######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_004021
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: الديلمي
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: ق 8
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: أعلام الدين في صفات المؤمنين
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_004021
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4021_أعلام-الدين-في-صفات-المؤمنين-الديلمي
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث . قم
#META# 041.EdNUMBER :: NODATA
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: NODATA
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم أحمد الله ذي القدرة والجلال، والرفعة والكمال،
~~الذي عم عباده بالفضل والإحسان، وميزهم بالعقول والأذهان، وشرفهم بالعلوم
~~ومكن لهم الدليل والبرهان، وهداهم إلى معرفة الحق والصواب، بما نزل من
~~الوحي والكتاب، الذي جاء به أفضل أولي العزم الكرام، مولانا وسيدنا محمد بن
~~عبد الله خاتم النبيين وأشرف العالمين صلى الله عليه وعلى الأطايب من
~~عترته، ذوي الفضائل والمناقب، حجج الله على كافة المسلمين، الهادين
~~المهديين، الذين يهدون بالحق وبه يعدلون.
# يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه (الحسن بن أبي الحسن الديلمي)
~~أعانه الله على طاعته، وتغمده برأفته ورحمته: إنني حيث بليت بدار الغربة،
~~وفقدت الأنيس الصالح في الوحشة، وحملتني معرفة الناس على الوحدة، خفت على
~~ما عساه حفظته من الآداب الدينية والعلوم العلوية - وهو قليل من كثير،
~~ويسير من كبير - أن يشذ عن خاطري، ويزول عن ناظري - لعدم المذاكر - أثبت ما
~~سنح لي إيراده، وسهل علي إسناده، ليكون لي تذكرة وعدة، ولمن يقف عليه بعدي
~~تبصرة وعبرة وفق الله المراعاة له والعمل به، وجعله خالصا لوجهه الكريم،
~~وموجبا لثوابه الجزيل العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
# فأول ما أبدأ به ذكر المعارف بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله
~~وحججه من بعده، وما يجوز عليه وعليهم وما لا يجوز. PageV00P033
# ثم اثني بذكر فضل العالم والعلوم، وما يتبع ذلك من العلوم الدينية
~~والآداب الدنيائية، ولم ألتزم ذكر سندها، لشهرتها عند العلماء في كتبها
~~المصنفة المروية عن مشايخنا - رحمهم الله تعالى - وأحلت في ذلك على كتبهم
~~وأسانيدهم، إلا ما شذ عني من ذلك فلم أذكر إلا فص (1) القول.
# وسميت هذا الكتاب كتاب (أعلام الدين في صفات المؤمنين وكنز علوم
~~العارفين) فحق على من وقف عليه، واستفاد به، أن يدعو لمصنفه، ويترحم عليه،
~~ويدع الهوى والميل في إعابة شئ منه، فإنه يشتمل على ترك الدنيا والرغبة في
~~الآخرة، حسب ما يأتي ذكره وتفصيله.
# PageV00P034
# فصل " في الدليل على حدث الإنسان وإثبات محدثه " أقرب ما يستدل به
~~الإنسان على حدثه وإثبات ms001 محدثه، ما يراه من حاله وتغيره الواقع بغير
~~اختياره وقصده، كالزيادة والنقص المعترضين في جسمه وحسه، و [ما] (1) يتعاقب
~~عليه من صحته وسقمه، وينتقل إليه من شيبته وهرمه، وأنه لا يدفع فيه من ذلك
~~طارئا موجودا ولا يعيد ماضيا مفقودا، لو نقصت منه جارحة لم يقدر على
~~التعويض منها، ولا يستطيع الاستغناء في الإدراك بغيرها عنها، لا يعلم غيب
~~أمره، ولا يتحقق مبلغ عمره، وقدر (2) متناهية، وبنية ضعيفة واهية.
# فيعلم بذلك أن له مصورا صوره، ومدبرا دبره لأن التصوير والتدبير فعلان لم
~~يحدثهما الإنسان لنفسه، ولا كانا بقدرته، والفعل فلا بد له من فاعل، كما أن
~~الكتابة لا غنى بها عن كاتب.
# ثم يعلم أن مصوره صانعه ومحدثه، وأن مدبره خالقه وموجده، لأنه لا يصح
~~وجوده إلا مصورا مدبرا.
# ثم يعلم أيضا أن محدثه قادر، إذ كان لا يصح الفعل من عاجز.
# ويعلم أنه حكيم عالم، لأن الأفعال المحكمة لا تقع إلا من عالم.
# ثم يعلم أنه واحد، إذ لو كان اثنين لجاز اختلاف مراديهما فيه، بأن يريد
~~أحدهما أن يميته، ويريد الآخر أن يحييه، فيؤدي ذلك إلى وجود المحال، وكونه
~~ميتا حيا في حال، أو إلى انتفاء الحالين وتمانع المرادين، فيبطل ذلك أيضا
~~ويستحيل، وهذا يبين أن صانعه واحد ليس باثنين.
# ويعلم أنه لا يجوز على محدثه النقص والتغيير، وما هو جائز على المحدثين،
~~لأن في جواز ذلك عليه مشابهة للمصنوعين، وهو يقتضي وجود صانع له أحدثه
~~وصوره ودبره، إما محدث مثله أو قديم، وفي استحالة تنقل ذلك إلى ما لا
~~يتناهى، دلالة على أن صانعه قديم.
# PageV00P035
# ويعلم بمشابهة حال غيره لحاله، أن حكمه كحكمه، وأنه لا بد من الإقرار
~~بوجود صانع للجميع، لبطلان التثنية حسب ما شهد به الدليل.
# فصل: وقد ورد في الحديث (1): أن أبا شاكر الديصاني وقف ذات يوم في مجلس
~~الإمام الصادق - أبي عبد الله جعفر بن محمد صلى الله عليه - فقال له: أبا
~~عبد الله، إنك لأحد النجوم الزواهر، وكان آباؤك بدورا بواهر، وأمهاتك ms002
~~عقيلات طواهر (2)، وعنصرك من أكرم العناصر، وإذا ذكر العلماء فبك (3) تثنى
~~الخناصر، خبرنا أيها البحر الزاخر، ما الدليل على حدث (4) العالم؟
# فقال أبو عبد الله صلى الله عليه وآله: " إن من أقرب الدليل على ذلك ما
~~أذكره لك، ثم دعا ببيضة فوضعها في راحته وقال: هذا حصن ملموم، داخله غرقئ
~~(5) رقيق، يطيف به كالفضة السائلة، والذهبة المائعة، أشك في ذلك؟ ".
# قال أبو شاكر: لا شك فيه.
# قال الإمام عليه السلام: " ثم إنه ينفلق عن صورة كالطاووس، أدخله شئ غير
~~ما عرفت؟
# قال: لا.
# قال: " فهذا الدليل على حدث العالم ".
# قال أبو شاكر: دللت - أبا عبد الله - فأوضحت، وقلت فأحسنت، وذكرت فأوجزت،
~~وقد علمت أنا لا نقبل إلا ما أدركت أبصارنا، أو سمعناه بآذاننا، أو ذقناه
~~بأفواهنا، أو شممناه بأنوفنا، أو لمسناه ببشرنا.
# فقال الصادق عليه السلام: ذكرت الحواس (6) وهي لا تنفع في الاستنباط إلا
~~بدليل، كما لا تقطع الظلمة بغير مصباح ".
# قال شيخنا المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي رضي الله
~~عنه:
# PageV00P036
# إن الصادق عليه السلام أراد أن الحواس الخمس بغير عقل لا توصل إلى معرفة
~~الغائبات، وأن الذي أراه من حدوث الصورة معقول، بني العلم به على محسوس (1)
~~واعلم - أيدك الله - أن الأجسام إذا لم تخل من الصورة - التي قد ثبت حدثها
~~- فهي محدثة مثلها.
# دليل آخر على حدث العالم: الذي يدلنا على ذلك، أنا نرى أجسامنا لا تخلو
~~من الحوادث المتعاقبة عليها، ولا يتصور في العقل أنها كانت خالية منها،
~~وهذا يوضح أنها محدثة مثلها، لشهادة العقل بأن ما لم يوجد عاريا من المحدث
~~فإنه يجب أن يكون مثله محدثا.
# وهذه الحوادث هي: الاجتماع والافتراق، والحركة والسكون، والألوان
~~والروائح والطعوم، ونحو ذلك من صفات الأجسام.
# والذي يدل على أنها أشياء غير الجسم، ما نراه من تعاقبها عليه، وهو موجود
~~مع كل واحد منها.
# وهذا يبين أيضا حدثها، لأن الضدين المتعاقبين لا يجوز أن يكونا مجتمعين
~~في الجسم، ولا يتصور اجتماعهما في العقل، وإنما وجد ms003 أحدهما وعدم الآخر،
~~فالذي طرأ ووجد هو المحدث، لأنه كائن بعد أن لم يكن، والذي انعدم أيضا
~~محدث، لأنه لو كان غير محدث لم يجز أن ينعدم، ولأن مثله أيضا نراه قد تجدد
~~وحدث.
# والذي يشهد بأن الأجسام لم تخل من هذه الحوادث بدائه العقول وأوائل
~~العلوم، إذ كان لا يتصور فيها وجود الجسم مع عدم هذه الأمور، ولو جاز أن
~~يخلو الجسم منها فيما مضى، لجاز أن يخلو منها الآن فيما يستقبل من الزمان.
# فالذي يدل على أن حكم الجسم كحكمها في الحدوث، أن المحدث هو الذي لوجوده
~~أول، والقديم هو المتقدم على كل محدث وليس لوجوده أول، فلو كان الجسم قديما
~~لكان موجودا قبل الحوادث كلها خاليا منها، وفيما قدمناه من استحالة خلوه
~~منها دلالة على أنه محدث مثلها، فالحمد لله.
# * * *
# PageV00P037
# فصل من السؤال والبيان (1) إن سألك سائل عن أول ما فرض عليك؟
# فقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله.
# فإن قال: لم زعمت ذلك؟
# فقل: لأنه - سبحانه - أوجب معرفته، ولا سبيل إلى معرفته إلا بالنظر في
~~الأدلة المؤدية إليها.
# فإن قال: فإذا كانت المعرفة بالله - جل وعز - لا تدرك إلا بالنظر، فقد
~~حصل (2) المقلد غير عارف بالله.
# فقل: هو كذاك.
# فإن قال: فيجب أن يكون جميع المقلدين في النار.
# فقل: إن العاقل المستطيع إذا أهمل النظر والاعتبار، واقتصر على تقليد
~~الناس، فقد خالف الله تعالى وانصرف عن (3) أمره ومراده، ولم يكفه تقليده في
~~أداء فرضه، واستحق العقاب على مخالفته وتفريطه.
# غير أنا نرجو العفو عمن قلد المحق والتفضل عليه، ولا نرجوه لمن قلد
~~المبطل ولا نعتقده فيه.
# وكل مكلف يلزمه من النظر بحسب طاقته ونهاية إدراكه وفطنته، وأما المقصر
~~الضعيف الذي ليس له استنباط صحيح، فإنه يجزيه التمسك - في الجملة - بظاهر
~~ما عليه المسلمون.
# فإن قال: كيف يكون التقليد قبيحا من العقلاء المميزين، وقد قلد الناس
~~رسول الله صلى الله عليه وآله فيما أخبر به عن رب العالمين، ورضي بذلك
~~عنهم، ولم يكلفهم ما تدعون؟
# PageV00P038
# فقل: معاذ الله ms004 أن نقول ذلك أو نذهب إليه، ورسول الله صلى الله عليه وآله
~~لم يرض من الناس التقليد دون الاعتبار، وما دعاهم إلا إلى الله بالاستدلال،
~~ونبههم عليه بآيات القرآن من قوله سبحانه: ﴿أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من
~~شئ﴾ (١).
# وقوله: ﴿إن في خلق السماوات
~~والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ (٢).
# وقوله: ﴿وفي الأرض آيات
~~للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ (٣).
# وقوله: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل
~~كيف خلقت﴾ (4).
# ونحن نعلم أنه ما أراد بذلك إلا نظر الاعتبار.
# فلو كان عليه السلام إنما دعا الناس إلى التقليد، ولم يرد (منهم
~~الاستدلال) (5)، لم يكن معنى لنزول هذه الآيات.
# ولو كان أراد أن يصدقوه ويقبلوا قوله تقليدا بغير تأمل واعتبار، لم يحتج
~~إلى أن يكون على يده ما ظهر من الآيات والمعجزات.
# فأما قبول قوله صلى الله عليه وآله بعد قيام الدلالة على صدقه، فهو تسليم
~~وليس بتقليد.
# وكذلك قبولنا لما أتت به أئمتنا عليهم السلام، ورجوعنا إلى فتاويهم في
~~[شريعة] (6) الإسلام.
# فإن قال قائل: فأبن لنا ما التقليد في الحقيقة، وما التسليم؟ ليقع الفرق.
# فقل: التقليد: قبول [قول] (7) من لم يثبت صدقه، ومأخوذ من القلادة.
# والتسليم: هو قبول من ثبت صدقه، وهذا لا يكون إلا ببينة وحجة، والحمد
~~لله.
# PageV00P039
# فصل " من كلام جعفر بن محمد عليه السلام " قال: " وجدت علم الناس في
~~أربع: أحدها: أن تعرف ربك، والثاني: أن تعرف ما صنع بك، والثالث: أن تعرف
~~ما يخرجك عن دينك، والرابع: أن تعرف ما أراد منك ".
# قال شيخنا المفيد رحمه الله: هذه أقسام تحيط بالمفروض من المعارف، لأنه
~~أول ما يجب على العبد معرفة ربه جل جلاله، فإذا علم أن له إلها وجب أن يعرف
~~صنعه إليه، فإذا عرف صنعه عرف نعمته، فإذا عرف نعمته وجب عليه شكره، فإذا
~~أراد تأدية شكره وجب عليه معرفة مراده ليطيعه ms005 بفعله، وإذا وجبت عليه طاعته
~~وجب عليه معرفة ما يخرجه من دينه ليجتنبه، فتصح (1) به طاعة ربه وشكر
~~إنعامه (2).
# ولقد أحسن بعض أهل الفضل والعلم، في قوله في المعرفة بالله تعالى، وذم
~~التقليد وبالغ:
# إن كان جسما فما ينفك عن عرض * أو جوهرا فبذي الأقطار موجود أو كان متصلا
~~بالشئ فهو به * أو كان منفصلا فالكل محدود لا تطلبن إلى التكييف من سبب *
~~إن السبيل إلى التكييف مسدود واستعمل الحبل حبل العقل تحظ به * فالعقل حبل
~~إلى باريك ممدود والزم من الدين ما قام الدليل به * فإن أكثر دين الناس
~~تقليد وكلما وافق التقليد مختلق * زور وإن كثرت فيه الأسانيد وكلما نقل
~~الآحاد من خبر * مخالف لكتاب الله مردود * * *
# PageV00P040
# فصل آخر في السؤال والبيان إن سألك سائل فقال: ما أول نعمة الله تعالى
~~عليك؟
# فقل: خلقه إياي حيا لينفعني.
# فإن قال: ولم زعمت أن خلقه إياك حيا أول النعم؟
# فقل: لأنه خلقني لينفعني، ولا طريق إلى نيل النفع إلا بالحياة التي يصح
~~معها الإدراك.
# فإن قال: ما النعمة؟
# فقل: هي المنفعة إذا كان فاعلها قاصدا لها.
# فإن قال: فما المنفعة؟
# قل: هي اللذة الحسنة، أو ما يؤدي إليها.
# فإن قال: لم اشترطت أن تكون اللذة حسنة به (1)؟
# فقل: لأن من اللذات ما يكون قاتلا، فلا يكون حسنا.
# فإن قال: لم قلت: أو ما يؤدي إليها؟
# فقل: لأن كثيرا من المنافع لا يتوصل إليها إلا بالمشاق، كشرب الدواء
~~الكريه، والفصد، ونحو ذلك من الأمور المؤدية إلى السلامة واللذات، فتكون
~~هذه المشاق منافع لما تؤدي إليه في عاقبة الحال.
# ولذلك قلنا: إن التكليف نعمة حسنة، لأن به ينال مستحق النعيم الدائم
~~واللذات.
# فإن قال: فما كمال نعم الله تعالى؟
# فقل: إن نعمه تتجدد علينا في كل حال، ولا يستطاع لها الإحصاء.
# فإن قال: فما تقولون في شكر المنعم؟
# فقل: هو واجب.
# فإن قال: فمن أين عرفت وجوبه؟
# PageV00P041
# فقل: من العقل وشهادته، وأوضح (1) حجته ودلالته، ووجوب شكر المنعم على
~~نعمته، مما تتفق العقول ms006 عليه ولا تختلف فيه.
# فإن قال: فما الشكر اللازم على النعمة؟
# فقل: هو الاعتراف بها، مع تعظيم منعمها.
# فإن قال: فهل أحد من الخلق يكافئ نعم الله تعالى بشكر، أو يوفي حقها
~~بعمل؟
# فقل: لا يستطيع ذلك أحد من العباد، من قبل أن الشئ إنما يكون كفوا لغيره،
~~إذا سد مسده، وناب منابه، وقابله في قدره، وماثله في وزنه.
# وقد علمنا أنه ليس من أفعال الخلق ما يسد مسد نعم الله عليهم، لاستحالة
~~الوصف لله تعالى بالانتفاع، أو تعلق الحوائج به إلى المجازاة.
# وفساد مقال من زعم أن الخلق يحيطون علما بغاية الإنعام من الله تعالى
~~عليهم والإفضال، فيتمكنون من مقابلتها بالشكر على الاستيفاء للواجب
~~والاتمام.
# فنعلم بهذا تقصير العباد عن مكافاة نعم الله تعالى عليهم، ولو بذلوا في
~~الشكر والطاعات غاية المستطاع، وحصل ثوابهم في الآخرة تفضلا من الله تعالى
~~عليهم وإحسانا إليهم، وإنما سميناه استحقاقا في بعض الكلام، لأنه وعد به
~~على الطاعات، وهو الموجب له على نفسه بصادق وعده، وإن لم يتناول شرط
~~الاستحقاق على الأعمال، وهذا خلاف ما ذهبت إليه المعتزلة، إلا أبو القاسم
~~البلخي فإنه يوافق في هذا المقال، وقد تناصرت به مع قيام الأدلة العقلية
~~عليه الأخبار.
# روى أبو عبيدة الحذاء عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: " قال الله تعالى: لا يتكل العاملون على أعمالهم التي
~~يعملونها لثوابي، فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي،
~~كانوا مقصرين غير بالغين [في عبادتهم كنه عبادتي، فيما يطلبون] (2) من
~~كرامتي، والنعيم في جناتي، و (3) رفيع الدرجات العلى في جواري، ولكن برحمتي
~~فليثقوا، وفضلي فليرجوا، وإلى حسن الظن بي فيطمئنوا فإن
# PageV00P042
# رحمتي عند ذلك تدركهم، وبمني أبلغهم رضواني [ومغفرتي وألبسهم عفوي] (1)
~~وبعفوي أدخلهم جنتي، فإني أنا الله الرحمن الرحيم، بذلك تسميت ".
# وعن عطا بن يسار، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " يوقف العبد بين
~~يدي الله، فيقول لملائكته: قيسوا بين نعمي عليه وبين عمله، فتستغرق النعم
~~العمل، فيقول:
# هبوا له ms007 النعم، وقيسوا بين الخير والشر منه، فإن استوى العملان أذهب الله
~~الشر بالخير وأدخله الجنة، وإن كان له فضل أعطاه الله بفضله، وإن كان عليه
~~فضل - وهو من أهل التقوى، ولم يشرك بالله تعالى - فهو من أهل المغفرة، يغفر
~~الله له برحمته إن (2) شاء ويتفضل عليه بعفوه ".
# وعن سعد (3) بن خلف، عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال له: " عليك بالجد
~~والاجتهاد في طاعة الله، ولا تخرج نفسك من حد التقصير في عبادة الله
~~وطاعته، فإن الله تعالى لا يعبد حق عبادته ".
# * * *
# PageV00P043
# كتاب (البرهان على ثبوت الإيمان) لأبي الصلاح التقي بن نجم بن عبيد الله
~~الحلبي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلواته على خيرة
~~النبيين محمد وآله الطاهرين وسلم وكرم.
# أول فعل مقصود يجب على العاقل، مما لا يخلو منه عنك (1) كمال عقله، من
~~وجوب النظر المؤدي إلى المعرفة، لأن الحي عند كمال عقله يجد عليه آثار نفع،
~~من كونه حيا سميعا بصيرا عاقلا مميزا قادرا متمكنا، مدركا للمدركات منتفعا
~~بها، ويجوز أن يكون ذلك نعمة لمنعم.
# ويعلم أنها إن كانت كذلك، فهي أعظم نعمة لانغمار كل نعمة في جنبها، ويجد
~~في عقله وجوب شكر المنعم، واستحقاق المدح على فعل الواجب والذم على الإخلال
~~به، ويجوز أن يستحق من موجده والمنعم عليه مع المدح ثوابا ومع الذم عقابا،
~~ويجد في عقله وجوب التحرز من الضرر اليسير وتحصيل النفع العظيم.
# فتجب عليه معرفة من خلقه والنفع له، ليعلم قصده فيشكره إن كان منعما، ولا
~~سبيل إلى معرفته إلا بالنظر في آثار صنعته لوقوعها بحسبها، ولو كانت لها
~~سبب غيره، لجاز حصول جميعها لمن لم ينظر وانتفاؤها عن الناظر، فوجب فعله
~~لوجوب ما لا يتم الواجب إلا به.
# والواجب من المعرفة شيئان: توحيد وعدل، وللتوحيد إثبات ونفي.
# فالإثبات: إثبات صانع للعالم - سبحانه - قادر، عالم، حي، قديم، مدرك،
~~مريد.
# PageV00P044
# والنفي: نفي صفة زائدة على هذه الصفات، ونفي التشبيه، ونفي الإدراك عنه -
~~تعالى - بشئ من الحواس، ونفي الحاجة، ونفي قديم ثان ms008 شارك في استحقاق هذه
~~الصفات.
# والعدل: تنزيه أفعاله عن القبيح، والحكم لها بالحسن.
# * * * PageV00P045
# فصل " في الكلام في التوحيد " طريق العلم بإثبات الصانع - سبحانه - أن
~~يعلم الناظر: أن هاهنا حوادث يستحيل حدوثها عن غير محدث.
# وجهة ذلك: أن يعلم نفسه وغيره من الأجسام، متحركا ساكنا، ثم مجتمعا
~~مفترقا، أوضحه ذلك.
# فيعلم بتغاير هذه الصفات على الأجسام، أنها أعيان لها، لأنها لو كانت
~~صفات لذواتها، لم يجز تغيرها.
# ويعلم بتجددها عن عدم، وبطلانها عن وجود، أنها محدثة، لاستحالة الانتقال
~~عليها، من حيث لم تقم بأنفسها، والكمون المعقول راجع له إلى الانتقال.
# فإذا علم استحالة ذلك على هذه الصفات، علم أن المتجدد منها إنما يجدد عن
~~عدم، وهذه حقيقة المحدث والمنتفي، وأن ما انتفى عن الوجود والعدم يستحيل
~~على القديم لوجوب وجوده، وما ليس بقديم محدث.
# فإذا علم حدوث هذه المعاني المغايرة للجسم، وعلم أنه لا بد في الوجود من
~~مكان يختصه مجاورا لغيره أو مباينا، وقتا واحدا أو وقتين، لابثا فيه أو
~~منتقلا عنه - وقد تقدم له العلم: أنه إنما كان كذلك لمعان غيره محدثة علم
~~أنه محدث، لأنه لو كان قديما لوجب أن يكون سابقا للحوادث بما لا نهاية له.
# فإذا علم أنه لا ينفك من الحوادث، علم كونه محدثا، لعلمه ضرورة بحدوث ما
~~لم يسبق المحدث، ولأنه إذا فكر في نفسه - وغيرها - فوجدها كانت نطفة، ثم
~~علقة، ثم مضغة، ثم عظما، ثم جنينا، ثم حيا، ثم طفلا، ثم يافعا، ثم صبيا، ثم
~~غلاما، ثم بالغا، ثم شابا قويا، ثم شيخا ضعيفا، ثم ميتا.
# وأنه لم يكن كذلك إلا بتجدد معان فيه: حرارات، وبرودات، ورطوبات،
~~ويبوسات، وطعوم، وألوان، وأرابيح مخصوصة، وقدر، وعلوم، وحياة.
# وعلم بطلان كل صفة من هذه الأغيار بعد وجود، وتجددها عن عدم، والجواهر
~~التي تركب منها الجسم باقية، علم أنها صفات مغايرة لها وأنها محدثة،
~~لاستحالة الكون PageV00P046
# والانتقال عليها بما قدمناه.
# وإذا علم حدوث جواهره - وغيره من الجواهر - بالاعتبار الأول، وصفاته بهذه
~~وصفات غيره بالاعتبار الثاني، ولأنها لا ms009 تنفك من المحل المحدث.
# وعلم أن في الشاهد حوادث - كالبناء والكتابة - وأن لها كاتبا وبانيا، هو
~~من وقعت منه بحسب غيرها، وإنما ذلك مختص بما يجوز حصوله وانتفاؤه، فلا يحصل
~~إلا بمقتض.
# فأما ما وجب فمستغن بوجوبه عن مؤثر منفصل عن الذات، كتحيز الجوهر، وحكم
~~السواد.
# ولا يجوز خروجه تعالى عن هذه الصفات، لوجوب الوجود له تعالى في حق كونه
~~قديما لنفسه، يجب له وجوده تعالى في كل حال، وكونها صفات نفسه يجب ثبوتها
~~للموصوف ويستحيل خروجه عنها ما وجد، لكون المقتضي ثانيا (1) وهو النفس،
~~واستحالة حصول المقتضي وانتفاء مقتضاه.
# وبعلمه سبحانه مدركا إذا وجدت المدركات، لكونه تعالى يستحيل فيه الآفات
~~والموانع، بدليل حصول هذا الحكم لكل حي لا آفة به متى وجد المدرك، وارتفعت
~~الموانع.
# وبعملمه سبحانه مريدا لوقوع أفعاله على وجه دون وجه وفي حال دون أخرى،
~~وذلك مفتقر إلى أمر زائد على كون الحي قادرا عالما، لكونه صفة للفعل زائدة
~~على مجرد الحدوث والأحكام، وإرادته فعله إذ كونه مريدا لنفسه، أو معنى قديم
~~يقتضي قدم المرادات، أو كونه عازما، وكلا الأمرين مستحيل فيه سبحانه.
# والمحدث لا يقدر على فعل الإرادة في غيره، وقديم ثان نرد (2) برهان نفيه،
~~فثبت سبحانه مريدا بإرادة يفعلها إلا (3) في محل لاستحالة حلولها فيه أو في
~~غيره، ولا صفة له سبحانه زائدة على ما علمناه، لأنه لا حكم لهما ولا برهان
~~بثبوتهما، وإثبات ما لا حكم له ولا برهان عليه مفض إلى الجهالات.
# وبعلمه سبحانه لا يشبه شيئا من الأجسام والأعراض، لقدمه تعالى وحدوث
# PageV00P047
# هذه الأجناس، لتعذر هذه الأجناس على غيره.
# وإذا علمه تعالى فكذلك علم استحالة إدراكه بشئ من الحواس، لأن الإدراك
~~المعقول مختص بالمحدثات.
# وعلم كذلك استحالة الاختصاص بالجهات والنقل فيها والمجاوزة والحلول
~~وإيجاب الأحكام والأحوال عليه سبحانه، لكون ذلك من صفات الأجسام والأعراض
~~المباينة له تعالى.
# وبعلمه (1) عنها يستحيل عليه الحاجة لاختصاصها باجتلاب النفع ودفع الضرر
~~واختصاص النفع والضر بمن يصح أن يألم ويكد (2)، واختصاص اللذة والألم بذي
~~شهوة ونفار، ms010 وكونهما معنيين يفتقران إلى فعل، وذلك لا يجوز عليه لحدوث
~~المحل وقدومه (3) سبحانه، ولخلو الفعل من دليل على إثباته مسهيا (4) أو
~~نافرا.
# وإذا علم تخصصه تعالى بهذه الصفات من سائر الموجودات، علمه (5) تعالى
~~واحدا، لأنهما لو كانا اثنين لوجوب اشتراكهما في جميع الصفات الواجبة
~~والجائزة، وذلك يوجب كون مقدورهما ومرادهما واحدا، مع حصول العلم الضروري
~~بصحة إرادة أحد المتحيزين ما يكره الآخر أو لا يريده ولا يكرهه، وقيام
~~البرهان على استحالة تعلق مقدور واحد بقادرين، وتقدير قديم ثان يقتضي نقض
~~هذا المعلوم.
# فثبت أنه تعالى واحدا لا ثاني له، ولأنه لا دليل من جهة العقل على إثبات
~~ثان، وقد ورد السمع المقطوع بإضافته إليه سبحانه بنفي قديم ثان، فوجب له
~~القطع على كونه واحد.
# * * *
# PageV00P048
# " فصل في مسائل العدل " ثبوت ما بيناه من كونه تعالى عالما لا يصح أن
~~يجهل شيئا، غنيا لا يصح أن يحتاج إلى شئ، يقتضي كونه سبحانه عادلا لا يخل
~~بواجب في حكمته سبحانه ولا يفعل قبيحا، لقبح ذلك وتعذر وقوع القبيح من
~~العالم به وبالغني (1) عنه، وذلك فرع لكونه قادرا على القبيح.
# وكونه تعالى قادرا لنفسه، يقتضي كونه قادرا على الحسن، يقتضي كونه قادرا
~~على القبيح، إذ كان الحسن من جنس القبيح، وذلك مانع من كونه مريدا للقبيح،
~~لأنا قد بينا أنه لا يكون مريدا إلا بإرادة يفعلها، وإرادة القبيح قبيحة،
~~لأن كل من علم مريدا للقبيح علم قبح إرادته واستحقاقه الذم، ومقتض لكونه
~~مريدا لما فعله - تعالى - وكلفه، لاستحالة فعله ما لا غرض فيه، وتكليفه ما
~~لا يريده، وكارها للقبيح لكونه غير مريد له (وفساد حلو ما كلفه) (2)،
~~وإحسانه من الإرادة والكراهة، لأن ذلك يلحقه بالمباح، وموجب لكون المكلف
~~قادرا على ما كلفه - فعلا وتركا - من متماثل الأجناس ومختلفها ومضادها قبل
~~وقوع ذلك، ومزيح لعلته بالتمكين من ذلك والعلم به واللطف فيه، ومقتض لحسن
~~أفعاله وتكاليفه، لأن خلاف ذلك ينقض كونه عادلا وقد أثبتناه.
# ولا يعلم كون كل مكلم (3) قادرا لصحة الفعل منه، ومتعلقا بالمتماثل ms011
~~والمختلف والمتضاد، لصحة وقوع ذلك من كل قادر.
# وفاعلا لوجوب وقوع التأثيرات المتعلقة به من الكتابة والبناء وغيرهما
~~بحسب أحواله، ولتوجيه المدح إليه على حسنها والذم على قبحها، وثبوت القادر
~~على الفعل قبل وقوعه، لثبوت حاجة المقدور في حال عدمه إلى حال القادر،
~~واستغنائه في حال وجوده عنها كحال بقائه، ومتمكنا بالآيات (4) من جميع ما
~~يفتقر إليها، وبكمال العقل من العلم بذوات الأشياء وأحكامها، وبالنظر من
~~العلوم المكتسبة، بدليل حصول الأول
# PageV00P049
# لكل عاقل، والثاني لكل ناظر، وجوب اصطلاح المريد من غيره ما يعلم أو يظن
~~كونه مؤثرا في اختياره، ولوجوب تمكينه.
# وعلمنا بأنه تعالى لا يخل بواجب في حكمته، وظهور الغرض الحكمي في أكثرها
~~أوجده سبحانه على جهة التفضل، وثبوت ذلك على الجملة فيما لا يظهر لنا تفصيل
~~المراد به كأفعال سائر الحكماء.
# وحسن التكليف لكونه تعريضا لما لا يوصل إليه إلا به من الثواب.
# وكون التعريض للشئ في حكم إيصاله من حسن وقبح، لأنه لا حسبة له بحسن
~~التكليف غيره، وعلمه سبحانه بكفر المكلف أو فسقه لا يقتضي قبح تكليفه،
~~لكونه تعالى مزيحا لعلته ومحسنا إليه كإحسانه إلى من علم من حاله أنه يؤمن،
~~أتي من قبل نفسه فالتبعة عليه دون مكلفه سبحانه.
# وحسن جميع ما فعله تعالى من الآلام أو فعل بأمره أو إباحته، لما فيه من
~~الاعتبار المخرج له من العيب، والعوض الزائد المخرج له عن قبيل الظلم
~~والإساءة، إلى حيز العدل والإحسان.
# ووجوب الانتصاف للمظلوم من الظالم، لوقوع الظلم عن تمكينه تعالى، وإن كان
~~كارها له تعالى.
# ووجوب الرئاسة، لكون المكلف عندها أقرب من الصلاح، وأبعد من الفساد.
# ووجوب ما له هذه الصفة لكونه لطفا، ووقوف هذا اللطف على رئيس لا رئيس له،
~~لفساد القول بوجود ما لا نهاية له من الرؤساء، ومنع الواجب في حكمته تعالى.
# ولا يكون كذلك إلا بكونه معصوما، وكون الرئيس أفضل الرعية وأعلمها لكونه
~~إماما لها في ذلك، وقبح تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه فيه.
# ووجوب نصبه بالمعجزات ms012 والنص المشتد (1) إليه، لوجوب كونه على صفات لا
~~سبيل إليها إلا ببيان علام الغيوب سبحانه.
# وهذه الرئاسة قد تكون نبوة، وقد تكون إمامة ليست بنبوة.
# فالنبي هو المؤدي عن الله سبحانه بغير واسطة من البشر، والغرض في تعينه
~~بيان
# PageV00P050
# المصالح من المفاسد.
# والدلالة على حسن البعثة لذلك قيام البرهان على وجوب بيان المصالح
~~والمفاسد للمكلف في حق المكلف، فلا بد متى علم سبحانه ما له هذه الصفة من
~~بعثه مبينا له، ولا بد من الموت (1) المبعوث معصوما فيما يرد به من حيث كان
~~الغرض في تعينه ليعلم المكلف المصالح والمفاسد من جهته، فلو جاز عليه الخطأ
~~فيما يؤديه لارتفعت الثقة بأدائه، وقبح العمل بأوامره واجتناب نواهيه.
# ولا بد من كونه معصوما من القبائح، لوجوب تعظيمه على الإطلاق وقبح ذمه،
~~والحكم بكفر المستخف به مع وجوب ذم فاعل القبيح.
# ولا يعلم صدقه إلا بالمعجز، ويفتقر إلى شروط ثلاثة:
# أولها: أن يكون خارقا للعادة، لأنه إن كان معتادا - وإن تعذر جنسه - كخلق
~~الولد عند الوطء، وطلوع الشمس من المشرق، والمطر في زمان مخصوص، لم يقف على
~~مدع من مدع.
# وطريق العلم بكونه خارقا للعادة، اعتبار حكمها وما يقع فيها ويميزه من
~~ذلك على وجه لا لبس فيه، أو بحصول تحد وتوفر دواعي المتحدي وخلوصا (2)
~~وتعذر معارضته.
# وثانيها: أن يكون من فعله تعالى، لأن من عداه سبحانه يصح منه إيثار
~~القبيح فلا يؤمن منه تصديق الكذاب، وطريق العلم بكونه من فعله تعالى، أن
~~يكون متعدد الجنس كالجواهر والحياة وغيرهما من الأجناس الخارجة من مقدور
~~المحدثين، أو يقع بعض الأجناس المختصة بالعباد على وجه لا يمكن إضافته إلا
~~إليه سبحانه.
# ثالثها: أن يكون مطابقا للدعوى، لأنه إن كان منفصلا عنها لم يكن مدع أولى
~~به من مدع، وطريق ذلك المشاهدة أو خبر الصادق.
# فمتى تكاملت هذه الشروط ثبت كونه معجزا، إذ (لا صدق من) (3) اقترن ظهوره
~~بدعواه لأنه جار مجرى قوله تعالى: صدق هذا علي فيما يؤديه عني، وهو تعالى
~~لا يصدق الكذابين.
# PageV00P051
# فإذا ms013 علم صدقه بالمعجز، وجب اتباعه فيما يدعو إليه، والقطع على كونه
~~مصلحة، وينهى (1) عنه والقطع بكونه مفسدة.
# ولا طريق إلى نبوة أحد من الأنبياء عليهم السلام الآن، إلا من جهة نبينا
~~صلوات الله عليه وآله، لانسداد طريق التواتر بشئ من معجزاتهم بنقل من عدا
~~المسلمين، لفقد العلم باتصال الأزمنة مشتملة على متواترين فيها بشئ من
~~المعجزات، وتعذر تعين الناقلين لها.
# وطريق العلم بنبوته صلى الله عليه وآله القرآن وما عداه من الآيات، ووجه
~~الاستدلال به، أنه تحداهم به على وجه لم يبق لهم صارف عن معارضته، فتعذرت
~~على وجه لا يمكن إسناده إلى غير عجزهم، إما لأنه في نفسه معجز، أو لأن الله
~~سبحانه صرفهم عن معارضته، إذ كل واحد من الأمرين دال على صدقه.
# وقد تضمن القرآن ذكر أنبياء على جهة التفصيل والجملة، فيجب لذلك التدين
~~بنبوتهم، وكونهم على الصفات التي يجب كون النبي عليها.
# وأن رسول الله صلوات الله عليه أفضلهم وخاتمهم والناسخ لشرائعهم، وبشريعة
~~يجب العلم والعمل بها إلى يوم القيامة.
# والإمام هو الرئيس المتقدم المقتدى بقوله وفعله والغرض في نصبه فيه من
~~اللطف للرعية في تكاليفهم العقلية، ويجوز أن يكون نائبا عن نبي أو إمام في
~~تبليغ شريعة.
# ومتى كان كذلك فلا بد من كونه عالما بجميعها، لقبح تكليفه الأداء وتكليف
~~الرجوع إليه، مع فقد العلم بما يؤديه ويرجع إليه فيه.
# ويجب أن يكون معصوما في أدائه، لكونه قدوة، ولتسكن النفوس إليه، ولتسلم
~~بعظمة الواجب خلوصه من الاستخفاف.
# ويجب أن يكون عابدا زاهدا لكونه قدوة فيهما، وإن كان مكلفا [ب] (2) جهاد
~~أوجب كونه أشجع الرعية لكونه فئة لهم.
# ويجوز من طريق العقل أن يبعث الله سبحانه إلى كل واحد من المكلفين نبيا
~~وينصب له رئيسا ويكون ذلك في الأزمنة، وإنما ارتفع هذا الجائز في شريعتنا،
~~بحصول
# PageV00P052
# العلم من دين نبينا صلى الله عليه وآله: أن لا نبي بعده، ولا إمام في
~~الزمان إلا واحد.
# ووضح البرهان على تخصيص الإمامة بعده بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ms014
~~والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن
~~جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجة بن
~~الحسن صلوات الله عليهم.
# لا إمامة لسواهم، بدليل وجوب العصمة للإمام فيما يؤديه ومن (1) سائر
~~الصالح (2)، وكونه أعلم الخلق وأعظمهم وأعدلهم وأزهدهم وأشجعهم، وتعدى (3)
~~من عاداهم من منتحلي الإمامة من تكامل هذه الصفات دعوى، وتخصصهم عليهم
~~السلام وشيعتهم بدعواها لهم، في ثبوت النص من الكتاب والسنة المعلومة على
~~إمامتهم، وتعريهما [عن] (4) ذلك فيمن عداهم حسب ما ذكرناه في غير موضع،
~~وذلك مقتض لضلال المتقدم عليهم، وكفر الشاك في إمامة واحد منهم.
# وغيبة الحجة عليه السلام ليست بقادحة في إمامته، لثبوتها بالبراهين التي
~~لا شبهة فيها على متأمل، وأمان المكلف من خطأ به في ظهور فاستتار وغيرهما
~~لعصمته.
# ويلزم العلم بجملة الشريعة فعلا وتركا لكون ذلك جملة الإيمان، والعلم
~~بتفصيل ما تعين فرضه منها وإيقاعه للوجه الذي شرع على جهة القربة، لكون ذلك
~~شرطا في صحته، وبراءة الذمة منه، واستحقاق الثواب عليه.
# وهي على ضروب أربعة: فرائض، ونوافل، ومحرمات، وأحكام.
# فجهة وجوب الفرائض كون فعلها لطفا في فعل الواجب العقلي وترك القبيح،
~~وقبح تركها لأنه ترك الواجب.
# وجهة الترغيب في السنن، كونها لطفا في المندوب العقلي ولم يقبح تركها،
~~وكما لا يقبح ترك ما هي لطف فيه.
# وجهة قبح المحرمات، كونها مفسدة في ترك الواجب وفعل القبيح، ووجب تركها
~~لأنه ترك القبيح.
# PageV00P053
# وجهة الأحكام، ليعلم مكلفها الوجه الذي عليه يصح التصرف مما لا يصح.
# فوضح ذلك علمنا ضرورة من حال فاعل العبادات الشرعية ومجتنب المحرمات كونه
~~أقرب لنا، للإنصاف والصدق وشكر النعمة ورد الوديعة وسائر الواجبات، والبعد
~~من الظلم والكذب وسائر القبائح.
# ومن حال فاعل المحرمات الشرعيات والمخل بالعبادات، كونه أقرب [من] (1)
~~القبيح العقلي وأبعد من الواجب.
# ولا شبهة أن من بلي بالتجارة فلم يعلم أحكام البيوع، لم يكن على يقين من
~~صحة التملك.
# وكذلك من بلي بالإرث مع جهله بأحكام المواريث، لا ms015 يكون على ثقة مما يأخذ
~~ويترك.
# وكذلك يجري الحال في سائر الأحكام، وقد استوفينا الكلام في هذا القدح في
~~مقدمة كتاب (2) " العمدة " و " التلخيص " في الفروع، وفي كتابي " الكافي في
~~التكليف " وفيما ذكرناه هاهنا بلغة.
# ولا طريق إلى إثبات الأحكام الشرعية والعمل بها إلا العلم دون الظن، لكون
~~التعبد بالشرائع مبنيا على المصالح التي لا يوصل إليها بالظن، ولا سبيل إلى
~~العمل بجملتها إلا من جهة الأئمة المنصوبين لحفظها، المعصومين في القيام
~~بها، المأمونين في أدائها، لحصول العلم بذلك من دينهم لكل مخالط، وارتفاع
~~الخوف من كذبهم لثبوت عصمتهم عليهم السلام.
# ولا بد في هذا التكليف من داع وصارف، وذلك مختص بالمستحق عليه من المدح
~~والثواب والذم والعقاب والشكر.
# فالمدح: هو القول المنبئ عن عظم حال الممدوح، وهو مستحق بفعل الواجب
~~والمندوب واجتناب القبيح.
# والثواب: هو النفع المستحق الواقع على جهة التعظيم والتبجيل، وهو مستحق
~~من الوجوه الثلاثة بشرط المشقة.
# PageV00P054
# والذم: هو القول المنبئ عن إيضاح حال المذموم، وهو مستحق بفعل القبيح
~~والإخلال بالواجب.
# والعقاب: هو الضرب المستحق من الوجهين بشرط زائد.
# والشكر: هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، وهو مستحق بالإحسان
~~خاصة.
# والوجه في حسن التكليف، كونه تعريضا للثواب الذي من حقه ألا يحسن
~~الابتداء به من دون العلم باستحقاق العقاب ودوامه.
# وإنما يعلم أن الثواب دائم والعقاب مستحق ودائم بالكفر، ومنقطع بما دونه،
~~من جهة السمع.
# والمستحق من الثواب ثابت لا يزيله شئ، لأنه حق واجب في حكمته سبحانه، لا
~~يجوز فيها منعه، (وإلا سقوط بندم أو زائد) (1) عقائد، لاستحالة ذلك، لعدم
~~التنافي بين الثواب وبينهما لعدم الجميع، وإحالة التنافي بين المعدومات.
# وعقاب الفسق يجوز إسقاطه تفضلا بعفو مبتدأ وعند الشفاعة لجوازه، وعند
~~التوبة لأنه حق له تعالى إليه قبضه واستيفاؤه، وإسقاطه إحسان إلى المعفو
~~عنه.
# وقد ورد الشرع مؤكدا لأحكام العقول، فمن ذلك تمدحه سبحانه في غير موضع من
~~كتابه بالعفو والغفران، المختصين بإسقاط المستحق في اللغة والشرع.
# ولا وجه لهذا التمدح إلا بوجهه (2) إلى فساق ms016 أهل الصلاة، بخروج (3)
~~المؤمنين الذين لا ذنب لهم والكفار عنه باتفاق، إذ لا ذنب لأولئك يغفر،
~~والعفو عن هؤلاء غير جائز.
# ولأن ثواب المطيع دائم، فمنع من دوام عقاب ما ليس بكفر، لإجماع الأمة على
~~أنه لا يجتمع ثواب دائم وعقاب دائم لمكلف، وفساد التخالط بين المستحقين مما
~~(4) بيناه.
# ولا أحد قال بذلك، إلا جوز سقوط عقاب العاصي بالعفو، أو الشفاعة المجمع
# PageV00P055
# عليها، ويخصصها بإسقاط العقاب، ولا يقدح في ذلك خلاف المعتزلة، لحدوثه
~~بعد انعقاد الإجماع بخلافه.
# وآيات الوعيد كلها وآيات الوعيد (١) مشترطة بالعفو ومخصصة بآيات العفو
~~وعموم آيات الوعد، ولثبوت ثواب المطيع وفساد التخالط، وكون ذلك موجبا
~~لتخصيصها بالكفار إن كان وعيدها دواما أو كون عقابها منقطعا إن كان عاما،
~~من حيث كان القول بعمومها للعصاة ودوام عقابها ينافي ما سلف من الأدلة.
# والمؤمن: هو المصدق بجملة المعارف عن برهانها، حسب ما خاطب به من لسان
~~العرب، المعلوم كون الإيمان - فيه - تصديقا، والكفر اسم لمن جحد المعارف أو
~~شك فيها أو اعتقدها عن تقليد أو نظر لغير وجهه.
# والفسق اسم لمن فعل قبيحا، أو أخل بواجب من جهة العقل أو السمع، لكونه
~~خارجا بذلك عن طاعة مكلفه سبحانه.
# والفاسق في اللغة: هو الخارج، [و] (٢) في عرف الشريعة هو الخارج عن طاعته
~~سبحانه.
# ومن جمع بين إيمان وفسق، مؤمن على الإطلاق فاسق بما أتاه من القبيح،
~~لثبوت كل واحد منهما، ومن ثبت إيمانه لا يجوز أن يكفر، لدوام ثواب الإيمان
~~وعقاب الكفر وفساد اجتماعهما لمكلف واحد، وثبوت المستحق منهما وعدم سقوطه
~~بندم أو تحابط.
# وقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ثم
~~كفروا﴾ (٣) مختص بمن أظهر الإيمان أو اعتقده لغير وجهه، دون من ثبت
~~إيمانه، كقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة
~~مؤمنة﴾ (4) يعني مظاهرة (5) للإيمان باتفاق، ومدح المقطوع على إيمانه
~~مطلق مقطوع بالثواب، والمظهر مشترط بكون الباطن مطابقا للظاهر واقعا موقعه.
# وذم الكافر ولعنه مطلق، مقطوع له بالعقاب الدائم
# PageV00P056
# وذم الفاسق مشترط الانعفا ms017 (١) عن مستحقه ابتداءا أو عند شفاعة، وإذا ظهر
~~كفر ممن كان على الإيمان، وجب الحكم على ما مضى منه على المظاهرة (به
~~النفاق) (٢)، أو كونه حاصلا عن تقليد، أو عن نظر لغير وجهه، لما بيناه من
~~الأدلة الموجبة لذلك.
# ولا بد من انقطاع التكليف، وإلا انتقض الغرض المجرى به إليه من التعريض
~~للثواب، ولا يعلم بالعقل كيفية انقطاعه وحال (٣) أيضا أو جنسه وكيفية فعله،
~~وإنما يعلم ذلك بالسمع.
# وقد حصل العلم من دينه صلى الله عليه ضرورة، ونطق القرآن بأن الله تعالى
~~آخر بعد فناء كل شئ، كما كان أولا قبل وجود شئ، حسب ما أخبر سبحانه من
~~قوله:
# ﴿هو الأول والآخر﴾ (4) ينشؤهم بعد
~~ذلك ويحشرهم ليوم لا ريب فيه، مستحق الثواب خالصا والعقاب الدائم، ليوصل
~~كلا منهما إلى مستحقه على الوجه الذي نص عليه تعالى، ومن اجتمع له
~~الاستحقاقان فإن (5) يستوفي منه سبحانه ما يستحقه من العقاب، أو يعفو عنه
~~ابتداءا، أو عند شفاعة، ثم يوصله إلى ثواب إيمانه وطاعاته الدائم والمولم
~~(6) به تعالى أو بغيره، ليوصله إلى ما يستحقه من العوض عليه تعالى أو على
~~غيره، ثم يدخله الجنة إن كان من أهلها أو النار، أو يبقيه، أو يحرمه إن كان
~~ممن لا يستحقها من البهائم والأطفال والمجانين ومن لا يستحق العوض، ليتفضل
~~عليه.
# وهذا - اجمع - جائز من طريق العقل لتعلقه بمبتدئهم تعالى، والنشأة
~~الثانية أهون من الأولى، وهي واجبة لما بيناه من وجوب إيصال كل مستحق إلى
~~مستحقه من ثواب أو عقاب أو عوض.
# ولا تكليف على أهل الآخرة بإجماع، ولأن العلم بحضور المستحق من الثواب
~~والعقاب وفعله عقيب الطاعة والمعصية ملج، والإلجاء ينافي التكليف، وأهل
~~الآخرة
# PageV00P057
# عالمون بالله تعالى ضرورة، ليعلم المثاب والمعاقب والمعوض وصوله إلى ما
~~يستحقه على وجهه، ويعلم المتفضل عليه كون ذلك النفع نعمة له تعالى.
# وقلنا أن هذه المعرفة ضرورية، لأنا قد بينا سقوط تكليف أهل الآخرة، فلم
~~يبق مع وجوب كونهم عارفين إلا كون المعرفة ضرورية. ms018
# هذه جمل يقتضي كون العارف بها موقنا مستحقا للثواب الدائم وإيصاله إليه،
~~ومرجو له العفو عما عداهما من الجوائر (1). ويوجب كفر من جهلها، أو شيئا
~~منها، أو شك فيها، أو اعتقدها عن غير علم، أو شيئا منها، أو لغير وجهها، قد
~~قربناها بغاية وسعنا، من غير اخلال بشئ يؤثر جهله في ثبوت الإيمان لمحصلها،
~~وإلى الله سبحانه الرغبة في توفير حظنا - ومن تأملها أو عمل بها - من ثوابه
~~وجزيل عفوه، بجوده وكرمه إنه قريب مجيب. تم الكتاب.
# PageV00P058
# ومن خطبة له في التوحيد (1) ما وحده من كيفه، ولا حقيقته أصاب من مثله،
~~ولا إياه عنى من شبهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه، كل معروف بنفسه
~~مصنوع، وكل قائم في سواه معلول، فاعل لا باضطراب آلة، مقدر لا بجول فكرة،
~~غني لا باستفادة، لا تصحبه الأوقات، ولا ترفده الأدوات، سبق الأوقات كونه،
~~والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف ألا مشعر له، وبمضادته
~~بين الأمور عرف ألا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف ألا قرين له، ضاد
~~النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة، والجمود بالبلل، والحرور بالصرد، مؤلف بين
~~متعادياتها، مقارن (2) بين متبايناتها، مقرب بين متباعداتها، مفرق بين
~~متدانياتها، لا يشمل (3) بحد، ولا يحسب بعد، وإنما تحد الأدوات أنفسها،
~~وتشير الآلات (4) إلى نظائرها، منعتها (منذ) القدمية، وحمتها (قد) الأزلية،
~~وجنبتها (لولا) التكملة، [بها] (5) تجلى صانعها للعقول، و (6) بها امتنع عن
~~نظر العيون، لا يجري عليه السكون والحركة، وكيف يجري عليه ما هو أجراه؟
~~ويعود فيه ما هو أبداه؟ ويحدث فيه ما هو أحدثه؟ إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ
~~كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، لو كان له وراء لوجد له أمام، ولالتمس
~~التمام إذ لزمه النقصان، وإذا لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول دليلا بعد أن
~~كان مدلولا [عليه] (7)، وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر [فيه ما يؤثر] (8)
~~في غيره، الذي لا يحول (9) ولا يزول، ولا يجوز عليه الأفول، لم يلد فيكون
~~مولودا، ولم يولد فيكون (10) محدودا، جل عن اتخاذ الأبناء، وطهر عن ملامسة
~~النساء.
# PageV00P059
# لا ms019 تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتصوره، ولا تدركه الحواس
~~فتحسه، ولا تلمسه الأيدي فتمسه، لا يتغير بحال، ولا يتبدل بالأحوال (1)، لا
~~تبليه الليالي والأيام، ولا يغيره الضياء والظلام، ولا يوصف بشئ من
~~الأجزاء، ولا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغيرية
~~والأبعاض.
# ولا يقال له حد (2) ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية، ولا أن الأشياء
~~تحويه فتقله أو تهويه، أو أن شيئا يحمله فيميله أو يعدله، ليس في الأشياء
~~بوالج ولا عنها بخارج، يخبر بلا لسان ولهوات، ويسمع بلا خروق وأدوات، يقول
~~ولا يلفظ، ويحفظ ولا يتحفظ، ويريد ولا يضمر، يحب ويرضى من غير رقة، ويبغض
~~ويغضب من غير مشقة.
# يقول لما (3) أراد كونه كن فيكون، لا بصوت يقرع، ولا نداء (4) يسمع،
~~وإنما كلامه (5) فعل منه أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان
~~قديما لكان إلها ثانيا لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجرى عليه الصفات
~~المحدثات، ولا يكون بينها وبينه فصل [ولا له عليها فضل فيستوي الصانع
~~والمصنوع، ويتكافأ المبتدئ والبديع] (6).
# خلق الخلائق على غير (7) مثال خلا من غيره، ولم يستعن على خلقها بأحد من
~~خلقه.
# وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار، وأقامها بغير
~~قوائم، ورفعها بغير دعائم، وحصنها من الأود والاعوجاج، ومنعها من التهافت
~~والانفراج، أرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها، وخد أوديتها، فلم
~~يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه، هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته، وهو الباطن
~~لها بعلمه ومعرفته، والعالي [على] (8) كل شئ منها بجلاله وعزته، لا يعجزه
~~شئ منها يطلبه (9)،
# PageV00P060
# ولا يمتنع عليه فيغلبه، ولا يفوته السريع منها فيسبقه، ولا يحتاج إلى ذي
~~مال فيرزقه، خضعت الأشياء له فذلت (1) مستكينة لعظمته، لا تستطيع الهرب من
~~سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضره، ولا كفؤ له فيكافئه، ولا نظير له (2)
~~فيساويه.
# هو المفني لها بعد وجودها، حتى يصير موجودها كمفقودها، وليس فناء الدنيا
~~بعد ابتداعها، بأعجب من إنشائها واختراعها، وكيف ولو اجتمع جميع حيوانها من
~~طيرها ms020 وبهائمها، وما كان من مراحها (3) وسائمها، وأصناف أسناخها وأجناسها،
~~ومتبلدة أممها وأكياسها، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، ولا عرفت
~~كيف السبيل إلى إيجادها، ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت، وعجزت قواها
~~وتناهت، ورجعت خاسئة حسيرة، عارفة بأنها مقهورة، مقرة بالعجز عن إنشائها،
~~مذعنة بالضعف عن إفنائها.
# وأنه يعود سبحانه بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه، كما كان قبل ابتدائها،
~~كذلك يكون بعد فنائها، بلا وقت ولا مكان، ولا حين ولا زمان، عدمت عند ذلك
~~الآجال والأوقات، وزالت السنون والساعات، فلا شئ إلا الواحد القهار، الذي
~~إليه مصير جميع الأمور.
# بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها كان فناؤها، ولو قدرت
~~على الامتناع لدام بقاؤها، لم يتكاءده (4) صنع شئ منها [إذ] (5) صنعه، ولم
~~يؤده منها خلق ما برأه وخلقه، ولم يكونها لتشديد سلطان، ولا لخوف من زوال
~~ونقصان، ولا للاستعانة بها على ند مكاثر، ولا للاحتراز بها من ضد مثاور،
~~ولا للازدياد بها في ملكه، ولا لمكاثرة شريك في شركه، ولا لوحشة كانت منه
~~(6) فأراد أن يستأنس إليها.
# ثم هو يفنيها بعد تكوينها، لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها، ولا
~~لراحة واصلة إليه، ولا لثقل شئ منها عليه، لا يمله طول بقائها فيدعوه إلى
~~سرعة إفنائها، لكنه
# PageV00P061
# سبحانه دبرها بلطفه، وأمسكها بأمره، وأتقنها بقدرته، ثم يعيدها بعد
~~الفناء من غير حاجة منه إليها، ولا استعانة (1) بشئ منها عليها (2)، ولا
~~لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس، ولا من حال جهل وعمى إلى [حال] (3)
~~علم والتماس، ولا من فقر وحاجة إلى غنى وكثرة، ولا من ذل وضعة إلى عز
~~وقدرة.
# * * *
# PageV00P062
# ومن خطبة له في المعنى (1):
# الحمد لله المتجلي لخلقه بخلقه، والظاهر لقلوبهم بحجته، خلق الخلق من غير
~~روية، إذ كانت الرويات لا تليق إلا بذوي الضمائر، وليس بذي ضمير في نفسه،
~~خرق علمه باطن غيب السترات، وأحاط بغموض عقائد السريرات.
# وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، الأول فلا شئ قبله، [و] (2) الآخر
~~لا ms021 نهاية له، لا تقع القلوب له على غاية، ولا تعقد القلوب منه على كيفية،
~~لا تناله التجزئة والتبعيض، ولا تحيط به الأبصار والقلوب (3)، بطن خفيات
~~الأمور، ودلت عليه أعلام الظهور، وامتنع على عين البصير، فلا عين من لم يره
~~تنكره، ولا قلب من أثبته يبصره، سبق في العلو فلا شئ أعلى منه، وقرب في
~~الدنو فلا شئ أقرب منه، فلا استعلاؤه باعده عن شئ من خلقه، ولا قربه ساواهم
~~في المكان به، لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته،
~~فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود، تعالى الله عما
~~يقول المشبهون به والجاحدون له علوا كبيرا (4).
# PageV00P063
# ومن خطبة له في التوحيد عليه السلام:
# الحمد لله الدال على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليته، وباشتباهم على
~~أن لا شبه له، لا تشتمله (1) المشاعر، ولا تحجبه السواتر، لافتراق الصانع
~~والمصنوع، والحاد والمحدود، والرب والمربوب.
# الأحد لا بتأويل عدد، والخالق لا بمعنى حركة ونصب، والسميع لا بأداة،
~~والبصير لا بتفريق آلة، والشاهد لا بمماسة، والبائن لا بتراخي مسافة،
~~والظاهر لا برؤية، والباطن لا بلطافة، بان من الأشياء بالقهر لها والقدرة
~~عليها، وبانت الأشياء منه بالخضوع له والرجوع إليه.
# من وصفه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن عده فقد أبطل أزله، ومن قال:
~~(كيف) فقد استوصفه، ومن قال: (أين) فقد حيزه، عالم إذ لا معلوم، ورب إذ لا
~~مربوب، وقادر إذ لا مقدور منها: قد طلع طالع، ولمع لامع، ولاح لائح، واعتدل
~~مائل، واستبدل الله بقوم قوما، وبيوم يوما وانتظرنا الغير انتظار المجدب
~~المطر، وإنما الأئمة قوام الله على خلقه، وعرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنة
~~إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه.
# إن الله خصكم بالإسلام واستخلصكم له، وذلك لأنه اسم سلامة وجماع كرامة،
~~اصطفى الله تعالى منهجه وبين حججه، من ظاهر علم وباطن حكم، لا تفنى غرائبه،
~~ولا تنقضي عجائبه، فيه مرابيع النعم ومصابيح الظلم، لا تفتح الخيرات إلا ms022
~~بفاتحهم (2)، ولا تكشف الظلمات إلا بمصابحهم (3)، قد أحمى حماه وأرعى
~~مراعاة، فيه شفاء المشتفي وكفاية المكتفي (4).
# PageV00P064
# ومن كلام له في المعنى:
# قاله لذعلب اليماني، وقد سأله: هل رأيت ربك؟ فقال. أفأعبد من (1) لا
~~أرى؟!
# قال: وكيف تراه، قال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب
~~بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد منها غير مباين متكلم لا
~~بروية، مريد لا بهمة، صانع لا بجارحة، لطيف لا يوصف بالخفاء، كبير لا يوصف
~~بالجفاء، بصير لا يوصف بالحاسة، رحيم لا يوصف بالرقة، تعنو الوجوه لعظمته،
~~وتوجل (2) القلوب من مخافته (3).
