######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0004268 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 795 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: شروح الحديث #META# 022.BookVOLS :: 2 (في مجلد واحد) #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0004268 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-4268 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/4268 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: شعيب الأرناؤوط - إبراهيم باجس #META# 041.EdNUMBER :: السابعة، 1422هـ - 2001م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مؤسسة الرسالة - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا ~~النعمة، وجعل أمتنا - ولله الحمد - خير أمة، وبعث فينا رسولا منا يتلو ~~علينا آياته، ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة. أحمده على نعمه الجمة، وأشهد ~~أن لا إله الله وحده لا شريك له، شهادة تكون لمن اعتصم بها خير عصمة، وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله، أرسله للعالمين رحمة، وفرض عليه بيان ما أنزل إلينا، ~~فأوضح لنا كل الأمور المهمة، وخصه بجوامع الكلم، فربما جمع أشتات الحكم ~~والعلوم في كلمة، أو شطر كلمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة تكون ~~لنا نورا من كل ظلمة، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى ~~بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم، وخصه ببدائع الحكم. كما في " ~~الصحيحين "، عن أبي هريرة، عن «النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بعثت ~~بجوامع الكلم» قال الزهري: جوامع الكلم - فيما بلغنا - أن الله يجمع له ~~الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين، ~~ونحو ذلك. # PageV01P053 # خرج الإمام أحمد رحمه الله من حديث عمرو بن العاص، قال: «خرج علينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوما كالمودع، فقال: " أنا محمد النبي الأمي ". ~~قال ذلك ثلاث مرات. " ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه» "، ~~وذكر الحديث. وخرج أبو يعلى الموصلي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنى أوتيت جوامع الكلم وخواتمه، واختصر لي ~~اختصارا» . وخرج الدارقطني من حديث ابن عباس، «عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال أعطيت جوامع الكلم، واختصر لي الحديث اختصارا» . وروينا من حديث عبد ~~الرحمن بن إسحاق القرشي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: «قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " أعطيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه " فقلنا: يا رسول ~~الله، علمنا مما علمك الله عز وجل، قال: فعلمنا التشهد» . # PageV01P054 # وفي " صحيح مسلم "، عن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن جده، ~~«أن ms001 النبي صلى الله عليه وسلم سئل، عن البتع والمزر، قال وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه، فقال: أنهى عن كل مسكر ~~أسكر عن الصلاة» . وروى هشام بن عمار في كتاب " المبعث " بإسناده، عن أبي ~~سلام الحبشي، قال: «حدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " فضلت على ~~من قبلي بست ولا فخر " فذكر منها: قال: " وأعطيت جوامع الكلم، وكان أهل ~~الكتاب يجعلونها جزءا بالليل إلى الصباح، فجمعها لي ربي في آية واحدة {سبح ~~لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الحديد: 1] (الحديد: 1) » . ~~فجوامع الكلم التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم نوعان: أحدهما: ما هو ~~في القرآن، كقوله عز وجل: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} [النحل: 90] (النحل: 90) قال الحسن: لم ~~تترك هذه الآية خيرا إلا أمرت به، ولا شرا إلا نهت عنه. والثاني: ما هو في ~~كلامه صلى الله عليه وسلم، وهو منتشر موجود في السنن المأثورة عنه # PageV01P055 # صلى الله عليه وسلم. وقد جمع العلماء جموعا من كلماته صلى الله عليه وسلم ~~الجامعة، فصنف الحافظ أبو بكر بن السني كتابا سماه: " الإيجاز وجوامع الكلم ~~من السنن المأثورة " وجمع القاضي أبو عبد الله القضاعي من جوامع الكلم ~~الوجيزة كتابا سماه: " الشهاب في الحكم والآداب "، وصنف على منواله قوم ~~آخرون، فزادوا على ما ذكره زيادة كثيرة. وأشار الخطابي في أول كتابه " غريب ~~الحديث " إلى يسير من الأحاديث الجامعة. وأملى الإمام الحافظ أبو عمرو بن ~~الصلاح مجلسا سماه " الأحاديث الكلية " جمع فيه الأحاديث الجوامع التي ~~يقال: إن مدار الدين عليها، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة، ~~فاشتمل مجلسه هذا على ستة وعشرين حديثا. ثم إن الفقيه الإمام الزاهد القدوة ~~أبا زكريا يحيى النووي رحمة الله عليه أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن ~~الصلاح، وزاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثا، وسمى كتابه " بالأربعين "، ~~واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها، وكثر حفظها، ونفع الله بها ببركة نية ms002 ~~جامعها، وحسن قصده رحمه الله. وقد تكرر سؤال جماعة من طلبة العلم والدين ~~لتعليق شرح لهذه الأحاديث المشار إليها، فاستخرت الله سبحانه وتعالى في جمع ~~كتاب يتضمن شرح ما ييسره الله تعالى من معانيها، وتقييد ما يفتح به سبحانه ~~من تبيين قواعدها ومبانيها، وإياه أسأل العون على ما قصدت، والتوفيق لصلاح ~~النية والقصد فيما أردت، وأعول في أمري كله عليه، وأبرأ من الحول والقوة ~~إلا إليه. وقد كان بعض من شرح هذه الأربعين قد تعقب على جامعها رحمه الله ~~تركه # PageV01P056 # لحديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض، فلأولى رجل ذكر» قال: ~~لأنه الجامع لقواعد الفرائض التي هي نصف العلم، فكان ينبغي ذكره في هذه ~~الأحاديث الجامعة، كما ذكر حديث «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» ~~لجمعه لأحكام القضاء. فرأيت أنا أن أضم هذا الحديث إلى أحاديث الأربعين ~~التي جمعها الشيخ رحمه الله، وأن أضم إلى ذلك كله أحاديث أخر من جوامع ~~الكلم الجامعة لأنواع العلوم والحكم، حتى تكمل عدة الأحاديث كلها خمسين ~~حديثا، وهذه تسمية الأحاديث المزيدة على ما ذكره الشيخ رحمه الله في كتابه: ~~حديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها» حديث: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ~~حديث: «إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه» حديث: «كل مسكر حرام» حديث: «ما ملأ ~~آدمي وعاء شرا من بطن» حديث: «أربع من كن فيه كان منافقا» حديث: «لو أنكم ~~توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير» حديث: «لا يزال لسانك ~~رطبا من ذكر الله عز وجل» . وسميته: # PageV01P057 # جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم. واعلم أنه ليس ~~غرضي إلا شرح الألفاظ النبوية التي تضمنتها هذه الأحاديث الكلية، فلذلك لا ~~أتقيد بكلام الشيخ رحمه الله في تراجم رواة هذه الأحاديث من الصحابة رضي ~~الله عنهم، ولا بألفاظه في العزو إلى الكتب التي يعزو إليها، وإنما آتي ~~بالمعنى الذي يدل على ذلك؛ لأني قد أعلمتك أنه ليس لي غرض إلا في شرح معاني ~~كلمات النبي صلى الله عليه ms003 وسلم الجوامع، وما يتضمنه من الآداب والحكم ~~والمعارف والأحكام والشرائع. وأشير إشارة لطيفة قبل الكلام في شرح الحديث ~~إلى إسناده؛ ليعلم بذلك صحته وقوته وضعفه، وأذكر بعض ما روي في معناه من ~~الأحاديث إن كان في ذلك الباب شيء غير الحديث الذي ذكره الشيخ، وإن لم يكن ~~في الباب غيره، أو لم يكن يصح فيه غيره، نبهت على ذلك كله، وبالله ~~المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # PageV01P058 ### | [الحديث الأول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى] # PageV01P058 # بسم الله الرحمن الرحيم الحديث الأول عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، «قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما ~~الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، ~~فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، ~~فهجرته إلى ما هاجر إليه» . رواه البخاري ومسلم. #  هذا الحديث تفرد بروايته يحيى بن ~~سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن أبي وقاص الليثي، ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، # PageV01P059 # وليس له طريق تصح غير هذا الطريق، كذا قال علي بن المديني وغيره. وقال ~~الخطابي: لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في ذلك، مع أنه قد روي من حديث أبي ~~سعيد وغيره، وقد قيل إنه قد روي من طرق كثيرة، لكن لا يصح من ذلك شيء عند ~~الحفاظ. ثم رواه عن الأنصاري الخلق الكثير والجم الغفير، فقيل: رواه عنه ~~أكثر من مائتي راو، وقيل: رواه عنه سبعمائة راو، ومن أعيانهم: مالك، ~~والثوري، # PageV01P060 # والأوزاعي، وابن المبارك، والليث بن سعد وحماد بن زيد، وشعبة، وابن ~~عيينة، وغيرهم. واتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول، وبه صدر البخاري ~~كتابه " الصحيح " وأقامه مقام الخطبة له، إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد ~~به وجه الله، فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال عبد ~~الرحمن بن مهدي: لو صنفت كتابا في الأبواب، لجعلت حديث عمر ms004 بن الخطاب في ~~الأعمال بالنيات في كل باب، وعنه أنه قال: من أراد أن يصنف كتابا، فليبدأ ~~بحديث " «الأعمال بالنيات» ". وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين ~~عليها، فروي عن الشافعي أنه قال: هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين ~~بابا من الفقه. وعن الإمام أحمد قال: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث ~~عمر: «إنما الأعمال بالنيات» وحديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس ~~منه فهو رد» وحديث النعمان بن بشير: «الحلال بين والحرام بين.» وقال ~~الحاكم: حدثونا عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه أنه ذكر قوله عليه الصلاة ~~والسلام: «الأعمال بالنيات» وقوله: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ~~يوما،» وقوله: «من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد» فقال: ينبغي أن يبدأ ~~بهذه الأحاديث في كل تصنيف، فإنها أصول الأحاديث # PageV01P061 # وعن إسحاق بن راهويه قال: أربعة أحاديث هي من أصول الدين: حديث عمر: ~~«إنما الأعمال بالنيات،» وحديث: «الحلال بين والحرام بين» ، وحديث «إن خلق ~~أحدكم يجمع في بطن أمه» ، وحديث: «من صنع في أمرنا شيئا ليس منه فهو رد.» ~~وروى عثمان بن سعيد، عن أبي عبيد، قال: جمع النبي صلى الله عليه وسلم جميع ~~أمر الآخرة في كلمة: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» ، وجمع أمر ~~الدنيا كله في كلمة: «إنما الأعمال بالنيات» يدخلان في كل باب. وعن أبي ~~داود، قال نظرت في الحديث المسند، فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثم نظرت، فإذا ~~مدار أربعة آلاف حديث على أربعة أحاديث: حديث النعمان بن بشير: «الحلال بين ~~والحرام بين،» وحديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات» ، وحديث أبي هريرة: «إن ~~الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين» ~~الحديث، وحديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.» قال: فكل حديث من ~~هذه ربع العلم. وعن أبي داود أيضا، قال كتبت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما تضمنه هذا الكتاب ms005 - يعني كتاب " ~~السنن " - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك ~~أربعة أحاديث: أحدها: قوله صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات» ، ~~والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه،» ~~والثالث: قوله صلى الله عليه وسلم «لا يكون المؤمن مؤمنا حتى لا # PageV01P062 # يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه» ، والرابع: قوله صلى الله عليه وسلم: ~~«الحلال بين والحرام بين» . وفي رواية أخرى عنه أنه قال: الفقه يدور على ~~خمسة أحاديث: «الحلال بين والحرام بين» ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~ضرر ولا ضرار» ، وقوله «الأعمال بالنيات» ، وقوله «الدين النصيحة» ، وقوله: ~~«ما نهيتكم عنه فاجتنبوه» ، «وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» . وفي ~~رواية عنه، قال: أصول السنن في كل فن أربعة أحاديث: حديث عمر «الأعمال ~~بالنيات» ، وحديث: «الحلال بين والحرام بين» ، وحديث: «من حسن إسلام المرء ~~تركه ما لا يعنيه» ، وحديث: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي ~~الناس يحبك الناس» . وللحافظ أبي الحسن طاهر بن مفوز المعافري الأندلسي: # عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البريه # اتق الشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملن بنيه # فقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» ، وفي رواية: «الأعمال ~~بالنيات» . وكلاهما يقتضي الحصر على الصحيح، وليس غرضنا هاهنا توجيه ذلك، ~~ولا بسط القول فيه. وقد اختلف في تقدير قوله: الأعمال بالنيات، فكثير من ~~المتأخرين يزعم # PageV01P063 # أن تقديره: الأعمال صحيحة أو معتبرة ومقبولة بالنيات، وعلى هذا فالأعمال ~~إنما أريد بها الأعمال الشرعية المفتقرة إلى النية، فأما ما لا يفتقر إلى ~~النية كالعادات من الأكل والشرب، واللبس وغيرها، أو مثل رد الأمانات ~~والمضمونات، كالودائع والغصوب، فلا يحتاج شيء من ذلك إلى نية، فيخص هذا كله ~~من عموم الأعمال المذكورة هاهنا. وقال آخرون: بل الأعمال هاهنا على عمومها، ~~لا يخص منها شيء. وحكاه بعضهم عن الجمهور، وكأنه يريد به جمهور المتقدمين، ~~وقد وقع ذلك في كلام ابن جرير الطبري، وأبي طالب المكي وغيرهما من ms006 ~~المتقدمين، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد. قال في رواية حنبل: أحب لكل من عمل ~~عملا من صلاة، أو صيام، أو صدقة، أو نوع من أنواع البر أن تكون النية ~~متقدمة في ذلك قبل الفعل، قال النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات، ~~فهذا يأتي على كل أمر من الأمور. وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله - ~~يعني أحمد - عن النية في العمل، قلت كيف النية؟ قال: يعالج نفسه، إذا أراد ~~عملا لا يريد به الناس. وقال أحمد بن داود الحربي: قال حدث يزيد بن هارون ~~بحديث عمر: الأعمال بالنيات، وأحمد جالس، فقال أحمد ليزيد: يا أبا خالد، ~~هذا الخناق. وعلى هذا القول فقيل: تقدير الكلام: الأعمال واقعة أو حاصلة ~~بالنيات، فيكون إخبارا عن الأعمال الاختيارية أنها لا تقع إلا عن قصد من ~~العامل هو سبب عملها ووجودها، ويكون قوله بعد ذلك: «وإنما لكل امرئ ما نوى» ~~إخبارا عن حكم الشرع، وهو أن حظ العامل من عمله نيته، فإن كانت صالحة، ~~فعمله صالح، فله أجره، وإن كانت فاسدة، فعمله فاسد، فعليه وزره. ويحتمل أن ~~يكون التقدير في قوله: الأعمال بالنيات: الأعمال صالحة، # PageV01P064 # أو فاسدة، أو مقبولة، أو مردودة، أو مثاب عليها، أو غير مثاب عليها ~~بالنيات، فيكون خبرا عن حكم شرعي، وهو أن صلاح الأعمال وفسادها بحسب صلاح ~~النيات وفسادها، كقوله: صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالخواتيم» أي: ~~إن صلاحها وفسادها وقبولها وعدمه بحسب الخاتمة. وقوله بعد ذلك: «وإنما لكل ~~امرئ ما نوى» إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه به، فإن نوى خيرا ~~حصل له خير، وإن نوى به شرا حصل له شر، وليس هذا تكريرا محضا للجملة ~~الأولى، فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية ~~المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب ~~نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وقد تكون نيته مباحة، ~~فيكون العمل مباحا، فلا يحصل له ثواب ولا عقاب، فالعمل في ms007 نفسه صلاحه ~~وفساده وإباحته بحسب النية الحاملة عليه، المقتضية لوجوده، وثواب العامل ~~وعقابه وسلامته بحسب النية التي بها صار العمل صالحا، أو فاسدا، أو مباحا. # واعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وإن كان قد فرق بين هذه ~~الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره. والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين: ~~أحدهما: بمعنى تمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز صلاة الظهر من صلاة ~~العصر مثلا، وتمييز صيام رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من ~~العادات، كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظف، ونحو ذلك، وهذه ~~النية هي التي توجد كثيرا في كلام الفقهاء في كتبهم. والمعنى الثاني: بمعنى ~~تمييز المقصود بالعمل، وهل هو الله وحده لا # PageV01P065 # شريك له، أم غيره، أم الله وغيره، وهذه النية هي التي يتكلم فيها ~~العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيرا في ~~كلام السلف المتقدمين. وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفا سماه: كتاب " ~~الإخلاص والنية " وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم تارة بلفظ النية، وتارة بلفظ الإرادة، وتارة ~~بلفظ مقارب لذلك، وقد جاء ذكرها كثيرا في كتاب الله عز وجل بغير لفظ النية ~~أيضا من الألفاظ المقاربة لها. وإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة ~~والقصد ونحوهما؛ لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء، ~~فمنهم من قال: النية تختص بفعل الناوي، والإرادة لا تختص بذلك، كما يريد ~~الإنسان من الله أن يغفر له، ولا ينوي ذلك. وقد ذكرنا أن النية في كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني ~~غالبا، فهي حينئذ بمعنى الإرادة، ولذلك يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن ~~كثيرا، كما في قوله تعالى: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} [آل ~~عمران: 152] [آل عمران: 152] ، وقوله: {تريدون عرض الدنيا والله يريد ~~الآخرة} [الأنفال: 67] (الأنفال: 67) ، وقوله: {من كان يريد حرث الآخرة نزد ~~له في حرثه ms008 ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} ~~[الشورى: 20] (الشورى: 20) ، وقوله: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما ~~نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا - ومن أراد الآخرة ~~وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} [الإسراء: 18 - 19] ~~(الإسراء: 18 - 19) ، وقوله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون - أولئك الذين ليس لهم في الآخرة ~~إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} [هود: 15 - 16] (هود: ~~15 - 16) وقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} ~~[الأنعام: 52] (الأنعام: 52) ، وقوله: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة # PageV01P066 # والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} [الكهف: ~~28] (الكهف: 28) ، وقوله: {ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم ~~المفلحون} [الروم: 38] وقوله: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا ~~يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} ~~[الروم: 39] (الروم: 38 - 39) . وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ " الابتغاء " ~~كما في قوله تعالى: {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} [الليل: 20] (الليل: 20) ، ~~وقوله: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله} [البقرة: 265] ~~(البقرة: 265) ، وقوله: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} [البقرة: 272] ~~(البقرة: 272) ، وقوله: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو ~~معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما} [النساء: 114] (النساء: 114) . فنفى الخير عن كثير مما يتناجى به ~~الناس إلا في الأمر بالمعروف، وخص من أفراده الصدقة والإصلاح بين الناس ~~لعموم نفعها، فدل ذلك على أن التناجي بذلك خير، وأما الثواب عليه من الله، ~~فخصه بمن فعله ابتغاء مرضات الله. وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة ~~والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرا، وإن لم يبتغ به وجه الله؛ لما يترتب على ~~ذلك من النفع المتعدي، فيحصل به للناس إحسان وخير، وأما بالنسبة إلى الأمر، ~~فإن قصد به وجه الله وابتغاء ms009 مرضاته، كان خيرا له، وأثيب عليه، وإن لم يقصد ~~ذلك لم يكن خيرا له، ولا ثواب له عليه، وهذا بخلاف من صام وصلى وذكر الله، ~~يقصد بذلك عرض الدنيا، فإنه لا خير له فيه بالكلية؛ لأنه لا نفع في ذلك ~~لصاحبه لما يترتب عليه من الإثم فيه، ولا لغيره لأنه لا يتعدى نفعه إلى ~~أحد، اللهم إلا أن يحصل لأحد به اقتداء في ذلك. وأما ما ورد في السنة، ~~وكلام السلف من تسمية هذا المعنى بالنية، فكثير # PageV01P067 # جدا، ونحن نذكر بعضه، كما خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث عبادة بن ~~الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من غزا في سبيل الله ولم ~~ينو إلا عقالا، فله ما نوى» . وخرج الإمام أحمد من حديث ابن مسعود، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش، ورب قتيل ~~بين صفين الله أعلم بنيته» . وخرج ابن ماجه من حديث جابر،، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «يحشر الناس على نياتهم» . ومن حديث أبي هريرة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنما يبعث الناس على نياتهم.» وخرج ابن ~~أبي الدنيا من حديث عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنما يبعث ~~المقتتلون على النيات.» وفي " صحيح مسلم " عن أم سلمة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من ~~الأرض، خسف بهم، فقلت: # PageV01P068 # يا رسول الله، فكيف بمن كان كارها؟ قال: يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم ~~القيامة على نيته.» وفيه أيضا عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى ~~هذا الحديث، «وقال فيه يهلكون مهلكا واحدا، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله ~~على نياتهم.» وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «من كانت الدنيا همه، فرق الله أمره، وجعل فقره ~~بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع ms010 ~~الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة.» هذا لفظ ابن ~~ماجه، ولفظ أحمد: «من كان همه الآخرة، ومن كانت نيته الدنيا،» وخرجه ابن ~~أبي الدنيا، وعنده: «من كانت نيته الدنيا، ومن كانت نيته الآخرة.» وفي " ~~الصحيحين "، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنك ~~لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أثبت عليها، حتى اللقمة تجعلها في في ~~امرأتك.» وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع، عن عمر، قال: لا عمل لمن لا ~~نية # PageV01P069 # له، ولا أجر لمن لا حسبة له يعني: لا أجر لمن لم يحتسب ثواب عمله عند ~~الله عز وجل. وبإسناد ضعيف، عن ابن مسعود، قال: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ~~ينفع قول ولا عمل إلا بنية، ولا ينفع قول ولا عمل ولا نية إلا بما وافق ~~السنة. وعن يحيى بن أبي كثير، قال: تعلموا النية، فإنها أبلغ من العمل. وعن ~~زبيد اليامي، قال: إنى لأحب أن تكون لي نية في كل شيء، حتى في الطعام ~~والشراب، وعنه أنه قال: انو في كل شيء تريده الخير، حتى خروجك إلى الكناسة. ~~وعن داود الطائي، قال: رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية، وكفاك بها ~~خيرا وإن لم تنصب. قال داود: والبر همة التقي، ولو تعلقت جميع جوارحه بحب ~~الدنيا، لردته يوما نيته إلى أصله. وعن سفيان الثوري، قال: ما عالجت شيئا ~~أشد علي من نيتي؛ لأنها تنقلب علي. وعن يوسف بن أسباط، قال: تخليص النية من ~~فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد. وقيل لنافع بن جبير: ألا تشهد ~~الجنازة؟ قال: كما أنت حتى أنوي، قال ففكر هنية، ثم قال: امض. # PageV01P070 # وعن مطرف بن عبد الله قال: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح ~~النية. وعن بعض السلف قال: من سره أن يكمل له عمله، فليحسن نيته، فإن الله ~~عز وجل يأجر العبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة. وعن ابن المبارك، قال: رب ~~عمل صغير تعظمه النية، ورب ms011 عمل كبير تصغره النية. وقال ابن عجلان: لا يصلح ~~العمل إلا بثلاث: التقوى لله، والنية الحسنة، والإصابة. وقال الفضيل بن ~~عياض: إنما يريد الله عز وجل منك نيتك وإرادتك. وعن يوسف بن أسباط، قال: ~~إيثار الله عز وجل أفضل من القتل في سبيله. خرج ذلك كله ابن أبي الدنيا في ~~كتاب " الإخلاص والنية ". وروى فيه بإسناد منقطع عن عمر رضي الله عنه، قال: ~~أفضل الأعمال أداء ما افترض الله عز وجل، والورع عما حرم الله عز وجل، وصدق ~~النية فيما عند الله عز وجل. وبهذا يعلم معنى ما روى الإمام أحمد أن أصول ~~الإسلام ثلاثة أحاديث: حديث: «الأعمال بالنيات،» وحديث: «من أحدث في أمرنا ~~ما ليس منه، فهو رد،» وحديث: «الحلال بين والحرام بين.» فإن الدين كله يرجع ~~إلى فعل المأمورات، وترك المحظورات، والتوقف عن الشبهات، وهذا كله تضمنه ~~حديث النعمان بن بشير. # PageV01P071 # وإنما يتم ذلك بأمرين: أحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة، ~~وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو رد.» ~~والثاني: أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله عز وجل، كما تضمنه حديث ~~عمر: «الأعمال بالنيات.» وقال الفضيل في قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا} [الملك: 2] (الملك: 2) ، قال: أخلصه وأصوبه. وقال: إن العمل إذا كان ~~خالصا، ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا، ولم يكن خالصا، لم يقبل حتى ~~يكون خالصا وصوابا، قال: والخالص إذا كان لله عز وجل، والصواب إذا كان على ~~السنة. وقد دل على هذا الذي قاله الفضيل قول الله عز وجل: {فمن كان يرجوا ~~لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110] ~~(الكهف: 110) . وقال بعض العارفين: إنما تفاضلوا بالإرادات، ولم يتفاضلوا ~~بالصوم والصلاة. وقوله صلى الله عليه وسلم: «فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ~~ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه.» لما ذكر صلى الله عليه وسلم أن ms012 الأعمال ~~بحسب النيات، وأن حظ العامل من عمله نيته من خير أو شر، وهاتان كلمتان ~~جامعتان، وقاعدتان كليتان، لا يخرج عنهما شيء، ذكر بعد ذلك مثالا من أمثال ~~الأعمال التي صورتها واحدة، ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات، وكأنه ~~يقول سائر الأعمال على حذو هذا المثال. وأصل الهجرة: هجران بلد الشرك، ~~والانتقال منه إلى دار الإسلام، كما # PageV01P072 # كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقد هاجر من هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشي. فأخبر ~~صلى الله عليه وسلم أن هذه الهجرة تختلف باختلاف النيات والمقاصد بها، فمن ~~هاجر إلى دار الإسلام حبا لله ورسوله، ورغبة في تعلم دين الإسلام، وإظهار ~~دينه حيث كان يعجز عنه في دار الشرك، فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقا، ~~وكفاه شرفا وفخرا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله. ولهذا ~~المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه؛ لأن حصول ما نواه بهجرته ~~نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة. ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار ~~الإسلام لطلب دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها في دار الإسلام، فهجرته إلى ما ~~هاجر إليه من ذلك، فالأول تاجر، والثاني خاطب، وليس واحد منهما بمهاجر. وفي ~~قوله: «إلى ما هاجر إليه» تحقير لما طلبه من أمر الدنيا، واستهانة به، حيث ~~لم يذكر بلفظه. وأيضا فالهجرة إلى الله ورسوله واحدة فلا تعدد فيها، فلذلك ~~أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط. والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر، فقد يهاجر ~~الإنسان لطلب دنيا مباحة تارة، ومحرمة تارة، وأفراد ما يقصد بالهجرة من ~~أمور الدنيا لا تنحصر، فلذلك قال: «فهجرته إلى ما هاجر إليه،» يعني كائنا ~~ما كان. وقد روي «عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {إذا جاءكم ~~المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} [الممتحنة: 10] الآية (الممتحنة: 10) . قال: ~~كانت المرأة إذا أتت النبي صلى الله عليه وسلم، حلفها بالله: ما خرجت من ~~بغض زوج، وبالله: ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، ms013 وبالله: ما خرجت التماس دنيا، ~~وبالله: ما خرجت إلا # PageV01P073 # حبا لله ورسوله» . أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، والبزار في " مسنده "، ~~وخرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصرا. وقد روى وكيع في كتابه، عن الأعمش، ~~عن شقيق - هو أبو وائل - قال: خطب أعرابي من الحي امرأة يقال لها: أم قيس، ~~فأبت أن تزوجه حتى يهاجر، فهاجر، فتزوجته، فكنا نسميه مهاجر أم قيس. قال: ~~فقال عبد الله: يعني ابن مسعود: من هاجر يبتغي شيئا، فهو له. وهذا السياق ~~يقتضي أن هذا لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كان في عهد ابن ~~مسعود، ولكن روي من طريق سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن ~~مسعود، قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس فأبت أن تزوجه حتى ~~يهاجر، فهاجر، فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس. قال ابن مسعود: من هاجر ~~لشيء فهو له. وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها،» وذكر ~~ذلك كثير من المتأخرين # PageV01P074 # في كتبهم، ولم نر لذلك أصلا بإسناد يصح، والله أعلم. وسائر الأعمال ~~كالهجرة في هذا المعنى، فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها، كالجهاد ~~والحج وغيرهما، وقد «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اختلاف نيات الناس في ~~الجهاد وما يقصد به من الرياء، وإظهار الشجاعة والعصبية، وغير ذلك: أي ذلك ~~في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله» ~~فخرج بهذا كل ما سألوا عنه من المقاصد الدنيوية. ففي " الصحيحين " عن أبي ~~موسى الأشعري «أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، ~~فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة ~~الله هي العليا، فهو في سبيل الله» . وفي رواية لمسلم: «سئل رسول الله صلى ms014 ~~الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك ~~في سبيل الله» ؟ فذكر الحديث. وفي رواية له أيضا: «الرجل يقاتل غضبا، ~~ويقاتل حمية» . وخرج النسائي من حديث أبي أمامة، قال: «جاء رجل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شيء له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا، وابتغي به وجهه» . # PageV01P075 # وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة «أن رجلا قال: يا رسول الله، رجل يريد ~~الجهاد وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لا أجر له، فأعاد عليه ثلاثا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا أجر له» . ~~وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال «الغزو غزوان، فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق ~~الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من ~~غزا فخرا ورياء وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع ~~بالكفاف.» وخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: «قلت: يا رسول ~~الله، أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: إن قاتلت صابرا محتسبا، بعثك الله ~~صابرا محتسبا، وإن قاتلت مرائيا مكاثرا، بعثك الله مرائيا مكاثرا، على أي ~~حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تيك الحال» . # PageV01P076 # وخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به، ~~فعرفه نعمه، فعرفها، قال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال ~~كذبت، ولكنك قاتلت، لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، ~~حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه ~~نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم ms015 وعلمته، وقرأت فيك ~~القرآن. قال كذبت، ولكنك تعلمت العلم، ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال، ~~قارئ، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله ~~عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما ~~عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: ~~كذبت، ولكنك فعلت، ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ~~ألقي في النار.» وفي الحديث: إن معاوية لما بلغه هذا الحديث، بكى حتى غشي ~~عليه، فلما أفاق، قال: صدق الله ورسوله، قال الله عز وجل: {من كان يريد ~~الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون - أولئك ~~الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} [هود: 15 - 16] (هود: 15 - 16) . وقد ~~ورد الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله، كما خرجه الإمام أحمد وأبو داود ~~وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من ~~الدنيا، لم # PageV01P077 # يجد عرف الجنة يوم القيامة» يعني: ريحها. وخرج الترمذي من حديث كعب بن ~~مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من طلب العلم ليماري به السفهاء، ~~أو يجاري به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار.» ~~وخرجه ابن ماجه بمعناه من حديث ابن عمر وحذيفة، وجابر، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولفظ حديث جابر: «لا تعلموا العلم، لتباهوا به العلماء، ولا ~~لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك، فالنار النار.» ~~وقال ابن مسعود: لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، أو لتجادلوا ~~به الفقهاء، أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند ~~الله، فإنه يبقى ويذهب ما سواه. وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله عموما، ~~كما خرج الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب رضي ms016 الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «بشر هذه الأمة # PageV01P078 # بالسناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة ~~للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب» . # واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء محضا، بحيث لا يراد به ~~سوى مراءات المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، كما قال الله ~~عز وجل: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله ~~إلا قليلا} [النساء: 142] (النساء: 142) . وقال تعالى: {فويل للمصلين - ~~الذين هم عن صلاتهم ساهون - الذين هم يراءون} [الماعون: 4 - 6] (الماعون: 4 ~~- 6) . وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء في قوله: {ولا تكونوا كالذين ~~خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس} [الأنفال: 47] (الأنفال: 47) . وهذا ~~الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في ~~الصدقة الواجبة أو الحج، وغيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي يتعدى نفعها، ~~فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق ~~المقت من الله والعقوبة. وتارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه ~~من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضا. وفي " صحيح مسلم " عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله ~~تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، ~~تركته وشريكه» وخرجه ابن ماجه، ولفظه: فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك. # PageV01P079 # وخرج الإمام أحمد عن شداد بن أوس،، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~صلى يرائي، فقد أشرك ومن صام يرائي، فقد أشرك، ومن تصدق يرائي، فقد أشرك، ~~وإن الله عز وجل يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئا، فإن جدة عمله قليله ~~وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني» . وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ~~ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة - وكان من الصحابة - قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، ms017 ~~نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله عز وجل، فليطلب ثوابه من عند غير ~~الله عز وجل، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» . وخرج البزار في " مسنده " ~~من حديث الضحاك بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله عز وجل ~~يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكا، فهو لشريكه. يا أيها الناس أخلصوا ~~أعمالكم لله عز وجل، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أخلص له، ولا ~~تقولوا: هذا لله وللرحم، فإنها للرحم، وليس لله منها شيء، ولا تقولوا هذا ~~لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم، وليس لله فيها شيء» # PageV01P080 # وخرج النسائي بإسناد جيد، عن أبي أمامة الباهلي «أن رجلا جاء إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر ~~والذكر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له فأعادها ثلاث مرات، ~~يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له ثم قال إن الله لا يقبل ~~من العمل إلا ما كان له خالصا، وابتغي به وجهه» . وخرج الحاكم من حديث ابن ~~عباس: «قال رجل: يا رسول الله، إنى أقف الموقف أريد وجه الله، وأريد أن يرى ~~موطني، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزلت {فمن كان ~~يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110] ~~» (الكهف: 110) . وممن روي عنه هذا المعنى، وأن العمل إذا خالطه شيء من ~~الرياء كان باطلا: طائفة من السلف، منهم عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، ~~والحسن، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال «لا يقبل الله عملا فيه مثقال حبة خردل من رياء» . ~~ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين. فإن ~~خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء، مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ # PageV01P081 # شيء من الغنيمة، أو التجارة، نقص بذلك أجر جهادهم، ولم يبطل ms018 بالكلية، وفي ~~" صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو،، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«إن الغزاة إذا غنموا غنيمة، تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئا، تم ~~لهم أجرهم» . وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضا من ~~الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا ~~الدنيا. وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على قدر ما ~~يخلص من نيتهم في غزاتهم، ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به ~~غيره. وقال أيضا فيمن يأخذ جعلا على الجهاد: إذا لم يخرج لأجل الدراهم، فلا ~~بأس أن يأخذ، كأنه خرج لدينه، فإن أعطي شيئا، أخذه. وكذا روي، عن عبد الله ~~بن عمرو، قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو، فعوضه الله رزقا، فلا بأس بذلك، ~~وأما إن أحدكم إن أعطي درهما غزا، وإن منع درهما مكث، فلا خير في ذلك. وكذا ~~قال الأوزاعي: إذا كانت نية الغازي على الغزو، فلا أرى بأسا. وهكذا يقال ~~فيمن أخذ شيئا في الحج ليحج به: إما عن نفسه، أو عن غيره، وقد روي عن مجاهد ~~أنه قال في حج الجمال وحج الأجير وحج التاجر: هو تمام لا ينقص من أجورهم ~~شيء، وهو محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب. وأما إن كان ~~أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطرا # PageV01P082 # ودفعه، فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه، فهل يحبط به عمله أم لا يضره ~~ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه ~~الإمام أحمد وابن جرير الطبري، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى ~~بنيته الأولى وهو مروي عن الحسن البصري وغيره. ويستدل لهذا القول بما خرجه ~~أبو داود في " مراسيله " عن عطاء الخراساني «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن ~~بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نجدة، ومنهم ~~من يقاتل ms019 ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: كلهم إذا كان أصل أمره أن ~~تكون كلمة الله هي العليا» . وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل ~~يرتبط آخره بأوله، كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة ~~والذكر وإنفاق المال ونشر العلم، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه، ~~ويحتاج إلى تجديد نية. وكذلك روي عن سليمان بن داود الهاشمي أنه قال: ربما ~~أحدث بحديث ولي نية، فإذا أتيت على بعضه، تغيرت نيتي، فإذا الحديث الواحد ~~يحتاج إلى نيات. ولا يرد على هذا الجهاد، كما في مرسل عطاء الخراساني، فإن ~~الجهاد يلزم بحضور الصف، ولا يجوز تركه حينئذ، فيصير كالحج. فأما إذا عمل ~~العمل لله خالصا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ~~ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك، لم يضره ذلك. # PageV01P083 # وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه «سئل ~~عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ويحمده الناس عليه، فقال: تلك عاجل بشرى ~~المؤمن» خرجه مسلم، وخرجه ابن ماجه، وعنده: «الرجل يعمل العمل لله فيحبه ~~الناس عليه» . وبهذا المعنى فسره الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وابن جرير ~~الطبري وغيرهم. وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي ~~هريرة «أن رجلا قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل، فيسره، فإذا اطلع ~~عليه، أعجبه، فقال: له أجران: أجر السر، وأجر العلانية» . ولنقتصر على هذا ~~المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء، فإن فيه كفاية. وبالجملة، فما أحسن ~~قول سهل بن عبد الله التستري: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص، لأنه ليس ~~لها فيه نصيب. وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم ~~أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر. وقال ابن ~~عيينة: كان من دعاء مطرف بن عبد الله: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه، ~~ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي، ثم لم أف لك به، ms020 وأستغفرك مما ~~زعمت أني أردت به وجهك، فخالط قلبي منه ما قد علمت. # PageV01P084 # فصل وأما النية بالمعنى الذي يذكره الفقهاء، وهو أن تمييز العبادات من ~~العادات، وتمييز العادات بعضها من بعض، فإن الإمساك عن الأكل والشرب يقع ~~تارة حمية، وتارة لعدم القدرة على الأكل، وتارة تركا للشهوات لله عز وجل، ~~فيحتاج في الصيام إلى نية ليتميز بذلك عن ترك الطعام على غير هذا الوجه. ~~وكذلك العبادات، كالصلاة والصيام منها فرض، ومنها نفل. والفرض يتنوع ~~أنواعا، فإن الصلوات المفروضات خمس صلوات كل يوم وليلة، والصوم الواجب تارة ~~يكون صيام رمضان، وتارة صيام كفارة، أو عن نذر، ولا يتميز هذا كله إلا ~~بالنية، وكذلك الصدقة، تكون نفلا وتكون فرضا، والفرض منه زكاة، ومنه كفارة، ~~ولا يتميز ذلك إلا بالنية، فيدخل ذلك في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: ~~«وإنما لامرئ ما نوى» . وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء، فإن منهم من ~~لا يوجب تعيين النية للصلاة المفروضة، بل يكفي عنده أن ينوي فرض الوقت، وإن ~~لم يستحضر تسميته في الحال، وهو رواية، عن الإمام أحمد. ويبنى على هذا ~~القول: أن من فاتته صلاة من يوم وليلة، ونسي عينها، أن عليه أن يقضي ثلاث ~~صلوات: الفجر والمغرب ورباعية واحدة. وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن ~~صيام رمضان لا يحتاج إلى نية تعيينية، أيضا بل تجزئ بنية الصيام مطلقا؛ لأن ~~وقته غير قابل لصيام آخر # PageV01P085 # وهو أيضا رواية عن الإمام أحمد. وربما حكي عن بعضهم أن صيام رمضان لا ~~يحتاج إلى نية بالكلية، لتعيينه بنفسه، فهو كرد الودائع، وحكي عن الأوزاعي ~~أن الزكاة كذلك وتأول بعضهم قوله على أنه أراد أنها تجزئ بنية الصدقة ~~المطلقة كالحج. وكذلك قال أبو حنيفة: لو تصدق بالنصاب كله من غير نية أجزأه ~~عن زكاته. وقد روي «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا، يلبي بالحج ~~عن رجل، فقال له أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: هذه عن نفسك، ثم حج عن ~~الرجل» . وقد تكلم ms021 في صحة هذا الحديث، ولكنه صحيح عن ابن عباس وغيره. وأخذ ~~بذلك الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما، في أن حجة الإسلام تسقط بنية ~~الحج مطلقا، سواء نوى التطوع أو غيره، ولا يشترط للحج تعيين النية، فمن حج ~~عن غيره، ولم يحج عن نفسه وقع عن نفسه، وكذلك لو حج عن نذره، أو نفلا ولم ~~يكن حج حجة الإسلام، فإنه ينقلب عنها، وقد ثبت «عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه أمر أصحابه في حجة الوداع بعدما دخلوا معه، وطافوا وسعوا أن ~~يفسخوا حجهم ويجعلوه عمرة، وكان منهم القارن والمفرد، وإنما كان طوافهم عند ~~قدومهم طواف القدوم وليس بفرض، وقد أمرهم أن يجعلوه # PageV01P086 # طواف عمرة وهو فرض» ، وقد أخذ بذلك الإمام أحمد في فسخ الحج، وعمل به، ~~وهو مشكل على أصله، فإنه يوجب تعيين الطواف الواجب للحج والعمرة بالنية، ~~وخالفه في ذلك أكثر الفقهاء، كمالك والشافعي وأبي حنيفة. وقد يفرق الإمام ~~أحمد بين أن يكون طوافه في إحرام انقلب، كالإحرام الذي يفسخه، ويجعله عمرة، ~~فينقلب الطواف فيه تبعا لانقلاب الإحرام، كما ينقلب الطواف في الإحرام الذي ~~نوى به التطوع إذا كان عليه حجة الإسلام، تبعا لانقلاب إحرامه من أصله، ~~ووقوعه، عن فرضه، بخلاف ما إذا طاف للزيارة بنية الوداع، أو التطوع، فإن ~~هذا لا يجزئه لأنه لم ينو به الفرض، ولم ينقلب فرضا تبعا لانقلاب إحرامه، ~~والله أعلم. ومما يدخل في هذا الباب: أن «رجلا في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان قد وضع صدقته عند رجل، فجاء ابن صاحب الصدقة، فأخذها ممن هي عنده، ~~فعلم بذلك أبوه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما إياك أردت ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمتصدق: لك ما نويت، وقال للآخذ: لك ما ~~أخذت» خرجه البخاري. وقد أخذ الإمام أحمد بهذا الحديث، وعمل به في المنصوص ~~عنه، وإن كان أكثر أصحابه على خلافه، فإن الرجل إنما يمنع من دفع الصدقة ~~إلى ولده؛ خشية أن يكون محاباة، فإذا وصلت إلى ms022 ولده من حيث لا يشعر، كانت ~~المحاباة منتفية، وهو من أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر، ولهذا لو دفع ~~صدقته إلى من يظنه فقيرا، وكان غنيا في نفس الأمر، أجزأته على الصحيح، لأنه ~~إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه، والفقر أمر خفي، لا يكاد يطلع على حقيقته. # وأما الطهارة، فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور، وهو يرجع إلى أن ~~الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة، أم هي شرط من شروط الصلاة كإزالة # PageV01P087 # النجاسة، وستر العورة؟ فمن لم يشترط لها النية، جعلها كسائر شروط الصلاة، ~~ومن اشترط لها النية، جعلها عبادة مستقلة، فإذا كانت عبادة في نفسها، لم ~~تصح بدون النية، وهذا قول جمهور العلماء، ويدل على صحة ذلك تكاثر النصوص ~~الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الوضوء يكفر الذنوب والخطايا، وأن ~~من توضأ كما أمر، كان كفارة لذنوبه. وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في ~~القرآن عبادة مستقلة بنفسها، حيث رتب عليه تكفير الذنوب، والوضوء الخالي من ~~النية لا يكفر شيئا من الذنوب بالاتفاق، فلا يكون مأمورا به، ولا تصح به ~~الصلاة، ولهذا لم يرد في شيء من بقية شرائط الصلاة، كإزالة النجاسة، وستر ~~العورة ما ورد في الوضوء من الثواب، ولو شرك بين نية الوضوء، وبين قصد ~~التبرد، أو إزالة النجاسة أو الوسخ، أجزأه في المنصوص عن الشافعي، وهذا قول ~~أكثر أصحاب أحمد، لأن هذا القصد ليس بمحرم ولا مكروه، ولهذا لو قصد مع رفع ~~الحدث تعليم الوضوء، لم يضره ذلك. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد ~~أحيانا بالصلاة تعليمها للناس، وكذلك الحج، كما قال: «خذوا عني مناسككم» . ~~ومما تدخل النية فيه من أبواب العلم: مسائل الأيمان. فلغو اليمين لا كفارة ~~فيه، وهو ما جرى على اللسان من غير قصد بالقلب إليه، كقوله: لا والله، وبلى ~~والله في أثناء الكلام، قال تعالى: {لا يؤاخذكم # PageV01P088 # الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة: 225] ~~(البقرة: 225) . وكذلك يرجع في الأيمان إلى نية الحالف وما قصد ms023 بيمينه، فإن ~~حلف بالطلاق أو عتاق، ثم ادعى أنه نوى ما يخالف ظاهر لفظه، فإنه يدين فيما ~~بينه وبين الله عز وجل. وهل يقبل منه في ظاهر الحكم؟ فيه قولان للعلماء ~~مشهوران وهما روايتان عن أحمد، وقد روي عن عمر أنه رفع إليه رجل قالت له ~~امرأته: شبهني، قال: كأنك ظبية، كأنك حمامة، فقالت: لا أرضى حتى تقول: أنت ~~خلية طالق، فقال ذلك، فقال عمر: خذ بيدها فهي امرأتك. خرجه أبو عبيد وقال: ~~أراد الناقة تكون معقولة، ثم تطلق من عقالها ويخلى عنها، فهي خلية من ~~العقال، وهي طالق، لأنها قد طلقت منه، فأراد الرجل ذلك، فأسقط عنه عمر ~~الطلاق لنيته. قال: وهذا أصل لكل من تكلم بشيء يشبه لفظ الطلاق والعتاق وهو ~~ينوي غيره أن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله، وفي الحكم على تأويل عمر ~~رضي الله عنه. ويروى عن سميط السدوسي، قال: خطبت امرأة، فقالوا: لا نزوجك ~~حتى تطلق امرأتك، فقلت: إني قد طلقتها ثلاثا، فزوجوني ثم نظروا، فإذا ~~امرأتي عندي، فقالوا أليس قد طلقتها ثلاثا؟ فقلت: كان عندي فلانة، فطلقتها، ~~وفلانة فطلقتها، فأما هذه، فلم أطلقها، فأتيت شقيق بن ثور وهو يريد الخروج ~~إلى # PageV01P089 # عثمان وافدا، فقلت له: سل أمير المؤمنين عن هذه، فخرج فسأله، فقال: نيته. ~~خرجه أبو عبيد في " كتاب الطلاق " وحكى إجماع العلماء على مثل ذلك. وقال ~~إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: حديث السميط تعرفه؟ قال: نعم، السدوسي وإنما ~~جعل نيته بذلك، فذكر ذلك شقيق لعثمان، فجعلها نيته. فإن كان الحالف ظالما، ~~ونوى خلاف ما حلفه عليه غريمه، لم تنفعه نيته، وفي " صحيح مسلم " عن أبي ~~هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال «يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك» ~~وفي رواية له: «اليمين على نية المستحلف» ، وهذا محمول على الظالم، فأما ~~المظلوم، فينفعه ذلك. وقد خرج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث سويد بن ~~حنظلة، قال: «خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا وائل بن حجر، ~~فأخذه عدو له، ms024 فتحرج الناس أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي، فخلى سبيله، ~~وأتينا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا، ~~وحلفت أنا أنه أخي، فقال: صدقت، المسلم أخو المسلم» . وكذلك تدخل النية في ~~الطلاق والعتاق، فإذا أتى بلفظ من ألفاظ الكنايات المحتملة للطلاق أو ~~العتاق، فلابد له من النية. وهل يقوم مقام النية دلالة الحال من غضب أو ~~سؤال الطلاق ونحوه أم لا؟ # PageV01P090 # فيه خلاف مشهور بين العلماء، وهل يقع بذلك الطلاق في الباطن كما لو نواه، ~~أم يلزم به في ظاهر الحكم فقط؟ فيه خلاف مشهور أيضا، ولو أوقع الطلاق ~~بكناية ظاهرة، كالبتة ونحوها، فهل يقع به الثلاث أو واحدة؟ فيه قولان ~~مشهوران، وظاهر مذهب أحمد أنه يقع به الثلاث مع إطلاق النية، فإن نوى به ما ~~دون الثلاث، وقع به ما نواه، وحكي عنه رواية أنه يلزمه الثلاث أيضا. ولو ~~رأى امرأة، يظنها امرأته، فطلقها، ثم بانت أجنبية، طلقت امرأته، لأنه إنما ~~قصد طلاق امرأته. نص على ذلك أحمد، وحكي عنه رواية أخرى: أنها لا تطلق، وهو ~~قول الشافعي، ولو كان العكس، بأن رأى امرأة ظنها أجنبية، فطلقها، فبانت ~~امرأته، فهل تطلق؟ فيه قولان هما روايتان، عن أحمد، والمشهور من مذهب ~~الشافعي وغيره أنها لا تطلق. ولو كان له امرأتان، فنهى إحداهما عن الخروج، ~~ثم رأى امرأة قد خرجت، فظنها المنهية، فقال لها: فلانة خرجت؟ أنت طالق، فقد ~~اختلف العلماء فيها، فقال: الحسن تطلق المنهية، لأنها هي التي نواها، وقال ~~إبراهيم: تطلقان، وقال عطاء: لا تطلق واحدة منها، ومذهب أحمد: أنه تطلق ~~المنهية رواية واحدة، لأنه نوى طلاقها. وهل تطلق المواجهة على روايتين عنه، ~~واختلف الأصحاب على القول بأنها تطلق: هل تطلق في الحكم فقط، أم في الباطن ~~أيضا؟ على طريقتين لهم. وقد استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال ~~بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» على أن العقود التي يقصد بها في الباطن ~~التوصل إلى ما هو محرم غير صحيحة، كعقود البيوع التي يقصد بها ms025 معنى الربا ~~ونحوها، كما هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما، فإن هذا العقد إنما نوى به الربا ~~لا البيع " «وإنما لكل امرئ ما نوى» ". ومسائل النية المتعلقة بالفقه كثيرة ~~جدا، وفيما ذكرناه كفاية. # PageV01P091 # وقد تقدم، عن الشافعي أنه قال في هذا الحديث: إنه يدخل في سبعين بابا من ~~الفقه، والله أعلم. # والنية: هي قصد القلب، ولا يجب التلفظ بما في القلب في شيء من العبادات، ~~وخرج بعض أصحاب الشافعي له قولا باشتراط التلفظ بالنية للصلاة، وغلطه ~~المحققون منهم، واختلف المتأخرون من الفقهاء في التلفظ بالنية في الصلاة ~~وغيرها، فمنهم من استحبه، ومنهم من كرهه. ولا يعلم في هذه المسائل نقل خاص ~~عن السلف، ولا عن الأئمة إلا في الحج وحده، فإن مجاهدا قال: إذا أراد الحج، ~~يسمي ما يهل به، وروي عنه أنه قال: يسميه في التلبية، وهذا ليس مما نحن فيه ~~فإن «النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر نسكه في تلبيته، فيقول: لبيك عمرة ~~وحجا» ، وإنما كلامنا في أنه يقول عند إرادة عقد الإحرام: اللهم إني أريد ~~الحج أو العمرة، كما استحب ذلك كثير من الفقهاء، وكلام مجاهد ليس صريحا في ~~ذلك. وقال أكثر السلف، منهم عطاء وطاوس والقاسم بن محمد والنخعي: تجزئه ~~النية عند الإهلال، وصح عن ابن عمر أنه سمع رجلا عند إحرامه يقول: اللهم ~~إني أريد الحج أو العمرة، فقال له: أتعلم الناس؟ أو ليس الله يعلم ما في ~~نفسك؟ . ونص مالك على مثل هذا، وأنه لا يستحب له أن يسمي ما أحرم به. حكاه ~~صاحب كتاب " تهذيب المدونة " من أصحابه. وقال أبو داود: قلت لأحمد: أتقول ~~قبل التكبير - يعني في الصلاة - شيئا؟ قال: لا. وهذا قد يدخل فيه أنه لا ~~يتلفظ بالنية. والله أعلم. # PageV01P092 ### | [الحديث الثاني بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر] # PageV01P092 # الحديث الثاني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: «بينما نحن عند رسول ~~الله صلى الله عليه ms026 وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد ~~سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال ~~يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، ~~وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ". قال: صدقت، ~~قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: " أن تؤمن ~~بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ". ~~قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن ~~لم تكن تراه، فإنه يراك ". قال: فأخبرني عن الساعة؟ . قال: " ما المسئول ~~عنها بأعلم من السائل ". قال: فأخبرني عن أمارتها؟ . قال: " أن تلد الأمة ~~ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ". # PageV01P093 # ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال لي: " يا عمر، أتدري من ~~السائل؟ . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» ". ~~رواه مسلم. #  هذا الحديث تفرد به مسلم عن ~~البخاري بإخراجه، فخرجه من طريق كهمس عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن ~~يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا ~~وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، ~~فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، ~~أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: ~~يا أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم، ~~وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف. فقال: إذا لقيت ~~أولئك، فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، # PageV01P094 # والذي يحلف به عبد الله بن ms027 عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه، ما ~~قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: ~~بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث بطوله. ثم خرجه ~~من طرق أخرى، بعضها يرجع إلى عبد الله بن بريدة، وبعضها يرجع إلى يحيى بن ~~يعمر، وذكر أن في بعض ألفاظها زيادة ونقصا. وخرجه ابن حبان في " صحيحه " من ~~طريق سليمان التيمي، عن يحيى بن يعمر، وقد خرجه مسلم من هذا الطريق، إلا ~~أنه لم يذكر لفظه، وفيه زيادات منها: في الإسلام، قال: " «وتحج وتعتمر ~~وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء [وتصوم رمضان] " قال: فإذا فعلت ذلك، ~~فأنا مسلم؟ قال: نعم» . وقال في الإيمان: " «وتؤمن بالجنة والنار والميزان ~~"، وقال فيه: فإذا فعلت ذلك، فأنا مؤمن؟ قال: " نعم» ". وقال في آخره: " ~~«هذا جبريل أتاكم ليعلمكم أمر دينكم، خذوا عنه، والذي نفسي بيده ما شبه علي ~~منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولى» ". وخرجنا في " الصحيحين " من ~~حديث أبي هريرة، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يوما بارزا للناس، ~~فأتاه رجل، فقال: ما الإيمان؟ فقال: " الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته ~~وكتابه، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر ". قال: يا رسول الله، ما ~~الإسلام؟ قال: " الإسلام: أن تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة ~~المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان " # PageV01P095 # قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن ~~لا تراه، فإنه يراك ". قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ " قال ما المسئول ~~عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك، عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها، ~~فذاك من أشراطها، وإذا رأيت العراة الحفاة رؤوس الناس، فذاك من أشراطها، ~~وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان، فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا ~~الله، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الله عنده علم الساعة ~~وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري ms028 نفس ~~بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} [لقمان: 34] (لقمان: 34) . قال: ثم أدبر ~~الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " علي بالرجل "، فأخذوا ليردوه، ~~فلم يروا شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا جبريل جاء ليعلم ~~الناس دينهم» ". وخرجه مسلم بسياق أتم من هذا، وفيه في خصال الإيمان: " ~~«وتؤمن # PageV01P096 # بالقدر كله» " «وقال في الإحسان: " أن تخشى الله كأنك تراه» ". وخرجه ~~الإمام أحمد في " مسنده " من حديث شهر بن حوشب، عن ابن عباس. ومن حديث شهر ~~بن حوشب أيضا، عن ابن عامر أو أبي عامر، أو أبي مالك، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وفي حديثه قال: «ونسمع رجع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نرى ~~الذي يكلمه، ولا نسمع كلامه» ، وهذا يرده حديث عمر الذي خرجه مسلم وهو أصح. ~~وقد روي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس بن مالك وجرير بن ~~عبد الله البجلي وغيرهما. وهو حديث عظيم جدا، يشتمل على شرح الدين كله، ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخره: " «هذا جبريل أتاكم يعلمكم ~~دينكم» " بعد أن شرح درجة الإسلام، ودرجة الإيمان، ودرجة الإحسان، فجعل ذلك ~~كله دينا. واختلفت الرواية في تقديم الإسلام على الإيمان وعكسه ففي حديث # PageV01P097 # عمر الذي خرجه مسلم أنه بدأ بالسؤال عن الإسلام، وفي حديث الترمذي وغيره ~~أنه بدأ بالسؤال عن الإيمان، كما في حديث أبي هريرة، وجاء في بعض روايات ~~حديث عمر أنه سأله عن الإحسان بين الإسلام والإيمان. فأما الإسلام، فقد ~~فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل، ~~وأول ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهو عمل اللسان، ~~ثم إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه ~~سبيلا. وهي منقسمة إلى عمل بدني: كالصلاة والصوم، وإلى عمل مالي: وهو إيتاء ~~الزكاة، وإلى ما هو مركب منهما، كالحج بالنسبة إلى البعيد عن مكة. وفي ~~رواية ابن حبان أضاف إلى ذلك الاعتمار، والغسل ms029 من الجنابة، وإتمام الوضوء، ~~وفي هذا تنبيه على أن جميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام. وإنما ~~ذكر هاهنا أصول أعمال الإسلام التي ينبني عليها كما سيأتي شرح ذلك في حديث ~~ابن عمر بني الإسلام على خمس في موضعه إن شاء الله تعالى. وقوله في بعض ~~الروايات: «فإذا فعلت ذلك، فأنا مسلم؟» قال: " نعم " يدل على أن من كمل ~~الإتيان بمباني الإسلام الخمس، صار مسلما حقا، مع أن من أقر بالشهادتين، ~~صار مسلما حكما، فإذا دخل في الإسلام بذلك، ألزم بالقيام ببقية خصال ~~الإسلام، ومن ترك الشهادتين، خرج من الإسلام، وفي خروجه من الإسلام بترك ~~الصلاة خلاف مشهور بين العلماء، وكذلك في تركه بقية مباني الإسلام الخمس، ~~كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى # PageV01P098 # ومما يدل على أن جميع الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإسلام قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» . وفي " ~~الصحيحين " عن عبد الله بن عمرو أن «رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي ~~الإسلام خير؟ قال: أن تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» ~~. وفي " صحيح الحاكم " عن أبي هريرة، عن النبي قال: «إن للإسلام # PageV01P099 # صوى ومنارا كمنار الطريق من ذلك: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم ~~الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ~~وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، فمن ~~انتقص منهن شيئا، فهو سهم من الإسلام تركه، ومن يتركهن، فقد نبذ الإسلام ~~وراء ظهره» . وخرجه ابن مردويه من حديث أبي الدرداء، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «للإسلام ضياء وعلامات كمنار الطريق، فرأسها وجماعها شهادة ~~أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ~~وإتمام الوضوء، والحكم بكتاب الله وسنة نبيه، وطاعة ولاة الأمر، وتسليمكم ~~على أنفسكم، وتسليمكم على أهليكم إذا دخلتم بيوتكم، وتسليمكم على بني آدم ~~إذا لقيتموهم» وفي إسناده ضعف، ولعله موقوف. وصح من ms030 حديث أبي إسحاق، عن صلة ~~بن زفر، عن حذيفة، قال: الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، ~~والزكاة سهم، وحج البيت سهم، والجهاد سهم، وصوم رمضان سهم، والأمر بالمعروف ~~سهم، والنهي عن المنكر سهم، وخاب من لا سهم له. وخرجه البزار مرفوعا، ~~والموقوف أصح. # PageV01P100 # ورواه بعضهم عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خرجه أبو يعلى الموصلي وغيره، والموقوف على حذيفة أصح. قاله الدارقطني ~~وغيره. وقوله: " الإسلام سهم " يعني الشهادتين، لأنهما علم الإسلام، وبهما ~~يصير الإنسان مسلما. وكذلك ترك المحرمات داخل في مسمى الإسلام أيضا، كما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا ~~يعنيه» وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. ويدل على هذا أيضا ما خرجه ~~الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث العرباض بن سارية، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما # PageV01P101 # وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، ~~وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعا، ولا ~~تعوجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أحد أن يفتح شيئا من تلك ~~الأبواب، قال ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه. والصراط: الإسلام، ~~والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس ~~الصراط: كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم» زاد ~~الترمذي: {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} ~~[يونس: 25] (يونس: 25) . ففي هذا المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن الإسلام هو الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى بالاستقامة عليه، ونهى ~~عن تجاوز حدوده، وأن من ارتكب شيئا من المحرمات، فقد تعدى حدوده. # وأما الإيمان، فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ~~بالاعتقادات الباطنة، فقال أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث ~~بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره. وقد ذكر الله في كتابه الإيمان بهذه ~~الأصول ms031 الخمسة في مواضع، كقوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} ~~[البقرة: 285] (البقرة: 285) . وقوله تعالى: {ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} [البقرة: 177] الآية (البقرة: ~~277) ، وقال تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون - والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم ~~يوقنون} [البقرة: 3 - 4] (البقرة: 3 - 4) . والإيمان بالرسل يلزم منه ~~الإيمان بجميع ما أخبروا به من الملائكة، # PageV01P102 # والأنبياء، والكتاب والبعث، والقدر، وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به، من ~~صفات الله وصفات اليوم الآخر كالميزان والصراط، والجنة، والنار. وقد أدخل ~~في الإيمان الإيمان بالقدر خيره وشره، ولأجل هذه الكلمة روى ابن عمر هذا ~~الحديث محتجا به على من أنكر القدر، وزعم أن الأمر أنف: يعني أنه مستأنف لم ~~يسبق به سابق قدر من الله عز وجل، وقد غلظ ابن عمر عليهم وتبرأ منهم، وأخبر ~~أنه لا تقبل منهم أعمالهم بدون الإيمان بالقدر. والإيمان بالقدر على ~~درجتين: إحداهما: الإيمان بأن الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من ~~خير، وشر، وطاعة، ومعصية، قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ~~ومن هو منهم من أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل ~~خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما ~~سبق في عمله وكتابه. والدرجة الثانية: أن الله خلق أفعال العباد كلها من ~~الكفر، والإيمان، والطاعة، والعصيان، وشاءها منهم، فهذه الدرجة يثبتها أهل ~~السنة والجماعة، وينكرها القدرية، والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية، ~~ونفاها غلاتهم، كمعبد الجهني، الذي سئل ابن عمر، عن مقالته، وكعمرو بن عبيد ~~وغيره. وقد قال كثير من أئمة السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به ~~خصموا، وإن جحدوه فقد كفروا، يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال ~~العباد، وأن الله تعالى قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد، وكتب ذلك عنده في ~~كتاب حفيظ، فقد كذب بالقرآن، ms032 فيكفر بذلك، وإن أقروا بذلك، وأنكروا أن الله ~~خلق أفعال عباده، وشاءها، وأرادها منهم إرادة كونية قدرية، فقد خصموا، لأن ~~ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه. وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين ~~العلماء. # PageV01P103 # وأما من أنكر العلم القديم، فنص الشافعي وأحمد على تكفيره، وكذلك غيرهما ~~من أئمة الإسلام. فإن قيل: فقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ~~بين الإسلام والإيمان، وجعل الأعمال كلها من الإسلام، لا من الإيمان، ~~والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان: قول وعمل ونية، وأن الأعمال ~~كلها داخلة في مسمى الإيمان. وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ~~ومن بعدهم ممن أدركهم. وأنكر السلف على من أخرج الأعمال من الإيمان إنكارا ~~شديدا. وممن أنكر ذلك على قائله، وجعله قولا محدثا: سعيد بن جبير، وميمون ~~بن مهران، وقتادة، وأيوب السختياني، وإبراهيم النخعي، والزهري، ويحيى بن ~~أبي كثير، وغيرهم. وقال الثوري: هو رأي محدث، أدركنا الناس على غيره. وقال ~~الأوزاعي: كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل. وكتب عمر بن ~~عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أما بعد، فإن الإيمان فرائض وشرائع [وحدود] ~~وسنن، فمن استكملها، استكمل الإيمان. ومن لم يستكملها، لم يستكمل الإيمان، ~~ذكره البخاري في " صحيحه ". قيل الأمر على ما ذكره، وقد دل على دخول ~~الأعمال في الإيمان قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون - الذين ~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون - أولئك هم المؤمنون حقا} [الأنفال: 2 - ~~4] (الأنفال: 2 - 4) . # PageV01P104 # وفي " الصحيحين " عن ابن عباس: أن «النبي صلى الله عليه وسلم قال: لوفد ~~عبد القيس: آمركم بأربع: الإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة ~~أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا ~~من المغنم الخمس» . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها ~~قول: لا إله إلا الله، ms033 وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من ~~الإيمان» ولفظه لمسلم. وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين ~~يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» . فلولا أن ترك هذه ~~الكبائر من مسمى الإيمان، لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها؛ لأن ~~الاسم لا ينتفى إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته. وأما وجه الجمع ~~بين هذه النصوص وبين حديث سؤال جبريل عليه السلام عن الإسلام والإيمان، ~~وتفريق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، وإدخاله الأعمال في مسمى الإسلام ~~دون الإيمان، فإنه يتضح بتقرير أصل، وهو أن من الأسماء ما # PageV01P105 # يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم ~~بغيره، صار دالا على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دال على باقيها، ~~وهذا كاسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما، دخل فيه كل من هو محتاج، ~~فإذا قرن أحدهما بالآخر، دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات، والآخر ~~على باقيها، فهكذا اسم الإسلام والإيمان: إذا أفرد أحدهما، دخل فيه الآخر ~~ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما، دل أحدهما ~~على بعض ما يدل عليه بانفراده، ودل الآخر على الباقي. وقد صرح بهذا المعنى ~~جماعة من الأئمة. قال أبو بكر الإسماعيلي في رسالته إلى أهل الجبل: قال ~~كثير من أهل السنة والجماعة: إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض على ~~الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضموما إلى آخر فقيل: المؤمنون ~~والمسلمون جميعا مفردين، أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر، وإذا ذكر أحد ~~الاسمين، شمل الكل وعمهم. وقد ذكر هذا المعنى أيضا الخطابي في كتابه " ~~معالم السنن "، وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده. ويدل على صحة ذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإيمان عند ذكره مفردا في حديث وفد عبد ~~القيس بما فسر به الإسلام المقرون بالإيمان في حديث ms034 جبريل، وفسر في حديث ~~آخر الإسلام بما فسر به الإيمان، كما في " مسند الإمام أحمد "، عن # PageV01P106 # عمرو بن عبسة، قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ~~رسول الله، ما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك ~~ويدك، قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: " الإيمان " قال: وما الإيمان؟ قال: " ~~أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت "، قال: فأي ~~الإيمان أفضل؟ قال: " الهجرة " قال: فما الهجرة؟ قال: " أن تهجر السوء " ~~قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: " الجهاد» ". فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~الإيمان أفضل الإسلام، وأدخل فيه الأعمال. وبهذا التفصيل يظهر تحقيق القول ~~في مسألة الإسلام والإيمان: هل هما واحد، أو مختلفان؟ . فإن أهل السنة ~~والحديث مختلفون في ذلك، وصنفوا في ذلك تصانيف متعددة، فمنهم من يدعي أن ~~جمهور أهل السنة على أنهما شيء واحد: منهم محمد بن نصر المروزي، وابن عبد ~~البر، وقد روي هذا القول عن سفيان الثوري من رواية أيوب بن سويد الرملي ~~عنه، وأيوب فيه ضعف. ومنهم من يحكي عن أهل السنة التفريق بينهما، كأبي بكر ~~بن السمعاني، وغيره، وقد نقل هذا التفريق بينهما عن كثير من السلف، منهم ~~قتادة، وداود بن أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزهري، وحماد بن زيد، وابن ~~مهدي، وشريك، وابن أبي ذئب، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، ويحيى بن معين، ~~وغيرهم، على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما. وكان الحسن وابن سيرين ~~يقولان: " مسلم " ويهابان " مؤمن ". وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول ~~الاختلاف، فيقال: إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر، فلا فرق بينهما ~~حينئذ، وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق. # PageV01P107 # والتحقيق في الفرق بينهما: أن الإيمان هو تصديق القلب، وإقراره، ومعرفته، ~~والإسلام: هو استسلام العبد لله، وخضوعه، وانقياده له، وذلك يكون بالعمل، ~~وهو الدين، كما سمى الله في كتابه الإسلام دينا، وفي حديث جبريل سمى النبي ~~صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان والإحسان دينا، وهذا أيضا مما يدل على ~~أن أحد الاسمين إذا ms035 أفرد دخل فيه الآخر، وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد ~~الاسمين بالآخر. فيكون حينئذ المراد بالإيمان: جنس تصديق القلب، وبالإسلام ~~جنس العمل. وفي " مسند الإمام أحمد " عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «الإسلام علانية، والإيمان في القلب» . وهذا لأن الأعمال تظهر علانية، ~~والتصديق في القلب لا يظهر. «وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه ~~إذا صلى على الميت: " اللهم من أحييته منا، فأحيه على الإسلام، ومن توفيته ~~منا، فتوفه على الإيمان» "، لأن العمل بالجوارح، إنما يتمكن منه في الحياة، ~~فأما عند الموت، فلا يبقى غير التصديق بالقلب. ومن هنا قال المحققون من ~~العلماء: كل مؤمن مسلم، فإن من حقق الإيمان، ورسخ في قلبه، قام بأعمال ~~الإسلام، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في # PageV01P108 # الجسد مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي ~~القلب» فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، ~~وليس كل مسلم مؤمنا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفا، فلا يتحقق القلب به تحققا ~~تاما مع عمل جوارحه بأعمال الإسلام، فيكون مسلما، وليس بمؤمن الإيمان ~~التام، كما قال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ~~ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 14] (الحجرات: 14) ، ولم يكونوا ~~منافقين بالكلية على أصح التفسيرين، وهو قول ابن عباس وغيره بل # PageV01P109 # كان إيمانهم ضعيفا ويدل عليه قوله تعالى: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا ~~يلتكم من أعمالكم شيئا} [الحجرات: 14] (الحجرات: 14) ، يعني لا ينقصكم من ~~أجورها، فدل على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم. وكذلك «قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص لما قال له: لم تعط فلانا وهو مؤمن، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو مسلم» يشير إلى أنه لم يحقق مقام ~~الإيمان، وإنما # PageV01P110 # هو في مقام الإسلام الظاهر، ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن، لزم منه ~~ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضا، لكن اسم الإيمان ينفى عمن ترك شيئا من ~~واجباته، كما ms036 في قوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» . # وقد اختلف أهل السنة: هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان، أو يقال: ليس بمؤمن، ~~لكنه مسلم، على قولين، وهما روايتان عن أحمد. وأما اسم الإسلام، فلا ينتفي ~~بانتفاء بعض واجباته، أو انتهاك بعض محرماته، وإنما ينفى بالإتيان بما ~~ينافيه بالكلية، ولا يعرف في شيء من السنة الصحيحة نفي الإسلام عمن ترك ~~شيئا من واجباته، كما ينفى الإيمان عمن ترك شيئا من واجباته، وإن كان قد ~~ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرمات، وإطلاق النفاق أيضا. واختلف ~~العلماء: هل يسمى مرتكب الكبائر كافرا كفرا أصغر أو منافقا النفاق الأصغر، ~~ولا أعلم أن أحدا منهم أجاز إطلاق نفي اسم الإسلام عنه، إلا أنه روي عن ابن ~~مسعود أنه قال: ما تارك الزكاة بمسلم. ويحتمل أنه كان يراه كافرا بذلك، ~~خارجا من الإسلام. وكذلك روي عن عمر فيمن تمكن من الحج، ولم يحج أنهم ليسوا ~~بمسلمين، والظاهر أنه كان يعتقد كفرهم، ولهذا أراد أن يضرب عليهم الجزية # PageV01P111 # يقول: لم يدخلوا في الإسلام بعد، فهم مستمرون على كتابيتهم. وإذا تبين أن ~~اسم الإسلام لا ينتفي إلا بوجود ما ينافيه، ويخرج عن الملة بالكلية، فاسم ~~الإسلام إذا أطلق أو اقترن به المدح، دخل فيه الإيمان كله من التصديق ~~وغيره، كما سبق في حديث عمرو بن عبسة. وخرج النسائي من حديث عقبة بن مالك: ~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فغارت على قوم، فقال رجل منهم إني ~~مسلم، فقتله رجل من السرية فنمي الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال فيه قولا شديدا، فقال الرجل: إنما قالها تعوذا من القتل، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الله أبى علي أن أقتل مؤمنا ثلاث مرات» . # PageV01P112 # فلولا أن الإسلام المطلق يدخل فيه الإيمان والتصديق بالأصول الخمسة، لم ~~يصر من قال: أنا مسلم مؤمنا بمجرد هذا القول، وقد أخبر الله تعالى عن ملكة ~~سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة: {قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت ms037 مع ~~سليمان لله رب العالمين} [النمل: 44] (النمل: 44) ، وأخبر، عن يوسف عليه ~~السلام أنه دعا بالموت على الإسلام. وهذا كله يدل على أن الإسلام المطلق ~~يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق. وفي " سنن ابن ماجه " «عن عدي بن ~~حاتم؛ قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عدي، أسلم تسلم، قلت: ~~وما الإسلام؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أني رسول الله، وتؤمن ~~بالأقدار كلها خيرها وشرها، وحلوها ومرها» فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من ~~الإسلام. ثم إن الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع، وليس المراد الإتيان ~~بلفظهما دون التصديق بهما، فعلم أن التصديق بهما داخل في الإسلام، وقد فسر ~~الإسلام المذكور في قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: ~~19] (آل عمران: 19) بالتوحيد والتصديق طائفة من السلف، منهم محمد بن جعفر ~~بن الزبير. وأما إذا نفي الإيمان عن أحد، وأثبت له الإسلام، كالأعراب الذين ~~أخبر الله عنهم، فإنه ينتفي عنهم رسوخ الإيمان في القلب، وتثبت لهم ~~المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل، إذ لولا ~~هذا القدر من الإيمان، لم يكونوا مسلمين، وإنما نفي عنهم الإيمان، لانتفاء ~~ذوق حقائقه، ونقص بعض واجباته، وهذا مبني على أن التصديق القائم بالقلوب ~~متفاضل # PageV01P113 # وهذا هو الصحيح، وهو أصح الروايتين عن أحمد، فإن إيمان الصديقين الذين ~~يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة، بحيث لا يقبل التشكيك ولا ~~الارتياب، ليس كإيمان غيرهم ممن لم يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شكك لدخله ~~الشك. ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم مرتبة الإحسان أن يعبد العبد ربه ~~كأنه يراه، وهذا لا يحصل لعموم المؤمنين، ومن هنا قال بعضهم: ما سبقكم أبو ~~بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره. وسئل ابن عمر: هل كانت ~~الصحابة يضحكون؟ فقال: نعم والإيمان في قلوبهم أمثال الجبال. فأين هذا ممن ~~الإيمان في قلبه ما يزن ذرة أو شعيرة؟ ! كالذين يخرجون من أهل التوحيد من ~~النار، فهؤلاء ms038 يصح أن يقال: لم يدخل الإيمان في قلوبهم لضعفه عندهم. وهذه ~~المسائل - أعني مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق - مسائل عظيمة جدا، ~~فإن الله علق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار، ~~والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج ~~للصحابة، حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة ~~الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم ~~حدث بعدهم خلاف المعتزلة وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، ثم حدث خلاف ~~المرجئة، وقولهم: إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان # PageV01P114 # وقد صنف العلماء قديما وحديثا في هذه المسائل تصانيف متعددة، وممن صنف في ~~الإيمان من أئمة السلف: الإمام أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو بكر ~~بن أبي شيبة، ومحمد بن أسلم الطوسي. وكثرت فيه التصانيف بعدهم # PageV01P115 # من جميع الطوائف، وقد ذكرنا هاهنا نكتة جامعة لأصول كثيرة من هذه المسائل ~~والاختلاف فيها، وفيه - إن شاء الله - كفاية. فصل قد تقدم أن الأعمال تدخل ~~في مسمى الإسلام ومسمى الإيمان أيضا، وذكرنا ما يدخل في ذلك من أعمال ~~الجوارح الظاهرة، ويدخل في مسماها أيضا أعمال الجوارح الباطنة. فيدخل في ~~أعمال الإسلام إخلاص الدين لله، والنصح له ولعباده، وسلامة القلب لهم من ~~الغش والحسد والحقد، وتوابع ذلك من أنواع الأذى. ويدخل في مسمى الإيمان وجل ~~القلوب من ذكر الله، وخشوعها عند سماع ذكره وكتابه، وزيادة الإيمان بذلك، ~~وتحقيق التوكل على الله، وخوف الله سرا وعلانية، والرضا بالله ربا، ~~وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، واختيار تلف النفوس ~~بأعظم أنواع الآلام على الكفر، واستشعار قرب الله من العبد، ودوام ~~استحضاره، وإيثار محبة الله ورسوله على محبة ما سواهما، والحب في الله ~~والبغض فيه، والعطاء، له والمنع له، وأن يكون جميع الحركات والسكنات له، ~~وسماحة النفوس بالطاعة المالية والبدنية، والاستبشار بعمل الحسنات، والفرح ~~بها، والمساءة بعمل السيئات والحزن عليها، وإيثار المؤمنين لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على أنفسهم وأموالهم، وكثرة الحياء، وحسن الخلق، ومحبة ما ~~يحبه لنفسه لإخوانه المؤمنين، ومواساة ms039 المؤمنين، خصوصا الجيران، ومعاضدة ~~المؤمنين، ومناصرتهم، والحزن بما يحزنهم. ولنذكر بعض النصوص الواردة بذلك: ~~فأما ما ورد في دخوله في اسم الإسلام، ففي " مسند الإمام أحمد " # PageV01P116 # و " النسائي "، «عن معاوية بن حيدة، قال: قلت: يا رسول الله، بالذي بعثك ~~بالحق، ما الذي بعثك الله به؟ قال: الإسلام قلت: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم ~~قلبك لله، وأن توجه وجهك إلى الله، وتصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة ~~المفروضة، وفي رواية له: قلت: وما آية الإسلام؟ فقال: أن تقول أسلمت وجهي ~~لله، وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وكل المسلم على المسلم حرام» . ~~وفي السنن، عن جبير بن مطعم، عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قال: في ~~خطبته بالخيف من منى: ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ~~ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، ~~فأخبر أن هذه الثلاث الخصال تنفي الغل، عن قلب المسلم» . وفي " الصحيحين "، ~~عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «سئل: أي المسلمين أفضل؟ ~~قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده» . # PageV01P117 # وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال «المسلم أخو المسلم، فلا يظلمه، ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ ~~من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، ~~وعرضه» . وأما ما ورد في دخوله في اسم الإيمان، فمثل قوله: {إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ~~ربهم يتوكلون - الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون - أولئك هم ~~المؤمنون حقا} [الأنفال: 2 - 4] (الأنفال: 2 - 3) وقوله: {ألم يأن للذين ~~آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا ~~الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم} [الحديد: 16] (الحديد: 16) . ~~وقوله {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 122] ، وقوله {وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23] (المائدة: 23) ، وقوله {وخافون إن ~~كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175] (آل عمران: 175) . وفي " صحيح مسلم " عن ms040 ~~العباس بن عبد المطلب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذاق طعم الإيمان ~~من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا» . والرضا بربوبية الله ~~تتضمن الرضا بعبادته وحده لا شريك له، وبالرضا بتدبيره للعبد واختياره له. ~~والرضا بالإسلام دينا يتضمن اختياره على سائر الأديان. والرضا بمحمد رسولا ~~يتضمن الرضا بجميع ما جاء به من عند الله، وقبول ذلك بالتسليم والانشراح ~~كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى # PageV01P118 # يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} [النساء: 65] (النساء: 65) . وفي " الصحيحين " عن أنس، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان ~~الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره ~~أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» . وفي ~~رواية: وجد بهن حلاوة طعم الإيمان. وفي بعض الروايات طعم الإيمان وحلاوته. ~~وفي " الصحيحين " عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم ~~حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده والناس أجمعين، وفي رواية من أهله ~~وماله، والناس أجمعين» . وفي " مسند الإمام أحمد " «عن أبي رزين العقيلي ~~قال: قلت يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما ~~سواهما، وأن تحترق في النار أحب إليك من أن تشرك بالله، وأن تحب غير ذي نسب ~~لا تحبه إلا لله، فإذا كنت كذلك، فقد دخل حب الإيمان في قلبك، كما دخل حب ~~الماء للظمآن في اليوم القائظ. قلت: يا رسول الله، كيف لي بأن أعلم أني ~~مؤمن؟ قال: # PageV01P119 # ما من أمتي - أو هذه الأمة - عبد يعمل حسنة فيعلم أنها حسنة، وأن الله عز ~~وجل مجازيه بها خيرا، ولا يعمل سيئة فيعلم أنها سيئة، ويستغفر الله منها، ~~ويعلم أنه لا يغفرها إلا هو، إلا ms041 وهو مؤمن» . وفي " المسند " وغيره عن عمر ~~بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سرته حسنته وساءته سيئته ~~فهو مؤمن» . وفي " مسند بقي بن مخلد " عن رجل سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «صريح الإيمان إذا أسأت، أو ظلمت أحدا: عبدك أو أمتك، أو أحدا من ~~الناس، صمت أو تصدقت، وإذا أحسنت استبشرت» . وفي " مسند الإمام أحمد " عن ~~أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمنون في الدنيا على ثلاثة ~~أجزاء: الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله، والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، ثم الذي إذا أشرف ~~على طمع، تركه لله عز وجل» # PageV01P120 # وفيه أيضا «عن عمرو بن عبسة، قال: قلت: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: ~~طيب الكلام، وإطعام الطعام. فقلت: ما الإيمان؟ قال: الصبر والسماحة. قلت: ~~أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. قلت: أي الإيمان ~~أفضل؟ قال: خلق حسن» . وقد فسر الحسن البصري الصبر والسماحة، فقال هو الصبر ~~عن محارم الله، والسماحة بأداء فرائض الله عز وجل. وفي " الترمذي وغيره " ~~عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم ~~خلقا» ، وخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة. وخرجه البزار في " مسنده ~~" من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«ثلاث من فعلهن، فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده بأنه لا إله إلا ~~هو، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام» ، وذكر الحديث، وفي آخره: ~~«فقال رجل: وما تزكية المرء نفسه يا رسول الله؟ قال: أن يعلم أن # PageV01P121 # الله معه حيث كان» وخرج أبو داود أول الحديث دون آخره. وخرج الطبراني من ~~حديث عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أفضل الإيمان ~~أن تعلم أن الله معك حيث كنت» . وفي " الصحيحين " عن عبد الله بن عمر، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms042 قال: «الحياء من الإيمان» . وخرج الإمام أحمد، ~~وابن ماجه من حديث العرباض بن سارية، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إنما المؤمن كالجمل الأنف، حيثما قيد انقاد» . وقال الله عز وجل {إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] (الحجرات: 10) . وفي " ~~الصحيحين " عن النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل ~~المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه ~~عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. وفي رواية لمسلم: المؤمنون كرجل # PageV01P122 # واحد. وفي رواية أيضا: المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه، اشتكى كله، وإن ~~اشتكى رأسه اشتكى كله» . وفي " الصحيحين " عن أبي موسى، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه» . ~~وفي " مسند الإمام أحمد " عن سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان ~~كما يألم الجسد لما في الرأس» . وفي " سنن أبي داود " عن أبي هريرة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن مرآة المؤمن، المؤمن أخو المؤمن، ~~يكف عنه ضيعته، ويحوطه من ورائه» . وفي " الصحيحين " عن أنس، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» . وفي " ~~صحيح البخاري " عن أبي شريح الكعبي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من ذاك يا رسول ~~الله؟ ! قال: # PageV01P123 # من لا يأمن جاره بوائقه» . وخرج " الحاكم " من حديث ابن عباس، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع» . وخرج الإمام ~~أحمد والترمذي من حديث سهل بن معاذ الجهني، عن أبيه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من أعطى لله ومنع لله، وأحب لله وأبغض لله، زاد أحمد: ~~وأنكح لله فقد استكمل إيمانه» . وفي رواية للإمام أحمد: أنه «سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم، عن أفضل الإيمان، فقال: أن تحب ms043 لله وتبغض لله، وتعمل لسانك ~~في ذكر الله، فقال وماذا يا رسول الله؟ قال: أن تحب للناس ما تحب لنفسك، ~~وتكره لهم ما تكره لنفسك، وفي رواية له: وأن تقول خيرا أو تصمت» . وفي هذا ~~الحديث أن كثرة ذكر الله من أفضل الإيمان. وخرج أيضا من حديث عمرو بن ~~الجموح أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يستحق العبد صريح ~~الإيمان حتى يحب لله، ويبغض لله، فإذا أحب لله وأبغض لله، فقد استحق ~~الولاية من الله تعالى» . وخرج أيضا من حديث البراء بن عازب، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله» # PageV01P124 # وقال ابن عباس: أحب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله، ~~فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان - وإن كثرت صلاته ~~وصومه - حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك ~~لا يجدي على أهله شيئا. خرجه ابن جرير الطبري، ومحمد بن نصر المروزي. # فصل وأما الإحسان، فقد جاء ذكره في القرآن في مواضع، تارة مقرونا ~~بالإيمان، وتارة مقرونا بالإسلام، وتارة مقرونا بالتقوى، أو بالعمل. ~~فالمقرون بالإيمان كقوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا والله يحب المحسنين} [المائدة: 93] (المائدة: 93) . وكقوله تعالى: ~~{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} [الكهف: ~~30] (الكهف: 30) . والمقرون بالإسلام: كقوله تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله ~~وهو محسن فله أجره عند ربه} [البقرة: 112] (البقرة: 112) ، وكقوله تعالى: ~~{ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى} [لقمان: 22] ~~الآية (لقمان: 22) . والمقرون بالتقوى كقوله تعالى: {إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128] (النحل: 128) ، وقد يذكر مفردا كقوله ~~تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] (يونس: 26) ، وقد ثبت في " ~~صحيح مسلم " عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P125 # تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله ms044 عز وجل في الجنة، وهذا مناسب لجعله ~~جزاء لأهل الإحسان، لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه ~~الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ~~ذلك النظر إلى الله عيانا في الآخرة. وعكس هذا ما أخبر الله تعالى به عن ~~جزاء الكفار في الآخرة: {إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15] ~~(المطففين: 15) ، وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الران على ~~قلوبهم، حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن ~~حجبوا عن رؤيته في الآخرة. فقوله صلى الله عليه وسلم في تفسير الإحسان: أن ~~تعبد الله كأنك تراه إلخ يشير إلى أن العبد يعبد الله على هذه الصفة، وهي ~~استحضار قربه وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة ~~والتعظيم، كما جاء في رواية أبي هريرة: «أن تخشى الله كأنك تراه» . ويوجب ~~أيضا النصح في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها. وقد وصى ~~النبي جماعة من أصحابه بهذه الوصية، كما روى إبراهيم الهجري، عن أبي ~~الأحوص، «عن أبي ذر، قال أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أخشى الله ~~كأني أراه، فإن لم أكن أراه، فإنه يراني» . وروي «عن ابن عمر، قال: أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي، فقال: اعبد الله، كأنك تراه» خرجه ~~النسائي ويروى من حديث زيد بن أرقم مرفوعا # PageV01P126 # وموقوفا " «كن كأنك ترى الله، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» ". وخرج ~~الطبراني من حديث أنس «أن رجلا قال: يا رسول الله، حدثني بحديث، واجعله ~~موجزا، فقال: صل صلاة مودع، فإنك إن كنت لا تراه، فإنه يراك» . وفي حديث ~~حارثة المشهور - وقد روي من وجوه مرسلة، وروي متصلا، والمرسل أصح - «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا ~~حقا، قال: انظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة، قال: يا رسول الله، عزفت نفسي ~~عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ms045 ربي بارزا، وكأني ~~أنظر أهل الجنة في الجنة كيف يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار كيف ~~يتعاوون فيها. قال: أبصرت فالزم، عبد نور الله الإيمان في قلبه» # PageV01P127 # ويروى من حديث أبي أمامة أن «النبي صلى الله عليه وسلم وصى رجلا فقال له: ~~استحي من الله استحياءك من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك» . ويروى من ~~وجه آخر مرسلا. ويروى «عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم وصاه لما بعثه ~~إلى اليمن، فقال: استحي من الله كما تستحيي رجلا ذا هيبة من أهلك» . «وسئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن كشف العورة خاليا، فقال: الله أحق أن يستحيا ~~منه» . ووصى أبو الدرداء رجلا، فقال له: اعبد الله كأنك تراه. وخطب عروة بن ~~الزبير إلى ابن عمر ابنته وهما في الطواف، فلم يجبه، ثم لقيه بعد ذلك، ~~فاعتذر إليه، وقال كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا. أخرجه أبو نعيم ~~وغيره. قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . قيل: إنه ~~تعليل للأول، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله في العبادة، # PageV01P128 # واستحضار قربه من عبده، حتى كأن العبد يراه، فإنه قد يشق ذلك عليه، ~~فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه، ويطلع على سره وعلانيته وباطنه ~~وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره، فإذا حقق هذا المقام، سهل عليه ~~الانتقال إلى المقام الثاني، وهو دوام التحديق بالبصيرة إلى قرب الله من ~~عبده ومعيته، حتى كأنه يراه. وقيل: بل هو إشارة إلى أن من شق عليه أن يعبد ~~الله كأنه يراه، فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه، فليستحي من نظره ~~إليه، كما قال بعض العارفين: اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك. وقال ~~بعضهم: خف الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك. قالت بعض ~~العارفات من السلف: من عمل لله على المشاهدة، فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة ~~الله إياه، فهو مخلص. فأشارت إلى المقامين اللذين تقدم ذكرهما. أحدهما: ~~مقام الإخلاص، وهو ms046 أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه، واطلاعه ~~عليه وقربه منه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه، فهو مخلص لله، ~~لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله وإرادته بالعمل. ~~والثاني: مقام المشاهدة، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله بقلبه، ~~وهو أن يتنور القلب بالإيمان، وتنفذ البصيرة في العرفان، حتى يصير الغيب ~~كالعيان. وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل عليه ~~السلام، ويتفاوت أهل هذا المقام فيه بحسب قوة نفوذ البصائر. # PageV01P129 # وقد فسر طائفة من العلماء المثل الأعلى المذكور في قوله عز وجل {وله ~~المثل الأعلى في السماوات والأرض} [الروم: 27] (الروم: 27) بهذا المعنى، ~~ومثله قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} ~~[النور: 35] (النور: 35) ، والمراد: مثل نوره في قلب المؤمن، كذا قال أبي ~~بن كعب وغيره من السلف. وقد سبق حديث " «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك ~~حيث كنت» " وحديث: «ما تزكية المرء نفسه؟ ، قال: " أن يعلم أن الله معه حيث ~~كان» ". وخرج الطبراني من حديث أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ثلاثة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل حيث توجه علم أن الله معه» ~~، وذكر الحديث. وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة، كقوله ~~تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: ~~186] (البقرة: 186) وقوله تعالى {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4] وقوله: ~~{ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ~~ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} [المجادلة: 7] (المجادلة: 7) ~~وقوله: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا ~~عليكم شهودا إذ تفيضون فيه} [يونس: 61] (يونس: 61) وقوله: {ونحن أقرب إليه ~~من حبل الوريد} [ق: 16] (ق: 16) . وقوله: {ولا يستخفون من الله وهو معهم} ~~[النساء: 108] (النساء: 108) . وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالندب إلى ~~استحضار هذا القرب في حال ms047 العبادات، كقوله صلى الله عليه وسلم «إن أحدكم ~~إذا قام يصلي، فإنما يناجي ربه، أو ربه بينه # PageV01P130 # وبين القبلة، وقوله: إن الله قبل وجهه إذا صلى وقوله: إن الله ينصب وجهه ~~لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت» . «وقوله للذين رفعوا أصواتهم بالذكر: ~~إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا» ، وفي رواية: «وهو ~~أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» ، وفي رواية: «هو أقرب إلى أحدكم من حبل ~~الوريد» . وقوله: «يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي إذا ذكرني، وتحركت بي ~~شفتاه» . وقوله: «يقول الله عز وجل: أنا مع ظن عبدي بي، وأنا معه حيث ~~ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ، ذكرته في ملإ ~~خير منه، وإن تقرب مني شبرا، تقربت منه ذراعا، وإن تقرب منى ذراعا، تقربت ~~منه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» . ومن فهم من شيء من هذه النصوص ~~تشبيها أو حلولا أو اتحادا، فإنما أتي # PageV01P131 # من جهله، وسوء فهمه عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله ~~بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال بكر ~~المزني: من مثلك يا ابن آدم: خلي بينك وبين المحراب والماء كلما شئت دخلت ~~على الله عز وجل، ليس بينك وبينه ترجمان. ومن وصل إلى استحضار هذا في حال ~~ذكره الله وعبادته، استأنس بالله، واستوحش من خلقه ضرورة. قال ثور بن يزيد: ~~قرأت في بعض الكتب أن عيسى عليه السلام قال: يا معشر الحواريين، كلموا الله ~~كثيرا، وكلموا الناس قليلا قالوا: كيف نكلم الله كثيرا؟ قال: ادخلوا ~~بمناجاته، اخلوا بدعائه. خرجه أبو نعيم. وخرج أيضا بإسناده عن رياح، قال: ~~كان عندنا رجل يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، حتى أقعد من رجليه، فكان يصلي ~~جالسا ألف ركعة، فإذا صلى العصر، احتبى فاستقبل القبلة، ويقول: عجبت ~~للخليقة كيف أنست بسواك، بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك. ~~وقال أبو أسامة: دخلت على محمد بن النضر الحارثي، ms048 فرأيته كأنه منقبض، فقلت: ~~كأنك تكره أن تؤتى؟ قال أجل، فقلت: أوما تستوحش؟ فقال كيف أستوحش وهو يقول: ~~أنا جليس من ذكرني # PageV01P132 # وقيل لمالك بن مغول وهو جالس في بيته وحده: ألا تستوحش؟ فقال: ويستوحش مع ~~الله أحد؟ . وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول: من لم تقر عينه بك، ~~فلا قرت عينه، ومن لم يأنس بك، فلا أنس. وقال غزوان: إني أصبت راحة قلبي في ~~مجالسة من لديه حاجتي. وقال مسلم بن يسار: ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة ~~بمناجاة الله عز وجل. وقال مسلم العابد: لولا الجماعة، ما خرجت من بابي ~~أبدا حتى أموت، وقال: ما يجد المطيعون لله لذة في الدنيا أحلى من الخلوة ~~بمناجاة سيدهم، ولا أحسب لهم في الآخرة من عظيم الثواب أكبر في صدورهم وألذ ~~في قلوبهم من النظر إليه، ثم غشي عليه. وعن إبراهيم بن أدهم، قال: أعلى ~~الدرجات أن تنقطع إلى ربك، وتستأنس إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك حتى لا ~~ترجو إلا ربك ولا تخاف إلا ذنبك، وترسخ محبته في قلبك حتى لا تؤثر عليها ~~شيئا، فإذا كنت كذلك لم تبال في بر كنت، أو في بحر، أو في سهل، أو في جبل، ~~وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد، وشوق الجائع إلى ~~الطعام الطيب، ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل وأحلى من الماء العذب ~~الصافي عند العطشان في اليوم الصائف. # PageV01P133 # وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس، وكان الله جليسه. وقال أبو ~~سليمان لا آنسني الله إلا به أبدا. وقال معروف لرجل: توكل على الله حتى ~~يكون جليسك، وأنيسك وموضع شكواك. وقال ذو النون: من علامة المحبين لله أن ~~لا يأنسوا بسواه، ولا يستوحشوا معه، ثم قال: إذا سكن القلب حب الله تعالى، ~~أنس بالله، لأن الله تعالى أجل في صدور العارفين أن يحبوا سواه. وكلام ~~القوم في هذا الباب يطول ذكره جدا، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى. ~~فمن تأمل ما أشرنا إليه مما دل ms049 عليه هذا الحديث العظيم علم أن جميع العلوم ~~والمعارف ترجع إلى هذا الحديث وتدخل تحته، وأن جميع العلماء من فرق هذه ~~الأمة لا تخرج علومهم التي يتكلمون فيها عن هذا الحديث، وما دل عليه مجملا ~~ومفصلا فإن الفقهاء إنما يتكلمون في العبادات التي هي من جملة خصال ~~الإسلام، ويضيفون إلى ذلك الكلام في أحكام الأموال والأبضاع والدماء وكل ~~ذلك من علم الإسلام كما سبق التنبيه عليه، ويبقى كثير من علم الإسلام من ~~الآداب والأخلاق وغير ذلك لا يتكلم عليه إلا القليل منهم، ولا يتكلمون على ~~معنى الشهادتين، وهما أصل الإسلام كله. والذين يتكلمون في أصول الديانات، ~~يتكلمون على الشهادتين، وعلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ~~واليوم الآخر، والإيمان بالقدر. # PageV01P134 # والذين يتكلمون على علم المعارف والمعاملات يتكلمون على مقام الإحسان، ~~وعلى الأعمال الباطنة التي تدخل في الإيمان أيضا، كالخشية، والمحبة، ~~والتوكل، والرضا، والصبر، ونحو ذلك فانحصرت العلوم الشرعية التي يتكلم ~~عليها فرق المسلمين في هذا الحديث، ورجعت كلها إليه، ففي هذا الحديث وحده ~~كفاية، ولله الحمد والمنة. # وبقي الكلام على ذكر الساعة من الحديث. فقول جبريل عليه السلام «أخبرني ~~عن الساعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما المسئول عنها بأعلم من ~~السائل» يعني أن علم الخلق كلهم في وقت الساعة سواء، وهذه إشارة إلى أن ~~الله تعالى استأثر بعلمها، ولهذا في حديث أبي هريرة: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في «خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى ثم تلا: {إن الله عنده علم ~~الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما ~~تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} [لقمان: 34] (لقمان: 34) ، وقال ~~الله عز وجل {يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة} ~~[الأعراف: 187] (الأعراف: 187) » . وفي " صحيح البخاري "، عن ابن عمر، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، ثم ~~قرأ هذه ms050 الآية: {إن الله عنده علم الساعة} [لقمان: 34] الآية» . وخرجه ~~الإمام أحمد، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوتيت مفاتيح كل شيء # PageV01P135 # إلا الخمس: {إن الله عنده علم الساعة} [لقمان: 34] الآية» . وخرج أيضا ~~بإسناده عن ابن مسعود، قال: أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء ~~غير خمس {إن الله عنده علم الساعة} [لقمان: 34] الآية. قوله: «فأخبرني عن ~~أماراتها» . يعني: عن علاماتها التي تدل على اقترابها، وفي حديث أبي هريرة ~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سأحدثك عن أشراطها،» وهي علاماتها أيضا. ~~وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للساعة علامتين: الأولى: " «أن تلد الأمة ~~ربتها» " والمراد بربتها سيدتها ومالكتها، وفي حديث أبي هريرة " ربها " ~~وهذه إشارة إلى فتح البلاد، وكثرة جلب الرقيق حتى تكثر السراري، ويكثر ~~أولادهن، فتكون الأمة رقيقة لسيدها وأولاده منها بمنزلته، فإن ولد السيد ~~بمنزلة السيد، فيصير ولد الأمة بمنزلة ربها وسيدها. وذكر الخطابي أنه استدل ~~بذلك من يقول: إن أم الولد إنما تعتق على ولدها من نصيبه من ميراث والده، ~~وإنها تنتقل إلى أولادها بالميراث، فتعتق عليهم وإنها قبل موت سيدها تباع، ~~قال: وفي هذا الاستدلال نظر. قلت: قد استدل به بعضهم على عكس ذلك، وأن أم ~~الولد لا تباع وأنها تعتق بموت سيدها بكل حال؛ لأنه جعل ولد الأمة ربها، ~~فكأن ولدها هو الذي أعتقها فصار عتقها منسوبا إليه، لأنه سبب عتقها، فصار ~~كأنه مولاها. وهذا كما روي عن «النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أم ~~ولده مارية لما ولدت إبراهيم عليه # PageV01P136 # السلام " أعتقها ولدها» ". وقد استدل بهذا الإمام أحمد، فإنه قال في ~~رواية محمد بن الحكم عنه: «تلد الأمة ربتها» : تكثر أمهات الأولاد، يقول: ~~إذا ولدت فقد عتقت لولدها وقال: فيه حجة أن أمهات الأولاد لا يبعن. وقد فسر ~~قوله: " تلد الأمة ربتها " بأنه يكثر جلب الرقيق، حتى تجلب البنت، فتعتق ثم ~~تجلب الأم فتشتريها البنت وتستخدمها وهي جاهلة بأنها أمها، وقد وقع هذا في ~~الإسلام. وقيل: معناه ms051 أن الإماء تلدن الملوك، وقال وكيع: معناه تلد العجم ~~العرب، والعرب ملوك العجم وأرباب لهم. والعلامة الثانية: " «أن ترى الحفاة ~~العراة العالة» ". والمراد بالعالة: الفقراء، كقوله تعالى: {ووجدك عائلا ~~فأغنى} [الضحى: 8] (الضحى: 8) . وقوله: " «رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» ~~" هكذا في حديث عمر، والمراد: أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر ~~أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه. وفي حديث أبي هريرة ذكر ~~ثلاث علامات: منها: أن تكون الحفاة العراة رؤوس الناس، ومنها أن يتطاول ~~رعاة البهم في البنيان. وروى هذا الحديث عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن ~~بريدة فقال فيه: # PageV01P137 # " «وأن ترى الصم البكم العمي الحفاة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ملوك ~~الناس " قال: فقام رجل، فانطلق، فقلنا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين نعت؟ ~~قال: " هم العريب» " وكذا روى هذه اللفظة الأخيرة علي بن زيد، عن يحيى بن ~~يعمر، عن ابن عمر. وأما الألفاظ الأول، فهي في الصحيح من حديث أبي هريرة ~~بمعناه. وقوله: " الصم البكم العمي " إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم وفهمهم. ~~وفي هذا المعنى أحاديث متعددة، فخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث حذيفة،، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس ~~بالدنيا لكع بن لكع» . وفي " صحيح ابن حبان " عن أنس،، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لا تنقضي الدنيا حتى تكون عند لكع بن لكع» . # PageV01P138 # وخرج الطبراني من حديث أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ~~تقوم الساعة حتى يغلب على الدنيا لكع بن لكع» . وخرج الإمام أحمد والطبراني ~~من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بين يدي الساعة سنون ~~خداعة، يتهم فيها الأمين، ويؤتمن فيها المتهم، وينطق فيها الرويبضة، قالوا: ~~وما الرويبضة؟ قال: السفيه ينطق في أمر العامة» . وفي رواية: " «الفاسق ~~يتكلم في أمر العامة» " وفي رواية الإمام أحمد " «إن بين يدي الدجال سنين ~~خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن ~~فيها الخائن» ، وذكر باقيه. ومضمون ما ms052 ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث ~~يرجع إلى أن الأمور توسد إلى غير أهلها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~لمن سأله، عن الساعة: " «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» "، ~~فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء - وهم أهل الجهل والجفاء - رؤوس ~~الناس، وأصحاب الثروة والأموال، حتى يتطاولوا في البنيان، فإنه يفسد بذلك ~~نظام الدين والدنيا، فإنه إذا كان رأس الناس من كان فقيرا عائلا، فصار ملكا ~~على الناس، سواء كان ملكه عاما أو خاصا في بعض الأشياء، فإنه لا يكاد يعطي ~~الناس حقوقهم، بل يستأثر عليهم بما استولى عليه من المال، فقد قال بعض ~~السلف: لأن تمد يدك إلى فم التنين، فيقضمها، # PageV01P139 # خير لك من أن تمدها إلى يد غني قد عالج الفقر. وإذا كان مع هذا جاهلا ~~جافيا، فسد بذلك الدين، لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا ~~تعليمهم، بل همته في جباية المال واكتنازه، ولا يبالي بما فسد من دين ~~الناس، ولا بمن ضاع من أهل حاجاتهم. وقال في حديث آخر " «لا تقوم الساعة ~~حتى يسود كل قبيلة منافقوها» ". وإذا صار ملوك الناس ورؤوسهم على هذه الحال ~~انعكست سائر الأحوال، فصدق الكاذب، وكذب الصادق، وائتمن الخائن، وخون ~~الأمين، وتكلم الجاهل، وسكت العالم، أو عدم بالكلية، كما صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ~~وأخبر: أنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا ~~جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا.» وقال الشعبي: لا تقوم ~~الساعة حتى يصير العلم جهلا، والجهل علما. وهذا كله من انقلاب الحقائق في ~~آخر الزمان وانعكاس الأمور. وفي " صحيح الحاكم " عن عبد الله بن عمرو ~~مرفوعا: " «إن من أشراط # PageV01P140 # الساعة أن يوضع الأخيار، ويرفع الأشرار» ". وفي قوله: " يتطاولون في ~~البنيان " دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصا بالتطاول في البنيان، ولم ~~يكن إطالة البناء معروفا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ms053 وأصحابه، بل كان ~~بنيانهم قصيرا بقدر الحاجة، روى أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة، حتى يتطاول الناس في ~~البنيان» خرجه البخاري. وخرج أبو داود من حديث أنس «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خرج فرأى قبة مشرفة، فقال " ما هذه "؟ قالوا: هذه لفلان، رجل من ~~الأنصار، فجاء صاحبها، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه، ~~فعل ذلك مرارا، فهدمها الرجل.» وخرجه الطبراني من وجه آخر عن أنس أيضا، ~~وعنده فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بناء - وأشار بيده هكذا على رأسه ~~- أكثر من هذا، فهو وبال.» وقال حريث بن السائب عن الحسن: كنت أدخل بيوت ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان رضي الله عنه فأتناول سقفها ~~بيدي. وروي عن عمر أنه كتب: لا تطيلوا بناءكم فإنه شر أيامكم. وقال يزيد بن ~~أبي زياد: قال حذيفة لسلمان: ألا نبني لك مسكنا يا أبا عبد الله، قال: لم ~~تجعلني ملكا؟ قال: لا، ولكن نبني لك بيتا من قصب ونسقفه بالبواري، إذا قمت ~~كاد أن يصيب رأسك، وإذا نمت كاد أن يمس طرفيك، قال: كأنك كنت في نفسي # PageV01P141 # وعن عمار بن أبي عمار قال: إذا رفع الرجل بناءه فوق سبعة أذرع، نودي يا ~~أفسق الفاسقين، إلى أين؟ . خرجه كله ابن أبي الدنيا. وقال يعقوب بن أبي ~~شيبة في " مسنده ": بلغني عن ابن أبي عائشة حدثنا ابن أبي شميلة قال: نزل ~~المسلمون حول المسجد: يعني بالبصرة في أخبية الشعر، ففشا فيهم السرق، ~~فكتبوا إلى عمر، فأذن لهم في اليراع، فبنوا بالقصب، ففشا فيهم الحريق، ~~فكتبوا إلى عمر، فأذن لهم في المدر، ونهى أن يرفع الرجل سمكه أكثر من سبعة ~~أذرع، وقال: إذا بنيتم منه بيوتكم فابنوا منه المسجد قال ابن أبي عائشة: ~~وكان عتبة بن غزوان بنى مسجد البصرة بالقصب، قال: من صلى فيه وهو من قصب ~~أفضل ممن صلى فيه وهو من لبن، ومن ms054 صلى فيه وهو من لبن، أفضل ممن صلى فيه ~~وهو من آجر. وخرج ابن ماجه من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» . ومن حديث ابن عباس، «عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: أراكم ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود ~~كنائسها، وكما شرفت النصارى بيعها.» وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ~~إسماعيل بن مسلم، عن الحسن رضي الله # PageV01P142 # عنه، قال: «لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، قال: ابنوه ~~عريشا كعريش موسى. قيل للحسن: وما عريش موسى؟ قال إذا رفع يده بلغ العريش: ~~يعني السقف» . # PageV01P143 ### | [الحديث الثالث بني الإسلام على خمس] # PageV01P143 # الحديث الثالث عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنهما قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بني الإسلام على خمس: ~~شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء ~~الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان،» رواه البخاري ومسلم. #  هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين " ~~من رواية عكرمة بن خالد، عن ابن عمر، وخرجه مسلم من طريقين آخرين، عن ابن ~~عمر، وله طرق أخرى عنه. وقد روي هذا الحديث من رواية جرير بن عبد الله ~~البجلي، عن النبي صلى الله عليه وسلم وخرج حديثه الإمام أحمد. وقد سبق في ~~الحديث الذي قبله ذكر الإسلام. # PageV01P144 # والمراد من هذا الحديث أن الإسلام مبني على هذه الخمس، فهي كالأركان ~~والدعائم لبنيانه، وقد خرجه محمد بن نصر المروزي في " كتاب الصلاة " ولفظه: ~~«بني الإسلام على خمس دعائم» فذكره. والمقصود تمثيل الإسلام ببنيانه ودعائم ~~البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كتتمة ~~البنيان، فإذا فقد منها شيء، نقص البنيان وهو قائم لا ينتقض بنقص ذلك، ~~بخلاف نقض هذه الدعائم الخمس؛ فإن الإسلام يزول بفقدها جميعا بغير إشكال، ~~وكذلك يزول بفقد الشهادتين، والمراد بالشهادتين الإيمان بالله ورسوله. وقد ~~جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقا: " «بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ms055 ~~ورسوله» " وذكر بقية الحديث. وفي رواية لمسلم: " «على خمس: على أن يوحد ~~الله» " وفي رواية له: " «على أن يعبد الله ويكفر بما دونه» ". وبهذا يعلم ~~أن الإيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام كما سبق تقريره في الحديث ~~الماضي. وأما إقام الصلاة، فقد وردت أحاديث متعددة تدل على أن من تركها، ~~فقد خرج من الإسلام، ففي " صحيح مسلم " عن جابر، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» ، وروي مثله من حديث ~~بريدة # PageV01P145 # وثوبان وأنس وغيرهم. وخرج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت،، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تترك الصلاة متعمدا، فمن تركها ~~متعمدا، فقد خرج من الملة» . وفي حديث معاذ عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة» فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي ~~لا يقوم الفسطاط إلا به ولا يثبت إلا به ولو سقط العمود لسقط الفسطاط ولم ~~يثبت بدونه وقال عمر: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وقال سعد # PageV01P146 # وعلي بن أبي طالب: من تركها، فقد كفر. وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر غير ~~الصلاة. وقال أيوب السختياني: ترك الصلاة كفر، لا يختلف فيه. وذهب إلى هذا ~~القول جماعة من السلف والخلف، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وحكى ~~إسحاق عليه إجماع أهل العلم! وقال محمد بن نصر المروزي: هو قول جمهور أهل ~~الحديث. وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمسة عمدا ~~أنه كافر بذلك وروي ذلك، عن سعيد بن جبير ونافع والحكم، وهو رواية عن أحمد ~~اختارها طائفة من أصحابه، وهو قول ابن حبيب من المالكية. وخرج الدارقطني ~~وغيره من حديث أبي هريرة قال: «قيل: يا رسول الله، الحج في كل عام؟ قال: لو ~~قلت: نعم، لوجب عليكم ولو وجب عليكم، ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم» . # PageV01P147 # وخرج الالكائي من طريق مؤمل، ms056 قال: حدثنا حماد بن زيد بن عمرو بن مالك ~~النكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، ولا أحسبه إلا رفعه قال: «عرى ~~الإسلام، وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، ~~والصلاة، وصوم رمضان. من ترك منهن واحدة، فهو بها كافر، حلال الدم، وتجده ~~كثير المال لم يحج فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل بذلك دمه، وتجده كثير المال ~~فلا يزكي، فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل دمه» ورواه قتيبة بن سعيد عن حماد ~~بن زيد موقوفا مختصرا، ورواه سعيد بن زيد أخو حماد، عن عمرو بن مالك بهذا ~~الإسناد مرفوعا، وقال: «ومن ترك منهن واحدة، فهو بالله كافر، ولا يقبل منه ~~صرف ولا عدل، وقد حل دمه وماله» ولم يذكر ما بعده. وقد روي عن عمر ضرب ~~الجزية على من لم يحج، وقال: ليسوا بمسلمين. وعن ابن مسعود أن تارك الزكاة ~~ليس بمسلم، وعن أحمد رواية: أن ترك الصلاة والزكاة خاصة كفر دون الصيام ~~والحج. وقال ابن عيينة: المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب ~~المحارم، وليس سواء، لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال معصية، وترك ~~الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر. وبيان ذلك في أمر إبليس وعلماء اليهود ~~الذين أقروا بنعت النبي صلى الله عليه وسلم بلسانهم، ولم يعملوا بشرائعه. # PageV01P148 # وقد استدل أحمد وإسحاق على كفر تارك الصلاة بكفر إبليس بترك السجود لآدم، ~~وترك السجود لله أعظم. وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل إبليس يبكي ويقول: يا ~~ويلي أمر ابن آدم بالسجود، فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي ~~النار.» واعلم أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض، وقد روي أنه لا يقبل ~~بعضها بدون بعض كما في " مسند الإمام أحمد " عن زياد بن نعيم الحضرمي، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أربع فرضهن الله في الإسلام فمن أتى ~~بثلاث لم يغنين عنه شيئا حتى ms057 يأتي بهن جميعا: الصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، ~~وحج البيت» وهذا مرسل، وقد روي عن زياد، عن عمارة بن حزم، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وروي عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن ابن عمر، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدين خمس لا يقبل الله منهن شيئا ~~دون شيء: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله، وبالجنة والنار، والحياة بعد الموت هذه واحدة، ~~والصلوات الخمس عمود الدين لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة، والزكاة طهور ~~من الذنوب، ولا يقبل الله الإيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة، فمن فعل هؤلاء، ~~ثم جاء رمضان فترك صيامه متعمدا # PageV01P149 # لم يقبل الله منه الإيمان، ولا الصلاة، ولا الزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع ~~ثم تيسر له الحج، فلم يحج، ولم يوص بحجة، ولم يحج عنه بعض أهله، لم يقبل ~~الله منه الأربع التي قبلها» ذكره ابن أبي حاتم وقال سألت أبي عنه فقال: ~~هذا حديث منكر يحتمل أن هذا من كلام عطاء الخرساني. قلت: الظاهر أنه من ~~تفسيره لحديث ابن عمر، وعطاء من أجلاء علماء الشام. وقال ابن مسعود: من لم ~~يزك، فلا صلاة له، ونفي القبول هنا لا يراد به نفي الصحة، ولا وجوب الإعادة ~~بتركه، وإنما يراد بذلك انتفاء الرضا به، ومدح عامله، والثناء بذلك عليه في ~~الملأ الأعلى، والمباهاة به للملائكة. فمن قام بهذه الأركان على وجهها، حصل ~~له القبول بهذا المعنى، ومن قام ببعضها دون بعض، لم يحصل له ذلك، وإن كان ~~لا يعاقب على ما أتى به منها عقوبة تاركه، بل تبرأ به ذمته، وقد يثاب عليه ~~أيضا. ومن هاهنا يعلم أن ارتكاب بعض المحرمات التي ينقص بها الإيمان تكون ~~مانعة من قبول بعض الطاعات، ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي ~~ذكرناه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر لم يقبل الله له ~~صلاة أربعين يوما» وقال: «من أتى عرافا فصدقه بما يقول، ms058 لم تقبل له صلاة ~~أربعين يوما» وقال: «أيما عبد أبق من مواليه، لم تقبل له صلاة.» # PageV01P150 # وحديث ابن عمر يستدل به على أن الاسم إذا شمل أشياء متعددة، لم يزل زوال ~~الاسم بزوال بعضها، فيبطل بذلك قول من قال: إن الإيمان لو دخلت فيه الأعمال ~~للزم أن يزول بزوال عمل مما دخل في مسماه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~جعل هذه الخمس دعائم الإسلام ومبانيه، وفسر بها الإسلام في حديث جبريل، وفي ~~حديث طلحة بن عبيد الله الذي فيه أن «أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الإسلام، ففسره له بهذه الخمس» . ومع هذا فالمخالفون في الإيمان يقولون: ~~لو زال من الإسلام خصلة واحدة، أو أربع خصال سوى الشهادتين، لم يخرج بذلك ~~من الإسلام. وقد روى بعضهم أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شرائع ~~الإسلام، لا عن الإسلام، وهذه اللفظة لم تصح عند أئمة الحديث ونقاده، منهم ~~أبو زرعة الرازي، ومسلم بن الحجاج، وأبو جعفر العقيلي وغيرهم. وقد ضرب ~~العلماء مثل الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشعب، فاسم الشجرة يشتمل على ~~ذلك كله، ولو زال شيء من شعبها وفروعها لم يزل عنه اسم الشجرة، وإنما يقال ~~هي شجرة ناقصة أو غيرها أتم منها. وقد ضرب الله مثل الإيمان بذلك في قوله ~~تعالى: {ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ~~تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم: 24] (إبراهيم: 24) . والمراد ~~بالكلمة كلمة التوحيد، وبأصلها التوحيد الثابت في القلوب، وأكلها: هو ~~الأعمال الصالحة الناشئة منه. وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن ~~والمسلم بالنخلة ولو زال شيء من فروع # PageV01P151 # النخلة، أو من ثمرها، لم يزل بذلك عنها اسم النخلة بالكلية، وإن كانت ~~ناقصة الفروع أو الثمر. ولم يذكر الجهاد في حديث ابن عمر هذا، مع أن الجهاد ~~أفضل الأعمال، وفي رواية «أن ابن عمر قيل له: فالجهاد؟ قال الجهاد حسن، ~~ولكن هكذا حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» . خرجه الإمام ms059 أحمد. وفي ~~حديث معاذ بن جبل «إن رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه ~~الجهاد» ، وذروة سنامه: أعلى شيء فيه، ولكنه ليس من دعائمه وأركانه التي ~~بني عليها، وذلك لوجهين: أحدهما: أن الجهاد فرض كفاية عند جمهور العلماء، ~~ليس بفرض عين بخلاف هذه الأركان. والثاني: أن الجهاد لا يستمر فعله إلى آخر ~~الدهر، بل إذا نزل عيسى عليه السلام، ولم يبق حينئذ ملة غير ملة الإسلام، ~~فحينئذ تضع الحرب أوزارها، ويستغني عن الجهاد بخلاف هذه الأركان، فإنها ~~واجبة على المؤمنين إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك، والله أعلم. # PageV01P152 ### | [الحديث الرابع إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة] # PageV01P152 # الحديث الرابع عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم ~~يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون ~~مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك، فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع ~~كلمات: بكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ~~ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة ~~فيدخلها» رواه البخاري ومسلم. #  هذا الحديث متفق على صحته، وتلقته ~~الأمة بالقبول، رواه الأعمش عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود، ومن طريقه خرجه ~~الشيخان في " صحيحيهما " وقد روي عن محمد بن زيد الأسفاطي، قال: رأيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم، فقلت: يا رسول الله، حديث ابن مسعود ~~الذي حدث عنك، فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق ~~المصدوق. فقال صلى الله عليه وسلم: " والذي لا إله غيره حدثته به أنا " ~~يقوله ثلاثا، ثم قال غفر الله للأعمش كما حدث به، وغفر الله # PageV01P153 # لمن ms060 حدث به قبل الأعمش، ولمن حدث به بعده. وقد روي عن ابن مسعود من وجوه ~~أخر. فقوله صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين ~~يوما نطفة» قد روي تفسيره عن ابن مسعود؛ روى الأعمش، عن خيثمة، عن ابن ~~مسعود قال: إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعرة وظفر، فتمكث ~~أربعين يوما، ثم تنحدر في الرحم، فتكون علقة. قال: فذلك جمعها. خرجه ابن ~~أبي حاتم وغيره. وروي تفسير الجمع مرفوعا بمعنى آخر، فخرج الطبراني وابن ~~منده في كتاب " التوحيد " من حديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن الله تعالى إذا أراد خلق عبد، فجامع الرجل المرأة، طار ماؤه ~~في كل عرق وعضو منها، فإذا كان يوم السابع جمعه الله، ثم أحضره في كل عرق ~~له دون آدم:» {في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 8] قال ابن منده: إسناده ~~متصل مشهور على رسم أبي عيسى والنسائي وغيرهما # PageV01P154 # وخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني من رواية مطهر بن الهيثم، عن ~~موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~لجده «يا فلان ما ولد لك؟ قال يا رسول الله، وما عسى أن يولد لي؟ إما غلام ~~وإما جارية، قال: فمن يشبه؟ قال من عسى أن يشبه؟ يشبه أمه أو أباه، قال: ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقولن كذا. إن النطفة إذا استقرت في ~~الرحم، أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت هذه الآية {في أي صورة ~~ما شاء ركبك} [الانفطار: 8] (الانفطار: 8) قال: سلكك» وهذا إسناد ضعيف ~~ومطهر بن الهيثم ضعيف جدا: وقال البخاري: هو حديث لم يصح وذكر بإسناده عن ~~موسى بن علي، عن أبيه أن أباه لم يسلم إلا في عهد أبي بكر الصديق يعني: أنه ~~لا صحبة له. ويشهد لهذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي قال له: ~~ولدت امرأتي غلاما أسود قال: «لعله ms061 نزعه عرق» . وقوله «ثم يكون علقة مثل ~~ذلك» يعني: أربعين يوما، والعلقة قطعة من دم. «ثم يكون مضغة مثل ذلك» يعني: ~~أربعين يوما. والمضغة: قطعة من لحم. «ثم يرسل الله إليه الملك، فينفخ فيه ~~الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.» فهذا ~~الحديث يدل على أنه يتقلب في مائة وعشرين يوما، في ثلاثة أطوار، في كل ~~أربعين يوما منها يكون في طور، فيكون في الأربعين الأولى نطفة، ثم في # PageV01P155 # الأربعين الثانية علقة، ثم في الأربعين الثالثة، مضغة ثم بعد المائة ~~وعشرين يوما ينفخ الملك فيه الروح، ويكتب له هذه الأربع الكلمات. وقد ذكر ~~الله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة تقلب الجنين في هذه الأطوار كقوله ~~تعالى: {ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من ~~نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما ~~نشاء إلى أجل مسمى} [الحج: 5] (الحج: 5) . وذكر هذه الأطوار الثلاثة: ~~النطفة والعلقة والمضغة في مواضع متعددة من القرآن، وفي مواضع أخر ذكر ~~زيادة عليها، فقال في سورة المؤمنون (12 - 14) {ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين - ثم جعلناه نطفة في قرار مكين - ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا ~~العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر ~~فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 12 - 14] . فهذه سبع تارات ذكرها ~~الله في هذه الآية لخلق ابن آدم قبل نفخ الروح فيه. وكان ابن عباس يقول: ~~خلق ابن آدم من سبع، ثم يتلو هذه الآية. وسئل عن العزل، فقرأ هذه الآية ثم ~~قال، فهل يخلق أحد حتى تجري فيه هذه الصفة؟ وفي رواية عنه قال: وهل تموت ~~نفس حتى تمر على هذا الخلق؟ . وروي عن رفاعة بن رافع قال: جلس إلي عمر وعلي ~~والزبير وسعد ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكروا العزل، ~~فقالوا لا بأس به، فقال رجل: إنهم يزعمون أنها الموءودة الصغرى فقال علي: ~~لا تكون ms062 موءودة حتى تمر على التارات السبع: تكون سلالة من طين، ثم تكون ~~نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظاما، ثم تكون لحما، ثم تكون ~~خلقا آخر، فقال عمر: صدقت أطال الله بقاءك. رواه الدارقطني في " المؤتلف ~~والمختلف ". # PageV01P156 # وقد رخص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها ما لم ينفخ فيه ~~الروح، وجعلوه كالعزل، وهو قول ضعيف؛ لأن الجنين ولد انعقد، وربما تصور وفي ~~العزل لم يوجد ولد بالكلية، وإنما تسبب إلى منع انعقاده، وقد لا يمتنع ~~انعقاده بالعزل إذا أراد الله خلقه، كما قال «النبي لما سئل عن العزل: قال: ~~لا عليكم أن لا تعزلوا إنه ليس من نفس منفوسة إلا أن الله خلقها» . وقد صرح ~~أصحابنا بأنه إذا صار الولد علقة، لم يجز للمرأة إسقاطه؛ لأنه ولد انعقد ~~بخلاف النطفة، فإنها لم تنعقد بعد، وقد لا تنعقد ولدا. وقد ورد في بعض ~~الروايات في حديث ابن مسعود ذكر العظام وأنه يكون عظما أربعين يوما، فخرج ~~الإمام أحمد من رواية علي بن زيد سمعت أبا عبيدة يحدث قال: قال عبد الله: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما ~~على حالها لا تغير، فإذا مضت الأربعون، صارت علقة، ثم مضغة كذلك، ثم عظاما ~~كذلك، فإذا أراد الله تعالى أن يسوي خلقه، بعث الله إليها ملكا،» وذكر بقية ~~الحديث. ويروى من حديث عاصم عن أبي وائل، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «إن النطفة إذا استقرت في الرحم، تكون أربعين ليلة نطفة، ~~ثم تكون علقة أربعين ليلة، ثم تكون عظاما أربعين ليلة، ثم يكسو الله العظام ~~لحما» . ورواية الإمام أحمد تدل على أن الجنين لا يكسى اللحم إلا بعد مائة ~~وستين # PageV01P157 # يوما، وهذا غلط بلا ريب، فإنه بعد مائة وعشرين يوما ينفخ فيه الروح بلا ~~ريب كما سيأتي ذكره، وعلي بن زيد: هو ابن جدعان لا يحتج به، وقد ورد في ~~حديث حذيفة بن أسيد ما ms063 يدل على خلق العظام واللحم في أول الأربعين الثانية، ~~ففي " صحيح مسلم " عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ~~مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها ~~وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما ~~شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم ~~يقول يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة ~~في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص» . وظاهر هذا الحديث يدل على أن تصوير ~~الجنين وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه يكون في أول الأربعين الثانية، ~~فيلزم من ذلك أن يكون في الأربعين الثانية لحما وعظاما. وقد تأول بعضهم ذلك ~~على أن الملك يقسم النطفة إذا صارت علقة إلى أجزاء، فيجعل بعضها للجلد، ~~وبعضها للحم، وبعضها للعظام، فيقدر ذلك كله قبل وجوده. وهذا خلاف ظاهر ~~الحديث، بل ظاهره أن يصورها ويخلق هذه الأجزاء كلها، وقد يكون خلق ذلك ~~بتصويره وتقسيمه قبل وجود اللحم والعظام، قد يكون هذا في بعض الأجنة دون ~~بعض. وحديث مالك بن الحويرث المتقدم يدل على أن التصوير يكون للنطفة أيضا ~~في اليوم السابع، وقد قال الله عز وجل {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج} ~~[الإنسان: 2] (الإنسان: 2) وفسر طائفة من السلف أمشاج النطفة بالعروق التي ~~فيها. قال ابن مسعود: أمشاجها: عروقها # PageV01P158 # وقد ذكر علماء الطب ما يوافق ذلك، وقالوا: إن المني إذا وقع في الرحم، ~~حصل له زبدية ورغوة ستة أيام أو سبعة، وفي هذه الأيام تصور النطفة من غير ~~استمداد من الرحم، ثم بعد ذلك تستمد منه، وابتداء الخطوط والنقط بعد هذا ~~بثلاثة أيام، وقد يتقدم يوما ويتأخر يوما، ثم بعد ستة أيام - وهو الخامس ~~عشر من وقت العلوق - ينفذ الدم إلى الجميع فيصير علقة، ثم تتميز الأعضاء ~~تميزا ظاهرا، ويتنحى بعضها عن ممارسة بعض، وتمتد رطوبة النخاع، ثم بعد تسعة ~~أيام ينفصل الرأس عن ms064 المنكبين والأطراف عن الأصابع تميزا يستبين في بعض، ~~ويخفى في بعض. قالوا: وأقل مدة يتصور الذكر فيها ثلاثون يوما، والزمان ~~المعتدل في تصوير الجنين خمسة وثلاثون يوما، وقد يتصور في خمسة وأربعين ~~يوما، قالوا: ولم يوجد في الأسقاط ذكر تم قبل ثلاثين يوما، ولا أنثى قبل ~~أربعين يوما، فهذا يوافق ما دل عليه حديث حذيفة بن أسيد في التخليق في ~~الأربعين الثانية، ومصيره لحما فيها أيضا. وقد حمل بعضهم حديث ابن مسعود ~~على أن الجنين يغلب عليه في الأربعين الأولى وصف المني، وفي الأربعين ~~الثانية وصف العلقة، وفي الأربعين الثالثة وصف المضغة، وإن كانت خلقته قد ~~تمت وتم تصويره، وليس في حديث ابن مسعود ذكر وقت تصوير الجنين. وقد روي عن ~~ابن مسعود نفسه ما يدل على أن تصويره قد يقع قبل الأربعين # PageV01P159 # الثالثة أيضا، فروى الشعبي عن علقمة، عن ابن مسعود قال: النطفة إذا ~~استقرت في الرحم جاءها ملك فأخذها بكفه، فقال: أي رب، مخلقة أم غير مخلقة؟ ~~فإن قيل: غير مخلقة، لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام، وإن قيل مخلقة، قال: أي ~~رب، أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد، ما الأجل وما الأثر؟ ، وبأي أرض تموت؟ قال: ~~فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فيقال: ~~اذهب إلى الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتخلق، فتعيش في ~~أجلها وتأكل في رزقها، وتطأ في أثرها، حتى إذا جاء أجلها، ماتت، فدفنت في ~~ذلك، ثم تلا الشعبي هذه الآية: {ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة} ~~[الحج: 5] (الحج: 5) . فإذا بلغت مضغة، نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة، ~~فإن كانت غير مخلقة، قذفتها الأرحام دما، وإن كانت مخلقة نكست نسمة. خرجه ~~ابن أبي حاتم وغيره. وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود أن لا تصوير قبل ~~ثمانين يوما، فروى السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، ms065 وعن مرة ~~الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله عز وجل: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} [آل عمران: 6] (آل ~~عمران: 6) قال: إذا وقعت النطفة في الأرحام، طارت في الجسد أربعين يوما، ثم ~~تكون علقة أربعين يوما، ثم تكون مضغة أربعين يوما، فإذا بلغ أن تخلق، بعث ~~الله ملكا يصورها، فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه، فيخلطه في المضغة، ثم ~~يعجنه بها، ثم يصورها كما يؤمر فيقول: أذكر أم أنثى؟ أشقي أو سعيد؟ وما ~~رزقه، وما عمره، وما أثره، وما مصائبه؟ فيقول الله تبارك وتعالى، ويكتب ~~الملك، فإذا مات ذلك الجسد، دفن حيث # PageV01P160 # أخذ ذلك التراب، خرجه ابن جرير الطبري في " تفسيره " ولكن السدي مختلف في ~~أمره، وكان الإمام أحمد ينكر عليه جمعه الأسانيد المتعددة للتفسير الواحد، ~~كما كان هو وغيره ينكرون على الواقدي جمعه الأسانيد المتعددة للحديث ~~الواحد. وقد أخذ طوائف من الفقهاء بظاهر هذه الرواية، وتأولوا حديث ابن ~~مسعود المرفوع عليها، وقالوا: أقل ما يتبين خلق الولد أحد وثمانون يوما، ~~لأنه لا يكون مضغة إلا في الأربعين الثالثة، ولا يتخلق قبل أن يكون مضغة. ~~وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي بناء على هذا الأصل: إنه لا تنقضي العدة، ولا ~~تعتق أم الولد إلا بالمضغة المخلقة، وأقل ما يمكن أن يتخلق ويتصور في أحد ~~وثمانين يوما. وقال أحمد في العلقة: هي دم لا يستبين فيها الخلق، فإن كانت ~~المضغة غير مخلقة، فهل تنقضي بها العدة، وتصير أم الولد بها مستولدة؟ على ~~قولين، هما روايتان عن أحمد، وإن لم يظهر فيها التخطيط، ولكن كان خفيا لا ~~يعرفه إلا أهل الخبرة من النساء، فشهدن بذلك، قبلت شهادتين، ولا فرق بين أن ~~يكون بعد تمام أربعة أشهر أو قبلها عند أكثر العلماء، ونص على ذلك الإمام ~~أحمد في رواية خلق من أصحابه، ونقل عنه ابنه صالح في الطفل يتبين خلقه. # PageV01P161 # قال الشعبي: إذا نكس في الخلق الرابع، كان مخلقا، انقضت به العدة، وعتقت ~~به الأمة، إذا ms066 كان لأربعة أشهر، وكذا نقل عنه حنبل: إذا أسقطت أم الولد، ~~فإن كان خلقة تامة عتقت، وانقضت به العدة إذا دخل في الخلق الرابع في أربعة ~~أشهر ينفخ فيه الروح، وهذا يخالف رواية الجماعة عنه، وقد قال أحمد في رواية ~~عنه: إذا تبين خلقه، ليس فيه اختلاف أنها تعتق بذلك إذا كانت أمة، ونقل عنه ~~أيضا جماعة في العلقة إذا تبين أنها ولد أن الأمة تعتق بها، وهو قول ~~النخعي، وحكى قولا للشافعي، ومن أصحابنا من طرد هذه الرواية عن أحمد في ~~انقضاء العدة به أيضا. وهذا كله مبني على أنه يمكن التخليق في العلقة كما ~~قد يستدل على ذلك بحديث حذيفة بن أسيد المتقدم إلا أن يقال: حديث حذيفة ~~إنما يدل على أنه يتخلق إذا صار لحما وعظما، وأن ذلك قد يقع في الأربعين ~~الثانية، لا في حال كونه علقة، وفي ذلك نظر، والله أعلم. وما ذكره الأطباء ~~يدل على أن العلقة تتخلق وتتخطط، وكذلك القوابل من النسوة يشهدن بذلك، ~~وحديث مالك بن الحويرث يشهد بالتصوير في حال كون الجنين نطفة أيضا، والله ~~تعالى أعلم. # وبقي في حديث ابن مسعود أن بعد مصيره مضغة أنه يبعث إليه الملك، فيكتب ~~الكلمات الأربع، وينفخ فيه الروح، وذلك كله بعد مائة وعشرين يوما. واختلفت ~~ألفاظ روايات هذا الحديث في ترتيب الكتابة والنفخ، ففي رواية البخاري في " ~~صحيحه " «ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، ثم ينفخ فيه الروح» ففي هذه ~~الرواية تصريح بتأخير نفخ الروح عن الكتابة، وفي رواية خرجها البيهقي في ~~كتاب " القدر " «ثم يبعث الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بأربع كلمات،» ~~وهذه الرواية تصرح بتقدم النفخ على الكتابة، فإما أن يكون # PageV01P162 # هذا من تصرف الرواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه، وإما أن يكون المراد ~~ترتيب الأخبار فقط لا ترتيب ما أخبر به. وبكل حال، فحديث ابن مسعود يدل على ~~تأخير نفخ الروح في الجنين وكتابة الملك لأمره إلى بعد أربعة أشهر حتى تتم ~~الأربعون الثالثة. فأما نفخ الروح، فقد روي صريحا ms067 عن الصحابة أنه إنما ينفخ ~~فيه الروح بعد أربعة أشهر، كما دل عليه ظاهر حديث ابن مسعود. فروى زيد بن ~~علي عن أبيه، عن علي، قال: إذا تمت النطفة أربعة أشهر بعث إليها ملك، فنفخ ~~فيها الروح في الظلمات، فذلك قوله تعالى: {ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون: ~~14] (المؤمنون: 14) ، خرجه ابن أبي حاتم، وإسناده منقطع. وخرج الالكائي ~~بإسناده عن ابن عباس، قال: إذا وقعت النطفة في الرحم، مكثت أربعة أشهر ~~وعشرا، ثم نفخ فيها الروح، ثم مكثت أربعين ليلة، ثم بعث إليها ملك، فنقفها ~~في نقرة القفا، وكتب شقيا أو سعيدا، وفي إسناده نظر، وفيه أن نفخ الروح ~~يتأخر عن الأربعة أشهر بعشرة أيام. وبنى الإمام أحمد مذهبه المشهور عنه على ~~ظاهر حديث ابن مسعود، وأن الطفل ينفخ فيه الروح بعد الأربعة أشهر، وأنه إذا ~~سقط بعد تمام أربعة أشهر، صلي عليه؛ حيث كان قد نفخ فيه الروح ثم مات. وحكي ~~ذلك أيضا عن سعيد بن المسيب وهو أحد أقوال الشافعي وإسحاق، ونقل غير واحد ~~عن أحمد أنه قال: إذا بلغ أربعة أشهر وعشرا، ففي تلك العشر ينفخ فيه الروح، ~~ويصلى عليه. وقال في رواية أبي الحارث عنه: تكون النسمة نطفة أربعين ليلة، ~~وعلقة # PageV01P163 # أربعين ليلة، ومضغة أربعين ليلة، ثم تكون عظما ولحما، فإذا تم أربعة أشهر ~~وعشرا، نفخ فيه الروح. فظاهر هذه الرواية أنه لا ينفخ فيه الروح إلا بعد ~~تمام أربعة أشهر وعشر، كما روي عن ابن عباس والروايات التي قبل هذه عن أحمد ~~إنما تدل على أنه ينفخ فيه الروح في مدة العشر بعد تمام الأربعة، وهذا هو ~~المعروف عنه، وكذا قال ابن المسيب لما سئل عن عدة الوفاة حيث جعلت أربعة ~~أشهر وعشرا: ما بال العشر؟ قال: ينفخ فيها الروح. وأما أهل الطب، فذكروا أن ~~الجنين إن تصور في خمسة وثلاثين يوما تحرك في سبعين يوما، وولد في مائتين ~~وعشرة أيام، وذلك سبعة أشهر، وربما تقدم أياما، وتأخر في التصوير والولادة، ~~وإذا كان التصوير في خمسة وأربعين ms068 يوما، تحرك في تسعين يوما، وولد في ~~مائتين وسبعين يوما، وذلك تسعة أشهر، والله أعلم. وأما كتابة الملك، فحديث ~~ابن مسعود يدل على أنها تكون بعد الأربعة أشهر أيضا على ما سبق، وفي " ~~الصحيحين " عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وكل الله بالرحم ملكا ~~يقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقا، ~~قال: يا رب أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك ~~في بطن أمه» وظاهر هذا يوافق حديث ابن مسعود لكن ليس فيه تقدير مدة، وحديث ~~حذيفة بن أسيد الذي تقدم يدل على أن الكتابة تكون في أول الأربعين الثانية، ~~وخرجه مسلم أيضا بلفظ آخر من حديث حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو ~~خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أو # PageV01P164 # سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله، وأثره ~~وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ينقص.» وفي رواية أخرى ~~لمسلم أيضا: «إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة يتسور عليها الملك فيقول: ~~يا رب أذكر أم أنثى؟» وذكر الحديث. وفي رواية أخرى لمسلم أيضا: " لبضع ~~وأربعين ليلة ". وفي " مسند " الإمام أحمد من حديث جابر، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إذا استقرت النطفة في الرحم أربعين يوما، أو أربعين ليلة ~~بعث إليها ملك، فيقول: يا رب، شقي أو سعيد؟ فيعلم» . وقد سبق ما رواه ~~الشعبي عن علقمة، عن ابن مسعود من قوله، وظاهره يدل على أن الملك يبعث إليه ~~وهو نطفة، وقد روي عن ابن مسعود من وجهين آخرين أنه قال: " إن الله عز وجل ~~تعرض عليه كل يوم أعمال بني آدم، فينظر فيها ثلاث ساعات، ثم يؤتى بالأرحام، ~~فينظر فيها ثلاث ساعات، وهو قوله: {يصوركم في الأرحام كيف يشاء} [آل عمران: ~~6] (آل عمران: 6) ، وقوله: {يهب لمن يشاء إناثا} ms069 [الشورى: 49] (الشورى: 49) ~~الآية، ويؤتى بالأرزاق، فينظر فيها ثلاث ساعات، وتسبحه الملائكة ثلاث ~~ساعات، قال: فهذا من شأنكم وشأن ربكم " ولكن ليس في هذا توقيت ما ينظر فيه ~~من الأرحام بمدة. وقد روي عن جماعة من الصحابة أن الكتابة تكون في الأربعين ~~الثانية؛ فخرج الالكائي بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال إذا ~~مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة، جاءها الملك فاختلجها، ثم عرج بها ~~إلى الرحمن عز وجل، فيقول: اخلق يا أحسن الخالقين، فيقضي الله فيها ما يشاء # PageV01P165 # من أمره، ثم تدفع إلى الملك عند ذلك، فيقول: يا رب أسقط أم تمام؟ فيبين ~~له، فيقول: يا رب أناقص الأجل أم تام الأجل؟ فيبين له، ويقول: يا رب أواحد ~~أم توءم؟ فيبين له، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب ~~أشقي أم سعيد؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب اقطع له رزقه، فيقطع له رزقه مع ~~أجله، فيهبط بهما جميعا. فوالذي نفسي بيده لا ينال من الدنيا إلا ما قسم ~~له. وخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي ذر قال: إن المني يمكث في الرحم ~~أربعين ليلة، فيأتيه ملك النفوس، فيعرج به إلى الجبار عز وجل، فيقول: يا رب ~~أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله عز وجل ما هو قاض، ثم يقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ ~~فيكتب ما هو لاق بين يديه، ثم تلا أبو ذر من فاتحة سورة التغابن إلى قوله ~~{وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير} [التغابن: 3] (التغابن: 3) . وهذا كله ~~يوافق ما في حديث حذيفة بن أسيد وقد تقدم، عن ابن عباس أن كتابة الملك تكون ~~بعد نفخ الروح بأربعين ليلة وأن إسناده فيه نظر. وقد جمع بعضهم بين هذه ~~الأحاديث والآثار، وبين حديث ابن مسعود، فأثبت الكتابة مرتين، وقد يقال مع ~~ذلك: إن إحداهما في السماء والأخرى في بطن الأم، والأظهر - والله أعلم - ~~أنها مرة واحدة، ولعل ذلك يختلف باختلاف الأجنة، فبعضهم يكتب له ذلك بعد ~~الأربعين الأولى، وبعضهم بعد الأربعين ms070 الثالثة # PageV01P166 # وقد يقال: إن لفظة " ثم " في حديث ابن مسعود إنما يراد به ترتيب الإخبار، ~~لا ترتيب المخبر عنه في نفسه، والله أعلم. ومن المتأخرين من رجح أن الكتابة ~~تكون في أول الأربعين الثانية، كما دل عليه حديث حذيفة بن أسيد وقال: إنما ~~أخر ذكرها في حديث ابن مسعود إلى ما بعد ذكر المضغة وإن ذكرت بلفظ " ثم " ~~لئلا ينقطع ذكر الأطوار الثلاثة التي ينقلب فيها الجنين وهو كونه: نطفة ~~وعلقة ومضغة، فإن ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجب وأحسن، فلذلك أخر ~~المعطوف عليها، وإن كان المعطوف متقدما على بعضها في الترتيب، واستشهد لذلك ~~بقوله تعالى: {وبدأ خلق الإنسان من طين - ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ~~- ثم سواه ونفخ فيه من روحه} [السجدة: 7 - 9] (السجدة: 7 - 9) ، والمراد ~~بالإنسان: آدم عليه السلام، ومعلوم أن تسويته، ونفخ الروح فيه، كان قبل جعل ~~نسله من سلالة من ماء مهين، لكن لما كان المقصود ذكره قدرة الله عز وجل في ~~مبدأ خلق آدم وخلق نسله، عطف ذكر أحدهما على الآخر، وأخر ذكر تسوية آدم ~~ونفخ الروح فيه، وإن كان ذلك متوسطا بين خلق آدم من طين وبين خلق نسله، ~~والله أعلم. وقد ورد أن هذه الكتابة تكتب بين عيني الجنين، ففي " مسند ~~البزار " عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إذا خلق الله النسمة، قال ملك الأرحام: أي رب أذكر أم أنثى؟ قال: فيقضي ~~الله إليه أمره، ثم يقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله إليه أمره، ثم ~~يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبها.» وقد روي موقوفا على ابن عمر ~~غير مرفوع، وحديث حذيفة بن أسيد المتقدم صريح في أن الملك يكتب ذلك في ~~صحيفة، ولعله يكتب في صحيفة، ويكتب بين عيني الولد # PageV01P167 # وقد روي أنه تقترن بهذه الكتابة أنه يخلق مع الجنين ما تضمنت من صفاته ~~القائمة، فروي عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم «قال: إن الله ms071 إذا ~~أراد أن يخلق الخلق، بعث ملكا، فدخل الرحم، فيقول: أي رب، ماذا؟ فيقول: ~~غلام أو جارية أو ما شاء أن يخلق في الرحم، فيقول: أي رب، أشقي أم سعيد؟ ~~فيقول: ما شاء الله، فيقول: يا رب ما أجله؟ فيقول: كذا وكذا، فيقول: ما ~~خلقه؟ ما خلائقه؟ فيقول: كذا كذا، فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم» ~~خرجه أبو داود في كتاب " القدر " والبزار في " مسنده ". وبكل حال، فهذه ~~الكتابة التي تكتب للجنين في بطن أمه غير كتابة المقادير السابقة لخلق ~~الخلائق المذكورة في قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ~~إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] (الحديد: 22) ، كما في " صحيح ~~مسلم " عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ~~قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.» وفي حديث ~~عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما خلق الله القلم ~~فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة.» وقد سبق ذكر ما روي، عن ~~ابن مسعود رضي الله عنه أن الملك إذا سأل عن حال النطفة، أمر أن يذهب إلى ~~الكتاب السابق، ويقال له: إنك تجد فيه قصة هذه النطفة، وقد تكاثرت النصوص ~~بذكر الكتاب السابق، بالسعادة والشقاوة، # PageV01P168 # ففي " الصحيحين " عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، وإلا ~~قد كتبت شقية أو سعيدة، فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا، ندع ~~العمل؟ فقال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة، فييسرون لعمل ~~أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: {فأما ~~من أعطى واتقى} [الليل: 5] الآيتين (الليل: 5) » . ففي هذا الحديث أن ~~السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما، وأن ذلك مقدر بحسب الأعمال، وأن كلا ~~ميسر لما خلق له من الأعمال ms072 التي هي سبب للسعادة أو الشقاوة. وفي " ~~الصحيحين " عن عمران بن حصين، قال: «قال رجل: يا رسول الله، أيعرف أهل ~~الجنة من أهل النار؟ قال: " نعم " قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: كل يعمل ~~لما خلق له، أو لما يسر له» . وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من وجوه كثيرة، وحديث ابن مسعود فيه أن السعادة والشقاوة بحسب خواتيم ~~الأعمال. وقد قيل: إن قوله في آخر الحديث " «فوالله الذي لا إله غيره، إن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة» " إلى آخر الحديث مدرج من كلام ابن مسعود، ~~كذلك رواه سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود من قوله، قد روي هذا ~~المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة أيضا. # PageV01P169 # وفي " صحيح البخاري " عن سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إنما الأعمال بالخواتيم» . وفي " صحيح ابن حبان " عن عائشة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: إنما «الأعمال بالخواتيم» . وفيه أيضا عن معاوية قال: ~~سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بخواتيمها، كالوعاء، ~~إذا طاب أعلاه، طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه، خبث أسفله» . وفي " صحيح مسلم " ~~عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليعمل الزمان ~~الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل ~~الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة» . وخرج ~~الإمام أحمد رحمه الله من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~عليكم أن لا تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له، فإن العامل يعمل زمانا من ~~عمره، أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه، دخل الجنة، ثم يتحول، فيعمل ~~عملا سيئا، وإن العبد ليعمل البرهة من عمره بعمل سيئ، لو مات عليه دخل ~~النار، ثم يتحول فيعمل عملا صالحا» . وخرج أيضا من حديث عائشة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليعمل ms073 بعمل أهل الجنة، وهو مكتوب في الكتاب ~~من أهل النار، فإذا كان قبل موته تحول، فعمل بعمل أهل النار، فمات، فدخل ~~النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل # PageV01P170 # النار، وإنه لمكتوب في الكتاب من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته تحول، ~~فعمل بعمل أهل الجنة، فمات فدخلها» . وخرج أحمد، والنسائي، والترمذي من ~~حديث عبد الله بن عمرو قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ فقلنا: لا يا رسول الله، إلا ~~أن تخبرنا، فقال: للذي في يده اليمنى: " هذا الكتاب من رب العالمين، فيه ~~أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد ~~فيهم، ولا ينقص منه أبدا " ثم قال للذي في شماله: " هذا كتاب من رب ~~العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، ~~فلا يزاد فيه ولا ينقص منهم أبدا " فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله ~~إن كان أمرا قد فرغ منه؟ فقال: " سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له ~~بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، ~~وإن عمل أي عمل، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه فنبذهما، ثم ~~قال: فرغ ربكم من العباد: فريق في الجنة، وفريق في السعير» . وقد روي هذا ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، وخرجه الطبراني من ~~حديث علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد فيه: " «صاحب ~~الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة، وصاحب النار مختوم له بعمل أهل النار، وإن ~~عمل أي # PageV01P171 # عمل، وقد يسلك بأهل السعادة طريق أهل الشقاء حتى يقال: ما أشبههم بهم، بل ~~هم منهم، وتدركهم السعادة فتستنقذهم، وقد يسلك بأهل الشقاء طريق أهل ~~السعادة حتى يقال: ما أشبههم بهم بل هم منهم ويدركهم الشقاء، من كتبه الله ~~سعيدا في أم الكتاب لم يخرجه من الدنيا حتى يستعمله بعمل يسعده قبل موته ~~ولو بفواق ms074 ناقة، ثم قال: الأعمال بخواتيمها، الأعمال بخواتيمها» " وخرجه ~~البزار في " مسنده " بهذا المعنى أيضا من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وفي " الصحيحين " عن سهل بن سعد أن «النبي صلى الله عليه وسلم ~~التقى هو والمشركون وفي أصحابه رجل لا يدع شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها ~~بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " هو من أهل النار " فقال رجل من القوم: أنا أصاحبه، ~~فاتبعه، فجرح الرجل جرحا شديدا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه على الأرض ~~وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: أشهد أنك رسول الله، وقص عليه القصة، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس ~~وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من ~~أهل الجنة» " زاد البخاري رواية له " «إنما الأعمال بالخواتيم» ". وقوله: " ~~فيما يبدو للناس " إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة ~~السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة # PageV01P172 # عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك ~~قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير، فتغلب ~~عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة. قال عبد العزيز بن أبي ~~رواد: حضرت رجلا عند الموت يلقن لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو ~~كافر بما تقول، ومات على ذلك، قال فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر. فكان عبد ~~العزيز يقول: اتقوا الذنوب، فإنها هي التي أوقعته. وفي الجملة: فالخواتيم ~~ميراث السوابق، فكل ذلك سبق في الكتاب السابق، ومن هنا كان يشتد خوف السلف ~~من سوء الخواتيم، ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق. وقد قيل: إن قلوب ~~الأبرار معلقة بالخواتيم، يقولون: بماذا يختم ms075 لنا؟ وقلوب المقربين معلقة ~~بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا. وبكى بعض الصحابة عند موته، فسئل عن ذلك ~~فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن الله تعالى قبض خلقه ~~قبضتين، فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار» " ولا أدري في أي القبضتين ~~كنت؟ . قال بعض السلف: ما أبكى العيون ما أبكاها الكتاب السابق. وقال سفيان ~~لبعض الصالحين: هل أبكاك قط علم الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل: تركني لا ~~أفرح أبدا. وكان سفيان يشتد قلقه من السوابق والخواتيم، فكان يبكي ويقول: ~~أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيا، ويبكي، ويقول: أخاف أن أسلب الإيمان عند ~~الموت. # PageV01P173 # وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضا على لحيته، ويقول: يا رب، قد ~~علمت ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين منزل مالك؟ . وقال حاتم ~~الأصم: من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار، فهو مغتر، فلا يأمن الشقاء: الأول: ~~خطر يوم الميثاق حين قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا ~~أبالي، فلا يعلم في أي الفريقين كان، والثاني: حين خلق في ظلمات ثلاث، ~~فنودي الملك بالسعادة والشقاوة، ولا يدري: أمن الأشقياء هو أم من السعداء؟ ~~والثالث: ذكر هول المطلع، ولا يدري أيبشر برضا الله أو بسخطه؟ والرابع: يوم ~~يصدر الناس أشتاتا، ولا يدري، أي الطريقين يسلك به. وقال سهل التستري: ~~المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر. ومن هنا كان ~~الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق ويشتد قلقهم ~~وجزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه ~~عند الخاتمة، فيخرجه إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفية ~~توجب سوء الخاتمة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ~~دعائه: " «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " فقيل له: يا نبي الله آمنا ~~بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ فقال: " نعم إن القلوب بين أصبعين من ~~أصابع الله عز وجل يقلبها ms076 كيف شاء» " خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث ~~أنس. وخرج الإمام أحمد من حديث أم سلمة أن «النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يكثر في دعائه أن يقول: " اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك " فقلت: ~~يا رسول الله، # PageV01P174 # أوإن القلوب لتتقلب؟ قال: " نعم؛ ما من خلق الله تعالى من بني آدم من بشر ~~إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله، فإن شاء عز وجل، أقامه، وإن شاء ~~أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا ~~من لدنه رحمة إنه هو الوهاب " قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة ~~أدعو بها لنفسي؟ قال: " بلى، قولي اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، ~~وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني» ، وفي هذا المعنى ~~أحاديث كثيرة. وخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن عز ~~وجل كقلب واحد يصرفه حيث يشاء "، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» # ". # PageV01P175 ### | [الحديث الخامس من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد] # PageV01P175 # الحديث الخامس عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه ~~البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» . #  هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين " ~~من حديث القاسم بن محمد عن عمته عائشة رضي الله عنها وألفاظه مختلفة، ~~ومعناها متقارب، وفي بعض ألفاظه: " «من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد» ~~". وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها ~~كما أن حديث: «الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال في باطنها، فكما أن كل عمل ~~لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون ms077 ~~عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم ~~يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء. وسيأتي حديث العرباض بن سارية ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا ~~كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين # PageV01P176 # المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل ~~محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» . «وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: " ~~إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها» " ~~وسنؤخر الكلام على المحدثات إلى ذكر حديث العرباض المشار إليه، ونتكلم ~~هاهنا على الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع وردها. فهذا الحديث بمنطوقه ~~يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع، فهو مردود، ويدل بمفهومه على أن كل ~~عمل عليه أمره فهو غير مردود، والمراد بأمره هاهنا: دينه وشرعه، كالمراد ~~بقوله في الرواية الأخرى: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» . ~~فالمعنى إذا: أن من كان عمله خارجا عن الشرع ليس متقيدا بالشرع، فهو مردود. ~~وقوله: " ليس عليه أمرنا " إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون ~~تحت أحكام الشريعة، وتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها، فمن ~~كان عمله جاريا تحت أحكام الشرع موافقا لها، فهو مقبول، ومن كان خارجا عن ~~ذلك، فهو مردود. # والأعمال قسمان: عبادات ومعاملات. فأما العبادات، فما كان منها خارجا عن ~~حكم الله ورسوله بالكلية، فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله: {أم ~~لهم شركاء شرعوا لهم من # PageV01P177 # الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] (الشورى: 21) فمن تقرب إلى الله ~~بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله، فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه ~~بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وهذا كمن تقرب إلى الله ~~تعالى بسماع الملاهي، أو بالرقص، أو بكشف الرأس في غير الإحرام، وما أشبه ~~ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله التقرب بها بالكلية. وليس ما كان ms078 ~~قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقا، فقد «رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجلا قائما في الشمس، فسأل عنه، فقيل إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا ~~يستظل وأن يصوم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد ويستظل، وأن يتم ~~صومه» فلم يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفي بنذرهما وقد روي أن ذلك ~~كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، ~~فنذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ما دام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب؛ ~~إعظاما لسماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك قربة توفي بنذره، مع أن القيام عبادة في مواضع أخر، كالصلاة ~~والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرم، فدل على أنه ليس كل ما ~~كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن، وإنما يتبع في ذلك كله ما وردت ~~به الشريعة في مواضعها. وكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها، كمن صام ~~يوم العيد، أو صلى وقت النهي. وأما من عمل عملا أصله مشروع وقربة، ثم أدخل ~~فيه ما ليس بمشروع، أو أخل فيه بمشروع، فهذا مخالف أيضا للشريعة بقدر ~~إخلاله بما أخل به، أو # PageV01P178 # إدخاله ما أدخل فيه، وهل يكون عمله من أصله مردودا عليه أم لا؟ فهذا لا ~~يطلق القول فيه برد ولا قبول، بل ينظر فيه: فإن كان ما أخل به من أجزاء ~~العمل أو شروطه موجبا لبطلانه في الشريعة، كمن أخل بالطهارة للصلاة مع ~~القدرة عليها، أو كمن أخل بالركوع أو بالسجود أو بالطمأنينة فيهما، فهذا ~~عمل مردود عليه، وعليه إعادته إن كان فرضا، وإن كان ما أخل به لا يوجب ~~بطلان العمل، كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها ولا يجعلها ~~شرطا، فهذا لا يقال: إن عمله مردود من أصله، بل هو ناقص. وإن كان قد زاد في ~~العمل المشروع ما ليس بمشروع، فزيادته مردودة عليه، بمعنى أنها لا تكون ms079 ~~قربة ولا يثاب عليها، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله، فيكون مردودا، كمن ~~زاد في صلاته ركعة عمدا مثلا، وتارة لا يبطله، ولا يرده من أصله، كمن توضأ ~~أربعا أربعا، أو صام الليل مع النهار، وواصل في صيامه، وقد يبدل ما يؤمر به ~~في العبادة بما هو منهي عنه، كمن ستر عورته في الصلاة بثوب محرم، أو توضأ ~~للصلاة بماء مغصوب، أو صلى في بقعة غصب، فهذا قد اختلف العلماء فيه: هل ~~عمله مردود من أصله، أو أنه غير مردود وتبرأ به الذمة من عهدة الواجب؟ ~~وأكثر الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله، وقد حكى عبد الرحمن بن مهدي عن ~~قوم من أصحاب الكلام يقال لهم: الشمرية أصحاب أبي شمر أنهم يقولون: إن من ~~صلى في ثوب كان في ثمنه درهم حرام أن عليه إعادة صلاته، وقال: ما سمعت قولا ~~أخبث من قولهم، نسأل الله العافية، وعبد الرحمن بن مهدي من أكابر فقهاء أهل ~~الحديث، المطلعين على مقالات السلف، وقد استنكر هذا القول وجعله بدعة، فدل ~~على أنه لم يعلم عن أحد من السلف القول بإعادة الصلاة في مثل هذا. # PageV01P179 # ويشبه هذا الحج بمال حرام، وقد ورد في حديث أنه مردود على صاحبه، ولكنه ~~حديث لا يثبت، وقد اختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم لا؟ . وقريب من ذلك ~~الذبح بآلة محرمة، أو ذبح من لا يجوز له الذبح، كالسارق، فأكثر العلماء ~~قالوا: إنه تباح الذبيحة بذلك، ومنهم من قال: هي محرمة، وكذا الخلاف في ذبح ~~المحرم الصيد، لكن القول بالتحريم فيه أشهر وأظهر، لأنه منهي عنه بعينه. ~~ولهذا فرق من فرق من العلماء بين أن يكون النهي لمعنى يختص بالعبادة ~~فيبطلها، وبين أن لا يكون مختصا بها فلا يبطلها، فالصلاة بالنجاسة، أو بغير ~~طهارة، أو بغير ستارة، أو إلى غير القبلة يبطلها لاختصاص النهي بالصلاة ~~بخلاف الصلاة في الغصب، ويشهد لهذا أن الصيام لا يبطله إلا ارتكاب ما نهي ~~عنه فيه بخصوصه، وهو جنس الأكل والشرب والجماع، ms080 بخلاف ما نهي عنه الصائم، ~~لا بخصوص الصيام، كالكذب والغيبة عند الجمهور. وكذلك الحج ما يبطله إلا ما ~~نهي عنه في الإحرام، وهو الجماع، ولا يبطله ما لا يختص بالإحرام من ~~المحرمات، كالقتل والسرقة وشرب الخمر. وكذلك الاعتكاف: إنما يبطل بما نهي ~~عنه فيه بخصوصه، وهو الجماع، وإنما يبطل بالسكر عندنا وعند الأكثرين، لنهي ~~السكران عن قربان المسجد # PageV01P180 # ودخوله على أحد التأويلين في قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ~~[النساء: 43] (النساء: 43) أن المراد مواضع الصلاة، فصار كالحائض، ولا يبطل ~~الاعتكاف بغيره من ارتكابه الكبائر عندنا وعند كثير من العلماء، وإن خالف ~~في ذلك طائفة من السلف، منهم عطاء والزهري والثوري ومالك، وحكي عن غيرهم ~~أيضا. وأما المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما، فما كان منها تغيرا للأوضاع ~~الشرعية، كجعل حد الزنا عقوبة مالية، وما أشبه ذلك، فإنه مردود من أصله، لا ~~ينتقل به الملك، لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام، ويدل على ذلك أن ~~«النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفا على فلان، ~~فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: المائة الشاة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام» . # وما كان منها عقدا منهيا عنه في الشرع، إما لكون المعقود عليه ليس محلا ~~للعقد، أو لفوات شرط فيه، أو لظلم يحصل به للمعقود معه وعليه، أو لكون ~~العقد يشغل عن ذكر الله الواجب عند تضايق وقته، أو غير ذلك، فهذا العقد: هل ~~هو مردود بالكلية، لا ينتقل به الملك، أم لا؟ هذا الموضع قد اضطرب الناس ~~فيه اضطرابا كثيرا، وذلك أنه ورد في بعض الصور أنه مردود لا يفيد الملك، ~~وفي بعضها أنه يفيده، فحصل الاضطراب فيه بسبب ذلك، والأقرب - إن شاء الله ~~تعالى - أنه إن كان النهي عنه لحق لله عز وجل لا يفيد الملك بالكلية، ونعنى ~~أنه بكون الحق لله: أنه لا يسقط برضا المتعاقدين عليه، وإن كان النهي عنه ~~لحق آدمي معين بحيث يسقط ms081 برضاه به، فإنه يقف على رضاه به، فإن رضي لزم ~~العقد، واستمر الملك، وإن لم يرض به، فله الفسخ، فإن كان # PageV01P181 # الذي يلحقه الضرر لا يعتبر رضاه بالكلية، كالزوجة والعبد في الطلاق ~~والعتاق، فلا عبرة برضاه ولا بسخطه، وإن كان النهي رفقا بالمنهي خاصة لما ~~يلحقه من المشقة، فخالف وارتكب المشقة، لم يبطل بذلك عمله. فأما الأول فله ~~صور كثيرة: منها نكاح من يحرم نكاحه، إما لعينه، كالمحرمات على التأبيد ~~بسبب أو نسب، أو للجمع أو لفوات شرط لا يسقط بالتراضي بإسقاطه: كنكاح ~~المعتدة والمحرمة، والنكاح بغير ولي ونحو ذلك، وقد روي أن «النبي صلى الله ~~عليه وسلم فرق بين رجل وامرأة تزوجها وهي حبلى فرد النكاح لوقوعه في العدة» ~~32. # PageV01P182 # ومنها عقود الربا، فلا تفيد الملك، ويؤمر بردها، وقد «أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم من باع صاع تمر بصاعين أن يرده» . ومنها بيع الخمر والميتة ~~والخنزير والأصنام والكلب، وسائر ما نهي عن بيعه # PageV01P183 # مما لا يجوز التراضي ببيعه. وأما الثاني، فله صور عديدة: منها إنكاح ~~الولي من لا يجوز له إنكاحها إلا بإذنها بغير إذنها، وقد «رد النبي صلى ~~الله عليه وسلم نكاح امرأة ثيب زوجها أبوها وهي كارهة» ، وروي عنه أنه «خير ~~امرأة زوجت بغير إذنها» ، وفي بطلان هذا النكاح ووقوفه على الإجازة روايتان ~~عن أحمد. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن من تصرف لغيره في ماله بغير إذنه ~~لم يكن تصرفه باطلا من أصله، بل يقف على إجازته، فإن أجازه جاز، وإن رده ~~بطل، واستدلوا بحديث عروة بن الجعد في شرائه للنبي صلى الله عليه وسلم ~~شاتين، وإنما كان أمره بشراء شاة واحدة، ثم باع إحداهما، وقبل ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وخص ذلك الإمام أحمد في المشهور عنه بمن كان يتصرف ~~لغيره في ماله بإذن إذا خالف الإذن. ومنها تصرف المريض في ماله كله: هل يقع ~~باطلا من أصله أم يقف تصرفه في الثلثين على إجازة الورثة؟ فيه اختلاف مشهور ~~للفقهاء، والخلاف في # PageV01P184 # مذهب ms082 أحمد وغيره، وقد صح أن «النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه أن رجلا ~~أعتق ستة مملوكين له عند موته، لا مال له غيرهم، فدعا بهم، فجزأهم ثلاثة ~~أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا» ، ولعل الورثة لم ~~يجيزوا عتق الجميع والله أعلم. ومنها بيع المدلس ونحوه كالمصراة، وبيع ~~النجش، وتلقي الركبان ونحو ذلك، وفي صحته كله اختلاف مشهور في مذهب الإمام ~~أحمد، وذهب طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه ورده. والصحيح أنه يصح ويقف على ~~إجازة من حصل له ظلم بذلك، فقد صح عن «النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل ~~مشتري المصراة بالخيار، وأنه جعل للركبان الخيار إذا # PageV01P185 # هبطوا السوق» ، وهذا كله يدل على أنه غير مردود من أصله، وقد أورد على ~~بعض من قال بالبطلان حديث المصراة، فلم يذكر عنه جوابا. وأما بيع الحاضر ~~للبادي، فمن صححه، جعله من هذا القبيل، ومن أبطله جعل الحق فيه لأهل البلد ~~كلهم، وهم غير منحصرين، فلا يتصور إسقاط حقوقهم، فصار كحق الله عز وجل. ~~ومنها: لو باع رقيقا يحرم التفريق بينهم، وفرق بينهم كالأم وولدها، فهل يقع ~~باطلا مردودا، أم يقف على رضاهم بذلك؟ وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمر برد هذا البيع. ونص أحمد على أنه لا يجوز التفريق بينهم، ولو رضوا ~~بذلك، وذهب طائفة إلى جواز التفريق بينهم برضاهم: منهم النخعي، وعبيد الله ~~بن الحسن العنبري، فعلى هذا يتوجه أن يصح ويقف على الرضا. ومنها لو خص بعض ~~أولاده بالعطية دون بعض، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «أمر بشير ~~بن سعد لما خص ولده النعمان بالعطية أن يرده» ، ولم يدل ذلك على أنه لم ~~ينتقل الملك بذلك إلى الولد، فإن هذه العطية تصح وتقع مراعاة، فإن سوى بين ~~الأولاد في العطية، أو استرد ما أعطى الولد، جاز وإن مات ولم يفعل شيئا من ~~ذلك، فقال مجاهد: هي ميراث وحكي عن أحمد نحوه، وأن العطية # PageV01P186 # تبطل، والجمهور على أنها لا ms083 تبطل وهل للورثة الرجوع فيها أم لا؟ فيه ~~قولان مشهوران هما روايتان عن أحمد. ومنها الطلاق المنهي عنه، كالطلاق في ~~زمن الحيض، فإنه قد قيل: إنه قد نهي عنه لحق الزوج، حيث كان يخشى عليه أن ~~يعقبه فيه الندم، ومن نهى عن شيء رفقا به، فلم ينته عنه بل فعله وتجشم ~~مشقته، فإنه لا يحكم ببطلان ما أتى به، كمن صام في المرض أو السفر، أو واصل ~~في الصيام، أو أخرج ماله وجلس يتكفف الناس، أو صلى قائما مع تضرره بالقيام ~~للمرض، أو اغتسل وهو يخشى على نفسه الضرر أو التلف ولم يتيمم، أو صام الدهر ~~ولم يفطر، أو قام الليل ولم ينم، وكذلك إذا جمع الطلاق الثلاث على القول ~~بتحريمه. وقيل: إنما نهي عن طلاق الحائض لحق المرأة لما فيه من الإضرار بها ~~بتطويل العدة، ولو رضيت بذلك بأن سألته الطلاق بعوض في الحيض، فهل يزول ~~بذلك تحريمه؟ فيه قولان مشهوران للعلماء، والمشهور من مذهبنا ومذهب الشافعي ~~أنه يزول التحريم بذلك، فإن قيل: إن التحريم فيه لحق الزوج خاصة، فإذا أقدم ~~عليه فقد أسقط حقه فسقط، وإن علل بأنه لحق المرأة لم يمنع نفوذه ووقوعه ~~أيضا، فإن رضا المرأة بالطلاق غير معتبر لوقوعه عند جميع المسلمين، لم ~~يخالف فيه سوى شرذمة يسيرة من الروافض ونحوهم، كما أن رضا الرقيق بالعتق ~~غير معتبر، ولو تضرر به، ولكن إذا تضررت المرأة بذلك، وكان قد بقي شيء من ~~طلاقها، أمر الزوج بارتجاعها، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر ~~بارتجاع زوجته تلافيا منه لضررها، وتلافيا لما وقع منه من الطلاق المحرم ~~حتى لا تصير بينونتها منه ناشئة عن طلاق محرم، وليتمكن من طلاقها على وجه ~~مباح، فتحصل إبانتها على هذا الوجه. وقد روي عن أبي الزبير، عن ابن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ردها عليه ولم يرها شيئا، وهذا مما تفرد به أبو ~~الزبير عن أصحاب # PageV01P187 # ابن عمر كلهم مثل ابنه سالم، ومولاه نافع، وأنس، وابن سيرين، وطاوس، ms084 ~~ويونس بن جبير، وعبد الله بن دينار، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران ~~وغيرهم. وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين ~~والفقهاء، وقالوا: إنه تفرد بما خالف الثقات، فلا يقبل تفرده، فإن في رواية ~~الجماعة عن ابن عمر ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حسب عليه ~~الطلقة من وجوه كثيرة، وكان ابن عمر يقول لمن سأله عن الطلاق في الحيض: إن ~~كنت طلقت واحدة أو اثنتين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بذلك: ~~يعني بارتجاع المرأة، وإن كنت طلقت ثلاثا، فقد عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. # PageV01P188 # وفي رواية أبي الزبير زيادة أخرى لم يتابع عليها وهو قوله: ثم تلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ~~وأحصوا العدة} [الطلاق: 1] ولم يذكر ذلك أحد من الرواة عن ابن عمر، وإنما ~~روى عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه كان يتلو هذه الآية عند روايته ~~للحديث وهذا هو الصحيح. وقد كان طوائف من الناس يعتقدون أن طلاق ابن عمر ~~كان ثلاثا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ردها عليه، لأنه لم يوقع ~~الطلاق في الحيض، وقد روي ذلك عن أبي الزبير أيضا من رواية معاوية بن عمار ~~الدهني عنه، فلعل أبا الزبير اعتقد هذا حقا، فروى تلك اللفظة بالمعنى الذي ~~فهمه، وروى ابن لهيعة هذا الحديث عن أبي الزبير، فقال: «عن جابر أن ابن عمر ~~طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليراجعها فإنها ~~امرأته» " وأخطأ في ذكر جابر في هذا الإسناد، وتفرد بقوله: " فإنها امرأته ~~" وهي لا تدل على عدم وقوع الطلاق إلا على تقدير أن يكون ثلاثا، فقد اختلف ~~في هذا الحديث على أبي الزبير، وأصحاب ابن عمر الثقات الحفاظ العارفون به ~~الملازمون له لم يختلف عليهم فيه، وروى أيوب عن ابن سيرين قال: مكثت عشرين ~~سنة يحدثني من لا أتهم «أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثا وهي حائض، فأمره ms085 النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يراجعها» ، فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتى ~~لقيت أبا غلاب يونس بن جبير وكان ذا ثبت، فحدثني أنه سأل ابن عمر فحدثه أنه ~~طلقها واحدة، خرجه مسلم. وفي رواية: قال ابن سيرين: فجعلت لا أعرف للحديث ~~وجها ولا أفهمه. وهذا يدل على أنه كان قد شاع بين الثقات من غير أهل الفقه ~~والعلم أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا، ولعل أبا الزبير من هذا القبيل، ولذلك ~~كان نافع يسأل كثيرا عن طلاق ابن عمر، هل كان ثلاثا أو واحدة؟ ولما قدم ~~نافع مكة، أرسلوا # PageV01P189 # إليه من مجلس عطاء يسألونه عن ذلك لهذه الشبهة، واستنكار ابن سيرين ~~لرواية الثلاث يدل على أنه لم يعرف قائلا معتبرا يقول: إن الطلاق المحرم ~~غير واقع، وأن هذا القول لا وجه له. قال الإمام أحمد: في رواية أبي الحارث، ~~وسئل عمن قال: لا يقع الطلاق المحرم، لأنه يخالف ما أمر به، فقال: هذا قول ~~سوء رديء، ثم ذكر قصة ابن عمر وأنه احتسب بطلاقه في الحيض. وقال أبو عبيد: ~~الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار حجازهم وتهامهم، ~~ويمنهم وشامهم، وعراقهم ومصرهم، وحكى ابن المنذر ذلك عن كل من يحفظ قوله من ~~أهل العلم إلا ناسا من أهل البدع لا يعتد بهم. وأما ما حكاه ابن حزم عن ابن ~~عمر أنه لا يقع الطلاق في الحيض مستندا إلى ما رواه من طريق محمد بن عبد ~~السلام الخشني الأندلسي حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن ~~عبيد الله بن عمر، عن نافع، «عن ابن عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، ~~قال: لا يعتد بها» ، وبإسناده، عن خلاس نحوه، فإن هذا الأثر قد سقطت من ~~آخره لفظة وهي قال: لا يعتد بتلك الحيضة، كذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة في ~~كتابه عن عبد الوهاب الثقفي، وكذا رواه يحيى بن معين عن عبد الوهاب أيضا، ~~وقال: هو غريب لم يحدث به إلا عبد الوهاب، ومراد ms086 ابن عمر أن الحيضة التي ~~طلق فيها لا تعتد بها المرأة قرءا، وهذا هو مراد خلاس وغيره. وقد روي ذلك ~~أيضا عن جماعة من السلف، منهم زيد بن ثابت، # PageV01P190 # وسعيد بن المسيب، فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم، كما وهم ابن حزم، فحكوا ~~عن بعض من سمينا أن الطلاق في الحيض لا يقع، وهذا سبب وهمهم والله أعلم. ~~وهذا الحديث إنما رواه القاسم بن محمد لما سئل عن رجل له ثلاثة مساكن، ~~فأوصى بثلث ثلاث مساكن هل تجمع له في مسكن واحد؟ فقال: تجمع له في مسكن ~~واحد، حدثتني عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عمل عملا ليس ~~عليه أمرنا فهو رد» خرجه مسلم. ومراده أن تغيير وصية الموصي إلى ما هو أحب ~~إلى الله وأنفع جائز، وقد حكي هذا عن عطاء وابن جريج، وربما يستدل بعض من ~~ذهب إلى هذا بقوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا ~~إثم عليه} [البقرة: 182] ولعله أخذ هذا من جمع العتق، فإنه صح " «أن رجلا ~~أعتق ستة مملوكين له عند موته، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزأهم ~~ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة» " خرجه مسلم. وذهب فقهاء الحديث إلى ~~هذا الحديث؛ لأن تكميل عتق العبد مهما أمكن أولى من تشقيصه، ولهذا شرعت ~~السراية والسعاية إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من عبد. «وقال صلى الله عليه ~~وسلم فيمن أعتق بعض عبد له: هو عتيق كله ليس لله شريك» . وأكثر العلماء على ~~خلاف قول القاسم هذا، وأن وصية الموصي لا تجمع، ويتبع لفظه إلا في العتق ~~خاصة، لأن المعنى الذي جمع له في العتق غير موجود في بقية الأموال، فيعمل ~~فيها بمقتضى وصية الموصي. # PageV01P191 # وذهب طائفة من الفقهاء في العتق إلى أنه يعتق من كل عبد ثلثه، ويستسعون ~~في الباقي، واتباع قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق وأولى، والقاسم ~~نظر إلى أن في مشاركة الموصى له للورثة في المساكن كلها ضررا عليهم، فيدفع ~~عنهم هذا الضرر ms087 بجمع الوصية في مسكن واحد، فإن الله قد شرط في الوصية عدم ~~المضارة بقوله تعالى: {غير مضار وصية من الله} [النساء: 12] (النساء: 12) ~~فمن ضار في وصيته، كان عمله مردودا عليه لمخالفته ما شرط الله في الوصية. ~~وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى أنه لو وصى له بثلث مساكنه كلها، ثم تلف ثلثا ~~المساكن، وبقي منها ثلث أنه يعطى كله للموصى له، وهذا قول طائفة من أصحاب ~~أبي حنيفة، وحكي عن أبي يوسف ومحمد، ووافقهم القاضي أبو يعلى من أصحابنا في ~~خلافه، وبنوا ذلك على أن المساكن المشتركة تقسم بين المشتركين فيها قسمة ~~إجبار، كما هو قول مالك، وظاهر كلام ابن أبي موسى من أصحابنا، والمشهور عند ~~أصحابنا أن المساكن المتعددة لا تقسم قسمة إجبار وهو قول أبي حنيفة ~~والشافعي، وقد تأول بعض المالكية فتيا القاسم المذكورة في هذا الحديث على ~~أن أحد الفريقين من الورثة أو الموصى لهم طلب قسمة المساكن فكانت متقاربة ~~بحيث يضم بعضها إلى بعض في القسمة، فإنه يجاب إلى قسمتها على قولهم، وهذا ~~التأويل بعيد مخالف للظاهر، والله أعلم. # PageV01P192 ### | [الحديث السادس إن الحلال بين وإن الحرام بين] # PageV01P192 # الحديث السادس عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الحلال بين وإن الحرام ~~بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات ~~استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول ~~الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ~~ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ~~ألا وهي القلب» رواه البخاري ومسلم. #  هذا الحديث صحيح متفق على صحته من ~~رواية الشعبي عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص، والمعنى ~~واحد أو متقارب. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر ~~وعمار بن ياسر، وجابر، وابن مسعود، وابن عباس، ms088 وحديث النعمان أصح أحاديث ~~الباب. # PageV01P193 # فقوله صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ~~لا يعلمهن كثير من الناس» معناه: أن الحلال المحض بين لا اشتباه فيه، وكذلك ~~الحرام المحض، ولكن بين الأمرين أمور تشتبه على كثير من الناس، هل هي من ~~الحلال أم من الحرام؟ وأما الراسخون في العلم، فلا يشتبه عليهم ذلك، ~~ويعلمون من أي القسمين هي. فأما الحلال المحض: فمثل أكل الطيبات من الزروع، ~~والثمار وبهيمة الأنعام، وشرب الأشربة الطيبة، ولباس ما يحتاج إليه من ~~القطن والكتان، أو الصوف أو الشعر، وكالنكاح، والتسري وغير ذلك إذا كان ~~اكتسابه بعقد صحيح كالبيع، أو بميراث، أو هبة، أو غنيمة. والحرام المحض: ~~مثل أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولباس ~~الحرير للرجال، ومثل الأكساب المحرمة كالربا والميسر وثمن مالا يحل بيعه، ~~وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب أو تدليس أو نحو ذلك. وأما المشتبه: ~~فمثل بعض ما اختلف في حله أو تحريمه، إما من الأعيان كالخيل والبغال ~~والحمير، والضب، وشرب ما اختلف في تحريمه من الأنبذة التي يسكر كثيرها، ~~ولبس ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها، وإما من المكاسب ~~المختلف فيها كمسائل العينة والتورق ونحو # PageV01P194 # ذلك، وبنحو هذا المعنى فسر المشتبهات أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة. ~~وحاصل الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه الكتاب، وبين فيه للأمة ما يحتاج ~~إليه من حلال وحرام، كما قال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} ~~[النحل: 89] (النحل: 89) قال مجاهد وغيره: كل شيء أمروا به أو نهوا عنه، ~~وقال تعالى في آخر سورة النساء (الآية: 176) التي بين فيها كثيرا من أحكام ~~الأموال والأبضاع: {يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم} [النساء: ~~176] وقال تعالى: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ~~ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] (الأنعام: 119) ، وقال ~~تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} ~~[التوبة: 115] (التوبة: 115) ووكل ms089 بيان ما أشكل من التنزيل إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم كما قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم} [النحل: 44] (النحل: 44) وما قبض صلى الله عليه وسلم حتى أكمل له ~~ولأمته الدين، ولهذا أنزل عليه بعرفة قبل موته بمدة يسيرة: {اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] ~~(المائدة: 3) . وقال صلى الله عليه وسلم «تركتكم على بيضاء نقية ليلها ~~كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» . وقال أبو ذر: توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وما طائر يحرك جناحيه في السماء إلا وقد ذكر لنا منه علما. # PageV01P195 # ولما شك الناس في موته صلى الله عليه وسلم، قال عمه العباس رضي الله عنه: ~~والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ترك السبيل نهجا واضحا، ~~وأحل الحلال وحرم الحرام، ونكح وطلق، وحارب وسالم، وما كان راعي غنم يتبع ~~بها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاه بمخبطه، ويمدر حوضها بيده بأنصب ولا ~~أدأب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيكم. # وفي الجملة فما ترك الله ورسوله حلالا إلا مبينا ولا حراما إلا مبينا، ~~لكن بعضه كان أظهر بيانا من بعض، فما ظهر بيانه واشتهر وعلم من الدين ~~بالضرورة من ذلك لم يبق فيه شك، ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيه ~~الإسلام، وما كان بيانه دون ذلك، فمنه ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة، ~~فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم، ومنه ما لم ~~يشتهر بين حملة الشريعة أيضا، فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب: ~~منها أنه قد يكون النص عليه خفيا لم ينقله إلا قليل من الناس، فلم يبلغ ~~جميع حملة العلم. ومنها أنه قد ينقل فيه نصان، أحدهما بالتحليل، والآخر ~~بالتحريم، فيبلغ طائفة منهم أحد النصين دون الآخر، فيتمسكون بما بلغهم، أو ~~يبلغ النصان معا من لم يبلغه التاريخ، فيقف لعدم معرفته بالناسخ. # PageV01P196 # ومنها ما ليس فيه نص صريح، وإنما يؤخذ من عموم ms090 أو مفهوم أو قياس، فتختلف ~~أفهام العلماء في هذا كثيرا. ومنها ما يكون فيه أمر، أو نهي، فتختلف ~~العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو ~~التنزيه، وأسباب الاختلاف أكثر مما ذكرنا. ومع هذا فلابد في الأمة من عالم ~~يوافق الحق، فيكون هو العالم بهذا الحكم، وغيره يكون الأمر مشتبها عليه ولا ~~يكون عالما بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهر أهل باطلها ~~على أهل حقها، فلا يكون الحق مهجورا غير معمول به في جميع الأمصار ~~والأعصار، ولهذا «قال صلى الله عليه وسلم في المشتبهات: لا يعلمهن كثير من ~~الناس» فدل على أن من الناس من يعلمها، وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها، ~~وليست مشتبهة في نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على ~~كثير من العلماء. وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء ~~وغيرهم من وجه آخر، وهو أن من الأشياء ما يعلم سبب حله وهو الملك المتيقن ~~ومنها ما يعلم سبب تحريمه وهو ثبوت ملك الغير عليه، فالأول لا تزول إباحته ~~إلا بيقين زوال الملك عنه، اللهم إلا في الأبضاع عند من يوقع الطلاق بالشك ~~فيه كمالك، أو إذا غلب على الظن وقوعه كإسحاق بن راهويه والثاني: لا يزول ~~تحريمه إلا بيقين العلم بانتقال الملك فيه. وأما ما لا يعلم له أصل ملك كما ~~يجده الإنسان في بيته ولا يدري: هل هو له أو لغيره فهذا مشتبه، ولا يحرم ~~عليه تناوله، لأن الظاهر أن ما في بيته ملكه لثبوت يده عليه، والورع ~~اجتنابه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنى لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ~~ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون من الصدقة فألقيها» # PageV01P197 # خرجاه في " الصحيحين " فإن كان هناك من جنس المحظور، وشك هل هو منه أم ~~لا؟ قويت الشبهة. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن «النبي صلى ~~الله عليه وسلم أصابه أرق من الليل، فقال ms091 له بعض نسائه: يا رسول الله، أرقت ~~الليلة فقال: إني كنت أصبت تمرة تحت جنبي، فأكلتها وكان عندنا تمر من تمر ~~الصدقة، فخشيت أن تكون منه» . # ومن هذا أيضا ما أصله الإباحة كطهارة الماء، والثوب، والأرض، إذا لم ~~يتيقن زوال أصله، فيجوز استعماله، وما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان، ~~فلا تحل إلا بيقين حله من التذكية والعقد، فإن تردد في شيء من ذلك لظهور ~~سبب آخر رجع إلى الأصل فبنى عليه، فيبني فيما أصله الحرمة على التحريم ~~ولهذا «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الصيد الذي يجد فيه الصائد أثر ~~سهم غير سهمه، أو كلب غير كلبه، أو يجده قد وقع في ماء وعلل بأنه لا يدري: ~~هل مات من السبب المبيح له أو من غيره» ، فيرجع فيما أصله الحل إلى الحل، ~~فلا ينجس الماء والأرض والثوب بمجرد ظن النجاسة، وكذلك البدن إذا تحقق ~~طهارته وشك: هل انتقضت بالحدث عند جمهور العلماء خلافا لمالك رحمه الله إذا ~~لم يكن قد دخل في الصلاة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «أنه شكى ~~إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع # PageV01P198 # صوتا أو يجد ريحا» وفي بعض الروايات: " في المسجد " بدل الصلاة. وهذا يعم ~~حال الصلاة وغيرها، فإن وجد سبب قوي يغلب معه على الظن نجاسة ما أصله ~~الطهارة مثل أن يكون الثوب يلبسه كافر لا يتحرز من النجاسات، فهذا محل ~~اشتباه، فمن العلماء من رخص فيه أخذا بالأصل، ومنهم من كرهه تنزيها، ومنهم ~~من حرمه إذا قوي ظن النجاسة مثل أن يكون الكافر ممن لا تباح ذبيحته أو يكون ~~ملاقيا لعورته كالسراويل والقميص، وترجع هذه المسائل وشبهها على قاعدة ~~تعارض الأصل والظاهر، فإن الأصل الطهارة والظاهر النجاسة وقد تعارضت الأدلة ~~في ذلك. فالقائلون بالطهارة يستدلون بأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، ~~وطعامهم إنما يصنعونه بأيديهم في أوانيهم، وقد أجاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم دعوة يهودي، وكان هو وأصحابه يلبسون ms092 ويستعملون ما يجلب إليهم مما ~~ينسجه الكفار بأيديهم من الثياب والأواني، وكانوا في المغازي يقتسمون ما ~~وقع لهم من الأوعية، والثياب ويستعملونها، وصح عنهم أنهم استعملوا الماء من ~~مزادة مشركة. والقائلون بالنجاسة يستدلون بأنه صح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه «سئل عن آنية أهل الكتاب الذين يأكلون الخنزير، ويشربون الخمر، ~~فقال: إن لم تجدوا غيرها، فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها» . وقد فسر الإمام ~~أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام: يعني الحلال المحض والحرام ~~المحض، وقال: من اتقاها، فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارة باختلاط الحلال ~~والحرام. # PageV01P199 # ويتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط، فإن كان أكثر ماله ~~الحرام؛ فقال أحمد: ينبغي أن يتجنبه إلا أن يكون شيئا يسيرا، أو شيئا لا ~~يعرف، واختلف أصحابنا: هل هو مكروه أو محرم؟ على وجهين. وإن كان أكثر ماله ~~الحلال، جازت معاملته والأكل من ماله. وقد روى الحارث عن علي أنه قال في ~~جوائز السلطان: لا بأس بها، ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من ~~الحرام. وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعاملون المشركين وأهل ~~الكتاب مع علمهم بأنهم لا يجتنبون الحرام كله. وإن اشتبه الأمر فهو شبهة، ~~والورع تركه قال سفيان: لا يعجبني ذلك، وتركه أعجب إلي. وقال الزهري ~~ومكحول: لا بأس أن يؤكل منه ما لم يعرف أنه حرام بعينه، فإن لم يعلم في ~~ماله حرام بعينه، ولكن علم أن فيه شبهة؛ فلا بأس بالأكل منه، نص عليه أحمد ~~في رواية حنبل. وذهب إسحاق بن راهويه إلى ما روي عن ابن مسعود وسلمان ~~وغيرهما من الرخصة، وإلى ما روي عن الحسن وابن سيرين في إباحة الأخذ بما ~~يقضي من الربا والقمار، نقله عنه ابن منصور. وقال الإمام أحمد في المال ~~المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيرا أخرج منه قدر الحرام، وتصرف في ~~الباقي، وإن كان المال قليلا، اجتنبه كله، وهذا لأن القليل إذا تناول منه ~~شيئا، فإنه تبعد معه السلامة من الحرام بخلاف الكثير، ms093 ومن أصحابنا من حمل ~~ذلك على الورع دون التحريم، وأباح التصرف في القليل والكثير بعد إخراج قدر ~~الحرام منه، وهو قول الحنفية وغيرهم، وأخذ به قوم من أهل الورع منهم بشر ~~الحافي. ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنه # PageV01P200 # من الحرام بعينه، كما تقدم عن مكحول والزهري، وروي مثله عن الفضيل بن ~~عياض. وروي في ذلك آثار عن السلف، فصح عن ابن مسعود أنه سئل عمن له جار ~~يأكل الربا علانية ولا يتحرج من مال خبيث يأخذه يدعوه إلى طعامه، قال: ~~أجيبوه فإنما المهنأ لكم والوزر عليه وفي رواية أنه قال: لا أعلم له شيئا ~~إلا خبيثا أو حراما، فقال: أجيبوه وقد صحح الإمام أحمد هذا عن ابن مسعود ~~ولكنه عارضه عارض بما روي عنه أنه قال: الإثم حواز القلوب. وروي عن سلمان ~~مثل قول ابن مسعود الأول، وعن سعيد بن جبير، والحسن البصري، ومورق العجلي، ~~وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، وغيرهم، والآثار بذلك موجودة في كتاب " الأدب ~~" لحميد بن زنجويه، وبعضها في كتاب " الجامع " للخلال وفي مصنفي عبد الرزاق ~~وابن أبي شيبة وغيرهم. ومتى علم أن عين الشيء حرام، أخذ بوجه محرم، فإنه ~~يحرم تناوله، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره، وقد روي عن ابن ~~سيرين في # PageV01P201 # الرجل يقضى من الربا، قال: لا بأس به، وعن الرجل يقضى من القمار قال: لا ~~بأس به، خرجه الخلال بإسناد صحيح، وروي عن الحسن خلاف هذا، وأنه قال: إن ~~هذه المكاسب قد فسدت، فخذوا منها ما شبه المضطر. وعارض المروي عن ابن مسعود ~~وسلمان، ما روي عن أبي بكر الصديق أكل طعاما ثم أخبر أنه من حرام فاستقاءه. # وقد يقع الاشتباه في الحكم لكون الفرع مترددا بين أصول تجتذبه، كتحريم ~~الرجل زوجته، فإن هذا متردد بين تحريم الظهار الذي ترفعه الكفارة الكبرى، ~~وبين تحريم الطلقة الواحدة بانقضاء عدتها الذي تباح معه الزوجة بعقد جديد، ~~وبين تحريم الطلاق الثلاث الذي لا تباح معه ms094 الزوجة بدون زوج وإصابة وبين ~~تحريم الرجل عليه ما أحله الله له من الطعام والشراب الذي لا يحرمه، وإنما ~~يوجب الكفارة الصغرى، أو لا يوجب شيئا على الاختلاف في ذلك، فمن هاهنا كثر ~~الاختلاف في هذه المسألة من زمن الصحابة فمن بعدهم. وبكل حال، فالأمور ~~المشتبهة التي لا تتبين أنها حلال ولا حرام لكثير من # PageV01P202 # الناس، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، قد يتبين لبعض الناس أنها ~~حلال أو حرام، لما عنده من ذلك من مزيد علم، وكلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم يدل على أن هذه المشتبهات من الناس من يعلمها، وكثير منهم لا يعلمها، ~~فدخل فيمن لا يعلمها نوعان: أحدهما: من يتوقف فيها، لاشتباهها عليه. ~~والثاني: من يعتقدها على غير ما هي عليه، ودل كلامه على أن غير هؤلاء ~~يعلمها، ومراده أنه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم، ~~وهذا من أظهر الأدلة على أن المصيب عند الله في مسائل الحلال والحرام ~~المشتبهة المختلف فيها واحد عند الله عز وجل، وغيره ليس بعالم بها، بمعنى ~~أنه غير مصيب لحكم الله فيها في نفس الأمر، وإن كان يعتقد فيها اعتقادا ~~يستند فيه إلى شبهة يظنها دليلا، ويكون مأجورا على اجتهاده، ومغفورا له ~~خطؤه لعدم اعتماده. وقوله صلى الله عليه وسلم: «فمن اتقى الشبهات فقد ~~استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام» قسم الناس في ~~الأمور المشتبهة إلى قسمين، وهذا إنما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه، ~~وهو ممن لا يعلمها، فأما من كان عالما بها، واتبع ما دله علمه عليها، فلذلك ~~قسم ثالث، لم يذكره لظهور حكمه، فإن هذا القسم أفضل الأقسام الثلاثة، لأنه ~~علم حكم الله في هذه الأمور المشتبهة على الناس، واتبع علمه في ذلك. وأما ~~من لم يعلمه حكم الله فيها، فهم قسمان: أحدهما من يتقي هذه الشبهات، ~~لاشتباهها عليه، فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه. ومعنى استبرأ: طلب البراءة ~~لدينه وعرضه من النقص والشين، والعرض: ms095 هو موضع المدح والذم من الإنسان، وما ~~يحصل له بذكره بالجميل مدح، وبذكره بالقبيح قدح، وقد يكون ذلك تارة في نفس ~~الإنسان، وتارة في سلفه، أو في # PageV01P203 # أهله، فمن اتقى الأمور المشتبهة واجتنبها، فقد حصن عرضه من القدح والشين ~~الداخل على من لا يجتنبها، وفي هذا دليل على أن من ارتكب الشبهات، فقد عرض ~~نفسه للقدح فيه والطعن، كما قال بعض السلف: من عرض نفسه للتهم، فلا يلومن ~~من أساء به الظن. وفي رواية للترمذي في هذا الحديث: " «فمن تركها استبراء ~~لدينه وعرضه، فقد سلم» " والمعنى: أنه يتركها بهذا القصد - وهو براءة دينه ~~وعرضه عن النقص - لا لغرض آخر فاسد من رياء ونحوه. وفيه دليل على أن طلب ~~البراءة للعرض ممدوح كطلب البراءة للدين، ولهذا ورد " أن ما وقى به المرء ~~عرضه، فهو صدقة ". وفي رواية في " الصحيحين " في هذا الحديث: " «فمن ترك ما ~~يشتبه عليه من الإثم، كان لما استبان أترك» " يعني: أن من ترك الإثم مع ~~اشتباهه عليه، وعدم تحققه، فهو أولى بتركه إذا استبان له أنه إثم، وهذا إذا ~~كان تركه تحرزا من الإثم، فأما من يقصد التصنع للناس، فإنه لا يترك إلا ما ~~يظن أنه ممدوح عندهم تركه. القسم الثاني: من يقع في الشبهات مع كونها ~~مشتبهة عنده، فأما من أتى شيئا مما يظنه الناس شبهة، لعلمه بأنه حلال في ~~نفس الأمر، فلا حرج عليه من الله في ذلك، لكن إذا خشي من طعن الناس عليه ~~بذلك، كان تركها حينئذ استبراء لعرضه، فيكون حسنا، وهذا كما «قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمن رآه واقفا مع صفية: " إنها صفية بنت حيي» " وخرج أنس ~~إلى الجمعة، فرأى الناس قد صلوا # PageV01P204 # ورجعوا فاستحيا، ودخل موضعا لا يراه الناس فيه، وقال: " من لا يستحيي من ~~الناس لا يستحيي من الله " وخرجه الطبراني مرفوعا، ولا يصح. وإن أتى ذلك ~~لاعتقاده أنه حلال، إما باجتهاد سائغ، أو تقليد سائغ، وكان مخطئا في ~~اعتقاده، فحكمه حكم الذي قبله، فإن كان الاجتهاد ضعيفا، ms096 أو التقليد غير ~~سائغ، وإنما حمل عليه مجرد اتباع الهوى، فحكمه حكم من أتاه مع اشتباهه ~~عليه، والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه، قد أخبر عنه النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه وقع في الحرام، فهذا يفسر بمعنيين: أحدهما: أن يكون ارتكابه ~~للشبهة مع اعتقاده أنها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنه حرام ~~بالتدريج والتسامح. وفي رواية في " الصحيحين " لهذا الحديث: «ومن اجترأ على ~~ما يشك فيه من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان» . وفي رواية: " «ومن يخالط ~~الريبة، يوشك أن يجسر» " أي: يقرب أن يقدم على الحرام المحض، والجسور: ~~المقدام الذي لا يهاب شيئا، ولا يراقب أحدا، ورواه بعضهم: " يجشر " بالشين ~~المعجمة، أي: يرتع، والجشر: الرعي، وجشرت الدابة: إذا رعيتها. وفي مراسيل ~~أبي المتوكل الناجي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «من يرعى بجنبات ~~الحرام، يوشك أن يخالطه، ومن تهاون بالمحقرات، يوشك أن يخالط الكبائر» ". ~~والمعنى الثاني: أن من أقدم على ما هو مشتبه عنده، لا يدري: أهو حلال أو ~~حرام، فإنه لا يأمن أن يكون حراما في نفس الأمر، فيصادف الحرام وهو لا # PageV01P205 # يدري أنه حرام وقد روي من حديث ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات، فمن اتقاها، كان أنزه لدينه ~~وعرضه، ومن وقع في الشبهات أوشك أن يقع في الحرام، كالمرتع حول الحمى، يوشك ~~أن يواقع الحمى وهو لا يشعر» خرجه الطبراني وغيره. # واختلف العلماء: هل يطيع والديه في الدخول في شيء من الشبهة أم لا ~~يطيعهما؟ فروي عن بشر بن الحارث، قال: لا طاعة لهما في الشبهة، وعن محمد بن ~~مقاتل العباداني قال: يطيعهما، وتوقف أحمد في هذه المسألة، وقال: يداريهما، ~~وأبى أن يجيب فيها. وقال أحمد: لا يشبع الرجل من الشبهة، ولا يشتري الثوب ~~للتجمل من الشبهة، وتوقف في حد ما يؤكل وما يلبس منها، وقال في التمرة ~~يلقيها الطير: لا يأكلها، ولا يأخذها، ولا يتعرض لها. وقال الثوري في الرجل ~~يجد في بيته ms097 الأفلس أو الدراهم: أحب إلي أن يتنزه عنها، يعني: إذا لم يدر ~~من أين هي. وكان بعض السلف لا يأكل إلا شيئا يعلم من أين هو، ويسأل عنه حتى ~~يقف على أصله وقد روي في ذلك حديث مرفوع، إلا أن فيه ضعفا # PageV01P206 # وقوله صلى الله عليه وسلم «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا ~~وإن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه» : هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه ~~وسلم لمن وقع في الشبهات، وأنه يقرب وقوعه في الحرام المحض، وفي بعض ~~الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سأضرب لكم مثلا ثم ذكر هذا ~~الكلام، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مثل المحرمات كالحمى الذي يحميه ~~الملوك، ويمنعون غيرهم من قربانه، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حول ~~مدينته اثني عشر ميلا حمى محرما لا يقطع شجره ولا يصاد صيده، وحمى عمر ~~وعثمان أماكن ينبت فيها الكلأ لأجل إبل الصدقة # PageV01P207 # والله عز وجل حمى هذه المحرمات، ومنع عباده من قربانها وسماها حدوده، ~~فقال: {تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} ~~[البقرة: 187] (البقرة: 187) ، وهذا فيه بيان أنه حد لهم ما أحل لهم وما ~~حرم عليهم، فلا يقربوا الحرام، ولا يعتدوا الحلال، وكذلك قال في آية أخرى: ~~{تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} ~~[البقرة: 229] (البقرة: 229) ، وجعل من يرعى حول الحمى وقريبا منه جديرا ~~بأن يدخل الحمى ويرتع فيه، فلذلك من تعدى الحلال، ووقع في الشبهات، فإنه قد ~~قارب الحرام غاية المقاربة، فما أخلقه بأن يخالط الحرام المحض، ويقع فيه، ~~وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن المحرمات، وأن يجعل الإنسان بينه ~~وبينها حاجزا. وقد خرج الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن يزيد، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ~~ما لا بأس به حذرا مما به بأس» # PageV01P208 # وقال أبو الدرداء: تمام التقوى أن يتقي ms098 الله العبد، حتى يتقيه من مثقال ~~ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حراما، حجابا بينه وبين ~~الحرام. وقال الحسن: مازالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال ~~مخافة الحرام. وقال الثوري: إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا مالا يتقى وروي ~~عن ابن عمر قال: إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا ~~أخرقها. وقال ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين ~~الحرام حاجزا من الحلال. وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب عبد حقيقة الإيمان ~~حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه. # ويستدل بهذا الحديث من يذهب إلى سد الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل ~~إليها، ويدل على ذلك أيضا من قواعد الشريعة تحريم قليل ما يسكر كثيره، ~~وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الصلاة بعد الصبح وبعد العصر سدا لذريعة ~~الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ومنع الصائم من المباشرة إذا كانت تحرك ~~شهوته، ومنع كثير من العلماء مباشرة الحائض فيما بين سرتها وركبتها إلا من ~~وراء حائل، كما «كان صلى الله عليه وسلم يأمر امرأته إذا كانت حائضا أن ~~تتزر، فيباشرها من فوق الإزار» . # PageV01P209 # ومن أمثلة ذلك وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم: من ~~سيب دابته ترعى بقرب زرع غيره، فإنه ضامن لما أفسدته من الزرع، ولو كان ذلك ~~نهارا، وهذا هو الصحيح، لأنه مفرط بإرسالها في هذه الحال. وكذا الخلاف لو ~~أرسل كلب الصيد قريبا من الحرم، فدخل فصاد فيه، ففي ضمانه روايتان عن أحمد، ~~وقيل يضمنه بكل حال. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد ~~كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» فيه إشارة إلى أن صلاح حركات ~~العبد بجوارحه، واجتنابه المحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه. ~~فإذا كان قلبه سليما، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية ~~الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات ms099 الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك ~~اجتناب المحرمات كلها، وتوق للشبهات حذرا من الوقوع في المحرمات. وإن كان ~~القلب فاسدا، قد استولى عليه اتباع هواه، وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله، ~~فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع ~~هوى القلب. ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع ~~هذا جنود طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء ~~من ذلك، فإن كان الملك صالحا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدا كانت ~~جنوده بهذه المثابة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم، كما قال ~~تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون - إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: ~~88 - 89] (الشعراء: 88 - 89) ، # PageV01P210 # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: " «أسألك قلبا سليما» "، ~~فالقلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلها، وهو القلب الذي ليس ~~فيه سوى محبة الله وما يحبه الله، وخشية الله، وخشية ما يباعد منه. وفي " ~~مسند " الإمام أحمد عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يستقيم ~~إيمان عبد حتى يستقيم قلبه» . والمراد باستقامة إيمانه: استقامة أعمال ~~جوارحه، فإن أعمال جوارحه لا تستقيم إلا باستقامة القلب، ومعنى استقامة ~~القلب أن يكون ممتلئا من محبة الله، ومحبة طاعته، وكراهة معصيته. وقال ~~الحسن لرجل: داو قلبك؛ فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم: يعني أن ~~مراده منهم ومطلوبه صلاح قلوبهم، فلا صلاح للقلوب حتى يستقر فيها معرفة ~~الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه، وتمتلئ من ذلك، ~~وهذا هو حقيقة التوحيد، وهو معنى قول " لا إله إلا الله " فلا صلاح للقلوب ~~حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو الله وحده لا شريك له، ~~ولو كان في السماوات والأرض إله يؤله سوى الله، لفسدت بذلك السماوات والأرض ~~كما قال تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] ~~(الأنبياء: 22) . # PageV01P211 # فعلم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معا حتى تكون حركات أهلها ~~كلها لله، وحركات ms100 الجسد تابعة لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته ~~لله وحده، فقد صلح وصلحت حركات الجسد كله، وإن كانت حركة القلب وإراداته ~~لغير الله تعالى، فسد، وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب. وروى ~~الليث، عن مجاهد في قوله تعالى {ألا تشركوا به شيئا} [الأنعام: 151] ~~(الأنعام: 151) قال: لا تحبوا غيري. وفي " صحيح الحاكم " عن عائشة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في ~~الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور، وأن تبغض على شيء من ~~العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله عز وجل: {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] (آل عمران: 31) » فهذا يدل على ~~أن محبة ما يكرهه الله، وبغض ما يحبه متابعة للهوى، والموالاة على ذلك ~~والمعاداة عليه من الشرك الخفي، ويدل على ذلك قوله: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] فجعل الله علامة الصدق في محبته ~~اتباع رسوله، فدل على أن المحبة لا تتم بدون الطاعة والموافقة. قال الحسن: ~~قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنا نحب ربنا حبا ~~شديدا فأحب الله أن يجعل لحبه علما، فأنزل الله هذه الآية: {قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] ومن هنا قال الحسن: اعلم ~~أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته. # PageV01P212 # وسئل ذو النون: متى أحب ربي؟ قال: إذا كان ما يبغضه عندك أمر من الصبر. ~~وقال بشر بن السري: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك. قال أبو ~~يعقوب النهرجوري: كل من ادعى محبة الله عز وجل، ولم يوافق الله في أمره، ~~فدعواه باطل. وقال رويم: المحبة الموافقة في كل الأحوال، وقال يحيى بن ~~معاذ: ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده، وعن بعض السلف قال: ~~قرأت في بعض الكتب السالفة: من أحب الله لم يكن عنده شيء آثر من رضاه، ومن ~~أحب الدنيا لم يكن عنده شيء ms101 آثر من هوى نفسه. وفي " السنن " عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، فقد ~~استكمل الإيمان» ومعنى هذا أن كل حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله ~~فقد كمل إيمان العبد بذلك ظاهرا وباطنا، ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح ~~حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحا ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما ~~يريده لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفت ~~عما يكرهه، وعما يخشى أن يكون مما يكرهه وإن لم يتيقن ذلك. قال الحسن: ما ~~ضربت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي حتى أنظر ~~على طاعة أو على معصية؟ فإن كانت طاعته تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت. # PageV01P213 # وقال محمد بن الفضل البلخي: ما خطوت منذ أربعين سنة خطوة لغير الله عز ~~وجل. وقيل لداود الطائي: لو تنحيت من الظل إلى الشمس، فقال: هذه خطى لا ~~أدري كيف تكتب. فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبهم، فلم يبق فيها إرادة لغير ~~الله عز وجل، صلحت جوارحهم، فلم تتحرك إلا لله عز وجل، وبما فيه رضاه، ~~والله تعالى أعلم. # PageV01P214 ### | [الحديث السابع الدين النصيحة] # PageV01P214 # الحديث السابع عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة ثلاثا قلنا: لمن يا رسول الله؟ ~~قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه مسلم. #  هذا الحديث خرجه مسلم من رواية ~~سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري، وقد روي عن سهيل ~~وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم وخرجه ~~الترمذي من هذا الوجه، فمن العلماء من صححه من الطريقين جميعا، ومنهم من ~~قال: إن الصحيح حديث تميم، والإسناد الآخر وهم. وقد روي هذا الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر، وثوبان، وابن عباس، وغيرهم. وقد ~~ذكرنا في أول الكتاب عن أبي داود أن هذا ms102 الحديث أحد الأحاديث التي يدور ~~عليها الفقه. # PageV01P215 # وقال الحافظ أبو نعيم: هذا الحديث له شأن، ذكر محمد بن أسلم الطوسي أنه ~~أحد أرباع الدين. وخرجه الطبراني من حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من لا يهتم بأمر المسلمين، فليس منهم، ومن لم يمس ~~ويصبح ناصحا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه، ولعامة المسلمين فليس منهم» . ~~وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال ~~الله عز وجل: أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي» . وقد ورد في أحاديث كثيرة ~~النصح للمسلمين عموما، وفي بعضها النصح لولاة أمورهم، وفي بعضها: نصح ولاة ~~الأمور لرعاياهم. فأما الأول - وهو النصح للمسلمين - عموما، ففي " الصحيحين ~~" «عن جرير بن عبد الله قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام ~~الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» . وفي " صحيح مسلم " عن أبي ~~هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حق المؤمن على المؤمن ست فذكر ~~منها: وإذا استنصحك فانصح له» . وروي هذا الحديث من وجوه أخر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وفي " المسند " عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا # PageV01P216 # استنصح أحدكم أخاه، فلينصح له» . وأما الثاني: وهو النصح لولاة الأمور، ~~ونصحهم لرعاياهم، ففي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به ~~شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله ~~أمركم» . وفي " المسند " وغيره عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: في خطبته بالخيف من منى «ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص ~~العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين» وقد روى هذه الخطبة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم أبو سعيد الخدري. وقد روي من حديث ~~أبي سعيد بلفظ آخر خرجه الدارقطني في " الأفراد " بإسناد جيد، ولفظه ms103 أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: # PageV01P217 # النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين» . وفي " الصحيحين " عن ~~معقل بن يسار، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد يسترعيه الله ~~رعية ثم لم يحطها بنصيحة إلا لم يدخل الجنة» . وقد ذكر الله في كتابه عن ~~الأنبياء عليهم السلام أنهم نصحوا لأممهم كما أخبر الله بذلك عن نوح، وعن ~~صالح وقال: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} [التوبة: 91] (التوبة: 91) يعني: أن من ~~تخلف عن الجهاد لعذر، فلا حرج عليه بشرط أن يكون ناصحا لله ورسوله في ~~تخلفه، فإن المنافقين كانوا يظهرون الأعذار كاذبين، ويتخلفون عن الجهاد من ~~غير نصح لله ورسوله. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدين النصيحة، ~~فهذا يدل على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في ~~حديث جبريل، وسمى ذلك كله دينا، فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته ~~على أكمل وجوهها، وهو مقام الإحسان، فلا يكمل النصح لله بدون ذلك، ولا ~~يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة، ويستلزم ذلك الاجتهاد في ~~التقرب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه وترك المحرمات والمكروهات على ~~هذا الوجه أيضا. وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«أرأيتم لو كان لأحدكم عبدان، فكان أحدهما يطيعه إذا أمره، ويؤدي إليه إذا ~~ائتمنه، وينصح له إذا غاب عنه، وكان الآخر يعصيه إذا أمره، ويخونه إذا ~~ائتمنه، ويغشه إذا غاب عنه كانا سواء؟ قالوا: لا، قال: فكذاكم أنتم عند ~~الله عز وجل» خرجه ابن أبي الدنيا. # PageV01P218 # وخرج الإمام أحمد معناه من حديث أبي الأحوص عن أبيه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقال الفضيل بن عياض: الحب أفضل من الخوف، ألا ترى إذا كان لك ~~عبدان أحدهما يحبك، والآخر يخافك، فالذي يحبك منهما ينصحك شاهدا كنت أو ~~غائبا لحبه إياك، والذي يخافك عسى أن ينصحك إذا ms104 شهدت لما يخاف ويغشك إذا ~~غبت ولا ينصحك. قال عبد العزيز بن رفيع: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: ~~ما الخالص من العمل؟ قال: ما لا تحب أن يحمدك الناس عليه، قالوا: فما النصح ~~لله؟ قال: أن تبدأ بحق الله تعالى قبل حق الناس، وإن عرض لك أمران: أحدهما ~~لله، والآخر للدنيا، بدأت بحق الله تعالى. قال الخطابي: النصيحة كلمة يعبر ~~بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، قال: وأصل النصح في اللغة الخلوص، ~~يقال: نصحت العسل: إذا خلصته من الشمع. فمعنى النصيحة لله سبحانه: صحة ~~الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية # PageV01P219 # في عبادته، والنصيحة لكتابه: الإيمان به، والعمل بما فيه، والنصيحة ~~لرسوله: التصديق بنبوته، وبذل الطاعة له فيما أمر به، ونهى عنه، والنصيحة ~~لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم. انتهي. وقد حكى الإمام أبو عبد الله ~~محمد بن نصر المروزي في كتابه " تعظيم قدر الصلاة " عن بعض أهل العلم أنه ~~فسر هذا الحديث بما لا مزيد على حسنه، ونحن نحكيه هاهنا بلفظه. قال محمد بن ~~نصر: قال بعض أهل العلم: جماع تفسير النصيحة هو عناية القلب للمنصوح له من ~~كان، وهي على وجهين: أحدهما فرض، والآخر نافلة، فالنصيحة المفترضة لله: هي ~~شدة العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ما افترض، ومجانبة ما حرم. ~~وأما النصيحة التي هي نافلة، فهي إيثار محبته على محبة نفسه، وذلك أن يعرض ~~أمران، أحدهما لنفسه، والآخر لربه، فيبدأ بما كان لربه، ويؤخر ما كان ~~لنفسه، فهذه جملة تفسير النصيحة لله، الفرض منه والنافلة، ولذلك تفسير، ~~وسنذكر بعضه ليفهم بالتفسير من لا يفهم بالجملة. فالفرض منها مجانبة نهيه، ~~وإقامة فرضه بجميع جوارحه ما كان مطيقا له، فإن عجر عن الإقامة بفرضه لآفة ~~حلت به من مرض، أو حبس، أو غير ذلك، عزم على أداء ما افترض عليه متى زالت ~~عنه العلة المانعة له، قال الله عز وجل {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ~~ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ms105 ما على ~~المحسنين من سبيل} [التوبة: 91] (التوبة: 91) ، فسماهم محسنين لنصيحتهم لله ~~بقلوبهم لما منعوا من الجهاد بأنفسهم. وقد ترفع الأعمال كلها عن العبد في ~~بعض الحالات، ولا يرفع عنه النصح لله، فلو كان من المرض بحال لا يمكنه عمل ~~بشيء من جوارحه بلسان ولا # PageV01P220 # غيره، غير أن عقله ثابت، لم يسقط عنه النصح لله بقلبه وهو أن يندم على ~~ذنوبه، وينوي إن صح أن يقوم بما افترض الله عليه، ويجتنب ما نهاه عنه، وإلا ~~كان غير ناصح لله بقلبه. وكذلك النصح لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيما ~~أوجبه على الناس عن أمر ربه، ومن النصح الواجب لله أن لا يرضى بمعصية ~~العاصي، ويحب طاعة من أطاع الله ورسوله. وأما النصيحة التي هي نافلة لا ~~فرض، فبذل المجهود بإيثار الله على كل محبوب بالقلب وسائر الجوارح حتى لا ~~يكون في الناصح فضل عن غيره، لأن الناصح إذا اجتهد، لم يؤثر نفسه عليه، ~~وقام بكل ما كان في القيام به سروره ومحبته، فكذلك الناصح لربه، ومن تنفل ~~لله بدون الاجتهاد، فهو ناصح على قدر عمله، غير مستحق للنصح بكماله. # وأما النصيحة لكتاب الله، فشدة حبه وتعظيم قدره، إذ هو كلام الخالق، وشدة ~~الرغبة في فهمه، وشدة العناية لتدبره والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب ~~مولاه أن يفهمه عنه، أو يقوم به له بعد ما يفهمه، وكذلك الناصح من العباد ~~يفهم وصية من ينصحه، وإن ورد عليه كتاب منه، عني بفهمه ليقوم عليه بما كتب ~~به فيه إليه، فكذلك الناصح لكتاب ربه، يعنى بفهمه ليقوم لله بما أمره به ~~كما يحب ويرضى، ثم ينشر ما فهم في العباد ويديم دراسته بالمحبة له، والتخلق ~~بأخلاقه، والتأدب بآدابه. وأما النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم في ~~حياته، فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته، وبذل المال إذا أراده ~~والمسارعة إلى محبته، وأما بعد وفاته: فالعناية بطلب سنته، والبحث عن ~~أخلاقه وآدابه، وتعظيم أمره، ولزوم القيام به، وشدة الغضب والإعراض عمن ~~تدين بخلاف سنته، والغضب ms106 على من ضيعها لأثرة # PageV01P221 # دنيا، وإن كان متدينا بها، وحب من كان منه بسبيل من قرابة، أو صهر، أو ~~هجرة أو نصرة، أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام والتشبه به في زيه ~~ولباسه. وأما النصيحة لأئمة المسلمين، فحب صلاحهم ورشدهم وعدلهم، وحب ~~اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة ~~الله عز وجل، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحب إعزازهم في طاعة الله عز ~~وجل. وأما النصيحة للمسلمين، فأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره ~~لنفسه، ويشفق عليهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويحزن لحزنهم، ويفرح ~~لفرحهم، وإن ضره ذلك في دنياه كرخص أسعارهم، وإن كان في ذلك فوات ربح ما ~~يبيع من تجارته، وكذلك جميع ما يضرهم عامة، ويحب صلاحهم وإلفتهم ودوام ~~النعم عليهم، ونصرهم على عدوهم، ودفع كل أذى ومكروه عنهم. وقال أبو عمرو بن ~~الصلاح: النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير ~~إرادة وفعلا. فالنصيحة لله تعالى: توحيده ووصفه بصفات الكمال والجلال، ~~وتنزيهه عما يضادها ويخالفها، وتجنب معاصيه، والقيام بطاعته ومحابه بوصف ~~الإخلاص، والحب فيه والبغض فيه، وجهاد من كفر به تعالى وما ضاهى ذلك، ~~والدعاء إلى ذلك، والحث عليه. والنصيحة لكتابه: الإيمان به وتعظيمه ~~وتنزيهه، وتلاوته حق تلاوته، # PageV01P222 # والوقوف مع أوامره ونواهيه، وتفهم علومه وأمثاله، وتدبر آياته، والدعاء ~~إليه، وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه. والنصيحة لرسوله قريب من ذلك: ~~الإيمان به وبما جاء به وتوقيره وتبجيله، والتمسك بطاعته، وإحياء سنته ~~واستثارة علومها ونشرها ومعاداة من عاداه وعاداها، وموالاة من والاه ~~ووالاها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة آله وصحابته، ونحو ذلك. ~~والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، ~~وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق وحث ~~الأغيار على ذلك. والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم ~~أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذب ~~عنهم، ومجانبة الغش، والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره ms107 لهم ما ~~يكرهه لنفسه، وما شابه ذلك. انتهى ما ذكره. ومن أنواع نصحهم بدفع الأذى ~~والمكروه عنهم إيثار فقيرهم وتعليم جاهلهم، ورد من زاغ منهم عن الحق في قول ~~أو عمل بالتلطف في ردهم إلى الحق، والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر محبة لإزالة فسادهم ولو بحصول ضرر له في دنياه، كما قال بعض السلف: ~~وددت أن هذا الخلق أطاعوا الله وإن لحمي قرض بالمقاريض، وكان عمر بن عبد ~~العزيز يقول: يا ليتني عملت فيكم بكتاب الله وعملتم به، فكلما عملت فيكم ~~بسنة، وقع مني عضو حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي. ومن أنواع النصح لله ~~تعالى وكتابه ورسوله - وهو مما يختص به العلماء - رد الأهواء المضلة ~~بالكتاب والسنة، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها # PageV01P223 # وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة ~~على ردها، ومن ذلك بيان ما صح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وما لم ~~يصح منه بتبيين حال رواته ومن تقبل رواياته منهم ومن لا تقبل، وبيان غلط من ~~غلط من ثقاتهم الذين تقبل روايتهم. ومن أعظم أنواع النصح أن ينصح لمن ~~استشاره في أمره، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إذا استنصح أحدكم أخاه، ~~فلينصح له» وفي بعض الأحاديث: «إن من حق المسلم على المسلم أن ينصح له إذا ~~غاب» ومعنى ذلك: أنه إذا ذكر في غيبه بالسوء أن ينصره، ويرد عنه، وإذا رأى ~~من يريد أذاه في غيبه، كفه عن ذلك، فإن النصح في الغيب يدل على صدق النصح، ~~فإنه قد يظهر النصح في حضوره تملقا، ويغشه في غيبه. وقال الحسن: إنك لن ~~تبلغ حق نصيحتك لأخيك حتى تأمره بما تعجز عنه. قال الحسن: وقال بعض أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن شئتم لأقسمن لكم بالله إن ~~أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ويحببون عباد الله إلى ~~الله ويسعون في الأرض بالنصيحة. وقال فرقد السبخي، قرأت في بعض ms108 الكتب: ~~المحب لله عز وجل أمير مؤمر على الأمراء، زمرته أول الزمر يوم القيامة، ~~ومجلسه أقرب المجالس فيما هناك والمحبة فيما هناك والمحبة منتهى القربة ~~والاجتهاد، ولن يسأم المحبون من طول اجتهادهم # PageV01P224 # لله عز وجل، يحبونه ويحبون ذكره، ويحببون إلى خلقه، يمشون بين عباده ~~بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح، أولئك أولياء الله ~~وأحباؤه وأهل صفوته، أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه. وقال ابن علية في ~~قول أبي بكر المزني: ما فاق أبو بكر رضي الله عنه أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء كان في قلبه، قال: الذي كان في قلبه ~~الحب لله عز وجل، والنصيحة في خلقه. وقال الفضيل بن عياض: ما أدرك عندنا من ~~أدرك بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، ~~والنصح للأمة. وسئل ابن المبارك: أي الأعمال أفضل؟ قال: النصح لله. وقال ~~معمر: كان يقال: أنصح الناس لك من خاف الله فيك. وكان السلف إذا أرادوا ~~نصيحة أحد، وعظوه سرا حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي ~~نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه. وقال الفضيل: المؤمن يستر ~~وينصح، والفاجر يهتك ويعير. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: كان من كان قبلكم ~~إذا رأى الرجل من أخيه شيئا يأمره في رفق، فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد ~~هؤلاء يخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره. وسئل ابن عباس رضي الله عنهما، ~~عن أمر السلطان بالمعروف، ونهيه عن المنكر، فقال: إن كنت فاعلا ولابد، ~~ففيما بينك وبينه. وقال الإمام أحمد رحمه الله: ليس على المسلم نصح الذمي، ~~وعليه نصح المسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والنصح لكل مسلم، وأن ~~ينصح لجماعة المسلمين وعامتهم» . # PageV01P225 ### | [الحديث الثامن أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله] # PageV01P225 # الحديث الثامن عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ms109 لا ~~إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا ~~فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله ~~تعالى» رواه البخاري ومسلم. #  هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين " ~~من رواية واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه، عن جده عبد الله ~~بن عمر. وقوله إلا بحق الإسلام هذه اللفظة تفرد بها البخاري دون مسلم. وقد ~~روي معنى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ففي " ~~صحيح البخاري " عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا شهدوا ~~أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، ~~وأكلوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها» . وخرج الإمام ~~أحمد من حديث معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويشهدوا أن لا إله إلا # PageV01P226 # الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك، فقد ~~اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل» . ~~وخرجه ابن ماجه مختصرا. وخرج نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضا، ~~ولكن المشهور من رواية أبي هريرة ليس فيه ذكر: إقام الصلاة ولا إيتاء ~~الزكاة ففي " الصحيحين " عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا ~~الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله عز وجل وفي رواية ~~لمسلم: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به» . وخرجه ~~مسلم أيضا من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ ~~حديث أبي هريرة الأول وزاد في آخره: ثم قرأ {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم ~~بمسيطر} ms110 [الغاشية: 21] (الغاشية: 21) . # PageV01P227 # وخرج أيضا من حديث أبي مالك الأشجعي، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، ~~حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل» . وقد روي عن سفيان بن عيينة أنه ~~قال: كان هذا في أول الإسلام قبل فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة، وهذا ~~ضعيف جدا، وفي صحته عن سفيان نظر، فإن رواة هذه الأحاديث إنما صحبوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وبعضهم تأخر إسلامه. ثم قوله «عصموا مني ~~دماءهم وأموالهم» يدل على أنه كان عند هذا القول مأمورا بالقتال، ويقتل من ~~أبى الإسلام، وهذا كله بعد هجرته إلى المدينة، ومن المعلوم بالضرورة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام ~~الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلما، فقد «أنكر على أسامة بن زيد ~~قتله لمن قال: لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره عليه» . ~~ولم يكن صلى الله عليه وسلم يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم ~~الصلاة والزكاة، بل قد روي أنه قبل من قوم الإسلام، واشترطوا أن لا يزكوا، ~~ففي مسند الإمام أحمد، عن جابر قال: «اشترطت ثقيف على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن لا صدقة عليهم ولا جهاد، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال سيتصدقون ويجاهدون» . وفيه أيضا عن نصر بن عاصم الليثي «عن رجل منهم ~~أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين، فقبل ~~منه» . # PageV01P228 # وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث، وقال: يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ثم ~~يلزم بشرائع الإسلام كلها، واستدل أيضا بأن حكيم بن حزام قال: «بايعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم على أن لا أخر إلا قائما» . قال أحمد: معناه أن يسجد من ~~غير ركوع. وخرج محمد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جدا عن أنس قال: «لم يكن ~~النبي صلى الله عليه ms111 وسلم يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على من أقر بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وبالإسلام، وذلك قول الله عز وجل: {فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة} [المجادلة: 13] (المجادلة: 13) » وهذا لا يثبت، وعلى ~~تقدير ثبوته، فالمراد منه أنه لم يكن يقر أحدا دخل في الإسلام # PageV01P229 # على ترك الصلاة والزكاة وهذا حق، فإنه صلى الله عليه وسلم «أمر معاذا لما ~~بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أولا إلى الشهادتين، وقال: إن هم أطاعوك لذلك، ~~فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة» ومراده أن من صار مسلما بدخوله في الإسلام أمر ~~بعد ذلك بإقام الصلاة، ثم بإيتاء الزكاة، وكان من سأله عن الإسلام يذكر له ~~مع الشهادتين بقية أركان الإسلام، كما قال لجبريل عليه السلام لما سأله عن ~~الإسلام، وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائر الرأس يسأله عن الإسلام. وبهذا ~~الذي قررناه يظهر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب، ويتبين أن كلها حق، ~~فإن كلمتي الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما، ويصير بذلك مسلما، فإذا ~~دخل في الإسلام، فإن أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وقام بشرائع الإسلام، فله ~~ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وإن أخل بشيء من هذه الأركان، فإن كانوا ~~جماعة لهم منعة قوتلوا. وقد ظن بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يقاتل حتى ~~يأتي بالشهادتين، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، وجعلوا ذلك حجة على خطاب ~~الكفار بالفروع، وفي هذا نظر، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في قتال ~~الكفار تدل على خلاف هذا، وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~«النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليا يوم خيبر، فأعطاه الراية وقال: امش ولا ~~تلتفت حتى يفتح الله عليك فسار علي شيئا، ثم وقف، فصرخ: يا رسول الله، على ~~ماذا أقاتل الناس؟ فقال: قاتلهم على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك، فقد عصموا منك دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها، وحسابهم على الله عز وجل» فجعل مجرد ms112 الإجابة إلى الشهادتين عصمة ~~للنفوس والأموال إلا بحقها، ومن حقها الامتناع من الصلاة والزكاة بعد ~~الدخول في الإسلام كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم. # PageV01P230 # ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من ~~القرآن قوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} ~~[التوبة: 5] (التوبة: 5) وقوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فإخوانكم في الدين} [التوبة: 11] (التوبة: 11) وقوله تعالى ~~{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} [البقرة: 193] (البقرة: 193) ~~مع قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} [البينة: 5] (البينة: 5) . وثبت أن ~~«النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع ~~أذانا وإلا أغار عليهم» مع احتمال أن يكونوا قد دخلوا في الإسلام. وكان ~~يوصي سراياه: " «إن سمعتم مؤذنا أو رأيتم مسجدا، فلا تقتلوا أحدا» ". وقد ~~بعث عيينة بن حصن إلى قوم من بني العنبر، فأغار عليهم ولم يسمع أذانا، ثم ~~ادعوا أنهم قد أسلموا قبل ذلك. «وبعث صلى الله عليه وسلم إلى أهل عمان ~~كتابا فيه: " من محمد النبي إلى أهل عمان، سلام أما بعد: فأقروا بشهادة أن ~~لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأدوا الزكاة، وخطوا المساجد، وإلا ~~غزوتكم» " خرجه البزار والطبراني وغيرهما. # PageV01P231 # فهذا كله يدل على أنه كان يعتبر حال الداخلين في الإسلام، فإن أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وإلا لم يمتنع عن قتالهم، وفي هذا وقع تناظر أبي بكر ~~وعمر رضي الله عنهما كما في " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر الصديق بعده، وكفر ~~من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن ~~قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز ~~وجل ms113 فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق ~~المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لقاتلتهم على منعه، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد ~~شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. فأبو بكر رضي الله عنه أخذ قتالهم ~~من قوله: " إلا بحقه " فدل على أن قتال من أتى بالشهادتين بحقه جائز، ومن ~~حقه أداء حق المال الواجب، وعمر رضي الله عنه ظن أن مجرد الإتيان ~~بالشهادتين يعصم الدم في الدنيا تمسكا بعموم أول الحديث كما ظن طائفة من ~~الناس أن من أتى بالشهادتين امتنع من دخول النار في الآخرة تمسكا بعموم ~~ألفاظ وردت، وليس الأمر على ذلك، ثم إن عمر رجع إلى موافقة أبي بكر رضي ~~الله عنه. وقد خرج النسائي قصة تناظر أبي بكر وعمر بزيادة: وهي «أن أبا بكر ~~قال # PageV01P232 # لعمر: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا ~~الزكاة» وخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " ولكن هذه الرواية أخطأ فيها عمران ~~القطان إسنادا ومتنا، قاله أئمة الحفاظ، منهم علي بن المديني وأبو زرعة ~~وأبو حاتم والترمذي والنسائي، ولم يكن هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر، وإنما قال أبو بكر: والله لأقاتلن من ~~فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، وهذا أخذه - والله أعلم - من ~~قوله في الحديث إلا بحقها وفي رواية: «إلا بحق الإسلام» فجعل من حق الإسلام ~~إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما أن من حقه أن لا يرتكب الحدود، وجعل كل ذلك ~~مما استثني بقوله: إلا بحقها. وقوله: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، ~~فإن الزكاة حق المال، يدل على أن من ترك الصلاة، فإنه يقاتل لأنها حق ~~البدن، فكذلك من ترك الزكاة التي هي حق المال. وفي هذا إشارة إلى أن ms114 قتال ~~تارك الصلاة أمر مجمع عليه، لأنه جعله أصلا مقيسا عليه، وليس هو مذكورا في ~~الحديث الذي احتج به عمر وإنما أخذ من قوله: " إلا بحقها " فكذلك الزكاة ~~لأنها من حقها، وكل ذلك من حقوق الإسلام. ويستدل أيضا على القتال على ترك ~~الصلاة بما في " صحيح مسلم " عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن أنكر، فقد برئ، ومن كره فقد ~~سلم، ولكن من رضي وتابع فقالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال لا ما ~~صلوا» . # PageV01P233 # وحكم من ترك سائر أركان الإسلام أن يقاتلوا عليها كما يقاتلون على ترك ~~الصلاة والزكاة. وروى ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسقع أن أبا بكر الصديق ~~بعث خالد بن الوليد، وأمره أن يقاتل الناس على خمس، فمن ترك واحدة من ~~الخمس، فقاتله عليها كما تقاتل على الخمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان. وقال سعيد بن ~~جبير: قال عمر بن الخطاب: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه، كما ~~نقاتلهم على الصلاة والزكاة. فهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء ~~من هذه الواجبات. وأما قتل الواحد الممتنع عنها، فأكثر العلماء على أنه ~~يقتل الممتنع عن الصلاة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد، وغيرهم، ~~ويدل على ذلك ما في " الصحيحين " عن أبي سعيد الخدري «أن خالد بن الوليد ~~استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل رجل، فقال: " لا، لعله أن يكون ~~يصلي " فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم» . ~~وفي " مسند الإمام أحمد " عن عبيد الله بن عدي بن الخيار «أن رجلا من ~~الأنصار حدثه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في قتل رجل من ~~المنافقين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ ms115 ~~قال: بلى، ولا شهادة له، قال: أليس يصلي؟ قال: بلى، ولا صلاة له، قال: ~~أولئك الذين نهاني الله، عن قتلهم» . # PageV01P234 # وأما قتل الممتنع عن أداء الزكاة، ففيه قولان لمن قال: يقتل الممتنع من ~~فعل الصلاة. أحدهما: يقتل أيضا، وهو المشهور عن أحمد، ويستدل له بحديث ابن ~~عمر هذا. والثاني: لا يقتل، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية. وأما ~~الصوم فقال مالك وأحمد في رواية عنه: يقتل بتركه، وقال الشافعي وأحمد في ~~رواية: لا يقتل بذلك، ويستدل له بحديث ابن عمر وغيره مما في معناه فإنه ليس ~~في شيء منها ذكر الصوم، ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب: الصوم ولم يجئ ~~فيه شيء. قلت: وقد روي عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا: أن من ترك الشهادتين أو ~~الصلاة أو الصيام، فهو كافر حلال الدم بخلاف الزكاة والحج. وقد سبق ذكره في ~~شرح حديث " بني الإسلام على خمس ". وأما الحج، فعن أحمد في القتل بتركه ~~روايتان، وحمل بعض أصحابنا رواية قتله على من أخره عازما على تركه، بالكلية ~~أو أخره وغلب على ظنه الموت في عامه، فأما إن أخره معتقدا أنه على التراخي ~~كما يقوله كثير من العلماء فلا قتل بذلك. وقوله صلى الله عليه وسلم: " إلا ~~بحقها " وفي رواية: " إلا بحق الإسلام " قد سبق أن أبا بكر أدخل في هذا ~~الحق فعل الصلاة والزكاة، وأن من العلماء من أدخل فيه فعل الصيام والحج ~~أيضا. ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من المحرمات، وقد ورد تفسير حقها ~~بذلك، خرجه الطبراني وابن جرير الطبري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، ~~عصموا مني # PageV01P235 # دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل قيل: وما حقها؟ قال: ~~زنى بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس، فيقتل بها» ولعل آخره من قول ~~أنس، وقد قيل: إن الصواب وقف الحديث كله عليه. ويشهد لهذا ما في " الصحيحين ~~" عن ابن ms116 مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم ~~يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، ~~والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» وسيأتي الكلام على هذا ~~الحديث مستوفى عند ذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: " «وحسابهم على الله عز وجل» " يعني أن الشهادتين مع ~~إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا إلا أن يأتي ما ~~يبيح دمه، وأما في الآخرة، فحسابه على الله عز وجل، فإن كان صادقا، أدخله ~~الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبا، فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل ~~من النار. وقد تقدم أن في بعض الروايات في " صحيح مسلم ": ثم تلا {فذكر ~~إنما أنت مذكر - لست عليهم بمسيطر - إلا من تولى وكفر - فيعذبه الله العذاب ~~الأكبر - إن إلينا إيابهم - ثم إن علينا حسابهم} [الغاشية: 21 - 26] ~~(الغاشية: 21 - 26) والمعنى: إنما عليك تذكيرهم بالله، ودعوتهم إليه، ولست ~~مسلطا على إدخال الإيمان في قلوبهم قهرا ولا مكلفا بذلك، ثم أخبر أن مرجع ~~العباد كلهم إليه وحسابهم عليه. وفي " مسند البزار " عن عياض الأنصاري، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لا إله إلا الله كلمة على الله كريمة، ~~لها عند الله مكان، وهي كلمة من قالها صادقا، # PageV01P236 # أدخله الله بها الجنة، ومن قالها كاذبا حقنت ماله ودمه، ولقي الله غدا ~~فحاسبه» . وقد استدل بهذا من يرى قبول توبة الزنديق وهو المنافق إذا أظهر ~~العود إلى الإسلام، ولم ير قتله بمجرد ظهور نفاقه، كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعامل المنافقين، ويجريهم على أحكام المسلمين في الظاهر مع علمه ~~بنفاق بعضهم في الباطن، وهذا قول الشافعي وأحمد في رواية عنه، وحكاه ~~الخطابي، عن أكثر العلماء، والله أعلم. # PageV01P237 ### | [الحديث التاسع ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم] # PageV01P237 # الحديث التاسع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله ms117 عليه وسلم يقول: «ما نهيتكم عنه، فاجتنبوه، وما أمرتكم ~~به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم ~~واختلافهم على أنبيائهم» . رواه البخاري ومسلم. #  هذا الحديث بهذا اللفظ خرجه مسلم ~~وحده من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة، ~~وخرجاه من رواية أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم ~~واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، ~~فأتوا منه ما استطعتم» وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه. ~~وفي رواية له ذكر سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: ~~«خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس قد فرض الله ~~عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم ثم ~~قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم، فإذا أمرتكم # PageV01P238 # بشيء، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء، فدعوه» . وخرجه ~~الدارقطني من وجه آخر مختصرا، وقال فيه: فنزل قوله تعالى: {ياأيها الذين ~~آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] (المائدة: 101) ~~. وقد روي من غير وجه أن هذه الآية نزلت لما سألوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الحج، وقالوا: أفي كل عام؟ . وفي " الصحيحين " عن أنس قال: «خطبنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: من أبي؟ فقال: " فلان " فنزلت هذه ~~الآية {لا تسألوا عن أشياء} [المائدة: 101] » . وفيهما أيضا عن قتادة، عن ~~أنس قال: «سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة، فغضب، ~~فصعد المنبر، فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته، فقام رجل كان إذا ~~لاحى الرجال دعي إلى غير أبيه، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: ms118 " أبوك ~~حذافة " ثم أنشأ عمر، فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ~~رسولا، نعوذ بالله من الفتن» . وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية ~~{ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} [المائدة: 101] . وفي " صحيح ~~البخاري " عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ # PageV01P239 # فأنزل الله هذه الآية {ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} [المائدة: ~~101] . وخرج ابن جرير الطبري في " تفسيره " من حديث أبي هريرة، قال: «خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمارا وجهه، حتى جلس على المنبر، ~~فقام إليه رجل، فقال: أين أنا؟ فقال " في النار " فقام إليه آخر فقال: من ~~أبي؟ قال: " أبوك حذافة " فقام عمر فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، ~~وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، ~~والله أعلم من آباؤنا، قال: فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية: {ياأيها الذين ~~آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] » . وروي أيضا ~~من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: {ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن ~~أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] قال: «إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أذن في الناس، فقال: يا قوم كتب عليكم الحج فقام رجل، فقال يا رسول ~~الله، أفي كل عام؟ فأغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا، فقال: ~~والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذن لكفرتم، ~~فاتركوني ما تركتكم، فإذا أمرتكم بشيء، فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء، ~~فانتهوا عنه، فأنزل الله: {ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد ~~لكم تسؤكم} [المائدة: 101] » ، نهاهم أن يسألوا مثل الذي سألت النصارى في ~~المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله تعالى عن ذلك، وقال لا تسألوا عن ~~أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن، ~~فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه. فدلت هذه الأحاديث ms119 على النهي عن ~~السؤال عما لا يحتاج إليه ما يسوء # PageV01P240 # السائل جوابه مثل سؤال السائل؛ هل هو في النار أو في الجنة، وهل أبوه ما ~~ينسب إليه أو غيره، وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث ~~والاستهزاء، كما كان يفعله كثير من المنافقين وغيرهم. وقريب من ذلك سؤال ~~الآيات واقتراحها على وجه التعنت، كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب، ~~وقال عكرمة وغيره: إن الآية نزلت في ذلك. ويقرب من ذلك السؤال عما أخفاه ~~الله عن عباده، ولم يطلعهم عليه، كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح. ودلت ~~أيضا على نهي المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلال والحرام مما يخشى أن ~~يكون السؤال سببا لنزول التشديد فيه، كالسؤال عن الحج: هل يجب كل عام أم ~~لا؟ وفي " الصحيح " عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أعظم ~~المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته» . ~~«ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللعان كره المسائل وعابها حتى ~~ابتلي السائل عنه قبل وقوعه بذلك في أهله» ، «وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» . # ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في المسائل إلا للأعراب ونحوهم من ~~الوفود القادمين عليه، يتألفهم بذلك، فأما المهاجرون والأنصار المقيمون ~~بالمدينة # PageV01P241 # الذين رسخ الإيمان في قلوبهم، فنهوا عن المسألة، كما في " صحيح مسلم " عن ~~النواس بن سمعان، قال: أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنة ~~ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وفيه أيضا «عن أنس، قال: نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، ~~فيسأله ونحن نسمع» . وفي " المسند " «عن أبي أمامة قال: كان الله قد أنزل: ~~{ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] ~~قال: فكنا قد ms120 كرهنا كثيرا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم قال: فأتينا أعرابيا، فرشوناه بردا، ثم قلنا له: سل ~~النبي صلى الله عليه وسلم وذكر حديثا» . وفي " مسند أبي يعلى " عن البراء ~~بن عازب، قال: إن كان لتأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن شيء، فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب. وفي " مسند البزار ~~"، عن ابن عباس قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب # PageV01P242 # محمد صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلها في ~~القرآن: {يسألونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219] (البقرة: 219) ، ~~{يسألونك عن الشهر الحرام} [البقرة: 217] (البقرة: 22) يسألونك عن اليتامى ~~(البقرة: 22) ، وذكر الحديث. وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~أحيانا يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها، لكن للعمل بها عند وقوعها، كما ~~قالوا له: إنا لاقوا العدو غدا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ وسألوه عن ~~الأمراء الذين أخبر عنهم بعده، وعن طاعتهم وقتالهم، وسأله حذيفة عن الفتن، ~~وما يصنع فيها. فبهذا الحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم «ذروني ما ~~تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» يدل ~~على كراهة المسائل وذمها، ولكن بعض الناس يزعم أن ذلك كان مختصا بزمن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما يخشى حينئذ من تحريم ما لم يحرم، أو إيجاب ما يشق ~~القيام به، وهذا قد أمن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. ولكن ليس هذا وحده ~~هو سبب كراهة المسائل، بل له سبب آخر، وهو الذي أشار إليه ابن عباس في ~~كلامه الذي ذكرنا بقوله: ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن، فإنكم لا تسألون ~~عن شيء إلا وجدتم تبيانه. ومعنى هذا: أن جميع ما يحتاج إليه المسلمون في ~~دينهم لابد أن يبينه الله في كتابه العزيز، ويبلغ ذلك رسوله عنه، فلا حاجة ~~بعد هذا لأحد في السؤال، فإن الله تعالى أعلم بمصالح عباده منهم، فما كان ~~فيه هدايتهم ونفعهم، فإن الله تعالى لابد ms121 أن يبينه لهم ابتداء من غير سؤال، ~~كما قال: {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176] (النساء: 176) . وحينئذ، ~~فلا حاجة إلى السؤال عن شيء، ولا سيما قبل وقوعه والحاجة إليه، وإنما ~~الحاجة # PageV01P243 # المهمة إلى فهم ما أخبر الله به ورسوله، ثم اتباع ذلك والعمل به، وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن المسائل؛ فيحيل على القرآن، كما «سأله ~~عمر عن الكلالة، " فقال يكفيك آية الصيف» . وأشار صلى الله عليه وسلم في ~~هذا الحديث إلى أن في الاشتغال بامتثال أمره، واجتناب نهيه شغلا عن ~~المسائل، «فقال: إذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ~~ما استطعتم» ، فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما ~~جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يجتهد في فهم ذلك، والوقوف على ~~معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من ~~الأمور العملية، بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر، ~~واجتناب ما ينهى عنه، وتكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك؛ لا إلى غيره. ~~وهكذا كان حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان في طلب ~~العلم النافع من الكتاب والسنة. فأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع ~~الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع، وقد لا تقع، فإن هذا مما يدخل في النهي، ~~ويثبط عن الجد في متابعة الأمر. وقد «سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر، ~~فقال له: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله» ، فقال له الرجل: ~~أرأيت إن غلبت عليه؟ أرأيت إن زوحمت؟ فقال له ابن عمر: اجعل " أرأيت " ~~باليمن، رأيت رسول الله يستلمه ويقبله خرجه الترمذي ومراد ابن عمر أن لا ~~يكون لك هم إلا في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا حاجة إلا فرض ~~العجز عن ذلك أو تعسره قبل وقوعه؛ فإنه قد يفتر العزم على التصميم عن ~~المتابعة، فإن التفقه في الدين، والسؤال عن العلم إنما يحمد إذا كان للعمل، ~~لا ms122 للمراء والجدال. # PageV01P244 # وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه ذكر فتنا تكون في آخر الزمان، فقال له ~~عمر: متى ذلك يا علي؟ قال: إذا تفقه لغير الدين، وتعلم لغير العمل، والتمست ~~الدنيا بغير الآخرة. وعن ابن مسعود أنه قال: كيف بكم إذا لبستم فتنة يربو ~~فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، وتتخذ سنة، فإن غيرت يوما قيل: هذا منكر؟ ~~قالوا: ومتى ذلك؟ قال: إذا قلت أمناؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت فقهاؤكم، ~~وكثرت قراؤكم، وتفقه لغير الدين، والتمست الدنيا بعمل الآخرة. خرجهما عبد ~~الرازق في كتابه. ولهذا المعنى كان كثير من الصحابة والتابعين يكرهون ~~السؤال عن الحوادث قبل وقوعها، ولا يجيبون عن ذلك، قال عمرو بن مرة: خرج ~~عمر على الناس، فقال: أحرج عليكم أن تسألونا عن ما لم يكن، فإن لنا فيما ~~كان شغلا. وعن ابن عمر، قال: لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر لعن ~~السائل عما لم يكن. وكان زيد بن ثابت إذا سئل، عن الشيء يقول: كان هذا؟ فإن ~~قالوا: لا، قال: دعوه حتى يكون. # PageV01P245 # وقال مسروق: سألت أبي بن كعب عن شيء، فقال: أكان بعد؟ فقلت: لا، فقال ~~أجمنا - يعني: أرحنا حتى يكون -، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا. وقال الشعبي: ~~سئل عمار عن مسألة فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا، قال: فدعونا حتى يكون، ~~فإذا كان تجشمناه لكم. وعن الصلت بن راشد، قال سألت طاوسا عن شيء، فانتهرني ~~فقال: أكان هذا؟ قلت: نعم، قال: آلله؟ قلت: آلله. قال: إن أصحابنا أخبرونا، ~~عن معاذ بن جبل أنه قال: أيها الناس، لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فيذهب ~~بكم هاهنا وهاهنا، فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، لم ينفك المسلمون ~~أن يكون فيهم من إذا سئل سدد، أو قال وفق. وقد خرجه أبو داود في كتاب " ~~المراسيل " مرفوعا من طريق ابن عجلان، عن طاوس، عن معاذ قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " «لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها، فإنكم إن لم تفعلوا ~~لم ينفك المسلمون منهم ms123 من إذا قال سدد أو وفق، وأنكم إن عجلتم، تشتت بكم ~~السبل هاهنا وهاهنا» " ومعنى إرساله أن طاوسا لم يسمع من معاذ. وخرجه أيضا ~~من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن النبي مرسلا. # PageV01P246 # وروى الحجاج بن منهال حدثنا جرير بن حازم أنه قال: سمعت الزبير بن سعيد ~~رجلا من بني هاشم، قال: سمعت أشياخنا يحدثون: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " «لا يزال في أمتي من إذا سئل سدد وأرشد حتى يتساءلوا، عن ما لم ~~ينزل تبيينه، فإذا فعلوا ذلك، ذهب بهم هاهنا وهاهنا» ". وقد روي عن ~~الصنابحي عن معاوية، «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأغلوطات» . ~~خرجه الإمام أحمد. رحمه الله وفسرها الأوزاعي، وقال: هي شداد المسائل. وقال ~~عيسى بن يونس: هي ما لا يحتاج إليه من كيف وكيف. ويروى من حديث ثوبان، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون أقوام من أمتي يغلطون فقهاءهم بعضل ~~المسائل، أولئك شرار أمتي» . وقال الحسن: شرار عباد الله الذين يتبعون شرار ~~المسائل يعمون بها عباد الله. وقال الأوزاعي: إن الله إذا أراد أن يحرم ~~عبده بركة العلم، ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علما. ~~وقال ابن وهب، عن مالك: أدركت هذه البلدة، وإنهم ليكرهون الإكثار الذي فيه ~~الناس اليوم. يريد المسائل. وقال أيضا: سمعت مالكا وهو يعيب كثرة الكلام ~~وكثرة الفتيا، ثم قال: يتكلم كأنه جمل مغتلم يقول: هو كذا، هو كذا يهدر في ~~كلامه. # PageV01P247 # وقال: سمعت مالكا يكره الجواب في كثرة المسائل، وقال: قال الله عز وجل: ~~{ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} [الإسراء: 85] (الإسراء: 85) فلم ~~يأته في ذلك جواب. وكان مالك يكره المجادلة عن السنن أيضا قال الهيثم بن ~~جميل: قلت لمالك: يا أبا عبد الله، الرجل يكون عالما بالسنن يجادل عنها؟ ~~قال: لا، ولكن يخبر بالسنة، فإن قبل منه وإلا سكت. قال إسحاق بن عيسى: كان ~~مالك يقول: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من ms124 قلب الرجل. وقال ~~ابن وهب: سمعت مالكا يقول: المراء في العلم يقسي القلب، ويؤثر الضغن. وكان ~~أبو شريح الإسكندراني يوما في مجلسه، فكثرت المسائل، فقال: قد درنت قلوبكم ~~منذ اليوم، فقوموا إلى أبي حميد خالد بن حميد اصقلوا قلوبكم، وتعلموا هذه ~~الرغائب، فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل ~~إلا ما نزل، فإنها تقسي القلوب، وتورث العداوة. وقال الميموني: سمعت أبا ~~عبد الله - يعني أحمد - يسأل، عن مسألة، فقال: وقعت هذه المسألة؟ بليتم بها ~~بعد؟ وقد انقسم الناس في هذا الباب أقساما: فمن أتباع أهل الحديث من سد باب ~~المسائل حتى قل فقهه وعلمه بحدود ما أنزل الله على رسوله، وصار حامل فقه ~~غير فقيه. ومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل قبل وقوعها، ما ~~يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك، وكثرة ~~الخصومات فيه، والجدال عليه حتى يتولد من ذلك افتراق القلوب، ويستقر فيها ~~بسببه الأهواء والشحناء والعداوة والبغضاء، ويقترن ذلك كثيرا بنية ~~المغالبة، وطلب # PageV01P248 # العلو والمباهاة، وصرف وجوه الناس وهذا مما ذمه العلماء الربانيون، ودلت ~~السنة على قبحه وتحريمه. وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به، فإن معظم همهم ~~البحث عن معاني كتاب الله عز وجل، وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلام ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ومعرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها وتفهمها، والوقوف على معانيها، ثم ~~معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير ~~والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك، ~~وهذا هو طريقة الإمام أحمد ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين، وفي معرفة ~~هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أحدث من الرأي ما لا ينتفع به، ولا يقع، وإنما ~~يورث التجادل فيه كثرة الخصومات والجدال وكثرة القيل والقال. وكان الإمام ~~أحمد كثيرا إذا سئل عن شيء من المسائل المتولدات التي لا تقع يقول: دعونا ~~من هذه المسائل المحدثة. وما أحسن ما قاله يونس بن ms125 سليمان السقطي: نظرت في ~~الأمر، فإذا هو الحديث والرأي، فوجدت في الحديث ذكر الرب عز وجل وربوبيته ~~وإجلاله وعظمته، وذكر العرش وصفة الجنة والنار، وذكر النبيين والمرسلين، ~~والحلال والحرام، والحث على صلة الأرحام، وجماع الخير فيه، ونظرت في الرأي، ~~فإذا فيه المكر، والغدر، والحيل، وقطيعة الأرحام، وجماع الشر فيه. وقال ~~أحمد بن شبويه: من أراد علم القبر فعليه بالآثار، ومن أراد علم الخبز فعليه ~~بالرأي. ومن سلك طريقة طلب العلم على ما ذكرناه، تمكن من فهم جواب الحوادث ~~الواقعة غالبا، لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها، ولابد # PageV01P249 # أن يكون سلوك هذا الطريق خلف أئمة أهله المجمع على هدايتهم ودرايتهم ~~كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ومن سلك مسلكهم، فإن من ادعى سلوك هذا ~~الطريق على غير طريقهم، وقع في مفاوز ومهالك، وأخذ بما لا يجوز الأخذ به، ~~وترك ما يجب العمل به. وملاك الأمر كله أن يقصد بذلك وجه الله، والتقرب ~~إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله، وسلوك طريقه، والعمل بذلك، ودعاء الخلق ~~إليه، ومن كان كذلك وفقه الله وسدده، وألهمه رشده، وعلمه ما لم يكن يعلم، ~~وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى: {إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء} [فاطر: 28] (فاطر: 28) ، ومن الراسخين في العلم، وقد خرج ~~ابن أبي حاتم في " تفسيره " من حديث أبي الدرداء أن «رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم، فقال: من برت يمينه، وصدق لسانه، ~~واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم» . وقال نافع ~~بن يزيد: يقال: الراسخون في العلم: المتواضعون لله، والمتذللون لله في ~~مرضاته لا يتعاطون من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. ويشهد لهذا قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن هم، أبر قلوبا، وأرق أفئدة، الإيمان ~~يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية» . وهذا إشارة منه إلى أبي موسى ~~الأشعري، ومن كان على طريقه من علماء أهل اليمن، ثم إلى مثل أبي مسلم # PageV01P250 # الخولاني وأويس القرني، وطاوس، ووهب بن منبه، ms126 وغيرهم من علماء أهل اليمن، ~~وكل هؤلاء من العلماء الربانيين الخائفين لله، فكلهم علماء بالله يخشونه ~~ويخافونه، وبعضهم أوسع علما بأحكام الله وشرائع دينه من بعض، ولم يكن ~~تميزهم عن الناس بكثرة قيل وقال، ولا بحث ولا جدال. وكذلك معاذ بن جبل رضي ~~الله عنه أعلم الناس بالحلال والحرام، وهو الذي يحشر يوم القيامة أمام ~~العلماء برتوة، ولم يكن علمه بتوسعة المسائل وتكثيرها، بل قد سبق عنه كراهة ~~الكلام فيما لا يقع، وإنما كان عالما بالله وعالما بأصول دينه وقد قيل ~~للإمام أحمد: من نسأل بعدك؟ قال عبد الوهاب الوراق، قيل له: إنه ليس له ~~اتساع في العلم، قال: إنه رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق. وسئل عن معروف ~~الكرخي، فقال: كان معه أصل العلم: خشية الله. وهذا يرجع إلى قول بعض السلف: ~~كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا. وهذا باب واسع يطول ~~استقصاؤه. ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه فنقول: من لم يشتغل ~~بكثرة المسائل التي لا توجد مثلها في كتاب، ولا سنة، بل اشتغل بفهم كلام ~~الله ورسوله، وقصده بذلك امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فهو ممن امتثل ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وعمل بمقتضاه، ومن لم يكن ~~اهتمامه بفهم ما أنزل الله على رسوله، واشتغل بكثرة توليد المسائل قد تقع ~~وقد لا تقع، وتكلف أجوبتها بمجرد الرأي، خشي عليه أن يكون مخالفا لهذا ~~الحديث، مرتكبا لنهيه، تاركا لأمره. # PageV01P251 # واعلم أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة وإنما هو ~~من ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله، واجتناب نواهي الله ورسوله، ~~فلو أن من أراد أن يعمل عملا سأل عما شرع الله في ذلك العمل فامتثله، وعما ~~نهى عنه فيه فاجتنبه، وقعت الحوادث مقيدة بالكتاب والسنة وإنما يعمل العامل ~~بمقتضى رأيه وهواه، فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله وربما عسر ~~ردها إلى الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة لبعدها عنها. وفي الجملة فمن ~~امتثل ما أمر ms127 به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وانتهى عما نهى ~~عنه، وكان مشتغلا بذلك عن غيره، حصل له النجاة في الدنيا والآخرة، ومن خالف ~~ذلك، واشتغل بخواطره وما يستحسنه، وقع فيما حذر منه النبي صلى الله عليه ~~وسلم من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، ~~وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم. وقوله صلى الله عليه وسلم " «إذا نهيتكم عن ~~شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم» " قال بعض ~~العلماء: هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر، لأن النهي لم يرخص في ارتكاب ~~شيء منه، والأمر قيد بحسب الاستطاعة، وروي هذا عن الإمام أحمد. ويشبه هذا ~~قول بعضهم: أعمال البر يعملها البر والفاجر، وأما المعاصي، فلا يتركها إلا ~~صديق. وروي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «اتق ~~المحارم، تكن أعبد # PageV01P252 # الناس» وقالت عائشة رضي الله عنها: من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف ~~عن الذنوب، وروي مرفوعا. وقال الحسن: ما عبد العابدون بشيء أفضل من ترك ما ~~نهاهم الله عنه. # والظاهر أن ما ورد من تفضيل ترك المحرمات على فعل الطاعات، إنما أريد به ~~على نوافل الطاعات، وإلا فجنس الأعمال الواجبات أفضل من جنس ترك المحرمات، ~~لأن الأعمال مقصودة لذاتها، والمحارم المطلوب عدمها، ولذلك لا تحتاج إلى ~~نية بخلاف الأعمال، ولذلك كان جنس ترك الأعمال قد تكون كفرا كترك التوحيد، ~~وكترك أركان الإسلام أو بعضها على ما سبق، بخلاف ارتكاب المنهيات فإنه لا ~~يقتضي الكفر بنفسه، ويشهد لذلك قول ابن عمر: لرد دانق من حرام أفضل من مائة ~~ألف تنفق في سبيل الله. وعن بعض السلف قال: ترك دانق مما يكرهه الله أحب ~~إلي من خمسمائة حجة. وقال ميمون بن مهران: ذكر الله باللسان حسن وأفضل منه ~~أن يذكر الله العبد # PageV01P253 # عند المعصية فيمسك عنها. وقال ابن المبارك: لأن أرد درهما من شبهة أحب ~~إلي من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف، حتى بلغ ستمائة ألف. وقال عمر بن ms128 عبد ~~العزيز: ليست التقوى قيام الليل، وصيام النهار، والتخليط فيما بين ذلك، ~~ولكن التقوى أداء ما افترض الله، وترك ما حرم الله، فإن كان مع ذلك عمل، ~~فهو خير إلى خير، أو كما قال. وقال أيضا: وددت أني لا أصلي غير الصلوات ~~الخمس سوى الوتر، وأن أؤدي الزكاة، ولا أتصدق بعدها بدرهم، وأن أصوم رمضان ~~ولا أصوم بعده يوما أبدا، وأن أحج حجة الإسلام ثم لا أحج بعدها أبدا، ثم ~~أعمد إلى فضل قوتي، فأجعله فيما حرم الله علي، فأمسك عنه. وحاصل كلامهم يدل ~~على اجتناب المحرمات - وإن قلت - أفضل من الإكثار من نوافل الطاعات فإن ذلك ~~فرض، وهذا نفل. وقالت طائفة من المتأخرين: إنما قال صلى الله عليه وسلم: ~~«إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم،» ~~لأن امتثال الأمر لا يحصل إلا بعمل، والعمل يتوقف وجوده على شروط وأسباب، ~~وبعضها قد لا يستطاع، فلذلك قيده بالاستطاعة، كما قيد الله الأمر بالتقوى ~~بالاستطاعة، قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] (التغابن: ~~16) وقال في الحج: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل ~~عمران: 97] (آل عمران: 97) . وأما النهي: فالمطلوب عدمه، وذلك هو الأصل، ~~فالمقصود استمرار العدم الأصلي، وذلك ممكن، وليس فيه ما لا يستطاع، وهذا ~~فيه أيضا نظر، فإن الداعي إلى فعل المعاصي قد يكون قويا، لا صبر معه للعبد ~~على الامتناع مع فعل المعصية مع القدرة عليها، فيحتاج الكف عنها حينئذ إلى ~~مجاهدة شديدة، # PageV01P254 # ربما كانت أشق على النفوس من مجرد مجاهدة النفس على فعل الطاعة، ولهذا ~~يوجد كثيرا من يجتهد فيفعل الطاعات، ولا يقوى على ترك المحرمات. وقد سئل ~~عمر عن قوم يشتهون المعصية ولا يعملون بها، فقال: أولئك قوم امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم. وقال يزيد بن ميسرة: يقول الله في بعض ~~الكتب: أيها الشاب التارك شهوته، المتبذل في شبابه لأجلي، أنت عندي كبعض ~~ملائكتي. وقال: ما أشد الشهوة في الجسد، إنها مثل حريق النار، وكيف ينجو ~~منها ms129 الحصوريون؟ . والتحقيق في هذا أن الله لا يكلف العباد من الأعمال ما ~~لا طاقة لهم به، وقد أسقط عنهم كثيرا من الأعمال بمجرد المشقة رخصة عليهم، ~~ورحمة لهم، وأما المناهي، فلم يعذر أحد بارتكابها بقوة الداعي والشهوات، بل ~~كلفهم تركها على كل حال، وأن ما أباح أن يتناول من المطاعم المحرمة عند ~~الضرورة ما تبقى معه الحياة، لا لأجل التلذذ والشهوة، ومن هنا يعلم صحة ما ~~قاله الإمام أحمد: إن النهي أشد من الأمر. وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من حديث ثوبان وغيره أنه قال: «استقيموا ولن تحصوا» يعني: لن تقدروا ~~على الاستقامة كلها. # PageV01P255 # وروى الحكم بن حزن الكلفي، قال: «وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فشهدت معه الجمعة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئا على عصا أو ~~قوس، فحمد الله، وأثنى عليه بكلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: " أيها ~~الناس إنكم لن تطيقوا، ولن تفعلوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وأبشروا» " ~~أخرجه الإمام أحمد وأبو داود. # وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ~~" دليل على أن من عجز عن فعل المأمور به كله، وقدر على بعضه، فإنه يأتي بما ~~أمكنه منه، وهذا مطرد في مسائل: منها الطهارة، فإذا قدر على بعضها، وعجز عن ~~الباقي: إما لعدم الماء، أو لمرض في بعض أعضائه دون بعض، فإنه يأتي من ذلك ~~بما قدر عليه، ويتيمم للباقي، وسواء في ذلك الوضوء والغسل على المشهور. ~~ومنها الصلاة، فمن عجز عن فعل الفريضة قائما صلى قاعدا، فإن عجز صلى ~~مضطجعا، وفي " صحيح البخاري " عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب.» ولو ~~عجز عن ذلك كله، أومأ بطرفه، وصلى بنيته، ولم تسقط عنه الصلاة على المشهور. ~~ومنها زكاة الفطر، فإذا قدر على إخراج بعض صاع، لزمه ذلك على # PageV01P256 # الصحيح، فأما من قدر على صيام بعض النهار دون ms130 تكملته، فلا يلزمه ذلك بغير ~~خلاف، لأن صيام بعض اليوم ليس بقربة في نفسه، وكذا لو قدر على عتق بعض رقبة ~~في الكفارة لم يلزمه، لأن تبعيض العتق غير محبوب للشارع بل يؤمر بتكميله ~~بكل طريق. وأما من فاته الوقوف بعرفة في الحج، فهل يأتي بما بقي منه من ~~المبيت بمزدلفة، ورمي الجمار أم لا؟ بل يقتصر على الطواف والسعي، ويتحلل ~~بعمرة على روايتين، عن أحمد أشهرهما: أنه يقتصر على الطواف والسعي، لأن ~~المبيت والرمي من لواحق الوقوف بعرفة وتوابعه، وإنما أمر الله تعالى بذكره ~~عند المشعر الحرام، وبذكره في الأيام المعدودات لمن أفاض من عرفات، فلا ~~يؤمر به من لا يقف بعرفة كما لا يؤمر به المعتمر. # PageV01P257 ### | [الحديث العاشر إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا] # PageV01P257 # الحديث العاشر # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ~~الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به ~~المرسلين، فقال: {ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} [المؤمنون: ~~51] (المؤمنون: 51) ، وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم} [البقرة: 172] (البقرة: 172) ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر: أشعث ~~أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه ~~حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟» . رواه مسلم. #  هذا الحديث خرجه مسلم من رواية ~~فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وخرجه الترمذي، ~~وقال: حسن غريب. # وفضيل بن مرزوق ثقة وسط خرج له مسلم دون البخاري. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيب» هذا قد جاء أيضا من حديث سعد بن ~~أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله طيب يحب الطيب، نظيف ~~يحب النظافة، جواد يحب الجود» خرجه الترمذي، وفي إسناده مقال والطيب هنا: ~~معناه الطاهر. # والمعنى أن الله تعالى مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها، وهذا كما في # PageV01P258 # قوله: {والطيبات للطيبين والطيبون ms131 للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون} ~~[النور: 26] (النور: 26) ، والمراد: المنزهون من أدناس الفواحش وأوضارها. # وقوله " لا يقبل إلا طيبا " قد ورد معناه في حديث الصدقة، ولفظه: «لا ~~يتصدق أحد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا. . . . . . .» والمراد ~~أنه تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبا حلالا. # وقد قيل: إن المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله: " «لا يقبل ~~الله إلا طيبا» " أعم من ذلك، وهو أنه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبا ~~طاهرا من المفسدات كلها، كالرياء والعجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيبا ~~حلالا، فإن الطيب يوصف به الأعمال والأقوال والاعتقادات، فكل هذه تنقسم إلى ~~طيب وخبيث. # وقد قيل: إنه يدخل في قوله تعالى: {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك ~~كثرة الخبيث} [المائدة: 100] (المائدة: 100) هذا كله. # وقد قسم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث، فقال: {ضرب الله مثلا كلمة ~~طيبة كشجرة طيبة} [إبراهيم: 24] (إبراهيم: 24) ، {ومثل كلمة خبيثة كشجرة ~~خبيثة} [إبراهيم: 26] (إبراهيم: 26) ، وقال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب} ~~[فاطر: 10] (فاطر: 10) ، ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يحل الطيبات ~~ويحرم الخبائث. # وقد قيل: إنه يدخل في ذلك الأقوال والأعمال والاعتقادات أيضا، ووصف الله ~~تعالى المؤمنين بالطيب، بقوله تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} ~~[النحل: 32] (النحل: 32) وإن الملائكة تقول عند الموت: اخرجي أيتها النفس ~~الطيبة كانت في الجسد الطيب، وإن الملائكة تسلم عليهم عند دخولهم الجنة، ~~يقولون # PageV01P259 # لهم: طبتم، وقد ورد في الحديث «أن المؤمن إذا زار أخاه في الله تقول له ~~الملائكة: " طبت، وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا» ". # فالمؤمن كله طيب قلبه ولسانه وجسده بما سكن في قلبه من الإيمان، وظهر على ~~لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان، ~~وداخلة في اسمه فهذه الطيبات كلها يقبلها الله عز وجل. # ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال للمؤمن طيب مطعمه، وأن يكون من حلال، ~~فبذلك يزكو عمله. # وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا ms132 يزكو إلا بأكل الحلال، ~~وإن أكل الحرام، يفسد العمل، ويمنع قبوله، فإنه قال بعد تقريره: " «إن الله ~~لا يقبل إلا طيبا» " إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال ~~تعالى: {ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} [المؤمنون: 51] وقال: ~~{ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172] . # والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال، ~~وبالعمل الصالح، فما دام الأكل حلالا، فالعمل الصالح مقبول، فإذا كان الأكل ~~غير حلال، فكيف يكون العمل مقبولا؟ . # وما ذكره بعد ذلك من الدعاء، وأنه كيف يتقبل مع الحرام، فهو مثال ~~لاستبعاد قبول الأعمال مع التغذية بالحرام. وقد خرج الطبراني بإسناد فيه ~~نظر عن ابن عباس، قال: «تليت هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~{ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} [البقرة: 168] (البقرة: 168) ~~، فقام سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب ~~الدعوة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا سعد # PageV01P260 # أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف ~~اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عمل أربعين يوما، وأيما عبد نبت ~~لحمه من سحت، فالنار أولى به» . # وفي " مسند " الإمام أحمد بإسناد فيه نظر أيضا «عن ابن عمر قال: " من ~~اشترى ثوبا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام، لم يقبل الله له صلاة ما كان ~~عليه "، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه فقال: صمتا إن لم أكن سمعته من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم» . ويروى من حديث علي رضي الله عنه مرفوعا معناه أيضا، ~~خرجه البزار وغيره بإسناد ضعيف جدا. # وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " «إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز، فنادى: ~~لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك وزادك حلال، وراحلتك ~~حلال، وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في # PageV01P261 # الغرز، فنادى ms133 لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، ~~زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك غير مبرور» ". ويروى من حديث عمر بنحوه ~~بإسناد ضعيف أيضا. # وروى أبو يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: لا يقبل الله صلاة ~~امرئ في جوفه حرام. # وقد اختلف العلماء في حج من حج بمال حرام، ومن صلى في ثوب حرام، هل يسقط ~~عنه فرض الصلاة والحج بذلك، وفيه عن الإمام أحمد روايتان، وهذه الأحاديث ~~المذكورة تدل على أنه لا يتقبل العمل مع مباشرة الحرام، لكن القبول قد يراد ~~به الرضا بالعمل، ومدح فاعله، والثناء عليه بين الملائكة والمباهاة به، وقد ~~يراد به حصول الثواب والأجر عليه، وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة، فإن ~~كان المراد هاهنا القبول بالمعنى الأول أو الثاني، لم يمنع ذلك من سقوط ~~الفرض به من الذمة، كما ورد أنه لا تقبل صلاة الآبق، ولا المرأة التي زوجها ~~عليها ساخط، ولا من أتى كاهنا، ولا من شرب الخمر أربعين يوما، والمراد - ~~والله أعلم - نفي القبول بالمعنى الأول أو الثاني، وهو المراد - والله أعلم ~~- من قوله عز وجل: {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] (المائدة: ~~27) . ولهذا كانت هذه الآية يشتد منها خوف السلف على نفوسهم، فخافوا أن لا ~~يكونوا من المتقين الذين يتقبل منهم. # وسئل أحمد عن معنى " المتقين " فيها، فقال: يتقي الأشياء، فلا يقع فيما ~~لا يحل له. # وقال أبو عبد الله النباجي الزاهد رحمه الله: خمس خصال بها تمام العمل: # PageV01P262 # الإيمان بمعرفة الله عز وجل، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل لله، والعمل على ~~السنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة، لم يرتفع العمل، وذلك أنك إذا عرفت ~~الله عز وجل، ولم تعرف الحق، لم تنتفع، وإذا عرفت الحق، ولم تعرف الله، لم ~~تنتفع، وإن عرفت الله، وعرفت الحق، ولم تخلص العمل، لم تنتفع، وإن عرفت ~~الله، وعرفت الحق، وأخلصت العمل، ولم يكن على السنة، لم تنتفع، وإن تمت ~~الأربع، ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع. # وقال وهب ms134 بن الورد: لو قمت مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما ~~يدخل بطنك حلال أو حرام. # وأما الصدقة بالمال الحرام، فغير مقبولة كما في " صحيح مسلم " عن ابن ~~عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا ~~صدقة من غلول» . # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قال ما ~~تصدق عبد بصدقة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن ~~بيمينه» وذكر الحديث. # وفي " مسند " الإمام أحمد عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لا يكتسب عبد مالا من حرام، فينفق منه، فيبارك فيه، ولا يتصدق به، ~~فيتقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو ~~السيئ بالسيئ، ولكن # PageV01P263 # يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث» . # ويروى من حديث دراج عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من كسب مالا حراما، فتصدق به، لم يكن له فيه أجر، وكان إصره ~~عليه» . # خرجه ابن حبان في " صحيحه " ورواه بعضهم موقوفا على أبي هريرة. # وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~«من أصاب مالا من مأثم، فوصل به رحمه، وتصدق به، أو أنفقه في سبيل الله، ~~جمع ذلك جميعا، ثم قذف به في نار جهنم» ". # وروي عن أبي الدرداء، ويزيد بن ميسرة أنهما جعلا مثل من أصاب مالا من غير ~~حله، فتصدق به مثل من أخذ مال يتيم، وكسا به أرملة. # وسئل ابن عباس عمن كان على عمل، فكان يظلم ويأخذ الحرام، ثم تاب، فهو يحج ~~ويعتق ويتصدق منه، فقال: إن الخبيث لا يكفر الخبيث وكذا قال ابن مسعود: إن ~~الخبيث لا يكفر الخبيث، ولكن الطيب يكفر الخبيث. # وقال الحسن: أيها المتصدق على المسكين يرحمه، ارحم من قد ظلمت. # واعلم أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين: # أحدهما: أن يتصدق به الخائن أو الغاصب ونحوهما، ms135 عن نفسه، فهذا هو # PageV01P264 # المراد من هذه الأحاديث أنه لا يتقبل منه: بمعنى أنه لا يؤجر عليه، بل ~~يأثم بتصرفه في مال غيره بغير إذنه، ولا يحصل للمالك بذلك أجر، لعدم قصده ~~ونيته، كذا قاله جماعة من العلماء، منهم ابن عقيل من أصحابنا، وفي كتاب عبد ~~الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي أنه سأل سعيد بن المسيب قال: وجدت ~~لقطة، أفأتصدق بها، قال: لا تؤجر أنت ولا صاحبها ولعل مراده إذا تصدق بها ~~قبل تعريفها الواجب. ولو أخذ السلطان، أو بعض نوابه من بيت المال مالا ~~يستحقه، فتصدق منه أو أعتق، أو بنى به مسجدا أو غيره مما ينتفع به الناس، ~~فالمنقول عن ابن عمر أنه كالغاصب إذا تصدق بما غصبه، كذلك قيل لعبد الله بن ~~عامر أمير البصرة، وكان الناس قد اجتمعوا عنده في حال موته وهم يثنون عليه ~~ببره وإحسانه، وابن عمر ساكت، فطلب منه أن يتكلم، فروى له حديث " «لا يقبل ~~الله صدقة من غلول» "، ثم قال له: وكنت على البصرة. # وقال أسد بن موسى في " كتاب الورع ": حديث الفضيل بن عياض، عن منصور، عن ~~تميم بن مسلمة، قال: قال ابن عامر لعبد الله بن عمر: أرأيت هذا العقاب التي ~~نسهلها، والعيون التي نفجرها، ألنا فيها أجر؟ فقال ابن عمر: أما علمت أن ~~خبيثا لا يكفر خبيثا قط؟ . # حدثنا عبد الرحمن بن زياد، عن أبي مليح، عن ميمون بن مهران قال: قال ابن ~~عمر لابن عامر وقد سأله عن العتق: فقال مثلك مثل رجل سرق إبل حاج، ثم جاهد ~~بها في سبيل الله، فانظر هل يقبل منه؟ . # وقد كان طائفة من أهل التشديد في الورع كطاوس ووهيب بن الورد # PageV01P265 # يتوقون الانتفاع بما أحدثه مثل هؤلاء الملوك، وأما الإمام أحمد رحمه ~~الله، فإنه رخص فيما فعلوه من المنافع العامة، كالمساجد والقناطر والمصانع، ~~فإن هذه ينفق عليها من مال الفيء، اللهم إلا أن يتيقن أنهم فعلوا أشياء من ~~ذلك بمال حرام كالمكوس والغصوب ونحوها، فحينئذ يتوقى الانتفاع بما ms136 عمل ~~بالمال الحرام، ولعل ابن عمر إنما أنكر عليهم أخذهم لأموال بيت المال ~~لأنفسهم، ودعواهم أن ما فعلوه منها بعد ذلك، فهو صدقة منهم، فإن هذا شبيه ~~بالغصوب، وعلى مثل هذا يحمل إنكار من أنكر من العلماء على الملوك بنيان ~~المساجد. # قال أبو الفرج بن الجوزي: رأيت بعض المتقدمين سئل عمن كسب حلالا وحراما ~~من السلاطين والأمراء، ثم بنى الأربطة والمساجد: هل له ثواب؟ فأفتى بما ~~يوجب طيب قلب المنفق، وأن له في إيقاف ما لا يملكه نوع سمسرة، لأنه لا يعرف ~~أعيان المغصوبين، فيرد عليهم. قال: فقلت واعجبا من متصدرين للفتوى لا ~~يعرفون أصول الشريعة، ينبغي أن ينظر في حال هذا المنفق أولا، فإن كان ~~سلطانا، فما يخرج من بيت المال، فقد عرفت وجوه مصارفه، فكيف يمنع مستحقيه، ~~ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة أو رباط؟ وإن كان من الأمراء ونواب ~~السلاطين، فيجب أن يرد ما يجب رده إلى بيت المال، وإن كان حراما أو غصبا، ~~فكل شيء تصرف فيه حرام، والواجب رده على من أخذ منه، أو ورثته، فإن لم يعرف ~~رده إلى بيت المال يصرف في المصالح أو في الصدقة، ولم يحظ آخذه بغير الإثم. ~~انتهى. # وإنما كلامه في السلاطين الذين عهدهم في وقته الذين يمنعون المستحقين من ~~الفيء حقوقهم، ويتصرفون فيه لأنفسهم تصرف الملاك ببناء ما ينسبونه إليهم من ~~مدارس وأربطة ونحوها مما قد لا يحتاج إليه، ويخص به قوما دون قوم، فأما لو ~~فرض إمام عادل يعطي الناس حقوقهم من الفيء، ثم يبني لهم # PageV01P266 # منه ما يحتاجون إليه من مسجد أو مدرسة، أو مارستان، ونحو ذلك كان ذلك ~~جائزا، ولو كان بعض من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بنى بما أخذ منه بناء ~~محتاجا إليه في حال، يجوز البناء فيه من بيت المال، لكنه ينسبه إلى نفسه، ~~فقد يتخرج على الخلاف في الغاصب إذا رد المال إلى المغصوب منه على وجه ~~الصدقة والهبة هل يبرأ بذلك أم لا؟ وهذا كله إذا بنى على ms137 قدر الحاجة من غير ~~سرف ولا زخرفة. وقد أمر عمر بن عبد العزيز بترميم مسجد البصرة من بيت ~~المال، ونهاهم أن يتجاوزوا ما تصدع منه، وقال: إني لم أجد للبنيان في مال ~~الله حقا. وروي عنه أنه قال: لا حاجة للمسلمين فيما أضر بيت مالهم. # واعلم أن من العلماء من جعل تصرف الغاصب ونحوه في مال غيره موقفا على ~~إجازة مالكه، فإن أجاز تصرفه فيه جاز، وقد حكى بعض أصحابنا رواية عن أحمد ~~أن من أخرج زكاته من مال مغصوب، ثم أجازه المالك، جاز وسقطت عنه الزكاة، ~~وكذلك خرج ابن أبي موسى رواية عن أحمد أنه إذا أعتق عبد غيره عن نفسه ~~ملتزما ضمانه في ماله، ثم أجازه المالك جاز، ونفذ عتقه، وهو خلاف نص أحمد. ~~وحكي عن الحنفية أنه لو غصب شاة، فذبحها لمتعته وقرانه، ثم أجازها المالك ~~أجزأت عنه. # الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب: أن يتصدق به عن صاحبه ~~إذا عجز عن رده إليه أو إلى ورثته، فهذا جائز عند أكثر العلماء، منهم مالك، ~~وأبو حنيفة، وأحمد وغيرهم، قال ابن عبد البر: ذهب الزهري ومالك والثوري، ~~والأوزاعي، والليث إلى أن الغال إذا تفرق أهل العسكر ولم يصل إليهم أنه ~~يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي، روي ذلك عن عبادة بن # PageV01P267 # الصامت ومعاوية، والحسن البصري، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس ~~لأنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه، قال: وقد أجمعوا في ~~اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء ~~مخيرا بين الأجر والضمان، وكذلك الغصوب انتهى. # وروي عن مالك بن دينار، قال: سألت عطاء بن أبي رباح عمن عنده مال حرام، ~~ولا يعرف أربابه، ويريد الخروج منه؟ قال: يتصدق به ولا أقول: إن ذلك يجزئ ~~عنه. قال مالك: كان هذا القول من عطاء أحب إلي من وزنه ذهبا. # وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئا مغصوبا: يرده إليهم، فإن لم يقدر ~~عليهم، تصدق به كله، ولا يأخذ ms138 رأس ماله، وكذا قال فيمن باع شيئا ممن تكره ~~معاملته لشبهة ماله، قال: يتصدق بالثمن، وخالفه ابن المبارك، وقال: يتصدق ~~بالربح خاصة وقال أحمد: يتصدق بالربح. # وكذا قال فيمن ورث مالا من أبيه، وكان أبوه يبيع ممن تكره معاملته: أنه ~~يتصدق منه بمقدار الربح، ويأخذ الباقي. وقد روي عن طائفة من الصحابة نحو ~~ذلك: منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن يزيد الأنصاري. # والمشهور عن الشافعي رحمه الله في الأموال الحرام أنها تحفظ، ولا يتصدق ~~بها حتى يظهر مستحقها. # وكان الفضيل بن عياض يرى أن من عنده مال حرام لا يعرف أربابه، أنه يتلفه، ~~ويلقيه في البحر، ولا يتصدق به، وقال: لا يتقرب إلى الله إلا بالطيب. # والصحيح الصدقة به، لأن إتلاف المال وإضاعته منهي عنه، وإرصاده أبدا ~~تعريض له للإتلاف، واستيلاء الظلمة عليه، والصدقة به ليست عن مكتسبه # PageV01P268 # حتى يكون تقربا منه بالخبيث، وإنما هي صدقة عن مالكه، ليكون نفعه له في ~~الآخرة حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا. # وقوله: «ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، ~~يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب ~~لذلك؟ !» . # هذا الكلام أشار فيه صلى الله عليه وسلم إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب ~~التي تقتضي إجابته، وإلى ما يمنع من إجابته، فذكر من الأسباب التي تقتضي ~~إجابة الدعاء أربعة: أحدها: إطالة السفر، والسفر بمجرده يقتضي إجابة ~~الدعاء، كما في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث ~~دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد ~~لولده» خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وعنده: " دعوة الوالد على ولده ~~". # وروي مثله عن ابن مسعود من قوله: " ومتى طال السفر، كان أقرب إلى إجابة ~~الدعاء؛ لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان، وتحمل ~~المشاق، والانكسار من أعظم أسباب إجابة الدعاء. # والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة بالشعث والاغبرار، وهو - أيضا - ~~من المقتضيات لإجابة الدعاء، كما في الحديث ms139 المشهور عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم «رب # PageV01P269 # أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره» . «ولما ~~خرج النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء، خرج متبذلا متواضعا متضرعا» . ~~وكان مطرف بن عبد الله قد حبس له ابن أخ، فلبس خلقان ثيابه، وأخذ عكازا ~~بيده، فقيل له: ما هذا؟ قال: أستكين لربي، لعله أن يشفعني في ابن أخي. # الثالث: مد يديه إلى السماء، وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها ~~إجابته، وفي حديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى حيي ~~كريم، يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين» خرجه الإمام ~~أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وروي نحوه من حديث أنس وجابر وغيرهما. # «وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض ~~إبطيه» ، «ورفع # PageV01P270 # يديه يوم بدر يستنصر على المشركين حتى سقط رداؤه، عن منكبيه» . # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة رفع يديه في الدعاء أنواع ~~متعددة، فمنها أنه كان يشير بأصبعه السبابة فقط، وروي عنه أنه كان يفعل ذلك ~~على المنبر، وفعله لما ركب راحلته. # وذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه بأصبعه، ~~منهم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، وإسحاق بن راهويه وقال ابن عباس وغيره: ~~هذا هو الإخلاص في الدعاء وقال ابن سيرين: إذا أثنيت على الله، فأشر بأصبع ~~واحدة. # ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو ~~مستقبلها، وجعل بطونهما مما يلي وجهه. وقد رويت هذه الصفة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في دعاء الاستسقاء، واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على ~~هذه الصفة، منهم الجوزجاني. # وقال بعض السلف: الرفع على هذا الوجه تضرع. # PageV01P271 # ومنها عكس ذلك، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء أيضا، ~~وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك، وقال بعضهم: الرفع على هذا ~~الوجه استجارة بالله عز وجل، واستعاذة به، ms140 منهم: ابن عمر، وابن عباس، وأبو ~~هريرة، وروي «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا استعاذ رفع يديه على ~~هذا الوجه» . # ومنها رفع يديه، جعل كفيه إلى السماء وظهورهما إلى الأرض وقد ورد الأمر ~~بذلك في سؤال الله عز وجل في غير حديث، وعن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن ~~سيرين أن هذا هو الدعاء والسؤال لله عز وجل. # ومنها عكس ذلك، وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطنهما مما يلي ~~الأرض وفي " صحيح مسلم " عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار ~~بظهر كفيه إلى السماء» . وخرجه الإمام أحمد رحمه الله ولفظه: " «فبسط يديه، ~~وجعل ظاهرهما مما يلي السماء» " وخرجه أبو داود ولفظه: استسقى هكذا يعني: ~~مد يديه، وجعل بطونهما مما يلي الأرض. وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد ~~الخدري، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة يدعو هكذا ورفع ~~يديه حيال ثندوته، وجعل بطون كفيه مما يلي # PageV01P272 # الأرض» . وهكذا وصف حماد بن سلمة رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ~~بعرفة. وروي عن ابن سيرين أن هذا هو الاستجارة. وقال الحميدي: هذا هو ~~الابتهال. # والرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به ~~إجابة الدعاء، وخرج البزار من حديث عائشة مرفوعا: " «إذا قال العبد: يا رب ~~أربعا، قال الله: لبيك عبدي، سل تعطه» ". # وخرج الطبراني وغيره من حديث سعد بن خارجة: أن «قوما شكوا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم قحوط المطر، فقال: اجثوا على الركب، وقولوا: يا رب يا رب ~~ورفع السبابة إلى السماء، فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم» . # وفي " المسند " وغيره عن الفضل بن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «الصلاة مثنى مثنى، وتشهد في كل ركعتين، وتضرع، وتخشع وتمسكن، وتقنع ~~يديك - يقول: ترفعهما إلى ربك مستقبلا بهما وجهك - وتقول: يا رب يا رب، فمن ~~لم يفعل ذلك فهي خداج» ". # وقال يزيد الرقاشي عن أنس: ما من عبد يقول: يا رب يا ms141 رب يا رب، إلا قال ~~له ربه: " لبيك لبيك ". # PageV01P273 # ثم روي عن أبي الدرداء وابن عباس أنهما كانا يقولان: اسم الله الأكبر رب ~~رب. # وعن عطاء قال: ما قال عبد يا رب يا رب ثلاث مرات، إلا نظر الله إليه، ~~فذكر ذلك للحسن، فقال: أما تقرءون القرآن؟ ثم تلا قوله تعالى: {الذين ~~يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ~~ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار - ربنا إنك من تدخل النار ~~فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار - ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان ~~أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع ~~الأبرار - ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا ~~تخلف الميعاد - فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم} [آل عمران: ~~191 - 195] (آل عمران: 191 - 195) . # ومن تأمل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالبا تفتتح باسم الرب، كقوله ~~تعالى: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} ~~[البقرة: 201] (البقرة: 201) ، {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ~~ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به} [البقرة: 286] (البقرة: 286) ، وقوله: {ربنا لا تزغ قلوبنا ~~بعد إذ هديتنا} [آل عمران: 8] (آل عمران: 8) . ومثل هذا في القرآن كثير. # وسئل مالك وسفيان عمن يقول في الدعاء: يا سيدي، فقالا: يقول: يا رب. زاد ~~مالك: كما قالت الأنبياء في دعائهم. # وأما ما يمنع إجابة الدعاء، فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أنه التوسع ~~في الحرام أكلا # PageV01P274 # وشربا ولبسا وتغذية، وقد سبق حديث ابن عباس في هذا المعنى أيضا، وأن ~~«النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: " أطب مطعمك، تكن مستجاب الدعوة» " ~~فأكل الحلال وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لإجابة الدعاء. # وروى عكرمة بن عمار: حدثنا الأصفر، قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: تستجاب ~~دعوتك من بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما ms142 رفعت إلى فمي ~~لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها، ومن أين خرجت. # وعن وهب بن منبه قال: من سره أن يستجيب الله دعوته، فليطب طعمته. # وعن سهل بن عبد الله قال: من أكل الحلال أربعين صباحا أجيبت دعوته. وعن ~~يوسف بن أسباط قال: بلغنا أن دعاء العبد يحبس عن السماوات بسوء المطعم. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " «فأنى يستجاب لذلك» " معناه: كيف يستجاب له؟ ~~فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد، وليس صريحا في استحالة ~~الاستجابة، ومنعها بالكلية، فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذي به ~~من جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه، وقد يكون ~~ارتكاب المحرمات الفعلية مانعا من الإجابة أيضا، وكذلك ترك الواجبات كما في ~~الحديث أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار، ~~وفعل الطاعات يكون موجبا لاستجابة الدعاء. ولهذا لما توسل الذين دخلوا ~~الغار، وانطبقت # PageV01P275 # الصخرة عليهم بأعمالهم الصالحة التي أخلصوا فيها لله تعالى ودعوا الله ~~بها، أجيبت دعوتهم. # وقال وهب بن منبه: مثل الذي يدعو بغير عمل، كمثل الذي يرمي بغير وتر. ~~وعنه قال: العمل الصالح يبلغ الدعاء، ثم تلا قوله تعالى: {إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] (فاطر: 10) . # وعن عمر قال: بالورع عما حرم الله يقبل الله الدعاء والتسبيح. # وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: يكفي مع البر من الدعاء مثل ما يكفي الطعام ~~من الملح. # وقال محمد بن واسع: يكفي من الدعاء مع الورع اليسير، وقيل لسفيان: لو ~~دعوت الله؟ قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء. # وقال الليث: رأى موسى عليه السلام رجلا رافعا يديه وهو يسأل الله مجتهدا، ~~فقال موسى: أي رب عبدك دعاك حتى رحمته، وأنت أرحم الراحمين، فما صنعت في ~~حاجته؟ فقال: يا موسى لو رفع يديه حتى ينقطع ما نظرت في حاجته حتى ينظر في ~~حقي. # وخرج الطبراني بإسناد ضعيف عن ابن عباس مرفوعا معناه. # وقال مالك بن دينار: أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجا، فأوحى ms143 الله ~~تعالى إلى نبيه أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، # PageV01P276 # وترفعون إلي أكفا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن ~~اشتد غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعدا. # وقال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة، وقد سددت طرقها بالمعاصي، وأخذ بعض ~~الشعراء هذا المعنى فقال: # نحن ندعو الإله في كل كرب ... ثم ننساه عند كشف الكروب # كيف نرجو إجابة لدعاء ... قد سددنا طريقها بالذنوب # PageV01P277 ### | [الحديث الحادي عشر دع ما يريبك إلى ما لا يريبك] # PageV01P277 # الحديث الحادي عشر # عن الحسن بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته رضي الله عنه ~~قال: «حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ~~رواه النسائي والترمذي، وقال: حسن صحيح. #  هذا الحديث خرجه الإمام أحمد، ~~والترمذي، والنسائي، وابن حبان في " صحيحه " والحاكم من حديث بريد بن أبي ~~مريم، عن أبي الحوراء السعدي عن الحسن بن علي، وصححه الترمذي، وأبو الحوراء ~~السعدي، قال الأكثرون: اسمه ربيعة بن شيبان، ووثقه النسائي وابن حبان، ~~وتوقف أحمد في أن أبا الحوراء اسمه ربيعة بن شيبان، ومال إلى التفرقة ~~بينهما، وقال الجوزجاني: أبو الحوراء مجهول لا يعرف. # وهذا الحديث قطعة من حديث طويل فيه ذكر قنوت الوتر، وعند الترمذي # PageV01P278 # وغيره زيادة في هذا الحديث وهي " فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة " ولفظ ~~ابن حبان: " فإن الخير طمأنينة، وإن الشر ريبة ". # وقد خرجه الإمام أحمد بإسناد فيه جهالة عن أنس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وخرجه من وجه آخر أجود منه موقوفا ~~على أنس. # وخرجه الطبراني من رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا، قال ~~الدارقطني: وإنما يروى هذا من قول ابن عمر، وعن عمر، ويروى عن مالك من ~~قوله. انتهى. # ويروى بإسناد ضعيف، عن عثمان بن عطاء الخراساني - وهو ضعيف -، عن أبيه، ~~عن الحسن، عن أبي هريرة، عن «النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ms144 لرجل: " دع ~~ما يريبك إلى ما لا يريبك " قال: وكيف لي بالعلم بذلك؟ قال: " إذا أردت ~~أمرا، فضع يدك على صدرك، فإن القلب يضطرب للحرام، ويسكن للحلال، وإن المسلم ~~الورع يدع الصغيرة مخافة الكبيرة» ". وقد روي عن عطاء الخراساني مرسلا. # وخرج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف عن واثلة بن الأسقع، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وزاد فيه: «قيل له: فمن الورع؟ قال: " الذي يقف عند الشبهة» " # PageV01P279 # وقد روي هذا الكلام موقوفا على جماعة من الصحابة: منهم عمر، وابن عمر، ~~وأبو الدرداء، وعن ابن مسعود، قال: ما تريد إلى ما يريبك وحولك أربعة آلاف ~~لا تريبك؟ ! وقال عمر: دعوا الربا والريبة، يعني: ما ارتبتم فيه، وإن لم ~~تتحققوا أنه ربا. # ومعنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتقائها، فإن الحلال ~~المحض لا يحصل لمؤمن في قلبه منه ريب - والريب: بمعنى القلق والاضطراب - بل ~~تسكن إليه النفس، ويطمئن به القلب، وأما المشتبهات فيحصل بها للقلوب القلق ~~والاضطراب الموجب للشك. # وقال أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: إذا كان العبد ورعا، ترك ما يريبه ~~إلى ما لا يريبه. # وقال الفضيل: يزعم الناس أن الورع شديد، وما ورد علي أمران إلا أخذت ~~بأشدهما، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. # وقال حسان بن أبي سنان: ما شيء أهون من الورع، إذا رابك شيء، فدعه. وهذا ~~إنما يسهل على مثل حسان رحمه الله. # قال ابن المبارك: كتب غلام لحسان بن أبي سنان إليه من الأهواز: إن قصب ~~السكر أصابته آفة، فاشتر السكر فيما قبلك، فاشتراه من رجل، فلم يأت عليه ~~إلا قليل فإذا فيما اشتراه ربح ثلاثين ألفا، قال: فأتى صاحب السكر، فقال: ~~يا هذا إن غلامي كان قد كتب إلي، فلم أعلمك، فأقلني فيما اشتريت منك، فقال ~~له الآخر: قد أعلمتني الآن، وقد طيبته لك، قال: فرجع فلم يحتمل قلبه، ~~فأتاه، فقال: يا هذا إني لم آت هذا الأمر من قبل وجهه، فأحب أن تسترد هذا ~~البيع، قال: فما زال به حتى رده عليه. ms145 # PageV01P280 # وكان يونس بن عبيد إذا طلب المتاع ونفق، وأرسل يشتريه يقول لمن يشتري له: ~~أعلم من تشتري منه أن المتاع قد طلب. # وقال هشام بن حسان: ترك محمد بن سيرين أربعين ألفا فيما لا ترون به اليوم ~~بأسا. # وكان الحجاج بن دينار قد بعث طعاما إلى البصرة مع رجل وأمره أن يبيعه يوم ~~يدخل بسعر يومه، فأتاه كتابه: إني قدمت البصرة، فوجدت الطعام مبغضا فحبسته، ~~فزاد الطعام، فازددت فيه كذا وكذا، فكتب إليه الحجاج: إنك قد خنتنا، وعملت ~~بخلاف ما أمرناك به، فإذا أتاك كتابي، فتصدق بجميع ثمن الطعام على فقراء ~~البصرة، فليتني أسلم إذا فعلت ذلك. # وتنزه يزيد بن زريع عن خمسائة ألف من ميراث أبيه، فلم يأخذه، وكان أبوه ~~يلي الأعمال للسلاطين، وكان يزيد يعمل الخوص، ويتقوت منه إلى أن مات رحمه ~~الله. # وكان المسور بن مخرمة قد احتكر طعاما كثيرا، فرأى سحابا في الخريف فكرهه، ~~فقال: ألا أراني قد كرهت ما ينفع المسلمين؟ فآلى أن لا يربح فيه شيئا، ~~فأخبر بذلك عمر بن الخطاب فقال له عمر: جزاك الله خيرا. # وفي هذا أن المحتكر ينبغي له التنزه عن ربح ما احتكره احتكارا منهيا عنه، ~~وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على التنزه عن ربح ما لم يدخل في ضمانه ~~لدخوله في ربح ما لم يضمن، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ~~أحمد في رواية # PageV01P281 # عنه فيمن أجر ما استأجره بربح: إنه يتصدق بالربح، وقال في رواية عنه في ~~ربح مال المضاربة إذا خالف فيه المضارب: إنه يتصدق به، وقال في رواية عنه ~~فيما إذا اشترى ثمرة قبل صلاحها بشرط القطع، ثم تركها حتى بدا صلاحها: إنه ~~يتصدق بالزيادة، وحمله طائفة من أصحابنا على الاستحباب، لأن الصدقة ~~بالشبهات مستحب. # وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن أكل الصيد للمحرم، فقالت: إنما ~~هي أيام قلائل فما رابك، فدعه يعني ما اشتبه عليك: هل هو حلال أو حرام، ~~فاتركه، فإن الناس اختلفوا في إباحة أكل ms146 الصيد للمحرم إذا لم يصد هو. # وقد يستدل بهذا على أن الخروج من اختلاف العلماء أفضل، لأنه أبعد عن ~~الشبهة، ولكن المحققين من العلماء من أصحابنا وغيرهم على أن هذا ليس هو على ~~إطلاقه، فإن من مسائل الاختلاف ما ثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رخصة ليس لها معارض، فاتباع تلك الرخصة أولى من اجتنابها، وإن لم تكن تلك ~~الرخصة بلغت بعض العلماء، فامتنع منها لذلك، وهذا كمن تيقن الطهارة، وشك في ~~الحدث، فإنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ينصرف حتى يسمع ~~صوتا أو يجد ريحا» ولا سيما إن كان شكه في الصلاة، فإنه لا يجوز له قطعها ~~لصحة النهي # PageV01P282 # عنه، وإن كان بعض العلماء يوجب ذلك. # وإن كان للرخصة معارض، إما من سنة أخرى، أو من عمل الأمة بخلافها، ~~فالأولى ترك العمل بها، وكذا لو كان قد عمل بها شذوذ من الناس، واشتهر في ~~الأمة العمل بخلافها في أمصار المسلمين من عهد الصحابة، فإن الأخذ بما عليه ~~عمل المسلمين هو المتعين، فإن هذه الأمة قد أجارها الله أن يظهر أهل باطلها ~~على أهل حقها، فما ظهر العمل به في القرون الثلاثة المفضلة، فهو الحق، وما ~~عداه فهو باطل. # وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما ~~يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع، فأما من ~~يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشبه، ~~فإنه لا يحتمل له ذلك، بل ينكر عليه، كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم ~~البعوض من أهل العراق: يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين، وسمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «هما ريحانتاي من الدنيا» . # وسأل رجل بشر بن الحارث عن رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها، فقال: إن كان ~~بر أمه في كل شيء، ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل، وإن كان يبرها ~~بطلاق زوجته، ثم يقوم بعد ذلك ms147 إلى أمه، فيضربها، فلا يفعل. # وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل يشتري بقلا، ويشترط الخوصة: يعني التي ~~تربط بها جرزة البقل، فقال أحمد: أيش هذه المسائل؟ ! قيل له: # PageV01P283 # إنه إبراهيم بن أبي نعيم، فقال أحمد: إن كان إبراهيم بن أبي نعيم، فنعم ~~هذا يشبه ذاك. # وإنما أنكر هذه المسائل ممن لا يشبه حاله، وأما أهل التدقيق في الورع ~~فيشبه حالهم هذا، وقد كان الإمام أحمد نفسه يستعمل في نفسه هذا الورع، فإنه ~~أمر من يشتري له سمنا، فجاء به على ورقة فأمر برد الورقة إلى البائع، وكان ~~الإمام أحمد لا يستمد من محابر أصحابه، وإنما يخرج معه محبرته يستمد منها، ~~واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته، فقال له: اكتب فهذا ورع مظلم، واستأذنه ~~آخر في ذلك فتبسم، فقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا، وهذا قاله على وجه ~~التواضع وإلا فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع، وكان ينكره على من لم يصل ~~إلى هذا المقام، بل يتسامح في المكروهات الظاهرة، ويقدم على الشبهات من غير ~~توقف. # وقوله صلى الله عليه وسلم " «فإن الخير طمأنينة وإن الشر ريبة» " يعني: ~~أن الخير تطمئن به القلوب، والشر ترتاب به، ولا تطمئن إليه، وفي هذا إشارة ~~إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، وسيأتي مزيد لهذا الكلام على حديث ~~النواس بن سمعان إن شاء الله تعالى. # وخرج ابن جرير بإسناده عن قتادة، عن بشير بن كعب أنه قرأ هذه الآية: # PageV01P284 # {فامشوا في مناكبها} [الملك: 15] (الملك: 15) ثم قال لجاريته: إن دريت ما ~~مناكبها فأنت حرة لوجه الله، قالت: مناكبها: جبالها، فكأنما سفع في وجهه، ~~ورغب في جاريته، فسألهم، فمنهم من أمره، ومنهم من نهاه، فسأل أبا الدرداء، ~~فقال: الخير طمأنينة والشر ريبة، فذر ما يريبك إلى ما لا يريبك. # وقوله في الرواية الأخرى: " «إن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة» " يشير ~~إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على قول كل قائل كما قال في حديث وابصة: " «وإن ~~أفتاك الناس وأفتوك» " وإنما يعتمد على قول من يقول ms148 الصدق، وعلامة الصدق ~~أنه تطمئن به القلوب، وعلامة الكذب أنه تحصل به الريبة، فلا تسكن القلوب ~~إليه، بل تنفر منه. # ومن هنا كان العقلاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا كلامه ~~وما يدعو إليه، عرفوا أنه صادق، وأنه جاء بالحق، وإذا سمعوا كلام مسيلمة، ~~عرفوا أنه كاذب، وأنه جاء بالباطل، وقد روي أن عمرو بن العاص سمعه قبل ~~إسلامه يدعي أنه أنزل عليه: يا وبر يا وبر، لك أذنان وصدر، وإنك لتعلم يا ~~عمرو، فقال: والله إني لأعلم أنك تكذب. # وقال بعض المتقدمين: صور ما شئت في قلبك، وتفكر فيه، ثم قسه إلى ضده، ~~فإنك إذا ميزت بينهما، عرفت الحق من الباطل، والصدق من الكذب، قال: كأنك ~~تصور محمدا صلى الله عليه وسلم، ثم تتفكر فيما أتى به من القرآن فتقرأ {إن ~~في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر ~~بما ينفع الناس} [البقرة: 164] الآية (البقرة: 164) ، ثم تتصور ضد محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فتجده مسيلمة، فتتفكر فيما جاء به فتقرأ: # PageV01P285 # ألا يا ربة المخدع 26 قد هيئ لك المضجع يعني قوله لسجاح حين تزوج بها، ~~قال: فترى هذا - يعني القرآن - رصينا عجيبا، يلوط بالقلب، ويحسن في السمع، ~~وترى ذا - يعني قول مسيلمة - باردا غثا فاحشا، فتعلم أن محمدا حق أتي بوحي، ~~وأن مسيلمة كذاب أتي بباطل. # PageV01P286 ### | [الحديث الثاني عشر من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه] # PageV01P286 # الحديث الثاني عشر # عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حسن ~~إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» حديث حسن، رواه الترمذي وغيره. #  هذا الحديث خرجه الترمذي، وابن ~~ماجه من رواية الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن ~~أبي هريرة رضي الله عنهم، وقال الترمذي: غريب، وقد حسنه الشيخ المصنف رحمه ~~الله، لأن رجال إسناده ثقات، وقرة بن عبد الرحمن بن حيويل وثقه قوم وضعفه ~~آخرون، وقال ابن عبد البر: هذا ms149 الحديث محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من ~~رواية الثقات، وهذا موافق لتحسين الشيخ له، وأما أكثر الأئمة، فقالوا: ليس ~~هو بمحفوظ بهذا الإسناد وإنما هو محفوظ عن الزهري، عن علي بن حسين، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، كذلك رواه الثقات، عن الزهري، منهم مالك ~~في الموطأ، ويونس، ومعمر، وإبراهيم بن سعد إلا أنه قال: " «من إيمان المرء ~~تركه ما لا يعنيه» " وممن قال: إنه لا يصح إلا عن علي بن حسين مرسلا الإمام ~~أحمد، ويحيى بن معين، # PageV01P287 # والبخاري، والدارقطني، وقد خلط الضعفاء في إسناده على الزهري تخليطا ~~فاحشا، والصحيح فيه المرسل، ورواه عبد الله بن عمر العمري، عن الزهري، عن ~~علي بن حسين، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فوصله وجعله من مسند ~~الحسين بن علي، وخرجه الإمام أحمد في " مسنده " من هذا الوجه، والعمري ليس ~~بالحافظ، وخرجه أيضا من وجه آخر عن الحسين، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وضعفه البخاري في " تاريخه " من هذا الوجه أيضا، وقال: لا يصح إلا عن علي ~~بن حسين مرسلا، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر وكلها ~~ضعيفة. # وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب، وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح، ~~عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال: جماع آداب الخير ~~وأزمته تتفرع من أربعة أحاديث: قول النبي صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» وقوله صلى الله عليه وسلم: «من ~~حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وقوله صلى الله عليه وسلم للذي اختصر له ~~في الوصية: «لا تغضب» وقوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه» . # ومعنى هذا الحديث: أن من حسن إسلامه تركه ما لا يعنيه من قول وفعل، ~~واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال؛ ومعنى يعنيه: أنه تتعلق عنايته ~~به، ويكون من مقصده ومطلوبه، والعناية: شدة الاهتمام بالشيء، يقال عناه ~~يعنيه: إذا اهتم ms150 به وطلبه، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به ولا ~~إرادة بحكم الهوى وطلب النفس، بل بحكم الشرع والإسلام ولهذا جعله من حسن ~~الإسلام، فإذا حسن إسلام المرء، ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال # PageV01P288 # والأفعال، فإن الإسلام يقتضي فعل الواجبات كما سبق ذكره في شرح حديث ~~جبريل عليه السلام. # وإن الإسلام الكامل الممدوح يدخل فيه ترك المحرمات، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» وإذا حسن الإسلام، ~~اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات، وفضول ~~المباحات التي لا يحتاج إليها، فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه، ~~وبلغ إلى درجة الإحسان، وهو أن يعبد الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن ~~يراه، فإن الله يراه، فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو ~~على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أن ~~يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنه يتولد من هذين ~~المقامين الاستحياء من الله وترك كل ما يستحيا منه كما وصى صلى الله عليه ~~وسلم رجلا أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل من صالحي عشيرته لا يفارقه. ~~وفي " المسند " والترمذي عن ابن مسعود مرفوعا: " «الاستحياء من الله تعالى ~~أن تحفظ الرأس وما حوى، وتحفظ البطن وما وعى، ولتذكر الموت والبلى، فمن فعل ~~ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء» ". # PageV01P289 # قال بعضهم: استحي من الله على قدر قربه منك، وخف الله على قدر قدرته ~~عليك. # وقال بعض العارفين: إذا تكلمت، فاذكر سمع الله لك، وإذا سكت، فاذكر نظره ~~إليك. # وقد وقعت الإشارة في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع: كقوله تعالى ~~{ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ~~- إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد - ما يلفظ من قول إلا لديه ~~رقيب عتيد} [ق: 16 - 18] [ق: 16، 17، 17] ، وقوله تعالى: {وما تكون في شأن ms151 ~~وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ~~وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين} [يونس: 61] [يونس: 61] ، وقال تعالى: {أم يحسبون ~~أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} [الزخرف: 80] (الزخرف: ~~80) . # وأكثر ما يراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام كما أشير إلى ~~ذلك في الآيات الأولى التي هي في سورة (ق) . # PageV01P290 # وفي " المسند " من حديث الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من ~~حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه» . # وخرج الخرائطي من حديث ابن مسعود قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~رجل، فقال: يا رسول الله إني مطاع في قومي فما آمرهم؟ قال له: مرهم بإفشاء ~~السلام، وقلة الكلام إلا فيما يعنيهم» . # وفي " صحيح ابن حبان " عن أبي ذر، «عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان ~~في صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على ~~عقله أن تكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة ~~يتفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى ~~العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في ~~غير محرم؛ وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا ~~للسانه، ومن حسب كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه» . # قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: من عد كلامه من عمله، قل كلامه إلا ~~فيما يعنيه. وهو كما قال، فإن كثيرا من الناس لا يعد كلامه من عمله، فيجازف ~~فيه، ولا يتحرى، وقد خفي هذا على معاذ بن جبل حتى «سأل عنه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: أنؤاخذ بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب ~~الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟» . # PageV01P291 # وقد نفى الله الخير ms152 عن كثير مما يتناجى به الناس بينهم، فقال: {لا خير في ~~كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} [النساء: ~~114] (النساء: 114) . # وخرج الترمذي، وابن ماجه من حديث أم حبيبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وذكر الله عز وجل» . # وقد تعجب قوم من هذا الحديث عند سفيان الثوري، فقال سفيان: وما تعجبكم من ~~هذا، أليس قد قال الله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة ~~أو معروف أو إصلاح بين الناس} [النساء: 114] ؟ (النساء: 114) أليس قد قال ~~الله تعالى: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له ~~الرحمن وقال صوابا} [النبأ: 38] (النبأ: 38) . # وخرج الترمذي من حديث أنس قال: «توفي رجل من أصحابه - يعني النبي صلى ~~الله عليه وسلم - فقال رجل: أبشر بالجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أولا تدري، فلعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا يغنيه» وقد روي ~~معنى هذا الحديث من وجوه # PageV01P292 # متعددة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعضها: أنه قتل شهيدا. # وخرج أبو القاسم البغوي في " معجمه " من حديث شهاب بن مالك وكان وفد على ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه «سمع النبي صلى الله عليه وسلم وقالت له ~~امرأة: يا رسول الله ألا تسلم علينا؟ فقال: إنك من قبيل يقللن الكثير، ~~وتمنع ما لا يغنيها، وتسأل عما لا يعنيها» . # وخرجه العقيلي من حديث أبي هريرة مرفوعا: " «أكثر الناس ذنوبا أكثرهم ~~كلاما فيما لا يعنيه» ". # قال عمرو بن قيس الملائي: مر رجل بلقمان والناس عنده، فقال له: ألست عبد ~~بني فلان؟ قال بلى، قال: الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا؟ قال: بلى، فقال: ~~فما بلغ بك ما أرى؟ قال صدق الحديث وطول السكوت عما لا يعنيني. # وقال وهب بن منبه: كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أن مشيا ~~على الماء، فبينما هما يمشيان ms153 في البحر إذ هما برجل يمشي على الهواء، # PageV01P293 # فقالا له: يا عبد الله بأي شيء أدركت هذه المنزلة؟ قال: بيسير من الدنيا: ~~فطمت نفسي عن الشهوات، وكففت لساني عما لا يعنيني، ورغبت فيما دعاني إليه، ~~ولزمت الصمت، فإن أقسمت على الله، أبر قسمي، وإن سألته أعطاني. # دخلوا على بعض الصحابة في مرضه ووجهه يتهلل، فسألوه، عن سبب تهلل وجهه، ~~فقال ما من عمل أوثق عندي من خصلتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وكان ~~قلبي سليما للمسلمين. # وقال مورق العجلي: أمر أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدر عليه ولست ~~بتارك طلبه أبدا، قالوا: وما هو؟ قال: الكف عما لا يعنيني. رواه ابن أبي ~~الدنيا. # وروى أسد بن موسى، حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب قال: «قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أول من يدخل عليكم رجل من أهل الجنة فدخل عبد الله بن ~~سلام، فقام إليه ناس، فأخبروه، وقالوا: أخبرنا بأوثق عملك في نفسك، قال: إن ~~عملي لضعيف، وأوثق ما أرجو به سلامة الصدر، وتركي ما لا يعنيني» . # وروى أبو عبيدة عن الحسن قال: من علامة إعراض الله تعالى، عن العبد أن ~~يجعل شغله فيما لا يعنيه، وقال سهل بن عبد الله التستري: من تكلم فيما # PageV01P294 # لا يعنيه، حرم الصدق، وقال معروف: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من ~~الله عز وجل. # وهذا الحديث يدل على أن ترك ما لا يعني المرء من حسن إسلامه، فإذا ترك ما ~~لا يعنيه، وفعل ما يعنيه كله، فقد كمل حسن إسلامه، وقد جاءت الأحاديث بفضل ~~من حسن إسلامه وأنه تضاعف حسناته، وتكفر سيئاته، والظاهر أن كثرة المضاعفة ~~تكون بحسب حسن الإسلام، ففي " صحيح مسلم "، عن أبي هريرة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب بعشر ~~أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز ~~وجل» فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لابد منه، والزيادة على ذلك تكون بحسب ms154 ~~إحسان الإسلام، وإخلاص النية والحاجة إلى ذلك العمل وفضله، كالنفقة في ~~الجهاد، وفي الحج، وفي الأقارب، وفي اليتامى والمساكين، وأوقات الحاجة إلى ~~النفقة، ويشهد لذلك ما روي عن عطية، عن ابن عمر قال: نزلت: {من جاء بالحسنة ~~فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] [الأنعام: 160] في الأعراب، قيل له: فما ~~للمهاجرين؟ قال: ما هو أكثر، ثم تلا قوله تعالى: {وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت ~~من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] [النساء: 40] . # وخرج النسائي من حديث أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ~~أسلم # PageV01P295 # العبد فحسن إسلامه، كتب الله له كل حسنة كان أزلفها، ومحيت عنه كل سيئة ~~كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك القصاص، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ~~والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله،» وفي رواية أخرى: " وقيل له: ائتنف ~~العمل ". # والمراد بالحسنات والسيئات التي كان أزلفها: ما سبق منه قبل الإسلام، ~~وهذا يدل على أنه يثاب بحسناته في الكفر إذا أسلم وتمحى عنه سيئاته إذا ~~أسلم، لكن بشرط أن يحسن إسلامه، ويتقي تلك السيئات في حال إسلامه، وقد نص ~~على ذلك الإمام أحمد، ويدل على ذلك ما في " الصحيحين " عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه قال: «قلنا: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: أما ~~من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية ~~والإسلام» . # وفي " صحيح مسلم " «عن عمرو بن العاص قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما ~~أسلم: أريد أن أشترط، قال: " تشترط ماذا " قلت: أن يغفر لي، قال: " أما ~~علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟» " وخرجه الإمام أحمد ولفظه: " أن ~~الإسلام يجب ما كان قبله من الذنوب " وهذا محمول على الإسلام الكامل الحسن ~~جمعا بينه وبين حديث ابن مسعود الذي قبله. # وفي " صحيح مسلم " أيضا «عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله أرأيت ~~أمورا كنت أصنعها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجر؟ ~~فقال رسول صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ms155 ما أسلفت من خير وفي رواية له: # PageV01P296 # قال: فقلت: والله لا أدع شيئا صنعته في الجاهلية إلا صنعت في الإسلام ~~مثله، وهذا يدل على أن حسنات الكافر إذا أسلم يثاب عليها» كما دل عليه حديث ~~أبي سعيد المتقدم. # وقد قيل: إن سيئاته في الشرك تبدل حسنات، ويثاب عليها أخذا من قوله ~~تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما - يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا - إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات} [الفرقان: 68 - 70] [الفرقان 68 - 69 - 70] ، وقد اختلف ~~المفسرون في هذا التبديل على قولين: فمنهم من قال: هو في الدنيا بمعنى أن ~~الله يبدل من أسلم وتاب إليه، بدل ما كان عليه من الكفر والمعاصي: الإيمان ~~والأعمال الصالحة، وحكى هذا القول إبراهيم الحربي في " غريب الحديث " عن ~~أكثر المفسرين، وسمى منهم ابن عباس، وعطاء، وقتادة، والسدي، وعكرمة قلت: ~~وهو المشهور عن الحسن. # قال: وقال الحسن وأبو مالك وغيرهما: هي في أهل الشرك خاصة ليس هي في أهل ~~الإسلام. قلت: إنما يصح هذا القول على أن يكون التبديل في الآخرة كما ~~سيأتي، وأما إن قيل: إنه في الدنيا، فالكافر إذا أسلم والمسلم إذا تاب في ~~ذلك سواء، بل المسلم إذا تاب، فهو أحسن حالا من الكافر إذا أسلم. # قال: وقال آخرون: التبديل في الآخرة: جعلت لهم مكان كل سيئة حسنة، منهم ~~عمرو بن ميمون، ومكحول، وابن المسيب، وعلي بن الحسين قال: وأنكره أبو ~~العالية، ومجاهد، وخالد سبلان، وفيه موضع إنكار، ثم ذكر ما حاصله # PageV01P297 # أنه يلزم من ذلك أن يكون من كثرت سيئاته أحسن حالا ممن قلت سيئاته حيث ~~يعطي مكان كل سيئة حسنة، ثم قال: ولو قال قائل: إنما ذكر الله أن يبدل ~~السيئات حسنات ولم يذكر العدد كيف تبدل، فيجوز أن معنى تبدل: أن من عمل ~~سيئة واحدة وتاب منها يبدله الله مائة ألف حسنة، ومن ms156 عمل ألف سيئة أن تبدل ~~ألف حسنة، فيكون حينئذ من قلت سيئاته أحسن حالا. # قلت: هذا القول - وهو التبديل في الآخرة - قد أنكره أبو العالية، وتلا ~~قوله تعالى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو ~~أن بينها وبينه أمدا بعيدا} [آل عمران: 30] (آل عمران: 30) ورده بعضهم ~~بقوله تعالى: {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] (الزلزلة: 8) ~~وقوله تعالى: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا ~~مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ~~ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] (الكهف: 49) ولكن قد أجيب عن هذا بأن ~~التائب يوقف على سيئاته، ثم تبدل حسنات، قال أبو عثمان النهدي: إن المؤمن ~~يؤتى كتابه في ستر من الله عز وجل، فيقرأ سيئاته، فإذا قرأ تغير لها لونه ~~حتى يمر بحسناته، فيقرؤها فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت ~~حسنات، فعند ذلك يقول: {هاؤم اقرءوا كتابيه} [الحاقة: 19] (الحاقة: 19) # PageV01P298 # ورواه بعضهم، عن أبي عثمان عن ابن مسعود، وقال بعضهم:، عن أبي عثمان، عن ~~سلمان. # وفي " صحيح مسلم " من حديث أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها، رجل ~~يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، ~~فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال له: عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، وعملت يوم ~~كذا وكذا، كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه ~~أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: يا رب قد عملت ~~أشياء لا أراها هاهنا قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى ~~بدت نواجذه» . # فإذا بدلت السيئات بالحسنات في حق من عوقب على ذنوبه بالنار، ففي حق من ~~محيت سيئاته بالإسلام والتوبة النصوح أولى، لأن محوها بذلك أحب إلى الله من ~~محوها بالعقاب. # وخرج الحاكم من طريق ms157 الفضل بن موسى عن أبي العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من ~~السيئات قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: الذين بدل الله سيئاتهم حسنات» ، ~~وخرجه ابن أبي حاتم من طريق سليمان بن داود الزهري عن أبي العنبس، عن أبيه، ~~عن أبي هريرة موقوفا، وهو أشبه من المرفوع، ويروى مثل هذا، عن الحسن البصري ~~أيضا ويخالف قوله المشهور: إن التبديل في الدنيا # PageV01P299 # وأما ما ذكره الحربي في التبديل، وأن من قلت سيئاته يزاد في حسناته، ومن ~~كثرت سيئاته يقلل من حسناته، فحديث أبي ذر صريح في رد هذا، وأنه يعطى مكان ~~كل سيئة حسنة. # وأما قوله: يلزم من ذلك أن يكون من كثرت سيئاته أحسن حالا ممن قلت ~~سيئاته، فيقال: إنما التبديل في حق من ندم على سيئاته، وجعلها نصب عينيه، ~~فكلما ذكرها ازداد خوفا، ووجلا، وحياء من الله، ومسارعة إلى الأعمال ~~الصالحة المكفرة كما قال تعالى: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا} ~~[الفرقان: 70] (الفرقان: 70) وما ذكرناه كله داخل في العمل الصالح ومن كانت ~~هذه حاله، فإنه يتجرع من مرارة الندم والأسف على ذنوبه أضعاف ما ذاق من ~~حلاوتها عند فعلها، ويصير كل ذنب من ذنوبه سببا لأعمال صالحة ماحية له، فلا ~~يستنكر بعد هذا تبديل هذه الذنوب حسنات. # وقد وردت أحاديث صريحة في أن الكافر إذا أسلم، وحسن إسلامه، تبدلت سيئاته ~~في الشرك حسنات، فخرج الطبراني من حديث عبد الرحمن بن # PageV01P300 # جبير بن نفير، «عن أبي فروة شطب أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها، ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟ ~~فقال: " أسلمت؟ " فقال: نعم، قال: " فافعل الخيرات، واترك السيئات، فيجعلها ~~الله لك خيرات كلها " قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: " نعم " قال: فما زال ~~يكبر حتى توارى» . # وخرجه من وجه آخر بإسناد ضعيف عن أبي نفيل، عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وخرج ابن أبي حاتم نحوه من حديث ms158 مكحول مرسلا، وخرج البزار الحديث الأول ~~وعنده: عن أبي طويل شطب الممدود أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ~~بمعناه، وكذا خرجه أبو القاسم البغوي في " معجمه " وذكر أن الصواب عن عبد ~~الرحمن بن جبير بن نفير مرسلا أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم طوي ~~شطب، والشطب في اللغة: الممدود، فصحفه بعض الرواة، وظنه اسم رجل. # PageV01P301 ### | [الحديث الثالث عشر لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه] # PageV01P301 # الحديث الثالث عشر # عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن ~~أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.» رواه البخاري ومسلم. #  هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين " ~~من حديث قتادة، عن أنس، ولفظ مسلم " حتى يحب لجاره أو لأخيه " بالشك. # وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: " لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما ~~يحب لنفسه من الخير ". # وهذه الرواية تبين معنى الرواية المخرجة في " الصحيحين "، وأن المراد ~~بنفي الإيمان نفي بلوغ حقيقته ونهايته، فإن الإيمان كثيرا ما ينفى لانتفاء ~~بعض أركانه وواجباته، كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني ~~وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها ~~وهو مؤمن،» وقوله: «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» . # PageV01P302 # وقد اختلف العلماء في مرتكب الكبائر: هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان، أم لا ~~يسمى مؤمنا؟ وإنما يقال: هو مسلم، وليس بمؤمن على قولين، وهما روايتان عن ~~الإمام أحمد. # فأما من ارتكب الصغائر، فلا يزول عنه اسم الإيمان بالكلية، بل هو مؤمن ~~ناقص الإيمان، ينقص من إيمانه بحسب ما ارتكب من ذلك. # والقول بأن مرتكب الكبائر يقال له: مؤمن ناقص الإيمان مروي عن جابر بن ~~عبد الله، وهو قول ابن المبارك وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم، والقول بأنه مسلم، ~~ليس بمؤمن مروي عن أبي جعفر محمد بن علي، وذكر بعضهم أنه المختار عند أهل ~~السنة. # وقال ابن عباس: الزاني ينزع منه نور الإيمان. وقال أبو ms159 هريرة: ينزع منه ~~الإيمان، فيكون فوقه كالظلة، فإن تاب عاد إليه. # وقال عبد الله بن رواحة وأبو الدرداء: الإيمان كالقميص، يلبسه الإنسان ~~تارة، ويخلعه تارة أخرى، وكذا قال الإمام أحمد رحمه الله وغيره، والمعنى: ~~أنه إذا كمل خصال الإيمان، لبسه، فإذا نقص منها شيء نزعه، وكل هذا إشارة ~~إلى الإيمان الكامل التام الذي لا ينقص من واجباته شيء. # والمقصود أن من جملة خصال الإيمان الواجبة أن يحب المرء لأخيه المؤمن ما ~~يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، فإذا زال ذلك عنه، فقد نقص إيمانه ~~بذلك. وقد روي أن «النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة: أحب للناس ما ~~تحب لنفسك # PageV01P303 # تكن مسلما» خرجه الترمذي وابن ماجه. # وخرج الإمام أحمد من حديث معاذ أنه «سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~أفضل الإيمان، قال: أفضل الإيمان أن تحب لله وتبغض لله، وتعمل لسانك في ذكر ~~الله، قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: أن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ~~ما تكره لنفسك، وأن تقول خيرا أو تصمت» . # وقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم دخول الجنة على هذه الخصلة؛ ففي " مسند ~~" الإمام أحمد رحمه الله «عن يزيد بن أسد القسري قال: قال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أتحب الجنة "؟ قلت: نعم، قال: " فأحب لأخيك ما تحب ~~لنفسك» ". # وفي " صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو ~~مؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» . # وفيه أيضا «عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ~~ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين، ولا ~~تولين مال يتيم» . # PageV01P304 # وإنما نهاه عن ذلك، لما رأى من ضعفه، وهو صلى الله عليه وسلم يحب هذا لكل ~~ضعيف، وإنما كان يتولى أمور الناس، لأن الله ms160 قواه على ذلك، وأمره بدعاء ~~الخلق كلهم إلى طاعته، وأن يتولى سياسة دينهم ودنياهم. # وقد روي «عن علي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم إني أرضى لك ما ~~أرضى لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقرأ القرآن وأنت جنب، ولا أنت ~~راكع، ولا أنت ساجد» . # وكان محمد بن واسع يبيع حمارا له، فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته ~~لم أبعه، وهذه إشارة منه إلى أنه لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه، وهذا ~~كله من جملة النصيحة لعامة المسلمين التي هي من جملة الدين كما سبق تفسير ~~ذلك في موضعه. # PageV01P305 # وقد ذكرنا فيما تقدم حديث النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه ~~عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» خرجاه في " الصحيحين "، وهذا يدل ~~على أن المؤمن يسوءه ما يسوء أخاه المؤمن، ويحزنه ما يحزنه. # وحديث أنس الذي نتكلم الآن فيه يدل على أن المؤمن يسره ما يسر أخاه ~~المؤمن، ويريد لأخيه المؤمن ما يريده لنفسه من الخير، وهذا كله إنما يأتي ~~من كمال سلامة الصدر من الغل والغش والحسد، فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد ~~أن يفوقه أحد في خير، أو يساويه فيه، لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله، ~~وينفرد بها عنهم، والإيمان يقتضي خلاف ذلك، وهو أن يشركه المؤمنون كلهم ~~فيما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء. # وقد مدح الله تعالى في كتابه من لا يريد العلو في الأرض ولا الفساد، ~~فقال: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا} ~~[القصص: 83] (القصص: 83) . وروى ابن جرير بإسناد فيه نظر عن علي رضي الله ~~عنه قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه ~~فيدخل في قوله: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83] . وكذا روي عن الفضيل ms161 بن عياض في ~~هذه الآية، قال: لا يحب أن يكون نعله أجود من نعل غيره، ولا شراكه أجود من ~~شراك غيره. # وقد قيل: إن هذا محمول على أنه إذا أراد الفخر على غيره لا مجرد التجمل، ~~قال عكرمة وغيره من المفسرين في هذه الآية: العلو في الأرض: # PageV01P306 # التكبر، وطلب الشرف والمنزلة عند ذي سلطانها، والفساد: العمل بالمعاصي. # وقد ورد ما يدل على أنه لا يأثم من كره أن يفوقه من الناس أحد في الجمال، ~~فخرج الإمام أحمد رحمه الله والحاكم في " صحيحه " من حديث ابن مسعود رضي ~~الله عنه، قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعنده مالك بن مرارة ~~الرهاوي، فأدركته وهو يقول: يا رسول الله، قد قسم لي من الجمال ما ترى، فما ~~أحب أحدا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما، أليس ذلك هو البغي؟ فقال: " ~~لا، ليس ذلك بالبغي، ولكن البغي من بطر - أو قال: - سفه الحق وغمص الناس» ~~". # وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم معناه، وفي حديثه: " الكبر " بدل " البغي ". # فنفى أن يكون كراهته لأن يفوقه أحد في الجمال بغيا أو كبرا، وفسر الكبر ~~والبغي ببطر الحق، وهو التكبر عليه، والامتناع من قبوله كبرا إذا خالف ~~هواه، ومن هنا قال بعض السلف: التواضع أن تقبل الحق من كل من جاء به، وإن ~~كان صغيرا، فمن قبل الحق ممن جاء به، سواء كان صغيرا أو كبيرا، وسواء كان ~~يحبه أو لا يحبه، فهو متواضع، ومن أبى قبول الحق تعاظما عليه، فهو متكبر. # وغمص الناس: هو احتقارهم وازدراؤهم، وذلك يحصل من النظر إلى النفس بعين ~~الكمال، وإلى غيره بعين النقص. # PageV01P307 # وفي الجملة، فينبغي للمؤمن أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما ~~يكره لنفسه، فإن رأى في أخيه المسلم نقصا في دينه، اجتهد في إصلاحه. # قال بعض الصالحين من السلف: أهل المحبة لله نظروا بنور الله، وعطفوا على ~~أهل معاصي الله، مقتوا أعمالهم، وعطفوا عليهم ليزيلوهم بالمواعظ ms162 عن فعالهم، ~~وأشفقوا على أبدانهم من النار، ولا يكون المؤمن مؤمنا حقا حتى يرضى للناس ~~ما يرضاه لنفسه، وإن رأى في غيره فضيلة فاق بها عليه فتمنى لنفسه مثلها، ~~فإن كانت تلك الفضيلة دينية، كان حسنا، وقد تمنى النبي صلى الله عليه وسلم ~~لنفسه منزلة الشهادة. # وقال صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا، ~~فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن، فهو يقرؤه آناء ~~الليل وآناء النهار» . # «وقال في الذي رأى من ينفق ماله في طاعة الله، فقال: " لو أن لي مالا، ~~لفعلت فيه كما فعل، فهما في الأجر سواء» " وإن كانت دنيوية، فلا خير في ~~تمنيها، كما قال تعالى: {فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة ~~الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم - وقال الذين أوتوا ~~العلم # PageV01P308 # ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا} [القصص: 79 - 80] (القصص: 79 - ~~80) . وأما قول الله عز وجل: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} ~~[النساء: 32] (النساء: 32) ، فقد فسر ذلك بالحسد، وهو تمني الرجل نفس ما ~~أعطي أخوه من أهل ومال، وأن ينتقل ذلك إليه، وفسر بتمني ما هو ممتنع شرعا ~~أو قدرا، كتمني النساء أن يكن رجالا، أو يكون لهن مثل ما للرجال من الفضائل ~~الدينية كالجهاد، والدنيوية كالميراث، والعقل والشهادة ونحو ذلك. وقيل: إن ~~الآية تشمل ذلك كله. # ومع هذا كله، فينبغي للمؤمن أن يحزن لفوات الفضائل الدينية، ولهذا أمر أن ~~ينظر في الدين إلى من فوقه، وأن ينافس في طلب ذلك جهده وطاقته، كما قال ~~تعالى: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (المطففين: 26) ولا يكره أن أحدا ~~يشاركه في ذلك، بل يحب للناس كلهم المنافسة فيه، ويحثهم على ذلك، وهو من ~~تمام أداء النصيحة للإخوان. كما قال الفضيل: إن كنت تحب أن يكون الناس ~~مثلك، فما أديت النصيحة لربك، كيف وأنت تحب أن يكونوا دونك؟ ! يشير إلى أن ~~النصيحة لهم أن يحب أن يكونوا فوقه، ms163 وهذه منزلة عالية، ودرجة رفيعة في ~~النصح، وليس ذلك بواجب، وإنما المأمور به في الشرع أن يحب أن يكونوا مثله، ~~ومع هذا، فإذا فاقه أحد في فضيلة دينية، اجتهد على لحاقه، وحزن على تقصير ~~نفسه، وتخلفه عن لحاق السابقين، لا حسدا لهم على ما آتاهم الله، بل منافسة ~~لهم، وغبطة وحزنا على النفس بتقصيرها وتخلفها عن درجات السابقين. # وينبغي للمؤمن أن لا يزال يرى نفسه مقصرا عن الدرجات العالية، فيستفيد ~~بذلك أمرين نفيسين: الاجتهاد في طلب الفضائل، والازدياد منها، والنظر إلى ~~نفسه بعين النقص، وينشأ من هذا أن يحب للمؤمنين أن يكونوا خيرا منه، لأنه ~~لا يرضى لهم أن يكونوا على مثل حاله، كما أنه لا يرضى لنفسه بما هي عليه، # PageV01P309 # بل يجتهد في إصلاحها. وقد قال محمد بن واسع لابنه: أما أبوك، فلا كثر ~~الله في المسلمين مثله. # فمن كان لا يرضى عن نفسه، فكيف يحب للمسلمين أن يكونوا مثله مع نصحه لهم؟ ~~بل هو يحب للمسلمين أن يكونوا خيرا منه، ويحب لنفسه أن يكون خيرا مما هو ~~عليه. # وإن علم المرء أن الله قد خصه على غيره بفضل، فأخبر به لمصلحة دينية، ~~وكان إخباره على سبيل التحدث بالنعم، ويرى نفسه مقصرا في الشكر، كان جائزا، ~~فقد قال ابن مسعود: ما أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني، ولا يمنع هذا أن يحب ~~للناس أن يشاركوه فيما خصه الله به، فقد قال ابن عباس: إني لأمر على الآية ~~من كتاب الله، فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم. وقال الشافعي: وددت ~~أن الناس تعلموا هذا العلم، ولم ينسب إلي منه شيء. وكان عتبة الغلام إذا ~~أراد أن يفطر يقول لبعض إخوانه المطلعين على أمره وأعماله: أخرج إلي ماء أو ~~تمرات أفطر عليها؛ ليكون لك أجر مثل أجري. # PageV01P310 ### | [الحديث الرابع عشر لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث] # PageV01P310 # الحديث الرابع عشر # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا ms164 يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، ~~والتارك لدينه المفارق للجماعة» رواه البخاري ومسلم. #  هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين " ~~من رواية الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود، وفي رواية ~~لمسلم: " التارك للإسلام " بدل قوله: " لدينه " وفي هذا المعنى أحاديث ~~متعددة: فخرج مسلم من حديث عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث ~~ابن مسعود. # وخرج الترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث عثمان عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو ~~زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس» . وفي رواية للنسائي: " «رجل زنى ~~بعد # PageV01P311 # إحصانه، فعليه الرجم، أو قتل عمدا، فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه، ~~فعليه القتل» ". # وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عباس وأبي ~~هريرة وأنس بن مالك وغيرهم، وقد ذكرنا حديث أنس فيما تقدم، وفيه تفسير أن ~~هذه الثلاث خصال هي حق الإسلام التي يستباح بها دم من شهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله، والقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق ~~عليه بين المسلمين. # فأما زنا الثيب، فأجمع المسلمون على أن حده الرجم حتى يموت، وقد «رجم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية» ، وكان في القرآن الذي نسخ ~~لفظه: " والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة نكالا من الله، والله عزيز ~~حكيم ". # وقد استنبط ابن عباس الرجم من القرآن من قوله تعالى: {ياأهل الكتاب قد ~~جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير} ~~[المائدة: 15] (المائدة: 15) ، قال: فمن كفر بالرجم، فقد كفر بالقرآن من ~~حيث لا يحتسب، # PageV01P312 # ثم تلا هذه الآية وقال: كان الرجم مما أخفوا. أخرجه النسائي، والحاكم، ~~وقال: صحيح الإسناد. # ويستنبط أيضا من قوله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} [المائدة: 44] إلى قوله: {وأن احكم ~~بينهم بما ms165 أنزل الله} [المائدة: 49] [المائدة: 44 - 49] وقال الزهري: بلغنا ~~أنها نزلت في اليهوديين اللذين رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إني ~~أحكم بما في التوارة " وأمر بهما فرجما. # وخرج مسلم في " صحيحه " من حديث البراء بن عازب قصة رجم اليهوديين، وقال ~~في حديثه: فأنزل الله: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} ~~[المائدة: 41] [المائدة: 41] وأنزل: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} [المائدة: 44] [المائدة: 44] في الكفار كلها. # وخرجه الإمام أحمد وعنده: فأنزل الله: {لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} ~~[المائدة: 41] إلى قوله: {إن أوتيتم هذا فخذوه} [المائدة: 41] [المائدة: ~~41] يقولون: ائتوا محمدا، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد، فخذوه، وإن أفتاكم ~~بالرجم فاحذروا، إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ~~[المائدة: 44] [المائدة: 44] قال: في اليهود. # وروي من حديث جابر قصة رجم اليهوديين، وفي حديثه قال: فأنزل الله: # PageV01P313 # {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42] إلى قوله: {وإن حكمت ~~فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة: 42] [المائدة: 42] . # وكان الله تعالى قد أمر أولا بحبس النساء الزواني إلى أن يتوفاهن الموت ~~أو يجعل الله لهن سبيلا، ثم جعل الله لهن سبيلا، ففي " صحيح مسلم " عن ~~عبادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله ~~لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ~~والرجم» . # وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعة من العلماء، وأوجبوا جلد الثيب مائة، ثم ~~رجمه كما فعل علي بشراحة الهمدانية، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. يشير إلى أن كتاب الله فيه جلد الزانيين من ~~غير تفصيل بين ثيب وبكر، وجاءت السنة برجم الثيب خاصة مع استنباطه من ~~القرآن أيضا، # PageV01P314 # وهذا القول هو المشهور، عن الإمام أحمد رحمه الله وإسحاق، وهو قول الحسن ~~وطائفة من السلف. # وقالت طائفة منهم: إن كان الثيبان شيخين رجما وجلدا، وإن كانا شابين، ~~رجما بغير جلد، لأن ذنب الشيخ أقبح، لا سيما بالزنا، وهذا قول أبي ms166 بن كعب، ~~وروي عنه مرفوعا، ولا يصح رفعه، وهو رواية عن أحمد وإسحاق أيضا. # وأما النفس بالنفس، فمعناه أن المكلف إذا قتل نفسا بغير حق عمدا، فإنه ~~يقتل بها، وقد دل القرآن على ذلك بقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس} [المائدة: 45] [المائدة: 45] وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كتب ~~عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} ~~[البقرة: 178] [البقرة: 78] . # ويستثنى من عموم قوله: {النفس بالنفس} [المائدة: 45] صور: منها أن يقتل ~~الوالد ولده، فالجمهور على أنه لا يقتل به، وصح ذلك عن عمر. وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، وقد تكلم في أسانيدها، وقال # PageV01P315 # مالك: إن تعمد قتله تعمدا لا يشك فيه، مثل أن يذبحه، فإنه يقتل به، وإن ~~حذفه بسيف أو عصا، لم يقتل: وقال البتي: يقتل بقتله بجميع وجوه العمد ~~للعمومات. # ومنها: أن يقتل الحر عبدا، فالأكثرون على أنه لا يقتل به، وقد وردت في ~~ذلك أحاديث في أسانيدها مقال وقيل: يقتل بعبد غيره دون عبده، وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه، وقيل يقتل بعبده وعبد غيره، وهي رواية عن الثوري، وقول ~~طائفة من أهل الحديث؛ لحديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «من قتل ~~عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه» " وقد طعن فيه الإمام أحمد وغيره. # وقد أجمعوا على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار في الأطراف، وهذا يدل ~~على أن هذا الحديث مطرح لا يعمل به، وهذا مما يستدل به على أن المراد بقوله ~~تعالى: {النفس بالنفس} [المائدة: 45] [المائدة: 45] الأحرار، لأنه ذكر بعده ~~القصاص في الأطراف، وهو يختص بالأحرار. # PageV01P316 # ومنها أن يقتل المسلم كافرا، فإن كان حربيا، لم يقتل به بغير خلاف، لأن ~~قتل الحربي مباح بلا ريب، وإن كان ذميا أو معاهدا، فالجمهور على أنه لا ~~يقتل به أيضا، وفي " صحيح البخاري " عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لا يقتل مسلم بكافر» . # وقال أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الكوفيين: يقتل به، وقد روى ربيعة عن أبي ~~البيلماني، ms167 «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل رجلا من أهل القبلة برجل ~~من أهل الذمة، وقال: " أنا أحق من وفى بذمته» " وهذا مرسل ضعيف قد ضعفه ~~الإمام أحمد، وأبو عبيد، وإبراهيم الحربي، والجوزجاني، وابن المنذر، ~~والدارقطني، وقال ابن البيلماني: ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف ~~بما يرسله؟ وقال الجوزجاني: إنما أخذه ربيعة، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن ~~ابن المنكدر، عن ابن البيلماني، وابن أبي يحيى متروك الحديث، وفي " مراسيل ~~أبي داود " حديث آخر مرسل أن «النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلما ~~بكافر قتله غيلة، وقال: " أنا أولى وأحق من وفى بذمته» " وهذا مذهب مالك ~~وأهل المدينة أن القتل غيلة لا تشترط له المكافأة، فيقتل فيه المسلم ~~بالكافر، وعلى هذا حملوا حديث ابن البيلماني أيضا على تقدير صحته. # ومنها: أن يقتل الرجل امرأة، فيقتل بها بغير خلاف، وفي كتاب عمرو بن حزم ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل يقتل بالمرأة. وصح «أنه صلى الله ~~عليه وسلم قتل يهوديا قتل # PageV01P317 # جارية» وأكثر العلماء على أنه لا يدفع إلى أولياء الرجل شيء. وروي عن علي ~~أنه يدفع إليهم نصف الدية، لأن دية المرأة نصف دية الرجل وهو قول طائفة من ~~السلف وأحمد في رواية عنه. # وأما التارك لدينه المفارق للجماعة، فالمراد به من ترك الإسلام، وارتد ~~عنه، وفارق جماعة المسلمين، كما جاء التصريح بذلك في حديث عثمان، وإنما ~~استثناه مع من يحل دمه من أهل الشهادتين باعتبار ما كان عليه قبل الردة ~~وحكم الإسلام لازم له بعدها، ولهذا يستتاب، ويطلب منه العود إلى الإسلام، ~~وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الردة من العبادات اختلاف مشهور بين ~~العلماء. # وأيضا فقد يترك دينه، ويفارق الجماعة، وهو مقر بالشهادتين، ويدعي ~~الإسلام، كما إذا جحد شيئا من أركان الإسلام، أو سب الله ورسوله، أو كفر ~~ببعض الملائكة أو النبيين أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك، وفي ~~" صحيح البخاري " عن ابن عباس، عن النبي صلى ms168 الله عليه وسلم قال: «من بدل ~~دينه فاقتلوه» . # ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة عند أكثر العلماء، ومنهم من قال: لا ~~تقتل المرأة إذا ارتدت كما لا تقتل نساء أهل الحرب في الحرب، وإنما تقتل ~~رجالهم، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، وجعلوا الكفر الطارئ كالأصلي، ~~والجمهور فرقوا بينهما، وجعلوا الطارئ أغلظ لما سبقه من الإسلام، ولهذا ~~يقتل بالردة عنه من لا يقتل من أهل الحرب، كالشيخ الفاني والزمن والأعمى، ~~ولا يقتلون في الحرب. # PageV01P318 # وقوله صلى الله عليه وسلم: " «التارك لدينه المفارق للجماعة» " يدل على ~~أنه لو تاب ورجع إلى الإسلام، لم يقتل، لأنه ليس بتارك لدينه بعد رجوعه، ~~ولا مفارق للجماعة. # فإن قيل: بل استثناء هذا ممن يعصم دمه من أهل الشهادتين يدل على أنه يقتل ~~ولو كان مقرا بالشهادتين، كما يقتل الزاني المحصن، وقاتل النفس، وهذا يدل ~~على أن المرتد لا تقبل توبته، كما حكي عن الحسن، أو أن يحمل ذلك على من ~~ارتد ممن ولد على الإسلام، فإنه لا تقبل توبته، وإنما تقبل توبة من كان ~~كافرا، ثم أسلم، ثم ارتد على قول طائفة من العلماء، منهم: الليث بن سعد، ~~وأحمد في رواية عنه، وإسحاق، قيل: إنما استثناه من المسلمين باعتبار ما كان ~~عليه قبل مفارقة دينه كما سبق تقريره، وليس هذا كالثيب الزاني، وقاتل ~~النفس، لأن قتلهما وجب عقوبة لجريمتهما الماضية، ولا يمكن تلافي ذلك. # وأما المرتد، فإنما قتل لوصف قائم به في الحال، وهو ترك دينه ومفارقة ~~الجماعة، فإذا عاد إلى دينه، وإلى موافقة الجماعة، فالوصف الذي أبيح به دمه ~~قد انتفى، فتزول إباحة دمه، والله أعلم. # فإن قيل: فقد خرج النسائي من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل ~~متعمدا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ~~ينفى من الأرض» وهذا يدل على أن المراد من جمع بين الردة والمحاربة. # قيل: قد خرج ms169 أبو داود حديث عائشة بلفظ آخر، وهو أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~رسول الله # PageV01P319 # إلا في إحدى ثلاث: زنى بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل خرج محاربا لله ورسوله، ~~فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفسا فيقتل بها» . # وهذا يدل على أن من وجد منه الحراب من المسلمين، خير الإمام فيه مطلقا، ~~كما يقوله علماء أهل المدينة مالك وغيره، والرواية الأولى قد تحمل على أن ~~المراد بخروجه عن الإسلام خروجه عن أحكام الإسلام، وقد تحمل على ظاهرها، ~~ويستدل بذلك من يقول: إن آية المحاربة تختص بالمرتدين، فمن ارتد وحارب، فعل ~~به ما في الآية، ومن حارب من غير ردة، أقيمت عليه أحكام المسلمين من القصاص ~~والقطع في السرقة، وهذا رواية عن أحمد لكنها غير مشهورة عنه، وكذا قال ~~طائفة من السلف: إن آية المحاربة تختص بالمرتدين، منهم أبو قلابة وغيره. # وبكل حال، فحديث عائشة ألفاظه مختلفة، وقد روي عنها مرفوعا، وروي عنها ~~موقوفا، وحديث ابن مسعود لفظه لا اختلاف فيه، وهو ثابت متفق على صحته، ولكن ~~يقال على هذا: إنه قد ورد قتل المسلم بغير إحدى هذه الخصال الثلاث: فمنها ~~في اللواط، وقد جاء من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«اقتلوا الفاعل والمفعول به» وأخذ به كثير من العلماء كمالك وأحمد، وقالوا: ~~إنه موجب للقتل بكل حال، محصنا كان أو غير محصن، وقد روي عن عثمان أنه قال: ~~لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأربع، فذكر الثلاثة المتقدمة، وزاد: ورجل عمل عمل ~~قوم لوط. # PageV01P320 # ومنها من أتى ذات محرم، وقد روي الأمر بقتله، وروي أن «النبي صلى الله ~~عليه وسلم قتل من تزوج بامرأة أبيه» ، وأخذ بذلك طائفة من العلماء، وأوجبوا ~~قتله مطلقا محصنا كان أو غير محصن. # ومنها الساحر، وفي " الترمذي " من حديث جندب مرفوعا: " «حد الساحر ضربة ~~بالسيف» " وذكر أن الصحيح وقفه على جندب، ms170 وهو مذهب جماعة من العلماء، منهم ~~عمر بن عبد العزيز ومالك وأحمد وإسحاق، ولكن هؤلاء يقولون: إنه يكفر بسحره، ~~فيكون حكمه حكم المرتدين. # ومنها قتل من وقع على بهيمة، وقد ورد فيه حديث مرفوع، وقال به طائفة من ~~العلماء. # PageV01P321 # ومنها من ترك الصلاة، فإنه يقتل عند كثير من العلماء مع قولهم: إنه ليس ~~بكافر، وقد سبق ذكر ذلك مستوفى. # ومنها قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، وقد ورد الأمر به عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من وجوه متعددة، وأخذ بذلك عبد الله بن عمرو بن العاص ~~وغيره، وأكثر العلماء على أن القتل انتسخ، وروي أن «النبي صلى الله عليه ~~وسلم أتي بالشارب في المرة الرابعة، فلم يقتله» وفي " صحيح البخاري " «أن ~~رجلا كان يؤتى به النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر، فلعنه رجل، وقال: ما ~~أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تلعنه، فإنه يحب ~~الله ورسوله " ولم يقتله بذلك» . # وقد روي قتل السارق في المرة الخامسة، وقيل: إن بعض الفقهاء ذهب إليه. # PageV01P322 # ومنها ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «إذا بويع لخليفتين، ~~فاقتلوا الآخر منهما» " خرجه مسلم من حديث أبي سعيد، وقد ضعف العقيلي ~~أحاديث هذا الباب كلها. # ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، ~~فأراد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه " وفي رواية: " فاضربوا رأسه ~~بالسيف كائنا من كان» وقد خرجه مسلم أيضا من رواية عرفجة. # ومنها: من شهر السلاح، فخرج النسائي من حديث ابن الزبير، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " «من شهر السلاح ثم وضعه، فدمه هدر» " وقد روي عن ابن ~~الزبير مرفوعا وموقوفا. وقال البخاري: إنما هو موقوف. # وسئل أحمد عن معنى هذا الحديث، فقال: ما أدري ما هذا. وقال إسحاق بن ~~راهويه: إنما يريد من شهر سلاحه ثم وضعه في الناس حتى استعرض الناس، فقد حل ~~قتله، وهو مذهب الحرورية يستعرضون الرجال # PageV01P323 # والنساء والذرية. وقد روي عن ms171 عائشة ما يخالف تفسير إسحاق، فخرج الحاكم من ~~رواية علقمة بن أبي علقمة عن أمه أن غلاما شهر السيف على مولاه في إمرة ~~سعيد بن العاص، وتفلت به عليه، فأمسكه الناس عنه، فدخل المولى على عائشة، ~~فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «من أشار بحديدة إلى أحد ~~من المسلمين يريد قتله، فقد وجب دمه» " فأخذه مولاه فقتله، وقال: صحيح على ~~شرط الشيخين. # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قتل دون ماله، فهو ~~شهيد، وفي رواية: ومن قتل دون دمه فهو شهيد» . # فإذا أريد مال المرء أو دمه، دافع عنه بالأسهل. هذا مذهب الشافعي وأحمد، ~~وهل يجب أن ينوي أنه لا يريد قتله أم لا؟ فيه روايتان عند الإمام أحمد. # وذهب طائفة إلى أن من أراد ماله أو دمه، أبيح له قتله ابتداء، ودخل على ~~ابن عمر لص، فقام إليه بالسيف صلتا، فلولا أنهم حالوا بينه وبينه، لقتله. # وسئل الحسن عن لص دخل بيت رجل ومعه حديدة، قال: اقتله بأي قتلة قدرت ~~عليه، وهؤلاء أباحوا قتله وإن ولى هاربا من غير جناية، منهم أيوب ~~السختياني. # وخرج الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " «الدار # PageV01P324 # حرمك، فمن دخل عليك حرمك، فاقتله» " ولكن في إسناده ضعف. # ومنها قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على المسلمين، وقد توقف فيه ~~أحمد، وأباح قتله طائفة من أصحاب مالك، وابن عقيل من أصحابنا، ومن المالكية ~~من قال: إن تكرر ذلك منه أبيح قتله، واستدل من أباح قتله بقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حق «حاطب بن أبي بلتعة لما كتب الكتاب إلى أهل مكة ~~يخبرهم بسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ويأمرهم بأخذ حذرهم فاستأذن ~~عمر في قتله، فقال: إنه شهد بدرا» فلم يقل: إنه لم يأت بما يبيح دمه، وإنما ~~علل بوجود مانع من قتله، وهو شهوده بدرا ومغفرة الله لأهل بدر، وهذا المانع ~~منتف في حق من بعده. ms172 ومنها ما خرجه أبو داود في " المراسيل " من رواية ابن ~~المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «من ضرب أباه فاقتلوه» " وروي ~~مسندا من وجه آخر لا يصح. # واعلم أن من هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصح ولا يعرف به قائل معتبر، ~~كحديث " «من ضرب أباه فاقتلوه» "، وحديث: " «قتل السارق في المرة الخامسة» ~~" وباقي النصوص كلها يمكن ردها إلى حديث ابن مسعود، وذلك أن حديث ابن مسعود ~~تضمن أنه لا يستباح دم المسلم إلا بإحدى ثلاث # PageV01P325 # خصال: إما أن يترك دينه ويفارق جماعة المسلمين، وإما أن يزني وهو محصن، ~~وإما أن يقتل نفسا بغير حق. # فيؤخذ منه أن قتل المسلم لا يستباح إلا بأحد ثلاثة أنواع: ترك الدين، ~~وإراقة الدم المحرم، وانتهاك الفرج المحرم، فهذه الأنواع الثلاثة هي التي ~~تبيح دم المسلم دون غيرها. # فأما انتهاك الفرج المحرم، فقد ذكر في الحديث أنه الزنا بعد الإحصان، ~~وهذا - والله أعلم - على وجه المثال، فإن المحصن قد تمت عليه النعمة بنيل ~~هذه الشهوة بالنكاح، فإذا أتاها بعد ذلك من فرج محرم عليه، أبيح دمه، وقد ~~ينتفي شرط الإحصان، فيخلفه شرط آخر، وهو كون الفرج لا يستباح بحال، إما ~~مطلقا كاللواط، أو في حق الواطئ، كمن وطئ ذات محرم بعقد أو غيره، فهذا ~~الوصف هل يكون قائما مقام الإحصان وخلفا عنه؟ هذا هو محل النزاع بين ~~العلماء والأحاديث دالة على أنه يكون خلفا عنه، ويكتفى به في إباحة الدم. # وأما سفك الدم الحرام، فهل يقوم مقامه إثارة الفتن المؤدية إلى سفك ~~الدماء، كتفريق جماعة المسلمين، وشق العصا، والمبايعة لإمام ثان، ودل ~~الكفار على عورات المسلمين؟ هذا هو محل النزاع. وقد روي عن عمر ما يدل على ~~إباحة القتل بمثل هذا. # وكذلك شهر السلاح لطلب القتل: هل يقوم مقام القتل في إباحة الدم أم لا؟ ~~فابن الزبير وعائشة رأياه قائما مقام القتل الحقيقي في ذلك. # وكذلك قطع الطريق بمجرده: هل يبيح القتل أم لا؟ لأنه مظنة لسفك الدماء ~~المحرمة، وقول الله عز وجل: ms173 {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا} [المائدة: 32] [المائدة: 32] ، يدل على أنه إنما يباح قتل # PageV01P326 # النفس بشيئين: أحدهما: بالنفس، والثاني: بالفساد في الأرض، ويدخل في ~~الفساد في الأرض: الحراب والردة، والزنا، فإن ذلك كله فساد في الأرض، وكذلك ~~تكرر شرب الخمر والإصرار عليه هو مظنة سفك الدماء المحرمة. وقد اجتمع ~~الصحابة في عهد عمر على حده ثمانين، وجعلوا السكر مظنة الافتراء والقذف ~~الموجب لجلد الثمانين، «ولما قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ونهاهم عن الأشربة والانتباذ في الظروف قال: " إن أحدكم ليقوم إلى ~~ابن عمه: - يعني إذا شرب - فيضربه بالسيف» "، وكان فيهم رجل قد أصابته ~~جراحة من ذلك، فكان يخبؤها حياء من النبي صلى الله عليه وسلم فهذا كله يرجع ~~إلى إباحة الدم بالقتل إقامة لمظان القتل مقام حقيقته، لكن هل نسخ ذلك أم ~~حكمه باق هذا هو محل النزاع. # وأما ترك الدين، ومفارقة الجماعة، فمعناه الارتداد عن دين المسلمين ولو ~~أتى بالشهادتين، فلو سب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو مقر ~~بالشهادتين، أبيح دمه، لأنه قد ترك بذلك دينه. # وكذلك لو استهان بالمصحف، وألقاه في القاذورات، أو جحد ما يعلم من الدين ~~بالضرورة كالصلاة، وما أشبه ذلك مما يخرج من الدين. # وهل يقوم مقام ذلك ترك شيء من أركان الإسلام الخمس؟ هذا ينبني على أنه هل ~~يخرج من الدين بالكلية بذلك أم لا؟ فمن رآه خروجا عن الدين، كان عنده كترك ~~الشهادتين وإنكارهما، ومن لم يره خروجا عن الدين، فاختلفوا هل # PageV01P327 # يلحق بتارك الدين في القتل، لكونه ترك أحد مباني الإسلام أم لا؟ لكونه لم ~~يخرج عن الدين. # ومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع، فإنهم ~~نظروا إلى أن ذلك شبيه بالخروج عن الدين، وهو ذريعة ووسيلة إليه، فإن ~~استخفى بذلك ولم يدع غيره، كان حكمه حكم المنافقين إذا استخفوا، وإذا دعا ~~إلى ذلك، تغلظ جرمه بإفساد دين الأمة. وقد صح عن ms174 النبي صلى الله عليه وسلم ~~الأمر بقتال الخوارج وقتلهم. وقد اختلف العلماء في حكمهم. # فمنهم من قال: هم كفار، فيكون قتلهم لكفرهم. # ومنهم من قال: إنما يقتلون لفسادهم في الأرض بسفك دماء المسلمين وتكفيرهم ~~لهم، وهو قول مالك وطائفة من أصحابنا، وأجازوا الابتداء بقتالهم، والإجهاز ~~على جريحهم. # ومنهم من قال: إن دعوا إلى ما هم عليه، قوتلوا، وإن أظهروه ولم يدعوا ~~إليه لم يقاتلوا، وهو نص أحمد وإسحاق، وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة ~~مغلظة. # ومنهم من لم ير البداءة بقتالهم حتى يبدءوا بقتال يبيح قتالهم من سفك ~~دماء ونحوه، كما روي عن علي وهو قول الشافعي وكثير من أصحابنا. # PageV01P328 # وقد روي من وجوه متعددة أن «النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجل كان ~~يصلي، وقال: " لو قتل، لكان أول فتنة وآخرها "، وفي رواية: " لو قتل، لم ~~يختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الدجال» " خرجه الإمام أحمد وغيره فيستدل ~~بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شره عن المسلمين، ويحسم مادة الفتن. # وقد حكى ابن عبد البر وغيره عن مذهب مالك جواز قتل الداعي إلى البدعة. # فرجعت نصوص القتل كلها إلى ما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه بهذا ~~التقدير ولله الحمد. # وكثير من العلماء يقول في كثير من هذه النصوص التي ذكرناها هاهنا: إنها ~~منسوخة بحديث ابن مسعود، وفي هذا نظر من وجهين: أحدهما: أنه لا يعلم أن ~~حديث ابن مسعود كان متأخرا عن تلك النصوص كلها، لا سيما وابن مسعود من ~~قدماء المهاجرين وكثير من تلك النصوص يرويها من تأخر إسلامه كأبي هريرة ~~وجرير بن عبد الله، ومعاوية، فإن هؤلاء كلهم رووا حديث قتل شارب الخمر في ~~المرة الرابعة. # والثاني: أن الخاص لا ينسخ بالعام، ولو كان العام متأخرا عنه في الصحيح ~~الذي عليه جمهور العلماء، لأن دلالة الخاص على معناه بالنص، ودلالة العام ~~عليه بالظاهر عند الأكثرين، فلا يبطل الظاهر حكم النص. وقد روي أن «النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ms175 رجل كذب عليه في حياته، وقال لحي من العرب: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم» ، ~~وهذا روي من وجوه متعددة كلها ضعيفة، وفي بعضها أن هذا الرجل كان قد خطب ~~امرأة منهم في الجاهلية، # PageV01P329 # فأبوا أن يزوجوه، وأنه لما قال لهم هذه المقالة صدقوه، ونزل على تلك ~~المرأة، وحينئذ فهذا الرجل قد زنا، ونسب إباحة ذلك إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وهذا كفر وردة عن الدين. # وفي " صحيح مسلم " «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا بقتل القبطي ~~الذي كان يدخل على أم ولده مارية، وكان الناس يتحدثون بذلك، فلما وجده علي ~~مجبوبا تركه» وقد حمله بعضهم على أن القبطي لم يكن أسلم بعد، وأن المعاهد ~~إذا فعل ما يؤذي المسلمين، انتقض عهده، فكيف إذا آذى النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ وقال بعضهم: بل كان مسلما، ولكنه نهي عن ذلك فلم ينته، حتى تكلم ~~الناس بسببه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، وأذى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في فراشه مبيح للدم، لكن لما ظهرت براءته بالعيان، تبين للناس براءة ~~مارية، فزال السبب المبيح للقتل. # وقد روي عن الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل بغير ~~هذه الأسباب الثلاثة التي في حديث ابن مسعود، وغيره ليس له ذلك، كأنه يشير ~~إلى أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يعزر بالقتل إذا رأى ذلك مصلحة، لأنه ~~صلى الله عليه وسلم معصوم من التعدي والحيف، وأما غيره، فليس له ذلك، لأنه ~~غير مأمون عليه التعدي بالهوى قال أبو داود. سمعت أحمد سئل، عن حديث أبي ~~بكر ما كانت لأحد بعد النبي # PageV01P330 # صلى الله عليه وسلم قال: لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلا إلا بإحدى ثلاث، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم كان له ذلك أن يقتل، وحديث أبي بكر المشار إليه ~~هو أن رجلا كلم أبا بكر فأغلظ له، فقال له أبو برزة: ألا أقتله ms176 يا خليفة ~~رسول الله؟ فقال أبو بكر: ما كانت لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم. # وعلى هذا يتخرج حديث الأمر بقتل هذا القبطي، ويتخرج عليه أيضا حديث الأمر ~~بقتل السارق إن كان صحيحا، فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله ~~في أول مرة، فراجعوه فيه فقطعه، ثم فعل ذلك أربع مرات وهو يأمر بقتله، ~~فيراجع فيه، فيقطع حتى قطعت أطرافه الأربع، ثم قتل في الخامسة، والله تعالى ~~أعلم. # PageV01P331 ### | [الحديث الخامس عشر من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت] # PageV01P331 # الحديث الخامس عشر # عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر، فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه» ~~رواه البخاري ومسلم. #  هذا الحديث خرجاه من طرق عن أبي ~~هريرة، وفي بعض ألفاظها: " فلا يؤذي جاره " وفي بعض ألفاظها: " فليحسن قرى ~~ضيفه " وفي بعضها: " فليصل رحمه " بدل ذكر الجار. # وخرجاه أيضا بمعناه من حديث أبي شريح الخزاعي، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة وابن ~~مسعود، # PageV01P332 # وعبد الله بن عمرو، وأبي أيوب الأنصاري وابن عباس وغيرهم من الصحابة. # فقوله صلى الله عليه وسلم: " «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» " فليفعل ~~كذا وكذا، يدل على أن هذه الخصال من خصال الإيمان، وقد سبق أن الأعمال تدخل ~~في الإيمان، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالصبر والسماحة، ~~قال الحسن: المراد: الصبر عن المعاصي، والسماحة بالطاعة. # وأعمال الإيمان تارة تتعلق بحقوق الله، كأداء الواجبات وترك المحرمات، ~~ومن ذلك قول الخير، والصمت عن غيره. # وتارة تتعلق بحقوق عباده كإكرام الضيف، وإكرام الجار، والكف عن أذاه، ~~فهذه ثلاثة أشياء يؤمر بها المؤمن: أحدهما قول الخير والصمت عما سواه، وقد ~~روى الطبراني من حديث أسود بن أصرم المحاربي، قال: «قلت: ms177 يا رسول الله ~~أوصني، قال: " هل تملك لسانك؟ " قلت: ما أملك إذا لم أملك لساني؟ قال: " ~~فهل تملك يدك؟ " قلت: فما أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: " فلا تقل بلسانك إلا ~~معروفا، ولا تبسط يدك إلا إلى خير» ". # PageV01P333 # وقد ورد أن استقامة اللسان من خصال الإيمان، كما في " المسند " عن أنس، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ~~ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» . # وخرج الطبراني من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبلغ ~~عبد حقيقة الإيمان حتى يخزن من لسانه» وخرج الطبراني من حديث معاذ بن جبل، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنك لن تزال سالما ما سكت، فإذا تكلمت، ~~كتب لك أو عليك» . وفي " مسند " الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صمت نجا» . # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها، يزل بها في النار أبعد ما بين ~~المشرق والمغرب» . # وخرج الإمام أحمد، والترمذي من حديث أبي هريرة،، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا ~~في النار» . # PageV01P334 # وفي " صحيح البخاري "، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا ~~يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها ~~بالا يهوي بها في جهنم» . # وخرج الإمام أحمد من حديث سليمان بن سحيم، عن أمه، قالت: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " «إن الرجل ليدنو من الجنة حتى ما يكون بينه وبينها ~~إلا ذراع فيتكلم بالكلمة، فيتباعد بها أبعد من صنعاء» ". # وخرج الإمام أحمد، والترمذي والنسائي من حديث بلال بن الحارث قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أحدكم ms178 ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما ~~يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم ~~ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله بها سخطه ~~إلى يوم يلقاه» . # وقد ذكرنا فيما سبق حديث أم حبيبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«كلام ابن آدم عليه لا له، إلا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وذكر ~~الله عز وجل» . # فقوله صلى الله عليه وسلم: فليقل خيرا أو ليصمت أمر بقول الخير، وبالصمت ~~عما عداه، وهذا يدل على أنه ليس هناك كلام يستوي قوله والصمت عنه، بل إما # PageV01P335 # أن يكون خيرا، فيكون مأمورا بقوله، وإما أن يكون غير خير، فيكون مأمورا ~~بالصمت عنه، وحديث معاذ وأم حبيبة يدلان على هذا. # وخرج ابن أبي الدنيا من حديث معاذ بن جبل ولفظه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال له: «يا معاذ ثكلتك أمك وهل تقول شيئا إلا وهو لك أو عليك» . # وقد قال الله تعالى: {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} [ق: ~~17] ، {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18] [ق: 17 - 18] وقد أجمع ~~السلف الصالح على أن الذي عن يمينه يكتب الحسنات، والذي عن شماله يكتب ~~السيئات، وقد روي ذلك مرفوعا من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف. وفي " الصحيح ~~" عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا كان أحدكم يصلي، فإنه يناجي ربه والملك ~~عن يمينه» . # وروي من حديث حذيفة مرفوعا: " «إن عن يمينه كاتب الحسنات» ". # واختلفوا: هل يكتب كل ما يتكلم به، أو لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب؟ ~~على قولين مشهورين. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يكتب كل ما # PageV01P336 # تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله: أكلت وشربت ذهبت وجئت، حتى إذا ~~كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر ما كان فيه من خير أو شر، وألقى سائره، ~~فذلك قوله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: ms179 39] ~~[الرعد: 39] . # وعن يحيى بن أبي كثير، قال: ركب رجل الحمار، فعثر به، فقال: تعس الحمار، ~~فقال صاحب اليمين: ما هي حسنة أكتبها، وقال صاحب الشمال: ما هي سيئة ~~فأكتبها، فأوحى الله إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحب اليمين من شيء، فاكتبه، ~~فأثبت في السيئات " تعس الحمار ". # وظاهر هذا أن ما ليس بحسنة، فهو سيئة، وإن كان لا يعاقب عليها، فإن بعض ~~السيئات قد لا يعاقب عليها، وقد تقع مكفرة باجتناب الكبائر، ولكن زمانها قد ~~خسره صاحبها حيث ذهبت باطلا، فيحصل له بذلك حسرة في القيامة وأسف عليه، وهو ~~نوع عقوبة. # وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه، إلا ~~قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة» . # وخرجه الترمذي ولفظه: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه، ولم # PageV01P337 # يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم» . # وفي رواية لأبي داود والنسائي: «من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه ~~من الله ترة، ومن اضطجع مضطجعا لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله ترة» ~~زاد النسائي: «ومن قام مقاما لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله ترة» ~~وخرج أيضا من حديث أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من قوم ~~يجلسون مجلسا لا يذكرون الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة، وإن ~~دخلوا الجنة» . # وقال مجاهد: ما جلس قوم مجلسا، فتفرقوا قبل أن يذكروا الله، إلا تفرقوا ~~عن أنتن من ريح الجيفة، وكان مجلسهم يشهد عليهم بغفلتهم، وما جلس قوم ~~مجلسا، فذكروا الله قبل أن يتفرقوا، إلا أن يتفرقوا عن أطيب من ريح المسك، ~~وكان مجلسهم يشهد لهم بذكرهم. # وقال بعض السلف: يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره، فكل ساعة لم ~~يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات. # وخرجه الطبراني من حديث عائشة مرفوعا: " «ما من ms180 ساعة تمر بابن آدم لم ~~يذكر الله فيها بخير، إلا حسر عندها يوم القيامة» . # PageV01P338 # فمن هنا يعلم أن ما ليس بخير من الكلام، فالسكوت عنه أفضل من التكلم به، ~~اللهم إلا ما تدعو إليه الحاجة مما لابد منه. وقد روي عن ابن مسعود قال: ~~إياكم وفضول الكلام، حسب امرئ ما بلغ حاجته. وعن النخعي قال: يهلك الناس في ~~فضول المال والكلام. # وأيضا قال فإن الإكثار من الكلام الذي لا حاجة إليه يوجب قساوة القلب كما ~~في " الترمذي " من حديث ابن عمر مرفوعا: " «لا تكثروا الكلام بغير ذكر ~~الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله يقسي القلب، وإن أبعد الناس عن الله ~~القلب القاسي» ". # وقال عمر: من كثر كلامه، كثر سقطه، ومن كثر سقطه، كثرت ذنوبه، ومن كثرت ~~ذنوبه، كانت النار أولى به وخرجه العقيلي من حديث ابن عمر # PageV01P339 # مرفوعا بإسناد ضعيف. # وقال محمد بن عجلان: إنما الكلام أربعة: أن تذكر الله، وتقرأ القرآن، ~~وتسأل عن علم فتخبر به، أو تكلم فيما يعنيك من أمر دنياك. # وقال رجل لسلمان: أوصني، قال: لا تكلم، قال: ما يستطيع من عاش في الناس ~~أن لا يتكلم، قال: فإن تكلمت، فتكلم بحق أو اسكت. # وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأخذ بلسانه ويقول: هذا أوردني ~~الموارد. # وقال ابن مسعود: والله الذي لا إله إلا هو، ما على الأرض أحق بطول سجن من ~~اللسان وقال وهب بن منبه: أجمعت الحكماء على أن رأس الحكم الصمت. # وقال شميط بن عجلان: يا ابن آدم، إنك ما سكت، فأنت سالم، فإذا تكلمت، فخذ ~~حذرك، إما لك وإما عليك وهذا باب يطول استقصاؤه. # والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالكلام بالخير، والسكوت عما ~~ليس بخير، وخرج الإمام أحمد وابن حبان من حديث البراء بن عازب أن «رجلا ~~قال: يا رسول الله، علمني عملا يدخلني الجنة، فذكر الحديث وفيه قال: فأطعم ~~الجائع، # PageV01P340 # واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك، فكف لسانك ~~إلا من خير» ms181 . # فليس الكلام مأمورا به على الإطلاق، ولا السكوت كذلك، بل لابد من الكلام ~~بالخير والسكوت عن الشر، وكان السلف كثيرا يمدحون الصمت عن الشر، وعما لا ~~يعني لشدته على النفس، وذلك يقع فيه الناس كثيرا، فكانوا يعالجون أنفسهم، ~~ويجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم. # قال الفضيل بن عياض: ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان، ولو ~~أصبحت يهمك لسانك، أصبحت في غم شديد، وقال: سجن اللسان سجن المؤمن، ولو ~~أصبحت يهمك لسانك، أصبحت في غم شديد. # وسئل ابن المبارك عن قول لقمان لابنه: إن كان الكلام من فضة، فإن الصمت ~~من ذهب، فقال: معناه: لو كان الكلام بطاعة الله من فضة، فإن الصمت عن معصية ~~الله من ذهب. وهذا يرجع إلى أن الكف عن المعاصي أفضل من عمل الطاعات، وقد ~~سبق القول في هذا مستوفى. # وتذاكروا عند الأحنف بن قيس، أيهما أفضل الصمت أو النطق؟ فقال قوم: الصمت ~~أفضل، فقال الأحنف: النطق أفضل، لأن فضل الصمت لا يعدو صاحبه، والمنطق ~~الحسن ينتفع به من سمعه. # وقال رجل من العلماء عند عمر بن عبد العزيز رحمه الله: الصامت على علم ~~كالمتكلم على علم، فقال عمر: إني لأرجو أن يكون المتكلم على علم # PageV01P341 # أفضلهما يوم القيامة حالا، وذلك أن منفعته للناس، وهذا صمته لنفسه، فقال ~~له: يا أمير المؤمنين وكيف بفتنة النطق؟ فبكى عمر عند ذلك بكاء شديدا. # ولقد خطب عمر بن عبد العزيز يوما فرق الناس، وبكوا، فقطع خطبته، فقيل له: ~~لو أتممت كلامك رجونا أن ينفع الله به، فقال عمر: إن القول فتنة والفعل ~~أولى بالمؤمن من القول. # وكنت من مدة طويلة قد رأيت في المنام أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ~~رضي الله عنه، وسمعته يتكلم في هذه المسألة، وأظن أني فاوضته فيها وفهمت من ~~كلامه أن التكلم بالخير أفضل من السكوت، وأظن أنه وقع في أثناء الكلام ذكر ~~سليمان بن عبد الملك، وأن عمر قال ذلك له، وقد روي عن سليمان بن عبد الملك ~~أنه ms182 قال: الصمت منام العقل، والنطق يقظته، ولا يتم حال إلا بحال، يعني: ~~لابد من الصمت والكلام. # وما أحسن ما قال عبيد الله بن أبي جعفر فقيه أهل مصر في وقته، وكان أحد ~~الحكماء: إذا كان المرء يحدث في مجلس، فأعجبه الحديث فليسكت، وإن كان ~~ساكتا، فأعجبه السكوت، فليحدث، وهذا حسن فإن من كان كذلك، كان سكوته وحديثه ~~لمخالفة هواه وإعجابه بنفسه، ومن كان كذلك، كان جديرا بتوفيق الله إياه ~~وتسديده في نطقه وسكوته، لأن كلامه وسكوته يكون لله عز وجل. # وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل ~~قال: " «علامة الطهر أن يكون قلب العبد عندي معلقا، فإذا كان كذلك، لم ~~ينسني على حال، وإذ كان كذلك، مننت عليه بالاشتغال بي كي لا ينساني، فإذا ~~نسيني، حركت قلبه، فإن تكلم تكلم لي، وإن سكت، سكت لي، فذلك الذي تأتيه ~~المعونة من عندي» " خرجه إبراهيم بن الجنيد. # PageV01P342 # وبكل حال، فالتزام الصمت مطلقا، واعتقاده قربة إما مطلقا، أو في بعض ~~العبادات، كالحج والاعتكاف والصيام منهي عنه وروي من حديث أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صيام الصمت. وخرج الإسماعيلي من حديث ~~علي قال: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصمت في العكوف» ، وفي " ~~سنن أبي داود " من حديث علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صمات ~~يوم إلى الليل» . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لامرأة حجت مصمتة: إن ~~هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية وروي عن علي بن الحسين زين العابدين أنه ~~قال: صوم الصمت حرام. # الثاني مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث المؤمنين ~~إكرام الجار، وفي بعض الروايات: " النهي عن أذى الجار " فأما أذى الجار، ~~فمحرم فإن الأذى بغير حق محرم لكل أحد، ولكن في حق الجار هو أشد تحريما، ~~وفي " الصحيحين " عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «سئل: أي ~~الذنب أعظم؟ قال: ms183 أن تجعل لله ندا وهو خلقك قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك ~~مخافة أن يطعم معك قيل: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك» وفي " مسند # PageV01P343 # الإمام أحمد "، عن المقداد بن الأسود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى ~~يوم القيامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يزني الرجل بعشر نسوة ~~أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره، قال: فما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرام ~~حرمها الله ورسوله، فهي حرام، قال: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه ~~من أن يسرق من جاره» . # وفي " صحيح البخاري "، عن أبي شريح، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: ~~من لا يأمن جاره بوائقه» ، وخرجه الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة. # وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» . # وخرج الإمام أحمد، والحاكم من حديث أبي هريرة أيضا قال: «قيل: يا رسول ~~الله إن فلانة تصلي بالليل، وتصوم النهار وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها ~~سليطة، قال: لا خير فيها، هي في النار» «وقيل له: إن فلانة تصلي المكتوبة، ~~وتصوم رمضان، وتتصدق بالأثوار، وليس لها شيء غيره، ولا تؤذي أحدا، قال: هي ~~في الجنة» ولفظ الإمام أحمد: " «ولا تؤذي بلسانها جيرانها» ". # PageV01P344 # وخرج الحاكم من حديث أبي جحيفة قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يشكو جاره، فقال له: اطرح متاعك في الطريق قال: فجعل الناس يمرون به ~~فيلعنونه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ما لقيت ~~من الناس، قال: وما لقيت منهم؟ قال يلعنوني، قال: فقد لعنك الله قبل الناس ~~قال: يا رسول الله، فإني لا أعود» . وخرجه أبو داود بمعناه من حديث أبي ~~هريرة، ولم يذكر فيه: " فقد لعنك الله ms184 قبل الناس ". # وخرج الخرائطي من حديث أم سلمة، قالت: «دخلت شاة لجارة لنا، فأخذت قرصة ~~لنا، فقمت إليها فأجتذبتها من بين لحييها، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إنه لا قليل من أذى الجار» . # فأما إكرام الجار والإحسان إليه، فمأمور به، وقد قال الله عز وجل ~~{واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى # PageV01P345 # والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ~~ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} [النساء: 36] [النساء: ~~36] ، فجمع الله تعالى في هذه الآية بين ذكر حقه على العبد وحقوق العباد ~~على العباد أيضا، وجعل العباد الذين أمر بالإحسان إليهم خمسة أنواع: أحدها: ~~من بينه وبين الإنسان قرابة، وخص منهم الوالدين بالذكر؛ لامتيازهما عن سائر ~~الأقارب بما لا يشركونهما فيه، فإنهما كانا السبب في وجود الولد ولهما حق ~~التربية والتأديب وغير ذلك. # الثاني: من هو ضعيف محتاج إلى الإحسان وهو نوعان: من هو محتاج لضعف بدنه، ~~وهو اليتيم، ومن هو محتاج لقلة ماله، وهو المسكين. # والثالث: من له حق القرب والمخالطة، وجعلهم ثلاثة أنواع: جار ذو قربى، ~~وجار جنب، وصاحب بالجنب. # وقد اختلف المفسرون في تأويل ذلك، فمنهم من قال: الجار ذو القربى: الجار ~~الذي له قرابة، والجار الجنب: الأجنبي، ومنهم من أدخل المرأة في الجار ذي ~~القربى، ومنهم من أدخلها في الجار الجنب، ومنهم من أدخل الرفيق في السفر في ~~الجار الجنب، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: ~~«أعوذ بك من جار السوء في دار الإقامة، فإن جار البادية يتحول» . # ومنهم من قال: الجار ذو القربى: الجار المسلم، والجار الجنب: الكافر، وفي ~~" مسند البزار " من حديث جابر مرفوعا: " الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، ~~وهو أدنى الجيران حقا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران ~~حقا، فأما الذي له حق واحد، فجار مشرك، لا رحم له، له حق الجوار، وأما # PageV01P346 # الذي له حقان، فجار مسلم، له ms185 حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة ~~حقوق، فجار مسلم ذو رحم، فله حق الإسلام، وحق الجوار، وحق الرحم "، وقد روي ~~هذا الحديث من وجوه أخرى متصلة ومرسلة، ولا تخلو كلها من مقال. # وقيل: الجار ذو القربى: هو القريب الجوار الملاصق، والجار الجنب: البعيد ~~الجوار. # وفي " صحيح البخاري " «عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله إن لي جارين، ~~فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما بابا» . # وقال طائفة من السلف: حد الجوار أربعون دارا، وقيل: مستدار أربعين دارا ~~من كل جانب. # وفي مراسيل الزهري: أن «رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جارا له، ~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أن ينادي: " ألا إن أربعين دارا ~~جار» " وقال الزهري: أربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون ~~هكذا، يعني ما بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله. # PageV01P347 # وسئل الإمام أحمد عمن يطبخ قدرا وهو في دار السبيل، ومعه في الدار نحو ~~ثلاثين أو أربعين نفسا: يعني أنهم سكان معه في الدار، فقال: يبدأ بنفسه، ~~وبمن يعول، فإن فضل فضل، أعطي الأقرب إليه، وكيف يمكنه أن يعطيهم كلهم؟ قيل ~~له: لعل الذي هو جاره يتهاون بذلك القدر ليس له عنده موقع؟ فرأى أنه لا ~~يبعث إليه. # وأما الصاحب بالجنب، ففسره طائفة بالزوجة، وفسره طائفة منهم ابن عباس ~~بالرفيق في السفر، ولم يريدوا إخراج الصاحب الملازم في الحضر وإنما أرادوا ~~أن صحبة السفر تكفي، فالصحبة الدائمة في الحضر أولى، ولهذا قال سعيد بن ~~جبير: هو الرفيق الصالح، وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في ~~السفر، وقال ابن زيد: هو الرجل يعتريك ويلم بك لتنفعه. # وفي " المسند " والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند ~~الله خيرهم لجاره» . # الرابع: من هو وارد على الإنسان، غير مقيم عنده، وهو ابن السبيل، يعني ~~المسافر إذا ورد إلى بلد آخر، وفسره بعضهم بالضيف: يعني ms186 به ابن السبيل إذا ~~نزل ضيفا على أحد. # والخامس: ملك اليمين، وقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم بهم كثيرا وأمر ~~بالإحسان # PageV01P348 # إليهم، وروي أن آخر ما وصى به عند موته: " «الصلاة وما ملكت أيمانكم» "، ~~وأدخل بعض السلف في هذه الآية: ما يملكه الإنسان من الحيوانات والبهائم. # ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة في إكرام الجار، وفي " الصحيحين " عن ~~عائشة وابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما زال جبريل يوصيني ~~بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» . # فمن أنواع الإحسان إلى الجار مواساته عند حاجته، وفي " المسند " عن عمر، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يشبع المؤمن دون جاره» وخرج الحاكم ~~من حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المؤمن الذي يشبع ~~وجاره جائع» وفي رواية أخرى عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«ما آمن من بات شبعانا وجاره طاويا» . # وفي " المسند " عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ~~خصمين يوم # PageV01P349 # القيامة جاران» . # وفي كتاب " الأدب " للبخاري عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " «كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة، فيقول: يا رب هذا أغلق بابه ~~دوني فمنع معروفه» ". # وخرج الخرائطي وغيره بإسناد ضعيف من حديث عطاء الخراساني عن عمرو بن ~~شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «من أغلق بابه ~~دون جاره مخافة على أهله وماله، فليس ذلك بمؤمن، وليس بمؤمن من لم يأمن ~~جاره بوائقه. أتدري ما حق الجار؟ إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، ~~وإذا افتقر، عدت عليه، وإذا مرض عدته، وإذا أصابه خير هنأته، وإذا أصابته ~~مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء، فتحجب عنه ~~الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت ~~فاكهة، فاهد له، فإن لم تفعل، فأدخلها سرا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ~~ولده» " # PageV01P350 # ورفع هذا الكلام منكر، ms187 ولعله من تفسير عطاء الخراساني. # وقد روي أيضا عن عطاء، عن الحسن، عن جابر مرفوعا: " «أدنى حق الجوار أن ~~لا تؤذي جارك بقتار قدرك إلا أن تقدح له منها» ". # وفي " صحيح مسلم " عن أبي ذر قال: " «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم ~~إذا طبخت مرقا، فأكثر ماءه، ثم انظر إلى أهل بيت جيرانك، فأصبهم منها ~~بمعروف» ". # وفي رواية أن «النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا أبا ذر إذا طبخت مرقة، ~~فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك» ". # وفي " المسند " والترمذي «عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ذبح شاة، ~~فقال: هل أهديتم منها لجارنا اليهودي ثلاث مرات، ثم قال: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ما زال جبريل يوصيني بالجار ظننت أنه سيورثه» ". # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم ~~عنها معرضين، # PageV01P351 # والله لأرمين بها بين أكتافكم» . # ومذهب الإمام أحمد أن الجار يلزمه أن يمكن جاره من وضع خشبه على جداره ~~إذا احتاج الجار إلى ذلك ولم يضر بجداره، لهذا الحديث الصحيح، وظاهر كلامه ~~أنه يجب عليه أن يواسيه من فضل ما عنده بما لا يضر به إذا علم حاجته قال ~~المروزي: قلت لأبي عبد الله: إني أسمع السائل في الطريق يقول: إني جائع، ~~فقال: قد يصدق وقد يكذب. قلت: فإذا كان لي جار أعلم أنه يجوع؟ قال: تواسيه، ~~قلت: إذا كان قوتي رغيفين؟ قال: تطعمه شيئا، ثم قال: الذي جاء في الحديث ~~إنما هو الجار. # وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله: الأغنياء يجب عليهم المواساة؟ قال: إذا ~~كان قوم يضعون شيئا على شيء كيف لا يجب عليهم، قلت: إذا كان للرجل قميصان، ~~أو قلت: جبتان، يجب عليه المواساة؟ قال: إذا كان يحتاج إلى أن يكون فضلا. # وهذا نص منه في وجوب المواساة من الفاضل، ولم يخصه بالجار، ونصه الأول ~~يقتضي اختصاصه بالجار. # وقال في رواية ابن هانئ في السؤال ms188 يكذبون أحب إلينا لو صدقوا ما وسعنا ~~إلا مواساتهم وهذا يدل على وجوب مواساة الجائع من الجيران، وغيرهم. # وفي " الصحيح "، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أطعموا ~~الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني» # PageV01P352 # وفي " المسند " و " صحيح الحاكم " عن [ابن] عمر، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله عز ~~وجل» . # ومذهب أحمد ومالك أنه يمنع الجار أن يتصرف في خاص ملكه بما يضر بجاره، ~~فيجب عندهما كف الأذى عن الجار بمنع إحداث الانتفاع المضر به، ولو كان ~~المنتفع إنما ينتفع بخاص ملكه، ويجب عند أحمد أن يبذل لجاره ما يحتاج إليه، ~~ولا ضرر عليه في بذله، وأعلى من هذين أن يصبر على أذى جاره، ولا يقابله ~~بالأذى قال الحسن: ليس حسن الجوار كف الأذى، ولكن حسن الجوار احتمال الأذى، ~~ويروى من حديث أبي ذر يرفعه: " «إن الله يحب الرجل يكون له الجار يؤذيه ~~جواره، فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن» " خرجه الإمام أحمد. ~~وفي مراسيل أبي عبد الرحمن الحبلي أن «رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يشكو إليه جاره، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " كف أذاك عنه، ~~واصبر لأذاه، فكفى بالموت مفرقا» " خرجه ابن أبي الدنيا. # PageV01P353 # الثالث مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين: إكرام الضيف، ~~والمراد إحسان ضيافته، وفي " الصحيحين " من حديث أبي شريح، قال: «أبصرت ~~عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعته أذناي حين تكلم به قال: من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه جائزته قالوا: وما جائزته؟ قال: " ~~يوم وليلة " قال: والضيافة ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك، فهو صدقة» ". # وخرج مسلم من حديث أبي شريح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، وما أنفق عليه بعد ذلك، فهو صدقة، ~~ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يؤثمه قالوا: يا رسول الله كيف يؤثمه؟ ms189 قال: ~~يقيم ولا شيء له يقريه به» . # وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه. قالها ~~ثلاثا، قالوا: وما إكرامة الضيف يا رسول الله؟ قال: ثلاثة أيام، فما جلس ~~بعد ذلك فهو صدقة» . # PageV01P354 # ففي هذه الأحاديث أن جائزة الضيف يوم وليلة، وأن الضيافة ثلاثة أيام، ~~ففرق بين الجائزة والضيافة، وكذا الجائزة قد ورد في تأكيدها أحاديث أخر، ~~فخرج أبو داود من حديث المقدام بن معد يكرب، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " «ليلة الضيف حق على كل مسلم، فمن أصبح بفنائه، فهو عليه دين، إن شاء ~~اقتضى، وإن شاء ترك» ". وخرجه ابن ماجه ولفظه: " «ليلة الضيف حق على كل ~~مسلم» ". # وخرج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث المقدام أيضا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: " «أيما رجل أضاف قوما، فأصبح الضيف محروما، فإن نصره حق ~~على كل مسلم حتى يأخذ بقرى ليلة من زرعه وماله» ". # وفي " الصحيحين " عن عقبة بن عامر، قال: «قلنا يا رسول الله، إنك تبعثنا، ~~فننزل بقوم لا يقرونا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا، فإن لم يفعلوا، فخذوا ~~منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم» . # PageV01P355 # وخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «أيما ضيف نزل بقوم، فأصبح الضيف محروما، فله أن يأخذ بقدر ~~قراه، ولا حرج عليه» . # وقال عبد الله بن عمرو: من لم يضف، فليس من محمد، ولا من إبراهيم. # وقال عبد الله بن الحارث بن جزء: من لم يكرم ضيفه، فليس من محمد، ولا من ~~إبراهيم. # وقال أبو هريرة لقوم نزل عليهم، فاستضافهم، فلم يضيفوه، فتنحى ونزل، ~~فدعاهم إلى طعامه، فلم يجيبوه، فقال لهم: لا تنزلون الضيف ولا تجيبون ~~الدعوة ما أنتم من الإسلام على شيء، فعرفه رجل منهم، فقال له: انزل عافاك ~~الله، ms190 قال: هذا شر وشر، لا تنزلون إلا من تعرفون. # وروي عن أبي الدرداء نحو هذه القضية إلا أنه قال لهم: ما أنتم من الدين ~~إلا على مثل هذه، وأشار إلى هدبة في ثوبه. # وهذه النصوص تدل على وجوب الضيافة يوما وليلة، وهو قول الليث وأحمد، وقال ~~أحمد: له المطالبة بذلك إذا منعه، لأنه حق له واجب، وهل يأخذ بيده من ماله ~~إذا منعه، أو يرفعه إلى الحاكم؟ على روايتين منصوصتين عنه. # وقال حميد بن زنجويه: ليلة الضيف واجبة، وليس له أن يأخذ قراه منهم قهرا، ~~إلا أن يكون مسافرا في مصالح المسلمين العامة دون مصلحة نفسه. # PageV01P356 # وقال الليث بن سعد: لو نزل الضيف بالعبد أضافه من المال الذي بيده، ~~وللضيف أن يأكل وإن لم يعلم أن سيده أذن له، لأن الضيافة واجبة. وهو قياس ~~قول أحمد، لأنه نص على أنه يجوز إجابة دعوة العبد المأذون له في التجارة ~~وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم أجابوا دعوة المملوك، وروي ذلك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أيضا، فإذا جاز له أن يدعو الناس إلى طعامه ابتداء جاز ~~إجابة دعوته، فإضافته لمن نزل به أولى. # ومنع مالك والشافعي وغيرهما من دعوة العبد المأذون له بدون إذن سيده، ~~ونقل علي بن سعيد عن أحمد ما يدل على وجوب الضيافة للغزاة خاصة بمن مروا ~~بهم ثلاثة أيام، والمشهور عنه الأول، وهو وجوبها لكل ضيف نزل بقوم. # واختلف قوله: هل تجب على أهل الأمصار والقرى أم تختص بأهل القرى ومن كان ~~على طريق يمر بهم المسافرون؟ على روايتين منصوصتين عنه. # والمنصوص عنه: أنها تجب للمسلم والكافر، وخص كثير من أصحابه الوجوب ~~للمسلم، كما لا تجب نفقة الأقارب مع اختلاف الدين على إحدى الروايتين عنه. # فأما اليومان الآخران، وهما الثاني والثالث، فهما تمام الضيافة، والمنصوص ~~عن أحمد أنه لا يجب إلا الجائزة الأولى، وقال: قد فرق بين الجائزة، ~~والضيافة، والجائزة أوكد، ومن أصحابنا من أوجب الضيافة ثلاثة أيام: منهم ~~أبو بكر بن عبد العزيز، وابن ms191 أبي موسى، والآمدي، وما بعد الثلاث، فهو صدقة، ~~وظن بعض الناس أن الضيافة ثلاثة أيام بعد اليوم والليلة الأولى، ورده أحمد ~~بقوله # PageV01P357 # صلى الله عليه وسلم: «الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة» ، ولو كان ~~كما ظن هذا، لكان أربعة. # قلت: ونظير هذا قوله تعالى {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} ~~[فصلت: 9] إلى قوله: {وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام} [فصلت: ~~10] [فصلت: 9 - 10] والمراد في تمام الأربعة. # وهذا الحديث الذي احتج به أحمد قد تقدم من حديث أبي شريح، وخرجه البخاري ~~من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر، فليحسن قرى ضيفه قيل: يا رسول الله، وما قرى الضيف؟ قال: ~~ثلاث، فما كان بعد، فهو صدقة» . # قال حميد بن زنجويه: عليه أن يتكلف له في اليوم والليلة من الطعام أطيب ~~ما يأكله هو وعياله، وفي تمام الثلاث يطعمهم من طعامه، وفي هذا نظر. وسنذكر ~~حديث سلمان بالنهي عن التكلف للضيف، ونقل أشهب عن مالك، قال جائزته يوم ~~وليلة يكرمه ويتحفه ويخصه يوما وليلة وثلاثة أيام ضيافة، وكان ابن عمر ~~يمتنع من الأكل من مال من نزل عليه فوق ثلاثة أيام، ويأمر أن ينفق عليه من ~~ماله. ولصاحب المنزل أن يأمر الضيف بالتحول عنه بعد الثلاث، لأنه قضى ما ~~عليه، وفعل ذلك الإمام أحمد. # PageV01P358 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل له أن يثوي عنده حتى يخرجه» يعني يقيم ~~عنده حتى يضيق عليه، لكن هل هذا في الأيام الثلاثة أم فيما زاد عليها؟ فأما ~~فيما ليس بواجب، فلا شك في تحريمه، وأما في ما هو واجب وهو اليوم والليلة ~~فينبنى على أنه هل تجب الضيافة على من لا يجد شيئا أم لا تجب إلا على من ~~وجد ما يضيف به؟ فإن قيل: إنها لا تجب إلا على من يجد ما يضيف به - وهو قول ~~طائفة من أهل الحديث، منهم حميد بن زنجويه - لم يحل للضيف أن يستضيف من ms192 هو ~~عاجز عن ضيافته. وقد روي من حديث سلمان قال: «نهانا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن نتكلف للضيف ما ليس عندنا» فإذا نهي المضيف أن يتكلف للضيف ما ~~ليس عنده دل على أنه لا تجب عليه المواساة للضيف إلا بما عنده، فإذا لم يكن ~~عنده فضل لم يلزمه شيء، وأما إذا آثر على نفسه، كما فعل الأنصاري الذي نزل ~~فيه: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر: 9] [الحشر: 9] فذلك ~~مقام فضل وإحسان، وليس بواجب. # PageV01P359 # ولو علم الضيف أنهم لا يضيفونه إلا بقوتهم وقوت صبيانهم، وأن الصبية ~~يتأذون بذلك، لم يجز له استضافتهم حينئذ عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: ~~«لا يحل له أن يقيم عنده حتى يخرجه» . # وأيضا فالضيافة نفقة واجبة، فلا تجب إلا على من عنده فضل، عن قوته وقوت ~~عياله، كنفقه الأقارب، وزكاة الفطر. وقد أنكر الخطابي تفسير تأثيمه بأن ~~يقيم عنده ولا شيء له يقريه، وقال: أراه غلطا، وكيف يأثم في ذلك وهو لا ~~يتسع لقراه، ولا يجد سبيلا إليه؟ وإنما الكلفة على قدر الطاقة، قال: وإنما ~~وجه الحديث أنه كره له المقام عنده بعد ثلاث لئلا يضيق صدره بمكانه، فتكون ~~الصدقة منه على وجه المن والأذى فيبطل أجره، وهذا الذي قاله فيه نظر، فإنه ~~قد صح تفسيره في الحديث بما أنكره، وإنما وجهه أنه أقام عنده ولاشيء له ~~يقريه به، فربما دعاه ضيق صدره به، وحرجه إلى ما يأثم به في قول، أو فعل، ~~وليس المراد أنه يأثم بترك قراه مع عجزه عنه، والله أعلم. # PageV01P360 ### | [الحديث السادس عشر أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال لا تغضب] # PageV01P360 # الحديث السادس عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال: «لا تغضب فردد مرارا قال: لا ~~تغضب» رواه البخاري. #  هذا الحديث خرجه البخاري من طريق ~~أبي الحصين الأسدي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ولم يخرجه مسلم، لأن الأعمش ~~رواه، عن ms193 أبي صالح، واختلف عليه في إسناده فقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي ~~هريرة، كقول أبي حصين، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، وعند ~~يحيى بن معين أن هذا هو الصحيح، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي ~~سعيد، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو جابر، وقيل: عنه، عن أبي ~~صالح، عن رجل من الصحابة غير مسمى. وخرج الترمذي هذا الحديث من طريق أبي ~~حصين أيضا ولفظه: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله علمني شيئا ولا تكثر علي لعلي أعيه، قال: لا تغضب فردد ذلك مرارا كل ~~ذلك يقول: لا تغضب» وفي رواية أخرى لغير الترمذي قال: «قلت: يا رسول الله ~~دلني على عمل يدخلني الجنة ولا تكثر علي قال: لا تغضب» . فهذا الرجل طلب من ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصيه وصية وجيزة جامعة لخصال # PageV01P361 # الخير، ليحفظها عنه خشية أن لا يحفظها لكثرتها، فوصاه النبي أن لا يغضب، ~~ثم ردد هذه المسألة عليه مرارا، والنبي صلى الله عليه وسلم يردد عليه هذا ~~الجواب، فهذا يدل على أن الغضب جماع الشر، وأن التحرز منه جماع الخير. ولعل ~~هذا الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو الدرداء، فقد خرج ~~الطبراني من حديث أبي الدرداء قال: «قلت: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني ~~الجنة، قال: لا تغضب ولك الجنة» . وقد روى الأحنف بن قيس عن عمه جارية بن ~~قدامة «أن رجلا قال: يا رسول الله قل لي قولا، وأقلل علي لعلي أعقله، " قال ~~لا تغضب " فأعاد عليه مرارا كل ذلك يقول: " لا تغضب» خرجه الإمام أحمد وفي ~~رواية له أن جارية بن قدامة قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. ~~فهذا يغلب على الظن أن السائل هو جارية بن قدامة، ولكن ذكر الإمام أحمد عن ~~يحيى القطان أنه قال: هكذا قال هشام، يعني: أن هشاما ذكر في الحديث أن ~~جارية سأل النبي ms194 صلى الله عليه وسلم، قال يحيى: وهم يقولون: إنه لم يدرك ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا قال العجلي وغيره: إنه تابعي وليس بصحابي. ~~وخرج الإمام أحمد من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، عن # PageV01P362 # رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قلت: يا رسول الله أوصني، ~~قال: لا تغضب قال الرجل: ففكرت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، ~~فإذا الغضب يجمع الشر كله» ورواه مالك في " الموطأ " عن الزهري، عن حميد ~~مرسلا. وخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو أنه سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «ماذا يباعدني من غضب الله عز وجل؟ قال: لا تغضب» . وقول ~~الصحابي: ففكرت فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم فإذا الغضب يجمع الشر ~~كله يشهد لما ذكرناه أن الغضب جماع الشر، قال جعفر بن محمد: الغضب مفتاح كل ~~شر. وقيل لابن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة، قال: ترك الغضب. وكذا ~~فسر الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه حسن الخلق بترك الغضب، وقد روي ذلك ~~مرفوعا، خرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب " الصلاة " من حديث أبي العلاء ~~بن الشخير «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه، فقال: يا ~~رسول الله أي العمل أفضل؟ فقال: " حسن الخلق " ثم أتاه عن يمينه، فقال: يا ~~رسول الله أي العمل أفضل فقال: " حسن الخلق "، ثم أتاه عن شماله فقال: يا ~~رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: حسن الخلق ثم أتاه من بعده، يعني: من خلفه، ~~فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: " مالك لا تفقه! حسن الخلق هو أن لا تغضب إن استطعت» . وهذا ~~مرسل. فقوله صلى الله عليه وسلم لمن استوصاه: لا تغضب يحتمل أمرين: # PageV01P363 # أحدهما: أن يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الكرم ~~والسخاء والحلم والحياء والتواضع والاحتمال وكف الأذى، والصفح والعفو، وكظم ~~الغيظ، والطلاقة والبشر، ونحو ذلك من ms195 الأخلاق الجميلة، فإن النفس إذا تخلقت ~~بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه. ~~والثاني: أن يكون المراد لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد نفسك ~~على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به، فإن الغضب إذا ملك ابن آدم كان الآمر ~~والناهي له، ولهذا المعنى قال الله عز وجل {ولما سكت عن موسى الغضب} ~~[الأعراف: 154] [الأعراف: 154] فإذا لم يمتثل الإنسان ما يأمره به غضبه، ~~وجاهد نفسه على ذلك، اندفع عنه شر الغضب، وربما سكن غضبه، وذهب عاجلا، ~~فكأنه حينئذ لم يغضب، وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة في القرآن بقوله عز وجل ~~{وإذا ما غضبوا هم يغفرون} [الشورى: 37] [الشورى: 37] ، وبقوله عز وجل: ~~{والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} [آل عمران: 134] ~~[آل عمران: 134] . # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر من غضب بتعاطي أسباب تدفع عنه الغضب، ~~وتسكنه، ويمدح من ملك نفسه عند غضبه ففي " الصحيحين " عن سليمان بن صرد ~~قال: «استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس، وأحدهما ~~يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني لأعلم ~~كلمة لو قالها، لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " ~~فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لست ~~بمجنون» . وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # PageV01P364 # قال في خطبته: «ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أفما رأيتم إلى حمرة ~~عينيه، وانتفاخ أوداجه، فمن أحس من ذلك شيئا فليلزق بالأرض» . وخرج الإمام ~~أحمد، وأبو داود من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا غضب ~~أحدكم وهو قائم، فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع» . وقد قيل: إن ~~المعنى في هذا أن القائم متهيئ، للانتقام، والجالس دونه في ذلك، والمضطجع ~~أبعد عنه، فأمره بالتباعد عن حالة الانتقام، ويشهد لذلك أنه روي من حديث ~~سنان ms196 بن سعد عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن حديث الحسن مرسلا، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «الغضب جمرة في قلب الإنسان توقد ألا ~~ترى إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه، فإذا أحس أحدكم من ذلك شيئا، فليجلس، ~~ولا يعدونه الغضب» ". والمراد: أنه يحبسه في نفسه، ولا يعديه إلى غيره ~~بالأذى بالفعل، ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم في الفتن: " «إن ~~المضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من ~~الماشي، والماشي خير من الساعي» " وإن # PageV01P365 # كان هذا على وجه ضرب المثال في الإسراع في الفتن، إلا أن المعنى: أن من ~~كان أقرب إلى الإسراع فيها، فهو شر ممن كان أبعد عن ذلك. وخرج الإمام أحمد ~~من حديث ابن عباس، عن النبي قال: «إذا غضب أحدكم، فليسكت، قالها ثلاثا» . ~~وهذا أيضا دواء عظيم للغضب، لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما ~~يندم عليه في حال زوال غضبه كثيرا من السباب وغيره مما يعظم ضرره، فإذا سكت ~~زال هذا الشر كله عنه، وما أحسن قول مورق العجلي رحمه الله: ما امتلأت غيظا ~~قط ولا تكلمت في غضب قط بما أندم عليه إذا رضيت. وغضب يوما عمر بن عبد ~~العزيز فقال له ابنه عبد الملك رحمهما الله: أنت يا أمير المؤمنين مع ما ~~أعطاك الله وفضلك به تغضب هذا الغضب؟ فقال له: أوما تغضب يا عبد الملك؟ ~~فقال عبد الملك: وما يغني عني سعة جوفي إذا لم أردد فيه الغضب حتى لا يظهر؟ ~~فهؤلاء قوم ملكوا أنفسهم عند الغضب رضي الله عنهم. وخرج الإمام أحمد، وأبو ~~داود من حديث عروة بن محمد السعدي أنه كلمه رجل فأغضبه، فقام فتوضأ، ثم ~~قال: حدثني أبي، عن جدي عطية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~«إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، ~~فإذا غضب أحدكم، فليتوضأ» ". # PageV01P366 # وروى أبو نعيم بإسناده عن أبي مسلم الخولاني أنه ms197 كلم معاوية بشيء وهو على ~~المنبر، فغضب ثم نزل فاغتسل، ثم عاد إلى المنبر، وقال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «إن الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، والماء ~~يطفئ النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل» . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي ~~يملك نفسه عند الغضب» . وفي " صحيح مسلم " عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «ما تعدون الصرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا تصرعه الرجال، قال: ~~ليس ذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب» . وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، ~~والترمذي، وابن ماجه من حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على ~~رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء» . وخرج الإمام أحمد من حديث ابن ~~عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما تجرع عبد # PageV01P367 # جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله عز وجل» ومن حديث ~~ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من جرعة أحب إلى الله من ~~جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظم عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانا» وخرج أبو ~~داود معناه من رواية بعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " ~~«ملأه الله أمنا وإيمانا» ". وقال ميمون بن مهران: جاء رجل إلى سلمان، ~~فقال: يا أبا عبد الله أوصني، قال: لا تغضب، قال أمرتني أن لا أغضب وإنه ~~ليغشاني ما لا أملك، قال: فإن غضبت، فاملك لسانك ويدك خرجه ابن أبي الدنيا، ~~وملك لسانه ويده هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأمره لمن غضب ~~أن يجلس، ويضطجع وبأمره له أن يسكت. قال عمر بن عبد العزيز: قد أفلح من عصم ~~من الهوى، والغضب، والطمع. وقال الحسن: أربع من كن فيه عصمه الله من ~~الشيطان، وحرمه على النار: من ملك نفسه عند ms198 الرغبة والرهبة والشهوة والغضب. ~~وهذه الأربع التي ذكرها الحسن هي مبدأ الشر كله، فإن الرغبة في الشيء هي ~~ميل النفس إليه لاعتقاد نفعه، فمن حصل له رغبة في شيء، حملته تلك # PageV01P368 # الرغبة على طلب ذلك الشيء من كل وجه يظنه موصلا إليه؛ وقد يكون كثير منها ~~محرما؛ وقد يكون ذلك الشيء المرغوب فيه محرما. والرهبة: هي الخوف من الشيء، ~~وإذا خاف الإنسان من شيء تسبب في دفعه عنه بكل طريق يظنه دافعا له، وقد ~~يكون كثير منها محرما. والشهوة: هي ميل النفس إلى ما يلائمها، وتلتذ به، ~~وقد تميل كثيرا إلى ما هو محرم كالزنا والسرقة وشرب الخمر، وإلى الكفر ~~والسحر والنفاق والبدع. # والغضب: هو غليان دم القلب طلبا لدفع المؤذي عند خشية وقوعه، أو طلبا ~~للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعد وقوعه، وينشأ من ذلك كثير من الأفعال ~~المحرمة كالقتل والضرب وأنواع الظلم والعدوان؛ وكثير من الأقوال المحرمة ~~كالقذف والسب والفحش، وربما ارتقى إلى درجة الكفر، كما جرى لجبلة بن ~~الأيهم، وكالأيمان التي لا يجوز التزامها شرعا، وكطلاق الزوجة الذي يعقب ~~الندم. والواجب على المؤمن أن تكون شهوته مقصورة على طلب ما أباحه الله له، ~~وربما تناولها بنية صالحة، فأثيب عليها، وأن يكون غضبه دفعا للأذى في الدين ~~له أو لغيره وانتقاما ممن عصى الله ورسوله، كما قال تعالى: {قاتلوهم يعذبهم ~~الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين - ويذهب غيظ ~~قلوبهم} [التوبة: 14 - 15] [التوبة: 14 - 15] . وهذه كانت حال النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فإنه كان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتهكت # PageV01P369 # حرمات الله لم يقم لغضبه شيء ولم يضرب بيده خادما ولا امرأة إلا أن يجاهد ~~في سبيل الله. «وخدمه أنس عشر سنين، فما قال له: " أف " قط، ولا قال له ~~لشيء فعله: " لم فعلت كذا "، ولا لشيء لم يفعله: " ألا فعلت كذا» وفي رواية ~~أنه كان إذا لامه بعض أهله قال صلى الله عليه وسلم: " «دعوه فلو قضي شيء ~~كان» " وفي رواية للطبراني قال أنس: ms199 «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عشر سنين، فما دريت شيئا قط وافقه، ولا شيئا خالفه رضى من الله بما كان» . ~~«وسئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه ~~القرآن» ، تعني: أنه تأدب بآدابه، وتخلق بأخلاقه، فما مدحه القرآن، كان فيه ~~رضاه، وما ذمه القرآن، كان فيه سخطه، وجاء في رواية عنها، قالت: «كان خلقه ~~القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه» . وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حيائه لا ~~يواجه أحدا بما يكره، بل تعرف الكراهة في وجهه، كما في " الصحيح " عن أبي ~~سعيد الخدري قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في ~~خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه، عرفناه في وجهه» . ولما بلغه ابن # PageV01P370 # مسعود قول القائل: «هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، شق عليه صلى الله ~~عليه وسلم وتغير وجهه، وغضب، ولم يزد على أن قال: لقد أوذي موسى بأكثر من ~~هذا فصبر» . وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى، أو سمع ما يكرهه الله، غضب ~~لذلك، وقال فيه، ولم يسكت، وقد «دخل بيت عائشة فرأى سترا فيه تصاوير، فتلون ~~وجهه وهتكه، وقال: إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يصورون هذه ~~الصور» . ولما شكي إليه الإمام الذي يطيل بالناس صلاته حتى يتأخر بعضهم عن ~~الصلاة معه، غضب واشتد غضبه، ووعظ الناس، وأمر بالتخفيف. «ولما رأى النخامة ~~في قبلة المسجد، تغيظ، وحكها، وقال: إن أحدكم إذا كان في الصلاة، فإن الله ~~حيال وجهه، فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة» . # PageV01P371 # وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم " «أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا» " ~~وهذا عزيز جدا، وهو أن الإنسان لا يقول سوى الحق سواء غضب أو رضي، فإن أكثر ~~الناس إذا غضب لا يتوقف فيما يقول. وخرج الطبراني من حديث أنس مرفوعا: " ~~«ثلاث من أخلاق الإيمان: من إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل، ومن إذا رضي، ~~لم يخرجه رضاه من حق، ومن إذا قدر، لم يتعاط ما ليس ms200 له» ". وقد روي «عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه أخبر عن رجلين ممن كان قبلنا كان أحدهما ~~عابدا، وكان الآخر مسرفا على نفسه، وكان العابد يعظه، فلا ينتهي، فرآه يوما ~~على ذنب استعظمه، فقال: والله لا يغفر الله لك، فغفر للمذنب، وأحبط عمل ~~العابد» . وقال أبو هريرة: لقد تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته، فكان أبو ~~هريرة يحذر الناس أن يقولوا مثل هذه الكلمة في غضب وقد خرجه الإمام أحمد # PageV01P372 # وأبو داود، فهذا غضب لله، ثم تكلم في حال غضبه لله بما لا يجوز، وحتم على ~~الله بما لا يعلم، فأحبط الله عمله، فكيف بمن تكلم في غضبه لنفسه، ومتابعة ~~هواه بما لا يجوز. وفي " صحيح مسلم " «عن عمران بن حصين: أنهم كانوا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة، فضجرت ~~فلعنتها فسمع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: خذوا متاعها ودعوها» . وفيه ~~أيضا عن جابر قال: «سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ورجل من ~~الأنصار على ناضح له، فتلدن عليه بعض التلدن، فقال له: سر، لعنك الله، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: انزل عنه، فلا تصحبنا بملعون، لا تدعوا على ~~أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ~~ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم» . فهذا كله يدل على أن دعاء الغضبان قد ~~يجاب إذا صادف ساعة إجابة، وأنه ينهى عن الدعاء على نفسه وأهله وماله في ~~الغضب. وأما ما قاله مجاهد في قوله تعالى: {ولو يعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11] [يونس: 11] ، قال: هو ~~الواصل لأهله وولده وماله إذا غضب عليه، قال: اللهم لا تبارك فيه، اللهم ~~العنه، يقول: لو عجل له ذلك، لأهلك من دعا عليه، فأماته. فهذا يدل على أنه ~~لا يستجاب # PageV01P373 # جميع ما يدعو به الغضبان على نفسه وأهله وماله، والحديث دل على أنه قد ~~يستجاب لمصادفته ساعة إجابة. وأما ما روي عن الفضيل ms201 بن عياض قال: ثلاثة لا ~~يلامون على غضب: الصائم والمريض والمسافر، وعن الأحنف بن قيس قال: يوحي ~~الله إلى الحافظين اللذين مع ابن آدم: لا تكتبا على عبدي في ضجره شيئا، وعن ~~أبي عمران الجوني قال: إن المريض إذا جزع فأذنب، قال الملك الذي على اليمين ~~للملك الذي على الشمال: لا تكتب، خرجه ابن أبي الدنيا، فهذا كله لا يعرف له ~~أصل صحيح من الشرع يدل عليه، والأحاديث التي ذكرناها من قبل تدل على خلافه. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا غضبت فاسكت» يدل على أن الغضبان ~~مكلف في حال غضبه بالسكوت، فيكون حينئذ مؤاخذا بالكلام، وقد صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه أمر من غضب أن يتلافى غضبه بما يسكنه من أقوال ~~وأفعال، وهذا هو عين التكليف له بقطع الغضب، فكيف يقال: إنه غير مكلف في ~~حال غضبه بما يصدر منه. وقال عطاء بن أبي رباح: ما أبكى العلماء بكاء آخر ~~العمر من غضبة يغضبها أحدهم فتهدم عمر خمسين سنة، أو ستين سنة، أو سبعين ~~سنة، ورب غضبة قد أقحمت صاحبها مقحما ما استقاله. خرجه ابن أبي الدنيا. ثم ~~إن من قال من السلف: إن الغضبان إذا كان سبب غضبه مباحا، كالمرض، أو السفر، ~~أو طاعة كالصوم، لا يلام عليه إنما مراده أنه لا إثم عليه إذا كان مما يقع ~~منه في حال الغضب كثيرا من كلام يوجب تضجرا أو سبا ونحوه كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: «إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب # PageV01P374 # البشر، فأيما مسلم سببته أو جلدته، فاجعلها له كفارة» . فأما ما كان من ~~كفر، أو ردة، أو قتل نفس، أو أخذ مال بغير حق ونحو ذلك، فهذا لا يشك مسلم ~~أنهم لم يريدوا أن الغضبان لا يؤاخذ به، وكذلك ما يقع من الغضبان من طلاق ~~وعتاق، أو يمين، فإنه يؤاخذ بذلك كله بغير خلاف وفي " مسند الإمام أحمد "، ~~«عن خويلة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أنها راجعت ms202 زوجها، فغضب، فظاهر ~~منها وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه وضجر، وأنها جاءت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فجعلت تشكو إليه ما تلقى من سوء خلقه، فأنزل الله آية الظهار، ~~وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بكفارة الظهار» في قصة طويلة، وخرجها ~~ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي العالية: «أن خويلة غضب زوجها فظاهر منها، ~~فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بذلك، وقالت: إنه لم يرد الطلاق، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما أراك إلا حرمت عليه» ، وذكر القصة ~~بطولها، وفي آخرها، قال: فحول الله الطلاق، فجعله ظهارا. فهذا الرجل ظاهر ~~في حال غضبه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى حينئذ أن الظهار طلاق، وقد ~~قال: إنها حرمت عليه بذلك، يعني: لزمه الطلاق، فلما جعله الله ظهارا مكفرا ~~ألزمه بالكفارة، ولم يلغه. وروى مجاهد عن ابن عباس أن رجلا قال له: إني ~~طلقت امرأتي ثلاثا وأنا # PageV01P375 # غضبان، فقال: ابن عباس لا يستطيع أن يحل لك ما حرم الله عليك، عصيت ربك ~~وحرمت عليك امرأتك خرجه الجوزجاني والدارقطني بإسناد على شرط مسلم. # وخرج القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب " أحكام القرآن " بإسناد صحيح عن ~~عائشة قالت: اللغو في الأيمان ما كان في المراء والهزل والمزاحة، والحديث ~~الذي لا يعقد عليه القلب، وأيمان الكفارة على كل يمين حلفت عليها على جد من ~~الأمر في غضب أو غيره: لتفعلن أو لتتركن، فذلك عقد الأيمان فيها الكفارة ~~وكذا رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وهذا من أصح ~~الأسانيد، وهذا يدل على أن الحديث المروي عنها مرفوعا: " «لا طلاق ولا عتاق ~~في إغلاق» " إما أنه غير صحيح، أو أن تفسيره # PageV01P376 # بالغضب غير صحيح. وقد صح، عن غير واحد من الصحابة أنهم أفتوا أن يمين ~~الغضبان منعقدة وفيها الكفارة، وما روي عن ابن عباس مما يخالف ذلك فلا يصح ~~إسناده، قال الحسن: طلاق السنة أن يطلقها واحدة طاهرا من غير جماع، وهو ~~بالخيار ما ms203 بينه وبين أن تحيض ثلاث حيض، فإن بدا له أن يراجعها كان أملك ~~بذلك، فإن كان غضبان، ففي ثلاث حيض، أو في ثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض ما ~~يذهب غضبه، وقال الحسن: لقد بين الله لئلا يندم أحد في طلاق كما أمره الله. ~~خرجه القاضي إسماعيل # PageV01P377 # وقد جعل كثير من العلماء الكنايات مع الغضب كالصريح في أنه يقع بها ~~الطلاق ظاهرا؛ ولا يقبل تفسيرها مع الغضب بغير الطلاق، ومنهم من جعل الغضب ~~مع الكنايات كالنية، فأوقع بذلك الطلاق في الباطن أيضا، فكيف يجعل الغضب ~~مانعا من وقوع صريح الطلاق. # PageV01P378 ### | [الحديث السابع عشر إن الله كتب الإحسان على كل شيء] # PageV01P378 # الحديث السابع عشر عن أبي يعلى شداد بن أوس، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم ~~فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ~~ذبيحته» . رواه مسلم. #  هذا الحديث خرجه مسلم دون البخاري ~~من رواية أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، وتركه ~~البخاري، لأنه لم يخرج في " صحيحه " لأبي الأشعث شيئا وهو شامي ثقة. وقد ~~روي نحوه من حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل ~~محسن فأحسنوا، فإذا قتل أحدكم، فليحسن مقتوله، وإذا ذبح، فليحد شفرته، ~~وليرح ذبيحته» خرجه ابن عدي. وخرج الطبراني من حديث أنس، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قلتم فأحسنوا، فإن الله محسن يحب ~~المحسنين» . # PageV01P379 # فقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» وفي رواية ~~لأبي إسحاق الفزاري في كتاب " السير " عن خالد، عن أبي قلابة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» أو قال: " على كل خلق " ~~هكذا خرجها مرسلة، وبالشك في " كل شيء " أو " كل خلق " وظاهره يقتضي أنه ~~كتب على كل مخلوق الإحسان، فيكون كل شيء أو كل مخلوق هو المكتوب عليه، ~~والمكتوب ms204 هو الإحسان. وقيل: إن المعنى أن الله كتب الإحسان إلى كل شيء، أو ~~في كل شيء، أو كتب الإحسان في الولاية على كل شيء، فيكون المكتوب عليه غير ~~مذكور، وإنما المذكور المحسن إليه. ولفظ " الكتابة " يقتضي الوجوب عند أكثر ~~الفقهاء والأصوليين خلافا لبعضهم، وإنما استعمال لفظة الكتابة في القرآن ~~فيما هو واجب حتم إما شرعا، كقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا موقوتا} [النساء: 103] [النساء: 103] ، وقوله: {كتب عليكم الصيام} ~~[البقرة: 183] [البقرة: 182] ، {كتب عليكم القتال} [البقرة: 216] [البقرة: ~~216] ، أو فيما هو واقع قدرا لا محالة، كقوله: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} ~~[المجادلة: 21] [المجادلة: 21] ، وقوله: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] [الأنبياء: 105] ، ~~وقوله: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} [المجادلة: 22] # PageV01P380 # [المجادلة: 22] وقال النبي صلى الله عليه وسلم في قيام شهر رمضان: «إني ~~خشيت أن يكتب عليكم» وقال: " «أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي» "، وقال: ~~«كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فهو مدرك ذلك لا محالة» . وحينئذ فهذا ~~الحديث نص في وجوب الإحسان، وقد أمر الله تعالى به، فقال: {إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان} [النحل: 90] [النحل: 90] وقال: {أحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين} [البقرة: 195] [البقرة: 195] . وهذا الأمر بالإحسان تارة يكون ~~للوجوب كالإحسان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البر والصلة ~~والإحسان إلى الضيف بقدر ما يحصل به قراه على ما سبق ذكره. وتارة يكون ~~للندب كصدقة التطوع ونحوها. وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من ~~الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة ~~والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها ~~واجب، وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب. # PageV01P381 # والإحسان في ترك الحرمات: الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال ~~تعالى: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} [الأنعام: 120] [الأنعام: 120] . فهذا ~~القدر من الإحسان فيها واجب. # وأما الإحسان في الصبر على المقدورات، فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من ~~غير تسخط ولا جزع. والإحسان الواجب في معاملة الخلق ms205 ومعاشرتهم: القيام بما ~~أوجب الله من حقوق ذلك كله، والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، ~~القيام بواجبات الولاية كلها، والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ~~ليس بواجب. # والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب: إزهاق نفسه على أسرع ~~الوجوه وأسهلها وأوحاها من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه. ~~وهذا النوع هو الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، ولعله ~~ذكره على سبيل المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال: «إذا قتلتم ~~فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» والقتلة والذبحة بالكسر، أي ~~الهيئة، والمعنى: أحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل وهذا يدل على وجوب ~~الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه وقد حكى ابن ~~حزم الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة، وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه ~~بالسيف على العنق، قال الله تعالى في حق الكفار: {فإذا لقيتم الذين كفروا ~~فضرب الرقاب} [محمد: 4] [محمد: 4] ، وقال تعالى: {سألقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق} [الأنفال: 12] [الأنفال: 12] وقد قيل: ~~إنه عين الموضع الذي يكون الضرب فيه أسهل على المقتول وهو فوق العظام ودون ~~الدماغ، ووصى دريد بن الصمة قاتله أن يقتله كذلك. # PageV01P382 # «وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية تغزوا في سبيل الله قال ~~لهم: لا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا» . وخرج أبو داود، وابن ماجه من حديث ابن ~~مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعف الناس قتلة أهل الإيمان» . ~~وخرج أحمد وأبو داود من حديث عمران بن حصين وسمرة بن جندب «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان ينهى عن المثلة» . # PageV01P383 # وخرج البخاري من حديث عبد الله بن يزيد، «عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه نهى عن المثلة» . وخرج الإمام أحمد من حديث يعلى بن مرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: لا تمثلوا بعبادي» . وخرج أيضا من حديث ~~رجل من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ms206 مثل بذي روح، ثم لم ~~يتب، مثل الله به يوم القيامة» . واعلم أن القتل المباح يقع على وجهين: ~~أحدهما قصاص، فلا يجوز التمثيل فيه بالمقتص منه، بل يقتل كما قتل، فإن كان ~~قد مثل بالمقتول، فهل يمثل به كما فعل أم لا يقتل إلا بالسيف؟ فيه قولان ~~مشهوران للعلماء: أحدهما: أنه يفعل به كما فعل، وهو قول مالك والشافعي ~~وأحمد في المشهور # PageV01P384 # عنه وفي " الصحيحين " عن أنس أن قال: «خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة، ~~فرماها يهودي بحجر، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها رمق، ~~فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلان قتلك؟ فرفعت رأسها، فقال لها ~~في الثالثة: فلان قتلك؟ فخفضت رأسها، فدعا به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فرضخ رأسه بين الحجرين. وفي رواية لهما: فأخذ فاعترف» ، وفي رواية ~~لمسلم: «أن رجلا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها، ثم ألقاها في ~~القليب، ورضخ رأسها بالحجارة، فأخذ، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأمر به أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات» . والقول الثاني: لا قود إلا ~~بالسيف، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد. وعن أحمد رواية ~~ثالثة: يفعل به كما فعل إلا أن يكون حرقه بالنار أو مثل به، فيقتل بالسيف ~~للنهي عن المثلة وعن التحريق بالنار نقلها عنه الأثرم، وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: " «لا قود إلا بالسيف» " خرجه ابن ماجه وإسناده # PageV01P385 # ضعيف، وقال أحمد: يروى " «لا قود إلا بالسيف» " وليس إسناده بجيد، وحديث ~~أنس، يعني: في قتل اليهودي بالحجارة أسند منه وأجود. ولو مثل به، ثم قتله ~~مثل أن قطع أطرافه، ثم قتله، فهل يكتفى بقتله أم يصنع به كما صنع، فيقطع ~~أطرافه ثم يقتل؟ على قولين: أحدهما: يفعل به كما فعل سواء، وهو قول أبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وإسحاق وغيرهم والثاني: يكتفى ~~بقتله، وهو قول الثوري وأحمد في رواية وأبي يوسف ومحمد، وقال مالك: إن فعل ms207 ~~ذلك به على سبيل التمثيل والتعذيب، فعل به كما فعل، وإن لم يكن على هذا ~~الوجه اكتفي بقتله. والوجه الثاني: أن يكون القتل للكفر، إما لكفر أصلي، أو ~~لردة عن الإسلام، فأكثر العلماء على كراهة المثلة فيه أيضا، وأنه يقتل فيه ~~بالسيف، وقد روي عن طائفة من السلف جواز التمثيل فيه بالتحريق بالنار وغير ~~ذلك، كما فعله خالد بن الوليد وغيره. # PageV01P386 # وروي عن أبي بكر أنه حرق الفجاءة بالنار. وروي أن أم فرقد الفزارية ارتدت ~~في عهد أبي بكر الصديق، فأمر بها، فشدت ذوائبها في أذناب قلوصين أو فرسين، ~~ثم صاح بهما فتقطعت المرأة، وأسانيد هذه القصة متقطعة. وقد ذكر ابن سعد في ~~" طبقاته " بغير إسناد أن زيد بن حارثة قتلها هذه القتلة على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. وصح عن علي أنه ~~حرق المرتدين، وأنكر ذلك ابن عباس عليه، وقيل: إنه لم يحرقهم، وإنما دخن ~~عليهم حتى ماتوا، وقيل: إنه قتلهم، ثم حرقهم، ولا يصح ذلك. وروي عنه أنه ~~جيء بمرتد، فأمر به فوطئ بالأرجل حتى مات. واختار ابن عقيل - من أصحابنا - ~~جواز القتل بالتمثيل للكفر لا سيما إذا # PageV01P387 # تغلظ، وحمل النهي عن المثلة على القتل بالقصاص، واستدل من أجاز ذلك بحديث ~~العرنيين، وقد خرجاه في " الصحيحين " من حديث أنس: «أن أناسا من عرينة ~~قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فاجتووها، فقال لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة، فتشربوا من ~~ألبانها وأبوالها، فافعلوا ففعلوا فصحوا، ثم مالوا على الرعاء، فقتلوهم، ~~وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم. فبعث في أثرهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، ~~وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا» ، وفي رواية: «ثم نبذوا في الشمس ~~حتى ماتوا» ، وفي رواية: «وسمرت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا ~~يسقون» ، وفي رواية للترمذي: «قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف» ms208 ، وفي رواية ~~للنسائي: وصلبهم. وقد اختلف العلماء في وجه عقوبة هؤلاء، فمنهم من قال: من ~~فعل مثل فعلهم فارتد، وحارب، وأخذ المال، صنع به كما صنع بهؤلاء، وروي هذا ~~عن طائفة، منهم أبو قلابة، وهو رواية عن أحمد. ومنهم من قال: بل هذا يدل ~~على جواز التمثيل ممن تغلظت جرائمه في الجملة، وإنما نهي عن التمثيل في ~~القصاص، وهو قول ابن عقيل من أصحابنا. ومنهم من قال: بل نسخ ما فعل ~~بالعرنيين بالنهي عن المثلة. ومنهم من قال: كان قبل نزول الحدود وآية ~~المحاربة، ثم نسخ بذلك، وهذا قول جماعة منهم الأوزاعي وأبو عبيد. ومنهم من ~~قال: بل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بهم إنما كان بآية المحاربة، ولم ~~ينسخ # PageV01P388 # شيء من ذلك؛ وقالوا: إنما قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وقطع أيديهم، ~~لأنهم أخذوا المال؛ ومن أخذ المال وقتل، قطع وقتل، وصلب حتما؛ فيقتل لقتله ~~ويقطع لأخذه المال يده ورجله من خلاف، ويصلب لجمعه بين الجنايتين وهما ~~القتل وأخذ المال، وهذا قول الحسن، ورواية عن أحمد. وإنما سمل أعينهم، ~~لأنهم سملوا أعين الرعاة كذا خرجه مسلم من حديث أنس، وذكر ابن شهاب أنهم ~~قتلوا الراعي، ومثلوا به، وذكر ابن سعد أنهم قطعوا يده ورجله، وغرسوا الشوك ~~في لسانه وعينيه حتى مات، وحينئذ، فقد يكون قطعهم، وسمل أعينهم، وتعطيشهم ~~قصاصا، وهذا يتخرج على قول من يقول: إن المحارب إذا جنى جناية توجب القصاص ~~استوفيت منه قبل قتله، وهو مذهب أحمد. لكن هل يستوفى منه تحتما كقتله أم ~~على وجه القصاص، فيسقط بعفو الولي؟ على روايتين عنه، ولكن رواية الترمذي أن ~~قطعهم من خلاف يدل على أن قطعهم للمحاربة إلا أن يكونوا قد قطعوا يد الراعي ~~ورجله من خلاف والله أعلم. وقد روي «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~أذن في التحريق بالنار، ثم نهى عنه» كما في " صحيح البخاري " عن أبي هريرة ~~قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: إن وجدتم فلانا ms209 ~~وفلانا - لرجلين من قريش - فاحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين أردنا الخروج: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا ~~بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما» . وفيه ~~أيضا عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تعذبوا بعذاب الله ~~عز وجل» . # PageV01P389 # وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث ابن مسعود قال: «كنا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فمررنا بقرية نمل قد أحرقت، فغضب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال: إنه لا ينبغي لبشر أن يعذب بعذاب الله عز وجل» . وقد حرق ~~خالد جماعة في الردة، وروي عن طائفة من الصحابة تحريق من عمل عمل قوم لوط، ~~وروي عن علي أنه أشار على أبي بكر أن يقتله ثم يحرقه بالنار، واستحسن ذلك ~~إسحاق بن راهويه لئلا يكون تعذيبا بالنار. وفي " مسند الإمام أحمد " أن ~~عليا لما ضربه ابن ملجم قال: افعلوا به كما أراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يفعل برجل أراد قتله، قال: «اقتلوه ثم حرقوه» . وأكثر العلماء على ~~كراهة التحريق بالنار حتى للهوام، وقال إبراهيم النخعي: تحريق العقرب ~~بالنار مثلة. ونهت أم الدرداء عن تحريق البرغوث بالنار. وقال أحمد لا يشوى ~~السمك في النار وهو حي، وقال: الجراد أهون، لأنه لا دم له. # وقد ثبت «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صبر البهائم» ، وهو: أن ~~تحبس البهيمة ثم تضرب بالنبل ونحوه حتى تموت، ففي " الصحيحين " عن أنس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم «نهى أن تصبر البهائم» . وفيهما أيضا، «عن ابن ~~عمر: أنه مر بقوم نصبوا دجاجة يرمونها، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذا» . # PageV01P390 # وخرج مسلم من حديث ابن عباس، «عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى أن ~~يتخذ شيء فيه الروح غرضا» ، والغرض: هو الذي يرمى فيه بالسهام. وفي " مسند ~~الإمام أحمد " عن أبي هريرة «أن النبي ms210 صلى الله عليه وسلم نهى عن الرمية: ~~أن ترمى الدابة ثم تؤكل " ولكن تذبح، ثم ليرموا إن شاءوا» وفي هذا المعنى ~~أحاديث كثيرة. فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإحسان القتل والذبح، ~~وأمر أن تحد الشفرة، وأن تراح الذبيحة، يشير إلى أن الذبح بالآلة الحادة ~~يريح الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها. وخرج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث ابن ~~عمر، قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحد الشفار، وأن توارى عن ~~البهائم، وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز» يعني: فليسرع الذبح. وقد ورد الأمر ~~بالرفق بالذبيحة عند ذبحها. وخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري قال: ~~«مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وهو يجر شاة بأذنها، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: دع أذنها وخذ بسالفتها» والسالفة: مقدم العنق. وخرج ~~الخلال والطبراني من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: «مر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم برجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ~~ببصرها، فقال: أفلا قبل هذا؟ تريد أن تميتها موتات؟» وقد روي عن عكرمة # PageV01P391 # مرسلا خرجه عبد الرزاق وغيره، وفيه زيادة: " «هلا حددت شفرتك قبل أن ~~تضجعها» ". وقال الإمام أحمد: تقاد إلى الذبح قودا رفيقا، وتوارى السكين ~~عنها، ولا تظهر السكين إلا عند الذبح، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بذلك أن توارى الشفار. وقال: ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أنها تعرف ~~ربها، وتعرف أنها تموت. وقال يروى عن ابن سابط أنه قال: إن البهائم جبلت ~~على كل شيء إلا أنها تعرف ربها، وتخاف الموت. # وقد ورد الأمر بقطع الأوداج عند الذبح، كما خرجه أبو داود من حديث عكرمة، ~~عن ابن عباس، وأبي هريرة، «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن شريطة ~~الشيطان وهي التي تذبح فتقطع الجلد، ولا تفري الأوداج» ، وخرجه ابن حبان في ~~" صحيحه " وعنده قال عكرمة: كانوا يقطعون منها الشيء اليسير، ثم يدعونها ~~حتى تموت، ولا يقطعون الودج، فنهى عن ذلك. ms211 وروى عبد الرزاق في كتابه، عن ~~محمد بن راشد، عن الوضين بن عطاء، قال: «إن جزارا فتح بابا على شاة ليذبحها ~~فانفلتت منه حتى جاءت النبي صلى الله عليه وسلم، فاتبعها فأخذ يسحبها ~~برجلها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اصبري لأمر الله، وأنت يا جزار ~~فسقها إلى الموت سوقا رفيقا» . وبإسناده عن ابن سيرين أن عمر رأى رجلا يسحب ~~شاة برجلها ليذبحها، # PageV01P392 # فقال له: ويلك قدها إلى الموت قودا جميلا. وروى محمد بن زياد أن ابن عمر ~~رأى قصابا يجر شاة، فقال: سقها إلى الموت سوقا جميلا، فأخرج القصاب شفرته ~~فقال: ما أسوقها سوقا جميلا وأنا أريد أن أذبحها الساعة، فقال: سقها سوقا ~~جميلا. وفي " مسند الإمام أحمد " عن معاوية بن قرة، عن أبيه: «أن رجلا قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: والشاة إن رحمتها رحمك الله» . وقال مطرف بن عبد ~~الله: إن الله ليرحم برحمة العصفور. وقال نوف البكالي: إن رجلا ذبح عجولا ~~بين يدي أمه، فخبل، فبينا هو تحت شجرة فيها وكر فيه فرخ، فوقع الفرخ إلى ~~الأرض، فرحمه فأعاده في مكانه، فرد الله عليه قوته. وقد روي من غير وجه «عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى أن توله والدة عن ولدها» ، وهو عام في ~~بني آدم وغيرهم. وفي سنن أبي داود: «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~الفرع، فقال: " هو حق وأن تتركوه حتى يكون بكرا ابن مخاض، أو ابن لبون، ~~فتعطيه أرملة، أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلصق لحمه ~~بوبره، وتكفئ إناءك وتوله ناقتك» . # PageV01P393 # والمعنى: أن ولد الناقة إذا ذبح وهو صغير عند ولادته لم ينتفع بلحمه، ~~وتضرر صاحبه بانقطاع لبن ناقته، فتكفئ إناءه وهو المحلب الذي تحلب فيه ~~الناقة، وتوله الناقة على ولدها بفقدها إياه. # PageV01P394 ### | [الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها] # PageV01P394 # الحديث الثامن عشر ms212 عن أبي ذر ومعاذ بن جبل رضي الله ~~عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع ~~السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» رواه الترمذي وقال: حديث حسن، ~~وفي بعض النسخ: حسن صحيح. #  هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية ~~سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن أبي ذر، ~~وخرجه أيضا بهذا الإسناد، عن ميمون، عن معاذ، وذكر عن شيخه محمود بن غيلان ~~أنه قال: حديث أبي ذر أصح. فهذا الحديث قد اختلف في إسناده وقيل فيه: عن ~~حبيب، عن ميمون: أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى بذلك، مرسلا، ورجح ~~الدارقطني هذا المرسل. وقد حسن الترمذي هذا الحديث، وما وقع في بعض النسخ ~~من تصحيحه، فبعيد، ولكن الحاكم خرجه، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وهو وهم ~~من وجهين: أحدهما: أن ميمون بن أبي شبيب، ويقال: ابن شبيب لم يخرج له ~~البخاري في " صحيحه " شيئا، ولا مسلم إلا في مقدمة كتابه حديثا عن # PageV01P395 # المغيرة بن شعبة. والثاني: أن ميمون بن أبي شبيب لم يصح سماعه من أحد من ~~الصحابة، قال الفلاس: ليس في شيء من رواياته عن الصحابة " سمعت " ولم أخبر ~~أن أحدا يزعم أنه سمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو حاتم ~~الرازي: روايته عن أبي ذر وعائشة غير متصلة. وقال أبو داود: لم يدرك عائشة، ~~ولم ير عليا، وحينئذ فلم يدرك معاذا بطريق الأولى. وروى البخاري وشيخه علي ~~بن المديني، وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم أن الحديث لا يتصل إلا بصحة اللقي، ~~وكلام الإمام أحمد يدل على ذلك، ونص عليه الشافعي في " الرسالة " وهذا كله ~~خلاف رأي مسلم رحمه الله. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصى ~~بهذه الوصية معاذا وأبا ذر من وجوه أخر، فخرج البزار من حديث أبي لهيعة، عن ~~أبي الزبير، عن أبي الطفيل، «عن معاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ~~إلى قوم، فقال: ms213 يا رسول الله أوصني، قال: أفش السلام، وابذل الطعام، واستحي ~~من الله استحياء رجل ذي هيئة من أهلك، وإذا أسأت فأحسن، وليحسن خلقك ما ~~استطعت» . وخرج الطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن # PageV01P396 # معاذ بن جبل أراد سفرا، فقال: يا رسول الله أوصني قال: اعبد الله، ولا ~~تشرك به شيئا " قال: يا رسول الله زدني، قال: " إذا أسأت فأحسن " قال: يا ~~رسول الله زدني، قال: " استقم ولتحسن خلقك» . وخرج الإمام أحمد من حديث ~~دراج، عن أبي الهيثم، «عن أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ~~أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن، ولا تسألن أحدا ~~شيئا وإن سقط سوطك، ولا تقبض أمانة، ولا تقض بين اثنين» . وخرج أيضا من وجه ~~آخر «عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله علمني عملا يقربني من الجنة ~~ويباعدني من النار، قال: إذا عملت سيئة، فاعمل حسنة، فإنها عشر أمثالها ~~قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: هي أحسن ~~الحسنات» . وخرج ابن عبد البر في " التمهيد " بإسناد فيه نظر عن أنس قال: ~~«بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن، فقال: " يا معاذ اتق الله، ~~وخالق الناس بخلق حسن، وإذا عملت سيئة، فأتبعها حسنة " فقال: قلت: يا رسول ~~الله لا إله إلا الله من الحسنات؟ قال: " هي من أكبر الحسنات» . وقد رويت ~~وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ من حديث ابن عمر وغيره بسياق مطول من ~~وجوه فيها ضعف. ويدخل في هذا المعنى حديث أبي هريرة، «عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه سئل: ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن ~~الخلق» خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، وابن حبان في " صحيحه ~~". # PageV01P397 # فهذه الوصية وصية عظيمة جامعة لحقوق الله وحقوق عباده، فإن حق الله على ~~عباده أن يتقوه حق تقاته، والتقوى وصية الله للأولين والآخرين. قال تعالى: ~~{ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ms214 من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: ~~131] [النساء: 131] . وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره ~~وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من ~~غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه. وتارة ~~تضاف التقوى إلى اسم الله عز وجل، كقوله تعالى: {واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون} [المائدة: 96] [المائدة: 96] ، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [الحشر: ~~18] [الحشر: 18] ، فإذا أضيفت التقوى إليه سبحانه وتعالى، فالمعنى: اتقوا ~~سخطه وغضبه، وهو أعظم ما يتقى، وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي، قال ~~تعالى: {ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: 28] [آل عمران: 28] ، وقال تعالى: ~~{هو أهل التقوى وأهل المغفرة} [المدثر: 56] [المدثر: 56] ، فهو سبحانه أهل ~~أن يخشى ويهاب ويجل ويعظم في صدور عباده حتى يعبدوه ويطيعوه، لما يستحقه من ~~الإجلال والإكرام، وصفات الكبرياء والعظمة وقوة البطش، وشدة البأس. وفي ~~الترمذي عن أنس، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية {هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة} [المدثر: 56] [المدثر: 56] قال: قال الله تعالى: " أنا أهل ~~أن أتقى، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر، فأنا أهل أن أغفر له» . # PageV01P398 # وتارة تضاف التقوى إلى عقاب الله وإلى مكانه، كالنار، أو إلى زمانه، كيوم ~~القيامة، كما قال تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران: ~~131] [آل عمران: 131] ، وقال تعالى: {فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة أعدت للكافرين} [البقرة: 24] [البقرة: 24] ، وقال تعالى: {واتقوا ~~يوما ترجعون فيه إلى الله - واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} [البقرة: ~~281 - 123] [البقرة: 48، 123] . # ويدخل في التقوى الكاملة فعل الواجبات، وترك المحرمات والشبهات، وربما ~~دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات، وترك المكروهات، وهي أعلى درجات التقوى، ~~قال الله تعالى: {الم - ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين - الذين يؤمنون ~~بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون - والذين يؤمنون بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة: 1 - 4] [البقرة: ms215 1 - 4] . # PageV01P399 # وقال تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ~~والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون} [البقرة: 177] [البقرة: 177] . قال معاذ بن جبل: ينادى يوم ~~القيامة: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب منهم ولا يستتر، ~~قالوا له: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله ~~بالعبادة. وقال ابن عباس: المتقون الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما ~~يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به. وقال الحسن: المتقون ~~اتقوا ما حرم الله عليهم، وأدوا ما افترض عليهم. وقال عمر بن عبد العزيز: ~~ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن ~~تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرا، ~~فهو خير إلى خير. وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من ~~الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. ~~وعن أبي الدرداء قال: تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ~~ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما يكون حجابا بينه ~~وبين الحرام، فإن الله قد بين للعباد الذي يصيرهم إليه فقال: {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة: 7، ~~8] ، فلا تحقرن شيئا من الخير أن تفعله، ولا شيئا من الشر أن تتقيه. # PageV01P400 # وقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة ~~الحرام. وقال الثوري: إنما سموا متقين، لأنهم اتقوا ما لا يتقى. وقال موسى ~~بن أعين: المتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام، ~~فسماهم الله متقين. وقد سبق حديث " «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى ~~يدع ما لا ms216 بأس به حذرا مما به بأس» ". وحديث: " «من اتقى الشبهات استبرأ ~~لدينه وعرضه» ". وقال ميمون بن مهران: المتقي أشد محاسبة لنفسه من الشريك ~~الشحيح لشريكه. وقال ابن مسعود في قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} [آل ~~عمران: 102] [آل عمران: 102] ، قال: أن يطاع، فلا يعصى، ويذكر، فلا ينسى، ~~وأن يشكر، فلا يكفر. وخرجه الحاكم مرفوعا والموقوف أصح، وشكره يدخل فيه ~~جميع فعل الطاعات. # PageV01P401 # ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته ~~وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها. وقد يغلب استعمال التقوى ~~على اجتناب المحرمات كما قال أبو هريرة وسئل عن التقوى، فقال: هل أخذت ~~طريقا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو ~~جاوزته، أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى. وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال: # خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها فهو التقى # واصنع كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى # لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى # وأصل التقوى: أن يعلم العبد ما يتقى ثم يتقي، قال عون بن عبد الله: تمام ~~التقوى أن تبتغي علم ما لم يعلم منها إلى ما علم منها. وذكر معروف الكرخي ~~عن بكر بن خنيس، قال: كيف يكون متقيا من لا يدري ما يتقي؟ ثم قال معروف: ~~إذا كنت لا تحسن تتقي أكلت الربا، وإذا كنت لا تحسن تتقي لقيتك امرأة فلم ~~تغض بصرك، وإذا كنت لا تحسن تتقي وضعت سيفك على عاتقك، وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة: «إذا رأيت أمتي قد اختلفت، فاعمد إلى سيفك ~~فاضرب به أحدا» ثم قال معروف: ومجلسي هذا لعله كان ينبغي لنا أن نتقيه، ثم ~~قال: ومجيئكم معي من المسجد إلى هاهنا كان ينبغي لنا أن نتقيه، أليس جاء في ~~الحديث: " «إنه فتنة للمتبوع مذلة للتابع» "؟ يعني: مشي الناس خلف الرجل. # PageV01P402 # وفي الجملة، فالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأمته، وكان صلى الله عليه وسلم ms217 إذا بعث أميرا على سرية أوصاه في ~~خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرا. ولما خطب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم النحر وصى الناس بتقوى الله وبالسمع ~~والطاعة لأئمتهم. ولما وعظ الناس، قالوا له: كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: ~~«أوصيكم # PageV01P404 # بتقوى الله والسمع والطاعة» . وفي حديث أبي ذر الطويل الذي خرجه ابن حبان ~~وغيره: «قلت: يا رسول الله أوصني، قال: أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس الأمر ~~كله» . وخرج الإمام أحمد من حديث «أبي سعيد الخدري، قال: قلت: يا رسول الله ~~أوصني، قال: أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنه ~~رهبانية الإسلام» ، وخرجه غيره ولفظه: قال: " «عليك بتقوى الله فإنه جماع ~~كل خير» ". وفي الترمذي عن يزيد بن سلمة: أنه «سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله إني سمعت منك حديثا كثيرا فأخاف أن ينسيني أوله ~~آخره، فحدثني بكلمة تكون جماعا، قال: اتق الله فيما تعلم» . ولم يزل السلف ~~الصالح يتواصون بها، كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في خطبته: أما ~~بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، # PageV01P405 # وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله عز وجل ~~أثنى على زكريا وأهل بيته، فقال: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا ~~رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين} [الأنبياء: 90] [الأنبياء: 90] . ولما حضرته ~~الوفاة، وعهد إلى عمر، دعاه، فوصاه بوصيته، وأول ما قال له: اتق الله يا ~~عمر. وكتب عمر إلى ابنه عبد الله: أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل، ~~فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، واجعل التقوى نصب ~~عينيك وجلاء قلبك. واستعمل علي بن أبي طالب رجلا على سرية، فقال له: أوصيك ~~بتقوى الله الذي لابد لك من لقائه، ولا منتهى لك دونه وهو يملك الدنيا ~~والآخرة. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: أوصيك بتقوى الله عز وجل التي لا ~~يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا ms218 يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها ~~كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين. ولما ولى خطب، ~~فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: أوصيكم بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله عز ~~وجل خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف. وقال رجل ليونس بن عبيد: أوصني، ~~فقال: أوصيك بتقوى الله والإحسان. فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون. وقال له رجل يريد الحج: أوصني، فقال له: اتق الله، فمن اتقى الله، ~~فلا وحشة عليه. وقيل لرجل من التابعين عند موته: أوصنا، فقال: أوصيكم ~~بخاتمة سورة # PageV01P406 # النحل: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128] [النحل: ~~128] . وكتب رجل من السلف إلى أخ له: أوصيك بتقوى الله، فإنها أكرم ما ~~أسررت، وأزين ما أظهرت، وأفضل ما ادخرت، أعاننا الله وإياك عليها، وأوجب ~~لنا ولك ثوابها. وكتب رجل منهم إلى أخ له: أوصيك وأنفسنا، بالتقوى فإنها ~~خير زاد الآخرة والأولى، واجعلها إلى كل خير سبيلك، ومن كل شر مهربك، فقد ~~توكل الله عز وجل لأهلها بالنجاة مما يحذرون، والرزق من حيث لا يحتسبون. ~~وقال شعبة: كنت إذا أردت الخروج، قلت للحكم: ألك حاجة، فقال: أوصيك بما ~~أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع ~~السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن.» وقد ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفة ~~والغنى» . وقال أبو ذر: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {ومن ~~يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] [الطلاق: 2] ، ثم قال: يا أبا ذر " لو ~~أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم» . فقوله صلى الله عليه وسلم: «اتق الله ~~حيثما كنت» مراده في السر والعلانية حيث يراه الناس وحيث لا يرونه، وقد ~~ذكرنا من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أوصيك بتقوى ~~الله فى سر أمرك وعلانيته» ، «وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ~~دعائه: ms219 " أسألك خشيتك في الغيب والشهادة» وخشية الله في الغيب والشهادة هي ~~من المنجيات. # PageV01P407 # وقد سبق من حديث أبي الطفيل «عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~له: استحي من الله استحياء رجل ذي هيبة من أهلك» وهذا هو السبب الموجب ~~لخشية الله في السر، فإن من علم أن الله يراه حيث كان، وأنه مطلع على باطنه ~~وظاهره، وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته، أوجب له ذلك ترك المعاصي في ~~السر، وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله عز وجل {واتقوا الله الذي ~~تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1] [النساء: 1] . ~~كان بعض السلف يقول لأصحابه: زهدنا الله وإياكم في الحرام زهد من قدر عليه ~~في الخلوة، فعلم أن الله يراه، فتركه من خشيته، أو كما قال. وقال الشافعي: ~~أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى ~~أو يخاف. وكتب ابن السماك الواعظ إلى أخ له: أما بعد، أوصيك بتقوى الله ~~الذي هو نجيك في سريرتك ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كل حالك ~~في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك، وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه ليس ~~تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرك، ~~وليكثر منه وجلك والسلام. وقال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبي من ~~الأنبياء: قل لقومك: ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي، وتظهرونها لي؛ إن ~~كنتم ترون أني لا أراكم، فأنتم مشركون بي، وإن كنتم ترون أني أراكم فلم ~~جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ وكان وهيب بن الورد يقول: خف الله على قدر ~~قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك، وقال له رجل: عظني، فقال له: اتق ~~الله أن يكون أهون الناظرين إليك وكان بعض السلف يقول: أتراك ترحم من لم ~~تقر عينيه بمعصيتك حتى علم أن لا عين تراه غيرك؟ # PageV01P408 # وقال بعضهم: ابن آدم إن كنت حيث ركبت المعصية لم تصف لك من عين ناظرة ms220 ~~إليك، فلما خلوت بالله وحده صفت لك معصيته، ولم تستحي منه حياءك من بعض ~~خلقه، ما أنت إلا أحد رجلين: إن كنت ظننت أنه لا يراك، فقد كفرت، وإن كنت ~~علمت أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أضعف خلقه لقد اجترأت عليه. دخل ~~بعضهم غيضة ذات شجر، فقال: لو خلوت هاهنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع هاتفا ~~بصوت ملأ الغيضة: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] [الملك: ~~14] . راود بعضهم أعرابية، وقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت: أين ~~مكوكبها؟ . رأى محمد بن المنكدر رجلا واقفا مع امرأة يكلمها فقال: إن الله ~~يراكما سترنا الله وإياكما. وقال الحارث المحاسبي: المراقبة علم القلب بقرب ~~الرب. وسئل الجنيد بم يستعان على غض البصر، قال بعلمك أن نظر الله إليك ~~أسبق من نظرك إلى ما تنظره. وكان الإمام أحمد ينشد: # إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب # ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليه يغيب # وكان ابن السماك ينشد # PageV01P409 # يا مدمن الذنب أما تستحيي ... والله في الخلوة ثانيكا # غرك من ربك إمهاله ... وستره طول مساويكا # والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصى معاذا بتقوى الله سرا ~~وعلانية، أرشده إلى ما يعينه على ذلك وهو أن يستحيي من الله كما يستحيي من ~~رجل ذي هيبة من قومه. ومعنى ذلك أن يستشعر دائما بقلبه قرب الله منه ~~واطلاعه عليه فيستحيي من نظره إليه. وقد امتثل معاذ ما وصاه به النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكان عمر قد بعثه على عمل، فقدم وليس معه شيء، فعاتبته ~~امرأته، فقال: كان معي ضاغط، يعني: من يضيق علي ويمنعني من أخذ شيء، وإنما ~~أراد معاذ ربه عز وجل، فظنت امرأته أن عمر بعث معه رقيبا، فقامت تشكوه إلى ~~الناس. ومن صار له هذا المقام حالا دائما أو غالبا، فهو من المحسنين الذين ~~يعبدون الله كأنهم يرونه، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ~~إلا اللمم. وفي ms221 الجملة فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإيمان، وله ~~تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين. وفي الحديث: " ~~«ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية إن خيرا فخيرا، وإن شرا ~~فشرا» " روي هذا مرفوعا، وروي عن ابن مسعود من قوله. # PageV01P410 # وقال أبو الدرداء: ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو ~~بمعاصي الله، فيلقي الله له البغض في قلوب المؤمنين. وقال سليمان التيمي: ~~إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته، وقال غيره: إن العبد ~~ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله، ثم يجيء إلى إخوانه، فيرون أثر ذلك عليه، ~~وهذا من أعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بذرات الأعمال في الدنيا ~~قبل الآخرة، ولا يضيع عنده عمل عامل، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار، ~~فالسعيد من أصلح ما بينه وبين الله، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله أصلح ~~الله ما بينه وبين الخلق، ومن التمس محامد الناس بسخط الله، عاد حامده من ~~الناس ذاما له. قال أبو سليمان: إن الخاسر من أبدى للناس صالح عمله، وبارز ~~بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد. ومن أعجب ما روي في هذا ما روي عن ~~أبي جعفر السائح قال: كان حبيب أبو محمد تاجرا يكري الدراهم، فمر ذات يوم، ~~فإذا هو بصبيان يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الربا، فنكس رأسه، ~~وقال: يا رب، أفشيت سري إلى الصبيان، فرجع فجمع ماله كله، وقال: يا رب إني ~~أسير، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال فأعتقني، فلما أصبح تصدق بالمال ~~كله وأخذ في العبادة، ثم مر ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأوه قال بعضهم ~~لبعض: اسكتوا فقد جاء حبيب العابد، فبكى وقال: يا رب أنت تذم مرة وتحمد ~~مرة، وكله من عندك. # وقوله صلى الله عليه وسلم " «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» " لما كان العبد ~~مأمورا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لابد أن يقع منه أحيانا تفريط في ~~التقوى، إما ms222 بترك بعض المأمورات، أو بارتكاب بعض المحظورات، فأمره بأن يفعل ~~ما يمحو به هذه # PageV01P411 # السيئة وهو أن يتبعها بالحسنة، قال الله عز وجل: {وأقم الصلاة طرفي ~~النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} [هود: ~~114] [هود: 114] . وفي " الصحيحين " عن ابن مسعود «أن رجلا أصاب من امرأة ~~قبلة، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فسكت النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية، فدعاه فقرأها عليه، فقال رجل: هذا له خاصة؟ ~~قال: " بل للناس عامة» . وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصى به ~~النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الوصية في قوله عز وجل {وسارعوا إلى مغفرة ~~من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين - الذين ينفقون في السراء ~~والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين - والذين ~~إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر ~~الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون - أولئك جزاؤهم مغفرة ~~من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين} [آل ~~عمران: 133 - 136] [آل عمران: 133 - 136] . فوصف المتقين بمعاملة الخلق ~~بالإحسان إليهم بالإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عنهم، فجمع بين وصفهم ببذل ~~الندى، واحتمال الأذى، وهذا هو غاية حسن الخلق الذي وصى به النبي صلى الله ~~عليه وسلم لمعاذ، ثم وصفهم بأنهم: {إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا ~~الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135] ولم يصروا عليها، فدل على أن ~~المتقين قد يقع منهم أحيانا كبائر وهي الفواحش، وصغائر وهي ظلم النفس، ~~لكنهم لا يصرون عليها، بل يذكرون الله عقب وقوعها، فيستغفرونه ويتوبون إليه ~~منها، والتوبة: هي ترك الإصرار. ومعنى قوله: {ذكروا الله} [آل عمران: 135] ~~أي: ذكروا عظمته وشدة بطشه وانتقامه، وما # PageV01P412 # توعد به على المعصية من العقاب، فيوجب ذلك لهم الرجوع في الحال ~~والاستغفار وترك الإصرار، وقال الله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ~~من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201] [الأعراف: 201] . وفي ms223 " ~~الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أذنب عبد ذنبا، فقال: رب ~~إني عملت ذنبا فاغفر لي فقال الله: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ ~~بالذنب، قد غفرت لعبدي، ثم إذا أذنب ذنبا آخر - إلى أن قال في الرابعة: - ~~فليعمل ما شاء» يعني ما دام على هذه الحال كلما أذنب ذنبا استغفر منه. وفي ~~الترمذي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة» . وخرج الحاكم من حديث ~~عقبة بن عامر «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~أحدنا يذنب، قال: " يكتب عليه " قال: ثم يستغفر منه، قال: " يغفر له ويتاب ~~عليه " قال: فيعود فيذنب، قال: " يكتب عليه " قال: ثم يستغفر منه ويتوب، ~~قال: " يغفر له، ويتاب عليه، ولا يمل الله حتى تملوا» . وخرج الطبراني ~~بإسناد ضعيف عن عائشة رضي الله عنها قالت: «جاء حبيب بن الحارث إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني رجل مقراف للذنوب، قال: " فتب ~~إلى الله عز وجل "، قال: أتوب، ثم أعود، قال: " فكلما أذنبت، فتب " قال: يا ~~رسول الله إذا تكثر ذنوبي، قال: " فعفو الله أكثر من ذنوبك يا # PageV01P413 # حبيب بن الحارث» وخرجه بمعناه من حديث أنس مرفوعا بإسناد ضعيف. وبإسناده ~~عن عبد الله بن عمرو قال: من ذكر خطيئة عملها، فوجل قلبه منها، واستغفر ~~الله، لم يحبسها شيء حتى يمحاها. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال: ~~خياركم كل مفتن تواب، قيل: فإذا عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإن ~~عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل ~~حتى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور. وخرج ابن ماجه من حديث ابن ~~مسعود مرفوعا: " «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ". # PageV01P414 # وقيل للحسن: ألا يستحيي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه، ثم يعود، ثم ~~يستغفر، ثم يعود، فقال: ms224 ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تملوا الاستغفار ~~وروي عنه أنه قال: ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين، يعني: أن المؤمن كلما ~~أذنب تاب، وقد روي " «المؤمن مفتن تواب» " وروي من حديث جابر بإسناد ضعيف ~~مرفوعا " «المؤمن واه راقع فسعيد من هلك على رقعه» ". وقال عمر بن عبد ~~العزيز في خطبته: من أحسن منكم، فليحمد الله، ومن أساء، فليستغفر الله، ~~وليتب، فإنه لابد من أقوام من أن يعملوا أعمالا وظفها الله في رقابهم، ~~وكتبها عليهم. وفي رواية أخرى أنه قال: أيها الناس من ألم بذنب، فليستغفر ~~الله وليتب، فإن عاد، فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر وليتب، فإنما ~~هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك كل الهلاك في الإصرار عليها. ~~ومعنى هذا أن العبد لابد أن يفعل ما قدر عليه من الذنوب كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فهو مدرك ذلك لا محالة.» ~~ولكن الله جعل للعبد مخرجا مما وقع فيه من الذنوب، ومحاه بالتوبة ~~والاستغفار، فإن فعل، فقد تخلص من شر الذنوب، وإن أصر على الذنب، هلك. وفي ~~" المسند " من حديث عبد الله بن عمرو،، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « # PageV01P415 # ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين ~~يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون» وفسر أقماع القول بمن كانت أذناه كالقمع ~~لما يسمع من الحكمة والموعظة الحسنة، فإذا دخل شيء من ذلك في أذنه خرج في ~~الأخرى، ولم ينتفع بشيء مما سمع. وقوله صلى الله عليه وسلم: " «أتبع السيئة ~~الحسنة» " قد يراد بالحسنة التوبة من تلك السيئة، وقد ورد ذلك صريحا في ~~حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا من مراسيل محمد بن جبير أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: " «يا معاذ اتق الله ما استطعت، ~~واعمل بقوتك لله عز وجل ما أطقت، واذكر الله عز وجل عند كل شجرة وحجر، وإن ~~أحدثت ذنبا، فأحدث عنده توبة، إن ms225 سرا فسر وإن علانية فعلانية» " وخرجه أبو ~~نعيم بمعناه من وجه آخر ضعيف عن معاذ. وقال قتادة: قال سلمان: إذا أسأت ~~سيئة في سريرة، فأحسن حسنة في سريرة، وإذا أسأت سيئة في علانية، فأحسن حسنة ~~في علانية، لكي تكون هذه بهذه وهذا يحتمل أنه أراد بالحسنة التوبة أو أعم ~~منها. وقد أخبر الله في كتابه أن من تاب من ذنبه، فإنه يغفر له ذنبه أو ~~يتاب عليه # PageV01P416 # في مواضع كثيرة، كقوله تعالى {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم} [النساء: 17] [النساء: ~~17] ، وقوله: {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل: 119] [النحل: 119] وقوله {إلا ~~من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} [الفرقان: ~~70] [الفرقان: 70] وقوله: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} ~~[طه: 82] [طه: 82] وقوله: {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ~~ولا يظلمون شيئا} [مريم: 60] [مريم: 60] وقوله: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل ~~عمران: 135] [آل عمران: 135] الآيتين. قال عبد الرازق: أخبرنا جعفر بن ~~سليمان، عن ثابت، عن أنس بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية: {والذين إذا ~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: ~~135] [آل عمران: 135] الآية، بكى ويروى عن ابن مسعود قال: هذه الآية خير ~~لأهل الذنوب من الدنيا وما فيها. وقال ابن سيرين: أعطانا الله هذه الآية ~~مكان ما جعل لبني إسرائيل في كفارات ذنوبهم. وقال أبو جعفر الرازي عن ~~الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: «قال رجل: يا رسول الله لو كانت ~~كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم لا ~~نبغيها - ثلاثا - ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، كانت بنو ~~إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة، وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن ~~كفرها كانت له خزيا في الدنيا، ms226 وإن لم يكفرها كانت خزيا في الآخرة، فما # PageV01P417 # أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل قال: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ~~ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} [النساء: 110] [النساء: 110] » ، ~~وقال ابن عباس في قوله تعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] ~~[الحج: 78] ، قال: هو سعة الإسلام، وما جعل الله لأمة محمد من التوبة ~~والكفارة. وظاهر هذه النصوص يدل على أن من تاب إلى الله توبة نصوحا، ~~واجتمعت شروط التوبة في حقه، فإنه يقطع بقبول الله توبته، كما يقطع بقبول ~~إسلام الكافر إذا أسلم إسلاما صحيحا، وهذا قول الجمهور، وكلام ابن عبد البر ~~يدل على أنه إجماع. ومن الناس من قال: لا يقطع بقبول التوبة، بل يرجى ~~وصاحبها تحت المشيئة وإن تاب، واستدلوا بقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] [النساء: 48] فجعل الذنوب كلها ~~تحت مشيئته، وربما استدل بمثل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى ~~الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم} [التحريم: 8] [التحريم: 8] ~~، وبقوله: {فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين} [القصص: ~~67] [القصص: 67] ، وقوله: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم ~~تفلحون} [النور: 31] [النور: 31] ، وقوله: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا ~~عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم} [التوبة: 102] [التوبة: 102] ~~. # PageV01P418 # والظاهر أن هذا في حق التائب، لأن الاعتراف يقتضي الندم، وفي حديث عائشة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: «إن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب، تاب ~~الله عليه» ، والصحيح قول الأكثرين. وهذه الآيات لا تدل على عدم القطع، فإن ~~الكريم إذا أطمع، لم يقطع من رجائه المطمع، ومن هنا قال ابن عباس: إن " عسى ~~" من الله واجبة، نقله عنه علي بن أبي طلحة. وقد ورد جزاء الإيمان والعمل ~~الصالح بلفظ: " عسى " أيضا، ولم يدل ذلك على أنه مقطوع به، كما في قوله: ~~{إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~ولم يخش إلا ms227 الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} [التوبة: 18] [التوبة: ~~18] . وأما قوله: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] [النساء: 48] ، ~~فإن التائب ممن شاء أن يغفر له، كما أخبر بذلك في مواضع كثيرة من كتابه. ~~وقد يراد بالحسنة في قول النبي صلى الله عليه وسلم " «أتبع السيئة الحسنة» ~~" ما هو أعم من التوبة، كما في قوله تعالى {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا ~~من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114] [هود: 114] ، وقد روي من ~~حديث معاذ أن الرجل الذي نزلت بسببه هذه الآية أمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يتوضأ ويصلي # PageV01P419 # وخرج الإمام أحمد، وأبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من رجل ~~يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له» ثم قرأ ~~هذه الآية: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم} [آل عمران: 135] [آل عمران: 135] . وفي " الصحيحين " «عن عثمان ~~أنه توضأ، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ~~ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ~~ما تقدم من ذنبه» . وفي " مسند الإمام أحمد " عن أبي الدرداء قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام فصلى ~~ركعتين أو أربعا يحسن فيهما الركوع والخشوع، ثم استغفر الله غفر له» . وفي ~~" الصحيحين " عن أنس قال: «كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل، # PageV01P420 # فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا، فأقمه علي قال: ولم يسأله عنه، فحضرت ~~الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى النبي صلى الله عليه ~~وسلم الصلاة قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا، فأقم في كتاب ~~الله، قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك - ~~أو قال - حدك» وخرجه ms228 مسلم بمعناه من حديث أبي أمامة، وخرجه ابن جرير الطبري ~~من وجه آخر عن أبي أمامة، وفي حديثه قال: «فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك ~~فلا تعد " فأنزل الله: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات ~~يذهبن السيئات} [هود: 114] [هود: 114] » . # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه ~~شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحوا الله ~~بهن الخطايا» . وفي " صحيح مسلم " عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» . ~~وفيه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما ~~يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ~~إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد ~~الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» . # PageV01P421 # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا ~~واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، ~~غفر له ما تقدم من ذنبه» . وفيهما عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال:: «من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته ~~أمه» . وفي " صحيح مسلم " عن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن الإسلام يهدم ما كان قبله، وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وإن ~~الحج يهدم ما كان قبله» . وفيه من حديث أبي قتادة، «عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال في صوم عاشوراء: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» ، وقال ~~في صوم يوم عرفة: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده» . ~~وخرج الإمام أحمد من ms229 حديث عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«مثل الذي يعمل السيئات، ثم يعمل الحسنات، كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد ~~خنقته، ثم عمل حسنة فانفكت حلقة، ثم عمل حسنة أخرى، فانفكت أخرى حتى يخرج ~~إلى الأرض» . ومما يكفر الخطايا ذكر الله عز وجل، وقد ذكرنا فيما تقدم «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل # PageV01P422 # عن قول: " لا إله إلا الله " أمن الحسنات هي؟ قال: " من أحسن الحسنات» . ~~وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من قال: سبحان الله وبحمده في كل يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت ~~مثل زبد البحر» . وفيهما عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال: لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل ~~شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ~~ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت ~~أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أفضل من ذلك» . وفي " المسند " وكتاب ابن ~~ماجه عن أم هانئ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا إله إلا الله لا ~~تترك ذنبا، ولا يسبقها عمل» . وخرج الترمذي عن أنس، «عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه مر بشجرة يابسة الورق، فضربها بعصاه، فتناثر الورق، فقال: إن ~~الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لتساقط من ذنوب ~~العبد كما يتساقط ورق هذه الشجرة» . وخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أنس ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # PageV01P423 # «إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر تنفض الخطايا ~~كما تنفض الشجرة ورقها» . والأحاديث في هذا كثيرة جدا يطول الكتاب بذكرها. ~~وسئل الحسن عن رجل لا يتحاشى من معصية إلا أن لسانه لا يفتر من ذكر الله، ~~فقال: إن ذلك لعون حسن. وسئل ms230 الإمام أحمد عن رجل اكتسب مالا من شبهة: صلاته ~~وتسبيحه يحط عنه شيئا من ذلك؟ فقال: إن صلى وسبح يريد به ذلك، فأرجو، قال ~~الله تعالى: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم} [التوبة: ~~102] [التوبة: 102] . وقال مالك بن دينار: البكاء على الخطيئة يحط الخطايا ~~كما يحط الريح الورق اليابس. وقال عطاء: من جلس مجلسا من مجالس الذكر، كفر ~~به عشرة مجالس من مجالس الباطل. وقال شويس العدوي - وكان من قدماء التابعين ~~- إن صاحب اليمين أمير - أو قال: أمين - على صاحب الشمال، فإذا عمل ابن آدم ~~سيئة، فأراد صاحب الشمال أن يكتبها، قال له صاحب اليمين: لا تعجل لعله يعمل ~~حسنة، فإن # PageV01P424 # عمل حسنة، ألقى واحدة بواحدة، وكتبت له تسع حسنات، فيقول الشيطان: يا ~~ويله من يدرك تضعيف ابن آدم. وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي مالك ~~الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نام ابن آدم قال الملك ~~للشيطان: أعطني صحيفتك، فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة، محى بها ~~عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أن ينام أحدكم، ~~فليكبر ثلاثا وثلاثين تكبيرة ويحمد أربعا وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثا ~~وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة» وهذا غريب منكر. وروى وكيع: حدثنا الأعمش عن ~~أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله، يعني ابن مسعود: وددت أني ~~صولحت على أن أعمل كل يوم تسع خطيئات وحسنة. وهذا إشارة منه إلى أن الحسنة ~~يمحى بها التسع خطيئات، ويفضل له ضعف واحد من ثواب الحسنة، فيكتفي به، ~~والله أعلم. # وقد اختلف الناس في مسألتين: إحداهما: هل تكفر الأعمال الصالحة الكبائر ~~والصغائر أم لا تكفر سوى الصغائر؟ فمنهم من قال: لا تكفر سوى الصغائر، وقد ~~روي هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أنه يكفر الصغائر، وقال سلمان ~~الفارسي في الوضوء: إنه يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المساجد يكفر ~~أكبر من ذلك، والصلاة تكفر أكبر من ذلك. خرجه محمد بن نصر المروزي. وأما ~~الكبائر، ms231 فلابد لها من التوبة، لأن الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من # PageV01P425 # لم يتب ظالما، واتفقت الأمة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدى إلا ~~بنية وقصد، ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة، وأداء بقية أركان ~~الإسلام، لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع. وأيضا فلو كفرت الكبائر ~~بفعل الفرائض، لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى بالفرائض، وهذا يشبه ~~قول المرجئة وهو باطل، هذا ما ذكره ابن عبد البر في كتابه " التمهيد " وحكى ~~إجماع المسلمين على ذلك، واستدل عليه بأحاديث: منها قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما ~~بينهن ما اجتنبت الكبائر» وهو مخرج في " الصحيحين "، من حديث أبي هريرة، ~~وهذا يدل على أن الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض. وقد حكى ابن عطية في ~~تفسيره في معنى هذا الحديث قولين: أحدهما - عن جمهور أهل السنة - أن اجتناب ~~الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تجتنب، لم تكفر هذه ~~الفرائض شيئا بالكلية. والثاني: أنها تكفر الصغائر مطلقا، ولا تكفر الكبائر ~~وإن وجدت، لكن بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها، ورجح هذا ~~القول، وحكاه عن الحذاق. وقوله: بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار ~~عليها، مراده أنه إذا أصر عليها، صارت كبيرة، فلم تكفرها الأعمال. والقول ~~الأول الذي حكاه غريب، مع أنه قد حكي، عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من ~~أصحابنا مثله. # PageV01P426 # في " صحيح مسلم " عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ~~امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة ~~لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله» . وفي " مسند الإمام ~~أحمد " عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتطهر الرجل - يعني ~~يوم الجمعة - فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته، ~~إلا كان كفارة ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة» . وخرج ~~النسائي، وابن حبان، والحاكم من حديث أبي سعيد ms232 وأبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ~~ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب ~~الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام» . وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي ~~أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه أيضا. وخرج الحاكم معناه من حديث ~~عبيد بن عمير، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويروى من حديث ابن ~~عمر مرفوعا: " «يقول الله عز وجل: ابن آدم اذكرني من أول النهار ساعة ومن ~~آخر النهار ساعة، أغفر لك ما بين ذلك، إلا الكبائر، أو تتوب منها» ". # PageV01P427 # وقال ابن مسعود: الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر. وقال ~~سلمان: حافظوا على الصلوات الخمس، فإنهن كفارات لهذه الجراح ما لم تصب ~~المقتلة. وقال ابن عمر لرجل: أتخاف النار أن تدخلها، وتحب الجنة أن تدخلها؟ ~~قال: نعم، قال بر أمك، فوالله لئن ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام، لتدخلن ~~الجنة ما اجتنبت الموجبات وقال قتادة: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب ~~الكبائر، وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «اجتنبوا الكبائر ~~وسددوا وأبشروا» ". وذهب قوم من أهل الحديث وغيرهم إلى أن هذه الأعمال تكفر ~~الكبائر، ومنهم ابن حزم الظاهري، وإياه عنى ابن عبد البر في كتاب " التمهيد ~~" بالرد عليه وقال: قد كنت أرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب، لولا قول ~~ذلك القائل، وخشيت أن يغتر به جاهل، فينهمك في الموبقات، اتكالا على أنها ~~تكفرها الصلوات دون الندم والاستغفار والتوبة، والله نسأل العصمة والتوفيق. ~~قلت: وقد وقع مثل هذا في كلام طائفة من أهل الحديث في الوضوء ونحوه، ووقع ~~مثله في كلام ابن المنذر في قيام ليلة القدر، قال: يرجى لمن قامها # PageV01P428 # أن يغفر له جميع ذنوبه صغيرها وكبيرها. فإن كان مرادهم أن من أتى بفرائض ~~الإسلام وهو مصر على الكبائر تغفر له الكبائر قطعا، فهذا باطل قطعا، يعلم ~~بالضرورة من الدين بطلانه، وقد سبق قول النبي صلى الله ms233 عليه وسلم: " «من ~~أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» " يعني: بعمله في الجاهلية والإسلام، ~~وهذا أظهر من أن يحتاج إلى بيان، وإن أراد هذا القائل أن من ترك الإصرار ~~على الكبائر، وحافظ على الفرائض من غير توبة ولا ندم على ما سلف منه، كفرت ~~ذنوبه كلها بذلك، واستدل بظاهر قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] [النساء: 31] وقال: ~~السيئات تشمل الكبائر والصغائر، وكما أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر من ~~غير قصد ولا نية، فكذلك الكبائر، وقد يستدل لذلك بأن الله وعد المؤمنين ~~والمتقين بالمغفرة وتكفير السيئات، وهذا مذكور في غير موضع من القرآن، وقد ~~صار هذا من المتقين، فإنه فعل الفرائض، واجتنب الكبائر، واجتناب الكبائر لا ~~يحتاج إلى نية وقصد، فهذا القول يمكن أن يقال في الجملة. والصحيح قول ~~الجمهور: أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة، لأن التوبة فرض على العباد، وقد ~~قال عز وجل: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} [الحجرات: 11] [الحجرات: 11] ~~وقد فسرت الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود التوبة بالندم، ومنهم من فسرها ~~بالعزم على أن لا يعود، وقد روي ذلك مرفوعا من وجه فيه ضعف، لكن لا يعلم ~~مخالف من الصحابة في هذا، وكذلك التابعون ومن بعدهم، كعمر بن عبد العزيز، ~~والحسن وغيرهما. وأما النصوص الكثيرة المتضمنة مغفرة الذنوب، وتكفير ~~السيئات للمتقين، كقوله تعالى: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم ~~سيئاتكم ويغفر لكم} [الأنفال: 29] # PageV01P429 # [الأنفال: 29] ، وقوله تعالى: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه ~~سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} [التغابن: 9] [التغابن: 9] ، ~~وقوله: {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} [الطلاق: 5] [الطلاق: ~~5] ، فإنه لم يبين في هذه الآيات خصال التقوى، ولا العمل الصالح، ومن جملة ~~ذلك: التوبة النصوح، فمن لم يتب، فهو ظالم، غير متق. وقد بين في سورة آل ~~عمران خصال التقوى التي يغفر لأهلها ويدخلهم الجنة، فذكر منها الاستغفار، ~~وعدم الإصرار، فلم يضمن تكفير السيئات ومغفرة الذنوب إلا لمن كان على هذه ~~الصفة، ms234 والله أعلم. # ومما يستدل به على أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة منها، أو العقوبة ~~عليها حديث عبادة بن الصامت، قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، وقرأ ~~عليهم الآية، فمن وفى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب ~~به، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا، فستره الله عليه، فهو إلى الله، ~~إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له» خرجاه في " الصحيحين " وفي رواية لمسلم: " ~~«من أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارته» ". وهذا يدل على أن الحدود ~~كفارات. قال الشافعي: لم أسمع في هذا الباب أن الحد يكون كفارة لأهله شيئا ~~أحسن من حديث عبادة بن الصامت. وقوله: " فعوقب به " يعم العقوبات الشرعية، ~~وهي الحدود المقدرة أو غير المقدرة، كالتعزيرات، ويشمل العقوبات القدرية، ~~كالمصائب والأسقام والآلام، فإنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«لا يصيب المسلم نصب ولا وصب # PageV01P430 # ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه» . وروي عن ~~علي أن الحد كفارة لمن أقيم عليه، وذكر ابن جرير الطبري في هذه المسألة ~~اختلافا بين الناس، ورجح أن إقامة الحد بمجرده كفارة، ووهن القول بخلاف ذلك ~~جدا. قلت: وقد روي عن سعيد بن المسيب وصفوان بن سليم أن إقامة الحد ليس ~~بكفارة، ولابد معه من التوبة، ورجحه طائفة من المتأخرين، منهم البغوي، وأبو ~~عبد الله بن تيمية في " تفسيريهما "، وهو قول ابن حزم # PageV01P431 # الظاهري، والأول قول مجاهد وزيد بن أسلم والثوري وأحمد. وأما حديث أبي ~~هريرة المرفوع: " «لا أدري: الحدود طهارة لأهلها أم لا؟» " فقد خرجه الحاكم ~~وغيره، وأعله البخاري، وقال: لا يثبت، وإنما هو من مراسيل الزهري، وهي ~~ضعيفة، وغلط عبد الرازق فوصله، قال: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الحدود كفارة. ومما يستدل به من قال: الحد ليس بكفارة قوله تعالى في ~~المحاربين: {ذلك لهم خزي في الدنيا ms235 ولهم في الآخرة عذاب عظيم - إلا الذين ~~تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 33 - 34] [المائدة: 33 - 34] ~~وظاهره أنه يجتمع لهم عقوبة الدنيا والآخرة. ويجاب عنه بأنه ذكر عقوبتهم في ~~الدنيا وعقوبتهم في الآخرة، ولا يلزم اجتماعهما، وأما استثناء " من تاب " ~~فإنما استثناه من عقوبة الدنيا خاصة، فإن عقوبة الآخرة تسقط بالتوبة قبل ~~القدرة وبعدها. وقوله صلى الله عليه وسلم: " «ومن أصاب شيئا من ذلك، فستره ~~الله عليه، فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» " صريح في أن هذه ~~الكبائر من لقي الله بها، كانت تحت مشيئته، وهذا يدل على أن إقامة الفرائض ~~لا تكفرها ولا تمحوها، فإن عموم المسلمين يحافظون على الفرائض، لا سيما من ~~بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج من ذلك من لقي الله وقد تاب عنها ~~بالنصوص الدالة من الكتاب والسنة على أن # PageV01P432 # من تاب إلى الله، تاب الله عليه، وغفر له، فبقي من لم يتب داخلا تحت ~~المشيئة. وأيضا، فيدل على أن الكبائر لا تكفرها الأعمال: أن الله لم يجعل ~~للكبائر في الدنيا كفارة واجبة، وإنما جعل الكفارة للصغائر ككفارة وطء ~~المظاهر، ووطء المرأة في الحيض على حديث ابن عباس الذي ذهب إليه الإمام ~~أحمد وغيره، وكفارة من ترك شيئا من واجبات الحج، أو ارتكاب بعض محظوراته، ~~وهي أربعة أجناس: هدي، وعتق، وصدقة، وصيام، ولهذا لا تجب الكفارة في قتل ~~العمد عند جمهور العلماء، ولا في اليمين الغموس أيضا عند أكثرهم، وإنما ~~يؤمر القاتل بعتق رقبة استحبابا، كما في حديث واثلة بن الأسقع أنهم جاءوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب لهم قد أوجب، فقال " «اعتقوا عنه ~~رقبة يعتقه الله بها من النار» " ومعنى أوجب: عمل عملا يجب له به النار، ~~ويقال: إنه كان قتل قتيلا. وفي " صحيح مسلم " عن ابن عمر أنه ضرب عبدا له، ~~فأعتقه وقال: # PageV01P433 # ليس لي فيه من الأجر مثل هذا - وأخذ عودا من الأرض - إني سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " «من لطم ms236 مملوكه، أو ضربه، فإن كفارته أن يعتقه» ". ~~فإن قيل: فالمجامع في رمضان يؤمر بالكفارة، والفطر في رمضان من الكبائر، ~~قيل: ليست الكفارة للفطر، ولهذا لا تجب عند الأكثرين على كل مفطر في رمضان ~~عمدا، وإنما هي لهتك حرمة رمضان بالجماع، ولهذا لو كان مفطرا فطرا لا يجوز ~~له في نهار رمضان، ثم جامع، للزمته الكفارة عند الإمام أحمد لما ذكرنا. ~~ومما يدل على أن تكفير الواجبات مختص بالصغائر ما أخرجه البخاري عن حذيفة، ~~قال: بينما نحن جلوس عند عمر، إذ قال: أيكم يحفظ قول رسول صلى الله عليه ~~وسلم في الفتنة؟ قال: قلت: " فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها ~~الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " قال: ليس عن هذا أسألك ~~وخرجه مسلم بمعناه، وظاهر هذا السياق يقتضي رفعه، وفي رواية البخاري أن ~~حذيفة قال: سمعته يقول: " فتنة الرجل " فذكره، وهذا كالصريح في رفعه، وفي ~~رواية لمسلم أن هذا من كلام عمر. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي ~~قال له: «أصبت حدا، فأقمه علي، فتركه حتى صلى، ثم قال له: " إن الله غفر لك ~~حدك» ، فليس صريحا في أن المراد به شيء من الكبائر، لأن حدود الله تعالى ~~محارمه كما قال تعالى: {تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} ~~[الطلاق: 1] [الطلاق: 1] ، وقوله: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} [البقرة: ~~229] [البقرة: 229] ، وقوله: {تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله ~~جنات} [النساء: 13] # PageV01P434 # الآية إلى قوله: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ~~وله عذاب مهين} [النساء: 14] [النساء: 13 - 14] . وفي حديث النواس بن ~~سمعان، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في ضرب مثل الإسلام بالصراط المستقيم ~~على جنبيه سوران، قال: " السوران حدود الله» . وقد سبق ذكره بتمامه. فكل من ~~أصاب شيئا من محارم الله، فقد أصاب حدوده، وركبها، وتعداها وعلى تقدير أن ~~يكون الحد الذي أصابه كبيرة، فهذا الرجل جاء نادما تائبا، وأسلم نفسه إلى ~~إقامة الحد عليه، والندم توبة، والتوبة تكفر الكبائر ms237 بغير تردد، وقد روي ما ~~يستدل به على أن الكبائر تكفر ببعض الأعمال الصالحة، فخرج الإمام أحمد ~~والترمذي من حديث ابن عمر «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ~~رسول الله، إني أصبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟ قال: " هل لك من أم؟ " ~~قال: لا، قال " فهل لك من خالة؟ " قال: نعم، قال: " فبرها» ، وخرجه ابن ~~حبان في " صحيحه " والحاكم، وقال: على شرط الشيخين، لكن خرجه الترمذي من ~~وجه آخر مرسلا، وذكر أن المرسل أصح من الموصول، وكذا قال علي بن المديني ~~والدارقطني. وروي عن عمر أن رجلا قال له: قتلت نفسا، قال: أمك حية؟ قال: ~~لا، قال: فأبوك؟ قال: نعم، قال: فبره وأحسن إليه، ثم قال عمر: لو كانت أمه ~~حية فبرها، وأحسن إليها، رجوت أن لا تطعمه النار أبدا وعن ابن عباس معناه ~~أيضا. # PageV01P435 # وكذلك المرأة التي عملت بالسحر بدومة الجندل، وقدمت المدينة تسأل عن ~~توبتها، فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم قد توفي، فقال لها أصحابه: لو كان ~~أبواك حيين أو أحدهما كانا يكفيانك. خرجه الحاكم وقال: فيه إجماع الصحابة ~~حدثان وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على أن بر الأبوين الوالدين ~~يكفيانها. وقال مكحول والإمام أحمد: بر الوالدين كفارة للكبائر. وروي عن ~~بعض السلف في حمل الجنائز أنه يحبط الكبائر، وروي مرفوعا من وجوه لا تصح. ~~وقد صح من رواية أبي بردة أن أبا موسى لما حضرته الوفاة قال: يا بني، ~~اذكروا صاحب الرغيف: كان رجل يتعبد في صومعة أراه سبعين سنة، فشبه الشيطان ~~في عينه امرأة، فكان معها سبعة أيام وسبع ليال، ثم كشف عن الرجل غطاؤه، ~~فخرج تائبا، ثم ذكر أنه بات بين مساكين، فتصدق عليهم برغيف # PageV01P436 # رغيف، فأعطوه رغيفا، ففقده صاحبه الذي كان يعطاه، فلما علم بذلك، أعطاه ~~الرغيف وأصبح ميتا، فوزنت السبعون سنة بالسبع ليال، فرجحت الليالي ووزن ~~الرغيف بالسبع ليال، فرجح الرغيف. وروى ابن المبارك بإسناده في كتاب " البر ~~والصلة " عن ابن مسعود، قال: عبد الله رجل ms238 سبعين سنة ثم أصاب فاحشة، فأحبط ~~الله عمله، ثم أصابته زمانة وأقعد، فرأى رجلا يتصدق على مساكين، فجاء إليه، ~~فأخذ منه رغيفا، فتصدق به على مسكين، فغفر الله له، ورد عليه عمل سبعين ~~سنة. وهذه كلها لا دلالة فيها على تكفير الكبائر بمجرد العمل، لأن كل من ~~ذكر فيها كان نادما تائبا من ذنبه، وإنما كان سؤاله عن عمل صالح يتقرب به ~~إلى الله بعد التوبة حتى يمحو به أثر الذنب بالكلية، فإن الله شرط في قبول ~~التوبة ومغفرة الذنوب بها العمل الصالح، كقوله: {إلا من تاب وآمن وعمل ~~صالحا} [مريم: 60] [مريم: 60] ، وقوله: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل ~~صالحا} [طه: 82] [طه: 82] وقوله: {فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن ~~يكون من المفلحين} [القصص: 67] [القصص: 67] ، وفي هذا متعلق لمن يقول: إن ~~التائب بعد التوبة في المشيئة، وكان هذا حال كثير من الخائفين من السلف. ~~وقال بعضهم لرجل: هل أذنبت ذنبا؟ قال: نعم، قال: فعلمت أن الله كتبه عليك؟ ~~قال: نعم، قال: فاعمل حتى تعلم أن الله قد محاه. ومنه قال ابن مسعود: إن ~~المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه ~~كذباب طار على أنفه، فقال به هكذا. خرجه البخاري. # PageV01P437 # وكانوا يتهمون أعمالهم وتوباتهم، ويخافون أن لا يكون قد قبل منهم ذلك، ~~فكان ذلك يوجب لهم شدة الخوف، وكثرة الاجتهاد في الأعمال الصالحة. قال ~~الحسن: أدركت أقواما لو أنفق أحدهم ملء الأرض ما أمن لعظم الذنب في نفسه. ~~وقال ابن عون: لا تثق بكثرة العمل، فإنك لا تدري أيقبل منك أم لا، ولا تأمن ~~ذنوبك، فإنك لا تدري كفرت عنك أم لا، إن عملك مغيب عنك كله. والأظهر - ~~والله أعلم - في هذه المسألة - أعني مسألة تكفير الكبائر بالأعمال - أنه ~~أريد أن الكبائر تمحى بمجرد الإتيان بالفرائض، وتقع الكبائر مكفرة بذلك كما ~~تكفر الصغائر باجتناب الكبائر، فهذا باطل. وإن أريد أنه قد يوازن يوم ~~القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال، فتمحى الكبيرة بما ms239 يقابلها من ~~العمل، ويسقط العمل، فلا يبقى له ثواب، فهذا قد يقع. # وقد تقدم عن ابن عمر أنه لما أعتق مملوكه الذي ضربه قال: ليس لي فيه من ~~الأجر شيء، حيث كان كفارة لذنبه، ولم يكن ذنبه من الكبائر، فكيف بما كان من ~~الأعمال مكفرا للكبائر؟ وسبق أيضا قول من قال من السلف: إن السيئة تمحى ~~ويسقط نظيرها حسنة من الحسنات التي هي ثواب العمل، فإذا كان هذا في ~~الصغائر، فكيف بالكبائر؟ فإن بعض الكبائر قد يحبط بعض الأعمال المنافية ~~لها، كما يبطل المن والأذى الصدقة، وتبطل المعاملة بالربا الجهاد كما قالت ~~عائشة. وقال # PageV01P438 # حذيفة: قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، وروي عنه مرفوعا خرجه البزار، ~~وكما يبطل ترك صلاة العصر العمل، فلا يستنكر أن يبطل ثواب العمل الذي يكفر ~~الكبائر. وقد خرج البزار في " مسنده " والحاكم من حديث ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «يؤتى بحسنات العبد وسيئاته يوم القيامة، فيقص أو ~~يقضى بعضها من بعض، فإن بقيت له حسنة، وسع له بها في الجنة» . وخرج ابن أبي ~~حاتم من حديث ابن لهيعة، قال حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قول ~~الله عز وجل: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] [الزلزلة: 7] ، ~~قال: كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء ~~المسكين، فيستقلون أن يعطوه تمرة وكسرة وجوزة ونحو ذلك، فيردونه، ويقولون: ~~ما هذا بشيء، إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان آخرون يرون أنهم لا ~~يلامون على الذنب اليسير مثل الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، يقولون: ~~إنما وعد الله النار على الكبائر، فرغبهم الله في القليل من الخير أن ~~يعملوه، فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر، فإنه يوشك أن يكثر، ~~فنزلت: {فمن يعمل مثقال ذرة} [الزلزلة: 7] ، يعني وزن أصغر النمل خيرا يره ~~يعني في كتابه، ويسره ذلك قال: يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة، ~~وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان يوم القيامة، ضاعف ms240 الله حسنات # PageV01P439 # المؤمن أيضا بكل واحدة عشرا، فيمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات، فمن زادت ~~حسناته على سيئاته مثقال ذرة، دخل الجنة. وظاهر هذا أنه تقع المقاصة بين ~~الحسنات والسيئات، ثم تسقط الحسنات المقابلة للسيئات، وينظر إلى ما يفضل ~~منها بعد المقاصة، وهذا يوافق قول من قال بأن من رجحت حسناته على سيئاته ~~بحسنة واحدة أثيب بتلك الحسنة خاصة، وسقط باقي حسناته في مقابلة سيئاته، ~~خلافا لمن قال يثاب بالجميع، وتسقط سيئاته كأنها لم تكن، وهذا في الكبائر، ~~أما الصغائر، فإنه قد تمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به ~~الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار ~~الصلاة بعد الصلاة» فأثبت لهذه الأعمال تكفير الخطايا ورفع الدرجات، وكذلك ~~قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له مائة ~~مرة، كتب الله له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر رقاب» ~~فهذا يدل على أن الذكر يمحو السيئات، ويبقى ثوابه لعامله مضاعفا. وكذلك ~~سيئات التائب توبة نصوحا تكفر عنه، وتبقى له حسناته، كما قال الله تعالى: # PageV01P440 # {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك ~~وإني من المسلمين - أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن ~~سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} [الأحقاف: 15 - 16] ~~[الأحقاف: 15 - 16] . وقال تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون - لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين - ليكفر الله عنهم ~~أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} [الزمر: 33 - 35] ~~[الزمر: 33 - 35] ، فلما وصف هؤلاء بالتقوى والإحسان، دل على أنهم ليسوا ~~بمصرين على الذنوب، بل تائبون منها. وقوله: {ليكفر الله عنهم أسوأ الذي ~~عملوا} [الزمر: 35] يدخل فيه الكبائر، لأنها أسوأ الأعمال، وقال: {ومن ms241 يتق ~~الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} [الطلاق: 5] [الطلاق: 5] ، فرتب على ~~التقوى المتضمنة لفعل الواجبات وترك المحرمات تكفير السيئات وتعظيم الأجر، ~~وأخبر الله عن المؤمنين المتفكرين في خلق السماوات والأرض أنهم قالوا: ~~{ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار} [آل عمران: 193] [آل ~~عمران: 193] ، فأخبر أنه استجاب لهم ذلك، وأنه كفر عنهم سيئاتهم، وأدخلهم ~~الجنات. وقوله: {فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا} [آل عمران: 193] فخص ~~الله الذنوب بالمغفرة، والسيئات بالتكفير. فقد يقال: السيئات تخص الصغائر، ~~والذنوب يراد بها الكبائر، فالسيئات تكفر، لأن الله جعل لها كفارات في ~~الدنيا شرعية وقدرية، والذنوب تحتاج إلى مغفرة تقي صاحبها من شرها والمغفرة ~~والتكفير متقاربان، فإن المغفرة قد قيل: إنها ستر الذنوب، وقيل: وقاية شر ~~الذنوب مع ستره، ولهذا يسمى ما ستر الرأس ووقاه في الحرب مغفرا، ولا يسمى ~~كل ساتر للرأس مغفرا، وقد أخبر الله عن الملائكة أنهم يدعون للمؤمنين ~~التائبين بالمغفرة ووقاية السيئات # PageV01P441 # والتكفير من هذا الجنس، لأن أصل الكفر الستر والتغطية أيضا. وقد فرق بعض ~~المتأخرين بينهما بأن التكفير محو أثر الذنب، حتى كأنه لم يكن، والمغفرة ~~تتضمن - مع ذلك - إفضال الله على العبد وإكرامه، وفي هذا نظر. وقد يفسر بأن ~~مغفرة الذنوب بالأعمال الصالحة تقلبها حسنات، وتكفيرها بالمكفرات تمحوها ~~فقط، وفيه أيضا نظر، فإنه قد صح أن الذنوب المعاقب عليها بدخول النار تبدل ~~حسنات فالمكفرة بعمل صالح يكون كفارة لها أولى. ويحتمل معنيين آخرين: ~~أحدهما: أن المغفرة لا تحصل إلا مع عدم العقوبة والمؤاخذة، لأنها وقاية شر ~~الذنب بالكلية، والتكفير قد يقع بعد العقوبة، فإن المصائب الدنيوية كلها ~~مكفرات للخطايا، وهي عقوبات، وكذلك العفو يقع مع العقوبة وبدونها، وكذلك ~~الرحمة. والثاني: أن الكفارات من الأعمال ما جعلها الله لمحو الذنوب ~~المكفرة بها، ويكون ذلك هو ثوابها، ليس لها ثواب غيره، والغالب عليها أن ~~تكون من جنس مخالفة هوى النفوس، وتجشم المشقة فيه كاجتناب الكبائر الذي ~~جعله الله ms242 كفارة للصغائر. وأما الأعمال التي تغفر بها الذنوب، فهي ما عدا ~~ذلك، ويجتمع فيها المغفرة والثواب عليها، كالذكر الذي يكتب به الحسنات ~~ويمحى به السيئات، وعلى هذا الوجه فيفرق بين الكفارات من الأعمال وغيرها، ~~وأما تكفير الذنوب ومغفرتها إذا أضيف ذلك إلى الله، فلا فرق بينهما، وعلى ~~الوجه الأول يكون بينهما فرق أيضا. ويشهد لهذا الوجه الثاني أمران: # PageV01P442 # أحدهما: قول ابن عمر لما أعتق العبد الذي ضربه: ليس لي في عتقه من الأجر ~~شيء، واستدل بأنه كفارة. والثاني: أن المصائب الدنيوية كلها مكفرات للذنوب، ~~وقد قال كثير من الصحابة وغيرهم من السلف، إنه لا ثواب فيها مع التكفير، ~~وإن كان بعضهم قد خالف في ذلك، ولا يقال: فقد فسر الكفارات في حديث المنام ~~بإسباغ الوضوء في المكروهات، ونقل الأقدام إلى الصلوات، وقال: من فعل ذلك، ~~عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه. وهذه كلها مع تكفيرها ~~للسيئات ترفع الدرجات، ويحصل عليها الثواب، لأنا نقول: قد يجتمع في العمل ~~الواحد شيئان يرفع بأحدهما الدرجات، ويكفر بالآخر السيئات، فالوضوء نفسه ~~يثاب عليه لكن إسباغه في شدة البرد من جنس الآلام التي تحصل للنفوس في ~~الدنيا، فيكون كفارة في هذه الحال، وأما في غير هذه الحالة، فتغفر به ~~الخطايا، كما تغفر بالذكر وغيره، وكذلك المشي إلى الجماعات هو قربة وطاعة، ~~ويثاب عليه، ولكن ما يحصل للنفس به من المشقة والألم بالتعب والنصب هو ~~كفارة، وكذلك حبس النفس في المسجد لانتظار الصلاة وقطعها عن مألوفاتها من ~~الخروج إلى المواضع التي تميل النفوس إليها، إما لكسب الدنيا أو للتنزه، هو ~~من هذه الجهة مؤلم للنفس، فيكون كفارة. وقد جاء في الحديث أن إحدى خطوتي ~~الماشي إلى المسجد ترفع له درجة، والأخرى تحط عنه خطيئة. وهذا يقوي ما ~~ذكرناه، وأن ما حصل به # PageV01P443 # التكفير غير ما حصل به رفع الدرجات، والله أعلم. وعلى هذا، فيجتمع في ~~العمل الواحد تكفير السيئات، ورفع الدرجات من جهتين، ويوصف في كل حال بكلا ~~الوصفين، فلا تنافي بين ms243 تسميته كفارة وبين الإخبار عنه بمضاعفة الثواب به، ~~أو وصفه برفع الدرجات، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، ~~والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» ~~. فإن في حبس النفس على المواظبة على الفرائض من مخالفة هواها وكفها عما ~~تميل إليه ما يوجب ذلك تكفير الصغائر. وكذلك الشهادة في سبيل الله تكفر ~~الذنوب بما يحصل بها من الألم، وترفع الدرجات بما اقترن بها من الأعمال ~~الصالحة بالقلب والبدن، فتبين بهذا أن بعض الأعمال يجتمع فيها ما يوجب رفع ~~الدرجات وتكفير السيئات من جهتين، ولا يكون بينهما منافاة، وهذا ثابت في ~~الذنوب الصغائر بلا ريب، وأما الكبائر، فقد تكفر بالشهادة مع حصول الأجر ~~للشهيد، لكن الشهيد ذا الخطايا في رابع درجة من درجات الشهداء، كذا روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من حديث فضالة بن عبيد خرجه الإمام أحمد ~~والترمذي. # وأما مغفرة الذنوب ببعض الأعمال مع توفير أجرها وثوابها، فقد دل عليه ~~الأحاديث الصحيحة في الذكر، وقد قيل: إن تلك السيئات تكتب حسنات أيضا، كما ~~في حديث أبي مالك الأشعري الذي سبق ذكره، وذكرنا أيضا عن # PageV01P444 # بعض السلف أنه يمحى بإزاء السيئة الواحدة ضعف واحد من أضعاف ثواب الحسنة، ~~وتبقى له تسع حسنات. والظاهر أن هذا مختص بالصغائر، وأما في الآخرة، فيوازن ~~بين الحسنات والسيئات، ويقص بعضها من بعض، فمن رجحت حسناته على سيئاته، فقد ~~نجا ودخل الجنة، وسواء في هذا الصغائر والكبائر، وهكذا من كانت له حسنات ~~وعليه مظالم، فاستوفى المظلومون حقوقهم من حسناته، وبقي له حسنة، دخل بها ~~الجنة. قال ابن مسعود: إن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة، ضاعفها الله حتى ~~يدخل الجنة، وإن كان شقيا قال الملك: رب فنيت حسناته، وبقي له طالبون كثير، ~~قال: خذوا من سيئاتهم، فأضعفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار، ~~خرجه ابن أبي حاتم وغيره. والمراد أن تفضيل مثقال ذرة من الحسنات إنما هو ~~بفضل الله عز وجل، لمضاعفته لحسنات المؤمن وبركته ms244 فيها، وهكذا حال من كانت ~~له حسنات وسيئات، وأراد الله رحمته، فضل له من حسناته ما يدخله به الجنة، ~~وكله من فضل الله ورحمته، فإنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله ورحمته. ~~وخرج أبو نعيم بإسناد ضعيف عن علي مرفوعا: " «أوحى الله إلى نبي من أنبياء ~~بني إسرائيل: قل لأهل طاعتي من أمتك: لا يتكلوا على أعمالهم، فإني لا أقاص ~~عبدا الحساب يوم القيامة أشاء أن أعذبه إلا عذبته، وقل لأهل معصيتي من ~~أمتك: لا يلقوا بأيديهم، فإني أغفر الذنب العظيم ولا أبالي» "، ومصداق هذا ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «من نوقش الحساب عذب» وفي ~~رواية " هلك " والله أعلم. # PageV01P445 # المسألة الثانية: أن الصغائر هل تجب التوبة منها كالكبائر أم لا؟ لأنها ~~تقع مكفرة باجتناب الكبائر، لقوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ~~نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] [النساء: 31] . هذا ~~مما اختلف الناس فيه. فمنهم من أوجب التوبة منها، وهو قول أصحابنا وغيرهم ~~من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم. وقد أمر الله بالتوبة عقيب ذكر الصغائر ~~والكبائر، فقال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ~~أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون - وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ~~فروجهن} [النور: 30 - 31] إلى قوله: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون} [النور: 31] [النور: 3 - 31] . وأمر بالتوبة من الصغائر ~~بخصوصها في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن ~~يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ~~ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم ~~الظالمون} [الحجرات: 11] [الحجرات: 11] . ومن الناس من لم يوجب التوبة ~~منها، وحكي عن طائفة من المعتزلة ومن المتأخرين من قال: يجب أحد الأمرين، ~~إما التوبة منها، أو الإتيان ببعض المكفرات للذنوب من الحسنات. وحكى ابن ~~عطية في " تفسيره " في تكفير الصغائر بامتثال الفرائض واجتناب الكبائر ~~قولين: أحدهما - وحكاه عن جماعة من الفقهاء وأهل ms245 الحديث -: أنه يقطع ~~بتكفيرها بذلك قطعا لظاهر الآية والحديث. والثاني - وحكاه عن الأصوليين -: ~~أنه لا يقطع بذلك، بل يحمل على غلبة الظن وقوة الرجاء، وهو في مشيئة الله ~~عز وجل، إذ لو قطع بتكفيرها، لكانت # PageV01P446 # الصغائر في حكم المباح الذي لا تبعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة. قلت: قد ~~يقال: لا يقطع بتكفيرها، لأن أحاديث التكفير المطلقة بالأعمال جاءت مقيدة ~~بتحسين العمل، كما ورد ذلك في الوضوء والصلاة، وحينئذ فلا يتحقق وجود حسن ~~العمل الذي يوجب التكفير، وعلى هذا الاختلاف الذي ذكره ابن عطية ينبني ~~الاختلاف في وجوب التوبة من الصغائر. وقد خرج ابن جرير من رواية الحسن أن ~~قوما أتوا عمر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله لا يعمل بها، فقال لرجل ~~منهم: أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم، قال: فهل أحصيته في نفسك؟ قال: اللهم ~~لا، قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك؟ ثم ~~تتبعهم حتى أتى على آخرهم، ثم قال: ثكلت عمر أمه، أتكلفونه أن يقيم على ~~الناس كتاب الله؟ قد علم ربنا أنه سيكون لنا سيئات، قال: وتلا {إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] ~~[النساء: 31] . وبإسناده عن أنس بن مالك أنه قال: لم أر مثل الذي بلغنا عن ~~ربنا تعالى، لم نخرج له عن كل أهل ومال، ثم سكت، ثم قال: والله لقد كلفنا # PageV01P447 # ربنا أهون من ذلك، لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر، فمالنا ولها، ثم تلا ~~{إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} ~~[النساء: 31] . وخرجه البزار في " مسنده " مرفوعا، والموقوف أصح. وقد وصف ~~الله المحسنين باجتناب الكبائر قال تعالى: {ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ~~الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة} ~~[النجم: 31] [النجم: 32] . وفي تفسير اللمم قولان للسلف: أحدهما: أنه ~~مقدمات الفواحش كاللمس والقبلة. وعن ابن عباس: هو ما دون الحد من وعيد ~~الآخرة بالنار وحد الدنيا. # PageV01P448 # والثاني: أنه الإلمام بشيء من الفواحش والكبائر ms246 مرة واحدة، ثم يتوب منه، ~~وروي عن ابن عباس وأبي هريرة، وروي عنه مرفوعا بالشك في رفعه، قال: اللمة ~~من الزنا ثم يتوب فلا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب فلا يعود، واللمة ~~من السرقة ثم يتوب فلا يعود. ومن فسر الآية بهذا قال: لابد أن يتوب منه ~~بخلاف من فسره بالمقدمات، فإنه لم يشترط توبة. والظاهر أن القولين صحيحان، ~~وأن كليهما مراد من الآية، وحينئذ فالمحسن: هو من لا يأتي بكبيرة إلا نادرا ~~ثم يتوب منها، ومن إذا أتى بصغيرة كانت مغمورة في حسناته المكفرة لها، ~~ولابد أن يكون مصرا عليها، كما قال تعالى: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم ~~يعلمون} [آل عمران: 135] [آل عمران: 135] وروي عن ابن عباس أنه قال: لا ~~صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار، وروي مرفوعا من وجوه ضعيفة. # PageV01P449 # وإذا صارت الصغائر كبائر بالمداومة عليها، فلابد للمحسنين من اجتناب ~~المداومة على الصغائر حتى يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش، وقال الله ~~عز وجل: {وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون - والذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون - والذين استجابوا ~~لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون - والذين إذا ~~أصابهم البغي هم ينتصرون - وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على ~~الله إنه لا يحب الظالمين} [الشورى: 36 - 40] [الشورى: 36 - 40] . فهذه ~~الآيات تضمنت وصف المؤمنين بقيامهم بما أوجب الله عليهم من الإيمان ~~والتوكل، وإقام الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، والاستجابة لله في جميع ~~طاعاته، ومع هذا، فهم مجتنبون كبائر الإثم والفواحش، فهذا هو تحقيق التقوى، ~~ووصفهم في معاملتهم للخلق بالمغفرة عند الغضب، وندبهم إلى العفو والإصلاح. ~~وأما قوله: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} [الشورى: 39] فليس منافيا ~~للعفو، فإن الانتصار يكون بإظهار القدرة على الانتقام، ثم يقع العفو بعد ~~ذلك، فيكون أتم وأكمل. قال النخعي في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يستذلوا، ~~فإذا قدروا عفوا. وقال مجاهد: كانوا يكرهون للمؤمن أن يذل نفسه، # PageV01P450 # فيجترئ عليه الفساق، ms247 فالمؤمن إذا بغي عليه، يظهر القدرة على الانتقام، ثم ~~يعفو بعد ذلك، وقد جرى مثل هذا لكثير من السلف، منهم قتادة وغيره. فهذه ~~الآيات تتضمن جميع ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ، فإنها ~~تضمنت حصول خصال التقوى بفعل الواجبات، والانتهاء عن كبائر المحرمات ~~ومعاملة الخلق بالإحسان والعفو، ولازم هذا أنهم إن وقع منهم شيء من الإثم ~~من غير الكبائر والفواحش، يكون مغمورا بخصال التقوى المقتضية لتكفيرها ~~ومحوها. وأما الآيات التي في سورة آل عمران، فوصف فيها المتقين بالإحسان ~~إلى الخلق، وبالاستغفار من الفواحش وظلم النفس، وعدم الإصرار على ذلك، وهذا ~~هو الأكمل، وهو إحداث التوبة، والاستغفار عقيب كل ذنب من الذنوب صغيرا كان ~~أو كبيرا، كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصى بذلك معاذا، وقد ~~ذكرناه فيما سبق. وإنما بسطنا القول في هذا، لأن حاجة الخلق إليه شديدة، ~~وكل أحد يحتاج إلى معرفة هذا، ثم إلى العمل بمقتضاه، والله الموفق والمعين. ~~فقوله صلى الله عليه وسلم: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» ظاهره أن السيئات ~~تمحى بالحسنات، وقد تقدم ذكر الآثار التي فيها أن السيئة تمحى من صحف ~~الملائكة بالحسنة إذا عملت بعدها. قال عطية العوفي: بلغني أنه من بكى على ~~خطيئة محيت عنه، وكتبت له حسنة. وعن عبد الله بن عمرو قال: من ذكر خطيئة ~~عملها، فوجل قلبه منها، فاستغفر الله عز وجل لم يحبسها شيء حتى يمحوها # PageV01P451 # عنه الرحمن. وقال بشر بن الحارث: بلغني عن الفضيل بن عياض قال: بكاء ~~النهار يمحو ذنوب العلانية، وبكاء الليل يمحو ذنوب السر. وقد ذكرنا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع ~~به الدرجات؟» الحديث. وقالت طائفة: لا تمحى الذنوب من صحائف الأعمال بتوبة ~~ولا غيرها، بل لابد أن يوقف عليها صاحبها ويقرأها يوم القيامة، واستدلوا ~~بقوله تعالى: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ~~مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} [الكهف: ms248 49] [الكهف: ~~49] ، وفي الاستدلال بهذه الآية نظر، لأنه إنما ذكر فيها حال المجرمين، وهم ~~أهل الجرائم والذنوب العظيمة، فلا يدخل فيهم المؤمنون التائبون من ذنوبهم، ~~أو المغمورة ذنوبهم بحسناتهم. وأظهر من هذا الاستدلال بقوله: {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره - ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7 - 8] ~~[الزلزلة: 7 - 8] ، وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا القول هو الصحيح عند ~~المحققين، وقد روي هذا القول عن الحسن البصري، وبلال بن سعد الدمشقي، قال ~~الحسن: فالعبد يذنب، ثم يتوب، ويستغفر: يغفر له، ولكن لا يمحاه من كتابه ~~دون أن يقفه عليه، ثم يسأله عنه، ثم بكى الحسن بكاء شديدا، وقال: ولو لم ~~نبك إلا للحياء من ذلك المقام، لكان ينبغي لنا أن نبكي. وقال بلال بن سعد: ~~إن الله يغفر الذنوب، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يوقفه عليها يوم ~~القيامة وإن تاب. وقال أبو هريرة: يدني الله العبد يوم القيامة، فيضع عليه ~~كنفه، فيستره من الخلائق كلها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر، فيقول: اقرأ ~~يا ابن آدم كتابك، فيقرأ، فيمر بالحسنة فيبيض لها وجهه، ويسر بها قلبه، ~~فيقول الله: أتعرف يا # PageV01P452 # عبدي؟ فيقول: نعم، فيقول: إني قبلتها منك، فيسجد، فيقول: ارفع رأسك وعد ~~في كتابك، فيمر بالسيئة، فيسود لها وجهه، ويوجل لها قلبه، وترتعد منها ~~فرائصه، ويأخذه من الحياء من ربه ما لا يعلمه غيره، فيقول: أتعرف يا عبدي؟ ~~فيقول: نعم، يا رب، فيقول: إني قد غفرتها لك، فيسجد، فلا يرى منه الخلائق ~~إلا السجود حتى ينادي بعضهم بعضا: طوبى لهذا العبد الذي لم يعص الله قط، ~~ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبين ربه مما قد وقفه عليه. وقال أبو عثمان ~~النهدي عن سلمان: يعطى الرجل صحيفته يوم القيامة، فيقرأ أعلاها، فإذا ~~سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه، نظر في أسفلها، فإذا حسناته، ثم نظر في أعلاها، ~~فإذا هي قد بدلت حسنات. وروي عن أبي عثمان، عن ابن مسعود وعن أبي عثمان من ~~قوله وهو أصح. وروى ابن أبي ms249 حاتم بإسناده عن بعض أصحاب معاذ بن جبل قال: ~~يدخل أهل الجنة الجنة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين، # PageV01P453 # ثم أصحاب اليمين. قيل: لم سموا أصحاب اليمين؟ قال: لأنهم عملوا الحسنات ~~والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرءوا سيئاتهم حرفا حرفا قالوا: يا ربنا ~~هذه سيئاتنا فأين حسناتنا؟ فعند ذلك محا الله السيئات، وجعلها حسنات، فعند ~~ذلك قالوا: {هاؤم اقرءوا كتابيه} [الحاقة: 19] [الحاقة: 19] فهم أكثر أهل ~~الجنة. وأهل هذا القول قد يحملون أحاديث محو السيئات بالحسنات على محو ~~عقوباتها دون محو كتابتها من الصحف والله أعلم. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " «وخالق الناس بخلق حسن» " هذا من خصال ~~التقوى، ولا تتم التقوى إلا به، وإنما أفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإن ~~كثيرا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده، فنص له ~~على الأمر بإحسان العشرة للناس، فإنه كان قد بعثه إلى اليمن معلما لهم ~~ومفقها وقاضيا، ومن كان كذلك، فإنه يحتاج إلى مخالقة الناس بخلق حسن ما لا ~~يحتاج إليه غيره مما لا حاجة للناس به ولا يخالطهم، وكثيرا ما يغلب على من ~~يعتني بالقيام بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته وإهمال حقوق ~~العباد بالكلية أو التقصير فيها، والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده ~~عزيز جدا لا يقوى عليه إلا الكمل من الأنبياء والصديقين. وقال الحارث ~~المحاسبي: ثلاثة أشياء عزيزة أو معدومة: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن الخلق ~~مع الديانة، وحسن الإخاء مع الأمانة. وقال بعض السلف: جلس داود عليه السلام ~~خاليا، فقال الله عز وجل: مالي أراك خاليا؟ قال: هجرت الناس فيك يا رب ~~العالمين، قال: يا داود ألا أدلك على ما تستبقي به وجوه الناس، وتبلغ فيه ~~رضاي؟ خالق الناس بأخلاقهم، واحتجز الإيمان بيني وبينك. وقد عد الله في ~~كتابه مخالقة الناس بخلق حسن من خصال التقوى، بل # PageV01P454 # بدأ بذلك في قوله: {أعدت للمتقين - الذين ينفقون في السراء والضراء ~~والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} [آل عمران: 133 - ~~134] [آل ms250 عمران: 133 - 134] . وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سعيد المقبري ~~قال: بلغنا أن رجلا جاء إلى عيسى ابن مريم عليه السلام، فقال: يا معلم ~~الخير، كيف أكون تقيا لله عز وجل كما ينبغي له؟ قال: بيسير من الأمر: تحب ~~الله بقلبك كله، وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت، وترحم ابن جنسك كما ترحم ~~نفسك، قال: من ابن جنسي يا معلم الخير؟ قال: ولد آدم كلهم، وما لا تحب أن ~~يؤتى إليك، فلا تأته لأحد وأنت تتقي لله عز وجل كما ينبغي له. وقد جعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم حسن الخلق أكمل خصال الإيمان، كما خرج الإمام ~~أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكمل ~~المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» وخرجه محمد بن نصر المروزي، وزاد فيه: " «إن ~~المرء ليكون مؤمنا وإن في خلقه شيئا فينقص ذلك من إيمانه» ". وخرج أحمد ~~وأبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث أسامة بن شريك قال: «قالوا يا رسول ~~الله، ما أفضل ما أعطي المرء المسلم؟ قال: " الخلق الحسن» . وأخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن صاحب الخلق الحسن يبلغ بخلقه درجة الصائم القائم # PageV01P455 # لئلا يشتغل المريد للتقوى عن حسن الخلق بالصوم والصلاة، ويظن أن ذلك ~~يقطعه عن فضلهما، فخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث عائشة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجات الصائم والقائم» . ~~وأخبر أن حسن الخلق أثقل ما يوضع في الميزان، وأن صاحبه أحب الناس إلى الله ~~وأقربهم من النبيين مجلسا، فخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث ~~أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من شيء يوضع في ميزان ~~العبد أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم ~~والصلاة» . وخرج ابن حبان في " صحيحه " من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بأحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلسا ~~يوم القيامة؟ قالوا: بلى، ms251 قال: أحسنكم خلقا» وقد سبق حديث أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم «أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق» . ~~وخرج أبو داود من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا ~~زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» ، وخرجه الترمذي وابن ماجه بمعناه ~~من حديث أنس. # PageV01P456 # وقد روي عن السلف تفسير حسن الخلق فعن الحسن قال: حسن الخلق: الكرم ~~والبذلة والاحتمال. وعن الشعبي قال: حسن الخلق: البذلة والعطية والبشر ~~الحسن، وكان الشعبي كذلك. وعن ابن المبارك قال: هو بسط الوجه، وبذل ~~المعروف، وكف الأذى. وسئل سلام بن أبي مطيع عن حسن الخلق، فأنشد: # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله # ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله # هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله # وقال الإمام أحمد: حسن الخلق أن لا تغضب ولا تحتد، وعنه أنه قال: حسن ~~الخلق أن تحتمل ما يكون من الناس. وقال إسحاق بن راهويه: هو بسط الوجه، وأن ~~لا تغضب، ونحو ذلك قال محمد بن نصر. # PageV01P457 # وقال بعض أهل العلم: حسن الخلق كظم الغيظ لله، وإظهار الطلاقة والبشر إلا ~~للمبتدع والفاجر، والعفو عن الزالين إلا تأديبا وإقامة الحد وكف الأذى عن ~~كل مسلم أومعاهد إلا تغيير منكر وأخذا بمظلمة لمظلوم من غير تعد. وفي " ~~مسند الإمام أحمد " من حديث معاذ بن أنس الجهني، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «أفضل الفضائل أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتصفح عمن شتمك» ~~. وخرج الحاكم من حديث «عقبة بن عامر الجهني، قال: قال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يا عقبة، ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ تصل ~~من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك» . وخرج الطبراني من حديث علي «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أدلك على أكرم أخلاق أهل الدنيا ~~والآخرة؟ أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.» ms252 # PageV01P458 ### | [الحديث التاسع عشر احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله] # PageV01P458 # الحديث التاسع عشر # «عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال لي: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده ~~تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو ~~اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن ~~اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت ~~الأقلام وجفت الصحف» . # رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. # وفي رواية غير الترمذي: «احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء ~~يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ~~ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا» ~~. #  هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية ~~حنش الصنعاني، عن ابن عباس وخرجه الإمام أحمد من حديث حنش الصنعاني مع ~~إسنادين آخرين منقطعين ولم يميز لفظ بعضها من بعض، ولفظ حديثه: «يا غلام أو ~~يا غليم ألا أعلمك كلمات # PageV01P459 # ينفعك الله بهن؟ " فقلت: بلى، فقال: " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده ~~أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، ~~وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم ~~جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن ~~يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما ~~تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر ~~يسرا» . # وهذا اللفظ أتم من اللفظ الذي ذكره الشيخ رحمه الله، وعزاه إلى غير ~~الترمذي، واللفظ الذي ذكره الشيخ رواه عبد بن حميد في " مسنده " بإسناد ~~ضعيف عن عطاء، عن ابن عباس، وكذلك عزاه ابن الصلاح في " الأحاديث الكلية " ~~التي ms253 هي أصل أربعين الشيخ رحمه الله إلى عبد بن حميد وغيره. # وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي ومولاه ~~عكرمة، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن عبد # PageV01P460 # الله، وعمر مولى غفرة، وابن أبي مليكة وغيرهم. # وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي، كذا قال ابن منده ~~وغيره. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصى ابن عباس بهذه الوصية ~~من حديث علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وعبد الله بن ~~جعفر، وفي أسانيدها كلها ضعف. # PageV01P461 # وذكر العقيلي أن أسانيد الحديث كلها لينة، وبعضها أصلح من بعض، وبكل حال، ~~فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة. # وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين، حتى قال ~~بعض العلماء: تدبرت هذا الحديث، فأدهشني وكدت أطيش، فوا أسفا من الجهل بهذا ~~الحديث، وقلة التفهم لمعناه. # قلت: وقد أفردت لشرحه جزءا كبيرا ونحن نذكر هاهنا مقاصده على وجه ~~الاختصار إن شاء الله تعالى. # قوله صلى الله عليه وسلم: " احفظ الله " يعني: احفظ حدوده، وحقوقه، ~~وأوامره، ونواهيه، وحفظ ذلك: هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه ~~بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ما أمر به، وأذن فيه إلى ما نهى عنه، ~~فمن فعل ذلك، فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه، وقال ~~عز وجل: {هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ - من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب ~~منيب} [ق: 32 - 33] [ق: 32 - 33] وفسر الحفيظ هاهنا بالحافظ لأوامر الله، ~~وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها. # ومن أعظم ما يجب حفظه من أوامر الله الصلاة، وقد أمر الله بالمحافظة ~~عليها، فقال: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] [البقرة: ~~238] ، ومدح المحافظين عليها بقوله: {والذين هم على صلاتهم يحافظون} ~~[المعارج: 34] [المعارج: 34] . # PageV01P462 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حافظ عليها، كان له عند الله عهد أن ~~يدخله الجنة» وفي حديث آخر: «من حافظ عليهن، كن له نورا وبرهانا ms254 ونجاة يوم ~~القيامة» . # وكذلك الطهارة، فإنها مفتاح الصلاة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ~~يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» . # ومما يؤمر بحفظه الأيمان، قال الله عز وجل: {واحفظوا أيمانكم} [المائدة: ~~89] [المائدة: 89] ، فإن الأيمان يقع الناس فيها كثيرا، ويهمل كثير منهم ما ~~يجب بها، فلا يحفظه، ولا يلتزمه. # ومن ذلك حفظ الرأس والبطن كما في حديث ابن مسعود المرفوع: " «الاستحياء ~~من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى» " خرجه ~~الإمام أحمد والترمذي. # وحفظ الرأس وما وعى يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ ~~البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن الإصرار على محرم قال الله عز وجل: ~~{واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه} [البقرة: 235] # PageV01P463 # [البقرة: 235] ، وقد جمع الله ذلك كله في قوله: {إن السمع والبصر والفؤاد ~~كل أولئك كان عنه مسئولا} [الإسراء: 36] [الإسراء: 36] . # ويتضمن أيضا حفظ البطن من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب. # ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله عز وجل: اللسان والفرج، وفي حديث أبي ~~هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حفظ ما بين لحييه، وما بين ~~رجليه، دخل الجنة» خرجه الحاكم. # وخرج الإمام أحمد من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~حفظ ما بين فقميه وفرجه، دخل الجنة» . # وأمر الله عز وجل بحفظ الفروج، ومدح الحافظين لها، فقال: {قل للمؤمنين ~~يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} [النور: 30] [النور: 30] ، وقال: # PageV01P464 # {والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله ~~لهم مغفرة وأجرا عظيما} [الأحزاب: 35] [الأحزاب: 35] ، وقال: {قد أفلح ~~المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 1] إلى قوله: {والذين هم ~~لفروجهم حافظون - إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} ~~[المؤمنون: 5 - 6] [المؤمنون: 1 - 6] . # وقال أبو إدريس الخولاني: أول ما وصى الله به آدم عند إهباطه إلى الأرض: ~~حفظ فرجه، وقال لا تضعه إلا في حلال. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " يحفظك " يعني: أن من حفظ حدود الله، وراعى ms255 ~~حقوقه، حفظه الله، فإن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: {وأوفوا بعهدي ~~أوف بعهدكم} [البقرة: 40] [البقرة: 40] ، وقال: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: ~~152] [البقرة: 152] ، وقال: إن {تنصروا الله ينصركم} [محمد: 7] [محمد: 7] . # وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان: # أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال ~~الله عز وجل: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} ~~[الرعد: 11] [الرعد: 11] قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، ~~فإذا جاء القدر خلوا عنه. # وقال علي رضي الله عنه: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء ~~القدر خليا بينه وبينه، وإن الأجل جنة حصينة. # PageV01P465 # وقال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس ~~والهوام، فما من شيء يأتيه إلا قال: وراءك، إلا شيئا أذن الله فيه فيصيبه. # وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث ابن عمر، قال: «لم يكن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: " ~~اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو ~~والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عورتي، وآمن روعتي، ~~واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي وأعوذ بعظمتك ~~أن أغتال من تحتي» ". # ومن حفظه الله في صباه وقوته، حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتعه ~~بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله. # كان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله، فوثب يوما ~~وثبة شديدة، فعوتب في ذلك، فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، ~~فحفظها الله علينا في الكبر. وعكس هذا أن بعض السلف رأى شيخا يسأل الناس ~~فقال: إن هذا ضعيف ضيع الله في صغره، فضيعه الله في كبره. # PageV01P466 # وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته كما قيل في قوله تعالى: ~~{وكان أبوهما صالحا} [الكهف: 82] [الكهف: 82] : أنهما حفظا بصلاح أبيهما. ~~قال سعيد بن المسيب لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك، ms256 رجاء أن أحفظ فيك، ثم ~~تلا هذه الآية {وكان أبوهما صالحا} [الكهف: 82] ، وقال عمر بن عبد العزيز: ~~ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه. # وقال ابن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات ~~التي حوله فما يزالون في حفظ من الله وستر. # ومتى كان العبد مشتغلا بطاعة الله، فإن الله يحفظه في تلك الحال، وفي " ~~مسند الإمام أحمد " عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «كانت امرأة في بيت، ~~فخرجت في سرية من المسلمين، وتركت ثنتي عشرة عنزة وصيصيتها كانت تنسج بها، ~~قال: ففقدت عنزا لها وصيصيتها، فقالت: يا رب إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك ~~أن تحفظ عليه، وإني قد فقدت عنزا من غنمي وصيصيتي، وإني أنشدك عنزي وصيصيتي ~~قال: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شدة مناشدتها ربها تبارك ~~وتعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأصبحت عنزها ومثلها، وصيصيتها ~~ومثلها» . والصيصية: هي الصنارة التي يغزل بها وينسج. # فمن حفظ الله حفظه الله من كل أذى قال بعض السلف: من اتقى الله فقد حفظ ~~نفسه، ومن ضيع تقواه، فقد ضيع نفسه، والله الغني عنه. # PageV01P467 # ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له ~~من الأذى، كما جرى لسفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كسر به ~~المركب، وخرج إلى جزيرة، فرأى الأسد، فجعل يمشي معه حتى دله على الطريق، ~~فلما أوقفه عليها، جعل يهمهم كأنه يودعه، ثم رجع عنه. # ورئي إبراهيم بن أدهم نائما في بستان وعنده حية في فمها طاقة نرجس، فما ~~زالت تذب عنه حتى استيقظ. # وعكس هذا أن من ضيع الله، ضيعه الله، فضاع بين خلقه حتى يدخل عليه الضرر ~~والأذى ممن كان يرجو نفعه من أهله وغيرهم، كما قال بعض السلف: إني لأعصي ~~الله فأعرف ذلك في خلق خادمي ودابتي. # النوع الثاني من الحفظ، وهو أشرف النوعين: حفظ الله للعبد في دينه ~~وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات ms257 المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ ~~عليه دينه عند موته، فيتوفاه على الإيمان قال بعض السلف: إذا حضر الرجل ~~الموت يقال للملك: شم رأسه، قال: أجد في رأسه القرآن، قال: شم قلبه، قال: ~~أجد في قلبه الصيام، قال: شم قدميه قال: أجد في قدميه القيام قال: حفظ ~~نفسه، فحفظه الله. # وفي " الصحيحين " «عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~أمره أن يقول عند # PageV01P468 # منامه: إن قبضت نفسي، فارحمها، وإن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك ~~الصالحين» . # وفي حديث عمر أن «النبي صلى الله عليه وسلم علمه أن يقول: اللهم احفظني ~~بالإسلام قائما، واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإسلام راقدا، ولا تطع ~~في عدوا ولا حاسدا» خرجه ابن حبان في " صحيحه ". # «وكان النبي صلى الله عليه وسلم يودع من أراد سفرا، فيقول: " أستودع الله ~~دينك وأمانتك وخواتيم عملك " وكان يقول: " إن الله إذا استودع شيئا حفظه» ~~". خرجه النسائي وغيره. # وفي الجملة، فإن الله عز وجل يحفظ على المؤمن الحافظ لحدود دينه، ويحول ~~بينه وبين ما يفسد عليه دينه بأنواع من الحفظ، وقد لا يشعر العبد ببعضها، ~~وقد يكون كارها له، كما قال في حق يوسف عليه السلام: {كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24] [يوسف: 24] . # PageV01P469 # قال ابن عباس: في قوله تعالى: {أن الله يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: ~~24] [الأنفال: 24] ، قال يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى ~~النار. # وقال الحسن - وذكر أهل المعاصي -: هانوا عليه، فعصوه، ولو عزوا عليه ~~لعصمهم. # وقال ابن مسعود: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له، ~~فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له أدخلته ~~النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير يقول: سبقني فلان دهاني فلان، وما هو ~~إلا فضل الله عز جل. # وخرجه الطبراني من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز ~~وجل: إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، وإن بسطت عليه أفسده ذلك، ~~وإن من عبادي ms258 من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته، لأفسده ذلك، وإن من ~~عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أسقمته، لأفسده ذلك، وإن من عبادي ~~من لا يصلح إيمانه إلا السقم، ولو أصححته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من يطلب ~~بابا من العبادة، فأكفه عنه، لكيلا يدخله العجب، إني أدبر عبادي بعلمي بما ~~في قلوبهم، إني عليم خبير» . # PageV01P470 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله تجده تجاهك» وفي رواية: " أمامك " ~~معناه: أن من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه، وجد الله معه في كل أحواله حيث ~~توجه يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده ف {إن الله مع الذين اتقوا والذين ~~هم محسنون} [النحل: 128] [النحل: 128] قال قتادة: من يتق الله يكن معه، ومن ~~يكن الله معه، فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي ~~الذي لا يضل. # كتب بعض السلف إلى أخ له: أما بعد، فإن كان الله معك فمن تخاف؟ وإن كان ~~عليك فمن ترجو؟ وهذه المعية الخاصة هي المذكورة في قوله تعالى لموسى ~~وهارون: {لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] [طه: 46] ، وقول موسى: ~~{إن معي ربي سيهدين} [الشعراء: 62] [الشعراء: 62] وفي قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأبي بكر وهما في الغار «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن ~~الله معنا» . # فهذه المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد، والحفظ والإعانة بخلاف المعية ~~المذكورة في قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة ~~إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا} ~~[المجادلة: 7] [المجادلة: 7] ، وقوله: {ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ ~~يبيتون ما لا يرضى من القول} [النساء: 108] [البقرة: 108] ، فإن هذه المعية ~~تقتضي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم، فهي مقتضية لتخويف العباد منه. ~~والمعية الأولى تقتضي حفظ العبد وحياطته ونصره، فمن حفظ الله، وراعى حقوقه، ~~وجده أمامه وتجاهه على كل حال، فاستأنس به، واستغنى به عن خلقه، كما في ~~حديث " «أفضل الإيمان # PageV01P471 # أن يعلم العبد أن الله معه حيث كان» ms259 " وقد سبق. # وروي عن بنان الحمال أنه دخل البرية وحده على طريق تبوك، فاستوحش، فهتف ~~به هاتف: لم تستوحش؟ أليس حبيبك معك؟ وقيل لبعضهم: ألا تستوحش وحدك؟ فقال: ~~كيف أستوحش، وهو يقول: " أنا جليس من ذكرني " وقيل لآخر: نراك وحدك؟ فقال: ~~من يكن الله معه، كيف يكون وحده؟ وقيل لآخر: أما معك مؤنس؟ قال: بلى، قيل ~~له: أين هو؟ قال: أمامي، ومعي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، وفوقي وكان ~~الشبلي ينشد: # إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى لمطايانا بذكرك هاديا # قوله صلى الله عليه وسلم: " «تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة» " ~~يعني أن العبد إذا # PageV01P472 # اتقى الله، وحفظ حدوده، وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرف بذلك إلى ~~الله، وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة، فعرفه ربه في الشدة، ورعى له تعرفه ~~إليه في الرخاء، فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة، وهذه معرفة خاصة تقتضي قرب ~~العبد من ربه، ومحبته له، وإجابته لدعائه. # فمعرفة العبد لربه نوعان: أحدهما: المعرفة العامة، وهي معرفة الإقرار به ~~والتصديق والإيمان، وهذه عامة للمؤمنين. # والثاني: معرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية، والانقطاع إليه، ~~والأنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له، وهذه المعرفة ~~الخاصة هي التي يدور حولها العارفون، كما قال بعضهم: مساكين أهل الدنيا، ~~خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: معرفة الله عز ~~وجل. # وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: أحب أن لا أموت حتى أعرف مولاي، وليس معرفته ~~الإقرار به، ولكن المعرفة إذا عرفته استحييت منه. # ومعرفة الله أيضا لعبده نوعان: معرفة عامة، وهي علمه سبحانه بعباده، ~~واطلاعه على ما أسروه وما أعلنوه، كما قال: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما ~~توسوس به نفسه} [ق: 16] [ق: 16] ، قال: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ~~وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} [النجم: 32] [النجم: 32] . # والثاني: معرفة خاصة، وهي تقتضي محبته لعبده، وتقريبه إليه، وإجابة ~~دعائه، وإنجاءه من الشدائد، وهي المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم ~~فيما يحكى ms260 عن ربه " «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا ~~أحببته، كنت سمعه الذي # PageV01P473 # يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ~~ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني، لأعيذنه» "، وفي رواية: " «ولئن دعاني ~~لأجيبنه» ". # ولما هرب الحسن من الحجاج دخل إلى بيت حبيب أبي محمد، فقال له حبيب: يا ~~أبا سعيد، أليس بينك وبين ربك ما تدعوه، فيسترك من هؤلاء؟ ادخل البيت، ~~فدخل، ودخل الشرط على أثره، فلم يروه، فذكر ذلك للحجاج، فقال: بل كان في ~~البيت، إلا أن الله طمس أعينهم فلم يروه. # واجتمع الفضيل بن عياض بشعوانة العابدة، فسألها الدعاء، فقالت: يا فضيل، ~~وما بينك وبينه ما إن دعوته أجابك، فغشي على الفضيل. # وقيل لمعروف: وما الذي هيجك إلى الانقطاع والعبادة؟ وذكر له الموت ~~والبرزخ والجنة والنار - فقال معروف: إن ملكا هذا كله بيده إن كانت بينك ~~وبينه معرفة كفاك جميع هذا. # وفي الجملة، فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه، عامله الله ~~باللطف والإعانة في حال شدته. # وخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~سره أن يستجيب الله له عند الشدائد، فليكثر الدعاء في الرخاء» . # وخرج ابن أبي حاتم وغيره من رواية أبي يزيد الرقاشي عن أنس يرفعه «أن ~~يونس # PageV01P474 # عليه السلام لما دعا في بطن الحوت، قالت الملائكة: يا رب هذا صوت معروف ~~من بلاد غريبة، فقال الله عز وجل: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: ومن هو؟ قال: ~~عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة؟ ~~قال: نعم، قالوا: يا رب، أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من ~~البلاء؟ قال: بلى، قال: فأمر الله الحوت فطرحه بالعراء» . # وقال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرخاء، يذكركم في الشدة، إن يونس ~~عليه السلام كان يذكر الله تعالى، فلما وقع في بطن الحوت، قال الله عز وجل: ~~{فلولا أنه كان من المسبحين - للبث في بطنه إلى يوم ms261 يبعثون} [الصافات: 143 ~~- 144] [الصافات: 143 - 144] وإن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله، فلما ~~أدركه الغرق، قال: آمنت، فقال الله تعالى: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين} [يونس: 91] [يونس: 91] . # وقال سلمان الفارسي: إذا كان الرجل دعاء في السراء، فنزلت به ضراء، فدعا ~~الله تعالى، قالت الملائكة: صوت معروف فشفعوا له، وإذا كان ليس بدعاء في ~~السراء، فنزلت به ضراء، فدعا الله تعالى قالت الملائكة: صوت ليس بمعروف، ~~فلا يشفعون له. # وقال رجل لأبي الدرداء: أوصني، فقال: اذكر الله في السراء يذكرك الله عز ~~وجل في الضراء. # PageV01P475 # وعنه أنه قال: ادع الله في يوم سرائك لعله أن يستجيب لك في يوم ضرائك. # وأعظم الشدائد التي تنزل بالعبد في الدنيا الموت، وما بعده أشد منه إن لم ~~يكن مصير العبد إلى خير، فالواجب على المؤمن الاستعداد للموت وما بعده في ~~حال الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة، قال الله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون - ~~ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون} [الحشر: 18 ~~- 19] [الحشر: 18 - 19] . # فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه، واستعد حينئذ للقاء الله بالموت وما ~~بعده، ذكره الله عند هذه الشدائد، فكان معه فيها، ولطف به، وأعانه، وتولاه، ~~وثبته على التوحيد، فلقيه وهو عنه راض، ومن نسي الله في حال صحته ورخائه، ~~ولم يستعد حينئذ للقائه، نسيه الله في هذه الشدائد، بمعنى أنه أعرض عنه، ~~وأهمله فإذا نزل الموت بالمؤمن المستعد له، أحسن الظن بربه، وجاءته البشرى ~~من الله، فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، والفاجر بعكس ذلك، وحينئذ يفرح ~~المؤمن، ويستبشر بما قدمه مما هو قادم عليه، ويندم المفرط، ويقول: {يا ~~حسرتا على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] [الزمر: 56. # ] قال أبو عبد الرحمن السلمي قبل موته: كيف لا أرجو ربي وقد صمت له ~~ثمانين رمضان؟ وقال أبو بكر بن عياش لابنه عند موته: أترى الله يضيع لأبيك ~~أربعين سنة يختم القرآن كل ms262 ليلة؟ . # PageV01P476 # وختم آدم بن أبي إياس القرآن وهو مسجى للموت، ثم قال: بحبي لك، إلا رفقت ~~بي في هذا المصرع؟ كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك لا إله إلا الله، ثم ~~قضى. # ولما احتضر زكريا بن عدي، رفع يديه، وقال: اللهم إني إليك لمشتاق. # وقال عبد الصمد الزاهد عند موته: سيدي لهذه الساعة خبأتك، ولهذا اليوم ~~اقتنيتك، حقق حسن ظني بك. # وقال قتادة في قول الله عز وجل {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] ~~[الطلاق: 2] قال: من الكرب عند الموت. # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: ينجيه من كل كرب في ~~الدنيا والآخرة. # وقال زيد بن أسلم في قوله عز وجل: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا} [فصلت: 30] الآية [فصلت: ~~30] قال: يبشر بذلك عند موته، وفي قبره، ويوم يبعث، فإنه لفي الجنة، وما ~~ذهبت فرحة البشارة من قلبه. # PageV01P477 # وقال ثابت البناني في هذه الآية: بلغنا أن المؤمن حيث يبعثه الله من ~~قبره، ويتلقاه ملكاه اللذان كانا معه في الدنيا، فيقولان له: لا تخف ولا ~~تحزن، فيؤمن الله خوفه، ويقر الله عينه، فما من عظيمة تغشى الناس يوم ~~القيامة إلا هي للمؤمن قرة عين لما هداه الله، ولما كان يعمل في الدنيا. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن ~~بالله» هذا منتزع من قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ، ~~فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه. # والدعاء هو العبادة، كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ~~النعمان بن بشير، وتلا قوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: ~~60] [غافر: 60] خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي والنسائي، وابن ~~ماجه. # وخرج الترمذي من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء ~~مخ العبادة» فتضمن هذا الكلام أن يسأل الله عز وجل، ولا يسأل غيره، وأن ~~يستعان بالله دون غيره. # وأما السؤال، فقد أمر الله بمسألته، فقال: {واسألوا ms263 الله من فضله} ~~[النساء: 32] [النساء: 32] وفي " الترمذي " عن ابن مسعود مرفوعا: " «سلوا ~~الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل» ". # PageV01P478 # وفيه أيضا عن أبي هريرة مرفوعا: " من لا يسأل الله يغضب عليه ". # وفي حديث آخر: " «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا ~~انقطع» ". # وفي النهي عن مسألة المخلوقين أحاديث كثيرة صحيحة، وقد بايع النبي صلى ~~الله عليه وسلم جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئا: منهم أبو بكر ~~الصديق، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته، فلا يسأل ~~أحدا أن يناوله إياه. # PageV01P479 # وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أن «رجلا ~~جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن بني فلان أغاروا ~~علي فذهبوا بابني وإبلي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن آل محمد كذا ~~وكذا أهل بيت، ما لهم مد من طعام، أو صاع، فاسأل الله عز وجل، فرجع إلى ~~امرأته، فقالت: ما قال لك؟ فأخبرها، فقالت: نعم ما رد عليك، فما لبث أن رد ~~الله عليه ابنه وإبله أوفر ما كانت، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، ~~فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وأمر الناس بمسألة الله عز وجل والرغبة ~~إليه، وقرأ: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا - ويرزقه من حيث لا يحتسب} ~~[الطلاق: 2 - 3] [الطلاق: 2] » . # وقد ثبت في " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن الله عز وجل ~~يقول: هل من داع، فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» ~~. # وخرج المحاملي وغيره من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «قال الله تعالى: من ذا الذي دعاني فلم أجبه؟ وسألني فلم أعطه؟ ~~واستغفرني، فلم أغفر له وأنا أرحم الراحمين؟» . # PageV01P480 # واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين، لأن السؤال فيه إظهار ~~الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسئول ~~على دفع هذا الضرر، ونيل المطلوب، ms264 وجلب المنافع، ودرء المضار، ولا يصلح ~~الذل والافتقار إلا لله وحده، لأنه حقيقة العبادة، وكان الإمام أحمد يدعو ~~ويقول: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك، ولا ~~يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواه. كما قال: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف ~~له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله} [يونس: 107] [يونس: 107] ، وقال: ~~{ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} ~~[فاطر: 2] [فاطر: 2] . # والله سبحانه يحب أن يسأل ويرغب إليه في الحوائج، ويلح في سؤاله ودعائه، ~~ويغضب على من لا يسأله، ويستدعي من عباده سؤاله، وهو قادر على إعطاء خلقه ~~كلهم سؤلهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، والمخلوق بخلاف ذلك كله: يكره أن ~~يسأل، ويحب أن لا يسأل، لعجزه وفقره وحاجته، ولهذا قال وهب بن منبه لرجل ~~كان يأتي الملوك: ويحك، تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك ~~غناه، وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول ~~ادعني أستجب لك؟ ! . # وقال طاوس لعطاء: إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق بابه دونك ويجعل دونها ~~حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة أمرك أن تسأله، ووعدك أن ~~يجيبك. # وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن ~~الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه # PageV01P481 # إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله، فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، ~~وهذا تحقيق معنى قول: " لا حول ولا قوة إلا بالله " فإن المعنى لا تحول ~~للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة وهي ~~كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، ~~وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من ~~أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل، ~~فمن حقق الاستعانة ms265 عليه في ذلك كله أعانه. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» . # ومن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيره، وكله الله إلى من استعان به ~~فصار مخذولا. كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله، فيكلك ~~الله إليه. ومن كلام بعض السلف: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك، وعجبت ~~لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك. # قوله صلى الله عليه وسلم: " «جف القلم بما هو كائن» "، وفي رواية أخرى: " ~~«رفعت الأقلام، وجفت الصحف» " هو كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها، ~~والفراغ منها من أمد بعيد، فإن الكتاب إذا فرغ من كتابته، ورفعت الأقلام ~~عنه، وطال عهده، فقد رفعت عنه الأقلام، وجفت الأقلام التي كتب بها من ~~مدادها، وجفت الصحيفة التي كتب فيها بالمداد المكتوب به فيها، وهذا من أحسن ~~الكنايات وأبلغها. # PageV01P482 # وقد دل الكتاب والسنن الصحيحة الكثيرة على مثل هذا المعنى، قال الله ~~تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبرأها إن ذلك على الله يسير} [الحديد: 22] [الحديد: 22] وفي " صحيح مسلم " ~~عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب مقادير ~~الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» . # وفيه أيضا عن جابر أن «رجلا قال: يا رسول الله، فيم العمل اليوم؟ أفيما ~~جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت ~~به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما ~~خلق له» . # وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب فجرى في ~~تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» . # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا يطول ذكرها. # قوله صلى الله عليه وسلم: «فلو أن الخلق جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم ms266 ~~يقضه الله، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك، ~~لم يقدروا عليه» . # هذه رواية الإمام أحمد، ورواية الترمذي بهذا المعنى أيضا، والمراد: أن ما ~~يصيب العبد في دنياه مما يضره أو ينفعه، فكله مقدر عليه، ولا يصيب العبد # PageV01P483 # إلا ما كتب له من مقادير ذلك في الكتاب السابق، ولو اجتهد على ذلك الخلق ~~كلهم جميعا. # وقد دل القرآن على مثل هذا في قوله عز وجل: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب ~~الله لنا} [التوبة: 51] [التوبة: 51] ، وقوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ~~ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] [الحديد: 22] ، ~~وقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} [آل ~~عمران: 154] [آل عمران: 154] . # وخرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ~~ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه» . # وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم معنى ذلك أيضا. # واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده، فهو ~~متفرع عليه، وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أن لن يصيبه إلا ما كتب الله له ~~من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد ~~البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك ~~للعبد توحيد ربه عز وجل، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما ~~يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ~~ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئا، فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ~~ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال # PageV01P484 # والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا، وأن يتقي سخطه، ولو ~~كان فيه سخط الخلق جميعا، ms267 وإفراده بالاستعانة به، والسؤال له، وإخلاص ~~الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص ~~الدعاء له عند الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعه من دونه، ~~قال الله عز وجل: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل ~~هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل ~~المتوكلون} [الزمر: 38] [الزمر: 38] . # قوله صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا» ~~يعني: أن ما أصاب العبد من المصائب المؤلمة المكتوبة عليه إذا صبر عليها، ~~كان له في الصبر خير كثير. # وفي رواية عمر مولى غفرة وغيره عن ابن عباس زيادة أخرى قبل هذا الكلام، ~~وهي " «فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين، فافعل، وإن لم تستطع، فإن ~~في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا» ". # وفي رواية أخرى من رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه، لكن إسنادها ~~ضعيف، زيادة أخرى بعد هذا، وهي: «قلت: يا رسول الله، كيف أصنع باليقين؟ ~~قال: " أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإذا ~~أنت أحكمت باب اليقين» " ومعنى هذا أن حصول اليقين للقلب بالقضاء السابق ~~والتقدير الماضي يعين العبد على أن ترضى نفسه بما أصابه، فمن استطاع أن ~~يعمل في اليقين بالقضاء والقدر على الرضا بالمقدور، فليفعل، فإن لم يستطع ~~الرضا، فإن في الصبر على المكروه خيرا كثيرا. # PageV01P485 # فهاتان درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب: # أحدهما: أن يرضى بذلك، وهي درجة عالية رفيعة جدا، قال الله عز وجل {ما ~~أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن: 11] ~~[التغابن: 11] قال علقمة: هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله، ~~فيسلم لها ويرضى. # وخرج الترمذي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الله إذا ~~أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي، فله الرضا، ومن سخط فله السخط» ، «وكان النبي ~~صلى ms268 الله عليه وسلم يقول في دعائه: " أسألك الرضا بعد القضاء» . # ومما يدعو المؤمن إلى الرضا بالقضاء تحقيق إيمانه بمعنى قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته ~~سراء شكر، كان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، كان خيرا له، وليس ذلك إلا ~~للمؤمن» . # «وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يوصيه وصية جامعة ~~موجزة، فقال: " لا تتهم الله في قضائه» ". # قال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به، وقال ابن # PageV01P486 # مسعود: إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل ~~الهم والحزن في الشك والسخط؛ فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء ~~كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. وقال عمر بن عبد العزيز: أصبحت ومالي ~~سرور إلا في مواضع القضاء والقدر. # فمن وصل إلى هذه الدرجة، كان عيشه كله في نعيم وسرور، قال الله تعالى: ~~{من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} [النحل: 97] ~~[النحل: 97] قال بعض السلف: الحياة الطيبة: هي الرضا والقناعة. وقال عبد ~~الواحد بن زيد: الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين. # وأهل الرضا تارة يلاحظون حكمة المبتلي وخيرته لعبده في البلاء، وأنه غير ~~متهم في قضائه، وتارة يلاحظون ثواب الرضا بالقضاء، فينسيهم ألم المقضي به، ~~وتارة يلاحظون عظمة المبتلي وجلاله وكماله، فيستغرقون في مشاهدة ذلك، حتى ~~لا يشعرون بالألم، وهذا يصل إليه خواص أهل المعرفة والمحبة، حتى ربما ~~تلذذوا بما أصابهم لملاحظتهم صدوره عن حبيبهم، كما قال بعضهم: أوجدهم في ~~عذابه عذوبة. وسئل بعض التابعين عن حاله في مرضه، فقال: أحبه إليه أحبه ~~إلي. وسئل السري: هل يجد المحب ألم البلاء؟ فقال: لا وقال بعضهم: # عذابه فيك عذب ... وبعده فيك قرب # وأنت عندي كروحي ... بل أنت منها أحب # PageV01P487 # حسبي من الحب أني # لما تحب أحب # والدرجة الثانية: أن يصبر على البلاء، وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاء، ~~فالرضا فضل ms269 مندوب إليه، مستحب، والصبر واجب على المؤمن حتم، وفي الصبر خير ~~كثير، فإن الله أمر به، ووعد عليه جزيل الأجر. قال الله عز وجل: {إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10] [الزمر: 10] ، وقال: {وبشر الصابرين ~~- الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون - أولئك عليهم ~~صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} [البقرة: 155 - 157] [البقرة: 155 ~~- 157] قال الحسن: الرضا عزيز، ولكن الصبر معول المؤمن. # والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود ~~الألم، وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح ~~الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم، وإن وجد الإحساس بالألم، ~~لكن الرضا يخففه لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا، ~~فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية كما سبق. # قوله صلى الله عليه وسلم: " «واعلم أن النصر مع الصبر» ". هذا موافق لقول ~~الله عز وجل: {قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة ~~كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] [البقرة: 249] وقوله ~~تعالى {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ~~ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} [الأنفال: 66] [الأنفال: 66] وقال عمر ~~لأشياخ من بني عبس: بم قاتلتم الناس؟ قالوا: بالصبر، لم نلق قوما إلا صبرنا ~~لهم كما صبروا لنا. وقال بعض السلف: كلنا يكره الموت # PageV01P488 # وألم الجراح، ولكن نتفاضل بالصبر. وقال البطال: الشجاعة صبر ساعة. وهذا ~~في جهاد العدو الظاهر، وهو جهاد الكفار، وكذلك جهاد العدو الباطن، هو جهاد ~~النفس والهوى، فإن جهادهما من أعظم الجهاد، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «المجاهد من جاهد نفسه في الله» . # وقال عبد الله بن عمر لمن سأله عن الجهاد: ابدأ بنفسك، فجاهدها، وابدأ ~~بنفسك، فاغزها. # وقال بقية بن الوليد: أخبرنا إبراهيم بن أدهم، حدثنا الثقة عن علي بن أبي ~~طالب، قال: أول ما تنكرون من جهادكم أنفسكم. # وقال إبراهيم بن أبي علقمة لقوم جاءوا من الغزو: قد جئتم من ms270 الجهاد ~~الأصغر، فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد ~~القلب. ويروى هذا مرفوعا من حديث جابر بإسناد ضعيف، ولفظه: «قدمتم من ~~الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: " ~~مجاهدة العبد لهواه» . # PageV01P489 # ويروى من حديث سعد بن سنان، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ~~«ليس عدوك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة، وإذا قتلته كان لك نورا، أعدى عدوك ~~نفسك التي بين جنبيك» ". # وقال أبو بكر الصديق في وصيته لعمر رضي الله عنهما حين استخلفه: إن أول ~~ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك. # فهذا الجهاد يحتاج أيضا إلى صبر، فمن صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه، ~~غلبه وحصل له النصر والظفر، وملك نفسه، فصار عزيزا ملكا، ومن جزع ولم يصبر ~~على مجاهدة ذلك، غلب وقهر وأسر، وصار عبدا ذليلا أسيرا في يدي شيطانه ~~وهواه، كما قيل: # إذا المرء لم يغلب هواه أقامه ... بمنزلة فيها العزيز ذليل # قال ابن المبارك: من صبر، فما أقل ما يصبر، ومن جزع فما أقل ما يتمتع. # فقوله صلى الله عليه وسلم: " «إن النصر مع الصبر» " يشمل النصر في ~~الجهادين: جهاد العدو الظاهر، وجهاد العدو الباطن، فمن صبر فيهما، نصر وظفر ~~بعدوه، ومن لم يصبر فيهما وجزع، قهر وصار أسيرا لعدوه أو قتيلا له. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " «وأن الفرج مع الكرب» " وهذا يشهد له قوله ~~عز وجل: {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته} [الشورى: 28] ~~[الشورى: 28] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب ~~غيره» خرجه الإمام أحمد، وخرجه ابنه عبد # PageV01P490 # الله في حديث طويل، وفيه: " «علم الله يوم الغيث أنه ليشرف عليكم أزلين ~~قنطين، فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قرب» " والمعنى أنه سبحانه يعجب من ~~قنوط عباده عند احتباس القطر عنهم وقنوطهم ويأسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت ~~فرجه ورحمته لعباده، بإنزال الغيث عليهم، وتغييره لحالهم وهم لا يشعرون. ~~وقال تعالى: {فإذا أصاب به من يشاء ms271 من عباده إذا هم يستبشرون - وإن كانوا ~~من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} [الروم: 48 - 49] [الروم: 48 - 49] ~~وقال تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} ~~[يوسف: 110] [يوسف: 110] وقال: {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] [البقرة: 214] وقال حاكيا عن ~~يعقوب أنه قال لبنيه: {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من ~~روح الله} [يوسف: 87] [يوسف: 87] ، ثم قص قصة اجتماعهم عقب ذلك. # وكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب كإنجاء نوح ~~ومن معه في الفلك، وإنجاء إبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أمر بذبحه، ~~وإنجاء موسى وقومه من اليم، وإغراق عدوهم، وقصة أيوب ويونس، وقصص محمد صلى ~~الله عليه وسلم مع أعدائه، وإنجائه منهم، كقصته في الغار، ويوم بدر، ويوم ~~أحد، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، وغير ذلك. # وقوله صلى الله عليه وسلم " «فإن مع العسر يسرا» " هو منتزع من قوله ~~تعالى: {سيجعل الله بعد عسر يسرا} [الطلاق: 7] # PageV01P491 # [الطلاق: 7] ، وقوله عز وجل: {فإن مع العسر يسرا - إن مع العسر يسرا} ~~[الشرح: 5 - 6] [الشرح: 5 - 6] . # وخرج البزار في " مسنده " وابن أبي حاتم - واللفظ له - من حديث أنس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «لو جاء العسر، فدخل هذا الجحر، لجاء ~~اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه " فأنزل الله عز وجل: {فإن مع العسر يسرا - إن ~~مع العسر يسرا} [الشرح: 5 - 6] » . # وروى ابن جرير وغيره من حديث الحسن مرسلا نحوه، وفي حديثه: فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " «لن يغلب عسر يسرين» ". # وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال: لو أن العسر دخل في جحر ~~لجاء اليسر حتى يدخل معه، ثم قال: قال الله تعالى: {فإن مع العسر يسرا - إن ~~مع العسر يسرا} [الشرح: 5 - 6] وبإسناده أن أبا عبيدة حصر فكتب إليه عمر # PageV01P492 # يقول: مهما ينزل بامرئ شدة يجعل الله بعدها فرجا، وإنه لن يغلب عسر ~~يسرين، وإنه يقول: {اصبروا وصابروا ورابطوا ms272 واتقوا الله لعلكم تفلحون} [آل ~~عمران: 200] [آل عمران: 200] . # ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالكرب واليسر بالعسر: أن الكرب إذا اشتد ~~وعظم وتناهى، وحصل للعبد الإياس من كشفه من جهة المخلوقين، وتعلق قلبه ~~بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أعظم الأسباب التي تطلب ~~بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه، كما قال تعالى: {ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه} [الطلاق: 3] [الطلاق: 3] . # وروى آدم بن أبي إياس في تفسيره بإسناده عن محمد بن إسحاق قال: «جاء مالك ~~الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أسر ابني عوف، فقال له: أرسل ~~إليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تكثر من قول: لا حول ولا ~~قوة إلا بالله فأتاه الرسول فأخبره، فأكب عوف يقول: لا حول ولا قوة إلا ~~بالله، وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه، فخرج فإذا هو بناقة لهم ~~فركبها، فأقبل فإذا هو بسرح القوم الذين كانوا قد شدوه، فصاح بهم، فاتبع ~~آخرها أولها، فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي # PageV01P493 # بالباب، فقال أبوه: عوف ورب الكعبة، فقالت أمه: واسوأتاه، وعوف كئيب يألم ~~ما هو فيه من القد، فاستبق الأب والخادم إليه، فإذا عوف قد ملأ الفناء ~~إبلا، فقص على أبيه أمره وأمر الإبل، فأتى أبوه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأخبره بخبر عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اصنع بها ما أحببت، وما كنت صانعا بإبلك، ونزل: {ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا - ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 2 - ~~3] [الطلاق: 2 - 3] الآية» . # قال الفضيل: لو يئست من الخلق حتى لا تريد منهم شيئا، لأعطاك مولاك كل ما ~~تريد. وذكر إبراهيم بن أدهم عن بعضهم قال: ما سأل السائلون مسألة هي ألحف ~~من أن يقول العبد: ما شاء الله، قال: يعني بذلك التفويض إلى الله عز وجل. ~~وقال سعيد بن سالم القداح: بلغني أن موسى عليه السلام كانت له إلى ms273 الله ~~حاجة، فطلبها، فأبطأت عليه، فقال: ما شاء الله، فإذا حاجته بين يديه، فعجب ~~فأوحى الله إليه: أما علمت أن قولك: ما شاء الله أنجح ما طلبت به الحوائج. # وأيضا فإن المؤمن إذا استبطأ الفرج، وأيس منه بعد كثرة دعائه وتضرعه، ولم ~~يظهر عليه أثر الإجابة فرجع إلى نفسه باللائمة، وقال لها: إنما أتيت من ~~قبلك، ولو كان فيك خير لأجبت، وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات، ~~فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه واعترافه له بأنه أهل لما نزل من البلاء، ~~وأنه ليس بأهل لإجابة الدعاء، فلذلك تسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء وتفريج ~~الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله. # PageV01P494 # قال وهب: تعبد رجل زمانا، ثم بدت له إلى الله حاجة، فصام سبعين سبتا، ~~يأكل في كل سبت إحدى عشرة تمرة، ثم سأل الله حاجته فلم يعطها، فرجع إلى ~~نفسه فقال: منك أتيت، لو كان فيك خير، أعطيت حاجتك، فنزل إليه عند ذلك ملك، ~~فقال له: يا ابن آدم ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت، وقد قضى الله ~~حاجتك. خرجه ابن أبي الدنيا. # ولبعض المتقدمين في هذا المعنى: # عسى ما ترى أن لا يدوم وإن ترى ... له فرجا مما ألح به الدهر # عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر # إذا لاح عسر فارج اليسر فإنه ... قضى الله أن العسر يتبعه اليسر # PageV01P495 ### | [الحديث العشرون إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت] # PageV01P495 # الحديث العشرون # عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي، فاصنع ما ~~شئت» رواه البخاري. #  هذا الحديث خرجه البخاري من رواية ~~منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش، عن أبي مسعود، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأظن مسلما لم يخرجه، لأنه قد رواه قوم، فقالوا: عن ربعي، عن حذيفة، ~~عن النبي صلى ms274 الله عليه وسلم فاختلف في إسناده، لكن أكثر الحفاظ حكموا بأن ~~القول قول من قال: عن أبي مسعود، منهم البخاري، وأبو زرعة الرازي، ~~والدارقطني وغيرهم، ويدل على صحة ذلك # PageV01P496 # أنه قد روي من وجه آخر عن أبي مسعود من رواية مسروق عنه. # وخرجه الطبراني من حديث أبي الطفيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا. # فقوله صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى» ~~يشير إلى أن هذا مأثور عن الأنبياء المتقدمين، وأن الناس تداولوه بينهم، ~~وتوارثوه عنهم قرنا بعد قرن، وهذا يدل على أن النبوات المتقدمة جاءت بهذا ~~الكلام، وأنه اشتهر بين الناس حتى وصل إلى أول هذه الأمة. وفي بعض الروايات ~~قال: " «لم يدرك الناس من كلام النبوة الأولى إلا هذا» ". خرجها حميد بن ~~زنجويه وغيره. # وقوله " «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» " في معناه قولان: أحدهما: أنه ليس ~~بمعنى الأمر أن يصنع ما شاء، ولكنه على معنى الذم والنهي عنه، وأهل هذه ~~المقالة لهم طريقان: # أحدهما: أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد، والمعنى: إذا لم يكن حياء، فاعمل ~~ما شئت، فالله يجازيك عليه، كقوله: {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير} ~~[فصلت: 40] [فصلت: 40] ، وقوله: {فاعبدوا ما شئتم من دونه} [الزمر: 15] ~~[الزمر: 15] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " «من باع الخمر، فليشقص ~~الخنازير» " يعني ليقطعها إما لبيعها # PageV01P497 # أو لأكلها، وأمثلته متعددة، وهذا اختيار جماعة منهم أبو العباس بن ثعلب. # والطريق الثاني: أنه أمر، ومعناه الخبر، والمعنى: أن من لم يستحي، صنع ما ~~شاء، فإن المانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياء، انهمك في ~~كل فحشاء ومنكر، وما يمتنع من مثله من له حياء على حد قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار» ، فإن لفظه لفظ الأمر، ومعناه ~~الخبر، وأن من كذب عليه تبوأ مقعده من النار، وهذا اختيار أبي عبيد القاسم ~~بن سلام رحمه الله، وابن قتيبة ومحمد بن نصر المروزي، وغيرهم، وروى أبو ~~داود عن ms275 الإمام أحمد ما يدل على مثل هذا القول. # وروى ابن أبي لهيعة عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " «إذا أبغض الله عبدا، نزع منه الحياء، فإذا نزع منه ~~الحياء، لم تلقه إلا بغيضا متبغضا، ونزع منه الأمانة، فإذا نزع منه ~~الأمانة، نزع منه الرحمة، وإذا نزع منه الرحمة، نزع منه ربقة الإسلام، فإذا ~~نزع منه ربقة الإسلام، لم تلقه إلا شيطانا مريدا» ". خرجه حميد بن زنجويه، ~~وخرجه ابن ماجه بمعناه بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعا أيضا. # وعن سلمان الفارسي قال: إن الله إذا أراد بعبد هلاكا، نزع منه الحياء، ~~فإذا # PageV01P498 # نزع منه الحياء، لم تلقه إلا مقيتا ممقتا، فإذا كان مقيتا ممقتا، نزع منه ~~الأمانة، فلم تلقه إلا خائنا مخونا، فإذا كان خائنا مخونا، نزع منه الرحمة، ~~فلم تلقه إلا فظا غليظا، فإذا كان فظا غليظا، نزع ربق الإيمان من عنقه، ~~فإذا نزع ربق الإيمان من عنقه لم تلقه إلا شيطانا لعينا ملعنا. # وعن ابن عباس قال: الحياء والإيمان في قرن، فإذا نزع الحياء، تبعه الآخر. ~~خرجه كله حميد بن زنجويه في كتاب " الأدب ". # وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحياء من الإيمان كما في " الصحيحين " ~~عن ابن عمر أن «النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل وهو يعاتب أخاه في ~~الحياء يقول: إنك لتستحيي، كأنه يقول: قد أضر بك، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: دعه فإن الحياء من الإيمان» . # PageV01P499 # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة قال: " «الحياء شعبة من الإيمان» ". # وفي " الصحيحين " عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الحياء لا يأتي إلا بخير» وفي رواية لمسلم قال: " «الحياء خير كله» "، أو ~~قال: " «الحياء كله خير» ". # وخرج الإمام أحمد والنسائي من «حديث الأشج العصري قال: قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " إن فيك لخلقين يحبهما الله "، قلت: ما هما؟ قال: " ~~الحلم والحياء " قلت: أقديما كان أو حديثا؟ قال " بل قديما ms276 " قلت: الحمد ~~لله الذي جعلني على خلقين يحبهما الله» . # وقال: إسماعيل بن أبي خالد «دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعنده رجل فاستسقى، فأتى بماء فشرب، فستره النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: ما هذا؟ قال: # PageV01P500 # " الحياء خلة أوتوها ومنعتموها» ". # واعلم أن الحياء نوعان: أحدهما: ما كان خلقا وجبلة غير مكتسب، وهو من أجل ~~الأخلاق التي يمنحها الله العبد ويجبله عليها، ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم: " «الحياء لا يأتي إلا بخير» " فإنه يكف عن ارتكاب القبائح ودناءة ~~الأخلاق، ويحث على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو من خصال الإيمان ~~بهذا الاعتبار، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من استحيا، اختفى، ~~ومن اختفى، اتقى، ومن اتقى وقي. # وقال الجراح بن عبد الله الحكمي - وكان فارس أهل الشام -: تركت الذنوب ~~حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع. وعن بعضهم قال: رأيت المعاصي نذالة، ~~فتركتها مروءة فاستحالت ديانة. # النوع الثاني: ما كان مكتسبا من معرفة الله، ومعرفة عظمته وقربه من ~~عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهذا من أعلى ~~خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان، وقد تقدم أن «النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لرجل: " استحي من الله كما تستحيي رجلا من صالح عشيرتك» ". # وفي حديث ابن مسعود: " «الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن ~~وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى؛ ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ~~ذلك، فقد استحيا من الله» " خرجه الإمام أحمد والترمذي مرفوعا. # PageV01P501 # وقد يتولد من الله الحياء من مطالعة نعمه ورؤية التقصير في شكرها، فإذا ~~سلب العبد الحياء المكتسب والغريزي، لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح، ~~والأخلاق الدنيئة، فصار كأنه لا إيمان له. وقد روي من مراسيل الحسن، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «الحياء حياءان: طرف من الإيمان، والآخر ~~عجز» " ولعله من كلام الحسن، وكذلك قال بشير بن كعب العدوي لعمران بن حصين: ~~إنا نجد في بعض الكتب أن ms277 منه سكينة ووقارا لله، ومنه ضعف، فغضب عمران وقال: ~~أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه؟ والأمر كما قاله عمران ~~رضي الله عنه، فإن الحياء الممدوح في كلام النبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~يريد به الخلق الذي يحث على فعل الجميل، وترك القبيح، فأما الضعف والعجز ~~الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده، فليس هو من الحياء، ~~إنما هو ضعف وخور، وعجز ومهانة، والله أعلم. # PageV01P502 # والقول الثاني: في معنى قوله: " «إذا لم تستحي، فاصنع ما شئت» " أنه أمر ~~بفعل ما يشاء على ظاهر لفظه، وأن المعنى: إذا كان الذي تريد فعله مما لا ~~يستحيا من فعله لا من الله ولا من الناس، لكونه من أفعال الطاعات، أو من ~~جميل الأخلاق والآداب المستحسنة، فاصنع منه حينئذ ما شئت، وهذا قول جماعة ~~من الأئمة، منهم إسحاق المروزي الشافعي، وحكي مثله عن الإمام أحمد، ووقع ~~كذلك في بعض نسخ " مسائل أبي داود " المختصرة عنه، ولكن الذي في النسخ ~~المعتمدة التامة كما حكيناه عنه من قبل، وكذلك حكاه عنه الخلال في كتاب " ~~الأدب "، ومن هذا قول بعض السلف - وقد سئل عن المروءة - فقال: أن لا تعمل ~~في السر شيئا تستحيي منه في العلانية، وسيأتي قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس» في موضعه من هذا ~~الكتاب إن شاء الله تعالى. # وروى عبد الرازق في كتابه عن معمر عن أبي إسحاق عن رجل من مزينة قال: ~~«قيل: يا رسول الله، ما أفضل ما أوتي الرجل المسلم؟ قال: " الخلق الحسن " ~~قال: فما شر ما أوتي المسلم؟ قال: " إذا كرهت أن يرى عليك شيء في نادي ~~القوم، فلا تفعله إذا خلوت» ". # وفي " صحيح ابن حبان " عن أسامة بن شريك قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " «ما كره منك شيئا، فلا تفعله إذا خلوت» ". # وخرج الطبراني من «حديث أبي مالك الأشعري قال: قلت: يا رسول الله # PageV01P503 # ما تمام البر؟ ms278 قال: " أن تعمل في السر عمل العلانية ". وخرجه أيضا من ~~حديث أبي عامر السكوني، قال: قلت: يا رسول الله، فذكره» . # وروى عبد الغني بن سعيد الحافظ في كتاب " أدب المحدث " بإسناده «عن حرملة ~~بن عبد الله، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأزداد من العلم، فقمت ~~بين يديه، فقلت: يا رسول الله، ما تأمرني أن أعمل به؟ قال: " ائت المعروف، ~~واجتنب المنكر، وانظر الذي سمعته أذنك من الخير يقوله القوم لك إذا قمت من ~~عندهم فأته، وانظر الذي تكره أن يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم، فاجتنبه ~~" قال: فنظرت فإذا هما أمران لم يتركا شيئا: إتيان المعروف، واجتناب ~~المنكر» . # وخرج ابن سعد في " طبقاته " بمعناه. # وحكى أبو عبيد في معنى الحديث قولا آخر حكاه عن جرير: قال معناه أن يريد ~~الرجل أن يعمل الخير، فيدعه حياء من الناس كأنه يخاف الرياء، يقول: فلا ~~يمنعنك الحياء من المضي لما أردت، كما جاء في الحديث: " «إذا جاءك الشيطان ~~وأنت تصلي، فقال: إنك ترائي، فزدها طولا» " ثم قال أبو عبيد: وهذا # PageV01P504 # الحديث ليس يجيء سياقه ولا لفظه على هذا التفسير، ولا على هذا يحمله ~~الناس. # قلت: لو كان على ما قاله جرير، لكان لفظ الحديث: إذا استحييت مما لا ~~يستحيا منه، فافعل ما شئت، ولا يخفى بعد هذا من لفظ الحديث ومعناه، والله ~~أعلم. # PageV01P505 ### | [الحديث الحادي والعشرون قل آمنت بالله ثم استقم] # PageV01P505 # الحديث الحادي والعشرون. # «عن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في ~~الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال: قل آمنت بالله، ثم استقم» رواه ~~مسلم. #  هذا الحديث خرجه مسلم من رواية ~~هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان وسفيان: هو ابن عبد الله الثقفي الطائفي ~~له صحبة، وكان عاملا لعمر بن الخطاب على الطائف. # وقد روي عن سفيان بن عبد الله من وجوه أخر بزيادات، فخرجه الإمام أحمد، ~~والترمذي وابن ماجه من رواية الزهري عن محمد بن ms279 عبد الرحمن بن ماعز، وعند ~~الترمذي: من رواية عبد الرحمن بن ماعز عن سفيان بن عبد الله قال: «قلت: يا ~~رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به، قال: قل: ربي الله، ثم استقم قلت: يا رسول ~~الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه، قال هذا» ، وقال الترمذي: حسن ~~صحيح. # وخرجه الإمام أحمد، والنسائي من رواية عبد الله بن سفيان الثقفي، عن أبيه ~~«أن رجلا قال: يا رسول الله، مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك # PageV01P506 # قال: قل: آمنت بالله، ثم استقم قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه» . # «قول سفيان بن عبد الله للنبي صلى الله عليه وسلم: " قل لي في الإسلام ~~قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك " طلب منه أن يعلمه كلاما جامعا لأمر الإسلام ~~كافيا حتى لا يحتاج بعده إلى غيره، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل ~~آمنت بالله، ثم استقم» وفي الرواية الأخرى: " قل: ربي الله، ثم استقم " هذا ~~منتزع من قوله عز وجل: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم ~~الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} [فصلت: ~~30] [فصلت: 30] ، وقوله عز وجل: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون - أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا ~~يعملون} [الأحقاف: 13 - 14] [الأحقاف: 13 - 14] . # وخرج النسائي في " تفسيره " من رواية سهيل بن أبي حزم: حدثنا ثابت، عن ~~أنس أن «النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا} [الأحقاف: 13] فقال: " قد قالها الناس، ثم كفروا، فمن مات عليها ~~فهو من أهل الاستقامة» ". وخرجه الترمذي، ولفظه: فقال: " «قد قالها الناس، ~~ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها، فهو ممن استقام» "، وقال: حسن غريب، وسهيل ~~تكلم فيه من قبل حفظه. # PageV01P507 # وقال أبو بكر الصديق في تفسير ثم استقاموا قال: لم يشركوا بالله شيئا. ~~وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيره. وعنه قال: ثم استقاموا على أن الله ~~ربهم. # وعن ابن عباس ms280 بإسناد ضعيف قال: هذه أرخص آية في كتاب الله {قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا} [فصلت: 30] على شهادة أن لا إله إلا الله. وروي نحوه عن ~~أنس ومجاهد والأسود بن هلال، وزيد بن أسلم، والسدي وعكرمة وغيرهم. وروي عن ~~عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر {إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا} [فصلت: 30] ، فقال: لم يروغوا روغان الثعلب. # وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {ثم استقاموا} [فصلت: ~~30] قال: استقاموا على أداء فرائضه. # وعن أبي العالية، قال: ثم أخلصوا له الدين والعمل. # وعن قتادة قال: استقاموا على طاعة الله، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية # PageV01P508 # قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة. # ولعل من قال: إن المراد الاستقامة على التوحيد إنما أراد التوحيد الكامل ~~الذي يحرم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله، فإن الإله هو ~~المعبود الذي يطاع، فلا يعصى خشية وإجلالا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلا ~~ودعاء، والمعاصي كلها قادحة في هذا التوحيد، لأنها إجابة لداعي الهوى وهو ~~الشيطان، قال الله عز وجل: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23] ~~[الجاثية: 23] قال الحسن وغيره: هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه، فهذا ينافي ~~الاستقامة على التوحيد. # وأما على رواية من روى: " قل: آمنت بالله " فالمعنى أظهر، لأن الإيمان ~~يدخل فيه الأعمال الصالحة عند السلف ومن تابعهم من أهل الحديث، وقال الله ~~عز وجل: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير} ~~[هود: 112] [هود: 112] ، فأمره أن يستقيم هو ومن تاب معه، وأن لا يجاوزوا ~~ما أمروا به، وهو الطغيان، وأخبر أنه بصير بأعمالكم، مطلع عليها، قال ~~تعالى: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم} [الشورى: 15] ~~[الشورى: 15] قال قتادة: أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يستقيم على أمر ~~الله وقال الثوري على القرآن، وعن الحسن، قال: لما نزلت هذه الآية شمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فما رئي ضاحكا خرجه ابن أبي حاتم وذكر القشيري ~~وغيره عن ms281 بعضهم: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال له: يا ~~رسول الله، قلت: " شيبتني هود وأخواتها " فما شيبك # PageV01P509 # منها؟ قال: " قوله: {فاستقم كما أمرت} [هود: 112] . # وقال عز وجل: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ~~فاستقيموا إليه واستغفروه} [فصلت: 6] [فصلت: 6] . # وقد أمر الله تعالى بإقامة الدين عموما كما قال: {شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا ~~الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 13] [الشورى: 13] ، وأمر بإقام الصلاة في ~~غير موضع من كتابه، كما أمر بالاستقامة على التوحيد في تلك الآيتين. # والاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريج عنه ~~يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك ~~المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها. # وفي قوله عز وجل: {فاستقيموا إليه واستغفروه} [فصلت: 6] إشارة إلى أنه ~~لابد من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيجبر ذلك بالاستغفار المقتضي ~~للتوبة والرجوع إلى الاستقامة، فهو كقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ " ~~«اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها» ". وقد أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن الناس لن يطيقوا # PageV01P510 # الاستقامة حق الاستقامة، كما خرجه الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث ثوبان، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير ~~أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» ، وفي رواية للإمام أحمد: ~~«سددوا وقاربوا، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» . # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «سددوا وقاربوا» . # فالسداد: هو حقيقة الاستقامة، وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال ~~والمقاصد، كالذي يرمي إلى غرض، فيصيبه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~عليا أن يسأل الله عز وجل السداد والهدى، وقال له: «اذكر بالسداد تسديدك ~~السهم، وبالهدى هدايتك الطريق» . # والمقاربة: أن يصيب ما قرب من الغرض إذا لم يصب الغرض نفسه، ولكن بشرط أن ms282 ~~يكون مصمما على قصد السداد وإصابة الغرض، فتكون مقاربته عن غير عمد ويدل ~~عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الحكم بن حزن الكلفي: «أيها ~~الناس، إنكم لن تعملوا - أو لن تطيقوا - كل ما أمرتكم، ولكن سددوا وأبشروا» ~~والمعنى: اقصدوا التسديد والإصابة والاستقامة، فإنهم لو سددوا في العمل ~~كله، لكانوا قد فعلوا ما أمروا به كله. # فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد، كما فسر أبو بكر الصديق وغيره ~~قوله: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} [الأحقاف: 13] [الأحقاف: 13] ~~بأنهم لم # PageV01P511 # يلتفتوا إلى غيره، فمتى استقام القلب على معرفة الله، وعلى خشيته، ~~وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، ~~والإعراض عما سواه، استقامت الجوارح كلها على طاعته، فإن القلب هو ملك ~~الأعضاء، وهي جنوده، فإذا استقام الملك، استقامت جنوده ورعاياه، وكذلك فسر ~~قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا} [الروم: 30] [الروم: 30] بإخلاص القصد ~~لله وإرادته وحده لا شريك له. # وأعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان، فإنه ترجمان القلب ~~والمعبر عنه، ولهذا لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة، وصاه بعد ~~ذلك بحفظ لسانه، وفي " مسند الإمام أحمد " عن أنس، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى ~~يستقيم لسانه» وفي " الترمذي " عن أبي سعيد مرفوعا وموقوفا: " «إذا أصبح ~~ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن ~~بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» ". # PageV01P512 ### | [الحديث الثاني والعشرون أرأيت إذا صليت المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام] # PageV01P512 # الحديث الثاني والعشرون. # عن جابر بن عبد الله رضي الله «عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، ~~وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا، أأدخل الجنة؟ قال: نعم» رواه مسلم. #  هذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي ~~الزبير عن جابر، وزاد في آخره قال: والله لا أزيد على ذلك ms283 شيئا. وخرجه أيضا ~~من رواية الأعمش عن أبي صالح وأبي سفيان عن جابر قال: «قال النعمان بن ~~قوقل: يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحرمت الحرام، وأحللت ~~الحلال، ولم أزد على ذلك شيئا أأدخل الجنة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" نعم» . # وقد فسر بعضهم تحليل الحلال باعتقاد حله، وتحريم الحرام باعتقاد حرمته مع ~~اجتنابه، ويحتمل أن يراد بتحليل الحلال إتيانه، ويكون الحلال هاهنا عبارة ~~عما ليس بحرام فيدخل فيه الواجب والمستحب والمباح، ويكون المعنى أنه يفعل ~~ما ليس بمحرم عليه، ولا يتعدى ما أبيح له إلى غيره، ويجتنب المحرمات. وقد ~~روي عن طائفة من السلف، منهم ابن مسعود وابن عباس في قوله عز وجل: {الذين ~~آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} [البقرة: 121] [البقرة: ~~121] ، قالوا: يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه. # PageV01P513 # والمراد بالتحليل والتحريم: فعل الحلال واجتناب الحرام كما ذكر في هذا ~~الحديث. وقد قال الله في حق الكفار الذين كانوا يغيرون تحريم الشهور الحرم: ~~{إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ~~ليواطئوا عدة ما حرم الله} [التوبة: 37] [التوبة: 37] والمراد: أنهم كانوا ~~يقاتلون في الشهر الحرام عاما، فيحلونه بذلك، ويمتنعون من القتال فيه عاما، ~~فيحرمونه بذلك. # وقال الله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين - وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} ~~[المائدة: 87 - 88] [المائدة: 87 - 88] وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا ~~من تناول بعض الطيبات زهدا في الدنيا وتقشفا، وبعضهم حرم ذلك على نفسه، إما ~~بيمين حلف بها، أو بتحريمه على نفسه، وذلك كله لا يوجب تحريمه في نفس ~~الأمر، وبعضهم امتنع منه من غير يمين ولا تحريم، فسمى الجميع تحريما، حيث ~~قصد الامتناع منه إضرارا بالنفس، وكفا لها عن شهواتها. ويقال في الأمثال: ~~فلان لا يحلل ولا يحرم، إذا كان لا يمتنع من فعل حرام، ولا يقف عند ما أبيح ~~له، وإن كان يعتقد تحريم الحرام، ms284 فيجعلون من فعل الحرام ولا يتحاشى منه ~~محللا له وإن كان لا يعتقد حله. # وبكل حال، فهذا الحديث يدل على أن من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرمات ~~دخل الجنة وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى، ~~أو ما هو قريب منه، كما خرجه النسائي، وابن حبان، والحاكم من حديث أبي ~~هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد يصلي الصلوات ~~الخمس، # PageV01P514 # ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب ~~الجنة، يدخل من أيها شاء ثم تلا: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] [النساء: 31] » . # وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب الأنصاري، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من عبد الله، لا يشرك به، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام ~~رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة - أو دخل الجنة» -. # وفي " المسند " عن ابن عباس «أن ضمام بن ثعلبة وفد على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فذكر له الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وشرائع ~~الإسلام كلها، فلما فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، لا أزيد ولا أنقص، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صدق دخل الجنة وخرجه الطبراني من وجه ~~آخر، وفي حديثه قال: والخامسة لا أرب لي فيها يعني الفواحش ثم قال: لأعملن ~~بها، ومن أطاعني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لئن صدق ليدخلن ~~الجنة» ". # PageV01P515 # وفي " صحيح البخاري " عن أبي أيوب أن «رجلا قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم ~~الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» وخرجه مسلم إلا أن عنده أنه قال: ~~«أخبرني بعمل يدنيني من الجنة ويباعدني من النار. وعنده في رواية: فلما ~~أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن تمسك بما أمر به، دخل الجنة» ~~". # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة ms285 «أن أعرابيا قال: يا رسول الله، دلني على ~~عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة ~~المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: والذي بعثك بالحق، لا ~~أزيد على هذا شيئا أبدا ولا أنقص منه، فلما ولى، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» . # وفي " الصحيحين " عن طلحة بن عبيد الله «أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله ~~علي من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس، إلا أن تطوع شيئا فقال: أخبرني بما ~~فرض الله علي من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا فقال: أخبرني ~~بما فرض الله علي من الزكاة؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع ~~الإسلام، فقال: والذي أكرمك بالحق، لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله ~~علي شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق - أو دخل الجنة ~~إن صدق» - ولفظه للبخاري. # PageV01P516 # وفي " صحيح مسلم " عن أنس «أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكره بمعناه، وزاد فيه " حج البيت من استطاع إليه سبيلا " فقال: والذي ~~بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~لئن صدق ليدخلن الجنة» ". # ومراد الأعرابي أنه لا يزيد على الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، ~~وصيام رمضان، وحج البيت شيئا من التطوع، ليس مراده أنه لا يعمل بشيء من ~~شرائع الإسلام وواجباته غير ذلك، وهذه الأحاديث لم يذكر فيها اجتناب ~~المحرمات، لأن السائل إنما سأله عن الأعمال التي يدخل بها عاملها الجنة. # وخرج الترمذي من حديث أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخطب في حجة الوداع يقول: «أيها الناس، اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا ~~شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم» وقال: حسن ~~صحيح، وخرجه الإمام أحمد، وعنده " اعبدوا ربكم " بدل قوله " اتقوا الله ms286 ". ~~وخرجه بقي بن مخلد في " مسنده " من وجه آخر، ولفظ حديثه: " «صلوا خمسكم، ~~وصوموا شهركم، وحجوا بيتكم، وأدوا زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم، تدخلوا ~~جنة ربكم» ". # وخرج الإمام أحمد بإسناده «عن ابن المنتفق، قال: أتيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو بعرفات، فقلت: ثنتان أسألك عنهما: ما ينجيني من النار، وما ~~يدخلني الجنة؟ فقال: لئن كنت أوجزت في المسألة، لقد أعظمت وأطولت، فاعقل ~~عني إذن: اعبد الله لا تشرك به شيئا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأد الزكاة ~~المفروضة، وصم # PageV01P517 # رمضان، وما تحب أن يفعله بك الناس، فافعله بهم، وما تكره أن يأتي إليك ~~الناس، فذر الناس منه» . # وفي رواية له أيضا قال: " «اتق الله، ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، ~~وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، ولم تزد على ذلك» " وقيل: إن هذا ~~الصحابي هو وافد بن المنتفق، واسمه لقيط. # فهذه الأعمال أسباب مقتضية لدخول الجنة، وقد يكون ارتكاب المحرمات موانع، ~~ويدل على هذا ما خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن مرة الجهني، قال: «جاء ~~رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا ~~الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين ~~والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه» ". # PageV01P518 # وقد ورد ترتب دخول الجنة على فعل بعض هذه الأعمال كالصلاة، ففي الحديث ~~المشهور: «من صلى الصلوات لوقتها، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة» وفي ~~الحديث الصحيح: «من صلى البردين دخل الجنة» ، وهذا كله من ذكر السبب ~~المقتضي الذي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه؛ ويدل هذا ~~على ما خرجه الإمام أحمد عن بشير بن الخصاصية، قال: «أتيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأبايعه، فشرط علي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ~~ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أوتي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم ms287 ~~رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، فأما اثنتان فوالله ما ~~أطيقهما: الجهاد والصدقة، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم ~~حركها، وقال: " فلا جهاد ولا صدقة؟ فبم تدخل الجنة إذا؟ " قلت: يا رسول ~~الله أبايعك، فبايعته عليهن كلهن» ففي هذا الحديث أنه لا يكفي في دخول ~~الجنة هذه # PageV01P519 # الخصال بدون الزكاة والجهاد. # وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ارتكاب بعض الكبائر يمنع دخول الجنة، ~~كقوله: «لا يدخل الجنة قاطع» ، وقوله: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة ~~من كبر» ، وقوله: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا» ~~والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنة بالدين حتى يقضى، وفي الصحيح: «أن ~~المؤمنين إذا جازوا الصراط، حبسوا على قنطرة يقتص منهم مظالم كانت بينهم في ~~الدنيا» . # PageV01P520 # وقال بعض السلف: إن الرجل ليحبس على باب الجنة مائة عام بالذنب كان يعمله ~~في الدنيا. فهذه كلها موانع. # ومن هنا يظهر معنى الأحاديث التي جاءت في ترتب دخول الجنة على مجرد ~~التوحيد، ففي " الصحيحين " عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ~~من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى ~~وإن سرق؟ ! قال: وإن زنى وإن سرق، قالها ثلاثا، ثم قال في الرابعة: على رغم ~~أنف أبي ذر فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر» . # وفيهما عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد ~~الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، ~~أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» . # وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة أو أبي سعيد - بالشك - عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله ~~بهما عبد غير شاك، فيحجب ms288 عن الجنة» . # وفيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يوما: «من لقيت ~~يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه، فبشره بالجنة» وفي المعنى ~~أحاديث كثيرة جدا. # PageV01P521 # وفي " الصحيحين " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما لمعاذ: «ما من ~~عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، إلا حرمه الله على ~~النار» . # وفيهما عن عتبان بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله قد ~~حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله:» . # وقال طائفة من العلماء: إن كلمة التوحيد سبب مقتض لدخول الجنة وللنجاة من ~~النار، لكن له شروط، وهي الإتيان بالفرائض، وموانع وهي إتيان الكبائر. قال ~~الحسن للفرزدق: إن للا إله إلا الله شروطا، فإياك وقذف المحصنة. وروي عنه ~~أنه قال: هذا العمود، فأين الطنب، يعني أن كلمة التوحيد عمود الفسطاط، ولكن ~~لا يثبت الفسطاط بدون أطنابه، وهي فعل الواجبات، وترك المحرمات. # وقيل للحسن: إن ناسا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: ~~من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها، دخل الجنة. # وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى ولكن ما ~~من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان، فتح لك، وإلا لم يفتح ~~لك. # ويشبه هذا ما روي عن ابن عمر أنه سئل عن لا إله إلا الله: هل يضر معها # PageV01P522 # عمل، كما لا ينفع مع تركها عمل؟ فقال ابن عمر: عش ولا تغتر. # وقالت طائفة - منهم الضحاك والزهري -: كان هذا قبل الفرائض والحدود، فمن ~~هؤلاء من أشار إلى أنها نسخت، ومنهم من قال: بل ضم إليها شروط زيدت عليها، ~~وزيادة الشروط هل هي نسخ أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين، وفي هذا كله ~~نظر، فإن كثيرا من هذه الأحاديث متأخر بعد الفرائض والحدود. # وقال الثوري: نسختها الفرائض والحدود، فيحتمل أن يكون مراده ما أراده ~~هؤلاء، ms289 ويحتمل أن يكون مراده أن وجوب الفرائض والحدود تبين بها أن عقوبات ~~الدنيا لا تسقط بمجرد الشهادتين، فكذلك عقوبات الآخرة، ومثل هذا البيان ~~وإزالة الإيهام كان السلف يسمونه نسخا، وليس هو بنسخ في الاصطلاح المشهور. # وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص، ~~وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار على معصية. # وجاء من مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «من قال: لا إله ~~إلا الله مخلصا دخل الجنة " قيل: وما إخلاصها؟ قال: " أن تحجزك عما حرم ~~الله» ". وروي ذلك مسندا من وجوه أخر ضعيفة. # PageV01P523 # ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبل إلى هذا فإن تحقق القلب ~~بمعنى " لا إله إلا الله " وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تأله ~~الله وحده، إجلالا، وهيبة، ومخافة، ومحبة، ورجاء، وتعظيما، وتوكلا، ويمتلئ ~~بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبق فيه ~~محبة، ولا إرادة، ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من ~~القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحب شيئا وأطاعه، ~~وأحب عليه وأبغض عليه، فهو إلهه، فمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله، ولا ~~يوالي ولا يعادي إلا له، فالله إلهه حقا، ومن أحب لهواه، وأبغض له، ووالى ~~عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه، كما قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} ~~[الجاثية: 23] [الجاثية: 23] قال الحسن: هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه، ~~وقال قتادة: هو الذي كلما هوى شيئا ركبه، وكلما اشتهى شيئا، أتاه لا يحجزه ~~عن ذلك ورع ولا تقوى. ويروى من حديث أبي أمامة مرفوعا " «ما تحت ظل السماء ~~إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع» ". # وكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله، فقد عبده، كما قال عز وجل: {ألم ~~أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} [يس: 60] ~~[يس: 60] . # فتبين بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول: لا إله إلا الله إلا لمن لم يكن ~~في ms290 قلبه إصرار على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يريده الله، ~~ومتى # PageV01P524 # كان في القلب شيء من ذلك، كان ذلك نقصا في التوحيد، وهو نوع من الشرك ~~الخفي. ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: {ألا تشركوا به شيئا} [الأنعام: ~~151] [الأنعام: 151] قال: لا تحبوا غيري. # وفي " صحيح الحاكم " عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~«الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على ~~شيء من الجور، وتبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال ~~الله عز وجل: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] ~~» [آل عمران: 31] وهذا نص في أن محبة ما يكرهه الله، وبغض ما يحبه متابعة ~~للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي. # وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أنس مرفوعا: " «لا تزال لا إله إلا الله ~~تمنع العباد من سخط الله، ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم، فإذا آثروا ~~صفقة دنياهم على دينهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله ردت عليهم، وقال الله: ~~كذبتم» ". # PageV01P525 # فتبين بهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " «من شهد أن لا إله إلا الله ~~صادقا من قلبه حرمه الله على النار» "، وأن من دخل النار من أهل هذه ~~الكلمة، فلقلة صدقه في قولها، فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت من القلب كل ما ~~سوى الله، فمن صدق في قوله: لا إله إلا الله لم يحب سواه، ولم يرج إلا ~~إياه، ولم يخش أحدا إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم تبق له بقية من ~~إيثار نفسه وهواه، ومتى بقي في القلب أثر لسوى الله، فمن قلة الصدق في ~~قولها. # نار جهنم تنطفئ بنور إيمان الموحدين، كما في الحديث المشهور " «تقول ~~النار للمؤمن: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي» ". # وفي " مسند الإمام أحمد " عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين ms291 بردا وسلاما كما كانت على ~~إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجا من بردهم» . # PageV01P526 # فهذا ميراث ورثه المؤمنون من حال إبراهيم عليه السلام، فنار المحبة في ~~قلوب المؤمنين تخاف منها نار جهنم. قال الجنيد: قالت النار: يا رب، لو لم ~~أطعك، هل كنت تعذبني بشيء هو أشد مني؟ قال: نعم كنت أسلط عليك ناري الكبرى، ~~قالت: وهل نار أعظم مني وأشد؟ قال: نعم نار محبتي أسكنتها قلوب أوليائي ~~المؤمنين وفي هذا يقول بعضهم: # ففي فؤاد المحب نار هوى ... أحر نار الجحيم أبردها # ويشهد لهذا المعنى حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان ~~آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» ، فإن المحتضر لا يكاد يقولها إلا ~~بإخلاص، وتوبة، وندم على ما مضى، وعزم على أن لا يعود إلى مثله، ورجح هذا ~~القول الخطابي في مصنف له مفرد في التوحيد، وهو حسن. # PageV01P527 ### | [الحديث الثالث والعشرون الطهور شطر الإيمان] # PageV01P527 # الحديث الثالث والعشرون عن أبي مالك الأشعري رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد ~~لله تملأ الميزان، وسبحان الله، والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات ~~والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، ~~كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها» رواه مسلم. #  هذا الحديث أخرجه مسلم من رواية ~~يحيى بن أبي كثير أن زيد بن سلام حدثه أن سلاما حدثه عن أبي مالك الأشعري، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله ~~تملأ الميزان» ، فذكر الحديث. وفي أكثر نسخ صحيح مسلم " «والصبر ضياء» " ~~وفي بعضها: " «والصيام ضياء» ". وقد اختلف في سماع يحيى بن أبي كثير من زيد ~~بن سلام، فأنكره يحيى بن معين، وأثبته الإمام أحمد، وفي هذه الرواية ~~التصريح بسماعه منه. وخرج هذا الحديث النسائي، وابن ماجه من رواية معاوية ~~بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غنم، عن ms292 ~~أبي # PageV02P005 # مالك، فزاد في إسناده عبد الرحمن بن غنم، ورجح هذه الرواية بعض الحفاظ، ~~وقال: معاوية بن سلام أعلم بحديث أخيه زيد من يحيى بن أبي كثير، ويقوي ذلك ~~أنه قد روي عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك من وجه آخر، وحينئذ فتكون ~~رواية مسلم منقطعة. وفي حديث معاوية بعض المخالفة لحديث يحيى بن أبي كثير، ~~فإن لفظ حديثه عند ابن ماجه: «إسباغ الوضوء شطر الإيمان، والحمد لله ملء ~~الميزان، والتسبيح والتكبير ملء السماء والأرض، والصلاة نور، والزكاة ~~برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه ~~فمعتقها، أو موبقها» ". وخرج الترمذي حديث يحيى بن أبي كثير الذي خرجه ~~مسلم، ولفظ حديثه: " «الوضوء شطر الإيمان» " وباقي حديثه مثل سياق مسلم. ~~وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث «رجل من بني سليم، قال: عدهن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في يدي أو في يده: " التسبيح نصف الميزان، والحمد لله ~~تملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف ~~الإيمان» ". # PageV02P006 # فقوله صلى الله عليه وسلم: " «الطهور شطر الإيمان» " فسر بعضهم الطهور ~~هاهنا بترك الذنوب، كما في قوله تعالى: {إنهم أناس يتطهرون} [الأعراف: 82] ~~[الأعراف: 82] ، وقوله: {وثيابك فطهر} [المدثر: 4] [المدثر: 4] ، وقوله: ~~{إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة: 222] [البقرة: 222] . وقال ~~الإيمان نوعان: فعل وترك، فنصفه فعل المأمورات، ونصفه ترك المحظورات، وهو ~~تطهير النفس بترك المعاصي، وهذا القول محتمل لولا أن رواية " «الوضوء شطر ~~الإيمان» " ترده، وكذلك رواية إسباغ الوضوء. وأيضا ففيه نظر من جهة المعنى، ~~فإن كثيرا من الأعمال تطهر النفس من الذنوب السابقة، كالصلاة، فكيف لا تدخل ~~في اسم الطهور، ومتى دخلت الأعمال، أو بعضها، في اسم الطهور، لم يتحقق كون ~~ترك الذنوب شطر الإيمان. والصحيح الذي عليه الأكثرون: أن المراد بالطهور ~~هاهنا: التطهير بالماء من الإحداث، وكذلك بدأ مسلم بتخريجه في أبواب ~~الوضوء، وكذلك خرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما، وعلى هذا فاختلف الناس في ~~معنى كون الطهور بالماء شطر الإيمان. فمنهم من قال: ms293 المراد بالشطر الجزء، ~~لا أنه النصف بعينه، فيكون الطهور جزءا من الإيمان، وهذا فيه ضعف، لأن ~~الشطر إنما يعرف استعماله لغة في النصف، ولأن في حديث الرجل من سليم: " ~~«الطهور نصف الإيمان» " كما سبق. ومنهم من قال: المعنى أنه يضاعف ثواب ~~الوضوء إلى نصف ثواب الإيمان، لكن من غير تضعيف، وفي هذا نظر وبعد. # PageV02P007 # ومنهم من قال: الإيمان يكفر الكبائر كلها، والوضوء يكفر الصغائر، فهو شطر ~~الإيمان بهذا الاعتبار، وهذا يرده حديث: " «من أساء في الإسلام أخذ بما عمل ~~في الجاهلية» " وقد سبق ذكره. منهم من قال: الوضوء يكفر الذنوب مع الإيمان، ~~فصار نصف الإيمان، وهذا ضعيف. ومنهم من قال: المراد بالإيمان هاهنا: ~~الصلاة، كما في قوله عز وجل: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] ~~[البقرة: 143] ، والمراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فإذا كان المراد بالإيمان ~~الصلاة، فالصلاة لا تقبل إلا بطهور، فصار الطهور شطر الصلاة بهذا الاعتبار، ~~حكى هذا التفسير محمد بن نصر # PageV02P008 # المروزي في " كتاب الصلاة " عن إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم، وأنه قال ~~في معنى قولهم " لا أدري " نصف العلم: إن العلم إنما هو " أدري ولا أدري "، ~~فأحدهما نصف الآخر. قلت: كل شيء كان تحته نوعان: فأحدهما نصف له، وسواء كان ~~عدد النوعين على السواء، أو أحدهما أزيد من الآخر، ويدل على هذا حديث " ~~«قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» " والمراد: قراءة الصلاة، ولهذا فسرها ~~بالفاتحة، والمراد أنها مقسومة للعبادة والمسألة، فالعبادة حق الرب ~~والمسألة حق العبد، وليس المراد قسمة كلماتها على السواء. وقد ذكر هذا ~~الخطابي، واستشهد بقول العرب: نصف السنة سفر، ونصفها حضر، قال: وليس على ~~تساوي الزمانين فيهما، لكن على انقسام الزمانين لهما، وإن تفاوتت مدتاهما، ~~وبقول شريح - وقد قيل له: كيف أصبحت؟ - قال: أصبحت ونصف الناس علي غضبان، ~~يريد أن الناس بين محكوم له ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان، والمحكوم له ~~راض عنه، فهما حزبان مختلفان. ويقول الشاعر: # إذا مت كان الناس نصفين شامت ... بموتي ومثن بالذي كنت أفعل # ومراده أنهم ينقسمون ms294 قسمين. # PageV02P009 # قلت: ومن هذا المعنى حديث أبي هريرة المرفوع في الفرائض " أنها نصف العلم ~~" خرجه ابن ماجه، فإن أحكام المكلفين نوعان: نوع يتعلق بالحياة، ونوع يتعلق ~~بما بعد الموت، وهذا هو الفرائض. وقال ابن مسعود: الفرائض ثلث العلم. ووجه ~~ذلك الحديث الذي خرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: ~~" «العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة ~~عادلة» . وروي عن مجاهد أنه قال: المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء، ولعله ~~أراد أن الوضوء قسمان: أحدهما مذكور في القرآن، والثاني مأخوذ من السنة، ~~وهو المضمضة والاستنشاق، أو أراد أن المضمضة والاستنشاق يطهران باطن الجسد، ~~وغسل سائر الأعضاء يطهر ظاهره، فهما نصفان بهذا الاعتبار، ومنه قول ابن ~~مسعود: الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله. وجاء من رواية يزيد # PageV02P010 # الرقاشي عن أنس مرفوعا: " «الإيمان نصفان: نصف في الصبر، ونصف في الشكر» ~~" فلما كان الإيمان يشمل فعل الواجبات، وترك المحرمات، ولا ينال ذلك كله ~~إلا بالصبر، كان الصبر نصف الإيمان، فهكذا يقال في الوضوء: إنه نصف الصلاة. ~~وأيضا فالصلاة تكفر الذنوب والخطايا بشرط إسباغ الوضوء وإحسانه، فصار شطر ~~الصلاة بهذا الاعتبار أيضا، كما في " صحيح مسلم " عن عثمان عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «ما من مؤمن مسلم يتطهر فيتم الطهور الذي كتب عليه، ~~فيصلي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارة لما بينهن» . وفي رواية له: «من ~~أتم الوضوء كما أمره الله، فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن» # PageV02P011 # وأيضا، فالصلاة مفتاح الجنة، والوضوء مفتاح الصلاة، كما خرجه الإمام أحمد ~~والترمذي من حديث جابر مرفوعا، وكل من الصلاة والوضوء موجب لفتح أبواب ~~الجنة كما في " صحيح مسلم " عن عقبة بن عامر سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، يقبل عليهما ~~بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة» وعن عقبة، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو يسبغ الوضوء، ms295 ثم يقول: أشهد أن ~~لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة ~~الثمانية يدخل من أيها شاء» . وفي " الصحيحين " عن عبادة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن ~~محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية ~~شاء» . فإذا كان الوضوء مع الشهادتين موجبا لفتح أبواب الجنة، صار الوضوء ~~نصف الإيمان بالله ورسوله بهذا الاعتبار. # PageV02P012 # وأيضا، فالوضوء من خصال الإيمان الخفية التي لا يحافظ عليها إلا مؤمن، ~~كما في حديث ثوبان وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحافظ على ~~الوضوء إلا مؤمن» . والغسل من الجنابة قد ورد أنه أداء الأمانة، كما خرجه ~~العقيلي من حديث أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خمس من ~~جاء بهن مع إيمان، دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن ~~وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها - قال: ~~وكان يقول: - وايم الله، لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وصام رمضان، وحج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا، وأدى الأمانة قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟ ~~قال: الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها» ~~. وخرج ابن ماجه من حديث أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الصلوات # PageV02P013 # الخمس، والجمعة إلى الجمعة، وأداء الأمانة كفارة لما بينهن. قيل: وما ~~أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن تحت كل شعرة جنابة» وحديث أبي ~~الدرداء الذي قبله جعل فيه الوضوء من أجزاء الصلاة. وجاء في حديث خرجه ~~البزار من رواية شبابة بن سوار: حدثنا مغيرة بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي ~~صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: " «الصلاة ثلاثة أثلاث: الطهور ثلث: والركوع ~~ثلث، والسجود ثلث، فمن أداها بحقها، قبلت منه، وقبل منه سائر عمله، ومن ms296 ردت ~~عليه صلاته، رد عليه سائر عمله» " وقال: تفرد به المغيرة، والمحفوظ عن أبي ~~صالح، عن كعب من قوله. فعلى هذا التقسيم الوضوء ثلث الصلاة، إلا أن يجعل ~~الركوع والسجود كالشيء الواحد، لتقاربهما في الصورة، فيكون الوضوء نصف ~~الصلاة أيضا. ويحتمل أن يقال: خصال الإيمان من الأعمال والأقوال كلها تطهر ~~القلب وتزكيه، وأما الطهارة بالماء، فهي تختص بتطهير الجسد وتنظيفه، فصارت ~~خصال الإيمان قسمين: أحدهما يطهر الظاهر، والآخر يطهر الباطن، فهما نصفان ~~بهذا الاعتبار، والله أعلم بمراده ومراد رسوله في ذلك كله. # PageV02P014 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد ~~لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض» فهذا شك من الراوي في لفظه، وفي ~~رواية النسائي وابن ماجه: " «والتسبيح والتكبير ملء السماء والأرض» ". وفي ~~حديث الرجل من بني سليم: " «التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ~~والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض» ". وخرج الترمذي من حديث الإفريقي عن ~~عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إله إلا الله ليس لها دون ~~الله حجاب حتى تصل إليه،» وقال: ليس إسناده بالقوي. قلت: اختلف في إسناده ~~على الإفريقي، فروي عنه عن أبي علقمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وفيه زيادة " «والله أكبر ملء السماوات والأرض» ". روى جعفر الفريابي ~~في كتاب " الذكر " وغيره من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الحمد لله ملء الميزان، وسبحان الله نصف الميزان، ولا إله إلا الله والله ~~أكبر ملء السماوات والأرض وما بينهن» . وخرج الفريابي أيضا من حديث معاذ بن ~~جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلمتان إحداهما من قالها لم يكن له ~~ناهية دون العرش والأخرى تملأ ما بين السماء والأرض: لا إله إلا الله والله ~~أكبر» . # PageV02P015 # فقد تضمنت هذه الأحاديث فضل هذه الكلمات الأربع التي هي أفضل الكلام، وهي ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ms297 الله، والله أكبر. فأما الحمد لله، ~~فاتفقت الأحاديث كلها على أنه يملأ الميزان، وقد قيل: إنه ضرب مثل، وإن ~~المعنى: لو كان الحمد جسما لملأ الميزان، وقيل: بل الله عز وجل يمثل أعمال ~~بني آدم وأقوالهم صورا ترى يوم القيامة وتوزن، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «يأتي القرآن يوم القيامة تقدمه البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو ~~غيايتان أو فرقان من طير صواف» . وقال: " «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ~~ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله ~~العظيم» . وقال: «أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن» ، وكذلك المؤمن ~~يأتيه # PageV02P016 # عمله الصالح في قبره في أحسن صورة والكافر يأتيه عمله في أقبح صورة، وروي ~~أن الصلاة والزكاة والصيام وأعمال البر تكون حول الميت في قبره تدافع عنه، ~~وأن القرآن يصعد فيشفع له. وأما سبحان الله، ففي رواية مسلم: " «سبحان الله ~~والحمد لله تملأ - أو تملآن - ما بين السماء والأرض» " فشك الراوي في الذي ~~يملأ ما بين السماء والأرض: هل هو الكلمتان أو إحداهما؟ وفي رواية النسائي ~~وابن ماجه: " «التسبيح والتكبير ملء السماء والأرض» " وهذه الرواية أشبه، ~~وهل المراد أنهما معا يملآن ما بين السماء والأرض، أو أن كلا منهما يملأ ~~ذلك؟ هذا محتمل. وفي حديث أبي هريرة والرجل الآخر أن التكبير وحده يملأ ما ~~بين السماء والأرض. وبكل حال فالتسبيح دون التحميد في الفضل كما جاء صريحا ~~في حديث علي وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، «والرجل من بني سليم أن ~~التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه» ، وسبب ذلك أن التحميد إثبات ~~المحامد كلها لله، # PageV02P017 # فدخل في ذلك إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال كلها، والتسبيح هو تنزيه ~~الله عن النقائص والعيوب والآفات، والإثبات أكمل من السلب، ولهذا لم يرد ~~التسبيح مجردا، لكن مقرونا بما يدل على إثبات الكمال، فتارة يقرن بالحمد، ~~كقول: سبحان الله وبحمده وسبحان الله، والحمد لله، وتارة باسم من الأسماء ~~الدالة على العظمة والجلال، كقوله: سبحان الله العظيم، فإن كان حديث أبي ~~مالك يدل ms298 على أن الذي يملأ ما بين السماء والأرض هو مجموع التسبيح ~~والتكبير، فالأمر ظاهر، وإن كان المراد أن كلا منهما يملأ ذلك، فإن الميزان ~~أوسع مما ما بين السماء والأرض، فما يملأ الميزان فهو أكبر مما يملأ ما بين ~~السماء والأرض، ويدل عليه أنه صح عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: يوضع ~~الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: ~~يا رب لمن تزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: ~~سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. وخرجه الحاكم مرفوعا وصححه، ولكن الموقوف هو ~~المشهور. وأما التكبير ففي حديث أبي هريرة والرجل من بني سليم أنه وحده ~~يملأ السماوات والأرض، وفي حديث علي أن «التكبير مع التهليل يملأ ما بين ~~السماوات والأرض وما بينهن» . وأما التهليل وحده، فإنه يصل إلى الله من غير ~~حجاب بينه وبينه. وخرج الترمذي من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصا، إلا فتحت له أبواب السماء، ~~حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر» . # PageV02P018 # وقال أبو أمامة: ما من عبد يهلل تهليلة، فينهنهها شيء دون العرش. وورد ~~أنه لا يعدلها شيء في الميزان في حديث البطاقة المشهور، وقد خرجه أحمد ~~والنسائي، وفي آخره عند الإمام أحمد: " ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن ~~الرحيم " وفي " المسند " عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «إن نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة، قال لابنه: آمرك بلا إله ~~إلا الله، # PageV02P019 # فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا ~~الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله» . وفيه أيضا عن عبد الله بن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن موسى عليه السلام قال: يا رب علمني ~~شيئا أذكرك به وأدعوك به، قال: يا موسى، قل: لا إله إلا الله، قال: كل ~~عبادك يقول هذا، إنما أريد شيئا تخصني به، ms299 قال: يا موسى، لو أن السماوات ~~السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت ~~بهن لا إله إلا الله» . وقد اختلف أي الكلمتين أفضل؟ أكلمة الحمد أم كلمة ~~التهليل؟ وقد حكى هذا الاختلاف ابن عبد البر وغيره. وقال النخعي: كانوا ~~يرون أن الحمد أكثر الكلام تضعيفا، وقال الثوري: ليس يضاعف من الكلام مثل ~~الحمد لله. والحمد يتضمن إثبات جميع أنواع الكمال لله، فيدخل فيه التوحيد. ~~وفي " مسند " الإمام أحمد عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن الله اصطفى من الكلام أربعا: سبحان الله، والحمد لله، ولا ~~إله إلا الله، والله أكبر، # PageV02P020 # فمن قال: سبحان الله، كتبت له عشرون حسنة، وحطت عنه عشرون سيئة، ومن قال: ~~الله أكبر مثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله مثل ذلك، ومن قال: الحمد لله ~~رب العالمين من قبل نفسه، كتبت له ثلاثون حسنة، وحطت عنه ثلاثون سيئة.» وقد ~~روي هذا عن كعب من قوله، وقيل: إنه أصح من المرفوع. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " «والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء» ~~"، وفي بعض نسخ " صحيح مسلم ": " «والصيام ضياء» " فهذه الأنواع الثلاثة من ~~الأعمال أنوار كلها، لكن منها ما يختص بنوع من أنواع النور، فالصلاة نور ~~مطلق، ويروى بإسنادين فيهما نظر عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~«الصلاة نور المؤمن» "، فهي للمؤمنين في الدنيا نور في قلوبهم وبصائرهم، ~~تشرق بها قلوبهم، وتستنير بصائرهم ولهذا كانت قرة عين المتقين، كما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " «جعلت قرة عيني في الصلاة» " خرجه أحمد ~~والنسائي. وفي رواية: " «الجائع يشبع، والظمآن يروى، وأنا لا أشبع من حب # PageV02P021 # الصلاة» " وفي " المسند " عن ابن عباس، قال: «قال جبريل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: إن الله قد حبب إليك الصلاة، فخذ منها ما شئت» . وخرج أبو داود ~~من حديث رجل من خزاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يا بلال، أقم ~~الصلاة وأرحنا بها» ms300 ". قال مالك بن دينار: قرأت في التوراة: يابن آدم، لا ~~تعجز أن تقوم بين يدي في صلاتك باكيا، فأنا الذي اقتربت بقلبك وبالغيب رأيت ~~نوري، يعني: ما يفتح للمصلي في الصلاة من الرقة والبكاء. وخرج الطبراني من ~~حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: " «إذا حافظ العبد على صلاته، فأقام وضوءها، ~~وركوعها، وسجودها، والقراءة فيها، قالت له: حفظك الله كما حفظتني، وصعد بها ~~إلى السماء، ولها نور حتى تنتهي إلى الله عز وجل، فتشفع لصاحبها» ". وهي ~~نور للمؤمنين في قبورهم، ولاسيما صلاة الليل كما قال أبو الدرداء: صلوا ~~ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور. وكانت رابعة قد فترت عن وردها بالليل ~~مدة، فأتاها آت في منامها فأنشدها: # PageV02P022 # صلاتك نور والعباد رقود ... ونومك ضد للصلاة عنيد # وهي في الآخرة نور للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط، فإن الأنوار ~~تقسم لهم على حسب أعمالهم. وفي " المسند " و " صحيح ابن حبان " عن عبد الله ~~بن عمر وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة، فقال: «من حافظ ~~عليها، كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم ~~يكن له نور ولا نجاة ولا برهان» . وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر من حديث ~~ابن عباس وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " «من صلى الصلوات الخمس ~~في جماعة، جاز على الصراط كالبرق اللامع في أول زمرة من السابقين، وجاء يوم ~~القيامة، ووجهه كالقمر ليلة البدر» ". وأما الصدقة، فهي برهان، والبرهان: ~~هو الشعاع الذي يلي وجه الشمس، ومنه حديث أبي موسى أن روح المؤمن تخرج من ~~جسده لها برهان كبرهان الشمس، ومنه سميت الحجة القاطعة برهانا، لوضوح ~~دلالاتها على ما دلت عليه، فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان، وطيب النفس ~~بها علامة على وجود حلاوة الإيمان وطعمه، كما في حديث عبد الله بن معاوية ~~الغاضري، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم ~~الإيمان: من عبد الله وحده، وأنه لا إله إلا الله، وأدى زكاة ماله طيبة بها ~~نفسه ms301 رافدة عليه في كل عام» " وذكر الحديث، خرجه أبو داود. # PageV02P023 # وقد ذكرنا قريبا حديث أبي الدرداء فيمن أدى زكاة ماله طيبة بها نفسه، ~~قال: وكان يقول: لا يفعل ذلك إلا مؤمن. وسبب هذا أن المال تحبه النفوس ~~وتبخل به، فإذا سمحت بإخراجه لله عز وجل دل ذلك على صحة إيمانها بالله ~~ووعده ووعيده، ولهذا منعت العرب الزكاة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقاتلهم الصديق رضي الله عنه على منعها، والصلاة أيضا برهان على صحة ~~الإسلام. وقد خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «الصلاة برهان» . وقد ذكرنا في شرح حديث: «أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة» أن الصلاة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي أيضا ~~أول ما يحاسب به المرء يوم القيامة، فإن تمت صلاته فقد أفلح وأنجح، وقد سبق ~~حديث عبد الله بن عمرو فيمن حافظ عليها أنها تكون له نورا وبرهانا ونجاة ~~يوم القيامة. وأما الصبر فإنه ضياء، والضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع ~~حرارة وإحراق كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنه نور محض، فيه إشراق بغير ~~إحراق، قال الله عز وجل: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا} [يونس: 5] ~~[يونس: 5] ومن هنا وصف الله شريعة موسى بأنها ضياء، كما قال: {ولقد آتينا ~~موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين} [الأنبياء: 48] [الأنبياء: 48] # PageV02P024 # وإن كان قد ذكر أن في التوراة نورا كما قال: {إنا أنزلنا التوراة فيها ~~هدى ونور} [المائدة: 44] [المائدة: 44] ، ولكن الغالب على شريعتهم الضياء ~~لما فيها من الآصار والأغلال والأثقال. ووصف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بأنها نور لما فيها من الحنيفية السمحة، قال الله تعالى: {قد جاءكم من الله ~~نور وكتاب مبين} [المائدة: 15] [المائدة: 15] وقال: {الذين يتبعون الرسول ~~النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي ms302 كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور ~~الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف: 157] [الأعراف: 157] . ولما ~~كان الصبر شاقا على النفوس، يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها وكفها عما ~~تهواه، كان ضياء، فإن معنى الصبر في اللغة الحبس، ومنه قتل الصبر: وهو أن ~~يحبس الرجل حتى يقتل. والصبر المحمود أنواع: منه صبر على طاعة الله عز وجل، ~~ومنه صبر عن معاصي الله عز وجل، ومنه صبر على أقدار الله عز وجل، والصبر ~~على الطاعات وعن المحرمات أفضل من الصبر على الأقدار المؤلمة، صرح بذلك ~~السلف، منهم سعيد بن جبير، وميمون بن مهران وغيرهما. وقد روي بإسناد ضعيف ~~من حديث علي مرفوعا " «إن الصبر على المعصية يكتب به للعبد ثلاثمائة درجة، ~~وإن الصبر على الطاعة تكتب به ستمائة درجة، وإن الصبر عن المعاصي يكتب له ~~به تسعمائة درجة» "، وقد خرجه ابن أبي الدنيا وابن جرير الطبري. # PageV02P025 # ومن أفضل أنواع الصبر: الصيام، فإنه يجمع الصبر على الأنواع الثلاثة، ~~لأنه صبر على طاعة الله عز وجل، وصبر عن معاصي الله، لأن العبد يترك شهواته ~~لله ونفسه قد تنازعه إليها، ولهذا في الحديث الصحيح: «إن الله عز وجل يقول: ~~كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه ~~وشرابه من أجلي» ، وفيه أيضا صبر على الأقدار المؤلمة بما قد يحصل للصائم ~~من الجوع والعطش، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمي شهر الصيام شهر ~~الصبر. وقد جاء في حديث الرجل من بني سليم «عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أن الصوم نصف الصبر» ، وربما عسر الوقوف على سر كونه نصف الصبر أكثر من عسر ~~الوقوف على سر كون الطهور شطر الإيمان، والله أعلم. وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «والقرآن حجة لك أو حجة عليك» ، قال الله عز وجل: {وننزل من القرآن ~~ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] ~~[الإسراء: 82] . قال بعض السلف: ما جالس أحد القرآن، فقام عنه سالما؛ بل ~~إما أن ms303 يربح أو أن يخسر، ثم تلا هذه الآية. وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، ~~عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يمثل القرآن يوم القيامة رجلا، ~~فيؤتى بالرجل قد حمله، فخالف أمره، فيتمثل له خصما، فيقول: يا رب حملته ~~إياي فشر حامل تعدى حدودي، وضيع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال ~~يقذف عليه بالحجج حتى يقال: شأنك به، فيأخذه بيده، فما يرسله حتى يكبه على ~~منخره في النار، ويؤتى بالرجل الصالح كان قد حمله وحفظ أمره، فيمتثل خصما ~~دونه، فيقول: يا رب حملته إياي، فخير حامل: حفظ حدودي، وعمل بفرائضي، ~~واجتنب معصيتي، واتبع طاعتي، فما يزال يقذف له بالحجج حتى يقال: شأنك به، ~~فيأخذه بيده، فما يرسله حتى يلبسه حلة الإستبرق، ويعقد عليه تاج الملك، ~~ويسقيه كأس الخمر» . وقال ابن مسعود: القرآن شافع مشفع وماحل مصدق، فمن ~~جعله أمامه، قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره، قاده إلى النار. وعنه قال: ~~يجيء القرآن يوم القيامة، فيشفع لصاحبه، فيكون قائدا إلى الجنة، أو يشهد ~~عليه، فيكون سائقا إلى النار. # PageV02P026 # وقال أبو موسى الأشعري: إن هذا القرآن كائن لكم أجرا، وكائن عليكم وزرا، ~~فاتبعوا القرآن، ولا يتبعكم القرآن، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض ~~الجنة، ومن اتبعه القرآن زج في قفاه، فقذفه في النار. # قوله صلى الله عليه وسلم: " «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو ~~موبقها» " وخرج الإمام أحمد وابن حبان من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " «الناس غاديان، فمبتاع نفسه، فمعتق نفسه وموبقها» ". ~~وفي رواية خرجها الطبراني. " «الناس غاديان: فبائع نفسه فموبقها، وفاد نفسه ~~فمعتقها» ". وقال الله عز وجل: {ونفس وما سواها - فألهمها فجورها وتقواها - ~~قد أفلح من زكاها - وقد خاب من دساها} [الشمس: 7 - 10] [الشمس: 7 - 10.] ، ~~والمعنى: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، وخاب من دساها بالمعاصي، فالطاعة ~~تزكي النفس وتطهرها فترتفع، والمعاصي تدسي النفس وتقمعها فتنخفض، وتصير ~~كالذي يدس في التراب. ودل الحديث على أن ms304 كل إنسان فهو ساع في هلاك نفسه، أو ~~في فكاكها، فمن سعى في طاعة الله، فقد باع نفسه لله، وأعتقها من عذابه، ومن ~~سعى في معصية الله، فقد باع نفسه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب ~~الله وعقابه، قال الله عز وجل: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ~~بأن لهم الجنة} [التوبة: 111] إلى قوله: {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ~~وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111] [التوبة: 111] ، وقال تعالى: {ومن ~~الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد} [البقرة: 207] ~~[البقرة: 207] # PageV02P028 # وقال تعالى: {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ~~ذلك هو الخسران المبين} [الزمر: 15] [الزمر: 15] وفي " الصحيحين " عن أبي ~~هريرة، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: {وأنذر ~~عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] [الشعراء: 214] يا معشر قريش، اشتروا ~~أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب، لا أغني ~~عنكم من الله شيئا» وفي رواية للبخاري: " «يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم ~~من الله، يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله، يا عمة رسول الله، يا ~~فاطمة بنت محمد، اشتريا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئا» ". ~~وفي رواية لمسلم أنه دعا قريشا فاجتمعوا، فعم وخص، فقال: «يا بني كعب بن ~~لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا ~~بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من ~~النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا ~~أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله ~~شيئا» . وخرج الطبراني والخرائطي من حديث ابن عباس مرفوعا: " «من قال إذا ~~أصبح: سبحان الله وبحمده ألف مرة، فقد اشترى نفسه من الله تعالى، وكان من ~~آخر يومه عتيقا من النار» ". وقد اشترى جماعة من السلف أنفسهم من الله عز ~~وجل بأموالهم، فمنهم # PageV02P029 # من تصدق بماله كله كحبيب أبي محمد، ms305 ومنهم من تصدق بوزنه فضة ثلاث مرات أو ~~أربعا، كخالد الطحاوي. ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة ويقول: إنما ~~أنا أسير أسعى في فكاك رقبتي، منهم عمرو بن عتبة، وكان بعضهم يسبح كل يوم ~~اثني عشر ألف تسبيحة بقدر ديته، كأنه قد قتل نفسه، فهو يفتكها بديتها. قال ~~الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى ~~يلقى الله عز وجل. وقال: ابن آدم، إنك تغدو وتروح في طلب الأرباح، فليكن ~~همك نفسك، فإنك لن تربح مثلها أبدا. قال أبو بكر بن عياش: قال لي رجل مرة ~~وأنا شاب: خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة ~~غير مفكوك أبدا، قال: فوالله ما نسيتها بعد. وكان بعض السلف يبكي، ويقول: ~~ليس لي نفسان، إنما لي نفس واحدة، إذا ذهبت لم أجد أخرى. وقال محمد ابن ~~الحنفية: إن الله عز وجل جعل الجنة ثمنا لأنفسكم، فلا تبيعوها بغيرها. ~~وقال: أيضا من كرمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر. وقيل له: من أعظم ~~الناس قدرا؟ قال: من لم ير الدنيا كلها لنفسه خطرا. وأنشد بعض المتقدمين: # PageV02P030 # أثامن بالنفس النفيسة ربها ... وليس لها في الخلق كلهم ثمن # بها تملك الأخرى فإن أنا بعتها ... بشيء من الدنيا، فذاك هو الغبن # لئن ذهبت نفسي بدنيا أصيبها ... لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن # PageV02P031 ### | [الحديث الرابع والعشرون قال الله تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا] # PageV02P031 # الحديث الرابع والعشرون. عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ~~وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني ~~أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم ~~عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار ~~وأنا أغفر لكم ذنوبكم جميعا فاستغفروني أغفر ms306 لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ~~ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي ~~لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ~~ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد ~~واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك عندي إلا كما ينقص ~~المخيط إذا دخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم: أحصيها لكم ثم أوفيكم ~~إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه.» رواه مسلم. # PageV02P032 # هذا الحديث خرجه مسلم من رواية سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن زيد عن ~~أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر، وفي آخره: قال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو ~~إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. وخرجه مسلم أيضا من ~~رواية قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولم يسقه بلفظه، ولكنه قال: وساق الحديث بنحو سياق أبي إدريس، وحديث ~~أبي إدريس أتم. وخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، من رواية شهر بن ~~حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «يقول الله تعالى: يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديت، فسلوني الهدى ~~أهدكم، وكلكم فقير إلا من أغنيت فسلوني أرزقكم، وكلكم مذنب إلا من عافيت، ~~فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة واستغفرني، غفرت له ولا أبالي، ولو ~~أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على أتقى قلب عبد من ~~عبادي ما زاد ذلك في ملكي جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ~~ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا في صعيد واحد، فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته ~~فأعطيت كل سائل منكم، ما نقص ذلك من ملكي ms307 إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر، ~~فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه، ذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد، عطائي ~~كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن فيكون» وهذا ~~لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن. وخرجه الطبراني بمعناه من حديث أبي موسى ~~الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن إسناده ضعيف. # PageV02P033 # وحديث أبي ذر قال الإمام أحمد: هو أشرف حديث لأهل الشام. فقوله صلى الله ~~عليه وسلم فيما يروي عن ربه: " «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» " يعني: ~~أنه منع نفسه من الظلم لعباده، كما قال عز وجل: {وما أنا بظلام للعبيد} [ق: ~~29] [ق: 29] ، وقال: {وما الله يريد ظلما للعباد} [غافر: 31] [غافر 31] ، ~~وقال {وما الله يريد ظلما للعالمين} [آل عمران: 108] [آل عمران: 108] ، ~~وقال {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] [فصلت: 46] ، وقال: {إن الله لا ~~يظلم الناس شيئا} [يونس: 44] [يونس: 44] ، وقال {إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة} [النساء: 40] [النساء: 40] ، وقال: # PageV02P034 # {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} [طه: 112] [طه: ~~112] ، والهضم: أن ينقص من جزاء حسناته، والظلم: أن يعاقب بذنوب غيره، ومثل ~~هذا كثير في القرآن. وهو مما يدل على أن الله قادر على الظلم، ولكن لا ~~يفعله فضلا منه وجودا وكرما وإحسانا إلى عباده. وقد فسر كثير من العلماء ~~الظلم بأنه وضع الأشياء في غير موضعها. وأما من فسره بالتصرف في ملك الغير ~~بغير إذنه - وقد نقل نحوه عن إياس بن معاوية وغيره - فإنهم يقولون: إن ~~الظلم مستحيل عليه، وغيره متصور في حقه، لأن كل ما يفعله فهو تصرف في ملكه، ~~وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لعمران بن حصين حين سأله عن القدر. وخرج ~~أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي سنان سعيد بن سنان، عن وهب بن خالد ~~الحمصي، «عن ابن الديلمي أنه سمع أبي بن كعب يقول: لو أن الله عذب أهل ~~سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم، لكانت رحمته خيرا ~~لهم ms308 من أعمالهم، وأنه أتى ابن مسعود، فقال له مثل ذلك، ثم أتى زيد بن ثابت، ~~فحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك» . وفي هذا الحديث نظر، ووهب ~~بن خالد ليس بذلك المشهور بالعلم. وقد يحمل على أنه لو أراد تعذيبهم، لقدر ~~لهم ما يعذبهم عليه، فيكون غير ظالم لهم حينئذ. # PageV02P035 # وكونه خلق أفعال العباد وفيها الظلم لا يقتضي وصفه بالظلم سبحانه وتعالى، ~~كما أنه لا يوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد، وهي خلقه وتقديره، فإنه ~~لا يوصف إلا بأفعاله لا يوصف بأفعال عباده، فإن أفعال عباده مخلوقاته ~~ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها، إنما يوصف بما قام به من صفاته وأفعاله ~~والله أعلم. وقوله " «وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا» " يعني: أنه تعالى ~~حرم الظلم على عباده، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم، فحرام على كل عبد أن ~~يظلم غيره، مع أن الظلم في نفسه محرم مطلقا، وهو نوعان: أحدهما: ظلم النفس، ~~وأعظمه الشرك، كما قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] [لقمان: ~~13] ، فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، فعبده وتألهه، فهو وضع ~~الأشياء في غير موضعها، وأكثر ما ذكر في القرآن من وعيد الظالمين إنما أريد ~~به المشركون، كما قال عز وجل: {والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254] ~~[البقرة: 254] ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر. ~~والثاني: ظلم العبد لغيره، وهو المذكور في هذا الحديث، وقد «قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم ~~حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» . وروي عنه «أنه خطب ~~بذلك في يوم النحر من يوم عرفة، وفي اليوم الثاني من أيام التشريق، وفي ~~رواية: ثم قال: " اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا ~~تظلموا؛ إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» ". وفي " الصحيحين " ~~عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الظلم ظلمات يوم ~~القيامة» . وفيهما عن أبي موسى ms309 عن «النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إن الله ~~ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ~~وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102] » [هود: 102] . وفي " صحيح ~~البخاري " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت عنده ~~مظلمة لأخيه، فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ ~~لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه» . # قوله " «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، ~~كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عار إلا من ~~كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر ~~الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم» ". هذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون ~~إلى الله تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وأن ~~العباد لا يملكون لأنفسهم شيئا من ذلك كله، وأن من لم يتفضل الله عليه ~~بالهدى والرزق، فإنه يحرمهما في الدنيا، # PageV02P036 # ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه أوبقته خطاياه في الآخرة. قال الله ~~تعالى: {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف: ~~17] [الكهف: 17] ، ومثل هذا كثير في القرآن، وقال تعالى: {ما يفتح الله ~~للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} [فاطر: 2] ~~[فاطر: 2] ، وقال {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 58] ~~[الذاريات: 58] ، وقال: {فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه} [العنكبوت: 17] ~~[العنكبوت: 17] ، وقال: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: ~~6] [هود: 6] . وقال تعالى حاكيا عن آدم وزوجه أنهما قالا: {ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] ~~[الأعراف: 23] ، وعن نوح عليه الصلاة والسلام أنه قال: {وإلا تغفر لي ~~وترحمني أكن من الخاسرين} [هود: 47] [هود: 47] . وقد استدل إبراهيم الخليل ~~عليه السلام بتفرد الله بهذه الأمور على أنه لا إله غيره، وأن كل ما أشرك ~~معه فباطل، فقال لقومه: {أفرأيتم ms310 ما كنتم تعبدون - أنتم وآباؤكم الأقدمون - ~~فإنهم عدو لي إلا رب العالمين - الذي خلقني فهو يهدين - والذي هو يطعمني ~~ويسقين - وإذا مرضت فهو يشفين - والذي يميتني ثم يحيين - والذي أطمع أن ~~يغفر لي خطيئتي يوم الدين} [الشعراء: 75 - 82] [الشعراء: 75 - 82] ، فإن من ~~تفرد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه ~~في الآخرة، مستحق أن يفرد بالإلهية والعبادة والسؤال والتضرع إليه ~~والاستكانة له. قال الله عز وجل: {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون} ~~[الروم: 40] [الروم: 40] . وفي الحديث دليل على أن الله يحب أن يسأله ~~العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم، من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما ~~يسألونه الهداية # PageV02P038 # والمغفرة، وفي الحديث: " «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا ~~انقطع» ". وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه حتى ملح عجينه وعلف ~~شاته. وفي الإسرائيليات أن موسى عليه السلام قال: يا رب، إنه لتعرض لي ~~الحاجة من الدنيا، فأستحي أن أسألك، قال: سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك. ~~فإن كل ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله فقد أظهر حاجته فيه، وافتقاره ~~إلى الله، وذاك يحبه الله، وكان بعض السلف يستحي من الله أن يسأله شيئا من ~~مصالح الدنيا، والاقتداء بالسنة أولى. وقوله " «كلكم ضال إلا من هديته» " ~~قد ظن بعضهم أنه معارض لحديث عياض بن حمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~يقول الله عز وجل: «خلقت عبادي حنفاء» " وفي رواية: " «مسلمين فاجتالتهم ~~الشياطين» " وليس كذلك، فإن الله خلق بني آدم، وفطرهم على قبول الإسلام، ~~والميل إليه دون غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوة، لكن لا بد ~~للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعليم جاهل لا يعلم شيئا كما ~~قال عز وجل: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} [النحل: 78] ~~[النحل: 78] وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ووجدك ضالا فهدى} [الضحى: 7] ~~[الضحى: 7] ، والمراد: وجدك غير عالم ms311 بما علمك من الكتاب والحكمة، كما قال ~~تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان} [الشورى: 52] [الشورى: 52] فالإنسان يولد مفطورا على قبول الحق، ~~فإن هداه الله سبب له من يعلمه الهدى، فصار مهتديا بالفعل بعد أن كان ~~مهتديا بالقوة، وإن خذله الله، قيض له من يعلمه ما يغير فطرته كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، # PageV02P039 # فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» . وأما سؤال المؤمن من الله الهداية، ~~فإن الهداية نوعان: هداية مجملة وهي الهداية للإسلام والإيمان وهي حاصلة ~~للمؤمن، وهداية مفصلة، وهي هداية إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإسلام ~~وإعانته على فعل ذلك، وهذا يحتاج إليه كل مؤمن ليلا ونهارا، ولهذا أمر الله ~~عباده أن يقرءوا في كل ركعة من صلاتهم قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} ~~[الفاتحة: 6] [الفاتحة: 6] ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه ~~بالليل: " «اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط ~~مستقيم» " ولهذا يشمت العاطس، فيقال له: " يرحمكم الله " فيقول: " يهديكم ~~الله " كما جاءت به السنة بذلك، وإن أنكره من أنكره من فقهاء العراق ظنا ~~منهم أن المسلم لا يحتاج أن يدعى له بالهدى، وخالفهم جمهور العلماء اتباعا ~~للسنة في ذلك. وقد «أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يسأل الله السداد ~~والهدى» ، «وعلم الحسن أن يقول في قنوت الوتر: " اللهم اهدني فيمن هديت» . # PageV02P040 # وأما الاستغفار من الذنوب، فهو طلب المغفرة، والعبد أحوج شيء إليه، لأنه ~~يخطئ بالليل والنهار، وقد تكرر في القرآن ذكر التوبة والاستغفار، والأمر ~~بهما، والحث عليهما، وخرج الترمذي، وابن ماجه من حديث أنس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» . وخرج ~~البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله إني ~~لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم سبعين مرة» وخرجه النسائي، ولفظه «إني ~~لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة» . وخرج مسلم من حديث الأغر ms312 ~~المزني سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، ~~فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة» وخرجه النسائي ولفظه: «يا أيها الناس ~~توبوا إلى ربكم واستغفروه، فإني أتوب إلى الله وأستغفره كل يوم مائة مرة» . ~~وخرج الإمام أحمد من «حديث حذيفة قال: كان في لساني ذرب على أهلي لم أعده ~~إلى غيره، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أين أنت من الاستغفار ~~يا حذيفة، إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة» . ومن حديث أبي موسى عن النبي # PageV02P041 # صلى الله عليه وسلم، قال: «إني لأستغفر الله مائة مرة وأتوب إليه» . وخرج ~~النسائي من حديث أبي موسى، قال: «كنا جلوسا فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله مائة مرة» . وخرج الإمام أحمد، ~~وأبو داود، والترمذي والنسائي، وابن ماجه من حديث ابن عمر، قال: «إن كنا ~~لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة يقول: رب ~~اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم» . وخرج النسائي من حديث «أبي ~~هريرة، قال: لم أر أحدا أكثر أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم» . وخرج الإمام أحمد من حديث عائشة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يقول: «اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا ~~أساءوا استغفروا» ، وسنذكر بقية # PageV02P042 # الكلام في الاستغفار فيما بعد إن شاء الله تعالى. # وقوله: " «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي ~~فتنفعوني» " يعني أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله نفعا ولا ضرا، ~~فإن الله تعالى في نفسه غني حميد، لا حاجة له بطاعات العباد، ولا يعود ~~نفعها إليه، وإنما هم ينتفعون بها، ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون ~~بها، قال الله تعالى: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا ~~الله شيئا} [آل عمران: 176] [آل عمران: 176] . وقال {ومن ينقلب على عقبيه ~~فلن يضر الله شيئا} [آل عمران: 144] [آل ms313 عمران: 144] . وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول في خطبته: " «ومن يعص الله ورسوله، فقد غوى، ولا يضر إلا ~~نفسه ولا يضر الله شيئا» ". قال الله عز وجل: {وإن تكفروا فإن لله ما في ~~السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا} [النساء: 131] [النساء: 131] ~~، وقال حاكيا عن موسى: {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن ~~الله لغني حميد} [إبراهيم: 8] [إبراهيم: 8] ، وقال: {ومن كفر فإن الله غني ~~عن العالمين} [آل عمران: 97] [آل عمران: 97] ، وقال: {لن ينال الله لحومها ~~ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} [الحج: 37] [الحج: 37] . والمعنى: أنه ~~تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه، كما أنه يكره منهم أن يعصوه، ولهذا ~~يفرح بتوبة التائبين أشد من فرح من ضلت راحلته التي عليها طعامه وشرابه ~~بفلاة من الأرض، وطلبها حتى أعيى وأيس منها، واستسلم للموت، وأيس من ~~الحياة، ثم غلبته عينه فنام، فاستيقظ وهي قائمة عنده وهذا أعلى ما يتصوره ~~المخلوق من الفرح، هذا كله مع غناه عن طاعات عباده # PageV02P043 # وتوباتهم إليه، وإنه إنما يعود نفعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده ~~وإحسانه إلى عباده، ومحبته لنفعهم، ودفع الضرر عنهم، فهو يحب من عباده أن ~~يعرفوه ويحبوه ويخافوه ويتقوه ويطيعوه ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا أنه ~~لا يغفر الذنوب غيره، وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده، كما في رواية عبد ~~الرحمن بن غنم عن أبي ذر لهذا الحديث: «من علم منكم أني ذو قدرة على ~~المغفرة، ثم استغفرني غفرت له ولا أبالي» ". وفي " الصحيح " عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم «أن عبدا أذنب ذنبا، فقال: يا رب، إني عملت ذنبا، فاغفر لي؛ ~~فقال الله: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنوب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي» ~~". وفي حديث علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه لما ركب ~~دابته، حمد الله ثلاثا، وكبر ثلاثا، وقال: سبحانك إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، ~~فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، وقال: إن ربك ليعجب من ms314 عبده إذا قال: ~~رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري» ، خرجه الإمام أحمد ~~والترمذي وصححه. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «والله لله ~~أرحم بعباده من الوالدة بولدها» . كان بعض أصحاب ذي النون يطوف وينادي: آه ~~أين قلبي، من وجد قلبي؟ فدخل يوما بعض السكك، فوجد صبيا يبكي وأمه تضربه، ~~ثم أخرجته من الدار، وأغلقت الباب دونه، فجعل الصبي يلتفت يمينا وشمالا لا ~~يدري أين يذهب ولا # PageV02P044 # أين يقصد، فرجع إلى باب الدار، فجعل يبكي ويقول: يا أماه من يفتح لي ~~الباب إذا أغلقت عني بابك؟ ومن يدنيني إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني إذا ~~غضبت علي؟ فرحمته أمه، فنظرت من خلل الباب، فوجدت ولدها تجري الدموع على ~~خديه متمعكا في التراب، ففتحت الباب، وأخذته حتى وضعته في حجرها وجعلت ~~تقبله، وتقول: يا قرة عيني، ويا عزيز نفسي، أنت الذي حملتني على نفسك، وأنت ~~الذي تعرضت لما حل بك، لو كنت أطعتني لم تلق مني مكروها، فتواجد الفتى، ثم ~~قام فصاح، وقال: قد وجدت قلبي، قد وجدت قلبي. وتفكروا في قوله: {والذين إذا ~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب ~~إلا الله} [آل عمران: 135] [آل عمران: 135] ، فإن فيه إشارة إلى أن ~~المذنبين ليس لهم من يلجئون إليه، ويعولون عليه في مغفرة ذنوبهم - غيره، ~~وكذلك قوله في حق الثلاثة الذين خلفوا: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ~~وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} [التوبة: 118] [التوبة: 118] ، فرتب ~~توبته عليهم على ظنهم أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن العبد إذا خاف من ~~مخلوق، هرب منه، وفر إلى غيره، وأما من خاف من الله، فما له من ملجأ يلجأ ~~إليه، ولا مهرب يهرب إليه إلا هو، فيهرب منه إليه، كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول في دعائه «لا ملجأ، ولا منجا منك إلا إليك» " وكان ms315 يقول: " ~~«أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك» ". # PageV02P045 # قال الفضيل بن عياض رحمه الله: ما من ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل ~~سربال سترها، إلا نادى الجليل جل جلاله: من أعظم مني جودا، والخلائق لي ~~عاصون، وأنا لهم مراقب، أكلؤهم في مضاجعهم، كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم ~~كأنهم لم يذنبوا فيما بيني وبينهم، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على ~~المسيء، من ذا الذي دعاني فلم ألبه؟ أم من ذا الذي سألني فلم أعطه؟ أم من ~~الذي أناخ ببابي فنحيته؟ أنا الفضل، ومني الفضل، أنا الجواد، ومني الجود، ~~وأنا الكريم، ومني الكرم، ومن كرمي أن أغفر للعاصين بعد المعاصي، ومن كرمي ~~أن أعطي العبد ما سألني، وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أن أعطي التائب ~~كأنه لم يعصني، فأين عني يهرب الخلائق؟ وأين عن بابي يتنحى العاصون؟ خرجه ~~أبو نعيم. ولبعضهم في المعنى. # أسأت ولم أحسن وجئتك تائبا ... وأنى لعبد عن مواليه مهرب # يؤمل غفرانا فإن خاب ظنه ... فما أحد منه على الأرض أخيب # فقوله بعد هذا: " «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على ~~أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو كانوا على أفجر قلب ~~رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا» ": هو إشارة إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة ~~الخلق، ولو كانوا كلهم بررة أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ~~ينقص ملكه بمعصية العاصين، ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة قلوبهم على ~~قلب أفجر رجل منهم، فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق ~~في ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه ملك كامل لا نقص فيه بوجه # PageV02P046 # من الوجوه على أي وجه كان. ومن الناس من قال: إن إيجاده لخلقه على هذا ~~الوجه الموجود أكمل من إيجاده على غيره، وهو خير من وجوده على غيره، وما ~~فيه من الشر فهو شر إضافي نسبي بالنسبة إلى بعض الأشياء دون بعض، وليس شرا ~~مطلقا بحيث يكون عدمه خيرا من وجوده ms316 من كل وجه، بل وجوده خير من عدمه، ~~وقال: وهذا معنى قوله: " بيده الخير " ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" «والشر ليس إليك» " يعني: أن الشر المحض الذي عدمه خير من وجوده ليس ~~موجودا في ملكك، فإن الله تعالى أوجد خلقه على ما تقتضيه حكمته وعدله، وخص ~~قوما من خلقه بالفضل، وترك آخرين منهم في العدل، لما له في ذلك من الحكمة ~~البالغة. وهذا فيه نظر، وهو يخالف ما في هذا الحديث من أن جميع الخلق لو ~~كانوا على صفة أكمل خلقه من البر والتقوى، لم يزد ذلك في ملكه شيئا، ولا ~~قدر جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقص خلقه من الفجور، لم ينقص ذلك من ~~ملكه شيئا، فدل على أن ملكه كامل على أي وجه كان لا يزداد ولا يكمل ~~بالطاعات ولا ينقص بالمعاصي، ولا يؤثر فيه شيء. وفي هذا الكلام دليل على أن ~~الأصل في التقوى والفجور هو القلب، فإذا بر القلب واتقى برت الجوارح، وإذا ~~فجر القلب، فجرت الجوارح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " «التقوى ~~هاهنا " وأشار إلى صدره» . # قوله: " «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، ~~فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط ~~إذا أدخل البحر» " المراد بهذا ذكر كمال قدرته سبحانه، وكمال # PageV02P047 # ملكه، وأن ملكه وخزائنه لا تنفد، ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأولين ~~والآخرين من الجن والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد، وفي ذلك حث للخلق على ~~سؤاله وإنزال حوائجهم به، وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، ~~أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه» . وفي ~~" صحيح مسلم " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دعا ~~أحدكم، فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، وليعظم الرغبة، ~~فإن الله لا يتعاظمه ms317 شيء» . وقال أبو سعيد الخدري: إذا دعوتم الله، فارفعوا ~~في المسألة، فإن ما عنده لا ينفده شيء، وإذا دعوتم فاعزموا، فإن الله لا ~~مستكره له. وفي بعض الآثار الإسرائيلية: يقول الله عز وجل: أيؤمل غيري ~~للشدائد والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم؟ ويرجى غيري، ويطرق بابه بالبكرات، ~~وبيدي مفاتيح الخزائن، وبابي مفتوح لمن دعاني؟ من ذا الذي أملني لنائبة ~~فقطعت به؟ أو من ذا الذي رجاني لعظيم، فقطعت رجاءه؟ أو من ذا الذي طرق ~~بابي، فلم أفتحه له؟ أنا غاية الآمال، فكيف تنقطع الآمال دوني؟ أبخيل أنا ~~فيبخلني عبدي؟ أليس الدنيا والآخرة والكرم والفضل كله لي؟ فما يمنع ~~المؤملين أن يؤملوني؟ لو جمعت أهل السماوات والأرض، ثم أعطيت كل واحد منهم ~~ما أعطيت الجميع، وبلغت كل واحد أمله، لم ينقص ذلك من ملكي عضو ذرة، كيف ~~ينقص ملك أنا قيمه؟ فيا بؤسا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسا لمن عصاني وتوثب ~~على محارمي. # PageV02P048 # وقوله: " «لم ينقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» " ~~تحقيق لأن ما عنده لا ينقص البتة، كما قال تعالى: {ما عندكم ينفد وما عند ~~الله باق} [النحل: 96] [النحل: 96] ، فإن البحر إذا غمس فيه إبرة، ثم أخرجت ~~لم ينقص من البحر بذلك شيء، وكذلك لو فرض أنه شرب منه عصفور مثلا، فإنه لا ~~ينقص البحر البتة، ولهذا ضرب الخضر لموسى عليهما السلام هذا المثل في نسبة ~~علمهما إلى علم الله عز وجل، وهذا لأن البحر لا يزال تمده مياه الدنيا ~~وأنهارها الجارية، فمهما أخذ منه لم ينقصه شيء، لأنه يمده ما هو أزيد مما ~~أخذ منه، وهكذا طعام الجنة وما فيها، فإنه لا ينفد، كما قال تعالى: {وفاكهة ~~كثيرة - لا مقطوعة ولا ممنوعة} [الواقعة: 32 - 33] [الواقعة: 32 - 33] ، ~~وقد جاء: " أنه كلما نزعت ثمرة، عاد مكانها مثلها " وروي " مثلاها "، فهي ~~لا تنقص أبدا ويشهد لذلك «قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الكسوف: " ~~وأريت الجنة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته، لأكلتم منه ما بقيت الدنيا» ~~" خرجاه ms318 في " الصحيحين " من حديث ابن عباس، وخرجه الإمام أحمد من حديث ~~جابر، ولفظه: " «ولو أتيتكم # PageV02P049 # به لأكل منه من بين السماء والأرض، لا ينقصونه شيئا» ". وهكذا لحم الطير ~~الذي يأكله أهل الجنة يستخلف ويعود كما كان حيا لا ينقص منه شيء، وقد روي ~~هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه فيها ضعف، وقاله كعب. وروي أيضا ~~عن أبي أمامة الباهلي من قوله، قال أبو أمامة: وكذلك الشراب يشرب منه حتى ~~ينتهي نفسه، ثم يعود مكانه. ورئي بعض العلماء الصالحين بعد موته بمدة في ~~المنام فقال: ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ، أما علمتم أن طعام الجنة لا ~~ينفد؟ . وقد بين في الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه السبب الذي لأجله ~~لا ينقص ما عند الله بالعطاء بقوله: " «ذلك بأني جواد واجد ماجد، أفعل ما ~~أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن ~~فيكون» " وهذا مثل قوله عز وجل: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون} [يس: 82] [يس: 82] ، وقوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون} [النحل: 40] [النحل: 40] . # PageV02P050 # وفي " مسند البزار " بإسناد فيه نظر من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " «خزائن الله الكلام، فإذا أراد شيئا، قال له: كن، فكان» " ~~فهو سبحانه إذا أراد شيئا من عطاء أو عذاب أو غير ذلك، قال له: كن، فكان، ~~فكيف يتصور أن ينقص هذا؟ وكذلك إذا أراد أن يخلق شيئا، قال له: كن فيكون، ~~كما قال: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} ~~[آل عمران: 59] [آل عمران: 59] . وفي بعض الآثار الإسرائيلية: أوحى الله ~~تعالى إلى موسى عليه السلام: يا موسى، لا تخافن غيري ما دام لي السلطان، ~~وسلطاني دائم لا ينقطع، يا موسى، لا تهتمن برزقي أبدا ما دامت خزائني ~~مملوءة، وخزائني مملوءة لا تفنى أبدا، يا موسى لا تأنس بغيري ما وجدتني ~~أنيسا لك، ms319 ومتى طلبتني وجدتني، يا موسى، لا تأمن مكري ما لم تجز الصراط إلى ~~الجنة. وقال بعضهم: # لا تخضعن لمخلوق على طمع ... فإن ذاك مضر منك بالدين # واسترزق الله مما في خزائنه ... فإنما هي بين الكاف والنون # وقوله: " «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها» " ~~يعني: أنه سبحانه يحصي أعمال عباده، ثم يوفيهم إياها بالجزاء عليها، وهذا ~~كقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره - ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} ~~[الزلزلة: 7 - 8] [الزلزلة: 7 - 8] ، وقوله: {ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] [الكهف: 49] ، وقوله {يوم تجد كل نفس ما عملت ~~من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا} [آل ~~عمران: 30] # PageV02P051 # [آل عمران: 30] ، وقوله: {يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه ~~الله ونسوه} [المجادلة: 6] [المجادلة: 6] . وقوله: " ثم أوفيكم إياها " ~~الظاهر أن المراد توفيتها يوم القيامة كما قال تعالى: {وإنما توفون أجوركم ~~يوم القيامة} [آل عمران: 185] [آل عمران: 185] ويحتمل أن المراد: يوفي ~~عباده جزاء أعمالهم في الدنيا والآخرة كما في قوله: {من يعمل سوءا يجز به} ~~[النساء: 123] [النساء: 123] . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~فسر ذلك بأن المؤمنين يجازون بسيئاتهم في الدينا، وتدخر لهم حسناتهم في ~~الآخرة، فيوفون أجورها. وأما الكافر فإنه يعجل له في الدنيا ثواب حسناته، ~~وتدخر له سيئاته، فيعاقب بها في الآخرة، وتوفية الأعمال هي توفية جزائها من ~~خير أو شر، فالشر يجازى به مثله من غير زيادة، إلا أن يعفو الله عنه، ~~والخير تضاعف الحسنة منه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا ~~يعلم قدرها إلا الله، كما قال الله عز وجل: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب} [الزمر: 10] [الزمر: 10] . وقوله: " «فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن ~~وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه» " إشارة إلى أن الخير كله من الله فضل ~~منه على عبده، من غير استحقاق له، والشر كله من عند ابن آدم من اتباع هوى ~~نفسه، كما قال عز ms320 وجل: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك} [النساء: 79] [النساء: 79] ، وقال علي رضي الله عنه: لا يرجون عبد ~~إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، فالله سبحانه إذا أراد توفيق عبد وهدايته ~~أعانه ووفقه لطاعته، فكان ذلك فضلا منه، وإذا أراد خذلان عبد، وكله إلى ~~نفسه، وخلى بينه وبينها، فأغواه الشيطان لغفلته عن ذكر الله، واتبع هواه، ~~وكان أمره فرطا، وكان ذلك عدلا منه، فإن الحجة قائمة على العبد بإنزال ~~الكتاب، وإرسال الرسول، فما بقي لأحد من الناس على الله حجة بعد الرسل. ~~فقوله بعد هذا: " «فمن وجد خيرا، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا # PageV02P052 # يلومن إلا نفسه» " إن كان المراد: من وجد ذلك في الدنيا، فإنه يكون حينئذ ~~مأمورا بالحمد لله على ما وجده من جزاء الأعمال الصالحة الذي عجل له في ~~الدنيا كما قال: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97] [النحل: 97] ، ويكون ~~مأمورا بلوم نفسه على ما فعلت من الذنوب التي وجد عاقبتها في الدنيا، كما ~~قال تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} ~~[السجدة: 21] [السجدة: 21] ، فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء، رجع إلى ~~نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار، وفي " ~~المسند " " وسنن أبي داود " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «إن المؤمن ~~إذا أصابه سقم، ثم عافاه الله منه، كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظة له ~~فيما يستقبل من عمره، وإن المنافق إذا مرض وعوفي، كان كالبعير عقله أهله ~~وأطلقوه، لا يدري لم عقلوه ولا لم أطلقوه» ". وقال سلمان الفارسي: إن ~~المسلم ليبتلى، فيكون كفارة لما مضى ومستعتبا فيما بقي، وإن الكافر يبتلى، ~~فمثله كمثل البعير أطلق، فلم يدر لم أطلق، وعقل فلم يدر لم عقل؟ وإن كان ~~المراد من وجد خيرا أو غيره في الآخرة، كان إخبارا منه بأن الذين يجدون ~~الخير في الآخرة يحمدون الله على ذلك، وأن ms321 من وجد غير ذلك يلوم نفسه حين لا ~~ينفعه اللوم، فيكون الكلام لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، كقوله # PageV02P053 # صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» ~~والمعنى أن الكاذب عليه يتبوأ مقعده من النار. وقد أخبر الله تعالى عن أهل ~~الجنة أنهم يحمدون الله على ما رزقهم من فضله، فقال: {ونزعنا ما في صدورهم ~~من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا ~~لنهتدي لولا أن هدانا الله} [الأعراف: 43] [الأعراف: 43] وقال: {وقالوا ~~الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء} [الزمر: ~~74] [الزمر: 74] ، وقال: {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا ~~لغفور شكور - الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا ~~فيها لغوب} [فاطر: 34 - 35] [فاطر: 34 - 35] ، وأخبر عن أهل النار أنهم ~~يلومون أنفسهم، ويمقتونها أشد المقت، فقال تعالى: {وقال الشيطان لما قضي ~~الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان ~~إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} [إبراهيم: 22] ~~[إبراهيم: 22] ، وقال تعالى: {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من ~~مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} [غافر: 10] [غافر: 10] . وقد ~~كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة؛ حذرا من لوم النفس عند ~~انقطاع الأعمال على التقصير. وفي " الترمذي " عن أبي هريرة مرفوعا: " «ما ~~من ميت يموت إلا ندم، إن كان محسنا ندم على أن لا يكون ازداد، وإن كان ~~مسيئا ندم أن لا يكون استعتب» ". وقيل لمسروق: لو قصرت عن بعض ما تصنع من ~~الاجتهاد، فقال: والله # PageV02P054 # لو أتاني آت، فأخبرني أن لا يعذبني، لاجتهدت في العبادة، قيل: كيف ذاك؟ ~~قال: حتى تعذرني نفسي إن دخلت النار أن لا ألومها، أما بلغك في قول الله ~~تعالى: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} [القيامة: 2] ؟ [القيامة: 2] إنما لاموا ~~أنفسهم حين صاروا إلى جهنم، فاعتنقتهم الزبانية، وحيل بينهم وبين ما ~~يشتهون، وانقطعت عنهم الأماني، ورفعت عنهم الرحمة، وأقبل كل ms322 امرئ منهم يلوم ~~نفسه. وكان عامر بن عبد قيس يقول: والله لأجتهدن ثم والله لأجتهدن، فإن ~~نجوت فبرحمة الله، وإلا لم ألم نفسي. وكان زياد مولى ابن عياش يقول لابن ~~المنكدر ولصفوان بن سليم: الجد الجد والحذر الحذر، فإن يكن الأمر على ما ~~نرجو كان ما عملتما فضلا، وإلا لم تلوما أنفسكما. وكان مطرف بن عبد الله ~~يقول: اجتهدوا في العمل، فإن يكن الأمر كما نرجو من رحمة الله وعفوه، كانت ~~لنا درجات في الجنة، وإن يكن الأمر شديدا كما نخاف ونحاذر، لم نقل: {ربنا ~~أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل} [فاطر: 37] [فاطر: 37] ، نقول: قد ~~عملنا فلم ينفعنا ذلك. # PageV02P055 ### | [الحديث الخامس والعشرون إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة] # PageV02P055 # الحديث الخامس والعشرون. عن أبي ذر رضي الله عنه أيضا ~~«أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما ~~نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن ~~بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر ~~بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله ~~أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان ~~عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» . رواه مسلم. #  هذا الحديث خرجه مسلم من رواية ~~يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي، عن أبي ذر رضي الله عنه، وقد روي ~~معناه عن أبي ذر من وجوه كثيرة بزيادة ونقصان، وسنذكر بعضها فيما بعد إن ~~شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم لشدة ~~حرصهم على الأعمال الصالحة، وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما ~~يتعذر عليهم فعله من الخير مما يقدر عليه غيرهم، فكان الفقراء يحزنون على ~~فوات الصدقة بالأموال التي يقدر عليها ms323 الأغنياء، ويحزنون على التخلف عن ~~الخروج # PageV02P056 # في الجهاد، لعدم القدرة على آلته، وقد أخبر الله عنهم بذلك في كتابه، ~~فقال: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة: 92] [التوبة: ~~92] . وفي هذا الحديث: أن الفقراء غبطوا أهل الدثور - والدثور: هي الأموال ~~- مما يحصل لهم من أجر الصدقة بأموالهم، فدلهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~على صدقات يقدرون عليها. وفي " الصحيحين " عن أبي صالح، عن أبي هريرة «أن ~~فقراء المهاجرين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ذهب أهل الدثور ~~بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال: " وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ~~ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من قد سبقكم، وتسبقون به ~~من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى ~~يا رسول الله، قال: " تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ~~مرة "، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} [المائدة: 54] ~~[المائدة: 54] .» وقد روي نحو هذا الحديث من رواية جماعة من الصحابة منهم ~~علي، # PageV02P057 # وأبو ذر، وأبو الدرداء، وابن عمر، وابن عباس وغيرهم. ومعنى هذا أن ~~الفقراء ظنوا أن لا صدقة إلا بالمال، وهم عاجزون عن ذلك، فأخبرهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن جميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقة. وفي " صحيح مسلم ~~" عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «كل معروف صدقة.» وخرجه ~~البخاري من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالصدقة تطلق على جميع ~~أنواع فعل المعروف والإحسان، حتى إن فضل الله الواصل منه إلى عباده صدقة ~~منه عليهم. وقد كان بعض السلف ينكر ذلك، ويقول إنما الصدقة ممن يطلب ms324 جزاءها ~~وأجرها، والصحيح خلاف ذلك، وقد «قال النبي صلى الله عليه وسلم في قصر ~~الصلاة في السفر: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» خرجه مسلم، ~~وقال: " «من كانت له صلاة بليل، فغلب عليه نوم فنام عنها، كتب الله له أجر ~~صلاته، # PageV02P058 # وكان نومه صدقة من الله تصدق بها عليه» " خرجه النسائي وغيره من حديث ~~عائشة، وخرجه ابن ماجه من حديث أبي الدرداء. وفي " مسندي " بقي بن مخلد ~~والبزار من حديث أبي ذر مرفوعا: " «ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا لله ~~فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده، وما من الله على عبد مثل أن يلهمه ~~ذكره» ". وقال خالد بن معدان: إن الله يتصدق كل يوم بصدقة، وما تصدق الله ~~على أحد من خلقه بشيء خير من أن يتصدق عليه بذكره. والصدقة بغير المال ~~نوعان: أحدهما: ما فيه تعدية الإحسان إلى الخلق، فيكون صدقة عليهم، وربما ~~كان أفضل من الصدقة بالمال، وهذا كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإنه ~~دعاء إلى طاعة الله، وكف عن معاصيه، وذلك خير من النفع بالمال، وكذلك تعليم ~~العلم النافع، وإقراء القرآن، وإزالة الأذى عن الطريق، والسعي في جلب النفع ~~للناس، ودفع الأذى عنهم. وكذلك الدعاء للمسلمين والاستغفار لهم. وخرج ابن ~~مردويه بإسناد فيه ضعف عن ابن عمر مرفوعا: " «من كان له مال، فليتصدق من ~~ماله، ومن كان له قوة، فليتصدق من قوته، ومن كان له علم، فليتصدق من علمه» ~~" ولعله موقوف. # PageV02P059 # وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~«أفضل الصدقة صدقة اللسان " قيل: يا رسول الله، وما صدقة اللسان؟ قال: " ~~الشفاعة تفك بها الأسير، وتحقن بها الدم، وتجر بها المعروف والإحسان إلى ~~أخيك، وتدفع عنه الكريهة» ". وقال عمرو بن دينار: بلغنا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: " «ما من صدقة أحب إلى الله من قول، ألم تسمع إلى قوله ~~تعالى: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى} [البقرة: 263] » ~~[البقرة: 263] " خرجه ابن أبي ms325 حاتم. وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " «إن من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت طليق الوجه» " خرجه ابن ~~أبي الدنيا. وقال معاذ: تعليم العلم لمن لا يعلمه صدقة. وروي مرفوعا. ومن ~~أنواع الصدقة كف الأذى عن الناس، ففي " الصحيحين " «عن أبي ذر قال: قلت: يا ~~رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله " قلت: ~~فأي الرقاب أفضل؟ قال: " أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا " قلت: فإن لم ~~أفعل؟ قال: " تعين صانعا، وتصنع لأخرق ". قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت ~~عن بعض العمل؟ قال: " تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة» . # PageV02P060 # وقد روي في حديث أبي ذر زيادات أخرى، فخرج الترمذي من حديث أبي ذر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك ~~بالمعروف، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، ~~وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو ~~أخيك لك صدقة» ". وخرج ابن حبان في " صحيحه " من حديث أبي ذر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم ~~طلعت فيه الشمس قيل: يا رسول الله، ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟ قال: إن ~~أبواب الجنة لكثيرة: التسبيح، والتكبير، والتحميد، والأمر بالمعروف، والنهي ~~عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل ~~المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ~~ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك» . وخرج الإمام أحمد من حديث ~~أبي ذر قال: «قلت: يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجر، يتصدقون ولا نتصدق، ~~قال: " وأنت فيك صدقة: رفعك العظم عن الطريق صدقة، وهدايتك الطريق صدقة، ~~وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة، وبيانك عن الأغتم صدقة، ومباضعتك امرأتك صدقة ~~"، قلت: يا # PageV02P061 # رسول الله، نأتي شهوتنا ونؤجر؟ ! قال: " أرأيت لو جعله في حرام، أكان ~~يأثم؟ " قال: قلت: نعم، قال: " أفتحتسبون بالشر ولا تحتسبون ms326 بالخير» ؟ " ~~وفي رواية أخرى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " «إن فيك صدقة كثيرة، ~~فذكر فضل سمعك وفضل بصرك» " وفي رواية أخرى للإمام أحمد: قال: " «إن من ~~أبواب الصدقة التكبير وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وأستغفر ~~الله، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوكة عن الطريق والعظم ~~والحجر، وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على ~~حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع ~~بشدة ذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك في جماعك ~~زوجتك أجر " قلت: كيف يكون لي أجر في شهوتي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أرأيت لو كان لك ولد، فأدرك ورجوت خيره، فمات، أكنت تحتسب به؟ قلت: ~~نعم، قال: فأنت خلقته؟ قلت: بل الله خلقه، قال: أفأنت هديته؟ قلت: بل الله ~~هداه، قال: أفأنت كنت ترزقه؟ قلت: بل الله كان يرزقه، قال: كذلك فضعه في ~~حلاله وجنبه حرامه، فإن شاء الله أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر» ". وظاهر ~~هذا السياق يقتضي أنه يؤجر على جماعه لأهله بنية طلب الولد الذي يترتب ~~الأجر على تربيته وتأديبه في حياته، ويحتسبه عند موته، وأما إذا لم ينو ~~شيئا بقضاء شهوته، فهذا قد تنازع الناس في دخوله في هذا الحديث. # PageV02P062 # وقد صح الحديث بأن نفقة الرجل على أهله صدقة، ففي " الصحيحين " عن أبي ~~مسعود الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نفقة الرجل على أهله ~~صدقة» وفي رواية لمسلم: " وهو يحتسبها "، وفي لفظ للبخاري: " «إذا أنفق ~~الرجل على أهله وهو يحتسبها، فهو له صدقة» "، فدل على أنه إنما يؤجر فيها ~~إذا احتسبها عند الله كما في حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ~~اللقمة ترفعها إلى في امرأتك» خرجاه. وفي " صحيح مسلم " عن ثوبان عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل الدنانير دينار ينفقه الرجل ms327 على عياله، ~~ودينار ينفقه على فرس في سبيل الله، ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل ~~الله» قال أبو قلابة عند رواية هذا الحديث: بدأ بالعيال، وأي رجل أعظم أجرا ~~من رجل ينفق على عيال له صغار يعفهم الله به، ويغنيهم الله به. وفيه أيضا ~~عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما ~~تأكل امرأتك من مالك صدقة» وهذا قد ورد مقيدا في الرواية الأخرى بابتغاء ~~وجه الله. وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به ~~على # PageV02P063 # مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أفضلها الدينار الذي أنفقته على أهلك» . ~~وخرج الإمام أحمد، وابن حبان في " صحيحه " من حديث أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا فقال رجل: عندي دينار، فقال: " تصدق به ~~على نفسك " قال عندي دينار آخر، قال: " تصدق به على زوجتك " قال: عندي ~~دينار آخر، قال: " تصدق به على ولدك " قال: عندي دينار آخر، قال: " تصدق به ~~على خادمك " قال: عندي دينار آخر، قال: أنت أبصر» . وخرج الإمام أحمد من ~~حديث المقدام بن معدي كرب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أطعمت ~~نفسك، فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك، فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك ~~صدقة، وما أطعمت خادمك، فهو لك صدقة» وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة يطول ~~ذكرها. وفي " الصحيحين " عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من ~~مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان أو طير أو دابة، إلا كان له ~~صدقة» . وفي " صحيح مسلم " عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما ~~من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما ~~أكل السبع منه، فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد ~~إلا كان ms328 له صدقة» . وفي رواية له أيضا: " «فيأكل منه إنسان، ولا دابة، ولا ~~طائر إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة» ". # PageV02P064 # وفي " المسند " بإسناد ضعيف عن معاذ بن أنس الجهني عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " «من بنى بنيانا في غير ظلم ولا اعتداء، أو غرس غراسا في ~~غير ظلم ولا اعتداء، إلا كان له أجرا جاريا ما انتفع به أحد من خلق الرحمن» ~~". وذكر البخاري في " تاريخه " من حديث جابر مرفوعا: " «من حفر ماء لم تشرب ~~منه كبد حرى من جن ولا إنس ولا سبع ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة» ". ~~وظاهر هذه الأحاديث كلها يدل على أن هذه الأشياء تكون صدقة يثاب عليها ~~الزارع والغارس ونحوهما من غير قصد ولا نية، وكذلك قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " «أرأيت لو وضعها في الحرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في ~~الحلال كان له أجر» " يدل بظاهره على أنه يؤجر في إتيان أهله من غير نية، ~~فإن المباضع لأهله كالزارع في الأرض التي يحرث ويبذر فيها، وقد ذهب إلى هذا ~~طائفة من العلماء، ومال إليه أبو محمد بن قتيبة في الأكل والشرب والجماع، ~~واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى في ~~اللقمة يرفعها إلى فيه» . وهذا اللفظ الذي استدل به غير معروف، إنما ~~المعروف قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: " «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها ~~وجه الله إلا أجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك» "، وهو مقيد ~~بإخلاص النية لله، فتحمل الأحاديث المطلقة عليه؛ والله أعلم. ويدل عليه ~~أيضا قول الله عز وجل: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو ~~معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما} [النساء: 114] [النساء: 114] ، # PageV02P065 # فجعل ذلك خيرا، ولم يرتب عليه الأجر إلا مع نية الإخلاص. وأما إذا فعله ~~رياء، فإنه يعاقب عليه، وإنما محل التردد إذا فعله بغير نية صالحة ولا ms329 ~~فاسدة. وقد قال أبو سليمان الداراني: من عمل عمل خير من غير نية كفاه نية ~~اختياره للإسلام على غيره من الأديان، وظاهر هذا أنه يثاب عليه من غير نية ~~بالكلية، لأنه بدخوله في الإسلام مختار لأعمال الخير في الجملة، فيثاب على ~~كل عمل يعمله منها بتلك النية، والله أعلم. وقوله: " «أرأيت لو وضعها في ~~الحرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجر» ". هذا ~~يسمى عند الأصوليين قياس العكس، ومنه قول ابن مسعود، قال: «قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم كلمة وقلت أنا أخرى، قال: من مات يشرك بالله شيئا دخل ~~النار، وقلت: من مات لا يشرك بالله دخل الجنة» . والنوع الثاني من الصدقة ~~التي ليست مالية: ما نفعه قاصر على فاعله، كأنواع الذكر: من التكبير، ~~والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والاستغفار، وكذلك المشي إلى المساجد صدقة، ~~ولم يذكر في شيء من الأحاديث الصلاة والصيام والحج والجهاد أنه صدقة، وأكثر ~~هذه الأعمال أفضل من الصدقات المالية، لأنه إنما ذكر جوابا لسؤال الفقراء ~~الذين سألوه عما يقاوم تطوع الأغنياء بأموالهم، وأما الفرائض، فإنهم قد ~~كانوا كلهم مشتركين فيها. وقد تكاثرت النصوص بتفضيل الذكر على الصدقة ~~بالمال وغيرها من # PageV02P066 # الأعمال، كما في حديث أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~«ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير ~~لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ~~ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " ذكر الله عز وجل» " ~~خرجه الإمام أحمد والترمذي، وذكره مالك في " الموطأ " موقوفا على أبي ~~الدرداء. وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ~~ويميت، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت ~~له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى ~~يمسي، ولم يأت ms330 أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك» . وفيهما ~~أيضا عن أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قالها عشر ~~مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل» . وخرج الإمام أحمد، ~~والترمذي من حديث أبي سعيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي العباد ~~أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرا " قلت: # PageV02P067 # يا رسول الله، ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: " لو ضرب بسيفه في الكفار ~~والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما، لكان الذاكرون لله أفضل منه درجة» . ويروى ~~نحوه من حديث معاذ وجابر مرفوعا، والصواب وقفه على معاذ من قوله. وخرج ~~الطبراني من حديث أبي الوازع، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: " «لو أن رجلا في حجره دراهم يقسمها، وآخر يذكر الله، كان ~~الذاكر أفضل» ". قلت: الصحيح عن أبي الوازع عن أبي برزة الأسلمي من قوله. ~~خرجه جعفر الفريابي. وخرج أيضا من حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: " «من كبر مائة، وسبح # PageV02P068 # مائة، وهلل مائة، كانت خيرا له من عشر رقاب يعتقها، ومن سبع بدنات ~~ينحرها» ". وخرج ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي الدرداء أنه قيل له: إن ~~رجلا أعتق مائة نسمة، فقال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير، وأفضل من ذلك ~~إيمان ملزوم بالليل والنهار، وأن لا يزال لسان أحدكم رطبا من ذكر الله عز ~~وجل. وعن أبي الدرداء أيضا، قال: لأن أقول: الله أكبر مائة مرة أحب إلي من ~~أن أتصدق بمائة دينار. وكذلك قال سلمان الفارسي وغيره من الصحابة ~~والتابعين: إن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال. وخرج الإمام أحمد ~~والنسائي من حديث أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «سبحي الله ~~مائة تسبيحة، فإنها تعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة ~~تحميدة، فإنها تعدل لك مائة فرس ملجمة مسرجة تحملين عليهن في سبيل الله، ~~وكبري الله مائة ms331 تكبيرة، فإنها تعدل مائة بدنة مقلدة متقبلة، وهللي الله ~~مائة تهليلة - لا أحسبه إلا قال: - تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع ~~يومئذ لأحد مثل عملك إلا أن يأتي بمثل ما أتيت» وخرجه أحمد أيضا وابن ماجه، ~~وعندهما: " «وقولي: لا إله إلا الله مائة مرة، لا تذر ذنبا، ولا يسبقها ~~العمل» ". # PageV02P069 # وخرجه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بنحوه. وخرج الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا: قال: " «ما من ~~صدقة أفضل من ذكر الله عز وجل» ". وخرج الفريابي بإسناد فيه نظر عن أبي ~~أمامة مرفوعا: " «من فاته الليل أن يكابده، ويبخل بماله أن ينفقه، وجبن من ~~العدو أن يقاتله، فليكثر من سبحان الله وبحمده، فإنها أحب إلى الله عز وجل ~~من جبل ذهب، أو جبل فضة ينفقه في سبيل الله عز وجل» ". وخرج البزار بإسناد ~~مقارب من حديث ابن عباس مرفوعا قال في حديثه: " «فليكثر ذكر الله» "، ولم ~~يزد على ذلك، وفي المعنى أحاديث أخر متعددة. # PageV02P070 ### | [الحديث السادس والعشرون كل سلامى من الناس عليه صدقة] # PageV02P070 # الحديث السادس والعشرون عن أبي هريرة، رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل سلامى من الناس عليه صدقة كل ~~يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته، فتحمله ~~عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة ~~تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة» . رواه البخاري ~~ومسلم. #  هذا الحديث خرجاه من رواية همام بن ~~منبه عن أبي هريرة، وخرجه البزار من رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «للإنسان ثلاثمائة وستون عظما، أو ستة وثلاثون ~~سلامى، عليه في كل يوم صدقة " قالوا: فمن لم يجد؟ قال: " يأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر " قالوا: فمن لم يستطع؟ قال: " يرفع عظما عن الطريق " ~~قالوا: فمن لم يستطع؟ قال: " فليعن ضعيفا " قالوا: فمن لم يستطع ذلك؟ ms332 قال: ~~فليدع الناس من شره» . وخرج مسلم من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «خلق ابن آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن ذكر الله، وحمد الله، ~~وهلل الله، وسبح الله، وعزل حجرا عن طريق المسلمين، أو عزل شوكة، أو عزل ~~عظما، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى ~~أمسى من يومه وقد زحزح نفسه عن النار» . # PageV02P071 # وخرج مسلم أيضا من رواية أبي الأسود الديلمي عن أبي ذر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، ~~وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ~~ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» . وخرج الإمام ~~أحمد وأبو داود من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في ~~الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلا، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة قالوا: ~~ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: النخاعة في المسجد تدفنها، والشيء تنحيه عن ~~الطريق، فإن لم تجد، فركعتا الضحى تجزئك» . وفي " الصحيحين " عن أبي موسى، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على كل مسلم صدقة قالوا: فإن لم يجد؟ ~~قال: فيعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدق قالوا: فإن لم يستطع، أو لم يفعل؟ قال: ~~يعين ذا الحاجة الملهوف قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: فليأمر بالمعروف قالوا: ~~فإن لم يفعل؟ قال: فليمسك عن الشر فإنه صدقة» . وخرج ابن حبان في " صحيحه " ~~من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «على كل منسم من ابن ~~آدم صدقة كل يوم فقال رجل من القوم: ومن # PageV02P072 # يطيق هذا؟ قال: أمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، والحمل على ~~الضعيف صدقة، وكل خطوة يخطوها أحدكم إلى الصلاة صدقة» . وخرجه البزار ~~وغيره. وفي رواية: «على كل ميسم من الإنسان صدقة كل يوم أو صلاة فقال رجل: ~~هذا من أشد ما أتيتنا به، فقال: إن أمرا بالمعروف ونهيا عن ms333 المنكر صلاة أو ~~صدقة، وحملك عن الضعيف صلاة، وإنحاؤك القذر عن الطريق صلاة، وكل خطوة ~~تخطوها إلى الصلاة صلاة» . وفي رواية البزار: «وإماطة الأذى عن الطريق ~~صدقة» أو قال: " صلاة ". قال بعضهم: يريد بالميسم كل عضو على حدة مأخوذ من ~~الوسم: وهو العلامة، إذ ما من عظم ولا عرق ولا عصب إلا وعليه أثر صنع الله، ~~فيجب على العبد الشكر على ذلك والحمد لله على خلقه سويا صحيحا، وهذا هو ~~المراد بقوله: عليه صلاة كل يوم، لأن الصلاة تحتوي على الحمد والشكر ~~والثناء. وخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس رفع الحديث إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «على كل سلامى، أو على كل عضو من بني آدم في كل يوم ~~صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتا الضحى» . ويروى من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «على كل نفس في كل يوم صدقة قيل: فإن كان لا يجد ~~شيئا؟ قال: أليس بصيرا شهما فصيحا صحيحا؟ قال: بلى، قال: يعطي من قليله ~~وكثيره، وإن بصرك للمنقوص بصره صدقة، وإن سمعك للمنقوص سمعه صدقة» . وقد ~~ذكرنا في شرح الحديث الماضي - حديث أبي ذر - الذي خرجه ابن # PageV02P073 # حبان في " صحيحه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من نفس ابن آدم ~~إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس قيل: يا رسول الله، ومن أين لنا ~~صدقة نتصدق بها؟ قال: إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيح، والتحميد، والتكبير، ~~والتهليل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، ~~وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع ~~اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على ~~نفسك» . فقوله صلى الله عليه وسلم: «على كل سلامى من الناس عليه صدقة» قال ~~أبو عبيد: السلامى في الأصل عظم يكون في فرسن البعير، قال: فكأن معنى ~~الحديث: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة، يشير أبو عبيد إلى أن السلامى ~~اسم لبعض العظام ms334 الصغار التي في الإبل، ثم عبر بها عن العظام في الجملة ~~بالنسبة إلى الآدمي وغيره. فمعنى الحديث عنده: على كل عظم من عظام ابن آدم ~~صدقة. وقال غيره: السلامى: عظم في طرف اليد والرجل، وكنى بذلك عن جميع عظام ~~الجسد، والسلامى جمع، وقيل: هو مفرد. وقد ذكر علماء الطب أن جميع عظام ~~البدن مائتان وثمانية وأربعون عظما سوى السمسمانيات، وبعضهم يقول: هي ~~ثلاثمائة وستون عظما، يظهر منها للحس مائتان وخمسة وستون عظما، والباقية ~~صغار لا تظهر تسمى السمسمانية، وهذه الأحاديث تصدق هذا القول، ولعل السلامى ~~عبر بها عن هذه العظام الصغار، كما أنها في الأصل اسم لأصغر ما في البعير ~~من العظام، ورواية البزار لحديث أبي هريرة يشهد لهذا، حيث قال فيها: " أو ~~ستة وثلاثون سلامى " وقد # PageV02P074 # خرجه غير البزار، وقال فيه: " «إن في ابن آدم ستمائة وستين عظما» " وهذه ~~الرواية غلط. وفي حديث عائشة وبريدة ذكر ثلاثمائة وستين مفصلا. ومعنى ~~الحديث: «أن تركيب هذه العظام وسلامتها من أعظم نعم الله على عبده، فيحتاج ~~كل عظم منها إلى صدقة يتصدق ابن آدم عنه، ليكون ذلك شكرا لهذه النعمة» . ~~قال الله عز وجل: {ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم - الذي خلقك فسواك ~~فعدلك - في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 6 - 8] [الانفطار: 6 - 8] . ~~وقال عز وجل: {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ~~ما تشكرون} [الملك: 23] [الملك: 23] ، وقال: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم ~~لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} [النحل: ~~78] [النحل: 78] وقال: {ألم نجعل له عينين - ولسانا وشفتين} [البلد: 8 - 9] ~~[البلد: 8 - 9] ، قال مجاهد: هذه نعم من الله متظاهرة يقررك بها كيما تشكر، ~~وقرأ الفضل ليلة هذه الآية، فبكى فسئل عن بكائه، فقال: هل بت ليلة شاكرا ~~لله أن جعل لك عينين تبصر بهما؟ هل بت ليلة شاكرا لله أن جعل لك لسانا تنطق ~~به؟ وجعل يعدد من هذا الضرب. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلمان ~~الفارسي، قال: إن رجلا بسط له من ms335 الدنيا، فانتزع ما في يديه، فجعل يحمد ~~الله عز وجل، ويثني عليه، حتى لم يكن له فراش إلا بوري، فجعل يحمد الله، ~~ويثني عليه، وبسط للآخر من الدنيا، فقال لصاحب البوري: أرأيتك أنت على ما ~~تحمد الله عز وجل؟ قال: أحمد الله على ما لو أعطيت به ما أعطي الخلق لم ~~أعطهم إياه، قال: # PageV02P075 # وما ذاك؟ قال: أرأيت بصرك؟ أرأيت لسانك؟ أرأيت يديك؟ أرأيت رجليك؟ ~~وبإسناده عن أبي الدرداء أنه كان يقول: الصحة غنى الجسد. وعن يونس بن عبيد ~~أن رجلا شكا إليه ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك أن لك ببصرك هذا الذي تبصر ~~به مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبيدك مائة ألف درهم؟ قال: لا، قال: ~~فرجليك؟ قال: لا، قال: فذكره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوف ~~وأنت تشكو الحاجة. وعن وهب بن منبه، قال: مكتوب في حكمة آل داود: العافية ~~الملك الخفي. وعن بكر المزني قال: يا ابن آدم، إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم ~~الله عليك، فغمض عينيك. وفي بعض الآثار: كم من نعمة لله في عرق ساكن. وفي " ~~صحيح البخاري " عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «نعمتان ~~مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» . فهذه النعم مما يسأل الإنسان ~~عن شكرها يوم القيامة، ويطالب به كما قال تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن ~~النعيم} [التكاثر: 8] [التكاثر: 8] وخرج الترمذي وابن حبان # PageV02P076 # من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن أول ما يسأل ~~عنه العبد يوم القيامة من النعيم، فيقول له: ألم نصح لك جسمك، ونرويك من ~~الماء البارد؟» . وقال ابن مسعود رضي الله عنه: النعيم الأمن والصحة. وروي ~~عنه مرفوعا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {ثم لتسألن يومئذ ~~عن النعيم} [التكاثر: 8] [التكاثر: 8] ، قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع ~~والأبصار، يسأل الله العباد فيما استعملوها؟ وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله ~~تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ms336 مسئولا} [الإسراء: 36] ~~[الإسراء: 36] . وخرج الطبراني من رواية أيوب بن عتبة - وفيه ضعف - عن ~~عطاء، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إله إلا الله، ~~كان له بها عهد عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده، كتب له بها مائة ألف ~~حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله؟ ~~قال: إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل، لو وضع على جبل لأثقله، فتقوم ~~النعمة من نعم الله، فتكاد أن تستنفد ذلك كله، إلا أن يتطاول الله برحمته» ~~. # PageV02P077 # وروى ابن أبي الدنيا بإسناد فيه ضعف أيضا عن أنس، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «يؤتى بالنعم يوم القيامة، وبالحسنات والسيئات، فيقول الله لنعمة ~~من نعمه: خذي حقك من حسناته فما تترك له حسنة إلا ذهبت بها» . وبإسناده عن ~~وهب بن منبه قال: عبد الله عابد خمسين عاما، فأوحى الله عز وجل إليه: إني ~~قد غفرت لك، قال: يا رب، وما تغفر لي ولم أذنب؟ فأذن الله عز وجل لعرق في ~~عنقه، فضرب عليه، فلم ينم، ولم يصل، ثم سكن وقام، فأتاه ملك، فشكا إليه ما ~~لقي من ضربان العرق، فقال الملك: إن ربك عز وجل يقول: عبادتك خمسين سنة ~~تعدل سكون ذلك العرق. وخرج الحاكم هذا المعنى مرفوعا من رواية سلمان بن هرم ~~القرشي عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن جبريل ~~أخبره أن عابدا عبد الله على رأس جبل في البحر خمسمائة سنة، ثم سأل ربه أن ~~يقبضه وهو ساجد، قال: فنحن نمر عليه إذا هبطنا وإذا عرجنا، ونجد في العلم ~~أنه يبعث يوم # PageV02P078 # القيامة، فيوقف بين يدي الله عز وجل، فيقول الله عز وجل: أدخلو عبدي ~~الجنة برحمتي، فيقول العبد: يا رب، بعملي، ثلاث مرات، ثم يقول الله ~~للملائكة: قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله، فيجدون نعمة البصر قد أحاطت ~~بعبادة خمسمائة سنة، وبقيت نعم الجسد له، فيقول: أدخلوا عبدي النار، فيجر ~~إلى النار، ms337 فينادي ربه: برحمتك أدخلني الجنة، برحمتك أدخلني الجنة، فيدخله ~~الجنة، قال جبريل: إنما الأشياء برحمة الله يا محمد» . وسلمان بن هرم، قال ~~العقيلي: هو مجهول وحديثه غير محفوظ. وروى الخرائطي بإسناد فيه نظر عن عبد ~~الله بن عمرو مرفوعا: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيوقف بين يدي الله عز وجل ~~فيقول للملائكة: انظروا في عمل عبدي ونعمتي عليه، فينظرون فيقولون: ولا ~~بقدر نعمة واحدة من نعمك عليه، فيقول: انظروا في عمله سيئه وصالحه، فينظرون ~~فيجدونه كفافا، فيقول: عبدي، قد قبلت حسناتك، وغفرت لك سيئاتك، وقد وهبت لك ~~نعمتي فيما بين ذلك» . والمقصود: أن الله تعالى أنعم على عباده بما لا ~~يحصونه كما قال: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34] [إبراهيم: ~~34] وطلب منهم الشكر، ورضي به منهم. قال سليمان التيمي: إن الله أنعم على ~~العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرهم حتى رضي منهم من الشكر بالاعتراف ~~بقلوبهم بنعمه، وبالحمد بألسنتهم عليها، كما خرجه أبو داود والنسائي من ~~حديث عبد الله بن غنام، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال «من قال: حين ~~يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، ~~فلك الحمد ولك الشكر، فقد # PageV02P079 # أدى شكر ذلك اليوم، ومن قالها حين يمسي أدى شكر ليلته» . وفي رواية ~~النسائي عن عبد الله بن عباس. وخرج الحاكم من حديث عائشة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «ما أنعم الله على عبد نعمة، فعلم أنها من عند الله إلا كتب ~~الله شكرها قبل أن يشكرها، وما أذنب عبد ذنبا، فندم عليه إلا كتب الله له ~~مغفرته قبل أن يستغفره» . وقال أبو عمرو الشيباني: قال موسى عليه السلام ~~يوم الطور: يا رب، إن أنا صليت فمن قبلك، وإن أنا تصدقت فمن قبلك، وإن أنا ~~بلغت رسالتك فمن قبلك، فكيف أشكرك؟ قال: الآن شكرتني. وعن الحسن قال: قال ~~موسى عليه السلام: يا رب، كيف يستطيع آدم أن يؤدي شكر ما صنعت إليه؟ خلقته ~~بيدك، ms338 ونفخت فيه من روحك، وأسكنته جنتك، وأمرت الملائكة فسجدوا له، فقال: ~~يا موسى، علم أن ذلك مني، فحمدني عليه، فكان ذلك شكرا لما صنعته. # PageV02P080 # وعن أبي الجلد قال: قرأت في مسألة داود أنه قال: أي رب كيف لي أن أشكرك ~~وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي: أن يا داود، أليس تعلم ~~أن الذي بك من النعم مني؟ قال: بلى يا رب، قال: فإني أرضى بذلك منك شكرا. ~~قال: وقرأت في مسألة موسى: يا رب، كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي ~~من نعمك لا يجازي بها عملي كله؟ قال: فأتاه الوحي: أن يا موسى، الآن ~~شكرتني. وقال بكر بن عبد الله ما قال: عبد قط: الحمد لله مرة، إلا وجبت ~~عليه نعمة بقوله: الحمد لله، فما جزاء تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقول: الحمد ~~لله، فجاءت نعمة أخرى، فلا تنفد نعماء الله. وقد روى ابن ماجه من حديث أنس ~~مرفوعا: «ما أنعم الله على عبد نعمة، فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطي ~~أفضل مما أخذ» . وروينا نحوه من حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد مرفوعا ~~أيضا. وروي هذا عن الحسن البصري من قوله. # PageV02P081 # وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إني بأرض قد كثرت فيها النعم، حتى ~~لقد أشفقت على أهلها من ضعف الشكر، فكتب إليه عمر: إني قد كنت أراك أعلم ~~بالله مما أنت، إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها، إلا كان ~~حمده أفضل من نعمته، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله ~~تعالى: {ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير ~~من عباده المؤمنين} [النمل: 15] [النمل: 15] ، وقال الله: {وسيق الذين ~~اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها} [الزمر: 73] إلى قوله: {وقالوا ~~الحمد لله} [الزمر: 74] [الزمر: 73] وأي نعمة أفضل من دخول الجنة؟ . وقد ~~ذكر ابن أبي الدنيا في " كتاب الشكر " عن بعض العلماء أنه صوب هذا القول، ms339 ~~أعني قول من قال: إن الحمد أفضل من النعم، وعن ابن عيينة أنه خطأ قائله، ~~وقال: لا يكون فعل العبد أفضل من فعل الرب عز وجل. ولكن الصواب قول من ~~صوبه، فإن المراد بالنعم: النعم الدنيوية، كالعافية والرزق والصحة، ودفع ~~المكروه، ونحو ذلك، والحمد لله هو من النعم الدينية، وكلاهما نعمة من الله، ~~لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه بالحمد عليها أفضل من نعمه ~~الدنيوية على عبده، فإن النعم الدنيوية إن لم يقترن بها الشكر، كانت بلية ~~كما قال أبو حازم: كل نعمة لا تقرب من الله فهي بلية، فإذا وفق الله عبده ~~للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر، كانت هذه النعمة ~~خيرا من تلك النعم وأحب إلى الله عز وجل منها، فإن الله # PageV02P082 # يحب المحامد، ويرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة ~~فيحمده عليها، والثناء بالنعم والحمد عليها وشكرها عند أهل الجود والكرم ~~أحب إليهم من أموالهم، فهم يبذلونها طلبا للثناء، والله عز وجل أكرم ~~الأكرمين، وأجود الأجودين، فهو يبذل نعمه لعباده، ويطلب منهم الثناء بها ~~وذكرها، والحمد عليها، ويرضى منهم بذلك شكرا عليها، وإن كان ذلك كله من ~~فضله عليهم، وهو غير محتاج إلى شكرهم، لكنه يحب ذلك من عباده، حيث كان صلاح ~~العبد وفلاحه وكماله فيه. ومن فضله سبحانه أنه نسب الحمد والشكر إليهم، وإن ~~كان من أعظم نعمه عليهم، وهذا كما أنه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال، ثم ~~استقرض منهم بعضه، ومدحهم بإعطائه، والكل ملكه ومن فضله، ولكن كرمه اقتضى ~~ذلك، ومن هنا يعلم معنى الأثر الذي جاء مرفوعا وموقوفا: " «الحمد لله حمدا ~~يوافي نعمه، ويكافئ مزيده» ". ولنرجع الآن إلى تفسير حديث: «كل سلامى من ~~الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس» . يعني: أن الصدقة على ابن آدم عن ~~هذه الأعضاء في كل يوم من أيام الدنيا، فإن اليوم قد يعبر به عن مدة أزيد ~~من ذلك، كما يقال: يوم صفين، وكان مدة أيام، وعن مطلق ms340 الوقت كما في قوله: ~~{ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم} [هود: 8] [هود: 8] ، وقد يكون ذلك ليلا ~~ونهارا، فإذا قيل: كل يوم تطلع فيه الشمس، علم أن هذه الصدقة على ابن آدم ~~في كل يوم يعيش فيه من أيام الدنيا، وظاهر الحديث يدل على أن هذا الشكر ~~بهذه الصدقة واجب على المسلم كل يوم، ولكن الشكر على درجتين: إحداهما: ~~واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويتجنب المحارم، فهذا لا بد # PageV02P083 # منه، ويكفي في شكر هذه النعم، ويدل على ذلك ما خرجه أبو داود من حديث أبي ~~الأسود الديلي، قال: «كنا عند أبي ذر، فقال: يصبح على كل سلامى من أحدكم في ~~كل يوم صدقة، فله بكل صلاة صدقة، وصيام صدقة، وحج صدقة، وتسبيح صدقة، ~~وتكبير صدقة، وتحميد صدقة، فعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه ~~الأعمال الصالحات قال: يجزئ أحدكم من ذلك ركعتا الضحى» وقد تقدم في حديث ~~أبي موسى المخرج في " الصحيحين ": «فإن لم يفعل، فليمسك عن الشر، فإنه له ~~صدقة» . وهذا يدل على أنه يكفيه أن لا يفعل شيئا من الشر، وإنما يكون ~~مجتنبا للشر إذا قام بالفرائض، واجتنب المحارم، فإن أعظم الشر ترك الفرائض، ~~ومن هنا قال بعض السلف: الشكر ترك المعاصي. وقال بعضهم: الشكر أن لا يستعان ~~بشيء من النعم على معصية. وذكر أبو حازم الزاهد شكر الجوارح كلها وأن تكف ~~عن المعاصي، وتستعمل في الطاعات، ثم قال: وأما من شكر بلسانه، ولم يشكر ~~بجميع أعضائه، فمثله كمثل رجل له كساء، فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه ~~ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لينظر ~~العبد في نعم الله عليه في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك، ليس من ~~هذا شيء إلا وفيه نعمة من الله عز وجل، حق على العبد أن يعمل بالنعم اللاتي ~~هي في بدنه لله عز وجل # PageV02P084 # في طاعته، ونعمة أخرى في الرزق، حق عليه أن يعمل لله عز وجل فيما أنعم ~~عليه من الرزق ms341 في طاعته، فمن عمل بهذا، كان قد أخذ بحزم الشكر وأصله وفرعه. ~~ورأى الحسن رجلا يتبختر في مشيته، فقال: لله في كل عضو منه نعمة، اللهم لا ~~تجعلنا ممن يتقوى بنعمك على معصيتك. الدرجة الثانية من الشكر: الشكر ~~المستحب، وهو أن يعمل العبد بعد أداء الفرائض واجتناب المحارم بنوافل ~~الطاعات، وهذه درجة السابقين المقربين، وهي التي أرشد إليها النبي صلى الله ~~عليه وسلم في هذه الأحاديث التي سبق ذكرها، وكذلك «كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يجتهد في الصلاة، ويقوم حتى تنفطر قدماه، فإذا قيل له: أتفعل هذا وقد ~~غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا» . ~~وقال بعض السلف: لما قال الله عز وجل: {اعملوا آل داود شكرا} [سبأ: 13] ~~[سبأ: 13] ، لم يأت عليهم ساعة من ليل أو نهار إلا وفيهم مصل يصلي. وهذا مع ~~أن بعض هذه الأعمال التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم واجب: إما على ~~الأعيان، كالمشي إلى الصلاة عند من يرى وجوب الصلاة في الجماعات في ~~المساجد، وإما على الكفاية، كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإغاثة ~~الملهوف، والعدل بين الناس، إما في الحكم بينهم، أو في الإصلاح. وقد # PageV02P085 # روي من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل ~~الصدقة إصلاح ذات البين» . وهذه الأنواع التي أشار إليها النبي صلى الله ~~عليه وسلم من الصدقة، منها ما نفعه متعد كالإصلاح، وإعانة الرجل على دابته ~~يحمله عليها أو يرفع متاعه عليها، والكلمة الطيبة، ويدخل فيها السلام، ~~وتشميت العاطس، وإزالة الأذى عن الطريق، والأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر، ودفن النخامة في المسجد، وإعانة ذي الحاجة الملهوف، وإسماع الأصم ~~والبصر للمنقوص بصره، وهداية الأعمى، أو غيره الطريق. وجاء في بعض روايات ~~حديث أبي ذر «وبيانك عن الأرتم صدقة» يعني: من لا يطيق الكلام، إما لآفة في ~~لسانه، أو لعجمة في لغته، فيبين عنه ما يحتاج إلى بيانه. ومنه ما هو قاصر ~~النفع: كالتسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل، والمشي إلى ms342 الصلاة، وصلاة ~~ركعتي الضحى، وإنما كانتا مجزئتين عن ذلك كله، لأن في الصلاة استعمالا ~~للأعضاء كلها في الطاعة والعبادة، فتكون كافية في شكر نعمة سلامة هذه ~~الأعضاء. وبقية هذه الخصال المذكورة أكثرها استعمال لبعض أعضاء البدن خاصة، ~~فلا تكمل الصدقة بها حتى يأتي منها بعدد سلامى البدن، وهي ثلاثمائة وستون ~~كما في حديث عائشة رضي الله عنها. # PageV02P086 # وفي " المسند " عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أتدرون ~~أي الصدقة أفضل وخير؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: المنحة أن تمنح أخاك ~~الدراهم، أو ظهر الدابة، أو لبن الشاة أو لبن البقرة» . والمراد بمنحة ~~الدراهم: قرضها، وبمنحة ظهر الدابة إفقارها، وهو إعارتها لمن يركبها، ~~وبمنحة لبن الشاة أو البقرة أن يمنحه بقرة أو شاة ليشرب لبنها ثم يعيدها ~~إليه، وإذا أطلقت المنيحة، لم تنصرف إلا إلى هذا. وخرجه الإمام أحمد ~~والترمذي من حديث البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من ~~منح منيحة لبن، أو ورق، أو أهدى زقاقا، كان له مثل عتق رقبة» وقال الترمذي: ~~معنى قوله: «من منح منيحة ورق» إنما يعني به قرض الدراهم، وقوله: وأهدى ~~زقاقا إنما يعني به هداية الطريق، وهو إرشاد السبيل. وخرجه البخاري من حديث ~~حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربعون خصلة، أعلاها منيحة العنز، ما من ~~عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها، إلا أدخله الله بها ~~الجنة» قال حسان: فعددنا ما دون منيحة العنز من رد السلام، وتشميت العاطس، ~~وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة. # PageV02P087 # وفي " صحيح مسلم " عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حق الإبل ~~حلبها على الماء وإعارة دلوها، وإعارة فحلها، ومنيحتها، وحمل عليها في سبيل ~~الله» . وخرج الإمام أحمد من حديث جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«كل معروف صدقة، ومن المعروف أن تلقى أخاك بوجه ms343 طلق، وأن تفرغ من دلوك في ~~إنائه» . وخرج الحاكم وغيره بزيادة، وهي: «وما أنفق المرء على نفسه وأهله، ~~كتب له به صدقة، وما وقى به عرضه كتب له به صدقة، وكل نفقة أنفقها مؤمن، ~~فعلى الله خلفها ضامن، إلا نفقة في معصية أو بنيان» . وفي " المسند " «عن ~~أبي جري الهجيمي، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المعروف، فقال: لا ~~تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شسع النعل، ولو ~~أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس ~~يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه، ~~ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض» . ومن أنواع الصدقة: كف الأذى عن الناس ~~باليد واللسان، كما في " الصحيحين " عن أبي ذر، «قلت: يا رسول الله، أي ~~الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله، والجهاد في سبيله قلت: فإن لم أفعل؟ ~~قال: تعين صانعا، أو # PageV02P088 # تصنع لأخرق قلت: أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس، ~~فإنها صدقة» . وفي " صحيح ابن حبان " «عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، ~~دلني على عمل، إذا عمل به العبد دخل به الجنة، قال: يؤمن بالله قلت: يا ~~رسول الله، إن مع الإيمان عملا؟ قال: يرضخ مما رزقه الله قلت: وإن كان ~~معدما لا شيء له؟ قال: يقول معروفا بلسانه، قلت: فإن كان عييا لا يبلغ عنه ~~لسانه؟ قال: فيعين مغلوبا، قلت: فإن كان ضعيفا لا قدرة له؟ قال: فليصنع ~~لأخرق، قلت: فإن كان أخرق؟ فالتفت إلي، فقال: ما تريد أن تدع في صاحبك شيئا ~~من الخير؟ فليدع الناس من أذاه، قلت: يا رسول الله، إن هذا كله ليسير، قال: ~~والذي نفسي بيده، ما من عبد يعمل بخصلة منها يريد بها ما عند الله، إلا ~~أخذت بيده يوم القيامة حتى يدخل الجنة» . فاشترط في هذا الحديث لهذه ~~الأعمال كلها إخلاص النية كما في حديث عبد الله بن عمرو الذي ms344 فيه ذكر ~~الأربعين خصلة، وهذا كما في قوله عز وجل: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من ~~أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 114] [النساء: 114] . وقد روي عن الحسن، ~~وابن سيرين أن فعل المعروف يؤجر عليه، وإن لم يكن له فيه نية. سئل الحسن عن ~~الرجل يسأله آخر حاجة وهو يبغضه، فيعطيه حياء: هل له فيه أجر؟ فقال: إن ذلك ~~لمن المعروف، وإن في المعروف لأجرا. خرجه حميد بن زنجويه. وسئل ابن سيرين ~~عن الرجل يتبع الجنازة، لا يتبعها حسبة، يتبعها حياء من # PageV02P089 # أهلها: أله في ذلك أجر؟ فقال: أجر واحد؟ بل له أجران: أجر لصلاته على ~~أخيه، وأجر لصلته الحي. خرجه أبو نعيم في " الحلية ". ومن أنواع الصدقة: ~~أداء حقوق المسلم على المسلم، وبعضها مذكور في الأحاديث الماضية، ففي " ~~الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حق المسلم ~~على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، ~~وتشميت العاطس» وفي رواية لمسلم: «للمسلم على المسلم ست، قيل: ما هن يا ~~رسول الله؟ قال: إذا لقيته تسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك، ~~فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» . ~~وفي " الصحيحين " عن البراء قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسبع: بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصر ~~المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام» . وفي رواية لمسلم: وإرشاد الضال، ~~بدل إبرار القسم. ومن أنواع الصدقة: المشي بحقوق الآدميين الواجبة إليهم، ~~قال ابن عباس: من مشى بحق أخيه إليه ليقضيه، فله بكل خطوة صدقة. ومنها ~~إنظار المعسر، وفي " المسند " و " سنن ابن ماجه " عن بريدة مرفوعا: # PageV02P090 # «من أنظر معسرا، فله بكل يوم صدقة، قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين، ~~فأنظره بعد ذلك، فله بكل يوم مثله صدقة» . ومنها الإحسان إلى البهائم، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن سقيها: ms345 فقال: «في كل كبد رطبة ~~أجر» ، وأخبر أن «بغيا سقت كلبا يلهث من العطش، فغفر لها» . وأما الصدقة ~~القاصرة على نفس العامل بها، فمثل أنواع الذكر من التسبيح، والتكبير، ~~والتحميد، والتهليل، والاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وكذلك تلاوة القرآن، والمشي إلى المساجد، والجلوس فيها لانتظار الصلاة، أو ~~لاستماع الذكر. ومن ذلك: التواضع في اللباس، والمشي، والهدي، والتبذل في ~~المهنة، واكتساب الحلال، والتحري فيه. ومنها أيضا: محاسبة النفس على ما سلف ~~من أعمالها، والندم والتوبة من الذنوب السالفة، والحزن عليها، واحتقار ~~النفس، والازدراء عليها، ومقتها في الله عز وجل، والبكاء من خشية الله ~~تعالى، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وفي أمور الآخرة، وما فيها من ~~الوعد والوعيد ونحو ذلك مما يزيد الإيمان في القلب، وينشأ عنه كثير من ~~أعمال القلوب؛ كالخشية، والمحبة، والرجاء، والتوكل، وغير ذلك. وقد قيل: إن ~~هذا التفكر أفضل من نوافل الأعمال # PageV02P091 # البدنية، روي ذلك عن غير واحد من التابعين، منهم سعيد بن المسيب، والحسن ~~وعمر بن عبد العزيز، وفي كلام الإمام أحمد ما يدل عليه. وقال كعب: لأن أبكي ~~من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بوزني ذهبا. # PageV02P092 ### | [الحديث السابع والعشرون البر حسن الخلق] # PageV02P092 # الحديث السابع والعشرون. # عن النواس بن سمعان الأنصاري قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~البر والإثم، فقال: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع ~~عليه الناس» رواه مسلم. # وعن وابصة بن معبد قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جئت ~~تسأل عن البر والإثم؟ قلت: نعم، قال: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه ~~النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن ~~أفتاك الناس وأفتوك» . #  قال الشيخ رحمه الله: حديث حسن ~~رويناه في " مسندي " الإمامين أحمد والدارمي بإسناد حسن. # أما حديث النواس بن سمعان، فخرجه مسلم من رواية معاوية بن صالح عن عبد ~~الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن النواس، ومعاوية ms346 وعبد الرحمن، وأبوه ~~تفرد بتخريج حديثهم مسلم دون البخاري. # وأما حديث وابصة فخرجه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن الزبير بن ~~عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز، «عن وابصة بن معبد، # PageV02P093 # قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئا من ~~البر والإثم إلا سألت عنه، فقال لي: ادن يا وابصة، فدنوت منه، حتى مست ~~ركبتي ركبته، فقال: يا وابصة أخبرك ما جئت تسأل عنه أو تسألني؟ قلت: يا ~~رسول الله أخبرني، قال: جئت تسألني عن البر والإثم قلت: نعم، فجمع أصابعه ~~الثلاث، فجعل ينكت بها في صدري، ويقول: يا وابصة، استفت نفسك، البر ما ~~اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم: ما حاك في القلب، وتردد في ~~الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك» . وفي رواية أخرى للإمام أحمد أن الزبير لم ~~يسمعه من أيوب، وقال: وحدثني جلساؤه، وقد رأيته، ففي إسناد هذا الحديث ~~أمران يوجب كل منهما ضعفه: أحدهما: انقطاعه بين الزبير وأيوب، فإنه رواه عن ~~قوم لم يسمعهم. # والثاني: ضعف الزبير هذا، قال الدارقطني: روى أحاديث مناكير، وضعفه ابن ~~حبان أيضا، لكنه سماه أيوب بن عبد السلام، فأخطأ في اسمه، وله طريق آخر عن ~~وابصة خرجه الإمام أحمد أيضا من رواية معاوية بن صالح عن أبي عبد الله ~~السلمي، قال: سمعت وابصة، فذكر الحديث مختصرا، ولفظه: قال: «البر ما انشرح ~~له صدرك، والإثم ما حاك في صدرك، وإن أفتاك عنه الناس» . # والسلمي هذا، قال علي بن المديني: هو مجهول. # وخرجه البزار والطبراني وعندهما أبو عبد الله الأسدي، وقال البزار: لا ~~نعلم أحدا سماه، كذا قال، وقد سمي في بعض الروايات محمدا. قال عبد الغني بن ~~سعيد الحافظ: لو قال قائل: إنه محمد بن سعيد المصلوب، لما دفعت ذلك، ~~والمصلوب هذا صلبه المنصور في الزندقة، وهو مشهور بالكذب والوضع، ولكنه لم ~~يدرك وابصة، والله أعلم. # PageV02P094 # وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة وبعض ~~طرقه ms347 جيدة، فخرجه الإمام أحمد، وابن حبان في " صحيحه " من طريق يحيى بن أبي ~~كثير عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن أبي أمامة، قال: «قال رجل: يا رسول ~~الله، ما الإثم؟ قال: إذا حاك في صدرك شيء فدعه» وهذا إسناد جيد على شرط ~~مسلم، فإنه خرج حديث يحيى بن كثير عن زيد بن سلام، وأثبت أحمد سماعه منه، ~~وإن أنكره ابن معين. # وخرج الإمام أحمد من رواية عبد الله بن العلاء بن زبر: سمعت مسلم بن مشكم ~~قال: «سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول: قلت: يا رسول الله، أخبرني ما يحل لي ~~وما يحرم علي، فقال: البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ~~ما لم تسكن إليه النفس، ولا يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون» ، وهذا ~~أيضا إسناد جيد، وعبد الله بن العلاء بن زبر ثقة مشهور، وخرجه البخاري، ~~ومسلم بن مشكم ثقة مشهور أيضا. # وخرج الطبراني وغيره بإسناد ضعيف من حديث واثلة بن الأسقع قال: «قلت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: أفتني عن أمر لا أسألك عنه أحدا بعدك، قال: ~~استفت نفسك قلت: كيف لي بذاك؟ قال: تدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن ~~أفتاك المفتون، قلت: وكيف بذاك؟ قال: تضع يدك على قلبك، فإن الفؤاد يسكن ~~للحلال ولا يسكن للحرام» . ويروى نحوه من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف أيضا. # PageV02P095 # وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن سويد بن قيس أخبره عن عبد الرحمن ~~بن معاوية: «أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما ~~يحل لي مما يحرم علي؟ وردد عليه ثلاث مرار، كل ذلك يسكت النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ثم قال: أين السائل؟ فقال: أنا ذا يا رسول الله، فقال بأصابعه: ~~ما أنكر قلبك فدعه» . خرجه أبو القاسم البغوي في " معجمه " وقال: لا أدري ~~عبد الرحمن بن معاوية سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ ولا أعلم له ~~غير هذا الحديث. قلت: هو عبد الرحمن ms348 بن معاوية بن حديج جاء منسوبا في كتاب ~~" الزهد " لابن المبارك، وعبد الرحمن هذا تابعي مشهور، فحديثه مرسل. # وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: " الإثم حواز القلوب ". واحتج به الإمام ~~أحمد، ورواه عن جرير، عن منصور، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال ~~عبد الله: إياكم وحزاز القلوب، وما حز في قلبك من شيء فدعه. # وقال أبو الدرداء: الخير في طمأنينة والشر في ريبة. # وروي عن ابن مسعود من وجه منقطع أنه قيل له: أرأيت شيئا يحيك في صدورنا، ~~لا ندري أحلال هو أم حرام؟ فقال: وإياكم والحكاكات، فإنهن الإثم، والحز ~~والحك متقاربان في المعنى، والمراد: ما أثر في القلب ضيقا # PageV02P096 # وحرجا، ونفورا وكراهة. # فهذه الأحاديث مشتملة على تفسير البر والإثم، وبعضها في تفسير الحلال ~~والحرام، فحديث النواس بن سمعان فسر النبي صلى الله عليه وسلم فيه البر ~~بحسن الخلق، وفسره في حديث وابصة وغيره بما اطمأن إليه القلب والنفس، كما ~~فسر الحلال بذلك في حديث أبي ثعلبة. وإنما اختلف تفسيره للبر، لأن البر ~~يطلق باعتبارين معينين: أحدهما: باعتبار معاملة الخلق بالإحسان إليهم، ~~وربما خص بالإحسان إلى الوالدين، فيقال: بر الوالدين، ويطلق كثيرا على ~~الإحسان إلى الخلق عموما، وقد صنف ابن المبارك كتابا سماه " كتاب البر ~~والصلة "، وكذلك في " صحيح البخاري " و " جامع الترمذي ": " كتاب البر ~~والصلة "، ويتضمن هذا الكتاب الإحسان إلى الخلق عموما، ويقدم فيه بر ~~الوالدين على غيرهما. وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده، أنه قال: «يا ~~رسول الله من أبر؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أباك، قال: ثم من؟ قال: ثم ~~الأقرب فالأقرب» . # ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء ~~إلا الجنة» . وفي " المسند " «أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن بر الحج، ~~فقال: إطعام الطعام، # PageV02P097 # وإفشاء السلام» وفي رواية أخرى: وطيب الكلام. # وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: البر شيء هين: وجه طليق وكلام لين. # وإذا قرن البر بالتقوى، كما ms349 في قوله عز وجل: {وتعاونوا على البر والتقوى} ~~[المائدة: 2] [المائدة: 2] ، فقد يكون المراد بالبر معاملة الخلق بالإحسان، ~~وبالتقوى: معاملة الحق بفعل طاعته، واجتناب محرماته، وقد يكون أريد بالبر ~~فعل الواجبات، وبالتقوى: اجتناب المحرمات، وقوله تعالى: {ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان} [المائدة: 2] [المائدة: 2] قد يراد بالإثم: المعاصي، ~~وبالعدوان: ظلم الخلق، وقد يراد بالإثم: ما هو محرم في نفسه كالزنا، ~~والسرقة، وشرب الخمر، وبالعدوان: تجاوز ما أذن فيه إلى ما نهي عنه مما جنسه ~~مأذون فيه، كقتل ما أبيح قتله لقصاص ومن لا يباح، وأخذ زيادة على الواجب من ~~الناس في الزكاة ونحوها، ومجاوزة الجلد في الذي أمر به في الحدود ونحو ذلك. # والمعنى الثاني من معنى البر: أن يراد به فعل جميع الطاعات الظاهرة ~~والباطنة، كقوله تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا ~~عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك ~~هم المتقون} [البقرة: 177] [البقرة: 177] ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سئل عن الإيمان، فتلا هذه الآية. # PageV02P098 # فالبر بهذا المعنى يدخل فيه جميع الطاعات الباطنة كالإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله، والطاعات الظاهرة كإنفاق الأموال فيما يحبه الله، ~~وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر على الأقدار، كالمرض ~~والفقر، وعلى الطاعات، كالصبر عند لقاء العدو. # وقد يكون جواب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النواس شاملا لهذه ~~الخصال كلها، لأن حسن الخلق قد يراد به التخلق بأخلاق الشريعة، والتأدب ~~بآداب الله التي أدب بها عباده في كتابه، كما قال تعالى لرسوله {وإنك لعلى ~~خلق عظيم} [القلم: 4] [القلم: 4] ، «وقالت عائشة: كان خلقه صلى الله عليه ~~وسلم القرآن» ، يعني أنه يتأدب بآدابه، فيفعل أوامره، ويتجنب نواهيه، فصار ~~العمل بالقرآن له خلقا كالجبلة والطبيعة لا يفارقه، وهذا أحسن الأخلاق ~~وأشرفها وأجملها. # وقد قيل: إن الدين كله خلق. وأما في حديث وابصة، فقال: «البر ما اطمأن ms350 ~~إليه القلب، واطمأنت إليه النفس» وفي رواية: «ما انشرح إليه الصدر» ، وفسر ~~الحلال بنحو ذلك في حديث أبي ثعلبة وغيره، وهذا يدل على أن الله فطر عباده ~~على معرفة الحق، والسكون إليه وقبوله، وركز في الطباع محبة ذلك، والنفور عن ~~ضده. # وقد يدخل هذا في قوله في حديث عياض بن حمار: «إني خلقت عبادي حنفاء ~~مسلمين، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، فحرمت عليهم ما أحللت لهم، ~~وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» . # PageV02P099 # وقوله: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو ~~يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ قال أبو ~~هريرة: اقرءوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله} [الروم: 30] » . # ولهذا سمى الله ما أمر به معروفا، وما نهى عنه منكرا، فقال: {إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} ~~[النحل: 90] [النحل: 90] ، وقال في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم: {ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] [الأعراف: 157] وأخبر أن ~~قلوب المؤمنين تطمئن بذكره، فالقلب الذي دخله نور الإيمان، وانشرح به ~~وانفسح، يسكن للحق، ويطمئن به ويقبله، وينفر عن الباطل ويكرهه ولا يقبله. # وقال معاذ بن جبل: أحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة ~~على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فقيل لمعاذ: ما يدريني أن ~~الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: اجتنب ~~من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال: ما هذه؟ ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله ~~أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا، خرجه أبو داود. وفي ~~رواية له قال: بل ما تشابه عليك من قول الحكيم حتى تقول: ما أراد بهذه ~~الكلمة؟ فهذا يدل على أن الحق والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن البصير، ~~بل يعرف الحق بالنور عليه، فيقبله قلبه، وينفر عن الباطل، فينكره ولا ~~يعرفه، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سيكون ms351 في آخر الزمان ~~قوم يحدثونكم بما لم # PageV02P100 # تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم» يعني: أنهم يأتون بما تستنكره ~~قلوب المؤمنين، ولا تعرفه، وفي قوله: أنتم ولا آباؤكم إشارة إلى أن ما ~~استقرت معرفته عند المؤمنين مع تقادم العهد وتطاول الزمان، فهو الحق، وأن ~~ما أحدث بعد ذلك مما يستنكر فلا خير فيه. # فدل حديث وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، فما ~~إليه سكن القلب، وانشرح إليه الصدر، فهو البر والحلال، وما كان خلاف ذلك، ~~فهو الإثم والحرام. # وقوله في حديث النواس: «الإثم ما حاك في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه ~~الناس» إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرجا، وضيقا، وقلقا، واضطرابا، ~~فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا، فهو عند الناس مستنكر، بحيث ينكرونه عند ~~اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكره ~~الناس على فاعله وغير فاعله. # ومن هذا المعنى قول ابن مسعود: ما رآه المؤمنون حسنا، فهو عند الله حسن، ~~وما رآه المومنون قبيحا، فهو عند الله قبيح. # PageV02P101 # وقوله في حديث وابصة وأبي ثعلبة: «وإن أفتاك المفتون» يعني: أن ما حاك في ~~صدر الإنسان فهو إثم، وإن أفتاه غيره بأنه ليس، بإثم فهذه مرتبة ثانية، وهو ~~أن يكون الشيء مستنكرا عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضا إثما، وهذا إنما ~~يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره بالإيمان، وكان المفتي يفتي له بمجرد ظن ~~أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي، ~~فالواجب على المستفتي الرجوع إليه، وإن لم ينشرح له صدره، وهذا كالرخصة ~~الشرعية، مثل: الفطر في السفر، والمرض، وقصر الصلاة في السفر، ونحو ذلك مما ~~لا ينشرح به صدور كثير من الجهال، فهذا لا عبرة به. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يأمر أصحابه بما لا تنشرح به ~~صدور بعضهم، فيمتنعون من فعله، فيغضب من ذلك، كما أمرهم بفسخ الحج إلى ~~العمرة، فكرهه من كرهه منهم، وكما ms352 أمرهم بنحر هديهم، والتحلل من عمرة ~~الحديبية، فكرهوه، وكرهوا مقاضاته لقريش على أن يرجع من عامه، وعلى أن من ~~أتاه منهم يرده إليهم. # وفي الجملة، فما ورد النص به، فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله، كما قال ~~تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] [الأحزاب: 36] . # PageV02P102 # وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا، فإن ما شرعه الله ورسوله يجب ~~الإيمان والرضا به، والتسليم له، كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} [النساء: 65] [النساء: 65] . # وأما ما ليس فيه نص من الله ورسوله ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف ~~الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان، المنشرح صدره بنور ~~المعرفة واليقين منه شيء، وحك في صدره لشبهة موجودة، ولم يجد من يفتي فيه ~~بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه، بل هو معروف ~~باتباع الهوى، فهنا يرجع المؤمن إلى ما حك في صدره، وإن أفتاه هؤلاء ~~المفتون. # وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا، أيضا قال المروزي في " كتاب الورع " ~~قلت: لأبي عبد الله إن القطيعة أرفق بي من سائر الأسواق، وقد وقع في قلبي ~~من أمرها شيء، فقال: أمرها أمر قذر متلوث، قلت: فتكره العمل فيها؟ قال: دع ~~ذا عنك إن كان لا يقع في قلبك شيء، قلت: قد وقع في قلبي منها، فقال: قال: ~~ابن مسعود: الإثم حواز القلوب. قلت: إنما هذا على المشاورة؟ قال: أي شيء ~~يقع في قلبك؟ قلت: قد اضطرب علي قلبي، قال: الإثم هو حواز القلوب. # وقد سبق في شرح حديث النعمان بن بشير: «الحلال بين والحرام بين» ، وفي ~~شرح حديث الحسن بن علي: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ، وشرح حديث: «إذا ~~لم تستح فاصنع ما شئت» شيء يتعلق بتفسير هذه الأحاديث المذكورة هاهنا. # وقد ذكر طوائف من فقهاء الشافعية والحنفية ms353 المتكلمين في أصول الفقه # PageV02P103 # مسألة الإلهام: هل هو حجة أم لا؟ وذكروا فيه اختلافا بينهم، وذكر طائفة ~~من أصحابنا أن الكشف ليس بطريق للأحكام، وأخذه القاضي أبو يعلى من كلام ~~أحمد في ذم المتكلمين في الوساوس والخطرات، وخالفهم طائفة من أصحابنا في ~~ذلك، وقد ذكرنا نص أحمد هاهنا بالرجوع إلى حواز القلوب، وإنما ذم أحمد ~~وغيره المتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية حيث كان كلامهم في ذلك لا ~~يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق، كما كان ينكر الكلام في مسائل ~~الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل شرعي. # فأما الرجوع إلى الأمور المشتبهة إلى حواز القلوب، فقد دلت عليه النصوص ~~النبوية، وفتاوى الصحابة، فكيف ينكره الإمام أحمد بعد ذلك؟ لا سيما وقد نص ~~على الرجوع إليه موافقة لهم. وقد سبق حديث: «إن الصدق طمأنينة، والكذب ~~ريبة» ، فالصدق يتميز من الكذب بسكون القلب إليه، ومعرفته، وبنفوره عن ~~الكذب وإنكاره، كما قال الربيع بن خثيم: إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه، ~~وظلمة كظلمة الليل تنكره. # وخرج الإمام أحمد من حديث ربيعة، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد، وأبي ~~أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم الحديث عني تعرفه ~~قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، ~~وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر عنه أشعاركم وأبشاركم، وترون ~~أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه» . وإسناده قد قيل: إنه على # PageV02P104 # شرط مسلم، لأنه خرج بهذا الإسناد بعينه حديثا، لكن هذا الحديث معلول، ~~فإنه رواه بكير بن الأشج، عن عبد الملك بن سعيد، عن عباس بن سهل، عن أبي بن ~~كعب من قوله، قال البخاري: وهو أصح. # وروى يحيى بن آدم عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه، ولا تنكرونه، ~~فصدقوا به، فإني أقول ما يعرف ولا ينكر، وإذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا ~~تعرفونه، فلا تصدقوا به، ms354 فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف» ، وهذا الحديث ~~معلول أيضا، وقد اختلف في إسناده على ابن أبي ذئب، ورواه الحفاظ عنه عن ~~سعيد مرسلا، والمرسل أصح عند أئمة الحفاظ، منهم ابن معين والبخاري، وأبو ~~حاتم الرازي وابن خزيمة، وقال: ما رأيت أحدا من علماء الحديث يثبت وصله. # وإنما تحمل مثل هذه الأحاديث - على تقدير صحتها - على معرفة أئمة أهل ~~الحديث الجهابذة النقاد، الذين كثرت ممارستهم لكلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولكلام غيره، ولحال رواة الأحاديث، ونقلة الأخبار، ومعرفتهم بصدقهم ~~وكذبهم وحفظهم وضبطهم، فإن هؤلاء لهم نقد خاص في الحديث يختصون بمعرفته، ~~كما يختص الصيرفي الحاذق بمعرفة النقود جيدها ورديئها، وخالصها # PageV02P105 # < > ومشوبها، والجوهري الحاذق في معرفة الجوهر بانتقاد الجواهر، ~~وكل من هؤلاء لا يمكن أن يعبر عن سبب معرفته، ولا يقيم عليه دليلا لغيره، ~~وآية ذلك أنه يعرض الحديث الواحد على جماعة ممن يعلم هذا العلم، فيتفقون ~~على الجواب فيه من غير مواطأة. # وقد امتحن هذا منهم غير مرة في زمن أبي زرعة وأبي حاتم، فوجد الأمر على ~~ذلك، فقال السائل: أشهد أن هذا العلم إلهام. قال الأعمش: كان إبراهيم ~~النخعي صيرفيا في الحديث، كنت أسمع من الرجال فأعرض عليه ما سمعته. وقال ~~عمرو بن قيس: ينبغي لصاحب الحديث أن يكون مثل الصيرفي الذي ينقد الدراهم، ~~فإن الدراهم فيها الزائف والبهرج وكذا الحديث. # وقال الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم ~~الزائف على الصيارفة، فما عرفوا أخذنا، وما أنكروا تركنا. # وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: إنك تقول للشيء: هذا صحيح وهذا لم يثبت، فعمن ~~تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا ~~بهرج أكنت تسأله عمن ذلك، أو تسلم الأمر إليه؟ قال: لا، بل كنت أسلم الأمر ~~إليه، قال: فهذا كذلك لطول المجالسة والمناظرة والخبر به. # وقد روي نحو هذا المعنى عن الإمام أحمد أيضا، وأنه قيل له: يا أبا عبد ~~الله تقول: هذا الحديث منكر، فكيف علمت ولم ms355 تكتب الحديث كله؟ قال: # PageV02P105 # مثلنا كمثل ناقد العين لم تقع بيده العين كلها، فإذا وقع بيده الدينار ~~يعلم بأنه جيد، أو أنه رديء. # وقال ابن مهدي: معرفة الحديث إلهام. وقال: إنكارنا الحديث عند الجهال ~~كهانة. # وقال أبو حاتم الرازي: مثل معرفة الحديث كمثل فص ثمنه مائة دينار، وآخر ~~مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم، قال: وكما لا يتهيأ للناقد أن يخبر بسبب ~~نقده، فكذلك نحن رزقنا علما لا يتهيأ لنا أن نخبر كيف علمنا بأن هذا حديث ~~كذب، وأن هذا حديث منكر إلا بما نعرفه، قال: وتعرف جودة الدينار بالقياس ~~إلى غيره، فإن تخلف عنه في الحمرة والصفاء علم أنه مغشوش، ويعلم جنس الجوهر ~~بالقياس إلى غيره، فإن خالفه في المائية والصلابة، علم أنه زجاج، ويعلم صحة ~~الحديث بعدالة ناقليه وأن يكون كلاما يصلح مثله أن يكون كلام النبوة، ويعرف ~~سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته والله أعلم. # وبكل حال فالجهابذة النقاد العارفون بعلل الحديث أفراد قليل من أهل ~~الحديث جدا، وأول من اشتهر في الكلام في نقد الحديث ابن سيرين، ثم خلفه ~~أيوب السختياني، وأخذ ذلك عنه شعبة، وأخذ عن شعبة يحيى القطان وابن مهدي، ~~وأخذ عنهما أحمد، وعلي بن المديني، وابن معين، وأخذ عنهم مثل البخاري وأبي ~~داود وأبي زرعة وأبي حاتم. # وكان أبو زرعة في زمانه يقول: قل من يفهم هذا، وما أعزه إذا دفعت هذا عن ~~واحد واثنين، فما أقل من تجد من يحسن هذا! ولما مات أبو زرعة، قال أبو ~~حاتم: ذهب الذي كان يحسن هذا - يعني أبا زرعة - ما بقي بمصر ولا # PageV02P107 # بالعراق واحد يحسن هذا. وقيل له بعد موت أبي زرعة: تعرف اليوم واحدا يعرف ~~هذا؟ قال: لا. # وجاء بعد هؤلاء جماعة، منهم النسائي والعقيلي وابن عدي والدارقطني، وقل ~~من جاء بعدهم من هو بارع في معرفة ذلك حتى قال أبو الفرج الجوزي في أول ~~كتابه " الموضوعات ": قد قل من يفهم هذا بل عدم. والله أعلم. # PageV02P108 ### | [الحديث الثامن والعشرون أوصيكم بتقوى ms356 الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد] # PageV02P108 # الحديث الثامن والعشرون. # عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم موعظة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، ~~كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن ~~تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن ~~كل بدعة ضلالة» رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح. #  هذا الحديث خرجه الإمام أحمد، وأبو ~~داود، والترمذي، وابن ماجه من رواية ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد ~~الرحمن بن عمرو السلمي، زاد أحمد في رواية له، وأبو داود: وحجر بن حجر ~~الكلاعي، كلاهما عن العرباض بن سارية، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحافظ ~~أبو نعيم: هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين، قال: ولم يتركه البخاري ~~ومسلم من جهة إنكار منهما له، وزعم الحاكم أن سبب تركهما له أنهما توهما ~~أنه ليس له # PageV02P109 # راو عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد، وقد رواه عنه أيضا بحير بن سعد ~~ومحمد بن إبراهيم التيمي وغيرهما. # قلت: ليس الأمر كما ظنه، وليس الحديث على شرطهما، فإنهما لم يخرجا لعبد ~~الرحمن بن عمرو السلمي، ولا لحجر الكلاعي شيئا، وليسا ممن اشتهر بالعلم ~~والرواية. # وأيضا فقد اختلف فيه على خالد بن معدان، فروي عنه كما تقدم، وروي عنه عن ~~أبي بلال عن العرباض، وخرجه الإمام أحمد من هذا الوجه أيضا وروي أيضا عن ~~ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض، خرجه من طريقه ~~الإمام أحمد وابن ماجه، وزاد في حديثه: «فقد تركتكم على البيضاء، ليلها ~~كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» وزاد في آخر الحديث: «فإنما المؤمن ~~كالجمل الأنف، حيثما قيد انقاد» . # وقد أنكر طائفة من الحفاظ هذه الزيادة في آخر الحديث، وقالوا: هي مدرجة ~~فيه، وليست منه، قاله أحمد بن ms357 صالح المصري وغيره، وقد خرجه الحاكم، وقال في ~~حديثه: وكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث: «فإن المؤمن كالجمل الأنف، ~~حيثما قيد انقاد» . # وخرجه ابن ماجه أيضا من رواية عبد الله بن العلاء بن زبر، حدثني يحيى بن ~~أبي المطاع، سمعت العرباض فذكره، وهذا في الظاهر إسناد جيد متصل، ورواته ~~ثقات مشهورون، وقد صرح فيه بالسماع، وقد ذكر البخاري في " تاريخه " أن يحيى ~~بن أبي المطاع سمع من العرباض اعتمادا على هذه الرواية، إلا أن حفاظ أهل ~~الشام أنكروا ذلك، وقالوا: يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض، ولم ~~يلقه، وهذه الرواية غلط، وممن ذكر ذلك أبو زرعة # PageV02P110 # الدمشقي، وحكاه عن دحيم، وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم، والبخاري رحمه ~~الله يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام، وقد روي عن العرباض من ~~وجوه أخر، وروي من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن إسناد ~~حديث بريدة لا يثبت، والله أعلم. # فقول العرباض: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة» ، وفي رواية ~~أحمد وأبي داود والترمذي: " بليغة "، وفي روايتهم أن ذلك بعد صلاة الصبح، ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة، ~~كخطب الجمع والأعياد، وقد أمره الله تعالى بذلك، فقال: {وعظهم وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا} [النساء: 63] [النساء: 63] ، وقال: {ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل: 125] [النحل: 125] ، ولكنه كان لا يديم ~~وعظهم، بل يتخولهم به أحيانا، كما في " الصحيحين " عن أبي وائل، قال: كان ~~عبد الله بن مسعود يذكرنا كل يوم خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، ~~إنا نحب حديثك ونشتهيه، ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم، فقال: ما يمنعني أن ~~أحدثكم إلا كراهة أن أملكم، «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا ~~بالموعظة كراهة السآمة علينا» . # والبلاغة في الموعظة مستحسنة، لأنها أقرب إلى قبول القلوب واستجلابها، ~~والبلاغة: هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالها إلى قلوب ~~السامعين بأحسن صورة من ms358 الألفاظ الدالة عليها، وأفصحها وأحلاها للأسماع، ~~وأوقعها في القلوب. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقصر خطبتها، ولا ~~يطيلها، بل كان يبلغ ويوجز. # وفي " صحيح مسلم " عن جابر بن سمرة قال: «كنت أصلي مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم، # PageV02P111 # فكانت صلاته قصدا، وخطبته قصدا» . # وخرجه أبو داود ولفظه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل ~~الموعظة يوم الجمعة، إنما هو كلمات يسيرات» . # وخرجه مسلم من حديث أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ، فلما نزل، ~~قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست، قال: إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة من ~~فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، فإن من البيان سحرا» . # وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث الحاكم بن حزن، قال: «شهدت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الجمعة فقام متوكئا على عصا أو قوس، فحمد الله، ~~وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات» . # وخرج أبو داود عن عمرو بن العاص أن رجلا قام يوما، فأكثر القول، فقال ~~عمرو: لو قصد في قوله، لكان خيرا له، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «لقد رأيت - أو أمرت - أن أتجوز في القول، فإن الجواز هو خير» . # وقوله: " «ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب» " هذان الوصفان بهما مدح ~~الله المؤمنين عند سماع الذكر كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] [الأنفال: 2] وقال: {وبشر المخبتين - الذين ~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الحج: 34 - 35] [الحج: 34 - 35] وقال: {ألم يأن ~~للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} [الحديد: 16] ~~[الحديد: 16] ، وقال: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه ~~جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23] ~~[الزمر: 23] ، وقال تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض ~~من الدمع مما عرفوا من الحق} [المائدة: 83] [المائدة: 83] . # وكان صلى الله عليه وسلم يتغير حاله عند الموعظة، كما ms359 قال جابر: «كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب، وذكر الساعة، اشتد غضبه، وعلا صوته، ~~واحمرت عيناه، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم» . خرجه مسلم بمعناه. # وفي " الصحيحين " عن أنس أن «النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت ~~الشمس، فصلى الظهر، فلما سلم، قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين ~~يديها أمورا عظاما، ثم قال: من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا ~~تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به في مقامي هذا، قال أنس: فأكثر الناس البكاء ~~وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: سلوني، فقام إليه رجل فقال: ~~أين مدخلي يا رسول الله، قال: النار» وذكر الحديث. # وفي " مسند " الإمام أحمد «عن النعمان بن بشير أنه خطب، فقال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: أنذرتكم النار، حتى لو أن رجلا كان ~~بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة على عاتقه عند رجليه» . # وفي " الصحيحين " عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«اتقوا # PageV02P112 # النار، قال: ثم وأشاح، ثم قال: اتقوا النار، ثم أعرض وأشاح ثلاثا حتى ~~ظننا أنه ينظر إليها، ثم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة ~~طيبة» . # وخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن سلمة عن علي، أو عن الزبير بن ~~العوام، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا، فيذكرنا بأيام ~~الله، حتى يعرف ذلك في وجهه، وكأنه نذير قوم يصبحهم الأمر غدوة، وكان إذا ~~كان حديث عهد بجبريل لم يتبسم ضاحكا حتى يرتفع عنه» . # وخرج الطبراني والبزار من حديث جابر، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا أتاه الوحي، أو وعظ، قلت: نذير قوم أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك، ~~رأيته أطلق الناس وجها، وأكثرهم ضحكا، وأحسنهم بشرا، صلى الله عليه وسلم» . # وقولهم: " «يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا» " يدل على أنه كان ~~صلى الله عليه وسلم قد أبلغ في تلك الموعظة ms360 ما لم يبلغ في غيرها، فلذلك ~~فهموا أنها موعظة مودع، فإن المودع يستقصي ما لم يستقص غيره في القول ~~والفعل، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي صلاة مودع، لأنه من ~~استشعر أنه مودع بصلاته، أتقنها على أكمل وجوهها. ولربما كان قد وقع منه ~~صلى الله عليه وسلم تعريض في تلك الخطبة بالتوديع، كما عرض بذلك في خطبته ~~في حجة الوداع، وقال: «لا أدري، لعلي لا ألقاكم # PageV02P114 # بعد عامي هذا وطفق يودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع، ولما رجع من حجه ~~إلى المدينة، جمع الناس بماء بين مكة والمدينة يسمى خما، وخطبهم، وقال: يا ~~أيها الناس، إنما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب ثم حض على ~~التمسك بكتاب الله، ووصى بأهل بيته» ، خرجه مسلم. # وفي " الصحيحين " ولفظه لمسلم عن عقبة بن عامر قال: «صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على قتلى أحد، ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات، ~~فقال: إني فرطكم على الحوض، فإن عرضه، كما بين أيلة إلى الجحفة، وإني لست # PageV02P115 # أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، ~~وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم، قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على المنبر. # وخرج» الإمام أحمد ولفظه: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى ~~أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر، فقال: إني ~~فرطكم، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه، ولست أخشى ~~عليكم الكفر، ولكن الدنيا أن تنافسوها» . # وخرج الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو قال: «خرج علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوما كالمودع، فقال: أنا محمد النبي الأمي - قال ذلك ~~ثلاث مرات - ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه. وجوامعه، وعلمت كم ~~خزنة النار، وحملة العرش، وتجوز لي ربي وعوفيت وعوفيت أمتي، فاسمعوا ~~وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذهب بي، فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله، وحرموا ~~حرامه» . # فلعل الخطبة ms361 التي أشار إليها العرباض بن سارية في حديثه كانت بعض هذه ~~الخطب، أو شبيها بها مما يشعر بالتوديع. # وقولهم: " فأوصنا " يعنون وصية جامعة كافية، فإنهم لما فهموا أنه مودع، ~~استوصوه وصية ينفعهم بها التمسك بعده، ويكون فيها كفاية لمن تمسك بها، ~~وسعادة له في الدنيا والآخرة. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة» ، فهاتان ~~الكلمتان # PageV02P116 # تجمعان سعادة الدنيا والآخرة. # أما التقوى فهي كافلة بسعادة الدنيا والآخرة لمن تمسك بها، وهي وصية الله ~~للأولين والآخرين، كما قال تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: 131] [النساء: 131] ، وقد سبق شرح التقوى ~~بما فيه كفاية في شرح حديث وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ. # وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم ~~مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم، كما ~~قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو ~~فاجر، إن كان فاجرا عبد المؤمن فيه ربه، وحمل الفاجر فيها إلى أجله. # وقال الحسن في الأمراء: هم يلون من أمورنا خمسا: الجمعة والجماعة والعيد ~~والثغور والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله ~~لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن - والله - إن طاعتهم لغيظ، وإن ~~فرقتهم لكفر. # وخرج الخلال في " كتاب الإمارة " من حديث أبي أمامة قال: «أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه حين صلوا العشاء أن احشدوا، فإن لي إليكم حاجة فلما ~~فرغ من صلاة الصبح، قال: هل حشدتم كما أمرتكم؟ قالوا: نعم، قال: اعبدوا ~~الله، ولا تشركوا به شيئا، هل عقلتم هذه؟ ثلاثا، قلنا: نعم، قال: أقيموا ~~الصلاة، وآتوا الزكاة، هل عقلتم هذه؟ ثلاثا، قلنا: نعم، قال: اسمعوا ~~وأطيعوا ثلاثا، هل عقلتم هذه؟ ثلاثا، قلنا: نعم، قال: فكنا نرى أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سيتكلم كلاما طويلا، ثم نظرنا في كلامه، فإذا هو ~~قد جمع لنا الأمر كله» . # PageV02P117 # وبهذين الأصلين ms362 وصى النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع ~~أيضا، كما خرجه الإمام أحمد والترمذي من رواية أم الحصين الأحمسية، قالت: ~~«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع، فسمعته يقول: يا ~~أيها الناس، اتقوا الله، وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع، فاسمعوا له وأطيعوا ~~ما أقام فيكم كتاب الله» وخرج مسلم منه ذكر السمع والطاعة. # وخرج الإمام أحمد والترمذي أيضا من حديث أبي أمامة، قال: «سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع، يقول: اتقوا الله، وصلوا خمسكم، ~~وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم، وفي ~~رواية أخرى أنه قال: يا أيها الناس، إنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم» وذكر ~~الحديث بمعناه. # وفي " المسند " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من لقي ~~الله لا يشرك به شيئا، وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبا، وسمع وأطاع، ~~فله الجنة، أو دخل الجنة» . # وقوله صلى الله عليه وسلم: «وإن تأمر عليكم عبد وفي رواية حبشي» هذا مما ~~تكاثرت به الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مما اطلع عليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أمر أمته بعده، # PageV02P118 # وولاية العبيد عليهم، وفي " صحيح البخاري " عن أنس، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه ~~زبيبة» . # وفي " صحيح مسلم " عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «إن خليلي صلى الله عليه ~~وسلم أوصاني أن أسمع وأطيع، ولو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف» . والأحاديث ~~في هذا المعنى كثيرة جدا. # ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما ~~بقي في الناس اثنان» ، وقوله: «الناس تبع لقريش» ، وقوله: «الأئمة من قريش» ~~، لأن ولاية العبيد قد تكون من جهة إمام قرشي، ويشهد لذلك ما خرجه الحاكم ~~من حديث علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الأئمة من ~~قريش أبرارها ms363 أمراء أبرارها، وفجارها أمراء فجارها، ولكل حق، فآتوا كل ذي ~~حق حقه، وإن أمرت عليكم قريش عبدا حبشيا مجدعا، فاسمعوا له وأطيعوا» ، ~~وإسناده جيد ولكنه # PageV02P119 # روي عن علي موقوفا، وقال الدارقطني: هو أشبه. # وقد قيل: إن العبد الحبشي إنما ذكر على وجه ضرب المثل وإن لم يصح وقوعه، ~~كما قال: «من بنى مسجدا ولو كمفحص قطاة» . # وقوله صلى الله عليه وسلم: «فمن يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافا كثيرا، ~~فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها ~~بالنواجذ» . هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما وقع في أمته بعده من ~~كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأقوال والأعمال والاعتقادات، ~~وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة، وأنها كلها في ~~النار إلا فرقة واحدة، وهي من كان على ما هو عليه وأصحابه، وكذلك في هذا ~~الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من ~~بعده، والسنة: هي الطريقة المسلوكة، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو ~~وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة، ~~ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله، وروي ~~معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض. # وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقادات، لأنها ~~أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم، وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمر ~~بالسمع والطاعة لأولي الأمر إشارة إلى أنه لا طاعة لأولي الأمر في طاعة # PageV02P120 # الله، كما صح عنه أنه قال: «إنما الطاعة في المعروف» . # وفي " المسند " عن أنس أن معاذ بن جبل قال: «يا رسول الله، أرأيت إن كان ~~علينا أمراء لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل» . # وخرج ابن ماجه من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيلي ~~أموركم بعدي رجال يطفئون من السنة ويعملون بالبدعة، ms364 ويؤخرون الصلاة عن ~~مواقيتها فقلت: يا رسول الله إن أدركتهم، كيف أفعل؟ قال: لا طاعة لمن عصى ~~الله» . # وفي أمره صلى الله عليه وسلم باتباع سنته، وسنة خلفائه الراشدين بعد أمره ~~بالسمع والطاعة لولاة الأمور عموما دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين ~~متبعة، كاتباع سنته، بخلاف غيرهم من ولاة الأمور. # وفي " مسند الإمام أحمد " و " جامع الترمذي " عن حذيفة قال: «كنا عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم جلوسا، فقال: إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، ~~فاقتدوا بالذين من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر - وتمسكوا بعهد عمار، وما ~~حدثكم ابن # PageV02P121 # مسعود فصدقوه وفي رواية: تمسكوا بعهد ابن أم عبد، واهتدوا بهدي عمار» فنص ~~صلى الله عليه وسلم في آخر عمره على من يقتدى به من بعده، والخلفاء ~~الراشدون الذين أمر بالاقتداء بهم هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فإن في ~~حديث سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم ~~تكون ملكا» ، وقد صححه الإمام أحمد واحتج به على خلافة الأئمة الأربعة. # ونص كثير من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد أيضا، ويدل عليه ~~ما خرجه الإمام أحمد من حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«تكون فيكم النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ~~ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها ~~الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها ~~إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم ~~يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت. فلما ~~ولي عمر بن عبد العزيز، دخل عليه رجل، فحدثه بهذا الحديث، فسر به، وأعجبه» ~~. # وكان محمد بن سيرين أحيانا يسأل عن شيء من الأشربة، فيقول: نهى # PageV02P122 # عنه إمام هدى: عمر بن عبد العزيز. # وقد اختلف العلماء في إجماع الخلفاء الأربعة: هل ms365 هو إجماع، أو حجة، مع ~~مخالفة غيرهم من الصحابة أم لا؟ وفيه روايتان عن الإمام أحمد، وحكم أبو ~~خازم الحنفي في زمن المعتضد بتوريث ذوي الأرحام، ولم يعتد بمن خالف ~~الخلفاء، ونفذ حكمه في ذلك في الآفاق. # ولو قال بعض الخلفاء الأربعة قولا، ولم يخالفه منهم أحد، بل خالفه غيره ~~من الصحابة، فهل يقدم قوله على قول غيره؟ فيه قولان أيضا للعلماء، والمنصوص ~~عن أحمد أنه يقدم قوله على قول غيره من الصحابة، وكذا ذكره الخطابي وغيره، ~~وكلام أكثر السلف يدل على ذلك، خصوصا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال: «إن الله جعل الحق على لسان ~~عمر وقلبه» وكان عمر بن عبد العزيز يتبع أحكامه، ويستدل بقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» . # وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها اعتصام بكتاب الله، وقوة على دين ~~الله، وليس لأحد تبديلها، ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى ~~بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل ~~المؤمنين، ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم، وساءت مصيرا. وحكى عبد الله بن ~~عبد الحكم عن # PageV02P123 # مالك أنه قال: أعجبني عزم عمر على ذلك، يعني هذا الكلام. وروى عبد الرحمن ~~بن مهدي هذا الكلام عن مالك، ولم يحكه عن عمر. # وقال خلف بن خليفة: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة، فقال ~~في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه، فهو وظيفة ~~دين، نأخذ به وننتهي إليه. # وروى أبو نعيم من حديث عرزب الكندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إنه سيحدث بعدي أشياء، فأحبها إلي أن تلزموا ما أحدث عمر» . # وكان علي يتبع أحكامه وقضاياه، ويقول: إن عمر كان رشيد الأمر. # وروى أشعث عن الشعبي، ms366 قال: إذا اختلف الناس في شيء، فانظر كيف قضى فيه ~~عمر، فإنه لم يكن يقضي عمر في أمر لم يقض فيه قبله حتى يشاور. # وقال مجاهد: إذا اختلف الناس في شيء، فانظروا ما صنع عمر، فخذوا به. وقال ~~أيوب عن الشعبي: انظروا ما اجتمعت عليه أمة محمد، فإن الله لم يكن ليجمعها ~~على ضلالة، فإذا اختلفت فانظروا ما صنع عمر بن الخطاب فخذوا به. # وسئل عكرمة عن أم الولد، فقال تعتق بموت سيدها، فقيل له: بأي شيء تقول؟ ~~قال: بالقرآن، قال: بأي القرآن؟ قال: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم} [النساء: 59] [النساء: 59] ، وعمر من أولي الأمر # PageV02P124 # وقال وكيع: إذا اجتمع عمر وعلي على شيء فهو الأمر. # وروي عن ابن مسعود أنه كان يحلف بالله: إن الصراط المستقيم هو الذي ثبت ~~عليه عمر حتى دخل الجنة. # وبكل حال، فما جمع عمر عليه الصحابة، فاجتمعوا عليه في عصره، فلا شك أنه ~~الحق، ولو خالف فيه بعد ذلك من خالف، كقضائه في مسائل من الفرائض كالعول، ~~وفي زوج وأبوين وزوجة وأبوين أن للأم ثلث الباقي، وكقضائه فيمن جامع في ~~إحرامه أنه يمضي في نسكه وعليه القضاء والهدي، ومثل ما قضى به في امرأة ~~المفقود، ووافقه غيره من الخلفاء أيضا، ومثل ما جمع عليه الناس في الطلاق ~~الثلاث، وفي تحريم متعة النساء، ومثل ما فعله من وضع الديوان، ووضع الخراج ~~على أرض العنوة، وعقد الذمة لأهل الذمة بالشروط التي شرطها عليهم ونحو ذلك. # ويشهد لصحة ما جمع عليه عمر الصحابة، فاجتمعوا عليه، ولم يخالف في وقته ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيتني في المنام أنزع على قليب، فجاء أبو ~~بكر، فنزع ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم جاء عمر بن ~~الخطاب، فاستحالت غربا، فلم أر أحدا يفري فريه حتى روي الناس، وضربوا بعطن ~~وفي رواية: فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع ابن الخطاب وفي رواية: حتى ~~تولى والحوض يتفجر» . # PageV02P125 # وهذا إشارة إلى أن عمر لم يمت حتى ms367 وضع الأمور مواضعها، واستقامت الأمور، ~~وذلك لطول مدته، وتفرغه للحوادث، واهتمامه بها، بخلاف مدة أبي بكر فإنها ~~كانت قصيرة، وكان مشغولا فيها بالفتوح، وبعث البعوث للقتال، فلم يتفرغ ~~لكثير من الحوادث، وربما كان يقع في زمنه ما لا يبلغه، ولا يرفع إليه، حتى ~~رفعت تلك الحوادث إلى عمر، فرد الناس فيها إلى الحق وحملهم على الصواب. # وأما ما لم يجمع عمر الناس عليه، بل كان له فيه رأي، وهو يسوغ لغيره أن ~~يرى رأيا يخالف رأيه، كمسائل الجد مع الإخوة، ومسألة طلاق البتة، فلا يكون ~~قول عمر فيه حجة على غيره من الصحابة والله أعلم. # وإنما وصف الخلفاء بالراشدين، لأنهم عرفوا الحق، وقضوا به، فالراشد ضد ~~الغاوي، والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه. # وفي رواية: " المهديين " يعني: أن الله يهديهم للحق، ولا يضلهم عنه، ~~فالأقسام ثلاثة: راشد وغاو وضال، فالراشد عرف الحق واتبعه، والغاوي: عرفه ~~ولم يتبعه، والضال: لم يعرفه بالكلية، فكل راشد فهو مهتد، وكل مهتد هداية ~~تامة فهو راشد، لأن الهداية إنما تتم بمعرفة الحق والعمل به أيضا. # وقوله: «عضوا عليها بالنواجذ» كناية عن شدة التمسك بها، والنواجذ: ~~الأضراس. # PageV02P126 # قوله: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» تحذير للأمة من اتباع ~~الأمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: كل بدعة ضلالة والمراد بالبدعة: ~~ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع ~~يدل عليه، فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعة لغة، وفي " صحيح مسلم " عن جابر، ~~أن «النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: إن خير الحديث كتاب الله، ~~وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» . # وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن عبد الله المزني - وفيه ضعف - عن ~~أبيه عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من ابتدع بدعة ضلالة لا ~~يرضاها الله ورسوله، كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم ~~شيئا» . # وخرج الإمام أحمد من رواية ms368 غضيف بن الحارث الثمالي قال: بعث إلي عبد ~~الملك بن مروان، فقال: إنا قد جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على ~~المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم ~~عندي، ولست بمجيبكم إلى شيء منها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما ~~أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة» فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة. # PageV02P127 # وقد روي عن ابن عمر من قوله نحو هذا. # فقوله صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه ~~شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله: «من أحدث في أمرنا ما ~~ليس منه فهو رد» ، فكل من أحدث شيئا، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من ~~الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل ~~الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة. # وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع ~~اللغوية، لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لما جمع الناس في قيام ~~رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: نعمت البدعة ~~هذه. وروي عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة. وروي عن أبي بن ~~كعب، قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر: قد علمت، ولكنه حسن، ومراده أن هذا ~~الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع ~~إليها، فمنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على قيام رمضان، ويرغب ~~فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانا، وهو صلى ~~الله عليه وسلم صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معللا بأنه ~~خشي أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أمن بعده صلى الله عليه ~~وسلم، وروي عنه أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر. # PageV02P128 # ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع سنة ms369 خلفائه الراشدين، وهذا قد ~~صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان ~~وعلي. # ومن ذلك: أذان الجمعة الأول، زاده عثمان لحاجة الناس إليه، وأقره علي، ~~واستمر عمل المسلمين عليه، وروي عن ابن عمر أنه قال: هو بدعة، ولعله أراد ~~ما أراد أبوه في قيام رمضان. # ومن ذلك جمع المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زيد بن ثابت وقال لأبي بكر ~~وعمر: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ ثم علم أنه مصلحة، ~~فوافق على جمعه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بكتابة الوحي، ولا ~~فرق بين أن يكتب مفرقا أو مجموعا، بل جمعه صار أصلح. # وكذلك جمع عثمان الأمة على مصحف واحد وإعدامه لما خالفه خشية تفرق الأمة، ~~وقد استحسنه علي وأكثر الصحابة، وكان ذلك عين المصلحة. # وكذلك قتال من منع الزكاة توقف فيه عمر وغيره حتى بين له أبو بكر أصله ~~الذي يرجع إليه من الشريعة، فوافقه الناس على ذلك. # ومن ذلك القصص، وقد سبق قول غضيف بن الحارث: إنه بدعة، وقال الحسن: القصص ~~بدعة، ونعمت البدعة، كم من دعوة مستجابة، وحاجة مقضية، وأخ مستفاد. وإنما ~~عنى هؤلاء بأنه بدعة الهيئة الاجتماعية عليه في وقت # PageV02P129 # معين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له وقت معين يقص على أصحابه ~~فيه غير خطبته الراتبة في الجمع والأعياد، وإنما كان يذكرهم أحيانا، أو عند ~~حدوث أمر يحتاج إلى التذكير عنده، ثم إن الصحابة اجتمعوا على تعيين وقت له ~~كما سبق عن ابن مسعود أنه كان يذكر أصحابه كل يوم خميس. # وفي " صحيح البخاري " عن ابن عباس قال: حدث الناس في كل جمعة مرة، فإن ~~أبيت، فمرتين، فإن أكثرت فثلاثا، ولا تمل الناس. # وفي " المسند " عن عائشة أنها وصت قاص أهل المدينة بمثل ذلك. وروي عنها ~~أنها قالت لعبيد بن عمير: حدث الناس يوما، ودع الناس يوما، لا تملهم. وروي ~~عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاص أن يقص كل ms370 ثلاثة أيام مرة. وروي عن عمر ~~بن عبد العزيز أنه أمر القاص أن يقص كل ثلاثة أيام مرة. وروي عنه أنه قال: ~~روح الناس ولا تثقل عليهم، ودع القصص يوم السبت ويوم الثلاثاء. # PageV02P130 # وقد روى الحافظ أبو نعيم بإسناد عن إبراهيم بن الجنيد، [حدثنا حرملة بن ~~يحيى] قال: سمعت الشافعي رحمة الله عليه يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، ~~وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم. واحتج ~~بقول عمر: نعمت البدعة هي. # ومراد الشافعي رحمه الله ما ذكرناه من قبل: أن البدعة المذمومة ما ليس ~~لها أصل من الشريعة يرجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة ~~المحمودة فما وافق السنة، يعني: ما كان لها أصل من السنة يرجع إليه، وإنما ~~هي بدعة لغة لا شرعا، لموافقتها السنة. # وقد روي عن الشافعي كلام آخر يفسر هذا، وأنه قال: والمحدثات ضربان: ما ~~أحدث مما يخالف كتابا، أو سنة، أو أثرا، أو إجماعا، فهذه البدعة الضلال، ~~وما أحدث فيه من الخير، لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة. # وكثير من الأمور التي حدثت ولم يكن قد اختلف العلماء في أنها بدعة حسنة ~~حتى ترجع إلى السنة أم لا؟ فمنها كتابة الحديث، نهى عنه عمر وطائفة من ~~الصحابة، ورخص فيها الأكثرون، واستدلوا له بأحاديث من السنة. # ومنها كتابة تفسير الحديث والقرآن، كرهه قوم من العلماء، ورخص فيه كثير ~~منهم. # وكذلك اختلافهم في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه، وفي توسعة ~~الكلام في المعاملات وأعمال القلوب التي لم تنقل عن الصحابة والتابعين. ~~وكان الإمام أحمد يكره أكثر ذلك. # PageV02P131 # وفي هذه الأزمان التي بعد العهد فيها بعلوم السلف يتعين ضبط ما نقل عنهم ~~من ذلك كله، ليتميز به ما كان من العلم موجودا في زمانهم، وما حدث من ذلك ~~بعدهم، فيعلم بذلك السنة من البدعة. # وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ~~ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة، فعليكم بالهدي ms371 الأول. وابن مسعود قال ~~هذا في زمن الخلفاء الراشدين. # وروى ابن حميد عن مالك قال: لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان. وكأن مالكا يشير بالأهواء إلى ما حدث ~~من التفرق في أصول الديانات من أمر الخوارج والروافض والمرجئة ونحوهم ممن ~~تكلم في تكفير المسلمين، واستباحة دمائهم وأموالهم، أو في تخليدهم في ~~النار، أو في تفسيق خواص هذه الأمة، أو عكس ذلك، فزعم أن المعاصي لا تضر ~~أهلها، أو أنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد. # وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في أفعال الله تعالى من قضائه وقدره، ~~فكذب بذلك من كذب، وزعم أنه نزه الله بذلك عن الظلم. # وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في ذات الله وصفاته، مما سكت عنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، فقوم نفوا كثيرا مما ~~أورد في الكتاب والسنة من ذلك، وزعموا أنهم فعلوه تنزيها لله عما تقتضي ~~العقول تنزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك مستحيل على الله عز وجل، وقوم لم ~~يكتفوا بإثباته، حتى أثبتوا بإثباته ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى ~~المخلوقين، وهذه اللوازم نفيا # PageV02P132 # وإثباتا درج صدر الأمة على السكوت عنها. # ومما أحدث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين الكلام في الحلال والحرام ~~بمجرد الرأي، ورد كثير مما وردت به السنة في ذلك لمخالفته للرأي والأقيسة ~~العقلية. # ومما حدث بعد ذلك الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف، وزعم أن الحقيقة ~~تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة إلى ~~الأعمال، وأنها حجاب، أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوام، وربما انضم ~~إلى ذلك الكلام في الذات والصفات بما يعلم قطعا مخالفته للكتاب والسنة، ~~وإجماع سلف الأمة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. # PageV02P133 ### | [الحديث التاسع والعشرون يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار] # PageV02P133 # الحديث التاسع والعشرون. # «عن معاذ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أخبرني ms372 بعمل يدخلني الجنة ~~ويباعدني من النار، قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله ~~عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم ~~رمضان، وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة ~~تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: ~~{تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة: 16] حتى بلغ: يعلمون [السجدة: 16 - ~~17] ، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول ~~الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ~~ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، قال: كف ~~عليك هذا قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، ~~وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» ~~. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. # PageV02P134 # هذا الحديث خرجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من رواية ~~معمر عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل، وقال الترمذي: ~~حسن صحيح. # وفيما قاله رحمه الله نظر من وجهين: أحدهما: أنه لم يثبت سماع أبي وائل ~~من معاذ، وإن كان قد أدركه بالسن وكان معاذ بالشام، وأبو وائل بالكوفة، وما ~~زال الأئمة - كأحمد وغيره - يستدلون على انتفاء السماع بمثل هذا، وقد قال ~~أبو حاتم الرازي في سماع أبي وائل من أبي الدرداء: قد أدركه، وكان بالكوفة ~~وأبو الدرداء بالشام، يعني: أنه لم يصح له سماع منه. وقد حكى أبو زرعة ~~الدمشقي عن قوم أنهم توقفوا في سماع أبي وائل من عمر، أو نفوه، فسماعه من ~~معاذ أبعد. # والثاني: أنه قد رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود، عن شهر بن ~~حوشب، عن معاذ، خرجه الإمام أحمد مختصرا، قال الدارقطني: وهو أشبه بالصواب؛ ~~لأن الحديث معروف من رواية شهر على اختلاف عليه فيه. # قلت: رواية شهر عن معاذ مرسلة يقينا، وشهر مختلف في توثيقه وتضعيفه، ms373 وقد ~~خرجه الإمام أحمد من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وخرجه الإمام ~~أحمد أيضا من رواية عروة بن النزال أو النزال بن عروة، وميمون بن أبي شبيب، ~~كلاهما عن معاذ، ولم يسمع عروة ولا ميمون من معاذ، وله طرق أخرى عن معاذ ~~كلها ضعيفة. # وقوله: " «أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار» " وقد تقدم في ~~شرح الحديث الثاني والعشرين من وجوه ثابتة من حديث أبي هريرة وأبي أيوب # PageV02P135 # وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل هذه المسألة، وأجاب بنحو ~~ما أجاب به في حديث معاذ. # وفي رواية الإمام أحمد في «حديث معاذ أنه قال: يا رسول الله، إني أريد أن ~~أسألك عن كلمة قد أمرضتني وأسقمتني وأحزنتني، قال: سل عما شئت، قال: أخبرني ~~بعمل يدخلني الجنة لا أسألك غيره» ، وهذا يدل على شدة اهتمام معاذ رضي الله ~~عنه بالأعمال الصالحة، وفيه دليل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة، كما قال ~~تعالى: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} [الزخرف: 72] [الزخرف: ~~72] . # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله» فالمراد - ~~والله أعلم - أن العمل بنفسه لا يستحق به أحد الجنة لولا أن الله جعله - ~~بفضله ورحمته - سببا لذلك والعمل بنفسه من رحمة الله وفضله على عبده، ~~فالجنة وأسبابها كل من فضل الله ورحمته. # وقوله: «لقد سألت عن عظيم» قد سبق في شرح الحديث المشار إليه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لرجل سأله عن مثل هذا: «لئن كنت أوجزت المسألة، لقد ~~أعظمت وأطولت» ، وذلك لأن دخول الجنة والنجاة من النار أمر عظيم جدا، ~~ولأجله أنزل الله الكتب، وأرسل الرسل، «وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لرجل: كيف تقول إذا صليت؟ قال: أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، ولا ~~أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، يشير إلى كثرة دعائهما واجتهادهما في المسألة ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن وفي رواية: هل تصير دندنتي ~~ودندنة معاذ إلا أن نسأل ms374 الله الجنة، # PageV02P136 # ونعوذ به من النار» . # وقوله: وإنه ليسير على من يسره الله عليه: إشارة إلى أن التوفيق كله بيد ~~الله عز وجل، فمن يسر الله عليه الهدى اهتدى، ومن لم ييسره عليه، لم ييسر ~~له ذلك؛ قال الله تعالى: {فأما من أعطى واتقى - وصدق بالحسنى - فسنيسره ~~لليسرى - وأما من بخل واستغنى - وكذب بالحسنى - فسنيسره للعسرى} [الليل: 5 ~~- 10] [الليل: 5 - 10] ، «وقال صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ميسر لما ~~خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة ~~فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم تلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية» . «وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: واهدني ويسر الهدى لي» ، وأخبر ~~الله عن نبيه موسى عليه السلام أنه قال في دعائه: {رب اشرح لي صدري - ويسر ~~لي أمري} [طه: 25 - 26] [طه: 25 - 26] ، وكان ابن عمر يدعو: اللهم يسرني ~~لليسرى، وجنبني العسرى. # وقد سبق في شرح الحديث المشار إليه توجيه ترتيب دخول الجنة على # PageV02P137 # الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي: التوحيد، والصلاة، والزكاة، ~~والصيام، والحج. # وقوله: «ألا أدلك على أبواب الخير» : لما رتب دخول الجنة على واجبات ~~الإسلام، دله بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل، فإن أفضل أولياء الله هم ~~المقربون، الذين يتقربون إليه بالنوافل بعد أداء الفرائض. # وقوله: «الصوم جنة» هذا الكلام ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ~~كثيرة، وخرجاه في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وخرجه الإمام أحمد بزيادة، وهي «الصيام جنة وحصن حصين من النار» . # وخرج من حديث عثمان بن أبي العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«الصوم جنة من النار، كجنة أحدكم من القتال» . # ومن حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «قال ربنا عز وجل: ~~الصيام جنة يستجن بها العبد من النار» . # وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي عبيدة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «الصيام جنة ما لم يخرقها» ، وقوله: ما لم يخرقها يعني: ms375 بالكلام ~~السيئ ونحوه، ولهذا في حديث أبي هريرة المخرج في " الصحيحين " عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «الصيام # PageV02P138 # جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يفسق، ولا يجهل، فإن امرؤ ~~سابه فليقل: إني امرؤ صائم» . # وقال بعض السلف: الغيبة تخرق الصيام، والاستغفار يرفعه، فمن استطاع منكم ~~أن لا يأتي بصوم مخرق فليفعل. # وقال ابن المنكدر: الصائم إذا اغتاب خرق، وإذا استغفر رقع. # وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي هريرة مرفوعا: «الصيام جنة ما لم ~~يخرقها، قيل: بم يخرقه؟ قال: بكذب أو غيبة» . # فالجنة: هي ما يستجن به العبد، كالمجن الذي يقيه عند القتال من الضرب، ~~فكذلك الصيام يقي صاحبه من المعاصي في الدنيا، كما قال عز وجل: {يا أيها ~~الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} ~~[البقرة: 183] [البقرة: 183] ، فإذا كان له جنة من المعاصي، كان له في ~~الآخرة جنة من النار، وإن لم يكن له جنة في الدنيا من المعاصي، لم يكن له ~~جنة في الآخرة من النار. # وخرج ابن مردويه من حديث علي مرفوعا، قال: «بعث الله يحيى بن زكريا إلى ~~بني إسرائيل بخمس كلمات، فذكر الحديث بطوله، وفيه: وإن الله يأمركم أن ~~تصوموا، ومثل ذلك كمثل رجل مشى إلى عدوه، وقد أخذ للقتال جنة، فلا يخاف من ~~حيث ما أتي» . وخرجه من وجه آخر عن علي موقوفا، وفيه قال: الصيام مثله كمثل ~~رجل انتصره الناس، فاستحد في السلاح، حتى ظن أن لن يصل إليه سلاح العدو، ~~فكذلك الصيام جنة. # PageV02P139 # وقوله: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» هذا الكلام روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر، فخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث ~~كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الصوم جنة حصينة، والصدقة ~~تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» . # وخرجه الطبراني وغيره من حديث أنس مرفوعا بمعناه. # وخرجه الترمذي وابن حبان في " صحيحه " من حديث أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: ms376 «إن صدقة السر لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء» . # وروي عن علي بن الحسين أنه كان يحمل الخبز على ظهره بالليل يتبع به ~~المساكين في ظلمة الليل، ويقول: إن الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب عز ~~وجل. وقد قال الله عز وجل: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم} [البقرة: 271] [البقرة: 271] ، ~~فدل على أن الصدقة يكفر بها من السيئات: إما مطلقا، أو صدقة السر. # PageV02P140 # وقوله: «وصلاة الرجل في جوف الليل» يعني أنها تطفئ الخطيئة أيضا كالصدقة، ~~ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من رواية عروة بن النزال عن معاذ قال: ~~«أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، فذكر الحديث، وفيه: إن ~~الصوم جنة، والصدقة وقيام العبد في جوف الليل يكفر الخطيئة» . # وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل ~~الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل» . # وقد روي عن جماعة من الصحابة: أن الناس يحترقون بالنهار بالذنوب، وكلما ~~قاموا إلى صلاة من الصلوات المكتوبات أطفئوا ذنوبهم، وروي ذلك مرفوعا من ~~وجوه فيها نظر. # وكذلك قيام الليل يكفر الخطايا، لأنه أفضل نوافل الصلاة، وفي " الترمذي " ~~من حديث بلال عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «عليكم بقيام الليل، فإنه ~~دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله عز وجل، ومنهاة عن ~~الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد» . وخرجه أيضا من حديث أبي ~~أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وقال: هو أصح من حديث بلال. ~~وخرجه الحاكم وابن خزيمة في " صحيحيهما " من حديث أبي أمامة أيضا. # PageV02P141 # وقال ابن مسعود: فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة ~~العلانية. وخرجه أبو نعيم عنه مرفوعا والموقوف أصح. # وقد تقدم أن صدقة السر تطفئ الخطيئة، وتطفئ غضب الرب، فكذلك صلاة الليل. # وقوله: " «ثم تلا {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما ~~رزقناهم ينفقون - فلا تعلم نفس ما أخفي ms377 لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا ~~يعملون} [السجدة: 16 - 17] [السجدة: 16 - 17] » يعني: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم تلا هاتين الآيتين عند ذكره فضل صلاة الليل، ليبين بذلك فضل صلاة ~~الليل، وقد روي عن أنس أن هذه الآية نزلت في انتظار صلاة العشاء، خرجه ~~الترمذي وصححه. وروي عنه أنه قال في هذه الآية: كانوا يتنفلون بين المغرب ~~والعشاء، خرجه أبو داود. وروي نحوه عن بلال، وخرجه البزار بإسناد ضعيف. # وكل هذا يدخل في عموم لفظ الآية، فإن الله مدح الذين تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع لدعائه، فيشمل ذلك كل من ترك النوم بالليل لذكر الله ودعائه، # PageV02P142 # فيدخل فيه من صلى بين العشاءين، ومن انتظر صلاة العشاء فلم ينم حتى ~~يصليها لا سيما مع حاجته إلى النوم، ومجاهدة نفسه على تركه لأداء الفريضة، ~~وقد «قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن انتظر صلاة العشاء: إنكم لن تزالوا ~~في صلاة ما انتظرتم الصلاة» . # ويدخل فيه من نام ثم قام من نومه بالليل للتهجد، وهو أفضل أنواع التطوع ~~بالصلاة مطلقا. # وربما دخل فيه من ترك النوم عند طلوع الفجر، وقام إلى أداء صلاة الصبح، ~~لا سيما مع غلبة النوم عليه، ولهذا يشرع للمؤذن في أذان الفجر أن يقول في ~~أذانه: الصلاة خير من النوم. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «وصلاة الرجل في جوف الليل» ذكر أفضل أوقات ~~التهجد بالليل، وهو جوف الليل، وخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي أمامة، ~~قال: «قيل: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ودبر ~~الصلوات المكتوبات» . # وخرجه ابن أبي الدنيا، ولفظه: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: أي الصلاة # PageV02P143 # أفضل؟ قال: جوف الليل الأوسط قال: أي الدعاء أسمع؟ قال: دبر المكتوبات» . # وخرج النسائي من حديث أبي ذر قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي ~~الليل خير؟ قال: خير الليل جوفه» . وخرج الإمام أحمد من حديث أبي مسلم قال: ~~«قلت لأبي ذر: أي قيام الليل أفضل؟ قال: سألت النبي صلى الله عليه ms378 وسلم كما ~~سألتني، فقال: جوف الليل الغابر أو نصف الليل، وقليل فاعله» . # وخرجه البزار، والطبراني من حديث ابن عمر قال: «سئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أي الليل أجوب دعوة؟ قال: جوف الليل زاد البزار في روايته: " الآخر» ~~. # وخرج الترمذي من حديث عمرو بن عبسة سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن ~~يذكر الله تلك الساعة فكن» ، وصححه، وخرجه الإمام أحمد، ولفظه قال: «قلت: ~~يا رسول الله، أي الساعات أفضل؟ قال: جوف الليل الآخر وفي رواية له أيضا: ~~قال: جوف الليل الآخر أجوبه دعوة، وفي رواية له: قلت: يا رسول الله، هل من ~~ساعة أقرب إلى الله من أخرى؟ قال: جوف الليل الآخر» . وخرجه ابن ماجه، ~~وعنده: جوف الليل الأوسط وفي رواية الإمام أحمد عن عمرو بن عبسة، قال: ~~«قلت: يا رسول الله، هل من ساعة أفضل من ساعة؟ قال: إن الله ليتدلى في جوف ~~الليل، فيغفر إلا ما كان من الشرك» . # PageV02P144 # وقد قيل: إن جوف الليل إذا أطلق، فالمراد به وسطه، وإن قيل: جوف الليل ~~الآخر، فالمراد وسط النصف الثاني، وهو السدس الخامس من أسداس الليل، وهو ~~الوقت الذي ورد فيه النزول الإلهي. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ ~~قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة ~~سنامه الجهاد» وفي رواية للإمام أحمد من رواية شهر بن حوشب، عن ابن غنم، ~~«عن معاذ قال: قال لي نبي الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت حدثتك برأس هذا ~~الأمر وقوام هذا الأمر وذروة السنام، قلت بلى، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إن رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ~~وأن محمدا عبده ورسوله، وإن قوام هذا الأمر إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ~~وإن ذروة السنام منه الجهاد في سبيل الله، وإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقيموا ms379 الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ~~ورسوله، فإذا فعلوا ذلك، فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، ~~وحسابهم على الله عز وجل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس ~~محمد بيده، ما شحب وجه، ولا اغبرت قدم في عمل يبتغى فيه درجات الجنة بعد ~~الصلاة المفروضة كالجهاد في سبيل الله، ولا ثقل ميزان عبد كدابة تنفق له في ~~سبيل الله، أو يحمل عليها في سبيل الله عز وجل. # فأخبرني النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أشياء: رأس الأمر، وعموده، ~~وذروة سنامه» . # فأما رأس الأمر، ويعني بالأمر الدين الذي بعث به وهو الإسلام، وقد جاء ~~تفسيره في الرواية الأخرى بالشهادتين، فمن لم يقر بهما ظاهرا وباطنا، فليس ~~من الإسلام في شيء. # PageV02P145 # وأما قوام الدين الذي يقوم به الدين كما يقوم الفسطاط على عموده، فهي ~~الصلاة، وفي الرواية الأخرى: وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وقد سبق القول في ~~أركان الإسلام وارتباط بعضها ببعض. # وأما ذروة سنامه - وهو أعلى ما فيه وأرفعه - فهو الجهاد، وهذا يدل على ~~أنه أفضل الأعمال بعد الفرائض، كما هو قول الإمام أحمد وغيره من العلماء. # وقوله في رواية الإمام أحمد: «والذي نفس محمد بيده ما شحب وجه ولا اغبرت ~~قدم في عمل يبتغى به درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله ~~عز وجل» يدل على ذلك صريحا. # وفي " الصحيحين " «عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ ~~قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله» . # وفيهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل الأعمال ~~إيمان بالله، ثم جهاد في سبيل الله» . # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا. # وقوله: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان ~~نفسه فقال: كف عليك هذا» إلى آخر الحديث. هذا يدل على أن كف اللسان وضبطه ~~وحبسه هو أصل الخير كله، وأن من ملك لسانه، فقد ملك أمره وأحكمه وضبطه، وقد ~~سبق الكلام على ms380 هذا المعنى في شرح حديث من كان يؤمن بالله # PageV02P146 # واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت. وفي شرح حديث: «قل آمنت بالله، ثم ~~استقم» . وخرج البزار في " مسنده " من حديث أبي اليسر أن «رجلا قال: يا ~~رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: أمسك هذا وأشار إلى لسانه، ~~فأعادها عليه، فقال: ثكلتك أمك، هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا ~~حصائد ألسنتهم» وقال: إسناده حسن. # والمراد بحصائد الألسنة: جزاء الكلام المحرم وعقوباته؛ فإن الإنسان يزرع ~~بقوله وعمله الحسنات والسيئات، ثم يحصد يوم القيامة ما زرع، فمن زرع خيرا ~~من قول أو عمل، حصد الكرامة، ومن زرع شرا من قول أو عمل، حصد غدا الندامة. # وظاهر حديث معاذ يدل على أن أكثر ما يدخل به الناس النار النطق بألسنتهم، ~~فإن معصية النطق يدخل فيها الشرك وهي أعظم الذنوب عند الله عز وجل، ويدخل ~~فيها القول على الله بغير علم، وهو قرين الشرك، ويدخل فيها شهادة الزور ~~التي عدلت الإشراك بالله عز وجل، ويدخل فيها السحر والقذف وغير ذلك من ~~الكبائر والصغائر؛ كالكذب والغيبة والنميمة، وسائر المعاصي الفعلية لا يخلو ~~غالبا من قول يقترن بها يكون معينا عليها. # وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أكثر ما يدخل ~~الناس النار الأجوفان: الفم والفرج» خرجه الإمام أحمد والترمذي. # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن ~~الرجل ليتكلم # PageV02P147 # بالكلمة ما يتبين ما فيها، يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» ~~وخرجه الترمذي، ولفظه: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها ~~سبعين خريفا في النار» . # وروى مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه «أن عمر دخل على أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنهما وهو يجبذ لسانه، فقال عمر: مه، غفر الله لك! فقال أبو بكر: هذا ~~الذي أوردني الموارد» . # وقال ابن بريدة: رأيت ابن عباس آخذ بلسانه وهو يقول: ويحك قل خيرا تغنم، ~~أو اسكت عن سوء تسلم، وإلا ms381 فاعلم أنك ستندم، قال: فقيل له: يا ابن عباس، لم ~~تقول هذا؟ قال: إنه بلغني أن الإنسان - أراه قال - ليس على شيء من جسده أشد ~~حنقا أو غيظا يوم القيامة منه على لسانه إلا ما قال به خيرا، أو أملى به ~~خيرا. # وكان ابن مسعود يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: ما على الأرض شيء أحوج ~~إلى طول سجن من لسان. # وقال الحسن: اللسان أمير البدن، فإذا جنى على الأعضاء شيئا، جنت، وإذا عف ~~عفت. # PageV02P148 # وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أحدا لسانه منه على بال إلا رأيت ذلك صلاحا ~~في سائر عمله. # وقال يحيى بن أبي كثير: ما صلح منطق رجل إلا عرفت ذلك في سائر عمله، ولا ~~فسد منطق رجل قط، إلا عرفت ذلك في سائر عمله. # وقال المبارك بن فضالة، عن يونس بن عبيد: لا تجد شيئا من البر واحدا ~~يتبعه البر كله غير اللسان، فإنك تجد الرجل يصوم النهار، ويفطر على حرام، ~~ويقوم الليل ويشهد بالزور بالنهار - وذكر أشياء نحو هذا - ولكن لا تجده لا ~~يتكلم إلا بحق فيخالف ذلك عمله أبدا. # PageV02P149 ### | [الحديث الثلاثون إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها] # PageV02P149 # الحديث الثلاثون # «عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قال: إن الله فرض فرائض، فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء، ~~فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها» . حديث ~~حسن، رواه الدارقطني وغيره. #  هذا الحديث من رواية مكحول عن أبي ~~ثعلبة الخشني، وله علتان: إحداهما: أن مكحولا لم يصح له السماع من أبي ~~ثعلبة، كذلك قال أبو مسهر الدمشقي وأبو نعيم الحافظ وغيرهما. # والثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول ~~من قوله، لكن قال الدارقطني: الأشبه بالصواب المرفوع، قال: وهو أشهر. # وقد حسن الشيخ رحمه الله هذا الحديث، وكذلك حسن قبله الحافظ أبو بكر بن ~~السمعاني في " أماليه ". # وقد ms382 روي معنى هذا الحديث مرفوعا من وجوه أخر، خرجه البزار في # PageV02P150 # " مسنده " والحاكم من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو ~~عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا ثم تلا هذه ~~الآية: {وما كان ربك نسيا} [مريم: 64] » [مريم: 64] ، وقال الحاكم: صحيح ~~الإسناد، وقال البزار: إسناده صالح. # وقد خرجه الطبراني والدارقطني من وجه آخر عن أبي الدرداء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بمثل حديث أبي ثعلبة، وقال في آخره: «رحمة من الله ~~فاقبلوها» ولكن إسناده ضعيف. # وخرجه الترمذي، وابن ماجه من رواية سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي ~~عثمان، عن سلمان قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن ~~والفراء، فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في ~~كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» . # وقال الترمذي: رواه سفيان - يعني ابن عيينة - عن سليمان، عن أبي عثمان، ~~عن سلمان من قوله، قال: وكأنه أصح. وذكر في كتاب " العلل " عن البخاري أنه ~~قال في الحديث المرفوع: ما أراه محفوظا، وقال أحمد: هو منكر، # PageV02P151 # وأنكره ابن معين أيضا، وقال أبو حاتم الرازي: هو خطأ، رواه الثقات عن ~~التيمي عن أبي عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ليس فيه سلمان. # قلت: وقد روي عن سلمان من قوله من وجوه أخر. # وخرجه ابن عدي من حديث ابن عمر مرفوعا وضعف إسناده. # ورواه أبو صالح المري، عن الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن عائشة مرفوعا ~~وأخطأ في إسناده. # وروي عن الحسن مرسلا. # وخرج أبو داود من حديث ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ~~ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنزل كتابه، ~~وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل، فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه ~~فهو عفو، وتلا: {قل لا أجد في ما أوحي ms383 إلي محرما} [الأنعام: 145] [الأنعام: ~~145] الآية، وهذا موقوف. # وقال عبيد بن عمير: إن الله عز وجل أحل حلالا وحرم حراما، وما أحل فهو ~~حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو. # فحديث أبي ثعلبة قسم فيه أحكام الله أربعة أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود، ~~ومسكوت عنه، وذلك يجمع أحكام الدين كلها. # PageV02P152 # قال أبو بكر السمعاني: هذا الحديث أصل كبير من أصول الدين، قال: وحكي عن ~~بعضهم أنه قال: ليس في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث واحد أجمع ~~بانفراده لأصول العلم وفروعه من حديث أبي ثعلبة، قال: وحكي عن أبي واثلة ~~المزني أنه قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين في أربع كلمات، ثم ~~ذكر حديث أبي ثعلبة. # قال ابن السمعاني: فمن عمل بهذا الحديث، فقد حاز الثواب، وأمن العقاب؛ ~~لأن من أدى الفرائض، واجتنب المحارم، ووقف عند الحدود، وترك البحث عما غاب ~~عنه، فقد استوفى أقسام الفضل، وأوفى حقوق الدين، لأن الشرائع لا تخرج عن ~~هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث انتهى. # فأما الفرائض فما فرضه الله على عباده وألزمهم القيام به، كالصلاة ~~والزكاة والصيام والحج. # وقد اختلف العلماء: هل الواجب والفرض بمعنى واحد أم لا؟ فمنهم من قال: ~~هما سواء، وكل واجب بدليل شرعي بكتاب أو سنة أو إجماع أو غير ذلك من أدلة ~~الشرع فهو فرض، وهو المشهور عن أصحاب الشافعي وغيرهم، وحكي رواية عن أحمد؛ ~~لأنه قال: كل ما في الصلاة فهو فرض. # ومنهم من قال: بل الفرض ما ثبت بدليل مقطوع به، والواجب ما ثبت بغير ~~مقطوع به، وهو قول الحنفية وغيرهم. # وأكثر النصوص عن أحمد تفرق بين الفرض والواجب، فنقل جماعة من أصحابه عنه ~~أنه قال: لا يسمى فرضا إلا ما كان في كتاب الله تعالى، وقال في صدقة الفطر: ~~ما أجترئ أن أقول: إنها فرض، مع أنه يقول بوجوبها، فمن أصحابنا من قال: ~~مراده أن الفرض ما يثبت بالكتاب، والواجب ما ثبت بالسنة، ومنهم من قال: ~~أراد أن الفرض ms384 ما ثبت بالاستفاضة والنقل المتواتر، والواجب ما ثبت من جهة ~~الاجتهاد، وساغ الخلاف في وجوبه. # PageV02P153 # ويشكل على هذا أن أحمد قال في رواية الميموني في بر الوالدين: ليس بفرض، ~~ولكن أقول: واجب ما لم يكن معصية، وبر الوالدين مجمع على وجوبه، وقد كثرت ~~الأوامر به في الكتاب والسنة، فظاهر هذا أنه لا يقول: فرض، إلا ما ورد في ~~الكتاب والسنة فرضا. # وقد اختلف السلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هل يسمى فريضة أم ~~لا؟ فقال جويبر عن الضحاك: هما من فرائض الله عز وجل، وكذا روي عن مالك. # وروى عبد الواحد بن زيد، عن الحسن؛ فقال: ليس بفريضة، كان فريضة على بني ~~إسرائيل، فرحم الله هذه الأمة لضعفهم، فجعله عليهم نافلة. # وكتب عبد الله بن شبرمة إلى عمرو بن عبيد أبياتا مشهورة أولها: # الأمر بالمعروف يا عمرو نافلة ... والقائمون به لله أنصار # واختلف كلام أحمد فيه: هل يسمى واجبا أم لا؟ فروى عنه جماعة ما يدل على ~~وجوبه، ورواه عنه أبو داود في الرجل يرى الطنبور ونحوه: أواجب عليه تغييره؟ ~~قال: ما أدري ما واجب إن غير فهو فضل. # وقال إسحاق ابن راهويه: هو واجب على كل مسلم، إلا أن يخشى على نفسه، ولعل ~~أحمد يتوقف في إطلاق الواجب على ما ليس بواجب على الأعيان، بل على الكفاية. # وقد اختلف العلماء في الجهاد: هل هو واجب أم لا؟ فأنكر جماعة منهم وجوبه، ~~منهم: عطاء، وعمرو بن دينار، وابن شبرمة، ولعلهم أرادوا هذا المعنى، وقالت ~~طائفة: هو واجب، منهم سعيد بن المسيب، ومكحول، ولعلهما أرادا وجوبه على ~~الكفاية. # PageV02P154 # وقال أحمد في رواية حنبل: الغزو واجب على الناس كلهم كوجوب الحج، فإذا ~~غزا بعضهم أجزأ عنهم، ولا بد للناس من الغزو. # وسأله المروزي عن الجهاد: أفرض هو؟ قال: قد اختلفوا فيه، وليس هو مثل ~~الحج، ومراده: أن الحج لا يسقط عمن لم يحج مع الاستطاعة بحج غيره، بخلاف ~~الجهاد. # وسئل عن النفير: متى يجب؟ فقال: أما إيجاب فلا أدري، ولكن إذا ms385 خافوا على ~~أنفسهم، فعليهم أن يخرجوا. # وظاهر هذا التوقف في إطلاق لفظ الواجب على ما لم يأت فيه لفظ الإيجاب ~~تورعا، ولذلك توقف في إطلاق لفظ الحرام على ما اختلف فيه، وتعارضت أدلته من ~~نصوص الكتاب أو السنة، فقال في متعة النساء: لا أقول: هي حرام، ولكن ينهى ~~عنه، ولم يتوقف في معنى التحريم، ولكن في إطلاق لفظه، لاختلاف النصوص ~~والصحابة فيها، هذا هو الصحيح في تفسير كلام أحمد. # وقال في الجمع بين الأختين بملك اليمين: لا أقول: حرام، ولكن ينهى عنه، ~~والصحيح في تفسيره أنه توقف في إطلاق لفظة الحرام دون معناها، وهذا كله على ~~سبيل الورع في الكلام؛ حذرا من الدخول تحت قوله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} [النحل: 116] ~~[النحل: 116] . # قال الربيع بن خثيم: ليتق أحدكم أن يقول: أحل الله كذا، وحرم كذا، فيقول ~~الله: كذبت، لم أحل كذا ولم أحرم كذا. # وقال ابن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول: أدركت علماءنا يقول أحدهم إذا سئل: ~~أكره هذا، ولا أحبه، ولا يقول: حلال ولا حرام. # PageV02P155 # وأما ما حكي عن أحمد أنه قال: كل ما في الصلاة فهو فرض فليس كلامه كذلك ~~إنما نقل عنه ابنه عبد الله أنه قال: كل شيء في الصلاة مما وكده الله فهو ~~فرض، وهذا يعود إلى معنى قوله: إنه لا فرض إلا ما في القرآن والذي وكده ~~الله من أمر الصلاة: القيام والقراءة والركوع والسجود، وإنما قال أحمد هذا ~~لأن بعض الناس كان يقول: الصلاة فرض، والركوع والسجود لا أقول إنه فرض، ~~ولكنه سنة. وقد سئل مالك بن أنس عمن يقول ذلك، فكفره، فقيل له: إنه يتأول، ~~فلعنه، فقال: لقد قال قولا عظيما. وقد نقله أبو بكر النيسابوري في كتاب " ~~مناقب مالك " من وجوه عنه. # وروى أيضا بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن ميمون بن الرماح، قال: دخلت ~~على مالك بن أنس، فقلت: يا أبا عبد الله، ما في الصلاة من فريضة ms386 وما فيها ~~من سنة، أو قال: نافلة؟ فقال مالك: كلام الزنادقة أخرجوه. # ونقل إسحاق بن منصور عن إسحاق ابن راهويه أنه أنكر تقسيم أجزاء الصلاة ~~إلى سنة وواجب، فقال: كل ما في الصلاة، فهو واجب، وأشار إلى أن منه ما تعاد ~~الصلاة بتركه، ومنه ما لا تعاد. # وسبب هذا - والله أعلم - أن التعبير بلفظ السنة قد يفضي إلى التهاون بفعل ~~ذلك، وإلى الزهد فيه وتركه، وهذا خلاف مقصود الشارع من الحث عليه، والترغيب ~~فيه بالطرق المؤدية إلى فعله وتحصيله، فإطلاق لفظ الواجب أدعى إلى الإتيان ~~به والرغبة فيه. # PageV02P156 # وقد ورد إطلاق الواجب في كلام الشارع على ما لا يأثم بتركه، ولا يعاقب ~~عليه عند الأكثرين، كغسل الجمعة، وكذلك ليلة الضيف عند كثير من العلماء أو ~~أكثرهم، وإنما المراد به المبالغة في الحث على فعله وتأكيده. # وأما المحارم فهي التي حماها الله تعالى ومنع من قربانها وارتكابها ~~وانتهاكها. # والمحرمات المقطوع بها مذكورة في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: {قل تعالوا ~~أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا ~~أولادكم من إملاق} [الأنعام: 151] [الأنعام: 51] إلى آخر الآيات الثلاثة، ~~وقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون} [الأعراف: 33] [الأعراف: 33] . # وقد ذكر في بعض الآيات المحرمات المختصة بنوع من الأنواع كما ذكر ~~المحرمات من المطاعم في مواضع، منها قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه ~~رجس أو فسقا أهل لغير الله به} [الأنعام: 145] [الأنعام: 145] ، وقوله: ~~{إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله} [البقرة: ~~173] [البقرة: 173] ، وفي الآية الأخرى: {وما أهل لغير الله به} [النحل: ~~115] [النحل: 115] ، وقوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ms387 ~~ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام} [المائدة: 3] [المائدة: 3] ~~. # وذكر المحرمات في النكاح في قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} [النساء: ~~23] [النساء: 23] الآية. # وذكر المحرمات من المكاسب في قوله: {وأحل الله البيع وحرم الربا} ~~[البقرة: 275] [البقرة: 275] . # PageV02P157 # وأما السنة، ففيها ذكر كثير من المحرمات، كقوله صلى الله عليه وسلم: «إن ~~الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» . وقوله: «إن الله إذا حرم ~~شيئا حرم ثمنه» ، وقوله: «كل مسكر حرام» . وقوله: «إن دماءكم وأموالكم ~~وأعراضكم عليكم حرام» . # فما ورد التصريح بتحريمه في الكتاب والسنة، فهو محرم. # وقد يستفاد التحريم من النهي مع الوعيد والتشديد، كما في قوله عز وجل: ~~{إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم ~~تفلحون - إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90 - ~~91] [المائدة: 90 - 91] . # وأما النهي المجرد، فقد اختلف الناس: هل يستفاد منه التحريم أم لا؟ وقد ~~روي عن ابن عمر إنكار استفادة التحريم منه. قال ابن المبارك: أخبرنا سلام ~~بن أبي مطيع، عن ابن أبي دخيلة، عن أبيه قال: كنت عند ابن عمر، فقال «نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزبيب والتمر، يعني: أن يخلطا» ، فقال لي ~~رجل من خلفي: ما قال؟ فقلت: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبيب ~~والتمر، فقال عبد الله بن عمر: كذبت، فقلت: ألم تقل نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عنه، فهو حرام؟ فقال: أنت تشهد # PageV02P158 # بذاك؟ قال سلام: كأنه يقول: من نهي النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أدب. # وقد ذكرنا فيما تقدم عن العلماء الورعين كأحمد ومالك توقي إطلاق لفظ ~~الحرام على ما لم يتيقن تحريمه مما فيه نوع شبهة أو اختلاف. # وقال النخعي: كانوا يكرهون أشياء لا يحرمونها، وقال ابن عون: قال لي ~~مكحول: ما تقولون في الفاكهة تلقى بين القوم فينتهبونها؟ قلت: إن ذلك عندنا ~~لمكروه، قال: حرام هي؟ قال ابن عون: فاستجفينا ذلك من ms388 قول مكحول. # وقال جعفر بن محمد: سمعت رجلا يسأل القاسم بن محمد: الغناء أحرام هو؟ ~~فسكت عنه القاسم، ثم عاد، فسكت عنه، ثم عاد، فقال له: إن الحرام ما حرم ~~الله في القرآن؟ أرأيت إذا أتي بالحق والباطل إلى الله، فأيهما يكون ~~الغناء؟ فقال الرجل: في الباطل، فقال: فأنت، فأفت نفسك. # قال عبد الله ابن الإمام أحمد: سمعت أبي يقول: أما ما نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فمنها أشياء حرام، مثل قوله: «نهى أن تنكح المرأة على عمتها، أو ~~على خالتها» فهذا حرام، «ونهى عن جلود السباع» ، فهذا حرام، وذكر أشياء من ~~نحو هذا. # PageV02P159 # ومنها أشياء نهى عنها فهي أدب. # وأما حدود الله التي نهى عن اعتدائها، فالمراد بها جملة ما أذن في فعله، ~~سواء كان على طريق الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، واعتداؤها: هو تجاوز ذلك ~~إلى ارتكاب ما نهى عنه، كما قال تعالى: {وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله ~~فقد ظلم نفسه} [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] والمراد: من طلق على غير ما أمر ~~الله به وأذن فيه، وقال تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود ~~الله فأولئك هم الظالمون} [البقرة: 229] [البقرة: 229] ، والمراد من أمسك ~~بعد أن طلق بغير معروف، أو سرح بغير إحسان، أو أخذ مما أعطى المرأة شيئا ~~على غير وجه الفدية التي أذن الله فيها. # وقال تعالى: {تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات} [النساء: ~~13] إلى قوله: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله ~~عذاب مهين} [النساء: 14] [النساء: 13 - 14] ، والمراد من تجاوز ما فرضه ~~الله للورثة، ففضل وارثا، وزاد على حقه، أو نقصه منه، ولهذا «قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا ~~وصية لوارث» . # PageV02P160 # وروى النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ضرب الله مثلا ~~صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ~~ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: ms389 يا أيها الناس، ادخلوا الصراط ~~جميعا، ولا تعرجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئا من ~~تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط: الإسلام، ~~والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس ~~الصراط كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم» خرجه الإمام ~~أحمد، وهذا لفظه، والنسائي في " تفسيره " والترمذي وحسنه. # فضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل الإسلام في هذا الحديث بصراط مستقيم، ~~وهو الطريق السهل الواسع، الموصل سالكه إلى مطلوبه، وهو - مع هذا - مستقيم، ~~لا عوج فيه، فيقتضي ذلك قربه وسهولته، وعلى جنبتي الصراط يمنة ويسرة سوران، ~~وهما حدود الله، وكما أن السور يمنع من كان داخله من تعديه ومجاوزته، فكذلك ~~الإسلام يمنع من دخله من الخروج عن حدوده ومجاوزتها، وليس وراء ما حد الله ~~من المأذون فيه إلا ما نهى عنه، ولهذا مدح سبحانه الحافظين لحدوده، وذم من ~~لا يعرف حد الحلال من الحرام، كما قال تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا ~~وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} [التوبة: 97] [التوبة: 97] ~~وقد تقدم «حديث القرآن وأنه يقول لمن عمل به: حفظ حدودي، ولمن لم يعمل به: ~~تعدى حدودي» . # والمراد: أن من لم يجاوز ما أذن له فيه إلى ما نهي عنه، فقد حفظ حدود # PageV02P161 # الله، ومن تعدى ذلك، فقد تعدى حدود الله. # وقد تطلق الحدود، ويراد بها نفس المحارم، وحينئذ فيقال: لا تقربوا حدود ~~الله، كما قال تعالى: {تلك حدود الله فلا تقربوها} [البقرة: 187] [البقرة: ~~187] ، والمراد: النهي عن ارتكاب ما نهى عنه في الآية من محظورات الصيام ~~والاعتكاف في المساجد، ومن هذا المعنى - وهو تسمية المحارم حدودا - قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها، كمثل ~~قوم اقتسموا سفينة» الحديث المشهور، وأراد بالقائم على حدود الله المنكر ~~للمحرمات والناهي عنها. # وفي حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني آخذ بحجزكم ~~[أقول:] اتقوا النار، اتقوا ms390 الحدود قالها ثلاثا» ، خرجه الطبراني والبزار، ~~وأراد بالحدود محارم الله ومعاصيه، ومنه «قول الرجل الذي قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: فإني أصبت حدا فأقمه علي» . # وقد تسمى العقوبات المقدرة الرادعة عن المحارم المغلظة حدودا، كما يقال: ~~حد الزنا، وحد السرقة، وحد شرب الخمر، ومنه «قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأسامة: # PageV02P162 # أتشفع في حد من حدود الله؟» يعني: في القطع في السرقة. وهذا هو المعروف ~~من اسم الحدود في اصطلاح الفقهاء. # وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من ~~حدود الله» فهذا قد اختلف الناس في معناه، فمنهم من فسر الحدود هاهنا بهذه ~~الحدود المقدرة، وقال: إن التعزير لا يزاد على عشر جلدات، ولا يزاد عليها ~~إلا في هذه الحدود المقدرة، ومنهم من فسر الحدود هاهنا بجنس محارم الله، ~~وقال: المراد أن مجاوزة العشر الجلدات لا يجوز إلا في ارتكاب محرم من محارم ~~الله، فأما ضرب التأديب على غير محرم، فلا يتجاوز به عشر جلدات. # وقد حمل بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم: «وحد حدودا فلا تعتدوها» على هذه ~~العقوبات الزاجرة عن المحرمات، وقال: المراد النهي عن تجاوز هذه الحدود ~~وتعديها عند إقامتها على أهل الجرائم. ورجح ذلك بأنه لو كان المراد بالحدود ~~الوقوف عند الأوامر والنواهي، لكان تكريرا لقوله: «فرض فرائض فلا تضيعوها، ~~وحرم أشياء، فلا تنتهكوها» وليس المراد على ما قاله، فإن الوقوف عند الحدود ~~يقتضي أنه لا يخرج عما أذن فيه إلا ما نهى عنه، وذلك أعم من كون المأذون ~~فيه فرضا أو ندبا أو مباحا كما تقدم، وحينئذ فلا تكرير في هذا الحديث، ~~والله أعلم. # وأما المسكوت عنه، فهو ما لم يذكر حكمه بتحليل، ولا إيجاب، ولا تحريم، ~~فيكون معفوا عنه، لا حرج على فاعله، وعلى هذا دلت هذه الأحاديث المذكورة ~~هاهنا، كحديث أبي ثعلبة وغيره. # PageV02P163 # وقد اختلفت ألفاظ حديث أبي ثعلبة، فروي باللفظ المتقدم، وروي بلفظ آخر، ~~وهو: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهاكم عن ms391 أشياء فلا تنتهكوها، وعفا ~~عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» خرجه إسحاق بن راهويه. وروي بلفظ ~~آخر وهو: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وسن لكم سننا فلا تنتهكوها، وحرم ~~عليكم أشياء فلا تعتدوها، وترك بين ذلك أشياء من غير نسيان رحمة منه، ~~فاقبلوها ولا تبحثوا عنها» خرجه الطبراني. وهذه الرواية تبين أن المعفو عنه ~~ما ترك ذكره، فلم يحرم ولم يحلل. # ولكن مما ينبغي أن يعلم: أن ذكر الشيء بالتحريم والتحليل مما قد يخفى ~~فهمه من نصوص الكتاب والسنة، فإن دلالة هذه النصوص قد تكون بطريق النص ~~والتصريح، وقد تكون بطريق العموم والشمول، وقد تكون دلالته بطريق الفحوى ~~والتنبيه، كما في قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] ~~[الإسراء: 23] ، فإن دخول ما هو أعظم من التأفيف من أنواع الأذى يكون بطريق ~~الأولى، ويسمى ذلك مفهوم الموافقة. # وقد تكون دلالته بطريق مفهوم المخالفة، كقوله: «في الغنم السائمة الزكاة» ~~فإنه يدل بمفهومه على أنه لا زكاة في غير السائمة، وقد أخذ الأكثرون بذلك، ~~واعتبروا بمفهوم المخالفة، وجعلوه حجة. # PageV02P164 # وقد تكون دلالته من باب القياس، فإذا نص الشارع على حكم في شيء لمعنى من ~~المعاني، وكان ذلك المعنى موجودا في غيره، فإنه يتعدى الحكم إلى كل ما وجد ~~في ذلك المعنى عند جمهور العلماء، وهو من باب العدل والميزان الذي أنزل ~~الله، وأمر بالاعتبار به، فهذا كله مما يعرف به دلالة النصوص على التحليل ~~والتحريم. # فأما ما انتفى فيه ذلك كله، فهنا يستدل بعدم ذكره بإيجاب أو تحريم على ~~أنه معفو عنه، وهاهنا مسلكان: أحدهما: أن يقال لا إيجاب ولا تحريم إلا ~~بالشرع، وما لم يوجب الشرع كذا، أو لم يحرمه، فيكون غير واجب، أو غير حرام، ~~كما يقال مثل هذا في الاستدلال على نفي وجوب الوتر والأضحية، أو نفي تحريم ~~الضب ونحوه، أو نفي تحريم بعض العقود المختلف فيها، كالمساقاة والمزارعة ~~ونحو ذلك، ويرجع هذا إلى استصحاب براءة الذمة حيث لم يوجد ما يدل على ~~اشتغالها، ولا ms392 يصلح هذا الاستدلال إلا لمن عرف أنواع أدلة الشرع وسبرها، ~~فإن قطع - مع ذلك - بانتفاء ما يدل على إيجاب أو تحريم، قطع بنفي الوجوب أو ~~التحريم، كما يقطع بانتفاء فريضة صلاة سادسة، أو صيام شهر غير شهر رمضان، ~~أو وجوب الزكاة في غير الأموال الزكوية، أو حجة غير حجة الإسلام، وإن كان ~~هذا كله يستدل عليه بنصوص مصرحة بذلك، وإن ظن انتفاء ما يدل على إيجاب أو ~~تحريم، ظن انتفاء الوجوب والتحريم من غير قطع. # والمسلك الثاني: أن يذكر من أدلة الشرع العامة ما يدل على ما لم يوجبه ~~الشرع، ولم يحرمه، فإنه معفو عنه، كحديث أبي ثعلبة هذا وما في معناه من ~~الأحاديث المذكورة معه، ومثل «قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الحج أفي ~~كل عام؟ فقال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ~~واختلافهم # PageV02P165 # على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا ~~منه ما استطعتم» . # ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص: «إن أعظم ~~المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته» . # وقد دل القرآن على مثل هذا أيضا في مواضع، كقوله عز وجل: {قل لا أجد في ~~ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} [الأنعام: 145] ~~[الأنعام: 145] ، فإن هذا يدل على أن ما لم يوجد تحريمه، فليس بمحرم، وكذلك ~~قوله: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم ~~إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] [الأنعام: 119] ، فعنفهم على ترك ~~الأكل مما ذكر اسم الله عليه، معللا بأنه قد بين لهم الحرام، وهذا ليس منه، ~~فدل على أن الأشياء على الإباحة، وإلا لما ألحق اللوم بمن امتنع من الأكل ~~مما لم ينص له على حله بمجرد كونه لم ينص على تحريمه. # واعلم أن هذه المسألة غير مسألة حكم الأعيان قبل ورود الشرع: هل هو الحظر ~~أو الإباحة، أو لا حكم فيها؟ ms393 فإن تلك المسألة مفروضة فيما قبل ورود الشرع، ~~فأما بعد وروده، فقد دلت هذه النصوص وأشباهها على أن حكم ذاك الأصل زال ~~واستقر أن الأصل في الأشياء الإباحة بأدلة الشرع. وقد حكى بعضهم الإجماع ~~على ذلك، وغلطوا من سوى بين المسألتين، وجعل حكمهما واحدا. # وكلام الإمام أحمد يدل على أن ما لا يدخل في نصوص التحريم، فإنه # PageV02P166 # معفو عنه. قال أبو الحارث: قلت: لأبي عبد الله - يعني أحمد -: إن أصحاب ~~الطير يذبحون من الطير شيئا لا نعرفه، فما ترى في أكله؟ فقال: كل ما لم يكن ~~ذا مخلب أو يأكل الجيف، فلا بأس به، فحصر تحريم الطير في ذي المخلب المنصوص ~~عليه وما يأكل الجيف، لأنه في معنى الغراب المنصوص عليه وحكم بإباحة ما ~~عداهما. وحديث ابن عباس الذي سبق ذكره يدل على مثل هذا، وحديث سلمان ~~الفارسي فيه النهي عن السؤال عن الجبن والسمن والفراء، فإن الجبن كان يصنع ~~بأرض المجوس ونحوهم من الكفار، وكذلك السمن، وكذلك الفراء تجلب من عندهم، ~~وذبائحهم ميتة، وهذا مما يستدل به على إباحة لبن الميتة وأنفحتها، وعلى ~~إباحة طعام المجوس، وفي ذلك كله خلاف مشهور، ويحمل على أنه إذا اشتبه ~~الأمر، لم يجب السؤال والبحث عنه، كما قال ابن عمر لما سئل عن الجبن الذي ~~يصنعه المجوس، فقال: ما وجدته في سوق المسلمين اشتريته ولم أسأل عنه، وذكر ~~عند عمر الجبن وقيل له: إنه يصنع بأنافح الميتة، فقال: سموا الله وكلوا. ~~قال الإمام أحمد: أصح حديث فيه هذا الحديث، يعني: جبن المجوس. # وقد روي من حديث ابن عباس أن «النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجبنة في ~~غزوة الطائف، فقال: أين تصنع هذه؟ قالوا: بفارس، فقال صلى الله عليه وسلم: ~~ضعوا فيها السكين واقطعوا، واذكروا اسم الله وكلوا» خرجه الإمام أحمد، وسئل ~~عنه، فقال: هو حديث منكر، وكذا قال أبو حاتم الرازي. # PageV02P167 # وخرجه أبو داود معناه من حديث ابن عمر، إلا أنه قال: في غزوة تبوك، وقال ~~أبو حاتم: هو منكر أيضا. # وخرجه ms394 عبد الرازق في كتابه مرسلا، وهو أشبه، وعنده زيادة، وهي أنه «قيل ~~له: يا رسول الله، نخشى أن تكون ميتة؟ قال: سموا عليه وكلوه» . # وخرج الطبراني معناه من حديث ميمونة، وإسناده جيد، لكنه غريب جدا. # وفي " صحيح البخاري " عن عائشة أن «قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه ~~أنتم وكلوا قلت: وكانوا حديثي عهد بالكفر» . # وفي " مسند الإمام أحمد " عن الحسن «أن عمر أراد أن ينهى عن حلل الحبرة، ~~لأنها تصبغ بالبول، فقال له أبي: ليس ذلك لك، قد لبسهن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولبسناهن في عهده» ، وخرجه الخلال من وجه آخر وعنده: «أن أبيا قال له: ~~يا أمير المؤمنين، قد لبسها نبي الله صلى الله عليه وسلم، ورأى الله ~~مكانها، ولو علم الله أنها حرام لنهى عنها، فقال: صدقت» . # وسئل الإمام أحمد عن لبس ما يصنعه أهل الكتاب من غير غسل، فقال: # PageV02P168 # لم تسأل عما لا تعلم، لم يزل الناس منذ أدركناهم لا ينكرون ذلك. وسئل عن ~~يهود يصبغون بالبول، فقال المسلم والكافر في هذا سواء، ولا تسأل عن هذا، ~~ولا تبحث عنه، وقال: إذا علمت أنه لا محالة يصبغ بشيء من البول، وصح عندك، ~~فلا تصل فيه حتى تغسله. # وخرج من حديث المغيرة بن شعبة أن «النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه ~~خفان، فلبسهما ولا يعلم أذكي هما أم لا» . # وقد ورد ما يستدل به على البحث والسؤال، فخرج الإمام أحمد من حديث رجل ~~«عن أم مسلم الأشجعية أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاها وهي في قبة فقال: ~~ما أحسنها إن لم يكن فيها ميتة قالت: فجعلت أتتبعها» . والرجل مجهول. # وخرج الأثرم بإسناده عن زيد بن وهب، قال: أتانا كتاب عمر بأذربيجان: إنكم ~~بأرض فيها الميتة، فلا تلبسوا من الفراء حتى تعلموا حله من حرامه. # وروى الخلال بإسناده عن مجاهد أن ابن عمر رأى على رجل فروا، فمسه، وقال: ~~لو ms395 أعلم أنه ذكي، لسرني أن يكون لي منه ثوب. # وعن محمد بن كعب أنه قال لعائشة: ما يمنعك أن تتخذي لحافا من الفراء؟ ~~قالت: كرهت أن ألبس الميتة. # وروى عبد الرازق بإسناده عن ابن مسعود أنه قال لمن نزل من المسلمين ~~بفارس: إذا اشتريتم لحما فسلوا، إن كان ذبيحة يهودي أو نصراني، فكلوا. وهذا ~~لأن الغالب على أهل فارس المجوس ذبائحهم محرمة. # PageV02P169 # والخلاف في هذا يشبه الخلاف في إباحة طعام من لا تباح ذبيحته من الكفار، ~~وفي استعمال أواني المشركين وثيابهم، والخلاف فيها يرجع إلى قاعدة تعارض ~~الأصل والظاهر، وقد سبق ذكر ذلك في الكلام على حديث: «الحلال بين والحرام ~~بين، وبينهما أمور مشتبهات» . # وقوله في الأشياء التي سكت عنها: رحمة من غير نسيان يعني أنه إنما سكت عن ~~ذكرها رحمة بعباده، ورفقا، حيث لم يحرمها عليهم حتى يعاقبهم على فعلها، ولم ~~يوجبها عليهم حتى يعاقبهم على تركها، بل جعلها عفوا، فإن فعلوها، فلا حرج ~~عليهم، وإن تركوها فكذلك، وفي حديث أبي الدرداء: ثم تلا: {وما كان ربك ~~نسيا} [مريم: 64] [مريم: 64] ومثل قوله عز وجل: {لا يضل ربي ولا ينسى} [طه: ~~52] [طه: 52] . # وقوله: فلا تبحثوا عنها يحتمل اختصاص هذا النهي بزمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ لأن كثرة البحث والسؤال عما لم يذكر قد يكون سببا لنزول التشديد فيه ~~بإيجاب أو تحريم، وحديث سعد بن أبي وقاص يدل على هذا، فيحتمل أن يكون النهي ~~عاما، والمروي عن سلمان من قوله يدل على ذلك، فإن كثرة البحث والسؤال عن ~~حكم ما لم يذكر في الواجبات ولا في المحرمات، قد يوجب اعتقاد تحريمه، أو ~~إيجابه، لمشابهته لبعض الواجبات أو المحرمات، فقبول العافية فيه، وترك ~~البحث عنه والسؤال خير، وقد يدخل ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«هلك # PageV02P170 # المتنطعون، قالها ثلاثا» . خرجه مسلم من حديث ابن مسعود مرفوعا، ~~والمتنطع: هو المتعمق البحاث عما لا يعنيه، وهذا قد يتمسك به من يتعلق ~~بظاهر اللفظ، وينفي المعاني والقياس كالظاهرية. # والتحقيق في هذا المقام ms396 - والله أعلم - أن البحث عما لم يوجد فيه نص خاص ~~أو عام على قسمين: أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالات النصوص الصحيحة من ~~الفحوى والمفهوم والقياس الظاهر الصحيح، فهذا حق، وهو مما يتعين فعله على ~~المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية. # والثاني: أن يدقق الناظر نظره وفكره في وجوه الفروق المستبعدة، فيفرق بين ~~متماثلين بمجرد فرق لا يظهر له أثر في الشرع، مع وجود الأوصاف المقتضية ~~للجمع، أو يجمع بين متفرقين بمجرد الأوصاف الطردية التي هي غير مناسبة، ولا ~~يدل دليل على تأثيرها في الشرع، فهذا النظر والبحث غير مرضي ولا محمود، مع ~~أنه قد وقع فيه طوائف من الفقهاء، وإنما المحمود النظر الموافق لنظر ~~الصحابة ومن بعدهم من القرون المفضلة كابن عباس ونحوه، ولعل هذا مراد ابن ~~مسعود بقوله: إياكم والتنطع، إياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق، يعني ما كان ~~عليه الصحابة رضي الله عنهم. # ومن كلام بعض أئمة الشافعية: لا يليق بنا أن نكتفي بالخيالات في الفروق، ~~كدأب أصحاب الرأي، والسر في تلك أن متعلق الأحكام في الحال الظنون ~~وغلباتها، فإذا كان اجتماع مسألتين أظهر في الظن من افتراقهما، وجب القضاء ~~باجتماعهما، وإن انقدح فرق على بعد، فافهموا ذلك فإنه من قواعد الدين. ~~انتهى. # PageV02P171 # ومما يدخل في النهي عن التعمق والبحث عنه أمور الغيب الخبرية التي أمر ~~بالإيمان بها، ولم يبين كيفيتها، وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا العالم ~~المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يعني، وهو مما ينهى عنه، وقد يوجب ~~الحيرة والشك، ويرتقي إلى التكذيب. # وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ~~يزال الناس يسألون حتى يقال: هذا خلق الله، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك ~~شيئا، فليقل آمنت بالله» وفي رواية له: «لا يزال الناس يسألونكم عن العلم، ~~حتى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟» وفي رواية له أيضا: «ليسألنكم ~~الناس عن كل شيء، حتى يقولوا: الله خلق كل شيء، فمن خلقه؟» وخرجه البخاري، ms397 ~~ولفظه: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من ~~خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» . # وفي " صحيح مسلم " عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز ~~وجل: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا ما كذا، حتى يقولوا: هذا الله خلق ~~الخلق، فمن خلق الله؟» . وخرجه البخاري، ولفظه: «لن يبرح الناس يتساءلون: ~~هذا الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟» . # قال إسحاق بن راهويه: لا يجوز التفكر في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكروا ~~في المخلوقين بما سمعوا فيهم، ولا يزيدون على ذلك، لأنهم إن فعلوا تاهوا، ~~قال: وقد قال الله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} [الإسراء: 44] [الإسراء: ~~44] ، فلا يجوز أن يقال: كيف تسبح القصاع، والأخونة، والخبز المخبوز، ~~والثياب المنسوجة؟ وكل هذا قد صح العلم فيهم أنهم يسبحون، فذلك إلى الله أن ~~يجعل تسبيحهم كيف شاء وكما شاء، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك إلا # PageV02P172 # بما علموا، ولا يتكلموا في هذا وشبهه إلا بما أخبر الله، ولا يزيدوا على ~~ذلك، فاتقوا الله، ولا تخوضوا في هذه الأشياء المتشابهة، فإنه يرديكم الخوض ~~فيه عن سنن الحق. نقل ذلك كله حرب عن إسحاق رحمه الله. # PageV02P173 ### | [الحديث الحادي والثلاثون ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس] # PageV02P173 # الحديث الحادي والثلاثون. # عن سهل بن سعد الساعدي قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، فقال: ازهد ~~في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس» . حديث حسن رواه ~~ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة. #  هذا الحديث خرجه ابن ماجه من رواية ~~خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، وقد ~~ذكر الشيخ رحمه الله أن إسناده حسن، وفي ذلك نظر، فإن خالد بن عمرو القرشي ~~الأموي قال فيه الإمام أحمد: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بثقة، يروي أحاديث ms398 ~~بواطيل، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال مرة: كان كذابا يكذب، حدث عن ~~شعبة # PageV02P174 # أحاديث موضوعة، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ~~متروك الحديث ضعيف، ونسبه صالح بن محمد، وابن عدي إلى وضع الحديث، وتناقض ~~ابن حبان في أمره، فذكره في كتاب " الثقات " وذكره في كتاب " الضعفاء " ~~وقال: كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات، لا يحل الاحتجاج بخبره، وخرج ~~العقيلي حديثه هذا وقال: ليس له أصل من حديث سفيان الثوري، قال: وقد تابع ~~خالدا عليه محمد بن كثير الصنعاني، ولعله أخذه عنه ودلسه، لأن المشهور به ~~خالد هذا. # قال أبو بكر الخطيب: وتابعه أيضا أبو قتادة الحراني ومهران بن أبي عمر ~~الرازي، فرووه عن الثوري قال: وأشهرها حديث ابن كثير. كذا قال، وهذا يخالف ~~قول العقيلي: إن أشهرها حديث خالد بن عمرو، وهذا أصح، ومحمد بن كثير ~~الصنعاني هو المصيصي، ضعفه أحمد. وأبو قتادة ومهران تكلم فيهما أيضا، لكن ~~محمد بن كثير خير منهما، فإنه ثقة عند كثير من الحفاظ. # وقد تعجب ابن عدي من حديثه هذا، وقال ما أدري ما أقول فيه. # وذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عن حديث محمد بن كثير عن سفيان الثوري، ~~فذكر هذا الحديث، فقال: هذا حديث باطل، يعني بهذا الإسناد، يشير إلى أنه لا ~~أصل له عن محمد بن كثير عن سفيان. # وقال ابن مشيش: سألت أحمد عن حديث سهل بن سعد، فذكر هذا الحديث، فقال ~~أحمد: لا إله إلا الله - تعجبا منه - من يروي هذا؟ قلت: # PageV02P175 # خالد بن عمرو، فقال: وقعنا في خالد بن عمرو، ثم سكت، ومراده الإنكار على ~~من ذكر له شيئا من حديث خالد هذا، فإنه لا يشتغل به. # وخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " المواعظ " له عن خالد بن عمرو، ~~ثم قال: كنت منكرا لهذا الحديث، فحدثني هذا الشيخ يعني عن وكيع: أنه سأله ~~عنه، ولولا مقالته هذه لتركته. وخرج ابن عدي هذا الحديث في ترجمة خالد بن ~~عمرو، وذكر رواية محمد ms399 بن كثير له أيضا، وقال: هذا الحديث عن الثوري منكر، ~~وقال: ورواه زافر - يعني ابن سلمان - عن محمد بن عيينة أخي سفيان، عن أبي ~~حازم، عن ابن عمر. انتهى، وزافر ومحمد بن عيينة، كلاهما ضعيف. # وقد روي هذا الحديث من وجه آخر مرسل: أخرجه أبو سليمان بن زبر الدمشقي في ~~" مسند " إبراهيم بن أدهم من جمعه من رواية معاوية بن حفص، عن إبراهيم بن ~~أدهم، عن منصور، عن ربعي بن حراش، قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل يحبني الله عليه، ويحبني الناس ~~عليه، فقال: أما العمل الذي يحبك الله عليه، فازهد في الدنيا، وأما العمل ~~الذي يحبك الناس عليه، فانظر هذا الحطام، فانبذه إليهم» . # PageV02P176 # وخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب " ذم الدنيا " من رواية علي بن بكار عن ~~إبراهيم بن أدهم، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره، ولم ~~يذكر في إسناده منصورا ولا ربعيا، وقال في حديثه: «فانبذ إليهم ما في يديك ~~من الحطام» . # وقد اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين: إحداهما: الزهد في الدنيا، ~~وأنه مقتض لمحبة الله عز وجل لعبده. والثانية: الزهد فيما في أيدي الناس، ~~فإنه مقتض لمحبة الناس. # فأما الزهد في الدنيا، فقد كثر في القرآن الإشارة إلى مدحه، وإلى ذم ~~الرغبة في الدنيا، قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا - والآخرة خير ~~وأبقى} [الأعلى: 16 - 17] [الأعلى: 17] ، وقال تعالى: {تريدون عرض الدنيا ~~والله يريد الآخرة} [الأنفال: 67] [الأنفال: 67] وقال تعالى في قصة قارون: ~~{فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا ياليت لنا مثل ما ~~أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم - وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير ~~لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون} [القصص: 79 - 80] إلى قوله: ~~{تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين} [القصص: 83] [القصص: 79 - 83] ، وقال تعالى: {وفرحوا ~~بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} [الرعد: 26] [الرعد: ms400 ~~26] وقال {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} ~~[النساء: 77] [النساء: 77] . # وقال حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه: # PageV02P177 # {ياقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد - ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع ~~وإن الآخرة هي دار القرار} [غافر: 38 - 39] [غافر: 38 - 39] . # وقد ذم الله من كان يريد الدنيا بعمله وسعيه ونيته، وقد سبق ذكر ذلك في ~~الكلام على حديث " الأعمال بالنيات ". # والأحاديث في ذم الدنيا وحقارتها عند الله كثيرة جدا، ففي " صحيح مسلم " ~~عن جابر عن «النبي صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كنفيه، فمر بجدي ~~أسك ميت، فتناوله، فأخذ بأذنه، فقال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما ~~نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان ~~حيا كان عيبا فيه، لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: والله، للدنيا أهون على ~~الله من هذا عليكم» . # وفيه أيضا عن المستورد الفهري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ~~الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بماذا ترجع» . # وخرج الترمذي من حديث سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو ~~كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرا منها شربة ماء» صححه. # PageV02P178 # ومعنى الزهد في الشيء: الإعراض عنه لاستقلاله، واحتقاره، وارتفاع الهمة ~~عنه، يقال: شيء زهيد، أي: قليل حقير. # وقد تكلم السلف ومن بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا، وتنوعت عباراتهم ~~عنه، وورد في ذلك حديث مرفوع خرجه الترمذي وابن ماجه من رواية عمرو بن ~~واقد، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة ~~المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يد ~~الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها بقيت ~~لك» . وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا ms401 الوجه، وعمرو بن واقد منكر ~~الحديث. # قلت: الصحيح وقفه، كما رواه الإمام أحمد في كتاب " الزهد "، حدثنا زيد بن ~~يحيى الدمشقي، حدثنا خالد بن صبيح، حدثنا يونس بن حلبس قال: قال أبو مسلم ~~الخولاني: ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، إنما ~~الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أصبت ~~بمصيبة، كنت أشد رجاء لأجرها وذخرها من إياها لو بقيت لك. # وخرجه ابن أبي الدنيا من راوية محمد بن مهاجر، عن يونس بن ميسرة، قال: ~~ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في ~~الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون حالك في # PageV02P179 # المصيبة وحالك إذا لم تصب بها سواء، وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء. # ففسر الزهد في الدنيا بثلاثة أشياء كلها من أعمال القلوب، لا من أعمال ~~الجوارح، ولهذا كان أبو سليمان يقول: لا تشهد لأحد بالزهد، فإن الزهد في ~~القلب. # أحدها: أن يكون العبد بما في يد الله أوثق منه بما في يد نفسه، وهذا ينشأ ~~من صحة اليقين وقوته، فإن الله ضمن أرزاق عباده، وتكفل بها، كما قال: {وما ~~من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] [هود: 6] ، وقال: {وفي ~~السماء رزقكم وما توعدون} [الذاريات: 22] [الذاريات: 22] ، وقال: {فابتغوا ~~عند الله الرزق واعبدوه} [العنكبوت: 17] [العنكبوت: 17] . # وقال الحسن: إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله ~~عز وجل. # وروي عن ابن مسعود قال: إن أرجى ما أكون للرزق إذا قالوا ليس في البيت ~~دقيق. وقال مسروق: إن أحسن ما أكون ظنا حين يقول الخادم: ليس في البيت قفيز ~~من قمح ولا درهم. وقال الإمام أحمد: أسر أيامي إلي يوم أصبح وليس عندي شيء. # وقيل لأبي حازم الزاهد: ما مالك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: ~~الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس. # وقيل له: أما تخاف الفقر؟ فقال: ms402 أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في السماوات ~~وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟ ! # PageV02P180 # ودفع إلى علي بن الموفق ورقة، فقرأها فإذا فيها: يا علي بن الموفق أتخاف ~~الفقر وأنا ربك؟ . # وقال الفضيل بن عياض: أصل الزهد الرضا عن الله عز وجل. وقال: القنوع هو ~~الزاهد وهو الغني. # فمن حقق اليقين، وثق بالله في أموره كلها، ورضي بتدبيره له، وانقطع عن ~~التعلق بالمخلوقين رجاء وخوفا، ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة، ~~ومن كان كذلك كان زاهدا في الدنيا حقيقة، وكان من أغنى الناس، وإن لم يكن ~~له شيء من الدنيا كما قال عمار: كفى بالموت واعظا، وكفى باليقين غنى، وكفى ~~بالعبادة شغلا. # وقال ابن مسعود: اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحمد أحدا على ~~رزق الله، ولا تلم أحدا على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ~~ولا يرده كراهة كاره، فإن الله تبارك وتعالى - بقسطه وعلمه وحكمه - جعل ~~الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. # وفي حديث مرسل أن «النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء: اللهم ~~إني أسألك إيمانا يباشر قلبي، ويقينا [صادقا] حتى أعلم أنه لا يمنعني رزقا ~~قسمته لي، ورضني من المعيشة بما قسمت لي» . # وكان عطاء الخراساني لا يقوم من مجلسه حتى يقول: اللهم هب لنا يقينا منك ~~حتى تهون علينا مصائب الدنيا، وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبت # PageV02P181 # علينا، ولا يصيبنا من الرزق إلا ما قسمت لنا. # روينا من حديث ابن عباس مرفوعا، قال: «من سره أن يكون أغنى الناس، فليكن ~~بما في يد الله أوثق منه بما في يده» . # والثاني: أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذهاب مال، أو ولد أو ~~غير ذلك - أرغب في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له، وهذا أيضا ~~ينشأ من كمال اليقين. # وقد روي عن ابن عمر أن «النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ms403 في دعائه: ~~اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما ~~تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا وهو من علامات ~~الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها» ، كما قال علي رضي الله عنه: من زهد ~~الدنيا، هانت عليه المصيبات. # والثالث: أن يستوي عند العبد حامده وذامه في الحق، وهذا من علامات الزهد ~~في الدنيا، واحتقارها، وقلة الرغبة فيها، فإن من عظمت الدنيا عنده أحب # PageV02P182 # المدح وكره الذم، فربما حمله ذلك على ترك كثير من الحق خشية الذم، وعلى ~~فعل كثير من الباطل رجاء المدح، فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق، دل ~~على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه من محبة الحق، وما فيه رضا ~~مولاه، كما قال ابن مسعود: اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله. وقد مدح ~~الله الذين يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم. # وقد روي عن السلف عبارات أخر في تفسير الزهد في الدنيا، وكلها ترجع إلى ~~ما تقدم، كقول الحسن: الزاهد الذي إذا رأى أحدا قال: هو أفضل مني، وهذا ~~يرجع إلى أن الزاهد حقيقة هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها، ولهذا يقال: ~~الزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة، فمن أخرج من قلبه حب الرياسة في ~~الدنيا والترفع فيها على الناس، فهو الزاهد حقا، وهذا هو الذي يستوي عنده ~~حامده وذامه في الحق، وكقول وهيب بن الورد: الزهد في الدنيا أن لا تأسى على ~~ما فات منها، ولا تفرح بما آتاك منها، قال ابن السماك: هذا هو الزاهد ~~المبرز في زهده. # وهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إدبارها وإقبالها وزيادتها ونقصها، ~~وهو مثل استواء حال المصيبة وعدمها كما سبق. # وسئل بعضهم - أظنه الإمام أحمد - عمن معه مال، هل يكون زاهدا؟ قال: إن ~~كان لا يفرح بزيادته ولا يحزن بنقصه، أو كما قال. # وسئل الزهري عن الزاهد فقال: من لم يغلب الحرام صبره، ولم يشغل الحلال ~~شكره، وهذا قريب مما قبله، فإن ms404 معناه أن الزاهد في الدنيا إذا قدر # PageV02P183 # منها على حرام، صبر عنه، فلم يأخذه، وإذا حصل له منها حلال، لم يشغله عن ~~الشكر، بل قام بشكر الله عليه. # وقال أحمد بن أبي الحوارى: قلت لسفيان بن عيينة: من الزاهد في الدنيا؟ ~~قال: من إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، فقلت: يا أبا محمد قد أنعم ~~عليه فشكر، وإذا ابتلي فصبر، وحبس النعمة، كيف يكون زاهدا؟ فقال: اسكت، من ~~لم تمنعه النعماء من الشكر، ولا البلوى من الصبر، فذلك الزاهد. # وقال ربيعة: رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها، ووضعها في حقها. # وقال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا ~~بلبس العباء. وقال: كان من دعائهم: اللهم زهدنا في الدنيا، ووسع علينا ~~منها، ولا تزوها عنا، فترغبنا فيها. وكذا قال الإمام أحمد: الزهد في ~~الدنيا: قصر الأمل، وقال مرة: قصر الأمل واليأس مما في أيدي الناس. # ووجه هذا أن قصر الأمل يوجب محبة لقاء الله، بالخروج من الدنيا، وطول ~~الأمل يقتضي محبة البقاء فيها، فمن قصر أمله، فقد كره البقاء في الدنيا، ~~وهذا نهاية الزهد فيها، والإعراض عنها، واستدل ابن عيينة لهذا القول بقوله ~~تعالى: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين} [البقرة: 94] إلى قوله: {ولتجدنهم أحرص الناس على ~~حياة} [البقرة: 96] [البقرة: 94 - 96] الآية. # وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الضحاك بن مزاحم قال: «أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، من أزهد الناس؟ فقال: من لم ينس ~~القبر والبلى، وترك زينة الدنيا، وآثر ما يبقى على ما يفنى، ولم يعد غدا من ~~أيامه وعد # PageV02P184 # نفسه من الموتى» وهذا مرسل. # وقد قسم كثير من السلف الزهد أقساما: فمنهم من قال: أفضل الزهد الزهد في ~~الشرك، وفي عبادة ما عبد من دون الله، ثم الزهد في الحرام كله من المعاصي، ~~ثم الزهد في الحلال، وهو أقل أقسام الزهد، فالقسمان الأولان من هذا الزهد، ~~كلاهما واجب، ms405 والثالث: ليس بواجب، فإن أعظم الواجبات الزهد في الشرك، ثم في ~~المعاصي كلها. وكان بكر المزني يدعو لإخوانه: زهدنا الله وإياكم زهد من ~~أمكنه الحرام والذنوب في الخلوات، فعلم أن الله يراه فتركه. # وقال ابن المبارك: قال سلام بن أبي مطيع: الزهد على ثلاثة وجوه: واحد أن ~~يخلص العمل لله عز وجل والقول، ولا يراد بشيء منه الدنيا، والثاني: ترك ما ~~لا يصلح، والعمل بما يصلح، والثالث: الحلال أن يزهد فيه وهو تطوع، وهو ~~أدناها. # وهذا قريب مما قبله، إلا أنه جعل الدرجة الأولى من الزهد الزهد في الرياء ~~المنافي للإخلاص في القول والعمل، وهو الشرك الأصغر، والحامل عليه محبة ~~المدح في الدنيا، والتقدم عند أهلها، وهو من نوع محبة العلو فيها والرياسة. # وقال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف: فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد ~~سلامة، فالزهد الفرض: الزهد في الحرام، والزهد الفضل: الزهد في الحلال، ~~والزهد السلامة: الزهد في الشبهات. # وقد اختلف الناس: هل يستحق اسم الزاهد من زهد في الحرام خاصة، # PageV02P185 # ولم يزهد في فضول المباحات أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يستحق اسم ~~الزهد بذلك، وقد سبق ذلك عن الزهري وابن عيينة وغيرهما. # والثاني: لا يستحق اسم الزهد بدون الزهد في فضول المباح، وهو قول طائفة ~~من العلماء العارفين وغيرهم، حتى قال بعضهم: لا زهد اليوم لفقد المباح ~~المحض، وهو قول يوسف بن أسباط وغيره، وفي ذلك نظر. وكان يونس بن عبيد يقول: ~~وما قدر الدنيا حتى يمدح من زهد فيها؟ وقال أبو سليمان الداراني: اختلفوا ~~علينا في الزهد بالعراق، فمنهم من قال: الزهد في ترك لقاء الناس، ومنهم من ~~قال: في ترك الشهوات، ومنهم من قال: في ترك الشبع، وكلامهم قريب بعضه من ~~بعض، قال: وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك عن الله عز وجل، وهذا ~~الذي قاله أبو سليمان حسن، وهو يجمع جميع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه. # واعلم أن الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا ليس راجعا إلى زمانها الذي ~~هو الليل ms406 والنهار، المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإن الله جعلهما خلفة لمن ~~أراد أن يذكر أو أراد شكورا. ويروى عن عيسى عليه السلام أنه قال: إن هذا ~~الليل والنهار خزانتان، فانظروا ما تصنعون فيهما. وكان يقول: اعملوا الليل ~~لما خلق له، والنهار لما خلق له. # وقال مجاهد: ما من يوم إلا يقول: ابن آدم قد دخلت عليك اليوم، ولن أرجع ~~إليك بعد اليوم، فانظر ماذا تعمل في، فإذا انقضى طوي، ثم يختم عليه، فلا ~~يفك حتى يكون الله هو الذي يفضه يوم القيامة، ولا ليلة إلا تقول # PageV02P186 # كذلك، وقد أنشد بعض السلف: # إنما الدنيا إلى الجن ... ة والنار طريق # والليالي متجر الإن ... سان والأيام سوق # وليس الذم راجعا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم ~~مهادا وسكنا، ولا إلى ما أودع الله فيها من الجبال والبحار والأنهار ~~والمعادن، ولا إلى ما أنبته فيها من الشجر والزرع، ولا إلى ما بث فيها من ~~الحيوانات وغير ذلك، فإن ذلك كله من نعمة الله على عباده بما لهم فيه من ~~المنافع، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانية صانعه وقدرته وعظمته، ~~وإنما الذم راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا؛ لأن غالبها واقع على ~~غير الوجه الذي تحمد عاقبته، بل يقع على ما تضر عاقبته، أو لا تنفع كما قال ~~عز وجل: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد} [الحديد: 20] [الحديد: 20] . # وانقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين: أحدهما: من أنكر أن يكون للعباد بعد ~~الدنيا دار للثواب والعقاب، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: {إن الذين لا ~~يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا ~~غافلون - أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} [يونس: 7 - 8] [يونس: 7] ، ~~وهؤلاء همهم التمتع بالدنيا، واغتنام لذاتها قبل الموت، كما قال تعالى: ~~{والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} [محمد: ~~12] [محمد: 12] 0 ومن هؤلاء من كان يأمر بالزهد في الدنيا، لأنه يرى أن ms407 ~~الاستكثار منها موجب الهم والغم، ويقول: كلما كثر التعلق بها، تألمت النفس ~~بمفارقتها عند الموت، فكان هذا غاية زهدهم في الدنيا. # PageV02P187 # والقسم الثاني: من يقر بدار بعد الموت للثواب والعقاب، وهم المنتسبون إلى ~~شرائع المرسلين، وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق ~~بالخيرات بإذن الله، فالظالم لنفسه: هم الأكثرون منهم، وأكثرهم وقف مع زهرة ~~الدنيا وزينتها، فأخذها من غير وجهها، واستعملها في غير وجهها، وصارت ~~الدنيا أكبر همه، لها يغضب، وبها يرضى، ولها يوالي، وعليها يعادي، وهؤلاء ~~هم أهل اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر، وكلهم لم يعرف المقصود من ~~الدنيا، ولا أنها منزل سفر يتزود منها لما بعدها من دار الإقامة، وإن كان ~~أحدهم يؤمن بذلك إيمانا مجملا، فهو لا يعرفه مفصلا، ولا ذاق ما ذاقه أهل ~~المعرفة بالله في الدنيا مما هو أنموذج ما ادخر لهم في الآخرة. # والمقتصد منهم أخذ الدنيا من وجوهها المباحة، وأدى واجباتها، وأمسك لنفسه ~~الزائد على الواجب، يتوسع به في التمتع بشهوات الدنيا، وهؤلاء قد اختلف في ~~دخولهم في اسم الزهادة في الدنيا كما سبق ذكره، ولا عقاب عليهم في ذلك، إلا ~~أنه ينقص من درجاتهم في الآخرة بقدر توسعهم في الدنيا. قال ابن عمر: لا ~~يصيب عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريما، ~~خرجه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد. وروي مرفوعا من حديث عائشة بإسناد فيه ~~نظر. # وروى الإمام أحمد في كتاب " الزهد " بإسناده: أن رجلا دخل على معاوية، ~~فكساه، فخرج فمر على أبي مسعود الأنصاري ورجل آخر من الصحابة، فقال أحدهما ~~له: خذها من حسناتك، وقال الآخر: خذها من طيباتك. # PageV02P188 # وبإسناده عن عمر قال: لولا أن تنقص حسناتي لخالطتكم في لين عيشكم، ولكني ~~سمعت الله عير قوما فقال: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} ~~[الأحقاف: 20] [الأحقاف: 20] . # وقال الفضيل بن عياض: إن شئت استقل من الدنيا، وإن شئت استكثر منها، ~~فإنما تأخذ من كيسك. # ويشهد لهذا أن الله عز وجل حرم على عباده ms408 أشياء من فضول شهوات الدنيا ~~وزينتها وبهجتها، حيث لم يكونوا محتاجين إليه، وادخره لهم عنده في الآخرة، ~~وقد وقعت الإشارة إلى هذا بقوله عز وجل: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ~~لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج} [الزخرف: 33] إلى ~~قوله: {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين} ~~[الزخرف: 35] [الزخرف: 33 - 35] . # وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم ~~يلبسه في الآخرة» ، «ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة» . وقال: ~~«لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا ~~تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» . # وقال وهب: إن الله عز وجل قال لموسى عليه السلام: إني لأذود أوليائي عن # PageV02P189 # نعيم الدنيا ورخائها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة، وما ~~ذلك لهوانهم علي، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لم تكلمه ~~الدنيا. # ويشهد لهذا ما خرجه الترمذي عن قتادة بن النعمان، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «إن الله إذا أحب عبدا حماه عن الدينا، كما يظل أحدكم يحمي ~~سقيمه الماء» ، وخرجه الحاكم، ولفظه: «إن الله ليحمي عبده من الدنيا وهو ~~يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب، تخافون عليه» . # وفي " صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر» . # وأما السابق بالخيرات بإذن الله فهم الذين فهموا المراد من الدنيا، ~~وعملوا بمقتضى ذلك، فعلموا أن الله إنما أسكن عباده في هذه الدار ليبلوهم ~~أيهم أحسن عملا؟ كما قال: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان ~~عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [هود: 7] [هود: 7] ، وقال: {الذي ~~خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] [الملك: 2] . # قال بعض السلف: أيهم أزهد في الدنيا، وأرغب في الآخرة، وجعل ما في الدنيا ~~من البهجة والنضرة محنة، لينظر من يقف منهم معه، ويركن إليه، ومن ليس كذلك، ms409 ~~كما قال تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} ~~[الكهف: 7] # PageV02P190 # [الكهف: 7] ثم بين انقطاعه ونفاده فقال: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا ~~جرزا} [الكهف: 8] [الكهف: 8] ، فلما فهموا أن هذا هو المقصود من الدنيا، ~~جعلوا همهم التزود منها للآخرة التي هي دار القرار، واكتفوا من الدنيا بما ~~يكتفي به المسافر في سفره، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما لي ~~وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها» . # ووصى صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة أن يكون بلاغ أحدهم من الدنيا ~~كزاد الراكب منهم سلمان، وأبو عبيدة بن الجراح، وأبو ذر، وعائشة، ووصى ابن ~~عمر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، وأن يعد نفسه من أهل ~~القبور. # PageV02P191 # وأهل هذه الدرجة على قسمين: منهم من يقتصر من الدنيا على قدر ما يسد ~~الرمق فقط، وهو حال كثير من الزهاد. ومنهم من يفسح لنفسه أحيانا في تناول ~~بعض شهواتها المباحة، لتقوى النفس بذلك، وتنشط للعمل، كما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني ~~في الصلاة» خرجه الإمام أحمد والنسائي من حديث أنس. # وخرج الإمام أحمد من حديث عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحب من الدنيا النساء والطيب والطعام، فأصاب من النساء والطيب، ولم يصب من ~~الطعام» . # قال وهب: مكتوب في حكمة آل داود عليه السلام: ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن ~~أربع ساعات: ساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يناجي فيها ربه، وساعة يلقى فيها ~~إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلي بين نفسه وبين ~~لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وفضل بلغة ~~واستجماما للقلوب، يعني ترويحا لها. # ومتى نوى المؤمن بتناول شهواته المباحة التقوي على الطاعة كانت شهواته له ~~طاعة يثاب عليها، كما قال معاذ بن جبل: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب # PageV02P192 # قومتي، يعني: أنه ms410 ينوي بنومه التقوي على القيام في آخر الليل، فيحتسب ~~ثواب نومه كما يحتسب ثواب قيامه. # وكان بعضهم إذا تناول شيئا من شهواته المباحة واسى منها إخوانه، كما روي ~~عن ابن المبارك أنه كان إذا اشتهى شيئا لم يأكله حتى يشتهيه بعض أصحابه، ~~فيأكله معهم، وكان إذا اشتهى شيئا، دعا ضيفا له ليأكل معه. # وكان يذكر عن الأوزاعي أنه قال: ثلاثة لا حساب عليهم في مطعمهم: المتسحر، ~~والصائم حين يفطر، وطعام الضيف. # وقال الحسن: ليس من حبك الدنيا طلبك ما يصلحك فيها، ومن زهدك فيها ترك ~~الحاجة يسدها عنك تركها، ومن أحب الدنيا وسرته، ذهب خوف الآخرة من قلبه. # وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك، ~~فليس بمتاع الغرور ولكنه متاع بلاغ إلى ما هو خير منه. # وقال يحيى بن معاذ الرازي: كيف لا أحب دنيا قدر لي فيها قوت أكتسب بها ~~حياة أدرك بها طاعة أنال بها الآخرة. # وسئل أبو صفوان الرعيني - وكان من العارفين -: ما هي الدنيا التي ذمها ~~الله في القرآن التي ينبغي للعاقل أن يتجنبها؟ فقال: كل ما أصبت في الدنيا ~~تريد به الدنيا، فهو مذموم، وكل ما أصبت فيها تريد به الآخرة، فليس منها. # وقال الحسن: نعمت الدار كانت الدنيا للمؤمن، وذلك أنه عمل قليلا، وأخذ ~~زاده منها إلى الجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق، وذلك أنه ضيع ~~لياليه، وكان زاده منها إلى النار. # وقال أيفع بن عبد الكلاعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل ~~أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال الله: يا أهل الجنة، كم لبثتم في ~~الأرض عدد سنين؟ # PageV02P193 # قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، قال: نعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، ~~رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم يقول لأهل النار: كم ~~لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، فيقول بئس ما ~~اتجرتم في يوم أو بعض يوم، سخطي ومعصيتي وناري، امكثوا فيها خالدين مخلدين. ms411 # وخرج الحاكم من حديث عبد الجبار بن وهب، أنبأنا سعد بن طارق، عن أبيه، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لآخرته ~~حتى يرضي ربه، وبئست الدار لمن صدته عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه، وإذا ~~قال العبد: قبح الله الدنيا، قالت الدنيا: قبح الله أعصانا لربه» وقال: ~~صحيح الإسناد، وخرجه العقيلي، وقال: عبد الجبار بن وهب مجهول وحديثه غير ~~محفوظ، قال: وهذا الكلام يروى عن علي من قوله. # وقول علي خرجه ابن أبي الدنيا عنه بإسناد فيه نظر: أن عليا سمع رجلا يسب ~~الدنيا، فقال: إنها لدار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى ~~لمن تزود منها، مسجد أحباء الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر ~~أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذم الدنيا وقد ~~آذنت بفراقها، ونادت بعيبها، ونعت نفسها وأهلها، فمثلت ببلائها البلاء # PageV02P194 # وشوقت بسرورها إلى السرور، فذمها قوم عند الندامة، وحمدها آخرون، حدثتهم ~~فصدقوا، وذكرتهم فذكروا؟ فيا أيها المغتر بالدنيا، المغتر بغرورها، متى ~~استلامت إليك الدنيا؟ بل متى غرتك؟ أبمضاجع آبائك من الثرى؟ أم بمصارع ~~أمهاتك من البلى؟ كم قد قلبت بكفيك، ومرضت بيديك تطلب له الشفاء، وتسأل له ~~الأطباء، فلم تظفر بحاجتك، ولم تسعف بطلبتك، قد مثلت لك الدنيا بمصرعه ~~مصرعك غدا، ولا يغني عنك بكاؤك، ولا ينفعك أحباؤك. # فبين أمير المؤمنين رضي الله عنه أن الدنيا لا تذم مطلقا، وأنها تحمد ~~بالنسبة إلى من تزود منها الأعمال الصالحة، وأن فيها مساجد الأنبياء، ومهبط ~~الوحي، وهي دار التجارة للمؤمنين، اكتسبوا منها الرحمة، وربحوا بها الجنة، ~~فهي نعم الدار لمن كانت هذه صفته. وأما ما ذكر من أنها تغر وتخدع، فإنها ~~تنادي بمواعظها، وتنصح بعبرها، وتبدي عيوبها بما تري أهلها من مصارع ~~الهلكى، وتقلب الأحوال من الصحة إلى السقم، ومن الشبيبة إلى الهرم، ومن ~~الغنى إلى الفقر، ومن العز إلى الذل، ولكن محبها قد أصمه وأعماه حبها، فهو ~~لا يسمع نداءها، كما قيل: # قد ms412 نادت الدنيا على نفسها ... لو كان في العالم من يسمع # كم واثق بالعمر أفنيته ... وجامع بددت ما يجمع # وقال يحيى بن معاذ: لو يسمع الخلائق صوت النياحة على الدنيا في الغيب من ~~ألسنة الفناء، لتساقطت القلوب منهم حزنا. وقال بعض الحكماء: الدنيا أمثال ~~تضربها الأيام للأنام، وعلم الزمان لا يحتاج إلى ترجمان، وبحب الدنيا صمت ~~أسماع القلوب عن المواعظ، وما أحث السائق لو شعر الخلائق. # وأهل الزهد في فضول الدنيا أقسام: فمنهم من يحصل له، فيمسكه # PageV02P195 # ويتقرب به إلى الله، كما كان كثير من الصحابة وغيرهم، قال أبو سليمان: ~~كان عثمان وعبد الرحمن بن عوف خازنين من خزان الله في أرضه، ينفقان في ~~طاعته، وكانت معاملتهما لله بقلوبهما. # ومنهم من يخرجه من يده ولا يمسكه: وهؤلاء نوعان: منهم من يخرجه اختيارا ~~وطواعية، ومنهم من يخرجه ونفسه تأبى إخراجه، ولكن يجاهدها على ذلك. وقد ~~اختلف في أيهما أفضل، فقال ابن السماك والجنيد: الأول أفضل، لتحقق نفسه ~~بمقام السخاء والزهد، وقال ابن عطاء: الثاني أفضل لأن له عملا ومجاهدة. وفي ~~كلام الإمام أحمد ما يدل عليه أيضا. # ومنهم من لم يحصل له شيء من الفضول، وهو زاهد في تحصيله، إما مع قدرته، ~~أو بدونها، والأول أفضل من هذا، ولهذا قال كثير من السلف: إن عمر بن عبد ~~العزيز كان أزهد من أويس ونحوه، كذا قال أبو سليمان وغيره. # وكان مالك بن دينار يقول: الناس يقولون: مالك زاهد، إنما الزاهد عمر بن ~~عبد العزيز. # وقد اختلف العلماء: أيما أفضل من طلب الدنيا من الحلال، ليصل رحمه، ويقدم ~~منها لنفسه، أم من تركها فلم يطلبها بالكلية؟ فرجحت طائفة من تركها ~~وجانبها، منهم الحسن وغيره، ورجحت طائفة من طلبها على ذلك الوجه، منهم ~~النخعي وغيره، وروي عن الحسن عنه نحوه. # والزاهدون في الدنيا بقلوبهم لهم ملاحظ ومشاهد يشهدونها، فمنهم من يشهد ~~كثرة التعب بالسعي في تحصيلها، فهو يزهد فيها قصدا لراحة نفسه. قال # PageV02P196 # الحسن: الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن. # ومنهم من يخاف أن ينقص ms413 حظه من الآخرة بأخذ فضول الدنيا. ومنهم من يخاف من ~~طول الحساب عليها، قال بعضهم: من سأل الله الدنيا، فإنما يسأل طول الوقوف ~~للحساب. # ومنهم من يشهد كثرة عيوب الدنيا، وسرعة تقلبها وفنائها، ومزاحمة الأراذل ~~في طلبها، كما قيل لبعضهم: ما الذي زهدك في الدنيا؟ قال: قلة وفائها، وكثرة ~~جفائها، وخسة شركائها. # ومنهم من كان ينظر إلى حقارة الدنيا عند الله، فيقذرها، كما قال الفضيل: ~~لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالا لا أحاسب بها في الآخرة، لكنت ~~أتقذرها كما يتقذر الرجل الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه. # ومنهم من كان يخاف أن تشغله عن الاستعداد للآخرة والتزود لها، قال الحسن: ~~إن كان أحدهم ليعيش عمره مجهودا شديد الجهد، والمال الحلال إلى جنبه، يقال ~~له: ألا تأتي هذا فتصيب منه؟ فيقول: لا والله لا أفعل، إني أخاف أن آتيه ~~فأصيب منه فيكون فساد قلبي وعملي. # وبعث إلى عمر بن المنكدر بمال، فبكى واشتد بكاؤه، وقال: خشيت أن تغلب ~~الدنيا على قلبي، فلا يكون للآخرة فيه نصيب، فذلك الذي أبكاني ثم أمر به ~~فتصدق به على فقراء أهل المدينة. # وخواص هؤلاء يخشى أن يشتغل بها عن الله، كما قالت رابعة: ما أحب # PageV02P197 # أن لي الدنيا كلها من أولها إلى آخرها حلالا، وأنا أنفقها في سبيل الله، ~~وأنها شغلتني عن الله طرفة عين. # وقال أبو سليمان: الزهد ترك ما يشغل عن الله. وقال: كل ما شغلك عن الله ~~من أهل ومال وولد، فهو مشئوم. # وقال: أهل الزهد في الدنيا على طبقتين: منهم من يزهد في الدنيا، فلا يفتح ~~له فيها روح الآخرة، ومنهم من إذا زهد فيها، فتح له فيها روح الآخرة، فليس ~~شيء أحب إليه من البقاء ليطيع الله. # وقال: ليس الزاهد من ألقى هموم الدنيا، واستراح منها، إنما الزاهد من زهد ~~في الدنيا، وتعب فيها للآخرة. # فالزهد في الدنيا يراد به تفريغ القلب من الاشتغال بها، ليتفرغ لطلب ~~الله، ومعرفته والقرب منه والأنس به، والشوق إلى لقائه، وهذه الأمور ms414 ليست ~~من الدنيا، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حبب إلي من دنياكم ~~النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» ، ولم يجعل الصلاة مما حبب إليه ~~من الدنيا، كذا في " المسند " و " النسائي "، وأظنه وقع في غيرهما: «حبب ~~إلي من دنياكم ثلاث» فأدخل الصلاة في الدنيا، ويشهد لذلك حديث: «الدنيا ~~ملعونة، # PageV02P198 # ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالما أو متعلما» خرجه ابن ~~ماجه والترمذي، وحسنه من حديث أبي هريرة مرفوعا. وروي نحوه من غير وجه ~~مرسلا ومتصلا. # وخرج الطبراني من حديث أبي الدرداء مرفوعا قال: «الدنيا ملعونة ملعون ما ~~فيها إلا ما ابتغي به وجه الله» . وخرجه ابن أبي الدنيا موقوفا، وخرجه أيضا ~~من رواية شهر بن حوشب عن عبادة، أراه رفعه، قال: «يؤتى بالدنيا يوم ~~القيامة، فيقال ميزوا منها ما كان لله عز وجل، وألقوا سائرها في النار» . # فالدنيا وكل ما فيها ملعونة، أي مبعدة عن الله، لأنها تشغل عنه، إلا ~~العلم النافع الدال على الله، وعلى معرفته، وطلب قربه ورضاه، وذكر الله وما ~~والاه مما يقرب من الله، فهذا هو المقصود من الدنيا، فإن الله إنما أمر ~~عباده بأن يتقوه ويطيعوه، ولازم ذلك دوام ذكره، كما قال ابن مسعود، تقوى ~~الله حق تقواه أن يذكر فلا ينسى. وإنما شرع الله إقام الصلاة لذكره، وكذلك ~~الحج والطواف. وأفضل أهل العبادات أكثرهم ذكرا لله فيها، فهذا كله ليس من ~~الدنيا المذمومة # PageV02P199 # وهو المقصود من إيجاد الدنيا وأهلها، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] [الذاريات: 56] . # وقد ظن طوائف من الفقهاء والصوفية أن ما يوجد في الدنيا من هذه العبادات ~~أفضل مما يوجد في الجنة من النعيم، قالوا: لأن نعيم الجنة حظ العبد، ~~والعبادات في الدنيا حق الرب، وحق الرب أفضل من حظ العبد، وهذا غلط، ويقوي ~~غلطهم قول كثير من المفسرين في قوله: {من جاء بالحسنة فله خير منها} ~~[النمل: 89] [النمل: 89] قالوا: الحسنة: لا إله إلا الله، وليس شيء خيرا ~~منها. ولكن ms415 الكلام على التقديم والتأخير، والمراد: فله منها خير، أي: له ~~خير بسببها ولأجلها. # والصواب إطلاق ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة أن الآخرة خير من الأولى ~~مطلقا. وفي " صحيح الحاكم " عن المستورد بن شداد، قال: «كنا عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فتذكروا الدنيا والآخرة: فقال بعضهم: إنما الدنيا بلاغ ~~للآخرة، وفيها العمل، وفيها الصلاة، وفيها الزكاة. وقالت طائفة منهم: ~~الآخرة فيها الجنة، وقالوا ما شاء الله، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم، فأدخل أصبعه فيه، ~~فما خرج منه فهو الدنيا» فهذا نص بتفضيل الآخرة على الدنيا، وما فيها من ~~الأعمال. # ووجه ذلك أن كمال الدنيا إنما هو في العلم والعمل، والعلم مقصود الأعمال، ~~يتضاعف في الآخرة بما لا نسبة لما في الدنيا إليه، فإن العلم أصله العلم ~~بالله وأسمائه وصفاته، وفي الآخرة ينكشف الغطاء، ويصير الخبر عيانا، ويصير ~~علم اليقين عين اليقين، وتصير المعرفة بالله رؤية له ومشاهدة، فأين هذا مما ~~في الدنيا؟ # PageV02P200 # وأما الأعمال البدنية، فإن لها في الدنيا مقصدين: أحدهما: اشتغال الجوارح ~~بالطاعة، وكدها بالعبادة. والثاني: اتصال القلوب بالله وتنويرها بذكره. # فالأول قد رفع عن أهل الجنة، ولهذا روي أنهم إذا هموا بالسجود لله عند ~~تجليه لهم يقال لهم: ارفعوا رءوسكم فإنكم لستم في دار مجاهدة. # وأما المقصود الثاني، فحاصل لأهل الجنة على أكمل الوجوه وأتمها، ولا نسبة ~~لما حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القرب والأنس والاتصال إلى ما يشاهدونه ~~في الآخرة عيانا، فتتنعم قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم بقرب الله ورؤيته، وسماع ~~كلامه، ولا سيما في أوقات الصلوات في الدنيا، كالجمع والأعياد، والمقربون ~~منهم يحصل ذلك لهم كل يوم مرتين بكرة وعشيا في وقت صلاة الصبح وصلاة العصر، ~~ولهذا لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة يرون ربهم، حض عقيب ~~ذلك على المحافظة على صلاة العصر وصلاة الفجر؛ لأن وقت هاتين الصلاتين وقت ~~لرؤية خواص أهل الجنة ربهم وزيارتهم له، وكذلك نعيم الذكر ms416 وتلاوة القرآن لا ~~ينقطع عنهم أبدا، فيلهمون التسبيح كما يلهمون النفس. قال ابن عيينة: لا إله ~~إلا الله لأهل الجنة، كالماء البارد لأهل الدنيا، فأين لذة الذكر للعارفين ~~في الدنيا من لذتهم به في الجنة. # فتبين بهذا أن قوله: {من جاء بالحسنة فله خير منها} [النمل: 89] [النمل: ~~89] على ظاهره، فإن ثواب كلمة التوحيد في الدنيا أن يصل صاحبها إلى قولها ~~في الجنة على الوجه الذي يختص به أهل الجنة. # PageV02P201 # وبكل حال، فالذي يحصل لأهل الجنة من تفاصيل العلم بالله وأسمائه وصفاته ~~وأفعاله، ومن قربه ومشاهدته ولذة ذكره، هو أمر لا يمكن التعبير عن كنهه في ~~الدنيا، لأن أهلها لم يدركوه على وجهه، بل هو مما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والله تعالى المسئول أن لا يحرمنا خير ما عنده ~~بشر ما عندنا بمنه وكرمه ورحمته آمين. # ولنرجع إلى شرح حديث: «ازهد في الدنيا يحبك الله» فهذا الحديث يدل على أن ~~الله يحب الزاهدين في الدنيا، قال بعض السلف: قال الحواريون لعيسى عليه ~~السلام: يا روح الله، علمنا عملا واحدا يحبنا الله عز وجل عليه، قال: ~~أبغضوا الدنيا يحبكم الله عز وجل. # وقد ذم الله تعالى من يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة، كما قال: {كلا بل ~~تحبون العاجلة - وتذرون الآخرة} [القيامة: 20 - 21] [القيامة: 20 - 21] ، ~~وقال: {وتحبون المال حبا جما} [الفجر: 20] [الفجر: 20] ، وقال: {وإنه لحب ~~الخير لشديد} [العاديات: 8] [العاديات: 8] ، والمراد حب المال، فإذا ذم من ~~أحب الدنيا دل على مدح من لا يحبها، بل يرفضها ويتركها. # وفي " المسند " و " صحيح ابن حبان " عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته، أضر بدنياه، فآثروا ~~ما يبقى على ما يفنى» . # وفي " المسند " و " سنن ابن ماجه " عن زيد بن ثابت، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين ~~عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن ms417 كانت الآخرة نيته، جمع الله ~~عليه أمره، وجعل غناه في # PageV02P202 # قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» . وخرجه الترمذي من حديث أنس مرفوعا ~~بمعناه. # ومن كلام جندب بن عبد الله الصحابي: حب الدنيا رأس كل خطيئة، وروي ~~مرفوعا، وروي عن الحسن مرسلا. # وقال الحسن: من أحب الدنيا وسرته، خرج حب الآخرة من قلبه. # وقال عون بن عبد الله: الدنيا والآخرة في القلب ككفتي الميزان بقدر ما ~~ترجح إحداهما تخف الأخرى. # وقال وهب: إنما الدنيا والآخرة كرجل له امرأتان: إن أرضى إحداهما أسخط ~~الأخرى. # وبكل حال، فالزهد في الدنيا شعار أنبياء الله وأوليائه وأحبائه، قال عمرو ~~بن العاص: ما أبعد هديكم من هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم، إنه كان أزهد ~~الناس في الدنيا وأنتم أرغب الناس فيها، خرجه الإمام أحمد. # PageV02P203 # وقال ابن مسعود لأصحابه: أنتم أكثر صوما وصلاة وجهادا من أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وهم كانوا خيرا منكم، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: كانوا أزهد ~~منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة. # وقال أبو الدرداء: لئن حلفتم لي على رجل أنه أزهدكم، لأحلفن لكم أنه ~~خيركم. ويروى عن الحسن، قال: «قالوا: يا رسول الله، من خيرنا؟ قال: أزهدكم ~~في الدنيا، وأرغبكم في الآخرة» والكلام في هذا الباب يطول جدا. وفيما أشرنا ~~إليه كفاية إن شاء الله تعالى. # الوصية الثانية: الزهد فيما في أيدي الناس، وأنه موجب لمحبة الناس. وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «وصى رجلا، فقال: ايأس مما في أيدي الناس ~~تكن غنيا» خرجه الطبراني وغيره. # ويروى من حديث سهل بن سعد مرفوعا: «شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه ~~استغناؤه عن الناس» . # وقال الحسن: لا تزال كريما على الناس، أو لا يزال الناس يكرمونك ما لم # PageV02P204 # تعاط ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك، استخفوا بك، وكرهوا حديثك، وأبغضوك. # وقال أيوب السختياني: لا ينبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: العفة عما في ~~أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم. # وكان عمر يقول في خطبته على المنبر: إن الطمع فقر، وإن اليأس ms418 غنى، وإن ~~الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه. # وروي أن عبد الله بن سلام لقي كعب الأحبار عند عمر، فقال: يا كعب، من ~~أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون به، قال: فما يذهب بالعلم من قلوب العلماء ~~بعد أن حفظوه وعقلوه؟ قال: يذهبه الطمع، وشره النفس، وتطلب الحاجات إلى ~~الناس، قال: صدقت. # وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالاستعفاف عن ~~مسألة الناس والاستغناء عنهم، فمن سأل الناس ما بأيديهم، كرهوه وأبغضوه؛ ~~لأن المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبونه، كرهوه لذلك. # وأما من كان يرى المنة للسائل عليه، ويرى أنه لو خرج له عن ملكه كله، لم ~~يف له ببذل سؤاله له وذلته له، أو كان يقول لأهله: ثيابكم على غيركم أحسن ~~منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم، فهذا نادر جدا من طباع بني ~~آدم، وقد انطوى بساط ذلك من أزمان متطاولة. # وأما من زهد فيما في أيدي الناس، وعف عنهم، فإنهم يحبونه ويكرمونه # PageV02P205 # لذلك ويسود به عليهم، كما قال أعرابي لأهل البصرة: من سيد أهل هذه ~~القرية؟ قالوا: الحسن، قال: بما سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه، ~~واستغنى هو عن دنياهم، وما أحسن قول بعض السلف في وصف الدنيا وأهلها: # وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها # فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها # PageV02P206 ### | [الحديث الثاني والثلاثون لا ضرر ولا ضرار] # PageV02P206 # الحديث الثاني والثلاثون. # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~ضرر ولا ضرار» حديث حسن، رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا، ورواه ~~مالك في " الموطإ " عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مرسلا، فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوى بعضها ببعض. #  حديث أبي سعيد لم يخرجه ابن ماجه، ~~وإنما خرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن ~~ربيعة، حدثنا الدراوردي، عن عمرو بن يحيى المازني، ms419 عن أبيه، عن أبي سعيد ~~الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضره ~~الله، ومن شاق شق الله عليه» وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم، وقال ~~البيهقي: تفرد به عثمان عن # PageV02P207 # الدراوردي، وخرجه مالك في " الموطإ " عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلا. # قال ابن عبد البر لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث، قال: ولا يسند ~~من وجه صحيح، ثم خرجه من رواية عبد الملك بن معاذ النصيبي، عن الدراوردي ~~موصولا، والدراوردي كان الإمام أحمد يضعف ما حدث به من حفظه، ولا يعبأ به، ~~ولا شك في تقديم قول مالك على قوله. وقال خالد بن سعد الأندلسي الحافظ: لم ~~يصح حديث: «لا ضرر ولا ضرار» مسندا. # وأما ابن ماجه، فخرجه من رواية فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، ~~حدثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد، عن عبادة بن الصامت «أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قضى أن لا ضرر ولا ضرار» ، وهذا من جملة صحيفة تروى بهذا ~~الإسناد، وهي منقطعة مأخوذة من كتاب، قاله ابن المديني وأبو زرعة وغيرهما، ~~وإسحاق بن يحيى قيل: هو ابن طلحة، وهو ضعيف لم يسمع من عبادة، قاله أبو ~~زرعة وابن أبي حاتم والدارقطني في موضع، وقيل: إنه إسحاق بن يحيى بن الوليد ~~بن عبادة، ولم يسمع أيضا من عبادة، قاله الدارقطني أيضا. # PageV02P208 # وذكره ابن عدي في كتابه " الضعفاء "، وقال: عامة أحاديثه غير محفوظة، ~~وقيل: إن موسى بن عقبة لم يسمع منه، وإنما روى هذه الأحاديث عن أبي عياش ~~الأسدي عنه، وأبو عياش لا يعرف. # وخرجه ابن ماجه أيضا من وجه آخر من رواية جابر الجعفي، عن عكرمة، عن ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» وجابر ~~الجعفي ضعفه الأكثرون، وخرجه الدارقطني من رواية إبراهيم بن إسماعيل، عن ~~داود بن الحصين، عن عكرمة وإبراهيم ضعفه جماعة، وروايات داود عن عكرمة ~~مناكير. # وخرج الدارقطني من حديث الواقدي، حدثنا ms420 خارجة بن عبد الله بن سليمان بن ~~زيد بن ثابت، عن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «لا ضرر، ولا ضرار» والواقدي متروك، وشيخه مختلف في تضعيفه. ~~وخرجه الطبراني من وجهين ضعيفين أيضا عن القاسم عن عائشة. # وخرج الطبراني أيضا من رواية محمد بن سلمة عن أبي إسحاق عن محمد بن يحيى ~~بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» وهذا إسناد مقارب وهو غريب، لكن خرجه أبو ~~داود في " المراسيل " من رواية عبد الرحمن بن مغراء عن ابن إسحاق، عن محمد ~~بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع مرسلا، وهذا أصح. # وخرج الدارقطني من رواية أبي بكر بن عياش، قال: أراه عن ابن عطاء، عن ~~أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ضرر ولا ضرورة، ~~ولا يمنعن # PageV02P209 # أحدكم جاره أن يضع خشبه على حائطه» ، وهذا الإسناد فيه شك، وابن عطاء: هو ~~يعقوب، وهو ضعيف. # وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ضرر ولا إضرار» قال ابن عبد البر: إسناده غير ~~صحيح. # قلت: كثير هذا يصحح حديثه الترمذي ويقول البخاري في بعض حديثه: هو أصح ~~حديث في الباب، وحسن حديثه إبراهيم بن المنذر الحزامي، وقال: هو خير من ~~مراسيل ابن المسيب، وكذلك حسنه ابن أبي عاصم، وترك حديثه آخرون، منهم ~~الإمام أحمد وغيره، فهذا ما حضرنا من ذكر طرق أحاديث هذا الباب. # وقد ذكر الشيخ رحمه الله أن بعض طرقه تقوى ببعض، وهو كما قال، وقد قال ~~البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبد الله المزني: إذا انضمت إلى غيرها من ~~الأسانيد التي فيها ضعف قويت. # وقال الشافعي في المرسل: إنه إذا أسند من وجه آخر، أو أرسله من يأخذ ~~العلم عن غير من يأخذ عنه المرسل الأول فإنه ms421 يقبل. # وقال الجوزجاني: إذا كان الحديث المسند من رجل غير مقنع - يعني: لا يقنع ~~برواياته - وشد أركانه المراسيل بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار، استعمل ~~واكتفي به، وهذا إذا لم يعارض بالمسند الذي هو أقوى منه. # وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث، وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«لا ضرر ولا ضرار» . # PageV02P210 # وقال أبو عمرو بن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها ~~يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم، واحتجوا به، وقول أبي ~~داود: إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف والله ~~أعلم. # وفي المعنى أيضا حديث أبي صرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ضار ~~ضار الله به، ومن شاق شاق الله عليه» خرجه أبو داود والترمذي، وابن ماجه، ~~وقال الترمذي: حسن غريب. # وخرج الترمذي بإسناد فيه ضعف عن أبي بكر الصديق، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به» . # وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» . هذه الرواية الصحيحة، ~~ضرار بغير همزة، وروي " إضرار " بالهمزة، ووقع ذلك في بعض روايات ابن ماجه ~~والدارقطني، بل وفي بعض نسخ الموطإ، وقد أثبت بعضهم هذه الرواية وقال: ضر ~~وأضر بمعنى واحد، وأنكرها آخرون، وقالوا: لا صحة لها. # PageV02P211 # واختلفوا: هل بين اللفظين - أعني الضر والضرار - فرق أم لا؟ فمنهم من ~~قال: هما بمعنى واحد على وجه التأكيد، والمشهور أن بينهما فرقا، ثم قيل: إن ~~الضرر هو الاسم، والضرار الفعل، فالمعنى أن الضرر نفسه منتف في الشرع، ~~وإدخال الضرر بغير حق كذلك. # وقيل: الضرر: أن يدخل على غيره ضررا بما ينتفع هو به، والضرار: أن يدخل ~~على غيره ضررا بلا منفعة له به، كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع، ~~ورجح هذا القول طائفة، منهم ابن عبد البر، وابن الصلاح. # وقيل: الضرر: أن يضر بمن لا يضره، والضرار: أن يضر بمن قد أضر به على وجه ~~غير جائز. # وبكل حال فالنبي صلى الله عليه وسلم ms422 إنما نفى الضرر والضرار بغير حق. # فأما إدخال الضرر على أحد بحق، إما لكونه تعدى حدود الله، فيعاقب بقدر ~~جريمته، أو كونه ظلم غيره، فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهذا غير مراد ~~قطعا، وإنما المراد: إلحاق الضرر بغير حق، وهذا على نوعين: أحدهما: أن لا ~~يكون في ذلك غرض سوى الضرر بذلك الغير، فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه، وقد ~~ورد في القرآن النهي عن المضارة في مواضع: منها في الوصية، قال الله تعالى: ~~{من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار} [النساء: 12] [النساء: 12] ، وفي ~~حديث أبي هريرة المرفوع: «إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضره ~~الموت، فيضار في الوصية، فيدخل النار» ، ثم تلا: {تلك حدود الله} [النساء: ~~13] إلى قوله: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها} ~~[النساء: 14] [النساء: 13 - 14] ، وقد خرجه الترمذي وغيره بمعناه. # PageV02P212 # وقال ابن عباس: الإضرار: في الوصية من الكبائر، ثم تلا هذه الآية. # والإضرار في الوصية تارة يكون بأن يخص بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي ~~فرضه الله له، فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» . # وتارة بأن يوصي لأجنبي بزيادة على الثلث، فتنقص حقوق الورثة، ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «الثلث والثلث كثير» . # ومتى وصى لوارث أو لأجنبي بزيادة على الثلث، لم ينفذ ما وصى به إلا ~~بإجازة الورثة، وسواء قصد المضارة أو لم يقصد، وأما إن قصد المضارة بالوصية ~~لأجنبي بالثلث، فإنه يأثم بقصده المضارة، وهل ترد وصيته إذا ثبت بإقراره أم ~~لا؟ حكى ابن عطية رواية عن مالك أنها ترد، وقيل: إنه قياس مذهب أحمد. # ومنها: الرجعة في النكاح، وقال تعالى: {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ~~ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} [البقرة: 231] ~~[البقرة: 231] ، وقال: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا} ~~[البقرة: 228] [البقرة: 228] فدل ذلك على أن من كان قصده بالرجعة المضارة، ~~فإنه آثم بذلك، ms423 وهذا كما كانوا في أول الإسلام قبل حصر الطلاق في ثلاث يطلق ~~الرجل امرأته، ثم يتركها حتى يقارب انقضاء عدتها، ثم يراجعها، ثم يطلقها، ~~ويفعل ذلك أبدا بغير نهاية، فيدع المرأة لا مطلقة ولا ممسكة، فأبطل الله ~~ذلك، وحصر الطلاق في ثلاث مرات. # PageV02P213 # وذهب مالك إلى أن من راجع امرأته قبل انقضاء عدتها، ثم طلقها من غير مسيس ~~أنه إن قصد بذلك مضارتها بتطويل العدة، لم تستأنف العدة، وبنت على ما مضى ~~منها، وإن لم يقصد بذلك، استأنفت عدة جديدة، وقيل: تبني مطلقا، وهو قول ~~عطاء وقتادة، والشافعي في القديم، وأحمد في رواية، وقيل: تستأنف مطلقا، وهو ~~قول الأكثرين، منهم أبو قلابة والزهري والثوري وأبو حنيفة والشافعي - في ~~الجديد - وأحمد في رواية وإسحاق وأبو عبيد وغيرهم. # ومنها في الإيلاء، فإن الله جعل مدة المؤلي أربعة أشهر إذا حلف الرجل على ~~امتناعه من وطء زوجته، فإنه يضرب له مدة أربعة أشهر، فإن فاء ورجع إلى ~~الوطء، كان ذلك توبته، وإن أصر على الامتناع لم يمكن من ذلك، وفيه قولان ~~للسلف والخلف: أحدهما: أنها تطلق عليه بمضي هذه المدة، والثاني: أنه يوقف، ~~فإن فاء، وإلا أمر بالطلاق، ولو ترك الوطء لقصد إضرار بغير يمين مدة أربعة ~~أشهر، فقال كثير من أصحابنا: حكمه حكم المؤلي في ذلك، وقالوا: هو ظاهر كلام ~~أحمد. # وكذا قال جماعة منهم: إذا ترك الوطء أربعة أشهر لغير عذر، ثم طلب الفرقة ~~فرق بينهما بناء على أن الوطء عندنا في هذه المدة واجب، واختلفوا: هل يعتبر ~~لذلك قصد الإضرار أم لا يعتبر؟ ومذهب مالك وأصحابه إذا ترك الوطء من غير ~~عذر، فإنه يفسخ نكاحه، مع اختلافهم في تقدير المدة. # ولو أطال السفر من غير عذر، وطلبت امرأته قدومه، فأبى، فقال مالك وأحمد ~~وإسحاق: يفرق الحاكم بينهما، وقدره أحمد بستة أشهر، وإسحاق بمضي سنتين. # ومنها في الرضاع، قال تعالى: {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده} ~~[البقرة: 233] [البقرة: 233] ، قال مجاهد في قوله: {لا تضار والدة بولدها} ~~[البقرة: 233] [البقرة: 233] # PageV02P214 # قال: ms424 لا يمنع أمه أن ترضعه ليحزنها، وقال عطاء وقتادة والزهري وسفيان ~~والسدي وغيرهم: إذا رضيت ما يرضى به غيرها، فهي أحق به، وهذا هو المنصوص عن ~~أحمد، ولو كانت الأم في حبال الزوج. وقيل: إن كانت في حبال الزوج، فله ~~منعها من إرضاعه، إلا أن لا يمكن ارتضاعه من غيرها، وهو قول الشافعي وبعض ~~أصحابنا، لكن إنما يجوز ذلك إذا كان قصد الزوج به توفير الزوجة للاستمتاع، ~~لا مجرد إدخال الضرر عليها. # وقوله: {ولا مولود له بولده} [البقرة: 233] [البقرة: 233] ، يدخل فيه أن ~~المطلقة إذا طلبت إرضاع ولدها بأجرة مثلها، لزم الأب إجابتها إلى ذلك، ~~وسواء وجد غيرها أو لم يوجد. هذا منصوص الإمام أحمد، فإن طلبت زيادة على ~~أجرة مثلها زيادة كثيرة، ووجد الأب من يرضعه بأجرة المثل، لم يلزم الأب ~~إجابتها إلى ما طلبت، لأنها تقصد المضارة، وقد نص عليه الإمام أحمد. # ومنها في البيع قد ورد النهي عن بيع المضطر، خرجه أبو داود من حديث علي ~~بن أبي طالب أنه خطب الناس، فقال: إنه سيأتي على الناس زمان عضوض # PageV02P215 # يعض الموسر على ما في يديه، ولم يؤمر بذلك، قال تعالى: {ولا تنسوا الفضل ~~بينكم} [البقرة: 237] [البقرة: 137] ويبايع المضطرون، وقد «نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر» . وخرجه الإسماعيلي، وزاد فيه: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إن كان عندك خير تعود به على أخيك، وإلا فلا ~~تزيدنه هلاكا إلى هلاكه» وخرجه أبو يعلى الموصلي بمعناه من حديث حذيفة ~~مرفوعا أيضا. # وقال عبد الله بن معقل: بيع الضرورة ربا. # وقال حرب: سئل أحمد عن بيع المضطر، فكرهه، فقيل له: كيف هو؟ قال: يجيئك ~~وهو محتاج، فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين، وقال أبو طالب: قيل لأحمد: إن ربح ~~بالعشرة خمسة؟ فكره ذلك، وإن كان المشتري مسترسلا لا يحسن أن يماكس، فباعه ~~بغبن كثير، لم يجز أيضا. قال أحمد: الخلابة: الخداع، وهو أن يغبنه فيما لا ~~يتغابن الناس في مثله؛ يبيعه ما يساوي درهما بخمسة، ومذهب مالك ms425 وأحمد أنه ~~يثبت له خيار الفسخ بذلك. # ولو كان محتاجا إلى نقد، فلم يجد من يقرضه، فاشتري سلعة بثمن إلى أجل في ~~ذمته، ومقصوده بيع تلك السلعة، ليأخذ ثمنها، فهذا فيه قولان للسلف، ورخص ~~أحمد في رواية، وقال في رواية: أخشى أن يكون مضطرا؛ فإن باع السلعة من ~~بائعها له، فأكثر السلف على تحريم ذلك، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد ~~وغيرهم. # ومن أنواع الضرر في البيوع: التفريق بين الوالدة وولدها في البيع، فإن ~~كان صغيرا، حرم بالاتفاق، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» ، فإن ~~رضيت الأم بذلك، ففي # PageV02P216 # جوازه اختلاف، ومسائل الضرر في الأحكام كثيرة جدا، وإنما ذكرنا هذا على ~~وجه المثال. # والنوع الثاني: أن يكون له غرض آخر صحيح، مثل أن يتصرف في ملكه بما فيه ~~مصلحة له، فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره، أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه توفيرا ~~له، فيتضرر الممنوع بذلك. # فأما الأول وهو التصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى غيره فإن كان على غير ~~الوجه المعتاد، مثل أن يؤجج في أرضه نارا في يوم عاصف، فيحترق ما يليه، ~~فإنه متعد بذلك، وعليه الضمان، وإن كان على الوجه المعتاد، ففيه للعلماء ~~قولان مشهوران: أحدهما: لا يمنع من ذلك، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ~~وغيرهما. والثاني: المنع، وهو قول أحمد، ووافقه مالك في بعض الصور؛ فمن صور ~~ذلك: أن يفتح كوة في بنائه العالي مشرفة على جاره، أو يبني بناء عاليا يشرف ~~على جاره ولا يستره، فإنه يلزم بستره، نص عليه أحمد، ووافقه طائفة من أصحاب ~~الشافعي، قال الروياني منهم في كتاب " الحلية ": يجتهد الحاكم في ذلك، ~~ويمنع إذا ظهر له التعنت، وقصد الفساد، قال: وكذلك القول في إطالة البناء ~~ومنع الشمس والقمر. # وقد خرج الخرائطي وابن عدي بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~مرفوعا حديثا طويلا في حق الجار، وفيه: «ولا يستطيل عليه بالبناء ms426 فيحجب عنه ~~الريح إلا بإذنه» . # PageV02P217 # ومنها أن يحفر بئرا بالقرب من بئر جاره فيذهب ماؤها، فإنها تطم في ظاهر ~~مذهب مالك وأحمد، وخرج أبو داود في " المراسيل " من حديث أبي قلابة، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تضاروا في الحفر، وذلك أن يحفر ~~الرجل إلى جنب الرجل ليذهب بمائه» . # ومنها أن يحدث في ملكه ما يضر بملك جاره من هز أو دق ونحوهما، فإنه يمنع ~~منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد وهو أحد الوجوه للشافعية. # وكذا إذا كان يضر بالسكان، كما إذا كان له رائحة خبيثة ونحو ذلك. # ومنها أن يكون له ملك في أرض غيره، ويتضرر صاحب الأرض بدخوله إلى أرضه، ~~فإنه يجبر على إزالته ليندفع به ضرر الدخول، وخرج أبو داود في " سننه " من ~~حديث أبي جعفر محمد بن علي أنه «حدث سمرة بن جندب أنه كانت له عضد من نخل ~~في حائط رجل من الأنصار، ومع الرجل أهله، فكان سمرة يدخل إلى نخله، فيتأذى ~~به ويشق عليه، فطلب إليه أن يناقله، فأبى فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فذكر ذلك له، فطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعه، فأبى، فطلب ~~إليه أن يناقله، فأبى، قال: فهبه له ولك كذا وكذا أمرا رغبه فيه، فأبى، ~~فقال: أنت مضار فقال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصاري: اذهب فاقلع نخله» ~~، وقد روي عن أبي جعفر مرسلا. قال أحمد في رواية حنبل بعد أن ذكر له هذا ~~الحديث: كل ما كان على هذه الجهة وفيه ضرر، يمنع من ذلك، فإن أجاب وإلا ~~أجبره السلطان، ولا يضر بأخيه في ذلك، فيه مرفق له. # PageV02P218 # وخرجه أبو بكر الخلال من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن ~~سليط بن قيس عن أبيه «أن رجلا من الأنصار كانت في حائطه نخلة لرجل آخر، ~~وكان صاحب النخلة لا يريمها غدوة وعشية، فشق ذلك على صاحب الحائط، فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال النبي ms427 صلى الله عليه وسلم ~~لصاحب النخلة: خذ منه نخلة مما يلي الحائط مكان نخلتك، قال: لا والله، قال: ~~فخذ مني ثنتين قال: لا والله، قال: فهبها لي، قال: لا والله، قال: فردد ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يعطيه نخلة مكان نخلته» . # وخرج أبو داود في " المراسيل " من رواية إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان، ~~عن عمه واسع بن حبان، قال: «كان لأبي لبابة عذق في حائط رجل، فكلمه، فقال: ~~إنك تطأ حائطي إلى عذقك، فأنا أعطيك مثله في حائطك، وأخرجه عني، فأبى عليه، ~~فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فيه، فقال: يا أبا لبابة، خذ مثل عذقك، ~~فحزها إلى مالك، واكفف عن صاحبك ما يكره، فقال: ما أنا بفاعل، فقال: اذهب، ~~فأخرج له مثل عذقه إلى حائطه، ثم اضرب فوق ذلك بجدار، فإنه لا ضرر في ~~الإسلام ولا ضرار» . # ففي هذا الحديث والذي قبله إجباره على المعاوضة حيث كان على شريكه أو ~~جاره ضرر في تركه، وهذا مثل إيجاب الشفعة لدفع ضرر الشريك الطارئ. # ويستدل بذلك أيضا على وجوب العمارة على الشريك الممتنع من العمارة، وعلى ~~إيجاب البيع إذا تعذرت القسمة، وقد ورد من حديث محمد بن أبي بكر، # PageV02P219 # عن أبيه مرفوعا: «لا تعضية في الميراث إلا ما احتمل القسم» وأبو بكر: هو ~~ابن عمرو بن حزم، قاله الإمام أحمد فالحديث حينئذ مرسل، والتعضية: هي ~~القسمة. ومتي تعذرت القسمة، لكون المقسوم يتضرر بقسمته، وطلب أحد الشريكين ~~البيع، أجبر الآخر، وقسم الثمن، نص عليه أحمد وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة. # وأما الثاني - وهو منع الجار من الانتفاع بملكه، والارتفاق به - فإن كان ~~ذلك يضر بمن انتفع بملكه، فله المنع كمن له جدار واه لا يحتمل أن يطرح عليه ~~خشب، وأما إن لم يضر به، فهل يجب عليه التمكين، ويحرم عليه الامتناع أم لا؟ ~~فمن قال في القسم الأول: لا يمنع المالك من التصرف في ملكه، وإن أضر بجاره، ~~قال هنا: ms428 للجار المنع من التصرف في ملكه بغير إذنه، ومن قال هناك بالمنع، ~~فاختلفوا هاهنا على قولين: أحدهما: المنع هاهنا وهو قول مالك. # والثاني: أنه لا يجوز المنع، وهو مذهب أحمد في طرح الخشب على جدار دار ~~جاره، ووافقه الشافعي في القديم وإسحاق وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وعبد ~~الملك بن حبيب المالكي، وحكاه مالك عن بعض قضاة المدينة. # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ~~يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه على جداره» قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها ~~معرضين، والله # PageV02P220 # لأرمين بها بين أكتافكم. وقضى عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة أن يجري ~~ماء جاره في أرضه، وقال: لتمرن به ولو على بطنك. # وفي الإجبار على ذلك روايتان عن الإمام أحمد، ومذهب أبي ثور الإجبار على ~~إجراء الماء في أرض جاره إذا أجراه في قني في باطن أرضه، نقله عنه حرب ~~الكرماني. # ومما ينهى عن منعه للضرر منع الماء والكلأ، وفي " الصحيحين " عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به ~~الكلأ» . # وفي " سنن أبي داود " «أن رجلا قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل ~~منعه؟ قال: الماء قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الملح ~~قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: أن تفعل الخير خير لك» ~~. # وفيه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الناس شركاء في ثلاث: ~~الماء والنار والكلأ» . # PageV02P221 # وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يمنع فضل الماء الجاري والنابع مطلقا، سواء ~~قيل: إن الماء لمالك أرضه أم لا، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق ~~وأبي عبيد وغيرهم، والمنصوص عن أحمد وجوب بذله مجانا بغير عوض للشرب، وسقي ~~البهائم، وسقي الزروع، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: لا يجب بذله للزروع. # واختلفوا: هل يجب بذله مطلقا، أو إذا كان بقرب الكلأ، وكان منعه مفضيا ~~إلى منع الكلأ؟ على قولين لأصحابنا وأصحاب ms429 الشافعي، وفي كلام أحمد ما يدل ~~على اختصاص المنع بالقرب من الكلأ، وأما مالك، فلا يجب عنده بذل فضل الماء ~~المملوك بملك منبعه ومجراه إلا للمضطر كالمحاز في الأوعية، وإنما يجب عنده ~~بذل فضل الماء الذي لا يملك. # وعند الشافعي: حكم الكلأ كذلك يجوز منع فضله إلا في أرض الموات. # ومذهب أبي حنيفة وأحمد وأبي عبيد أنه لا يمنع فضل الكلأ مطلقا، ومنهم من ~~قال: لا يمنع أحد الماء والكلأ إلا أهل الثغور خاصة، وهو قول الأوزاعي، لأن ~~أهل الثغور إذا ذهب ماؤهم وكلؤهم لم يقدروا أن يتحولوا من مكانهم من وراء ~~بيضة الإسلام وأهله. # وأما النهي عن منع النار، فحمله طائفة من الفقهاء على النهي عن الاقتباس ~~منها دون أعيان الجمر، ومنهم من حمله على منع الحجارة المورية للنار، وهو ~~بعيد، ولو حمل على منع الاستضاءة بالنار، وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها بها ~~لمن يستدفئ بها، أو ينضج عليها طعاما ونحوه، لم يبعد. # PageV02P222 # وأما الملح فلعله يحمل على منع أخذه من المعادن المباحة، فإن الملح من ~~المعادن الظاهرة، لا يملك بالإحياء ولا بالإقطاع، نص عليه أحمد، وفي " سنن ~~أبي دواد " «أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع رجلا الملح، فقيل له: يا ~~رسول الله، إنه بمنزلة الماء العد، فانتزعه منه» . # ومما يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: لا ضرر أن الله لم يكلف ~~عباده فعل ما يضرهم ألبتة، فإن ما يأمرهم به هو عين صلاح دينهم ودنياهم، ~~وما نهاهم عنه هو عين فساد دينهم ودنياهم، لكنه لم يأمر عباده بشيء هو ضار ~~لهم في أبدانهم أيضا، ولهذا أسقط الطهارة بالماء عن المريض، وقال: {ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج} [المائدة: 6] [المائدة: 6] ، وأسقط الصيام عن ~~المريض والمسافر، وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: ~~185] [البقرة: 185] ، وأسقط اجتناب محظورات الإحرام، كالحلق ونحوه عمن كان ~~مريضا، أو به أذى من رأسه، وأمر بالفدية. وفي " المسند " عن ابن عباس، قال: ~~«قيل لرسول الله صلى الله عليه ms430 وسلم: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: ~~الحنيفية السمحة» . ومن حديث # PageV02P223 # عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني أرسلت بحنيفية سمحة» . # ومن هذا المعنى ما في " الصحيحين " عن أنس أن «النبي صلى الله عليه وسلم: ~~رأى رجلا يمشي، قيل: إنه نذر أن يحج ماشيا، فقال: إن الله لغني عن مشيه ~~فليركب، وفي رواية: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه» . # وفي " السنن " «عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا فلتركب» . # وقد اختلف العلماء في حكم من نذر أن يحج ماشيا، فمنهم من قال: لا يلزمه ~~المشي، وله الركوب بكل حال، وهو رواية عن أحمد والأوزاعي. وقال أحمد: يصوم ~~ثلاثة أيام، وقال الأوزاعي: عليه كفارة يمين، والمشهور أنه يلزمه ذلك إن ~~أطاقه، فإن عجز عنه، فقيل: يركب عند العجز، ولا شيء عليه، وهو أحد قولي ~~الشافعي. # PageV02P224 # وقيل: بل عليه - مع ذلك - كفارة يمين، وهو قول الثوري وأحمد في رواية. # وقيل: بل عليه دم، قاله طائفة من السلف، منهم عطاء ومجاهد والحسن والليث ~~وأحمد في رواية. # وقيل: يتصدق بكراء ما ركب، وروي عن الأوزاعي، وحكاه عن عطاء، وروي عن ~~عطاء: يتصدق بقدر نفقته عند البيت. # وقالت طائفة من الصحابة وغيرهم: لا يجزئه الركوب، بل يحج من قابل، فيمشي ~~ما ركب، ويركب ما مشى، وزاد بعضهم: وعليه هدي، وهو قول مالك إذا كان ما ~~ركبه كثيرا. # ومما يدخل في عمومه أيضا أن من عليه دين لا يطالب به مع إعساره، بل ينظر ~~إلى حال إيساره، قال تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: ~~280] [البقرة: 280] ، وعلى هذا جمهور العلماء خلافا لشريح في قوله: إن ~~الآية مختصة بديون الربا في الجاهلية، والجمهور أخذوا باللفظ العام، ولا ~~يكلف المدين أن يقضي مما عليه في خروجه من ملكه ضرر، كثيابه ومسكنه المحتاج ~~إليه، وخادمه كذلك، ولا ما يحتاج إلى التجارة به لنفقته ونفقة عياله هذا ~~مذهب ms431 الإمام أحمد. # PageV02P225 ### | [الحديث الثالث والثلاثون لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم] # PageV02P225 # الحديث الثالث والثلاثون # عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو ~~يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم لكن البينة على المدعي ~~واليمين على من أنكر» . حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في " ~~الصحيحين ". #  أصل هذا الحديث خرجاه في " ~~الصحيحين " من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال ~~وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» . # وخرجاه أيضا من رواية نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المدعى عليه» . # واللفظ الذي ساقه به الشيخ ساقه ابن الصلاح قبله في الأحاديث الكليات، ~~وقال: رواه البيهقي بإسناد حسن. # PageV02P226 # وخرجه الإسماعيلي في " صحيحه " من رواية الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جريج ~~عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعطى ~~الناس بدعواهم، لادعى رجال دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على الطالب، ~~واليمين على المطلوب» . # وروى الشافعي: أنبأ مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن ~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «البينة على المدعي» قال ~~الشافعي: وأحسبه - ولا أثبته - أنه قال: «واليمين على المدعى عليه» . # وروى محمد بن عمر بن لبابة الفقيه الأندلسي عن عثمان بن أيوب الأندلسي - ~~ووصفه بالفضل - عن غازي بن قيس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكر هذا الحديث، قال: «لكن البينة على من ادعى، ~~واليمين على من أنكر» وغازي بن قيس الأندلسي كبير صالح، سمع من مالك وابن ~~جريج وطبقتهما، وسقط من هذا الإسناد ابن جريج والله أعلم. # وقد استدل الإمام أحمد وأبو عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ms432 ~~«البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» ، وهذا يدل على أن هذا اللفظ ~~عندهما صحيح محتج به، وفي المعنى أحاديث كثيرة، ففي " الصحيحين " «عن ~~الأشعث بن قيس، قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شاهداك أو ~~يمينه، قلت: إذا يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ~~حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل ~~الله تصديق ذلك، ثم اقترأ هذه الآية: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] الآية [آل عمران: 77] . وفي رواية لمسلم بعد ~~قوله: " إذا يحلف "، قال: ليس لك إلا ذلك» . وخرجه أيضا مسلم بمعناه من ~~حديث وائل بن حجر عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وخرج الترمذي من حديث العرزمي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: «البينة على المدعي، واليمين على ~~المدعى عليه» ، وقال: في إسناده مقال، والعرزمي يضعف في الحديث من قبل ~~حفظه. وخرجه الدارقطني من رواية مسلم بن خالد الزنجي - وفيه ضعف عن # PageV02P227 # ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر إلا في القسامة» . ~~ورواه الحافظ عن ابن جرير، عن عمرو مرسلا. # وخرجه أيضا من رواية مجاهد عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال في خطبته يوم الفتح: «المدعى عليه أولى باليمين إلا أن تقوم بينة» ، ~~وخرجه الطبراني، وعنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي إسناده كلام. ~~وخرج الدارقطني هذا المعنى من وجوه متعددة ضعيفة. # وروى حجاج الصواف، عن حميد بن هلال، عن زيد بن ثابت، قال: «قضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أيما رجل طلب عند رجل طلبة، فإن المطلوب هو أولى ~~باليمين» . # وخرجه أبو عبيد والبيهقي، وإسناده ثقات، إلا ms433 أن حميد بن هلال ما أظنه لقي ~~زيد بن ثابت، وخرجه الدارقطني، وزاد فيه " بغير شهداء ". # وخرج النسائي من حديث ابن عباس، قال: «جاء خصمان إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فادعى أحدهما على الآخر حقا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمدعي: ~~أقم بينتك فقال: يا رسول الله، ما لي بينة، فقال للآخر: احلف بالله الذي لا ~~إله إلا هو: ما له عليك أو عندك شيء» . # وقد روي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى: أن البينة على المدعي، # PageV02P229 # واليمين على من أنكر. وقضى بذلك زيد بن ثابت على عمر لأبي بن كعب ولم ~~ينكراه. # وقال قتادة: فصل الخطاب الذي أوتيه داود عليه السلام: هو أن البينة على ~~المدعي، واليمين على من أنكر. # قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن البينة على المدعي، واليمين على ~~المدعى عليه، قال: ومعنى قوله: «البينة على المدعي» يعني: يستحق بها ما ~~ادعى، لأنها واجبة يؤخذ بها، ومعنى قوله: «اليمين على المدعى عليه» أي: ~~يبرأ بها، لأنها واجبة عليه، يؤخذ بها على كل حال. انتهى. # وقد اختلف الفقهاء من أصحابنا والشافعية في تفسير المدعي والمدعى عليه. # فمنهم من قال: المدعي: هو الذي يخلى وسكوته من الخصمين، والمدعى عليه: من ~~لا يخلى وسكوته منهما. # ومنهم من قال: المدعي من يطلب أمرا خفيا على خلاف الأصل أو الظاهر، ~~والمدعى عليه بخلافه. # وبنوا على ذلك مسألة، وهي إذا أسلم الزوجان الكافران قبل الدخول، ثم ~~اختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معا، فنكاحنا باق، وقالت الزوجة: بل سبق # PageV02P230 # أحدنا إلى الإسلام، فالنكاح منفسخ، فإن قلنا: المدعي يخلى وسكوته، ~~فالمرأة هي المدعي، فيكون القول قول الزوج، لأنه مدعى عليه؛ إذ لا يخلى ~~وسكوته، وإن قلنا: المدعي من يدعي أمرا خفيا، فالمدعي هنا هو الزوج، إذ ~~التقارن في الإسلام خلاف الظاهر، فالقول قول المرأة؛ لأن الظاهر معها. # وأما الأمين إذا ادعى التلف، كالمودع إذا ادعى تلف الوديعة، فقد قيل: إنه ~~مدع، لأن الأصل يخالف ما ادعاه، وإنما لم يحتج إلى بينة، ms434 لأن المودع ~~ائتمنه، والائتمان يقتضي قبول قوله. # وقيل: إن المدعي الذي يحتاج إلى بينة هو المدعي، ليعطى بدعواه مال قوم أو ~~دماءهم، كما ذكر ذلك في الحديث، فأما الأمين، فلا يدعي ليعطى شيئا، وقيل: ~~بل هو مدعى عليه، لأنه إذا سكت، لم يترك، بل لا بد له من رد الجواب، ~~والمودع مدع، لأنه إذا سكت ترك؛ ولو ادعى الأمين رد الأمانة إلى من ائتمنه، ~~فالأكثرون على أن قوله مقبول أيضا كدعوى التلف. # وقال الأوزاعي: لا يقبل قوله لأنه مدع. وقال مالك وأحمد في رواية: إن ثبت ~~قبضه للأمانة ببينة، لم يقبل قوله في الرد بدون البينة، ووجه بعض أصحابنا ~~ذلك بأن الإشهاد على دفع الحقوق الثابتة بالبينة واجب، فيكون تركه تفريطا، ~~فيجب به الضمان، وكذلك قال طائفة منهم في دفع مال اليتيم إليه: لا بد له من ~~بينة، لأن الله تعالى أمر بالإشهاد عليه فيكون واجبا. # وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين: أحدهما: أن البينة على المدعي ~~أبدا، واليمين على المدعى عليه أبدا، وهو قول أبي حنيفة، ووافقه طائفة من ~~الفقهاء والمحدثين كالبخاري، وطردوا ذلك في كل دعوى، حتى في القسامة، ~~وقالوا: لا يحلف إلا المدعى عليه، ورأوا أن لا يقضى بشاهد ويمين، لأن ~~اليمين لا تكون على المدعي، ورأوا أن اليمين لا ترد على المدعي، لأنها لا ~~تكون إلا في جانب المنكر المدعى عليه. # PageV02P231 # واستدلوا في مسألة القسامة بما روى سعيد بن عبيد، حدثنا بشير بن يسار ~~الأنصاري، عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره أن «نفرا منهم انطلقوا إلى خيبر، ~~فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلا، فذكر الحديث، وفيه: فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: تأتوني بالبينة على من قتله، قالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون ~~قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطل دمه، ~~فوداه مائة من إبل الصدقة» . خرجه البخاري، وخرجه مسلم مختصرا ولم يتمه، ~~ولكن هذه الرواية تعارض رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بشير بن يسار عن ~~سهل ms435 بن أبي حثمة فذكر قصة القتيل، وقال فيه: «فذكروا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مقتل عبد الله بن سهل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقسم ~~خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته» ، وهذه هي الرواية المشهورة الثابتة ~~المخرجة بلفظها بكمالها في " الصحيحين ". وقد ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية ~~يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عبيد الطائي، فإنه أجل وأعلم وأحفظ، وهو ~~من أهل المدينة، وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين. # وقد ذكر الإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيى بن سعيد في هذا الحديث، ~~فنفض يده، وقال: ذاك ليس بشيء، رواه على ما يقول الكوفيون، وقال: أذهب إلى ~~حديث المدينين يحيى بن سعيد. وقال النسائي: لا نعلم أحدا تابع سعيد بن عبيد ~~على روايته عن بشير بن يسار، وقال مسلم في كتاب " التمييز " لم يحفظه سعيد ~~بن عبيد على وجهه، لأن جميع الأخبار فيها سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إياهم قسامة خمسين يمينا، وليس في شيء من أخبارهم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم # PageV02P232 # سألهم البينة، وترك سعيد القسامة، وتواطؤ الأخبار بخلافه يقضي عليه ~~بالغلط، وقد خالفه يحيى بن سعيد. # وقال ابن عبد البر في رواية سعيد بن عبيد: هذه رواية أهل العراق عن بشير ~~بن يسار، ورواية أهل المدينة عنه أثبت، وهم به أقعد، ونقلهم أصح عند أهل ~~العلم. # قلت: وسعيد بن عبيد اختصر قصة القسامة، وهي محفوظة في الحديث، فقد خرج ~~النسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم طلب من ولي القتيل شاهدين على من قتله، فقال: ومن أين أصيب شاهدين؟ ~~قال: فتحلف خمسين قسامة قال: كيف أحلف على ما لم أعلم؟ قال: فتستحلف منهم ~~خمسين قسامة» فهذا الحديث يجمع بين روايتي سعيد بن عبيد ويحيى بن سعيد، ~~ويكون كل منهما ترك بعض القصة، فترك سعيد ذكر قسامة المدعين، وترك يحيى ذكر ~~البينة قبل طلب القسامة والله أعلم. # وأما مسألة الشاهد مع اليمين، فاستدل ms436 من أنكر الحكم بالشاهد واليمين ~~بحديث: «شاهداك أو يمينه» وقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس لك إلا ذلك» ، ~~وقد تكلم القاضي إسماعيل المالكي في هذه اللفظة، وقال: تفرد بها منصور عن ~~أبي وائل، وخالفه سائر الرواة، وقالوا: إنه سأله: ألك بينة أم لا؟ والبينة ~~لا تقف على الشاهدين فقط، بل تعم سائر ما يبين الحق. # وقال غيره: يحتمل أن يريد بشاهديه كل نوعين يشهدان للمدعي بصحة دعواه ~~يتبين بهما الحق، فيدخل ذلك شهادة الرجلين، وشهادة الرجل مع المرأتين، ~~وشهادة الواحد مع اليمين، وقد أقام الله سبحانه أيمان المدعي مقام الشهود ~~في اللعان. # PageV02P233 # وقوله في تمام الحديث: «ليس لك إلا ذلك» : لم يرد به النفي العام، بل ~~النفي الخاص، وهو الذي أراده المدعي، وهو أن يكون القول قوله بغير بينة، ~~فمنعه من ذلك، وأبى ذلك عليه، وكذلك قوله في الحديث الآخر: «ولكن اليمين ~~على المدعى عليه» إنما أريد بها اليمين المجردة عن الشهادة، وأول الحديث ~~يدل على ذلك، وهو قوله: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال ~~وأموالهم» فدل على أن قوله: اليمين على المدعى عليه إنما هي اليمين القاطعة ~~للمنازعة مع عدم البينة، وأما اليمين المثبتة للحق، مع وجود الشهادة، فهذا ~~نوع آخر، وقد ثبت بسنة أخرى. # وأما رد اليمين على المدعي، فالمشهور عن أحمد موافقة أبي حنيفة، وأنها لا ~~ترد، واستدل أحمد بحديث: اليمين على المدعى عليه، وقال في رواية أبي طالب ~~عنه: ما هو ببعيد أن يقال له: تحلف وتستحق، واختار ذلك طائفة من متأخري ~~الأصحاب، وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد، وروي عن طائفة من الصحابة، وقد ~~ورد فيه حديث مرفوع خرجه الدارقطني وفي إسناده نظر. # قال أبو عبيد: ليس هذا إزالة لليمين عن موضعها، فإن الإزالة أن لا يقضي ~~باليمين على المطلوب، فأما إذا قضي بها عليه، فرضي بيمين صاحبه، كان هو ~~الحاكم على نفسه بذلك، لأنه لو شاء، لحلف وبرئ، وبطلت عنه الدعوى. # والقول الثاني في المسألة: أنه يرجح جانب أقوى المتداعيين، وتجعل اليمين ms437 ~~في جانبه، هذا مذهب مالك، وكذا ذكر القاضي أبو يعلى في خلافه أنه مذهب ~~أحمد، وعلى هذا تتوجه المسائل التي تقدم ذكرها من الحكم بالقسامة والشاهد ~~واليمين، فإن جانب المدعي في القسامة لما قوي باللوث جعلت # PageV02P234 # اليمين في جانبه، وحكم له بها، وكذلك المدعي إذا أقام شاهدا، فإنه قوي ~~جانبه، فحلف معه، وقضي له. # وهؤلاء لهم في الجواب عن قوله: البينة على المدعي طريقان: أحدهما: أن هذا ~~خص من هذا العموم بدليل. # والثاني: أن قوله: البينة على المدعي ليس بعام، لأن المراد: على المدعي ~~المعهود، وهو من لا حجة له سوى الدعوى كما في قوله: «لو يعطى الناس ~~بدعواهم، لادعى رجال دماء قوم وأموالهم» فأما المدعي الذي معه حجة تقوي ~~دعواه، فليس داخلا في هذا الحديث. # وطريق ثالث وهو أن البينة: كل ما بين صحة دعوى المدعي، وشهد بصدقه فاللوث ~~مع القسامة بينة، والشاهد مع اليمين بينة. # وطريق رابع سلكه بعضهم وهو الطعن في صحة هذه اللفظة، أعني قوله: «البينة ~~على المدعي» ، وقالوا: إنما الثابت هو قوله: «اليمين على المدعى عليه» . ~~وقوله: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم» ، يدل على أن ~~مدعي الدم والمال لا بد له من بينة تدل على ما ادعاه، ويدخل في عموم ذلك أن ~~من ادعى على رجل أنه قتل موروثه، وليس معه إلا قول المقتول عند موته: جرحني ~~فلان، أنه لا يكتفى بذلك، ولا يكون بمجرده لوثا، وهذا قول الجمهور خلافا ~~للمالكية، وإنهم جعلوه لوثا يقسم معه الأولياء، ويستحقون الدم. # ويدخل في عمومه أيضا من قذف زوجته ولاعنها، فإنه لا يباح دمها بمجرد ~~لعانها، وهذا قول الأكثرين خلافا للشافعي، واختار قوله الجوزجاني لظاهر ~~قوله عز وجل: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} [النور: 8] ~~[النور: 8] ، # PageV02P235 # والأولون منهم من حمل العذاب على الحبس، وقالوا: إن لم تلاعن، حبست حتى ~~تقر أو تلاعن، وفيه نظر. # ولو ادعت امرأة على رجل أنه استكرهها على الزنا، فالجمهور أنه لا يثبت ~~بدعواها عليه شيء. وقال أشهب ms438 من المالكية: لها الصداق بيمينها، وقال غيره ~~منهم: لها الصداق بغير يمين، هذا كله إذا كانت ذات قدر، وادعت ذلك على متهم ~~تليق به الدعوى، وإن كان المرمي بذلك من أهل الصلاح، ففي حدها للقذف عن ~~مالك روايتان. # وقد كان شريح وإياس بن معاوية يحكمان في الأموال المتنازع فيها بمجرد ~~القرائن الدالة على صدق إحدى المتداعيين، وقضى شريح في أولاد هرة تداعاها ~~امرأتان، كل منهما تقول هي ولد هرتي، قال شريح: ألقها مع هذه، فإن هي قرت ~~ودرت واسبطرت فهي لها، وإن فرت وهربت وازبأرت، فليس لها. قال ابن قتيبة: ~~قوله اسبطرت، يريد: امتدت للإرضاع، وازبأرت: اقشعرت وتنفشت. وكان يقضي بنحو ~~ذلك أبو بكر الشامي من الشافعية، ورجح قوله ابن عقيل من أصحابنا. # وقد روي عن الشافعي وأحمد استحسان قول القافة في سرقة الأموال، والأخذ ~~بذلك، ونقل ابن منصور عن أحمد: إذا قال صاحب الزرع: أفسدت غنمك زرعي ~~بالليل، ينظر في الأثر، فإن لم يكن أثر غنمه في الزرع، لا بد لصاحب الزرع ~~من أن يجيء بالبينة. قال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد لأنه مدع، وهذا يدل ~~على اتفاقهما على الاكتفاء برؤية أثر الغنم، وأن البينة إنما تطلب عند عدم ~~الأثر. # وقوله: «واليمين على المدعى عليه» يدل على أن كل من ادعى عليه # PageV02P236 # دعوى، فأنكر فإن عليه اليمين، وهذا قول أكثر الفقهاء، وقال مالك: إنما ~~تجب اليمين على المنكر إذا كان بين المتداعيين نوع مخالطة، خوفا من أن ~~يتبذل السفهاء على الرؤساء بطلب أيمانهم. # وعنده: ولو ادعى على رجل أنه غصبه، أو سرق منه، ولم يكن المدعى عليه ~~متهما بذلك، لم يستحلف المدعى عليه وحكي أيضا عن القاسم بن محمد، وحميد بن ~~عبد الرحمن، وحكاه بعضهم عن فقهاء المدينة السبعة، فإن كان من أهل الفضل، ~~أو ممن لا يشار إليه بذلك، أدب المدعي عند مالك، واستدل بقوله: «اليمين على ~~المدعى عليه» على أن المدعي لا يمين عليه، وإنما عليه البينة، وهو قول ~~الأكثرين. # وروي عن علي أنه أحلف المدعي ms439 مع بينته أن شهوده شهدوا بحق، وفعله أيضا ~~شريح، وعبد الله بن عتبة بن مسعود وابن أبي ليلى وسوار العنبري وعبيد الله ~~بن الحسن، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وروي عن النخعي أيضا. وقال إسحاق: ~~إذا استراب الحاكم، وجب ذلك. # وسأل مهنا الإمام أحمد عن هذه المسألة، فقال أحمد: قد فعله علي، فقال له: ~~أيستقيم هذا؟ فقال: قد فعله علي، فأثبت القاضي هذه رواية عن أحمد، لكنه ~~حملها على الدعوى على الغائب والصبي، وهذا لا يصح، لأن عليا إنما حلف ~~المدعي مع بينته على الحاضر معه، وهؤلاء يقولون: هذه اليمين لتقوية الدعوى ~~إذا ضعفت باسترابة الشهود كاليمين مع الشاهد الواحد. وكان بعض المتقدمين ~~يحلف الشهود إذا استرابهم أيضا، ومنهم سوار العنبري قاضي البصرة، وجوز ذلك ~~القاضي أبو يعلى من أصحابنا لوالي المظالم دون القضاة. وقد قال ابن عباس في ~~المرأة الشاهدة على الرضاع: إنها تستحلف وأخذ به الإمام أحمد. # وقد دل القرآن على استحلاف الشهود عند الارتياب بشهادتهم في الوصية # PageV02P237 # في السفر في قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم ~~الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ~~إلى قوله: {فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا ~~نكتم شهادة الله} [المائدة: 106] [المائدة: 106] ، وهذه الآية لم ينسخ ~~العمل بها عند جمهور السلف، وقد عمل بها أبو موسى، وابن مسعود، وأفتى بها ~~علي، وابن عباس، وهو مذهب شريح والنخعي وابن أبي ليلى وسفيان والأوزاعي ~~وأحمد وأبو عبيد وغيرهم، قالوا: تقبل شهادة الكفار في وصية المسلمين في ~~السفر، ويستحلفان مع شهادتهما. وهل يمينهما من باب تكميل الشهادة، فلا يحكم ~~بشهادتهما بدون يمين، أم من باب الاستظهار عند الريبة؟ وهذا محتمل، ~~وأصحابنا جعلوها شرطا، وهو ظاهر ما روي عن أبي موسى وغيره. # وقد ذهب طائفة من السلف إلى أن اليمين مع الشاهد الواحد هو من باب ~~الاستظهار، فإن رأى الحاكم الاكتفاء بالشاهد الواحد، لبروز عدالته، وظهور ~~صدقه، اكتفى بشهادته بدون يمين ms440 الطالب. # وقوله: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين ~~استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} [المائدة: ~~107] [المائدة: 107] يدل على أنه إذا ظهر خلل في شهادة الكفار، حلف أولياء ~~الميت على خيانتهما وكذبهما، واستحقوا ما حلفوا عليه، وهذا قول مجاهد وغيره ~~من السلف. # ووجه ذلك أن اليمين في جانب أقوى المتداعيين، وقد قويت هاهنا دعوى الورثة ~~بظهور كذب الشهود الكفار، فترد اليمين على المدعين، ويحلفون مع اللوث، ~~ويستحقون ما ادعوه، كما يحلف الأولياء في القسامة مع اللوث، # PageV02P238 # ويستحقون بذلك الدية والدم أيضا عند مالك وأحمد وغيرهما. # وقضى ابن مسعود في رجل مسلم حضره الموت، فأوصى إلى رجلين مسلمين معه، ~~وسلمهما ما معه من المال، وأشهد على وصيته كفارا، ثم قدم الوصيان، فدفعا ~~بعض المال إلى الورثة، وكتما بعضه، ثم قدم الكفار، فشهدوا عليهم بما كتموه ~~من المال، فدعا الوصيين المسلمين، فاستحلفهما: ما دفع إليهما أكثر مما ~~دفعاه، ثم دعا الكفار، فشهدوا وحلفوا على شهادتهم، ثم أمر أولياء الميت أن ~~يحلفوا أن ما شهدت به اليهود والنصارى حق، فحلفوا، فقضى على الوصيين بما ~~حلفوا عليه، وكان ذلك في خلافة عثمان، وتأول ابن مسعود الآية على ذلك، ~~فكأنه قابل بين يمين الأوصياء والشهود الكفار فأسقطها، وبقي مع الورثة ~~شهادة الكفار، فحلفوا معها، واستحقوا، لأن جانبهم ترجح بشهادة الكفار لهم، ~~فجعل اليمين مع أقوى المتداعيين، وقضى بها. # واختلف الفقهاء: هل يستحلف في جميع حقوق الآدميين كقول الشافعي ورواية عن ~~أحمد أو لا يستحلف إلا فيما يقضى فيه بالنكول كرواية عن أحمد؟ أو لا يستحلف ~~إلا فيما يصح بذله كما هو المشهور عن أحمد؟ أو لا يستحلف إلا في كل دعوى لا ~~تحتاج إلى شاهدين كما حكي عن مالك؟ وأما حقوق الله عز وجل، فمن العلماء من ~~قال: لا يستحلف فيها بحال، وهو قول أصحابنا وغيرهم، ونص عليه أحمد في ~~الزكاة، وبه قال طاوس والثوري والحسن بن صالح وغيرهم، وقال أبو حنيفة ومالك ~~والليث والشافعي: # PageV02P239 # إذا اتهم، فإنه ms441 يستحلف، وكذا حكي عن الشافعي فيمن تزوج من لا تحل له، ثم ~~ادعى الجهل، أنه يحلف على دعواه، وكذا قال إسحاق في طلاق السكران: يحلف أنه ~~ما كان يعقل، وفي طلاق الناسي: يحلف على نسيانه، وكذا قال القاسم بن محمد ~~وسالم بن عبد الله في رجل قال لامرأته: أنت طالق. يحلف أنه ما أراد به ~~الثلاث، وترد إليه. # وخرج الطبراني من رواية أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: «كان ~~أناس من الأعراب يأتون بلحم، فكان في أنفسنا منه شيء، فذكرنا ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: اجهدوا أيمانهم إنهم ذبحوها، ثم اذكروا اسم ~~الله وكلوا» وأبو هارون ضعيف جدا. # وأما المؤتمن في حقوق الآدميين حيث قبل قوله، فهل عليه يمين أم لا؟ ففيه ~~ثلاثة أقوال للعلماء: # أحدهما: لا يمين عليه لأنه صدقه بائتمانه، ولا يمين مع التصديق، وبالقياس ~~على الحاكم، وهذا قول الحارث العكلي. # والثاني: عليه اليمين، لأنه منكر، فيدخل في عموم قوله: «واليمين على من ~~أنكر» وهو قول شريح وأبي حنيفة والشافعي ومالك في رواية، وأكثر أصحابنا. # والثالث: لا يمين عليه إلا أن يتهم وهو نص أحمد، وقول مالك في رواية لما ~~تقدم من ائتمانه. # وأما إذا قامت قرينة تنافي حال الائتمان، فقد اختل معنى الائتمان. # PageV02P240 # وقوله: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» إنما أريد به إذا ادعى ~~على رجل ما يدعيه لنفسه، وينكر أنه لمن ادعاه عليه، ولهذا قال في أول ~~الحديث: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم» فأما من ~~ادعى ما ليس له مدع لنفسه منكر لدعواه، فهذا أسهل من الأول، ولا بد للمدعي ~~هنا من بينة، ولكن يكتفى من البينة هنا بما لا يكتفى بها في الدعوى على ~~المدعي لنفسه المنكر. # ويشهد لذلك مسائل: منها: اللقطة إذا جاء من وصفها، فإنها تدفع إليه بغير ~~بينة بالاتفاق، لكن منهم من يقول: يجوز الدفع إذا غلب على الظن صدقه، ولا ~~يجب، كقول الشافعي وأبي حنيفة، ومنهم من يقول: يجب دفعها ms442 بذكر الوصف ~~المطابق، كقول مالك وأحمد. # ومنها الغنيمة إذا جاء من يدعي منها شيئا، وأنه كان له، واستولى عليه ~~الكفار، وأقام على ذلك ما يبين أنه له اكتفي به، وسئل عن ذلك أحمد وقيل له: ~~فيريد على ذلك بينة؟ قال: لا بد به من بيان يدل على أنه له، وإن علم ذلك، ~~دفعه إليه الأمير. وروى الخلال بإسناده عن الركين بن الربيع، عن أبيه قال: ~~جشر لأخي فرس بعين التمر، فرآه في مربط سعد، فقال: فرسي فقال سعد: ألك ~~بينة؟ قال: لا، ولكن أدعوه، فيحمحم، فدعاه فحمحم، فأعطاه إياه، وهذا يحتمل ~~أنه كان لحق بالعدو، ثم ظهر عليه المسلمون، ويحتمل أنه عرف أنه ضال، فوضع ~~بين الدواب الضالة، فيكون كاللقطة. # ومنها الغصوب إذا علم ظلم الولاة، وطلب ردها من بيت المال، قال أبو ~~الزناد: كان عمر بن عبد العزيز يرد المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة، ~~كان # PageV02P241 # يكتفي باليسير، إذا عرف صرف وجه مظلمة الرجل ردها عليه، ولم يكلفه تحقيق ~~البينة، لما يعرف من غشم الولاة قبله على الناس، ولقد أنفد بيت مال العراق ~~في رد المظالم حتى حمل إليها من الشام، وذكر أصحابنا أن الأموال المغصوبة ~~مع قطاع الطريق واللصوص يكتفى من مدعيها بالصفة كاللقطة، ذكره القاضي في ~~خلافه، وأنه ظاهر كلام أحمد. # PageV02P242 ### | [الحديث الرابع والثلاثون من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه] # PageV02P242 # الحديث الرابع والثلاثون. # عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ~~رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ~~وذلك أضعف الإيمان» . رواه مسلم. #  هذا الحديث خرجه مسلم من رواية قيس ~~بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد ومن رواية إسماعيل بن رجاء، عن ~~أبيه، عن أبي سعيد وعنده في حديث طارق قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد ~~قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ~~ما هنالك، فقال أبو سعيد: ms443 أما هذا فقد قضى ما عليه ثم روى هذا الحديث. # وقد روى معناه من وجه آخر، فخرجه مسلم من حديث ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من ~~أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم ~~خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده، فهو ~~مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمن، ليس وراء ~~ذلك من الإيمان حبة خردل» . # PageV02P243 # وروى سالم المرادي عن عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عن عمر بن الخطاب، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «سيصيب أمتي في آخر الزمان بلاء شديد من ~~سلطانهم، لا ينجو منه إلا رجل عرف دين الله بلسانه ويده وقلبه، فذلك الذي ~~سبقت له السوابق، ورجل عرف دين الله فصدق به، وللأول عليه سابقة، ورجل عرف ~~دين الله، فسكت، فإن رأى من يعمل بخير أحبه عليه، وإن رأى من يعمل بباطل ~~أبغضه عليه، فذلك الذي ينجو على إبطائه» وهذا غريب، وإسناده منقطع. # وخرج الإسماعيلي من حديث أبي هارون العبدي - وهو ضعيف جدا - عن مولى ~~لعمر، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «توشك هذه الأمة أن تهلك ~~إلا ثلاثة نفر: رجل أنكر بيده وبلسانه وبقلبه، فإن جبن بيده، فبلسانه ~~وقلبه، فإن جبن بلسانه وبيده فبقلبه» . # وخرج أيضا من رواية الأوزاعي عن عمير بن هانئ، عن علي سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «سيكون بعدي فتن لا يستطيع المؤمن فيها أن يغير بيد ولا ~~بلسان، قلت: يا رسول الله، وكيف ذاك؟ قال: ينكرونه بقلوبهم، قلت: يا رسول ~~الله، وهل ينقص ذلك إيمانهم شيئا؟ قال: لا، إلا كما ينقص القطر من الصفا، ~~وهذا الإسناد منقطع» . وخرج الطبراني معناه من حديث عبادة بن الصامت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف. # PageV02P244 # فدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، وأما ms444 ~~إنكاره بالقلب لا بد منه، فمن لم ينكر قلبه المنكر، دل على ذهاب الإيمان من ~~قلبه. # وقد روى عن أبي جحيفة، قال: قال علي: إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد ~~الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فمن لم يعرف قلبه ~~المعروف، وينكر قلبه المنكر، نكس فجعل أعلاه أسفله. # وسمع ابن مسعود رجلا يقول: هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، ~~فقال ابن مسعود هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر، يشير إلى أن معرفة ~~المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد فمن لم يعرفه هلك. # وأما الإنكار باللسان واليد، فإنما يجب بحسب الطاقة، وقال ابن مسعود: ~~يوشك من عاش منكم أن يرى منكرا لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه أنه ~~له كاره. وفي " سنن أبي داود " عن العرس بن عميرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ~~ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» ، فمن شهد الخطيئة، فكرهها قلبه كان ~~كمن لم يشهدها إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده، ومن غاب عنها فرضيها، كان ~~كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها لأن الرضا بالخطايا من أقبح ~~المحرمات، ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب، وهو فرض على كل مسلم، لا يسقط، ~~عن أحد في حال من الأحوال. # PageV02P245 # وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «من حضر معصية فكرهها، فكأنه غاب عنها، ومن غاب عنها، فأحبها، فكأنه ~~حضرها» وهذا مثل الذي قبله. # فتبين بهذا أن الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم. في كل حال، وأما الإنكار ~~باليد واللسان فبحسب القدرة، كما في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون ~~على أن يغيروا فلا يغيروا، إلا يوشك الله أن يعمهم بعقاب» خرجه أبو داود ~~بهذا اللفظ، وقال: قال شعبة فيه: ms445 «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أكثر ~~ممن يعمله» . # وخرج أيضا من حديث جرير سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل ~~يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيروا عليه فلا يغيرون، إلا ~~أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا» . # وخرجه الإمام أحمد ولفظه: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ~~ممن يعمله، فلم يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب» . # وخرج أيضا من حديث عدي بن عميرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم ~~وهم # PageV02P246 # قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة ~~والعامة» . # وخرج أيضا هو وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري، قال: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى يقول: ما منعك ~~إذا رأيت المنكر أن تنكره، فإذا لقن الله عبدا حجته، قال: يا رب رجوتك ~~وفرقت الناس» . # فأما ما أخرجه الترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد أيضا، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال في خطبته: «ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول ~~بحق إذا علمه» ، وبكى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا. وخرجه ~~الإمام أحمد وزاد فيه: «فإنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقال بحق ~~أو يذكر بعظيم» . # وكذلك خرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «لا يحقر أحدكم نفسه قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا ~~نفسه؟ قال: يرى أمر الله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم ~~القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشيت الناس، فيقول الله: ~~إياي كنت أحق أن تخشى» . # PageV02P247 # فهذان الحديثان محمولان على أن يكون المانع له من الإنكار مجرد الهيبة، ~~دون الخوف المسقط للإنكار. # قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: آمر السلطان بالمعروف ms446 وأنهاه عن ~~المنكر؟ قال: إن خفت أن يقتلك، فلا، ثم عدت، فقال لي مثل ذلك، ثم عدت، فقال ~~لي مثل ذلك، وقال: إن كنت لا بد فاعلا، ففيما بينك وبينه. # وقال طاوس: أتى رجل ابن عباس، فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره ~~وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال: أفرأيت إن أمرني بمعصية الله؟ قال: ذلك ~~الذي تريد، فكن حينئذ رجلا. وقد ذكرنا حديث ابن مسعود الذي فيه: «يخلف من ~~بعدهم خلوف، فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمن» الحديث، وهذا يدل على جهاد الأمراء ~~باليد. وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود، وقال: هو ~~خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالصبر على جور ~~الأئمة. وقد يجاب عن ذلك بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال. وقد نص على ~~ذلك أحمد أيضا في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح، ~~وحينئذ فجهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل # PageV02P248 # أن يريق خمورهم أو يكسر آلات الملاهي التي لهم، ونحو ذلك، أو يبطل بيده ~~ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكل هذا جائز، وليس هو من ~~باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يخشى ~~منه أن يقتل الآمر وحده. # وأما الخروج عليهم بالسيف، فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء ~~المسلمين. نعم، إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله أو ~~جيرانه، لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ، لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره، ~~كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره، ومع هذا، فمتى خاف منهم على نفسه السيف، أو ~~السوط، أو الحبس، أو القيد، أو النفي، أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى، ~~سقط أمرهم ونهيهم، وقد نص الأئمة على ذلك، منهم مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم. # قال أحمد: لا يتعرض للسلطان، فإن سيفه مسلول. # وقال ابن شبرمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالجهاد، ms447 يجب على ~~الواحد أن يصابر فيه الاثنين، ويحرم عليه الفرار منهما، ولا يجب عليه ~~مصابرة أكثر من ذلك. # فإن خاف السب، أو سماع الكلام السيئ، لم يسقط عنه الإنكار بذلك نص عليه ~~الإمام أحمد، وإن احتمل الأذى، وقوي عليه، فهو أفضل، نص عليه أحمد أيضا، ~~وقيل له: أليس قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس للمؤمن أن ~~يذل نفسه» أن يعرضها من البلاء ما لا طاقة له به، قال: ليس هذا من ذلك. # PageV02P249 # ويدل على ما قاله ما خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث أبي سعيد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» ~~. # وخرج ابن ماجه معناه من حديث أبي أمامة. # PageV02P250 # وفي " مسند البزار " بإسناد فيه جهالة «عن أبي عبيدة بن الجراح، قال: ~~قلت: يا رسول الله، أي الشهداء أكرم على الله؟ قال: رجل قام إلى إمام جائر، ~~فأمره بمعروف، ونهاه عن منكر فقتله» . وقد روي معناه من وجوه أخر كلها فيها ~~ضعف. # وأما حديث: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه» ، فإنما يدل على أنه إذا علم ~~أنه لا يطيق الأذى ولا يصبر عليه، فإنه لا يتعرض حينئذ للآمر، وهذا حق، ~~وإنما الكلام فيمن علم من نفسه الصبر، كذلك قاله الأئمة، كسفيان وأحمد ~~والفضيل بن عياض وغيرهم. # وقد روي عن أحمد ما يدل على الاكتفاء بالإنكار بالقلب، قال في رواية أبي ~~داود: نحن نرجو إن أنكر بقلبه، فقد سلم، وإن أنكر بيده فهو أفضل، وهذا ~~محمول على أنه يخاف كما صرح بذلك في رواية غير واحد. وقد حكى القاضي أبو ~~يعلى روايتين عن أحمد في وجوب إنكار المنكر على من يعلم أنه لا يقبل منه، ~~وصح القول بوجوبه، وهذا قول أكثر العلماء. وقد قيل لبعض السلف في هذا، ~~فقال: يكون لك معذرة، وهذا كما أخبر الله عن الذين أنكروا على المعتدين في ~~السبت أنهم قالوا لمن قال لهم: أتعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا قالوا ms448 معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون [الأعراف: 164] ، # PageV02P251 # وقد ورد ما يستدل به على سقوط الأمر والنهي عند عدم القبول والانتفاع به، ~~ففي " سنن أبي داود وابن ماجه والترمذي «عن أبي ثعلبة الخشني أنه قيل له: ~~كيف تقول في هذه الآية: {عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] [المائدة: 105] ، ~~فقال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بل ~~ائتمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ~~ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك أمر العوام» . # وفي " سنن أبي داود " عن عبد الله بن عمرو، قال: «بينما نحن حول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، إذ ذكر الفتنة، فقال: إذا رأيتم الناس مرجت ~~عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا وشبك أصابعه، فقمت إليه، فقلت له: كيف ~~أفعل عند ذلك، جعلني الله فداك؟ فقال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ~~بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة» . # وكذلك روي عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ~~ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] [المائدة: 105] ، قالوا: لم يأت تأويلها ~~بعد، إنما تأويلها في آخر الزمان. # وعن ابن مسعود قال: إذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعا، وذاق ~~بعضكم بأس بعض، فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، حينئذ تأويل هذه الآية. # PageV02P252 # وعن ابن عمر: قال: هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل ~~منهم. وقال جبير بن نفير عن جماعة من الصحابة، قالوا: إذا رأيت شحا مطاعا ~~وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك حينئذ بنفسك، لا يضرك من ضل إذا ~~اهتديت. # وعن مكحول، قال: لم يأت تأويلها بعد، إذا هاب الواعظ، وأنكر الموعوظ، ~~فعليك حينئذ بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت. # وعن الحسن: أنه كان إذا تلا هذه الآية، قال: يا لها من ثقة ما أوثقها! ~~ومن سعة ما أوسعها! . # وهذا كله قد يحمل على أن من عجز عن الأمر بالمعروف، أو خاف الضرر، سقط ~~عنه، وكلام ابن ms449 عمر يدل على أن من علم أنه لا يقبل منه، لم يجب عليه، كما ~~حكي رواية عن أحمد، وكذا قال الأوزاعي: مر من ترى أن يقبل منك. # وقوله صلى الله عليه وسلم في الذي ينكر بقلبه: «وذلك أضعف الإيمان» يدل ~~على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان، ويدل على أن من ~~قدر على خصلة من خصال الإيمان وفعلها، كان أفضل ممن تركها عجزا عنها، ويدل ~~على ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في حق النساء: «أما نقصان دينها، ~~فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي يشير إلى أيام الحيض» ، مع أنها ممنوعة ~~من الصلاة # PageV02P253 # حينئذ، وقد جعل ذلك نقصا في دينها، فدل على أن من قدر على واجب وفعله، ~~فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه، وإن كان معذورا في تركه، والله أعلم. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا» يدل على أن الإنكار متعلق ~~بالرؤية، فلو كان مستورا فلم يره، ولكن علم به، فالمنصوص عن أحمد في أكثر ~~الروايات أنه لا يعرض له، وأنه لا يفتش عما استراب به، وعنه رواية أخرى أنه ~~يكشف المغطى إذا تحققه، ولو سمع صوت غناء محرم أو آلات الملاهي، وعلم ~~المكان التي هي فيه، فإنه ينكرها، لأنه قد تحقق المنكر، وعلم موضعه، فهو ~~كما رآه، ونص عليه أحمد، وقال: إذا لم يعلم مكانه، فلا شيء عليه. # وأما تسور الجدران على من علم اجتماعهم على منكر، فقد أنكره الأئمة مثل ~~سفيان الثوري وغيره، وهو داخل في التجسس المنهي عنه، وقد قيل لابن مسعود: ~~إن فلانا تقطر لحيته خمرا، فقال: نهانا الله عن التجسس. # وقال القاضي أبو يعلى في كتاب " الأحكام السلطانية ": إن كان في المنكر ~~الذي غلب على ظنه الاستسرار به بإخبار ثقة عنه انتهاك حرمة يفوت استدراكها ~~كالزنا والقتل، فله التجسس والإقدام على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا ~~يستدرك من انتهاك المحارم، وإن كان دون ذلك في الرتبة، لم يجز التجسس عليه، ~~ولا الكشف عنه. # والمنكر الذي ms450 يجب إنكاره: ما كان مجمعا عليه، فأما المختلف فيه، فمن ~~أصحابنا من قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدا فيه، أو مقلدا لمجتهد ~~تقليدا سائغا. # واستثنى القاضي في " الأحكام السلطانية " ما ضعف فيه الخلاف وكان # PageV02P254 # ذريعة إلى محظور متفق عليه، كربا النقد الخلاف فيه ضعيف، وهو ذريعة إلى ~~ربا النساء المتفق على تحريمه، وكنكاح المتعة، فإنه ذريعة إلى الزنا. وذكر ~~عن إسحاق بن شاقلا أنه ذكر أن المتعة هي الزنا صراحا. # عن ابن بطة قال: لا يفسخ نكاح حكم به قاض إن كان قد تأول فيه تأويلا، إلا ~~أن يكون قضى لرجل بعقد متعة، أو طلق ثلاثا في لفظ واحد، وحكم بالمراجعة من ~~غير زوج، فحكمه مردود، وعلى فاعله العقوبة والنكال. # والمنصوص عن أحمد الإنكار على اللاعب بالشطرنج، وتأوله القاضي على من لعب ~~بها بغير اجتهاد، أو تقليد سائغ، وفيه نظر، فإن المنصوص عنه أنه يحد شارب ~~النبيذ المختلف فيه، وإقامة الحد أبلغ مراتب الإنكار، مع أنه لا يفسق بذلك ~~عنده، فدل على أنه ينكر كل مختلف فيه ضعف الخلاف فيه، لدلالة السنة على ~~تحريمه، ولا يخرج فاعله المتأول من العدالة بذلك، والله أعلم. وكذلك نص ~~أحمد على الإنكار على من لا يتم صلاته ولا يقيم صلبه من الركوع والسجود، مع ~~وجود الاختلاف في وجوب ذلك. # واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارة يحمل عليه رجاء ثوابه، ~~وتارة خوف العقاب في تركه، وتارة الغضب لله على انتهاك محارمه، وتارة ~~النصيحة للمؤمنين، والرحمة لهم ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من ~~التعرض لغضب الله وعقوبته في الدنيا والآخرة، وتارة يحمل عليه إجلال الله ~~وإعظامه ومحبته، وأنه أهل أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا ~~يكفر، وأنه يفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال، كما قال بعض السلف: ~~وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله، وأن لحمي قرض بالمقاريض. وكان عبد الملك ~~بن عمر بن عبد العزيز - رحمهما الله - يقول لأبيه: وددت أني غلت بي وبك ~~القدور في الله عز ms451 وجل. # PageV02P255 # ومن لحظ هذا المقام والذي قبله، هان عليه كل ما يلقى من الأذى في الله ~~تعالى، وربما دعا لمن آذاه، كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~«ضربه قومه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» ~~. # وبكل حال يتعين الرفق في الإنكار، قال سفيان الثوري: لا يأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، ~~عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى. # وقال أحمد: الناس محتاجون إلى مداراة ورفق الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا ~~رجلا معلنا بالفسق، فلا حرمة له، قال: وكان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم ~~يرون منهم ما يكرهون، يقولون مهلا رحمكم الله، مهلا رحمكم الله. # وقال أحمد: يأمر بالرفق والخضوع، فإن أسمعوه ما يكره، لا يغضب، فيكون ~~يريد ينتصر لنفسه. # PageV02P256 ### | [الحديث الخامس والثلاثون لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض] # PageV02P256 # الحديث الخامس والثلاثون # عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع ~~بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ~~ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب ~~امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله ~~وعرضه» رواه مسلم. #  هذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي ~~سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز عن أبي هريرة، وأبو سعيد هذا لا يعرف ~~اسمه، وقد روى عنه غير واحد، وذكره ابن حبان في " ثقاته " وقال ابن ~~المديني: هو مجهول. # وروى هذا الحديث سفيان الثوري، فقال فيه: سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ~~ووهم في قوله: " سعيد بن يسار " إنما هو: أبو سعيد مولى ابن كريز، قاله ~~أحمد ويحيى والدارقطني، وقد روي بعضه من وجه ms452 آخر. وخرجه الترمذي من رواية ~~أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم ~~أخو المسلم، لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على # PageV02P257 # المسلم حرام: عرضه وماله ودمه، التقوى هاهنا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر ~~أخاه المسلم» . # وخرج أبو داود من قوله: كل المسلم إلى آخره. # وخرجاه في " الصحيحين " من رواية الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا ~~عباد الله إخوانا» . # وخرجاه من وجوه أخر عن أبي هريرة. # وخرج الإمام أحمد من حديث واثلة بن الأسقع، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله، المسلم أخو المسلم، ~~لا يظلمه ولا يخذله، والتقوى هاهنا - وأومأ بيده إلى القلب - وحسب امرئ من ~~الشر أن يحقر أخاه المسلم» . # PageV02P258 # وخرج أبو داود آخره فقط. # وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه» ". وخرجه الإمام أحمد ولفظه " ~~«المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، وبحسب المرء من الشر أن ~~يحقر أخاه المسلم» . # وفي " الصحيحين " عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تباغضوا، ~~ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» . # ويروى معناه من حديث أبي بكر الصديق مرفوعا وموقوفا. # PageV02P259 # فقوله صلى الله عليه وسلم: لا تحاسدوا يعني: لا يحسد بعضكم بعضا، والحسد ~~مركوز في طباع البشر، وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من ~~الفضائل. # ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام، فمنهم من يسعى في زوال نعمة المحسود ~~بالبغي عليه بالقول والفعل، ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه، ومنهم من ~~يسعى في إزالته عن المحسود فقط من غير نقل إلى نفسه، وهو شرهما وأخبثهما، ~~وهذا هو الحسد المذموم المنهي عنه، وهو كان ذنب إبليس حيث كان حسد آدم عليه ~~السلام لما رآه ms453 قد فاق على الملائكة بأن خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، ~~وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنة حتى ~~أخرج منها، ويروى عن ابن عمر أن إبليس قال لنوح: اثنتان بهما أهلك بني آدم: ~~الحسد، وبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما، والحرص [وبالحرص] أبيح آدم الجنة ~~كلها، فأصبت حاجتي منه بالحرص. خرجه ابن أبي الدنيا. # وقد وصف الله اليهود بالحسد في مواضع من كتابه القرآن، كقوله تعالى: {ود ~~كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من ~~بعد ما تبين لهم الحق} [البقرة: 109] [البقرة: 109] ، وقوله: {أم يحسدون ~~الناس على ما آتاهم الله من فضله} [النساء: 54] [النساء: 54] . # وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الزبير بن العوام، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي ~~الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى ~~تحابوا، أولا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» . # PageV02P260 # وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، أو قال: ~~العشب» . # وخرج الحاكم وغيره من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«سيصيب أمتي داء الأمم، قالوا: يا نبي الله، وما داء الأمم؟ قال: الأشر ~~والبطر، والتكاثر والتنافس في الدنيا، والتباغض، والتحاسد حتى يكون البغي ~~ثم الهرج» . # PageV02P261 # وقسم آخر من الناس إذا حسد غيره، لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبغ على ~~المحسود بقول ولا بفعل. وقد روي عن الحسن أنه لا يأثم بذلك، وروي مرفوعا من ~~وجوه ضعيفة، وهذا على نوعين: أحدهما: أن لا يمكنه إزالة ذلك الحسد من نفسه، ~~فيكون مغلوبا على ذلك، فلا يأثم به. # والثاني: من يحدث نفسه بذلك اختيارا، ويعيده ويبديه في نفسه مستروحا إلى ~~تمني زوال نعمة أخيه، فهذا شبيه بالعزم المصمم على المعصية، وفي العقاب على ~~ذلك اختلاف بين العلماء، ms454 وربما يذكر في موضع آخر إن شاء الله تعالى، لكن ~~هذا يبعد أن يسلم من البغي على المحسود، ولو بالقول، فيأثم بذلك. # وقسم آخر إذا حسد لم يتمن زوال نعمة المحسود، بل يسعى في اكتساب مثل ~~فضائله، ويتمنى أن يكون مثله، فإن كانت الفضائل دنيوية، فلا خير في ذلك، ~~كما قال الذين يريدون الحياة الدنيا: {ياليت لنا مثل ما أوتي قارون} ~~[القصص: 79] [القصص: 79] ، وإن كانت فضائل دينية، فهو حسن، وقد تمنى النبي ~~صلى الله عليه وسلم الشهادة في سبيل الله عز وجل. وفي " الصحيحين " عنه صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا، فهو ~~ينفقه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء ~~الليل وآناء النهار» ، وهذا هو الغبطة، وسماه حسدا من باب الاستعارة. # PageV02P262 # وقسم آخر إذا وجد في نفسه الحسد، سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود ~~بإسداء الإحسان إليه، والدعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وجد له في ~~نفسه من الحسد حتى يبدله بمحبة أن يكون أخوه المسلم خيرا منه وأفضل، وهذا ~~من أعلى درجات الإيمان، وصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه، وقد سبق الكلام على هذا في تفسير حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب ~~لأخيه ما يحب لنفسه» . # وقوله صلى الله عليه وسلم: ولا تناجشوا: فسره كثير من العلماء بالنجش في ~~البيع، وهو: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، إما لنفع البائع لزيادة ~~الثمن له، أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه، وفي " الصحيحين " عن ابن ~~عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «نهى عن النجش» . # وقال ابن أبي أوفى: الناجش: آكل ربا خائن، ذكره البخاري. # قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن فاعله عاص لله عز وجل إذا كان بالنهي ~~عالما. # واختلفوا في البيع، فمنهم من قال: إنه فاسد، وهو رواية عن أحمد، اختارها ~~طائفة من أصحابه، ومنهم من قال: إن كان الناجش هو البائع أو من واطأه ~~البائع ms455 على النجش فسد، لأن النهي هنا يعود إلى العاقد نفسه، وإن لم يكن ~~كذلك لم يفسد، لأنه يعود إلى أجنبي. وكذا حكي عن الشافعي أنه علل # PageV02P263 # صحة البيع بأن البائع غير الناجش، وأكثر الفقهاء على أن البيع صحيح مطلقا ~~وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه، إلا أن مالكا وأحمد ~~أثبتا للمشتري الخيار إذا لم يعلم بالحال، وغبن غبنا فاحشا يخرج عن العادة، ~~وقدره مالك وبعض أصحاب أحمد بثلث الثمن، فإن اختار المشتري حينئذ الفسخ، ~~فله ذلك، وإن أراد الإمساك، فإنه يحط ما غبن به من الثمن، ذكره أصحابنا. # ويحتمل أن يفسر التناجش المنهي عنه في هذا الحديث بما هو أعم من ذلك، فإن ~~أصل النجش في اللغة: إثارة الشيء بالمكر والحيلة والمخادعة، ومنه سمي ~~الناجش في البيع ناجشا، ويسمى الصائد في اللغة ناجشا، لأنه يثير الصيد ~~بحيلته عليه، وخداعه له، وحينئذ فيكون المعنى لا تتخادعوا، ولا يعامل بعضكم ~~بعضا بالمكر والاحتيال. وإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصال الأذى إلى ~~المسلم: إما بطريق الأصالة، وإما اجتلاب نفعه بذلك، ويلزم منه وصول الضرر ~~إليه، ودخوله عليه، وقد قال عز وجل: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} ~~[فاطر: 43] [فاطر: 43] . وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«من غشنا، فليس منا، والمكر والخداع في النار» . وقد ذكرنا فيما تقدم حديث ~~أبي بكر الصديق المرفوع: «ملعون من ضار مسلما أو مكر به» خرجه الترمذي. # فيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهي عنه جميع أنواع المعاملات بالغش ~~ونحوه، كتدليس العيوب، وكتمانها، وغش المبيع الجيد بالرديء، وغبن المسترسل ~~الذي لا يعرف المماكسة، وقد وصف الله في كتابه الكفار والمنافقين بالمكر ~~بالأنبياء وأتباعهم وما أحسن قول أبي العتاهية: # PageV02P264 # ليس دنيا إلا بدين ولي ... س الدين إلا مكارم الأخلاق # إنما المكر والخديعة في النا ... ر هما من خصال أهل النفاق # وإنما يجوز المكر بمن يجوز إدخال الأذى عليه، وهم الكفار والمحاربون، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة» . # وقوله صلى الله ms456 عليه وسلم: «ولا تباغضوا» : نهى المسلمين عن التباغض ~~بينهم في غير الله، بل على أهواء النفوس، فإن المسلمين جعلهم الله إخوة، ~~والإخوة يتحابون بينهم ولا يتباغضون، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا ~~أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» خرجه مسلم. وقد ~~ذكرنا فيما تقدم أحاديث في النهي عن التباغض والتحاسد. # وقد حرم الله على المؤمنين ما يوقع بينهم العداوة والبغضاء، كما قال: ~~{إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] [المائدة: ~~91] . # وامتن على عباده بالتأليف بين قلوبهم، كما قال تعالى: {واذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل عمران: ~~103] [آل عمران: 103] ، وقال: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين - وألف بين ~~قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف ~~بينهم} [الأنفال: 62 - 63] [الأنفال: 62 - 63] # PageV02P265 # ولهذا المعنى حرم المشي بالنميمة، لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء، ~~ورخص في الكذب في الإصلاح بين الناس، ورغب الله في الإصلاح بينهم، كما قال ~~تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين ~~الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: ~~114] [النساء: 114] ، وقال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما} [الحجرات: 9] [الحجرات: 9] ، وقال: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم} [الأنفال: 1] [الأنفال: 1] . # وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي الدرداء، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ ~~قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي ~~الحالقة» . # وخرج الإمام أحمد وغيره من حديث أسماء بنت يزيد، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المشاءون ~~بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت» . # وأما البغض ms457 في الله، فهو من أوثق عرى الإيمان، وليس داخلا في النهي، ولو ~~ظهر لرجل من أخيه شر، فأبغضه عليه، وكان الرجل معذورا فيه في نفس # PageV02P266 # الأمر، أثيب المبغض له، وإن عذر أخوه، كما قال عمر: " إنا كنا نعرفكم إذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبئنا الله ~~من أخباركم ألا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انطلق به، وانقطع ~~الوحي، وإنما نعرفكم بما نخبركم، ألا من أظهر منكم لنا خيرا ظننا به خيرا، ~~وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه، سرائركم ~~بينكم وبين ربكم عز وجل ". # وقال الربيع بن خثيم: لو رأيت رجلا يظهر خيرا، ويسر شرا، أحببته عليه، ~~آجرك الله على حبك الخير، ولو رأيت رجلا يظهر شرا، ويسر خيرا بغضته عليه، ~~آجرك الله على بغضك الشر. # ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين، وكثر تفرقهم، كثر بسبب ذلك ~~تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظهر أنه يبغض لله، وقد يكون في نفس الأمر ~~معذورا، وقد لا يكون معذورا، بل يكون متبعا لهواه، مقصرا في البحث عن معرفة ~~ما يبغض عليه، فإن كثيرا من البغض كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا ~~يقول إلا الحق، وهذا الظن خطأ قطعا، وإن أريد أنه لا يقول إلا الحق فيما ~~خولف فيه، فهذا الظن قد يخطئ ويصيب، وقد يكون الحامل على الميل مجرد الهوى، ~~والإلف، أو العادة، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله، فالواجب على ~~المؤمن أن ينصح نفسه، ويتحرز في هذا غاية التحرز، وما أشكل منه، فلا يدخل ~~نفسه فيه خشية أن يقع فيما نهي عنه من البغض المحرم. # وهاهنا أمر خفي ينبغي التفطن له، وهو أن كثيرا من أئمة الدين قد يقول # PageV02P267 # قولا مرجوحا، ويكون مجتهدا فيه، مأجورا على اجتهاده فيه، موضوعا عنه خطؤه ~~فيه، ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة، لأنه قد لا ~~ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله، بحيث ms458 إنه لو قاله غيره من أئمة ~~الدين، لما قبله، ولا انتصر له، ولا والى من وافقه، ولا عادى من خالفه، وهو ~~مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه، وليس كذلك، فإن متبوعه إنما ~~كان قصده الانتصار للحق، وإن أخطأ في اجتهاده، وأما هذا التابع فقد شاب ~~انتصاره لما يظنه الحق إرادة علو متبوعه، وظهور كلمته، وأنه لا ينسب إلى ~~الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحق، فافهم هذا، فإنه فهم عظيم، ~~والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. # وقوله: «ولا تدابروا» قال أبو عبيد: التدابر: المصارمة والهجران، مأخوذ ~~من أن يولي الرجل صاحبه دبره، ويعرض عنه بوجهه، وهو التقاطع. # وخرج مسلم من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تحاسدوا، ~~ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله» . ~~وخرجه أيضا بمعناه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وفي " الصحيحين " عن أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ~~يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان، فيصد هذا، ويصد هذا، وخيرهما ~~الذي يبدأ بالسلام» . # PageV02P268 # وخرج أبو داود من حديث أبي خراش السلمي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «من هجر أخاه سنة، فهو كسفك دمه» . # وكل هذا في التقاطع للأمور الدنيوية، فأما لأجل الدين فتجوز الزيادة على ~~الثلاث، نص عليه الإمام أحمد، واستدل بقصة الثلاثة الذين خلفوا وأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بهجرانهم لما خاف منهم النفاق، وأباح هجران أهل البدع ~~المغلظة والدعاة إلى الأهواء، وذكر الخطابي أن هجران الوالد لولده، والزوج ~~لزوجته، وما كان في معنى ذلك تأديبا تجوز الزيادة فيه على الثلاث، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم هجر نساءه شهرا. # واختلفوا: هل ينقطع الهجران بالسلام؟ فقالت طائفة: ينقطع بذلك، وروي عن ~~الحسن ومالك في رواية وهب، وقاله طائفة من أصحابنا، وخرج أبو داود من حديث ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا ms459 ~~فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام فقد ~~اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم، وخرج المسلم من الهجرة» ~~. # ولكن هذا فيما إذا امتنع الآخر من الرد عليه، فأما مع الرد إذا كان ~~بينهما قبل الهجر مودة، ولم يعودوا إليها، ففيه نظر. وقد قال أحمد في رواية ~~الأثرم، وسئل عن السلام: يقطع الهجران؟ فقال: قد يسلم عليه وقد صد عنه، ثم ~~قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا» ، ~~فإذا كان قد عوده # PageV02P269 # أي أن يكلمه أو يصافحه. وكذلك روي عن مالك أنه قال لا تنقطع الهجرة بدون ~~العودة إلى المودة. # وفرق بعضهم بين الأقارب والأجانب، فقال في الأجانب: يزول الهجرة بينهم ~~بمجرد السلام، بخلاف الأقارب، وإنما قال هذا لوجوب صلة الرحم. # قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يبع بعضكم على بيع بعض» قد تكاثر النهي عن ~~ذلك ففي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ~~يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه» . وفي رواية لمسلم: «لا ~~يسم المسلم على سوم المسلم، ولا يخطب على خطبته» . وخرجاه من حديث ابن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب ~~على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له» . ولفظه لمسلم. # وخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على ~~خطبة أخيه، حتى يذر» . # وهذا يدل على أن هذا حق للمسلم على المسلم، فلا يساويه الكافر في ذلك، بل ~~يجوز للمسلم أن يبتاع على بيع الكافر، ويخطب على خطبته، وهو قول الأوزاعي ~~وأحمد، كما لا يثبت للكافر على المسلم حق الشفعة عنده، وكثير من الفقهاء ~~ذهبوا إلى أن النهي عام في حق المسلم والكافر. # PageV02P270 # واختلفوا: هل النهي للتحريم أو التنزيه، فمن أصحابنا من قال: هو ms460 للتنزيه ~~دون التحريم، والصحيح الذي عليه جمهور العلماء: أنه للتحريم. # واختلفوا: هل يصح البيع على بيع أخيه، والنكاح على خطبته؟ فقال أبو حنيفة ~~والشافعي وأكثر أصحابنا: يصح، وقال مالك في النكاح: إنه إن لم يدخل بها، ~~فرق بينهما، وإن دخل بها لا يفرق. وقال أبو بكر من أصحابنا في البيع ~~والنكاح: إنه باطل بكل حال، وحكاه عن أحمد. # ومعنى البيع على بيع أخيه: أن يكون قد باع منه شيئا، فيبذل للمشتري سلعته ~~ليشتريها، ويفسخ بيع الأول. وهل يختص ذلك بما إذا كان البذل في مدة الخيار، ~~بحيث يتمكن المشتري من الفسخ فيه، أم هو عام في مدة الخيار وبعدها؟ فيه ~~اختلاف بين العلماء، وقد حكاه الإمام أحمد في رواية حرب، ومال إلى القول ~~بأنه عام في الحالين، وهو قول طائفة من أصحابنا. ومنهم من خصه بما إذا كان ~~في مدة الخيار، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن مشيش ومنصوص الشافعي، ~~والأول أظهر، لأن المشتري وإن لم يتمكن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة ~~الخيار فإنه إذا رغب في رد السلعة الأولى على بائعها، فإنه يتسبب إلى ردها ~~عليه بأنواع من الطرق المقتضية لضرره، ولو بإلحاح عليه في المسألة، وما أدى ~~إلى ضرر المسلم، كان محرما والله أعلم. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «وكونوا عباد الله إخوانا» : هذا ذكره النبي ~~صلى الله عليه وسلم كالتعليل لما تقدم، وفيه إشارة إلى أنهم إذا تركوا ~~التحاسد، والتناجش، والتباغض، والتدابر، وبيع بعضهم على بعض، كانوا إخوانا. # وفيه أمر باكتساب ما يصير المسلمون به إخوانا على الإطلاق، وذلك يدخل فيه ~~أداء حقوق المسلم على المسلم من رد السلام، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، ~~وتشييع الجنازة، وإجابة الدعوة، والابتداء بالسلام عند اللقاء، والنصح ~~بالغيب. # PageV02P271 # وفي " الترمذي " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«تهادوا، فإن الهدية تذهب وحر الصدر» وخرجه غيره، ولفظه: «تهادوا تحابوا» . # وفي " مسند البزار " عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «تهادوا، ~~فإن الهدية تسل السخيمة» . # ويروى عن ms461 عمر بن عبد العزيز - يرفع الحديث - قال: «تصافحوا، فإنه يذهب ~~الشحناء، وتهادوا» . # وقال الحسن: المصافحة تزيد في الود. # وقال مجاهد: بلغني أنه إذا تراءى المتحابان، فضحك أحدهما إلى الآخر، ~~وتصافحا تحاتت خطاياهما كما يتحات الورق من الشجر، فقيل له: إن هذا ليسير ~~من العمل، قال: تقول يسير والله يقول: {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت ~~بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} [الأنفال: 63] ؟ [الأنفال: ~~63] . # PageV02P272 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا ~~يكذبه، ولا يحقره» . هذا مأخوذ من قوله عز وجل: {إنما المؤمنون إخوة ~~فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] [الحجرات: 10] ، فإذا كان المؤمنون ~~إخوة، أمروا فيما بينهما بما يوجب تآلف القلوب واجتماعها، ونهوا عما يوجب ~~تنافر القلوب واختلافها، وهذا من ذلك. # وأيضا فإن الأخ من شأنه أن يوصل لأخيه النفع، ويكف عنه الضرر، ومن أعظم ~~الضر الذي يجب كفه عن الأخ المسلم الظلم، وهذا لا يختص بالمسلم، بل هو محرم ~~في حق كل أحد، وقد سبق الكلام على الظلم مستوفى عند ذكر حديث أبي ذر ~~الإلهي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا ~~تظالموا» . # ومن ذلك: خذلان المسلم لأخيه، فإن المؤمن مأمور أن ينصر أخاه، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما قال: يا رسول الله، ~~أنصره مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال: تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه» . ~~خرجه البخاري بمعناه من حديث أنس، وخرجه مسلم بمعناه من حديث جابر. # PageV02P273 # وخرج أبو داود من حديث أبي طلحة الأنصاري وجابر بن عبد الله، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك ~~فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما ~~من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه حرمته، إلا نصره ~~الله في موضع يحب فيه نصرته» . # وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة بن ms462 سهل، عن أبيه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «من أذل عنده مؤمن، فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصره، أذله ~~الله على رءوس الخلائق يوم القيامة» . # وخرج البزار من حديث عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«من نصر أخاه بالغيب وهو يستطيع نصره، نصره الله في الدنيا والآخرة» . # PageV02P274 # ومن ذلك: كذب المسلم لأخيه، فلا يحل له أن يحدثه فيكذبه، بل لا يحدثه إلا ~~صدقا، وفي " مسند " الإمام أحمد عن النواس بن سمعان، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق وأنت به كاذب» ~~. # ومن ذلك: احتقار المسلم لأخيه المسلم، وهو ناشئ عن الكبر، كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «الكبر بطر الحق وغمط الناس» خرجه مسلم من حديث ابن ~~مسعود، وخرجه الإمام أحمد، وفي رواية له: «الكبر سفه الحق وازدراء الناس» ، ~~وفي رواية: «وغمص الناس» وفي رواية زيادة: «فلا يراهم شيئا» وغمص الناس: ~~الطعن عليهم وازدراؤهم، قال الله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم ~~من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن} ~~[الحجرات: 11] [الحجرات: 11] ، فالمتكبر ينظر إلى نفسه بعين الكمال، وإلى ~~غيره بعين النقص، فيحتقرهم ويزدريهم، ولا يراهم أهلا لأن يقوم بحقوقهم، ولا ~~أن يقبل من أحد منهم الحق إذا أورده عليه. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا يشير إلى صدره ثلاث مرات» : فيه ~~إشارة إلى أن كرم الخلق عند الله بالتقوى، فرب من يحقره الناس لضعفه، وقلة ~~حظه من الدنيا، وهو أعظم قدرا عند الله تعالى ممن له قدر في الدنيا، فإنما ~~الناس يتفاوتون بحسب التقوى، كما قال الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم} [الحجرات: 13] # PageV02P275 # [الحجرات 13] ، «وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: من أكرم الناس؟ قال: ~~أتقاهم لله عز وجل» . وفي حديث آخر: «الكرم التقوى» ، والتقوى أصلها في ~~القلب، كما قال تعالى: {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: ~~32] [الحج: ms463 32] . وقد سبق ذكر هذا المعنى في الكلام على حديث أبي ذر الإلهي ~~عند قوله: «لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ~~منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا» . # وإذا كان أصل التقوى في القلوب، فلا يطلع أحد على حقيقتها إلا الله عز ~~وجل، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ~~ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» وحينئذ فقد يكون كثير ممن له صورة حسنة، أو ~~مال، أو جاه، أو رياسة في الدنيا قلبه خرابا من التقوى، ويكون من ليس له ~~شيء من ذلك قلبه مملوءا من التقوى، فيكون أكرم عند الله تعالى، بل ذلك هو ~~الأكثر وقوعا، كما في " الصحيحين " عن حارثة بن وهب، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة: كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله ~~لأبره، ألا أخبركم بأهل النار: كل عتل جواظ مستكبر» . # PageV02P276 # وفي " المسند " عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أما أهل ~~الجنة، فكل ضعيف متضعف، أشعث، ذو طمرين، لو أقسم على الله لأبره؛ وأما أهل ~~النار، فكل جعظري جواظ جماع، مناع، ذي تبع» . # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت ~~الجنة: لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، فقال الله تعالى للجنة: أنت ~~رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي، أعذب بك من أشاء ~~من عبادي» . # وخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب، يدخلني الجبابرة والمتكبرون ~~والملوك والأشراف، وقالت الجنة يا رب، يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين» ~~وذكر الحديث. # PageV02P277 # وفي " صحيح البخاري " عن سهل بن سعد، قال: «مر رجل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال لرجل عنده جالس: " ما رأيك في هذا؟ " فقال رجل من ~~أشراف الناس: هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن ms464 شفع أن يشفع، وإن قال أن ~~يسمع لقوله، قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مر رجل آخر، فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا؟ قال: يا رسول الله، هذا رجل ~~من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن ~~قال لا يسمع لقوله، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض ~~مثل هذا» . # وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: {إذا وقعت الواقعة - ليس لوقعتها ~~كاذبة - خافضة رافعة} [الواقعة: 1 - 3] [الواقعة: 1 - 3] ، قال: تخفض رجالا ~~كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالا كانوا في الدنيا مخفوضين. # قوله صلى الله عليه وسلم: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» ، ~~يعني: يكفيه من الشر احتقار أخيه المسلم، فإنه إنما يحتقر أخاه المسلم ~~لتكبره عليه، والكبر من أعظم خصال الشر، وفي " صحيح مسلم " عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر» . # وفيه أيضا عنه أنه قال: «العز إزاره والكبر رداؤه، فمن نازعني عذبته» # PageV02P278 # فمنازعة الله في صفاته التي لا تليق بالمخلوق، كفى بها شرا. # وفي " صحيح ابن حبان " عن فضالة بن عبيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «ثلاثة لا يسأل عنهم: رجل ينازع الله إزاره، ورجل ينازع الله رداءه، ~~فإن رداءه الكبرياء، وإزاره العز، ورجل في شك من أمر الله تعالى والقنوط من ~~رحمة الله» . # وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من ~~قال: هلك الناس، فهو أهلكهم» قال مالك: إذا قال ذلك تحزنا لما يرى في ~~الناس، يعني في دينهم فلا أرى به بأسا، وإذا قال ذلك عجبا بنفسه، وتصاغرا ~~للناس، فهو المكروه الذي نهي عنه. ذكره أبو داود في " سننه ". # قوله صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام» : دمه وماله وعرضه ~~هذا مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب به في المجامع ms465 العظيمة، فإنه ~~خطب به في حجة الوداع يوم النحر، ويوم عرفة، واليوم الثاني من أيام ~~التشريق، وقال: «إن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، ~~في شهركم هذا، في # PageV02P279 # بلدكم هذا» . وفي رواية للبخاري وغيره: وأبشاركم. # وفي رواية: «فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه، فقال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل ~~بلغت؟» . # وفي رواية: ثم قال: «ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب» . # وفي رواية للبخاري: «فإن الله حرم عليكم دماءكم أموالكم وأعراضكم إلا ~~بحقها» . # وفي رواية: «دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، مثل هذا اليوم، وهذا ~~البلد إلى يوم القيامة، حتى دفعة يدفعها مسلم مسلما يريد بها سوءا حرام» . # وفي رواية قال: «المؤمن حرام على المؤمن، كحرمة هذا اليوم لحمه عليه حرام ~~أن يأكله ويغتابه بالغيب، وعرضه عليه حرام أن يخرقه، ووجهه عليه حرام أن ~~يلطمه، ودمه عليه حرام أن يسفكه، وحرام عليه أن يدفعه دفعة تعنته» . # PageV02P280 # وفي " سنن أبي داود " «عن بعض الصحابة أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه، فأخذها ففزع، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل لمسلم أن يروع مسلما» . # وخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن السائب بن يزيد، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعبا جادا، فمن أخذ عصا أخيه، فليردها ~~إليه» . قال ابن أبي عبيد يعني أن يأخذ متاعه لا يريد سرقته، إنما يريد ~~إدخال الغيظ عليه، فهو لاعب في مذهب السرقة، جاد في إدخال الأذى والروع ~~عليه. # وفي " الصحيحين " عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ~~كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يحزنه» ولفظه لمسلم. # وخرج الطبراني من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ~~يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يؤذي المؤمن، والله يكره أذى المؤمن» . # وخرج الإمام أحمد من حديث ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ~~تؤذوا عباد الله، ولا تعيروهم، ولا تطلبوا ms466 عوارتهم، فإن من طلب عورة أخيه ~~المسلم، # PageV02P281 # طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته» . # وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة أن «النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ~~الغيبة، فقال: ذكرك أخاك بما يكره، قال: أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ فقال: ~~إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» . # فتضمنت هذه النصوص كلها أن المسلم لا يحل إيصال الأذى إليه بوجه من ~~الوجوه من قول أو فعل بغير حق، وقد قال الله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} [الأحزاب: 58] ~~[الأحزاب: 58] . # وإنما جعل الله المؤمنين إخوة ليتعاطفوا ويتراحموا، وفي " الصحيحين " عن ~~النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «مثل المؤمنين في ~~توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر ~~الجسد بالحمى والسهر» . # PageV02P282 # وفي رواية لمسلم: «المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسه تداعى له سائر ~~الجسد بالحمى والسهر» . # وفي رواية له أيضا: «المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه، اشتكى كله، وإن ~~اشتكى رأسه، اشتكى كله» . # وفيهما عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «المؤمن للمؤمن ~~كالبنيان، يشد بعضه بعضا» . # وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«المؤمن مرآة المؤمن، المؤمن أخو المؤمن، يكف عنه ضيعته، ويحوطه من ورائه» ~~. وخرجه الترمذي، ولفظه: «إن أحدكم مرآة أخيه، فمن رأى به أذى، فليمطه عنه» ~~. # قال رجل لعمر بن عبد العزيز: اجعل كبير المسلمين عندك أبا، وصغيرهم ابنا، ~~وأوسطهم أخا، فأي أولئك تحب أن تسيء إليه؟ ومن كلام يحيى بن معاذ الرازي: ~~ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، ~~وإن لم تمدحه فلا تذمه. # PageV02P283 ### | [الحديث السادس والثلاثون من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا] # PageV02P283 # الحديث السادس والثلاثون. # عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «من ~~نفس ms467 عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ~~ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما، ستره ~~الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه، ~~ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما جلس ~~قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت ~~عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ~~ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه» رواه مسلم. #  هذا الحديث خرجه مسلم من رواية ~~الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، واعترض عليه غير واحد من الحفاظ في ~~تخريجه، منهم الفضل الهروي والدارقطني، فإن أسباط بن محمد رواه عن الأعمش؛ ~~قال: حدثت عن أبي صالح، فتبين أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح ولم يذكر من ~~حدثه به عنه، ورجح الترمذي وغيره هذه الرواية، وزاد بعض أصحاب الأعمش في # PageV02P284 # متن الحديث: «ومن أقال مسلما أقال الله عثرته يوم القيامة» . # وخرجا في " الصحيحين " من حديث ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه، كان ~~الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ~~ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» . # وخرج الطبراني من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«من نفس عن مؤمن كربة من كربه، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ~~ستر على مؤمن عورته، ستر الله عورته، ومن فرج عن مؤمن كربة، فرج الله عنه ~~كربته» . # وخرج الإمام أحمد من حديث مسلمة بن مخلد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «من ستر مسلما في الدنيا، ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن نجى ~~مكروبا، فك الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه، كان ms468 ~~الله في حاجته» . # فقوله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله ~~عنه كربة من كرب يوم القيامة» هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد ~~تكاثرت النصوص بهذا المعنى، كقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما يرحم الله من ~~عباده الرحماء» ، # PageV02P285 # وقوله: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا» . # والكربة: هي الشدة العظيمة التي توقع صاحبها في الكرب، وتنفيسها أن يخفف ~~عنه منها، مأخوذ من تنفيس الخناق، كأنه يرخى له الخناق حتى يأخذ نفسا، ~~والتفريج أعظم من ذلك، وهو أن يزيل عنه الكربة، فتفرج عنه كربته، ويزول همه ~~وغمه، فجزاء التنفيس التنفيس، وجزاء التفريج التفريج، كما في حديث ابن عمر، ~~وقد جمع بينهما في حديث كعب بن عجرة. # وخرج الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: «أيما مؤمن أطعم مؤمنا على ~~جوع، أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة، وأيما مؤمن سقى مؤمنا على ظمإ، ~~سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن كسا مؤمنا على عري، ~~كساه الله من خضر الجنة» . وخرجه الإمام أحمد بالشك في رفعه، وقيل: إن ~~الصحيح وقفه. # PageV02P286 # وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال: يحشر الناس يوم القيامة ~~أعرى ما كانوا قط، وأجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا ~~قط، فمن كسا لله عز وجل كساه الله، ومن أطعم لله عز وجل أطعمه الله، ومن ~~سقى لله عز وجل سقاه الله، ومن عفا لله عز وجل أعفاه الله. # وخرج البيهقي من حديث أنس مرفوعا: «أن رجلا من أهل الجنة يشرف يوم ~~القيامة على أهل النار، فيناديه رجل من أهل النار: يا فلان، هل تعرفني؟ ~~فيقول: لا والله ما أعرفك، من أنت؟ فيقول: أنا الذي مررت بي في دار الدنيا، ~~فاستسقيتني شربة من ماء، فسقيتك، قال: قد عرفت، قال: فاشفع لي بها عند ربك، ~~قال: فيسأل الله عز وجل، ويقول: شفعني فيه، فيأمر به، فيخرجه من النار» . # وقوله: «كربة من كرب ms469 يوم القيامة» ، ولم يقل: من كرب الدنيا والآخرة كما ~~قيل في التيسير والستر، وقد قيل في مناسبة ذلك: إن الكرب هي الشدائد ~~العظيمة، وليس كل أحد يحصل له ذلك في الدنيا، بخلاف الإعسار والعورات ~~المحتاجة إلى الستر، فإن أحدا لا يكاد يخلو في الدنيا من ذلك، ولو بتعسر ~~الحاجات المهمة. وقيل: لأن كرب الدنيا بالنسبة إلى كرب الآخرة كلا شيء، ~~فادخر الله جزاء تنفيس الكرب عنده، لينفس به كرب الآخرة، ويدل على ذلك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ~~فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس منهم، فيبلغ الناس من الغم # PageV02P287 # والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس بعضهم لبعض: ألا ترون ما ~~بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربكم؟» ، وذكر حديث الشفاعة، خرجاه ~~بمعناه من حديث أبي هريرة. # وخرجا من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «تحشرون حفاة ~~عراة غرلا، قالت: فقلت: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ ~~قال: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك» . # وخرجا من حديث ابن عمر «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {يوم يقوم ~~الناس لرب العالمين} [المطففين: 6] [المطففين: 6] ، قال: يقوم أحدهم في ~~الرشح إلى أنصاف أذنيه» . # وخرجا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يعرق الناس ~~يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا، ويلجمهم حتى يبلغ ~~آذانهم» ولفظه للبخاري، ولفظ مسلم: «إن العرق ليذهب في الأرض سبعين باعا، ~~وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو إلى آذانهم» . # وخرج مسلم من حديث المقداد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «تدنو ~~الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين، فتصهرهم الشمس، فيكونون في # PageV02P288 # العرق قدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ~~ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاما» . # وقال ابن مسعود: الأرض كلها يوم القيامة نار، والجنة من ورائها ترى ~~أكوابها وكواعبها، فيعرق الرجل حتى يرشح ms470 عرقه في الأرض قدر قامة، ثم يرتفع ~~حتى يبلغ أنفه، وما مسه الحساب، قال: فمم ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما ~~يرى الناس يصنع بهم. # وقال أبو موسى: الشمس فوق رءوس الناس يوم القيامة، وأعمالهم تظلهم أو ~~تضحيهم. # وفي " المسند " من حديث عقبة بن عامر مرفوعا: «كل امرئ في ظل صدقته حتى ~~يفصل بين الناس» . # قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا ~~والآخرة» . وهذا أيضا يدل على أن الإعسار قد يحصل في الآخرة، وقد وصف الله ~~يوم القيامة بأنه عسير وأنه على الكافرين غير يسير، فدل على أنه يسير على ~~غيرهم، وقال: {وكان يوما على الكافرين عسيرا} [الفرقان: 26] [الفرقان: 26] ~~. # والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين: إما ~~بإنظاره إلى الميسرة، وذلك واجب، كما قال تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة ~~إلى ميسرة} [البقرة: 280] [البقرة: 280] ، وتارة بالوضع عنه إن كان غريما، ~~وإلا فبإعطائه ما يزول به إعساره، وكلاهما له فضل عظيم. # PageV02P289 # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «كان ~~تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرا قال لصبيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن ~~يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه» . # وفيهما عن حذيفة وأبي مسعود الأنصاري سمعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «مات رجل فقيل له، فقال: كنت أبايع الناس، فأتجاوز عن الموسر، وأخفف ~~عن المعسر وفي رواية قال: كنت أنظر المعسر، وأتجوز في السكة، أو قال: في ~~النقد، فغفر له» . وخرجه مسلم من حديث أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وفي حديثه: فقال الله: «نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه» . # وخرج أيضا من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من سره ~~أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر، أو يضع عنه» . # وخرج أيضا من حديث أبي اليسر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من ~~أنظر معسرا، أو وضع عنه، أظله الله في ظله يوم لا ms471 ظل إلا ظله» . # وفي " المسند " عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من أراد ~~أن تستجاب # PageV02P290 # دعوته، أو تكشف كربته، فليفرج عن معسر» . # وقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة» ~~. هذا مما تكاثرت النصوص بمعناه. وخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «من ستر عورة أخيه المسلم، ستر الله عورته يوم ~~القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته» ~~. # وخرج الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «من ستر مؤمنا في الدنيا على عورة، ستره الله عز وجل يوم القيامة» . # وقد روي عن بعض السلف أنه قال: أدركت قوما لم يكن لهم عيوب، فذكروا عيوب ~~الناس، فذكر الناس لهم عيوبا، وأدركت أقواما كانت لهم عيوب، فكفوا عن عيوب ~~الناس، فنسيت عيوبهم أو كما قال. # وشاهد هذا حديث أبي برزة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «يا ~~معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا ~~تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله ~~عورته يفضحه في بيته» . # PageV02P291 # خرجه الإمام أحمد وأبو داود، وخرج الترمذي معناه من حديث ابن عمر. # واعلم أن الناس على ضربين: أحدهما: من كان مستورا لا يعرف بشيء من ~~المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة، أو زلة، فإنه لا يجوز كشفها، ولا هتكها، ولا ~~التحدث بها، لأن ذلك غيبة محرمة، وهذا هو الذي وردت فيه النصوص، وفي ذلك قد ~~قال الله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب ~~أليم في الدنيا والآخرة} [النور: 19] [النور: 19] . والمراد: إشاعة الفاحشة ~~على المؤمن المستتر فيما وقع منه، أو اتهم به وهو بريء منه، كما في قصة ~~الإفك. قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أن تستر ~~العصاة، فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأولى الأمور ms472 ستر العيوب، ~~ومثل هذا لو جاء تائبا نادما وأقر بحد، ولم يفسره، لم يستفسر، بل يؤمر بأن ~~يرجع ويستر نفسه، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية، وكما ~~لم يستفسر الذي قال: " أصبت حدا، فأقمه علي ". ومثل هذا لو أخذ بجريمته، ~~ولم يبلغ الإمام، فإنه يشفع له حتى لا يبلغ الإمام. وفي مثله جاء الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» . خرجه أبو داود ~~والنسائي من حديث عائشة. # PageV02P292 # والثاني: من كان مشتهرا بالمعاصي، معلنا بها لا يبالي بما ارتكب منها، ~~ولا بما قيل له فهذا هو الفاجر المعلن، وليس له غيبة، كما نص على ذلك الحسن ~~البصري وغيره، ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره لتقام عليه الحدود. صرح بذلك ~~بعض أصحابنا، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «واغد يا أنيس على ~~امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها» . ومثل هذا لا يشفع له إذا أخذ، ولو لم ~~يبلغ السلطان، بل يترك حتى يقام عليه الحد لينكف شره، ويرتدع به أمثاله. ~~قال مالك: من لم يعرف منه أذى للناس، وإنما كانت منه زلة، فلا بأس أن يشفع ~~له ما لم يبلغ الإمام، وأما من عرف بشر أو فساد، فلا أحب أن يشفع له أحد، ~~ولكن يترك حتى يقام عليه الحد، حكاه ابن المنذر وغيره. # وكره الإمام أحمد رفع الفساق إلى السلطان بكل حال، وإنما كرهه لأنهم ~~غالبا لا يقيمون الحدود على وجهها، ولهذا قال: إن علمت أنه يقيم عليه الحد ~~فارفعه، ثم ذكر أنهم ضربوا رجلا فمات: يعني أنه لم يكن قتله جائزا. # ولو تاب أحد من الضرب الأول، كان الأفضل له أن يتوب فيما بينه وبين الله ~~تعالى، ويستر على نفسه. # وأما الضرب الثاني، فقيل: إنه كذلك، وقيل: بل الأولى له أن يأتي الإمام، ~~ويقر على نفسه بما يوجب الحد حتى يطهره. # قوله: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» وفي حديث ابن عمر: ~~«ومن كان في حاجة أخيه، كان الله ms473 في حاجته» . وقد سبق في شرح الحديث الخامس ~~والعشرين والسادس والعشرين فضل قضاء الحوائج والسعي # PageV02P293 # فيها. وخرج الطبراني من حديث عمر مرفوعا: «أفضل الأعمال إدخال السرور على ~~المؤمن: كسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت له حاجة» . # وبعث الحسن البصري قوما من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال لهم: مروا ~~بثابت البناني، فخذوه معكم، فأتوا ثابتا، فقال: أنا معتكف، فرجعوا إلى ~~الحسن فأخبروه، فقال: قولوا له: يا أعمش أما تعلم أن مشيك في حاجة أخيك ~~المسلم خير لك من حجة بعد حجة؟ فرجعوا إلى ثابت، فترك اعتكافه، وذهب معهم. # وخرج الإمام أحمد من حديث ابنة لخباب بن الأرت، قالت: «خرج خباب في سرية، ~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاهدنا حتى يحلب عنزة لنا في جفنة لنا، ~~فتمتلئ حتى تفيض، فلما قدم خباب حلبها، فعاد حلابها إلى ما كان» . # PageV02P294 # وكان أبو بكر الصديق يحلب للحي أغنامهم، فلما استخلف، قالت جارية منهم: ~~الآن لا يحلبها، فقال أبو بكر: بلى وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن ~~شيء كنت أفعله، أو كما قال. # وإنما كانوا يقومون بالحلاب، لأن العرب كانت لا تحلب النساء منهم، وكانوا ~~يستقبحون ذلك، فكان الرجال إذا غابوا، احتاج النساء إلى من يحلب لهن. وقد ~~روي «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لقوم: لا تسقوني حلب امرأة» . # وكان عمر يتعاهد الأرامل يستقي لهن الماء بالليل، ورآه طلحة بالليل يدخل ~~بيت امرأة، فدخل إليها طلحة نهارا، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة، فسألها: ما ~~يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت: هذا مذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني، ~~ويخرج عني الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمك طلحة، عثرات عمر تتبع؟ ! # وكان أبو وائل يطوف على نساء الحي وعجائزهم كل يوم، فيشتري لهن حوائجهن ~~وما يصلحهن. # وقال مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه، فكان يخدمني. # وكان كثير من الصالحين يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم. # PageV02P295 # وصحب رجل قوما في الجهاد، فاشترط عليهم أن يخدمهم، وكان إذا أراد أحد ms474 ~~منهم أن يغسل رأسه أو ثوبه، قال: هذا من شرطي، فيفعله، فمات فجردوه للغسل، ~~فرأوا على يده مكتوبا: من أهل الجنة، فنظروا، فإذا هي كتابة بين الجلد ~~واللحم. # وفي " الصحيحين " «عن أنس، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~السفر، فمنا الصائم، ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلا في يوم حار، أكثرنا ~~ظلا صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوام وقام ~~المفطرون، وضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ذهب المفطرون اليوم بالأجر» . # ويروى عن رجل من أسلم «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بطعام في بعض ~~أسفاره، فأكل منه وأكل أصحابه، وقبض الأسلمي يده، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما لك؟ فقال: إني صائم، قال: فما حملك على ذلك؟ قال: معي ~~ابناي يرحلان لي ويخدماني، فقال: ما زال لهم الفضل عليك بعد» . # وفي " مراسيل أبي داود " عن أبي قلابة أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قدموا يثنون على صاحب لهم خيرا، قالوا: ما رأينا مثل فلان ~~قط، ما كان في مسير إلا كان في قراءة، ولا نزلنا منزلا إلا كان في صلاة، ~~قال: فمن كان يكفيه ضيعته؟ حتى ذكر: من كان يعلف جمله أو دابته؟ قالوا: ~~نحن، قال: فكلكم خير منه. # قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به ~~طريقا إلى # PageV02P296 # الجنة» ، وقد روى هذا المعنى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وسلوك الطريق لالتماس العلم يدخل فيه سلوك الطريق الحقيقي، وهو المشي ~~بالأقدام إلى مجالس العلماء، ويدخل فيه سلوك الطرق المعنوية المؤدية إلى ~~حصول العلم، مثل حفظه، ودارسته، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته، والتفهم له، ~~ونحو ذلك من الطرق المعنوية التي يتوصل بها إلى العلم. # وقوله: «سهل الله له به طريقا إلى الجنة» قد يراد بذلك أن الله يسهل له ~~العلم الذي طلبه، وسلك طريقه، وييسره عليه، فإن العلم طريق موصل إلى الجنة، ~~وهذا كقوله ms475 تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} [القمر: 17] ~~[القمر: 17] . قال بعض السلف: هل من طالب علم فيعان عليه؟ . # وقد يراد أيضا: أن الله ييسر لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله ~~الانتفاع به والعمل بمقتضاه، فيكون سببا لهدايته ولدخول الجنة بذلك. # وقد ييسر الله لطالب العلم علوما أخر ينتفع بها، وتكون موصلة له إلى ~~الجنة، كما قيل: من عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم، وكما قيل: ~~ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وقد دل على ذلك قوله تعالى: {ويزيد الله الذين ~~اهتدوا هدى} [مريم: 76] [مريم: 76] ، وقوله: {والذين اهتدوا زادهم هدى ~~وآتاهم تقواهم} [محمد: 17] [محمد: 17] . # وقد يدخل في ذلك أيضا تسهيل طريق الجنة الحسي يوم القيامة - وهو الصراط - ~~وما قبله وما بعده من الأهوال، فييسر ذلك على طالب العلم للانتفاع # PageV02P297 # به، فإن العلم يدل على الله من أقرب الطريق إليه، فمن سلك طريقه، ولم ~~يعرج عنه، وصل إلى الله وإلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها فسهلت عليه الطرق ~~الموصلة إلى الجنة كلها في الدنيا والآخرة، فلا طريق إلى معرفة الله وإلى ~~الوصول إلى رضوانه والفوز بقربه ومجاورته في الآخرة إلا بالعلم النافع الذي ~~بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، فهو الدليل عليه، وبه يهتدى في ظلمات ~~الجهل والشبه والشكوك، ولهذا سمى الله كتابه نورا؛ لأنه يهتدى به في ~~الظلمات. وقال الله تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين - يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم} [المائدة: 15 - 16] [المائدة: 15 - 16] . # ومثل النبي صلى الله عليه وسلم حملة العلم الذي جاء به بالنجوم التي ~~يهتدى بها في الظلمات، ففي " المسند " عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، يهتدى بها في ظلمات ~~البر والبحر، فإذا انطمست النجوم، أوشك أن تضل الهداة» . # وما دام العلم باقيا في الأرض، فالناس في هدى، وبقاء العلم بقاء حملته، ~~فإذا ذهب حملته ومن ms476 يقوم به، وقع الناس في الضلال، كما في " الصحيحين " عن ~~عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله لا يقبض ~~العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبق ~~عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» . # «وذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوما رفع العلم، فقيل له: كيف يذهب العلم ~~وقد قرأنا القرآن، وأقرأناه نساءنا وأبناءنا؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؟» فسئل ~~عبادة بن الصامت عن هذا # PageV02P298 # الحديث، فقال: لو شئت لأخبرتك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، وإنما قال ~~عبادة هذا لأن العلم قسمان: أحدهما: ما كان ثمرته في قلب الإنسان، وهو ~~العلم بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله المقتضية لخشيته، ومهابته، ~~وإجلاله، والخضوع له، ومحبته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، ونحو ذلك، ~~فهذا هو العلم النافع، كما قال ابن مسعود: إن أقواما يقرءون القرآن لا ~~يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فرسخ فيه نفع. # وقال الحسن: العلم علمان: علم على اللسان، فذاك حجة الله على ابن آدم، ~~وعلم في القلب، فذاك العلم النافع. # والقسم الثاني: العلم الذي على اللسان، وهو حجة الله كما في الحديث: ~~«القرآن حجة لك أو عليك» ، فأول ما يرفع من العلم: العلم النافع، وهو العلم ~~الباطن الذي يخالط القلوب ويصلحها، ويبقى علم اللسان حجة، فيتهاون الناس ~~به، ولا يعملون بمقتضاه، لا حملته ولا غيرهم، ثم يذهب هذا العلم # PageV02P299 # بذهاب حملته، فلا يبقى إلا القرآن في المصاحف، وليس ثم من يعلم معانيه، ~~ولا حدوده، ولا أحكامه، ثم يسرى به في آخر الزمان، فلا يبقى في المصاحف ولا ~~في القلوب منه شيء بالكلية، وبعد ذلك تقوم الساعة، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» ، وقال: «لا تقوم الساعة وفي ~~الأرض أحد يقول: الله الله» . # قوله صلى الله عليه وسلم: «وما جلس قوم في بيت من بيوت الله، يتلون ms477 كتاب ~~الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم ~~الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» . هذا يدل على استحباب الجلوس في المساجد ~~لتلاوة القرآن ومدارسته، وهذا إن حمل على تعلم القرآن وتعليمه، فلا خلاف في ~~استحبابه، وفي " صحيح البخاري " عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» . وقال أبو عبد الرحمن السلمي: فذاك ~~الذي أقعدني في مقعدي هذا، وكان قد علم القرآن في زمن عثمان بن عفان حتى ~~بلغ الحجاج بن يوسف. # PageV02P300 # وإن حمل على ما هو أعم من ذلك، دخل فيه الاجتماع في المسجد على دراسة ~~القرآن مطلقا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يأمر من يقرأ ~~القرآن ليسمع قراءته، كما كان ابن مسعود يقرأ عليه، وقال: «إني أحب أن ~~أسمعه من غيري» وكان عمر يأمر من يقرأ عليه وعلى أصحابه وهم يسمعون، فتارة ~~يأمر أبا موسى، وتارة يأمر عقبة بن عامر. # وسئل ابن عباس: أي العمل أفضل؟ قال ذكر الله، وما جلس قوم في بيت من بيوت ~~الله يتعاطون فيه كتاب الله فيما بينهم ويتدارسونه، إلا أظلتهم الملائكة ~~بأجنحتها، وكانوا أضياف الله ما داموا على ذلك حتى يفيضوا في حديث غيره. ~~وروي مرفوعا والموقوف أصح. # وروى يزيد الرقاشي عن أنس قال: كانوا إذا صلوا الغداة، قعدوا حلقا حلقا، ~~يقرءون القرآن، ويتعلمون الفرائض والسنن، ويذكرون الله عز وجل. # وروى عطية عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من ~~قوم صلوا صلاة الغداة، ثم قعدوا في مصلاهم، يتعاطون كتاب الله، ويتدارسونه، ~~إلا وكل بهم ملائكة يستغفرون لهم حتى يخوضوا في حديث غيره» وهذا يدل على ~~استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة لمدارسة القرآن، ولكن عطية فيه ضعف. # وقد روى حرب الكرماني بإسناده عن الأوزاعي أنه سئل عن الدراسة بعد صلاة ~~الصبح، فقال: أخبرني حسان بن عطية أن أول من أحدثها في مسجد دمشق هشام بن ~~إسماعيل المخزومي في خلافة عبد الملك بن مروان، فأخذ الناس بذلك. # PageV02P301 # وبإسناده ms478 عن سعيد بن عبد العزيز، وإبراهيم بن سليمان: أنهما كانا يدرسان ~~القرآن بعد صلاة الصبح ببيروت والأوزاعي في المسجد لا يغير عليهم. # وذكر حرب أنه رأى أهل دمشق وأهل حمص، وأهل مكة، وأهل البصرة، يجتمعون على ~~القرآن بعد صلاة الصبح، لكن أهل الشام يقرءون القرآن كلهم جملة من سورة ~~واحدة بأصوات عالية، وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون، فيقرأ أحدهم عشر آيات، ~~والناس ينصتون، ثم يقرأ آخر عشر آيات، حتى يفرغوا. قال حرب: وكل ذلك حسن ~~جميل. # وقد أنكر ذلك مالك على أهل الشام. قال زيد بن عبيد الدمشقي: قال لي مالك ~~بن أنس: بلغني أنكم تجلسون حلقا تقرءون، فأخبرته بما كان يفعل أصحابنا، ~~فقال مالك: عندنا كان المهاجرون والأنصار ما نعرف هذا، قال: فقلت: هذا ~~طريف؟ قال: وطريف رجل يقرأ ويجتمع الناس حوله، فقال: هذا عن غير رأينا. # قال أبو مصعب وإسحاق بن محمد الفروي: سمعنا مالك بن أنس يقول: الاجتماع ~~بكرة بعد صلاة الفجر لقراءة القرآن بدعة، ما كان أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا العلماء بعدهم على هذا، كانوا إذا صلوا يخلو كل بنفسه، ~~ويقرأ، ويذكر الله عز وجل، ثم ينصرفون من غير أن يكلم بعضهم بعضا، اشتغالا ~~بذكر الله، فهذه كلها محدثة. # وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لم تكن القراءة في المسجد من أمر الناس ~~القديم، وأول من أحدث ذلك في المسجد الحجاج بن يوسف، قال مالك: وأنا أكره ~~ذلك الذي يقرأ في المسجد في المصحف. وقد روى هذا كله أبو بكر النيسابوري في ~~" كتاب مناقب مالك رحمه الله ". # واستدل الأكثرون على استحباب الاجتماع لمدارسة القرآن في الجملة # PageV02P302 # بالأحاديث الدالة على استحباب الاجتماع للذكر، والقرآن أفضل أنواع الذكر، ~~ففي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لله ~~ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله ~~تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: ~~فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم ما يقول عبادي قالوا يقولون ms479 يسبحونك ويكبرونك ~~ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول هل رأوني، قال: فيقولون لا والله ما رأوك، ~~قال: فيقول وكيف لو رأوني، قال: يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك ~~تمجيدا وتحميدا وأكثر لك تسبيحا، قال: يقول فما يسألوني، قال: يسألونك ~~الجنة، قال: يقول وهل رأوها، قال: يقولون لا والله يا رب ما رأوها، قال: ~~يقول فكيف لو أنهم رأوها، قال: يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا ~~وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون، قال: يقولون من النار، ~~قال: يقول وهل رأوها، قال: يقولون لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول فكيف ~~لو رأوها، قال: يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة، قال: ~~فيقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس ~~منهم إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» # وفي " صحيح مسلم " عن معاوية «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على ~~حلقة من أصحابه، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله عز وجل، ونحمده ~~لما هدانا للإسلام ومن علينا به، فقال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: ~~آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم لتهمة لكم، إنه أتاني ~~جبريل، فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة.» # PageV02P303 # وخرج الحاكم من «حديث معاوية، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوما ~~فدخل المسجد، فإذا هو بقوم في المسجد قعود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~ما أقعدكم؟ فقالوا: صلينا الصلاة المكتوبة، ثم قعدنا نتذاكر الله عز وجل، ~~وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ~~إذا ذكر شيئا تعاظم ذكره» . # وفي المعنى أحاديث أخر متعددة. # وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن جزاء الذين يجلسون في بيت الله يتدارسون ~~كتاب الله أربعة أشياء: أحدها: تنزل السكينة عليهم، وفي " الصحيحين " عن ~~البراء بن عازب، قال: «كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس، فتغشته سحابة، ms480 ~~فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن» . # وفيهما أيضا عن أبي سعيد «أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده، ~~إذ جالت فرسه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضا، فقال أسيد: فخشيت ~~أن تطأ يحيى - يعني ابنه - قال: فقمت إليها، فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها ~~أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، قال: فغدا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فذكر ذلك له، فقال صلى الله عليه وسلم: تلك الملائكة كانت تستمع لك، ~~ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم» واللفظ لمسلم فيهما. # PageV02P304 # وروى ابن المبارك عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن سعد بن مسعود ~~«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مجلس، فرفع بصره إلى السماء، ثم ~~طأطأ بصره، ثم رفعه، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: إن ~~هؤلاء القوم كانوا يذكرون الله تعالى - يعني أهل مجلس أمامه - فنزلت عليهم ~~السكينة تحملها الملائكة كالقبة، فلما دنت منهم تكلم رجل منهم بباطل، فرفعت ~~عنهم» وهذا مرسل. # والثاني: غشيان الرحمة، قال الله تعالى: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} ~~[الأعراف: 56] [الأعراف: 56] . # وخرج الحاكم من حديث «سلمان أنه كان في عصابة يذكرون الله تعالى، فمر بهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما كنتم تقولون؟ فإني رأيت الرحمة ~~تنزل عليكم، فأردت أن أشارككم فيها» . # وخرج البزار من حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن لله ~~سيارة من الملائكة، يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم حفوا بهم، ثم بعثوا ~~رائدهم إلى السماء إلى رب العزة تبارك وتعالى فيقولون: ربنا أتينا على عباد ~~من عبادك # PageV02P305 # يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم، ~~فيقول الله تبارك وتعالى: غشوهم برحمتي، فيقولون: ربنا، إن فيهم فلانا ~~الخطاء، إنما اعتنقهم اعتناقا، فيقول تعالى: غشوهم برحمتي، [فهم الجلساء لا ms481 ~~يشقى بهم جليسهم] » . # والثالث: أن الملائكة تحف بهم، وهذا مذكور في الأحاديث التي ذكرناها، وفي ~~حديث أبي هريرة المتقدم: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا وفي رواية ~~للإمام أحمد: علا بعضهم على بعض حتى يبلغوا العرش. # وقال خالد بن معدان، يرفع الحديث: «إن لله ملائكة في الهواء، يسيحون بين ~~السماء والأرض، يلتمسون الذكر، فإذا سمعوا قوما يذكرون الله تعالى، قالوا: ~~رويدا زادكم الله، فينشرون أجنحتهم حولهم حتى يصعد كلامهم إلى العرش» . ~~خرجه الخلال في كتاب " السنة ". # والرابع: أن الله يذكرهم فيمن عنده، وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، ~~وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ~~ذكرته في ملأ خير منهم» . # وهذه الخصال الأربع لكل مجتمعين على ذكر الله تعالى، كما في " صحيح مسلم ~~" عن أبي هريرة وأبي سعيد، كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن ~~لأهل ذكر # PageV02P306 # الله تعالى أربعا: تنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتحف بهم ~~الملائكة، ويذكرهم الرب فيمن عنده» . وقد قال الله تعالى: {فاذكروني ~~أذكركم} [البقرة: 152] [البقرة: 152] وذكر الله لعبده: هو ثناؤه عليه في ~~الملأ الأعلى بين ملائكته ومباهاته به وتنويهه بذكره. قال الربيع بن أنس: ~~إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره، قال تعالى: {ياأيها ~~الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا - وسبحوه بكرة وأصيلا - هو الذي يصلي ~~عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الأحزاب: 41 - 43] ~~[الأحزاب: 41 - 43] ، وصلاة الله على عبده: هي ثناؤه عليه بين ملائكته، ~~وتنويهه بذكره، كذا قال أبو العالية، ذكره البخاري في " صحيحه "، وقال رجل ~~لأبي أمامة: رأيت في المنام كأن الملائكة تصلي عليك، كلما دخلت، وكلما ~~خرجت، وكلما قمت، وكلما جلست، فقال أبو أمامة: وأنتم لو شئتم، صلت عليكم ~~الملائكة، ثم قرأ: {ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا - وسبحوه ~~بكرة وأصيلا - هو الذي يصلي عليكم وملائكته} [الأحزاب: 41 - 43] خرجه ~~الحاكم. # PageV02P307 # قوله صلى ms482 الله عليه وسلم: «ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه» : معناه أن ~~العمل هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة، كما قال تعالى: {ولكل درجات مما ~~عملوا} [الأنعام: 132] [الأنعام: 132] ، فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به ~~المنازل العالية عند الله تعالى، لم يسرع به نسبه، فيبلغه تلك الدرجات، فإن ~~الله تعالى رتب الجزاء على الأعمال، لا على الأنساب، كما قال تعالى: {فإذا ~~نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101] ~~[المؤمنون: 101] ، وقد أمر الله تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته ~~بالأعمال، كما قال: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ~~أعدت للمتقين - الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ} [آل ~~عمران: 133 - 134] [آل عمران: 133 - 134] الآيتين، وقال: {إن الذين هم من ~~خشية ربهم مشفقون - والذين هم بآيات ربهم يؤمنون - والذين هم بربهم لا ~~يشركون - والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون - أولئك ~~يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} [المؤمنون: 57 - 61] [المؤمنون: 57 - ~~61] . # قال ابن مسعود: يأمر الله بالصراط، فيضرب على جهنم، فيمر الناس على قدر ~~أعمالهم زمرا زمرا، أوائلهم كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، ثم ~~كمر البهائم، حتى يمر الرجل سعيا، وحتى يمر الرجل مشيا، حتى يمر آخرهم ~~يتلبط على بطنه، فيقول: يا رب لم أبطأت بي؟ فيقول إني لم أبطئ بك، إنما ~~أبطأ بك عملك. # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~حين أنزل عليه: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] [الشعراء: 214] : ~~«يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني ~~عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك ~~من الله شيئا، يا # PageV02P308 # صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد، سليني ~~ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا» . # وفي رواية خارج " الصحيحين ": «إن أوليائي منكم المتقون لا يأتي الناس ~~بالأعمال، وتأتوني بالدنيا تحملونها على ms483 رقابكم، فتقولون: يا محمد، فأقول: ~~قد بلغت» . # وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «إن أوليائي المتقون يوم القيامة، وإن كان نسب أقرب من نسب، يأتي ~~الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون: يا محمد، يا ~~محمد، فأقول هكذا وهكذا» وأعرض في كلا عطفيه. # وخرج البزار من حديث رفاعة بن رافع «أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال ~~لعمر: اجمع لي قومك يعني: قريشا، فجمعهم، فقال: إن أوليائي منكم المتقون، ~~فإن كنتم أولئك فذاك، وإلا فانظروا، لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة ~~وتأتون بالأثقال، فيعرض عنكم» . وخرجه الحاكم مختصرا وصححه. # وفي " المسند " عن معاذ بن جبل «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه ~~إلى اليمن، خرج معه يوصيه، ثم التفت، وأقبل بوجهه إلى المدينة، فقال: إن ~~أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا» . وخرجه الطبراني، وزاد فيه: ~~«إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنهم أولى الناس بي، وليس كذلك، إن أوليائي منكم ~~المتقون، من كانوا وحيث كانوا» . # PageV02P309 # ويشهد لهذا كله ما في " الصحيحين " عن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، وإنما وليي الله ~~وصالحو المؤمنين» يشير إلى أن ولايته لا تنال بالنسب وإن قرب، وإنما تنال ~~بالإيمان والعمل الصالح، فمن كان أكمل إيمانا وعملا، فهو أعظم ولاية له، ~~سواء كان له منه نسب قريب، أو لم يكن، وفي هذا المعنى يقول بعضهم: # لعمرك ما الإنسان إلا بدينه ... فلا تترك التقوى اتكالا على النسب # لقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد وضع الشرك الشقي أبا لهب # PageV02P310 ### | [الحديث السابع والثلاثون إن الله كتب الحسنات والسيئات] # PageV02P310 # الحديث السابع والثلاثون. عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى قال: «إن ~~الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله ~~عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها ms484 كتبها الله عز وجل عنده عشر حسنات إلى ~~سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده ~~حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة» . رواه البخاري ~~ومسلم. #  هذا الحديث خرجاه من رواية الجعد ~~أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العطاردي، عن ابن عباس وفي رواية لمسلم زيادة في ~~آخر الحديث، وهي: «أو محاها الله، ولا يهلك على الله إلا هالك» . وفي هذا ~~المعنى أحاديث متعددة، فخرجا في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «يقول الله: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة، فلا ~~تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها، فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي، ~~فاكتبوها له حسنة، وإن أراد أن يعمل حسنة، فلم يعملها، فاكتبوها له حسنة، ~~فإن عملها فاكتبوها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف» وهذا لفظ البخاري، وفي ~~رواية لمسلم: «قال الله عز وجل: إذا تحدث عبدي بأن # PageV02P311 # يعمل حسنة، فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها، فأنا أكتبها ~~بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة، فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا ~~عملها، فأنا أكتبها له بمثلها» . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قالت ~~الملائكة: رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة - وهو أبصر به - قال: ارقبوه، فإن ~~عملها، فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها، فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من ~~جراي» . قال رسول الله صلى عليه وسلم: «إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة ~~يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له ~~بمثلها حتى يلقى الله» . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ~~ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه ~~وشرابه من أجلي» ، وفي رواية بعد قوله: «إلى سبعمائة ضعف: إلى ما يشاء ~~الله» . وفي " صحيح مسلم " عن أبي ذر، عن النبي صلى ms485 الله عليه وسلم قال: ~~«يقول الله: من عمل حسنة، فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن عمل سيئة، فجزاؤها ~~مثلها أو أغفر» . وفيه أيضا عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من ~~هم بحسنة، فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم ~~بسيئة، فلم يعملها لم يكتب عليه شيء، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة» . ~~وفي " المسند " عن خريم بن فاتك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من هم ~~بحسنة، # PageV02P312 # فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحرص عليها، كتبت له حسنة، ~~ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت له واحدة، ولم تضاعف عليه، ومن ~~عمل حسنة كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله، كانت له ~~بسبعمائة ضعف» . وفي المعنى أحاديث أخر متعددة. فتضمنت هذه النصوص كتابة ~~الحسنات، والسيئات، والهم بالحسنة والسيئة، فهذه أربعة أنواع: النوع الأول: ~~عمل الحسنات، فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ~~ومضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات، وقد دل عليه قوله تعالى: ~~{من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] [الأنعام: 160] . وأما ~~زيادة المضاعفة على العشر لمن شاء الله أن يضاعف له، فدل عليه قوله تعالى: ~~{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 261] ~~[البقرة: 261] ، فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ~~ضعف. وفي " صحيح مسلم " عن ابن مسعود، قال: «جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: ~~يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فقال: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة» . ~~وفي " المسند " بإسناد فيه نظر عن أبي عبيدة بن الجراح، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على ~~نفسه وأهله، وعياله، أو عاد مريضا، أو ماز أذى، فالحسنة بعشر أمثالها» . # PageV02P313 # وخرج أبو داود من حديث سهل بن معاذ عن أبيه، ms486 عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ~~ضعف» . وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «من أرسل نفقة في سبيل الله، وأقام في بيته، فله ~~بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله، فله بكل درهم سبعمائة ~~ألف درهم» ثم تلا هذه الآية: {والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261] ~~[البقرة: 261] . وخرج ابن حبان في " صحيحه " من حديث عيسى بن المسيب، عن ~~نافع، «عن ابن عمر، قال: لما نزلت هذه الآية: {مثل الذين ينفقون أموالهم في ~~سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} [البقرة: 261] [البقرة: 261] ، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب زد أمتي، فأنزل الله تعالى: {من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة: 245] [البقرة: 245] ~~، فقال: رب زد أمتي فأنزل الله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب} [الزمر: 10] [الزمر: 10] .» # PageV02P314 # وخرج الإمام أحمد من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن أبي عثمان النهدي، عن ~~أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ~~ألف حسنة ثم تلا أبو هريرة: {وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} ~~[النساء: 40] [النساء: 40] . وقال: " إذا قال الله أجرا عظيما، فمن يقدر ~~قدره؟» وروي عن أبي هريرة موقوفا. وخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا: ~~«من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله ~~الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب ~~الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة» . ومن ~~حديث تميم الداري مرفوعا: «من قال: أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، ~~إلها واحدا أحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له كفوا أحد عشر ~~مرات، كتب الله له أربعين ألف ألف حسنة» ، وفي ms487 كلا الإسنادين ضعف. # PageV02P315 # وخرج الطبراني بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعا: «من قال: سبحان الله، كتب ~~الله له مائة ألف حسنة، وأربعة وعشرين ألف حسنة» . # وقوله في حديث أبي هريرة: «إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» يدل على أن ~~الصيام لا يعلم قدر مضاعفة ثوابه إلا الله عز وجل لأنه أفضل أنواع الصبر، و ~~{إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10] [الزمر: 10] ، وقد روي ~~هذا المعنى عن طائفة من السلف، منهم كعب وغيره. وقد ذكرنا فيما سبق في شرح ~~حديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» أن مضاعفة الحسنات زيادة على ~~العشر تكون بحسب حسن الإسلام، كما جاء ذلك مصرحا به في حديث أبي هريرة ~~وغيره، وتكون بحسب كمال الإخلاص، وبحسب فضل ذلك العمل في نفسه، وبحسب ~~الحاجة إليه. وذكرنا من حديث ابن عمر أن قوله: {من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها} [الأنعام: 160] [الأنعام: 160] نزلت في الأعراب، وأن قوله: {وإن ~~تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] [النساء: 40] نزلت ~~في المهاجرين. النوع الثاني: عمل السيئات، فتكتب السيئة بمثلها، من غير ~~مضاعفة، كما قال تعالى: {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا ~~يظلمون} [الأنعام: 160] [الأنعام: 160] . وقوله: «كتبت له سيئة واحدة» ~~إشارة إلى أنها غير مضاعفة، ما صرح به في # PageV02P316 # حديث آخر، لكن السيئة تعظم أحيانا بشرف الزمان أو المكان، كما قال تعالى: ~~{إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات ~~والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: ~~36] [التوبة: 36] 0 قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: {فلا ~~تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] : في كلهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر، ~~فجعلهن حرما، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر ~~أعظم. وقال قتادة في هذه الآية: اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم ~~خطيئة ووزرا فيما سوى ذلك، وإن كان الظلم في كل حال غير طائل، ولكن الله ~~تعالى ms488 يعظم من أمره ما يشاء تعالى ربنا. وقد روي في حديثين مرفوعين «أن ~~السيئات تضاعف في رمضان» ، ولكن إسنادهما لا يصح. وقال الله تعالى: {الحج ~~أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} ~~[البقرة: 197] [البقرة: 197] . قال ابن عمر: الفسوق: ما أصيب من معاصي الله ~~صيدا كان أو غيره، وعنه قال: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم. وقال ~~تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] [الحج: 25] ~~. # PageV02P317 # وكان جماعة من الصحابة يتقون سكنى الحرم، خشية ارتكاب الذنوب فيه: منهم ~~ابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل، ~~وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: الخطيئة فيه أعظم. وروي عن عمر بن ~~الخطاب، قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة - يعني بغير مكة - أحب إلي من أن أخطئ ~~خطيئة واحدة بمكة. وعن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات. ~~وقال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة بمائة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك. ~~وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: في شيء من الحديث أن السيئة تكتب بأكثر من ~~واحدة؟ قال: لا، ما سمعنا إلا بمكة لتعظيم البلد " ولو أن رجلا بعدن أبين ~~هم ". وقال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد، وقوله: " ولو أن رجلا بعدن أبين ~~هم " من قول ابن مسعود، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. # وقد تضاعف السيئات بشرف فاعلها، وقوة معرفته بالله، وقربه منه، فإن من ~~عصى السلطان على بساطه أعظم جرما ممن عصاه على بعد، ولهذا توعد الله خاصة ~~عباده على المعصية بمضاعفة الجزاء، وإن كان قد عصمهم منها، ليبين لهم فضله ~~عليهم بعصمتهم من ذلك، كما قال تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا - إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} [الإسراء: 74 - 75] ~~[الإسراء: 74 - 75] . وقال تعالى: {يانساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا - ومن يقنت منكن لله ~~ورسوله وتعمل ms489 صالحا نؤتها أجرها مرتين} [الأحزاب: 30 - 31] # PageV02P318 # [الأحزاب: 30 - 35] . وكان علي بن الحسين يتأول في آل النبي صلى الله ~~عليه وسلم من بني هاشم مثل ذلك لقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم. النوع ~~الثالث: الهم بالحسنات، فتكتب حسنة كاملة، وإن لم يعملها، كما في حديث ابن ~~عباس وغيره، وفي حديث أبي هريرة الذي خرجه مسلم كما تقدم: «إذا تحدث عبدي ~~بأن يعمل حسنة، فأنا أكتبها له حسنة» والظاهر أن المراد بالتحدث حديث ~~النفس، وهو الهم، وفي حديث خريم بن فاتك: «من هم بحسنة فلم يعملها، فعلم ~~الله منه أنه قد أشعر قلبه، وحرص عليها، كتبت له حسنة» وهذا يدل على أن ~~المراد بالهم هنا هو العزم المصمم الذي يوجد معه الحرص على العمل، لا مجرد ~~الخطرة التي تخطر، ثم تنفسخ من غير عزم ولا تصميم. قال أبو الدرداء: من أتى ~~فراشه وهو ينوي أن يصلي من الليل، فغلبته عيناه حتى يصبح، كتب له ما نوى. ~~وروي عنه مرفوعا، وخرجه ابن ماجه مرفوعا. قال الدارقطني: المحفوظ الموقوف، ~~وروي معناه من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV02P319 # وروي عن سعيد بن المسيب، قال: من هم بصلاة، أو صيام، أو حج، أو عمرة، أو ~~غزوة، فحيل بينه وبين ذلك، بلغه الله تعالى ما نوى. وقال أبو عمران الجوني: ~~ينادى الملك: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا رب، إنه لم يعمله، فيقول: إنه ~~نواه. قال زيد بن أسلم: كان رجل يطوف على العلماء، يقول: من يدلني على عمل ~~لا أزال منه لله عاملا، فإني لا أحب أن تأتي علي ساعة من الليل والنهار إلا ~~وأنا عامل لله تعالى، فقيل له: قد وجدت حاجتك، فاعمل الخير ما استطعت، فإذا ~~فترت أو تركته فهم بعمله، فإن الهام بعمل الخير كفاعله. ومتى اقترن بالنية ~~قول أو سعي، تأكد الجزاء، والتحق صاحبه بالعامل، كما روى أبو كبشة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «إنما الدنيا أربعة نفر: عبد رزقه الله مالا ~~وعلما، فهو يتقي فيه ms490 ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل ~~المنازل، وعبد رزقه الله علما، ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية، يقول: لو ~~أن لي مالا، لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله ~~مالا، ولم يرزقه علما يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه ~~رحمه، ولا يعلم فيه لله حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ~~ولا علما، # PageV02P320 # فهو يقول: لو أن لي مالا، لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء» . ~~خرجه الإمام أحمد والترمذي وهذا لفظه وابن ماجه. وقد حمل قوله: «فهما في ~~الأجر سواء» على استوائهما في أصل أجر العمل، دون مضاعفته، فالمضاعفة يختص ~~بها من عمل العمل دون من نواه، فلم يعمله، فإنهما لو استويا من كل وجه، ~~لكتب لمن هم بحسنة ولم يعملها عشر حسنات، وهو خلاف النصوص كلها، ويدل على ~~ذلك قوله تعالى: {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما - درجات ~~منه} [النساء: 95 - 96] [النساء: 95 - 96] . قال ابن عباس وغيره: القاعدون ~~المفضل عليهم المجاهدون درجة القاعدون من أهل الأعذار، والقاعدون المفضل ~~عليهم المجاهدون درجات هم القاعدون من غير أهل الأعذار. # النوع الرابع: الهم بالسيئات من غير عمل لها، ففي حديث ابن عباس: أنها ~~تكتب حسنة كاملة، وكذلك في حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما: أنها تكتب حسنة، ~~وفي حديث أبي هريرة قال: «إنما تركها من جراي» يعني: من أجلي. وهذا يدل على ~~أن المراد من قدر على ما هم به من المعصية، فتركه لله تعالى، وهذا لا ريب ~~في أنه يكتب له بذلك حسنة؛ لأن تركه المعصية بهذا القصد عمل صالح. فأما إن ~~هم بمعصية، ثم ترك عملها خوفا من المخلوقين، أو مراءاة لهم، فقد قيل: إنه ~~يعاقب على تركها بهذه النية، لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله محرم. ~~وكذلك قصد الرياء للمخلوقين محرم، فإذا اقترن به ترك # PageV02P321 # المعصية لأجله، عوقب على ms491 هذا الترك. وقد خرج أبو نعيم بسند ضعيف عن ابن ~~عباس، قال: يا صاحب الذنب، لا تأمنن سوء عاقبته، ولما يتبع الذنب أعظم من ~~الذنب إذا عملته، وذكر كلاما، وقال: وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت ~~على الذنب، ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب إذا عملته. ~~وقال الفضيل بن عياض: كانوا يقولون: ترك العمل للناس رياء، والعمل لهم شرك. ~~وأما إن سعى في حصولها بما أمكنه، ثم حال بينه وبينها القدر، فقد ذكر جماعة ~~أنه يعاقب عليها حينئذ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:: «إن الله يتجاوز ~~لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم به أو تعمل ومن سعى في حصول المعصية ~~جهده، ثم عجز عنها، فقد عمل» ، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ~~التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، ~~هذا القاتل، فما بال المقتول؟ ! قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه.» # وقوله: «ما لم تكلم به أو تعمل» يدل على أن الهام بالمعصية إذا تكلم بما ~~هم به بلسانه فإنه يعاقب على الهم حينئذ، لأنه قد عمل بجوارحه معصية، وهو ~~التكلم باللسان ويدل على ذلك حديث الذي قال: «لو أن لي مالا # PageV02P322 # لعملت فيه ما عمل فلان» يعني: الذي يعصي الله في ماله، قال: «فهما في ~~الوزر سواء» . ومن المتأخرين من قال: يعاقب على التكلم بما هم به ما لم تكن ~~المعصية التي هم بها قولا محرما، كالقذف والغيبة والكذب؛ فأما ما كان ~~متعلقها العمل بالجوارح، فلا يأثم بمجرد تكلم ما هم به، وهذا قد يستدل به ~~على حديث أبي هريرة المتقدم: «وإذا تحدث عبدي بأن يعمل سيئة، فأنا أغفرها ~~له ما لم يعملها» . ولكن المراد بالحديث هنا حديث النفس، جمعا بينه وبين ~~قوله: «ما لم تكلم به أو تعمل» ، وحديث أبي كبشة يدل على ذلك صريحا، فإن ~~قول القائل بلسانه: «لو أن لي مالا، لعملت فيه بالمعاصي، كما عمل فلان» ، ~~ليس هو العمل بالمعصية ms492 التي هم بها، وإنما أخبر عما هم به فقط مما متعلقه ~~إنفاق المال في المعاصي، وليس له مال بالكلية، وأيضا فالكلام بذلك محرم، ~~فكيف يكون معفوا عنه، غير معاقب عليه؟ وأما إن انفسخت نيته، وفترت عزيمته ~~من غير سبب منه، فهل يعاقب على ما هم به من المعصية، أم لا؟ هذا على قسمين: ~~أحدهما: أن يكون الهم بالمعصية خاطرا خطر، ولم يساكنه صاحبه، ولم يعقد قلبه ~~عليه، بل كرهه، ونفر منه، فهو معفو عنه، وهو «كالوساوس الرديئة التي سئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فقال: ذاك صريح الإيمان» . ولما نزل قوله ~~تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] # PageV02P323 # [البقرة: 284] ، شق ذلك على المسلمين، وظنوا دخول هذه الخواطر فيه، فنزلت ~~الآية التي بعدها، وفيها قوله: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} ~~[البقرة: 286] [البقرة: 286] فبينت أن ما لا طاقة لهم به، فهو غير مؤاخذ ~~به، ولا مكلف به، وقد سمى ابن عباس وغيره ذلك نسخا، ومرادهم أن هذه الآية ~~أزالت الإبهام الواقع في النفوس من الآية الأولى، وبينت أن المراد بالآية ~~الأولى العزائم المصمم عليها، ومثل هذا كان السلف يسمونه نسخا. # القسم الثاني: العزائم المصممة التي تقع في النفوس وتدوم، ويساكنها ~~صاحبها، فهذا أيضا نوعان: أحدهما: ما كان عملا مستقلا بنفسه من أعمال ~~القلوب، كالشك في الوحدانية، أو النبوة، أو البعث، أو غير ذلك من الكفر ~~والنفاق، أو اعتقاد تكذيب ذلك، فهذا كله يعاقب عليه العبد، ويصير بذلك ~~كافرا ومنافقا. وقد روي عن ابن عباس أنه حمل قوله تعالى: {وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] [البقرة: 284] ، على مثل ~~هذا. وروي عنه حملها على كتمان الشهادة لقوله تعالى: {ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه} [البقرة: 283] [البقرة: 283] . ويلحق بهذا القسم سائر المعاصي ~~المتعلقة بالقلوب، كمحبة ما يبغضه الله، وبغض ما يحبه الله، والكبر، ~~والعجب، والحسد، وسوء الظن بالمسلم من غير موجب، مع أنه قد روي عن ms493 سفيان ~~أنه قال في سوء الظن إذا لم يترتب عليه قول أو فعل، فهو معفو عنه. وكذلك ~~روي عن الحسن أنه قال في الحسد، ولعل هذا محمول من قولهما على ما يجده ~~الإنسان، ولا يمكنه دفعه، فهو يكرهه ويدفعه عن نفسه، فلا يندفع إلا على ما ~~يساكنه، ويستروح إليه، ويعيد حديث # PageV02P324 # نفسه به ويبديه. والنوع الثاني: ما لم يكن من أعمال القلوب، بل كان من ~~أعمال الجوارح، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والقتل، والقذف، ونحو ذلك، ~~إذا أصر العبد على إرادة ذلك، والعزم عليه، ولم يظهر له أثر في الخارج ~~أصلا. فهذا في المؤاخذة به قولان مشهوران للعلماء: أحدهما: يؤاخذ به، قال ~~ابن المبارك: سألت سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بالهمة؟ فقال: إذا كانت عزما ~~أوخذ. ورجح هذا القول كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من أصحابنا ~~وغيرهم، واستدلوا له بنحو قوله عز وجل {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم ~~فاحذروه} [البقرة: 235] [البقرة: 235] ، وقوله: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم} [البقرة: 225] [البقرة: 225] ، وبنحو قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس» ، وحملوا قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم به، ~~أو تعمل على الخطرات» ، وقالوا: ما ساكنه العبد، وعقد عليه قلبه، فهو من ~~كسبه وعمله، فلا يكون معفوا عنه، ومن هؤلاء من قال: إنه يعاقب عليه في ~~الدنيا بالهموم والغموم، روي ذلك عن عائشة مرفوعا وموقوفا، وفي صحته نظر. ~~وقيل: بل يحاسب العبد به يوم القيامة، فيقفه الله عليه، ثم يعفو عنه، ولا ~~يعاقبه به، فتكون عقوبته المحاسبة، وهذا مروي عن ابن عباس، والربيع بن أنس، ~~وهو اختيار ابن جرير، واحتج له بحديث ابن عمر في النجوى، # PageV02P325 # وذاك ليس فيه عموم، وأيضا، فإنه وارد في الذنوب المستورة في الدنيا، لا ~~في وساوس الصدور. والقول الثاني: يؤاخذ بمجرد النية مطلقا، ونسب ذلك إلى نص ~~الشافعي، وهو قول ابن حامد من أصحابنا عملا بالعمومات. وروى العوفي عن ابن ms494 ~~عباس ما يدل على مثل هذا القول. وفيه قول ثالث: أنه لا يؤاخذ بالهم ~~بالمعصية إلا بأن يهم بارتكابها في الحرم، كما روى السدي، عن مرة، عن عبد ~~الله بن مسعود، قال: ما من عبد يهم بخطيئة، فلم يعملها، فتكتب عليه، ولو هم ~~بقتل إنسان عند البيت، وهو بعدن أبين، أذاقه الله من عذاب أليم، وقرأ عبد ~~الله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] [الحج: 25] ~~. خرجه الإمام أحمد وغيره. وقد رواه عن السدي شعبة وسفيان، فرفعه شعبة ~~ووقفه سفيان، والقول قول سفيان في وقفه. وقال الضحاك: إن الرجل ليهم ~~بالخطيئة بمكة، وهو بأرض أخرى، ولم يعملها فتكتب # PageV02P326 # عليه ولم يعملها، وقد تقدم عن أحمد وإسحاق ما يدل على مثل هذا القول، ~~وكذا حكاه القاضي أبو يعلى عن أحمد. وروى أحمد في رواية المروزي حديث ابن ~~مسعود هذا، ثم قال أحمد يقول: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} [الحج: 25] ، قال ~~أحمد: لو أن رجلا بعدن أبين هم بقتل رجل في الحرم، هذا قول الله سبحانه: ~~{نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] ، هكذا قال ابن مسعود رحمه الله. وقد رد ~~بعضهم هذا إلى ما تقدم من المعاصي التي متعلقها القلب، وقال: الحرم يجب ~~احترامه وتعظيمه بالقلوب، فالعقوبة على ترك هذا الواجب، وهذا لا يصح، فإن ~~حرمة الحرم ليست بأعظم من حرمة محرمه سبحانه، والعزم على معصية الله عزم ~~على انتهاك محارمه، ولكن لو عزم على ذلك قصدا، لانتهاك حرمة الحرم ~~واستخفافا بحرمته، فهذا كما لو عزم على فعل معصية لقصد الاستخفاف بحرمة ~~الخالق عز وجل، فيكفر بذلك، وإنما ينتفي الكفر عنه إذ كان همه بالمعصية ~~لمجرد نيل شهوته، وغرض نفسه، مع ذهوله عن قصد مخالفة الله، والاستخفاف ~~بهيبته وبنظره، ومتى اقترن العمل بالهم، فإنه يعاقب عليه، سواء كان الفعل ~~متأخرا أو متقدما، فمن فعل محرما مرة، ثم عزم على فعله متى قدر عليه، فهو ~~مصر على المعصية، ومعاقب على هذه النية، وإن لم يعد إلى عمله إلا بعد سنين ~~عديدة. ms495 وبذلك فسر ابن المبارك وغيره الإصرار على المعصية. وبكل حال ~~فالمعصية إنما تكتب بمثلها من غير مضاعفة، فتكون العقوبة على المعصية، ولا ~~ينضم إليها الهم بها، إذا لو ضم إلى المعصية الهم بها، لعوقب على عمل ~~المعصية عقوبتين، ولا يقال: فهذا يلزم مثله في عمل الحسنة، فإنها إذا عملها ~~بعد الهم بها، أثيب على الحسنة دون الهم بها، لأنا # PageV02P327 # نقول: هذا ممنوع، فإن من عمل حسنة، كتبت له عشر أمثالها، فيجوز أن يكون ~~بعض هذه الأمثال جزاء للهم بالحسنة، والله أعلم. # وقوله في حديث ابن عباس في رواية مسلم: «أو محاها الله» يعني أن عمل ~~السيئة إما أن تكتب لعاملها سيئة واحدة، أو يمحوها الله بما شاء من ~~الأسباب، كالتوبة والاستغفار وعمل الحسنات. وقد سبق الكلام فيما تمحى به ~~السيئات في شرح حديث أبي ذر: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة ~~تمحها» . وقوله بعد ذلك: «ولا يهلك على الله إلا هالك» : يعني بعد هذا ~~الفضل العظيم من الله، والرحمة الواسعة منه بمضاعفة الحسنات، والتجاوز عن ~~السيئات، يهلك على الله إلا من هلك، وألقى بيديه إلى التهلكة، وتجرأ على ~~السيئات، ورغب عن الحسنات، وأعرض عنها. ولهذا قال ابن مسعود: ويل لمن غلب ~~وحدانه عشراته. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، مرفوعا: «هلك من غلب ~~واحده عشرا» . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث عبد ~~الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلتان لا يحصيهما ~~رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل: تسبح الله في دبر ~~كل صلاة عشرا، وتحمده عشرا، وتكبره عشرا، قال: فتلك خمسون ومائة باللسان، ~~وألف # PageV02P328 # وخمسمائة في الميزان، وإذا أخذت مضجعك، تسبحه، وتكبره، وتحمده مائة، فتلك ~~مائة باللسان، وألف في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين ~~وخمسمائة سيئة» . وفي " المسند " عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «لا يدع أحد منكم أن يعمل لله ألف حسنة حين يصبح يقول: سبحان ~~الله ms496 وبحمده مائة مرة، فإنها ألف حسنة، فإنه لن يعمل إن شاء الله تعالى مثل ~~ذلك في يومه من الذنوب، ويكون ما عمل من خير سوى ذلك وافرا» . # PageV02P329 ### | [الحديث الثامن والثلاثون قال الله تعالى من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب] # PageV02P329 # الحديث الثامن والثلاثون. عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى قال من عادى لي ~~وليا، فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ~~ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي ~~يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ~~ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» ،. رواه البخاري. #  هذا الحديث تفرد بإخراجه البخاري ~~دون بقية أصحاب الكتب، خرجه عن محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن ~~مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، ~~عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث بطوله، وزاد في ~~آخره: «وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا ~~أكره مساءته» . وهو من غرائب " الصحيح " تفرد به ابن كرامة عن خالد، وليس ~~في " مسند أحمد " مع أن خالد بن مخلد القطواني تكلم فيه أحمد وغيره، ~~وقالوا: له مناكير، وعطاء الذي في إسناده قيل: إنه ابن أبي رباح، وقيل: إنه ~~ابن يسار، وإنه وقع في بعض نسخ " الصحيح " منسوبا كذلك. # PageV02P330 # وقد روي هذا الحديث من وجوه أخر لا تخلو كلها عن مقال فرواه عبد الواحد ~~بن ميمون أبو حمزة مولى عروة بن الزبير عن عروة، عن عائشة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «من آذى لي وليا، فقد استحل محاربتي، وما تقرب إلي ~~عبدي بمثل أداء فرائضي، وإن عبدي ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا ~~أحببته، كنت عينه التي يبصر بها، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ~~وفؤاده الذي ms497 يعقل به، ولسانه الذي يتكلم به، إن دعاني أجبته، وإن سألني ~~أعطيته، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن موته، وذلك أنه يكره الموت ~~وأنا أكره مساءته» . خرجه ابن أبي الدنيا وغيره، وخرجه الإمام أحمد بمعناه. ~~وذكر ابن عدي أنه تفرد به عبد الواحد هذا عن عروة، وعبد الواحد هذا قال فيه ~~البخاري: منكر الحديث، ولكن خرجه الطبراني: حدثنا هارون بن كامل، حدثنا ~~سعيد بن أبي مريم، حدثنا إبراهيم بن سويد المدني، حدثني أبو حرزة يعقوب بن ~~مجاهد، أخبرني عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. وهذا ~~إسناده جيد، ورجاله كلهم ثقات مخرج لهم في " الصحيح " سوى شيخ الطبراني، ~~فإنه لا يحضرني الآن معرفة حاله، ولعل الرواي قال: حدثنا أبو حمزة، يعني ~~عبد الواحد بن ميمون، فخيل للسامع أنه قال: أبو حرزة، ثم سماه # PageV02P331 # من عنده بناء على وهمه والله أعلم. وخرج الطبراني وغيره من رواية عثمان ~~بن أبي عاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: يقول الله عز وجل: «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، ~~ابن آدم، إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضت عليك، ولا يزال عبدي ~~يتحبب إلي بالنوافل حتى أحبه، فأكون قلبه الذي يعقل به، ولسانه الذي ينطق ~~به، وبصره الذي يبصر به، فإذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته، وإذا ~~استنصرني نصرته، وأحب عبادة عبدي إلي النصيحة» . عثمان وعلي بن يزيد ~~ضعيفان. قال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث: هو منكر جدا. وقد روي من حديث ~~علي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف، خرجه الإسماعيلي في " مسند ~~علي ". وروي من حديث ابن عباس بسند ضعيف، وخرجه الطبراني، وفيه زيادة في ~~لفظه، ورويناه من وجه آخر عن ابن عباس وهو ضعيف أيضا. وخرجه الطبراني وغيره ~~من حديث الحسن بن يحيى الخشني، عن صدقة بن عبد الله الدمشقي، عن هشام ~~الكناني، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ms498 عن جبريل، عن ربه تعالى ~~قال: «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما # PageV02P332 # ترددت عن شيء أنا فاعله ما ترددت في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، ~~وأكره مساءته، ولا بد له منه، وإن من عبادي المؤمنين من يريد بابا من ~~العبادة، فأكفه عنه لا يدخله عجب، فيفسده ذلك، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ~~ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتنفل إلي حتى أحبه، ومن أحببته، كنت له ~~سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا، دعاني فأجبته، وسألني فأعطيته، ونصح لي فنصحت له، ~~وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من ~~عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، وإن بسطت له أفسده ذلك، وإن من عبادي ~~من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا ~~يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته، لأفسده ذلك، إني أدبر عبادي بعلمي بما ~~في قلوبهم، إني عليم خبير» . والخشني وصدقة ضعيفان، وهشام لا يعرف، وسئل ~~ابن معين عن هشام هذا: من هو؟ قال: لا أحد، يعني: لا يعتبر به. وقد خرج ~~البزار بعض الحديث من طريق صدقة عن عبد الكريم الجزري، عن أنس. وخرج ~~الطبراني من حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة، عن زر بن حبيش، سمعت ~~حذيفة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى أوحى إلي: ~~يا أخا المرسلين، ويا أخا المنذرين أنذر قومك لا يدخلوا بيتا من بيوتي ~~ولأحد عندهم مظلمة، فإني ألعنه ما دام قائما بين يدي يصلي حتى يرد تلك ~~الظلامة إلى أهلها، فأكون سمعه الذي يسمع به، وأكون بصره الذي يبصر به، ~~ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري من النبيين والصديقين والشهداء في ~~الجنة» . وهذا إسناد جيد وهو غريب جدا. # PageV02P333 # ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري، وقد قيل: إنه أشرف ~~حديث روي في ذكر الأولياء. قوله عز وجل: «من عادى لي وليا، فقد آذنته ~~بالحرب» يعني: فقد أعلمته بأني محارب ms499 له، حيث كان محاربا لي بمعاداة ~~أوليائي، ولهذا جاء في حديث عائشة: «فقد استحل محاربتي» وفي حديث أبي أمامة ~~وغيره: «فقد بارزني بالمحاربة» ، وخرج ابن ماجه بسند ضعيف عن معاذ بن جبل، ~~سمع النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: «إن يسير الرياء شرك، وإن من عادى لله ~~وليا، فقد بارز الله بالمحاربة، وإن الله تعالى يحب الأبرار الأتقياء ~~الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يدعوا، ولم يعرفوا، ~~[قلوبهم] مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة» . فأولياء الله تجب ~~موالاتهم، وتحرم معاداتهم، كما أن أعداءه تجب معاداتهم، وتحرم موالاتهم، ~~قال تعالى: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: 1] [الممتحنة: 1] ، ~~وقال: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة وهم راكعون - ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون} [المائدة: 55 - 56] [المائدة: 55 - 56] ، ووصف أحباءه الذين ~~يحبهم ويحبونه بأنهم أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، وروى الإمام ~~أحمد في كتاب " الزهد " بإسناده عن وهب بن منبه، قال: إن الله تعالى قال ~~لموسى عليه # PageV02P334 # السلام حين كلمه: اعلم أن من أهان لي وليا أو أخافه، فقد بارزني ~~بالمحاربة، وبادأني وعرض نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة ~~أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي؟ أو يظن الذي يعازني أن يعجزني؟ أم ~~يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؟ وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا ~~والآخرة، فلا أكل نصرتهم إلى غيري ". # واعلم أن جميع المعاصي محاربة لله عز وجل، قال الحسن بن آدم هل لك ~~بمحاربة الله من طاقة؟ فإن من عصى الله فقد حاربه، لكن كلما كان الذنب ~~أقبح، كان أشد محاربة لله، ولهذا سمى الله تعالى أكلة الربا وقطاع الطريق ~~محاربين لله تعالى ورسوله؛ لعظم ظلمهم لعباده، وسعيهم بالفساد في بلاده، ~~وكذلك معاداة أوليائه، فإنه تعالى يتولى نصرة أوليائه، ويحبهم ويؤيدهم، فمن ~~عاداهم، فقد عادى الله وحاربه، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا، ms500 فمن آذاهم فقد آذاني، ومن ~~آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» خرجه الترمذي وغيره. ~~وقوله: «وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب ~~إلي بالنوافل حتى أحبه» : لما ذكر أن معاداة أوليائه محاربة له، ذكر بعد ~~ذلك وصف أوليائه الذين تحرم معاداتهم، وتجب موالاتهم، فذكر ما يتقرب به ~~إليه، وأصل الولاية القرب، وأصل العداوة البعد، فأولياء الله هم الذين ~~يتقربون إليه بما يقربهم منه، وأعداؤه الذين أبعدهم عنه بأعمالهم المقتضية ~~لطردهم وإبعادهم منه، فقسم أولياءه المقربين قسمين: أحدهما: من تقرب إليه ~~بأداء الفرائض، ويشمل ذلك فعل الواجبات، وترك المحرمات، لأن ذلك كله من ~~فرائض الله التي افترضها على عباده. # PageV02P335 # والثاني: من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل، فظهر بذلك أنه لا طريق يوصل ~~إلى التقرب إلى الله تعالى، وولايته، ومحبته سوى طاعته التي شرعها على لسان ~~رسوله، فمن ادعى ولاية الله، ومحبته بغير هذا الطريق، تبين أنه كاذب في ~~دعواه، كما كان المشركون يتقربون إلى الله تعالى بعبادة من يعبدونه من ~~دونه، كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى} [الزمر: 3] [الزمر: 3] ، وكما حكى عن اليهود والنصارى أنهم قالوا: ~~{نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18] [المائدة: 18] مع إصرارهم على ~~تكذيب رسله، وارتكاب نواهيه، وترك فرائضه. فلذلك ذكر في هذا الحديث أن ~~أولياء الله على درجتين: أحدهما: المتقربون إليه بأداء الفرائض، وهذه درجة ~~المقتصدين أصحاب اليمين، وأداء الفرائض أفضل الأعمال كما قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وصدق ~~النية فيما عند الله عز وجل. وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: أفضل ~~العبادة أداء الفرائض، واجتناب المحارم، وذلك لأن الله عز وجل إنما افترض ~~على عباده هذه الفرائض ليقربهم منه، ويوجب لهم رضوانه ورحمته. وأعظم فرائض ~~البدن التي تقرب إليه: الصلاة، كما قال تعالى: {واسجد واقترب} [العلق: 19] ~~[العلق: 19] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد ms501 من ربه ~~وهو ساجد» ، وقال: «إذا كان أحدكم يصلي، فإنما يناجي ربه، أو ربه بينه وبين ~~القبلة» . وقال: «إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت» . # PageV02P336 # ومن الفرائض المقربة إلى الله تعالى عدل الراعي في رعيته، سواء كانت ~~رعيته عامة كالحاكم، أو خاصة كعدل آحاد الناس في أهله وولده، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» . وفي " صحيح مسلم "، عن ~~عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن المقسطين عند الله ~~على منابر من نور على يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في ~~حكمهم وأهليهم وما ولوا» . وفي " الترمذي " عن أبي سعيد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «إن أحب العباد إلى الله يوم القيامة وأدناهم إليه مجلسا ~~إمام عادل» . الدرجة الثانية: درجة السابقين المقربين، وهم الذين تقربوا ~~إلى الله بعد الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق ~~المكروهات بالورع، وذلك يوجب للعبد محبة الله، كما قال: «ولا يزال عبدي ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» ، فمن أحبه الله، رزقه محبته وطاعته ~~والاشتغال بذكره وخدمته، فأوجب له ذلك القرب منه، والزلفى لديه، والحظوة ~~عنده، كما قال الله تعالى: {من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} ~~[المائدة: 54] [المائدة: 54] ، ففي هذه الآية إشارة # PageV02P337 # إلى أن من أعرض عن حبنا وتولى عن قربنا، لم نبال، واستبدلنا به من هو ~~أولى بهذه المنحة منه وأحق، فمن أعرض عن الله فما له من الله بدل، ولله منه ~~أبدال. # ما لي شغل سواه ما لي شغل ... ما يصرف عن هواه قلبي عذل # ما أصنع إن جفا وخاب الأمل ... مني بدل وما لي منه بدل # وفي بعض الآثار يقول الله عز وجل: " «ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني ~~وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، ms502 وأنا أحب إليك من كل شيء» ". كان ذو ~~النون يردد هذه الأبيات بالليل كثيرا: # اطلبوا لأنفسكم مثل ما وجدت أنا ... قد وجدت لي سكنا # ليس في هواه عنا إن بعدت ... قربني أو قربت منه دنا # من فاته الله، فلو حصلت له الجنة بحذافيرها، لكان مغبونا، فكيف إذا لم ~~يحصل له إلا نزر حقير يسير من دار كلها لا تعدل جناح بعوضة: # من فاته أن يراك يوما فكل أوقاته فوات ... وحيثما كنت في بلاد فلي إلى ~~وجهك التفات # ثم ذكر أوصاف الذين يحبهم الله ويحبونه، فقال: {أذلة على المؤمنين} ~~[المائدة: 54] ، # PageV02P338 # يعني أنهم يعاملون المؤمنين بالذلة واللين وخفض الجناح، {أعزة على ~~الكافرين} [المائدة: 54] يعني أنهم يعاملون الكافرين بالعزة والشدة عليهم، ~~والإغلاظ لهم، فلما أحبوا الله أحبوا أولياءه الذين يحبونه، فعاملوهم ~~بالمحبة والرأفة، والرحمة، وأبغضوا أعداءه الذين يعادونه، فعاملوهم بالشدة ~~والغلظة، كما قال تعالى: {أشداء على الكفار رحماء بينهم - يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم} [المائدة: 29 - 54] ، فإن من تمام المحبة ~~مجاهدة أعداء المحبوب، وأيضا فالجهاد في سبيل الله دعاء للمعرضين عن الله ~~إلى الرجوع إليه بالسيف والسنان بعد دعائهم إليه بالحجة والبرهان، فالمحب ~~لله يحب اجتلاب الخلق كلهم إلى بابه؛ فمن لم يجد الدعوة باللين والرفق، ~~احتاج بالدعوة إلى الشدة والعنف عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل. ~~{ولا يخافون لومة لائم} [المائدة: 54] ؛ لا هم للمحب غير ما يرضي حبيبه، ~~رضي من رضي، وسخط من سخط، من خاف الملامة في هوى من يحبه، فليس بصادق في ~~المحبة: # وقف الهوى بي حيث أنت ... فليس لي متأخر عنكم ولا متقدم # أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم # قوله: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} [المائدة: 54] ، يعني درجة الذين ~~يحبهم ويحبونه بأوصافهم المذكورة، {والله واسع عليم} [المائدة: 54] : واسع ~~العطاء، عليم بمن يستحق الفضل فيمنحه، ومن لا يستحقه فيمنعه. # PageV02P339 # ويروى «أن داود عليه السلام كان يقول: اللهم اجعلني من أحبابك، فإنك إذا ~~أحببت عبدا، غفرت ذنبه وإن كان عظيما، وقبلت عمله ms503 وإن كان يسيرا» ، «وكان ~~داود عليه السلام يقول في دعائه: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب ~~العمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومالي ومن ~~الماء البارد» . «وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتاني ربي عز وجل - يعني ~~في المنام - فقال لي: يا محمد قل اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل ~~الذي يبلغني حبك» . «وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: اللهم ارزقني حبك ~~وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، ~~اللهم ما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب» . # PageV02P340 # وروي «عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: اللهم اجعل حبك أحب الأشياء ~~إلي، وخشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، ~~وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم، فاقرر عيني من عبادتك» . فأهل هذه ~~الدرجة من المقربين ليس لهم هم إلا فيما يقربهم ممن يحبهم ويحبونه، قال بعض ~~السلف: العمل على المخافة قد يغيره الرجاء، والعمل على المحبة لا يدخله ~~الفتور، ومن كلام بعضهم: إذا سئم البطالون من بطالتهم، فلا يسأم محبوك من ~~مناجاتك وذكرك. قال فرقد السبخي: قرأت في بعض الكتب: من أحب الله، لم يكن ~~عنده شيء آثر من هواه، ومن أحب الدنيا، لم يكن عنده آثر من هوى نفسه، فالحب ~~لله تعالى أمير مؤمر على الأمراء زمرته أول الزمر يوم القيامة، ومجلسه أقرب ~~المجالس فيما هنالك، والمحبة منتهى القربة والاجتهاد ولن يسأم المحبون من ~~طول اجتهادهم لله عز وجل يحبونه ويحبون ذكره ويحببونه إلى خلقه يمشون بين ~~عباده بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح، أولئك أولياء ~~الله وأحباؤه، وأهل صفوته، أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه. وقال فتح ~~الموصلي: المحب لا يجد مع حب الله عز وجل للدنيا لذة، ولا يغفل عن ذكر الله ~~طرفة [عين] . وقال محمد بن النضر الحارثي: ما يكاد يمل القربة إلى الله ~~تعالى محب لله ms504 عز وجل، وما يكاد يسأم من ذلك. وقال بعضهم: المحب لله طائر ~~القلب، كثير الذكر، متسبب إلى رضوانه # PageV02P341 # بكل سبيل يقدر عليها من الوسائل والنوافل دوبا دوبا، وشوقا شوقا، وأنشد ~~بعضهم: # وكن لربك ذا حب لتخدمه ... إن المحبين للأحباب خدام # وأنشد آخر: # ما للمحب سوى إرادة حبه ... إن المحب بكل بر يضرع # ومن أعظم ما يتقرب به إلى الله تعالى من النوافل كثرة تلاوة القرآن، ~~وسماعه بتفكر وتدبر وتفهم، قال خباب بن الأرت لرجل: تقرب إلى الله ما ~~استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه. وفي " الترمذي ~~" عن أبي أمامة مرفوعا: «ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه يعني ~~القرآن، لا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم، فهو لذة قلوبهم، وغاية ~~مطلوبهم» . قال عثمان: لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام # PageV02P342 # ربكم. وقال ابن مسعود: من أحب القرآن أحب الله ورسوله. قال بعض العارفين ~~لمريد: أتحفظ القرآن؟ قال: لا، واغوثاه بالله! مريد لا يحفظ القرآن فبم ~~يتنعم؟ فبم يترنم؟ فبم يناجي ربه عز وجل؟ . كان بعضهم يكثر تلاوة القرآن، ~~ثم اشتغل عنه بغيره، فرأى في المنام قائلا يقول له: # إن كنت تزعم حبي فلم جفوت كتابي ... أما تأملت ما في ه من لطيف عتابي # ومن ذلك كثرة ذكر الله الذي يتواطأ عليه القلب واللسان. وفي " مسند ~~البزار " «عن معاذ، قال: قلت يا رسول الله أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها ~~إلى الله تعالى؟ قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله تعالى» . وفي الحديث ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي ~~بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ~~ملإ، ذكرته في ملإ خير منهم» . وفي حديث آخر: «أنا مع عبدي # PageV02P343 # ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» . وقال عز وجل: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: ~~152] [البقرة: 152] . ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم الذين يرفعون ~~أصواتهم بالتكبير والتهليل وهم معه في سفر، ms505 قال لهم: «إنكم لا تدعون أصم ~~ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم» . وفي رواية: «وهو أقرب ~~إليكم من أعناق رواحلكم» . ومن ذلك محبة أولياء الله وأحبائه فيه، ومعاداة ~~أعدائه فيه، وفي " سنن أبي داود " عن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم ~~الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله عز وجل قالوا: يا رسول الله: من هم؟ ~~قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، ~~فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، ولا يخافون إذا خاف الناس، ولا ~~يحزنون إذا حزن الناس، ثم تلا هذه الآية: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون} [يونس: 62] » [يونس: 62] . ويروى نحوه من حديث أبي مالك ~~الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديثه: «يغبطهم النبيون بقربهم ~~ومقعدهم من الله عز وجل» . # PageV02P344 # وفي " المسند " عن عمرو بن الجموح، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحب لله، وأبغض ~~لله، فقد استحق ولاية من الله، إن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين ~~يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم» . وسئل المرتعش: بم تنال المحبة؟ قال: بموالاة ~~أولياء الله، ومعادة أعدائه، وأصله الموافقة. وفي " الزهد " للإمام أحمد عن ~~عطاء بن يسار، قال: «قال موسى عليه السلام: يا رب، من هم أهلك الذين تظلهم ~~في ظل عرشك؟ قال: يا موسى، هم البريئة أيديهم، الطاهرة قلوبهم، الذين ~~يتحابون بجلالي، الذين إذا ذكرت ذكروا بي، وإذا ذكروا ذكرت بذكرهم، الذين ~~يسبغون الوضوء في المكاره، وينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وكورها، ~~ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما ~~يغضب النمر إذا حرب. قوله: فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي ~~يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» ، وفي بعض الروايات: ~~«وقلبه الذي يعقل به، ولسانه الذي ms506 ينطق به» . المراد بهذا الكلام: أن من ~~اجتهد بالتقرب إلى الله بالفرائض، ثم بالنوافل، قربه إليه، ورقاه من درجة ~~الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه ~~يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى، ومحبته، # PageV02P345 # وعظمته، وخوفه، ومهابته، وإجلاله، والأنس به، والشوق إليه، حتى يصير هذا ~~الذي في قلبه من المعرفة مشاهدا له بعين البصيرة كما قيل: # ساكن في القلب يعمره ... لست أنساه فأذكره # غاب عن سمعي وعن بصري ... فسويدا القلب يبصره # قال الفضيل بن عياض: إن الله يقول: " كذب من ادعى محبتي، ونام عني، أليس ~~كل محب يحب خلوة حبيبه؟ ها أنا مطلع على أحبابي وقد مثلوني بين أعينهم، ~~وخاطبوني على المشاهدة، وكلموني بحضور، غدا أقر أعينهم في جناني ". ولا ~~يزال هذا الذي في قلوب المحبين المقربين يقوى حتى تمتلئ قلوبهم به، فلا ~~يبقى في قلوبهم غيره، ولا تستطيع جوارحهم أن تنبعث إلا بموافقة ما في ~~قلوبهم، ومن كان حاله هذا، قيل فيه: ما بقي في قلبه إلا الله، والمراد ~~معرفته ومحبته وذكره، وفي هذا المعنى الأثر الإسرائيلي المشهور: " يقول ~~الله: ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ". وقال بعض ~~العارفين: احذروه، فإنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبده غيره، وفي هذا يقول ~~بعضهم: # ليس للناس موضع في فؤادي ... زاد فيه هواك حتى امتلا # وقال آخر: # قد صيغ قلبي على مقدار حبهم ... فما لحب سواهم فيه متسع # PageV02P346 # وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته لما قدم المدينة ~~فقال: «أحبوا الله من كل قلوبكم» كما ذكره ابن إسحاق في " سيرته " فمتى ~~امتلأ القلب بعظمة الله تعالى، محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد ~~شيء من نفسه وهواه، ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذ لا ينطق ~~العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع سمع به، ~~وإن نظر نظر به، وإن بطش بطش به، فهذا هو المراد بقوله: «كنت سمعه ms507 الذي ~~يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» ~~ومن أشار إلى غير هذا فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول، أو الاتحاد، والله ~~ورسوله بريئان منه. ومن هنا كان بعض السلف كسليمان التيمي يرون أنه لا يحسن ~~أن يعصى الله. ووصت امرأة من السلف أولادها، فقالت لهم: تعودوا حب الله ~~وطاعته، فإن المتقين ألفوا الطاعة، فاستوحشت جوارحهم من غيرها، فإن عرض لهم ~~الملعون بمعصية، مرت المعصية بهم محتشمة، فهم لها منكرون. ومن هذا المعنى ~~قول علي: إن كنا لنرى أن شيطان عمر ليهابه أن يأمره بالخطيئة، وقد أشرنا ~~فيما سبق إلى أن هذا من أسرار التوحيد الخاصة، فإن معنى لا إله إلا الله: ~~لا يؤله غيره حبا ورجاء، وخوفا، وطاعة، فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام، لم ~~يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه الله، ومن كان ~~كذلك، لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله، وإنما تنشأ الذنوب من محبة ما يكرهه ~~الله، أو كراهة ما يحبه الله، وذلك ينشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله ~~وخشيته، وذلك يقدح في كمال التوحيد الواجب، فيقع العبد # PageV02P347 # بسبب ذلك في التفريط في بعض الواجبات، وارتكاب بعض المحظورات، فإن من ~~تحقق قلبه بتوحيد الله، فلا يبقى له هم إلا في الله وفيما يرضيه به وقد ورد ~~في الحديث مرفوعا: «من أصبح وهمه غير الله، فليس من الله» ، وخرجه الإمام ~~أحمد من حديث أبي بن كعب موقوفا قال: من أصبح وأكبر همه غير الله فليس من ~~الله. قال بعض العارفين: من أخبرك أن لوليه له هم في غيره، فلا تصدقه. وكان ~~داود الطائي ينادي بالليل: همك عطل علي الهموم، وحال بيني وبين السهاد، ~~وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات، فأنا في ~~سجنك أيها الكريم مطلوب. وفي هذا يقول بعضهم: # قالوا تشاغل عنا واصطفى بدلا ... منا وذلك فعل الخائن السالي # وكيف أشغل قلبي عن محبتكم ... بغير ذكركم يا كل أشغالي. ms508 . # قوله: «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» ، وفي الرواية ~~الأخرى: «إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته» ، يعني أن هذا المحبوب المقرب، ~~له عند الله منزلة خاصة تقتضي أنه إذا سأل الله شيئا، أعطاه إياه، وإن ~~استعاذ به من شيء، أعاذه منه، وإن دعاه، أجابه، فيصير مجاب الدعوة لكرامته ~~على الله عز وجل، وقد كان كثير من السلف الصالح معروفا بإجابة الدعوة. وفي ~~" الصحيح " «أن الربيع بنت النضر كسرت ثنية جارية، فعرضوا عليهم الأرش، # PageV02P348 # فأبوا، فطلبوا منهم العفو، فأبوا، فقضى بينهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع؟ والذي بعثك بالحق لا ~~تكسر ثنيتها، فرضي القوم، وأخذوا الأرش، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره.» وفي " صحيح الحاكم " عن ~~أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم ~~على الله لأبره، منهم البراء بن مالك، وأن البراء لقي زحفا من المشركين، ~~فقال له المسلمون: اقسم على ربك، فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا ~~أكتافهم، فمنحهم أكتافهم، ثم التقوا مرة أخرى، فقالوا: أقسم على ربك، فقال: ~~أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، وألحقتني بنبيك صلى الله عليه وسلم، ~~فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء» . وروى ابن أبي الدنيا بإسناد له «أن النعمان ~~بن قوقل قال يوم أحد: اللهم إني أقسم عليك أن أقتل فأدخل الجنة، فقتل فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إن النعمان أقسم على الله فأبره» . وروى أبو ~~نعيم بإسناده عن سعيد أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد: يا رب، إذا لقيت ~~العدو غدا، فلقني رجلا شديدا بأسه، شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلني، ثم ~~يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدا، قلت: يا عبد الله # PageV02P349 # من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت، قال سعد: لقد ~~رأيته آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط. وكان سعد بن أبي وقاص ~~مجاب الدعوة، ms509 فكذب عليه رجل، فقال: اللهم إن كان كاذبا فاعم بصره، وأطل ~~عمره، وعرضه للفتن، فأصاب الرجل ذلك كله، فكان يتعرض للجواري في السكك ~~ويقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. ودعا على رجل سمعه يشتم عليا، ~~فما برح من مكانه حتى جاء بعير ناد، فخبطه بيديه ورجليه حتى قتله. ونازعت ~~امرأة سعيد بن زيد في أرض له، فادعت أنه أخذ منها أرضها، فقال: اللهم إن ~~كانت كاذبة، فأعم بصرها واقتلها في أرضها، فعميت، وبينا هي ذات ليلة تمشي ~~في أرضها إذ وقعت في بئر فيها فماتت. وكان العلاء بن الحضرمي في سرية، ~~فعطشوا فصلى، فقال: اللهم يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم، إنا عبيدك وفي ~~سبيلك نقاتل عدوك، فاسقنا غيثا نشرب منه ونتوضأ، ولا تجعل لأحد فيه نصيبا ~~غيرنا، فساروا قليلا، فوجدوا نهرا من ماء السماء يتدفق فشربوا وملئوا ~~أوعيتهم، ثم ساروا فرجع بعض أصحابه إلى موضع النهر، فلم ير شيئا، وكأنه لم ~~يكن في موضعه ماء قط. # PageV02P350 # وشكي إلى أنس بن مالك عطش أرض بالبصرة فتوضأ وخرج إلى البرية، وصلى ~~ركعتين؛ ودعا فجاء المطر فسقى أرضه، ولم يجاوز المطر أرضه إلا يسيرا. ~~واحترقت خصاص بالبصرة في زمن أبي موسى الأشعري، وبقي في وسطها خص لم يحترق، ~~فقال أبو موسى لصاحب الخص: ما بال خصك لم يحترق؟ فقال: إني أقسمت على ربي ~~أن لا يحرقه، فقال أبو موسى: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ~~«في أمتي رجال طلس رءوسهم، دنس ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم» . وكان ~~أبو مسلم الخولاني مشهورا بإجابة الدعوة، فكان يمر به الظبي، فيقول له ~~الصبيان: ادع الله لنا أن يحبس علينا هذا الظبي، فيدعو الله، فيحبسه حتى ~~يأخذوه بأيديهم. ودعا على امرأة أفسدت عليه عشرة امرأته له بذهاب بصرها، ~~فذهب بصرها في الحال، فجاءته، فجعلت تناشده بالله وتطلب إليه، فرحمها ودعا ~~الله فرد عليها بصرها، ورجعت امرأته إلى حالها معه. وكذب رجل على مطرف بن ~~عبد الله بن الشخير، فقال ms510 له مطرف: إن كنت كاذبا، فعجل الله حتفك، فمات ~~الرجل مكانه. وكان رجل من الخوارج يغشى مجلس الحسن البصري، فيؤذيهم، فلما ~~زاد # PageV02P351 # أذاه، قال الحسن: اللهم قد عملت أذاه لنا، فاكفناه بما شئت، فخر الرجل من ~~قامته، فما حمل إلى أهله إلا ميتا على سريره. وكان صلة بن أشيم في سرية، ~~فذهبت بغلته بثقلها، وارتحل الناس، فقام يصلي، وقال: اللهم إني أقسم عليك ~~أن ترد علي بغلتي وثقلها، فجاءت حتى قامت بين يديه. وكان مرة في برية فقرأ ~~فجاع، فاستطعم الله، فسمع وجبة خلفه، فإذا هو بثوب أو منديل فيه دوخلة رطب ~~طري، فأكل منه، وبقي الثوب عند امرأته معاذة العدوية، وكانت من الصالحات. ~~وكان محمد بن المنكدر في غزاة، فقال له رجل من رفقائه: أشتهي جبنا رطبا، ~~فقال ابن المنكدر: استطعموا الله يطعمكم، فإنه القادر، فدعا القوم، فلم ~~يسيروا إلا قليلا، حتى رأوا مكتلا مخيطا، فإذا هو جبن رطب، فقال بعض القوم: ~~لو كان عسلا فقال ابن المنكدر: إن الذي أطعمكم جبنا رطبا هاهنا قادر على أن ~~يطعمكم عسلا، فاستطعموه، فدعوا، فساروا قليلا، فوجدوا ظرف عسل على الطريق، ~~فنزلوا فأكلوا. وكان حبيب العجمي أبو محمد معروفا بإجابة الدعوة؛ دعا لغلام ~~أقرع الرأس، وجعل يبكي ويمسح بدموعه رأس الغلام، فما قام حتى اسود رأسه، ~~وعاد كأحسن الناس شعرا. # PageV02P352 # وأتي برجل زمن في محمل فدعا له، فقام الرجل على رجليه، فحمل محمله على ~~عنقه، ورجع إلى عياله. واشترى في مجاعة طعاما كثيرا، فتصدق به على ~~المساكين، ثم خاط أكيسة، فوضعها تحت فراشه، ثم دعا الله، فجاءه أصحاب ~~الطعام يطلبون ثمنه، فأخرج تلك الأكيسة، فإذا هي مملوءة دراهم، فوزنها، ~~فإذا هي قدر حقوقهم، فدفعها إليهم. وكان رجل يعبث به كثيرا، فدعا عليه حبيب ~~فبرص. وكان مرة عند مالك بن دينار، فجاء رجل، فأغلظ لمالك من أجل دراهم ~~قسمها مالك، فلما طال ذلك من أمره، رفع حبيب يده إلى السماء، فقال: اللهم ~~إن هذا قد شغلنا عن ذكرك، فأرحنا منه كيف شئت، فسقط ms511 الرجل على وجهه ميتا. ~~وخرج قوم في غزاة في سبيل الله، وكان لبعضهم حمار، فمات وارتحل أصحابه، ~~فقام فتوضأ وصلى، وقال: اللهم إني خرجت مجاهدا في سبيلك، وابتغاء مرضاتك، ~~وأشهد أنك تحيي الموتى، وتبعث من في القبور، فأحي لي حماري، ثم قام إلى ~~الحمار فضربه، فقام الحمار ينفض أذنيه، فركبه ولحق أصحابه، ثم باع الحمار ~~بعد ذلك بالكوفة. وخرجت سرية في سبيل الله، فأصابهم برد شديد حتى كادوا أن ~~يهلكوا، فدعوا الله عز وجل وإلى جانبهم شجرة عظيمة، فإذا هي تلتهب نارا، ~~فجففوا # PageV02P353 # ثيابهم، ودفئوا بها حتى طلعت الشمس عليهم، فانصرفوا وردت الشجرة إلى ~~هيئتها. وخرج أبو قلابة [صائما] حاجا فتقدم أصحابه في يوم صائف، فأصابه عطش ~~شديد، فقال: اللهم إنك قادر على أن تذهب عطشي من غير فطر، فأظلته سحابة، ~~فأمطرت عليه حتى بلت ثوبه، وذهب العطش عنه، فنزل فحوض حياضا فملأها، فانتهى ~~إليه أصحابه فشربوا، وما أصاب أصحابه من ذلك المطر شيء. ومثل هذا كثير جدا، ~~ويطول استقصاؤه. وأكثر من كان مجاب الدعوة من السلف كان يصبر على البلاء، ~~ويختار ثوابه، ولا يدعو لنفسه بالفرج منه. وقد روي أن سعد بن أبي وقاص كان ~~يدعو للناس لمعرفتهم له بإجابة دعوته، فقيل له: لو دعوت الله لبصرك، وكان ~~قد أضر، فقال: قضاء الله أحب إلي من بصري. وابتلي بعضهم بالجذام، فقيل له: ~~بلغنا أنك تعرف اسم الله الأعظم، فلو سألته أن يكشف ما بك؟ فقال: يا ابن ~~أخي، إنه هو الذي ابتلاني، وأنا أكره أن أراده. وقيل لإبراهيم التيمي - وهو ~~في سجن الحجاج - لو دعوت الله تعالى، فقال: أكره أن أدعوه أن يفرج عني ما ~~لي فيه أجر. وكذلك سعيد بن جبير صبر على أذى الحجاج حتى قتله، وكان مجاب ~~الدعوة؛ كان له ديك يقوم بالليل بصياحه للصلاة فلم يصح ليلة في وقته، فلم ~~يقم سعيد للصلاة فشق # PageV02P354 # عليه، فقال: ما له؟ قطع صوته، فما صاح الديك بعد ذلك، فقالت له أمه: يا ~~بني لا تدع بعد هذا على ms512 شيء. وذكر لرابعة رجل له منزلة عند الله، وهو يقتات ~~بما يلتقطه من المنبوذات على المزابل، فقال رجل: ما ضر هذا أن يدعو الله أن ~~يغنيه عن هذا؟ فقالت رابعة: إن أولياء الله إذا قضى الله لهم قضاء لم ~~يتسخطوه. وكان حيوة بن شريح ضيق العيش جدا، فقيل له: لو دعوت الله أن يوسع ~~عليك، فأخذ حصاة من الأرض فقال: اللهم اجعلها ذهبا، فصارت تبرة في كفه، ~~وقال: ما خير في الدنيا إلا الآخرة، ثم قال: هو أعلم بما يصلح عباده. وربما ~~دعا المؤمن المجاب الدعوة بما يعلم الله الخيرة له في غيره، فلا يجيبه إلى ~~سؤاله، ويعوضه ما هو خير له إما في الدنيا أو في الآخرة. وقد تقدم في حديث ~~أنس المرفوع: «إن الله يقول: إن من عبادي من يسألني بابا من العبادة، فأكفه ~~كيلا يدخله العجب» . وخرج الطبراني من حديث سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن من أمتي من لو جاء أحدكم يسأله ~~دينارا لم يعطه، ولو سأله درهما لم يعطه، ولو سأله فلسا لم يعطه، ولو سأل ~~الله الجنة لأعطاه إياها ذو طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره» . ~~وخرجه غيره من حديث سالم مرسلا، # PageV02P355 # وزاد فيه: «ولو سأل الله شيئا من الدنيا ما أعطاه تكرمة له» . # وقوله: «ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن: يكره ~~الموت، وأكره مساءته» . المراد بهذا أن الله تعالى قضى على عباده بالموت، ~~كما قال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] [آل عمران: 185] ، ~~والموت: هو مفارقة الروح للجسد، ولا يحصل ذلك إلا بألم عظيم جدا، وهو أعظم ~~الآلام التي تصيب العبد في الدنيا، قال عمر لكعب: أخبرني عن الموت، قال: يا ~~أمير المؤمنين، هو مثل شجرة كثيرة الشوك في جوف ابن آدم، فليس منه عرق ولا ~~مفصل إلا ورجل شديد الذراعين، فهو يعالجها ينتزعها فبكى عمر. ولما احتضر ~~عمرو بن العاص سأله ابنه عن صفة ms513 الموت، فقال: والله لكأن جنبي في تخت، ~~ولكأني أتنفس من سم إبرة، وكأن غصن شوك يجر به من قدمي إلى هامتي. وقيل ~~لرجل عند الموت: كيف تجدك؟ فقال: أجدني أجتذب اجتذابا، وكأن الخناجر مختلفة ~~في جوفي، وكأن جوفي في تنور محمى يلتهب توقدا. وقيل لآخر: كيف تجدك؟ قال: ~~أجدني كأن السماوات منطبقة على الأرض علي، وأجد نفسي كأنها تخرج من ثقب ~~إبرة. فلما كان الموت بهذه الشدة، والله تعالى قد حتمه على عباده كلهم، ولا ~~بد لهم منه، وهو تعالى يكره أذى المؤمن ومساءته، سمى ذلك ترددا في حق # PageV02P356 # المؤمن، فأما الأنبياء عليهم السلام، فلا يقبضون حتى يخيروا. قال الحسن: ~~لما كرهت الأنبياء الموت، هون الله عليهم بلقاء الله، وبكل ما أحبوا من ~~تحفة وكرامة حتى إن نفس أحدهم تنزع من بين جنبيه وهو يحب ذلك لما قد مثل ~~له. وقد «قالت عائشة: ما أغبط أحدا يهون الله عليه الموت بعد الذي رأيت من ~~شدة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كانت عنده قدح من ماء، فيدخل ~~يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ويقول: اللهم أعني على سكرات الموت ~~قالت: وجعل يقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات» . وجاء في حديث مرسل ~~«أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب ~~والقصب والأنامل، اللهم فأعني على الموت وهونه علي» . وقد كان بعض السلف ~~يستحب أن يجتهد عند الموت، كما قال عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن تهون علي ~~سكرات الموت، إنه لآخر ما يكفر به عن المؤمن. وقال النخعي: كانوا يستحبون ~~أن يجهدوا عند الموت. وكان بعضهم يخشى من تشديد الموت أن يفتن، وإذا أراد ~~الله أن يهون على العبد الموت هونه عليه. وفي " الصحيحين " عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «إن المؤمن إذا حضره الموت، بشر برضوان من الله ~~وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، # PageV02P357 # فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه» . وقال ابن مسعود: " إذا جاء ملك ms514 الموت ~~يقبض روح المؤمن، قال له: إن ربك يقرئك السلام ". وقال محمد بن كعب: يقول ~~له ملك الموت: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، ثم تلا: ~~{الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم} [النحل: 32] [النحل: 32] ~~. وقال زيد بن أسلم: تأتي الملائكة للمؤمن إذا حضر، وتقول له: لا تخف مما ~~أنت قادم عليه - فيذهب الله خوفه - ولا تحزن على الدنيا وأهلها، وأبشر ~~بالجنة، فيموت وقد جاءته البشرى. وخرج البزار من حديث عبد الله بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أضن بموت عبده المؤمن من أحدكم ~~بكريمة ماله حتى يقبضه على فراشه» . وقال زيد بن أسلم: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن لله عبادا هم أهل المعافاة في الدنيا والآخرة» . وقال ~~ثابت البناني: إن لله عبادا يضن بهم في الدنيا عن القتل والأوجاع، يطيل ~~الله أعمارهم، ويحسن أرزاقهم، ويميتهم على فرشهم، ويطبعهم بطابع الشهداء. # PageV02P358 # وخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني مرفوعا من وجوه ضعيفة، وفي بعض ألفاظها: ~~«إن لله ضنائن من خلقه يأبى بهم عن البلاء، يحييهم في عافية ويميتهم في ~~عافية، ويدخلهم الجنة في عافية» . قال ابن مسعود وغيره: إن موت الفجاءة ~~تخفيف على المؤمن. وكان أبو ثعلبة الخشني يقول: إني لأرجو أن لا يخنقني ~~الله كما أراكم تخنقون عند الموت، وكان ليلة في داره، فسمعوه ينادي: يا عبد ~~الرحمن، وكان عبد الرحمن قد قتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتى ~~مسجد بيته، فصلى فقبض وهو ساجد. وقبض جماعة من السلف في الصلاة وهم سجود. ~~وكان بعضهم يقول لأصحابه: إني لا أموت موتكم، ولكن أدعى فأجيب، فكان يوما ~~قاعدا مع أصحابه، فقال: لبيك ثم خر ميتا. وكان بعضهم جالسا مع أصحابه ~~فسمعوا صوتا يقول: يا فلان أجب، فهذه والله آخر ساعاتك من الدنيا، فوثب ~~وقال: هذا والله حادي الموت، فودع أصحابه، وسلم عليهم، ثم انطلق نحو الصوت، ~~وهو يقول: سلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، ثم انقطع عنهم ms515 ~~الصوت، فتتبعوا أثره، فوجدوه ميتا. # PageV02P359 # وكان بعضهم جالسا يكتب في مصحف، فوضع القلم من يده، وقال: إن كان موتكم ~~هكذا، فوالله إنه لموت طيب، ثم سقط ميتا. وكان آخر جالسا يكتب الحديث، فوضع ~~القلم من يده، ورفع يديه يدعو الله، فمات # PageV02P360 ### | [الحديث التاسع والثلاثون إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه] # PageV02P360 # الحديث التاسع والثلاثون عن ابن عباس رضي الله عنهما، ~~أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ ~~والنسيان، وما استكرهوا عليه» . حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما. #  هذا الحديث خرجه ابن ماجه من طريق ~~الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخرجه ابن ~~حبان في " صحيحه " والدارقطني، وعندهما: عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن ~~عمير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا إسناد صحيح في ظاهر ~~الأمر، ورواته كلهم محتج بهم في " الصحيحين " وقد خرجه الحاكم، وقال: صحيح ~~على شرطهما. كذا قال، ولكن له علة، وقد أنكره الإمام أحمد جدا، وقال: ليس ~~يروى فيه إلا عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. وقيل لأحمد: إن ~~الوليد بن مسلم روى عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مثله، فأنكره أيضا. # PageV02P361 # وذكر لأبي حاتم الرازي حديث الأوزاعي، وحديث مالك، وقيل له: إن الوليد ~~روى أيضا عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان، عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مثله، فقال أبو حاتم: هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة، وقال: ~~لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث من عطاء، وإنما سمعه من رجل لم يسمه، أتوهم ~~أنه عبد الله بن عامر، أو إسماعيل بن مسلم، قال: ولا يصح هذا الحديث، ولا ~~يثبت إسناده. قلت: وقد روي عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير مرسلا من ~~غير ذكر ابن عباس، وروى يحيى بن سليم، عن ابن جريج، قال: «قال عطاء: بلغني ~~أن رسول الله صلى عليه ms516 وسلم قال: إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان، ~~وما استكرهوا عليه» خرجه الجوزجاني، وهذا المرسل أشبه. وقد ورد من وجه آخر ~~عن ابن عباس مرفوعا رواه مسلم بن خالد الزنجي عن سعيد العلاف، عن ابن عباس، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تجوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه» خرجه الجوزجاني. وسعيد العلاف: هو سعيد بن أبي ~~صالح، قال أحمد: هو مكي، قيل له: كيف حاله؟ قال: لا أدري وما علمت أحدا روى ~~عنه غير مسلم بن خالد، قال أحمد: وليس هذا مرفوعا، إنما هو عن ابن عباس ~~قوله. نقل ذلك عنه مهنا، ومسلم بن خالد ضعفوه. # PageV02P362 # وروي من وجه ثالث من رواية بقية بن الوليد، عن علي الهمداني، عن أبي جمرة ~~عن ابن عباس مرفوعا، خرجه حرب، ورواية بقية عن مشايخه المجاهيل لا تساوي ~~شيئا. وروي من وجه رابع خرجه ابن عدي من طريق عبد الرحيم بن زيد العمي عن ~~أبيه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعبد ~~الرحيم هذا ضعيف. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر، وقد ~~تقدم أن الوليد بن مسلم رواه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا، وصححه ~~الحاكم وغربه، وهو عند حذاق الحفاظ باطل على مالك، كما أنكره الإمام أحمد ~~وأبو حاتم، وكانا يقولان عن الوليد: إنه كثير الخطأ. ونقل أبو عبيد الآجري ~~عن أبي داود، قال روى الوليد بن مسلم عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل، ~~منها عن نافع أربعة. قلت: والظاهر أن منها هذا الحديث، والله أعلم. وخرجه ~~الجوزجاني من رواية يزيد بن ربيعة سمعت أبا الأشعث يحدث عن ثوبان عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله عز وجل تجاوز عن أمتي عن ثلاثة: عن ~~الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه» . ويزيد بن ربيعة ضعيف جدا. # PageV02P363 # وخرج ابن أبي حاتم من رواية أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أم ms517 ~~الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: ~~عن الخطأ والنسيان والاستكراه» قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن، فقال أجل، ~~أما تقرأ بذلك قرآنا: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] ~~[البقرة: 286] . وأبو بكر الهذلي متروك الحديث. وخرجه ابن ماجه، ولكن عنده ~~عن شهر، عن أبي ذر الغفاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ~~تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ولم يذكر كلام الحسن. ~~وأما الحديث المرسل عن الحسن، فرواه عنه هشام بن حسان، ورواه منصور، وعوف ~~عن الحسن من قوله، لم يرفعه، ورواه جعفر بن جسر بن فرقد، عن أبيه، عن ~~الحسن، عن أبي بكرة مرفوعا، وجعفر وأبوه ضعيفان. # PageV02P364 # قال محمد بن نصر المروزي: ليس لهذا الحديث إسناد يحتج به حكاه البيهقي. ~~وفي " صحيح مسلم " عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: ~~{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] [البقرة: 286] قال ~~الله: قد فعلت. وعن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أنها لما نزلت، قال: ~~نعم، وليس واحد منهما مصرحا برفعه. وخرج الدارقطني من رواية ابن جريج، عن ~~عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله تجاوز عن ~~أمتي ما حدثت به أنفسها، وما أكرهوا عليه، إلا أن يتكلموا به أو يعملوا» ، ~~وهو لفظ غريب. وقد خرجه النسائي ولم يذكر الإكراه. وكذا رواه ابن عيينة عن ~~مسعر، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وزاد فيه: «وما استكرهوا عليه» خرجه ابن ماجه. وقد أنكرت هذه الزيادة ~~على ابن عيينة، ولم يتابعه عليها أحد. والحديث مخرج من رواية قتادة في " ~~الصحيحين " والسنن والمسانيد بدونها. # PageV02P365 # ولنرجع إلى شرح حديث ابن عباس المرفوع، فقوله: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ~~الخطأ والنسيان» إلى آخره تقديره: إن الله رفع لي عن أمتي الخطأ، أو ترك ~~ذلك عنهم، فإن " تجاوز " لا يتعدى ms518 بنفسه. وقوله: «الخطأ والنسيان، وما ~~استكرهوا عليه» . فأما الخطأ والنسيان، فقد صرح القرآن بالتجاوز عنهما، قال ~~الله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] [البقرة: ~~286] ، وقال: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} ~~[الأحزاب: 5] [الأحزاب: 5] . وفي " الصحيحين " عن عمرو بن العاص سمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا ~~حكم فاجتهد فأخطأ، فله أجر» . وقال الحسن: لولا ما ذكر الله من أمر هذين ~~الرجلين - يعني داود وسليمان - لرأيت أن القضاة قد هلكوا، فإنه أثنى على ~~هذا بعمله، وعذر هذا باجتهاده: يعني قوله: {وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم} [الأنبياء: 78] [الأنبياء: 78] الآية. وأما ~~الإكراه فصرح القرآن أيضا بالتجاوز عنه، قال تعالى: {من كفر بالله من بعد ~~إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] [النحل: 106] ، ~~وقال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ~~ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} [آل عمران: 28] [آل ~~عمران: 28] الآية. # ونحن نتكلم إن شاء الله في هذا الحديث في فصلين: أحدهما في حكم الخطأ ~~والنسيان، والثاني في حكم الإكراه. # PageV02P366 # الفصل الأول في الخطأ والنسيان الخطأ: هو أن يقصد بفعله شيئا، فيصادف ~~فعله غير ما قصده، مثل أن يقصد قتل كافر، فيصادف قتله مسلما. والنسيان: أن ~~يكون ذاكرا لشيء، فينساه عند الفعل، وكلاهما معفو عنه، بمعنى أنه لا إثم ~~فيه، ولكن رفع الإثم لا ينافي أن يترتب على نسيانه حكم. كما أن من نسي ~~الوضوء، وصلى ظانا أنه متطهر، فلا إثم عليه بذلك، ثم إن تبين أنه كان قد ~~صلى محدثا فإن عليه الإعادة. ولو ترك التسمية على الوضوء نسيانا، وقلنا ~~بوجوبها، فهل يجب عليه إعادة الوضوء؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد. وكذا لو ~~ترك التسمية على الذبيحة نسيانا، فيه عنه روايتان، وأكثر الفقهاء على أنها ~~تؤكل. ولو ترك الصلاة نسيانا ثم ذكر، فإن عليه القضاء، كما قال صلى الله ~~عليه ms519 وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ~~ذلك ثم تلا: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14] [طه: 14] » . ولو صلى حاملا في ~~صلاته نجاسة لا يعفى عنها، ثم علم بها بعد صلاته أو في أثنائها فأزالها فهل ~~يعيد صلاته أم لا؟ فيه قولان، هما روايتان عن أحمد، # PageV02P367 # وقد روي «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلع نعليه في صلاته وأتمها، ~~وقال: إن جبريل أخبرني أن فيهما أذى ولم يعد صلاته» . ولو تكلم في صلاته ~~ناسيا أنه في صلاة، ففي بطلان صلاته بذلك قولان مشهوران، هما روايتان عن ~~أحمد، ومذهب الشافعي: أنها لا تبطل بذلك. ولو أكل في صومه ناسيا، فالأكثرون ~~على أنه لا يبطل صيامه، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «من أكل أو شرب ~~ناسيا فليتم صومه، فإنما أطمعه الله وسقاه» . وقال مالك: عليه الإعادة، ~~لأنه بمنزلة من ترك الصلاة ناسيا، والجمهور يقولون: قد أتى بنية الصيام، ~~وإنما ارتكب بعض محظوراته ناسيا، فيعفى عنه. ولو جامع ناسيا، فهل حكمه حكم ~~الآكل ناسيا أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: - وهو المشهور عن أحمد - أنه يبطل ~~صيامه بذلك وعليه القضاء، وفي الكفارة عنه روايتان. والثاني: لا يبطل صومه ~~بذلك كالأكل، وهو مذهب الشافعي، وحكي رواية عن أحمد. وكذا الخلاف في الجماع ~~في الإحرام ناسيا: هل يبطل به النسك أم لا؟ . ولو حلف لا يفعل شيئا، ففعله ~~ناسيا ليمينه، أو مخطئا ظانا أنه غير المحلوف عليه، فهل يحنث في يمينه أم ~~لا؟ فيه ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد: أحدها: لا يحنث بكل حال، ولو ~~كانت اليمين بالطلاق والعتاق، وأنكر هذه # PageV02P368 # الرواية عن أحمد الخلال، وقال: هي سهو من ناقلها، وهو قول الشافعي في أحد ~~قوليه، وإسحاق وأبي ثور، وابن أبي شيبة، وروي عن عطاء، قال إسحاق: ويستخلف ~~أنه كان ناسيا ليمينه. والثاني: يحنث بكل حال، وهو قول جماعة من السلف ~~ومالك. والثالث: يفرق بين أن يكون يمينه بطلاق أو عتاق، أو بغيرهما وهو ~~المشهور عن أحمد، ms520 وقول أبي عبيد، وكذا قال الأوزاعي في الطلاق، وقال: إنما ~~الحديث الذي جاء في العفو عن الخطأ والنسيان ما دام ناسيا، وأقام على ~~امرأته، فلا إثم عليه، فإذا ذكر، فعليه اعتزال امرأته، فإن نسيانه قد زال. ~~وحكى إبراهيم الحربي إجماع التابعين على وقوع الطلاق بالناسي. ولو قتل ~~مؤمنا خطأ، فإن عليه الكفارة والدية بنص الكتاب، وكذا لو أتلف مال غيره خطأ ~~يظنه أنه مال نفسه. وكذا قال الجمهور في المحرم يقتل الصيد خطأ، أو ناسيا ~~لإحرامه أن عليه جزاءه، ومنهم من قال: لا جزاء عليه إلا أن يكون متعمدا ~~لقتله تمسكا بظاهر قوله عز وجل: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم} [المائدة: 95] الآية [المائدة: 95] ، وهو رواية عن أحمد، وأجاب ~~الجمهور عن الآية بأنه رتب على قتله متعمدا الجزاء وانتقام الله تعالى، ~~ومجموعهما يختص بالعامد، وإذا انتفى العمد انتفى الانتقام، وبقي الجزاء ~~ثابتا بدليل آخر. والأظهر - والله أعلم - أن الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما ~~بمعنى رفع الإثم عنهما، لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات، والناسي ~~والمخطئ لا قصد لهما، فلا إثم عليهما، وأما رفع الأحكام عنهما فليس مرادا ~~من هذه النصوص، فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليل آخر. # PageV02P369 # الفصل الثاني. في حكم المكره. وهو نوعان: أحدهما: من لا اختيار له ~~بالكلية، ولا قدرة له على الامتناع، كمن حمل كرها وأدخل إلى مكان حلف على ~~الامتناع من دخوله، أو حمل كرها، وضرب به غيره حتى مات ذلك الغير، ولا قدرة ~~له على الامتناع، أو أضجعت، ثم زني بها من غير قدرة لها على الامتناع، فهذا ~~لا إثم عليه بالاتفاق، ولا يترتب عليه حنث في يمينه عند جمهور العلماء. وقد ~~حكي عن بعض السلف - كالنخعي - فيه خلاف، ووقع مثله في كلام بعض أصحاب ~~الشافعي وأحمد، والصحيح عندهم أنه لا يحنث بحال. وروي عن الأوزاعي في امرأة ~~حلفت على شيء، وأحنثها زوجها كرها أن كفارتها عليه، وعن أحمد رواية كذلك، ~~فيما إذا وطئ امرأته مكرهة في صيامها أو إحرامها أن ms521 كفارتها عليه. والمشهور ~~عنه أنه يفسد بذلك صومها وحجها. والنوع الثاني: من أكره بضرب أو غيره حتى ~~فعل، فهذا الفعل يتعلق به التكليف، فإنه يمكنه أن لا يفعل فهو مختار للفعل، ~~لكن ليس غرضه نفس الفعل، بل دفع الضرر عنه، فهو مختار من وجه، غير مختار من ~~وجه، ولهذا اختلف الناس: هل هو مكلف أم لا؟ # PageV02P370 # واتفق العلماء على أنه لو أكره على قتل معصوم لم يبح له أن يقتله، فإنه ~~إنما يقتله باختياره افتداء لنفسه من القتل، هذا إجماع من العلماء المعتد ~~بهم، وكان في زمن الإمام أحمد يخالف فيه من لا يعتد به، فإذا قتله في هذه ~~الحال، فالجمهور على أنهما يشتركان في وجوب القود: المكره والمكره؟ ~~لاشتراكهما في القتل، وهو قول مالك والشافعي في المشهور وأحمد، وقيل: يجب ~~على المكره وحده، لأن المكره صار كالآلة، وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي ~~الشافعي، وروي عن زفر كالأول، وروي عنه أنه يجب على المكره لمباشرته، وليس ~~هو كالآلة، لأنه آثم بالاتفاق، وقال أبو يوسف: لا قود على واحد منهما، ~~وخرجه بعض أصحابنا وجها لنا من الرواية لا توجب فيها قتل الجماعة بالواحد، ~~وأولى. ولو أكره بالضرب ونحوه على إتلاف مال الغير المعصوم، فهل يباح له ~~ذلك؟ فيه وجهان لأصحابنا. فإن قلنا: يباح له ذلك، فضمنه المالك، رجع بما ~~ضمنه على المكره، وإن قلنا: لا يباح له ذلك، فالضمان عليهما معا كالقود. ~~وقيل: على المباشر المكره وحده وهو ضعيف. # ولو أكره على شرب الخمر أو غيره من الأفعال المحرمة، ففي إباحته قولان: ~~أحدهما: يباح له ذلك استدلالا بقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ~~إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد ~~إكراههن غفور رحيم} [النور: 33] [النور: 33] ، وهذه نزلت في عبد الله بن ~~أبي ابن سلول، كانت له أمتان يكرههما على الزنا، وهما يأبيان ذلك، وهذا قول ~~الجمهور كالشافعي، وأبي حنيفة، وهو المشهور عن أحمد، وروي نحوه عن الحسن ~~ومكحول، ومسروق وعن عمر بن الخطاب ms522 ما يدل عليه. # PageV02P371 # وأهل هذه المقالة اختلفوا في إكراه الرجل على الزنا، فمنهم من قال: لا ~~يصح إكراهه عليه، ولا إثم عليه، وهو قول الشافعي، وابن عقيل من أصحابنا، ~~ومنهم من قال: لا يصح إكراهه عليه، وعليه الإثم والحد، وهو قول أبي حنيفة ~~ومنصوص أحمد، وروي عن الحسن. والقول الثاني: إن التقية إنما تكون في ~~الأقوال، ولا تقية في الأفعال، ولا إكراه عليها، روي ذلك عن ابن عباس، وأبي ~~العالية، وأبي الشعثاء، والربيع بن أنس، والضحاك، وهو رواية عن أحمد، وروي ~~عن سحنون أيضا. وعلى هذا لو شرب الخمر أو سرق مكرها، حد. وعلى الأول لو شرب ~~الخمر مكرها، ثم طلق أو أعتق، فهل يكون حكمه حكم المختار لشربها أم لا؟ بل ~~يكون طلاقه وعتاقه لغوا؟ فيه لأصحابنا وجهان، وروي عن الحسن فيمن قيل له: ~~اسجد لصنم وإلا قتلناك، قال: إن كان الصنم تجاه القبلة فليسجد، ويجعل نيته ~~لله، وإن كان إلى غير القبلة فلا يفعل وإن قتلوه، قال ابن حبيب المالكي: ~~وهذا قول حسن. قال ابن عطية: وما يمنعه أن يجعل نيته لله، وإن كان لغير ~~القبلة، وفي كتاب الله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] ~~[البقرة: 115] ، وفي الشرع إباحة التنفل للمسافر إلى غير القبلة؟ وأما ~~الإكراه على الأقوال، فاتفق العلماء على صحته، وأن من أكره على قول محرم ~~إكراها معتبرا أن له أن يفتدي نفسه به، ولا إثم عليه، وقد دل عليه قول الله ~~تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] [النحل: 106] 0 ~~«وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: وإن عادوا فعد» . وكان المشركون قد ~~عذبوه حتى يوافقهم # PageV02P372 # على ما يريدونه من الكفر، ففعل. وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه وصى طائفة من أصحابه، وقال: «لا تشركوا بالله وإن قطعتم وحرقتم» ، ~~فالمراد الشرك بالقلوب، كما قال تعالى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس ~~لك به علم فلا تطعهما} [لقمان: 15] [لقمان: 15] ، وقال تعالى: {ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا فعليهم غضب من ms523 الله} [النحل: 106] [النحل: 105] . # PageV02P373 # وسائر الأقوال يتصور عليها الإكراه، فإذا أكره بغير حق على قول من ~~الأقوال، لم يترتب عليه حكم من الأحكام، وكان لغوا، فإن كلام المكره صدر ~~منه وهو غير راض به، فلذلك عفي عنه، ولم يؤاخذ به في أحكام الدنيا والآخرة. ~~وبهذا فارق الناسي والجاهل، وسواء في ذلك العقود: كالبيع والنكاح، أو ~~الفسوخ: كالخلع والطلاق والعتاق، وكذلك الأيمان والنذور، وهذا قول جمهور ~~العلماء، وهو قول مالك والشافعي وأحمد. وفرق أبو حنيفة بين ما يقبل الفسخ ~~عنده، ويثبت فيه الخيار كالبيع ونحوه، فقال: لا يلزم مع الإكراه، وما ليس ~~كذلك، كالنكاح والطلاق والعتاق والأيمان، فألزم بها مع الإكراه. ولو حلف: ~~لا يفعل شيئا، ففعله مكرها، فعلى قول أبي حنيفة يحنث، وأما على قول ~~الجمهور، ففيه قولان: أحدهما: يحنث، كما يحنث إذا فعل به ذلك كرها، ولم ~~يقدر على الامتناع كما سبق، وهذا قول الأكثرين منهم. والثاني: يحنث هاهنا، ~~لأنه فعله باختياره بخلاف ما إذا حمل ولم يمكنه الامتناع، وهو رواية عن ~~أحمد وقول للشافعي، ومن أصحابه - وهو القفال - من فرق بين اليمين بالطلاق ~~والعتاق وغيرهما كما قلنا نحن في الناسي، وخرجه بعض أصحابنا وجها لنا. # ولو أكره على أداء ماله بغير حق، فباع عقاره ليؤدي ثمنه، فهل يصح الشراء ~~منه أم لا؟ فيه روايتان عن أحمد، وعنه رواية ثالثة: إن باعه بثمن المثل ~~اشتري منه، وإن باعه بدونه لم يشتر منه، ومتى رضي المكره بما أكره عليه ~~لحدوث رغبة له فيه بعد الإكراه، والإكراه قائم، صح ما صدر منه من العقود ~~وغيرها بهذا القصد. هذا هو المشهور عند أصحابنا، وفيه وجه آخر: أنه لا يصح ~~أيضا، وفيه بعد. # PageV02P374 # وأما الإكراه بحق، فهو غير مانع من لزوم ما أكره عليه، فلو أكره الحربي ~~على الإسلام فأسلم، صح إسلامه، وكذا لو أكره الحاكم أحدا على بيع ماله ~~ليوفي دينه، أو أكره المؤلي بعد مدة الإيلاء وامتناعه من الفيئة على ~~الطلاق، ولو حلف لا يوفي دينه فأكرهه الحاكم على وفائه، فإنه يحنث ms524 بذلك، ~~لأنه فعل ما حلف عليه حقيقة على وجه يعذر فيه. ذكره أصحابنا بخلاف ما إذا ~~امتنع من الوفاء، فأدى عنه الحاكم، فإنه يحنث، لأنه لم يوجد منه فعل ~~المحلوف عليه. # PageV02P375 ### | [الحديث الأربعون كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل] # PageV02P375 # الحديث الأربعون. «عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ~~أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو ~~عابر سبيل. وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت ~~فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» رواه البخاري. #  هذا الحديث خرجه البخاري عن علي بن ~~المديني، حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، حدثنا الأعمش، حدثني مجاهد، عن ~~ابن عمر، فذكره، وقد تكلم غير واحد من الحفاظ في لفظة: " حدثنا مجاهد " ~~وقالوا: هي غير ثابتة، وأنكروها على ابن المديني وقالوا: لم يسمع الأعمش ~~هذا الحديث من مجاهد، إنما سمعه من ليث بن أبي سليم عنه، وقد ذكره العقيلي ~~وغيره، وخرجه الترمذي من حديث ليث عن مجاهد، وزاد فيه: «وعد نفسك من أهل ~~القبور» ، وزاد في كلام ابن عمر: «فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدا» . ~~وخرجه ابن ماجه ولم يذكر قول ابن عمر. وخرج الإمام أحمد والنسائي من # PageV02P376 # حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة، «عن ابن عمر قال: أخذ النبي صلى ~~الله عليه وسلم ببعض جسدي، وقال: اعبد الله كأنك تراه، وكن في الدنيا كأنك ~~غريب، أو عابر سبيل» . وعبدة بن أبي لبابة أدرك ابن عمر، واختلف في سماعه ~~منه. وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن لا ينبغي له أن ~~يتخذ الدنيا وطنا ومسكنا، فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على ~~جناح سفر: يهيئ جهازه للرحيل. وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم، ~~قال تعالى حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال: {يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا ~~متاع وإن الآخرة هي دار القرار} [غافر: 39] [غافر: 39] . «وكان ms525 النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال ~~في ظل شجرة ثم راح وتركها» . «ومن وصايا المسيح عليه السلام لأصحابه أنه ~~قال لهم: اعبروها ولا تعمروها» ، وروي عنه أنه قال: «من ذا الذي يبني على ~~موج البحر دارا، تلكم الدنيا، فلا تتخذوها قرارا» . ودخل رجل على أبي ذر، ~~فجعل يقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر، أين متاعكم؟ قال: إن لنا بيتا ~~نوجه إليه، قال: إنه لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا، قال: إن صاحب المنزل ~~لا يدعنا فيه. # PageV02P377 # ودخلوا على بعض الصالحين، فقلبوا بصرهم في بيته، فقالوا له: إنا نرى بيتك ~~بيت رجل مرتحل، فقال: أمرتحل؟ لا أرتحل ولكن أطرد طردا. وكان علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه يقول: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت ~~مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء ~~الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل. قال بعض الحكماء: عجبت ~~ممن الدنيا مولية عنه، والآخرة مقبلة إليه يشغل بالمدبرة، ويعرض عن ~~المقبلة. وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: إن الدنيا ليست بدار قراركم، ~~كتب الله عليها الفناء، وكتب الله على أهلها منها الظعن، فكم من عامر موثق ~~عن قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا - رحمكم الله - ~~منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. ~~وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة، ولا وطنا، فينبغي للمؤمن أن يكون ~~حاله فيها على أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة، همه ~~التزود للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة، بل هو ليله ~~ونهاره، يسير إلى بلد الإقامة، فلهذا وصى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر ~~أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين. فأحدهما: أن يترك المؤمن نفسه ~~كأنه غريب في الدنيا يتخيل الإقامة، لكن في بلد غربة، فهو ms526 غير متعلق القلب ~~ببلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، وإنما هو مقيم في الدنيا ~~ليقضي مرمة جهازه إلى الرجوع إلى وطنه، قال الفضيل بن عياض: المؤمن في ~~الدنيا مهموم حزين، همه مرمة جهازه. ومن كان في الدنيا كذلك، فلا هم له إلا ~~في التزود بما ينفعه عند عوده إلى # PageV02P378 # وطنه، فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم، ولا يجزع من الذل ~~عندهم، قال الحسن: المؤمن كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، له ~~شأن، وللناس شأن. لما خلق آدم عليه السلام أسكن هو وزوجته الجنة، ثم أهبطا ~~منها ووعدا بالرجوع إليها، وصالح ذريتهما، فالمؤمن أبدا يحن إلى وطنه ~~الأول، وحب الوطن من الإيمان، كما قيل: # كم منزل للمرء يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل # ولبعض شيوخنا: # فحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيم # ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم # وقد زعموا أن الغريب إذا نأى ... وشطت به أوطانه فهو مغرم # وأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تحكم # كان عطاء السليمي يقول في دعائه: اللهم ارحم في الدنيا غربتي، وارحم في ~~القبر وحشتي، وارحم موقفي غدا بين يديك. «قال الحسن: بلغني أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: إنما مثلي ومثلكم # PageV02P379 # ومثل الدنيا، كقوم سلكوا مفازة غبراء، حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها ~~أكثر، أو ما بقي، أنفدوا الزاد، وحسروا الظهر، وبقوا بين ظهراني المفازة لا ~~زاد ولا حمولة، فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم كذلك، إذ خرج عليهم رجل في حلة ~~يقطر رأسه ماء، فقالوا: إن هذا قريب عهد بريف، وما جاءكم هذا إلا من قريب، ~~فلما انتهى إليهم، قال: علام أنتم؟ قالوا: على ما ترى، قال: أرأيتكم إن ~~هديتكم على ماء رواء، ورياض خضر، ما تعملون؟ قالوا: لا نعصيك شيئا، قال: ~~أعطوني عهودكم ومواثيقكم بالله، قال فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا ~~يعصونه شيئا، قال: فأوردهم ماء، ورياضا خضرا، فمكث فيهم ما شاء ms527 الله، ثم ~~قال: يا هؤلاء الرحيل، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى ماء ليس كمائكم، وإلى رياض ~~ليست كرياضكم، فقال جل القوم - وهم أكثرهم -: والله ما وجدنا هذا حتى ظننا ~~أن لن نجده، وما نصنع بعيش خير من هذا؟ وقالت طائفة - وهم أقلهم -: ألم ~~تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصونه شيئا وقد صدقكم في أول ~~حديثه، فوالله ليصدقنكم في آخره، قال: فراح فيمن اتبعه، وتخلف بقيتهم، فنزل ~~بهم عدو، فأصبحوا بين أسير وقتيل» خرجه ابن أبي الدنيا، وخرجه الإمام أحمد ~~من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بمعناه مختصرا. # PageV02P380 # فهذا المثل في غاية المطابقة بحال النبي صلى الله عليه وسلم مع أمته، ~~فإنه أتاهم والعرب إذ ذاك أذل الناس، وأقلهم، وأسوؤهم عيشا في الدنيا وحالا ~~في الآخرة، فدعاهم إلى سلوك طريق النجاة، وظهر لهم من براهين صدقه، كما ظهر ~~من صدق الذي جاء إلى القوم الذين في المفازة، وقد نفد ماؤهم، وهلك ظهرهم، ~~برؤيته في حلة مترجلا يقطر رأسه ماء، ودلهم على الماء والرياض المعشبة، ~~فاستدلوا بهيئته وحاله على صدق مقاله، فاتبعوه، ووعد من اتبعه بفتح بلاد ~~فارس والروم، وأخذ كنوزهما وحذرهم من الاغترار بذلك، والوقوف معه، وأمرهم ~~بالتجزي من الدنيا بالبلاغ، وبالجد والاجتهاد في طلب الآخرة والاستعداد ~~لها، فوجدوا ما وعدهم به كله حقا، فلما فتحت عليهم الدنيا - كما وعدهم - ~~اشتغل أكثر الناس بجمعها واكتنازها، والمنافسة فيها، ورضوا بالإقامة فيها، ~~والتمتع بشهواتها، وتركوا الاستعداد للآخرة التي أمرهم بالجد والاجتهاد في ~~طلبها، وقبل قليل من الناس وصيته في الجد في طلب الآخرة والاستعداد لها. ~~فهذه الطائفة القليلة نجت، ولحقت نبيها في الآخرة حيث سلكت طريقه في ~~الدنيا، وقبلت وصيته، وامتثلت ما أمر به. وأما أكثر الناس، فلم يزالوا في ~~سكرة الدنيا والتكاثر فيها، فشغلهم ذلك عن الآخرة حتى فاجأهم الموت بغتة ~~على هذه الغرة، فهلكوا وأصبحوا ما بين قتيل وأسير. وما أحسن قول يحيى بن ~~معاذ ms528 الرازي: الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموتى ~~نادما مع الخاسرين. الحال الثاني: أن ينزل المؤمن نفسه في الدنيا كأنه ~~مسافر غير مقيم ألبتة، وإنما هو سائر في قطع منازل السفر حتى ينتهي به ~~السفر إلى آخره، وهو الموت. ومن كانت هذه حاله في الدنيا، فهمته تحصيل ~~الزاد للسفر، وليس له همة في الاستكثار من متاع الدنيا، ولهذا أوصى النبي ~~صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه # PageV02P381 # أن يكون بلاغهم من الدنيا كزاد الراكب. قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحت؟ ~~قال: ما ظنك برجل يرتحل كل يوم مرحلة إلى الآخرة؟ . وقال الحسن: إنما أنت ~~أيام مجموعة، كلما مضى يوم مضى بعضك. وقال: ابن آدم إنما أنت بين مطيتين ~~يوضعانك، يوضعك النهار إلى الليل، والليل إلى النهار، حتى يسلمانك إلى ~~الآخرة، فمن أعظم منك يابن آدم خطرا، وقال: الموت معقود في نواصيكم والدنيا ~~تطوى من ورائكم. قال داود الطائي: إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس ~~مرحلة مرحلة حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل ~~مرحلة زادا لما بين يديها، فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو، والأمر ~~أعجل من ذلك، فتزود لسفرك، واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك. ~~وكتب بعض السلف إلى أخ له: يا أخي يخيل لك أنك مقيم، بل أنت دائب السير، ~~تساق مع ذلك سوقا حثيثا، الموت موجه إليك، والدنيا تطوى من ورائك، وما مضى ~~من عمرك، فليس بكار عليك يوم التغابن. # سبيلك في الدنيا سبيل مسافر ... ولا بد من زاد لكل مسافر # ولا بد للإنسان من حمل عدة ... ولا سيما إن خاف صولة قاهر # قال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم # PageV02P382 # سنته، وسنته تهدم عمره، كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته ~~إلى موته. وقال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال: ~~فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك ms529 أن تبلغ، فقال الرجل: إنا لله وإنا ~~إليه راجعون، فقال الفضيل: أتعرف تفسيره تقول: أنا لله عبد وإليه راجع، فمن ~~علم أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف، ~~فليعلم أنه مسئول، ومن علم أنه مسئول، فليعد للسؤال جوابا، فقال الرجل: فما ~~الحيلة؟ قال يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنك ~~إن أسأت فيما بقي، أخذت بما مضى وبما بقي، وفي هذا المعنى يقول بعضهم: # وإن امرأ قد سار ستين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب # قال بعض الحكماء: من كانت الليالي والأيام مطاياه، سارت به وإن لم يسر، ~~وفي هذا قال بعضهم: # وما هذه الأيام إلا مراحل ... يحث بها داع إلى الموت قاصد # وأعجب شيء - لو تأملت - أنها ... منازل تطوى والمسافر قاعد # وقال آخر: # أيا ويح نفسي من نهار يقودها ... إلى عسكر الموتى وليل يذودها # قال الحسن: لم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار، وتقريب الآجال، ~~هيهات قد صحبا نوحا وعادا وثمودا وقرونا بين ذلك كثيرا، فأصبحوا أقدموا على ~~ربهم، ووردوا على أعمالهم، وأصبح الليل والنهار غضين جديدين، لم يبلهما ما ~~مرا به، مستعدين لمن بقي بمثل ما أصابا به من مضى. # PageV02P383 # وكتب الأوزاعي إلى أخ له: أما بعد، فقد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه ~~يسار بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك ~~به، والسلام. # نسير إلى الآجال في كل لحظة ... وأيامنا تطوى وهن مراحل # ولم أر مثل الموت حقا كأنه ... إذا ما تخطته الأماني باطل # وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شامل # ترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام وهن قلائل # وأما وصية ابن عمر رضي الله عنهما، فهي مأخوذة من هذا الحديث الذي رواه، ~~وهي متضمنة لنهاية قصر الأمل، وأن الإنسان إذا أمسى لم ينتظر الصباح، وإذا ~~أصبح لم ينتظر المساء، بل يظن أن أجله يدركه قبل ذلك، وبهذا فسر غير ms530 واحد ~~من العلماء الزهد في الدنيا، قال المروزي: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد - ~~أي شيء الزهد في الدنيا؟ قال: قصر الأمل، من إذا أصبح قال: لا أمسي، قال: ~~وهكذا قال سفيان. قيل لأبي عبد الله: بأي شيء نستعين على قصر الأمل؟ قال: ~~ما ندري إنما هو توفيق. قال الحسن: اجتمع ثلاثة من العلماء، فقالوا لأحدهم: ~~ما أملك؟ قال: ما أتى علي شهر إلا ظننت أني سأموت فيه، قال: فقال صاحباه: ~~إن هذا لأمل، فقالا لأحدهم: فما أملك؟ قال: ما أتت علي جمعة إلا ظننت أني ~~سأموت فيها، قال: فقال صاحباه: إن هذا لأمل، فقالا للآخر: فما أملك؟ قال: ~~ما أمل من نفسه في يد غيره؟ . قال داود الطائي: سألت عطوان بن عمر التيمي، ~~قلت: ما قصر الأمل؟ # PageV02P384 # قال: ما بين تردد النفس، فحدث بذلك الفضيل بن عياض، فبكى، وقال: يقول: ~~يتنفس فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه، لقد كان عطوان من الموت على حذر. ~~وقال بعض السلف: ما نمت نوما قط، فحدثت نفسي أني أستيقظ منه. وكان حبيب أبو ~~محمد يوصي كل يوم بما يوصي به المحتضر عند موته من تغسيله ونحوه، وكان يبكي ~~كلما أصبح أو أمسى، فسئلت امرأته عن بكائه، فقالت: يخاف - والله - إذا أمسى ~~أن يصبح، وإذا أصبح أن يمسي. وكان محمد بن واسع إذا أراد أن ينام قال ~~لأهله: أستودعكم الله، فلعلها أن تكون منيتي التي لا أقوم منها فكان هذا ~~دأبه إذا أراد النوم. وقال بكر المزني: إن استطاع أحدكم أن لا يبيت إلا ~~وعهده عند رأسه مكتوب، فليفعل، فإنه لا يدري لعله أن يبيت في أهل الدنيا، ~~ويصبح في أهل الآخرة. وكان أويس إذا قيل له: كيف الزمان عليك؟ قال: كيف ~~الزمان على رجل إن أمسى ظن أنه لا يصبح، وإن أصبح ظن أنه لا يمسي فيبشر ~~بالجنة أو النار؟ . وقال عون بن عبد الله: ما أنزل الموت كنه منزلته من عد ~~غدا من أجله، كم من مستقبل يوما يستكمله، وكم من ms531 مؤمل لغد لا يدركه، إنكم ~~لو رأيتم الأجل ومسيره، لبغضتم الأمل وغروره، وكان يقول: إن من أنفع أيام ~~المؤمن له في الدنيا ما ظن أنه لا يدرك آخره. # PageV02P385 # وكانت امرأة متعبدة بمكة إذا أمست قالت: يا نفس، الليلة ليلتك، لا ليلة ~~لك غيرها، فاجتهدت، فإذا أصبحت، قالت: يا نفس اليوم يومك، لا يوم لك غيره، ~~فاجتهدت. وقال بكر المزني: إذا أردت أن تنفعك صلاتك فقل: لعلي لا أصلي ~~غيرها، وهذا مأخوذ مما روي «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: صل صلاة ~~مودع» . وأقام معروف الكرخي الصلاة، ثم قال لرجل: تقدم فصل بنا، فقال ~~الرجل: إني إن صليت بكم هذه الصلاة، لم أصل بكم غيرها، فقال معروف: وأنت ~~تحدث نفسك أنك تصلي صلاة أخرى؟ نعوذ بالله من طول الأمل، فإنه يمنع خير ~~العمل. وطرق بعضهم باب أخ له، فسأل عنه، فقيل له: ليس هو في البيت، فقال: ~~متى يرجع؟ فقالت له جارية من البيت: من كانت نفسه في يد غيره، من يعلم متى ~~يرجع، ولأبي العتاهية من جملة أبيات: # وما أدري وإن أملت عمرا ... لعلي حين أصبح لست أمسي # ألم تر أن كل صباح يوم ... وعمرك فيه أقصر منه أمس # PageV02P386 # وهذا البيت الثاني أخذه مما روي عن أبي الدرداء والحسن أنهما قالا: ابن ~~آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، ومما أنشد بعض السلف: # إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى يدني من الأجل # فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا ... فإنما الربح والخسران في العمل. # قوله: «وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك» ، يعني: اغتنم الأعمال ~~الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها السقم، وفي الحياة قبل أن يحول ~~بينك وبينها الموت، وفي رواية: «فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غدا» ~~يعني: لعلك غدا من الأموات دون الأحياء. وقد روي معنى هذه الوصية عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من وجوه، ففي " صحيح البخاري " عن ابن عباس، عن النبي ~~صلى الله عليه ms532 وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة ~~والفراغ» . وفي " صحيح الحاكم " عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لرجل وهو يعظه: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل ~~سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» . وقال غنيم بن ~~قيس: كنا نتواعظ في أول الإسلام: ابن آدم اعمل في فراغك قبل شغلك، وفي ~~شبابك لكبرك، وفي صحتك لمرضك، وفي دنياك # PageV02P387 # لآخرتك، وفي حياتك لموتك. وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، ~~أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة» . وفي " الترمذي " ~~عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بادروا بالأعمال سبعا: هل تنظرون ~~إلا إلى فقر منس، أو غنى مطغ، أو مرض مفسد، أو هرم مفند، أو موت مجهز، أو ~~الدجال، فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر؟» . والمراد من هذا ~~أن هذه الأشياء كلها تعوق عن الأعمال، فبعضها يشغل عنه، إما في خاصة ~~الإنسان، كفقره وغناه ومرضه وهرمه وموته، وبعضها عام، كقيام الساعة، وخروج ~~الدجال، وكذلك الفتن المزعجة كما جاء في حديث آخر: «بادروا بالأعمال فتنا ~~كقطع الليل المظلم» . # PageV02P388 # وبعض هذه الأمور العامة لا ينفع بعدها عمل، كما قال تعالى: {يوم يأتي بعض ~~آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها ~~خيرا} [الأنعام: 158] [الأنعام: 158] . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، ~~فإذا طلعت ورآها الناس، آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم ~~تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» . وفي " صحيح مسلم " عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث إذا خرجن، لم ينفع نفسا إيمانها لم ~~تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ~~ودابة الأرض» . وفيه أيضا عنه ms533 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تاب ~~قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه» . وعن أبي موسى، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط ~~يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» . وخرج الإمام ~~أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه من حديث # PageV02P389 # صفوان بن عسال، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله فتح بابا قبل ~~المغرب عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه» . وفي " المسند ~~" عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو، ومعاوية، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا ~~طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل» . وروي عن عائشة قالت: إذا ~~خرج أول الآيات، طرحت الأقلام، وحبست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال. ~~خرجه ابن جرير الطبري، وكذا قال كثير بن مرة، ويزيد بن شريح، وغيرهما من ~~السلف: إذا طلعت الشمس من مغربها طبع على القلوب بما فيها، وترفع الحفظة ~~والعمل، وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملا. وقال سفيان الثوري: إذا طلعت ~~الشمس من مغربها، طوت الملائكة صحائفها ووضعت أقلامها. فالواجب على المؤمن ~~المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر عليها ويحال بينه وبينها، إما ~~بمرض أو موت، أو بأن يدركه بعض هذه الآيات التي لا يقبل معها عمل. قال أبو ~~حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة يوشك أن تنفق، فلا يوصل منها إلى قليل ولا ~~كثير. ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليه، ~~ويتمنى الرجوع إلى حالة يتمكن فيها من العمل، فلا تنفعه الأمنية. # PageV02P390 # قال تعالى: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا ~~تنصرون - واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ~~وأنتم لا تشعرون - أن تقول نفس ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت ~~لمن الساخرين - أو تقول ms534 لو أن الله هداني لكنت من المتقين - أو تقول حين ~~ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} [الزمر: 54 - 58] [الزمر: 54 - ~~58] . وقال تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون - لعلي أعمل ~~صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} ~~[المؤمنون: 99 - 100] [المؤمنون: 99 - 100] ، وقال عز وجل: {وأنفقوا من ما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب ~~فأصدق وأكن من الصالحين - ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها} [المنافقون: ~~10 - 11] [المنافقون: 10 - 11] . وفي " الترمذي " عن أبي هريرة مرفوعا: «ما ~~من ميت يموت إلا ندم قالوا: وما ندامته؟ قال: إن كان محسنا، ندم أن لا يكون ~~ازداد، وإن كان مسيئا، ندم أن لا يكون استعتب» . فإذا كان الأمر على هذا ~~فيتعين على المؤمن اغتنام ما بقي من عمره، ولهذا قيل: إن بقية عمر المؤمن ~~لا قيمة له. وقال سعيد بن جبير: كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة، وقال بكر ~~المزني: ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول: يابن آدم، # PageV02P391 # < > اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي، ولا ليلة إلا تنادي: ابن آدم ~~اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي، ولبعضهم: # اغتنم في الفراغ فضل ركوع ... فعسى أن يكون موتك بغتة # كم صحيح مات من غير سقم ... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة # وقال محمود الوراق: # مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا ... وأعقبه يوم عليك جديد # فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة ... فثن بإحسان وأنت حميد # فيومك إن أعقبته عاد نفعه عليك ... وماضي الأمس ليس يعود ولا # ترج فعل الخير يوما إلى غد ... لعل غدا يأتي وأنت فقيد # PageV02P391 ### | [الحديث الحادي والأربعون لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به] # PageV02P391 # الحديث الحادي والأربعون. عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن ~~أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» #  قال الشيخ رحمه الله: ms535 حديث حسن ~~صحيح، رويناه في كتاب " الحجة " بإسناد صحيح! . يريد بصاحب كتاب الحجة ~~الشيخ أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي الفقيه الزاهد نزيل دمشق، ~~وكتابه هذا هو كتاب " الحجة على تارك المحجة " يتضمن ذكر أصول الدين على ~~قواعد أهل الحديث والسنة. وقد خرج هذا الحديث الحافظ أبو نعيم في كتاب " ~~الأربعين " وشرط في أولها أن تكون من صحاح الأخبار وجياد الآثار مما أجمع ~~الناقلون على عدالة ناقليه، وخرجته الأئمة في مسانيدهم، ثم خرجه عن ~~الطبراني: حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي، حدثنا نعيم بن حماد، ~~حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عقبة بن ~~أوس، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن ~~أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ولا يزيغ عنه» . ورواه الحافظ أبو بكر ~~بن عاصم الأصبهاني # PageV02P393 # عن ابن واره، عن نعيم بن حماد، حدثنا عبد الوهاب الثقفي حدثنا بعض ~~مشيختنا هشام أو غيره عن ابن سيرين، فذكره. وليس عنده لا يزيغ عنه، قال ~~الحافظ أبو موسى المديني: هذا الحديث مختلف فيه على نعيم، وقيل فيه: حدثنا ~~بعض مشيختنا، حدثنا هشام أو غيره. قلت: تصحيح هذا الحديث بعيد جدا من وجوه، ~~منها: أنه حديث يتفرد به نعيم بن حماد المروزي، ونعيم هذا وإن كان وثقه ~~جماعة من الأئمة، وخرج له البخاري، فإن أئمة الحديث كانوا يحسنون به الظن، ~~لصلابته في السنة، وتشدده في الرد على أهل الأهواء، وكانوا ينسبونه إلى أنه ~~يهم، ويشبه عليه في بعض الأحاديث، فلما كثر عثورهم على مناكيره، حكموا عليه ~~بالضعف، فروى صالح بن محمد الحافظ عن ابن معين أنه سئل عنه فقال: ليس بشيء ~~ولكنه صاحب سنة، قال صالح: وكان يحدث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة لا يتابع ~~عليها. وقال أبو داود: عند نعيم نحو عشرين حديثا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليس لها أصل، وقال النسائي: ضعيف. وقال مرة: ليس ثقة. وقال مرة: ms536 قد ~~كثر تفرده عن الأئمة المعروفين في أحاديث كثيرة، فصار في حد من لا يحتج به. ~~وقال أبو زرعة الدمشقي: يصل أحاديث يوقفها الناس، يعني أنه يرفع الموقوفات، ~~وقال أبو عروبة الحراني: هو مظلم الأمر، وقال أبو سعيد بن يونس: روى أحاديث ~~مناكير عن الثقات، ونسبه آخرون إلى أنه كان يضع الحديث، وأين كان أصحاب عبد ~~الوهاب الثقفي، وأصحاب هشام بن حسان، وأصحاب ابن سيرين عن هذا الحديث حتى ~~ينفرد به نعيم؟ . ومنها: أنه قد اختلف على نعيم في إسناده، فروي عنه، عن ~~الثقفي، عن هشام، وروي عنه عن الثقفي، حدثنا بعض مشيختنا هشام أو غيره، ~~وعلى هذه الرواية، يكون الشيخ الثقفي غير معروف عينه، وروي عنه، عن الثقفي، ~~حدثنا # PageV02P394 # بعض مشيختنا، حدثنا هشام أو غيره، فعلى هذه الرواية، فالثقفي رواه عن شيخ ~~مجهول، وشيخه رواه عن غير معين، فتزداد الجهالة في إسناده. ومنها: أن في ~~إسناده عقبة بن أوس السدوسي البصري، ويقال فيه: يعقوب بن أوس أيضا، وقد خرج ~~له أبو داود والنسائي وابن ماجه حديثا عن عبد الله بن عمرو، ويقال: عبد ~~الله بن عمر، وقد اضطرب في إسناده، وقد وثقه العجلي، وابن سعد، وابن حبان، ~~وقال ابن خزيمة: روى عنه ابن سيرين مع جلالته، وقال ابن عبد البر: هو ~~مجهول. وقال الغلابي في " تاريخه ": يزعمون أنه لم يسمع من عبد الله بن ~~عمرو، وإنما يقول: قال عبد الله بن عمرو، فعلى هذا تكون رواياته عن عبد ~~الله بن عمرو منقطعة والله أعلم. وأما معنى الحديث، فهو أن الإنسان لا يكون ~~مؤمنا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به، ويكره ما نهى ~~عنه. وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع. قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} [النساء: 65] [النساء: 65] . وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ~~إذا ms537 قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] ~~[الأحزاب: 36] . وذم سبحانه من كره ما أحبه الله، أو أحب ما كرهه الله، ~~قال: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} [محمد: 9] [محمد: 9] ، ~~وقال تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} ~~[محمد: 28] [محمد: 28] . فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبة ~~توجب له الإتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت المحبة، حتى أتى بما ندب إليه ~~منه، كان ذلك # PageV02P395 # فضلا، وأن يكره ما كرهه الله تعالى كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه، ~~فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنزيها، كان ذلك فضلا. وقد ثبت ~~في " الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون ~~أحب إليه من نفسه وولده وأهله والناس أجمعين» فلا يكون المؤمن مؤمنا حتى ~~يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله. ~~والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات، ~~قال عز وجل: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} [التوبة: 24] [التوبة: 24] . ~~وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم} [آل عمران: 31] [آل عمران: 31] قال الحسن: قال أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنا نحب ربنا حبا شديدا، فأحب الله أن يجعل ~~لحبه علما، فأنزل الله هذه الآية. وفي " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى ~~الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» . فمن أحب الله ~~ورسوله محبة صادقة من قلبه، أوجب له ذلك أن يحب بقلبه # PageV02P396 # ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما ms538 يكرهه الله ورسوله، ويرضى ما يرضى الله ~~ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب ~~والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك، فإن ارتكب بعض ما يكرهه الله ~~ورسوله، أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله، مع وجوبه والقدرة عليه، دل ذلك ~~على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك، ويرجع إلى تكميل المحبة ~~الواجبة. قال أبو يعقوب النهرجوري: كل من ادعى محبة الله عز وجل ولم يوافق ~~الله في أمره، فدعواه باطلة، وكل محب ليس يخاف الله، فهو مغرور. وقال يحيى ~~بن معاذ: ليس بصادق من ادعى محبة الله عز وجل ولم يحفظ حدوده. وسئل رويم عن ~~المحبة، فقال الموافقة: في جميع الأحوال، وأنشد: # ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة ... وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا # ولبعض المتقدمين: # تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس شنيع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع # فجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله، وقد ~~وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه، وقال تعالى: {فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله} [القصص: 50] [القصص: 50] . # وكذلك البدع، إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا يسمى أهلها أهل ~~الأهواء. # PageV02P397 # وكذلك المعاصي، إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه. ~~وكذلك حب الأشخاص: الواجب فيه أن يكون تبعا لما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. فيجب على المؤمن محبة الله ومحبة من يحبه الله من الملائكة ~~والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموما، ولهذا كان من علامات ~~وجود حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. ويحرم موالاة أعداء الله ~~ومن يكرهه الله عموما، وقد سبق ذلك في موضع آخر، وبهذا يكون الدين كله لله. ~~«ومن أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» ، ومن ~~كان حبه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه، ms539 كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب، ~~فيجب عليه التوبة من ذلك، والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من تقديم محبة الله ورسوله، وما فيه رضا الله ورسوله على هوى ~~النفوس ومراداتها كلها. قال وهيب بن الورد: بلغنا - والله أعلم - «أن موسى ~~عليه السلام، قال: يا رب أوصني؟ قال: أوصيك بي، قالها ثلاثا حتى قال في ~~الآخرة: أوصيك بي أن لا يعرض لك أمر إلا آثرت فيه محبتي على ما سواها، فمن ~~لم يفعل ذلك لم أزكه ولم أرحمه» . والمعروف في استعمال الهوى عند الإطلاق: ~~أنه الميل إلى خلاف الحق، كما في قوله عز وجل: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله} [ص: 26] [ص: 26] ، وقال: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن ~~الهوى - فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 40 - 41] [النازعات: 40 - 41] . # PageV02P398 # وقد يطلق الهوى بمعنى المحبة والميل مطلقا، فيدخل فيه الميل إلى الحق ~~وغيره، وربما استعمل بمعنى محبة الحق خاصة والانقياد إليه، «وسئل صفوان بن ~~عسال، هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الهوى فقال: سأله أعرابي عن ~~الرجل يحب القوم ولم يلحق بهم، قال: المرء مع من أحب» . ولما نزل قوله عز ~~وجل: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51] [الأحزاب: 51] ~~، قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. ~~«وقال عمر في قصة المشاورة في أسارى بدر: فهوى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت» ، وهذا الحديث مما جاء في استعمال ~~الهوى بمعنى المحبة المحمودة، وقد وقع مثل ذلك في الآثار الإسرائيلية ~~كثيرا، وكلام مشايخ القوم وإشاراتهم نظما ونثرا يكثر في هذا الاستعمال، ~~ومما يناسب معنى الحديث من ذلك قول بعضهم: # إن هواك الذي بقلبي ... صيرني سامعا مطيعا # أخذت قلبي وغمض عيني ... سلبتني النوم والهجوعا # فذر فؤادي وخذ رقادي ... فقال لا بل هما جميعا # PageV02P399 ### | [الحديث الثاني والأربعون قال الله تعالى يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ms540 على ما كان منك ولا أبالي] # PageV02P399 # الحديث الثاني والأربعون. عن أنس بن مالك رضي عنه، ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: يابن آدم، ~~إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو ~~بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني ~~بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة» . ~~رواه الترمذي وقال: حديث حسن. #  هذا الحديث تفرد به الترمذي خرجه ~~من طريق كثير بن فائد، حدثنا سعيد بن عبيد، سمعت بكر بن عبد الله المزني ~~يقول: حدثنا أنس، فذكره، وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ~~انتهى. وإسناده لا بأس به، وسعيد بن عبيد هو الهنائي، قال أبو حاتم: شيخ. ~~وذكره ابن حبان في " الثقات "، ومن زعم أنه غير الهنائي، فقد وهم، وقال ~~الدارقطني: تفرد به كثير بن فائد، عن سعيد مرفوعا، ورواه سلم بن قتيبة، عن ~~سعيد بن عبيد، فوقفه على أنس. قلت: قد روي عنه مرفوعا وموقوفا، وتابعه على ~~رفعه أبو سعيد أيضا مولى بني هاشم، فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعا أيضا، وقد ~~روي أيضا من حديث ثابت، عن أنس مرفوعا، ولكن قال أبو حاتم: هو منكر. وقد ~~روي أيضا من حديث أبي ذر خرجه الإمام أحمد من رواية شهر بن # PageV02P400 # حوشب، عن معديكرب، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه ~~عز وجل فذكره بمعناه، ورواه بعضهم عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر ~~وقيل: عن شهر، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولا يصح هذا القول. وروي من حديث ابن عباس خرجه الطبراني من رواية ~~قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وروي بعضه من وجوه أخر، فخرج مسلم في " صحيحه ms541 " ~~من حديث المعرور بن سويد، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«يقول الله تعالى: من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا، ~~تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة ~~لا يشرك بي شيئا لقيته بقرابها مغفرة» . وخرج الإمام أحمد من رواية أخشن ~~السدوسي، قال: دخلت على أنس # PageV02P401 # فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفسي بيده، لو ~~أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله، لغفر ~~لكم» . فقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها ~~المغفرة: أحدها: الدعاء مع الرجاء، فإن الدعاء مأمور به، وموعود عليه ~~بالإجابة، كما قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] [غافر: ~~60] . وفي " السنن الأربعة " عن النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «إن الدعاء هو العبادة» ثم تلا هذه الآية. وفي حديث آخر خرجه ~~الطبراني مرفوعا: «من أعطي الدعاء، أعطي الإجابة، لأن الله تعالى يقول: ~~{ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] » . وفي حديث آخر: «ما كان الله ليفتح على ~~عبد باب الدعاء، ويغلق عنه باب الإجابة» . لكن الدعاء سبب مقتض للإجابة مع ~~استكمال شرائطه، وانتفاء موانعه، وقد تتخلف إجابته، لانتفاء بعض شروطه، أو ~~وجود بعض موانعه، وقد سبق ذكر # PageV02P402 # بعض شرائطه وموانعه وآدابه في شرح الحديث العاشر. ومن أعظم شرائطه: حضور ~~القلب، ورجاء الإجابة من الله تعالى، كما خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن ~~الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه» . وفي " المسند " عن عبد الله بن عمرو، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن هذه القلوب أوعية، فبعضها أوعى من ~~بعض، فإذا سألتم الله، فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب ~~لعبد دعاء من ظهر قلب غافل» . ولهذا نهي العبد أن يقول في دعائه: اللهم ~~اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن ms542 الله لا مكره له. ونهي أن يستعجل، ~~ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة، وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع ~~العبد رجاءه من إجابة دعائه ولو طالت المدة، فإنه سبحانه يحب الملحين في ~~الدعاء. وجاء في الآثار: «إن العبد إذا دعا ربه وهو يحبه، قال: يا جبريل، ~~لا تعجل بقضاء حاجة عبدي، فإني أحب أن أسمع صوته، وقال تعالى: {وادعوه خوفا ~~وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين} [الأعراف: 56] » [الأعراف: 56] . # PageV02P403 # فما دام العبد يلح في الدعاء، ويطمع في الإجابة من غير قطع الرجاء، فهو ~~قريب من الإجابة، ومن أدمن قرع الباب، يوشك أن يفتح له. وفي " صحيح الحاكم ~~" عن أنس مرفوعا: «لا تعجزوا عن الدعاء، فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد» . # ومن أهم ما يسأل العبد ربه مغفرة ذنوبه، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من ~~النار، ودخول الجنة، وقد «قال النبي صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن» ~~يعني: حول سؤال الجنة والنجاة من النار. قال أبو مسلم الخولاني: ما عرضت لي ~~دعوة فذكرت النار إلا صرفتها إلى الاستعاذة منها. ومن رحمة الله تعالى ~~بعبده أن العبد يدعوه بحاجة من الدنيا، فيصرفها عنه، ويعوضه خيرا منها، إما ~~أن يصرف عنه بذلك سوءا، أو أن يدخرها له في الآخرة، أو يغفر له بها ذنبا، ~~كما في " المسند " و " الترمذي " من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء ~~مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» . وفي " المسند " و " صحيح الحاكم " عن ~~أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس له ~~فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له ~~دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يكشف # PageV02P404 # عنه من السوء مثلها، قالوا: إذا نكثر؟ قال: الله أكثر» . وخرجه الطبراني، ~~وعنده: «أو يغفر له بها ذنبا قد سلف» بدل قوله: «أو يكشف ms543 عنه من السوء ~~مثلها» . وخرج الترمذي من حديث عبادة مرفوعا نحو حديث أبي سعيد أيضا. وبكل ~~حال فالإلحاح بالدعاء بالمغفرة مع رجاء الله تعالى موجب للمغفرة، والله ~~تعالى يقول: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» وفي رواية: «فلا تظنوا ~~بالله إلا خيرا» . ويروى من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر مرفوعا: «يأتي ~~الله تعالى بالمؤمن يوم القيامة، فيقربه حتى يجعله في حجابه من جميع الخلق، ~~فيقول له: اقرأ [صحيفتك] ، فيعرفه ذنبا ذنبا: أتعرف أتعرف؟ فيقول: نعم نعم، ~~ثم يلتفت العبد يمنة ويسرة، فيقول الله تعالى: لا بأس عليك، يا عبدي أنت في ~~ستري من جميع خلقي، ليس بيني وبينك اليوم أحد يطلع على ذنوبك غيري، اذهب ~~فقد غفرتها لك بحرف واحد من جميع ما أتيتني به، قال: ما هو يا رب؟ قال: كنت ~~لا ترجو العفو من أحد غيري» . # PageV02P405 # فمن أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبا لم يرج مغفرته من غير ~~ربه، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره، وقد سبق ذكر ذلك في شرح ~~حديث أبي ذر: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» . الحديث. # وقوله: «إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك ما كان منك ولا أبالي» يعني: على ~~كثرة ذنوبك وخطاياك، ولا يتعاظمني ذلك، ولا أستكثره، وفي " الصحيح " عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة، فإن الله لا ~~يتعاظمه شيء» . فذنوب العبد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها ~~وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته. وفي " صحيح الحاكم " «عن جابر ~~أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: واذنوباه واذنوباه، مرتين ~~أو ثلاثا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل اللهم مغفرتك أوسع من ~~ذنوبي، ورحمتك أرجى عندي من عملي، فقالها، ثم قال له: عد فعاد، ثم قال له: ~~عد، فعاد، فقال له: قم، قد غفر الله لك» . وفي هذا يقول بعضهم: # يا كبير الذنب عفو ال ... له من ذنبك ms544 أكبر # أعظم الأشياء في ... جنب عفو الله يصغر # PageV02P406 # وقال آخر: # يا رب إن عظمت ذنوني كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم # إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو ويدعو المجرم # ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم إني مسلم # السبب الثاني للمغفرة: الاستغفار، ولو عظمت الذنوب، وبلغت الكثرة عنان ~~السماء، وهو السحاب. وقيل: ما انتهى إليه البصر منها، وفي الرواية الأخرى: ~~«لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر ~~لكم» ، والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة: هي وقاية شر الذنوب مع سترها. ~~وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار، فتارة يؤمر به، كقوله تعالى: {واستغفروا ~~الله إن الله غفور رحيم} [البقرة: 199] [البقرة: 199] ، وقوله: {وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} [هود: 3] [هود: 3] . وتارة يمدح أهله، كقوله: ~~{والمستغفرين بالأسحار} [آل عمران: 17] [الذاريات: 18] ، وقوله: {والذين ~~إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر ~~الذنوب إلا الله} [آل عمران: 135] [آل عمران: 135] . وتارة يذكر أن الله ~~يغفر لمن استغفره، كقوله تعالى: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما} [النساء: 110] [النساء: 110] . وكثيرا ما يقرن ~~الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة ~~باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع من الذنوب بالقلوب والجوارح. # PageV02P407 # وتارة يفرد الاستغفار، ويرتب عليه المغفرة، كما ذكر في هذا الحديث وما ~~أشبهه، فقد قيل: إنه أريد به الاستغفار المقترن بالتوبة، وقيل: إن نصوص ~~الاستغفار المفردة كلها مطلقة تقيد بما ذكر في آية " آل عمران " من عدم ~~الإصرار؛ فإن الله وعد فيها بالمغفرة لمن استغفره من ذنوبه ولم يصر على ~~فعله، فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد، ومجرد قول ~~القائل: اللهم اغفر لي - طلب منه للمغفرة ودعاء بها، فيكون حكمه حكم سائر ~~الدعاء، فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه، لا سيما إذا خرج عن قلب منكسر ~~بالذنب أو صادف ساعة من ساعات الإجابة كالأسحار وأدبار الصلوات. ويروى عن ~~لقمان عليه السلام أنه قال لابنه: ms545 يا بني عود لسانك: اللهم اغفر لي، فإن ~~لله ساعات لا يرد فيها سائلا. وقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، ~~وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم أينما كنتم، فإنكم ما ~~تدرون متى تنزل المغفرة. وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب " حسن الظن " من حديث ~~أبي هريرة مرفوعا: «بينما رجل مستلق إذ نظر إلى السماء وإلى النجوم، فقال: ~~إني لأعلم أن لك ربا خالقا، اللهم اغفر لي، فغفر له» . وعن مورق قال: كان ~~رجل يعمل السيئات، فخرج إلى البرية، فجمع ترابا، فاضطجع عليه مستلقيا، ~~فقال: رب اغفر لي ذنوبي، فقال: إن هذا ليعرف أن له ربا يغفر ويعذب، فغفر ~~له. وعن مغيث بن سمي، قال: بينما رجل خبيث، فتذكر يوما، فقال: اللهم # PageV02P408 # غفرانك، اللهم غفرانك، اللهم غفرانك، ثم مات فغفر له. ويشهد لهذا ما في " ~~الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن عبدا أذنب ~~ذنبا، فقال: رب أذنبت ذنبا فاغفر لي، قال الله تعالى: علم عبدي أن له ربا ~~يغفر الذنب، ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا آخر، ~~فذكر مثل الأول مرتين أخريين» وفي رواية لمسلم أنه قال في الثالثة: «قد ~~غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء» . والمعنى: ما دام على هذا الحال كلما أذنب ~~استغفر. والظاهر أن مراده الاستغفار المقرون بعدم الإصرار، ولهذا في حديث ~~أبي بكر الصديق، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما أصر من استغفر وإن ~~عاد في اليوم سبعين مرة» خرجه أبو داود والترمذي. وأما استغفار اللسان مع ~~إصرار القلب على الذنب، فهو دعاء مجرد إن شاء الله أجابه، وإن شاء رده. وقد ~~يكون الإصرار مانعا من الإجابة، وفي " المسند " من حديث عبد الله بن عمرو ~~مرفوعا: «ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعملون» . وخرج ابن أبي الدنيا ~~من حديث ابن عباس مرفوعا: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من ~~ذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه» ورفعه # PageV02P409 # منكر، ولعله موقوف. ms546 قال الضحاك: ثلاثة لا يستجاب لهم، فذكر منهم رجل مقيم ~~على امرأة زنا قضى منها شهوته، قال: رب اغفر لي ما أصبت من فلانة، فيقول ~~الرب: تحول عنها، وأغفر لك، فأما ما دمت مقيما عليها، فإني لا أغفر لك، ~~ورجلا عنده مال قوم يرى أهله، فيقول: رب اغفر لي ما آكل من فلان، فيقول ~~تعالى: رد إليهم مالهم، وأغفر لك، وأما ما لم ترد إليهم، فلا أغفر لك. وقول ~~القائل: أستغفر الله، معناه: أطلب مغفرته، فهو كقوله: اللهم اغفر لي، ~~فالاستغفار التام الموجب للمغفرة: هو ما قارن عدم الإصرار، كما مدح الله ~~أهله، ووعدهم بالمغفرة، قال بعض العارفين: من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح ~~توبته، فهو كاذب في استغفاره، وكان بعضهم يقول: استغفارنا هذا يحتاج إلى ~~استغفار كثير، وفي ذلك يقول بعضهم: # أستغفر الله من أستغفر الله ... من لفظة بدرت خالفت معناها # وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد ... سددت بالذنب عند الله مجراها # فأفضل الاستغفار ما اقترن به ترك الإصرار، وهو حينئذ توبة نصوح، وإن قال ~~بلسانه: أستغفر الله وهو غير مقلع بقلبه، فهو داع لله بالمغفرة، كما يقول: ~~اللهم اغفر لي، وهو حسن وقد يرجى له الإجابة، وأما من قال: " توبة ~~الكذابين، فمراده أنه ليس بتوبة، كما يعتقده بعض الناس، وهذا حق، فإن ~~التوبة لا تكون مع الإصرار. وإن قال: أستغفر الله وأتوب إليه فله حالتان: # PageV02P410 # إحداهما: أن يكون مصرا بقلبه على المعصية، فهذا كاذب في قوله: " وأتوب ~~إليه " لأنه غير تائب، فلا يجوز له أن يخبر عن نفسه بأنه تائب وهو غير ~~تائب. والثانية: أن يكون مقلعا عن المعصية بقلبه، فاختلف الناس في جواز ~~قوله: وأتوب إليه، فكرهه طائفة من السلف، وهو قول أصحاب أبي حنيفة حكاه ~~عنهم الطحاوي، وقال الربيع بن خثيم: يكون قوله: " وأتوب إليه " كذبة وذنبا، ~~ولكن ليقل: اللهم تب علي، أو يقل: اللهم إني أستغفرك فتب علي. وهذا قد يحمل ~~على من لم يقلع بقلبه وهو بحاله أشبه. وكان محمد بن سوقة يقول في استغفاره ms547 ~~أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله توبة نصوحا. ~~وروي عن حذيفة أنه قال: بحسب المرء من الكذب أن يقول: أستغفر الله، ثم ~~يعود. وسمع مطرف رجلا يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، فتغيظ عليه، وقال: ~~لعلك لا تفعل. وهذا ظاهره يدل على أنه إنما كره أن يقول: وأتوب إليه، لأن ~~التوبة النصوح أن لا يعود إلى الذنب أبدا، فمتى عاد إليه، كان كاذبا في ~~قوله: " وأتوب إليه ". وكذلك سئل محمد بن كعب القرظي عمن عاهد الله أن لا ~~يعود إلى معصية أبدا، فقال: من أعظم منه إثما؟ يتألى على الله أن لا ينفذ ~~فيه قضاؤه، ورجح قوله في هذا أبو الفرج بن الجوزي وروي عن سفيان بن عيينة ~~نحو ذلك. وجمهور العلماء على جواز أن يقول التائب: أتوب إلى الله، وأن ~~يعاهد العبد ربه على أن لا يعود إلى المعصية، فإن العزم على ذلك واجب عليه، ~~فهو مخبر بما عزم عليه في الحال، ولهذا قال: " «ما أصر من استغفر، ولو عاد ~~في اليوم # PageV02P411 # سبعين مرة» ". وقال في المعاود للذنب: «قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء» . ~~وفي حديث كفارة المجلس: «أستغفرك اللهم وأتوب إليك» ، «وقطع النبي صلى الله ~~عليه وسلم سارقا، ثم قال له: استغفر الله وتب إليه فقال: أستغفر الله وأتوب ~~إليه، فقال: اللهم تب عليه» خرجه أبو داود. واستحب جماعة من السلف الزيادة ~~على قوله أستغفر الله وأتوب إليه فروي عن عمر أنه سمع رجلا يقول: أستغفر ~~الله وأتوب إليه، فقال له: يا حميق، قل: توبة من لا يملك لنفسه ضرا ولا ~~نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. وسئل الأوزاعي عن الاستغفار: أيقول: ~~أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، فقال: إن هذا ~~لحسن، ولكن يقول: رب اغفر لي حتى يتم الاستغفار. وأفضل أنواع الاستغفار: أن ~~يبدأ العبد بالثناء على ربه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل الله ~~المغفرة كما في حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه ms548 وسلم، قال: «سيد ~~الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، ~~وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء # PageV02P412 # لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» خرجه ~~البخاري. وفي " الصحيحين " عن عبد الله بن عمرو «أن أبا بكر الصديق رضي ~~الله عنه قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل اللهم ~~إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من ~~عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» . ومن أنواع الاستغفار أن يقول العبد ~~" أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ". وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من قاله، غفر له وإن كان فر من الزحف؛ ~~خرجه أبو داود والترمذي. وفي كتاب " اليوم والليلة " للنسائي، «عن خباب بن ~~الأرت، قال: قلت: يا رسول الله، كيف نستغفر؟ قال: قل: اللهم اغفر لنا ~~وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم» ، وفيه «عن أبي هريرة، قال: ما ~~رأيت أحدا أكثر أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله صلى عليه ~~وسلم.» # PageV02P413 # وفي " السنن الأربعة " عن ابن عمر، قال: «إن كنا لنعد لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك ~~أنت التواب الغفور» . وفي " صحيح البخاري " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من ~~سبعين مرة» . وفي " صحيح مسلم " عن الأغر المزني، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» . ~~وفي " المسند " «عن حذيفة قال: قلت: يا رسول الله، إني ذرب اللسان وإن عامة ~~ذلك على أهلي، فقال: أين أنت من الاستغفار إني لأستغفر الله في اليوم ~~والليلة مائة مرة» . وفي " سنن أبي داود " عن ابن عباس، عن النبي ms549 صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ~~ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب» . # PageV02P414 # قال أبو هريرة: إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرة، وذلك على ~~قدر ديتي. وقالت عائشة: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا. قال أبو ~~المنهال: ما جاور عبد في قبره من جار أحب إليه من استغفار كثير. وبالجملة، ~~فدواء الذنوب الاستغفار، وروينا من حديث أبي ذر مرفوعا: «إن لكل داء دواء، ~~وإن دواء الذنوب الاستغفار» . قال قتادة: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ~~ودوائكم، فأما داؤكم: فالذنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار. وقال بعضهم: إنما ~~معول المذنبين البكاء والاستغفار، فمن أهمته ذنوبه، أكثر لها من الاستغفار. ~~قال رباح القيسي: لي نيف وأربعون ذنبا، قد استغفرت الله لكل ذنب مائة ألف ~~مرة. وحاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه، فإذا زلاته لا تجاوز ستا وثلاثين زلة، ~~فاستغفر الله لكل زلة مائة ألف مرة، وصلى لكل زلة ألف ركعة، وختم في كل ~~ركعة منها ختمة، قال: ومع ذلك، فإني غير آمن سطوة ربي أن يأخذني بها، وأنا ~~على # PageV02P415 # خطر من قبول التوبة. ومن زاد اهتمامه بذنوبه، فربما تعلق بأذيال من قلت ~~ذنوبه، فالتمس منه الاستغفار. وكان عمر يطلب من الصبيان الاستغفار، ويقول ~~إنكم لم تذنبوا، وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكتاب: قولوا: اللهم اغفر ~~لأبي هريرة، فيؤمن على دعائهم. قال بكر المزني: لو كان رجل يطوف على ~~الأبواب كما يطوف المسكين يقول: استغفروا لي، لكان نوله أن يفعل. ومن كثرت ~~ذنوبه وسيئاته حتى فاتت العدد والإحصاء، فليستغفر الله مما علم الله، فإن ~~الله قد علم كل شيء وأحصاه، كما قال تعالى: {يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم ~~بما عملوا أحصاه الله ونسوه} [المجادلة: 6] [المجادلة: 6] ، وفي حديث شداد ~~بن أوس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أسألك من خير ما تعلم. وأعوذ بك من ~~شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب» . وفي مثل هذا يقول ~~بعضهم: ms550 أستغفر الله مما يعلم الله إن الشقي لمن لا يرحم الله ما أحلم الله ~~عمن لا يراقبه كل مسيء ولكن يحلم الله فاستغفر الله مما كان من زلل طوبى ~~لمن كف عما يكره الله طوبى لمن حسنت منه سريرته طوبى لمن ينتهي عما نهى ~~الله # السبب الثالث من أسباب المغفرة: التوحيد، وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد ~~المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال تعالى: {إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] [النساء: 48] فمن # PageV02P416 # جاء مع التوحيد بقراب الأرض - وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها - خطايا، لقيه ~~الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل، فإن شاء غفر له، وإن ~~شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها، ثم ~~يدخل الجنة. قال بعضهم: الموحد لا يلقى في النار كما يلقى الكفار، ولا يلقى ~~فيها ما يلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار، فإن كمل توحيد العبد ~~وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه ~~عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار ~~بالكلية. فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه، أخرجت منه كل ما سوى الله محبة ~~وتعظيما وإجلالا ومهابة، وخشية، ورجاء وتوكلا، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه ~~كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، كما سبق ذكره في تبديل ~~السيئات حسنات، فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه ذرة على ~~جبال الذنوب والخطايا، لقلبها حسنات كما في " المسند " وغيره، عن أم هانئ، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا إله إلا الله لا تترك ذنبا، ولا ~~يسبقها عمل» . وفي " المسند " عن شداد بن أوس، وعبادة بن الصامت «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ارفعوا أيديكم، وقولوا: لا إله إلا الله، ~~فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم قال: ~~الحمد لله، ms551 اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني الجنة عليها، ~~وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: أبشروا، فإن الله قد غفر لكم» . # PageV02P417 # قال الشبلي: من ركن إلى الدنيا أحرقته بنارها، فصار رمادا تذروه الرياح، ~~ومن ركن إلى الآخرة أحرقته بنورها، فصار ذهبا أحمر ينتفع به، ومن ركن إلى ~~الله، أحرقه نور التوحيد، فصار جوهرا لا قيمة له. إذا علقت نار المحبة ~~بالقلب أحرقت منه كل شيء ما سوى الرب عز وجل، فطهر القلب حينئذ من الأغيار، ~~وصلح عرشا للتوحيد: «ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن» ~~. # غصني الشوق إليهم بريقي ... فواحريقي في الهوى واحريقي # قد رماني الحب في لج بحر ... فخذوا بالله كف الغريق # حل عندي حبكم في شغافي ... حل مني كل عقد وثيق # فهذا آخر ما ذكره الشيخ رحمه الله من الأحاديث في هذا الكتاب ونحن بعون ~~الله ومشيئته نذكر تتمة الخمسين حديثا من الأحاديث الجامعة لأنواع العلوم ~~والآداب والحكم الموعود بها في أول الكتاب، والله الموفق للصواب. # PageV02P418 ### | [الحديث الثالث والأربعون ألحقوا الفرائض بأهلها] # PageV02P418 # الحديث الثالث والأربعون. عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت ~~الفرائض، فلأولى رجل ذكر» . خرجه البخاري ومسلم. #  هذا الحديث الذي زعم بعض شراح هذه ~~الأربعين أن الشيخ رحمه الله أغفله، فإنه مشتمل على أحكام المواريث وجامع ~~لها، وهذا الحديث خرجاه من رواية وهيب، وروح بن القاسم، عن ابن طاوس، عن ~~أبيه، عن ابن عباس وخرجه مسلم من رواية معمر، ويحيى بن أيوب، عن ابن طاوس ~~أيضا. وقد رواه الثوري، وابن عيينة وابن جريج وغيرهم، عن ابن طاوس عن أبيه ~~مرسلا من غير ذكر ابن عباس، ورجح النسائي إرساله. وقد اختلف العلماء في ~~معنى قوله: «ألحقوا الفرائض بأهلها» : فقالت طائفة: المراد بالفرائض الفروض ~~المقدرة في كتاب الله تعالى، والمراد: أعطوا الفرائض المقدرة لمن سماها ~~الله لهم، فما بقي بعد هذه الفروض، فيستحقه أولى الرجال، والمراد بالأولى ~~الأقرب، كما يقال: ms552 هذا # PageV02P419 # يلي هذا، أي يقرب منه، فأقرب الرجال هو أقرب العصبات، فيستحق الباقي ~~بالتعصيب، وبهذا المعنى فسر الحديث جماعة من الأئمة، منهم الإمام أحمد، ~~وإسحاق بن راهويه، نقله عنهما إسحاق بن منصور، وعلى هذا، فإذا اجتمع بنت ~~وأخت وعم وابن عم أو ابن أخ، فينبغي أن يأخذ الباقي بعد نصف البنت العصبة، ~~وهذا قول ابن عباس، وكان يتمسك بهذا الحديث، ويقر بأن الناس كلهم على ~~خلافه، وذهبت الظاهرية إلى قوله أيضا. وقال إسحاق: إذا كان مع البنت والأخت ~~عصبة، فالعصبة أولى، وإن لم يكن معها أحد، فالأخت لها الباقي، وحكي عن ابن ~~مسعود أنه قال: البنت عصبة من لا عصبة له، ورد بعضهم هذا، وقال: لا يصح عن ~~ابن مسعود. وكان ابن الزبير ومسروق يقولان بقول ابن عباس، ثم رجعا عنه. ~~وذهب جمهور العلماء إلى أن الأخت مع البنت عصبة لها ما فضل، منهم عمر، ~~وعلي، وعائشة، وزيد، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وتابعهم سائر العلماء. وروى ~~عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج: سألت ابن طاوس عن ابنة وأخت، فقال: كان أبي ~~يذكر عن ابن عباس، عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها شيئا، وكان ~~طاوس لا يرضى بذلك الرجل، قال: وكان أبي يشك فيها، ولا يقول فيها شيئا، وقد ~~كان يسأل عنها. والظاهر - والله أعلم - أن مراد طاوس هو هذا الحديث، فإن ~~ابن عباس لم يكن عنده نص صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ميراث الأخت ~~مع البنت، إنما كان يتمسك بمثل عموم هذا الحديث. وما ذكره طاوس أن ابن عباس ~~رواه عن رجل وأنه لا يرضاه، فابن عباس أكثر رواياته للحديث عن الصحابة، ~~والصحابة كلهم عدول قد رضي الله عنهم، # PageV02P420 # وأثنى عليهم، فلا عبرة بعد ذلك بعدم رضا طاوس. وفي " صحيح " البخاري عن ~~أبي قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل، قال: «جاء رجل إلى أبي موسى، فسأله عن ~~ابنة وابنة ابن، وأخت لأب وأم، فقال: للابنة النصف، وللأخت ما بقي وائت ابن ~~مسعود فسيتابعني، فأتى ms553 ابن مسعود، فذكر ذلك له، فقال: لقد ضللت إذا وما أنا ~~من المهتدين أقضي فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: للابنة النصف، ~~ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي، فللأخت، قال: فأتينا أبا موسى ~~فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم» . وفيه ~~أيضا عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال: قضى فينا معاذ بن جبل ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النصف للابنة، والنصف للأخت، ثم ترك ~~الأعمش ذكر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يذكره. وخرجه أبو داود ~~من وجه آخر عن الأسود، وزاد فيه: ونبي الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حي. ~~واستدل ابن عباس لقوله بقول الله عز وجل: {قل الله يفتيكم في الكلالة إن ~~امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} [النساء: 176] [النساء: 176] ~~وكان يقول: أأنتم أعلم أم الله؟ يعني أن الله لم يجعل لها النصف إلا مع عدم ~~الولد، وأنتم تجعلون لها النصف مع الولد وهو البنت. والصواب قول عمر ~~والجمهور، ولا دلالة في هذه الآية على خلاف ذلك؛ لأن المراد بقوله: {فلها ~~نصف ما ترك} [النساء: 176] بالفرض، وهذا مشروط بعدم الولد # PageV02P421 # بالكلية، ولهذا قال بعده: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} ~~[النساء: 176] [النساء: 176] يعني بالفرض، والأخت الواحدة إنما تأخذ النصف ~~مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى، فكذلك الأختان فصاعدا إنما يستحقون ~~الثلثين مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى، فإن كان هناك ولد، فإن كان ذكرا، ~~فهو مقدم على الإخوة مطلقا ذكورهم وإناثهم، وإن لم يكن هناك ولد ذكر، بل ~~أنثى فالباقي بعد فرضها يستحقه الأخ مع أخته بالاتفاق، فإذا كانت الأخت لا ~~يسقطها أخوها؛ فكيف يسقطها من هو أبعد منه من العصبات كالعم وابنه؟ وإذا لم ~~يكن العصبة الأبعد مسقطا لها، فيتعين تقديمها عليه، لامتناع مشاركته لها، ~~فمفهوم الآية أن الولد يمنع أن يكون للأخت النصف بالفرض، وهذا حق ليس ~~مفهوما أن الأخت تسقط بالبنت، ولا ms554 تأخذ ما فضل من ميراثها، يدل عليه قوله ~~تعالى: {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} [النساء: 176] [النساء: 176] ، وقد ~~أجمعت الأمة على أن الولد الأنثى لا يمنع الأخ أن يرث من مال أخته ما فضل ~~عن البنت أو البنات، وإنما وجود الولد الأنثى يمنع أن يحوز الأخ ميراث أخته ~~كله، فكما أن الولد إن كان ذكرا، منع الأخ من الميراث، وإن كان أنثى، لم ~~يمنعه الفاضل عن ميراثها، وإن منعه حيازة الميراث، فكذلك الولد إن كان ذكرا ~~منع الأخت الميراث بالكلية، وإن كان أنثى منعت الأخت أن يفرض لها النصف، ~~ولم يمنعها أن تأخذ ما فضل عن فرضها والله أعلم. # وأما قوله: «فما أبقت الفرائض، فلأولى رجل ذكر» ، فقد قيل: إن المراد به ~~العصبة البعيد خاصة، كبني الإخوة والأعمام وبنيهم، دون العصبة القريب؛ ~~بدليل أن الباقي بعد الفروض يشترك فيه الذكر والأنثى إذا كان العصبة قريبا، ~~كالأولاد والإخوة بالاتفاق، فكذلك الأخت مع البنت بالنص الدال عليه. وأيضا ~~فإنه يخص منه هذه الصور بالاتفاق، وكذلك يخص منه المعتقة مولاة النعمة ~~بالاتفاق، فتخص منه صورة الأخت مع البنت بالنص. # PageV02P422 # وقالت طائفة آخرون: المراد بقوله: «ألحقوا الفرائض بأهلها» ما يستحقه ذوو ~~الفروض في الجملة، سواء أخذوه بفرض أو بتعصيب طرأ لهم، والمراد بقوله: «فما ~~بقي فلأولى رجل ذكر» العصبة الذي ليس له فرض بحال، ويدل عليه أنه قد روي ~~الحديث بلفظ آخر، وهو: «اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله» فدخل ~~في ذلك كل من كان من أهل الفروض بوجه من الوجوه، وعلى هذا فما تأخذه الأخت ~~مع أخيها، أو ابن عمها إذا عصبها هو داخل في هذه القسمة؛ لأنها من أهل ~~الفرائض في الجملة، فكذلك ما تأخذه الأخت مع البنت. وقالت فرقة أخرى: ~~المراد بأهل الفرائض في قوله: «ألحقوا الفرائض بأهلها» ، وقوله: «اقسموا ~~المال بين أهل الفرائض» جملة من سماه الله في كتابه من أهل المواريث من ذوي ~~الفروض والعصبات كلهم، فإن كل ما يأخذه الورثة، فهو فرض فرضه الله لهم، ms555 ~~سواء كان مقدرا أو غير مقدر، كما قال بعد ذكر ميراث الوالدين والأولاد: ~~{فريضة من الله} [النساء: 11] [النساء: 11] ، وفيهم ذو فرض وعصبة، وكما ~~قال: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا} [النساء: 7] [النساء: ~~7] وهذا يشمل العصبات وذوي الفروض، فكذلك قوله: «اقسموا الفرائض بين أهلها ~~على كتاب الله» يشمل قسمته بين ذوي الفروض والعصبات على ما في كتاب الله، ~~فإن قسم على ذلك ثم فضل منه شيء، فيختص بالفاضل أقرب الذكور من الورثة، ~~وكذلك إن لم يوجد في كتاب الله تصريح بقسمته بين من سماه الله من الورثة، ~~فيكون المال حينئذ لأولى رجل ذكر منهم. فهذا الحديث مبين لكيفية قسمة ~~المواريث المذكورة في كتاب الله بين أهلها ومبين لقسمة ما فضل من المال عن ~~تلك القسمة مما لم يصرح به القرآن من أحوال أولئك الورثة وأقسامهم، ومبين ~~أيضا لكيفية توريث بقية # PageV02P423 # العصبات الذين لم يصرح بتسميتهم في القرآن، فإذا ضم هذا الحديث إلى آيات ~~القرآن، انتظم ذلك كله معرفة قسمة المواريث بين جميع ذوي الفروض والعصبات. # ونحن نذكر حكم توريث الأولاد والوالدين كما ذكره الله في أول سورة ~~النساء، وحكم توريث الإخوة من الأبوين، أو من الأب، كما ذكره الله في آخر ~~السورة المذكورة. فأما الأولاد، فقد قال الله تعالى: {يوصيكم الله في ~~أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] [النساء: 11] ، فهذا حكم ~~اجتماع ذكورهم وإناثهم أنه يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، ويدخل في ذلك ~~الأولاد، وأولاد البنين باتفاق العلماء، فمتى اجتمع من الأولاد إخوة ~~وأخوات، اقتسموا الميراث على هذا الوجه عند الأكثرين، فلو كان هناك بنت ~~للصلب أو ابنتان، وكان هناك ابن ابن مع أخته اقتسما الباقي أثلاثا؛ لدخولهم ~~في هذا العموم. هذا قول جمهور العلماء، منهم عمر وعلي وزيد وابن عباس، وذهب ~~إليه عامة العلماء، والأئمة الأربعة. وذهب ابن مسعود إلى أن الباقي بعد ~~استكمال بنات الصلب الثلثين كله لابن الابن، ولا يعصب أخته، وهو قول علقمة ~~وأبي ms556 ثور وأهل الظاهر، فلا يعصب عندهم الولد أخته إلا أن يكون لها فريضة لو ~~انفردت عنه، فكذلك قالوا فيما إذا كان هناك بنت وأولاد ابن ذكور وإناث، إن ~~الباقي لجميع ولد الابن، للذكر منهم مثل حظ الأنثيين. وقال ابن مسعود في ~~بنت وبنات ابن وبني ابن: للبنت النصف والباقي بين ولد الابن، للذكر مثل حظ ~~الأنثيين إلا أن تزيد المقاسمة بنات الابن على السدس، فيفرض لهن السدس، ~~ويجعل الباقي لبني الابن، وهذا قول أبي ثور. وأما الجمهور، فقالوا: النصف ~~الباقي لولد الابن، للذكر مثل حظ الأنثيين # PageV02P424 # عملا بعموم الآية، وعندهم أن الولد وإن نزل يعصب من في درجته بكل حال، ~~سواء كان للأنثى فرض بدونه أو لم يكن، يعصب من أعلى منه من الإناث إلا بشرط ~~أن لا يكون لها فرض بدونه، ولا يعصب من أسفل منه بكل حال. ثم قال تعالى: ~~{فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف} ~~[النساء: 11] . فهذا حكم انفراد الإناث من الأولاد أن للواحدة النصف، ولما ~~فوق الأنثيين الثلثان، ويدخل في ذلك بنات الصلب وبنات الابن عند عدمهن، فإن ~~اجتمعن فإن استكمل بنات الصلب الثلثين، فلا شيء لبنات الابن المنفردات، وإن ~~لم يستكمل البنات الثلثين، بل كان ولد الصلب بنتا واحدة، ومعها بنات ابن، ~~فللبنت النصف، ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين؛ لئلا يزيد فرض البنات على ~~الثلثين، وبهذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود الذي تقدم ~~ذكره، وهو قول عامة العلماء، إلا ما روي عن ابن مسعود وسلمان بن ربيعة أنه ~~لا شيء لبنات الابن، وقد رجع أبو موسى إلى قول ابن مسعود لما بلغه قوله في ~~ذلك. وإنما أشكل على العلماء حكم ميراث البنتين، فإن لهما الثلثين بالإجماع ~~كما حكاه ابن المنذر وغيره، وما حكي فيه عن ابن عباس أن لهما النصف، فقد ~~قيل: إن إسناده لا يصح، والقرآن يدل على خلافه، حيث قال: {وإن كانت واحدة ~~فلها النصف} [النساء: 11] [النساء: 11] ، فكيف تورث أكثر ms557 من واحدة النصف؟ ~~وحديث ابن مسعود في توريث البنت النصف وبنت الابن السدس تكملة الثلثين يدل ~~على توريث البنت الثلثين بطريق الأولى. وخرج الإمام أحمد، وأبو داود ~~والترمذي من حديث جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث ابنتي سعد بن ~~الربيع الثلثين» ، # PageV02P425 # ولكن أشكل فهم ذلك من القرآن لقوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين} ~~[النساء: 11] ، فلهذا اضطرب الناس في هذا، وقال كثير من الناس فيه أقوالا ~~مستبعدة. ومنهم من قال: استفيد حكم ميراث الابنتين من ميراث الأختين، فإنه ~~قال تعالى: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} [النساء: 176] ، ~~واستفيد حكم ميراث أكثر من الأختين من حكم ميراث ما فوق الاثنتين. ومنهم من ~~قال: البنت مع أخيها لها الثلث بنص القرآن، فلأن يكون لها الثلث مع أختها ~~أولى، وسلك بعضهم مسلكا آخر، وهو أن الله تعالى ذكر حكم توريث اجتماع ~~الذكور والإناث من الأولاد، وذكر حكم توريث الإناث إذا انفردن عن الذكور، ~~ولم ينص على حكم انفراد الذكور منهم عن الإناث، وجعل حكم الاجتماع أن الذكر ~~له مثل حظ الأنثيين، فإن اجتمع مع الابن ابنتان فصاعدا، فله مثل نصيب ~~اثنتين منهن، وإن لم يكن معه إلا ابنة واحدة، فلهما الثلثان ولها الثلث، ~~وقد سمى الله ما يستحقه الذكر حظ الأنثيين مطلقا، وليس الثلثان حظ الأنثيين ~~في حال اجتماعهما مع الذكر، لأن حظهما حينئذ النصف، فتعين أن يكون الثلثان ~~حظهما حال الانفراد. وبقي هاهنا قسم ثالث لم يصرح القرآن بذكره، وهو حكم ~~انفراد الذكور من الولد، وهذا مما يمكن إدخاله في حديث ابن عباس: «فما بقي، ~~فلأولى رجل ذكر» ، فإن هذا القسم قد بقي ولم يصرح بحكمه في القرآن، فيكون ~~المال حينئذ لأقرب الذكور من الولد والأمر على هذا، فإنه لو اجتمع ابن وابن ~~ابن، لكان المال كله للابن، ولو كان ابن ابن وابن ابن ابن، لكان المال كله ~~لابن الابن على مقتضى حديث ابن عباس، والله أعلم. # ثم ذكر تعالى حكم ميراث الأبوين، فقال # PageV02P426 # {ولأبويه لكل واحد منهما السدس ms558 مما ترك إن كان له ولد} [النساء: 11] ، ~~فهذا حكم ميراث الأبوين إذا كان للولد المتوفى ولد، وسواء في الولد الذكر ~~والأنثى، وسواء فيه ولد الصلب وولد الابن، هذا كالإجماع من العلماء وقد حكى ~~بعضهم عن مجاهد فيه خلافا، فمتى كان للميت ولد، أو ولد ابن، وله أبوان، ~~فلكل واحد من أبويه السدس فرضا، ثم إن كان الولد ذكرا، فالباقي بعد سدسي ~~الأبوين له، وربما دخل هذا في قوله صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض ~~بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر» . وأقرب العصبات الابن، وإن كان الولد ~~أنثى فإن كانتا اثنتين فصاعدا، فالثلثان لهن، ولا يفضل من المال شيء، وإن ~~كانت بنتا واحدة، فلها النصف، ويفضل من المال سدس آخر، فيأخذه الأب ~~بالتعصيب، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي ~~فلأولى رجل ذكر» ، فهو أولى رجل ذكر عند فقد الابن؛ إذ هو أقرب من الأخ ~~وابنه والعم وابنه. ثم قال تعالى: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه ~~الثلث} [النساء: 11] ، يعني إذا لم يكن للميت ولد، وله أبوان يرثانه، فلأمه ~~الثلث، فيفهم من ذلك أن الباقي بعد الثلث للأب؛ لأنه أثبت ميراثه لأبويه، ~~وخص الأم من الميراث بالثلث، فعلم أن الباقي للأب، ولم يقل: فللأب - مثلا - ~~ما للأم؛ لئلا يوهم أن اقتسامهما المال هو بالتعصيب كالأولاد والإخوة، إذا ~~كان فيهم ذكور وإناث. وكان ابن عباس يتمسك بهذه الآية بقوله في المسألتين ~~الملقبتين بالعمريتين وهما: زوج وأبوان، وزوجة وأبوان، فإن عمر قضى أن ~~الزوجين يأخذان فرضهما من المال، وما بقي بعد فرضهما في المسألتين، فللأم ~~ثلثه، والباقي للأب، وتابعه على ذلك جمهور الأمة. # PageV02P427 # وقال ابن عباس بل للأم الثلث كاملا، تمسكا بقوله: {فإن لم يكن له ولد ~~وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11] . وقد قيل في جواب هذا: إن الله ~~إنما جعل للأم الثلث بشرطين: أحدهما: أن لا يكون للولد المتوفى ولد، ~~والثاني: أن يرثه أبواه، أي أن ينفرد أبواه بميراثه، فما لم ينفرد أبواه ~~بميراثه، فلا تستحق ms559 الأم الثلث، وإن لم يكن للمتوفى ولد. وقد يقال - وهو ~~أحسن -: إن قوله: {وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11] أي: مما ورثه ~~الأبوان، ولم يقل: فلأمه الثلث مما ترك كما قال في السدس، فالمعنى أنه إذا ~~لم يكن له ولد، وكان لأبويه من ماله ميراث، فللأم ثلث ذلك الميراث الذي ~~يختص به الأبوان، ويبقى الباقي للأب. ولهذا السر والله أعلم حيث ذكر الله ~~الفروض المقدرة لأهلها، قال فيها: مما ترك، أو ما يدل على ذلك، كقوله: {من ~~بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] ، ليبين أن ذا الفرض حقه ذلك الجزء ~~المفروض المقدر له من جميع المال بعد الوصايا والديون، وحيث ذكر ميراث ~~العصبات، أو ما يقتسمه الذكور والإناث على وجه التعصيب كالأولاد والإخوة لم ~~يقيده بشيء من ذلك، ليبين أن المال المقتسم بالتعصيب ليس هو المال كله بل، ~~تارة يكون جميع المال، وتارة يكون هو الفاضل عن الفروض المفروضة المقدرة، ~~وهنا لما ذكر ميراث الأبوين من ولدهما الذي لا ولد له، ولم يكن اقتسامهما ~~للميراث بالفرض المحض، كما في ميراثهما مع الولد، ولا كان بالتعصيب المحض ~~الذي يعصب فيه الذكر والأنثى، ويأخذ مثلي ما تأخذه الأنثى، بل كانت الأم ~~تأخذ ما تأخذه بالفرض، والأب يأخذ ما يأخذه بالتعصيب، قال: {وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث} [النساء: 11] يعني أن القدر الذي يستحقه # PageV02P428 # الأبوان من ميراثه تأخذ الأم ثلثه فرضا، والباقي يأخذه الأب بالتعصيب، ~~وهذا مما فتح الله به، ولا أعلم أحدا سبق إليه، ولله الحمد والمنة. # ثم قال تعالى: {فإن كان له إخوة فللأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو ~~دين} [النساء: 11] يعني: للأم السدس مع الإخوة من جميع التركة الموروثة ~~التي يقتسمها الورثة، ولم يذكر هنا ميراث الأب مع الأم، ولا شك أنه إذا ~~اجتمع أم وإخوة ليس معهم أب، فإن للأم السدس، والباقي للإخوة ويحجبها ~~الأخوان فصاعدا عند الجمهور. وأما إن كان مع الأم والإخوة أب، فقال ~~الأكثرون: يحجب الإخوة الأم ولا يرثون، وروي عن ابن عباس أنهم يرثون السدس ms560 ~~الذي حجبوا عنه الأم بالفرض كما يرث ولد الأم مع الأم بالفرض. وقد قيل: إن ~~هذا مبني على قوله: إن الكلالة من لا ولد له خاصة، ولا يشترط للكلالة فقد ~~الوالد، فيرث الإخوة مع الأب بالفرض. ومن العلماء المتأخرين من قال: إذا ~~كان الإخوة محجوبين بالأب، فلا يحجبون الأم عن شيء، بل لها حينئذ الثلث، ~~ورجحه الإمام أبو العباس بن تيمية رحمة الله عليه، وقد يؤخذ من عموم قول ~~عمر وغيره من السلف: من لا يرث لا يحجب، وقد قال نحوه أحمد والخرقي، لكن ~~أكثر العلماء يحملون ذلك على أن المراد من ليس له أهلية بالكلية، كالكافر ~~والرقيق، دون من يرث لانحجابه بمن هو أقرب منه، والله أعلم. وقد يشهد للقول ~~بأن الإخوة إذا كانوا محجوبين لا يحجبون الأم أن الله تعالى قال: {فإن كان ~~له إخوة فلأمه السدس} [النساء: 11] ولم يذكر الأب، فدل على أن ذلك حكم ~~انفراد الأم مع الإخوة، فيكون الباقي بعد السدس كله لهم، وهذا ضعيف، فإن ~~الإخوة قد يكونون من أم، فلا يكون لهم سوى الثلث، والله تعالى أعلم. # PageV02P429 # اعلم أن الله تعالى ذكر حكم ميراث الأبوين، ولم يذكر الجد ولا الجدة، ~~فأما الجدة، فقد قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما: إنه ~~ليس لهما في كتاب الله شيء، وقد حكى بعض العلماء الإجماع على ذلك، وأن ~~فرضها إنما ثبت بالسنة. وقيل: إن السدس طعمة أطعمها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وليس بفرض، كذا روي عن ابن مسعود وسعيد بن المسيب. وقد روي عن ~~ابن عباس من وجوه فيها ضعف أنها بمنزلة الأم عند فقد الأم ترث ميراث الأم، ~~فترث الثلث تارة، والسدس أخرى، وهذا شذوذ، ولا يصح إلحاق الجدة، بالجد لأن ~~الجد عصبة يدلي بعصبة، والجدة ذات فرض تدلي بذات فرض فضعفت، وقد قيل: إنه ~~ليس لها فرض بالكلية، وإنما السدس طعمة أطعمها النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولهذا قالت طائفة ممن يرى الرد على ذوي الفروض: إنه لا يرد ms561 على الجدة لضعف ~~فرضها، وهو رواية عن أحمد. وأما الجد، فاتفق العلماء على أنه يقوم مقام ~~الأب في أحواله المذكورة من قبل، فيرث مع الولد السدس بالفرض، ومع عدم ~~الولد يرث بالتعصيب، وإن بقي شيء مع إناث الولد أخذه بالتعصيب أيضا عملا ~~بقوله: «فما أبقت الفرائض، فلأولى رجل ذكر» . ولكن اختلفوا إذا اجتمع أم ~~وجد مع أحد الزوجين، فروي عن طائفة من الصحابة أن للأم ثلث الباقي كما لو ~~كان معها الأب كما سبق، روي ذلك عن عمر، وابن مسعود كذا نقله بعضهم، ومنهم ~~من قال: إنما روي عن عمر، وابن مسعود في زوج وأم وجد أن للأم ثلث الباقي. ~~وروي عن ابن مسعود رواية أخرى: أن النصف الفاضل بين الجد والأم # PageV02P430 # نصفان، وأما في زوجة وأم وجد، فروي عن ابن مسعود رواية شاذة: إن للأم ثلث ~~الباقي، والصحيح عنه كقول الجمهور: إن لها الثلث كاملا، وهذا يشبه تفريق ~~ابن سيرين في الأم مع الأب أنه إن كان معهما زوج، للأم ثلث الباقي، وإن كان ~~معها زوجة، فللأم الثلث. وجمهور العلماء على أن الأم لها الثلث مع الجد ~~مطلقا، وهو قول علي وزيد، وابن عباس، والفرق بين الأم مع الأب والجد أنها ~~مع الأب يشملها اسم واحد، وهما في القرب سواء إلى الميت، فيأخذ الذكر منهما ~~مثل حظ الأنثيين كالأولاد والإخوة، وأما الأم مع الجد، فليس يشملها اسم ~~واحد، والجد أبعد من الأب، فلا يلزم مساواته به في ذلك. وأما إن اجتمع الجد ~~مع الإخوة، فإن كانوا لأم سقطوا به، لأنهم إنما يرثون من الكلالة، ~~والكلالة: من لا ولد له ولا والد، إلا رواية شذت عن ابن عباس. وأما إن ~~كانوا لأب أو لأبوين، فقد اختلف العلماء في حكم ميراثهم قديما وحديثا، ~~فمنهم من أسقط الإخوة بالجد مطلقا، كما أسقطوه بالأب وهذا قول الصديق، ~~ومعاذ، وابن عباس وغيرهم، واستدلوا بأن الجد أب في كتاب الله عز وجل، فيدخل ~~في مسمى الأب في المواريث، كما أن ولد الولد ولد، ويدخل في ms562 مسمى الولد عند ~~عدم الولد بالاتفاق، وبأن الإخوة إنما يرثون مع الكلالة، فيحجبهم الجد ~~كالإخوة من الأب، وبأن الجد أقوى من الإخوة، لاجتماع الفرض والتعصيب له من ~~جهة واحدة، فهو كالأب، وحينئذ فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «فما ~~بقي فلأولى رجل ذكر» . ومنهم من شرك بين الإخوة والجد وهو قول كثير من ~~الصحابة، وأكثر الفقهاء بعدهم على اختلاف طويل بينهم في كيفية التشريك ~~بينهم في الميراث، وكان من السلف من يتوقف في حكمهم ولا يجيب فيهم بشيء؛ ~~لاشتباه أمرهم # PageV02P431 # وإشكاله، ولولا خشية الإطالة لبسطنا القول في هذه المسألة، ولكن ذلك يؤدي ~~إلى الإطالة جدا. # وأما حكم ميراث الإخوة للأبوين أو للأب، فقد ذكره الله تعالى في آخر سورة ~~النساء في قوله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ~~ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} [النساء: 176] [النساء: 176] والكلالة ~~مأخوذة من تكلل النسب وإحاطته بالميت، وذلك يقتضي انتفاء الانتساب مطلقا من ~~العمودين الأعلى والأسفل، وتنصيصه تعالى على انتفاء الوالد تنبيه على ~~انتفاء الوالد بطريق الأولى، لأن انتساب الولد إلى والده أظهر من انتسابه ~~إلى ولده، فكان ذكر عدم الولد تنبيها على عدم الوالد بطريق الأولى، وقد قال ~~أبو بكر الصديق: الكلالة: من لا ولد له ولا والد، وتابعه جمهور الصحابة ~~والعلماء بعدهم، وقد روي ذلك مرفوعا من مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، خرجه أبو داود في " المراسيل " وخرجه الحاكم من ~~رواية عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا، وصححه، ووصله بذكر أبي هريرة ~~ضعيف. فقوله: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} [النساء: ~~176] يعني: إذا لم يكن للميت ولد بالكلية لا ذكر ولا أنثى، فللأخت - حينئذ ~~- النصف مما ترك فرضا، ومفهوم هذا أنه إذا كان له ولد فليس للأخت النصف ~~فرضا، ثم إن كان الولد ذكرا، فهو أولى بالمال كله لما سبق تقريره في ميراث ~~الأولاد الذكور إذا انفردوا، فإنهم أقرب ms563 العصبات، وهم يسقطون الإخوة، فكيف ~~لا يسقطون # PageV02P432 # الأخوات؟ وأيضا فقد قال تعالى: {وإن كانوا أخوة رجالا ونساء فللذكر مثل ~~حظ الأنثيين} [النساء: 176] ، وهذا يدخل فيه ما إذا كان هناك ذو فرض ~~كالبنات وغيرهن، فإذا استحق الفاضل ذكور الإخوة مع الأخوات، فإذا انفردوا، ~~فكذلك يستحقونه وأولى، وإن كان الولد أنثى فليس للأخت هنا النصف بالفرض، ~~ولكن لها الباقي بالتعصيب عند جمهور العلماء، وقد سبق ذكر ذلك والاختلاف ~~فيه، فلو كان هناك ابن لا يستوعب المال كله وأخت، مثل ابن نصفه حر عند من ~~يورثه نصف الميراث، وهو مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء، فهل يقال: إن ~~الابن هنا يسقط نصف فرض الأخت، فترث معه الربع فرضا، أم يقال: إنه يصير ~~كالبنت، فتصير الأخت معه عصبة، كما تصير مع الأخت، لكنه يسقط نصف تعصيبها ~~فتأخذ معه النصف الباقي بالتعصيب؟ هذا محتمل، وفي هذه المسألة لأصحابنا ~~وجهان. # وقوله تعالى: {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} [النساء: 176] ، يعني أن ~~الأخ يستقل بميراث أخته إذا لم يكن لها ولد ذكر أو أنثى؛ فإن كان لها ولد ~~ذكر، فهو أولى من الأخ بغير إشكال، فإنه أولى رجل ذكر، وإن كان أنثى ~~فالباقي بعد فرضها يكون للأخ، لأنه أولى رجل ذكر، ولكن لا يستقل بميراثها ~~حينئذ، لأنه كما إذا لم يكن لها ولد. وقوله: {فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك} [النساء: 176] يعني أن فرض الثنتين الثلثان، كما أن فرض ~~الواحدة النصف، فهذا كله في حكم انفراد الإخوة والأخوات. وأما حكم ~~اجتماعهم، فقد قال تعالى: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين} [النساء: 176] فدخل في ذلك ما إذا كانوا منفردين، وأما إذا كان # PageV02P433 # هناك ذو فرض من الأولاد أو غيرهم، كأحد الزوجين أو الأم أو الإخوة من ~~الأم، فيكون الفاضل عن فروضهم للإخوة والأخوات بينهم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين. فقد تبين بما ذكرناه أن وجود الولد إنما يسقط فرض الأخوات من ~~الأبوين أو الأب، ولا يسقط توريثهن بالتعصيب مع أخواتهن بالإجماع، ولا ~~تعصيبهن بانفرادهن ms564 مع البنات عند الجمهور، فالكلالة شرط لثبوت فرض الأخوات، ~~لا لثبوت ميراثهن، كما أنه ليس بشرط لميراث ذكورهم بالإجماع، وهذا بخلاف ~~ولد الأم، فإن انتفاء الكلالة أسقطت فروضهم، وإذا أسقطت فروضهم، سقطت ~~مواريثهم؛ لأنه لا تعصيب لهم بحال لإدلائهم بأنثى والأخوات للأبوين أو للأب ~~يدلون بذكر، فيرثن بالتعصيب مع إخوتهن بالاتفاق، وبانفرادهن مع البنات عند ~~الجمهور. وإذا كان الولد مسقطا لفرض ولد الأبوين، أو الأب دون أصل توريثهم ~~بغير الفرض، فقد يقال: إن الله تعالى إنما خص انتفاء الولد في قوله: {ليس ~~له ولد} [النساء: 176] ، ولم يذكر انتفاء الوالد والأب؛ لأنه كان يدخل فيه ~~الجد، والجد لا يسقط ميراث الإخوة بالكلية، وإنما يشتركون معه في الميراث، ~~تارة بالفرض وتارة بغيره، وهذا على قول من يقول: إن الجد لا يسقط الإخوة - ~~وهم الجمهور - ظاهر، وهذا كله في انفراد ولد الأبوين أو الأب، فإن اجتمعوا، ~~فإن العصبات من ولد الأبوين يسقطون ولد الأب كلهم بغير خلاف حتى في الأخت ~~من الأبوين مع البنت عند من يجعلها عصبة يسقط بها الأخ من الأبوين. وفي " ~~المسند " و " الترمذي " و " ابن ماجه " عن علي قال: «قضى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن أعيان بني الأم يرثون دون بني العلات، يرث الرجل أخاه ~~لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه» . # PageV02P434 # وقال عمرو بن شعيب: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأخ للأب ~~والأم أولى بالكلالة بالميراث، ثم الأخ للأب» ، وهذا أيضا مما يدخل في قوله ~~عليه السلام: «فما بقي فلأولى رجل ذكر» . والتحقيق في ذلك أن كل ما دل عليه ~~القرآن، ولو بالتنبيه، فليس هو مما أبقته الفرائض، بل هو من إلحاق الفرائض ~~المذكورة في القرآن بأهلها، كتوريث الأولاد ذكورهم وإناثهم الفاضل عن ~~الفروض، للذكر مثل حظ الأنثيين، وتوريث الإخوة ذكورهم وإناثهم كذلك، ودل ~~ذلك بطريق التنبيه على أن الباقي يأخذه الذكر منهم عند الانفراد بطريق ~~الأولى ودل أيضا بالتنبيه على أن الأخت تأخذ الباقي مع البنت كما كانت ~~تأخذه مع أخيها، ولا يقدم عليها ms565 من هو أبعد منها كابن الأخ والعم وابنه، ~~فإن أخاها إذا لم يسقطها فكيف يسقطها من هو أبعد منه؟ فهذا كله من باب ~~إلحاق الفرائض بأهلها، ومن باب قسمة المال بين أهل الفرائض على كتاب الله. # وأما من لم يذكر باسمه من العصبات في القرآن، كابن الأخ والعم وابنه، ~~فإنما دخل في عمومات مثل قوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله} [الأنفال: 75] [الأنفال: 75] ، وقوله: {ولكل جعلنا موالي مما ~~ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 33] [النساء: 33] ، فهذا يحتاج في ~~توريثهم إلى هذا الحديث، أعني حديث ابن عباس، فإذا لم يوجد للمال وارث ~~غيرهم، انفردوا به، ويقدم منهم # PageV02P435 # الأقرب فالأقرب، لأنه أولى رجل ذكر، وإن وجدت فروض لا تستغرق المال، كأحد ~~الزوجين أو الأم، أو ولد الأم، أو بنات منفردات، أو أخوات منفردات، فالباقي ~~كله لأولى ذكر من هؤلاء. ولهذا لو كان هؤلاء إخوة رجالا ونساء، لاختص به ~~رجالهم دون نسائهم، بخلاف الأولاد والإخوة، فإنه يشترك في الباقي، أو في ~~المال كله ذكورهم وإناثهم بنص القرآن، والحديث إنما دل على توريث الذين ~~يختص ذكورهم دون إناثهم، وهم من عدا الأولاد والإخوة، فهذا حكم العصبات ~~المذكورين في كتاب الله، وفي حديث ابن عباس. وأما ذوو الفروض، فقد ذكرنا ~~حكم مواريثهم، ولم يبق منهم إلا الزوجان والإخوة للأم، فأما الزوجان فيرثان ~~بسبب عقد النكاح. ولما كان بين الزوجين من الألفة والمودة والتناصر ~~والتعاضد ما بين الأقارب، جعل ميراثهما كميراث الأقارب، وجعل للذكر منهما ~~مثلا ما للأنثى؛ لامتياز الذكر على الأنثى بمزيد النفع بالإنفاق والنصرة. ~~وأما ولد الأم، فإنهم ليسوا من قبيلة الرجل، ولا عشيرته، وإنما هم في ~~المعنى من ذوي رحمه، ففرض الله لواحدهم السدس، ولجماعتهم الثلث صلة، وسوى ~~فيه بين ذكورهم وإناثهم، حيث لم يكن لذكرهم زيادة على إناثهم في الحياة من ~~المعاضدة والمناصرة، كما بين أهل القبيلة والعشيرة الواحدة، فسوى بينهم في ~~الصلة، ولهذا لم تشرع الوصية للأجانب بزيادة على الثلث، بل كان الثلث كثيرا ~~في حقهم؛ لأنهم أبعد من ولد ms566 الأم، فينبغي أن لا يزادوا على ما يوصل به ولد ~~الأم، بل ينقصون منه. واستدل بعضهم بقوله: «فما بقي فلأولى رجل ذكر» على ~~أنه لا ميراث لذوي الأرحام؛ لأنه لم يجعل حق الميراث لمن لم يذكر في القرآن ~~إلا لأقرب الذكور، وهذا الحكم يختص بالعصبات دون ذوي الأرحام، فإن من ورث ~~ذوي الأرحام، ورث ذكورهم وإناثهم. # PageV02P436 # وأجاب من يرى توريث ذوي الأرحام بأن هذا الحديث دل على توريث العصبات، لا ~~على نفي توريث غيرهم، وتوريث ذوي الأرحام مأخوذ من أدلة أخرى، فيكون ذلك ~~زيادة على ما دل عليه حديث ابن عباس. وأما قوله: «فلأولى رجل ذكر» مع أن ~~الرجل لا يكون إلا ذكرا، فالجواب الصحيح عنه أنه يطلق الرجل، ويراد به ~~الشخص، كقوله: من وجد ماله عند رجل قد أفلس، وفرق بين أن يجده عند رجل أو ~~امرأة، فتقييده بالذكر ينفي هذا الاحتمال، ويخلصه للذكر دون الأنثى وهو ~~المقصود، وكذلك الابن: لما كان قد يطلق، ويراد به أعم من الذكر، كقوله: ابن ~~السبيل، جاء تقييد ابن اللبون في نصاب الزكاة بالذكر، وللسهيلي كلام على ~~هذا الحديث فيه تكليف وتعسف شديد ولا طائل تحته، وقد رده عليه جماعة ممن ~~أدركناهم، والله أعلم. # PageV02P437 ### | [الحديث الرابع والأربعون الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة] # PageV02P437 # الحديث الرابع والأربعون. عن عائشة رضي الله عنها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» خرجه ~~البخاري ومسلم. #  هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين " ~~من رواية عمرة عن عائشة، وخرج مسلم أيضا من رواية عروة، عن عائشة، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ، وخرجاه أيضا ~~من رواية عروة عن عائشة من قولها، وخرجاه من حديث ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وخرجه الترمذي من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقد أجمع العلماء على العمل بهذه الأحاديث في الجملة، وأن الرضاع يحرم ما ~~يحرمه النسب، ولنذكر المحرمات من النسب كلهن حتى يعلم ms567 بذلك ما يحرم من ~~الرضاع، فنقول: الولادة والنسب قد يؤثران التحريم في النكاح، وهو على ~~قسمين: أحدهما: تحريم مؤبد على الانفراد، وهو نوعان # PageV02P438 # أحدهما: ما يحرم بمجرد النسب، فيحرم على الرجل أصوله وإن علون، وفروعه ~~وإن سفلن، وفروع أصله الأدنى وإن سفلن، فروع أصوله البعيدة دون فروعهن، ~~فيدخل في أصوله أمهاته وإن علون من جهة أبيه وأمه، وفي فروعه بناته وبنات ~~أولاده وإن سفلن، وفي فروع أصله الأدنى أخواته من الأبوين، أو من أحدهما، ~~وبناتهن وبنات الإخوة وأولادهم وإن سفلن، ودخل في فروع أصوله البعيدة ~~العمات والخالات وعمات الأبوين وخالاتهما وإن علون، فلم يبق من الأقارب ~~حلالا للرجل سوى فروع أصوله البعيدة، وهن بنات العم وبنات العمات، وبنات ~~الخال، وبنات الخالات. والنوع الثاني: ما يحرم من النسب مع سبب آخر، وهو ~~المصاهرة؛ فيحرم على الرجل حلائل آبائه، وحلائل أبنائه، وأمهات نسائه، ~~وبنات نسائه المدخول بهن؛ فيحرم على الرجل أم امرأته وأمهاتها من جهة الأم ~~والأب وإن علون، ويحرم عليه بنات امرأته، وهن الربائب وبناتهن وإن سفلن، ~~وكذلك بنات بني زوجته وهن بنات الربائب نص عليه الشافعي وأحمد، ولا يعلم ~~فيه خلاف. ويحرم عليه أن يتزوج بامرأة أبيه، وإن علا وبامرأة ابنه وإن سفل، ~~ودخول هؤلاء في التحريم بالنسب ظاهر، لأن تحريمهن من جهة نسب الرجل مع سبب ~~المصاهرة. وأما أمهات نسائه وبناتهن، فتحريمهن مع المصاهرة بسبب نسب ~~المرأة، فلم يخرج التحريم بذلك عن أن يكون بالنسب مع انضمامه إلى سبب ~~المصاهرة، فإن التحريم بالسبب المجرد، والنسب المضاف إلى المصاهرة يشترك ~~فيه الرجال والنساء؛ فيحرم على المرأة أن تتزوج أصولها وإن علوا، وفروعها ~~وإن سفلوا، وفروع أصولها الأدنى وإن سفلوا من إخوتها، وأولاد الإخوة وإن ~~سفلوا، وفروع أصولها البعيدة وهم الأعمام والأخوال وإن علوا دون أبنائهم، ~~فهذا كله بالنسب المجرد. # PageV02P439 # وأما بالنسب المضاف إلى المصاهرة، فيحرم عليها نكاح أبي زوجها وإن علا، ~~ونكاح ابنه وإن سفل بمجرد العقد، ويحرم عليها زوج ابنتها وإن سفلت بالعقد، ~~وزوج أمها وإن علت، لكن بشرط ms568 الدخول بها. # والقسم الثاني: التحريم المؤبد على الاجتماع دون الانفراد، وتحريمه يختص ~~بالرجال لاستحالة إباحة جمع المرأة بين زوجين، فكل امرأتين بينهما رحم محرم ~~يحرم الجمع بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكرا لم يجز له التزوج بالأخرى، ~~فإنه يحرم الجمع بينهما بعقد النكاح. قال الشعبي: كان أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم يقولون: لا يجمع الرجل بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلا لم يصلح ~~له أن يتزوجها. وهذا إذا كان التحريم لأجل النسب، وبذلك فسره سفيان الثوري ~~وأكثر العلماء، فلو كان لغير النسب مثل أن يجمع بين زوجة رجل وابنته من ~~غيرها، فإنه يباح عند الأكثرين، وكرهه بعض السلف. فإذا علم ما يحرم من ~~النسب، فكل ما يحرم منه، فإنه يحرم من الرضاع نظيره، فيحرم على الرجل أن ~~يتزوج أمهاته من الرضاعة وإن علون، وبناته من الرضاعة وإن سفلن، وأخواته من ~~الرضاعة، وبنات أخواته من الرضاعة وعماته وخالاته من الرضاعة، وإن علون دون ~~بناتهن. ومعنى هذا أن المرأة إذا أرضعت طفلا الرضاع المعتبر في المدة ~~المعتبرة، صارت أما له بنص كتاب الله، فتحرم عليه هي وأمهاتها، وإن علون من ~~نسب أو رضاع، وتصير بناتها كلهن أخوات له من الرضاعة، فيحرمن عليه بنص ~~القرآن؛ وبقية التحريم من الرضاعة استفيد من السنة، كما استفيد من السنة أن ~~تحريم الجمع لا يختص بالأختين، بل المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها كذلك، ~~وإذا كان أولاد المرضعة من نسب أو رضاع إخوة للمرتضع، فيحرم عليه بنات ~~إخوته أيضا، وقد امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من تزويج ابنة عمه حمزة ~~وابنة أبي سلمة، وعلل # PageV02P440 # بأن أبويهما كانا أخوين له من الرضاعة. ويحرم عليه أيضا أخوات المرضعة، ~~لأنهن خالاته، وينتشر التحريم أيضا إلى الفحل صاحب اللبن الذي ارتضع منه ~~الطفل، فيصير صاحب اللبن أبا للطفل، وتصير أولاده كلهم من المرضعة أو من ~~غيرها من نسب أو رضاع إخوة للمرتضع ويصير إخوته أعماما للطفل المرتضع، وهذا ~~قول جمهور العلماء من السلف، وأجمع عليه الأئمة الأربعة ومن بعدهم. وقد دل ms569 ~~على ذلك من السنة ما «روت عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها بعد ~~ما أنزل الحجاب، قالت عائشة: فقلت: والله لا آذن له حتى أستأذن رسول صلى ~~الله عليه وسلم، فإن أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، قالت: ~~فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكرت ذلك له، فقال: ائذني له، فإنه ~~عمك تربت يمينك، وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة» . خرجاه في ~~" الصحيحين " بمعناه. وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان، أرضعت إحداهما ~~جارية والأخرى غلاما أيحل للغلام أن يتزوج الجارية، فقال: لا، اللقاح واحد. ~~ولو كان اللبن الذي ارتضع به الطفل قد ثاب للمرأة من غير وطء فحل بأن تكون ~~امرأة لا زوج لها قد ثاب لها لبن أو هي بكر أو آيسة، فأكثر العلماء على أنه ~~يحرم الرضاع به، وتصير المرضعة أما للطفل، وقد حكاه ابن المنذر إجماعا عمن ~~يحفظ عنه من أهل العلم، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق وغيرهم. ~~وذهب الإمام أحمد في المشهور المنصوص عنه إلى أنه لا ينتشر التحريم # PageV02P441 # به بحال حتى يكون له فحل يدر اللبن من رضاعه. وحكي عن الشافعي قول مثله. ~~ولو انقطع نسبه من جهة صاحب اللبن، كولد الزنا، فهل تنتشر الحرمة إلى ~~الزاني صاحب اللبن؟ هذا ينبني على أن البنت من الزنا هل تحرم على الزاني؟ ~~ومذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك في رواية عنه تحريمها عليه خلافا للشافعي، ~~وبالغ الإمام أحمد في الإنكار على من خالف في ذلك، فعلى قولهم: هل ينتشر ~~التحريم إلى الزاني صاحب اللبن، فيكون أبا للمرتضع أم لا؟ فيه قولان هما ~~وجهان لأصحابنا، واختار ابن حامد أن التحريم لا ينتشر إليه، واختار أبو ~~بكر، والقاضي أبو يعلى أن التحريم ينتشر إلى الزاني، وهو نص أحمد، وحكاه عن ~~ابن عباس، وهو قول إسحاق بن راهويه، نقله عنه حرب. وينتشر التحريم بالرضاع ~~إلى ما حرم بالنسب مع الصهر: أما من جهة نسب الرجل، كامرأة أبيه وابنه، أو ~~من ms570 جهة نسب الزوجة، كأمها وابنتها، وإلى ما حرم جمعه لأجل نسب المرأة أيضا، ~~كالجمع بين الأختين والمرأة وعمتها أو خالتها، فيحرم ذلك كله من الرضاع كما ~~يحرم من النسب، لدخوله في قوله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما ~~يحرم من النسب» . وتحرم هذا كله للنسب، فبعضه لنسب الزوج وبعضه لنسب ~~الزوجة، وقد نص على ذلك أئمة السلف، ولا يعلم بينهم فيه اختلاف، ونص عليه ~~الإمام أحمد، واستدل بعموم قوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» . وأما ~~قوله عز وجل: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} [النساء: 23] [النساء: 23] ~~، فقالوا: لم يرد بذلك أنه لا يحرم حلائل الأبناء من الرضاع، إنما أراد ~~إخراج حلائل الذين تبنوا، ولم يكونوا أبناء من النسب كما تزوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم زوجة زيد بن حارثة بعد أن كان قد تبناه. وهذا التحريم ~~بالرضاع يختص بالمرتضع نفسه، وينتشر إلى أولاده، ولا ينتشر تحريمه إلى من ~~في درجة المرتضع من إخوته وأخواته ولا إلى من هو # PageV02P442 # أعلى منه من آبائه وأمهاته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته، فتباح ~~المرضعة نفسها لأبي المرتضع من النسب ولأخيه، وتباح أم المرتضع وأخته منه ~~لأبي المرتضع من الرضاع ولأخيه. هذا قول جمهور العلماء، وقالوا: يباح أن ~~يتزوج أخت أخته من الرضاعة، وأخت ابنته من الرضاعة، حتى قال الشعبي: هي أحل ~~من ماء قدس، وصرح بإباحتها حبيب بن أبي ثابت وأحمد. وروى أشعث عن الحسن أنه ~~كره أن يتزوج الرجل بنت ظئر ابنه، ويقول: أخت ابنه، ولم ير بأسا أن يتزوج ~~أمها، يعني: ظئر ابنه، وروى سليمان التيمي عن الحسن أنه سئل عن الرجل يتزوج ~~أخت أخيه من الرضاعة، فلم يقل فيه شيئا، وهذا يقتضي توقفه فيه، ولعل الحسن ~~إنما كان يكره ذلك تنزيها، لا تحريما، لمشابهته للمحرم بالنسب في الاسم، ~~وهذا بمجرده لا يوجب تحريما. وقد استثنى كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم ~~مما يحرم من النسب صورتين، فقالوا: لا يحرم نظيرها من الرضاع: إحداهما: أم ~~الأخت، فتحرم من النسب، ولا ms571 تحرم من الرضاع. والثانية: أخت الابن، فتحرم من ~~النسب دون الرضاع، ولا حاجة إلى استثناء هذين ولا أحدهما. أما أم الأخت، ~~فإنما تحرم من النسب، لكونها أما أو زوجة أب، لا لمجرد كونها أم أخت، فلا ~~يعلق التحريم بما لم يعلقه الله به، وحينئذ فيوجد في الرضاع من هي أم أخت ~~ليست أما ولا زوجة أب، فلا تحرم، لأنها ليست نظيرا لذات النسب، وأما أخت ~~الابن، فإن الله تعالى إنما حرم الربيبة المدخول بأمها، فتحرم لكونها ربيبة ~~دخل بأمها، لا لكونها أخت ابنه، والدخول في # PageV02P443 # الرضاع منتف فلا يحرم به أولاد المرضعة. ومما قد يدخل في عموم قوله: ~~«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» : لو ظاهر من امرأته، فشبهها بمحرمة من ~~الرضاع، فقال لها: أنت علي كأمي من الرضاع، فهل يثبت بذلك تحريم الظهار أم ~~لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يثبت به تحريم الظهار، وهو قول الجمهور، منهم ~~مالك، والثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وعثمان التيمي، وهو ~~المشهور عن أحمد. والثاني: لا يثبت به التحريم، وهو قول الشافعي، وتوقف فيه ~~أحمد في رواية ابن منصور. # PageV02P444 ### | [الحديث الخامس والأربعون إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام] # PageV02P444 # الحديث الخامس والأربعون. عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة ~~والخنزير والأصنام فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها ~~السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ قال: لا، هو حرام، ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله حرم ~~عليهم الشحوم، فأجملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه» خرجه البخاري ومسلم. # PageV02P445 # هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين " من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء، عن ~~جابر. وفي رواية لمسلم أن يزيد قال: كتب إلي عطاء، فذكره، ولهذا قال أبو ~~حاتم الرازي: لا أعلم يزيد بن أبي حبيب سمع من عطاء شيئا، يعني أنه إنما ~~يروي ms572 عنه كتابه، وقد رواه أيضا يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد بن ~~عبدة، عن عبد الله بن عمر وعن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وفي " ~~الصحيحين " عن ابن عباس قال: بلغ عمر أن رجلا باع خمرا، فقال: قاتله الله، ~~ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله اليهود، حرمت ~~عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها» ، وفي رواية: «وأكلوا أثمانها» . وخرجه أبو ~~داود من حديث عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وزاد فيه: «وإن الله ~~إذا حرم أكل شيء، حرم عليهم ثمنه» ، وخرجه ابن أبي شيبة، ولفظه: «إن الله ~~إذا حرم شيئا حرم ثمنه» . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «قاتل الله يهودا، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا ~~ثمنها» . وفي " الصحيحين " عن عائشة، قالت: «لما أنزلت الآيات من آخر سورة ~~البقرة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقترأهن على الناس، ثم نهى عن ~~التجارة في الخمر» ، وفي رواية لمسلم: «لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة ~~في الربا، خرج # PageV02P446 # رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فحرم التجارة في الخمر» . وخرج ~~مسلم من حديث أبي سعيد، «عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله حرم ~~الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء، فلا يشرب ولا يبع. فاستقبل ~~الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة، فسفكوها» . وخرجه أيضا من حديث ~~ابن عباس «أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر، فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل علمت أن الله قد حرمها؟ قال: لا، قال: ~~فسار إنسانا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم ساررته؟ قال: أمرته ~~ببيعها، قال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها، قال: ففتح المزاد حتى ذهب ما ~~فيها.» فالحاصل من هذه الأحاديث كلها أن ما حرم الله الانتفاع به، فإنه ~~يحرم بيعه وأكل ثمنه، كما جاء مصرحا به في الرواية المتقدمة: «إن الله ms573 إذا ~~حرم شيئا حرم ثمنه» ، وهذه كلمة عامة جامعة تطرد في كل ما كان المقصود من ~~الانتفاع به حراما، وهو قسمان: أحدهما: ما كان الانتفاع به حاصلا مع بقاء ~~عينه، كالأصنام، فإن منفعتها المقصودة منها الشرك بالله، وهو أعظم المعاصي ~~على الإطلاق، ويلتحق بذلك ما كانت منفعته محرمة، ككتب الشرك والسحر والبدع ~~والضلال، وكذلك الصور المحرمة، وآلات الملاهي المحرمة كالطنبور، وكذلك شراء ~~الجواري للغناء. # PageV02P447 # وفي " المسند " عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن ~~الله بعثني رحمة وهدى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير والكنارات - يعني ~~البرابط والمعازف - والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية، وأقسم ربي بعزته ~~لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر إلا سقيته مكانها من حميم جهنم، معذبا أو ~~مغفورا له، ولا يسقيها صبيا صغيرا إلا سقيته مكانها من حميم جهنم معذبا أو ~~مغفورا له، ولا يدعها عبد من عبيدي من مخافتي إلا سقيتها إياه في حظيرة ~~القدس، ولا يحل بيعهن ولا شراؤهن، ولا تعليمهن، ولا تجارة فيهن، وأثمانهن ~~حرام» [يعني] المغنيات. وخرجه الترمذي، ولفظه: «لا تبيعوا القينات ولا ~~تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام» ، في مثل ذلك ~~أنزل الله: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} [لقمان: 6] [لقمان: 6] الآية، ~~وخرجه ابن ماجه أيضا، وفي إسناد الحديث مقال، وقد روي نحوه من حديث عمر ~~وعلي بإسنادين فيهما ضعف أيضا. ومن يحرم الغناء كأحمد ومالك، فإنهما ~~يقولان: إذا بيعت الأمة المغنية، تباع على أنها ساذجة، ولا يؤخذ لغنائها ~~ثمن، ولو كانت الجارية ليتيم، ونص ذلك أحمد، ولا يمنع الغناء من أصل بيع ~~العبد والأمة؛ لأن الانتفاع به في غير الغناء حاصل بالخدمة وغيرها، وهو من ~~أعظم مقاصد الرقيق. نعم، لو علم # PageV02P448 # أن المشتري لا يشتريه إلا للمنفعة المحرمة منه، لم يجز بيعه له عند ~~الإمام أحمد وغيره من العلماء، كما لا يجوز بيع العصير ممن يتخذه خمرا، ولا ~~بيع السلاح في الفتنة، ولا بيع الرياحين والأقداح لمن يعلم أنه يشرب عليها ~~الخمر، ms574 أو الغلام لمن يعلم منه الفاحشة. والقسم الثاني: ما ينتفع به مع ~~إتلاف عينه فإذا كان المقصود الأعظم منه محرما، فإنه يحرم بيعه كما يحرم ~~بيع الخنزير والخمر والميتة، مع أن في بعضها منافع غير محرمة، كأكل الميتة ~~للمضطر، ودفع الغصة بالخمر، وإطفاء الحريق به، والخرز بشعر الخنزير عند ~~قوم، والانتفاع بشعره وجلده عند من يرى ذلك، ولكن لما كانت هذه المنافع غير ~~مقصودة، لم يعبأ بها، وحرم البيع بكون المقصود الأعظم من الخنزير والميتة ~~أكلهما، ومن الخمر شربها، ولم يلتفت إلى ما عدا ذلك، وقد أشار صلى الله ~~عليه وسلم إلى هذا المعنى لما قيل له: «أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها ~~السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام» . # وقد اختلف الناس في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: هو حرام فقالت طائفة: ~~أراد أن هذا الانتفاع المذكور بشحوم الميتة حرام، وحينئذ فيكون ذلك تأكيدا ~~للمنع من بيع الميتة، حيث لم يجعل شيئا من الانتفاع بها مباحا. وقالت ~~طائفة: بل أراد أن بيعها حرام، وإن كان قد ينتفع بها لهذه الوجوه، لكن ~~المقصود الأعظم من الشحوم هو الأكل، فلا يباح بيعها لذلك. وقد اختلف ~~العلماء في الانتفاع بشحوم الميتة، فرخص فيها عطاء، وكذلك نقل ابن منصور عن ~~أحمد وإسحاق، إلا أن إسحاق قال: إذا احتيج إليه، وأما إذا وجد عنه مندوحة ~~فلا، وقال أحمد: يجوز إذا لم يمسه بيده، # PageV02P449 # وقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، وحكاه ابن عبد ~~البر إجماعا عن غير عطاء. وأما الأدهان الطاهرة إذا تنجست بما وقع فيها من ~~النجاسات، ففي جواز الانتفاع بها بالاستصباح ونحوه اختلاف مشهور في مذهب ~~الشافعي وأحمد وغيرهما، وفيه روايتان عن أحمد. وأما بيعها، فالأكثرون على ~~أنه يجوز بيعها، وعن أحمد رواية: يجوز بيعها من كافر، ويعلم بنجاستها، وهو ~~مروي عن أبي موسى الأشعري، ومن أصحابنا من خرج جواز بيعها على جواز ~~الاستصباح بها وهو ضعيف مخالف لنص أحمد بالتفرقة، فإن شحوم الميتة ms575 لا يجوز ~~بيعها وإن قيل بجواز الانتفاع بها، ومنهم من خرجه على القول بطهارتها ~~بالغسل، فيكون - حينئذ - كالثوب المتمضخ بنجاسة. وظاهر كلام أحمد منع بيعها ~~مطلقا؛ لأنه علل بأن الدهن المتنجس فيه ميتة، والميتة لا يؤكل ثمنها. وأما ~~بقية أجزاء الميتة، فما حكم بطهارته منها، جاز بيعه، لجواز الانتفاع به، ~~وهذا كالشعر والقرن عند من يقول بطهارتهما، وكذلك الجلد عند من يرى أنه ~~طاهر بغير دباغ، كما حكي عن الزهري، وتبويب البخاري يدل عليه، واستدل ~~بقوله: «إنما حرم من الميتة أكلها» . وأما الجمهور الذين يرون نجاسة الجلد ~~قبل الدباغ، فأكثرهم منعوا من بيعه حينئذ، لأنه جزء من الميتة وشذ بعضهم، ~~فأجاز بيعه كالثوب النجس، ولكن الثوب طاهر طرأت عليه النجاسة، وجلد الميتة ~~جزء منها، وهو نجس العين. وقال سالم بن عبد الله بن عمر: هل # PageV02P450 # بيع جلود الميتة إلا كأكل لحمها؟ وكرهه طاوس، وعكرمة وقال النخعي: كانوا ~~يكرهون أن يبيعوها، فيأكلون أثمانها. وأما إذا دبغت، فمن قال بطهارتها ~~بالدبغ، أجاز بيعها، ومن لم ير طهارتها بذلك، لم يجز بيعها، ونص أحمد على ~~منع بيع القمح إذا كان فيه بول الحمار حتى يغسل، ولعله أراد بيعه ممن لا ~~يعلم بحاله، خشية أن يأكله ولا يعلم نجاسته. # وأما الكلب، فقد ثبت في " الصحيحين " عن أبي مسعود الأنصاري «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب» . وفي " صحيح مسلم " عن رافع بن ~~خديج سمع النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: «شر الكسب مهر البغي، وثمن ~~الكلب، وكسب الحجام» . وفيه عن معقل الجزري «عن أبي الزبير، قال: سألت ~~جابرا عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك» . ~~وهذا مما يعرف عن ابن لهيعة عن أبي الزبير. وقد استنكر الإمام أحمد روايات ~~معقل عن أبي الزبير، وقال: هي تشبه أحاديث ابن لهيعة، وقد تتبع ذلك، فوجد ~~كما قاله أحمد رحمه الله. وقد اختلف العلماء في بيع الكلب، فأكثرهم حرموه، ~~منهم الأوزاعي، ومالك في المشهور عنه، والشافعي، وأحمد ms576 وإسحاق، وغيرهم وقال ~~أبو # PageV02P451 # هريرة: هو سحت، وقال ابن سيرين: هو أخبث الكسب، وقال عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى: ما أبالي ثمن كلب أكلت أو ثمن خنزير. وهؤلاء لهم مآخذ: أحدها: أنه ~~إنما نهي عن بيعها لنجاستها، وهؤلاء التزموا تحريم بيع كل نجس العين، وهذا ~~قول الشافعي، وابن جرير، ووافقهم جماعة من أصحابنا، كابن عقيل " في نظرياته ~~" وغيره، والتزموا أن البغل والحمار إنما نجيز بيعهما إذا لم نقل ~~بنجاستهما، وهذا مخالف للإجماع. والثاني: أن الكلب لم يبح الانتفاع به ~~واقتناؤه مطلقا كالبغل والحمار، وإنما أبيح اقتناؤه لحاجات مخصوصة، وذلك لا ~~يبيح بيعه كما لا يبيح الضرورة إلى الميتة والدم بيعهما، وهذا مأخذ طائفة ~~من أصحابنا وغيرهم. والثالث: أنه إنما نهي عن بيعه لخسته ومهانته، فإنه لا ~~قيمة له إلا عند ذوي الشح والمهانة، وهو متيسر الوجود، فنهي عن أخذ ثمنه ~~ترغيبا في المواساة بما يفضل منه عن الحاجة، وهذا مأخذ الحسن البصري وغيره ~~من السلف، وكذا قال بعض أصحابنا في النهي عن بيع السنور. ورخصت طائفة في ~~بيع ما يباح اقتناؤه من الكلاب، ككلب الصيد، وهو قول عطاء والنخعي وأبي ~~حنيفة وأصحابه، ورواية عن مالك، وقالوا: إنما نهي عن بيع ما يحرم اقتناؤه ~~منها. وروى حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب صيد» ، خرجه النسائي، # PageV02P452 # وقال: هو حديث منكر، وقال أيضا: ليس بصحيح، وذكر الدارقطني أن الصحيح ~~وقفه على جابر، وقال أحمد: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم رخصة في كلب ~~الصيد، وأشار البيهقي وغيره إلى أنه اشتبه على بعض الرواة هذا الاستثناء، ~~فظنه من البيع، وإنما هو من الاقتناء، وحماد بن سلمة في رواياته عن أبي ~~الزبير ليس بالقوي، ومن قال: إن هذا الحديث على شرط مسلم - كما ظنه طائفة ~~من المتأخرين - فقد أخطأ، لأن مسلما لم يخرج لحماد بن سلمة، عن أبي الزبير ~~شيئا، وقد بين في كتاب " التمييز " أن رواياته عن ms577 كثير من شيوخه أو أكثرهم ~~غير قوية. # فأما بيع الهر، فقد اختلف العلماء في كراهته، فمنهم من كرهه، وروي ذلك عن ~~أبي هريرة وجابر وعطاء وطاوس ومجاهد، وجابر بن زيد، والأوزاعي، وأحمد في ~~رواية عنه، وقال: هو أهون من جلود السباع، وهذا اختيار أبي بكر من أصحابنا، ~~ورخص في بيع الهر ابن عباس وعطاء في رواية الحسن وابن سيرين والحكم وحماد، ~~وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، وعن إسحاق ~~روايتان، وعن الحسن أنه كره بيعها، ورخص في شرائها للانتفاع بها. وهؤلاء ~~منهم من لم يصحح النهي عن بيعها قال أحمد: ما أعلم فيه شيئا يثبت أو يصح، ~~وقال أيضا: الأحاديث فيه مضطربة. ومنهم من حمل النهي على ما لا نفع فيه ~~كالبري ونحوه. ومنهم من قال: إنما نهى عن بيعها، لأنه دناءة وقلة مروءة، ~~لأنها متيسرة # PageV02P453 # الوجود، والحاجة إليها داعية، فهي من مرافق الناس التي لا ضرر عليهم في ~~بذل فضلها، فالشح بذلك من أقبح الأخلاق الذميمة، فلذلك زجر عن أخذ ثمنها. # وأما بقية الحيوانات التي لا تؤكل، فما نفع فيه كالحشرات ونحوها لا يجوز ~~بيعه، وما يذكر من نفع في بعضها، فهو قليل، فلا يكون مبيحا للبيع، كما لم ~~يبح النبي صلى الله عليه وسلم بيع الميتة لما ذكر له ما فيها من الانتفاع، ~~ولهذا كان الصحيح أنه لا يباح العلق لمص الدم، ولا الديدان للاصطياد ونحو ~~ذلك. وأما ما فيه نفع للاصطياد منها، كالفهد والبازي والصقر، فحكى أكثر ~~الأصحاب في جواز بيعها روايتين عن أحمد، ومنهم من أجاز بيعها، وذكر الإجماع ~~عليه، وتأول رواية الكراهة كالقاضي أبي يعلى في " المجرد "، ومنهم من قال: ~~لا يجوز بيع الفهد والنسر، وحكى فيه وجها آخر بالجواز، وأجاز بيع البزاة ~~والصقور، ولم يحك فيه خلافا، وهو قول أبي موسى. وأجاز بيع الصقر والبازي ~~والعقاب ونحوه أكثر العلماء، منهم: الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، ~~والمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات عنه جواز بيعها، وتوقف في رواية عنه في ~~جوازه ms578 إذا لم تكن معلمة، قال الخلال: العمل على ما رواه الجماعة أنه يجوز ~~بيعها بكل حال. وجعل بعض أصحابنا الفيل حكمه حكم الفهد ونحوه، وفيه نظر، ~~والمنصوص عن أحمد في رواية حنبل أنه لا يحل بيعه ولا شراؤه، وجعله كالسبع، ~~وحكي عن الحسن أنه قال: لا يركب ظهره، وقال: هو مسخ، وهذا كله يدل على أنه ~~لا منفعة فيه. ولا يجوز بيع الدب، قاله القاضي في " المجرد "، وقال ابن أبي ~~موسى: يجوز بيع القرد، قال ابن عبد البر: لا أعلم في ذلك خلافا بين ~~العلماء، وقال # PageV02P454 # القاضي في " المجرد " إن كان ينتفع به في موضع، لحفظ المتاع، فهو كالصقر ~~والبازي، وإلا فهو كالأسد لا يجوز بيعه، والصحيح المنع مطلقا، وهذه المنفعة ~~يسيرة، وليست هي المقصودة منه، فلا تبيح البيع كمنافع الميتة. ومما نهي عن ~~بيعه جيف الكفار إذا قتلوا، خرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال: «قتل ~~المسلمون يوم الخندق رجلا من المشركين، فأعطوا بجيفته مالا، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ادفعوا إليهم جيفته، فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية، ~~فلم يقبل منهم شيئا» . وخرجه الترمذي، ولفظه: «إن المشركين أرادوا أن ~~يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم» . ~~وخرجه وكيع في كتابه من وجه آخر عن عكرمة مرسلا، ثم قال وكيع: الجيفة لا ~~تباع. وقال حرب: قلت لإسحاق: ما تقول في بيع جيف المشركين من المشركين؟ ~~قال: لا. وروى أبو عمرو الشيباني أن عليا أتي بالمستورد العجلي وقد تنصر، ~~فاستتابه فأبى أن يتوب، فقتله، فطلبت النصارى جيفته بثلاثين ألفا، فأبى علي ~~فأحرقه. # PageV02P455 ### | [الحديث السادس والأربعون كل مسكر حرام] # PageV02P455 # الحديث السادس والأربعون. عن أبي بردة، عن أبيه، «عن ~~أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، فسأله عن ~~أشربة تصنع بها، فقال: وما هي؟ قال: البتع والمزر، فقيل لأبي بردة: وما ~~البتع؟ قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير، فقال: كل مسكر حرام» خرجه ~~البخاري. #  وخرجه مسلم، ms579 ولفظه قال: «بعثني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ومعاذ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، إن ~~شرابا يصنع بأرضنا يقال له: المزر من الشعير، وشراب يقال له: البتع من ~~العسل، فقال: كل مسكر حرام» . وفي رواية لمسلم: فقال: «كل ما أسكر عن ~~الصلاة فهو حرام» ، وفي رواية له قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه فقال: «أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة» . ~~فهذا الحديث أصل في تحريم تناول جميع المسكرات، المغطية للعقل، وقد ذكر ~~الله في كتابه العلة المقتضية لتحريم المسكرات، وكان أول ما حرمت الخمر عند ~~حضور وقت الصلاة لما صلى بعض المهاجرين وقرأ في صلاته، فخلط في قراءته، ~~فنزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] [النساء: 43] ، وكان منادي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV02P456 # ينادي لا يقرب الصلاة سكران، ثم إن الله حرمها على الإطلاق بقوله تعالى: ~~{إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم ~~تفلحون - إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90 - ~~91] [المائدة: 90 - 91] . فذكر سبحانه علة تحريم الخمر والميسر وهو القمار، ~~وهو أن الشيطان يوقع بينهم العداوة والبغضاء، فإن من سكر اختل عقله، فربما ~~تسلط على أذى الناس في أنفسهم وأموالهم، وربما بلغ إلى القتل، وهي أم ~~الخبائث، فمن شربها قتل النفس وزنا، وربما كفر. وقد روي هذا المعنى عن ~~عثمان وغيره، وروي مرفوعا أيضا. ومن قامر فربما قهر، وأخذ ماله قهرا، فلم ~~يبق له شيء، فيشتد حقده على من أخذ ماله. وكل ما أدى إلى إيقاع العداوة ~~والبغضاء كان حراما، وأخبر سبحانه أن الشيطان يصد بالخمر والميسر عن ذكر ~~الله وعن الصلاة، فإن السكران يزول عقله أو يختل، فلا يستطيع أن يذكر الله، ~~ولا أن يصلي، ولهذا قال طائفة من السلف: إن شارب الخمر تمر عليه ساعة لا ms580 ~~يعرف فيها ربه، والله سبحانه إنما خلق الخلق ليعرفوه، ويذكروه، ويعبدوه، ~~ويطيعوه، فما أدى إلى الامتناع من ذلك، وحال بين العبد وبين معرفة ربه ~~وذكره ومناجاته، كان محرما، وهو السكر، وهذا بخلاف النوم، فإن الله تعالى ~~جبل العباد عليه، واضطرهم إليه، ولا قوام لأبدانهم إلا به، إذ هو راحة لهم ~~من السعي والنصب، فهو من # PageV02P457 # أعظم نعم الله على عباده، فإذا نام المؤمن بقدر الحاجة، ثم استيقظ إلى ~~ذكر الله ومناجاته ودعائه، كان نومه عونا له على الصلاة والذكر، ولهذا قال ~~من قال من الصحابة: إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. وكذلك الميسر يصد عن ~~ذكر الله وعن الصلاة، فإن صاحبه يعكف بقلبه عليه، ويشتغل به عن جميع مصالحه ~~ومهماته حتى لا يكاد يذكرها لاستغراقه فيه، ولهذا قال علي لما مر على قوم ~~يلعبون بالشطرنج: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ فشبههم بالعاكفين ~~على التماثيل. وجاء في الحديث: «إن مدمن الخمر كعابد وثن» ، فإنه يتعلق ~~قلبه بها، فلا يكاد يمكنه أن يدعها كما لا يدع عابد الوثن عبادته. وهذا كله ~~مضاد لما خلق الله العباد لأجله من تفريغ قلوبهم لمعرفته، ومحبته، وخشيته، ~~وذكره، ومناجاته، ودعائه، والابتهال إليه، فما حال بين العبد وبين ذلك، ولم ~~يكن بالعبد إليه ضرورة، بل كان ضررا محضا عليه، كان محرما، وقد روي عن علي ~~أنه قال لمن رآهم يلعبون بالشطرنج: ما لهذا خلقتم. ومن هنا يعلم أن الميسر ~~محرم، سواء كان بعوض أو بغير عوض، وإن الشطرنج كالنرد أو شر منه، لأنها ~~تشغل أصحابها عن ذكر الله وعن # PageV02P458 # الصلاة أكثر من النرد. والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل ~~مسكر حرام، وكل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام» . وقد تواترت الأحاديث بذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجا في " الصحيحين " عن ابن عمر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» ولفظ مسلم: «وكل مسكر ~~حرام» . وخرج أيضا من حديث عائشة «أن النبي صلى الله عليه ms581 وسلم سئل عن ~~البتع، فقال: كل شراب أسكر فهو حرام» وفي رواية لمسلم: «كل شراب مسكر حرام» ~~وقد صحح هذا الحديث أحمد ويحيى بن معين وأصحابه واحتجا به، ونقل ابن عبد ~~البر إجماع أهل العلم بالحديث على صحته، وأنه أثبت شيء يروى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في تحريم المسكر. وأما ما نقله بعض فقهاء الحنفية عن ابن ~~معين من طعنه فيه، فلا يثبت ذلك عنه. وخرج مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل # PageV02P459 # مسكر حرام» . وإلى هذا القول ذهب جمهور علماء المسلمين من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار، وهو مذهب مالك والشافعي والليث ~~والأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن وغيرهم، وهو مما اجتمع على القول به ~~أهل المدينة كلهم. وخالف فيه طوائف من علماء أهل الكوفة، وقالوا: إن الخمر ~~إنما هي خمر العنب خاصة، وما عداها، فإنما يحرم منه القدر الذي يسكر، ولا ~~يحرم ما دونه، وما زال علماء الأمصار ينكرون ذلك عليهم، وإن كانوا في ذلك ~~مجتهدين مغفورا لهم، وفيهم خلق من أئمة العلم والدين. قال ابن المبارك: ما ~~وجدت في النبيذ رخصة عن أحد صحيح إلا عن إبراهيم، يعني النخعي، وكذلك أنكر ~~الإمام أحمد أن يكون فيه شيء يصح، وقد صنف كتاب " الأشربة " ولم يذكر فيه ~~شيئا من الرخصة، وصنف كتابا في المسح على الخفين، وذكر فيه عن بعض السلف ~~إنكاره، فقيل له: كيف لم تجعل في كتاب الأشربة الرخصة كما جعلت في المسح؟ ~~فقال: ليس في الرخصة في السكر حديث صحيح. ومما يدل على أن كل مسكر خمر أن ~~تحريم الخمر إنما نزل في المدينة بسبب سؤال أهل المدينة عما عندهم من ~~الأشربة، ولم يكن بها خمر العنب، فلو لم # PageV02P460 # تكن آية تحريم الخمر شاملة لما عندهم، لما كان فيها بيان لما سألوا عنه، ~~ولكان محل السبب خارجا من عموم الكلام، وهو ممتنع، ولما نزل تحريم الخمر ~~أراقوا ما عندهم من الأشربة، فدل على أنهم ms582 فهموا أنه من الخمر المأمور ~~باجتنابه. وفي " صحيح البخاري " عن أنس قال: حرمت علينا الخمر حين حرمت وما ~~نجد خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر. وعنه أنه قال: إني ~~لأسقي أبا طلحة، وأبا دجانة، وسهيل بن بيضاء خليط بسر وتمر إذ حرمت الخمر، ~~فقذفتها، وأنا ساقيهم وأصغرهم، وإنا نعدها يومئذ الخمر. وفي " الصحيحين " ~~عنه قال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ. وفي " صحيح ~~مسلم " عنه قال: «لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر، وما بالمدينة ~~شراب يشرب إلا من تمر» . وفي " صحيح البخاري " عن ابن عمر، قال: نزل تحريم ~~الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما منها شراب العنب. وفي " الصحيحين ~~" عن الشعبي، عن ابن عمر، قال: قام عمر على المنبر، فقال: أما بعد، نزل ~~تحريم الخمر وهي من خمس: العنب، والتمر، والعسل # PageV02P461 # والحنطة، والشعير، والخمر: ما خامر العقل. وخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، ~~والترمذي من حديث الشعبي عن النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وذكر الترمذي أن قول من قال: عن الشعبي عن ابن عمر، عن عمر - أصح، وكذا قال ~~ابن المديني. وروى أبو إسحاق عن أبي بردة قال: قال عمر: ما خمرته فعتقته، ~~فهو خمر، وأنى كانت لنا الخمر خمر العنب. وفي " مسند " الإمام أحمد عن ~~المختار بن فلفل قال: «سألت أنس بن مالك عن الشرب في الأوعية فقال: نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزفتة وقال: كل مسكر حرام قلت له: صدقت ~~السكر حرام، فالشربة والشربتان على طعامنا؟ قال: المسكر قليله وكثيره حرام» ~~وقال: «الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة، فما خمرت من ~~ذلك فهو الخمر» ، خرجه أحمد عن عبد الله بن إدريس: سمعت المختار بن فلفل ~~يقول فذكره، وهذا إسناد على شرط مسلم. وفي " صحيح مسلم "، عن أبي هريرة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة» ~~، وهذا صريح في أن نبيذ التمر خمر. وجاء التصريح بالنهي ms583 عن قليل ما أسكر ~~كثيره، كما خرجه أبو داود، وابن # PageV02P462 # ماجه، والترمذي، وحسنه من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«ما أسكر كثيره فقليله حرام» . وخرج أبو داود، والترمذي، وحسنه من حديث ~~عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق، ~~فملء الكف منه حرام» ، وفي رواية «الحسوة منه حرام» ، وقد احتج به أحمد ~~وذهب إليه. وسئل عمن قال: إنه لا يصح؟ فقال: هذا رجل مغل، يعني أنه قد غلا ~~في مقالته. وقد خرج النسائي هذا الحديث من رواية سعد بن أبي وقاص، وعبد ~~الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من وجوه كثيرة يطول ذكرها. وروى ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، ~~حدثني أبو وهيب الجيشاني، «عن وفد أهل اليمن أنهم قدموا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فسألوه عن أشربة تكون باليمن، قال: فسموا له البتع من العسل، ~~والمزر من الشعير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هل تسكرون منها؟ قالوا: ~~إن أكثرنا سكرنا، قال: فحرام قليله ما أسكر كثيره» خرجه القاضي إسماعيل. ~~وقد كانت الصحابة تحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر حرام» على ~~تحريم جميع أنواع المسكرات، ما كان موجودا منها على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وما حدث بعده، كما سئل ابن عباس عن الباذق، فقال: سبق محمد ~~الباذق، فما أسكر، # PageV02P463 # فهو حرام، خرجه البخاري، يشير إلى أنه إن كان مسكرا، فقد دخل في هذه ~~الكلمة الجامعة العامة. # واعلم أن المسكر المزيل للعقل نوعان: أحدهما: ما كان فيه لذة وطرب، فهذا ~~هو الخمر المحرم شربه، وفي " المسند " «عن طلق الحنفي أنه كان جالسا عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رجل: يا رسول الله، ما ترى في شراب ~~نصنعه بأرضنا من ثمارنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: من سائل عن المسكر؟ فلا ~~تشربه، ولا تسقه أخاك المسلم، فوالذي نفسي بيده - أو بالذي يحلف ms584 به - لا ~~يشربه رجل ابتغاء لذة سكره، فيسقيه الله الخمر يوم القيامة» . قال طائفة من ~~العلماء: وسواء كان هذا المسكر جامدا أو مائعا، وسواء كان مطعوما أو ~~مشروبا، وسواء كان من حب أو ثمر أو لبن، أو غير ذلك، وأدخلوا في ذلك ~~الحشيشة التي تعمل من ورق القنب، وغيرها مما يؤكل لأجل لذته وسكره، وفي " ~~سنن أبي داود " من حديث شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت: «نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر» والمفتر: هو المخدر للجسد، وإن لم ينته ~~إلى حد الإسكار. والثاني: ما يزيل العقل ويسكر، لا لذة فيه ولا طرب، كالبنج ~~ونحوه، فقال # PageV02P464 # أصحابنا: إن تناوله لحاجة التداوي به، وكان الغالب منه السلامة جاز، وقد ~~روي عن عروة بن الزبير لما وقعت الأكلة في رجله، وأرادوا قطعها، قال له ~~الأطباء: نسقيك دواء حتى يغيب عقلك، ولا تحس بألم القطع، فأبى، وقال: ما ~~ظننت أن خلقا يشرب شرابا يزول منه عقله حتى لا يعرف ربه. وروي عنه أنه قال: ~~لا أشرب شيئا يحول بيني وبين ذكر ربي عز وجل. وإن تناول ذلك لغير حاجة ~~التداوي، فقال أكثر أصحابنا كالقاضي وابن عقيل، وصاحب " المغني ": إنه ~~محرم، لأنه تسبب إلى إزالة العقل لغير حاجة، فحرم كشرب المسكر، وروى حنش ~~الرحبي - وفيه ضعف - عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعا: «من شرب شرابا يذهب ~~عقله، فقد أتى بابا من أبواب الكبائر» . وقالت طائفة منهم ابن عقيل في " ~~فنونه ": لا يحرم ذلك؛ لأنه لا لذة فيه، والخمر إنما حرمت لما فيها من ~~الشدة المطربة، ولا إطراب في البنج ونحوه ولا شدة. فعلى قول الأكثرين: لو ~~تناول ذلك لغير حاجة، وسكر به، فطلق، فحكم طلاقه حكم طلاق السكران، قاله ~~أكثر أصحابنا كابن حامد والقاضي، وأصحاب الشافعي، وقالت الحنفية: لا يقع ~~طلاقه، وعللوا بأنه ليس فيه لذة، وهذا يدل على أنهم لم يحرموه. وقالت ~~الشافعية: هو محرم، وفي وقوع الطلاق معه وجهان، وظاهر كلام أحمد أنه لا يقع ~~طلاقه بخلاف ms585 السكران، وتأوله القاضي، وقال: إنما قال ذلك إلزاما للحنفية، ~~لا اعتقادا له، وسياق كلامه محتمل لذلك. # PageV02P465 # وأما الحد، فإنما يجب بتناول ما فيه شدة وطرب من المسكرات؛ لأنه هو الذي ~~تدعو النفوس إليه، فجعل الحد زاجرا عنه. فأما ما فيه سكر بغير طرب ولا لذة، ~~فليس فيه سوى التعزير، لأنه ليس في النفوس داع إليه حتى يحتاج إلى حد مقدر ~~زاجر عنه، فهو كأكل الميتة ولحم الخنزير، وشرب الدم. وأكثر العلماء الذين ~~يرون تحريم قليل ما أسكر كثيره يرون حد من شرب ما يسكر كثيره، وإن اعتقد ~~حله متأولا، وهو قول الشافعي وأحمد، خلافا لأبي ثور، فإنه قال: لا يحد ~~لتأوله، فهو كالناكح بلا ولي. وفي حد الناكح بلا ولي خلاف أيضا، لكن الصحيح ~~أنه لا يحد، وقد فرق من فرق بينه وبين شرب النبيذ متأولا بأن شرب النبيذ ~~المختلف فيه داع إلى شرب الخمر المجمع على تحريمه بخلاف النكاح بغير ولي، ~~فإنه مغن عن الزنا المجمع على تحريمه، وموجب للاستعفاف عنه. والمنصوص عن ~~أحمد أنه إنما حد شارب النبيذ متأولا، لأن تأويله ضعيف لا يدرأ عنه الحد ~~به، فإنه قال في رواية الأثرم: يحد من شرب النبيذ متأولا، ولو رفع إلى ~~الإمام من طلق البتة، ثم راجعها متأولا أن طلاق البتة واحدة، والإمام يرى ~~أنها ثلاث لا يفرق بينهما، وقال: هذا غير ذاك، أمره بين في كتاب الله، وسنة ~~نبيه صلى الله عليه وسلم، ونزل تحريم الخمر وشرابهم الفضيخ، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر» ، فهذا بين، وطلاق البتة إنما هو شيء اختلف ~~الناس فيه. # PageV02P466 ### | [الحديث السابع والأربعون ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن] # PageV02P466 # الحديث السابع والأربعون عن المقدام بن معدي كرب قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، ~~بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث ~~لشرابه، وثلث لنفسه» رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال ~~الترمذي: حديث ms586 حسن. #  هذا الحديث خرجه الإمام أحمد ~~والترمذي من حديث يحيى بن جابر الطائي عن المقدام، وخرجه النسائي من هذا ~~الوجه ومن وجه آخر من رواية صالح بن يحيى بن المقدام عن جده، وخرجه ابن ~~ماجه من وجه آخر عنه وله طرق أخرى. وقد روي هذا الحديث مع ذكر سببه، فروى ~~أبو القاسم البغوي في " معجمه " من حديث عبد الرحمن بن المرقع، قال: «فتح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وهي مخضرة من الفواكه، فواقع الناس ~~الفاكهة، فمغثتهم الحمى، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الحمى رائد الموت وسجن الله في # PageV02P467 # الأرض، وهي قطعة من النار، فإذا أخذتكم فبردوا الماء في الشنان، فصبوها ~~عليكم بين الصلاتين يعني المغرب والعشاء، قال: ففعلوا ذلك، فذهبت عنهم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يخلق الله وعاء إذا ملئ شرا من بطن، ~~فإن كان لا بد، فاجعلوا ثلثا للطعام، وثلثا للشراب، وثلثا للريح.» وهذا ~~الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها. وقد روي أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ ~~هذا الحديث في " كتاب " أبي خيثمة، قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات، ~~سلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارستانات ودكاكين الصيادلة، وإنما ~~قال هذا؛ لأن أصل كل داء التخم، كما قال بعضهم: أصل كل داء البردة، وروي ~~مرفوعا ولا يصح رفعه. وقال الحارث بن كلدة طبيب العرب: الحمية رأس الدواء، ~~والبطنة رأس # PageV02P468 # الداء، ورفعه بعضهم ولا يصح أيضا. وقال الحارث أيضا: الذي قتل البرية، ~~وأهلك السباع في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام. وقال غيره: ~~لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؟ قالوا: التخم. فهذا بعض منافع ~~تقليل الغذاء، وترك التملي من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته. وأما ~~منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه، فإن قلة الغذاء توجب رقة القلب، وقوة ~~الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى والغضب، وكثرة الغذاء توجب ضد ذلك. قال ~~الحسن: يابن آدم كل في ثلث بطنك، واشرب ms587 في ثلثه، ودع ثلث بطنك يتنفس ~~لتتفكر. وقال المروذي: جعل أبو عبد الله، يعني أحمد يعظم أمر الجوع والفقر، ~~فقلت له: يؤجر الرجل في ترك الشهوات، فقال: وكيف لا يؤجر، وابن عمر يقول: ~~ما شبعت منذ أربعة أشهر؟ قلت لأبي عبد الله: يجد الرجل من قلبه رقة وهو ~~يشبع؟ قال: ما أرى. وروى المروذي عن أبي عبد الله قول ابن عمر هذا من وجوه، ~~فروى بإسناده عن ابن سيرين، قال: قال رجل لابن عمر: ألا أجيئك بجوارش؟ قال: # PageV02P469 # وأي شيء هو؟ قال: شيء يهضم الطعام إذا أكلته، قال: ما شبعت منذ أربعة ~~أشهر، وليس ذاك أني لا أقدر عليه، ولكن أدركت أقواما يجوعون أكثر مما ~~يشبعون. وبإسناده عن نافع، قال: جاء رجل بجوارش إلى ابن عمر، فقال: ما هذا؟ ~~قال: جوارش: شيء يهضم به الطعام، قال: ما أصنع به؟ إني ليأتي علي الشهر ما ~~أشبع فيه من الطعام. وبإسناده عن رجل قال: قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن ~~رقت مضغتك، وكبر سنك، وجلساؤك لا يعرفون لك حقك ولا شرفك، فلو أمرت أهلك أن ~~يجعلوا لك شيئا يلطفونك إذا رجعت إليهم، قال: ويحك، والله ما شبعت منذ إحدى ~~عشرة سنة، ولا اثنتي عشرة سنة، ولا ثلاث عشرة سنة، ولا أربع عشرة سنة مرة ~~واحدة، فكيف بي وإنما بقي مني كظمء الحمار. وبإسناده عن عمرو بن الأسود ~~العنسي أنه كان يدع كثيرا من الشبع مخافة الأشر. وروى ابن أبي الدنيا في ~~كتاب " الجوع " بإسناده عن نافع، عن ابن عمر، قال: ما شبعت منذ أسلمت. # PageV02P470 # وروى بإسناده عن محمد بن واسع، قال: من قل طعمه فهم وأفهم، وصفا، ورق، ~~وإن كثرة الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد. وعن أبي عبيدة الخواص، قال: ~~حتفك في شبعك، وحظك في جوعك، وإذا أنت شبعت ثقلت، فنمت، استمكن منك العدو ~~فجثم عليك، وإذا أنت تجوعت كنت للعدو بمرصد. وعن عمرو بن قيس، قال: إياكم ~~والبطنة فإنها تقسي القلب. وعن سلمة بن سعيد قال: إن كان ms588 الرجل ليعير ~~بالبطنة كما يعير بالذنب يعمله. وعن بعض العلماء قال: إذا كنت بطينا، فاعدد ~~نفسك زمنا حتى تخمص. وعن ابن الأعرابي قال: كانت العرب تقول: ما بات رجل ~~بطينا فتم عزمه. وعن أبي سليمان الداراني قال: إذا أردت حاجة من حوائج ~~الدنيا والآخرة، فلا تأكل حتى تقضيها، فإن الأكل يغير العقل. وعن مالك بن ~~دينار قال: ما ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبر همه، وأن تكون شهوته هي ~~الغالبة عليه. قال: وحدثني الحسن بن عبد الرحمن، قال: قال الحسن أو غيره: ~~كانت بلية أبيكم آدم عليه السلام أكلة، وهي بليتكم إلى يوم القيامة. قال: ~~وكان يقال: من ملك بطنه، ملك الأعمال الصالحة كلها، وكان يقال: لا تسكن ~~الحكمة معدة ملأى. # PageV02P471 # وعن عبد العزيز بن أبي رواد قال: كان يقال: قلة الطعم عون على التسرع إلى ~~الخيرات. وعن قثم العابد قال: كان يقال: ما قل طعم امرئ قط إلا رق قلبه، ~~ونديت عيناه. وعن عبد الله بن مرزوق قال: لم نر للأشر مثل دوام الجوع، فقال ~~له أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: وما دوامه عندك؟ قال: دوامه أن لا تشبع ~~أبدا. قال: وكيف يقدر من كان في الدنيا على هذا؟ قال: ما أيسر ذلك يا أبا ~~عبد الرحمن على أهل ولايته ومن وفقه لطاعته، لا يأكل إلا دون الشبع هو دوام ~~الجوع. ويشبه هذا قول الحسن لما عرض الطعام على بعض أصحابه، فقال له: أكلت ~~حتى لا أستطيع أن آكل، فقال الحسن: سبحان الله ويأكل المسلم حتى لا يستطيع ~~أن يأكل؟ ! . وروى أيضا بإسناده عن أبي عمران الجوني، قال: كان يقال: من ~~أحب أن ينور قلبه، فليقل طعمه. وعن عثمان بن زائدة قال: كتب إلي سفيان ~~الثوري: إن أردت أن يصح جسمك، ويقل نومك، فأقل من الأكل. وعن ابن السماك ~~قال: خلا رجل بأخيه، فقال: أي أخي، نحن أهون على الله من أن يجيعنا، إنما ~~يجيع أولياءه. وعن عبد الله بن الفرج قال: قلت لأبي سعيد التميمي: الخائف ~~يشبع؟ # PageV02P472 # قال: ms589 لا، قلت: المشتاق يشبع؟ قال: لا. وعن رياح القيسي أنه قرب إليه ~~طعام، فأكل منه، فقيل له: ازدد فما أراك شبعت، فصاح صيحة وقال: كيف أشبع ~~أيام الدنيا وشجرة الزقوم طعام الأثيم بين يدي؟ فرفع الرجل الطعام من بين ~~يديه، وقال: أنت في شيء ونحن في شيء. قال المروذي: قال لي رجل: كيف ذاك ~~المتنعم؟ يعني أحمد، قلت له: وكيف هو متنعم؟ قال: أليس يجد خبزا يأكل، وله ~~امرأة يسكن إليها، ويطؤها، فذكرت ذلك لأبي عبد الله فقال: صدق، وجعل ~~يسترجع، وقال: إنا لنشبع. وقال بشر بن الحارث: ما شبعت منذ خمسين سنة، ~~وقال: ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم من الحلال، لأنه إذا شبع من الحلال، ~~دعته نفسه إلى الحرام، فكيف من هذه الأقذار؟ . وعن إبراهيم بن أدهم قال: من ~~ضبط بطنه ضبط دينه، ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة، وإن معصية الله ~~بعيدة من الجائع، قريبة من الشبعان، والشبع يميت القلب، ومنه يكون الفرح ~~والمرح والضحك. وقال ثابت البناني: بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا ~~عليهما السلام، فرأى عليه معاليق من كل شيء، فقال له يحيى: يا إبليس، ما ~~هذه المعاليق التي أرى عليك؟ قال: هذه الشهوات التي أصيب من بني آدم، قال: ~~فهل لي فيها شيء؟ قال: ربما شبعت، فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر، قال: فهل ~~غير هذا؟ قال: لا، قال: لله علي أن لا أملأ بطني من طعام أبدا، قال: فقال ~~إبليس: لله علي أن لا أنصح مسلما أبدا. # PageV02P473 # وقال أبو سليمان الداراني: إن النفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورق، وإذا ~~شبعت ورويت، عمي القلب، وقال: مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع، ~~وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله عز وجل، وإن الله ليعطي ~~الدنيا من يحب ومن لا يحب، وإن الجوع عنده في خزائن مدخرة، فلا يعطي إلا من ~~أحب خاصة، ولأن أدع من عشائي لقمة أحب إلي من أن آكلها ثم أقوم من أول ~~الليل إلى آخره. وقال الحسن بن ms590 يحيى الخشني: من أراد أن تغزر دموعه ويرق ~~قلبه فليأكل وليشرب في نصف بطنه، وقال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت بهذا أبا ~~سليمان فقال: إنما جاء الحديث: " «ثلث طعام وثلث شراب» " وأرى هؤلاء قد ~~حاسبوا أنفسهم، فربحوا سدسا. وقال محمد بن النضر الحارثي: الجوع يبعث على ~~البر كما تبعث البطنة على الأشر. وعن الشافعي، قال: ما شبعت منذ ست عشرة ~~سنة إلا شبعة اطرحتها، لأن الشبع يثقل البدن، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ~~ويضعف صاحبه عن العبادة. وقد ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التقلل ~~من الأكل في حديث المقدام، وقال: «حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه» . وفي " ~~الصحيحين " عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المؤمن يأكل في معى واحد، ~~والكافر يأكل في سبعة أمعاء» والمراد أن المؤمن # PageV02P474 # يأكل بأدب الشرع، فيأكل في معى واحد والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشره ~~والنهم، فيأكل في سبعة أمعاء. وندب - صلى الله عليه وسلم - مع التقلل من ~~الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه، فقال: «طعام الواحد ~~يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة ~~فأحسن ما أكل المؤمن في ثلث بطنه، وشرب في ثلث، وترك للنفس ثلثا» ، كما ~~ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث المقدام، فإن كثرة الشرب تجلب ~~النوم، وتفسد الطعام. قال سفيان: كل ما شئت ولا تشرب، فإذا لم تشرب، لم ~~يجئك النوم. وقال بعض السلف: كان شباب يتعبدون في بني إسرائيل، فإذا كان ~~عند فطرهم، قام عليهم قائم فقال: لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فتناموا ~~كثيرا، فتخسروا كثيرا. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~يجوعون كثيرا، ويتقللون من أكل الشهوات، وإن كان ذلك لعدم وجود الطعام، إلا ~~أن الله لا يختار لرسوله إلا أكمل الأحوال وأفضلها. ولهذا كان ابن عمر ~~يتشبه بهم في ذلك - مع قدرته على الطعام - وكذلك كان أبوه من قبله. # PageV02P475 # ففي " الصحيحين " «عن عائشة، قالت: ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- منذ قدم المدينة من خبز بر ms591 ثلاث ليال تباعا حتى قبض» . ولمسلم: قالت: «ما ~~شبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض» ~~. وخرج البخاري عن أبي هريرة قال: «ما شبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- من طعام ثلاثة أيام حتى قبض» . وعنه قال: «خرج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير» . وفي " صحيح مسلم " «عن عمر أنه ~~خطب، فذكر ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: لقد رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلا يملأ به بطنه» . وخرج الترمذي، ~~وابن ماجه من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لقد أوذيت ~~في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاث ~~من بين يوم وليلة وما لي طعام إلا ما واراه إبط بلال» . وخرجه ابن ماجه ~~بإسناده عن سليمان بن صرد، قال: «أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فمكثنا ثلاث ليال لا نقدر - أو لا يقدر - على طعام» . # PageV02P476 # وبإسناده عن أبي هريرة، قال «أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطعام ~~سخن فأكل، فلما فرغ قال: الحمد لله، ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا» . ~~وقد ذم الله ورسوله من اتبع الشهوات، قال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا ~~الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا - إلا من تاب} [مريم: 59 - 60] ~~[مريم: 59 - 60] . وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خير ~~القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم يشهدون ولا ~~يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» . وفي " المسند " أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «رأى رجلا سمينا فجعل يومئ بيده إلى بطنه ويقول: لو ~~كان هذا في غير هذا، لكان خيرا لك» . وفي " المسند " عن أبي برزة عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم ~~وفروجكم، ومضلات الهوى» . وفي " مسند البزار " وغيره عن فاطمة، ms592 عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، قال: «شرار أمتي # PageV02P477 # الذين غذوا بالنعيم يأكلون ألوان الطعام، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون ~~في الكلام» . وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر، قال: «تجشأ رجل عند ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعا في ~~الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة» . وخرجه ابن ماجه من حديث سلمان أيضا ~~بنحوه، وخرجه الحاكم من # PageV02P478 # حديث أبي جحيفة، وفي أسانيدها كلها مقال. وروى يحيى بن منده في كتاب " ~~مناقب الإمام أحمد " بإسناد له عن الإمام أحمد أنه سئل عن قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس» فقال: ثلث ~~للطعام: هو القوت، وثلث للشراب: هو القوى، وثلث للنفس: هو الروح والله ~~أعلم. # PageV02P479 ### | [الحديث الثامن والأربعون أربع من كن فيه كان منافقا] # PageV02P479 # الحديث الثامن والأربعون. عن عبد الله بن عمرو رضي ~~الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «أربع من كن فيه كان ~~منافقا، ومن كانت خصلة منهن فيه كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا ~~حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر» خرجه البخاري ~~ومسلم. #  هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين " ~~من رواية الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص. وخرجاه في " الصحيحين " أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ~~ائتمن خان» . وفي رواية لمسلم: «وصلى وزعم أنه مسلم» وفي رواية له أيضا: ~~«من علامات المنافق ثلاثة» . وقد روي هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من وجوه أخر. # وهذا الحديث قد حمله طائفة ممن يميل إلى الإرجاء على المنافقين الذين ~~كانوا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنهم حدثوا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فكذبوه، وائتمنهم على سره فخانوه، ووعدوه أن يخرجوا معه في ~~الغزو فأخلفوه، وقد روى محمد المحرم هذا التأويل عن عطاء، ms593 وأنه قال: حدثني ~~به جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكر أن الحسن # PageV02P480 # رجع إلى قول عطاء هذا لما بلغه عنه، وهذا كذب، والمحرم هذا شيخ كذاب ~~معروف بالكذب. وقد روي عن عطاء هذا من وجهين آخرين ضعيفين أنه أنكر على ~~الحسن قوله: ثلاث من كن فيه فهو منافق، وقال: قد حدث إخوة يوسف فكذبوا، ~~ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا ولم يكونوا منافقين، وهذا لا يصح عن عطاء، ~~والحسن لم يقل هذا من عنده وإنما بلغه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~فالحديث ثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - لا شك في ثبوته وصحته، والذي فسره ~~به أهل العلم المعتبرون أن النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار ~~الخير وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين: أحدهما: النفاق الأكبر، ~~وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ~~ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في ~~الدرك الأسفل من النار. والثاني: النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل، وهو أن ~~يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك. وأصول هذا النفاق ترجع إلى ~~الخصال المذكورة في هذه الأحاديث، وهي خمسة: أحدها: أن يحدث بحديث لمن ~~يصدقه به وهو كاذب له، وفي " المسند " # PageV02P481 # عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا ~~هو لك مصدق، وأنت به كاذب» . قال الحسن: كان يقال: النفاق اختلاف السر ~~والعلانية، والقول والعمل، والمدخل والمخرج، وكان يقال: أس النفاق الذي بني ~~عليه الكذب. والثاني: إذا وعد أخلف، وهو على نوعين: أحدهما: أن يعد ومن ~~نيته أن لا يفي بوعده، وهذا أشر الخلف، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله ~~تعالى ومن نيته أن لا يفعل، كان كذبا وخلفا، قاله الأوزاعي. # الثاني: أن يعد ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له فيخلف من غير عذر له في ~~الخلف. وخرج أبو ms594 داود، والترمذي من حديث زيد بن أرقم عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، قال: «إذا # PageV02P482 # وعد الرجل ونوى أن يفي به فلم يف، فلا جناح عليه» . وقال الترمذي: ليس ~~إسناده بالقوي. وخرج الإسماعيلي وغيره من حديث سلمان «أن عليا لقي أبا بكر ~~وعمر، فقال: ما لي أراكما ثقيلين؟ قالا: حديث سمعناه من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ذكر خلال المنافق: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان ~~فأينا ينجو من هذه الخصال؟ فدخل علي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فذكر ذلك له، فقال: قد حدثتهما ولم أضعه على الوضع الذي تضعونه، ولكن ~~المنافق إذا حدث وهو يحدث نفسه أن يكذب، وإذا وعد وهو يحدث نفسه أن يخلف، ~~وإذا اؤتمن وهو يحدث نفسه أن يخون» . وقال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث ~~من رواية سلمان وزيد بن أرقم: الحديثان مضطربان وفي الإسنادين مجهولان. ~~وقال الدارقطني: الحديث غير ثبت والله أعلم. وخرج الطبراني والإسماعيلي من ~~حديث علي مرفوعا: «العدة دين، ويل لمن وعد ثم أخلف قالها ثلاثا» ، وفي ~~إسناده جهالة، ويروى من حديث «ابن # PageV02P483 # مسعود» قال: «لا يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجز له، فإن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: العدة عطية» وفي إسناده نظر، وأوله صحيح عن ابن مسعود من ~~قوله. وفي مراسيل الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «العدة هبة» ~~. وفي " سنن أبي داود " عن مولى لعبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عبد الله ~~بن عامر بن ربيعة، قال: «جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيتنا وأنا ~~صبي، فخرجت لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله تعال أعطك، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: ما أردت # PageV02P484 # أن تعطيه؟ قلت: أردت أن أعطيه تمرا، فقال: إن لم تفعلي كتبت عليك كذبة» . ~~وفي إسناده من لا يعرف. وذكر الزهري عن أبي هريرة، قال: من قال لصبي: تعال ~~هاك تمرا، ثم لا يعطيه شيئا فهي كذبة. # وقد اختلف العلماء في وجوب الوفاء بالوعد، فمنهم ms595 من أوجبه مطلقا، وذكر ~~البخاري في " صحيحه " أن ابن أشوع قضى بالوعد، وهو قول طائفة من أهل # PageV02P485 # الظاهر وغيرهم، منهم من أوجب الوفاء به إذا اقتضى تغريما للموعود، وهو ~~المحكي عن مالك، وكثير من الفقهاء لا يوجبونه مطلقا. # والثالث: إذا خاصم فجر ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمدا حتى يصير الحق ~~باطلا والباطل حقا، وهذا مما يدعو إليه الكذب، كما قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى ~~النار» . وفي " الصحيحين " عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أبغض ~~الرجال إلى الله الألد الخصم» . وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنكم ~~لتختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي على نحو ~~مما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من ~~النار» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن من البيان لسحرا» . فإذا كان ~~الرجل ذا قدرة عند الخصومة - سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا - على ~~أن ينتصر للباطل، ويخيل للسامع أنه حق، ويوهن الحق، ويخرجه في صورة الباطل، ~~كان ذلك من أقبح المحرمات، ومن أخبث خصال النفاق، وفي " سنن أبي داود " عن ~~ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «من خاصم # PageV02P486 # في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع» . وفي رواية له أيضا: ~~«ومن أعان على خصومة بظلم، فقد باء بغضب من الله» . # الرابع: إذا عاهد غدر، ولم يف بالعهد، وقد أمر الله بالوفاء بالعهد، ~~فقال: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} [الإسراء: 34] [الإسراء: 34] ، ~~وقال: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد ~~جعلتم الله عليكم كفيلا} [النحل: 91] [النحل: 91] ، وقال: {إن الذين يشترون ~~بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم ~~الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} [آل عمران: ~~77] [آل عمران: 77] . وفي " الصحيحين " عن ابن عمر عن النبي - صلى الله ~~عليه ms596 وسلم -، قال: «لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به» وفي رواية: «إن ~~الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: ألا هذه غدرة فلان» ، وخرجاه أيضا ~~من حديث أنس بمعناه. وخرج مسلم من حديث أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، قال: «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة» . والغدر حرام في كل ~~عهد بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهد كافرا، ولهذا في حديث عبد الله بن ~~عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل نفسا معاهدا بغير حقها # PageV02P487 # لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» خرجه ~~البخاري. وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا ~~على عهودهم ولم ينقضوا منها شيئا. وأما عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء ~~بها أشد، ونقضها أعظم إثما. ومن أعظمها: نقض عهد الإمام على من تابعه، ورضي ~~به، وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ~~«ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فذكر منهم: ~~ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفى له، وإلا لم ~~يف له» . ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها، ويحرم الغدر فيها: جميع ~~عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها ~~من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله عز وجل ~~مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه. # الخامس: الخيانة في الأمانة، فإذا اؤتمن الرجل أمانة، فالواجب عليه أن ~~يؤديها، كما قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} ~~[النساء: 58] [النساء: 58] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أد ~~الأمانة إلى من ائتمنك» ، وقال في خطبته في حجة # PageV02P488 # الوداع: «من كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها» وقال الله عز ~~وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم ~~تعلمون} [الأنفال: 27] [الأنفال: 27] فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق. ~~وفي حديث ابن مسعود من قوله، ms597 وروي مرفوعا: «القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب ~~إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أد أمانتك، فيقول: من أين يا رب ~~وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى ~~قعرها، فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها، فيضعها على عنقه فيصعد بها في نار ~~جهنم حتى إذا رأى أنه قد خرج منها، زلت فهوت، وهو في إثرها أبد الآبدين» ~~قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك ~~الودائع. وقد روي عن محمد بن كعب القرظي أنه استنبط ما في هذا الحديث - ~~أعني حديث: «آية المنافق ثلاث» - من القرآن، فقال: مصداق ذلك في كتاب الله ~~تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} [المنافقون: 1] إلى ~~قوله: # PageV02P489 # {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] [المنافقون: 1] ، وقال ~~تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75] إلى قوله: ~~{فأعقبهم نقاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون} [التوبة: 77] [التوبة: 74 - 77] ، وقال: {إنا عرضنا الأمانة ~~على السماوات والأرض والجبال} [الأحزاب: 72] الأحزاب إلى قوله: {ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات} [الأحزاب: 73] [الأحزاب: 72 - 73] وروي عن ابن مسعود ~~نحو هذا الكلام، ثم تلا قوله: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم} [التوبة: 77] ~~[التوبة: 77] الآية. وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف ~~السريرة والعلانية، قاله الحسن. وقال الحسن أيضا: من النفاق اختلاف القلب ~~واللسان، واختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج. وقالت طائفة من ~~السلف: خشوع النفاق أن ترى الجسد خاشعا، والقلب ليس بخاشع، وقد روي معنى ~~ذلك عن عمر، وروي عنه أنه قال على المنبر: إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق ~~العليم، قالوا: كيف يكون المنافق عليما؟ قال: يتكلم بالحكمة، ويعمل بالجور، ~~أو قال: المنكر. وسئل حذيفة عن المنافق، فقال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل ~~به. وفي " صحيح البخاري " عن ابن عمر أنه قيل له: إنا ندخل على # PageV02P490 # سلطاننا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال: كنا نعد هذا ~~نفاقا. وفي " المسند ms598 " عن حذيفة، قال: إنكم لتكلمون كلاما إن كنا لنعده على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النفاق، وفي رواية قال: إن كان الرجل ~~ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيصير بها ~~منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم في المجلس عشر مرار. قال بلال بن ~~سعد: المنافق يقول ما يعرف، ويعمل ما ينكر. ومن هنا كان الصحابة يخافون ~~النفاق على أنفسهم، وكان عمر يسأل حذيفة عن نفسه. وسئل أبو رجاء العطاردي: ~~هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخشون ~~النفاق؟ فقال: نعم إني أدركت منهم بحمد الله صدرا حسنا، نعم شديدا، نعم ~~شديدا. وقال البخاري في " صحيحه ": وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من ~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخاف النفاق على نفسه. ويذكر عن ~~الحسن قال: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق. انتهى. # PageV02P491 # وروي عن الحسن أنه حلف: ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ~~وما مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يخف ~~النفاق، فهو منافق. وسمع رجل أبا الدرداء يتعوذ من النفاق في صلاته، فلما ~~سلم، قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: اللهم غفرا - ثلاثا - لا تأمن ~~البلاء، والله إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة، فينقلب عن دينه. والآثار عن ~~السلف في هذا كثيرة جدا. قال سفيان الثوري: خلاف ما بيننا وبين المرجئة ~~ثلاث، فذكر منها قال: نحن نقول: نفاق وهم يقولون: لا نفاق. وقال الأوزاعي: ~~قد خاف عمر النفاق على نفسه، قيل له: إنهم يقولون: إن عمر لم يخف أن يكون ~~يومئذ منافقا حتى سأل حذيفة، ولكن خاف أن يبتلى بذلك قبل أن يموت، قال: هذا ~~قول أهل البدع، يشير إلى أن عمر كان يخاف النفاق على نفسه في الحال، ~~والظاهر أنه أراد أن عمر كان يخاف على نفسه في الحال من النفاق الأصغر، ~~والنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق الأكبر، ms599 كما # PageV02P492 # أن المعاصي بريد الكفر، وكما يخشى على من أصر على المعصية أن يسلب ~~الإيمان عند الموت، كذلك يخشى على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان ~~فيصير منافقا خالصا. وسئل الإمام أحمد: ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه ~~النفاق؟ فقال: ومن يأمن على نفسه النفاق؟ وكان الحسن يسمي من ظهرت منه ~~أوصاف النفاق العملي منافقا، وروي نحوه عن حذيفة. وقال الشعبي: من كذب، فهو ~~منافق، وحكى محمد بن نصر المروزي هذا القول عن فرقة من أهل الحديث، وقد سبق ~~في أوائل الكتاب ذكر الاختلاف عن الإمام أحمد وغيره في مرتكب الكبائر: هل ~~يسمى كافرا كفرا لا ينقل عن الملة أم لا؟ واسم الكفر أعظم من اسم النفاق، ~~ولعل هذا هو الذي أنكره عطاء على الحسن إن صح ذلك عنه. ومن أعظم خصال ~~النفاق العملي: أن يعمل الإنسان عملا، ويظهر أنه قصد به الخير، وإنما عمله ~~ليتوصل به إلى غرض له سيئ فيتم له ذلك، ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه، ~~ويفرح بمكره وخداعه وحمد الناس له على ما أظهره، وتوصل به إلى غرضه السيئ ~~الذي أبطنه، وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود، فحكى عن ~~المنافقين أنهم {اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا ~~لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم ~~لكاذبون} [التوبة: 107] [التوبة: 107] ، وأنزل في اليهود: {لا تحسبن الذين ~~يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من ~~العذاب ولهم عذاب أليم} [آل عمران: 188] [آل عمران: 188] وهذه الآية نزلت ~~في اليهود، سألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شيء فكتموه، وأخبروه ~~بغيره، فخرجوا وقد أروه أنهم قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، ~~وفرحوا بما أوتوا # PageV02P493 # من كتمانهم وما سئلوا عنه، قال ذلك ابن عباس، وحديثه مخرج في " الصحيحين ~~". وفيهما أيضا عن أبي سعيد أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا ms600 بمقعدهم خلافه ~~فإذا قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، ~~وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. وفي حديث ابن مسعود عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، قال: «من غشنا فليس منا، والمكر والخديعة في النار» . وقد وصف ~~الله المنافقين بالمخادعة، ولقد أحسن أبو العتاهية في قوله: # ليس دنيا إلا بدين وليس الد ... ين إلا مكارم الأخلاق # إنما المكر والخديعة في النا ... ر هما من خصال أهل النفاق # ولما تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية ~~خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع ~~الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك ~~منه نفاقا، كما في " صحيح مسلم " «عن حنظلة الأسيدي أنه مر بأبي بكر وهو ~~يبكي، فقال: ما لك؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر، نكون عند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا رجعنا، عافسنا ~~الأزواج والصبية فنسينا كثيرا، قال أبو بكر: فوالله إنا لكذلك، فانطلقا إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما لك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة ~~يا رسول الله، وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، # PageV02P494 # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو تدومون على الحال التي تقومون ~~بها من عندي، لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة ~~وساعة» . وفي " مسند البزار " عن أنس قال: «قالوا: يا رسول الله إنا نكون ~~عندك على حال، فإذا فارقناك كنا على غيره، قال: كيف أنتم وربكم؟ قالوا: ~~الله ربنا في السر والعلانية، قال: ليس ذاكم النفاق» . وروي من وجه آخر عن ~~أنس قال: «غدا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: هلكنا، ~~قال: وما ذاك؟ قالوا: النفاق، قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: فليس ذاك بالنفاق» ثم ذكر معنى حديث ~~حنظلة كما تقدم. # PageV02P495 ### | [الحديث التاسع والأربعون لو ms601 أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير] # PageV02P495 # الحديث التاسع والأربعون. عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو أنكم توكلون على الله حق ~~توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا» رواه الإمام أحمد ~~والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في " صحيحه " والحاكم، وقال ~~الترمذي: حسن صحيح. #  هذا الحديث خرجه هؤلاء كلهم من ~~رواية عبد الله بن هبيرة، سمع أبا تميم الجيشاني، سمع عمر بن الخطاب يحدثه ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبو تميم وعبد الله بن هبيرة خرج لهما ~~مسلم، ووثقهما غير واحد، وأبو تميم ولد في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وهاجر إلى المدينة في زمن عمر رضي الله عنه. وقد روي هذا الحديث من حديث ~~ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن في إسناده من لا يعرف حاله. ~~قاله أبو حاتم الرازي. وهذا الحديث أصل في التوكل، وأنه من أعظم الأسباب ~~التي يستجلب بها # PageV02P496 # الرزق، قال الله عز وجل: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا - ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 2 - 3] [الطلاق: 2 - 3] ، وقد ~~قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية على أبي ذر، وقال له: لو أن ~~الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم يعني: لو حققوا التقوى والتوكل؛ لاكتفوا بذلك ~~في مصالح دينهم ودنياهم. وقد سبق الكلام على هذا المعنى في شرح حديث ابن ~~عباس: «احفظ الله يحفظك» . قال بعض السلف: بحسبك من التوسل إليه أن يعلم من ~~قلبك حسن توكلك عليه، فكم من عبد من عباده قد فوض إليه أمره، فكفاه منه ما ~~أهمه، ثم قرأ: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا - ويرزقه من حيث لا يحتسب} ~~[الطلاق: 2 - 3] وحقيقة التوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في ~~استجلاب المصالح، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وكلة الأمور ~~كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ms602 ولا يضر ولا ينفع سواه. ~~قال سعيد بن جبير: التوكل جماع الإيمان. وقال وهب بن منبه: الغاية القصوى ~~التوكل. قال الحسن: إن توكل العبد على ربه أن يعلم أن الله هو ثقته. وفي ~~حديث ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «من سره أن يكون أقوى ~~الناس، فليتوكل على الله» . # PageV02P497 # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في دعائه: «اللهم إني ~~أسألك صدق التوكل عليك» ، وأنه كان يقول: «اللهم اجعلني ممن توكل عليك ~~فكفيته» . واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله ~~سبحانه المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإن الله تعالى أمر بتعاطي ~~الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل ~~بالقلب عليه إيمان به، كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا ~~حذركم} [النساء: 71] [النساء: 71] ، وقال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة ومن رباط الخيل} [الأنفال: 60] [الأنفال: 60] ، وقال: {فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] [الجمعة: 10] ~~. وقال سهل التستري: من طعن في الحركة - يعني في السعي والكسب - فقد طعن في ~~السنة، ومن طعن في التوكل، فقد طعن في الإيمان، فالتوكل حال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، والكسب سنته، فمن عمل على حاله، فلا يتركن سنته. # ثم إن الأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام: # PageV02P498 # أحدها: الطاعات التي أمر الله عباده بها، وجعلها سببا، للنجاة من النار ~~ودخول الجنة، فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله فيه، والاستعانة به ~~عليه، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فمن قصر ~~في شيء مما وجب عليه من ذلك، استحق العقوبة في الدنيا والآخرة شرعا وقدرا. ~~قال يوسف بن أسباط: كان يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل ~~رجل لا يصيبه إلا ما كتب له. والثاني: ما أجرى الله العادة به في الدنيا، ~~وأمر عباده بتعاطيه، كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والاستظلال ms603 من ~~الحر، والتدفؤ من البرد، ونحو ذلك، فهذا أيضا واجب على المرء تعاطي أسبابه، ~~ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله، فهو مفرط يستحق ~~العقوبة، لكن الله سبحانه قد يقوي بعض عباده من ذلك على ما لا يقوى عليه ~~غيره، فإذا عمل بمقتضى قوته التي اختص بها عن غيره فلا حرج عليه، ولهذا كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يواصل في صيامه وينهى عن ذلك أصحابه ويقول ~~لهم: «إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى» ، وفي رواية: «إني أظل عند ربي ~~يطعمني ويسقيني» ، وفي رواية: «إن لي مطعما يطعمني، وساقيا يسقيني» . ~~والأظهر أنه أراد بذلك أن الله يقوته ويغذيه بما يورده على قلبه من الفتوح ~~القدسية، والمنح الإلهية، والمعارف الربانية التي تغنيه عن الطعام والشراب # PageV02P499 # برهة من الدهر، كما قال القائل: # لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد # لها بوجهك نور تستضيء به ... وقت المسير وفي أعقابها حادي # إذا اشتكت من كلال السير أوعدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد # وقد كان كثير من السلف لهم من القوة على ترك الطعام والشراب ما ليس ~~لغيرهم، ولا يتضررون بذلك. وكان ابن الزبير يواصل ثمانية أيام. وكان أبو ~~الجوزاء يواصل في صومه بين سبعة أيام ثم يقبض على ذراع الشاب فيكاد يحطمها. ~~وكان إبراهيم التيمي يمكث شهرين لا يأكل شيئا غير أنه يشرب شربة حلوى. وكان ~~حجاج بن فرافصة يبقى أكثر من عشرة أيام لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، وكان ~~بعضهم لا يبالي بالحر ولا بالبرد كما كان علي رضي الله عنه يلبس لباس الصيف ~~في الشتاء ولباس الشتاء في الصيف، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا ~~له أن يذهب الله عنه الحر والبرد. فمن كان له قوة على مثل هذه الأمور، فعمل ~~بمقتضى قوته ولم يضعفه عن طاعة الله، فلا حرج عليه، ومن كلف نفسه ذلك حتى ~~أضعفها عن بعض الواجبات، فإنه ينكر عليه ذلك، وكان السلف ينكرون على عبد ~~الرحمن بن أبي نعم حيث ms604 كان يترك الأكل مدة حتى يعاد من ضعفه. القسم الثالث: ~~ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعم الأغلب، وقد يخرق العادة في ذلك ~~لمن شاء من عباده، وهو أنواع: منها ما يخرقه كثيرا، ويغني عنه كثيرا من ~~خلقه كالأدوية بالنسبة إلى كثير من البلدان وسكان البوادي ونحوها. # وقد اختلف العلماء: هل الأفضل لمن # PageV02P500 # أصابه المرض التداوي أم تركه لمن حقق التوكل على الله؟ وفيه قولان ~~مشهوران، وظاهر كلام أحمد أن التوكل لمن قوي عليه أفضل، لما صح عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب ~~ثم قال: هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون» . ~~ومن رجح التداوي قال: إنه حال النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يداوم ~~عليه، وهو لا يفعل إلا الأفضل، وحمل الحديث على الرقى المكروهة التي يخشى ~~منها الشرك بدليل أنه قرنها بالكي والطيرة وكلاهما مكروه. ومنها ما يخرقه ~~لقليل من العامة كحصول الرزق لمن ترك السعي في طلبه، فمن رزقه الله صدق ~~يقين وتوكل، وعلم من الله أن يخرق له العوائد، ولا يحوجه إلى الأسباب ~~المعتادة في طلب الرزق، ونحوه جاز له ترك الأسباب، ولم ينكر عليه ذلك، ~~وحديث عمر هذا الذي نتكلم عليه يدل على ذلك، ويدل على # PageV02P501 # أن الناس إنما يؤتون من قلة تحقيق التوكل، ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة ~~بقلوبهم ومساكنتهم لها، فلذلك يتعبون أنفسهم في الأسباب، ويجتهدون فيها ~~غاية الاجتهاد، ولا يأتيهم إلا ما قدر لهم، فلو حققوا التوكل على الله ~~بقلوبهم، لساق إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب، كما يسوق إلى الطير أرزاقها ~~بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب والسعي، لكنه سعي يسير. وربما حرم ~~الإنسان رزقه أو بعضه بذنب يصيبه، كما في حديث ثوبان عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» . وفي حديث جابر، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا ~~الله وأجملوا ms605 في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم» . وقال عمر: بين العبد ~~وبين رزقه حجاب، فإن قنع ورضيت نفسه، آتاه الله رزقه، وإن اقتحم وهتك ~~الحجاب، لم يزد فوق رزقه. وقال بعض السلف: توكل تسق إليك الأرزاق بلا تعب ~~ولا تكلف. قال سالم بن أبي الجعد: حدثت «أن عيسى عليه السلام كان يقول: ~~اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم، وإياكم وفضول الدنيا، فإن فضول الدنيا عند ~~الله رجز، هذه طير السماء تغدو وتروح ليس معها من أرزاقه شيء، لا تحرث ولا ~~تحصد الله يرزقها» ، فإن قلتم: إن بطوننا أعظم من بطون الطير، فهذه الوحوش ~~من البقر والحمير وغيرها تغدو وتروح ليس معها من أرزاقها شيء لا تحرث ولا ~~تحصد، الله يرزقها، خرجه ابن أبي الدنيا. # PageV02P502 # وخرج بإسناده عن ابن عباس قال: كان عابد يتعبد في غار، فكان غراب يأتيه ~~كل يوم برغيف يجد فيه طعم كل شيء حتى مات ذلك العابد. وعن سعيد بن عبد ~~العزيز، عن بعض مشيخة دمشق، قال: «أقام إلياس هاربا من قومه في جبل عشرين ~~ليلة، - أو قال: أربعين - تأتيه الغربان برزقه» . وقال سفيان الثوري: قرأ ~~واصل الأحدب هذه الآية: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} [الذاريات: 22] ~~[الذاريات: 22] ، فقال: ألا إن رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض؟ فدخل ~~خربة، فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا، فلما كان اليوم الرابع، إذ هو بدوخلة من ~~رطب، وكان له أخ أحسن نية منه، فدخل معه، فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك ~~دأبهما حتى فرق الموت بينهما. ومن هذا الباب من قوي توكله على الله ووثوقه ~~به، فدخل المفاوز بغير زاد، فإنه يجوز لمن هذه صفته دون من لم يبلغ هذه ~~المنزلة، وله في ذلك أسوة بإبراهيم الخليل عليه السلام، حيث ترك هاجر ~~وابنها إسماعيل بواد غير ذي زرع، وترك عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ~~فلما تبعته هاجر وقالت له: إلى من تدعنا؟ قال لها: إلى الله، قالت: رضيت ~~بالله، وهذا كان يفعله بأمر الله ووحيه، فقد يقذف الله في قلوب ms606 بعض أوليائه ~~من الإلهام الحق ما يعلمون أنه حق، ويثقون به. قال المروزي: قيل لأبي عبد ~~الله: أي شيء صدق التوكل على الله؟ قال: أن يتوكل على الله، ولا يكون في ~~قلبه أحد من الآدميين يطمع أن يجيبه بشيء، فإذا كان كذا، كان الله يرزقه، ~~وكان متوكلا. قال: وذكرت لأبي عبد الله التوكل، فأجازه لمن استعمل فيه ~~الصدق. قال وسألت أبا عبد الله عن رجل جلس في بيته، ويقول: أجلس وأصبر ولا ~~أطلع على ذلك أحدا، وهو يقدر أن يحترف، قال: لو خرج فاحترف كان أحب إلي، ~~وإذا جلس خفت أن يخرجه إلى أن يكون يتوقع أن يرسل إليه بشيء. قلت: فإذا كان ~~يبعث إليه بشيء فلا يأخذ؟ قال: هذا جيد. # PageV02P503 # وقلت لأبي عبد الله إن رجلا بمكة قال: لا آكل شيئا حتى يطعموني، ودخل في ~~جبل أبي قبيس، فجاء إليه رجلان وهو متزر بخرقة، فألقيا إليه قميصا، وأخذا ~~بيديه، فألبساه القميص، ووضعا بين يديه شيئا، فلم يأكل حتى وضعا مفتاحا من ~~حديد في فيه، وجعلا يدسان في فمه، فضحك أبو عبد الله، وجعل يعجب. وقلت لأبي ~~عبد الله إن رجلا ترك البيع والشراء، وجعل على نفسه أن لا يقع في يده ذهب ~~ولا فضة، وترك دوره لم يأمر فيها بشيء، وكان يمر في الطريق، فإذا رأى شيئا ~~مطروحا، أخذه مما قد ألقي. قال المروزي: فقلت للرجل: ما لك حجة على هذا غير ~~أبي معاوية الأسود، قال: بل أويس القرني، كان يمر بالمزابل، فيلتقط الرقاع، ~~قال: فصدقه أبو عبد الله وقال: قد شدد على نفسه. ثم قال: لقد جاءني البقلي ~~ونحوه، فقلت لهم: لو تعرضتم للعمل، تشهرون أنفسكم! قال: وأيش نبالي من ~~الشهرة؟ وروى أحمد بن الحسين بن حسان عن أحمد أنه سئل عن رجل يخرج إلى مكة ~~بغير زاد، قال: إن كنت تطيق وإلا فلا إلا بزاد وراحلة، لا تخاطر. قال أبو ~~بكر الخلال: يعني إن أطاق وعلم أنه يقوى على ذلك، ولا يسأل ولا تستشرف نفسه ~~لأن يأخذ ms607 أو يعطى فيقبل، فهو متوكل على الصدق، وقد أجاز العلماء التوكل على ~~الصدق. قال: وقد حج أبو عبد الله وكفاه في حجته أربعة عشر درهما. وسئل ~~إسحاق بن راهويه: هل للرجل أن يدخل المفازة بغير زاد فقال: إن كان الرجل ~~مثل عبد الله بن منير، فله أن يدخل المفازة بغير زاد، وإلا لم يكن # PageV02P504 # له أن يدخل، ومتى كان الرجل ضعيفا، وخشي على نفسه أن لا يصبر، أو يتعرض ~~للسؤال، أو أن يقع في الشك والسخط، لم يجز له ترك الأسباب حينئذ، وأنكر ~~عليه غاية الإنكار كما أنكر الإمام أحمد وغيره على من ترك الكسب وعلى من ~~دخل المفازة بغير زاد، وخشي عليه التعرض للسؤال. وقد روي عن ابن عباس، قال: ~~كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن متوكلون فيحجون، فيأتون مكة ~~فيسألون الناس، فأنزل الله هذه الآية: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} ~~[البقرة: 197] [البقرة: 197] ، وكذا قال مجاهد وعكرمة والنخعي وغير واحد من ~~السلف، فلا يرخص في ترك السبب بالكلية إلا لمن انقطع قلبه عن الاستشراف إلى ~~المخلوقين بالكلية. وقد روي عن أحمد أنه سئل عن التوكل فقال: قطع الاستشراف ~~باليأس من الخلق، فسئل عن الحجة في ذلك، فقال: قول إبراهيم عليه السلام لما ~~عرض له جبريل وهو يرمى في النار، فقال له: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. ~~وظاهر كلام أحمد أن الكسب أفضل بكل حال، فإنه سئل عمن يقعد ولا يكتسب ~~ويقول: توكلت على الله، فقال: ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله، ولكن ~~يعودون على أنفسهم بالكسب. وروى الخلال بإسناده عن الفضيل بن عياض أنه قيل ~~له: لو أن رجلا قعد في بيته زعم أنه يثق بالله فيأتيه برزقه، قال: إذا وثق ~~بالله حتى يعلم منه أنه قد # PageV02P505 # وثق به، لم يمنعه شيئا أراده، لكن لم يفعل هذا الأنبياء ولا غيرهم، وقد ~~كان الأنبياء يؤجرون أنفسهم، «وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤجر نفسه ~~وأبو بكر وعمر» ، ولم يقولوا: نقعد حتى يرزقنا الله عز وجل، وقال الله ms608 عز ~~وجل: {وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] : [الجمعة: 10] ، ولابد من طلب ~~المعيشة. وقد روي عن بشر ما يشعر بخلاف هذا، فروى أبو نعيم في " الحلية " ~~أن بشرا سئل عن التوكل، فقال: اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب، فقال له ~~السائل: فسره لنا حتى نفقه، فقال بشر: اضطراب بلا سكون، رجل يضطرب بجوارحه، ~~وقلبه ساكن إلى الله، لا إلى عمله، وسكون بلا اضطراب، فرجل ساكن إلى الله ~~بلا حركة، وهذا عزيز، وهو من صفات الأبدال. وبكل حال، فمن لم يصل إلى هذه ~~المقامات العالية، فلابد له من معاناة الأسباب لاسيما من له عيال لا ~~يصبرون، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء إثما أن يضيع ~~من يقوت» . وكان بشر يقول: لو كان لي عيال لعملت واكتسبت. وكذلك من ضيع ~~بتركه الأسباب حقا له، ولم يكن راضيا بفوات حقه، فإن هذا عاجز مفرط، وفي ~~مثل هذا جاء قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن القوي خير وأحب إلى ~~الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا ~~تعجز، فإن أصابك شيء، فلا تقولن: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله ~~وما شاء فعل، فإن اللو تفتح عمل الشيطان» خرجه مسلم بمعناه من حديث أبي ~~هريرة. # PageV02P506 # وفي " سنن أبي داود " وعن عوف بن مالك «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، ~~فإذا غلبك أمر، فقل حسبي الله ونعم الوكيل» . وخرج الترمذي من حديث أنس، ~~قال: «قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: ~~اعقلها وتوكل» . وذكر عن يحيى القطان أنه قال: هو عندي حديث منكر، وخرجه ~~الطبراني من حديث عمرو بن أمية، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وروى ~~الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن ابن عابد أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: ms609 «إن التوكل بعد الكيس» وهذا مرسل، ومعناه أن الإنسان يأخذ ~~بالكيس والسعي في الأسباب المباحة، ويتوكل على الله بعد سعيه، وهذا كله ~~إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب بل قد يكون جمعهما أفضل. ~~قال معاوية بن قرة: لقي عمر بن الخطاب ناسا من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟ ~~قالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتأكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبه ~~في الأرض، ويتوكل على الله عز وجل. قال الخلال: أخبرنا محمد بن أحمد بن ~~منصور قال: سأل المازني بشر بن # PageV02P507 # الحارث عن التوكل، فقال: المتوكل لا يتوكل على الله ليكفى، ولو حلت هذه ~~القصة في قلوب المتوكلة، لضجوا إلى الله بالندم والتوبة، ولكن المتوكل يحل ~~بقلبه الكفاية من الله تبارك وتعالى فيصدق الله عز وجل فيما ضمن. ومعنى هذا ~~الكلام أن المتوكل على الله حق التوكل لا يأتي بالتوكل، ويجعله سببا لحصول ~~الكفاية له من الله بالرزق وغيره، فإنه لو فعل ذلك، لكان كمن أتى بسائر ~~الأسباب لاستجلاب الرزق والكفاية بها، وهذا نوع نقص في تحقيق التوكل. وإنما ~~المتوكل حقيقة من يعلم أن الله قد ضمن لعبده رزقه وكفايته، فيصدق الله فيما ~~ضمنه، ويثق بقلبه، ويحقق الاعتماد عليه فيما ضمنه من الرزق من غير أن يخرج ~~التوكل مخرج الأسباب في استجلاب الرزق به، والرزق مقسوم لكل أحد من بر ~~وفاجر، ومؤمن وكافر، كما قال تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها} [هود: 6] [هود: 6] ، هذا مع ضعف كثير من الدواب وعجزها عن السعي في ~~طلب الرزق، قال تعالى: {وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم} ~~[العنكبوت: 60] [العنكبوت: 60] . فما دام العبد حيا، فرزقه على الله، وقد ~~ييسره الله له بكسب وبغير كسب، فمن توكل على الله لطلب الرزق، فقد جعل ~~التوكل سببا وكسبا، ومن توكل عليه لثقته بضمانه، فقد توكل عليه ثقة به ~~وتصديقا، وما أحسن قول مثنى الأنباري وهو من أعيان أصحاب الإمام أحمد: لا ~~تكونوا بالمضمون مهتمين، فتكونوا للضامن متهمين، وبرزقه غير راضين. ms610 واعلم ~~أن ثمرة التوكل الرضا بالقضاء، فمن وكل أموره إلى الله ورضي بما يقضيه له، ~~ويختاره فقد حقق التوكل عليه ولذلك كان الحسن والفضيل وغيرهما يفسرون ~~التوكل على الله بالرضا. # PageV02P508 # قال ابن أبي الدنيا: بلغني عن بعض الحكماء قال: التوكل على ثلاث درجات: ~~أولها: ترك الشكاية، والثانية: الرضا، والثالثة: المحبة، فترك الشكاية درجة ~~الصبر، والرضا سكون القلب بما قسم الله له، وهي أرفع من الأولى، والمحبة أن ~~يكون حبه لما يصنع الله به، فالأولى للزاهدين، والثانية للصادقين، والثالثة ~~للمرسلين. انتهى. فالمتوكل على الله إن صبر على ما يقدره الله له من الرزق ~~أو غيره، فهو صابر، وإن رضي بما يقدر له بعد وقوعه فهو الراضي، وإن لم يكن ~~له اختيار بالكلية ولا رضا إلا فيما يقدر له، فهو درجة المحبين العارفين، ~~كما كان عمر بن عبد العزيز: يقول أصبحت وما لي سرور إلا في مواضع القضاء ~~والقدر. # PageV02P509 ### | [الحديث الخمسون لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل] # PageV02P509 # الحديث الخمسون. عن عبد الله بن بسر قال: «أتى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت ~~علينا، فباب نتمسك به جامع؟ قال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل» ~~خرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ. #  وخرجه الترمذي، وابن ماجه، وابن ~~حبان في " صحيحه " بمعناه، وقال الترمذي: حسن غريب، وكلهم خرجه من رواية ~~عمرو بن قيس الكندي، عن عبد الله بن بسر. وخرج ابن حبان في " صحيحه " وغيره ~~من حديث معاذ بن جبل، قال: «آخر ما فارقت عليه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن قلت له: أي الأعمال خير وأقرب إلى الله؟ قال: أن تموت ولسانك رطب ~~من ذكر الله عز وجل» . وقد سبق في هذا الكتاب مفرقا ذكر كثير من فضائل ~~الذكر، ونذكر هاهنا فضل إدامته والإكثار منه. قد أمر الله سبحانه المؤمنين ~~بأن يذكروه ذكرا كثيرا، ومدح من ذكره كذلك؛ # PageV02P510 # قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا ms611 كثيرا - وسبحوه بكرة ~~وأصيلا} [الأحزاب: 41 - 42] [الأحزاب: 41] ، وقال تعالى: {واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون} [الأنفال: 45] [الجمعة: 10] ، وقال تعالى: {والذاكرين ~~الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} [الأحزاب: 35] ~~[الأحزاب: 35] ، وقال تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} ~~[آل عمران: 191] [آل عمران: 191] . وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على جبل يقال له: جمدان، فقال: سيروا ~~هذا جمدان، قد سبق المفردون قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: ~~الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» . وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: «سبق المفردون ~~قالوا: وما المفردون؟ قال: الذين يهترون في ذكر الله» . وخرجه الترمذي، ~~وعنده: «قالوا: يا رسول الله، وما المفردون؟ قال: المستهترون في ذكر الله ~~يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون يوم القيامة خفافا» . وروى موسى بن عبيدة ~~عن أبي عبد الله القراظ، عن معاذ بن جبل قال: «بينما نحن مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - نسير بالدف من جمدان إذ استنبه، فقال: يا معاذ أين ~~السابقون؟ فقلت: قد مضوا وتخلف أناس. فقال: يا معاذ إن السابقين الذين ~~يستهترون بذكر الله عز وجل» خرجه جعفر الفريابي. # PageV02P511 # ومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا الحديث، فإنه لما سبق ~~الركب، وتخلف بعضهم، نبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن السابقين على ~~الحقيقة هم الذين يدمنون ذكر الله، ويولعون به، فإن الاستهتار بالشيء: هو ~~الولوع به والشغف، حتى لا يكاد يفارق ذكره، وهذا على رواية من رواه ~~المستهترون ورواه بعضهم، فقال فيه: «الذين أهتروا في ذكر الله» وفسر ابن ~~قتيبة الهتر بالسقط في الكلام، كما في الحديث: «المستبان شيطانان يتكاذبان ~~ويتهاتران» . قال: والمراد من هذا الحديث من عمر وخرف في ذكر الله وطاعته، ~~قال: والمراد بالمفردين على هذه الرواية من انفرد بالعمر عن القرن الذي كان ~~فيه، وأما على الرواية الأولى فالمراد بالمفردين المتخلين من الناس بذكر ~~الله تعالى، كذا قال، ويحتمل - وهو الأظهر - أن المراد بالانفراد على ~~الروايتين الانفراد بهذا العمل وهو كثرة الذكر دون ms612 الانفراد الحسي، إما عن ~~القرن أو عن المخالطة، والله أعلم. ومن هذا المعنى قول عمر بن عبد العزيز ~~ليلة عرفة بعرفة عند قرب الإفاضة: ليس السابق اليوم من سبق بعيره، وإنما ~~السابق من غفر له. وبهذا الإسناد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ~~«من أحب أن يرتع في رياض الجنة، فليكثر ذكر الله عز وجل» . # PageV02P512 # وخرج الإمام أحمد والنسائي، وابن حبان في " صحيحه " من حديث أبي سعيد ~~الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «استكثروا من الباقيات ~~الصاحات قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: التكبير والتسبيح والتهليل والحمد ~~لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله» . وفي " المسند " و " صحيح ابن حبان " عن ~~أبي سعيد الخدري أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «أكثروا ذكر ~~الله حتى يقولوا: مجنون» . وروى أبو نعيم في " الحلية " من حديث ابن عباس ~~مرفوعا: «اذكروا الله ذكرا يقول المنافقون: إنكم تراءون» . وخرج الإمام ~~أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه سئل: ~~أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرا، ~~وقيل: يا رسول الله، ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: لو ضرب بسيفه في الكفار ~~والمشركين حتى ينكسر ويتخضب دما، لكان الذاكرون لله أفضل منه درجة.» # PageV02P513 # وخرج الإمام أحمد من حديث سهل بن معاذ، [عن أبيه] ، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «أن رجلا سأله فقال: أي الجهاد أعظم أجرا يا رسول الله؟ قال: ~~أكثرهم لله ذكرا، قال: فأي الصائمين أعظم؟ قال: أكثرهم لله ذكرا، ثم ذكر ~~لنا الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: أكثرهم لله ذكرا:، فقال أبو بكر: يا أبا حفص، ذهب الذاكرون بكل خير، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أجل» . وقد خرجه ابن المبارك، وابن ~~أبي الدنيا من وجوه مرسلة بمعناه. وفي " صحيح مسلم " عن عائشة، قالت: «كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه» . وقال أبو ms613 ~~الدرداء: الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله، يدخل أحدهما الجنة وهو ~~يضحك، وقيل له: إن رجلا أعتق مائة نسمة، فقال: إن مائة نسمة من مال رجل ~~كثير، وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار، وأن لا يزال لسان أحدكم ~~رطبا من ذكر الله عز وجل. وقال معاذ: لأن أذكر الله من بكرة إلى الليل أحب ~~إلي من أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله من بكرة إلى الليل. # PageV02P514 # وقال ابن مسعود في قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] ~~[آل عمران: 102] قال: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، ~~وخرجه الحاكم مرفوعا وصححه، والمشهور وقفه. وقال زيد بن أسلم: «قال موسى ~~عليه السلام: يا رب، قد أنعمت علي كثيرا، فدلني على أن أشكرك كثيرا، قال: ~~اذكرني كثيرا، فإن ذكرتني كثيرا، فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني» . ~~وقال الحسن: أحب عباد الله إلى الله أكثرهم له ذكرا وأتقاهم قلبا. وقال ~~أحمد بن أبي الحواري: حدثني أبو المخارق، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «مررت ليلة أسري بي برجل مغيب في نور العرش، فقلت: من هذا؟ ~~ملك؟ قيل: لا، قلت: نبي؟ قيل: لا، قلت: من هو؟ قال: هذا رجل كان لسانه رطبا ~~من ذكر الله، وقلبه معلق بالمساجد، ولم يستسب والديه قط» . وقال ابن مسعود: ~~«قال موسى عليه السلام: رب أي الأعمال أحب إليك أن أعمل به؟ قال: تذكرني ~~فلا تنساني» . وقال أبو إسحاق بن ميثم: بلغني «أن موسى عليه السلام، قال: ~~رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكرا.» وقال كعب: من أكثر ذكر الله، ~~برئ من النفاق، ورواه مؤمل، عن حماد بن سلمة، عن سهيل، عن أبي صالح، عن ~~أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا # PageV02P515 # وخرج الطبراني بهذا الإسناد مرفوعا: «من لم يكثر ذكر الله فقد برئ من ~~الإيمان» . ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى وصف المنافقين بأنهم لا يذكرون ~~الله إلا قليلا، فمن أكثر ذكر الله، فقد باينهم في أوصافهم، ms614 ولهذا ختمت ~~سورة المنافقين بالأمر بذكر الله، وأن لا يلهي المؤمن عن ذلك مال ولا ولد، ~~وأن من ألهاه ذلك عن ذكر الله، فهو من الخاسرين. قال الربيع بن أنس، عن بعض ~~أصحابه: علامة حب الله كثرة ذكره، فإنك لن تحب شيئا إلا أكثرت ذكره. وقال ~~فتح الموصلي: المحب لله لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين، قال ذو النون: من ~~اشتغل قلبه ولسانه بالذكر، قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه. قال ~~إبراهيم بن الجنيد: كان يقال: من علامة المحب لله دوام الذكر بالقلب ~~واللسان، وقلما ولع المرء بذكر الله عز وجل إلا أفاد منه حب الله. وكان بعض ~~السلف يقول في مناجاته: إذا سئم البطالون من بطالتهم، فلن يسأم محبوك من ~~مناجاتك وذكرك. قال أبو جعفر المحولي: ولي الله المحب لله لا يخلو قلبه من ~~ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته. وقد ذكرنا قول عائشة: «كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه» ، والمعنى: في حال قيامه ومشيه ~~وقعوده واضطجاعه، وسواء كان على # PageV02P516 # طهارة أو على حدث. وقال مسعر: «كانت دواب البحر في البحر تسكن، ويوسف ~~عليه السلام في السجن لا يسكن عن ذكر الله عز وجل» . وكان لأبي هريرة خيط ~~فيه ألف عقدة، فلا ينام حتى يسبح به. وكان خالد بن معدان يسبح كل يوم ~~أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن، فلما مات وضع على سريره ليغسل، ~~فجعل يشير بأصبعه يحركها بالتسبيح. وقيل لعمير بن هانئ: ما نرى لسانك يفتر، ~~فكم تسبح كل يوم؟ قال مائة ألف تسبيحة، إلا أن تخطئ الأصابع، يعني أنه يعد ~~ذلك بأصابعه. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: كانت عندنا امرأة بمكة تسبح كل ~~يوم اثني عشرة ألف تسبيحة، فماتت فلما بلغت القبر، اختلست من أيدي الرجال. ~~وكان الحسن البصري كثيرا ما يقول إذا لم يحدث، ولم يكن له شغل: سبحان الله ~~العظيم، فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة، فقال: إن صاحبكم لفقيه، ما قالها أحد سبع ~~مرات ms615 إلا بني له بيت في الجنة. وكان عامة كلام ابن سيرين: سبحان الله ~~العظيم، سبحان الله وبحمده. كان المغيرة بن حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون، ~~نزل إلى البحر، وقام # PageV02P517 # في الماء يذكر الله مع دواب البحر. نام بعضهم عند إبراهيم بن أدهم قال: ~~فكنت كلما استيقظت من الليل، وجدته يذكر الله، فأغتم، ثم أعزي نفسي بهذه ~~الآية: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} [المائدة: 54] [المائدة: 54] . المحب ~~اسم محبوبه لا يغيب عن قلبه، فلو كلف أن ينسى تذكره لما قدر، ولو كلف أن ~~يكف عن ذكره بلسانه لما صبر. # كيف ينسى المحب ذكر حبيب ... اسمه في فؤاده مكتوب # كان بلال كلما عذبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول: أحد أحد، فإذا ~~قالوا له: قل: واللات والعزى، قال: لا أحسنه. # يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل # كلما قويت المعرفة، صار الذكر يجري على لسان الذاكر من غير كلفة، حتى كان ~~بعضهم يجري على لسانه في منامه: الله الله، ولهذا يلهم أهل الجنة التسبيح، ~~كما يلهمون النفس، وتصير " لا إله إلا الله " لهم، كالماء البارد لأهل ~~الدنيا، كان الثوري ينشد: # لا لأني أنساك أكثر ذكرا ... ك ولكن بذاك يجري لساني # إذا سمع المحب ذكر اسم حبيبه من غيره زاد طربه، وتضاعف قلقه، «قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود: اقرأ علي القرآن، قال: أقرأ عليك وعليك ~~أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ عليه، ففاضت عيناه» . # PageV02P518 # سمع الشبلي قائلا يقول: يا ألله يا جواد، فاضطرب: # وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أشواق الفؤاد وما يدري # دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرا كان في صدري # النبض ينزعج عند ذكر المحبوب: # إذا ذكر المحبوب عند حبيبه ... ترنح نشوان وحن طروب # ذكر المحبين على خلاف ذكر الغافلين: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] [الأنفال: 2] . # وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر # أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ms616 ظله: «رجل ذكر الله ~~خاليا ففاضت عيناه» . قال أبو الجلد: «أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه ~~السلام: إذا ذكرتني، فاذكرني، وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعا ~~مطمئنا، وإذا ذكرتني، فاجعل لسانك من وراء قلبك» . وصف علي يوما الصحابة، ~~فقال: كانوا إذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في اليوم الشديد الريح، ~~وجرت دموعهم على ثيابهم. قال زهير البابي: إن لله عبادا ذكروه، فخرجت ~~نفوسهم إعظاما واشتياقا، وقوم ذكروه، فوجلت قلوبهم فرقا وهيبة، فلو حرقوا ~~بالنار، لم يجدوا مس النار، وآخرون ذكروه في الشتاء وبرده فارفضوا عرقا من ~~خوفه، وقوم ذكروه، فحالت ألوانهم غبرا، وقوم ذكروه فجفت أعينهم سهرا. # PageV02P519 # صلى أبو يزيد الظهر، فلما أراد أن يكبر، لم يقدر إجلالا لاسم الله، ~~وارتعدت فرائصه حتى سمعت قعقعة عظامه. كان أبو حفص النيسابوري إذا ذكر الله ~~تغيرت عليه حاله حتى يرى جميع ذلك من عنده، وكان يقول: ما أظن محقا يذكر ~~الله عن غير غفلة، ثم يبقى حيا إلا الأنبياء، فإنهم أيدوا بقوة النبوة ~~وخواص الأولياء بقوة ولايتهم. # إذا سمعت باسم الحبيب تقعقعت ... مفاصلها من هول ما تتذكر # وقف أبو زيد ليلة إلى الصباح يجتهد أن يقول: لا إله إلا الله، فما قدر ~~إجلالا وهيبة، فلما كان عند الصباح نزل، فبال الدم. # وما ذكرتكم إلا نسيتكم ... نسيان إجلال لا نسيان إهمال # إذا تذكرت من أنتم وكيف أنا ... أجللت مثلكم يخطر على بالي # الذكر لذة قلوب العارفين. قال الله عز وجل: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم ~~بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] [الرعد: 28] . قال مالك ~~بن دينار: ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل. وفي بعض الكتب السالفة: ~~يقول الله عز وجل: معشر الصديقين بي فافرحوا، وبذكري فتنعموا. وفي أثر آخر ~~سبق ذكره: وينيبون إلى الذكر كما تنيب النسور إلى وكورها. وعن ابن عمر قال: ~~أخبرني أهل الكتاب أن هذه الأمة تحب الذكر كما تحب الحمامة وكرها، ولهم ~~أسرع إلى ذكر الله من الإبل إلى وردها يوم ظمئها. قلوب ms617 المحبين لا تطمئن ~~إلا بذكره، وأرواح المشتاقين لا تسكن إلا برؤيته، # PageV02P520 # قال ذو النون: ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا ~~طابت الجنة إلا برؤيته. # أبدا نفوس الطالبي ... ن إلى طلولكم تحن # وكذا القلوب بذكركم ... بعد المخافة تطمئن # جنت بحبكم ومن ... يهوى الحبيب ولا يجن # بحياتكم يا سادتي ... جودوا بوصلكم ومنوا # قد سبق حديث: «اذكروا الله حتى يقولوا: مجنون» ولبعضهم: # لقد أكثرت من ذكرا ... ك حتى قيل وسواس # كان أبو مسلم الخولاني كثير الذكر، فرآه بعض الناس فأنكر حاله، فقال ~~لأصحابه: أمجنون صاحبكم؟ فسمعه أبو مسلم، فقال لا يا أخي، ولكن هذا دواء ~~الجنون. # وحرمة الود ما لي عنكم عوض ... وليس لي في سواكم سادتي غرض # وقد شرطت على قوم صحبتهم ... بأن قلبي لكم من دونهم فرضوا # ومن حديثي بكم قالوا: به مرض ... فقلت: لا زال عني ذلك المرض # المحبون يستوحشون من كل شاغل يشغل عن الذكر، فلا شيء أحب إليهم من الخلوة ~~بحبيبهم. «قال عيسى عليه السلام: يا معشر الحواريين كلموا الله كثيرا، ~~وكلموا الناس قليلا، قالوا: كيف نكلم الله كثيرا؟ قال: اخلوا بمناجاته، ~~اخلوا بدعائه» . وكان بعض السلف يصلي كل يوم ألف ركعة حتى أقعد من رجليه، ~~فكان # PageV02P521 # يصلي جالسا ألف ركعة، فإذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة، ويقول: عجبت ~~للخليقة كيف أنست بسواك، بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك. ~~وكان بعضهم يصوم الدهر، فإذا كان وقت الفطور، قال: أحس نفسي تخرج لاشتغالي ~~عن الذكر بالأكل. قيل لمحمد بن النضر: أما تستوحش وحدك؟ قال: كيف أستوحش ~~وهو يقول: أنا جليس من ذكرني. # كتمت اسم الحبيب من العباد ... ورددت الصبابة في فؤادي # فواشوقا إلى بلد خلي ... لعلي باسم من أهوى أنادي # فإذا قوي حال المحب ومعرفته، لم يشغله عن الذكر بالقلب واللسان شاغل، فهو ~~بين الخلق بجسمه، وقلبه معلق بالمحل الأعلى، كما قال علي رضي الله عنه في ~~وصفهم: صحبوا الدنيا بأجساد أوراحها معلقة بالمحل الأعلى، وفي هذا المعنى ~~قيل: # جسمي معي غير ms618 أن الروح عندكم ... فالجسم في غربة والروح في وطن # وقال غيره: # ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي # فالجسم مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي # وهذه كانت حال الرسل والصديقين، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا} [الأنفال: 45] [الأنفال: 45] . # PageV02P522 # وفي " الترمذي " مرفوعا: «يقول الله عز وجل: إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني ~~وهو ملاق قرنه» . وقال تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم} [النساء: 103] [النساء: 103] يعني الصلاة في حال ~~الخوف، ولهذا قال: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} [النساء: 103] [النساء: ~~103] ، وقال تعالى في ذكر صلاة الجمعة: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} [الجمعة: 10] ~~[الجمعة: 10] ، فأمر بالجمع بين الابتغاء من فضله، وكثرة ذكره. ولهذا ورد ~~فضل الذكر في الأسواق ومواطن الغفلة كما في " المسند " و " الترمذي "، و " ~~سنن ابن ماجه " عن عمر مرفوعا: «من دخل سوقا يصاح فيها ويباع، فقال: لا إله ~~إلا وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده ~~الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف ~~سيئة، ورفع له ألف ألف درجة» . وفي حديث آخر: «ذاكر الله في الغافلين كمثل ~~المقاتل عن الفارين، وذاكر الله في الغافلين كمثل شجرة خضراء في وسط شجر ~~يابس» . # PageV02P523 # قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: ما دام قلب الرجل يذكر الله، فهو في ~~صلاة، وإن كان في السوق وإن حرك به شفتيه فهو أفضل. وكان بعض السلف يقصد ~~السوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة. والتقى رجلان منهم في السوق، فقال ~~أحدهما لصاحبه: تعال حتى نذكر الله في غفلة الناس، فخلوا في موضع، فذكرا ~~الله، ثم تفرقا، ثم مات أحدهما، فلقيه الآخر في منامه، فقال له: أشعرت أن ~~الله غفر لنا عشية التقينا في السوق؟ # فصل في وظائف الذكر الموظفة في اليوم والليلة. معلوم أن ms619 الله عز وجل فرض ~~على المسلمين أن يذكروه كل يوم وليلة خمس مرات، بإقامة الصلوات الخمس في ~~مواقيتها المؤقتة، وشرع لهم مع هذه الفرائض الخمس أن يذكروه ذكرا يكون لهم ~~نافلة، والنافلة: الزيادة، فيكون ذلك زيادة على الصلوات الخمس، وهي نوعان: ~~أحدهما: ما هو من جنس الصلاة، فشرع لهم أن يصلوا مع الصلوات الخمس قبلها، ~~أو بعدها أو قبلها وبعدها سننا، فتكون زيادة على الفريضة، فإن كان في ~~الفريضة نقص، جبر نقصها بهذه النوافل، وإلا كانت النوافل زيادة على ~~الفرائض. وأطول ما يتخلل بين مواقيت الصلاة مما ليس فيه صلاة مفروضة ما بين # PageV02P524 # صلاة العشاء وصلاة الفجر، وما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، فشرع كل واحدة ~~من هاتين الصلاتين صلاة تكون نافلة؛ لئلا يطول وقت الغفلة عن الذكر، فشرع ~~ما بين صلاة العشاء، وصلاة الفجر صلاة الوتر وقيام الليل، وشرع ما بين صلاة ~~الفجر وصلاة الظهر صلاة الضحى. وبعض هذه الصلوات آكد من بعض فآكدها الوتر، ~~ولذلك اختلف العلماء في وجوبه، ثم قيام الليل، وكان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يداوم عليه حضرا وسفرا، ثم صلاة الضحى، وقد اختلف الناس فيها، وفي ~~استحباب المداومة عليها، وفي الترغيب فيها أحاديث صحيحة، وورد الترغيب أيضا ~~في الصلاة عقيب زوال الشمس. وأما الذكر باللسان، فمشروع في جميع الأوقات، ~~ويتأكد في بعضها. فمما يتأكد فيه الذكر عقيب الصلوات المفروضات، وأن يذكر ~~الله عقيب كل صلاة منها مائة مرة ما بين تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل. ~~ويستحب - أيضا - الذكر بعد الصلاتين اللتين لا تطوع بعدهما، وهما: الفجر ~~والعصر، فيشرع الذكر بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس، وبعد العصر حتى ~~تغرب الشمس، وهذان الوقتان - أعني وقت الفجر ووقت العصر - هما أفضل أوقات ~~النهار للذكر، ولهذا أمر الله تعالى بذكره فيهما في مواضع من القرآن كقوله: ~~{وسبحوه بكرة وأصيلا} [الأحزاب: 42] [الأحزاب: 42] ، وقوله: {واذكر اسم ربك ~~بكرة وأصيلا} [الإنسان: 25] [الإنسان: 25] ، وقوله: {وسبح بالعشي والإبكار} ~~[آل عمران: 41] [آل عمران: 41] ، وقوله: {فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} ~~[مريم: 11] [مريم: 11] ، وقوله: ms620 {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} ~~[الروم: 17] [الروم: 17] ، وقوله: {واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار} [غافر: 55] [غافر: 55] ، وقوله: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ~~ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين} [الأعراف: 205] ~~[الأعراف: 205] ، وقوله: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} [طه: ~~130] [طه: 130] ، وقوله: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} [ق: ~~39] [ق: 39] . # PageV02P525 # وأفضل ما فعل في هذين الوقتين من الذكر: صلاة الفجر وصلاة العصر، وهما ~~أفضل الصلوات. وقد قيل في كل منهما: إنها الصلاة الوسطى وهما البردان ~~اللذان من حافظ عليهما دخل الجنة، ويليهما من أوقات الذكر الليل. ولهذا ~~يذكر بعد هذين الوقتين في القرآن تسبيح الليل وصلاته. والذكر المطلق يدخل ~~فيه الصلاة، وتلاوة القرآن، وتعلمه، وتعليمه، والعلم النافع، كما يدخل فيه ~~التسبيح والتكبير والتهليل، ومن أصحابنا من رجح التلاوة على التسبيح ونحوه ~~بعد الفجر والعصر. وسئل الأوزاعي عن ذلك، فقال: كان هديهم ذكر الله، فإن ~~قرأ فحسن. وظاهر هذا أن الذكر في هذا الوقت أفضل من التلاوة، وكذا قال ~~إسحاق في التسبيح عقيب المكتوبات مائة مرة: إنه أفضل من التلاوة حينئذ. ~~والأذكار والأدعية المأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصباح ~~والمساء كثيرة جدا. # ويستحب أيضا إحياء ما بين العشاءين بالصلاة والذكر، وقد تقدم حديث أنس ~~أنه نزل في ذلك قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة: 16] ~~[السجدة: 16] . ويستحب تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل، كما دلت عليه ~~الأحاديث الصحيحة - وهو مذهب الإمام أحمد وغيره - حتى يفعل هذه الصلاة في ~~أفضل وقتها، وهو آخره، ويشتغل منتظر هذه الصلاة في الجماعة في هذا الثلث ~~الأول من الليل بالصلاة، أو بالذكر وانتظار الصلاة في المسجد، ثم إذا صلى ~~العشاء، وصلى بعدها ما يتبعها من سننها الراتبة، أو أوتر بعد ذلك إن كان ~~يريد أن يوتر قبل النوم. # PageV02P526 # فإذا أوى إلى فراشه بعد ذلك للنوم، فإنه يستحب له أن لا ينام إلا على ~~طهارة وذكر، فيسبح ويحمد ويكبر تمام مائة، كما علم النبي - صلى ms621 الله عليه ~~وسلم - فاطمة وعليا أن يفعلاه عند منامهما ويأتي بما قدر عليه من الأذكار ~~الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند النوم، وهي أنواع متعددة من ~~تلاوة القرآن وذكر الله، ثم ينام على ذلك. فإذا استيقظ من الليل، وتقلب على ~~فراشه، فليذكر الله كلما تقلب، ففي " صحيح البخاري " عن عبادة، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «من تعار من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد ~~لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب ~~اغفر لي - أو قال: " ثم دعا - استجيب له، فإن عزم فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته» ~~. وفي " الترمذي " عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ~~أوى إلى فراشه طاهرا يذكر الله حتى يدركه النعاس، لم تمض ساعة من الليل ~~يسأل الله فيها شيئا من خير الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه» . وخرج أبو ~~داود معناه من حديث معاذ، وخرجه النسائي من حديث # PageV02P527 # عمرو بن عبسة. وللإمام أحمد من حديث عمرو بن عبسة في هذا الحديث: «وكان ~~أول ما يقول إذا استيقظ: سبحانك لا إله إلا أنت فاغفر لي، إلا انسلخ من ~~خطاياه كما تنسلخ الحية من جلدها» . وثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - «كان ~~إذا استيقظ من منامه يقول: الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه ~~النشور» . ثم إذا قام إلى الوضوء والتهجد، أتى بذلك كله على ما ورد عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويختم تهجده بالاستغفار في السحر، كما مدح ~~الله المستغفرين بالأسحار، وإذا طلع الفجر، صلى ركعتي الفجر، ثم صلى الفجر، ~~واشتغل بعد صلاة الفجر بالذكر المأثور إلى أن تطلع الشمس على ما تقدم ذكره، ~~فمن كان حاله على ما ذكرنا، لم يزل لسانه رطبا بذكر الله، فيستصحب الذكر في ~~يقظته حتى ينام عليه، ثم يبدأ به عند استيقاظه، وذلك من دلائل صدق المحبة، ms622 ~~كما قال بعضهم: # وآخر شيء أنت في كل هجعة ... وأول شيء أنت وقت هبوبي # وأما ما يفعله الإنسان في آناء الليل والنهار من مصالح دينه ودنياه فعامة ~~ذلك يشرع ذكر اسم الله عليه، فيشرع له ذكر اسم الله وحمده على أكله وشربه ~~ولباسه وجماعه لأهله ودخول منزله، وخروجه منه، ودخوله الخلاء، وخروجه # PageV02P528 # منه، وركوبه دابته، ويسمي على ما يذبحه من نسك وغيره. ويشرع له حمد الله ~~على عطاسه، وعند رؤية أهل البلاء في الدين أو الدنيا، وعند التقاء الإخوان، ~~وسؤال بعضهم بعضا عن حاله، وعند تجدد ما يحبه الإنسان من النعم، واندفاع ما ~~يكرهه من النقم، وأكمل من ذلك أن يحمد الله على السراء والضراء والشدة ~~والرخاء، ويحمده على كل حال. ويشرع له دعاء الله تعالى عند دخول السوق، ~~وعند سماع أصوات الديكة بالليل، وعند سماع الرعد، وعند نزول المطر، وعند ~~اشتداد هبوب الرياح، وعند رؤية الأهلة، وعند رؤية باكورة الثمار. ويشرع ~~أيضا ذكر الله ودعاؤه عند نزول الكرب وحدوث المصائب الدنيوية، وعند الخروج ~~للسفر، وعند نزول المنازل في السفر، وعند الرجوع من السفر. ويشرع التعوذ ~~بالله عند الغضب، وعند رؤية ما يكره في منامه، وعند سماع أصوات الكلاب ~~والحمير بالليل. وتشرع استخارة الله عند العزم على ما لا يظهر الخيرة فيه. ~~وتجب التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها، كما قال ~~تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم} [آل عمران: 135] [آل عمران: 135] ، فمن حافظ على ذلك، لم يزل ~~لسانه رطبا بذكر الله في كل أحواله. # PageV02P529 # فصل قد ذكرنا في أول الكتاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بعث ~~بجوامع الكلم، فكان - صلى الله عليه وسلم - يعجبه جوامع الذكر، ويختاره على ~~غيره من الذكر، كما في " صحيح مسلم " عن ابن عباس، عن جويرية بنت الحارث ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في ~~مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على ms623 الحال التي فارقتك ~~عليها؟ قالت: نعم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لقد قلت بعدك أربع ~~كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده ~~عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» . وخرجه النسائي، ولفظه: ~~«سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر عدد خلقه، ورضا ~~نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» . وخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي من ~~حديث سعد بن أبي وقاص «أنه دخل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على امرأة ~~وبين يديها نوى، أو قال: حصى تسبح به، فقال: ألا أخبرك بما هو أيسر من هذا ~~وأفضل؟ سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، ~~وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ~~ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك» . # PageV02P530 # وخرج الترمذي من حديث صفية، قالت: «دخل علي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بها فقالت سبحت بهذه، فقال: ألا ~~أعلمك بأكثر مما سبحت به؟ فقلت: علمني، فقال: قولي: سبحان الله عدد خلقه» . ~~وخرج النسائي، وابن حبان في " صحيحه " من حديث أبي أمامة «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مر به وهو يحرك شفتيه، فقال: ماذا تقول يا أبا أمامة؟ ~~قال: أذكر ربي، قال: ألا أخبرك بأكثر وأفضل من ذكرك الليل مع النهار ~~والنهار مع الليل؟ أن تقول: سبحان الله عدد ما خلق، سبحان الله ملء ما خلق، ~~سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء، وسبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، ~~وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه، وسبحان الله ملء ما أحصى كتابه، وسبحان ~~الله عدد كل شيء، وسبحان الله ملء كل شيء، وتقول: الحمد لله مثل ذلك» . # PageV02P531 # وخرج البزار نحوه من حديث أبي الدرداء. وخرج ابن أبي الدنيا بإسناد له ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ: يا معاذ، كم تذكر ربك كل ms624 يوم؟ ~~تذكره كل يوم عشرة آلاف مرة؟ قال: كل ذلك أفعل، قال: أفلا أدلك على كلمات ~~هن أهون عليك من عشرة آلاف وعشرة آلاف أن تقول: لا إله إلا الله عدد ما ~~أحصاه علمه لا إله إلا الله عدد كلماته، لا إله إلا الله عدد خلقه، لا إله ~~إلا الله زنة عرشه، لا إله إلا الله ملء سماواته، لا إله إلا الله ملء ~~أرضه، لا إله إلا الله مثل ذلك معه، والله أكبر مثل ذلك معه، والحمد لله ~~مثل ذلك معه» . وبإسناده أن ابن مسعود ذكر له امرأة تسبح بخيوط معقدة، ~~فقال: ألا أدلك على ما هو خير لك منه؟ سبحان الله ملء البر والبحر، سبحان ~~الله ملء السماوات والأرض، سبحان الله عدد خلقه، ورضا نفسه، فإذا أنت قد ~~ملأت البر والبحر والسماء والأرض. وبإسناده عن المعتمر بن سليمان التيمي ~~قال: كان أبي يحدث خمسة أحاديث ثم يقول: أمهلوا، سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله عدد ما خلق وعدد ما ~~هو خالق، وزنة ما خلق وزنة ما هو خالق، وملء ما خلق وملء ما هو خالق، وملء ~~سماواته، وملء أرضه، ومثل ذلك وأضعاف ذلك، وعدد خلقه، وزنة عرشه، ومنتهى ~~رحمته، ومداد كلماته، ومبلغ رضاه وحتى يرضى وإذا رضي، وعدد ما ذكره به خلقه ~~في جميع ما مضى، وعدد ما هم ذاكروه فيما بقي، في كل سنة وشهر وجمعة ويوم ~~وليلة وساعة من # PageV02P532 # الساعات، وتنسم وتنفس من أبد إلى الأبد أبد الدنيا والآخرة أمد من ذلك لا ~~ينقطع أولاه، ولا ينفد أخراه. وبإسناده عن المعتمر بن سليمان قال: رأيت عبد ~~الملك بن خالد بعد موته، فقلت: ما صنعت؟ قال: خيرا، فقلت: ترجو للخاطئ ~~شيئا؟ قال: يلتمس علم تسبيحات أبي المعتمر نعم الشيء. قال ابن أبي الدنيا: ~~وحدثني محمد بن أبي الحسين، حدثني بعض البصريين أن يونس بن عبيد رآه رجلا ~~فيما يرى النائم كان قد أصيب ببلاد الروم، فقال: ما أفضل ms625 ما رأيت ثم من ~~الأعمال؟ قال: رأيت تسبيحات أبي المعتمر من الله بمكان. وكذلك كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يعجبه من الدعاء جوامعه، ففي " سنن أبي داود " عند ~~عائشة، قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجبه الجوامع من الدعاء، ~~ويدع ما بين ذلك» . وخرج الفريابي وغيره من حديث عائشة أيضا «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال لها: يا عائشة، عليك بجوامع الدعاء: اللهم إني ~~أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من ~~الشر كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم. اللهم إني أسألك من خير ما ~~سألك منه محمد عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبدك ونبيك، اللهم ~~إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار، وما قرب ~~إليها من قول وعمل، وأسألك ما قضيت لي من قضاء، أن تجعل عاقبته رشدا» وخرجه ~~الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في " صحيحه " والحاكم، وليس عندهم ذكر ~~جوامع الدعاء، وعند # PageV02P533 # الحاكم عليك بالكوامل وذكره. وخرجه أبو بكر الأثرم وعنده «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لها: ما منعك أن تأخذي بجوامع الكلم وفواتحه؟ وذكر ~~هذا الدعاء» . وخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة قال: «دعا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا، فقلنا: يا رسول الله، دعوت ~~بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا، فقال: ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كله؟ ~~تقولون: اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد، ونعوذ بك من شر ما ~~استعاذ منه نبيك محمد، وأنت المستعان، وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله» . وخرجه الطبراني وغيره من حديث أم سلمة «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يقول في دعاء له طويل: اللهم إني أسألك فواتح الخير، وخواتمه، ~~وجوامعه، وأوله وآخره، وظاهره، وباطنه» وفي " المسند " أن سعد بن أبي وقاص ~~سمع ابنا له يدعو، ويقول: اللهم إني أسألك الجنة ms626 ونعيمها وإستبرقها ونحوا ~~من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيرا ~~كثيرا، وتعوذت بالله من شر كثير، «وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وقرأ هذه الآية: {ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55] » [الأعراف: 55] وإن بحسبك ~~أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، # PageV02P534 # وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. وفي " الصحيحين " «عن ابن ~~مسعود، قال: كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فقال ~~لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم: إن الله هو السلام، فإذا ~~قعد أحدكم في الصلاة، فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك ~~أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ~~فإذا قالها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم ليتخير من المسألة ما شاء» . وفي " ~~المسند " عن ابن مسعود قال: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علم ~~فواتح الخير وجوامعه، أو جوامع الخير وفواتحه وخواتمه، وإن كنا لا ندري ما ~~نقول في صلاتنا حتى علمنا، فقال: قولوا: التحيات لله» فذكره إلى آخره، ~~والله أعلم. آخر الكتاب والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل. PageV02P535 ms627