر. وقوله إلا بحق الإسلام هذه اللفظة تفرد بها البخاري دون مسلم. وقد
~~روي معنى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ففي "
~~صحيح البخاري " عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل
~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا شهدوا
~~أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا،
~~وأكلوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها» . وخرج الإمام
~~أحمد من حديث معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أمرت أن
~~أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويشهدوا أن لا إله إلا
# PageV01P226
# الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك، فقد
~~اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل» .
~~وخرجه ابن ماجه مختصرا. وخرج نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضا،
~~ولكن المشهور من رواية أبي هريرة ليس فيه ذكر: إقام الصلاة ولا إيتاء
~~الزكاة ففي " الصحيحين " عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا
~~الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله عز وجل وفي رواية
~~لمسلم: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به» . وخرجه
~~مسلم أيضا من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ
~~حديث أبي هريرة الأول وزاد في آخره: ثم قرأ {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم
~~بمسيطر} ms110 [الغاشية: 21] (الغاشية: 21) .
# PageV01P227
# وخرج أيضا من حديث أبي مالك الأشجعي، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يقول: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله،
~~حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل» . وقد روي عن سفيان بن عيينة أنه
~~قال: كان هذا في أول الإسلام قبل فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة، وهذا
~~ضعيف جدا، وفي صحته عن سفيان نظر، فإن رواة هذه الأحاديث إنما صحبوا رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وبعضهم تأخر إسلامه. ثم قوله «عصموا مني
~~دماءهم وأموالهم» يدل على أنه كان عند هذا القول مأمورا بالقتال، ويقتل من
~~أبى الإسلام، وهذا كله بعد هجرته إلى المدينة، ومن المعلوم بالضرورة أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام
~~الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلما، فقد «أنكر على أسامة بن زيد
~~قتله لمن قال: لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره عليه» .
~~ولم يكن صلى الله عليه وسلم يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم
~~الصلاة والزكاة، بل قد روي أنه قبل من قوم الإسلام، واشترطوا أن لا يزكوا،
~~ففي مسند الإمام أحمد، عن جابر قال: «اشترطت ثقيف على رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم أن لا صدقة عليهم ولا جهاد، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قال سيتصدقون ويجاهدون» . وفيه أيضا عن نصر بن عاصم الليثي «عن رجل منهم
~~أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين، فقبل
~~منه» .
# PageV01P228
# وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث، وقال: يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ثم
~~يلزم بشرائع الإسلام كلها، واستدل أيضا بأن حكيم بن حزام قال: «بايعت النبي
~~صلى الله عليه وسلم على أن لا أخر إلا قائما» . قال أحمد: معناه أن يسجد من
~~غير ركوع. وخرج محمد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جدا عن أنس قال: «لم يكن
~~النبي صلى الله عليه ms111 وسلم يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة،
~~وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على من أقر بمحمد صلى الله عليه وسلم
~~وبالإسلام، وذلك قول الله عز وجل: {فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا
~~الصلاة وآتوا الزكاة} [المجادلة: 13] (المجادلة: 13) » وهذا لا يثبت، وعلى
~~تقدير ثبوته، فالمراد منه أنه لم يكن يقر أحدا دخل في الإسلام
# PageV01P229
# على ترك الصلاة والزكاة وهذا حق، فإنه صلى الله عليه وسلم «أمر معاذا لما
~~بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أولا إلى الشهادتين، وقال: إن هم أطاعوك لذلك،
~~فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة» ومراده أن من صار مسلما بدخوله في الإسلام أمر
~~بعد ذلك بإقام الصلاة، ثم بإيتاء الزكاة، وكان من سأله عن الإسلام يذكر له
~~مع الشهادتين بقية أركان الإسلام، كما قال لجبريل عليه السلام لما سأله عن
~~الإسلام، وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائر الرأس يسأله عن الإسلام. وبهذا
~~الذي قررناه يظهر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب، ويتبين أن كلها حق،
~~فإن كلمتي الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما، ويصير بذلك مسلما، فإذا
~~دخل في الإسلام، فإن أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وقام بشرائع الإسلام، فله
~~ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وإن أخل بشيء من هذه الأركان، فإن كانوا
~~جماعة لهم منعة قوتلوا. وقد ظن بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يقاتل حتى
~~يأتي بالشهادتين، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، وجعلوا ذلك حجة على خطاب
~~الكفار بالفروع، وفي هذا نظر، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في قتال
~~الكفار تدل على خلاف هذا، وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
~~«النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليا يوم خيبر، فأعطاه الراية وقال: امش ولا
~~تلتفت حتى يفتح الله عليك فسار علي شيئا، ثم وقف، فصرخ: يا رسول الله، على
~~ماذا أقاتل الناس؟ فقال: قاتلهم على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن
~~محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك، فقد عصموا منك دماءهم وأموالهم إلا
~~بحقها، وحسابهم على الله عز وجل» فجعل مجرد ms112 الإجابة إلى الشهادتين عصمة
~~للنفوس والأموال إلا بحقها، ومن حقها الامتناع من الصلاة والزكاة بعد
~~الدخول في الإسلام كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم.
# PageV01P230
# ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من
~~القرآن قوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم}
~~[التوبة: 5] (التوبة: 5) وقوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا
~~الزكاة فإخوانكم في الدين} [التوبة: 11] (التوبة: 11) وقوله تعالى
~~{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} [البقرة: 193] (البقرة: 193)
~~مع قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا
~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} [البينة: 5] (البينة: 5) . وثبت أن
~~«النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع
~~أذانا وإلا أغار عليهم» مع احتمال أن يكونوا قد دخلوا في الإسلام. وكان
~~يوصي سراياه: " «إن سمعتم مؤذنا أو رأيتم مسجدا، فلا تقتلوا أحدا» ". وقد
~~بعث عيينة بن حصن إلى قوم من بني العنبر، فأغار عليهم ولم يسمع أذانا، ثم
~~ادعوا أنهم قد أسلموا قبل ذلك. «وبعث صلى الله عليه وسلم إلى أهل عمان
~~كتابا فيه: " من محمد النبي إلى أهل عمان، سلام أما بعد: فأقروا بشهادة أن
~~لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأدوا الزكاة، وخطوا المساجد، وإلا
~~غزوتكم» " خرجه البزار والطبراني وغيرهما.
# PageV01P231
# فهذا كله يدل على أنه كان يعتبر حال الداخلين في الإسلام، فإن أقاموا
~~الصلاة وآتوا الزكاة وإلا لم يمتنع عن قتالهم، وفي هذا وقع تناظر أبي بكر
~~وعمر رضي الله عنهما كما في " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
~~لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر الصديق بعده، وكفر
~~من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن
~~قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز
~~وجل ms113 فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق
~~المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم لقاتلتهم على منعه، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد
~~شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. فأبو بكر رضي الله عنه أخذ قتالهم
~~من قوله: " إلا بحقه " فدل على أن قتال من أتى بالشهادتين بحقه جائز، ومن
~~حقه أداء حق المال الواجب، وعمر رضي الله عنه ظن أن مجرد الإتيان
~~بالشهادتين يعصم الدم في الدنيا تمسكا بعموم أول الحديث كما ظن طائفة من
~~الناس أن من أتى بالشهادتين امتنع من دخول النار في الآخرة تمسكا بعموم
~~ألفاظ وردت، وليس الأمر على ذلك، ثم إن عمر رجع إلى موافقة أبي بكر رضي
~~الله عنه. وقد خرج النسائي قصة تناظر أبي بكر وعمر بزيادة: وهي «أن أبا بكر
~~قال
# PageV01P232
# لعمر: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى
~~يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا
~~الزكاة» وخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " ولكن هذه الرواية أخطأ فيها عمران
~~القطان إسنادا ومتنا، قاله أئمة الحفاظ، منهم علي بن المديني وأبو زرعة
~~وأبو حاتم والترمذي والنسائي، ولم يكن هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر، وإنما قال أبو بكر: والله لأقاتلن من
~~فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، وهذا أخذه - والله أعلم - من
~~قوله في الحديث إلا بحقها وفي رواية: «إلا بحق الإسلام» فجعل من حق الإسلام
~~إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما أن من حقه أن لا يرتكب الحدود، وجعل كل ذلك
~~مما استثني بقوله: إلا بحقها. وقوله: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة،
~~فإن الزكاة حق المال، يدل على أن من ترك الصلاة، فإنه يقاتل لأنها حق
~~البدن، فكذلك من ترك الزكاة التي هي حق المال. وفي هذا إشارة إلى أن ms114 قتال
~~تارك الصلاة أمر مجمع عليه، لأنه جعله أصلا مقيسا عليه، وليس هو مذكورا في
~~الحديث الذي احتج به عمر وإنما أخذ من قوله: " إلا بحقها " فكذلك الزكاة
~~لأنها من حقها، وكل ذلك من حقوق الإسلام. ويستدل أيضا على القتال على ترك
~~الصلاة بما في " صحيح مسلم " عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن أنكر، فقد برئ، ومن كره فقد
~~سلم، ولكن من رضي وتابع فقالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال لا ما
~~صلوا» .
# PageV01P233
# وحكم من ترك سائر أركان الإسلام أن يقاتلوا عليها كما يقاتلون على ترك
~~الصلاة والزكاة. وروى ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسقع أن أبا بكر الصديق
~~بعث خالد بن الوليد، وأمره أن يقاتل الناس على خمس، فمن ترك واحدة من
~~الخمس، فقاتله عليها كما تقاتل على الخمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن
~~محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان. وقال سعيد بن
~~جبير: قال عمر بن الخطاب: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه، كما
~~نقاتلهم على الصلاة والزكاة. فهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء
~~من هذه الواجبات. وأما قتل الواحد الممتنع عنها، فأكثر العلماء على أنه
~~يقتل الممتنع عن الصلاة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد، وغيرهم،
~~ويدل على ذلك ما في " الصحيحين " عن أبي سعيد الخدري «أن خالد بن الوليد
~~استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل رجل، فقال: " لا، لعله أن يكون
~~يصلي " فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم» .
~~وفي " مسند الإمام أحمد " عن عبيد الله بن عدي بن الخيار «أن رجلا من
~~الأنصار حدثه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في قتل رجل من
~~المنافقين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ ms115
~~قال: بلى، ولا شهادة له، قال: أليس يصلي؟ قال: بلى، ولا صلاة له، قال:
~~أولئك الذين نهاني الله، عن قتلهم» .
# PageV01P234
# وأما قتل الممتنع عن أداء الزكاة، ففيه قولان لمن قال: يقتل الممتنع من
~~فعل الصلاة. أحدهما: يقتل أيضا، وهو المشهور عن أحمد، ويستدل له بحديث ابن
~~عمر هذا. والثاني: لا يقتل، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية. وأما
~~الصوم فقال مالك وأحمد في رواية عنه: يقتل بتركه، وقال الشافعي وأحمد في
~~رواية: لا يقتل بذلك، ويستدل له بحديث ابن عمر وغيره مما في معناه فإنه ليس
~~في شيء منها ذكر الصوم، ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب: الصوم ولم يجئ
~~فيه شيء. قلت: وقد روي عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا: أن من ترك الشهادتين أو
~~الصلاة أو الصيام، فهو كافر حلال الدم بخلاف الزكاة والحج. وقد سبق ذكره في
~~شرح حديث " بني الإسلام على خمس ". وأما الحج، فعن أحمد في القتل بتركه
~~روايتان، وحمل بعض أصحابنا رواية قتله على من أخره عازما على تركه، بالكلية
~~أو أخره وغلب على ظنه الموت في عامه، فأما إن أخره معتقدا أنه على التراخي
~~كما يقوله كثير من العلماء فلا قتل بذلك. وقوله صلى الله عليه وسلم: " إلا
~~بحقها " وفي رواية: " إلا بحق الإسلام " قد سبق أن أبا بكر أدخل في هذا
~~الحق فعل الصلاة والزكاة، وأن من العلماء من أدخل فيه فعل الصيام والحج
~~أيضا. ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من المحرمات، وقد ورد تفسير حقها
~~بذلك، خرجه الطبراني وابن جرير الطبري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها،
~~عصموا مني
# PageV01P235
# دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل قيل: وما حقها؟ قال:
~~زنى بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس، فيقتل بها» ولعل آخره من قول
~~أنس، وقد قيل: إن الصواب وقف الحديث كله عليه. ويشهد لهذا ما في " الصحيحين
~~" عن ابن ms116 مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم
~~يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني،
~~والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» وسيأتي الكلام على هذا
~~الحديث مستوفى عند ذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وقوله
~~صلى الله عليه وسلم: " «وحسابهم على الله عز وجل» " يعني أن الشهادتين مع
~~إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا إلا أن يأتي ما
~~يبيح دمه، وأما في الآخرة، فحسابه على الله عز وجل، فإن كان صادقا، أدخله
~~الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبا، فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل
~~من النار. وقد تقدم أن في بعض الروايات في " صحيح مسلم ": ثم تلا {فذكر
~~إنما أنت مذكر - لست عليهم بمسيطر - إلا من تولى وكفر - فيعذبه الله العذاب
~~الأكبر - إن إلينا إيابهم - ثم إن علينا حسابهم} [الغاشية: 21 - 26]
~~(الغاشية: 21 - 26) والمعنى: إنما عليك تذكيرهم بالله، ودعوتهم إليه، ولست
~~مسلطا على إدخال الإيمان في قلوبهم قهرا ولا مكلفا بذلك، ثم أخبر أن مرجع
~~العباد كلهم إليه وحسابهم عليه. وفي " مسند البزار " عن عياض الأنصاري، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لا إله إلا الله كلمة على الله كريمة،
~~لها عند الله مكان، وهي كلمة من قالها صادقا،
# PageV01P236
# أدخله الله بها الجنة، ومن قالها كاذبا حقنت ماله ودمه، ولقي الله غدا
~~فحاسبه» . وقد استدل بهذا من يرى قبول توبة الزنديق وهو المنافق إذا أظهر
~~العود إلى الإسلام، ولم ير قتله بمجرد ظهور نفاقه، كما كان النبي صلى الله
~~عليه وسلم يعامل المنافقين، ويجريهم على أحكام المسلمين في الظاهر مع علمه
~~بنفاق بعضهم في الباطن، وهذا قول الشافعي وأحمد في رواية عنه، وحكاه
~~الخطابي، عن أكثر العلماء، والله أعلم.
# PageV01P237
### | [الحديث التاسع ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم]
# PageV01P237
# الحديث التاسع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت
~~رسول الله صلى الله ms117 عليه وسلم يقول: «ما نهيتكم عنه، فاجتنبوه، وما أمرتكم
~~به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم
~~واختلافهم على أنبيائهم» . رواه البخاري ومسلم.
# هذا الحديث بهذا اللفظ خرجه مسلم
~~وحده من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة،
~~وخرجاه من رواية أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم
~~واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر،
~~فأتوا منه ما استطعتم» وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه.
~~وفي رواية له ذكر سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة قال:
~~«خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس قد فرض الله
~~عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا،
~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم ثم
~~قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على
~~أنبيائهم، فإذا أمرتكم
# PageV01P238
# بشيء، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء، فدعوه» . وخرجه
~~الدارقطني من وجه آخر مختصرا، وقال فيه: فنزل قوله تعالى: {ياأيها الذين
~~آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] (المائدة: 101)
~~. وقد روي من غير وجه أن هذه الآية نزلت لما سألوا النبي صلى الله عليه
~~وسلم عن الحج، وقالوا: أفي كل عام؟ . وفي " الصحيحين " عن أنس قال: «خطبنا
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: من أبي؟ فقال: " فلان " فنزلت هذه
~~الآية {لا تسألوا عن أشياء} [المائدة: 101] » . وفيهما أيضا عن قتادة، عن
~~أنس قال: «سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة، فغضب،
~~فصعد المنبر، فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته، فقام رجل كان إذا
~~لاحى الرجال دعي إلى غير أبيه، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: ms118 " أبوك
~~حذافة " ثم أنشأ عمر، فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد
~~رسولا، نعوذ بالله من الفتن» . وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية
~~{ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} [المائدة: 101] . وفي " صحيح
~~البخاري " عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟
# PageV01P239
# فأنزل الله هذه الآية {ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} [المائدة:
~~101] . وخرج ابن جرير الطبري في " تفسيره " من حديث أبي هريرة، قال: «خرج
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمارا وجهه، حتى جلس على المنبر،
~~فقام إليه رجل، فقال: أين أنا؟ فقال " في النار " فقام إليه آخر فقال: من
~~أبي؟ قال: " أبوك حذافة " فقام عمر فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا،
~~وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك،
~~والله أعلم من آباؤنا، قال: فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية: {ياأيها الذين
~~آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] » . وروي أيضا
~~من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: {ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن
~~أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] قال: «إن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم أذن في الناس، فقال: يا قوم كتب عليكم الحج فقام رجل، فقال يا رسول
~~الله، أفي كل عام؟ فأغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا، فقال:
~~والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذن لكفرتم،
~~فاتركوني ما تركتكم، فإذا أمرتكم بشيء، فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء،
~~فانتهوا عنه، فأنزل الله: {ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد
~~لكم تسؤكم} [المائدة: 101] » ، نهاهم أن يسألوا مثل الذي سألت النصارى في
~~المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله تعالى عن ذلك، وقال لا تسألوا عن
~~أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن،
~~فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه. فدلت هذه الأحاديث ms119 على النهي عن
~~السؤال عما لا يحتاج إليه ما يسوء
# PageV01P240
# السائل جوابه مثل سؤال السائل؛ هل هو في النار أو في الجنة، وهل أبوه ما
~~ينسب إليه أو غيره، وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث
~~والاستهزاء، كما كان يفعله كثير من المنافقين وغيرهم. وقريب من ذلك سؤال
~~الآيات واقتراحها على وجه التعنت، كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب،
~~وقال عكرمة وغيره: إن الآية نزلت في ذلك. ويقرب من ذلك السؤال عما أخفاه
~~الله عن عباده، ولم يطلعهم عليه، كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح. ودلت
~~أيضا على نهي المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلال والحرام مما يخشى أن
~~يكون السؤال سببا لنزول التشديد فيه، كالسؤال عن الحج: هل يجب كل عام أم
~~لا؟ وفي " الصحيح " عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أعظم
~~المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته» .
~~«ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللعان كره المسائل وعابها حتى
~~ابتلي السائل عنه قبل وقوعه بذلك في أهله» ، «وكان النبي صلى الله عليه
~~وسلم ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» .
# ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في المسائل إلا للأعراب ونحوهم من
~~الوفود القادمين عليه، يتألفهم بذلك، فأما المهاجرون والأنصار المقيمون
~~بالمدينة
# PageV01P241
# الذين رسخ الإيمان في قلوبهم، فنهوا عن المسألة، كما في " صحيح مسلم " عن
~~النواس بن سمعان، قال: أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنة
~~ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى
~~الله عليه وسلم. وفيه أيضا «عن أنس، قال: نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل،
~~فيسأله ونحن نسمع» . وفي " المسند " «عن أبي أمامة قال: كان الله قد أنزل:
~~{ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101]
~~قال: فكنا قد ms120 كرهنا كثيرا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه
~~صلى الله عليه وسلم قال: فأتينا أعرابيا، فرشوناه بردا، ثم قلنا له: سل
~~النبي صلى الله عليه وسلم وذكر حديثا» . وفي " مسند أبي يعلى " عن البراء
~~بن عازب، قال: إن كان لتأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم عن شيء، فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب. وفي " مسند البزار
~~"، عن ابن عباس قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب
# PageV01P242
# محمد صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلها في
~~القرآن: {يسألونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219] (البقرة: 219) ،
~~{يسألونك عن الشهر الحرام} [البقرة: 217] (البقرة: 22) يسألونك عن اليتامى
~~(البقرة: 22) ، وذكر الحديث. وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
~~أحيانا يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها، لكن للعمل بها عند وقوعها، كما
~~قالوا له: إنا لاقوا العدو غدا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ وسألوه عن
~~الأمراء الذين أخبر عنهم بعده، وعن طاعتهم وقتالهم، وسأله حذيفة عن الفتن،
~~وما يصنع فيها. فبهذا الحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم «ذروني ما
~~تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» يدل
~~على كراهة المسائل وذمها، ولكن بعض الناس يزعم أن ذلك كان مختصا بزمن النبي
~~صلى الله عليه وسلم لما يخشى حينئذ من تحريم ما لم يحرم، أو إيجاب ما يشق
~~القيام به، وهذا قد أمن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. ولكن ليس هذا وحده
~~هو سبب كراهة المسائل، بل له سبب آخر، وهو الذي أشار إليه ابن عباس في
~~كلامه الذي ذكرنا بقوله: ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن، فإنكم لا تسألون
~~عن شيء إلا وجدتم تبيانه. ومعنى هذا: أن جميع ما يحتاج إليه المسلمون في
~~دينهم لابد أن يبينه الله في كتابه العزيز، ويبلغ ذلك رسوله عنه، فلا حاجة
~~بعد هذا لأحد في السؤال، فإن الله تعالى أعلم بمصالح عباده منهم، فما كان
~~فيه هدايتهم ونفعهم، فإن الله تعالى لابد ms121 أن يبينه لهم ابتداء من غير سؤال،
~~كما قال: {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176] (النساء: 176) . وحينئذ،
~~فلا حاجة إلى السؤال عن شيء، ولا سيما قبل وقوعه والحاجة إليه، وإنما
~~الحاجة
# PageV01P243
# المهمة إلى فهم ما أخبر الله به ورسوله، ثم اتباع ذلك والعمل به، وقد كان
~~النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن المسائل؛ فيحيل على القرآن، كما «سأله
~~عمر عن الكلالة، " فقال يكفيك آية الصيف» . وأشار صلى الله عليه وسلم في
~~هذا الحديث إلى أن في الاشتغال بامتثال أمره، واجتناب نهيه شغلا عن
~~المسائل، «فقال: إذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه
~~ما استطعتم» ، فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما
~~جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يجتهد في فهم ذلك، والوقوف على
~~معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من
~~الأمور العملية، بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر،
~~واجتناب ما ينهى عنه، وتكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك؛ لا إلى غيره.
~~وهكذا كان حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان في طلب
~~العلم النافع من الكتاب والسنة. فأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع
~~الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع، وقد لا تقع، فإن هذا مما يدخل في النهي،
~~ويثبط عن الجد في متابعة الأمر. وقد «سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر،
~~فقال له: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله» ، فقال له الرجل:
~~أرأيت إن غلبت عليه؟ أرأيت إن زوحمت؟ فقال له ابن عمر: اجعل " أرأيت "
~~باليمن، رأيت رسول الله يستلمه ويقبله خرجه الترمذي ومراد ابن عمر أن لا
~~يكون لك هم إلا في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا حاجة إلا فرض
~~العجز عن ذلك أو تعسره قبل وقوعه؛ فإنه قد يفتر العزم على التصميم عن
~~المتابعة، فإن التفقه في الدين، والسؤال عن العلم إنما يحمد إذا كان للعمل،
~~لا ms122 للمراء والجدال.
# PageV01P244
# وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه ذكر فتنا تكون في آخر الزمان، فقال له
~~عمر: متى ذلك يا علي؟ قال: إذا تفقه لغير الدين، وتعلم لغير العمل، والتمست
~~الدنيا بغير الآخرة. وعن ابن مسعود أنه قال: كيف بكم إذا لبستم فتنة يربو
~~فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، وتتخذ سنة، فإن غيرت يوما قيل: هذا منكر؟
~~قالوا: ومتى ذلك؟ قال: إذا قلت أمناؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت فقهاؤكم،
~~وكثرت قراؤكم، وتفقه لغير الدين، والتمست الدنيا بعمل الآخرة. خرجهما عبد
~~الرازق في كتابه. ولهذا المعنى كان كثير من الصحابة والتابعين يكرهون
~~السؤال عن الحوادث قبل وقوعها، ولا يجيبون عن ذلك، قال عمرو بن مرة: خرج
~~عمر على الناس، فقال: أحرج عليكم أن تسألونا عن ما لم يكن، فإن لنا فيما
~~كان شغلا. وعن ابن عمر، قال: لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر لعن
~~السائل عما لم يكن. وكان زيد بن ثابت إذا سئل، عن الشيء يقول: كان هذا؟ فإن
~~قالوا: لا، قال: دعوه حتى يكون.
# PageV01P245
# وقال مسروق: سألت أبي بن كعب عن شيء، فقال: أكان بعد؟ فقلت: لا، فقال
~~أجمنا - يعني: أرحنا حتى يكون -، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا. وقال الشعبي:
~~سئل عمار عن مسألة فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا، قال: فدعونا حتى يكون،
~~فإذا كان تجشمناه لكم. وعن الصلت بن راشد، قال سألت طاوسا عن شيء، فانتهرني
~~فقال: أكان هذا؟ قلت: نعم، قال: آلله؟ قلت: آلله. قال: إن أصحابنا أخبرونا،
~~عن معاذ بن جبل أنه قال: أيها الناس، لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فيذهب
~~بكم هاهنا وهاهنا، فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، لم ينفك المسلمون
~~أن يكون فيهم من إذا سئل سدد، أو قال وفق. وقد خرجه أبو داود في كتاب "
~~المراسيل " مرفوعا من طريق ابن عجلان، عن طاوس، عن معاذ قال: قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: " «لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها، فإنكم إن لم تفعلوا
~~لم ينفك المسلمون منهم ms123 من إذا قال سدد أو وفق، وأنكم إن عجلتم، تشتت بكم
~~السبل هاهنا وهاهنا» " ومعنى إرساله أن طاوسا لم يسمع من معاذ. وخرجه أيضا
~~من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن النبي مرسلا.
# PageV01P246
# وروى الحجاج بن منهال حدثنا جرير بن حازم أنه قال: سمعت الزبير بن سعيد
~~رجلا من بني هاشم، قال: سمعت أشياخنا يحدثون: أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قال: " «لا يزال في أمتي من إذا سئل سدد وأرشد حتى يتساءلوا، عن ما لم
~~ينزل تبيينه، فإذا فعلوا ذلك، ذهب بهم هاهنا وهاهنا» ". وقد روي عن
~~الصنابحي عن معاوية، «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأغلوطات» .
~~خرجه الإمام أحمد. رحمه الله وفسرها الأوزاعي، وقال: هي شداد المسائل. وقال
~~عيسى بن يونس: هي ما لا يحتاج إليه من كيف وكيف. ويروى من حديث ثوبان، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون أقوام من أمتي يغلطون فقهاءهم بعضل
~~المسائل، أولئك شرار أمتي» . وقال الحسن: شرار عباد الله الذين يتبعون شرار
~~المسائل يعمون بها عباد الله. وقال الأوزاعي: إن الله إذا أراد أن يحرم
~~عبده بركة العلم، ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علما.
~~وقال ابن وهب، عن مالك: أدركت هذه البلدة، وإنهم ليكرهون الإكثار الذي فيه
~~الناس اليوم. يريد المسائل. وقال أيضا: سمعت مالكا وهو يعيب كثرة الكلام
~~وكثرة الفتيا، ثم قال: يتكلم كأنه جمل مغتلم يقول: هو كذا، هو كذا يهدر في
~~كلامه.
# PageV01P247
# وقال: سمعت مالكا يكره الجواب في كثرة المسائل، وقال: قال الله عز وجل:
~~{ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} [الإسراء: 85] (الإسراء: 85) فلم
~~يأته في ذلك جواب. وكان مالك يكره المجادلة عن السنن أيضا قال الهيثم بن
~~جميل: قلت لمالك: يا أبا عبد الله، الرجل يكون عالما بالسنن يجادل عنها؟
~~قال: لا، ولكن يخبر بالسنة، فإن قبل منه وإلا سكت. قال إسحاق بن عيسى: كان
~~مالك يقول: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من ms124 قلب الرجل. وقال
~~ابن وهب: سمعت مالكا يقول: المراء في العلم يقسي القلب، ويؤثر الضغن. وكان
~~أبو شريح الإسكندراني يوما في مجلسه، فكثرت المسائل، فقال: قد درنت قلوبكم
~~منذ اليوم، فقوموا إلى أبي حميد خالد بن حميد اصقلوا قلوبكم، وتعلموا هذه
~~الرغائب، فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل
~~إلا ما نزل، فإنها تقسي القلوب، وتورث العداوة. وقال الميموني: سمعت أبا
~~عبد الله - يعني أحمد - يسأل، عن مسألة، فقال: وقعت هذه المسألة؟ بليتم بها
~~بعد؟ وقد انقسم الناس في هذا الباب أقساما: فمن أتباع أهل الحديث من سد باب
~~المسائل حتى قل فقهه وعلمه بحدود ما أنزل الله على رسوله، وصار حامل فقه
~~غير فقيه. ومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل قبل وقوعها، ما
~~يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك، وكثرة
~~الخصومات فيه، والجدال عليه حتى يتولد من ذلك افتراق القلوب، ويستقر فيها
~~بسببه الأهواء والشحناء والعداوة والبغضاء، ويقترن ذلك كثيرا بنية
~~المغالبة، وطلب
# PageV01P248
# العلو والمباهاة، وصرف وجوه الناس وهذا مما ذمه العلماء الربانيون، ودلت
~~السنة على قبحه وتحريمه. وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به، فإن معظم همهم
~~البحث عن معاني كتاب الله عز وجل، وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلام
~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
~~ومعرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها وتفهمها، والوقوف على معانيها، ثم
~~معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير
~~والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك،
~~وهذا هو طريقة الإمام أحمد ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين، وفي معرفة
~~هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أحدث من الرأي ما لا ينتفع به، ولا يقع، وإنما
~~يورث التجادل فيه كثرة الخصومات والجدال وكثرة القيل والقال. وكان الإمام
~~أحمد كثيرا إذا سئل عن شيء من المسائل المتولدات التي لا تقع يقول: دعونا
~~من هذه المسائل المحدثة. وما أحسن ما قاله يونس بن ms125 سليمان السقطي: نظرت في
~~الأمر، فإذا هو الحديث والرأي، فوجدت في الحديث ذكر الرب عز وجل وربوبيته
~~وإجلاله وعظمته، وذكر العرش وصفة الجنة والنار، وذكر النبيين والمرسلين،
~~والحلال والحرام، والحث على صلة الأرحام، وجماع الخير فيه، ونظرت في الرأي،
~~فإذا فيه المكر، والغدر، والحيل، وقطيعة الأرحام، وجماع الشر فيه. وقال
~~أحمد بن شبويه: من أراد علم القبر فعليه بالآثار، ومن أراد علم الخبز فعليه
~~بالرأي. ومن سلك طريقة طلب العلم على ما ذكرناه، تمكن من فهم جواب الحوادث
~~الواقعة غالبا، لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها، ولابد
# PageV01P249
# أن يكون سلوك هذا الطريق خلف أئمة أهله المجمع على هدايتهم ودرايتهم
~~كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ومن سلك مسلكهم، فإن من ادعى سلوك هذا
~~الطريق على غير طريقهم، وقع في مفاوز ومهالك، وأخذ بما لا يجوز الأخذ به،
~~وترك ما يجب العمل به. وملاك الأمر كله أن يقصد بذلك وجه الله، والتقرب
~~إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله، وسلوك طريقه، والعمل بذلك، ودعاء الخلق
~~إليه، ومن كان كذلك وفقه الله وسدده، وألهمه رشده، وعلمه ما لم يكن يعلم،
~~وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى: {إنما يخشى الله من
~~عباده العلماء} [فاطر: 28] (فاطر: 28) ، ومن الراسخين في العلم، وقد خرج
~~ابن أبي حاتم في " تفسيره " من حديث أبي الدرداء أن «رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم، فقال: من برت يمينه، وصدق لسانه،
~~واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم» . وقال نافع
~~بن يزيد: يقال: الراسخون في العلم: المتواضعون لله، والمتذللون لله في
~~مرضاته لا يتعاطون من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. ويشهد لهذا قول النبي
~~صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن هم، أبر قلوبا، وأرق أفئدة، الإيمان
~~يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية» . وهذا إشارة منه إلى أبي موسى
~~الأشعري، ومن كان على طريقه من علماء أهل اليمن، ثم إلى مثل أبي مسلم
# PageV01P250
# الخولاني وأويس القرني، وطاوس، ووهب بن منبه، ms126 وغيرهم من علماء أهل اليمن،
~~وكل هؤلاء من العلماء الربانيين الخائفين لله، فكلهم علماء بالله يخشونه
~~ويخافونه، وبعضهم أوسع علما بأحكام الله وشرائع دينه من بعض، ولم يكن
~~تميزهم عن الناس بكثرة قيل وقال، ولا بحث ولا جدال. وكذلك معاذ بن جبل رضي
~~الله عنه أعلم الناس بالحلال والحرام، وهو الذي يحشر يوم القيامة أمام
~~العلماء برتوة، ولم يكن علمه بتوسعة المسائل وتكثيرها، بل قد سبق عنه كراهة
~~الكلام فيما لا يقع، وإنما كان عالما بالله وعالما بأصول دينه وقد قيل
~~للإمام أحمد: من نسأل بعدك؟ قال عبد الوهاب الوراق، قيل له: إنه ليس له
~~اتساع في العلم، قال: إنه رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق. وسئل عن معروف
~~الكرخي، فقال: كان معه أصل العلم: خشية الله. وهذا يرجع إلى قول بعض السلف:
~~كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا. وهذا باب واسع يطول
~~استقصاؤه. ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه فنقول: من لم يشتغل
~~بكثرة المسائل التي لا توجد مثلها في كتاب، ولا سنة، بل اشتغل بفهم كلام
~~الله ورسوله، وقصده بذلك امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فهو ممن امتثل
~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وعمل بمقتضاه، ومن لم يكن
~~اهتمامه بفهم ما أنزل الله على رسوله، واشتغل بكثرة توليد المسائل قد تقع
~~وقد لا تقع، وتكلف أجوبتها بمجرد الرأي، خشي عليه أن يكون مخالفا لهذا
~~الحديث، مرتكبا لنهيه، تاركا لأمره.
# PageV01P251
# واعلم أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة وإنما هو
~~من ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله، واجتناب نواهي الله ورسوله،
~~فلو أن من أراد أن يعمل عملا سأل عما شرع الله في ذلك العمل فامتثله، وعما
~~نهى عنه فيه فاجتنبه، وقعت الحوادث مقيدة بالكتاب والسنة وإنما يعمل العامل
~~بمقتضى رأيه وهواه، فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله وربما عسر
~~ردها إلى الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة لبعدها عنها. وفي الجملة فمن
~~امتثل ما أمر ms127 به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وانتهى عما نهى
~~عنه، وكان مشتغلا بذلك عن غيره، حصل له النجاة في الدنيا والآخرة، ومن خالف
~~ذلك، واشتغل بخواطره وما يستحسنه، وقع فيما حذر منه النبي صلى الله عليه
~~وسلم من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم،
~~وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم. وقوله صلى الله عليه وسلم " «إذا نهيتكم عن
~~شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم» " قال بعض
~~العلماء: هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر، لأن النهي لم يرخص في ارتكاب
~~شيء منه، والأمر قيد بحسب الاستطاعة، وروي هذا عن الإمام أحمد. ويشبه هذا
~~قول بعضهم: أعمال البر يعملها البر والفاجر، وأما المعاصي، فلا يتركها إلا
~~صديق. وروي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «اتق
~~المحارم، تكن أعبد
# PageV01P252
# الناس» وقالت عائشة رضي الله عنها: من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف
~~عن الذنوب، وروي مرفوعا. وقال الحسن: ما عبد العابدون بشيء أفضل من ترك ما
~~نهاهم الله عنه.
# والظاهر أن ما ورد من تفضيل ترك المحرمات على فعل الطاعات، إنما أريد به
~~على نوافل الطاعات، وإلا فجنس الأعمال الواجبات أفضل من جنس ترك المحرمات،
~~لأن الأعمال مقصودة لذاتها، والمحارم المطلوب عدمها، ولذلك لا تحتاج إلى
~~نية بخلاف الأعمال، ولذلك كان جنس ترك الأعمال قد تكون كفرا كترك التوحيد،
~~وكترك أركان الإسلام أو بعضها على ما سبق، بخلاف ارتكاب المنهيات فإنه لا
~~يقتضي الكفر بنفسه، ويشهد لذلك قول ابن عمر: لرد دانق من حرام أفضل من مائة
~~ألف تنفق في سبيل الله. وعن بعض السلف قال: ترك دانق مما يكرهه الله أحب
~~إلي من خمسمائة حجة. وقال ميمون بن مهران: ذكر الله باللسان حسن وأفضل منه
~~أن يذكر الله العبد
# PageV01P253
# عند المعصية فيمسك عنها. وقال ابن المبارك: لأن أرد درهما من شبهة أحب
~~إلي من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف، حتى بلغ ستمائة ألف. وقال عمر بن ms128 عبد
~~العزيز: ليست التقوى قيام الليل، وصيام النهار، والتخليط فيما بين ذلك،
~~ولكن التقوى أداء ما افترض الله، وترك ما حرم الله، فإن كان مع ذلك عمل،
~~فهو خير إلى خير، أو كما قال. وقال أيضا: وددت أني لا أصلي غير الصلوات
~~الخمس سوى الوتر، وأن أؤدي الزكاة، ولا أتصدق بعدها بدرهم، وأن أصوم رمضان
~~ولا أصوم بعده يوما أبدا، وأن أحج حجة الإسلام ثم لا أحج بعدها أبدا، ثم
~~أعمد إلى فضل قوتي، فأجعله فيما حرم الله علي، فأمسك عنه. وحاصل كلامهم يدل
~~على اجتناب المحرمات - وإن قلت - أفضل من الإكثار من نوافل الطاعات فإن ذلك
~~فرض، وهذا نفل. وقالت طائفة من المتأخرين: إنما قال صلى الله عليه وسلم:
~~«إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم،»
~~لأن امتثال الأمر لا يحصل إلا بعمل، والعمل يتوقف وجوده على شروط وأسباب،
~~وبعضها قد لا يستطاع، فلذلك قيده بالاستطاعة، كما قيد الله الأمر بالتقوى
~~بالاستطاعة، قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] (التغابن:
~~16) وقال في الحج: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل
~~عمران: 97] (آل عمران: 97) . وأما النهي: فالمطلوب عدمه، وذلك هو الأصل،
~~فالمقصود استمرار العدم الأصلي، وذلك ممكن، وليس فيه ما لا يستطاع، وهذا
~~فيه أيضا نظر، فإن الداعي إلى فعل المعاصي قد يكون قويا، لا صبر معه للعبد
~~على الامتناع مع فعل المعصية مع القدرة عليها، فيحتاج الكف عنها حينئذ إلى
~~مجاهدة شديدة،
# PageV01P254
# ربما كانت أشق على النفوس من مجرد مجاهدة النفس على فعل الطاعة، ولهذا
~~يوجد كثيرا من يجتهد فيفعل الطاعات، ولا يقوى على ترك المحرمات. وقد سئل
~~عمر عن قوم يشتهون المعصية ولا يعملون بها، فقال: أولئك قوم امتحن الله
~~قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم. وقال يزيد بن ميسرة: يقول الله في بعض
~~الكتب: أيها الشاب التارك شهوته، المتبذل في شبابه لأجلي، أنت عندي كبعض
~~ملائكتي. وقال: ما أشد الشهوة في الجسد، إنها مثل حريق النار، وكيف ينجو
~~منها ms129 الحصوريون؟ . والتحقيق في هذا أن الله لا يكلف العباد من الأعمال ما
~~لا طاقة لهم به، وقد أسقط عنهم كثيرا من الأعمال بمجرد المشقة رخصة عليهم،
~~ورحمة لهم، وأما المناهي، فلم يعذر أحد بارتكابها بقوة الداعي والشهوات، بل
~~كلفهم تركها على كل حال، وأن ما أباح أن يتناول من المطاعم المحرمة عند
~~الضرورة ما تبقى معه الحياة، لا لأجل التلذذ والشهوة، ومن هنا يعلم صحة ما
~~قاله الإمام أحمد: إن النهي أشد من الأمر. وقد روي عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم من حديث ثوبان وغيره أنه قال: «استقيموا ولن تحصوا» يعني: لن تقدروا
~~على الاستقامة كلها.
# PageV01P255
# وروى الحكم بن حزن الكلفي، قال: «وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فشهدت معه الجمعة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئا على عصا أو
~~قوس، فحمد الله، وأثنى عليه بكلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: " أيها
~~الناس إنكم لن تطيقوا، ولن تفعلوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وأبشروا» "
~~أخرجه الإمام أحمد وأبو داود.
# وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»
~~" دليل على أن من عجز عن فعل المأمور به كله، وقدر على بعضه، فإنه يأتي بما
~~أمكنه منه، وهذا مطرد في مسائل: منها الطهارة، فإذا قدر على بعضها، وعجز عن
~~الباقي: إما لعدم الماء، أو لمرض في بعض أعضائه دون بعض، فإنه يأتي من ذلك
~~بما قدر عليه، ويتيمم للباقي، وسواء في ذلك الوضوء والغسل على المشهور.
~~ومنها الصلاة، فمن عجز عن فعل الفريضة قائما صلى قاعدا، فإن عجز صلى
~~مضطجعا، وفي " صحيح البخاري " عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب.» ولو
~~عجز عن ذلك كله، أومأ بطرفه، وصلى بنيته، ولم تسقط عنه الصلاة على المشهور.
~~ومنها زكاة الفطر، فإذا قدر على إخراج بعض صاع، لزمه ذلك على
# PageV01P256
# الصحيح، فأما من قدر على صيام بعض النهار دون ms130 تكملته، فلا يلزمه ذلك بغير
~~خلاف، لأن صيام بعض اليوم ليس بقربة في نفسه، وكذا لو قدر على عتق بعض رقبة
~~في الكفارة لم يلزمه، لأن تبعيض العتق غير محبوب للشارع بل يؤمر بتكميله
~~بكل طريق. وأما من فاته الوقوف بعرفة في الحج، فهل يأتي بما بقي منه من
~~المبيت بمزدلفة، ورمي الجمار أم لا؟ بل يقتصر على الطواف والسعي، ويتحلل
~~بعمرة على روايتين، عن أحمد أشهرهما: أنه يقتصر على الطواف والسعي، لأن
~~المبيت والرمي من لواحق الوقوف بعرفة وتوابعه، وإنما أمر الله تعالى بذكره
~~عند المشعر الحرام، وبذكره في الأيام المعدودات لمن أفاض من عرفات، فلا
~~يؤمر به من لا يقف بعرفة كما لا يؤمر به المعتمر.
# PageV01P257
### | [الحديث العاشر إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا]
# PageV01P257
# الحديث العاشر
# عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن
~~الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به
~~المرسلين، فقال: {ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} [المؤمنون:
~~51] (المؤمنون: 51) ، وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما
~~رزقناكم} [البقرة: 172] (البقرة: 172) ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر: أشعث
~~أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه
~~حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟» . رواه مسلم.
# هذا الحديث خرجه مسلم من رواية
~~فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وخرجه الترمذي،
~~وقال: حسن غريب.
# وفضيل بن مرزوق ثقة وسط خرج له مسلم دون البخاري.
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيب» هذا قد جاء أيضا من حديث سعد بن
~~أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله طيب يحب الطيب، نظيف
~~يحب النظافة، جواد يحب الجود» خرجه الترمذي، وفي إسناده مقال والطيب هنا:
~~معناه الطاهر.
# والمعنى أن الله تعالى مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها، وهذا كما في
# PageV01P258
# قوله: {والطيبات للطيبين والطيبون ms131 للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون}
~~[النور: 26] (النور: 26) ، والمراد: المنزهون من أدناس الفواحش وأوضارها.
# وقوله " لا يقبل إلا طيبا " قد ورد معناه في حديث الصدقة، ولفظه: «لا
~~يتصدق أحد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا. . . . . . .» والمراد
~~أنه تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبا حلالا.
# وقد قيل: إن المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله: " «لا يقبل
~~الله إلا طيبا» " أعم من ذلك، وهو أنه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبا
~~طاهرا من المفسدات كلها، كالرياء والعجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيبا
~~حلالا، فإن الطيب يوصف به الأعمال والأقوال والاعتقادات، فكل هذه تنقسم إلى
~~طيب وخبيث.
# وقد قيل: إنه يدخل في قوله تعالى: {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك
~~كثرة الخبيث} [المائدة: 100] (المائدة: 100) هذا كله.
# وقد قسم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث، فقال: {ضرب الله مثلا كلمة
~~طيبة كشجرة طيبة} [إبراهيم: 24] (إبراهيم: 24) ، {ومثل كلمة خبيثة كشجرة
~~خبيثة} [إبراهيم: 26] (إبراهيم: 26) ، وقال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب}
~~[فاطر: 10] (فاطر: 10) ، ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يحل الطيبات
~~ويحرم الخبائث.
# وقد قيل: إنه يدخل في ذلك الأقوال والأعمال والاعتقادات أيضا، ووصف الله
~~تعالى المؤمنين بالطيب، بقوله تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين}
~~[النحل: 32] (النحل: 32) وإن الملائكة تقول عند الموت: اخرجي أيتها النفس
~~الطيبة كانت في الجسد الطيب، وإن الملائكة تسلم عليهم عند دخولهم الجنة،
~~يقولون
# PageV01P259
# لهم: طبتم، وقد ورد في الحديث «أن المؤمن إذا زار أخاه في الله تقول له
~~الملائكة: " طبت، وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا» ".
# فالمؤمن كله طيب قلبه ولسانه وجسده بما سكن في قلبه من الإيمان، وظهر على
~~لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان،
~~وداخلة في اسمه فهذه الطيبات كلها يقبلها الله عز وجل.
# ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال للمؤمن طيب مطعمه، وأن يكون من حلال،
~~فبذلك يزكو عمله.
# وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا ms132 يزكو إلا بأكل الحلال،
~~وإن أكل الحرام، يفسد العمل، ويمنع قبوله، فإنه قال بعد تقريره: " «إن الله
~~لا يقبل إلا طيبا» " إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال
~~تعالى: {ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} [المؤمنون: 51] وقال:
~~{ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172] .
# والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال،
~~وبالعمل الصالح، فما دام الأكل حلالا، فالعمل الصالح مقبول، فإذا كان الأكل
~~غير حلال، فكيف يكون العمل مقبولا؟ .
# وما ذكره بعد ذلك من الدعاء، وأنه كيف يتقبل مع الحرام، فهو مثال
~~لاستبعاد قبول الأعمال مع التغذية بالحرام. وقد خرج الطبراني بإسناد فيه
~~نظر عن ابن عباس، قال: «تليت هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:
~~{ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} [البقرة: 168] (البقرة: 168)
~~، فقام سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب
~~الدعوة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا سعد
# PageV01P260
# أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف
~~اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عمل أربعين يوما، وأيما عبد نبت
~~لحمه من سحت، فالنار أولى به» .
# وفي " مسند " الإمام أحمد بإسناد فيه نظر أيضا «عن ابن عمر قال: " من
~~اشترى ثوبا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام، لم يقبل الله له صلاة ما كان
~~عليه "، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه فقال: صمتا إن لم أكن سمعته من رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم» . ويروى من حديث علي رضي الله عنه مرفوعا معناه أيضا،
~~خرجه البزار وغيره بإسناد ضعيف جدا.
# وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: " «إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز، فنادى:
~~لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك وزادك حلال، وراحلتك
~~حلال، وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في
# PageV01P261
# الغرز، فنادى ms133 لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك،
~~زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك غير مبرور» ". ويروى من حديث عمر بنحوه
~~بإسناد ضعيف أيضا.
# وروى أبو يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: لا يقبل الله صلاة
~~امرئ في جوفه حرام.
# وقد اختلف العلماء في حج من حج بمال حرام، ومن صلى في ثوب حرام، هل يسقط
~~عنه فرض الصلاة والحج بذلك، وفيه عن الإمام أحمد روايتان، وهذه الأحاديث
~~المذكورة تدل على أنه لا يتقبل العمل مع مباشرة الحرام، لكن القبول قد يراد
~~به الرضا بالعمل، ومدح فاعله، والثناء عليه بين الملائكة والمباهاة به، وقد
~~يراد به حصول الثواب والأجر عليه، وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة، فإن
~~كان المراد هاهنا القبول بالمعنى الأول أو الثاني، لم يمنع ذلك من سقوط
~~الفرض به من الذمة، كما ورد أنه لا تقبل صلاة الآبق، ولا المرأة التي زوجها
~~عليها ساخط، ولا من أتى كاهنا، ولا من شرب الخمر أربعين يوما، والمراد -
~~والله أعلم - نفي القبول بالمعنى الأول أو الثاني، وهو المراد - والله أعلم
~~- من قوله عز وجل: {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] (المائدة:
~~27) . ولهذا كانت هذه الآية يشتد منها خوف السلف على نفوسهم، فخافوا أن لا
~~يكونوا من المتقين الذين يتقبل منهم.
# وسئل أحمد عن معنى " المتقين " فيها، فقال: يتقي الأشياء، فلا يقع فيما
~~لا يحل له.
# وقال أبو عبد الله النباجي الزاهد رحمه الله: خمس خصال بها تمام العمل:
# PageV01P262
# الإيمان بمعرفة الله عز وجل، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل لله، والعمل على
~~السنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة، لم يرتفع العمل، وذلك أنك إذا عرفت
~~الله عز وجل، ولم تعرف الحق، لم تنتفع، وإذا عرفت الحق، ولم تعرف الله، لم
~~تنتفع، وإن عرفت الله، وعرفت الحق، ولم تخلص العمل، لم تنتفع، وإن عرفت
~~الله، وعرفت الحق، وأخلصت العمل، ولم يكن على السنة، لم تنتفع، وإن تمت
~~الأربع، ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع.
# وقال وهب ms134 بن الورد: لو قمت مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما
~~يدخل بطنك حلال أو حرام.
# وأما الصدقة بالمال الحرام، فغير مقبولة كما في " صحيح مسلم " عن ابن
~~عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا
~~صدقة من غلول» .
# وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قال ما
~~تصدق عبد بصدقة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن
~~بيمينه» وذكر الحديث.
# وفي " مسند " الإمام أحمد عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «لا يكتسب عبد مالا من حرام، فينفق منه، فيبارك فيه، ولا يتصدق به،
~~فيتقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو
~~السيئ بالسيئ، ولكن
# PageV01P263
# يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث» .
# ويروى من حديث دراج عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: «من كسب مالا حراما، فتصدق به، لم يكن له فيه أجر، وكان إصره
~~عليه» .
# خرجه ابن حبان في " صحيحه " ورواه بعضهم موقوفا على أبي هريرة.
# وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "
~~«من أصاب مالا من مأثم، فوصل به رحمه، وتصدق به، أو أنفقه في سبيل الله،
~~جمع ذلك جميعا، ثم قذف به في نار جهنم» ".
# وروي عن أبي الدرداء، ويزيد بن ميسرة أنهما جعلا مثل من أصاب مالا من غير
~~حله، فتصدق به مثل من أخذ مال يتيم، وكسا به أرملة.
# وسئل ابن عباس عمن كان على عمل، فكان يظلم ويأخذ الحرام، ثم تاب، فهو يحج
~~ويعتق ويتصدق منه، فقال: إن الخبيث لا يكفر الخبيث وكذا قال ابن مسعود: إن
~~الخبيث لا يكفر الخبيث، ولكن الطيب يكفر الخبيث.
# وقال الحسن: أيها المتصدق على المسكين يرحمه، ارحم من قد ظلمت.
# واعلم أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين:
# أحدهما: أن يتصدق به الخائن أو الغاصب ونحوهما، ms135 عن نفسه، فهذا هو
# PageV01P264
# المراد من هذه الأحاديث أنه لا يتقبل منه: بمعنى أنه لا يؤجر عليه، بل
~~يأثم بتصرفه في مال غيره بغير إذنه، ولا يحصل للمالك بذلك أجر، لعدم قصده
~~ونيته، كذا قاله جماعة من العلماء، منهم ابن عقيل من أصحابنا، وفي كتاب عبد
~~الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي أنه سأل سعيد بن المسيب قال: وجدت
~~لقطة، أفأتصدق بها، قال: لا تؤجر أنت ولا صاحبها ولعل مراده إذا تصدق بها
~~قبل تعريفها الواجب. ولو أخذ السلطان، أو بعض نوابه من بيت المال مالا
~~يستحقه، فتصدق منه أو أعتق، أو بنى به مسجدا أو غيره مما ينتفع به الناس،
~~فالمنقول عن ابن عمر أنه كالغاصب إذا تصدق بما غصبه، كذلك قيل لعبد الله بن
~~عامر أمير البصرة، وكان الناس قد اجتمعوا عنده في حال موته وهم يثنون عليه
~~ببره وإحسانه، وابن عمر ساكت، فطلب منه أن يتكلم، فروى له حديث " «لا يقبل
~~الله صدقة من غلول» "، ثم قال له: وكنت على البصرة.
# وقال أسد بن موسى في " كتاب الورع ": حديث الفضيل بن عياض، عن منصور، عن
~~تميم بن مسلمة، قال: قال ابن عامر لعبد الله بن عمر: أرأيت هذا العقاب التي
~~نسهلها، والعيون التي نفجرها، ألنا فيها أجر؟ فقال ابن عمر: أما علمت أن
~~خبيثا لا يكفر خبيثا قط؟ .
# حدثنا عبد الرحمن بن زياد، عن أبي مليح، عن ميمون بن مهران قال: قال ابن
~~عمر لابن عامر وقد سأله عن العتق: فقال مثلك مثل رجل سرق إبل حاج، ثم جاهد
~~بها في سبيل الله، فانظر هل يقبل منه؟ .
# وقد كان طائفة من أهل التشديد في الورع كطاوس ووهيب بن الورد
# PageV01P265
# يتوقون الانتفاع بما أحدثه مثل هؤلاء الملوك، وأما الإمام أحمد رحمه
~~الله، فإنه رخص فيما فعلوه من المنافع العامة، كالمساجد والقناطر والمصانع،
~~فإن هذه ينفق عليها من مال الفيء، اللهم إلا أن يتيقن أنهم فعلوا أشياء من
~~ذلك بمال حرام كالمكوس والغصوب ونحوها، فحينئذ يتوقى الانتفاع بما ms136 عمل
~~بالمال الحرام، ولعل ابن عمر إنما أنكر عليهم أخذهم لأموال بيت المال
~~لأنفسهم، ودعواهم أن ما فعلوه منها بعد ذلك، فهو صدقة منهم، فإن هذا شبيه
~~بالغصوب، وعلى مثل هذا يحمل إنكار من أنكر من العلماء على الملوك بنيان
~~المساجد.
# قال أبو الفرج بن الجوزي: رأيت بعض المتقدمين سئل عمن كسب حلالا وحراما
~~من السلاطين والأمراء، ثم بنى الأربطة والمساجد: هل له ثواب؟ فأفتى بما
~~يوجب طيب قلب المنفق، وأن له في إيقاف ما لا يملكه نوع سمسرة، لأنه لا يعرف
~~أعيان المغصوبين، فيرد عليهم. قال: فقلت واعجبا من متصدرين للفتوى لا
~~يعرفون أصول الشريعة، ينبغي أن ينظر في حال هذا المنفق أولا، فإن كان
~~سلطانا، فما يخرج من بيت المال، فقد عرفت وجوه مصارفه، فكيف يمنع مستحقيه،
~~ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة أو رباط؟ وإن كان من الأمراء ونواب
~~السلاطين، فيجب أن يرد ما يجب رده إلى بيت المال، وإن كان حراما أو غصبا،
~~فكل شيء تصرف فيه حرام، والواجب رده على من أخذ منه، أو ورثته، فإن لم يعرف
~~رده إلى بيت المال يصرف في المصالح أو في الصدقة، ولم يحظ آخذه بغير الإثم.
~~انتهى.
# وإنما كلامه في السلاطين الذين عهدهم في وقته الذين يمنعون المستحقين من
~~الفيء حقوقهم، ويتصرفون فيه لأنفسهم تصرف الملاك ببناء ما ينسبونه إليهم من
~~مدارس وأربطة ونحوها مما قد لا يحتاج إليه، ويخص به قوما دون قوم، فأما لو
~~فرض إمام عادل يعطي الناس حقوقهم من الفيء، ثم يبني لهم
# PageV01P266
# منه ما يحتاجون إليه من مسجد أو مدرسة، أو مارستان، ونحو ذلك كان ذلك
~~جائزا، ولو كان بعض من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بنى بما أخذ منه بناء
~~محتاجا إليه في حال، يجوز البناء فيه من بيت المال، لكنه ينسبه إلى نفسه،
~~فقد يتخرج على الخلاف في الغاصب إذا رد المال إلى المغصوب منه على وجه
~~الصدقة والهبة هل يبرأ بذلك أم لا؟ وهذا كله إذا بنى على ms137 قدر الحاجة من غير
~~سرف ولا زخرفة. وقد أمر عمر بن عبد العزيز بترميم مسجد البصرة من بيت
~~المال، ونهاهم أن يتجاوزوا ما تصدع منه، وقال: إني لم أجد للبنيان في مال
~~الله حقا. وروي عنه أنه قال: لا حاجة للمسلمين فيما أضر بيت مالهم.
# واعلم أن من العلماء من جعل تصرف الغاصب ونحوه في مال غيره موقفا على
~~إجازة مالكه، فإن أجاز تصرفه فيه جاز، وقد حكى بعض أصحابنا رواية عن أحمد
~~أن من أخرج زكاته من مال مغصوب، ثم أجازه المالك، جاز وسقطت عنه الزكاة،
~~وكذلك خرج ابن أبي موسى رواية عن أحمد أنه إذا أعتق عبد غيره عن نفسه
~~ملتزما ضمانه في ماله، ثم أجازه المالك جاز، ونفذ عتقه، وهو خلاف نص أحمد.
~~وحكي عن الحنفية أنه لو غصب شاة، فذبحها لمتعته وقرانه، ثم أجازها المالك
~~أجزأت عنه.
# الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب: أن يتصدق به عن صاحبه
~~إذا عجز عن رده إليه أو إلى ورثته، فهذا جائز عند أكثر العلماء، منهم مالك،
~~وأبو حنيفة، وأحمد وغيرهم، قال ابن عبد البر: ذهب الزهري ومالك والثوري،
~~والأوزاعي، والليث إلى أن الغال إذا تفرق أهل العسكر ولم يصل إليهم أنه
~~يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي، روي ذلك عن عبادة بن
# PageV01P267
# الصامت ومعاوية، والحسن البصري، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس
~~لأنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه، قال: وقد أجمعوا في
~~اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء
~~مخيرا بين الأجر والضمان، وكذلك الغصوب انتهى.
# وروي عن مالك بن دينار، قال: سألت عطاء بن أبي رباح عمن عنده مال حرام،
~~ولا يعرف أربابه، ويريد الخروج منه؟ قال: يتصدق به ولا أقول: إن ذلك يجزئ
~~عنه. قال مالك: كان هذا القول من عطاء أحب إلي من وزنه ذهبا.
# وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئا مغصوبا: يرده إليهم، فإن لم يقدر
~~عليهم، تصدق به كله، ولا يأخذ ms138 رأس ماله، وكذا قال فيمن باع شيئا ممن تكره
~~معاملته لشبهة ماله، قال: يتصدق بالثمن، وخالفه ابن المبارك، وقال: يتصدق
~~بالربح خاصة وقال أحمد: يتصدق بالربح.
# وكذا قال فيمن ورث مالا من أبيه، وكان أبوه يبيع ممن تكره معاملته: أنه
~~يتصدق منه بمقدار الربح، ويأخذ الباقي. وقد روي عن طائفة من الصحابة نحو
~~ذلك: منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن يزيد الأنصاري.
# والمشهور عن الشافعي رحمه الله في الأموال الحرام أنها تحفظ، ولا يتصدق
~~بها حتى يظهر مستحقها.
# وكان الفضيل بن عياض يرى أن من عنده مال حرام لا يعرف أربابه، أنه يتلفه،
~~ويلقيه في البحر، ولا يتصدق به، وقال: لا يتقرب إلى الله إلا بالطيب.
# والصحيح الصدقة به، لأن إتلاف المال وإضاعته منهي عنه، وإرصاده أبدا
~~تعريض له للإتلاف، واستيلاء الظلمة عليه، والصدقة به ليست عن مكتسبه
# PageV01P268
# حتى يكون تقربا منه بالخبيث، وإنما هي صدقة عن مالكه، ليكون نفعه له في
~~الآخرة حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا.
# وقوله: «ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب،
~~يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب
~~لذلك؟ !» .
# هذا الكلام أشار فيه صلى الله عليه وسلم إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب
~~التي تقتضي إجابته، وإلى ما يمنع من إجابته، فذكر من الأسباب التي تقتضي
~~إجابة الدعاء أربعة: أحدها: إطالة السفر، والسفر بمجرده يقتضي إجابة
~~الدعاء، كما في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث
~~دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد
~~لولده» خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وعنده: " دعوة الوالد على ولده
~~".
# وروي مثله عن ابن مسعود من قوله: " ومتى طال السفر، كان أقرب إلى إجابة
~~الدعاء؛ لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان، وتحمل
~~المشاق، والانكسار من أعظم أسباب إجابة الدعاء.
# والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة بالشعث والاغبرار، وهو - أيضا -
~~من المقتضيات لإجابة الدعاء، كما في الحديث ms139 المشهور عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم «رب
# PageV01P269
# أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره» . «ولما
~~خرج النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء، خرج متبذلا متواضعا متضرعا» .
~~وكان مطرف بن عبد الله قد حبس له ابن أخ، فلبس خلقان ثيابه، وأخذ عكازا
~~بيده، فقيل له: ما هذا؟ قال: أستكين لربي، لعله أن يشفعني في ابن أخي.
# الثالث: مد يديه إلى السماء، وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها
~~إجابته، وفي حديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى حيي
~~كريم، يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين» خرجه الإمام
~~أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وروي نحوه من حديث أنس وجابر وغيرهما.
# «وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض
~~إبطيه» ، «ورفع
# PageV01P270
# يديه يوم بدر يستنصر على المشركين حتى سقط رداؤه، عن منكبيه» .
# وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة رفع يديه في الدعاء أنواع
~~متعددة، فمنها أنه كان يشير بأصبعه السبابة فقط، وروي عنه أنه كان يفعل ذلك
~~على المنبر، وفعله لما ركب راحلته.
# وذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه بأصبعه،
~~منهم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، وإسحاق بن راهويه وقال ابن عباس وغيره:
~~هذا هو الإخلاص في الدعاء وقال ابن سيرين: إذا أثنيت على الله، فأشر بأصبع
~~واحدة.
# ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو
~~مستقبلها، وجعل بطونهما مما يلي وجهه. وقد رويت هذه الصفة عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم في دعاء الاستسقاء، واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على
~~هذه الصفة، منهم الجوزجاني.
# وقال بعض السلف: الرفع على هذا الوجه تضرع.
# PageV01P271
# ومنها عكس ذلك، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء أيضا،
~~وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك، وقال بعضهم: الرفع على هذا
~~الوجه استجارة بالله عز وجل، واستعاذة به، ms140 منهم: ابن عمر، وابن عباس، وأبو
~~هريرة، وروي «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا استعاذ رفع يديه على
~~هذا الوجه» .
# ومنها رفع يديه، جعل كفيه إلى السماء وظهورهما إلى الأرض وقد ورد الأمر
~~بذلك في سؤال الله عز وجل في غير حديث، وعن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن
~~سيرين أن هذا هو الدعاء والسؤال لله عز وجل.
# ومنها عكس ذلك، وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطنهما مما يلي
~~الأرض وفي " صحيح مسلم " عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار
~~بظهر كفيه إلى السماء» . وخرجه الإمام أحمد رحمه الله ولفظه: " «فبسط يديه،
~~وجعل ظاهرهما مما يلي السماء» " وخرجه أبو داود ولفظه: استسقى هكذا يعني:
~~مد يديه، وجعل بطونهما مما يلي الأرض. وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد
~~الخدري، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة يدعو هكذا ورفع
~~يديه حيال ثندوته، وجعل بطون كفيه مما يلي
# PageV01P272
# الأرض» . وهكذا وصف حماد بن سلمة رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه
~~بعرفة. وروي عن ابن سيرين أن هذا هو الاستجارة. وقال الحميدي: هذا هو
~~الابتهال.
# والرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به
~~إجابة الدعاء، وخرج البزار من حديث عائشة مرفوعا: " «إذا قال العبد: يا رب
~~أربعا، قال الله: لبيك عبدي، سل تعطه» ".
# وخرج الطبراني وغيره من حديث سعد بن خارجة: أن «قوما شكوا إلى النبي صلى
~~الله عليه وسلم قحوط المطر، فقال: اجثوا على الركب، وقولوا: يا رب يا رب
~~ورفع السبابة إلى السماء، فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم» .
# وفي " المسند " وغيره عن الفضل بن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «الصلاة مثنى مثنى، وتشهد في كل ركعتين، وتضرع، وتخشع وتمسكن، وتقنع
~~يديك - يقول: ترفعهما إلى ربك مستقبلا بهما وجهك - وتقول: يا رب يا رب، فمن
~~لم يفعل ذلك فهي خداج» ".
# وقال يزيد الرقاشي عن أنس: ما من عبد يقول: يا رب يا ms141 رب يا رب، إلا قال
~~له ربه: " لبيك لبيك ".
# PageV01P273
# ثم روي عن أبي الدرداء وابن عباس أنهما كانا يقولان: اسم الله الأكبر رب
~~رب.
# وعن عطاء قال: ما قال عبد يا رب يا رب ثلاث مرات، إلا نظر الله إليه،
~~فذكر ذلك للحسن، فقال: أما تقرءون القرآن؟ ثم تلا قوله تعالى: {الذين
~~يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض
~~ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار - ربنا إنك من تدخل النار
~~فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار - ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان
~~أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع
~~الأبرار - ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا
~~تخلف الميعاد - فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم} [آل عمران:
~~191 - 195] (آل عمران: 191 - 195) .
# ومن تأمل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالبا تفتتح باسم الرب، كقوله
~~تعالى: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}
~~[البقرة: 201] (البقرة: 201) ، {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا
~~ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا
~~طاقة لنا به} [البقرة: 286] (البقرة: 286) ، وقوله: {ربنا لا تزغ قلوبنا
~~بعد إذ هديتنا} [آل عمران: 8] (آل عمران: 8) . ومثل هذا في القرآن كثير.
# وسئل مالك وسفيان عمن يقول في الدعاء: يا سيدي، فقالا: يقول: يا رب. زاد
~~مالك: كما قالت الأنبياء في دعائهم.
# وأما ما يمنع إجابة الدعاء، فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أنه التوسع
~~في الحرام أكلا
# PageV01P274
# وشربا ولبسا وتغذية، وقد سبق حديث ابن عباس في هذا المعنى أيضا، وأن
~~«النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: " أطب مطعمك، تكن مستجاب الدعوة» "
~~فأكل الحلال وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لإجابة الدعاء.
# وروى عكرمة بن عمار: حدثنا الأصفر، قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: تستجاب
~~دعوتك من بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما ms142 رفعت إلى فمي
~~لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها، ومن أين خرجت.
# وعن وهب بن منبه قال: من سره أن يستجيب الله دعوته، فليطب طعمته.
# وعن سهل بن عبد الله قال: من أكل الحلال أربعين صباحا أجيبت دعوته. وعن
~~يوسف بن أسباط قال: بلغنا أن دعاء العبد يحبس عن السماوات بسوء المطعم.
# وقوله صلى الله عليه وسلم: " «فأنى يستجاب لذلك» " معناه: كيف يستجاب له؟
~~فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد، وليس صريحا في استحالة
~~الاستجابة، ومنعها بالكلية، فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذي به
~~من جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه، وقد يكون
~~ارتكاب المحرمات الفعلية مانعا من الإجابة أيضا، وكذلك ترك الواجبات كما في
~~الحديث أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار،
~~وفعل الطاعات يكون موجبا لاستجابة الدعاء. ولهذا لما توسل الذين دخلوا
~~الغار، وانطبقت
# PageV01P275
# الصخرة عليهم بأعمالهم الصالحة التي أخلصوا فيها لله تعالى ودعوا الله
~~بها، أجيبت دعوتهم.
# وقال وهب بن منبه: مثل الذي يدعو بغير عمل، كمثل الذي يرمي بغير وتر.
~~وعنه قال: العمل الصالح يبلغ الدعاء، ثم تلا قوله تعالى: {إليه يصعد الكلم
~~الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] (فاطر: 10) .
# وعن عمر قال: بالورع عما حرم الله يقبل الله الدعاء والتسبيح.
# وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: يكفي مع البر من الدعاء مثل ما يكفي الطعام
~~من الملح.
# وقال محمد بن واسع: يكفي من الدعاء مع الورع اليسير، وقيل لسفيان: لو
~~دعوت الله؟ قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء.
# وقال الليث: رأى موسى عليه السلام رجلا رافعا يديه وهو يسأل الله مجتهدا،
~~فقال موسى: أي رب عبدك دعاك حتى رحمته، وأنت أرحم الراحمين، فما صنعت في
~~حاجته؟ فقال: يا موسى لو رفع يديه حتى ينقطع ما نظرت في حاجته حتى ينظر في
~~حقي.
# وخرج الطبراني بإسناد ضعيف عن ابن عباس مرفوعا معناه.
# وقال مالك بن دينار: أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجا، فأوحى ms143 الله
~~تعالى إلى نبيه أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة،
# PageV01P276
# وترفعون إلي أكفا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن
~~اشتد غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعدا.
# وقال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة، وقد سددت طرقها بالمعاصي، وأخذ بعض
~~الشعراء هذا المعنى فقال:
# نحن ندعو الإله في كل كرب ... ثم ننساه عند كشف الكروب
# كيف نرجو إجابة لدعاء ... قد سددنا طريقها بالذنوب
# PageV01P277
### | [الحديث الحادي عشر دع ما يريبك إلى ما لا يريبك]
# PageV01P277
# الحديث الحادي عشر
# عن الحسن بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته رضي الله عنه
~~قال: «حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»
~~رواه النسائي والترمذي، وقال: حسن صحيح.
# هذا الحديث خرجه الإمام أحمد،
~~والترمذي، والنسائي، وابن حبان في " صحيحه " والحاكم من حديث بريد بن أبي
~~مريم، عن أبي الحوراء السعدي عن الحسن بن علي، وصححه الترمذي، وأبو الحوراء
~~السعدي، قال الأكثرون: اسمه ربيعة بن شيبان، ووثقه النسائي وابن حبان،
~~وتوقف أحمد في أن أبا الحوراء اسمه ربيعة بن شيبان، ومال إلى التفرقة
~~بينهما، وقال الجوزجاني: أبو الحوراء مجهول لا يعرف.
# وهذا الحديث قطعة من حديث طويل فيه ذكر قنوت الوتر، وعند الترمذي
# PageV01P278
# وغيره زيادة في هذا الحديث وهي " فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة " ولفظ
~~ابن حبان: " فإن الخير طمأنينة، وإن الشر ريبة ".
# وقد خرجه الإمام أحمد بإسناد فيه جهالة عن أنس أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وخرجه من وجه آخر أجود منه موقوفا
~~على أنس.
# وخرجه الطبراني من رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا، قال
~~الدارقطني: وإنما يروى هذا من قول ابن عمر، وعن عمر، ويروى عن مالك من
~~قوله. انتهى.
# ويروى بإسناد ضعيف، عن عثمان بن عطاء الخراساني - وهو ضعيف -، عن أبيه،
~~عن الحسن، عن أبي هريرة، عن «النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ms144 لرجل: " دع
~~ما يريبك إلى ما لا يريبك " قال: وكيف لي بالعلم بذلك؟ قال: " إذا أردت
~~أمرا، فضع يدك على صدرك، فإن القلب يضطرب للحرام، ويسكن للحلال، وإن المسلم
~~الورع يدع الصغيرة مخافة الكبيرة» ". وقد روي عن عطاء الخراساني مرسلا.
# وخرج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف عن واثلة بن الأسقع، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم وزاد فيه: «قيل له: فمن الورع؟ قال: " الذي يقف عند الشبهة» "
# PageV01P279
# وقد روي هذا الكلام موقوفا على جماعة من الصحابة: منهم عمر، وابن عمر،
~~وأبو الدرداء، وعن ابن مسعود، قال: ما تريد إلى ما يريبك وحولك أربعة آلاف
~~لا تريبك؟ ! وقال عمر: دعوا الربا والريبة، يعني: ما ارتبتم فيه، وإن لم
~~تتحققوا أنه ربا.
# ومعنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتقائها، فإن الحلال
~~المحض لا يحصل لمؤمن في قلبه منه ريب - والريب: بمعنى القلق والاضطراب - بل
~~تسكن إليه النفس، ويطمئن به القلب، وأما المشتبهات فيحصل بها للقلوب القلق
~~والاضطراب الموجب للشك.
# وقال أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: إذا كان العبد ورعا، ترك ما يريبه
~~إلى ما لا يريبه.
# وقال الفضيل: يزعم الناس أن الورع شديد، وما ورد علي أمران إلا أخذت
~~بأشدهما، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
# وقال حسان بن أبي سنان: ما شيء أهون من الورع، إذا رابك شيء، فدعه. وهذا
~~إنما يسهل على مثل حسان رحمه الله.
# قال ابن المبارك: كتب غلام لحسان بن أبي سنان إليه من الأهواز: إن قصب
~~السكر أصابته آفة، فاشتر السكر فيما قبلك، فاشتراه من رجل، فلم يأت عليه
~~إلا قليل فإذا فيما اشتراه ربح ثلاثين ألفا، قال: فأتى صاحب السكر، فقال:
~~يا هذا إن غلامي كان قد كتب إلي، فلم أعلمك، فأقلني فيما اشتريت منك، فقال
~~له الآخر: قد أعلمتني الآن، وقد طيبته لك، قال: فرجع فلم يحتمل قلبه،
~~فأتاه، فقال: يا هذا إني لم آت هذا الأمر من قبل وجهه، فأحب أن تسترد هذا
~~البيع، قال: فما زال به حتى رده عليه. ms145
# PageV01P280
# وكان يونس بن عبيد إذا طلب المتاع ونفق، وأرسل يشتريه يقول لمن يشتري له:
~~أعلم من تشتري منه أن المتاع قد طلب.
# وقال هشام بن حسان: ترك محمد بن سيرين أربعين ألفا فيما لا ترون به اليوم
~~بأسا.
# وكان الحجاج بن دينار قد بعث طعاما إلى البصرة مع رجل وأمره أن يبيعه يوم
~~يدخل بسعر يومه، فأتاه كتابه: إني قدمت البصرة، فوجدت الطعام مبغضا فحبسته،
~~فزاد الطعام، فازددت فيه كذا وكذا، فكتب إليه الحجاج: إنك قد خنتنا، وعملت
~~بخلاف ما أمرناك به، فإذا أتاك كتابي، فتصدق بجميع ثمن الطعام على فقراء
~~البصرة، فليتني أسلم إذا فعلت ذلك.
# وتنزه يزيد بن زريع عن خمسائة ألف من ميراث أبيه، فلم يأخذه، وكان أبوه
~~يلي الأعمال للسلاطين، وكان يزيد يعمل الخوص، ويتقوت منه إلى أن مات رحمه
~~الله.
# وكان المسور بن مخرمة قد احتكر طعاما كثيرا، فرأى سحابا في الخريف فكرهه،
~~فقال: ألا أراني قد كرهت ما ينفع المسلمين؟ فآلى أن لا يربح فيه شيئا،
~~فأخبر بذلك عمر بن الخطاب فقال له عمر: جزاك الله خيرا.
# وفي هذا أن المحتكر ينبغي له التنزه عن ربح ما احتكره احتكارا منهيا عنه،
~~وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على التنزه عن ربح ما لم يدخل في ضمانه
~~لدخوله في ربح ما لم يضمن، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال
~~أحمد في رواية
# PageV01P281
# عنه فيمن أجر ما استأجره بربح: إنه يتصدق بالربح، وقال في رواية عنه في
~~ربح مال المضاربة إذا خالف فيه المضارب: إنه يتصدق به، وقال في رواية عنه
~~فيما إذا اشترى ثمرة قبل صلاحها بشرط القطع، ثم تركها حتى بدا صلاحها: إنه
~~يتصدق بالزيادة، وحمله طائفة من أصحابنا على الاستحباب، لأن الصدقة
~~بالشبهات مستحب.
# وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن أكل الصيد للمحرم، فقالت: إنما
~~هي أيام قلائل فما رابك، فدعه يعني ما اشتبه عليك: هل هو حلال أو حرام،
~~فاتركه، فإن الناس اختلفوا في إباحة أكل ms146 الصيد للمحرم إذا لم يصد هو.
# وقد يستدل بهذا على أن الخروج من اختلاف العلماء أفضل، لأنه أبعد عن
~~الشبهة، ولكن المحققين من العلماء من أصحابنا وغيرهم على أن هذا ليس هو على
~~إطلاقه، فإن من مسائل الاختلاف ما ثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~رخصة ليس لها معارض، فاتباع تلك الرخصة أولى من اجتنابها، وإن لم تكن تلك
~~الرخصة بلغت بعض العلماء، فامتنع منها لذلك، وهذا كمن تيقن الطهارة، وشك في
~~الحدث، فإنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ينصرف حتى يسمع
~~صوتا أو يجد ريحا» ولا سيما إن كان شكه في الصلاة، فإنه لا يجوز له قطعها
~~لصحة النهي
# PageV01P282
# عنه، وإن كان بعض العلماء يوجب ذلك.
# وإن كان للرخصة معارض، إما من سنة أخرى، أو من عمل الأمة بخلافها،
~~فالأولى ترك العمل بها، وكذا لو كان قد عمل بها شذوذ من الناس، واشتهر في
~~الأمة العمل بخلافها في أمصار المسلمين من عهد الصحابة، فإن الأخذ بما عليه
~~عمل المسلمين هو المتعين، فإن هذه الأمة قد أجارها الله أن يظهر أهل باطلها
~~على أهل حقها، فما ظهر العمل به في القرون الثلاثة المفضلة، فهو الحق، وما
~~عداه فهو باطل.
# وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما
~~يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع، فأما من
~~يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشبه،
~~فإنه لا يحتمل له ذلك، بل ينكر عليه، كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم
~~البعوض من أهل العراق: يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين، وسمعت
~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «هما ريحانتاي من الدنيا» .
# وسأل رجل بشر بن الحارث عن رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها، فقال: إن كان
~~بر أمه في كل شيء، ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل، وإن كان يبرها
~~بطلاق زوجته، ثم يقوم بعد ذلك ms147 إلى أمه، فيضربها، فلا يفعل.
# وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل يشتري بقلا، ويشترط الخوصة: يعني التي
~~تربط بها جرزة البقل، فقال أحمد: أيش هذه المسائل؟ ! قيل له:
# PageV01P283
# إنه إبراهيم بن أبي نعيم، فقال أحمد: إن كان إبراهيم بن أبي نعيم، فنعم
~~هذا يشبه ذاك.
# وإنما أنكر هذه المسائل ممن لا يشبه حاله، وأما أهل التدقيق في الورع
~~فيشبه حالهم هذا، وقد كان الإمام أحمد نفسه يستعمل في نفسه هذا الورع، فإنه
~~أمر من يشتري له سمنا، فجاء به على ورقة فأمر برد الورقة إلى البائع، وكان
~~الإمام أحمد لا يستمد من محابر أصحابه، وإنما يخرج معه محبرته يستمد منها،
~~واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته، فقال له: اكتب فهذا ورع مظلم، واستأذنه
~~آخر في ذلك فتبسم، فقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا، وهذا قاله على وجه
~~التواضع وإلا فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع، وكان ينكره على من لم يصل
~~إلى هذا المقام، بل يتسامح في المكروهات الظاهرة، ويقدم على الشبهات من غير
~~توقف.
# وقوله صلى الله عليه وسلم " «فإن الخير طمأنينة وإن الشر ريبة» " يعني:
~~أن الخير تطمئن به القلوب، والشر ترتاب به، ولا تطمئن إليه، وفي هذا إشارة
~~إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، وسيأتي مزيد لهذا الكلام على حديث
~~النواس بن سمعان إن شاء الله تعالى.
# وخرج ابن جرير بإسناده عن قتادة، عن بشير بن كعب أنه قرأ هذه الآية:
# PageV01P284
# {فامشوا في مناكبها} [الملك: 15] (الملك: 15) ثم قال لجاريته: إن دريت ما
~~مناكبها فأنت حرة لوجه الله، قالت: مناكبها: جبالها، فكأنما سفع في وجهه،
~~ورغب في جاريته، فسألهم، فمنهم من أمره، ومنهم من نهاه، فسأل أبا الدرداء،
~~فقال: الخير طمأنينة والشر ريبة، فذر ما يريبك إلى ما لا يريبك.
# وقوله في الرواية الأخرى: " «إن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة» " يشير
~~إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على قول كل قائل كما قال في حديث وابصة: " «وإن
~~أفتاك الناس وأفتوك» " وإنما يعتمد على قول من يقول ms148 الصدق، وعلامة الصدق
~~أنه تطمئن به القلوب، وعلامة الكذب أنه تحصل به الريبة، فلا تسكن القلوب
~~إليه، بل تنفر منه.
# ومن هنا كان العقلاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا كلامه
~~وما يدعو إليه، عرفوا أنه صادق، وأنه جاء بالحق، وإذا سمعوا كلام مسيلمة،
~~عرفوا أنه كاذب، وأنه جاء بالباطل، وقد روي أن عمرو بن العاص سمعه قبل
~~إسلامه يدعي أنه أنزل عليه: يا وبر يا وبر، لك أذنان وصدر، وإنك لتعلم يا
~~عمرو، فقال: والله إني لأعلم أنك تكذب.
# وقال بعض المتقدمين: صور ما شئت في قلبك، وتفكر فيه، ثم قسه إلى ضده،
~~فإنك إذا ميزت بينهما، عرفت الحق من الباطل، والصدق من الكذب، قال: كأنك
~~تصور محمدا صلى الله عليه وسلم، ثم تتفكر فيما أتى به من القرآن فتقرأ {إن
~~في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر
~~بما ينفع الناس} [البقرة: 164] الآية (البقرة: 164) ، ثم تتصور ضد محمد صلى
~~الله عليه وسلم، فتجده مسيلمة، فتتفكر فيما جاء به فتقرأ:
# PageV01P285
# ألا يا ربة المخدع 26 قد هيئ لك المضجع يعني قوله لسجاح حين تزوج بها،
~~قال: فترى هذا - يعني القرآن - رصينا عجيبا، يلوط بالقلب، ويحسن في السمع،
~~وترى ذا - يعني قول مسيلمة - باردا غثا فاحشا، فتعلم أن محمدا حق أتي بوحي،
~~وأن مسيلمة كذاب أتي بباطل.
# PageV01P286
### | [الحديث الثاني عشر من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه]
# PageV01P286
# الحديث الثاني عشر
# عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حسن
~~إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» حديث حسن، رواه الترمذي وغيره.
# هذا الحديث خرجه الترمذي، وابن
~~ماجه من رواية الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن
~~أبي هريرة رضي الله عنهم، وقال الترمذي: غريب، وقد حسنه الشيخ المصنف رحمه
~~الله، لأن رجال إسناده ثقات، وقرة بن عبد الرحمن بن حيويل وثقه قوم وضعفه
~~آخرون، وقال ابن عبد البر: هذا ms149 الحديث محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من
~~رواية الثقات، وهذا موافق لتحسين الشيخ له، وأما أكثر الأئمة، فقالوا: ليس
~~هو بمحفوظ بهذا الإسناد وإنما هو محفوظ عن الزهري، عن علي بن حسين، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، كذلك رواه الثقات، عن الزهري، منهم مالك
~~في الموطأ، ويونس، ومعمر، وإبراهيم بن سعد إلا أنه قال: " «من إيمان المرء
~~تركه ما لا يعنيه» " وممن قال: إنه لا يصح إلا عن علي بن حسين مرسلا الإمام
~~أحمد، ويحيى بن معين،
# PageV01P287
# والبخاري، والدارقطني، وقد خلط الضعفاء في إسناده على الزهري تخليطا
~~فاحشا، والصحيح فيه المرسل، ورواه عبد الله بن عمر العمري، عن الزهري، عن
~~علي بن حسين، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فوصله وجعله من مسند
~~الحسين بن علي، وخرجه الإمام أحمد في " مسنده " من هذا الوجه، والعمري ليس
~~بالحافظ، وخرجه أيضا من وجه آخر عن الحسين، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~وضعفه البخاري في " تاريخه " من هذا الوجه أيضا، وقال: لا يصح إلا عن علي
~~بن حسين مرسلا، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر وكلها
~~ضعيفة.
# وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب، وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح،
~~عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال: جماع آداب الخير
~~وأزمته تتفرع من أربعة أحاديث: قول النبي صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن
~~بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» وقوله صلى الله عليه وسلم: «من
~~حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وقوله صلى الله عليه وسلم للذي اختصر له
~~في الوصية: «لا تغضب» وقوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن يحب لأخيه ما يحب
~~لنفسه» .
# ومعنى هذا الحديث: أن من حسن إسلامه تركه ما لا يعنيه من قول وفعل،
~~واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال؛ ومعنى يعنيه: أنه تتعلق عنايته
~~به، ويكون من مقصده ومطلوبه، والعناية: شدة الاهتمام بالشيء، يقال عناه
~~يعنيه: إذا اهتم ms150 به وطلبه، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به ولا
~~إرادة بحكم الهوى وطلب النفس، بل بحكم الشرع والإسلام ولهذا جعله من حسن
~~الإسلام، فإذا حسن إسلام المرء، ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال
# PageV01P288
# والأفعال، فإن الإسلام يقتضي فعل الواجبات كما سبق ذكره في شرح حديث
~~جبريل عليه السلام.
# وإن الإسلام الكامل الممدوح يدخل فيه ترك المحرمات، كما قال صلى الله
~~عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» وإذا حسن الإسلام،
~~اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات، وفضول
~~المباحات التي لا يحتاج إليها، فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه،
~~وبلغ إلى درجة الإحسان، وهو أن يعبد الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن
~~يراه، فإن الله يراه، فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو
~~على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أن
~~يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنه يتولد من هذين
~~المقامين الاستحياء من الله وترك كل ما يستحيا منه كما وصى صلى الله عليه
~~وسلم رجلا أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل من صالحي عشيرته لا يفارقه.
~~وفي " المسند " والترمذي عن ابن مسعود مرفوعا: " «الاستحياء من الله تعالى
~~أن تحفظ الرأس وما حوى، وتحفظ البطن وما وعى، ولتذكر الموت والبلى، فمن فعل
~~ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء» ".
# PageV01P289
# قال بعضهم: استحي من الله على قدر قربه منك، وخف الله على قدر قدرته
~~عليك.
# وقال بعض العارفين: إذا تكلمت، فاذكر سمع الله لك، وإذا سكت، فاذكر نظره
~~إليك.
# وقد وقعت الإشارة في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع: كقوله تعالى
~~{ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
~~- إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد - ما يلفظ من قول إلا لديه
~~رقيب عتيد} [ق: 16 - 18] [ق: 16، 17، 17] ، وقوله تعالى: {وما تكون في شأن ms151
~~وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه
~~وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا
~~أكبر إلا في كتاب مبين} [يونس: 61] [يونس: 61] ، وقال تعالى: {أم يحسبون
~~أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} [الزخرف: 80] (الزخرف:
~~80) .
# وأكثر ما يراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام كما أشير إلى
~~ذلك في الآيات الأولى التي هي في سورة (ق) .
# PageV01P290
# وفي " المسند " من حديث الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من
~~حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه» .
# وخرج الخرائطي من حديث ابن مسعود قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم
~~رجل، فقال: يا رسول الله إني مطاع في قومي فما آمرهم؟ قال له: مرهم بإفشاء
~~السلام، وقلة الكلام إلا فيما يعنيهم» .
# وفي " صحيح ابن حبان " عن أبي ذر، «عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان
~~في صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على
~~عقله أن تكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة
~~يتفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى
~~العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في
~~غير محرم؛ وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا
~~للسانه، ومن حسب كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه» .
# قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: من عد كلامه من عمله، قل كلامه إلا
~~فيما يعنيه. وهو كما قال، فإن كثيرا من الناس لا يعد كلامه من عمله، فيجازف
~~فيه، ولا يتحرى، وقد خفي هذا على معاذ بن جبل حتى «سأل عنه النبي صلى الله
~~عليه وسلم فقال: أنؤاخذ بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب
~~الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟» .
# PageV01P291
# وقد نفى الله الخير ms152 عن كثير مما يتناجى به الناس بينهم، فقال: {لا خير في
~~كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} [النساء:
~~114] (النساء: 114) .
# وخرج الترمذي، وابن ماجه من حديث أم حبيبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
~~وذكر الله عز وجل» .
# وقد تعجب قوم من هذا الحديث عند سفيان الثوري، فقال سفيان: وما تعجبكم من
~~هذا، أليس قد قال الله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة
~~أو معروف أو إصلاح بين الناس} [النساء: 114] ؟ (النساء: 114) أليس قد قال
~~الله تعالى: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له
~~الرحمن وقال صوابا} [النبأ: 38] (النبأ: 38) .
# وخرج الترمذي من حديث أنس قال: «توفي رجل من أصحابه - يعني النبي صلى
~~الله عليه وسلم - فقال رجل: أبشر بالجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم أولا تدري، فلعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا يغنيه» وقد روي
~~معنى هذا الحديث من وجوه
# PageV01P292
# متعددة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعضها: أنه قتل شهيدا.
# وخرج أبو القاسم البغوي في " معجمه " من حديث شهاب بن مالك وكان وفد على
~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه «سمع النبي صلى الله عليه وسلم وقالت له
~~امرأة: يا رسول الله ألا تسلم علينا؟ فقال: إنك من قبيل يقللن الكثير،
~~وتمنع ما لا يغنيها، وتسأل عما لا يعنيها» .
# وخرجه العقيلي من حديث أبي هريرة مرفوعا: " «أكثر الناس ذنوبا أكثرهم
~~كلاما فيما لا يعنيه» ".
# قال عمرو بن قيس الملائي: مر رجل بلقمان والناس عنده، فقال له: ألست عبد
~~بني فلان؟ قال بلى، قال: الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا؟ قال: بلى، فقال:
~~فما بلغ بك ما أرى؟ قال صدق الحديث وطول السكوت عما لا يعنيني.
# وقال وهب بن منبه: كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أن مشيا
~~على الماء، فبينما هما يمشيان ms153 في البحر إذ هما برجل يمشي على الهواء،
# PageV01P293
# فقالا له: يا عبد الله بأي شيء أدركت هذه المنزلة؟ قال: بيسير من الدنيا:
~~فطمت نفسي عن الشهوات، وكففت لساني عما لا يعنيني، ورغبت فيما دعاني إليه،
~~ولزمت الصمت، فإن أقسمت على الله، أبر قسمي، وإن سألته أعطاني.
# دخلوا على بعض الصحابة في مرضه ووجهه يتهلل، فسألوه، عن سبب تهلل وجهه،
~~فقال ما من عمل أوثق عندي من خصلتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وكان
~~قلبي سليما للمسلمين.
# وقال مورق العجلي: أمر أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدر عليه ولست
~~بتارك طلبه أبدا، قالوا: وما هو؟ قال: الكف عما لا يعنيني. رواه ابن أبي
~~الدنيا.
# وروى أسد بن موسى، حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب قال: «قال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: أول من يدخل عليكم رجل من أهل الجنة فدخل عبد الله بن
~~سلام، فقام إليه ناس، فأخبروه، وقالوا: أخبرنا بأوثق عملك في نفسك، قال: إن
~~عملي لضعيف، وأوثق ما أرجو به سلامة الصدر، وتركي ما لا يعنيني» .
# وروى أبو عبيدة عن الحسن قال: من علامة إعراض الله تعالى، عن العبد أن
~~يجعل شغله فيما لا يعنيه، وقال سهل بن عبد الله التستري: من تكلم فيما
# PageV01P294
# لا يعنيه، حرم الصدق، وقال معروف: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من
~~الله عز وجل.
# وهذا الحديث يدل على أن ترك ما لا يعني المرء من حسن إسلامه، فإذا ترك ما
~~لا يعنيه، وفعل ما يعنيه كله، فقد كمل حسن إسلامه، وقد جاءت الأحاديث بفضل
~~من حسن إسلامه وأنه تضاعف حسناته، وتكفر سيئاته، والظاهر أن كثرة المضاعفة
~~تكون بحسب حسن الإسلام، ففي " صحيح مسلم "، عن أبي هريرة، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب بعشر
~~أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز
~~وجل» فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لابد منه، والزيادة على ذلك تكون بحسب ms154
~~إحسان الإسلام، وإخلاص النية والحاجة إلى ذلك العمل وفضله، كالنفقة في
~~الجهاد، وفي الحج، وفي الأقارب، وفي اليتامى والمساكين، وأوقات الحاجة إلى
~~النفقة، ويشهد لذلك ما روي عن عطية، عن ابن عمر قال: نزلت: {من جاء بالحسنة
~~فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] [الأنعام: 160] في الأعراب، قيل له: فما
~~للمهاجرين؟ قال: ما هو أكثر، ثم تلا قوله تعالى: {وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت
~~من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] [النساء: 40] .
# وخرج النسائي من حديث أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا
~~أسلم
# PageV01P295
# العبد فحسن إسلامه، كتب الله له كل حسنة كان أزلفها، ومحيت عنه كل سيئة
~~كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك القصاص، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف،
~~والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله،» وفي رواية أخرى: " وقيل له: ائتنف
~~العمل ".
# والمراد بالحسنات والسيئات التي كان أزلفها: ما سبق منه قبل الإسلام،
~~وهذا يدل على أنه يثاب بحسناته في الكفر إذا أسلم وتمحى عنه سيئاته إذا
~~أسلم، لكن بشرط أن يحسن إسلامه، ويتقي تلك السيئات في حال إسلامه، وقد نص
~~على ذلك الإمام أحمد، ويدل على ذلك ما في " الصحيحين " عن ابن مسعود رضي
~~الله عنه قال: «قلنا: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: أما
~~من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية
~~والإسلام» .
# وفي " صحيح مسلم " «عن عمرو بن العاص قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما
~~أسلم: أريد أن أشترط، قال: " تشترط ماذا " قلت: أن يغفر لي، قال: " أما
~~علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟» " وخرجه الإمام أحمد ولفظه: " أن
~~الإسلام يجب ما كان قبله من الذنوب " وهذا محمول على الإسلام الكامل الحسن
~~جمعا بينه وبين حديث ابن مسعود الذي قبله.
# وفي " صحيح مسلم " أيضا «عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله أرأيت
~~أمورا كنت أصنعها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجر؟
~~فقال رسول صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ms155 ما أسلفت من خير وفي رواية له:
# PageV01P296
# قال: فقلت: والله لا أدع شيئا صنعته في الجاهلية إلا صنعت في الإسلام
~~مثله، وهذا يدل على أن حسنات الكافر إذا أسلم يثاب عليها» كما دل عليه حديث
~~أبي سعيد المتقدم.
# وقد قيل: إن سيئاته في الشرك تبدل حسنات، ويثاب عليها أخذا من قوله
~~تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله
~~إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما - يضاعف له العذاب يوم القيامة
~~ويخلد فيه مهانا - إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله
~~سيئاتهم حسنات} [الفرقان: 68 - 70] [الفرقان 68 - 69 - 70] ، وقد اختلف
~~المفسرون في هذا التبديل على قولين: فمنهم من قال: هو في الدنيا بمعنى أن
~~الله يبدل من أسلم وتاب إليه، بدل ما كان عليه من الكفر والمعاصي: الإيمان
~~والأعمال الصالحة، وحكى هذا القول إبراهيم الحربي في " غريب الحديث " عن
~~أكثر المفسرين، وسمى منهم ابن عباس، وعطاء، وقتادة، والسدي، وعكرمة قلت:
~~وهو المشهور عن الحسن.
# قال: وقال الحسن وأبو مالك وغيرهما: هي في أهل الشرك خاصة ليس هي في أهل
~~الإسلام. قلت: إنما يصح هذا القول على أن يكون التبديل في الآخرة كما
~~سيأتي، وأما إن قيل: إنه في الدنيا، فالكافر إذا أسلم والمسلم إذا تاب في
~~ذلك سواء، بل المسلم إذا تاب، فهو أحسن حالا من الكافر إذا أسلم.
# قال: وقال آخرون: التبديل في الآخرة: جعلت لهم مكان كل سيئة حسنة، منهم
~~عمرو بن ميمون، ومكحول، وابن المسيب، وعلي بن الحسين قال: وأنكره أبو
~~العالية، ومجاهد، وخالد سبلان، وفيه موضع إنكار، ثم ذكر ما حاصله
# PageV01P297
# أنه يلزم من ذلك أن يكون من كثرت سيئاته أحسن حالا ممن قلت سيئاته حيث
~~يعطي مكان كل سيئة حسنة، ثم قال: ولو قال قائل: إنما ذكر الله أن يبدل
~~السيئات حسنات ولم يذكر العدد كيف تبدل، فيجوز أن معنى تبدل: أن من عمل
~~سيئة واحدة وتاب منها يبدله الله مائة ألف حسنة، ومن ms156 عمل ألف سيئة أن تبدل
~~ألف حسنة، فيكون حينئذ من قلت سيئاته أحسن حالا.
# قلت: هذا القول - وهو التبديل في الآخرة - قد أنكره أبو العالية، وتلا
~~قوله تعالى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو
~~أن بينها وبينه أمدا بعيدا} [آل عمران: 30] (آل عمران: 30) ورده بعضهم
~~بقوله تعالى: {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] (الزلزلة: 8)
~~وقوله تعالى: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا
~~مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا
~~ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] (الكهف: 49) ولكن قد أجيب عن هذا بأن
~~التائب يوقف على سيئاته، ثم تبدل حسنات، قال أبو عثمان النهدي: إن المؤمن
~~يؤتى كتابه في ستر من الله عز وجل، فيقرأ سيئاته، فإذا قرأ تغير لها لونه
~~حتى يمر بحسناته، فيقرؤها فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت
~~حسنات، فعند ذلك يقول: {هاؤم اقرءوا كتابيه} [الحاقة: 19] (الحاقة: 19)
# PageV01P298
# ورواه بعضهم، عن أبي عثمان عن ابن مسعود، وقال بعضهم:، عن أبي عثمان، عن
~~سلمان.
# وفي " صحيح مسلم " من حديث أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها، رجل
~~يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها،
~~فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال له: عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، وعملت يوم
~~كذا وكذا، كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه
~~أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: يا رب قد عملت
~~أشياء لا أراها هاهنا قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى
~~بدت نواجذه» .
# فإذا بدلت السيئات بالحسنات في حق من عوقب على ذنوبه بالنار، ففي حق من
~~محيت سيئاته بالإسلام والتوبة النصوح أولى، لأن محوها بذلك أحب إلى الله من
~~محوها بالعقاب.
# وخرج الحاكم من طريق ms157 الفضل بن موسى عن أبي العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من
~~السيئات قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: الذين بدل الله سيئاتهم حسنات» ،
~~وخرجه ابن أبي حاتم من طريق سليمان بن داود الزهري عن أبي العنبس، عن أبيه،
~~عن أبي هريرة موقوفا، وهو أشبه من المرفوع، ويروى مثل هذا، عن الحسن البصري
~~أيضا ويخالف قوله المشهور: إن التبديل في الدنيا
# PageV01P299
# وأما ما ذكره الحربي في التبديل، وأن من قلت سيئاته يزاد في حسناته، ومن
~~كثرت سيئاته يقلل من حسناته، فحديث أبي ذر صريح في رد هذا، وأنه يعطى مكان
~~كل سيئة حسنة.
# وأما قوله: يلزم من ذلك أن يكون من كثرت سيئاته أحسن حالا ممن قلت
~~سيئاته، فيقال: إنما التبديل في حق من ندم على سيئاته، وجعلها نصب عينيه،
~~فكلما ذكرها ازداد خوفا، ووجلا، وحياء من الله، ومسارعة إلى الأعمال
~~الصالحة المكفرة كما قال تعالى: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا}
~~[الفرقان: 70] (الفرقان: 70) وما ذكرناه كله داخل في العمل الصالح ومن كانت
~~هذه حاله، فإنه يتجرع من مرارة الندم والأسف على ذنوبه أضعاف ما ذاق من
~~حلاوتها عند فعلها، ويصير كل ذنب من ذنوبه سببا لأعمال صالحة ماحية له، فلا
~~يستنكر بعد هذا تبديل هذه الذنوب حسنات.
# وقد وردت أحاديث صريحة في أن الكافر إذا أسلم، وحسن إسلامه، تبدلت سيئاته
~~في الشرك حسنات، فخرج الطبراني من حديث عبد الرحمن بن
# PageV01P300
# جبير بن نفير، «عن أبي فروة شطب أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
~~أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها، ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟
~~فقال: " أسلمت؟ " فقال: نعم، قال: " فافعل الخيرات، واترك السيئات، فيجعلها
~~الله لك خيرات كلها " قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: " نعم " قال: فما زال
~~يكبر حتى توارى» .
# وخرجه من وجه آخر بإسناد ضعيف عن أبي نفيل، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
# وخرج ابن أبي حاتم نحوه من حديث ms158 مكحول مرسلا، وخرج البزار الحديث الأول
~~وعنده: عن أبي طويل شطب الممدود أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكره
~~بمعناه، وكذا خرجه أبو القاسم البغوي في " معجمه " وذكر أن الصواب عن عبد
~~الرحمن بن جبير بن نفير مرسلا أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم طوي
~~شطب، والشطب في اللغة: الممدود، فصحفه بعض الرواة، وظنه اسم رجل.
# PageV01P301
### | [الحديث الثالث عشر لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه]
# PageV01P301
# الحديث الثالث عشر
# عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن
~~أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.» رواه البخاري ومسلم.
# هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين "
~~من حديث قتادة، عن أنس، ولفظ مسلم " حتى يحب لجاره أو لأخيه " بالشك.
# وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: " لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما
~~يحب لنفسه من الخير ".
# وهذه الرواية تبين معنى الرواية المخرجة في " الصحيحين "، وأن المراد
~~بنفي الإيمان نفي بلوغ حقيقته ونهايته، فإن الإيمان كثيرا ما ينفى لانتفاء
~~بعض أركانه وواجباته، كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني
~~وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها
~~وهو مؤمن،» وقوله: «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» .
# PageV01P302
# وقد اختلف العلماء في مرتكب الكبائر: هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان، أم لا
~~يسمى مؤمنا؟ وإنما يقال: هو مسلم، وليس بمؤمن على قولين، وهما روايتان عن
~~الإمام أحمد.
# فأما من ارتكب الصغائر، فلا يزول عنه اسم الإيمان بالكلية، بل هو مؤمن
~~ناقص الإيمان، ينقص من إيمانه بحسب ما ارتكب من ذلك.
# والقول بأن مرتكب الكبائر يقال له: مؤمن ناقص الإيمان مروي عن جابر بن
~~عبد الله، وهو قول ابن المبارك وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم، والقول بأنه مسلم،
~~ليس بمؤمن مروي عن أبي جعفر محمد بن علي، وذكر بعضهم أنه المختار عند أهل
~~السنة.
# وقال ابن عباس: الزاني ينزع منه نور الإيمان. وقال أبو ms159 هريرة: ينزع منه
~~الإيمان، فيكون فوقه كالظلة، فإن تاب عاد إليه.
# وقال عبد الله بن رواحة وأبو الدرداء: الإيمان كالقميص، يلبسه الإنسان
~~تارة، ويخلعه تارة أخرى، وكذا قال الإمام أحمد رحمه الله وغيره، والمعنى:
~~أنه إذا كمل خصال الإيمان، لبسه، فإذا نقص منها شيء نزعه، وكل هذا إشارة
~~إلى الإيمان الكامل التام الذي لا ينقص من واجباته شيء.
# والمقصود أن من جملة خصال الإيمان الواجبة أن يحب المرء لأخيه المؤمن ما
~~يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، فإذا زال ذلك عنه، فقد نقص إيمانه
~~بذلك. وقد روي أن «النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة: أحب للناس ما
~~تحب لنفسك
# PageV01P303
# تكن مسلما» خرجه الترمذي وابن ماجه.
# وخرج الإمام أحمد من حديث معاذ أنه «سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن
~~أفضل الإيمان، قال: أفضل الإيمان أن تحب لله وتبغض لله، وتعمل لسانك في ذكر
~~الله، قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: أن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم
~~ما تكره لنفسك، وأن تقول خيرا أو تصمت» .
# وقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم دخول الجنة على هذه الخصلة؛ ففي " مسند
~~" الإمام أحمد رحمه الله «عن يزيد بن أسد القسري قال: قال لي رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: " أتحب الجنة "؟ قلت: نعم، قال: " فأحب لأخيك ما تحب
~~لنفسك» ".
# وفي " صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو
~~مؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» .
# وفيه أيضا «عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا
~~ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين، ولا
~~تولين مال يتيم» .
# PageV01P304
# وإنما نهاه عن ذلك، لما رأى من ضعفه، وهو صلى الله عليه وسلم يحب هذا لكل
~~ضعيف، وإنما كان يتولى أمور الناس، لأن الله ms160 قواه على ذلك، وأمره بدعاء
~~الخلق كلهم إلى طاعته، وأن يتولى سياسة دينهم ودنياهم.
# وقد روي «عن علي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم إني أرضى لك ما
~~أرضى لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقرأ القرآن وأنت جنب، ولا أنت
~~راكع، ولا أنت ساجد» .
# وكان محمد بن واسع يبيع حمارا له، فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته
~~لم أبعه، وهذه إشارة منه إلى أنه لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه، وهذا
~~كله من جملة النصيحة لعامة المسلمين التي هي من جملة الدين كما سبق تفسير
~~ذلك في موضعه.
# PageV01P305
# وقد ذكرنا فيما تقدم حديث النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه
~~عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» خرجاه في " الصحيحين "، وهذا يدل
~~على أن المؤمن يسوءه ما يسوء أخاه المؤمن، ويحزنه ما يحزنه.
# وحديث أنس الذي نتكلم الآن فيه يدل على أن المؤمن يسره ما يسر أخاه
~~المؤمن، ويريد لأخيه المؤمن ما يريده لنفسه من الخير، وهذا كله إنما يأتي
~~من كمال سلامة الصدر من الغل والغش والحسد، فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد
~~أن يفوقه أحد في خير، أو يساويه فيه، لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله،
~~وينفرد بها عنهم، والإيمان يقتضي خلاف ذلك، وهو أن يشركه المؤمنون كلهم
~~فيما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء.
# وقد مدح الله تعالى في كتابه من لا يريد العلو في الأرض ولا الفساد،
~~فقال: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا}
~~[القصص: 83] (القصص: 83) . وروى ابن جرير بإسناد فيه نظر عن علي رضي الله
~~عنه قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه
~~فيدخل في قوله: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض
~~ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83] . وكذا روي عن الفضيل ms161 بن عياض في
~~هذه الآية، قال: لا يحب أن يكون نعله أجود من نعل غيره، ولا شراكه أجود من
~~شراك غيره.
# وقد قيل: إن هذا محمول على أنه إذا أراد الفخر على غيره لا مجرد التجمل،
~~قال عكرمة وغيره من المفسرين في هذه الآية: العلو في الأرض:
# PageV01P306
# التكبر، وطلب الشرف والمنزلة عند ذي سلطانها، والفساد: العمل بالمعاصي.
# وقد ورد ما يدل على أنه لا يأثم من كره أن يفوقه من الناس أحد في الجمال،
~~فخرج الإمام أحمد رحمه الله والحاكم في " صحيحه " من حديث ابن مسعود رضي
~~الله عنه، قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعنده مالك بن مرارة
~~الرهاوي، فأدركته وهو يقول: يا رسول الله، قد قسم لي من الجمال ما ترى، فما
~~أحب أحدا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما، أليس ذلك هو البغي؟ فقال: "
~~لا، ليس ذلك بالبغي، ولكن البغي من بطر - أو قال: - سفه الحق وغمص الناس»
~~".
# وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم معناه، وفي حديثه: " الكبر " بدل " البغي ".
# فنفى أن يكون كراهته لأن يفوقه أحد في الجمال بغيا أو كبرا، وفسر الكبر
~~والبغي ببطر الحق، وهو التكبر عليه، والامتناع من قبوله كبرا إذا خالف
~~هواه، ومن هنا قال بعض السلف: التواضع أن تقبل الحق من كل من جاء به، وإن
~~كان صغيرا، فمن قبل الحق ممن جاء به، سواء كان صغيرا أو كبيرا، وسواء كان
~~يحبه أو لا يحبه، فهو متواضع، ومن أبى قبول الحق تعاظما عليه، فهو متكبر.
# وغمص الناس: هو احتقارهم وازدراؤهم، وذلك يحصل من النظر إلى النفس بعين
~~الكمال، وإلى غيره بعين النقص.
# PageV01P307
# وفي الجملة، فينبغي للمؤمن أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما
~~يكره لنفسه، فإن رأى في أخيه المسلم نقصا في دينه، اجتهد في إصلاحه.
# قال بعض الصالحين من السلف: أهل المحبة لله نظروا بنور الله، وعطفوا على
~~أهل معاصي الله، مقتوا أعمالهم، وعطفوا عليهم ليزيلوهم بالمواعظ ms162 عن فعالهم،
~~وأشفقوا على أبدانهم من النار، ولا يكون المؤمن مؤمنا حقا حتى يرضى للناس
~~ما يرضاه لنفسه، وإن رأى في غيره فضيلة فاق بها عليه فتمنى لنفسه مثلها،
~~فإن كانت تلك الفضيلة دينية، كان حسنا، وقد تمنى النبي صلى الله عليه وسلم
~~لنفسه منزلة الشهادة.
# وقال صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا،
~~فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن، فهو يقرؤه آناء
~~الليل وآناء النهار» .
# «وقال في الذي رأى من ينفق ماله في طاعة الله، فقال: " لو أن لي مالا،
~~لفعلت فيه كما فعل، فهما في الأجر سواء» " وإن كانت دنيوية، فلا خير في
~~تمنيها، كما قال تعالى: {فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة
~~الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم - وقال الذين أوتوا
~~العلم
# PageV01P308
# ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا} [القصص: 79 - 80] (القصص: 79 -
~~80) . وأما قول الله عز وجل: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}
~~[النساء: 32] (النساء: 32) ، فقد فسر ذلك بالحسد، وهو تمني الرجل نفس ما
~~أعطي أخوه من أهل ومال، وأن ينتقل ذلك إليه، وفسر بتمني ما هو ممتنع شرعا
~~أو قدرا، كتمني النساء أن يكن رجالا، أو يكون لهن مثل ما للرجال من الفضائل
~~الدينية كالجهاد، والدنيوية كالميراث، والعقل والشهادة ونحو ذلك. وقيل: إن
~~الآية تشمل ذلك كله.
# ومع هذا كله، فينبغي للمؤمن أن يحزن لفوات الفضائل الدينية، ولهذا أمر أن
~~ينظر في الدين إلى من فوقه، وأن ينافس في طلب ذلك جهده وطاقته، كما قال
~~تعالى: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (المطففين: 26) ولا يكره أن أحدا
~~يشاركه في ذلك، بل يحب للناس كلهم المنافسة فيه، ويحثهم على ذلك، وهو من
~~تمام أداء النصيحة للإخوان. كما قال الفضيل: إن كنت تحب أن يكون الناس
~~مثلك، فما أديت النصيحة لربك، كيف وأنت تحب أن يكونوا دونك؟ ! يشير إلى أن
~~النصيحة لهم أن يحب أن يكونوا فوقه، ms163 وهذه منزلة عالية، ودرجة رفيعة في
~~النصح، وليس ذلك بواجب، وإنما المأمور به في الشرع أن يحب أن يكونوا مثله،
~~ومع هذا، فإذا فاقه أحد في فضيلة دينية، اجتهد على لحاقه، وحزن على تقصير
~~نفسه، وتخلفه عن لحاق السابقين، لا حسدا لهم على ما آتاهم الله، بل منافسة
~~لهم، وغبطة وحزنا على النفس بتقصيرها وتخلفها عن درجات السابقين.
# وينبغي للمؤمن أن لا يزال يرى نفسه مقصرا عن الدرجات العالية، فيستفيد
~~بذلك أمرين نفيسين: الاجتهاد في طلب الفضائل، والازدياد منها، والنظر إلى
~~نفسه بعين النقص، وينشأ من هذا أن يحب للمؤمنين أن يكونوا خيرا منه، لأنه
~~لا يرضى لهم أن يكونوا على مثل حاله، كما أنه لا يرضى لنفسه بما هي عليه،
# PageV01P309
# بل يجتهد في إصلاحها. وقد قال محمد بن واسع لابنه: أما أبوك، فلا كثر
~~الله في المسلمين مثله.
# فمن كان لا يرضى عن نفسه، فكيف يحب للمسلمين أن يكونوا مثله مع نصحه لهم؟
~~بل هو يحب للمسلمين أن يكونوا خيرا منه، ويحب لنفسه أن يكون خيرا مما هو
~~عليه.
# وإن علم المرء أن الله قد خصه على غيره بفضل، فأخبر به لمصلحة دينية،
~~وكان إخباره على سبيل التحدث بالنعم، ويرى نفسه مقصرا في الشكر، كان جائزا،
~~فقد قال ابن مسعود: ما أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني، ولا يمنع هذا أن يحب
~~للناس أن يشاركوه فيما خصه الله به، فقد قال ابن عباس: إني لأمر على الآية
~~من كتاب الله، فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم. وقال الشافعي: وددت
~~أن الناس تعلموا هذا العلم، ولم ينسب إلي منه شيء. وكان عتبة الغلام إذا
~~أراد أن يفطر يقول لبعض إخوانه المطلعين على أمره وأعماله: أخرج إلي ماء أو
~~تمرات أفطر عليها؛ ليكون لك أجر مثل أجري.
# PageV01P310
### | [الحديث الرابع عشر لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث]
# PageV01P310
# الحديث الرابع عشر
# عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: «لا ms164 يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس،
~~والتارك لدينه المفارق للجماعة» رواه البخاري ومسلم.
# هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين "
~~من رواية الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود، وفي رواية
~~لمسلم: " التارك للإسلام " بدل قوله: " لدينه " وفي هذا المعنى أحاديث
~~متعددة: فخرج مسلم من حديث عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث
~~ابن مسعود.
# وخرج الترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث عثمان عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو
~~زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس» . وفي رواية للنسائي: " «رجل زنى
~~بعد
# PageV01P311
# إحصانه، فعليه الرجم، أو قتل عمدا، فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه،
~~فعليه القتل» ".
# وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عباس وأبي
~~هريرة وأنس بن مالك وغيرهم، وقد ذكرنا حديث أنس فيما تقدم، وفيه تفسير أن
~~هذه الثلاث خصال هي حق الإسلام التي يستباح بها دم من شهد أن لا إله إلا
~~الله وأن محمدا رسول الله، والقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق
~~عليه بين المسلمين.
# فأما زنا الثيب، فأجمع المسلمون على أن حده الرجم حتى يموت، وقد «رجم
~~النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية» ، وكان في القرآن الذي نسخ
~~لفظه: " والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة نكالا من الله، والله عزيز
~~حكيم ".
# وقد استنبط ابن عباس الرجم من القرآن من قوله تعالى: {ياأهل الكتاب قد
~~جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير}
~~[المائدة: 15] (المائدة: 15) ، قال: فمن كفر بالرجم، فقد كفر بالقرآن من
~~حيث لا يحتسب،
# PageV01P312
# ثم تلا هذه الآية وقال: كان الرجم مما أخفوا. أخرجه النسائي، والحاكم،
~~وقال: صحيح الإسناد.
# ويستنبط أيضا من قوله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها
~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} [المائدة: 44] إلى قوله: {وأن احكم
~~بينهم بما ms165 أنزل الله} [المائدة: 49] [المائدة: 44 - 49] وقال الزهري: بلغنا
~~أنها نزلت في اليهوديين اللذين رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إني
~~أحكم بما في التوارة " وأمر بهما فرجما.
# وخرج مسلم في " صحيحه " من حديث البراء بن عازب قصة رجم اليهوديين، وقال
~~في حديثه: فأنزل الله: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر}
~~[المائدة: 41] [المائدة: 41] وأنزل: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
~~الكافرون} [المائدة: 44] [المائدة: 44] في الكفار كلها.
# وخرجه الإمام أحمد وعنده: فأنزل الله: {لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر}
~~[المائدة: 41] إلى قوله: {إن أوتيتم هذا فخذوه} [المائدة: 41] [المائدة:
~~41] يقولون: ائتوا محمدا، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد، فخذوه، وإن أفتاكم
~~بالرجم فاحذروا، إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}
~~[المائدة: 44] [المائدة: 44] قال: في اليهود.
# وروي من حديث جابر قصة رجم اليهوديين، وفي حديثه قال: فأنزل الله:
# PageV01P313
# {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42] إلى قوله: {وإن حكمت
~~فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة: 42] [المائدة: 42] .
# وكان الله تعالى قد أمر أولا بحبس النساء الزواني إلى أن يتوفاهن الموت
~~أو يجعل الله لهن سبيلا، ثم جعل الله لهن سبيلا، ففي " صحيح مسلم " عن
~~عبادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله
~~لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة
~~والرجم» .
# وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعة من العلماء، وأوجبوا جلد الثيب مائة، ثم
~~رجمه كما فعل علي بشراحة الهمدانية، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. يشير إلى أن كتاب الله فيه جلد الزانيين من
~~غير تفصيل بين ثيب وبكر، وجاءت السنة برجم الثيب خاصة مع استنباطه من
~~القرآن أيضا،
# PageV01P314
# وهذا القول هو المشهور، عن الإمام أحمد رحمه الله وإسحاق، وهو قول الحسن
~~وطائفة من السلف.
# وقالت طائفة منهم: إن كان الثيبان شيخين رجما وجلدا، وإن كانا شابين،
~~رجما بغير جلد، لأن ذنب الشيخ أقبح، لا سيما بالزنا، وهذا قول أبي ms166 بن كعب،
~~وروي عنه مرفوعا، ولا يصح رفعه، وهو رواية عن أحمد وإسحاق أيضا.
# وأما النفس بالنفس، فمعناه أن المكلف إذا قتل نفسا بغير حق عمدا، فإنه
~~يقتل بها، وقد دل القرآن على ذلك بقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس
~~بالنفس} [المائدة: 45] [المائدة: 45] وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كتب
~~عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}
~~[البقرة: 178] [البقرة: 78] .
# ويستثنى من عموم قوله: {النفس بالنفس} [المائدة: 45] صور: منها أن يقتل
~~الوالد ولده، فالجمهور على أنه لا يقتل به، وصح ذلك عن عمر. وروي عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، وقد تكلم في أسانيدها، وقال
# PageV01P315
# مالك: إن تعمد قتله تعمدا لا يشك فيه، مثل أن يذبحه، فإنه يقتل به، وإن
~~حذفه بسيف أو عصا، لم يقتل: وقال البتي: يقتل بقتله بجميع وجوه العمد
~~للعمومات.
# ومنها: أن يقتل الحر عبدا، فالأكثرون على أنه لا يقتل به، وقد وردت في
~~ذلك أحاديث في أسانيدها مقال وقيل: يقتل بعبد غيره دون عبده، وهو قول أبي
~~حنيفة وأصحابه، وقيل يقتل بعبده وعبد غيره، وهي رواية عن الثوري، وقول
~~طائفة من أهل الحديث؛ لحديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «من قتل
~~عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه» " وقد طعن فيه الإمام أحمد وغيره.
# وقد أجمعوا على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار في الأطراف، وهذا يدل
~~على أن هذا الحديث مطرح لا يعمل به، وهذا مما يستدل به على أن المراد بقوله
~~تعالى: {النفس بالنفس} [المائدة: 45] [المائدة: 45] الأحرار، لأنه ذكر بعده
~~القصاص في الأطراف، وهو يختص بالأحرار.
# PageV01P316
# ومنها أن يقتل المسلم كافرا، فإن كان حربيا، لم يقتل به بغير خلاف، لأن
~~قتل الحربي مباح بلا ريب، وإن كان ذميا أو معاهدا، فالجمهور على أنه لا
~~يقتل به أيضا، وفي " صحيح البخاري " عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «لا يقتل مسلم بكافر» .
# وقال أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الكوفيين: يقتل به، وقد روى ربيعة عن أبي
~~البيلماني، ms167 «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل رجلا من أهل القبلة برجل
~~من أهل الذمة، وقال: " أنا أحق من وفى بذمته» " وهذا مرسل ضعيف قد ضعفه
~~الإمام أحمد، وأبو عبيد، وإبراهيم الحربي، والجوزجاني، وابن المنذر،
~~والدارقطني، وقال ابن البيلماني: ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف
~~بما يرسله؟ وقال الجوزجاني: إنما أخذه ربيعة، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن
~~ابن المنكدر، عن ابن البيلماني، وابن أبي يحيى متروك الحديث، وفي " مراسيل
~~أبي داود " حديث آخر مرسل أن «النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلما
~~بكافر قتله غيلة، وقال: " أنا أولى وأحق من وفى بذمته» " وهذا مذهب مالك
~~وأهل المدينة أن القتل غيلة لا تشترط له المكافأة، فيقتل فيه المسلم
~~بالكافر، وعلى هذا حملوا حديث ابن البيلماني أيضا على تقدير صحته.
# ومنها: أن يقتل الرجل امرأة، فيقتل بها بغير خلاف، وفي كتاب عمرو بن حزم
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل يقتل بالمرأة. وصح «أنه صلى الله
~~عليه وسلم قتل يهوديا قتل
# PageV01P317
# جارية» وأكثر العلماء على أنه لا يدفع إلى أولياء الرجل شيء. وروي عن علي
~~أنه يدفع إليهم نصف الدية، لأن دية المرأة نصف دية الرجل وهو قول طائفة من
~~السلف وأحمد في رواية عنه.
# وأما التارك لدينه المفارق للجماعة، فالمراد به من ترك الإسلام، وارتد
~~عنه، وفارق جماعة المسلمين، كما جاء التصريح بذلك في حديث عثمان، وإنما
~~استثناه مع من يحل دمه من أهل الشهادتين باعتبار ما كان عليه قبل الردة
~~وحكم الإسلام لازم له بعدها، ولهذا يستتاب، ويطلب منه العود إلى الإسلام،
~~وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الردة من العبادات اختلاف مشهور بين
~~العلماء.
# وأيضا فقد يترك دينه، ويفارق الجماعة، وهو مقر بالشهادتين، ويدعي
~~الإسلام، كما إذا جحد شيئا من أركان الإسلام، أو سب الله ورسوله، أو كفر
~~ببعض الملائكة أو النبيين أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك، وفي
~~" صحيح البخاري " عن ابن عباس، عن النبي صلى ms168 الله عليه وسلم قال: «من بدل
~~دينه فاقتلوه» .
# ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة عند أكثر العلماء، ومنهم من قال: لا
~~تقتل المرأة إذا ارتدت كما لا تقتل نساء أهل الحرب في الحرب، وإنما تقتل
~~رجالهم، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، وجعلوا الكفر الطارئ كالأصلي،
~~والجمهور فرقوا بينهما، وجعلوا الطارئ أغلظ لما سبقه من الإسلام، ولهذا
~~يقتل بالردة عنه من لا يقتل من أهل الحرب، كالشيخ الفاني والزمن والأعمى،
~~ولا يقتلون في الحرب.
# PageV01P318
# وقوله صلى الله عليه وسلم: " «التارك لدينه المفارق للجماعة» " يدل على
~~أنه لو تاب ورجع إلى الإسلام، لم يقتل، لأنه ليس بتارك لدينه بعد رجوعه،
~~ولا مفارق للجماعة.
# فإن قيل: بل استثناء هذا ممن يعصم دمه من أهل الشهادتين يدل على أنه يقتل
~~ولو كان مقرا بالشهادتين، كما يقتل الزاني المحصن، وقاتل النفس، وهذا يدل
~~على أن المرتد لا تقبل توبته، كما حكي عن الحسن، أو أن يحمل ذلك على من
~~ارتد ممن ولد على الإسلام، فإنه لا تقبل توبته، وإنما تقبل توبة من كان
~~كافرا، ثم أسلم، ثم ارتد على قول طائفة من العلماء، منهم: الليث بن سعد،
~~وأحمد في رواية عنه، وإسحاق، قيل: إنما استثناه من المسلمين باعتبار ما كان
~~عليه قبل مفارقة دينه كما سبق تقريره، وليس هذا كالثيب الزاني، وقاتل
~~النفس، لأن قتلهما وجب عقوبة لجريمتهما الماضية، ولا يمكن تلافي ذلك.
# وأما المرتد، فإنما قتل لوصف قائم به في الحال، وهو ترك دينه ومفارقة
~~الجماعة، فإذا عاد إلى دينه، وإلى موافقة الجماعة، فالوصف الذي أبيح به دمه
~~قد انتفى، فتزول إباحة دمه، والله أعلم.
# فإن قيل: فقد خرج النسائي من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل
~~متعمدا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو
~~ينفى من الأرض» وهذا يدل على أن المراد من جمع بين الردة والمحاربة.
# قيل: قد خرج ms169 أبو داود حديث عائشة بلفظ آخر، وهو أن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا
~~رسول الله
# PageV01P319
# إلا في إحدى ثلاث: زنى بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل خرج محاربا لله ورسوله،
~~فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفسا فيقتل بها» .
# وهذا يدل على أن من وجد منه الحراب من المسلمين، خير الإمام فيه مطلقا،
~~كما يقوله علماء أهل المدينة مالك وغيره، والرواية الأولى قد تحمل على أن
~~المراد بخروجه عن الإسلام خروجه عن أحكام الإسلام، وقد تحمل على ظاهرها،
~~ويستدل بذلك من يقول: إن آية المحاربة تختص بالمرتدين، فمن ارتد وحارب، فعل
~~به ما في الآية، ومن حارب من غير ردة، أقيمت عليه أحكام المسلمين من القصاص
~~والقطع في السرقة، وهذا رواية عن أحمد لكنها غير مشهورة عنه، وكذا قال
~~طائفة من السلف: إن آية المحاربة تختص بالمرتدين، منهم أبو قلابة وغيره.
# وبكل حال، فحديث عائشة ألفاظه مختلفة، وقد روي عنها مرفوعا، وروي عنها
~~موقوفا، وحديث ابن مسعود لفظه لا اختلاف فيه، وهو ثابت متفق على صحته، ولكن
~~يقال على هذا: إنه قد ورد قتل المسلم بغير إحدى هذه الخصال الثلاث: فمنها
~~في اللواط، وقد جاء من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«اقتلوا الفاعل والمفعول به» وأخذ به كثير من العلماء كمالك وأحمد، وقالوا:
~~إنه موجب للقتل بكل حال، محصنا كان أو غير محصن، وقد روي عن عثمان أنه قال:
~~لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأربع، فذكر الثلاثة المتقدمة، وزاد: ورجل عمل عمل
~~قوم لوط.
# PageV01P320
# ومنها من أتى ذات محرم، وقد روي الأمر بقتله، وروي أن «النبي صلى الله
~~عليه وسلم قتل من تزوج بامرأة أبيه» ، وأخذ بذلك طائفة من العلماء، وأوجبوا
~~قتله مطلقا محصنا كان أو غير محصن.
# ومنها الساحر، وفي " الترمذي " من حديث جندب مرفوعا: " «حد الساحر ضربة
~~بالسيف» " وذكر أن الصحيح وقفه على جندب، ms170 وهو مذهب جماعة من العلماء، منهم
~~عمر بن عبد العزيز ومالك وأحمد وإسحاق، ولكن هؤلاء يقولون: إنه يكفر بسحره،
~~فيكون حكمه حكم المرتدين.
# ومنها قتل من وقع على بهيمة، وقد ورد فيه حديث مرفوع، وقال به طائفة من
~~العلماء.
# PageV01P321
# ومنها من ترك الصلاة، فإنه يقتل عند كثير من العلماء مع قولهم: إنه ليس
~~بكافر، وقد سبق ذكر ذلك مستوفى.
# ومنها قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، وقد ورد الأمر به عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم من وجوه متعددة، وأخذ بذلك عبد الله بن عمرو بن العاص
~~وغيره، وأكثر العلماء على أن القتل انتسخ، وروي أن «النبي صلى الله عليه
~~وسلم أتي بالشارب في المرة الرابعة، فلم يقتله» وفي " صحيح البخاري " «أن
~~رجلا كان يؤتى به النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر، فلعنه رجل، وقال: ما
~~أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تلعنه، فإنه يحب
~~الله ورسوله " ولم يقتله بذلك» .
# وقد روي قتل السارق في المرة الخامسة، وقيل: إن بعض الفقهاء ذهب إليه.
# PageV01P322
# ومنها ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «إذا بويع لخليفتين،
~~فاقتلوا الآخر منهما» " خرجه مسلم من حديث أبي سعيد، وقد ضعف العقيلي
~~أحاديث هذا الباب كلها.
# ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد،
~~فأراد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه " وفي رواية: " فاضربوا رأسه
~~بالسيف كائنا من كان» وقد خرجه مسلم أيضا من رواية عرفجة.
# ومنها: من شهر السلاح، فخرج النسائي من حديث ابن الزبير، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: " «من شهر السلاح ثم وضعه، فدمه هدر» " وقد روي عن ابن
~~الزبير مرفوعا وموقوفا. وقال البخاري: إنما هو موقوف.
# وسئل أحمد عن معنى هذا الحديث، فقال: ما أدري ما هذا. وقال إسحاق بن
~~راهويه: إنما يريد من شهر سلاحه ثم وضعه في الناس حتى استعرض الناس، فقد حل
~~قتله، وهو مذهب الحرورية يستعرضون الرجال
# PageV01P323
# والنساء والذرية. وقد روي عن ms171 عائشة ما يخالف تفسير إسحاق، فخرج الحاكم من
~~رواية علقمة بن أبي علقمة عن أمه أن غلاما شهر السيف على مولاه في إمرة
~~سعيد بن العاص، وتفلت به عليه، فأمسكه الناس عنه، فدخل المولى على عائشة،
~~فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «من أشار بحديدة إلى أحد
~~من المسلمين يريد قتله، فقد وجب دمه» " فأخذه مولاه فقتله، وقال: صحيح على
~~شرط الشيخين.
# وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قتل دون ماله، فهو
~~شهيد، وفي رواية: ومن قتل دون دمه فهو شهيد» .
# فإذا أريد مال المرء أو دمه، دافع عنه بالأسهل. هذا مذهب الشافعي وأحمد،
~~وهل يجب أن ينوي أنه لا يريد قتله أم لا؟ فيه روايتان عند الإمام أحمد.
# وذهب طائفة إلى أن من أراد ماله أو دمه، أبيح له قتله ابتداء، ودخل على
~~ابن عمر لص، فقام إليه بالسيف صلتا، فلولا أنهم حالوا بينه وبينه، لقتله.
# وسئل الحسن عن لص دخل بيت رجل ومعه حديدة، قال: اقتله بأي قتلة قدرت
~~عليه، وهؤلاء أباحوا قتله وإن ولى هاربا من غير جناية، منهم أيوب
~~السختياني.
# وخرج الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: " «الدار
# PageV01P324
# حرمك، فمن دخل عليك حرمك، فاقتله» " ولكن في إسناده ضعف.
# ومنها قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على المسلمين، وقد توقف فيه
~~أحمد، وأباح قتله طائفة من أصحاب مالك، وابن عقيل من أصحابنا، ومن المالكية
~~من قال: إن تكرر ذلك منه أبيح قتله، واستدل من أباح قتله بقول النبي صلى
~~الله عليه وسلم في حق «حاطب بن أبي بلتعة لما كتب الكتاب إلى أهل مكة
~~يخبرهم بسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ويأمرهم بأخذ حذرهم فاستأذن
~~عمر في قتله، فقال: إنه شهد بدرا» فلم يقل: إنه لم يأت بما يبيح دمه، وإنما
~~علل بوجود مانع من قتله، وهو شهوده بدرا ومغفرة الله لأهل بدر، وهذا المانع
~~منتف في حق من بعده. ms172 ومنها ما خرجه أبو داود في " المراسيل " من رواية ابن
~~المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «من ضرب أباه فاقتلوه» " وروي
~~مسندا من وجه آخر لا يصح.
# واعلم أن من هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصح ولا يعرف به قائل معتبر،
~~كحديث " «من ضرب أباه فاقتلوه» "، وحديث: " «قتل السارق في المرة الخامسة»
~~" وباقي النصوص كلها يمكن ردها إلى حديث ابن مسعود، وذلك أن حديث ابن مسعود
~~تضمن أنه لا يستباح دم المسلم إلا بإحدى ثلاث
# PageV01P325
# خصال: إما أن يترك دينه ويفارق جماعة المسلمين، وإما أن يزني وهو محصن،
~~وإما أن يقتل نفسا بغير حق.
# فيؤخذ منه أن قتل المسلم لا يستباح إلا بأحد ثلاثة أنواع: ترك الدين،
~~وإراقة الدم المحرم، وانتهاك الفرج المحرم، فهذه الأنواع الثلاثة هي التي
~~تبيح دم المسلم دون غيرها.
# فأما انتهاك الفرج المحرم، فقد ذكر في الحديث أنه الزنا بعد الإحصان،
~~وهذا - والله أعلم - على وجه المثال، فإن المحصن قد تمت عليه النعمة بنيل
~~هذه الشهوة بالنكاح، فإذا أتاها بعد ذلك من فرج محرم عليه، أبيح دمه، وقد
~~ينتفي شرط الإحصان، فيخلفه شرط آخر، وهو كون الفرج لا يستباح بحال، إما
~~مطلقا كاللواط، أو في حق الواطئ، كمن وطئ ذات محرم بعقد أو غيره، فهذا
~~الوصف هل يكون قائما مقام الإحصان وخلفا عنه؟ هذا هو محل النزاع بين
~~العلماء والأحاديث دالة على أنه يكون خلفا عنه، ويكتفى به في إباحة الدم.
# وأما سفك الدم الحرام، فهل يقوم مقامه إثارة الفتن المؤدية إلى سفك
~~الدماء، كتفريق جماعة المسلمين، وشق العصا، والمبايعة لإمام ثان، ودل
~~الكفار على عورات المسلمين؟ هذا هو محل النزاع. وقد روي عن عمر ما يدل على
~~إباحة القتل بمثل هذا.
# وكذلك شهر السلاح لطلب القتل: هل يقوم مقام القتل في إباحة الدم أم لا؟
~~فابن الزبير وعائشة رأياه قائما مقام القتل الحقيقي في ذلك.
# وكذلك قطع الطريق بمجرده: هل يبيح القتل أم لا؟ لأنه مظنة لسفك الدماء
~~المحرمة، وقول الله عز وجل: ms173 {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما
~~قتل الناس جميعا} [المائدة: 32] [المائدة: 32] ، يدل على أنه إنما يباح قتل
# PageV01P326
# النفس بشيئين: أحدهما: بالنفس، والثاني: بالفساد في الأرض، ويدخل في
~~الفساد في الأرض: الحراب والردة، والزنا، فإن ذلك كله فساد في الأرض، وكذلك
~~تكرر شرب الخمر والإصرار عليه هو مظنة سفك الدماء المحرمة. وقد اجتمع
~~الصحابة في عهد عمر على حده ثمانين، وجعلوا السكر مظنة الافتراء والقذف
~~الموجب لجلد الثمانين، «ولما قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه
~~وسلم، ونهاهم عن الأشربة والانتباذ في الظروف قال: " إن أحدكم ليقوم إلى
~~ابن عمه: - يعني إذا شرب - فيضربه بالسيف» "، وكان فيهم رجل قد أصابته
~~جراحة من ذلك، فكان يخبؤها حياء من النبي صلى الله عليه وسلم فهذا كله يرجع
~~إلى إباحة الدم بالقتل إقامة لمظان القتل مقام حقيقته، لكن هل نسخ ذلك أم
~~حكمه باق هذا هو محل النزاع.
# وأما ترك الدين، ومفارقة الجماعة، فمعناه الارتداد عن دين المسلمين ولو
~~أتى بالشهادتين، فلو سب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو مقر
~~بالشهادتين، أبيح دمه، لأنه قد ترك بذلك دينه.
# وكذلك لو استهان بالمصحف، وألقاه في القاذورات، أو جحد ما يعلم من الدين
~~بالضرورة كالصلاة، وما أشبه ذلك مما يخرج من الدين.
# وهل يقوم مقام ذلك ترك شيء من أركان الإسلام الخمس؟ هذا ينبني على أنه هل
~~يخرج من الدين بالكلية بذلك أم لا؟ فمن رآه خروجا عن الدين، كان عنده كترك
~~الشهادتين وإنكارهما، ومن لم يره خروجا عن الدين، فاختلفوا هل
# PageV01P327
# يلحق بتارك الدين في القتل، لكونه ترك أحد مباني الإسلام أم لا؟ لكونه لم
~~يخرج عن الدين.
# ومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع، فإنهم
~~نظروا إلى أن ذلك شبيه بالخروج عن الدين، وهو ذريعة ووسيلة إليه، فإن
~~استخفى بذلك ولم يدع غيره، كان حكمه حكم المنافقين إذا استخفوا، وإذا دعا
~~إلى ذلك، تغلظ جرمه بإفساد دين الأمة. وقد صح عن ms174 النبي صلى الله عليه وسلم
~~الأمر بقتال الخوارج وقتلهم. وقد اختلف العلماء في حكمهم.
# فمنهم من قال: هم كفار، فيكون قتلهم لكفرهم.
# ومنهم من قال: إنما يقتلون لفسادهم في الأرض بسفك دماء المسلمين وتكفيرهم
~~لهم، وهو قول مالك وطائفة من أصحابنا، وأجازوا الابتداء بقتالهم، والإجهاز
~~على جريحهم.
# ومنهم من قال: إن دعوا إلى ما هم عليه، قوتلوا، وإن أظهروه ولم يدعوا
~~إليه لم يقاتلوا، وهو نص أحمد وإسحاق، وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة
~~مغلظة.
# ومنهم من لم ير البداءة بقتالهم حتى يبدءوا بقتال يبيح قتالهم من سفك
~~دماء ونحوه، كما روي عن علي وهو قول الشافعي وكثير من أصحابنا.
# PageV01P328
# وقد روي من وجوه متعددة أن «النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجل كان
~~يصلي، وقال: " لو قتل، لكان أول فتنة وآخرها "، وفي رواية: " لو قتل، لم
~~يختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الدجال» " خرجه الإمام أحمد وغيره فيستدل
~~بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شره عن المسلمين، ويحسم مادة الفتن.
# وقد حكى ابن عبد البر وغيره عن مذهب مالك جواز قتل الداعي إلى البدعة.
# فرجعت نصوص القتل كلها إلى ما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه بهذا
~~التقدير ولله الحمد.
# وكثير من العلماء يقول في كثير من هذه النصوص التي ذكرناها هاهنا: إنها
~~منسوخة بحديث ابن مسعود، وفي هذا نظر من وجهين: أحدهما: أنه لا يعلم أن
~~حديث ابن مسعود كان متأخرا عن تلك النصوص كلها، لا سيما وابن مسعود من
~~قدماء المهاجرين وكثير من تلك النصوص يرويها من تأخر إسلامه كأبي هريرة
~~وجرير بن عبد الله، ومعاوية، فإن هؤلاء كلهم رووا حديث قتل شارب الخمر في
~~المرة الرابعة.