# الذي (4) لم يسبق له حال حالا، فيكون أولا قبل أن يكون آخرا، ويكون ظاهرا
~~قبل أن يكون باطنا كل مسمى بالوحدة غيره قليل، وكل عزيز غيره ذليل، وكل قوي
~~غيره ضعيف، وكل مالك غيره مملوك، وكل عالم غيره متعلم، وكل قادر غيره يقدر
~~ويعجز، وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات ويصمه كبيرها ويذهب عنه ما بعد
~~منها، وكل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان ولطيف الأجسام، وكل ظاهر غيره غير
~~باطن، وكل باطن غيره غير ظاهر، لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان، ولا تخوف من
~~عواقب زمان، ولا استعانة على ند مثاور، ولا شريك مكاثر (5)، ولا ضد منافر،
~~ولكن خلائق مربوبون وعباد داخرون، لم يحلل في الأشياء فيقال: هو فيها كائن،
~~ولم ينأ عنها فيقال: هو منها بائن، لم يؤده خلق ما ابتدأ، ولا تدبير ما
~~ذرأ، ولا وقف به عجز عما خلق، ولا ولجت عليه شبهة فيما قدر وقضى، بل قضاء
~~متقن، وعلم محكم، وأمر مبرم، المأمول مع النقم، المرهوب مع النعم (6).
# PageV00P065
# ومن كلام له عليه السلام في التوحيد:
# عن مقدام (1) بن شريح بن هانئ، عن أبيه قال: إن أعرابيا قام يوم الجمل
~~إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين، أتقول إن الله
~~واحد؟ قال: فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابي، أما ترى ما فيه أمير
~~المؤمنين من تقسم القلب!؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: " دعوه، فإن ms023
~~الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم ".
# [ثم] (2) قال: " يا أعرابي، إن القول في أن الله واحد، على أربعة أقسام:
# فوجهان منها لا يجوزان على الله تعالى، ووجهان يثبتان فيه.
# فأما اللذان لا يجوزان عليه: فقول القائل: واحد، يقصد به باب الأعداد،
~~فهذا ما لا يجوز، لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنه
~~كفر من قال: ثالث ثلاثة! وقول القائل: هو واحد، يريد به النوع من الجنس،
~~فهذا ما لا يجوز، لأنه تشبيه، جل ربنا عن ذلك وتعالى.
# وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه: فقول القائل: هو واحد، يريد به ليس له
~~في الأشياء شبه ولا مثل، كذلك الله ربنا. وقول القائل: إنه تعالى واحد،
~~يريد أنه أحدي المعنى، يعني أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك
~~الله ربنا عز وجل " (3).
# وروي أن رجلا قال له: يا أمير المؤمنين بما ذا عرفت ربك؟ قال: " بفسخ
~~العزم ونقض الهم، لما أن هممت فحال بيني وبين همي، وعزمت فخالف القضاء
~~عزمي، علمت أن المدبر لي غيري ".
# قال: فبماذا شكرت نعماءه؟ قال: " نظرت إلى بلاء قد صرفه عني وأبلى به
~~غيري، وإحسان شملني به، فعلمت أنه قد أنعم علي فشكرته ".
# قال: فبماذا أحببت لقاءه؟ قال: " رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله،
# PageV00P066
# فعلمت أن الذي أكرمني بهذا ليس ينساني فأحببت لقاءه " (1).
# ومن خطبه له عليه السلام في التوحيد:
# الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر،
~~ولا تحجبه السواتر، الدال على قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده،
~~وبأشباههم على أن لا شبه له، الذي صدق في ميعاده، وارتفع عن ظلم عباده،
~~وقام بالقسط في خلقه، وعدل عليهم في حكمه، مستشهد بحدوث الأشياء على
~~أزليته، وبما وسمها به من العجز على قدرته، وبما اضطرها إليه من الفناء على
~~دوامه.
# واحد لا بعدد، ودائم لا بأمد، وقائم لا بعمد، تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة،
~~وتشهد له المرائي لا بمحاضرة، لم تحط به ms024 الأوهام، بل تجلى لها، وبها امتنع
~~منها، وإليها حاكمها، ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما، ولا
~~بذي عظم تناهت به الغايات فعظمته تجسيدا، بل كبر شأنا وعظم سلطانا.
# وأشهد أن محمدا عبده المصطفى، وأمينه الرضي صلى الله عليه [وآله] وسلم،
~~أرسله بوجوب الحجج، وظهور الفلج، وإيضاح المنهج، فبلغ الرسالة صادعا بها،
~~وحمل على المحجة دالا عليها، وأقام أعلام الاهتداء ومنار الضياء، وجعل
~~أمراس الإسلام متينة، وعرى الإيمان وثيقة (2).
# وقال عليه السلام:
# من عبد الله تعالى بالوهم أن يكون صورة أو جسما فقد كفر، ومن عبد الاسم
~~دون المعنى فقد عبر غير الله، ومن عبد المعنى دون الاسم فقد دل على غائب،
~~ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد اثنين، ومن عبد المعنى بوقوع الاسم
~~عليه، يعقد به قلبه، وينطق به لسانه، فذلك في ديني حقا ودين آبائي.
# يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه، أبو محمد الحسن بن أبي الحسن
~~الديلمي، أعانه الله على طاعته، وتغمده برأفته ورحمته، وحشره مع أئمته: إن
~~ذات الله تعالى معروفة بالعلم، غير مدركة بالإحاطة، ولا مرئية بالأبصار،
~~فهي ثابتة في العقول من غير حد ولا إحاطة ولا حلول، قد حجب سبحانه الخلق أن
~~يعرفوا له كنه ذات، ودلهم
# PageV00P067
# عليه بآياته ودلالاته، فالعقول تثبته، وقلوب المؤمنين مطمئنة به غير شاكة
~~فيه ولا منكرة له.
# وإني لأعجب ممن يستدل بصفات المخلوق على صفة الخالق، وكيف يصح الاستدلال
~~بصفات من له مثل، على صفات من لا مثل له ولا نظير!؟
# والله تعالى يصدق هذا القول بقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شئ﴾ (١).
# واعلم أن حقيقة المعرفة عقد الضمير في القلب، بإخراج ذات الله عن كل
~~موهوم ومهجوس ومحسوس، وطرق الحق واضحة، وعلاماته لائحة، وعيون القلوب
~~مفتوحة، ولكن أعماها غشاوة الهوى، وضعف البصائر، وجماد القرائح، وترك
~~الطلب، ولو استشعروا الخوف قوموا به العوج، وسلكوا الطريق الأبلج.
# ودواء القلوب وجلاؤها في خمسة أشياء: قراءة القرآن المجيد بالتدبر، وخلاء
~~البطن، وقيام الليل، والتضرع في السحر، ms025 ومجالسة الصالحين. وأعظم مقامات
~~العارفين: القيام بالأوامر، والثقة بالمضمون، ومراعاة الأسرار بالسلامة،
~~والتخلي من الدنيا، فإذا حصلت هذه الصفات، ضاقت على صاحبها الأرض بما رحبت،
~~كما قال الله: ﴿ضاقت عليهم الأرض بما رحبت
~~وضاقت عليهم أنفسهم﴾ (2) ومن ألزم نفسه آداب الكتاب، وسنة نبينا محمد
~~صلى الله عليه وآله، وسنن الأئمة من أهل بيته عليهم السلام، نور الله قلبه
~~بنور الإيمان، ومكن له بالبرهان، وجعل على وجهه وأفعاله شاهد الحق. ولا
~~مقام أشرف من متابعة الله الحبيب وأحبائه من أنبيائه، وأئمته من أوليائه،
~~في أوامرهم ونواهيهم، ومن ادعى المحبة لهم وهو على خلاف ذلك، فإنما يستهزئ
~~بنفسه ويغمزها.
# PageV00P068
# ومن كلام الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في التوحيد:
# رواه عنه محمد بن زيد الطبري، قال: كنت قائما عند علي بن موسى الرضا
~~عليهما السلام بخراسان، وحوله جماعة من بني هاشم وغيرهم، وهو يتكلم في
~~توحيد الله تعالى، فقال:
# أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي التحديد
~~عنه، لشهادة العقول بأن كل محدود مخلوق، وشهادة كل مخلوق أن له خالقا ليس
~~بمخلوق، الممتنع من الحدث هو القديم في الأزل، ليس الله عبد من نعت ذاته،
~~ولا إياه وحد من اكتنهه، ولا حققه من مثله، ولا به صدق من نهاه، ولا [صمد]
~~(1) صمده من أشار إليه بشئ من الحواس، ولا إياه عنى من شبهه، ولا له عرف من
~~بعضه، ولا إياه أراد من توهمه، كل معروف بنفسه مصنوع، (2) وكل قائم في سواه
~~معلول.
# بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول تعتقد معرفته سبحانه، وبالفطرة تثبت
~~حجته، خلق الخلق بينه وبينهم حجاب مباينته إياهم ومفارقتهم له، وابتداؤه
~~لهم دليلهم على أن لا ابتداء له، لعجز كل مبتدأ منهم عن ابتداء مثله،
~~فأسماؤه تعالى تعبير، وأفعاله سبحانه تفهيم، قد جهل الله سبحانه من حده،
~~وقد تعداه من اشتمله، وقد أخطأه من اكتنهه (3).
# من قال: (كيف) فقد شبهه، ومن قال: (أين) فقد حصره، ومن قال: (فيم) فقد
~~وعاه، ومن ms026 قال: (علام) فقد شبهه، ومن قال: (متى) فقد وقته (4)، ومن قال:
~~(لم) فقد علله (5)، ومن قال: (فيم) فقد ضمنه، ومن قال: (إلام) فقد نهاه،
~~ومن قال:
# (حتام) فقد غياه، ومن غياه فقد جزأه، ومن جزأه فقد ألحد فيه.
# لا يتغير الله تعالى بتغاير المخلوق، ولا يتحدد بتحديد المحدود، واحد لا
~~بتأويل عدد، ظاهر لا بتأويل مباشرة، متجل لا باستهلال رؤية، باطن لا
~~بمزايلة، قريب
# PageV00P069
# لا بمداناة، لطيف لا بتجسيم، موجود لا عن عدم، فاعل لا باضطرار، مقدر لا
~~بفكر، مدبر لا بعزيمة، شاء لا بهمة، مدرك لا بحاسة، سميع لا بآلة، بصير لا
~~بأداة، لا تصحبه الأوقات ، ولا تضمه الأماكن، ولا تأخذه السنات، ولا تحده
~~الصفات، ولا تقيده الأدوات.
# سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، وبمشابهته بين الأشياء
~~علم أن لا شبه له، وبمضادته بين الأضداد علم أن لا ضد له، وبمقارنته بين
~~الأمور عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، والظل بالحرور، مؤلف بين
~~متدانياتها (١)، مفرق بين متبايناتها، بتفريقها دل على مفرقها، وبتأليفها
~~دل على مؤلفها.
# قال سبحانه: ﴿ومن كل شئ خلقنا زوجين
~~لعلكم تذكرون﴾ (2).
# له معنى الربوبية إذ لا مربوب، وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه، ومعنى العلم
~~إذ لا معلوم، ليس منذ خلق استحق معنى الخالق، ولا من حيث أحدث استفاد معنى
~~المحدث، لا تنائيه (منذ) ولا تدنيه (قد) ولا تحجبه (لعل) ولا توقته (متى)
~~ولا تشتمله (حين) ولا تقاربه (مع)، كلما في الخلق من أثر غير (3) موجود به،
~~وكل ما أمكن فيه ممتنع من صانعه، لا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجري
~~عليه ما هو أجراه! أو يعود فيه ما هو أبداه!؟ إذا لتفاوتت دلالته، وامتنع
~~من الأزل معناه، ولما كان البارئ، غير المبرأ (4) ولو وجد له وراء لوجد له
~~أمام، ولو التمس له التمام لزمه النقصان، كيف يستحق الأزل من لا يمتنع من
~~الحدث!؟ وكيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء!؟ لو تعلقت به المعاني
~~لقامت فيه آية ms027 المصنوع، ولتحول من كونه دالا إلى كونه مدلولا عليه، ليس في
~~محال القول حجة، ولا في المسألة عنه جواب، لا إله إلا هو العلي العظيم (5).
# PageV00P070
# تفسير سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) معناه أنه غير مبعض، ولا مجزأ، ولا
~~موهم، ولا توجد عليه الزيادة والنقصان.
# (الله الصمد) عني بالصمد السيد المطاع الذي ينتهي إليه السؤدد، وهو الذي
~~تصمد على الخلائق، وتصمد الخلائق إليه.
# (لم يلد) كما قالت اليهود لعنهم الله: عزير بن الله.
# (ولم يولد) كما قالت النصارى لعنهم الله: المسيح الله.
# (ولم يكن له كفوا أحد) أي ليس له ضد، ولا ند، ولا شريك، ولا شبه، ولا
~~معين، ولا ظهير، ولا نصير، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
# * * * PageV00P071
# خطب بليغة عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، ليس فيها ألف (1):
# " حمدت من عظمت منته، وسبغت نعمته، وتمت كلمته، وسبقت رحمته، ونفذت
~~مشيئته، وفلحت حجته، حمد مقر بربوبية متخضع لعبوديته، مؤمن بتوحيده، ووحدته
~~توحيد عبد مذعن بطاعته (2)، متيقن يقين عبد لمليك ليس له شريك في ملكه، ولم
~~يكن له ولي في صنعه، عجز عن وصفه من يصفه، وضل عن نعته من يعرفه، قرب فبعد،
~~وبعد فقرب، مجيب دعوة من يدعوه ويرزقه ويحبوه، ذو لطف خفي، وبطش قوي، ورحمة
~~موسعة، وعقوبة موجعة، رحمته جنة عريضة مونقة، وغضبه نقمة ممدودة موبقة.
# وشهدت ببعث محمد عبده ورسوله ونبيه وحبيبه وخليله، بعثه من خير عنصر،
~~وحين فترة، رحمة لعبيدة، ومنة لمزيده، وختم به نبوته، ووضح به حجته، فوعظ
~~ونصح، وبلغ وكدح، رؤوف بكل عبد مؤمن، سخي رضي زكي، عليه رحمة وتسليم
~~وتكريم، من رب غفور رحيم قريب مجيب.
# وصيتكم - معشر من حضرني - بوصيه ربكم، وذكرتكم سنة نبيكم، فعليكم برهبة
~~ورغبة تسكن قلوبكم، وخشية تجري دموعكم، قبل يوم عظيم مهول يلهيكم ويبكيكم،
~~يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته وخف وزن سيئته، وليكن مسألتكم مسألة ذل
~~وخضوع وخشوع، ومسكنة وندم ورجوع، فليغتنم كل منكم صحته قبل سقمه، وشبيبته
~~قبل هرمه، وسعته قبل فقره، وفرغته قبل ms028 شغله، وحضره قبل سفره، قبل يهرم
~~ويمرض ويمل ويسقم، ويمله طبيبه، ويعرض عنه حبيبه، وينقطع منه عمره، ويتغير
~~عقله وسمعه وبصره، ثم يصبح ويمسي وهو موعوك وجسمه منهوك، وحديت نفسه، وبكت
~~عليه عرسه، ويتم منه ولده، وتفرق عنه جمعه وعدده، وقسم جمعه، وبسط عليه
~~حنوطه، وشد منه ذقنه، وغسل وقمص وعمم، وودع وسلم،
# PageV00P072
# وحمل في سرير، وصلي عليه بتكبير، ونقل من دور مزخرفة، وقصور مشيدة، وحجر
~~منضدة، وفرش ممهدة، فجعل في ضريح ملحود، وضيق مسدود بلبن جلمود، وهيل عليه
~~عفره، وحثي عليه مدره، ومحي منه أثره، ونسي خبره، ورجع عنه وليده وصفيه
~~وحبيبه وقريبه ونسيبه، فهو حشو قبره، ورهين سعيه، يسعى في جسمه دود قبره،
~~ويسيل صديده من منخره وجسمه، ويسحن (1) تربه لحمه، وينشف دمه، ويرم عظمه،
~~فيرتهن بيوم حشره، حتى ينفخ في صوره، وينشر من قبره، فلا ينتصر بقبيلة
~~وعشيرة، وحصلت سريرة صدره، وجئ بكل نبي وشهيد وصديق ونطيق، وقعد للفصل عليم
~~بعبيده خبير بصير. فحينئذ يلجمه عرقه، ويحرقه قلقه، وتغزر عبرته، وتكثر
~~حسرته، وتكبر صرعته، حجته غير مقبولة، نشرت صحيفته، وتبينت جريمته، ونظر في
~~سوء عمله، فشهدت عينه بنظره، ويده بلمسه، وفرجه بمسه، ورجله بخطوه، ويهلكه
~~منكر ونكير، وكشف له حيث يصير، فسلسله وغلغله ملكه بصفد من حديد، وسيق يسحب
~~وحده فورد جهنم بكرب شديد، وغم جديد، في يد ملك عتيد، فظل يعذب في جحيم،
~~ويسقى من حميم، يشوى به وجهه، وينسلخ منه جلده، بعد نضجه (2) جديد.
# فمن زحزح عن عقوبة ربه، وسكن حضرة فردوس، وتقلب في نعيم، وسقي من تسنيم،
~~ومزج له بزنجبيل، وضمخ بمسك وعنبر، مستديم للملك مقيم في سرور محبور، وعيش
~~مشكور، يشرب من خمور، في روض مغدق، ليس يصدع عن شربه.
# ليس تكون هذه إلا منزلة من خشي ربه، وحزن نفسه، وتلك عقوبة من عصى منشئه
~~وربه، وسولت له نفسه معصيته ودينه (3)، ذلك قول فصل، وحكم عدل، خير قصص قص،
~~[ووعظ نص، تنزيل من حكيم حميد، نزل به روح قدس مبين على قلب نبي ms029 مهتد رشيد]
~~(4) صلت عليه رسل سفرة مكرمون بررة، ورب كل مربوب، وعلى درسه ذوي طهر غير
~~مسلوب، وعلى كل مؤمن ومؤمنة، والسلام " (5).
# PageV00P073
# يقول العبد الفقير أبو محمد الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي، أعانه
~~الله على طاعته، وأمده الله برأفته ورحمته، ممل هذه الخطب المتقدمة: إني
~~وجدت كلمات بليغة في توحيد الله وتمجيده - جل وعز - فأضفت إليها ما سنح من
~~فتوح الله تعالى في خاطري، فأحببت إثبات ذلك، وهي:
# إن نفي العلل عن الله تعالى، يشهد له بحدث خلقه، وإخراجه له من العدم، إذ
~~العلل لا تحل إلا معلولا، ولا يكون المعلول إلا محدثا، للزوم صفات الحدث
~~فيه، والقديم سبحانه وتعالى لا تحل فيه الصفات لسبب، لأن السبب لازم
~~للمتوقع الزيادة، والخائف النقص من غيره، الفقير إلى الموجد ذلك فيه، الذي
~~باتحاده يجد ما يتوقع.
# والقديم هو الغني الحميد، الذي لا وقت له، ولا حال من أحلها كان، ولا
~~كانت له صفة من أحل الحال، والأحوال لا تجوز عليه، ولا يدخل تحت الصفة
~~والدوائر، ولا عليه حجب وسواتر، ولا ساعات وشعائر، ولا حاجة به إلى الكون،
~~إذ وجوده كفقده، لم يأنس به، ولم يستوحش لفقده، ولا فقد عليه، ومرجع كل شئ
~~إليه، كما هو المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، أزلي أبدي، أزلي القدرة
~~والعلم والحكم والنظر والإحاطة، أزلي الوجود والبقاء، مستحق لها بحقائقها،
~~وله الشأن الأعظم، والجد المتعالي، والعلو المنيع، والامتناع القاهر،
~~والسلطان الغالب، والغلبة النافذة، والقوة الذي (1) لا يعجز، إذ لا فترة
~~ولا مانع، و (لا ثم) (2) ليس لمراده دافع، ولا يستصعب عليه شئ أراده، ولا
~~به إلى ما أراد تكوينه وطر، إذ هو الغني غاية كل غاية، متفضل بما فطر، من
~~غير قضاء وطر، فطر ما فطر، وعنصر العناصر، لإظهار قدرته وملكه، وإظهار جوده
~~وطوله وإحسانه، وفيض الكرم الباهر، والجود الفائض، وهو الجواد الفياض،
~~وليعرفوه ولا يجهلوه، ولم يك قط مجهولا، ولا علمهم به محيط.
# لا يقدر أحد قط حقيقة قدره، إذ قدره لا يقدر، ووصفه لا ms030 يقرر، وهو القدير
~~الأقدر، المتعزز عن كون مع أزل له مقرر، المتعالي عن مدبر معه دبر، قدر
~~الكون بتقديره، حتى أخرجه إلى التكوين بتدبيره، وليس للتقدير والتدبير فكر
~~ولا خاطر، ولا حدوث عزم، ولا يضمر في إرادة، ولا يهم في مشيئته، ولا روية
~~في فعل، ولا غلبة فوت، عز أن يستصعب عليه شئ أراده، أيفوته شئ طلبه!؟ قدم
~~وأخر حسب حكمته وهو المقدم
# PageV00P074
# المؤخر، وجعل الأوقات والفضاء والجو والمكان حاجة الكون ومستقر العالم،
~~وشاء الكون وشاء وقته كل كائن، فهو موجوده على ما يشاء ويريده من أفعاله
~~سبحانه، وحسن أفعال خلقه لا قبيح أفعالهم، ولا يكون إلا كذلك، ولا خروج
~~للشئ عنه بغلبة، وذلك كمال الملك، وتمام الحكم، وإبرام الأمر، وكل غيب عنده
~~شهادة، وهو المفيد ولا يتوقع إفادة، ومزيد ولا يتوقع زيادة، ومحدث ولا عليه
~~حدث، مخترع ولا كذلك غيره، ومبدع ولا معه بديع، بل هو بديع السماوات والأرض
~~وما بينهما وما خرج عنهما، وصانع لا بآلة، وخالق لا بمباشرة، وسميع بصير لا
~~بأداة، علا عن الخصماء والأنداد، وتقدس عن الأمثال والأضداد، وجل عن
~~الصاحبة والأولاد، حكمته لا كحكمة الحكماء، سبحانه ما أقدره وأيسر القدرة
~~عليه! وما أعزة وأعز من اعتمد عليه! وذكره واستسلم إليه! إذ العزة له وهو
~~العزيز بعزته تعالى عن المثل والشبه، إذ الشبه ذل ونقص، وهو العزيز الأجل
~~ذو الجلال والإكرام، قمع بعزته وجلاله عزة كل متكبر جبار، لا يتغير أبدا،
~~لا يفاوت في صفاته الذاتية، ولا يحيط له بحقيقة ذات، إذ الحقيقة والمائية
~~(1) لا يقع إلا على المحدودات، وهو سبحانه محدثها، وهو على كمال تعجز عن
~~وصفه الألباب، وتندحض الأفهام والأوهام عن درك صفاته، العزيز الأعز ذي
~~المفاخر، الذي افتخر بفخره كل فاخر، اتضعت (2) بقدرته وقوته كل ذي قدرة
~~وقوة، وتاه كل ذي كمال وجلال في كماله وجلاله، وخضعت الرقاب لعظمته
~~وسلطانه، وذل كل متجبر لجبروته وكبريائه، لم يجبر الخلق على ما كلفهم، بل
~~جبل القلوب على فطرة معرفته.
# سبق المكان فلامكان، لأنه سبحانه ms031 كان ولا مكان، ثم خلق المكان، فهو على
~~ما كان قبل خلق المكان، وهو القريب بلا التصاق، والبعيد من غير افتراق،
~~حاضر كل خاطر، ومخطر صحيح كل خاطر، ومشاهد كل شاهد وغائب، مدرك كل فوت،
~~ومؤنس كل أنيس، وأعلى من كل عال، وهو على كل شئ عال علوه على ما تحت التحت
~~كعلوه على ما فوق الفوق، صفاته لا تستشعر بالمشاعر، وأوصافه لا تكيف بتكيف،
~~وهو الشئ لا كالأشياء، ثابت لا يزول، وقائم لا يحول، سبق القبل فلا قبل
# PageV00P075
# والبعد فلا بعد، تقدم العدم وجوده، والكون أزله، قيوم بلا غاية، دائم بلا
~~نهاية، ذو النور الأكبر، والفخر الأفخر، والظهور الأظهر، والطهور الأزهر،
~~مدهر الدهور، ومدبر الأمور، باعث من في القبور، وجاعل الظل والحرور، ذو
~~اللطف اللطيف، والعلم المطيف، والنور المتلألئ، والكبرياء المتعالي، الذي
~~لا يسأم من طلب إليه، ولا يتبرم من حاجة الملح عليه، إذ لا يجوز عليه
~~الملال، إذ لا شغل له بشئ عن شئ، ولا آلة ولا فكر ولا مباشرة، مدور
~~الأفلاك، ومملك الأملاك، لا يضع شيئا على مثال، صنعه موقوف على مراده،
~~وأمره نافذ في عباده، لا يسعه علم عالم، ووسع هو كل شئ علما، وأحاط بكل شئ
~~خبرا، كلما ينسب إليه - سبحانه - فهو المتفرد بمعناه، إذ يستحيل أن يشاركه
~~أحد في شئ، لا إله إلا إياه، سبحانه ما أعلمه! وفي العلم ما أحلمه! وفي
~~القدرة على الخلق ما ألطفه! له المشية فهم (1) مع سعة العفو والصفح عنهم،
~~لهم به لطف خفي ونظر حفي، حليم كريم مهول، وينتقم ممن يشاء عدلا منه فلم
~~يظلم أحدا، ولم يجر في حكمه أبدا.
# فله الحمد على ما ألهم، وله الشكر على ما وفق وفهم، وعلى ما جاد وأنعم،
~~وله المن على ما قضى وأبرم، وعلى ما أخر وقدم، وله الثناء والمجد الأعظم،
~~نحمده سبحانه حمدا لا يماثل، ونسأله أن يوفقنا لحمد يرضاه وشكر يهواه، لا
~~يشوبه عارض، وأن يعيننا على حمده وشكره، فإننا نعجز عن بلوغ أمده وقدره،
~~ونكل عن ms032 إحصاء عدده ووصفه.
# اللهم ألهمنا محامدك، ووفقنا لصفاء خدمتك، واكشف لنا عن حقائق معرفتك،
~~وواصلنا بصاف من تمجيدك ووظائف تحميدك، وأنلنا من خزائن مزيدك، وصف لنا
~~الأواني، وكمل لنا منك الأماني، وحقق لنا المعاني، ورضنا بما تقدر مما هو
~~فإن، وارزقنا سريرة نقية، وآلات طاهرة نقية، وعافية وفية، وعاقبة مرضية،
~~ونعمة كفية، وعهودا وفية، وعيشة هنية، وحيطة من كل البرية، وأقبل بنا عليك
~~بالكلية، واعصمنا من الزيغ والهوية، ومن كل مارق غوية، وكل قواطع منسية، يا
~~بارئ البرية، وقاضي القضية، ومجل العطية، ورافع السماوات المبنية،
# PageV00P076
# وماهد الأرض المدحية، صلى الله على محمد سيد البرية، وعلى آله الأئمة
~~الراضين المرضية، بأفضل صلواتك وأتم تحياتك وبركاتك.
# * * * PageV00P077
# دليل آخر على حدوث العالم وقدم محدثه:
# و مما يستدل به على محدث للعالم، أنا نجد الأجسام مشتركة في كونها
~~أجساما، هي مع ذلك مفترقة في أمور أخر: كونها ترابا وماء وهواء ونارا، فلا
~~يخلو هذا الافتراق في الصور والصفات إما أن يكون لأمر من الأمور اقتضى ذلك
~~أو لا لأمر، فإن كان لا لأمر، لم تكن الأجسام بأن تفترق أولى من أن لا
~~تفترق، ولم يكن بعضها بكونه أرضا وبعضها هواء أو ماء بأولى من العكس، فثبت
~~أنه لا بد من أمر اقتضى افتراقها، ولا يصح أن يكون ذلك الأمر هو كونها
~~أجساما لأنها مشتركة في ذلك، فكان يجب أن تشترك في صفة واحدة، أو يكون كل
~~بعض منها على جميع هذه الصفات المتصلات، فلا بد أن يكون الأمر المقتضي لأمر
~~إنما هو غيرها، ولا يصح أن يكون مثلها ولا من جنسها، ثم لا يخلو أن يكون
~~موجبا أو مختارا، فإن كان موجبا فلم أوجب النار كونها نارا، دون أن يوجب
~~للماء أن يكون نارا، وللأرض أن تكون هواء؟ وكيف يصح وجود صور متضادة ولا
~~موجب لها؟ وفي فساد هذا دلالة على أنه مختارا، وإذا ثبت ذلك فهو المحدث
~~القديم، الذي لا يجوز أن يكون محدثا إلا وهو حي قادر.
# دليل آخر:
# ومما يستدل به ms033 على أنه لا بد للعالم من محدث، ما تجد فيه [من] (1) إحكام
~~الصنعة وإتقان التدبير، فلو جاز أن يتفق ذلك لا بمحدث أحدثه، لجاز أن يجتمع
~~ألواح وقار ومسامير وتتألف سفينة بغير جامع ولا مؤلف، ثم تعبر بالناس في
~~البحر بغير معبر ولا مدبر، فلما كان ذلك ممتنعا في العقل، كان ذلك في
~~العالم أشد امتناعا وأبعد وقوعا.
# دليل آخر:
# وما يستدل به على وجود المدبر الصانع، أمر الفيل وأصحابه، الذين أخبر
~~الله تعالى عنهم وعما أصابهم، مما ليس لملحد في تخريج الوجوه له حيلة، ولا
~~يكون ذلك إلا من الصانع سبحانه، وليس إلى إنكاره سبيل لاشتهاره وقرب عهده،
~~فلأنه يجوز أن يقوم
# PageV00P078
# رجل فيقول للناس في وجوههم ويتلو عليهم: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ (1) ويقص عليهم
~~قصتهم، وهم مع ذلك لم يروا هذا ولم يصح عندهم، وليس من الطبائع التي يذكرها
~~الملحدة ما يوجب قصة أصحاب الفيل، ولا علم في العادات مثله، ولا يقع من
~~الآثار العلوية والسفلية نظيره، وهو أن يجئ طير كثير في منقار كل واحد حجر،
~~فيرسله على كل واحد من ألوف كثيرة، فيهلكهم دون العالمين، هذا ما لا يكون
~~إلا من صانع حكيم قادر عليهم، ولا يصح أن يكون إلا رب العالمين.
# أبيات في التوحيد:
# يا من يجل بأن أراه بناظري * ويعز عن أوصاف كنه الخاطر لو كنت تدركك
~~العلوم تقدرا * وتفكرا وتوهما للخاطر ما كنت معبودا قديما دائما * حيا ولا
~~صمدا وملجأ حائر (2) وبما وكيف ترى وتعلم في الورى * عظم العظيم وسر قهر
~~القاهر لكن عظمت بأن تحاط جلالة * أبدا فسبحان القديم الآخر * * *
# PageV00P079
# يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه، أبو محمد الحسن بن أبي الحسن
~~الديلمي، أعانه الله على طاعته، وتغمده برأفته ورحمته:
# إني حيث أثبت المعارف صدر الكتاب، لوجوب تقدمها على جميع العلوم، اقتضت
~~الحال إرداف ذلك بذكر فضل العلم وأهله، ولم ألتزم ذكر سند أحاديثها،
~~لشهرتها في كتبها المصنفة المروية عن مشايخنا - رحمهم الله ms034 تعالى -
~~بأسانيدهم لها، وأشير عند ذكر كل حديث مذكور أو أدب مسطور، إلى كتابه
~~المحفوظ منه المنقول عنه، إلا ما شذ عني من ذلك، فلم أذكر إلا فص القول دون
~~ذكر كتابه والراوي له.
# فمن ذلك ما حفظته من كتاب كنز الفوائد إملاء الشيخ الفقيه أبي الفتح محمد
~~ابن علي الكراجكي رحمه الله تعالى:
# عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من خرج يطلب بابا من أبواب العلم،
~~ليرد به ضالا إلى هدى، أو باطلا إلى حق، كان عمله كعبادة أربعين يوما ".
# وقال عليه وآله السلام: " لساعة من العالم متكئا على فراشه ينظر في علمه،
~~خير من عبادة ثلاثين عاما ".
# وقال عليه وآله السلام: " إذا استرذل الله عبدا، حظر عليه العلم ".
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: " ما أهدى أخ إلى أخيه هدية أفضل من كلمة
~~حكمة، يزيده الله بها هدى، أو يرده عن ردى ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " ما أخذ الله الميثاق على الخلق أن يتعلموا،
~~حتى أخذ على العلماء أن يعلموا ".
# وروى أمير المؤمنين عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال:
~~" من طلب العلم لله، لم يصب منه بابا إلا ازداد (1) في نفسه ذلا، وفي الله
~~تواضعا، ولله خوفا، وفي الدين اجتهادا، فذلك الذي ينتفع بالعلم فليتعلمه،
~~ومن طلب العلم للدنيا، والمنزلة عند الناس، والحظة عند السلطان، لم يصب منه
~~بابا إلا ازداد في نفسه عظمة، وعلى الناس استطالة، وبالله اغترارا، وفي
~~الدين محقا، فذلك الذي لم ينتفع بالعلم فليكف عنه (2) الحجة عليه والندامة
~~والخزي يوم القيامة ".
# PageV00P080
# وقال صلى الله عليه وآله: " يبعث الله تعالى العالم والعباد يوم القيامة،
~~فإذا اجتمعا عند الصراط، قيل للعابد: ادخل الجنة فانعم فيها بعبادتك، وقيل
~~للعالم: قف هاهنا في زمرة الأنبياء، فاشفع فيمن أحسنت أدبه في الدنيا ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " فضل العالم على العابد، كفضلي على سائر
~~الأنبياء ".
# وقال أمير المؤمنين صلى الله عليه وآله: " العلم وراثة كريمة، والآداب
~~حلل حسان، والفكر مرآة صافية، والاعتبار منذر ms035 ناصح، وكفى بك أدبا لنفسك
~~تركك ما تكرهه لغيرك " (1).
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: " طلب العلم فريضة على كل مسلم ".
# وقال: " العلم علمان: علم في القلب فذلك العلم النافع، وعلم في اللسان
~~فذلك (2) حجة على العباد ".
# وقال: " أربع تلزم كل ذي حجى من أمتي، قيل: وما هن يا رسول الله؟
# قال: استماع العلم، وحفظه، والعمل به، ونشره ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " العلم خزائن ومفاتيحها السؤال، فسلوا يرحمكم
~~الله، فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل، والمجيب، والمستمع، والمحب له (3) ".
# وقال عليه السلام: " من يرد الله تعالى به خيرا يفقهه في الدين ".
# وقال: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من الناس، ولكن يقبض العلم
~~بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا (4)
~~فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ".
# وقال: " من ازداد في العلم رشدا، ولم يزدد في الدنيا زهدا، لم يزدد من
~~الله إلا بعدا " (5).
# وقال: " إنما مما أخاف على أمتي زلات العلماء ".
# PageV00P081
# وقال: " قيدوا العلم بالكتابة ".
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " تعلموا العلم، فإن تعليمه حسنة، وطلبه
~~عبادة، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة،
~~لأنه علم الحلال والحرام، وسبيل منازل (2) الجنة، والأنيس في الوحشة،
~~والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء،
~~والسلاح (2) على الأعداء، والزينة عند الأخلاء، يرفع به أقواما فيجعلهم
~~للخير قادة وأئمة، وتقتص آثارهم، ويقتدى بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب
~~الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها (3) تمسحهم، ويستغفر لهم كل رطب ويابس، لأن
~~العلم حياة القلوب، ومصابيح الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف،
~~ويبلغ به العباد (4) منازل الأخيار، والدرجات العلى، وبه توصل الأرحام،
~~ويعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل والعمل تابعه، يلهمه (5) الله
~~تعالى أنفس السعداء ويحرمه الأشقياء ".
# وقال عليه السلام: " الكلمة من الحكمة، يسمع بها الرجل فيقولها أو يعمل
~~بها، خير من عبادة سنة ".
# وقال عليه السلام: " تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار
~~والحلم، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم ".
# وقال عليه السلام: ms036 " شكر العالم على علمه أن يبذله لمستحقه (6) ".
# وقال عليه السلام: " لا راحة في عيش، إلا لعالم ناطق، أو مستمع واع ".
# وقال عليه السلام: " اغذ عالما، أو متعلما، ولا تكن الثالث فتهلك (7) ".
# وقال عليه السلام: " إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، رضا بما يصنع
~~".
# PageV00P082
# وقال عليه السلام: " لو أن حملة العلم حملوه بحقه، لأحبهم الله وملائكته
~~وأهل طاعته من خلقه، ولكن (1) حملوه لطلب الدنيا، فمقتهم الله، وهانوا على
~~الناس ".
# وقال عليه السلام: " العلوم أربعة: الفقه للأديان، والطب للأبدان،
~~والنجوم لمعرفة الأزمان، والنحو للسان ".
# وقال محمد بن علي الباقر عليه السلام: " عالم ينتفع بعلمه، أفضل من سبعين
~~ألف عابد ".
# وقال عليه السلام: " من أفتى الناس بغير علم ولا هدى، لعنته ملائكة
~~السماء، وملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه ".
# وقال الصادق عليه السلام: " تفقهوا في دين الله ولا تكونوا أعرابا، فإنه
~~من لم يتفقه في دين الله، لم ينظر الله إليه يوم القيامة، ولم يزك له عمل
~~".
# وقال عليه السلام: " العامل على غير بصيرة، كالسائر على غير الطريق، ولا
~~يزيده سرعة السير إلا بعدا ".
# وقيل (له عليه السلام) (2): أيحسن بالشيخ أن يتعلم؟ فقال: " إذا كانت
~~الجهالة تقبح منه، (حسن منه التعلم) (3) " (4).
# وقال الصادق عليه السلام: " تعلموا العلم، وأثبتوه، واحكموه بالدرس، وإن
~~لم تفعلوا ذلك يدرس ".
# وقال عليه السلام لخيثمة: " أبلغ موالينا السلام، وأوصهم بتقوى الله
~~والعمل الصالح، وأن يعود صحيحهم مريضهم، وليعد غنيهم على فقيرهم، وليحضر
~~حيهم جنازة ميتهم، وأن يتآلفوا في البيوت، ويتذاكروا علم الدين، ففي ذلك
~~حياة أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا.
# واعلمهم - يا خيثمة - أنا لا نغني عنهم من الله شيئا، إلا بالعمل الصالح،
~~وأن ولايتنا لا تنال إلا بالورع والاجتهاد، وأن أشد الناس عذابا يوم
~~القيامة، من
# PageV00P083
# وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره ".
# وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام، أوصى ولده الحسن، فقال: " يا بني،
~~احرز حظك من الأدب وفرغ له قلبك، فإنه أعظم من أن تخالطه (1) دنس، واعلم
~~أنك إن أعوزت غنيت به، وإن ms037 اغتربت كان لك الصاحب الذي لا وحشة معه، الأدب
~~هو لقاح العقل، وذكاء القلب، وزينة اللسان، ودليل الرجل على مكارم الأخلاق،
~~وما الإنسان لولا الأدب إلا بهيمة مهملة، لله در الأدب! إنه يسود غير
~~السيد، فاطلبه واكسبه تكتسب القدر والمال، من طلبه صال به، ومن تركه صيل
~~عليه، يلزمه الله السعداء، ويحرمه الأشقياء، والدنيا طوران: فمنهما لك،
~~ومنهما عليك، فما كان منهما لك أتاك على ضعفك، وما كان منهما عليك لم تدفعه
~~بقوتك ".
# وقال عليه السلام: " قيمة كل امرئ ما يحسن، والناس أبناء ما يحسنون ".
# وقال عليه السلام: " المرء مخبوء تحت لسانه ".
# وقال عليه السلام: " العلم وراثة مستفادة، ورأس العلم الرفق، وآفته
~~الخرق، والجاهل صغير وإن كان شيخا، والعالم كبير وإن كان حدثا، والأدب يغني
~~عن الحسب، ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالهيبة والوقار، والعلم مع الصغر
~~كالنقش في الحجر، وزلة العالم كانكسار السفينة تغرق وتغرق، والآداب تلقيح
~~الأفهام ومفتاح (2) الأذهان ".
# وقال: " وتحزم، فإذا استوضحت فاعزم، ولو سكت من لا يعلم سقط الاختلاف،
~~ومن جالس العلماء وقر، ومن خالط الأنذال حقر، لا تحتقرن عبدا آتاه الله
~~الحكمة والعلم، فإن الله تعالى لم يحقره حيث آتاه إياه، والمودة أشبك
~~الأنساب، لا تسترذلن حسب ذي العلم فإن الله تعالى لم يحقره حيث آتاه أشرف
~~الأحساب، ولا كنز أنفع من العلم، ولا قرين سوء شر من الجهل، والعلم خير من
~~المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والعلم يزكو على الإنفاق، والمال
~~(تنقصه النفقة) (3)، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه، فعليكم بطلب العلم،
~~فإن طلبه فريضة، وهو صلة بين الإخوان، ودال على المروة، وتحفة في المجالس،
# PageV00P084
# صاحب في السفر، وأنس في الغربة، ومن عرف الحكمة لم يصبر عن الازدياد
~~منها، والشريف من شرفه علمه، والرفيع من رفعته الطاعة، والعزيز من أعزته
~~التقوى " (1).
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل
~~إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بإصابة السنة ".
# وما نقلته من نهج البلاغة تصنيف السيد الرضي ms038 الموسوي رضي الله عنه.
# قال: كميل بن زياد: أخذ بيدي أمير المؤمنين عليه السلام فأخرجني إلى
~~الجبانة (2)، فلما أصحر تنفس الصعداء، ثم قال:
# " يا كميل، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فاحفظ عني ما أقول لك،
~~الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق،
~~يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق.
# يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال
~~تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، وصنيع المال يزول بزواله.
# يا كميل بن زياد، معرفة العلم دين يدان به، ويكسب صاحبه الطاعة في حال
~~حياته، وحسن الأحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه، هلك خزان
~~الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم
~~في القلوب موجودة.
# ها! إن هاهنا علما جما، لو أصيب له حملة - وأشار إلى صدره - بلى أصيب له
~~لقنا غير مأمون عليه، مستعملا آلة الدين للدنيا، ومستظهرا بنعم الله على
~~عباده، وبحججه على أوليائه، أو منقادا (3) لحملة الحق، لا بصيرة له في
~~أحنائه 4)، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذاك! أو
~~منهوما باللذة، سلس القياد للشهوة، أو مغرما بالجمع والإدخار، ليسا من رعاة
~~الدين في شئ، أقرب شئ
# PageV00P085
# شبها بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه.
# اللهم بلى، لا تخلو الأرض من حجة قائم لله بحجته، إما ظاهرا مشهورا، أو
~~خائفا مغمورا كي لا تبطل حجج الله وبيناته، وكم ذا وأين أولئك!؟ أولئك -
~~والله - الأقلون عددا، والأعظمون [عند الله] (١) قدرا، يحفظ الله حججه
~~وبيناته بهم حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم
~~على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون،
~~وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها متعلقة
~~بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه سرا وجهرا، آه
~~آه! شوقا إلى رؤيتهم " (٢) وقال أيضا لكميل بن زياد: " تبذل ولا تشهر، ووار
~~شخصك ms039 ولا تذكر، وتعلم واعمل، واسكت تسلم، تسر الأبرار، وتغيض الفجار فلا
~~عليك إذا علمك الله معالم دينه، ألا تعرف الناس ولا يعرفونك "،.
# وبعد فقد جمع الله - جل جلاله - معاني ما قلناه وزيادة في كتابه العزيز،
~~بقوله سبحانه: ﴿هل يستوي الذين يعلمون
~~والذين لا يعلمون﴾ (٣).
# وفي قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من
~~عباده العلماء﴾ (٤).
# وفي قوله: ﴿كونوا ربانيين بما كنتم
~~تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾ (٥).
# وفي قوله: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا
~~هو والملائكة وأولو العلم﴾ (٦) فقرن شهادته بشهادتهم وشهادة ملائكته،
~~وهذا يدل على عظيم منزلتهم، ورفيع مكانتهم، وعلو درجتهم.
# وقال سبحانه: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن
~~كنتم لا تعلمون﴾ (7).
# وقال سبحانه وتعالى، حكاية عن يوسف عليه السلام: (ذلكما مما علمني
# PageV00P086
# ربي) (١).
# وقال: ﴿ففهمناها سليمان﴾
~~(٢).
# وقال تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها ثم
~~عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ (٣)
~~فرفعه عليهم بفضيلة العلم، وأسجدهم له.
# وقال سبحانه: ﴿قال الذي عنده علم من
~~الكتاب﴾ (٤).
# وقال تعالى: ﴿كفى بالله شهيدا بيني
~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ (5) في كل ذلك يستشهد أهل العلم، لا يشير
~~إلا إليهم، ولا يعتد إلا بهم، وكفى بذلك فضيلة وفضلا بالعلم وأهله.
# ولقد أحسن الخليل بن أحمد - رحمه الله - في قوله لولده: يا بني، تعلم
~~العلم، فإنه يقومك ويسددك صغيرا ويقدمك ويسودك كبيرا.
# وقال الصادق عليه السلام لأصحابه: " أحسنوا النظر فيما لا يسعكم جهله،
~~وانصحوا لأنفسكم فيما لا يسعكم جهله، ومعرفة ما لا عذر لكم في تركه، فإن
~~للدين أركانا لا ينفع من جهلها شدة اجتهاده في ظاهر عبادته، ولا يضر من
~~عرفها فدان بها حسن اقتصاده ".
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " العاقل يعمل بالدرايات، والجال يعمل
~~بالروايات ms040 ".
# وقال عليه السلام: " كونوا درائين، ولا تكونوا روائين ".
# وقال عليه السلام: " همة العاقل الدراية، وهمة الجاهل الرواية ".
# ولقد صدق - صلى الله عليه - فإن الدراية هي العلم القطعي الذي تبرأ به
~~الذمة على اليقين به، وصاحب الرواية على خطر، لإقدامه على أمر لم يعرف صحة
~~الدليل على العمل به أو الترك له، ومن هاهنا امتنع كثير من أصحابنا - رحمهم
~~الله - عن العمل بالخبر الواحد، المتجرد من قرينة تعضده.
# PageV00P087
# وقد أشار مولانا الصادق عليه السلام إلى العمل على اليقين، والحث على
~~العلم، المقطوع به في المعارف الدينية، عقيب ذكره المعارف العقلية، بقوله
~~عليه السلام: " وجدت علم الناس في أربع: أحدها: أن تعرف ربك، والثاني: أن
~~تعرف ما أراد منك، والثالث: أن تعرف ما صنع بك، والرابع: أن تعرف ما يخرجك
~~من دينك " (1).
# وقيل لبعض الحكماء (2): العلم أفضل أو المال؟ فقال: العلم، فقيل له: فما
~~بالنا نرى العلماء على أبواب الأغنياء، ولا نكاد نرى الأغنياء على أبواب
~~العلماء؟
# فقال: ذلك لمعرفة العلماء بمنفعة المال، وجهل الأغنياء بفضل العلم (3).
# ولقد أحسن الشاعر في قوله:
# العلم زين وتشريف لصاحبه * فاطلب - هديت - فنون العلم والأدبا لا خير
~~فيمن له أصل بلا أدب * حتى يكون على من زانه حدبا كم من نجيب (4) أخي غي
~~وطمطمة (5) * فدم (6) لدى القوم معروف إذا انتسبا وخامل مقرف الآباء ذي أدب
~~* نال المعالي به والمال والنشبا المقرف: الذي تكون أمه كريمة وأبوه غير
~~كريم.
# يا طالب العلم نعم الشئ تطلبه * لا تعدلن به ورقا ولا ذهبا فالعلم كنز
~~وذخر لا نفاد له * نعم القرين إذا ما عاقلا صحبا (7) وروي عن لقمان أنه
~~قال:
# العلم زين والسكوت سلامة * فإذا نطقت فلا تكن مكثارا ما إن ندمت على سكوت
~~مرة * ولقد ندمت على الكلام مرارا وقال آخر:
# تعلم فليس المرء يخلق عالما * وليس أخو علم كمن هو جاهل
# PageV00P088
# وأن عزيز القوم لا علم عنده * ذليل إذا انضمت عليه المحافل وقال آخر:
# لا تيأسن إذا ما كنت ذا أدب * على خمولك أن ترقى إلى الفلك ms041 بينا ترى
~~الذهب الابريز مطرحا * في الترب إذ صار إكليلا على الملك نعود إلى ذكر
~~النثر من القول، في مدح العلم وأهله، وذم من لم يتعلم لله تعالى، ولم يقم
~~فيه بما يجب عليه.
# روى الشيخ أبو جعفر محمد بن بابويه - رحمه الله تعالى - في كتاب الخصال
~~في باب الثلاثة قال:
# قال أمير المؤمنين عليه السلام: " طلبة العلم على ثلاثة أصناف، ألا
~~فاعرفوهم بصفاتهم وأعيانهم:
# فصنف منهم يتعلمون للمراء والجهل، وصنف منهم يتعلمون للاستطالة والختل،
~~وصنف منهم يتعلمون للفقه والعقل، فصاحب المراء والجهل، تراه مؤذيا مماريا
~~للرجال في أندية المقال، قد تسربل بالخشوع وتخلى من الورع، فدق الله من هذا
~~حيزومه، وقطع منه خيشومه.
# وصاحب الاستطالة والختل، [فإنه] (1) يستطيل به على أمثاله من أشكاله،
~~ويتواضع للأغنياء من دونهم، فهو لحلوائهم هاضم، ولدينه حاطم، فأعمى الله من
~~هذا بصره، وقطع من آثار العلماء أثره.
# وأما صاحب الفقه والعقل، فإنك تراه ذا كآبة وحزن، قد قام الليل في حندسه،
~~وانحنى في برنسه، يعمل ويخشى، خائفا وجلا من كل أحد إلا من كل ثقة من
~~إخوانه، فشد الله من هذا أركانه، وأعطاه يوم القيامة أمانه " (2).
# ومن كتاب الكراجكي: عن سليم بن قيس الهلالي، عن علي، عن النبي - صلى الله
~~عليهما وآلهما - قال: " العلماء رجلان: رجل عالم أخذ بعلمه فهو ناج، وعالم
~~تارك لعلمه فهذا هالك، وإن أشد أهل النار ندامة وحسرة، رجل دعا عبدا إلى
~~الله - سبحانه - فاستجاب له وقبل منه، فأطاع الله فأدخله الله الجنة، وأدخل
~~الداعي النار، بتركه علمه، واتباع الهوى، وطول الأمل، فإن اتباع الهوى يصد
~~عن
# PageV00P089
# الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة " (1).
# وقال عليه السلام: " منهومان لا يشبعان: طالب دنيا، وطالب علم، فمن اقتصر
~~من الدنيا على ما أحل الله له سلم، ومن تناولها من غير حلها هلك، إلا أن
~~يتوب ويراجع، ومن أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه نجا، ومن أراد به الدنيا
~~فهي حظه " (2).
# وقال عليه السلام: " الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل:
~~يا رسول ms042 الله ما دخولهم فيها؟ قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك،
~~فاحذروهم على دينكم " (3).
# وعن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال: " من طلب العلم ليباهي به
~~العلماء أو يماري به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه، فليتبوأ مقعده من
~~النار، وإن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها " (4).
# وعن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: " إن أحبكم
~~إلى الله تعالى أحسنكم عملا، وإن أعظمكم عند الله عملا أعظمكم فيما عند
~~الله رغبة، وإن أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية، وإن أقربكم من الله جل
~~ذكره أوسعكم خلقا، وإن أرضاكم عند الله أشبعكم لعياله، وإن أكرمكم عند الله
~~أتقاكم " (5).
# وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: " ثلاث من كن فيه فلا يرجى
~~خيره، من لم يستح من (6) العيب، ولم يخش الله في الغيب، ولم يرعو عند الشيب
~~". (7) وروى الشيخ ورام - رحمه الله - في مجموعه عن النبي صلى الله عليه
~~وآله: " يكون في آخر الزمان علماء، يرغبون الناس في الآخرة ولا يرغبون،
~~ويزهدون
# PageV00P090
# الناس في الدنيا ولا يزهدون، وينهون الناس عن الدخول إلى الولاة ولا
~~ينتهون، يقربون الأغنياء، ويباعدون الفقراء، أولئك الجبارون أعداء الله "
~~(1).
# وحيث قد ذكرنا فضل العالم والعلم، وحال من لم يعمل بعلمه، فينبغي أن نذكر
~~حال المتعلم، وما يجب أن يكون عليه من الصفات التي وصفها الأئمة الصادقون
~~عليهم الصلاة والسلام.
# من كتاب الخصال لابن بابويه - رحمه الله تعالى - في باب ست (2) عشرة
~~خصلة، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " إن من حق العالم: أن لا تكثر
~~السؤال عليه، ولا تسبقه بالجواب، ولا تلح عليه إذا أعرض، ولا تأخذ بثوبه
~~إذا كسل، ولا تشير إليه بيدك، ولا تغمزه بعينك، ولا تساره في مجلسه، ولا
~~تطلب عوراته، وألا تقول: قال فلان خلاف قولك، ولا تفشي له سرا، ولا تغتاب
~~عنده أحدا، وأن تحفظه شاهدا وغائبا، وأن تعم القوم بالسلام وتخصه بالتحية،
~~وتجلس بين يديه، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى حاجته (3)، ولا تمل من
~~طول ms043 صحبته، فإنما هو مثل النخلة، فانتظر متى تسقط عليك منها منفعة. والعالم
~~بمنزلة الصائم القائم المجاهد في سبيل الله، وإذا مات العالم ثلم في
~~الإسلام ثلمة لا تسد إلى يوم القيامة، وإن طالب العلم يشيعه (4) سبعون ألف
~~ملكا من مقربي السماء " (5).
# وقال علي عليه السلام لابن عباس (6): " إن حق معلمك عليك التعظيم له،
~~والتوقير لمجلسه، وحسن الاستماع والإقبال عليه، وأن لا ترفع صوتك عليه، ولا
~~تجيب أحدا يسأله حتى يكون هو المجيب له، ولا تحدث في مجلسه أحدا، ولا تغتاب
~~عنده أحدا، وأن تدفع عنه إذا ذكر بسوء، وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه، ولا
~~تجالس له عدوا، ولا تعادي له وليا، فإذا فعلت ذلك، شهدت لك ملائكة الله
~~بأنك قصدته وتعلمت علمه لله جل اسمه لا للناس ".
# PageV00P091
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: " العالم العامل بغير
~~علمه، كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله، بل الحجة عليه أعظم، والحسرة
~~له ألزم، وهو عند الله ألوم " (١).
# وقال عليه السلام: " من نصب نفسه للناس إماما، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه
~~قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، فإن معلم نفسه
~~ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم " (٢).
# وروى جابر الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لساعة من
~~عالم يتكئ على فراشه ينظر في علمه، خير من عبادة العابد سبعين عاما ".
# وروى أنس بن مالك في فضل قراءة ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ (3) بما تضمنت من
~~فضيلة العلم والعلماء.
# قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " تعلموا العلم، فإن تعليمه لله
~~حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وتذكره
~~لأهله قربة لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة، والأنيس في
~~الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء
~~والضراء، والسلاح على الأعداء، والقربة عند الغرباء، فيرفع الله به أقواما،
~~فيجعلهم يقتدى بهم، ويقتص بآثارهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في
~~خلتهم، ms044 وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتهم تستغفر لهم، كل رطب ويابس يستغفر لهم،
~~حتى حيتان البحار وهوامها، وسباع الأرض وأنعامها، والسماء ونجومها.
# ألا وإن العلم حياة القلوب، ونور الأبصار، وقوة الأبدان، يبلغ بالعبد
~~منازل الأحرار، ومجالس الملوك، والذكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام،
~~وبه يعرف الحلال والحرام، وبه توصل الأرحام، وهو أمام العمل، يلهمه الله
~~السعداء، ويحرمه الأشقياء ".
# وهذا الحديث - أيضا - فيه زيادة عن الحديث الذي يروى عن مولانا أمير
~~المؤمنين عليه السلام، ولهذا كررناه.
# PageV00P092
# وأوصى لقمان ابنه فقال: يا بني، تعلم العلم والحكمة تشرف، فإن الحكمة تدل
~~على الدين، وتشرف العبد على الحر، وترفع المسكين على الغني، وتقدم الصغير
~~على الكبير، وتجلس المسكين مجالس الملوك، وتزيد الشريف شرفا، والسيد سؤددا،
~~والغني مجدا، وكيف يظن ابن آدم أن يتهيأ له أمر دينه ومعيشته بغير حكمة،
~~ولن يهيئ الله عز وجل أمر الدنيا والآخرة إلا بالحكمة، ومثل الحكمة بغير
~~طاعة، مثل الجسد بغير نفس، أو مثل الصعيد بغير ماء، ولا صلاح للجسد بغير
~~نفس، ولا للحكمة بغير طاعة.
# واعلم يا بني، أن الدنيا بحر عميق، وقد هلك فيه خلق كثير، فاجعل سفينتك
~~فيه الإيمان بالله، وزادك التقوى، وشراعك التوكل على الله، وسكانك الإخلاص
~~له، واعلم أنك إن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبنفسك.
# واعلم يا بني، أن من حين نزلت من بطن أمك استدبرت الدنيا واستقبلت
~~الآخرة، فأصبحت بين دارين: دار تقرب منها، ودار تباعد عنها، فلا تجعلن همك
~~إلا عمارة دارك التي تقرب منها ويطول مقامك بها، فلها خلقت، وبالسعي لها
~~أمرت، ثم أطع الله بقدر حاجتك إليه، واعصه بقدر صبرك على عذابه، وإذا أردت
~~أن تعصيه فاطلب موضعا لا يراك فيه، وعليك بقبول الموعظة والعمل بها، فإنها
~~عند المؤمن أحلى من العسل الشهد، وعلى المنافق أثقل من صعود الدرجة على
~~الشيخ الكبير.
# واعلم يا بني، أن الموت على المؤمن كنومة نامها، وبعثه كانتباهه منها
~~فاقبل وصيتي هذه، واجعلها نصب عينيك، والله خليفتي عليك، وهو حسبنا ونعم
~~الوكيل.
# وإياك والكسل والضجر، فإنك ms045 إذا كسلت لم تؤد فرضا ولا حقا، وإذا ضجرت لم
~~تصبر على حق.
# وروى صفوان في كتاب النوادر (1) يرفعه إلى أبي حمزة الثمالي، عن علي ابن
~~الحسين عليه السلام، قال: " من صفة المسلم أن يخلط عمله بالعلم، ويخلص
~~ليعلم، وينصب ليسلم، وينطق ليفهم، لا يخون أمانته الأصدقاء، ولا يكتم
~~شهادته
# PageV00P093
# للأعداء، ولا يفعل شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء، إن زكي خاف مما
~~يقولون، ويستغفر الله مما لا يعلمون، لا يغره قول من جهله، ويخشى إحصاء ما
~~قد عمله ".
# ومن الكتاب أيضا قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: " الحمد لله الذي
~~جعل العلم لنا مصباحا في ظلم الدجى، والحلم لنا وقارا عند الجهالة، والقصد
~~لنا هاديا عند حيرة الأمور، والصبر لنا جنة عند نازلة الأمور ".
# ومن كتاب الخصال في ذم فاسق العلماء: عن البرقي أحمد بن أبي عبد الله،
~~يرفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، قال: " قطع ظهري رجلان من الدنيا:
# رجل عليم اللسان فاسق، ورجل جاهل القلب ناسك، هذا يصد بلسانه (1) عن
~~فسقه، وهذا بنسكه عن جهالته، فاتقوا الفاسق من العلماء، والجاهل من
~~المتعبدين، أولئك فتنة كل مفتون، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله
~~يقول: يا علي، هلاك أمتي على يد كل منافق عليم اللسان " (2).
# ومن كتاب القلائد: روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " يا أيها
~~الناس، اعلموا أن كمال الدين ورأس الطاعة لله، طلب العلم والعمل به، ألا
~~وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب الرزق، لأن الرزق مقسوم مضمون لكم، قسمه
~~عادل بينكم وسيفي لكم، والعلم مخزون عند أهله وقد أمرتم بطلبه من أهله،
~~فاطلبوه ".
# ومن كلام لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام في الدعاء إلى معرفة حقه
~~وبيان فضله، وصفة العلماء، وما ينبغي لمتعلم العلم أن يكون عليه، في خطبة
~~له رواها الشيخ المفيد في كتاب (الإرشاد) تركنا ذكر صدرها إلى قوله عليه
~~السلام:
# " والحمد لله الذي هدانا من الضلالة، وبصرنا من العمى، ومن علينا
~~بالإسلام، وجعل فينا النبوة، وجعلنا النجباء، وجعل ms046 أفراطنا أفراط الأنبياء،
~~وجعلنا خير أمة أخرجت للناس: نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونعبد الله
~~لا نشرك به شيئا، ولا نتخذ من دونه وليا، فنحن شهداء الله والرسول شهيد
~~علينا، نشفع فنشفع فيمن شفعنا له، وندعو فيستجاب دعاؤنا، ويغفر لمن نشفع
~~(3) له ذنوبه، أخلصنا لله فلم ندع من دونه وليا.
