######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0005767 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 795 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح حديث لبيك اللهم لبيك #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: شروح الحديث #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0005767 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-5767 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/5767 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. وليد عبد الرحمن محمد آل فريان #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1417 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار عالم الفوائد - مكة المكرمة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # شرح حديث لبيك اللهم لبيك بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ولا حول ولا ~~قوة الا به ### | (خرج الإمام أحمد) # والحاكم من حديث زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه دعاء ~~وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم قال قل حين تصبح لبيك اللهم لبيك وسعديك ~~والخير في يديك ومنك وبك وإليك اللهم ما قلت من قول أو نذرت من نذر أو حلفت ~~من حلف فمشيئتك بين يديه ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا ~~بك إنك على كل شيء قدير اللهم وما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من ~~لعن فعلى من لعنت أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين # اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى ~~وجهك وشوقا إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة أعوذ بك اللهم أن ~~أظلم أو أظلم أو أعتدي أو يعتدى علي أو أكتسب خطيئة محبطة أو ذنبا لا # PageV01P021 # تغفره # اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ذا الجلال والإكرام فإني ~~أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا وأشهدك وكفى بك شهيدا أني أشهد أن لا إله ~~إلا أنت وحدك لا شريك لك لك الملك ولك الحمد وأنت على كل شيء قدير وأشهد أن ~~محمدا عبدك ورسولك وأشهد أن وعدك حق ولقاءك حق والجنة حق والنار حق والساعة ~~آتية لا ريب فيها وأنك تبعث من في القبور وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي ~~تكلني إلى ضيعة وعورة وذنب وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك فاغفر لي ذنبي ~~كله إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وتب علي إنك أنت التواب الرحيم # PageV01P022 # قوله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك معناه إجابة لدعائك مرة بعد مرة ~~وليس المراد به حقيقة التثنية بل المراد التكرير والتكثير والتوكيد كقوله ~~{ثم ارجع البصر كرتين} يعني مرة مره بعد مرة # وأصل كرم الله وجهه من لب بالمكان إذا لزمه ms01 وأقام فيه فكأن الملبي يجيب ~~دعوة الله ويلزم ذلك ويقتضي أيضا سرعة الإجابة مع الدوام عليها # وقوله وسعديك يعني إسعادا بعد إسعاد والمعنى طاعة بعد طاعة وأصله أن ~~المنادي إذا دعا غيره فإن المجيب لدعائه يجيبه إسعادا له ومساعدة ثم نقل ~~ذلك إلى مطلق الطاعة حتى استعمل في إجابة دعاء الله عز وجل وحكي عن العرب ~~سبحانه وسعدانه على معنى # PageV01P023 # أسبحه وأطيعه تسمية الإسعاد لسعدان كما سمي التسبيح لسبحان ولم يسمع ~~سعديك مفردا # ولا شك أن الله تعالى يدعو عباده إلى طاعته وإلى ما فيه رضاه عنهم وما ~~يوجب لهم به سعادة الآخرة فمن أجاب دعاه واستجاب له فقد أفلح وأنجح قال ~~الله تعالى {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} ~~وقال تعالى قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم ~~من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى وقال حكاية عن الجن الذين استمعوا القرآن ~~يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب ~~أليم # PageV01P024 # ولهذا يقول الملبي في الحج لبيك اللهم لبيك يعني إجابة لدعائك وطاعة لك ~~حيث دعوتنا إلى حج بيتك # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح في الصلاة وقد قيل ~~إنه كان يقوله في قيام الليل وروي أنه كان يقوله في استفتاح المكتوبة لبيك ~~اللهم لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت ~~وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك // خرجه مسلم // من حديث علي # PageV01P025 # ويروى من حديث حذيفة مرفوعا وموقوفا وهو أصح يدعو محمد صلى الله عليه ~~وسلم فيقول لبيك وسعديك والخير بيديك تباركت وتعاليت لبيك وحنانيك والمهتدي ~~من هديت عبدك بين يديك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك تباركت رب البيت # فإذا كان العبد في صبح كل يوم يقول لبيك اللهم لبيك وسعديك فإنه يريد ~~بذلك أني أصبحت مجيبا لدعوتك مسرعا إليها مقيما على طاعتك ممتثلا لأوامرك ~~مجتنبا لنواهيك فإذا قال هذا بلسانه فالواجب أن يتبع ذلك ms02 بعمله ليكون ~~مستجيبا لدعوة الله قولا وفعلا # PageV01P026 # وإن قال ذلك ثم خالفه بعمله فقد كذب قوله عمله وهو جدير أن يجاب كما يجاب ~~من حج بمال حرام وقال لبيك اللهم لبيك فيقال لا لبيك ولا سعديك # وفي بعض الآثار أن الله عز وجل ينادي كل يوم ابن آدم ما أنصفتني أذكرك ~~وتنساني وأدعوك إلي وتذهب إلى غيري وأذهب عنك البلايا وأنت معتكف على ~~الخطايا ابن آدم ما اعتذارك غدا إذا جئتني # PageV01P027 # كم دعاك إلى بابه فما أجبت ولا لبيت كم استدعاك إلى جنابه فقعدت وأبيت كم ~~عرضت عليك واجباته فتكاسلت وتوانيت وزجرت عن منهياته فما انزجرت وتماديت كم ~~سمعت دعاء داعي الحق فتصاممت وكم رأيت آياته في الخلوة فتعاميت # فيا من جسده حي وقلبه ميت يا ليتك أجبت منادي الهدى حين ناداك ياليت شعر # يانفس ويحك قد أتاك هداك ... أجيبي فداعي الحق قد ناداك # كم قد دعيت إلى الرشاد فتعرضي ... وأجبت داعي الغي حين دعاك # طوبى لمن أجاب داعي الهداة إذا دعاه ياقومنا أجيبوا داعي الله # وقوله صلى الله عليه وسلم والخير في يديك إشارة إلى أن الله تعالى إنما ~~يدعو عباده إلى ما هو خير لهم مما يصلح دينهم # PageV01P028 # ودنياهم وآخرتهم فإنه يدعو إلى دار السلام ويدعوهم ليغفر لهم ذنوبهم فإذا ~~سارع العبد إلى إجابة دعوة ربه بتلبيته والإستجابة له قال مع ذلك والخير في ~~يديك إشارة إلى أني أستجيب دعوتك طمعا في نيل الخير الذي كله بيديك وأنت لا ~~تدعو العبد إلا إلى ما هو خير له في دنياه وآخرته # يا هذا لو دعاك مخلوق ترجو خيره لأسرعت إجابته مع أنه لا يملك لك ولا ~~لنفسه ضرا ولا نفعا فكيف لا تسارع إجابة من الخير كله في يديه ولا يدعوك ~~إلا لخير يوصله إليك # وقوله صلى الله عليه وسلم ومنك وبك وإليك يحتمل أن مراده الخير منك كله ~~وبك وإليك يعني أن مبدأ الخير منك كما قال تعالى {وما بكم من نعمة فمن ~~الله} # وقال وسخر لكم ما ms03 في السموات وما في الارض جميعا منه فالله تعالى هو ~~المبتدىء بالخير فمنه بدأ ونشأ والخير به يعني أن دوامه واستمراره وثبوته ~~بالله ولو شاء الله لنزعه وسلبه صاحبه وقد قال تعالى # PageV01P029 # لنبيه صلى الله عليه وسلم {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد ~~لك به علينا وكيلا إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا} يعني أن دوام ~~هذه النعمة عليك من الله كما أن ابتداءها منه # والخير إليه أنه يرجع بصاحبه إلى الله في الآخرة إلى جواره وقربه في جنات ~~النعيم فينتهي الخير بصاحبه إلى الله عز وجل # ويحتمل أن المراد بقوله ومنك وبك وإليك أن العبد نفسه من الله وبالله ~~وإلى الله كما في الإستفتاح أنا بك وإليك ولعل هذا أظهر فيكون معنى الكلام ~~أن العبد وجوده من الله فإنه كان عدما فأوجده ربه وخلقه وهو في حال وجوده ~~في الدنيا بالله أي أن ثباته وقيامه بالله فلولا أن الله يقيم الوجود وما ~~فيه من أنواع الخلق لهلك ذلك # PageV01P030 # كله وتلف ومن أسمائه الحي القيوم وقال إن الله يمسك السموات والأرض أن ~~تزولا وفي الأثر المعروف في قصة القارورتين يا موسى لو نمت لسقطت السماء ~~على الأرض # وبعد إنتقال العباد من هذه الدار فإن مرجعهم إلى الله كما قال تعالى ~~{إليه مرجعكم جميعا} وقال {ثم إليه ترجعون} في آيات كثيرة # PageV01P031 # وفي هذا المعنى قال بعض العارفين حقيقة التوحيد أن يكون العبد قانتا لله ~~عز وجل يرى الأشياء كلها منه وبه وإليه كما قال عامر بن عبد قيس ما نظرت ~~إلى شيء إلا ورأيته يدل على الله # قوله صلى الله عليه وسلم اللهم ما قلت من قول أو نذرت من نذر أو حلفت من ~~حلف فمشيئتك بين يديه ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلابك ~~إنك على كل شيء قدير ذكر الخطابي في كتاب الدعاء له أن قوله # PageV01P032 # فمشيئتك روي بضم التاء وفتحها وأن من رواه بالضم فإن المعنى ms04 الإعتذار ~~بسابق الأقدار العائقة عن الوفاء بما ألزم العبد نفسه من النذور والأيمان ~~قال وفي هذا طرف من الجبر قال والصواب رواية من رواه بفتح التاء على إضمار ~~فعل كأنه قال فإني أقدم مشيئتك في ذلك وأنوي الإستثناء طرحا للحنث عني عند ~~وقوع الحلف # قال وفيه حجة لمن ذهب مذهب المكيين في جواز الإستثناء منفصلا عن اليمين # قلت الصواب هذا المعنى على كلا الروايتين أعني رواية الضم ورواية الفتح # PageV01P033 # وليس المراد برواية الضم الإعتذار بالقدر وإنما المعنى فمشيئتك بين يدي ~~ذلك كله مقدمة فهو مبتدأ حذف خبره # ويشهد لهذا