# والثاني: أن الخاص لا ينسخ بالعام، ولو كان العام متأخرا عنه في الصحيح
~~الذي عليه جمهور العلماء، لأن دلالة الخاص على معناه بالنص، ودلالة العام
~~عليه بالظاهر عند الأكثرين، فلا يبطل الظاهر حكم النص. وقد روي أن «النبي
~~صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ms175 رجل كذب عليه في حياته، وقال لحي من العرب: إن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم» ،
~~وهذا روي من وجوه متعددة كلها ضعيفة، وفي بعضها أن هذا الرجل كان قد خطب
~~امرأة منهم في الجاهلية،
# PageV01P329
# فأبوا أن يزوجوه، وأنه لما قال لهم هذه المقالة صدقوه، ونزل على تلك
~~المرأة، وحينئذ فهذا الرجل قد زنا، ونسب إباحة ذلك إلى النبي صلى الله عليه
~~وسلم، وهذا كفر وردة عن الدين.
# وفي " صحيح مسلم " «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا بقتل القبطي
~~الذي كان يدخل على أم ولده مارية، وكان الناس يتحدثون بذلك، فلما وجده علي
~~مجبوبا تركه» وقد حمله بعضهم على أن القبطي لم يكن أسلم بعد، وأن المعاهد
~~إذا فعل ما يؤذي المسلمين، انتقض عهده، فكيف إذا آذى النبي صلى الله عليه
~~وسلم؟ وقال بعضهم: بل كان مسلما، ولكنه نهي عن ذلك فلم ينته، حتى تكلم
~~الناس بسببه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، وأذى النبي صلى الله عليه
~~وسلم في فراشه مبيح للدم، لكن لما ظهرت براءته بالعيان، تبين للناس براءة
~~مارية، فزال السبب المبيح للقتل.
# وقد روي عن الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل بغير
~~هذه الأسباب الثلاثة التي في حديث ابن مسعود، وغيره ليس له ذلك، كأنه يشير
~~إلى أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يعزر بالقتل إذا رأى ذلك مصلحة، لأنه
~~صلى الله عليه وسلم معصوم من التعدي والحيف، وأما غيره، فليس له ذلك، لأنه
~~غير مأمون عليه التعدي بالهوى قال أبو داود. سمعت أحمد سئل، عن حديث أبي
~~بكر ما كانت لأحد بعد النبي
# PageV01P330
# صلى الله عليه وسلم قال: لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلا إلا بإحدى ثلاث،
~~والنبي صلى الله عليه وسلم كان له ذلك أن يقتل، وحديث أبي بكر المشار إليه
~~هو أن رجلا كلم أبا بكر فأغلظ له، فقال له أبو برزة: ألا أقتله ms176 يا خليفة
~~رسول الله؟ فقال أبو بكر: ما كانت لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
# وعلى هذا يتخرج حديث الأمر بقتل هذا القبطي، ويتخرج عليه أيضا حديث الأمر
~~بقتل السارق إن كان صحيحا، فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله
~~في أول مرة، فراجعوه فيه فقطعه، ثم فعل ذلك أربع مرات وهو يأمر بقتله،
~~فيراجع فيه، فيقطع حتى قطعت أطرافه الأربع، ثم قتل في الخامسة، والله تعالى
~~أعلم.
# PageV01P331
### | [الحديث الخامس عشر من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت]
# PageV01P331
# الحديث الخامس عشر
# عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من
~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله
~~واليوم الآخر، فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه»
~~رواه البخاري ومسلم.
# هذا الحديث خرجاه من طرق عن أبي
~~هريرة، وفي بعض ألفاظها: " فلا يؤذي جاره " وفي بعض ألفاظها: " فليحسن قرى
~~ضيفه " وفي بعضها: " فليصل رحمه " بدل ذكر الجار.
# وخرجاه أيضا بمعناه من حديث أبي شريح الخزاعي، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم.
# وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة وابن
~~مسعود،
# PageV01P332
# وعبد الله بن عمرو، وأبي أيوب الأنصاري وابن عباس وغيرهم من الصحابة.
# فقوله صلى الله عليه وسلم: " «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» " فليفعل
~~كذا وكذا، يدل على أن هذه الخصال من خصال الإيمان، وقد سبق أن الأعمال تدخل
~~في الإيمان، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالصبر والسماحة،
~~قال الحسن: المراد: الصبر عن المعاصي، والسماحة بالطاعة.
# وأعمال الإيمان تارة تتعلق بحقوق الله، كأداء الواجبات وترك المحرمات،
~~ومن ذلك قول الخير، والصمت عن غيره.
# وتارة تتعلق بحقوق عباده كإكرام الضيف، وإكرام الجار، والكف عن أذاه،
~~فهذه ثلاثة أشياء يؤمر بها المؤمن: أحدهما قول الخير والصمت عما سواه، وقد
~~روى الطبراني من حديث أسود بن أصرم المحاربي، قال: «قلت: ms177 يا رسول الله
~~أوصني، قال: " هل تملك لسانك؟ " قلت: ما أملك إذا لم أملك لساني؟ قال: "
~~فهل تملك يدك؟ " قلت: فما أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: " فلا تقل بلسانك إلا
~~معروفا، ولا تبسط يدك إلا إلى خير» ".
# PageV01P333
# وقد ورد أن استقامة اللسان من خصال الإيمان، كما في " المسند " عن أنس،
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه،
~~ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» .
# وخرج الطبراني من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبلغ
~~عبد حقيقة الإيمان حتى يخزن من لسانه» وخرج الطبراني من حديث معاذ بن جبل،
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنك لن تزال سالما ما سكت، فإذا تكلمت،
~~كتب لك أو عليك» . وفي " مسند " الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص،
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صمت نجا» .
# وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن
~~الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها، يزل بها في النار أبعد ما بين
~~المشرق والمغرب» .
# وخرج الإمام أحمد، والترمذي من حديث أبي هريرة،، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا
~~في النار» .
# PageV01P334
# وفي " صحيح البخاري "، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا
~~يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها
~~بالا يهوي بها في جهنم» .
# وخرج الإمام أحمد من حديث سليمان بن سحيم، عن أمه، قالت: سمعت النبي صلى
~~الله عليه وسلم يقول: " «إن الرجل ليدنو من الجنة حتى ما يكون بينه وبينها
~~إلا ذراع فيتكلم بالكلمة، فيتباعد بها أبعد من صنعاء» ".
# وخرج الإمام أحمد، والترمذي والنسائي من حديث بلال بن الحارث قال: سمعت
~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أحدكم ms178 ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما
~~يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم
~~ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله بها سخطه
~~إلى يوم يلقاه» .
# وقد ذكرنا فيما سبق حديث أم حبيبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«كلام ابن آدم عليه لا له، إلا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وذكر
~~الله عز وجل» .
# فقوله صلى الله عليه وسلم: فليقل خيرا أو ليصمت أمر بقول الخير، وبالصمت
~~عما عداه، وهذا يدل على أنه ليس هناك كلام يستوي قوله والصمت عنه، بل إما
# PageV01P335
# أن يكون خيرا، فيكون مأمورا بقوله، وإما أن يكون غير خير، فيكون مأمورا
~~بالصمت عنه، وحديث معاذ وأم حبيبة يدلان على هذا.
# وخرج ابن أبي الدنيا من حديث معاذ بن جبل ولفظه أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال له: «يا معاذ ثكلتك أمك وهل تقول شيئا إلا وهو لك أو عليك» .
# وقد قال الله تعالى: {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} [ق:
~~17] ، {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18] [ق: 17 - 18] وقد أجمع
~~السلف الصالح على أن الذي عن يمينه يكتب الحسنات، والذي عن شماله يكتب
~~السيئات، وقد روي ذلك مرفوعا من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف. وفي " الصحيح
~~" عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا كان أحدكم يصلي، فإنه يناجي ربه والملك
~~عن يمينه» .
# وروي من حديث حذيفة مرفوعا: " «إن عن يمينه كاتب الحسنات» ".
# واختلفوا: هل يكتب كل ما يتكلم به، أو لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب؟
~~على قولين مشهورين. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يكتب كل ما
# PageV01P336
# تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله: أكلت وشربت ذهبت وجئت، حتى إذا
~~كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر ما كان فيه من خير أو شر، وألقى سائره،
~~فذلك قوله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: ms179 39]
~~[الرعد: 39] .
# وعن يحيى بن أبي كثير، قال: ركب رجل الحمار، فعثر به، فقال: تعس الحمار،
~~فقال صاحب اليمين: ما هي حسنة أكتبها، وقال صاحب الشمال: ما هي سيئة
~~فأكتبها، فأوحى الله إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحب اليمين من شيء، فاكتبه،
~~فأثبت في السيئات " تعس الحمار ".
# وظاهر هذا أن ما ليس بحسنة، فهو سيئة، وإن كان لا يعاقب عليها، فإن بعض
~~السيئات قد لا يعاقب عليها، وقد تقع مكفرة باجتناب الكبائر، ولكن زمانها قد
~~خسره صاحبها حيث ذهبت باطلا، فيحصل له بذلك حسرة في القيامة وأسف عليه، وهو
~~نوع عقوبة.
# وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه، إلا
~~قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة» .
# وخرجه الترمذي ولفظه: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه، ولم
# PageV01P337
# يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم» .
# وفي رواية لأبي داود والنسائي: «من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه
~~من الله ترة، ومن اضطجع مضطجعا لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله ترة»
~~زاد النسائي: «ومن قام مقاما لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله ترة»
~~وخرج أيضا من حديث أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من قوم
~~يجلسون مجلسا لا يذكرون الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة، وإن
~~دخلوا الجنة» .
# وقال مجاهد: ما جلس قوم مجلسا، فتفرقوا قبل أن يذكروا الله، إلا تفرقوا
~~عن أنتن من ريح الجيفة، وكان مجلسهم يشهد عليهم بغفلتهم، وما جلس قوم
~~مجلسا، فذكروا الله قبل أن يتفرقوا، إلا أن يتفرقوا عن أطيب من ريح المسك،
~~وكان مجلسهم يشهد لهم بذكرهم.
# وقال بعض السلف: يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره، فكل ساعة لم
~~يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات.
# وخرجه الطبراني من حديث عائشة مرفوعا: " «ما من ms180 ساعة تمر بابن آدم لم
~~يذكر الله فيها بخير، إلا حسر عندها يوم القيامة» .
# PageV01P338
# فمن هنا يعلم أن ما ليس بخير من الكلام، فالسكوت عنه أفضل من التكلم به،
~~اللهم إلا ما تدعو إليه الحاجة مما لابد منه. وقد روي عن ابن مسعود قال:
~~إياكم وفضول الكلام، حسب امرئ ما بلغ حاجته. وعن النخعي قال: يهلك الناس في
~~فضول المال والكلام.
# وأيضا قال فإن الإكثار من الكلام الذي لا حاجة إليه يوجب قساوة القلب كما
~~في " الترمذي " من حديث ابن عمر مرفوعا: " «لا تكثروا الكلام بغير ذكر
~~الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله يقسي القلب، وإن أبعد الناس عن الله
~~القلب القاسي» ".
# وقال عمر: من كثر كلامه، كثر سقطه، ومن كثر سقطه، كثرت ذنوبه، ومن كثرت
~~ذنوبه، كانت النار أولى به وخرجه العقيلي من حديث ابن عمر
# PageV01P339
# مرفوعا بإسناد ضعيف.
# وقال محمد بن عجلان: إنما الكلام أربعة: أن تذكر الله، وتقرأ القرآن،
~~وتسأل عن علم فتخبر به، أو تكلم فيما يعنيك من أمر دنياك.
# وقال رجل لسلمان: أوصني، قال: لا تكلم، قال: ما يستطيع من عاش في الناس
~~أن لا يتكلم، قال: فإن تكلمت، فتكلم بحق أو اسكت.
# وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأخذ بلسانه ويقول: هذا أوردني
~~الموارد.
# وقال ابن مسعود: والله الذي لا إله إلا هو، ما على الأرض أحق بطول سجن من
~~اللسان وقال وهب بن منبه: أجمعت الحكماء على أن رأس الحكم الصمت.
# وقال شميط بن عجلان: يا ابن آدم، إنك ما سكت، فأنت سالم، فإذا تكلمت، فخذ
~~حذرك، إما لك وإما عليك وهذا باب يطول استقصاؤه.
# والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالكلام بالخير، والسكوت عما
~~ليس بخير، وخرج الإمام أحمد وابن حبان من حديث البراء بن عازب أن «رجلا
~~قال: يا رسول الله، علمني عملا يدخلني الجنة، فذكر الحديث وفيه قال: فأطعم
~~الجائع،
# PageV01P340
# واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك، فكف لسانك
~~إلا من خير» ms181 .
# فليس الكلام مأمورا به على الإطلاق، ولا السكوت كذلك، بل لابد من الكلام
~~بالخير والسكوت عن الشر، وكان السلف كثيرا يمدحون الصمت عن الشر، وعما لا
~~يعني لشدته على النفس، وذلك يقع فيه الناس كثيرا، فكانوا يعالجون أنفسهم،
~~ويجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم.
# قال الفضيل بن عياض: ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان، ولو
~~أصبحت يهمك لسانك، أصبحت في غم شديد، وقال: سجن اللسان سجن المؤمن، ولو
~~أصبحت يهمك لسانك، أصبحت في غم شديد.
# وسئل ابن المبارك عن قول لقمان لابنه: إن كان الكلام من فضة، فإن الصمت
~~من ذهب، فقال: معناه: لو كان الكلام بطاعة الله من فضة، فإن الصمت عن معصية
~~الله من ذهب. وهذا يرجع إلى أن الكف عن المعاصي أفضل من عمل الطاعات، وقد
~~سبق القول في هذا مستوفى.
# وتذاكروا عند الأحنف بن قيس، أيهما أفضل الصمت أو النطق؟ فقال قوم: الصمت
~~أفضل، فقال الأحنف: النطق أفضل، لأن فضل الصمت لا يعدو صاحبه، والمنطق
~~الحسن ينتفع به من سمعه.
# وقال رجل من العلماء عند عمر بن عبد العزيز رحمه الله: الصامت على علم
~~كالمتكلم على علم، فقال عمر: إني لأرجو أن يكون المتكلم على علم
# PageV01P341
# أفضلهما يوم القيامة حالا، وذلك أن منفعته للناس، وهذا صمته لنفسه، فقال
~~له: يا أمير المؤمنين وكيف بفتنة النطق؟ فبكى عمر عند ذلك بكاء شديدا.
# ولقد خطب عمر بن عبد العزيز يوما فرق الناس، وبكوا، فقطع خطبته، فقيل له:
~~لو أتممت كلامك رجونا أن ينفع الله به، فقال عمر: إن القول فتنة والفعل
~~أولى بالمؤمن من القول.
# وكنت من مدة طويلة قد رأيت في المنام أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز
~~رضي الله عنه، وسمعته يتكلم في هذه المسألة، وأظن أني فاوضته فيها وفهمت من
~~كلامه أن التكلم بالخير أفضل من السكوت، وأظن أنه وقع في أثناء الكلام ذكر
~~سليمان بن عبد الملك، وأن عمر قال ذلك له، وقد روي عن سليمان بن عبد الملك
~~أنه ms182 قال: الصمت منام العقل، والنطق يقظته، ولا يتم حال إلا بحال، يعني:
~~لابد من الصمت والكلام.
# وما أحسن ما قال عبيد الله بن أبي جعفر فقيه أهل مصر في وقته، وكان أحد
~~الحكماء: إذا كان المرء يحدث في مجلس، فأعجبه الحديث فليسكت، وإن كان
~~ساكتا، فأعجبه السكوت، فليحدث، وهذا حسن فإن من كان كذلك، كان سكوته وحديثه
~~لمخالفة هواه وإعجابه بنفسه، ومن كان كذلك، كان جديرا بتوفيق الله إياه
~~وتسديده في نطقه وسكوته، لأن كلامه وسكوته يكون لله عز وجل.
# وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل
~~قال: " «علامة الطهر أن يكون قلب العبد عندي معلقا، فإذا كان كذلك، لم
~~ينسني على حال، وإذ كان كذلك، مننت عليه بالاشتغال بي كي لا ينساني، فإذا
~~نسيني، حركت قلبه، فإن تكلم تكلم لي، وإن سكت، سكت لي، فذلك الذي تأتيه
~~المعونة من عندي» " خرجه إبراهيم بن الجنيد.
# PageV01P342
# وبكل حال، فالتزام الصمت مطلقا، واعتقاده قربة إما مطلقا، أو في بعض
~~العبادات، كالحج والاعتكاف والصيام منهي عنه وروي من حديث أبي هريرة عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صيام الصمت. وخرج الإسماعيلي من حديث
~~علي قال: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصمت في العكوف» ، وفي "
~~سنن أبي داود " من حديث علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صمات
~~يوم إلى الليل» . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لامرأة حجت مصمتة: إن
~~هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية وروي عن علي بن الحسين زين العابدين أنه
~~قال: صوم الصمت حرام.
# الثاني مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث المؤمنين
~~إكرام الجار، وفي بعض الروايات: " النهي عن أذى الجار " فأما أذى الجار،
~~فمحرم فإن الأذى بغير حق محرم لكل أحد، ولكن في حق الجار هو أشد تحريما،
~~وفي " الصحيحين " عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «سئل: أي
~~الذنب أعظم؟ قال: ms183 أن تجعل لله ندا وهو خلقك قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك
~~مخافة أن يطعم معك قيل: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك» وفي " مسند
# PageV01P343
# الإمام أحمد "، عن المقداد بن الأسود قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: «ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى
~~يوم القيامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يزني الرجل بعشر نسوة
~~أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره، قال: فما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرام
~~حرمها الله ورسوله، فهي حرام، قال: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه
~~من أن يسرق من جاره» .
# وفي " صحيح البخاري "، عن أبي شريح، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال:
~~من لا يأمن جاره بوائقه» ، وخرجه الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة.
# وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا
~~يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» .
# وخرج الإمام أحمد، والحاكم من حديث أبي هريرة أيضا قال: «قيل: يا رسول
~~الله إن فلانة تصلي بالليل، وتصوم النهار وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها
~~سليطة، قال: لا خير فيها، هي في النار» «وقيل له: إن فلانة تصلي المكتوبة،
~~وتصوم رمضان، وتتصدق بالأثوار، وليس لها شيء غيره، ولا تؤذي أحدا، قال: هي
~~في الجنة» ولفظ الإمام أحمد: " «ولا تؤذي بلسانها جيرانها» ".
# PageV01P344
# وخرج الحاكم من حديث أبي جحيفة قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه
~~وسلم يشكو جاره، فقال له: اطرح متاعك في الطريق قال: فجعل الناس يمرون به
~~فيلعنونه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ما لقيت
~~من الناس، قال: وما لقيت منهم؟ قال يلعنوني، قال: فقد لعنك الله قبل الناس
~~قال: يا رسول الله، فإني لا أعود» . وخرجه أبو داود بمعناه من حديث أبي
~~هريرة، ولم يذكر فيه: " فقد لعنك الله ms184 قبل الناس ".
# وخرج الخرائطي من حديث أم سلمة، قالت: «دخلت شاة لجارة لنا، فأخذت قرصة
~~لنا، فقمت إليها فأجتذبتها من بين لحييها، فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: إنه لا قليل من أذى الجار» .
# فأما إكرام الجار والإحسان إليه، فمأمور به، وقد قال الله عز وجل
~~{واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى
# PageV01P345
# والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما
~~ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} [النساء: 36] [النساء:
~~36] ، فجمع الله تعالى في هذه الآية بين ذكر حقه على العبد وحقوق العباد
~~على العباد أيضا، وجعل العباد الذين أمر بالإحسان إليهم خمسة أنواع: أحدها:
~~من بينه وبين الإنسان قرابة، وخص منهم الوالدين بالذكر؛ لامتيازهما عن سائر
~~الأقارب بما لا يشركونهما فيه، فإنهما كانا السبب في وجود الولد ولهما حق
~~التربية والتأديب وغير ذلك.
# الثاني: من هو ضعيف محتاج إلى الإحسان وهو نوعان: من هو محتاج لضعف بدنه،
~~وهو اليتيم، ومن هو محتاج لقلة ماله، وهو المسكين.
# والثالث: من له حق القرب والمخالطة، وجعلهم ثلاثة أنواع: جار ذو قربى،
~~وجار جنب، وصاحب بالجنب.
# وقد اختلف المفسرون في تأويل ذلك، فمنهم من قال: الجار ذو القربى: الجار
~~الذي له قرابة، والجار الجنب: الأجنبي، ومنهم من أدخل المرأة في الجار ذي
~~القربى، ومنهم من أدخلها في الجار الجنب، ومنهم من أدخل الرفيق في السفر في
~~الجار الجنب، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه:
~~«أعوذ بك من جار السوء في دار الإقامة، فإن جار البادية يتحول» .
# ومنهم من قال: الجار ذو القربى: الجار المسلم، والجار الجنب: الكافر، وفي
~~" مسند البزار " من حديث جابر مرفوعا: " الجيران ثلاثة: جار له حق واحد،
~~وهو أدنى الجيران حقا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران
~~حقا، فأما الذي له حق واحد، فجار مشرك، لا رحم له، له حق الجوار، وأما
# PageV01P346
# الذي له حقان، فجار مسلم، له ms185 حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة
~~حقوق، فجار مسلم ذو رحم، فله حق الإسلام، وحق الجوار، وحق الرحم "، وقد روي
~~هذا الحديث من وجوه أخرى متصلة ومرسلة، ولا تخلو كلها من مقال.
# وقيل: الجار ذو القربى: هو القريب الجوار الملاصق، والجار الجنب: البعيد
~~الجوار.
# وفي " صحيح البخاري " «عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله إن لي جارين،
~~فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما بابا» .
# وقال طائفة من السلف: حد الجوار أربعون دارا، وقيل: مستدار أربعين دارا
~~من كل جانب.
# وفي مراسيل الزهري: أن «رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جارا له،
~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أن ينادي: " ألا إن أربعين دارا
~~جار» " وقال الزهري: أربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون
~~هكذا، يعني ما بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله.
# PageV01P347
# وسئل الإمام أحمد عمن يطبخ قدرا وهو في دار السبيل، ومعه في الدار نحو
~~ثلاثين أو أربعين نفسا: يعني أنهم سكان معه في الدار، فقال: يبدأ بنفسه،
~~وبمن يعول، فإن فضل فضل، أعطي الأقرب إليه، وكيف يمكنه أن يعطيهم كلهم؟ قيل
~~له: لعل الذي هو جاره يتهاون بذلك القدر ليس له عنده موقع؟ فرأى أنه لا
~~يبعث إليه.
# وأما الصاحب بالجنب، ففسره طائفة بالزوجة، وفسره طائفة منهم ابن عباس
~~بالرفيق في السفر، ولم يريدوا إخراج الصاحب الملازم في الحضر وإنما أرادوا
~~أن صحبة السفر تكفي، فالصحبة الدائمة في الحضر أولى، ولهذا قال سعيد بن
~~جبير: هو الرفيق الصالح، وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في
~~السفر، وقال ابن زيد: هو الرجل يعتريك ويلم بك لتنفعه.
# وفي " المسند " والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند
~~الله خيرهم لجاره» .
# الرابع: من هو وارد على الإنسان، غير مقيم عنده، وهو ابن السبيل، يعني
~~المسافر إذا ورد إلى بلد آخر، وفسره بعضهم بالضيف: يعني ms186 به ابن السبيل إذا
~~نزل ضيفا على أحد.
# والخامس: ملك اليمين، وقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم بهم كثيرا وأمر
~~بالإحسان
# PageV01P348
# إليهم، وروي أن آخر ما وصى به عند موته: " «الصلاة وما ملكت أيمانكم» "،
~~وأدخل بعض السلف في هذه الآية: ما يملكه الإنسان من الحيوانات والبهائم.
# ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة في إكرام الجار، وفي " الصحيحين " عن
~~عائشة وابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما زال جبريل يوصيني
~~بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» .
# فمن أنواع الإحسان إلى الجار مواساته عند حاجته، وفي " المسند " عن عمر،
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يشبع المؤمن دون جاره» وخرج الحاكم
~~من حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المؤمن الذي يشبع
~~وجاره جائع» وفي رواية أخرى عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«ما آمن من بات شبعانا وجاره طاويا» .
# وفي " المسند " عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول
~~خصمين يوم
# PageV01P349
# القيامة جاران» .
# وفي كتاب " الأدب " للبخاري عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: " «كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة، فيقول: يا رب هذا أغلق بابه
~~دوني فمنع معروفه» ".
# وخرج الخرائطي وغيره بإسناد ضعيف من حديث عطاء الخراساني عن عمرو بن
~~شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «من أغلق بابه
~~دون جاره مخافة على أهله وماله، فليس ذلك بمؤمن، وليس بمؤمن من لم يأمن
~~جاره بوائقه. أتدري ما حق الجار؟ إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته،
~~وإذا افتقر، عدت عليه، وإذا مرض عدته، وإذا أصابه خير هنأته، وإذا أصابته
~~مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء، فتحجب عنه
~~الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت
~~فاكهة، فاهد له، فإن لم تفعل، فأدخلها سرا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها
~~ولده» "
# PageV01P350
# ورفع هذا الكلام منكر، ms187 ولعله من تفسير عطاء الخراساني.
# وقد روي أيضا عن عطاء، عن الحسن، عن جابر مرفوعا: " «أدنى حق الجوار أن
~~لا تؤذي جارك بقتار قدرك إلا أن تقدح له منها» ".
# وفي " صحيح مسلم " عن أبي ذر قال: " «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم
~~إذا طبخت مرقا، فأكثر ماءه، ثم انظر إلى أهل بيت جيرانك، فأصبهم منها
~~بمعروف» ".
# وفي رواية أن «النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا أبا ذر إذا طبخت مرقة،
~~فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك» ".
# وفي " المسند " والترمذي «عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ذبح شاة،
~~فقال: هل أهديتم منها لجارنا اليهودي ثلاث مرات، ثم قال: سمعت النبي صلى
~~الله عليه وسلم يقول: ما زال جبريل يوصيني بالجار ظننت أنه سيورثه» ".
# وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا
~~يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم
~~عنها معرضين،
# PageV01P351
# والله لأرمين بها بين أكتافكم» .
# ومذهب الإمام أحمد أن الجار يلزمه أن يمكن جاره من وضع خشبه على جداره
~~إذا احتاج الجار إلى ذلك ولم يضر بجداره، لهذا الحديث الصحيح، وظاهر كلامه
~~أنه يجب عليه أن يواسيه من فضل ما عنده بما لا يضر به إذا علم حاجته قال
~~المروزي: قلت لأبي عبد الله: إني أسمع السائل في الطريق يقول: إني جائع،
~~فقال: قد يصدق وقد يكذب. قلت: فإذا كان لي جار أعلم أنه يجوع؟ قال: تواسيه،
~~قلت: إذا كان قوتي رغيفين؟ قال: تطعمه شيئا، ثم قال: الذي جاء في الحديث
~~إنما هو الجار.
# وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله: الأغنياء يجب عليهم المواساة؟ قال: إذا
~~كان قوم يضعون شيئا على شيء كيف لا يجب عليهم، قلت: إذا كان للرجل قميصان،
~~أو قلت: جبتان، يجب عليه المواساة؟ قال: إذا كان يحتاج إلى أن يكون فضلا.
# وهذا نص منه في وجوب المواساة من الفاضل، ولم يخصه بالجار، ونصه الأول
~~يقتضي اختصاصه بالجار.
# وقال في رواية ابن هانئ في السؤال ms188 يكذبون أحب إلينا لو صدقوا ما وسعنا
~~إلا مواساتهم وهذا يدل على وجوب مواساة الجائع من الجيران، وغيرهم.
# وفي " الصحيح "، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أطعموا
~~الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني»
# PageV01P352
# وفي " المسند " و " صحيح الحاكم " عن [ابن] عمر، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله عز
~~وجل» .
# ومذهب أحمد ومالك أنه يمنع الجار أن يتصرف في خاص ملكه بما يضر بجاره،
~~فيجب عندهما كف الأذى عن الجار بمنع إحداث الانتفاع المضر به، ولو كان
~~المنتفع إنما ينتفع بخاص ملكه، ويجب عند أحمد أن يبذل لجاره ما يحتاج إليه،
~~ولا ضرر عليه في بذله، وأعلى من هذين أن يصبر على أذى جاره، ولا يقابله
~~بالأذى قال الحسن: ليس حسن الجوار كف الأذى، ولكن حسن الجوار احتمال الأذى،
~~ويروى من حديث أبي ذر يرفعه: " «إن الله يحب الرجل يكون له الجار يؤذيه
~~جواره، فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن» " خرجه الإمام أحمد.
~~وفي مراسيل أبي عبد الرحمن الحبلي أن «رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه
~~وسلم يشكو إليه جاره، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " كف أذاك عنه،
~~واصبر لأذاه، فكفى بالموت مفرقا» " خرجه ابن أبي الدنيا.
# PageV01P353
# الثالث مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين: إكرام الضيف،
~~والمراد إحسان ضيافته، وفي " الصحيحين " من حديث أبي شريح، قال: «أبصرت
~~عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعته أذناي حين تكلم به قال: من كان
~~يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه جائزته قالوا: وما جائزته؟ قال: "
~~يوم وليلة " قال: والضيافة ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك، فهو صدقة» ".
# وخرج مسلم من حديث أبي شريح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، وما أنفق عليه بعد ذلك، فهو صدقة،
~~ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يؤثمه قالوا: يا رسول الله كيف يؤثمه؟ ms189 قال:
~~يقيم ولا شيء له يقريه به» .
# وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه. قالها
~~ثلاثا، قالوا: وما إكرامة الضيف يا رسول الله؟ قال: ثلاثة أيام، فما جلس
~~بعد ذلك فهو صدقة» .
# PageV01P354
# ففي هذه الأحاديث أن جائزة الضيف يوم وليلة، وأن الضيافة ثلاثة أيام،
~~ففرق بين الجائزة والضيافة، وكذا الجائزة قد ورد في تأكيدها أحاديث أخر،
~~فخرج أبو داود من حديث المقدام بن معد يكرب، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: " «ليلة الضيف حق على كل مسلم، فمن أصبح بفنائه، فهو عليه دين، إن شاء
~~اقتضى، وإن شاء ترك» ". وخرجه ابن ماجه ولفظه: " «ليلة الضيف حق على كل
~~مسلم» ".
# وخرج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث المقدام أيضا عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: " «أيما رجل أضاف قوما، فأصبح الضيف محروما، فإن نصره حق
~~على كل مسلم حتى يأخذ بقرى ليلة من زرعه وماله» ".
# وفي " الصحيحين " عن عقبة بن عامر، قال: «قلنا يا رسول الله، إنك تبعثنا،
~~فننزل بقوم لا يقرونا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن
~~نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا، فإن لم يفعلوا، فخذوا
~~منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم» .
# PageV01P355
# وخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «أيما ضيف نزل بقوم، فأصبح الضيف محروما، فله أن يأخذ بقدر
~~قراه، ولا حرج عليه» .
# وقال عبد الله بن عمرو: من لم يضف، فليس من محمد، ولا من إبراهيم.
# وقال عبد الله بن الحارث بن جزء: من لم يكرم ضيفه، فليس من محمد، ولا من
~~إبراهيم.
# وقال أبو هريرة لقوم نزل عليهم، فاستضافهم، فلم يضيفوه، فتنحى ونزل،
~~فدعاهم إلى طعامه، فلم يجيبوه، فقال لهم: لا تنزلون الضيف ولا تجيبون
~~الدعوة ما أنتم من الإسلام على شيء، فعرفه رجل منهم، فقال له: انزل عافاك
~~الله، ms190 قال: هذا شر وشر، لا تنزلون إلا من تعرفون.
# وروي عن أبي الدرداء نحو هذه القضية إلا أنه قال لهم: ما أنتم من الدين
~~إلا على مثل هذه، وأشار إلى هدبة في ثوبه.
# وهذه النصوص تدل على وجوب الضيافة يوما وليلة، وهو قول الليث وأحمد، وقال
~~أحمد: له المطالبة بذلك إذا منعه، لأنه حق له واجب، وهل يأخذ بيده من ماله
~~إذا منعه، أو يرفعه إلى الحاكم؟ على روايتين منصوصتين عنه.
# وقال حميد بن زنجويه: ليلة الضيف واجبة، وليس له أن يأخذ قراه منهم قهرا،
~~إلا أن يكون مسافرا في مصالح المسلمين العامة دون مصلحة نفسه.
# PageV01P356
# وقال الليث بن سعد: لو نزل الضيف بالعبد أضافه من المال الذي بيده،
~~وللضيف أن يأكل وإن لم يعلم أن سيده أذن له، لأن الضيافة واجبة. وهو قياس
~~قول أحمد، لأنه نص على أنه يجوز إجابة دعوة العبد المأذون له في التجارة
~~وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم أجابوا دعوة المملوك، وروي ذلك عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم أيضا، فإذا جاز له أن يدعو الناس إلى طعامه ابتداء جاز
~~إجابة دعوته، فإضافته لمن نزل به أولى.
# ومنع مالك والشافعي وغيرهما من دعوة العبد المأذون له بدون إذن سيده،
~~ونقل علي بن سعيد عن أحمد ما يدل على وجوب الضيافة للغزاة خاصة بمن مروا
~~بهم ثلاثة أيام، والمشهور عنه الأول، وهو وجوبها لكل ضيف نزل بقوم.
# واختلف قوله: هل تجب على أهل الأمصار والقرى أم تختص بأهل القرى ومن كان
~~على طريق يمر بهم المسافرون؟ على روايتين منصوصتين عنه.
# والمنصوص عنه: أنها تجب للمسلم والكافر، وخص كثير من أصحابه الوجوب
~~للمسلم، كما لا تجب نفقة الأقارب مع اختلاف الدين على إحدى الروايتين عنه.
# فأما اليومان الآخران، وهما الثاني والثالث، فهما تمام الضيافة، والمنصوص
~~عن أحمد أنه لا يجب إلا الجائزة الأولى، وقال: قد فرق بين الجائزة،
~~والضيافة، والجائزة أوكد، ومن أصحابنا من أوجب الضيافة ثلاثة أيام: منهم
~~أبو بكر بن عبد العزيز، وابن ms191 أبي موسى، والآمدي، وما بعد الثلاث، فهو صدقة،
~~وظن بعض الناس أن الضيافة ثلاثة أيام بعد اليوم والليلة الأولى، ورده أحمد
~~بقوله
# PageV01P357
# صلى الله عليه وسلم: «الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة» ، ولو كان
~~كما ظن هذا، لكان أربعة.
# قلت: ونظير هذا قوله تعالى {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين}
~~[فصلت: 9] إلى قوله: {وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام} [فصلت:
~~10] [فصلت: 9 - 10] والمراد في تمام الأربعة.
# وهذا الحديث الذي احتج به أحمد قد تقدم من حديث أبي شريح، وخرجه البخاري
~~من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من كان يؤمن بالله
~~واليوم الآخر، فليحسن قرى ضيفه قيل: يا رسول الله، وما قرى الضيف؟ قال:
~~ثلاث، فما كان بعد، فهو صدقة» .
# قال حميد بن زنجويه: عليه أن يتكلف له في اليوم والليلة من الطعام أطيب
~~ما يأكله هو وعياله، وفي تمام الثلاث يطعمهم من طعامه، وفي هذا نظر. وسنذكر
~~حديث سلمان بالنهي عن التكلف للضيف، ونقل أشهب عن مالك، قال جائزته يوم
~~وليلة يكرمه ويتحفه ويخصه يوما وليلة وثلاثة أيام ضيافة، وكان ابن عمر
~~يمتنع من الأكل من مال من نزل عليه فوق ثلاثة أيام، ويأمر أن ينفق عليه من
~~ماله. ولصاحب المنزل أن يأمر الضيف بالتحول عنه بعد الثلاث، لأنه قضى ما
~~عليه، وفعل ذلك الإمام أحمد.
# PageV01P358
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل له أن يثوي عنده حتى يخرجه» يعني يقيم
~~عنده حتى يضيق عليه، لكن هل هذا في الأيام الثلاثة أم فيما زاد عليها؟ فأما
~~فيما ليس بواجب، فلا شك في تحريمه، وأما في ما هو واجب وهو اليوم والليلة
~~فينبنى على أنه هل تجب الضيافة على من لا يجد شيئا أم لا تجب إلا على من
~~وجد ما يضيف به؟ فإن قيل: إنها لا تجب إلا على من يجد ما يضيف به - وهو قول
~~طائفة من أهل الحديث، منهم حميد بن زنجويه - لم يحل للضيف أن يستضيف من ms192 هو
~~عاجز عن ضيافته. وقد روي من حديث سلمان قال: «نهانا رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم أن نتكلف للضيف ما ليس عندنا» فإذا نهي المضيف أن يتكلف للضيف ما
~~ليس عنده دل على أنه لا تجب عليه المواساة للضيف إلا بما عنده، فإذا لم يكن
~~عنده فضل لم يلزمه شيء، وأما إذا آثر على نفسه، كما فعل الأنصاري الذي نزل
~~فيه: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر: 9] [الحشر: 9] فذلك
~~مقام فضل وإحسان، وليس بواجب.
# PageV01P359
# ولو علم الضيف أنهم لا يضيفونه إلا بقوتهم وقوت صبيانهم، وأن الصبية
~~يتأذون بذلك، لم يجز له استضافتهم حينئذ عملا بقوله صلى الله عليه وسلم:
~~«لا يحل له أن يقيم عنده حتى يخرجه» .
# وأيضا فالضيافة نفقة واجبة، فلا تجب إلا على من عنده فضل، عن قوته وقوت
~~عياله، كنفقه الأقارب، وزكاة الفطر. وقد أنكر الخطابي تفسير تأثيمه بأن
~~يقيم عنده ولا شيء له يقريه، وقال: أراه غلطا، وكيف يأثم في ذلك وهو لا
~~يتسع لقراه، ولا يجد سبيلا إليه؟ وإنما الكلفة على قدر الطاقة، قال: وإنما
~~وجه الحديث أنه كره له المقام عنده بعد ثلاث لئلا يضيق صدره بمكانه، فتكون
~~الصدقة منه على وجه المن والأذى فيبطل أجره، وهذا الذي قاله فيه نظر، فإنه
~~قد صح تفسيره في الحديث بما أنكره، وإنما وجهه أنه أقام عنده ولاشيء له
~~يقريه به، فربما دعاه ضيق صدره به، وحرجه إلى ما يأثم به في قول، أو فعل،
~~وليس المراد أنه يأثم بترك قراه مع عجزه عنه، والله أعلم.
# PageV01P360
### | [الحديث السادس عشر أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال لا تغضب]
# PageV01P360
# الحديث السادس عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا
~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال: «لا تغضب فردد مرارا قال: لا
~~تغضب» رواه البخاري.
# هذا الحديث خرجه البخاري من طريق
~~أبي الحصين الأسدي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ولم يخرجه مسلم، لأن الأعمش
~~رواه، عن ms193 أبي صالح، واختلف عليه في إسناده فقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي
~~هريرة، كقول أبي حصين، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، وعند
~~يحيى بن معين أن هذا هو الصحيح، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي
~~سعيد، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو جابر، وقيل: عنه، عن أبي
~~صالح، عن رجل من الصحابة غير مسمى. وخرج الترمذي هذا الحديث من طريق أبي
~~حصين أيضا ولفظه: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول
~~الله علمني شيئا ولا تكثر علي لعلي أعيه، قال: لا تغضب فردد ذلك مرارا كل
~~ذلك يقول: لا تغضب» وفي رواية أخرى لغير الترمذي قال: «قلت: يا رسول الله
~~دلني على عمل يدخلني الجنة ولا تكثر علي قال: لا تغضب» . فهذا الرجل طلب من
~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصيه وصية وجيزة جامعة لخصال
# PageV01P361
# الخير، ليحفظها عنه خشية أن لا يحفظها لكثرتها، فوصاه النبي أن لا يغضب،
~~ثم ردد هذه المسألة عليه مرارا، والنبي صلى الله عليه وسلم يردد عليه هذا
~~الجواب، فهذا يدل على أن الغضب جماع الشر، وأن التحرز منه جماع الخير. ولعل
~~هذا الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو الدرداء، فقد خرج
~~الطبراني من حديث أبي الدرداء قال: «قلت: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني
~~الجنة، قال: لا تغضب ولك الجنة» . وقد روى الأحنف بن قيس عن عمه جارية بن
~~قدامة «أن رجلا قال: يا رسول الله قل لي قولا، وأقلل علي لعلي أعقله، " قال
~~لا تغضب " فأعاد عليه مرارا كل ذلك يقول: " لا تغضب» خرجه الإمام أحمد وفي
~~رواية له أن جارية بن قدامة قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.
~~فهذا يغلب على الظن أن السائل هو جارية بن قدامة، ولكن ذكر الإمام أحمد عن
~~يحيى القطان أنه قال: هكذا قال هشام، يعني: أن هشاما ذكر في الحديث أن
~~جارية سأل النبي ms194 صلى الله عليه وسلم، قال يحيى: وهم يقولون: إنه لم يدرك
~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا قال العجلي وغيره: إنه تابعي وليس بصحابي.
~~وخرج الإمام أحمد من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، عن
# PageV01P362
# رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قلت: يا رسول الله أوصني،
~~قال: لا تغضب قال الرجل: ففكرت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال،
~~فإذا الغضب يجمع الشر كله» ورواه مالك في " الموطأ " عن الزهري، عن حميد
~~مرسلا. وخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو أنه سأل النبي صلى الله
~~عليه وسلم: «ماذا يباعدني من غضب الله عز وجل؟ قال: لا تغضب» . وقول
~~الصحابي: ففكرت فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم فإذا الغضب يجمع الشر
~~كله يشهد لما ذكرناه أن الغضب جماع الشر، قال جعفر بن محمد: الغضب مفتاح كل
~~شر. وقيل لابن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة، قال: ترك الغضب. وكذا
~~فسر الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه حسن الخلق بترك الغضب، وقد روي ذلك
~~مرفوعا، خرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب " الصلاة " من حديث أبي العلاء
~~بن الشخير «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه، فقال: يا
~~رسول الله أي العمل أفضل؟ فقال: " حسن الخلق " ثم أتاه عن يمينه، فقال: يا
~~رسول الله أي العمل أفضل فقال: " حسن الخلق "، ثم أتاه عن شماله فقال: يا
~~رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: حسن الخلق ثم أتاه من بعده، يعني: من خلفه،
~~فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم فقال: " مالك لا تفقه! حسن الخلق هو أن لا تغضب إن استطعت» . وهذا
~~مرسل. فقوله صلى الله عليه وسلم لمن استوصاه: لا تغضب يحتمل أمرين:
# PageV01P363
# أحدهما: أن يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الكرم
~~والسخاء والحلم والحياء والتواضع والاحتمال وكف الأذى، والصفح والعفو، وكظم
~~الغيظ، والطلاقة والبشر، ونحو ذلك من ms195 الأخلاق الجميلة، فإن النفس إذا تخلقت
~~بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه.
~~والثاني: أن يكون المراد لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد نفسك
~~على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به، فإن الغضب إذا ملك ابن آدم كان الآمر
~~والناهي له، ولهذا المعنى قال الله عز وجل {ولما سكت عن موسى الغضب}
~~[الأعراف: 154] [الأعراف: 154] فإذا لم يمتثل الإنسان ما يأمره به غضبه،
~~وجاهد نفسه على ذلك، اندفع عنه شر الغضب، وربما سكن غضبه، وذهب عاجلا،
~~فكأنه حينئذ لم يغضب، وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة في القرآن بقوله عز وجل
~~{وإذا ما غضبوا هم يغفرون} [الشورى: 37] [الشورى: 37] ، وبقوله عز وجل:
~~{والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} [آل عمران: 134]
~~[آل عمران: 134] .
# وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر من غضب بتعاطي أسباب تدفع عنه الغضب،
~~وتسكنه، ويمدح من ملك نفسه عند غضبه ففي " الصحيحين " عن سليمان بن صرد
~~قال: «استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس، وأحدهما
~~يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني لأعلم
~~كلمة لو قالها، لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "
~~فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لست
~~بمجنون» . وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى
~~الله عليه وسلم
# PageV01P364
# قال في خطبته: «ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أفما رأيتم إلى حمرة
~~عينيه، وانتفاخ أوداجه، فمن أحس من ذلك شيئا فليلزق بالأرض» . وخرج الإمام
~~أحمد، وأبو داود من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا غضب
~~أحدكم وهو قائم، فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع» . وقد قيل: إن
~~المعنى في هذا أن القائم متهيئ، للانتقام، والجالس دونه في ذلك، والمضطجع
~~أبعد عنه، فأمره بالتباعد عن حالة الانتقام، ويشهد لذلك أنه روي من حديث
~~سنان ms196 بن سعد عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن حديث الحسن مرسلا،
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «الغضب جمرة في قلب الإنسان توقد ألا
~~ترى إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه، فإذا أحس أحدكم من ذلك شيئا، فليجلس،
~~ولا يعدونه الغضب» ". والمراد: أنه يحبسه في نفسه، ولا يعديه إلى غيره
~~بالأذى بالفعل، ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم في الفتن: " «إن
~~المضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من
~~الماشي، والماشي خير من الساعي» " وإن
# PageV01P365
# كان هذا على وجه ضرب المثال في الإسراع في الفتن، إلا أن المعنى: أن من
~~كان أقرب إلى الإسراع فيها، فهو شر ممن كان أبعد عن ذلك. وخرج الإمام أحمد
~~من حديث ابن عباس، عن النبي قال: «إذا غضب أحدكم، فليسكت، قالها ثلاثا» .
~~وهذا أيضا دواء عظيم للغضب، لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما
~~يندم عليه في حال زوال غضبه كثيرا من السباب وغيره مما يعظم ضرره، فإذا سكت
~~زال هذا الشر كله عنه، وما أحسن قول مورق العجلي رحمه الله: ما امتلأت غيظا
~~قط ولا تكلمت في غضب قط بما أندم عليه إذا رضيت. وغضب يوما عمر بن عبد
~~العزيز فقال له ابنه عبد الملك رحمهما الله: أنت يا أمير المؤمنين مع ما
~~أعطاك الله وفضلك به تغضب هذا الغضب؟ فقال له: أوما تغضب يا عبد الملك؟
~~فقال عبد الملك: وما يغني عني سعة جوفي إذا لم أردد فيه الغضب حتى لا يظهر؟
~~فهؤلاء قوم ملكوا أنفسهم عند الغضب رضي الله عنهم. وخرج الإمام أحمد، وأبو
~~داود من حديث عروة بن محمد السعدي أنه كلمه رجل فأغضبه، فقام فتوضأ، ثم
~~قال: حدثني أبي، عن جدي عطية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "
~~«إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء،
~~فإذا غضب أحدكم، فليتوضأ» ".
# PageV01P366
# وروى أبو نعيم بإسناده عن أبي مسلم الخولاني أنه ms197 كلم معاوية بشيء وهو على
~~المنبر، فغضب ثم نزل فاغتسل، ثم عاد إلى المنبر، وقال: سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم يقول: «إن الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، والماء
~~يطفئ النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل» . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي
~~يملك نفسه عند الغضب» . وفي " صحيح مسلم " عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: «ما تعدون الصرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا تصرعه الرجال، قال:
~~ليس ذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب» . وخرج الإمام أحمد، وأبو داود،
~~والترمذي، وابن ماجه من حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: «من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على
~~رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء» . وخرج الإمام أحمد من حديث ابن
~~عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما تجرع عبد
# PageV01P367
# جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله عز وجل» ومن حديث
~~ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من جرعة أحب إلى الله من
~~جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظم عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانا» وخرج أبو
~~داود معناه من رواية بعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "
~~«ملأه الله أمنا وإيمانا» ". وقال ميمون بن مهران: جاء رجل إلى سلمان،
~~فقال: يا أبا عبد الله أوصني، قال: لا تغضب، قال أمرتني أن لا أغضب وإنه
~~ليغشاني ما لا أملك، قال: فإن غضبت، فاملك لسانك ويدك خرجه ابن أبي الدنيا،
~~وملك لسانه ويده هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأمره لمن غضب
~~أن يجلس، ويضطجع وبأمره له أن يسكت. قال عمر بن عبد العزيز: قد أفلح من عصم
~~من الهوى، والغضب، والطمع. وقال الحسن: أربع من كن فيه عصمه الله من
~~الشيطان، وحرمه على النار: من ملك نفسه عند ms198 الرغبة والرهبة والشهوة والغضب.
~~وهذه الأربع التي ذكرها الحسن هي مبدأ الشر كله، فإن الرغبة في الشيء هي
~~ميل النفس إليه لاعتقاد نفعه، فمن حصل له رغبة في شيء، حملته تلك
# PageV01P368
# الرغبة على طلب ذلك الشيء من كل وجه يظنه موصلا إليه؛ وقد يكون كثير منها
~~محرما؛ وقد يكون ذلك الشيء المرغوب فيه محرما. والرهبة: هي الخوف من الشيء،
~~وإذا خاف الإنسان من شيء تسبب في دفعه عنه بكل طريق يظنه دافعا له، وقد
~~يكون كثير منها محرما. والشهوة: هي ميل النفس إلى ما يلائمها، وتلتذ به،
~~وقد تميل كثيرا إلى ما هو محرم كالزنا والسرقة وشرب الخمر، وإلى الكفر
~~والسحر والنفاق والبدع.
# والغضب: هو غليان دم القلب طلبا لدفع المؤذي عند خشية وقوعه، أو طلبا
~~للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعد وقوعه، وينشأ من ذلك كثير من الأفعال
~~المحرمة كالقتل والضرب وأنواع الظلم والعدوان؛ وكثير من الأقوال المحرمة
~~كالقذف والسب والفحش، وربما ارتقى إلى درجة الكفر، كما جرى لجبلة بن
~~الأيهم، وكالأيمان التي لا يجوز التزامها شرعا، وكطلاق الزوجة الذي يعقب
~~الندم. والواجب على المؤمن أن تكون شهوته مقصورة على طلب ما أباحه الله له،
~~وربما تناولها بنية صالحة، فأثيب عليها، وأن يكون غضبه دفعا للأذى في الدين
~~له أو لغيره وانتقاما ممن عصى الله ورسوله، كما قال تعالى: {قاتلوهم يعذبهم
~~الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين - ويذهب غيظ
~~قلوبهم} [التوبة: 14 - 15] [التوبة: 14 - 15] . وهذه كانت حال النبي صلى
~~الله عليه وسلم، فإنه كان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتهكت
# PageV01P369
# حرمات الله لم يقم لغضبه شيء ولم يضرب بيده خادما ولا امرأة إلا أن يجاهد
~~في سبيل الله. «وخدمه أنس عشر سنين، فما قال له: " أف " قط، ولا قال له
~~لشيء فعله: " لم فعلت كذا "، ولا لشيء لم يفعله: " ألا فعلت كذا» وفي رواية
~~أنه كان إذا لامه بعض أهله قال صلى الله عليه وسلم: " «دعوه فلو قضي شيء
~~كان» " وفي رواية للطبراني قال أنس: ms199 «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~عشر سنين، فما دريت شيئا قط وافقه، ولا شيئا خالفه رضى من الله بما كان» .
~~«وسئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه
~~القرآن» ، تعني: أنه تأدب بآدابه، وتخلق بأخلاقه، فما مدحه القرآن، كان فيه
~~رضاه، وما ذمه القرآن، كان فيه سخطه، وجاء في رواية عنها، قالت: «كان خلقه
~~القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه» . وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حيائه لا
~~يواجه أحدا بما يكره، بل تعرف الكراهة في وجهه، كما في " الصحيح " عن أبي
~~سعيد الخدري قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في
~~خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه، عرفناه في وجهه» . ولما بلغه ابن
# PageV01P370
# مسعود قول القائل: «هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، شق عليه صلى الله
~~عليه وسلم وتغير وجهه، وغضب، ولم يزد على أن قال: لقد أوذي موسى بأكثر من
~~هذا فصبر» . وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى، أو سمع ما يكرهه الله، غضب
~~لذلك، وقال فيه، ولم يسكت، وقد «دخل بيت عائشة فرأى سترا فيه تصاوير، فتلون
~~وجهه وهتكه، وقال: إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يصورون هذه
~~الصور» . ولما شكي إليه الإمام الذي يطيل بالناس صلاته حتى يتأخر بعضهم عن
~~الصلاة معه، غضب واشتد غضبه، ووعظ الناس، وأمر بالتخفيف. «ولما رأى النخامة
~~في قبلة المسجد، تغيظ، وحكها، وقال: إن أحدكم إذا كان في الصلاة، فإن الله
~~حيال وجهه، فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة» .
# PageV01P371
# وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم " «أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا» "
~~وهذا عزيز جدا، وهو أن الإنسان لا يقول سوى الحق سواء غضب أو رضي، فإن أكثر
~~الناس إذا غضب لا يتوقف فيما يقول. وخرج الطبراني من حديث أنس مرفوعا: "
~~«ثلاث من أخلاق الإيمان: من إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل، ومن إذا رضي،
~~لم يخرجه رضاه من حق، ومن إذا قدر، لم يتعاط ما ليس ms200 له» ". وقد روي «عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه أخبر عن رجلين ممن كان قبلنا كان أحدهما
~~عابدا، وكان الآخر مسرفا على نفسه، وكان العابد يعظه، فلا ينتهي، فرآه يوما
~~على ذنب استعظمه، فقال: والله لا يغفر الله لك، فغفر للمذنب، وأحبط عمل
~~العابد» . وقال أبو هريرة: لقد تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته، فكان أبو
~~هريرة يحذر الناس أن يقولوا مثل هذه الكلمة في غضب وقد خرجه الإمام أحمد
# PageV01P372
# وأبو داود، فهذا غضب لله، ثم تكلم في حال غضبه لله بما لا يجوز، وحتم على
~~الله بما لا يعلم، فأحبط الله عمله، فكيف بمن تكلم في غضبه لنفسه، ومتابعة
~~هواه بما لا يجوز. وفي " صحيح مسلم " «عن عمران بن حصين: أنهم كانوا مع
~~النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة، فضجرت
~~فلعنتها فسمع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: خذوا متاعها ودعوها» . وفيه
~~أيضا عن جابر قال: «سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ورجل من
~~الأنصار على ناضح له، فتلدن عليه بعض التلدن، فقال له: سر، لعنك الله، فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: انزل عنه، فلا تصحبنا بملعون، لا تدعوا على
~~أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله
~~ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم» . فهذا كله يدل على أن دعاء الغضبان قد
~~يجاب إذا صادف ساعة إجابة، وأنه ينهى عن الدعاء على نفسه وأهله وماله في
~~الغضب. وأما ما قاله مجاهد في قوله تعالى: {ولو يعجل الله للناس الشر
~~استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11] [يونس: 11] ، قال: هو
~~الواصل لأهله وولده وماله إذا غضب عليه، قال: اللهم لا تبارك فيه، اللهم
~~العنه، يقول: لو عجل له ذلك، لأهلك من دعا عليه، فأماته. فهذا يدل على أنه
~~لا يستجاب
# PageV01P373
# جميع ما يدعو به الغضبان على نفسه وأهله وماله، والحديث دل على أنه قد
~~يستجاب لمصادفته ساعة إجابة. وأما ما روي عن الفضيل ms201 بن عياض قال: ثلاثة لا
~~يلامون على غضب: الصائم والمريض والمسافر، وعن الأحنف بن قيس قال: يوحي
~~الله إلى الحافظين اللذين مع ابن آدم: لا تكتبا على عبدي في ضجره شيئا، وعن
~~أبي عمران الجوني قال: إن المريض إذا جزع فأذنب، قال الملك الذي على اليمين
~~للملك الذي على الشمال: لا تكتب، خرجه ابن أبي الدنيا، فهذا كله لا يعرف له
~~أصل صحيح من الشرع يدل عليه، والأحاديث التي ذكرناها من قبل تدل على خلافه.
# وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا غضبت فاسكت» يدل على أن الغضبان
~~مكلف في حال غضبه بالسكوت، فيكون حينئذ مؤاخذا بالكلام، وقد صح عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم أنه أمر من غضب أن يتلافى غضبه بما يسكنه من أقوال
~~وأفعال، وهذا هو عين التكليف له بقطع الغضب، فكيف يقال: إنه غير مكلف في
~~حال غضبه بما يصدر منه. وقال عطاء بن أبي رباح: ما أبكى العلماء بكاء آخر
~~العمر من غضبة يغضبها أحدهم فتهدم عمر خمسين سنة، أو ستين سنة، أو سبعين
~~سنة، ورب غضبة قد أقحمت صاحبها مقحما ما استقاله. خرجه ابن أبي الدنيا. ثم
~~إن من قال من السلف: إن الغضبان إذا كان سبب غضبه مباحا، كالمرض، أو السفر،
~~أو طاعة كالصوم، لا يلام عليه إنما مراده أنه لا إثم عليه إذا كان مما يقع
~~منه في حال الغضب كثيرا من كلام يوجب تضجرا أو سبا ونحوه كما قال صلى الله
~~عليه وسلم: «إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب
# PageV01P374
# البشر، فأيما مسلم سببته أو جلدته، فاجعلها له كفارة» . فأما ما كان من
~~كفر، أو ردة، أو قتل نفس، أو أخذ مال بغير حق ونحو ذلك، فهذا لا يشك مسلم
~~أنهم لم يريدوا أن الغضبان لا يؤاخذ به، وكذلك ما يقع من الغضبان من طلاق
~~وعتاق، أو يمين، فإنه يؤاخذ بذلك كله بغير خلاف وفي " مسند الإمام أحمد "،
~~«عن خويلة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أنها راجعت ms202 زوجها، فغضب، فظاهر
~~منها وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه وضجر، وأنها جاءت إلى النبي صلى الله
~~عليه وسلم، فجعلت تشكو إليه ما تلقى من سوء خلقه، فأنزل الله آية الظهار،
~~وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بكفارة الظهار» في قصة طويلة، وخرجها
~~ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي العالية: «أن خويلة غضب زوجها فظاهر منها،
~~فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بذلك، وقالت: إنه لم يرد الطلاق،
~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما أراك إلا حرمت عليه» ، وذكر القصة
~~بطولها، وفي آخرها، قال: فحول الله الطلاق، فجعله ظهارا. فهذا الرجل ظاهر
~~في حال غضبه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى حينئذ أن الظهار طلاق، وقد
~~قال: إنها حرمت عليه بذلك، يعني: لزمه الطلاق، فلما جعله الله ظهارا مكفرا
~~ألزمه بالكفارة، ولم يلغه. وروى مجاهد عن ابن عباس أن رجلا قال له: إني
~~طلقت امرأتي ثلاثا وأنا
# PageV01P375
# غضبان، فقال: ابن عباس لا يستطيع أن يحل لك ما حرم الله عليك، عصيت ربك
~~وحرمت عليك امرأتك خرجه الجوزجاني والدارقطني بإسناد على شرط مسلم.
# وخرج القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب " أحكام القرآن " بإسناد صحيح عن
~~عائشة قالت: اللغو في الأيمان ما كان في المراء والهزل والمزاحة، والحديث
~~الذي لا يعقد عليه القلب، وأيمان الكفارة على كل يمين حلفت عليها على جد من
~~الأمر في غضب أو غيره: لتفعلن أو لتتركن، فذلك عقد الأيمان فيها الكفارة
~~وكذا رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وهذا من أصح
~~الأسانيد، وهذا يدل على أن الحديث المروي عنها مرفوعا: " «لا طلاق ولا عتاق
~~في إغلاق» " إما أنه غير صحيح، أو أن تفسيره
# PageV01P376
# بالغضب غير صحيح. وقد صح، عن غير واحد من الصحابة أنهم أفتوا أن يمين
~~الغضبان منعقدة وفيها الكفارة، وما روي عن ابن عباس مما يخالف ذلك فلا يصح
~~إسناده، قال الحسن: طلاق السنة أن يطلقها واحدة طاهرا من غير جماع، وهو
~~بالخيار ما ms203 بينه وبين أن تحيض ثلاث حيض، فإن بدا له أن يراجعها كان أملك
~~بذلك، فإن كان غضبان، ففي ثلاث حيض، أو في ثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض ما
~~يذهب غضبه، وقال الحسن: لقد بين الله لئلا يندم أحد في طلاق كما أمره الله.
~~خرجه القاضي إسماعيل
# PageV01P377
# وقد جعل كثير من العلماء الكنايات مع الغضب كالصريح في أنه يقع بها
~~الطلاق ظاهرا؛ ولا يقبل تفسيرها مع الغضب بغير الطلاق، ومنهم من جعل الغضب
~~مع الكنايات كالنية، فأوقع بذلك الطلاق في الباطن أيضا، فكيف يجعل الغضب
~~مانعا من وقوع صريح الطلاق.
# PageV01P378
### | [الحديث السابع عشر إن الله كتب الإحسان على كل شيء]
# PageV01P378
# الحديث السابع عشر عن أبي يعلى شداد بن أوس، عن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم
~~فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح
~~ذبيحته» . رواه مسلم.
# هذا الحديث خرجه مسلم دون البخاري
~~من رواية أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، وتركه
~~البخاري، لأنه لم يخرج في " صحيحه " لأبي الأشعث شيئا وهو شامي ثقة. وقد
~~روي نحوه من حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل
~~محسن فأحسنوا، فإذا قتل أحدكم، فليحسن مقتوله، وإذا ذبح، فليحد شفرته،
~~وليرح ذبيحته» خرجه ابن عدي. وخرج الطبراني من حديث أنس، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: «إذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قلتم فأحسنوا، فإن الله محسن يحب
~~المحسنين» .
# PageV01P379
# فقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» وفي رواية
~~لأبي إسحاق الفزاري في كتاب " السير " عن خالد، عن أبي قلابة، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» أو قال: " على كل خلق "
~~هكذا خرجها مرسلة، وبالشك في " كل شيء " أو " كل خلق " وظاهره يقتضي أنه
~~كتب على كل مخلوق الإحسان، فيكون كل شيء أو كل مخلوق هو المكتوب عليه،
~~والمكتوب ms204 هو الإحسان. وقيل: إن المعنى أن الله كتب الإحسان إلى كل شيء، أو
~~في كل شيء، أو كتب الإحسان في الولاية على كل شيء، فيكون المكتوب عليه غير
~~مذكور، وإنما المذكور المحسن إليه. ولفظ " الكتابة " يقتضي الوجوب عند أكثر
~~الفقهاء والأصوليين خلافا لبعضهم، وإنما استعمال لفظة الكتابة في القرآن
~~فيما هو واجب حتم إما شرعا، كقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين
~~كتابا موقوتا} [النساء: 103] [النساء: 103] ، وقوله: {كتب عليكم الصيام}
~~[البقرة: 183] [البقرة: 182] ، {كتب عليكم القتال} [البقرة: 216] [البقرة:
~~216] ، أو فيما هو واقع قدرا لا محالة، كقوله: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي}
~~[المجادلة: 21] [المجادلة: 21] ، وقوله: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد
~~الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] [الأنبياء: 105] ،
~~وقوله: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} [المجادلة: 22]
# PageV01P380
# [المجادلة: 22] وقال النبي صلى الله عليه وسلم في قيام شهر رمضان: «إني
~~خشيت أن يكتب عليكم» وقال: " «أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي» "، وقال:
~~«كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فهو مدرك ذلك لا محالة» . وحينئذ فهذا
~~الحديث نص في وجوب الإحسان، وقد أمر الله تعالى به، فقال: {إن الله يأمر
~~بالعدل والإحسان} [النحل: 90] [النحل: 90] وقال: {أحسنوا إن الله يحب
~~المحسنين} [البقرة: 195] [البقرة: 195] . وهذا الأمر بالإحسان تارة يكون
~~للوجوب كالإحسان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البر والصلة
~~والإحسان إلى الضيف بقدر ما يحصل به قراه على ما سبق ذكره. وتارة يكون
~~للندب كصدقة التطوع ونحوها. وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من
~~الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة
~~والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها
~~واجب، وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب.
# PageV01P381
# والإحسان في ترك الحرمات: الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال
~~تعالى: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} [الأنعام: 120] [الأنعام: 120] . فهذا
~~القدر من الإحسان فيها واجب.
# وأما الإحسان في الصبر على المقدورات، فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من
~~غير تسخط ولا جزع. والإحسان الواجب في معاملة الخلق ms205 ومعاشرتهم: القيام بما
~~أوجب الله من حقوق ذلك كله، والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم،
~~القيام بواجبات الولاية كلها، والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان
~~ليس بواجب.
# والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب: إزهاق نفسه على أسرع
~~الوجوه وأسهلها وأوحاها من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه.
~~وهذا النوع هو الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، ولعله
~~ذكره على سبيل المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال: «إذا قتلتم
~~فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» والقتلة والذبحة بالكسر، أي
~~الهيئة، والمعنى: أحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل وهذا يدل على وجوب
~~الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه وقد حكى ابن
~~حزم الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة، وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه
~~بالسيف على العنق، قال الله تعالى في حق الكفار: {فإذا لقيتم الذين كفروا
~~فضرب الرقاب} [محمد: 4] [محمد: 4] ، وقال تعالى: {سألقي في قلوب الذين
~~كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق} [الأنفال: 12] [الأنفال: 12] وقد قيل:
~~إنه عين الموضع الذي يكون الضرب فيه أسهل على المقتول وهو فوق العظام ودون
~~الدماغ، ووصى دريد بن الصمة قاتله أن يقتله كذلك.
# PageV01P382
# «وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية تغزوا في سبيل الله قال
~~لهم: لا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا» . وخرج أبو داود، وابن ماجه من حديث ابن
~~مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعف الناس قتلة أهل الإيمان» .
~~وخرج أحمد وأبو داود من حديث عمران بن حصين وسمرة بن جندب «أن النبي صلى
~~الله عليه وسلم كان ينهى عن المثلة» .
# PageV01P383
# وخرج البخاري من حديث عبد الله بن يزيد، «عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~أنه نهى عن المثلة» . وخرج الإمام أحمد من حديث يعلى بن مرة عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: لا تمثلوا بعبادي» . وخرج أيضا من حديث
~~رجل من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ms206 مثل بذي روح، ثم لم
~~يتب، مثل الله به يوم القيامة» . واعلم أن القتل المباح يقع على وجهين:
~~أحدهما قصاص، فلا يجوز التمثيل فيه بالمقتص منه، بل يقتل كما قتل، فإن كان
~~قد مثل بالمقتول، فهل يمثل به كما فعل أم لا يقتل إلا بالسيف؟ فيه قولان
~~مشهوران للعلماء: أحدهما: أنه يفعل به كما فعل، وهو قول مالك والشافعي
~~وأحمد في المشهور
# PageV01P384
# عنه وفي " الصحيحين " عن أنس أن قال: «خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة،
~~فرماها يهودي بحجر، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها رمق،
~~فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلان قتلك؟ فرفعت رأسها، فقال لها
~~في الثالثة: فلان قتلك؟ فخفضت رأسها، فدعا به رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم، فرضخ رأسه بين الحجرين. وفي رواية لهما: فأخذ فاعترف» ، وفي رواية
~~لمسلم: «أن رجلا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها، ثم ألقاها في
~~القليب، ورضخ رأسها بالحجارة، فأخذ، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم،
~~فأمر به أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات» . والقول الثاني: لا قود إلا
~~بالسيف، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد. وعن أحمد رواية
~~ثالثة: يفعل به كما فعل إلا أن يكون حرقه بالنار أو مثل به، فيقتل بالسيف
~~للنهي عن المثلة وعن التحريق بالنار نقلها عنه الأثرم، وقد روي عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال: " «لا قود إلا بالسيف» " خرجه ابن ماجه وإسناده
# PageV01P385
# ضعيف، وقال أحمد: يروى " «لا قود إلا بالسيف» " وليس إسناده بجيد، وحديث
~~أنس، يعني: في قتل اليهودي بالحجارة أسند منه وأجود. ولو مثل به، ثم قتله
~~مثل أن قطع أطرافه، ثم قتله، فهل يكتفى بقتله أم يصنع به كما صنع، فيقطع
~~أطرافه ثم يقتل؟ على قولين: أحدهما: يفعل به كما فعل سواء، وهو قول أبي
~~حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وإسحاق وغيرهم والثاني: يكتفى
~~بقتله، وهو قول الثوري وأحمد في رواية وأبي يوسف ومحمد، وقال مالك: إن فعل ms207
~~ذلك به على سبيل التمثيل والتعذيب، فعل به كما فعل، وإن لم يكن على هذا
~~الوجه اكتفي بقتله. والوجه الثاني: أن يكون القتل للكفر، إما لكفر أصلي، أو
~~لردة عن الإسلام، فأكثر العلماء على كراهة المثلة فيه أيضا، وأنه يقتل فيه
~~بالسيف، وقد روي عن طائفة من السلف جواز التمثيل فيه بالتحريق بالنار وغير
~~ذلك، كما فعله خالد بن الوليد وغيره.
# PageV01P386
# وروي عن أبي بكر أنه حرق الفجاءة بالنار. وروي أن أم فرقد الفزارية ارتدت
~~في عهد أبي بكر الصديق، فأمر بها، فشدت ذوائبها في أذناب قلوصين أو فرسين،
~~ثم صاح بهما فتقطعت المرأة، وأسانيد هذه القصة متقطعة. وقد ذكر ابن سعد في
~~" طبقاته " بغير إسناد أن زيد بن حارثة قتلها هذه القتلة على عهد رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. وصح عن علي أنه
~~حرق المرتدين، وأنكر ذلك ابن عباس عليه، وقيل: إنه لم يحرقهم، وإنما دخن
~~عليهم حتى ماتوا، وقيل: إنه قتلهم، ثم حرقهم، ولا يصح ذلك. وروي عنه أنه
~~جيء بمرتد، فأمر به فوطئ بالأرجل حتى مات. واختار ابن عقيل - من أصحابنا -
~~جواز القتل بالتمثيل للكفر لا سيما إذا
# PageV01P387
# تغلظ، وحمل النهي عن المثلة على القتل بالقصاص، واستدل من أجاز ذلك بحديث
~~العرنيين، وقد خرجاه في " الصحيحين " من حديث أنس: «أن أناسا من عرينة
~~قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فاجتووها، فقال لهم رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة، فتشربوا من
~~ألبانها وأبوالها، فافعلوا ففعلوا فصحوا، ثم مالوا على الرعاء، فقتلوهم،
~~وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك
~~النبي صلى الله عليه وسلم. فبعث في أثرهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم،
~~وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا» ، وفي رواية: «ثم نبذوا في الشمس
~~حتى ماتوا» ، وفي رواية: «وسمرت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا
~~يسقون» ، وفي رواية للترمذي: «قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف» ms208 ، وفي رواية
~~للنسائي: وصلبهم. وقد اختلف العلماء في وجه عقوبة هؤلاء، فمنهم من قال: من
~~فعل مثل فعلهم فارتد، وحارب، وأخذ المال، صنع به كما صنع بهؤلاء، وروي هذا
~~عن طائفة، منهم أبو قلابة، وهو رواية عن أحمد. ومنهم من قال: بل هذا يدل
~~على جواز التمثيل ممن تغلظت جرائمه في الجملة، وإنما نهي عن التمثيل في
~~القصاص، وهو قول ابن عقيل من أصحابنا. ومنهم من قال: بل نسخ ما فعل
~~بالعرنيين بالنهي عن المثلة. ومنهم من قال: كان قبل نزول الحدود وآية
~~المحاربة، ثم نسخ بذلك، وهذا قول جماعة منهم الأوزاعي وأبو عبيد. ومنهم من
~~قال: بل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بهم إنما كان بآية المحاربة، ولم
~~ينسخ
# PageV01P388
# شيء من ذلك؛ وقالوا: إنما قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وقطع أيديهم،
~~لأنهم أخذوا المال؛ ومن أخذ المال وقتل، قطع وقتل، وصلب حتما؛ فيقتل لقتله
~~ويقطع لأخذه المال يده ورجله من خلاف، ويصلب لجمعه بين الجنايتين وهما
~~القتل وأخذ المال، وهذا قول الحسن، ورواية عن أحمد. وإنما سمل أعينهم،
~~لأنهم سملوا أعين الرعاة كذا خرجه مسلم من حديث أنس، وذكر ابن شهاب أنهم
~~قتلوا الراعي، ومثلوا به، وذكر ابن سعد أنهم قطعوا يده ورجله، وغرسوا الشوك
~~في لسانه وعينيه حتى مات، وحينئذ، فقد يكون قطعهم، وسمل أعينهم، وتعطيشهم
~~قصاصا، وهذا يتخرج على قول من يقول: إن المحارب إذا جنى جناية توجب القصاص
~~استوفيت منه قبل قتله، وهو مذهب أحمد. لكن هل يستوفى منه تحتما كقتله أم
~~على وجه القصاص، فيسقط بعفو الولي؟ على روايتين عنه، ولكن رواية الترمذي أن
~~قطعهم من خلاف يدل على أن قطعهم للمحاربة إلا أن يكونوا قد قطعوا يد الراعي
~~ورجله من خلاف والله أعلم. وقد روي «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان
~~أذن في التحريق بالنار، ثم نهى عنه» كما في " صحيح البخاري " عن أبي هريرة
~~قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: إن وجدتم فلانا ms209
~~وفلانا - لرجلين من قريش - فاحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم حين أردنا الخروج: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا
~~بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما» . وفيه
~~أيضا عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تعذبوا بعذاب الله
~~عز وجل» .
# PageV01P389
# وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث ابن مسعود قال: «كنا مع
~~النبي صلى الله عليه وسلم، فمررنا بقرية نمل قد أحرقت، فغضب النبي صلى الله
~~عليه وسلم وقال: إنه لا ينبغي لبشر أن يعذب بعذاب الله عز وجل» . وقد حرق
~~خالد جماعة في الردة، وروي عن طائفة من الصحابة تحريق من عمل عمل قوم لوط،
~~وروي عن علي أنه أشار على أبي بكر أن يقتله ثم يحرقه بالنار، واستحسن ذلك
~~إسحاق بن راهويه لئلا يكون تعذيبا بالنار. وفي " مسند الإمام أحمد " أن
~~عليا لما ضربه ابن ملجم قال: افعلوا به كما أراد رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم أن يفعل برجل أراد قتله، قال: «اقتلوه ثم حرقوه» . وأكثر العلماء على
~~كراهة التحريق بالنار حتى للهوام، وقال إبراهيم النخعي: تحريق العقرب
~~بالنار مثلة. ونهت أم الدرداء عن تحريق البرغوث بالنار. وقال أحمد لا يشوى
~~السمك في النار وهو حي، وقال: الجراد أهون، لأنه لا دم له.
# وقد ثبت «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صبر البهائم» ، وهو: أن
~~تحبس البهيمة ثم تضرب بالنبل ونحوه حتى تموت، ففي " الصحيحين " عن أنس أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم «نهى أن تصبر البهائم» . وفيهما أيضا، «عن ابن
~~عمر: أنه مر بقوم نصبوا دجاجة يرمونها، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ إن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذا» .
# PageV01P390
# وخرج مسلم من حديث ابن عباس، «عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى أن
~~يتخذ شيء فيه الروح غرضا» ، والغرض: هو الذي يرمى فيه بالسهام. وفي " مسند
~~الإمام أحمد " عن أبي هريرة «أن النبي ms210 صلى الله عليه وسلم نهى عن الرمية:
~~أن ترمى الدابة ثم تؤكل " ولكن تذبح، ثم ليرموا إن شاءوا» وفي هذا المعنى
~~أحاديث كثيرة. فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإحسان القتل والذبح،
~~وأمر أن تحد الشفرة، وأن تراح الذبيحة، يشير إلى أن الذبح بالآلة الحادة
~~يريح الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها. وخرج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث ابن
~~عمر، قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحد الشفار، وأن توارى عن
~~البهائم، وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز» يعني: فليسرع الذبح. وقد ورد الأمر
~~بالرفق بالذبيحة عند ذبحها. وخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري قال:
~~«مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وهو يجر شاة بأذنها، فقال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: دع أذنها وخذ بسالفتها» والسالفة: مقدم العنق. وخرج
~~الخلال والطبراني من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: «مر رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم برجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه
~~ببصرها، فقال: أفلا قبل هذا؟ تريد أن تميتها موتات؟» وقد روي عن عكرمة
# PageV01P391
# مرسلا خرجه عبد الرزاق وغيره، وفيه زيادة: " «هلا حددت شفرتك قبل أن
~~تضجعها» ". وقال الإمام أحمد: تقاد إلى الذبح قودا رفيقا، وتوارى السكين
~~عنها، ولا تظهر السكين إلا عند الذبح، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بذلك أن توارى الشفار. وقال: ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أنها تعرف
~~ربها، وتعرف أنها تموت. وقال يروى عن ابن سابط أنه قال: إن البهائم جبلت
~~على كل شيء إلا أنها تعرف ربها، وتخاف الموت.
# وقد ورد الأمر بقطع الأوداج عند الذبح، كما خرجه أبو داود من حديث عكرمة،
~~عن ابن عباس، وأبي هريرة، «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن شريطة
~~الشيطان وهي التي تذبح فتقطع الجلد، ولا تفري الأوداج» ، وخرجه ابن حبان في
~~" صحيحه " وعنده قال عكرمة: كانوا يقطعون منها الشيء اليسير، ثم يدعونها
~~حتى تموت، ولا يقطعون الودج، فنهى عن ذلك. ms211 وروى عبد الرزاق في كتابه، عن
~~محمد بن راشد، عن الوضين بن عطاء، قال: «إن جزارا فتح بابا على شاة ليذبحها
~~فانفلتت منه حتى جاءت النبي صلى الله عليه وسلم، فاتبعها فأخذ يسحبها
~~برجلها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اصبري لأمر الله، وأنت يا جزار
~~فسقها إلى الموت سوقا رفيقا» . وبإسناده عن ابن سيرين أن عمر رأى رجلا يسحب
~~شاة برجلها ليذبحها،
# PageV01P392
# فقال له: ويلك قدها إلى الموت قودا جميلا. وروى محمد بن زياد أن ابن عمر
~~رأى قصابا يجر شاة، فقال: سقها إلى الموت سوقا جميلا، فأخرج القصاب شفرته
~~فقال: ما أسوقها سوقا جميلا وأنا أريد أن أذبحها الساعة، فقال: سقها سوقا
~~جميلا. وفي " مسند الإمام أحمد " عن معاوية بن قرة، عن أبيه: «أن رجلا قال
~~للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال
~~النبي صلى الله عليه وسلم: والشاة إن رحمتها رحمك الله» . وقال مطرف بن عبد
~~الله: إن الله ليرحم برحمة العصفور. وقال نوف البكالي: إن رجلا ذبح عجولا
~~بين يدي أمه، فخبل، فبينا هو تحت شجرة فيها وكر فيه فرخ، فوقع الفرخ إلى
~~الأرض، فرحمه فأعاده في مكانه، فرد الله عليه قوته. وقد روي من غير وجه «عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى أن توله والدة عن ولدها» ، وهو عام في
~~بني آدم وغيرهم. وفي سنن أبي داود: «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن
~~الفرع، فقال: " هو حق وأن تتركوه حتى يكون بكرا ابن مخاض، أو ابن لبون،
~~فتعطيه أرملة، أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلصق لحمه
~~بوبره، وتكفئ إناءك وتوله ناقتك» .
# PageV01P393
# والمعنى: أن ولد الناقة إذا ذبح وهو صغير عند ولادته لم ينتفع بلحمه،
~~وتضرر صاحبه بانقطاع لبن ناقته، فتكفئ إناءه وهو المحلب الذي تحلب فيه
~~الناقة، وتوله الناقة على ولدها بفقدها إياه.
# PageV01P394
### | [الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها]
# PageV01P394
# الحديث الثامن عشر ms212 عن أبي ذر ومعاذ بن جبل رضي الله
~~عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع
~~السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» رواه الترمذي وقال: حديث حسن،
~~وفي بعض النسخ: حسن صحيح.
# هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية
~~سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن أبي ذر،
~~وخرجه أيضا بهذا الإسناد، عن ميمون، عن معاذ، وذكر عن شيخه محمود بن غيلان
~~أنه قال: حديث أبي ذر أصح. فهذا الحديث قد اختلف في إسناده وقيل فيه: عن
~~حبيب، عن ميمون: أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى بذلك، مرسلا، ورجح
~~الدارقطني هذا المرسل. وقد حسن الترمذي هذا الحديث، وما وقع في بعض النسخ
~~من تصحيحه، فبعيد، ولكن الحاكم خرجه، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وهو وهم
~~من وجهين: أحدهما: أن ميمون بن أبي شبيب، ويقال: ابن شبيب لم يخرج له
~~البخاري في " صحيحه " شيئا، ولا مسلم إلا في مقدمة كتابه حديثا عن
# PageV01P395
# المغيرة بن شعبة. والثاني: أن ميمون بن أبي شبيب لم يصح سماعه من أحد من
~~الصحابة، قال الفلاس: ليس في شيء من رواياته عن الصحابة " سمعت " ولم أخبر
~~أن أحدا يزعم أنه سمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو حاتم
~~الرازي: روايته عن أبي ذر وعائشة غير متصلة. وقال أبو داود: لم يدرك عائشة،
~~ولم ير عليا، وحينئذ فلم يدرك معاذا بطريق الأولى. وروى البخاري وشيخه علي
~~بن المديني، وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم أن الحديث لا يتصل إلا بصحة اللقي،
~~وكلام الإمام أحمد يدل على ذلك، ونص عليه الشافعي في " الرسالة " وهذا كله
~~خلاف رأي مسلم رحمه الله. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصى
~~بهذه الوصية معاذا وأبا ذر من وجوه أخر، فخرج البزار من حديث أبي لهيعة، عن
~~أبي الزبير، عن أبي الطفيل، «عن معاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه
~~إلى قوم، فقال: ms213 يا رسول الله أوصني، قال: أفش السلام، وابذل الطعام، واستحي
~~من الله استحياء رجل ذي هيئة من أهلك، وإذا أسأت فأحسن، وليحسن خلقك ما
~~استطعت» . وخرج الطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن
# PageV01P396
# معاذ بن جبل أراد سفرا، فقال: يا رسول الله أوصني قال: اعبد الله، ولا
~~تشرك به شيئا " قال: يا رسول الله زدني، قال: " إذا أسأت فأحسن " قال: يا
~~رسول الله زدني، قال: " استقم ولتحسن خلقك» . وخرج الإمام أحمد من حديث
~~دراج، عن أبي الهيثم، «عن أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:
~~أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن، ولا تسألن أحدا
~~شيئا وإن سقط سوطك، ولا تقبض أمانة، ولا تقض بين اثنين» . وخرج أيضا من وجه
~~آخر «عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله علمني عملا يقربني من الجنة
~~ويباعدني من النار، قال: إذا عملت سيئة، فاعمل حسنة، فإنها عشر أمثالها
~~قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: هي أحسن
~~الحسنات» . وخرج ابن عبد البر في " التمهيد " بإسناد فيه نظر عن أنس قال:
~~«بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن، فقال: " يا معاذ اتق الله،
~~وخالق الناس بخلق حسن، وإذا عملت سيئة، فأتبعها حسنة " فقال: قلت: يا رسول
~~الله لا إله إلا الله من الحسنات؟ قال: " هي من أكبر الحسنات» . وقد رويت
~~وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ من حديث ابن عمر وغيره بسياق مطول من
~~وجوه فيها ضعف. ويدخل في هذا المعنى حديث أبي هريرة، «عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم أنه سئل: ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن
~~الخلق» خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، وابن حبان في " صحيحه
~~".
# PageV01P397
# فهذه الوصية وصية عظيمة جامعة لحقوق الله وحقوق عباده، فإن حق الله على
~~عباده أن يتقوه حق تقاته، والتقوى وصية الله للأولين والآخرين. قال تعالى:
~~{ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ms214 من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء:
~~131] [النساء: 131] . وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره
~~وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من
~~غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه. وتارة
~~تضاف التقوى إلى اسم الله عز وجل، كقوله تعالى: {واتقوا الله الذي إليه
~~تحشرون} [المائدة: 96] [المائدة: 96] ، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا
~~الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [الحشر:
~~18] [الحشر: 18] ، فإذا أضيفت التقوى إليه سبحانه وتعالى، فالمعنى: اتقوا
~~سخطه وغضبه، وهو أعظم ما يتقى، وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي، قال
~~تعالى: {ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: 28] [آل عمران: 28] ، وقال تعالى:
~~{هو أهل التقوى وأهل المغفرة} [المدثر: 56] [المدثر: 56] ، فهو سبحانه أهل
~~أن يخشى ويهاب ويجل ويعظم في صدور عباده حتى يعبدوه ويطيعوه، لما يستحقه من
~~الإجلال والإكرام، وصفات الكبرياء والعظمة وقوة البطش، وشدة البأس. وفي
~~الترمذي عن أنس، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية {هو أهل التقوى
~~وأهل المغفرة} [المدثر: 56] [المدثر: 56] قال: قال الله تعالى: " أنا أهل
~~أن أتقى، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر، فأنا أهل أن أغفر له» .
# PageV01P398
# وتارة تضاف التقوى إلى عقاب الله وإلى مكانه، كالنار، أو إلى زمانه، كيوم
~~القيامة، كما قال تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران:
~~131] [آل عمران: 131] ، وقال تعالى: {فاتقوا النار التي وقودها الناس
~~والحجارة أعدت للكافرين} [البقرة: 24] [البقرة: 24] ، وقال تعالى: {واتقوا
~~يوما ترجعون فيه إلى الله - واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} [البقرة:
~~281 - 123] [البقرة: 48، 123] .
# ويدخل في التقوى الكاملة فعل الواجبات، وترك المحرمات والشبهات، وربما
~~دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات، وترك المكروهات، وهي أعلى درجات التقوى،
~~قال الله تعالى: {الم - ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين - الذين يؤمنون
~~بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون - والذين يؤمنون بما أنزل إليك
~~وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة: 1 - 4] [البقرة: ms215 1 - 4] .
# PageV01P399
# وقال تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب
~~والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل
~~والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا
~~والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم
~~المتقون} [البقرة: 177] [البقرة: 177] . قال معاذ بن جبل: ينادى يوم
~~القيامة: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب منهم ولا يستتر،
~~قالوا له: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله
~~بالعبادة. وقال ابن عباس: المتقون الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما
~~يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به. وقال الحسن: المتقون
~~اتقوا ما حرم الله عليهم، وأدوا ما افترض عليهم. وقال عمر بن عبد العزيز:
~~ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن
~~تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرا،
~~فهو خير إلى خير. وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من
~~الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
~~وعن أبي الدرداء قال: تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال
~~ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما يكون حجابا بينه
~~وبين الحرام، فإن الله قد بين للعباد الذي يصيرهم إليه فقال: {فمن يعمل
~~مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة: 7،
~~8] ، فلا تحقرن شيئا من الخير أن تفعله، ولا شيئا من الشر أن تتقيه.
# PageV01P400
# وقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة
~~الحرام. وقال الثوري: إنما سموا متقين، لأنهم اتقوا ما لا يتقى. وقال موسى
~~بن أعين: المتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام،
~~فسماهم الله متقين. وقد سبق حديث " «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى
~~يدع ما لا ms216 بأس به حذرا مما به بأس» ". وحديث: " «من اتقى الشبهات استبرأ
~~لدينه وعرضه» ". وقال ميمون بن مهران: المتقي أشد محاسبة لنفسه من الشريك
~~الشحيح لشريكه. وقال ابن مسعود في قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} [آل
~~عمران: 102] [آل عمران: 102] ، قال: أن يطاع، فلا يعصى، ويذكر، فلا ينسى،
~~وأن يشكر، فلا يكفر. وخرجه الحاكم مرفوعا والموقوف أصح، وشكره يدخل فيه
~~جميع فعل الطاعات.
# PageV01P401
# ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته
~~وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها. وقد يغلب استعمال التقوى
~~على اجتناب المحرمات كما قال أبو هريرة وسئل عن التقوى، فقال: هل أخذت
~~طريقا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو
~~جاوزته، أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى. وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال:
# خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها فهو التقى
# واصنع كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى
# لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى
# وأصل التقوى: أن يعلم العبد ما يتقى ثم يتقي، قال عون بن عبد الله: تمام
~~التقوى أن تبتغي علم ما لم يعلم منها إلى ما علم منها. وذكر معروف الكرخي
~~عن بكر بن خنيس، قال: كيف يكون متقيا من لا يدري ما يتقي؟ ثم قال معروف:
~~إذا كنت لا تحسن تتقي أكلت الربا، وإذا كنت لا تحسن تتقي لقيتك امرأة فلم
~~تغض بصرك، وإذا كنت لا تحسن تتقي وضعت سيفك على عاتقك، وقد قال النبي صلى
~~الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة: «إذا رأيت أمتي قد اختلفت، فاعمد إلى سيفك
~~فاضرب به أحدا» ثم قال معروف: ومجلسي هذا لعله كان ينبغي لنا أن نتقيه، ثم
~~قال: ومجيئكم معي من المسجد إلى هاهنا كان ينبغي لنا أن نتقيه، أليس جاء في
~~الحديث: " «إنه فتنة للمتبوع مذلة للتابع» "؟ يعني: مشي الناس خلف الرجل.
# PageV01P402
# وفي الجملة، فالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم لأمته، وكان صلى الله عليه وسلم ms217 إذا بعث أميرا على سرية أوصاه في
~~خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرا. ولما خطب رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم النحر وصى الناس بتقوى الله وبالسمع
~~والطاعة لأئمتهم. ولما وعظ الناس، قالوا له: كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال:
~~«أوصيكم
# PageV01P404
# بتقوى الله والسمع والطاعة» . وفي حديث أبي ذر الطويل الذي خرجه ابن حبان
~~وغيره: «قلت: يا رسول الله أوصني، قال: أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس الأمر
~~كله» . وخرج الإمام أحمد من حديث «أبي سعيد الخدري، قال: قلت: يا رسول الله
~~أوصني، قال: أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنه
~~رهبانية الإسلام» ، وخرجه غيره ولفظه: قال: " «عليك بتقوى الله فإنه جماع
~~كل خير» ". وفي الترمذي عن يزيد بن سلمة: أنه «سأل النبي صلى الله عليه
~~وسلم فقال: يا رسول الله إني سمعت منك حديثا كثيرا فأخاف أن ينسيني أوله
~~آخره، فحدثني بكلمة تكون جماعا، قال: اتق الله فيما تعلم» . ولم يزل السلف
~~الصالح يتواصون بها، كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في خطبته: أما
~~بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو أهله،
# PageV01P405
# وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله عز وجل
~~أثنى على زكريا وأهل بيته، فقال: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا
~~رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين} [الأنبياء: 90] [الأنبياء: 90] . ولما حضرته
~~الوفاة، وعهد إلى عمر، دعاه، فوصاه بوصيته، وأول ما قال له: اتق الله يا
~~عمر. وكتب عمر إلى ابنه عبد الله: أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل،
~~فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، واجعل التقوى نصب
~~عينيك وجلاء قلبك. واستعمل علي بن أبي طالب رجلا على سرية، فقال له: أوصيك
~~بتقوى الله الذي لابد لك من لقائه، ولا منتهى لك دونه وهو يملك الدنيا
~~والآخرة. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: أوصيك بتقوى الله عز وجل التي لا
~~يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا ms218 يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها
~~كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين. ولما ولى خطب،
~~فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: أوصيكم بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله عز
~~وجل خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف. وقال رجل ليونس بن عبيد: أوصني،
~~فقال: أوصيك بتقوى الله والإحسان. فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم
~~محسنون. وقال له رجل يريد الحج: أوصني، فقال له: اتق الله، فمن اتقى الله،
~~فلا وحشة عليه. وقيل لرجل من التابعين عند موته: أوصنا، فقال: أوصيكم
~~بخاتمة سورة
# PageV01P406
# النحل: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128] [النحل:
~~128] . وكتب رجل من السلف إلى أخ له: أوصيك بتقوى الله، فإنها أكرم ما
~~أسررت، وأزين ما أظهرت، وأفضل ما ادخرت، أعاننا الله وإياك عليها، وأوجب
~~لنا ولك ثوابها. وكتب رجل منهم إلى أخ له: أوصيك وأنفسنا، بالتقوى فإنها
~~خير زاد الآخرة والأولى، واجعلها إلى كل خير سبيلك، ومن كل شر مهربك، فقد
~~توكل الله عز وجل لأهلها بالنجاة مما يحذرون، والرزق من حيث لا يحتسبون.
~~وقال شعبة: كنت إذا أردت الخروج، قلت للحكم: ألك حاجة، فقال: أوصيك بما
~~أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع
~~السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن.» وقد ثبت عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفة
~~والغنى» . وقال أبو ذر: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {ومن
~~يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] [الطلاق: 2] ، ثم قال: يا أبا ذر " لو
~~أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم» . فقوله صلى الله عليه وسلم: «اتق الله
~~حيثما كنت» مراده في السر والعلانية حيث يراه الناس وحيث لا يرونه، وقد
~~ذكرنا من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أوصيك بتقوى
~~الله فى سر أمرك وعلانيته» ، «وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في
~~دعائه: ms219 " أسألك خشيتك في الغيب والشهادة» وخشية الله في الغيب والشهادة هي
~~من المنجيات.
# PageV01P407
# وقد سبق من حديث أبي الطفيل «عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
~~له: استحي من الله استحياء رجل ذي هيبة من أهلك» وهذا هو السبب الموجب
~~لخشية الله في السر، فإن من علم أن الله يراه حيث كان، وأنه مطلع على باطنه
~~وظاهره، وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته، أوجب له ذلك ترك المعاصي في
~~السر، وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله عز وجل {واتقوا الله الذي
~~تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1] [النساء: 1] .
~~كان بعض السلف يقول لأصحابه: زهدنا الله وإياكم في الحرام زهد من قدر عليه
~~في الخلوة، فعلم أن الله يراه، فتركه من خشيته، أو كما قال. وقال الشافعي:
~~أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى
~~أو يخاف. وكتب ابن السماك الواعظ إلى أخ له: أما بعد، أوصيك بتقوى الله
~~الذي هو نجيك في سريرتك ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كل حالك
~~في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك، وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه ليس
~~تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرك،
~~وليكثر منه وجلك والسلام. وقال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبي من
~~الأنبياء: قل لقومك: ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي، وتظهرونها لي؛ إن
~~كنتم ترون أني لا أراكم، فأنتم مشركون بي، وإن كنتم ترون أني أراكم فلم
~~جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ وكان وهيب بن الورد يقول: خف الله على قدر
~~قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك، وقال له رجل: عظني، فقال له: اتق
~~الله أن يكون أهون الناظرين إليك وكان بعض السلف يقول: أتراك ترحم من لم
~~تقر عينيه بمعصيتك حتى علم أن لا عين تراه غيرك؟
# PageV01P408
# وقال بعضهم: ابن آدم إن كنت حيث ركبت المعصية لم تصف لك من عين ناظرة ms220
~~إليك، فلما خلوت بالله وحده صفت لك معصيته، ولم تستحي منه حياءك من بعض
~~خلقه، ما أنت إلا أحد رجلين: إن كنت ظننت أنه لا يراك، فقد كفرت، وإن كنت
~~علمت أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أضعف خلقه لقد اجترأت عليه. دخل
~~بعضهم غيضة ذات شجر، فقال: لو خلوت هاهنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع هاتفا
~~بصوت ملأ الغيضة: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] [الملك:
~~14] . راود بعضهم أعرابية، وقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت: أين
~~مكوكبها؟ . رأى محمد بن المنكدر رجلا واقفا مع امرأة يكلمها فقال: إن الله
~~يراكما سترنا الله وإياكما. وقال الحارث المحاسبي: المراقبة علم القلب بقرب
~~الرب. وسئل الجنيد بم يستعان على غض البصر، قال بعلمك أن نظر الله إليك
~~أسبق من نظرك إلى ما تنظره. وكان الإمام أحمد ينشد:
# إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب
# ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليه يغيب
# وكان ابن السماك ينشد
# PageV01P409
# يا مدمن الذنب أما تستحيي ... والله في الخلوة ثانيكا
# غرك من ربك إمهاله ... وستره طول مساويكا
# والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصى معاذا بتقوى الله سرا
~~وعلانية، أرشده إلى ما يعينه على ذلك وهو أن يستحيي من الله كما يستحيي من
~~رجل ذي هيبة من قومه. ومعنى ذلك أن يستشعر دائما بقلبه قرب الله منه
~~واطلاعه عليه فيستحيي من نظره إليه. وقد امتثل معاذ ما وصاه به النبي صلى
~~الله عليه وسلم وكان عمر قد بعثه على عمل، فقدم وليس معه شيء، فعاتبته
~~امرأته، فقال: كان معي ضاغط، يعني: من يضيق علي ويمنعني من أخذ شيء، وإنما
~~أراد معاذ ربه عز وجل، فظنت امرأته أن عمر بعث معه رقيبا، فقامت تشكوه إلى
~~الناس. ومن صار له هذا المقام حالا دائما أو غالبا، فهو من المحسنين الذين
~~يعبدون الله كأنهم يرونه، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش
~~إلا اللمم. وفي ms221 الجملة فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإيمان، وله
~~تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين. وفي الحديث: "
~~«ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية إن خيرا فخيرا، وإن شرا
~~فشرا» " روي هذا مرفوعا، وروي عن ابن مسعود من قوله.
# PageV01P410
# وقال أبو الدرداء: ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو
~~بمعاصي الله، فيلقي الله له البغض في قلوب المؤمنين. وقال سليمان التيمي:
~~إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته، وقال غيره: إن العبد
~~ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله، ثم يجيء إلى إخوانه، فيرون أثر ذلك عليه،
~~وهذا من أعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بذرات الأعمال في الدنيا
~~قبل الآخرة، ولا يضيع عنده عمل عامل، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار،
~~فالسعيد من أصلح ما بينه وبين الله، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله أصلح
~~الله ما بينه وبين الخلق، ومن التمس محامد الناس بسخط الله، عاد حامده من
~~الناس ذاما له. قال أبو سليمان: إن الخاسر من أبدى للناس صالح عمله، وبارز
~~بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد. ومن أعجب ما روي في هذا ما روي عن
~~أبي جعفر السائح قال: كان حبيب أبو محمد تاجرا يكري الدراهم، فمر ذات يوم،
~~فإذا هو بصبيان يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الربا، فنكس رأسه،
~~وقال: يا رب، أفشيت سري إلى الصبيان، فرجع فجمع ماله كله، وقال: يا رب إني
~~أسير، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال فأعتقني، فلما أصبح تصدق بالمال
~~كله وأخذ في العبادة، ثم مر ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأوه قال بعضهم
~~لبعض: اسكتوا فقد جاء حبيب العابد، فبكى وقال: يا رب أنت تذم مرة وتحمد
~~مرة، وكله من عندك.
# وقوله صلى الله عليه وسلم " «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» " لما كان العبد
~~مأمورا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لابد أن يقع منه أحيانا تفريط في
~~التقوى، إما ms222 بترك بعض المأمورات، أو بارتكاب بعض المحظورات، فأمره بأن يفعل
~~ما يمحو به هذه
# PageV01P411
# السيئة وهو أن يتبعها بالحسنة، قال الله عز وجل: {وأقم الصلاة طرفي
~~النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} [هود:
~~114] [هود: 114] . وفي " الصحيحين " عن ابن مسعود «أن رجلا أصاب من امرأة
~~قبلة، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فسكت النبي صلى الله
~~عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية، فدعاه فقرأها عليه، فقال رجل: هذا له خاصة؟
~~قال: " بل للناس عامة» . وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصى به
~~النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الوصية في قوله عز وجل {وسارعوا إلى مغفرة
~~من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين - الذين ينفقون في السراء
~~والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين - والذين
~~إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر
~~الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون - أولئك جزاؤهم مغفرة
~~من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين} [آل
~~عمران: 133 - 136] [آل عمران: 133 - 136] . فوصف المتقين بمعاملة الخلق
~~بالإحسان إليهم بالإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عنهم، فجمع بين وصفهم ببذل
~~الندى، واحتمال الأذى، وهذا هو غاية حسن الخلق الذي وصى به النبي صلى الله
~~عليه وسلم لمعاذ، ثم وصفهم بأنهم: {إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا
~~الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135] ولم يصروا عليها، فدل على أن
~~المتقين قد يقع منهم أحيانا كبائر وهي الفواحش، وصغائر وهي ظلم النفس،
~~لكنهم لا يصرون عليها، بل يذكرون الله عقب وقوعها، فيستغفرونه ويتوبون إليه
~~منها، والتوبة: هي ترك الإصرار. ومعنى قوله: {ذكروا الله} [آل عمران: 135]
~~أي: ذكروا عظمته وشدة بطشه وانتقامه، وما
# PageV01P412
# توعد به على المعصية من العقاب، فيوجب ذلك لهم الرجوع في الحال
~~والاستغفار وترك الإصرار، وقال الله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف
~~من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201] [الأعراف: 201] . وفي ms223 "
~~الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أذنب عبد ذنبا، فقال: رب
~~إني عملت ذنبا فاغفر لي فقال الله: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ
~~بالذنب، قد غفرت لعبدي، ثم إذا أذنب ذنبا آخر - إلى أن قال في الرابعة: -
~~فليعمل ما شاء» يعني ما دام على هذه الحال كلما أذنب ذنبا استغفر منه. وفي
~~الترمذي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة» . وخرج الحاكم من حديث
~~عقبة بن عامر «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله
~~أحدنا يذنب، قال: " يكتب عليه " قال: ثم يستغفر منه، قال: " يغفر له ويتاب
~~عليه " قال: فيعود فيذنب، قال: " يكتب عليه " قال: ثم يستغفر منه ويتوب،
~~قال: " يغفر له، ويتاب عليه، ولا يمل الله حتى تملوا» . وخرج الطبراني
~~بإسناد ضعيف عن عائشة رضي الله عنها قالت: «جاء حبيب بن الحارث إلى النبي
~~صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني رجل مقراف للذنوب، قال: " فتب
~~إلى الله عز وجل "، قال: أتوب، ثم أعود، قال: " فكلما أذنبت، فتب " قال: يا
~~رسول الله إذا تكثر ذنوبي، قال: " فعفو الله أكثر من ذنوبك يا
# PageV01P413
# حبيب بن الحارث» وخرجه بمعناه من حديث أنس مرفوعا بإسناد ضعيف. وبإسناده
~~عن عبد الله بن عمرو قال: من ذكر خطيئة عملها، فوجل قلبه منها، واستغفر
~~الله، لم يحبسها شيء حتى يمحاها. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال:
~~خياركم كل مفتن تواب، قيل: فإذا عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإن
~~عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل
~~حتى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور. وخرج ابن ماجه من حديث ابن
~~مسعود مرفوعا: " «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ".
# PageV01P414
# وقيل للحسن: ألا يستحيي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه، ثم يعود، ثم
~~يستغفر، ثم يعود، فقال: ms224 ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تملوا الاستغفار
~~وروي عنه أنه قال: ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين، يعني: أن المؤمن كلما
~~أذنب تاب، وقد روي " «المؤمن مفتن تواب» " وروي من حديث جابر بإسناد ضعيف
~~مرفوعا " «المؤمن واه راقع فسعيد من هلك على رقعه» ". وقال عمر بن عبد
~~العزيز في خطبته: من أحسن منكم، فليحمد الله، ومن أساء، فليستغفر الله،
~~وليتب، فإنه لابد من أقوام من أن يعملوا أعمالا وظفها الله في رقابهم،
~~وكتبها عليهم. وفي رواية أخرى أنه قال: أيها الناس من ألم بذنب، فليستغفر
~~الله وليتب، فإن عاد، فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر وليتب، فإنما
~~هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك كل الهلاك في الإصرار عليها.
~~ومعنى هذا أن العبد لابد أن يفعل ما قدر عليه من الذنوب كما قال النبي صلى
~~الله عليه وسلم: «كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فهو مدرك ذلك لا محالة.»
~~ولكن الله جعل للعبد مخرجا مما وقع فيه من الذنوب، ومحاه بالتوبة
~~والاستغفار، فإن فعل، فقد تخلص من شر الذنوب، وإن أصر على الذنب، هلك. وفي
~~" المسند " من حديث عبد الله بن عمرو،، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «
# PageV01P415
# ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين
~~يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون» وفسر أقماع القول بمن كانت أذناه كالقمع
~~لما يسمع من الحكمة والموعظة الحسنة، فإذا دخل شيء من ذلك في أذنه خرج في
~~الأخرى، ولم ينتفع بشيء مما سمع. وقوله صلى الله عليه وسلم: " «أتبع السيئة
~~الحسنة» " قد يراد بالحسنة التوبة من تلك السيئة، وقد ورد ذلك صريحا في
~~حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا من مراسيل محمد بن جبير أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: " «يا معاذ اتق الله ما استطعت،
~~واعمل بقوتك لله عز وجل ما أطقت، واذكر الله عز وجل عند كل شجرة وحجر، وإن
~~أحدثت ذنبا، فأحدث عنده توبة، إن ms225 سرا فسر وإن علانية فعلانية» " وخرجه أبو
~~نعيم بمعناه من وجه آخر ضعيف عن معاذ. وقال قتادة: قال سلمان: إذا أسأت
~~سيئة في سريرة، فأحسن حسنة في سريرة، وإذا أسأت سيئة في علانية، فأحسن حسنة
~~في علانية، لكي تكون هذه بهذه وهذا يحتمل أنه أراد بالحسنة التوبة أو أعم
~~منها. وقد أخبر الله في كتابه أن من تاب من ذنبه، فإنه يغفر له ذنبه أو
~~يتاب عليه
# PageV01P416
# في مواضع كثيرة، كقوله تعالى {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء
~~بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم} [النساء: 17] [النساء:
~~17] ، وقوله: {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك
~~وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل: 119] [النحل: 119] وقوله {إلا
~~من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} [الفرقان:
~~70] [الفرقان: 70] وقوله: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى}
~~[طه: 82] [طه: 82] وقوله: {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة
~~ولا يظلمون شيئا} [مريم: 60] [مريم: 60] وقوله: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو
~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل
~~عمران: 135] [آل عمران: 135] الآيتين. قال عبد الرازق: أخبرنا جعفر بن
~~سليمان، عن ثابت، عن أنس بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية: {والذين إذا
~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران:
~~135] [آل عمران: 135] الآية، بكى ويروى عن ابن مسعود قال: هذه الآية خير
~~لأهل الذنوب من الدنيا وما فيها. وقال ابن سيرين: أعطانا الله هذه الآية
~~مكان ما جعل لبني إسرائيل في كفارات ذنوبهم. وقال أبو جعفر الرازي عن
~~الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: «قال رجل: يا رسول الله لو كانت
~~كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم لا
~~نبغيها - ثلاثا - ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، كانت بنو
~~إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة، وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن
~~كفرها كانت له خزيا في الدنيا، ms226 وإن لم يكفرها كانت خزيا في الآخرة، فما
# PageV01P417
# أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل قال: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه
~~ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} [النساء: 110] [النساء: 110] » ،
~~وقال ابن عباس في قوله تعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78]
~~[الحج: 78] ، قال: هو سعة الإسلام، وما جعل الله لأمة محمد من التوبة
~~والكفارة. وظاهر هذه النصوص يدل على أن من تاب إلى الله توبة نصوحا،
~~واجتمعت شروط التوبة في حقه، فإنه يقطع بقبول الله توبته، كما يقطع بقبول
~~إسلام الكافر إذا أسلم إسلاما صحيحا، وهذا قول الجمهور، وكلام ابن عبد البر
~~يدل على أنه إجماع. ومن الناس من قال: لا يقطع بقبول التوبة، بل يرجى
~~وصاحبها تحت المشيئة وإن تاب، واستدلوا بقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به
~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] [النساء: 48] فجعل الذنوب كلها
~~تحت مشيئته، وربما استدل بمثل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى
~~الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم} [التحريم: 8] [التحريم: 8]
~~، وبقوله: {فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين} [القصص:
~~67] [القصص: 67] ، وقوله: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم
~~تفلحون} [النور: 31] [النور: 31] ، وقوله: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا
~~عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم} [التوبة: 102] [التوبة: 102]
~~.
# PageV01P418
# والظاهر أن هذا في حق التائب، لأن الاعتراف يقتضي الندم، وفي حديث عائشة
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: «إن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب، تاب
~~الله عليه» ، والصحيح قول الأكثرين. وهذه الآيات لا تدل على عدم القطع، فإن
~~الكريم إذا أطمع، لم يقطع من رجائه المطمع، ومن هنا قال ابن عباس: إن " عسى
~~" من الله واجبة، نقله عنه علي بن أبي طلحة. وقد ورد جزاء الإيمان والعمل
~~الصالح بلفظ: " عسى " أيضا، ولم يدل ذلك على أنه مقطوع به، كما في قوله:
~~{إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة
~~ولم يخش إلا ms227 الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} [التوبة: 18] [التوبة:
~~18] . وأما قوله: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] [النساء: 48] ،
~~فإن التائب ممن شاء أن يغفر له، كما أخبر بذلك في مواضع كثيرة من كتابه.
~~وقد يراد بالحسنة في قول النبي صلى الله عليه وسلم " «أتبع السيئة الحسنة»
~~" ما هو أعم من التوبة، كما في قوله تعالى {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا
~~من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114] [هود: 114] ، وقد روي من
~~حديث معاذ أن الرجل الذي نزلت بسببه هذه الآية أمره النبي صلى الله عليه
~~وسلم أن يتوضأ ويصلي
# PageV01P419
# وخرج الإمام أحمد، وأبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث أبي
~~بكر الصديق رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من رجل
~~يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له» ثم قرأ
~~هذه الآية: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا
~~لذنوبهم} [آل عمران: 135] [آل عمران: 135] . وفي " الصحيحين " «عن عثمان
~~أنه توضأ، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا
~~ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له
~~ما تقدم من ذنبه» . وفي " مسند الإمام أحمد " عن أبي الدرداء قال: سمعت
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام فصلى
~~ركعتين أو أربعا يحسن فيهما الركوع والخشوع، ثم استغفر الله غفر له» . وفي
~~" الصحيحين " عن أنس قال: «كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل،
# PageV01P420
# فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا، فأقمه علي قال: ولم يسأله عنه، فحضرت
~~الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى النبي صلى الله عليه
~~وسلم الصلاة قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا، فأقم في كتاب
~~الله، قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك -
~~أو قال - حدك» وخرجه ms228 مسلم بمعناه من حديث أبي أمامة، وخرجه ابن جرير الطبري
~~من وجه آخر عن أبي أمامة، وفي حديثه قال: «فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك
~~فلا تعد " فأنزل الله: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات
~~يذهبن السيئات} [هود: 114] [هود: 114] » .
# وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه
~~شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحوا الله
~~بهن الخطايا» . وفي " صحيح مسلم " عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» .
~~وفيه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما
~~يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال:
~~إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد
~~الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» .
# PageV01P421
# وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من
~~صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا
~~واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا،
~~غفر له ما تقدم من ذنبه» . وفيهما عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال:: «من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته
~~أمه» . وفي " صحيح مسلم " عن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «إن الإسلام يهدم ما كان قبله، وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وإن
~~الحج يهدم ما كان قبله» . وفيه من حديث أبي قتادة، «عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال في صوم عاشوراء: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» ، وقال
~~في صوم يوم عرفة: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده» .
~~وخرج الإمام أحمد من ms229 حديث عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«مثل الذي يعمل السيئات، ثم يعمل الحسنات، كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد
~~خنقته، ثم عمل حسنة فانفكت حلقة، ثم عمل حسنة أخرى، فانفكت أخرى حتى يخرج
~~إلى الأرض» . ومما يكفر الخطايا ذكر الله عز وجل، وقد ذكرنا فيما تقدم «أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل
# PageV01P422
# عن قول: " لا إله إلا الله " أمن الحسنات هي؟ قال: " من أحسن الحسنات» .
~~وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «من قال: سبحان الله وبحمده في كل يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت
~~مثل زبد البحر» . وفيهما عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال: لا
~~إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل
~~شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة،
~~ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت
~~أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أفضل من ذلك» . وفي " المسند " وكتاب ابن
~~ماجه عن أم هانئ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا إله إلا الله لا
~~تترك ذنبا، ولا يسبقها عمل» . وخرج الترمذي عن أنس، «عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم أنه مر بشجرة يابسة الورق، فضربها بعصاه، فتناثر الورق، فقال: إن
~~الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لتساقط من ذنوب
~~العبد كما يتساقط ورق هذه الشجرة» . وخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أنس
~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
# PageV01P423
# «إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر تنفض الخطايا
~~كما تنفض الشجرة ورقها» . والأحاديث في هذا كثيرة جدا يطول الكتاب بذكرها.
~~وسئل الحسن عن رجل لا يتحاشى من معصية إلا أن لسانه لا يفتر من ذكر الله،
~~فقال: إن ذلك لعون حسن. وسئل ms230 الإمام أحمد عن رجل اكتسب مالا من شبهة: صلاته
~~وتسبيحه يحط عنه شيئا من ذلك؟ فقال: إن صلى وسبح يريد به ذلك، فأرجو، قال
~~الله تعالى: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم} [التوبة:
~~102] [التوبة: 102] . وقال مالك بن دينار: البكاء على الخطيئة يحط الخطايا
~~كما يحط الريح الورق اليابس. وقال عطاء: من جلس مجلسا من مجالس الذكر، كفر
~~به عشرة مجالس من مجالس الباطل. وقال شويس العدوي - وكان من قدماء التابعين
~~- إن صاحب اليمين أمير - أو قال: أمين - على صاحب الشمال، فإذا عمل ابن آدم
~~سيئة، فأراد صاحب الشمال أن يكتبها، قال له صاحب اليمين: لا تعجل لعله يعمل
~~حسنة، فإن
# PageV01P424
# عمل حسنة، ألقى واحدة بواحدة، وكتبت له تسع حسنات، فيقول الشيطان: يا
~~ويله من يدرك تضعيف ابن آدم. وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي مالك
~~الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نام ابن آدم قال الملك
~~للشيطان: أعطني صحيفتك، فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة، محى بها
~~عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أن ينام أحدكم،
~~فليكبر ثلاثا وثلاثين تكبيرة ويحمد أربعا وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثا
~~وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة» وهذا غريب منكر. وروى وكيع: حدثنا الأعمش عن
~~أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله، يعني ابن مسعود: وددت أني
~~صولحت على أن أعمل كل يوم تسع خطيئات وحسنة. وهذا إشارة منه إلى أن الحسنة
~~يمحى بها التسع خطيئات، ويفضل له ضعف واحد من ثواب الحسنة، فيكتفي به،
~~والله أعلم.
# وقد اختلف الناس في مسألتين: إحداهما: هل تكفر الأعمال الصالحة الكبائر
~~والصغائر أم لا تكفر سوى الصغائر؟ فمنهم من قال: لا تكفر سوى الصغائر، وقد
~~روي هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أنه يكفر الصغائر، وقال سلمان
~~الفارسي في الوضوء: إنه يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المساجد يكفر
~~أكبر من ذلك، والصلاة تكفر أكبر من ذلك. خرجه محمد بن نصر المروزي. وأما
~~الكبائر، ms231 فلابد لها من التوبة، لأن الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من
# PageV01P425
# لم يتب ظالما، واتفقت الأمة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدى إلا
~~بنية وقصد، ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة، وأداء بقية أركان
~~الإسلام، لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع. وأيضا فلو كفرت الكبائر
~~بفعل الفرائض، لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى بالفرائض، وهذا يشبه
~~قول المرجئة وهو باطل، هذا ما ذكره ابن عبد البر في كتابه " التمهيد " وحكى
~~إجماع المسلمين على ذلك، واستدل عليه بأحاديث: منها قوله صلى الله عليه
~~وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما
~~بينهن ما اجتنبت الكبائر» وهو مخرج في " الصحيحين "، من حديث أبي هريرة،
~~وهذا يدل على أن الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض. وقد حكى ابن عطية في
~~تفسيره في معنى هذا الحديث قولين: أحدهما - عن جمهور أهل السنة - أن اجتناب
~~الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تجتنب، لم تكفر هذه
~~الفرائض شيئا بالكلية. والثاني: أنها تكفر الصغائر مطلقا، ولا تكفر الكبائر
~~وإن وجدت، لكن بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها، ورجح هذا
~~القول، وحكاه عن الحذاق. وقوله: بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار
~~عليها، مراده أنه إذا أصر عليها، صارت كبيرة، فلم تكفرها الأعمال. والقول
~~الأول الذي حكاه غريب، مع أنه قد حكي، عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من
~~أصحابنا مثله.
# PageV01P426
# في " صحيح مسلم " عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من
~~امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة
~~لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله» . وفي " مسند الإمام
~~أحمد " عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتطهر الرجل - يعني
~~يوم الجمعة - فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته،
~~إلا كان كفارة ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة» . وخرج
~~النسائي، وابن حبان، والحاكم من حديث أبي سعيد ms232 وأبي هريرة عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس،
~~ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب
~~الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام» . وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي
~~أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه أيضا. وخرج الحاكم معناه من حديث
~~عبيد بن عمير، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويروى من حديث ابن
~~عمر مرفوعا: " «يقول الله عز وجل: ابن آدم اذكرني من أول النهار ساعة ومن
~~آخر النهار ساعة، أغفر لك ما بين ذلك، إلا الكبائر، أو تتوب منها» ".
# PageV01P427
# وقال ابن مسعود: الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر. وقال
~~سلمان: حافظوا على الصلوات الخمس، فإنهن كفارات لهذه الجراح ما لم تصب
~~المقتلة. وقال ابن عمر لرجل: أتخاف النار أن تدخلها، وتحب الجنة أن تدخلها؟
~~قال: نعم، قال بر أمك، فوالله لئن ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام، لتدخلن
~~الجنة ما اجتنبت الموجبات وقال قتادة: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب
~~الكبائر، وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «اجتنبوا الكبائر
~~وسددوا وأبشروا» ". وذهب قوم من أهل الحديث وغيرهم إلى أن هذه الأعمال تكفر
~~الكبائر، ومنهم ابن حزم الظاهري، وإياه عنى ابن عبد البر في كتاب " التمهيد
~~" بالرد عليه وقال: قد كنت أرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب، لولا قول
~~ذلك القائل، وخشيت أن يغتر به جاهل، فينهمك في الموبقات، اتكالا على أنها
~~تكفرها الصلوات دون الندم والاستغفار والتوبة، والله نسأل العصمة والتوفيق.
~~قلت: وقد وقع مثل هذا في كلام طائفة من أهل الحديث في الوضوء ونحوه، ووقع
~~مثله في كلام ابن المنذر في قيام ليلة القدر، قال: يرجى لمن قامها
# PageV01P428
# أن يغفر له جميع ذنوبه صغيرها وكبيرها. فإن كان مرادهم أن من أتى بفرائض
~~الإسلام وهو مصر على الكبائر تغفر له الكبائر قطعا، فهذا باطل قطعا، يعلم
~~بالضرورة من الدين بطلانه، وقد سبق قول النبي صلى الله ms233 عليه وسلم: " «من
~~أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» " يعني: بعمله في الجاهلية والإسلام،
~~وهذا أظهر من أن يحتاج إلى بيان، وإن أراد هذا القائل أن من ترك الإصرار
~~على الكبائر، وحافظ على الفرائض من غير توبة ولا ندم على ما سلف منه، كفرت
~~ذنوبه كلها بذلك، واستدل بظاهر قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر
~~عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] [النساء: 31] وقال:
~~السيئات تشمل الكبائر والصغائر، وكما أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر من
~~غير قصد ولا نية، فكذلك الكبائر، وقد يستدل لذلك بأن الله وعد المؤمنين
~~والمتقين بالمغفرة وتكفير السيئات، وهذا مذكور في غير موضع من القرآن، وقد
~~صار هذا من المتقين، فإنه فعل الفرائض، واجتنب الكبائر، واجتناب الكبائر لا
~~يحتاج إلى نية وقصد، فهذا القول يمكن أن يقال في الجملة. والصحيح قول
~~الجمهور: أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة، لأن التوبة فرض على العباد، وقد
~~قال عز وجل: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} [الحجرات: 11] [الحجرات: 11]
~~وقد فسرت الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود التوبة بالندم، ومنهم من فسرها
~~بالعزم على أن لا يعود، وقد روي ذلك مرفوعا من وجه فيه ضعف، لكن لا يعلم
~~مخالف من الصحابة في هذا، وكذلك التابعون ومن بعدهم، كعمر بن عبد العزيز،
~~والحسن وغيرهما. وأما النصوص الكثيرة المتضمنة مغفرة الذنوب، وتكفير
~~السيئات للمتقين، كقوله تعالى: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم
~~سيئاتكم ويغفر لكم} [الأنفال: 29]
# PageV01P429
# [الأنفال: 29] ، وقوله تعالى: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه
~~سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} [التغابن: 9] [التغابن: 9] ،
~~وقوله: {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} [الطلاق: 5] [الطلاق:
~~5] ، فإنه لم يبين في هذه الآيات خصال التقوى، ولا العمل الصالح، ومن جملة
~~ذلك: التوبة النصوح، فمن لم يتب، فهو ظالم، غير متق. وقد بين في سورة آل
~~عمران خصال التقوى التي يغفر لأهلها ويدخلهم الجنة، فذكر منها الاستغفار،
~~وعدم الإصرار، فلم يضمن تكفير السيئات ومغفرة الذنوب إلا لمن كان على هذه
~~الصفة، ms234 والله أعلم.
# ومما يستدل به على أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة منها، أو العقوبة
~~عليها حديث عبادة بن الصامت، قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، وقرأ
~~عليهم الآية، فمن وفى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب
~~به، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا، فستره الله عليه، فهو إلى الله،
~~إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له» خرجاه في " الصحيحين " وفي رواية لمسلم: "
~~«من أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارته» ". وهذا يدل على أن الحدود
~~كفارات. قال الشافعي: لم أسمع في هذا الباب أن الحد يكون كفارة لأهله شيئا
~~أحسن من حديث عبادة بن الصامت. وقوله: " فعوقب به " يعم العقوبات الشرعية،
~~وهي الحدود المقدرة أو غير المقدرة، كالتعزيرات، ويشمل العقوبات القدرية،
~~كالمصائب والأسقام والآلام، فإنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
~~«لا يصيب المسلم نصب ولا وصب
# PageV01P430
# ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه» . وروي عن
~~علي أن الحد كفارة لمن أقيم عليه، وذكر ابن جرير الطبري في هذه المسألة
~~اختلافا بين الناس، ورجح أن إقامة الحد بمجرده كفارة، ووهن القول بخلاف ذلك
~~جدا. قلت: وقد روي عن سعيد بن المسيب وصفوان بن سليم أن إقامة الحد ليس
~~بكفارة، ولابد معه من التوبة، ورجحه طائفة من المتأخرين، منهم البغوي، وأبو
~~عبد الله بن تيمية في " تفسيريهما "، وهو قول ابن حزم
# PageV01P431
# الظاهري، والأول قول مجاهد وزيد بن أسلم والثوري وأحمد. وأما حديث أبي
~~هريرة المرفوع: " «لا أدري: الحدود طهارة لأهلها أم لا؟» " فقد خرجه الحاكم
~~وغيره، وأعله البخاري، وقال: لا يثبت، وإنما هو من مراسيل الزهري، وهي
~~ضعيفة، وغلط عبد الرازق فوصله، قال: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن
~~الحدود كفارة. ومما يستدل به من قال: الحد ليس بكفارة قوله تعالى في
~~المحاربين: {ذلك لهم خزي في الدنيا ms235 ولهم في الآخرة عذاب عظيم - إلا الذين
~~تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 33 - 34] [المائدة: 33 - 34]
~~وظاهره أنه يجتمع لهم عقوبة الدنيا والآخرة. ويجاب عنه بأنه ذكر عقوبتهم في
~~الدنيا وعقوبتهم في الآخرة، ولا يلزم اجتماعهما، وأما استثناء " من تاب "
~~فإنما استثناه من عقوبة الدنيا خاصة، فإن عقوبة الآخرة تسقط بالتوبة قبل
~~القدرة وبعدها. وقوله صلى الله عليه وسلم: " «ومن أصاب شيئا من ذلك، فستره
~~الله عليه، فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» " صريح في أن هذه
~~الكبائر من لقي الله بها، كانت تحت مشيئته، وهذا يدل على أن إقامة الفرائض
~~لا تكفرها ولا تمحوها، فإن عموم المسلمين يحافظون على الفرائض، لا سيما من
~~بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج من ذلك من لقي الله وقد تاب عنها
~~بالنصوص الدالة من الكتاب والسنة على أن
# PageV01P432
# من تاب إلى الله، تاب الله عليه، وغفر له، فبقي من لم يتب داخلا تحت
~~المشيئة. وأيضا، فيدل على أن الكبائر لا تكفرها الأعمال: أن الله لم يجعل
~~للكبائر في الدنيا كفارة واجبة، وإنما جعل الكفارة للصغائر ككفارة وطء
~~المظاهر، ووطء المرأة في الحيض على حديث ابن عباس الذي ذهب إليه الإمام
~~أحمد وغيره، وكفارة من ترك شيئا من واجبات الحج، أو ارتكاب بعض محظوراته،
~~وهي أربعة أجناس: هدي، وعتق، وصدقة، وصيام، ولهذا لا تجب الكفارة في قتل
~~العمد عند جمهور العلماء، ولا في اليمين الغموس أيضا عند أكثرهم، وإنما
~~يؤمر القاتل بعتق رقبة استحبابا، كما في حديث واثلة بن الأسقع أنهم جاءوا
~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب لهم قد أوجب، فقال " «اعتقوا عنه
~~رقبة يعتقه الله بها من النار» " ومعنى أوجب: عمل عملا يجب له به النار،
~~ويقال: إنه كان قتل قتيلا. وفي " صحيح مسلم " عن ابن عمر أنه ضرب عبدا له،
~~فأعتقه وقال:
# PageV01P433
# ليس لي فيه من الأجر مثل هذا - وأخذ عودا من الأرض - إني سمعت النبي صلى
~~الله عليه وسلم يقول: " «من لطم ms236 مملوكه، أو ضربه، فإن كفارته أن يعتقه» ".
~~فإن قيل: فالمجامع في رمضان يؤمر بالكفارة، والفطر في رمضان من الكبائر،
~~قيل: ليست الكفارة للفطر، ولهذا لا تجب عند الأكثرين على كل مفطر في رمضان
~~عمدا، وإنما هي لهتك حرمة رمضان بالجماع، ولهذا لو كان مفطرا فطرا لا يجوز
~~له في نهار رمضان، ثم جامع، للزمته الكفارة عند الإمام أحمد لما ذكرنا.
~~ومما يدل على أن تكفير الواجبات مختص بالصغائر ما أخرجه البخاري عن حذيفة،
~~قال: بينما نحن جلوس عند عمر، إذ قال: أيكم يحفظ قول رسول صلى الله عليه
~~وسلم في الفتنة؟ قال: قلت: " فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها
~~الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " قال: ليس عن هذا أسألك
~~وخرجه مسلم بمعناه، وظاهر هذا السياق يقتضي رفعه، وفي رواية البخاري أن
~~حذيفة قال: سمعته يقول: " فتنة الرجل " فذكره، وهذا كالصريح في رفعه، وفي
~~رواية لمسلم أن هذا من كلام عمر. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي
~~قال له: «أصبت حدا، فأقمه علي، فتركه حتى صلى، ثم قال له: " إن الله غفر لك
~~حدك» ، فليس صريحا في أن المراد به شيء من الكبائر، لأن حدود الله تعالى
~~محارمه كما قال تعالى: {تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}
~~[الطلاق: 1] [الطلاق: 1] ، وقوله: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} [البقرة:
~~229] [البقرة: 229] ، وقوله: {تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله
~~جنات} [النساء: 13]
# PageV01P434
# الآية إلى قوله: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها
~~وله عذاب مهين} [النساء: 14] [النساء: 13 - 14] . وفي حديث النواس بن
~~سمعان، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في ضرب مثل الإسلام بالصراط المستقيم
~~على جنبيه سوران، قال: " السوران حدود الله» . وقد سبق ذكره بتمامه. فكل من
~~أصاب شيئا من محارم الله، فقد أصاب حدوده، وركبها، وتعداها وعلى تقدير أن
~~يكون الحد الذي أصابه كبيرة، فهذا الرجل جاء نادما تائبا، وأسلم نفسه إلى
~~إقامة الحد عليه، والندم توبة، والتوبة تكفر الكبائر ms237 بغير تردد، وقد روي ما
~~يستدل به على أن الكبائر تكفر ببعض الأعمال الصالحة، فخرج الإمام أحمد
~~والترمذي من حديث ابن عمر «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا
~~رسول الله، إني أصبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟ قال: " هل لك من أم؟ "
~~قال: لا، قال " فهل لك من خالة؟ " قال: نعم، قال: " فبرها» ، وخرجه ابن
~~حبان في " صحيحه " والحاكم، وقال: على شرط الشيخين، لكن خرجه الترمذي من
~~وجه آخر مرسلا، وذكر أن المرسل أصح من الموصول، وكذا قال علي بن المديني
~~والدارقطني. وروي عن عمر أن رجلا قال له: قتلت نفسا، قال: أمك حية؟ قال:
~~لا، قال: فأبوك؟ قال: نعم، قال: فبره وأحسن إليه، ثم قال عمر: لو كانت أمه
~~حية فبرها، وأحسن إليها، رجوت أن لا تطعمه النار أبدا وعن ابن عباس معناه
~~أيضا.
# PageV01P435
# وكذلك المرأة التي عملت بالسحر بدومة الجندل، وقدمت المدينة تسأل عن
~~توبتها، فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم قد توفي، فقال لها أصحابه: لو كان
~~أبواك حيين أو أحدهما كانا يكفيانك. خرجه الحاكم وقال: فيه إجماع الصحابة
~~حدثان وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على أن بر الأبوين الوالدين
~~يكفيانها. وقال مكحول والإمام أحمد: بر الوالدين كفارة للكبائر. وروي عن
~~بعض السلف في حمل الجنائز أنه يحبط الكبائر، وروي مرفوعا من وجوه لا تصح.
~~وقد صح من رواية أبي بردة أن أبا موسى لما حضرته الوفاة قال: يا بني،
~~اذكروا صاحب الرغيف: كان رجل يتعبد في صومعة أراه سبعين سنة، فشبه الشيطان
~~في عينه امرأة، فكان معها سبعة أيام وسبع ليال، ثم كشف عن الرجل غطاؤه،
~~فخرج تائبا، ثم ذكر أنه بات بين مساكين، فتصدق عليهم برغيف
# PageV01P436
# رغيف، فأعطوه رغيفا، ففقده صاحبه الذي كان يعطاه، فلما علم بذلك، أعطاه
~~الرغيف وأصبح ميتا، فوزنت السبعون سنة بالسبع ليال، فرجحت الليالي ووزن
~~الرغيف بالسبع ليال، فرجح الرغيف. وروى ابن المبارك بإسناده في كتاب " البر
~~والصلة " عن ابن مسعود، قال: عبد الله رجل ms238 سبعين سنة ثم أصاب فاحشة، فأحبط
~~الله عمله، ثم أصابته زمانة وأقعد، فرأى رجلا يتصدق على مساكين، فجاء إليه،
~~فأخذ منه رغيفا، فتصدق به على مسكين، فغفر الله له، ورد عليه عمل سبعين
~~سنة. وهذه كلها لا دلالة فيها على تكفير الكبائر بمجرد العمل، لأن كل من
~~ذكر فيها كان نادما تائبا من ذنبه، وإنما كان سؤاله عن عمل صالح يتقرب به
~~إلى الله بعد التوبة حتى يمحو به أثر الذنب بالكلية، فإن الله شرط في قبول
~~التوبة ومغفرة الذنوب بها العمل الصالح، كقوله: {إلا من تاب وآمن وعمل
~~صالحا} [مريم: 60] [مريم: 60] ، وقوله: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل
~~صالحا} [طه: 82] [طه: 82] وقوله: {فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن
~~يكون من المفلحين} [القصص: 67] [القصص: 67] ، وفي هذا متعلق لمن يقول: إن
~~التائب بعد التوبة في المشيئة، وكان هذا حال كثير من الخائفين من السلف.
~~وقال بعضهم لرجل: هل أذنبت ذنبا؟ قال: نعم، قال: فعلمت أن الله كتبه عليك؟
~~قال: نعم، قال: فاعمل حتى تعلم أن الله قد محاه. ومنه قال ابن مسعود: إن
~~المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه
~~كذباب طار على أنفه، فقال به هكذا. خرجه البخاري.
# PageV01P437
# وكانوا يتهمون أعمالهم وتوباتهم، ويخافون أن لا يكون قد قبل منهم ذلك،
~~فكان ذلك يوجب لهم شدة الخوف، وكثرة الاجتهاد في الأعمال الصالحة. قال
~~الحسن: أدركت أقواما لو أنفق أحدهم ملء الأرض ما أمن لعظم الذنب في نفسه.
~~وقال ابن عون: لا تثق بكثرة العمل، فإنك لا تدري أيقبل منك أم لا، ولا تأمن
~~ذنوبك، فإنك لا تدري كفرت عنك أم لا، إن عملك مغيب عنك كله. والأظهر -
~~والله أعلم - في هذه المسألة - أعني مسألة تكفير الكبائر بالأعمال - أنه
~~أريد أن الكبائر تمحى بمجرد الإتيان بالفرائض، وتقع الكبائر مكفرة بذلك كما
~~تكفر الصغائر باجتناب الكبائر، فهذا باطل. وإن أريد أنه قد يوازن يوم
~~القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال، فتمحى الكبيرة بما ms239 يقابلها من
~~العمل، ويسقط العمل، فلا يبقى له ثواب، فهذا قد يقع.