# PageV00P094
# أيها الناس، تعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان،
~~واتقوا الله، إن الله شديد العقاب.
# أيها الناس، إني ابن عم نبيكم، وأولاكم بالله ورسوله، فاسألوني ثم
~~اسألوني، فكأنكم بالعلم قد تفقدونه (1)، إنه لا يهلك عالم إلا هلك معه بعض
~~علمه، وإنما العلماء في الناس كالبدر في السماء يضئ (2) على سائر الكواكب،
~~خذوا من العلم ما بدا لكم، وإياكم أن تطلبوه لخصال أربع: لتباهوا به
~~العماء، أو تماروا به السفهاء، أو تراؤا به في المجالس، أو تصرفوا [به] (3)
~~وجوه الناس إليكم للترؤس، لا يستوي عند الله في العقوبة الذين يعلمون
~~والذين لا يعلمون، نفعنا الله وإياكم بما علمنا، وجعله لوجهه خالصا، إنه
~~سميع قريب (4) " (5).
# وقال عليه السلام: " حسن الأدب ينوب عن الحسب " (6).
# وقوله عليه السلام: " لا حياة إلا بالدين، ولا موت إلا بجحود اليقين،
~~فاشربوا العذب الفرات، ينبهكم من نومة السبات، وإياكم والسمائم (7)
~~المهلكات ".
# يشير عليه السلام إلى معرفة العلم اليقين، ويحذر من الإخلاد إلى
~~الجاهلين.
# وقال عليه السلام: " العاقل يعمل بالدرايات، والجاهل يعمل بالروايات ".
# وقال عليه الصلاة والسلام: " همة العاقل الدراية، وهمة الجاهل الرواية ".
# وقال الصادق عليه السلام: " كونوا درائين، ولا تكونوا روائين، فلخبر
~~تدريه، خير من ألف خبر ترويه ".
# وقال كميل بن زياد: قال لي مولانا أمير المؤمنين: " يا كميل بن زياد،
~~تعلم العلم، واعمل به، وانشره في أهله، يكتب لك أجر تعلمه وعمله إن شاء
~~الله تعالى ".
# وقد دل الله تعالى في كتابه العزيز - ذكرنا فيما تقدم منها - ونذكر الآن
~~ما يتيسر ذكره، فمن ذلك.
# PageV00P095
# قوله تعالى في قصة طالوت: ﴿إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم﴾
~~(١) فجعل سبحانه ms047 سبب تفضيله العلم.
# وقال سبحانه: ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن
~~يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون﴾ (2) وهذا من أعظم
~~دلائل فضل العلم والعلماء العاملين بما علموا.
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " من عبد الله بغير علم كفر من حيث لا
~~يعلم، ألا وإن الأدب حجة العقل، والعلم حجة القلب، والتلطف مفتاح الرزق ".
# وقال الصادق عليه السلام: " إن الشيطان ليطمع في عالم بغير أدب، أكثر من
~~طمعه في عالم بأدب، فتأدبوا وإلا فأنتم أعراب ".
# وقال الباقر عليه السلام: " صمت الأديب عند الله أفضل من تسبيح الجاهل ".
# وقال علي بن الحسين عليه السلام: " العلم دليل العمل، والعمل وعاء الفهم،
~~والعقل قائد الخير، والهوى مركب المعاصي، والدنيا سوق الآخرة، والنفس تاجر،
~~والليل والنهار رأس المال، والمكسب الجنة، والخسران النار ".
# ومن كتاب الخصال: عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام
~~قال: " العلم خزائن والمفاتيح السؤال، فاسألوا - يرحمكم الله - فإنه يؤجر
~~فيه (3) أربعة: السائل، والمتكلم، والمستمع، والمحب لهم " (4).
# ومن كتاب الخصال لابن بابويه رحمه الله: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن
~~آبائه، عن علي عليه السلام قال: " إن في جهنم رحى تطحن (5)، أفلا تسألوني:
~~ما طحنها؟
# فقيل: وما طحنها يا أمير المؤمنين؟ قال: العلماء الفجرة، والقراء الفسقة،
~~والجبابرة الظلمة، والوزراء الخونة، والعرفاء الكذبة، وإن في جهنم (6)
~~لمدينة يقال لها: (الحصينة) أفلا تسألوني: ما فيها؟ فقيل له: وما فيها يا
~~أمير المؤمنين؟ فقال: فيها أيدي.
# PageV00P096
# الناكثين " (1).
# ومن كتاب الخصال: عن أبي عبد الله عليه السلام، قال عليه السلام: " إن من
~~العلماء من يجب أن يخزن علمه ولا يؤخذ عنه، فذاك في الدرك الأول من النار.
# ومن العلماء من إذا وعظ أنف وإذا وعظ عنف، فذاك في الدرك الثاني من
~~النار.
# ومن العلماء من يرى أن يضع علمه عند ذوي الثروة والشرف ولا يرى له في
~~المساكين وضعا فذاك في الدرك الثالث من النار.
# ومن العلماء من يذهب في علمه مذهب الجبابرة ms048 والسلاطين، فإن رد عليه شئ من
~~قوله، أو قصر في شئ من أمره غضب، فذاك في الدرك الرابع من النار.
# ومن العلماء من يطلب أحاديث اليهود والنصارى، ليعز به دينه ويكثر به
~~حديثه، فذاك في الدرك الخامس من النار.
# ومن العلماء من يضع نفسه للفتيا ويقول: سلوني ولعله لا يصيب حرفا واحدا،
~~والله لا يحب المتكلفين، فذاك في الدرك السادس من النار.
# ومن العلماء من يتخذ علمه مروءة وعقلا، فذاك في الدرك السابع من النار "
~~(2).
# يقول العبد الفقير إلى رحمة الله وعفوه، الحسن بن علي بن محمد بن
~~الديلمي، تغمده الله برحمته ومسامحته وغفرانه - جامع هذا المجموع -: إن من
~~العلماء أيضا من يعنف بالمتعلم، ويثقل عليه، ويحمله من التكاليف منا يشق
~~عليه في أول أمره، وإنما ينبغي أن يأخذه استدراجا وتلطفا، ويخاطبه على قدر
~~عقله وبصيرته، ويحمله ما يسعه وعاؤه، فما تستوي أخلاق الناس ولا بصائرهم،
~~فقد يعطى زيد ما لم يعط عمرو من الفهم والذكاء والوعاية، فمتى حمل الضعيف
~~حمل القوي، حمله ذلك على الترك والاهمال، لأن لكل إنسان حالا يؤخذ بها،
~~ويخاطب على قدرها.
# فقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: " إن الله - تبارك وتعالى - وضع
~~الإسلام على سبعة أسهم: على الصبر، والصدق، واليقين، والرضا، والوفاء،
~~والعلم،
# PageV00P097
# والحلم، ثم قسم ذلك بين الناس، فمن (1) اجتمعت له هذه السبعة أسهم فهو
~~كامل الإيمان محتمل.
# ثم قسم لبعض الناس سهما ولبعض سهمين (2) ولبعض السبعة أسهم، فلا تحملوا
~~صاحب السهم سهمين، ولا صاحب السهمين ثلاثة (3)، ولا صاحب الستة سبعة، فيشق
~~ذلك عليهم ويثقل وتنفرونهم، ولكن ترفقوا بهم، وسهلوا لهم المدخل.
# وسأضرب لكم مثلا تعتبروا به، إنه كان رجل مسلما وكان له جار كافر، وكان
~~الكافر يرفق بالمسلم ويحسن إليه، فأحب له المسلم الإيمان، ولم يزل يزينه له
~~ويرغبه فيه حتى أسلم، فأخذه المؤمن وذهب به إلى المسجد فصلى معه الفجر،
~~فقال له:
# لو قعدنا نذكر الله حتى تطلع الشمس؟ فقعد معه، فقال: لو تعلمت القرآن إلى
~~أن تزول الشمس، وصمت ms049 اليوم كان أفضل؟ فقعد معه وصام، حتى صلى الظهر والعصر،
~~فقال: لو صبرت حتى نصلي المغرب والعشاء الآخرة؟ ثم نهضا وقد بلغ مجهوده،
~~وكاد يتلف مما ضيق وثقل عليه.
# فلما كان من الغد جاءه فدق عليه الباب، ثم قال له: اخرج حتى نمضي [إلى]
~~(4) المسجد، فأجابه: أن انصرف، فإن هذا دين شديد لا أطيقه.
# فلا تخرقوا (5) بهم، أما علمتم أن إمارة بني أمية كانت بالسيف والعنف (6)
~~والجور، وأن إمامتنا بالرفق والتألف والوقار والتقية وحسن الخلطة والورع
~~والاجتهاد، فرغبوا الناس في دينكم وما أنتم فيه ".
# هذا آخر كلامه عليه السلام، ذكره عنه - مرفوعا - ابن بابويه في كتاب
~~الخصال (7).
# PageV00P098
# وقال عليه السلام للحارث الهمداني - في وصيته له - " وخادع نفسك في
~~العبادة، وارفق بها ولا تقهرها، وخذ عفوها ونشاطها، إلا ما كان مكتوبا عليك
~~من الفريضة، فإنه لا بد من قضائها، وتعاهدها عند محلها ".
# وقال الحسن بن علي العسكري عليه السلام: " إن للقلوب إقبالا وإدبارا،
~~فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل، وإذا أدبرت فاقصروها على الفرائض ".
# ولقد صدق عليه السلام ونصح، فإن القلوب إن لم تنشط وتقبل على العلوم
~~والعبادات لم يبلغ منها المراد، ولهذا ذم الله تعالى المنافقين بقوله
~~تعالى: ﴿ولا يأتون الصلاة إلا وهم
~~كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون﴾ (١).
# وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤن الناس ولا
~~يذكرون الله إلا قليلا * مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾
~~(2) فذم سبحانه وتعالى الكسل عند العبادة، والتردد بين أن يفعل وأن لا
~~يفعل، فلم يبق أن يكون المراد إلا أن يقبل العبد بقلبه وجوارحه وعمله
~~الخالص على ربه سبحانه، فيقبل حينئذ عليه ويعطيه سؤله ومراده.
# فصل: وإذا كان من العلماء قراء القرآن المجيد - بل من خيارهم - فلنذكر
~~حالهم وصفاتهم، مضافا إلى فضل قراءته، والتمسك به عند اختلاف الناس.
# روى الشيخ الفقيه أبو الفتح الكراجكي رحمه الله في كتابه (كنز الفوائد)
~~مرفوعا إلى الحارث الأعور قال: ms050 دخلت على أمير المؤمنين علي عليه السلام،
~~فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى الناس قد وقعوا إلى الأحاديث!
# قال: " وقد فعلوها ".
# قلت: نعم.
# قال: " أما أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سيكون بعدي
~~فتنة، قلت فما المخرج منها يا رسول الله صلى الله [عليك] (3)؟ قال: كتاب
~~الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس
~~بالهزل، ما تركه من جبار إلا قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله
~~تعالى، وهو حبل الله المتين،
# PageV00P099
# وهو الذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا
~~تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق (١) عن [كثرة] (٢) الرد،
~~ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم يثنه الجن حين سمعته أن قالوا ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى
~~الرشد﴾ (٣) من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا
~~إليه هدي إلى صراط مستقيم ".
# وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " ألا أخبركم بالفقيه كل
~~الفقيه؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إن الفقيه كل الفقيه، الذي لا يؤيس
~~الناس من روح الله، ولا يؤمنهم مكر الله، ولا يقنطهم من رحمة الله، ولا يدع
~~القرآن رغبة عنه إلى ما سواه، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا
~~خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا في علم ليس فيه تفهم " (٤).
# وروي عنه عليه الصلاة والسلام وعلى آله أنه قال في قول الله تعالى ﴿كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون
~~الكتاب﴾ (5) قال: " حقا على من يقرأ القرآن أن يكون فقيها ".
# وقال: " أهل القرآن، أهل الله وخاصته ".
# وقال عليه السلام: " تعلموا كتاب الله وتعاهدوه وافشوه، فوالذي نفس محمد
~~بيده لهو أشد تفلتا من المخاض (6) من عقله ".
# وقال: " من سره أن يتمتع ببصره في الدنيا، فليكثر من النظر في المصحف ".
# وقال: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ms051 كمثل الأترجة، التي ريحها طيب
~~وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، طعمها طيب ولا
~~ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها
~~مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها
~~".
# وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " انصتوا إلى ذكر الله، فإنه
# PageV00P100
# أحسن الحديث، واقتدوا بهدي نبيكم، فإنه أفضل الهدي، واستنوا بسنته، فإنها
~~أفضل السنن، وتعلموا كتاب الله، واستضيئوا بنوره، فإنه أشفى لما في الصدور،
~~واسمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ".
# وجاء في الحديث عن محمد بن علي الباقر عليهما السلام أنه قال: " قراء
~~القرآن ثلاثة: رجل قرأ القرآن، فاتخذه بضاعة، واستدر به الملوك، واستطال به
~~على الناس، ورجل قرأ القرآن، فحفظ حروفه وضيع حدوده، وأقامه مقام القدح،
~~فلا كثر الله هؤلاء من حملة القرآن. ورجل قرأ القرآن، فوضع دواء القرآن على
~~داء قلبه، فسهر ليله، وظمئ به نهاره، وقام به في مساجده، وتجافى به عن
~~فراشه، فذاك من الذين يدفع العزيز الجبار بلاءهم، ويزيل أعداءهم، وأولئك
~~ينزل الله عز وجل الغيث عليهم من سمائه.
# ثم قال: إذا قرأتم القرآن فبينوه تبيانا، ولا تهذوه هذا كهذ (1) الشعر،
~~ولا تنثروه نثر الرمل، ولكن افرغوا له القلوب القاسية. ولا يكن هم أحدكم
~~آخر السورة، واقرؤوه بألحان العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكبائر،
~~وأعربوا به فإنه عربي، ولا تقرؤوه هذرمة، وإذا مررتم بآية فيها ذكر الجنة،
~~فقفوا عندها واسألوا الله الجنة، وإذا مررتم بآية فيها ذكر النار، فقفوا
~~عندها وتعوذوا بالله من النار، وحسنوه بأصواتكم، فإن الله تعالى أوحى إلى
~~موسى بن عمران عليه السلام: إذا وقفت بين يدي فقف موقف الذليل الفقير، وإذا
~~قرأت التوراة فاسمعنيها بصوت حزين.
# ولقد كان علي بن الحسين عليهما السلام يقرأ القرآن فربما مر عليه المار
~~فيصعق من حسن صوته.
# واقرؤوه في المصحف، فإنه من قرأه في المصحف متع ببصره، وخفف عن والديه
~~وأنه ليعجبني أن يكون في البيت مصحف، وأن البقعة التي ms052 يقرأ فيها القرآن
~~ويذكر الله تعالى فيها، تكثر بركتها، وتحضرها الملائكة، ويهجرها الشيطان،
~~وتضئ لأهل السماء كما تضئ الكواكب لأهل الأرض، وأن البيت الذي لا يقرأ فيه
~~القرآن ولا يذكر فيه الله تعالى، تقل بركته، وتهجره الملائكة، ويحضره
~~الشيطان. ومن قرأ القرآن وهو شاب مؤمن، اختلط القرآن بلحمه ودمه، وجعله
~~الله مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيرا (2) عنه يوم القيامة ".
# PageV00P101
# وقال عليه السلام: " لقارئ القرآن بكل حرف يقرؤوه في الصلاة قائما مائة
~~حسنة، وقاعدا خمسون حسنة، ومتطهرا في غير الصلاة خمس وعشرون حسنة، وغير
~~متطهر عشر حسنات، أما أني لا أقول المر [حرف] (1) بل له بالألف عشر،
~~وباللام عشر، وبالميم عشر، وبالراء عشر ".
# وقال عليه السلام: " قراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الصدقة،
~~والصدقة أفضل من الصيام، والصوم جنة من النار ".
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " فإذا التبست عليكم الأمور كقطع
~~الليل المظلم، فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، وشاهد مصدق، من جعله أمامه
~~قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو أوضح دليل، إلى خير
~~سبيل، من قال به صدق، ومن عمل به وفق، ومن حكم به عدل، ومن أخذ به أجر ".
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا
~~تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به ".
# وقال عليه السلام - عقيب كلام ذكر فيه النبي صلى الله عليه وآله ووصفه ثم
~~قال -: " قبضه الله إليه كريما صلى الله عليه وآله، وخلف فيكم ما خلفت
~~الأنبياء في أممها، إذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح ولا علم قائم، كتاب
~~ربكم، مبينا حلاله وحرامه، وعامه وعبره وأمثاله، ومرسله وحدوده، ومحكمه
~~ومتشابهه، ومفسرا جمله، مبينا غوامضه، بين مأخوذ ميثاق علمه، وموسع على
~~العباد في جمله، وبين مثبت في الكتاب فرضه، معلوم في السنة نسخه، وواجب في
~~السنة أخذه، مرخص في الكتاب تركه، وبين واجب بوقته، ونايل في مستقبله،
~~ومباين بين محارمه، من كبير أوعد عليه نيرانه، وصغير أرصد له غفرانه، ms053 وبين
~~مقبول في أدناه، وموسع في أقصاه ".
# وقال عليه السلام: " القرآن آمر وزاجر، صامت ناطق، حجة الله على خلقه،
~~أخذ عليهم ميثاقه، وارتهن عليه أنفسهم، أتم نوره، وأكرم به دينه، وقبض نبيه
~~صلى الله عليه وآله وسلم وقد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به، فعظموا منه
~~- سبحانه - ما عظم من نفسه، فإنه لم يخف عنكم شيئا من دينه، ولم يترك شيئا
~~رضيه أو كرهه، إلا وجعل له علما باديا، وآية محكمة، تزجر عنه أو تدعو إليه،
~~فرضاه فيما مضى واحد،
# PageV00P102
# وسخطه فيما بقي واحد.
# واعلموا أنه لن يرضى عنكم بشئ سخطه على من كان قبلكم، ولن يسخط عليكم بشئ
~~رضيه ممن كان قبلكم، وإنما تسيرون في أثرين، وتتكلمون برجع قول قد قاله
~~الرجال من قبلكم ".
# وقال عليه السلام - في بعض خطبه - " فانظر - أيها السائل - فما دلك
~~القرآن عليه من صفته، فائتم به، واستضئ بنور هدايته، وما كلفك الشيطان
~~علمه، مما ليس في الكتاب عليك فرضه، ولا في سنة النبي صلى الله عليه وآله
~~وأئمة الهدى أثره (١)، فكل علمه (٢) إلى الله تعالى، فإن ذلك منتهى حق الله
~~عليك.
# واعلم أن الراسخين في العلم، هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة
~~دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله
~~تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق
~~فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا، فاقتصر على ذلك، ولا تقدر عظمة الله
~~سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين " (٣).
# وقال عليه السلام: " وكتاب الله بين أظهركم، ناطق لا يعيى لسانه، وبيت لا
~~تهدم أركانه، وعز لا يهزم أعوانه ".
# وقال عليه السلام - في نهج البلاغة - في التحكيم: " إنا لم نحكم الرجال
~~وإنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين، لا ينطق
~~بلسان ولا بدله من ترجمان، وإنما ينطق عنه الرجال، ولما دعانا القوم إلى أن
~~نحكم بيننا القرآن، لم نكن الفريق المتولي عن القرآن - كتاب الله تعالى -،
~~و [قد] (٤) قال الله ms054 سبحانه ﴿فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول﴾ (5) فرده
~~إلى الله أن نحكم بكتابه، ورده إلى الرسول أن نأخذ بسنته، فإذا حكم بالصدق
~~في كتاب الله فنحن أحق الناس به، وإن حكم بسنة رسول الله فنحن أولاهم به "
~~(6).
# PageV00P103
# وقال عليه السلام: فإن أطعتموني حملتكم - إن شاء الله - على سبيل الجنة،
~~وإن كان ذا مشقة شديدة، ومذاقة مريرة.
# وسبيل أبلج المنهاج أنور السراج، بالإيمان يستدل على الصالحات،
~~وبالصالحات يستدل على الإيمان، وبالإيمان يعمر العلم، وبالعلم يرهب الموت،
~~وبالموت تختم الدنيا، وبالدنيا تحرز الآخرة، وإن الخلق لا مقصر لهم عن
~~القيامة، مرقلين (١) في مضمارها إلى الغاية القصوى.
# قد شخصوا من (٢) مستقر الأجداث، وصاروا إلى مضائق الغايات، لكل دار أهل
~~لا يستبدلون بها، ولا ينفكون عنها، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
~~لخلقان من خلق الله، وأنهما لا يقربان من أجل، ولا ينقصان من رزق، وعليكم
~~بكتاب الله، فإنه الحبل المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، والري
~~الناقع، والعصمة للمستمسك بها، والنجاة للمتعلق به، لا يعوج فيقوم، ولا
~~يزيغ فيستعتب، لا تخلقه كثرة الرد وولوج السمع، من قال به صدق ومن عمل به
~~سبق ".
# فقام إليه رجل فقال: أخبرنا عن الفتنة.
# فقال: " لما أنزل الله تعالى قوله ﴿ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا
~~يفتنون﴾ (3) علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله بين أظهرنا، فقلت:
~~يا رسول الله، ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها؟ فقال: يا علي، إن أمتي
~~سيفتنون من بعدي، فقلت:
# يا رسول الله أوليس قلت لي في يوم أحد، حيث استشهد من استشهد من
~~المسلمين، وحيزت الشهادة عني فشق ذلك علي، فقلت لي: أبشر، فإن الشهادة من
~~ورائك؟ فقال لي: إن ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذا؟ فقلت: يا رسول الله، ليس هذا
~~من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشرى والشكر. فقال: يا علي، إن القوم
~~سيفتنون بأموالهم، ويمنون بدينهم على ربهم، ويتمنون رحمته، ويأمنون سطوته، ms055
~~ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والأهواء الساهية، فيستحلون الخمر
~~بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع.
# فقلت: يا رسول الله، فبأي المنازل أنزلهم عند ذلك، أبمنزلة ردة، أم
~~بمنزلة فتنة؟ فقال:
# PageV00P104
# بمنزلة فتنة " (1).
# وقال عليه السلام: " يأتي على الناس زمان، يبايع فيه المضطرون، وقد نهى
~~رسول الله عن بيع المضطرين " (2).
# وقال عليه السلام - في خطبة له يذكر فيها فضل القرآن وشيئا من مواعظه -:
~~" انتفعوا ببيان الله، واتعظوا بمواعظ الله واقبلوا نصيحة الله، فإن الله
~~قد أعذر إليكم بالجليلة، واتخذ عليكم الحجة، وبين لكم محابه من الأعمال
~~ومكارهه منها; لتبغوا هذه وتتجنبوا هذه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله
~~كان يقول: إن الجنة حفت (3) بالمكاره، وإن النار حفت بالشهوات.
# واعلموا، أنه ما من طاعة الله شئ إلا يأتي في كره، وما من معصية الله
~~[شئ] (4) إلا يأتي في شهوة، فرحم الله رجلا نزع عن شهوته، وقمع هوى نفسه،
~~فإن هذه النفس أبعد شئ منزعا، وإنها لا تزال تنزع إلى المعصية في هوى.
# واعلموا - عباد الله - أن المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلا ونفسه ظنون (5)
~~عنده، فلا يزال زاريا عليها، ومستزيدا لها، فكونوا كالسابقين قبلكم
~~والماضين أمامكم، قوضوا (6) من الدنيا تقويض الراحل، وطووها طي المنازل.
# واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل،
~~والمحدث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو
~~نقصان، زيادة في هدى، ونقصان من عمى.
# واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من
~~غنى، فاستشفوه من أدوائكم، واستعينوا به على لأوائكم، فإن فيه شفاء من أكبر
~~الداء، وهو الكفر والنفاق، والغي والضلال، واسألوا الله به، وتوجهوا إليه
~~بحبه، ولا تسألوا به خلقه، فإنه ما توجه العباد إلى الله بمثله.
# PageV00P105
# واعلموا أنه شافع مشفع، وشاهد مصدق، وأنه من شفع له القرآن يوم القيامة
~~شفع فيه، ومن محل (١) به القرآن يوم القيامة صدق عليه، وأنه ينادي مناد يوم
~~القيامة:
# ألا إن كل حارث مبتلى في حرثه ms056 وعاقبة عمله غير حرثة القرآن، فكونوا من
~~حراثه وأتباعه، واستدلوه على ربكم، واستنصحوه على أنفسكم، واتهموا عليه
~~آراء كم، واستغشوا فيه أهواءكم، العمل (العمل ثم النهاية النهاية،
~~والاستقامة الاستقامة، ثم الصبر الصبر، والورع الورع) (٢).
# إن لكم نهاية فانتهوا إليها، وإن لكم علما فاهتدوا بعلمكم، وإن للإسلام
~~غاية فانتهوا إلى غايته، واخرجوا إلى الله مما افترض عليكم من حقه، وبين
~~لكم من وظائفه، أنا شاهد لكم وحجيج يوم القيامة عنكم، ألا وإن القدر السابق
~~قد وقع، والقضاء الماضي قد تورد، وإني متكلم بعدة الله وحجته، قال الله
~~تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله
~~ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة
~~التي كنتم توعدون﴾ (3) وقد قلتم: ربنا الله، فاستقيموا على كتابه، وعلى
~~منهاج أمره، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته، ولا تمرقوا منها، ولا تبدعوا
~~فيها، ولا تخالفوا عنها، فأن أهل المروق منقطع بهم عند الله يوم القيامة.
# ثم إياكم وتهزيع (4) الأخلاق وتصريفها، واجعلوا اللسان واحدا، وليخزن
~~الرجل لسانه، فإن هذا اللسان جموح المصاحبة، والله ما أرى أحدا يتقي تقوى
~~تنفعه حتى يختزن لسانه، فأن لسان المؤمن من وراء قلبه، وإن قلب المنافق من
~~وراء لسانه، لأن المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبره في نفسه، فإن كان
~~خيرا أبداه، وإن كان شرا واراه، وإن المنافق يتكلم بما أتى على لسانه، لا
~~يدري ما ذا عليه مما له، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يستقيم
~~إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، فمن استطاع
~~منكم أن يلقى الله - سبحانه - وهو نقي الراحة من دم المسلمين وأموالهم،
~~سليم اللسان من أعراضهم، فليفعل.
# واعلموا - عباد الله - أن المؤمن يستحل العام ما استحل عاما أول، ويحرم
# PageV00P106
# العام ما حرم عاما أول، وإن أول ما أحدث الناس البدع، ولا يحل لكم شئ مما
~~حرم عليكم، ولكن الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرم الله، فقد جربتم
~~الأمور وصرفتموها، ووعظتم بمن كان ms057 قبلكم، وضربت الأمثال لكم، ودعيتم إلى
~~الأمر الواضح، فلا يصم عن ذلك إلا أصم، ولا يعمى عنه إلا أعمى، ومن لم
~~ينفعه الله تعالى بالبلاء والتجارب، لم ينتفع بشئ من العظة، وأتاه التقصير
~~من أمامه، حتى يعرف ما أنكر، وينكر ما عرف، وإنما الناس رجلان: متبع شرعة،
~~ومبتدع بدعة، ليس معه من الله سبحانه برهان سنة، ولا ضياء حجة، وأن الله -
~~سبحانه - لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن، فإنه حبل الله المتين، وسببه
~~الأمين، وفيه ربيع القلب، وينابيع العلم، وما للقلب جلاء غيره، مع أنه قد
~~ذهب المتذكرون، وبقي المتناسون والناسون، فإذا رأيتم خيرا فأعينوا عليه،
~~وإذا رأيتم شرا فاذهبوا عنه، فأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان
~~يقول: يا ابن آدم، اعمل الخير، ودع الشر، فإذا أنت جواد قاصد.
# ألا وإن الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب.
# فأما الظلم الذي لا يغفر، فالشرك بالله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ (1)
~~وأما الظلم الذي لا يترك، فظلم العباد بعض لبعض. وأما الظلم الذي يغفر،
~~فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات (2).
# القصاص هناك شديد، ليس هو جرحا بالمدي، ولا ضربا بالسياط، لكنه ما يستصغر
~~ذلك معه، فإياكم والتلون في دين الله، فإن جماعة فيما تكرهون من الحق، خير
~~من فرقة فيما تحبون من الباطل، وإن الله سبحانه لم يعط أحدا بفرقة خيرا،
~~ممن مضى ولا فيمن بقي.
# يا أيها الناس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وطوبى لمن لزم بيته،
~~وأكل قوته، واشتغل بطاعة الله، وبكى على خطيئته، فكان من نفسه في شغل،
~~والناس منه في راحة " (3).
# وقال عليه السلام لبعض أصحابه: " واعلم أن الدنيا دار بلية، لم يفرغ
~~صاحبها
# PageV00P107
# ساعة قط، إلا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة " (1).
# وقال عليه السلام: " العلم وراثة كريمة، والآداب حلل مجددة، والفكر مرآة
~~صافية، وصدر العاقل صندوق سره، والبشاشة حبالة المودة، والاحتمال ينفي
~~العيوب " (2).
# وقال ms058 عليه السلام: " اليقين على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأول
~~الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الأولين، فمن تبصر في الفطنة ثبتت له الحكمة،
~~ومن ثبتت له الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين.
# والعدل على أربع شعب: على غائص الفهم، وغور العلم، وزهرة الحكم، ورساخة
~~الحلم، فمن فهم علم غور العلم، ومن علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم، ومن
~~حلم لم يفرط في أمره، وعاش في الناس " (3).
# PageV00P108
# باب صفة المؤمن من كتاب المجالس للبرقي: عن عبد الله بن يونس (1)، عن أبي
~~عبد الله عليه السلام قال: " ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقور في
~~الهزاهز، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم
~~الأعداء، ولا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في نصب، والناس منه في راحة، إن
~~العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والصبر أمير جنوده، والرفق أخوه، واللين
~~والده " (2).
# وعن أبي حمزه الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: " المؤمن
~~يصمت ليسلم، وينطق ليعلم، (3) لا يحدث أمانته الأصدقاء، ولا يكتم شهادته من
~~البعداء، ولا يعمل شيئا من الخير رياء، ولا يتركه حياء، إن زكي خاف مما
~~يقولون، ويستغفر الله مما لا يعلمون، لا يغره قول من جهله، ويخاف إحصاء ما
~~عمله " (4).
# وعن أحمد بن خالد، عن بعض من رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام، قال:
# " المؤمن له قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وحرص في فقه،
~~ونشاط في هدى، وبر في استقامة، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وسخاء في حق،
~~وقصد في غنى، وتجمل في فاقة، وعفو في قدرة، وطاعة لله في نصيحة، وانتهاء في
~~شهوة، وورع في رغبة، وحرص في جهاد، وصلاة في شغل، وصبر في شدة، وفي الهزاهز
~~وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يغتاب، ولا يتكبر، ولا يقطع
~~الرحم وليس بواهن، ولا فظ ولا غليظ، ولا يسبقه بصره، ولا يفضحه بطنه، ولا
~~يغلبه فرجه، ولا يحسد الناس، ولا يغمز، ولا يعير، ولا ms059 يسرف، ينصر المظلوم،
~~ويرم (5) المسكين، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، لا يرغب في عز
~~الدنيا، ولا يجزع من ذلها، للناس هم قد أقبلوا عليه، وله هم قد شغله، لا
~~يرى في حلمه (6) نقص، ولا في رأيه وهن، ولا في دينه
# PageV00P109
# ضياع، يرشد من استرشده، وينصح من استشاره، ويساعد من يساعده، ويكيع (1)
~~عن الخنا والجهل " (2).
# عن ابن أبي عمير، عن القاسم بن عروة، عن أبي العباس، قال أبو عبد الله
~~عليه السلام: " من سرته حسنته، وساءته سيئته، فهو مؤمن " (3).
# وعن أبي البختري رفعه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المؤمنون
~~هينون لينون، كالجمل الألوف، إذا قيد انقاد (4) وإن أنيخ (5) استناخ " (6).
# وبهذا الإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " المؤمن كمثل شجرة
~~لا ينحات ورقها في شتاء ولا صيف، قالوا: يا رسول الله، وما هي؟ قال: النخلة
~~" (7).
# وعن إبراهيم العجمي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
# " المؤمن حليم لا يجهل، وإن جهل عليه يحلم، ولا يظلم، وإن ظلم غفر، ولا
~~يبخل، وإن بخل عليه صبر " (8).
# وعن أبي الحسن اللؤلؤي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المؤمن من
~~طاب كسبه، وحسنت خليقته، وصحت سريرته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من
~~قوله، وكفى الناس شره، وأنصف الناس من نفسه " (9).
# وعن سليمان بن خالد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: ألا أنبئكم بالمؤمن؟ المؤمن من ائتمنه الناس على أنفسهم
~~وأموالهم. ألا أنبئكم بالمسلم؟ المسلم من سلم الناس من يده، والمهاجر من
~~هجر السيئات، وترك ما حرم الله، والمؤمن حرام على المؤمن أن يظلمه، أو
~~يخذله، أو يغتابه، أو يدفعه عن
# PageV00P110
# حقه " (١).
# وعن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر عليه السلام قال:
~~" صلى أمير المؤمنين عليه السلام بالناس الصبح بالعراق، ثم انصرف فوعظهم،
~~فبكى وأبكى من خوف الله تعالى، ثم قال: أما والله، لقد عهدت أقواما على عهد
~~خليلي رسول الله صلى ms060 الله عليه وآله، وأنهم ليصبحون ويمسون شعثا غبرا خمصا،
~~بين أعينهم كركب المعزى، يبيتون لربهم سجدا وقياما يراوحون بين أقدامهم
~~وجباههم، يناجون ربهم، ويسألونه فكاك رقابهم من النار، والله لقد رأيتهم مع
~~هذا وهم خائفون وجلون مشفقون " (٢).
# وعن أبي حمزة، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: " صلى أمير المؤمنين
~~الفجر، ثم لم يزل في موضعه حتى صارت الشمس على قدر رمح، وأقبل على الناس
~~بوجهه فقال: والله لقد أدركت أقواما يبيتون لربهم سجدا وقياما، يخالفون بين
~~جباههم وركبهم، كأن زفير النار في آذانهم، إذا ذكر الله تعالى عندهم مادوا
~~كما تميد الشجر، كأن القوم باتوا غافلين. ثم قام فما رؤي ضاحكا حتى قضى
~~نحبه صلى الله عليه وآله " (٣).
# وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يؤمن رجل فيه الشح والحسد
~~والجبن، ولا يكون المؤمن جبانا ولا حريصا ولا شحيحا " (٤).
# وقال عليه السلام: " لا يكون المؤمن مؤمنا، حتى تكون فيه ثلاث خصال: سنة
~~من ربه، وسنة من نبيه، وسنة من إمامه، فأما الذي من ربه فكتمان (٥) سره،
~~قال الله عز وجل: ﴿فلا يظهر على غيبه أحدا
~~إلا من ارتضى من رسول﴾ (٦) وأما سنة نبيه فمداراة الناس، قال الله
~~تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف
~~وأعرض عن الجاهلين﴾ (7) وأما السنة من
# PageV00P111
# إمامه فالصبر (1) في البأساء والضراء وحين البأس " (2).
# وقال رجل لأمير المؤمنين عليه السلام: أخبرنا عن الإخوان. قال: " الإخوان
~~صنفان: إخوان الثقة، وإخوان المكاشرة (3)، فأما إخوان الثقة، فهم الكف
~~والجناح والأهل والمال، فإذا كنت من أخيك على حد الثقة، فابذل له مالك
~~وبدنك، وصاف من صافاه، وعاد من عاداه، واكتم سره وعيبه، واظهر منه الحسن،
~~واعلم - أيها السائل - أنهم أقل من الكبريت الأحمر.
# وأما إخوان المكاشرة، فإنك تصيب منهم لذتك، فلا تقطعت ذلك منهم، ولا
~~تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم، وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة
~~اللسان " (4).
# وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا اقشعر جلدك ms061 ودمعت عيناك ووجل
~~قلبك، فدونك دونك، فقد قصدت قصدك " (5).
# وعن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قال
~~أمير المؤمنين صلوات الله عليه: شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابون
~~(6) في مودتنا، المتزاورون في إحياء أمرنا، إن غضبوا لم يظلموا، وإن رضوا
~~لم يسرفوا، بركة على من جاوروا، وسلم لمن خالطوا " (7).
# وعن عيسى النهريري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله
~~صلى الله عليه وآله: من عرف الله وعظمته، منع فاه من الكلام، وبطنه من
~~الطعام، وعز (8) نفسه بالصيام والقيام. فقالوا: بآبائنا وأمهاتنا أنت يا
~~رسول الله [هؤلاء أولياء الله؟] (9) فقال:
# PageV00P112
# إن أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكرا، ونظروا فكان نظرهم عبرة، ونطقوا
~~فكان نطقهم حكمة، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة، لولا الآجال التي كتبت
~~لهم، لم تقر أرواحهم في أجسادهم، خوفا من العذاب، وشوقا إلى الثواب " (1).
# وعنه يرفعه قال: خطب الحسن بن علي عليهما السلام فقال: " أيها الناس، أنا
~~أخبركم عن أخ كان لي، وكان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظم به في
~~عيني، صغر الدنيا في عينه، وكان خارجا عن سلطان الجهالة، فلا يمد يده إلا
~~على ثقة، وكان لا يتشهى ولا يسخط ولا يتبرم وكان أكثر دهره صامتا، فإذا قال
~~بذ القائلين ونقع غليل السائلين، وكان لا يدخل في مراء، ولا يشارك في دعوى،
~~ولا يدلي بحجة حتى يأتي قاضيا، وكان لا يغفل عن إخوانه، ولا يخص نفسه بشئ
~~دونهم، وكان ضعيفا مستضعفا، فإذا جاء الجد كان ليثا عاديا، وكان لا يلوم
~~أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذاره، وكان يقول ما يفعل، ولا يقول
~~ما لا يفعل، وكان إذا اعتراه أمران، نظر أيهما كان أقرب إلى الهوى فخالفه،
~~وكان لا يشكو وجعا إلا عند من يرجو عنده البرء، وكان لا يستشير إلا عند من
~~يرجو عنده النصيحة، وكان لا يتبرم لا يتسخط، ولا يتشكى، ولا يتشهى، ولا
~~ينتقم، ولا يغفل عن العدو. فعليكم بهذه ms062 الخلائق الكريمة إن أطقتموها، وإن
~~لم تطيقوها كلها، فأخذ القليل خير من ترك الكثير، ولا حول ولا قوة إلا
~~بالله " (2).
# وعن مهزم الأسدي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " شيعتنا من لا يعدو
~~صوته سمعه، ولا شحناؤه بدنه، ولا يتمدح بنا معلنا ولا يجالس لنا عائبا، ولا
~~يخاصم لنا قاليا، إن لقي مؤمنا أكرمه، وإن لقي جاهلا هجره ".
# فقلت: جعلت فداك، فكيف أصنع بهؤلاء المشبهة؟
# قال: " فيهم (3) التمييز، وفيهم (4) التبديل، وفيهم التمحيص، تأتي عليهم
~~سنون تفنيهم، وطاعون يقتلهم، واختلاف يبدده، شيعتنا [من] (5) لا يهر هرير
~~الكلاب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل عدونا وإن مات جوعا ".
# PageV00P113
# قلت: [جعلت] (1) فداك، فأين أطلب هؤلاء؟
# قال: " في أطراف الأرض، أولئك الخفيض عيشهم، المنتقلة ديارهم، إن شهدوا
~~لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، ومن الموت لا يجزعون، وفي قبورهم
~~يتزاورون، وإن لجأ إليهم ذو حاجة رحموه، لن (2) تختلف قلوبهم وإن اختلفت
~~بهم الدار ".
# ثم قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا المدينة وعلي الباب،
~~وكذب من زعم أنه يدخل المدينة إلا من قبل الباب، وكذب من زعم أنه يحبني
~~ويبغض عليا " (3).
# وعن سماعة بن مهران قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " قال (4) رسول
~~الله صلى الله عليه وآله: من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم،
~~ووعدهم فلم يخلفهم، كان ممن حرمت غيبته، وكملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت
~~أخوته " (5).
# وعن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: " قال رسول
~~الله صلى الله عليه وآله: ثلاث خصال من كن فيه استكمل الإيمان: الذي إذا
~~رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه الغضب من الحق، وإذا قدر لم
~~يتعاط ما ليس له " (6).
# وبإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله: إن خياركم أولوا النهى، قيل: يا رسول الله، ومن أولوا النهى؟ قال: هم
~~أولوا الأخلاق الحسنة، والأحلام الرزينة، وصلة الأرحام، والبررة بالآباء
~~والأمهات، والمتعاهدون الفقراء والجيران واليتامى، ويطعمون الطعام، ويفشون ms063
~~السلام في العالم، ويصلون والناس نيام غافلون " (7).
# PageV00P114
# وعن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من زار أخاه لله - لا
~~لشئ غيره - بل التماس موعد الله، وتنجز ما عنده، وكل الله به سبعين ألف
~~ملكا ينادونه:
# ألا طبت، وطابت لك الجنة " (1).
# وعن محمد بن قيس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن الله جنة لا
~~يدخلها إلا ثلاثة: رجل حكم على نفسه بالحق، ورجل زار أخاه في الله، ورجل
~~آثر أخاه المؤمن في الله " (2).
# وعن كتاب المجالس للبرقي، عن عبد الله بن يونس، عن أبي عبد الله عليه
~~السلام قال: " قام رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام - وهو يخطب - فقال:
~~يا أمير المؤمنين، صف لنا صفة المؤمن كأننا ننظر إليه، فقال عليه السلام:
~~المؤمن هو الكيس الفطن، بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شئ صدرا، وأذل
~~شئ لقاء، زاجر نفسه عن كل باب، خائض الغمرات على كل خير، لا حقود، ولا
~~حسود، ولا وثاب، ولا سباب، ولا عياب، ولا مغتاب، يكره الرفعة، ويشنأ
~~السمعة، طويل الغم، بعيد الهم، كثير الصمت، ذكور، وقور، صبور، شكور، مغموم
~~بذكره، مسرور بفقره، سهل الخليقة، لين العريكة، رصين الوفاء، قليل الأذى،
~~لا متأفك ولا متهتك، إن ضحك لم يخترق، وإن غضب لم ينزق، ضحكه تبسما،
~~واستفهامه تعلما، ومراجعته تفهما، كثير علمه، عظيم حلمه، كثير الرحمة، لا
~~يبخل، ولا يعجل، ولا يضجر، ولا يبطر، ولا يحيف في حكمه، ولا يجور في علمه،
~~نفسه أصلب من الصلد، ومكادحته أحلى من الشهد، لا جشع، ولا هلع، ولا عنت،
~~ولا صلف، ولا متكلف، ولا متعمق، جميل المسارعة، كريم المراجعة، عدل إن غضب،
~~رفيق إن طلب، لا متهور، ولا متهتك، ولا متجبر، خالص الود، وثيق العهد، وفي
~~العقد، شفيق وصول، حليم خمول، قليل الفضول، راض عن الله عز وجل، مخالف
~~لهواه لا يغلظ على من يؤذيه، ولا يخوض في ما لا يعنيه، ناصر للدين، محام عن
~~المؤمنين، وكنف للمسلمين، لا يخرق الثناء سمعه (3)،
# PageV00P115
# ولا ينكأ الطمع ms064 قلبه، ولا يصرف اللعب حكمه، ولا يطلع الجاهل علمه، قؤول
~~عمال، عالم حازم، لا فحاش ولا طياش، وصول في غير عنف، بذول في غير سرف، لا
~~حكار ولا غدار، ولا يقتفي أثرا، ولا يحيف بشرا، رفيق بالخلق، ساع في الأرض،
~~عون للضعيف، غوث للملهوف، لا يهتك سترا ولا يكشف سرا، كثير البلوى، قليل
~~الشكوى.
# إن رأى خيرا ذكره، وإن عاين شرا ستره، يستر العيب، ويحفظ الغيب، ويقيل
~~العثرة، ويغفر الزلة لا يطلع على نصح فيذر، ولا على فحش فيتهم، أمين رصين،
~~تقي نقي زكي، وفي رضي، يقبل العذر، ويجمل الذكر، ويحسن بالناس الظن، ويتهم
~~على الغيب نفسه.
# يحب في الله بفقه وعلم، ويقطع في الله بحزم وعزم، لا يخرق به فرح، ولا
~~يطيش به مرح، مذكر العالم، معلم الجاهل، لا يتوقع له بائقة، ولا يخاف منه
~~غائلة، كل سعي أخلص عنده من سعيه، وكل نفس أصلح عنده من نفسه، عالم بعيبه،
~~متشاغل بغمه، لا يثق بغير ربه، غريب وحيد فريد، يحب في الله، ويجاهد في
~~الله، ليتبع رضاه، ولا ينتقم لنفسه بنفسه، ولا يؤاتي في سخط ربه.
# مجالس لأهل الفقر، مصادق لأهل الصدق، مؤازر لأهل الحق، عون للغريب، أب
~~لليتيم، بعل للأرملة، حفي بأهل المسكنة، مرجو لكل كريمة، مأمول لكل شدة،
~~هشاش بشاش، ليس بعباس ولا بجساس، صليب كظام بسام، دقيق النظر، عظيم الحذر،
~~لا يبخل وإن بخل عليه صبر، عقل فاستحيى وقنع فاستغنى، حياؤه يعلو شهوته،
~~ووده يعلو حسده، وعفوه يعلو حقده، لا ينطق بغير صواب.
# لبسه الاقتصاد، ومشيه التواضع خاشع لربه بطاعته، راض عنه في كل حالاته،
~~نيته خالصة، أعماله ليس فيها غش ولا خديعة، نظره عبرة، وسكوته فكرة، وكلامه
~~حكمة، مناصحا متباذلا متآخيا ناصحا في السر والعلانية، لا يهجر أخاه، ولا
~~يمكر به، ولا يغتابه، ولا يأسف على ما فاته، ولا يحزن على ما أصابه، ولا
~~يرجو ما لا يجوز له الرجا، ولا يفشل عند اللقاء للعدو، ولا يقنط عند
~~البلاء، ولا يبطر في الرخاء، يمزج الحلم ms065 بالعلم، والعقل بالصبر.
# تراه بعيدا كسله، دائما نشاطه، قريبا أمله، قليلا زلله، متوقعا أجله،
~~خاشعا قلبه، ذاكرا ربه، قانعة نفسه، نزرا أكله، منفيا نومه، سهلا أمره،
~~حزينا لدينه، ميتة شهوته، كظوما غيظة، صافيا خلقه، آمنا جاره، ضعيفا كبره،
~~قانعا بالذي قدر له، متينا PageV00P116
# صبره، محكما أمره، كثيرا ذكره، يخالط الناس ليعلم، ويصمت ليسلم، ويسأل
~~ليفهم، ويتجر ليغنم، لا ينصت للخبر فيفجر به، ولا يتكلم الخبر على من سواه
~~(1)، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس
~~من نفسه، إن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو المنتصر له، بعده مما تباعد منه
~~بغض ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده تكبرا ولا عظمة، ولا
~~دنوه خديعة ولا مكرا، بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير، وهو إمام لمن
~~بعده من أهل البر " (2).
# ومن كتاب المجالس أيضا، عن البرقي، ويرفعه إلى أحدهم عليهم السلام، قال:
~~" مر أمير المؤمنين صلوات الله عليه وسلامه بمجلس من مجالس قريش، فإذا هو
~~بقوم بيض ثيابهم، صافية ألوانهم، كثير ضحكهم، يشيرون إلى من مر بهم
~~بأصابعهم. ثم مر بمسجد الأوس والخزرج، فإذا أقوام قد بليت منهم الأبدان،
~~ورقت منهم الرقاب، واصفرت منهم الألوان، وقد تواضعوا بالكلام. فتعجب أمير
~~المؤمنين عليه السلام منهم، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:
~~بأبي أنت وأمي، إني مررت بمجلس لآل فلان، ثم وصفهم، ومررت بمجلس للأوس
~~والخزرج، فوصفهم، ثم قال: وجميع مؤمنون!
# فأخبرني - يا رسول الله - بصفة المؤمن؟
# فنكس رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه، ثم رفعه فقال: عشرون خصلة في
~~المؤمن، فإن لم يكن فيه لم يكمل إيمانه، إن من أخلاق المؤمنين - يا علي -
~~الحاضرون الصلاة، والمسارعون إلى الزكاة، [والحاجون لبيت الله الحرام،
~~والصائمون في شهر رمضان] (3) والمطعمون المسكين، والماسحون رأس اليتيم،
~~المطهرون أظفارهم (4)، المتزرون على أوساطهم، الذين إن حدثوا لم يكذبوا،
~~وإن وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإن تكلموا صدقوا، رهبان
~~الليل، وأسود النهار، ms066 وصائمون النهار، وقائمون الليل، لا يؤذون جارا، ولا
~~يتأذى بهم جار، الذين مشيهم على الأرض هونا، وخطاهم إلى بيوت الأرامل، وعلى
~~أثر الجنائز، جعلنا الله وإياكم من المتقين " (5).
# PageV00P117
# ومن كتاب الفرائد والعوائد: عن أبي جعفر عليه السلام قال: " من آداب
~~المؤمن حفظ الأمانة، والمناصحة، والتفكر، والتقية، والبر، وحسن الخلق، وحسن
~~الظن، والصبر، والحياء، والسخاء، والعفة، والرحمة، والمغفرة، والرضا، وصلة
~~الرحم، والصمت، والستر، والعفة، والرحمة، والمغفرة، والمواساة، والتكريم،
~~والتسليم، وطلب العلم، والقناعة، والصدق، والوفاء، وترك الاعتلام (1)، وترك
~~الاحتشام، والعزم، والنصفة، والتواضع، والمشاورة، والاستقالة، والشكر،
~~والحياء، والوقار ".
# ثم ذكر عليه السلام الخصال التي يجب على المؤمن تجنبها، فقال: " البغي،
~~والبخل والدناءة، والخيانة، والغش، والحقد، والظلم، والشره، والخرق،
~~والعجب، والكبر، والحسد، والغدر الفاشي، والكذب، والغيبة، والنميمة،
~~والمكايدة، وسوء الظن، ويمين البوار، والنفاق، والمنة، وجحود الإحسان،
~~والعجز، والحرص، واللعب، والإصرار، والقطيعة، والمزاح، والسفه، والفحش،
~~والغفلة عن الواجب، وإذاعة السر ".
# وعن ابن مسكان، عن الصادق عليه السلام قال: " إن الله خص رسله بمكارم
~~الأخلاق، وطبعهم عليها، فامتحنوا أنفسكم، فإن كانت فيكم، فاحمدوا الله عز
~~وجل، واعلموا أن ذلك من خير، وإن لم تكن فيكم، فاسألوا الله تعالى التوفيق
~~لها، واجتهدوا ".
# وقال عليه السلام: " مكارم الأخلاق عشرة: اليقين، والقناعة، والصبر،
~~والشكر، والحلم، وحسن الخلق، والسخاء والمروءة، والغيرة، والشجاعة " (2).
# ثم قال عليه السلام: " هذه العشرة خصال من صفات المؤمنين، فمن كانت فيه،
~~فليعلم أن ذلك من خير أراده الله تعالى به ".
# وزاد عليها فقال: " والبر، والصدق، وأداء الأمانة، والحياء ".
# وروى ابن بكير (3) عن عليه السلام أنه قال: " إنا لنحب من كان عاقلا،
~~فهما، فقيها، عليما، مداريا، صبورا، صدوقا، وفيا، إن الله تعالى خص
~~الأنبياء عليهم
# PageV00P118
# السلام بمكارم الأخلاق، فمن كان فيه شئ من مكارم الأخلاق فليحمد الله
~~تعالى، ومن لم يكن فيه فليتضرع إلى الله عز وجل وليسأله إياها ".
# قال: وذكر هذه الخصال وزادها. وصدق الحديث (1).
# وعن جابر بن يزيد الجعفي، عن الباقر عليه السلام قال: " قال رسول الله
~~صلى الله عليه وآله: ألا أخبركم بأشبهكم بي ms067 خلقا؟ فقيل: بلى، يا رسول الله،
~~فقال:
# أعظمكم حلما، وأكثركم علما، وأبركم بقرابته، وأشدكم حبا لإخوانه في دينه،
~~وأصبر كم على الرضا والغضب ".
# وروي عنه عليه السلام أنه قال: " إن الله تعالى ارتضى لكم الإسلام،
~~فأحسنوا صحبته بالسخاء وحسن الخلق " (2).
# وعن المفضل بن عمر، عن الكاظم عليه السلام قال: " لم ينزل من السماء أعز
~~ولا أقل من ثلاثة أشياء: التسليم، والبر، واليقين " (3).
# وروي عنه عليه السلام، أنه قال: " ألا أخبركم بمكارم الأخلاق؟ قالوا:
~~بلى، يا بن رسول الله، فقال: الصفح عن الناس، ومواساة الأخ المؤمن في الله
~~تعالى، من المال - قل أو كثر - وذكر الله تعالى كثيرا ".
# وقيل له عليه السلام: من أكرم الخلق على الله تعالى؟ فقال: " من إذا أعطي
~~شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أسيئ إليه غفر ".
# وعن يحيى بن أم الطويل، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: " طوبى لمن
~~طاب خلقه، وطهرت سجيته، وحسنت علانيته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل
~~من قوله، وأنصف الناس من نفسه ".
# وروي عنه عليه السلام أنه قال: " لا تعب أخاك المؤمن بعيب هو فيك حتى
~~تصلحه من نفسك، فإذا أصلحته بدا لك عيب غيره، وكفى بالمرء شغلا بنفسه ".
# وقال عليه السلام: " أنفق ولا تخف فقرا، وأنصف الناس ".
# وعن محمد بن أبي زينب، عن الصادق عليه السالم قال: " الدعاء عند الكرب،
~~والاستغفار عند الذنب، والشكر عند النعمة، من أخلاق المؤمنين ".
# PageV00P119
# وقال عليه السلام: " البر وحسن الخلق، يعمران الديار، ويزيدان في
~~الأعمار.
# وصنائع المعروف وحسن البشر، يكسبان المحبة، ويدخلان الجنة. والبخل وعبوس
~~الوجه، يبعدان من الله تعالى ذكره، ويدخلان النار ".
# وعنه عليه السلام قال: " وجدت في ذؤابة ذي الفقار صحيفة، فيها: صل من
~~قطعك، واعط من حرمك، وقل الحق ولو على نفسك ".
# وعن الكاظم عليه السلام، أنه قال: " لا عز إلا لمن تذلل لله، ولا رفعة
~~إلا لمن تواضع لله، ولا أمن خاف الله، ولا ربح إلا لمن باع الله نفسه ".
# وعن الصادق عليه لسلام قال: " ثلاثة لا يطيقهن الناس: الصفح عن ms068 الناس،
~~ومواساة الرجل أخاه المؤمن، وذكر الله تعالى كثيرا " (١).
# وقال عليه السلام: " ما ابتلي الناس بشئ أشد من إخراج الدرهم، لا الصلاة
~~ولا الصيام ولا الحج، فأن الله تعالى يقول: ﴿ولا يسألكم أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا﴾ (٢)
~~ثم قال: ﴿ومن يبخل فإنما يبخل عن
~~نفسه والله الغني وأنتم الفقراء﴾ (3) ".
# وقال عليه السلام (4): " إن أحب الخلائق إلى الله تعالى شاب حدث السن، في
~~صورة حسنة، جعل شبابه وجماله في طاعة الله تعالى، ذاك الذي يباهي الله
~~تعالى به ملائكته فيقول: هذا عبدي حقا ".
# وعنه عليه السلام، أنه قال: " شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزه كفه عن
~~أعراض الناس، واستغناؤه عما في أيديهم ".
# وعنه عليه السلام قال: " من أخرجه الله تعالى من ذل المعصية إلى عز
~~الطاعة، أغناه الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس. ومن خاف
~~الله تعالى، أخاف الله منه كل شئ، ومن لم يخف الله، خوفه الله من كل شئ.
~~ومن رضي من الله تعالى باليسير من المعاش، رضي الله منه باليسير من العمل،
~~ومن لم يستحي من طلب الحلال وقنع به، خفت مؤنته، ونعم أهله. ومن زهد في
~~الدنيا، أثبت الله الحكمة في
# PageV00P120
# قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا - داءها ودواءها - وأخرجه من
~~الدنيا سالما إلى دار السلام " (1).
# وقال عليه السلام: " من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله، وأقوى الناس
~~فليتوكل على الله، وأغناهم فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه ".
# وعنه عليه السلام قال: " ثلاث منجيات: خوف الله في السر والعلانية كأنك
~~تراه، وإن لم تكن تراه فإنه يراك، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى
~~والفقر.
# وثلاث مهلكات: هوى متبع، وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه ".
# وعن النبي صلى الله عليه وآله قال: " أقرب الناس من الله - يوم القيامة -
~~من طال جوعه وعطشه وحزنه في الدنيا، وهم الأتقياء الأخفياء الذين إن شهدوا
~~لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، تعرفهم بقاع الأرض، ms069 وتحف بهم ملائكة
~~السماء، نعم الناس بالدنيا، ونعموا بطاعة الله، افترش الناس الفرش،
~~وافترشوا الجباه والركب، ضيع الناس أوقاتهم في لهو الدنيا، وحفظوها هم في
~~الجد والاجتهاد، تبكي الأرض لفقدهم، ويسخط الله على كل بلدة ليس فيها منهم
~~أحد، لم يتكلبوا على الدنيا تكلب الكلاب على الجيف، يراهم الناس يظنون أن
~~بهم داء، وما بهم من داء إلا الخوف من الله، ويقال: قد خولطوا وذهبت
~~عقولهم، وما ذهبت، ولكن نظروا بقلوبهم إلى أمر أذهب عنهم الدنيا، فهم عند
~~أهل الدنيا يمشون بلا عقول، وهم الذين عقلوا، وذهبت عقول من خالفهم " (2).
# وروي أن في التوراة مكتوبا: إن الله تعالى يبغض الحبر السمين، لأن السمن
~~يدل على الغفلة وكثرة الأكل، وذلك قبيح وخصوصا بالحبر.
# ومثله (3) قال ابن مسعود: إن الله يبغض [القارئ] (4) السمين (5).
# وفي خبر مرسل: " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه
~~بالجوع والعطش " (6).
# PageV00P121
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: " إن للمؤمن أربع علامات: وجها منبسطا،
~~ولسانا لطيفا، وقلبا رحيما، ويدا معطية ".
# وقال عليه السلام: " إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها: صدق الحديث،
~~وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وقلة الفخر والبخل (1)، وصلة الأرحام،
~~ورحمة الضعفاء، وقلة المواتاة للنساء، وبذل المعروف، وحسن الخلق، وسعة
~~الحلم، واتباع العلم فيما يقرب إلى الله عز وجل، فطوبى لهم وحسن مآب. وطوبى
~~شجرة في الجنة، أصلها في دار رسول الله ليس من مؤمن إلا وفي داره غصن منها،
~~لا ينوي في قلبه شيئا إلا أتاه الله به من [ذلك] (2) الغصن، ولو أن راكبا
~~مجدا سار في ظلها مائة عام لم يخرج منها، ولو أن غرابا طار من أصلها ما بلغ
~~أعلاها حتى يبيض هرما، ألا ففي هذا فارغبوا، إن المؤمن من نفسه في شغل،
~~والناس منه في راحة، إذا جن عليه الليل فرش وجهه على الأرض، وسجد لله تعالى
~~بمكارم بدنه، يناجي ربه الذي خلقه في فكاك رقبته من النار، ألا فهكذا كونوا
~~" (3).
# وعن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال: " لا يقبل الله من ms070 الأعمال إلا
~~ما صفا وصلب ورق، فأما صفاءها فلله وأما صلابتها فللدين، وأما رقتها
~~فللإخوان ".
# وروي أن سلمان دخل على أمير المؤمنين - وبيده رقعة - فقال: " هي من
~~الرقاع التي علقت على آذان أصحاب الكهف " وإذا فيها ثلاثة أسطر: أولها: قضي
~~القضاء، وتم القدر، وما جرى به القدر فهو كائن.
# والثاني: الرزق مقسوم، والحريص محروم، والبخيل مذموم.
# والثالث أعن زمانك، واخف مكانك، واحفظ لسانك، واقبل على شأنك.
# وروي عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه التقى بقوم فقال: " من أنتم؟ ".
# فقالوا: مؤمنون، يا رسول الله.
# فقال صلى الله عليه وآله: " ما حقيقة إيمانكم؟ ".
# فقالوا: الرضا بقضاء الله، والصبر على بلاء الله، والتسليم لأمر الله.
# PageV00P122
# فقال: " علماء حكماء، كادوا يكونوا أنبياء من الحكمة، فإن كنتم صادقين
~~فلا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تجمعوا ما لا تأكلون، واتقوا الله الذي إليه
~~ترجعون ".
# وروي أن قوما استقبلوا أمير المؤمنين عليه السلام - بباب الفيل، في مسجد
~~الكوفة - فسلموا عليه وقالوا: نحن شيعتك، يا أمير المؤمنين، فقال: " كذبتم،
~~شيعتي عمش العيون من البكاء، ذبل الشفاه من الذكر والدعاء، خمص البطون من
~~الطوى، صفر الوجوه من السهر، حدب الظهور من القيام ".