المعنى ما أخرجه أبو داود في سننه بإسناده عن أبي الدرداء أنه ~~كان يقول من قال حين يصبح اللهم ما حلفت من حلف أو قلت من قول أو نذرت من ~~نذر فمشيئتك بين يدي ذلك كله ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن اللهم اغفر لي ~~وتجاوز عني اللهم فمن صليت عليه فعليه صلاتي ومن لعنت فعليه لعنتي كان في ~~استثناء يومه ذلك # فقد صرح أبو داود بأن المراد بهذا الاستثناء بالمشيئة أنه يكون استثناء ~~في يومه ذلك يعني فيما يحلف وينذره ويقوله في ذلك اليوم # PageV01P034 # وهذا صريح في أنه يكون استثناء في ما يستقبله من الكلام في يومه ذلك # وأما قول الخطابي أنه يمنع الحنث كقول من يقول ذلك في الاستثناء المنفصل ~~بعد الكلام كما حكاه عن المكيين فأصل ذلك أنه قد روي عن المكيين كعطاء ~~ومجاهد وعمرو بن دينار وابن جريج وغيرهم أنه ينفع الاستثناء بعد مدة من ~~اليمين # وروي ذلك عن أبن عباس من وجوه وقد طعن فيها كلها غير واحد منهم القاضي ~~إسماعيل المالكي والحافظ أبو موسى المديني وله في ذلك مصنف مفرد # PageV01P035 # وروي عن ابن عباس في قوله تعالى {واذكر ربك إذا نسيت} قال هي خاصة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم دون غيره # خرجه الطبراني من وجه ضعيف # وروي ذلك عن ابن جريج أيضا # وقالت طائفة إنما أراد هؤلاء أن هذا الاستثناء المنفصل يحصل به ms05 إمتثال ~~قوله عز وجل {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك ~~إذا نسيت} وسبب نزولها أن قوما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن قصة قال ~~غدا أخبركم ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي عنه مدة ثم نزلت هذه الآية # PageV01P036 # وفي الحديث الصحيح أن سليمان عليه السلام قال لأطوفن الليلة على مائة ~~امرأة الحديث # وفي الحديث أن بني إسرائيل لو لم يقولوا إن شاء الله ما اهتدوا أبدا يعني ~~إلى البقرة التي أمروا بذبحها # وفي الحديث الذي في المسند والسنن أن يأجوج ومأجوج يحفرون كل يوم السد ~~حتى يكادوا يروا منه شعاع الشمس ثم ينصرفون ويقولون غدا نفتحه فإذا رجعوا ~~من الغد وجدوه كما كان أولا حتى يأذن الله في فتحه فيقولون غدا نفتحه إن ~~شاء الله فيرجعون فيجدونه كما # PageV01P037 # تركوه فيفتحونه # قال إبراهيم بن أدهم قال بعضهم ما سأل السائلون مسألة هي أنجح من أن يقول ~~العبد ما شاء الله قال يعني بذلك التفويض إلى الله # وكان مالك بن أنس كثيرا يقول ما شاء الله ما شاء الله فعاتبه رجل على ذلك ~~فرأى في منامه قائلا يقول أنت المعاتب لمالك على قوله ما شاء الله لو شاء ~~مالك أن يثقب الخردل بقوله ما شاء الله فعل # PageV01P038 # قال حماد بن زيد جعل رجل لرجل جعلا على أن يعبر نهرا فعبر حتى إذا قرب من ~~الشط قال عبرت والله فقال له الرجل قل إن شاء الله فقال شاء الله أو لم يشأ ~~قال فأخذته الأرض # فلا ينبغي لأحد أن يخبر بفعل يفعله في المستقبل إلا أن يلحقه بمشيئة الله ~~فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن والعبد لا يشاء إلا أن يشاء الله ~~له فإذا نسي هذه المشيئة ثم تذكرها فقالها عند ذكرها ولو بعد مدة فقد امتثل ~~ما أمر به وزال عنه الإثم وإن كان لا يرفع ذلك عنه الكفارة ولا الحنث في ~~يمينه ولهذا في كلام أبي الدرداء اللهم ms06 اغفر لي وتجاوز عني فلم يسأل إلا ~~رفع الإثم دون رفع الكفارة # PageV01P039 # روي عن سعيد بن جبير في قوله تعالى {واذكر ربك إذا نسيت} قال يقول إذا ~~حلفت فنسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت ولو بعد خمسة أشهر أو ستة أشهر فإنه ~~يجزيك ما لم تحنث خرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره # وعلى هذا حمل قول ابن عباس وأصحابه طائفة من العلماء منهم أبو مسعود ~~الأصبهاني الحافظ وابن جرير الطبري # وكذا يقال في هذا الحديث من تقدم الاستثناء فإن تقديمه أبعد من تأخيره عن ~~اليمين فإن اليمين لم توجد بالكلية وفي تأخيره وجدت # PageV01P040 # وقد قال مالك في الاستثناء في اليمين إن ذكر المشيئة يريد بها الاستثناء ~~نفعه ذلك في منع الحنث وإن كان إنما أراد امتثال قوله تعالى ولاتقولن لشيء ~~إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ثم حنث فإني أرى الكفارة نقله ابن ~~المنذر وغيره وكذلك حكاه أبو عبيد عن بعض العلماء # وتردد بعض العلماء في وجوب الكفارة في هذا القسم لتردد نظره بين اللفظ ~~والمعنى فلفظه معلق بالمشيئة ومعناه الجزم بالفعل غير معلق وإنما ذكر ~~الاستثناء تحقيقا وتأكيدا للفعل # وفي الجملة فينبغي حمل حديث زيد بن ثابت هذا على هذا المعنى وأن تقدم ~~المشيئة على كل قول يقوله # PageV01P041 # وحلف يحلفه ونذر ينذره ليخرج بذلك من عهدة استقلال العبد بفعله وليحقق ~~العبد أنه لا يكون مما يعزم عليه العبد ويقوله من حلف ونذر وغيرهما إلا ما ~~شاء الله وأراده ولهذه قال بعده ماشئت كان وما لم تشأ لم يكن ولا حول ولا ~~قوة إلابك إنك على كل شيء قدير # فتبرأ من حوله وقوته ومشيئته بدون مشيئة الله وحوله وقوته وأقر لربه ~~بقدرته على كل شيء وأن العبد عاجز عن كل شيء إلا ما أقدره عليه ربه # ففي هذا الكلام إفراد الرب تعالى بالحول والقوة والقدرة والمشيئة وأن ~~العبد غير قادر من ذلك كله إلاعلى ما يقدره مولاه وهذا نهاية توحيد ~~الربوبية # وللشافعي من أبيات شعر # PageV01P042 # ما شئت كان ms07 وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن # وقد حمل طائفة منهم الإمام أحمد كلام ابن عباس في تأويل الآية على وجه ~~آخر وهو أن الرجل إذا قال لاأفعل كذا وكذا ثم أراد فعله فإنه يستثني ويقول ~~إن شاء الله ثم يفعله ويتخلص بذلك من الكذب إذا لم يكن حلف على يمين # وكان يحيى بن سعيد القطان إذا قال لا أفعل كذا لايفعله أبدا فإذا قيل له ~~لم تحلف يقول هذا أشد يعني الكذب لو كنت حلفت كان أهون كنت أكفر يميني ~~وأفعله # وسئل الإمام أحمد عمن يقول لاآكل ثم يأكل قال هو كذب لاينبغي أن يفعل ذلك # PageV01P043 # ونقل الوليد بن مسلم في كتاب الأيمان والنذور عن الأوزاعي في رجل كلم في ~~شيء فيقول نعم إن شاء الله ومن نيته أن لايفعل قال هذا الكذب والخلف قال ~~إنما يجوز المستثنى في اليمين قيل له فإنه قال نعم إن شاء الله ومن نيته أن ~~يفعل ثم بدا له أن لا يفعل قال له ثنياه # وهذا يدل على أن الاستثناء بالمشيئة في غير اليمين إنما ينفع لمن لم يكن ~~مصمما على مخالفة ما قاله من أول كلامه # قوله صلى الله عليه وسلم اللهم وما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت ~~من لعن فعلى من لعنت # قال الخطابي الوجه أن ترفع التاء من صليت ولعنت في الأولى وأن تنصبها ~~منهما في الأخرى # PageV01P044 # والمعنى كأنه يقول اللهم اصرف صلاتي ودعائي إلى من اختصصته بصلاتك ورحمتك ~~واجعل لعنتي على من استحق اللعن عندك واستوجب الطرد والإبعاد في في حكمك ~~ولا تؤاخذني بالخطأ مني في وضعها غير موضعها وإحلالها في غير محلها # قال وإنما يصح على هذا التأويل إذا كان قد سبقت منه صلاة أو لعن لغير ~~المستحقين قال وقد يحتمل أن يكون إنما دعا بالتوفيق واشترط في مسألته ~~العصمة لئلا يجري على لسانه ثناء إلا لمن يستحق الثناء من أوليائه ولا ذم ~~إلا لمن يستحقه من أعدائه كأنه يقول اللهم احفظني ms08 حتى لا أوالي إلاأولياءك ~~ولا أعادي إلاأعداءك # PageV01P045 # قال والوجه الأول إنما ينصرف إلى الماضي والوجه الآخر في المستقبل والله ~~أعلم انتهى # قلت التفسير الأول أصح ويشهد له قول أبي الدرداء اللهم فمن صليت عليه ~~فعليه صلاتي ومن لعنت فعليه لعنتي # وقول الخطابي إن هذا الوجه إنما ينصرف إلى الماضي ضعيف بل الصواب أنه ~~ينصرف إلى المستقبل وأن المراد ما لعنت في هذا اليوم من لعن وما صليت فيه ~~من صلاة يعني ما ألعن وما أصلي # PageV01P046 # وهذا مما تقدم في قوله ما قلت من قول أو نذرت من نذر أو حلفت من حلف ~~فمشيئتك بين يديه # وقد وافق الخطابي كما تقدم عنه أن المراد به ما يقوله ويحلفه وينذره في ~~المستقبل فكذلك الصلاة واللعن # واعلم أن العبد مبتلى بلسانه يلعن به من يغضب عليه ويمدح به من يرضى عنه ~~وكثيرا ما يمدح من لا يستحق المدح ويلعن من لا يستحق اللعن # وقد ورد في غير حديث أن اللعنة إذا لم يكن الملعون بها أهلا لها رجعت على ~~اللاعن # PageV01P047 # واللعن دعاء فربما أجيب وأصاب ذلك الملعون وقد أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم المرأة التي لعنت بعيرها أن ترسله وقال لا تصحبنا ناقة ملعونة # وكان بعض السلف لا يدخل بيته بشيء ملعون ولا يأكل من بيض دجاجة يلعنها ~~ولا يشرب من لبن شاة لعنها قال بعضهم ما أكلت شيئا ملعونا قط # وذكر ابن حامد من أصحابنا عن أحمد قال من لعن عبده فعليهأن يعتقه أو شيئا ~~من ماله أن عليه أن يتصدق # قال ويجيء في لعن زوجته أنه يلزمه أن يطلقها # PageV01P048 # ويشهد لهذا في الزوجة وقوع الفرقة بين المتلاعنين لما كان أحدهما كاذبا ~~في نفس الأمر قد حقت عليه اللعنة والغضب # فإذا قدم العبد من أول نهاره في دعائه أن ما لعن من لعن فإنه لاحق بمن ~~لعنه الله وما أثنى من ثناء فهو لاحق بمن أثنى الله عليه فقد خلص بذلك من ~~إثم لعن من لا يستحق اللعن أو من لايستحق ms09 المدح إذا وقع ذلك سهوا أو غلطا ~~أو عن قوة غضب ونحوه # فأما من يتعمد ذلك مع علمه بالحال ففي دخوله في هذا الشرط نظر مع أن عموم ~~اشتراطه يقتضي دخوله فيه # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترط أنه من سبه أو لعنه أو ~~ضربه في غضب ونحوه أنه يكون له كفارة وصلاة وفي # PageV01P049 # رواية وهو غير مستحق # وهذا إنما يكون إذا ظن استحقاقه لذلك ثم تبين أنه غير مستحق # قوله صلى الله عليه وسلم {أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين} # مأخوذ من دعاء يوسف عليه السلام حين قال فاطر السموات والأرض أنت وليي في ~~الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين والله عز وجل ولي أوليائه في ~~الدنيا والآخرة يتولى حفظهم وكلاءتهم وهدايتهم وحراستهم في دينهم ودنياهم ~~ما داموا أحياء فإذا حضرهم الموت توفاهم على الإسلام وألحقهم بعد الموت ~~بالصالحين # PageV01P050 # وهذا أجل النعم وأتمها على الإطلاق وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عند وفاته مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين # وقول يوسف عليه السلام {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} قيل إنه دعا ~~لنفسه بالموت وهو قول جماعة من السلف منهم الإمام أحمد فيستدل به على جواز ~~الدعاء بالموت من غير ضر نزل به # وقيل إنه إنما دعا لنفسه بالموت على الإسلام عند نزول الموت وليس فيه ~~دعاء بتعجيل الموت كما أخبر عن المؤمنين أنهم قالوا في دعائهم {ربنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار} ويؤيد التفسير الأول أنه ~~عقبه بالدعاء بالشوق إلى لقاء الله وهو يتضمن الدعاء بالموت # PageV01P051 # واستدل من جوز الدعاء بالموت وتمنيه بقوله تعالى {قل إن كانت لكم الدار ~~الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} ثم ذمهم ~~على عدم تمنيه بسبب سيئاتهم وعلى حرصهم على طول الحياة في الدنيا وكذلك ~~قوله تعالى قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن ms10 كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم ~~بالظالمين وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتمنين أحد الموت إلا ~~من وثق بعمله # فمن كان له عمل صالح فإنه يتمنى القدوم عليه # PageV01P052 # وكذلك من غلب عليه الشوق الى لقاء الله # وأما من تمنى الموت خوف فتنته في الدين فإنه يجوز بغير خلاف وقد بسطنا ~~الكلام على هذه المسائل في غير هذا الموضع # قوله صلى الله عليه وسلم اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش ~~بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولافتنة ~~مضلة # هذه الثلاث الخصال قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بها ~~في غير هذا الحديث أيضا من حديث عمار بن # PageV01P053 # ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد شرحنا حديثه بتمامه في موضوع آخر # فأما الرضا بالقضاء فهو من علامات المخبتين الصادقين في المحبة فمتى ~~امتلأت القلوب بمحبة مولاها رضيت بكل ما يقضيه عليها من مؤلم وملائم # سيان إن لاموا وإن عذلوا ... مالي عن الأحباب مصطبر # لابد لي منهم وإن تركوا ... قلبي بنار الهجر تستعر # وعلي أن أرضى بما حكموا ... وأطيع في كل ما أمروا # PageV01P054 # إذا امتلأت القلوب بالرضا عن المحبوب صار رضاها في ما يرد عليها من ~~أحكامه وأقداره قال عمر بن عبد العزير أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع ~~القضاء والقدر # دخلوا على بعض التابعين في مرضه فقال أحبه إلي أحبه إليه # إن كان سركم ما قد بليت به ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم حسب سلطان الهوى ~~أنه يلذ كل ما يؤلم # وربما اختار بعض المحبين الذل على العز والفقر على الغنى والمرض على ~~الصحة والموت على الحياة # عزي ذلي وصحتي في سقمي ... يا قوم رضيت في الهوى سفك دمي # عذالي كفوا فمن ملامي ألم ... من بات على مواعيد اللقاء لم ينم # PageV01P055 # وإنما قال صلى الله عليه وسلم الرضا بعد القضاء لأن ذلك هو الرضا حقيقة # وأما الرضا بالقضاء قبل ms11 وقوعه فهو عزم على الرضا وقد تنفسخ العزائم عند ~~وقوع الحقائق # ومع هذا فلا ينبغي أن يستعجل العبد البلاء بل يسأل الله العافية # فإن نزل البلاء تلقاه بالرضا # قتل لبعضهم ولدان في الجهاد فجاءه الناس يعزونه بهما فبكى وقال ما أبكي ~~على قتلهما ولكن كيف كان رضاهما عن الله حين أخذتهما السيوف # PageV01P056 # إن كان سكان الغضا ... رضوا بقتلي فرضا # والله ما كنت لما ... يهوي الحبيب مبغضا # صرت لهم عبدا وما ... للعبد أن يعترضا # من لمريض لا يرى ... إلا الطبيب الممرضا # وأما برد العيش بعد الموت فالمراد به طيب العيش ولذاذته وما تقر به عين ~~صاحبه # فإن البرد يحصل به قرة عين الإنسان وطيبها وبرد القلب يوجب انشراحه ~~وطمأنينته بخلاف حرارة القلب والعين # PageV01P057 # ولهذا في الحديث طهر قلبي بماء الثلج والبرد # ودمعة السرور باردة بخلاف دمعة الحزن فإنها حارة # فبرد العيش هو طيبه ونعيمه وفي الحقيقة إنما يكمل طيب العيش ونعيمه في ~~الآخرة لا في الدنيا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لا عيش إلا ~~عيش الآخرة # وسبب ذلك # أن ابن آدم مركب من جسد وروح وكل منهما يحتاج إلى ما يتقوت به ويتنعم به ~~وذلك هو عيشه # PageV01P058 # فالجسد عيشه: الأكل والشرب والنكاح واللباس والطيب وغير ذلك من اللذات ~~الحسية # ففيه بهذا الاعتبار مشابهة بالحيوانات في هذه الأوصاف # وأما الروح فهي لطيفة وهي روحانية من جنس الملائكة فقوتها ولذتها وفرحها ~~وسرورها في معرفة خالقها وبارئها وفاطرها وفي ما يقرب منه من طاعته في ذكره ~~ومحبته والأنس به والشوق إلى لقائه # فهذا هو عيش النفس وقوتها فإذا فقدت ذلك مرضت وهلكت أعظم مما يهلك الجسد ~~بفقد طعامه وشرابه ولهذا يوجد كثير من أهل الغنى والسعة يعطي جسده حظه من ~~التنعيم ثم يجد ألما في قلبه ووحشة فيظنه الجهال أن هذا يزول بزيادة هذه ~~اللذات الحسية وبعضهم يظن أنه يزول بإزالة العقل بالسكر وكل هذا يزيد الألم ~~والوحشة # PageV01P059 # وإنما سببه أن الروح فقدت قوتها وغذاءها فمرضت وتألمت # إذا كنت قوت النفس ms12 ثم هجرتها ... فلن تصبر النفس التي أنت قوتها # ستبقى بقاء الضب في الماء أو كما ... يعيش ببيداء المفاوز حوتها # قال بعض العارفين لقوم ما تعدون العيش فيكم قالوا الطعام والشراب ونحو ~~ذلك فقال إنما العيش أن لا يبقى منك جارحة إلا وهي تجاذبك إلى طاعة الله # من عاش مع الله طاب عيشه ومن عاش مع نفسه وهواه طال طيشه # قال الحسن إن أحباء الله هم الذين ورثوا أطيب # PageV01P060 # الحياة بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم وبما وجدوا من لذة حبه في قلوبهم # وأكل إبراهيم مع أصحابه كسرا يابسة ثم قام إلى نهر فشرب منه بكفه ثم حمد ~~الله وقال لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور ~~لجالدونا بالسيوف أيام الحياة على ما نحن فيه من لذيذ العيش وقلة التعب ~~فقال بعض أصحابه يا أبا اسحاق طلب القوم الراحة والنعيم فأخطأوا الطريق ~~المستقيم فتبسم ثم قال من أين لك هذا شعر # أهل المحبة قوم شأنهم عجب ... سرورهم أبد وعيشهم طرب # PageV01P061 # العيش عيشهم والملك ملكهم ... ما الناس إلا هم بانوا أو اقتربوا # قيل لبعض العارفين وقد اعتزل عن الخلق إذا هجرت الخلق مع من تعيش قال مع ~~من هجرتهم لأجله # ويروى عن المسيح أنه قال يا معشر الحواريين كلموا الله كثيرا وكلموا ~~الناس قليلا قالوا كيف نكلم الله كثيرا قال اخلوا بذكره اخلوا بدعائه اخلوا ~~بمناجاته # ما أطيب عيش من يخلو بحبيب ... من أمل فضل مثلكم كيف يخيب # واعلم أن الجمع بين هذين العيشين في دار الدنيا غير ممكن فمن اشتغل بعيش ~~روحه وقلبه وحصل له منه نصيب وافر لهى عن عيش جسده وبدنه ولم يقدر أن # PageV01P062 # يأخذ منه نهاية شهوته ولم يقدر أن يتوسع في نيل الشهوات الحسية وإنما ~~يأخذ منها بقدر ما تقوم به حاجة البدن خاصة فينتقص بذلك عيش الجسد ولابد # وهذه كانت طريقة الأنبياء والمرسلين وأتباعهم وكان الله يختار أن يقلل ~~نصيبهم من عيش أجسادهم ويوف نصيبهم من عيش قلوبهم وأرواحهم # قال سهل التستري ms13 ما أتى الله عبدا من قربه ومعرفته نصيبا إلا حرمه من ~~الدنيا بقدر ما أعطاه من معرفته وقربه ولا أتاه من الدنيا نصيبا إلا حرمه ~~من معرفته وقربه بقدرما أتاه في الدنيا # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقتصد في عيشه غاية الاقتصاد مع ما فتح ~~الله عليه من الدنيا والملك ومات ولم يشبع من خبز # PageV01P063 # الشعير وكان يقول # ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها # وقال صلى الله عليه وسلم حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني ~~في الصلاة # والنساء والطيب فيهما قوة للروح بخلاف الطعام والشراب فإن الإكثار منهما ~~يقسي القلب ويفسده وربما أفسد البدن أيضا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P064 # ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن فإن كان لا بد فاعلا فثلث طعام وثلث شراب ~~وثلث نفس # قال بعض السلف قلة الطعام عون على التسرع إلى الخيرات # وقال آخر ما قل طعام امرىء إلارق قلبه ونديت عيناه # وقال إبراهيم بن آدم الشبع يميت القلب ومنه يكون الفرح والمرح والضحك # وقال أبو سليمان إن النفس إذا جاعت وعطشت صفي القلب ورق وإذا شبعت ورويت ~~عمي القلب # PageV01P065 # وقال مفتاح الدنيا الشبع ومفتاح الآخرة الجوع # وقيل للإمام أحمد يجد الرجل رقة من قلبه وهو يشبع قال ما أرى ولهذا ~~المعنى شرع الله الصيام وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل في صيامه ~~أياما فلا يأكل ولا يشرب فإذا سئل عن ذلك يقول إني لست مثلكم إني أظل عند ~~ربي يطعمني ويسقين يشير إلى أنه يستغني عن قوت