# وقد تقدم عن ابن عمر أنه لما أعتق مملوكه الذي ضربه قال: ليس لي فيه من
~~الأجر شيء، حيث كان كفارة لذنبه، ولم يكن ذنبه من الكبائر، فكيف بما كان من
~~الأعمال مكفرا للكبائر؟ وسبق أيضا قول من قال من السلف: إن السيئة تمحى
~~ويسقط نظيرها حسنة من الحسنات التي هي ثواب العمل، فإذا كان هذا في
~~الصغائر، فكيف بالكبائر؟ فإن بعض الكبائر قد يحبط بعض الأعمال المنافية
~~لها، كما يبطل المن والأذى الصدقة، وتبطل المعاملة بالربا الجهاد كما قالت
~~عائشة. وقال
# PageV01P438
# حذيفة: قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، وروي عنه مرفوعا خرجه البزار،
~~وكما يبطل ترك صلاة العصر العمل، فلا يستنكر أن يبطل ثواب العمل الذي يكفر
~~الكبائر. وقد خرج البزار في " مسنده " والحاكم من حديث ابن عباس عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «يؤتى بحسنات العبد وسيئاته يوم القيامة، فيقص أو
~~يقضى بعضها من بعض، فإن بقيت له حسنة، وسع له بها في الجنة» . وخرج ابن أبي
~~حاتم من حديث ابن لهيعة، قال حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قول
~~الله عز وجل: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] [الزلزلة: 7] ،
~~قال: كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء
~~المسكين، فيستقلون أن يعطوه تمرة وكسرة وجوزة ونحو ذلك، فيردونه، ويقولون:
~~ما هذا بشيء، إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان آخرون يرون أنهم لا
~~يلامون على الذنب اليسير مثل الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، يقولون:
~~إنما وعد الله النار على الكبائر، فرغبهم الله في القليل من الخير أن
~~يعملوه، فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر، فإنه يوشك أن يكثر،
~~فنزلت: {فمن يعمل مثقال ذرة} [الزلزلة: 7] ، يعني وزن أصغر النمل خيرا يره
~~يعني في كتابه، ويسره ذلك قال: يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة،
~~وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان يوم القيامة، ضاعف ms240 الله حسنات
# PageV01P439
# المؤمن أيضا بكل واحدة عشرا، فيمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات، فمن زادت
~~حسناته على سيئاته مثقال ذرة، دخل الجنة. وظاهر هذا أنه تقع المقاصة بين
~~الحسنات والسيئات، ثم تسقط الحسنات المقابلة للسيئات، وينظر إلى ما يفضل
~~منها بعد المقاصة، وهذا يوافق قول من قال بأن من رجحت حسناته على سيئاته
~~بحسنة واحدة أثيب بتلك الحسنة خاصة، وسقط باقي حسناته في مقابلة سيئاته،
~~خلافا لمن قال يثاب بالجميع، وتسقط سيئاته كأنها لم تكن، وهذا في الكبائر،
~~أما الصغائر، فإنه قد تمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها، كما قال صلى
~~الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به
~~الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار
~~الصلاة بعد الصلاة» فأثبت لهذه الأعمال تكفير الخطايا ورفع الدرجات، وكذلك
~~قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له مائة
~~مرة، كتب الله له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر رقاب»
~~فهذا يدل على أن الذكر يمحو السيئات، ويبقى ثوابه لعامله مضاعفا. وكذلك
~~سيئات التائب توبة نصوحا تكفر عنه، وتبقى له حسناته، كما قال الله تعالى:
# PageV01P440
# {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي
~~أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك
~~وإني من المسلمين - أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن
~~سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} [الأحقاف: 15 - 16]
~~[الأحقاف: 15 - 16] . وقال تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم
~~المتقون - لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين - ليكفر الله عنهم
~~أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} [الزمر: 33 - 35]
~~[الزمر: 33 - 35] ، فلما وصف هؤلاء بالتقوى والإحسان، دل على أنهم ليسوا
~~بمصرين على الذنوب، بل تائبون منها. وقوله: {ليكفر الله عنهم أسوأ الذي
~~عملوا} [الزمر: 35] يدخل فيه الكبائر، لأنها أسوأ الأعمال، وقال: {ومن ms241 يتق
~~الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} [الطلاق: 5] [الطلاق: 5] ، فرتب على
~~التقوى المتضمنة لفعل الواجبات وترك المحرمات تكفير السيئات وتعظيم الأجر،
~~وأخبر الله عن المؤمنين المتفكرين في خلق السماوات والأرض أنهم قالوا:
~~{ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر
~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار} [آل عمران: 193] [آل
~~عمران: 193] ، فأخبر أنه استجاب لهم ذلك، وأنه كفر عنهم سيئاتهم، وأدخلهم
~~الجنات. وقوله: {فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا} [آل عمران: 193] فخص
~~الله الذنوب بالمغفرة، والسيئات بالتكفير. فقد يقال: السيئات تخص الصغائر،
~~والذنوب يراد بها الكبائر، فالسيئات تكفر، لأن الله جعل لها كفارات في
~~الدنيا شرعية وقدرية، والذنوب تحتاج إلى مغفرة تقي صاحبها من شرها والمغفرة
~~والتكفير متقاربان، فإن المغفرة قد قيل: إنها ستر الذنوب، وقيل: وقاية شر
~~الذنوب مع ستره، ولهذا يسمى ما ستر الرأس ووقاه في الحرب مغفرا، ولا يسمى
~~كل ساتر للرأس مغفرا، وقد أخبر الله عن الملائكة أنهم يدعون للمؤمنين
~~التائبين بالمغفرة ووقاية السيئات
# PageV01P441
# والتكفير من هذا الجنس، لأن أصل الكفر الستر والتغطية أيضا. وقد فرق بعض
~~المتأخرين بينهما بأن التكفير محو أثر الذنب، حتى كأنه لم يكن، والمغفرة
~~تتضمن - مع ذلك - إفضال الله على العبد وإكرامه، وفي هذا نظر. وقد يفسر بأن
~~مغفرة الذنوب بالأعمال الصالحة تقلبها حسنات، وتكفيرها بالمكفرات تمحوها
~~فقط، وفيه أيضا نظر، فإنه قد صح أن الذنوب المعاقب عليها بدخول النار تبدل
~~حسنات فالمكفرة بعمل صالح يكون كفارة لها أولى. ويحتمل معنيين آخرين:
~~أحدهما: أن المغفرة لا تحصل إلا مع عدم العقوبة والمؤاخذة، لأنها وقاية شر
~~الذنب بالكلية، والتكفير قد يقع بعد العقوبة، فإن المصائب الدنيوية كلها
~~مكفرات للخطايا، وهي عقوبات، وكذلك العفو يقع مع العقوبة وبدونها، وكذلك
~~الرحمة. والثاني: أن الكفارات من الأعمال ما جعلها الله لمحو الذنوب
~~المكفرة بها، ويكون ذلك هو ثوابها، ليس لها ثواب غيره، والغالب عليها أن
~~تكون من جنس مخالفة هوى النفوس، وتجشم المشقة فيه كاجتناب الكبائر الذي
~~جعله الله ms242 كفارة للصغائر. وأما الأعمال التي تغفر بها الذنوب، فهي ما عدا
~~ذلك، ويجتمع فيها المغفرة والثواب عليها، كالذكر الذي يكتب به الحسنات
~~ويمحى به السيئات، وعلى هذا الوجه فيفرق بين الكفارات من الأعمال وغيرها،
~~وأما تكفير الذنوب ومغفرتها إذا أضيف ذلك إلى الله، فلا فرق بينهما، وعلى
~~الوجه الأول يكون بينهما فرق أيضا. ويشهد لهذا الوجه الثاني أمران:
# PageV01P442
# أحدهما: قول ابن عمر لما أعتق العبد الذي ضربه: ليس لي في عتقه من الأجر
~~شيء، واستدل بأنه كفارة. والثاني: أن المصائب الدنيوية كلها مكفرات للذنوب،
~~وقد قال كثير من الصحابة وغيرهم من السلف، إنه لا ثواب فيها مع التكفير،
~~وإن كان بعضهم قد خالف في ذلك، ولا يقال: فقد فسر الكفارات في حديث المنام
~~بإسباغ الوضوء في المكروهات، ونقل الأقدام إلى الصلوات، وقال: من فعل ذلك،
~~عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه. وهذه كلها مع تكفيرها
~~للسيئات ترفع الدرجات، ويحصل عليها الثواب، لأنا نقول: قد يجتمع في العمل
~~الواحد شيئان يرفع بأحدهما الدرجات، ويكفر بالآخر السيئات، فالوضوء نفسه
~~يثاب عليه لكن إسباغه في شدة البرد من جنس الآلام التي تحصل للنفوس في
~~الدنيا، فيكون كفارة في هذه الحال، وأما في غير هذه الحالة، فتغفر به
~~الخطايا، كما تغفر بالذكر وغيره، وكذلك المشي إلى الجماعات هو قربة وطاعة،
~~ويثاب عليه، ولكن ما يحصل للنفس به من المشقة والألم بالتعب والنصب هو
~~كفارة، وكذلك حبس النفس في المسجد لانتظار الصلاة وقطعها عن مألوفاتها من
~~الخروج إلى المواضع التي تميل النفوس إليها، إما لكسب الدنيا أو للتنزه، هو
~~من هذه الجهة مؤلم للنفس، فيكون كفارة. وقد جاء في الحديث أن إحدى خطوتي
~~الماشي إلى المسجد ترفع له درجة، والأخرى تحط عنه خطيئة. وهذا يقوي ما
~~ذكرناه، وأن ما حصل به
# PageV01P443
# التكفير غير ما حصل به رفع الدرجات، والله أعلم. وعلى هذا، فيجتمع في
~~العمل الواحد تكفير السيئات، ورفع الدرجات من جهتين، ويوصف في كل حال بكلا
~~الوصفين، فلا تنافي بين ms243 تسميته كفارة وبين الإخبار عنه بمضاعفة الثواب به،
~~أو وصفه برفع الدرجات، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس،
~~والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر»
~~. فإن في حبس النفس على المواظبة على الفرائض من مخالفة هواها وكفها عما
~~تميل إليه ما يوجب ذلك تكفير الصغائر. وكذلك الشهادة في سبيل الله تكفر
~~الذنوب بما يحصل بها من الألم، وترفع الدرجات بما اقترن بها من الأعمال
~~الصالحة بالقلب والبدن، فتبين بهذا أن بعض الأعمال يجتمع فيها ما يوجب رفع
~~الدرجات وتكفير السيئات من جهتين، ولا يكون بينهما منافاة، وهذا ثابت في
~~الذنوب الصغائر بلا ريب، وأما الكبائر، فقد تكفر بالشهادة مع حصول الأجر
~~للشهيد، لكن الشهيد ذا الخطايا في رابع درجة من درجات الشهداء، كذا روي عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم من حديث فضالة بن عبيد خرجه الإمام أحمد
~~والترمذي.
# وأما مغفرة الذنوب ببعض الأعمال مع توفير أجرها وثوابها، فقد دل عليه
~~الأحاديث الصحيحة في الذكر، وقد قيل: إن تلك السيئات تكتب حسنات أيضا، كما
~~في حديث أبي مالك الأشعري الذي سبق ذكره، وذكرنا أيضا عن
# PageV01P444
# بعض السلف أنه يمحى بإزاء السيئة الواحدة ضعف واحد من أضعاف ثواب الحسنة،
~~وتبقى له تسع حسنات. والظاهر أن هذا مختص بالصغائر، وأما في الآخرة، فيوازن
~~بين الحسنات والسيئات، ويقص بعضها من بعض، فمن رجحت حسناته على سيئاته، فقد
~~نجا ودخل الجنة، وسواء في هذا الصغائر والكبائر، وهكذا من كانت له حسنات
~~وعليه مظالم، فاستوفى المظلومون حقوقهم من حسناته، وبقي له حسنة، دخل بها
~~الجنة. قال ابن مسعود: إن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة، ضاعفها الله حتى
~~يدخل الجنة، وإن كان شقيا قال الملك: رب فنيت حسناته، وبقي له طالبون كثير،
~~قال: خذوا من سيئاتهم، فأضعفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار،
~~خرجه ابن أبي حاتم وغيره. والمراد أن تفضيل مثقال ذرة من الحسنات إنما هو
~~بفضل الله عز وجل، لمضاعفته لحسنات المؤمن وبركته ms244 فيها، وهكذا حال من كانت
~~له حسنات وسيئات، وأراد الله رحمته، فضل له من حسناته ما يدخله به الجنة،
~~وكله من فضل الله ورحمته، فإنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله ورحمته.
~~وخرج أبو نعيم بإسناد ضعيف عن علي مرفوعا: " «أوحى الله إلى نبي من أنبياء
~~بني إسرائيل: قل لأهل طاعتي من أمتك: لا يتكلوا على أعمالهم، فإني لا أقاص
~~عبدا الحساب يوم القيامة أشاء أن أعذبه إلا عذبته، وقل لأهل معصيتي من
~~أمتك: لا يلقوا بأيديهم، فإني أغفر الذنب العظيم ولا أبالي» "، ومصداق هذا
~~قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «من نوقش الحساب عذب» وفي
~~رواية " هلك " والله أعلم.
# PageV01P445
# المسألة الثانية: أن الصغائر هل تجب التوبة منها كالكبائر أم لا؟ لأنها
~~تقع مكفرة باجتناب الكبائر، لقوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه
~~نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] [النساء: 31] . هذا
~~مما اختلف الناس فيه. فمنهم من أوجب التوبة منها، وهو قول أصحابنا وغيرهم
~~من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم. وقد أمر الله بالتوبة عقيب ذكر الصغائر
~~والكبائر، فقال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك
~~أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون - وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن
~~فروجهن} [النور: 30 - 31] إلى قوله: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون
~~لعلكم تفلحون} [النور: 31] [النور: 3 - 31] . وأمر بالتوبة من الصغائر
~~بخصوصها في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن
~~يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم
~~ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم
~~الظالمون} [الحجرات: 11] [الحجرات: 11] . ومن الناس من لم يوجب التوبة
~~منها، وحكي عن طائفة من المعتزلة ومن المتأخرين من قال: يجب أحد الأمرين،
~~إما التوبة منها، أو الإتيان ببعض المكفرات للذنوب من الحسنات. وحكى ابن
~~عطية في " تفسيره " في تكفير الصغائر بامتثال الفرائض واجتناب الكبائر
~~قولين: أحدهما - وحكاه عن جماعة من الفقهاء وأهل ms245 الحديث -: أنه يقطع
~~بتكفيرها بذلك قطعا لظاهر الآية والحديث. والثاني - وحكاه عن الأصوليين -:
~~أنه لا يقطع بذلك، بل يحمل على غلبة الظن وقوة الرجاء، وهو في مشيئة الله
~~عز وجل، إذ لو قطع بتكفيرها، لكانت
# PageV01P446
# الصغائر في حكم المباح الذي لا تبعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة. قلت: قد
~~يقال: لا يقطع بتكفيرها، لأن أحاديث التكفير المطلقة بالأعمال جاءت مقيدة
~~بتحسين العمل، كما ورد ذلك في الوضوء والصلاة، وحينئذ فلا يتحقق وجود حسن
~~العمل الذي يوجب التكفير، وعلى هذا الاختلاف الذي ذكره ابن عطية ينبني
~~الاختلاف في وجوب التوبة من الصغائر. وقد خرج ابن جرير من رواية الحسن أن
~~قوما أتوا عمر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله لا يعمل بها، فقال لرجل
~~منهم: أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم، قال: فهل أحصيته في نفسك؟ قال: اللهم
~~لا، قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك؟ ثم
~~تتبعهم حتى أتى على آخرهم، ثم قال: ثكلت عمر أمه، أتكلفونه أن يقيم على
~~الناس كتاب الله؟ قد علم ربنا أنه سيكون لنا سيئات، قال: وتلا {إن تجتنبوا
~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31]
~~[النساء: 31] . وبإسناده عن أنس بن مالك أنه قال: لم أر مثل الذي بلغنا عن
~~ربنا تعالى، لم نخرج له عن كل أهل ومال، ثم سكت، ثم قال: والله لقد كلفنا
# PageV01P447
# ربنا أهون من ذلك، لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر، فمالنا ولها، ثم تلا
~~{إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما}
~~[النساء: 31] . وخرجه البزار في " مسنده " مرفوعا، والموقوف أصح. وقد وصف
~~الله المحسنين باجتناب الكبائر قال تعالى: {ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى
~~الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة}
~~[النجم: 31] [النجم: 32] . وفي تفسير اللمم قولان للسلف: أحدهما: أنه
~~مقدمات الفواحش كاللمس والقبلة. وعن ابن عباس: هو ما دون الحد من وعيد
~~الآخرة بالنار وحد الدنيا.
# PageV01P448
# والثاني: أنه الإلمام بشيء من الفواحش والكبائر ms246 مرة واحدة، ثم يتوب منه،
~~وروي عن ابن عباس وأبي هريرة، وروي عنه مرفوعا بالشك في رفعه، قال: اللمة
~~من الزنا ثم يتوب فلا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب فلا يعود، واللمة
~~من السرقة ثم يتوب فلا يعود. ومن فسر الآية بهذا قال: لابد أن يتوب منه
~~بخلاف من فسره بالمقدمات، فإنه لم يشترط توبة. والظاهر أن القولين صحيحان،
~~وأن كليهما مراد من الآية، وحينئذ فالمحسن: هو من لا يأتي بكبيرة إلا نادرا
~~ثم يتوب منها، ومن إذا أتى بصغيرة كانت مغمورة في حسناته المكفرة لها،
~~ولابد أن يكون مصرا عليها، كما قال تعالى: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم
~~يعلمون} [آل عمران: 135] [آل عمران: 135] وروي عن ابن عباس أنه قال: لا
~~صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار، وروي مرفوعا من وجوه ضعيفة.
# PageV01P449
# وإذا صارت الصغائر كبائر بالمداومة عليها، فلابد للمحسنين من اجتناب
~~المداومة على الصغائر حتى يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش، وقال الله
~~عز وجل: {وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون - والذين
~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون - والذين استجابوا
~~لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون - والذين إذا
~~أصابهم البغي هم ينتصرون - وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على
~~الله إنه لا يحب الظالمين} [الشورى: 36 - 40] [الشورى: 36 - 40] . فهذه
~~الآيات تضمنت وصف المؤمنين بقيامهم بما أوجب الله عليهم من الإيمان
~~والتوكل، وإقام الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، والاستجابة لله في جميع
~~طاعاته، ومع هذا، فهم مجتنبون كبائر الإثم والفواحش، فهذا هو تحقيق التقوى،
~~ووصفهم في معاملتهم للخلق بالمغفرة عند الغضب، وندبهم إلى العفو والإصلاح.
~~وأما قوله: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} [الشورى: 39] فليس منافيا
~~للعفو، فإن الانتصار يكون بإظهار القدرة على الانتقام، ثم يقع العفو بعد
~~ذلك، فيكون أتم وأكمل. قال النخعي في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يستذلوا،
~~فإذا قدروا عفوا. وقال مجاهد: كانوا يكرهون للمؤمن أن يذل نفسه،
# PageV01P450
# فيجترئ عليه الفساق، ms247 فالمؤمن إذا بغي عليه، يظهر القدرة على الانتقام، ثم
~~يعفو بعد ذلك، وقد جرى مثل هذا لكثير من السلف، منهم قتادة وغيره. فهذه
~~الآيات تتضمن جميع ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ، فإنها
~~تضمنت حصول خصال التقوى بفعل الواجبات، والانتهاء عن كبائر المحرمات
~~ومعاملة الخلق بالإحسان والعفو، ولازم هذا أنهم إن وقع منهم شيء من الإثم
~~من غير الكبائر والفواحش، يكون مغمورا بخصال التقوى المقتضية لتكفيرها
~~ومحوها. وأما الآيات التي في سورة آل عمران، فوصف فيها المتقين بالإحسان
~~إلى الخلق، وبالاستغفار من الفواحش وظلم النفس، وعدم الإصرار على ذلك، وهذا
~~هو الأكمل، وهو إحداث التوبة، والاستغفار عقيب كل ذنب من الذنوب صغيرا كان
~~أو كبيرا، كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصى بذلك معاذا، وقد
~~ذكرناه فيما سبق. وإنما بسطنا القول في هذا، لأن حاجة الخلق إليه شديدة،
~~وكل أحد يحتاج إلى معرفة هذا، ثم إلى العمل بمقتضاه، والله الموفق والمعين.
~~فقوله صلى الله عليه وسلم: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» ظاهره أن السيئات
~~تمحى بالحسنات، وقد تقدم ذكر الآثار التي فيها أن السيئة تمحى من صحف
~~الملائكة بالحسنة إذا عملت بعدها. قال عطية العوفي: بلغني أنه من بكى على
~~خطيئة محيت عنه، وكتبت له حسنة. وعن عبد الله بن عمرو قال: من ذكر خطيئة
~~عملها، فوجل قلبه منها، فاستغفر الله عز وجل لم يحبسها شيء حتى يمحوها
# PageV01P451
# عنه الرحمن. وقال بشر بن الحارث: بلغني عن الفضيل بن عياض قال: بكاء
~~النهار يمحو ذنوب العلانية، وبكاء الليل يمحو ذنوب السر. وقد ذكرنا قول
~~النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع
~~به الدرجات؟» الحديث. وقالت طائفة: لا تمحى الذنوب من صحائف الأعمال بتوبة
~~ولا غيرها، بل لابد أن يوقف عليها صاحبها ويقرأها يوم القيامة، واستدلوا
~~بقوله تعالى: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا
~~مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} [الكهف: ms248 49] [الكهف:
~~49] ، وفي الاستدلال بهذه الآية نظر، لأنه إنما ذكر فيها حال المجرمين، وهم
~~أهل الجرائم والذنوب العظيمة، فلا يدخل فيهم المؤمنون التائبون من ذنوبهم،
~~أو المغمورة ذنوبهم بحسناتهم. وأظهر من هذا الاستدلال بقوله: {فمن يعمل
~~مثقال ذرة خيرا يره - ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7 - 8]
~~[الزلزلة: 7 - 8] ، وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا القول هو الصحيح عند
~~المحققين، وقد روي هذا القول عن الحسن البصري، وبلال بن سعد الدمشقي، قال
~~الحسن: فالعبد يذنب، ثم يتوب، ويستغفر: يغفر له، ولكن لا يمحاه من كتابه
~~دون أن يقفه عليه، ثم يسأله عنه، ثم بكى الحسن بكاء شديدا، وقال: ولو لم
~~نبك إلا للحياء من ذلك المقام، لكان ينبغي لنا أن نبكي. وقال بلال بن سعد:
~~إن الله يغفر الذنوب، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يوقفه عليها يوم
~~القيامة وإن تاب. وقال أبو هريرة: يدني الله العبد يوم القيامة، فيضع عليه
~~كنفه، فيستره من الخلائق كلها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر، فيقول: اقرأ
~~يا ابن آدم كتابك، فيقرأ، فيمر بالحسنة فيبيض لها وجهه، ويسر بها قلبه،
~~فيقول الله: أتعرف يا
# PageV01P452
# عبدي؟ فيقول: نعم، فيقول: إني قبلتها منك، فيسجد، فيقول: ارفع رأسك وعد
~~في كتابك، فيمر بالسيئة، فيسود لها وجهه، ويوجل لها قلبه، وترتعد منها
~~فرائصه، ويأخذه من الحياء من ربه ما لا يعلمه غيره، فيقول: أتعرف يا عبدي؟
~~فيقول: نعم، يا رب، فيقول: إني قد غفرتها لك، فيسجد، فلا يرى منه الخلائق
~~إلا السجود حتى ينادي بعضهم بعضا: طوبى لهذا العبد الذي لم يعص الله قط،
~~ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبين ربه مما قد وقفه عليه. وقال أبو عثمان
~~النهدي عن سلمان: يعطى الرجل صحيفته يوم القيامة، فيقرأ أعلاها، فإذا
~~سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه، نظر في أسفلها، فإذا حسناته، ثم نظر في أعلاها،
~~فإذا هي قد بدلت حسنات. وروي عن أبي عثمان، عن ابن مسعود وعن أبي عثمان من
~~قوله وهو أصح. وروى ابن أبي ms249 حاتم بإسناده عن بعض أصحاب معاذ بن جبل قال:
~~يدخل أهل الجنة الجنة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين،
# PageV01P453
# ثم أصحاب اليمين. قيل: لم سموا أصحاب اليمين؟ قال: لأنهم عملوا الحسنات
~~والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرءوا سيئاتهم حرفا حرفا قالوا: يا ربنا
~~هذه سيئاتنا فأين حسناتنا؟ فعند ذلك محا الله السيئات، وجعلها حسنات، فعند
~~ذلك قالوا: {هاؤم اقرءوا كتابيه} [الحاقة: 19] [الحاقة: 19] فهم أكثر أهل
~~الجنة. وأهل هذا القول قد يحملون أحاديث محو السيئات بالحسنات على محو
~~عقوباتها دون محو كتابتها من الصحف والله أعلم.
# وقوله صلى الله عليه وسلم: " «وخالق الناس بخلق حسن» " هذا من خصال
~~التقوى، ولا تتم التقوى إلا به، وإنما أفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإن
~~كثيرا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده، فنص له
~~على الأمر بإحسان العشرة للناس، فإنه كان قد بعثه إلى اليمن معلما لهم
~~ومفقها وقاضيا، ومن كان كذلك، فإنه يحتاج إلى مخالقة الناس بخلق حسن ما لا
~~يحتاج إليه غيره مما لا حاجة للناس به ولا يخالطهم، وكثيرا ما يغلب على من
~~يعتني بالقيام بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته وإهمال حقوق
~~العباد بالكلية أو التقصير فيها، والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده
~~عزيز جدا لا يقوى عليه إلا الكمل من الأنبياء والصديقين. وقال الحارث
~~المحاسبي: ثلاثة أشياء عزيزة أو معدومة: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن الخلق
~~مع الديانة، وحسن الإخاء مع الأمانة. وقال بعض السلف: جلس داود عليه السلام
~~خاليا، فقال الله عز وجل: مالي أراك خاليا؟ قال: هجرت الناس فيك يا رب
~~العالمين، قال: يا داود ألا أدلك على ما تستبقي به وجوه الناس، وتبلغ فيه
~~رضاي؟ خالق الناس بأخلاقهم، واحتجز الإيمان بيني وبينك. وقد عد الله في
~~كتابه مخالقة الناس بخلق حسن من خصال التقوى، بل
# PageV01P454
# بدأ بذلك في قوله: {أعدت للمتقين - الذين ينفقون في السراء والضراء
~~والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} [آل عمران: 133 -
~~134] [آل ms250 عمران: 133 - 134] . وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سعيد المقبري
~~قال: بلغنا أن رجلا جاء إلى عيسى ابن مريم عليه السلام، فقال: يا معلم
~~الخير، كيف أكون تقيا لله عز وجل كما ينبغي له؟ قال: بيسير من الأمر: تحب
~~الله بقلبك كله، وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت، وترحم ابن جنسك كما ترحم
~~نفسك، قال: من ابن جنسي يا معلم الخير؟ قال: ولد آدم كلهم، وما لا تحب أن
~~يؤتى إليك، فلا تأته لأحد وأنت تتقي لله عز وجل كما ينبغي له. وقد جعل
~~النبي صلى الله عليه وسلم حسن الخلق أكمل خصال الإيمان، كما خرج الإمام
~~أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكمل
~~المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» وخرجه محمد بن نصر المروزي، وزاد فيه: " «إن
~~المرء ليكون مؤمنا وإن في خلقه شيئا فينقص ذلك من إيمانه» ". وخرج أحمد
~~وأبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث أسامة بن شريك قال: «قالوا يا رسول
~~الله، ما أفضل ما أعطي المرء المسلم؟ قال: " الخلق الحسن» . وأخبر النبي
~~صلى الله عليه وسلم أن صاحب الخلق الحسن يبلغ بخلقه درجة الصائم القائم
# PageV01P455
# لئلا يشتغل المريد للتقوى عن حسن الخلق بالصوم والصلاة، ويظن أن ذلك
~~يقطعه عن فضلهما، فخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث عائشة عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجات الصائم والقائم» .
~~وأخبر أن حسن الخلق أثقل ما يوضع في الميزان، وأن صاحبه أحب الناس إلى الله
~~وأقربهم من النبيين مجلسا، فخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث
~~أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من شيء يوضع في ميزان
~~العبد أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم
~~والصلاة» . وخرج ابن حبان في " صحيحه " من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بأحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلسا
~~يوم القيامة؟ قالوا: بلى، ms251 قال: أحسنكم خلقا» وقد سبق حديث أبي هريرة عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم «أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق» .
~~وخرج أبو داود من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا
~~زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» ، وخرجه الترمذي وابن ماجه بمعناه
~~من حديث أنس.
# PageV01P456
# وقد روي عن السلف تفسير حسن الخلق فعن الحسن قال: حسن الخلق: الكرم
~~والبذلة والاحتمال. وعن الشعبي قال: حسن الخلق: البذلة والعطية والبشر
~~الحسن، وكان الشعبي كذلك. وعن ابن المبارك قال: هو بسط الوجه، وبذل
~~المعروف، وكف الأذى. وسئل سلام بن أبي مطيع عن حسن الخلق، فأنشد:
# تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
# ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
# هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
# وقال الإمام أحمد: حسن الخلق أن لا تغضب ولا تحتد، وعنه أنه قال: حسن
~~الخلق أن تحتمل ما يكون من الناس. وقال إسحاق بن راهويه: هو بسط الوجه، وأن
~~لا تغضب، ونحو ذلك قال محمد بن نصر.
# PageV01P457
# وقال بعض أهل العلم: حسن الخلق كظم الغيظ لله، وإظهار الطلاقة والبشر إلا
~~للمبتدع والفاجر، والعفو عن الزالين إلا تأديبا وإقامة الحد وكف الأذى عن
~~كل مسلم أومعاهد إلا تغيير منكر وأخذا بمظلمة لمظلوم من غير تعد. وفي "
~~مسند الإمام أحمد " من حديث معاذ بن أنس الجهني، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «أفضل الفضائل أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتصفح عمن شتمك»
~~. وخرج الحاكم من حديث «عقبة بن عامر الجهني، قال: قال لي رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: يا عقبة، ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ تصل
~~من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك» . وخرج الطبراني من حديث علي «أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أدلك على أكرم أخلاق أهل الدنيا
~~والآخرة؟ أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.» ms252
# PageV01P458
### | [الحديث التاسع عشر احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله]
# PageV01P458
# الحديث التاسع عشر
# «عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه
~~وسلم فقال لي: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده
~~تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو
~~اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن
~~اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت
~~الأقلام وجفت الصحف» .
# رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
# وفي رواية غير الترمذي: «احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء
~~يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن
~~ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا»
~~.
# هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية
~~حنش الصنعاني، عن ابن عباس وخرجه الإمام أحمد من حديث حنش الصنعاني مع
~~إسنادين آخرين منقطعين ولم يميز لفظ بعضها من بعض، ولفظ حديثه: «يا غلام أو
~~يا غليم ألا أعلمك كلمات
# PageV01P459
# ينفعك الله بهن؟ " فقلت: بلى، فقال: " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده
~~أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله،
~~وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم
~~جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن
~~يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما
~~تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر
~~يسرا» .
# وهذا اللفظ أتم من اللفظ الذي ذكره الشيخ رحمه الله، وعزاه إلى غير
~~الترمذي، واللفظ الذي ذكره الشيخ رواه عبد بن حميد في " مسنده " بإسناد
~~ضعيف عن عطاء، عن ابن عباس، وكذلك عزاه ابن الصلاح في " الأحاديث الكلية "
~~التي ms253 هي أصل أربعين الشيخ رحمه الله إلى عبد بن حميد وغيره.
# وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي ومولاه
~~عكرمة، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن عبد
# PageV01P460
# الله، وعمر مولى غفرة، وابن أبي مليكة وغيرهم.
# وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي، كذا قال ابن منده
~~وغيره. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصى ابن عباس بهذه الوصية
~~من حديث علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وعبد الله بن
~~جعفر، وفي أسانيدها كلها ضعف.
# PageV01P461
# وذكر العقيلي أن أسانيد الحديث كلها لينة، وبعضها أصلح من بعض، وبكل حال،
~~فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة.
# وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين، حتى قال
~~بعض العلماء: تدبرت هذا الحديث، فأدهشني وكدت أطيش، فوا أسفا من الجهل بهذا
~~الحديث، وقلة التفهم لمعناه.
# قلت: وقد أفردت لشرحه جزءا كبيرا ونحن نذكر هاهنا مقاصده على وجه
~~الاختصار إن شاء الله تعالى.
# قوله صلى الله عليه وسلم: " احفظ الله " يعني: احفظ حدوده، وحقوقه،
~~وأوامره، ونواهيه، وحفظ ذلك: هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه
~~بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ما أمر به، وأذن فيه إلى ما نهى عنه،
~~فمن فعل ذلك، فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه، وقال
~~عز وجل: {هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ - من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب
~~منيب} [ق: 32 - 33] [ق: 32 - 33] وفسر الحفيظ هاهنا بالحافظ لأوامر الله،
~~وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها.
# ومن أعظم ما يجب حفظه من أوامر الله الصلاة، وقد أمر الله بالمحافظة
~~عليها، فقال: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] [البقرة:
~~238] ، ومدح المحافظين عليها بقوله: {والذين هم على صلاتهم يحافظون}
~~[المعارج: 34] [المعارج: 34] .
# PageV01P462
# وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حافظ عليها، كان له عند الله عهد أن
~~يدخله الجنة» وفي حديث آخر: «من حافظ عليهن، كن له نورا وبرهانا ms254 ونجاة يوم
~~القيامة» .
# وكذلك الطهارة، فإنها مفتاح الصلاة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا
~~يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» .
# ومما يؤمر بحفظه الأيمان، قال الله عز وجل: {واحفظوا أيمانكم} [المائدة:
~~89] [المائدة: 89] ، فإن الأيمان يقع الناس فيها كثيرا، ويهمل كثير منهم ما
~~يجب بها، فلا يحفظه، ولا يلتزمه.
# ومن ذلك حفظ الرأس والبطن كما في حديث ابن مسعود المرفوع: " «الاستحياء
~~من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى» " خرجه
~~الإمام أحمد والترمذي.
# وحفظ الرأس وما وعى يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ
~~البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن الإصرار على محرم قال الله عز وجل:
~~{واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه} [البقرة: 235]
# PageV01P463
# [البقرة: 235] ، وقد جمع الله ذلك كله في قوله: {إن السمع والبصر والفؤاد
~~كل أولئك كان عنه مسئولا} [الإسراء: 36] [الإسراء: 36] .
# ويتضمن أيضا حفظ البطن من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب.
# ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله عز وجل: اللسان والفرج، وفي حديث أبي
~~هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حفظ ما بين لحييه، وما بين
~~رجليه، دخل الجنة» خرجه الحاكم.
# وخرج الإمام أحمد من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من
~~حفظ ما بين فقميه وفرجه، دخل الجنة» .
# وأمر الله عز وجل بحفظ الفروج، ومدح الحافظين لها، فقال: {قل للمؤمنين
~~يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} [النور: 30] [النور: 30] ، وقال:
# PageV01P464
# {والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله
~~لهم مغفرة وأجرا عظيما} [الأحزاب: 35] [الأحزاب: 35] ، وقال: {قد أفلح
~~المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 1] إلى قوله: {والذين هم
~~لفروجهم حافظون - إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين}
~~[المؤمنون: 5 - 6] [المؤمنون: 1 - 6] .
# وقال أبو إدريس الخولاني: أول ما وصى الله به آدم عند إهباطه إلى الأرض:
~~حفظ فرجه، وقال لا تضعه إلا في حلال.
# وقوله صلى الله عليه وسلم: " يحفظك " يعني: أن من حفظ حدود الله، وراعى ms255
~~حقوقه، حفظه الله، فإن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: {وأوفوا بعهدي
~~أوف بعهدكم} [البقرة: 40] [البقرة: 40] ، وقال: {فاذكروني أذكركم} [البقرة:
~~152] [البقرة: 152] ، وقال: إن {تنصروا الله ينصركم} [محمد: 7] [محمد: 7] .
# وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان:
# أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال
~~الله عز وجل: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله}
~~[الرعد: 11] [الرعد: 11] قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله،
~~فإذا جاء القدر خلوا عنه.
# وقال علي رضي الله عنه: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء
~~القدر خليا بينه وبينه، وإن الأجل جنة حصينة.
# PageV01P465
# وقال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس
~~والهوام، فما من شيء يأتيه إلا قال: وراءك، إلا شيئا أذن الله فيه فيصيبه.
# وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث ابن عمر، قال: «لم يكن
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: "
~~اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو
~~والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عورتي، وآمن روعتي،
~~واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي وأعوذ بعظمتك
~~أن أغتال من تحتي» ".
# ومن حفظه الله في صباه وقوته، حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتعه
~~بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله.
# كان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله، فوثب يوما
~~وثبة شديدة، فعوتب في ذلك، فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر،
~~فحفظها الله علينا في الكبر. وعكس هذا أن بعض السلف رأى شيخا يسأل الناس
~~فقال: إن هذا ضعيف ضيع الله في صغره، فضيعه الله في كبره.
# PageV01P466
# وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته كما قيل في قوله تعالى:
~~{وكان أبوهما صالحا} [الكهف: 82] [الكهف: 82] : أنهما حفظا بصلاح أبيهما.
~~قال سعيد بن المسيب لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك، ms256 رجاء أن أحفظ فيك، ثم
~~تلا هذه الآية {وكان أبوهما صالحا} [الكهف: 82] ، وقال عمر بن عبد العزيز:
~~ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه.
# وقال ابن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات
~~التي حوله فما يزالون في حفظ من الله وستر.
# ومتى كان العبد مشتغلا بطاعة الله، فإن الله يحفظه في تلك الحال، وفي "
~~مسند الإمام أحمد " عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «كانت امرأة في بيت،
~~فخرجت في سرية من المسلمين، وتركت ثنتي عشرة عنزة وصيصيتها كانت تنسج بها،
~~قال: ففقدت عنزا لها وصيصيتها، فقالت: يا رب إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك
~~أن تحفظ عليه، وإني قد فقدت عنزا من غنمي وصيصيتي، وإني أنشدك عنزي وصيصيتي
~~قال: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شدة مناشدتها ربها تبارك
~~وتعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأصبحت عنزها ومثلها، وصيصيتها
~~ومثلها» . والصيصية: هي الصنارة التي يغزل بها وينسج.
# فمن حفظ الله حفظه الله من كل أذى قال بعض السلف: من اتقى الله فقد حفظ
~~نفسه، ومن ضيع تقواه، فقد ضيع نفسه، والله الغني عنه.
# PageV01P467
# ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له
~~من الأذى، كما جرى لسفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كسر به
~~المركب، وخرج إلى جزيرة، فرأى الأسد، فجعل يمشي معه حتى دله على الطريق،
~~فلما أوقفه عليها، جعل يهمهم كأنه يودعه، ثم رجع عنه.
# ورئي إبراهيم بن أدهم نائما في بستان وعنده حية في فمها طاقة نرجس، فما
~~زالت تذب عنه حتى استيقظ.
# وعكس هذا أن من ضيع الله، ضيعه الله، فضاع بين خلقه حتى يدخل عليه الضرر
~~والأذى ممن كان يرجو نفعه من أهله وغيرهم، كما قال بعض السلف: إني لأعصي
~~الله فأعرف ذلك في خلق خادمي ودابتي.
# النوع الثاني من الحفظ، وهو أشرف النوعين: حفظ الله للعبد في دينه
~~وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات ms257 المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ
~~عليه دينه عند موته، فيتوفاه على الإيمان قال بعض السلف: إذا حضر الرجل
~~الموت يقال للملك: شم رأسه، قال: أجد في رأسه القرآن، قال: شم قلبه، قال:
~~أجد في قلبه الصيام، قال: شم قدميه قال: أجد في قدميه القيام قال: حفظ
~~نفسه، فحفظه الله.
# وفي " الصحيحين " «عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
~~أمره أن يقول عند
# PageV01P468
# منامه: إن قبضت نفسي، فارحمها، وإن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك
~~الصالحين» .
# وفي حديث عمر أن «النبي صلى الله عليه وسلم علمه أن يقول: اللهم احفظني
~~بالإسلام قائما، واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإسلام راقدا، ولا تطع
~~في عدوا ولا حاسدا» خرجه ابن حبان في " صحيحه ".
# «وكان النبي صلى الله عليه وسلم يودع من أراد سفرا، فيقول: " أستودع الله
~~دينك وأمانتك وخواتيم عملك " وكان يقول: " إن الله إذا استودع شيئا حفظه»
~~". خرجه النسائي وغيره.
# وفي الجملة، فإن الله عز وجل يحفظ على المؤمن الحافظ لحدود دينه، ويحول
~~بينه وبين ما يفسد عليه دينه بأنواع من الحفظ، وقد لا يشعر العبد ببعضها،
~~وقد يكون كارها له، كما قال في حق يوسف عليه السلام: {كذلك لنصرف عنه السوء
~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24] [يوسف: 24] .
# PageV01P469
# قال ابن عباس: في قوله تعالى: {أن الله يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال:
~~24] [الأنفال: 24] ، قال يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى
~~النار.
# وقال الحسن - وذكر أهل المعاصي -: هانوا عليه، فعصوه، ولو عزوا عليه
~~لعصمهم.
# وقال ابن مسعود: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له،
~~فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له أدخلته
~~النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير يقول: سبقني فلان دهاني فلان، وما هو
~~إلا فضل الله عز جل.
# وخرجه الطبراني من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز
~~وجل: إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، وإن بسطت عليه أفسده ذلك،
~~وإن من عبادي ms258 من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته، لأفسده ذلك، وإن من
~~عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أسقمته، لأفسده ذلك، وإن من عبادي
~~من لا يصلح إيمانه إلا السقم، ولو أصححته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من يطلب
~~بابا من العبادة، فأكفه عنه، لكيلا يدخله العجب، إني أدبر عبادي بعلمي بما
~~في قلوبهم، إني عليم خبير» .
# PageV01P470
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله تجده تجاهك» وفي رواية: " أمامك "
~~معناه: أن من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه، وجد الله معه في كل أحواله حيث
~~توجه يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده ف {إن الله مع الذين اتقوا والذين
~~هم محسنون} [النحل: 128] [النحل: 128] قال قتادة: من يتق الله يكن معه، ومن
~~يكن الله معه، فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي
~~الذي لا يضل.
# كتب بعض السلف إلى أخ له: أما بعد، فإن كان الله معك فمن تخاف؟ وإن كان
~~عليك فمن ترجو؟ وهذه المعية الخاصة هي المذكورة في قوله تعالى لموسى
~~وهارون: {لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] [طه: 46] ، وقول موسى:
~~{إن معي ربي سيهدين} [الشعراء: 62] [الشعراء: 62] وفي قول النبي صلى الله
~~عليه وسلم لأبي بكر وهما في الغار «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن
~~الله معنا» .
# فهذه المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد، والحفظ والإعانة بخلاف المعية
~~المذكورة في قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة
~~إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا}
~~[المجادلة: 7] [المجادلة: 7] ، وقوله: {ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ
~~يبيتون ما لا يرضى من القول} [النساء: 108] [البقرة: 108] ، فإن هذه المعية
~~تقتضي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم، فهي مقتضية لتخويف العباد منه.
~~والمعية الأولى تقتضي حفظ العبد وحياطته ونصره، فمن حفظ الله، وراعى حقوقه،
~~وجده أمامه وتجاهه على كل حال، فاستأنس به، واستغنى به عن خلقه، كما في
~~حديث " «أفضل الإيمان
# PageV01P471
# أن يعلم العبد أن الله معه حيث كان» ms259 " وقد سبق.
# وروي عن بنان الحمال أنه دخل البرية وحده على طريق تبوك، فاستوحش، فهتف
~~به هاتف: لم تستوحش؟ أليس حبيبك معك؟ وقيل لبعضهم: ألا تستوحش وحدك؟ فقال:
~~كيف أستوحش، وهو يقول: " أنا جليس من ذكرني " وقيل لآخر: نراك وحدك؟ فقال:
~~من يكن الله معه، كيف يكون وحده؟ وقيل لآخر: أما معك مؤنس؟ قال: بلى، قيل
~~له: أين هو؟ قال: أمامي، ومعي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، وفوقي وكان
~~الشبلي ينشد:
# إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى لمطايانا بذكرك هاديا
# قوله صلى الله عليه وسلم: " «تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة» "
~~يعني أن العبد إذا
# PageV01P472
# اتقى الله، وحفظ حدوده، وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرف بذلك إلى
~~الله، وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة، فعرفه ربه في الشدة، ورعى له تعرفه
~~إليه في الرخاء، فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة، وهذه معرفة خاصة تقتضي قرب
~~العبد من ربه، ومحبته له، وإجابته لدعائه.
# فمعرفة العبد لربه نوعان: أحدهما: المعرفة العامة، وهي معرفة الإقرار به
~~والتصديق والإيمان، وهذه عامة للمؤمنين.
# والثاني: معرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية، والانقطاع إليه،
~~والأنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له، وهذه المعرفة
~~الخاصة هي التي يدور حولها العارفون، كما قال بعضهم: مساكين أهل الدنيا،
~~خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: معرفة الله عز
~~وجل.
# وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: أحب أن لا أموت حتى أعرف مولاي، وليس معرفته
~~الإقرار به، ولكن المعرفة إذا عرفته استحييت منه.
# ومعرفة الله أيضا لعبده نوعان: معرفة عامة، وهي علمه سبحانه بعباده،
~~واطلاعه على ما أسروه وما أعلنوه، كما قال: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما
~~توسوس به نفسه} [ق: 16] [ق: 16] ، قال: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض
~~وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} [النجم: 32] [النجم: 32] .
# والثاني: معرفة خاصة، وهي تقتضي محبته لعبده، وتقريبه إليه، وإجابة
~~دعائه، وإنجاءه من الشدائد، وهي المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم
~~فيما يحكى ms260 عن ربه " «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا
~~أحببته، كنت سمعه الذي
# PageV01P473
# يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها،
~~ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني، لأعيذنه» "، وفي رواية: " «ولئن دعاني
~~لأجيبنه» ".
# ولما هرب الحسن من الحجاج دخل إلى بيت حبيب أبي محمد، فقال له حبيب: يا
~~أبا سعيد، أليس بينك وبين ربك ما تدعوه، فيسترك من هؤلاء؟ ادخل البيت،
~~فدخل، ودخل الشرط على أثره، فلم يروه، فذكر ذلك للحجاج، فقال: بل كان في
~~البيت، إلا أن الله طمس أعينهم فلم يروه.
# واجتمع الفضيل بن عياض بشعوانة العابدة، فسألها الدعاء، فقالت: يا فضيل،
~~وما بينك وبينه ما إن دعوته أجابك، فغشي على الفضيل.
# وقيل لمعروف: وما الذي هيجك إلى الانقطاع والعبادة؟ وذكر له الموت
~~والبرزخ والجنة والنار - فقال معروف: إن ملكا هذا كله بيده إن كانت بينك
~~وبينه معرفة كفاك جميع هذا.
# وفي الجملة، فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه، عامله الله
~~باللطف والإعانة في حال شدته.
# وخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من
~~سره أن يستجيب الله له عند الشدائد، فليكثر الدعاء في الرخاء» .
# وخرج ابن أبي حاتم وغيره من رواية أبي يزيد الرقاشي عن أنس يرفعه «أن
~~يونس
# PageV01P474
# عليه السلام لما دعا في بطن الحوت، قالت الملائكة: يا رب هذا صوت معروف
~~من بلاد غريبة، فقال الله عز وجل: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: ومن هو؟ قال:
~~عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة؟
~~قال: نعم، قالوا: يا رب، أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من
~~البلاء؟ قال: بلى، قال: فأمر الله الحوت فطرحه بالعراء» .
# وقال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرخاء، يذكركم في الشدة، إن يونس
~~عليه السلام كان يذكر الله تعالى، فلما وقع في بطن الحوت، قال الله عز وجل:
~~{فلولا أنه كان من المسبحين - للبث في بطنه إلى يوم ms261 يبعثون} [الصافات: 143
~~- 144] [الصافات: 143 - 144] وإن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله، فلما
~~أدركه الغرق، قال: آمنت، فقال الله تعالى: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من
~~المفسدين} [يونس: 91] [يونس: 91] .
# وقال سلمان الفارسي: إذا كان الرجل دعاء في السراء، فنزلت به ضراء، فدعا
~~الله تعالى، قالت الملائكة: صوت معروف فشفعوا له، وإذا كان ليس بدعاء في
~~السراء، فنزلت به ضراء، فدعا الله تعالى قالت الملائكة: صوت ليس بمعروف،
~~فلا يشفعون له.
# وقال رجل لأبي الدرداء: أوصني، فقال: اذكر الله في السراء يذكرك الله عز
~~وجل في الضراء.
# PageV01P475
# وعنه أنه قال: ادع الله في يوم سرائك لعله أن يستجيب لك في يوم ضرائك.
# وأعظم الشدائد التي تنزل بالعبد في الدنيا الموت، وما بعده أشد منه إن لم
~~يكن مصير العبد إلى خير، فالواجب على المؤمن الاستعداد للموت وما بعده في
~~حال الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة، قال الله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا
~~اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون -
~~ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون} [الحشر: 18
~~- 19] [الحشر: 18 - 19] .
# فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه، واستعد حينئذ للقاء الله بالموت وما
~~بعده، ذكره الله عند هذه الشدائد، فكان معه فيها، ولطف به، وأعانه، وتولاه،
~~وثبته على التوحيد، فلقيه وهو عنه راض، ومن نسي الله في حال صحته ورخائه،
~~ولم يستعد حينئذ للقائه، نسيه الله في هذه الشدائد، بمعنى أنه أعرض عنه،
~~وأهمله فإذا نزل الموت بالمؤمن المستعد له، أحسن الظن بربه، وجاءته البشرى
~~من الله، فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، والفاجر بعكس ذلك، وحينئذ يفرح
~~المؤمن، ويستبشر بما قدمه مما هو قادم عليه، ويندم المفرط، ويقول: {يا
~~حسرتا على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] [الزمر: 56.
# ] قال أبو عبد الرحمن السلمي قبل موته: كيف لا أرجو ربي وقد صمت له
~~ثمانين رمضان؟ وقال أبو بكر بن عياش لابنه عند موته: أترى الله يضيع لأبيك
~~أربعين سنة يختم القرآن كل ms262 ليلة؟ .
# PageV01P476
# وختم آدم بن أبي إياس القرآن وهو مسجى للموت، ثم قال: بحبي لك، إلا رفقت
~~بي في هذا المصرع؟ كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك لا إله إلا الله، ثم
~~قضى.
# ولما احتضر زكريا بن عدي، رفع يديه، وقال: اللهم إني إليك لمشتاق.
# وقال عبد الصمد الزاهد عند موته: سيدي لهذه الساعة خبأتك، ولهذا اليوم
~~اقتنيتك، حقق حسن ظني بك.
# وقال قتادة في قول الله عز وجل {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2]
~~[الطلاق: 2] قال: من الكرب عند الموت.
# وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: ينجيه من كل كرب في
~~الدنيا والآخرة.
# وقال زيد بن أسلم في قوله عز وجل: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا
~~تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا} [فصلت: 30] الآية [فصلت:
~~30] قال: يبشر بذلك عند موته، وفي قبره، ويوم يبعث، فإنه لفي الجنة، وما
~~ذهبت فرحة البشارة من قلبه.
# PageV01P477
# وقال ثابت البناني في هذه الآية: بلغنا أن المؤمن حيث يبعثه الله من
~~قبره، ويتلقاه ملكاه اللذان كانا معه في الدنيا، فيقولان له: لا تخف ولا
~~تحزن، فيؤمن الله خوفه، ويقر الله عينه، فما من عظيمة تغشى الناس يوم
~~القيامة إلا هي للمؤمن قرة عين لما هداه الله، ولما كان يعمل في الدنيا.
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن
~~بالله» هذا منتزع من قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ،
~~فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه.
# والدعاء هو العبادة، كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث
~~النعمان بن بشير، وتلا قوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر:
~~60] [غافر: 60] خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي والنسائي، وابن
~~ماجه.
# وخرج الترمذي من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء
~~مخ العبادة» فتضمن هذا الكلام أن يسأل الله عز وجل، ولا يسأل غيره، وأن
~~يستعان بالله دون غيره.
# وأما السؤال، فقد أمر الله بمسألته، فقال: {واسألوا ms263 الله من فضله}
~~[النساء: 32] [النساء: 32] وفي " الترمذي " عن ابن مسعود مرفوعا: " «سلوا
~~الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل» ".
# PageV01P478
# وفيه أيضا عن أبي هريرة مرفوعا: " من لا يسأل الله يغضب عليه ".
# وفي حديث آخر: " «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا
~~انقطع» ".
# وفي النهي عن مسألة المخلوقين أحاديث كثيرة صحيحة، وقد بايع النبي صلى
~~الله عليه وسلم جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئا: منهم أبو بكر
~~الصديق، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته، فلا يسأل
~~أحدا أن يناوله إياه.
# PageV01P479
# وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أن «رجلا
~~جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن بني فلان أغاروا
~~علي فذهبوا بابني وإبلي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن آل محمد كذا
~~وكذا أهل بيت، ما لهم مد من طعام، أو صاع، فاسأل الله عز وجل، فرجع إلى
~~امرأته، فقالت: ما قال لك؟ فأخبرها، فقالت: نعم ما رد عليك، فما لبث أن رد
~~الله عليه ابنه وإبله أوفر ما كانت، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره،
~~فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وأمر الناس بمسألة الله عز وجل والرغبة
~~إليه، وقرأ: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا - ويرزقه من حيث لا يحتسب}
~~[الطلاق: 2 - 3] [الطلاق: 2] » .
# وقد ثبت في " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن الله عز وجل
~~يقول: هل من داع، فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟»
~~.
# وخرج المحاملي وغيره من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «قال الله تعالى: من ذا الذي دعاني فلم أجبه؟ وسألني فلم أعطه؟
~~واستغفرني، فلم أغفر له وأنا أرحم الراحمين؟» .
# PageV01P480
# واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين، لأن السؤال فيه إظهار
~~الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسئول
~~على دفع هذا الضرر، ونيل المطلوب، ms264 وجلب المنافع، ودرء المضار، ولا يصلح
~~الذل والافتقار إلا لله وحده، لأنه حقيقة العبادة، وكان الإمام أحمد يدعو
~~ويقول: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك، ولا
~~يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواه. كما قال: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف
~~له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله} [يونس: 107] [يونس: 107] ، وقال:
~~{ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده}
~~[فاطر: 2] [فاطر: 2] .
# والله سبحانه يحب أن يسأل ويرغب إليه في الحوائج، ويلح في سؤاله ودعائه،
~~ويغضب على من لا يسأله، ويستدعي من عباده سؤاله، وهو قادر على إعطاء خلقه
~~كلهم سؤلهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، والمخلوق بخلاف ذلك كله: يكره أن
~~يسأل، ويحب أن لا يسأل، لعجزه وفقره وحاجته، ولهذا قال وهب بن منبه لرجل
~~كان يأتي الملوك: ويحك، تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك
~~غناه، وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول
~~ادعني أستجب لك؟ ! .
# وقال طاوس لعطاء: إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق بابه دونك ويجعل دونها
~~حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة أمرك أن تسأله، ووعدك أن
~~يجيبك.
# وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن
~~الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه
# PageV01P481
# إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله، فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول،
~~وهذا تحقيق معنى قول: " لا حول ولا قوة إلا بالله " فإن المعنى لا تحول
~~للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة وهي
~~كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات،
~~وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من
~~أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل،
~~فمن حقق الاستعانة ms265 عليه في ذلك كله أعانه. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» .
# ومن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيره، وكله الله إلى من استعان به
~~فصار مخذولا. كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله، فيكلك
~~الله إليه. ومن كلام بعض السلف: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك، وعجبت
~~لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك.
# قوله صلى الله عليه وسلم: " «جف القلم بما هو كائن» "، وفي رواية أخرى: "
~~«رفعت الأقلام، وجفت الصحف» " هو كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها،
~~والفراغ منها من أمد بعيد، فإن الكتاب إذا فرغ من كتابته، ورفعت الأقلام
~~عنه، وطال عهده، فقد رفعت عنه الأقلام، وجفت الأقلام التي كتب بها من
~~مدادها، وجفت الصحيفة التي كتب فيها بالمداد المكتوب به فيها، وهذا من أحسن
~~الكنايات وأبلغها.
# PageV01P482
# وقد دل الكتاب والسنن الصحيحة الكثيرة على مثل هذا المعنى، قال الله
~~تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن
~~نبرأها إن ذلك على الله يسير} [الحديد: 22] [الحديد: 22] وفي " صحيح مسلم "
~~عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب مقادير
~~الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» .
# وفيه أيضا عن جابر أن «رجلا قال: يا رسول الله، فيم العمل اليوم؟ أفيما
~~جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت
~~به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما
~~خلق له» .
# وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث عبادة بن الصامت عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب فجرى في
~~تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» .
# والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا يطول ذكرها.
# قوله صلى الله عليه وسلم: «فلو أن الخلق جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم ms266
~~يقضه الله، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك،
~~لم يقدروا عليه» .
# هذه رواية الإمام أحمد، ورواية الترمذي بهذا المعنى أيضا، والمراد: أن ما
~~يصيب العبد في دنياه مما يضره أو ينفعه، فكله مقدر عليه، ولا يصيب العبد
# PageV01P483
# إلا ما كتب له من مقادير ذلك في الكتاب السابق، ولو اجتهد على ذلك الخلق
~~كلهم جميعا.
# وقد دل القرآن على مثل هذا في قوله عز وجل: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب
~~الله لنا} [التوبة: 51] [التوبة: 51] ، وقوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض
~~ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] [الحديد: 22] ،
~~وقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} [آل
~~عمران: 154] [آل عمران: 154] .
# وخرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن
~~ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه» .
# وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم معنى ذلك أيضا.
# واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده، فهو
~~متفرع عليه، وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أن لن يصيبه إلا ما كتب الله له
~~من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد
~~البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك
~~للعبد توحيد ربه عز وجل، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما
~~يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع
~~ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئا، فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي
~~ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال
# PageV01P484
# والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا، وأن يتقي سخطه، ولو
~~كان فيه سخط الخلق جميعا، ms267 وإفراده بالاستعانة به، والسؤال له، وإخلاص
~~الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص
~~الدعاء له عند الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعه من دونه،
~~قال الله عز وجل: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل
~~هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل
~~المتوكلون} [الزمر: 38] [الزمر: 38] .
# قوله صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا»
~~يعني: أن ما أصاب العبد من المصائب المؤلمة المكتوبة عليه إذا صبر عليها،
~~كان له في الصبر خير كثير.
# وفي رواية عمر مولى غفرة وغيره عن ابن عباس زيادة أخرى قبل هذا الكلام،
~~وهي " «فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين، فافعل، وإن لم تستطع، فإن
~~في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا» ".
# وفي رواية أخرى من رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه، لكن إسنادها
~~ضعيف، زيادة أخرى بعد هذا، وهي: «قلت: يا رسول الله، كيف أصنع باليقين؟
~~قال: " أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإذا
~~أنت أحكمت باب اليقين» " ومعنى هذا أن حصول اليقين للقلب بالقضاء السابق
~~والتقدير الماضي يعين العبد على أن ترضى نفسه بما أصابه، فمن استطاع أن
~~يعمل في اليقين بالقضاء والقدر على الرضا بالمقدور، فليفعل، فإن لم يستطع
~~الرضا، فإن في الصبر على المكروه خيرا كثيرا.
# PageV01P485
# فهاتان درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب:
# أحدهما: أن يرضى بذلك، وهي درجة عالية رفيعة جدا، قال الله عز وجل {ما
~~أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن: 11]
~~[التغابن: 11] قال علقمة: هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله،
~~فيسلم لها ويرضى.
# وخرج الترمذي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الله إذا
~~أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي، فله الرضا، ومن سخط فله السخط» ، «وكان النبي
~~صلى ms268 الله عليه وسلم يقول في دعائه: " أسألك الرضا بعد القضاء» .
# ومما يدعو المؤمن إلى الرضا بالقضاء تحقيق إيمانه بمعنى قول النبي صلى
~~الله عليه وسلم: «لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته
~~سراء شكر، كان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، كان خيرا له، وليس ذلك إلا
~~للمؤمن» .
# «وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يوصيه وصية جامعة
~~موجزة، فقال: " لا تتهم الله في قضائه» ".
# قال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به، وقال ابن
# PageV01P486
# مسعود: إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل
~~الهم والحزن في الشك والسخط؛ فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء
~~كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. وقال عمر بن عبد العزيز: أصبحت ومالي
~~سرور إلا في مواضع القضاء والقدر.
# فمن وصل إلى هذه الدرجة، كان عيشه كله في نعيم وسرور، قال الله تعالى:
~~{من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} [النحل: 97]
~~[النحل: 97] قال بعض السلف: الحياة الطيبة: هي الرضا والقناعة. وقال عبد
~~الواحد بن زيد: الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين.
# وأهل الرضا تارة يلاحظون حكمة المبتلي وخيرته لعبده في البلاء، وأنه غير
~~متهم في قضائه، وتارة يلاحظون ثواب الرضا بالقضاء، فينسيهم ألم المقضي به،
~~وتارة يلاحظون عظمة المبتلي وجلاله وكماله، فيستغرقون في مشاهدة ذلك، حتى
~~لا يشعرون بالألم، وهذا يصل إليه خواص أهل المعرفة والمحبة، حتى ربما
~~تلذذوا بما أصابهم لملاحظتهم صدوره عن حبيبهم، كما قال بعضهم: أوجدهم في
~~عذابه عذوبة. وسئل بعض التابعين عن حاله في مرضه، فقال: أحبه إليه أحبه
~~إلي. وسئل السري: هل يجد المحب ألم البلاء؟ فقال: لا وقال بعضهم:
# عذابه فيك عذب ... وبعده فيك قرب
# وأنت عندي كروحي ... بل أنت منها أحب
# PageV01P487
# حسبي من الحب أني
# لما تحب أحب
# والدرجة الثانية: أن يصبر على البلاء، وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاء،
~~فالرضا فضل ms269 مندوب إليه، مستحب، والصبر واجب على المؤمن حتم، وفي الصبر خير
~~كثير، فإن الله أمر به، ووعد عليه جزيل الأجر. قال الله عز وجل: {إنما يوفى
~~الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10] [الزمر: 10] ، وقال: {وبشر الصابرين
~~- الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون - أولئك عليهم
~~صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} [البقرة: 155 - 157] [البقرة: 155
~~- 157] قال الحسن: الرضا عزيز، ولكن الصبر معول المؤمن.
# والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود
~~الألم، وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح
~~الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم، وإن وجد الإحساس بالألم،
~~لكن الرضا يخففه لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا،
~~فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية كما سبق.
# قوله صلى الله عليه وسلم: " «واعلم أن النصر مع الصبر» ". هذا موافق لقول
~~الله عز وجل: {قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة
~~كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] [البقرة: 249] وقوله
~~تعالى {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا
~~ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} [الأنفال: 66] [الأنفال: 66] وقال عمر
~~لأشياخ من بني عبس: بم قاتلتم الناس؟ قالوا: بالصبر، لم نلق قوما إلا صبرنا
~~لهم كما صبروا لنا. وقال بعض السلف: كلنا يكره الموت
# PageV01P488
# وألم الجراح، ولكن نتفاضل بالصبر. وقال البطال: الشجاعة صبر ساعة. وهذا
~~في جهاد العدو الظاهر، وهو جهاد الكفار، وكذلك جهاد العدو الباطن، هو جهاد
~~النفس والهوى، فإن جهادهما من أعظم الجهاد، كما قال النبي صلى الله عليه
~~وسلم: «المجاهد من جاهد نفسه في الله» .
# وقال عبد الله بن عمر لمن سأله عن الجهاد: ابدأ بنفسك، فجاهدها، وابدأ
~~بنفسك، فاغزها.
# وقال بقية بن الوليد: أخبرنا إبراهيم بن أدهم، حدثنا الثقة عن علي بن أبي
~~طالب، قال: أول ما تنكرون من جهادكم أنفسكم.
# وقال إبراهيم بن أبي علقمة لقوم جاءوا من الغزو: قد جئتم من ms270 الجهاد
~~الأصغر، فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد
~~القلب. ويروى هذا مرفوعا من حديث جابر بإسناد ضعيف، ولفظه: «قدمتم من
~~الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: "
~~مجاهدة العبد لهواه» .
# PageV01P489
# ويروى من حديث سعد بن سنان، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "
~~«ليس عدوك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة، وإذا قتلته كان لك نورا، أعدى عدوك
~~نفسك التي بين جنبيك» ".
# وقال أبو بكر الصديق في وصيته لعمر رضي الله عنهما حين استخلفه: إن أول
~~ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك.
# فهذا الجهاد يحتاج أيضا إلى صبر، فمن صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه،
~~غلبه وحصل له النصر والظفر، وملك نفسه، فصار عزيزا ملكا، ومن جزع ولم يصبر
~~على مجاهدة ذلك، غلب وقهر وأسر، وصار عبدا ذليلا أسيرا في يدي شيطانه
~~وهواه، كما قيل:
# إذا المرء لم يغلب هواه أقامه ... بمنزلة فيها العزيز ذليل
# قال ابن المبارك: من صبر، فما أقل ما يصبر، ومن جزع فما أقل ما يتمتع.
# فقوله صلى الله عليه وسلم: " «إن النصر مع الصبر» " يشمل النصر في
~~الجهادين: جهاد العدو الظاهر، وجهاد العدو الباطن، فمن صبر فيهما، نصر وظفر
~~بعدوه، ومن لم يصبر فيهما وجزع، قهر وصار أسيرا لعدوه أو قتيلا له.
# وقوله صلى الله عليه وسلم: " «وأن الفرج مع الكرب» " وهذا يشهد له قوله
~~عز وجل: {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته} [الشورى: 28]
~~[الشورى: 28] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب
~~غيره» خرجه الإمام أحمد، وخرجه ابنه عبد
# PageV01P490
# الله في حديث طويل، وفيه: " «علم الله يوم الغيث أنه ليشرف عليكم أزلين
~~قنطين، فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قرب» " والمعنى أنه سبحانه يعجب من
~~قنوط عباده عند احتباس القطر عنهم وقنوطهم ويأسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت
~~فرجه ورحمته لعباده، بإنزال الغيث عليهم، وتغييره لحالهم وهم لا يشعرون.
~~وقال تعالى: {فإذا أصاب به من يشاء ms271 من عباده إذا هم يستبشرون - وإن كانوا
~~من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} [الروم: 48 - 49] [الروم: 48 - 49]
~~وقال تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا}
~~[يوسف: 110] [يوسف: 110] وقال: {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر
~~الله ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] [البقرة: 214] وقال حاكيا عن
~~يعقوب أنه قال لبنيه: {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من
~~روح الله} [يوسف: 87] [يوسف: 87] ، ثم قص قصة اجتماعهم عقب ذلك.
# وكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب كإنجاء نوح
~~ومن معه في الفلك، وإنجاء إبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أمر بذبحه،
~~وإنجاء موسى وقومه من اليم، وإغراق عدوهم، وقصة أيوب ويونس، وقصص محمد صلى
~~الله عليه وسلم مع أعدائه، وإنجائه منهم، كقصته في الغار، ويوم بدر، ويوم
~~أحد، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، وغير ذلك.
# وقوله صلى الله عليه وسلم " «فإن مع العسر يسرا» " هو منتزع من قوله
~~تعالى: {سيجعل الله بعد عسر يسرا} [الطلاق: 7]
# PageV01P491
# [الطلاق: 7] ، وقوله عز وجل: {فإن مع العسر يسرا - إن مع العسر يسرا}
~~[الشرح: 5 - 6] [الشرح: 5 - 6] .
# وخرج البزار في " مسنده " وابن أبي حاتم - واللفظ له - من حديث أنس عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «لو جاء العسر، فدخل هذا الجحر، لجاء
~~اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه " فأنزل الله عز وجل: {فإن مع العسر يسرا - إن
~~مع العسر يسرا} [الشرح: 5 - 6] » .
# وروى ابن جرير وغيره من حديث الحسن مرسلا نحوه، وفي حديثه: فقال النبي
~~صلى الله عليه وسلم: " «لن يغلب عسر يسرين» ".
# وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال: لو أن العسر دخل في جحر
~~لجاء اليسر حتى يدخل معه، ثم قال: قال الله تعالى: {فإن مع العسر يسرا - إن
~~مع العسر يسرا} [الشرح: 5 - 6] وبإسناده أن أبا عبيدة حصر فكتب إليه عمر
# PageV01P492
# يقول: مهما ينزل بامرئ شدة يجعل الله بعدها فرجا، وإنه لن يغلب عسر
~~يسرين، وإنه يقول: {اصبروا وصابروا ورابطوا ms272 واتقوا الله لعلكم تفلحون} [آل
~~عمران: 200] [آل عمران: 200] .
# ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالكرب واليسر بالعسر: أن الكرب إذا اشتد
~~وعظم وتناهى، وحصل للعبد الإياس من كشفه من جهة المخلوقين، وتعلق قلبه
~~بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أعظم الأسباب التي تطلب
~~بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه، كما قال تعالى: {ومن يتوكل على
~~الله فهو حسبه} [الطلاق: 3] [الطلاق: 3] .
# وروى آدم بن أبي إياس في تفسيره بإسناده عن محمد بن إسحاق قال: «جاء مالك
~~الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أسر ابني عوف، فقال له: أرسل
~~إليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تكثر من قول: لا حول ولا
~~قوة إلا بالله فأتاه الرسول فأخبره، فأكب عوف يقول: لا حول ولا قوة إلا
~~بالله، وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه، فخرج فإذا هو بناقة لهم
~~فركبها، فأقبل فإذا هو بسرح القوم الذين كانوا قد شدوه، فصاح بهم، فاتبع
~~آخرها أولها، فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي
# PageV01P493
# بالباب، فقال أبوه: عوف ورب الكعبة، فقالت أمه: واسوأتاه، وعوف كئيب يألم
~~ما هو فيه من القد، فاستبق الأب والخادم إليه، فإذا عوف قد ملأ الفناء
~~إبلا، فقص على أبيه أمره وأمر الإبل، فأتى أبوه رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم، فأخبره بخبر عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
~~اصنع بها ما أحببت، وما كنت صانعا بإبلك، ونزل: {ومن يتق الله يجعل له
~~مخرجا - ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 2 -
~~3] [الطلاق: 2 - 3] الآية» .
# قال الفضيل: لو يئست من الخلق حتى لا تريد منهم شيئا، لأعطاك مولاك كل ما
~~تريد. وذكر إبراهيم بن أدهم عن بعضهم قال: ما سأل السائلون مسألة هي ألحف
~~من أن يقول العبد: ما شاء الله، قال: يعني بذلك التفويض إلى الله عز وجل.
~~وقال سعيد بن سالم القداح: بلغني أن موسى عليه السلام كانت له إلى ms273 الله
~~حاجة، فطلبها، فأبطأت عليه، فقال: ما شاء الله، فإذا حاجته بين يديه، فعجب
~~فأوحى الله إليه: أما علمت أن قولك: ما شاء الله أنجح ما طلبت به الحوائج.
# وأيضا فإن المؤمن إذا استبطأ الفرج، وأيس منه بعد كثرة دعائه وتضرعه، ولم
~~يظهر عليه أثر الإجابة فرجع إلى نفسه باللائمة، وقال لها: إنما أتيت من
~~قبلك، ولو كان فيك خير لأجبت، وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات،
~~فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه واعترافه له بأنه أهل لما نزل من البلاء،
~~وأنه ليس بأهل لإجابة الدعاء، فلذلك تسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء وتفريج
~~الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله.
# PageV01P494
# قال وهب: تعبد رجل زمانا، ثم بدت له إلى الله حاجة، فصام سبعين سبتا،
~~يأكل في كل سبت إحدى عشرة تمرة، ثم سأل الله حاجته فلم يعطها، فرجع إلى
~~نفسه فقال: منك أتيت، لو كان فيك خير، أعطيت حاجتك، فنزل إليه عند ذلك ملك،
~~فقال له: يا ابن آدم ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت، وقد قضى الله
~~حاجتك. خرجه ابن أبي الدنيا.
# ولبعض المتقدمين في هذا المعنى:
# عسى ما ترى أن لا يدوم وإن ترى ... له فرجا مما ألح به الدهر
# عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر
# إذا لاح عسر فارج اليسر فإنه ... قضى الله أن العسر يتبعه اليسر
# PageV01P495
### | [الحديث العشرون إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت]
# PageV01P495
# الحديث العشرون
# عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي، فاصنع ما
~~شئت» رواه البخاري.
# هذا الحديث خرجه البخاري من رواية
~~منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش، عن أبي مسعود، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، وأظن مسلما لم يخرجه، لأنه قد رواه قوم، فقالوا: عن ربعي، عن حذيفة،
~~عن النبي صلى ms274 الله عليه وسلم فاختلف في إسناده، لكن أكثر الحفاظ حكموا بأن
~~القول قول من قال: عن أبي مسعود، منهم البخاري، وأبو زرعة الرازي،
~~والدارقطني وغيرهم، ويدل على صحة ذلك
# PageV01P496
# أنه قد روي من وجه آخر عن أبي مسعود من رواية مسروق عنه.
# وخرجه الطبراني من حديث أبي الطفيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا.
# فقوله صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى»
~~يشير إلى أن هذا مأثور عن الأنبياء المتقدمين، وأن الناس تداولوه بينهم،
~~وتوارثوه عنهم قرنا بعد قرن، وهذا يدل على أن النبوات المتقدمة جاءت بهذا
~~الكلام، وأنه اشتهر بين الناس حتى وصل إلى أول هذه الأمة. وفي بعض الروايات
~~قال: " «لم يدرك الناس من كلام النبوة الأولى إلا هذا» ". خرجها حميد بن
~~زنجويه وغيره.
# وقوله " «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» " في معناه قولان: أحدهما: أنه ليس
~~بمعنى الأمر أن يصنع ما شاء، ولكنه على معنى الذم والنهي عنه، وأهل هذه
~~المقالة لهم طريقان:
# أحدهما: أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد، والمعنى: إذا لم يكن حياء، فاعمل
~~ما شئت، فالله يجازيك عليه، كقوله: {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير}
~~[فصلت: 40] [فصلت: 40] ، وقوله: {فاعبدوا ما شئتم من دونه} [الزمر: 15]
~~[الزمر: 15] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " «من باع الخمر، فليشقص
~~الخنازير» " يعني ليقطعها إما لبيعها
# PageV01P497
# أو لأكلها، وأمثلته متعددة، وهذا اختيار جماعة منهم أبو العباس بن ثعلب.
# والطريق الثاني: أنه أمر، ومعناه الخبر، والمعنى: أن من لم يستحي، صنع ما
~~شاء، فإن المانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياء، انهمك في
~~كل فحشاء ومنكر، وما يمتنع من مثله من له حياء على حد قوله صلى الله عليه
~~وسلم: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار» ، فإن لفظه لفظ الأمر، ومعناه
~~الخبر، وأن من كذب عليه تبوأ مقعده من النار، وهذا اختيار أبي عبيد القاسم
~~بن سلام رحمه الله، وابن قتيبة ومحمد بن نصر المروزي، وغيرهم، وروى أبو
~~داود عن ms275 الإمام أحمد ما يدل على مثل هذا القول.
# وروى ابن أبي لهيعة عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: " «إذا أبغض الله عبدا، نزع منه الحياء، فإذا نزع منه
~~الحياء، لم تلقه إلا بغيضا متبغضا، ونزع منه الأمانة، فإذا نزع منه
~~الأمانة، نزع منه الرحمة، وإذا نزع منه الرحمة، نزع منه ربقة الإسلام، فإذا
~~نزع منه ربقة الإسلام، لم تلقه إلا شيطانا مريدا» ". خرجه حميد بن زنجويه،
~~وخرجه ابن ماجه بمعناه بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعا أيضا.
# وعن سلمان الفارسي قال: إن الله إذا أراد بعبد هلاكا، نزع منه الحياء،
~~فإذا
# PageV01P498
# نزع منه الحياء، لم تلقه إلا مقيتا ممقتا، فإذا كان مقيتا ممقتا، نزع منه
~~الأمانة، فلم تلقه إلا خائنا مخونا، فإذا كان خائنا مخونا، نزع منه الرحمة،
~~فلم تلقه إلا فظا غليظا، فإذا كان فظا غليظا، نزع ربق الإيمان من عنقه،
~~فإذا نزع ربق الإيمان من عنقه لم تلقه إلا شيطانا لعينا ملعنا.
# وعن ابن عباس قال: الحياء والإيمان في قرن، فإذا نزع الحياء، تبعه الآخر.
~~خرجه كله حميد بن زنجويه في كتاب " الأدب ".
# وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحياء من الإيمان كما في " الصحيحين "
~~عن ابن عمر أن «النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل وهو يعاتب أخاه في
~~الحياء يقول: إنك لتستحيي، كأنه يقول: قد أضر بك، فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم: دعه فإن الحياء من الإيمان» .
# PageV01P499
# وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة قال: " «الحياء شعبة من الإيمان» ".
# وفي " الصحيحين " عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«الحياء لا يأتي إلا بخير» وفي رواية لمسلم قال: " «الحياء خير كله» "، أو
~~قال: " «الحياء كله خير» ".
# وخرج الإمام أحمد والنسائي من «حديث الأشج العصري قال: قال لي رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: " إن فيك لخلقين يحبهما الله "، قلت: ما هما؟ قال: "
~~الحلم والحياء " قلت: أقديما كان أو حديثا؟ قال " بل قديما ms276 " قلت: الحمد
~~لله الذي جعلني على خلقين يحبهما الله» .
# وقال: إسماعيل بن أبي خالد «دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه
~~وسلم وعنده رجل فاستسقى، فأتى بماء فشرب، فستره النبي صلى الله عليه وسلم،
~~فقال: ما هذا؟ قال:
# PageV01P500
# " الحياء خلة أوتوها ومنعتموها» ".
# واعلم أن الحياء نوعان: أحدهما: ما كان خلقا وجبلة غير مكتسب، وهو من أجل
~~الأخلاق التي يمنحها الله العبد ويجبله عليها، ولهذا قال صلى الله عليه
~~وسلم: " «الحياء لا يأتي إلا بخير» " فإنه يكف عن ارتكاب القبائح ودناءة
~~الأخلاق، ويحث على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو من خصال الإيمان
~~بهذا الاعتبار، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من استحيا، اختفى،
~~ومن اختفى، اتقى، ومن اتقى وقي.
# وقال الجراح بن عبد الله الحكمي - وكان فارس أهل الشام -: تركت الذنوب
~~حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع. وعن بعضهم قال: رأيت المعاصي نذالة،
~~فتركتها مروءة فاستحالت ديانة.
# النوع الثاني: ما كان مكتسبا من معرفة الله، ومعرفة عظمته وقربه من
~~عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهذا من أعلى
~~خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان، وقد تقدم أن «النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال لرجل: " استحي من الله كما تستحيي رجلا من صالح عشيرتك» ".
# وفي حديث ابن مسعود: " «الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن
~~وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى؛ ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل
~~ذلك، فقد استحيا من الله» " خرجه الإمام أحمد والترمذي مرفوعا.
# PageV01P501
# وقد يتولد من الله الحياء من مطالعة نعمه ورؤية التقصير في شكرها، فإذا
~~سلب العبد الحياء المكتسب والغريزي، لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح،
~~والأخلاق الدنيئة، فصار كأنه لا إيمان له. وقد روي من مراسيل الحسن، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «الحياء حياءان: طرف من الإيمان، والآخر
~~عجز» " ولعله من كلام الحسن، وكذلك قال بشير بن كعب العدوي لعمران بن حصين:
~~إنا نجد في بعض الكتب أن ms277 منه سكينة ووقارا لله، ومنه ضعف، فغضب عمران وقال:
~~أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه؟ والأمر كما قاله عمران
~~رضي الله عنه، فإن الحياء الممدوح في كلام النبي صلى الله عليه وسلم إنما
~~يريد به الخلق الذي يحث على فعل الجميل، وترك القبيح، فأما الضعف والعجز
~~الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده، فليس هو من الحياء،
~~إنما هو ضعف وخور، وعجز ومهانة، والله أعلم.
# PageV01P502
# والقول الثاني: في معنى قوله: " «إذا لم تستحي، فاصنع ما شئت» " أنه أمر
~~بفعل ما يشاء على ظاهر لفظه، وأن المعنى: إذا كان الذي تريد فعله مما لا
~~يستحيا من فعله لا من الله ولا من الناس، لكونه من أفعال الطاعات، أو من
~~جميل الأخلاق والآداب المستحسنة، فاصنع منه حينئذ ما شئت، وهذا قول جماعة
~~من الأئمة، منهم إسحاق المروزي الشافعي، وحكي مثله عن الإمام أحمد، ووقع
~~كذلك في بعض نسخ " مسائل أبي داود " المختصرة عنه، ولكن الذي في النسخ
~~المعتمدة التامة كما حكيناه عنه من قبل، وكذلك حكاه عنه الخلال في كتاب "
~~الأدب "، ومن هذا قول بعض السلف - وقد سئل عن المروءة - فقال: أن لا تعمل
~~في السر شيئا تستحيي منه في العلانية، وسيأتي قول النبي صلى الله عليه
~~وسلم: «الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس» في موضعه من هذا
~~الكتاب إن شاء الله تعالى.
# وروى عبد الرازق في كتابه عن معمر عن أبي إسحاق عن رجل من مزينة قال:
~~«قيل: يا رسول الله، ما أفضل ما أوتي الرجل المسلم؟ قال: " الخلق الحسن "
~~قال: فما شر ما أوتي المسلم؟ قال: " إذا كرهت أن يرى عليك شيء في نادي
~~القوم، فلا تفعله إذا خلوت» ".
# وفي " صحيح ابن حبان " عن أسامة بن شريك قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم: " «ما كره منك شيئا، فلا تفعله إذا خلوت» ".
# وخرج الطبراني من «حديث أبي مالك الأشعري قال: قلت: يا رسول الله
# PageV01P503
# ما تمام البر؟ ms278 قال: " أن تعمل في السر عمل العلانية ". وخرجه أيضا من
~~حديث أبي عامر السكوني، قال: قلت: يا رسول الله، فذكره» .
# وروى عبد الغني بن سعيد الحافظ في كتاب " أدب المحدث " بإسناده «عن حرملة
~~بن عبد الله، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأزداد من العلم، فقمت
~~بين يديه، فقلت: يا رسول الله، ما تأمرني أن أعمل به؟ قال: " ائت المعروف،
~~واجتنب المنكر، وانظر الذي سمعته أذنك من الخير يقوله القوم لك إذا قمت من
~~عندهم فأته، وانظر الذي تكره أن يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم، فاجتنبه
~~" قال: فنظرت فإذا هما أمران لم يتركا شيئا: إتيان المعروف، واجتناب
~~المنكر» .
# وخرج ابن سعد في " طبقاته " بمعناه.
# وحكى أبو عبيد في معنى الحديث قولا آخر حكاه عن جرير: قال معناه أن يريد
~~الرجل أن يعمل الخير، فيدعه حياء من الناس كأنه يخاف الرياء، يقول: فلا
~~يمنعنك الحياء من المضي لما أردت، كما جاء في الحديث: " «إذا جاءك الشيطان
~~وأنت تصلي، فقال: إنك ترائي، فزدها طولا» " ثم قال أبو عبيد: وهذا
# PageV01P504
# الحديث ليس يجيء سياقه ولا لفظه على هذا التفسير، ولا على هذا يحمله
~~الناس.
# قلت: لو كان على ما قاله جرير، لكان لفظ الحديث: إذا استحييت مما لا
~~يستحيا منه، فافعل ما شئت، ولا يخفى بعد هذا من لفظ الحديث ومعناه، والله
~~أعلم.
# PageV01P505
### | [الحديث الحادي والعشرون قل آمنت بالله ثم استقم]
# PageV01P505
# الحديث الحادي والعشرون.
# «عن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في
~~الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال: قل آمنت بالله، ثم استقم» رواه
~~مسلم.
# هذا الحديث خرجه مسلم من رواية
~~هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان وسفيان: هو ابن عبد الله الثقفي الطائفي
~~له صحبة، وكان عاملا لعمر بن الخطاب على الطائف.
# وقد روي عن سفيان بن عبد الله من وجوه أخر بزيادات، فخرجه الإمام أحمد،
~~والترمذي وابن ماجه من رواية الزهري عن محمد بن ms279 عبد الرحمن بن ماعز، وعند
~~الترمذي: من رواية عبد الرحمن بن ماعز عن سفيان بن عبد الله قال: «قلت: يا
~~رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به، قال: قل: ربي الله، ثم استقم قلت: يا رسول
~~الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه، قال هذا» ، وقال الترمذي: حسن
~~صحيح.
# وخرجه الإمام أحمد، والنسائي من رواية عبد الله بن سفيان الثقفي، عن أبيه
~~«أن رجلا قال: يا رسول الله، مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك
# PageV01P506
# قال: قل: آمنت بالله، ثم استقم قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه» .
# «قول سفيان بن عبد الله للنبي صلى الله عليه وسلم: " قل لي في الإسلام
~~قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك " طلب منه أن يعلمه كلاما جامعا لأمر الإسلام
~~كافيا حتى لا يحتاج بعده إلى غيره، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل
~~آمنت بالله، ثم استقم» وفي الرواية الأخرى: " قل: ربي الله، ثم استقم " هذا
~~منتزع من قوله عز وجل: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم
~~الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} [فصلت:
~~30] [فصلت: 30] ، وقوله عز وجل: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا
~~خوف عليهم ولا هم يحزنون - أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا
~~يعملون} [الأحقاف: 13 - 14] [الأحقاف: 13 - 14] .
# وخرج النسائي في " تفسيره " من رواية سهيل بن أبي حزم: حدثنا ثابت، عن
~~أنس أن «النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم
~~استقاموا} [الأحقاف: 13] فقال: " قد قالها الناس، ثم كفروا، فمن مات عليها
~~فهو من أهل الاستقامة» ". وخرجه الترمذي، ولفظه: فقال: " «قد قالها الناس،
~~ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها، فهو ممن استقام» "، وقال: حسن غريب، وسهيل
~~تكلم فيه من قبل حفظه.
# PageV01P507
# وقال أبو بكر الصديق في تفسير ثم استقاموا قال: لم يشركوا بالله شيئا.
~~وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيره. وعنه قال: ثم استقاموا على أن الله
~~ربهم.
# وعن ابن عباس ms280 بإسناد ضعيف قال: هذه أرخص آية في كتاب الله {قالوا ربنا
~~الله ثم استقاموا} [فصلت: 30] على شهادة أن لا إله إلا الله. وروي نحوه عن
~~أنس ومجاهد والأسود بن هلال، وزيد بن أسلم، والسدي وعكرمة وغيرهم. وروي عن
~~عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر {إن الذين قالوا ربنا الله ثم
~~استقاموا} [فصلت: 30] ، فقال: لم يروغوا روغان الثعلب.
# وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {ثم استقاموا} [فصلت:
~~30] قال: استقاموا على أداء فرائضه.
# وعن أبي العالية، قال: ثم أخلصوا له الدين والعمل.
# وعن قتادة قال: استقاموا على طاعة الله، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية
# PageV01P508
# قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة.
# ولعل من قال: إن المراد الاستقامة على التوحيد إنما أراد التوحيد الكامل
~~الذي يحرم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله، فإن الإله هو
~~المعبود الذي يطاع، فلا يعصى خشية وإجلالا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلا
~~ودعاء، والمعاصي كلها قادحة في هذا التوحيد، لأنها إجابة لداعي الهوى وهو
~~الشيطان، قال الله عز وجل: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23]
~~[الجاثية: 23] قال الحسن وغيره: هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه، فهذا ينافي
~~الاستقامة على التوحيد.
# وأما على رواية من روى: " قل: آمنت بالله " فالمعنى أظهر، لأن الإيمان
~~يدخل فيه الأعمال الصالحة عند السلف ومن تابعهم من أهل الحديث، وقال الله
~~عز وجل: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير}
~~[هود: 112] [هود: 112] ، فأمره أن يستقيم هو ومن تاب معه، وأن لا يجاوزوا
~~ما أمروا به، وهو الطغيان، وأخبر أنه بصير بأعمالكم، مطلع عليها، قال
~~تعالى: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم} [الشورى: 15]
~~[الشورى: 15] قال قتادة: أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يستقيم على أمر
~~الله وقال الثوري على القرآن، وعن الحسن، قال: لما نزلت هذه الآية شمر رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فما رئي ضاحكا خرجه ابن أبي حاتم وذكر القشيري
~~وغيره عن ms281 بعضهم: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال له: يا
~~رسول الله، قلت: " شيبتني هود وأخواتها " فما شيبك
# PageV01P509
# منها؟ قال: " قوله: {فاستقم كما أمرت} [هود: 112] .
# وقال عز وجل: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد
~~فاستقيموا إليه واستغفروه} [فصلت: 6] [فصلت: 6] .
# وقد أمر الله تعالى بإقامة الدين عموما كما قال: {شرع لكم من الدين ما
~~وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا
~~الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 13] [الشورى: 13] ، وأمر بإقام الصلاة في
~~غير موضع من كتابه، كما أمر بالاستقامة على التوحيد في تلك الآيتين.
# والاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريج عنه
~~يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك
~~المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها.
# وفي قوله عز وجل: {فاستقيموا إليه واستغفروه} [فصلت: 6] إشارة إلى أنه
~~لابد من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيجبر ذلك بالاستغفار المقتضي
~~للتوبة والرجوع إلى الاستقامة، فهو كقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ "
~~«اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها» ". وقد أخبر النبي صلى
~~الله عليه وسلم أن الناس لن يطيقوا
# PageV01P510
# الاستقامة حق الاستقامة، كما خرجه الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث ثوبان،
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير
~~أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» ، وفي رواية للإمام أحمد:
~~«سددوا وقاربوا، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» .
# وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «سددوا وقاربوا» .
# فالسداد: هو حقيقة الاستقامة، وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال
~~والمقاصد، كالذي يرمي إلى غرض، فيصيبه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم
~~عليا أن يسأل الله عز وجل السداد والهدى، وقال له: «اذكر بالسداد تسديدك
~~السهم، وبالهدى هدايتك الطريق» .
# والمقاربة: أن يصيب ما قرب من الغرض إذا لم يصب الغرض نفسه، ولكن بشرط أن ms282
~~يكون مصمما على قصد السداد وإصابة الغرض، فتكون مقاربته عن غير عمد ويدل
~~عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الحكم بن حزن الكلفي: «أيها
~~الناس، إنكم لن تعملوا - أو لن تطيقوا - كل ما أمرتكم، ولكن سددوا وأبشروا»
~~والمعنى: اقصدوا التسديد والإصابة والاستقامة، فإنهم لو سددوا في العمل
~~كله، لكانوا قد فعلوا ما أمروا به كله.
# فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد، كما فسر أبو بكر الصديق وغيره
~~قوله: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} [الأحقاف: 13] [الأحقاف: 13]
~~بأنهم لم
# PageV01P511
# يلتفتوا إلى غيره، فمتى استقام القلب على معرفة الله، وعلى خشيته،
~~وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه،
~~والإعراض عما سواه، استقامت الجوارح كلها على طاعته، فإن القلب هو ملك
~~الأعضاء، وهي جنوده، فإذا استقام الملك، استقامت جنوده ورعاياه، وكذلك فسر
~~قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا} [الروم: 30] [الروم: 30] بإخلاص القصد
~~لله وإرادته وحده لا شريك له.
# وأعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان، فإنه ترجمان القلب
~~والمعبر عنه، ولهذا لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة، وصاه بعد
~~ذلك بحفظ لسانه، وفي " مسند الإمام أحمد " عن أنس، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى
~~يستقيم لسانه» وفي " الترمذي " عن أبي سعيد مرفوعا وموقوفا: " «إذا أصبح
~~ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن
~~بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» ".
# PageV01P512
### | [الحديث الثاني والعشرون أرأيت إذا صليت المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام]
# PageV01P512
# الحديث الثاني والعشرون.
# عن جابر بن عبد الله رضي الله «عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال،
~~وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا، أأدخل الجنة؟ قال: نعم» رواه مسلم.
# هذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي
~~الزبير عن جابر، وزاد في آخره قال: والله لا أزيد على ذلك ms283 شيئا. وخرجه أيضا
~~من رواية الأعمش عن أبي صالح وأبي سفيان عن جابر قال: «قال النعمان بن
~~قوقل: يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحرمت الحرام، وأحللت
~~الحلال، ولم أزد على ذلك شيئا أأدخل الجنة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم:
~~" نعم» .
# وقد فسر بعضهم تحليل الحلال باعتقاد حله، وتحريم الحرام باعتقاد حرمته مع
~~اجتنابه، ويحتمل أن يراد بتحليل الحلال إتيانه، ويكون الحلال هاهنا عبارة
~~عما ليس بحرام فيدخل فيه الواجب والمستحب والمباح، ويكون المعنى أنه يفعل
~~ما ليس بمحرم عليه، ولا يتعدى ما أبيح له إلى غيره، ويجتنب المحرمات. وقد
~~روي عن طائفة من السلف، منهم ابن مسعود وابن عباس في قوله عز وجل: {الذين
~~آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} [البقرة: 121] [البقرة:
~~121] ، قالوا: يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه.
# PageV01P513
# والمراد بالتحليل والتحريم: فعل الحلال واجتناب الحرام كما ذكر في هذا
~~الحديث. وقد قال الله في حق الكفار الذين كانوا يغيرون تحريم الشهور الحرم:
~~{إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما
~~ليواطئوا عدة ما حرم الله} [التوبة: 37] [التوبة: 37] والمراد: أنهم كانوا
~~يقاتلون في الشهر الحرام عاما، فيحلونه بذلك، ويمتنعون من القتال فيه عاما،
~~فيحرمونه بذلك.
# وقال الله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم
~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين - وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا}
~~[المائدة: 87 - 88] [المائدة: 87 - 88] وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا
~~من تناول بعض الطيبات زهدا في الدنيا وتقشفا، وبعضهم حرم ذلك على نفسه، إما
~~بيمين حلف بها، أو بتحريمه على نفسه، وذلك كله لا يوجب تحريمه في نفس
~~الأمر، وبعضهم امتنع منه من غير يمين ولا تحريم، فسمى الجميع تحريما، حيث
~~قصد الامتناع منه إضرارا بالنفس، وكفا لها عن شهواتها. ويقال في الأمثال:
~~فلان لا يحلل ولا يحرم، إذا كان لا يمتنع من فعل حرام، ولا يقف عند ما أبيح
~~له، وإن كان يعتقد تحريم الحرام، ms284 فيجعلون من فعل الحرام ولا يتحاشى منه
~~محللا له وإن كان لا يعتقد حله.
# وبكل حال، فهذا الحديث يدل على أن من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرمات
~~دخل الجنة وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى،
~~أو ما هو قريب منه، كما خرجه النسائي، وابن حبان، والحاكم من حديث أبي
~~هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد يصلي الصلوات
~~الخمس،
# PageV01P514
# ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب
~~الجنة، يدخل من أيها شاء ثم تلا: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم
~~سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] [النساء: 31] » .
# وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب الأنصاري، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: «من عبد الله، لا يشرك به، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام
~~رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة - أو دخل الجنة» -.
# وفي " المسند " عن ابن عباس «أن ضمام بن ثعلبة وفد على النبي صلى الله
~~عليه وسلم، فذكر له الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وشرائع
~~الإسلام كلها، فلما فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول
~~الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، لا أزيد ولا أنقص، فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صدق دخل الجنة وخرجه الطبراني من وجه
~~آخر، وفي حديثه قال: والخامسة لا أرب لي فيها يعني الفواحش ثم قال: لأعملن
~~بها، ومن أطاعني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لئن صدق ليدخلن
~~الجنة» ".
# PageV01P515
# وفي " صحيح البخاري " عن أبي أيوب أن «رجلا قال للنبي صلى الله عليه
~~وسلم: أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم
~~الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» وخرجه مسلم إلا أن عنده أنه قال:
~~«أخبرني بعمل يدنيني من الجنة ويباعدني من النار. وعنده في رواية: فلما
~~أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن تمسك بما أمر به، دخل الجنة»
~~".
# وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة ms285 «أن أعرابيا قال: يا رسول الله، دلني على
~~عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة
~~المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: والذي بعثك بالحق، لا
~~أزيد على هذا شيئا أبدا ولا أنقص منه، فلما ولى، قال النبي صلى الله عليه
~~وسلم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» .
# وفي " الصحيحين " عن طلحة بن عبيد الله «أن أعرابيا جاء إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله
~~علي من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس، إلا أن تطوع شيئا فقال: أخبرني بما
~~فرض الله علي من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا فقال: أخبرني
~~بما فرض الله علي من الزكاة؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع
~~الإسلام، فقال: والذي أكرمك بالحق، لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله
~~علي شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق - أو دخل الجنة
~~إن صدق» - ولفظه للبخاري.
# PageV01P516
# وفي " صحيح مسلم " عن أنس «أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم
~~فذكره بمعناه، وزاد فيه " حج البيت من استطاع إليه سبيلا " فقال: والذي
~~بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "
~~لئن صدق ليدخلن الجنة» ".
# ومراد الأعرابي أنه لا يزيد على الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة،
~~وصيام رمضان، وحج البيت شيئا من التطوع، ليس مراده أنه لا يعمل بشيء من
~~شرائع الإسلام وواجباته غير ذلك، وهذه الأحاديث لم يذكر فيها اجتناب
~~المحرمات، لأن السائل إنما سأله عن الأعمال التي يدخل بها عاملها الجنة.
# وخرج الترمذي من حديث أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يخطب في حجة الوداع يقول: «أيها الناس، اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا
~~شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم» وقال: حسن
~~صحيح، وخرجه الإمام أحمد، وعنده " اعبدوا ربكم " بدل قوله " اتقوا الله ms286 ".
~~وخرجه بقي بن مخلد في " مسنده " من وجه آخر، ولفظ حديثه: " «صلوا خمسكم،
~~وصوموا شهركم، وحجوا بيتكم، وأدوا زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم، تدخلوا
~~جنة ربكم» ".
# وخرج الإمام أحمد بإسناده «عن ابن المنتفق، قال: أتيت النبي صلى الله
~~عليه وسلم وهو بعرفات، فقلت: ثنتان أسألك عنهما: ما ينجيني من النار، وما
~~يدخلني الجنة؟ فقال: لئن كنت أوجزت في المسألة، لقد أعظمت وأطولت، فاعقل
~~عني إذن: اعبد الله لا تشرك به شيئا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأد الزكاة
~~المفروضة، وصم
# PageV01P517
# رمضان، وما تحب أن يفعله بك الناس، فافعله بهم، وما تكره أن يأتي إليك
~~الناس، فذر الناس منه» .
# وفي رواية له أيضا قال: " «اتق الله، ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة،
~~وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، ولم تزد على ذلك» " وقيل: إن هذا
~~الصحابي هو وافد بن المنتفق، واسمه لقيط.
# فهذه الأعمال أسباب مقتضية لدخول الجنة، وقد يكون ارتكاب المحرمات موانع،
~~ويدل على هذا ما خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن مرة الجهني، قال: «جاء
~~رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا
~~الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين
~~والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه» ".
# PageV01P518
# وقد ورد ترتب دخول الجنة على فعل بعض هذه الأعمال كالصلاة، ففي الحديث
~~المشهور: «من صلى الصلوات لوقتها، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة» وفي
~~الحديث الصحيح: «من صلى البردين دخل الجنة» ، وهذا كله من ذكر السبب
~~المقتضي الذي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه؛ ويدل هذا
~~على ما خرجه الإمام أحمد عن بشير بن الخصاصية، قال: «أتيت النبي صلى الله
~~عليه وسلم لأبايعه، فشرط علي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده
~~ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أوتي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم ms287
~~رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، فأما اثنتان فوالله ما
~~أطيقهما: الجهاد والصدقة، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم
~~حركها، وقال: " فلا جهاد ولا صدقة؟ فبم تدخل الجنة إذا؟ " قلت: يا رسول
~~الله أبايعك، فبايعته عليهن كلهن» ففي هذا الحديث أنه لا يكفي في دخول
~~الجنة هذه
# PageV01P519
# الخصال بدون الزكاة والجهاد.
# وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ارتكاب بعض الكبائر يمنع دخول الجنة،
~~كقوله: «لا يدخل الجنة قاطع» ، وقوله: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة
~~من كبر» ، وقوله: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا»
~~والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنة بالدين حتى يقضى، وفي الصحيح: «أن
~~المؤمنين إذا جازوا الصراط، حبسوا على قنطرة يقتص منهم مظالم كانت بينهم في
~~الدنيا» .
# PageV01P520
# وقال بعض السلف: إن الرجل ليحبس على باب الجنة مائة عام بالذنب كان يعمله
~~في الدنيا. فهذه كلها موانع.
# ومن هنا يظهر معنى الأحاديث التي جاءت في ترتب دخول الجنة على مجرد
~~التوحيد، ففي " الصحيحين " عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما
~~من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى
~~وإن سرق؟ ! قال: وإن زنى وإن سرق، قالها ثلاثا، ثم قال في الرابعة: على رغم
~~أنف أبي ذر فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر» .
# وفيهما عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد أن
~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد
~~الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق،
~~أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» .
# وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة أو أبي سعيد - بالشك - عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم أنه قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله
~~بهما عبد غير شاك، فيحجب ms288 عن الجنة» .
# وفيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يوما: «من لقيت
~~يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه، فبشره بالجنة» وفي المعنى
~~أحاديث كثيرة جدا.
# PageV01P521
# وفي " الصحيحين " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما لمعاذ: «ما من
~~عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، إلا حرمه الله على
~~النار» .
# وفيهما عن عتبان بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله قد
~~حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله:» .
# وقال طائفة من العلماء: إن كلمة التوحيد سبب مقتض لدخول الجنة وللنجاة من
~~النار، لكن له شروط، وهي الإتيان بالفرائض، وموانع وهي إتيان الكبائر. قال
~~الحسن للفرزدق: إن للا إله إلا الله شروطا، فإياك وقذف المحصنة. وروي عنه
~~أنه قال: هذا العمود، فأين الطنب، يعني أن كلمة التوحيد عمود الفسطاط، ولكن
~~لا يثبت الفسطاط بدون أطنابه، وهي فعل الواجبات، وترك المحرمات.
# وقيل للحسن: إن ناسا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال:
~~من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها، دخل الجنة.
# وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى ولكن ما
~~من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان، فتح لك، وإلا لم يفتح
~~لك.
# ويشبه هذا ما روي عن ابن عمر أنه سئل عن لا إله إلا الله: هل يضر معها
# PageV01P522
# عمل، كما لا ينفع مع تركها عمل؟ فقال ابن عمر: عش ولا تغتر.
# وقالت طائفة - منهم الضحاك والزهري -: كان هذا قبل الفرائض والحدود، فمن
~~هؤلاء من أشار إلى أنها نسخت، ومنهم من قال: بل ضم إليها شروط زيدت عليها،
~~وزيادة الشروط هل هي نسخ أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين، وفي هذا كله
~~نظر، فإن كثيرا من هذه الأحاديث متأخر بعد الفرائض والحدود.
# وقال الثوري: نسختها الفرائض والحدود، فيحتمل أن يكون مراده ما أراده
~~هؤلاء، ms289 ويحتمل أن يكون مراده أن وجوب الفرائض والحدود تبين بها أن عقوبات
~~الدنيا لا تسقط بمجرد الشهادتين، فكذلك عقوبات الآخرة، ومثل هذا البيان
~~وإزالة الإيهام كان السلف يسمونه نسخا، وليس هو بنسخ في الاصطلاح المشهور.
# وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص،
~~وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار على معصية.
# وجاء من مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «من قال: لا إله
~~إلا الله مخلصا دخل الجنة " قيل: وما إخلاصها؟ قال: " أن تحجزك عما حرم
~~الله» ". وروي ذلك مسندا من وجوه أخر ضعيفة.
# PageV01P523
# ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبل إلى هذا فإن تحقق القلب
~~بمعنى " لا إله إلا الله " وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تأله
~~الله وحده، إجلالا، وهيبة، ومخافة، ومحبة، ورجاء، وتعظيما، وتوكلا، ويمتلئ
~~بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبق فيه
~~محبة، ولا إرادة، ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من
~~القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحب شيئا وأطاعه،
~~وأحب عليه وأبغض عليه، فهو إلهه، فمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله، ولا
~~يوالي ولا يعادي إلا له، فالله إلهه حقا، ومن أحب لهواه، وأبغض له، ووالى
~~عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه، كما قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه}
~~[الجاثية: 23] [الجاثية: 23] قال الحسن: هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه،
~~وقال قتادة: هو الذي كلما هوى شيئا ركبه، وكلما اشتهى شيئا، أتاه لا يحجزه
~~عن ذلك ورع ولا تقوى. ويروى من حديث أبي أمامة مرفوعا " «ما تحت ظل السماء
~~إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع» ".
# وكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله، فقد عبده، كما قال عز وجل: {ألم
~~أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} [يس: 60]
~~[يس: 60] .
# فتبين بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول: لا إله إلا الله إلا لمن لم يكن
~~في ms290 قلبه إصرار على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يريده الله،
~~ومتى
# PageV01P524
# كان في القلب شيء من ذلك، كان ذلك نقصا في التوحيد، وهو نوع من الشرك
~~الخفي. ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: {ألا تشركوا به شيئا} [الأنعام:
~~151] [الأنعام: 151] قال: لا تحبوا غيري.
# وفي " صحيح الحاكم " عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "
~~«الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على
~~شيء من الجور، وتبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال
~~الله عز وجل: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31]
~~» [آل عمران: 31] وهذا نص في أن محبة ما يكرهه الله، وبغض ما يحبه متابعة
~~للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي.
# وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أنس مرفوعا: " «لا تزال لا إله إلا الله
~~تمنع العباد من سخط الله، ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم، فإذا آثروا
~~صفقة دنياهم على دينهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله ردت عليهم، وقال الله:
~~كذبتم» ".
# PageV01P525
# فتبين بهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " «من شهد أن لا إله إلا الله
~~صادقا من قلبه حرمه الله على النار» "، وأن من دخل النار من أهل هذه
~~الكلمة، فلقلة صدقه في قولها، فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت من القلب كل ما
~~سوى الله، فمن صدق في قوله: لا إله إلا الله لم يحب سواه، ولم يرج إلا
~~إياه، ولم يخش أحدا إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم تبق له بقية من
~~إيثار نفسه وهواه، ومتى بقي في القلب أثر لسوى الله، فمن قلة الصدق في
~~قولها.
# نار جهنم تنطفئ بنور إيمان الموحدين، كما في الحديث المشهور " «تقول
~~النار للمؤمن: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي» ".
# وفي " مسند الإمام أحمد " عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا
~~يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين ms291 بردا وسلاما كما كانت على
~~إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجا من بردهم» .
# PageV01P526
# فهذا ميراث ورثه المؤمنون من حال إبراهيم عليه السلام، فنار المحبة في
~~قلوب المؤمنين تخاف منها نار جهنم. قال الجنيد: قالت النار: يا رب، لو لم
~~أطعك، هل كنت تعذبني بشيء هو أشد مني؟ قال: نعم كنت أسلط عليك ناري الكبرى،
~~قالت: وهل نار أعظم مني وأشد؟ قال: نعم نار محبتي أسكنتها قلوب أوليائي
~~المؤمنين وفي هذا يقول بعضهم:
# ففي فؤاد المحب نار هوى ... أحر نار الجحيم أبردها
# ويشهد لهذا المعنى حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان
~~آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» ، فإن المحتضر لا يكاد يقولها إلا
~~بإخلاص، وتوبة، وندم على ما مضى، وعزم على أن لا يعود إلى مثله، ورجح هذا
~~القول الخطابي في مصنف له مفرد في التوحيد، وهو حسن.
# PageV01P527
### | [الحديث الثالث والعشرون الطهور شطر الإيمان]
# PageV01P527
# الحديث الثالث والعشرون عن أبي مالك الأشعري رضي الله
~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد
~~لله تملأ الميزان، وسبحان الله، والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات
~~والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك،
~~كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها» رواه مسلم.
# هذا الحديث أخرجه مسلم من رواية
~~يحيى بن أبي كثير أن زيد بن سلام حدثه أن سلاما حدثه عن أبي مالك الأشعري،
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله
~~تملأ الميزان» ، فذكر الحديث. وفي أكثر نسخ صحيح مسلم " «والصبر ضياء» "
~~وفي بعضها: " «والصيام ضياء» ". وقد اختلف في سماع يحيى بن أبي كثير من زيد
~~بن سلام، فأنكره يحيى بن معين، وأثبته الإمام أحمد، وفي هذه الرواية
~~التصريح بسماعه منه. وخرج هذا الحديث النسائي، وابن ماجه من رواية معاوية
~~بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غنم، عن ms292
~~أبي
# PageV02P005
# مالك، فزاد في إسناده عبد الرحمن بن غنم، ورجح هذه الرواية بعض الحفاظ،
~~وقال: معاوية بن سلام أعلم بحديث أخيه زيد من يحيى بن أبي كثير، ويقوي ذلك
~~أنه قد روي عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك من وجه آخر، وحينئذ فتكون
~~رواية مسلم منقطعة. وفي حديث معاوية بعض المخالفة لحديث يحيى بن أبي كثير،
~~فإن لفظ حديثه عند ابن ماجه: «إسباغ الوضوء شطر الإيمان، والحمد لله ملء
~~الميزان، والتسبيح والتكبير ملء السماء والأرض، والصلاة نور، والزكاة
~~برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه
~~فمعتقها، أو موبقها» ". وخرج الترمذي حديث يحيى بن أبي كثير الذي خرجه
~~مسلم، ولفظ حديثه: " «الوضوء شطر الإيمان» " وباقي حديثه مثل سياق مسلم.
~~وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث «رجل من بني سليم، قال: عدهن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم في يدي أو في يده: " التسبيح نصف الميزان، والحمد لله
~~تملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف
~~الإيمان» ".
# PageV02P006
# فقوله صلى الله عليه وسلم: " «الطهور شطر الإيمان» " فسر بعضهم الطهور
~~هاهنا بترك الذنوب، كما في قوله تعالى: {إنهم أناس يتطهرون} [الأعراف: 82]
~~[الأعراف: 82] ، وقوله: {وثيابك فطهر} [المدثر: 4] [المدثر: 4] ، وقوله:
~~{إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة: 222] [البقرة: 222] . وقال
~~الإيمان نوعان: فعل وترك، فنصفه فعل المأمورات، ونصفه ترك المحظورات، وهو
~~تطهير النفس بترك المعاصي، وهذا القول محتمل لولا أن رواية " «الوضوء شطر
~~الإيمان» " ترده، وكذلك رواية إسباغ الوضوء. وأيضا ففيه نظر من جهة المعنى،
~~فإن كثيرا من الأعمال تطهر النفس من الذنوب السابقة، كالصلاة، فكيف لا تدخل
~~في اسم الطهور، ومتى دخلت الأعمال، أو بعضها، في اسم الطهور، لم يتحقق كون
~~ترك الذنوب شطر الإيمان. والصحيح الذي عليه الأكثرون: أن المراد بالطهور
~~هاهنا: التطهير بالماء من الإحداث، وكذلك بدأ مسلم بتخريجه في أبواب
~~الوضوء، وكذلك خرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما، وعلى هذا فاختلف الناس في
~~معنى كون الطهور بالماء شطر الإيمان. فمنهم من قال: ms293 المراد بالشطر الجزء،
~~لا أنه النصف بعينه، فيكون الطهور جزءا من الإيمان، وهذا فيه ضعف، لأن
~~الشطر إنما يعرف استعماله لغة في النصف، ولأن في حديث الرجل من سليم: "
~~«الطهور نصف الإيمان» " كما سبق. ومنهم من قال: المعنى أنه يضاعف ثواب
~~الوضوء إلى نصف ثواب الإيمان، لكن من غير تضعيف، وفي هذا نظر وبعد.
# PageV02P007
# ومنهم من قال: الإيمان يكفر الكبائر كلها، والوضوء يكفر الصغائر، فهو شطر
~~الإيمان بهذا الاعتبار، وهذا يرده حديث: " «من أساء في الإسلام أخذ بما عمل
~~في الجاهلية» " وقد سبق ذكره. منهم من قال: الوضوء يكفر الذنوب مع الإيمان،
~~فصار نصف الإيمان، وهذا ضعيف. ومنهم من قال: المراد بالإيمان هاهنا:
~~الصلاة، كما في قوله عز وجل: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143]
~~[البقرة: 143] ، والمراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فإذا كان المراد بالإيمان
~~الصلاة، فالصلاة لا تقبل إلا بطهور، فصار الطهور شطر الصلاة بهذا الاعتبار،
~~حكى هذا التفسير محمد بن نصر
# PageV02P008
# المروزي في " كتاب الصلاة " عن إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم، وأنه قال
~~في معنى قولهم " لا أدري " نصف العلم: إن العلم إنما هو " أدري ولا أدري "،
~~فأحدهما نصف الآخر. قلت: كل شيء كان تحته نوعان: فأحدهما نصف له، وسواء كان
~~عدد النوعين على السواء، أو أحدهما أزيد من الآخر، ويدل على هذا حديث "
~~«قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» " والمراد: قراءة الصلاة، ولهذا فسرها
~~بالفاتحة، والمراد أنها مقسومة للعبادة والمسألة، فالعبادة حق الرب
~~والمسألة حق العبد، وليس المراد قسمة كلماتها على السواء. وقد ذكر هذا
~~الخطابي، واستشهد بقول العرب: نصف السنة سفر، ونصفها حضر، قال: وليس على
~~تساوي الزمانين فيهما، لكن على انقسام الزمانين لهما، وإن تفاوتت مدتاهما،
~~وبقول شريح - وقد قيل له: كيف أصبحت؟ - قال: أصبحت ونصف الناس علي غضبان،
~~يريد أن الناس بين محكوم له ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان، والمحكوم له
~~راض عنه، فهما حزبان مختلفان. ويقول الشاعر:
# إذا مت كان الناس نصفين شامت ... بموتي ومثن بالذي كنت أفعل
# ومراده أنهم ينقسمون ms294 قسمين.
# PageV02P009
# قلت: ومن هذا المعنى حديث أبي هريرة المرفوع في الفرائض " أنها نصف العلم
~~" خرجه ابن ماجه، فإن أحكام المكلفين نوعان: نوع يتعلق بالحياة، ونوع يتعلق
~~بما بعد الموت، وهذا هو الفرائض. وقال ابن مسعود: الفرائض ثلث العلم. ووجه
~~ذلك الحديث الذي خرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا:
~~" «العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة
~~عادلة» . وروي عن مجاهد أنه قال: المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء، ولعله
~~أراد أن الوضوء قسمان: أحدهما مذكور في القرآن، والثاني مأخوذ من السنة،
~~وهو المضمضة والاستنشاق، أو أراد أن المضمضة والاستنشاق يطهران باطن الجسد،
~~وغسل سائر الأعضاء يطهر ظاهره، فهما نصفان بهذا الاعتبار، ومنه قول ابن
~~مسعود: الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله. وجاء من رواية يزيد
# PageV02P010
# الرقاشي عن أنس مرفوعا: " «الإيمان نصفان: نصف في الصبر، ونصف في الشكر»
~~" فلما كان الإيمان يشمل فعل الواجبات، وترك المحرمات، ولا ينال ذلك كله
~~إلا بالصبر، كان الصبر نصف الإيمان، فهكذا يقال في الوضوء: إنه نصف الصلاة.
~~وأيضا فالصلاة تكفر الذنوب والخطايا بشرط إسباغ الوضوء وإحسانه، فصار شطر
~~الصلاة بهذا الاعتبار أيضا، كما في " صحيح مسلم " عن عثمان عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «ما من مؤمن مسلم يتطهر فيتم الطهور الذي كتب عليه،
~~فيصلي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارة لما بينهن» . وفي رواية له: «من
~~أتم الوضوء كما أمره الله، فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن»
# PageV02P011
# وأيضا، فالصلاة مفتاح الجنة، والوضوء مفتاح الصلاة، كما خرجه الإمام أحمد
~~والترمذي من حديث جابر مرفوعا، وكل من الصلاة والوضوء موجب لفتح أبواب
~~الجنة كما في " صحيح مسلم " عن عقبة بن عامر سمع النبي صلى الله عليه وسلم
~~يقول: «ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، يقبل عليهما
~~بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة» وعن عقبة، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو يسبغ الوضوء، ms295 ثم يقول: أشهد أن
~~لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة
~~الثمانية يدخل من أيها شاء» . وفي " الصحيحين " عن عبادة عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن
~~محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم
~~وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية
~~شاء» . فإذا كان الوضوء مع الشهادتين موجبا لفتح أبواب الجنة، صار الوضوء
~~نصف الإيمان بالله ورسوله بهذا الاعتبار.
# PageV02P012
# وأيضا، فالوضوء من خصال الإيمان الخفية التي لا يحافظ عليها إلا مؤمن،
~~كما في حديث ثوبان وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحافظ على
~~الوضوء إلا مؤمن» . والغسل من الجنابة قد ورد أنه أداء الأمانة، كما خرجه
~~العقيلي من حديث أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خمس من
~~جاء بهن مع إيمان، دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن
~~وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها - قال:
~~وكان يقول: - وايم الله، لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وصام رمضان، وحج البيت من
~~استطاع إليه سبيلا، وأدى الأمانة قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟
~~قال: الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها»
~~. وخرج ابن ماجه من حديث أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«الصلوات
# PageV02P013
# الخمس، والجمعة إلى الجمعة، وأداء الأمانة كفارة لما بينهن. قيل: وما
~~أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن تحت كل شعرة جنابة» وحديث أبي
~~الدرداء الذي قبله جعل فيه الوضوء من أجزاء الصلاة. وجاء في حديث خرجه
~~البزار من رواية شبابة بن سوار: حدثنا مغيرة بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي
~~صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: " «الصلاة ثلاثة أثلاث: الطهور ثلث: والركوع
~~ثلث، والسجود ثلث، فمن أداها بحقها، قبلت منه، وقبل منه سائر عمله، ومن ms296 ردت
~~عليه صلاته، رد عليه سائر عمله» " وقال: تفرد به المغيرة، والمحفوظ عن أبي
~~صالح، عن كعب من قوله. فعلى هذا التقسيم الوضوء ثلث الصلاة، إلا أن يجعل
~~الركوع والسجود كالشيء الواحد، لتقاربهما في الصورة، فيكون الوضوء نصف
~~الصلاة أيضا. ويحتمل أن يقال: خصال الإيمان من الأعمال والأقوال كلها تطهر
~~القلب وتزكيه، وأما الطهارة بالماء، فهي تختص بتطهير الجسد وتنظيفه، فصارت
~~خصال الإيمان قسمين: أحدهما يطهر الظاهر، والآخر يطهر الباطن، فهما نصفان
~~بهذا الاعتبار، والله أعلم بمراده ومراد رسوله في ذلك كله.
# PageV02P014
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد
~~لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض» فهذا شك من الراوي في لفظه، وفي
~~رواية النسائي وابن ماجه: " «والتسبيح والتكبير ملء السماء والأرض» ". وفي
~~حديث الرجل من بني سليم: " «التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه،
~~والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض» ". وخرج الترمذي من حديث الإفريقي عن
~~عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إله إلا الله ليس لها دون
~~الله حجاب حتى تصل إليه،» وقال: ليس إسناده بالقوي. قلت: اختلف في إسناده
~~على الإفريقي، فروي عنه عن أبي علقمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، وفيه زيادة " «والله أكبر ملء السماوات والأرض» ". روى جعفر الفريابي
~~في كتاب " الذكر " وغيره من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«الحمد لله ملء الميزان، وسبحان الله نصف الميزان، ولا إله إلا الله والله
~~أكبر ملء السماوات والأرض وما بينهن» . وخرج الفريابي أيضا من حديث معاذ بن
~~جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلمتان إحداهما من قالها لم يكن له
~~ناهية دون العرش والأخرى تملأ ما بين السماء والأرض: لا إله إلا الله والله
~~أكبر» .
# PageV02P015
# فقد تضمنت هذه الأحاديث فضل هذه الكلمات الأربع التي هي أفضل الكلام، وهي
~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ms297 الله، والله أكبر. فأما الحمد لله،
~~فاتفقت الأحاديث كلها على أنه يملأ الميزان، وقد قيل: إنه ضرب مثل، وإن
~~المعنى: لو كان الحمد جسما لملأ الميزان، وقيل: بل الله عز وجل يمثل أعمال
~~بني آدم وأقوالهم صورا ترى يوم القيامة وتوزن، كما قال النبي صلى الله عليه
~~وسلم: «يأتي القرآن يوم القيامة تقدمه البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو
~~غيايتان أو فرقان من طير صواف» . وقال: " «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن،
~~ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله
~~العظيم» . وقال: «أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن» ، وكذلك المؤمن
~~يأتيه
# PageV02P016
# عمله الصالح في قبره في أحسن صورة والكافر يأتيه عمله في أقبح صورة، وروي
~~أن الصلاة والزكاة والصيام وأعمال البر تكون حول الميت في قبره تدافع عنه،
~~وأن القرآن يصعد فيشفع له. وأما سبحان الله، ففي رواية مسلم: " «سبحان الله
~~والحمد لله تملأ - أو تملآن - ما بين السماء والأرض» " فشك الراوي في الذي
~~يملأ ما بين السماء والأرض: هل هو الكلمتان أو إحداهما؟ وفي رواية النسائي
~~وابن ماجه: " «التسبيح والتكبير ملء السماء والأرض» " وهذه الرواية أشبه،
~~وهل المراد أنهما معا يملآن ما بين السماء والأرض، أو أن كلا منهما يملأ
~~ذلك؟ هذا محتمل. وفي حديث أبي هريرة والرجل الآخر أن التكبير وحده يملأ ما
~~بين السماء والأرض. وبكل حال فالتسبيح دون التحميد في الفضل كما جاء صريحا
~~في حديث علي وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، «والرجل من بني سليم أن
~~التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه» ، وسبب ذلك أن التحميد إثبات
~~المحامد كلها لله،
# PageV02P017
# فدخل في ذلك إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال كلها، والتسبيح هو تنزيه
~~الله عن النقائص والعيوب والآفات، والإثبات أكمل من السلب، ولهذا لم يرد
~~التسبيح مجردا، لكن مقرونا بما يدل على إثبات الكمال، فتارة يقرن بالحمد،
~~كقول: سبحان الله وبحمده وسبحان الله، والحمد لله، وتارة باسم من الأسماء
~~الدالة على العظمة والجلال، كقوله: سبحان الله العظيم، فإن كان حديث أبي
~~مالك يدل ms298 على أن الذي يملأ ما بين السماء والأرض هو مجموع التسبيح
~~والتكبير، فالأمر ظاهر، وإن كان المراد أن كلا منهما يملأ ذلك، فإن الميزان
~~أوسع مما ما بين السماء والأرض، فما يملأ الميزان فهو أكبر مما يملأ ما بين
~~السماء والأرض، ويدل عليه أنه صح عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: يوضع
~~الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة:
~~يا رب لمن تزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة:
~~سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. وخرجه الحاكم مرفوعا وصححه، ولكن الموقوف هو
~~المشهور. وأما التكبير ففي حديث أبي هريرة والرجل من بني سليم أنه وحده
~~يملأ السماوات والأرض، وفي حديث علي أن «التكبير مع التهليل يملأ ما بين
~~السماوات والأرض وما بينهن» . وأما التهليل وحده، فإنه يصل إلى الله من غير
~~حجاب بينه وبينه. وخرج الترمذي من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصا، إلا فتحت له أبواب السماء،
~~حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر» .
# PageV02P018
# وقال أبو أمامة: ما من عبد يهلل تهليلة، فينهنهها شيء دون العرش. وورد
~~أنه لا يعدلها شيء في الميزان في حديث البطاقة المشهور، وقد خرجه أحمد
~~والنسائي، وفي آخره عند الإمام أحمد: " ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن
~~الرحيم " وفي " المسند " عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~أنه قال: «إن نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة، قال لابنه: آمرك بلا إله
~~إلا الله،
# PageV02P019
# فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا
~~الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله» . وفيه أيضا عن عبد الله بن عمر عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن موسى عليه السلام قال: يا رب علمني
~~شيئا أذكرك به وأدعوك به، قال: يا موسى، قل: لا إله إلا الله، قال: كل
~~عبادك يقول هذا، إنما أريد شيئا تخصني به، ms299 قال: يا موسى، لو أن السماوات
~~السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت
~~بهن لا إله إلا الله» . وقد اختلف أي الكلمتين أفضل؟ أكلمة الحمد أم كلمة
~~التهليل؟ وقد حكى هذا الاختلاف ابن عبد البر وغيره. وقال النخعي: كانوا
~~يرون أن الحمد أكثر الكلام تضعيفا، وقال الثوري: ليس يضاعف من الكلام مثل
~~الحمد لله. والحمد يتضمن إثبات جميع أنواع الكمال لله، فيدخل فيه التوحيد.
~~وفي " مسند " الإمام أحمد عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: «إن الله اصطفى من الكلام أربعا: سبحان الله، والحمد لله، ولا
~~إله إلا الله، والله أكبر،
# PageV02P020
# فمن قال: سبحان الله، كتبت له عشرون حسنة، وحطت عنه عشرون سيئة، ومن قال:
~~الله أكبر مثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله مثل ذلك، ومن قال: الحمد لله
~~رب العالمين من قبل نفسه، كتبت له ثلاثون حسنة، وحطت عنه ثلاثون سيئة.» وقد
~~روي هذا عن كعب من قوله، وقيل: إنه أصح من المرفوع.
# وقوله صلى الله عليه وسلم: " «والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء»
~~"، وفي بعض نسخ " صحيح مسلم ": " «والصيام ضياء» " فهذه الأنواع الثلاثة من
~~الأعمال أنوار كلها، لكن منها ما يختص بنوع من أنواع النور، فالصلاة نور
~~مطلق، ويروى بإسنادين فيهما نظر عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "
~~«الصلاة نور المؤمن» "، فهي للمؤمنين في الدنيا نور في قلوبهم وبصائرهم،
~~تشرق بها قلوبهم، وتستنير بصائرهم ولهذا كانت قرة عين المتقين، كما كان
~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " «جعلت قرة عيني في الصلاة» " خرجه أحمد
~~والنسائي. وفي رواية: " «الجائع يشبع، والظمآن يروى، وأنا لا أشبع من حب
# PageV02P021
# الصلاة» " وفي " المسند " عن ابن عباس، قال: «قال جبريل للنبي صلى الله
~~عليه وسلم: إن الله قد حبب إليك الصلاة، فخذ منها ما شئت» . وخرج أبو داود
~~من حديث رجل من خزاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يا بلال، أقم
~~الصلاة وأرحنا بها» ms300 ". قال مالك بن دينار: قرأت في التوراة: يابن آدم، لا
~~تعجز أن تقوم بين يدي في صلاتك باكيا، فأنا الذي اقتربت بقلبك وبالغيب رأيت
~~نوري، يعني: ما يفتح للمصلي في الصلاة من الرقة والبكاء. وخرج الطبراني من
~~حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: " «إذا حافظ العبد على صلاته، فأقام وضوءها،
~~وركوعها، وسجودها، والقراءة فيها، قالت له: حفظك الله كما حفظتني، وصعد بها
~~إلى السماء، ولها نور حتى تنتهي إلى الله عز وجل، فتشفع لصاحبها» ". وهي
~~نور للمؤمنين في قبورهم، ولاسيما صلاة الليل كما قال أبو الدرداء: صلوا
~~ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور. وكانت رابعة قد فترت عن وردها بالليل
~~مدة، فأتاها آت في منامها فأنشدها:
# PageV02P022
# صلاتك نور والعباد رقود ... ونومك ضد للصلاة عنيد
# وهي في الآخرة نور للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط، فإن الأنوار
~~تقسم لهم على حسب أعمالهم. وفي " المسند " و " صحيح ابن حبان " عن عبد الله
~~بن عمر وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة، فقال: «من حافظ
~~عليها، كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم
~~يكن له نور ولا نجاة ولا برهان» . وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر من حديث
~~ابن عباس وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " «من صلى الصلوات الخمس
~~في جماعة، جاز على الصراط كالبرق اللامع في أول زمرة من السابقين، وجاء يوم
~~القيامة، ووجهه كالقمر ليلة البدر» ". وأما الصدقة، فهي برهان، والبرهان:
~~هو الشعاع الذي يلي وجه الشمس، ومنه حديث أبي موسى أن روح المؤمن تخرج من
~~جسده لها برهان كبرهان الشمس، ومنه سميت الحجة القاطعة برهانا، لوضوح
~~دلالاتها على ما دلت عليه، فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان، وطيب النفس
~~بها علامة على وجود حلاوة الإيمان وطعمه، كما في حديث عبد الله بن معاوية
~~الغاضري، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم
~~الإيمان: من عبد الله وحده، وأنه لا إله إلا الله، وأدى زكاة ماله طيبة بها
~~نفسه ms301 رافدة عليه في كل عام» " وذكر الحديث، خرجه أبو داود.
# PageV02P023
# وقد ذكرنا قريبا حديث أبي الدرداء فيمن أدى زكاة ماله طيبة بها نفسه،
~~قال: وكان يقول: لا يفعل ذلك إلا مؤمن. وسبب هذا أن المال تحبه النفوس
~~وتبخل به، فإذا سمحت بإخراجه لله عز وجل دل ذلك على صحة إيمانها بالله
~~ووعده ووعيده، ولهذا منعت العرب الزكاة بعد النبي صلى الله عليه وسلم،
~~وقاتلهم الصديق رضي الله عنه على منعها، والصلاة أيضا برهان على صحة
~~الإسلام. وقد خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «الصلاة برهان» . وقد ذكرنا في شرح حديث: «أمرت أن
~~أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا
~~الصلاة ويؤتوا الزكاة» أن الصلاة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي أيضا
~~أول ما يحاسب به المرء يوم القيامة، فإن تمت صلاته فقد أفلح وأنجح، وقد سبق
~~حديث عبد الله بن عمرو فيمن حافظ عليها أنها تكون له نورا وبرهانا ونجاة
~~يوم القيامة. وأما الصبر فإنه ضياء، والضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع
~~حرارة وإحراق كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنه نور محض، فيه إشراق بغير
~~إحراق، قال الله عز وجل: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا} [يونس: 5]
~~[يونس: 5] ومن هنا وصف الله شريعة موسى بأنها ضياء، كما قال: {ولقد آتينا
~~موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين} [الأنبياء: 48] [الأنبياء: 48]
# PageV02P024
# وإن كان قد ذكر أن في التوراة نورا كما قال: {إنا أنزلنا التوراة فيها
~~هدى ونور} [المائدة: 44] [المائدة: 44] ، ولكن الغالب على شريعتهم الضياء
~~لما فيها من الآصار والأغلال والأثقال. ووصف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم
~~بأنها نور لما فيها من الحنيفية السمحة، قال الله تعالى: {قد جاءكم من الله
~~نور وكتاب مبين} [المائدة: 15] [المائدة: 15] وقال: {الذين يتبعون الرسول
~~النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف
~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم
~~والأغلال التي ms302 كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور
~~الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف: 157] [الأعراف: 157] . ولما
~~كان الصبر شاقا على النفوس، يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها وكفها عما
~~تهواه، كان ضياء، فإن معنى الصبر في اللغة الحبس، ومنه قتل الصبر: وهو أن
~~يحبس الرجل حتى يقتل. والصبر المحمود أنواع: منه صبر على طاعة الله عز وجل،
~~ومنه صبر عن معاصي الله عز وجل، ومنه صبر على أقدار الله عز وجل، والصبر
~~على الطاعات وعن المحرمات أفضل من الصبر على الأقدار المؤلمة، صرح بذلك
~~السلف، منهم سعيد بن جبير، وميمون بن مهران وغيرهما. وقد روي بإسناد ضعيف
~~من حديث علي مرفوعا " «إن الصبر على المعصية يكتب به للعبد ثلاثمائة درجة،
~~وإن الصبر على الطاعة تكتب به ستمائة درجة، وإن الصبر عن المعاصي يكتب له
~~به تسعمائة درجة» "، وقد خرجه ابن أبي الدنيا وابن جرير الطبري.
# PageV02P025
# ومن أفضل أنواع الصبر: الصيام، فإنه يجمع الصبر على الأنواع الثلاثة،
~~لأنه صبر على طاعة الله عز وجل، وصبر عن معاصي الله، لأن العبد يترك شهواته
~~لله ونفسه قد تنازعه إليها، ولهذا في الحديث الصحيح: «إن الله عز وجل يقول:
~~كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه
~~وشرابه من أجلي» ، وفيه أيضا صبر على الأقدار المؤلمة بما قد يحصل للصائم
~~من الجوع والعطش، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمي شهر الصيام شهر
~~الصبر. وقد جاء في حديث الرجل من بني سليم «عن النبي صلى الله عليه وسلم:
~~أن الصوم نصف الصبر» ، وربما عسر الوقوف على سر كونه نصف الصبر أكثر من عسر
~~الوقوف على سر كون الطهور شطر الإيمان، والله أعلم. وقوله صلى الله عليه
~~وسلم: «والقرآن حجة لك أو حجة عليك» ، قال الله عز وجل: {وننزل من القرآن
~~ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82]
~~[الإسراء: 82] . قال بعض السلف: ما جالس أحد القرآن، فقام عنه سالما؛ بل
~~إما أن ms303 يربح أو أن يخسر، ثم تلا هذه الآية. وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
~~عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يمثل القرآن يوم القيامة رجلا،
~~فيؤتى بالرجل قد حمله، فخالف أمره، فيتمثل له خصما، فيقول: يا رب حملته
~~إياي فشر حامل تعدى حدودي، وضيع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال
~~يقذف عليه بالحجج حتى يقال: شأنك به، فيأخذه بيده، فما يرسله حتى يكبه على
~~منخره في النار، ويؤتى بالرجل الصالح كان قد حمله وحفظ أمره، فيمتثل خصما
~~دونه، فيقول: يا رب حملته إياي، فخير حامل: حفظ حدودي، وعمل بفرائضي،
~~واجتنب معصيتي، واتبع طاعتي، فما يزال يقذف له بالحجج حتى يقال: شأنك به،
~~فيأخذه بيده، فما يرسله حتى يلبسه حلة الإستبرق، ويعقد عليه تاج الملك،
~~ويسقيه كأس الخمر» . وقال ابن مسعود: القرآن شافع مشفع وماحل مصدق، فمن
~~جعله أمامه، قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره، قاده إلى النار. وعنه قال:
~~يجيء القرآن يوم القيامة، فيشفع لصاحبه، فيكون قائدا إلى الجنة، أو يشهد
~~عليه، فيكون سائقا إلى النار.
# PageV02P026
# وقال أبو موسى الأشعري: إن هذا القرآن كائن لكم أجرا، وكائن عليكم وزرا،
~~فاتبعوا القرآن، ولا يتبعكم القرآن، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض
~~الجنة، ومن اتبعه القرآن زج في قفاه، فقذفه في النار.
# قوله صلى الله عليه وسلم: " «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو
~~موبقها» " وخرج الإمام أحمد وابن حبان من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: " «الناس غاديان، فمبتاع نفسه، فمعتق نفسه وموبقها» ".
~~وفي رواية خرجها الطبراني. " «الناس غاديان: فبائع نفسه فموبقها، وفاد نفسه
~~فمعتقها» ". وقال الله عز وجل: {ونفس وما سواها - فألهمها فجورها وتقواها -
~~قد أفلح من زكاها - وقد خاب من دساها} [الشمس: 7 - 10] [الشمس: 7 - 10.] ،
~~والمعنى: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، وخاب من دساها بالمعاصي، فالطاعة
~~تزكي النفس وتطهرها فترتفع، والمعاصي تدسي النفس وتقمعها فتنخفض، وتصير
~~كالذي يدس في التراب. ودل الحديث على أن ms304 كل إنسان فهو ساع في هلاك نفسه، أو
~~في فكاكها، فمن سعى في طاعة الله، فقد باع نفسه لله، وأعتقها من عذابه، ومن
~~سعى في معصية الله، فقد باع نفسه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب
~~الله وعقابه، قال الله عز وجل: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم
~~بأن لهم الجنة} [التوبة: 111] إلى قوله: {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به
~~وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111] [التوبة: 111] ، وقال تعالى: {ومن
~~الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد} [البقرة: 207]
~~[البقرة: 207]
# PageV02P028
# وقال تعالى: {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا
~~ذلك هو الخسران المبين} [الزمر: 15] [الزمر: 15] وفي " الصحيحين " عن أبي
~~هريرة، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: {وأنذر
~~عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] [الشعراء: 214] يا معشر قريش، اشتروا
~~أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب، لا أغني
~~عنكم من الله شيئا» وفي رواية للبخاري: " «يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم
~~من الله، يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله، يا عمة رسول الله، يا
~~فاطمة بنت محمد، اشتريا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئا» ".
~~وفي رواية لمسلم أنه دعا قريشا فاجتمعوا، فعم وخص، فقال: «يا بني كعب بن
~~لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا
~~بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من
~~النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا
~~أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله
~~شيئا» . وخرج الطبراني والخرائطي من حديث ابن عباس مرفوعا: " «من قال إذا
~~أصبح: سبحان الله وبحمده ألف مرة، فقد اشترى نفسه من الله تعالى، وكان من
~~آخر يومه عتيقا من النار» ". وقد اشترى جماعة من السلف أنفسهم من الله عز
~~وجل بأموالهم، فمنهم
# PageV02P029
# من تصدق بماله كله كحبيب أبي محمد، ms305 ومنهم من تصدق بوزنه فضة ثلاث مرات أو
~~أربعا، كخالد الطحاوي. ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة ويقول: إنما
~~أنا أسير أسعى في فكاك رقبتي، منهم عمرو بن عتبة، وكان بعضهم يسبح كل يوم
~~اثني عشر ألف تسبيحة بقدر ديته، كأنه قد قتل نفسه، فهو يفتكها بديتها. قال
~~الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى
~~يلقى الله عز وجل. وقال: ابن آدم، إنك تغدو وتروح في طلب الأرباح، فليكن
~~همك نفسك، فإنك لن تربح مثلها أبدا. قال أبو بكر بن عياش: قال لي رجل مرة
~~وأنا شاب: خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة
~~غير مفكوك أبدا، قال: فوالله ما نسيتها بعد. وكان بعض السلف يبكي، ويقول:
~~ليس لي نفسان، إنما لي نفس واحدة، إذا ذهبت لم أجد أخرى. وقال محمد ابن
~~الحنفية: إن الله عز وجل جعل الجنة ثمنا لأنفسكم، فلا تبيعوها بغيرها.
~~وقال: أيضا من كرمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر. وقيل له: من أعظم
~~الناس قدرا؟ قال: من لم ير الدنيا كلها لنفسه خطرا. وأنشد بعض المتقدمين:
# PageV02P030
# أثامن بالنفس النفيسة ربها ... وليس لها في الخلق كلهم ثمن
# بها تملك الأخرى فإن أنا بعتها ... بشيء من الدنيا، فذاك هو الغبن
# لئن ذهبت نفسي بدنيا أصيبها ... لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن
# PageV02P031
### | [الحديث الرابع والعشرون قال الله تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا]
# PageV02P031
# الحديث الرابع والعشرون. عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي
~~وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني
~~أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم
~~عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار
~~وأنا أغفر لكم ذنوبكم جميعا فاستغفروني أغفر ms306 لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا
~~ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم
~~وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي
~~لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص
~~ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد
~~واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك عندي إلا كما ينقص
~~المخيط إذا دخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم: أحصيها لكم ثم أوفيكم
~~إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا
~~نفسه.» رواه مسلم.
# PageV02P032
# هذا الحديث خرجه مسلم من رواية سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن زيد عن
~~أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر، وفي آخره: قال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو
~~إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. وخرجه مسلم أيضا من
~~رواية قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، ولم يسقه بلفظه، ولكنه قال: وساق الحديث بنحو سياق أبي إدريس، وحديث
~~أبي إدريس أتم. وخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، من رواية شهر بن
~~حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: «يقول الله تعالى: يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديت، فسلوني الهدى
~~أهدكم، وكلكم فقير إلا من أغنيت فسلوني أرزقكم، وكلكم مذنب إلا من عافيت،
~~فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة واستغفرني، غفرت له ولا أبالي، ولو
~~أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على أتقى قلب عبد من
~~عبادي ما زاد ذلك في ملكي جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم
~~ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا في صعيد واحد، فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته
~~فأعطيت كل سائل منكم، ما نقص ذلك من ملكي ms307 إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر،
~~فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه، ذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد، عطائي
~~كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن فيكون» وهذا
~~لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن. وخرجه الطبراني بمعناه من حديث أبي موسى
~~الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن إسناده ضعيف.
# PageV02P033
# وحديث أبي ذر قال الإمام أحمد: هو أشرف حديث لأهل الشام. فقوله صلى الله
~~عليه وسلم فيما يروي عن ربه: " «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» " يعني:
~~أنه منع نفسه من الظلم لعباده، كما قال عز وجل: {وما أنا بظلام للعبيد} [ق:
~~29] [ق: 29] ، وقال: {وما الله يريد ظلما للعباد} [غافر: 31] [غافر 31] ،
~~وقال {وما الله يريد ظلما للعالمين} [آل عمران: 108] [آل عمران: 108] ،
~~وقال {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] [فصلت: 46] ، وقال: {إن الله لا
~~يظلم الناس شيئا} [يونس: 44] [يونس: 44] ، وقال {إن الله لا يظلم مثقال
~~ذرة} [النساء: 40] [النساء: 40] ، وقال:
# PageV02P034
# {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} [طه: 112] [طه:
~~112] ، والهضم: أن ينقص من جزاء حسناته، والظلم: أن يعاقب بذنوب غيره، ومثل
~~هذا كثير في القرآن. وهو مما يدل على أن الله قادر على الظلم، ولكن لا
~~يفعله فضلا منه وجودا وكرما وإحسانا إلى عباده. وقد فسر كثير من العلماء
~~الظلم بأنه وضع الأشياء في غير موضعها. وأما من فسره بالتصرف في ملك الغير
~~بغير إذنه - وقد نقل نحوه عن إياس بن معاوية وغيره - فإنهم يقولون: إن
~~الظلم مستحيل عليه، وغيره متصور في حقه، لأن كل ما يفعله فهو تصرف في ملكه،
~~وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لعمران بن حصين حين سأله عن القدر. وخرج
~~أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي سنان سعيد بن سنان، عن وهب بن خالد
~~الحمصي، «عن ابن الديلمي أنه سمع أبي بن كعب يقول: لو أن الله عذب أهل
~~سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم، لكانت رحمته خيرا
~~لهم ms308 من أعمالهم، وأنه أتى ابن مسعود، فقال له مثل ذلك، ثم أتى زيد بن ثابت،
~~فحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك» . وفي هذا الحديث نظر، ووهب
~~بن خالد ليس بذلك المشهور بالعلم. وقد يحمل على أنه لو أراد تعذيبهم، لقدر
~~لهم ما يعذبهم عليه، فيكون غير ظالم لهم حينئذ.
# PageV02P035
# وكونه خلق أفعال العباد وفيها الظلم لا يقتضي وصفه بالظلم سبحانه وتعالى،
~~كما أنه لا يوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد، وهي خلقه وتقديره، فإنه
~~لا يوصف إلا بأفعاله لا يوصف بأفعال عباده، فإن أفعال عباده مخلوقاته
~~ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها، إنما يوصف بما قام به من صفاته وأفعاله
~~والله أعلم. وقوله " «وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا» " يعني: أنه تعالى
~~حرم الظلم على عباده، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم، فحرام على كل عبد أن
~~يظلم غيره، مع أن الظلم في نفسه محرم مطلقا، وهو نوعان: أحدهما: ظلم النفس،
~~وأعظمه الشرك، كما قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] [لقمان:
~~13] ، فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، فعبده وتألهه، فهو وضع
~~الأشياء في غير موضعها، وأكثر ما ذكر في القرآن من وعيد الظالمين إنما أريد
~~به المشركون، كما قال عز وجل: {والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254]
~~[البقرة: 254] ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر.