# وعن نوف (1) البكالي قال: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام في ساعة من
~~الليل، فقال: " يا نوف، إن الله تعالى أوحى إلى المسيح عليه السلام: أن قل
~~لبني إسرائيل: لا يدخلوا بيتا من بيوتي، إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة،
~~وأكف نقية، وأعلمهم أني لا أجيب لأحد منهم دعوة، ولأحد من خلقي عنده مظلمة.
# يا نوف، إن داود النبي عليه السلام خرج في هذه الساعة من الليل وقال:
# إن هذه ساعة لا يدعو فيها داع بخير إلا استجاب الله تعالى [له] (2)، إلا
~~أن يكون شاعرا، أو عاشرا، أو شرطيا، أو عريفا، أو بريدا، أو صاحب كوبة (3)،
~~أو عرطبة (4) ".
# وروي عن الصادق عليه السلام قال: " المؤمن أعز من الكبريت الأحمر " (5).
# وعن الباقر عليه السلام قال: " الناس كلهم بهائم - قالها ثلاثا - إلا
~~قليلا من المؤمنين، والمؤمن غريب - قالها ثلاثا - " (6).
# وعن ms071 سدير الصيرفي قال: دخلت على الصادق عليه السلام، وقلت له: والله ما
~~يسعك القعود.
# قال: " ولم يا سدير؟ " قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك، والله لو
# PageV00P123
# كان لأمير المؤمنين عليه السلام مثل مالك من الأنصار والموالي والشيعة،
~~ما طمع فيه تيم ولا عدي.
# فقال: " وكم عسى أن يكونوا؟ " قلت: مائة ألف.
# فقال: " مائة ألف! " فقلت: مائتا ألف.
# فقال: " مائتا ألف! " فقلت: نعم ونصف الدنيا. فسكت عني ثم قال: " يجب
~~عليك أن تبلغ معنا إلى (1) ينبع (2) ".
# قلت: نعم. فأمر بجمل وبغل أن يسرجا، فبادرت إلى الجمل فركبته. فقال:
# " يا سدير ترى أن تؤثرني بالجمل ".
# فقلت له: البغل أرفق.
# فقال: " الجمل أرفق لي " فنزل وركب عليه السلام الجمل وركبت البغل
~~فمضينا، فجاءت الصلاة، فقال: " يا سدير، انزل بنا نصلي، ولكن هذه أرض
~~السبخة، لا يجوز الصلاة فيها " فسرنا حتى صرنا في أرض حمراء، ونظر إلى غلام
~~يرعى جديا فقال: " يا سدير، والله لو كان لي (سبعة عشر) (3) بعدد هذه
~~الجديان، ما وسعني القعود " ونزلنا فصلينا، فلما فرغنا من الصلاة عددت
~~الجديان فإذا هي سبعة عشر جديا (4).
# وقال الصادق عليه السلام: " إن المؤمن لقليل، وإن أهل الضلالة لكثير ".
# وقال الكاظم عليه السلام: " ليس كل من قال بولايتنا مؤمنا، ولكن جعلوا
~~أنسا للمؤمن " (5).
# PageV00P124
# وفي الإنجيل: الأشجار كثيرة، وطيبها قليل.
# وعن المفضل بن عمر، قال جعفر بن محمد: " يا مفضل، إياك والسفلة، وإنما
~~شيعة علي من عف بطنه وفرجه، واشتد جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، وخاف
~~عقابه، فإذا رأيتهم بهذه الصفة فأولئك شيعة علي " (1).
# وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن المؤمن فقال: " الصفوة من الناس،
~~وإن أشد الناس بلاءا الصفوة من الناس، ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى المؤمن
~~على قدر إيمانه وحسن عمله، كلما اشتد عمله اشتد بلاؤه، وكلما سخف إيمانه قل
~~بلاؤه ".
# وقال عليه السلام: " إنما المؤمن بمنزلة كفتي الميزان، كلما زيد في
~~إيمانه زيد في بلائه، ولا يمضي على المؤمن أربعون يوما إلا ويعرض له أمر
~~يحزنه ليذكره " (2).
# وعن المفضل بن عمر، عن ms072 الصادق عليه السلام، قال: " لا يكون المؤمن مؤمنا
~~حتى يهجر فينا القريب والبعيد، والأهل والولد ".
# وعن أبي إسماعيل قال: قلت للصادق عليه السلام: إن الشيعة عندنا كثير،
~~فقال: " هل يعطف الغني على الفقير؟ ويتجاوز المحسن عن المسئ؟ ويتواسون؟ "
~~قلت: لا، قال: " ليس هؤلاء شيعة، إنما الشيعة من يفعل هذا " (3).
# وعن عبد المؤمن الأنصاري قال: دخلت على الكاظم عليه السلام، وعنده محمد
~~بن عبد الله الجعفي، فتبسمت في وجهه، فقال: " أتحبه؟ " فقلت: نعم، وما
~~أحببته إلا فيكم، فقال: " هو أخوك، المؤمن أخو المؤمن لأبيه ولأمه، ملعون
~~من اتهم أخاه، ملعون من غش أخاه، ملعون ملعون من لم ينصح أخاه، ملعون ملعون
~~من استأثر على أخيه، ملعون ملعون من احتجب عن أخيه، ملعون ملعون من اغتاب
~~أخاه " (4).
# وقال علي بن الحسين عليهما السلام: " إن الله تعالى لم يفترض فريضة أشد
~~من بر الإخوان، وما عذب الله أحدا أشد ممن ينظر إلى أخيه بعين غير وادة،
~~فطوبى
# PageV00P125
# لمن وفقه الله تعالى لأداء حق المؤمن ".
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " فرض الله الأثرة، فقال: ألا تستأثر
~~على أخيك بما هو أحوج إليه منك ".
# وهذا الحديث من كتاب المجالس للبرقي.
# وروى أبو جعفر الكليني - في كتاب الزكاة - عن المفضل بن عمر قال:
# كنت عند الصادق عليه السلام، وقد سأله رجل فقال له (١): كم تجب الزكاة عن
~~المال؟ فقال: " الزكاة الظاهرة أم الباطنة تريد؟ " فقال: أريد هما جميعا،
~~فقال:
# " أما الظاهرة ففي كل ألف درهم خمسة وعشرون درهما، وأما الباطنة فلا
~~تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك " (٢).
# وعن الباقر عليه السلام قال: " إن لله جنة لا يسكنها إلا ثلاثة: أحدهم
~~رجل آثر أخاه المؤمن في الله على نفسه " (٣).
# وعن أبان بن تغلب قال: قلت للصادق عليه السلام: ما حق المؤمن على أخيه،
~~فقال: لا ترده، فقلت: بلى، فقال: " أن تقاسمه مالك شطرين ".
# قال: فعظم ذلك علي، فلما رأى عليه السلام شدته علي قال: " أما علمت أن
~~الله تعالى ذكر المؤثرين على أنفسهم ومدحهم في ms073 قوله تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم
~~خصاصة﴾ (4)؟ فقلت: بلى فقال: " فإذا قاسمته وواسيته وأعطيته النصف من
~~مالك لم تؤثره، إنما تؤثره إذا أعطيته أكثر مما تأخذه " (5).
# عن محمد بن سنان قال: كنت عند الصادق عليه السلام - ومبشر (6) عنده -
~~فقال: " يا مبشر، قال: لبيك، فقال له: قد حضر أجلك غير مرة ومرتين، كل ذلك
~~يؤخر لصلتك المؤمن " (7).
# PageV00P126
# وعن النبي صلى الله عليه وآله قال: " صلة الرحم تزيد في العمر، وصلة
~~المؤمن صلة الله تعالى، فمن قطع أخاه المؤمن صلته، قطع الله الحبل الذي
~~بينهما، وسلبه معرفته، وتركه في طغيانه يعمه ".
# وقال عليه السلام: " يأتي على الناس زمان، من سكت فيه مات، ومن تكلم فيه
~~عاش. فقال إسحاق بن عمار: ما أصنع إن أدركت ذلك الزمان؟ فقال:
# تعينهم بما عندك، فإن لم تجد فبجاهك " (1).
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " من كمال المرء المؤمن تركه ما لا يجمل
~~به، ومن حيائه أن لا يلقى أحدا بما يكره، ومن عقله حسن رفقه، ومن أدبه علمه
~~بما لا بد له منه، ومن ورعه غض بصره وعفة بطنه، ومن حسن خلقه كفه أذاه، ومن
~~سخائه بره بمن يجب حقه، ومن دينه إيثاره على نفسه، ومن صبره قلة شكواه، ومن
~~عقله إنصافه من نفسه وتركه الغضب عند مخالفته، وقبوله الحق إذا بان له، ومن
~~نصيحته نهيه أخاه عن معصيته، ومن حفظه جواره ستره لعيوب جيرانه، وتركه
~~توبيخهم عند إساءتهم إليه، ومن رفقه تركه المواقفة على الذنب بين يدي من
~~يلوم المذنب على ذنبه، ومن حسن صحبته إسقاطه عن صاحبه مؤونة أذاه، ومن
~~صداقته كثرة موافقته، ومن صلاحه شدة حزنه، ومن شكره معرفة إحسان من أحسن
~~إليه، ومن تواضعه معرفته بقدره، ومن حكمته معرفته بذاته، ومن مخافته ذكره
~~الآخرة بقلبه ولسانه، ومن سلامته قلة تحفظه لعيوب غيره واعتنائه في صلاح
~~عيوب نفسه ".
# وقال الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام، لبعض شيعته: " إنا لا نغني
~~عنكم شيئا إلا بالورع، وإن ولايتنا ms074 لا تنال إلا بالورع والاجتهاد، ولا تدرك
~~إلا بالعمل، وإن أشد الناس عذابا يوم القيامة من وصف عدلا وأتى جورا ".
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " إن من أحب عباد الله إليه، عبدا أعانه
~~الله على نفسه، فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف، فزهر مصباح الهدى في قلبه،
~~وأعد القرى ليومه النازل به، فقرب على نفسه البعيد، وهون الشديد.
# نظر فأبصر، وذكر فأكثر، فارتوى من عذب فرات، سهلت له موارده فشرب
# PageV00P127
# نهلا، وسلك سبيلا جددا، قد خلع سرابيل الشهوات، وتخلى من الهموم إلا هما
~~واحدا انفرد به، فخرج من صفة العمى، ومشاركة أهل الهوى، وصار من مفاتيح
~~أبواب الهدى، ومغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه، وسلك سبيله، وعرف مناره،
~~وقطع غماره (1)، واستمسك من العرى بأوثقها، ومن الحبال بأمتنها، فهو من
~~اليقين على مثل ضوء الشمس.
# قد نصب نفسه - لله سبحانه - في أرفع الأمور، من إصدار كل وارد عليه،
~~وتصيير كل فرع إلى أصله، مصباح ظلمات، كشاف غشوات، مفتاح مهمات، دفاع
~~معضلات، دليل فلوات، يقول فيفهم، ويسكت فيسلم.
# قد أخلص لله سبحانه فاستخلصه، فهو من معادن دينه، وأوتاد أرضه، قد ألزم
~~نفسه العدل، فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به، لا يدع
~~للخير غاية إلا أمها، ولا مظنة إلا قصدها، قد أمكن الكتاب من زمامه، فهو
~~قائده وإمامه، يحل حيث كان محله، وينزل حيث كان منزله.
# وآخر قد تسمى عالما وليس به، فاقتبس جهائل من جهال، وأضاليل من ضلال،
~~ونصب للناس أشراكا من حبائل غرور وقول زور، قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف
~~الحق على أهوائه، يؤمن من العظائم، ويهون كبير الجرائم، يقول:
# أقف عند الشبهات، وفيها وقع، ويقول: أعتزل البدع، وبينها اضطجع، فالصورة
~~صورة إنسان، والقلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتبعه، ولا باب العمى
~~فيصد عنه، فذلك ميت الأحياء.
# فأين تذهبون! وأنى تؤفكون! والأعلام قائمة، والآيات واضحة، والمنار
~~منصوبة، فأين يتاه بكم! بل كيف تعمهون! وبينكم عترة نبيكم، وهم أزمة الحق،
~~وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل، وردوهم ms075 ورود الهيم العطاش.
# أيها الناس، خذوها عن خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم: إنه يموت من يموت
~~منا وليس بميت، ويبلى من بلي وليس ببال، فلا تقولوا ما لا تعرفون، فإن أكثر
~~الحق فيما تنكرون، وأعذروا من لا حجة لكم عليه وأنا هو، ألم أعمل فيكم
~~بالثقل الأكبر!
# وأترك فيكم الثقل الأصغر! وركزت فيكم راية الإيمان! ووقفتكم على الحلال
~~والحرام!
# وألبستكم العافية من عدلي! وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي! وأريتكم كرائم
# PageV00P128
# الأخلاق من نفسي! فلا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر، ولا
~~يتغلغل إليه الفكر، حتى يظن الظان أن الدنيا معقولة على بني أمية، تمنحهم
~~درها، وتوردهم صفوها، ولا يرفع عن الأمة سيفها ولا سوطها، وكذب الظان لذلك،
~~بل هي مجة من لذيذ العيش، يتطعمونها برهة ثم يلفظونها جملة " (1).
# ومن كتاب الخصال: عن محمد بن علي الباقر قال: " سئل رسول الله صلى الله
~~عليه وآله، عن خيار العباد، قال: الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤا
~~استغفروا، وإذا أعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا غضبوا غفروا " (2).
# وروى الحارث بن المغيرة النضري (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:
# " ستة لا تكون في المؤمن: العسر، والنكد (4)، واللجاجة، والكذب، والحسد
~~[والبغي] (5) " (6).
# ومن الكتاب المذكور: عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: " قال عيسى بن
~~مريم عليه السلام: طوبى لمن كان صمته فكرا، ونظره عبرا، ووسعه بيته، وبكى
~~على خطيئته، وسلم الناس من يده ولسانه " (7).
# ومن الكتاب المذكور: عن جعفر بن محمد عليه السلام، قال: " إنما شيعة
~~جعفر، من عف بطنه وفرجه، واشتد جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، وخاف
~~عقابه، فإذا رأيت أولئك، فأولئك شيعة جعفر ".
# يقول عليه السلام ذاك للمفضل بن عمر رحمه الله تعالى (8).
# ومن الكتاب المذكور: عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إن الله عز وجل
# PageV00P129
# أعفى شيعتنا من ست خصال: من الجنون، والبرص، والجذام، والابنة (1)، وأن
~~يولد لهم من زنا، وأن يسأل الناس بكفه (2) " (3).
# وقال عليه السلام: " ألا إن شيعتنا قد أعاذهم الله عز وجل عن ست: عن أن ms076
~~يطمعوا طمع الغراب، أو يهروا هرير الكلاب، أو ينكحوا في أدبارهم، أو يولدوا
~~من الزنا، أو يلدوا من الزنا، أو يتصدقوا على الأبواب " (4).
# قال أمير المؤمنين عليه السلام: " المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه،
~~أوسع شئ صدرا، وأذل شئ نفسا، يكره الرفعة، ويشنأ السمعة، طويل غمه، بعيد
~~همه، كثير صمته، مشغول وقته، شكور صبور، مغمور بفكرته، ضنين بخلته، سهل
~~الخليقة، لين العريكة، نفسه أصلب من الصلد، وهو أذل من العبد " (5).
# وقال عليه السلام: " المؤمن ينظر إلى الدنيا بعين الاعتبار، ويقتات منها
~~ببطن الاضطرار، ويسمع فيها بإذن المقت والإبغاض، إن قيل: أثرى قيل: أكدى،
~~وإن فرح له بالبقاء، حزن له بالفناء، هذا ولم يأتهم يوم فيه يبلسون (6).
# إن الله تعالى وضع الثواب على طاعته، والعقاب على معصيته، ذيادة لعباده
~~من نقمته، وحياشة لهم إلى جنته " (7).
# من كتاب الخصال لابن بابويه: عن معاوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله
~~عليه السلام: " الشيعة [ثلاث] (8) محب واد، فهو منا. [و] (9) متزين بنا،
~~ونحن زين لمن تزين بنا. ومستأكل بنا الناس، ومن استأكل بنا افتقر " (10).
# وقال عليه السلام: " امتحنوا شيعتنا عند ثلاث: عند مواقيت الصلاة، كيف
~~محافظتهم عليها؟ وعند أسرارهم، كيف حفظهم لها من عدونا؟ وعند أموالهم، كيف
# PageV00P130
# مواساتهم لإخوانهم فيها؟ " (1).
# وقال عليه السلام: " المؤمن إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب
~~لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له " (2).
# وقال عليه السلام: " ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان: من صبر على الظلم،
~~وكظم غيظه، وعفا واحتسب وغفر، كان ممن يدخله الله الجنة بغير حساب، ويشفعه
~~في مثل ربيعة ومضر " (3).
# وقال عليه السلام: " إنما المؤمن الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا
~~باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق، وإذا قدر لم تخرجه قدرته إلى
~~التعدي وإلى ما ليس له بحق " (4).
# وقال عليه السلام: " شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزه كف الأذى عن الناس "
~~(5).
# ومن كتاب الخصال أيضا: عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ms077 صلى الله عليه وآله
~~قال: " خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل، وسوء الخلق " (6).
# وقال عليه السلام: " لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا " (7).
# وقال عليه السلام: " إن صلاح أول هذه الأمة بالزهد (8) واليقين، وهلاك
~~آخرها بالشح والأمل " (9).
# ومن كتاب الخصال: عن أبي مالك قال: قلت لعلي (10) عليه السلام: أخبرني
# PageV00P131
# بجميع شرائع الدين. فقال: " قول الحق، والحكم بالعدل، والوفاء بالعهد،
~~فهذه جميع شرائع الدين " (1).
# ومن الكتاب: عن أبي عبد الله قال: " الرجال ثلاثة: رجل بماله، ورجل
~~بجاهه، ورجل بلسانه، وهو أفضل الثلاثة " (2).
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " الرجال ثلاثة: عاقل وأحمق جاهل (3)
~~وفاجر، فالعاقل الدين شريعته والحلم طبيعته، والرأي سجيته، إن سئل أجاب،
~~وإن تكلم أصاب، وإن سمع وعى، وإن حدث صدق، وإن اطمأن إليه أحد وفى،
~~(والجاهل الحمق) (4) إن استقبلته (5) بجميل غفل، وإن استنزل عن حسن نزل،
~~وإن حمل على جهل جهل، وإن حدث كذب، لا يفقه وإن فقه لم يتفقه، والفاجر إن
~~ائتمنته خانك، وإن صحبته شانك، وإن وثقت به لم ينصحك " (6).
# وقال أبو عبد الله عليه السلام: " الناس يغدون [على ثلاثة] (7): عالم
~~ومتعلم وغثاء، فنحن العلماء، وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء " (8).
# وقال لقمان لابنه: يا بني، للإيمان ثلاث علامات: العلم والإيمان والعمل،
~~وللعالم ثلاث علامات: الصلاة والصيام والزكاة (9).
# وقال الكاظم عليه السلام: " الناس ثلاثة: عربي ومولى وعلج، فأما العرب
~~فنحن، وأما المولى فمن والانا، وأما العلج فمن تبرأ منا وناصبنا " (10).
# PageV00P132
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام للحارث الأعور: " ثلاث بهن يكمل المسلم:
# التفقه في الدين، والتقدير في المعيشة، والصبر على النوائب " (1).
# وأوصى رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام فقال له: " يا علي،
~~أنهاك عن ثلاث خصال عظام: الحسد، والحرص، والكذب.
# يا علي، أشد (2) الأعمال ثلاث خصال: إنصافك الناس من نفسك، ومواساة الأخ
~~في الله عز وجل، وذكر الله عز وجل على كل حال.
# يا علي، ثلاث فرحات للمؤمن في الدنيا: لقاء الإخوان، والإفطار من الصيام،
~~والتهجد من آخر الليل.
# يا علي، ثلاث من لم تكن ms078 فيه لم يقم له عمل: تورع يحجزه عن معاصي الله عز
~~وجل، وخلق يداري به الناس، وحلم يرد به جهل الجاهل.
# يا علي، ثلاث من حقائق الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وإنصاف الناس من
~~نفسك، وبذل العلم للمتعلم.
# يا علي، ثلاث من مكارم الأخلاق: تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عن من
~~ظلمك " (3).
# وقال أبو عبد الله عليه السلام: " ثلاث خصال في المؤمن، لا يجمعها الله
~~تعالى لمنافق: حسن الخلق، والفقه، وحسن السمت " (4).
# وقال عليه السلام: " ثلاث لا يطيقهن الناس: الصفح عن الناس، ومواساة الأخ
~~في الله تعالى أخاه في ماله، وذكر الله كثيرا " (5).
# وقال عليه السلام: " من علامات المؤمن (6): الحلم والعلم والصمت، وإن
~~السمت باب من أبواب الحكمة، إن الصمت ينشب (7) المحبة، وإنه دليل على كل
# PageV00P133
# خير " (١).
# وقال عليه السلام: " ثلاث إذا كن في الرجل، لا تحرج أن تقول: إنه في
~~جهنم: الجفاء، والجبن، والبخل " (٢).
# وقال عليه السلام: " الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد، جزء من
~~خمسة وسبعين (٣) جزءا من النبوة " (٤).
# وقال عليه السلام: " الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل
~~بالأركان " (٥).
# وعن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: " يا سماعة، لا ينفك
~~المؤمن من خصال أربع: من جار يؤذيه، وشيطان يغويه، ومنافق يقفو أثره، ومؤمن
~~يحسده، ثم قال: يا سماعة، أما إنه أشد [هم] (٦) عليه، قلت: كيف ذلك؟ قال:
~~إنه يقول فيه القول فيصدق عليه " (٧).
# ومن كتاب الخصال: عن جميل بن دراج قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليهما
~~السلام: " خياركم سمحاؤكم، وشراركم بخلاؤكم، ومن صالح الأعمال البر
~~بالإخوان، والسعي في حوائجهم، وفي ذلك مرغمة ومدحرة للشيطان، وتزحزح عن
~~النيران، ودخول الجنان، يا جميل أخبر بهذا الحديث غرر أصحابك. قال: قلت:
~~ومن غرر أصحابي؟ قال: هم البارون بالإخوان في العسر واليسر، ثم قال: يا
~~جميل، أما إن صاحب الكثير يهون عليه ذلك، وقد مدح الله عز وجل صاحب القليل،
~~فقال: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو
~~كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك ms079 هم المفلحون﴾ (8) " (9).
# PageV00P134
# وروي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ (١)
~~قالوا: يا رسول الله، كيف يشرح الله صدره للإسلام؟ قال عليه السلام: " يقذف
~~الله تعالى نورا في قلبه فينشرح ويستوسع، فقالوا: وهل لذلك علامة؟ فقال:
~~نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى
~~القبور ".
# وقال عليه الصلاة والسلام: " إذا أحب الله تعالى عبدا نكت في قلبه نكتة
~~بيضاء، وفتح مسامع قلبه، ووكل به ملكا يسدده، وإذا أبغض عبدا نكت في قلبه
~~نكتة سوداء، ووكل به شيطانا يغويه، وعلى ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا
~~فهو له قرين﴾ (2) ".
# وروي: إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا ألهمه الطاعة، وألزمه القناعة،
~~وفقهه في الدين، وقواه باليقين، فاكتفى بالكفاف، وتحلى بالقناعة.
# وروى أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام، قال: " خرج أمير المؤمنين
~~عليه السلام يوما إلى المسجد، فإذا قوم من الشيعة قعود فيه، فقال: من أنتم؟
~~فقالوا: نحن شيعتك يا أمير المؤمنين. فقال: فما لي لا أرى عليكم سيماء
~~الشيعة؟ فقالوا: ما سيماء الشيعة، يا أمير المؤمنين؟ فقال: عمش العيون من
~~البكاء، خمص البطون من الصيام والظمأ، صفر الوجوه من السهر، يحسبهم الجاهل
~~مرضى وما بهم من مرض، ولكن فرق من الحساب ويومه أمرضهم، يحسبهم أهل الغفلة
~~سكارى، وما هم بسكارى ولكن ذكر الموت أسكرهم.
# إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن قالوا لم يصدقوا، وإن
~~سكتوا لم يسألوا، وإن أساؤا استغفروا، وإن أحسنوا لم يفخروا، وإن ظلموا
~~صبروا، حتى يكون الله تعالى هو المنتقم لهم، يجوعون إذا شبع الناس، ويسهرون
~~إذا رقد الناس، ويدعون إذا غفل الناس، ويبكون إذا ضحك الناس.
# يتمايلون بالليل على أقدامهم مرة وعلى الأصابع، تجري دموعهم على خدودهم
~~من خيفة الله وهم أبدا سكوت، فإذا ذكروا عظمة الله عز وجل انكسرت قلوبهم
~~وطاشت عقولهم، أولئك أصحابي وشيعتي حقا، ms080 الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى،
~~لهم
# PageV00P135
# مغفرة وأجر عظيم ".
# وروى جابر بن عبد الله الأنصاري، عن أبي ذر قال: كنت جالسا عند النبي صلى
~~الله عليه وآله في المسجد، إذ أقبل علي عليه السلام، فلما رآه مقبلا قال: "
~~يا باذر، من هذا المقبل؟ " فقلت: علي، يا رسول الله.
# فقال: " يا باذر، أتحبه؟ " فقلت: أي والله - يا رسول الله - إني لأحبه،
~~وأحب من يحبه.
# فقال: " يا باذر، حب عليا، وحب من أحبه، فإن الحجاب الذي بين العبد وبين
~~الله تعالى حب علي بن أبي طالب عليه السلام.
# يا باذر، حب عليا مخلصا، فما من امرئ أحب عليا مخلصا، وسأل الله تعالى
~~شيئا إلا أعطاه، ولا دعا الله إلا لباه ".
# فقلت: يا رسول الله، إني لأجد حب علي بن أبي طالب على كبدي كبارد الماء،
~~أو كعسل النحل، أو كآية من كتاب الله أتلوها، وهو عندي أحلى من العسل.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " نحن الشجرة الطيبة، والعروة
~~الوثقى، ومحبونا ورقها، فمن أراد الدخول إلى الجنة، فليستمسك بغصن من
~~أغصانها ".
# وروى حذيفة بن اليمان، عن النبي عليه السلام قال: " إن الله تعالى أوحى
~~إلي: يا أخا النبيين، يا أخا المرسلين، يا أخا المنذرين، أنذر قومك: ألا
~~يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب سليمة، وألسن صادقة، وأيد نقية، وفروج
~~طاهرة، ولا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد عندهم مظلمة، فإني ألعنه ما دام
~~قائما بين يدي يصلي، حتى يرد تلك المظلمة إلى أهلها، فأكون سمعه الذي يسمع
~~به، وأكون بصره الذي يبصر به، ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع
~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ".
# وروي عن الحسن بن علي عليهما السلام، أنه قال: " من لم يحفظ هذا الحديث
~~كان ناقصا في مروته وعقله ".
# قلنا: وما ذاك يا بن رسول الله؟ فبكى وأنشأ يحدثنا فقال: " لو أن رجلا من
~~المهاجرين أو الأنصار، يطلع من باب مسجدكم هذا، ما أدرك شيئا مما كانوا
~~عليه إلا قبلتكم هذه - ثم قال - هلك الناس - ثلاثا - بقول ولا ms081 فعل، ومعرفة
~~ولا صبر، ووصف ولا صدق، ووعد ولا وفاء، ما لي أرى رجالا ولا عقول، وأرى
~~أجساما ولا أرى PageV00P136
# قلوبا دخلوا في الدين ثم خرجوا منه، وحرموا ثم استحلوا، وعرفوا ثم
~~أنكروا، وإنما دين أحدكم على لسانه، ولئن سألته هل يؤمن بيوم الحساب؟ قال:
~~نعم، كذب ومالك يوم الدين، إن من أخلاق المؤمنين قوة في دين، وحزما في لين،
~~وإيمانا في يقين، وحرصا في علم، وشفقة في مقة (1)، وحلما في حكم، وقصدا في
~~غنى، وتجملا في فاقة، وتحرجا عن طمع، وكسبا من حلال، وبرا في استقامة،
~~ونشاطا في هدى، ونهيا عن شهوة.
# إن المؤمن عواذ بالله، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، ولا يضيع
~~ما استودع، ولا يحسد، ولا يطعن، ويعترف بالحق وإن لم يشهد عليه، ولا ينابز
~~بالألقاب، في الصلاة متخشع، وإلى الزكاة مسارع، وفي الزلات وقور، وفي
~~الرخاء شكور، قانع بالذي عنده، لا يدعي ما ليس له، لا يجمع في قنط (2)، ولا
~~يغلبه الشح عن معروف يريده، يخالط الناس ليعلم، ويناطق ليفهم، وإن ظلم أو
~~بغي عليه صبر حتى يكون الرحمن الذي ينتصر له.
# وقال الحسن: وعظني بهذا الحديث جندب بن عبد الله، وقال جندب: وعظني بهذا
~~الحديث رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: حق على كل مسلم تعلمه وحفظه ".
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام لمولاه نوف الشامي، وهو معه في السطح:
# " يا نوف، أرامق أنت أم نبهان؟ قال: نبهان أرمقك يا أمير المؤمنين، قال:
~~هل تدري من شيعتي؟ قال: لا والله، قال: شيعتي الذبل الشفاه، والخمص البطون،
~~الذين تعرف الرهبانية والربانية في وجوههم، رهبان بالليل أسد بالنهار،
~~الذين إذا أجنهم الليل اتزروا على أوساطهم، وارتدوا على أطرافهم، وصفوا
~~أقدامهم، وافترشوا جباههم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في
~~فكاك رقابهم، وأما النهار فحلماء، وعلماء، كرام، نجباء، أبرار، أتقياء.
# يا نوف، شيعتي الذين اتخذوا الأرض بساطا، والماء طيبا، والقرآن شعارا، إن
~~شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفقدوا، شيعتي الذين في قبورهم ms082 يتزاورون،
~~وفي أموالهم يتواسون، وفي الله يتباذلون.
# PageV00P137
# يا نوف، درهم ودرهم، وثوب وثوب، وإلا فلا، شيعتي من لم يهر هرير الكلاب،
~~ولم يطمع طمع الغراب، ولم يسأل الناس ولو مات جوعا، إن رأى مؤمنا أكرمه،
~~وإن رأى فاسقا هجره هؤلاء - والله يا نوف - شيعتي، شرورهم مأمونة، وقلوبهم
~~محزونة، وحوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، اختلفت بهم الأبدان ولم تختلف
~~قلوبهم.
# قال: قلت: يا أمير المؤمنين - جعلني الله فداك - أين أطلب هؤلاء؟
# قال: فقال لي: " في أطراف الأرض.
# يا نوف، يجئ النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة آخذا بحجزة ربه جلت
~~أسماؤه - يعني بحبل الدين وحجزة الدين - وأنا آخذ بحجزته، وأهل بيتي آخذون
~~بحجزتي، وشيعتنا آخذون بحجزتنا، فإلى أين؟ إلى الجنة ورب الكعبة - قالها
~~ثلاثا - " (1) عن نوف البكالي، قال: عرضت لي إلى أمير المؤمنين عليه السلام
~~حاجة، فاستسعيت إليه جندب بن زهير والربيع بن خيثم وابن أخيه همام بن
~~عبادة، وكان من أصحاب البرانس، فأقبلنا معتمدين لقاء أمير المؤمنين،
~~فألفيناه حين خرج إلى المسجد، فأفضى ونحن معه إلى نفر قد أفاضوا في
~~الأحدوثات تفكها، فلما أشرف لهم أسرعوا إليه قياما، فسلموا فرد التحية ثم
~~قال: " من القوم؟ ".
# قالوا: أناس من شيعتك، يا أمير المؤمنين.
# فقال لهم خيرا، ثم قال: " يا هؤلاء، ما لي لا أرى فيكم سمة الشيعة
~~وحليتهم؟ " فأمسك القوم حياء، قال نوف: فأقبل عليه جندب والربيع فقالا: ما
~~سمة شيعتكم، يا أمير المؤمنين؟ فتثاقل عن جوابهما وقال: " اتقيا الله -
~~أيها الرجلان - وأحسنا، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " فقال
~~همام بن عبادة - وكان عابدا متزهدا مجتهدا -: أسألك بالذي أكرمكم - أهل
~~البيت - وخصكم وحباكم وفضلكم تفضيلا لما أنبأتنا بصفة شيعتكم؟
# فقال: " لا تقسم فسأنبئكم جميعا " وأخذ بيد همام فدخل المسجد فصلى ركعتين
~~أو جزهما وأكملهما، ثم جلس وأقبل علينا، وحف القوم به، فحمد الله وأثنى
# PageV00P138
# عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله، ثم قال:
# " أما بعد: فإن الله - جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه - خلق خلقه فألزمهم
~~عبادته، وكلفهم طاعته، ms083 وقسم بينهم معايشهم، ووضعهم في الدنيا بحيث وضعهم،
~~وهو في ذلك غني عنهم، لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضره معصية من عصاه
~~منهم، لكنه علم تعالى قصورهم عما تصلح عليه شؤونهم، وتستقيم به دهماؤهم في
~~عاجلهم وآجلهم، فارتبطهم بإذنه في أمره ونهيه، فأمرهم تخييرا، وكلفهم
~~يسيرا، وأثابهم كثيرا، وأماز بينهم سبحانه بعدل حكمه وحكمته، بين الموجف
~~(١) من أنامه إلى مرضاته ومحبته، وبين المبطئ عنها والمستظهر منهم على
~~نعمته بمعصيته، فذلك قول الله عز وجل: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا
~~وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ (2).
# ثم وضع أمير المؤمنين صلوات الله عليه يده على منكب همام بن عبادة فقال:
# " ألا من سأل عن شيعة أهل البيت، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم في
~~كتابه مع نبيه تطهيرا، فهم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل
~~الفضائل والفواضل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، بخعوا
~~(3) لله تعالى بطاعته، وخضعوا له بعبادته، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم
~~الله عليهم، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء
~~كالذي نزلت منهم في الرخاء، رضى منهم لله بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب
~~الله لهم، لم تستقر أرواحهم في أجساده طرفة عين، شوقا إلى لقاء الثواب،
~~وخوفا من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم، وصغر ما دونه في أعينهم، فهم
~~والجنة كمن قد رآها، فهم على أرائكها متكئون، وهم والنار كمن قد دخلها، فهم
~~فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحوائجهم
~~خفيفة، وأنفسهم عفيفة، ومعونتهم في الإسلام عظيمة، صبروا أياما قليلة
~~فأعقبتهم راحة طويلة، وتجارة مربحة يسرها لهم رب كريم.
# أناس أكياس، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فأعجزوها، أما الليل
~~فصافون أقدامهم، تالون لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يعظون أنفسهم
~~بأمثاله، يستشفون
# PageV00P139
# لدائهم بدوائه تارة، وتارة مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم،
~~تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارا عظيما، ويجأرون إليه - جل جلاله - في
~~فكاك رقابهم.
# هذا ليلهم، وأما النهار فحلماء علماء، ms084 بررة أتقياء، براهم (1) خوف
~~بارئهم، فهم أمثال القداح (2)، يحسبهم الناظر إليهم مرضى وما بالقوم من
~~مرض، أو قد خولطوا وقد خالط القوم من عظمة ربهم وشدة سلطانه أمر عظيم، طاشت
~~له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا استقاموا من ذلك بادروا إلى الله تعالى
~~بالأعمال الزاكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل، فهم
~~لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إن زكي أحدهم خاف مما يقولون، وقال:
~~أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم بي، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون،
~~فاجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، فإنك علام الغيوب وساتر
~~العيوب.
# هذا، ومن علامة أحدهم أن ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في
~~يقين، وحرصا على علم، وفهما في فقه، وعلما في حكم، وكيسا في رفق، وقصدا في
~~غنى، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وخشوعا في عبادة، ورحمة للمجهود،
~~وإعطاء في حق، ورفقا في كسب، وطلبا في حلال، وتعففا في طمع، وطمعا في غير
~~طبع - أي دنس - ونشاطا في هدى، واعتصاما في شهوة، وبرا في استقامة، لا يغره
~~من جهله، ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل، وهو من صالح عمله
~~على وجل، يصبح وشغله الذكر، ويمسي وهمه الفكر، يبيت حذرا من سنة الغفلة،
~~ويصبح فرحا لما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما يكره، لم
~~يعطها سؤلها فيما إليه تشره (3)، ورغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى، قد
~~قرن العلم بالعمل، والعمل بالحلم، يظل دائما نشاطه، بعيدا كسله، قريبا
~~أمله، قليلا زلله، متوقعا أجله، خاشعا قلبه، ذاكرا ربه، قانعة نفسه، غاربا
~~جهله، محرزا دينه، ميتا داؤه كاظما غيظه، صافيا خلقه، آمنا منه جاره، سهلا
~~أمره، معدوما كبره، ثبتا صبره، كثيرا ذكره،
# PageV00P140
# لا يعمل شيئا من الخير رياء، ولا يتركه حياء، الخير منه مأمول، والشر منه
~~مأمون، إن كان بين الغافلين كتب من الذاكرين، وإن كان بين الذاكرين لم يكتب
~~من الغافلين.
# يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، ms085 قريبا معروفه، صادق قوله،
~~حسن فعله، مقبل خيره، مدبر شره، غائب مكره، في الزلازل وقور، وفي المكاره
~~صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على ما يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، ولا يدعي
~~ما ليس له، ولا يجحد ما عليه، يعترف بالحق قبل أن يشهد به عليه، لا يضيع ما
~~استحفظ، ولا ينابز بالألقاب، لا يبغي على أحد، ولا يغلبه الحسد، ولا يضار
~~بالجار، ولا يشمت بالمصاب، مؤد للأمانات، عامل بالطاعات، سريع إلى الخيرات،
~~بطئ عن المنكرات، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه، لا يدخل
~~في الأمور بجهل، ولا يخرج من الحق بعجز، إن صمت لم يعبه الصمت، وإن نطق لم
~~يعبه اللفظ، وإن ضحك لم يعل به صوته، قانع بالذي قدر له، لا يجمح به الغيظ،
~~ولا يغلبه الهوى، ولا يقهره الشح.
# يخالط الناس ليعلم ويفارقهم ليسلم، يتكلم ليغنم، ويسأل ليفهم، نفسه منه
~~في عناه، والناس منه في راحة، أراح الناس من نفسه، وأتعبها لآخرته، إن بغي
~~عليه صبر ليكون الله هو المنتصر له، يقتدي بمن سلف من أهل الخير قبله، فهو
~~قدوة لمن خلف من طالب البر بعده.
# أولئك عمال الله، ومطايا أمره وطاعته وسرج أرضه وبريته، أولئك شيعتنا
~~وأحبتنا، ألا، ها شوقا إليهم ".
# فصاح همام بن عبادة صيحة ووقع مغشيا عليه، فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا
~~رحمة الله عليه. واستعبر الربيع باكيا وقال: لأسرع ما أودت موعظتك - يا
~~أمير المؤمنين - بابن أخي، ولوددت أني بمكانه.
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام: " هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها،
~~أما - والله - لقد كنت أخافها عليه ".
# فقال له قائل: فما بالك أنت يا أمير المؤمنين؟
# فقال: " ويحك، إن لكل واحد أجلا لن يعدوه، وسببا لن يتجاوزه، فمهلا لا
~~تعد لها، فإنما نفثها على لسانك الشيطان ". PageV00P141
# قال: فصلى عليه أمير المؤمنين عشية ذلك اليوم وشهد جنازته، ونحن معه.
# قال الراوي عن نوف: فصرت إلى الربيع بن خيثم فذكرت له ما حدثني نوف، فبكى
~~الربيع حتى كادت نفسه أن تغيظ، وقال: صدق أخي، ms086 لا جرم أن موعظة أمير
~~المؤمنين وكلامه ذلك مني بمرأى ومسمع، وما ذكرت ما كان من همام بن عبادة -
~~يومئذ - وأنا في بلهنية (1) إلا كدرها، ولا شدة إلا فرجها (2).
# وروى الفضيل بن يسار (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن شيعة علي
~~عليه السلام كانوا المنظور إليهم، وأصحاب الودائع في الودائع، مرضيين عند
~~الناس، شهب الليل مصابيح النهار ".
# وقال عليه السلام: " الناس ثلاثة أصناف: صنف تزينوا بنا، وصنف أكلوا بنا،
~~وصنف اهتدوا بهدانا واقتدوا بأمرنا، وهم أقل الأصناف، أولئك الحكماء
~~السعداء النجباء الفقهاء العلماء الحلماء ".
# وقال أبو جعفر عليه السلام للفضيل بن يسار: " يا فضيل، تأتي الجبل تنحت
~~منه، والمؤمن لا يستقل منه شئ ".
# قال عليه السلام لأبي المقدام: " إنما شيعة على الشاحبون الناحلون
~~الذابلون، ذابلة شفاههم، مصفرة وجوههم، متغيرة ألوانهم، خميصة بطونهم، إذا
~~جنهم الليل اتخذوا الأرض فراشا، وترابها بساطا، وماءها طيبا، والقرآن
~~شعارا، والدعاء دثار، كثير سجودهم، غزيرة دموعهم، كثير دعاؤهم، كثير
~~بكاؤهم، يفرح الناس وهم محزونون " (4).
# PageV00P142
# وقال جابر بن يزيد الجعفي: دخلت على مولاي أبي جعفر الباقر عليه السلام
~~فقال: " يا جابر، ليس من انتحل التشيع وحبنا أهل البيت بلسانه كان من
~~شيعتنا، فلا تذهبن بكم المذاهب، فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه،
~~إن شيعتنا لا يطمعون طمع الغراب، ولا يهرون هرير الكلاب، وإن شيعتنا أهل
~~التواضع والتخشع، والتعبد والورع والاجتهاد، وتعهد الإخوان، ومواصلة
~~الجيران والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام والغارمين، وصدق الحديث،
~~وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وتلاوة القرآن، وكثرة الذكر لله تعالى، وكف
~~الألسن إلا من خير ".
# فقال جابر: يا مولاي، ما أعرف أحدا اليوم بهذه الصفات.
# فقال: " يا جابر، حسب الرجل أن يقول أحب عليا وأتولاه، ولا يكون مع ذلك
~~عاملا بقوله! فلو قال: أحب رسول الله - فرسول الله خير من علي - ولم يتبع
~~سيرته، ولم يعمل بسنته، ما أغنى عنه ذلك من الله شيئا، فاتقوا الله واعملوا
~~لما عند الله، فإن أحب العباد إلى الله أعملهم بطاعته وأتقاهم له، وإنه ليس
~~بين ms087 الله وبين أحد قرابة، وما معنا براءة من النار، ولا لنا على الله من
~~حجة، من كان طائعا لله فهو لنا ولي ولو كان عبدا حبشيا، ومن كان عاصيا لله
~~فهو لنا عدو وإن كان حرا قرشيا.
# والله ما تنال شفاعتنا إلا بالتقوى والورع والعمل الصالح، والجد
~~والاجتهاد، فلا تغتروا بالعمل ويسقط عنكم (١)، فإذن أنتم أعز على الله منا،
~~فاتقوا الله وكونوا لنا زينا ولا تكونوا لنا شينا، قولوا للناس حسنا،
~~حببونا إلى الناس ولا تبغضونا إليهم، قولوا فينا كل خير، وادفعوا عنا كل
~~قبيح، وجروا إلينا كل مودة، فما قيل فينا من خير فنحن أهله، وما قيل فينا
~~من شر فلسنا كذلك، لنا حق في كتاب الله، وقرابة من رسول الله، وولادة طاهرة
~~طيبة، فهكذا قولوا، ولا تعدوا بنا أقدارنا، فإنما نحن عبيد الله مربوبون،
~~لا نملك إلا ما ملكنا، ولا نأخذ إلا ما أعطانا، لا نستطيع لأنفسنا نفعا ولا
~~ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، لا والله لا أعلم - أنا، ولا أحد من
~~آبائي - الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، كما قال سبحانه: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في
~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله
~~عليم خبير﴾ (2) ".
# PageV00P143
# وقال عليه السلام لمحمد بن مسلم: " يا محمد، لا تذهبن بكم المذاهب،
~~فوالله ما شيعتنا منكم إلا من أطاع الله " (1).
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: " الإيمان في عشر خصال: المعرفة،
~~والطاعة، والعلم، والعمل، والورع، والاجتهاد، والصبر، والصدق، والرضا،
~~والتسليم، فمتى فقد صاحبها واحدة منها انفك نظامه " (2).
# وقال عليه وآله السلام: " خمس لا يجتمعن إلا في مؤمن حقا يوجب الله له
~~بهن الجنة: الفقه في الإسلام، والورع في الدين، والنور في القلب، وحسن
~~السمت في الوجه، والمودة في الناس " (3).
# وقال صلى الله عليه وآله: " إن في الفردوس لعينا ماؤها أحلى من الشهد،
~~وألين من الزبد، وأبرد من الثلج، وأطيب من المسك، فيها ms088 طينة طيبة خلقنا
~~الله منها، وخلق شيعتنا من فضلتها، فمن لم يكن من تلك الطينة فليس منا ولا
~~من شيعتنا، وهي الميثاق الذي أخذ الله - تعالى ذكره - عليه ولاية علي وأهل
~~بيته عليهم السلام " (4).
# وقال صلى الله عليه وآله: " لا يكمل المؤمن الإيمان حتى يكون فيه خمس
~~خصال: التوكل على الله، والتفويض إلى الله، والتسليم لأمر الله، والصبر على
~~بلاء الله، والرضا بقضاء الله، إنه من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى
~~في الله، ومنع في الله، فقد استكمل الإيمان ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " أيها الناس، إن العبد لا يكتب في المسلمين
~~حتى يسلم الناس من يده ولسانه، ولا ينال درجة المؤمنين حتى يسلم أخوه من
~~بوائقه وجاره من بوادره، ولا يعد في المتقين حتى [لا] (5) يقول ما لا بأس
~~به حذار ما به البأس.
# أيها الناس، إنه من خاف البيات أدلج، ومن أجد في السير وصل، وإنما تعرفون
~~عواقب أعمالكم لو قد طويت صحائف آجالكم ".
# وروى نوف البكالي قال: سمعت مولاي أمير المؤمنين عليه السلام، يقول:
# PageV00P144
# " خلقنا من طينة، وخلق شيعتنا من فضل طينتنا، فإذا [كان يوم القيامة] (1)
~~ألحقوا بنا ".
# فقلت: يا أمير المؤمنين، صف لي شيعتك، فبكى عليه السلام، ثم قال: " شيعتي
~~- والله - الحلماء الحكماء، العلماء بالله وبدينه، العاملون بأمره،
~~المهتدون بطاعته، أحلاس عبادة، وأنضاء زهادة، صفر الوجوه من السهر، عمش
~~العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، مصابيح كل
~~ظلمة، وريحان كل قبيله، تعرف الزهادة من سيماهم، والرهبانية في وجوههم، لا
~~يسبون من المسلمين خلقا، ولا يقتفون منهم اثرا، شرورهم مأمونة، وأنفسهم
~~عفيفة، وحوائجهم خفيفة، وقلوبهم محزونة، فهم الأكايس (2) الألباء، الخلصاء
~~النجباء، الرواعون فرارا بدينهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم
~~يفتقدوا، أولئك شيعتي الأطيبون، وإخواني الأكرمون، ألا، ها شوقا إلى رؤيتهم
~~" (3).
# وروى عبد الله بن عباس، قال لي الحسين بن علي عليهما السلام: " يا بن
~~عباس، لا تتكلمن بما لا يعنيك فإنني أخاف عليك الوزر، ولا تتكلمن بما ms089 يعنيك
~~حتى ترى له موضعا، فرب متكلم قد تكلم بحق فعيب، ولا تمارين حليما ولا
~~سفيها، فإن الحليم يقليك، والسفيه يرديك، ولا تقولن خلف أحد إذا توارى عنك،
~~إلا مثل ما تحب أن يقول عنك إذا تواريت عنه، واعمل عمل عبد يعلم أنه مأخوذ
~~بالإجرام مجزي بالإحسان، والسلام " (4).
# وقال علي بن الحسين: " إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك
~~اعتذاره، فما كل من تسمعه نكرا، يمكنك أن توسعه عذرا ".
# وروي أن بعض الأنصار حضرته الوفاة، فأوصى ولدا له فقال: يا بني، احفظ
~~وصيتي، فإنك إن لم تحفظها مني، كنت خليقا أن لا تحفظها من غيري.
# يا بني، اتق الله، وإن استطعت أن تكون اليوم خيرا منك أمس، وغدا خيرا منك
~~اليوم، وإن عثر عاثر من الناس فأحمد الله أن لا تكونه، وإياك والطمع فإنه
~~فقر
# PageV00P145
# حاضر، وعليك باليأس فإنك إن تأيس من شئ إلا أغناك الله عنه، وإياك وما
~~يعتذر منه، فإنه لا يعتذر من كل خير، وإذا صليت فصل صلاة مودع، وأنت ترى
~~أنك لا تبقى لصلاة بعدها أبدا ".
# ومن كتاب الكراجكي: روي عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال:
# " كونوا في الدنيا أضيافا، واتخذوا المساجد بيوتا، وعودوا قلوبكم الرقة،
~~وأكثروا من التفكر والبكاء من خشية الله، ولا تختلفن بكم الأهواء، تبنون ما
~~لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون " (1).
# وقال صلى الله عليه وآله: " نزل جبريل إلي في أحسن صورة فقال: يا محمد،
~~ربك يقرؤك السلام، ويقول: إني أوحيت إلى الدنيا: أن تسهلي وبطئي وتيسري
~~لأعدائي حتى يبغضوا لقائي، وتشددي وتعسري وتضيقي على أوليائي ليحبوا لقائي،
~~فإني جعلت الدنيا سجنا لأوليائي، وجنة لأعدائي ".
# وروي عنه صلى الله عليه وآله، أنه قال: " إذا أحب الله تعالى عبدا نصب في
~~قلبه نائحة من الخوف، وإذا أبغض عبدا جعل في قلبه مزمارا من الضحك، فإن
~~الله تعالى يحب كل باك حزين، ما يدخل النار من بكى من خشية الله، حتى يرجع
~~اللبن الضرع، ولن يجتمع ms090 في منخري مؤمن دخان جهنم وغبار في سبيل الله ".
# وروي أن رجلا قال لأمير المؤمنين عليه السلام: عظني. فقال له: " لا تكن
~~ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول أمل، يقول في الدنيا بقول
~~الزاهدين، ويعمل عمل الراغبين، إن أعطي لم يشبع، وإن منع لم يقنع، يعجز عن
~~شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، ينهى ولا ينتهي، يأمر بما لا يأتي،
~~يحب الصالحين ولا يعمل عملهم، يبغض المذنبين وهو أحدهم، يكره الموت لكثرة
~~ذنوبه ويقيم على [ما] (2) يكره الموت له، إن سقم ظل نادما، وإن صح أمن لا
~~هيا، يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلي، إن أصابه بلاء دعا مضطرا، وإن
~~ناله رخاء أعرض مغترا، تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن،
~~يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، ويرجو لنفسه بأكثر من عمله.
# إن استغنى بطر، وإن افتقر قنط ووهن، يقصر إذا عمل، ويبالغ إذا سأل، إن
# PageV00P146
# عرضت له شهوة أسلف المعصية وسوف التوبة، وإن عرته محنة انفرج عن شرائط
~~الملة، يصف العبرة ولا يعتبر، ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ، فهو بالقول مدل،
~~ومن العمل مقل، ينافس فيما يفنى، ويسامح فيما يبقى، يري الغنم مغرما والغرم
~~مغنما، يخشى الموت ولا يبادر الفوت، يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر
~~منه من نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره، فهو على الناس طاعن،
~~ولنفسه مداهن، اللهو مع الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على
~~غيره لنفسه، ولا يحكم عليها لغيره، يرشد غيره ويغوي نفسه، فهو يطاع ويعصي،
~~ويستوفي ولا يوفي، يخشى الخلق في غير ربه، ولا يخشى ربه في (1) خلقه " (2).
# وقال عليه السلام: " ذمتي بما أقول رهينة، وأنا به زعيم، إن من صرحت له
~~العبر عما بين يديه من المثلات، حجزه التقوى عن تقحم الشبهات " (3).
# وقال عليه السلام: " كان لي أخ في الله، وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا
~~في عينه، وكان خارجا عن سلطان بطنه، لا يشتهي ما لا يجد، ms091 ولا يكثر إذا وجد،
~~وكان أكثر دهره صامتا، فإن قال بذ (4) القائلين، ونقع غليل السائلين، وكان
~~ضعيفا مستضعفا، فإذا جاء الجد فليث عاد، وصل واد، لا يدلي بحجة حتى يأتي
~~قاضيا، وكان لا يشكو وجعا إلا عند برئه، وكان لا يلوم أحدا على ما يجد
~~العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره، وكان يقول ما يفعل ولا يقول ما لا يفعل،
~~وكان على أن يسكت أحرص منه على أن يتكلم، وكان إن غلب على الكلام لم يغلب
~~على السكوت، وكان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه، فعليكم
~~بهذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها، فإن لم تستطيعوها فاعلموا إن أخذ
~~القليل خير من ترك الكثير " (5).
# " ولو لم يأمر الله بطاعته لكان يجب أن لا يعصى شكرا لنعمته " (6).
# PageV00P147
# ومن كتاب كنز الفوائد: عن أبي سعيد الحذاء قال: كان النبي صلى الله عليه
~~وآله يوصينا ويقول لنا: " سيأتيكم قوم يسألونكم الحديث عني، فإذا جاؤوكم
~~فاستوصوا بهم خيرا " (1).
# وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من قضى لأخيه
~~المؤمن حاجة، كان كمن خدم الله عمره ".
# وعن سلمان الفارسي - رحمة الله عليه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله: " لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من
~~الله لفلان ابن فلان، أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية ".
# وقال عليه السلام: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ".
# وعنه عليه السلام قال: " سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر " (2).
# وقال عليه السلام: " مما أدرك الناس من كلام الحكمة: إذا لم تستحي فاعمل
~~ما شئت ".
# وقال أبو تمام في ذلك:
# إذا لم تخش عاقبة الليالي * ولم تستحي فاصنع ما تشاء يعيش المرء ما
~~استحيى بخير * ويبقى العود ما بقي اللحاء فلا والله ما في العيش خير * ولا
~~الدنيا إذا ذهب الحياء ومما حفظته من كتاب كنز الفوائد: عن أبي عبيدة
~~الحذاء، عن أبي جعفر محمد ابن علي عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: ms092 قال الله تعالى: لا يتكل العاملون على أعمالهم التي
~~يعملونها لثوابي، فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي،
~~كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي، فيما يطلبون من كرامتي،
~~والنعم في جناني، ورفيع الدرجات العلى في جواري، ولكن برحمتي فليثقوا،
~~وفضلي فليرجوا، وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا، فإن رحمتي عند ذلك تسعهم (3)،
~~وبمني أبلغهم رضواني ومغفرتي، وألبسهم عفوي، فإني أنا الله الرحمن الرحيم
~~بذلك تسميت " (4).
# PageV00P148
# وعن عطاء بن يسار (1) قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " يوقف العبد
~~يوم القيامة بين يدي الله فيقول: قيسوا بين نعمتي عليه وعمله، فتستغرق
~~النعم العمل، فيقول: قد وهبت له نعمي عليه، قيسوا بين الخير والشر، فإن
~~استوى العملان، أذهب الله تعالى الشر بالخير، وأدخله الجنة، وإن كان له فضل
~~أعطاه الله بفضله، وإن كان عليه فضل - وهو من أهل التقوى، لم يشرك بالله
~~تعالى، واتقى الشرك - فهو من أهل المغفرة يغفر الله له برحمته، ويدخله
~~الجنة إن شاء (2) بعفوه " (3).
# ومن الكتاب: عن سعد بن خلف، عن أبي الحسن (4) عليه السلام قال:
# " عليك بالجد، ولا تخرجن نفسك من حد التقصير في عبادة الله وطاعته، فإن
~~الله تعالى لا يعبد حق عبادته " (5).
# ومن الكتاب، قال عليه السلام وآله: " استحيوا من الله حق الحياء، قيل له:
# يا رسول الله، إنا نستحي، فقال: ليس كذلك، من استحيى من الله حق الحياء،
~~فليحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد
~~الآخرة، ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء
~~" (6).
# وقال عليه السلام: " حب الدنيا رأس كل خطيئة " (7).
# وقال عليه السلام: " إنكم لا تنالون ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون،
~~ولا تبلغون ما تأملون إلا بترك ما تشتهون " (8).
# وقال عليه وآله السلام: " إنكم في زمان من ترك عشر ما أمر به هلك،
# PageV00P149
# وسيأتي على الناس زمان من عمل بعشر ما أمر به نجا " (1).
# ومن الكتاب قال: دخل ضرار بن ضمرة الليثي (2) على معاوية بن أبي سفيان -
~~حسبه الله ms093 - يوما فقال له: يا ضرار، صف عليا، فقال: أو تعفيني من ذلك؟
~~فقال:
# لا أعفيك.
# فقال: كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر
~~العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها،
~~ويستأنس بالليل ووحشته.
# كان - والله - غزير العبرة (3)، طويل الفكرة، (يحاسب نفسه) (4)، ويقلب
~~كفه، ويخاطب نفسه، ويناجي ربه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب.
# كان - والله - فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكنا
~~مع دنوه منا وقربنا منه، لا نكلمه لهيبته، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته،
~~فأن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع
~~القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله.
# وأشهد بالله، لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت
~~نجومه، وهو قائم في محرابه، قابض على لحيته، يتململ تململ السليم (5)،
~~ويبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه وهو يقول: " يا دنيا، يا دنيا، إلي -
~~تعرضت، أم إلي تشوقت (6):
# هيهات، هيهات، غري غيري، لا حاجة لي فيك، قد بتتك (7) ثلاثا لا رجعة
~~فيها، فعمرك
# PageV00P150
# قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه آه، من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة
~~الطريق، وعظم المورد " ثم بكى حتى ظننت أن نفسه قد خرجت فوكفت دموع معاوية
~~على لحيته [وجعل] (1) ينشفها بكمه، واختنق القوم بالبكاء، ثم قال: كان -
~~والله - أبو الحسن كذلك، فكيف صبرك عنه يا ضرار؟
# قال: صبر من ذبح واحدها على صدرها، فهي لا ترقأ عبرتها، ولا تسكن
~~حرارتها.
# ثم قام فخرج وهو باك.
# فقال معاوية: أما إنكم لو فقدتموني، لما كان فيكم من يثني علي مثل هذا
~~الثناء.
# فقال له بعض من كان حاضرا: الصاحب على قدر صاحبه (2).
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " ثلاث درجات، وثلاث كفارات، وثلاث
~~موبقات، وثلاث منجيات، فالدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة
~~والناس نيام، والمهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه.
~~والمنجيات:
# خوف الله في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، وكلمة العدل في
~~الرضى والسخط. والكفارات: ms094 إسباغ الوضوء في السبرات (3)، والمشي بالليل
~~والنهار إلى الصلوات، والمحافظة على الجماعات ".
# وعن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من صدق لسانه زكا
~~عمله، ومن حسنت نيته زاد الله في رزقه، ومن حسن بره بأهله زاد الله في عمره
~~" (4).
# وقال عليه السلام: " ثلاث من كن فيه زوجه الله تعالى من الحور العين كيف
~~شاء: كظم الغيظ، والصبر على السيوف في الله، ورجل أشرف على مال حرام فتركه
~~لله " (5).
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: " ثلاثة مجالستهم تميت القلب: مجالسة
# PageV00P151
# الأنذال، والحديث مع النساء، ومجالسة الأغنياء " (1).
# وقال عليه السلام: " ثلاث فيهن المقت من الله تعالى: نوم من غير سهر،
~~وضحك من غير عجب، وأكل على الشبع " (2).
# وقال عليه السلام: " إن في الجنة درجة لا يبلغها إلا ثلاثة: إمام عادل،
~~وذو رحم وصول، وذو عيال صبور " (3).
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " ما زالت نعمة عن قوم ولا غضارة عيش
~~إلا بذنوب اجترحوها، فإن الله ليس بظلام للعبيد، ولو أن الناس حين تزول
~~عنهم النعم وتنزل بهم النقم، فزعوا إلى الله بوله من أنفسهم، وصدق من
~~نياتهم، وخالص من سريراتهم، لرد عليهم كل شارد، ولأصلح لهم كل فاسد ".
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أحسنوا مجاورة النعم بشكرها
~~والقيام بحقوقها، ولا تنفروها، فإنها قل ما نفرت عن قوم فعادت إليهم " (4).
# ويقول الله تعالى في بعض كتبه: " إني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة
~~(5)، مفقر الزناة، وتارك تاركي الصلاة عراة " (6).
# وقال عليه السلام: " من قال: قبح الله الدنيا، قالت الدنيا: قبح الله
~~أعصانا لربه. من عف عن محارم الله كان عابدا، ومن رضي بقسم الله كان غنيا،
~~ومن أحسن مجاورة من جاوره كان مسلما، ومن صاحب الناس بالذي يحب أن يصاحبوه
~~به كان عدلا " (7).