جسده بما يمنحه الله من قوت ~~روحه عند الخلوة به والأنس بذكره ومناجاته مما يورده على قلبه من المعارف ~~القدسية والمواهب الإلهية شعر # PageV01P066 # لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الطعام وتلهيها عن الزاد # واعلم أن عيش الجسد يفسد عيش الروح وينغصه وأما عيش الروح فأنه يصلح عيش ~~الجسد وقد يغنيه عن كثير مما يحتاج إليه من عيشه كان ms14 بالبصرة رجل من ~~المجتهدين في الطاعة وكان قليل الطعام وبدنه غير مهزول فسئل عن سبب ذلك ~~فقال ذلك من فرحي بحب الله إذا ذكرت أنه ربي وأنا عبده لم يمنع بدني أن ~~يصلح # وسئل أبو الحسين بن بشار هل يكون الولي سمينا قال نعم إذا كان الولي ~~أمينا قيل له كيف والله يبغض الحبر السمين قال إذا علم الحبر عبد من هو ~~ازداد سمنا # وكان بشر يخطر في داره ويقول كفى بي عزا أني لك عبد وكفى بي فخرا أنك لي ~~رب # PageV01P067 # نسبت لكم عبدا وذلك بغيتي ... وتشريف قدري نسبتي لعلاكم # فكل عذاب في هواكم يلذ لي ... وكل هوان طيب في هواكم # لحا الله قلبي إن تغير عنكم ... وإن مال في الدنيا لحب سواكم # فمن وفى نفسه حظها من عيش جسده بالشهوات الحسية كالطعام والشراب فسد قلبه ~~وقسى وجلب له ذلك الغفلة وكثرة النوم فنقص حظ روحه وقلبه من طعام المناجاة ~~وشراب المعرفة فخسر خسرانا مبينا # قال بعضهم مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب شيء فيها قيل وما ~~هو قال معرفة الله عز وجل فمن عاش في الدنيا لا يعرف ربه ولا ينعم بخدمته ~~فعيشه عيش البهائم شعر # PageV01P068 # نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم # وتتعب فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم # فالصالحون كلهم قللوا من عيش الأجساد وكثروا من عيش الأرواح لكن منهم من ~~قلل من عيش بدنه ليستوفيه في الآخرة وهذا تاجر ومنهم من فعل ذلك خوفا من ~~الحساب عليه في الآخرة # والمحققون فعلوا ذلك تفريغا للنفس عما يشغل عن الله لتتفرغ القلوب للعكوف ~~على طاعته وخدمته وذكره وشكره والأنس به والشوق إلى لقائه # PageV01P069 # فإن الأخذ من عيش الأجساد أكثر من قدر الحاجة يلهي عن الله ويشغل عن ~~خدمته # قال بعضهم كل ما يشغلك عن الله فهو عليك شؤم فلا كان ما يلهي عن الله إنه ~~يضر ويردي إنه لشؤم # فما تفرغ أحد لطلب عيش الأجساد وأعطى نفسه حظها من ms15 ذلك إلا ونقص حظه من ~~عيش الأرواح وربما مات قلبه من غفلته عن الله وإعراضه عنه وقد ذم الله من ~~كان كذلك قال الله عز وجل {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا} # ثم إن ما حصلوه من شهواتهم ينقطع ويزول بالموت وينقص بذلك حظهم عند الله ~~في الآخرة فإن كان ما حصلوه من شهواتهم من حرام فذلك هو الخسران المبين ~~فإنه يوجب العقوبة الشديدة في الآخرة # PageV01P070 # فلما لم يجتمع في الدنيا للعبد بلوغ حظه من عيش روحه وبلوغ نهاية حظه من ~~عيش جسده جعل الله للمؤمنين دارا جمع لهم فيها ما بين هذين الحظين على ~~نهاية ما يكون من الكمال وهي الجنة # فإن فيها جميع لذات الأجساد وعيشها ونعيمها كما قال الله تعالى {وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} وقال {لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد} ولا ~~ينقص ذلك حظهم من لذات أرواحهم فإنه تتوفر لذات قلوبهم وتتزايد على ما كانت ~~للمؤمنين في الدنيا مما لا نسبة لما كان في الدنيا إليه فإن الخبر في ~~الدنيا يصير هناك عيانا فأعلى نعيمهم هناك رؤية الله ومشاهدته وقربه ورضاه ~~وتحصل لهم بذلك نهاية المعرفة به والأنس ويتزايد هنالك لذة ذكره على ما كان ~~في الدنيا فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس وتصير # PageV01P071 # كلمة التوحيد لهم كالماء البارد لأهل الدنيا فعلم بهذا أن العيش الطيب ~~على الحقيقة لا يحصل في الدنيا إنما يكون بعد الموت فإن من يوفر حظه من ~~نعيم روحه وقلبه في الدنيا يتوفر في الآخرة أيضا ومن توفر حظه من نعيم جسده ~~في دنياه وسر بها نقص في الدنيا ونقص به أيضا حظه من نعيم الآخرة # ومع هذا فهو نعيم منغص لا يدوم ولا يبقى وكثيرا ما ينغص بالأمراض ~~والأسقام وربما انقطع وتبدل صاحبه بالفقر والذل بعد الغنى والعز وإن سلم من ~~ذلك كله فإنه ينغصه الموت فإذا جاء الموت فما كأن من تنعم بالدنيا ذاق شيئا ~~من لذاتها خصوصا إن انتقل بعد الموت إلى ms16 عذاب # PageV01P072 # الآخرة كما قال الله تعالى {أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا ~~يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} # وكان الرشيد قد بنى قصرا فلما فرغ منه استدعى فيه بطعام وشراب وملاهي ~~واستدعى أبا العتاهية فقال له صف لي ما نحن فيه من العيش فأنشأ يقول شعر # عش ما بدا لك سالما ... في ظل شاهقة القصور # يسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرواح وفي البكور # فإذا النفوس تقعقعت ... في ضيق حشرجة الصدور # فهناك تعلم موقنا ... ما كنت إلا في غرور # PageV01P073 # فبكى الرشيد فقال له الوزير دعاك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته فقال ~~الرشيد دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى # نظر بعض المترفين عند موته إلى منزله فاستحسنه وقال شعر # إن عيشا يكون آخره الموت ... لعيش معجل التنغيص ثم مات من يومه وقال آخر # يا غنيا بالدنانير ... محب الله أغنى # PageV01P074 # وقال آخر شعر # إنما الدنيا وإن سرت ... قليل من قليل # إنما العيش جوار الله في ... ظل ظليل # حين لا تسمع ما يؤذيك ... من قال وقيل # وقال آخر # وكيف يلذ العيش من كان عالما ... بأن إله الخلق لابد سائله # فيأخذ منه ظلمه لعباده ... ويجزيه بالخير الذي هو فاعله # PageV01P075 # فالأشقياء في البرزخ في عيش ضنك قال الله تعالى {ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا} # وقد روي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا وموقوفا أن المعيشة الضنك عذاب القبر ~~يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا # PageV01P076 # وأما عيشهم في الآخرة فأضيق وأضيق فأما من طاب عيشه بعد الموت فإن طيب ~~عيشه لا ينقطع بل كلما جاء تزايد طيبه ولهذا سئل بعضهم من أنعم الناس فقال ~~أجسام في التراب قد أمنت العذاب وانتظرت الثواب فهذا في البرزخ في عيش طيب # رؤي معروف في المنام بعد موته وهو ينشد # موت التقي حياة لا نفاد لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياء # وكان إبراهيم بن أدهم ينشد # ما أحد أنعم من مفرد ... في قبره أعماله تؤنسه # منعم الجسم ms17 وفي روضة ... زينها الله فهي مجلسه # PageV01P077 # رؤي بعض الصالحين في المنام بعد موته فقال نحن بحمد الله في برزخ محمود ~~نفترش فيه الريحان ونتوسد فيه السندس والاستبرق إلى يوم النشور # رؤي بعض الموتى في المنام فسئل عن حال الفضيل بن عياض فقال كسي حلة لا ~~تقوم لها الدنيا بحواشيها # فأما عيش المتقين في الجنة فلا يحتاج أن يسأل عن طيبه ولذته ويكفي في ذلك ~~قوله تعالى {فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا ~~هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} ومعنى راضية أي عيشة يحصل بها الرضى ~~وفسر ابن عباس هنيئا بأنه لا موت فيها يشير إلى أنه لم يهنهم العيش إلا بعد ~~الموت والخلود فيها # PageV01P078 # قال يزيد الرقاشي أمن أهل الجنة الموت فطاب لهم العيش وأمنوا من الأسقام ~~فهنأ لهم في جوار الله طول المقام # وقال الله تعالى {إن المتقين في جنات وعيون} {إن المتقين في جنات ونهر في ~~مقعد صدق عند مليك مقتدر} أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه وسرره ~~وقصوره مسيرة ألفي عام يرى أقصاه كما يرى أدناه وأعلاهم من ينظر إلى وجه ~~ربه بكرة وعشيا # وقال طائفة من السلف إن المؤمن له باب في الجنة من داره إلى دار السلام ~~يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن # PageV01P079 # قال أبو سليمان الداراني وإذا أتاه رسول من رب العزة بالتحية واللطف فلا ~~يصل إليه حتى يستأذن عليه يقول للحاجب استأذن لي على ولي الله فإني لست أصل ~~إليه فيعلم ذلك الحاجب حاجبا آخر حتى يصل إليه فذلك قوله تعالى {وإذا رأيت ~~ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا} # فلله ذاك العيش بين خيامها ... وروضاتها والثغر في الروض يبسم # ولله كم من خيرة إن تبسمت ... أضاء لها نور من الفجر أعظم # ولله واديها الذي هو موعد ... المزيد لوفد الحب لو كنت منهم # PageV01P080 # بذيالك الوادي يهيم صبابة ... محب يرى أن الصبابة مغنم # ولله أفراح المحبين عندما ... يخاطبهم مولاهم ويسلم # ولله أبصار ترى الله جهرة ... فلا الغيم ms18 يغشاها ولا هي تسأم # فيا نظرة أهدت إلى القلب نظرة ... أمن بعدها يسلو المحب المتيم # فروحك قرب إن أردت وصالهم ... فما غلبت نظر تشري بروحك منهم # وأقدم ولا تقنع بعيش منغص ... فما فاز باللذات من ليس يقدم # فصم يومك الأدنى لعلك في غد ... تفوز بعيد الفطر والناس صوم # فيا بائعا هذا ببخس معجل ... كأنك لا تدري بلى سوف تعلم # PageV01P081 # فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم # قوله صلى الله عليه وسلم بعد هذا وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى ~~لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة # فهذا يشتمل على أعلى نعيم المؤمن في الدنيا والآخرة وأطيب عيش لهم في ~~الدارين # فأما لذة النظر إلى وجه الله عز وجل فإنه أعلى نعيم أهل الجنة وأعظم لذة ~~لهم كما في صحيح مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أهل ~~الجنة الجنة نادى المنادي يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ~~ينجزه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ألم يثقل موازيننا ألم يدخلنا الجنة ~~ألم يجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم شيئا ~~هو أحب إليهم من النظر إليه وهو الزيادة ثم تلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هذه الآية للذين # PageV01P082 # أحسنوا الحسنى وزيادة # وفي رواية لابن ماجه وغيره في هذا الحديث فوالله ما أعطاهم شيئا هو أحب ~~إليهم ولا أقر لأعينهم من النظر إليه # وخرج عثمان الدارمي من حديث ابن عمر مرفوعا إن أهل الجنة إذا بلغ بهم ~~النعيم كل مبلغ فظنوا أنه لا نعيم أفضل منه تجلى الرب تبارك وتعالى عليهم ~~فينظرون إلى وجه الرحمن فنسوا كل نعيم عاينوه حين نظروا إلى وجه الرحمن # PageV01P083 # وخرجه الدارقطني بنقصان منه وزيادة وفيه فيقول يا أهل الجنة هللوني ~~وكبروني وسبحوني كما كنتم تهللوني وتكبروني وتسبحوني في دار الدنيا ~~فيتجاوبون بتهليل الرحمن فيقول الله تبارك وتعالى لداود عليه السلام ياداود ~~مجدني فيقوم داود فيمجد الله عز ms19 وجل # وفي سنن ابن ماجه عن جابر مرفوعا بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم ~~نور فإذا الرب جل جلاله قد أشرف عليهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة وهو ~~قوله تعالى {سلام قولا من رب رحيم} فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من ~~النعيم ما داموا ينظرون إليه # PageV01P084 # وخرج البيهقي من حديث جابر مرفوعا إن أهل الجنة يزورون ربهم تعالى على ~~نجائب من ياقوت أحمر أزمتها من زمرد أخضر فيأمر الله بكثبان من مسك أذفر ~~أبيض فتثير عليها ريحا يقال لها المثيرة حتى تنتهي بهم إلى جنة عدن وهي ~~قصبة الجنة فتقول الملائكة ربنا جاء القوم فيقول مرحبا بالصادقين مرحبا ~~بالطائعين قال فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه ويتمتعون بنوره حتى لا يبصر ~~بعضهم بعضا ثم يقول ارجعوا إلى القصور بالتحف فيرجعون وقد أبصر بعضهم بعضا ~~فذلك قوله تعالى نزلا من غفور رحيم # وفي مسند البزار من حديث حذيفة مرفوعا في حديث يوم المزيد أن الله يكشف ~~تلك الحجب ويتجلى لهم فيغشاهم من نوره ما لولا أن الله تعالى قضى أن لا ~~يحترقوا لاحترقوا مما غشيهم من نوره فيرجعون إلى منازلهم # PageV01P085 # وقد خفوا على أزواجهم مما غشيهم من نوره فإذا صاروا إلى منازلهم تراد ~~النور وأمكن وتراد وأمكن حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها # ويروى من حديث أنس مرفوعا إن الله يقول لأهل الجنة إذا استزارهم وتجلى ~~لهم سلام عليكم يا عبادي انظروا إلي فقد رضيت عنكم فيقولون سبحانك سبحانك ~~فتتصدع له مدائن الجنة وقصورها ويتجاوب فصول شجرها وأنهارها وجميع ما فيها ~~سبحانك سبحانك فاحتقروا الجنة وجميع ما فيها حين نظروا إلى وجه الله تعالى # PageV01P086 # ويروى من حديث علي مرفوعا إن الله يتجلى لأهل الجنة عن وجهه فكأنهم لم ~~يروا نعمة قبل ذلك وهو قوله ولدينا مزيد # ويروى من حديث أبي جعفر مرسلا إن أهل الجنة إذا زاروا ربهم تعالى وكشف ~~لهم عن وجهه قالوا ربنا أنت السلام ومنك السلام وبك حق الجلال والإكرام ~~فيقول تعالى مرحبا ms20 بعبادي الذين حفظوا وصيتي وراعوا عهدي وخافوني بالغيب ~~وكانوا مني على كل حال مشفقين فقالوا وعزتك وعظمتك وجلالك ما قدرناك حق ~~قدرك وما أدينا إليك كل حقك فأذن لنا بالسجود لك فيقول لهم عز وجل إني قد ~~وضعت عنكم مؤنة العبادة وأرحت لكم أبدانكم فطالما أنصبتم لي الأبدان ~~وأعنيتم الوجوه فالآن أفضيتم إلي روحي ورحمتي وكرامتي فسلوني ما شئتم ~~وتمنوا علي أعطكم أمانيكم فإني لم أجزكم اليوم بقدر أعمالكم # PageV01P087 # ولكن بقدر رحمتي وكرامتي فما يزالون في الأماني والعطايا والمواهب حتى إن ~~المقصر منهم في أمنيته ليتمنى مثل جميع الدنيا منذ خلقها الله إلى أن ~~أفناها فيقول لهم الرب تبارك وتعالى لقد قصرتم في أمانيكم ورضيتم بدون ما ~~يحق لكم فقد أوجبت لكم ما سألتم وتمنيتم وألحقت بكم ذريتكم وزدتكم ما قصرت ~~عنه أمانيكم # قال عبد الرحمن بن أبي ليلى إذا تجلى لهم ربهم لا يكون ما أعطو عند ذلك ~~بشيء # قال الحسن إذا تجلى لأهل الجنة نسوا كل نعيم الجنة # PageV01P088 # وكان يقول لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لماتوا # وقال إن أحباء الله هم الذين ورثوا طيب الحياة وذاقوا نعيمها بما وصلوا ~~إليه من مناجاة حبيبهم وبما وجدوا من حلاوة حبه في قلوبهم لا سيما إذا خطر ~~على بالهم ذكر مشافهته وكشف ستور الحجب عنه في المقام الأمين والسرور ~~وأراهم جلاله وأسمعهم لذة كلامه ورد جواب ما ناجوه أيام حياتهم # أملي أن أراك يوما من الدهر ... فأشكو لك الهوى والغليلا # وأناجيك من قرب وأبدي ... هذا الجوى وهذا النحولا # PageV01P089 # قال وهب لو خيرت بين الرؤية والجنة لاخترت الرؤية # رؤي بشر في المنام فسئل عن حاله وحال إخوانه فقال تركت فلانا وفلانا ما ~~بين يدي الله يأكلان ويشربان ويتنعمان قيل له فأنت قال علم قلة رغبتي في ~~الطعام وأباحني النظر إليه # يا حبيب القلوب ما لي سواك ... ارحم اليوم مذنبا قد أتاكا # أنت سؤلي ومنيتي وسروري ... طال شوقي متى يكون لقاكا # ليس سؤلي من الجنان نعيم ... غير أني أريدها ms21 لأراكا قال ذو النون ما طابت ~~الدنيا إلا بذكره ولا طابت # PageV01P090 # الآخرة إلا بعفوه ولا طابت الجنة إلا برؤيته ولو أن الله احتجب عن أهل ~~الجنة لاستغاث أهل الجنة من الجنة كما يستغيث أهل النار من النار # كان بعض الصالحين يقول ليت ربي جعل ثوابي من عملي نظرة إليه ثم يقول كن ~~ترابا # كان علي بن الموفق يقول اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك خوفا من نارك فعذبني ~~بها وإن كنت تعلم أني أعبدك حبا لجنتك فاحرمنيها وإن كنت تعلم أنما عبدتك ~~حبا مني لك وشوقا إلى وجهك الكريم فأبحنيه واصنع بي ما شئت # PageV01P091 # سمع بعضهم قائلا يقول # كبرت همة عبد طمعت في أن تراكا ... أو ما حسبت أن ترى من رأكا # ثم شهق شهقة فمات # لما غلب الشوق على قلوب المحبين استروحوا إلى مثل هذه الكلمات وما تخفي ~~صدورهم أكبر # تجاسرت فكاشفتك لما غلب الصبر ... فإن عنفني الناس ففي وجهك لي عذر # أبصار المحبين قد غضت من الدنيا والآخرة فلم تفتح إلا عند مشاهدة محبوبهم ~~يوم المزيد # أروح وقد ختمت على فؤادي ... بحبك أن يحل به سواكا # PageV01P092 # فلو أني استطعت غضضت طرفي ... فلم أنظر به حتى أراكا # أحبك لا ببعضي بل بكلي ... وإن لم يبق حبك لي حراكا # وفي الأحباب مخصوص بوجد ... وآخر يدعي معي اشتراكا # إذا استكبت دموعي في خدودي ... تبين من بكى ممن تباكا # فأما من بكى فيذوب وجدا ... وينطق بالهوى من قد تشاكا # كان سمنون المحب ينشد # وكان فؤادي خاليا قبل حبكم ... وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح # فلما دعا قلبي هواك أجابه ... فلست أراه عن فنائك يبرح # PageV01P093 # رميت ببعد عنك إن كنت كاذبا ... وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح # وإن كان شيء بالبلاد بأسرها ... إذا غبت عن عيني لعيني يملح # فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل ... فلست أرى قلبي لغيرك يصلح # وأما الشوق إلى لقاء الله فهو أجل مقامات العارفين في الدنيا وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو اللهم اجعل ms22 حبك أحب الأشياء إلى ~~وخشيتك أخوف الأشياء عندي واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك وإذا ~~أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقرر عيني من عبادتك # PageV01P094 # وإنما قال من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة لأن الشوق إلى لقاء الله ~~يستلزم محبة الموت والموت يقع تمنيه كثيرا من أهل الدنيا بوقوع الضراء ~~المضرة في الدنيا وإن كان منهيا عنه في الشرع # ويقع من أهل الدين تمنيه لخشية الوقوع في الفتن المضلة # فسأل تمني الموت خاليا من هذين الحالين وأن يكون ناشئا عن محض محبة الله ~~والشوق إلى لقائه وقد حصل هذا المقام لكثير من السلف قال أبو الدرداء أحب ~~الموت # PageV01P095 # اشتياقا إلى ربي وقال أبو عتبة الخولاني كان إخوانكم لقاء الله أحب إليهم ~~من الشهد # وقالت رابعة طالت علي الأيام والليالي بالشوق إلى لقاء الله # ومكث فتح بن شخروف ثلاثين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء ثم رفع رأسه فقال ~~طال شوقي إليك فعجل قدومي عليك وكان بعضهم يقول في مناجاته قبيح بعبد ذليل ~~مثلي يعلم عظيما مثلك اللهم أنت تعلم أنك لو خيرتني أن تكون لي الدنيا منذ ~~خلقت أتنعم فيها حلالا لا أسأل عنها يوم القيامة وبين أن تخرج روحي الساعة ~~لاخترت أن تخرج نفسي الساعة # PageV01P096 # قال بعض السلف إذا ذكرت القدوم على الله كنت أشد اشتياقا إلى الموت من ~~الظمآن الشديد ضمؤه في اليوم الحار الشديد حره إلى الشراب الشديد برده # اشتاق إليك يا قريب نائي ... شوق الضامي إلى زلال المائي # قال الجنيد سمعت سريا يقول الشوق أجل مقام العارف إذا تحقق فيه وإذا تحقق ~~بالشوق لهى عن كل ما يشغله عمن يشتاق إليه # رؤي داود الطائي في المنام على منبر عال وهو ينشد # ما نال عبد من الرحمن منزلة ... أعلى من الشوق إن الشوق محمود # PageV01P097 # لازال المحبون يروضون أرواحهم في الدنيا حتى خرجت عن أبدان الهوى وصارت ~~في حواصل طير الشوق فهي تسرح في رياض الأنس