~~والثاني: ظلم العبد لغيره، وهو المذكور في هذا الحديث، وقد «قال النبي صلى
~~الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم
~~حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» . وروي عنه «أنه خطب
~~بذلك في يوم النحر من يوم عرفة، وفي اليوم الثاني من أيام التشريق، وفي
~~رواية: ثم قال: " اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا
~~تظلموا؛ إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» ". وفي " الصحيحين "
~~عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الظلم ظلمات يوم
~~القيامة» . وفيهما عن أبي موسى ms309 عن «النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إن الله
~~ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى
~~وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102] » [هود: 102] . وفي " صحيح
~~البخاري " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت عنده
~~مظلمة لأخيه، فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ
~~لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه» .
# قوله " «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي،
~~كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عار إلا من
~~كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر
~~الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم» ". هذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون
~~إلى الله تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وأن
~~العباد لا يملكون لأنفسهم شيئا من ذلك كله، وأن من لم يتفضل الله عليه
~~بالهدى والرزق، فإنه يحرمهما في الدنيا،
# PageV02P036
# ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه أوبقته خطاياه في الآخرة. قال الله
~~تعالى: {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف:
~~17] [الكهف: 17] ، ومثل هذا كثير في القرآن، وقال تعالى: {ما يفتح الله
~~للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} [فاطر: 2]
~~[فاطر: 2] ، وقال {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 58]
~~[الذاريات: 58] ، وقال: {فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه} [العنكبوت: 17]
~~[العنكبوت: 17] ، وقال: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود:
~~6] [هود: 6] . وقال تعالى حاكيا عن آدم وزوجه أنهما قالا: {ربنا ظلمنا
~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23]
~~[الأعراف: 23] ، وعن نوح عليه الصلاة والسلام أنه قال: {وإلا تغفر لي
~~وترحمني أكن من الخاسرين} [هود: 47] [هود: 47] . وقد استدل إبراهيم الخليل
~~عليه السلام بتفرد الله بهذه الأمور على أنه لا إله غيره، وأن كل ما أشرك
~~معه فباطل، فقال لقومه: {أفرأيتم ms310 ما كنتم تعبدون - أنتم وآباؤكم الأقدمون -
~~فإنهم عدو لي إلا رب العالمين - الذي خلقني فهو يهدين - والذي هو يطعمني
~~ويسقين - وإذا مرضت فهو يشفين - والذي يميتني ثم يحيين - والذي أطمع أن
~~يغفر لي خطيئتي يوم الدين} [الشعراء: 75 - 82] [الشعراء: 75 - 82] ، فإن من
~~تفرد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه
~~في الآخرة، مستحق أن يفرد بالإلهية والعبادة والسؤال والتضرع إليه
~~والاستكانة له. قال الله عز وجل: {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم
~~يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون}
~~[الروم: 40] [الروم: 40] . وفي الحديث دليل على أن الله يحب أن يسأله
~~العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم، من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما
~~يسألونه الهداية
# PageV02P038
# والمغفرة، وفي الحديث: " «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا
~~انقطع» ". وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه حتى ملح عجينه وعلف
~~شاته. وفي الإسرائيليات أن موسى عليه السلام قال: يا رب، إنه لتعرض لي
~~الحاجة من الدنيا، فأستحي أن أسألك، قال: سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك.
~~فإن كل ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله فقد أظهر حاجته فيه، وافتقاره
~~إلى الله، وذاك يحبه الله، وكان بعض السلف يستحي من الله أن يسأله شيئا من
~~مصالح الدنيا، والاقتداء بالسنة أولى. وقوله " «كلكم ضال إلا من هديته» "
~~قد ظن بعضهم أنه معارض لحديث عياض بن حمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "
~~يقول الله عز وجل: «خلقت عبادي حنفاء» " وفي رواية: " «مسلمين فاجتالتهم
~~الشياطين» " وليس كذلك، فإن الله خلق بني آدم، وفطرهم على قبول الإسلام،
~~والميل إليه دون غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوة، لكن لا بد
~~للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعليم جاهل لا يعلم شيئا كما
~~قال عز وجل: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} [النحل: 78]
~~[النحل: 78] وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ووجدك ضالا فهدى} [الضحى: 7]
~~[الضحى: 7] ، والمراد: وجدك غير عالم ms311 بما علمك من الكتاب والحكمة، كما قال
~~تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا
~~الإيمان} [الشورى: 52] [الشورى: 52] فالإنسان يولد مفطورا على قبول الحق،
~~فإن هداه الله سبب له من يعلمه الهدى، فصار مهتديا بالفعل بعد أن كان
~~مهتديا بالقوة، وإن خذله الله، قيض له من يعلمه ما يغير فطرته كما قال صلى
~~الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة،
# PageV02P039
# فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» . وأما سؤال المؤمن من الله الهداية،
~~فإن الهداية نوعان: هداية مجملة وهي الهداية للإسلام والإيمان وهي حاصلة
~~للمؤمن، وهداية مفصلة، وهي هداية إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإسلام
~~وإعانته على فعل ذلك، وهذا يحتاج إليه كل مؤمن ليلا ونهارا، ولهذا أمر الله
~~عباده أن يقرءوا في كل ركعة من صلاتهم قوله: {اهدنا الصراط المستقيم}
~~[الفاتحة: 6] [الفاتحة: 6] ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه
~~بالليل: " «اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط
~~مستقيم» " ولهذا يشمت العاطس، فيقال له: " يرحمكم الله " فيقول: " يهديكم
~~الله " كما جاءت به السنة بذلك، وإن أنكره من أنكره من فقهاء العراق ظنا
~~منهم أن المسلم لا يحتاج أن يدعى له بالهدى، وخالفهم جمهور العلماء اتباعا
~~للسنة في ذلك. وقد «أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يسأل الله السداد
~~والهدى» ، «وعلم الحسن أن يقول في قنوت الوتر: " اللهم اهدني فيمن هديت» .
# PageV02P040
# وأما الاستغفار من الذنوب، فهو طلب المغفرة، والعبد أحوج شيء إليه، لأنه
~~يخطئ بالليل والنهار، وقد تكرر في القرآن ذكر التوبة والاستغفار، والأمر
~~بهما، والحث عليهما، وخرج الترمذي، وابن ماجه من حديث أنس عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» . وخرج
~~البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله إني
~~لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم سبعين مرة» وخرجه النسائي، ولفظه «إني
~~لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة» . وخرج مسلم من حديث الأغر ms312
~~المزني سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم،
~~فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة» وخرجه النسائي ولفظه: «يا أيها الناس
~~توبوا إلى ربكم واستغفروه، فإني أتوب إلى الله وأستغفره كل يوم مائة مرة» .
~~وخرج الإمام أحمد من «حديث حذيفة قال: كان في لساني ذرب على أهلي لم أعده
~~إلى غيره، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أين أنت من الاستغفار
~~يا حذيفة، إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة» . ومن حديث أبي موسى عن النبي
# PageV02P041
# صلى الله عليه وسلم، قال: «إني لأستغفر الله مائة مرة وأتوب إليه» . وخرج
~~النسائي من حديث أبي موسى، قال: «كنا جلوسا فجاء النبي صلى الله عليه وسلم،
~~فقال: ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله مائة مرة» . وخرج الإمام أحمد،
~~وأبو داود، والترمذي والنسائي، وابن ماجه من حديث ابن عمر، قال: «إن كنا
~~لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة يقول: رب
~~اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم» . وخرج النسائي من حديث «أبي
~~هريرة، قال: لم أر أحدا أكثر أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم» . وخرج الإمام أحمد من حديث عائشة عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم أنه كان يقول: «اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا
~~أساءوا استغفروا» ، وسنذكر بقية
# PageV02P042
# الكلام في الاستغفار فيما بعد إن شاء الله تعالى.
# وقوله: " «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي
~~فتنفعوني» " يعني أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله نفعا ولا ضرا،
~~فإن الله تعالى في نفسه غني حميد، لا حاجة له بطاعات العباد، ولا يعود
~~نفعها إليه، وإنما هم ينتفعون بها، ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون
~~بها، قال الله تعالى: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا
~~الله شيئا} [آل عمران: 176] [آل عمران: 176] . وقال {ومن ينقلب على عقبيه
~~فلن يضر الله شيئا} [آل عمران: 144] [آل ms313 عمران: 144] . وكان النبي صلى الله
~~عليه وسلم يقول في خطبته: " «ومن يعص الله ورسوله، فقد غوى، ولا يضر إلا
~~نفسه ولا يضر الله شيئا» ". قال الله عز وجل: {وإن تكفروا فإن لله ما في
~~السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا} [النساء: 131] [النساء: 131]
~~، وقال حاكيا عن موسى: {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن
~~الله لغني حميد} [إبراهيم: 8] [إبراهيم: 8] ، وقال: {ومن كفر فإن الله غني
~~عن العالمين} [آل عمران: 97] [آل عمران: 97] ، وقال: {لن ينال الله لحومها
~~ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} [الحج: 37] [الحج: 37] . والمعنى: أنه
~~تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه، كما أنه يكره منهم أن يعصوه، ولهذا
~~يفرح بتوبة التائبين أشد من فرح من ضلت راحلته التي عليها طعامه وشرابه
~~بفلاة من الأرض، وطلبها حتى أعيى وأيس منها، واستسلم للموت، وأيس من
~~الحياة، ثم غلبته عينه فنام، فاستيقظ وهي قائمة عنده وهذا أعلى ما يتصوره
~~المخلوق من الفرح، هذا كله مع غناه عن طاعات عباده
# PageV02P043
# وتوباتهم إليه، وإنه إنما يعود نفعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده
~~وإحسانه إلى عباده، ومحبته لنفعهم، ودفع الضرر عنهم، فهو يحب من عباده أن
~~يعرفوه ويحبوه ويخافوه ويتقوه ويطيعوه ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا أنه
~~لا يغفر الذنوب غيره، وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده، كما في رواية عبد
~~الرحمن بن غنم عن أبي ذر لهذا الحديث: «من علم منكم أني ذو قدرة على
~~المغفرة، ثم استغفرني غفرت له ولا أبالي» ". وفي " الصحيح " عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم «أن عبدا أذنب ذنبا، فقال: يا رب، إني عملت ذنبا، فاغفر لي؛
~~فقال الله: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنوب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي»
~~". وفي حديث علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه لما ركب
~~دابته، حمد الله ثلاثا، وكبر ثلاثا، وقال: سبحانك إني ظلمت نفسي، فاغفر لي،
~~فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، وقال: إن ربك ليعجب من ms314 عبده إذا قال:
~~رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري» ، خرجه الإمام أحمد
~~والترمذي وصححه. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «والله لله
~~أرحم بعباده من الوالدة بولدها» . كان بعض أصحاب ذي النون يطوف وينادي: آه
~~أين قلبي، من وجد قلبي؟ فدخل يوما بعض السكك، فوجد صبيا يبكي وأمه تضربه،
~~ثم أخرجته من الدار، وأغلقت الباب دونه، فجعل الصبي يلتفت يمينا وشمالا لا
~~يدري أين يذهب ولا
# PageV02P044
# أين يقصد، فرجع إلى باب الدار، فجعل يبكي ويقول: يا أماه من يفتح لي
~~الباب إذا أغلقت عني بابك؟ ومن يدنيني إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني إذا
~~غضبت علي؟ فرحمته أمه، فنظرت من خلل الباب، فوجدت ولدها تجري الدموع على
~~خديه متمعكا في التراب، ففتحت الباب، وأخذته حتى وضعته في حجرها وجعلت
~~تقبله، وتقول: يا قرة عيني، ويا عزيز نفسي، أنت الذي حملتني على نفسك، وأنت
~~الذي تعرضت لما حل بك، لو كنت أطعتني لم تلق مني مكروها، فتواجد الفتى، ثم
~~قام فصاح، وقال: قد وجدت قلبي، قد وجدت قلبي. وتفكروا في قوله: {والذين إذا
~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب
~~إلا الله} [آل عمران: 135] [آل عمران: 135] ، فإن فيه إشارة إلى أن
~~المذنبين ليس لهم من يلجئون إليه، ويعولون عليه في مغفرة ذنوبهم - غيره،
~~وكذلك قوله في حق الثلاثة الذين خلفوا: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت
~~وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم
~~ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} [التوبة: 118] [التوبة: 118] ، فرتب
~~توبته عليهم على ظنهم أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن العبد إذا خاف من
~~مخلوق، هرب منه، وفر إلى غيره، وأما من خاف من الله، فما له من ملجأ يلجأ
~~إليه، ولا مهرب يهرب إليه إلا هو، فيهرب منه إليه، كما كان النبي صلى الله
~~عليه وسلم يقول في دعائه «لا ملجأ، ولا منجا منك إلا إليك» " وكان ms315 يقول: "
~~«أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك» ".
# PageV02P045
# قال الفضيل بن عياض رحمه الله: ما من ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل
~~سربال سترها، إلا نادى الجليل جل جلاله: من أعظم مني جودا، والخلائق لي
~~عاصون، وأنا لهم مراقب، أكلؤهم في مضاجعهم، كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم
~~كأنهم لم يذنبوا فيما بيني وبينهم، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على
~~المسيء، من ذا الذي دعاني فلم ألبه؟ أم من ذا الذي سألني فلم أعطه؟ أم من
~~الذي أناخ ببابي فنحيته؟ أنا الفضل، ومني الفضل، أنا الجواد، ومني الجود،
~~وأنا الكريم، ومني الكرم، ومن كرمي أن أغفر للعاصين بعد المعاصي، ومن كرمي
~~أن أعطي العبد ما سألني، وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أن أعطي التائب
~~كأنه لم يعصني، فأين عني يهرب الخلائق؟ وأين عن بابي يتنحى العاصون؟ خرجه
~~أبو نعيم. ولبعضهم في المعنى.
# أسأت ولم أحسن وجئتك تائبا ... وأنى لعبد عن مواليه مهرب
# يؤمل غفرانا فإن خاب ظنه ... فما أحد منه على الأرض أخيب
# فقوله بعد هذا: " «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على
~~أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو كانوا على أفجر قلب
~~رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا» ": هو إشارة إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة
~~الخلق، ولو كانوا كلهم بررة أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا
~~ينقص ملكه بمعصية العاصين، ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة قلوبهم على
~~قلب أفجر رجل منهم، فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق
~~في ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه ملك كامل لا نقص فيه بوجه
# PageV02P046
# من الوجوه على أي وجه كان. ومن الناس من قال: إن إيجاده لخلقه على هذا
~~الوجه الموجود أكمل من إيجاده على غيره، وهو خير من وجوده على غيره، وما
~~فيه من الشر فهو شر إضافي نسبي بالنسبة إلى بعض الأشياء دون بعض، وليس شرا
~~مطلقا بحيث يكون عدمه خيرا من وجوده ms316 من كل وجه، بل وجوده خير من عدمه،
~~وقال: وهذا معنى قوله: " بيده الخير " ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:
~~" «والشر ليس إليك» " يعني: أن الشر المحض الذي عدمه خير من وجوده ليس
~~موجودا في ملكك، فإن الله تعالى أوجد خلقه على ما تقتضيه حكمته وعدله، وخص
~~قوما من خلقه بالفضل، وترك آخرين منهم في العدل، لما له في ذلك من الحكمة
~~البالغة. وهذا فيه نظر، وهو يخالف ما في هذا الحديث من أن جميع الخلق لو
~~كانوا على صفة أكمل خلقه من البر والتقوى، لم يزد ذلك في ملكه شيئا، ولا
~~قدر جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقص خلقه من الفجور، لم ينقص ذلك من
~~ملكه شيئا، فدل على أن ملكه كامل على أي وجه كان لا يزداد ولا يكمل
~~بالطاعات ولا ينقص بالمعاصي، ولا يؤثر فيه شيء. وفي هذا الكلام دليل على أن
~~الأصل في التقوى والفجور هو القلب، فإذا بر القلب واتقى برت الجوارح، وإذا
~~فجر القلب، فجرت الجوارح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " «التقوى
~~هاهنا " وأشار إلى صدره» .
# قوله: " «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد،
~~فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط
~~إذا أدخل البحر» " المراد بهذا ذكر كمال قدرته سبحانه، وكمال
# PageV02P047
# ملكه، وأن ملكه وخزائنه لا تنفد، ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأولين
~~والآخرين من الجن والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد، وفي ذلك حث للخلق على
~~سؤاله وإنزال حوائجهم به، وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار،
~~أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه» . وفي
~~" صحيح مسلم " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دعا
~~أحدكم، فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، وليعظم الرغبة،
~~فإن الله لا يتعاظمه ms317 شيء» . وقال أبو سعيد الخدري: إذا دعوتم الله، فارفعوا
~~في المسألة، فإن ما عنده لا ينفده شيء، وإذا دعوتم فاعزموا، فإن الله لا
~~مستكره له. وفي بعض الآثار الإسرائيلية: يقول الله عز وجل: أيؤمل غيري
~~للشدائد والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم؟ ويرجى غيري، ويطرق بابه بالبكرات،
~~وبيدي مفاتيح الخزائن، وبابي مفتوح لمن دعاني؟ من ذا الذي أملني لنائبة
~~فقطعت به؟ أو من ذا الذي رجاني لعظيم، فقطعت رجاءه؟ أو من ذا الذي طرق
~~بابي، فلم أفتحه له؟ أنا غاية الآمال، فكيف تنقطع الآمال دوني؟ أبخيل أنا
~~فيبخلني عبدي؟ أليس الدنيا والآخرة والكرم والفضل كله لي؟ فما يمنع
~~المؤملين أن يؤملوني؟ لو جمعت أهل السماوات والأرض، ثم أعطيت كل واحد منهم
~~ما أعطيت الجميع، وبلغت كل واحد أمله، لم ينقص ذلك من ملكي عضو ذرة، كيف
~~ينقص ملك أنا قيمه؟ فيا بؤسا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسا لمن عصاني وتوثب
~~على محارمي.
# PageV02P048
# وقوله: " «لم ينقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» "
~~تحقيق لأن ما عنده لا ينقص البتة، كما قال تعالى: {ما عندكم ينفد وما عند
~~الله باق} [النحل: 96] [النحل: 96] ، فإن البحر إذا غمس فيه إبرة، ثم أخرجت
~~لم ينقص من البحر بذلك شيء، وكذلك لو فرض أنه شرب منه عصفور مثلا، فإنه لا
~~ينقص البحر البتة، ولهذا ضرب الخضر لموسى عليهما السلام هذا المثل في نسبة
~~علمهما إلى علم الله عز وجل، وهذا لأن البحر لا يزال تمده مياه الدنيا
~~وأنهارها الجارية، فمهما أخذ منه لم ينقصه شيء، لأنه يمده ما هو أزيد مما
~~أخذ منه، وهكذا طعام الجنة وما فيها، فإنه لا ينفد، كما قال تعالى: {وفاكهة
~~كثيرة - لا مقطوعة ولا ممنوعة} [الواقعة: 32 - 33] [الواقعة: 32 - 33] ،
~~وقد جاء: " أنه كلما نزعت ثمرة، عاد مكانها مثلها " وروي " مثلاها "، فهي
~~لا تنقص أبدا ويشهد لذلك «قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الكسوف: "
~~وأريت الجنة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته، لأكلتم منه ما بقيت الدنيا»
~~" خرجاه ms318 في " الصحيحين " من حديث ابن عباس، وخرجه الإمام أحمد من حديث
~~جابر، ولفظه: " «ولو أتيتكم
# PageV02P049
# به لأكل منه من بين السماء والأرض، لا ينقصونه شيئا» ". وهكذا لحم الطير
~~الذي يأكله أهل الجنة يستخلف ويعود كما كان حيا لا ينقص منه شيء، وقد روي
~~هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه فيها ضعف، وقاله كعب. وروي أيضا
~~عن أبي أمامة الباهلي من قوله، قال أبو أمامة: وكذلك الشراب يشرب منه حتى
~~ينتهي نفسه، ثم يعود مكانه. ورئي بعض العلماء الصالحين بعد موته بمدة في
~~المنام فقال: ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ، أما علمتم أن طعام الجنة لا
~~ينفد؟ . وقد بين في الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه السبب الذي لأجله
~~لا ينقص ما عند الله بالعطاء بقوله: " «ذلك بأني جواد واجد ماجد، أفعل ما
~~أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن
~~فيكون» " وهذا مثل قوله عز وجل: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن
~~فيكون} [يس: 82] [يس: 82] ، وقوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن
~~نقول له كن فيكون} [النحل: 40] [النحل: 40] .
# PageV02P050
# وفي " مسند البزار " بإسناد فيه نظر من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: " «خزائن الله الكلام، فإذا أراد شيئا، قال له: كن، فكان» "
~~فهو سبحانه إذا أراد شيئا من عطاء أو عذاب أو غير ذلك، قال له: كن، فكان،
~~فكيف يتصور أن ينقص هذا؟ وكذلك إذا أراد أن يخلق شيئا، قال له: كن فيكون،
~~كما قال: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}
~~[آل عمران: 59] [آل عمران: 59] . وفي بعض الآثار الإسرائيلية: أوحى الله
~~تعالى إلى موسى عليه السلام: يا موسى، لا تخافن غيري ما دام لي السلطان،
~~وسلطاني دائم لا ينقطع، يا موسى، لا تهتمن برزقي أبدا ما دامت خزائني
~~مملوءة، وخزائني مملوءة لا تفنى أبدا، يا موسى لا تأنس بغيري ما وجدتني
~~أنيسا لك، ms319 ومتى طلبتني وجدتني، يا موسى، لا تأمن مكري ما لم تجز الصراط إلى
~~الجنة. وقال بعضهم:
# لا تخضعن لمخلوق على طمع ... فإن ذاك مضر منك بالدين
# واسترزق الله مما في خزائنه ... فإنما هي بين الكاف والنون
# وقوله: " «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها» "
~~يعني: أنه سبحانه يحصي أعمال عباده، ثم يوفيهم إياها بالجزاء عليها، وهذا
~~كقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره - ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}
~~[الزلزلة: 7 - 8] [الزلزلة: 7 - 8] ، وقوله: {ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا
~~يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] [الكهف: 49] ، وقوله {يوم تجد كل نفس ما عملت
~~من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا} [آل
~~عمران: 30]
# PageV02P051
# [آل عمران: 30] ، وقوله: {يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه
~~الله ونسوه} [المجادلة: 6] [المجادلة: 6] . وقوله: " ثم أوفيكم إياها "
~~الظاهر أن المراد توفيتها يوم القيامة كما قال تعالى: {وإنما توفون أجوركم
~~يوم القيامة} [آل عمران: 185] [آل عمران: 185] ويحتمل أن المراد: يوفي
~~عباده جزاء أعمالهم في الدنيا والآخرة كما في قوله: {من يعمل سوءا يجز به}
~~[النساء: 123] [النساء: 123] . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
~~فسر ذلك بأن المؤمنين يجازون بسيئاتهم في الدينا، وتدخر لهم حسناتهم في
~~الآخرة، فيوفون أجورها. وأما الكافر فإنه يعجل له في الدنيا ثواب حسناته،
~~وتدخر له سيئاته، فيعاقب بها في الآخرة، وتوفية الأعمال هي توفية جزائها من
~~خير أو شر، فالشر يجازى به مثله من غير زيادة، إلا أن يعفو الله عنه،
~~والخير تضاعف الحسنة منه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا
~~يعلم قدرها إلا الله، كما قال الله عز وجل: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير
~~حساب} [الزمر: 10] [الزمر: 10] . وقوله: " «فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن
~~وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه» " إشارة إلى أن الخير كله من الله فضل
~~منه على عبده، من غير استحقاق له، والشر كله من عند ابن آدم من اتباع هوى
~~نفسه، كما قال عز ms320 وجل: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن
~~نفسك} [النساء: 79] [النساء: 79] ، وقال علي رضي الله عنه: لا يرجون عبد
~~إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، فالله سبحانه إذا أراد توفيق عبد وهدايته
~~أعانه ووفقه لطاعته، فكان ذلك فضلا منه، وإذا أراد خذلان عبد، وكله إلى
~~نفسه، وخلى بينه وبينها، فأغواه الشيطان لغفلته عن ذكر الله، واتبع هواه،
~~وكان أمره فرطا، وكان ذلك عدلا منه، فإن الحجة قائمة على العبد بإنزال
~~الكتاب، وإرسال الرسول، فما بقي لأحد من الناس على الله حجة بعد الرسل.
~~فقوله بعد هذا: " «فمن وجد خيرا، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا
# PageV02P052
# يلومن إلا نفسه» " إن كان المراد: من وجد ذلك في الدنيا، فإنه يكون حينئذ
~~مأمورا بالحمد لله على ما وجده من جزاء الأعمال الصالحة الذي عجل له في
~~الدنيا كما قال: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة
~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97] [النحل: 97] ، ويكون
~~مأمورا بلوم نفسه على ما فعلت من الذنوب التي وجد عاقبتها في الدنيا، كما
~~قال تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون}
~~[السجدة: 21] [السجدة: 21] ، فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء، رجع إلى
~~نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار، وفي "
~~المسند " " وسنن أبي داود " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «إن المؤمن
~~إذا أصابه سقم، ثم عافاه الله منه، كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظة له
~~فيما يستقبل من عمره، وإن المنافق إذا مرض وعوفي، كان كالبعير عقله أهله
~~وأطلقوه، لا يدري لم عقلوه ولا لم أطلقوه» ". وقال سلمان الفارسي: إن
~~المسلم ليبتلى، فيكون كفارة لما مضى ومستعتبا فيما بقي، وإن الكافر يبتلى،
~~فمثله كمثل البعير أطلق، فلم يدر لم أطلق، وعقل فلم يدر لم عقل؟ وإن كان
~~المراد من وجد خيرا أو غيره في الآخرة، كان إخبارا منه بأن الذين يجدون
~~الخير في الآخرة يحمدون الله على ذلك، وأن ms321 من وجد غير ذلك يلوم نفسه حين لا
~~ينفعه اللوم، فيكون الكلام لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، كقوله
# PageV02P053
# صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار»
~~والمعنى أن الكاذب عليه يتبوأ مقعده من النار. وقد أخبر الله تعالى عن أهل
~~الجنة أنهم يحمدون الله على ما رزقهم من فضله، فقال: {ونزعنا ما في صدورهم
~~من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا
~~لنهتدي لولا أن هدانا الله} [الأعراف: 43] [الأعراف: 43] وقال: {وقالوا
~~الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء} [الزمر:
~~74] [الزمر: 74] ، وقال: {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا
~~لغفور شكور - الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا
~~فيها لغوب} [فاطر: 34 - 35] [فاطر: 34 - 35] ، وأخبر عن أهل النار أنهم
~~يلومون أنفسهم، ويمقتونها أشد المقت، فقال تعالى: {وقال الشيطان لما قضي
~~الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان
~~إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} [إبراهيم: 22]
~~[إبراهيم: 22] ، وقال تعالى: {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من
~~مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} [غافر: 10] [غافر: 10] . وقد
~~كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة؛ حذرا من لوم النفس عند
~~انقطاع الأعمال على التقصير. وفي " الترمذي " عن أبي هريرة مرفوعا: " «ما
~~من ميت يموت إلا ندم، إن كان محسنا ندم على أن لا يكون ازداد، وإن كان
~~مسيئا ندم أن لا يكون استعتب» ". وقيل لمسروق: لو قصرت عن بعض ما تصنع من
~~الاجتهاد، فقال: والله
# PageV02P054
# لو أتاني آت، فأخبرني أن لا يعذبني، لاجتهدت في العبادة، قيل: كيف ذاك؟
~~قال: حتى تعذرني نفسي إن دخلت النار أن لا ألومها، أما بلغك في قول الله
~~تعالى: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} [القيامة: 2] ؟ [القيامة: 2] إنما لاموا
~~أنفسهم حين صاروا إلى جهنم، فاعتنقتهم الزبانية، وحيل بينهم وبين ما
~~يشتهون، وانقطعت عنهم الأماني، ورفعت عنهم الرحمة، وأقبل كل ms322 امرئ منهم يلوم
~~نفسه. وكان عامر بن عبد قيس يقول: والله لأجتهدن ثم والله لأجتهدن، فإن
~~نجوت فبرحمة الله، وإلا لم ألم نفسي. وكان زياد مولى ابن عياش يقول لابن
~~المنكدر ولصفوان بن سليم: الجد الجد والحذر الحذر، فإن يكن الأمر على ما
~~نرجو كان ما عملتما فضلا، وإلا لم تلوما أنفسكما. وكان مطرف بن عبد الله
~~يقول: اجتهدوا في العمل، فإن يكن الأمر كما نرجو من رحمة الله وعفوه، كانت
~~لنا درجات في الجنة، وإن يكن الأمر شديدا كما نخاف ونحاذر، لم نقل: {ربنا
~~أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل} [فاطر: 37] [فاطر: 37] ، نقول: قد
~~عملنا فلم ينفعنا ذلك.
# PageV02P055
### | [الحديث الخامس والعشرون إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة]
# PageV02P055
# الحديث الخامس والعشرون. عن أبي ذر رضي الله عنه أيضا
~~«أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه
~~وسلم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما
~~نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن
~~بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر
~~بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله
~~أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان
~~عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» . رواه مسلم.
# هذا الحديث خرجه مسلم من رواية
~~يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي، عن أبي ذر رضي الله عنه، وقد روي
~~معناه عن أبي ذر من وجوه كثيرة بزيادة ونقصان، وسنذكر بعضها فيما بعد إن
~~شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم لشدة
~~حرصهم على الأعمال الصالحة، وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما
~~يتعذر عليهم فعله من الخير مما يقدر عليه غيرهم، فكان الفقراء يحزنون على
~~فوات الصدقة بالأموال التي يقدر عليها ms323 الأغنياء، ويحزنون على التخلف عن
~~الخروج
# PageV02P056
# في الجهاد، لعدم القدرة على آلته، وقد أخبر الله عنهم بذلك في كتابه،
~~فقال: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا
~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة: 92] [التوبة:
~~92] . وفي هذا الحديث: أن الفقراء غبطوا أهل الدثور - والدثور: هي الأموال
~~- مما يحصل لهم من أجر الصدقة بأموالهم، فدلهم النبي صلى الله عليه وسلم
~~على صدقات يقدرون عليها. وفي " الصحيحين " عن أبي صالح، عن أبي هريرة «أن
~~فقراء المهاجرين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ذهب أهل الدثور
~~بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال: " وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي،
~~ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: " أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من قد سبقكم، وتسبقون به
~~من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى
~~يا رسول الله، قال: " تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين
~~مرة "، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} [المائدة: 54]
~~[المائدة: 54] .» وقد روي نحو هذا الحديث من رواية جماعة من الصحابة منهم
~~علي،
# PageV02P057
# وأبو ذر، وأبو الدرداء، وابن عمر، وابن عباس وغيرهم. ومعنى هذا أن
~~الفقراء ظنوا أن لا صدقة إلا بالمال، وهم عاجزون عن ذلك، فأخبرهم النبي صلى
~~الله عليه وسلم أن جميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقة. وفي " صحيح مسلم
~~" عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «كل معروف صدقة.» وخرجه
~~البخاري من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالصدقة تطلق على جميع
~~أنواع فعل المعروف والإحسان، حتى إن فضل الله الواصل منه إلى عباده صدقة
~~منه عليهم. وقد كان بعض السلف ينكر ذلك، ويقول إنما الصدقة ممن يطلب ms324 جزاءها
~~وأجرها، والصحيح خلاف ذلك، وقد «قال النبي صلى الله عليه وسلم في قصر
~~الصلاة في السفر: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» خرجه مسلم،
~~وقال: " «من كانت له صلاة بليل، فغلب عليه نوم فنام عنها، كتب الله له أجر
~~صلاته،
# PageV02P058
# وكان نومه صدقة من الله تصدق بها عليه» " خرجه النسائي وغيره من حديث
~~عائشة، وخرجه ابن ماجه من حديث أبي الدرداء. وفي " مسندي " بقي بن مخلد
~~والبزار من حديث أبي ذر مرفوعا: " «ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا لله
~~فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده، وما من الله على عبد مثل أن يلهمه
~~ذكره» ". وقال خالد بن معدان: إن الله يتصدق كل يوم بصدقة، وما تصدق الله
~~على أحد من خلقه بشيء خير من أن يتصدق عليه بذكره. والصدقة بغير المال
~~نوعان: أحدهما: ما فيه تعدية الإحسان إلى الخلق، فيكون صدقة عليهم، وربما
~~كان أفضل من الصدقة بالمال، وهذا كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإنه
~~دعاء إلى طاعة الله، وكف عن معاصيه، وذلك خير من النفع بالمال، وكذلك تعليم
~~العلم النافع، وإقراء القرآن، وإزالة الأذى عن الطريق، والسعي في جلب النفع
~~للناس، ودفع الأذى عنهم. وكذلك الدعاء للمسلمين والاستغفار لهم. وخرج ابن
~~مردويه بإسناد فيه ضعف عن ابن عمر مرفوعا: " «من كان له مال، فليتصدق من
~~ماله، ومن كان له قوة، فليتصدق من قوته، ومن كان له علم، فليتصدق من علمه»
~~" ولعله موقوف.
# PageV02P059
# وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "
~~«أفضل الصدقة صدقة اللسان " قيل: يا رسول الله، وما صدقة اللسان؟ قال: "
~~الشفاعة تفك بها الأسير، وتحقن بها الدم، وتجر بها المعروف والإحسان إلى
~~أخيك، وتدفع عنه الكريهة» ". وقال عمرو بن دينار: بلغنا أن رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم قال: " «ما من صدقة أحب إلى الله من قول، ألم تسمع إلى قوله
~~تعالى: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى} [البقرة: 263] »
~~[البقرة: 263] " خرجه ابن أبي ms325 حاتم. وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم: " «إن من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت طليق الوجه» " خرجه ابن
~~أبي الدنيا. وقال معاذ: تعليم العلم لمن لا يعلمه صدقة. وروي مرفوعا. ومن
~~أنواع الصدقة كف الأذى عن الناس، ففي " الصحيحين " «عن أبي ذر قال: قلت: يا
~~رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله " قلت:
~~فأي الرقاب أفضل؟ قال: " أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا " قلت: فإن لم
~~أفعل؟ قال: " تعين صانعا، وتصنع لأخرق ". قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت
~~عن بعض العمل؟ قال: " تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة» .
# PageV02P060
# وقد روي في حديث أبي ذر زيادات أخرى، فخرج الترمذي من حديث أبي ذر عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك
~~بالمعروف، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة،
~~وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو
~~أخيك لك صدقة» ". وخرج ابن حبان في " صحيحه " من حديث أبي ذر أن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم
~~طلعت فيه الشمس قيل: يا رسول الله، ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟ قال: إن
~~أبواب الجنة لكثيرة: التسبيح، والتكبير، والتحميد، والأمر بالمعروف، والنهي
~~عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل
~~المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة
~~ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك» . وخرج الإمام أحمد من حديث
~~أبي ذر قال: «قلت: يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجر، يتصدقون ولا نتصدق،
~~قال: " وأنت فيك صدقة: رفعك العظم عن الطريق صدقة، وهدايتك الطريق صدقة،
~~وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة، وبيانك عن الأغتم صدقة، ومباضعتك امرأتك صدقة
~~"، قلت: يا
# PageV02P061
# رسول الله، نأتي شهوتنا ونؤجر؟ ! قال: " أرأيت لو جعله في حرام، أكان
~~يأثم؟ " قال: قلت: نعم، قال: " أفتحتسبون بالشر ولا تحتسبون ms326 بالخير» ؟ "
~~وفي رواية أخرى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " «إن فيك صدقة كثيرة،
~~فذكر فضل سمعك وفضل بصرك» " وفي رواية أخرى للإمام أحمد: قال: " «إن من
~~أبواب الصدقة التكبير وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وأستغفر
~~الله، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوكة عن الطريق والعظم
~~والحجر، وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على
~~حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع
~~بشدة ذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك في جماعك
~~زوجتك أجر " قلت: كيف يكون لي أجر في شهوتي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: " أرأيت لو كان لك ولد، فأدرك ورجوت خيره، فمات، أكنت تحتسب به؟ قلت:
~~نعم، قال: فأنت خلقته؟ قلت: بل الله خلقه، قال: أفأنت هديته؟ قلت: بل الله
~~هداه، قال: أفأنت كنت ترزقه؟ قلت: بل الله كان يرزقه، قال: كذلك فضعه في
~~حلاله وجنبه حرامه، فإن شاء الله أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر» ". وظاهر
~~هذا السياق يقتضي أنه يؤجر على جماعه لأهله بنية طلب الولد الذي يترتب
~~الأجر على تربيته وتأديبه في حياته، ويحتسبه عند موته، وأما إذا لم ينو
~~شيئا بقضاء شهوته، فهذا قد تنازع الناس في دخوله في هذا الحديث.
# PageV02P062
# وقد صح الحديث بأن نفقة الرجل على أهله صدقة، ففي " الصحيحين " عن أبي
~~مسعود الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نفقة الرجل على أهله
~~صدقة» وفي رواية لمسلم: " وهو يحتسبها "، وفي لفظ للبخاري: " «إذا أنفق
~~الرجل على أهله وهو يحتسبها، فهو له صدقة» "، فدل على أنه إنما يؤجر فيها
~~إذا احتسبها عند الله كما في حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى
~~اللقمة ترفعها إلى في امرأتك» خرجاه. وفي " صحيح مسلم " عن ثوبان عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل الدنانير دينار ينفقه الرجل ms327 على عياله،
~~ودينار ينفقه على فرس في سبيل الله، ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل
~~الله» قال أبو قلابة عند رواية هذا الحديث: بدأ بالعيال، وأي رجل أعظم أجرا
~~من رجل ينفق على عيال له صغار يعفهم الله به، ويغنيهم الله به. وفيه أيضا
~~عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما
~~تأكل امرأتك من مالك صدقة» وهذا قد ورد مقيدا في الرواية الأخرى بابتغاء
~~وجه الله. وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به
~~على
# PageV02P063
# مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أفضلها الدينار الذي أنفقته على أهلك» .
~~وخرج الإمام أحمد، وابن حبان في " صحيحه " من حديث أبي هريرة قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا فقال رجل: عندي دينار، فقال: " تصدق به
~~على نفسك " قال عندي دينار آخر، قال: " تصدق به على زوجتك " قال: عندي
~~دينار آخر، قال: " تصدق به على ولدك " قال: عندي دينار آخر، قال: " تصدق به
~~على خادمك " قال: عندي دينار آخر، قال: أنت أبصر» . وخرج الإمام أحمد من
~~حديث المقدام بن معدي كرب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أطعمت
~~نفسك، فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك، فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك
~~صدقة، وما أطعمت خادمك، فهو لك صدقة» وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة يطول
~~ذكرها. وفي " الصحيحين " عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من
~~مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان أو طير أو دابة، إلا كان له
~~صدقة» . وفي " صحيح مسلم " عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما
~~من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما
~~أكل السبع منه، فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد
~~إلا كان ms328 له صدقة» . وفي رواية له أيضا: " «فيأكل منه إنسان، ولا دابة، ولا
~~طائر إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة» ".
# PageV02P064
# وفي " المسند " بإسناد ضعيف عن معاذ بن أنس الجهني عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: " «من بنى بنيانا في غير ظلم ولا اعتداء، أو غرس غراسا في
~~غير ظلم ولا اعتداء، إلا كان له أجرا جاريا ما انتفع به أحد من خلق الرحمن»
~~". وذكر البخاري في " تاريخه " من حديث جابر مرفوعا: " «من حفر ماء لم تشرب
~~منه كبد حرى من جن ولا إنس ولا سبع ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة» ".
~~وظاهر هذه الأحاديث كلها يدل على أن هذه الأشياء تكون صدقة يثاب عليها
~~الزارع والغارس ونحوهما من غير قصد ولا نية، وكذلك قول النبي صلى الله عليه
~~وسلم: " «أرأيت لو وضعها في الحرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في
~~الحلال كان له أجر» " يدل بظاهره على أنه يؤجر في إتيان أهله من غير نية،
~~فإن المباضع لأهله كالزارع في الأرض التي يحرث ويبذر فيها، وقد ذهب إلى هذا
~~طائفة من العلماء، ومال إليه أبو محمد بن قتيبة في الأكل والشرب والجماع،
~~واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى في
~~اللقمة يرفعها إلى فيه» . وهذا اللفظ الذي استدل به غير معروف، إنما
~~المعروف قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: " «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها
~~وجه الله إلا أجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك» "، وهو مقيد
~~بإخلاص النية لله، فتحمل الأحاديث المطلقة عليه؛ والله أعلم. ويدل عليه
~~أيضا قول الله عز وجل: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو
~~معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا
~~عظيما} [النساء: 114] [النساء: 114] ،
# PageV02P065
# فجعل ذلك خيرا، ولم يرتب عليه الأجر إلا مع نية الإخلاص. وأما إذا فعله
~~رياء، فإنه يعاقب عليه، وإنما محل التردد إذا فعله بغير نية صالحة ولا ms329
~~فاسدة. وقد قال أبو سليمان الداراني: من عمل عمل خير من غير نية كفاه نية
~~اختياره للإسلام على غيره من الأديان، وظاهر هذا أنه يثاب عليه من غير نية
~~بالكلية، لأنه بدخوله في الإسلام مختار لأعمال الخير في الجملة، فيثاب على
~~كل عمل يعمله منها بتلك النية، والله أعلم. وقوله: " «أرأيت لو وضعها في
~~الحرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجر» ". هذا
~~يسمى عند الأصوليين قياس العكس، ومنه قول ابن مسعود، قال: «قال النبي صلى
~~الله عليه وسلم كلمة وقلت أنا أخرى، قال: من مات يشرك بالله شيئا دخل
~~النار، وقلت: من مات لا يشرك بالله دخل الجنة» . والنوع الثاني من الصدقة
~~التي ليست مالية: ما نفعه قاصر على فاعله، كأنواع الذكر: من التكبير،
~~والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والاستغفار، وكذلك المشي إلى المساجد صدقة،
~~ولم يذكر في شيء من الأحاديث الصلاة والصيام والحج والجهاد أنه صدقة، وأكثر
~~هذه الأعمال أفضل من الصدقات المالية، لأنه إنما ذكر جوابا لسؤال الفقراء
~~الذين سألوه عما يقاوم تطوع الأغنياء بأموالهم، وأما الفرائض، فإنهم قد
~~كانوا كلهم مشتركين فيها. وقد تكاثرت النصوص بتفضيل الذكر على الصدقة
~~بالمال وغيرها من
# PageV02P066
# الأعمال، كما في حديث أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "
~~«ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير
~~لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم،
~~ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " ذكر الله عز وجل» "
~~خرجه الإمام أحمد والترمذي، وذكره مالك في " الموطأ " موقوفا على أبي
~~الدرداء. وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي
~~ويميت، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت
~~له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى
~~يمسي، ولم يأت ms330 أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك» . وفيهما
~~أيضا عن أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قالها عشر
~~مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل» . وخرج الإمام أحمد،
~~والترمذي من حديث أبي سعيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي العباد
~~أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرا " قلت:
# PageV02P067
# يا رسول الله، ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: " لو ضرب بسيفه في الكفار
~~والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما، لكان الذاكرون لله أفضل منه درجة» . ويروى
~~نحوه من حديث معاذ وجابر مرفوعا، والصواب وقفه على معاذ من قوله. وخرج
~~الطبراني من حديث أبي الوازع، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: " «لو أن رجلا في حجره دراهم يقسمها، وآخر يذكر الله، كان
~~الذاكر أفضل» ". قلت: الصحيح عن أبي الوازع عن أبي برزة الأسلمي من قوله.
~~خرجه جعفر الفريابي. وخرج أيضا من حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: " «من كبر مائة، وسبح
# PageV02P068
# مائة، وهلل مائة، كانت خيرا له من عشر رقاب يعتقها، ومن سبع بدنات
~~ينحرها» ". وخرج ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي الدرداء أنه قيل له: إن
~~رجلا أعتق مائة نسمة، فقال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير، وأفضل من ذلك
~~إيمان ملزوم بالليل والنهار، وأن لا يزال لسان أحدكم رطبا من ذكر الله عز
~~وجل. وعن أبي الدرداء أيضا، قال: لأن أقول: الله أكبر مائة مرة أحب إلي من
~~أن أتصدق بمائة دينار. وكذلك قال سلمان الفارسي وغيره من الصحابة
~~والتابعين: إن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال. وخرج الإمام أحمد
~~والنسائي من حديث أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «سبحي الله
~~مائة تسبيحة، فإنها تعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة
~~تحميدة، فإنها تعدل لك مائة فرس ملجمة مسرجة تحملين عليهن في سبيل الله،
~~وكبري الله مائة ms331 تكبيرة، فإنها تعدل مائة بدنة مقلدة متقبلة، وهللي الله
~~مائة تهليلة - لا أحسبه إلا قال: - تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع
~~يومئذ لأحد مثل عملك إلا أن يأتي بمثل ما أتيت» وخرجه أحمد أيضا وابن ماجه،
~~وعندهما: " «وقولي: لا إله إلا الله مائة مرة، لا تذر ذنبا، ولا يسبقها
~~العمل» ".
# PageV02P069
# وخرجه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم بنحوه. وخرج الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا: قال: " «ما من
~~صدقة أفضل من ذكر الله عز وجل» ". وخرج الفريابي بإسناد فيه نظر عن أبي
~~أمامة مرفوعا: " «من فاته الليل أن يكابده، ويبخل بماله أن ينفقه، وجبن من
~~العدو أن يقاتله، فليكثر من سبحان الله وبحمده، فإنها أحب إلى الله عز وجل
~~من جبل ذهب، أو جبل فضة ينفقه في سبيل الله عز وجل» ". وخرج البزار بإسناد
~~مقارب من حديث ابن عباس مرفوعا قال في حديثه: " «فليكثر ذكر الله» "، ولم
~~يزد على ذلك، وفي المعنى أحاديث أخر متعددة.
# PageV02P070
### | [الحديث السادس والعشرون كل سلامى من الناس عليه صدقة]
# PageV02P070
# الحديث السادس والعشرون عن أبي هريرة، رضي الله عنه
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل سلامى من الناس عليه صدقة كل
~~يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته، فتحمله
~~عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة
~~تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة» . رواه البخاري
~~ومسلم.
# هذا الحديث خرجاه من رواية همام بن
~~منبه عن أبي هريرة، وخرجه البزار من رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «للإنسان ثلاثمائة وستون عظما، أو ستة وثلاثون
~~سلامى، عليه في كل يوم صدقة " قالوا: فمن لم يجد؟ قال: " يأمر بالمعروف
~~وينهى عن المنكر " قالوا: فمن لم يستطع؟ قال: " يرفع عظما عن الطريق "
~~قالوا: فمن لم يستطع؟ قال: " فليعن ضعيفا " قالوا: فمن لم يستطع ذلك؟ ms332 قال:
~~فليدع الناس من شره» . وخرج مسلم من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: «خلق ابن آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن ذكر الله، وحمد الله،
~~وهلل الله، وسبح الله، وعزل حجرا عن طريق المسلمين، أو عزل شوكة، أو عزل
~~عظما، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى
~~أمسى من يومه وقد زحزح نفسه عن النار» .
# PageV02P071
# وخرج مسلم أيضا من رواية أبي الأسود الديلمي عن أبي ذر، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة،
~~وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة،
~~ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» . وخرج الإمام
~~أحمد وأبو داود من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في
~~الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلا، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة قالوا:
~~ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: النخاعة في المسجد تدفنها، والشيء تنحيه عن
~~الطريق، فإن لم تجد، فركعتا الضحى تجزئك» . وفي " الصحيحين " عن أبي موسى،
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على كل مسلم صدقة قالوا: فإن لم يجد؟
~~قال: فيعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدق قالوا: فإن لم يستطع، أو لم يفعل؟ قال:
~~يعين ذا الحاجة الملهوف قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: فليأمر بالمعروف قالوا:
~~فإن لم يفعل؟ قال: فليمسك عن الشر فإنه صدقة» . وخرج ابن حبان في " صحيحه "
~~من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «على كل منسم من ابن
~~آدم صدقة كل يوم فقال رجل من القوم: ومن
# PageV02P072
# يطيق هذا؟ قال: أمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، والحمل على
~~الضعيف صدقة، وكل خطوة يخطوها أحدكم إلى الصلاة صدقة» . وخرجه البزار
~~وغيره. وفي رواية: «على كل ميسم من الإنسان صدقة كل يوم أو صلاة فقال رجل:
~~هذا من أشد ما أتيتنا به، فقال: إن أمرا بالمعروف ونهيا عن ms333 المنكر صلاة أو
~~صدقة، وحملك عن الضعيف صلاة، وإنحاؤك القذر عن الطريق صلاة، وكل خطوة
~~تخطوها إلى الصلاة صلاة» . وفي رواية البزار: «وإماطة الأذى عن الطريق
~~صدقة» أو قال: " صلاة ". قال بعضهم: يريد بالميسم كل عضو على حدة مأخوذ من
~~الوسم: وهو العلامة، إذ ما من عظم ولا عرق ولا عصب إلا وعليه أثر صنع الله،
~~فيجب على العبد الشكر على ذلك والحمد لله على خلقه سويا صحيحا، وهذا هو
~~المراد بقوله: عليه صلاة كل يوم، لأن الصلاة تحتوي على الحمد والشكر
~~والثناء. وخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس رفع الحديث إلى النبي صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «على كل سلامى، أو على كل عضو من بني آدم في كل يوم
~~صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتا الضحى» . ويروى من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «على كل نفس في كل يوم صدقة قيل: فإن كان لا يجد
~~شيئا؟ قال: أليس بصيرا شهما فصيحا صحيحا؟ قال: بلى، قال: يعطي من قليله
~~وكثيره، وإن بصرك للمنقوص بصره صدقة، وإن سمعك للمنقوص سمعه صدقة» . وقد
~~ذكرنا في شرح الحديث الماضي - حديث أبي ذر - الذي خرجه ابن
# PageV02P073
# حبان في " صحيحه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من نفس ابن آدم
~~إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس قيل: يا رسول الله، ومن أين لنا
~~صدقة نتصدق بها؟ قال: إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيح، والتحميد، والتكبير،
~~والتهليل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق،
~~وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع
~~اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على
~~نفسك» . فقوله صلى الله عليه وسلم: «على كل سلامى من الناس عليه صدقة» قال
~~أبو عبيد: السلامى في الأصل عظم يكون في فرسن البعير، قال: فكأن معنى
~~الحديث: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة، يشير أبو عبيد إلى أن السلامى
~~اسم لبعض العظام ms334 الصغار التي في الإبل، ثم عبر بها عن العظام في الجملة
~~بالنسبة إلى الآدمي وغيره. فمعنى الحديث عنده: على كل عظم من عظام ابن آدم
~~صدقة. وقال غيره: السلامى: عظم في طرف اليد والرجل، وكنى بذلك عن جميع عظام
~~الجسد، والسلامى جمع، وقيل: هو مفرد. وقد ذكر علماء الطب أن جميع عظام
~~البدن مائتان وثمانية وأربعون عظما سوى السمسمانيات، وبعضهم يقول: هي
~~ثلاثمائة وستون عظما، يظهر منها للحس مائتان وخمسة وستون عظما، والباقية
~~صغار لا تظهر تسمى السمسمانية، وهذه الأحاديث تصدق هذا القول، ولعل السلامى
~~عبر بها عن هذه العظام الصغار، كما أنها في الأصل اسم لأصغر ما في البعير
~~من العظام، ورواية البزار لحديث أبي هريرة يشهد لهذا، حيث قال فيها: " أو
~~ستة وثلاثون سلامى " وقد
# PageV02P074
# خرجه غير البزار، وقال فيه: " «إن في ابن آدم ستمائة وستين عظما» " وهذه
~~الرواية غلط. وفي حديث عائشة وبريدة ذكر ثلاثمائة وستين مفصلا. ومعنى
~~الحديث: «أن تركيب هذه العظام وسلامتها من أعظم نعم الله على عبده، فيحتاج
~~كل عظم منها إلى صدقة يتصدق ابن آدم عنه، ليكون ذلك شكرا لهذه النعمة» .
~~قال الله عز وجل: {ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم - الذي خلقك فسواك
~~فعدلك - في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 6 - 8] [الانفطار: 6 - 8] .
~~وقال عز وجل: {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا
~~ما تشكرون} [الملك: 23] [الملك: 23] ، وقال: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم
~~لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} [النحل:
~~78] [النحل: 78] وقال: {ألم نجعل له عينين - ولسانا وشفتين} [البلد: 8 - 9]
~~[البلد: 8 - 9] ، قال مجاهد: هذه نعم من الله متظاهرة يقررك بها كيما تشكر،
~~وقرأ الفضل ليلة هذه الآية، فبكى فسئل عن بكائه، فقال: هل بت ليلة شاكرا
~~لله أن جعل لك عينين تبصر بهما؟ هل بت ليلة شاكرا لله أن جعل لك لسانا تنطق
~~به؟ وجعل يعدد من هذا الضرب. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلمان
~~الفارسي، قال: إن رجلا بسط له من ms335 الدنيا، فانتزع ما في يديه، فجعل يحمد
~~الله عز وجل، ويثني عليه، حتى لم يكن له فراش إلا بوري، فجعل يحمد الله،
~~ويثني عليه، وبسط للآخر من الدنيا، فقال لصاحب البوري: أرأيتك أنت على ما
~~تحمد الله عز وجل؟ قال: أحمد الله على ما لو أعطيت به ما أعطي الخلق لم
~~أعطهم إياه، قال:
# PageV02P075
# وما ذاك؟ قال: أرأيت بصرك؟ أرأيت لسانك؟ أرأيت يديك؟ أرأيت رجليك؟
~~وبإسناده عن أبي الدرداء أنه كان يقول: الصحة غنى الجسد. وعن يونس بن عبيد
~~أن رجلا شكا إليه ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك أن لك ببصرك هذا الذي تبصر
~~به مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبيدك مائة ألف درهم؟ قال: لا، قال:
~~فرجليك؟ قال: لا، قال: فذكره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوف
~~وأنت تشكو الحاجة. وعن وهب بن منبه، قال: مكتوب في حكمة آل داود: العافية
~~الملك الخفي. وعن بكر المزني قال: يا ابن آدم، إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم
~~الله عليك، فغمض عينيك. وفي بعض الآثار: كم من نعمة لله في عرق ساكن. وفي "
~~صحيح البخاري " عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «نعمتان
~~مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» . فهذه النعم مما يسأل الإنسان
~~عن شكرها يوم القيامة، ويطالب به كما قال تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن
~~النعيم} [التكاثر: 8] [التكاثر: 8] وخرج الترمذي وابن حبان
# PageV02P076
# من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن أول ما يسأل
~~عنه العبد يوم القيامة من النعيم، فيقول له: ألم نصح لك جسمك، ونرويك من
~~الماء البارد؟» . وقال ابن مسعود رضي الله عنه: النعيم الأمن والصحة. وروي
~~عنه مرفوعا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {ثم لتسألن يومئذ
~~عن النعيم} [التكاثر: 8] [التكاثر: 8] ، قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع
~~والأبصار، يسأل الله العباد فيما استعملوها؟ وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله
~~تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ms336 مسئولا} [الإسراء: 36]
~~[الإسراء: 36] . وخرج الطبراني من رواية أيوب بن عتبة - وفيه ضعف - عن
~~عطاء، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إله إلا الله،
~~كان له بها عهد عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده، كتب له بها مائة ألف
~~حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله؟
~~قال: إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل، لو وضع على جبل لأثقله، فتقوم
~~النعمة من نعم الله، فتكاد أن تستنفد ذلك كله، إلا أن يتطاول الله برحمته»
~~.
# PageV02P077
# وروى ابن أبي الدنيا بإسناد فيه ضعف أيضا عن أنس، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: «يؤتى بالنعم يوم القيامة، وبالحسنات والسيئات، فيقول الله لنعمة
~~من نعمه: خذي حقك من حسناته فما تترك له حسنة إلا ذهبت بها» . وبإسناده عن
~~وهب بن منبه قال: عبد الله عابد خمسين عاما، فأوحى الله عز وجل إليه: إني
~~قد غفرت لك، قال: يا رب، وما تغفر لي ولم أذنب؟ فأذن الله عز وجل لعرق في
~~عنقه، فضرب عليه، فلم ينم، ولم يصل، ثم سكن وقام، فأتاه ملك، فشكا إليه ما
~~لقي من ضربان العرق، فقال الملك: إن ربك عز وجل يقول: عبادتك خمسين سنة
~~تعدل سكون ذلك العرق. وخرج الحاكم هذا المعنى مرفوعا من رواية سلمان بن هرم
~~القرشي عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن جبريل
~~أخبره أن عابدا عبد الله على رأس جبل في البحر خمسمائة سنة، ثم سأل ربه أن
~~يقبضه وهو ساجد، قال: فنحن نمر عليه إذا هبطنا وإذا عرجنا، ونجد في العلم
~~أنه يبعث يوم
# PageV02P078
# القيامة، فيوقف بين يدي الله عز وجل، فيقول الله عز وجل: أدخلو عبدي
~~الجنة برحمتي، فيقول العبد: يا رب، بعملي، ثلاث مرات، ثم يقول الله
~~للملائكة: قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله، فيجدون نعمة البصر قد أحاطت
~~بعبادة خمسمائة سنة، وبقيت نعم الجسد له، فيقول: أدخلوا عبدي النار، فيجر
~~إلى النار، ms337 فينادي ربه: برحمتك أدخلني الجنة، برحمتك أدخلني الجنة، فيدخله
~~الجنة، قال جبريل: إنما الأشياء برحمة الله يا محمد» . وسلمان بن هرم، قال
~~العقيلي: هو مجهول وحديثه غير محفوظ. وروى الخرائطي بإسناد فيه نظر عن عبد
~~الله بن عمرو مرفوعا: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيوقف بين يدي الله عز وجل
~~فيقول للملائكة: انظروا في عمل عبدي ونعمتي عليه، فينظرون فيقولون: ولا
~~بقدر نعمة واحدة من نعمك عليه، فيقول: انظروا في عمله سيئه وصالحه، فينظرون
~~فيجدونه كفافا، فيقول: عبدي، قد قبلت حسناتك، وغفرت لك سيئاتك، وقد وهبت لك
~~نعمتي فيما بين ذلك» . والمقصود: أن الله تعالى أنعم على عباده بما لا
~~يحصونه كما قال: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34] [إبراهيم:
~~34] وطلب منهم الشكر، ورضي به منهم. قال سليمان التيمي: إن الله أنعم على
~~العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرهم حتى رضي منهم من الشكر بالاعتراف
~~بقلوبهم بنعمه، وبالحمد بألسنتهم عليها، كما خرجه أبو داود والنسائي من
~~حديث عبد الله بن غنام، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال «من قال: حين
~~يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك،
~~فلك الحمد ولك الشكر، فقد
# PageV02P079
# أدى شكر ذلك اليوم، ومن قالها حين يمسي أدى شكر ليلته» . وفي رواية
~~النسائي عن عبد الله بن عباس. وخرج الحاكم من حديث عائشة عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: «ما أنعم الله على عبد نعمة، فعلم أنها من عند الله إلا كتب
~~الله شكرها قبل أن يشكرها، وما أذنب عبد ذنبا، فندم عليه إلا كتب الله له
~~مغفرته قبل أن يستغفره» . وقال أبو عمرو الشيباني: قال موسى عليه السلام
~~يوم الطور: يا رب، إن أنا صليت فمن قبلك، وإن أنا تصدقت فمن قبلك، وإن أنا
~~بلغت رسالتك فمن قبلك، فكيف أشكرك؟ قال: الآن شكرتني. وعن الحسن قال: قال
~~موسى عليه السلام: يا رب، كيف يستطيع آدم أن يؤدي شكر ما صنعت إليه؟ خلقته
~~بيدك، ms338 ونفخت فيه من روحك، وأسكنته جنتك، وأمرت الملائكة فسجدوا له، فقال:
~~يا موسى، علم أن ذلك مني، فحمدني عليه، فكان ذلك شكرا لما صنعته.
# PageV02P080
# وعن أبي الجلد قال: قرأت في مسألة داود أنه قال: أي رب كيف لي أن أشكرك
~~وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي: أن يا داود، أليس تعلم
~~أن الذي بك من النعم مني؟ قال: بلى يا رب، قال: فإني أرضى بذلك منك شكرا.
~~قال: وقرأت في مسألة موسى: يا رب، كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي
~~من نعمك لا يجازي بها عملي كله؟ قال: فأتاه الوحي: أن يا موسى، الآن
~~شكرتني. وقال بكر بن عبد الله ما قال: عبد قط: الحمد لله مرة، إلا وجبت
~~عليه نعمة بقوله: الحمد لله، فما جزاء تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقول: الحمد
~~لله، فجاءت نعمة أخرى، فلا تنفد نعماء الله. وقد روى ابن ماجه من حديث أنس
~~مرفوعا: «ما أنعم الله على عبد نعمة، فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطي
~~أفضل مما أخذ» . وروينا نحوه من حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد مرفوعا
~~أيضا. وروي هذا عن الحسن البصري من قوله.
# PageV02P081
# وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إني بأرض قد كثرت فيها النعم، حتى
~~لقد أشفقت على أهلها من ضعف الشكر، فكتب إليه عمر: إني قد كنت أراك أعلم
~~بالله مما أنت، إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها، إلا كان
~~حمده أفضل من نعمته، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله
~~تعالى: {ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير
~~من عباده المؤمنين} [النمل: 15] [النمل: 15] ، وقال الله: {وسيق الذين
~~اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها} [الزمر: 73] إلى قوله: {وقالوا
~~الحمد لله} [الزمر: 74] [الزمر: 73] وأي نعمة أفضل من دخول الجنة؟ . وقد
~~ذكر ابن أبي الدنيا في " كتاب الشكر " عن بعض العلماء أنه صوب هذا القول، ms339
~~أعني قول من قال: إن الحمد أفضل من النعم، وعن ابن عيينة أنه خطأ قائله،
~~وقال: لا يكون فعل العبد أفضل من فعل الرب عز وجل. ولكن الصواب قول من
~~صوبه، فإن المراد بالنعم: النعم الدنيوية، كالعافية والرزق والصحة، ودفع
~~المكروه، ونحو ذلك، والحمد لله هو من النعم الدينية، وكلاهما نعمة من الله،
~~لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه بالحمد عليها أفضل من نعمه
~~الدنيوية على عبده، فإن النعم الدنيوية إن لم يقترن بها الشكر، كانت بلية
~~كما قال أبو حازم: كل نعمة لا تقرب من الله فهي بلية، فإذا وفق الله عبده
~~للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر، كانت هذه النعمة
~~خيرا من تلك النعم وأحب إلى الله عز وجل منها، فإن الله
# PageV02P082
# يحب المحامد، ويرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة
~~فيحمده عليها، والثناء بالنعم والحمد عليها وشكرها عند أهل الجود والكرم
~~أحب إليهم من أموالهم، فهم يبذلونها طلبا للثناء، والله عز وجل أكرم
~~الأكرمين، وأجود الأجودين، فهو يبذل نعمه لعباده، ويطلب منهم الثناء بها
~~وذكرها، والحمد عليها، ويرضى منهم بذلك شكرا عليها، وإن كان ذلك كله من
~~فضله عليهم، وهو غير محتاج إلى شكرهم، لكنه يحب ذلك من عباده، حيث كان صلاح
~~العبد وفلاحه وكماله فيه. ومن فضله سبحانه أنه نسب الحمد والشكر إليهم، وإن
~~كان من أعظم نعمه عليهم، وهذا كما أنه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال، ثم
~~استقرض منهم بعضه، ومدحهم بإعطائه، والكل ملكه ومن فضله، ولكن كرمه اقتضى
~~ذلك، ومن هنا يعلم معنى الأثر الذي جاء مرفوعا وموقوفا: " «الحمد لله حمدا
~~يوافي نعمه، ويكافئ مزيده» ". ولنرجع الآن إلى تفسير حديث: «كل سلامى من
~~الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس» . يعني: أن الصدقة على ابن آدم عن
~~هذه الأعضاء في كل يوم من أيام الدنيا، فإن اليوم قد يعبر به عن مدة أزيد
~~من ذلك، كما يقال: يوم صفين، وكان مدة أيام، وعن مطلق ms340 الوقت كما في قوله:
~~{ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم} [هود: 8] [هود: 8] ، وقد يكون ذلك ليلا
~~ونهارا، فإذا قيل: كل يوم تطلع فيه الشمس، علم أن هذه الصدقة على ابن آدم
~~في كل يوم يعيش فيه من أيام الدنيا، وظاهر الحديث يدل على أن هذا الشكر
~~بهذه الصدقة واجب على المسلم كل يوم، ولكن الشكر على درجتين: إحداهما:
~~واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويتجنب المحارم، فهذا لا بد
# PageV02P083
# منه، ويكفي في شكر هذه النعم، ويدل على ذلك ما خرجه أبو داود من حديث أبي
~~الأسود الديلي، قال: «كنا عند أبي ذر، فقال: يصبح على كل سلامى من أحدكم في
~~كل يوم صدقة، فله بكل صلاة صدقة، وصيام صدقة، وحج صدقة، وتسبيح صدقة،
~~وتكبير صدقة، وتحميد صدقة، فعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه
~~الأعمال الصالحات قال: يجزئ أحدكم من ذلك ركعتا الضحى» وقد تقدم في حديث
~~أبي موسى المخرج في " الصحيحين ": «فإن لم يفعل، فليمسك عن الشر، فإنه له
~~صدقة» . وهذا يدل على أنه يكفيه أن لا يفعل شيئا من الشر، وإنما يكون
~~مجتنبا للشر إذا قام بالفرائض، واجتنب المحارم، فإن أعظم الشر ترك الفرائض،
~~ومن هنا قال بعض السلف: الشكر ترك المعاصي. وقال بعضهم: الشكر أن لا يستعان
~~بشيء من النعم على معصية. وذكر أبو حازم الزاهد شكر الجوارح كلها وأن تكف
~~عن المعاصي، وتستعمل في الطاعات، ثم قال: وأما من شكر بلسانه، ولم يشكر
~~بجميع أعضائه، فمثله كمثل رجل له كساء، فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه
~~ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لينظر
~~العبد في نعم الله عليه في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك، ليس من
~~هذا شيء إلا وفيه نعمة من الله عز وجل، حق على العبد أن يعمل بالنعم اللاتي
~~هي في بدنه لله عز وجل
# PageV02P084
# في طاعته، ونعمة أخرى في الرزق، حق عليه أن يعمل لله عز وجل فيما أنعم
~~عليه من الرزق ms341 في طاعته، فمن عمل بهذا، كان قد أخذ بحزم الشكر وأصله وفرعه.
~~ورأى الحسن رجلا يتبختر في مشيته، فقال: لله في كل عضو منه نعمة، اللهم لا
~~تجعلنا ممن يتقوى بنعمك على معصيتك. الدرجة الثانية من الشكر: الشكر
~~المستحب، وهو أن يعمل العبد بعد أداء الفرائض واجتناب المحارم بنوافل
~~الطاعات، وهذه درجة السابقين المقربين، وهي التي أرشد إليها النبي صلى الله
~~عليه وسلم في هذه الأحاديث التي سبق ذكرها، وكذلك «كان النبي صلى الله عليه
~~وسلم يجتهد في الصلاة، ويقوم حتى تنفطر قدماه، فإذا قيل له: أتفعل هذا وقد
~~غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا» .
~~وقال بعض السلف: لما قال الله عز وجل: {اعملوا آل داود شكرا} [سبأ: 13]
~~[سبأ: 13] ، لم يأت عليهم ساعة من ليل أو نهار إلا وفيهم مصل يصلي. وهذا مع
~~أن بعض هذه الأعمال التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم واجب: إما على
~~الأعيان، كالمشي إلى الصلاة عند من يرى وجوب الصلاة في الجماعات في
~~المساجد، وإما على الكفاية، كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإغاثة
~~الملهوف، والعدل بين الناس، إما في الحكم بينهم، أو في الإصلاح. وقد
# PageV02P085
# روي من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل
~~الصدقة إصلاح ذات البين» . وهذه الأنواع التي أشار إليها النبي صلى الله
~~عليه وسلم من الصدقة، منها ما نفعه متعد كالإصلاح، وإعانة الرجل على دابته
~~يحمله عليها أو يرفع متاعه عليها، والكلمة الطيبة، ويدخل فيها السلام،
~~وتشميت العاطس، وإزالة الأذى عن الطريق، والأمر بالمعروف، والنهي عن
~~المنكر، ودفن النخامة في المسجد، وإعانة ذي الحاجة الملهوف، وإسماع الأصم
~~والبصر للمنقوص بصره، وهداية الأعمى، أو غيره الطريق. وجاء في بعض روايات
~~حديث أبي ذر «وبيانك عن الأرتم صدقة» يعني: من لا يطيق الكلام، إما لآفة في
~~لسانه، أو لعجمة في لغته، فيبين عنه ما يحتاج إلى بيانه. ومنه ما هو قاصر
~~النفع: كالتسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل، والمشي إلى ms342 الصلاة، وصلاة
~~ركعتي الضحى، وإنما كانتا مجزئتين عن ذلك كله، لأن في الصلاة استعمالا
~~للأعضاء كلها في الطاعة والعبادة، فتكون كافية في شكر نعمة سلامة هذه
~~الأعضاء. وبقية هذه الخصال المذكورة أكثرها استعمال لبعض أعضاء البدن خاصة،
~~فلا تكمل الصدقة بها حتى يأتي منها بعدد سلامى البدن، وهي ثلاثمائة وستون
~~كما في حديث عائشة رضي الله عنها.
# PageV02P086
# وفي " المسند " عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أتدرون
~~أي الصدقة أفضل وخير؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: المنحة أن تمنح أخاك
~~الدراهم، أو ظهر الدابة، أو لبن الشاة أو لبن البقرة» . والمراد بمنحة
~~الدراهم: قرضها، وبمنحة ظهر الدابة إفقارها، وهو إعارتها لمن يركبها،
~~وبمنحة لبن الشاة أو البقرة أن يمنحه بقرة أو شاة ليشرب لبنها ثم يعيدها
~~إليه، وإذا أطلقت المنيحة، لم تنصرف إلا إلى هذا. وخرجه الإمام أحمد
~~والترمذي من حديث البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من
~~منح منيحة لبن، أو ورق، أو أهدى زقاقا، كان له مثل عتق رقبة» وقال الترمذي:
~~معنى قوله: «من منح منيحة ورق» إنما يعني به قرض الدراهم، وقوله: وأهدى
~~زقاقا إنما يعني به هداية الطريق، وهو إرشاد السبيل. وخرجه البخاري من حديث
~~حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربعون خصلة، أعلاها منيحة العنز، ما من
~~عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها، إلا أدخله الله بها
~~الجنة» قال حسان: فعددنا ما دون منيحة العنز من رد السلام، وتشميت العاطس،
~~وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة.
# PageV02P087
# وفي " صحيح مسلم " عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حق الإبل
~~حلبها على الماء وإعارة دلوها، وإعارة فحلها، ومنيحتها، وحمل عليها في سبيل
~~الله» . وخرج الإمام أحمد من حديث جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
~~«كل معروف صدقة، ومن المعروف أن تلقى أخاك بوجه ms343 طلق، وأن تفرغ من دلوك في
~~إنائه» . وخرج الحاكم وغيره بزيادة، وهي: «وما أنفق المرء على نفسه وأهله،
~~كتب له به صدقة، وما وقى به عرضه كتب له به صدقة، وكل نفقة أنفقها مؤمن،
~~فعلى الله خلفها ضامن، إلا نفقة في معصية أو بنيان» . وفي " المسند " «عن
~~أبي جري الهجيمي، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المعروف، فقال: لا
~~تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شسع النعل، ولو
~~أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس
~~يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه،
~~ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض» . ومن أنواع الصدقة: كف الأذى عن الناس
~~باليد واللسان، كما في " الصحيحين " عن أبي ذر، «قلت: يا رسول الله، أي
~~الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله، والجهاد في سبيله قلت: فإن لم أفعل؟
~~قال: تعين صانعا، أو
# PageV02P088
# تصنع لأخرق قلت: أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس،
~~فإنها صدقة» . وفي " صحيح ابن حبان " «عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله،
~~دلني على عمل، إذا عمل به العبد دخل به الجنة، قال: يؤمن بالله قلت: يا
~~رسول الله، إن مع الإيمان عملا؟ قال: يرضخ مما رزقه الله قلت: وإن كان
~~معدما لا شيء له؟ قال: يقول معروفا بلسانه، قلت: فإن كان عييا لا يبلغ عنه
~~لسانه؟ قال: فيعين مغلوبا، قلت: فإن كان ضعيفا لا قدرة له؟ قال: فليصنع
~~لأخرق، قلت: فإن كان أخرق؟ فالتفت إلي، فقال: ما تريد أن تدع في صاحبك شيئا
~~من الخير؟ فليدع الناس من أذاه، قلت: يا رسول الله، إن هذا كله ليسير، قال:
~~والذي نفسي بيده، ما من عبد يعمل بخصلة منها يريد بها ما عند الله، إلا
~~أخذت بيده يوم القيامة حتى يدخل الجنة» . فاشترط في هذا الحديث لهذه
~~الأعمال كلها إخلاص النية كما في حديث عبد الله بن عمرو الذي ms344 فيه ذكر
~~الأربعين خصلة، وهذا كما في قوله عز وجل: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من
~~أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله
~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 114] [النساء: 114] . وقد روي عن الحسن،
~~وابن سيرين أن فعل المعروف يؤجر عليه، وإن لم يكن له فيه نية. سئل الحسن عن
~~الرجل يسأله آخر حاجة وهو يبغضه، فيعطيه حياء: هل له فيه أجر؟ فقال: إن ذلك
~~لمن المعروف، وإن في المعروف لأجرا. خرجه حميد بن زنجويه. وسئل ابن سيرين
~~عن الرجل يتبع الجنازة، لا يتبعها حسبة، يتبعها حياء من
# PageV02P089
# أهلها: أله في ذلك أجر؟ فقال: أجر واحد؟ بل له أجران: أجر لصلاته على
~~أخيه، وأجر لصلته الحي. خرجه أبو نعيم في " الحلية ". ومن أنواع الصدقة:
~~أداء حقوق المسلم على المسلم، وبعضها مذكور في الأحاديث الماضية، ففي "
~~الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حق المسلم
~~على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة،
~~وتشميت العاطس» وفي رواية لمسلم: «للمسلم على المسلم ست، قيل: ما هن يا
~~رسول الله؟ قال: إذا لقيته تسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك،
~~فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» .
~~وفي " الصحيحين " عن البراء قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~بسبع: بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصر
~~المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام» . وفي رواية لمسلم: وإرشاد الضال،
~~بدل إبرار القسم. ومن أنواع الصدقة: المشي بحقوق الآدميين الواجبة إليهم،
~~قال ابن عباس: من مشى بحق أخيه إليه ليقضيه، فله بكل خطوة صدقة. ومنها
~~إنظار المعسر، وفي " المسند " و " سنن ابن ماجه " عن بريدة مرفوعا:
# PageV02P090
# «من أنظر معسرا، فله بكل يوم صدقة، قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين،
~~فأنظره بعد ذلك، فله بكل يوم مثله صدقة» . ومنها الإحسان إلى البهائم، كما
~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن سقيها: ms345 فقال: «في كل كبد رطبة
~~أجر» ، وأخبر أن «بغيا سقت كلبا يلهث من العطش، فغفر لها» . وأما الصدقة
~~القاصرة على نفس العامل بها، فمثل أنواع الذكر من التسبيح، والتكبير،
~~والتحميد، والتهليل، والاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم،
~~وكذلك تلاوة القرآن، والمشي إلى المساجد، والجلوس فيها لانتظار الصلاة، أو
~~لاستماع الذكر. ومن ذلك: التواضع في اللباس، والمشي، والهدي، والتبذل في
~~المهنة، واكتساب الحلال، والتحري فيه. ومنها أيضا: محاسبة النفس على ما سلف
~~من أعمالها، والندم والتوبة من الذنوب السالفة، والحزن عليها، واحتقار
~~النفس، والازدراء عليها، ومقتها في الله عز وجل، والبكاء من خشية الله
~~تعالى، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وفي أمور الآخرة، وما فيها من
~~الوعد والوعيد ونحو ذلك مما يزيد الإيمان في القلب، وينشأ عنه كثير من
~~أعمال القلوب؛ كالخشية، والمحبة، والرجاء، والتوكل، وغير ذلك. وقد قيل: إن
~~هذا التفكر أفضل من نوافل الأعمال
# PageV02P091
# البدنية، روي ذلك عن غير واحد من التابعين، منهم سعيد بن المسيب، والحسن
~~وعمر بن عبد العزيز، وفي كلام الإمام أحمد ما يدل عليه. وقال كعب: لأن أبكي
~~من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بوزني ذهبا.
# PageV02P092
### | [الحديث السابع والعشرون البر حسن الخلق]
# PageV02P092
# الحديث السابع والعشرون.
# عن النواس بن سمعان الأنصاري قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
~~البر والإثم، فقال: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع
~~عليه الناس» رواه مسلم.
# وعن وابصة بن معبد قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جئت
~~تسأل عن البر والإثم؟ قلت: نعم، قال: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه
~~النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن
~~أفتاك الناس وأفتوك» .
# قال الشيخ رحمه الله: حديث حسن
~~رويناه في " مسندي " الإمامين أحمد والدارمي بإسناد حسن.
# أما حديث النواس بن سمعان، فخرجه مسلم من رواية معاوية بن صالح عن عبد
~~الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن النواس، ومعاوية ms346 وعبد الرحمن، وأبوه
~~تفرد بتخريج حديثهم مسلم دون البخاري.
# وأما حديث وابصة فخرجه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن الزبير بن
~~عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز، «عن وابصة بن معبد،
# PageV02P093
# قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئا من
~~البر والإثم إلا سألت عنه، فقال لي: ادن يا وابصة، فدنوت منه، حتى مست
~~ركبتي ركبته، فقال: يا وابصة أخبرك ما جئت تسأل عنه أو تسألني؟ قلت: يا
~~رسول الله أخبرني، قال: جئت تسألني عن البر والإثم قلت: نعم، فجمع أصابعه
~~الثلاث، فجعل ينكت بها في صدري، ويقول: يا وابصة، استفت نفسك، البر ما
~~اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم: ما حاك في القلب، وتردد في
~~الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك» . وفي رواية أخرى للإمام أحمد أن الزبير لم
~~يسمعه من أيوب، وقال: وحدثني جلساؤه، وقد رأيته، ففي إسناد هذا الحديث
~~أمران يوجب كل منهما ضعفه: أحدهما: انقطاعه بين الزبير وأيوب، فإنه رواه عن
~~قوم لم يسمعهم.
# والثاني: ضعف الزبير هذا، قال الدارقطني: روى أحاديث مناكير، وضعفه ابن
~~حبان أيضا، لكنه سماه أيوب بن عبد السلام، فأخطأ في اسمه، وله طريق آخر عن
~~وابصة خرجه الإمام أحمد أيضا من رواية معاوية بن صالح عن أبي عبد الله
~~السلمي، قال: سمعت وابصة، فذكر الحديث مختصرا، ولفظه: قال: «البر ما انشرح
~~له صدرك، والإثم ما حاك في صدرك، وإن أفتاك عنه الناس» .
# والسلمي هذا، قال علي بن المديني: هو مجهول.
# وخرجه البزار والطبراني وعندهما أبو عبد الله الأسدي، وقال البزار: لا
~~نعلم أحدا سماه، كذا قال، وقد سمي في بعض الروايات محمدا. قال عبد الغني بن
~~سعيد الحافظ: لو قال قائل: إنه محمد بن سعيد المصلوب، لما دفعت ذلك،
~~والمصلوب هذا صلبه المنصور في الزندقة، وهو مشهور بالكذب والوضع، ولكنه لم
~~يدرك وابصة، والله أعلم.
# PageV02P094
# وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة وبعض
~~طرقه ms347 جيدة، فخرجه الإمام أحمد، وابن حبان في " صحيحه " من طريق يحيى بن أبي
~~كثير عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن أبي أمامة، قال: «قال رجل: يا رسول
~~الله، ما الإثم؟ قال: إذا حاك في صدرك شيء فدعه» وهذا إسناد جيد على شرط
~~مسلم، فإنه خرج حديث يحيى بن كثير عن زيد بن سلام، وأثبت أحمد سماعه منه،
~~وإن أنكره ابن معين.
# وخرج الإمام أحمد من رواية عبد الله بن العلاء بن زبر: سمعت مسلم بن مشكم
~~قال: «سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول: قلت: يا رسول الله، أخبرني ما يحل لي
~~وما يحرم علي، فقال: البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم
~~ما لم تسكن إليه النفس، ولا يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون» ، وهذا
~~أيضا إسناد جيد، وعبد الله بن العلاء بن زبر ثقة مشهور، وخرجه البخاري،
~~ومسلم بن مشكم ثقة مشهور أيضا.
# وخرج الطبراني وغيره بإسناد ضعيف من حديث واثلة بن الأسقع قال: «قلت
~~للنبي صلى الله عليه وسلم: أفتني عن أمر لا أسألك عنه أحدا بعدك، قال:
~~استفت نفسك قلت: كيف لي بذاك؟ قال: تدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن
~~أفتاك المفتون، قلت: وكيف بذاك؟ قال: تضع يدك على قلبك، فإن الفؤاد يسكن
~~للحلال ولا يسكن للحرام» . ويروى نحوه من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف أيضا.
# PageV02P095
# وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن سويد بن قيس أخبره عن عبد الرحمن
~~بن معاوية: «أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما
~~يحل لي مما يحرم علي؟ وردد عليه ثلاث مرار، كل ذلك يسكت النبي صلى الله
~~عليه وسلم، ثم قال: أين السائل؟ فقال: أنا ذا يا رسول الله، فقال بأصابعه:
~~ما أنكر قلبك فدعه» . خرجه أبو القاسم البغوي في " معجمه " وقال: لا أدري
~~عبد الرحمن بن معاوية سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ ولا أعلم له
~~غير هذا الحديث. قلت: هو عبد الرحمن ms348 بن معاوية بن حديج جاء منسوبا في كتاب
~~" الزهد " لابن المبارك، وعبد الرحمن هذا تابعي مشهور، فحديثه مرسل.
# وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: " الإثم حواز القلوب ". واحتج به الإمام
~~أحمد، ورواه عن جرير، عن منصور، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال
~~عبد الله: إياكم وحزاز القلوب، وما حز في قلبك من شيء فدعه.
# وقال أبو الدرداء: الخير في طمأنينة والشر في ريبة.
# وروي عن ابن مسعود من وجه منقطع أنه قيل له: أرأيت شيئا يحيك في صدورنا،
~~لا ندري أحلال هو أم حرام؟ فقال: وإياكم والحكاكات، فإنهن الإثم، والحز
~~والحك متقاربان في المعنى، والمراد: ما أثر في القلب ضيقا
# PageV02P096
# وحرجا، ونفورا وكراهة.
# فهذه الأحاديث مشتملة على تفسير البر والإثم، وبعضها في تفسير الحلال
~~والحرام، فحديث النواس بن سمعان فسر النبي صلى الله عليه وسلم فيه البر
~~بحسن الخلق، وفسره في حديث وابصة وغيره بما اطمأن إليه القلب والنفس، كما
~~فسر الحلال بذلك في حديث أبي ثعلبة. وإنما اختلف تفسيره للبر، لأن البر
~~يطلق باعتبارين معينين: أحدهما: باعتبار معاملة الخلق بالإحسان إليهم،
~~وربما خص بالإحسان إلى الوالدين، فيقال: بر الوالدين، ويطلق كثيرا على
~~الإحسان إلى الخلق عموما، وقد صنف ابن المبارك كتابا سماه " كتاب البر
~~والصلة "، وكذلك في " صحيح البخاري " و " جامع الترمذي ": " كتاب البر
~~والصلة "، ويتضمن هذا الكتاب الإحسان إلى الخلق عموما، ويقدم فيه بر
~~الوالدين على غيرهما. وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده، أنه قال: «يا
~~رسول الله من أبر؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أباك، قال: ثم من؟ قال: ثم
~~الأقرب فالأقرب» .
# ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء
~~إلا الجنة» . وفي " المسند " «أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن بر الحج،
~~فقال: إطعام الطعام،
# PageV02P097
# وإفشاء السلام» وفي رواية أخرى: وطيب الكلام.
# وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: البر شيء هين: وجه طليق وكلام لين.
# وإذا قرن البر بالتقوى، كما ms349 في قوله عز وجل: {وتعاونوا على البر والتقوى}
~~[المائدة: 2] [المائدة: 2] ، فقد يكون المراد بالبر معاملة الخلق بالإحسان،
~~وبالتقوى: معاملة الحق بفعل طاعته، واجتناب محرماته، وقد يكون أريد بالبر
~~فعل الواجبات، وبالتقوى: اجتناب المحرمات، وقوله تعالى: {ولا تعاونوا على
~~الإثم والعدوان} [المائدة: 2] [المائدة: 2] قد يراد بالإثم: المعاصي،
~~وبالعدوان: ظلم الخلق، وقد يراد بالإثم: ما هو محرم في نفسه كالزنا،
~~والسرقة، وشرب الخمر، وبالعدوان: تجاوز ما أذن فيه إلى ما نهي عنه مما جنسه
~~مأذون فيه، كقتل ما أبيح قتله لقصاص ومن لا يباح، وأخذ زيادة على الواجب من
~~الناس في الزكاة ونحوها، ومجاوزة الجلد في الذي أمر به في الحدود ونحو ذلك.
# والمعنى الثاني من معنى البر: أن يراد به فعل جميع الطاعات الظاهرة
~~والباطنة، كقوله تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة
~~والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن
~~السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا
~~عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك
~~هم المتقون} [البقرة: 177] [البقرة: 177] ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم سئل عن الإيمان، فتلا هذه الآية.
# PageV02P098
# فالبر بهذا المعنى يدخل فيه جميع الطاعات الباطنة كالإيمان بالله
~~وملائكته وكتبه ورسله، والطاعات الظاهرة كإنفاق الأموال فيما يحبه الله،
~~وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر على الأقدار، كالمرض
~~والفقر، وعلى الطاعات، كالصبر عند لقاء العدو.
# وقد يكون جواب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النواس شاملا لهذه
~~الخصال كلها، لأن حسن الخلق قد يراد به التخلق بأخلاق الشريعة، والتأدب
~~بآداب الله التي أدب بها عباده في كتابه، كما قال تعالى لرسوله {وإنك لعلى
~~خلق عظيم} [القلم: 4] [القلم: 4] ، «وقالت عائشة: كان خلقه صلى الله عليه
~~وسلم القرآن» ، يعني أنه يتأدب بآدابه، فيفعل أوامره، ويتجنب نواهيه، فصار
~~العمل بالقرآن له خلقا كالجبلة والطبيعة لا يفارقه، وهذا أحسن الأخلاق
~~وأشرفها وأجملها.
# وقد قيل: إن الدين كله خلق. وأما في حديث وابصة، فقال: «البر ما اطمأن ms350
~~إليه القلب، واطمأنت إليه النفس» وفي رواية: «ما انشرح إليه الصدر» ، وفسر
~~الحلال بنحو ذلك في حديث أبي ثعلبة وغيره، وهذا يدل على أن الله فطر عباده
~~على معرفة الحق، والسكون إليه وقبوله، وركز في الطباع محبة ذلك، والنفور عن
~~ضده.
# وقد يدخل هذا في قوله في حديث عياض بن حمار: «إني خلقت عبادي حنفاء
~~مسلمين، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، فحرمت عليهم ما أحللت لهم،
~~وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» .
# PageV02P099
# وقوله: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو
~~يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ قال أبو
~~هريرة: اقرءوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق
~~الله} [الروم: 30] » .
# ولهذا سمى الله ما أمر به معروفا، وما نهى عنه منكرا، فقال: {إن الله
~~يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي}
~~[النحل: 90] [النحل: 90] ، وقال في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم: {ويحل
~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] [الأعراف: 157] وأخبر أن
~~قلوب المؤمنين تطمئن بذكره، فالقلب الذي دخله نور الإيمان، وانشرح به
~~وانفسح، يسكن للحق، ويطمئن به ويقبله، وينفر عن الباطل ويكرهه ولا يقبله.
# وقال معاذ بن جبل: أحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة
~~على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فقيل لمعاذ: ما يدريني أن
~~الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: اجتنب
~~من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال: ما هذه؟ ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله
~~أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا، خرجه أبو داود. وفي
~~رواية له قال: بل ما تشابه عليك من قول الحكيم حتى تقول: ما أراد بهذه
~~الكلمة؟ فهذا يدل على أن الحق والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن البصير،
~~بل يعرف الحق بالنور عليه، فيقبله قلبه، وينفر عن الباطل، فينكره ولا
~~يعرفه، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سيكون ms351 في آخر الزمان
~~قوم يحدثونكم بما لم
# PageV02P100
# تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم» يعني: أنهم يأتون بما تستنكره
~~قلوب المؤمنين، ولا تعرفه، وفي قوله: أنتم ولا آباؤكم إشارة إلى أن ما
~~استقرت معرفته عند المؤمنين مع تقادم العهد وتطاول الزمان، فهو الحق، وأن
~~ما أحدث بعد ذلك مما يستنكر فلا خير فيه.
# فدل حديث وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، فما
~~إليه سكن القلب، وانشرح إليه الصدر، فهو البر والحلال، وما كان خلاف ذلك،
~~فهو الإثم والحرام.
# وقوله في حديث النواس: «الإثم ما حاك في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه
~~الناس» إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرجا، وضيقا، وقلقا، واضطرابا،
~~فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا، فهو عند الناس مستنكر، بحيث ينكرونه عند
~~اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكره
~~الناس على فاعله وغير فاعله.
# ومن هذا المعنى قول ابن مسعود: ما رآه المؤمنون حسنا، فهو عند الله حسن،
~~وما رآه المومنون قبيحا، فهو عند الله قبيح.
# PageV02P101
# وقوله في حديث وابصة وأبي ثعلبة: «وإن أفتاك المفتون» يعني: أن ما حاك في
~~صدر الإنسان فهو إثم، وإن أفتاه غيره بأنه ليس، بإثم فهذه مرتبة ثانية، وهو
~~أن يكون الشيء مستنكرا عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضا إثما، وهذا إنما
~~يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره بالإيمان، وكان المفتي يفتي له بمجرد ظن
~~أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي،
~~فالواجب على المستفتي الرجوع إليه، وإن لم ينشرح له صدره، وهذا كالرخصة
~~الشرعية، مثل: الفطر في السفر، والمرض، وقصر الصلاة في السفر، ونحو ذلك مما
~~لا ينشرح به صدور كثير من الجهال، فهذا لا عبرة به.
# وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يأمر أصحابه بما لا تنشرح به
~~صدور بعضهم، فيمتنعون من فعله، فيغضب من ذلك، كما أمرهم بفسخ الحج إلى
~~العمرة، فكرهه من كرهه منهم، وكما ms352 أمرهم بنحر هديهم، والتحلل من عمرة
~~الحديبية، فكرهوه، وكرهوا مقاضاته لقريش على أن يرجع من عامه، وعلى أن من
~~أتاه منهم يرده إليهم.
# وفي الجملة، فما ورد النص به، فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله، كما قال
~~تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم
~~الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] [الأحزاب: 36] .
# PageV02P102
# وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا، فإن ما شرعه الله ورسوله يجب
~~الإيمان والرضا به، والتسليم له، كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى
~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا
~~تسليما} [النساء: 65] [النساء: 65] .
# وأما ما ليس فيه نص من الله ورسوله ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف
~~الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان، المنشرح صدره بنور
~~المعرفة واليقين منه شيء، وحك في صدره لشبهة موجودة، ولم يجد من يفتي فيه
~~بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه، بل هو معروف
~~باتباع الهوى، فهنا يرجع المؤمن إلى ما حك في صدره، وإن أفتاه هؤلاء
~~المفتون.
# وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا، أيضا قال المروزي في " كتاب الورع "
~~قلت: لأبي عبد الله إن القطيعة أرفق بي من سائر الأسواق، وقد وقع في قلبي
~~من أمرها شيء، فقال: أمرها أمر قذر متلوث، قلت: فتكره العمل فيها؟ قال: دع
~~ذا عنك إن كان لا يقع في قلبك شيء، قلت: قد وقع في قلبي منها، فقال: قال:
~~ابن مسعود: الإثم حواز القلوب. قلت: إنما هذا على المشاورة؟ قال: أي شيء
~~يقع في قلبك؟ قلت: قد اضطرب علي قلبي، قال: الإثم هو حواز القلوب.
# وقد سبق في شرح حديث النعمان بن بشير: «الحلال بين والحرام بين» ، وفي
~~شرح حديث الحسن بن علي: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ، وشرح حديث: «إذا
~~لم تستح فاصنع ما شئت» شيء يتعلق بتفسير هذه الأحاديث المذكورة هاهنا.
# وقد ذكر طوائف من فقهاء الشافعية والحنفية ms353 المتكلمين في أصول الفقه
# PageV02P103
# مسألة الإلهام: هل هو حجة أم لا؟ وذكروا فيه اختلافا بينهم، وذكر طائفة
~~من أصحابنا أن الكشف ليس بطريق للأحكام، وأخذه القاضي أبو يعلى من كلام
~~أحمد في ذم المتكلمين في الوساوس والخطرات، وخالفهم طائفة من أصحابنا في
~~ذلك، وقد ذكرنا نص أحمد هاهنا بالرجوع إلى حواز القلوب، وإنما ذم أحمد
~~وغيره المتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية حيث كان كلامهم في ذلك لا
~~يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق، كما كان ينكر الكلام في مسائل
~~الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل شرعي.
# فأما الرجوع إلى الأمور المشتبهة إلى حواز القلوب، فقد دلت عليه النصوص
~~النبوية، وفتاوى الصحابة، فكيف ينكره الإمام أحمد بعد ذلك؟ لا سيما وقد نص
~~على الرجوع إليه موافقة لهم. وقد سبق حديث: «إن الصدق طمأنينة، والكذب
~~ريبة» ، فالصدق يتميز من الكذب بسكون القلب إليه، ومعرفته، وبنفوره عن
~~الكذب وإنكاره، كما قال الربيع بن خثيم: إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه،
~~وظلمة كظلمة الليل تنكره.
# وخرج الإمام أحمد من حديث ربيعة، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد، وأبي
~~أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم الحديث عني تعرفه
~~قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به،
~~وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر عنه أشعاركم وأبشاركم، وترون
~~أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه» . وإسناده قد قيل: إنه على
# PageV02P104
# شرط مسلم، لأنه خرج بهذا الإسناد بعينه حديثا، لكن هذا الحديث معلول،
~~فإنه رواه بكير بن الأشج، عن عبد الملك بن سعيد، عن عباس بن سهل، عن أبي بن
~~كعب من قوله، قال البخاري: وهو أصح.
# وروى يحيى بن آدم عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه، ولا تنكرونه،
~~فصدقوا به، فإني أقول ما يعرف ولا ينكر، وإذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا
~~تعرفونه، فلا تصدقوا به، ms354 فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف» ، وهذا الحديث
~~معلول أيضا، وقد اختلف في إسناده على ابن أبي ذئب، ورواه الحفاظ عنه عن
~~سعيد مرسلا، والمرسل أصح عند أئمة الحفاظ، منهم ابن معين والبخاري، وأبو
~~حاتم الرازي وابن خزيمة، وقال: ما رأيت أحدا من علماء الحديث يثبت وصله.
# وإنما تحمل مثل هذه الأحاديث - على تقدير صحتها - على معرفة أئمة أهل
~~الحديث الجهابذة النقاد، الذين كثرت ممارستهم لكلام النبي صلى الله عليه
~~وسلم، ولكلام غيره، ولحال رواة الأحاديث، ونقلة الأخبار، ومعرفتهم بصدقهم
~~وكذبهم وحفظهم وضبطهم، فإن هؤلاء لهم نقد خاص في الحديث يختصون بمعرفته،
~~كما يختص الصيرفي الحاذق بمعرفة النقود جيدها ورديئها، وخالصها
# PageV02P105
# < > ومشوبها، والجوهري الحاذق في معرفة الجوهر بانتقاد الجواهر،
~~وكل من هؤلاء لا يمكن أن يعبر عن سبب معرفته، ولا يقيم عليه دليلا لغيره،
~~وآية ذلك أنه يعرض الحديث الواحد على جماعة ممن يعلم هذا العلم، فيتفقون
~~على الجواب فيه من غير مواطأة.
# وقد امتحن هذا منهم غير مرة في زمن أبي زرعة وأبي حاتم، فوجد الأمر على
~~ذلك، فقال السائل: أشهد أن هذا العلم إلهام. قال الأعمش: كان إبراهيم
~~النخعي صيرفيا في الحديث، كنت أسمع من الرجال فأعرض عليه ما سمعته. وقال
~~عمرو بن قيس: ينبغي لصاحب الحديث أن يكون مثل الصيرفي الذي ينقد الدراهم،
~~فإن الدراهم فيها الزائف والبهرج وكذا الحديث.
# وقال الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم
~~الزائف على الصيارفة، فما عرفوا أخذنا، وما أنكروا تركنا.
# وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: إنك تقول للشيء: هذا صحيح وهذا لم يثبت، فعمن
~~تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا
~~بهرج أكنت تسأله عمن ذلك، أو تسلم الأمر إليه؟ قال: لا، بل كنت أسلم الأمر
~~إليه، قال: فهذا كذلك لطول المجالسة والمناظرة والخبر به.
# وقد روي نحو هذا المعنى عن الإمام أحمد أيضا، وأنه قيل له: يا أبا عبد
~~الله تقول: هذا الحديث منكر، فكيف علمت ولم ms355 تكتب الحديث كله؟ قال:
# PageV02P105
# مثلنا كمثل ناقد العين لم تقع بيده العين كلها، فإذا وقع بيده الدينار
~~يعلم بأنه جيد، أو أنه رديء.
# وقال ابن مهدي: معرفة الحديث إلهام. وقال: إنكارنا الحديث عند الجهال
~~كهانة.
# وقال أبو حاتم الرازي: مثل معرفة الحديث كمثل فص ثمنه مائة دينار، وآخر
~~مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم، قال: وكما لا يتهيأ للناقد أن يخبر بسبب
~~نقده، فكذلك نحن رزقنا علما لا يتهيأ لنا أن نخبر كيف علمنا بأن هذا حديث
~~كذب، وأن هذا حديث منكر إلا بما نعرفه، قال: وتعرف جودة الدينار بالقياس
~~إلى غيره، فإن تخلف عنه في الحمرة والصفاء علم أنه مغشوش، ويعلم جنس الجوهر
~~بالقياس إلى غيره، فإن خالفه في المائية والصلابة، علم أنه زجاج، ويعلم صحة
~~الحديث بعدالة ناقليه وأن يكون كلاما يصلح مثله أن يكون كلام النبوة، ويعرف
~~سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته والله أعلم.
# وبكل حال فالجهابذة النقاد العارفون بعلل الحديث أفراد قليل من أهل
~~الحديث جدا، وأول من اشتهر في الكلام في نقد الحديث ابن سيرين، ثم خلفه
~~أيوب السختياني، وأخذ ذلك عنه شعبة، وأخذ عن شعبة يحيى القطان وابن مهدي،
~~وأخذ عنهما أحمد، وعلي بن المديني، وابن معين، وأخذ عنهم مثل البخاري وأبي
~~داود وأبي زرعة وأبي حاتم.
# وكان أبو زرعة في زمانه يقول: قل من يفهم هذا، وما أعزه إذا دفعت هذا عن
~~واحد واثنين، فما أقل من تجد من يحسن هذا! ولما مات أبو زرعة، قال أبو
~~حاتم: ذهب الذي كان يحسن هذا - يعني أبا زرعة - ما بقي بمصر ولا
# PageV02P107
# بالعراق واحد يحسن هذا. وقيل له بعد موت أبي زرعة: تعرف اليوم واحدا يعرف
~~هذا؟ قال: لا.
# وجاء بعد هؤلاء جماعة، منهم النسائي والعقيلي وابن عدي والدارقطني، وقل
~~من جاء بعدهم من هو بارع في معرفة ذلك حتى قال أبو الفرج الجوزي في أول
~~كتابه " الموضوعات ": قد قل من يفهم هذا بل عدم. والله أعلم.
# PageV02P108
### | [الحديث الثامن والعشرون أوصيكم بتقوى ms356 الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد]
# PageV02P108
# الحديث الثامن والعشرون.
# عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم موعظة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله،
~~كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن
~~تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي
~~وسنة الخلفاء الراشدين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن
~~كل بدعة ضلالة» رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
# هذا الحديث خرجه الإمام أحمد، وأبو
~~داود، والترمذي، وابن ماجه من رواية ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد
~~الرحمن بن عمرو السلمي، زاد أحمد في رواية له، وأبو داود: وحجر بن حجر
~~الكلاعي، كلاهما عن العرباض بن سارية، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحافظ
~~أبو نعيم: هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين، قال: ولم يتركه البخاري
~~ومسلم من جهة إنكار منهما له، وزعم الحاكم أن سبب تركهما له أنهما توهما
~~أنه ليس له
# PageV02P109
# راو عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد، وقد رواه عنه أيضا بحير بن سعد
~~ومحمد بن إبراهيم التيمي وغيرهما.
# قلت: ليس الأمر كما ظنه، وليس الحديث على شرطهما، فإنهما لم يخرجا لعبد
~~الرحمن بن عمرو السلمي، ولا لحجر الكلاعي شيئا، وليسا ممن اشتهر بالعلم
~~والرواية.
# وأيضا فقد اختلف فيه على خالد بن معدان، فروي عنه كما تقدم، وروي عنه عن
~~أبي بلال عن العرباض، وخرجه الإمام أحمد من هذا الوجه أيضا وروي أيضا عن
~~ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض، خرجه من طريقه
~~الإمام أحمد وابن ماجه، وزاد في حديثه: «فقد تركتكم على البيضاء، ليلها
~~كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» وزاد في آخر الحديث: «فإنما المؤمن
~~كالجمل الأنف، حيثما قيد انقاد» .
# وقد أنكر طائفة من الحفاظ هذه الزيادة في آخر الحديث، وقالوا: هي مدرجة
~~فيه، وليست منه، قاله أحمد بن ms357 صالح المصري وغيره، وقد خرجه الحاكم، وقال في
~~حديثه: وكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث: «فإن المؤمن كالجمل الأنف،
~~حيثما قيد انقاد» .
# وخرجه ابن ماجه أيضا من رواية عبد الله بن العلاء بن زبر، حدثني يحيى بن
~~أبي المطاع، سمعت العرباض فذكره، وهذا في الظاهر إسناد جيد متصل، ورواته
~~ثقات مشهورون، وقد صرح فيه بالسماع، وقد ذكر البخاري في " تاريخه " أن يحيى
~~بن أبي المطاع سمع من العرباض اعتمادا على هذه الرواية، إلا أن حفاظ أهل
~~الشام أنكروا ذلك، وقالوا: يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض، ولم
~~يلقه، وهذه الرواية غلط، وممن ذكر ذلك أبو زرعة
# PageV02P110
# الدمشقي، وحكاه عن دحيم، وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم، والبخاري رحمه
~~الله يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام، وقد روي عن العرباض من
~~وجوه أخر، وروي من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن إسناد
~~حديث بريدة لا يثبت، والله أعلم.
# فقول العرباض: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة» ، وفي رواية
~~أحمد وأبي داود والترمذي: " بليغة "، وفي روايتهم أن ذلك بعد صلاة الصبح،
~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة،
~~كخطب الجمع والأعياد، وقد أمره الله تعالى بذلك، فقال: {وعظهم وقل لهم في
~~أنفسهم قولا بليغا} [النساء: 63] [النساء: 63] ، وقال: {ادع إلى سبيل ربك
~~بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل: 125] [النحل: 125] ، ولكنه كان لا يديم
~~وعظهم، بل يتخولهم به أحيانا، كما في " الصحيحين " عن أبي وائل، قال: كان
~~عبد الله بن مسعود يذكرنا كل يوم خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن،
~~إنا نحب حديثك ونشتهيه، ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم، فقال: ما يمنعني أن
~~أحدثكم إلا كراهة أن أملكم، «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا
~~بالموعظة كراهة السآمة علينا» .
# والبلاغة في الموعظة مستحسنة، لأنها أقرب إلى قبول القلوب واستجلابها،
~~والبلاغة: هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالها إلى قلوب
~~السامعين بأحسن صورة من ms358 الألفاظ الدالة عليها، وأفصحها وأحلاها للأسماع،
~~وأوقعها في القلوب. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقصر خطبتها، ولا
~~يطيلها، بل كان يبلغ ويوجز.
# وفي " صحيح مسلم " عن جابر بن سمرة قال: «كنت أصلي مع النبي صلى الله
~~عليه وسلم،
# PageV02P111
# فكانت صلاته قصدا، وخطبته قصدا» .
# وخرجه أبو داود ولفظه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل
~~الموعظة يوم الجمعة، إنما هو كلمات يسيرات» .
# وخرجه مسلم من حديث أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ، فلما نزل،
~~قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست، قال: إني سمعت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة من
~~فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، فإن من البيان سحرا» .
# وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث الحاكم بن حزن، قال: «شهدت مع رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم الجمعة فقام متوكئا على عصا أو قوس، فحمد الله،
~~وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات» .
# وخرج أبو داود عن عمرو بن العاص أن رجلا قام يوما، فأكثر القول، فقال
~~عمرو: لو قصد في قوله، لكان خيرا له، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يقول: «لقد رأيت - أو أمرت - أن أتجوز في القول، فإن الجواز هو خير» .
# وقوله: " «ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب» " هذان الوصفان بهما مدح
~~الله المؤمنين عند سماع الذكر كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر
~~الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] [الأنفال: 2] وقال: {وبشر المخبتين - الذين
~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الحج: 34 - 35] [الحج: 34 - 35] وقال: {ألم يأن
~~للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} [الحديد: 16]
~~[الحديد: 16] ، وقال: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه
~~جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23]
~~[الزمر: 23] ، وقال تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض
~~من الدمع مما عرفوا من الحق} [المائدة: 83] [المائدة: 83] .
# وكان صلى الله عليه وسلم يتغير حاله عند الموعظة، كما ms359 قال جابر: «كان
~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب، وذكر الساعة، اشتد غضبه، وعلا صوته،
~~واحمرت عيناه، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم» . خرجه مسلم بمعناه.
# وفي " الصحيحين " عن أنس أن «النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت
~~الشمس، فصلى الظهر، فلما سلم، قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين
~~يديها أمورا عظاما، ثم قال: من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا
~~تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به في مقامي هذا، قال أنس: فأكثر الناس البكاء
~~وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: سلوني، فقام إليه رجل فقال:
~~أين مدخلي يا رسول الله، قال: النار» وذكر الحديث.
# وفي " مسند " الإمام أحمد «عن النعمان بن بشير أنه خطب، فقال: سمعت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: أنذرتكم النار، حتى لو أن رجلا كان
~~بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة على عاتقه عند رجليه» .
# وفي " الصحيحين " عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
~~«اتقوا
# PageV02P112
# النار، قال: ثم وأشاح، ثم قال: اتقوا النار، ثم أعرض وأشاح ثلاثا حتى
~~ظننا أنه ينظر إليها، ثم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة
~~طيبة» .
# وخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن سلمة عن علي، أو عن الزبير بن
~~العوام، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا، فيذكرنا بأيام
~~الله، حتى يعرف ذلك في وجهه، وكأنه نذير قوم يصبحهم الأمر غدوة، وكان إذا
~~كان حديث عهد بجبريل لم يتبسم ضاحكا حتى يرتفع عنه» .
# وخرج الطبراني والبزار من حديث جابر، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم
~~إذا أتاه الوحي، أو وعظ، قلت: نذير قوم أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك،
~~رأيته أطلق الناس وجها، وأكثرهم ضحكا، وأحسنهم بشرا، صلى الله عليه وسلم» .
# وقولهم: " «يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا» " يدل على أنه كان
~~صلى الله عليه وسلم قد أبلغ في تلك الموعظة ms360 ما لم يبلغ في غيرها، فلذلك
~~فهموا أنها موعظة مودع، فإن المودع يستقصي ما لم يستقص غيره في القول
~~والفعل، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي صلاة مودع، لأنه من
~~استشعر أنه مودع بصلاته، أتقنها على أكمل وجوهها. ولربما كان قد وقع منه
~~صلى الله عليه وسلم تعريض في تلك الخطبة بالتوديع، كما عرض بذلك في خطبته
~~في حجة الوداع، وقال: «لا أدري، لعلي لا ألقاكم
# PageV02P114
# بعد عامي هذا وطفق يودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع، ولما رجع من حجه
~~إلى المدينة، جمع الناس بماء بين مكة والمدينة يسمى خما، وخطبهم، وقال: يا
~~أيها الناس، إنما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب ثم حض على
~~التمسك بكتاب الله، ووصى بأهل بيته» ، خرجه مسلم.
# وفي " الصحيحين " ولفظه لمسلم عن عقبة بن عامر قال: «صلى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم على قتلى أحد، ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات،
~~فقال: إني فرطكم على الحوض، فإن عرضه، كما بين أيلة إلى الجحفة، وإني لست
# PageV02P115
# أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها،
~~وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم، قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم على المنبر.
# وخرج» الإمام أحمد ولفظه: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى
~~أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر، فقال: إني
~~فرطكم، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه، ولست أخشى
~~عليكم الكفر، ولكن الدنيا أن تنافسوها» .
# وخرج الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو قال: «خرج علينا رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم يوما كالمودع، فقال: أنا محمد النبي الأمي - قال ذلك
~~ثلاث مرات - ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه. وجوامعه، وعلمت كم
~~خزنة النار، وحملة العرش، وتجوز لي ربي وعوفيت وعوفيت أمتي، فاسمعوا
~~وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذهب بي، فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله، وحرموا
~~حرامه» .
# فلعل الخطبة ms361 التي أشار إليها العرباض بن سارية في حديثه كانت بعض هذه
~~الخطب، أو شبيها بها مما يشعر بالتوديع.
# وقولهم: " فأوصنا " يعنون وصية جامعة كافية، فإنهم لما فهموا أنه مودع،
~~استوصوه وصية ينفعهم بها التمسك بعده، ويكون فيها كفاية لمن تمسك بها،
~~وسعادة له في الدنيا والآخرة.
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة» ، فهاتان
~~الكلمتان
# PageV02P116
# تجمعان سعادة الدنيا والآخرة.
# أما التقوى فهي كافلة بسعادة الدنيا والآخرة لمن تمسك بها، وهي وصية الله
~~للأولين والآخرين، كما قال تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم
~~وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: 131] [النساء: 131] ، وقد سبق شرح التقوى
~~بما فيه كفاية في شرح حديث وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ.
# وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم
~~مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم، كما
~~قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو
~~فاجر، إن كان فاجرا عبد المؤمن فيه ربه، وحمل الفاجر فيها إلى أجله.
# وقال الحسن في الأمراء: هم يلون من أمورنا خمسا: الجمعة والجماعة والعيد
~~والثغور والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله
~~لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن - والله - إن طاعتهم لغيظ، وإن
~~فرقتهم لكفر.
# وخرج الخلال في " كتاب الإمارة " من حديث أبي أمامة قال: «أمر النبي صلى
~~الله عليه وسلم أصحابه حين صلوا العشاء أن احشدوا، فإن لي إليكم حاجة فلما
~~فرغ من صلاة الصبح، قال: هل حشدتم كما أمرتكم؟ قالوا: نعم، قال: اعبدوا
~~الله، ولا تشركوا به شيئا، هل عقلتم هذه؟ ثلاثا، قلنا: نعم، قال: أقيموا
~~الصلاة، وآتوا الزكاة، هل عقلتم هذه؟ ثلاثا، قلنا: نعم، قال: اسمعوا
~~وأطيعوا ثلاثا، هل عقلتم هذه؟ ثلاثا، قلنا: نعم، قال: فكنا نرى أن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم سيتكلم كلاما طويلا، ثم نظرنا في كلامه، فإذا هو
~~قد جمع لنا الأمر كله» .
# PageV02P117
# وبهذين الأصلين ms362 وصى النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع
~~أيضا، كما خرجه الإمام أحمد والترمذي من رواية أم الحصين الأحمسية، قالت:
~~«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع، فسمعته يقول: يا
~~أيها الناس، اتقوا الله، وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع، فاسمعوا له وأطيعوا
~~ما أقام فيكم كتاب الله» وخرج مسلم منه ذكر السمع والطاعة.
# وخرج الإمام أحمد والترمذي أيضا من حديث أبي أمامة، قال: «سمعت رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع، يقول: اتقوا الله، وصلوا خمسكم،
~~وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم، وفي
~~رواية أخرى أنه قال: يا أيها الناس، إنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم» وذكر
~~الحديث بمعناه.
# وفي " المسند " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من لقي
~~الله لا يشرك به شيئا، وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبا، وسمع وأطاع،
~~فله الجنة، أو دخل الجنة» .
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «وإن تأمر عليكم عبد وفي رواية حبشي» هذا مما
~~تكاثرت به الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مما اطلع عليه النبي
~~صلى الله عليه وسلم من أمر أمته بعده،
# PageV02P118
# وولاية العبيد عليهم، وفي " صحيح البخاري " عن أنس، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: «اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه
~~زبيبة» .
# وفي " صحيح مسلم " عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «إن خليلي صلى الله عليه
~~وسلم أوصاني أن أسمع وأطيع، ولو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف» . والأحاديث
~~في هذا المعنى كثيرة جدا.
# ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما
~~بقي في الناس اثنان» ، وقوله: «الناس تبع لقريش» ، وقوله: «الأئمة من قريش»
~~، لأن ولاية العبيد قد تكون من جهة إمام قرشي، ويشهد لذلك ما خرجه الحاكم
~~من حديث علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الأئمة من
~~قريش أبرارها ms363 أمراء أبرارها، وفجارها أمراء فجارها، ولكل حق، فآتوا كل ذي
~~حق حقه، وإن أمرت عليكم قريش عبدا حبشيا مجدعا، فاسمعوا له وأطيعوا» ،
~~وإسناده جيد ولكنه
# PageV02P119
# روي عن علي موقوفا، وقال الدارقطني: هو أشبه.
# وقد قيل: إن العبد الحبشي إنما ذكر على وجه ضرب المثل وإن لم يصح وقوعه،
~~كما قال: «من بنى مسجدا ولو كمفحص قطاة» .
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «فمن يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافا كثيرا،
~~فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها
~~بالنواجذ» . هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما وقع في أمته بعده من
~~كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأقوال والأعمال والاعتقادات،
~~وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة، وأنها كلها في
~~النار إلا فرقة واحدة، وهي من كان على ما هو عليه وأصحابه، وكذلك في هذا
~~الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من
~~بعده، والسنة: هي الطريقة المسلوكة، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو
~~وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة،
~~ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله، وروي
~~معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض.
# وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقادات، لأنها
~~أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم، وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمر
~~بالسمع والطاعة لأولي الأمر إشارة إلى أنه لا طاعة لأولي الأمر في طاعة
# PageV02P120
# الله، كما صح عنه أنه قال: «إنما الطاعة في المعروف» .
# وفي " المسند " عن أنس أن معاذ بن جبل قال: «يا رسول الله، أرأيت إن كان
~~علينا أمراء لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل» .
# وخرج ابن ماجه من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيلي
~~أموركم بعدي رجال يطفئون من السنة ويعملون بالبدعة، ms364 ويؤخرون الصلاة عن
~~مواقيتها فقلت: يا رسول الله إن أدركتهم، كيف أفعل؟ قال: لا طاعة لمن عصى
~~الله» .
# وفي أمره صلى الله عليه وسلم باتباع سنته، وسنة خلفائه الراشدين بعد أمره
~~بالسمع والطاعة لولاة الأمور عموما دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين
~~متبعة، كاتباع سنته، بخلاف غيرهم من ولاة الأمور.
# وفي " مسند الإمام أحمد " و " جامع الترمذي " عن حذيفة قال: «كنا عند
~~النبي صلى الله عليه وسلم جلوسا، فقال: إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم،
~~فاقتدوا بالذين من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر - وتمسكوا بعهد عمار، وما
~~حدثكم ابن
# PageV02P121
# مسعود فصدقوه وفي رواية: تمسكوا بعهد ابن أم عبد، واهتدوا بهدي عمار» فنص
~~صلى الله عليه وسلم في آخر عمره على من يقتدى به من بعده، والخلفاء
~~الراشدون الذين أمر بالاقتداء بهم هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فإن في
~~حديث سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم
~~تكون ملكا» ، وقد صححه الإمام أحمد واحتج به على خلافة الأئمة الأربعة.
# ونص كثير من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد أيضا، ويدل عليه
~~ما خرجه الإمام أحمد من حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«تكون فيكم النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها،
~~ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها
~~الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها
~~إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم
~~يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت. فلما
~~ولي عمر بن عبد العزيز، دخل عليه رجل، فحدثه بهذا الحديث، فسر به، وأعجبه»
~~.
# وكان محمد بن سيرين أحيانا يسأل عن شيء من الأشربة، فيقول: نهى
# PageV02P122
# عنه إمام هدى: عمر بن عبد العزيز.
# وقد اختلف العلماء في إجماع الخلفاء الأربعة: هل ms365 هو إجماع، أو حجة، مع
~~مخالفة غيرهم من الصحابة أم لا؟ وفيه روايتان عن الإمام أحمد، وحكم أبو
~~خازم الحنفي في زمن المعتضد بتوريث ذوي الأرحام، ولم يعتد بمن خالف
~~الخلفاء، ونفذ حكمه في ذلك في الآفاق.
# ولو قال بعض الخلفاء الأربعة قولا، ولم يخالفه منهم أحد، بل خالفه غيره
~~من الصحابة، فهل يقدم قوله على قول غيره؟ فيه قولان أيضا للعلماء، والمنصوص
~~عن أحمد أنه يقدم قوله على قول غيره من الصحابة، وكذا ذكره الخطابي وغيره،
~~وكلام أكثر السلف يدل على ذلك، خصوصا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه روي
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال: «إن الله جعل الحق على لسان
~~عمر وقلبه» وكان عمر بن عبد العزيز يتبع أحكامه، ويستدل بقول النبي صلى
~~الله عليه وسلم: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» .
# وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها اعتصام بكتاب الله، وقوة على دين
~~الله، وليس لأحد تبديلها، ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى
~~بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل
~~المؤمنين، ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم، وساءت مصيرا. وحكى عبد الله بن
~~عبد الحكم عن
# PageV02P123
# مالك أنه قال: أعجبني عزم عمر على ذلك، يعني هذا الكلام. وروى عبد الرحمن
~~بن مهدي هذا الكلام عن مالك، ولم يحكه عن عمر.
# وقال خلف بن خليفة: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة، فقال
~~في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه، فهو وظيفة
~~دين، نأخذ به وننتهي إليه.
# وروى أبو نعيم من حديث عرزب الكندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
~~«إنه سيحدث بعدي أشياء، فأحبها إلي أن تلزموا ما أحدث عمر» .
# وكان علي يتبع أحكامه وقضاياه، ويقول: إن عمر كان رشيد الأمر.
# وروى أشعث عن الشعبي، ms366 قال: إذا اختلف الناس في شيء، فانظر كيف قضى فيه
~~عمر، فإنه لم يكن يقضي عمر في أمر لم يقض فيه قبله حتى يشاور.
# وقال مجاهد: إذا اختلف الناس في شيء، فانظروا ما صنع عمر، فخذوا به. وقال
~~أيوب عن الشعبي: انظروا ما اجتمعت عليه أمة محمد، فإن الله لم يكن ليجمعها
~~على ضلالة، فإذا اختلفت فانظروا ما صنع عمر بن الخطاب فخذوا به.
# وسئل عكرمة عن أم الولد، فقال تعتق بموت سيدها، فقيل له: بأي شيء تقول؟
~~قال: بالقرآن، قال: بأي القرآن؟ قال: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي
~~الأمر منكم} [النساء: 59] [النساء: 59] ، وعمر من أولي الأمر
# PageV02P124
# وقال وكيع: إذا اجتمع عمر وعلي على شيء فهو الأمر.
# وروي عن ابن مسعود أنه كان يحلف بالله: إن الصراط المستقيم هو الذي ثبت
~~عليه عمر حتى دخل الجنة.
# وبكل حال، فما جمع عمر عليه الصحابة، فاجتمعوا عليه في عصره، فلا شك أنه
~~الحق، ولو خالف فيه بعد ذلك من خالف، كقضائه في مسائل من الفرائض كالعول،
~~وفي زوج وأبوين وزوجة وأبوين أن للأم ثلث الباقي، وكقضائه فيمن جامع في
~~إحرامه أنه يمضي في نسكه وعليه القضاء والهدي، ومثل ما قضى به في امرأة
~~المفقود، ووافقه غيره من الخلفاء أيضا، ومثل ما جمع عليه الناس في الطلاق
~~الثلاث، وفي تحريم متعة النساء، ومثل ما فعله من وضع الديوان، ووضع الخراج
~~على أرض العنوة، وعقد الذمة لأهل الذمة بالشروط التي شرطها عليهم ونحو ذلك.
# ويشهد لصحة ما جمع عليه عمر الصحابة، فاجتمعوا عليه، ولم يخالف في وقته
~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيتني في المنام أنزع على قليب، فجاء أبو
~~بكر، فنزع ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم جاء عمر بن
~~الخطاب، فاستحالت غربا، فلم أر أحدا يفري فريه حتى روي الناس، وضربوا بعطن
~~وفي رواية: فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع ابن الخطاب وفي رواية: حتى
~~تولى والحوض يتفجر» .
# PageV02P125
# وهذا إشارة إلى أن عمر لم يمت حتى ms367 وضع الأمور مواضعها، واستقامت الأمور،
~~وذلك لطول مدته، وتفرغه للحوادث، واهتمامه بها، بخلاف مدة أبي بكر فإنها
~~كانت قصيرة، وكان مشغولا فيها بالفتوح، وبعث البعوث للقتال، فلم يتفرغ
~~لكثير من الحوادث، وربما كان يقع في زمنه ما لا يبلغه، ولا يرفع إليه، حتى
~~رفعت تلك الحوادث إلى عمر، فرد الناس فيها إلى الحق وحملهم على الصواب.
# وأما ما لم يجمع عمر الناس عليه، بل كان له فيه رأي، وهو يسوغ لغيره أن
~~يرى رأيا يخالف رأيه، كمسائل الجد مع الإخوة، ومسألة طلاق البتة، فلا يكون
~~قول عمر فيه حجة على غيره من الصحابة والله أعلم.
# وإنما وصف الخلفاء بالراشدين، لأنهم عرفوا الحق، وقضوا به، فالراشد ضد
~~الغاوي، والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه.
# وفي رواية: " المهديين " يعني: أن الله يهديهم للحق، ولا يضلهم عنه،
~~فالأقسام ثلاثة: راشد وغاو وضال، فالراشد عرف الحق واتبعه، والغاوي: عرفه
~~ولم يتبعه، والضال: لم يعرفه بالكلية، فكل راشد فهو مهتد، وكل مهتد هداية
~~تامة فهو راشد، لأن الهداية إنما تتم بمعرفة الحق والعمل به أيضا.
# وقوله: «عضوا عليها بالنواجذ» كناية عن شدة التمسك بها، والنواجذ:
~~الأضراس.
# PageV02P126
# قوله: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» تحذير للأمة من اتباع
~~الأمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: كل بدعة ضلالة والمراد بالبدعة:
~~ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع
~~يدل عليه، فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعة لغة، وفي " صحيح مسلم " عن جابر،
~~أن «النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: إن خير الحديث كتاب الله،
~~وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» .
# وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن عبد الله المزني - وفيه ضعف - عن
~~أبيه عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من ابتدع بدعة ضلالة لا
~~يرضاها الله ورسوله، كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم
~~شيئا» .
# وخرج الإمام أحمد من رواية ms368 غضيف بن الحارث الثمالي قال: بعث إلي عبد
~~الملك بن مروان، فقال: إنا قد جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على
~~المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم
~~عندي، ولست بمجيبكم إلى شيء منها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما
~~أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة» فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة.
# PageV02P127
# وقد روي عن ابن عمر من قوله نحو هذا.
# فقوله صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه
~~شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله: «من أحدث في أمرنا ما
~~ليس منه فهو رد» ، فكل من أحدث شيئا، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من
~~الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل
~~الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة.
# وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع
~~اللغوية، لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لما جمع الناس في قيام
~~رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: نعمت البدعة
~~هذه. وروي عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة. وروي عن أبي بن
~~كعب، قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر: قد علمت، ولكنه حسن، ومراده أن هذا
~~الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع
~~إليها، فمنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على قيام رمضان، ويرغب
~~فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانا، وهو صلى
~~الله عليه وسلم صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معللا بأنه
~~خشي أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أمن بعده صلى الله عليه
~~وسلم، وروي عنه أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر.
# PageV02P128
# ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع سنة ms369 خلفائه الراشدين، وهذا قد
~~صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان
~~وعلي.
# ومن ذلك: أذان الجمعة الأول، زاده عثمان لحاجة الناس إليه، وأقره علي،
~~واستمر عمل المسلمين عليه، وروي عن ابن عمر أنه قال: هو بدعة، ولعله أراد
~~ما أراد أبوه في قيام رمضان.
# ومن ذلك جمع المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زيد بن ثابت وقال لأبي بكر
~~وعمر: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ ثم علم أنه مصلحة،
~~فوافق على جمعه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بكتابة الوحي، ولا
~~فرق بين أن يكتب مفرقا أو مجموعا، بل جمعه صار أصلح.
# وكذلك جمع عثمان الأمة على مصحف واحد وإعدامه لما خالفه خشية تفرق الأمة،
~~وقد استحسنه علي وأكثر الصحابة، وكان ذلك عين المصلحة.
# وكذلك قتال من منع الزكاة توقف فيه عمر وغيره حتى بين له أبو بكر أصله
~~الذي يرجع إليه من الشريعة، فوافقه الناس على ذلك.
# ومن ذلك القصص، وقد سبق قول غضيف بن الحارث: إنه بدعة، وقال الحسن: القصص
~~بدعة، ونعمت البدعة، كم من دعوة مستجابة، وحاجة مقضية، وأخ مستفاد. وإنما
~~عنى هؤلاء بأنه بدعة الهيئة الاجتماعية عليه في وقت
# PageV02P129
# معين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له وقت معين يقص على أصحابه
~~فيه غير خطبته الراتبة في الجمع والأعياد، وإنما كان يذكرهم أحيانا، أو عند
~~حدوث أمر يحتاج إلى التذكير عنده، ثم إن الصحابة اجتمعوا على تعيين وقت له
~~كما سبق عن ابن مسعود أنه كان يذكر أصحابه كل يوم خميس.
# وفي " صحيح البخاري " عن ابن عباس قال: حدث الناس في كل جمعة مرة، فإن
~~أبيت، فمرتين، فإن أكثرت فثلاثا، ولا تمل الناس.
# وفي " المسند " عن عائشة أنها وصت قاص أهل المدينة بمثل ذلك. وروي عنها
~~أنها قالت لعبيد بن عمير: حدث الناس يوما، ودع الناس يوما، لا تملهم. وروي
~~عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاص أن يقص كل ms370 ثلاثة أيام مرة. وروي عن عمر
~~بن عبد العزيز أنه أمر القاص أن يقص كل ثلاثة أيام مرة. وروي عنه أنه قال:
~~روح الناس ولا تثقل عليهم، ودع القصص يوم السبت ويوم الثلاثاء.
# PageV02P130
# وقد روى الحافظ أبو نعيم بإسناد عن إبراهيم بن الجنيد، [حدثنا حرملة بن
~~يحيى] قال: سمعت الشافعي رحمة الله عليه يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة،
~~وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم. واحتج
~~بقول عمر: نعمت البدعة هي.
# ومراد الشافعي رحمه الله ما ذكرناه من قبل: أن البدعة المذمومة ما ليس
~~لها أصل من الشريعة يرجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة
~~المحمودة فما وافق السنة، يعني: ما كان لها أصل من السنة يرجع إليه، وإنما
~~هي بدعة لغة لا شرعا، لموافقتها السنة.
# وقد روي عن الشافعي كلام آخر يفسر هذا، وأنه قال: والمحدثات ضربان: ما
~~أحدث مما يخالف كتابا، أو سنة، أو أثرا، أو إجماعا، فهذه البدعة الضلال،
~~وما أحدث فيه من الخير، لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة.
# وكثير من الأمور التي حدثت ولم يكن قد اختلف العلماء في أنها بدعة حسنة
~~حتى ترجع إلى السنة أم لا؟ فمنها كتابة الحديث، نهى عنه عمر وطائفة من
~~الصحابة، ورخص فيها الأكثرون، واستدلوا له بأحاديث من السنة.
# ومنها كتابة تفسير الحديث والقرآن، كرهه قوم من العلماء، ورخص فيه كثير
~~منهم.
# وكذلك اختلافهم في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه، وفي توسعة
~~الكلام في المعاملات وأعمال القلوب التي لم تنقل عن الصحابة والتابعين.
~~وكان الإمام أحمد يكره أكثر ذلك.
# PageV02P131
# وفي هذه الأزمان التي بعد العهد فيها بعلوم السلف يتعين ضبط ما نقل عنهم
~~من ذلك كله، ليتميز به ما كان من العلم موجودا في زمانهم، وما حدث من ذلك
~~بعدهم، فيعلم بذلك السنة من البدعة.
# وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم
~~ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة، فعليكم بالهدي ms371 الأول. وابن مسعود قال
~~هذا في زمن الخلفاء الراشدين.
# وروى ابن حميد عن مالك قال: لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي صلى
~~الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان. وكأن مالكا يشير بالأهواء إلى ما حدث
~~من التفرق في أصول الديانات من أمر الخوارج والروافض والمرجئة ونحوهم ممن
~~تكلم في تكفير المسلمين، واستباحة دمائهم وأموالهم، أو في تخليدهم في
~~النار، أو في تفسيق خواص هذه الأمة، أو عكس ذلك، فزعم أن المعاصي لا تضر
~~أهلها، أو أنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد.
# وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في أفعال الله تعالى من قضائه وقدره،
~~فكذب بذلك من كذب، وزعم أنه نزه الله بذلك عن الظلم.
# وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في ذات الله وصفاته، مما سكت عنه النبي
~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، فقوم نفوا كثيرا مما
~~أورد في الكتاب والسنة من ذلك، وزعموا أنهم فعلوه تنزيها لله عما تقتضي
~~العقول تنزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك مستحيل على الله عز وجل، وقوم لم
~~يكتفوا بإثباته، حتى أثبتوا بإثباته ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى
~~المخلوقين، وهذه اللوازم نفيا
# PageV02P132
# وإثباتا درج صدر الأمة على السكوت عنها.
# ومما أحدث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين الكلام في الحلال والحرام
~~بمجرد الرأي، ورد كثير مما وردت به السنة في ذلك لمخالفته للرأي والأقيسة
~~العقلية.
# ومما حدث بعد ذلك الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف، وزعم أن الحقيقة
~~تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة إلى
~~الأعمال، وأنها حجاب، أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوام، وربما انضم
~~إلى ذلك الكلام في الذات والصفات بما يعلم قطعا مخالفته للكتاب والسنة،
~~وإجماع سلف الأمة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
# PageV02P133
### | [الحديث التاسع والعشرون يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار]
# PageV02P133
# الحديث التاسع والعشرون.
# «عن معاذ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أخبرني ms372 بعمل يدخلني الجنة
~~ويباعدني من النار، قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله
~~عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم
~~رمضان، وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة
~~تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا:
~~{تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة: 16] حتى بلغ: يعلمون [السجدة: 16 -
~~17] ، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول
~~الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال:
~~ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، قال: كف
~~عليك هذا قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك،
~~وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم»
~~. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
# PageV02P134
# هذا الحديث خرجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من رواية
~~معمر عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل، وقال الترمذي:
~~حسن صحيح.
# وفيما قاله رحمه الله نظر من وجهين: أحدهما: أنه لم يثبت سماع أبي وائل
~~من معاذ، وإن كان قد أدركه بالسن وكان معاذ بالشام، وأبو وائل بالكوفة، وما
~~زال الأئمة - كأحمد وغيره - يستدلون على انتفاء السماع بمثل هذا، وقد قال
~~أبو حاتم الرازي في سماع أبي وائل من أبي الدرداء: قد أدركه، وكان بالكوفة
~~وأبو الدرداء بالشام، يعني: أنه لم يصح له سماع منه. وقد حكى أبو زرعة
~~الدمشقي عن قوم أنهم توقفوا في سماع أبي وائل من عمر، أو نفوه، فسماعه من
~~معاذ أبعد.
# والثاني: أنه قد رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود، عن شهر بن
~~حوشب، عن معاذ، خرجه الإمام أحمد مختصرا، قال الدارقطني: وهو أشبه بالصواب؛
~~لأن الحديث معروف من رواية شهر على اختلاف عليه فيه.
# قلت: رواية شهر عن معاذ مرسلة يقينا، وشهر مختلف في توثيقه وتضعيفه، ms373 وقد
~~خرجه الإمام أحمد من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وخرجه الإمام
~~أحمد أيضا من رواية عروة بن النزال أو النزال بن عروة، وميمون بن أبي شبيب،
~~كلاهما عن معاذ، ولم يسمع عروة ولا ميمون من معاذ، وله طرق أخرى عن معاذ
~~كلها ضعيفة.
# وقوله: " «أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار» " وقد تقدم في
~~شرح الحديث الثاني والعشرين من وجوه ثابتة من حديث أبي هريرة وأبي أيوب
# PageV02P135
# وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل هذه المسألة، وأجاب بنحو
~~ما أجاب به في حديث معاذ.
# وفي رواية الإمام أحمد في «حديث معاذ أنه قال: يا رسول الله، إني أريد أن
~~أسألك عن كلمة قد أمرضتني وأسقمتني وأحزنتني، قال: سل عما شئت، قال: أخبرني
~~بعمل يدخلني الجنة لا أسألك غيره» ، وهذا يدل على شدة اهتمام معاذ رضي الله
~~عنه بالأعمال الصالحة، وفيه دليل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة، كما قال
~~تعالى: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} [الزخرف: 72] [الزخرف:
~~72] .
# وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله» فالمراد -
~~والله أعلم - أن العمل بنفسه لا يستحق به أحد الجنة لولا أن الله جعله -
~~بفضله ورحمته - سببا لذلك والعمل بنفسه من رحمة الله وفضله على عبده،
~~فالجنة وأسبابها كل من فضل الله ورحمته.
# وقوله: «لقد سألت عن عظيم» قد سبق في شرح الحديث المشار إليه أن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال لرجل سأله عن مثل هذا: «لئن كنت أوجزت المسألة، لقد
~~أعظمت وأطولت» ، وذلك لأن دخول الجنة والنجاة من النار أمر عظيم جدا،
~~ولأجله أنزل الله الكتب، وأرسل الرسل، «وقال النبي صلى الله عليه وسلم
~~لرجل: كيف تقول إذا صليت؟ قال: أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، ولا
~~أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، يشير إلى كثرة دعائهما واجتهادهما في المسألة
~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن وفي رواية: هل تصير دندنتي
~~ودندنة معاذ إلا أن نسأل ms374 الله الجنة،
# PageV02P136
# ونعوذ به من النار» .
# وقوله: وإنه ليسير على من يسره الله عليه: إشارة إلى أن التوفيق كله بيد
~~الله عز وجل، فمن يسر الله عليه الهدى اهتدى، ومن لم ييسره عليه، لم ييسر
~~له ذلك؛ قال الله تعالى: {فأما من أعطى واتقى - وصدق بالحسنى - فسنيسره
~~لليسرى - وأما من بخل واستغنى - وكذب بالحسنى - فسنيسره للعسرى} [الليل: 5
~~- 10] [الليل: 5 - 10] ، «وقال صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ميسر لما
~~خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة
~~فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم تلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية» . «وكان
~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: واهدني ويسر الهدى لي» ، وأخبر
~~الله عن نبيه موسى عليه السلام أنه قال في دعائه: {رب اشرح لي صدري - ويسر
~~لي أمري} [طه: 25 - 26] [طه: 25 - 26] ، وكان ابن عمر يدعو: اللهم يسرني
~~لليسرى، وجنبني العسرى.
# وقد سبق في شرح الحديث المشار إليه توجيه ترتيب دخول الجنة على
# PageV02P137
# الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي: التوحيد، والصلاة، والزكاة،
~~والصيام، والحج.
# وقوله: «ألا أدلك على أبواب الخير» : لما رتب دخول الجنة على واجبات
~~الإسلام، دله بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل، فإن أفضل أولياء الله هم
~~المقربون، الذين يتقربون إليه بالنوافل بعد أداء الفرائض.
# وقوله: «الصوم جنة» هذا الكلام ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه
~~كثيرة، وخرجاه في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، وخرجه الإمام أحمد بزيادة، وهي «الصيام جنة وحصن حصين من النار» .
# وخرج من حديث عثمان بن أبي العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«الصوم جنة من النار، كجنة أحدكم من القتال» .
# ومن حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «قال ربنا عز وجل:
~~الصيام جنة يستجن بها العبد من النار» .
# وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي عبيدة، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم قال: «الصيام جنة ما لم يخرقها» ، وقوله: ما لم يخرقها يعني: ms375 بالكلام
~~السيئ ونحوه، ولهذا في حديث أبي هريرة المخرج في " الصحيحين " عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم: «الصيام
# PageV02P138
# جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يفسق، ولا يجهل، فإن امرؤ
~~سابه فليقل: إني امرؤ صائم» .
# وقال بعض السلف: الغيبة تخرق الصيام، والاستغفار يرفعه، فمن استطاع منكم
~~أن لا يأتي بصوم مخرق فليفعل.
# وقال ابن المنكدر: الصائم إذا اغتاب خرق، وإذا استغفر رقع.
# وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي هريرة مرفوعا: «الصيام جنة ما لم
~~يخرقها، قيل: بم يخرقه؟ قال: بكذب أو غيبة» .
# فالجنة: هي ما يستجن به العبد، كالمجن الذي يقيه عند القتال من الضرب،
~~فكذلك الصيام يقي صاحبه من المعاصي في الدنيا، كما قال عز وجل: {يا أيها
~~الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}
~~[البقرة: 183] [البقرة: 183] ، فإذا كان له جنة من المعاصي، كان له في
~~الآخرة جنة من النار، وإن لم يكن له جنة في الدنيا من المعاصي، لم يكن له
~~جنة في الآخرة من النار.