# وقال عليه وآله السلام: من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من
~~النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، ومن ارتقب
# PageV00P152
# الموت سارع في الخيرات " (1).
# وقال عليه ms095 وآله السلام: " اجتهدوا في العمل، فإن قصر بكم ضعف فكفوا عن
~~المعاصي " (2).
# PageV00P153
# فصل: فيما جاء في الخصال قال رجل لأحد الزهاد: أوصني، فقال: أوصيك بخصلة
~~واحدة، إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما (1).
# ولقي حكيم حكيما، فقال له: عظني وأوجز، قال: عليك بخصلتين: لا يراك الله
~~حيث نهاك، ولا يفقدك من حيث أمرك. قال: زدني، قال: لا أجد للحالين ثالثة
~~(2).
# وقال حكيم الفرس: ثلاث خصال لا ينبغي للعاقل أن يضيعهن، بل يجب أن يحث
~~عليهن نفسه وأقاربه ومن أطاعه: عمل يتزود به لمعاده، وعلم طب يذب به عن
~~جسده، وصناعة يستعين بها في معاشه (3).
# وقال بعض الحكماء: أربع خصال يمتن القلب: ترادف الذنب على الذنب، وملاحاة
~~الأحمق، وكثرة منافثة (4) النساء، والجلوس مع الموتى.
# قيل له: ومن الموتى؟ فقال: كل عبد مترف فهو ميت، وكل من لا يعمل فهو ميت
~~(5).
# وقال ابن عباس رحمة الله عليه: خمس خصال تورث خمسة أشياء: ما فشت الفاحشة
~~في قوم قط إلا أخذهم الله بالموت، وما طفف قوم الميزان إلا أخذهم الله
~~بالسنين، وما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما جار قوم في
~~الحكم إلا كان القتل بينهم، وما منع قوم الزكاة إلا سلط الله عليهم عدوهم
~~(6).
# وقال لقمان الحكيم لابنه في وصيته: يا بني، أحثك على ست خصال، ليس منها
~~خصلة إلا وهي تقربك إلى رضوان الله عز وجل، وتباعدك من سخطه:
# الأولة: أن تعبد الله لا تشرك به شيئا.
# PageV00P154
# والثانية: الرضا بقدر الله فيما أحببت أو كرهت.
# والثالثة: أن تحب في الله، وتبغض في الله والرابعة: تحب للناس ما تحب
~~لنفسك، وتكره لهم ما تكرهه (1) لنفسك.
# والخامسة: تكظم الغيظ، وتحسن إلى من أساء إليك.
# والسادسة: ترك الهوى، ومخالفة الردى (2).
# وقال بعضهم: ذو المروة الكاملة من (3) اجتمع فيه سبع خصال: إذا ذكر ذكر،
~~وإذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا عصي غفر، وإذا أحسن استبشر، وإذا أساء
~~استغفر، وإذا وعد أنجز ويسر (4).
# وقال بعض الحكماء: تحصن بثمان من ثمان،: بالعدل في ms096 المنطق من [ملامة] (5)
~~الجلساء، وبالروية في القول من الخطاء، وبحسن اللفظ من البذاء، وبالإنصاف
~~من الاعتداء، وبلين الكف من الجفاء، وبالتودد من ضغائن الأعداء، وبالمقاربة
~~(6) من الاستطالة، وبالتوسط في الأمور من لطخ العيوب (7).
# وروي أن تسع خصال من الفضل والكمال، وهي داعية إلى المحبة، مع ما فيها من
~~القربة والمثوبة: الجود على المحتاج، والمعونة للمستعين، وحسن التفقد
~~للجيران، وطلاقة الوجه للإخوان، ورعاية الغائب فيمن يخلف، وأداء الأمانة
~~إلى المؤتمن، وإعطاء الحق في المعاملة، وحسن الخلق عند المعاشرة، والعفو
~~عند المقدرة (8).
# وأوصى إفلاطن أحد أصابه بعشر خصال، قال: لا تقبل الرئاسة على أهل مدينتك
~~البتة، ولا تتهاون بالأمر الصغير إذا كان يقبل النماء، ولا تلاح رجلا
~~غضبانا فإنك تقلقه باللجاج، ولا تجمع في منزلك نفسين يتنازعان في الغلبة،
~~ولا تفرح بسقطة
# PageV00P155
# غيرك فإنك لا تدري متى يحدث الزمان بك، ولا تنفخ (1) في وقت الظفر فإنك
~~لا تدري كيف يدور عليك الزمان، ولا تهزل بخطأ غيرك فإن المنطق لا تملكه،
~~والق الخطأ من الناس بنوع من الصواب الذي في جوهرك، ولا تبذلن مودتك لصديقك
~~دفعة واحدة، وصير الحق أبدا أمامك، تسلم دهرك ولا تزال حرا (2).
# PageV00P156
# تأويل آية إن سأل سائل عن تأويل قول الله عز وجل: ﴿وجاؤا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا
~~فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾ (1) فقال: كيف وصف الدم بأنه
~~كذب، والكذب من صفات الأقوال، لا من صفات الأجسام؟ وما معنى قول يعقوب عليه
~~السلام: " فصبر جميل "، وكيف وصفه بذلك؟ ونحن نعلم أن صبره لا يكون إلا
~~جميلا؟
# الجواب: قيل له: أما " كذب " فمعناه في هذا الموضع مكذوب فيه وعليه، مثل
~~قولهم: هذا ماء سكب، وشراب صب، يريدون (2) مسكوبا ومصبوبا. وقولهم: رجل
~~صوم، وامرأة نوح، والمعنى: صائم ونائحة.
# قال الشاعر:
# تظل جيادهم نوحا عليهم * مقلدة أعنتها صفوفا أراد نائحة عليهم.
# ويقولون: ما لفلان معقول، يريدون عقلا.
# وقد قال الفراء وغيره: يجوز في النحو: بدم كذبا - بالنصب على المصدر ms097 -
~~وتقدير الكلام كذبوا كذبا.
# (وأما وصف الصبر بأنه جميل، لأنه قصد به وجه الله. وقيل: إنه أراد صبرا
~~لا شكوى فيه ولا جزاء معه، وقال أهل العربية: إن ارتفاع الصبر هاهنا، فشأني
~~صبر جميل) (3) وإنما ذكرنا تفسير هذه الآية لأنه ورد في سياقة الكلام (4).
# PageV00P157
# فصل من الأدب (1) روي عن بعض الأدباء أنه قال لابنه: يا بني، اقتن من
~~مكارم الأخلاق خمسا، وارفض ستا، واطلب العز بسبع، واحرص على ثمان، فإن فزت
~~بتسع بلغت المدى، وإن أحرزت عشرا أدركت (2) الآخرة والدنيا.
# فأما الخمس المقتناة: فخفض الجانب، وبذل المعروف، وإعطاء النصف (3) من
~~نفسك، وتجنب الأذى، وتوقي الذم.
# وأما الستة المرفوضة: فطاعة الهوى، وارتكاب البغي، وسلوك التطاول، وقساوة
~~القلب، وفظاظة القول، وكثرة التهاون.
# وأما السبعة التي ينال بها العز: فأداء الأمانة، وكتمان السر، وتأليف
~~المجانب، وحفظ الأخاء، وإقالة العثرة، والسعي في حوائج الناس، والصفح عن
~~الاعتذار.
# وأما الثمان التي يحرص عليها: فتعظيم أهل الفضل، وسلوك طرق الكرم
~~والمواساة بملك اليد، وحفظ النعم بالشكر، واكتساب الأجر بالصبر، والإغضاء
~~عن زلل الصديق، واحتمال النوائب، وترك الامتنان بالإحسان.
# وأما التسع التي تبلغ بها المدي: فالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،
~~وحرز اللسان من سقوط الكلام، وغض الطرف، وصدق النية، والرحمة لأهل البلاء،
~~والموالاة على الدين، والمسامحة في الأمور، والرضا بالمقسوم.
# وأما العشرة الكاملة، التي تنال بها الدنيا والآخرة: فالزهد فيما بقي،
~~والاستعداد لما يأتي، وكثرة الندم على ما فات، وإدمان الاستغفار، واستشعار
~~التقوى، وخشوع القلب، وكثرة الذكر لله تعالى، والرضا بأفعال الله سبحانه،
~~وملازمة الصدق، والعمل بما ينجي.
# PageV00P158
# فصل في ذكر الغنى والفقر (1) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ليس
~~الغني (2) كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس ".
# وقال عليه وآله السلام: " ثلاث خصال من صفة أولياء الله تعالى: الثقة
~~بالله في كل شئ، والغنى به عن كل شئ، والافتقار إليه في كل شئ ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " ألا أخبركم بأشقى الأشقياء؟ " قالوا: بلى يا
~~رسول الله، قال: " من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة " نعوذ ms098 بالله من
~~ذلك.
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " الفقر يخرس الفطن عن حجته، والمقل
~~غريب في بلدته، ومن فتح على نفسه بابا من المسألة فتح الله عليه بابا من
~~الفقر ".
# وقال: " العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى ".
# وقال: " من كساه الغنى ثوبه، خفي عن الناس عيبه ".
# وقال: " من أبدى إلى الناس ضره فقد فضح نفسه، وخير الغنى ترك السؤال، وشر
~~الفقر لزوم الخضوع ".
# وقال: " استغن عن من شئت تكون نظيره، واحتج إلى من شئت تكون أسيره، وأفضل
~~على من شئت تكن أميره " [وقال عليه السلام:] (3) " لا ملك أذهب للفاقة من
~~الرضا بالقنوع ".
# وروي أن الماء نضب عن (4) صخرة فوجد عليها مكتوبا: إنما يتبين الغني
~~والفقير بعد العرض على الله عز وجل.
# وقال رجل للصادق عليه السلام: عظني، فقال: " لا تحدث نفسك بفقر، ولا بطول
~~عمر ".
# وقيل: ما استغنى أحد بالله، إلا افتقر الناس إليه.
# PageV00P159
# وقيل: الفقير من طمع، والغني من قنع (1).
# وأنشد لأمير المؤمنين صلوات الله عليه:
# ادفع الدنيا بما اندفعت * واقطع الدنيا بما انقطعت يطلب المرء الغنى عبثا
~~* والغنى في النفس لو قنعت ومن قطعة أبي ذؤيب:
# والنفس راغبة إذا رغبتها * وإذا ترد إلى قليل تقنع لمحمود الوراق:
# أراك يزيدك الإثراء حرصا * على الدنيا كأنك لا تموت فهل لك غاية إن صرت
~~يوما * إليها، قلت: حسبي قد غنيت تظل على الغنى أبدا فقيرا * تخاف فوات شئ
~~لا يفوت وله أيضا:
# يا عائب الفقر ألا تزدجر * عيب الغنى أكبر لو تعتبر من شرف الفقر ومن
~~فضله * على الغنى إن صح منك النظر أنك تعصي لتنال الغنى * ولست تعصي الله
~~كي تفتقر لغيره:
# أرى أناسا بأدنى الدين قد قنعوا * ولا أراهم رضوا في العيش بالدون فاستغن
~~بالله عن دنيا الملوك كما * استغنى الملوك بدنياهم عن الدين وقال آخر:
# دليلك أن الفقر خير من الغنى * وأن قليل المال خير من المثري لقاؤك
~~إنسانا عصى الله في الغنى * ولم تر إنسانا عصى الله في الفقر
# PageV00P160
# فصل: مما روي في الأرزاق (1) روي عن سيدنا ms099 رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~أنه قال: " أكثروا الاستغفار فإنه يجلب الرزق ".
# وقال عليه السلام: " من رضي باليسير من الرزق (2)، رضي الله منه باليسير
~~من العمل ".
# وروي أن الله - جل اسمه - أوحى إلى عيسى بن مريم عليه السلام:
# " ليحذر الذي يستبطئني في الرزق، أن أغضب فافتح عليه بابا من الدنيا ".
# وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: " الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق
~~يطلبك، فإن لم تأته أتاك ".
# وروي عن أحد الأئمة عليه السلام، أنه قال في الرزق المقسوم بالحركة: " إن
~~من طلبه من غير حله فوصل إليه، حوسب به من حله وبقي عليه وزره " فالواجب أن
~~لا يطلب إلا من الوجه المباح دون المحظور.
# وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال: " من حسنت نيته زيد في رزقه
~~".
# واعلم أن الدليل على جواز الزيادة في الأرزاق، هو الدليل على جواز
~~الزيادة في الأعمار، لأن الله تعالى إذا زاد في عمر عبده، وجب أن يرزقه ما
~~يغتذي به.
# ذكروا إن إبراهيم بن هرمة انقطع إلى جعفر بن سليمان الهاشمي، فكان يجري
~~له رزقا فقطعه، فكتب إليه ابن هرمة:
# إن الذي شق فمي ضامن * للرزق حتى يتوفاني حرمتني شيئا قليلا فما * أن زاد
~~في مالك حرماني (3) فرد عليه رزقه وأحسن إليه، فأنشد لبعضهم:
# التمس الأرزاق عند الذي * ما دونه إن سيل من حاجب من يبغض التارك تسآله *
~~جودا؟ ومن يرضى عن الطالب!؟
# PageV00P161
# ومن [إذا] (١) قال جرى قوله * بغير توقيع إلى كاتب روي عن الصادق صلوات
~~الله عليه، أنه قال: " ثلاثة يدعون فلا يستجاب لهم:
# رجل جلس عن طلب الرزق، ثم يقول: اللهم ارزقني، يقول الله تعالى: ألم أجعل
~~لك طريقا إلى الطلب! ورجل له امرأة سوء يقول: اللهم خلصني منها، يقول الله
~~تعالى:
# أليس قد جعلت أمرها بيدك! ورجل سلم ماله إلى رجل [و] (٢) لم يشهد [عليه]
~~(٣) به، فجحده إياه، فهو يدعو (٤) عليه، يقول الله تعالى: قد أمرتك
~~بالإشهاد فلم تفعل ".
# لابن وكيع التنيسي:
# لا تحيلن على سعدك في الرزق ونحسك * وإذا ms100 أغفلك الدهر فذكره بنفسك لا
~~تعجل بلزوم البيت رمسا قبل رمسك * إنما يحمد حسن الرزق في حمده حسك وروي في
~~بعض الكتب: إن الله عز وجل يقول: " يا بن آدم، حرك يدك أبسط لك في الرزق،
~~وأطعني فيما آمرك فما أعلمني بما يصلحك ".
# قيل لبعضهم: لو تعرضت لفلان لوصلك، فقال: ما تلهفت على (أحد بشئ) (٥) من
~~أمر الدنيا، منذ حفظت هذه الأربع الآيات من كتاب الله عز وجل:
# قوله: ﴿ما يفتح الله للناس من
~~رحمة فلا ممسك لها﴾ (٦) [وقوله سبحانه:] (٧) ﴿وإن يردك بخير فلا راد لفضله﴾ (٨) وقوله سبحانه: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله
~~رزقها﴾ (٩) وقوله جل اسمه: ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾ (10).
# فروي أن صلة الرجل الذي قيل له: لو تعرضت له، أتت إلى منزله من غير طلب.
# PageV00P162
# وأنشد لابن أصبغ:
# لو كان في صخرة في البحر راسية * صماء ملمومة ملس نواحيها رزق لنفس براها
~~الله لانفلقت * عنه فأدت إليها كل ما فيها أو كان بين طباق السبع مطلبها *
~~لسهل الله في المرقى مراقيها حتى يلاقي الذي في اللوح خط له * إن هي أتته
~~[و] (١) إلا سوف يأتيها وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: "
~~ما من مؤمن إلا وله باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا
~~عليه، وذلك قول الله عز وجل:
# ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا
~~منظرين﴾ (2).
# PageV00P163
# قصيدة في الآداب والأمثال لابن دريد (1) ما طاب فرع لا يطيب أصله * حمى
~~مؤاخاة اللئيم فعله * وكل من آخا لئيما مثله من يشتكي الدهر يطل في الشكوى
~~* والدهر ما ليس عليه عدوي * مستشعر الحرص عظيم البلوى من أمن الدهر أتي من
~~مأمنه * لا تستثر ذا لبد من مكمنه * وكل شئ يبتغى من معدنه لكل ناع ذات يوم
~~ناعي * وإنما السعي بقدر الساعي * قد يهلك ms101 المرعي عنف الراعي من ترك القصد
~~تضق مذاهبه * دل على فعل امرئ مصاحبه * لا تركب الأمر وأنت عائبه من لزم
~~التقوى استبان عدله * من ملك الصبر عليه عقله * نجا من العثر وبان فضله
~~يجلو اليقين كدر الظنون * والمرء في تقلب الشؤون * حتى توفاه يد المنون يا
~~رب حلو سيعود سما * ورب حمد سيحور ذما * ورب روح سيصير هما من لم يصل فارض
~~إذا جفاكا * وأوله حمدا إذا قلاكا * أو أوله منك الذي أولاكا ما لك إلا ما
~~عليك مثله * لا تحمدن المرء ما لم تبله * والمرء كالصورة لولا فعله يا ربما
~~أورثت اللجاجة * ما ليس بالمرء إليه حاجة * وضيق أمر يتبع انفراجه
# PageV00P164
# ليس يقي من لم يق الله الحذر * وليس يفتات امرؤ على القدر * والقلب يعمى
~~مثل ما يعمى البصر كم من وعيد يخرق الآذانا * كأنما يعني به سوانا * أصمنا
~~الإمهال بل أعمانا ما أفسد الخرق اساه الرفق * وخير ما أنبأ عنك الصدق * كم
~~صعقة دل عليها البرق لكل ما يؤذي وإن قل ألم * ما أطول الليل على من لم ينم
~~* وسقم عقل المرء من شر السقم أعداء غيب إخوة التلاقي * يا سوءتا لهذه (1)
~~الأخلاق * كأنما اشتقت من النفاق أنف الفتى وهو صريم (2) أجدع (3) * من
~~وجهه وهو قبيح أشنع * هل يستوى المحفوظ (4) والمضيع ما منك من لم يقبل
~~المعاتبة * وشر أخلاق الفتى المواربة * ينجيك مما تكره المجانبة متى تصيب
~~الصاحب المهذبا * هيهات ما أعسر هذا مطلبا * وشر ما طالبته ما استصعبا آفة
~~عقل الأشمط التصابي * رب معيب فعله عياب * زم الكلام حذر الجواب لكل ما
~~مجري جواد كبوه * ما لك إلا ما قبلت عدوه * من ذا الذي يسقيك عفوا صفوه لا
~~يسلك الشر سبيل الخير * والله يقضي ليس زجر الطير * كم قمر عاد إلى قمير
# PageV00P165
# لا يجتمع جمع لغير بين * لفرقة كل اجتماع اثنين * يعمى الفتى وهو بصير
~~العين الصمت إن ضاق الكلام أوسع * لكل جنب ذات يوم مصرع * كم جامع لغيره ما
~~يجمع ما لك إلا ما بذلت مال ms102 * في طرفة العين يحول الحال * ودون آمال الفتى
~~الآجال كم قد بكت عين وليس تضحك * وضاق من بعد اتساع مسلك * لا تبر من أمرا
~~عليك يملك خير الأمور ما حمدت غبه * لا يرهب المذنب إلا ذنبه * والمرء (1)
~~مقرون بمن أحبه كل مقام فله مقال * كل زمان فله رجال * وللعقول تضرب
~~الأمثال دع كل أمر منه يوما تعتذر * عف كل ورد غير محمود الصدر * لا تنفع
~~الحيلة في ماضي القدر نوم امرئ خير له من يقظه * لم ترضه فيه الكرام الحفظة
~~* وفي صروف الدهر للمرء عظه مسألة الناس لباس ذل * من عف لم يسأم ولم يمل *
~~فارض من الأكثر بالأقل جواب سوء المنطق السكوت * قد أفلح المتئد (2) الصموت
~~* ما حم من رزقك لا يفوت في كل شئ عبرة لمن عقل * قد يسعد المرء إذا المرء
~~اعتدل * يرجو غدا ودون ما يرجو الأجل (3) من لك بالمحض وليس محض * يخبث بعض
~~ويطيب بعض * ورب أمر قد نهاه النقض
# PageV00P166
# كم زاد في ذنب جهول عذره * دع أمر من يعنى عليك (1) أمره * يخشى امرؤ
~~شيئا ولا يضره يا رب إحسان يعود ذنبا * ورب سلم سيعود حربا * وذو الحجى
~~يجهل إن أحبا قد يدرك المعسر في إعساره * ما يبلغ الموسر في إيساره *
~~وينتهى الهاوي إلى قراره الشئ في نقص إذا تناها * والنفس تنقاد إلى رداها *
~~مذعنة تجيب سائقاها الناس في فطرتهم سواء * وإن تساوت بهم الأهواء * كل
~~بقاء بعده فناء لم يغل شئ وهو موجود الثمن * مال الفتى ما فضه لا ما احتجن
~~* إذا حوى جثمانه يرى الحبن (2) المال يحكى الفيئ بانتقاله * وإنما المنفق
~~من أمواله * ما عمر الخلة من سؤاله (3) من لاح في عارضه القتير (4) * فقد
~~أتاه بالبلى النذير * ثم إلى ذي العزة المصير رأيت غب الصبر مما تحمد *
~~وإنما النفس (5) كما تعود * وشر ما يطلب ما لا يوجد إن اتباع المرء كل شهوة
~~* ليلبس القلب لباس قسوة * وكبوة العجب أشد كبوة من يزرع المعروف يحصد ما
~~رضي * لكل شئ غاية ستنقضي * والشر موقوف لذي ms103 التعرض
# PageV00P167
# لا يأكل الإنسان إلا ما رزق * ما كل أخلاق الرجال تتفق * هان على النائم
~~ما يلقى الأرق من يلذع الناس يجد من يلذعه * لسان ذي الجهل وشيكا يوقعه *
~~لا يعدم الباطل حقا يدمغه كل زمان فله توابع * والحق للباطل ضد دافع * يغصك
~~المشروب وهو سائغ رب رجاء مض (1) من مخافة * ورب أمن سيعود آفة * ذو النجح
~~لا يستبعد المسافة كم من عزيز قد رأيت ذلا * وكم سرور مقبل تولى * وكم وضيع
~~شال فاستقلا لا خير في صحبة من لا ينصف * والدهر يجفو أمره ويطلف * والموت
~~يفني كل عين تطرف رب صباح لامرئ لم يمسه * حتف الفتى موكل بنفسه * حتى يحل
~~في ضريح رمسه إني أرى كل جديد بالي * وكل شئ فإلى زوال * فاستشف من جهلك
~~بالسؤال إن رحيلا فأعد الزادا * إن معادا فاحذر المعادا * لا يلهك العمر
~~وإن تمادا إنك مربوب مدين تسأل * والدهر عن ذي غفلة لا يغفل وكل ما قدمته
~~محصل * حتى يجئ يوم المؤجل
# PageV00P168
# [فصل] (1) روي عن أحد الأئمة عليهم السلام أنه قال: " قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: إن الله عز وجل كتم ثلاثة في ثلاثة: كتم رضاه في طاعته،
~~حتى لا يستصغر أحدا شيئا من الطاعات، فلعل فيه رضاه. وكتم سخطه في معصيته،
~~حتى لا يستصغر أحد سيئة، فلعل فيها سخطه. وكتم وليه في خلقه، فلا يستخفن
~~أحدكم أخاه، فإنه لا يدري لعله ولي لله " (2).
# وأيضا أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، ليحافظ الإنسان على الصلوات
~~الخمس فيحصل الوسطى، وأخفى ليلة القدر في ليالي رمضان ليحافظ الرجل على
~~ليالي رمضان، فيحصل له ليلة القدر، وأخفى ساعة الإجابة في الليل والنهار،
~~ليحافظ على الدعاء في الليل والنهار.
# ومن كلامه صلى الله عليه وآله: " من سرته حسنته، وساءته سيئته، فهو مؤمن
~~".
# لأخير في العيش إلا لرجلين: عالم مطاع، ومستمع واع.
# وكفى بالقناعة غنى، وبالعبادة شغلا.
# لا تنظروا إلى صغير الذنب، ولكن انظروا إلى من اجترأتم عليه.
# وقال عليه السلام: آفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، ms104 وآفة العبادة
~~الفترة، وآفة الظرف الصلف.
# لاحسب إلا بتواضع، ولا كرم إلا بتقوى، ولا عمل إلا بنية، ولا عبادة إلا
~~بيقين.
# إن العاقل من أطاع الله وإن كان ذميم المنظر حقير الخطر، وإن الجاهل من
~~عصى الله وإن كان جميل المنظر عظيم الخطر.
# أفضل الناس أعقل الناس، إن الله تعالى قسم العقل ثلاثة أجزاء، فمن كانت
# PageV00P169
# فيه كمل عقله، ومن لم تكن فيه فلا عقل له: المعرفة بالله تعالى، وحسن
~~الطاعة، وحسن الصبر.
# إن لكل شئ آلة وعدة، وآلة المؤمن وعدته العقل، ولكل شئ مطية، ومطية المرء
~~العقل، ولكل شئ دعامة، ودعامة الدين العقل، ولكل شئ غاية، وغاية العبادة
~~العقل، ولكل قوم راع، وراعي العابدين العقل، ولكل تاجر بضاعة، وبضاعة
~~المجتهدين العقل، ولكل خراب عمارة، وعمارة الآخرة العقل، ولكل سفر فسطاط
~~يلجأون إليه، وفسطاط المسلمين العقل (1).
# PageV00P170
# فصل روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه أنه قال: "
~~العقل ولادة، والعلم إفادة، ومجالسة العلماء زيادة " (1).
# وروي عنه عليه السلام أنه قال: " هبط جبريل عليه السلام على آدم صلوات
~~الله عليه فقال له: يا آدم، أمرت أن أخيرك بين ثلاث، فاختر منهن واحدة ودع
~~اثنين.
# فقال له آدم عليه السلام: وما الثلاث؟
# قال: العقل، والحياء، والدين.
# فقال آدم صلى الله عليه: فإني قد اخترت العقل.
# فقال جبريل للحياء والدين: انصرفا، فقالا يا جبرئيل: إنا أمرنا أن نكون
~~مع العقل (2) ".
# روي أن طاووس اليماني قال: رأيت في جوف الليل رجلا متعلقا بأستار الكعبة
~~وهو يقول:
# ألا أيها المأمول في كل حاجة * شكوت إليك الضر فاسمع شكايتي ألا يا رجائي
~~أنت كاشف كربتي * فهب لي ذنوبي كلها واقض حاجتي زادي قليل ما أراه مبلغي *
~~أللزاد أبكي أم لبعد مسافتي أتيت بأعمال قباح ردية * فما في الورى خلق جنى
~~كجنايتي أتحرقني في النار يا غاية المنى * فأين رجائي منك أين مخافتي قال
~~فتأملته فإذا هو علي بن الحسين عليه السلام فقلت: يا ابن رسول الله، ما هذا
~~الجزع وأنت ابن رسول الله! ms105 ولك أربع خصال: رحمة الله، وشفاعة جدك رسول
~~الله، وأنت ابنه، وأنت طفل صغير (3).
# PageV00P171
# فقال له: " يا طاووس، إنني نظرت في كتاب الله فلم أر لي من ذلك شيئا فإن
~~الله تعالى يقول: ﴿ولا يشفعون إلا لمن
~~ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾ (١) وأما كوني ابن رسول الله، فإن الله
~~تعالى يقول: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا
~~أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن
~~خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون﴾ (2) وأما كوني
~~طفلا، فإني رأيت الحطب الكبار لا يشتعل إلا بالصغار " ثم بكى عليه السلام
~~حتى غشي عليه (3).
# خبر آخر في العقل، وهو المشتهر بين الخاصة والعامة، من أن أول شئ خلق
~~الله تعالى العقل، فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال:
~~وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا أحب إلي منك، بك أعطي وبك أمنع، وبك أثيب وبك
~~أعاقب، وعزتي وجلالي، ما أكملتك إلا فيمن أحببت.
# PageV00P172
# فصل: في ذم الدنيا (1) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من أحب دنياه
~~أضر بآخرته ".
# وقال أمير المؤمنين صلى الله عليه وآله: " الدنيا دول، فاطلب حظك منها
~~بأجمل الطلب ".
# وقال عليه السلام: " من أمن الزمان خانه، ومن غالبه أهانه ".
# وقال: " الدهر يومان: يوم لك، ويوم عليك، فإن كان لك فلا تبطر، وإن كان
~~عليك فاصبر، فكلاهما عنك سينحسر ".
# لبعض الشعراء:
# وإن امرءا دنياه أكبر همه * لمستمسك منها بحبل غرور وقال بعضهم: إياك
~~والاغترار بالدنيا والركون إليها، فإن أمانيها كاذبة وآمالها خائبة، وعيشها
~~نكد وصفوها كدر، وأنت منها على خطر، أما نعمة زائلة وأما بلية نازلة، وأما
~~مصيبة موجعة وأما منية مفجعة.
# وقال آخر: صاحب الدنيا في حرب، يكابد الأهوال لتنقدع (2)، والجهالة
~~لتنقمع، والأدواء لتندفع، والآمال لتنال، والمكروه ليزال، وبعض ذلك عن بعض
~~شاغل، والمشتغل عنه ضائع، فلما رأى الحكماء أنه لا سبيل إلى إحكام ذلك،
~~تركوا ما يفنى ليحرزوا ما يبقى.
# PageV00P173
# فصل: في ذكر ms106 الأمل (1) روي أن الله تعالى قال: يا بن آدم، في كل يوم تؤتى
~~رزقك وأنت تحزن، وعمرك ينقص وأنت لا تحزن، تطلب ما يطغيك، وعندك ما يكفيك.
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من كان يأمل أن يعيش غدا، فإنه
~~يأمل أن يعيش أبدا ".
# وقال بعضهم: الآمال لا تنتهي، والحي لا يكتفي.
# وقيل: ما أطاع عبد أمله، إلا قصر عمله.
# وقال آخر: لا يلهك الأمل الطويل عن الأجل القصير.
# وقال آخر: من جرى في عنان أمله عثر بأجله.
# وقال آخر: إنك إن أدركت أملك قربك من أجلك، وإذا أدركك أجلك لم تبلغ
~~أملك.
# ابن الرومي:
# خمسون عاما كنت أملتها * كانت أمامي ثم خلفتها كنز حياة لي أنفقته * على
~~تصاريف تصرفتها لو كان عمري مئة هدني * يذكرني أني تنصفتها
# PageV00P174
# فصل: في ذكر الموت (1) روي أنه كان في التوراة مكتوبا: يا ابن آدم، أنت
~~لا تشتهي تموت حتى تتوب، وأنت لا تتوب حتى تموت.
# وقال أمير المؤمنين صلى الله عليه: " من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا
~~باليسير ".
# وقال بعضهم: لو رأيتم الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغروره، وأنشد:
# نراع لذكر الموت ساعة ذكره * وتعترض الدنيا فنلهو ونلعب وقيل: إن أمرا
~~آخره الموت لحقيق أن يخاف ما بعده.
# وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام سمع إنسانا يقول: إنا لله وإنا إليه
~~راجعون، فقال: " قولنا: إنا لله إقرارا له منا بالملك، وقولنا: إنا إليه
~~راجعون إقرارا على أنفسنا بالهلك ".
# وقيل: من عجائب الدنيا أنك تبكي على من تدفنه، وتترك (2) التراب على وجه
~~من تكرمه.
# وقال أبو نؤاس:
# غر جهولا أمله * يموت من جا أجله ومن دنا من يومه * لم تغن عنه حيله وكيف
~~يبقى آخر * قد غاب عنه أوله لا يصحب الإنسان من * دنياه إلا عمله (3) أبو
~~ذؤيب:
# وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع غيره:
# ننافس في الدنيا ونحن نعيبها * فقد حذرتناها لعمري خطوبها وما نحسب
~~الساعات تقطع مدة * على أنها فينا سريع دبيبها
# PageV00P175
# كأني برهطي يحملون جنازتي * إلى حفرة ms107 يحثى علي كثيبها وباكية حرى تنوح
~~وإنني * على غفلة عن صوتها لا أجيبها أيا هادم اللذات ما منك مهرب * تحاذر
~~نفسي منك ما سيصيبها رأيت المنايا قسمت بين أنفس * ونفسي سيأتي بعد ذاك
~~نصيبها لأبي إسحاق الصابي من قطعة كتبها إلى الشريف الرضي أبي الحسن
~~الموسوي:
# وإني على عيث الردي في جوانبي * وما كف من خطوى (1) وبطش بناني وإن لم
~~يدع إلا فؤادا مروعا * به غبر باق من الخفقان تلوم تحت الحجب ينفث حكمة *
~~إلى أذن تصغي لنطق لساني لأعلم أني ميت عاق دفنه * ذماء قليل في غد هو فاني
~~وأن فما للأرض غرثان حائما * يراصد من أكلي حضور أوان به شره عم الورى
~~بفجائع * تركن فلانا ثاكلا لفلان غدا فاغرا يشكو الطوى وهو راتع * فما
~~تلتقي يوما له شفتان وكيف وحد الفوت منه فناؤنا * وما دون ذاك الحد رد عنان
~~إذا غاضنا بالنسل ممن نعوله * تلا أولا منه بمهلك ثاني إلى ذات يوم لا ترى
~~الأرض وارثا * سوى الله من أنس براه وجان (2) لغيره:
# فكم من صحيح بات للموت آمنا * أتته المنايا رقدة بعد ما هجع فلم يستطع إذ
~~جاءه الموت بغتة * فرارا ولا منه بحيلته انتفع فأصبح تبكيه النساء مكفنا *
~~ولا يسمع الداعي إذا صوته ارتفع (3) وقرب من لحد فصار مقيله * وفارق ما قد
~~كان بالأمس قد جمع
# PageV00P176
# فصل في ذكر الموت والقتل وما بينهما والفرق بينهما (١) إعلم، أن الموت
~~غير القتل، والذي يدل على أنهما غير أن قوله الله عز وجل: ﴿أفإن مات أو قتل﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿ولئن متم أو قتلتم﴾ (٣) وقوله
~~سبحانه: ﴿ما ماتوا وما قتلوا﴾
~~(4) وليس يجوز أن يكون التأكيد والتكرير في لفظين يرجعان إلى معنى واحد.
# ويدل على ذلك أيضا العلم بأن الله سبحانه ليس بقاتل لمن مات حتف أنفه،
~~ولو قال قائل في ميت: إن الله قتله، لعاب العقلاء عليه، والموت والقتل
~~عرضان وليسا ms108 بجسمين.
# وقد قال شيخنا المفيد رضي الله عنه: إن القتل متولد عن الأسباب، ومحله
~~محل حياة الأجسام، والموت معنى يضاد حياة الفاعل المخلوق ولا يصح حلوله في
~~الأجسام، قال: وهذا مذهب يختص بي.
# والقتل عند جميع أهل العدل من مقدورات العباد، والموت لا يقدر عليه أحد
~~إلا الله عز وجل.
# ولو كان القتل هو الموت لكان من ذبح فرس غيره وإبله وغنمه قد أحسن إليه،
~~لأن لولا ذبحه لماتت - على رأي من يقول: إن القتل هو الموت - ومعلوم خلاف
~~ذلك، وذاك أن القتل سبب لزوال الحياة، لأن المقتول لو تعداه القتل لجاز من
~~الله تعالى أن يبقيه أو يميته، ولا دليل على أحد الأمرين.
# PageV00P177
# فصل من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في الإخوان وآداب الإخوة في
~~الإيمان (١) " الناس إخوان فمن كانت أخوته في غير ذات الله فهي عداوة، وذلك
~~قوله عز وجل: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم
~~لبعض عدو إلا المتقين﴾ (2).
# من قلب الإخوان عرف جواهر الرجال.
# إمحض أخاك النصيحة حسنة كانت أم قبيحة، ساعده على كل حال وزل معه حيث ما
~~زال، فلا تطلبن منه المجازاة، فإنها من شيم الدناة.
# أبذل لصديقك كل المودة، ولا تبذل له كل الطمأنينة، واعطه كل المواساة،
~~ولا تفضي إليه بكل الأسرار، توفي الحكمة حقها، والصديق واجبه.
# لا يكونن أخوك أقوى منك على مودتك.
# البشاشة فخ المودة، والمودة قرابة مستفادة.
# لا يفسدك الظن على صديق أصلحه لك اليقين.
# كفى بك أدبا لنفسك ما كرهته لغيرك.
# لأخيك عليك مثل الذي لك عليه.
# لا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه، فإنه ليس لك بأخ من ضيعت
~~حقه.
# ولا يكن أهلك أشقى الناس بك.
# إقبل عذر أخيك، وإن لم يكن له عذر فالتمس له عذرا.
# لا يكلف أحدكم أخاه الطلب إذا عرف حاجته.
# لا ترغبن فيمن زهد فيك، ولا تزهدن فيمن رغب فيك.
# PageV00P178
# إذا كان للمحافظة موضعا لا تكثرن العتاب، فإنه يورث الضغينة ويجر إلى
~~البغضة، وكثرته من سوء الأدب.
# إرحم ms109 أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك.
# إحفظ (1) زلة وليك لوقت وثبة عدوك.
# من وعظ أخاه سرا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه.
# من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه، وحنينه إلى أوطانه، وحفظ قديم
~~إخوانه.
# PageV00P179
# فصل مما جاء نظما في الإخوان (1) روي أن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام
~~كان يتمثل كثيرا بهذين البيتين:
# أخوك الذي لو جئت بالسيف عامدا * لتضربه لم يستغشك في الود ولو جئته
~~تدعوه للموت لم يكن * يردك إبقاءا عليك من الرد (2) وقال سالم (3) بن
~~وابصة:
# أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه * كأن به من كل فاحشة وقرا سليم دواعي الصدر
~~لا باسطا أذى * ولا مانعا خيرا ولا قائلا هجرا إذا ما أتت من صاحب لك زلة *
~~فكن أنت محتالا لزلته عذرا غنى النفس ما يكفيك من سد خلة * فإن زاد شيئا
~~عاد ذاك الغنى فقرا لغيره:
# إذا جمع الفتى حسبا ودينا * فلا تعدل به أبدا قرينا ولا تسمح بحظك منه بل
~~كن * بحظك من (4) مودته ضنينا (5) وقال آخر:
# وكنت إذا الصديق أراد غيظي * وأشرقني على حنق بريقي غفرت ذنوبه وصفحت عنه
~~* مخافة أن أعيش بلا صديق لآخر:
# ومن لم يغمض عينه عن صديقه * وعن بعض ما فيه يعش وهو عاتب ومن يتتبع
~~جاهدا كل عثرة * يجدها ولم يسلم له الدهر صاحب وقال إياس بن القائف:
# يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم * وترمي النوى بالمقترين المراميا فأكرم
~~أخاك الدهر ما دمتما معا * كفى بالممات فرقة وتنائيا
# PageV00P180
# إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها * فقدر صديقي والبلاد كما هيا وقال حاتم
~~بن عبد الله:
# وما أنا بالساعي بفضل زمامها * لتشرب ما في الحوض قبل الركائب وما أنا
~~بالطاوي حقيبة (1) رحلها * لا بعثها خفا وأترك صاحبي لبعضهم:
# بدا حين أثرى بإخوانه * فقلل عنهم شناة (2) العدم وذكره الحزم غب الأمور
~~* فبادر قبل انتقال النعم لغيره:
# ألا إن عبد الله لما حوى (3) الغنى * وصار له من بين إخوانه مال رأى خلة
~~منهم تسد بماله * فساواهم حتى استوت بهم الحال لموسى بن ms110 يقطين:
# تتبع إخوانه في البلاد * فأغنى المقل عن المكثر ولسلمان بن فلاح:
# لي صديق ما مسني عدم * مذ وقعت عينه على عدمي قام بعذري لما قعدت به *
~~ونمت عن حاجتي ولم ينم أغنى وأقنى ولم يسم كرما * تقبيل كف له ولا قدم
~~لبشار بن برد (4):
# إذا كنت في كل لأمور معاتبا * صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه فعش واحدا
~~أوصل أخاك فإنه * مقارف ذنب مرة ومجانبه إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى *
~~ضمئت، وأي الناس تصفو مشاربة!
# لزياد الأعجم:
# أخ لك لا تراه الدهر إلا * على العلات بساما جوادا
# PageV00P181
# أخ لك ليس خلته بمذق (1) * إذا ما عاد فقر أخيه عادا شاعر:
# إذا كان ذواقا أخوك من الهوى * موجهة في كل فج ركائبه فخل له وجه الطريق
~~ولا تكن * مطية رحال كثير مذاهبه تخاف المنايا أن ترحل صاحبي * كأن المنايا
~~في المقام تناسبه ولبشار أيضا:
# خير إخوانك المشارك في المر * وأين الشريك في المر أينا الذي إن شهدت سرك
~~في الناس * وإن غبت كان أذنا وعينا مثل سر العقيان إن مسه النار * جلاه
~~البلاء فازداد زينا وأنشدت لابن معمعة (2):
# أيها العالم الذي * ملأ الأرض علمه قلت لما جرحت قلبي بحال تغمه لا يضر
~~الجواد أن * تتوطاه أمه ولعمري لضم * كان أحلى وشمه لا تهجم على الصديق بشئ
~~يغمه فإذا أحوج الشجاع بدا منه سمه قال: وأنشدت لغيره:
# لا توردن على الصديق * من الدعابة ما يغمه واحذر بوادر طيشه * يوما إذا
~~ما طال حلمه فالعجل تنطحه على * إدمان مص الضرع أمه
# PageV00P182
# فصل آخر في ذكر الإخوة والإخوان (1) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "
~~إذا آخى أحدكم رجلا فليسأله عن اسمه واسم أبيه وقبيلته ومنزله، فإنه من
~~واجب الحق، وصافي الإخاء، وإلا فهي المودة الحمقاء ".
# وروي أن داود قال لابنه سليمان عليهما السلام: يا بني، لا تستبدلن بأخ
~~قديم أخا مستفادا ما استقام لك، ولا تستقلن أن يكون لك عدو واحد، ولا
~~تستكثرن أن يكون لك ألف صديق.
# وأنشد لأمير المؤمنين ms111 عليه السلام:
# وليس كثير ألف خل وصاحب * وإن عدوا واحدا لكثير وروي أن سليمان عليه
~~السلام قال: لاتحكموا على رجل بشئ حتى تنظروا إلى من يخادن، فإنما يعرف
~~الرجل بأشكاله وأقرانه، وينسب إلى أصحابه وأخدانه.
# وروي أنه كانت بين الحسن والحسين صلوات الله عليهما وحشة، فقيل للحسين
~~عليه السلام: لم لا تدخل على أخيك وهو أسن منك؟ قال: " سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وآله يقول: أيما اثنان جرى بينهما كلام فطلب أحدهما رضا صاحبه،
~~كان سابقا له إلى الجنة، وأكره أن أسبق أبا محمد إلى الجنة " فبلغ ذلك
~~الحسن عليه السلام فقام يجر رداءه حتى دخل على الحسين صلوات الله عليهما
~~فترضاه.
# PageV00P183
# فصل مما ورد في ذكر الظلم (١) روى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله
~~الصادق عليه السلام أنه قال:
# " [قال] (٢) رسول الله صلى الله عليه وآله: أوحى الله إلى نبي من
~~أنبيائه: يا ابن آدم اذكرني عند غضبك أذكرك عند غضبي فلا أمحقك فيمن أمحق،
~~وإذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري لك، فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك
~~واعلم أن الخلق الحسن يذيب السيئة كما تذيب الشمس الجليد، وأن الخلق السئ
~~يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ".
# وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " من ولي شيئا من أمور
~~أمتي فحسنت سريرته لهم، رزقه الله تعالى الهيبة في قلوبهم، ومن بسط كفه
~~إليهم بالمعروف رزق المحبة منهم، ومن كف عن أموالهم وفر الله عز وجل ماله،
~~ومن أخذ للمظلوم من الظالم كان معي في الجنة مصاحبا، ومن كثر عفوه مد في
~~عمره، ومن عم عدله نصر على عدوه، ومن خرج من ذل المعصية إلى عز الطاعة،
~~آنسه الله عز وجل بغير أنيس وأعانه بغير مال ".
# وروي أن في التوراة مكتوب: من يظلم يخرب بيته، ومصداق ذلك في كتاب الله
~~عز وجل: ﴿فتلك بيوتهم خاوية بما
~~ظلموا﴾ (٣).
# وقد قيل: إذا ظلمت من دونك عاقبك من فوقك.
# وقال رسول الله ms112 صلى الله عليه وآله: " إن الله تعالى يمهل الظالم حتى
~~يقول (٤):
# أهملني، ثم إذا أخذه أخذه أخذة رابية ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " إن الله حمد نفسه عند هلاك الظالمين فقال: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد
~~لله رب العالمين﴾ (5) ". ومن كلام أمير المؤمنين في ذلك.
# " لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك، فإنما سعى في مضرته ونفعك، وليس جزاء
# PageV00P184
# من سرك أن تسوءه.
# ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب
~~أخيه انهتكت عورات بيته.
# بئس الزاد إلى المعاد، العدوان على العباد.
# أسد حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتن تدوم.
# أذكر عند الظلم عدل الله فيك، وعند المقدرة قدرة الله عليك ".
# المتنبي:
# وأظلم خلق الله من بات حاسدا * لمن بات في نعمائه يتقلب PageV00P185
# [فصل] (1) من كلام أمير المؤمنين عليه السلام وحكمه (2):
# قال أمير المؤمنين عليه السلام: " لا شرف أعلى من الإسلام، ولا كرم أعز
~~من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة ".
# " ومن ضاق صدره لا يصبر على أداء حق ".
# " من كسل لم يؤد حق الله، ومن عظم أوامر الله أجاب سؤاله ".
# " من تنزه عن حرمات الله، سارع إليه عفو الله ".
# " من تواضع قلبه لله، لم يسأم بدنه طاعة الله ".
# " الداعي بلا عمل، كالرامي بلا وتر ".
# " ليس مع قطيعة الرحم نماء، ولا مع الفجور غنى ".
# " عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر "، " تصفية العمل خير من العمل ".
# " عند الخوف يحسن العمل "، " رأس الدين صحة اليقين ".
# " أفضل ما لقيت الله به، نصيحة من قلب، وتوبة من ذنب ".
# " إياكم والجدال، فإنه يورث الشك في الدين ".
# " بضاعة الآخرة كاسدة، فاستكثروا منها في أوان كسادها ".
# " اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل ".
# " دخول الجنة رخيص، ودخول النار غال ".
# " التقي سابق إلى كل خير "، " من غرس أشجار التقى، جنى ثمار الهدى ".
# " الكريم من أكرم عن ذل النار وجهه ".
# " ضاحك معترف بذنبه، أفضل من باك مدل على ms113 ربه ".
# " من عرف عيب نفسه، اشتغل عن عيب غيره ".
# " من نسي خطيئته، استعظم خطيئة غيره ".
# " ومن نظر في عيوب الناس ونسبها (3) لنفسه، فذاك الأحمق بعنيه ".
# " كفاك أدبا لنفسك ما كرهته لغيرك ".
# PageV00P186
# " إتعظ بغيرك، ولا يكون متعظا بك ".
# " لا خير في لذة تعقبها ندامة "، " تمام الإخلاص تجنب المعاصي ".
# " من أحب المكارم اجتنب المحارم ".
# " جهل المرء بعيوبه من أكبر ذنوبه "، " من أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك ".
# " من أساء استوحش ". " من عاب عيب، ومن شتم أجيب ".
# " أدوا (1) الأمانة ولو إلى قاتل الأنبياء ".
# " الرغبة مفتاح العطب، والتعب مطية (2) النصب ".
# " الشر داع إلى التقحم في الذنوب ".
# " من تورط في الأمور غير ناظر في العواقب، فقد تعرض لمدرجات النوائب ".
# " من أتى ذميا وتواضع له - ليصيب من دنياه شيئا - ذهب ثلثا دينه ".
# " من لزم الاستقامة لزمته السلامة ".
# من كلام أمير المؤمنين:
# قال نوف البكالي: دخلت عليه فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال: "
~~وعليك السلام " فقلت: عظني. فقال: " يا نوف، أحسن يحسن إليك " فقلت: زدني.
~~فقال:
# " إرحم ترحم " فقلت: زدني، فقال: " قل خيرا تذكر بخير " فقلت: زدني.
~~فقال:
# " إجتنب الغيبة، فإنها أدام كلاب النار ".
# ثم قال: " يا نوف، كذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يأكل لحوم الناس
~~بالغيبة، وكذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يبغضني ويبغض الأئمة من ولدي،
~~كذب من زعم أنه يعرف الله وهو يجترئ على معاصيه.
# يا نوف، لا تكونن عريفا ولا نقيبا ولا عشارا ولا بريدا.
# يا نوف، صل رحمك يزد الله في عمرك، وحسن خلقك يخفف الله حسابك، وإن سرك
~~أن تكون معي - يوم القيامة - فلا تكن للظالمين معينا.
# يا نوف، من أحبنا كان معنا، ولو أن رجلا أحب حجرا لحشره الله معه.
# يا نوف، إياك أن تتزين للناس، وتبارز الله بالمعاصي، فتلقى الله وهو عليك
~~غضبان.
# يا نوف، إحفظ عني ما أقول لك تنل خير الدنيا والآخرة " (3).
# PageV00P187
# روي عن امرأة من العرب أنها قالت لبنتها وقد زوجتها وأرادت حملها إلى
~~زوجها: يا بنية، إن الوصية لو تركت ms114 لأدب ومكرمة في حسب لتركت ذلك منك،
~~ولكنها تذكرة للعاقل.
# يا بنية، إنه لو استغنت امرأة عن زوج لكنت أغنى الناس عنه، لكن للرجال
~~خلقن، كما خلق الرجال لهن.
# يا بنية، إنك قد فارقت الوكر الذي منه خرجت، وتركت الوطن الذي فيه درجت،
~~وصرت إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، أصبح بملكه إياك عليك مليكا،
~~فكوني له أمة يكن لك عبدا واحفظي عني خصالا عشرا تكن لك ذكرا وذخرا:
# أما الأولى والثانية: فالصحبة له بالقناعة، والمعاشرة له بحسن السمع
~~والطاعة، فإن القناعة راحة للقلب والسمع، والطاعة رضى الرب.
# وأما الثالثة والرابعة: فالتعهد لموضع عينيه، والتفقد لموضع أنفه، فلا
~~تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم أنفه منك إلا طيب ريح، فإن الكحل أحسن
~~الحسن الموجود، وأن الماء الطيب المفقود.
# وأما الخامسة والسادسة: فالتعهد لوقت طعامه، والهدو حين منامه، فإن حرارة
~~الجوع ملهبة، وأن تنغيص النوم يغضبه.
# وأما السابعة والثامنة: فالاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على حشمه
~~وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والإرعاء على الحشم والعيال حسن
~~التدبير.
# وأما التاسعة والعاشرة: فلا تفشي له سرا، ولا تعصي له أمرا، فإنك إن
~~أفشيت سره لم تأمني عذره (1)، وإن عصيت أمره أو غرت صدره.
# ثم اتق مع ذلك الفرح لديه، إذا كان ترحا، والاكتئاب عنده إذا كان فرحا،
~~فإن الخلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير. وأشد ما تكونين له
~~إعظاما، أشد ما يكون لك إكراما، وأشد ما تكونين له موافقة، أطول ما يكون لك
~~مرافقة.
# واعلمي يا بنية إنك لن تصلي إلى ذلك، حتى تؤثري رضاه على رضاك وهواه على
~~هواك - فيما أحببت وكرهت - وعلى أن تؤثري الضنك على الدعة، والضيق على
~~السعة، والله معك يختر لك.
# PageV00P188
# باب وصية النبي صلى الله عليه لأبي ذر (1) قال أبو الأسود الدؤلي: حدثني
~~أبو ذر قال: دخلت ذات يوم على رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجده، فلم
~~أر في المسجد أحدا من الناس إلا رسول الله وعلي صلى الله عليه جالس إلى ms115
~~جانبه، فاغتنمت خلوة المسجد فقلت: يا رسول الله - بأبي أنت وأمي - أوصني
~~بوصية ينفعني الله بها، فقال: " نعم، وأكرم بك.
# يا أبا ذر، اعبد الله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه عز وجل يراك.
# واعلم أن أول عبادة الله المعرفة به أنه الأول قبل كل شئ فلا شئ قبله،
~~والفرد فلا ثاني معه، والباقي لا إلى غاية، فاطر السماوات والأرض وما فيهما
~~وما بينهما من شئ، وهو اللطيف الخبير، وهو على كل شئ قدير.
# ثم الإيمان بي، والإقرار بأن الله عز وجل أرسلني إلى كافة الناس بشيرا
~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، ثم حب أهل بيتي الذين أذهب
~~الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
# واعلم - يا أبا ذر - أن الله جعل أهل بيتي كسفينة النجاة في قوم نوح، من
~~ركبها نجا ومن رغب عنها غرق، ومثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله كان
~~آمنا.
# يا أبا ذر، إحفظ عني ما أوصيك به، تكن سعيدا في الدنيا والآخرة.
# يا أبا ذر، نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ.
# يا أبا ذر، اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك
~~قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل مماتك.
# يا أبا ذر، إياك والتسويف بأملك، فإنك بيومك ولست بما بعده، فإن يك غدا
~~لك تكون في الغد كما كنت في اليوم، وإن لم يك غد لك لم تندم على ما فرطت في
~~اليوم.
# يا أبا ذر، كم من مستقبل يوما لا يستكمله، ومنتظر غدا لا يبلغه.
# يا أبا ذر، لو نظرت إلى الأجل ومسيره، لأبغضت الأمل وغروره.
# PageV00P189
# يا أبا ذر، كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل، وعد نفسك في أهل
~~القبور.
# يا أبا ذر، إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك
~~بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل مماتك، فإنك لا تدري ما اسمك
~~غدا.
# يا أبا ذر، إياك أن تدركك الصرعة عند العثرة، فلا تمكن من الرجعة، ms116 ولا
~~يحمدك من خلفت بما تركت، ولا يعذرك من تقدم عليه بما فيه اشتغلت.
# يا أبا ذر ما رأيت كالنار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها.
# يا أبا ذر، كن على عمرك أشح منك على درهمك ودينارك.
# يا أبا ذر، هل ينتظر أحد إلا غنى مطغيا (1)، أو فقرا منسيا، أو مرضا
~~مزمنا، أو هرما مفنيا، أو موتا مجهدا، أو الدجال فإنه شر غائب ينتظر، أو
~~الساعة والساعة أدهى وأمر!
# يا أبا ذر، إن شر الناس عند الله - جل ثناؤه - يوم القيامة، عالم لا
~~ينتفع بعلمه، ومن طلب علما ليصرف به وجوه الناس إليه، لم يجد ريح الجنة.
# يا أبا ذر، إذا سئلت عن علم لا تعلمه فقل: لا أعلم، تنج من تبعته. ولا
~~تفت الناس بما لا علم لك به، تنج من عذاب يوم القيامة.
# يا أبا ذر، يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار فيقولون: ما
~~أدخلكم النار؟ وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم! فيقولون: كنا نأمر
~~بالمعروف ولا نفعله يا أبا ذر، إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها (2)
~~العباد، وإن نعم الله عز وجل أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أمسوا تائبين،
~~وأصبحوا يائسين.
# يا أبا ذر، إنكم في ممر الليل والنهار، في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة،
~~والموت يأتي بغتة، فمن يزرع خيرا يوشك أن (3) يحصد رغبة، ومن يزرع سوءا
~~يوشك أن يحصد (4)
# PageV00P190
# ندامة، ولكل زارع ما زرع.
# يا أبا ذر، لا يسبق بطئ بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، ومن أعطي
~~خيرا فالله عز وجل أعطاه، ومن وقي شرا فالله عز وجل وقاه.
# يا أبا ذر، المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة.
# يا أبا ذر، إن المؤمن ليرى (1) ذنبه كأنه تحت صخرة يخاف أن تقع عليه،
~~والكافر يرى ذنبه كأنه ذباب مر على أنفه.
# يا أبا ذر، إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا جعل الذنوب بين عينيه
~~ممثلة.
# يا أبا ذر، لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر ms117 إلى من عصيت.
# يا أبا ذر، إن نفس المؤمن أشد تقلبا وخيفة من العصفور حين يقذف به [في]
~~(2) شرك.
# يا أبا ذر، إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه.
# يا أبا ذر، إنك إذا طلبت شيئا من أمر الدنيا وابتغيته وعسر عليك، فإنك
~~على حال حسنة.
# يا أبا ذر، لا تنطق فيما لا يعنيك فإنك لست منه في شئ، واخزن لسانك كما
~~تخزن رزقك.
# يا أبا ذر، إن الله جل ثناؤه ليدخل قوما الجنة فيعطيهم حتى تنتهي
~~أمانيهم، وفوقهم قوم في الدرجات العلى، فإذا نظروا إليهم عرفوهم فيقولون:
~~ربنا، إخواننا كنا معهم في الدنيا، فبم فضلتهم علينا؟ فيقال: هيهات، فإنهم
~~كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمأون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويشخصون
~~حين تخفضون (3).
# يا أبا ذر، إن الله تعالى جعل قرة عيني في الصلاة، وحببها إلي كما حبب
~~إلى الجائع الطعام، وإلى الظمآن الماء، وإن الجائع إذا أكل الطعام شبع،
~~وإذا شرب روي، وأنا لا أشبع من الصلاة.
# يا أبا ذر، إن الله عز وجل بعث عيسى بن مريم بالرهبانية وبعثت بالحنيفية
~~السمحة، وحبب إلي النساء والطيب، وجعل في الصلاة قرة عيني.
# PageV00P191
# يا أبا ذر أيما رجل تطوع في كل يوم باثنتي عشر ركعة سوى المكتوبة كان له
~~حقا واجبا بيتا في الجنة.
# يا أبا ذر وصلاة في مسجدي هذا تعدل مائة ألف صلاة في غيره إلا المسجد
~~الحرام، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره، وأفضل من هذا
~~كله صلاة يصليها الرجل في بيته حيث لا يراه إلا الله عز وجل يطلب بها وجه
~~الله عز وجل.
# يا أبا ذر ما دمت في الصلاة فإنك تقرع باب الله، ومن يكثر من قرع باب
~~الملك يفتح له.
# يا أبا ذر ما من مؤمن يقوم إلى الصلاة إلا تناثر عليه البر ما بينه وبين
~~العرش، ووكل به ملك ينادي: يا بن آدم لو تعلم ما لك في صلاتك ومن تناجي ما
~~سئمت ولا التفت.
# يا أبا ذر طوبى لأصحاب ms118 الألوية يوم القيامة يحملونها فيسبقون إلى الجنة،
~~ألا وهم السابقون إلى المساجد بالأسحار وغيرها.
# يا أبا ذر لا تجعل بيتك قبرا، واجعل فيه صلاتك تضئ لك قبرك.
# يا أبا ذر الصلاة (1) عماد الدين واللسان أكبر، والصدقة تمحو الخطيئة
~~واللسان أكبر.
# يا أبا ذر الدرجة في الجنة فوق الدرجة كما بين السماء والأرض، وإن العبد
~~ليرفع بصره فيلمع له نور يكاد يخطف بصره فيفزع (2) لذلك فيقول: ما هذا؟
~~فيقال: هذا نور أخيك المؤمن. فيقول: هذا أخي فلان كنا نعمل جميعا في الدنيا
~~وقد فضل علي هكذا؟ فيقال: إنه كان أفضل منك عملا ثم يجعل في قلبه الرضى حتى
~~يرضى.
# يا أبا ذر الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، وما أصبح فيها مؤمن إلا وهو
~~حزين، وكيف لا يحزن وقد أوعده الله أنه وارد جهنم ولم يعده أنه صادر عنها.
# يا أبا ذر من أوتي من العلم ما لا يعمل به لحقيق أن يكون أوتي علما لا
~~ينفعه الله به لأن الله عز وجل نعت العلماء فقال: (إن الذين أوتوا العلم من
~~قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا * ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد
~~ربنا لمفعولا * ويخرون للأذقان
# PageV00P192
# يبكون) (1) من استطاع أن يبكي قلبه فليبك، ومن لم يستطع فليشعر قلبه
~~الحزن وليتباكى.
# يا أبا ذر إن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا يشعرون.
# يا أبا ذر ما من خطيب إلا عرضت له خطبته يوم القيامة وما أراد بها.
# يا أبا ذر فضل صلاة النافلة تفعل في السر على العلانية كفضل الفريضة على
~~النافلة.
# يا أبا ذر ما يتقرب العبد إلى الله بشئ أفضل من السجود الخفي.
# يا أبا ذر اذكر الله ذكرا خالصا. قلت: يا رسول الله وما الخالص؟ قال:
~~الذكر الخفي.
# يا أبا ذر يقول الله تعالى: لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين
~~فإذا أمن أخفته يوم القيامة وإذا خافني أمنته يوم القيامة.
# يا أبا ذر لو أن رجلا كان له مثل عمل سبعين نبيا لاحتقره وخشي ms119 أن لا ينجو
~~من شر يوم القيامة.
# يا أبا ذر إن الرجل لتعرض عليه ذنوبه يوم القيامة، فيقول أما إني قد كنت
~~مشفقا فيغفر له.
# يا أبا ذر إن الرجل ليعمل الحسنة فيتكل عليها، فيعمل المحقرات فيأتي الله
~~وهو من الأشقياء، وإن الرجل ليعمل السيئة فيفرق منها فيأتي الله عز وجل
~~آمنا يوم القيامة.