وترد حياض القدس ثم تأوي إلى ~~قناديل المعرفة المعلقة في ms23 المحل الأعلى حول العرش كما قال بعض العارفين ~~القلوب جوالة فقلب يدور حول العرش وقلب يجول حول الحش كلما حلت نسمات القدس ~~من أرجاء الأنس على أغصان قلوب الأحباب تمايلت شوقا إلى ذلك الجناب # كان بعض السلف يمشي أبدا على قدميه من الشوق وكان بعضهم كأنه مخمور من ~~غير شراب # تريحني إليك الشوق حتى ... أميل من اليمين إلى الشمال # PageV01P098 # ويأخذني لذكركم رياح ... كما نشط الأسير من العقال # أهل الشوق على طبقتين أحدهما من أقلقه الشوق ففني اصطباره كان أبو عبيدة ~~الخواص يمشي ويضرب على صدره ويقول واشوقاه إلى من يراني ولا أراه # كان داود الطائي يقول بالليل همك عطل علي الهموم وخالف بيني وبين السهاء ~~وشوقي إلى النظر إليك أوبق مني اللذات وخالف بيني وبين الشهوات فأنا في ~~سجنك أيها الكريم مطلوب # أحبابي أما جفن عيني فمقروح ... وأما فؤادي فهو بالشوق مجروح # يذكرني مر النسيم عهودكم ... فأزداد شوقا كلما هبت الريح # أراني إذا ما أظلم الليل أشرقت ... بقلبي من نار الغرام مصابيح # PageV01P099 # أصلي بذكراكم إذا كنت خاليا ... ألا إن تذكار الأحبة تسبيح # الطبقة الثانية من إذا أقلقهم الشوق سكنهم الأنس بالله فاطمأنت قلوبهم ~~بذكره وأنسوا بقربه # وهذه حال الرسول صلى الله عليه وسلم وخواص العارفين من أمته وسئل الشبلي ~~بماذا تستريح قلوب المحبين والمشتاقين فقال بسرورهم بمن أحبوه واشتاقوا ~~إليه # أموت إذا ذكرتك ثم أحيا ... ولولا ما أؤمل ما حييت # فأحيا بالمنى وأموت شوقا ... فكم أحيا عليك وكم أموت # كانت بعض الصالحات تقول أليس عجبا أن أكون حية بين أظهركم وفي قلبي من ~~الاشتياق إلى ربي مثل شعل النار التي لا تطفأ # PageV01P100 # أموت اشتياقا ثم أحيا بذكركم ... وبين التراقي والضلوع لهيب # فلا عجبا موت المشوق صبابة ... ولكن بقاه في الحياة عجيب # هذه أحوال لا يعرفها إلامن ذاقها # لايعرف الوجد إلامن يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها # فأما من ليس عنده منها خبر فربما لام أهلها # يا عاذل المشتاق دعه فإنه ... لديه من الزفرات غير حشاكا # لو كان قلبك قلبه ما ms24 لمته ... حاشاك مما عنده حاشاكا # قوله صلى الله عليه وسلم أعوذ بك اللهم أن أظلم أو أظلم أو أعتدي أو ~~يعتدى علي أو أكتسب خطيئة محيطة أو ذنبا لا تغفره # PageV01P101 # استعاذ من أربعة أشياء أحدهما الظلم من الطرفين وهو أن يظلم غيره أو ~~يظلمه غيره # وخرج أبو داود من حديث أم سلمة قالت ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل ~~أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي # وخرجه الترمذي وصححه ولفظه اللهم إنا نعوذ بك أن نزل أو نضل أو نظلم أو ~~نظلم أو نجهل أو يجهل علينا # فمن سلم من ظلم غيره وسلم الناس من ظلمه فقد عوفي وعوفي الناس منه وكان ~~بعض السلف يدعو اللهم سلمني وسلم مني # والثاني العدوان وفرق الله بين الظلم والعدوان في قوله {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا ~~تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} # PageV01P102 # {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا} # وقد يفرق بين الظلم والعدوان بأن الظلم ما كان بغير حق بالكلية كأخذ مال ~~بغير استحقاق لشيء منه وقتل نفس لا يحل قتلها وأما العدوان فهو مجاوزة ~~الحدود وتعديها فيما أصله مباح مثل أن يكون له على أحد حق من مال أو دم أو ~~عرض فيستوفي أكثر منه فهذا هو العدوان وهو تجاوز ما يجوز أخذه فيأخذ ما له ~~أخذه وما ليس له أخذه وهو من أنواع الربا المحرمة # وقد ورد السبتان بالسبة ربا # والظلم المطلق أخذ ما ليس له أخذه ولا شيء منه من مال أو دم أو عرض # PageV01P103 # كلاهما في الحقيقة ظلم وقد حرم الله الظلم وفي الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول الله ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما ~~فلا تظالموا وفي ms25 الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال الظلم ظلمات يوم ~~القيامة # وفيهما عنه صلى الله عليه وسلم قال إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم ~~يفلته ثم قرأ {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} # وفي البخاري عنه صلى الله عليه وسلم قال من كانت عنه مظلمة لأخيه ~~فليتحلله منها فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته ~~فإن لم يكن له حسنات أخذ من # PageV01P104 # سيئات أخيه فطرحت عليه # وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم قال أتدرون من المفلس قالوا المفلس ~~من لا درهم له ولا متاع قال إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة ~~وصيام وقيام وقد شتم هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيقتضي هذا من ~~حسناته وهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من ~~سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار # وفي الحديث لتؤدن الحقوق إلى اهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماء من ~~الشاة القرناء # PageV01P105 # وفي حديث عبد الله بن انيس وليسألن الحجر لم نكب الحجر وليسألن العود لم ~~خدش صاحبه شعر # فخف القضاء غدا إذا وافيت ما ... كسبت يداك اليوم بالقسطاس # أعضاؤهم فيه الشهود وسجنهم ... نار وحاكمهم شديد الباس # في موقف ما فيه إلا شاخص ... أو مهطع أو مقنع للرأس # إن تمطل اليوم الحقوق مع الغنى ... فغدا تؤديها مع الإفلاس # والظلم المحرم تارة يكون في النفوس وأشده في الدماء وتارة في الأموال ~~وتارة في الأعراض ولهذا قال صلى الله عليه وسلم # PageV01P106 # في خطبته في حجة الوداع إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة ~~يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا وفي رواية ثم قال ألا اسمعوا مني ~~تعيشوا ألا لا تظالموا ألا لا تظالموا فإنه لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن ~~طيب نفس منه # وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم قال كل المسلم على المسلم حرام دمه ~~وماله ms26 وعرضه # فظلم العباد شر مكتسب لأن الحق فيه لآدمي مطبوع على الشح فلا يترك من حقه ~~شيئا لا سيما مع شدة حاجته يوم القيامة فإن الأم تفرح يومئذ إذا كان لها حق ~~على ولدها لتأخذه منه # PageV01P107 # ومع هذا فالغالب أن الظالم تعجل له العقوبة في الدنيا وإن أمهل كما قال ~~صلى الله عليه وسلم إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم تلا ~~وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد # كان بعض أكابر التابعين قال لرجل يا مفلس فابتلي القائل بالدين والحبس ~~بعد أربعين سنة # وضرب رجل أباه وسحبه إلى مكان فقال الذي رآه إلى ها هنا رأيت هذا المضروب ~~قد ضرب أباه وسحبه إليه # وصادر بعض وزراء الخلفاء رجلا فأخذ منه ثلاثة آلاف دينار فبعد مدة غضب ~~الخليفة على الوزير وطلب # PageV01P108 # منه عشرة آلاف دينار فجزع أهله من ذلك فقال ما يأخذ مني أكثر من ثلاثة ~~آلاف كما كنت ظلمت فلما أدى ثلاثة آلاف دينار وقع الخليفة بالإفراج عنه ~~فسبحان من هو قائم على كل نفس بما كسبت إن ربك لبالمرصاد حاكم العدل لا ~~يجور وإنما يجازي بالعدل وميزان عدله لا يحابي أحدا بل يتحرر فيه مثاقيل ~~الذر ومثاقيل الخردل وكما تدين تدان شعر # فجانب الظلم لاتسلك مسالكه ... عواقب الظلم تخشى وهي تنتظر # وكل نفس ستجزى بالذي عملت ... وليس للخلق من ديانهم وطر # PageV01P109 # الثالث مما استعاذ منه وهو اكتساب الخطيئة قال الله تعالى بلى من كسب ~~سيئة وأحاطت به خظيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # وفسرت إحاطة الخظيئة بالموت على الشرك وفسرت بالموت على الذنوب الموجبة ~~للنار من غير توبة منها # فكأن ذنوبه أحاطت به من جميع جهاته فلم يبق له مخلص منها فالخطايا تحيط ~~بصاحبها حتى تهلكه وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل الخطايا التي ~~يتلبس بها العبد بمثل درع ضيقة يلبسها فتضيق عليه حتى تخنقه ولا تنفك عنه ~~إلا بعمل الحسنات من توبة أو غيرها من الأعمال ms27 الصالحة # PageV01P110 # ففي المسند عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن مثل الذي ~~يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة ثم خنقته ثم عمل ~~حسنة فانفكت حلقة ثم عمل حسنة أخرى فانفكت حلقة أخرى حتى يخرج إلى الأرض # فلا يخلص العبد من ضيق الذنوب عليه وإحاطتها به إلا بالتوبة والعمل ~~الصالح كان بعض السلف يردد هذين البيتين بالليل ويبكي بكاء شديدا شعر # ابك لذنبك طول الليل مجتهدا ... أن البكاء معول الأحزان # لا تنس ذنبك في النهار وطوله ... إن الذنوب تحيط بالإنسان # PageV01P111 # الرابع مما استعاذ منه الذنب الذي لا يغفر ويدخل فيه شيئان أحدهما الشرك ~~قال الله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # والثاني أن يعمل العبد ذنبا لا يوفق لسبب يمحوه عنه بل يلقى الله به من ~~غير سبب ماح له فلا يغفر له بل يعاقب عليه فإن الله إذا أحب عبدا أوقعه في ~~ذنب له ووفقه لأسباب يمحوه عنه إما بالتوبة النصوح وفي سنن ابن ماجه عن ابن ~~مسعود مرفوعا التائب من الذنب كمن لا ذنب له # PageV01P112 # وإما بحسنات ماحية إن الحسنات يذهبن السيئات وإما أن يبتلى بمصائب مكفرة ~~فمن يرد الله به خيرا يصب منه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض ~~وليس عليه خطيئة # وإما أن يغفر له بشفاعة بإذن الله لمن يأذن