# وخرج ابن مردويه من حديث علي مرفوعا، قال: «بعث الله يحيى بن زكريا إلى
~~بني إسرائيل بخمس كلمات، فذكر الحديث بطوله، وفيه: وإن الله يأمركم أن
~~تصوموا، ومثل ذلك كمثل رجل مشى إلى عدوه، وقد أخذ للقتال جنة، فلا يخاف من
~~حيث ما أتي» . وخرجه من وجه آخر عن علي موقوفا، وفيه قال: الصيام مثله كمثل
~~رجل انتصره الناس، فاستحد في السلاح، حتى ظن أن لن يصل إليه سلاح العدو،
~~فكذلك الصيام جنة.
# PageV02P139
# وقوله: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» هذا الكلام روي عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر، فخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث
~~كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الصوم جنة حصينة، والصدقة
~~تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» .
# وخرجه الطبراني وغيره من حديث أنس مرفوعا بمعناه.
# وخرجه الترمذي وابن حبان في " صحيحه " من حديث أنس عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: ms376 «إن صدقة السر لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء» .
# وروي عن علي بن الحسين أنه كان يحمل الخبز على ظهره بالليل يتبع به
~~المساكين في ظلمة الليل، ويقول: إن الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب عز
~~وجل. وقد قال الله عز وجل: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها
~~الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم} [البقرة: 271] [البقرة: 271] ،
~~فدل على أن الصدقة يكفر بها من السيئات: إما مطلقا، أو صدقة السر.
# PageV02P140
# وقوله: «وصلاة الرجل في جوف الليل» يعني أنها تطفئ الخطيئة أيضا كالصدقة،
~~ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من رواية عروة بن النزال عن معاذ قال:
~~«أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، فذكر الحديث، وفيه: إن
~~الصوم جنة، والصدقة وقيام العبد في جوف الليل يكفر الخطيئة» .
# وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل
~~الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل» .
# وقد روي عن جماعة من الصحابة: أن الناس يحترقون بالنهار بالذنوب، وكلما
~~قاموا إلى صلاة من الصلوات المكتوبات أطفئوا ذنوبهم، وروي ذلك مرفوعا من
~~وجوه فيها نظر.
# وكذلك قيام الليل يكفر الخطايا، لأنه أفضل نوافل الصلاة، وفي " الترمذي "
~~من حديث بلال عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «عليكم بقيام الليل، فإنه
~~دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله عز وجل، ومنهاة عن
~~الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد» . وخرجه أيضا من حديث أبي
~~أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وقال: هو أصح من حديث بلال.
~~وخرجه الحاكم وابن خزيمة في " صحيحيهما " من حديث أبي أمامة أيضا.
# PageV02P141
# وقال ابن مسعود: فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة
~~العلانية. وخرجه أبو نعيم عنه مرفوعا والموقوف أصح.
# وقد تقدم أن صدقة السر تطفئ الخطيئة، وتطفئ غضب الرب، فكذلك صلاة الليل.
# وقوله: " «ثم تلا {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما
~~رزقناهم ينفقون - فلا تعلم نفس ما أخفي ms377 لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا
~~يعملون} [السجدة: 16 - 17] [السجدة: 16 - 17] » يعني: أن النبي صلى الله
~~عليه وسلم تلا هاتين الآيتين عند ذكره فضل صلاة الليل، ليبين بذلك فضل صلاة
~~الليل، وقد روي عن أنس أن هذه الآية نزلت في انتظار صلاة العشاء، خرجه
~~الترمذي وصححه. وروي عنه أنه قال في هذه الآية: كانوا يتنفلون بين المغرب
~~والعشاء، خرجه أبو داود. وروي نحوه عن بلال، وخرجه البزار بإسناد ضعيف.
# وكل هذا يدخل في عموم لفظ الآية، فإن الله مدح الذين تتجافى جنوبهم عن
~~المضاجع لدعائه، فيشمل ذلك كل من ترك النوم بالليل لذكر الله ودعائه،
# PageV02P142
# فيدخل فيه من صلى بين العشاءين، ومن انتظر صلاة العشاء فلم ينم حتى
~~يصليها لا سيما مع حاجته إلى النوم، ومجاهدة نفسه على تركه لأداء الفريضة،
~~وقد «قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن انتظر صلاة العشاء: إنكم لن تزالوا
~~في صلاة ما انتظرتم الصلاة» .
# ويدخل فيه من نام ثم قام من نومه بالليل للتهجد، وهو أفضل أنواع التطوع
~~بالصلاة مطلقا.
# وربما دخل فيه من ترك النوم عند طلوع الفجر، وقام إلى أداء صلاة الصبح،
~~لا سيما مع غلبة النوم عليه، ولهذا يشرع للمؤذن في أذان الفجر أن يقول في
~~أذانه: الصلاة خير من النوم.
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «وصلاة الرجل في جوف الليل» ذكر أفضل أوقات
~~التهجد بالليل، وهو جوف الليل، وخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي أمامة،
~~قال: «قيل: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ودبر
~~الصلوات المكتوبات» .
# وخرجه ابن أبي الدنيا، ولفظه: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم،
~~فقال: أي الصلاة
# PageV02P143
# أفضل؟ قال: جوف الليل الأوسط قال: أي الدعاء أسمع؟ قال: دبر المكتوبات» .
# وخرج النسائي من حديث أبي ذر قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي
~~الليل خير؟ قال: خير الليل جوفه» . وخرج الإمام أحمد من حديث أبي مسلم قال:
~~«قلت لأبي ذر: أي قيام الليل أفضل؟ قال: سألت النبي صلى الله عليه ms378 وسلم كما
~~سألتني، فقال: جوف الليل الغابر أو نصف الليل، وقليل فاعله» .
# وخرجه البزار، والطبراني من حديث ابن عمر قال: «سئل النبي صلى الله عليه
~~وسلم: أي الليل أجوب دعوة؟ قال: جوف الليل زاد البزار في روايته: " الآخر»
~~.
# وخرج الترمذي من حديث عمرو بن عبسة سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
~~«أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن
~~يذكر الله تلك الساعة فكن» ، وصححه، وخرجه الإمام أحمد، ولفظه قال: «قلت:
~~يا رسول الله، أي الساعات أفضل؟ قال: جوف الليل الآخر وفي رواية له أيضا:
~~قال: جوف الليل الآخر أجوبه دعوة، وفي رواية له: قلت: يا رسول الله، هل من
~~ساعة أقرب إلى الله من أخرى؟ قال: جوف الليل الآخر» . وخرجه ابن ماجه،
~~وعنده: جوف الليل الأوسط وفي رواية الإمام أحمد عن عمرو بن عبسة، قال:
~~«قلت: يا رسول الله، هل من ساعة أفضل من ساعة؟ قال: إن الله ليتدلى في جوف
~~الليل، فيغفر إلا ما كان من الشرك» .
# PageV02P144
# وقد قيل: إن جوف الليل إذا أطلق، فالمراد به وسطه، وإن قيل: جوف الليل
~~الآخر، فالمراد وسط النصف الثاني، وهو السدس الخامس من أسداس الليل، وهو
~~الوقت الذي ورد فيه النزول الإلهي.
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟
~~قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة
~~سنامه الجهاد» وفي رواية للإمام أحمد من رواية شهر بن حوشب، عن ابن غنم،
~~«عن معاذ قال: قال لي نبي الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت حدثتك برأس هذا
~~الأمر وقوام هذا الأمر وذروة السنام، قلت بلى، فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم: إن رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
~~وأن محمدا عبده ورسوله، وإن قوام هذا الأمر إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة،
~~وإن ذروة السنام منه الجهاد في سبيل الله، وإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى
~~يقيموا ms379 الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده
~~ورسوله، فإذا فعلوا ذلك، فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها،
~~وحسابهم على الله عز وجل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس
~~محمد بيده، ما شحب وجه، ولا اغبرت قدم في عمل يبتغى فيه درجات الجنة بعد
~~الصلاة المفروضة كالجهاد في سبيل الله، ولا ثقل ميزان عبد كدابة تنفق له في
~~سبيل الله، أو يحمل عليها في سبيل الله عز وجل.
# فأخبرني النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أشياء: رأس الأمر، وعموده،
~~وذروة سنامه» .
# فأما رأس الأمر، ويعني بالأمر الدين الذي بعث به وهو الإسلام، وقد جاء
~~تفسيره في الرواية الأخرى بالشهادتين، فمن لم يقر بهما ظاهرا وباطنا، فليس
~~من الإسلام في شيء.
# PageV02P145
# وأما قوام الدين الذي يقوم به الدين كما يقوم الفسطاط على عموده، فهي
~~الصلاة، وفي الرواية الأخرى: وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وقد سبق القول في
~~أركان الإسلام وارتباط بعضها ببعض.
# وأما ذروة سنامه - وهو أعلى ما فيه وأرفعه - فهو الجهاد، وهذا يدل على
~~أنه أفضل الأعمال بعد الفرائض، كما هو قول الإمام أحمد وغيره من العلماء.
# وقوله في رواية الإمام أحمد: «والذي نفس محمد بيده ما شحب وجه ولا اغبرت
~~قدم في عمل يبتغى به درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله
~~عز وجل» يدل على ذلك صريحا.
# وفي " الصحيحين " «عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟
~~قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله» .
# وفيهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل الأعمال
~~إيمان بالله، ثم جهاد في سبيل الله» .
# والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا.
# وقوله: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان
~~نفسه فقال: كف عليك هذا» إلى آخر الحديث. هذا يدل على أن كف اللسان وضبطه
~~وحبسه هو أصل الخير كله، وأن من ملك لسانه، فقد ملك أمره وأحكمه وضبطه، وقد
~~سبق الكلام على ms380 هذا المعنى في شرح حديث من كان يؤمن بالله
# PageV02P146
# واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت. وفي شرح حديث: «قل آمنت بالله، ثم
~~استقم» . وخرج البزار في " مسنده " من حديث أبي اليسر أن «رجلا قال: يا
~~رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: أمسك هذا وأشار إلى لسانه،
~~فأعادها عليه، فقال: ثكلتك أمك، هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا
~~حصائد ألسنتهم» وقال: إسناده حسن.
# والمراد بحصائد الألسنة: جزاء الكلام المحرم وعقوباته؛ فإن الإنسان يزرع
~~بقوله وعمله الحسنات والسيئات، ثم يحصد يوم القيامة ما زرع، فمن زرع خيرا
~~من قول أو عمل، حصد الكرامة، ومن زرع شرا من قول أو عمل، حصد غدا الندامة.
# وظاهر حديث معاذ يدل على أن أكثر ما يدخل به الناس النار النطق بألسنتهم،
~~فإن معصية النطق يدخل فيها الشرك وهي أعظم الذنوب عند الله عز وجل، ويدخل
~~فيها القول على الله بغير علم، وهو قرين الشرك، ويدخل فيها شهادة الزور
~~التي عدلت الإشراك بالله عز وجل، ويدخل فيها السحر والقذف وغير ذلك من
~~الكبائر والصغائر؛ كالكذب والغيبة والنميمة، وسائر المعاصي الفعلية لا يخلو
~~غالبا من قول يقترن بها يكون معينا عليها.
# وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أكثر ما يدخل
~~الناس النار الأجوفان: الفم والفرج» خرجه الإمام أحمد والترمذي.
# وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن
~~الرجل ليتكلم
# PageV02P147
# بالكلمة ما يتبين ما فيها، يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب»
~~وخرجه الترمذي، ولفظه: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها
~~سبعين خريفا في النار» .
# وروى مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه «أن عمر دخل على أبي بكر الصديق رضي
~~الله عنهما وهو يجبذ لسانه، فقال عمر: مه، غفر الله لك! فقال أبو بكر: هذا
~~الذي أوردني الموارد» .
# وقال ابن بريدة: رأيت ابن عباس آخذ بلسانه وهو يقول: ويحك قل خيرا تغنم،
~~أو اسكت عن سوء تسلم، وإلا ms381 فاعلم أنك ستندم، قال: فقيل له: يا ابن عباس، لم
~~تقول هذا؟ قال: إنه بلغني أن الإنسان - أراه قال - ليس على شيء من جسده أشد
~~حنقا أو غيظا يوم القيامة منه على لسانه إلا ما قال به خيرا، أو أملى به
~~خيرا.
# وكان ابن مسعود يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: ما على الأرض شيء أحوج
~~إلى طول سجن من لسان.
# وقال الحسن: اللسان أمير البدن، فإذا جنى على الأعضاء شيئا، جنت، وإذا عف
~~عفت.
# PageV02P148
# وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أحدا لسانه منه على بال إلا رأيت ذلك صلاحا
~~في سائر عمله.
# وقال يحيى بن أبي كثير: ما صلح منطق رجل إلا عرفت ذلك في سائر عمله، ولا
~~فسد منطق رجل قط، إلا عرفت ذلك في سائر عمله.
# وقال المبارك بن فضالة، عن يونس بن عبيد: لا تجد شيئا من البر واحدا
~~يتبعه البر كله غير اللسان، فإنك تجد الرجل يصوم النهار، ويفطر على حرام،
~~ويقوم الليل ويشهد بالزور بالنهار - وذكر أشياء نحو هذا - ولكن لا تجده لا
~~يتكلم إلا بحق فيخالف ذلك عمله أبدا.
# PageV02P149
### | [الحديث الثلاثون إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها]
# PageV02P149
# الحديث الثلاثون
# «عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
~~قال: إن الله فرض فرائض، فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء،
~~فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها» . حديث
~~حسن، رواه الدارقطني وغيره.
# هذا الحديث من رواية مكحول عن أبي
~~ثعلبة الخشني، وله علتان: إحداهما: أن مكحولا لم يصح له السماع من أبي
~~ثعلبة، كذلك قال أبو مسهر الدمشقي وأبو نعيم الحافظ وغيرهما.
# والثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول
~~من قوله، لكن قال الدارقطني: الأشبه بالصواب المرفوع، قال: وهو أشهر.
# وقد حسن الشيخ رحمه الله هذا الحديث، وكذلك حسن قبله الحافظ أبو بكر بن
~~السمعاني في " أماليه ".
# وقد ms382 روي معنى هذا الحديث مرفوعا من وجوه أخر، خرجه البزار في
# PageV02P150
# " مسنده " والحاكم من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو
~~عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا ثم تلا هذه
~~الآية: {وما كان ربك نسيا} [مريم: 64] » [مريم: 64] ، وقال الحاكم: صحيح
~~الإسناد، وقال البزار: إسناده صالح.
# وقد خرجه الطبراني والدارقطني من وجه آخر عن أبي الدرداء عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم بمثل حديث أبي ثعلبة، وقال في آخره: «رحمة من الله
~~فاقبلوها» ولكن إسناده ضعيف.
# وخرجه الترمذي، وابن ماجه من رواية سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي
~~عثمان، عن سلمان قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن
~~والفراء، فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في
~~كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» .
# وقال الترمذي: رواه سفيان - يعني ابن عيينة - عن سليمان، عن أبي عثمان،
~~عن سلمان من قوله، قال: وكأنه أصح. وذكر في كتاب " العلل " عن البخاري أنه
~~قال في الحديث المرفوع: ما أراه محفوظا، وقال أحمد: هو منكر،
# PageV02P151
# وأنكره ابن معين أيضا، وقال أبو حاتم الرازي: هو خطأ، رواه الثقات عن
~~التيمي عن أبي عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ليس فيه سلمان.
# قلت: وقد روي عن سلمان من قوله من وجوه أخر.
# وخرجه ابن عدي من حديث ابن عمر مرفوعا وضعف إسناده.
# ورواه أبو صالح المري، عن الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن عائشة مرفوعا
~~وأخطأ في إسناده.
# وروي عن الحسن مرسلا.
# وخرج أبو داود من حديث ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء،
~~ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنزل كتابه،
~~وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل، فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه
~~فهو عفو، وتلا: {قل لا أجد في ما أوحي ms383 إلي محرما} [الأنعام: 145] [الأنعام:
~~145] الآية، وهذا موقوف.
# وقال عبيد بن عمير: إن الله عز وجل أحل حلالا وحرم حراما، وما أحل فهو
~~حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو.
# فحديث أبي ثعلبة قسم فيه أحكام الله أربعة أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود،
~~ومسكوت عنه، وذلك يجمع أحكام الدين كلها.
# PageV02P152
# قال أبو بكر السمعاني: هذا الحديث أصل كبير من أصول الدين، قال: وحكي عن
~~بعضهم أنه قال: ليس في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث واحد أجمع
~~بانفراده لأصول العلم وفروعه من حديث أبي ثعلبة، قال: وحكي عن أبي واثلة
~~المزني أنه قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين في أربع كلمات، ثم
~~ذكر حديث أبي ثعلبة.
# قال ابن السمعاني: فمن عمل بهذا الحديث، فقد حاز الثواب، وأمن العقاب؛
~~لأن من أدى الفرائض، واجتنب المحارم، ووقف عند الحدود، وترك البحث عما غاب
~~عنه، فقد استوفى أقسام الفضل، وأوفى حقوق الدين، لأن الشرائع لا تخرج عن
~~هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث انتهى.
# فأما الفرائض فما فرضه الله على عباده وألزمهم القيام به، كالصلاة
~~والزكاة والصيام والحج.
# وقد اختلف العلماء: هل الواجب والفرض بمعنى واحد أم لا؟ فمنهم من قال:
~~هما سواء، وكل واجب بدليل شرعي بكتاب أو سنة أو إجماع أو غير ذلك من أدلة
~~الشرع فهو فرض، وهو المشهور عن أصحاب الشافعي وغيرهم، وحكي رواية عن أحمد؛
~~لأنه قال: كل ما في الصلاة فهو فرض.
# ومنهم من قال: بل الفرض ما ثبت بدليل مقطوع به، والواجب ما ثبت بغير
~~مقطوع به، وهو قول الحنفية وغيرهم.
# وأكثر النصوص عن أحمد تفرق بين الفرض والواجب، فنقل جماعة من أصحابه عنه
~~أنه قال: لا يسمى فرضا إلا ما كان في كتاب الله تعالى، وقال في صدقة الفطر:
~~ما أجترئ أن أقول: إنها فرض، مع أنه يقول بوجوبها، فمن أصحابنا من قال:
~~مراده أن الفرض ما يثبت بالكتاب، والواجب ما ثبت بالسنة، ومنهم من قال:
~~أراد أن الفرض ms384 ما ثبت بالاستفاضة والنقل المتواتر، والواجب ما ثبت من جهة
~~الاجتهاد، وساغ الخلاف في وجوبه.
# PageV02P153
# ويشكل على هذا أن أحمد قال في رواية الميموني في بر الوالدين: ليس بفرض،
~~ولكن أقول: واجب ما لم يكن معصية، وبر الوالدين مجمع على وجوبه، وقد كثرت
~~الأوامر به في الكتاب والسنة، فظاهر هذا أنه لا يقول: فرض، إلا ما ورد في
~~الكتاب والسنة فرضا.
# وقد اختلف السلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هل يسمى فريضة أم
~~لا؟ فقال جويبر عن الضحاك: هما من فرائض الله عز وجل، وكذا روي عن مالك.
# وروى عبد الواحد بن زيد، عن الحسن؛ فقال: ليس بفريضة، كان فريضة على بني
~~إسرائيل، فرحم الله هذه الأمة لضعفهم، فجعله عليهم نافلة.
# وكتب عبد الله بن شبرمة إلى عمرو بن عبيد أبياتا مشهورة أولها:
# الأمر بالمعروف يا عمرو نافلة ... والقائمون به لله أنصار
# واختلف كلام أحمد فيه: هل يسمى واجبا أم لا؟ فروى عنه جماعة ما يدل على
~~وجوبه، ورواه عنه أبو داود في الرجل يرى الطنبور ونحوه: أواجب عليه تغييره؟
~~قال: ما أدري ما واجب إن غير فهو فضل.
# وقال إسحاق ابن راهويه: هو واجب على كل مسلم، إلا أن يخشى على نفسه، ولعل
~~أحمد يتوقف في إطلاق الواجب على ما ليس بواجب على الأعيان، بل على الكفاية.
# وقد اختلف العلماء في الجهاد: هل هو واجب أم لا؟ فأنكر جماعة منهم وجوبه،
~~منهم: عطاء، وعمرو بن دينار، وابن شبرمة، ولعلهم أرادوا هذا المعنى، وقالت
~~طائفة: هو واجب، منهم سعيد بن المسيب، ومكحول، ولعلهما أرادا وجوبه على
~~الكفاية.
# PageV02P154
# وقال أحمد في رواية حنبل: الغزو واجب على الناس كلهم كوجوب الحج، فإذا
~~غزا بعضهم أجزأ عنهم، ولا بد للناس من الغزو.
# وسأله المروزي عن الجهاد: أفرض هو؟ قال: قد اختلفوا فيه، وليس هو مثل
~~الحج، ومراده: أن الحج لا يسقط عمن لم يحج مع الاستطاعة بحج غيره، بخلاف
~~الجهاد.
# وسئل عن النفير: متى يجب؟ فقال: أما إيجاب فلا أدري، ولكن إذا ms385 خافوا على
~~أنفسهم، فعليهم أن يخرجوا.
# وظاهر هذا التوقف في إطلاق لفظ الواجب على ما لم يأت فيه لفظ الإيجاب
~~تورعا، ولذلك توقف في إطلاق لفظ الحرام على ما اختلف فيه، وتعارضت أدلته من
~~نصوص الكتاب أو السنة، فقال في متعة النساء: لا أقول: هي حرام، ولكن ينهى
~~عنه، ولم يتوقف في معنى التحريم، ولكن في إطلاق لفظه، لاختلاف النصوص
~~والصحابة فيها، هذا هو الصحيح في تفسير كلام أحمد.
# وقال في الجمع بين الأختين بملك اليمين: لا أقول: حرام، ولكن ينهى عنه،
~~والصحيح في تفسيره أنه توقف في إطلاق لفظة الحرام دون معناها، وهذا كله على
~~سبيل الورع في الكلام؛ حذرا من الدخول تحت قوله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف
~~ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} [النحل: 116]
~~[النحل: 116] .
# قال الربيع بن خثيم: ليتق أحدكم أن يقول: أحل الله كذا، وحرم كذا، فيقول
~~الله: كذبت، لم أحل كذا ولم أحرم كذا.
# وقال ابن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول: أدركت علماءنا يقول أحدهم إذا سئل:
~~أكره هذا، ولا أحبه، ولا يقول: حلال ولا حرام.
# PageV02P155
# وأما ما حكي عن أحمد أنه قال: كل ما في الصلاة فهو فرض فليس كلامه كذلك
~~إنما نقل عنه ابنه عبد الله أنه قال: كل شيء في الصلاة مما وكده الله فهو
~~فرض، وهذا يعود إلى معنى قوله: إنه لا فرض إلا ما في القرآن والذي وكده
~~الله من أمر الصلاة: القيام والقراءة والركوع والسجود، وإنما قال أحمد هذا
~~لأن بعض الناس كان يقول: الصلاة فرض، والركوع والسجود لا أقول إنه فرض،
~~ولكنه سنة. وقد سئل مالك بن أنس عمن يقول ذلك، فكفره، فقيل له: إنه يتأول،
~~فلعنه، فقال: لقد قال قولا عظيما. وقد نقله أبو بكر النيسابوري في كتاب "
~~مناقب مالك " من وجوه عنه.
# وروى أيضا بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن ميمون بن الرماح، قال: دخلت
~~على مالك بن أنس، فقلت: يا أبا عبد الله، ما في الصلاة من فريضة ms386 وما فيها
~~من سنة، أو قال: نافلة؟ فقال مالك: كلام الزنادقة أخرجوه.
# ونقل إسحاق بن منصور عن إسحاق ابن راهويه أنه أنكر تقسيم أجزاء الصلاة
~~إلى سنة وواجب، فقال: كل ما في الصلاة، فهو واجب، وأشار إلى أن منه ما تعاد
~~الصلاة بتركه، ومنه ما لا تعاد.
# وسبب هذا - والله أعلم - أن التعبير بلفظ السنة قد يفضي إلى التهاون بفعل
~~ذلك، وإلى الزهد فيه وتركه، وهذا خلاف مقصود الشارع من الحث عليه، والترغيب
~~فيه بالطرق المؤدية إلى فعله وتحصيله، فإطلاق لفظ الواجب أدعى إلى الإتيان
~~به والرغبة فيه.
# PageV02P156
# وقد ورد إطلاق الواجب في كلام الشارع على ما لا يأثم بتركه، ولا يعاقب
~~عليه عند الأكثرين، كغسل الجمعة، وكذلك ليلة الضيف عند كثير من العلماء أو
~~أكثرهم، وإنما المراد به المبالغة في الحث على فعله وتأكيده.
# وأما المحارم فهي التي حماها الله تعالى ومنع من قربانها وارتكابها
~~وانتهاكها.
# والمحرمات المقطوع بها مذكورة في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: {قل تعالوا
~~أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا
~~أولادكم من إملاق} [الأنعام: 151] [الأنعام: 51] إلى آخر الآيات الثلاثة،
~~وقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي
~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما
~~لا تعلمون} [الأعراف: 33] [الأعراف: 33] .
# وقد ذكر في بعض الآيات المحرمات المختصة بنوع من الأنواع كما ذكر
~~المحرمات من المطاعم في مواضع، منها قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي
~~محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه
~~رجس أو فسقا أهل لغير الله به} [الأنعام: 145] [الأنعام: 145] ، وقوله:
~~{إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله} [البقرة:
~~173] [البقرة: 173] ، وفي الآية الأخرى: {وما أهل لغير الله به} [النحل:
~~115] [النحل: 115] ، وقوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل
~~لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ms387
~~ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام} [المائدة: 3] [المائدة: 3]
~~.
# وذكر المحرمات في النكاح في قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} [النساء:
~~23] [النساء: 23] الآية.
# وذكر المحرمات من المكاسب في قوله: {وأحل الله البيع وحرم الربا}
~~[البقرة: 275] [البقرة: 275] .
# PageV02P157
# وأما السنة، ففيها ذكر كثير من المحرمات، كقوله صلى الله عليه وسلم: «إن
~~الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» . وقوله: «إن الله إذا حرم
~~شيئا حرم ثمنه» ، وقوله: «كل مسكر حرام» . وقوله: «إن دماءكم وأموالكم
~~وأعراضكم عليكم حرام» .
# فما ورد التصريح بتحريمه في الكتاب والسنة، فهو محرم.
# وقد يستفاد التحريم من النهي مع الوعيد والتشديد، كما في قوله عز وجل:
~~{إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم
~~تفلحون - إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر
~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90 -
~~91] [المائدة: 90 - 91] .
# وأما النهي المجرد، فقد اختلف الناس: هل يستفاد منه التحريم أم لا؟ وقد
~~روي عن ابن عمر إنكار استفادة التحريم منه. قال ابن المبارك: أخبرنا سلام
~~بن أبي مطيع، عن ابن أبي دخيلة، عن أبيه قال: كنت عند ابن عمر، فقال «نهى
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزبيب والتمر، يعني: أن يخلطا» ، فقال لي
~~رجل من خلفي: ما قال؟ فقلت: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبيب
~~والتمر، فقال عبد الله بن عمر: كذبت، فقلت: ألم تقل نهى رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم عنه، فهو حرام؟ فقال: أنت تشهد
# PageV02P158
# بذاك؟ قال سلام: كأنه يقول: من نهي النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أدب.
# وقد ذكرنا فيما تقدم عن العلماء الورعين كأحمد ومالك توقي إطلاق لفظ
~~الحرام على ما لم يتيقن تحريمه مما فيه نوع شبهة أو اختلاف.
# وقال النخعي: كانوا يكرهون أشياء لا يحرمونها، وقال ابن عون: قال لي
~~مكحول: ما تقولون في الفاكهة تلقى بين القوم فينتهبونها؟ قلت: إن ذلك عندنا
~~لمكروه، قال: حرام هي؟ قال ابن عون: فاستجفينا ذلك من ms388 قول مكحول.
# وقال جعفر بن محمد: سمعت رجلا يسأل القاسم بن محمد: الغناء أحرام هو؟
~~فسكت عنه القاسم، ثم عاد، فسكت عنه، ثم عاد، فقال له: إن الحرام ما حرم
~~الله في القرآن؟ أرأيت إذا أتي بالحق والباطل إلى الله، فأيهما يكون
~~الغناء؟ فقال الرجل: في الباطل، فقال: فأنت، فأفت نفسك.
# قال عبد الله ابن الإمام أحمد: سمعت أبي يقول: أما ما نهى النبي صلى الله
~~عليه وسلم، فمنها أشياء حرام، مثل قوله: «نهى أن تنكح المرأة على عمتها، أو
~~على خالتها» فهذا حرام، «ونهى عن جلود السباع» ، فهذا حرام، وذكر أشياء من
~~نحو هذا.
# PageV02P159
# ومنها أشياء نهى عنها فهي أدب.
# وأما حدود الله التي نهى عن اعتدائها، فالمراد بها جملة ما أذن في فعله،
~~سواء كان على طريق الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، واعتداؤها: هو تجاوز ذلك
~~إلى ارتكاب ما نهى عنه، كما قال تعالى: {وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله
~~فقد ظلم نفسه} [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] والمراد: من طلق على غير ما أمر
~~الله به وأذن فيه، وقال تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود
~~الله فأولئك هم الظالمون} [البقرة: 229] [البقرة: 229] ، والمراد من أمسك
~~بعد أن طلق بغير معروف، أو سرح بغير إحسان، أو أخذ مما أعطى المرأة شيئا
~~على غير وجه الفدية التي أذن الله فيها.
# وقال تعالى: {تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات} [النساء:
~~13] إلى قوله: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله
~~عذاب مهين} [النساء: 14] [النساء: 13 - 14] ، والمراد من تجاوز ما فرضه
~~الله للورثة، ففضل وارثا، وزاد على حقه، أو نقصه منه، ولهذا «قال النبي صلى
~~الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا
~~وصية لوارث» .
# PageV02P160
# وروى النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ضرب الله مثلا
~~صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب
~~ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: ms389 يا أيها الناس، ادخلوا الصراط
~~جميعا، ولا تعرجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئا من
~~تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط: الإسلام،
~~والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس
~~الصراط كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم» خرجه الإمام
~~أحمد، وهذا لفظه، والنسائي في " تفسيره " والترمذي وحسنه.
# فضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل الإسلام في هذا الحديث بصراط مستقيم،
~~وهو الطريق السهل الواسع، الموصل سالكه إلى مطلوبه، وهو - مع هذا - مستقيم،
~~لا عوج فيه، فيقتضي ذلك قربه وسهولته، وعلى جنبتي الصراط يمنة ويسرة سوران،
~~وهما حدود الله، وكما أن السور يمنع من كان داخله من تعديه ومجاوزته، فكذلك
~~الإسلام يمنع من دخله من الخروج عن حدوده ومجاوزتها، وليس وراء ما حد الله
~~من المأذون فيه إلا ما نهى عنه، ولهذا مدح سبحانه الحافظين لحدوده، وذم من
~~لا يعرف حد الحلال من الحرام، كما قال تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا
~~وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} [التوبة: 97] [التوبة: 97]
~~وقد تقدم «حديث القرآن وأنه يقول لمن عمل به: حفظ حدودي، ولمن لم يعمل به:
~~تعدى حدودي» .
# والمراد: أن من لم يجاوز ما أذن له فيه إلى ما نهي عنه، فقد حفظ حدود
# PageV02P161
# الله، ومن تعدى ذلك، فقد تعدى حدود الله.
# وقد تطلق الحدود، ويراد بها نفس المحارم، وحينئذ فيقال: لا تقربوا حدود
~~الله، كما قال تعالى: {تلك حدود الله فلا تقربوها} [البقرة: 187] [البقرة:
~~187] ، والمراد: النهي عن ارتكاب ما نهى عنه في الآية من محظورات الصيام
~~والاعتكاف في المساجد، ومن هذا المعنى - وهو تسمية المحارم حدودا - قول
~~النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها، كمثل
~~قوم اقتسموا سفينة» الحديث المشهور، وأراد بالقائم على حدود الله المنكر
~~للمحرمات والناهي عنها.
# وفي حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني آخذ بحجزكم
~~[أقول:] اتقوا النار، اتقوا ms390 الحدود قالها ثلاثا» ، خرجه الطبراني والبزار،
~~وأراد بالحدود محارم الله ومعاصيه، ومنه «قول الرجل الذي قال للنبي صلى
~~الله عليه وسلم: فإني أصبت حدا فأقمه علي» .
# وقد تسمى العقوبات المقدرة الرادعة عن المحارم المغلظة حدودا، كما يقال:
~~حد الزنا، وحد السرقة، وحد شرب الخمر، ومنه «قول النبي صلى الله عليه وسلم
~~لأسامة:
# PageV02P162
# أتشفع في حد من حدود الله؟» يعني: في القطع في السرقة. وهذا هو المعروف
~~من اسم الحدود في اصطلاح الفقهاء.
# وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من
~~حدود الله» فهذا قد اختلف الناس في معناه، فمنهم من فسر الحدود هاهنا بهذه
~~الحدود المقدرة، وقال: إن التعزير لا يزاد على عشر جلدات، ولا يزاد عليها
~~إلا في هذه الحدود المقدرة، ومنهم من فسر الحدود هاهنا بجنس محارم الله،
~~وقال: المراد أن مجاوزة العشر الجلدات لا يجوز إلا في ارتكاب محرم من محارم
~~الله، فأما ضرب التأديب على غير محرم، فلا يتجاوز به عشر جلدات.
# وقد حمل بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم: «وحد حدودا فلا تعتدوها» على هذه
~~العقوبات الزاجرة عن المحرمات، وقال: المراد النهي عن تجاوز هذه الحدود
~~وتعديها عند إقامتها على أهل الجرائم. ورجح ذلك بأنه لو كان المراد بالحدود
~~الوقوف عند الأوامر والنواهي، لكان تكريرا لقوله: «فرض فرائض فلا تضيعوها،
~~وحرم أشياء، فلا تنتهكوها» وليس المراد على ما قاله، فإن الوقوف عند الحدود
~~يقتضي أنه لا يخرج عما أذن فيه إلا ما نهى عنه، وذلك أعم من كون المأذون
~~فيه فرضا أو ندبا أو مباحا كما تقدم، وحينئذ فلا تكرير في هذا الحديث،
~~والله أعلم.
# وأما المسكوت عنه، فهو ما لم يذكر حكمه بتحليل، ولا إيجاب، ولا تحريم،
~~فيكون معفوا عنه، لا حرج على فاعله، وعلى هذا دلت هذه الأحاديث المذكورة
~~هاهنا، كحديث أبي ثعلبة وغيره.
# PageV02P163
# وقد اختلفت ألفاظ حديث أبي ثعلبة، فروي باللفظ المتقدم، وروي بلفظ آخر،
~~وهو: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهاكم عن ms391 أشياء فلا تنتهكوها، وعفا
~~عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» خرجه إسحاق بن راهويه. وروي بلفظ
~~آخر وهو: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وسن لكم سننا فلا تنتهكوها، وحرم
~~عليكم أشياء فلا تعتدوها، وترك بين ذلك أشياء من غير نسيان رحمة منه،
~~فاقبلوها ولا تبحثوا عنها» خرجه الطبراني. وهذه الرواية تبين أن المعفو عنه
~~ما ترك ذكره، فلم يحرم ولم يحلل.
# ولكن مما ينبغي أن يعلم: أن ذكر الشيء بالتحريم والتحليل مما قد يخفى
~~فهمه من نصوص الكتاب والسنة، فإن دلالة هذه النصوص قد تكون بطريق النص
~~والتصريح، وقد تكون بطريق العموم والشمول، وقد تكون دلالته بطريق الفحوى
~~والتنبيه، كما في قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23]
~~[الإسراء: 23] ، فإن دخول ما هو أعظم من التأفيف من أنواع الأذى يكون بطريق
~~الأولى، ويسمى ذلك مفهوم الموافقة.
# وقد تكون دلالته بطريق مفهوم المخالفة، كقوله: «في الغنم السائمة الزكاة»
~~فإنه يدل بمفهومه على أنه لا زكاة في غير السائمة، وقد أخذ الأكثرون بذلك،
~~واعتبروا بمفهوم المخالفة، وجعلوه حجة.
# PageV02P164
# وقد تكون دلالته من باب القياس، فإذا نص الشارع على حكم في شيء لمعنى من
~~المعاني، وكان ذلك المعنى موجودا في غيره، فإنه يتعدى الحكم إلى كل ما وجد
~~في ذلك المعنى عند جمهور العلماء، وهو من باب العدل والميزان الذي أنزل
~~الله، وأمر بالاعتبار به، فهذا كله مما يعرف به دلالة النصوص على التحليل
~~والتحريم.
# فأما ما انتفى فيه ذلك كله، فهنا يستدل بعدم ذكره بإيجاب أو تحريم على
~~أنه معفو عنه، وهاهنا مسلكان: أحدهما: أن يقال لا إيجاب ولا تحريم إلا
~~بالشرع، وما لم يوجب الشرع كذا، أو لم يحرمه، فيكون غير واجب، أو غير حرام،
~~كما يقال مثل هذا في الاستدلال على نفي وجوب الوتر والأضحية، أو نفي تحريم
~~الضب ونحوه، أو نفي تحريم بعض العقود المختلف فيها، كالمساقاة والمزارعة
~~ونحو ذلك، ويرجع هذا إلى استصحاب براءة الذمة حيث لم يوجد ما يدل على
~~اشتغالها، ولا ms392 يصلح هذا الاستدلال إلا لمن عرف أنواع أدلة الشرع وسبرها،
~~فإن قطع - مع ذلك - بانتفاء ما يدل على إيجاب أو تحريم، قطع بنفي الوجوب أو
~~التحريم، كما يقطع بانتفاء فريضة صلاة سادسة، أو صيام شهر غير شهر رمضان،
~~أو وجوب الزكاة في غير الأموال الزكوية، أو حجة غير حجة الإسلام، وإن كان
~~هذا كله يستدل عليه بنصوص مصرحة بذلك، وإن ظن انتفاء ما يدل على إيجاب أو
~~تحريم، ظن انتفاء الوجوب والتحريم من غير قطع.
# والمسلك الثاني: أن يذكر من أدلة الشرع العامة ما يدل على ما لم يوجبه
~~الشرع، ولم يحرمه، فإنه معفو عنه، كحديث أبي ثعلبة هذا وما في معناه من
~~الأحاديث المذكورة معه، ومثل «قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الحج أفي
~~كل عام؟ فقال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم
~~واختلافهم
# PageV02P165
# على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا
~~منه ما استطعتم» .
# ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص: «إن أعظم
~~المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته» .
# وقد دل القرآن على مثل هذا أيضا في مواضع، كقوله عز وجل: {قل لا أجد في
~~ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} [الأنعام: 145]
~~[الأنعام: 145] ، فإن هذا يدل على أن ما لم يوجد تحريمه، فليس بمحرم، وكذلك
~~قوله: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم
~~إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] [الأنعام: 119] ، فعنفهم على ترك
~~الأكل مما ذكر اسم الله عليه، معللا بأنه قد بين لهم الحرام، وهذا ليس منه،
~~فدل على أن الأشياء على الإباحة، وإلا لما ألحق اللوم بمن امتنع من الأكل
~~مما لم ينص له على حله بمجرد كونه لم ينص على تحريمه.
# واعلم أن هذه المسألة غير مسألة حكم الأعيان قبل ورود الشرع: هل هو الحظر
~~أو الإباحة، أو لا حكم فيها؟ ms393 فإن تلك المسألة مفروضة فيما قبل ورود الشرع،
~~فأما بعد وروده، فقد دلت هذه النصوص وأشباهها على أن حكم ذاك الأصل زال
~~واستقر أن الأصل في الأشياء الإباحة بأدلة الشرع. وقد حكى بعضهم الإجماع
~~على ذلك، وغلطوا من سوى بين المسألتين، وجعل حكمهما واحدا.
# وكلام الإمام أحمد يدل على أن ما لا يدخل في نصوص التحريم، فإنه
# PageV02P166
# معفو عنه. قال أبو الحارث: قلت: لأبي عبد الله - يعني أحمد -: إن أصحاب
~~الطير يذبحون من الطير شيئا لا نعرفه، فما ترى في أكله؟ فقال: كل ما لم يكن
~~ذا مخلب أو يأكل الجيف، فلا بأس به، فحصر تحريم الطير في ذي المخلب المنصوص
~~عليه وما يأكل الجيف، لأنه في معنى الغراب المنصوص عليه وحكم بإباحة ما
~~عداهما. وحديث ابن عباس الذي سبق ذكره يدل على مثل هذا، وحديث سلمان
~~الفارسي فيه النهي عن السؤال عن الجبن والسمن والفراء، فإن الجبن كان يصنع
~~بأرض المجوس ونحوهم من الكفار، وكذلك السمن، وكذلك الفراء تجلب من عندهم،
~~وذبائحهم ميتة، وهذا مما يستدل به على إباحة لبن الميتة وأنفحتها، وعلى
~~إباحة طعام المجوس، وفي ذلك كله خلاف مشهور، ويحمل على أنه إذا اشتبه
~~الأمر، لم يجب السؤال والبحث عنه، كما قال ابن عمر لما سئل عن الجبن الذي
~~يصنعه المجوس، فقال: ما وجدته في سوق المسلمين اشتريته ولم أسأل عنه، وذكر
~~عند عمر الجبن وقيل له: إنه يصنع بأنافح الميتة، فقال: سموا الله وكلوا.
~~قال الإمام أحمد: أصح حديث فيه هذا الحديث، يعني: جبن المجوس.
# وقد روي من حديث ابن عباس أن «النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجبنة في
~~غزوة الطائف، فقال: أين تصنع هذه؟ قالوا: بفارس، فقال صلى الله عليه وسلم:
~~ضعوا فيها السكين واقطعوا، واذكروا اسم الله وكلوا» خرجه الإمام أحمد، وسئل
~~عنه، فقال: هو حديث منكر، وكذا قال أبو حاتم الرازي.
# PageV02P167
# وخرجه أبو داود معناه من حديث ابن عمر، إلا أنه قال: في غزوة تبوك، وقال
~~أبو حاتم: هو منكر أيضا.
# وخرجه ms394 عبد الرازق في كتابه مرسلا، وهو أشبه، وعنده زيادة، وهي أنه «قيل
~~له: يا رسول الله، نخشى أن تكون ميتة؟ قال: سموا عليه وكلوه» .
# وخرج الطبراني معناه من حديث ميمونة، وإسناده جيد، لكنه غريب جدا.
# وفي " صحيح البخاري " عن عائشة أن «قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم:
~~إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه
~~أنتم وكلوا قلت: وكانوا حديثي عهد بالكفر» .
# وفي " مسند الإمام أحمد " عن الحسن «أن عمر أراد أن ينهى عن حلل الحبرة،
~~لأنها تصبغ بالبول، فقال له أبي: ليس ذلك لك، قد لبسهن النبي صلى الله عليه
~~وسلم ولبسناهن في عهده» ، وخرجه الخلال من وجه آخر وعنده: «أن أبيا قال له:
~~يا أمير المؤمنين، قد لبسها نبي الله صلى الله عليه وسلم، ورأى الله
~~مكانها، ولو علم الله أنها حرام لنهى عنها، فقال: صدقت» .
# وسئل الإمام أحمد عن لبس ما يصنعه أهل الكتاب من غير غسل، فقال:
# PageV02P168
# لم تسأل عما لا تعلم، لم يزل الناس منذ أدركناهم لا ينكرون ذلك. وسئل عن
~~يهود يصبغون بالبول، فقال المسلم والكافر في هذا سواء، ولا تسأل عن هذا،
~~ولا تبحث عنه، وقال: إذا علمت أنه لا محالة يصبغ بشيء من البول، وصح عندك،
~~فلا تصل فيه حتى تغسله.
# وخرج من حديث المغيرة بن شعبة أن «النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه
~~خفان، فلبسهما ولا يعلم أذكي هما أم لا» .
# وقد ورد ما يستدل به على البحث والسؤال، فخرج الإمام أحمد من حديث رجل
~~«عن أم مسلم الأشجعية أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاها وهي في قبة فقال:
~~ما أحسنها إن لم يكن فيها ميتة قالت: فجعلت أتتبعها» . والرجل مجهول.
# وخرج الأثرم بإسناده عن زيد بن وهب، قال: أتانا كتاب عمر بأذربيجان: إنكم
~~بأرض فيها الميتة، فلا تلبسوا من الفراء حتى تعلموا حله من حرامه.
# وروى الخلال بإسناده عن مجاهد أن ابن عمر رأى على رجل فروا، فمسه، وقال:
~~لو ms395 أعلم أنه ذكي، لسرني أن يكون لي منه ثوب.
# وعن محمد بن كعب أنه قال لعائشة: ما يمنعك أن تتخذي لحافا من الفراء؟
~~قالت: كرهت أن ألبس الميتة.
# وروى عبد الرازق بإسناده عن ابن مسعود أنه قال لمن نزل من المسلمين
~~بفارس: إذا اشتريتم لحما فسلوا، إن كان ذبيحة يهودي أو نصراني، فكلوا. وهذا
~~لأن الغالب على أهل فارس المجوس ذبائحهم محرمة.
# PageV02P169
# والخلاف في هذا يشبه الخلاف في إباحة طعام من لا تباح ذبيحته من الكفار،
~~وفي استعمال أواني المشركين وثيابهم، والخلاف فيها يرجع إلى قاعدة تعارض
~~الأصل والظاهر، وقد سبق ذكر ذلك في الكلام على حديث: «الحلال بين والحرام
~~بين، وبينهما أمور مشتبهات» .
# وقوله في الأشياء التي سكت عنها: رحمة من غير نسيان يعني أنه إنما سكت عن
~~ذكرها رحمة بعباده، ورفقا، حيث لم يحرمها عليهم حتى يعاقبهم على فعلها، ولم
~~يوجبها عليهم حتى يعاقبهم على تركها، بل جعلها عفوا، فإن فعلوها، فلا حرج
~~عليهم، وإن تركوها فكذلك، وفي حديث أبي الدرداء: ثم تلا: {وما كان ربك
~~نسيا} [مريم: 64] [مريم: 64] ومثل قوله عز وجل: {لا يضل ربي ولا ينسى} [طه:
~~52] [طه: 52] .
# وقوله: فلا تبحثوا عنها يحتمل اختصاص هذا النهي بزمن النبي صلى الله عليه
~~وسلم؛ لأن كثرة البحث والسؤال عما لم يذكر قد يكون سببا لنزول التشديد فيه
~~بإيجاب أو تحريم، وحديث سعد بن أبي وقاص يدل على هذا، فيحتمل أن يكون النهي
~~عاما، والمروي عن سلمان من قوله يدل على ذلك، فإن كثرة البحث والسؤال عن
~~حكم ما لم يذكر في الواجبات ولا في المحرمات، قد يوجب اعتقاد تحريمه، أو
~~إيجابه، لمشابهته لبعض الواجبات أو المحرمات، فقبول العافية فيه، وترك
~~البحث عنه والسؤال خير، وقد يدخل ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم:
~~«هلك
# PageV02P170
# المتنطعون، قالها ثلاثا» . خرجه مسلم من حديث ابن مسعود مرفوعا،
~~والمتنطع: هو المتعمق البحاث عما لا يعنيه، وهذا قد يتمسك به من يتعلق
~~بظاهر اللفظ، وينفي المعاني والقياس كالظاهرية.
# والتحقيق في هذا المقام ms396 - والله أعلم - أن البحث عما لم يوجد فيه نص خاص
~~أو عام على قسمين: أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالات النصوص الصحيحة من
~~الفحوى والمفهوم والقياس الظاهر الصحيح، فهذا حق، وهو مما يتعين فعله على
~~المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية.
# والثاني: أن يدقق الناظر نظره وفكره في وجوه الفروق المستبعدة، فيفرق بين
~~متماثلين بمجرد فرق لا يظهر له أثر في الشرع، مع وجود الأوصاف المقتضية
~~للجمع، أو يجمع بين متفرقين بمجرد الأوصاف الطردية التي هي غير مناسبة، ولا
~~يدل دليل على تأثيرها في الشرع، فهذا النظر والبحث غير مرضي ولا محمود، مع
~~أنه قد وقع فيه طوائف من الفقهاء، وإنما المحمود النظر الموافق لنظر
~~الصحابة ومن بعدهم من القرون المفضلة كابن عباس ونحوه، ولعل هذا مراد ابن
~~مسعود بقوله: إياكم والتنطع، إياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق، يعني ما كان
~~عليه الصحابة رضي الله عنهم.
# ومن كلام بعض أئمة الشافعية: لا يليق بنا أن نكتفي بالخيالات في الفروق،
~~كدأب أصحاب الرأي، والسر في تلك أن متعلق الأحكام في الحال الظنون
~~وغلباتها، فإذا كان اجتماع مسألتين أظهر في الظن من افتراقهما، وجب القضاء
~~باجتماعهما، وإن انقدح فرق على بعد، فافهموا ذلك فإنه من قواعد الدين.
~~انتهى.
# PageV02P171
# ومما يدخل في النهي عن التعمق والبحث عنه أمور الغيب الخبرية التي أمر
~~بالإيمان بها، ولم يبين كيفيتها، وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا العالم
~~المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يعني، وهو مما ينهى عنه، وقد يوجب
~~الحيرة والشك، ويرتقي إلى التكذيب.
# وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا
~~يزال الناس يسألون حتى يقال: هذا خلق الله، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك
~~شيئا، فليقل آمنت بالله» وفي رواية له: «لا يزال الناس يسألونكم عن العلم،
~~حتى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟» وفي رواية له أيضا: «ليسألنكم
~~الناس عن كل شيء، حتى يقولوا: الله خلق كل شيء، فمن خلقه؟» وخرجه البخاري، ms397
~~ولفظه: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من
~~خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» .
# وفي " صحيح مسلم " عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز
~~وجل: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا ما كذا، حتى يقولوا: هذا الله خلق
~~الخلق، فمن خلق الله؟» . وخرجه البخاري، ولفظه: «لن يبرح الناس يتساءلون:
~~هذا الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟» .
# قال إسحاق بن راهويه: لا يجوز التفكر في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكروا
~~في المخلوقين بما سمعوا فيهم، ولا يزيدون على ذلك، لأنهم إن فعلوا تاهوا،
~~قال: وقد قال الله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} [الإسراء: 44] [الإسراء:
~~44] ، فلا يجوز أن يقال: كيف تسبح القصاع، والأخونة، والخبز المخبوز،
~~والثياب المنسوجة؟ وكل هذا قد صح العلم فيهم أنهم يسبحون، فذلك إلى الله أن
~~يجعل تسبيحهم كيف شاء وكما شاء، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك إلا
# PageV02P172
# بما علموا، ولا يتكلموا في هذا وشبهه إلا بما أخبر الله، ولا يزيدوا على
~~ذلك، فاتقوا الله، ولا تخوضوا في هذه الأشياء المتشابهة، فإنه يرديكم الخوض
~~فيه عن سنن الحق. نقل ذلك كله حرب عن إسحاق رحمه الله.
# PageV02P173
### | [الحديث الحادي والثلاثون ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس]
# PageV02P173
# الحديث الحادي والثلاثون.
# عن سهل بن سعد الساعدي قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
~~يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، فقال: ازهد
~~في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس» . حديث حسن رواه
~~ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة.
# هذا الحديث خرجه ابن ماجه من رواية
~~خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، وقد
~~ذكر الشيخ رحمه الله أن إسناده حسن، وفي ذلك نظر، فإن خالد بن عمرو القرشي
~~الأموي قال فيه الإمام أحمد: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بثقة، يروي أحاديث ms398
~~بواطيل، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال مرة: كان كذابا يكذب، حدث عن
~~شعبة
# PageV02P174
# أحاديث موضوعة، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم:
~~متروك الحديث ضعيف، ونسبه صالح بن محمد، وابن عدي إلى وضع الحديث، وتناقض
~~ابن حبان في أمره، فذكره في كتاب " الثقات " وذكره في كتاب " الضعفاء "
~~وقال: كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات، لا يحل الاحتجاج بخبره، وخرج
~~العقيلي حديثه هذا وقال: ليس له أصل من حديث سفيان الثوري، قال: وقد تابع
~~خالدا عليه محمد بن كثير الصنعاني، ولعله أخذه عنه ودلسه، لأن المشهور به
~~خالد هذا.
# قال أبو بكر الخطيب: وتابعه أيضا أبو قتادة الحراني ومهران بن أبي عمر
~~الرازي، فرووه عن الثوري قال: وأشهرها حديث ابن كثير. كذا قال، وهذا يخالف
~~قول العقيلي: إن أشهرها حديث خالد بن عمرو، وهذا أصح، ومحمد بن كثير
~~الصنعاني هو المصيصي، ضعفه أحمد. وأبو قتادة ومهران تكلم فيهما أيضا، لكن
~~محمد بن كثير خير منهما، فإنه ثقة عند كثير من الحفاظ.
# وقد تعجب ابن عدي من حديثه هذا، وقال ما أدري ما أقول فيه.
# وذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عن حديث محمد بن كثير عن سفيان الثوري،
~~فذكر هذا الحديث، فقال: هذا حديث باطل، يعني بهذا الإسناد، يشير إلى أنه لا
~~أصل له عن محمد بن كثير عن سفيان.
# وقال ابن مشيش: سألت أحمد عن حديث سهل بن سعد، فذكر هذا الحديث، فقال
~~أحمد: لا إله إلا الله - تعجبا منه - من يروي هذا؟ قلت:
# PageV02P175
# خالد بن عمرو، فقال: وقعنا في خالد بن عمرو، ثم سكت، ومراده الإنكار على
~~من ذكر له شيئا من حديث خالد هذا، فإنه لا يشتغل به.
# وخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " المواعظ " له عن خالد بن عمرو،
~~ثم قال: كنت منكرا لهذا الحديث، فحدثني هذا الشيخ يعني عن وكيع: أنه سأله
~~عنه، ولولا مقالته هذه لتركته. وخرج ابن عدي هذا الحديث في ترجمة خالد بن
~~عمرو، وذكر رواية محمد ms399 بن كثير له أيضا، وقال: هذا الحديث عن الثوري منكر،
~~وقال: ورواه زافر - يعني ابن سلمان - عن محمد بن عيينة أخي سفيان، عن أبي
~~حازم، عن ابن عمر. انتهى، وزافر ومحمد بن عيينة، كلاهما ضعيف.
# وقد روي هذا الحديث من وجه آخر مرسل: أخرجه أبو سليمان بن زبر الدمشقي في
~~" مسند " إبراهيم بن أدهم من جمعه من رواية معاوية بن حفص، عن إبراهيم بن
~~أدهم، عن منصور، عن ربعي بن حراش، قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه
~~وسلم، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل يحبني الله عليه، ويحبني الناس
~~عليه، فقال: أما العمل الذي يحبك الله عليه، فازهد في الدنيا، وأما العمل
~~الذي يحبك الناس عليه، فانظر هذا الحطام، فانبذه إليهم» .
# PageV02P176
# وخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب " ذم الدنيا " من رواية علي بن بكار عن
~~إبراهيم بن أدهم، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره، ولم
~~يذكر في إسناده منصورا ولا ربعيا، وقال في حديثه: «فانبذ إليهم ما في يديك
~~من الحطام» .
# وقد اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين: إحداهما: الزهد في الدنيا،
~~وأنه مقتض لمحبة الله عز وجل لعبده. والثانية: الزهد فيما في أيدي الناس،
~~فإنه مقتض لمحبة الناس.
# فأما الزهد في الدنيا، فقد كثر في القرآن الإشارة إلى مدحه، وإلى ذم
~~الرغبة في الدنيا، قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا - والآخرة خير
~~وأبقى} [الأعلى: 16 - 17] [الأعلى: 17] ، وقال تعالى: {تريدون عرض الدنيا
~~والله يريد الآخرة} [الأنفال: 67] [الأنفال: 67] وقال تعالى في قصة قارون:
~~{فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا ياليت لنا مثل ما
~~أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم - وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير
~~لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون} [القصص: 79 - 80] إلى قوله:
~~{تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا
~~والعاقبة للمتقين} [القصص: 83] [القصص: 79 - 83] ، وقال تعالى: {وفرحوا
~~بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} [الرعد: 26] [الرعد: ms400
~~26] وقال {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا}
~~[النساء: 77] [النساء: 77] .
# وقال حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه:
# PageV02P177
# {ياقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد - ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع
~~وإن الآخرة هي دار القرار} [غافر: 38 - 39] [غافر: 38 - 39] .
# وقد ذم الله من كان يريد الدنيا بعمله وسعيه ونيته، وقد سبق ذكر ذلك في
~~الكلام على حديث " الأعمال بالنيات ".
# والأحاديث في ذم الدنيا وحقارتها عند الله كثيرة جدا، ففي " صحيح مسلم "
~~عن جابر عن «النبي صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كنفيه، فمر بجدي
~~أسك ميت، فتناوله، فأخذ بأذنه، فقال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما
~~نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان
~~حيا كان عيبا فيه، لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: والله، للدنيا أهون على
~~الله من هذا عليكم» .
# وفيه أيضا عن المستورد الفهري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما
~~الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بماذا ترجع» .
# وخرج الترمذي من حديث سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو
~~كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرا منها شربة ماء» صححه.
# PageV02P178
# ومعنى الزهد في الشيء: الإعراض عنه لاستقلاله، واحتقاره، وارتفاع الهمة
~~عنه، يقال: شيء زهيد، أي: قليل حقير.
# وقد تكلم السلف ومن بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا، وتنوعت عباراتهم
~~عنه، وورد في ذلك حديث مرفوع خرجه الترمذي وابن ماجه من رواية عمرو بن
~~واقد، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة
~~المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يد
~~الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها بقيت
~~لك» . وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا ms401 الوجه، وعمرو بن واقد منكر
~~الحديث.
# قلت: الصحيح وقفه، كما رواه الإمام أحمد في كتاب " الزهد "، حدثنا زيد بن
~~يحيى الدمشقي، حدثنا خالد بن صبيح، حدثنا يونس بن حلبس قال: قال أبو مسلم
~~الخولاني: ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، إنما
~~الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أصبت
~~بمصيبة، كنت أشد رجاء لأجرها وذخرها من إياها لو بقيت لك.
# وخرجه ابن أبي الدنيا من راوية محمد بن مهاجر، عن يونس بن ميسرة، قال:
~~ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في
~~الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون حالك في
# PageV02P179
# المصيبة وحالك إذا لم تصب بها سواء، وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء.
# ففسر الزهد في الدنيا بثلاثة أشياء كلها من أعمال القلوب، لا من أعمال
~~الجوارح، ولهذا كان أبو سليمان يقول: لا تشهد لأحد بالزهد، فإن الزهد في
~~القلب.
# أحدها: أن يكون العبد بما في يد الله أوثق منه بما في يد نفسه، وهذا ينشأ
~~من صحة اليقين وقوته، فإن الله ضمن أرزاق عباده، وتكفل بها، كما قال: {وما
~~من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] [هود: 6] ، وقال: {وفي
~~السماء رزقكم وما توعدون} [الذاريات: 22] [الذاريات: 22] ، وقال: {فابتغوا
~~عند الله الرزق واعبدوه} [العنكبوت: 17] [العنكبوت: 17] .
# وقال الحسن: إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله
~~عز وجل.
# وروي عن ابن مسعود قال: إن أرجى ما أكون للرزق إذا قالوا ليس في البيت
~~دقيق. وقال مسروق: إن أحسن ما أكون ظنا حين يقول الخادم: ليس في البيت قفيز
~~من قمح ولا درهم. وقال الإمام أحمد: أسر أيامي إلي يوم أصبح وليس عندي شيء.
# وقيل لأبي حازم الزاهد: ما مالك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر:
~~الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس.
# وقيل له: أما تخاف الفقر؟ فقال: ms402 أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في السماوات
~~وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟ !
# PageV02P180
# ودفع إلى علي بن الموفق ورقة، فقرأها فإذا فيها: يا علي بن الموفق أتخاف
~~الفقر وأنا ربك؟ .
# وقال الفضيل بن عياض: أصل الزهد الرضا عن الله عز وجل. وقال: القنوع هو
~~الزاهد وهو الغني.
# فمن حقق اليقين، وثق بالله في أموره كلها، ورضي بتدبيره له، وانقطع عن
~~التعلق بالمخلوقين رجاء وخوفا، ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة،
~~ومن كان كذلك كان زاهدا في الدنيا حقيقة، وكان من أغنى الناس، وإن لم يكن
~~له شيء من الدنيا كما قال عمار: كفى بالموت واعظا، وكفى باليقين غنى، وكفى
~~بالعبادة شغلا.
# وقال ابن مسعود: اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحمد أحدا على
~~رزق الله، ولا تلم أحدا على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص،
~~ولا يرده كراهة كاره، فإن الله تبارك وتعالى - بقسطه وعلمه وحكمه - جعل
~~الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط.
# وفي حديث مرسل أن «النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء: اللهم
~~إني أسألك إيمانا يباشر قلبي، ويقينا [صادقا] حتى أعلم أنه لا يمنعني رزقا
~~قسمته لي، ورضني من المعيشة بما قسمت لي» .
# وكان عطاء الخراساني لا يقوم من مجلسه حتى يقول: اللهم هب لنا يقينا منك
~~حتى تهون علينا مصائب الدنيا، وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبت
# PageV02P181
# علينا، ولا يصيبنا من الرزق إلا ما قسمت لنا.
# روينا من حديث ابن عباس مرفوعا، قال: «من سره أن يكون أغنى الناس، فليكن
~~بما في يد الله أوثق منه بما في يده» .
# والثاني: أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذهاب مال، أو ولد أو
~~غير ذلك - أرغب في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له، وهذا أيضا
~~ينشأ من كمال اليقين.
# وقد روي عن ابن عمر أن «النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ms403 في دعائه:
~~اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما
~~تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا وهو من علامات
~~الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها» ، كما قال علي رضي الله عنه: من زهد
~~الدنيا، هانت عليه المصيبات.
# والثالث: أن يستوي عند العبد حامده وذامه في الحق، وهذا من علامات الزهد
~~في الدنيا، واحتقارها، وقلة الرغبة فيها، فإن من عظمت الدنيا عنده أحب
# PageV02P182
# المدح وكره الذم، فربما حمله ذلك على ترك كثير من الحق خشية الذم، وعلى
~~فعل كثير من الباطل رجاء المدح، فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق، دل
~~على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه من محبة الحق، وما فيه رضا
~~مولاه، كما قال ابن مسعود: اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله. وقد مدح
~~الله الذين يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم.
# وقد روي عن السلف عبارات أخر في تفسير الزهد في الدنيا، وكلها ترجع إلى
~~ما تقدم، كقول الحسن: الزاهد الذي إذا رأى أحدا قال: هو أفضل مني، وهذا
~~يرجع إلى أن الزاهد حقيقة هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها، ولهذا يقال:
~~الزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة، فمن أخرج من قلبه حب الرياسة في
~~الدنيا والترفع فيها على الناس، فهو الزاهد حقا، وهذا هو الذي يستوي عنده
~~حامده وذامه في الحق، وكقول وهيب بن الورد: الزهد في الدنيا أن لا تأسى على
~~ما فات منها، ولا تفرح بما آتاك منها، قال ابن السماك: هذا هو الزاهد
~~المبرز في زهده.
# وهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إدبارها وإقبالها وزيادتها ونقصها،
~~وهو مثل استواء حال المصيبة وعدمها كما سبق.
# وسئل بعضهم - أظنه الإمام أحمد - عمن معه مال، هل يكون زاهدا؟ قال: إن
~~كان لا يفرح بزيادته ولا يحزن بنقصه، أو كما قال.
# وسئل الزهري عن الزاهد فقال: من لم يغلب الحرام صبره، ولم يشغل الحلال
~~شكره، وهذا قريب مما قبله، فإن ms404 معناه أن الزاهد في الدنيا إذا قدر
# PageV02P183
# منها على حرام، صبر عنه، فلم يأخذه، وإذا حصل له منها حلال، لم يشغله عن
~~الشكر، بل قام بشكر الله عليه.
# وقال أحمد بن أبي الحوارى: قلت لسفيان بن عيينة: من الزاهد في الدنيا؟
~~قال: من إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، فقلت: يا أبا محمد قد أنعم
~~عليه فشكر، وإذا ابتلي فصبر، وحبس النعمة، كيف يكون زاهدا؟ فقال: اسكت، من
~~لم تمنعه النعماء من الشكر، ولا البلوى من الصبر، فذلك الزاهد.
# وقال ربيعة: رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها، ووضعها في حقها.
# وقال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا
~~بلبس العباء. وقال: كان من دعائهم: اللهم زهدنا في الدنيا، ووسع علينا
~~منها، ولا تزوها عنا، فترغبنا فيها. وكذا قال الإمام أحمد: الزهد في
~~الدنيا: قصر الأمل، وقال مرة: قصر الأمل واليأس مما في أيدي الناس.
# ووجه هذا أن قصر الأمل يوجب محبة لقاء الله، بالخروج من الدنيا، وطول
~~الأمل يقتضي محبة البقاء فيها، فمن قصر أمله، فقد كره البقاء في الدنيا،
~~وهذا نهاية الزهد فيها، والإعراض عنها، واستدل ابن عيينة لهذا القول بقوله
~~تعالى: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا
~~الموت إن كنتم صادقين} [البقرة: 94] إلى قوله: {ولتجدنهم أحرص الناس على
~~حياة} [البقرة: 96] [البقرة: 94 - 96] الآية.
# وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الضحاك بن مزاحم قال: «أتى النبي صلى
~~الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، من أزهد الناس؟ فقال: من لم ينس
~~القبر والبلى، وترك زينة الدنيا، وآثر ما يبقى على ما يفنى، ولم يعد غدا من
~~أيامه وعد
# PageV02P184
# نفسه من الموتى» وهذا مرسل.
# وقد قسم كثير من السلف الزهد أقساما: فمنهم من قال: أفضل الزهد الزهد في
~~الشرك، وفي عبادة ما عبد من دون الله، ثم الزهد في الحرام كله من المعاصي،
~~ثم الزهد في الحلال، وهو أقل أقسام الزهد، فالقسمان الأولان من هذا الزهد،
~~كلاهما واجب، ms405 والثالث: ليس بواجب، فإن أعظم الواجبات الزهد في الشرك، ثم في
~~المعاصي كلها. وكان بكر المزني يدعو لإخوانه: زهدنا الله وإياكم زهد من
~~أمكنه الحرام والذنوب في الخلوات، فعلم أن الله يراه فتركه.
# وقال ابن المبارك: قال سلام بن أبي مطيع: الزهد على ثلاثة وجوه: واحد أن
~~يخلص العمل لله عز وجل والقول، ولا يراد بشيء منه الدنيا، والثاني: ترك ما
~~لا يصلح، والعمل بما يصلح، والثالث: الحلال أن يزهد فيه وهو تطوع، وهو
~~أدناها.
# وهذا قريب مما قبله، إلا أنه جعل الدرجة الأولى من الزهد الزهد في الرياء
~~المنافي للإخلاص في القول والعمل، وهو الشرك الأصغر، والحامل عليه محبة
~~المدح في الدنيا، والتقدم عند أهلها، وهو من نوع محبة العلو فيها والرياسة.
# وقال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف: فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد
~~سلامة، فالزهد الفرض: الزهد في الحرام، والزهد الفضل: الزهد في الحلال،
~~والزهد السلامة: الزهد في الشبهات.
# وقد اختلف الناس: هل يستحق اسم الزاهد من زهد في الحرام خاصة،
# PageV02P185
# ولم يزهد في فضول المباحات أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يستحق اسم
~~الزهد بذلك، وقد سبق ذلك عن الزهري وابن عيينة وغيرهما.
# والثاني: لا يستحق اسم الزهد بدون الزهد في فضول المباح، وهو قول طائفة
~~من العلماء العارفين وغيرهم، حتى قال بعضهم: لا زهد اليوم لفقد المباح
~~المحض، وهو قول يوسف بن أسباط وغيره، وفي ذلك نظر. وكان يونس بن عبيد يقول:
~~وما قدر الدنيا حتى يمدح من زهد فيها؟ وقال أبو سليمان الداراني: اختلفوا
~~علينا في الزهد بالعراق، فمنهم من قال: الزهد في ترك لقاء الناس، ومنهم من
~~قال: في ترك الشهوات، ومنهم من قال: في ترك الشبع، وكلامهم قريب بعضه من
~~بعض، قال: وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك عن الله عز وجل، وهذا
~~الذي قاله أبو سليمان حسن، وهو يجمع جميع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه.
# واعلم أن الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا ليس راجعا إلى زمانها الذي
~~هو الليل ms406 والنهار، المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإن الله جعلهما خلفة لمن
~~أراد أن يذكر أو أراد شكورا. ويروى عن عيسى عليه السلام أنه قال: إن هذا
~~الليل والنهار خزانتان، فانظروا ما تصنعون فيهما. وكان يقول: اعملوا الليل
~~لما خلق له، والنهار لما خلق له.
# وقال مجاهد: ما من يوم إلا يقول: ابن آدم قد دخلت عليك اليوم، ولن أرجع
~~إليك بعد اليوم، فانظر ماذا تعمل في، فإذا انقضى طوي، ثم يختم عليه، فلا
~~يفك حتى يكون الله هو الذي يفضه يوم القيامة، ولا ليلة إلا تقول
# PageV02P186
# كذلك، وقد أنشد بعض السلف:
# إنما الدنيا إلى الجن ... ة والنار طريق
# والليالي متجر الإن ... سان والأيام سوق
# وليس الذم راجعا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم
~~مهادا وسكنا، ولا إلى ما أودع الله فيها من الجبال والبحار والأنهار
~~والمعادن، ولا إلى ما أنبته فيها من الشجر والزرع، ولا إلى ما بث فيها من
~~الحيوانات وغير ذلك، فإن ذلك كله من نعمة الله على عباده بما لهم فيه من
~~المنافع، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانية صانعه وقدرته وعظمته،
~~وإنما الذم راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا؛ لأن غالبها واقع على
~~غير الوجه الذي تحمد عاقبته، بل يقع على ما تضر عاقبته، أو لا تنفع كما قال
~~عز وجل: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في
~~الأموال والأولاد} [الحديد: 20] [الحديد: 20] .
# وانقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين: أحدهما: من أنكر أن يكون للعباد بعد
~~الدنيا دار للثواب والعقاب، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: {إن الذين لا
~~يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا
~~غافلون - أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} [يونس: 7 - 8] [يونس: 7] ،
~~وهؤلاء همهم التمتع بالدنيا، واغتنام لذاتها قبل الموت، كما قال تعالى:
~~{والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} [محمد:
~~12] [محمد: 12] 0 ومن هؤلاء من كان يأمر بالزهد في الدنيا، لأنه يرى أن ms407
~~الاستكثار منها موجب الهم والغم، ويقول: كلما كثر التعلق بها، تألمت النفس
~~بمفارقتها عند الموت، فكان هذا غاية زهدهم في الدنيا.
# PageV02P187
# والقسم الثاني: من يقر بدار بعد الموت للثواب والعقاب، وهم المنتسبون إلى
~~شرائع المرسلين، وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق
~~بالخيرات بإذن الله، فالظالم لنفسه: هم الأكثرون منهم، وأكثرهم وقف مع زهرة
~~الدنيا وزينتها، فأخذها من غير وجهها، واستعملها في غير وجهها، وصارت
~~الدنيا أكبر همه، لها يغضب، وبها يرضى، ولها يوالي، وعليها يعادي، وهؤلاء
~~هم أهل اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر، وكلهم لم يعرف المقصود من
~~الدنيا، ولا أنها منزل سفر يتزود منها لما بعدها من دار الإقامة، وإن كان
~~أحدهم يؤمن بذلك إيمانا مجملا، فهو لا يعرفه مفصلا، ولا ذاق ما ذاقه أهل
~~المعرفة بالله في الدنيا مما هو أنموذج ما ادخر لهم في الآخرة.
# والمقتصد منهم أخذ الدنيا من وجوهها المباحة، وأدى واجباتها، وأمسك لنفسه
~~الزائد على الواجب، يتوسع به في التمتع بشهوات الدنيا، وهؤلاء قد اختلف في
~~دخولهم في اسم الزهادة في الدنيا كما سبق ذكره، ولا عقاب عليهم في ذلك، إلا
~~أنه ينقص من درجاتهم في الآخرة بقدر توسعهم في الدنيا. قال ابن عمر: لا
~~يصيب عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريما،
~~خرجه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد. وروي مرفوعا من حديث عائشة بإسناد فيه
~~نظر.
# وروى الإمام أحمد في كتاب " الزهد " بإسناده: أن رجلا دخل على معاوية،
~~فكساه، فخرج فمر على أبي مسعود الأنصاري ورجل آخر من الصحابة، فقال أحدهما
~~له: خذها من حسناتك، وقال الآخر: خذها من طيباتك.
# PageV02P188
# وبإسناده عن عمر قال: لولا أن تنقص حسناتي لخالطتكم في لين عيشكم، ولكني
~~سمعت الله عير قوما فقال: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها}
~~[الأحقاف: 20] [الأحقاف: 20] .
# وقال الفضيل بن عياض: إن شئت استقل من الدنيا، وإن شئت استكثر منها،
~~فإنما تأخذ من كيسك.
# ويشهد لهذا أن الله عز وجل حرم على عباده ms408 أشياء من فضول شهوات الدنيا
~~وزينتها وبهجتها، حيث لم يكونوا محتاجين إليه، وادخره لهم عنده في الآخرة،
~~وقد وقعت الإشارة إلى هذا بقوله عز وجل: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة
~~لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج} [الزخرف: 33] إلى
~~قوله: {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين}
~~[الزخرف: 35] [الزخرف: 33 - 35] .
# وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم
~~يلبسه في الآخرة» ، «ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة» . وقال:
~~«لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا
~~تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» .
# وقال وهب: إن الله عز وجل قال لموسى عليه السلام: إني لأذود أوليائي عن
# PageV02P189
# نعيم الدنيا ورخائها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة، وما
~~ذلك لهوانهم علي، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لم تكلمه
~~الدنيا.
# ويشهد لهذا ما خرجه الترمذي عن قتادة بن النعمان، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «إن الله إذا أحب عبدا حماه عن الدينا، كما يظل أحدكم يحمي
~~سقيمه الماء» ، وخرجه الحاكم، ولفظه: «إن الله ليحمي عبده من الدنيا وهو
~~يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب، تخافون عليه» .
# وفي " صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر» .
# وأما السابق بالخيرات بإذن الله فهم الذين فهموا المراد من الدنيا،
~~وعملوا بمقتضى ذلك، فعلموا أن الله إنما أسكن عباده في هذه الدار ليبلوهم
~~أيهم أحسن عملا؟ كما قال: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان
~~عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [هود: 7] [هود: 7] ، وقال: {الذي
~~خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] [الملك: 2] .
# قال بعض السلف: أيهم أزهد في الدنيا، وأرغب في الآخرة، وجعل ما في الدنيا
~~من البهجة والنضرة محنة، لينظر من يقف منهم معه، ويركن إليه، ومن ليس كذلك، ms409
~~كما قال تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا}
~~[الكهف: 7]
# PageV02P190
# [الكهف: 7] ثم بين انقطاعه ونفاده فقال: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا
~~جرزا} [الكهف: 8] [الكهف: 8] ، فلما فهموا أن هذا هو المقصود من الدنيا،
~~جعلوا همهم التزود منها للآخرة التي هي دار القرار، واكتفوا من الدنيا بما
~~يكتفي به المسافر في سفره، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما لي
~~وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها» .
# ووصى صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة أن يكون بلاغ أحدهم من الدنيا
~~كزاد الراكب منهم سلمان، وأبو عبيدة بن الجراح، وأبو ذر، وعائشة، ووصى ابن
~~عمر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، وأن يعد نفسه من أهل
~~القبور.
# PageV02P191
# وأهل هذه الدرجة على قسمين: منهم من يقتصر من الدنيا على قدر ما يسد
~~الرمق فقط، وهو حال كثير من الزهاد. ومنهم من يفسح لنفسه أحيانا في تناول
~~بعض شهواتها المباحة، لتقوى النفس بذلك، وتنشط للعمل، كما روي عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم أنه قال: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني
~~في الصلاة» خرجه الإمام أحمد والنسائي من حديث أنس.
# وخرج الإمام أحمد من حديث عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يحب من الدنيا النساء والطيب والطعام، فأصاب من النساء والطيب، ولم يصب من
~~الطعام» .
# قال وهب: مكتوب في حكمة آل داود عليه السلام: ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن
~~أربع ساعات: ساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يناجي فيها ربه، وساعة يلقى فيها
~~إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلي بين نفسه وبين
~~لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وفضل بلغة
~~واستجماما للقلوب، يعني ترويحا لها.
# ومتى نوى المؤمن بتناول شهواته المباحة التقوي على الطاعة كانت شهواته له
~~طاعة يثاب عليها، كما قال معاذ بن جبل: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب
# PageV02P192
# قومتي، يعني: أنه ms410 ينوي بنومه التقوي على القيام في آخر الليل، فيحتسب
~~ثواب نومه كما يحتسب ثواب قيامه.
# وكان بعضهم إذا تناول شيئا من شهواته المباحة واسى منها إخوانه، كما روي
~~عن ابن المبارك أنه كان إذا اشتهى شيئا لم يأكله حتى يشتهيه بعض أصحابه،
~~فيأكله معهم، وكان إذا اشتهى شيئا، دعا ضيفا له ليأكل معه.
# وكان يذكر عن الأوزاعي أنه قال: ثلاثة لا حساب عليهم في مطعمهم: المتسحر،
~~والصائم حين يفطر، وطعام الضيف.
# وقال الحسن: ليس من حبك الدنيا طلبك ما يصلحك فيها، ومن زهدك فيها ترك
~~الحاجة يسدها عنك تركها، ومن أحب الدنيا وسرته، ذهب خوف الآخرة من قلبه.
# وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك،
~~فليس بمتاع الغرور ولكنه متاع بلاغ إلى ما هو خير منه.
# وقال يحيى بن معاذ الرازي: كيف لا أحب دنيا قدر لي فيها قوت أكتسب بها
~~حياة أدرك بها طاعة أنال بها الآخرة.
# وسئل أبو صفوان الرعيني - وكان من العارفين -: ما هي الدنيا التي ذمها
~~الله في القرآن التي ينبغي للعاقل أن يتجنبها؟ فقال: كل ما أصبت في الدنيا
~~تريد به الدنيا، فهو مذموم، وكل ما أصبت فيها تريد به الآخرة، فليس منها.
# وقال الحسن: نعمت الدار كانت الدنيا للمؤمن، وذلك أنه عمل قليلا، وأخذ
~~زاده منها إلى الجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق، وذلك أنه ضيع
~~لياليه، وكان زاده منها إلى النار.
# وقال أيفع بن عبد الكلاعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل
~~أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال الله: يا أهل الجنة، كم لبثتم في
~~الأرض عدد سنين؟
# PageV02P193
# قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، قال: نعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم،
~~رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم يقول لأهل النار: كم
~~لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، فيقول بئس ما
~~اتجرتم في يوم أو بعض يوم، سخطي ومعصيتي وناري، امكثوا فيها خالدين مخلدين. ms411
# وخرج الحاكم من حديث عبد الجبار بن وهب، أنبأنا سعد بن طارق، عن أبيه، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لآخرته
~~حتى يرضي ربه، وبئست الدار لمن صدته عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه، وإذا
~~قال العبد: قبح الله الدنيا، قالت الدنيا: قبح الله أعصانا لربه» وقال:
~~صحيح الإسناد، وخرجه العقيلي، وقال: عبد الجبار بن وهب مجهول وحديثه غير
~~محفوظ، قال: وهذا الكلام يروى عن علي من قوله.
# وقول علي خرجه ابن أبي الدنيا عنه بإسناد فيه نظر: أن عليا سمع رجلا يسب
~~الدنيا، فقال: إنها لدار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى
~~لمن تزود منها، مسجد أحباء الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر
~~أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذم الدنيا وقد
~~آذنت بفراقها، ونادت بعيبها، ونعت نفسها وأهلها، فمثلت ببلائها البلاء
# PageV02P194
# وشوقت بسرورها إلى السرور، فذمها قوم عند الندامة، وحمدها آخرون، حدثتهم
~~فصدقوا، وذكرتهم فذكروا؟ فيا أيها المغتر بالدنيا، المغتر بغرورها، متى
~~استلامت إليك الدنيا؟ بل متى غرتك؟ أبمضاجع آبائك من الثرى؟ أم بمصارع
~~أمهاتك من البلى؟ كم قد قلبت بكفيك، ومرضت بيديك تطلب له الشفاء، وتسأل له
~~الأطباء، فلم تظفر بحاجتك، ولم تسعف بطلبتك، قد مثلت لك الدنيا بمصرعه
~~مصرعك غدا، ولا يغني عنك بكاؤك، ولا ينفعك أحباؤك.
# فبين أمير المؤمنين رضي الله عنه أن الدنيا لا تذم مطلقا، وأنها تحمد
~~بالنسبة إلى من تزود منها الأعمال الصالحة، وأن فيها مساجد الأنبياء، ومهبط
~~الوحي، وهي دار التجارة للمؤمنين، اكتسبوا منها الرحمة، وربحوا بها الجنة،
~~فهي نعم الدار لمن كانت هذه صفته. وأما ما ذكر من أنها تغر وتخدع، فإنها
~~تنادي بمواعظها، وتنصح بعبرها، وتبدي عيوبها بما تري أهلها من مصارع
~~الهلكى، وتقلب الأحوال من الصحة إلى السقم، ومن الشبيبة إلى الهرم، ومن
~~الغنى إلى الفقر، ومن العز إلى الذل، ولكن محبها قد أصمه وأعماه حبها، فهو
~~لا يسمع نداءها، كما قيل:
# قد ms412 نادت الدنيا على نفسها ... لو كان في العالم من يسمع
# كم واثق بالعمر أفنيته ... وجامع بددت ما يجمع
# وقال يحيى بن معاذ: لو يسمع الخلائق صوت النياحة على الدنيا في الغيب من
~~ألسنة الفناء، لتساقطت القلوب منهم حزنا. وقال بعض الحكماء: الدنيا أمثال
~~تضربها الأيام للأنام، وعلم الزمان لا يحتاج إلى ترجمان، وبحب الدنيا صمت
~~أسماع القلوب عن المواعظ، وما أحث السائق لو شعر الخلائق.
# وأهل الزهد في فضول الدنيا أقسام: فمنهم من يحصل له، فيمسكه
# PageV02P195
# ويتقرب به إلى الله، كما كان كثير من الصحابة وغيرهم، قال أبو سليمان:
~~كان عثمان وعبد الرحمن بن عوف خازنين من خزان الله في أرضه، ينفقان في
~~طاعته، وكانت معاملتهما لله بقلوبهما.
# ومنهم من يخرجه من يده ولا يمسكه: وهؤلاء نوعان: منهم من يخرجه اختيارا
~~وطواعية، ومنهم من يخرجه ونفسه تأبى إخراجه، ولكن يجاهدها على ذلك. وقد
~~اختلف في أيهما أفضل، فقال ابن السماك والجنيد: الأول أفضل، لتحقق نفسه
~~بمقام السخاء والزهد، وقال ابن عطاء: الثاني أفضل لأن له عملا ومجاهدة. وفي
~~كلام الإمام أحمد ما يدل عليه أيضا.
# ومنهم من لم يحصل له شيء من الفضول، وهو زاهد في تحصيله، إما مع قدرته،
~~أو بدونها، والأول أفضل من هذا، ولهذا قال كثير من السلف: إن عمر بن عبد
~~العزيز كان أزهد من أويس ونحوه، كذا قال أبو سليمان وغيره.
# وكان مالك بن دينار يقول: الناس يقولون: مالك زاهد، إنما الزاهد عمر بن
~~عبد العزيز.
# وقد اختلف العلماء: أيما أفضل من طلب الدنيا من الحلال، ليصل رحمه، ويقدم
~~منها لنفسه، أم من تركها فلم يطلبها بالكلية؟ فرجحت طائفة من تركها
~~وجانبها، منهم الحسن وغيره، ورجحت طائفة من طلبها على ذلك الوجه، منهم
~~النخعي وغيره، وروي عن الحسن عنه نحوه.
# والزاهدون في الدنيا بقلوبهم لهم ملاحظ ومشاهد يشهدونها، فمنهم من يشهد
~~كثرة التعب بالسعي في تحصيلها، فهو يزهد فيها قصدا لراحة نفسه. قال
# PageV02P196
# الحسن: الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن.
# ومنهم من يخاف أن ينقص ms413 حظه من الآخرة بأخذ فضول الدنيا. ومنهم من يخاف من
~~طول الحساب عليها، قال بعضهم: من سأل الله الدنيا، فإنما يسأل طول الوقوف
~~للحساب.
# ومنهم من يشهد كثرة عيوب الدنيا، وسرعة تقلبها وفنائها، ومزاحمة الأراذل
~~في طلبها، كما قيل لبعضهم: ما الذي زهدك في الدنيا؟ قال: قلة وفائها، وكثرة
~~جفائها، وخسة شركائها.
# ومنهم من كان ينظر إلى حقارة الدنيا عند الله، فيقذرها، كما قال الفضيل:
~~لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالا لا أحاسب بها في الآخرة، لكنت
~~أتقذرها كما يتقذر الرجل الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه.
# ومنهم من كان يخاف أن تشغله عن الاستعداد للآخرة والتزود لها، قال الحسن:
~~إن كان أحدهم ليعيش عمره مجهودا شديد الجهد، والمال الحلال إلى جنبه، يقال
~~له: ألا تأتي هذا فتصيب منه؟ فيقول: لا والله لا أفعل، إني أخاف أن آتيه
~~فأصيب منه فيكون فساد قلبي وعملي.
# وبعث إلى عمر بن المنكدر بمال، فبكى واشتد بكاؤه، وقال: خشيت أن تغلب
~~الدنيا على قلبي، فلا يكون للآخرة فيه نصيب، فذلك الذي أبكاني ثم أمر به
~~فتصدق به على فقراء أهل المدينة.
# وخواص هؤلاء يخشى أن يشتغل بها عن الله، كما قالت رابعة: ما أحب
# PageV02P197
# أن لي الدنيا كلها من أولها إلى آخرها حلالا، وأنا أنفقها في سبيل الله،
~~وأنها شغلتني عن الله طرفة عين.
# وقال أبو سليمان: الزهد ترك ما يشغل عن الله. وقال: كل ما شغلك عن الله
~~من أهل ومال وولد، فهو مشئوم.
# وقال: أهل الزهد في الدنيا على طبقتين: منهم من يزهد في الدنيا، فلا يفتح
~~له فيها روح الآخرة، ومنهم من إذا زهد فيها، فتح له فيها روح الآخرة، فليس
~~شيء أحب إليه من البقاء ليطيع الله.
# وقال: ليس الزاهد من ألقى هموم الدنيا، واستراح منها، إنما الزاهد من زهد
~~في الدنيا، وتعب فيها للآخرة.
# فالزهد في الدنيا يراد به تفريغ القلب من الاشتغال بها، ليتفرغ لطلب
~~الله، ومعرفته والقرب منه والأنس به، والشوق إلى لقائه، وهذه الأمور ms414 ليست
~~من الدنيا، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حبب إلي من دنياكم
~~النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» ، ولم يجعل الصلاة مما حبب إليه
~~من الدنيا، كذا في " المسند " و " النسائي "، وأظنه وقع في غيرهما: «حبب
~~إلي من دنياكم ثلاث» فأدخل الصلاة في الدنيا، ويشهد لذلك حديث: «الدنيا
~~ملعونة،
# PageV02P198
# ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالما أو متعلما» خرجه ابن
~~ماجه والترمذي، وحسنه من حديث أبي هريرة مرفوعا. وروي نحوه من غير وجه
~~مرسلا ومتصلا.
# وخرج الطبراني من حديث أبي الدرداء مرفوعا قال: «الدنيا ملعونة ملعون ما
~~فيها إلا ما ابتغي به وجه الله» . وخرجه ابن أبي الدنيا موقوفا، وخرجه أيضا
~~من رواية شهر بن حوشب عن عبادة، أراه رفعه، قال: «يؤتى بالدنيا يوم
~~القيامة، فيقال ميزوا منها ما كان لله عز وجل، وألقوا سائرها في النار» .
# فالدنيا وكل ما فيها ملعونة، أي مبعدة عن الله، لأنها تشغل عنه، إلا
~~العلم النافع الدال على الله، وعلى معرفته، وطلب قربه ورضاه، وذكر الله وما
~~والاه مما يقرب من الله، فهذا هو المقصود من الدنيا، فإن الله إنما أمر
~~عباده بأن يتقوه ويطيعوه، ولازم ذلك دوام ذكره، كما قال ابن مسعود، تقوى
~~الله حق تقواه أن يذكر فلا ينسى. وإنما شرع الله إقام الصلاة لذكره، وكذلك
~~الحج والطواف. وأفضل أهل العبادات أكثرهم ذكرا لله فيها، فهذا كله ليس من
~~الدنيا المذمومة
# PageV02P199
# وهو المقصود من إيجاد الدنيا وأهلها، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن
~~والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] [الذاريات: 56] .
# وقد ظن طوائف من الفقهاء والصوفية أن ما يوجد في الدنيا من هذه العبادات
~~أفضل مما يوجد في الجنة من النعيم، قالوا: لأن نعيم الجنة حظ العبد،
~~والعبادات في الدنيا حق الرب، وحق الرب أفضل من حظ العبد، وهذا غلط، ويقوي
~~غلطهم قول كثير من المفسرين في قوله: {من جاء بالحسنة فله خير منها}
~~[النمل: 89] [النمل: 89] قالوا: الحسنة: لا إله إلا الله، وليس شيء خيرا
~~منها. ولكن ms415 الكلام على التقديم والتأخير، والمراد: فله منها خير، أي: له
~~خير بسببها ولأجلها.
# والصواب إطلاق ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة أن الآخرة خير من الأولى
~~مطلقا. وفي " صحيح الحاكم " عن المستورد بن شداد، قال: «كنا عند النبي صلى
~~الله عليه وسلم، فتذكروا الدنيا والآخرة: فقال بعضهم: إنما الدنيا بلاغ
~~للآخرة، وفيها العمل، وفيها الصلاة، وفيها الزكاة. وقالت طائفة منهم:
~~الآخرة فيها الجنة، وقالوا ما شاء الله، فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم، فأدخل أصبعه فيه،
~~فما خرج منه فهو الدنيا» فهذا نص بتفضيل الآخرة على الدنيا، وما فيها من
~~الأعمال.
# ووجه ذلك أن كمال الدنيا إنما هو في العلم والعمل، والعلم مقصود الأعمال،
~~يتضاعف في الآخرة بما لا نسبة لما في الدنيا إليه، فإن العلم أصله العلم
~~بالله وأسمائه وصفاته، وفي الآخرة ينكشف الغطاء، ويصير الخبر عيانا، ويصير
~~علم اليقين عين اليقين، وتصير المعرفة بالله رؤية له ومشاهدة، فأين هذا مما
~~في الدنيا؟
# PageV02P200
# وأما الأعمال البدنية، فإن لها في الدنيا مقصدين: أحدهما: اشتغال الجوارح
~~بالطاعة، وكدها بالعبادة. والثاني: اتصال القلوب بالله وتنويرها بذكره.
# فالأول قد رفع عن أهل الجنة، ولهذا روي أنهم إذا هموا بالسجود لله عند
~~تجليه لهم يقال لهم: ارفعوا رءوسكم فإنكم لستم في دار مجاهدة.
# وأما المقصود الثاني، فحاصل لأهل الجنة على أكمل الوجوه وأتمها، ولا نسبة
~~لما حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القرب والأنس والاتصال إلى ما يشاهدونه
~~في الآخرة عيانا، فتتنعم قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم بقرب الله ورؤيته، وسماع
~~كلامه، ولا سيما في أوقات الصلوات في الدنيا، كالجمع والأعياد، والمقربون
~~منهم يحصل ذلك لهم كل يوم مرتين بكرة وعشيا في وقت صلاة الصبح وصلاة العصر،
~~ولهذا لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة يرون ربهم، حض عقيب
~~ذلك على المحافظة على صلاة العصر وصلاة الفجر؛ لأن وقت هاتين الصلاتين وقت
~~لرؤية خواص أهل الجنة ربهم وزيارتهم له، وكذلك نعيم الذكر ms416 وتلاوة القرآن لا
~~ينقطع عنهم أبدا، فيلهمون التسبيح كما يلهمون النفس. قال ابن عيينة: لا إله
~~إلا الله لأهل الجنة، كالماء البارد لأهل الدنيا، فأين لذة الذكر للعارفين
~~في الدنيا من لذتهم به في الجنة.
# فتبين بهذا أن قوله: {من جاء بالحسنة فله خير منها} [النمل: 89] [النمل:
~~89] على ظاهره، فإن ثواب كلمة التوحيد في الدنيا أن يصل صاحبها إلى قولها
~~في الجنة على الوجه الذي يختص به أهل الجنة.
# PageV02P201
# وبكل حال، فالذي يحصل لأهل الجنة من تفاصيل العلم بالله وأسمائه وصفاته
~~وأفعاله، ومن قربه ومشاهدته ولذة ذكره، هو أمر لا يمكن التعبير عن كنهه في
~~الدنيا، لأن أهلها لم يدركوه على وجهه، بل هو مما لا عين رأت، ولا أذن
~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والله تعالى المسئول أن لا يحرمنا خير ما عنده
~~بشر ما عندنا بمنه وكرمه ورحمته آمين.
# ولنرجع إلى شرح حديث: «ازهد في الدنيا يحبك الله» فهذا الحديث يدل على أن
~~الله يحب الزاهدين في الدنيا، قال بعض السلف: قال الحواريون لعيسى عليه
~~السلام: يا روح الله، علمنا عملا واحدا يحبنا الله عز وجل عليه، قال:
~~أبغضوا الدنيا يحبكم الله عز وجل.
# وقد ذم الله تعالى من يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة، كما قال: {كلا بل
~~تحبون العاجلة - وتذرون الآخرة} [القيامة: 20 - 21] [القيامة: 20 - 21] ،
~~وقال: {وتحبون المال حبا جما} [الفجر: 20] [الفجر: 20] ، وقال: {وإنه لحب
~~الخير لشديد} [العاديات: 8] [العاديات: 8] ، والمراد حب المال، فإذا ذم من
~~أحب الدنيا دل على مدح من لا يحبها، بل يرفضها ويتركها.
# وفي " المسند " و " صحيح ابن حبان " عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته، أضر بدنياه، فآثروا
~~ما يبقى على ما يفنى» .
# وفي " المسند " و " سنن ابن ماجه " عن زيد بن ثابت، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين
~~عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن ms417 كانت الآخرة نيته، جمع الله
~~عليه أمره، وجعل غناه في
# PageV02P202
# قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» . وخرجه الترمذي من حديث أنس مرفوعا
~~بمعناه.
# ومن كلام جندب بن عبد الله الصحابي: حب الدنيا رأس كل خطيئة، وروي
~~مرفوعا، وروي عن الحسن مرسلا.
# وقال الحسن: من أحب الدنيا وسرته، خرج حب الآخرة من قلبه.
# وقال عون بن عبد الله: الدنيا والآخرة في القلب ككفتي الميزان بقدر ما
~~ترجح إحداهما تخف الأخرى.
# وقال وهب: إنما الدنيا والآخرة كرجل له امرأتان: إن أرضى إحداهما أسخط
~~الأخرى.
# وبكل حال، فالزهد في الدنيا شعار أنبياء الله وأوليائه وأحبائه، قال عمرو
~~بن العاص: ما أبعد هديكم من هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم، إنه كان أزهد
~~الناس في الدنيا وأنتم أرغب الناس فيها، خرجه الإمام أحمد.
# PageV02P203
# وقال ابن مسعود لأصحابه: أنتم أكثر صوما وصلاة وجهادا من أصحاب محمد صلى
~~الله عليه وسلم، وهم كانوا خيرا منكم، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: كانوا أزهد
~~منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة.
# وقال أبو الدرداء: لئن حلفتم لي على رجل أنه أزهدكم، لأحلفن لكم أنه
~~خيركم. ويروى عن الحسن، قال: «قالوا: يا رسول الله، من خيرنا؟ قال: أزهدكم
~~في الدنيا، وأرغبكم في الآخرة» والكلام في هذا الباب يطول جدا. وفيما أشرنا
~~إليه كفاية إن شاء الله تعالى.
# الوصية الثانية: الزهد فيما في أيدي الناس، وأنه موجب لمحبة الناس. وروي
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «وصى رجلا، فقال: ايأس مما في أيدي الناس
~~تكن غنيا» خرجه الطبراني وغيره.
# ويروى من حديث سهل بن سعد مرفوعا: «شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه
~~استغناؤه عن الناس» .
# وقال الحسن: لا تزال كريما على الناس، أو لا يزال الناس يكرمونك ما لم
# PageV02P204
# تعاط ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك، استخفوا بك، وكرهوا حديثك، وأبغضوك.
# وقال أيوب السختياني: لا ينبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: العفة عما في
~~أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم.
# وكان عمر يقول في خطبته على المنبر: إن الطمع فقر، وإن اليأس ms418 غنى، وإن
~~الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه.
# وروي أن عبد الله بن سلام لقي كعب الأحبار عند عمر، فقال: يا كعب، من
~~أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون به، قال: فما يذهب بالعلم من قلوب العلماء
~~بعد أن حفظوه وعقلوه؟ قال: يذهبه الطمع، وشره النفس، وتطلب الحاجات إلى
~~الناس، قال: صدقت.
# وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالاستعفاف عن
~~مسألة الناس والاستغناء عنهم، فمن سأل الناس ما بأيديهم، كرهوه وأبغضوه؛
~~لأن المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبونه، كرهوه لذلك.
# وأما من كان يرى المنة للسائل عليه، ويرى أنه لو خرج له عن ملكه كله، لم
~~يف له ببذل سؤاله له وذلته له، أو كان يقول لأهله: ثيابكم على غيركم أحسن
~~منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم، فهذا نادر جدا من طباع بني
~~آدم، وقد انطوى بساط ذلك من أزمان متطاولة.
# وأما من زهد فيما في أيدي الناس، وعف عنهم، فإنهم يحبونه ويكرمونه
# PageV02P205
# لذلك ويسود به عليهم، كما قال أعرابي لأهل البصرة: من سيد أهل هذه
~~القرية؟ قالوا: الحسن، قال: بما سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه،
~~واستغنى هو عن دنياهم، وما أحسن قول بعض السلف في وصف الدنيا وأهلها:
# وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها
# فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
# PageV02P206
### | [الحديث الثاني والثلاثون لا ضرر ولا ضرار]
# PageV02P206
# الحديث الثاني والثلاثون.
# عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا
~~ضرر ولا ضرار» حديث حسن، رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا، ورواه
~~مالك في " الموطإ " عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~مرسلا، فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوى بعضها ببعض.
# حديث أبي سعيد لم يخرجه ابن ماجه،
~~وإنما خرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن
~~ربيعة، حدثنا الدراوردي، عن عمرو بن يحيى المازني، ms419 عن أبيه، عن أبي سعيد
~~الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضره
~~الله، ومن شاق شق الله عليه» وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم، وقال
~~البيهقي: تفرد به عثمان عن
# PageV02P207
# الدراوردي، وخرجه مالك في " الموطإ " عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلا.
# قال ابن عبد البر لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث، قال: ولا يسند
~~من وجه صحيح، ثم خرجه من رواية عبد الملك بن معاذ النصيبي، عن الدراوردي
~~موصولا، والدراوردي كان الإمام أحمد يضعف ما حدث به من حفظه، ولا يعبأ به،
~~ولا شك في تقديم قول مالك على قوله. وقال خالد بن سعد الأندلسي الحافظ: لم
~~يصح حديث: «لا ضرر ولا ضرار» مسندا.
# وأما ابن ماجه، فخرجه من رواية فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة،
~~حدثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد، عن عبادة بن الصامت «أن رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم قضى أن لا ضرر ولا ضرار» ، وهذا من جملة صحيفة تروى بهذا
~~الإسناد، وهي منقطعة مأخوذة من كتاب، قاله ابن المديني وأبو زرعة وغيرهما،
~~وإسحاق بن يحيى قيل: هو ابن طلحة، وهو ضعيف لم يسمع من عبادة، قاله أبو
~~زرعة وابن أبي حاتم والدارقطني في موضع، وقيل: إنه إسحاق بن يحيى بن الوليد
~~بن عبادة، ولم يسمع أيضا من عبادة، قاله الدارقطني أيضا.
# PageV02P208
# وذكره ابن عدي في كتابه " الضعفاء "، وقال: عامة أحاديثه غير محفوظة،
~~وقيل: إن موسى بن عقبة لم يسمع منه، وإنما روى هذه الأحاديث عن أبي عياش
~~الأسدي عنه، وأبو عياش لا يعرف.
# وخرجه ابن ماجه أيضا من وجه آخر من رواية جابر الجعفي، عن عكرمة، عن ابن
~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» وجابر
~~الجعفي ضعفه الأكثرون، وخرجه الدارقطني من رواية إبراهيم بن إسماعيل، عن
~~داود بن الحصين، عن عكرمة وإبراهيم ضعفه جماعة، وروايات داود عن عكرمة
~~مناكير.
# وخرج الدارقطني من حديث الواقدي، حدثنا ms420 خارجة بن عبد الله بن سليمان بن
~~زيد بن ثابت، عن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «لا ضرر، ولا ضرار» والواقدي متروك، وشيخه مختلف في تضعيفه.
~~وخرجه الطبراني من وجهين ضعيفين أيضا عن القاسم عن عائشة.
# وخرج الطبراني أيضا من رواية محمد بن سلمة عن أبي إسحاق عن محمد بن يحيى
~~بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» وهذا إسناد مقارب وهو غريب، لكن خرجه أبو
~~داود في " المراسيل " من رواية عبد الرحمن بن مغراء عن ابن إسحاق، عن محمد
~~بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع مرسلا، وهذا أصح.
# وخرج الدارقطني من رواية أبي بكر بن عياش، قال: أراه عن ابن عطاء، عن
~~أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ضرر ولا ضرورة،
~~ولا يمنعن
# PageV02P209
# أحدكم جاره أن يضع خشبه على حائطه» ، وهذا الإسناد فيه شك، وابن عطاء: هو
~~يعقوب، وهو ضعيف.
# وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ضرر ولا إضرار» قال ابن عبد البر: إسناده غير
~~صحيح.
# قلت: كثير هذا يصحح حديثه الترمذي ويقول البخاري في بعض حديثه: هو أصح
~~حديث في الباب، وحسن حديثه إبراهيم بن المنذر الحزامي، وقال: هو خير من
~~مراسيل ابن المسيب، وكذلك حسنه ابن أبي عاصم، وترك حديثه آخرون، منهم
~~الإمام أحمد وغيره، فهذا ما حضرنا من ذكر طرق أحاديث هذا الباب.
# وقد ذكر الشيخ رحمه الله أن بعض طرقه تقوى ببعض، وهو كما قال، وقد قال
~~البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبد الله المزني: إذا انضمت إلى غيرها من
~~الأسانيد التي فيها ضعف قويت.
# وقال الشافعي في المرسل: إنه إذا أسند من وجه آخر، أو أرسله من يأخذ
~~العلم عن غير من يأخذ عنه المرسل الأول فإنه ms421 يقبل.
# وقال الجوزجاني: إذا كان الحديث المسند من رجل غير مقنع - يعني: لا يقنع
~~برواياته - وشد أركانه المراسيل بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار، استعمل
~~واكتفي به، وهذا إذا لم يعارض بالمسند الذي هو أقوى منه.
# وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث، وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
~~«لا ضرر ولا ضرار» .
# PageV02P210
# وقال أبو عمرو بن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها
~~يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم، واحتجوا به، وقول أبي
~~داود: إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف والله
~~أعلم.
# وفي المعنى أيضا حديث أبي صرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ضار
~~ضار الله به، ومن شاق شاق الله عليه» خرجه أبو داود والترمذي، وابن ماجه،
~~وقال الترمذي: حسن غريب.
# وخرج الترمذي بإسناد فيه ضعف عن أبي بكر الصديق، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به» .
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» . هذه الرواية الصحيحة،
~~ضرار بغير همزة، وروي " إضرار " بالهمزة، ووقع ذلك في بعض روايات ابن ماجه
~~والدارقطني، بل وفي بعض نسخ الموطإ، وقد أثبت بعضهم هذه الرواية وقال: ضر
~~وأضر بمعنى واحد، وأنكرها آخرون، وقالوا: لا صحة لها.
# PageV02P211
# واختلفوا: هل بين اللفظين - أعني الضر والضرار - فرق أم لا؟ فمنهم من
~~قال: هما بمعنى واحد على وجه التأكيد، والمشهور أن بينهما فرقا، ثم قيل: إن
~~الضرر هو الاسم، والضرار الفعل، فالمعنى أن الضرر نفسه منتف في الشرع،
~~وإدخال الضرر بغير حق كذلك.
# وقيل: الضرر: أن يدخل على غيره ضررا بما ينتفع هو به، والضرار: أن يدخل
~~على غيره ضررا بلا منفعة له به، كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع،
~~ورجح هذا القول طائفة، منهم ابن عبد البر، وابن الصلاح.
# وقيل: الضرر: أن يضر بمن لا يضره، والضرار: أن يضر بمن قد أضر به على وجه
~~غير جائز.
# وبكل حال فالنبي صلى الله عليه وسلم ms422 إنما نفى الضرر والضرار بغير حق.
# فأما إدخال الضرر على أحد بحق، إما لكونه تعدى حدود الله، فيعاقب بقدر
~~جريمته، أو كونه ظلم غيره، فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهذا غير مراد
~~قطعا، وإنما المراد: إلحاق الضرر بغير حق، وهذا على نوعين: أحدهما: أن لا
~~يكون في ذلك غرض سوى الضرر بذلك الغير، فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه، وقد
~~ورد في القرآن النهي عن المضارة في مواضع: منها في الوصية، قال الله تعالى:
~~{من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار} [النساء: 12] [النساء: 12] ، وفي
~~حديث أبي هريرة المرفوع: «إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضره
~~الموت، فيضار في الوصية، فيدخل النار» ، ثم تلا: {تلك حدود الله} [النساء:
~~13] إلى قوله: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها}
~~[النساء: 14] [النساء: 13 - 14] ، وقد خرجه الترمذي وغيره بمعناه.
# PageV02P212
# وقال ابن عباس: الإضرار: في الوصية من الكبائر، ثم تلا هذه الآية.
# والإضرار في الوصية تارة يكون بأن يخص بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي
~~فرضه الله له، فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه
~~وسلم: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» .
# وتارة بأن يوصي لأجنبي بزيادة على الثلث، فتنقص حقوق الورثة، ولهذا قال
~~النبي صلى الله عليه وسلم: «الثلث والثلث كثير» .
# ومتى وصى لوارث أو لأجنبي بزيادة على الثلث، لم ينفذ ما وصى به إلا
~~بإجازة الورثة، وسواء قصد المضارة أو لم يقصد، وأما إن قصد المضارة بالوصية
~~لأجنبي بالثلث، فإنه يأثم بقصده المضارة، وهل ترد وصيته إذا ثبت بإقراره أم
~~لا؟ حكى ابن عطية رواية عن مالك أنها ترد، وقيل: إنه قياس مذهب أحمد.
# ومنها: الرجعة في النكاح، وقال تعالى: {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف
~~ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} [البقرة: 231]
~~[البقرة: 231] ، وقال: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا}
~~[البقرة: 228] [البقرة: 228] فدل ذلك على أن من كان قصده بالرجعة المضارة،
~~فإنه آثم بذلك، ms423 وهذا كما كانوا في أول الإسلام قبل حصر الطلاق في ثلاث يطلق
~~الرجل امرأته، ثم يتركها حتى يقارب انقضاء عدتها، ثم يراجعها، ثم يطلقها،
~~ويفعل ذلك أبدا بغير نهاية، فيدع المرأة لا مطلقة ولا ممسكة، فأبطل الله
~~ذلك، وحصر الطلاق في ثلاث مرات.
# PageV02P213
# وذهب مالك إلى أن من راجع امرأته قبل انقضاء عدتها، ثم طلقها من غير مسيس
~~أنه إن قصد بذلك مضارتها بتطويل العدة، لم تستأنف العدة، وبنت على ما مضى
~~منها، وإن لم يقصد بذلك، استأنفت عدة جديدة، وقيل: تبني مطلقا، وهو قول
~~عطاء وقتادة، والشافعي في القديم، وأحمد في رواية، وقيل: تستأنف مطلقا، وهو
~~قول الأكثرين، منهم أبو قلابة والزهري والثوري وأبو حنيفة والشافعي - في
~~الجديد - وأحمد في رواية وإسحاق وأبو عبيد وغيرهم.
# ومنها في الإيلاء، فإن الله جعل مدة المؤلي أربعة أشهر إذا حلف الرجل على
~~امتناعه من وطء زوجته، فإنه يضرب له مدة أربعة أشهر، فإن فاء ورجع إلى
~~الوطء، كان ذلك توبته، وإن أصر على الامتناع لم يمكن من ذلك، وفيه قولان
~~للسلف والخلف: أحدهما: أنها تطلق عليه بمضي هذه المدة، والثاني: أنه يوقف،
~~فإن فاء، وإلا أمر بالطلاق، ولو ترك الوطء لقصد إضرار بغير يمين مدة أربعة
~~أشهر، فقال كثير من أصحابنا: حكمه حكم المؤلي في ذلك، وقالوا: هو ظاهر كلام
~~أحمد.
# وكذا قال جماعة منهم: إذا ترك الوطء أربعة أشهر لغير عذر، ثم طلب الفرقة
~~فرق بينهما بناء على أن الوطء عندنا في هذه المدة واجب، واختلفوا: هل يعتبر
~~لذلك قصد الإضرار أم لا يعتبر؟ ومذهب مالك وأصحابه إذا ترك الوطء من غير
~~عذر، فإنه يفسخ نكاحه، مع اختلافهم في تقدير المدة.
# ولو أطال السفر من غير عذر، وطلبت امرأته قدومه، فأبى، فقال مالك وأحمد
~~وإسحاق: يفرق الحاكم بينهما، وقدره أحمد بستة أشهر، وإسحاق بمضي سنتين.
# ومنها في الرضاع، قال تعالى: {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده}
~~[البقرة: 233] [البقرة: 233] ، قال مجاهد في قوله: {لا تضار والدة بولدها}
~~[البقرة: 233] [البقرة: 233]
# PageV02P214
# قال: ms424 لا يمنع أمه أن ترضعه ليحزنها، وقال عطاء وقتادة والزهري وسفيان
~~والسدي وغيرهم: إذا رضيت ما يرضى به غيرها، فهي أحق به، وهذا هو المنصوص عن
~~أحمد، ولو كانت الأم في حبال الزوج. وقيل: إن كانت في حبال الزوج، فله
~~منعها من إرضاعه، إلا أن لا يمكن ارتضاعه من غيرها، وهو قول الشافعي وبعض
~~أصحابنا، لكن إنما يجوز ذلك إذا كان قصد الزوج به توفير الزوجة للاستمتاع،
~~لا مجرد إدخال الضرر عليها.
# وقوله: {ولا مولود له بولده} [البقرة: 233] [البقرة: 233] ، يدخل فيه أن
~~المطلقة إذا طلبت إرضاع ولدها بأجرة مثلها، لزم الأب إجابتها إلى ذلك،
~~وسواء وجد غيرها أو لم يوجد. هذا منصوص الإمام أحمد، فإن طلبت زيادة على
~~أجرة مثلها زيادة كثيرة، ووجد الأب من يرضعه بأجرة المثل، لم يلزم الأب
~~إجابتها إلى ما طلبت، لأنها تقصد المضارة، وقد نص عليه الإمام أحمد.
# ومنها في البيع قد ورد النهي عن بيع المضطر، خرجه أبو داود من حديث علي
~~بن أبي طالب أنه خطب الناس، فقال: إنه سيأتي على الناس زمان عضوض
# PageV02P215
# يعض الموسر على ما في يديه، ولم يؤمر بذلك، قال تعالى: {ولا تنسوا الفضل
~~بينكم} [البقرة: 237] [البقرة: 137] ويبايع المضطرون، وقد «نهى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر» . وخرجه الإسماعيلي، وزاد فيه: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم: «إن كان عندك خير تعود به على أخيك، وإلا فلا
~~تزيدنه هلاكا إلى هلاكه» وخرجه أبو يعلى الموصلي بمعناه من حديث حذيفة
~~مرفوعا أيضا.
# وقال عبد الله بن معقل: بيع الضرورة ربا.
# وقال حرب: سئل أحمد عن بيع المضطر، فكرهه، فقيل له: كيف هو؟ قال: يجيئك
~~وهو محتاج، فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين، وقال أبو طالب: قيل لأحمد: إن ربح
~~بالعشرة خمسة؟ فكره ذلك، وإن كان المشتري مسترسلا لا يحسن أن يماكس، فباعه
~~بغبن كثير، لم يجز أيضا. قال أحمد: الخلابة: الخداع، وهو أن يغبنه فيما لا
~~يتغابن الناس في مثله؛ يبيعه ما يساوي درهما بخمسة، ومذهب مالك ms425 وأحمد أنه
~~يثبت له خيار الفسخ بذلك.
# ولو كان محتاجا إلى نقد، فلم يجد من يقرضه، فاشتري سلعة بثمن إلى أجل في
~~ذمته، ومقصوده بيع تلك السلعة، ليأخذ ثمنها، فهذا فيه قولان للسلف، ورخص
~~أحمد في رواية، وقال في رواية: أخشى أن يكون مضطرا؛ فإن باع السلعة من
~~بائعها له، فأكثر السلف على تحريم ذلك، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد
~~وغيرهم.
# ومن أنواع الضرر في البيوع: التفريق بين الوالدة وولدها في البيع، فإن
~~كان صغيرا، حرم بالاتفاق، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
~~«من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» ، فإن
~~رضيت الأم بذلك، ففي
# PageV02P216
# جوازه اختلاف، ومسائل الضرر في الأحكام كثيرة جدا، وإنما ذكرنا هذا على
~~وجه المثال.
# والنوع الثاني: أن يكون له غرض آخر صحيح، مثل أن يتصرف في ملكه بما فيه
~~مصلحة له، فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره، أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه توفيرا
~~له، فيتضرر الممنوع بذلك.
# فأما الأول وهو التصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى غيره فإن كان على غير
~~الوجه المعتاد، مثل أن يؤجج في أرضه نارا في يوم عاصف، فيحترق ما يليه،
~~فإنه متعد بذلك، وعليه الضمان، وإن كان على الوجه المعتاد، ففيه للعلماء
~~قولان مشهوران: أحدهما: لا يمنع من ذلك، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة
~~وغيرهما. والثاني: المنع، وهو قول أحمد، ووافقه مالك في بعض الصور؛ فمن صور
~~ذلك: أن يفتح كوة في بنائه العالي مشرفة على جاره، أو يبني بناء عاليا يشرف
~~على جاره ولا يستره، فإنه يلزم بستره، نص عليه أحمد، ووافقه طائفة من أصحاب
~~الشافعي، قال الروياني منهم في كتاب " الحلية ": يجتهد الحاكم في ذلك،
~~ويمنع إذا ظهر له التعنت، وقصد الفساد، قال: وكذلك القول في إطالة البناء
~~ومنع الشمس والقمر.
# وقد خرج الخرائطي وابن عدي بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
~~مرفوعا حديثا طويلا في حق الجار، وفيه: «ولا يستطيل عليه بالبناء ms426 فيحجب عنه
~~الريح إلا بإذنه» .
# PageV02P217
# ومنها أن يحفر بئرا بالقرب من بئر جاره فيذهب ماؤها، فإنها تطم في ظاهر
~~مذهب مالك وأحمد، وخرج أبو داود في " المراسيل " من حديث أبي قلابة، قال:
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تضاروا في الحفر، وذلك أن يحفر
~~الرجل إلى جنب الرجل ليذهب بمائه» .
# ومنها أن يحدث في ملكه ما يضر بملك جاره من هز أو دق ونحوهما، فإنه يمنع
~~منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد وهو أحد الوجوه للشافعية.
# وكذا إذا كان يضر بالسكان، كما إذا كان له رائحة خبيثة ونحو ذلك.
# ومنها أن يكون له ملك في أرض غيره، ويتضرر صاحب الأرض بدخوله إلى أرضه،
~~فإنه يجبر على إزالته ليندفع به ضرر الدخول، وخرج أبو داود في " سننه " من
~~حديث أبي جعفر محمد بن علي أنه «حدث سمرة بن جندب أنه كانت له عضد من نخل
~~في حائط رجل من الأنصار، ومع الرجل أهله، فكان سمرة يدخل إلى نخله، فيتأذى
~~به ويشق عليه، فطلب إليه أن يناقله، فأبى فأتى النبي صلى الله عليه وسلم،
~~فذكر ذلك له، فطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعه، فأبى، فطلب
~~إليه أن يناقله، فأبى، قال: فهبه له ولك كذا وكذا أمرا رغبه فيه، فأبى،
~~فقال: أنت مضار فقال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصاري: اذهب فاقلع نخله»
~~، وقد روي عن أبي جعفر مرسلا. قال أحمد في رواية حنبل بعد أن ذكر له هذا
~~الحديث: كل ما كان على هذه الجهة وفيه ضرر، يمنع من ذلك، فإن أجاب وإلا
~~أجبره السلطان، ولا يضر بأخيه في ذلك، فيه مرفق له.
# PageV02P218
# وخرجه أبو بكر الخلال من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن
~~سليط بن قيس عن أبيه «أن رجلا من الأنصار كانت في حائطه نخلة لرجل آخر،
~~وكان صاحب النخلة لا يريمها غدوة وعشية، فشق ذلك على صاحب الحائط، فأتى
~~النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال النبي ms427 صلى الله عليه وسلم
~~لصاحب النخلة: خذ منه نخلة مما يلي الحائط مكان نخلتك، قال: لا والله، قال:
~~فخذ مني ثنتين قال: لا والله، قال: فهبها لي، قال: لا والله، قال: فردد
~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن
~~يعطيه نخلة مكان نخلته» .
# وخرج أبو داود في " المراسيل " من رواية إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان،
~~عن عمه واسع بن حبان، قال: «كان لأبي لبابة عذق في حائط رجل، فكلمه، فقال:
~~إنك تطأ حائطي إلى عذقك، فأنا أعطيك مثله في حائطك، وأخرجه عني، فأبى عليه،
~~فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فيه، فقال: يا أبا لبابة، خذ مثل عذقك،
~~فحزها إلى مالك، واكفف عن صاحبك ما يكره، فقال: ما أنا بفاعل، فقال: اذهب،
~~فأخرج له مثل عذقه إلى حائطه، ثم اضرب فوق ذلك بجدار، فإنه لا ضرر في
~~الإسلام ولا ضرار» .
# ففي هذا الحديث والذي قبله إجباره على المعاوضة حيث كان على شريكه أو
~~جاره ضرر في تركه، وهذا مثل إيجاب الشفعة لدفع ضرر الشريك الطارئ.
# ويستدل بذلك أيضا على وجوب العمارة على الشريك الممتنع من العمارة، وعلى
~~إيجاب البيع إذا تعذرت القسمة، وقد ورد من حديث محمد بن أبي بكر،
# PageV02P219
# عن أبيه مرفوعا: «لا تعضية في الميراث إلا ما احتمل القسم» وأبو بكر: هو
~~ابن عمرو بن حزم، قاله الإمام أحمد فالحديث حينئذ مرسل، والتعضية: هي
~~القسمة. ومتي تعذرت القسمة، لكون المقسوم يتضرر بقسمته، وطلب أحد الشريكين
~~البيع، أجبر الآخر، وقسم الثمن، نص عليه أحمد وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة.
# وأما الثاني - وهو منع الجار من الانتفاع بملكه، والارتفاق به - فإن كان
~~ذلك يضر بمن انتفع بملكه، فله المنع كمن له جدار واه لا يحتمل أن يطرح عليه
~~خشب، وأما إن لم يضر به، فهل يجب عليه التمكين، ويحرم عليه الامتناع أم لا؟
~~فمن قال في القسم الأول: لا يمنع المالك من التصرف في ملكه، وإن أضر بجاره،
~~قال هنا: ms428 للجار المنع من التصرف في ملكه بغير إذنه، ومن قال هناك بالمنع،
~~فاختلفوا هاهنا على قولين: أحدهما: المنع هاهنا وهو قول مالك.
# والثاني: أنه لا يجوز المنع، وهو مذهب أحمد في طرح الخشب على جدار دار
~~جاره، ووافقه الشافعي في القديم وإسحاق وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وعبد
~~الملك بن حبيب المالكي، وحكاه مالك عن بعض قضاة المدينة.
# وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا
~~يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه على جداره» قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها
~~معرضين، والله
# PageV02P220
# لأرمين بها بين أكتافكم. وقضى عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة أن يجري
~~ماء جاره في أرضه، وقال: لتمرن به ولو على بطنك.
# وفي الإجبار على ذلك روايتان عن الإمام أحمد، ومذهب أبي ثور الإجبار على
~~إجراء الماء في أرض جاره إذا أجراه في قني في باطن أرضه، نقله عنه حرب
~~الكرماني.
# ومما ينهى عن منعه للضرر منع الماء والكلأ، وفي " الصحيحين " عن أبي
~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به
~~الكلأ» .
# وفي " سنن أبي داود " «أن رجلا قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل
~~منعه؟ قال: الماء قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الملح
~~قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: أن تفعل الخير خير لك»
~~.
# وفيه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الناس شركاء في ثلاث:
~~الماء والنار والكلأ» .
# PageV02P221
# وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يمنع فضل الماء الجاري والنابع مطلقا، سواء
~~قيل: إن الماء لمالك أرضه أم لا، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق
~~وأبي عبيد وغيرهم، والمنصوص عن أحمد وجوب بذله مجانا بغير عوض للشرب، وسقي
~~البهائم، وسقي الزروع، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: لا يجب بذله للزروع.
# واختلفوا: هل يجب بذله مطلقا، أو إذا كان بقرب الكلأ، وكان منعه مفضيا
~~إلى منع الكلأ؟ على قولين لأصحابنا وأصحاب ms429 الشافعي، وفي كلام أحمد ما يدل
~~على اختصاص المنع بالقرب من الكلأ، وأما مالك، فلا يجب عنده بذل فضل الماء
~~المملوك بملك منبعه ومجراه إلا للمضطر كالمحاز في الأوعية، وإنما يجب عنده
~~بذل فضل الماء الذي لا يملك.
# وعند الشافعي: حكم الكلأ كذلك يجوز منع فضله إلا في أرض الموات.
# ومذهب أبي حنيفة وأحمد وأبي عبيد أنه لا يمنع فضل الكلأ مطلقا، ومنهم من
~~قال: لا يمنع أحد الماء والكلأ إلا أهل الثغور خاصة، وهو قول الأوزاعي، لأن
~~أهل الثغور إذا ذهب ماؤهم وكلؤهم لم يقدروا أن يتحولوا من مكانهم من وراء
~~بيضة الإسلام وأهله.
# وأما النهي عن منع النار، فحمله طائفة من الفقهاء على النهي عن الاقتباس
~~منها دون أعيان الجمر، ومنهم من حمله على منع الحجارة المورية للنار، وهو
~~بعيد، ولو حمل على منع الاستضاءة بالنار، وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها بها
~~لمن يستدفئ بها، أو ينضج عليها طعاما ونحوه، لم يبعد.
# PageV02P222
# وأما الملح فلعله يحمل على منع أخذه من المعادن المباحة، فإن الملح من
~~المعادن الظاهرة، لا يملك بالإحياء ولا بالإقطاع، نص عليه أحمد، وفي " سنن
~~أبي دواد " «أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع رجلا الملح، فقيل له: يا
~~رسول الله، إنه بمنزلة الماء العد، فانتزعه منه» .
# ومما يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: لا ضرر أن الله لم يكلف
~~عباده فعل ما يضرهم ألبتة، فإن ما يأمرهم به هو عين صلاح دينهم ودنياهم،
~~وما نهاهم عنه هو عين فساد دينهم ودنياهم، لكنه لم يأمر عباده بشيء هو ضار
~~لهم في أبدانهم أيضا، ولهذا أسقط الطهارة بالماء عن المريض، وقال: {ما يريد
~~الله ليجعل عليكم من حرج} [المائدة: 6] [المائدة: 6] ، وأسقط الصيام عن
~~المريض والمسافر، وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة:
~~185] [البقرة: 185] ، وأسقط اجتناب محظورات الإحرام، كالحلق ونحوه عمن كان
~~مريضا، أو به أذى من رأسه، وأمر بالفدية. وفي " المسند " عن ابن عباس، قال:
~~«قيل لرسول الله صلى الله عليه ms430 وسلم: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال:
~~الحنيفية السمحة» . ومن حديث
# PageV02P223
# عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني أرسلت بحنيفية سمحة» .
# ومن هذا المعنى ما في " الصحيحين " عن أنس أن «النبي صلى الله عليه وسلم:
~~رأى رجلا يمشي، قيل: إنه نذر أن يحج ماشيا، فقال: إن الله لغني عن مشيه
~~فليركب، وفي رواية: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه» .
# وفي " السنن " «عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت، فقال
~~النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا فلتركب» .
# وقد اختلف العلماء في حكم من نذر أن يحج ماشيا، فمنهم من قال: لا يلزمه
~~المشي، وله الركوب بكل حال، وهو رواية عن أحمد والأوزاعي. وقال أحمد: يصوم
~~ثلاثة أيام، وقال الأوزاعي: عليه كفارة يمين، والمشهور أنه يلزمه ذلك إن
~~أطاقه، فإن عجز عنه، فقيل: يركب عند العجز، ولا شيء عليه، وهو أحد قولي
~~الشافعي.
# PageV02P224
# وقيل: بل عليه - مع ذلك - كفارة يمين، وهو قول الثوري وأحمد في رواية.
# وقيل: بل عليه دم، قاله طائفة من السلف، منهم عطاء ومجاهد والحسن والليث
~~وأحمد في رواية.
# وقيل: يتصدق بكراء ما ركب، وروي عن الأوزاعي، وحكاه عن عطاء، وروي عن
~~عطاء: يتصدق بقدر نفقته عند البيت.
# وقالت طائفة من الصحابة وغيرهم: لا يجزئه الركوب، بل يحج من قابل، فيمشي
~~ما ركب، ويركب ما مشى، وزاد بعضهم: وعليه هدي، وهو قول مالك إذا كان ما
~~ركبه كثيرا.
# ومما يدخل في عمومه أيضا أن من عليه دين لا يطالب به مع إعساره، بل ينظر
~~إلى حال إيساره، قال تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة:
~~280] [البقرة: 280] ، وعلى هذا جمهور العلماء خلافا لشريح في قوله: إن
~~الآية مختصة بديون الربا في الجاهلية، والجمهور أخذوا باللفظ العام، ولا
~~يكلف المدين أن يقضي مما عليه في خروجه من ملكه ضرر، كثيابه ومسكنه المحتاج
~~إليه، وخادمه كذلك، ولا ما يحتاج إلى التجارة به لنفقته ونفقة عياله هذا
~~مذهب ms431 الإمام أحمد.
# PageV02P225
### | [الحديث الثالث والثلاثون لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم]
# PageV02P225
# الحديث الثالث والثلاثون
# عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو
~~يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم لكن البينة على المدعي
~~واليمين على من أنكر» . حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في "
~~الصحيحين ".
# أصل هذا الحديث خرجاه في "
~~الصحيحين " من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال
~~وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» .
# وخرجاه أيضا من رواية نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس
~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المدعى عليه» .
# واللفظ الذي ساقه به الشيخ ساقه ابن الصلاح قبله في الأحاديث الكليات،
~~وقال: رواه البيهقي بإسناد حسن.
# PageV02P226
# وخرجه الإسماعيلي في " صحيحه " من رواية الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جريج
~~عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعطى
~~الناس بدعواهم، لادعى رجال دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على الطالب،
~~واليمين على المطلوب» .
# وروى الشافعي: أنبأ مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن
~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «البينة على المدعي» قال
~~الشافعي: وأحسبه - ولا أثبته - أنه قال: «واليمين على المدعى عليه» .
# وروى محمد بن عمر بن لبابة الفقيه الأندلسي عن عثمان بن أيوب الأندلسي -
~~ووصفه بالفضل - عن غازي بن قيس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم فذكر هذا الحديث، قال: «لكن البينة على من ادعى،
~~واليمين على من أنكر» وغازي بن قيس الأندلسي كبير صالح، سمع من مالك وابن
~~جريج وطبقتهما، وسقط من هذا الإسناد ابن جريج والله أعلم.
# وقد استدل الإمام أحمد وأبو عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ms432
~~«البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» ، وهذا يدل على أن هذا اللفظ
~~عندهما صحيح محتج به، وفي المعنى أحاديث كثيرة، ففي " الصحيحين " «عن
~~الأشعث بن قيس، قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شاهداك أو
~~يمينه، قلت: إذا يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من
~~حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل
~~الله تصديق ذلك، ثم اقترأ هذه الآية: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم
~~ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] الآية [آل عمران: 77] . وفي رواية لمسلم بعد
~~قوله: " إذا يحلف "، قال: ليس لك إلا ذلك» . وخرجه أيضا مسلم بمعناه من
~~حديث وائل بن حجر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
# وخرج الترمذي من حديث العرزمي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: «البينة على المدعي، واليمين على
~~المدعى عليه» ، وقال: في إسناده مقال، والعرزمي يضعف في الحديث من قبل
~~حفظه. وخرجه الدارقطني من رواية مسلم بن خالد الزنجي - وفيه ضعف عن
# PageV02P227
# ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر إلا في القسامة» .
~~ورواه الحافظ عن ابن جرير، عن عمرو مرسلا.
# وخرجه أيضا من رواية مجاهد عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
~~قال في خطبته يوم الفتح: «المدعى عليه أولى باليمين إلا أن تقوم بينة» ،
~~وخرجه الطبراني، وعنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي إسناده كلام.
~~وخرج الدارقطني هذا المعنى من وجوه متعددة ضعيفة.
# وروى حجاج الصواف، عن حميد بن هلال، عن زيد بن ثابت، قال: «قضى رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: أيما رجل طلب عند رجل طلبة، فإن المطلوب هو أولى
~~باليمين» .
# وخرجه أبو عبيد والبيهقي، وإسناده ثقات، إلا ms433 أن حميد بن هلال ما أظنه لقي
~~زيد بن ثابت، وخرجه الدارقطني، وزاد فيه " بغير شهداء ".
# وخرج النسائي من حديث ابن عباس، قال: «جاء خصمان إلى النبي صلى الله عليه
~~وسلم فادعى أحدهما على الآخر حقا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمدعي:
~~أقم بينتك فقال: يا رسول الله، ما لي بينة، فقال للآخر: احلف بالله الذي لا
~~إله إلا هو: ما له عليك أو عندك شيء» .
# وقد روي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى: أن البينة على المدعي،
# PageV02P229
# واليمين على من أنكر. وقضى بذلك زيد بن ثابت على عمر لأبي بن كعب ولم
~~ينكراه.
# وقال قتادة: فصل الخطاب الذي أوتيه داود عليه السلام: هو أن البينة على
~~المدعي، واليمين على من أنكر.
# قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن البينة على المدعي، واليمين على
~~المدعى عليه، قال: ومعنى قوله: «البينة على المدعي» يعني: يستحق بها ما
~~ادعى، لأنها واجبة يؤخذ بها، ومعنى قوله: «اليمين على المدعى عليه» أي:
~~يبرأ بها، لأنها واجبة عليه، يؤخذ بها على كل حال. انتهى.
# وقد اختلف الفقهاء من أصحابنا والشافعية في تفسير المدعي والمدعى عليه.
# فمنهم من قال: المدعي: هو الذي يخلى وسكوته من الخصمين، والمدعى عليه: من
~~لا يخلى وسكوته منهما.
# ومنهم من قال: المدعي من يطلب أمرا خفيا على خلاف الأصل أو الظاهر،
~~والمدعى عليه بخلافه.
# وبنوا على ذلك مسألة، وهي إذا أسلم الزوجان الكافران قبل الدخول، ثم
~~اختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معا، فنكاحنا باق، وقالت الزوجة: بل سبق
# PageV02P230
# أحدنا إلى الإسلام، فالنكاح منفسخ، فإن قلنا: المدعي يخلى وسكوته،
~~فالمرأة هي المدعي، فيكون القول قول الزوج، لأنه مدعى عليه؛ إذ لا يخلى
~~وسكوته، وإن قلنا: المدعي من يدعي أمرا خفيا، فالمدعي هنا هو الزوج، إذ
~~التقارن في الإسلام خلاف الظاهر، فالقول قول المرأة؛ لأن الظاهر معها.
# وأما الأمين إذا ادعى التلف، كالمودع إذا ادعى تلف الوديعة، فقد قيل: إنه
~~مدع، لأن الأصل يخالف ما ادعاه، وإنما لم يحتج إلى بينة، ms434 لأن المودع
~~ائتمنه، والائتمان يقتضي قبول قوله.
# وقيل: إن المدعي الذي يحتاج إلى بينة هو المدعي، ليعطى بدعواه مال قوم أو
~~دماءهم، كما ذكر ذلك في الحديث، فأما الأمين، فلا يدعي ليعطى شيئا، وقيل:
~~بل هو مدعى عليه، لأنه إذا سكت، لم يترك، بل لا بد له من رد الجواب،
~~والمودع مدع، لأنه إذا سكت ترك؛ ولو ادعى الأمين رد الأمانة إلى من ائتمنه،
~~فالأكثرون على أن قوله مقبول أيضا كدعوى التلف.
# وقال الأوزاعي: لا يقبل قوله لأنه مدع. وقال مالك وأحمد في رواية: إن ثبت
~~قبضه للأمانة ببينة، لم يقبل قوله في الرد بدون البينة، ووجه بعض أصحابنا
~~ذلك بأن الإشهاد على دفع الحقوق الثابتة بالبينة واجب، فيكون تركه تفريطا،
~~فيجب به الضمان، وكذلك قال طائفة منهم في دفع مال اليتيم إليه: لا بد له من
~~بينة، لأن الله تعالى أمر بالإشهاد عليه فيكون واجبا.
# وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين: أحدهما: أن البينة على المدعي
~~أبدا، واليمين على المدعى عليه أبدا، وهو قول أبي حنيفة، ووافقه طائفة من
~~الفقهاء والمحدثين كالبخاري، وطردوا ذلك في كل دعوى، حتى في القسامة،
~~وقالوا: لا يحلف إلا المدعى عليه، ورأوا أن لا يقضى بشاهد ويمين، لأن
~~اليمين لا تكون على المدعي، ورأوا أن اليمين لا ترد على المدعي، لأنها لا
~~تكون إلا في جانب المنكر المدعى عليه.
# PageV02P231
# واستدلوا في مسألة القسامة بما روى سعيد بن عبيد، حدثنا بشير بن يسار
~~الأنصاري، عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره أن «نفرا منهم انطلقوا إلى خيبر،
~~فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلا، فذكر الحديث، وفيه: فقال النبي صلى الله
~~عليه وسلم: تأتوني بالبينة على من قتله، قالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون
~~قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطل دمه،
~~فوداه مائة من إبل الصدقة» . خرجه البخاري، وخرجه مسلم مختصرا ولم يتمه،
~~ولكن هذه الرواية تعارض رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بشير بن يسار عن
~~سهل ms435 بن أبي حثمة فذكر قصة القتيل، وقال فيه: «فذكروا لرسول الله صلى الله
~~عليه وسلم مقتل عبد الله بن سهل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقسم
~~خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته» ، وهذه هي الرواية المشهورة الثابتة
~~المخرجة بلفظها بكمالها في " الصحيحين ". وقد ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية
~~يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عبيد الطائي، فإنه أجل وأعلم وأحفظ، وهو
~~من أهل المدينة، وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين.
# وقد ذكر الإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيى بن سعيد في هذا الحديث،
~~فنفض يده، وقال: ذاك ليس بشيء، رواه على ما يقول الكوفيون، وقال: أذهب إلى
~~حديث المدينين يحيى بن سعيد. وقال النسائي: لا نعلم أحدا تابع سعيد بن عبيد
~~على روايته عن بشير بن يسار، وقال مسلم في كتاب " التمييز " لم يحفظه سعيد
~~بن عبيد على وجهه، لأن جميع الأخبار فيها سؤال النبي صلى الله عليه وسلم
~~إياهم قسامة خمسين يمينا، وليس في شيء من أخبارهم أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم
# PageV02P232
# سألهم البينة، وترك سعيد القسامة، وتواطؤ الأخبار بخلافه يقضي عليه
~~بالغلط، وقد خالفه يحيى بن سعيد.
# وقال ابن عبد البر في رواية سعيد بن عبيد: هذه رواية أهل العراق عن بشير
~~بن يسار، ورواية أهل المدينة عنه أثبت، وهم به أقعد، ونقلهم أصح عند أهل
~~العلم.
# قلت: وسعيد بن عبيد اختصر قصة القسامة، وهي محفوظة في الحديث، فقد خرج
~~النسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم طلب من ولي القتيل شاهدين على من قتله، فقال: ومن أين أصيب شاهدين؟
~~قال: فتحلف خمسين قسامة قال: كيف أحلف على ما لم أعلم؟ قال: فتستحلف منهم
~~خمسين قسامة» فهذا الحديث يجمع بين روايتي سعيد بن عبيد ويحيى بن سعيد،
~~ويكون كل منهما ترك بعض القصة، فترك سعيد ذكر قسامة المدعين، وترك يحيى ذكر
~~البينة قبل طلب القسامة والله أعلم.
# وأما مسألة الشاهد مع اليمين، فاستدل ms436 من أنكر الحكم بالشاهد واليمين
~~بحديث: «شاهداك أو يمينه» وقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس لك إلا ذلك» ،
~~وقد تكلم القاضي إسماعيل المالكي في هذه اللفظة، وقال: تفرد بها منصور عن
~~أبي وائل، وخالفه سائر الرواة، وقالوا: إنه سأله: ألك بينة أم لا؟ والبينة
~~لا تقف على الشاهدين فقط، بل تعم سائر ما يبين الحق.
# وقال غيره: يحتمل أن يريد بشاهديه كل نوعين يشهدان للمدعي بصحة دعواه
~~يتبين بهما الحق، فيدخل ذلك شهادة الرجلين، وشهادة الرجل مع المرأتين،
~~وشهادة الواحد مع اليمين، وقد أقام الله سبحانه أيمان المدعي مقام الشهود
~~في اللعان.
# PageV02P233
# وقوله في تمام الحديث: «ليس لك إلا ذلك» : لم يرد به النفي العام، بل
~~النفي الخاص، وهو الذي أراده المدعي، وهو أن يكون القول قوله بغير بينة،
~~فمنعه من ذلك، وأبى ذلك عليه، وكذلك قوله في الحديث الآخر: «ولكن اليمين
~~على المدعى عليه» إنما أريد بها اليمين المجردة عن الشهادة، وأول الحديث
~~يدل على ذلك، وهو قوله: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال
~~وأموالهم» فدل على أن قوله: اليمين على المدعى عليه إنما هي اليمين القاطعة
~~للمنازعة مع عدم البينة، وأما اليمين المثبتة للحق، مع وجود الشهادة، فهذا
~~نوع آخر، وقد ثبت بسنة أخرى.
# وأما رد اليمين على المدعي، فالمشهور عن أحمد موافقة أبي حنيفة، وأنها لا
~~ترد، واستدل أحمد بحديث: اليمين على المدعى عليه، وقال في رواية أبي طالب
~~عنه: ما هو ببعيد أن يقال له: تحلف وتستحق، واختار ذلك طائفة من متأخري
~~الأصحاب، وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد، وروي عن طائفة من الصحابة، وقد
~~ورد فيه حديث مرفوع خرجه الدارقطني وفي إسناده نظر.