# يا أبا ذر إن العبد ليذنب فيدخل بذنبه ذلك الجنة، قلت: وكيف ذلك يا رسول
~~الله؟ قال: يكون ذلك الذنب نصب عينه تائبا منه فازعا حتى يدخل الجنة.
# يا أبا ذر إن الكيس من الناس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والفاجر من
~~اتبع نفسه هواها وتمنى على الله عز وجل الأماني.
# يا أبا ذر إن الله عز وجل أول شئ يرفع من هذه الأمة الأمانة والخشوع حتى
~~لا يكاد يرى خاشعا.
# يا أبا ذر والذي نفس محمد بيده لو أن الدنيا كانت تعادل عند الله جناح
~~بعوضة ما سقى الفاجر منها شربة من ماء.
# PageV00P193
# يا أبا ذر الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما يبتغى به وجه الله.
# يا أبا ذر ما من شئ أبغض إلى الله من الدنيا خلقها ثم أعرض عنها فلم ينظر
~~إليها ولا ينتظر إليها حتى تقوم الساعة.
# وما من شئ أحب إلى الله عز وجل من إيمان به وترك ما أمر به أن يترك.
# يا أبا ذر إن الله جل ثناؤه أوحى إلى أخي عيسى عليه السلام: لا تحب
~~الدنيا فإني لا أحبها وحب الآخرة فإنها هي دار المعاد.
# [يا أبا ذر] (1) إن جبرئيل عليه السلام أتاني بخزائن الدنيا على بغلة
~~شهباء فقال: يا محمد هذه خزائن الدنيا ولا ينقصك من حظك شيئا عنده (2)،
~~قال: فقلت:
# حبيبي جبرئيل لا حاجة لي فيها، إذا جعت سألت ربي وإذا شبعت شكرته.
# يا أبا ذر إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين، وزهده في الدنيا،
~~وبصره عيوب نفسه.
# يا أبا ذر، ما زهد عبد في الدنيا إلا أثبت الله عز وجل ms120 الحكمة في قلبه،
~~وأنطق بها لسانه، وبصره عيوب نفسه والدنيا ودواءها، وأخرجه منها سالما إلى
~~دار السلام.
# يا أبا ذر، إذا رأيت أخاك قد (3) زهد في الدنيا، فاستمع منه فإنه يلقي
~~إليك الحكمة.
# فقلت: يا رسول الله، من أزهد الناس؟
# قال: من لم ينس المقابر والبلى، وترك ما يفنى لما يبقى، ومن لم يعد غدا
~~من أيامه، وعد نفسه في الموتى.
# يا أبا ذر، لم يوح إلي أن أجمع المال إلى المال، ولكن أوحي إلي أن سبح
~~بحمدي وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.
# يا أبا ذر، إني البس الغليظ، وأجلس على الأرض، وأركب الحمار بغير سرج،
# PageV00P194
# وأردف خلفي، فمن رغب عن سنتي فليس مني.
# يا أبا ذر، حب المال والشرف مذهبة لدين الرجل.
# فقلت: يا رسول الله، الخائفون الخاضعون المتواضعون الذاكرون الله كثيرا،
~~يسبقون الناس إلى الجنة؟
# فقال: لا، ولكن فقراء المؤمنين، فإنهم يأتون فيتخطون رقاب الناس، فيقول
~~لهم خزنة الجنة: كما أنتم حتى تحاسبوا. فيقولون: بما نحاسب! فوالله ما
~~ملكنا فنجور ونعدل، ولا أفيض علينا فنقبض ونبسط، وكنا نعبد ربنا حتى أتانا
~~اليقين.
# يا أبا ذر، الدنيا مشغلة القلب والبدن، وإن الله عز وجل يسأل أهل الدنيا
~~عما يعملون في حلالها، وكيف ينعمون في حرامها؟.
# يا أبا ذر، إني سألت الله عز وجل أن يجعل رزق من أحبني الكفاف، ويعطي من
~~يبغضني المال والولد.
# يا أبا ذر، طوبى للزاهدين في الدنيا، والراغبين في الآخرة، الذين اتخذوا
~~أرض الله بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، واتخذوا الكتاب شعارا،
~~والدعاء لله عز وجل دثارا.
# يا أبا ذر، إن ربي تبارك وتعالى أخبرني فقال: وعزتي وجلالي، ما أدرك
~~العابدون درك البكاء عندي شيئا وإني لأبنين لهم في الرفيق الأعلى قصرا لا
~~يشركهم فيه أحد.
# قال: فقلت: يا رسول الله، أي المؤمنين أكيس؟
# فقال: أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم له استعدادا.
# يا أبا ذر، إذا دخل النور القلب انفتح القلب واتسع واستوسع.
# قلت: فما علامة ذلك - بأبي أنت وأمي - يا رسول الله؟ ms121
# قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت
~~قبل نزوله.
# يا أبا ذر، اتق الله، ولا يرى الناس أنك تخشاه فيكرموك وقلبك فاجر.
# يا أبا ذر، ليكن لك في كل شئ نية [صالحة حتى] (1) في النوم والأكل.
# PageV00P195
# يا أبا ذر، ليعظم جلال الله في صدرك، فلا تذكره كما يذكره الجاهل، عند
~~الكلب: اللهم اخزه، وعند الخنزير: [اللهم] (1) اخزه.
# يا أبا ذر، إن لله عز وجل ملائكة قياما - في خيفة - ما يرفعون رؤوسهم حتى
~~ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون: سبحانك وبحمدك، ما عبدناك كما ينبغي
~~لك أن تعبد. فلو كان لرجل عمل سبعين صديقا، لاستقل عمله من شدة ما يرى
~~يومئذ، ولو أن دلوا صب من غسلين في مطلع الشمس لغلت منه جماجم من في
~~مغربها، ولو زفرت زفرة لم يبق ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر جاثيا لركبتيه
~~يقول: رب نفسي نفسي، حتى ينسى إبراهيم إسحاق عليهما السلام يقول: يا رب أنا
~~خليلك فلا تنسني.
# يا أبا ذر، لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت من سماء الدنيا في ليلة
~~ظلماء لأضاءت لها الأرض، ولو أن ثوبا من ثياب أهل الجنة نشر اليوم في
~~الدنيا لصعق من ينظر إليه وما حملته أبصارهم.
# يا أبا ذر، اخفض صوتك عند الجنائز، وعند القتال، وعند القرآن.
# يا أبا ذر، إذا اتبعت جنازة فليكن عملك فيها التفكر والخشوع، واعلم أنك
~~لا حق بها.
# يا أبا ذر، اعلم أن فيكم خلقين: الضحك من غير عجب، والكسل من غير سهر.
# يا أبا ذر، ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب ساه.
# يا أبا ذر، الحق ثقيل مر، والباطل خفيف حلو، ورب شهوة ساعة تورث حزنا
~~طويلا.
# يا أبا ذر، لا يفقه الرجل كل الفقه، حتى يرى الناس في جنب الله أمثال
~~الأباعر، ثم يرجع إلى نفسه فيكون هو أحقر حاقر لها.
# يا أبا ذر، لا يصيب الرجل حقيقة الإيمان، حتى يرى الناس كلهم عقلاء في
~~دنياهم سفهاء في ms122 دينهم.
# يا أبا ذر، حاسب نفسك قبل أن تحاسب، فإنه أهون لحسابك غدا وزن نفسك قبل
~~أن توزن، وتجهز للعرض الأكبر، يوم تعرض لا تخفى على الله منك خافية.
# يا أبا ذر، استحي من الله، فإني - والذي نفسي بيده - لأظل حين أذهب إلى
# PageV00P196
# الغائط متقنعا بثوبي استحياء من الملائكة الذين معي.
# يا أبا ذر، أتحب أن تدخل الجنة؟
# قلت: نعم، فداك أبي وأمي.
# قال: أقصر من الأمل، واجعل الموت نصب عينك، واستحي من الله حق الحياء.
# قلت: يا رسول الله، كلنا نستحي من الله.
# قال: ليس كذلك الحياء، ولكن الحياء من الله أن لا تنسى الموت والمقابر
~~والبلى، وتحفظ الجوف وما وعى، والرأس وما حوى، فمن أراد كرامة الآخرة فليدع
~~زينة الدنيا، فإذا كنت كذلك أصبت ولاية الله عز وجل.
# يا أبا ذر، يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح.
# يا أبا ذر، مثل الذي يدعو بغير عمل، كمثل الذي يرمي بغير وتر.
# يا أبا ذر، إن الله تعالى يصلح بصلاح العبد ولده وولد ولده، ويحفظه الله
~~في دويرته والدور التي خوله ما دام فيهم يا أبا ذر، إن ربكم عز وجل يباهي
~~الملائكة بثلاثة نفر:
# رجل يصبح في أرض قفر، فيؤذن ثم يقيم ثم يصلي، فيقول ربك عز وجل للملائكة:
~~انظروا إلى عبدي يصلي ولا يراه أحد غيري، فينزل سبعون ألف ملكا يصلون وراءه
~~ويستغفرون له إلى الغد من ذلك اليوم.
# ورجل قام من الليل يصلي وحده، فسجد ونام وهو ساجد، فيقول: انظروا إلى
~~عبدي، روحه عندي وجسده ساجد.
# ورجل في زحف، فيفر أصحابه ويثبت وهو يقاتل حتى قتل.
# يا أبا ذر، ما من رجل يجعل جبهته في بقعة من بقاع الأرض، إلا شهدت له يوم
~~القيامة، وما بها من منزل ينزل قوم، إلا أصبح ذلك المنزل يصلي عليهم أو
~~يلعنهم.
# يا أبا ذر، ما من صباح ولا رواح إلا وبقاع الأرض ينادي بعضها بعضا: يا
~~جارة، هل مر بك ذاكر لله عز وجل، أو عبد ms123 وضع جبهته عليك ساجدا لله تعالى؟
~~فمن قائلة: لا، ومن قائلة: نعم. فإذا قالت: نعم، اهتزت وابتهجت، وترى أن
~~لها فضلا على جارتها.
# يا أبا ذر، إن الله تعالى لما خلق الأرض وخلق ما فيها (1) من الشجر، لم
~~يكن في
# PageV00P197
# الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا فيها منفعة، فلم يزل الشجر والأرض
~~كذلك حتى تكلم فجرة بني إسرائيل بالكلمة العظيمة - قولهم: اتخذ الله ولدا -
~~سبحانه! فلما قالوا اقشعرت الأرض وذهبت بالمنفعة.
# يا أبا ذر، ما من شاب يدع لذة الدنيا ولهوها، وأهرم شبابه في طاعة الله،
~~إلا أعطاه الله أجر اثنين وسبعين صديقا.
# يا أبا ذر، الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء،
~~وإملاء الخير خير من السكوت، والسكوت خير من إملاء الشر.
# يا أبا ذر، لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل معك إلا تقي، ولا تأكل طعاما
~~للفاسقين.
# يا أبا ذر، أطعم طعامك من تحبه في الله تعالى، وكل طعام من يحبك في الله.
# يا أبا ذر، إن الله عند لسان كل قائل، فليتق الله امرؤ، وليعلم ما يقول.
# يا أبا ذر، اترك فضول الكلام، وحسبك من الكلام ما تبلغ به حاجتك.
# يا أبا ذر، كفى بالمرء كذبا أن يتحدث بكل ما يسمع.
# يا أبا ذر، ما من شئ أحق بغلول السجن من اللسان.
# يا أبا ذر، إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وإكرام حملة القرآن
~~والعاملين به، وإكرام السلطان المقسط.
# يا أبا ذر، لا تكن عيابا، ولا مداحا [ولا] (1) طعانا، ولا مماريا.
# يا أبا ذر، لا يزال العبد يزداد من الله بعدا ما نسي خالقه.
# يا أبا ذر، من أجاب داعي الله عز وجل، وأحسن عمارة مساجد الله، كان ثوابه
~~من الله تعالى الجنة.
# فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، كيف تعمر مساجد الله؟
# فقال: لا ترفع فيها الأصوات، ولا يخاض فيها بالباطل، ولا يشترى فيها ولا
~~يباع، واترك اللغو ما دمت فيها، فإن لم تفعل فلا تلومن - يوم القيامة - إلا ms124
~~نفسك.
# يا أبا ذر، إن الله يعطيك ما دمت جالسا في المسجد بكل نفس تتنفس فيه درجة
~~في الجنة، وتصلي عليك الملائكة، ويكتب لك بكل نفس تتنفس فيه عشر حسنات
# PageV00P198
# ويمحى عنك عشر سيئات، كل جلوس في المسجد لغو إلا ثلاثة، قراءة مصل، أو
~~ذكر الله، أو مسائل عن علم.
# يا أبا ذر، كن بالعمل بالتقوى أشد اهتماما منك بالعمل لغيره، فإنه لا يقل
~~عمل بالتقوى، وكيف يقل عمل يتقبل! يقول الله عز وجل: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ (1).
# يا أبا ذر، لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة
~~الشريك، فيعلم من أين مطعمه ومشربه؟ ومن أين ملبسه؟ أمن حل أو من حرام؟
# يا أبا ذر، من لم يبال من أين اكتسب المال، لم يبال الله من أين أدخله
~~النار.
# يا أبا ذر، من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله عز وجل.
# يا أبا ذر، أحبكم إلى الله - جل ثناؤه - أكثركم ذكرا له، وأكرمكم عند
~~الله أتقاكم له، وأنجاكم من عذاب الله أشد كم خوفا له.
# يا أبا ذر، إن المتقين الذين يتقون الله من الشئ الذي لا يتقى (2) منه،
~~خوفا من الدخول في الشبهة.
# يا أبا ذر، من أطاع الله - عز وجل - فقد ذكر الله، وإن قلت صلاته وصيامه
~~وتلاوته للقرآن.
# يا أبا ذر، أصل الدين الورع، ورأسه الطاعة.
# يا أبا ذر، كن ورعا تكن أعبد الناس، خير دينكم الورع.
# يا أبا ذر، فضل العلم خير من فضل العبادة.
# واعلم أنكم لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، ما
~~نفعكم ذلك إلا بورع.
# يا أبا ذر، إن أهل الورع والزهد في الدنيا هم أولياء الله حقا.
# يا أبا ذر، من لم يأت يوم القيامة بثلاث فقد خسر.
# فقلت: وما الثلاث - فداك أبي وأمي - يا رسول الله؟
# قال: ورع يحجزه عما حرم الله عليه، وحلم يرد به جهل السفيه، وخلق يداري
~~به الناس.
# PageV00P199
# يا أبا ذر، إن سرك ms125 أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإن سرك أن تكون
~~أعز الناس فتوكل على الله، وإن سرك أن تكون أكرم الناس فاتق الله عز وجل،
~~وإن سرك أن تكون أغنى الناس فكن بما في يد الله عز وجل أوثق منك بما في
~~يديك.
# يا أبا ذر، لو أن الناس كلهم أخذوا بهذه الآية لكفتهم: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب
~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره﴾ (1).
# يا أبا ذر، يقول الله تعالى: لا يؤثر عبد هواي على هواه، إلا جعلت غناه
~~في نفسه، وهمومه في آخرته، وضمنت السماوات والأرض رزقه، وكففت عليه صنعته
~~(2).
# وكنت له خيرا من تجارة كل تاجر.
# يا أبا ذر، لو أن ابن آدم فر من رزقه كما يفر من الموت، لأدركه رزقه كما
~~يدركه الموت.
# يا أبا ذر، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله عز وجل بهن؟
# قلت: بلى يا رسول الله.
# فقال: احفظ الله يحفضك احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله تعالى في
~~الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله،
~~فقد جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، ولو أن الخلق كلهم جهدوا أن
~~ينفعوك بشئ لم يكتبه الله عليك ما قدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل لله
~~تعالى بالرضا في اليقين فافعل، فإن لم تستطع فاصطبر فإن في الصبر على ما
~~تكره خيرا كثيرا، وإن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا.
# يا أبا ذر، استغن بغنى الله يغنك الله.
# قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال: غداء يوم وعشاء ليلة، فمن قنع بما رزقه
~~الله - يا أبا ذر - فهو من أغنى الناس.
# يا أبا ذر، إن الله - جل ثناؤه - يقول: إني لست كل كلام الحكيم أتقبل،
~~ولكن همه وهواه، فإن كان همه وهواه فيما أحب وأرضى، جعلت صمته حمدا لي
# PageV00P200
# ووقارا وإن لم يتكلم.
# يا أبا ذر، إن الله ms126 تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر
~~إلى قلوبكم وأعمالكم.
# يا أبا ذر، التقوى هاهنا. وأشار بيده إلى صدره.
# يا أبا ذر، أربع لا يصيبهن إلا مؤمن: الصمت وهو أول العبادة، والتواضع
~~لله سبحانه، وذكر الله تعالى على كل حال، وقلة الشئ. يعني قلة المال.
# يا أبا ذر، هم بالحسنة وإن لم تعملها لكيلا تكون من الغافلين.
# يا أبا ذر، من ملك ما بين فخذيه وبين لحييه دخل الجنة.
# قلت: يا رسول الله، وإنا لنؤاخذ بما ننطق من ألسنتنا؟
# فقال: يا أبا ذر، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد
~~ألسنتهم!؟ إنك لا تزال سالما ما سكت، وإذا تكلمت تكتب لك أو عليك.
# يا أبا ذر، إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله - جل ذكره - فيكتب له
~~بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة في المجلس ليضحكهم
~~بها، فهو في جهنم بين السماء والأرض.
# يا أبا ذر، ويل للذي يتحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ويل له ويل له.
# يا أبا ذر، من صمت نجا، فعليك بالصدق لا يخرج من فيك كذبة أبدا.
# قلت: يا رسول الله، فما توبة الرجل الذي يكذب تعمدا؟
# قال: الاستغفار وصلاة الخمس تغسل ذلك.
# يا أبا ذر، إياك والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا قلت: يا رسول الله، ولم
~~ذلك بأبي أنت وأمي؟
# قال: لأن الرجل يزني ويتوب إلى الله فيتوب الله عز وجل عليه، والغيبة لا
~~تغفر حتى يغفرها صاحبها.
# يا أبا ذر، سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، أكل لحمه من معاصي الله، وحرمة
~~ماله كحرمة دمه.
# قلت: يا رسول الله، وما الغيبة؟
# قال: ذكرك أخاك بما يتأذى به. PageV00P201
# قلت: يا رسول الله، فمن كان فيه ذاك الذي يذكر به (1).
# قال: إعلم إنك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته، وإن ذكرته بما ليس فيه
~~فقد بهته.
# يا أبا ذر، من ذب عن أخيه المسلم المؤمن الغيبة، كان حقا على الله - جل
~~ثناؤه - أن يعتقه من ms127 النار.
# يا أبا ذر، من اغتيب عنده أخوه المسلم وهو يستطيع نصره فنصره، نصره الله
~~عز وجل في الدنيا والآخرة، وإن خذله وهو يستطيع نصره، خذله الله في الدنيا
~~والآخرة.
# يا أبا ذر، لا يدخل الجنة فتان قلت: يا رسول الله، وما الفتان؟ قال:
~~النمام.
# يا أبا ذر، صاحب النميمة لا يستريح من عذاب الله عز وجل في الآخرة.
# يا أبا ذر، من كان ذا وجهين ولسانين في الدنيا والآخرة، فهو ذو لسانين في
~~النار.
# يا أبا ذر، المجالس بالأمانة، وإفشاؤك سر أخيك خيانته، فاجتنب ذلك واجتنب
~~مجلس العشيرة.
# يا أبا ذر، تعرض أعمال أهل الدنيا على الله عز وجل، من الجمعة إلى الجمعة
~~وفي الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد مؤمن، إلا عبدا كان بينه وبين أخيه
~~شحناء فيقول: اتركوا أعمال هذين حتى يصطلحا.
# يا أبا ذر، إياك وهجران أخيك، فإن العمل لا يتقبل، فإن كنت لا بد فاعلا
~~فلا تهجره أكثر من ثلاثة أيام كملا، فمن مات فيها مهاجرا لأخيه كان أولى به
~~النار.
# يا أبا ذر، من أحب أن يتمثل له الرجال قياما، فليتبوأ مقعده من النار.
# يا أبا ذر، من مات وفي قلبه مثقال ذرة من كبر، لم يجد رائحة الجنة، إلا
~~أن يتوب قبل ذلك.
# فقال رجل: يا رسول الله، إني ليعجبني الجمال حتى وددت أن علاقة
# PageV00P202
# سوطي (1) وقبال نعلي (2) حسن، فهل ترهب ذلك علي؟
# قال: كيف تجد قلبك؟ قال: أجده عارفا للحق، مطمئنا إليه.
# قال: ليس ذلك بالكبر، ولكن الكبر [أن] (3) تترك الحق، وتتجاوزه إلى غيره،
~~وتنظر إلى الناس لا ترى أن أحدا عرضه كعرضك ولا دمه كدمك.
# يا أبا ذر، أكثر من يدخل النار المتكبرون.
# قال رجل: وهل ينجو من الكبر أحد، يا رسول الله؟
# قال: نعم، من لبس الصوف، وركب الحمار، وحلب العنز، وجالس المساكين.
# يا أبا ذر، من حمل سلعته فقد برئ من الكبر، يعني ما يشتري من السوق.
# يا أبا ذر، من جر ثوبه خيلاء، لم ينظر الله - عز وجل - إليه ms128 يوم القيامة.
# يا أبا ذر، أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، ولا جناح [عليه] (4) فيما بينه
~~وبين كعبيه.
# يا أبا ذر، من رفع ذيله، وخصف نعله، وعفر وجهه، فقد برئ من الكبر.
# يا أبا ذر، من كان له قميصان فليلبس أحدهما، وليكس أخاه الآخر.
# يا أبا ذر، سيكون ناس من أمتي يولدون في النعيم ويغذون به، همتهم ألوان
~~الطعام والشراب، ويمدحون بالقول، أولئك شرار أمتي.
# يا أبا ذر، من ترك لبس الجمال وهو يقدر عليه تواضعا لله، فقد كساه الله
~~حلة الكرامة.
# يا أبا ذر، طوبى لمن تواضع لله تعالى في غير منقصة، وأذل نفسه في غير
~~مسكنة، وأنفق مالا جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذلة والمسكنة، وخالط أهل
~~الفقه والحكمة، طوبى لمن صلحت سريرته، وحسنت علانيته، وعزل عن الناس شره،
~~طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله.
# PageV00P203
# يا أبا ذر، البس الخشن من اللباس، والصفيق من الثياب، لكيلا تجد للفخر
~~فيك مسلكا.
# يا أبا ذر، يكون في آخر الزمان ناس يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم، يرون
~~بأن الفضل لهم بذلك على غيرهم، أولئك تلعنهم ملائكة السماوات والأرض.
# يا أبا ذر، ألا أخبرك بأهل الجنة؟
# قلت: بلى يا رسول الله.
# قال: كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره.
# قال أبو ذر: ودخلت يوما على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في المسجد
~~- وحده - جالس، فاغتنمت خلوته. فقال: يا أبا ذر، إن للمسجد تحية.
# قلت: وما تحيته يا رسول الله؟
# قال: ركعتان تركعهما. ثم التفت إليه فقلت: يا سول الله، أمرتني بالصلاة.
# فما الصلاة؟
# قال: خير موضوع، فمن شاء أقل، ومن شاء أكثر.
# قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله جل ثناؤه؟
# فقال: الإيمان بالله، ثم الجهاد في سبيله.
# قلت: يا رسول الله، أي المؤمنين أكمل إيمانا؟
# قال: أحسنهم خلقا.
# قلت: فأي المؤمنين أفضل؟
# قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده.
# قلت: فأي الهجرة أفضل؟
# قال: من ms129 هجر الشر.
# قلت: فأي الليل أفضل؟
# قال: جوف الليل الغابر.
# قلت: فأي الصلاة أفضل؟
# قال: طول القنوت.
# قلت: فأي الصدقة أفضل؟
# قال: جهد إلى فقير في سر. PageV00P204
# قلت: فما الصوم؟
# قال: فرض مجرى، وعند الله أضعاف ذلك.
# فقلت: فأي الرقاب أفضل؟
# قال: أعلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها.
# قلت: فأي الجهاد أفضل؟
# قال: من عقر جواده، واهريق دمه.
# قلت: أي آية أنزلها الله عليك (1) أعظم؟
# قال: آية الكرسي قال: قلت: يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم عليه
~~السلام؟
# قال: كانت أمثالا كلها، وفيها: أيها الملك المتسلط المبتلى المغرور، إني
~~لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم،
~~فإني لا أردها وإن كانت من كافر أو فاجر، ففجوره على نفسه.
# وكان فيها: على العاقل - ما لم يكن مغلوبا على عقله - أن يكون له ساعات:
# ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يفكر فيها في صنع الله تعالى، وساعة يحاسب
~~فيها نفسه فيما قدم وأخر، وساعة يخلو فيها بشهوته من الحلال في المطعم
~~والمشرب.
# وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا في ثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة (2) لمعاش،
~~أو لذة في غير محرم.
# وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه.
# ومن حسب كلامه من علمه، قل كلامه إلا فيما يعنيه.
# قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف موسى؟
# قال: كانت اعتبارا كلها: عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يذنب! وعجبا لمن أيقن
~~بالجزاء كيف لا يعمل! وعجبا لمن أبصر الدنيا وتقلبها بأهلها حالا بعد حال،
~~كيف يطمئن إليها!؟
# قلت: يا رسول الله، فهل في الدنيا شئ مما كان في صحف إبراهيم وموسى، فيما
~~أنزل الله عليك؟
# PageV00P205
# قال: اقرأ يا أبا ذر (قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى، بل تؤثرون
~~الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى * إن هذا) يعني ذكر الأربع آيات ﴿لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم
~~وموسى﴾ (1).
# قلت: يا رسول الله، أوصني.
# قال: أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس أمرك كله.
# قلت: ms130 يا رسول الله، زدني.
# قال: عليك بتلاوة القرآن وذكر الله، فإنه ذكر (2) لك في السماء، ونور لك
~~في الأرض.
# قلت: يا رسول الله، زدني قال: عليك بالصمت إلا من الخير، وإنه مطردة
~~للشيطان عنك، وعون لك على أمر دينك.
# قلت: يا رسول الله، زدني.
# قال: إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه.
# قلت: يا رسول الله، زدني.
# قال: انظر إلى من هو تحتك، ولا تنظر إلى من هو فوق منك، فإنه أجدر أن لا
~~تزدري نعمة الله عليك.
# قلت: يا رسول الله، زدني.
# قال: صل قرابتك وإن قطعوك، وحب المساكين وأكثر مجالستهم.
# قلت: يا رسول الله، زدني.
# قال: قل الحق وإن كان عليك مرا.
# قلت: يا رسول الله، زدني.
# قال: لا تخف لومة لائم.
# قلت: يا رسول الله، زدني.
# قال: يا أبا ذر، ليردك عن الناس ما تعرف من نفسك، ولا ترد عليهم فيما
~~تأتي.
# قال: ثم ضرب على صدري، وقال: يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع
# PageV00P206
# كالكف، ولا حسب كحسن الخلق ".
# وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، عن أبيه أنه قال: "
~~في خطبة أبي ذر رحمة الله عليه: يا مبتغي العلم، (لا يشغلك الجهل والآمال)
~~(1) عن نفسك، أنت يوم تفارقهم كضيف بت فيهم ثم غدوت إلى غيرهم، الدنيا
~~والآخرة كمنزلك تحولت منه إلى غيره، وما بين البعث والموت إلا كنومة نمتها
~~ثم استيقظت منها.
# يا جاهل، تعلم العلم، فإن قلبا ليس فيه شرف العلم كالبيت الخراب الذي لا
~~عامر له " (2).
# عن أبي جعفر عليه السلام، عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: يا باغي
~~العلم، قدم لمقامك بين يدي الله، فإنك مرتهن بعملك، كما تدين تدان.
# يا باغي العلم، صل قبل أن لا تقدر على ليل ولا نهار تصلي فيه، إنما مثل
~~الصلاة لصاحبها، كمثل رجل دخل على ذي سلطان فأنصت له حتى فرغ من حاجته،
~~فكذلك المرء المسلم بين يدي الله عز وجل، ما دام في الصلاة لم يزل ms131 الله عز
~~وجل ينظر إليه حتى يفرغ من صلاته.
# يا باغي العلم، تصدق من قبل أن لا تعطي شيئا ولا تمنعه (3)، إنما مثل
~~الصدقة وصاحبها، مثل رجل طلبه قوم بدم فقال لهم: لا تقتلوني، اضربوا [لي]
~~(4) أجلا أسعى في رجالكم، كذلك الرجل المسلم، بإذن الله تعالى، كلما تصدق
~~بصدقة حل بها عقدة من رقبته، حتى يتوفى الله عز وجل أقواما وهو عنهم راض،
~~من رضي الله عنهم فقد أمنوا من النار.
# يا باغي العلم، إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر، فاختم على فمك كما
~~تختم على ذهبك وعلى ورقك (5).
# يا باغي العلم، إن هذه الأمثال يضربها الله عز وجل للناس، وما يعقلها إلا
# PageV00P207
# العالمون (1).
# محمد بن عمار بن ياسر قال: سمعت أبا ذر - جندب بن جنادة - يقول:
# رأيت النبي صلى الله عليه وآله أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام فقال
~~له: " يا علي، أنت أخي، ووصيي، ووزيري في أمتي، مكانك مني في حياتي وبعد
~~موتي، كمكان هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، من مات وهو يحبك ختم الله
~~له عز وجل بالأمن والإيمان، ومن مات وهو يبغضك لم يكن له في الإسلام نصيب
~~(2).
# العلم إمام العمل والعمل تابعه، يلهمه الله السعداء، ويحرمه الأشقياء،
~~وطوبى لمن لا يحرمه الله من حظه، تعلموا العلم فإن تعليمه لله حسنة.
# التوحيد ثمن، والحمد لله وفاء شكر كل نعمة، وخشية الله مفتاح كل حكمة،
~~والإخلاص ملاك كل طاعة.
# ما اختلج عرق ولا عثرت قدم إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله عنه أكثر
~~(3).
# وعنه صلوات الله عليه وآله قال: " يقول الله عز وجل: يا ابن آدم، ما
~~تنصفني! أتحبب إليك بالنعم، وتتمقت إلي بالمعاصي، خيري إليك منزل، وشرك إلي
~~صاعد، ولا يزال ملك كريم يعرج إلي عنك - في كل يوم وليلة - بعمل قبيح.
# يا بن آدم، لو سمعت وصفك من غيرك، وأنت لا تدري من الموصوف، إذا لسارعت
~~إلى مقته " (4).
# وعنه عليه السلام قال: " الناس اثنان: رجل أراح، وآخر استراح، ms132 فأما الذي
~~استراح فالمؤمن استراح من الدنيا ونصبها، وأفضى إلى رحمة الله وكريم ثوابه،
~~وأما الذي أراح فالفاجر استراح منه الناس والشجر والدواب، وأفضى إلى ما قدم
~~" (5).
# وعنه عليه السلام: " لولا أن الذنب خير للمؤمن من العجب، ما خلى الله بين
~~عبده المؤمن وبين ذنب أبدا " (6)
# PageV00P208
# وعنه عليه السلام قال: " يوحي الله عز وجل إلى الحفظة الكرام البررة:
# لا تكتبوا على عبدي المؤمن عند ضجره شيئا " (١).
# وعنه عليه السلام: " المجالس بالأمانة، ولا يحل لمؤمن أن يأثر (٢) عن
~~أخيه المؤمن قبيحا " (٣).
# نوف بن عبد الله البكالي قال: قال لي علي عليه السلام: " يا نوف، خلقنا
~~من طينة طيبة، وخلقت شيعتنا من طينتنا، فإذا [كان يوم القيامة] (٤) ألحقوا
~~بنا ".
# قال نوف: فقلت: صف لي شيعتك يا أمير المؤمنين. فبكى لذكري شيعته، ثم قال:
~~" يا نوف، شيعتي - والله - الحكماء، الحلماء، العلماء بالله وبدينه،
~~العاملون بطاعته وأمره، المهتدون بحبه، أنضاء عبادة، أحلاس زهادة، صفر
~~الوجوه من التهجد، عمش العيون من البكاء، ذبل الشفاه من الذكر، خمص البطون
~~من الطوى، تعرف الزهادة في وجوههم، والرهبانية في سيمتهم، مصابيح كل ظلمة،
~~ريحان كل قبيل، لا يسبون من المسلمين سلفا، ولا يقتفون لهم خلفا - قال أبو
~~الفضل: من قول الله: ﴿ولا تقف ما ليس
~~لك به علم﴾ (5) - شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة وأنفسهم عفيفة،
~~وحوائجهم خفيفة، أنفسهم منهم في عناء، والناس منهم في راحة، فهم الأكايس
~~الألباء، والخالصة النجباء، وهم الظماء الرواغون فرار بدينهم، إن شهدوا لم
~~يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، أولئك شيعتي الأطيبون، وإخواني الأكرمون،
~~ألا، ها! شوقا إليهم " (6).
# وعنه عليه السلام قال: " من أعطي أربع خصال فقد أعطي خير الدنيا والآخرة،
~~وفاز بحظه منها: ورع يعصمه عن محارم الله، وحسن خلق يعيش به في الناس، وحلم
~~يدفع به جهل الجاهل، وزوجة صالحة تعينه على أمر الدنيا والآخرة " (7).
# وعنه عليه السلام: " سيد الأعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك،
# PageV00P209
# ومواساة الأخ في الله، وذكر الله على كل حال " (١).
# [عبد الله بن ms133 محمد بن عبيد بن ياسين بن] محمد بن عجلان (٢) - مولى الباقر
~~عليه السلام - قال: سمعت مولاي أبا الحسن علي بن محمد بن الرضا عليه
~~السلام، يذكر عن آبائه، عن جعفر بن محمد قال: " قال أمير المؤمنين صلوات
~~الله عليه (٣): ما أنعم الله على عبد بنعمة فشكرها بقلبه، إلا استوجب
~~المزيد فيها قبل أن يظهر شكرها على لسانه ".
# قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " من أصبح والآخرة همه، استغنى بغير
~~مال، واستأنس بغير أهل، وعز بغير عشيرة ".
# قال: وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " المؤمن لا يحيف على من يبغض، ولا
~~يأثم فيمن يحب، وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله عز وجل هو المنتصر له ".
# قال: وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " إن من الغرة بالله، أن يصر العبد
~~على المعصية، ويتمنى على الله المغفرة ".
# قال: وسمع أمير المؤمنين عليه السلام رجلا يقول: اللهم إني أعوذ بك من
~~الفتنة، فقال: " أراك تتعوذ من مالك وولدك، يقول الله تعالى: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ (4)
~~ولكن قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من مظلات الفتن " (5).
# ابن السكيت قال: سمعت أبا الحسن علي بن محمد بن الرضا عليه السلام يقول:
~~" قال أمير المؤمنين عليه السلام (6): إياكم والإلطاط (7) بالمنى، فإنها من
~~بضائع
# PageV00P210
# الفجرة " (١).
# الحسن البصري: حادثوا هذه القلوب فإنها لسريعة الدبور، واقدعوا (٢) هذه
~~الأنفس فإنها طلقة، فإنكم إن لا تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية (٣).
# وقال بعضهم:
# حياتك أنفاس تعد فكلما * مضى نفس منها انتقصت به جزءا فتصبح في نقص وتمسي
~~بمثله * ومالك معقول تحس به رزءا ويفنيك ما يبقيك في كل ليلة * ويحدوك أمر
~~ما تريد به الهزءا (٤) ابن السكيت النحوي قال: سألت أبا الحسن علي بن محمد
~~بن الرضا عليهم السلام، قلت: ما بال القرآن لا يزداد على الدرس والنشر إلا
~~غضاضة؟ قال: " لأن الله تعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس،
~~فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة " (٥).
# حفص بن غياث القاضي ms134 قال: كنت عند سيد الجعافرة - جعفر بن محمد عليه
~~السلام - لما أقدمه المنصور، فأتاه ابن أبي العوجاء - وكان ملحدا - فقال:
~~ما تقول في هذه الآية: ﴿كلما نضجت جلودهم
~~بدلناهم جلودا غيرها﴾ (6) هب هذه الجلود عصت فعذبت، فما بال الغيرية!
# فقال أبو عبد الله: " ويحك، هي هي وهي غيرها ".
# فقال: أعقلني هذا القول.
# فقال له: " أرأيت لو أن رجلا عمد إلى لبنة فكسرها، ثم صب عليها الماء
~~وجبلها ثم ردها إلى هيئتها الأولى، ألم تكن هي هي وهي غيرها! " قال: بلى،
~~أمتع الله بك (7).
# PageV00P211
# سفيان بن عيينة قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام يقول:
# " وجدت علوم الناس كلها في أربع خلال: أولها أن تعرف ربك، والثانية أن
~~تعرف ما صنع بك، والثالثة أن تعرف ما أراد منك، والرابعة أن تعرف ما يخرجك
~~من دينك " (1).
# محمد بن عجلان قال: أصابتني فاقة شديدة وإضافة، ولا صديق لمضيق، ولزمني
~~دين ثقيل، وغريم ملح في اقتضائه، فتوجهت نحو دار الحسن بن زيد - وهو يومئذ
~~أمير المدينة - لمعرفة كانت بيني وبينه، وشعر بذلك من حالي محمد بن عبد
~~الله بن علي ابن الحسين، وكانت بيني وبينه قديم معرفة، ولقيني في الطريق
~~فأخذ بيدي وقال: قد بلغني ما أنت بسبيله، فمن تؤمل لكشف ما نزل بك؟
# قلت: الحسن بن زيد.
# فقال: إذا لا تنقضي حاجتك ولا تسعف بطلبتك، فعليك بمن يقدر على ذلك، وهو
~~أجود الأجودين، فالتمس ما تؤمله من قبله، فإني سمعت ابن عمي - جعفر ابن
~~محمد - يحدث عن أبيه، عن جده، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي
~~طالب عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " أوحى الله إلى بعض
~~أنبيائه في بعض وحيه إليه: وعزتي وجلالي، لأقطعن أمل كل مؤمل أمل غيري
~~بالأياس، ولا كسونه ثوب المذلة في النار (2)، ولأبعدنه من فرجي وفضلي،
~~أيؤمل عبدي في الشدائد غيري، والشدائد بيدي! أو يرجو سواي، وأنا الغني
~~الجواد! بيدي مفاتيح الأبواب ms135 وهي مغلقة، وبابي لآملي مفتوح لمن دعاني.
# ألم يعلموا إن من دهته نائبة لم يملك كشفها عنه غيري، فما لي أراه بأمله
~~معرضا عني! وقد أعطيته بجودي وكرمي ما لم يسألني، فأعرض عني ولم يسألني،
~~وسأل في نائبته غيري وأنا الله ابتدئ بالعطية قبل المسألة، أفأسأل فلا
~~أجود! كلا، أوليس الجود والكرم لي! أوليس الدنيا والآخرة بيدي! فلو أن سبع
~~سماوات وأرضين سألوني جميعا، فأعطيت كل واحد منه مسألته! ما نقص ذلك من
~~ملكي مثل جناح بعوضة، وكيف ينقص ملك أنا قيمه! فيا بؤس لمن عصاني ولم
~~يراقبني ".
# فقلت له: يا ابن رسول الله، أعد علي هذا الحديث، فأعاده ثلاثا، فقلت: لا
# PageV00P212
# - والله - لا سألت بعدها أحدا حاجة، فما لبثت أن جاءني الله برزق من عنده
~~(1).
# أمير المؤمنين عليه السلام، عن النبي عليه السلام وآله: " النساء عي
~~وعورات، فداووا عيهن بالسكوت، وعوراتهن بالبيوت " (2).
# إسحاق بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن آبائه،
~~عن علي عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " يقول الله عز
~~وجل: ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني، إلا قطعت أسباب السماوات وأسباب الأرض
~~من دونه، فإن سألني لم أعطه، وإن دعاني لم أجبه، وما من مخلوق يعتصم بي دون
~~خلقي، إلا ضمنت السماوات والأرض رزقه، فإن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته،
~~وإن استغفرني غفرت له " (3).
# الحسين عليه السلام قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يرفع يديه
~~إذا ابتهل ودعا، كما يستطعم (4) المسكين " (5).
# الحسين عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من أجرى الله
~~على يديه فرجا لمؤمن، فرج الله عنه كرب الدنيا والآخرة " (6).
# وعنه عليه السلام، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " من عال أهل
~~بيت من المسلمين - يومهم وليلتهم - غفر الله ذنوبه " (7) أمير المؤمنين
~~عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما ابن آدم ليومه،
~~فمن أصبح آمنا في سر به، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما ms136 حيزت له
~~الدنيا (8) ".
# PageV00P213
# أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي (1) قال: كنت مع الرضا عليه السلام
~~لما وصل إلى نيسابور، وهو راكب بغلة شهباء، وقد خرج علماء نيسابور في
~~استقباله، فلما صار في المربعة تعلقوا بلجام بغلته فقالوا: يا ابن رسول
~~الله، حدثنا بحق آبائك الطاهرين حديثا عن آبائك صلوات الله عليهم أجمعين
~~فأخرج رأسه من الهودج - وعليه مطرف خز - وقال:
# " حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد ابن علي،
~~عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي - سيد شباب أهل الجنة - عن
~~أمير المؤمنين، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال: أخبرني جبريل
~~الروح الأمين، عن الله - تقدست أسماؤه وجل وجهه - أنه يقول: إني أنا الله
~~لا إله إلا أنا وحدي، عبادي فاعبدوني، وليعلم من لقيني منكم بشهادة ألا إله
~~إلا الله - مخلصا بها - أنه قد دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي ".
# قالوا: يا ابن رسول الله، وما إخلاص الشهادة لله؟
# قال: " طاعة الله ورسوله، وولاية أهل بيته عليهم السلام " (2).
# أمير المؤمنين عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
~~اثنتان:
# كلمة حكمة من سفيه فاقبلوها، وكلمة سفه من حكيم فاغفروها، فإنه لا حكيم
~~إلا ذو عثرة ولا سفيه إلا ذو تجربة " (3).
# عن أبي بردة الأسلمي (4) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
# PageV00P214
# " لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن جسده، فيما أبلاه؟
~~وعن عمره، فيما أفناه؟ وعن ماله، مما اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن حبنا أهل
~~البيت " (1).
# قال معاوية لخالد بن معمر: على ما أحببت عليا؟
# قال: على ثلاث خصال: على حلمه إذا غضب، وعلى صدقه إذا قال، وعلى عدله إذا
~~ولي (2).
# لما احتضر أمير المؤمنين عليه السلام جمع بنيه - حسنا، وحسينا، ومحمد بن
~~الحنفية، والأصاغر من ولده - فوصاهم وقال في آخر وصيته: " يا بني، عاشروا
~~الناس عشرة إن غبتم حنوا إليكم، وإن فقدتم بكوا عليكم. يا بني، إن ms137 القلوب
~~جنود مجندة تتلاحظ بالمودة وتتناجى بها، وكذلك هي في البعض، فإذا أبغضتم
~~الرجل - من غير خير سبق منه إليكم - فاحذروه " (3).
# الإمام موسى بن جعفر بن محمد عليهم السلام قال: " أحسن من الصدق قائله،
~~وخير من الخير فاعله " (4).
# أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي عليه السلام وآله، أنه " لقي ملك
~~رجلا على باب دار كان ربها غائبا، فقال له الملك: ما جاء بك إلى هذه الدار؟
~~فقال: أخ أردت زيارته.
# قال: الرحم ماسة بينك وبينه، أم نزعتك إلى حاجة؟
# قال: ما بيننا رحم ماسة أقرب من رحم الإسلام، وما نزعتني إليه حاجة، قال
~~(5): وما بيننا رحم، ولكن زرته في الله تعالى رب العالمين.
# قال: فأبشر، فإني رسول الله إليك، وهو يقرؤك السلام، ويقول لك: إياي
~~قصدت، وما عندي أردت بصنيعك، فقد أوجبت لك الجنة، وعافيتك من غضبي والنار
# PageV00P215
# حيث أتيته " (1).
# وعنه عليه وآله السلام أنه قال: " من أدى فريضة، فله عند الله دعوة
~~مستجابة " (2).
# وعنه عليه وآله السلام قال: " في ابن آدم ثلاث مائة وستون عرقا، منها
~~مائة وثمانون ساكنة، فلو سكن المتحرك لم يبق الإنسان، ولو تحرك الساكن لهلك
~~الإنسان ".
# وكان صلى الله عليه وآله في كل يوم إذا أصبح وطلعت الشمس يقول:
# الحمد لله رب العالمين كثيرا طيبا على كل حال. يقولها ثلاثمائة وستين مرة
~~شكرا (3).
# وعنه صلوات الله عليه وآله أنه قال: " من أفضل الأعمال عند الله عز وجل
~~إبراد الأكباد الحارة، وإشباع الأكباد الجائعة، والذي نفس محمد بيده، لا
~~يؤمن بي عبد يبيت وأخوه - أو قال: جاره - المسلم جائع " (4).
# وعنه عليه السلام قال: " ثلاث خصال من كن فيه استكمل خصائل الإيمان:
# الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه الغضب من الحق،
~~وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له " (5).
# محمد بن سلام الجمحي قال: حدثني يونس بن حبيب النحوي - وكان عثمانيا -
~~قال: قلت للخليل بن أحمد: أريد أن أسألك عن مسألة تكتمها علي.
# قال: قولك يدل على أن الجواب أغلظ من السؤال، ms138 فتكتمه أنت أيضا.
# قال: قلت: نعم، أيام حياتك.
# قال: سل.
# قلت: ما بال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ورحمهم، كأنهم كلهم بنو
~~أم واحدة، وعلي بن أبي طالب عليه السلام من بينهم كأنه ابن علة؟
# قال: من أين لك هذا السؤال؟
# PageV00P216
# قال: قلت: قد وعدتني الجواب.
# قال: وقد ضمنت لي الكتمان.
# قال: قلت: أيام حياتك.
# فقال: إن عليا عليه السلام تقدمهم إسلاما، وفاقهم علما وبذهم شرفا،
~~ورجحهم زهدا، وطالهم جهادا، وتقدمهم هجرة فحسدوه، والناس إلى أشكالهم
~~وأشباههم أميل ممن بان منهم وفاقهم (1).
# عن أم سلمة - زوج النبي صلى الله عليه وآله - قالت: إذا أراد الله عز وجل
~~بعبده خيرا، جعل له واعظا من نفسه، يأمره وينهاه (2).
# وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا ودع رجلا من المسلمين قال له: " زودك
~~الله التقوى، وغفر ذنبك، ووجهك إلى الخير حيث توجهت " (3).
# عن جعفر بن محمد أنه قال لبعض أصحابه: " إذا رأيت السلطان يحتكر الطعام،
~~ورأيت أموال ذي القربى واليتامى والمساكين، تقسم في الزور، ويشرب بها
~~الخمور، ورأيت الخمر يتداولونها، وتوصف للمريض يستشفي بها، ورأيت الناس قد
~~استووا في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك التدين به، ورأيت
~~المنابر يؤمر عليها بالتقوى ولا يعمل القائل بما يأمر به، ورأيت الصلاة قد
~~استخف بأوقاتها، ورأيت الصدقة بالشفاعة - لا يراد بها وجه الله - وتعطى
~~لطلب الناس، ورأيت الناس همتهم بطونهم وفروجهم، لا يبالون بما أكلوا ولا ما
~~نكحوا، ورأيت الدنيا مقبلة عليهم، ورأيت أعلام الحق والهدى قد درست، فكن
~~على حذر، واطلب إلى الله تعالى النجاة.
# واعلم أن الناس في سخط الله وإنما يمهلهم لأمر يراد بهم، فكن متوقيا
~~واجتهد ليراك الله تعالى على خلاف ما هم عليه، وإن نزل بهم العذاب وكنت
~~فيهم عجلت إلى رحمة الله، وإن بقيت كنت قد خرجت مما هم فيه من الجرأة،
~~وسلمت من عذاب الله، واعلم أن الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين " (4).
# PageV00P217
# وروى علي بن عيسى - يرفعه - قال: إن موسى صلى الله عليه ناجاه ms139 الله تبارك
~~وتعالى، فقال له في مناجاته: يا موسى، لا تطول في الدنيا أملك فيقسو قلبك،
~~وقاسي القلب مني بعيد، وأمت قلبك بالخشية، وكن خلق الثياب جديد القلب، تخفى
~~على أهل الأرضين وتعرف في أهل السماء، جليس البيوت، مصباح الليل، واقنت بين
~~يدي قنوت الصابرين، وضج إلي من كثرة الذنوب ضجيج الهارب من عدوه، واستعن بي
~~على ذلك، فإني نعم العون ونعم المستعان.
# يا موسى، إني [أنا] (1) الله فوق العباد والعباد دوني، وكل لي داخرون،
~~فاتهم نفسك على نفسك، ولا تأتمن ولدك على دينك، إلا أن يكون مثلك يحب الله
~~تعالى يا موسى، واقترب من عبادي الصالحين.
# أوصيك - يا موسى - وصية الشفيق المشفق بابن البتول عيسى بن مريم، صاحب
~~الأتان (2) والبرنس، والزيت والزيتون، والمحراب. ومن بعده بصاحب الجمل
~~الأحمر، الطيب الطاهر، فمثله في كتابك أنه مؤمن مهيمن على الكتب كلها، وأنه
~~راكع ساجد راغب راهب، إخوانه المساكين، وأنصاره قوم آخرون، ويكون في زمانه
~~أزل (3) وزلزال وقتل، وقلة من المال، وكذلك اسمه أحمد ومحمد الأمين من
~~الباقين، من ثلة الأولين الماضين، يؤمن بالكتب كلها، ويصدق جميع المرسلين،
~~ويشهد بالإخلاص لجميع المؤمنين، أمته مرحومة مباركة ما بقوا في الدين على
~~حقائقه، لهم ساعات مؤنسات يؤدون فيها الصلوات أداء العبد إلى سيده نافلته،
~~فصدقه ومنهاجه فاتبع، فإنه أخوك.
# يا موسى، إنه أمي، وهو عبد صدق، يبارك له فيما وضع يده ويبارك عليه، كذلك
~~كان في علمي، وكذلك خلقته، به أفتح (4) الساعة، وبأمته أختم مفاتيح الدنيا،
~~فمر بني إسرائيل أن لا يدرسوا اسمه، ولا يخذلوه، وإنهم لفاعلون! وحسبه في
~~حسبه، (5) وأنا معه، وأنا من حزبه وهو من حزبي، وحزبي هم الغالبون، فتمت
~~كلماتي لأظهرن دينه على الأديان كلها، ولأعبدن بكل مكان، ولا نزلن عليه
~~فرقانا
# PageV00P218
# شفاءا لما في الصدور، ومن نفث الشيطان. فصل عليه - يا بن عمران - فإني
~~أصلي عليه وملائكتي.
# يا موسى، أنت عبدي، وأنا إلهك، لا تستذل الحقير الفقير، ولا تغبط الغني
~~بشئ يسير، وكن عند ذكري خاشعا، وعند تلاوته برحمتي طامعا ms140 (1)، وأسمعني
~~لذاذة التوراة بصوت خاشع حزين، وتطهر عند ذكري، وذكر بي من يطمئن إلي،
~~واعبدني ولا تشرك بي شيئا، وتحر مسرتي، إني أنا السيد الكبير، إني خلقتك من
~~نطفة من ماء مهين، من طينة أخرجتها من أرض ذليلة ممشوجة فكانت بشرا، فأنا
~~صانعها خلقا، فتبارك وجهي وتقدس صنعي، ليس كمثلي شئ، وأنا الدائم لا أزول.
# يا موسى، كن إذا دعوتني خائفا مشفقا وجلا، عفر وجهك في التراب، واسجد لي
~~بمكارم بدنك (2)، واقنت بين يدي في القيام، وناجني حين تناجيني بخشية من
~~قلب وجل، فاحي بتوراتي أيام الحياة، وعلم الجهال محامدي، وذكرهم آلائي
~~ونعمتي، وقل لهم: لا يتمادون في غيهم، فإن أخذي أليم شديد.
# يا موسى، إن انقطع حبلك مني لم يتصل بحبل غيري، فاعبدني وقم بين يدي مقام
~~العبد الحقير، ذم نفسك فهي أولى بالذم، ولا تتطاول بآياتي على بني إسرائيل،
~~فكفى بهذا واعظا لقلبك ومنيرا، وهو كلام رب العالمين جل وتعالى.
# يا موسى، متى ما دعوتني ورجوتني، فإني سأغفر لك ما كان منك، فعليك
~~بالصلاة الصلاة، فإنها مني بمكان، ولها عندي عهد وثيق، فألحق بها ما هو
~~منها، زكاة القربان من طيب المال والطعام، فإني لا أقبل إلا الطيب يراد به
~~وجهي، واقرن مع ذلك صلة الأرحام، فإني أنا الرحمن الرحيم، أنا خلقتها فضلا
~~من رحمتي، ليتعاطف بها العباد، ولها عندي سلطان في معاد الآخرة، فأنا قاطع
~~من قطعها، واصل من وصلها، وكذلك أفعل بمن ضيع أمري.
# يا موسى، أكرم السائل إذا أتاك - برد جميل أو عطاء يسير - فإنه يأتيك من
~~ليس بإنس ولا جان، ملائكة الرحمن، يبلونك كيف أنت صانع فيما وليتك؟ وكيف
~~مواساتك فيما خولتك؟ فاخشع لي بالتضرع، واهتف لي بولولة الكتاب، واعلم أني
# PageV00P219
# أدعوك دعاء السيد مملوكه المبلغ به شرف المنازل، وذلك من فضلي عليك وعلى
~~آبائك الأولين.
# يا موسى، لا تنسني على كل حال، ولا تفرح بكثرة المال، فإن نسياني يقسي
~~القلب، ومع كثرة المال كثرة الذنوب.
# يا موسى، اجعلني حرزك، وضع عندي كنزك من ms141 الصالحات، وخفني ولا تخف غيري،
~~إلي المصير.
# يا موسى، إرحم من هو أسفل منك في الخلق، ولا تحسد من هو فوقك، فإن الحسد
~~يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
# يا موسى، ضع الكبر، ودع الفخر، واذكر أنك ساكن القبور، فليمنعك ذلك من
~~الشهوات.
# يا موسى، عجل التوبة، وأخر الذنب، وتأن في المكث بين يدي في الصلاة، ولا
~~ترج غيري، اتخذني جنة للشدائد، وحصنا لملمات الأمور.
# يا موسى، نافس في الخير أهله، فإن الخير كاسمه، ودع الشر لكل مفتون.
# يا موسى، اجعل لسانك وراء قلبك تسلم، وأكثر ذكري بالليل والنهار تغنم،
~~ولا تتبع الخطايا فتندم، فإن الخطايا موعدها النار.
# يا موسى، أطب الكلام لأهل الترك للذنوب، وكن لهم جليسا، واتخذهم لغيبك
~~إخوانا، وجد معهم يجدون معك.
# يا موسى، الموت لاقيك لا محالة، فتزود زاد من هو على أن يتزود قادر.
# يا موسى، ما أريد به وجهي فكثير قليله، وما أريد [به] (1) غيري فقليل
~~كثيره، وإن أصلح أيامك (") الذي هو (3) أمامك، فانظر أي يوم هو، فأعد له
~~الجواب، فإنك موقوف ومسؤول، وخذ موعظتك من الدهر وأهله، فإن الدهر طويله
~~قصير وقصيره طويل، وكل شئ فإن، فاعمل كأنك ترى ثواب عملك، لكي يكون أطمع لك
~~في الآخرة لا محالة، فإن ما بقي من الدنيا كما ولى منها، وكل عامل يعمل على
~~بصيرة ومثال، فكن مرتادا لنفسك - يا ابن عمران - لعلك تفوز غدا يوم السؤال،
~~فهنالك
# PageV00P220
# يخسر المبطلون.
# يا موسى، ألق كفيك ذلا بين يدي كفعل العبد المستصرخ إلى سيده، فإنك إذا
~~فعلت ذلك رحمت، وأنا أكرم القادرين العائذين.
# يا موسى، سلني من فضلي ورحمتي، فإنهما بيدي لا يملكهما غيري، وانظر حين
~~تسألني كيف رغبتك فيما عندي، لكل عامل جزاء، وقد يجزى الكفور بما سعى.
# يا موسى، طب نفسا عن الدنيا وانطو عنها فإنها ليست لك ولست لها، ما لك
~~ولدار الظالمين! إلا العامل فيها بالخير، فإنها لنعمت الدار.
# يا موسى، ما آمرك به فاسمع، ومهما أراه فاصنع، خذ حقائق التوراة إلى
~~صدرك، وتيقظ ms142 بها في ساعات الليل والنهار، ولا تمكن أبناء الدنيا من صدرك،
~~فيجعلونه وكرا كوكر الطير.
# يا موسى، الدنيا وأهلها فتن - بعضهم لبعض - فكل مزين له ما هو فيه،
~~والمؤمن زينت له الآخرة فهو ينظر إليها فما يفتر، قد حالت شهوتها بينه وبين
~~لذة العيش، فأدلجته بالأسحار، كفعل السابق إلى غايته يظل كئيبا ويمسي
~~حزينا، فطوبى له، لو قد كشف الغطاء، ماذا يعاين من السرور!
# يا موسى، الدنيا لعقة ليست بثواب للمؤمنين ولا جزاء فاجر، فالويل الطويل
~~لمن باع ثواب معاده بلعقة لم تبق ولعقة لم تدم، فكذلك فكن - كما أمرتك -
~~فلكل أمر رشاد.
# يا موسى، إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر
~~مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين، ولا تكن جبارا ظلوما، ولا تكن للظالمين
~~قريبا.
# يا موسى، صرخ الكتاب إليك صراخا بما أنت إليه صائر، فكيف ترقد على هذا
~~العيون؟
# أم كيف يجد قوم لذة العيش؟ لولا التمادي في الغفلة، والتتابع في الشهوة،
~~ومن دون هذا يجزع الصديقون، فادعني بالقلب النقي، واللسان الصادق التقي،
~~وكن كما أمرتك، وأطع أمري، ولا تستطل على عبادي بما ليس منك مبتدأه، وتقرب
~~إلي فإني منك قريب، فإني لم أسألك ما يؤذيك ثقله ولا حمله، إنما سألتك أن
~~تدعوني فأجيبك، وأن تسألني فأعطيك، وأن تقرب إلي بما مني أخذت تأويله وعلي
~~تمام تنزيله. PageV00P221
# يا موسى، انظر إلى الأرض فإنها عن قريب قبرك، وارفع رأسك إلى السماء فإن
~~قومك ملكا عظيما، وابك على نفسك ما كنت في الدنيا، وتخوف العطب والمهالك،
~~ولا تغرنك زينة الدنيا وزهرتها، ولا ترض بالظلم، ولا تكن ظالما فإني
~~للظالمين رصيد حتى آخذ منهم للمظلوم.
# يا موسى، إن للحسنة عشرة أضعاف، ومن السيئة الواحدة الهلاك، لا تشرك بي،
~~لا يحل لك أن تشرك بي، قارب وسدد، وادع دعاء الطامع الراغب فيما عندي،
~~النادم على ما قدمت يداه، فإن سواد الليل يمحوه النهار، وكذلك السيئة
~~تمحوها الحسنة، وغشوة الليل تأتي على ضوء النهار، وكذلك السيئة تأتي على
~~الحسنة الجليلة ms143 فتسودها (1).
# أحمد بن الحسن الميثمي، عن رجل من أصحابه قال: قرأت جوابا من أبي عبد
~~الله إلى رجل من أصحابه: " أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله - عز وجل - فإن
~~الله قد ضمن لمن اتقاه، أن يحوله عما يكره إلى ما يحب، ويرزقه من حيث لا
~~يحتسب [فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم ويأمن العقوبة من
~~ذنبه، فإن] (2) الله جل وعز لا يخدع عن دينه (3)، ولا ينال ما عنده إلا
~~بطاعته، إن شاء الله " (4).
# عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين - صلوات الله عليهما - قال: كان
~~يقول: " إن أحبكم إلى الله - جل وعز - أحسنكم عملا، وإن أعظمكم عند الله
~~عملا أعظمكم فيما عنده رغبة، وإن أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية لله، وإن
~~أقربكم من الله أوسعكم خلقا، وإن أرضاكم عند الله أشبعكم على عياله، وإن
~~أكرمكم على الله جل وعز أتقاكم لله " (5).
# عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال (6) أمير
~~المؤمنين صلوات الله عليه: ليأتين على الناس زمان يظرف فيه الفاجر، ويقرب
~~فيه الماجن،
# PageV00P222
# ويضعف فيه المنصف. قال: فقيل له: متى يا أمير المؤمنين؟ فقال: " إذا
~~اتخذت الأمانة مغنما، والزكاة مغرما، والعبادة استطالة، والصلة منا. فقيل:
~~متى ذلك، يا أمير المؤمنين؟ فقال: إذا تسلطن النساء، وتسلطن الإماء، وأمر
~~الصبيان " (1).