فيها أو أنه يغفره لمجرد فضله ~~ورحمته من غير سبب آخر فحينئذ يكون هذا الذنب مغفورا # قال بعضهم إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب ومراده أنه يمحوه عنه وربما ~~يجعل الذنب في حقه سببا لشدة # PageV01P113 # خوفه من ربه وذله وانكساره له فيكون سببا لرفع درجة ذلك العبد عنده # وإذا خذل عبدا وقضى عليه بذنب لم يوفقه لشيء من ذلك فلقي الله بذنبه من ~~غير سبب يمحوه عنه في الدنيا ثم يؤاخذه به في الآخرة فلا يغفر له فهذا هو ~~الذنب المستعاذ منه هاهنا # وحاصل الأمر أن ms28 من عامله الله في ذنوبه بالعدل هلك ومن عامله بالفضل نجا ~~كما قال يحيى بن معاذ إذا وضع عدله على عبده لم يبق له حسنة وإذا بسط فضله ~~على عبده لم يبق له سيئة # يا ويلنا من موقف ما به ... أخوف من أن يعدل الحاكم # يارب عفوا منك عن مذنب أسرف ... إلا أنه نادم # PageV01P114 # قوله صلى الله عليه وسلم اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ~~ذا الجلال والإكرام فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا وأشهدك وكفى بك ~~شهيدا اني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك لك الملك ولك الحمد وأنت ~~على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك وأشهد أن وعدك حق ولقاءك حق ~~والجنة حق والنار حق والساعة آتية لا ريب فيها وأنك تبعث من في القبور # هذا الدعاء استفتحه بقوله اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ~~ذا الجلال والإكرام # وقد قال الله تعالى قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ~~أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون # وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح صلاة الليل بقوله ~~اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ~~أنت تحكم بين # PageV01P115 # عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك ~~تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وفي المسند والترمذي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سمع رجلا يقول يا ذا الجلال والإكرام قال له لقد استجيب لك فسل ~~والمسئول في هذا الدعاء أن العبد يعهد إلى ربه في هذه الحياة الدنيا ويشهده ~~وكفى به شهيدا أنه يشهد له بأصول الإيمان التي من وفى بها فقد نجا وهي ~~الشهادة لله بالوحدانية وأتبعها بالشهادة له بالملك والحمد والقدرة على كل ~~شيء والشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالعبودية والرسالة والشهادة لله ~~بأن وعده حق ولقاءه حق وأن الجنة حق والنار # PageV01P116 # حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في ms29 القبور وقد تضمنت ~~هذه الشهادة أصول الإيمان الخمسة فإن من شهد لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~بالرسالة فقد شهد بما أمر محمد بالشهادة به وهو أصول الإيمان الخمسة كلها ~~وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في استفتاحه صلاة الليل أنت الحق ~~ووعدك والحق وقولك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والساعة حق والنبيون ~~حق ومحمد حق # وقد أخبر الله تعالى عن هود عليه السلام أنه قال لقومه إني أشهد الله ~~واشهدوا أني برىء مما تشركون من دونه وقد وردت الأحاديث بفضل # PageV01P117 # من عهد إلى ربه في الدنيا هذا العهد واستشهده على نفسه بمثل هذه الشهادة ~~ففي سنن ابي داود عن أنس مرفوعا من قال حين يصبح أو يمسي اللهم إني أصبحت ~~أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أني أشهد أن لا أله إلا أنت ~~وحدك لاشريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك أعتق الله ربعه من النار ومن قالها ~~مرتين أعتق الله نصفه من النار ومن قالها ثلاثا أعتق الله ثلاثة أرباعه من ~~النار ومن قالها أربعا أعتقه الله من النار وخرجه النسائي والترمذي بمعناه # PageV01P118 # وروي معناه من حديث سلمان وعائشة # وفي المسند عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال اللهم ~~فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة ~~الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك ~~فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير وإني لا أثق إلا ~~برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك إنك لا تخلف الميعاد ~~إلا قال الله عز وجل للملائكة يوم القيامة إن عبدي قد عهد إلي عهدا فأوفوه ~~إياه فيدخله الله الجنة قال القاسم بن عبد الرحمن ما في أهلنا جارية إلا ~~تقول هذه في خدرها # PageV01P119 # قوله صلى الله عليه وسلم وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة ~~وعورة ms30 وذنب وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك هذا كما في حديث ابن مسعود ~~المتقدم فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير وإني لا ~~أثق إلا برحمتك والمقصود من ذلك سؤال العبد لربه أن يتولاه برحمته وأن لا ~~يكله إلى نفسه # وفي كتاب اليوم والليلة للنسائي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لفاطمة ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت يا حي ~~يا قيوم برحمتك استغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين # وخرجه الطبراني وزاد فيه ولا إلى أحد من الناس # PageV01P120 # وخرج أبو داود والنسائي من حديث أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي ~~شأني كله لا إله إلا أنت # وقال قتادة ولما نزل قوله تعالى ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين # وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن حوالة قال بعثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لنغنم على أقدامنا فرجعنا ولم نغنم شيئا وقد عرف الجهد في وجوهنا ~~فقال اللهم لا تكلهم إلي فأضعف عنهم ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها ولا # PageV01P121 # تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم # فإذا وفق الله عبدا توكل بحفظه وكلائته وهدايته وإرشاده وتوفيقه وتسديده ~~وإذا أخذله وكله إلى نفسه أو إلى غيره ولهذا كانت هذه الكلمة حسبنا الله ~~ونعم الوكيل كلمة عظيمة وهي التي قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ~~ألقي في النار وقالها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس ~~إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل وقالتها عائشة حين ركبت الناقة لما انقطعت عن الجيش وهي كلمة ~~المؤمنين # فمن حقق التوكل على الله لم يكله إلى غيره وتولاه بنفسه # PageV01P122 # وحقيقة التوكل تكله الأمور كلها ms31 إلى من هي بيده فمن توكل على الله في ~~هدايته وحراسته وتوفيقه وتأييده ونصره ورزقه وغير ذلك من مصالح دينه ودنياه ~~تولى الله مصالحه كلها فإنه تعالى ولي الذين آمنوا وهذا هو حقيقة الوثوق ~~برحمة الله كما في هذا الدعاء فإني لا أثق إلا برحمتك # فمن وثق برحمة ربه ولم يثق بغير رحمته فقد حقق التوكل على ربه في توفيقه ~~وتسديده فهو جدير بأن يتكفل الله بحفظه ولا يكله إلا إلى نفسه # وفي هذا الحديث وصف النفس بأوصاف ذميمة كل ذلك حذرا من أن يوكل العبد إلى ~~ما هذه صفاته وهي أربعة أوصاف الضيعة والعورة والذنب والخطيئة # PageV01P123 # فالضيعة هي الضياع فمن وكل إلى نفسه ضاع لأن النفس ضيعة فإنها لا تدعو ~~إلى الرشد وإنما تدعو إلى الغي # والعورة هي ما ينبغي ستره لقبحه ودنائته فكذلك النفس لقبح أوصافها وسوء ~~أخلاقها الذميمة # والذنب والخطيئة معناهما متقارب أو متحد وقد يراد بأحدهما الصغائر ~~وبالآخر الكبائر # وقد وصف الله تعالى النفس بأنها أمارة بالسوء فقال إن النفس لأمارة ~~بالسوء إلا ما رحم ربي فمن رحمه الله عصمه من السوء الذي تأمر به النفس # وفي حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه ~~أن يقول في كل صباح ومساء عند نومه # PageV01P124 # أعوذ بك من شر نفسي # وأما من وكله إلى نفسه ولم يرحمه فإنه يجيب داعي نفسه الأمارة بالسوء ~~فيفعل كل سوء تأمر به نفسه # وفي المسند والترمذي مرفوعا الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ~~والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله # فقسم الناس إلى قسمين كيس وعاجز فالكيس هو اللبيب الحازم العاقل الذي ~~ينظر في عواقب الأمور فهذا يقهر نفسه ويستعملها فيما يعلم أنه ينفعها بعد ~~موتها وإن كانت كارهة لذلك # PageV01P125 # والعاجز هو الأحمق الجاهل الذي لا يفكر في العواقب بل يتابع نفسه على ما ~~تهواه وهي لا تهوى إلا ما تظن أن فيه لذتها وشهوتها في العاجل وإن عاد ذلك ~~بضر لها فيما ms32 بعد الموت وقد يعود ذلك عليها بالضرر في الدنيا قبل الآخرة # فهذا هو الغالب واللازم فيتعجل تابع هوى نفسه العار والفضيحة في الدنيا ~~وسقوط المنزلة عند الله وعند خلقه والهوان والخزي ويحرم بذلك خير الدنيا ~~والآخرة من علم نافع ورزق واسع وغير ذلك # ومن خالف نفسه ولم يتبعها هواها تعجل بذلك الجزاء في الدنيا ووجد بركة ~~ذلك من حصول العلم والإيمان والرزق وغير ذلك وقيل لبعضهم بما بلغ الأحنف بن ~~قيس فيكم ما بلغ قال كان أشد الناس سلطانا على نفسه # PageV01P126 # فهذه النفس تحتاج إلى محاربة ومجاهدة ومعاداة فإنها أعدى عدو لابن آدم ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم المجاهد من جاهد نفسه في الله وروي عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك # وقال الصديق لعمر رضي الله عنهما في وصيته له عند