# قال أبو عبيد: ليس هذا إزالة لليمين عن موضعها، فإن الإزالة أن لا يقضي
~~باليمين على المطلوب، فأما إذا قضي بها عليه، فرضي بيمين صاحبه، كان هو
~~الحاكم على نفسه بذلك، لأنه لو شاء، لحلف وبرئ، وبطلت عنه الدعوى.
# والقول الثاني في المسألة: أنه يرجح جانب أقوى المتداعيين، وتجعل اليمين ms437
~~في جانبه، هذا مذهب مالك، وكذا ذكر القاضي أبو يعلى في خلافه أنه مذهب
~~أحمد، وعلى هذا تتوجه المسائل التي تقدم ذكرها من الحكم بالقسامة والشاهد
~~واليمين، فإن جانب المدعي في القسامة لما قوي باللوث جعلت
# PageV02P234
# اليمين في جانبه، وحكم له بها، وكذلك المدعي إذا أقام شاهدا، فإنه قوي
~~جانبه، فحلف معه، وقضي له.
# وهؤلاء لهم في الجواب عن قوله: البينة على المدعي طريقان: أحدهما: أن هذا
~~خص من هذا العموم بدليل.
# والثاني: أن قوله: البينة على المدعي ليس بعام، لأن المراد: على المدعي
~~المعهود، وهو من لا حجة له سوى الدعوى كما في قوله: «لو يعطى الناس
~~بدعواهم، لادعى رجال دماء قوم وأموالهم» فأما المدعي الذي معه حجة تقوي
~~دعواه، فليس داخلا في هذا الحديث.
# وطريق ثالث وهو أن البينة: كل ما بين صحة دعوى المدعي، وشهد بصدقه فاللوث
~~مع القسامة بينة، والشاهد مع اليمين بينة.
# وطريق رابع سلكه بعضهم وهو الطعن في صحة هذه اللفظة، أعني قوله: «البينة
~~على المدعي» ، وقالوا: إنما الثابت هو قوله: «اليمين على المدعى عليه» .
~~وقوله: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم» ، يدل على أن
~~مدعي الدم والمال لا بد له من بينة تدل على ما ادعاه، ويدخل في عموم ذلك أن
~~من ادعى على رجل أنه قتل موروثه، وليس معه إلا قول المقتول عند موته: جرحني
~~فلان، أنه لا يكتفى بذلك، ولا يكون بمجرده لوثا، وهذا قول الجمهور خلافا
~~للمالكية، وإنهم جعلوه لوثا يقسم معه الأولياء، ويستحقون الدم.
# ويدخل في عمومه أيضا من قذف زوجته ولاعنها، فإنه لا يباح دمها بمجرد
~~لعانها، وهذا قول الأكثرين خلافا للشافعي، واختار قوله الجوزجاني لظاهر
~~قوله عز وجل: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} [النور: 8]
~~[النور: 8] ،
# PageV02P235
# والأولون منهم من حمل العذاب على الحبس، وقالوا: إن لم تلاعن، حبست حتى
~~تقر أو تلاعن، وفيه نظر.
# ولو ادعت امرأة على رجل أنه استكرهها على الزنا، فالجمهور أنه لا يثبت
~~بدعواها عليه شيء. وقال أشهب ms438 من المالكية: لها الصداق بيمينها، وقال غيره
~~منهم: لها الصداق بغير يمين، هذا كله إذا كانت ذات قدر، وادعت ذلك على متهم
~~تليق به الدعوى، وإن كان المرمي بذلك من أهل الصلاح، ففي حدها للقذف عن
~~مالك روايتان.
# وقد كان شريح وإياس بن معاوية يحكمان في الأموال المتنازع فيها بمجرد
~~القرائن الدالة على صدق إحدى المتداعيين، وقضى شريح في أولاد هرة تداعاها
~~امرأتان، كل منهما تقول هي ولد هرتي، قال شريح: ألقها مع هذه، فإن هي قرت
~~ودرت واسبطرت فهي لها، وإن فرت وهربت وازبأرت، فليس لها. قال ابن قتيبة:
~~قوله اسبطرت، يريد: امتدت للإرضاع، وازبأرت: اقشعرت وتنفشت. وكان يقضي بنحو
~~ذلك أبو بكر الشامي من الشافعية، ورجح قوله ابن عقيل من أصحابنا.
# وقد روي عن الشافعي وأحمد استحسان قول القافة في سرقة الأموال، والأخذ
~~بذلك، ونقل ابن منصور عن أحمد: إذا قال صاحب الزرع: أفسدت غنمك زرعي
~~بالليل، ينظر في الأثر، فإن لم يكن أثر غنمه في الزرع، لا بد لصاحب الزرع
~~من أن يجيء بالبينة. قال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد لأنه مدع، وهذا يدل
~~على اتفاقهما على الاكتفاء برؤية أثر الغنم، وأن البينة إنما تطلب عند عدم
~~الأثر.
# وقوله: «واليمين على المدعى عليه» يدل على أن كل من ادعى عليه
# PageV02P236
# دعوى، فأنكر فإن عليه اليمين، وهذا قول أكثر الفقهاء، وقال مالك: إنما
~~تجب اليمين على المنكر إذا كان بين المتداعيين نوع مخالطة، خوفا من أن
~~يتبذل السفهاء على الرؤساء بطلب أيمانهم.
# وعنده: ولو ادعى على رجل أنه غصبه، أو سرق منه، ولم يكن المدعى عليه
~~متهما بذلك، لم يستحلف المدعى عليه وحكي أيضا عن القاسم بن محمد، وحميد بن
~~عبد الرحمن، وحكاه بعضهم عن فقهاء المدينة السبعة، فإن كان من أهل الفضل،
~~أو ممن لا يشار إليه بذلك، أدب المدعي عند مالك، واستدل بقوله: «اليمين على
~~المدعى عليه» على أن المدعي لا يمين عليه، وإنما عليه البينة، وهو قول
~~الأكثرين.
# وروي عن علي أنه أحلف المدعي ms439 مع بينته أن شهوده شهدوا بحق، وفعله أيضا
~~شريح، وعبد الله بن عتبة بن مسعود وابن أبي ليلى وسوار العنبري وعبيد الله
~~بن الحسن، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وروي عن النخعي أيضا. وقال إسحاق:
~~إذا استراب الحاكم، وجب ذلك.
# وسأل مهنا الإمام أحمد عن هذه المسألة، فقال أحمد: قد فعله علي، فقال له:
~~أيستقيم هذا؟ فقال: قد فعله علي، فأثبت القاضي هذه رواية عن أحمد، لكنه
~~حملها على الدعوى على الغائب والصبي، وهذا لا يصح، لأن عليا إنما حلف
~~المدعي مع بينته على الحاضر معه، وهؤلاء يقولون: هذه اليمين لتقوية الدعوى
~~إذا ضعفت باسترابة الشهود كاليمين مع الشاهد الواحد. وكان بعض المتقدمين
~~يحلف الشهود إذا استرابهم أيضا، ومنهم سوار العنبري قاضي البصرة، وجوز ذلك
~~القاضي أبو يعلى من أصحابنا لوالي المظالم دون القضاة. وقد قال ابن عباس في
~~المرأة الشاهدة على الرضاع: إنها تستحلف وأخذ به الإمام أحمد.
# وقد دل القرآن على استحلاف الشهود عند الارتياب بشهادتهم في الوصية
# PageV02P237
# في السفر في قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم
~~الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} [المائدة: 106]
~~إلى قوله: {فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا
~~نكتم شهادة الله} [المائدة: 106] [المائدة: 106] ، وهذه الآية لم ينسخ
~~العمل بها عند جمهور السلف، وقد عمل بها أبو موسى، وابن مسعود، وأفتى بها
~~علي، وابن عباس، وهو مذهب شريح والنخعي وابن أبي ليلى وسفيان والأوزاعي
~~وأحمد وأبو عبيد وغيرهم، قالوا: تقبل شهادة الكفار في وصية المسلمين في
~~السفر، ويستحلفان مع شهادتهما. وهل يمينهما من باب تكميل الشهادة، فلا يحكم
~~بشهادتهما بدون يمين، أم من باب الاستظهار عند الريبة؟ وهذا محتمل،
~~وأصحابنا جعلوها شرطا، وهو ظاهر ما روي عن أبي موسى وغيره.
# وقد ذهب طائفة من السلف إلى أن اليمين مع الشاهد الواحد هو من باب
~~الاستظهار، فإن رأى الحاكم الاكتفاء بالشاهد الواحد، لبروز عدالته، وظهور
~~صدقه، اكتفى بشهادته بدون يمين ms440 الطالب.
# وقوله: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين
~~استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} [المائدة:
~~107] [المائدة: 107] يدل على أنه إذا ظهر خلل في شهادة الكفار، حلف أولياء
~~الميت على خيانتهما وكذبهما، واستحقوا ما حلفوا عليه، وهذا قول مجاهد وغيره
~~من السلف.
# ووجه ذلك أن اليمين في جانب أقوى المتداعيين، وقد قويت هاهنا دعوى الورثة
~~بظهور كذب الشهود الكفار، فترد اليمين على المدعين، ويحلفون مع اللوث،
~~ويستحقون ما ادعوه، كما يحلف الأولياء في القسامة مع اللوث،
# PageV02P238
# ويستحقون بذلك الدية والدم أيضا عند مالك وأحمد وغيرهما.
# وقضى ابن مسعود في رجل مسلم حضره الموت، فأوصى إلى رجلين مسلمين معه،
~~وسلمهما ما معه من المال، وأشهد على وصيته كفارا، ثم قدم الوصيان، فدفعا
~~بعض المال إلى الورثة، وكتما بعضه، ثم قدم الكفار، فشهدوا عليهم بما كتموه
~~من المال، فدعا الوصيين المسلمين، فاستحلفهما: ما دفع إليهما أكثر مما
~~دفعاه، ثم دعا الكفار، فشهدوا وحلفوا على شهادتهم، ثم أمر أولياء الميت أن
~~يحلفوا أن ما شهدت به اليهود والنصارى حق، فحلفوا، فقضى على الوصيين بما
~~حلفوا عليه، وكان ذلك في خلافة عثمان، وتأول ابن مسعود الآية على ذلك،
~~فكأنه قابل بين يمين الأوصياء والشهود الكفار فأسقطها، وبقي مع الورثة
~~شهادة الكفار، فحلفوا معها، واستحقوا، لأن جانبهم ترجح بشهادة الكفار لهم،
~~فجعل اليمين مع أقوى المتداعيين، وقضى بها.
# واختلف الفقهاء: هل يستحلف في جميع حقوق الآدميين كقول الشافعي ورواية عن
~~أحمد أو لا يستحلف إلا فيما يقضى فيه بالنكول كرواية عن أحمد؟ أو لا يستحلف
~~إلا فيما يصح بذله كما هو المشهور عن أحمد؟ أو لا يستحلف إلا في كل دعوى لا
~~تحتاج إلى شاهدين كما حكي عن مالك؟ وأما حقوق الله عز وجل، فمن العلماء من
~~قال: لا يستحلف فيها بحال، وهو قول أصحابنا وغيرهم، ونص عليه أحمد في
~~الزكاة، وبه قال طاوس والثوري والحسن بن صالح وغيرهم، وقال أبو حنيفة ومالك
~~والليث والشافعي:
# PageV02P239
# إذا اتهم، فإنه ms441 يستحلف، وكذا حكي عن الشافعي فيمن تزوج من لا تحل له، ثم
~~ادعى الجهل، أنه يحلف على دعواه، وكذا قال إسحاق في طلاق السكران: يحلف أنه
~~ما كان يعقل، وفي طلاق الناسي: يحلف على نسيانه، وكذا قال القاسم بن محمد
~~وسالم بن عبد الله في رجل قال لامرأته: أنت طالق. يحلف أنه ما أراد به
~~الثلاث، وترد إليه.
# وخرج الطبراني من رواية أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: «كان
~~أناس من الأعراب يأتون بلحم، فكان في أنفسنا منه شيء، فذكرنا ذلك لرسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: اجهدوا أيمانهم إنهم ذبحوها، ثم اذكروا اسم
~~الله وكلوا» وأبو هارون ضعيف جدا.
# وأما المؤتمن في حقوق الآدميين حيث قبل قوله، فهل عليه يمين أم لا؟ ففيه
~~ثلاثة أقوال للعلماء:
# أحدهما: لا يمين عليه لأنه صدقه بائتمانه، ولا يمين مع التصديق، وبالقياس
~~على الحاكم، وهذا قول الحارث العكلي.
# والثاني: عليه اليمين، لأنه منكر، فيدخل في عموم قوله: «واليمين على من
~~أنكر» وهو قول شريح وأبي حنيفة والشافعي ومالك في رواية، وأكثر أصحابنا.
# والثالث: لا يمين عليه إلا أن يتهم وهو نص أحمد، وقول مالك في رواية لما
~~تقدم من ائتمانه.
# وأما إذا قامت قرينة تنافي حال الائتمان، فقد اختل معنى الائتمان.
# PageV02P240
# وقوله: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» إنما أريد به إذا ادعى
~~على رجل ما يدعيه لنفسه، وينكر أنه لمن ادعاه عليه، ولهذا قال في أول
~~الحديث: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم» فأما من
~~ادعى ما ليس له مدع لنفسه منكر لدعواه، فهذا أسهل من الأول، ولا بد للمدعي
~~هنا من بينة، ولكن يكتفى من البينة هنا بما لا يكتفى بها في الدعوى على
~~المدعي لنفسه المنكر.
# ويشهد لذلك مسائل: منها: اللقطة إذا جاء من وصفها، فإنها تدفع إليه بغير
~~بينة بالاتفاق، لكن منهم من يقول: يجوز الدفع إذا غلب على الظن صدقه، ولا
~~يجب، كقول الشافعي وأبي حنيفة، ومنهم من يقول: يجب دفعها ms442 بذكر الوصف
~~المطابق، كقول مالك وأحمد.
# ومنها الغنيمة إذا جاء من يدعي منها شيئا، وأنه كان له، واستولى عليه
~~الكفار، وأقام على ذلك ما يبين أنه له اكتفي به، وسئل عن ذلك أحمد وقيل له:
~~فيريد على ذلك بينة؟ قال: لا بد به من بيان يدل على أنه له، وإن علم ذلك،
~~دفعه إليه الأمير. وروى الخلال بإسناده عن الركين بن الربيع، عن أبيه قال:
~~جشر لأخي فرس بعين التمر، فرآه في مربط سعد، فقال: فرسي فقال سعد: ألك
~~بينة؟ قال: لا، ولكن أدعوه، فيحمحم، فدعاه فحمحم، فأعطاه إياه، وهذا يحتمل
~~أنه كان لحق بالعدو، ثم ظهر عليه المسلمون، ويحتمل أنه عرف أنه ضال، فوضع
~~بين الدواب الضالة، فيكون كاللقطة.
# ومنها الغصوب إذا علم ظلم الولاة، وطلب ردها من بيت المال، قال أبو
~~الزناد: كان عمر بن عبد العزيز يرد المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة،
~~كان
# PageV02P241
# يكتفي باليسير، إذا عرف صرف وجه مظلمة الرجل ردها عليه، ولم يكلفه تحقيق
~~البينة، لما يعرف من غشم الولاة قبله على الناس، ولقد أنفد بيت مال العراق
~~في رد المظالم حتى حمل إليها من الشام، وذكر أصحابنا أن الأموال المغصوبة
~~مع قطاع الطريق واللصوص يكتفى من مدعيها بالصفة كاللقطة، ذكره القاضي في
~~خلافه، وأنه ظاهر كلام أحمد.
# PageV02P242
### | [الحديث الرابع والثلاثون من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه]
# PageV02P242
# الحديث الرابع والثلاثون.
# عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من
~~رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه،
~~وذلك أضعف الإيمان» . رواه مسلم.
# هذا الحديث خرجه مسلم من رواية قيس
~~بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد ومن رواية إسماعيل بن رجاء، عن
~~أبيه، عن أبي سعيد وعنده في حديث طارق قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد
~~قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك
~~ما هنالك، فقال أبو سعيد: ms443 أما هذا فقد قضى ما عليه ثم روى هذا الحديث.
# وقد روى معناه من وجه آخر، فخرجه مسلم من حديث ابن مسعود عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من
~~أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم
~~خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده، فهو
~~مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمن، ليس وراء
~~ذلك من الإيمان حبة خردل» .
# PageV02P243
# وروى سالم المرادي عن عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عن عمر بن الخطاب، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «سيصيب أمتي في آخر الزمان بلاء شديد من
~~سلطانهم، لا ينجو منه إلا رجل عرف دين الله بلسانه ويده وقلبه، فذلك الذي
~~سبقت له السوابق، ورجل عرف دين الله فصدق به، وللأول عليه سابقة، ورجل عرف
~~دين الله، فسكت، فإن رأى من يعمل بخير أحبه عليه، وإن رأى من يعمل بباطل
~~أبغضه عليه، فذلك الذي ينجو على إبطائه» وهذا غريب، وإسناده منقطع.
# وخرج الإسماعيلي من حديث أبي هارون العبدي - وهو ضعيف جدا - عن مولى
~~لعمر، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «توشك هذه الأمة أن تهلك
~~إلا ثلاثة نفر: رجل أنكر بيده وبلسانه وبقلبه، فإن جبن بيده، فبلسانه
~~وقلبه، فإن جبن بلسانه وبيده فبقلبه» .
# وخرج أيضا من رواية الأوزاعي عن عمير بن هانئ، عن علي سمع النبي صلى الله
~~عليه وسلم يقول: «سيكون بعدي فتن لا يستطيع المؤمن فيها أن يغير بيد ولا
~~بلسان، قلت: يا رسول الله، وكيف ذاك؟ قال: ينكرونه بقلوبهم، قلت: يا رسول
~~الله، وهل ينقص ذلك إيمانهم شيئا؟ قال: لا، إلا كما ينقص القطر من الصفا،
~~وهذا الإسناد منقطع» . وخرج الطبراني معناه من حديث عبادة بن الصامت عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف.
# PageV02P244
# فدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، وأما ms444
~~إنكاره بالقلب لا بد منه، فمن لم ينكر قلبه المنكر، دل على ذهاب الإيمان من
~~قلبه.
# وقد روى عن أبي جحيفة، قال: قال علي: إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد
~~الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فمن لم يعرف قلبه
~~المعروف، وينكر قلبه المنكر، نكس فجعل أعلاه أسفله.
# وسمع ابن مسعود رجلا يقول: هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر،
~~فقال ابن مسعود هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر، يشير إلى أن معرفة
~~المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد فمن لم يعرفه هلك.
# وأما الإنكار باللسان واليد، فإنما يجب بحسب الطاقة، وقال ابن مسعود:
~~يوشك من عاش منكم أن يرى منكرا لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه أنه
~~له كاره. وفي " سنن أبي داود " عن العرس بن عميرة، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها،
~~ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» ، فمن شهد الخطيئة، فكرهها قلبه كان
~~كمن لم يشهدها إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده، ومن غاب عنها فرضيها، كان
~~كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها لأن الرضا بالخطايا من أقبح
~~المحرمات، ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب، وهو فرض على كل مسلم، لا يسقط،
~~عن أحد في حال من الأحوال.
# PageV02P245
# وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «من حضر معصية فكرهها، فكأنه غاب عنها، ومن غاب عنها، فأحبها، فكأنه
~~حضرها» وهذا مثل الذي قبله.
# فتبين بهذا أن الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم. في كل حال، وأما الإنكار
~~باليد واللسان فبحسب القدرة، كما في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون
~~على أن يغيروا فلا يغيروا، إلا يوشك الله أن يعمهم بعقاب» خرجه أبو داود
~~بهذا اللفظ، وقال: قال شعبة فيه: ms445 «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أكثر
~~ممن يعمله» .
# وخرج أيضا من حديث جرير سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل
~~يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيروا عليه فلا يغيرون، إلا
~~أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا» .
# وخرجه الإمام أحمد ولفظه: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر
~~ممن يعمله، فلم يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب» .
# وخرج أيضا من حديث عدي بن عميرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~يقول: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم
~~وهم
# PageV02P246
# قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة
~~والعامة» .
# وخرج أيضا هو وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري، قال: سمعت النبي صلى
~~الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى يقول: ما منعك
~~إذا رأيت المنكر أن تنكره، فإذا لقن الله عبدا حجته، قال: يا رب رجوتك
~~وفرقت الناس» .
# فأما ما أخرجه الترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد أيضا، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم أنه قال في خطبته: «ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول
~~بحق إذا علمه» ، وبكى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا. وخرجه
~~الإمام أحمد وزاد فيه: «فإنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقال بحق
~~أو يذكر بعظيم» .
# وكذلك خرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «لا يحقر أحدكم نفسه قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا
~~نفسه؟ قال: يرى أمر الله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم
~~القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشيت الناس، فيقول الله:
~~إياي كنت أحق أن تخشى» .
# PageV02P247
# فهذان الحديثان محمولان على أن يكون المانع له من الإنكار مجرد الهيبة،
~~دون الخوف المسقط للإنكار.
# قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: آمر السلطان بالمعروف ms446 وأنهاه عن
~~المنكر؟ قال: إن خفت أن يقتلك، فلا، ثم عدت، فقال لي مثل ذلك، ثم عدت، فقال
~~لي مثل ذلك، وقال: إن كنت لا بد فاعلا، ففيما بينك وبينه.
# وقال طاوس: أتى رجل ابن عباس، فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره
~~وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال: أفرأيت إن أمرني بمعصية الله؟ قال: ذلك
~~الذي تريد، فكن حينئذ رجلا. وقد ذكرنا حديث ابن مسعود الذي فيه: «يخلف من
~~بعدهم خلوف، فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمن» الحديث، وهذا يدل على جهاد الأمراء
~~باليد. وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود، وقال: هو
~~خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالصبر على جور
~~الأئمة. وقد يجاب عن ذلك بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال. وقد نص على
~~ذلك أحمد أيضا في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح،
~~وحينئذ فجهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل
# PageV02P248
# أن يريق خمورهم أو يكسر آلات الملاهي التي لهم، ونحو ذلك، أو يبطل بيده
~~ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكل هذا جائز، وليس هو من
~~باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يخشى
~~منه أن يقتل الآمر وحده.
# وأما الخروج عليهم بالسيف، فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء
~~المسلمين. نعم، إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله أو
~~جيرانه، لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ، لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره،
~~كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره، ومع هذا، فمتى خاف منهم على نفسه السيف، أو
~~السوط، أو الحبس، أو القيد، أو النفي، أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى،
~~سقط أمرهم ونهيهم، وقد نص الأئمة على ذلك، منهم مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم.
# قال أحمد: لا يتعرض للسلطان، فإن سيفه مسلول.
# وقال ابن شبرمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالجهاد، ms447 يجب على
~~الواحد أن يصابر فيه الاثنين، ويحرم عليه الفرار منهما، ولا يجب عليه
~~مصابرة أكثر من ذلك.
# فإن خاف السب، أو سماع الكلام السيئ، لم يسقط عنه الإنكار بذلك نص عليه
~~الإمام أحمد، وإن احتمل الأذى، وقوي عليه، فهو أفضل، نص عليه أحمد أيضا،
~~وقيل له: أليس قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس للمؤمن أن
~~يذل نفسه» أن يعرضها من البلاء ما لا طاقة له به، قال: ليس هذا من ذلك.
# PageV02P249
# ويدل على ما قاله ما خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث أبي سعيد
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»
~~.
# وخرج ابن ماجه معناه من حديث أبي أمامة.
# PageV02P250
# وفي " مسند البزار " بإسناد فيه جهالة «عن أبي عبيدة بن الجراح، قال:
~~قلت: يا رسول الله، أي الشهداء أكرم على الله؟ قال: رجل قام إلى إمام جائر،
~~فأمره بمعروف، ونهاه عن منكر فقتله» . وقد روي معناه من وجوه أخر كلها فيها
~~ضعف.
# وأما حديث: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه» ، فإنما يدل على أنه إذا علم
~~أنه لا يطيق الأذى ولا يصبر عليه، فإنه لا يتعرض حينئذ للآمر، وهذا حق،
~~وإنما الكلام فيمن علم من نفسه الصبر، كذلك قاله الأئمة، كسفيان وأحمد
~~والفضيل بن عياض وغيرهم.
# وقد روي عن أحمد ما يدل على الاكتفاء بالإنكار بالقلب، قال في رواية أبي
~~داود: نحن نرجو إن أنكر بقلبه، فقد سلم، وإن أنكر بيده فهو أفضل، وهذا
~~محمول على أنه يخاف كما صرح بذلك في رواية غير واحد. وقد حكى القاضي أبو
~~يعلى روايتين عن أحمد في وجوب إنكار المنكر على من يعلم أنه لا يقبل منه،
~~وصح القول بوجوبه، وهذا قول أكثر العلماء. وقد قيل لبعض السلف في هذا،
~~فقال: يكون لك معذرة، وهذا كما أخبر الله عن الذين أنكروا على المعتدين في
~~السبت أنهم قالوا لمن قال لهم: أتعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا
~~شديدا قالوا ms448 معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون [الأعراف: 164] ،
# PageV02P251
# وقد ورد ما يستدل به على سقوط الأمر والنهي عند عدم القبول والانتفاع به،
~~ففي " سنن أبي داود وابن ماجه والترمذي «عن أبي ثعلبة الخشني أنه قيل له:
~~كيف تقول في هذه الآية: {عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] [المائدة: 105] ،
~~فقال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بل
~~ائتمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا،
~~ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك أمر العوام» .
# وفي " سنن أبي داود " عن عبد الله بن عمرو، قال: «بينما نحن حول رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم، إذ ذكر الفتنة، فقال: إذا رأيتم الناس مرجت
~~عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا وشبك أصابعه، فقمت إليه، فقلت له: كيف
~~أفعل عند ذلك، جعلني الله فداك؟ فقال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ
~~بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة» .
# وكذلك روي عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: {عليكم أنفسكم لا يضركم من
~~ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] [المائدة: 105] ، قالوا: لم يأت تأويلها
~~بعد، إنما تأويلها في آخر الزمان.
# وعن ابن مسعود قال: إذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعا، وذاق
~~بعضكم بأس بعض، فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، حينئذ تأويل هذه الآية.
# PageV02P252
# وعن ابن عمر: قال: هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل
~~منهم. وقال جبير بن نفير عن جماعة من الصحابة، قالوا: إذا رأيت شحا مطاعا
~~وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك حينئذ بنفسك، لا يضرك من ضل إذا
~~اهتديت.
# وعن مكحول، قال: لم يأت تأويلها بعد، إذا هاب الواعظ، وأنكر الموعوظ،
~~فعليك حينئذ بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت.
# وعن الحسن: أنه كان إذا تلا هذه الآية، قال: يا لها من ثقة ما أوثقها!
~~ومن سعة ما أوسعها! .
# وهذا كله قد يحمل على أن من عجز عن الأمر بالمعروف، أو خاف الضرر، سقط
~~عنه، وكلام ابن ms449 عمر يدل على أن من علم أنه لا يقبل منه، لم يجب عليه، كما
~~حكي رواية عن أحمد، وكذا قال الأوزاعي: مر من ترى أن يقبل منك.
# وقوله صلى الله عليه وسلم في الذي ينكر بقلبه: «وذلك أضعف الإيمان» يدل
~~على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان، ويدل على أن من
~~قدر على خصلة من خصال الإيمان وفعلها، كان أفضل ممن تركها عجزا عنها، ويدل
~~على ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في حق النساء: «أما نقصان دينها،
~~فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي يشير إلى أيام الحيض» ، مع أنها ممنوعة
~~من الصلاة
# PageV02P253
# حينئذ، وقد جعل ذلك نقصا في دينها، فدل على أن من قدر على واجب وفعله،
~~فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه، وإن كان معذورا في تركه، والله أعلم.
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا» يدل على أن الإنكار متعلق
~~بالرؤية، فلو كان مستورا فلم يره، ولكن علم به، فالمنصوص عن أحمد في أكثر
~~الروايات أنه لا يعرض له، وأنه لا يفتش عما استراب به، وعنه رواية أخرى أنه
~~يكشف المغطى إذا تحققه، ولو سمع صوت غناء محرم أو آلات الملاهي، وعلم
~~المكان التي هي فيه، فإنه ينكرها، لأنه قد تحقق المنكر، وعلم موضعه، فهو
~~كما رآه، ونص عليه أحمد، وقال: إذا لم يعلم مكانه، فلا شيء عليه.
# وأما تسور الجدران على من علم اجتماعهم على منكر، فقد أنكره الأئمة مثل
~~سفيان الثوري وغيره، وهو داخل في التجسس المنهي عنه، وقد قيل لابن مسعود:
~~إن فلانا تقطر لحيته خمرا، فقال: نهانا الله عن التجسس.
# وقال القاضي أبو يعلى في كتاب " الأحكام السلطانية ": إن كان في المنكر
~~الذي غلب على ظنه الاستسرار به بإخبار ثقة عنه انتهاك حرمة يفوت استدراكها
~~كالزنا والقتل، فله التجسس والإقدام على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا
~~يستدرك من انتهاك المحارم، وإن كان دون ذلك في الرتبة، لم يجز التجسس عليه،
~~ولا الكشف عنه.
# والمنكر الذي ms450 يجب إنكاره: ما كان مجمعا عليه، فأما المختلف فيه، فمن
~~أصحابنا من قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدا فيه، أو مقلدا لمجتهد
~~تقليدا سائغا.
# واستثنى القاضي في " الأحكام السلطانية " ما ضعف فيه الخلاف وكان
# PageV02P254
# ذريعة إلى محظور متفق عليه، كربا النقد الخلاف فيه ضعيف، وهو ذريعة إلى
~~ربا النساء المتفق على تحريمه، وكنكاح المتعة، فإنه ذريعة إلى الزنا. وذكر
~~عن إسحاق بن شاقلا أنه ذكر أن المتعة هي الزنا صراحا.
# عن ابن بطة قال: لا يفسخ نكاح حكم به قاض إن كان قد تأول فيه تأويلا، إلا
~~أن يكون قضى لرجل بعقد متعة، أو طلق ثلاثا في لفظ واحد، وحكم بالمراجعة من
~~غير زوج، فحكمه مردود، وعلى فاعله العقوبة والنكال.
# والمنصوص عن أحمد الإنكار على اللاعب بالشطرنج، وتأوله القاضي على من لعب
~~بها بغير اجتهاد، أو تقليد سائغ، وفيه نظر، فإن المنصوص عنه أنه يحد شارب
~~النبيذ المختلف فيه، وإقامة الحد أبلغ مراتب الإنكار، مع أنه لا يفسق بذلك
~~عنده، فدل على أنه ينكر كل مختلف فيه ضعف الخلاف فيه، لدلالة السنة على
~~تحريمه، ولا يخرج فاعله المتأول من العدالة بذلك، والله أعلم. وكذلك نص
~~أحمد على الإنكار على من لا يتم صلاته ولا يقيم صلبه من الركوع والسجود، مع
~~وجود الاختلاف في وجوب ذلك.
# واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارة يحمل عليه رجاء ثوابه،
~~وتارة خوف العقاب في تركه، وتارة الغضب لله على انتهاك محارمه، وتارة
~~النصيحة للمؤمنين، والرحمة لهم ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من
~~التعرض لغضب الله وعقوبته في الدنيا والآخرة، وتارة يحمل عليه إجلال الله
~~وإعظامه ومحبته، وأنه أهل أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا
~~يكفر، وأنه يفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال، كما قال بعض السلف:
~~وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله، وأن لحمي قرض بالمقاريض. وكان عبد الملك
~~بن عمر بن عبد العزيز - رحمهما الله - يقول لأبيه: وددت أني غلت بي وبك
~~القدور في الله عز ms451 وجل.
# PageV02P255
# ومن لحظ هذا المقام والذي قبله، هان عليه كل ما يلقى من الأذى في الله
~~تعالى، وربما دعا لمن آذاه، كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما
~~«ضربه قومه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»
~~.
# وبكل حال يتعين الرفق في الإنكار، قال سفيان الثوري: لا يأمر بالمعروف
~~وينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى،
~~عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى.
# وقال أحمد: الناس محتاجون إلى مداراة ورفق الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا
~~رجلا معلنا بالفسق، فلا حرمة له، قال: وكان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم
~~يرون منهم ما يكرهون، يقولون مهلا رحمكم الله، مهلا رحمكم الله.
# وقال أحمد: يأمر بالرفق والخضوع، فإن أسمعوه ما يكره، لا يغضب، فيكون
~~يريد ينتصر لنفسه.
# PageV02P256
### | [الحديث الخامس والثلاثون لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض]
# PageV02P256
# الحديث الخامس والثلاثون
# عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا
~~تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع
~~بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله،
~~ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب
~~امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله
~~وعرضه» رواه مسلم.
# هذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي
~~سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز عن أبي هريرة، وأبو سعيد هذا لا يعرف
~~اسمه، وقد روى عنه غير واحد، وذكره ابن حبان في " ثقاته " وقال ابن
~~المديني: هو مجهول.
# وروى هذا الحديث سفيان الثوري، فقال فيه: سعيد بن يسار، عن أبي هريرة
~~ووهم في قوله: " سعيد بن يسار " إنما هو: أبو سعيد مولى ابن كريز، قاله
~~أحمد ويحيى والدارقطني، وقد روي بعضه من وجه ms452 آخر. وخرجه الترمذي من رواية
~~أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم
~~أخو المسلم، لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على
# PageV02P257
# المسلم حرام: عرضه وماله ودمه، التقوى هاهنا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر
~~أخاه المسلم» .
# وخرج أبو داود من قوله: كل المسلم إلى آخره.
# وخرجاه في " الصحيحين " من رواية الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا
~~عباد الله إخوانا» .
# وخرجاه من وجوه أخر عن أبي هريرة.
# وخرج الإمام أحمد من حديث واثلة بن الأسقع، عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله، المسلم أخو المسلم،
~~لا يظلمه ولا يخذله، والتقوى هاهنا - وأومأ بيده إلى القلب - وحسب امرئ من
~~الشر أن يحقر أخاه المسلم» .
# PageV02P258
# وخرج أبو داود آخره فقط.
# وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه» ". وخرجه الإمام أحمد ولفظه "
~~«المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، وبحسب المرء من الشر أن
~~يحقر أخاه المسلم» .
# وفي " الصحيحين " عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تباغضوا،
~~ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» .
# ويروى معناه من حديث أبي بكر الصديق مرفوعا وموقوفا.
# PageV02P259
# فقوله صلى الله عليه وسلم: لا تحاسدوا يعني: لا يحسد بعضكم بعضا، والحسد
~~مركوز في طباع البشر، وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من
~~الفضائل.
# ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام، فمنهم من يسعى في زوال نعمة المحسود
~~بالبغي عليه بالقول والفعل، ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه، ومنهم من
~~يسعى في إزالته عن المحسود فقط من غير نقل إلى نفسه، وهو شرهما وأخبثهما،
~~وهذا هو الحسد المذموم المنهي عنه، وهو كان ذنب إبليس حيث كان حسد آدم عليه
~~السلام لما رآه ms453 قد فاق على الملائكة بأن خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته،
~~وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنة حتى
~~أخرج منها، ويروى عن ابن عمر أن إبليس قال لنوح: اثنتان بهما أهلك بني آدم:
~~الحسد، وبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما، والحرص [وبالحرص] أبيح آدم الجنة
~~كلها، فأصبت حاجتي منه بالحرص. خرجه ابن أبي الدنيا.
# وقد وصف الله اليهود بالحسد في مواضع من كتابه القرآن، كقوله تعالى: {ود
~~كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من
~~بعد ما تبين لهم الحق} [البقرة: 109] [البقرة: 109] ، وقوله: {أم يحسدون
~~الناس على ما آتاهم الله من فضله} [النساء: 54] [النساء: 54] .
# وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الزبير بن العوام، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم: «دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي
~~الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى
~~تحابوا، أولا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» .
# PageV02P260
# وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، أو قال:
~~العشب» .
# وخرج الحاكم وغيره من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«سيصيب أمتي داء الأمم، قالوا: يا نبي الله، وما داء الأمم؟ قال: الأشر
~~والبطر، والتكاثر والتنافس في الدنيا، والتباغض، والتحاسد حتى يكون البغي
~~ثم الهرج» .
# PageV02P261
# وقسم آخر من الناس إذا حسد غيره، لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبغ على
~~المحسود بقول ولا بفعل. وقد روي عن الحسن أنه لا يأثم بذلك، وروي مرفوعا من
~~وجوه ضعيفة، وهذا على نوعين: أحدهما: أن لا يمكنه إزالة ذلك الحسد من نفسه،
~~فيكون مغلوبا على ذلك، فلا يأثم به.
# والثاني: من يحدث نفسه بذلك اختيارا، ويعيده ويبديه في نفسه مستروحا إلى
~~تمني زوال نعمة أخيه، فهذا شبيه بالعزم المصمم على المعصية، وفي العقاب على
~~ذلك اختلاف بين العلماء، ms454 وربما يذكر في موضع آخر إن شاء الله تعالى، لكن
~~هذا يبعد أن يسلم من البغي على المحسود، ولو بالقول، فيأثم بذلك.
# وقسم آخر إذا حسد لم يتمن زوال نعمة المحسود، بل يسعى في اكتساب مثل
~~فضائله، ويتمنى أن يكون مثله، فإن كانت الفضائل دنيوية، فلا خير في ذلك،
~~كما قال الذين يريدون الحياة الدنيا: {ياليت لنا مثل ما أوتي قارون}
~~[القصص: 79] [القصص: 79] ، وإن كانت فضائل دينية، فهو حسن، وقد تمنى النبي
~~صلى الله عليه وسلم الشهادة في سبيل الله عز وجل. وفي " الصحيحين " عنه صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا، فهو
~~ينفقه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء
~~الليل وآناء النهار» ، وهذا هو الغبطة، وسماه حسدا من باب الاستعارة.
# PageV02P262
# وقسم آخر إذا وجد في نفسه الحسد، سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود
~~بإسداء الإحسان إليه، والدعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وجد له في
~~نفسه من الحسد حتى يبدله بمحبة أن يكون أخوه المسلم خيرا منه وأفضل، وهذا
~~من أعلى درجات الإيمان، وصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب
~~لنفسه، وقد سبق الكلام على هذا في تفسير حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب
~~لأخيه ما يحب لنفسه» .
# وقوله صلى الله عليه وسلم: ولا تناجشوا: فسره كثير من العلماء بالنجش في
~~البيع، وهو: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، إما لنفع البائع لزيادة
~~الثمن له، أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه، وفي " الصحيحين " عن ابن
~~عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «نهى عن النجش» .
# وقال ابن أبي أوفى: الناجش: آكل ربا خائن، ذكره البخاري.
# قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن فاعله عاص لله عز وجل إذا كان بالنهي
~~عالما.
# واختلفوا في البيع، فمنهم من قال: إنه فاسد، وهو رواية عن أحمد، اختارها
~~طائفة من أصحابه، ومنهم من قال: إن كان الناجش هو البائع أو من واطأه
~~البائع ms455 على النجش فسد، لأن النهي هنا يعود إلى العاقد نفسه، وإن لم يكن
~~كذلك لم يفسد، لأنه يعود إلى أجنبي. وكذا حكي عن الشافعي أنه علل
# PageV02P263
# صحة البيع بأن البائع غير الناجش، وأكثر الفقهاء على أن البيع صحيح مطلقا
~~وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه، إلا أن مالكا وأحمد
~~أثبتا للمشتري الخيار إذا لم يعلم بالحال، وغبن غبنا فاحشا يخرج عن العادة،
~~وقدره مالك وبعض أصحاب أحمد بثلث الثمن، فإن اختار المشتري حينئذ الفسخ،
~~فله ذلك، وإن أراد الإمساك، فإنه يحط ما غبن به من الثمن، ذكره أصحابنا.
# ويحتمل أن يفسر التناجش المنهي عنه في هذا الحديث بما هو أعم من ذلك، فإن
~~أصل النجش في اللغة: إثارة الشيء بالمكر والحيلة والمخادعة، ومنه سمي
~~الناجش في البيع ناجشا، ويسمى الصائد في اللغة ناجشا، لأنه يثير الصيد
~~بحيلته عليه، وخداعه له، وحينئذ فيكون المعنى لا تتخادعوا، ولا يعامل بعضكم
~~بعضا بالمكر والاحتيال. وإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصال الأذى إلى
~~المسلم: إما بطريق الأصالة، وإما اجتلاب نفعه بذلك، ويلزم منه وصول الضرر
~~إليه، ودخوله عليه، وقد قال عز وجل: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله}
~~[فاطر: 43] [فاطر: 43] . وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم:
~~«من غشنا، فليس منا، والمكر والخداع في النار» . وقد ذكرنا فيما تقدم حديث
~~أبي بكر الصديق المرفوع: «ملعون من ضار مسلما أو مكر به» خرجه الترمذي.
# فيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهي عنه جميع أنواع المعاملات بالغش
~~ونحوه، كتدليس العيوب، وكتمانها، وغش المبيع الجيد بالرديء، وغبن المسترسل
~~الذي لا يعرف المماكسة، وقد وصف الله في كتابه الكفار والمنافقين بالمكر
~~بالأنبياء وأتباعهم وما أحسن قول أبي العتاهية:
# PageV02P264
# ليس دنيا إلا بدين ولي ... س الدين إلا مكارم الأخلاق
# إنما المكر والخديعة في النا ... ر هما من خصال أهل النفاق
# وإنما يجوز المكر بمن يجوز إدخال الأذى عليه، وهم الكفار والمحاربون، كما
~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة» .
# وقوله صلى الله ms456 عليه وسلم: «ولا تباغضوا» : نهى المسلمين عن التباغض
~~بينهم في غير الله، بل على أهواء النفوس، فإن المسلمين جعلهم الله إخوة،
~~والإخوة يتحابون بينهم ولا يتباغضون، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
~~«والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا
~~أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» خرجه مسلم. وقد
~~ذكرنا فيما تقدم أحاديث في النهي عن التباغض والتحاسد.
# وقد حرم الله على المؤمنين ما يوقع بينهم العداوة والبغضاء، كما قال:
~~{إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر
~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] [المائدة:
~~91] .
# وامتن على عباده بالتأليف بين قلوبهم، كما قال تعالى: {واذكروا نعمة الله
~~عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل عمران:
~~103] [آل عمران: 103] ، وقال: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين - وألف بين
~~قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف
~~بينهم} [الأنفال: 62 - 63] [الأنفال: 62 - 63]
# PageV02P265
# ولهذا المعنى حرم المشي بالنميمة، لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء،
~~ورخص في الكذب في الإصلاح بين الناس، ورغب الله في الإصلاح بينهم، كما قال
~~تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين
~~الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء:
~~114] [النساء: 114] ، وقال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا
~~بينهما} [الحجرات: 9] [الحجرات: 9] ، وقال: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات
~~بينكم} [الأنفال: 1] [الأنفال: 1] .
# وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي الدرداء، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟
~~قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي
~~الحالقة» .
# وخرج الإمام أحمد وغيره من حديث أسماء بنت يزيد، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المشاءون
~~بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت» .
# وأما البغض ms457 في الله، فهو من أوثق عرى الإيمان، وليس داخلا في النهي، ولو
~~ظهر لرجل من أخيه شر، فأبغضه عليه، وكان الرجل معذورا فيه في نفس
# PageV02P266
# الأمر، أثيب المبغض له، وإن عذر أخوه، كما قال عمر: " إنا كنا نعرفكم إذ
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبئنا الله
~~من أخباركم ألا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انطلق به، وانقطع
~~الوحي، وإنما نعرفكم بما نخبركم، ألا من أظهر منكم لنا خيرا ظننا به خيرا،
~~وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه، سرائركم
~~بينكم وبين ربكم عز وجل ".
# وقال الربيع بن خثيم: لو رأيت رجلا يظهر خيرا، ويسر شرا، أحببته عليه،
~~آجرك الله على حبك الخير، ولو رأيت رجلا يظهر شرا، ويسر خيرا بغضته عليه،
~~آجرك الله على بغضك الشر.
# ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين، وكثر تفرقهم، كثر بسبب ذلك
~~تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظهر أنه يبغض لله، وقد يكون في نفس الأمر
~~معذورا، وقد لا يكون معذورا، بل يكون متبعا لهواه، مقصرا في البحث عن معرفة
~~ما يبغض عليه، فإن كثيرا من البغض كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا
~~يقول إلا الحق، وهذا الظن خطأ قطعا، وإن أريد أنه لا يقول إلا الحق فيما
~~خولف فيه، فهذا الظن قد يخطئ ويصيب، وقد يكون الحامل على الميل مجرد الهوى،
~~والإلف، أو العادة، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله، فالواجب على
~~المؤمن أن ينصح نفسه، ويتحرز في هذا غاية التحرز، وما أشكل منه، فلا يدخل
~~نفسه فيه خشية أن يقع فيما نهي عنه من البغض المحرم.
# وهاهنا أمر خفي ينبغي التفطن له، وهو أن كثيرا من أئمة الدين قد يقول
# PageV02P267
# قولا مرجوحا، ويكون مجتهدا فيه، مأجورا على اجتهاده فيه، موضوعا عنه خطؤه
~~فيه، ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة، لأنه قد لا
~~ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله، بحيث ms458 إنه لو قاله غيره من أئمة
~~الدين، لما قبله، ولا انتصر له، ولا والى من وافقه، ولا عادى من خالفه، وهو
~~مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه، وليس كذلك، فإن متبوعه إنما
~~كان قصده الانتصار للحق، وإن أخطأ في اجتهاده، وأما هذا التابع فقد شاب
~~انتصاره لما يظنه الحق إرادة علو متبوعه، وظهور كلمته، وأنه لا ينسب إلى
~~الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحق، فافهم هذا، فإنه فهم عظيم،
~~والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
# وقوله: «ولا تدابروا» قال أبو عبيد: التدابر: المصارمة والهجران، مأخوذ
~~من أن يولي الرجل صاحبه دبره، ويعرض عنه بوجهه، وهو التقاطع.
# وخرج مسلم من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تحاسدوا،
~~ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله» .
~~وخرجه أيضا بمعناه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
# وفي " الصحيحين " عن أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا
~~يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان، فيصد هذا، ويصد هذا، وخيرهما
~~الذي يبدأ بالسلام» .
# PageV02P268
# وخرج أبو داود من حديث أبي خراش السلمي، عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «من هجر أخاه سنة، فهو كسفك دمه» .
# وكل هذا في التقاطع للأمور الدنيوية، فأما لأجل الدين فتجوز الزيادة على
~~الثلاث، نص عليه الإمام أحمد، واستدل بقصة الثلاثة الذين خلفوا وأمر النبي
~~صلى الله عليه وسلم بهجرانهم لما خاف منهم النفاق، وأباح هجران أهل البدع
~~المغلظة والدعاة إلى الأهواء، وذكر الخطابي أن هجران الوالد لولده، والزوج
~~لزوجته، وما كان في معنى ذلك تأديبا تجوز الزيادة فيه على الثلاث، لأن
~~النبي صلى الله عليه وسلم هجر نساءه شهرا.
# واختلفوا: هل ينقطع الهجران بالسلام؟ فقالت طائفة: ينقطع بذلك، وروي عن
~~الحسن ومالك في رواية وهب، وقاله طائفة من أصحابنا، وخرج أبو داود من حديث
~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا ms459
~~فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام فقد
~~اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم، وخرج المسلم من الهجرة»
~~.
# ولكن هذا فيما إذا امتنع الآخر من الرد عليه، فأما مع الرد إذا كان
~~بينهما قبل الهجر مودة، ولم يعودوا إليها، ففيه نظر. وقد قال أحمد في رواية
~~الأثرم، وسئل عن السلام: يقطع الهجران؟ فقال: قد يسلم عليه وقد صد عنه، ثم
~~قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا» ،
~~فإذا كان قد عوده
# PageV02P269
# أي أن يكلمه أو يصافحه. وكذلك روي عن مالك أنه قال لا تنقطع الهجرة بدون
~~العودة إلى المودة.
# وفرق بعضهم بين الأقارب والأجانب، فقال في الأجانب: يزول الهجرة بينهم
~~بمجرد السلام، بخلاف الأقارب، وإنما قال هذا لوجوب صلة الرحم.
# قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يبع بعضكم على بيع بعض» قد تكاثر النهي عن
~~ذلك ففي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا
~~يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه» . وفي رواية لمسلم: «لا
~~يسم المسلم على سوم المسلم، ولا يخطب على خطبته» . وخرجاه من حديث ابن عمر
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب
~~على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له» . ولفظه لمسلم.
# وخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على
~~خطبة أخيه، حتى يذر» .
# وهذا يدل على أن هذا حق للمسلم على المسلم، فلا يساويه الكافر في ذلك، بل
~~يجوز للمسلم أن يبتاع على بيع الكافر، ويخطب على خطبته، وهو قول الأوزاعي
~~وأحمد، كما لا يثبت للكافر على المسلم حق الشفعة عنده، وكثير من الفقهاء
~~ذهبوا إلى أن النهي عام في حق المسلم والكافر.
# PageV02P270
# واختلفوا: هل النهي للتحريم أو التنزيه، فمن أصحابنا من قال: هو ms460 للتنزيه
~~دون التحريم، والصحيح الذي عليه جمهور العلماء: أنه للتحريم.
# واختلفوا: هل يصح البيع على بيع أخيه، والنكاح على خطبته؟ فقال أبو حنيفة
~~والشافعي وأكثر أصحابنا: يصح، وقال مالك في النكاح: إنه إن لم يدخل بها،
~~فرق بينهما، وإن دخل بها لا يفرق. وقال أبو بكر من أصحابنا في البيع
~~والنكاح: إنه باطل بكل حال، وحكاه عن أحمد.
# ومعنى البيع على بيع أخيه: أن يكون قد باع منه شيئا، فيبذل للمشتري سلعته
~~ليشتريها، ويفسخ بيع الأول. وهل يختص ذلك بما إذا كان البذل في مدة الخيار،
~~بحيث يتمكن المشتري من الفسخ فيه، أم هو عام في مدة الخيار وبعدها؟ فيه
~~اختلاف بين العلماء، وقد حكاه الإمام أحمد في رواية حرب، ومال إلى القول
~~بأنه عام في الحالين، وهو قول طائفة من أصحابنا. ومنهم من خصه بما إذا كان
~~في مدة الخيار، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن مشيش ومنصوص الشافعي،
~~والأول أظهر، لأن المشتري وإن لم يتمكن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة
~~الخيار فإنه إذا رغب في رد السلعة الأولى على بائعها، فإنه يتسبب إلى ردها
~~عليه بأنواع من الطرق المقتضية لضرره، ولو بإلحاح عليه في المسألة، وما أدى
~~إلى ضرر المسلم، كان محرما والله أعلم.
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «وكونوا عباد الله إخوانا» : هذا ذكره النبي
~~صلى الله عليه وسلم كالتعليل لما تقدم، وفيه إشارة إلى أنهم إذا تركوا
~~التحاسد، والتناجش، والتباغض، والتدابر، وبيع بعضهم على بعض، كانوا إخوانا.
# وفيه أمر باكتساب ما يصير المسلمون به إخوانا على الإطلاق، وذلك يدخل فيه
~~أداء حقوق المسلم على المسلم من رد السلام، وتشميت العاطس، وعيادة المريض،
~~وتشييع الجنازة، وإجابة الدعوة، والابتداء بالسلام عند اللقاء، والنصح
~~بالغيب.
# PageV02P271
# وفي " الترمذي " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«تهادوا، فإن الهدية تذهب وحر الصدر» وخرجه غيره، ولفظه: «تهادوا تحابوا» .
# وفي " مسند البزار " عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «تهادوا،
~~فإن الهدية تسل السخيمة» .
# ويروى عن ms461 عمر بن عبد العزيز - يرفع الحديث - قال: «تصافحوا، فإنه يذهب
~~الشحناء، وتهادوا» .
# وقال الحسن: المصافحة تزيد في الود.
# وقال مجاهد: بلغني أنه إذا تراءى المتحابان، فضحك أحدهما إلى الآخر،
~~وتصافحا تحاتت خطاياهما كما يتحات الورق من الشجر، فقيل له: إن هذا ليسير
~~من العمل، قال: تقول يسير والله يقول: {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت
~~بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} [الأنفال: 63] ؟ [الأنفال:
~~63] .
# PageV02P272
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا
~~يكذبه، ولا يحقره» . هذا مأخوذ من قوله عز وجل: {إنما المؤمنون إخوة
~~فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] [الحجرات: 10] ، فإذا كان المؤمنون
~~إخوة، أمروا فيما بينهما بما يوجب تآلف القلوب واجتماعها، ونهوا عما يوجب
~~تنافر القلوب واختلافها، وهذا من ذلك.
# وأيضا فإن الأخ من شأنه أن يوصل لأخيه النفع، ويكف عنه الضرر، ومن أعظم
~~الضر الذي يجب كفه عن الأخ المسلم الظلم، وهذا لا يختص بالمسلم، بل هو محرم
~~في حق كل أحد، وقد سبق الكلام على الظلم مستوفى عند ذكر حديث أبي ذر
~~الإلهي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا
~~تظالموا» .
# ومن ذلك: خذلان المسلم لأخيه، فإن المؤمن مأمور أن ينصر أخاه، كما قال
~~النبي صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما قال: يا رسول الله،
~~أنصره مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال: تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه» .
~~خرجه البخاري بمعناه من حديث أنس، وخرجه مسلم بمعناه من حديث جابر.
# PageV02P273
# وخرج أبو داود من حديث أبي طلحة الأنصاري وجابر بن عبد الله، عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك
~~فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما
~~من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه حرمته، إلا نصره
~~الله في موضع يحب فيه نصرته» .
# وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة بن ms462 سهل، عن أبيه، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «من أذل عنده مؤمن، فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصره، أذله
~~الله على رءوس الخلائق يوم القيامة» .
# وخرج البزار من حديث عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«من نصر أخاه بالغيب وهو يستطيع نصره، نصره الله في الدنيا والآخرة» .
# PageV02P274
# ومن ذلك: كذب المسلم لأخيه، فلا يحل له أن يحدثه فيكذبه، بل لا يحدثه إلا
~~صدقا، وفي " مسند " الإمام أحمد عن النواس بن سمعان، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق وأنت به كاذب»
~~.
# ومن ذلك: احتقار المسلم لأخيه المسلم، وهو ناشئ عن الكبر، كما قال النبي
~~صلى الله عليه وسلم: «الكبر بطر الحق وغمط الناس» خرجه مسلم من حديث ابن
~~مسعود، وخرجه الإمام أحمد، وفي رواية له: «الكبر سفه الحق وازدراء الناس» ،
~~وفي رواية: «وغمص الناس» وفي رواية زيادة: «فلا يراهم شيئا» وغمص الناس:
~~الطعن عليهم وازدراؤهم، قال الله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم
~~من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن}
~~[الحجرات: 11] [الحجرات: 11] ، فالمتكبر ينظر إلى نفسه بعين الكمال، وإلى
~~غيره بعين النقص، فيحتقرهم ويزدريهم، ولا يراهم أهلا لأن يقوم بحقوقهم، ولا
~~أن يقبل من أحد منهم الحق إذا أورده عليه.
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا يشير إلى صدره ثلاث مرات» : فيه
~~إشارة إلى أن كرم الخلق عند الله بالتقوى، فرب من يحقره الناس لضعفه، وقلة
~~حظه من الدنيا، وهو أعظم قدرا عند الله تعالى ممن له قدر في الدنيا، فإنما
~~الناس يتفاوتون بحسب التقوى، كما قال الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله
~~أتقاكم} [الحجرات: 13]
# PageV02P275
# [الحجرات 13] ، «وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: من أكرم الناس؟ قال:
~~أتقاهم لله عز وجل» . وفي حديث آخر: «الكرم التقوى» ، والتقوى أصلها في
~~القلب، كما قال تعالى: {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج:
~~32] [الحج: ms463 32] . وقد سبق ذكر هذا المعنى في الكلام على حديث أبي ذر الإلهي
~~عند قوله: «لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد
~~منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا» .
# وإذا كان أصل التقوى في القلوب، فلا يطلع أحد على حقيقتها إلا الله عز
~~وجل، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم،
~~ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» وحينئذ فقد يكون كثير ممن له صورة حسنة، أو
~~مال، أو جاه، أو رياسة في الدنيا قلبه خرابا من التقوى، ويكون من ليس له
~~شيء من ذلك قلبه مملوءا من التقوى، فيكون أكرم عند الله تعالى، بل ذلك هو
~~الأكثر وقوعا، كما في " الصحيحين " عن حارثة بن وهب، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة: كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله
~~لأبره، ألا أخبركم بأهل النار: كل عتل جواظ مستكبر» .
# PageV02P276
# وفي " المسند " عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أما أهل
~~الجنة، فكل ضعيف متضعف، أشعث، ذو طمرين، لو أقسم على الله لأبره؛ وأما أهل
~~النار، فكل جعظري جواظ جماع، مناع، ذي تبع» .
# وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت
~~الجنة: لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، فقال الله تعالى للجنة: أنت
~~رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي، أعذب بك من أشاء
~~من عبادي» .
# وخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب، يدخلني الجبابرة والمتكبرون
~~والملوك والأشراف، وقالت الجنة يا رب، يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين»
~~وذكر الحديث.
# PageV02P277
# وفي " صحيح البخاري " عن سهل بن سعد، قال: «مر رجل على رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم، فقال لرجل عنده جالس: " ما رأيك في هذا؟ " فقال رجل من
~~أشراف الناس: هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن ms464 شفع أن يشفع، وإن قال أن
~~يسمع لقوله، قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مر رجل آخر، فقال له
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا؟ قال: يا رسول الله، هذا رجل
~~من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن
~~قال لا يسمع لقوله، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض
~~مثل هذا» .
# وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: {إذا وقعت الواقعة - ليس لوقعتها
~~كاذبة - خافضة رافعة} [الواقعة: 1 - 3] [الواقعة: 1 - 3] ، قال: تخفض رجالا
~~كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالا كانوا في الدنيا مخفوضين.
# قوله صلى الله عليه وسلم: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» ،
~~يعني: يكفيه من الشر احتقار أخيه المسلم، فإنه إنما يحتقر أخاه المسلم
~~لتكبره عليه، والكبر من أعظم خصال الشر، وفي " صحيح مسلم " عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم أنه قال: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر» .
# وفيه أيضا عنه أنه قال: «العز إزاره والكبر رداؤه، فمن نازعني عذبته»
# PageV02P278
# فمنازعة الله في صفاته التي لا تليق بالمخلوق، كفى بها شرا.
# وفي " صحيح ابن حبان " عن فضالة بن عبيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «ثلاثة لا يسأل عنهم: رجل ينازع الله إزاره، ورجل ينازع الله رداءه،
~~فإن رداءه الكبرياء، وإزاره العز، ورجل في شك من أمر الله تعالى والقنوط من
~~رحمة الله» .
# وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من
~~قال: هلك الناس، فهو أهلكهم» قال مالك: إذا قال ذلك تحزنا لما يرى في
~~الناس، يعني في دينهم فلا أرى به بأسا، وإذا قال ذلك عجبا بنفسه، وتصاغرا
~~للناس، فهو المكروه الذي نهي عنه. ذكره أبو داود في " سننه ".
# قوله صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام» : دمه وماله وعرضه
~~هذا مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب به في المجامع ms465 العظيمة، فإنه
~~خطب به في حجة الوداع يوم النحر، ويوم عرفة، واليوم الثاني من أيام
~~التشريق، وقال: «إن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا،
~~في شهركم هذا، في
# PageV02P279
# بلدكم هذا» . وفي رواية للبخاري وغيره: وأبشاركم.
# وفي رواية: «فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه، فقال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل
~~بلغت؟» .
# وفي رواية: ثم قال: «ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب» .
# وفي رواية للبخاري: «فإن الله حرم عليكم دماءكم أموالكم وأعراضكم إلا
~~بحقها» .
# وفي رواية: «دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، مثل هذا اليوم، وهذا
~~البلد إلى يوم القيامة، حتى دفعة يدفعها مسلم مسلما يريد بها سوءا حرام» .
# وفي رواية قال: «المؤمن حرام على المؤمن، كحرمة هذا اليوم لحمه عليه حرام
~~أن يأكله ويغتابه بالغيب، وعرضه عليه حرام أن يخرقه، ووجهه عليه حرام أن
~~يلطمه، ودمه عليه حرام أن يسفكه، وحرام عليه أن يدفعه دفعة تعنته» .
# PageV02P280
# وفي " سنن أبي داود " «عن بعض الصحابة أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى
~~الله عليه وسلم، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه، فأخذها ففزع،
~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل لمسلم أن يروع مسلما» .
# وخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن السائب بن يزيد، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعبا جادا، فمن أخذ عصا أخيه، فليردها
~~إليه» . قال ابن أبي عبيد يعني أن يأخذ متاعه لا يريد سرقته، إنما يريد
~~إدخال الغيظ عليه، فهو لاعب في مذهب السرقة، جاد في إدخال الأذى والروع
~~عليه.
# وفي " الصحيحين " عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا
~~كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يحزنه» ولفظه لمسلم.
# وخرج الطبراني من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا
~~يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يؤذي المؤمن، والله يكره أذى المؤمن» .
# وخرج الإمام أحمد من حديث ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا
~~تؤذوا عباد الله، ولا تعيروهم، ولا تطلبوا ms466 عوارتهم، فإن من طلب عورة أخيه
~~المسلم،
# PageV02P281
# طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته» .
# وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة أن «النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن
~~الغيبة، فقال: ذكرك أخاك بما يكره، قال: أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ فقال:
~~إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» .
# فتضمنت هذه النصوص كلها أن المسلم لا يحل إيصال الأذى إليه بوجه من
~~الوجوه من قول أو فعل بغير حق، وقد قال الله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين
~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} [الأحزاب: 58]
~~[الأحزاب: 58] .
# وإنما جعل الله المؤمنين إخوة ليتعاطفوا ويتراحموا، وفي " الصحيحين " عن
~~النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «مثل المؤمنين في
~~توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر
~~الجسد بالحمى والسهر» .
# PageV02P282
# وفي رواية لمسلم: «المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسه تداعى له سائر
~~الجسد بالحمى والسهر» .
# وفي رواية له أيضا: «المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه، اشتكى كله، وإن
~~اشتكى رأسه، اشتكى كله» .
# وفيهما عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «المؤمن للمؤمن
~~كالبنيان، يشد بعضه بعضا» .
# وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«المؤمن مرآة المؤمن، المؤمن أخو المؤمن، يكف عنه ضيعته، ويحوطه من ورائه»
~~. وخرجه الترمذي، ولفظه: «إن أحدكم مرآة أخيه، فمن رأى به أذى، فليمطه عنه»
~~.
# قال رجل لعمر بن عبد العزيز: اجعل كبير المسلمين عندك أبا، وصغيرهم ابنا،
~~وأوسطهم أخا، فأي أولئك تحب أن تسيء إليه؟ ومن كلام يحيى بن معاذ الرازي:
~~ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه،
~~وإن لم تمدحه فلا تذمه.
# PageV02P283
### | [الحديث السادس والثلاثون من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا]
# PageV02P283
# الحديث السادس والثلاثون.
# عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «من
~~نفس ms467 عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة،
~~ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما، ستره
~~الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه،
~~ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما جلس
~~قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت
~~عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده،
~~ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه» رواه مسلم.
# هذا الحديث خرجه مسلم من رواية
~~الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، واعترض عليه غير واحد من الحفاظ في
~~تخريجه، منهم الفضل الهروي والدارقطني، فإن أسباط بن محمد رواه عن الأعمش؛
~~قال: حدثت عن أبي صالح، فتبين أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح ولم يذكر من
~~حدثه به عنه، ورجح الترمذي وغيره هذه الرواية، وزاد بعض أصحاب الأعمش في
# PageV02P284
# متن الحديث: «ومن أقال مسلما أقال الله عثرته يوم القيامة» .
# وخرجا في " الصحيحين " من حديث ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه، كان
~~الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة،
~~ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» .
# وخرج الطبراني من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«من نفس عن مؤمن كربة من كربه، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن
~~ستر على مؤمن عورته، ستر الله عورته، ومن فرج عن مؤمن كربة، فرج الله عنه
~~كربته» .
# وخرج الإمام أحمد من حديث مسلمة بن مخلد، عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «من ستر مسلما في الدنيا، ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن نجى
~~مكروبا، فك الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه، كان ms468
~~الله في حاجته» .
# فقوله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله
~~عنه كربة من كرب يوم القيامة» هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد
~~تكاثرت النصوص بهذا المعنى، كقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما يرحم الله من
~~عباده الرحماء» ،
# PageV02P285
# وقوله: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا» .
# والكربة: هي الشدة العظيمة التي توقع صاحبها في الكرب، وتنفيسها أن يخفف
~~عنه منها، مأخوذ من تنفيس الخناق، كأنه يرخى له الخناق حتى يأخذ نفسا،
~~والتفريج أعظم من ذلك، وهو أن يزيل عنه الكربة، فتفرج عنه كربته، ويزول همه
~~وغمه، فجزاء التنفيس التنفيس، وجزاء التفريج التفريج، كما في حديث ابن عمر،
~~وقد جمع بينهما في حديث كعب بن عجرة.
# وخرج الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: «أيما مؤمن أطعم مؤمنا على
~~جوع، أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة، وأيما مؤمن سقى مؤمنا على ظمإ،
~~سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن كسا مؤمنا على عري،
~~كساه الله من خضر الجنة» . وخرجه الإمام أحمد بالشك في رفعه، وقيل: إن
~~الصحيح وقفه.
# PageV02P286
# وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال: يحشر الناس يوم القيامة
~~أعرى ما كانوا قط، وأجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا
~~قط، فمن كسا لله عز وجل كساه الله، ومن أطعم لله عز وجل أطعمه الله، ومن
~~سقى لله عز وجل سقاه الله، ومن عفا لله عز وجل أعفاه الله.
# وخرج البيهقي من حديث أنس مرفوعا: «أن رجلا من أهل الجنة يشرف يوم
~~القيامة على أهل النار، فيناديه رجل من أهل النار: يا فلان، هل تعرفني؟
~~فيقول: لا والله ما أعرفك، من أنت؟ فيقول: أنا الذي مررت بي في دار الدنيا،
~~فاستسقيتني شربة من ماء، فسقيتك، قال: قد عرفت، قال: فاشفع لي بها عند ربك،
~~قال: فيسأل الله عز وجل، ويقول: شفعني فيه، فيأمر به، فيخرجه من النار» .
# وقوله: «كربة من كرب ms469 يوم القيامة» ، ولم يقل: من كرب الدنيا والآخرة كما
~~قيل في التيسير والستر، وقد قيل في مناسبة ذلك: إن الكرب هي الشدائد
~~العظيمة، وليس كل أحد يحصل له ذلك في الدنيا، بخلاف الإعسار والعورات
~~المحتاجة إلى الستر، فإن أحدا لا يكاد يخلو في الدنيا من ذلك، ولو بتعسر
~~الحاجات المهمة. وقيل: لأن كرب الدنيا بالنسبة إلى كرب الآخرة كلا شيء،
~~فادخر الله جزاء تنفيس الكرب عنده، لينفس به كرب الآخرة، ويدل على ذلك قول
~~النبي صلى الله عليه وسلم: «يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد،
~~فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس منهم، فيبلغ الناس من الغم
# PageV02P287
# والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس بعضهم لبعض: ألا ترون ما
~~بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربكم؟» ، وذكر حديث الشفاعة، خرجاه
~~بمعناه من حديث أبي هريرة.
# وخرجا من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «تحشرون حفاة
~~عراة غرلا، قالت: فقلت: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟
~~قال: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك» .
# وخرجا من حديث ابن عمر «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {يوم يقوم
~~الناس لرب العالمين} [المطففين: 6] [المطففين: 6] ، قال: يقوم أحدهم في
~~الرشح إلى أنصاف أذنيه» .
# وخرجا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يعرق الناس
~~يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا، ويلجمهم حتى يبلغ
~~آذانهم» ولفظه للبخاري، ولفظ مسلم: «إن العرق ليذهب في الأرض سبعين باعا،
~~وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو إلى آذانهم» .
# وخرج مسلم من حديث المقداد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «تدنو
~~الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين، فتصهرهم الشمس، فيكونون في
# PageV02P288
# العرق قدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى
~~ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاما» .
# وقال ابن مسعود: الأرض كلها يوم القيامة نار، والجنة من ورائها ترى
~~أكوابها وكواعبها، فيعرق الرجل حتى يرشح ms470 عرقه في الأرض قدر قامة، ثم يرتفع
~~حتى يبلغ أنفه، وما مسه الحساب، قال: فمم ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما
~~يرى الناس يصنع بهم.
# وقال أبو موسى: الشمس فوق رءوس الناس يوم القيامة، وأعمالهم تظلهم أو
~~تضحيهم.
# وفي " المسند " من حديث عقبة بن عامر مرفوعا: «كل امرئ في ظل صدقته حتى
~~يفصل بين الناس» .
# قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا
~~والآخرة» . وهذا أيضا يدل على أن الإعسار قد يحصل في الآخرة، وقد وصف الله
~~يوم القيامة بأنه عسير وأنه على الكافرين غير يسير، فدل على أنه يسير على
~~غيرهم، وقال: {وكان يوما على الكافرين عسيرا} [الفرقان: 26] [الفرقان: 26]
~~.
# والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين: إما
~~بإنظاره إلى الميسرة، وذلك واجب، كما قال تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة
~~إلى ميسرة} [البقرة: 280] [البقرة: 280] ، وتارة بالوضع عنه إن كان غريما،
~~وإلا فبإعطائه ما يزول به إعساره، وكلاهما له فضل عظيم.
# PageV02P289
# وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «كان
~~تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرا قال لصبيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن
~~يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه» .
# وفيهما عن حذيفة وأبي مسعود الأنصاري سمعا النبي صلى الله عليه وسلم
~~يقول: «مات رجل فقيل له، فقال: كنت أبايع الناس، فأتجاوز عن الموسر، وأخفف
~~عن المعسر وفي رواية قال: كنت أنظر المعسر، وأتجوز في السكة، أو قال: في
~~النقد، فغفر له» . وخرجه مسلم من حديث أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم. وفي حديثه: فقال الله: «نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه» .
# وخرج أيضا من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من سره
~~أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر، أو يضع عنه» .
# وخرج أيضا من حديث أبي اليسر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من
~~أنظر معسرا، أو وضع عنه، أظله الله في ظله يوم لا ms471 ظل إلا ظله» .
# وفي " المسند " عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من أراد
~~أن تستجاب
# PageV02P290
# دعوته، أو تكشف كربته، فليفرج عن معسر» .
# وقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة»
~~. هذا مما تكاثرت النصوص بمعناه. وخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس، عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «من ستر عورة أخيه المسلم، ستر الله عورته يوم
~~القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته»
~~.
# وخرج الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر سمع النبي صلى الله عليه وسلم
~~يقول: «من ستر مؤمنا في الدنيا على عورة، ستره الله عز وجل يوم القيامة» .
# وقد روي عن بعض السلف أنه قال: أدركت قوما لم يكن لهم عيوب، فذكروا عيوب
~~الناس، فذكر الناس لهم عيوبا، وأدركت أقواما كانت لهم عيوب، فكفوا عن عيوب
~~الناس، فنسيت عيوبهم أو كما قال.
# وشاهد هذا حديث أبي برزة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «يا
~~معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا
~~تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله
~~عورته يفضحه في بيته» .
# PageV02P291
# خرجه الإمام أحمد وأبو داود، وخرج الترمذي معناه من حديث ابن عمر.
# واعلم أن الناس على ضربين: أحدهما: من كان مستورا لا يعرف بشيء من
~~المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة، أو زلة، فإنه لا يجوز كشفها، ولا هتكها، ولا
~~التحدث بها، لأن ذلك غيبة محرمة، وهذا هو الذي وردت فيه النصوص، وفي ذلك قد
~~قال الله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب
~~أليم في الدنيا والآخرة} [النور: 19] [النور: 19] . والمراد: إشاعة الفاحشة
~~على المؤمن المستتر فيما وقع منه، أو اتهم به وهو بريء منه، كما في قصة
~~الإفك. قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أن تستر
~~العصاة، فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأولى الأمور ms472 ستر العيوب،
~~ومثل هذا لو جاء تائبا نادما وأقر بحد، ولم يفسره، لم يستفسر، بل يؤمر بأن
~~يرجع ويستر نفسه، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية، وكما
~~لم يستفسر الذي قال: " أصبت حدا، فأقمه علي ". ومثل هذا لو أخذ بجريمته،
~~ولم يبلغ الإمام، فإنه يشفع له حتى لا يبلغ الإمام. وفي مثله جاء الحديث عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» . خرجه أبو داود
~~والنسائي من حديث عائشة.
# PageV02P292
# والثاني: من كان مشتهرا بالمعاصي، معلنا بها لا يبالي بما ارتكب منها،
~~ولا بما قيل له فهذا هو الفاجر المعلن، وليس له غيبة، كما نص على ذلك الحسن
~~البصري وغيره، ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره لتقام عليه الحدود. صرح بذلك
~~بعض أصحابنا، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «واغد يا أنيس على
~~امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها» . ومثل هذا لا يشفع له إذا أخذ، ولو لم
~~يبلغ السلطان، بل يترك حتى يقام عليه الحد لينكف شره، ويرتدع به أمثاله.
~~قال مالك: من لم يعرف منه أذى للناس، وإنما كانت منه زلة، فلا بأس أن يشفع
~~له ما لم يبلغ الإمام، وأما من عرف بشر أو فساد، فلا أحب أن يشفع له أحد،
~~ولكن يترك حتى يقام عليه الحد، حكاه ابن المنذر وغيره.
# وكره الإمام أحمد رفع الفساق إلى السلطان بكل حال، وإنما كرهه لأنهم
~~غالبا لا يقيمون الحدود على وجهها، ولهذا قال: إن علمت أنه يقيم عليه الحد
~~فارفعه، ثم ذكر أنهم ضربوا رجلا فمات: يعني أنه لم يكن قتله جائزا.
# ولو تاب أحد من الضرب الأول، كان الأفضل له أن يتوب فيما بينه وبين الله
~~تعالى، ويستر على نفسه.
# وأما الضرب الثاني، فقيل: إنه كذلك، وقيل: بل الأولى له أن يأتي الإمام،
~~ويقر على نفسه بما يوجب الحد حتى يطهره.
# قوله: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» وفي حديث ابن عمر:
~~«ومن كان في حاجة أخيه، كان الله ms473 في حاجته» . وقد سبق في شرح الحديث الخامس
~~والعشرين والسادس والعشرين فضل قضاء الحوائج والسعي
# PageV02P293
# فيها. وخرج الطبراني من حديث عمر مرفوعا: «أفضل الأعمال إدخال السرور على
~~المؤمن: كسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت له حاجة» .
# وبعث الحسن البصري قوما من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال لهم: مروا
~~بثابت البناني، فخذوه معكم، فأتوا ثابتا، فقال: أنا معتكف، فرجعوا إلى
~~الحسن فأخبروه، فقال: قولوا له: يا أعمش أما تعلم أن مشيك في حاجة أخيك
~~المسلم خير لك من حجة بعد حجة؟ فرجعوا إلى ثابت، فترك اعتكافه، وذهب معهم.
# وخرج الإمام أحمد من حديث ابنة لخباب بن الأرت، قالت: «خرج خباب في سرية،
~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاهدنا حتى يحلب عنزة لنا في جفنة لنا،
~~فتمتلئ حتى تفيض، فلما قدم خباب حلبها، فعاد حلابها إلى ما كان» .
# PageV02P294
# وكان أبو بكر الصديق يحلب للحي أغنامهم، فلما استخلف، قالت جارية منهم:
~~الآن لا يحلبها، فقال أبو بكر: بلى وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن
~~شيء كنت أفعله، أو كما قال.
# وإنما كانوا يقومون بالحلاب، لأن العرب كانت لا تحلب النساء منهم، وكانوا
~~يستقبحون ذلك، فكان الرجال إذا غابوا، احتاج النساء إلى من يحلب لهن. وقد
~~روي «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لقوم: لا تسقوني حلب امرأة» .
# وكان عمر يتعاهد الأرامل يستقي لهن الماء بالليل، ورآه طلحة بالليل يدخل
~~بيت امرأة، فدخل إليها طلحة نهارا، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة، فسألها: ما
~~يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت: هذا مذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني،
~~ويخرج عني الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمك طلحة، عثرات عمر تتبع؟ !
# وكان أبو وائل يطوف على نساء الحي وعجائزهم كل يوم، فيشتري لهن حوائجهن
~~وما يصلحهن.
# وقال مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه، فكان يخدمني.
# وكان كثير من الصالحين يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم.
# PageV02P295
# وصحب رجل قوما في الجهاد، فاشترط عليهم أن يخدمهم، وكان إذا أراد أحد ms474
~~منهم أن يغسل رأسه أو ثوبه، قال: هذا من شرطي، فيفعله، فمات فجردوه للغسل،
~~فرأوا على يده مكتوبا: من أهل الجنة، فنظروا، فإذا هي كتابة بين الجلد
~~واللحم.
# وفي " الصحيحين " «عن أنس، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في
~~السفر، فمنا الصائم، ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلا في يوم حار، أكثرنا
~~ظلا صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوام وقام
~~المفطرون، وضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: ذهب المفطرون اليوم بالأجر» .
# ويروى عن رجل من أسلم «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بطعام في بعض
~~أسفاره، فأكل منه وأكل أصحابه، وقبض الأسلمي يده، فقال له رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: ما لك؟ فقال: إني صائم، قال: فما حملك على ذلك؟ قال: معي
~~ابناي يرحلان لي ويخدماني، فقال: ما زال لهم الفضل عليك بعد» .
# وفي " مراسيل أبي داود " عن أبي قلابة أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم قدموا يثنون على صاحب لهم خيرا، قالوا: ما رأينا مثل فلان
~~قط، ما كان في مسير إلا كان في قراءة، ولا نزلنا منزلا إلا كان في صلاة،
~~قال: فمن كان يكفيه ضيعته؟ حتى ذكر: من كان يعلف جمله أو دابته؟ قالوا:
~~نحن، قال: فكلكم خير منه.
# قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به
~~طريقا إلى
# PageV02P296
# الجنة» ، وقد روى هذا المعنى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~وسلوك الطريق لالتماس العلم يدخل فيه سلوك الطريق الحقيقي، وهو المشي
~~بالأقدام إلى مجالس العلماء، ويدخل فيه سلوك الطرق المعنوية المؤدية إلى
~~حصول العلم، مثل حفظه، ودارسته، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته، والتفهم له،
~~ونحو ذلك من الطرق المعنوية التي يتوصل بها إلى العلم.
# وقوله: «سهل الله له به طريقا إلى الجنة» قد يراد بذلك أن الله يسهل له
~~العلم الذي طلبه، وسلك طريقه، وييسره عليه، فإن العلم طريق موصل إلى الجنة،
~~وهذا كقوله ms475 تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} [القمر: 17]
~~[القمر: 17] . قال بعض السلف: هل من طالب علم فيعان عليه؟ .
# وقد يراد أيضا: أن الله ييسر لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله
~~الانتفاع به والعمل بمقتضاه، فيكون سببا لهدايته ولدخول الجنة بذلك.
# وقد ييسر الله لطالب العلم علوما أخر ينتفع بها، وتكون موصلة له إلى
~~الجنة، كما قيل: من عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم، وكما قيل:
~~ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وقد دل على ذلك قوله تعالى: {ويزيد الله الذين
~~اهتدوا هدى} [مريم: 76] [مريم: 76] ، وقوله: {والذين اهتدوا زادهم هدى
~~وآتاهم تقواهم} [محمد: 17] [محمد: 17] .
# وقد يدخل في ذلك أيضا تسهيل طريق الجنة الحسي يوم القيامة - وهو الصراط -
~~وما قبله وما بعده من الأهوال، فييسر ذلك على طالب العلم للانتفاع
# PageV02P297
# به، فإن العلم يدل على الله من أقرب الطريق إليه، فمن سلك طريقه، ولم
~~يعرج عنه، وصل إلى الله وإلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها فسهلت عليه الطرق
~~الموصلة إلى الجنة كلها في الدنيا والآخرة، فلا طريق إلى معرفة الله وإلى
~~الوصول إلى رضوانه والفوز بقربه ومجاورته في الآخرة إلا بالعلم النافع الذي
~~بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، فهو الدليل عليه، وبه يهتدى في ظلمات
~~الجهل والشبه والشكوك، ولهذا سمى الله كتابه نورا؛ لأنه يهتدى به في
~~الظلمات. وقال الله تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين - يهدي به
~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه
~~ويهديهم إلى صراط مستقيم} [المائدة: 15 - 16] [المائدة: 15 - 16] .
# ومثل النبي صلى الله عليه وسلم حملة العلم الذي جاء به بالنجوم التي
~~يهتدى بها في الظلمات، ففي " المسند " عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، يهتدى بها في ظلمات
~~البر والبحر، فإذا انطمست النجوم، أوشك أن تضل الهداة» .
# وما دام العلم باقيا في الأرض، فالناس في هدى، وبقاء العلم بقاء حملته،
~~فإذا ذهب حملته ومن ms476 يقوم به، وقع الناس في الضلال، كما في " الصحيحين " عن
~~عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله لا يقبض
~~العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبق
~~عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» .
# «وذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوما رفع العلم، فقيل له: كيف يذهب العلم
~~وقد قرأنا القرآن، وأقرأناه نساءنا وأبناءنا؟ فقال النبي صلى الله عليه
~~وسلم: هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؟» فسئل
~~عبادة بن الصامت عن هذا
# PageV02P298
# الحديث، فقال: لو شئت لأخبرتك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، وإنما قال
~~عبادة هذا لأن العلم قسمان: أحدهما: ما كان ثمرته في قلب الإنسان، وهو
~~العلم بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله المقتضية لخشيته، ومهابته،
~~وإجلاله، والخضوع له، ومحبته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، ونحو ذلك،
~~فهذا هو العلم النافع، كما قال ابن مسعود: إن أقواما يقرءون القرآن لا
~~يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فرسخ فيه نفع.
# وقال الحسن: العلم علمان: علم على اللسان، فذاك حجة الله على ابن آدم،
~~وعلم في القلب، فذاك العلم النافع.
# والقسم الثاني: العلم الذي على اللسان، وهو حجة الله كما في الحديث:
~~«القرآن حجة لك أو عليك» ، فأول ما يرفع من العلم: العلم النافع، وهو العلم
~~الباطن الذي يخالط القلوب ويصلحها، ويبقى علم اللسان حجة، فيتهاون الناس
~~به، ولا يعملون بمقتضاه، لا حملته ولا غيرهم، ثم يذهب هذا العلم
# PageV02P299
# بذهاب حملته، فلا يبقى إلا القرآن في المصاحف، وليس ثم من يعلم معانيه،
~~ولا حدوده، ولا أحكامه، ثم يسرى به في آخر الزمان، فلا يبقى في المصاحف ولا
~~في القلوب منه شيء بالكلية، وبعد ذلك تقوم الساعة، كما قال صلى الله عليه
~~وسلم: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» ، وقال: «لا تقوم الساعة وفي
~~الأرض أحد يقول: الله الله» .
# قوله صلى الله عليه وسلم: «وما جلس قوم في بيت من بيوت الله، يتلون ms477 كتاب
~~الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم
~~الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» . هذا يدل على استحباب الجلوس في المساجد
~~لتلاوة القرآن ومدارسته، وهذا إن حمل على تعلم القرآن وتعليمه، فلا خلاف في
~~استحبابه، وفي " صحيح البخاري " عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» . وقال أبو عبد الرحمن السلمي: فذاك
~~الذي أقعدني في مقعدي هذا، وكان قد علم القرآن في زمن عثمان بن عفان حتى
~~بلغ الحجاج بن يوسف.
# PageV02P300
# وإن حمل على ما هو أعم من ذلك، دخل فيه الاجتماع في المسجد على دراسة
~~القرآن مطلقا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يأمر من يقرأ
~~القرآن ليسمع قراءته، كما كان ابن مسعود يقرأ عليه، وقال: «إني أحب أن
~~أسمعه من غيري» وكان عمر يأمر من يقرأ عليه وعلى أصحابه وهم يسمعون، فتارة
~~يأمر أبا موسى، وتارة يأمر عقبة بن عامر.
# وسئل ابن عباس: أي العمل أفضل؟ قال ذكر الله، وما جلس قوم في بيت من بيوت
~~الله يتعاطون فيه كتاب الله فيما بينهم ويتدارسونه، إلا أظلتهم الملائكة
~~بأجنحتها، وكانوا أضياف الله ما داموا على ذلك حتى يفيضوا في حديث غيره.
~~وروي مرفوعا والموقوف أصح.
# وروى يزيد الرقاشي عن أنس قال: كانوا إذا صلوا الغداة، قعدوا حلقا حلقا،
~~يقرءون القرآن، ويتعلمون الفرائض والسنن، ويذكرون الله عز وجل.
# وروى عطية عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من
~~قوم صلوا صلاة الغداة، ثم قعدوا في مصلاهم، يتعاطون كتاب الله، ويتدارسونه،
~~إلا وكل بهم ملائكة يستغفرون لهم حتى يخوضوا في حديث غيره» وهذا يدل على
~~استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة لمدارسة القرآن، ولكن عطية فيه ضعف.
# وقد روى حرب الكرماني بإسناده عن الأوزاعي أنه سئل عن الدراسة بعد صلاة
~~الصبح، فقال: أخبرني حسان بن عطية أن أول من أحدثها في مسجد دمشق هشام بن
~~إسماعيل المخزومي في خلافة عبد الملك بن مروان، فأخذ الناس بذلك.
# PageV02P301
# وبإسناده ms478 عن سعيد بن عبد العزيز، وإبراهيم بن سليمان: أنهما كانا يدرسان
~~القرآن بعد صلاة الصبح ببيروت والأوزاعي في المسجد لا يغير عليهم.
# وذكر حرب أنه رأى أهل دمشق وأهل حمص، وأهل مكة، وأهل البصرة، يجتمعون على
~~القرآن بعد صلاة الصبح، لكن أهل الشام يقرءون القرآن كلهم جملة من سورة
~~واحدة بأصوات عالية، وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون، فيقرأ أحدهم عشر آيات،
~~والناس ينصتون، ثم يقرأ آخر عشر آيات، حتى يفرغوا. قال حرب: وكل ذلك حسن
~~جميل.
# وقد أنكر ذلك مالك على أهل الشام. قال زيد بن عبيد الدمشقي: قال لي مالك
~~بن أنس: بلغني أنكم تجلسون حلقا تقرءون، فأخبرته بما كان يفعل أصحابنا،
~~فقال مالك: عندنا كان المهاجرون والأنصار ما نعرف هذا، قال: فقلت: هذا
~~طريف؟ قال: وطريف رجل يقرأ ويجتمع الناس حوله، فقال: هذا عن غير رأينا.
# قال أبو مصعب وإسحاق بن محمد الفروي: سمعنا مالك بن أنس يقول: الاجتماع
~~بكرة بعد صلاة الفجر لقراءة القرآن بدعة، ما كان أصحاب رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم ولا العلماء بعدهم على هذا، كانوا إذا صلوا يخلو كل بنفسه،
~~ويقرأ، ويذكر الله عز وجل، ثم ينصرفون من غير أن يكلم بعضهم بعضا، اشتغالا
~~بذكر الله، فهذه كلها محدثة.
# وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لم تكن القراءة في المسجد من أمر الناس
~~القديم، وأول من أحدث ذلك في المسجد الحجاج بن يوسف، قال مالك: وأنا أكره
~~ذلك الذي يقرأ في المسجد في المصحف. وقد روى هذا كله أبو بكر النيسابوري في
~~" كتاب مناقب مالك رحمه الله ".
# واستدل الأكثرون على استحباب الاجتماع لمدارسة القرآن في الجملة
# PageV02P302
# بالأحاديث الدالة على استحباب الاجتماع للذكر، والقرآن أفضل أنواع الذكر،
~~ففي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لله
~~ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله
~~تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال:
~~فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم ما يقول عبادي قالوا يقولون ms479 يسبحونك ويكبرونك
~~ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول هل رأوني، قال: فيقولون لا والله ما رأوك،
~~قال: فيقول وكيف لو رأوني، قال: يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك
~~تمجيدا وتحميدا وأكثر لك تسبيحا، قال: يقول فما يسألوني، قال: يسألونك
~~الجنة، قال: يقول وهل رأوها، قال: يقولون لا والله يا رب ما رأوها، قال:
~~يقول فكيف لو أنهم رأوها، قال: يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا
~~وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون، قال: يقولون من النار،
~~قال: يقول وهل رأوها، قال: يقولون لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول فكيف
~~لو رأوها، قال: يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة، قال:
~~فيقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس
~~منهم إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم»
# وفي " صحيح مسلم " عن معاوية «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على
~~حلقة من أصحابه، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله عز وجل، ونحمده
~~لما هدانا للإسلام ومن علينا به، فقال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا:
~~آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم لتهمة لكم، إنه أتاني
~~جبريل، فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة.»
# PageV02P303
# وخرج الحاكم من «حديث معاوية، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوما
~~فدخل المسجد، فإذا هو بقوم في المسجد قعود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
~~ما أقعدكم؟ فقالوا: صلينا الصلاة المكتوبة، ثم قعدنا نتذاكر الله عز وجل،
~~وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله
~~إذا ذكر شيئا تعاظم ذكره» .
# وفي المعنى أحاديث أخر متعددة.
# وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن جزاء الذين يجلسون في بيت الله يتدارسون
~~كتاب الله أربعة أشياء: أحدها: تنزل السكينة عليهم، وفي " الصحيحين " عن
~~البراء بن عازب، قال: «كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس، فتغشته سحابة، ms480
~~فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه
~~وسلم، فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن» .
# وفيهما أيضا عن أبي سعيد «أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده،
~~إذ جالت فرسه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضا، فقال أسيد: فخشيت
~~أن تطأ يحيى - يعني ابنه - قال: فقمت إليها، فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها
~~أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، قال: فغدا على النبي صلى الله عليه
~~وسلم، فذكر ذلك له، فقال صلى الله عليه وسلم: تلك الملائكة كانت تستمع لك،
~~ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم» واللفظ لمسلم فيهما.
# PageV02P304
# وروى ابن المبارك عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن سعد بن مسعود
~~«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مجلس، فرفع بصره إلى السماء، ثم
~~طأطأ بصره، ثم رفعه، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: إن
~~هؤلاء القوم كانوا يذكرون الله تعالى - يعني أهل مجلس أمامه - فنزلت عليهم
~~السكينة تحملها الملائكة كالقبة، فلما دنت منهم تكلم رجل منهم بباطل، فرفعت
~~عنهم» وهذا مرسل.
# والثاني: غشيان الرحمة، قال الله تعالى: {إن رحمة الله قريب من المحسنين}
~~[الأعراف: 56] [الأعراف: 56] .
# وخرج الحاكم من حديث «سلمان أنه كان في عصابة يذكرون الله تعالى، فمر بهم
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما كنتم تقولون؟ فإني رأيت الرحمة
~~تنزل عليكم، فأردت أن أشارككم فيها» .
# وخرج البزار من حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن لله
~~سيارة من الملائكة، يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم حفوا بهم، ثم بعثوا
~~رائدهم إلى السماء إلى رب العزة تبارك وتعالى فيقولون: ربنا أتينا على عباد
~~من عبادك
# PageV02P305
# يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم،
~~فيقول الله تبارك وتعالى: غشوهم برحمتي، فيقولون: ربنا، إن فيهم فلانا
~~الخطاء، إنما اعتنقهم اعتناقا، فيقول تعالى: غشوهم برحمتي، [فهم الجلساء لا ms481
~~يشقى بهم جليسهم] » .
# والثالث: أن الملائكة تحف بهم، وهذا مذكور في الأحاديث التي ذكرناها، وفي
~~حديث أبي هريرة المتقدم: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا وفي رواية
~~للإمام أحمد: علا بعضهم على بعض حتى يبلغوا العرش.
# وقال خالد بن معدان، يرفع الحديث: «إن لله ملائكة في الهواء، يسيحون بين
~~السماء والأرض، يلتمسون الذكر، فإذا سمعوا قوما يذكرون الله تعالى، قالوا:
~~رويدا زادكم الله، فينشرون أجنحتهم حولهم حتى يصعد كلامهم إلى العرش» .
~~خرجه الخلال في كتاب " السنة ".
# والرابع: أن الله يذكرهم فيمن عنده، وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي،
~~وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ
~~ذكرته في ملأ خير منهم» .
# وهذه الخصال الأربع لكل مجتمعين على ذكر الله تعالى، كما في " صحيح مسلم
~~" عن أبي هريرة وأبي سعيد، كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن
~~لأهل ذكر
# PageV02P306
# الله تعالى أربعا: تنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتحف بهم
~~الملائكة، ويذكرهم الرب فيمن عنده» . وقد قال الله تعالى: {فاذكروني
~~أذكركم} [البقرة: 152] [البقرة: 152] وذكر الله لعبده: هو ثناؤه عليه في
~~الملأ الأعلى بين ملائكته ومباهاته به وتنويهه بذكره. قال الربيع بن أنس:
~~إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره، قال تعالى: {ياأيها
~~الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا - وسبحوه بكرة وأصيلا - هو الذي يصلي
~~عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الأحزاب: 41 - 43]
~~[الأحزاب: 41 - 43] ، وصلاة الله على عبده: هي ثناؤه عليه بين ملائكته،
~~وتنويهه بذكره، كذا قال أبو العالية، ذكره البخاري في " صحيحه "، وقال رجل
~~لأبي أمامة: رأيت في المنام كأن الملائكة تصلي عليك، كلما دخلت، وكلما
~~خرجت، وكلما قمت، وكلما جلست، فقال أبو أمامة: وأنتم لو شئتم، صلت عليكم
~~الملائكة، ثم قرأ: {ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا - وسبحوه
~~بكرة وأصيلا - هو الذي يصلي عليكم وملائكته} [الأحزاب: 41 - 43] خرجه
~~الحاكم.
# PageV02P307
# قوله صلى ms482 الله عليه وسلم: «ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه» : معناه أن
~~العمل هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة، كما قال تعالى: {ولكل درجات مما
~~عملوا} [الأنعام: 132] [الأنعام: 132] ، فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به
~~المنازل العالية عند الله تعالى، لم يسرع به نسبه، فيبلغه تلك الدرجات، فإن
~~الله تعالى رتب الجزاء على الأعمال، لا على الأنساب، كما قال تعالى: {فإذا
~~نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101]
~~[المؤمنون: 101] ، وقد أمر الله تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته
~~بالأعمال، كما قال: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض
~~أعدت للمتقين - الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ} [آل
~~عمران: 133 - 134] [آل عمران: 133 - 134] الآيتين، وقال: {إن الذين هم من
~~خشية ربهم مشفقون - والذين هم بآيات ربهم يؤمنون - والذين هم بربهم لا
~~يشركون - والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون - أولئك
~~يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} [المؤمنون: 57 - 61] [المؤمنون: 57 -
~~61] .
# قال ابن مسعود: يأمر الله بالصراط، فيضرب على جهنم، فيمر الناس على قدر
~~أعمالهم زمرا زمرا، أوائلهم كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، ثم
~~كمر البهائم، حتى يمر الرجل سعيا، وحتى يمر الرجل مشيا، حتى يمر آخرهم
~~يتلبط على بطنه، فيقول: يا رب لم أبطأت بي؟ فيقول إني لم أبطئ بك، إنما
~~أبطأ بك عملك.
# وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
~~حين أنزل عليه: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] [الشعراء: 214] :
~~«يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني
~~عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك
~~من الله شيئا، يا
# PageV02P308
# صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد، سليني
~~ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا» .
# وفي رواية خارج " الصحيحين ": «إن أوليائي منكم المتقون لا يأتي الناس
~~بالأعمال، وتأتوني بالدنيا تحملونها على ms483 رقابكم، فتقولون: يا محمد، فأقول:
~~قد بلغت» .
# وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «إن أوليائي المتقون يوم القيامة، وإن كان نسب أقرب من نسب، يأتي
~~الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون: يا محمد، يا
~~محمد، فأقول هكذا وهكذا» وأعرض في كلا عطفيه.
# وخرج البزار من حديث رفاعة بن رافع «أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال
~~لعمر: اجمع لي قومك يعني: قريشا، فجمعهم، فقال: إن أوليائي منكم المتقون،
~~فإن كنتم أولئك فذاك، وإلا فانظروا، لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة
~~وتأتون بالأثقال، فيعرض عنكم» . وخرجه الحاكم مختصرا وصححه.
# وفي " المسند " عن معاذ بن جبل «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه
~~إلى اليمن، خرج معه يوصيه، ثم التفت، وأقبل بوجهه إلى المدينة، فقال: إن
~~أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا» . وخرجه الطبراني، وزاد فيه:
~~«إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنهم أولى الناس بي، وليس كذلك، إن أوليائي منكم
~~المتقون، من كانوا وحيث كانوا» .
# PageV02P309
# ويشهد لهذا كله ما في " الصحيحين " عن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي صلى
~~الله عليه وسلم يقول: «إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، وإنما وليي الله
~~وصالحو المؤمنين» يشير إلى أن ولايته لا تنال بالنسب وإن قرب، وإنما تنال
~~بالإيمان والعمل الصالح، فمن كان أكمل إيمانا وعملا، فهو أعظم ولاية له،
~~سواء كان له منه نسب قريب، أو لم يكن، وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
# لعمرك ما الإنسان إلا بدينه ... فلا تترك التقوى اتكالا على النسب
# لقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد وضع الشرك الشقي أبا لهب
# PageV02P310
### | [الحديث السابع والثلاثون إن الله كتب الحسنات والسيئات]
# PageV02P310
# الحديث السابع والثلاثون. عن ابن عباس رضي الله عنهما
~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى قال: «إن
~~الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله
~~عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها ms484 كتبها الله عز وجل عنده عشر حسنات إلى
~~سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده
~~حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة» . رواه البخاري
~~ومسلم.
# هذا الحديث خرجاه من رواية الجعد
~~أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العطاردي، عن ابن عباس وفي رواية لمسلم زيادة في
~~آخر الحديث، وهي: «أو محاها الله، ولا يهلك على الله إلا هالك» . وفي هذا
~~المعنى أحاديث متعددة، فخرجا في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «يقول الله: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة، فلا
~~تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها، فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي،
~~فاكتبوها له حسنة، وإن أراد أن يعمل حسنة، فلم يعملها، فاكتبوها له حسنة،
~~فإن عملها فاكتبوها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف» وهذا لفظ البخاري، وفي
~~رواية لمسلم: «قال الله عز وجل: إذا تحدث عبدي بأن
# PageV02P311
# يعمل حسنة، فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها، فأنا أكتبها
~~بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة، فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا
~~عملها، فأنا أكتبها له بمثلها» . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قالت
~~الملائكة: رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة - وهو أبصر به - قال: ارقبوه، فإن
~~عملها، فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها، فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من
~~جراي» . قال رسول الله صلى عليه وسلم: «إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة
~~يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له
~~بمثلها حتى يلقى الله» . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم قال: «كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة
~~ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه
~~وشرابه من أجلي» ، وفي رواية بعد قوله: «إلى سبعمائة ضعف: إلى ما يشاء
~~الله» . وفي " صحيح مسلم " عن أبي ذر، عن النبي صلى ms485 الله عليه وسلم قال:
~~«يقول الله: من عمل حسنة، فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن عمل سيئة، فجزاؤها
~~مثلها أو أغفر» . وفيه أيضا عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من
~~هم بحسنة، فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم
~~بسيئة، فلم يعملها لم يكتب عليه شيء، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة» .
~~وفي " المسند " عن خريم بن فاتك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من هم
~~بحسنة،
# PageV02P312
# فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحرص عليها، كتبت له حسنة،
~~ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت له واحدة، ولم تضاعف عليه، ومن
~~عمل حسنة كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله، كانت له
~~بسبعمائة ضعف» . وفي المعنى أحاديث أخر متعددة. فتضمنت هذه النصوص كتابة
~~الحسنات، والسيئات، والهم بالحسنة والسيئة، فهذه أربعة أنواع: النوع الأول:
~~عمل الحسنات، فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة،
~~ومضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات، وقد دل عليه قوله تعالى:
~~{من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] [الأنعام: 160] . وأما
~~زيادة المضاعفة على العشر لمن شاء الله أن يضاعف له، فدل عليه قوله تعالى:
~~{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل
~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 261]
~~[البقرة: 261] ، فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة
~~ضعف. وفي " صحيح مسلم " عن ابن مسعود، قال: «جاء رجل بناقة مخطومة، فقال:
~~يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فقال: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة» .
~~وفي " المسند " بإسناد فيه نظر عن أبي عبيدة بن الجراح، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على
~~نفسه وأهله، وعياله، أو عاد مريضا، أو ماز أذى، فالحسنة بعشر أمثالها» .
# PageV02P313
# وخرج أبو داود من حديث سهل بن معاذ عن أبيه، ms486 عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~قال: «إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة
~~ضعف» . وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «من أرسل نفقة في سبيل الله، وأقام في بيته، فله
~~بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله، فله بكل درهم سبعمائة
~~ألف درهم» ثم تلا هذه الآية: {والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261]
~~[البقرة: 261] . وخرج ابن حبان في " صحيحه " من حديث عيسى بن المسيب، عن
~~نافع، «عن ابن عمر، قال: لما نزلت هذه الآية: {مثل الذين ينفقون أموالهم في
~~سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} [البقرة: 261] [البقرة: 261] ، قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب زد أمتي، فأنزل الله تعالى: {من ذا الذي
~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة: 245] [البقرة: 245]
~~، فقال: رب زد أمتي فأنزل الله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير
~~حساب} [الزمر: 10] [الزمر: 10] .»
# PageV02P314
# وخرج الإمام أحمد من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن أبي عثمان النهدي، عن
~~أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله ليضاعف الحسنة ألفي
~~ألف حسنة ثم تلا أبو هريرة: {وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما}
~~[النساء: 40] [النساء: 40] . وقال: " إذا قال الله أجرا عظيما، فمن يقدر
~~قدره؟» وروي عن أبي هريرة موقوفا. وخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا:
~~«من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله
~~الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب
~~الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة» . ومن
~~حديث تميم الداري مرفوعا: «من قال: أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له،
~~إلها واحدا أحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له كفوا أحد عشر
~~مرات، كتب الله له أربعين ألف ألف حسنة» ، وفي ms487 كلا الإسنادين ضعف.
# PageV02P315
# وخرج الطبراني بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعا: «من قال: سبحان الله، كتب
~~الله له مائة ألف حسنة، وأربعة وعشرين ألف حسنة» .
# وقوله في حديث أبي هريرة: «إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» يدل على أن
~~الصيام لا يعلم قدر مضاعفة ثوابه إلا الله عز وجل لأنه أفضل أنواع الصبر، و
~~{إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10] [الزمر: 10] ، وقد روي
~~هذا المعنى عن طائفة من السلف، منهم كعب وغيره. وقد ذكرنا فيما سبق في شرح
~~حديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» أن مضاعفة الحسنات زيادة على
~~العشر تكون بحسب حسن الإسلام، كما جاء ذلك مصرحا به في حديث أبي هريرة
~~وغيره، وتكون بحسب كمال الإخلاص، وبحسب فضل ذلك العمل في نفسه، وبحسب
~~الحاجة إليه. وذكرنا من حديث ابن عمر أن قوله: {من جاء بالحسنة فله عشر
~~أمثالها} [الأنعام: 160] [الأنعام: 160] نزلت في الأعراب، وأن قوله: {وإن
~~تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] [النساء: 40] نزلت
~~في المهاجرين. النوع الثاني: عمل السيئات، فتكتب السيئة بمثلها، من غير
~~مضاعفة، كما قال تعالى: {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا
~~يظلمون} [الأنعام: 160] [الأنعام: 160] . وقوله: «كتبت له سيئة واحدة»
~~إشارة إلى أنها غير مضاعفة، ما صرح به في
# PageV02P316
# حديث آخر، لكن السيئة تعظم أحيانا بشرف الزمان أو المكان، كما قال تعالى:
~~{إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات
~~والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة:
~~36] [التوبة: 36] 0 قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: {فلا
~~تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] : في كلهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر،
~~فجعلهن حرما، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر
~~أعظم. وقال قتادة في هذه الآية: اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم
~~خطيئة ووزرا فيما سوى ذلك، وإن كان الظلم في كل حال غير طائل، ولكن الله
~~تعالى ms488 يعظم من أمره ما يشاء تعالى ربنا. وقد روي في حديثين مرفوعين «أن
~~السيئات تضاعف في رمضان» ، ولكن إسنادهما لا يصح. وقال الله تعالى: {الحج
~~أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}
~~[البقرة: 197] [البقرة: 197] . قال ابن عمر: الفسوق: ما أصيب من معاصي الله
~~صيدا كان أو غيره، وعنه قال: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم. وقال
~~تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] [الحج: 25]
~~.
# PageV02P317
# وكان جماعة من الصحابة يتقون سكنى الحرم، خشية ارتكاب الذنوب فيه: منهم
~~ابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل،
~~وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: الخطيئة فيه أعظم. وروي عن عمر بن
~~الخطاب، قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة - يعني بغير مكة - أحب إلي من أن أخطئ
~~خطيئة واحدة بمكة. وعن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات.
~~وقال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة بمائة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك.
~~وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: في شيء من الحديث أن السيئة تكتب بأكثر من
~~واحدة؟ قال: لا، ما سمعنا إلا بمكة لتعظيم البلد " ولو أن رجلا بعدن أبين
~~هم ". وقال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد، وقوله: " ولو أن رجلا بعدن أبين
~~هم " من قول ابن مسعود، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
# وقد تضاعف السيئات بشرف فاعلها، وقوة معرفته بالله، وقربه منه، فإن من
~~عصى السلطان على بساطه أعظم جرما ممن عصاه على بعد، ولهذا توعد الله خاصة
~~عباده على المعصية بمضاعفة الجزاء، وإن كان قد عصمهم منها، ليبين لهم فضله
~~عليهم بعصمتهم من ذلك، كما قال تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم
~~شيئا قليلا - إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} [الإسراء: 74 - 75]
~~[الإسراء: 74 - 75] . وقال تعالى: {يانساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة
~~يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا - ومن يقنت منكن لله
~~ورسوله وتعمل ms489 صالحا نؤتها أجرها مرتين} [الأحزاب: 30 - 31]
# PageV02P318
# [الأحزاب: 30 - 35] . وكان علي بن الحسين يتأول في آل النبي صلى الله
~~عليه وسلم من بني هاشم مثل ذلك لقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم. النوع
~~الثالث: الهم بالحسنات، فتكتب حسنة كاملة، وإن لم يعملها، كما في حديث ابن
~~عباس وغيره، وفي حديث أبي هريرة الذي خرجه مسلم كما تقدم: «إذا تحدث عبدي
~~بأن يعمل حسنة، فأنا أكتبها له حسنة» والظاهر أن المراد بالتحدث حديث
~~النفس، وهو الهم، وفي حديث خريم بن فاتك: «من هم بحسنة فلم يعملها، فعلم
~~الله منه أنه قد أشعر قلبه، وحرص عليها، كتبت له حسنة» وهذا يدل على أن
~~المراد بالهم هنا هو العزم المصمم الذي يوجد معه الحرص على العمل، لا مجرد
~~الخطرة التي تخطر، ثم تنفسخ من غير عزم ولا تصميم. قال أبو الدرداء: من أتى
~~فراشه وهو ينوي أن يصلي من الليل، فغلبته عيناه حتى يصبح، كتب له ما نوى.
~~وروي عنه مرفوعا، وخرجه ابن ماجه مرفوعا. قال الدارقطني: المحفوظ الموقوف،
~~وروي معناه من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
# PageV02P319
# وروي عن سعيد بن المسيب، قال: من هم بصلاة، أو صيام، أو حج، أو عمرة، أو
~~غزوة، فحيل بينه وبين ذلك، بلغه الله تعالى ما نوى. وقال أبو عمران الجوني:
~~ينادى الملك: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا رب، إنه لم يعمله، فيقول: إنه
~~نواه. قال زيد بن أسلم: كان رجل يطوف على العلماء، يقول: من يدلني على عمل
~~لا أزال منه لله عاملا، فإني لا أحب أن تأتي علي ساعة من الليل والنهار إلا
~~وأنا عامل لله تعالى، فقيل له: قد وجدت حاجتك، فاعمل الخير ما استطعت، فإذا
~~فترت أو تركته فهم بعمله، فإن الهام بعمل الخير كفاعله. ومتى اقترن بالنية
~~قول أو سعي، تأكد الجزاء، والتحق صاحبه بالعامل، كما روى أبو كبشة عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «إنما الدنيا أربعة نفر: عبد رزقه الله مالا
~~وعلما، فهو يتقي فيه ms490 ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل
~~المنازل، وعبد رزقه الله علما، ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية، يقول: لو
~~أن لي مالا، لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله
~~مالا، ولم يرزقه علما يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه
~~رحمه، ولا يعلم فيه لله حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا
~~ولا علما،
# PageV02P320
# فهو يقول: لو أن لي مالا، لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء» .
~~خرجه الإمام أحمد والترمذي وهذا لفظه وابن ماجه. وقد حمل قوله: «فهما في
~~الأجر سواء» على استوائهما في أصل أجر العمل، دون مضاعفته، فالمضاعفة يختص
~~بها من عمل العمل دون من نواه، فلم يعمله، فإنهما لو استويا من كل وجه،
~~لكتب لمن هم بحسنة ولم يعملها عشر حسنات، وهو خلاف النصوص كلها، ويدل على
~~ذلك قوله تعالى: {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة
~~وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما - درجات
~~منه} [النساء: 95 - 96] [النساء: 95 - 96] . قال ابن عباس وغيره: القاعدون
~~المفضل عليهم المجاهدون درجة القاعدون من أهل الأعذار، والقاعدون المفضل
~~عليهم المجاهدون درجات هم القاعدون من غير أهل الأعذار.
# النوع الرابع: الهم بالسيئات من غير عمل لها، ففي حديث ابن عباس: أنها
~~تكتب حسنة كاملة، وكذلك في حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما: أنها تكتب حسنة،
~~وفي حديث أبي هريرة قال: «إنما تركها من جراي» يعني: من أجلي. وهذا يدل على
~~أن المراد من قدر على ما هم به من المعصية، فتركه لله تعالى، وهذا لا ريب
~~في أنه يكتب له بذلك حسنة؛ لأن تركه المعصية بهذا القصد عمل صالح. فأما إن
~~هم بمعصية، ثم ترك عملها خوفا من المخلوقين، أو مراءاة لهم، فقد قيل: إنه
~~يعاقب على تركها بهذه النية، لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله محرم.
~~وكذلك قصد الرياء للمخلوقين محرم، فإذا اقترن به ترك
# PageV02P321
# المعصية لأجله، عوقب على ms491 هذا الترك. وقد خرج أبو نعيم بسند ضعيف عن ابن
~~عباس، قال: يا صاحب الذنب، لا تأمنن سوء عاقبته، ولما يتبع الذنب أعظم من
~~الذنب إذا عملته، وذكر كلاما، وقال: وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت
~~على الذنب، ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب إذا عملته.
~~وقال الفضيل بن عياض: كانوا يقولون: ترك العمل للناس رياء، والعمل لهم شرك.
~~وأما إن سعى في حصولها بما أمكنه، ثم حال بينه وبينها القدر، فقد ذكر جماعة
~~أنه يعاقب عليها حينئذ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:: «إن الله يتجاوز
~~لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم به أو تعمل ومن سعى في حصول المعصية
~~جهده، ثم عجز عنها، فقد عمل» ، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا
~~التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله،
~~هذا القاتل، فما بال المقتول؟ ! قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه.»
# وقوله: «ما لم تكلم به أو تعمل» يدل على أن الهام بالمعصية إذا تكلم بما
~~هم به بلسانه فإنه يعاقب على الهم حينئذ، لأنه قد عمل بجوارحه معصية، وهو
~~التكلم باللسان ويدل على ذلك حديث الذي قال: «لو أن لي مالا
# PageV02P322
# لعملت فيه ما عمل فلان» يعني: الذي يعصي الله في ماله، قال: «فهما في
~~الوزر سواء» . ومن المتأخرين من قال: يعاقب على التكلم بما هم به ما لم تكن
~~المعصية التي هم بها قولا محرما، كالقذف والغيبة والكذب؛ فأما ما كان
~~متعلقها العمل بالجوارح، فلا يأثم بمجرد تكلم ما هم به، وهذا قد يستدل به
~~على حديث أبي هريرة المتقدم: «وإذا تحدث عبدي بأن يعمل سيئة، فأنا أغفرها
~~له ما لم يعملها» . ولكن المراد بالحديث هنا حديث النفس، جمعا بينه وبين
~~قوله: «ما لم تكلم به أو تعمل» ، وحديث أبي كبشة يدل على ذلك صريحا، فإن
~~قول القائل بلسانه: «لو أن لي مالا، لعملت فيه بالمعاصي، كما عمل فلان» ،
~~ليس هو العمل بالمعصية ms492 التي هم بها، وإنما أخبر عما هم به فقط مما متعلقه
~~إنفاق المال في المعاصي، وليس له مال بالكلية، وأيضا فالكلام بذلك محرم،
~~فكيف يكون معفوا عنه، غير معاقب عليه؟ وأما إن انفسخت نيته، وفترت عزيمته
~~من غير سبب منه، فهل يعاقب على ما هم به من المعصية، أم لا؟ هذا على قسمين:
~~أحدهما: أن يكون الهم بالمعصية خاطرا خطر، ولم يساكنه صاحبه، ولم يعقد قلبه
~~عليه، بل كرهه، ونفر منه، فهو معفو عنه، وهو «كالوساوس الرديئة التي سئل
~~النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فقال: ذاك صريح الإيمان» . ولما نزل قوله
~~تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء
~~ويعذب من يشاء} [البقرة: 284]
# PageV02P323
# [البقرة: 284] ، شق ذلك على المسلمين، وظنوا دخول هذه الخواطر فيه، فنزلت
~~الآية التي بعدها، وفيها قوله: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}
~~[البقرة: 286] [البقرة: 286] فبينت أن ما لا طاقة لهم به، فهو غير مؤاخذ
~~به، ولا مكلف به، وقد سمى ابن عباس وغيره ذلك نسخا، ومرادهم أن هذه الآية
~~أزالت الإبهام الواقع في النفوس من الآية الأولى، وبينت أن المراد بالآية
~~الأولى العزائم المصمم عليها، ومثل هذا كان السلف يسمونه نسخا.
# القسم الثاني: العزائم المصممة التي تقع في النفوس وتدوم، ويساكنها
~~صاحبها، فهذا أيضا نوعان: أحدهما: ما كان عملا مستقلا بنفسه من أعمال
~~القلوب، كالشك في الوحدانية، أو النبوة، أو البعث، أو غير ذلك من الكفر
~~والنفاق، أو اعتقاد تكذيب ذلك، فهذا كله يعاقب عليه العبد، ويصير بذلك
~~كافرا ومنافقا. وقد روي عن ابن عباس أنه حمل قوله تعالى: {وإن تبدوا ما في
~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] [البقرة: 284] ، على مثل
~~هذا. وروي عنه حملها على كتمان الشهادة لقوله تعالى: {ومن يكتمها فإنه آثم
~~قلبه} [البقرة: 283] [البقرة: 283] . ويلحق بهذا القسم سائر المعاصي
~~المتعلقة بالقلوب، كمحبة ما يبغضه الله، وبغض ما يحبه الله، والكبر،
~~والعجب، والحسد، وسوء الظن بالمسلم من غير موجب، مع أنه قد روي عن ms493 سفيان
~~أنه قال في سوء الظن إذا لم يترتب عليه قول أو فعل، فهو معفو عنه. وكذلك
~~روي عن الحسن أنه قال في الحسد، ولعل هذا محمول من قولهما على ما يجده
~~الإنسان، ولا يمكنه دفعه، فهو يكرهه ويدفعه عن نفسه، فلا يندفع إلا على ما
~~يساكنه، ويستروح إليه، ويعيد حديث
# PageV02P324
# نفسه به ويبديه. والنوع الثاني: ما لم يكن من أعمال القلوب، بل كان من
~~أعمال الجوارح، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والقتل، والقذف، ونحو ذلك،
~~إذا أصر العبد على إرادة ذلك، والعزم عليه، ولم يظهر له أثر في الخارج
~~أصلا. فهذا في المؤاخذة به قولان مشهوران للعلماء: أحدهما: يؤاخذ به، قال
~~ابن المبارك: سألت سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بالهمة؟ فقال: إذا كانت عزما
~~أوخذ. ورجح هذا القول كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من أصحابنا
~~وغيرهم، واستدلوا له بنحو قوله عز وجل {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم
~~فاحذروه} [البقرة: 235] [البقرة: 235] ، وقوله: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت
~~قلوبكم} [البقرة: 225] [البقرة: 225] ، وبنحو قول النبي صلى الله عليه
~~وسلم: «الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس» ، وحملوا قوله صلى
~~الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم به،
~~أو تعمل على الخطرات» ، وقالوا: ما ساكنه العبد، وعقد عليه قلبه، فهو من
~~كسبه وعمله، فلا يكون معفوا عنه، ومن هؤلاء من قال: إنه يعاقب عليه في
~~الدنيا بالهموم والغموم، روي ذلك عن عائشة مرفوعا وموقوفا، وفي صحته نظر.
~~وقيل: بل يحاسب العبد به يوم القيامة، فيقفه الله عليه، ثم يعفو عنه، ولا
~~يعاقبه به، فتكون عقوبته المحاسبة، وهذا مروي عن ابن عباس، والربيع بن أنس،
~~وهو اختيار ابن جرير، واحتج له بحديث ابن عمر في النجوى،
# PageV02P325
# وذاك ليس فيه عموم، وأيضا، فإنه وارد في الذنوب المستورة في الدنيا، لا
~~في وساوس الصدور. والقول الثاني: يؤاخذ بمجرد النية مطلقا، ونسب ذلك إلى نص
~~الشافعي، وهو قول ابن حامد من أصحابنا عملا بالعمومات. وروى العوفي عن ابن ms494
~~عباس ما يدل على مثل هذا القول. وفيه قول ثالث: أنه لا يؤاخذ بالهم
~~بالمعصية إلا بأن يهم بارتكابها في الحرم، كما روى السدي، عن مرة، عن عبد
~~الله بن مسعود، قال: ما من عبد يهم بخطيئة، فلم يعملها، فتكتب عليه، ولو هم
~~بقتل إنسان عند البيت، وهو بعدن أبين، أذاقه الله من عذاب أليم، وقرأ عبد
~~الله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] [الحج: 25]
~~. خرجه الإمام أحمد وغيره. وقد رواه عن السدي شعبة وسفيان، فرفعه شعبة
~~ووقفه سفيان، والقول قول سفيان في وقفه. وقال الضحاك: إن الرجل ليهم
~~بالخطيئة بمكة، وهو بأرض أخرى، ولم يعملها فتكتب
# PageV02P326
# عليه ولم يعملها، وقد تقدم عن أحمد وإسحاق ما يدل على مثل هذا القول،
~~وكذا حكاه القاضي أبو يعلى عن أحمد. وروى أحمد في رواية المروزي حديث ابن
~~مسعود هذا، ثم قال أحمد يقول: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} [الحج: 25] ، قال
~~أحمد: لو أن رجلا بعدن أبين هم بقتل رجل في الحرم، هذا قول الله سبحانه:
~~{نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] ، هكذا قال ابن مسعود رحمه الله. وقد رد
~~بعضهم هذا إلى ما تقدم من المعاصي التي متعلقها القلب، وقال: الحرم يجب
~~احترامه وتعظيمه بالقلوب، فالعقوبة على ترك هذا الواجب، وهذا لا يصح، فإن
~~حرمة الحرم ليست بأعظم من حرمة محرمه سبحانه، والعزم على معصية الله عزم
~~على انتهاك محارمه، ولكن لو عزم على ذلك قصدا، لانتهاك حرمة الحرم
~~واستخفافا بحرمته، فهذا كما لو عزم على فعل معصية لقصد الاستخفاف بحرمة
~~الخالق عز وجل، فيكفر بذلك، وإنما ينتفي الكفر عنه إذ كان همه بالمعصية
~~لمجرد نيل شهوته، وغرض نفسه، مع ذهوله عن قصد مخالفة الله، والاستخفاف
~~بهيبته وبنظره، ومتى اقترن العمل بالهم، فإنه يعاقب عليه، سواء كان الفعل
~~متأخرا أو متقدما، فمن فعل محرما مرة، ثم عزم على فعله متى قدر عليه، فهو
~~مصر على المعصية، ومعاقب على هذه النية، وإن لم يعد إلى عمله إلا بعد سنين
~~عديدة. ms495 وبذلك فسر ابن المبارك وغيره الإصرار على المعصية. وبكل حال
~~فالمعصية إنما تكتب بمثلها من غير مضاعفة، فتكون العقوبة على المعصية، ولا
~~ينضم إليها الهم بها، إذا لو ضم إلى المعصية الهم بها، لعوقب على عمل
~~المعصية عقوبتين، ولا يقال: فهذا يلزم مثله في عمل الحسنة، فإنها إذا عملها
~~بعد الهم بها، أثيب على الحسنة دون الهم بها، لأنا
# PageV02P327
# نقول: هذا ممنوع، فإن من عمل حسنة، كتبت له عشر أمثالها، فيجوز أن يكون
~~بعض هذه الأمثال جزاء للهم بالحسنة، والله أعلم.
# وقوله في حديث ابن عباس في رواية مسلم: «أو محاها الله» يعني أن عمل
~~السيئة إما أن تكتب لعاملها سيئة واحدة، أو يمحوها الله بما شاء من
~~الأسباب، كالتوبة والاستغفار وعمل الحسنات. وقد سبق الكلام فيما تمحى به
~~السيئات في شرح حديث أبي ذر: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة
~~تمحها» . وقوله بعد ذلك: «ولا يهلك على الله إلا هالك» : يعني بعد هذا
~~الفضل العظيم من الله، والرحمة الواسعة منه بمضاعفة الحسنات، والتجاوز عن
~~السيئات، يهلك على الله إلا من هلك، وألقى بيديه إلى التهلكة، وتجرأ على
~~السيئات، ورغب عن الحسنات، وأعرض عنها. ولهذا قال ابن مسعود: ويل لمن غلب
~~وحدانه عشراته. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، مرفوعا: «هلك من غلب
~~واحده عشرا» . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث عبد
~~الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلتان لا يحصيهما
~~رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل: تسبح الله في دبر
~~كل صلاة عشرا، وتحمده عشرا، وتكبره عشرا، قال: فتلك خمسون ومائة باللسان،
~~وألف
# PageV02P328
# وخمسمائة في الميزان، وإذا أخذت مضجعك، تسبحه، وتكبره، وتحمده مائة، فتلك
~~مائة باللسان، وألف في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين
~~وخمسمائة سيئة» . وفي " المسند " عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «لا يدع أحد منكم أن يعمل لله ألف حسنة حين يصبح يقول: سبحان
~~الله ms496 وبحمده مائة مرة، فإنها ألف حسنة، فإنه لن يعمل إن شاء الله تعالى مثل
~~ذلك في يومه من الذنوب، ويكون ما عمل من خير سوى ذلك وافرا» .
# PageV02P329
### | [الحديث الثامن والثلاثون قال الله تعالى من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب]
# PageV02P329
# الحديث الثامن والثلاثون. عن أبي هريرة رضي الله عنه
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى قال من عادى لي
~~وليا، فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه،
~~ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي
~~يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها،
~~ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» ،. رواه البخاري.
# هذا الحديث تفرد بإخراجه البخاري
~~دون بقية أصحاب الكتب، خرجه عن محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن
~~مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء،
~~عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث بطوله، وزاد في
~~آخره: «وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا
~~أكره مساءته» . وهو من غرائب " الصحيح " تفرد به ابن كرامة عن خالد، وليس
~~في " مسند أحمد " مع أن خالد بن مخلد القطواني تكلم فيه أحمد وغيره،
~~وقالوا: له مناكير، وعطاء الذي في إسناده قيل: إنه ابن أبي رباح، وقيل: إنه
~~ابن يسار، وإنه وقع في بعض نسخ " الصحيح " منسوبا كذلك.
# PageV02P330
# وقد روي هذا الحديث من وجوه أخر لا تخلو كلها عن مقال فرواه عبد الواحد
~~بن ميمون أبو حمزة مولى عروة بن الزبير عن عروة، عن عائشة، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «من آذى لي وليا، فقد استحل محاربتي، وما تقرب إلي
~~عبدي بمثل أداء فرائضي، وإن عبدي ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا
~~أحببته، كنت عينه التي يبصر بها، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها،
~~وفؤاده الذي ms497 يعقل به، ولسانه الذي يتكلم به، إن دعاني أجبته، وإن سألني
~~أعطيته، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن موته، وذلك أنه يكره الموت
~~وأنا أكره مساءته» . خرجه ابن أبي الدنيا وغيره، وخرجه الإمام أحمد بمعناه.
~~وذكر ابن عدي أنه تفرد به عبد الواحد هذا عن عروة، وعبد الواحد هذا قال فيه
~~البخاري: منكر الحديث، ولكن خرجه الطبراني: حدثنا هارون بن كامل، حدثنا
~~سعيد بن أبي مريم، حدثنا إبراهيم بن سويد المدني، حدثني أبو حرزة يعقوب بن
~~مجاهد، أخبرني عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. وهذا
~~إسناده جيد، ورجاله كلهم ثقات مخرج لهم في " الصحيح " سوى شيخ الطبراني،
~~فإنه لا يحضرني الآن معرفة حاله، ولعل الرواي قال: حدثنا أبو حمزة، يعني
~~عبد الواحد بن ميمون، فخيل للسامع أنه قال: أبو حرزة، ثم سماه
# PageV02P331
# من عنده بناء على وهمه والله أعلم. وخرج الطبراني وغيره من رواية عثمان
~~بن أبي عاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: يقول الله عز وجل: «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة،
~~ابن آدم، إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضت عليك، ولا يزال عبدي
~~يتحبب إلي بالنوافل حتى أحبه، فأكون قلبه الذي يعقل به، ولسانه الذي ينطق
~~به، وبصره الذي يبصر به، فإذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته، وإذا
~~استنصرني نصرته، وأحب عبادة عبدي إلي النصيحة» . عثمان وعلي بن يزيد
~~ضعيفان. قال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث: هو منكر جدا. وقد روي من حديث
~~علي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف، خرجه الإسماعيلي في " مسند
~~علي ". وروي من حديث ابن عباس بسند ضعيف، وخرجه الطبراني، وفيه زيادة في
~~لفظه، ورويناه من وجه آخر عن ابن عباس وهو ضعيف أيضا. وخرجه الطبراني وغيره
~~من حديث الحسن بن يحيى الخشني، عن صدقة بن عبد الله الدمشقي، عن هشام
~~الكناني، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ms498 عن جبريل، عن ربه تعالى
~~قال: «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما
# PageV02P332
# ترددت عن شيء أنا فاعله ما ترددت في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت،
~~وأكره مساءته، ولا بد له منه، وإن من عبادي المؤمنين من يريد بابا من
~~العبادة، فأكفه عنه لا يدخله عجب، فيفسده ذلك، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء
~~ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتنفل إلي حتى أحبه، ومن أحببته، كنت له
~~سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا، دعاني فأجبته، وسألني فأعطيته، ونصح لي فنصحت له،
~~وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من
~~عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، وإن بسطت له أفسده ذلك، وإن من عبادي
~~من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا
~~يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته، لأفسده ذلك، إني أدبر عبادي بعلمي بما
~~في قلوبهم، إني عليم خبير» . والخشني وصدقة ضعيفان، وهشام لا يعرف، وسئل
~~ابن معين عن هشام هذا: من هو؟ قال: لا أحد، يعني: لا يعتبر به. وقد خرج
~~البزار بعض الحديث من طريق صدقة عن عبد الكريم الجزري، عن أنس. وخرج
~~الطبراني من حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة، عن زر بن حبيش، سمعت
~~حذيفة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى أوحى إلي:
~~يا أخا المرسلين، ويا أخا المنذرين أنذر قومك لا يدخلوا بيتا من بيوتي
~~ولأحد عندهم مظلمة، فإني ألعنه ما دام قائما بين يدي يصلي حتى يرد تلك
~~الظلامة إلى أهلها، فأكون سمعه الذي يسمع به، وأكون بصره الذي يبصر به،
~~ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري من النبيين والصديقين والشهداء في
~~الجنة» . وهذا إسناد جيد وهو غريب جدا.
# PageV02P333
# ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري، وقد قيل: إنه أشرف
~~حديث روي في ذكر الأولياء. قوله عز وجل: «من عادى لي وليا، فقد آذنته
~~بالحرب» يعني: فقد أعلمته بأني محارب ms499 له، حيث كان محاربا لي بمعاداة
~~أوليائي، ولهذا جاء في حديث عائشة: «فقد استحل محاربتي» وفي حديث أبي أمامة
~~وغيره: «فقد بارزني بالمحاربة» ، وخرج ابن ماجه بسند ضعيف عن معاذ بن جبل،
~~سمع النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: «إن يسير الرياء شرك، وإن من عادى لله
~~وليا، فقد بارز الله بالمحاربة، وإن الله تعالى يحب الأبرار الأتقياء
~~الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يدعوا، ولم يعرفوا،
~~[قلوبهم] مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة» . فأولياء الله تجب
~~موالاتهم، وتحرم معاداتهم، كما أن أعداءه تجب معاداتهم، وتحرم موالاتهم،
~~قال تعالى: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: 1] [الممتحنة: 1] ،
~~وقال: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون
~~الزكاة وهم راكعون - ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم
~~الغالبون} [المائدة: 55 - 56] [المائدة: 55 - 56] ، ووصف أحباءه الذين
~~يحبهم ويحبونه بأنهم أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، وروى الإمام
~~أحمد في كتاب " الزهد " بإسناده عن وهب بن منبه، قال: إن الله تعالى قال
~~لموسى عليه
# PageV02P334
# السلام حين كلمه: اعلم أن من أهان لي وليا أو أخافه، فقد بارزني
~~بالمحاربة، وبادأني وعرض نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة
~~أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي؟ أو يظن الذي يعازني أن يعجزني؟ أم
~~يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؟ وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا
~~والآخرة، فلا أكل نصرتهم إلى غيري ".
# واعلم أن جميع المعاصي محاربة لله عز وجل، قال الحسن بن آدم هل لك
~~بمحاربة الله من طاقة؟ فإن من عصى الله فقد حاربه، لكن كلما كان الذنب
~~أقبح، كان أشد محاربة لله، ولهذا سمى الله تعالى أكلة الربا وقطاع الطريق
~~محاربين لله تعالى ورسوله؛ لعظم ظلمهم لعباده، وسعيهم بالفساد في بلاده،
~~وكذلك معاداة أوليائه، فإنه تعالى يتولى نصرة أوليائه، ويحبهم ويؤيدهم، فمن
~~عاداهم، فقد عادى الله وحاربه، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم،
~~قال: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا، ms500 فمن آذاهم فقد آذاني، ومن
~~آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» خرجه الترمذي وغيره.
~~وقوله: «وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب
~~إلي بالنوافل حتى أحبه» : لما ذكر أن معاداة أوليائه محاربة له، ذكر بعد
~~ذلك وصف أوليائه الذين تحرم معاداتهم، وتجب موالاتهم، فذكر ما يتقرب به
~~إليه، وأصل الولاية القرب، وأصل العداوة البعد، فأولياء الله هم الذين
~~يتقربون إليه بما يقربهم منه، وأعداؤه الذين أبعدهم عنه بأعمالهم المقتضية
~~لطردهم وإبعادهم منه، فقسم أولياءه المقربين قسمين: أحدهما: من تقرب إليه
~~بأداء الفرائض، ويشمل ذلك فعل الواجبات، وترك المحرمات، لأن ذلك كله من
~~فرائض الله التي افترضها على عباده.
# PageV02P335
# والثاني: من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل، فظهر بذلك أنه لا طريق يوصل
~~إلى التقرب إلى الله تعالى، وولايته، ومحبته سوى طاعته التي شرعها على لسان
~~رسوله، فمن ادعى ولاية الله، ومحبته بغير هذا الطريق، تبين أنه كاذب في
~~دعواه، كما كان المشركون يتقربون إلى الله تعالى بعبادة من يعبدونه من
~~دونه، كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله
~~زلفى} [الزمر: 3] [الزمر: 3] ، وكما حكى عن اليهود والنصارى أنهم قالوا:
~~{نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18] [المائدة: 18] مع إصرارهم على
~~تكذيب رسله، وارتكاب نواهيه، وترك فرائضه. فلذلك ذكر في هذا الحديث أن
~~أولياء الله على درجتين: أحدهما: المتقربون إليه بأداء الفرائض، وهذه درجة
~~المقتصدين أصحاب اليمين، وأداء الفرائض أفضل الأعمال كما قال عمر بن الخطاب
~~رضي الله عنه: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وصدق
~~النية فيما عند الله عز وجل. وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: أفضل
~~العبادة أداء الفرائض، واجتناب المحارم، وذلك لأن الله عز وجل إنما افترض
~~على عباده هذه الفرائض ليقربهم منه، ويوجب لهم رضوانه ورحمته. وأعظم فرائض
~~البدن التي تقرب إليه: الصلاة، كما قال تعالى: {واسجد واقترب} [العلق: 19]
~~[العلق: 19] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد ms501 من ربه
~~وهو ساجد» ، وقال: «إذا كان أحدكم يصلي، فإنما يناجي ربه، أو ربه بينه وبين
~~القبلة» . وقال: «إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت» .
# PageV02P336
# ومن الفرائض المقربة إلى الله تعالى عدل الراعي في رعيته، سواء كانت
~~رعيته عامة كالحاكم، أو خاصة كعدل آحاد الناس في أهله وولده، كما قال صلى
~~الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» . وفي " صحيح مسلم "، عن
~~عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن المقسطين عند الله
~~على منابر من نور على يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في
~~حكمهم وأهليهم وما ولوا» . وفي " الترمذي " عن أبي سعيد عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «إن أحب العباد إلى الله يوم القيامة وأدناهم إليه مجلسا
~~إمام عادل» . الدرجة الثانية: درجة السابقين المقربين، وهم الذين تقربوا
~~إلى الله بعد الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق
~~المكروهات بالورع، وذلك يوجب للعبد محبة الله، كما قال: «ولا يزال عبدي
~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» ، فمن أحبه الله، رزقه محبته وطاعته
~~والاشتغال بذكره وخدمته، فأوجب له ذلك القرب منه، والزلفى لديه، والحظوة
~~عنده، كما قال الله تعالى: {من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم
~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله
~~ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}
~~[المائدة: 54] [المائدة: 54] ، ففي هذه الآية إشارة
# PageV02P337
# إلى أن من أعرض عن حبنا وتولى عن قربنا، لم نبال، واستبدلنا به من هو
~~أولى بهذه المنحة منه وأحق، فمن أعرض عن الله فما له من الله بدل، ولله منه
~~أبدال.
# ما لي شغل سواه ما لي شغل ... ما يصرف عن هواه قلبي عذل
# ما أصنع إن جفا وخاب الأمل ... مني بدل وما لي منه بدل
# وفي بعض الآثار يقول الله عز وجل: " «ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني
~~وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، ms502 وأنا أحب إليك من كل شيء» ". كان ذو
~~النون يردد هذه الأبيات بالليل كثيرا:
# اطلبوا لأنفسكم مثل ما وجدت أنا ... قد وجدت لي سكنا
# ليس في هواه عنا إن بعدت ... قربني أو قربت منه دنا
# من فاته الله، فلو حصلت له الجنة بحذافيرها، لكان مغبونا، فكيف إذا لم
~~يحصل له إلا نزر حقير يسير من دار كلها لا تعدل جناح بعوضة:
# من فاته أن يراك يوما فكل أوقاته فوات ... وحيثما كنت في بلاد فلي إلى
~~وجهك التفات
# ثم ذكر أوصاف الذين يحبهم الله ويحبونه، فقال: {أذلة على المؤمنين}
~~[المائدة: 54] ،
# PageV02P338
# يعني أنهم يعاملون المؤمنين بالذلة واللين وخفض الجناح، {أعزة على
~~الكافرين} [المائدة: 54] يعني أنهم يعاملون الكافرين بالعزة والشدة عليهم،
~~والإغلاظ لهم، فلما أحبوا الله أحبوا أولياءه الذين يحبونه، فعاملوهم
~~بالمحبة والرأفة، والرحمة، وأبغضوا أعداءه الذين يعادونه، فعاملوهم بالشدة
~~والغلظة، كما قال تعالى: {أشداء على الكفار رحماء بينهم - يجاهدون في سبيل
~~الله ولا يخافون لومة لائم} [المائدة: 29 - 54] ، فإن من تمام المحبة
~~مجاهدة أعداء المحبوب، وأيضا فالجهاد في سبيل الله دعاء للمعرضين عن الله
~~إلى الرجوع إليه بالسيف والسنان بعد دعائهم إليه بالحجة والبرهان، فالمحب
~~لله يحب اجتلاب الخلق كلهم إلى بابه؛ فمن لم يجد الدعوة باللين والرفق،
~~احتاج بالدعوة إلى الشدة والعنف عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل.
~~{ولا يخافون لومة لائم} [المائدة: 54] ؛ لا هم للمحب غير ما يرضي حبيبه،
~~رضي من رضي، وسخط من سخط، من خاف الملامة في هوى من يحبه، فليس بصادق في
~~المحبة:
# وقف الهوى بي حيث أنت ... فليس لي متأخر عنكم ولا متقدم
# أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم
# قوله: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} [المائدة: 54] ، يعني درجة الذين
~~يحبهم ويحبونه بأوصافهم المذكورة، {والله واسع عليم} [المائدة: 54] : واسع
~~العطاء، عليم بمن يستحق الفضل فيمنحه، ومن لا يستحقه فيمنعه.
# PageV02P339
# ويروى «أن داود عليه السلام كان يقول: اللهم اجعلني من أحبابك، فإنك إذا
~~أحببت عبدا، غفرت ذنبه وإن كان عظيما، وقبلت عمله ms503 وإن كان يسيرا» ، «وكان
~~داود عليه السلام يقول في دعائه: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب
~~العمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومالي ومن
~~الماء البارد» . «وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتاني ربي عز وجل - يعني
~~في المنام - فقال لي: يا محمد قل اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل
~~الذي يبلغني حبك» . «وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: اللهم ارزقني حبك
~~وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب،
~~اللهم ما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب» .