# عن سعيد بن المسيب قال: كان علي بن الحسين - صلوات الله عليه - يعظ الناس
~~ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في الآخرة - بهذا الكلام - في كل جمعة، في مسجد
~~الرسول - صلى الله عليه وآله - وحفظ عنه وكتب، كان يقول:
# " أيها الناس، اتقوا الله، واعلموا أنكم إليه ترجعون، فتجد كل نفس ما
~~عملت في هذه الدنيا من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه
~~أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد.
# ويحك، يا ابن آدم الغافل، وليس بمغفول عنه، ابن آدم، إن أجلك أسرع شئ
~~إليك، قد أقبل نحوك حثيثا يطلبك، ويوشك أن يدركك، وكأن قد أوفيت أجلك، وقبض
~~الملك ms144 روحك، وصيرت إلى قبرك وحيدا، فرد إليك فيه روحك، واقتحم عليك فيه
~~ملكان - ناكر ونكير - لمساءلتك وشديد امتحانك، ألا وإن أول ما يسألانك عن
~~ربك الذي كنت تعبد، وعن نبيك الذي أرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تدين به،
~~وعن كتابك الذي كنت [تتلوه، وعن إمامك الذي كنت] (2) تتولاه، ثم عن عمرك
~~فيما أفنيته، ومالك من أين اكتسبته وفيما أنفقته، فخذ حذرك وانظر لنفسك،
~~وأعد الجواب قبل الامتحان والمسألة والاختبار، فإن تكن مؤمنا عارفا بدينك،
~~متبعا للصادقين، مواليا لأولياء الله، لقاك الله حجتك، وأنطق لسانك
~~بالصواب، وأحسنت الجواب، وبشرت بالجنة والرضوان من الله - جل وعز -
~~واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان. وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك، ودحضت
~~حجتك، وعييت عن الجواب، وبشرت بالنار، فاستقبلتك ملائكة العذاب بنزل من
~~حميم (3) وتصلية جحيم.
# واعلم - ابن آدم - أن من وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة،
~~ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، يجمع الله تعالى فيه الأولين
# PageV00P223
# والآخرين، يوم ينفخ في الصور، وتبعثر فيه القبور، ذلك يوم الآزفة إذ
~~القلوب لدى الحناجر كاظمين، ذلك يوم لا تقال فيه عثرة، ولا يؤخذ من أحد
~~فدية، ولا تقبل منه معذرة، ولا لأحد فيه مستقل لقدمه (١)، ليس إلا الجزاء
~~بالحسنات والجزاء بالسيئات، فمن كان من المؤمنين عمل مثقال ذرة من خير
~~وجده، ومثقال ذرة من شر وجده.
# فاحذروا - أيها الناس - من الذنوب والمعاصي ما قد نهاكم الله عز وجل
~~عنها، وحذركموها في كتاب الصادق والبيان الناطق، ولا تأمنوا مكر الله
~~وتحذيره، عندما يدعوكم الشيطان الرجيم اللعين إليه، من عاجل الشهوات
~~واللذات في هذه الدنيا، فإن الله جل وعز يقول: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا
~~هم مبصرون﴾ (٢).
# فأشعروا قلوبكم (٣) خوف الله عز وجل، وتذكروا بما قد وعدكم الله عز وجل
~~في مرجعكم إليه، من حسن ثوابه، كما خوفكم شديد العقاب، فإنه من خاف شيئا
~~حذره، ومن حذر شيئا تركه، ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى ms145 زهرة الحياة
~~الدنيا [الذين مكروا السيئات فإن الله عز وجل يقول في محكم كتابه:] (٤) ﴿أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله
~~بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، أو يأخذهم في تقلبهم فما هم
~~بمعجزين، أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم﴾ (5).
# فاحذروا ما حذركم الله، بما فعل بالظلمة في كتابه، ولا تأمنوا أن ينزل
~~بكم بعض ما تواعد به القوم الظالمين في الكتاب، تالله لقد وعظكم الله
~~بغيركم، فإن السعيد من وعظ بغيره، ولقد أسمعكم الله - جل وعز - في كتابه،
~~بما فعل بالقوم الظالمين من أهل ألقى قبلكم، حيث قال تبارك وتعالى: (وكم
~~قصمنا من قرية كانت ظالمة) (6) وإنما عنى بالقرية أهلها، حيث قال: (وأنشأنا
~~بعدها قوما آخرين) (7) وقال عز وجل (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون)
~~(8) يعني يرهبون، قال: (لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه
# PageV00P224
# ومساكنكم لعلكم تسألون) (١) فلما أتاهم العذاب (قالوا يا ويلنا إنا كنا
~~ظالمين * فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين) (٢) وأيم الله إن
~~هذه عظة لكم وتخويف إن اتعظتم وخفتم.
# ثم رجع القول من الله - عز وجل - في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب،
~~فقال عز وجل: ﴿ولئن مستهم نفحة من
~~عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين﴾ (٣) فإن قلتم - أيها الناس
~~-: إن الله عز وجل إنما عنى بهذا أهل الشرك، فكيف ذلك؟ وهو يقول: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة
~~فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا
~~حاسبين﴾ (٤) واعلموا - عباد الله - أن أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين،
~~وإنما تنصب لأهل الإسلام، فاتقوا الله - عباد الله - إن الله عز وجل لم يحب
~~هذه الدنيا وعاجلها لأحد من أوليائه، ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها
~~وظاهر بهجتها، وأنما خلق الله الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن
~~عملا لآخرته، وأيم الله، لقد ضرب لكم الأمثال، وصرف الآيات ms146 لقوم يعقلون، لا
~~قوه إلا بالله.
# فازهدوا فيما زهدكم الله - عز وجل - فيه من عاجل الحياة الدنيا، فإن الله
~~- تبارك وتعالى - يقول وقوله الحق: ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به
~~نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن
~~أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم
~~تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون﴾ (٥).
# وكونوا - عباد الله - من القوم الذين يتفكرون، ولا تركنوا إلى الدنيا،
~~فإن الله - جل وعز - قال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ (6).
# ولا تركنوا إلى زهرة الدنيا وما فيها، ركون من اتخذها دار قرار ومنزل
# PageV00P225
# استيطان، فإنها دار بلغة، ومنزل قلعة (1)، ودار عمل، فتزودوا الأعمال
~~الصالحة، قبل أن تفرق بينكم أيامها وينزل بكم حمامها، وقبل الإذن من الله
~~بخرابها، فكان قد أخربها الذي عمرها أول مرة وهو يرثها، فنسأل الله - لنا
~~ولكم - العون على الزاد بالتقوى، والزهد في الدنيا، وجعلنا الله وإياكم من
~~الزاهدين في عاجل الحياة الدنيا، الراغبين في الآخرة، فإنما نحن به وله،
~~وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين " (2).
# PageV00P226
# وفيما أنزل الله على عيسى بن مريم عليه السلام من الوعظ:
# يا عيسى، إني أنا ربك ورب آبائك، اسمي واحد، وأنا الأحد الصمد، المتفرد
~~بخلق كل شئ، وكل شئ من صنعي، وكل إلي راجعون.
# يا عيسى، كن إلي راغبا، ومني راهبا، ولن تجد مني ملجأ إلا إلي.
# يا عيسى، أوصيك وصية المتحنن عليك بالرحمة، حتى حقت لك مني الولاية
~~بتحريك مني المسرة، وبوركت كبيرا وبوركت صغيرا حيث ما كنت، أشهد أنك عبدي
~~ابن أمتي، أنزلني من نفسك كهمك، واجعل ذكري لمعادك، وتقرب إلي بالنوافل،
~~وتوكل علي أكفك، ولا تركن إلى غيري فأخذلك.
# يا عيسى، اصبر على البلاء، وارض بالقضاء، وكن كمسرتي فيك، فإن مسرتي أن
~~أطاع فلا أعصى.
# يا عيسى، أحي فكري بلسانك، ms147 وليكن ودي في قلبك.
# يا عيسى، تيقض في ساعة الغفلة، واحكم لي بلطيف الحكمة.
# يا عيسى، كن راغبا راجيا راهبا، وأمت قلبك بالخشية.
# يا عيسى، راع الليل لتحري مسرتي، وأظم نهارك ليوم حاجتك عندي.
# يا عيسى، نافس في الخير جهدك، لتعرف بالخير حيث ما توجهت.
# يا عيسى، احكم في عبادي بنصحي، وقم فيهم بعد لي، فقد أنزلت عليك شفاءا
~~لما في الصدور من مرض الشيطان.
# يا عيسى، لا تكن جليسا لكل مفتون.
# يا عيسى، حقا أقول: ما آمنت لي خليقة إلا خشعت لي، وما خشعت لي إلا أوجبت
~~لها ثوابي، وأشهدك أنها آمنة من عقابي، ما لم تغير أو تبدل سنتي.
# يا عيسى - بن البتول البكر - إبك على نفسك، بكاء من قد ودع الأهل وقلا
~~الدنيا، وتركها لأهلها، وصارت رغبته فيما عند إلهه.
# يا عيسى، كن مع ذلك تلين الكلام، وتفشي السلام، يقظان إذا نامت عيون
~~الأنام، حذارا للمعاد والزلازل الشداد وأهوال يوم القيامة، حيث لا ينفع أهل
~~ولا ولد ولا مال. PageV00P227
# يا عيسى، اكحل عينك بميل الحزن إذا ضحك البطالون.
# يا عيسى، كن خاشعا صابرا، فطوبى لك إن نالك ما وعد الصابرون.
# يا عيسى، رح من الدنيا يوما فيوما، وذق ما قد ذهب طعمه، فحقا أقول ما أنت
~~إلا بساعتك ويومك فرح من الدنيا بالبلغة، وليكفك الخشن الجشب، فقد رأيت إلى
~~ما تصير، وهو مكتوب ما أخذت وكيف أتلفت.
# يا عيسى، ابك على نفس في الخلوات، وانقل قدميك إلى مواقيت الصلوات،
~~وأسمعني لذاذة نطقك بذكري، فإن صنعي إليك حسن.
# يا عيسى، كم من أمة قد أهلكتها بسالف ذنوب قد عصمتك منها.
# يا عيسى، ارفق بالضعيف، وارفع طرفك الكليل إلى السماء، وادعني فإني قريب،
~~ولا تدعني إلا متضرعا إلي وهمك هم واحد، فإنك متى تدعني كذلك أجبك.
# يا عيسى، إني لم أرض بالدنيا ثوابا لمن كان قبلك، ولا عقابا لمن انتقمت
~~منه.
# يا عيسى، إنك تفنى، وأنا أبقى، ومني رزقك، وعندي ميقات أجلك، وإلي إيابك
~~وعلي حسابك، فسلني ولا تسل ms148 غيري، فيحسن منك الدعاء ومني الإجابة.
# يا عيسى، ما أكثر البشر، وأقل عدد من صبر! الأشجار كثيرة وطيبها قليل،
~~فلا تغرنك شجرة حتى تذوق ثمرتها.
# يا عيسى، لا يغرنك المتمرد علي بالعصيان، يأكل رزقي ويعبد غيري، ثم
~~يدعوني عند الكرب فأجيبه، ثم يرجع إلى ما كان عليه، فعلي يتمرد، أم بسخطي
~~يتعرض! فبي حلفت، لآخذنه أخذة ليس له منها منجا، ولا دوني ملجأ، أين يهرب
~~من سمائي وأرضي يا عيسى، قل لظلمة بني إسرائيل: لا تدعوني والسحت تحت
~~أحضانكم، والأصنام في بيوتكم، فإني آليت أن أجيب من دعاني، وأن أجعل إجابتي
~~إياهم لعنا لهم حتى يتفرقوا.
# يا عيسى، كم أطيل النظر، وأحسن الطلب، والقوم في غفلة لا يرجعون، تخرج
~~الكلمة من أفواههم لا تعبا (1) قلوبهم، يتعرضون لمقتي ويتحببون إلى
~~المؤمنين.
# يا عيسى، ليكن لسانك في السر والعلانية واحدا، وكذلك فليكن قلبك
# PageV00P228
# وبصرك، واطو قلبك ولسانك عن المحارم، وكف طرفك عما لا خير فيه، فكم ناظر
~~نظرة قد زرعت في قلبه شهوة، ووردت به موارد حياض الهلكة.
# يا عيسى، كن رحيما مترحما، وكن كما تشاء أن تكون العباد لك، وأكثر ذكر
~~الموت ومفارقة الأهلين، ولا تله فإن اللهو يفسد صاحبه، ولا تغفل فإن الغافل
~~مني بعيد، واذكرني بالصالحات أذكرك.
# يا عيسى، تب إلي بعد الذنب، وذكر بي الأوابين، وآمن بي، وتقرب إلى
~~المؤمنين، ومرهم يدعوني معك، وإياك ودعوة المظلوم، فإني آليت على نفسي أن
~~أفتح لها بابا من السماء بالقبول، وأن أجيبه ولو بعد حين.
# يا عيسى، اعلم أن صاحب السوء يغوي، وأن قرين السوء يردي، واعلم من تقارن،
~~واختر لنفسك أعوانا من المؤمنين.
# يا عيسى، تب إلي فإني لا يتعاظمني ذنب أن أغفره، وأنا أرحم الراحمين،
~~اعمل لنفسك في أيام مهلتك، قبل حلول أجلك، وقبل أن لا يعمل لها غيرك
~~واعبدني ليوم هو كألف سنة مما تعدون، أجزي بالحسنة أضعافها، فإن السيئة
~~توبق (1) صاحبها، وامهد لنفسك في مهلة، ونافس في العمل الصالح، فكم من مجلس
~~قد نهض أهله وهم مجارون ms149 من النار.
# يا عيسى، ازهد في الفاني المنقطع، وطأ رسوم من كان قبلك، فاعدهم وناجهم
~~هل تحس منهم أحدا؟ فخذ موعظتك منهم، واعلم أنك ستلحقهم في المتلاحقين.
# يا عيسى، قل لمن تمرد علي بالعصيان، وعمل بالإدهان: ليتوقع عقوبتي،
~~وينتظر إهلاكي إياه، سيصطلم مع الهالكين.
# طوباك يا ابن مريم طوباك، إن أخذت بأدب إلهك الذي يتحنن عليك مترحما،
~~وبدأك بالنعم منه متكرما، وكان لك في الشدائد، لا تعصه - يا عيسى - فإنه لا
~~يحل لك عصيانه، قد عهدت إليك كما عهدت إلى من كان قبلك، وأنا على ذلك من
~~الشاهدين.
# يا عيسى، اغسل بالماء منك ما ظهر، وداو بالحسنات منك ما بطن، فإنك إلي
~~راجع.
# PageV00P229
# يا عيسى، أعطيتك ما أنعمت به عليك فيضا [من] (1) غير تكدير، وطلبته منك
~~قرضا لنفسك، فإن بخلت به عليها تكون من الهالكين.
# يا عيسى، تزين بالدين، وحب المساكين، وامش على الأرض هونا، وصل على
~~البقاع فكلها طاهر.
# يا عيسى، ما خير في لذاذة لا تدوم، وعيش عن صاحبه يزول!
# يا عيسى بن مريم، لو رأت عينك ما أعددت لأوليائي الصالحين، ذاب قلبك
~~وزهقت نفسك شوقا إليه، وليس كدار الآخرة دار تجاور فيها الطيبين، وتدخل
~~عليهم الملائكة المقربون، وهم مما يأتي يوم القيامة من أهوالها آمنون، دار
~~لا يتغير فيها النعيم، ولا يزول عن أهلها (2)، يا بن مريم، إن كنت لها من
~~العاملين مع آبائك آدم وإبراهيم في جنات ونعيم، لا تبغي بها بدلا ولا
~~تحويلا كذلك أفعل بالمتقين.
# يا عيسى، اهرب إلي مع من هرب، من نار ذات لهب، ونار ذات أغلال وأنكال، لا
~~يدخلها روح ولا يخرج منها غم أبدا، قطع كقطع الليل المظلم، من ينج منها
~~يفز، ومن لم ينج من أنكالها هلك مع الهالكين، هي دار الجبارين، والعتاة
~~الظالمين، وكل فظ غليظ، وكل مختال فخور.
# يا عيسى، بئست الدار لمن ركن إليها، وبئس القرار دار الظالمين، إني أحذرك
~~نفسك فكن بي خبيرا.
# يا عيسى، كن حيث ما كنت مراقبا لي، واشهد على أني خلقتك، ms150 وأنك عبدي، وأني
~~صورتك، وإلى الأرض أهبطتك.
# يا عيسى، لا يصلح لسانا في فم واحد، ولا قلبان في صدر واحد، وكذلك
~~الأذهان.
# يا عيسى، لا تصحبن عاصيا، ولا تصحبن لاهيا (3)، وافطم نفسك عن الشهوات
~~الموبقات، وكل شهوة تباعدك مني فاهجرها، واعلم أنك مني بمكان (4)
# PageV00P230
# الرسول الأمين، فكن مني على حذر، واعلم أن دنياك مؤديتك إلي وأني آخذك
~~بعلمي، فكن ذليل النفس عند ذكري، خاشع القلب حين تذكرني، يقظان عند نوم
~~الغافلين.
# يا عيسى، هذه نصيحتي إياك، وموعظتي لك، فخذها مني، فإني رب العالمين.
# يا عيسى، إذا صبر عبدي في جنبي، كان ثواب عمله علي، وكنت عنده حين
~~يدعوني، وكفى بي منتقما ممن عصاني، أين يهرب مني الظالمون!
# يا عيسى، أطب الكلام، وكن حيث ما كنت عالما.
# يا عيسى، وافض الحسنات إلي حتى يكون لك ذكرها عندي، وتمسك بوصيتي فإنها
~~شفاء للصدور.
# يا عيسى، لا تأمن إذا مكرت مكري.
# يا عيسى، حاسب نفسك بالرجوع إلي حتى تتنجز [ثواب] (1) ما عمله العاملون،
~~أولئك يؤتون أجرهم وأنا خير المؤتين.
# يا عيسى، أحبكم إلي، أطوعكم لي، وأشدكم خوفا مني (2).
# يا عيسى، تيقظ ولا تأيس من روحي، وسبحني بطيب الكلام وقدسني (3).
# يا عيسى، كيف يكفر العباد بي!؟ ونواصيهم بيدي، وفي قبضتي، وتقلبهم في
~~الأرض بعلمي، يجهلون نعمتي، ويتولون عدوي، كذلك يهلك الكافرون.
# يا عيسى، الدنيا سجن ضيق نتن الريح، وحسن فيها ما قد ترى [مما] (4)
~~يتذابح عليه الجبارون، فإياك والدنيا، فكل نعيمها يزول، وما نعيمها إلا
~~قليل.
# يا عيسى، ابغني عند وسادك تجدني، وادعني وأنت لي محب فإني أسمع السامعين،
~~أستجيب للداعين إذا دعوني.
# يا عيسى، خفني، وخوف بي عبادي، [لعل] (5) المذنبين أن يتوبوا عما هم
~~عاملون به، فلا يهلكون إلا وهم يعلمون.
# PageV00P231
# يا عيسى، ارهبني رهبتك من السبع والكلب والموت الذي أنت لاقيه، فكل هذا
~~أنا خلقته، فإياي فارهبون.
# يا عيسى، إن الملك لي وبيدي، وأنا الملك، فإن تطعني أدخلك جنتي في جوار
~~الصالحين.
# يا عيسى، إني إذا غضبت عليك لم ينفعك رضى من ms151 رضي عنك وإن رضيت عنك لم
~~يضرك غضب المغضبين (1).
# يا عيسى، اذكرني في نفسك، أذكرك في نفسي، واذكرني في ملئك، أذكرك في ملأ
~~خير من الآدميين.
# يا عيسى، ادعني دعاء الغريق الحزين، ليس له مغيث.
# يا عيسى، لا تحلف بي كاذبا، فيهتز عرشي غضبا، الدنيا قصيرة العمر، طويلة
~~الأمل، وعندي دار خير مما تجمعون.
# يا عيسى، كيف أنتم صانعون إذا أخرجت لكم كتابا ينطق بالحق، وأنتم تشهدون
~~بسرائر قد كتمتوها، وأعمال كنتم بها عاملين!
# يا عيسى، قل لظلمة بني إسرائيل: غسلتم وجوهكم، ودنستم قلوبكم، أبي
~~تغترون! أم علي تجترون! تتطيبون بالطيب لأهل الدنيا، وأجوافكم عندي بمنزلة
~~الجيف المنتنة، كأنكم أقوام ميتون.
# يا عيسى، قل لهم: قلموا أظفاركم من كسب الحرام، وأصموا أسماعكم عن ذكر
~~الخنا، وأقبلوا علي بقلوبكم، فإني لست أريد صوركم.
# يا عيسى، افرح بالحسنة فإنها لي رضا، وابك على السيئة فإنها شين، وما لا
~~تحب أن يصنع بك، فلا تصنعه بغيرك، وإن لطم خدك الأيمن فاعطه الأيسر، وتقرب
~~إلي بالمودة جهدك، وأعرض عن الجاهلين.
# يا عيسى، ذل لأهل الحسنة، وشاركهم فيها وكن عليهم شهيدا، وقل لظلمة بني
~~إسرائيل: الحكمة تبكي منكم فرقا (2)، وأنتم بالضحك تهجرون. أتتكم براءتي أم
~~لديكم أمان من عذابي! أم تعرضون لعقابي! فإني حلفت لأتركنكم مثلا للغابرين.
# ثم أوصيك يا عيسى بن مريم البكر البتول، أوصيك بسيد المرسلين وحبيبي
# PageV00P232
# منهم، أحمد، صاحب الجمل الأحمر، والوجه الأقمر، المشرق بالنور، الطاهر
~~القلب، الشديد البأس، الحيي المتكرم، فإنه رحمة للعالمين، وسيد ولد آدم يوم
~~يلقاني، أكرم السابقين علي، وأقرب المرسلين عندي، وهو العربي الأمي الديان
~~بديني، الصابر في ذاتي، المجاهد المشركين بيديه عن ديني، أن تخبر به بني
~~إسرائيل، وتأمرهم أن يصدقوا به، وأن يتبعوه وينصروه.
# يا عيسى، كل ما يقربك مني قد دللتك عليه، وكل ما يباعدك مني قد نهيتك
~~عنه، فارتد (1) لنفسك.
# يا عيسى، إن الدنيا حلوة، وإنما استعملتك فيها، فجانب منها ما حذرتك، وخذ
~~منها ما أعطيتك عفوا.
# يا عيسى، انظر في عملك نظر العبد ms152 المذنب الخاطئ، ولا تنظر في عمل غيرك
~~بمنزلة الرب، كن فيها زاهدا، ولا ترغب فيها فتعطب.
# يا عيسى، اعقل وتفكر، وانظر في نواحي الأرض، كيف كان عاقبة الظالمين!؟
# يا عيسى، كل وصفي نصيحة لك، فقل الحق وأنا الحق المبين، فحقا أقول: لئن
~~أنت عصيتني بعد أن أنبأتك، ما لك من دوني ولي ولا نصير.
# يا عيسى، أذل قلبك بالحسنة، وانظر إلى ما هو أسفل منك ولا تنظر إلى من هو
~~فوقك، واعلم أن رأس كل خطيئة أو ذنب هو حب الدنيا، فلا تحبها فإني لا
~~أحبها.
# يا عيسى، أطب لي قلبك، وأكثر ذكري في الخلوات، واعلم أن سروري أن تبصبص
~~(2) إلي، كن في ذلك حيا ولا تكن ميتا.
# يا عيسى، لا تشرك بي شيئا، وكن مني على حذر، ولا تغتر بالنصيحة، ولا تقنط
~~نفسك، فإن الدنيا كفئ زائل، وما أقبل منها كما أدبر، فنافس في الصالحات
~~جهدك، وكن مع الحق حيث ما كان، وإن قطعت وحرقت بالنار فلا تكفر بي بعد
~~المعرفة، ولا تكن من الجاهلين، فإن الشئ يكون مع الشئ.
# PageV00P233
# يا عيسى، صب لي الدموع من عينيك، واخشع لي قلبك.
# يا عيسى، استغفرني (١) في حالات الشدة، فإني أغيث المكروبين، وأجيب
~~المضطرين، وأنا أرحم الراحمين (٢).
# حفص بن غياث قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا أراد أحدكم أن لا
~~يسأل الله شيئا إلا أعطاه، فلييأس من الناس كلهم، ولا يكون له رجاء إلا من
~~عند الله - عز وجل - فإذا علم الله - سبحانه عز وجل - ذلك من قلبه، لم
~~يسأله شيئا إلا أعطاه، فحاسبوا أنفكسم قبل أن تحاسبوا عليها، فإن للقيامة
~~خمسين موقفا، كل موقف مقام ألف سنة، ثم تلا: ﴿في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ (3) " (4).
# حفص، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال عيسى عليه السلام: اشتدت
~~مؤونة الدنيا ومؤونة الآخرة، أما مؤونة الدنيا فإنك لا تمد يدك إلى شئ منها
~~إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه، وأما مؤونة الآخرة فإنك لا ms153 تجد عليها إلا
~~نفسك " (5).
# عبد الله بن مسكان، عن حبيب، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
# " أما - والله - ما أحد من الناس أحب إلي منكم، إن الناس سلكوا سبلا شتى،
~~فمنهم من أخذ برأيه ومنهم من اتبع هواه، ومنهم من اتبع الرواية، وإنكم
~~أخذتم بأمر له أصل، فعليكم بالورع والاجتهاد، اشهدوا الجنائز، وعودوا
~~المرضى، وأحضروا مع القوم في مساجدهم للصلاة، أما يستحي منكم الرجل أن يعرف
~~جاره حقه، ولا يعرف حق جاره (6) " (7).
# مالك الجهني قال: قال لي (8): " يا مالك، أما ترضون أن تقيموا الصلاة،
~~وتؤتوا الزكاة، وتكفوا، وتدخلوا الجنة.
# يا مالك، إنه ليس من قوم إئتموا بإمام في الدنيا، إلا جاء يوم القيامة
~~يلعنهم ويلعنونه، إلا أنتم ومن كان على مثل حالكم.
# PageV00P234
# يا مالك، والله إن الميت منكم على هذا الأمر لشهيد، بمنزلة الضارب بسيفه
~~في سبيل الله عز وجل " (1).
# مسعدة، عن أبي عبد الله عليه السلام: " إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه
~~وآله، فقال له: أوصني، فقال له: فهل أنت مستوص إن أنا أوصيتك؟ حتى قال له
~~ذلك ثلاثا، وفي كلها يقول الرجل: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: فإني أوصيك إذا هممت بأمر تدبر عاقبته، فإن يك رشدا فأمضه،
~~وإن يك غيا فانته عنه " (2).
# مسعدة قال: سمعت أبا عبد الله صلى الله عليه وعلى آبائه، يقول لأصحابه
~~يوما: " لا تطعنوا في عيوب (3) من أقبل عليكم بمودته، فلا توقفوه على سيئة
~~يخضع لها، فإنها ليست من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله ولا من أخلاق
~~أوليائه " (4).
# وعنه عليه السلام: " إن المنافق لا يرغب فيما قد سعد به المؤمنون،
~~والسعيد يتعظ بموعظة التقوى وإن كان يراد بالموعظة غيره " (5).
# وعنه عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلتان كثير
~~من الناس فيهما مغبون (6): الصحة، والفراغ " (7).
# أمير المؤمنين عليه السلام قال: " من عرض نفسه للتهمة، فلا يلومن من أساء
~~به الظن، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده " (8).
# علي بن ms154 جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: " أخذ أبي عليه
~~السلام بيدي، ثم قال: يا موسى، إن أبي محمد بن علي عليهما السلام أخذ بيدي
~~كما أخذت بيدك، وقال: إن أبي علي بن الحسين صلوات الله عليهما أخذ بيدي
~~وقال لي: يا بني، إفعل الخير إلى كل من طلبه منك، فإن كان من أهله فقد أصبت
~~موضعه،
# PageV00P235
# وإن لم يكن له بأهل كنت أهله، وإن شتمك رجل عن يمينك [ثم تحول إلى يسارك]
~~(١)، فاعتذر إليك فاقبل منه " (٢).
# الحارث بن المغيرة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " لآخذن البرئ
~~منكم بذنب السقيم، ولم لا أفعل ويبلغكم عن الرجل ما يشينكم ويشينني،
~~فتجالسونهم وتحدثونهم، فيمر المار فيقول: هؤلاء شر من هؤلاء، فلو أنكم إذا
~~بلغكم عنه ما تكرهون، أمرتموهم ونهيتموهم كان أرضى لكم ولي " (٣).
# طلحة بن زيد، (٤) عن أبي عبد الله عليه السلام، في قوله: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين
~~ينهون عن السوء﴾ (5). قال: " كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأمروا
~~فنجوا، وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا قردة (6)، وصنف لم يأتمروا ولم
~~يأمروا فهلكوا " (7).
# محمد بن مسلم قال: كتب أبو عبد الله عليه السلام إلى الشيعة: " ليعطفن ذو
~~الفضل منكم والنهى والرأي، على ذي الجهل [و] (8) طلاب الرئاسة، أو لتصيبنكم
~~لعنتي لكم جميعا " (9).
# الحارث بن المغيرة قال: لقيني أبو عبد الله عليه السلام في طريق المدينة
~~فقال:
# " من ذا، حارث؟ " قلت: نعم، قال: " لأحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم "
~~فأتيته واستأذنت عليه فدخلت فقلت، لقيني من ذلك أمر عظيم، فقال: " ما
~~يمنعكم - إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون، وما يدخل علينا به الأذى - أن
~~تأتوه فتؤنبوه
# PageV00P236
# وتعذلوه تقولوا له قولا بليغا؟ " فقلت له: جعلت فداك إذن لا يطيعونا، ولا
~~يقبلون منا، فقال: " اهجروهم واجتنبوا مجالستهم " (1).
# قال بعض أهل العلم والدين والزهد: يا أيها الناس، اعملوا على مهل، وكونوا
~~من الله عز وجل [على وجل] (2)، ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل، ولا تركنوا
~~إلى الدنيا ms155 فإنها غرارة خداعة، قد تزخرفت لكم بغرورها، وفتنتكم بأمانيها،
~~[وتزينت] (3) لخطابها كالعروس المتحلية، العيون إليها ناظرة، والقلوب عليها
~~عاكفة، والنفوس لها عاشقة، فكم من عاشق لها قتلت، ومطمئن لها خذلت، فانظروا
~~إليها بعين الحقيقة، فإنها دار دام ما كثرت بوائقها، وذمها خالقها، جديدها
~~يبلى، وملكها يفنى، وعزيزها يذل، وكثيرها يقل، وحيها يموت، وخيرها يفوت.
# فاستقيظوا من غفلتكم، وانتهبوا من رقدتكم، قبل أن يقال: فلان عليل أو
~~مدنف ثقيل، فهل على الدواء من دليل، أم هل على طبيب من سبيل؟ فيدعى لك
~~الأطباء، ولا يرجى لك شفاء، ثم يقال: فلان أوصى، وماله أحصى، ثم يقال: قد
~~ثقل لسانه، فلم يكلم إخوانه، ولا يعرف جيرانه، وعرق عند ذلك جبينك، وتتابع
~~أنينك، وبليت نفسك، وطبقت جفونك، وصدقت ظنونك، وتلجلج لسانك، وبكى إخوانك،
~~وقيل لك: هذا ابنك فلان وهذا أخوك فلان فمنعت الكلام فلا تنطق، وختم على
~~لسانك فلم ينطلق، ثم حل بك القضاء، وانتزعت نفسك من الأعضاء، ثم عرج بها
~~إلى السماء، فاجتمع عند ذلك إخوانك، أحضرت أكفانك، فغسلوك وكفنوك، فانقطع
~~عوادك، واستراح حسادك، وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهنا بأعمالك (4).
# وقال بعضهم لبعض الملوك: أحق الناس بذم الدنيا وقلاها، من بسط له فيها
~~وأعطي حاجته منها، لأنه يتوقع آفة تغدو على ماله تجتاحه (5)، أو على نفسه
~~فتعفيه أو على جمعه فتفرقه، أو تأتي على سلطانه فتهدمه من القواعد، أو تدب
~~إلى جسمه فتسقمه، أو
# PageV00P237
# تفجعه بشئ هو مكين (1) به من أحبائه، فالدنيا أحق بالذم، هي الآخذة ما
~~تعطي، الراجعة فيما تهب، بينا هي تضحك صاحبها، إذ أضحكت منه، وبينا هي تبكي
~~له، إذ أبكت عليه، وبينا هي تبسط كفه بالإعطاء، إذ بسطتها بالاسترداد،
~~وتعقد التاج على الرأس، وتعفره غدا في التراب، سواء عليها ذهاب ما ذهب
~~وبقاء ما بقي، تجد (2) في الباقي من الذاهب خلفا، وترضى بكل من كل بدلا (3)
~~وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن الدنيا دار ظعن
~~ليست بدار إقامة، وإنما أنزل آدم عليه السلام ms156 إليها عقوبة، فاحذرها - يا
~~أمير المؤمنين - فإن المراد منها تركها، والغنى منها فقرها، لها في كل حين
~~قتيل، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها، هي كالسم يأكله من لا يعرفه، وهي
~~جيفة، وكن فيها كالمداوي جراحه يحتمي قليلا، مخافة ما يكره طويلا، فيصبر
~~على حدة الدواء، مخافة طول البلاء، فاحذر هذه الدار الغرارة الختالة
~~الخداعة، التي قد زينت بخدعها، وقتلت بغرورها، وتحلت بآمالها، وتشوفت
~~لخطابها، فأصبحت كالعروس المنجلية، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها
~~والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي
~~معتبر، ولا الآخر على الأول مزدجر، ولا العارف بالله عز وجل حين أخبره عنها
~~يدكر.
# فعاشق لها مدله (4) قد ظفر منها بحاجته، فاغتر وطغى ونسي المعاد، فشغل
~~بها لبه، حتى زلت عنها قدمه، عظمت ندامته، وكبرت حسرته، وأجمعت عليه سكرات
~~الموت بألمها، وحسرات الفوت بغصتها، ومن رغب فيها لم يدرك منها ما طلب، ولم
~~يروح نفسه من التعب، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد، فاحذرها وكن أسر ما
~~تكون فيها أحذر ما تكون منها، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور
~~أشخصته (5) إلى مكروه، السار فيها لأهلها غار، والنافع منها غدا ضار، وقد
~~وصل الرخاء منها في البلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، فسرورها مشوب
~~بالأحزان، لا يرجع فيها ما ولى وأدبر، ولا يدرى ما هو آت فينتظر، أيامها
~~كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد،
# PageV00P238
# ابن آدم فيها على خطر، وإن عقل فنظر، وهو من النعمان على خطر، ومن البلاء
~~على حذر.
# فلو كان الخالق (1) لم يخبر عنها خبرا، ولم يضرب لها مثلا، لكانت الدنيا
~~قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله - عز وجل - زاجر
~~وفيها واعظ، ما لها عند الله - جل ثناؤه - قدر، وما نظر إليها منذ خلقها،
~~ولقد عرضت على نبيك صلى الله عليه وآله بمفاتيحها وخزائنها - لا تنقصه عند
~~الله جناح بعوضة - فأبى أن يقبلها، وكره أن يخالف على الله أمره، أو يحب ما
~~أبغض خالقه، أو ms157 يرفع ما وضع، فزواها عن الصالحين اختيارا، وبسطها لأعدائه
~~اغترارا، فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها، ونسي ما صنع الله
~~عز وجل بمحمد صلى الله عليه حين شد الحجر على بطنه، وإن شئت اقتديت بصاحب
~~الروح والكلمة ابن مريم عليه السلام كان يقول:
# إدامي الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، وصلائي (2) في الشتاء مشارق
~~الأرض، وسراجي القمر، ودابتي رجلاي، وطعامي وفاكهتي ما أنبتت الأرض، وليس
~~لي زوجة تفتنني، ولا ولد يحرسني، وإني لأصبح وأمسي وليس في الأرض أحد أغنى
~~مني (3).
# وقال وهب بن منبه: لما بعث الله موسى وهارون إلى فرعون، قال لهما:
# لا يروعكما بأسه، فإن ناصيته بيدي، ولا يعجبكما ما متع به من زهرة الحياة
~~الدنيا وزينة المترفين، فلو شئت زينتكما بزينة يعرف فرعون حين يراها أن
~~مقدرته تعجز عنها، لكني أرغب بكما عن ذلك، فأزوي الدنيا عنكما، وكذلك أفعل
~~بأوليائي، أني لأذودهم عن نعيمها كما يذود الراعي غنمه عن مراتع الهلكة،
~~وإني لأجنبهم سلوكها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن موارد العرة (4)، وما
~~ذاك لهوانهم علي، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا، إنما يتزين
~~لي أوليائي بالذل والخشوع، والخوف الذي يثبت في قلوبهم، فيظهر على أجسادهم،
~~فهو شعارهم ودثارهم الذي يستشعرون، ونجاتهم التي بها
# PageV00P239
# يفوزون، ودرجاتهم التي إياها يأملون، ومجدهم الذي به يفخرون، وسيماهم
~~التي بها يعرفون، فإذا لقيتهم يا موسى فاخفض لهم جناحك، وألن لهم جانبك،
~~وذلل لهم قلبك ولسانك، واعلم أنه من أخاف لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، ثم
~~أنا الثائر لهم يوم القيامة (1).
# وقال بعض الحكماء: الأيام سهام والناس أغراض، ترميهم بسهامها، وتفنيهم
~~بحمامها، حتى تستعرض جميع أجزاءهم، فكم بقاء سلامة من لا تزال السهام ترميه
~~حتى يضمنه، فلو كشف لك - أيها الإنسان - عما أحدثت الأيام من النقص فيك،
~~لاستوحشت من كل يوم يأتي عليك، وإنها لأمر من العلقم، وقد أعيت الواصف
~~لعيوبها (2) بظاهر أفعالها، وما تأتي به من العجائب أكثر مما تحيط به
~~المواعظ، فنستوهب الله تعالى رشد الصواب وحسن المآب ms158 (3).
# وخطب عمر بن عبد العزيز فقال: أيها الناس، إنكم خلقتم لأمر إن كنتم
~~تصدقون به فإنكم لحمقى، وإن كنتم تكذبون به فإنكم لهلكى، إنما خلقتم لنعيم
~~الأبد إن أطعتم، ولجحيم الأبد إن عصيتم، وإنكم من دار إلى دار تنقلون،
~~فاعملوا لما أنتم صائرون إليه ومقيمون فيه (4).
# ويقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه الحسن بن أبي الحسن الديلمي -
~~جامع هذا الكتاب، أعلام الدين وصفات المؤمنين - أعانه الله على طاعته،
~~وتغمده برأفته ورحمته: إنه يجب على أهل العقل والفهم والأدب والمعرفة، أن
~~يعلموا أن الدنيا قد أهانها الله، حيث لم يصفها لأوليائه، ولم يضن بها على
~~أعدائه، وإنها عنده لحقيرة يسيرة، فينبغي لأهل هذه الأوصاف، أن يأكلوا
~~قصدا، ويلبسوا قصدا، وينفقوا قصدا، ويقدموا فضلا يكون لهم، فينظروا إلى
~~الدنيا بعين أنها فانية، وإلى الآخرة بأنها باقية، ويعلموا أنهم راحلون
~~عنها، ومحاسبون عليها، فيخرجوا منها قلوبهم قبل أن تخرج منها أبدانهم،
~~فإنها سريعة الفناء، قريبة الانقضاء، ينظر إليها الناظر فيحسبها ساكنة
~~مستقرة، وهي سائرة سيرا عنيفا، ومثالها الظل فإنه متحرك ساكن، متحرك في
~~الحقيقة، ساكن
# PageV00P240
# في الظاهر، لا تدرك حركتها بالبصر، ولكن بالبصيرة، ولقد أحسن من وصفها
~~بقوله فيها:
# أحلام نوم أو كظل زائل * إن اللبيب بمثلها لا يخذل وكان الحسن بن علي
~~عليهما السلام يتمثل:
# يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها * إن اغترارا بظل زائل حمق فينبغي للعاقل
~~أن يفرغ نفسه للتفكر في طريق الخلاص من الهلكة، فيتحرى سبل النجاة من أفعال
~~الخير، والتوبة والندم على الذنوب، والعزم على ترك العود إليها، والصبر على
~~بلاء الله، والرضى بقضاء الله، والتسليم لأمره، والشكر لنعمائه، والخوف
~~والرجاء له، والزهد في الدنيا، والإخلاص في العمل، والصدق في القول، والجد
~~في الطاعات، ويفكر كل يوم في قلبه، فينظر إلى الذي يقربه من هذه الصفات
~~الجميلة فيتحلى به، وإلى ما يباعد صفتها فيتجافى عنه، ورأس ذلك التجافي عن
~~دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم
~~النشور.
# ثم لينظر في آيات الوعد ms159 والوعيد، والتشديد الذي ورد والترغيب، فيتحقق عند
~~نفسه ذلك، فيزداد خوفا من الله ورغبة إليه، وإذا أراد أن يتبين له حال
~~الشكر فلينظر في إحسان الله إليه، وإذا أراد أن يشتد خوفه فلينظر في ذنوبه
~~ويتذكرها، ثم ينظر في الموت وكربته، والقبر ووحشته، واللحد وضغطته، ومسألة
~~القبر ودهشته، ومنكر ونكير ونهرتهما، وفي هول النداء عند نفخة الصور، وهول
~~المحشر، وجمع الخلائق في صعيد واحد، ليوم تشيب فيه الصغار، ويسكر الكبار،
~~وتضع كل ذات حمل حملها، ثم في مناقشة الحساب على الفتيل (1) والنقير (2)
~~والقطمير (3) والذرة (4) والخردلة (5)، وكتاب الله الذي لا يغادر صغيرة ولا
~~كبيرة إلا أحصاها.
# PageV00P241
# ثم أهوال يوم القيامة، فيصور في نفسه جهنم ودركها ومقامها، وأهوالها
~~وأنواع العذاب فيها، وقبح صورة الزبانية، وأنه كلما نضجت جلودهم بدلوا
~~جلودا غيرها، وأنهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، وإذ رأوها من
~~مكان بعيد سمعوا لها تغيضا وزفيرا.
# وإذا أرادوا أن ينظروا إلى الرجاء، فلينظروا إلى الجنة ونعيمها، وما أعد
~~الله تعالى فيها من الملك الدائم، والنعيم، والحور، واللذات، [فعليك بقراءة
~~القرآن] (1) والتفكر فيه، فإنه جامع لجميع المقامات والأحوال، وفيه شفاء
~~للعالمين، وفيه ما يورث الخوف والرجاء، والصبر والشكر، وسائر الصفات، وفيه
~~ما يزجر عن سائر الصفات المذمومة، فينبغي أن يقرأه العبد، ويردد الآية التي
~~هو محتاج إلى التفكر فيها مرة بعد أخرى، ولو مائة مرة فقراءة آية بتفكر
~~وتفهم خير من ألف آية بغير تفكر وتفهم، وليتوقف في التأمل فيها ولو ليلة
~~واحدة، فإن تحت كل كلمة منها أسرارا لا تنحصر، ولا يوقف عليها إلا بدقيق
~~الفكر عن صفات القلب.
# وكذلك مطالعة كلام رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه قد أوتي جوامع
~~الكلم، وكل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكم، وإذا تأملها العاقل - حق
~~التأمل - لم ينقطع فيها نظره طول عمره، وشرح الآيات والأخبار يطول. فانظر
~~إلى قوله صلى الله عليه وآله: " إن روح القدس نفث في روعي: أحبب ما أحببت
~~فإنك مفارقه، وعش ما شئت فإنك ميت، واعمل ms160 ما شئت فإنك مجزي به ". فهذه
~~الكلمات جامعة حكم الأولين والآخرين، وهي كافية للمتأملين فيها - طول العمر
~~- إذ لو وقفوا على معانيها، وغلبت قلوبهم عليه بيقين (2) لاستغرقتهم، وحال
~~ذلك بينهم وبين التلفت إلى الدنيا بالكلية، فهذا طريق الفكر، حتى يعم قلبه
~~بالأخلاق المحمودة، والمقامات الشريفة، لتنزه باطنه وظاهره عن المكاره
~~والرذائل، لئلا يغفل عن صفات نفسه المبعدة من الله تعالى، وأحواله المقربة
~~إليه سبحانه وتعالى، بل ينبغي أن يكون للإنسان جريدة (3) يثبت فيها جملة
~~الصفات المهلكات والصفات المنجيات، وجملة المعاصي والطاعات، ويعرض نفسه
~~عليها كل يوم.
# PageV00P242
# فأما المهلكات فهن: البخل، والكبر، والعجب، والرياء، والحسد، وشدة الغضب،
~~وشره الطعام، وحب المال والجاه.
# والمنجيات فهي: الندم على الذنوب، والصبر على بلاء الله والشكر على
~~نعمائه، والزهد في الدنيا، والإخلاص في الأعمال وحسن الخلق مع الخلق،
~~والخوف من الله تعالى، والخشوع له فمهما كفي من المذمومات واحدة فيخط (1)
~~عليها في جريدة، ويدع الفكر فيها على الباقي، فلا يزال يدفع عن نفسه مذموما
~~منها إلى أن يأتي على الجميع وكذلك يطالب نفسه بالأوصاف المنجيات، فإذا
~~اتصف بواحدة منها كالتوبة مثلا والندم، وخط عليها (2)، واشتغل بالباقي،
~~وهذا يحتاج إليه من علت درجته، وشمر جده في طلب الصالحات، وأما أكثر الناس
~~من المعدودين الصالحين، فينبغي أن يثبتوا في جرائدهم المعاصي الظاهرة، كأكل
~~الشبهة، وإطلاق اللسان بالغيبة والنميمة، والثناء على النفس، والإفراط في
~~معاداة الأعداء، وموالاة الأولياء، والمداهنة مع الخلق في ترك الأمر
~~بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أكثر من يعد نفسه من الصالحين لا ينفك عن
~~جملة هذه المعاصي في جوارحه، وما لم تطهر الجوارح عن الآثام، لا يمكن
~~الاشتغال [بعمارة القلب] (3) وتطهيره، بل كل فريق من الناس يغلب عليهم نوع
~~من المعصية، فينبغي أن يكون تفقدهم لها، وتفكرهم فيها لإزالتها.
# وبالجملة فينبغي للسالك طريق الصالحين، الراغب فيما عند الله في الدار
~~الآخرة، أن ينزل عن قلبه حب الجاه والمال والثناء، والتعظيم، فإن ذلك ينبت
~~النفاق في القلب، لقوله صلى الله عليه وآله: " حب الجاه والمال، ms161 ينبت
~~النفاق كما ينبت الماء البقل ".
# وقوله صلى الله عليه وآله: " ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة (4) غنم،
~~بأكثر فسادا فيها من حب المال (5) في دين المرء المسلم ".
# ولا ينقطع حب الجاه والمال من القلب، إلا بالقناعة باليسير من الرزق،
~~وترك
# PageV00P243
# الطمع فيما في أيدي الناس، فينبغي أن لا ينقطع فكر الراغب في هذا الأمر
~~في التفطن بخفايا هذه الصفات، واستنباط طريق الخلاص منها، وهذه صفات
~~الأتقياء الصالحين.
# وأما أمثالنا فينبغي أن يكون فكرنا فيما يقوي إيماننا بيوم الحساب، إذ لو
~~رآنا السلف الصالحون لقالوا قطعا: إن هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب، فما
~~أعمالنا أعمال من يؤمن بالجنة والنار، فإن من خاف شيئا هرب منه، ومن رجا
~~شيئا عمل له، وقد عملنا أن الهرب من النار ترك ما يوجبها، وترك الشهوات من
~~الحرام والمعاصي، ونحن منهمكون فيها، وأن طلب الجنة بفعل الطاعات، وكثرة
~~طاعة الله بالصلاة والصوم والقربات، وملازمة الذكر والفكر في طريق النجاة
~~ونحن مقصرون في القيام بذلك، فكيف تحصل الجنة مع ترك العمل لها؟ والنجاة من
~~النار مع العمل بما يوجبها؟
# فهذه هي الأماني الكاذبة والغرور، كما قال الله سبحانه: ﴿ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم
~~وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور﴾
~~(١) هذا توبيخ وتقريع لغير الكفار، بدليل قوله تعالى: ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا﴾ (٢)
~~(٣).
# يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه الحسن بن أبي الحسن الديلمي -
~~أعانه الله على طاعته وتغمده برأفته ورحمته -: إني لأعجب من قوم سمعوا الله
~~تعالى يقول:
# ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
~~وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه
~~حقا في التوراة والإنجيل والقرآن﴾ (4) وهم يرجون ذلك بغير بذل نفس ولا
~~مال. فانظروا أيها الإخوان إلى معاني هذه الآية، وكونه تعالى باع الجنة
~~بالنفس والمال، وأكثر الناس لا يسمح بماله ms162 ولا بشئ منه ولا بشعرة من نفسه،
~~ثم مع هذه الحال يرجو الجنة، فهذا هو الطمع.
# ألا ترون إلى إبراهيم الخليل عليه السلام، كيف بذل نفسه وولده وماله؟ أما
# PageV00P244
# بذل نفسه، فإنه لما كسر أصنام المشركين، أضرموا له النار وحذفوه إليها في
~~المنجنيق، فعرض له جبرئيل عليه السلام في الهواء فقال له: ألك حاجة يا خليل
~~الرحمان؟ قال:
# إليك لا.
# وأما بذله لولده، فإنه أضجعه للذبح كما حكى الله تعالى بقوله: ﴿فلما أسلما وتله للجبين﴾ (١) أسلم
~~إبراهيم ولده للذبح، وأسلم إسماعيل نفسه.
# وأما المال، فإنه لما اتخذه الله خليلا، قالت الملائكة: إلهنا اتخذت بشرا
~~من الآدميين خليلا؟ قال سبحانه: إني اختبرته في نفسه فجاد بها، وفي ولده
~~فجاد به، وقد بقي ماله فانزلوا الأرض فاختبروه فيه، فنزل نفر من الملائكة
~~في شبه البشر، فعرضوا له وسلموا عليه، وقالوا: يا خليل الرحمان، إن نحن
~~آمنا بك وصدقناك، فما لنا عندك؟
# قال: لي العصا، ولكم الرعاء - يعني الأغنام - وكانت يومئذ كلاب غنمه اثنا
~~عشر ألف كلب فما ظنكم بغنم كلابها اثنا عشر ألف كلبا كم تكون!؟ فجاد بالنفس
~~والمال والولد، حتى قال الله تعالى: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ (٢) فصدق الله في شهادته له
~~ببذله نفسه وماله وولده.
# ونحن نرجو المنازل العالية، ولا نعمل عمل أهلها، وما ذاك إلا لترك الخوف
~~والافتكار فيما مضى من العمر في غير طاعة، وإنما السلامة غدا للخائفين
~~المشفقين الوجلين، دل على ذلك القرآن المجيد، بقوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ (٣)
~~وبقوله تعالى: (ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد) (٤) وبقوله تعالى: ﴿وأقبل بعضهم على بعض يستاءلون * قالوا
~~إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم﴾ (٥)
~~يعني بقوله: (مشفقين) خائفين. ومدح سبحانه قوما بقوله: (يخافون يوما كان
~~شره مستطيرا) (٦) وبقوله تعالى: ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما﴾ (7)
~~يريد ms163 به أنه أنعم بالخوف
# PageV00P245
# عليهما، وقال سبحانه: ﴿وأما من خاف
~~مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى﴾ (١) وقال سبحانه:
~~﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾
~~(٢) والآيات في ذلك كثيرة يعرفها من يتلوها، ولكن لا يتدبرونها كما قال
~~سبحانه وتعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾
~~(٣) فلو تدبروها لما ركبوا الطمع وسموه رجاء.
# ولقد أحسن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: " يدعي بزعمه أنه
~~يرجو الله، كذب والعظيم، فما باله لا يتبين رجاؤه في عمله! فكل من رجا تبين
~~رجاؤه في عمله، إلا رجاء الله فإنه مدخول، وكل خوف محقق إلا خوف الله فإنه
~~معلول، يرجو الله في الكبير، ويرجو العباد في الصغير، فيعطي العبد ما لا
~~يعطي الرب، فما بال الله جل جلاله يقصر به عما يصنع بعباده!؟ أتخاف أن تكون
~~له في رجائك كاذبا، أولا تراه للرجاء موضعا، وكذلك إن هو خاف عبدا من عبيده
~~أعطاه من خوفه ما لا يعطي ربه، فجعل خوفه من العباد نقدا، وجعل خوفه من
~~خالقه وربه ضمارا (٤) ووعدا وكذلك من عظمت الدنيا في عينه، وعظم موقعها من
~~قلبه، آثرها على الله، وانقطع إليها، وصار عبدا لها (٥) ولمن في يديه شئ
~~منها، ثم إنهم ركبوا الغرة وظنوا أنهم خائفون، وما حملهم على ذلك إلا
~~لجهلهم بحقيقة الخوف ".
# وقد فصله مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: " إن استطعتم أن
~~يحسن ظنكم بالله، ويشتد خوفكم منه، فاجمعوا بينهما، فإنما يكون حسن ظن
~~العبد بربه على قدر خوفه منه، وإن أحسن الناس بالله ظنا أشدهم منه خوفا "
~~(٦).
# وقد روي أن إبراهيم عليه السلام كان يسمع تأوهه على حد ميل، حتى مدحه
~~الله تعالى بقوله: ﴿إن إبراهيم لحليم
~~أواه منيب﴾ (7) وكان في صلاته يسمع من صدره أزيز كأزيز المرجل، وكذلك
~~كان يسمع من صدر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله مثل
# PageV00P246
# ذلك (١).
# وكان ms164 أمير المؤمنين عليه السلام إذا أخذ في الوضوء يتغير وجهه من خيفة
~~الله تعالى، وكانت سيدتنا فاطمة عليها السلام تنهج (٢) في صلاتها من خشية
~~الله تعالى (٣).
# وروي عن النبي صلى الله عليه وآله قرأ عليه أبي سورة النساء، فلما وصل
~~إلى قوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة
~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ (٤) فبكى النبي صلى الله عليه وآله.
# فانظروا أيها الناس إلى الشهيد كيف يبكي، والمشهود عليهم يضحكون!؟
# وانظروا إلى الخليل والحبيب والصفي والصديقة الطاهرة، كيف يخافون هذا
~~الخوف العظيم، وهم الشهداء والشفعاء!؟ ومن يستشفع بهم ويرجو النجاة غدا
~~بحبهم كيف هو آمن لاه! كأنه لم يسمع الله تعالى يقول: ﴿أفمن هذا الحديث تعجبون، وتضحكون ولا تبكون، وأنتم
~~سامدون﴾ (5) وقال أهل التفسير: السامد هو اللاهي، وقيل: الضاحك، وقيل:
~~الساكت.
# فتيقظوا - عباد الله - من الغفلة، وحاسبوا أنفسكم على الصغيرة والكبيرة،
~~كما قال أمير المؤمنين عليه السلام:
# إن الله تعالى يسائلكم - معشر عباده - عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة،
~~والظاهرة والمستورة، فإن يعذب فأنتم أظلم، وإن يعفوا فهو أكرم.
# واعلموا - عباد الله - أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة،
~~فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا
~~الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، فحظوا في الدنيا بما حظي
~~المترفون، وأخذوا ما أخذه الجبابرة المتكبرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد
~~المبلغ، والمتجر الرابح، أصابوا لذة نزهة الدنيا في دنياهم، وتيقنوا أنهم
~~جيران الله غدا في آخرتهم، لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من لذة.
# PageV00P247
# فاحذروا - عباد الله - الموت وقربه، وأعدوا له عدته، فإنه يأتي بأمر
~~عظيم، وخطب جليل، يأتي بخير لا شر بعده أبدا، وبشر لا خير بعده أبدا، فمن
~~أقرب من الجنة من عامليها!؟ ومن أقرب من النار من عامليها!؟ وأنتم طرد
~~الموت الذي إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم لكم من
~~ظلكم، الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى من ms165 خلفكم، فاحذروا نارا قعرها
~~بعيد، وحرها شديد، وعذابها جديد، وحليتها حديد، دار ليس فيها رحمة، ولا
~~تسمع فيها دعوة، ولا تفرج فيها كربة (1)، فاتقوا الله، ولا تسخطوه برضى أحد
~~من خلقه، فإن في الله خلقا من خلقه، وليس في غيره خلف منه.
# فانتبه أيها الإنسان لنفسك، واعلم أنك مسؤول عن القليل والكثير، والنقير
~~والقطمير، والفتيل والذرة والحرف، وما تضمر في نفسك، وزمرات (2) عينك
~~وخيانتها، وتمثل في نفسك - إن أردت أن يخشع قلبك، وتقشعر جوارحك، وتجري
~~دمعتك - أهوال يوم القيامة، وكربها وفرقها، وشدة عظائمها، وخروجك من قبرك
~~عريانا حافيا، شاحبا لونك، شاخصا بصرك، تنظر مرة عن يمينك، ومرة عن يسارك،
~~إذ الخلائق كلهم في شأن غير شأنك، ومعك ملائكة موكلون بك غلاظ شداد، منهم
~~سائق وشهيد، سائق يسوقك إلى محشرك، وشهيد يشهد عليك بعملك، فحينئذ تنزل
~~الملائكة من أرجاء السماوات، جسام عظام، وأشخاص ضخام شداد، أمروا أن يأخذوا
~~بنواصي المجرمين إلى موقف العرض، مهول خلقهم.
# قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن لله ملكا ما بين شفري عينيه
~~مسيرة مائة عام ".
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " إن لله ملائكة لو أن ملكا هبط إلى
~~الأرض لم تسعه، لعظم خلقه، وكثرة أجنحته، ومنهم من لو كلفت الجن والإنس أن
~~يصفوه ما قدروا على وصفه، لبعد ما بين مفاصله، وحسن تركيب صورته، وكيف يوصف
~~من ما بين منكبه وشحمة أذنه مسيرة سبعمائة عام!؟ ومنهم من يسد الأفق بجناح
~~من أجنحته دون عظم بدنه.
# PageV00P248
# ومنهم من السماوات إلى حجزته (1)، ومنهم من قدماه على غير قرار في جو
~~الهواء الأسفل، والأرضون إلى ركبته، ومنهم لو ألقي في نقرة إبهامه جميع
~~المياه لوسعتها، ومنهم من لو ألقيت السفن في دموع عينيه لجرت دهر الداهرين.
~~فتبارك الله أحسن الخالقين ".
# روى هذا الحديث مسندا الشيخ أبو جعفر ابن بابويه الفقيه رحمه الله، في
~~كتابه كتاب (الخصال) (2).
# فانتبه لنفسك - أيها الإنسان - كيف تكون حالك إذا شاهدت مثل هؤلاء
~~الملائكة العظيمي الخلق، ليأخذوك إلى مقام العرض، وتراهم على عظم ms166 أشخاصهم
~~منكسرين، لشدة خوف يوم المحشر، مما يرون من غضب الجبار على عباده، وعند
~~نزولهم لا يبقى نبي ولا صديق ولا صالح إلا ويخرون لأذقانهم خوفا من الله،
~~كأنهم هم المأخوذون، فهذا حال المقربين، فما ظنك بالعصاة المجرمين!
# وعند ذلك تقوم الملائكة صفا محدقين بالخلائق من الجوانب، وعلى جميعهم
~~شعار الذل والخضوع، وهيبة الخوف والمهابة لشدة ذلك اليوم.
# ثم تقبل الملائكة فينادون واحدا واحدا يا فلان بن فلانة، هلم إلى موقف
~~العرض، فعند ذلك ترتعد الفرائص، وتضطرب الجوارح، وتبهت العقول، ويتمنى
~~أقوام أن يذهب بهم إلى النار، ولا تعرض قبائح أعمالهم على الجبار، ولا يكشف
~~سرهم على ملأ الخلائق. فعند ذلك يخرج النداء: يا جبرئيل، إئت النار، فجاءها
~~جبرئيل وقال لها: يا جهنم، أجيبي خالقك ومليكك. فقادها جبرئيل على غيظها
~~وغضبها، فلم تلبث بعد النداء أن فارت وزفرت إلى الخلائق وشهقت، وسمع
~~الخلائق شهيقها وزفيرها، وانتهضت خزانها متنكرة على الخلائق، غضبا على من
~~عصى الله وخالف أمره.
# فأخطر ببالك حال قلوب العباد وقد امتلأت فزعا ورعبا، فتساقطوا وجثوا على
~~الركب، وولوا مدبرين، وسقط بعضهم على الوجوه، وينادي الظالمون والعصاة
~~بالويل والثبور، ونادى كل واحد من الصديقين: نفسي نفسي. فبينا هم كذلك إذا
~~زفرت النار زفرة ثانية، فتساقط الخلائق على وجوههم، وشخصوا بأبصارهم ينظرون
~~من طرف
# PageV00P249
# خاشع خفي، وأنهضت قلوب الظالمين فبلغت الحناجر كاظمين، فعند ذلك يقال: يا
~~ابن آدم، ألم أكرمك وأسودك (1) وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل والأنعام،
~~وأنعم عليك بالشباب؟ ففي ماذا أبليته؟ وأمهل لك في العمر، ففي ماذا أفنيته؟
~~وأرزقك المال، ففي ماذا أنفقته؟ ألم أكرمك بالعلم، فماذا عملت فيه؟
# فانظر خجلك وحياءك عند تعداده عليك إنعامه وأياديه، ومقابلته بمساوئك،
~~وأنت قائم بين يديه بقلب محزون خافق وجل، وطرف خاشع ذليل منكسر، ثم أعطيت
~~كتابك الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
# أو ما علمت أن جوارحك شهوده، وأعضاءك جنوده، وضمائرك عيونه، وخلواتك
~~عيانه، فكم من فاحشة نسيتها! وكم من طاعة غفلت عنها! وكم من ذنوب كشف ms167 لك عن
~~مساوئها! فخجلت منها حيث لا ينفع الخجل، ووجلت حيث لا ينفع الوجل، فليت
~~شعري بأي قدم تقف بين يديه! وبأي لسان تجيب عند العرض عليه!