موته أول ما أحذرك نفسك ~~التي بين جنبيك # وفيه يقول بعضهم كيف احترازي من عدوي إذا كان عدوي بين أضلاعي # PageV01P127 # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص لمن سأله عن الجهاد ابدأ بنفسك فجاهدها ~~وابدأ بنفسك فاغزها ويقال إنه الجهاد الأكبر وروي مرفوعا من وجه ضعيف # فمن ملك نفسه وقهرها ودانها عز بذلك لأنه انتصر على أشد أعدائه وقهره ~~وأسره واكتفى شره قال الله تعالى ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون فحصر ~~الفلاح في وقاية شح نفسه وتطلعها إلى ما منعت منه وحرصها على ما يضيرها مما ~~تشتهيه من علو وترفع ومال وجاه وأهل ومسكن ومأكل ومشرب وملبس وغير ذلك # فإنها تتطلع إلى ذلك كله وتشتهيه وهو عين هلاكها ومنه ينشأ البغي والحسد ~~والحقد فمن وقي شح نفسه فقد # PageV01P128 # قهرها وقصرها على ما أبيح لها وأذن لها فيه وذلك عين الفلاح # كان بعض العارفين ينشد # إذا ما عدت النفس ... عن الحق زجرناها # وإن مالت عن الأخرى ... إلى الدنيا منعناها # تخادعنا ونخدعها ... وبالصبر غلبناها # لها خوف من الفقر ... وفي الفقر أنخناها # وبكل حال فلا يقوى العبد على نفسه إلا بتوفيق ms33 الله إياه وتوليه له فمن ~~عصمه الله وحفظه تولاه ووقاه شح نفسه وشرها وقواه على مجاهدتها ومعاداتها # PageV01P129 # ومن وكله إلى نفسه غلبته وقهرته وأسرته وجرته إلى ما هو عين هلاكه وهو لا ~~يقدر على الامتناع كما يصنع العدو الكافر إذا ظفر بعدوه المسلم بل شر من ~~ذلك فإن المسلم إذا قتله عدوه الكافر كان شهيدا وأما النفس إذا تمكنت من ~~صاحبها قتلته قتلا يهلك به في الدنيا والآخرة # وهذا معنى الحديث الذي روي مرفوعا ليس عدوك الذي إذا قتلته كان لك نورا ~~يوم القيامة وإذا قتلك دخلت الجنة أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك # فلهذا كان من أهم الأمور سؤال العبد ربه أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين ~~شعر # يارب هيىء لنا من أمرنا رشدا ... واجعل معونتك الحسنى لنا مددا # PageV01P130 # ولا تكلنا إلى تدبير أنفسنا ... فالعبد يعجز عن إصلاح ما فسدا # قوله صلى الله عليه وسلم فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وتب ~~علي إنك أنت التواب الرحيم # ختم الدعاء بسؤال مغفرة الذنوب والتوبة قال بعض السلف الدنيا إما عصمة ~~الله أو الهلكة والآخرة إما عفو الله أو النار # فمن حصل له في الدنيا التوبة وفي الآخرة المغفرة فقد ظفر بسعادة الدنيا ~~والآخرة وقد تكرر في الكتاب والسنة ذكر الأمر بالتوبة والاستغفار قال الله ~~تعالى أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم وقال تعالى وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤتي كل ذي ~~فضل فضله # PageV01P131 # وأخبر عن هود عليه السلام وصالح وشعيب عليهم السلام أنهم أمروا أممهم ~~بالاستغفار والتوبة وقال تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما ~~فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ونعم أجر العاملين وترك الإصرار هو التوبة # في صحيح مسلم عن الأغر المزني سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول يا أيها ~~الناس ms34 توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة # وخرجه النسائي ولفظه # PageV01P132 # يا أيها الناس توبوا إلى ربكم واستغفروه فإني أتوب إلى الله وأستغفره كل ~~يوم أكثر من سبعين مرة # وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة # وخرجه النسائي وابن ماجه ولفظهما إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم ~~مائة مرة # وفي المسند عن حذيفة قال كان في لساني ذرب على أهلي ما أعدوه إلى غيره ~~فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال أين أنت من الاستغفار ياحذيفة إني ~~لأستغفر الله كل يوم مائة مرة وأتوب إليه # PageV01P133 # وفيه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني لأستغفر الله كل ~~يوم مائة مرة وأتوب إليه # وفي السنن الأربعة عن ابن عمر قال إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في المجلس الواحد مائة مرة يقول رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب ~~الرحيم # وإنما قدم ذكر الشهادة بالتوحيد على طلب المغفرة لأن التوحيد أعظم ~~الأسباب التي يستجلب بها المغفرة وعدمه مانع من المغفرة بالكلية وفي الحديث ~~ابن آدم إن جئتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك ~~بقرابها مغفرة # PageV01P134 # وفي حديث سيد الاستغفار البداية بذكر التوحيد قبل طلب المغفرة وإذا اعترف ~~العبد بذنبه وطلب المغفرة من ربه وأقر له أنه لا يغفر الذنوب غيره كان ~~جديرا أن يغفر له ولهذا قال في الحديث فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ~~وكذلك في دعاء سيد الاستغفار وكذلك في الدعاء الذي علمه الصديق أن يقوله في ~~صلاته # وإلى هذا الإشارة بقوله في القرآن {ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن ~~يغفر الذنوب إلا الله} # وفي حديث أبي ذر المرفوع يقول الله عز وجل من علم منكم أني ذو قدرة على ~~المغفرة ثم استغفرني غفرت له ولا أبالي # PageV01P135 # وفي حديث علي عن النبي صلى الله ms35 عليه وسلم إن ربك ليعجب من عبده إذا قال ~~رب اغفر لي ذنوبي يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري # وفي الصحيح حديث الذي أذنب ذنبا فقال رب عملت ذنبا فاغفر لي قال الله عز ~~وجل علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي ثم قال في ~~الرابعة فليعمل ما شاء يعني ما دام على هذا الحال كلما أذنب استغفر # وفي السنن عن أبي بكر الصديق مرفوعا ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم ~~سبعين مرة # PageV01P136 # التوبة والإستغفار يقبل في جميع آناء الليل والنهار وفي صحيح مسلم مرفوعا ~~إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء ~~الليل حتى تطلع الشمس من مغربها # ولكن بعض الأوقات أرجى قبولا فإذا وقعت التوبة والإستغفار في مظان ~~الإجابة كان أقرب إلى حصول المطلوب ولهذا مدح الله تعالى المستغفرين ~~بالأسحار قال {وبالأسحار هم يستغفرون} # وفي الصحيح حديث النزول وأن الله يقول كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر ~~هل من مستغفر فاغفر له هل من تائب فأتوب عليه # PageV01P137 # قال الفضيل بن عياض ما من ليلة اختلط ظلامها وأرخى الليل سربال سترها إلا ~~نادى الجليل جل جلاله من أعظم مني جودا والخلائق لي عاصون وأنا لهم مراقب ~~أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا فيما بيني ~~وبينهم أجود بالفضل على العاصي وأتفضل على المسيء من ذا الذي دعاني فلم ~~ألبه أم من ذا الذي سألني فلم أعطه من ذا الذي أناخ ببابي فنحيته أنا الفضل ~~ومني الفضل أنا الجواد ومني الجود أنا الكريم ومني الكرم ومن كرمي أن أغفر ~~للعاصي بعد المعاصي ومن كرمي أن أعطي العبد ما سألني وأعطيه ما لم يسألني ~~ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني فأين عني يهرب الخلائق وأين عن بابي ~~ينتحي العاصون ما للعصاة مهرب من الله إلا إليه فيهربون منه إليه # PageV01P138 # هربت منه إليه ... بكيت منه عليه # وحقه هو سؤلي ... لا زلت بين يديه ms36 # حتى أنال وأحظى ... بما أرجي لديه # أسأت ولم أحسن وجئتك تائبا ... وأني لعبد عن مواليه يهرب # يؤمل غفرانا فإن خاب ظنه ... فما أحد منه على الأرض أخيب # وهذا معنى لا ملجأ منك إلا إليك هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وأفرح ~~بتوبة عبده ممن فقد راحلته بأرض # PageV01P139 # مهلكة حتى أيس من الحياة ثم وجدها # يا مطرودا احذر أن تفارق عتبة بابهم يا مرميا بالبعاد إياك أن تبعد عن ~~جنابهم يا مهجورا ابك وترام عليهم يامتوعدا بالعقاب لا تهرب منهم إلا إليهم # في حديث جابر المرفوع إن العبد ليدعو الله وهو عليه غضبان فيعرض عنه فلا ~~يزال يدعوه حتى يقول الله عز وجل للملائكة إن عبدي قد أبى أن يدعو غيري فقد ~~استجبت له # كان رجل من أصحاب ذي النون يطوف في السكك يبكي وينادي أين قلبي أين قلبي ~~من وجد قلبي فدخل يوما بعض السكك فوجد صبيا يبكي وأمه تضربه ثم أخرجته من ~~الدار فأغلقت دونه فجعل الصبي يلتفت يمينا # PageV01P140 # وشمالا ولا يدري أين يذهب ولا أين يقصد فرجع إلى باب الدار فوضع رأسه على ~~عتبته فنام فلما استيقظ جعل يبكي ويقول يا أماه من يفتح لي الباب إذا أغلقت ~~عني بابك ومن يدنيني من نفسه إذا طردتيني ومن الذي يؤويني بعد أن غضبت علي ~~فرحمته أمه فقامت فنظرت من خلل الباب فوجدت ولدها تجري الدموع على خده ~~متمعكا في التراب ففتحت الباب وأخذته حتى وضعته في حجرها وجعلت تقبله وتقول ~~يا قرة عيني وعزيز نفسي أنت الذي حملتني على نفسك وأنت الذي تعرضت لما حل ~~بك لو كنت أطعتني لم يكن مني مكروها # فتواجد الرجل ثم قام وصاح وقال قد وجدت قلبي قد وجدت قلبي # PageV01P141 # كرم الله وجهه الله تبارك وتعالى الرب عز وجل كرم الله وجهه الله تبارك ~~وتعالى الرب عز وجل رضي الله عنه # هكذا ينبغي أن يكون حال العبد مع ربه # إذا هجروا عزا وصلنا تذللا ... وإن بعدوا يأسا قربنا تعللا # وإن أغلقوا بالهجر أبواب وصلهم ms37 ... وقالوا ابعدوا عنا طلبنا التوصلا # وقفنا على أبوابهم نطلب الرضى ... على الترب عفرنا الخدود تذللا # أشرنا بتسليم وإن بعد المدى ... إليهم وكلفنا الرياح التحملا ### | (تم هذا الحديث وشرحه) # والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم PageV01P142 ms38