# PageV02P340
# وروي «عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: اللهم اجعل حبك أحب الأشياء
~~إلي، وخشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك،
~~وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم، فاقرر عيني من عبادتك» . فأهل هذه
~~الدرجة من المقربين ليس لهم هم إلا فيما يقربهم ممن يحبهم ويحبونه، قال بعض
~~السلف: العمل على المخافة قد يغيره الرجاء، والعمل على المحبة لا يدخله
~~الفتور، ومن كلام بعضهم: إذا سئم البطالون من بطالتهم، فلا يسأم محبوك من
~~مناجاتك وذكرك. قال فرقد السبخي: قرأت في بعض الكتب: من أحب الله، لم يكن
~~عنده شيء آثر من هواه، ومن أحب الدنيا، لم يكن عنده آثر من هوى نفسه، فالحب
~~لله تعالى أمير مؤمر على الأمراء زمرته أول الزمر يوم القيامة، ومجلسه أقرب
~~المجالس فيما هنالك، والمحبة منتهى القربة والاجتهاد ولن يسأم المحبون من
~~طول اجتهادهم لله عز وجل يحبونه ويحبون ذكره ويحببونه إلى خلقه يمشون بين
~~عباده بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح، أولئك أولياء
~~الله وأحباؤه، وأهل صفوته، أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه. وقال فتح
~~الموصلي: المحب لا يجد مع حب الله عز وجل للدنيا لذة، ولا يغفل عن ذكر الله
~~طرفة [عين] . وقال محمد بن النضر الحارثي: ما يكاد يمل القربة إلى الله
~~تعالى محب لله ms504 عز وجل، وما يكاد يسأم من ذلك. وقال بعضهم: المحب لله طائر
~~القلب، كثير الذكر، متسبب إلى رضوانه
# PageV02P341
# بكل سبيل يقدر عليها من الوسائل والنوافل دوبا دوبا، وشوقا شوقا، وأنشد
~~بعضهم:
# وكن لربك ذا حب لتخدمه ... إن المحبين للأحباب خدام
# وأنشد آخر:
# ما للمحب سوى إرادة حبه ... إن المحب بكل بر يضرع
# ومن أعظم ما يتقرب به إلى الله تعالى من النوافل كثرة تلاوة القرآن،
~~وسماعه بتفكر وتدبر وتفهم، قال خباب بن الأرت لرجل: تقرب إلى الله ما
~~استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه. وفي " الترمذي
~~" عن أبي أمامة مرفوعا: «ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه يعني
~~القرآن، لا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم، فهو لذة قلوبهم، وغاية
~~مطلوبهم» . قال عثمان: لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام
# PageV02P342
# ربكم. وقال ابن مسعود: من أحب القرآن أحب الله ورسوله. قال بعض العارفين
~~لمريد: أتحفظ القرآن؟ قال: لا، واغوثاه بالله! مريد لا يحفظ القرآن فبم
~~يتنعم؟ فبم يترنم؟ فبم يناجي ربه عز وجل؟ . كان بعضهم يكثر تلاوة القرآن،
~~ثم اشتغل عنه بغيره، فرأى في المنام قائلا يقول له:
# إن كنت تزعم حبي فلم جفوت كتابي ... أما تأملت ما في ه من لطيف عتابي
# ومن ذلك كثرة ذكر الله الذي يتواطأ عليه القلب واللسان. وفي " مسند
~~البزار " «عن معاذ، قال: قلت يا رسول الله أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها
~~إلى الله تعالى؟ قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله تعالى» . وفي الحديث
~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي
~~بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في
~~ملإ، ذكرته في ملإ خير منهم» . وفي حديث آخر: «أنا مع عبدي
# PageV02P343
# ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» . وقال عز وجل: {فاذكروني أذكركم} [البقرة:
~~152] [البقرة: 152] . ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم الذين يرفعون
~~أصواتهم بالتكبير والتهليل وهم معه في سفر، ms505 قال لهم: «إنكم لا تدعون أصم
~~ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم» . وفي رواية: «وهو أقرب
~~إليكم من أعناق رواحلكم» . ومن ذلك محبة أولياء الله وأحبائه فيه، ومعاداة
~~أعدائه فيه، وفي " سنن أبي داود " عن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم
~~الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله عز وجل قالوا: يا رسول الله: من هم؟
~~قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها،
~~فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، ولا يخافون إذا خاف الناس، ولا
~~يحزنون إذا حزن الناس، ثم تلا هذه الآية: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم
~~ولا هم يحزنون} [يونس: 62] » [يونس: 62] . ويروى نحوه من حديث أبي مالك
~~الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديثه: «يغبطهم النبيون بقربهم
~~ومقعدهم من الله عز وجل» .
# PageV02P344
# وفي " المسند " عن عمرو بن الجموح، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحب لله، وأبغض
~~لله، فقد استحق ولاية من الله، إن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين
~~يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم» . وسئل المرتعش: بم تنال المحبة؟ قال: بموالاة
~~أولياء الله، ومعادة أعدائه، وأصله الموافقة. وفي " الزهد " للإمام أحمد عن
~~عطاء بن يسار، قال: «قال موسى عليه السلام: يا رب، من هم أهلك الذين تظلهم
~~في ظل عرشك؟ قال: يا موسى، هم البريئة أيديهم، الطاهرة قلوبهم، الذين
~~يتحابون بجلالي، الذين إذا ذكرت ذكروا بي، وإذا ذكروا ذكرت بذكرهم، الذين
~~يسبغون الوضوء في المكاره، وينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وكورها،
~~ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما
~~يغضب النمر إذا حرب. قوله: فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي
~~يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» ، وفي بعض الروايات:
~~«وقلبه الذي يعقل به، ولسانه الذي ms506 ينطق به» . المراد بهذا الكلام: أن من
~~اجتهد بالتقرب إلى الله بالفرائض، ثم بالنوافل، قربه إليه، ورقاه من درجة
~~الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه
~~يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى، ومحبته،
# PageV02P345
# وعظمته، وخوفه، ومهابته، وإجلاله، والأنس به، والشوق إليه، حتى يصير هذا
~~الذي في قلبه من المعرفة مشاهدا له بعين البصيرة كما قيل:
# ساكن في القلب يعمره ... لست أنساه فأذكره
# غاب عن سمعي وعن بصري ... فسويدا القلب يبصره
# قال الفضيل بن عياض: إن الله يقول: " كذب من ادعى محبتي، ونام عني، أليس
~~كل محب يحب خلوة حبيبه؟ ها أنا مطلع على أحبابي وقد مثلوني بين أعينهم،
~~وخاطبوني على المشاهدة، وكلموني بحضور، غدا أقر أعينهم في جناني ". ولا
~~يزال هذا الذي في قلوب المحبين المقربين يقوى حتى تمتلئ قلوبهم به، فلا
~~يبقى في قلوبهم غيره، ولا تستطيع جوارحهم أن تنبعث إلا بموافقة ما في
~~قلوبهم، ومن كان حاله هذا، قيل فيه: ما بقي في قلبه إلا الله، والمراد
~~معرفته ومحبته وذكره، وفي هذا المعنى الأثر الإسرائيلي المشهور: " يقول
~~الله: ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ". وقال بعض
~~العارفين: احذروه، فإنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبده غيره، وفي هذا يقول
~~بعضهم:
# ليس للناس موضع في فؤادي ... زاد فيه هواك حتى امتلا
# وقال آخر:
# قد صيغ قلبي على مقدار حبهم ... فما لحب سواهم فيه متسع
# PageV02P346
# وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته لما قدم المدينة
~~فقال: «أحبوا الله من كل قلوبكم» كما ذكره ابن إسحاق في " سيرته " فمتى
~~امتلأ القلب بعظمة الله تعالى، محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد
~~شيء من نفسه وهواه، ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذ لا ينطق
~~العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع سمع به،
~~وإن نظر نظر به، وإن بطش بطش به، فهذا هو المراد بقوله: «كنت سمعه ms507 الذي
~~يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها»
~~ومن أشار إلى غير هذا فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول، أو الاتحاد، والله
~~ورسوله بريئان منه. ومن هنا كان بعض السلف كسليمان التيمي يرون أنه لا يحسن
~~أن يعصى الله. ووصت امرأة من السلف أولادها، فقالت لهم: تعودوا حب الله
~~وطاعته، فإن المتقين ألفوا الطاعة، فاستوحشت جوارحهم من غيرها، فإن عرض لهم
~~الملعون بمعصية، مرت المعصية بهم محتشمة، فهم لها منكرون. ومن هذا المعنى
~~قول علي: إن كنا لنرى أن شيطان عمر ليهابه أن يأمره بالخطيئة، وقد أشرنا
~~فيما سبق إلى أن هذا من أسرار التوحيد الخاصة، فإن معنى لا إله إلا الله:
~~لا يؤله غيره حبا ورجاء، وخوفا، وطاعة، فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام، لم
~~يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه الله، ومن كان
~~كذلك، لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله، وإنما تنشأ الذنوب من محبة ما يكرهه
~~الله، أو كراهة ما يحبه الله، وذلك ينشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله
~~وخشيته، وذلك يقدح في كمال التوحيد الواجب، فيقع العبد
# PageV02P347
# بسبب ذلك في التفريط في بعض الواجبات، وارتكاب بعض المحظورات، فإن من
~~تحقق قلبه بتوحيد الله، فلا يبقى له هم إلا في الله وفيما يرضيه به وقد ورد
~~في الحديث مرفوعا: «من أصبح وهمه غير الله، فليس من الله» ، وخرجه الإمام
~~أحمد من حديث أبي بن كعب موقوفا قال: من أصبح وأكبر همه غير الله فليس من
~~الله. قال بعض العارفين: من أخبرك أن لوليه له هم في غيره، فلا تصدقه. وكان
~~داود الطائي ينادي بالليل: همك عطل علي الهموم، وحال بيني وبين السهاد،
~~وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات، فأنا في
~~سجنك أيها الكريم مطلوب. وفي هذا يقول بعضهم:
# قالوا تشاغل عنا واصطفى بدلا ... منا وذلك فعل الخائن السالي
# وكيف أشغل قلبي عن محبتكم ... بغير ذكركم يا كل أشغالي. ms508 .
# قوله: «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» ، وفي الرواية
~~الأخرى: «إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته» ، يعني أن هذا المحبوب المقرب،
~~له عند الله منزلة خاصة تقتضي أنه إذا سأل الله شيئا، أعطاه إياه، وإن
~~استعاذ به من شيء، أعاذه منه، وإن دعاه، أجابه، فيصير مجاب الدعوة لكرامته
~~على الله عز وجل، وقد كان كثير من السلف الصالح معروفا بإجابة الدعوة. وفي
~~" الصحيح " «أن الربيع بنت النضر كسرت ثنية جارية، فعرضوا عليهم الأرش،
# PageV02P348
# فأبوا، فطلبوا منهم العفو، فأبوا، فقضى بينهم رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع؟ والذي بعثك بالحق لا
~~تكسر ثنيتها، فرضي القوم، وأخذوا الأرش، فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره.» وفي " صحيح الحاكم " عن
~~أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم
~~على الله لأبره، منهم البراء بن مالك، وأن البراء لقي زحفا من المشركين،
~~فقال له المسلمون: اقسم على ربك، فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا
~~أكتافهم، فمنحهم أكتافهم، ثم التقوا مرة أخرى، فقالوا: أقسم على ربك، فقال:
~~أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، وألحقتني بنبيك صلى الله عليه وسلم،
~~فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء» . وروى ابن أبي الدنيا بإسناد له «أن النعمان
~~بن قوقل قال يوم أحد: اللهم إني أقسم عليك أن أقتل فأدخل الجنة، فقتل فقال
~~النبي صلى الله عليه وسلم: إن النعمان أقسم على الله فأبره» . وروى أبو
~~نعيم بإسناده عن سعيد أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد: يا رب، إذا لقيت
~~العدو غدا، فلقني رجلا شديدا بأسه، شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلني، ثم
~~يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدا، قلت: يا عبد الله
# PageV02P349
# من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت، قال سعد: لقد
~~رأيته آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط. وكان سعد بن أبي وقاص
~~مجاب الدعوة، ms509 فكذب عليه رجل، فقال: اللهم إن كان كاذبا فاعم بصره، وأطل
~~عمره، وعرضه للفتن، فأصاب الرجل ذلك كله، فكان يتعرض للجواري في السكك
~~ويقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. ودعا على رجل سمعه يشتم عليا،
~~فما برح من مكانه حتى جاء بعير ناد، فخبطه بيديه ورجليه حتى قتله. ونازعت
~~امرأة سعيد بن زيد في أرض له، فادعت أنه أخذ منها أرضها، فقال: اللهم إن
~~كانت كاذبة، فأعم بصرها واقتلها في أرضها، فعميت، وبينا هي ذات ليلة تمشي
~~في أرضها إذ وقعت في بئر فيها فماتت. وكان العلاء بن الحضرمي في سرية،
~~فعطشوا فصلى، فقال: اللهم يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم، إنا عبيدك وفي
~~سبيلك نقاتل عدوك، فاسقنا غيثا نشرب منه ونتوضأ، ولا تجعل لأحد فيه نصيبا
~~غيرنا، فساروا قليلا، فوجدوا نهرا من ماء السماء يتدفق فشربوا وملئوا
~~أوعيتهم، ثم ساروا فرجع بعض أصحابه إلى موضع النهر، فلم ير شيئا، وكأنه لم
~~يكن في موضعه ماء قط.
# PageV02P350
# وشكي إلى أنس بن مالك عطش أرض بالبصرة فتوضأ وخرج إلى البرية، وصلى
~~ركعتين؛ ودعا فجاء المطر فسقى أرضه، ولم يجاوز المطر أرضه إلا يسيرا.
~~واحترقت خصاص بالبصرة في زمن أبي موسى الأشعري، وبقي في وسطها خص لم يحترق،
~~فقال أبو موسى لصاحب الخص: ما بال خصك لم يحترق؟ فقال: إني أقسمت على ربي
~~أن لا يحرقه، فقال أبو موسى: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:
~~«في أمتي رجال طلس رءوسهم، دنس ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم» . وكان
~~أبو مسلم الخولاني مشهورا بإجابة الدعوة، فكان يمر به الظبي، فيقول له
~~الصبيان: ادع الله لنا أن يحبس علينا هذا الظبي، فيدعو الله، فيحبسه حتى
~~يأخذوه بأيديهم. ودعا على امرأة أفسدت عليه عشرة امرأته له بذهاب بصرها،
~~فذهب بصرها في الحال، فجاءته، فجعلت تناشده بالله وتطلب إليه، فرحمها ودعا
~~الله فرد عليها بصرها، ورجعت امرأته إلى حالها معه. وكذب رجل على مطرف بن
~~عبد الله بن الشخير، فقال ms510 له مطرف: إن كنت كاذبا، فعجل الله حتفك، فمات
~~الرجل مكانه. وكان رجل من الخوارج يغشى مجلس الحسن البصري، فيؤذيهم، فلما
~~زاد
# PageV02P351
# أذاه، قال الحسن: اللهم قد عملت أذاه لنا، فاكفناه بما شئت، فخر الرجل من
~~قامته، فما حمل إلى أهله إلا ميتا على سريره. وكان صلة بن أشيم في سرية،
~~فذهبت بغلته بثقلها، وارتحل الناس، فقام يصلي، وقال: اللهم إني أقسم عليك
~~أن ترد علي بغلتي وثقلها، فجاءت حتى قامت بين يديه. وكان مرة في برية فقرأ
~~فجاع، فاستطعم الله، فسمع وجبة خلفه، فإذا هو بثوب أو منديل فيه دوخلة رطب
~~طري، فأكل منه، وبقي الثوب عند امرأته معاذة العدوية، وكانت من الصالحات.
~~وكان محمد بن المنكدر في غزاة، فقال له رجل من رفقائه: أشتهي جبنا رطبا،
~~فقال ابن المنكدر: استطعموا الله يطعمكم، فإنه القادر، فدعا القوم، فلم
~~يسيروا إلا قليلا، حتى رأوا مكتلا مخيطا، فإذا هو جبن رطب، فقال بعض القوم:
~~لو كان عسلا فقال ابن المنكدر: إن الذي أطعمكم جبنا رطبا هاهنا قادر على أن
~~يطعمكم عسلا، فاستطعموه، فدعوا، فساروا قليلا، فوجدوا ظرف عسل على الطريق،
~~فنزلوا فأكلوا. وكان حبيب العجمي أبو محمد معروفا بإجابة الدعوة؛ دعا لغلام
~~أقرع الرأس، وجعل يبكي ويمسح بدموعه رأس الغلام، فما قام حتى اسود رأسه،
~~وعاد كأحسن الناس شعرا.
# PageV02P352
# وأتي برجل زمن في محمل فدعا له، فقام الرجل على رجليه، فحمل محمله على
~~عنقه، ورجع إلى عياله. واشترى في مجاعة طعاما كثيرا، فتصدق به على
~~المساكين، ثم خاط أكيسة، فوضعها تحت فراشه، ثم دعا الله، فجاءه أصحاب
~~الطعام يطلبون ثمنه، فأخرج تلك الأكيسة، فإذا هي مملوءة دراهم، فوزنها،
~~فإذا هي قدر حقوقهم، فدفعها إليهم. وكان رجل يعبث به كثيرا، فدعا عليه حبيب
~~فبرص. وكان مرة عند مالك بن دينار، فجاء رجل، فأغلظ لمالك من أجل دراهم
~~قسمها مالك، فلما طال ذلك من أمره، رفع حبيب يده إلى السماء، فقال: اللهم
~~إن هذا قد شغلنا عن ذكرك، فأرحنا منه كيف شئت، فسقط ms511 الرجل على وجهه ميتا.
~~وخرج قوم في غزاة في سبيل الله، وكان لبعضهم حمار، فمات وارتحل أصحابه،
~~فقام فتوضأ وصلى، وقال: اللهم إني خرجت مجاهدا في سبيلك، وابتغاء مرضاتك،
~~وأشهد أنك تحيي الموتى، وتبعث من في القبور، فأحي لي حماري، ثم قام إلى
~~الحمار فضربه، فقام الحمار ينفض أذنيه، فركبه ولحق أصحابه، ثم باع الحمار
~~بعد ذلك بالكوفة. وخرجت سرية في سبيل الله، فأصابهم برد شديد حتى كادوا أن
~~يهلكوا، فدعوا الله عز وجل وإلى جانبهم شجرة عظيمة، فإذا هي تلتهب نارا،
~~فجففوا
# PageV02P353
# ثيابهم، ودفئوا بها حتى طلعت الشمس عليهم، فانصرفوا وردت الشجرة إلى
~~هيئتها. وخرج أبو قلابة [صائما] حاجا فتقدم أصحابه في يوم صائف، فأصابه عطش
~~شديد، فقال: اللهم إنك قادر على أن تذهب عطشي من غير فطر، فأظلته سحابة،
~~فأمطرت عليه حتى بلت ثوبه، وذهب العطش عنه، فنزل فحوض حياضا فملأها، فانتهى
~~إليه أصحابه فشربوا، وما أصاب أصحابه من ذلك المطر شيء. ومثل هذا كثير جدا،
~~ويطول استقصاؤه. وأكثر من كان مجاب الدعوة من السلف كان يصبر على البلاء،
~~ويختار ثوابه، ولا يدعو لنفسه بالفرج منه. وقد روي أن سعد بن أبي وقاص كان
~~يدعو للناس لمعرفتهم له بإجابة دعوته، فقيل له: لو دعوت الله لبصرك، وكان
~~قد أضر، فقال: قضاء الله أحب إلي من بصري. وابتلي بعضهم بالجذام، فقيل له:
~~بلغنا أنك تعرف اسم الله الأعظم، فلو سألته أن يكشف ما بك؟ فقال: يا ابن
~~أخي، إنه هو الذي ابتلاني، وأنا أكره أن أراده. وقيل لإبراهيم التيمي - وهو
~~في سجن الحجاج - لو دعوت الله تعالى، فقال: أكره أن أدعوه أن يفرج عني ما
~~لي فيه أجر. وكذلك سعيد بن جبير صبر على أذى الحجاج حتى قتله، وكان مجاب
~~الدعوة؛ كان له ديك يقوم بالليل بصياحه للصلاة فلم يصح ليلة في وقته، فلم
~~يقم سعيد للصلاة فشق
# PageV02P354
# عليه، فقال: ما له؟ قطع صوته، فما صاح الديك بعد ذلك، فقالت له أمه: يا
~~بني لا تدع بعد هذا على ms512 شيء. وذكر لرابعة رجل له منزلة عند الله، وهو يقتات
~~بما يلتقطه من المنبوذات على المزابل، فقال رجل: ما ضر هذا أن يدعو الله أن
~~يغنيه عن هذا؟ فقالت رابعة: إن أولياء الله إذا قضى الله لهم قضاء لم
~~يتسخطوه. وكان حيوة بن شريح ضيق العيش جدا، فقيل له: لو دعوت الله أن يوسع
~~عليك، فأخذ حصاة من الأرض فقال: اللهم اجعلها ذهبا، فصارت تبرة في كفه،
~~وقال: ما خير في الدنيا إلا الآخرة، ثم قال: هو أعلم بما يصلح عباده. وربما
~~دعا المؤمن المجاب الدعوة بما يعلم الله الخيرة له في غيره، فلا يجيبه إلى
~~سؤاله، ويعوضه ما هو خير له إما في الدنيا أو في الآخرة. وقد تقدم في حديث
~~أنس المرفوع: «إن الله يقول: إن من عبادي من يسألني بابا من العبادة، فأكفه
~~كيلا يدخله العجب» . وخرج الطبراني من حديث سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان،
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن من أمتي من لو جاء أحدكم يسأله
~~دينارا لم يعطه، ولو سأله درهما لم يعطه، ولو سأله فلسا لم يعطه، ولو سأل
~~الله الجنة لأعطاه إياها ذو طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره» .
~~وخرجه غيره من حديث سالم مرسلا،
# PageV02P355
# وزاد فيه: «ولو سأل الله شيئا من الدنيا ما أعطاه تكرمة له» .
# وقوله: «ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن: يكره
~~الموت، وأكره مساءته» . المراد بهذا أن الله تعالى قضى على عباده بالموت،
~~كما قال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] [آل عمران: 185] ،
~~والموت: هو مفارقة الروح للجسد، ولا يحصل ذلك إلا بألم عظيم جدا، وهو أعظم
~~الآلام التي تصيب العبد في الدنيا، قال عمر لكعب: أخبرني عن الموت، قال: يا
~~أمير المؤمنين، هو مثل شجرة كثيرة الشوك في جوف ابن آدم، فليس منه عرق ولا
~~مفصل إلا ورجل شديد الذراعين، فهو يعالجها ينتزعها فبكى عمر. ولما احتضر
~~عمرو بن العاص سأله ابنه عن صفة ms513 الموت، فقال: والله لكأن جنبي في تخت،
~~ولكأني أتنفس من سم إبرة، وكأن غصن شوك يجر به من قدمي إلى هامتي. وقيل
~~لرجل عند الموت: كيف تجدك؟ فقال: أجدني أجتذب اجتذابا، وكأن الخناجر مختلفة
~~في جوفي، وكأن جوفي في تنور محمى يلتهب توقدا. وقيل لآخر: كيف تجدك؟ قال:
~~أجدني كأن السماوات منطبقة على الأرض علي، وأجد نفسي كأنها تخرج من ثقب
~~إبرة. فلما كان الموت بهذه الشدة، والله تعالى قد حتمه على عباده كلهم، ولا
~~بد لهم منه، وهو تعالى يكره أذى المؤمن ومساءته، سمى ذلك ترددا في حق
# PageV02P356
# المؤمن، فأما الأنبياء عليهم السلام، فلا يقبضون حتى يخيروا. قال الحسن:
~~لما كرهت الأنبياء الموت، هون الله عليهم بلقاء الله، وبكل ما أحبوا من
~~تحفة وكرامة حتى إن نفس أحدهم تنزع من بين جنبيه وهو يحب ذلك لما قد مثل
~~له. وقد «قالت عائشة: ما أغبط أحدا يهون الله عليه الموت بعد الذي رأيت من
~~شدة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كانت عنده قدح من ماء، فيدخل
~~يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ويقول: اللهم أعني على سكرات الموت
~~قالت: وجعل يقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات» . وجاء في حديث مرسل
~~«أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب
~~والقصب والأنامل، اللهم فأعني على الموت وهونه علي» . وقد كان بعض السلف
~~يستحب أن يجتهد عند الموت، كما قال عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن تهون علي
~~سكرات الموت، إنه لآخر ما يكفر به عن المؤمن. وقال النخعي: كانوا يستحبون
~~أن يجهدوا عند الموت. وكان بعضهم يخشى من تشديد الموت أن يفتن، وإذا أراد
~~الله أن يهون على العبد الموت هونه عليه. وفي " الصحيحين " عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «إن المؤمن إذا حضره الموت، بشر برضوان من الله
~~وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه،
# PageV02P357
# فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه» . وقال ابن مسعود: " إذا جاء ملك ms514 الموت
~~يقبض روح المؤمن، قال له: إن ربك يقرئك السلام ". وقال محمد بن كعب: يقول
~~له ملك الموت: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، ثم تلا:
~~{الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم} [النحل: 32] [النحل: 32]
~~. وقال زيد بن أسلم: تأتي الملائكة للمؤمن إذا حضر، وتقول له: لا تخف مما
~~أنت قادم عليه - فيذهب الله خوفه - ولا تحزن على الدنيا وأهلها، وأبشر
~~بالجنة، فيموت وقد جاءته البشرى. وخرج البزار من حديث عبد الله بن عمرو عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أضن بموت عبده المؤمن من أحدكم
~~بكريمة ماله حتى يقبضه على فراشه» . وقال زيد بن أسلم: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم: «إن لله عبادا هم أهل المعافاة في الدنيا والآخرة» . وقال
~~ثابت البناني: إن لله عبادا يضن بهم في الدنيا عن القتل والأوجاع، يطيل
~~الله أعمارهم، ويحسن أرزاقهم، ويميتهم على فرشهم، ويطبعهم بطابع الشهداء.
# PageV02P358
# وخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني مرفوعا من وجوه ضعيفة، وفي بعض ألفاظها:
~~«إن لله ضنائن من خلقه يأبى بهم عن البلاء، يحييهم في عافية ويميتهم في
~~عافية، ويدخلهم الجنة في عافية» . قال ابن مسعود وغيره: إن موت الفجاءة
~~تخفيف على المؤمن. وكان أبو ثعلبة الخشني يقول: إني لأرجو أن لا يخنقني
~~الله كما أراكم تخنقون عند الموت، وكان ليلة في داره، فسمعوه ينادي: يا عبد
~~الرحمن، وكان عبد الرحمن قد قتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتى
~~مسجد بيته، فصلى فقبض وهو ساجد. وقبض جماعة من السلف في الصلاة وهم سجود.
~~وكان بعضهم يقول لأصحابه: إني لا أموت موتكم، ولكن أدعى فأجيب، فكان يوما
~~قاعدا مع أصحابه، فقال: لبيك ثم خر ميتا. وكان بعضهم جالسا مع أصحابه
~~فسمعوا صوتا يقول: يا فلان أجب، فهذه والله آخر ساعاتك من الدنيا، فوثب
~~وقال: هذا والله حادي الموت، فودع أصحابه، وسلم عليهم، ثم انطلق نحو الصوت،
~~وهو يقول: سلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، ثم انقطع عنهم ms515
~~الصوت، فتتبعوا أثره، فوجدوه ميتا.
# PageV02P359
# وكان بعضهم جالسا يكتب في مصحف، فوضع القلم من يده، وقال: إن كان موتكم
~~هكذا، فوالله إنه لموت طيب، ثم سقط ميتا. وكان آخر جالسا يكتب الحديث، فوضع
~~القلم من يده، ورفع يديه يدعو الله، فمات
# PageV02P360
### | [الحديث التاسع والثلاثون إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه]
# PageV02P360
# الحديث التاسع والثلاثون عن ابن عباس رضي الله عنهما،
~~أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ
~~والنسيان، وما استكرهوا عليه» . حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما.
# هذا الحديث خرجه ابن ماجه من طريق
~~الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخرجه ابن
~~حبان في " صحيحه " والدارقطني، وعندهما: عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن
~~عمير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا إسناد صحيح في ظاهر
~~الأمر، ورواته كلهم محتج بهم في " الصحيحين " وقد خرجه الحاكم، وقال: صحيح
~~على شرطهما. كذا قال، ولكن له علة، وقد أنكره الإمام أحمد جدا، وقال: ليس
~~يروى فيه إلا عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. وقيل لأحمد: إن
~~الوليد بن مسلم روى عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مثله، فأنكره أيضا.
# PageV02P361
# وذكر لأبي حاتم الرازي حديث الأوزاعي، وحديث مالك، وقيل له: إن الوليد
~~روى أيضا عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان، عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم مثله، فقال أبو حاتم: هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة، وقال:
~~لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث من عطاء، وإنما سمعه من رجل لم يسمه، أتوهم
~~أنه عبد الله بن عامر، أو إسماعيل بن مسلم، قال: ولا يصح هذا الحديث، ولا
~~يثبت إسناده. قلت: وقد روي عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير مرسلا من
~~غير ذكر ابن عباس، وروى يحيى بن سليم، عن ابن جريج، قال: «قال عطاء: بلغني
~~أن رسول الله صلى عليه ms516 وسلم قال: إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان،
~~وما استكرهوا عليه» خرجه الجوزجاني، وهذا المرسل أشبه. وقد ورد من وجه آخر
~~عن ابن عباس مرفوعا رواه مسلم بن خالد الزنجي عن سعيد العلاف، عن ابن عباس،
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تجوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ
~~والنسيان وما استكرهوا عليه» خرجه الجوزجاني. وسعيد العلاف: هو سعيد بن أبي
~~صالح، قال أحمد: هو مكي، قيل له: كيف حاله؟ قال: لا أدري وما علمت أحدا روى
~~عنه غير مسلم بن خالد، قال أحمد: وليس هذا مرفوعا، إنما هو عن ابن عباس
~~قوله. نقل ذلك عنه مهنا، ومسلم بن خالد ضعفوه.
# PageV02P362
# وروي من وجه ثالث من رواية بقية بن الوليد، عن علي الهمداني، عن أبي جمرة
~~عن ابن عباس مرفوعا، خرجه حرب، ورواية بقية عن مشايخه المجاهيل لا تساوي
~~شيئا. وروي من وجه رابع خرجه ابن عدي من طريق عبد الرحيم بن زيد العمي عن
~~أبيه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعبد
~~الرحيم هذا ضعيف. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر، وقد
~~تقدم أن الوليد بن مسلم رواه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا، وصححه
~~الحاكم وغربه، وهو عند حذاق الحفاظ باطل على مالك، كما أنكره الإمام أحمد
~~وأبو حاتم، وكانا يقولان عن الوليد: إنه كثير الخطأ. ونقل أبو عبيد الآجري
~~عن أبي داود، قال روى الوليد بن مسلم عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل،
~~منها عن نافع أربعة. قلت: والظاهر أن منها هذا الحديث، والله أعلم. وخرجه
~~الجوزجاني من رواية يزيد بن ربيعة سمعت أبا الأشعث يحدث عن ثوبان عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله عز وجل تجاوز عن أمتي عن ثلاثة: عن
~~الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه» . ويزيد بن ربيعة ضعيف جدا.
# PageV02P363
# وخرج ابن أبي حاتم من رواية أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أم ms517
~~الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث:
~~عن الخطأ والنسيان والاستكراه» قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن، فقال أجل،
~~أما تقرأ بذلك قرآنا: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286]
~~[البقرة: 286] . وأبو بكر الهذلي متروك الحديث. وخرجه ابن ماجه، ولكن عنده
~~عن شهر، عن أبي ذر الغفاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله
~~تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ولم يذكر كلام الحسن.
~~وأما الحديث المرسل عن الحسن، فرواه عنه هشام بن حسان، ورواه منصور، وعوف
~~عن الحسن من قوله، لم يرفعه، ورواه جعفر بن جسر بن فرقد، عن أبيه، عن
~~الحسن، عن أبي بكرة مرفوعا، وجعفر وأبوه ضعيفان.
# PageV02P364
# قال محمد بن نصر المروزي: ليس لهذا الحديث إسناد يحتج به حكاه البيهقي.
~~وفي " صحيح مسلم " عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى:
~~{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] [البقرة: 286] قال
~~الله: قد فعلت. وعن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أنها لما نزلت، قال:
~~نعم، وليس واحد منهما مصرحا برفعه. وخرج الدارقطني من رواية ابن جريج، عن
~~عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله تجاوز عن
~~أمتي ما حدثت به أنفسها، وما أكرهوا عليه، إلا أن يتكلموا به أو يعملوا» ،
~~وهو لفظ غريب. وقد خرجه النسائي ولم يذكر الإكراه. وكذا رواه ابن عيينة عن
~~مسعر، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، وزاد فيه: «وما استكرهوا عليه» خرجه ابن ماجه. وقد أنكرت هذه الزيادة
~~على ابن عيينة، ولم يتابعه عليها أحد. والحديث مخرج من رواية قتادة في "
~~الصحيحين " والسنن والمسانيد بدونها.
# PageV02P365
# ولنرجع إلى شرح حديث ابن عباس المرفوع، فقوله: «إن الله تجاوز لي عن أمتي
~~الخطأ والنسيان» إلى آخره تقديره: إن الله رفع لي عن أمتي الخطأ، أو ترك
~~ذلك عنهم، فإن " تجاوز " لا يتعدى ms518 بنفسه. وقوله: «الخطأ والنسيان، وما
~~استكرهوا عليه» . فأما الخطأ والنسيان، فقد صرح القرآن بالتجاوز عنهما، قال
~~الله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] [البقرة:
~~286] ، وقال: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم}
~~[الأحزاب: 5] [الأحزاب: 5] . وفي " الصحيحين " عن عمرو بن العاص سمع النبي
~~صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا
~~حكم فاجتهد فأخطأ، فله أجر» . وقال الحسن: لولا ما ذكر الله من أمر هذين
~~الرجلين - يعني داود وسليمان - لرأيت أن القضاة قد هلكوا، فإنه أثنى على
~~هذا بعمله، وعذر هذا باجتهاده: يعني قوله: {وداود وسليمان إذ يحكمان في
~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم} [الأنبياء: 78] [الأنبياء: 78] الآية. وأما
~~الإكراه فصرح القرآن أيضا بالتجاوز عنه، قال تعالى: {من كفر بالله من بعد
~~إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] [النحل: 106] ،
~~وقال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل
~~ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} [آل عمران: 28] [آل
~~عمران: 28] الآية.
# ونحن نتكلم إن شاء الله في هذا الحديث في فصلين: أحدهما في حكم الخطأ
~~والنسيان، والثاني في حكم الإكراه.
# PageV02P366
# الفصل الأول في الخطأ والنسيان الخطأ: هو أن يقصد بفعله شيئا، فيصادف
~~فعله غير ما قصده، مثل أن يقصد قتل كافر، فيصادف قتله مسلما. والنسيان: أن
~~يكون ذاكرا لشيء، فينساه عند الفعل، وكلاهما معفو عنه، بمعنى أنه لا إثم
~~فيه، ولكن رفع الإثم لا ينافي أن يترتب على نسيانه حكم. كما أن من نسي
~~الوضوء، وصلى ظانا أنه متطهر، فلا إثم عليه بذلك، ثم إن تبين أنه كان قد
~~صلى محدثا فإن عليه الإعادة. ولو ترك التسمية على الوضوء نسيانا، وقلنا
~~بوجوبها، فهل يجب عليه إعادة الوضوء؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد. وكذا لو
~~ترك التسمية على الذبيحة نسيانا، فيه عنه روايتان، وأكثر الفقهاء على أنها
~~تؤكل. ولو ترك الصلاة نسيانا ثم ذكر، فإن عليه القضاء، كما قال صلى الله
~~عليه ms519 وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا
~~ذلك ثم تلا: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14] [طه: 14] » . ولو صلى حاملا في
~~صلاته نجاسة لا يعفى عنها، ثم علم بها بعد صلاته أو في أثنائها فأزالها فهل
~~يعيد صلاته أم لا؟ فيه قولان، هما روايتان عن أحمد،
# PageV02P367
# وقد روي «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلع نعليه في صلاته وأتمها،
~~وقال: إن جبريل أخبرني أن فيهما أذى ولم يعد صلاته» . ولو تكلم في صلاته
~~ناسيا أنه في صلاة، ففي بطلان صلاته بذلك قولان مشهوران، هما روايتان عن
~~أحمد، ومذهب الشافعي: أنها لا تبطل بذلك. ولو أكل في صومه ناسيا، فالأكثرون
~~على أنه لا يبطل صيامه، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «من أكل أو شرب
~~ناسيا فليتم صومه، فإنما أطمعه الله وسقاه» . وقال مالك: عليه الإعادة،
~~لأنه بمنزلة من ترك الصلاة ناسيا، والجمهور يقولون: قد أتى بنية الصيام،
~~وإنما ارتكب بعض محظوراته ناسيا، فيعفى عنه. ولو جامع ناسيا، فهل حكمه حكم
~~الآكل ناسيا أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: - وهو المشهور عن أحمد - أنه يبطل
~~صيامه بذلك وعليه القضاء، وفي الكفارة عنه روايتان. والثاني: لا يبطل صومه
~~بذلك كالأكل، وهو مذهب الشافعي، وحكي رواية عن أحمد. وكذا الخلاف في الجماع
~~في الإحرام ناسيا: هل يبطل به النسك أم لا؟ . ولو حلف لا يفعل شيئا، ففعله
~~ناسيا ليمينه، أو مخطئا ظانا أنه غير المحلوف عليه، فهل يحنث في يمينه أم
~~لا؟ فيه ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد: أحدها: لا يحنث بكل حال، ولو
~~كانت اليمين بالطلاق والعتاق، وأنكر هذه
# PageV02P368
# الرواية عن أحمد الخلال، وقال: هي سهو من ناقلها، وهو قول الشافعي في أحد
~~قوليه، وإسحاق وأبي ثور، وابن أبي شيبة، وروي عن عطاء، قال إسحاق: ويستخلف
~~أنه كان ناسيا ليمينه. والثاني: يحنث بكل حال، وهو قول جماعة من السلف
~~ومالك. والثالث: يفرق بين أن يكون يمينه بطلاق أو عتاق، أو بغيرهما وهو
~~المشهور عن أحمد، ms520 وقول أبي عبيد، وكذا قال الأوزاعي في الطلاق، وقال: إنما
~~الحديث الذي جاء في العفو عن الخطأ والنسيان ما دام ناسيا، وأقام على
~~امرأته، فلا إثم عليه، فإذا ذكر، فعليه اعتزال امرأته، فإن نسيانه قد زال.
~~وحكى إبراهيم الحربي إجماع التابعين على وقوع الطلاق بالناسي. ولو قتل
~~مؤمنا خطأ، فإن عليه الكفارة والدية بنص الكتاب، وكذا لو أتلف مال غيره خطأ
~~يظنه أنه مال نفسه. وكذا قال الجمهور في المحرم يقتل الصيد خطأ، أو ناسيا
~~لإحرامه أن عليه جزاءه، ومنهم من قال: لا جزاء عليه إلا أن يكون متعمدا
~~لقتله تمسكا بظاهر قوله عز وجل: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من
~~النعم} [المائدة: 95] الآية [المائدة: 95] ، وهو رواية عن أحمد، وأجاب
~~الجمهور عن الآية بأنه رتب على قتله متعمدا الجزاء وانتقام الله تعالى،
~~ومجموعهما يختص بالعامد، وإذا انتفى العمد انتفى الانتقام، وبقي الجزاء
~~ثابتا بدليل آخر. والأظهر - والله أعلم - أن الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما
~~بمعنى رفع الإثم عنهما، لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات، والناسي
~~والمخطئ لا قصد لهما، فلا إثم عليهما، وأما رفع الأحكام عنهما فليس مرادا
~~من هذه النصوص، فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليل آخر.
# PageV02P369
# الفصل الثاني. في حكم المكره. وهو نوعان: أحدهما: من لا اختيار له
~~بالكلية، ولا قدرة له على الامتناع، كمن حمل كرها وأدخل إلى مكان حلف على
~~الامتناع من دخوله، أو حمل كرها، وضرب به غيره حتى مات ذلك الغير، ولا قدرة
~~له على الامتناع، أو أضجعت، ثم زني بها من غير قدرة لها على الامتناع، فهذا
~~لا إثم عليه بالاتفاق، ولا يترتب عليه حنث في يمينه عند جمهور العلماء. وقد
~~حكي عن بعض السلف - كالنخعي - فيه خلاف، ووقع مثله في كلام بعض أصحاب
~~الشافعي وأحمد، والصحيح عندهم أنه لا يحنث بحال. وروي عن الأوزاعي في امرأة
~~حلفت على شيء، وأحنثها زوجها كرها أن كفارتها عليه، وعن أحمد رواية كذلك،
~~فيما إذا وطئ امرأته مكرهة في صيامها أو إحرامها أن ms521 كفارتها عليه. والمشهور
~~عنه أنه يفسد بذلك صومها وحجها. والنوع الثاني: من أكره بضرب أو غيره حتى
~~فعل، فهذا الفعل يتعلق به التكليف، فإنه يمكنه أن لا يفعل فهو مختار للفعل،
~~لكن ليس غرضه نفس الفعل، بل دفع الضرر عنه، فهو مختار من وجه، غير مختار من
~~وجه، ولهذا اختلف الناس: هل هو مكلف أم لا؟
# PageV02P370
# واتفق العلماء على أنه لو أكره على قتل معصوم لم يبح له أن يقتله، فإنه
~~إنما يقتله باختياره افتداء لنفسه من القتل، هذا إجماع من العلماء المعتد
~~بهم، وكان في زمن الإمام أحمد يخالف فيه من لا يعتد به، فإذا قتله في هذه
~~الحال، فالجمهور على أنهما يشتركان في وجوب القود: المكره والمكره؟
~~لاشتراكهما في القتل، وهو قول مالك والشافعي في المشهور وأحمد، وقيل: يجب
~~على المكره وحده، لأن المكره صار كالآلة، وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي
~~الشافعي، وروي عن زفر كالأول، وروي عنه أنه يجب على المكره لمباشرته، وليس
~~هو كالآلة، لأنه آثم بالاتفاق، وقال أبو يوسف: لا قود على واحد منهما،
~~وخرجه بعض أصحابنا وجها لنا من الرواية لا توجب فيها قتل الجماعة بالواحد،
~~وأولى. ولو أكره بالضرب ونحوه على إتلاف مال الغير المعصوم، فهل يباح له
~~ذلك؟ فيه وجهان لأصحابنا. فإن قلنا: يباح له ذلك، فضمنه المالك، رجع بما
~~ضمنه على المكره، وإن قلنا: لا يباح له ذلك، فالضمان عليهما معا كالقود.
~~وقيل: على المباشر المكره وحده وهو ضعيف.
# ولو أكره على شرب الخمر أو غيره من الأفعال المحرمة، ففي إباحته قولان:
~~أحدهما: يباح له ذلك استدلالا بقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء
~~إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد
~~إكراههن غفور رحيم} [النور: 33] [النور: 33] ، وهذه نزلت في عبد الله بن
~~أبي ابن سلول، كانت له أمتان يكرههما على الزنا، وهما يأبيان ذلك، وهذا قول
~~الجمهور كالشافعي، وأبي حنيفة، وهو المشهور عن أحمد، وروي نحوه عن الحسن
~~ومكحول، ومسروق وعن عمر بن الخطاب ms522 ما يدل عليه.
# PageV02P371
# وأهل هذه المقالة اختلفوا في إكراه الرجل على الزنا، فمنهم من قال: لا
~~يصح إكراهه عليه، ولا إثم عليه، وهو قول الشافعي، وابن عقيل من أصحابنا،
~~ومنهم من قال: لا يصح إكراهه عليه، وعليه الإثم والحد، وهو قول أبي حنيفة
~~ومنصوص أحمد، وروي عن الحسن. والقول الثاني: إن التقية إنما تكون في
~~الأقوال، ولا تقية في الأفعال، ولا إكراه عليها، روي ذلك عن ابن عباس، وأبي
~~العالية، وأبي الشعثاء، والربيع بن أنس، والضحاك، وهو رواية عن أحمد، وروي
~~عن سحنون أيضا. وعلى هذا لو شرب الخمر أو سرق مكرها، حد. وعلى الأول لو شرب
~~الخمر مكرها، ثم طلق أو أعتق، فهل يكون حكمه حكم المختار لشربها أم لا؟ بل
~~يكون طلاقه وعتاقه لغوا؟ فيه لأصحابنا وجهان، وروي عن الحسن فيمن قيل له:
~~اسجد لصنم وإلا قتلناك، قال: إن كان الصنم تجاه القبلة فليسجد، ويجعل نيته
~~لله، وإن كان إلى غير القبلة فلا يفعل وإن قتلوه، قال ابن حبيب المالكي:
~~وهذا قول حسن. قال ابن عطية: وما يمنعه أن يجعل نيته لله، وإن كان لغير
~~القبلة، وفي كتاب الله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115]
~~[البقرة: 115] ، وفي الشرع إباحة التنفل للمسافر إلى غير القبلة؟ وأما
~~الإكراه على الأقوال، فاتفق العلماء على صحته، وأن من أكره على قول محرم
~~إكراها معتبرا أن له أن يفتدي نفسه به، ولا إثم عليه، وقد دل عليه قول الله
~~تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] [النحل: 106] 0
~~«وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: وإن عادوا فعد» . وكان المشركون قد
~~عذبوه حتى يوافقهم
# PageV02P372
# على ما يريدونه من الكفر، ففعل. وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم
~~أنه وصى طائفة من أصحابه، وقال: «لا تشركوا بالله وإن قطعتم وحرقتم» ،
~~فالمراد الشرك بالقلوب، كما قال تعالى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس
~~لك به علم فلا تطعهما} [لقمان: 15] [لقمان: 15] ، وقال تعالى: {ولكن من شرح
~~بالكفر صدرا فعليهم غضب من ms523 الله} [النحل: 106] [النحل: 105] .
# PageV02P373
# وسائر الأقوال يتصور عليها الإكراه، فإذا أكره بغير حق على قول من
~~الأقوال، لم يترتب عليه حكم من الأحكام، وكان لغوا، فإن كلام المكره صدر
~~منه وهو غير راض به، فلذلك عفي عنه، ولم يؤاخذ به في أحكام الدنيا والآخرة.
~~وبهذا فارق الناسي والجاهل، وسواء في ذلك العقود: كالبيع والنكاح، أو
~~الفسوخ: كالخلع والطلاق والعتاق، وكذلك الأيمان والنذور، وهذا قول جمهور
~~العلماء، وهو قول مالك والشافعي وأحمد. وفرق أبو حنيفة بين ما يقبل الفسخ
~~عنده، ويثبت فيه الخيار كالبيع ونحوه، فقال: لا يلزم مع الإكراه، وما ليس
~~كذلك، كالنكاح والطلاق والعتاق والأيمان، فألزم بها مع الإكراه. ولو حلف:
~~لا يفعل شيئا، ففعله مكرها، فعلى قول أبي حنيفة يحنث، وأما على قول
~~الجمهور، ففيه قولان: أحدهما: يحنث، كما يحنث إذا فعل به ذلك كرها، ولم
~~يقدر على الامتناع كما سبق، وهذا قول الأكثرين منهم. والثاني: يحنث هاهنا،
~~لأنه فعله باختياره بخلاف ما إذا حمل ولم يمكنه الامتناع، وهو رواية عن
~~أحمد وقول للشافعي، ومن أصحابه - وهو القفال - من فرق بين اليمين بالطلاق
~~والعتاق وغيرهما كما قلنا نحن في الناسي، وخرجه بعض أصحابنا وجها لنا.
# ولو أكره على أداء ماله بغير حق، فباع عقاره ليؤدي ثمنه، فهل يصح الشراء
~~منه أم لا؟ فيه روايتان عن أحمد، وعنه رواية ثالثة: إن باعه بثمن المثل
~~اشتري منه، وإن باعه بدونه لم يشتر منه، ومتى رضي المكره بما أكره عليه
~~لحدوث رغبة له فيه بعد الإكراه، والإكراه قائم، صح ما صدر منه من العقود
~~وغيرها بهذا القصد. هذا هو المشهور عند أصحابنا، وفيه وجه آخر: أنه لا يصح
~~أيضا، وفيه بعد.
# PageV02P374
# وأما الإكراه بحق، فهو غير مانع من لزوم ما أكره عليه، فلو أكره الحربي
~~على الإسلام فأسلم، صح إسلامه، وكذا لو أكره الحاكم أحدا على بيع ماله
~~ليوفي دينه، أو أكره المؤلي بعد مدة الإيلاء وامتناعه من الفيئة على
~~الطلاق، ولو حلف لا يوفي دينه فأكرهه الحاكم على وفائه، فإنه يحنث ms524 بذلك،
~~لأنه فعل ما حلف عليه حقيقة على وجه يعذر فيه. ذكره أصحابنا بخلاف ما إذا
~~امتنع من الوفاء، فأدى عنه الحاكم، فإنه يحنث، لأنه لم يوجد منه فعل
~~المحلوف عليه.
# PageV02P375
### | [الحديث الأربعون كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل]
# PageV02P375
# الحديث الأربعون. «عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
~~أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو
~~عابر سبيل. وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت
~~فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» رواه البخاري.
# هذا الحديث خرجه البخاري عن علي بن
~~المديني، حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، حدثنا الأعمش، حدثني مجاهد، عن
~~ابن عمر، فذكره، وقد تكلم غير واحد من الحفاظ في لفظة: " حدثنا مجاهد "
~~وقالوا: هي غير ثابتة، وأنكروها على ابن المديني وقالوا: لم يسمع الأعمش
~~هذا الحديث من مجاهد، إنما سمعه من ليث بن أبي سليم عنه، وقد ذكره العقيلي
~~وغيره، وخرجه الترمذي من حديث ليث عن مجاهد، وزاد فيه: «وعد نفسك من أهل
~~القبور» ، وزاد في كلام ابن عمر: «فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدا» .
~~وخرجه ابن ماجه ولم يذكر قول ابن عمر. وخرج الإمام أحمد والنسائي من
# PageV02P376
# حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة، «عن ابن عمر قال: أخذ النبي صلى
~~الله عليه وسلم ببعض جسدي، وقال: اعبد الله كأنك تراه، وكن في الدنيا كأنك
~~غريب، أو عابر سبيل» . وعبدة بن أبي لبابة أدرك ابن عمر، واختلف في سماعه
~~منه. وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن لا ينبغي له أن
~~يتخذ الدنيا وطنا ومسكنا، فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على
~~جناح سفر: يهيئ جهازه للرحيل. وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم،
~~قال تعالى حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال: {يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا
~~متاع وإن الآخرة هي دار القرار} [غافر: 39] [غافر: 39] . «وكان ms525 النبي صلى
~~الله عليه وسلم يقول: ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال
~~في ظل شجرة ثم راح وتركها» . «ومن وصايا المسيح عليه السلام لأصحابه أنه
~~قال لهم: اعبروها ولا تعمروها» ، وروي عنه أنه قال: «من ذا الذي يبني على
~~موج البحر دارا، تلكم الدنيا، فلا تتخذوها قرارا» . ودخل رجل على أبي ذر،
~~فجعل يقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر، أين متاعكم؟ قال: إن لنا بيتا
~~نوجه إليه، قال: إنه لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا، قال: إن صاحب المنزل
~~لا يدعنا فيه.
# PageV02P377
# ودخلوا على بعض الصالحين، فقلبوا بصرهم في بيته، فقالوا له: إنا نرى بيتك
~~بيت رجل مرتحل، فقال: أمرتحل؟ لا أرتحل ولكن أطرد طردا. وكان علي بن أبي
~~طالب رضي الله عنه يقول: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت
~~مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء
~~الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل. قال بعض الحكماء: عجبت
~~ممن الدنيا مولية عنه، والآخرة مقبلة إليه يشغل بالمدبرة، ويعرض عن
~~المقبلة. وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: إن الدنيا ليست بدار قراركم،
~~كتب الله عليها الفناء، وكتب الله على أهلها منها الظعن، فكم من عامر موثق
~~عن قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا - رحمكم الله -
~~منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.
~~وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة، ولا وطنا، فينبغي للمؤمن أن يكون
~~حاله فيها على أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة، همه
~~التزود للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة، بل هو ليله
~~ونهاره، يسير إلى بلد الإقامة، فلهذا وصى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر
~~أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين. فأحدهما: أن يترك المؤمن نفسه
~~كأنه غريب في الدنيا يتخيل الإقامة، لكن في بلد غربة، فهو ms526 غير متعلق القلب
~~ببلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، وإنما هو مقيم في الدنيا
~~ليقضي مرمة جهازه إلى الرجوع إلى وطنه، قال الفضيل بن عياض: المؤمن في
~~الدنيا مهموم حزين، همه مرمة جهازه. ومن كان في الدنيا كذلك، فلا هم له إلا
~~في التزود بما ينفعه عند عوده إلى
# PageV02P378
# وطنه، فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم، ولا يجزع من الذل
~~عندهم، قال الحسن: المؤمن كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، له
~~شأن، وللناس شأن. لما خلق آدم عليه السلام أسكن هو وزوجته الجنة، ثم أهبطا
~~منها ووعدا بالرجوع إليها، وصالح ذريتهما، فالمؤمن أبدا يحن إلى وطنه
~~الأول، وحب الوطن من الإيمان، كما قيل:
# كم منزل للمرء يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل
# ولبعض شيوخنا:
# فحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيم
# ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم
# وقد زعموا أن الغريب إذا نأى ... وشطت به أوطانه فهو مغرم
# وأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تحكم
# كان عطاء السليمي يقول في دعائه: اللهم ارحم في الدنيا غربتي، وارحم في
~~القبر وحشتي، وارحم موقفي غدا بين يديك. «قال الحسن: بلغني أن رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: إنما مثلي ومثلكم
# PageV02P379
# ومثل الدنيا، كقوم سلكوا مفازة غبراء، حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها
~~أكثر، أو ما بقي، أنفدوا الزاد، وحسروا الظهر، وبقوا بين ظهراني المفازة لا
~~زاد ولا حمولة، فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم كذلك، إذ خرج عليهم رجل في حلة
~~يقطر رأسه ماء، فقالوا: إن هذا قريب عهد بريف، وما جاءكم هذا إلا من قريب،
~~فلما انتهى إليهم، قال: علام أنتم؟ قالوا: على ما ترى، قال: أرأيتكم إن
~~هديتكم على ماء رواء، ورياض خضر، ما تعملون؟ قالوا: لا نعصيك شيئا، قال:
~~أعطوني عهودكم ومواثيقكم بالله، قال فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا
~~يعصونه شيئا، قال: فأوردهم ماء، ورياضا خضرا، فمكث فيهم ما شاء ms527 الله، ثم
~~قال: يا هؤلاء الرحيل، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى ماء ليس كمائكم، وإلى رياض
~~ليست كرياضكم، فقال جل القوم - وهم أكثرهم -: والله ما وجدنا هذا حتى ظننا
~~أن لن نجده، وما نصنع بعيش خير من هذا؟ وقالت طائفة - وهم أقلهم -: ألم
~~تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصونه شيئا وقد صدقكم في أول
~~حديثه، فوالله ليصدقنكم في آخره، قال: فراح فيمن اتبعه، وتخلف بقيتهم، فنزل
~~بهم عدو، فأصبحوا بين أسير وقتيل» خرجه ابن أبي الدنيا، وخرجه الإمام أحمد
~~من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم بمعناه مختصرا.
# PageV02P380
# فهذا المثل في غاية المطابقة بحال النبي صلى الله عليه وسلم مع أمته،
~~فإنه أتاهم والعرب إذ ذاك أذل الناس، وأقلهم، وأسوؤهم عيشا في الدنيا وحالا
~~في الآخرة، فدعاهم إلى سلوك طريق النجاة، وظهر لهم من براهين صدقه، كما ظهر
~~من صدق الذي جاء إلى القوم الذين في المفازة، وقد نفد ماؤهم، وهلك ظهرهم،
~~برؤيته في حلة مترجلا يقطر رأسه ماء، ودلهم على الماء والرياض المعشبة،
~~فاستدلوا بهيئته وحاله على صدق مقاله، فاتبعوه، ووعد من اتبعه بفتح بلاد
~~فارس والروم، وأخذ كنوزهما وحذرهم من الاغترار بذلك، والوقوف معه، وأمرهم
~~بالتجزي من الدنيا بالبلاغ، وبالجد والاجتهاد في طلب الآخرة والاستعداد
~~لها، فوجدوا ما وعدهم به كله حقا، فلما فتحت عليهم الدنيا - كما وعدهم -
~~اشتغل أكثر الناس بجمعها واكتنازها، والمنافسة فيها، ورضوا بالإقامة فيها،
~~والتمتع بشهواتها، وتركوا الاستعداد للآخرة التي أمرهم بالجد والاجتهاد في
~~طلبها، وقبل قليل من الناس وصيته في الجد في طلب الآخرة والاستعداد لها.
~~فهذه الطائفة القليلة نجت، ولحقت نبيها في الآخرة حيث سلكت طريقه في
~~الدنيا، وقبلت وصيته، وامتثلت ما أمر به. وأما أكثر الناس، فلم يزالوا في
~~سكرة الدنيا والتكاثر فيها، فشغلهم ذلك عن الآخرة حتى فاجأهم الموت بغتة
~~على هذه الغرة، فهلكوا وأصبحوا ما بين قتيل وأسير. وما أحسن قول يحيى بن
~~معاذ ms528 الرازي: الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموتى
~~نادما مع الخاسرين. الحال الثاني: أن ينزل المؤمن نفسه في الدنيا كأنه
~~مسافر غير مقيم ألبتة، وإنما هو سائر في قطع منازل السفر حتى ينتهي به
~~السفر إلى آخره، وهو الموت. ومن كانت هذه حاله في الدنيا، فهمته تحصيل
~~الزاد للسفر، وليس له همة في الاستكثار من متاع الدنيا، ولهذا أوصى النبي
~~صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه
# PageV02P381
# أن يكون بلاغهم من الدنيا كزاد الراكب. قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحت؟
~~قال: ما ظنك برجل يرتحل كل يوم مرحلة إلى الآخرة؟ . وقال الحسن: إنما أنت
~~أيام مجموعة، كلما مضى يوم مضى بعضك. وقال: ابن آدم إنما أنت بين مطيتين
~~يوضعانك، يوضعك النهار إلى الليل، والليل إلى النهار، حتى يسلمانك إلى
~~الآخرة، فمن أعظم منك يابن آدم خطرا، وقال: الموت معقود في نواصيكم والدنيا
~~تطوى من ورائكم. قال داود الطائي: إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس
~~مرحلة مرحلة حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل
~~مرحلة زادا لما بين يديها، فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو، والأمر
~~أعجل من ذلك، فتزود لسفرك، واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك.
~~وكتب بعض السلف إلى أخ له: يا أخي يخيل لك أنك مقيم، بل أنت دائب السير،
~~تساق مع ذلك سوقا حثيثا، الموت موجه إليك، والدنيا تطوى من ورائك، وما مضى
~~من عمرك، فليس بكار عليك يوم التغابن.
# سبيلك في الدنيا سبيل مسافر ... ولا بد من زاد لكل مسافر
# ولا بد للإنسان من حمل عدة ... ولا سيما إن خاف صولة قاهر
# قال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم
# PageV02P382
# سنته، وسنته تهدم عمره، كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته
~~إلى موته. وقال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال:
~~فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك ms529 أن تبلغ، فقال الرجل: إنا لله وإنا
~~إليه راجعون، فقال الفضيل: أتعرف تفسيره تقول: أنا لله عبد وإليه راجع، فمن
~~علم أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف،
~~فليعلم أنه مسئول، ومن علم أنه مسئول، فليعد للسؤال جوابا، فقال الرجل: فما
~~الحيلة؟ قال يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنك
~~إن أسأت فيما بقي، أخذت بما مضى وبما بقي، وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
# وإن امرأ قد سار ستين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب
# قال بعض الحكماء: من كانت الليالي والأيام مطاياه، سارت به وإن لم يسر،
~~وفي هذا قال بعضهم:
# وما هذه الأيام إلا مراحل ... يحث بها داع إلى الموت قاصد
# وأعجب شيء - لو تأملت - أنها ... منازل تطوى والمسافر قاعد
# وقال آخر:
# أيا ويح نفسي من نهار يقودها ... إلى عسكر الموتى وليل يذودها
# قال الحسن: لم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار، وتقريب الآجال،
~~هيهات قد صحبا نوحا وعادا وثمودا وقرونا بين ذلك كثيرا، فأصبحوا أقدموا على
~~ربهم، ووردوا على أعمالهم، وأصبح الليل والنهار غضين جديدين، لم يبلهما ما
~~مرا به، مستعدين لمن بقي بمثل ما أصابا به من مضى.
# PageV02P383
# وكتب الأوزاعي إلى أخ له: أما بعد، فقد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه
~~يسار بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك
~~به، والسلام.
# نسير إلى الآجال في كل لحظة ... وأيامنا تطوى وهن مراحل
# ولم أر مثل الموت حقا كأنه ... إذا ما تخطته الأماني باطل
# وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شامل
# ترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام وهن قلائل
# وأما وصية ابن عمر رضي الله عنهما، فهي مأخوذة من هذا الحديث الذي رواه،
~~وهي متضمنة لنهاية قصر الأمل، وأن الإنسان إذا أمسى لم ينتظر الصباح، وإذا
~~أصبح لم ينتظر المساء، بل يظن أن أجله يدركه قبل ذلك، وبهذا فسر غير ms530 واحد
~~من العلماء الزهد في الدنيا، قال المروزي: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد -
~~أي شيء الزهد في الدنيا؟ قال: قصر الأمل، من إذا أصبح قال: لا أمسي، قال:
~~وهكذا قال سفيان. قيل لأبي عبد الله: بأي شيء نستعين على قصر الأمل؟ قال:
~~ما ندري إنما هو توفيق. قال الحسن: اجتمع ثلاثة من العلماء، فقالوا لأحدهم:
~~ما أملك؟ قال: ما أتى علي شهر إلا ظننت أني سأموت فيه، قال: فقال صاحباه:
~~إن هذا لأمل، فقالا لأحدهم: فما أملك؟ قال: ما أتت علي جمعة إلا ظننت أني
~~سأموت فيها، قال: فقال صاحباه: إن هذا لأمل، فقالا للآخر: فما أملك؟ قال:
~~ما أمل من نفسه في يد غيره؟ . قال داود الطائي: سألت عطوان بن عمر التيمي،
~~قلت: ما قصر الأمل؟
# PageV02P384
# قال: ما بين تردد النفس، فحدث بذلك الفضيل بن عياض، فبكى، وقال: يقول:
~~يتنفس فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه، لقد كان عطوان من الموت على حذر.
~~وقال بعض السلف: ما نمت نوما قط، فحدثت نفسي أني أستيقظ منه. وكان حبيب أبو
~~محمد يوصي كل يوم بما يوصي به المحتضر عند موته من تغسيله ونحوه، وكان يبكي
~~كلما أصبح أو أمسى، فسئلت امرأته عن بكائه، فقالت: يخاف - والله - إذا أمسى
~~أن يصبح، وإذا أصبح أن يمسي. وكان محمد بن واسع إذا أراد أن ينام قال
~~لأهله: أستودعكم الله، فلعلها أن تكون منيتي التي لا أقوم منها فكان هذا
~~دأبه إذا أراد النوم. وقال بكر المزني: إن استطاع أحدكم أن لا يبيت إلا
~~وعهده عند رأسه مكتوب، فليفعل، فإنه لا يدري لعله أن يبيت في أهل الدنيا،
~~ويصبح في أهل الآخرة. وكان أويس إذا قيل له: كيف الزمان عليك؟ قال: كيف
~~الزمان على رجل إن أمسى ظن أنه لا يصبح، وإن أصبح ظن أنه لا يمسي فيبشر
~~بالجنة أو النار؟ . وقال عون بن عبد الله: ما أنزل الموت كنه منزلته من عد
~~غدا من أجله، كم من مستقبل يوما يستكمله، وكم من ms531 مؤمل لغد لا يدركه، إنكم
~~لو رأيتم الأجل ومسيره، لبغضتم الأمل وغروره، وكان يقول: إن من أنفع أيام
~~المؤمن له في الدنيا ما ظن أنه لا يدرك آخره.
# PageV02P385
# وكانت امرأة متعبدة بمكة إذا أمست قالت: يا نفس، الليلة ليلتك، لا ليلة
~~لك غيرها، فاجتهدت، فإذا أصبحت، قالت: يا نفس اليوم يومك، لا يوم لك غيره،
~~فاجتهدت. وقال بكر المزني: إذا أردت أن تنفعك صلاتك فقل: لعلي لا أصلي
~~غيرها، وهذا مأخوذ مما روي «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: صل صلاة
~~مودع» . وأقام معروف الكرخي الصلاة، ثم قال لرجل: تقدم فصل بنا، فقال
~~الرجل: إني إن صليت بكم هذه الصلاة، لم أصل بكم غيرها، فقال معروف: وأنت
~~تحدث نفسك أنك تصلي صلاة أخرى؟ نعوذ بالله من طول الأمل، فإنه يمنع خير
~~العمل. وطرق بعضهم باب أخ له، فسأل عنه، فقيل له: ليس هو في البيت، فقال:
~~متى يرجع؟ فقالت له جارية من البيت: من كانت نفسه في يد غيره، من يعلم متى
~~يرجع، ولأبي العتاهية من جملة أبيات:
# وما أدري وإن أملت عمرا ... لعلي حين أصبح لست أمسي
# ألم تر أن كل صباح يوم ... وعمرك فيه أقصر منه أمس
# PageV02P386
# وهذا البيت الثاني أخذه مما روي عن أبي الدرداء والحسن أنهما قالا: ابن
~~آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، ومما أنشد بعض السلف:
# إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى يدني من الأجل
# فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا ... فإنما الربح والخسران في العمل.
# قوله: «وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك» ، يعني: اغتنم الأعمال
~~الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها السقم، وفي الحياة قبل أن يحول
~~بينك وبينها الموت، وفي رواية: «فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غدا»
~~يعني: لعلك غدا من الأموات دون الأحياء. وقد روي معنى هذه الوصية عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم من وجوه، ففي " صحيح البخاري " عن ابن عباس، عن النبي
~~صلى الله عليه ms532 وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة
~~والفراغ» . وفي " صحيح الحاكم " عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم قال لرجل وهو يعظه: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل
~~سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» . وقال غنيم بن
~~قيس: كنا نتواعظ في أول الإسلام: ابن آدم اعمل في فراغك قبل شغلك، وفي
~~شبابك لكبرك، وفي صحتك لمرضك، وفي دنياك
# PageV02P387
# لآخرتك، وفي حياتك لموتك. وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان،
~~أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة» . وفي " الترمذي "
~~عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بادروا بالأعمال سبعا: هل تنظرون
~~إلا إلى فقر منس، أو غنى مطغ، أو مرض مفسد، أو هرم مفند، أو موت مجهز، أو
~~الدجال، فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر؟» . والمراد من هذا
~~أن هذه الأشياء كلها تعوق عن الأعمال، فبعضها يشغل عنه، إما في خاصة
~~الإنسان، كفقره وغناه ومرضه وهرمه وموته، وبعضها عام، كقيام الساعة، وخروج
~~الدجال، وكذلك الفتن المزعجة كما جاء في حديث آخر: «بادروا بالأعمال فتنا
~~كقطع الليل المظلم» .
# PageV02P388
# وبعض هذه الأمور العامة لا ينفع بعدها عمل، كما قال تعالى: {يوم يأتي بعض
~~آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها
~~خيرا} [الأنعام: 158] [الأنعام: 158] . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها،
~~فإذا طلعت ورآها الناس، آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم
~~تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» . وفي " صحيح مسلم " عنه عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث إذا خرجن، لم ينفع نفسا إيمانها لم
~~تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال،
~~ودابة الأرض» . وفيه أيضا عنه ms533 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تاب
~~قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه» . وعن أبي موسى، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط
~~يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» . وخرج الإمام
~~أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه من حديث
# PageV02P389
# صفوان بن عسال، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله فتح بابا قبل
~~المغرب عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه» . وفي " المسند
~~" عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو، ومعاوية، عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا
~~طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل» . وروي عن عائشة قالت: إذا
~~خرج أول الآيات، طرحت الأقلام، وحبست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال.
~~خرجه ابن جرير الطبري، وكذا قال كثير بن مرة، ويزيد بن شريح، وغيرهما من
~~السلف: إذا طلعت الشمس من مغربها طبع على القلوب بما فيها، وترفع الحفظة
~~والعمل، وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملا. وقال سفيان الثوري: إذا طلعت
~~الشمس من مغربها، طوت الملائكة صحائفها ووضعت أقلامها. فالواجب على المؤمن
~~المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر عليها ويحال بينه وبينها، إما
~~بمرض أو موت، أو بأن يدركه بعض هذه الآيات التي لا يقبل معها عمل. قال أبو
~~حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة يوشك أن تنفق، فلا يوصل منها إلى قليل ولا
~~كثير. ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليه،
~~ويتمنى الرجوع إلى حالة يتمكن فيها من العمل، فلا تنفعه الأمنية.
# PageV02P390
# قال تعالى: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا
~~تنصرون - واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة
~~وأنتم لا تشعرون - أن تقول نفس ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت
~~لمن الساخرين - أو تقول ms534 لو أن الله هداني لكنت من المتقين - أو تقول حين
~~ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} [الزمر: 54 - 58] [الزمر: 54 -
~~58] . وقال تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون - لعلي أعمل
~~صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون}
~~[المؤمنون: 99 - 100] [المؤمنون: 99 - 100] ، وقال عز وجل: {وأنفقوا من ما
~~رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب
~~فأصدق وأكن من الصالحين - ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها} [المنافقون:
~~10 - 11] [المنافقون: 10 - 11] . وفي " الترمذي " عن أبي هريرة مرفوعا: «ما
~~من ميت يموت إلا ندم قالوا: وما ندامته؟ قال: إن كان محسنا، ندم أن لا يكون
~~ازداد، وإن كان مسيئا، ندم أن لا يكون استعتب» . فإذا كان الأمر على هذا
~~فيتعين على المؤمن اغتنام ما بقي من عمره، ولهذا قيل: إن بقية عمر المؤمن
~~لا قيمة له. وقال سعيد بن جبير: كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة، وقال بكر
~~المزني: ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول: يابن آدم،
# PageV02P391
# < > اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي، ولا ليلة إلا تنادي: ابن آدم
~~اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي، ولبعضهم:
# اغتنم في الفراغ فضل ركوع ... فعسى أن يكون موتك بغتة
# كم صحيح مات من غير سقم ... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة
# وقال محمود الوراق:
# مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا ... وأعقبه يوم عليك جديد
# فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة ... فثن بإحسان وأنت حميد
# فيومك إن أعقبته عاد نفعه عليك ... وماضي الأمس ليس يعود ولا
# ترج فعل الخير يوما إلى غد ... لعل غدا يأتي وأنت فقيد
# PageV02P391
### | [الحديث الحادي والأربعون لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به]
# PageV02P391
# الحديث الحادي والأربعون. عن عبد الله بن عمرو بن
~~العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن
~~أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به»
# قال الشيخ رحمه الله: ms535 حديث حسن
~~صحيح، رويناه في كتاب " الحجة " بإسناد صحيح! . يريد بصاحب كتاب الحجة
~~الشيخ أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي الفقيه الزاهد نزيل دمشق،
~~وكتابه هذا هو كتاب " الحجة على تارك المحجة " يتضمن ذكر أصول الدين على
~~قواعد أهل الحديث والسنة. وقد خرج هذا الحديث الحافظ أبو نعيم في كتاب "
~~الأربعين " وشرط في أولها أن تكون من صحاح الأخبار وجياد الآثار مما أجمع
~~الناقلون على عدالة ناقليه، وخرجته الأئمة في مسانيدهم، ثم خرجه عن
~~الطبراني: حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي، حدثنا نعيم بن حماد،
~~حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عقبة بن
~~أوس، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن
~~أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ولا يزيغ عنه» . ورواه الحافظ أبو بكر
~~بن عاصم الأصبهاني
# PageV02P393
# عن ابن واره، عن نعيم بن حماد، حدثنا عبد الوهاب الثقفي حدثنا بعض
~~مشيختنا هشام أو غيره عن ابن سيرين، فذكره. وليس عنده لا يزيغ عنه، قال
~~الحافظ أبو موسى المديني: هذا الحديث مختلف فيه على نعيم، وقيل فيه: حدثنا
~~بعض مشيختنا، حدثنا هشام أو غيره. قلت: تصحيح هذا الحديث بعيد جدا من وجوه،
~~منها: أنه حديث يتفرد به نعيم بن حماد المروزي، ونعيم هذا وإن كان وثقه
~~جماعة من الأئمة، وخرج له البخاري، فإن أئمة الحديث كانوا يحسنون به الظن،
~~لصلابته في السنة، وتشدده في الرد على أهل الأهواء، وكانوا ينسبونه إلى أنه
~~يهم، ويشبه عليه في بعض الأحاديث، فلما كثر عثورهم على مناكيره، حكموا عليه
~~بالضعف، فروى صالح بن محمد الحافظ عن ابن معين أنه سئل عنه فقال: ليس بشيء
~~ولكنه صاحب سنة، قال صالح: وكان يحدث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة لا يتابع
~~عليها. وقال أبو داود: عند نعيم نحو عشرين حديثا عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم ليس لها أصل، وقال النسائي: ضعيف. وقال مرة: ليس ثقة. وقال مرة: ms536 قد
~~كثر تفرده عن الأئمة المعروفين في أحاديث كثيرة، فصار في حد من لا يحتج به.
~~وقال أبو زرعة الدمشقي: يصل أحاديث يوقفها الناس، يعني أنه يرفع الموقوفات،
~~وقال أبو عروبة الحراني: هو مظلم الأمر، وقال أبو سعيد بن يونس: روى أحاديث
~~مناكير عن الثقات، ونسبه آخرون إلى أنه كان يضع الحديث، وأين كان أصحاب عبد
~~الوهاب الثقفي، وأصحاب هشام بن حسان، وأصحاب ابن سيرين عن هذا الحديث حتى
~~ينفرد به نعيم؟ . ومنها: أنه قد اختلف على نعيم في إسناده، فروي عنه، عن
~~الثقفي، عن هشام، وروي عنه عن الثقفي، حدثنا بعض مشيختنا هشام أو غيره،
~~وعلى هذه الرواية، يكون الشيخ الثقفي غير معروف عينه، وروي عنه، عن الثقفي،
~~حدثنا
# PageV02P394
# بعض مشيختنا، حدثنا هشام أو غيره، فعلى هذه الرواية، فالثقفي رواه عن شيخ
~~مجهول، وشيخه رواه عن غير معين، فتزداد الجهالة في إسناده. ومنها: أن في
~~إسناده عقبة بن أوس السدوسي البصري، ويقال فيه: يعقوب بن أوس أيضا، وقد خرج
~~له أبو داود والنسائي وابن ماجه حديثا عن عبد الله بن عمرو، ويقال: عبد
~~الله بن عمر، وقد اضطرب في إسناده، وقد وثقه العجلي، وابن سعد، وابن حبان،
~~وقال ابن خزيمة: روى عنه ابن سيرين مع جلالته، وقال ابن عبد البر: هو
~~مجهول. وقال الغلابي في " تاريخه ": يزعمون أنه لم يسمع من عبد الله بن
~~عمرو، وإنما يقول: قال عبد الله بن عمرو، فعلى هذا تكون رواياته عن عبد
~~الله بن عمرو منقطعة والله أعلم. وأما معنى الحديث، فهو أن الإنسان لا يكون
~~مؤمنا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول صلى
~~الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به، ويكره ما نهى
~~عنه. وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع. قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون
~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا
~~تسليما} [النساء: 65] [النساء: 65] . وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة
~~إذا ms537 قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36]
~~[الأحزاب: 36] . وذم سبحانه من كره ما أحبه الله، أو أحب ما كرهه الله،
~~قال: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} [محمد: 9] [محمد: 9] ،
~~وقال تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم}
~~[محمد: 28] [محمد: 28] . فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبة
~~توجب له الإتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت المحبة، حتى أتى بما ندب إليه
~~منه، كان ذلك
# PageV02P395
# فضلا، وأن يكره ما كرهه الله تعالى كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه،
~~فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنزيها، كان ذلك فضلا. وقد ثبت
~~في " الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون
~~أحب إليه من نفسه وولده وأهله والناس أجمعين» فلا يكون المؤمن مؤمنا حتى
~~يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله.
~~والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات،
~~قال عز وجل: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال
~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله
~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} [التوبة: 24] [التوبة: 24] .
~~وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم
~~ذنوبكم} [آل عمران: 31] [آل عمران: 31] قال الحسن: قال أصحاب النبي صلى
~~الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنا نحب ربنا حبا شديدا، فأحب الله أن يجعل
~~لحبه علما، فأنزل الله هذه الآية. وفي " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب
~~إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى
~~الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» . فمن أحب الله
~~ورسوله محبة صادقة من قلبه، أوجب له ذلك أن يحب بقلبه
# PageV02P396
# ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما ms538 يكرهه الله ورسوله، ويرضى ما يرضى الله
~~ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب
~~والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك، فإن ارتكب بعض ما يكرهه الله
~~ورسوله، أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله، مع وجوبه والقدرة عليه، دل ذلك
~~على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك، ويرجع إلى تكميل المحبة
~~الواجبة. قال أبو يعقوب النهرجوري: كل من ادعى محبة الله عز وجل ولم يوافق
~~الله في أمره، فدعواه باطلة، وكل محب ليس يخاف الله، فهو مغرور. وقال يحيى
~~بن معاذ: ليس بصادق من ادعى محبة الله عز وجل ولم يحفظ حدوده. وسئل رويم عن
~~المحبة، فقال الموافقة: في جميع الأحوال، وأنشد:
# ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة ... وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا
# ولبعض المتقدمين:
# تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس شنيع
# لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
# فجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله، وقد
~~وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه، وقال تعالى: {فإن لم
~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من
~~الله} [القصص: 50] [القصص: 50] .
# وكذلك البدع، إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا يسمى أهلها أهل
~~الأهواء.
# PageV02P397
# وكذلك المعاصي، إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه.
~~وكذلك حب الأشخاص: الواجب فيه أن يكون تبعا لما جاء به الرسول صلى الله
~~عليه وسلم. فيجب على المؤمن محبة الله ومحبة من يحبه الله من الملائكة
~~والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموما، ولهذا كان من علامات
~~وجود حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. ويحرم موالاة أعداء الله
~~ومن يكرهه الله عموما، وقد سبق ذلك في موضع آخر، وبهذا يكون الدين كله لله.
~~«ومن أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» ، ومن
~~كان حبه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه، ms539 كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب،
~~فيجب عليه التوبة من ذلك، والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول صلى الله
~~عليه وسلم من تقديم محبة الله ورسوله، وما فيه رضا الله ورسوله على هوى
~~النفوس ومراداتها كلها. قال وهيب بن الورد: بلغنا - والله أعلم - «أن موسى
~~عليه السلام، قال: يا رب أوصني؟ قال: أوصيك بي، قالها ثلاثا حتى قال في
~~الآخرة: أوصيك بي أن لا يعرض لك أمر إلا آثرت فيه محبتي على ما سواها، فمن
~~لم يفعل ذلك لم أزكه ولم أرحمه» . والمعروف في استعمال الهوى عند الإطلاق:
~~أنه الميل إلى خلاف الحق، كما في قوله عز وجل: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن
~~سبيل الله} [ص: 26] [ص: 26] ، وقال: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن
~~الهوى - فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 40 - 41] [النازعات: 40 - 41] .
# PageV02P398
# وقد يطلق الهوى بمعنى المحبة والميل مطلقا، فيدخل فيه الميل إلى الحق
~~وغيره، وربما استعمل بمعنى محبة الحق خاصة والانقياد إليه، «وسئل صفوان بن
~~عسال، هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الهوى فقال: سأله أعرابي عن
~~الرجل يحب القوم ولم يلحق بهم، قال: المرء مع من أحب» . ولما نزل قوله عز
~~وجل: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51] [الأحزاب: 51]
~~، قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.
~~«وقال عمر في قصة المشاورة في أسارى بدر: فهوى رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت» ، وهذا الحديث مما جاء في استعمال
~~الهوى بمعنى المحبة المحمودة، وقد وقع مثل ذلك في الآثار الإسرائيلية
~~كثيرا، وكلام مشايخ القوم وإشاراتهم نظما ونثرا يكثر في هذا الاستعمال،
~~ومما يناسب معنى الحديث من ذلك قول بعضهم:
# إن هواك الذي بقلبي ... صيرني سامعا مطيعا
# أخذت قلبي وغمض عيني ... سلبتني النوم والهجوعا
# فذر فؤادي وخذ رقادي ... فقال لا بل هما جميعا
# PageV02P399
### | [الحديث الثاني والأربعون قال الله تعالى يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ms540 على ما كان منك ولا أبالي]
# PageV02P399
# الحديث الثاني والأربعون. عن أنس بن مالك رضي عنه،
~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: يابن آدم،
~~إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو
~~بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني
~~بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة» .
~~رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
# هذا الحديث تفرد به الترمذي خرجه
~~من طريق كثير بن فائد، حدثنا سعيد بن عبيد، سمعت بكر بن عبد الله المزني
~~يقول: حدثنا أنس، فذكره، وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
~~انتهى. وإسناده لا بأس به، وسعيد بن عبيد هو الهنائي، قال أبو حاتم: شيخ.
~~وذكره ابن حبان في " الثقات "، ومن زعم أنه غير الهنائي، فقد وهم، وقال
~~الدارقطني: تفرد به كثير بن فائد، عن سعيد مرفوعا، ورواه سلم بن قتيبة، عن
~~سعيد بن عبيد، فوقفه على أنس. قلت: قد روي عنه مرفوعا وموقوفا، وتابعه على
~~رفعه أبو سعيد أيضا مولى بني هاشم، فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعا أيضا، وقد
~~روي أيضا من حديث ثابت، عن أنس مرفوعا، ولكن قال أبو حاتم: هو منكر. وقد
~~روي أيضا من حديث أبي ذر خرجه الإمام أحمد من رواية شهر بن
# PageV02P400
# حوشب، عن معديكرب، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه
~~عز وجل فذكره بمعناه، ورواه بعضهم عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر
~~وقيل: عن شهر، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، ولا يصح هذا القول. وروي من حديث ابن عباس خرجه الطبراني من رواية
~~قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم. وروي بعضه من وجوه أخر، فخرج مسلم في " صحيحه ms541 "
~~من حديث المعرور بن سويد، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«يقول الله تعالى: من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا،
~~تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة
~~لا يشرك بي شيئا لقيته بقرابها مغفرة» . وخرج الإمام أحمد من رواية أخشن
~~السدوسي، قال: دخلت على أنس
# PageV02P401
# فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفسي بيده، لو
~~أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله، لغفر
~~لكم» . فقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها
~~المغفرة: أحدها: الدعاء مع الرجاء، فإن الدعاء مأمور به، وموعود عليه
~~بالإجابة، كما قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] [غافر:
~~60] . وفي " السنن الأربعة " عن النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «إن الدعاء هو العبادة» ثم تلا هذه الآية. وفي حديث آخر خرجه
~~الطبراني مرفوعا: «من أعطي الدعاء، أعطي الإجابة، لأن الله تعالى يقول:
~~{ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] » . وفي حديث آخر: «ما كان الله ليفتح على
~~عبد باب الدعاء، ويغلق عنه باب الإجابة» . لكن الدعاء سبب مقتض للإجابة مع
~~استكمال شرائطه، وانتفاء موانعه، وقد تتخلف إجابته، لانتفاء بعض شروطه، أو
~~وجود بعض موانعه، وقد سبق ذكر
# PageV02P402
# بعض شرائطه وموانعه وآدابه في شرح الحديث العاشر. ومن أعظم شرائطه: حضور
~~القلب، ورجاء الإجابة من الله تعالى، كما خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن
~~الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه» . وفي " المسند " عن عبد الله بن عمرو،
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن هذه القلوب أوعية، فبعضها أوعى من
~~بعض، فإذا سألتم الله، فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب
~~لعبد دعاء من ظهر قلب غافل» . ولهذا نهي العبد أن يقول في دعائه: اللهم
~~اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن ms542 الله لا مكره له. ونهي أن يستعجل،
~~ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة، وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع
~~العبد رجاءه من إجابة دعائه ولو طالت المدة، فإنه سبحانه يحب الملحين في
~~الدعاء. وجاء في الآثار: «إن العبد إذا دعا ربه وهو يحبه، قال: يا جبريل،
~~لا تعجل بقضاء حاجة عبدي، فإني أحب أن أسمع صوته، وقال تعالى: {وادعوه خوفا
~~وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين} [الأعراف: 56] » [الأعراف: 56] .
# PageV02P403
# فما دام العبد يلح في الدعاء، ويطمع في الإجابة من غير قطع الرجاء، فهو
~~قريب من الإجابة، ومن أدمن قرع الباب، يوشك أن يفتح له. وفي " صحيح الحاكم
~~" عن أنس مرفوعا: «لا تعجزوا عن الدعاء، فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد» .
# ومن أهم ما يسأل العبد ربه مغفرة ذنوبه، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من
~~النار، ودخول الجنة، وقد «قال النبي صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن»
~~يعني: حول سؤال الجنة والنجاة من النار. قال أبو مسلم الخولاني: ما عرضت لي
~~دعوة فذكرت النار إلا صرفتها إلى الاستعاذة منها. ومن رحمة الله تعالى
~~بعبده أن العبد يدعوه بحاجة من الدنيا، فيصرفها عنه، ويعوضه خيرا منها، إما
~~أن يصرف عنه بذلك سوءا، أو أن يدخرها له في الآخرة، أو يغفر له بها ذنبا،
~~كما في " المسند " و " الترمذي " من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء
~~مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» . وفي " المسند " و " صحيح الحاكم " عن
~~أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس له
~~فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له
~~دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يكشف
# PageV02P404
# عنه من السوء مثلها، قالوا: إذا نكثر؟ قال: الله أكثر» . وخرجه الطبراني،
~~وعنده: «أو يغفر له بها ذنبا قد سلف» بدل قوله: «أو يكشف ms543 عنه من السوء
~~مثلها» . وخرج الترمذي من حديث عبادة مرفوعا نحو حديث أبي سعيد أيضا. وبكل
~~حال فالإلحاح بالدعاء بالمغفرة مع رجاء الله تعالى موجب للمغفرة، والله
~~تعالى يقول: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» وفي رواية: «فلا تظنوا
~~بالله إلا خيرا» . ويروى من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر مرفوعا: «يأتي
~~الله تعالى بالمؤمن يوم القيامة، فيقربه حتى يجعله في حجابه من جميع الخلق،
~~فيقول له: اقرأ [صحيفتك] ، فيعرفه ذنبا ذنبا: أتعرف أتعرف؟ فيقول: نعم نعم،
~~ثم يلتفت العبد يمنة ويسرة، فيقول الله تعالى: لا بأس عليك، يا عبدي أنت في
~~ستري من جميع خلقي، ليس بيني وبينك اليوم أحد يطلع على ذنوبك غيري، اذهب
~~فقد غفرتها لك بحرف واحد من جميع ما أتيتني به، قال: ما هو يا رب؟ قال: كنت
~~لا ترجو العفو من أحد غيري» .
# PageV02P405
# فمن أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبا لم يرج مغفرته من غير
~~ربه، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره، وقد سبق ذكر ذلك في شرح
~~حديث أبي ذر: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» . الحديث.
# وقوله: «إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك ما كان منك ولا أبالي» يعني: على
~~كثرة ذنوبك وخطاياك، ولا يتعاظمني ذلك، ولا أستكثره، وفي " الصحيح " عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة، فإن الله لا
~~يتعاظمه شيء» . فذنوب العبد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها
~~وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته. وفي " صحيح الحاكم " «عن جابر
~~أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: واذنوباه واذنوباه، مرتين
~~أو ثلاثا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل اللهم مغفرتك أوسع من
~~ذنوبي، ورحمتك أرجى عندي من عملي، فقالها، ثم قال له: عد فعاد، ثم قال له:
~~عد، فعاد، فقال له: قم، قد غفر الله لك» . وفي هذا يقول بعضهم:
# يا كبير الذنب عفو ال ... له من ذنبك ms544 أكبر
# أعظم الأشياء في ... جنب عفو الله يصغر
# PageV02P406
# وقال آخر:
# يا رب إن عظمت ذنوني كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم
# إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو ويدعو المجرم
# ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم إني مسلم
# السبب الثاني للمغفرة: الاستغفار، ولو عظمت الذنوب، وبلغت الكثرة عنان
~~السماء، وهو السحاب. وقيل: ما انتهى إليه البصر منها، وفي الرواية الأخرى:
~~«لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر
~~لكم» ، والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة: هي وقاية شر الذنوب مع سترها.
~~وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار، فتارة يؤمر به، كقوله تعالى: {واستغفروا
~~الله إن الله غفور رحيم} [البقرة: 199] [البقرة: 199] ، وقوله: {وأن
~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} [هود: 3] [هود: 3] . وتارة يمدح أهله، كقوله:
~~{والمستغفرين بالأسحار} [آل عمران: 17] [الذاريات: 18] ، وقوله: {والذين
~~إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر
~~الذنوب إلا الله} [آل عمران: 135] [آل عمران: 135] . وتارة يذكر أن الله
~~يغفر لمن استغفره، كقوله تعالى: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر
~~الله يجد الله غفورا رحيما} [النساء: 110] [النساء: 110] . وكثيرا ما يقرن
~~الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة
~~باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع من الذنوب بالقلوب والجوارح.
# PageV02P407
# وتارة يفرد الاستغفار، ويرتب عليه المغفرة، كما ذكر في هذا الحديث وما
~~أشبهه، فقد قيل: إنه أريد به الاستغفار المقترن بالتوبة، وقيل: إن نصوص
~~الاستغفار المفردة كلها مطلقة تقيد بما ذكر في آية " آل عمران " من عدم
~~الإصرار؛ فإن الله وعد فيها بالمغفرة لمن استغفره من ذنوبه ولم يصر على
~~فعله، فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد، ومجرد قول
~~القائل: اللهم اغفر لي - طلب منه للمغفرة ودعاء بها، فيكون حكمه حكم سائر
~~الدعاء، فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه، لا سيما إذا خرج عن قلب منكسر
~~بالذنب أو صادف ساعة من ساعات الإجابة كالأسحار وأدبار الصلوات. ويروى عن
~~لقمان عليه السلام أنه قال لابنه: ms545 يا بني عود لسانك: اللهم اغفر لي، فإن
~~لله ساعات لا يرد فيها سائلا. وقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم،
~~وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم أينما كنتم، فإنكم ما
~~تدرون متى تنزل المغفرة. وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب " حسن الظن " من حديث
~~أبي هريرة مرفوعا: «بينما رجل مستلق إذ نظر إلى السماء وإلى النجوم، فقال:
~~إني لأعلم أن لك ربا خالقا، اللهم اغفر لي، فغفر له» . وعن مورق قال: كان
~~رجل يعمل السيئات، فخرج إلى البرية، فجمع ترابا، فاضطجع عليه مستلقيا،
~~فقال: رب اغفر لي ذنوبي، فقال: إن هذا ليعرف أن له ربا يغفر ويعذب، فغفر
~~له. وعن مغيث بن سمي، قال: بينما رجل خبيث، فتذكر يوما، فقال: اللهم
# PageV02P408
# غفرانك، اللهم غفرانك، اللهم غفرانك، ثم مات فغفر له. ويشهد لهذا ما في "
~~الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن عبدا أذنب
~~ذنبا، فقال: رب أذنبت ذنبا فاغفر لي، قال الله تعالى: علم عبدي أن له ربا
~~يغفر الذنب، ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا آخر،
~~فذكر مثل الأول مرتين أخريين» وفي رواية لمسلم أنه قال في الثالثة: «قد
~~غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء» . والمعنى: ما دام على هذا الحال كلما أذنب
~~استغفر. والظاهر أن مراده الاستغفار المقرون بعدم الإصرار، ولهذا في حديث
~~أبي بكر الصديق، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما أصر من استغفر وإن
~~عاد في اليوم سبعين مرة» خرجه أبو داود والترمذي. وأما استغفار اللسان مع
~~إصرار القلب على الذنب، فهو دعاء مجرد إن شاء الله أجابه، وإن شاء رده. وقد
~~يكون الإصرار مانعا من الإجابة، وفي " المسند " من حديث عبد الله بن عمرو
~~مرفوعا: «ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعملون» . وخرج ابن أبي الدنيا
~~من حديث ابن عباس مرفوعا: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من
~~ذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه» ورفعه
# PageV02P409
# منكر، ولعله موقوف. ms546 قال الضحاك: ثلاثة لا يستجاب لهم، فذكر منهم رجل مقيم
~~على امرأة زنا قضى منها شهوته، قال: رب اغفر لي ما أصبت من فلانة، فيقول
~~الرب: تحول عنها، وأغفر لك، فأما ما دمت مقيما عليها، فإني لا أغفر لك،
~~ورجلا عنده مال قوم يرى أهله، فيقول: رب اغفر لي ما آكل من فلان، فيقول
~~تعالى: رد إليهم مالهم، وأغفر لك، وأما ما لم ترد إليهم، فلا أغفر لك. وقول
~~القائل: أستغفر الله، معناه: أطلب مغفرته، فهو كقوله: اللهم اغفر لي،
~~فالاستغفار التام الموجب للمغفرة: هو ما قارن عدم الإصرار، كما مدح الله
~~أهله، ووعدهم بالمغفرة، قال بعض العارفين: من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح
~~توبته، فهو كاذب في استغفاره، وكان بعضهم يقول: استغفارنا هذا يحتاج إلى
~~استغفار كثير، وفي ذلك يقول بعضهم:
# أستغفر الله من أستغفر الله ... من لفظة بدرت خالفت معناها
# وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد ... سددت بالذنب عند الله مجراها
# فأفضل الاستغفار ما اقترن به ترك الإصرار، وهو حينئذ توبة نصوح، وإن قال
~~بلسانه: أستغفر الله وهو غير مقلع بقلبه، فهو داع لله بالمغفرة، كما يقول:
~~اللهم اغفر لي، وهو حسن وقد يرجى له الإجابة، وأما من قال: " توبة
~~الكذابين، فمراده أنه ليس بتوبة، كما يعتقده بعض الناس، وهذا حق، فإن
~~التوبة لا تكون مع الإصرار. وإن قال: أستغفر الله وأتوب إليه فله حالتان:
# PageV02P410
# إحداهما: أن يكون مصرا بقلبه على المعصية، فهذا كاذب في قوله: " وأتوب
~~إليه " لأنه غير تائب، فلا يجوز له أن يخبر عن نفسه بأنه تائب وهو غير
~~تائب. والثانية: أن يكون مقلعا عن المعصية بقلبه، فاختلف الناس في جواز
~~قوله: وأتوب إليه، فكرهه طائفة من السلف، وهو قول أصحاب أبي حنيفة حكاه
~~عنهم الطحاوي، وقال الربيع بن خثيم: يكون قوله: " وأتوب إليه " كذبة وذنبا،
~~ولكن ليقل: اللهم تب علي، أو يقل: اللهم إني أستغفرك فتب علي. وهذا قد يحمل
~~على من لم يقلع بقلبه وهو بحاله أشبه. وكان محمد بن سوقة يقول في استغفاره ms547
~~أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله توبة نصوحا.
~~وروي عن حذيفة أنه قال: بحسب المرء من الكذب أن يقول: أستغفر الله، ثم
~~يعود. وسمع مطرف رجلا يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، فتغيظ عليه، وقال:
~~لعلك لا تفعل. وهذا ظاهره يدل على أنه إنما كره أن يقول: وأتوب إليه، لأن
~~التوبة النصوح أن لا يعود إلى الذنب أبدا، فمتى عاد إليه، كان كاذبا في
~~قوله: " وأتوب إليه ". وكذلك سئل محمد بن كعب القرظي عمن عاهد الله أن لا
~~يعود إلى معصية أبدا، فقال: من أعظم منه إثما؟ يتألى على الله أن لا ينفذ
~~فيه قضاؤه، ورجح قوله في هذا أبو الفرج بن الجوزي وروي عن سفيان بن عيينة
~~نحو ذلك. وجمهور العلماء على جواز أن يقول التائب: أتوب إلى الله، وأن
~~يعاهد العبد ربه على أن لا يعود إلى المعصية، فإن العزم على ذلك واجب عليه،
~~فهو مخبر بما عزم عليه في الحال، ولهذا قال: " «ما أصر من استغفر، ولو عاد
~~في اليوم
# PageV02P411
# سبعين مرة» ". وقال في المعاود للذنب: «قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء» .
~~وفي حديث كفارة المجلس: «أستغفرك اللهم وأتوب إليك» ، «وقطع النبي صلى الله
~~عليه وسلم سارقا، ثم قال له: استغفر الله وتب إليه فقال: أستغفر الله وأتوب
~~إليه، فقال: اللهم تب عليه» خرجه أبو داود. واستحب جماعة من السلف الزيادة
~~على قوله أستغفر الله وأتوب إليه فروي عن عمر أنه سمع رجلا يقول: أستغفر
~~الله وأتوب إليه، فقال له: يا حميق، قل: توبة من لا يملك لنفسه ضرا ولا
~~نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. وسئل الأوزاعي عن الاستغفار: أيقول:
~~أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، فقال: إن هذا
~~لحسن، ولكن يقول: رب اغفر لي حتى يتم الاستغفار. وأفضل أنواع الاستغفار: أن
~~يبدأ العبد بالثناء على ربه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل الله
~~المغفرة كما في حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه ms548 وسلم، قال: «سيد
~~الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك،
~~وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء
# PageV02P412
# لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» خرجه
~~البخاري. وفي " الصحيحين " عن عبد الله بن عمرو «أن أبا بكر الصديق رضي
~~الله عنه قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل اللهم
~~إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من
~~عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» . ومن أنواع الاستغفار أن يقول العبد
~~" أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ". وقد
~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من قاله، غفر له وإن كان فر من الزحف؛
~~خرجه أبو داود والترمذي. وفي كتاب " اليوم والليلة " للنسائي، «عن خباب بن
~~الأرت، قال: قلت: يا رسول الله، كيف نستغفر؟ قال: قل: اللهم اغفر لنا
~~وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم» ، وفيه «عن أبي هريرة، قال: ما
~~رأيت أحدا أكثر أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله صلى عليه
~~وسلم.»
# PageV02P413
# وفي " السنن الأربعة " عن ابن عمر، قال: «إن كنا لنعد لرسول الله صلى
~~الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك
~~أنت التواب الغفور» . وفي " صحيح البخاري " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من
~~سبعين مرة» . وفي " صحيح مسلم " عن الأغر المزني، عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، قال: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» .
~~وفي " المسند " «عن حذيفة قال: قلت: يا رسول الله، إني ذرب اللسان وإن عامة
~~ذلك على أهلي، فقال: أين أنت من الاستغفار إني لأستغفر الله في اليوم
~~والليلة مائة مرة» . وفي " سنن أبي داود " عن ابن عباس، عن النبي ms549 صلى الله
~~عليه وسلم، قال: «من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل
~~ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب» .
# PageV02P414
# قال أبو هريرة: إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرة، وذلك على
~~قدر ديتي. وقالت عائشة: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا. قال أبو
~~المنهال: ما جاور عبد في قبره من جار أحب إليه من استغفار كثير. وبالجملة،
~~فدواء الذنوب الاستغفار، وروينا من حديث أبي ذر مرفوعا: «إن لكل داء دواء،
~~وإن دواء الذنوب الاستغفار» . قال قتادة: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم
~~ودوائكم، فأما داؤكم: فالذنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار. وقال بعضهم: إنما
~~معول المذنبين البكاء والاستغفار، فمن أهمته ذنوبه، أكثر لها من الاستغفار.
~~قال رباح القيسي: لي نيف وأربعون ذنبا، قد استغفرت الله لكل ذنب مائة ألف
~~مرة. وحاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه، فإذا زلاته لا تجاوز ستا وثلاثين زلة،
~~فاستغفر الله لكل زلة مائة ألف مرة، وصلى لكل زلة ألف ركعة، وختم في كل
~~ركعة منها ختمة، قال: ومع ذلك، فإني غير آمن سطوة ربي أن يأخذني بها، وأنا
~~على
# PageV02P415
# خطر من قبول التوبة. ومن زاد اهتمامه بذنوبه، فربما تعلق بأذيال من قلت
~~ذنوبه، فالتمس منه الاستغفار. وكان عمر يطلب من الصبيان الاستغفار، ويقول
~~إنكم لم تذنبوا، وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكتاب: قولوا: اللهم اغفر
~~لأبي هريرة، فيؤمن على دعائهم. قال بكر المزني: لو كان رجل يطوف على
~~الأبواب كما يطوف المسكين يقول: استغفروا لي، لكان نوله أن يفعل. ومن كثرت
~~ذنوبه وسيئاته حتى فاتت العدد والإحصاء، فليستغفر الله مما علم الله، فإن
~~الله قد علم كل شيء وأحصاه، كما قال تعالى: {يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم
~~بما عملوا أحصاه الله ونسوه} [المجادلة: 6] [المجادلة: 6] ، وفي حديث شداد
~~بن أوس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أسألك من خير ما تعلم. وأعوذ بك من
~~شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب» . وفي مثل هذا يقول
~~بعضهم: ms550 أستغفر الله مما يعلم الله إن الشقي لمن لا يرحم الله ما أحلم الله
~~عمن لا يراقبه كل مسيء ولكن يحلم الله فاستغفر الله مما كان من زلل طوبى
~~لمن كف عما يكره الله طوبى لمن حسنت منه سريرته طوبى لمن ينتهي عما نهى
~~الله
# السبب الثالث من أسباب المغفرة: التوحيد، وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد
~~المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال تعالى: {إن الله لا
~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] [النساء: 48] فمن
# PageV02P416
# جاء مع التوحيد بقراب الأرض - وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها - خطايا، لقيه
~~الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل، فإن شاء غفر له، وإن
~~شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها، ثم
~~يدخل الجنة. قال بعضهم: الموحد لا يلقى في النار كما يلقى الكفار، ولا يلقى
~~فيها ما يلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار، فإن كمل توحيد العبد
~~وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه
~~عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار
~~بالكلية. فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه، أخرجت منه كل ما سوى الله محبة
~~وتعظيما وإجلالا ومهابة، وخشية، ورجاء وتوكلا، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه
~~كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، كما سبق ذكره في تبديل
~~السيئات حسنات، فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه ذرة على
~~جبال الذنوب والخطايا، لقلبها حسنات كما في " المسند " وغيره، عن أم هانئ،
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا إله إلا الله لا تترك ذنبا، ولا
~~يسبقها عمل» . وفي " المسند " عن شداد بن أوس، وعبادة بن الصامت «أن النبي
~~صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ارفعوا أيديكم، وقولوا: لا إله إلا الله،
~~فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم قال:
~~الحمد لله، ms551 اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني الجنة عليها،
~~وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: أبشروا، فإن الله قد غفر لكم» .
# PageV02P417
# قال الشبلي: من ركن إلى الدنيا أحرقته بنارها، فصار رمادا تذروه الرياح،
~~ومن ركن إلى الآخرة أحرقته بنورها، فصار ذهبا أحمر ينتفع به، ومن ركن إلى
~~الله، أحرقه نور التوحيد، فصار جوهرا لا قيمة له. إذا علقت نار المحبة
~~بالقلب أحرقت منه كل شيء ما سوى الرب عز وجل، فطهر القلب حينئذ من الأغيار،
~~وصلح عرشا للتوحيد: «ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن»
~~.
# غصني الشوق إليهم بريقي ... فواحريقي في الهوى واحريقي
# قد رماني الحب في لج بحر ... فخذوا بالله كف الغريق
# حل عندي حبكم في شغافي ... حل مني كل عقد وثيق
# فهذا آخر ما ذكره الشيخ رحمه الله من الأحاديث في هذا الكتاب ونحن بعون
~~الله ومشيئته نذكر تتمة الخمسين حديثا من الأحاديث الجامعة لأنواع العلوم
~~والآداب والحكم الموعود بها في أول الكتاب، والله الموفق للصواب.
# PageV02P418
### | [الحديث الثالث والأربعون ألحقوا الفرائض بأهلها]
# PageV02P418
# الحديث الثالث والأربعون. عن ابن عباس رضي الله عنهما
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت
~~الفرائض، فلأولى رجل ذكر» . خرجه البخاري ومسلم.
# هذا الحديث الذي زعم بعض شراح هذه
~~الأربعين أن الشيخ رحمه الله أغفله، فإنه مشتمل على أحكام المواريث وجامع
~~لها، وهذا الحديث خرجاه من رواية وهيب، وروح بن القاسم، عن ابن طاوس، عن
~~أبيه، عن ابن عباس وخرجه مسلم من رواية معمر، ويحيى بن أيوب، عن ابن طاوس
~~أيضا. وقد رواه الثوري، وابن عيينة وابن جريج وغيرهم، عن ابن طاوس عن أبيه
~~مرسلا من غير ذكر ابن عباس، ورجح النسائي إرساله. وقد اختلف العلماء في
~~معنى قوله: «ألحقوا الفرائض بأهلها» : فقالت طائفة: المراد بالفرائض الفروض
~~المقدرة في كتاب الله تعالى، والمراد: أعطوا الفرائض المقدرة لمن سماها
~~الله لهم، فما بقي بعد هذه الفروض، فيستحقه أولى الرجال، والمراد بالأولى
~~الأقرب، كما يقال: ms552 هذا
# PageV02P419
# يلي هذا، أي يقرب منه، فأقرب الرجال هو أقرب العصبات، فيستحق الباقي
~~بالتعصيب، وبهذا المعنى فسر الحديث جماعة من الأئمة، منهم الإمام أحمد،
~~وإسحاق بن راهويه، نقله عنهما إسحاق بن منصور، وعلى هذا، فإذا اجتمع بنت
~~وأخت وعم وابن عم أو ابن أخ، فينبغي أن يأخذ الباقي بعد نصف البنت العصبة،
~~وهذا قول ابن عباس، وكان يتمسك بهذا الحديث، ويقر بأن الناس كلهم على
~~خلافه، وذهبت الظاهرية إلى قوله أيضا. وقال إسحاق: إذا كان مع البنت والأخت
~~عصبة، فالعصبة أولى، وإن لم يكن معها أحد، فالأخت لها الباقي، وحكي عن ابن
~~مسعود أنه قال: البنت عصبة من لا عصبة له، ورد بعضهم هذا، وقال: لا يصح عن
~~ابن مسعود. وكان ابن الزبير ومسروق يقولان بقول ابن عباس، ثم رجعا عنه.
~~وذهب جمهور العلماء إلى أن الأخت مع البنت عصبة لها ما فضل، منهم عمر،
~~وعلي، وعائشة، وزيد، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وتابعهم سائر العلماء. وروى
~~عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج: سألت ابن طاوس عن ابنة وأخت، فقال: كان أبي
~~يذكر عن ابن عباس، عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها شيئا، وكان
~~طاوس لا يرضى بذلك الرجل، قال: وكان أبي يشك فيها، ولا يقول فيها شيئا، وقد
~~كان يسأل عنها. والظاهر - والله أعلم - أن مراد طاوس هو هذا الحديث، فإن
~~ابن عباس لم يكن عنده نص صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ميراث الأخت
~~مع البنت، إنما كان يتمسك بمثل عموم هذا الحديث. وما ذكره طاوس أن ابن عباس
~~رواه عن رجل وأنه لا يرضاه، فابن عباس أكثر رواياته للحديث عن الصحابة،
~~والصحابة كلهم عدول قد رضي الله عنهم،
# PageV02P420
# وأثنى عليهم، فلا عبرة بعد ذلك بعدم رضا طاوس. وفي " صحيح " البخاري عن
~~أبي قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل، قال: «جاء رجل إلى أبي موسى، فسأله عن
~~ابنة وابنة ابن، وأخت لأب وأم، فقال: للابنة النصف، وللأخت ما بقي وائت ابن
~~مسعود فسيتابعني، فأتى ms553 ابن مسعود، فذكر ذلك له، فقال: لقد ضللت إذا وما أنا
~~من المهتدين أقضي فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: للابنة النصف،
~~ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي، فللأخت، قال: فأتينا أبا موسى
~~فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم» . وفيه
~~أيضا عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال: قضى فينا معاذ بن جبل
~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النصف للابنة، والنصف للأخت، ثم ترك
~~الأعمش ذكر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يذكره. وخرجه أبو داود
~~من وجه آخر عن الأسود، وزاد فيه: ونبي الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حي.
~~واستدل ابن عباس لقوله بقول الله عز وجل: {قل الله يفتيكم في الكلالة إن
~~امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} [النساء: 176] [النساء: 176]
~~وكان يقول: أأنتم أعلم أم الله؟ يعني أن الله لم يجعل لها النصف إلا مع عدم
~~الولد، وأنتم تجعلون لها النصف مع الولد وهو البنت. والصواب قول عمر
~~والجمهور، ولا دلالة في هذه الآية على خلاف ذلك؛ لأن المراد بقوله: {فلها
~~نصف ما ترك} [النساء: 176] بالفرض، وهذا مشروط بعدم الولد
# PageV02P421
# بالكلية، ولهذا قال بعده: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك}
~~[النساء: 176] [النساء: 176] يعني بالفرض، والأخت الواحدة إنما تأخذ النصف
~~مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى، فكذلك الأختان فصاعدا إنما يستحقون
~~الثلثين مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى، فإن كان هناك ولد، فإن كان ذكرا،
~~فهو مقدم على الإخوة مطلقا ذكورهم وإناثهم، وإن لم يكن هناك ولد ذكر، بل
~~أنثى فالباقي بعد فرضها يستحقه الأخ مع أخته بالاتفاق، فإذا كانت الأخت لا
~~يسقطها أخوها؛ فكيف يسقطها من هو أبعد منه من العصبات كالعم وابنه؟ وإذا لم
~~يكن العصبة الأبعد مسقطا لها، فيتعين تقديمها عليه، لامتناع مشاركته لها،
~~فمفهوم الآية أن الولد يمنع أن يكون للأخت النصف بالفرض، وهذا حق ليس
~~مفهوما أن الأخت تسقط بالبنت، ولا ms554 تأخذ ما فضل من ميراثها، يدل عليه قوله
~~تعالى: {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} [النساء: 176] [النساء: 176] ، وقد
~~أجمعت الأمة على أن الولد الأنثى لا يمنع الأخ أن يرث من مال أخته ما فضل
~~عن البنت أو البنات، وإنما وجود الولد الأنثى يمنع أن يحوز الأخ ميراث أخته
~~كله، فكما أن الولد إن كان ذكرا، منع الأخ من الميراث، وإن كان أنثى، لم
~~يمنعه الفاضل عن ميراثها، وإن منعه حيازة الميراث، فكذلك الولد إن كان ذكرا
~~منع الأخت الميراث بالكلية، وإن كان أنثى منعت الأخت أن يفرض لها النصف،
~~ولم يمنعها أن تأخذ ما فضل عن فرضها والله أعلم.
# وأما قوله: «فما أبقت الفرائض، فلأولى رجل ذكر» ، فقد قيل: إن المراد به
~~العصبة البعيد خاصة، كبني الإخوة والأعمام وبنيهم، دون العصبة القريب؛
~~بدليل أن الباقي بعد الفروض يشترك فيه الذكر والأنثى إذا كان العصبة قريبا،
~~كالأولاد والإخوة بالاتفاق، فكذلك الأخت مع البنت بالنص الدال عليه. وأيضا
~~فإنه يخص منه هذه الصور بالاتفاق، وكذلك يخص منه المعتقة مولاة النعمة
~~بالاتفاق، فتخص منه صورة الأخت مع البنت بالنص.
# PageV02P422
# وقالت طائفة آخرون: المراد بقوله: «ألحقوا الفرائض بأهلها» ما يستحقه ذوو
~~الفروض في الجملة، سواء أخذوه بفرض أو بتعصيب طرأ لهم، والمراد بقوله: «فما
~~بقي فلأولى رجل ذكر» العصبة الذي ليس له فرض بحال، ويدل عليه أنه قد روي
~~الحديث بلفظ آخر، وهو: «اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله» فدخل
~~في ذلك كل من كان من أهل الفروض بوجه من الوجوه، وعلى هذا فما تأخذه الأخت
~~مع أخيها، أو ابن عمها إذا عصبها هو داخل في هذه القسمة؛ لأنها من أهل
~~الفرائض في الجملة، فكذلك ما تأخذه الأخت مع البنت. وقالت فرقة أخرى:
~~المراد بأهل الفرائض في قوله: «ألحقوا الفرائض بأهلها» ، وقوله: «اقسموا
~~المال بين أهل الفرائض» جملة من سماه الله في كتابه من أهل المواريث من ذوي
~~الفروض والعصبات كلهم، فإن كل ما يأخذه الورثة، فهو فرض فرضه الله لهم، ms555
~~سواء كان مقدرا أو غير مقدر، كما قال بعد ذكر ميراث الوالدين والأولاد:
~~{فريضة من الله} [النساء: 11] [النساء: 11] ، وفيهم ذو فرض وعصبة، وكما
~~قال: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك
~~الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا} [النساء: 7] [النساء:
~~7] وهذا يشمل العصبات وذوي الفروض، فكذلك قوله: «اقسموا الفرائض بين أهلها
~~على كتاب الله» يشمل قسمته بين ذوي الفروض والعصبات على ما في كتاب الله،
~~فإن قسم على ذلك ثم فضل منه شيء، فيختص بالفاضل أقرب الذكور من الورثة،
~~وكذلك إن لم يوجد في كتاب الله تصريح بقسمته بين من سماه الله من الورثة،
~~فيكون المال حينئذ لأولى رجل ذكر منهم. فهذا الحديث مبين لكيفية قسمة
~~المواريث المذكورة في كتاب الله بين أهلها ومبين لقسمة ما فضل من المال عن
~~تلك القسمة مما لم يصرح به القرآن من أحوال أولئك الورثة وأقسامهم، ومبين
~~أيضا لكيفية توريث بقية
# PageV02P423
# العصبات الذين لم يصرح بتسميتهم في القرآن، فإذا ضم هذا الحديث إلى آيات
~~القرآن، انتظم ذلك كله معرفة قسمة المواريث بين جميع ذوي الفروض والعصبات.
# ونحن نذكر حكم توريث الأولاد والوالدين كما ذكره الله في أول سورة
~~النساء، وحكم توريث الإخوة من الأبوين، أو من الأب، كما ذكره الله في آخر
~~السورة المذكورة. فأما الأولاد، فقد قال الله تعالى: {يوصيكم الله في
~~أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] [النساء: 11] ، فهذا حكم
~~اجتماع ذكورهم وإناثهم أنه يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، ويدخل في ذلك
~~الأولاد، وأولاد البنين باتفاق العلماء، فمتى اجتمع من الأولاد إخوة
~~وأخوات، اقتسموا الميراث على هذا الوجه عند الأكثرين، فلو كان هناك بنت
~~للصلب أو ابنتان، وكان هناك ابن ابن مع أخته اقتسما الباقي أثلاثا؛ لدخولهم
~~في هذا العموم. هذا قول جمهور العلماء، منهم عمر وعلي وزيد وابن عباس، وذهب
~~إليه عامة العلماء، والأئمة الأربعة. وذهب ابن مسعود إلى أن الباقي بعد
~~استكمال بنات الصلب الثلثين كله لابن الابن، ولا يعصب أخته، وهو قول علقمة
~~وأبي ms556 ثور وأهل الظاهر، فلا يعصب عندهم الولد أخته إلا أن يكون لها فريضة لو
~~انفردت عنه، فكذلك قالوا فيما إذا كان هناك بنت وأولاد ابن ذكور وإناث، إن
~~الباقي لجميع ولد الابن، للذكر منهم مثل حظ الأنثيين. وقال ابن مسعود في
~~بنت وبنات ابن وبني ابن: للبنت النصف والباقي بين ولد الابن، للذكر مثل حظ
~~الأنثيين إلا أن تزيد المقاسمة بنات الابن على السدس، فيفرض لهن السدس،
~~ويجعل الباقي لبني الابن، وهذا قول أبي ثور. وأما الجمهور، فقالوا: النصف
~~الباقي لولد الابن، للذكر مثل حظ الأنثيين
# PageV02P424
# عملا بعموم الآية، وعندهم أن الولد وإن نزل يعصب من في درجته بكل حال،
~~سواء كان للأنثى فرض بدونه أو لم يكن، يعصب من أعلى منه من الإناث إلا بشرط
~~أن لا يكون لها فرض بدونه، ولا يعصب من أسفل منه بكل حال. ثم قال تعالى:
~~{فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف}
~~[النساء: 11] . فهذا حكم انفراد الإناث من الأولاد أن للواحدة النصف، ولما
~~فوق الأنثيين الثلثان، ويدخل في ذلك بنات الصلب وبنات الابن عند عدمهن، فإن
~~اجتمعن فإن استكمل بنات الصلب الثلثين، فلا شيء لبنات الابن المنفردات، وإن
~~لم يستكمل البنات الثلثين، بل كان ولد الصلب بنتا واحدة، ومعها بنات ابن،
~~فللبنت النصف، ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين؛ لئلا يزيد فرض البنات على
~~الثلثين، وبهذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود الذي تقدم
~~ذكره، وهو قول عامة العلماء، إلا ما روي عن ابن مسعود وسلمان بن ربيعة أنه
~~لا شيء لبنات الابن، وقد رجع أبو موسى إلى قول ابن مسعود لما بلغه قوله في
~~ذلك. وإنما أشكل على العلماء حكم ميراث البنتين، فإن لهما الثلثين بالإجماع
~~كما حكاه ابن المنذر وغيره، وما حكي فيه عن ابن عباس أن لهما النصف، فقد
~~قيل: إن إسناده لا يصح، والقرآن يدل على خلافه، حيث قال: {وإن كانت واحدة
~~فلها النصف} [النساء: 11] [النساء: 11] ، فكيف تورث أكثر ms557 من واحدة النصف؟
~~وحديث ابن مسعود في توريث البنت النصف وبنت الابن السدس تكملة الثلثين يدل
~~على توريث البنت الثلثين بطريق الأولى. وخرج الإمام أحمد، وأبو داود
~~والترمذي من حديث جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث ابنتي سعد بن
~~الربيع الثلثين» ،
# PageV02P425
# ولكن أشكل فهم ذلك من القرآن لقوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين}
~~[النساء: 11] ، فلهذا اضطرب الناس في هذا، وقال كثير من الناس فيه أقوالا
~~مستبعدة. ومنهم من قال: استفيد حكم ميراث الابنتين من ميراث الأختين، فإنه
~~قال تعالى: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} [النساء: 176] ،
~~واستفيد حكم ميراث أكثر من الأختين من حكم ميراث ما فوق الاثنتين. ومنهم من
~~قال: البنت مع أخيها لها الثلث بنص القرآن، فلأن يكون لها الثلث مع أختها
~~أولى، وسلك بعضهم مسلكا آخر، وهو أن الله تعالى ذكر حكم توريث اجتماع
~~الذكور والإناث من الأولاد، وذكر حكم توريث الإناث إذا انفردن عن الذكور،
~~ولم ينص على حكم انفراد الذكور منهم عن الإناث، وجعل حكم الاجتماع أن الذكر
~~له مثل حظ الأنثيين، فإن اجتمع مع الابن ابنتان فصاعدا، فله مثل نصيب
~~اثنتين منهن، وإن لم يكن معه إلا ابنة واحدة، فلهما الثلثان ولها الثلث،
~~وقد سمى الله ما يستحقه الذكر حظ الأنثيين مطلقا، وليس الثلثان حظ الأنثيين
~~في حال اجتماعهما مع الذكر، لأن حظهما حينئذ النصف، فتعين أن يكون الثلثان
~~حظهما حال الانفراد. وبقي هاهنا قسم ثالث لم يصرح القرآن بذكره، وهو حكم
~~انفراد الذكور من الولد، وهذا مما يمكن إدخاله في حديث ابن عباس: «فما بقي،
~~فلأولى رجل ذكر» ، فإن هذا القسم قد بقي ولم يصرح بحكمه في القرآن، فيكون
~~المال حينئذ لأقرب الذكور من الولد والأمر على هذا، فإنه لو اجتمع ابن وابن
~~ابن، لكان المال كله للابن، ولو كان ابن ابن وابن ابن ابن، لكان المال كله
~~لابن الابن على مقتضى حديث ابن عباس، والله أعلم.
# ثم ذكر تعالى حكم ميراث الأبوين، فقال
# PageV02P426
# {ولأبويه لكل واحد منهما السدس ms558 مما ترك إن كان له ولد} [النساء: 11] ،
~~فهذا حكم ميراث الأبوين إذا كان للولد المتوفى ولد، وسواء في الولد الذكر
~~والأنثى، وسواء فيه ولد الصلب وولد الابن، هذا كالإجماع من العلماء وقد حكى
~~بعضهم عن مجاهد فيه خلافا، فمتى كان للميت ولد، أو ولد ابن، وله أبوان،
~~فلكل واحد من أبويه السدس فرضا، ثم إن كان الولد ذكرا، فالباقي بعد سدسي
~~الأبوين له، وربما دخل هذا في قوله صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض
~~بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر» . وأقرب العصبات الابن، وإن كان الولد
~~أنثى فإن كانتا اثنتين فصاعدا، فالثلثان لهن، ولا يفضل من المال شيء، وإن
~~كانت بنتا واحدة، فلها النصف، ويفضل من المال سدس آخر، فيأخذه الأب
~~بالتعصيب، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي
~~فلأولى رجل ذكر» ، فهو أولى رجل ذكر عند فقد الابن؛ إذ هو أقرب من الأخ
~~وابنه والعم وابنه. ثم قال تعالى: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه
~~الثلث} [النساء: 11] ، يعني إذا لم يكن للميت ولد، وله أبوان يرثانه، فلأمه
~~الثلث، فيفهم من ذلك أن الباقي بعد الثلث للأب؛ لأنه أثبت ميراثه لأبويه،
~~وخص الأم من الميراث بالثلث، فعلم أن الباقي للأب، ولم يقل: فللأب - مثلا -
~~ما للأم؛ لئلا يوهم أن اقتسامهما المال هو بالتعصيب كالأولاد والإخوة، إذا
~~كان فيهم ذكور وإناث. وكان ابن عباس يتمسك بهذه الآية بقوله في المسألتين
~~الملقبتين بالعمريتين وهما: زوج وأبوان، وزوجة وأبوان، فإن عمر قضى أن
~~الزوجين يأخذان فرضهما من المال، وما بقي بعد فرضهما في المسألتين، فللأم
~~ثلثه، والباقي للأب، وتابعه على ذلك جمهور الأمة.
# PageV02P427
# وقال ابن عباس بل للأم الثلث كاملا، تمسكا بقوله: {فإن لم يكن له ولد
~~وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11] . وقد قيل في جواب هذا: إن الله
~~إنما جعل للأم الثلث بشرطين: أحدهما: أن لا يكون للولد المتوفى ولد،
~~والثاني: أن يرثه أبواه، أي أن ينفرد أبواه بميراثه، فما لم ينفرد أبواه
~~بميراثه، فلا تستحق ms559 الأم الثلث، وإن لم يكن للمتوفى ولد. وقد يقال - وهو
~~أحسن -: إن قوله: {وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11] أي: مما ورثه
~~الأبوان، ولم يقل: فلأمه الثلث مما ترك كما قال في السدس، فالمعنى أنه إذا
~~لم يكن له ولد، وكان لأبويه من ماله ميراث، فللأم ثلث ذلك الميراث الذي
~~يختص به الأبوان، ويبقى الباقي للأب. ولهذا السر والله أعلم حيث ذكر الله
~~الفروض المقدرة لأهلها، قال فيها: مما ترك، أو ما يدل على ذلك، كقوله: {من
~~بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] ، ليبين أن ذا الفرض حقه ذلك الجزء
~~المفروض المقدر له من جميع المال بعد الوصايا والديون، وحيث ذكر ميراث
~~العصبات، أو ما يقتسمه الذكور والإناث على وجه التعصيب كالأولاد والإخوة لم
~~يقيده بشيء من ذلك، ليبين أن المال المقتسم بالتعصيب ليس هو المال كله بل،
~~تارة يكون جميع المال، وتارة يكون هو الفاضل عن الفروض المفروضة المقدرة،
~~وهنا لما ذكر ميراث الأبوين من ولدهما الذي لا ولد له، ولم يكن اقتسامهما
~~للميراث بالفرض المحض، كما في ميراثهما مع الولد، ولا كان بالتعصيب المحض
~~الذي يعصب فيه الذكر والأنثى، ويأخذ مثلي ما تأخذه الأنثى، بل كانت الأم
~~تأخذ ما تأخذه بالفرض، والأب يأخذ ما يأخذه بالتعصيب، قال: {وورثه أبواه
~~فلأمه الثلث} [النساء: 11] يعني أن القدر الذي يستحقه
# PageV02P428
# الأبوان من ميراثه تأخذ الأم ثلثه فرضا، والباقي يأخذه الأب بالتعصيب،
~~وهذا مما فتح الله به، ولا أعلم أحدا سبق إليه، ولله الحمد والمنة.
# ثم قال تعالى: {فإن كان له إخوة فللأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو
~~دين} [النساء: 11] يعني: للأم السدس مع الإخوة من جميع التركة الموروثة
~~التي يقتسمها الورثة، ولم يذكر هنا ميراث الأب مع الأم، ولا شك أنه إذا
~~اجتمع أم وإخوة ليس معهم أب، فإن للأم السدس، والباقي للإخوة ويحجبها
~~الأخوان فصاعدا عند الجمهور. وأما إن كان مع الأم والإخوة أب، فقال
~~الأكثرون: يحجب الإخوة الأم ولا يرثون، وروي عن ابن عباس أنهم يرثون السدس ms560
~~الذي حجبوا عنه الأم بالفرض كما يرث ولد الأم مع الأم بالفرض. وقد قيل: إن
~~هذا مبني على قوله: إن الكلالة من لا ولد له خاصة، ولا يشترط للكلالة فقد
~~الوالد، فيرث الإخوة مع الأب بالفرض. ومن العلماء المتأخرين من قال: إذا
~~كان الإخوة محجوبين بالأب، فلا يحجبون الأم عن شيء، بل لها حينئذ الثلث،
~~ورجحه الإمام أبو العباس بن تيمية رحمة الله عليه، وقد يؤخذ من عموم قول
~~عمر وغيره من السلف: من لا يرث لا يحجب، وقد قال نحوه أحمد والخرقي، لكن
~~أكثر العلماء يحملون ذلك على أن المراد من ليس له أهلية بالكلية، كالكافر
~~والرقيق، دون من يرث لانحجابه بمن هو أقرب منه، والله أعلم. وقد يشهد للقول
~~بأن الإخوة إذا كانوا محجوبين لا يحجبون الأم أن الله تعالى قال: {فإن كان
~~له إخوة فلأمه السدس} [النساء: 11] ولم يذكر الأب، فدل على أن ذلك حكم
~~انفراد الأم مع الإخوة، فيكون الباقي بعد السدس كله لهم، وهذا ضعيف، فإن
~~الإخوة قد يكونون من أم، فلا يكون لهم سوى الثلث، والله تعالى أعلم.
# PageV02P429
# اعلم أن الله تعالى ذكر حكم ميراث الأبوين، ولم يذكر الجد ولا الجدة،
~~فأما الجدة، فقد قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما: إنه
~~ليس لهما في كتاب الله شيء، وقد حكى بعض العلماء الإجماع على ذلك، وأن
~~فرضها إنما ثبت بالسنة. وقيل: إن السدس طعمة أطعمها رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم وليس بفرض، كذا روي عن ابن مسعود وسعيد بن المسيب. وقد روي عن
~~ابن عباس من وجوه فيها ضعف أنها بمنزلة الأم عند فقد الأم ترث ميراث الأم،
~~فترث الثلث تارة، والسدس أخرى، وهذا شذوذ، ولا يصح إلحاق الجدة، بالجد لأن
~~الجد عصبة يدلي بعصبة، والجدة ذات فرض تدلي بذات فرض فضعفت، وقد قيل: إنه
~~ليس لها فرض بالكلية، وإنما السدس طعمة أطعمها النبي صلى الله عليه وسلم،
~~ولهذا قالت طائفة ممن يرى الرد على ذوي الفروض: إنه لا يرد ms561 على الجدة لضعف
~~فرضها، وهو رواية عن أحمد. وأما الجد، فاتفق العلماء على أنه يقوم مقام
~~الأب في أحواله المذكورة من قبل، فيرث مع الولد السدس بالفرض، ومع عدم
~~الولد يرث بالتعصيب، وإن بقي شيء مع إناث الولد أخذه بالتعصيب أيضا عملا
~~بقوله: «فما أبقت الفرائض، فلأولى رجل ذكر» . ولكن اختلفوا إذا اجتمع أم
~~وجد مع أحد الزوجين، فروي عن طائفة من الصحابة أن للأم ثلث الباقي كما لو
~~كان معها الأب كما سبق، روي ذلك عن عمر، وابن مسعود كذا نقله بعضهم، ومنهم
~~من قال: إنما روي عن عمر، وابن مسعود في زوج وأم وجد أن للأم ثلث الباقي.
~~وروي عن ابن مسعود رواية أخرى: أن النصف الفاضل بين الجد والأم
# PageV02P430
# نصفان، وأما في زوجة وأم وجد، فروي عن ابن مسعود رواية شاذة: إن للأم ثلث
~~الباقي، والصحيح عنه كقول الجمهور: إن لها الثلث كاملا، وهذا يشبه تفريق
~~ابن سيرين في الأم مع الأب أنه إن كان معهما زوج، للأم ثلث الباقي، وإن كان
~~معها زوجة، فللأم الثلث. وجمهور العلماء على أن الأم لها الثلث مع الجد
~~مطلقا، وهو قول علي وزيد، وابن عباس، والفرق بين الأم مع الأب والجد أنها
~~مع الأب يشملها اسم واحد، وهما في القرب سواء إلى الميت، فيأخذ الذكر منهما
~~مثل حظ الأنثيين كالأولاد والإخوة، وأما الأم مع الجد، فليس يشملها اسم
~~واحد، والجد أبعد من الأب، فلا يلزم مساواته به في ذلك. وأما إن اجتمع الجد
~~مع الإخوة، فإن كانوا لأم سقطوا به، لأنهم إنما يرثون من الكلالة،
~~والكلالة: من لا ولد له ولا والد، إلا رواية شذت عن ابن عباس. وأما إن
~~كانوا لأب أو لأبوين، فقد اختلف العلماء في حكم ميراثهم قديما وحديثا،
~~فمنهم من أسقط الإخوة بالجد مطلقا، كما أسقطوه بالأب وهذا قول الصديق،
~~ومعاذ، وابن عباس وغيرهم، واستدلوا بأن الجد أب في كتاب الله عز وجل، فيدخل
~~في مسمى الأب في المواريث، كما أن ولد الولد ولد، ويدخل في ms562 مسمى الولد عند
~~عدم الولد بالاتفاق، وبأن الإخوة إنما يرثون مع الكلالة، فيحجبهم الجد
~~كالإخوة من الأب، وبأن الجد أقوى من الإخوة، لاجتماع الفرض والتعصيب له من
~~جهة واحدة، فهو كالأب، وحينئذ فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «فما
~~بقي فلأولى رجل ذكر» . ومنهم من شرك بين الإخوة والجد وهو قول كثير من
~~الصحابة، وأكثر الفقهاء بعدهم على اختلاف طويل بينهم في كيفية التشريك
~~بينهم في الميراث، وكان من السلف من يتوقف في حكمهم ولا يجيب فيهم بشيء؛
~~لاشتباه أمرهم
# PageV02P431
# وإشكاله، ولولا خشية الإطالة لبسطنا القول في هذه المسألة، ولكن ذلك يؤدي
~~إلى الإطالة جدا.
# وأما حكم ميراث الإخوة للأبوين أو للأب، فقد ذكره الله تعالى في آخر سورة
~~النساء في قوله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك
~~ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} [النساء: 176] [النساء: 176] والكلالة
~~مأخوذة من تكلل النسب وإحاطته بالميت، وذلك يقتضي انتفاء الانتساب مطلقا من
~~العمودين الأعلى والأسفل، وتنصيصه تعالى على انتفاء الوالد تنبيه على
~~انتفاء الوالد بطريق الأولى، لأن انتساب الولد إلى والده أظهر من انتسابه
~~إلى ولده، فكان ذكر عدم الولد تنبيها على عدم الوالد بطريق الأولى، وقد قال
~~أبو بكر الصديق: الكلالة: من لا ولد له ولا والد، وتابعه جمهور الصحابة
~~والعلماء بعدهم، وقد روي ذلك مرفوعا من مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، خرجه أبو داود في " المراسيل " وخرجه الحاكم من
~~رواية عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا، وصححه، ووصله بذكر أبي هريرة
~~ضعيف. فقوله: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} [النساء:
~~176] يعني: إذا لم يكن للميت ولد بالكلية لا ذكر ولا أنثى، فللأخت - حينئذ
~~- النصف مما ترك فرضا، ومفهوم هذا أنه إذا كان له ولد فليس للأخت النصف
~~فرضا، ثم إن كان الولد ذكرا، فهو أولى بالمال كله لما سبق تقريره في ميراث
~~الأولاد الذكور إذا انفردوا، فإنهم أقرب ms563 العصبات، وهم يسقطون الإخوة، فكيف
~~لا يسقطون
# PageV02P432
# الأخوات؟ وأيضا فقد قال تعالى: {وإن كانوا أخوة رجالا ونساء فللذكر مثل
~~حظ الأنثيين} [النساء: 176] ، وهذا يدخل فيه ما إذا كان هناك ذو فرض
~~كالبنات وغيرهن، فإذا استحق الفاضل ذكور الإخوة مع الأخوات، فإذا انفردوا،
~~فكذلك يستحقونه وأولى، وإن كان الولد أنثى فليس للأخت هنا النصف بالفرض،
~~ولكن لها الباقي بالتعصيب عند جمهور العلماء، وقد سبق ذكر ذلك والاختلاف
~~فيه، فلو كان هناك ابن لا يستوعب المال كله وأخت، مثل ابن نصفه حر عند من
~~يورثه نصف الميراث، وهو مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء، فهل يقال: إن
~~الابن هنا يسقط نصف فرض الأخت، فترث معه الربع فرضا، أم يقال: إنه يصير
~~كالبنت، فتصير الأخت معه عصبة، كما تصير مع الأخت، لكنه يسقط نصف تعصيبها
~~فتأخذ معه النصف الباقي بالتعصيب؟ هذا محتمل، وفي هذه المسألة لأصحابنا
~~وجهان.
# وقوله تعالى: {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} [النساء: 176] ، يعني أن
~~الأخ يستقل بميراث أخته إذا لم يكن لها ولد ذكر أو أنثى؛ فإن كان لها ولد
~~ذكر، فهو أولى من الأخ بغير إشكال، فإنه أولى رجل ذكر، وإن كان أنثى
~~فالباقي بعد فرضها يكون للأخ، لأنه أولى رجل ذكر، ولكن لا يستقل بميراثها
~~حينئذ، لأنه كما إذا لم يكن لها ولد. وقوله: {فإن كانتا اثنتين فلهما
~~الثلثان مما ترك} [النساء: 176] يعني أن فرض الثنتين الثلثان، كما أن فرض
~~الواحدة النصف، فهذا كله في حكم انفراد الإخوة والأخوات. وأما حكم
~~اجتماعهم، فقد قال تعالى: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ
~~الأنثيين} [النساء: 176] فدخل في ذلك ما إذا كانوا منفردين، وأما إذا كان
# PageV02P433
# هناك ذو فرض من الأولاد أو غيرهم، كأحد الزوجين أو الأم أو الإخوة من
~~الأم، فيكون الفاضل عن فروضهم للإخوة والأخوات بينهم للذكر مثل حظ
~~الأنثيين. فقد تبين بما ذكرناه أن وجود الولد إنما يسقط فرض الأخوات من
~~الأبوين أو الأب، ولا يسقط توريثهن بالتعصيب مع أخواتهن بالإجماع، ولا
~~تعصيبهن بانفرادهن ms564 مع البنات عند الجمهور، فالكلالة شرط لثبوت فرض الأخوات،
~~لا لثبوت ميراثهن، كما أنه ليس بشرط لميراث ذكورهم بالإجماع، وهذا بخلاف
~~ولد الأم، فإن انتفاء الكلالة أسقطت فروضهم، وإذا أسقطت فروضهم، سقطت
~~مواريثهم؛ لأنه لا تعصيب لهم بحال لإدلائهم بأنثى والأخوات للأبوين أو للأب
~~يدلون بذكر، فيرثن بالتعصيب مع إخوتهن بالاتفاق، وبانفرادهن مع البنات عند
~~الجمهور. وإذا كان الولد مسقطا لفرض ولد الأبوين، أو الأب دون أصل توريثهم
~~بغير الفرض، فقد يقال: إن الله تعالى إنما خص انتفاء الولد في قوله: {ليس
~~له ولد} [النساء: 176] ، ولم يذكر انتفاء الوالد والأب؛ لأنه كان يدخل فيه
~~الجد، والجد لا يسقط ميراث الإخوة بالكلية، وإنما يشتركون معه في الميراث،
~~تارة بالفرض وتارة بغيره، وهذا على قول من يقول: إن الجد لا يسقط الإخوة -
~~وهم الجمهور - ظاهر، وهذا كله في انفراد ولد الأبوين أو الأب، فإن اجتمعوا،
~~فإن العصبات من ولد الأبوين يسقطون ولد الأب كلهم بغير خلاف حتى في الأخت
~~من الأبوين مع البنت عند من يجعلها عصبة يسقط بها الأخ من الأبوين. وفي "
~~المسند " و " الترمذي " و " ابن ماجه " عن علي قال: «قضى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم أن أعيان بني الأم يرثون دون بني العلات، يرث الرجل أخاه
~~لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه» .
# PageV02P434
# وقال عمرو بن شعيب: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأخ للأب
~~والأم أولى بالكلالة بالميراث، ثم الأخ للأب» ، وهذا أيضا مما يدخل في قوله
~~عليه السلام: «فما بقي فلأولى رجل ذكر» . والتحقيق في ذلك أن كل ما دل عليه
~~القرآن، ولو بالتنبيه، فليس هو مما أبقته الفرائض، بل هو من إلحاق الفرائض
~~المذكورة في القرآن بأهلها، كتوريث الأولاد ذكورهم وإناثهم الفاضل عن
~~الفروض، للذكر مثل حظ الأنثيين، وتوريث الإخوة ذكورهم وإناثهم كذلك، ودل
~~ذلك بطريق التنبيه على أن الباقي يأخذه الذكر منهم عند الانفراد بطريق
~~الأولى ودل أيضا بالتنبيه على أن الأخت تأخذ الباقي مع البنت كما كانت
~~تأخذه مع أخيها، ولا يقدم عليها ms565 من هو أبعد منها كابن الأخ والعم وابنه،
~~فإن أخاها إذا لم يسقطها فكيف يسقطها من هو أبعد منه؟ فهذا كله من باب
~~إلحاق الفرائض بأهلها، ومن باب قسمة المال بين أهل الفرائض على كتاب الله.
# وأما من لم يذكر باسمه من العصبات في القرآن، كابن الأخ والعم وابنه،
~~فإنما دخل في عمومات مثل قوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في
~~كتاب الله} [الأنفال: 75] [الأنفال: 75] ، وقوله: {ولكل جعلنا موالي مما
~~ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 33] [النساء: 33] ، فهذا يحتاج في
~~توريثهم إلى هذا الحديث، أعني حديث ابن عباس، فإذا لم يوجد للمال وارث
~~غيرهم، انفردوا به، ويقدم منهم
# PageV02P435
# الأقرب فالأقرب، لأنه أولى رجل ذكر، وإن وجدت فروض لا تستغرق المال، كأحد
~~الزوجين أو الأم، أو ولد الأم، أو بنات منفردات، أو أخوات منفردات، فالباقي
~~كله لأولى ذكر من هؤلاء. ولهذا لو كان هؤلاء إخوة رجالا ونساء، لاختص به
~~رجالهم دون نسائهم، بخلاف الأولاد والإخوة، فإنه يشترك في الباقي، أو في
~~المال كله ذكورهم وإناثهم بنص القرآن، والحديث إنما دل على توريث الذين
~~يختص ذكورهم دون إناثهم، وهم من عدا الأولاد والإخوة، فهذا حكم العصبات
~~المذكورين في كتاب الله، وفي حديث ابن عباس. وأما ذوو الفروض، فقد ذكرنا
~~حكم مواريثهم، ولم يبق منهم إلا الزوجان والإخوة للأم، فأما الزوجان فيرثان
~~بسبب عقد النكاح. ولما كان بين الزوجين من الألفة والمودة والتناصر
~~والتعاضد ما بين الأقارب، جعل ميراثهما كميراث الأقارب، وجعل للذكر منهما
~~مثلا ما للأنثى؛ لامتياز الذكر على الأنثى بمزيد النفع بالإنفاق والنصرة.
~~وأما ولد الأم، فإنهم ليسوا من قبيلة الرجل، ولا عشيرته، وإنما هم في
~~المعنى من ذوي رحمه، ففرض الله لواحدهم السدس، ولجماعتهم الثلث صلة، وسوى
~~فيه بين ذكورهم وإناثهم، حيث لم يكن لذكرهم زيادة على إناثهم في الحياة من
~~المعاضدة والمناصرة، كما بين أهل القبيلة والعشيرة الواحدة، فسوى بينهم في
~~الصلة، ولهذا لم تشرع الوصية للأجانب بزيادة على الثلث، بل كان الثلث كثيرا
~~في حقهم؛ لأنهم أبعد من ولد ms566 الأم، فينبغي أن لا يزادوا على ما يوصل به ولد
~~الأم، بل ينقصون منه. واستدل بعضهم بقوله: «فما بقي فلأولى رجل ذكر» على
~~أنه لا ميراث لذوي الأرحام؛ لأنه لم يجعل حق الميراث لمن لم يذكر في القرآن
~~إلا لأقرب الذكور، وهذا الحكم يختص بالعصبات دون ذوي الأرحام، فإن من ورث
~~ذوي الأرحام، ورث ذكورهم وإناثهم.
# PageV02P436
# وأجاب من يرى توريث ذوي الأرحام بأن هذا الحديث دل على توريث العصبات، لا
~~على نفي توريث غيرهم، وتوريث ذوي الأرحام مأخوذ من أدلة أخرى، فيكون ذلك
~~زيادة على ما دل عليه حديث ابن عباس. وأما قوله: «فلأولى رجل ذكر» مع أن
~~الرجل لا يكون إلا ذكرا، فالجواب الصحيح عنه أنه يطلق الرجل، ويراد به
~~الشخص، كقوله: من وجد ماله عند رجل قد أفلس، وفرق بين أن يجده عند رجل أو
~~امرأة، فتقييده بالذكر ينفي هذا الاحتمال، ويخلصه للذكر دون الأنثى وهو
~~المقصود، وكذلك الابن: لما كان قد يطلق، ويراد به أعم من الذكر، كقوله: ابن
~~السبيل، جاء تقييد ابن اللبون في نصاب الزكاة بالذكر، وللسهيلي كلام على
~~هذا الحديث فيه تكليف وتعسف شديد ولا طائل تحته، وقد رده عليه جماعة ممن
~~أدركناهم، والله أعلم.
# PageV02P437
### | [الحديث الرابع والأربعون الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة]
# PageV02P437
# الحديث الرابع والأربعون. عن عائشة رضي الله عنها عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» خرجه
~~البخاري ومسلم.
# هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين "
~~من رواية عمرة عن عائشة، وخرج مسلم أيضا من رواية عروة، عن عائشة، عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ، وخرجاه أيضا
~~من رواية عروة عن عائشة من قولها، وخرجاه من حديث ابن عباس عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم، وخرجه الترمذي من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
~~وقد أجمع العلماء على العمل بهذه الأحاديث في الجملة، وأن الرضاع يحرم ما
~~يحرمه النسب، ولنذكر المحرمات من النسب كلهن حتى يعلم ms567 بذلك ما يحرم من
~~الرضاع، فنقول: الولادة والنسب قد يؤثران التحريم في النكاح، وهو على
~~قسمين: أحدهما: تحريم مؤبد على الانفراد، وهو نوعان
# PageV02P438
# أحدهما: ما يحرم بمجرد النسب، فيحرم على الرجل أصوله وإن علون، وفروعه
~~وإن سفلن، وفروع أصله الأدنى وإن سفلن، فروع أصوله البعيدة دون فروعهن،
~~فيدخل في أصوله أمهاته وإن علون من جهة أبيه وأمه، وفي فروعه بناته وبنات
~~أولاده وإن سفلن، وفي فروع أصله الأدنى أخواته من الأبوين، أو من أحدهما،
~~وبناتهن وبنات الإخوة وأولادهم وإن سفلن، ودخل في فروع أصوله البعيدة
~~العمات والخالات وعمات الأبوين وخالاتهما وإن علون، فلم يبق من الأقارب
~~حلالا للرجل سوى فروع أصوله البعيدة، وهن بنات العم وبنات العمات، وبنات
~~الخال، وبنات الخالات. والنوع الثاني: ما يحرم من النسب مع سبب آخر، وهو
~~المصاهرة؛ فيحرم على الرجل حلائل آبائه، وحلائل أبنائه، وأمهات نسائه،
~~وبنات نسائه المدخول بهن؛ فيحرم على الرجل أم امرأته وأمهاتها من جهة الأم
~~والأب وإن علون، ويحرم عليه بنات امرأته، وهن الربائب وبناتهن وإن سفلن،
~~وكذلك بنات بني زوجته وهن بنات الربائب نص عليه الشافعي وأحمد، ولا يعلم
~~فيه خلاف. ويحرم عليه أن يتزوج بامرأة أبيه، وإن علا وبامرأة ابنه وإن سفل،
~~ودخول هؤلاء في التحريم بالنسب ظاهر، لأن تحريمهن من جهة نسب الرجل مع سبب
~~المصاهرة. وأما أمهات نسائه وبناتهن، فتحريمهن مع المصاهرة بسبب نسب
~~المرأة، فلم يخرج التحريم بذلك عن أن يكون بالنسب مع انضمامه إلى سبب
~~المصاهرة، فإن التحريم بالسبب المجرد، والنسب المضاف إلى المصاهرة يشترك
~~فيه الرجال والنساء؛ فيحرم على المرأة أن تتزوج أصولها وإن علوا، وفروعها
~~وإن سفلوا، وفروع أصولها الأدنى وإن سفلوا من إخوتها، وأولاد الإخوة وإن
~~سفلوا، وفروع أصولها البعيدة وهم الأعمام والأخوال وإن علوا دون أبنائهم،
~~فهذا كله بالنسب المجرد.
# PageV02P439
# وأما بالنسب المضاف إلى المصاهرة، فيحرم عليها نكاح أبي زوجها وإن علا،
~~ونكاح ابنه وإن سفل بمجرد العقد، ويحرم عليها زوج ابنتها وإن سفلت بالعقد،
~~وزوج أمها وإن علت، لكن بشرط ms568 الدخول بها.
# والقسم الثاني: التحريم المؤبد على الاجتماع دون الانفراد، وتحريمه يختص
~~بالرجال لاستحالة إباحة جمع المرأة بين زوجين، فكل امرأتين بينهما رحم محرم
~~يحرم الجمع بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكرا لم يجز له التزوج بالأخرى،
~~فإنه يحرم الجمع بينهما بعقد النكاح. قال الشعبي: كان أصحاب محمد صلى الله
~~عليه وسلم يقولون: لا يجمع الرجل بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلا لم يصلح
~~له أن يتزوجها. وهذا إذا كان التحريم لأجل النسب، وبذلك فسره سفيان الثوري
~~وأكثر العلماء، فلو كان لغير النسب مثل أن يجمع بين زوجة رجل وابنته من
~~غيرها، فإنه يباح عند الأكثرين، وكرهه بعض السلف. فإذا علم ما يحرم من
~~النسب، فكل ما يحرم منه، فإنه يحرم من الرضاع نظيره، فيحرم على الرجل أن
~~يتزوج أمهاته من الرضاعة وإن علون، وبناته من الرضاعة وإن سفلن، وأخواته من
~~الرضاعة، وبنات أخواته من الرضاعة وعماته وخالاته من الرضاعة، وإن علون دون
~~بناتهن. ومعنى هذا أن المرأة إذا أرضعت طفلا الرضاع المعتبر في المدة
~~المعتبرة، صارت أما له بنص كتاب الله، فتحرم عليه هي وأمهاتها، وإن علون من
~~نسب أو رضاع، وتصير بناتها كلهن أخوات له من الرضاعة، فيحرمن عليه بنص
~~القرآن؛ وبقية التحريم من الرضاعة استفيد من السنة، كما استفيد من السنة أن
~~تحريم الجمع لا يختص بالأختين، بل المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها كذلك،
~~وإذا كان أولاد المرضعة من نسب أو رضاع إخوة للمرتضع، فيحرم عليه بنات
~~إخوته أيضا، وقد امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من تزويج ابنة عمه حمزة
~~وابنة أبي سلمة، وعلل
# PageV02P440
# بأن أبويهما كانا أخوين له من الرضاعة. ويحرم عليه أيضا أخوات المرضعة،
~~لأنهن خالاته، وينتشر التحريم أيضا إلى الفحل صاحب اللبن الذي ارتضع منه
~~الطفل، فيصير صاحب اللبن أبا للطفل، وتصير أولاده كلهم من المرضعة أو من
~~غيرها من نسب أو رضاع إخوة للمرتضع ويصير إخوته أعماما للطفل المرتضع، وهذا
~~قول جمهور العلماء من السلف، وأجمع عليه الأئمة الأربعة ومن بعدهم. وقد دل ms569
~~على ذلك من السنة ما «روت عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها بعد
~~ما أنزل الحجاب، قالت عائشة: فقلت: والله لا آذن له حتى أستأذن رسول صلى
~~الله عليه وسلم، فإن أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، قالت:
~~فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكرت ذلك له، فقال: ائذني له، فإنه
~~عمك تربت يمينك، وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة» . خرجاه في
~~" الصحيحين " بمعناه. وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان، أرضعت إحداهما
~~جارية والأخرى غلاما أيحل للغلام أن يتزوج الجارية، فقال: لا، اللقاح واحد.
~~ولو كان اللبن الذي ارتضع به الطفل قد ثاب للمرأة من غير وطء فحل بأن تكون
~~امرأة لا زوج لها قد ثاب لها لبن أو هي بكر أو آيسة، فأكثر العلماء على أنه
~~يحرم الرضاع به، وتصير المرضعة أما للطفل، وقد حكاه ابن المنذر إجماعا عمن
~~يحفظ عنه من أهل العلم، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق وغيرهم.
~~وذهب الإمام أحمد في المشهور المنصوص عنه إلى أنه لا ينتشر التحريم
# PageV02P441
# به بحال حتى يكون له فحل يدر اللبن من رضاعه. وحكي عن الشافعي قول مثله.
~~ولو انقطع نسبه من جهة صاحب اللبن، كولد الزنا، فهل تنتشر الحرمة إلى
~~الزاني صاحب اللبن؟ هذا ينبني على أن البنت من الزنا هل تحرم على الزاني؟
~~ومذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك في رواية عنه تحريمها عليه خلافا للشافعي،
~~وبالغ الإمام أحمد في الإنكار على من خالف في ذلك، فعلى قولهم: هل ينتشر
~~التحريم إلى الزاني صاحب اللبن، فيكون أبا للمرتضع أم لا؟ فيه قولان هما
~~وجهان لأصحابنا، واختار ابن حامد أن التحريم لا ينتشر إليه، واختار أبو
~~بكر، والقاضي أبو يعلى أن التحريم ينتشر إلى الزاني، وهو نص أحمد، وحكاه عن
~~ابن عباس، وهو قول إسحاق بن راهويه، نقله عنه حرب. وينتشر التحريم بالرضاع
~~إلى ما حرم بالنسب مع الصهر: أما من جهة نسب الرجل، كامرأة أبيه وابنه، أو
~~من ms570 جهة نسب الزوجة، كأمها وابنتها، وإلى ما حرم جمعه لأجل نسب المرأة أيضا،
~~كالجمع بين الأختين والمرأة وعمتها أو خالتها، فيحرم ذلك كله من الرضاع كما
~~يحرم من النسب، لدخوله في قوله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما
~~يحرم من النسب» . وتحرم هذا كله للنسب، فبعضه لنسب الزوج وبعضه لنسب
~~الزوجة، وقد نص على ذلك أئمة السلف، ولا يعلم بينهم فيه اختلاف، ونص عليه
~~الإمام أحمد، واستدل بعموم قوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» . وأما
~~قوله عز وجل: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} [النساء: 23] [النساء: 23]
~~، فقالوا: لم يرد بذلك أنه لا يحرم حلائل الأبناء من الرضاع، إنما أراد
~~إخراج حلائل الذين تبنوا، ولم يكونوا أبناء من النسب كما تزوج النبي صلى
~~الله عليه وسلم زوجة زيد بن حارثة بعد أن كان قد تبناه. وهذا التحريم
~~بالرضاع يختص بالمرتضع نفسه، وينتشر إلى أولاده، ولا ينتشر تحريمه إلى من
~~في درجة المرتضع من إخوته وأخواته ولا إلى من هو
# PageV02P442
# أعلى منه من آبائه وأمهاته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته، فتباح
~~المرضعة نفسها لأبي المرتضع من النسب ولأخيه، وتباح أم المرتضع وأخته منه
~~لأبي المرتضع من الرضاع ولأخيه. هذا قول جمهور العلماء، وقالوا: يباح أن
~~يتزوج أخت أخته من الرضاعة، وأخت ابنته من الرضاعة، حتى قال الشعبي: هي أحل
~~من ماء قدس، وصرح بإباحتها حبيب بن أبي ثابت وأحمد. وروى أشعث عن الحسن أنه
~~كره أن يتزوج الرجل بنت ظئر ابنه، ويقول: أخت ابنه، ولم ير بأسا أن يتزوج
~~أمها، يعني: ظئر ابنه، وروى سليمان التيمي عن الحسن أنه سئل عن الرجل يتزوج
~~أخت أخيه من الرضاعة، فلم يقل فيه شيئا، وهذا يقتضي توقفه فيه، ولعل الحسن
~~إنما كان يكره ذلك تنزيها، لا تحريما، لمشابهته للمحرم بالنسب في الاسم،
~~وهذا بمجرده لا يوجب تحريما. وقد استثنى كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم
~~مما يحرم من النسب صورتين، فقالوا: لا يحرم نظيرها من الرضاع: إحداهما: أم
~~الأخت، فتحرم من النسب، ولا ms571 تحرم من الرضاع. والثانية: أخت الابن، فتحرم من
~~النسب دون الرضاع، ولا حاجة إلى استثناء هذين ولا أحدهما. أما أم الأخت،
~~فإنما تحرم من النسب، لكونها أما أو زوجة أب، لا لمجرد كونها أم أخت، فلا
~~يعلق التحريم بما لم يعلقه الله به، وحينئذ فيوجد في الرضاع من هي أم أخت
~~ليست أما ولا زوجة أب، فلا تحرم، لأنها ليست نظيرا لذات النسب، وأما أخت
~~الابن، فإن الله تعالى إنما حرم الربيبة المدخول بأمها، فتحرم لكونها ربيبة
~~دخل بأمها، لا لكونها أخت ابنه، والدخول في
# PageV02P443
# الرضاع منتف فلا يحرم به أولاد المرضعة. ومما قد يدخل في عموم قوله:
~~«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» : لو ظاهر من امرأته، فشبهها بمحرمة من
~~الرضاع، فقال لها: أنت علي كأمي من الرضاع، فهل يثبت بذلك تحريم الظهار أم
~~لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يثبت به تحريم الظهار، وهو قول الجمهور، منهم
~~مالك، والثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وعثمان التيمي، وهو
~~المشهور عن أحمد. والثاني: لا يثبت به التحريم، وهو قول الشافعي، وتوقف فيه
~~أحمد في رواية ابن منصور.
# PageV02P444
### | [الحديث الخامس والأربعون إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام]
# PageV02P444
# الحديث الخامس والأربعون. عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله
~~عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة
~~والخنزير والأصنام فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها
~~السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ قال: لا، هو حرام، ثم قال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله حرم
~~عليهم الشحوم، فأجملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه» خرجه البخاري ومسلم.
# PageV02P445
# هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين " من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء، عن
~~جابر. وفي رواية لمسلم أن يزيد قال: كتب إلي عطاء، فذكره، ولهذا قال أبو
~~حاتم الرازي: لا أعلم يزيد بن أبي حبيب سمع من عطاء شيئا، يعني أنه إنما
~~يروي ms572 عنه كتابه، وقد رواه أيضا يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد بن
~~عبدة، عن عبد الله بن عمر وعن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وفي "
~~الصحيحين " عن ابن عباس قال: بلغ عمر أن رجلا باع خمرا، فقال: قاتله الله،
~~ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله اليهود، حرمت
~~عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها» ، وفي رواية: «وأكلوا أثمانها» . وخرجه أبو
~~داود من حديث عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وزاد فيه: «وإن الله
~~إذا حرم أكل شيء، حرم عليهم ثمنه» ، وخرجه ابن أبي شيبة، ولفظه: «إن الله
~~إذا حرم شيئا حرم ثمنه» . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «قاتل الله يهودا، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا
~~ثمنها» . وفي " الصحيحين " عن عائشة، قالت: «لما أنزلت الآيات من آخر سورة
~~البقرة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقترأهن على الناس، ثم نهى عن
~~التجارة في الخمر» ، وفي رواية لمسلم: «لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة
~~في الربا، خرج
# PageV02P446
# رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فحرم التجارة في الخمر» . وخرج
~~مسلم من حديث أبي سعيد، «عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله حرم
~~الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء، فلا يشرب ولا يبع. فاستقبل
~~الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة، فسفكوها» . وخرجه أيضا من حديث
~~ابن عباس «أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر، فقال له
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل علمت أن الله قد حرمها؟ قال: لا، قال:
~~فسار إنسانا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم ساررته؟ قال: أمرته
~~ببيعها، قال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها، قال: ففتح المزاد حتى ذهب ما
~~فيها.» فالحاصل من هذه الأحاديث كلها أن ما حرم الله الانتفاع به، فإنه
~~يحرم بيعه وأكل ثمنه، كما جاء مصرحا به في الرواية المتقدمة: «إن الله ms573 إذا
~~حرم شيئا حرم ثمنه» ، وهذه كلمة عامة جامعة تطرد في كل ما كان المقصود من
~~الانتفاع به حراما، وهو قسمان: أحدهما: ما كان الانتفاع به حاصلا مع بقاء
~~عينه، كالأصنام، فإن منفعتها المقصودة منها الشرك بالله، وهو أعظم المعاصي
~~على الإطلاق، ويلتحق بذلك ما كانت منفعته محرمة، ككتب الشرك والسحر والبدع
~~والضلال، وكذلك الصور المحرمة، وآلات الملاهي المحرمة كالطنبور، وكذلك شراء
~~الجواري للغناء.
# PageV02P447
# وفي " المسند " عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن
~~الله بعثني رحمة وهدى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير والكنارات - يعني
~~البرابط والمعازف - والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية، وأقسم ربي بعزته
~~لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر إلا سقيته مكانها من حميم جهنم، معذبا أو
~~مغفورا له، ولا يسقيها صبيا صغيرا إلا سقيته مكانها من حميم جهنم معذبا أو
~~مغفورا له، ولا يدعها عبد من عبيدي من مخافتي إلا سقيتها إياه في حظيرة
~~القدس، ولا يحل بيعهن ولا شراؤهن، ولا تعليمهن، ولا تجارة فيهن، وأثمانهن
~~حرام» [يعني] المغنيات. وخرجه الترمذي، ولفظه: «لا تبيعوا القينات ولا
~~تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام» ، في مثل ذلك
~~أنزل الله: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} [لقمان: 6] [لقمان: 6] الآية،
~~وخرجه ابن ماجه أيضا، وفي إسناد الحديث مقال، وقد روي نحوه من حديث عمر
~~وعلي بإسنادين فيهما ضعف أيضا. ومن يحرم الغناء كأحمد ومالك، فإنهما
~~يقولان: إذا بيعت الأمة المغنية، تباع على أنها ساذجة، ولا يؤخذ لغنائها
~~ثمن، ولو كانت الجارية ليتيم، ونص ذلك أحمد، ولا يمنع الغناء من أصل بيع
~~العبد والأمة؛ لأن الانتفاع به في غير الغناء حاصل بالخدمة وغيرها، وهو من
~~أعظم مقاصد الرقيق. نعم، لو علم
# PageV02P448
# أن المشتري لا يشتريه إلا للمنفعة المحرمة منه، لم يجز بيعه له عند
~~الإمام أحمد وغيره من العلماء، كما لا يجوز بيع العصير ممن يتخذه خمرا، ولا
~~بيع السلاح في الفتنة، ولا بيع الرياحين والأقداح لمن يعلم أنه يشرب عليها
~~الخمر، ms574 أو الغلام لمن يعلم منه الفاحشة. والقسم الثاني: ما ينتفع به مع
~~إتلاف عينه فإذا كان المقصود الأعظم منه محرما، فإنه يحرم بيعه كما يحرم
~~بيع الخنزير والخمر والميتة، مع أن في بعضها منافع غير محرمة، كأكل الميتة
~~للمضطر، ودفع الغصة بالخمر، وإطفاء الحريق به، والخرز بشعر الخنزير عند
~~قوم، والانتفاع بشعره وجلده عند من يرى ذلك، ولكن لما كانت هذه المنافع غير
~~مقصودة، لم يعبأ بها، وحرم البيع بكون المقصود الأعظم من الخنزير والميتة
~~أكلهما، ومن الخمر شربها، ولم يلتفت إلى ما عدا ذلك، وقد أشار صلى الله
~~عليه وسلم إلى هذا المعنى لما قيل له: «أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها
~~السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام» .
# وقد اختلف الناس في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: هو حرام فقالت طائفة:
~~أراد أن هذا الانتفاع المذكور بشحوم الميتة حرام، وحينئذ فيكون ذلك تأكيدا
~~للمنع من بيع الميتة، حيث لم يجعل شيئا من الانتفاع بها مباحا. وقالت
~~طائفة: بل أراد أن بيعها حرام، وإن كان قد ينتفع بها لهذه الوجوه، لكن
~~المقصود الأعظم من الشحوم هو الأكل، فلا يباح بيعها لذلك. وقد اختلف
~~العلماء في الانتفاع بشحوم الميتة، فرخص فيها عطاء، وكذلك نقل ابن منصور عن
~~أحمد وإسحاق، إلا أن إسحاق قال: إذا احتيج إليه، وأما إذا وجد عنه مندوحة
~~فلا، وقال أحمد: يجوز إذا لم يمسه بيده،
# PageV02P449
# وقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، وحكاه ابن عبد
~~البر إجماعا عن غير عطاء. وأما الأدهان الطاهرة إذا تنجست بما وقع فيها من
~~النجاسات، ففي جواز الانتفاع بها بالاستصباح ونحوه اختلاف مشهور في مذهب
~~الشافعي وأحمد وغيرهما، وفيه روايتان عن أحمد. وأما بيعها، فالأكثرون على
~~أنه يجوز بيعها، وعن أحمد رواية: يجوز بيعها من كافر، ويعلم بنجاستها، وهو
~~مروي عن أبي موسى الأشعري، ومن أصحابنا من خرج جواز بيعها على جواز
~~الاستصباح بها وهو ضعيف مخالف لنص أحمد بالتفرقة، فإن شحوم الميتة ms575 لا يجوز
~~بيعها وإن قيل بجواز الانتفاع بها، ومنهم من خرجه على القول بطهارتها
~~بالغسل، فيكون - حينئذ - كالثوب المتمضخ بنجاسة. وظاهر كلام أحمد منع بيعها
~~مطلقا؛ لأنه علل بأن الدهن المتنجس فيه ميتة، والميتة لا يؤكل ثمنها. وأما
~~بقية أجزاء الميتة، فما حكم بطهارته منها، جاز بيعه، لجواز الانتفاع به،
~~وهذا كالشعر والقرن عند من يقول بطهارتهما، وكذلك الجلد عند من يرى أنه
~~طاهر بغير دباغ، كما حكي عن الزهري، وتبويب البخاري يدل عليه، واستدل
~~بقوله: «إنما حرم من الميتة أكلها» . وأما الجمهور الذين يرون نجاسة الجلد
~~قبل الدباغ، فأكثرهم منعوا من بيعه حينئذ، لأنه جزء من الميتة وشذ بعضهم،
~~فأجاز بيعه كالثوب النجس، ولكن الثوب طاهر طرأت عليه النجاسة، وجلد الميتة
~~جزء منها، وهو نجس العين. وقال سالم بن عبد الله بن عمر: هل
# PageV02P450
# بيع جلود الميتة إلا كأكل لحمها؟ وكرهه طاوس، وعكرمة وقال النخعي: كانوا
~~يكرهون أن يبيعوها، فيأكلون أثمانها. وأما إذا دبغت، فمن قال بطهارتها
~~بالدبغ، أجاز بيعها، ومن لم ير طهارتها بذلك، لم يجز بيعها، ونص أحمد على
~~منع بيع القمح إذا كان فيه بول الحمار حتى يغسل، ولعله أراد بيعه ممن لا
~~يعلم بحاله، خشية أن يأكله ولا يعلم نجاسته.
# وأما الكلب، فقد ثبت في " الصحيحين " عن أبي مسعود الأنصاري «أن رسول
~~الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب» . وفي " صحيح مسلم " عن رافع بن
~~خديج سمع النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: «شر الكسب مهر البغي، وثمن
~~الكلب، وكسب الحجام» . وفيه عن معقل الجزري «عن أبي الزبير، قال: سألت
~~جابرا عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك» .
~~وهذا مما يعرف عن ابن لهيعة عن أبي الزبير. وقد استنكر الإمام أحمد روايات
~~معقل عن أبي الزبير، وقال: هي تشبه أحاديث ابن لهيعة، وقد تتبع ذلك، فوجد
~~كما قاله أحمد رحمه الله. وقد اختلف العلماء في بيع الكلب، فأكثرهم حرموه،
~~منهم الأوزاعي، ومالك في المشهور عنه، والشافعي، وأحمد ms576 وإسحاق، وغيرهم وقال
~~أبو
# PageV02P451
# هريرة: هو سحت، وقال ابن سيرين: هو أخبث الكسب، وقال عبد الرحمن بن أبي
~~ليلى: ما أبالي ثمن كلب أكلت أو ثمن خنزير. وهؤلاء لهم مآخذ: أحدها: أنه
~~إنما نهي عن بيعها لنجاستها، وهؤلاء التزموا تحريم بيع كل نجس العين، وهذا
~~قول الشافعي، وابن جرير، ووافقهم جماعة من أصحابنا، كابن عقيل " في نظرياته
~~" وغيره، والتزموا أن البغل والحمار إنما نجيز بيعهما إذا لم نقل
~~بنجاستهما، وهذا مخالف للإجماع. والثاني: أن الكلب لم يبح الانتفاع به
~~واقتناؤه مطلقا كالبغل والحمار، وإنما أبيح اقتناؤه لحاجات مخصوصة، وذلك لا
~~يبيح بيعه كما لا يبيح الضرورة إلى الميتة والدم بيعهما، وهذا مأخذ طائفة
~~من أصحابنا وغيرهم. والثالث: أنه إنما نهي عن بيعه لخسته ومهانته، فإنه لا
~~قيمة له إلا عند ذوي الشح والمهانة، وهو متيسر الوجود، فنهي عن أخذ ثمنه
~~ترغيبا في المواساة بما يفضل منه عن الحاجة، وهذا مأخذ الحسن البصري وغيره
~~من السلف، وكذا قال بعض أصحابنا في النهي عن بيع السنور. ورخصت طائفة في
~~بيع ما يباح اقتناؤه من الكلاب، ككلب الصيد، وهو قول عطاء والنخعي وأبي
~~حنيفة وأصحابه، ورواية عن مالك، وقالوا: إنما نهي عن بيع ما يحرم اقتناؤه
~~منها. وروى حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر «أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب صيد» ، خرجه النسائي،
# PageV02P452
# وقال: هو حديث منكر، وقال أيضا: ليس بصحيح، وذكر الدارقطني أن الصحيح
~~وقفه على جابر، وقال أحمد: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم رخصة في كلب
~~الصيد، وأشار البيهقي وغيره إلى أنه اشتبه على بعض الرواة هذا الاستثناء،
~~فظنه من البيع، وإنما هو من الاقتناء، وحماد بن سلمة في رواياته عن أبي
~~الزبير ليس بالقوي، ومن قال: إن هذا الحديث على شرط مسلم - كما ظنه طائفة
~~من المتأخرين - فقد أخطأ، لأن مسلما لم يخرج لحماد بن سلمة، عن أبي الزبير
~~شيئا، وقد بين في كتاب " التمييز " أن رواياته عن ms577 كثير من شيوخه أو أكثرهم
~~غير قوية.
# فأما بيع الهر، فقد اختلف العلماء في كراهته، فمنهم من كرهه، وروي ذلك عن
~~أبي هريرة وجابر وعطاء وطاوس ومجاهد، وجابر بن زيد، والأوزاعي، وأحمد في
~~رواية عنه، وقال: هو أهون من جلود السباع، وهذا اختيار أبي بكر من أصحابنا،
~~ورخص في بيع الهر ابن عباس وعطاء في رواية الحسن وابن سيرين والحكم وحماد،
~~وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، وعن إسحاق
~~روايتان، وعن الحسن أنه كره بيعها، ورخص في شرائها للانتفاع بها. وهؤلاء
~~منهم من لم يصحح النهي عن بيعها قال أحمد: ما أعلم فيه شيئا يثبت أو يصح،
~~وقال أيضا: الأحاديث فيه مضطربة. ومنهم من حمل النهي على ما لا نفع فيه
~~كالبري ونحوه. ومنهم من قال: إنما نهى عن بيعها، لأنه دناءة وقلة مروءة،
~~لأنها متيسرة
# PageV02P453
# الوجود، والحاجة إليها داعية، فهي من مرافق الناس التي لا ضرر عليهم في
~~بذل فضلها، فالشح بذلك من أقبح الأخلاق الذميمة، فلذلك زجر عن أخذ ثمنها.
# وأما بقية الحيوانات التي لا تؤكل، فما نفع فيه كالحشرات ونحوها لا يجوز
~~بيعه، وما يذكر من نفع في بعضها، فهو قليل، فلا يكون مبيحا للبيع، كما لم
~~يبح النبي صلى الله عليه وسلم بيع الميتة لما ذكر له ما فيها من الانتفاع،
~~ولهذا كان الصحيح أنه لا يباح العلق لمص الدم، ولا الديدان للاصطياد ونحو
~~ذلك. وأما ما فيه نفع للاصطياد منها، كالفهد والبازي والصقر، فحكى أكثر
~~الأصحاب في جواز بيعها روايتين عن أحمد، ومنهم من أجاز بيعها، وذكر الإجماع
~~عليه، وتأول رواية الكراهة كالقاضي أبي يعلى في " المجرد "، ومنهم من قال:
~~لا يجوز بيع الفهد والنسر، وحكى فيه وجها آخر بالجواز، وأجاز بيع البزاة
~~والصقور، ولم يحك فيه خلافا، وهو قول أبي موسى. وأجاز بيع الصقر والبازي
~~والعقاب ونحوه أكثر العلماء، منهم: الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق،
~~والمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات عنه جواز بيعها، وتوقف في رواية عنه في
~~جوازه ms578 إذا لم تكن معلمة، قال الخلال: العمل على ما رواه الجماعة أنه يجوز
~~بيعها بكل حال. وجعل بعض أصحابنا الفيل حكمه حكم الفهد ونحوه، وفيه نظر،
~~والمنصوص عن أحمد في رواية حنبل أنه لا يحل بيعه ولا شراؤه، وجعله كالسبع،
~~وحكي عن الحسن أنه قال: لا يركب ظهره، وقال: هو مسخ، وهذا كله يدل على أنه
~~لا منفعة فيه. ولا يجوز بيع الدب، قاله القاضي في " المجرد "، وقال ابن أبي
~~موسى: يجوز بيع القرد، قال ابن عبد البر: لا أعلم في ذلك خلافا بين
~~العلماء، وقال
# PageV02P454
# القاضي في " المجرد " إن كان ينتفع به في موضع، لحفظ المتاع، فهو كالصقر
~~والبازي، وإلا فهو كالأسد لا يجوز بيعه، والصحيح المنع مطلقا، وهذه المنفعة
~~يسيرة، وليست هي المقصودة منه، فلا تبيح البيع كمنافع الميتة. ومما نهي عن
~~بيعه جيف الكفار إذا قتلوا، خرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال: «قتل
~~المسلمون يوم الخندق رجلا من المشركين، فأعطوا بجيفته مالا، فقال رسول الله
~~صلى الله عليه وسلم: ادفعوا إليهم جيفته، فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية،
~~فلم يقبل منهم شيئا» . وخرجه الترمذي، ولفظه: «إن المشركين أرادوا أن
~~يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم» .
~~وخرجه وكيع في كتابه من وجه آخر عن عكرمة مرسلا، ثم قال وكيع: الجيفة لا
~~تباع. وقال حرب: قلت لإسحاق: ما تقول في بيع جيف المشركين من المشركين؟
~~قال: لا. وروى أبو عمرو الشيباني أن عليا أتي بالمستورد العجلي وقد تنصر،
~~فاستتابه فأبى أن يتوب، فقتله، فطلبت النصارى جيفته بثلاثين ألفا، فأبى علي
~~فأحرقه.
# PageV02P455
### | [الحديث السادس والأربعون كل مسكر حرام]
# PageV02P455
# الحديث السادس والأربعون. عن أبي بردة، عن أبيه، «عن
~~أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، فسأله عن
~~أشربة تصنع بها، فقال: وما هي؟ قال: البتع والمزر، فقيل لأبي بردة: وما
~~البتع؟ قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير، فقال: كل مسكر حرام» خرجه
~~البخاري.
# وخرجه مسلم، ms579 ولفظه قال: «بعثني
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ومعاذ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، إن
~~شرابا يصنع بأرضنا يقال له: المزر من الشعير، وشراب يقال له: البتع من
~~العسل، فقال: كل مسكر حرام» . وفي رواية لمسلم: فقال: «كل ما أسكر عن
~~الصلاة فهو حرام» ، وفي رواية له قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه فقال: «أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة» .
~~فهذا الحديث أصل في تحريم تناول جميع المسكرات، المغطية للعقل، وقد ذكر
~~الله في كتابه العلة المقتضية لتحريم المسكرات، وكان أول ما حرمت الخمر عند
~~حضور وقت الصلاة لما صلى بعض المهاجرين وقرأ في صلاته، فخلط في قراءته،
~~فنزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى
~~تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] [النساء: 43] ، وكان منادي رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم
# PageV02P456
# ينادي لا يقرب الصلاة سكران، ثم إن الله حرمها على الإطلاق بقوله تعالى:
~~{إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم
~~تفلحون - إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر
~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90 -
~~91] [المائدة: 90 - 91] . فذكر سبحانه علة تحريم الخمر والميسر وهو القمار،
~~وهو أن الشيطان يوقع بينهم العداوة والبغضاء، فإن من سكر اختل عقله، فربما
~~تسلط على أذى الناس في أنفسهم وأموالهم، وربما بلغ إلى القتل، وهي أم
~~الخبائث، فمن شربها قتل النفس وزنا، وربما كفر. وقد روي هذا المعنى عن
~~عثمان وغيره، وروي مرفوعا أيضا. ومن قامر فربما قهر، وأخذ ماله قهرا، فلم
~~يبق له شيء، فيشتد حقده على من أخذ ماله. وكل ما أدى إلى إيقاع العداوة
~~والبغضاء كان حراما، وأخبر سبحانه أن الشيطان يصد بالخمر والميسر عن ذكر
~~الله وعن الصلاة، فإن السكران يزول عقله أو يختل، فلا يستطيع أن يذكر الله،
~~ولا أن يصلي، ولهذا قال طائفة من السلف: إن شارب الخمر تمر عليه ساعة لا ms580
~~يعرف فيها ربه، والله سبحانه إنما خلق الخلق ليعرفوه، ويذكروه، ويعبدوه،
~~ويطيعوه، فما أدى إلى الامتناع من ذلك، وحال بين العبد وبين معرفة ربه
~~وذكره ومناجاته، كان محرما، وهو السكر، وهذا بخلاف النوم، فإن الله تعالى
~~جبل العباد عليه، واضطرهم إليه، ولا قوام لأبدانهم إلا به، إذ هو راحة لهم
~~من السعي والنصب، فهو من
# PageV02P457
# أعظم نعم الله على عباده، فإذا نام المؤمن بقدر الحاجة، ثم استيقظ إلى
~~ذكر الله ومناجاته ودعائه، كان نومه عونا له على الصلاة والذكر، ولهذا قال
~~من قال من الصحابة: إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. وكذلك الميسر يصد عن
~~ذكر الله وعن الصلاة، فإن صاحبه يعكف بقلبه عليه، ويشتغل به عن جميع مصالحه
~~ومهماته حتى لا يكاد يذكرها لاستغراقه فيه، ولهذا قال علي لما مر على قوم
~~يلعبون بالشطرنج: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ فشبههم بالعاكفين
~~على التماثيل. وجاء في الحديث: «إن مدمن الخمر كعابد وثن» ، فإنه يتعلق
~~قلبه بها، فلا يكاد يمكنه أن يدعها كما لا يدع عابد الوثن عبادته. وهذا كله
~~مضاد لما خلق الله العباد لأجله من تفريغ قلوبهم لمعرفته، ومحبته، وخشيته،
~~وذكره، ومناجاته، ودعائه، والابتهال إليه، فما حال بين العبد وبين ذلك، ولم
~~يكن بالعبد إليه ضرورة، بل كان ضررا محضا عليه، كان محرما، وقد روي عن علي
~~أنه قال لمن رآهم يلعبون بالشطرنج: ما لهذا خلقتم. ومن هنا يعلم أن الميسر
~~محرم، سواء كان بعوض أو بغير عوض، وإن الشطرنج كالنرد أو شر منه، لأنها
~~تشغل أصحابها عن ذكر الله وعن
# PageV02P458
# الصلاة أكثر من النرد. والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل
~~مسكر حرام، وكل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام» . وقد تواترت الأحاديث بذلك عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجا في " الصحيحين " عن ابن عمر، عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم، قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» ولفظ مسلم: «وكل مسكر
~~حرام» . وخرج أيضا من حديث عائشة «أن النبي صلى الله عليه ms581 وسلم سئل عن
~~البتع، فقال: كل شراب أسكر فهو حرام» وفي رواية لمسلم: «كل شراب مسكر حرام»
~~وقد صحح هذا الحديث أحمد ويحيى بن معين وأصحابه واحتجا به، ونقل ابن عبد
~~البر إجماع أهل العلم بالحديث على صحته، وأنه أثبت شيء يروى عن النبي صلى
~~الله عليه وسلم في تحريم المسكر. وأما ما نقله بعض فقهاء الحنفية عن ابن
~~معين من طعنه فيه، فلا يثبت ذلك عنه. وخرج مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل
# PageV02P459
# مسكر حرام» . وإلى هذا القول ذهب جمهور علماء المسلمين من الصحابة
~~والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار، وهو مذهب مالك والشافعي والليث
~~والأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن وغيرهم، وهو مما اجتمع على القول به
~~أهل المدينة كلهم. وخالف فيه طوائف من علماء أهل الكوفة، وقالوا: إن الخمر
~~إنما هي خمر العنب خاصة، وما عداها، فإنما يحرم منه القدر الذي يسكر، ولا
~~يحرم ما دونه، وما زال علماء الأمصار ينكرون ذلك عليهم، وإن كانوا في ذلك
~~مجتهدين مغفورا لهم، وفيهم خلق من أئمة العلم والدين. قال ابن المبارك: ما
~~وجدت في النبيذ رخصة عن أحد صحيح إلا عن إبراهيم، يعني النخعي، وكذلك أنكر
~~الإمام أحمد أن يكون فيه شيء يصح، وقد صنف كتاب " الأشربة " ولم يذكر فيه
~~شيئا من الرخصة، وصنف كتابا في المسح على الخفين، وذكر فيه عن بعض السلف
~~إنكاره، فقيل له: كيف لم تجعل في كتاب الأشربة الرخصة كما جعلت في المسح؟
~~فقال: ليس في الرخصة في السكر حديث صحيح. ومما يدل على أن كل مسكر خمر أن
~~تحريم الخمر إنما نزل في المدينة بسبب سؤال أهل المدينة عما عندهم من
~~الأشربة، ولم يكن بها خمر العنب، فلو لم
# PageV02P460
# تكن آية تحريم الخمر شاملة لما عندهم، لما كان فيها بيان لما سألوا عنه،
~~ولكان محل السبب خارجا من عموم الكلام، وهو ممتنع، ولما نزل تحريم الخمر
~~أراقوا ما عندهم من الأشربة، فدل على أنهم ms582 فهموا أنه من الخمر المأمور
~~باجتنابه. وفي " صحيح البخاري " عن أنس قال: حرمت علينا الخمر حين حرمت وما
~~نجد خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر. وعنه أنه قال: إني
~~لأسقي أبا طلحة، وأبا دجانة، وسهيل بن بيضاء خليط بسر وتمر إذ حرمت الخمر،
~~فقذفتها، وأنا ساقيهم وأصغرهم، وإنا نعدها يومئذ الخمر. وفي " الصحيحين "
~~عنه قال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ. وفي " صحيح
~~مسلم " عنه قال: «لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر، وما بالمدينة
~~شراب يشرب إلا من تمر» . وفي " صحيح البخاري " عن ابن عمر، قال: نزل تحريم
~~الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما منها شراب العنب. وفي " الصحيحين
~~" عن الشعبي، عن ابن عمر، قال: قام عمر على المنبر، فقال: أما بعد، نزل
~~تحريم الخمر وهي من خمس: العنب، والتمر، والعسل
# PageV02P461
# والحنطة، والشعير، والخمر: ما خامر العقل. وخرجه الإمام أحمد، وأبو داود،
~~والترمذي من حديث الشعبي عن النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
~~وذكر الترمذي أن قول من قال: عن الشعبي عن ابن عمر، عن عمر - أصح، وكذا قال
~~ابن المديني. وروى أبو إسحاق عن أبي بردة قال: قال عمر: ما خمرته فعتقته،
~~فهو خمر، وأنى كانت لنا الخمر خمر العنب. وفي " مسند " الإمام أحمد عن
~~المختار بن فلفل قال: «سألت أنس بن مالك عن الشرب في الأوعية فقال: نهى
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزفتة وقال: كل مسكر حرام قلت له: صدقت
~~السكر حرام، فالشربة والشربتان على طعامنا؟ قال: المسكر قليله وكثيره حرام»
~~وقال: «الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة، فما خمرت من
~~ذلك فهو الخمر» ، خرجه أحمد عن عبد الله بن إدريس: سمعت المختار بن فلفل
~~يقول فذكره، وهذا إسناد على شرط مسلم. وفي " صحيح مسلم "، عن أبي هريرة، عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة»
~~، وهذا صريح في أن نبيذ التمر خمر. وجاء التصريح بالنهي ms583 عن قليل ما أسكر
~~كثيره، كما خرجه أبو داود، وابن
# PageV02P462
# ماجه، والترمذي، وحسنه من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
~~«ما أسكر كثيره فقليله حرام» . وخرج أبو داود، والترمذي، وحسنه من حديث
~~عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق،
~~فملء الكف منه حرام» ، وفي رواية «الحسوة منه حرام» ، وقد احتج به أحمد
~~وذهب إليه. وسئل عمن قال: إنه لا يصح؟ فقال: هذا رجل مغل، يعني أنه قد غلا
~~في مقالته. وقد خرج النسائي هذا الحديث من رواية سعد بن أبي وقاص، وعبد
~~الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي عن النبي صلى الله
~~عليه وسلم من وجوه كثيرة يطول ذكرها. وروى ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب،
~~حدثني أبو وهيب الجيشاني، «عن وفد أهل اليمن أنهم قدموا على النبي صلى الله
~~عليه وسلم، فسألوه عن أشربة تكون باليمن، قال: فسموا له البتع من العسل،
~~والمزر من الشعير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هل تسكرون منها؟ قالوا:
~~إن أكثرنا سكرنا، قال: فحرام قليله ما أسكر كثيره» خرجه القاضي إسماعيل.
~~وقد كانت الصحابة تحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر حرام» على
~~تحريم جميع أنواع المسكرات، ما كان موجودا منها على عهد النبي صلى الله
~~عليه وسلم وما حدث بعده، كما سئل ابن عباس عن الباذق، فقال: سبق محمد
~~الباذق، فما أسكر،
# PageV02P463
# فهو حرام، خرجه البخاري، يشير إلى أنه إن كان مسكرا، فقد دخل في هذه
~~الكلمة الجامعة العامة.
# واعلم أن المسكر المزيل للعقل نوعان: أحدهما: ما كان فيه لذة وطرب، فهذا
~~هو الخمر المحرم شربه، وفي " المسند " «عن طلق الحنفي أنه كان جالسا عند
~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رجل: يا رسول الله، ما ترى في شراب
~~نصنعه بأرضنا من ثمارنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: من سائل عن المسكر؟ فلا
~~تشربه، ولا تسقه أخاك المسلم، فوالذي نفسي بيده - أو بالذي يحلف ms584 به - لا
~~يشربه رجل ابتغاء لذة سكره، فيسقيه الله الخمر يوم القيامة» . قال طائفة من
~~العلماء: وسواء كان هذا المسكر جامدا أو مائعا، وسواء كان مطعوما أو
~~مشروبا، وسواء كان من حب أو ثمر أو لبن، أو غير ذلك، وأدخلوا في ذلك
~~الحشيشة التي تعمل من ورق القنب، وغيرها مما يؤكل لأجل لذته وسكره، وفي "
~~سنن أبي داود " من حديث شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت: «نهى رسول الله صلى
~~الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر» والمفتر: هو المخدر للجسد، وإن لم ينته
~~إلى حد الإسكار. والثاني: ما يزيل العقل ويسكر، لا لذة فيه ولا طرب، كالبنج
~~ونحوه، فقال
# PageV02P464
# أصحابنا: إن تناوله لحاجة التداوي به، وكان الغالب منه السلامة جاز، وقد
~~روي عن عروة بن الزبير لما وقعت الأكلة في رجله، وأرادوا قطعها، قال له
~~الأطباء: نسقيك دواء حتى يغيب عقلك، ولا تحس بألم القطع، فأبى، وقال: ما
~~ظننت أن خلقا يشرب شرابا يزول منه عقله حتى لا يعرف ربه. وروي عنه أنه قال:
~~لا أشرب شيئا يحول بيني وبين ذكر ربي عز وجل. وإن تناول ذلك لغير حاجة
~~التداوي، فقال أكثر أصحابنا كالقاضي وابن عقيل، وصاحب " المغني ": إنه
~~محرم، لأنه تسبب إلى إزالة العقل لغير حاجة، فحرم كشرب المسكر، وروى حنش
~~الرحبي - وفيه ضعف - عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعا: «من شرب شرابا يذهب
~~عقله، فقد أتى بابا من أبواب الكبائر» . وقالت طائفة منهم ابن عقيل في "
~~فنونه ": لا يحرم ذلك؛ لأنه لا لذة فيه، والخمر إنما حرمت لما فيها من
~~الشدة المطربة، ولا إطراب في البنج ونحوه ولا شدة. فعلى قول الأكثرين: لو
~~تناول ذلك لغير حاجة، وسكر به، فطلق، فحكم طلاقه حكم طلاق السكران، قاله
~~أكثر أصحابنا كابن حامد والقاضي، وأصحاب الشافعي، وقالت الحنفية: لا يقع
~~طلاقه، وعللوا بأنه ليس فيه لذة، وهذا يدل على أنهم لم يحرموه. وقالت
~~الشافعية: هو محرم، وفي وقوع الطلاق معه وجهان، وظاهر كلام أحمد أنه لا يقع
~~طلاقه بخلاف ms585 السكران، وتأوله القاضي، وقال: إنما قال ذلك إلزاما للحنفية،
~~لا اعتقادا له، وسياق كلامه محتمل لذلك.
# PageV02P465
# وأما الحد، فإنما يجب بتناول ما فيه شدة وطرب من المسكرات؛ لأنه هو الذي
~~تدعو النفوس إليه، فجعل الحد زاجرا عنه. فأما ما فيه سكر بغير طرب ولا لذة،
~~فليس فيه سوى التعزير، لأنه ليس في النفوس داع إليه حتى يحتاج إلى حد مقدر
~~زاجر عنه، فهو كأكل الميتة ولحم الخنزير، وشرب الدم. وأكثر العلماء الذين
~~يرون تحريم قليل ما أسكر كثيره يرون حد من شرب ما يسكر كثيره، وإن اعتقد
~~حله متأولا، وهو قول الشافعي وأحمد، خلافا لأبي ثور، فإنه قال: لا يحد
~~لتأوله، فهو كالناكح بلا ولي. وفي حد الناكح بلا ولي خلاف أيضا، لكن الصحيح
~~أنه لا يحد، وقد فرق من فرق بينه وبين شرب النبيذ متأولا بأن شرب النبيذ
~~المختلف فيه داع إلى شرب الخمر المجمع على تحريمه بخلاف النكاح بغير ولي،
~~فإنه مغن عن الزنا المجمع على تحريمه، وموجب للاستعفاف عنه. والمنصوص عن
~~أحمد أنه إنما حد شارب النبيذ متأولا، لأن تأويله ضعيف لا يدرأ عنه الحد
~~به، فإنه قال في رواية الأثرم: يحد من شرب النبيذ متأولا، ولو رفع إلى
~~الإمام من طلق البتة، ثم راجعها متأولا أن طلاق البتة واحدة، والإمام يرى
~~أنها ثلاث لا يفرق بينهما، وقال: هذا غير ذاك، أمره بين في كتاب الله، وسنة
~~نبيه صلى الله عليه وسلم، ونزل تحريم الخمر وشرابهم الفضيخ، وقال النبي صلى
~~الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر» ، فهذا بين، وطلاق البتة إنما هو شيء اختلف
~~الناس فيه.
# PageV02P466
### | [الحديث السابع والأربعون ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن]
# PageV02P466
# الحديث السابع والأربعون عن المقدام بن معدي كرب قال:
~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن،
~~بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث
~~لشرابه، وثلث لنفسه» رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال
~~الترمذي: حديث ms586 حسن.
# هذا الحديث خرجه الإمام أحمد
~~والترمذي من حديث يحيى بن جابر الطائي عن المقدام، وخرجه النسائي من هذا
~~الوجه ومن وجه آخر من رواية صالح بن يحيى بن المقدام عن جده، وخرجه ابن
~~ماجه من وجه آخر عنه وله طرق أخرى. وقد روي هذا الحديث مع ذكر سببه، فروى
~~أبو القاسم البغوي في " معجمه " من حديث عبد الرحمن بن المرقع، قال: «فتح
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وهي مخضرة من الفواكه، فواقع الناس
~~الفاكهة، فمغثتهم الحمى، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الحمى رائد الموت وسجن الله في
# PageV02P467
# الأرض، وهي قطعة من النار، فإذا أخذتكم فبردوا الماء في الشنان، فصبوها
~~عليكم بين الصلاتين يعني المغرب والعشاء، قال: ففعلوا ذلك، فذهبت عنهم،
~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يخلق الله وعاء إذا ملئ شرا من بطن،
~~فإن كان لا بد، فاجعلوا ثلثا للطعام، وثلثا للشراب، وثلثا للريح.» وهذا
~~الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها. وقد روي أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ
~~هذا الحديث في " كتاب " أبي خيثمة، قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات،
~~سلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارستانات ودكاكين الصيادلة، وإنما
~~قال هذا؛ لأن أصل كل داء التخم، كما قال بعضهم: أصل كل داء البردة، وروي
~~مرفوعا ولا يصح رفعه. وقال الحارث بن كلدة طبيب العرب: الحمية رأس الدواء،
~~والبطنة رأس
# PageV02P468
# الداء، ورفعه بعضهم ولا يصح أيضا. وقال الحارث أيضا: الذي قتل البرية،
~~وأهلك السباع في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام. وقال غيره:
~~لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؟ قالوا: التخم. فهذا بعض منافع
~~تقليل الغذاء، وترك التملي من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته. وأما
~~منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه، فإن قلة الغذاء توجب رقة القلب، وقوة
~~الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى والغضب، وكثرة الغذاء توجب ضد ذلك. قال
~~الحسن: يابن آدم كل في ثلث بطنك، واشرب ms587 في ثلثه، ودع ثلث بطنك يتنفس
~~لتتفكر. وقال المروذي: جعل أبو عبد الله، يعني أحمد يعظم أمر الجوع والفقر،
~~فقلت له: يؤجر الرجل في ترك الشهوات، فقال: وكيف لا يؤجر، وابن عمر يقول:
~~ما شبعت منذ أربعة أشهر؟ قلت لأبي عبد الله: يجد الرجل من قلبه رقة وهو
~~يشبع؟ قال: ما أرى. وروى المروذي عن أبي عبد الله قول ابن عمر هذا من وجوه،
~~فروى بإسناده عن ابن سيرين، قال: قال رجل لابن عمر: ألا أجيئك بجوارش؟ قال:
# PageV02P469
# وأي شيء هو؟ قال: شيء يهضم الطعام إذا أكلته، قال: ما شبعت منذ أربعة
~~أشهر، وليس ذاك أني لا أقدر عليه، ولكن أدركت أقواما يجوعون أكثر مما
~~يشبعون. وبإسناده عن نافع، قال: جاء رجل بجوارش إلى ابن عمر، فقال: ما هذا؟
~~قال: جوارش: شيء يهضم به الطعام، قال: ما أصنع به؟ إني ليأتي علي الشهر ما
~~أشبع فيه من الطعام. وبإسناده عن رجل قال: قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن
~~رقت مضغتك، وكبر سنك، وجلساؤك لا يعرفون لك حقك ولا شرفك، فلو أمرت أهلك أن
~~يجعلوا لك شيئا يلطفونك إذا رجعت إليهم، قال: ويحك، والله ما شبعت منذ إحدى
~~عشرة سنة، ولا اثنتي عشرة سنة، ولا ثلاث عشرة سنة، ولا أربع عشرة سنة مرة
~~واحدة، فكيف بي وإنما بقي مني كظمء الحمار. وبإسناده عن عمرو بن الأسود
~~العنسي أنه كان يدع كثيرا من الشبع مخافة الأشر. وروى ابن أبي الدنيا في
~~كتاب " الجوع " بإسناده عن نافع، عن ابن عمر، قال: ما شبعت منذ أسلمت.
# PageV02P470
# وروى بإسناده عن محمد بن واسع، قال: من قل طعمه فهم وأفهم، وصفا، ورق،
~~وإن كثرة الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد. وعن أبي عبيدة الخواص، قال:
~~حتفك في شبعك، وحظك في جوعك، وإذا أنت شبعت ثقلت، فنمت، استمكن منك العدو
~~فجثم عليك، وإذا أنت تجوعت كنت للعدو بمرصد. وعن عمرو بن قيس، قال: إياكم
~~والبطنة فإنها تقسي القلب. وعن سلمة بن سعيد قال: إن كان ms588 الرجل ليعير
~~بالبطنة كما يعير بالذنب يعمله. وعن بعض العلماء قال: إذا كنت بطينا، فاعدد
~~نفسك زمنا حتى تخمص. وعن ابن الأعرابي قال: كانت العرب تقول: ما بات رجل
~~بطينا فتم عزمه. وعن أبي سليمان الداراني قال: إذا أردت حاجة من حوائج
~~الدنيا والآخرة، فلا تأكل حتى تقضيها، فإن الأكل يغير العقل. وعن مالك بن
~~دينار قال: ما ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبر همه، وأن تكون شهوته هي
~~الغالبة عليه. قال: وحدثني الحسن بن عبد الرحمن، قال: قال الحسن أو غيره:
~~كانت بلية أبيكم آدم عليه السلام أكلة، وهي بليتكم إلى يوم القيامة. قال:
~~وكان يقال: من ملك بطنه، ملك الأعمال الصالحة كلها، وكان يقال: لا تسكن
~~الحكمة معدة ملأى.
# PageV02P471
# وعن عبد العزيز بن أبي رواد قال: كان يقال: قلة الطعم عون على التسرع إلى
~~الخيرات. وعن قثم العابد قال: كان يقال: ما قل طعم امرئ قط إلا رق قلبه،
~~ونديت عيناه. وعن عبد الله بن مرزوق قال: لم نر للأشر مثل دوام الجوع، فقال
~~له أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: وما دوامه عندك؟ قال: دوامه أن لا تشبع
~~أبدا. قال: وكيف يقدر من كان في الدنيا على هذا؟ قال: ما أيسر ذلك يا أبا
~~عبد الرحمن على أهل ولايته ومن وفقه لطاعته، لا يأكل إلا دون الشبع هو دوام
~~الجوع. ويشبه هذا قول الحسن لما عرض الطعام على بعض أصحابه، فقال له: أكلت
~~حتى لا أستطيع أن آكل، فقال الحسن: سبحان الله ويأكل المسلم حتى لا يستطيع
~~أن يأكل؟ ! . وروى أيضا بإسناده عن أبي عمران الجوني، قال: كان يقال: من
~~أحب أن ينور قلبه، فليقل طعمه. وعن عثمان بن زائدة قال: كتب إلي سفيان
~~الثوري: إن أردت أن يصح جسمك، ويقل نومك، فأقل من الأكل. وعن ابن السماك
~~قال: خلا رجل بأخيه، فقال: أي أخي، نحن أهون على الله من أن يجيعنا، إنما
~~يجيع أولياءه. وعن عبد الله بن الفرج قال: قلت لأبي سعيد التميمي: الخائف
~~يشبع؟
# PageV02P472
# قال: ms589 لا، قلت: المشتاق يشبع؟ قال: لا. وعن رياح القيسي أنه قرب إليه
~~طعام، فأكل منه، فقيل له: ازدد فما أراك شبعت، فصاح صيحة وقال: كيف أشبع
~~أيام الدنيا وشجرة الزقوم طعام الأثيم بين يدي؟ فرفع الرجل الطعام من بين
~~يديه، وقال: أنت في شيء ونحن في شيء. قال المروذي: قال لي رجل: كيف ذاك
~~المتنعم؟ يعني أحمد، قلت له: وكيف هو متنعم؟ قال: أليس يجد خبزا يأكل، وله
~~امرأة يسكن إليها، ويطؤها، فذكرت ذلك لأبي عبد الله فقال: صدق، وجعل
~~يسترجع، وقال: إنا لنشبع. وقال بشر بن الحارث: ما شبعت منذ خمسين سنة،
~~وقال: ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم من الحلال، لأنه إذا شبع من الحلال،
~~دعته نفسه إلى الحرام، فكيف من هذه الأقذار؟ . وعن إبراهيم بن أدهم قال: من
~~ضبط بطنه ضبط دينه، ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة، وإن معصية الله
~~بعيدة من الجائع، قريبة من الشبعان، والشبع يميت القلب، ومنه يكون الفرح
~~والمرح والضحك. وقال ثابت البناني: بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا
~~عليهما السلام، فرأى عليه معاليق من كل شيء، فقال له يحيى: يا إبليس، ما
~~هذه المعاليق التي أرى عليك؟ قال: هذه الشهوات التي أصيب من بني آدم، قال:
~~فهل لي فيها شيء؟ قال: ربما شبعت، فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر، قال: فهل
~~غير هذا؟ قال: لا، قال: لله علي أن لا أملأ بطني من طعام أبدا، قال: فقال
~~إبليس: لله علي أن لا أنصح مسلما أبدا.
# PageV02P473
# وقال أبو سليمان الداراني: إن النفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورق، وإذا
~~شبعت ورويت، عمي القلب، وقال: مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع،
~~وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله عز وجل، وإن الله ليعطي
~~الدنيا من يحب ومن لا يحب، وإن الجوع عنده في خزائن مدخرة، فلا يعطي إلا من
~~أحب خاصة، ولأن أدع من عشائي لقمة أحب إلي من أن آكلها ثم أقوم من أول
~~الليل إلى آخره. وقال الحسن بن ms590 يحيى الخشني: من أراد أن تغزر دموعه ويرق
~~قلبه فليأكل وليشرب في نصف بطنه، وقال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت بهذا أبا
~~سليمان فقال: إنما جاء الحديث: " «ثلث طعام وثلث شراب» " وأرى هؤلاء قد
~~حاسبوا أنفسهم، فربحوا سدسا. وقال محمد بن النضر الحارثي: الجوع يبعث على
~~البر كما تبعث البطنة على الأشر. وعن الشافعي، قال: ما شبعت منذ ست عشرة
~~سنة إلا شبعة اطرحتها، لأن الشبع يثقل البدن، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم،
~~ويضعف صاحبه عن العبادة. وقد ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التقلل
~~من الأكل في حديث المقدام، وقال: «حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه» . وفي "
~~الصحيحين " عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المؤمن يأكل في معى واحد،
~~والكافر يأكل في سبعة أمعاء» والمراد أن المؤمن
# PageV02P474
# يأكل بأدب الشرع، فيأكل في معى واحد والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشره
~~والنهم، فيأكل في سبعة أمعاء. وندب - صلى الله عليه وسلم - مع التقلل من
~~الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه، فقال: «طعام الواحد
~~يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة
~~فأحسن ما أكل المؤمن في ثلث بطنه، وشرب في ثلث، وترك للنفس ثلثا» ، كما
~~ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث المقدام، فإن كثرة الشرب تجلب
~~النوم، وتفسد الطعام. قال سفيان: كل ما شئت ولا تشرب، فإذا لم تشرب، لم
~~يجئك النوم. وقال بعض السلف: كان شباب يتعبدون في بني إسرائيل، فإذا كان
~~عند فطرهم، قام عليهم قائم فقال: لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فتناموا
~~كثيرا، فتخسروا كثيرا. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه
~~يجوعون كثيرا، ويتقللون من أكل الشهوات، وإن كان ذلك لعدم وجود الطعام، إلا
~~أن الله لا يختار لرسوله إلا أكمل الأحوال وأفضلها. ولهذا كان ابن عمر
~~يتشبه بهم في ذلك - مع قدرته على الطعام - وكذلك كان أبوه من قبله.
# PageV02P475
# ففي " الصحيحين " «عن عائشة، قالت: ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم
~~- منذ قدم المدينة من خبز بر ms591 ثلاث ليال تباعا حتى قبض» . ولمسلم: قالت: «ما
~~شبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض»
~~. وخرج البخاري عن أبي هريرة قال: «ما شبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم
~~- من طعام ثلاثة أيام حتى قبض» . وعنه قال: «خرج رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير» . وفي " صحيح مسلم " «عن عمر أنه
~~خطب، فذكر ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: لقد رأيت رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلا يملأ به بطنه» . وخرج الترمذي،
~~وابن ماجه من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لقد أوذيت
~~في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاث
~~من بين يوم وليلة وما لي طعام إلا ما واراه إبط بلال» . وخرجه ابن ماجه
~~بإسناده عن سليمان بن صرد، قال: «أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
~~فمكثنا ثلاث ليال لا نقدر - أو لا يقدر - على طعام» .
# PageV02P476
# وبإسناده عن أبي هريرة، قال «أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطعام
~~سخن فأكل، فلما فرغ قال: الحمد لله، ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا» .
~~وقد ذم الله ورسوله من اتبع الشهوات، قال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا
~~الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا - إلا من تاب} [مريم: 59 - 60]
~~[مريم: 59 - 60] . وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خير
~~القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم يشهدون ولا
~~يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» . وفي " المسند " أن النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - «رأى رجلا سمينا فجعل يومئ بيده إلى بطنه ويقول: لو
~~كان هذا في غير هذا، لكان خيرا لك» . وفي " المسند " عن أبي برزة عن النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم
~~وفروجكم، ومضلات الهوى» . وفي " مسند البزار " وغيره عن فاطمة، ms592 عن النبي -
~~صلى الله عليه وسلم -، قال: «شرار أمتي
# PageV02P477
# الذين غذوا بالنعيم يأكلون ألوان الطعام، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون
~~في الكلام» . وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر، قال: «تجشأ رجل عند
~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعا في
~~الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة» . وخرجه ابن ماجه من حديث سلمان أيضا
~~بنحوه، وخرجه الحاكم من
# PageV02P478
# حديث أبي جحيفة، وفي أسانيدها كلها مقال. وروى يحيى بن منده في كتاب "
~~مناقب الإمام أحمد " بإسناد له عن الإمام أحمد أنه سئل عن قول النبي - صلى
~~الله عليه وسلم -: «ثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس» فقال: ثلث
~~للطعام: هو القوت، وثلث للشراب: هو القوى، وثلث للنفس: هو الروح والله
~~أعلم.
# PageV02P479
### | [الحديث الثامن والأربعون أربع من كن فيه كان منافقا]
# PageV02P479
# الحديث الثامن والأربعون. عن عبد الله بن عمرو رضي
~~الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «أربع من كن فيه كان
~~منافقا، ومن كانت خصلة منهن فيه كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا
~~حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر» خرجه البخاري
~~ومسلم.
# هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين "
~~من رواية الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو بن
~~العاص. وخرجاه في " الصحيحين " أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله
~~عليه وسلم -، قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا
~~ائتمن خان» . وفي رواية لمسلم: «وصلى وزعم أنه مسلم» وفي رواية له أيضا:
~~«من علامات المنافق ثلاثة» . وقد روي هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~من وجوه أخر.
# وهذا الحديث قد حمله طائفة ممن يميل إلى الإرجاء على المنافقين الذين
~~كانوا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنهم حدثوا النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - فكذبوه، وائتمنهم على سره فخانوه، ووعدوه أن يخرجوا معه في
~~الغزو فأخلفوه، وقد روى محمد المحرم هذا التأويل عن عطاء، ms593 وأنه قال: حدثني
~~به جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكر أن الحسن
# PageV02P480
# رجع إلى قول عطاء هذا لما بلغه عنه، وهذا كذب، والمحرم هذا شيخ كذاب
~~معروف بالكذب. وقد روي عن عطاء هذا من وجهين آخرين ضعيفين أنه أنكر على
~~الحسن قوله: ثلاث من كن فيه فهو منافق، وقال: قد حدث إخوة يوسف فكذبوا،
~~ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا ولم يكونوا منافقين، وهذا لا يصح عن عطاء،
~~والحسن لم يقل هذا من عنده وإنما بلغه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
~~فالحديث ثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - لا شك في ثبوته وصحته، والذي فسره
~~به أهل العلم المعتبرون أن النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار
~~الخير وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين: أحدهما: النفاق الأكبر،
~~وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر،
~~ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد النبي -
~~صلى الله عليه وسلم -، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في
~~الدرك الأسفل من النار. والثاني: النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل، وهو أن
~~يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك. وأصول هذا النفاق ترجع إلى
~~الخصال المذكورة في هذه الأحاديث، وهي خمسة: أحدها: أن يحدث بحديث لمن
~~يصدقه به وهو كاذب له، وفي " المسند "
# PageV02P481
# عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا
~~هو لك مصدق، وأنت به كاذب» . قال الحسن: كان يقال: النفاق اختلاف السر
~~والعلانية، والقول والعمل، والمدخل والمخرج، وكان يقال: أس النفاق الذي بني
~~عليه الكذب. والثاني: إذا وعد أخلف، وهو على نوعين: أحدهما: أن يعد ومن
~~نيته أن لا يفي بوعده، وهذا أشر الخلف، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله
~~تعالى ومن نيته أن لا يفعل، كان كذبا وخلفا، قاله الأوزاعي.
# الثاني: أن يعد ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له فيخلف من غير عذر له في
~~الخلف. وخرج أبو ms594 داود، والترمذي من حديث زيد بن أرقم عن النبي - صلى الله
~~عليه وسلم -، قال: «إذا
# PageV02P482
# وعد الرجل ونوى أن يفي به فلم يف، فلا جناح عليه» . وقال الترمذي: ليس
~~إسناده بالقوي. وخرج الإسماعيلي وغيره من حديث سلمان «أن عليا لقي أبا بكر
~~وعمر، فقال: ما لي أراكما ثقيلين؟ قالا: حديث سمعناه من النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - ذكر خلال المنافق: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان
~~فأينا ينجو من هذه الخصال؟ فدخل علي على النبي - صلى الله عليه وسلم -،
~~فذكر ذلك له، فقال: قد حدثتهما ولم أضعه على الوضع الذي تضعونه، ولكن
~~المنافق إذا حدث وهو يحدث نفسه أن يكذب، وإذا وعد وهو يحدث نفسه أن يخلف،
~~وإذا اؤتمن وهو يحدث نفسه أن يخون» . وقال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث
~~من رواية سلمان وزيد بن أرقم: الحديثان مضطربان وفي الإسنادين مجهولان.
~~وقال الدارقطني: الحديث غير ثبت والله أعلم. وخرج الطبراني والإسماعيلي من
~~حديث علي مرفوعا: «العدة دين، ويل لمن وعد ثم أخلف قالها ثلاثا» ، وفي
~~إسناده جهالة، ويروى من حديث «ابن
# PageV02P483
# مسعود» قال: «لا يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجز له، فإن رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - قال: العدة عطية» وفي إسناده نظر، وأوله صحيح عن ابن مسعود من
~~قوله. وفي مراسيل الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «العدة هبة»
~~. وفي " سنن أبي داود " عن مولى لعبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عبد الله
~~بن عامر بن ربيعة، قال: «جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيتنا وأنا
~~صبي، فخرجت لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله تعال أعطك، فقال رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم -: ما أردت
# PageV02P484
# أن تعطيه؟ قلت: أردت أن أعطيه تمرا، فقال: إن لم تفعلي كتبت عليك كذبة» .
~~وفي إسناده من لا يعرف. وذكر الزهري عن أبي هريرة، قال: من قال لصبي: تعال
~~هاك تمرا، ثم لا يعطيه شيئا فهي كذبة.
# وقد اختلف العلماء في وجوب الوفاء بالوعد، فمنهم ms595 من أوجبه مطلقا، وذكر
~~البخاري في " صحيحه " أن ابن أشوع قضى بالوعد، وهو قول طائفة من أهل
# PageV02P485
# الظاهر وغيرهم، منهم من أوجب الوفاء به إذا اقتضى تغريما للموعود، وهو
~~المحكي عن مالك، وكثير من الفقهاء لا يوجبونه مطلقا.
# والثالث: إذا خاصم فجر ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمدا حتى يصير الحق
~~باطلا والباطل حقا، وهذا مما يدعو إليه الكذب، كما قال - صلى الله عليه
~~وسلم -: «إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى
~~النار» . وفي " الصحيحين " عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أبغض
~~الرجال إلى الله الألد الخصم» . وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنكم
~~لتختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي على نحو
~~مما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من
~~النار» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن من البيان لسحرا» . فإذا كان
~~الرجل ذا قدرة عند الخصومة - سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا - على
~~أن ينتصر للباطل، ويخيل للسامع أنه حق، ويوهن الحق، ويخرجه في صورة الباطل،
~~كان ذلك من أقبح المحرمات، ومن أخبث خصال النفاق، وفي " سنن أبي داود " عن
~~ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «من خاصم
# PageV02P486
# في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع» . وفي رواية له أيضا:
~~«ومن أعان على خصومة بظلم، فقد باء بغضب من الله» .
# الرابع: إذا عاهد غدر، ولم يف بالعهد، وقد أمر الله بالوفاء بالعهد،
~~فقال: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} [الإسراء: 34] [الإسراء: 34] ،
~~وقال: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد
~~جعلتم الله عليكم كفيلا} [النحل: 91] [النحل: 91] ، وقال: {إن الذين يشترون
~~بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم
~~الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} [آل عمران:
~~77] [آل عمران: 77] . وفي " الصحيحين " عن ابن عمر عن النبي - صلى الله
~~عليه ms596 وسلم -، قال: «لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به» وفي رواية: «إن
~~الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: ألا هذه غدرة فلان» ، وخرجاه أيضا
~~من حديث أنس بمعناه. وخرج مسلم من حديث أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه
~~وسلم -، قال: «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة» . والغدر حرام في كل
~~عهد بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهد كافرا، ولهذا في حديث عبد الله بن
~~عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل نفسا معاهدا بغير حقها
# PageV02P487
# لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» خرجه
~~البخاري. وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا
~~على عهودهم ولم ينقضوا منها شيئا. وأما عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء
~~بها أشد، ونقضها أعظم إثما. ومن أعظمها: نقض عهد الإمام على من تابعه، ورضي
~~به، وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال:
~~«ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فذكر منهم:
~~ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفى له، وإلا لم
~~يف له» . ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها، ويحرم الغدر فيها: جميع
~~عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها
~~من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله عز وجل
~~مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه.
# الخامس: الخيانة في الأمانة، فإذا اؤتمن الرجل أمانة، فالواجب عليه أن
~~يؤديها، كما قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}
~~[النساء: 58] [النساء: 58] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أد
~~الأمانة إلى من ائتمنك» ، وقال في خطبته في حجة
# PageV02P488
# الوداع: «من كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها» وقال الله عز
~~وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم
~~تعلمون} [الأنفال: 27] [الأنفال: 27] فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق.
~~وفي حديث ابن مسعود من قوله، ms597 وروي مرفوعا: «القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب
~~إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أد أمانتك، فيقول: من أين يا رب
~~وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى
~~قعرها، فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها، فيضعها على عنقه فيصعد بها في نار
~~جهنم حتى إذا رأى أنه قد خرج منها، زلت فهوت، وهو في إثرها أبد الآبدين»
~~قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك
~~الودائع. وقد روي عن محمد بن كعب القرظي أنه استنبط ما في هذا الحديث -
~~أعني حديث: «آية المنافق ثلاث» - من القرآن، فقال: مصداق ذلك في كتاب الله
~~تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} [المنافقون: 1] إلى
~~قوله:
# PageV02P489
# {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] [المنافقون: 1] ، وقال
~~تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75] إلى قوله:
~~{فأعقبهم نقاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما
~~كانوا يكذبون} [التوبة: 77] [التوبة: 74 - 77] ، وقال: {إنا عرضنا الأمانة
~~على السماوات والأرض والجبال} [الأحزاب: 72] الأحزاب إلى قوله: {ليعذب الله
~~المنافقين والمنافقات} [الأحزاب: 73] [الأحزاب: 72 - 73] وروي عن ابن مسعود
~~نحو هذا الكلام، ثم تلا قوله: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم} [التوبة: 77]
~~[التوبة: 77] الآية. وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف
~~السريرة والعلانية، قاله الحسن. وقال الحسن أيضا: من النفاق اختلاف القلب
~~واللسان، واختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج. وقالت طائفة من
~~السلف: خشوع النفاق أن ترى الجسد خاشعا، والقلب ليس بخاشع، وقد روي معنى
~~ذلك عن عمر، وروي عنه أنه قال على المنبر: إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق
~~العليم، قالوا: كيف يكون المنافق عليما؟ قال: يتكلم بالحكمة، ويعمل بالجور،
~~أو قال: المنكر. وسئل حذيفة عن المنافق، فقال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل
~~به. وفي " صحيح البخاري " عن ابن عمر أنه قيل له: إنا ندخل على
# PageV02P490
# سلطاننا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال: كنا نعد هذا
~~نفاقا. وفي " المسند ms598 " عن حذيفة، قال: إنكم لتكلمون كلاما إن كنا لنعده على
~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النفاق، وفي رواية قال: إن كان الرجل
~~ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيصير بها
~~منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم في المجلس عشر مرار. قال بلال بن
~~سعد: المنافق يقول ما يعرف، ويعمل ما ينكر. ومن هنا كان الصحابة يخافون
~~النفاق على أنفسهم، وكان عمر يسأل حذيفة عن نفسه. وسئل أبو رجاء العطاردي:
~~هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخشون
~~النفاق؟ فقال: نعم إني أدركت منهم بحمد الله صدرا حسنا، نعم شديدا، نعم
~~شديدا. وقال البخاري في " صحيحه ": وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من
~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخاف النفاق على نفسه. ويذكر عن
~~الحسن قال: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق. انتهى.
# PageV02P491
# وروي عن الحسن أنه حلف: ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق،
~~وما مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يخف
~~النفاق، فهو منافق. وسمع رجل أبا الدرداء يتعوذ من النفاق في صلاته، فلما
~~سلم، قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: اللهم غفرا - ثلاثا - لا تأمن
~~البلاء، والله إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة، فينقلب عن دينه. والآثار عن
~~السلف في هذا كثيرة جدا. قال سفيان الثوري: خلاف ما بيننا وبين المرجئة
~~ثلاث، فذكر منها قال: نحن نقول: نفاق وهم يقولون: لا نفاق. وقال الأوزاعي:
~~قد خاف عمر النفاق على نفسه، قيل له: إنهم يقولون: إن عمر لم يخف أن يكون
~~يومئذ منافقا حتى سأل حذيفة، ولكن خاف أن يبتلى بذلك قبل أن يموت، قال: هذا
~~قول أهل البدع، يشير إلى أن عمر كان يخاف النفاق على نفسه في الحال،
~~والظاهر أنه أراد أن عمر كان يخاف على نفسه في الحال من النفاق الأصغر،
~~والنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق الأكبر، ms599 كما
# PageV02P492
# أن المعاصي بريد الكفر، وكما يخشى على من أصر على المعصية أن يسلب
~~الإيمان عند الموت، كذلك يخشى على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان
~~فيصير منافقا خالصا. وسئل الإمام أحمد: ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه
~~النفاق؟ فقال: ومن يأمن على نفسه النفاق؟ وكان الحسن يسمي من ظهرت منه
~~أوصاف النفاق العملي منافقا، وروي نحوه عن حذيفة. وقال الشعبي: من كذب، فهو
~~منافق، وحكى محمد بن نصر المروزي هذا القول عن فرقة من أهل الحديث، وقد سبق
~~في أوائل الكتاب ذكر الاختلاف عن الإمام أحمد وغيره في مرتكب الكبائر: هل
~~يسمى كافرا كفرا لا ينقل عن الملة أم لا؟ واسم الكفر أعظم من اسم النفاق،
~~ولعل هذا هو الذي أنكره عطاء على الحسن إن صح ذلك عنه. ومن أعظم خصال
~~النفاق العملي: أن يعمل الإنسان عملا، ويظهر أنه قصد به الخير، وإنما عمله
~~ليتوصل به إلى غرض له سيئ فيتم له ذلك، ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه،
~~ويفرح بمكره وخداعه وحمد الناس له على ما أظهره، وتوصل به إلى غرضه السيئ
~~الذي أبطنه، وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود، فحكى عن
~~المنافقين أنهم {اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا
~~لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم
~~لكاذبون} [التوبة: 107] [التوبة: 107] ، وأنزل في اليهود: {لا تحسبن الذين
~~يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من
~~العذاب ولهم عذاب أليم} [آل عمران: 188] [آل عمران: 188] وهذه الآية نزلت
~~في اليهود، سألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شيء فكتموه، وأخبروه
~~بغيره، فخرجوا وقد أروه أنهم قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك،
~~وفرحوا بما أوتوا
# PageV02P493
# من كتمانهم وما سئلوا عنه، قال ذلك ابن عباس، وحديثه مخرج في " الصحيحين
~~". وفيهما أيضا عن أبي سعيد أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا ms600 بمقعدهم خلافه
~~فإذا قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا،
~~وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. وفي حديث ابن مسعود عن النبي - صلى الله
~~عليه وسلم -، قال: «من غشنا فليس منا، والمكر والخديعة في النار» . وقد وصف
~~الله المنافقين بالمخادعة، ولقد أحسن أبو العتاهية في قوله:
# ليس دنيا إلا بدين وليس الد ... ين إلا مكارم الأخلاق
# إنما المكر والخديعة في النا ... ر هما من خصال أهل النفاق
# ولما تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية
~~خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع
~~الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك
~~منه نفاقا، كما في " صحيح مسلم " «عن حنظلة الأسيدي أنه مر بأبي بكر وهو
~~يبكي، فقال: ما لك؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر، نكون عند رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا رجعنا، عافسنا
~~الأزواج والصبية فنسينا كثيرا، قال أبو بكر: فوالله إنا لكذلك، فانطلقا إلى
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما لك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة
~~يا رسول الله، وذكر له مثل ما قال لأبي بكر،
# PageV02P494
# فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو تدومون على الحال التي تقومون
~~بها من عندي، لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة
~~وساعة» . وفي " مسند البزار " عن أنس قال: «قالوا: يا رسول الله إنا نكون
~~عندك على حال، فإذا فارقناك كنا على غيره، قال: كيف أنتم وربكم؟ قالوا:
~~الله ربنا في السر والعلانية، قال: ليس ذاكم النفاق» . وروي من وجه آخر عن
~~أنس قال: «غدا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: هلكنا،
~~قال: وما ذاك؟ قالوا: النفاق، قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن
~~محمدا رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: فليس ذاك بالنفاق» ثم ذكر معنى حديث
~~حنظلة كما تقدم.
# PageV02P495
### | [الحديث التاسع والأربعون لو ms601 أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير]
# PageV02P495
# الحديث التاسع والأربعون. عن عمر بن الخطاب رضي الله
~~عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو أنكم توكلون على الله حق
~~توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا» رواه الإمام أحمد
~~والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في " صحيحه " والحاكم، وقال
~~الترمذي: حسن صحيح.
# هذا الحديث خرجه هؤلاء كلهم من
~~رواية عبد الله بن هبيرة، سمع أبا تميم الجيشاني، سمع عمر بن الخطاب يحدثه
~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبو تميم وعبد الله بن هبيرة خرج لهما
~~مسلم، ووثقهما غير واحد، وأبو تميم ولد في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم
~~-، وهاجر إلى المدينة في زمن عمر رضي الله عنه. وقد روي هذا الحديث من حديث
~~ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن في إسناده من لا يعرف حاله.
~~قاله أبو حاتم الرازي. وهذا الحديث أصل في التوكل، وأنه من أعظم الأسباب
~~التي يستجلب بها
# PageV02P496
# الرزق، قال الله عز وجل: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا - ويرزقه من حيث لا
~~يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 2 - 3] [الطلاق: 2 - 3] ، وقد
~~قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية على أبي ذر، وقال له: لو أن
~~الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم يعني: لو حققوا التقوى والتوكل؛ لاكتفوا بذلك
~~في مصالح دينهم ودنياهم. وقد سبق الكلام على هذا المعنى في شرح حديث ابن
~~عباس: «احفظ الله يحفظك» . قال بعض السلف: بحسبك من التوسل إليه أن يعلم من
~~قلبك حسن توكلك عليه، فكم من عبد من عباده قد فوض إليه أمره، فكفاه منه ما
~~أهمه، ثم قرأ: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا - ويرزقه من حيث لا يحتسب}
~~[الطلاق: 2 - 3] وحقيقة التوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في
~~استجلاب المصالح، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وكلة الأمور
~~كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ms602 ولا يضر ولا ينفع سواه.
~~قال سعيد بن جبير: التوكل جماع الإيمان. وقال وهب بن منبه: الغاية القصوى
~~التوكل. قال الحسن: إن توكل العبد على ربه أن يعلم أن الله هو ثقته. وفي
~~حديث ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «من سره أن يكون أقوى
~~الناس، فليتوكل على الله» .
# PageV02P497
# وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في دعائه: «اللهم إني
~~أسألك صدق التوكل عليك» ، وأنه كان يقول: «اللهم اجعلني ممن توكل عليك
~~فكفيته» . واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله
~~سبحانه المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإن الله تعالى أمر بتعاطي
~~الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل
~~بالقلب عليه إيمان به، كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا
~~حذركم} [النساء: 71] [النساء: 71] ، وقال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من
~~قوة ومن رباط الخيل} [الأنفال: 60] [الأنفال: 60] ، وقال: {فإذا قضيت
~~الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] [الجمعة: 10]
~~. وقال سهل التستري: من طعن في الحركة - يعني في السعي والكسب - فقد طعن في
~~السنة، ومن طعن في التوكل، فقد طعن في الإيمان، فالتوكل حال النبي - صلى
~~الله عليه وسلم -، والكسب سنته، فمن عمل على حاله، فلا يتركن سنته.
# ثم إن الأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام:
# PageV02P498
# أحدها: الطاعات التي أمر الله عباده بها، وجعلها سببا، للنجاة من النار
~~ودخول الجنة، فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله فيه، والاستعانة به
~~عليه، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فمن قصر
~~في شيء مما وجب عليه من ذلك، استحق العقوبة في الدنيا والآخرة شرعا وقدرا.
~~قال يوسف بن أسباط: كان يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل
~~رجل لا يصيبه إلا ما كتب له. والثاني: ما أجرى الله العادة به في الدنيا،
~~وأمر عباده بتعاطيه، كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والاستظلال ms603 من
~~الحر، والتدفؤ من البرد، ونحو ذلك، فهذا أيضا واجب على المرء تعاطي أسبابه،
~~ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله، فهو مفرط يستحق
~~العقوبة، لكن الله سبحانه قد يقوي بعض عباده من ذلك على ما لا يقوى عليه
~~غيره، فإذا عمل بمقتضى قوته التي اختص بها عن غيره فلا حرج عليه، ولهذا كان
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يواصل في صيامه وينهى عن ذلك أصحابه ويقول
~~لهم: «إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى» ، وفي رواية: «إني أظل عند ربي
~~يطعمني ويسقيني» ، وفي رواية: «إن لي مطعما يطعمني، وساقيا يسقيني» .
~~والأظهر أنه أراد بذلك أن الله يقوته ويغذيه بما يورده على قلبه من الفتوح
~~القدسية، والمنح الإلهية، والمعارف الربانية التي تغنيه عن الطعام والشراب
# PageV02P499
# برهة من الدهر، كما قال القائل:
# لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد
# لها بوجهك نور تستضيء به ... وقت المسير وفي أعقابها حادي
# إذا اشتكت من كلال السير أوعدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد
# وقد كان كثير من السلف لهم من القوة على ترك الطعام والشراب ما ليس
~~لغيرهم، ولا يتضررون بذلك. وكان ابن الزبير يواصل ثمانية أيام. وكان أبو
~~الجوزاء يواصل في صومه بين سبعة أيام ثم يقبض على ذراع الشاب فيكاد يحطمها.
~~وكان إبراهيم التيمي يمكث شهرين لا يأكل شيئا غير أنه يشرب شربة حلوى. وكان
~~حجاج بن فرافصة يبقى أكثر من عشرة أيام لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، وكان
~~بعضهم لا يبالي بالحر ولا بالبرد كما كان علي رضي الله عنه يلبس لباس الصيف
~~في الشتاء ولباس الشتاء في الصيف، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا
~~له أن يذهب الله عنه الحر والبرد. فمن كان له قوة على مثل هذه الأمور، فعمل
~~بمقتضى قوته ولم يضعفه عن طاعة الله، فلا حرج عليه، ومن كلف نفسه ذلك حتى
~~أضعفها عن بعض الواجبات، فإنه ينكر عليه ذلك، وكان السلف ينكرون على عبد
~~الرحمن بن أبي نعم حيث ms604 كان يترك الأكل مدة حتى يعاد من ضعفه. القسم الثالث:
~~ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعم الأغلب، وقد يخرق العادة في ذلك
~~لمن شاء من عباده، وهو أنواع: منها ما يخرقه كثيرا، ويغني عنه كثيرا من
~~خلقه كالأدوية بالنسبة إلى كثير من البلدان وسكان البوادي ونحوها.
# وقد اختلف العلماء: هل الأفضل لمن
# PageV02P500
# أصابه المرض التداوي أم تركه لمن حقق التوكل على الله؟ وفيه قولان
~~مشهوران، وظاهر كلام أحمد أن التوكل لمن قوي عليه أفضل، لما صح عن النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب
~~ثم قال: هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون» .
~~ومن رجح التداوي قال: إنه حال النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يداوم
~~عليه، وهو لا يفعل إلا الأفضل، وحمل الحديث على الرقى المكروهة التي يخشى
~~منها الشرك بدليل أنه قرنها بالكي والطيرة وكلاهما مكروه. ومنها ما يخرقه
~~لقليل من العامة كحصول الرزق لمن ترك السعي في طلبه، فمن رزقه الله صدق
~~يقين وتوكل، وعلم من الله أن يخرق له العوائد، ولا يحوجه إلى الأسباب
~~المعتادة في طلب الرزق، ونحوه جاز له ترك الأسباب، ولم ينكر عليه ذلك،
~~وحديث عمر هذا الذي نتكلم عليه يدل على ذلك، ويدل على
# PageV02P501
# أن الناس إنما يؤتون من قلة تحقيق التوكل، ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة
~~بقلوبهم ومساكنتهم لها، فلذلك يتعبون أنفسهم في الأسباب، ويجتهدون فيها
~~غاية الاجتهاد، ولا يأتيهم إلا ما قدر لهم، فلو حققوا التوكل على الله
~~بقلوبهم، لساق إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب، كما يسوق إلى الطير أرزاقها
~~بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب والسعي، لكنه سعي يسير. وربما حرم
~~الإنسان رزقه أو بعضه بذنب يصيبه، كما في حديث ثوبان عن النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - قال: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» . وفي حديث جابر، عن
~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا
~~الله وأجملوا ms605 في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم» . وقال عمر: بين العبد
~~وبين رزقه حجاب، فإن قنع ورضيت نفسه، آتاه الله رزقه، وإن اقتحم وهتك
~~الحجاب، لم يزد فوق رزقه. وقال بعض السلف: توكل تسق إليك الأرزاق بلا تعب
~~ولا تكلف. قال سالم بن أبي الجعد: حدثت «أن عيسى عليه السلام كان يقول:
~~اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم، وإياكم وفضول الدنيا، فإن فضول الدنيا عند
~~الله رجز، هذه طير السماء تغدو وتروح ليس معها من أرزاقه شيء، لا تحرث ولا
~~تحصد الله يرزقها» ، فإن قلتم: إن بطوننا أعظم من بطون الطير، فهذه الوحوش
~~من البقر والحمير وغيرها تغدو وتروح ليس معها من أرزاقها شيء لا تحرث ولا
~~تحصد، الله يرزقها، خرجه ابن أبي الدنيا.
# PageV02P502
# وخرج بإسناده عن ابن عباس قال: كان عابد يتعبد في غار، فكان غراب يأتيه
~~كل يوم برغيف يجد فيه طعم كل شيء حتى مات ذلك العابد. وعن سعيد بن عبد
~~العزيز، عن بعض مشيخة دمشق، قال: «أقام إلياس هاربا من قومه في جبل عشرين
~~ليلة، - أو قال: أربعين - تأتيه الغربان برزقه» . وقال سفيان الثوري: قرأ
~~واصل الأحدب هذه الآية: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} [الذاريات: 22]
~~[الذاريات: 22] ، فقال: ألا إن رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض؟ فدخل
~~خربة، فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا، فلما كان اليوم الرابع، إذ هو بدوخلة من
~~رطب، وكان له أخ أحسن نية منه، فدخل معه، فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك
~~دأبهما حتى فرق الموت بينهما. ومن هذا الباب من قوي توكله على الله ووثوقه
~~به، فدخل المفاوز بغير زاد، فإنه يجوز لمن هذه صفته دون من لم يبلغ هذه
~~المنزلة، وله في ذلك أسوة بإبراهيم الخليل عليه السلام، حيث ترك هاجر
~~وابنها إسماعيل بواد غير ذي زرع، وترك عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء،
~~فلما تبعته هاجر وقالت له: إلى من تدعنا؟ قال لها: إلى الله، قالت: رضيت
~~بالله، وهذا كان يفعله بأمر الله ووحيه، فقد يقذف الله في قلوب ms606 بعض أوليائه
~~من الإلهام الحق ما يعلمون أنه حق، ويثقون به. قال المروزي: قيل لأبي عبد
~~الله: أي شيء صدق التوكل على الله؟ قال: أن يتوكل على الله، ولا يكون في
~~قلبه أحد من الآدميين يطمع أن يجيبه بشيء، فإذا كان كذا، كان الله يرزقه،
~~وكان متوكلا. قال: وذكرت لأبي عبد الله التوكل، فأجازه لمن استعمل فيه
~~الصدق. قال وسألت أبا عبد الله عن رجل جلس في بيته، ويقول: أجلس وأصبر ولا
~~أطلع على ذلك أحدا، وهو يقدر أن يحترف، قال: لو خرج فاحترف كان أحب إلي،
~~وإذا جلس خفت أن يخرجه إلى أن يكون يتوقع أن يرسل إليه بشيء. قلت: فإذا كان
~~يبعث إليه بشيء فلا يأخذ؟ قال: هذا جيد.
# PageV02P503
# وقلت لأبي عبد الله إن رجلا بمكة قال: لا آكل شيئا حتى يطعموني، ودخل في
~~جبل أبي قبيس، فجاء إليه رجلان وهو متزر بخرقة، فألقيا إليه قميصا، وأخذا
~~بيديه، فألبساه القميص، ووضعا بين يديه شيئا، فلم يأكل حتى وضعا مفتاحا من
~~حديد في فيه، وجعلا يدسان في فمه، فضحك أبو عبد الله، وجعل يعجب. وقلت لأبي
~~عبد الله إن رجلا ترك البيع والشراء، وجعل على نفسه أن لا يقع في يده ذهب
~~ولا فضة، وترك دوره لم يأمر فيها بشيء، وكان يمر في الطريق، فإذا رأى شيئا
~~مطروحا، أخذه مما قد ألقي. قال المروزي: فقلت للرجل: ما لك حجة على هذا غير
~~أبي معاوية الأسود، قال: بل أويس القرني، كان يمر بالمزابل، فيلتقط الرقاع،
~~قال: فصدقه أبو عبد الله وقال: قد شدد على نفسه. ثم قال: لقد جاءني البقلي
~~ونحوه، فقلت لهم: لو تعرضتم للعمل، تشهرون أنفسكم! قال: وأيش نبالي من
~~الشهرة؟ وروى أحمد بن الحسين بن حسان عن أحمد أنه سئل عن رجل يخرج إلى مكة
~~بغير زاد، قال: إن كنت تطيق وإلا فلا إلا بزاد وراحلة، لا تخاطر. قال أبو
~~بكر الخلال: يعني إن أطاق وعلم أنه يقوى على ذلك، ولا يسأل ولا تستشرف نفسه
~~لأن يأخذ ms607 أو يعطى فيقبل، فهو متوكل على الصدق، وقد أجاز العلماء التوكل على
~~الصدق. قال: وقد حج أبو عبد الله وكفاه في حجته أربعة عشر درهما. وسئل
~~إسحاق بن راهويه: هل للرجل أن يدخل المفازة بغير زاد فقال: إن كان الرجل
~~مثل عبد الله بن منير، فله أن يدخل المفازة بغير زاد، وإلا لم يكن
# PageV02P504
# له أن يدخل، ومتى كان الرجل ضعيفا، وخشي على نفسه أن لا يصبر، أو يتعرض
~~للسؤال، أو أن يقع في الشك والسخط، لم يجز له ترك الأسباب حينئذ، وأنكر
~~عليه غاية الإنكار كما أنكر الإمام أحمد وغيره على من ترك الكسب وعلى من
~~دخل المفازة بغير زاد، وخشي عليه التعرض للسؤال. وقد روي عن ابن عباس، قال:
~~كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن متوكلون فيحجون، فيأتون مكة
~~فيسألون الناس، فأنزل الله هذه الآية: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}
~~[البقرة: 197] [البقرة: 197] ، وكذا قال مجاهد وعكرمة والنخعي وغير واحد من
~~السلف، فلا يرخص في ترك السبب بالكلية إلا لمن انقطع قلبه عن الاستشراف إلى
~~المخلوقين بالكلية. وقد روي عن أحمد أنه سئل عن التوكل فقال: قطع الاستشراف
~~باليأس من الخلق، فسئل عن الحجة في ذلك، فقال: قول إبراهيم عليه السلام لما
~~عرض له جبريل وهو يرمى في النار، فقال له: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا.
~~وظاهر كلام أحمد أن الكسب أفضل بكل حال، فإنه سئل عمن يقعد ولا يكتسب
~~ويقول: توكلت على الله، فقال: ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله، ولكن
~~يعودون على أنفسهم بالكسب. وروى الخلال بإسناده عن الفضيل بن عياض أنه قيل
~~له: لو أن رجلا قعد في بيته زعم أنه يثق بالله فيأتيه برزقه، قال: إذا وثق
~~بالله حتى يعلم منه أنه قد
# PageV02P505
# وثق به، لم يمنعه شيئا أراده، لكن لم يفعل هذا الأنبياء ولا غيرهم، وقد
~~كان الأنبياء يؤجرون أنفسهم، «وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤجر نفسه
~~وأبو بكر وعمر» ، ولم يقولوا: نقعد حتى يرزقنا الله عز وجل، وقال الله ms608 عز
~~وجل: {وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] : [الجمعة: 10] ، ولابد من طلب
~~المعيشة. وقد روي عن بشر ما يشعر بخلاف هذا، فروى أبو نعيم في " الحلية "
~~أن بشرا سئل عن التوكل، فقال: اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب، فقال له
~~السائل: فسره لنا حتى نفقه، فقال بشر: اضطراب بلا سكون، رجل يضطرب بجوارحه،
~~وقلبه ساكن إلى الله، لا إلى عمله، وسكون بلا اضطراب، فرجل ساكن إلى الله
~~بلا حركة، وهذا عزيز، وهو من صفات الأبدال. وبكل حال، فمن لم يصل إلى هذه
~~المقامات العالية، فلابد له من معاناة الأسباب لاسيما من له عيال لا
~~يصبرون، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء إثما أن يضيع
~~من يقوت» . وكان بشر يقول: لو كان لي عيال لعملت واكتسبت. وكذلك من ضيع
~~بتركه الأسباب حقا له، ولم يكن راضيا بفوات حقه، فإن هذا عاجز مفرط، وفي
~~مثل هذا جاء قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن القوي خير وأحب إلى
~~الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا
~~تعجز، فإن أصابك شيء، فلا تقولن: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله
~~وما شاء فعل، فإن اللو تفتح عمل الشيطان» خرجه مسلم بمعناه من حديث أبي
~~هريرة.
# PageV02P506
# وفي " سنن أبي داود " وعن عوف بن مالك «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقال
~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس،
~~فإذا غلبك أمر، فقل حسبي الله ونعم الوكيل» . وخرج الترمذي من حديث أنس،
~~قال: «قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال:
~~اعقلها وتوكل» . وذكر عن يحيى القطان أنه قال: هو عندي حديث منكر، وخرجه
~~الطبراني من حديث عمرو بن أمية، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وروى
~~الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن ابن عابد أن النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - قال: ms609 «إن التوكل بعد الكيس» وهذا مرسل، ومعناه أن الإنسان يأخذ
~~بالكيس والسعي في الأسباب المباحة، ويتوكل على الله بعد سعيه، وهذا كله
~~إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب بل قد يكون جمعهما أفضل.
~~قال معاوية بن قرة: لقي عمر بن الخطاب ناسا من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟
~~قالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتأكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبه
~~في الأرض، ويتوكل على الله عز وجل. قال الخلال: أخبرنا محمد بن أحمد بن
~~منصور قال: سأل المازني بشر بن
# PageV02P507
# الحارث عن التوكل، فقال: المتوكل لا يتوكل على الله ليكفى، ولو حلت هذه
~~القصة في قلوب المتوكلة، لضجوا إلى الله بالندم والتوبة، ولكن المتوكل يحل
~~بقلبه الكفاية من الله تبارك وتعالى فيصدق الله عز وجل فيما ضمن. ومعنى هذا
~~الكلام أن المتوكل على الله حق التوكل لا يأتي بالتوكل، ويجعله سببا لحصول
~~الكفاية له من الله بالرزق وغيره، فإنه لو فعل ذلك، لكان كمن أتى بسائر
~~الأسباب لاستجلاب الرزق والكفاية بها، وهذا نوع نقص في تحقيق التوكل. وإنما
~~المتوكل حقيقة من يعلم أن الله قد ضمن لعبده رزقه وكفايته، فيصدق الله فيما
~~ضمنه، ويثق بقلبه، ويحقق الاعتماد عليه فيما ضمنه من الرزق من غير أن يخرج
~~التوكل مخرج الأسباب في استجلاب الرزق به، والرزق مقسوم لكل أحد من بر
~~وفاجر، ومؤمن وكافر، كما قال تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله
~~رزقها} [هود: 6] [هود: 6] ، هذا مع ضعف كثير من الدواب وعجزها عن السعي في
~~طلب الرزق، قال تعالى: {وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم}
~~[العنكبوت: 60] [العنكبوت: 60] . فما دام العبد حيا، فرزقه على الله، وقد
~~ييسره الله له بكسب وبغير كسب، فمن توكل على الله لطلب الرزق، فقد جعل
~~التوكل سببا وكسبا، ومن توكل عليه لثقته بضمانه، فقد توكل عليه ثقة به
~~وتصديقا، وما أحسن قول مثنى الأنباري وهو من أعيان أصحاب الإمام أحمد: لا
~~تكونوا بالمضمون مهتمين، فتكونوا للضامن متهمين، وبرزقه غير راضين. ms610 واعلم
~~أن ثمرة التوكل الرضا بالقضاء، فمن وكل أموره إلى الله ورضي بما يقضيه له،
~~ويختاره فقد حقق التوكل عليه ولذلك كان الحسن والفضيل وغيرهما يفسرون
~~التوكل على الله بالرضا.
# PageV02P508
# قال ابن أبي الدنيا: بلغني عن بعض الحكماء قال: التوكل على ثلاث درجات:
~~أولها: ترك الشكاية، والثانية: الرضا، والثالثة: المحبة، فترك الشكاية درجة
~~الصبر، والرضا سكون القلب بما قسم الله له، وهي أرفع من الأولى، والمحبة أن
~~يكون حبه لما يصنع الله به، فالأولى للزاهدين، والثانية للصادقين، والثالثة
~~للمرسلين. انتهى. فالمتوكل على الله إن صبر على ما يقدره الله له من الرزق
~~أو غيره، فهو صابر، وإن رضي بما يقدر له بعد وقوعه فهو الراضي، وإن لم يكن
~~له اختيار بالكلية ولا رضا إلا فيما يقدر له، فهو درجة المحبين العارفين،
~~كما كان عمر بن عبد العزيز: يقول أصبحت وما لي سرور إلا في مواضع القضاء
~~والقدر.
# PageV02P509
### | [الحديث الخمسون لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل]
# PageV02P509
# الحديث الخمسون. عن عبد الله بن بسر قال: «أتى النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت
~~علينا، فباب نتمسك به جامع؟ قال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل»
~~خرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ.
# وخرجه الترمذي، وابن ماجه، وابن
~~حبان في " صحيحه " بمعناه، وقال الترمذي: حسن غريب، وكلهم خرجه من رواية
~~عمرو بن قيس الكندي، عن عبد الله بن بسر. وخرج ابن حبان في " صحيحه " وغيره
~~من حديث معاذ بن جبل، قال: «آخر ما فارقت عليه رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - أن قلت له: أي الأعمال خير وأقرب إلى الله؟ قال: أن تموت ولسانك رطب
~~من ذكر الله عز وجل» . وقد سبق في هذا الكتاب مفرقا ذكر كثير من فضائل
~~الذكر، ونذكر هاهنا فضل إدامته والإكثار منه. قد أمر الله سبحانه المؤمنين
~~بأن يذكروه ذكرا كثيرا، ومدح من ذكره كذلك؛
# PageV02P510
# قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا ms611 كثيرا - وسبحوه بكرة
~~وأصيلا} [الأحزاب: 41 - 42] [الأحزاب: 41] ، وقال تعالى: {واذكروا الله
~~كثيرا لعلكم تفلحون} [الأنفال: 45] [الجمعة: 10] ، وقال تعالى: {والذاكرين
~~الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} [الأحزاب: 35]
~~[الأحزاب: 35] ، وقال تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم}
~~[آل عمران: 191] [آل عمران: 191] . وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة «أن
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على جبل يقال له: جمدان، فقال: سيروا
~~هذا جمدان، قد سبق المفردون قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال:
~~الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» . وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: «سبق المفردون
~~قالوا: وما المفردون؟ قال: الذين يهترون في ذكر الله» . وخرجه الترمذي،
~~وعنده: «قالوا: يا رسول الله، وما المفردون؟ قال: المستهترون في ذكر الله
~~يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون يوم القيامة خفافا» . وروى موسى بن عبيدة
~~عن أبي عبد الله القراظ، عن معاذ بن جبل قال: «بينما نحن مع رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - نسير بالدف من جمدان إذ استنبه، فقال: يا معاذ أين
~~السابقون؟ فقلت: قد مضوا وتخلف أناس. فقال: يا معاذ إن السابقين الذين
~~يستهترون بذكر الله عز وجل» خرجه جعفر الفريابي.
# PageV02P511
# ومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا الحديث، فإنه لما سبق
~~الركب، وتخلف بعضهم، نبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن السابقين على
~~الحقيقة هم الذين يدمنون ذكر الله، ويولعون به، فإن الاستهتار بالشيء: هو
~~الولوع به والشغف، حتى لا يكاد يفارق ذكره، وهذا على رواية من رواه
~~المستهترون ورواه بعضهم، فقال فيه: «الذين أهتروا في ذكر الله» وفسر ابن
~~قتيبة الهتر بالسقط في الكلام، كما في الحديث: «المستبان شيطانان يتكاذبان
~~ويتهاتران» . قال: والمراد من هذا الحديث من عمر وخرف في ذكر الله وطاعته،
~~قال: والمراد بالمفردين على هذه الرواية من انفرد بالعمر عن القرن الذي كان
~~فيه، وأما على الرواية الأولى فالمراد بالمفردين المتخلين من الناس بذكر
~~الله تعالى، كذا قال، ويحتمل - وهو الأظهر - أن المراد بالانفراد على
~~الروايتين الانفراد بهذا العمل وهو كثرة الذكر دون ms612 الانفراد الحسي، إما عن
~~القرن أو عن المخالطة، والله أعلم. ومن هذا المعنى قول عمر بن عبد العزيز
~~ليلة عرفة بعرفة عند قرب الإفاضة: ليس السابق اليوم من سبق بعيره، وإنما
~~السابق من غفر له. وبهذا الإسناد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال:
~~«من أحب أن يرتع في رياض الجنة، فليكثر ذكر الله عز وجل» .
# PageV02P512
# وخرج الإمام أحمد والنسائي، وابن حبان في " صحيحه " من حديث أبي سعيد
~~الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «استكثروا من الباقيات
~~الصاحات قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: التكبير والتسبيح والتهليل والحمد
~~لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله» . وفي " المسند " و " صحيح ابن حبان " عن
~~أبي سعيد الخدري أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «أكثروا ذكر
~~الله حتى يقولوا: مجنون» . وروى أبو نعيم في " الحلية " من حديث ابن عباس
~~مرفوعا: «اذكروا الله ذكرا يقول المنافقون: إنكم تراءون» . وخرج الإمام
~~أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه سئل:
~~أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرا،
~~وقيل: يا رسول الله، ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: لو ضرب بسيفه في الكفار
~~والمشركين حتى ينكسر ويتخضب دما، لكان الذاكرون لله أفضل منه درجة.»
# PageV02P513
# وخرج الإمام أحمد من حديث سهل بن معاذ، [عن أبيه] ، عن النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - «أن رجلا سأله فقال: أي الجهاد أعظم أجرا يا رسول الله؟ قال:
~~أكثرهم لله ذكرا، قال: فأي الصائمين أعظم؟ قال: أكثرهم لله ذكرا، ثم ذكر
~~لنا الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~يقول: أكثرهم لله ذكرا:، فقال أبو بكر: يا أبا حفص، ذهب الذاكرون بكل خير،
~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أجل» . وقد خرجه ابن المبارك، وابن
~~أبي الدنيا من وجوه مرسلة بمعناه. وفي " صحيح مسلم " عن عائشة، قالت: «كان
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه» . وقال أبو ms613
~~الدرداء: الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله، يدخل أحدهما الجنة وهو
~~يضحك، وقيل له: إن رجلا أعتق مائة نسمة، فقال: إن مائة نسمة من مال رجل
~~كثير، وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار، وأن لا يزال لسان أحدكم
~~رطبا من ذكر الله عز وجل. وقال معاذ: لأن أذكر الله من بكرة إلى الليل أحب
~~إلي من أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله من بكرة إلى الليل.
# PageV02P514
# وقال ابن مسعود في قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102]
~~[آل عمران: 102] قال: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر،
~~وخرجه الحاكم مرفوعا وصححه، والمشهور وقفه. وقال زيد بن أسلم: «قال موسى
~~عليه السلام: يا رب، قد أنعمت علي كثيرا، فدلني على أن أشكرك كثيرا، قال:
~~اذكرني كثيرا، فإن ذكرتني كثيرا، فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني» .
~~وقال الحسن: أحب عباد الله إلى الله أكثرهم له ذكرا وأتقاهم قلبا. وقال
~~أحمد بن أبي الحواري: حدثني أبو المخارق، قال: قال رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم -: «مررت ليلة أسري بي برجل مغيب في نور العرش، فقلت: من هذا؟
~~ملك؟ قيل: لا، قلت: نبي؟ قيل: لا، قلت: من هو؟ قال: هذا رجل كان لسانه رطبا
~~من ذكر الله، وقلبه معلق بالمساجد، ولم يستسب والديه قط» . وقال ابن مسعود:
~~«قال موسى عليه السلام: رب أي الأعمال أحب إليك أن أعمل به؟ قال: تذكرني
~~فلا تنساني» . وقال أبو إسحاق بن ميثم: بلغني «أن موسى عليه السلام، قال:
~~رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكرا.» وقال كعب: من أكثر ذكر الله،
~~برئ من النفاق، ورواه مؤمل، عن حماد بن سلمة، عن سهيل، عن أبي صالح، عن
~~أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا
# PageV02P515
# وخرج الطبراني بهذا الإسناد مرفوعا: «من لم يكثر ذكر الله فقد برئ من
~~الإيمان» . ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى وصف المنافقين بأنهم لا يذكرون
~~الله إلا قليلا، فمن أكثر ذكر الله، فقد باينهم في أوصافهم، ms614 ولهذا ختمت
~~سورة المنافقين بالأمر بذكر الله، وأن لا يلهي المؤمن عن ذلك مال ولا ولد،
~~وأن من ألهاه ذلك عن ذكر الله، فهو من الخاسرين. قال الربيع بن أنس، عن بعض
~~أصحابه: علامة حب الله كثرة ذكره، فإنك لن تحب شيئا إلا أكثرت ذكره. وقال
~~فتح الموصلي: المحب لله لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين، قال ذو النون: من
~~اشتغل قلبه ولسانه بالذكر، قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه. قال
~~إبراهيم بن الجنيد: كان يقال: من علامة المحب لله دوام الذكر بالقلب
~~واللسان، وقلما ولع المرء بذكر الله عز وجل إلا أفاد منه حب الله. وكان بعض
~~السلف يقول في مناجاته: إذا سئم البطالون من بطالتهم، فلن يسأم محبوك من
~~مناجاتك وذكرك. قال أبو جعفر المحولي: ولي الله المحب لله لا يخلو قلبه من
~~ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته. وقد ذكرنا قول عائشة: «كان النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه» ، والمعنى: في حال قيامه ومشيه
~~وقعوده واضطجاعه، وسواء كان على
# PageV02P516
# طهارة أو على حدث. وقال مسعر: «كانت دواب البحر في البحر تسكن، ويوسف
~~عليه السلام في السجن لا يسكن عن ذكر الله عز وجل» . وكان لأبي هريرة خيط
~~فيه ألف عقدة، فلا ينام حتى يسبح به. وكان خالد بن معدان يسبح كل يوم
~~أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن، فلما مات وضع على سريره ليغسل،
~~فجعل يشير بأصبعه يحركها بالتسبيح. وقيل لعمير بن هانئ: ما نرى لسانك يفتر،
~~فكم تسبح كل يوم؟ قال مائة ألف تسبيحة، إلا أن تخطئ الأصابع، يعني أنه يعد
~~ذلك بأصابعه. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: كانت عندنا امرأة بمكة تسبح كل
~~يوم اثني عشرة ألف تسبيحة، فماتت فلما بلغت القبر، اختلست من أيدي الرجال.
~~وكان الحسن البصري كثيرا ما يقول إذا لم يحدث، ولم يكن له شغل: سبحان الله
~~العظيم، فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة، فقال: إن صاحبكم لفقيه، ما قالها أحد سبع
~~مرات ms615 إلا بني له بيت في الجنة. وكان عامة كلام ابن سيرين: سبحان الله
~~العظيم، سبحان الله وبحمده. كان المغيرة بن حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون،
~~نزل إلى البحر، وقام
# PageV02P517
# في الماء يذكر الله مع دواب البحر. نام بعضهم عند إبراهيم بن أدهم قال:
~~فكنت كلما استيقظت من الليل، وجدته يذكر الله، فأغتم، ثم أعزي نفسي بهذه
~~الآية: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} [المائدة: 54] [المائدة: 54] . المحب
~~اسم محبوبه لا يغيب عن قلبه، فلو كلف أن ينسى تذكره لما قدر، ولو كلف أن
~~يكف عن ذكره بلسانه لما صبر.
# كيف ينسى المحب ذكر حبيب ... اسمه في فؤاده مكتوب
# كان بلال كلما عذبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول: أحد أحد، فإذا
~~قالوا له: قل: واللات والعزى، قال: لا أحسنه.
# يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل
# كلما قويت المعرفة، صار الذكر يجري على لسان الذاكر من غير كلفة، حتى كان
~~بعضهم يجري على لسانه في منامه: الله الله، ولهذا يلهم أهل الجنة التسبيح،
~~كما يلهمون النفس، وتصير " لا إله إلا الله " لهم، كالماء البارد لأهل
~~الدنيا، كان الثوري ينشد:
# لا لأني أنساك أكثر ذكرا ... ك ولكن بذاك يجري لساني
# إذا سمع المحب ذكر اسم حبيبه من غيره زاد طربه، وتضاعف قلقه، «قال النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود: اقرأ علي القرآن، قال: أقرأ عليك وعليك
~~أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ عليه، ففاضت عيناه» .
# PageV02P518
# سمع الشبلي قائلا يقول: يا ألله يا جواد، فاضطرب:
# وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أشواق الفؤاد وما يدري
# دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرا كان في صدري
# النبض ينزعج عند ذكر المحبوب:
# إذا ذكر المحبوب عند حبيبه ... ترنح نشوان وحن طروب
# ذكر المحبين على خلاف ذكر الغافلين: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله
~~وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] [الأنفال: 2] .
# وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
# أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ms616 ظله: «رجل ذكر الله
~~خاليا ففاضت عيناه» . قال أبو الجلد: «أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه
~~السلام: إذا ذكرتني، فاذكرني، وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعا
~~مطمئنا، وإذا ذكرتني، فاجعل لسانك من وراء قلبك» . وصف علي يوما الصحابة،
~~فقال: كانوا إذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في اليوم الشديد الريح،
~~وجرت دموعهم على ثيابهم. قال زهير البابي: إن لله عبادا ذكروه، فخرجت
~~نفوسهم إعظاما واشتياقا، وقوم ذكروه، فوجلت قلوبهم فرقا وهيبة، فلو حرقوا
~~بالنار، لم يجدوا مس النار، وآخرون ذكروه في الشتاء وبرده فارفضوا عرقا من
~~خوفه، وقوم ذكروه، فحالت ألوانهم غبرا، وقوم ذكروه فجفت أعينهم سهرا.
# PageV02P519
# صلى أبو يزيد الظهر، فلما أراد أن يكبر، لم يقدر إجلالا لاسم الله،
~~وارتعدت فرائصه حتى سمعت قعقعة عظامه. كان أبو حفص النيسابوري إذا ذكر الله
~~تغيرت عليه حاله حتى يرى جميع ذلك من عنده، وكان يقول: ما أظن محقا يذكر
~~الله عن غير غفلة، ثم يبقى حيا إلا الأنبياء، فإنهم أيدوا بقوة النبوة
~~وخواص الأولياء بقوة ولايتهم.
# إذا سمعت باسم الحبيب تقعقعت ... مفاصلها من هول ما تتذكر
# وقف أبو زيد ليلة إلى الصباح يجتهد أن يقول: لا إله إلا الله، فما قدر
~~إجلالا وهيبة، فلما كان عند الصباح نزل، فبال الدم.
# وما ذكرتكم إلا نسيتكم ... نسيان إجلال لا نسيان إهمال
# إذا تذكرت من أنتم وكيف أنا ... أجللت مثلكم يخطر على بالي
# الذكر لذة قلوب العارفين. قال الله عز وجل: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم
~~بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] [الرعد: 28] . قال مالك
~~بن دينار: ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل. وفي بعض الكتب السالفة:
~~يقول الله عز وجل: معشر الصديقين بي فافرحوا، وبذكري فتنعموا. وفي أثر آخر
~~سبق ذكره: وينيبون إلى الذكر كما تنيب النسور إلى وكورها. وعن ابن عمر قال:
~~أخبرني أهل الكتاب أن هذه الأمة تحب الذكر كما تحب الحمامة وكرها، ولهم
~~أسرع إلى ذكر الله من الإبل إلى وردها يوم ظمئها. قلوب ms617 المحبين لا تطمئن
~~إلا بذكره، وأرواح المشتاقين لا تسكن إلا برؤيته،
# PageV02P520
# قال ذو النون: ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا
~~طابت الجنة إلا برؤيته.
# أبدا نفوس الطالبي ... ن إلى طلولكم تحن
# وكذا القلوب بذكركم ... بعد المخافة تطمئن
# جنت بحبكم ومن ... يهوى الحبيب ولا يجن
# بحياتكم يا سادتي ... جودوا بوصلكم ومنوا
# قد سبق حديث: «اذكروا الله حتى يقولوا: مجنون» ولبعضهم:
# لقد أكثرت من ذكرا ... ك حتى قيل وسواس
# كان أبو مسلم الخولاني كثير الذكر، فرآه بعض الناس فأنكر حاله، فقال
~~لأصحابه: أمجنون صاحبكم؟ فسمعه أبو مسلم، فقال لا يا أخي، ولكن هذا دواء
~~الجنون.
# وحرمة الود ما لي عنكم عوض ... وليس لي في سواكم سادتي غرض
# وقد شرطت على قوم صحبتهم ... بأن قلبي لكم من دونهم فرضوا
# ومن حديثي بكم قالوا: به مرض ... فقلت: لا زال عني ذلك المرض
# المحبون يستوحشون من كل شاغل يشغل عن الذكر، فلا شيء أحب إليهم من الخلوة
~~بحبيبهم. «قال عيسى عليه السلام: يا معشر الحواريين كلموا الله كثيرا،
~~وكلموا الناس قليلا، قالوا: كيف نكلم الله كثيرا؟ قال: اخلوا بمناجاته،
~~اخلوا بدعائه» . وكان بعض السلف يصلي كل يوم ألف ركعة حتى أقعد من رجليه،
~~فكان
# PageV02P521
# يصلي جالسا ألف ركعة، فإذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة، ويقول: عجبت
~~للخليقة كيف أنست بسواك، بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك.
~~وكان بعضهم يصوم الدهر، فإذا كان وقت الفطور، قال: أحس نفسي تخرج لاشتغالي
~~عن الذكر بالأكل. قيل لمحمد بن النضر: أما تستوحش وحدك؟ قال: كيف أستوحش
~~وهو يقول: أنا جليس من ذكرني.
# كتمت اسم الحبيب من العباد ... ورددت الصبابة في فؤادي
# فواشوقا إلى بلد خلي ... لعلي باسم من أهوى أنادي
# فإذا قوي حال المحب ومعرفته، لم يشغله عن الذكر بالقلب واللسان شاغل، فهو
~~بين الخلق بجسمه، وقلبه معلق بالمحل الأعلى، كما قال علي رضي الله عنه في
~~وصفهم: صحبوا الدنيا بأجساد أوراحها معلقة بالمحل الأعلى، وفي هذا المعنى
~~قيل:
# جسمي معي غير ms618 أن الروح عندكم ... فالجسم في غربة والروح في وطن
# وقال غيره:
# ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي
# فالجسم مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
# وهذه كانت حال الرسل والصديقين، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا
~~لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا} [الأنفال: 45] [الأنفال: 45] .
# PageV02P522
# وفي " الترمذي " مرفوعا: «يقول الله عز وجل: إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني
~~وهو ملاق قرنه» . وقال تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله قياما
~~وقعودا وعلى جنوبكم} [النساء: 103] [النساء: 103] يعني الصلاة في حال
~~الخوف، ولهذا قال: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} [النساء: 103] [النساء:
~~103] ، وقال تعالى في ذكر صلاة الجمعة: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في
~~الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} [الجمعة: 10]
~~[الجمعة: 10] ، فأمر بالجمع بين الابتغاء من فضله، وكثرة ذكره. ولهذا ورد
~~فضل الذكر في الأسواق ومواطن الغفلة كما في " المسند " و " الترمذي "، و "
~~سنن ابن ماجه " عن عمر مرفوعا: «من دخل سوقا يصاح فيها ويباع، فقال: لا إله
~~إلا وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده
~~الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف
~~سيئة، ورفع له ألف ألف درجة» . وفي حديث آخر: «ذاكر الله في الغافلين كمثل
~~المقاتل عن الفارين، وذاكر الله في الغافلين كمثل شجرة خضراء في وسط شجر
~~يابس» .
# PageV02P523
# قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: ما دام قلب الرجل يذكر الله، فهو في
~~صلاة، وإن كان في السوق وإن حرك به شفتيه فهو أفضل. وكان بعض السلف يقصد
~~السوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة. والتقى رجلان منهم في السوق، فقال
~~أحدهما لصاحبه: تعال حتى نذكر الله في غفلة الناس، فخلوا في موضع، فذكرا
~~الله، ثم تفرقا، ثم مات أحدهما، فلقيه الآخر في منامه، فقال له: أشعرت أن
~~الله غفر لنا عشية التقينا في السوق؟
# فصل في وظائف الذكر الموظفة في اليوم والليلة. معلوم أن ms619 الله عز وجل فرض
~~على المسلمين أن يذكروه كل يوم وليلة خمس مرات، بإقامة الصلوات الخمس في
~~مواقيتها المؤقتة، وشرع لهم مع هذه الفرائض الخمس أن يذكروه ذكرا يكون لهم
~~نافلة، والنافلة: الزيادة، فيكون ذلك زيادة على الصلوات الخمس، وهي نوعان:
~~أحدهما: ما هو من جنس الصلاة، فشرع لهم أن يصلوا مع الصلوات الخمس قبلها،
~~أو بعدها أو قبلها وبعدها سننا، فتكون زيادة على الفريضة، فإن كان في
~~الفريضة نقص، جبر نقصها بهذه النوافل، وإلا كانت النوافل زيادة على
~~الفرائض. وأطول ما يتخلل بين مواقيت الصلاة مما ليس فيه صلاة مفروضة ما بين
# PageV02P524
# صلاة العشاء وصلاة الفجر، وما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، فشرع كل واحدة
~~من هاتين الصلاتين صلاة تكون نافلة؛ لئلا يطول وقت الغفلة عن الذكر، فشرع
~~ما بين صلاة العشاء، وصلاة الفجر صلاة الوتر وقيام الليل، وشرع ما بين صلاة
~~الفجر وصلاة الظهر صلاة الضحى. وبعض هذه الصلوات آكد من بعض فآكدها الوتر،
~~ولذلك اختلف العلماء في وجوبه، ثم قيام الليل، وكان النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - يداوم عليه حضرا وسفرا، ثم صلاة الضحى، وقد اختلف الناس فيها، وفي
~~استحباب المداومة عليها، وفي الترغيب فيها أحاديث صحيحة، وورد الترغيب أيضا
~~في الصلاة عقيب زوال الشمس. وأما الذكر باللسان، فمشروع في جميع الأوقات،
~~ويتأكد في بعضها. فمما يتأكد فيه الذكر عقيب الصلوات المفروضات، وأن يذكر
~~الله عقيب كل صلاة منها مائة مرة ما بين تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل.
~~ويستحب - أيضا - الذكر بعد الصلاتين اللتين لا تطوع بعدهما، وهما: الفجر
~~والعصر، فيشرع الذكر بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس، وبعد العصر حتى
~~تغرب الشمس، وهذان الوقتان - أعني وقت الفجر ووقت العصر - هما أفضل أوقات
~~النهار للذكر، ولهذا أمر الله تعالى بذكره فيهما في مواضع من القرآن كقوله:
~~{وسبحوه بكرة وأصيلا} [الأحزاب: 42] [الأحزاب: 42] ، وقوله: {واذكر اسم ربك
~~بكرة وأصيلا} [الإنسان: 25] [الإنسان: 25] ، وقوله: {وسبح بالعشي والإبكار}
~~[آل عمران: 41] [آل عمران: 41] ، وقوله: {فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا}
~~[مريم: 11] [مريم: 11] ، وقوله: ms620 {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون}
~~[الروم: 17] [الروم: 17] ، وقوله: {واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي
~~والإبكار} [غافر: 55] [غافر: 55] ، وقوله: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة
~~ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين} [الأعراف: 205]
~~[الأعراف: 205] ، وقوله: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} [طه:
~~130] [طه: 130] ، وقوله: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} [ق:
~~39] [ق: 39] .
# PageV02P525
# وأفضل ما فعل في هذين الوقتين من الذكر: صلاة الفجر وصلاة العصر، وهما
~~أفضل الصلوات. وقد قيل في كل منهما: إنها الصلاة الوسطى وهما البردان
~~اللذان من حافظ عليهما دخل الجنة، ويليهما من أوقات الذكر الليل. ولهذا
~~يذكر بعد هذين الوقتين في القرآن تسبيح الليل وصلاته. والذكر المطلق يدخل
~~فيه الصلاة، وتلاوة القرآن، وتعلمه، وتعليمه، والعلم النافع، كما يدخل فيه
~~التسبيح والتكبير والتهليل، ومن أصحابنا من رجح التلاوة على التسبيح ونحوه
~~بعد الفجر والعصر. وسئل الأوزاعي عن ذلك، فقال: كان هديهم ذكر الله، فإن
~~قرأ فحسن. وظاهر هذا أن الذكر في هذا الوقت أفضل من التلاوة، وكذا قال
~~إسحاق في التسبيح عقيب المكتوبات مائة مرة: إنه أفضل من التلاوة حينئذ.
~~والأذكار والأدعية المأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصباح
~~والمساء كثيرة جدا.
# ويستحب أيضا إحياء ما بين العشاءين بالصلاة والذكر، وقد تقدم حديث أنس
~~أنه نزل في ذلك قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة: 16]
~~[السجدة: 16] . ويستحب تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل، كما دلت عليه
~~الأحاديث الصحيحة - وهو مذهب الإمام أحمد وغيره - حتى يفعل هذه الصلاة في
~~أفضل وقتها، وهو آخره، ويشتغل منتظر هذه الصلاة في الجماعة في هذا الثلث
~~الأول من الليل بالصلاة، أو بالذكر وانتظار الصلاة في المسجد، ثم إذا صلى
~~العشاء، وصلى بعدها ما يتبعها من سننها الراتبة، أو أوتر بعد ذلك إن كان
~~يريد أن يوتر قبل النوم.
# PageV02P526
# فإذا أوى إلى فراشه بعد ذلك للنوم، فإنه يستحب له أن لا ينام إلا على
~~طهارة وذكر، فيسبح ويحمد ويكبر تمام مائة، كما علم النبي - صلى ms621 الله عليه
~~وسلم - فاطمة وعليا أن يفعلاه عند منامهما ويأتي بما قدر عليه من الأذكار
~~الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند النوم، وهي أنواع متعددة من
~~تلاوة القرآن وذكر الله، ثم ينام على ذلك. فإذا استيقظ من الليل، وتقلب على
~~فراشه، فليذكر الله كلما تقلب، ففي " صحيح البخاري " عن عبادة، عن النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - قال: «من تعار من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده
~~لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد
~~لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب
~~اغفر لي - أو قال: " ثم دعا - استجيب له، فإن عزم فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته»
~~. وفي " الترمذي " عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من
~~أوى إلى فراشه طاهرا يذكر الله حتى يدركه النعاس، لم تمض ساعة من الليل
~~يسأل الله فيها شيئا من خير الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه» . وخرج أبو
~~داود معناه من حديث معاذ، وخرجه النسائي من حديث
# PageV02P527
# عمرو بن عبسة. وللإمام أحمد من حديث عمرو بن عبسة في هذا الحديث: «وكان
~~أول ما يقول إذا استيقظ: سبحانك لا إله إلا أنت فاغفر لي، إلا انسلخ من
~~خطاياه كما تنسلخ الحية من جلدها» . وثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - «كان
~~إذا استيقظ من منامه يقول: الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه
~~النشور» . ثم إذا قام إلى الوضوء والتهجد، أتى بذلك كله على ما ورد عن
~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويختم تهجده بالاستغفار في السحر، كما مدح
~~الله المستغفرين بالأسحار، وإذا طلع الفجر، صلى ركعتي الفجر، ثم صلى الفجر،
~~واشتغل بعد صلاة الفجر بالذكر المأثور إلى أن تطلع الشمس على ما تقدم ذكره،
~~فمن كان حاله على ما ذكرنا، لم يزل لسانه رطبا بذكر الله، فيستصحب الذكر في
~~يقظته حتى ينام عليه، ثم يبدأ به عند استيقاظه، وذلك من دلائل صدق المحبة، ms622
~~كما قال بعضهم:
# وآخر شيء أنت في كل هجعة ... وأول شيء أنت وقت هبوبي
# وأما ما يفعله الإنسان في آناء الليل والنهار من مصالح دينه ودنياه فعامة
~~ذلك يشرع ذكر اسم الله عليه، فيشرع له ذكر اسم الله وحمده على أكله وشربه
~~ولباسه وجماعه لأهله ودخول منزله، وخروجه منه، ودخوله الخلاء، وخروجه
# PageV02P528
# منه، وركوبه دابته، ويسمي على ما يذبحه من نسك وغيره. ويشرع له حمد الله
~~على عطاسه، وعند رؤية أهل البلاء في الدين أو الدنيا، وعند التقاء الإخوان،
~~وسؤال بعضهم بعضا عن حاله، وعند تجدد ما يحبه الإنسان من النعم، واندفاع ما
~~يكرهه من النقم، وأكمل من ذلك أن يحمد الله على السراء والضراء والشدة
~~والرخاء، ويحمده على كل حال. ويشرع له دعاء الله تعالى عند دخول السوق،
~~وعند سماع أصوات الديكة بالليل، وعند سماع الرعد، وعند نزول المطر، وعند
~~اشتداد هبوب الرياح، وعند رؤية الأهلة، وعند رؤية باكورة الثمار. ويشرع
~~أيضا ذكر الله ودعاؤه عند نزول الكرب وحدوث المصائب الدنيوية، وعند الخروج
~~للسفر، وعند نزول المنازل في السفر، وعند الرجوع من السفر. ويشرع التعوذ
~~بالله عند الغضب، وعند رؤية ما يكره في منامه، وعند سماع أصوات الكلاب
~~والحمير بالليل. وتشرع استخارة الله عند العزم على ما لا يظهر الخيرة فيه.
~~وتجب التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها، كما قال
~~تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا
~~لذنوبهم} [آل عمران: 135] [آل عمران: 135] ، فمن حافظ على ذلك، لم يزل
~~لسانه رطبا بذكر الله في كل أحواله.
# PageV02P529
# فصل قد ذكرنا في أول الكتاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بعث
~~بجوامع الكلم، فكان - صلى الله عليه وسلم - يعجبه جوامع الذكر، ويختاره على
~~غيره من الذكر، كما في " صحيح مسلم " عن ابن عباس، عن جويرية بنت الحارث
~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في
~~مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على ms623 الحال التي فارقتك
~~عليها؟ قالت: نعم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لقد قلت بعدك أربع
~~كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده
~~عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» . وخرجه النسائي، ولفظه:
~~«سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر عدد خلقه، ورضا
~~نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» . وخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي من
~~حديث سعد بن أبي وقاص «أنه دخل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على امرأة
~~وبين يديها نوى، أو قال: حصى تسبح به، فقال: ألا أخبرك بما هو أيسر من هذا
~~وأفضل؟ سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض،
~~وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل
~~ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك» .
# PageV02P530
# وخرج الترمذي من حديث صفية، قالت: «دخل علي رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بها فقالت سبحت بهذه، فقال: ألا
~~أعلمك بأكثر مما سبحت به؟ فقلت: علمني، فقال: قولي: سبحان الله عدد خلقه» .
~~وخرج النسائي، وابن حبان في " صحيحه " من حديث أبي أمامة «أن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - مر به وهو يحرك شفتيه، فقال: ماذا تقول يا أبا أمامة؟
~~قال: أذكر ربي، قال: ألا أخبرك بأكثر وأفضل من ذكرك الليل مع النهار
~~والنهار مع الليل؟ أن تقول: سبحان الله عدد ما خلق، سبحان الله ملء ما خلق،
~~سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء، وسبحان الله ملء ما في الأرض والسماء،
~~وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه، وسبحان الله ملء ما أحصى كتابه، وسبحان
~~الله عدد كل شيء، وسبحان الله ملء كل شيء، وتقول: الحمد لله مثل ذلك» .
# PageV02P531
# وخرج البزار نحوه من حديث أبي الدرداء. وخرج ابن أبي الدنيا بإسناد له
~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ: يا معاذ، كم تذكر ربك كل ms624 يوم؟
~~تذكره كل يوم عشرة آلاف مرة؟ قال: كل ذلك أفعل، قال: أفلا أدلك على كلمات
~~هن أهون عليك من عشرة آلاف وعشرة آلاف أن تقول: لا إله إلا الله عدد ما
~~أحصاه علمه لا إله إلا الله عدد كلماته، لا إله إلا الله عدد خلقه، لا إله
~~إلا الله زنة عرشه، لا إله إلا الله ملء سماواته، لا إله إلا الله ملء
~~أرضه، لا إله إلا الله مثل ذلك معه، والله أكبر مثل ذلك معه، والحمد لله
~~مثل ذلك معه» . وبإسناده أن ابن مسعود ذكر له امرأة تسبح بخيوط معقدة،
~~فقال: ألا أدلك على ما هو خير لك منه؟ سبحان الله ملء البر والبحر، سبحان
~~الله ملء السماوات والأرض، سبحان الله عدد خلقه، ورضا نفسه، فإذا أنت قد
~~ملأت البر والبحر والسماء والأرض. وبإسناده عن المعتمر بن سليمان التيمي
~~قال: كان أبي يحدث خمسة أحاديث ثم يقول: أمهلوا، سبحان الله والحمد لله ولا
~~إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله عدد ما خلق وعدد ما
~~هو خالق، وزنة ما خلق وزنة ما هو خالق، وملء ما خلق وملء ما هو خالق، وملء
~~سماواته، وملء أرضه، ومثل ذلك وأضعاف ذلك، وعدد خلقه، وزنة عرشه، ومنتهى
~~رحمته، ومداد كلماته، ومبلغ رضاه وحتى يرضى وإذا رضي، وعدد ما ذكره به خلقه
~~في جميع ما مضى، وعدد ما هم ذاكروه فيما بقي، في كل سنة وشهر وجمعة ويوم
~~وليلة وساعة من
# PageV02P532
# الساعات، وتنسم وتنفس من أبد إلى الأبد أبد الدنيا والآخرة أمد من ذلك لا
~~ينقطع أولاه، ولا ينفد أخراه. وبإسناده عن المعتمر بن سليمان قال: رأيت عبد
~~الملك بن خالد بعد موته، فقلت: ما صنعت؟ قال: خيرا، فقلت: ترجو للخاطئ
~~شيئا؟ قال: يلتمس علم تسبيحات أبي المعتمر نعم الشيء. قال ابن أبي الدنيا:
~~وحدثني محمد بن أبي الحسين، حدثني بعض البصريين أن يونس بن عبيد رآه رجلا
~~فيما يرى النائم كان قد أصيب ببلاد الروم، فقال: ما أفضل ms625 ما رأيت ثم من
~~الأعمال؟ قال: رأيت تسبيحات أبي المعتمر من الله بمكان. وكذلك كان النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - يعجبه من الدعاء جوامعه، ففي " سنن أبي داود " عند
~~عائشة، قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجبه الجوامع من الدعاء،
~~ويدع ما بين ذلك» . وخرج الفريابي وغيره من حديث عائشة أيضا «أن النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - قال لها: يا عائشة، عليك بجوامع الدعاء: اللهم إني
~~أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من
~~الشر كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم. اللهم إني أسألك من خير ما
~~سألك منه محمد عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبدك ونبيك، اللهم
~~إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار، وما قرب
~~إليها من قول وعمل، وأسألك ما قضيت لي من قضاء، أن تجعل عاقبته رشدا» وخرجه
~~الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في " صحيحه " والحاكم، وليس عندهم ذكر
~~جوامع الدعاء، وعند
# PageV02P533
# الحاكم عليك بالكوامل وذكره. وخرجه أبو بكر الأثرم وعنده «أن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - قال لها: ما منعك أن تأخذي بجوامع الكلم وفواتحه؟ وذكر
~~هذا الدعاء» . وخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة قال: «دعا رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا، فقلنا: يا رسول الله، دعوت
~~بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا، فقال: ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كله؟
~~تقولون: اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد، ونعوذ بك من شر ما
~~استعاذ منه نبيك محمد، وأنت المستعان، وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا
~~بالله» . وخرجه الطبراني وغيره من حديث أم سلمة «أن النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - كان يقول في دعاء له طويل: اللهم إني أسألك فواتح الخير، وخواتمه،
~~وجوامعه، وأوله وآخره، وظاهره، وباطنه» وفي " المسند " أن سعد بن أبي وقاص
~~سمع ابنا له يدعو، ويقول: اللهم إني أسألك الجنة ms626 ونعيمها وإستبرقها ونحوا
~~من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيرا
~~كثيرا، وتعوذت بالله من شر كثير، «وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - يقول: إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وقرأ هذه الآية: {ادعوا ربكم
~~تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55] » [الأعراف: 55] وإن بحسبك
~~أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل،
# PageV02P534
# وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. وفي " الصحيحين " «عن ابن
~~مسعود، قال: كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
~~السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فقال
~~لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم: إن الله هو السلام، فإذا
~~قعد أحدكم في الصلاة، فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك
~~أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين،
~~فإذا قالها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا
~~الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم ليتخير من المسألة ما شاء» . وفي "
~~المسند " عن ابن مسعود قال: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علم
~~فواتح الخير وجوامعه، أو جوامع الخير وفواتحه وخواتمه، وإن كنا لا ندري ما
~~نقول في صلاتنا حتى علمنا، فقال: قولوا: التحيات لله» فذكره إلى آخره،
~~والله أعلم. آخر الكتاب والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله
~~وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل. PageV02P535 ms627