# وبأي قلب تعقل! فتفكر في عظم جنايتك وذنوبك، إذ يقول لك: يا عبدي أما
~~استحيت مني! بارزتني بالقبيح، واستحيت من خلقي، فأظهرت لهم الجميل،
~~وبارزتني بالقبيح، أكنت أهون عليك من عبادي، استخففت بنظري إليك، واستعظمت
~~خلقي.
# يا بن آدم، ما غرك بي، فماذا عملت؟ وبماذا أجبت الرسل؟ ألم أكن رقيبا
~~عليك، وأنت تنظر بعينك إلى ما لا يحل لك! ألم أكن رقيبا على أذنيك، وأنت
~~تسمع بهما ما لا يحل لك! وكذا يعدد عليه جميع جوارحه وأعضائه.
# فانظر لنفسك، فإنك بين أن يقال لك: قد تفضلت عليك بالغفران، فيعظم سرورك
~~وفرحك، ويغبطك الأولون والآخرون. وأما أن يقال للملائكة: خذوه فغلوه ثم
~~الجحيم صلوه، فعند ذلك لو بكت عليك السماوات والأرض لكان ذلك جديرا بك،
~~لعظم مصيبتك، وشدة حسرتك على ما فرطت من طاعة الله، وعلى ما بعت من آخرتك
~~من دنيا دنيئة لم تبق لك.
# واعلم أنه لن ينجو من هول ذلك اليوم إلا من حاسب في الدنيا نفسه، ووزن
~~فيها بميزان الشرع أعماله وأقواله وخطراته (2)، كما قال أمير المؤمنين علي
~~بن أبي طالب
# PageV00P250
# صلوات الله عليه وآله: " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن
~~توزنوا " وإنما حسابه لنفسه أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحا،
~~ويتدارك ما فرط من تقصير في فرائض الله، ورد المظالم حبة بعد حبة، ويستحل
~~كل من تعرض له بلسانه ويده ويطيب قلوبهم، حتى يتوب (١) ولم تبق عليه مظلمة
~~ولا فريضة، فهذا يدخل الجنة بلا حساب.
# وإن مات قبل ذلك كان على أمر خطر من أهوال ذلك اليوم، فنعوذ بالله من شر
~~ذلك الموقف، حين تتذكر ما أنذرك الله على لسان رسوله صلى الله عليه وآله
~~حين قال: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص
~~فيه الأبصار * مهطعين مقنعي رؤسهم لا ms168 يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء) (٢)
~~فما أشد فرحك اليوم بتمضمضك بأعراض الناس وتناولك أموالهم، وما أشد حسرتك
~~في ذلك اليوم إذا وقف بك على بساط العدل، وقو بلت بميزان السياسة والعدل،
~~وأنت مفلس فقير عاجز مهين، لا تقدر على أن ترد حقا أو تقيم عذرا.
# فدع التفكر فيما أنت مرتحل عنه، واصرفه إلى مورده واحذره، واجتهد فيما
~~ينجيك منه، واستمع إلى قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجي
~~الذي اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ (3) فإن كنت تعلم من نفسك التقوى،
~~فأنت من الناجين، وإن لم تكن كذلك، فأنت من الظالمين فيها جثيا، فأشعر قلبك
~~هول ذلك المورد، فعساك تستعد للنجاة (4) منه.
# وتأمل في حال الخلائق، وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا، فبينا هم في
~~كربها وأهوالها واقفون ينظرون حقيقة آياتها، إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات،
~~وأظلت عليهم بادرات، وسمعوا لها زفيرا وجرجرة تفصح عن شدة الغيظ، فعند ذلك
~~أيقن المجرمون بالعقاب، وجثت الأمم على الركب، حتى أشفق البراء من سوء
~~المنقلب.
# وخرج ملك من الزبانية ينادي: يا فلان بن فلان، المسوف نفسه في الدنيا
~~بطول الأمل، المضيع عمره في سوء العلم. فيبادرونه بمقامع حديد، ويستقبلونه
~~بعظائم
# PageV00P251
# التهديد، ويسكنونه في دار ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك،
~~فعند ذلك يندمون على ما فرطوا في جنب الله فلا ينجيهم الندم، ولا ينفعهم
~~الأسف، بل يكبون على وجوههم من فوق النار، فهم بين مقطعات النار وسرابيل
~~القطران، يتحطمون في دركاتها، ويضطر بون بين غواشيها، تغلي بهم النار كغلي
~~القدور، وينادون بالويل والعويل، ومهما دعوا بالثبور صب فوق رؤوسهم الحميم،
~~يصهر به ما في بطونهم والجلود، فمن كان من أهل الشفاعة أدركته، لقوله صلى
~~الله عليه: " ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ".
# وقوله عليه السلام: " يخرجون من النار بعد ما يصيرون حمما (1) وفحما "
~~ومن كان من أهل الخلود، فالويل له بالعذاب الدائم المقيم، نعوذ بالله من
~~ذلك.
# واعلم أن تلك الدار التي عرفت ms169 غمومها وهمومها، يقابلها دار أخرى وهي
~~الجنة، فإن من بعد منها استقر لا محالة في جهنم، فاستشعر الخوف في قلبك
~~بطول الذكر في أهوال الجحيم، واستثر الرجاء بطول الفكر في النعيم المقيم،
~~الموعود لأهل الإحسان، وسق نفسك بسوط الخوف، وقدها بزمام الرجاء إلى الصراط
~~المستقيم، فبذلك تنال الملك العظيم، وتسلم من العذاب الأليم.
# فتفكر في أهل الجنة، في وجوههم نظرة النعيم، يسقون من رحيق مختوم ختامه
~~مسك، جالسين على منابر من الياقوت الأحمر، في خيام من اللؤلؤ الرطب الأبيض،
~~فيها بسط من العبقري الأخضر، متكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار
~~مطردة بالخمر والعسل، محفوفة بالغلمان والولدان، مزينة بالحور العين من
~~الخيرات الحسان، كأنهن الياقوت والمرجان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان،
~~يمسون (2) في درجات الجنان. إذا اختالت في مشيها، حمل أعطافها سبعون ألفا
~~من الولدان، عليها من طرائف الحرير الأبيض ما تتحير فيه الأبصار، مكللا
~~بالتيجان المرصعة باللؤلؤ والمرجان، كحلات غنجبات (3) عطرات آمنات من الهرم
~~والبؤس، ومقصورات في قصور من الياقوت، نبتت وسط روضات الجنات، قاصرات الطرف
~~عين، ثم يطاف عليهم وعليهن بأكواب وأباريق وكأس من معين، بيضاء لذة
~~للشاربين.
# PageV00P252
# وقيل: إن في الجنة حوراء يقال لها: العيناء، إذا مشت يمشي عن يمينها
~~ويسارها سبعون ألف وصيفة، وهي تقول: أين الآمرون بالمعروف والناهون عن
~~المنكر؟
# وقال آخر: ترك الدنيا شديد، وفوت الجنة أشد، وترك الدنيا مهر الآخرة.
# وقال أيضا: في طلب الدنيا ذل النفوس، وفي طلب الجنة عز النفوس، فيا عجبا
~~لمن يطلب الدنيا بذل النفوس والتعب، ولا يطلب الآخرة بعز النفوس والراحة
~~(1).
# ابن بابويه، عن محمد بن [أبي] (2) القاسم، عن محمد بن علي الكوفي، عن
~~محمد ابن خالد، عن بعض رجاله، عن داود الرقي، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي
~~جعفر عليه السلام قال: " قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ألا أخبركم
~~بالفقيه حقا؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، قال: من لم يقنط الناس من رحمة
~~الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ms170 ولم يترك
~~القرآن رغبة (3). ألا، لا خير في علم ليس فيه تفهم، ألا، لا خير في قراءة
~~ليس فيها تدبر، ألا، لا خير في عبادة ليس فيها تفقه " (4).
# PageV00P253
# فصل في ذكر حقوق الإخوان قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن من أفضل
~~الأعمال بعد الفرائض، إدخال السرور على المؤمن ".
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " من سر لنا وليا، فقد وصل لنا رحما ".
# وقال عليه السلام: " فقراء شيعتنا حجة على أغنيائهم ".
# وروي عن الصادق عليه السلام، أنه قال: " من رفع أخاه رفع الله قدره - ثم
~~قال: - من أحوج أخاه إلى عدوه، أحوجه الله تعالى عز وجل إلى شرار خلقه،
~~وضيق عليه في رزقه ".
# وقال عليه السلام: " من ترك حاجة لأخيه المؤمن، ولم يقضها له من ماله
~~وجاهه ويده ورجله ولسانه، أو جب الله عز وجل عليه ثلاث حوائج لرجل منافق،
~~يكيده فيها ولا يأجره الله عليها ".
# وقال: " من سأله أخوه المؤمن حاجة، وعنده قضاؤها ولم يقضها بأنعم الله
~~عنده، فقد كفر بها، وباء بغضب، ومأواه جهنم وبئس المصير ".
# وقال: " من سر مؤمنا فقد سرني، ومن سرني فقد سر رسول الله صلى الله عليه
~~وآله، ومن سر رسول الله فقد سر الله عز وجل، ومن سر الله أدخله الجنة ".
# وعن المعلى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما حق المؤمن
~~على المؤمن؟ قال: " سبعة حقوق واجبات، ما فيها حق إلا وهو عليه واجب، إن
~~خالفه خرج من ولاية الله وترك طاعته، ولم يكن لله عز وجل فيه نصيب ".
# قال: قلت: جعلت فداك، حدثني ما هي؟ قال: " يا معلى، إني شفيق عليك، أخشى
~~أن تضيع ولا تحفظ، وتعلم ولا تعمل ".
# قلت: لا قوه إلا بالله. قال: " أيسر حق منها، أن تحب له ما تحب لنفسك،
~~وتكره له ما تكره لنفسك.
# والحق الثاني، أن تمشي في حاجته، وتبتغي رضاه، ولا تخالف قوله.
# والحق الثالث: أن تصله بنفسك، ومالك، ويدك، ورجلك، ولسانك.
# والحق الرابع: أن تكون عينه ووليه ومرآته وقميصه. PageV00P254
# والحق ms171 الخامس: أن لا تشبع ويجوع، ولا تلبس ويعرى، ولا تروى ويظمأ.
# والحق السادس: أن تكون لك امرأة وخادم، وليس لأخيك امرأة ولا خادم، أن
~~تبعث خادمك فتغسل ثيابه، وتصنع طعامه، وتمهد فراشه، فإن ذلك كله إنما جعل
~~بينك وبينه.
# والحق السابع: أن تبر قسمه، وتجيب دعوته، وتشهد جنازته، وتعوده في مرضه،
~~وتشخص بدنك في قضاء حاجته، ولا تحوجه إلى أن يسألك، ولكن تبادر إلى قضاء
~~حوائجه، فإذا فعلت ذلك به وصلت ولايتك بولايته، وولايته بولاية الله عز وجل
~~" (1).
# عن علي عليه السلام: أن النبي صلى الله عليه وآله قال في وصيته: " يا
~~علي، سبعة من كن فيه فقد استكمل حقيقة الإيمان، وأبواب الجنة مفتحة له: من
~~أسبغ وضوءه، وأحسن صلاته، وأدى زكاة ماله، وكف غضبه، وسجن لسانه، واستغفر
~~لذنبه، وأدى النصيحة لأهل بيت نبيه " (2).
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما من مؤمن يصوم شهر رمضان، إلا
~~أوجب الله - تبارك وتعالى - له سبع خصال:
# أولها: يذوب الحرام في جسده.
# والثانية: يقرب من رحمة الله عز وجل.
# والثالثة: قد كفي خطيئة أبيه آدم.
# والرابعة: يهون الله عليه سكرات الموت.
# والخامسة: أمان من الجوع والعطش يوم القيامة.
# والسادسة: يطعمه الله عز وجل من طيبات الجنة.
# والسابعة: يعطيه الله عز وجل براءة من النار " قال: صدقت يا محمد (3).
# وروى عن العالم أنه قال: " والله، ما أعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة،
~~إلا بحسن ظنه بالله - عز وجل - ورجائه له، وحسن خلقه، والكف عن اغتياب
~~المؤمنين.
# PageV00P255
# والله - تبارك وتعالى - لا يعذب عبدا بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء
~~ظنه، وتقصيره في رجائه لله عز وجل، وسوء خلقه، واغتيابه للمؤمنين، وليس
~~يحسن ظن عبد مؤمن بالله عز وجل إلا كان عند ظنه به، لأن الله تعالى كريم
~~يستحي أن يخلف ظن عبده ورجاءه، فأحسنوا الظن بالله، وارغبوا إليه، فإن الله
~~تعالى يقول: ﴿الظانين بالله ظن السوء
~~عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا﴾
~~(1) و (2).
# وقد ms172 روي: أن الله تعالى قال: " أنا عند ظن عبدي بي، فلا يظن بي إلا خيرا
~~" (3) وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: " الثقة بالله حصن لا يتحصن به
~~إلا مؤمن، والتوكل عليه نجاة من كل سوء وحرز من كل عدو ".
# وروي أن الله تعالى إذا حاسب الخلق، يبقى رجل قد فضلت سيئاته على حسناته،
~~فتأخذه الملائكة إلى النار - وهو يتلفت - فيأمر الله برده، فيقول له: لم
~~تتلفت؟ - وهو أعلم به - فيقول: يا رب، ما كان هذا حسن ظني بك، فيقول الله
~~تعالى: ملائكتي، وعزتي وجلالي، ما أحسن هذا عبدي ظنه بي يوما، ولكن انطلقوا
~~به إلى الجنة لا دعائه حسن الظن (4).
# وروي أن الله تعالى يقول - حين يجمع بين الناس، ولبعضهم على بعض حقوق،
~~وله قبله تبعات -: عبادي ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم، فهبوا لبعضكم
~~تبعات بعض، وادخلوا الجنة جميعا برحمتي (5).
# وبالجملة أن الله سبحانه وتعالى أمر بمكارم الأخلاق، من العفو والحلم
~~والكرم والتجاوز والعطف والرحمة والإغضاء، ورغب في ذلك وأحب فاعله، ومقت
~~تاركه، فهو سبحانه أحق بأن يعمل بما أمر به وأحبه، أفيأمر بهذه الخصال
~~الحميدة الجميلة، ولا يعمل بها؟ حوشي من ذلك، وجل وعلا.
# PageV00P256
# ولقد أحسن من قال هذه الأبيات في هذا المعنى:
# أيا رب هب أني أسأت وأذنبت * ألم يكفني قولي فعلت وأخطأت أما جاز في شرع
~~السمو بأنكم * تعفون عني إذ عرفت وأقررت فقد قلت هذا القول مني لدونكم *
~~فغض عن الذنب الجموح بما قلت وليس كريم من رضى إذ منحته * وفائي ولكن من
~~تغاضى وقد خنت فما زال حسن العفو منكم سجية * على سفه التكرار مني وإن تبت
~~إذا جاءك العبد المطيع لخشية * من النار أو بخل تقضى به الوقت عمدت إلى درع
~~من الحلم صاغه * رجائي بعفو منكم فتدرعت فأطفأت نار الخوف ثم ببرد ما *
~~ظننت بكم فيما رجوت وأملت إذا كانت الذات القديمة عفوها * قديم وما صرت
~~وكان وقد صرت فسوف أرجيه وإن بعد المدى * علي وإن جلت ذنوبي إذا مت ولو ms173 لم
~~يكن من ذاتك العفو شاهدا * أمرت به بين الورى كنت قد خفت ولكن وزنت العفو
~~منكم بأخذكم * على الجرم فاسترجحته فترجحت فلي الفخر في الدنيا وإن كنت
~~آبقا * إذا كنت لي مولى سعدت وأسعدت وكيف أرى نارا وقد ظفرت يدي * بمن قال:
~~كن، من غير ما لم يكن، كنت وشيمته عفو وحلم ونائل * ولطف وإحسان رأيت
~~وشاهدت فأنت غنائي إن قضمت من الحصا * شقا في اختيار منكم أو تنعمت وقال
~~آخر:
# يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت بأن عفوك أعظم أدعوك رب كما أمرت
~~تضرعا * فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم إن كان لا يرجوك إلا محسن * فبمن يلوذ
~~ويستجير المجرم!؟
# ما لي إليك وسيلة إلا الرجا * وجميل عفوك ثم إني مسلم وقال آخر:
# من لي سواك فأدعوه وآمله * وغير نعماك أرجوها وارتقب أو ليتني نعما جلت
~~مواهبها * أضاء لي عندها المعروف والحسب أخرجتني بعظيم اللطف من عدم *
~~معرضا لثواب منك يكتسب رفعتني بعد ما قد كنت منخفضا * فصرت بين الورى تسمو
~~بي الرتب PageV00P257
# فلا أطيق لما أوليت من نعم * شكرا ولكنني أبكي وأنتحب ذلا وخوفا من
~~التقصير يا ملكي * فهب، وشيمة أهل الفضل أن يهبوا لكن قلبي بما أجريت معترف
~~* فرضا عليه يراه لازما يجب فاصفح إلهي، فهذا الظن فيك على * حسناك حتى
~~يزول الهم والكرب وقال آخر يخاطب الله تعالى:
# أجلك عن تعذيب مثلي على ذنبي * ولا ناصر لي غير نصرك يا ربي أنا عبدك
~~المحقور في عظم شأنكم * من الماء قد أنشأت أصلي ومن ترب ونقلتني من ظهر آدم
~~نطفة * أجد وفي قعر حريج (1) من الصلب وألقيتني من ضيق قعر بمنكم *
~~وإحسانكم أهوي إلى الواسع الرحب فحاشاك في تعظيم شأنك والعلى تعذب محقورا
~~بإحسانكم ربي لأنا رأينا في الأنام معظما * تجلى عن المحقور في القتل
~~والضرب وأرفده مالا ولو شاء قتله * لقطعه بالسيف إربا على إرب وأيضا إذا
~~عذبت مثلي وطائعا * تنعمه فالعفو فيكم لمن تحبي فإني متى ما زنته بعقابكم *
~~وأخذكم بالجرم مني ms174 يرجح بي فما هو إلا لي فمنذ رأيته * لكم شيمة أعددته
~~المحو للذنب وأطمعتني لما رأيتك غافرا * ووهاب قد سميت نفسك في الكتب فإن
~~كان شيطاني أعان جوارحي * عصتكم، فمن توحيد كم ما خلا قلبي فتوحيد كم فيه
~~وآل محمد * سكنتم به في حبة القلب واللب وجيرانكم هذي الجوارح كلها * وأنتم
~~فقد أوصيت بالجار ذي الجنب وأنصار أبنا العرب تحمي نزيلها * وجيرانها
~~والتابعين من الخطب فلم لا أرجي فيك يا غاية المنى * حمى مانعا، إذ صح هذا
~~من العرب يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه الحسن بن أبي الحسن
~~الديلمي - أعانه الله على طاعته وتغمده الله برأفته ورحمته - إني حيث ذكرت
~~ما ذكرت من التخويف والترهيب، اقتضت الحال ذكر أسباب الترغيب، وما جاء في
~~ذلك من سعة رحمة الله، وعظيم كرمه، وواسع حلمه وعفوه، ونتيجة حسن الظن به،
~~لينبسط الرجاء
# PageV00P258
# بذلك، كما اشتد الخوف.
# والذي آمركم به - أيها الإخوان - أن يشتد خوفكم، ويعظم حذركم، فإن ذلك
~~أدعى للنجاة. وأضرب لكم مثل رجلين توجها في طريق فسألا عنها، فقال لهما
~~قوم: إنه كثيرة المرعى والكلأ، غزيرة الماء، عظيمة الأمن، وقال آخرون: بل
~~هي طريق موحش، قليل الماء والكلأ والمرعى، مخوف شديد الخطر، فأخذ أحدهما
~~بقول من شهد بالمخافة، فتزود وأكثر من الزاد والماء والعدد، وما يؤنسه، وكل
~~ما تحصل به السلامة والأمن. وسكن الآخر واطمأن إلى قول من أخبره بسلامة
~~الطريق وأمنها، وكثرة كلئها ومرعاها. فلما سارا فيها، وجدها الذي تزود على
~~ما حذرها، ففاز بالنجاة والسلامة بكثرة الأزواد، وهلك وعطب الذي لم يتزود،
~~وندم حيث لم تنفعه الندامة.
# ولو قدرنا أنهما لو وجدا الطريق على ما وصفها الواصفون لها، بالأمن وكثرة
~~الماء والمرعى، أكان يضر الذي عمل بالحزم واحتاط لنفسه بالزاد؟
# فتيقظوا - رحمكم الله - وتفكروا في المثل، وانظروا فيه، فإنه عبرة لأولي
~~الألباب، وتبصرة لمن أناب وعرف الصواب.
# وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
# " غضوا أبصاركم، واحفظوا ألسنتكم، وحصنوا فروجكم، وكفوا أيديكم، ms175 واعلموا
~~أن الأيام صحائف أعمالكم، فلا تخلدوا إلى الأيام ونعيمها، ورب مستدرج
~~بالإحسان إليه، مفتون بحسن القول فيه، مغرور بالستر عليه ".
# واعلموا - أيدكم الله - أن العقل لو ترك من هوى صاد، ومألف معتاد، وأنفة
~~من انقياد، لساق المرء إلى الرشاد، وهجم به على الصلاح والسداد، ولكن تعوق
~~عن إدراك الحق أمور يجب أن يحذرها العاقل النحرير:
# منها: ترك التعلم، وتقليد الآباء والمربين، واتباع السادة المنعمين.
# ومنها: النشوء بين أهل بلدتهم، واتباعهم في فاسد معتقدهم.
# ومنها: محبة العز والقدرة، واتباع عالي الكلمة والإمرة، وهذا مما تميل
~~إليه الطباع، وتشتهيه النفوس، وقد يكون هذا من وجهين:
# أحدهما: الانضمام إلى ذي سلطان لعزه، والأخذ بمذهبه لعلو أمره وشأنه.
# والآخر: تقدم يحصل للإنسان في مذهب باطل، يتبعه عليه من الضعفة قوم
~~PageV00P259
# لا بصيرة لهم، فيصير رئيسا عليهم، ويصعب عليه مفارقة عز التقدم عليه (1).
# ومنها: محبة أسهل المذاهب، ذي الرخص في ارتكاب الفواحش واللذات، استصعابا
~~للعلم، واستثقالا للعمل، وميلا إلى الراحة، ورغبة في الإباحة، ولهذا يسرع
~~كثير من الناس إلى مذاهب الغلاة والمسقطين للتكليف والأعمال، وقد جذبهم إلى
~~ذلك انضمامهم في المودات والمخالطات، فبادر نحوهم الراغب في هذا الشأن،
~~وانضم إليهم كل فقير محتاج، قليل الدين.
# ومنها: اتباع الأكثر، والكون في جملة السواد الأعظم، استيحاشا من القلة،
~~وهذا مما ضلت به الحشوية.
# ومنها: الاشتغال بأمور الدنيا عن الدين، والانقطاع إلى مخالطة التجار
~~والمتكسبين، حتى تلهي الإنسان دنياه عن النظر في الآخرة، فلا يجعل لنفسه
~~وقتا من زمانه يهتم فيه لأمر دينه.
# ومنها: عدم مجالسة العلماء، وترك الاطلاع في الدلائل العقليات، واستماع
~~أقوال الجاهلية الأغنياء، والاقتصار على الحكايات والخرافات.
# ومنها: إن الجاهل يرى التقليد في الدين، أروح له من طلب العلوم والبحث
~~فيها، وهذا يورث العمى والصمم.
# ومنها: قبول قول آحاد أخبار السمع، التي لا توجب علما ولا عملا، حتى
~~تألفه النفس، ويميل إليه الطبع، فلا يكاد الإنسان يرتاح إلا إليه، ولا
~~يعتمد إلا عليه.
# ومنها: محبة المذهب الغريب.
# ومنها: الأخذ بالقول المستطرف العجيب، لا سيما ms176 إذا كان مصونا بين أهله،
~~مكتوما عند العاملين به، حتى يظن المعتمد عليه أنه قد ظفر بالبغية، ووجد
~~الدرة المكنونة، وهذا يحول بين المرء والرشاد، ويسوقه إلى الضلال والفساد،
~~فإن اجتمع له مع هذا الجهل سببان أو أسباب، عظمت به المحنة والرزية، وتعذر
~~عليه الصواب. ثم إن العادة هي الآفة الكبرى، والداهية العظمى، وهي الطبع
~~الثاني، والخلق الثابت.
# فاحترز - يا أخي - من هذه الأخطار، وفقك الله وسددك، وهداك وأرشدك، ولا
~~تأنس بشئ منها عن ادراك الحقائق، وكن فطنا متيقظا حذرا متحفظا
# PageV00P260
# ناظرا متأملا حاكما عادلا، متفطنا للمحبة والبغضة، هاجرا للهوى والعصبية،
~~باحثا عن الحق، غير مراع لأحد من الخلق، ناصحا لنفسك في الاجتهاد، سائلا
~~الله تعالى في التوفيق للسداد، فإنك متى فعلت ذلك اتضحت لك سبل رشادك، وسهل
~~عليك صعب مرادك، وانفتحت لك الأبواب، وظهر لك الحق والصواب، ففزت بمنزلة
~~العارفين، وعملت حينئذ عمل المحقين، فإن الله تعالى يقول في الذكر المسطور:
~~(إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور). (1)
# PageV00P261
# فصل: في فضل قيام الليل والترغيب فيه قال الله تعالى لنبيه عليه وآله
~~السلام: ﴿ومن الليل فتهجد به
~~نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ (١) وقال: ﴿يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص
~~منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا﴾ (٢) ولم يكن الله تعالى
~~ليدعو نبيه صلى الله عليه وآله إلا إلى أمر جليل وفضل جزيل.
# فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " شرف المؤمن
~~قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس " وقال صلى الله عليه وآله: " إذا قام
~~العبد من لذيذ مضجعه والنعاس في عينيه، ليرضي ربه جل وعز، لصلاة ليله، باهى
~~الله تعالى به ملائكته فقال: أما ترون عبدي هذا، قد قام من لذيذ مضجعه إلى
~~صلاة لم أفرضها عليه، اشهدوا أني قد غفرت له " (٣).
# وقال عليه وآله السلام: " إن البيوت التي يصلى فيها بالليل بتلاوة ms177
~~القرآن، لتضئ لأهل السماء كما تضئ نجوم أهل السماء لأهل الأرض ".
# وقال في وصيته لأمير المؤمنين صلوات الله عليهما: " وعليك يا علي بصلاة
~~الليل " وكرر ذلك ثلاث دفعات (٤).
# وسئل أبو جعفر الباقر عليه السلام، عن وقت صلاة الليل فقال: " الوقت الذي
~~جاء عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: فيه ينادي منادي الله
~~عز وجل:
# هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ قال السائل: وما هو؟ قال:
~~الوقت الذي وعد يعقوب فيه بنيه بقوله: ﴿أستغفر لكم ربى﴾ (٥) قال: ما هو؟ قال: الوقت الذي قال
~~الله فيه: ﴿والمستغفرين
~~بالأسحار﴾ (6) إن صلاة الليل في آخره أفضل منها قبل
# PageV00P262
# ذلك، وهو وقت الإجابة، وهي هدية المؤمن إلى ربه، فأحسنوا هداياكم إلى
~~ربكم، يحسن الله جوائزكم، فإنه لا يواظب عليها إلا مؤمن أو صديق ".
# واعلم - أيدك الله - أنه ندب إلى صلاة الليل في آخره إذا لم يؤثر المصلي
~~التطويل، فإذا آثر الإطالة ففي أوله أفضل، وأول وقتها زوال النصف الأول.
# وقال الصادق عليه السلام: " لا تعطوا العين حظها، فإنها أقل شئ شكرا "
~~(١).
# وروي: إن الرجل يكذب الكذبة فيحرم بها صلاة الليل، فإذا حرم صلاة الليل
~~حرم بذلك الرزق.
# وقال عليه السلام: " كذب من زعم أنه يصلي الليل ويجوع بالنهار " (٢).
# ومن خاف فوات صلاة الليل، فليقرأ عند نومه آخر سورة الكهف (قل لو كان
~~البحر مدادا لكلمات ربي) إلى قوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك
~~بعبادة ربه أحدا﴾ (3)، فمن قرأهما أيقظه الله لصلاة ليلته، وليسأل الله
~~عقيبهما إيقاظه لعبادته.
# وجاء في الحديث عن الإمام الصادق عن أبيه الإمام الباقر عليهم السلام،
~~أنه قال: " كان فيما أوحى الله إلى موسى بن عمران عليه السلام:
# يا موسى، كذب من زعم أنه يحبني، فإذا جنه الليل نام عني.
# يا ابن عمران، هذا بهذا.
# يا ابن عمران، لو رأيت الذين يصلون لي ms178 في الدياجي، وقد مثلت نفسي بين
~~أعينهم، يخاطبوني وقد خليت عن المشاهدة، ويكلموني وقد عززت عن الحضور.
# يا ابن عمران، هب لي من عينك الدموع، ومن قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع،
~~ثم ادعني في ظلم الليل تجدني قريبا مجيبا ".
# وروي أن الصادق عليه السلام قال يوما للمفضل بن صالح: " يا مفضل، إن الله
~~عبادا عاملوه بخالص من سره، فقابلهم بخالص من بره، فهم الذين تمر صحفهم يوم
~~القيامة فرغا، فإذا أوقفوا بين يديه ملأها من سر ما أسروا إليه " فقلت: يا
~~مولاي، ولم
# PageV00P263
# ذاك؟ فقال: " أجلهم أن تطلع الحفظة على ما بينه وبينهم ".
# وذكر أن رجلا صالحا قال: لئن أبيت نائما وأصبح نادما، أحب إلي من أن أبيت
~~قائما وأصبح معجبا ".
# وقرب رجل من بني إسرائيل قربانا فلم يتقبل منه، فرجع وهو يقول: يا نفس من
~~قبلك أتيت، فنودي: إن مقتك نفسك خير من عبادة مائة سنة. PageV00P264
# من الأخبار في العظات والآداب جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه
~~وآله قال: " ما من امرئ مسلم - غني ولا فقير - إلا ود يوم القيامة أنه كان
~~أوتي من الدنيا قوتا ".
# وقال عليه وآله السلام: " من آثر محامد الله على محامد الناس، كفاه الله
~~مؤونة الناس ".
# وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " المؤمن من أمنه الناس على أموالهم
~~وأنفسهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر الخطايا
~~والذنوب، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " من ألهم الصدق في كلامه، والإنصاف من نفسه،
~~وبر والديه، ووصل رحمه، أنسئ له في أجله، ووسع عليه في رزقه، ومتع بعقله،
~~ولقن حجته وقت مساءلته ".
# وعن حفص بن البختري قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام
~~يقول: " حدثني أبي عن آبائه أن أمير المؤمنين صلى الله عليه وسلم قال لكميل
~~بن زياد النخعي: تبذل ولا تشهر، ووار شخصك لا تذكر، وتعلم فاعمل، واسكت
~~تسلم، تسر الأبرار، وتغيظ الفجار، ولا عليك إذا عرفك الله دينه ms179 أن لا تعرف
~~الناس ولا يعرفونك ".
# وجاء في الحديث عن الإمام الصادق، عن أبيه الإمام الباقر عليهما السلام،
~~أنه قال: " إن الله تعالى أوحى إلى داود: يا داود، إن العبد من عبيدي
~~ليأتيني بالحسنة فأحكمه بها في الجنة، فقال داود: يا رب، وما تلك الحسنة؟
~~قال: عبد مؤمن سعى في حاجة أخيه المؤمن أحب قضاءها، قضيت له أم لم تقض ".
~~PageV00P265
# خبر طريف رواه جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم من مكة نريد العمرة فلقيتنا امرأة من قريش، فاستوقفت النبي صلى الله
~~عليه وآله ثم قالت له: يا ابن الخضارم الأكارم، والأوتاد والدعائم، إني
~~امرأة من قريش قصدتك ولهى حرى مشدوهة عبرى، لي بني ولدته سويا وسميته عليا،
~~وأبوه مات وماله فات، ولي سبع بنات، لم أغده قط بالأصنام، ولم أقسم عليه
~~بالأزلام، وأصابه لمم في عقله، قد كسر هبل فلا هبل، وقد قيل لي: إنك ذو
~~أدوية وأشفية (1)، فأعطني من أدويتك وأشفيتك ما أشفي به ولديه وفلذ كبديه.
# فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أيتها المرأة، إن أدوى
~~الأدوية وأشفى الأشفية، أن توحدي الله عز وجل، وتخلفي هبل وغيره، فإنك إذا
~~فعلت ذلك وجدت ابنك سويا يكلمك ".
# فقالت: إني أشهد الله ثم أشهدك أني آمنت بك يا رسول الله، وصدقت، ثم عادت
~~من وقتها فوجدت ابنها سويا وكلمها، فلما أن كان من الغد صنعت خزيرة (2) ثم
~~غدت إلى النبي صلى الله عليه وآله، لتهديها إليه، فوجدته في بيت أم هانئ
~~بنت أبي طالب، فاستأذنت بالدخول إليه صلى الله عليه وعلى آله فأذن لها،
~~فجعلت الخزيرة بين يديه ثم قالت: السلام عليك يا رسول الله، إني وجدتك أرقى
~~الرقاة وأشفى الشفاة، وأنشأت تقول:
# دواؤك يشفي من المرمريس (3) * ومن الشصائب (4) والهركه (5)
# PageV00P266
# ومن لمم الجن والعنقفير (1) * والصل والحية الأشوكه وربك أعطاك من نوره *
~~بنور تضئ له الحلكه فأم مواليك مغبوطة * لأنك تسلكه مسلكه وأم معاديك
~~مهبولة * لأنك تورده مهلكه فكم قد أبرت (2) من المشركين ms180 * وغادرت صرعى لدى
~~المعركة شهدت لربي بتوحيده * له الجود والمجد والمملكه أقام السماء على
~~خلقه * فقامت بقدرته ممسكه وإنك قد جئت من عنده بما * انتاش من شركها
~~المشركة
# PageV00P267
# أخبار في الحقوق التي (١) تحب للإخوان فيما بينهم روي عن بعضهم قال: شكوت
~~إلى الصادق عليه السلام ما ألقى من الضيق والهم فقال: " ما ذنبي أنتم أخرتم
~~هذا، إنه لما عرض الله عليكم ميثاق الدنيا والآخرة اخترتم الآخرة على
~~الدنيا، واختار الكافر الدنيا على الآخرة، فأنتم اليوم تأكلون معهم و
~~تشربون وتنكحون معهم، وهم غدا إذا استسقوكم الماء قلتم لهم: ﴿إن الله حرمهما على الكافرين﴾ (2)
~~".
# وروي عن الصادق عليه السلام: " إن الله تعالى ليعتذر إلى المؤمن يوم
~~القيامة، فيقول له: وعزتي وجلالي، ما أفقرتك لهوان لك (3) علي، ولكن ارفع
~~هذا الستر فانظر ما قد عوضتك عن الدنيا، فيرفعه فيرى من الملك ما لا عين
~~رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيقول: يا إلهي ما ضرني ما منعتني
~~بما قد عوضتني ".
# عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه
~~وآله فقال: علمني عملا يحبني الله عليه، ويحبني المخلوقون، ويثري الله
~~مالي، ويصح بدني، و يطيل عمري، ويحشرني معك، فقال: هذه ست خصال، تحتاج إلى
~~ست خصال: إذا أردت أن يحبك الله فخفه واتقه، وإذا أردت أن يحبك المخلوقون
~~فأحسن إليهم وارفض ما في يديهم، وإذا أردت أن يثري الله مالك فزكه، وإذ
~~أردت أن يصح بدنك فأكثر من الصدقة، وإذا أردت أن يطيل الله عمرك فصل ذوي
~~أرحامك، وإذا أردت أن يحشرك الله معي فأطل السجود بين يدي الله الواحد
~~القهار ".
# وروى ابن عياش قال: قال لي الصادق عليه السلام: " يا ابن عياش، يأتي على
~~الناس زمان، من سكت مات ومن تكلم عاش، قال: فقلت: يا ابن رسول الله، إن
~~أدركت ذلك الزمان ما أصنع؟ قال: تساعدهم بمالك، قال: قلت: فإن لم أجد، قال:
~~فبجاهك ".
# PageV00P268
# روى عيسى بن موسى قال: ms181 قال جعفر بن محمد عليه السلام: " يا عيسى، المال
~~مال الله عز وجل، جعله ودائع عند خلقه، وأمرهم أن يأكلوا منه قصدا، ويشربوا
~~منه قصدا، ويلبسوا منه قصدا، وينكحوا منه قصدا، ويركبوا منه قصدا، ويعودوا
~~(١) بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين، فمن تعدى ذلك كان أكله منه حراما، وما
~~شرب منه حراما، وما لبسه منه حراما، وما نكحه منه حراما، وما ركبه منه
~~حراما " (٢) وعنه عليه السلام قال: " من أتاه المؤمن في حاجة، وهو يقدر على
~~قضائها فلم يقضها له، أقامه الله تعالى من قبره مسودا وجهه، مزرقة عيناه،
~~مغلولة يداه إلى عنقه، ينادى عليه: هذا الخائن الذي خان الله ورسوله، فيؤمر
~~به إلى النار ".
# وعنه عليه السلام: قال: " إذا أنعم الله تعالى على عبده بنعمة، صير حوائج
~~الناس إليه، فإن قضاها - من غير استخفاف بها - أسكنه الفردوس الأعلى، وإن
~~لم يقضها - وهو قادر على قضائها - نزع الله منه صالح ما أعطاه، وأسكنه نار
~~جهنم وبئس المصير، ولم ينل شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله ".
# وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه خطب في يوم جمعة خطبة بليغة،
~~فقال في آخرها:
# " أيها الناس، سبع مصائب عظام، نعوذ بالله منها: عالم زل، وعبد مل، ومؤمن
~~خل، ومؤتمن غل، وغني أقل، وعزيز ذل، وفقير اعتل " فقام إليه رجل فقال:
# صدقت يا أمير المؤمنين، أنت القبلة إذا ما ضللنا، والنور إذا ما أظلمنا،
~~ولكن نسألك عن قول الله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ (3) فما بالنا ندعو فلا نجاب، قال:
~~لأن قلوبكم خانت بثمان خصال:
# أولها: إنكم عرفتم الله، فلم تؤدوا حقه كما أوجب عليكم، فما أغنت عنكم
~~معرفتكم شيئا.
# والثانية (4): إنكم آمنتم برسوله، ثم خالفتم سنته، وأمتم شريعته، فأين
~~ثمرة إيمانكم؟
# PageV00P269
# والثالثة: إنكم قرأتم كتابه المنزل عليكم فلم تعملوا به، وقلتم: سمعنا
~~وأطعنا، ثم خالفتم.
# والرابعة: إنكم قلتم إنكم تخافون من النار، وأنتم في كل وقت تقدمون
~~أجسامكم إليها بمعاصيكم، فأين خوفكم؟
# والخامسة: إنكم قلتم إنكم ترغبون في ms182 الجنة، وأنتم في كل وقت تفعلون ما
~~يباعدكم منها، فأين رغبتكم فيها.
# والسادسة: إنكم أكلتم نعمة المولى، ولم تشكروا عليها.
# والسابعة: إن الله أمركم بعداوة الشيطان، وقال: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾ (1) فعاديتموه بلا
~~قول (2)، وواليتموه بلا مخالفة.
# والثامنة: إنكم جعلتم عيوب الناس نصب أعينكم، وعيوبكم وراء ظهوركم،
~~تلومون من أنتم أحق باللوم منه، فأي دعاء يستجاب لكم مع هذا؟ وقد سددتم
~~أبوابه وطرقه، فاتقوا الله وأصلحوا أعمالكم، وأخلصوا سرائركم، وأمروا
~~بالمعروف وانهوا عن المنكر، فيستجيب الله لكم دعاؤكم ".
# روي هذا الحديث في كتاب (التنبيه) (3).
# وما نقلته من كتاب (غرر الدرر في صفات سيد البشر محمد المصطفى خير من مضى
~~ومن غبر) صلى الله عليه وآله الأنجم الزاهرة:
# ما رواه مرفوعا بإسناده إلى أبي أيوب الأنصاري قال: سئل رسول الله صلى
~~الله عليه وآله، عن الحوض فقال: " أما إذا سألتموني عنه، سأخبركم: إن الحوض
~~أكرمني الله به وفضلني على من كان قبلي من الأنبياء، فهو ما بين أيلة إلى
~~صنعاء، فيه من الآنية عدد نجوم السماء، يسيل فيه خليجان من الماء، ماؤه أشد
~~بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، حصباؤه الزمرد والياقوت، وبطحاؤه مسك
~~أذفر، شرط مشروط من ربي لا يرده أحد من أمتي إلا النقية قلوبهم، الصحيحة
~~نياتهم، الخالصة سرائرهم، المسلمون للوصي من بعدي، الذين يعطون ما عليهم في
~~يسر، ولا يأخذون ما لهم في عسر، يذود عنه من
# PageV00P270
# ليس من شيعته، كما يذود الرجل الجمل الأجرب من إبله، من شرب منه شربة لم
~~يظمأ بعدها أبدا ".
# أيلة بلدة كبيرة في المغرب (1) وصنعاء في اليمن.
# وروى محمد بن إسماعيل، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام قال: " إن لله
~~بأبواب السلاطين من نور الله - سبحانه وتعالى - وجهه بالبرهان، ومكن له في
~~البلاد، ليدفع به عن أوليائه، ويصلح به أمور المسلمين، إليه يلجأ المؤمنون
~~من الضرر، ويفزع ذو الحاجة من شيعتنا، وبه يؤمن الله تعالى روعتهم في دار
~~الظلمة، أولئك المؤمنون حقا، وأولئك أمناء ms183 الله في أرضه، أولئك نورهم يسعى
~~بين أيديهم، يزهر نورهم لأهل السماوات كما تزهر الكواكب الدرية لأهل الأرض،
~~وأولئك من نورهم تضئ القيامة، خلقوا والله للجنة وخلقت الجنة لهم، فهنيئا
~~لهم، ما على أحدكم إن شاء لينال هذا كله؟ ".
# قال: قلت: بماذا؟ جعلني الله فداك، قال: " يكون معهم فيسرنا بإدخال
~~السرور على المؤمنين من شيعتنا " (2).
# PageV00P271
# فصل من كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله روى جابر بن عبد الله،
~~عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا تجلسوا إلا عند كل عالم، يدعوكم من
~~خمس إلى خمس: من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة إلى
~~الرهبة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن الغش إلى النصيحة.
# وقال الحواريون لعيسى عليه السلام: لمن نجالس؟ فقال: من يذكر كم الله
~~رويته، ويرغبكم في الآخرة عمله، ويزيد في منطقكم علمه.
# وقال لهم: تقربوا إلى الله بالبعد من أهل المعاصي، وتحببوا إليه ببغضهم،
~~والتمسوا رضاه بسخطهم.
# وقال لقمان لابنه: يا بني، صاحب العلماء، وأقرب منهم، وجالسهم، وزرهم في
~~بيوتهم، فلعلك تشبههم فتكون معهم، واجلس مع صلحائهم، فربما أصابهم الله
~~برحمة فتدخل فيها وإن كنت طالحا، وأبعد من الأشرار والسفهاء، فربما أصابهم
~~الله بعذاب فيصيبك معهم وإن كنت صالحا، وقد أفصح الله سبحانه وتعالى بقوله:
~~﴿فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم
~~الظالمين﴾ (١)، وبقوله تعالى: ﴿إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا
~~معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذن مثلهم﴾ (٢) يعني في الإثم، وقال
~~سبحانه: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا
~~فتمسكم النار﴾ (3).
# وروى معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: " إن من فتنة
~~المرء أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع، ففي الكلام تمويه وزيادة، ولا
~~يؤمن على صاحبه الخطأ، وفي الصمت سلامة وأجر.
# ومن العلماء من يخزن علمه ولا يحب أن يوجد عند غيره، فهو في الدرك الأول
~~من النار. ms184
# ومنهم من يكون في علمه بمنزلة السلطان، إن رد عليه في شئ من علمه غضب،
~~فهو في الدرك الثاني من النار.
# PageV00P272
# ومنهم من يجعل حديثه وغرائب علمه لأجل الشرف والبيان، ولا يرى أهل الحاجة
~~إليه أهلا، فهو في الدرك الثالث من النار.
# ومنهم من ينصب نفسه للفتيا، فيفتي بالخطأ تكلفا، والله يبغض المتكلفين،
~~وهو في الدرك الرابع.
# ومنهم من يتكلم بكلام اليهود والنصارى ليغزر علمه، فهو في الدرك الخامس
~~من النار.
# ومنهم من يتخذ علمه تعمقا ونبلا وذكرا في الناس، فهو في الدرك السادس من
~~النار.
# ومنهم من يستفزه الرياء والعجب، فإن وعظ عنف وإن وعظ أنف، فهو في الدرك
~~السابع من النار.
# فعليك بالصمت فبه تغلب الشيطان، وتستوجب المغفرة والرضوان، وإياك أن تضحك
~~من غير عجب، أو تمشي وتتكلم في غير أدب ".
# وقال عليه السلام: " إذا اجتمع قوم يذكرون الله تعالى اعتزل الشيطان
~~والدنيا عنهم، فيقول الشيطان للدنيا: ألا ترين ما يصنعون؟ فتقول الدنيا:
~~دعهم فلو قد تفرقوا أخذت بأعناقهم ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " إن أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك، فإن
~~صلاة على أثر السواك، خير من خمس وسبعين صلاة بغير سواك " (1).
# وقال صلى الله عليه وآله: " أصدق المؤمنين إيمانا أشدهم تفكرا في أمر
~~الدنيا والآخرة، وأشد الناس فرحا يوم القيامة، أشدهم حزنا في الدنيا ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " قال الله تعالى: وعزتي وجلالي، لا أجمع لعبدي
~~المؤمن بين خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا آمنته في الآخرة، وإذا أمني
~~في الدنيا.
# أخفته في الآخرة ".
# ومن ألزم نفسه الفكر ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا وحكمة، وإن الفكر مفاتيح
~~أقفال الحكمة والاعتبار، وإنهما ليخرجان من قلب المؤمن عجائب المنطق في
~~الحكمة، فتسمع له أقوال ترضاها الحكماء، ويخضع لها العلماء، وتعجب منها
~~الفقهاء.
# PageV00P273
# ولو أن محزونا بكى في أمة، لرحم الله تلك الأمة ببكائه. ومع ذلك يجب بسط
~~الرجاء في رحمة الله فإنها واسعة، وربما غلب الرجاء على الخوف، وذاك أن
~~مستقى الرجاء من بحر الرحمة، وقد سبق في ms185 قضائه وحكمته: أن رحمته سبقت غضبه.
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: " ما من عبد مؤمن تخرج من عينه دموع، ولو
~~مثل رؤوس الذباب من خشية الله، إلا حرمه الله على النار، وما من قطرة أحب
~~إلى الله تعالى من قطرة دمع من خشية الله، وقطرة دم في سبيل الله ".
# وقال: " لا يدخل الجنة إلا رحيم " فقيل: كلنا نرحم يا رسول الله، فقال:
# " ليس رحمة أحدكم في خويصة أهله حتى يرحم الناس عامة ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " اطلبوا الحوائج عند رحماء أمتي تفلحوا - أو
~~تنجحوا - فإن رحمة الله لهم، ولا تطلبوا الحوائج عند القاسية قلوبهم فتذلوا
~~فتندموا، فإن غضب الله عليهم ".
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام لولده الحسن عليه السلام: " يا بني، إذا
~~نزل بك كلب الزمان (1) وقحط الدهر، فعليك بذوي الأصول الثابتة، والفروع
~~النابتة، من أهل الرحمة والإيثار والشفقة، فإنهم أقضى للحاجة، وأمضى لدفع
~~الملمات، وإياك وطلب الفضل واكتساب الطساسيج (2) والقراريط، من ذوي الأكف
~~اليابسة والوجوه العابسة، فإنهم إن أعطوا منوا، وإن منعوا كدوا، ثم أنشأ
~~يقول:
# واسأل العرف إن سألت كريما * لم يزل يعرف الغنى واليسارا فسؤال الكريم
~~يورث عزا * وسؤال اللئيم يورث عارا وإذا لم تجد من الذل بدأ * فالق بالذل
~~إن لقيت الكبارا ليس إجلالك الكبار بعار * إنما العار أن تجل الصغارا " (3)
~~وقال عليه السلام: " العلل زكاة البدن، والمعروف زكاة النعم (4)، وكل نعمة
~~أنيل منها المعروف فمأمونة السلب، محصنة من الغير ".
# PageV00P274
# وقال عليه السلام: " البيوت التي يخرج منها المعروف، تضئ لأهل السماء كما
~~يضئ الكوكب الدري لأهل الأرض ".
# وقال عليه السلام: " المعروف أزكى الزروع وأنمى الفروع، ولا يتم إلا
~~بثلاث خصال: بتعجيله، وتصغيره، وستره ".
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم من رأف بأمتي ورحمهم، فاعطف عليه
~~وارحمه ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " بذلاء أمتي لا يدخلون الجنة بكثرة صوم ولا
~~صلاة ولكن برحمة الله، وسلامة الصدور، وسخاء النفوس، والرحمة لجميع
~~المسلمين ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " ينبغي للمسلمين أن ينصح بعضهم بعضا، ويرحم
~~بعضهم ms186 بعضا، فإنما هم كمثل العضو من الجسد، إذا اشتكى تداعى الجسد بالسهر
~~".
# ورأى عليه السلام أعرابيا يتكلم فطول، فقال له: " كم دون لسانك من حجاب؟
~~" فقال: شفتاي وأسناني، فقال عليه السلام: " فتثبت واقتصر، فإن الله تعالى
~~يكره الانبعاق (1) في الكلام، فنظر الله وجه امرئ أوجز في كلامه، واقتصر
~~على حاجته ".
# وقال بعض العلماء لرجل رآه يكثر الكلام ويقل السكوت: إنما خلق الله تعالى
~~لك أذنين ولسانا واحدا، ليكون ما تسمعه ضعفي ما تقوله.
# وروي أن النبي صلى الله عليه وآله خرج على أصحابه فقال: " ارتعوا في رياض
~~الجنة " قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟ فقال: " مجالس الذكر، اغدوا
~~وروحوا واذكروا ".
# من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله تعالى، فلينظر كيف منزلة الله عنده،
~~فإن الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزل العبد الله من نفسه.
# واعلموا أن خير أعمالكم عند مليككم أزكاها وأرفعها في درجاتكم، وخير ما
~~طلعت عليه الشمس ذكر الله سبحانه وتعالى، فإنه أخبر عن نفسه فقال: أنا جليس
~~من ذكرني.
# PageV00P275
# وقال سبحانه: أذكروني أذكركم بنعمتي، اذكروني بالطاعة والعبادة، أذكركم
~~بالنعم والإحسان والرحمة والرضوان.
# وقال صلى الله عليه وآله: " إذا أحب الله تعالى عبدا نصب في قلبه نائحة
~~من الحزن، فإن الله تعالى يحب كل قلب حزين، وإنه لا يدخل النار من بكى من
~~خشية الله، حتى يعود اللبن إلى الضرع، وإنه لا يجتمع غبار في سبيل الله
~~ودخان جهنم في منخري مؤمن أبدا، وإذا أبغض عبدا جعل في قلبه مزمارا من
~~الضحك، وإن الضحك يميت القلب، والله لا يحب الفرحين ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " إن ملوك الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين (1)،
~~إذا استأذنوا لم يؤذن لهم، وإن خطبوا لم ينكحوا، وإذا قالوا لم ينصت
~~لقولهم، ولو قسم نور واحد منهم بين أهل الأرض لوسعهم ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " اطلبوا المعروف والفضل من رحماء أمتي تعيشوا
~~في أكنافهم، فالخلق كلهم عيال الله، وإن أحبهم إليه أنفعهم لخلقه، وأحسنهم
~~صنيعا إلى عياله، وإن الخير ms187 كثير وقليل فاعله " (2).
# وقال ابن عباس رضي الله عنه: العاقل صديق كل أحد إلا من ضره، والجاهل عدو
~~كل أحد حتى من نفعه، فإذا سلم الناس منك فلا عليك ألا تسلم منهم، فإنه قل
~~من اجتمعت هاتان النعمتان له.
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: " إياكم والمعاذير، فإنها مفاخر (3)، ألا
~~أدلكم على عمل يحبه الله ورسوله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: التغابن
~~للضعيف، والرحمة له، والتلطف به، ومن هم بأمر فلينظر في عاقبته فإن كان
~~رشدا فليمضه، وإن كان غيا فلينته عنه ".
# وقال صلى الله عليه وآله لأبي سعيد الخدري: " لا تصحب إلا مؤمنا، ولا
~~تجالس إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي، وإن فقراء أمتي يدخلون الجنة قبل
~~أغنيائهم بخمسمائة عام ".
# PageV00P276
# وقال صلى الله عليه وآله: " سمعت رب العزة - سبحانه - يقول: من أحدث ولم
~~يتوضأ فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ ولم يصل ركعتين فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ
~~وصلى ركعتين ودعاني لدينه ودنياه بما شاء ولم أجبه فقد جفوته، ولست برب جاف
~~".
# قال عليه السلام وآله: " إنه إذا كان آخر الليل يقول الله سبحانه وتعالى:
~~هل من داع فأجيبه؟ هل من سائل فاعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من
~~تائب فأتوب عليه؟ " وفي الإنجيل: يا ابن آدم، كما ترحم فكذلك ترحم، فكيف
~~ترجو أن يرحمك الله، وأنت لا ترحم عباده؟
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: " إن في الجنة منازل لا ينالها العباد
~~بأعمالهم، ليس لها علاقة من فوقها، ولا عماد من تحتها " قيل: يا رسول الله،
~~من أهلها؟ فقال:
# " أهل البلايا والهموم ".
# وقال صلى الله عليه: " هبط إلي جبرئيل في أحسن صورة فقال: يا محمد، الحق
~~يقرئك السلام ويقول لك: إني أوحيت إلى الدنيا أن تمردي وتكدري وتضيقي
~~وتشددي على أوليائي حتى يحبوا لقائي، وتيسري وتسهلي وتطيبي لأعدائي حتى
~~يبغضوا لقائي، فإني جعلت الدنيا سجنا لأوليائي وجنة لأعدائي ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " إن عظيم الجزاء يكافئ عظيم البلاء، فإذا أحب
~~الله عبدا ابتلاه بعظيم ms188 البلاء، فإن رضي فله الرضى، وإن سخط فعليه السخط،
~~وإن الله إذا أحب عبدا أتحفه بواحدة من ثلاث: إما حمى أو رمد أو صداع، وإن
~~الله ليغذي عبده المؤمن بالبلاء، كما تغذي الوالدة ولدها باللبن، وإن
~~البلاء إلى المؤمن أسرع من السيل إلى الوهاد (1)، ومن ركض البراذين (2)،
~~وإنه إذا نزل بلاء من السماء بدأ بالأنبياء، ثم الأوصياء ثم الأمثل
~~فالأمثل، وإنه سبحانه وتعالى يعطي الدنيا لمن يحب ويبغض ولا يعطي الآخرة
~~إلا أهل صفوته ومحبته، وإنه يقول سبحانه وتعالى: ليحذر عبدي الذي يستبطئ
~~رزقي أن أغضب فافتح عليه بابا من الدنيا ".
# PageV00P277
# وروي: إن الله - سبحانه وتعالى - إذا لم يكن له في العبد حاجة، فتح عليه
~~الدنيا.
# وقال النبي صلى الله عليه: " قال الله تعالى: وعزتي وجلالي، وعظمتي
~~وارتفاعي، لولا حيائي من عبدي المؤمن، لما جعلت له خرقة ليواري بها جسده،
~~وإني إذا أكملت إيمانه ابتليته بفقر في ماله، ومرض في بدنه، فإن هو حرج (1)
~~أضعفت عليه، وإن هو صبر باهيت به ملائكتي، وإني جعلت عليا علما للإيمان،
~~فمن أحبه واتبعه كان هاديا مهديا، ومن أبغضه وتركه كان ضالا مضلا، وإنه لا
~~يحبه إلا مؤمن تقي، ولا يبغضه إلا منافق شقي ".
# وقال الصادق عليه السلام: " أربعة لم يخل منها الأنبياء ولا الأوصياء ولا
~~أتباعهم: الفقر في المال، والمرض في الجسم، وكافر يطلب قتلهم، ومنافق يقفو
~~أثرهم ".
# وقال عليه السلام لأصحابه: " لا تتمنوا المستحيل، قالوا: ومن يتمنى
~~المستحيل؟
# فقال: أنتم، ألستم تمنون الراحة في الدنيا؟ قالوا: بلى فقال: الراحة
~~للمؤمن في الدنيا مستحيلة ".
# وقال عليه السلام: " إذا أحب الله تعالى عبدا ألهمه الطاعة، وألزمه
~~القناعة، وفقهه في الدين، وقواه باليقين، فاكتفى بالكفاف، واكتسى بالعفاف،
~~وإذا أبغض الله عبدا حبب إليه المال، وبسط له الآمال، وألهمه دنياه، ووكله
~~إلى هواه، فركب العناد، وبسط الفساد، وظلم العباد " (2).
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: " افزعوا إلى الله في حوائجكم، والجأوا
~~إليه في ملماتكم، وتضرعوا إليه وادعوه، فإن الدعاء مخ العبادة، وما من مؤمن
~~يدعو الله ms189 بدعاء إلا استجاب له، فأما أن يكون يعجل له في الدنيا، أو يؤجل
~~له في الآخرة، وإما أن يكفر به عن ذنوبه بقدر ما دعا، ما لم يدع بمأثم ".
# وقال عليه السلام: " إن في الجنة بابا يقال له: الريان، لا يدخل به إلا
# PageV00P278
# الصائمون، فإذا دخل آخرهم أغلق ذلك الباب " (1).
# وروي عن كعب الأحبار أنه قال: أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: إن أردت
~~لقائي غدا في حظيرة القدس، فكن في الدنيا غريبا وحيدا محزونا مستوحشا،
~~كالطير الوحداني الذي يطير في الأرض المقفرة، ويأكل من رؤوس الأشجار
~~المثمرة، فإذا كان الليل أوى إلى وكره - ولم يكن مع الطير - استئناسا بربه،
~~واستيحاشا من الناس.
# وقال صلى الله عليه وآله: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ، فطوبي
~~للغرباء، فقيل: يا رسول الله، من الغرباء؟ فقال: النزاع (2) من القبائل،
~~وأناس صالحون قليل في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ".
# وروى وهب بن منبه قال: أوحى الله سبحانه إلى داود: يا داود، من أحب حبيبا
~~صدق قوله، ومن أنس بحبيب رضي فعله، ومن وثق بحبيب اعتمد عليه، ومن اشتاق
~~إلى حبيب جد في السير إليه.
# يا داود، ذكري للذاكرين، وجنتي للمطيعين، وزيارتي للمشتاقين وأنا خاصة
~~للمحبين.
# وقال سبحانه: أهل طاعتي في ضيافتي، وأهل شكري في زيارتي، وأهل ذكري في
~~نعمتي، وأهل معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن دعوا
~~فأنا مجيبهم، وإن مرضوا فأنا طبيبهم، أداويهم بالمحن والمصائب، لأطهرهم من
~~الذنوب والمعايب.
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: " على كل قلب خاتم من الشيطان فإذا ذكر
~~اسم الله خنس وذاب، وإذا ترك الذكر التقمه الشيطان فجذبه وأغواه، فاستزله
~~وأطغاه ".
# وقال عيسى عليه السلام: تهاونوا بالدنيا تهن عليكم، وأهينوها تكرم الآخرة
~~إليكم، ولا تكرموا الدنيا فتهون الآخرة عليكم، فليست الدنيا بأهل كرامة، في
~~كل يوم تدعوا إلى فتنة وخسار، وما الدنيا إلا كحلم المنام، والمرء بين
~~أيقاظ ونيام.
# وقال الحسن البصري: أهينوا الدنيا، فإنها أهنأ ما تكون لكم أهون ما ms190 تهون
# PageV00P279
# عليكم.
# وقال الكاظم عليه السلام: " أهينوا الدنيا وتهانوا بها، فإنها ما أهانها
~~قوم إلا هنأهم الله العيش، وما أعزها قوم إلا تعبوا وذلوا ".
# وروى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل على شاب - وهو يجود بنفسه
~~- فقال: " كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال:
# لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن، إلا بلغه الله ما يرجو، وأمنه مما
~~يخاف ".
# وقال أنس: إن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول: " ما أحدث الله تعالى
~~إخاء بين المؤمنين، إلا أحدث لكل واحد منهما درجة ".
# وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إني لأعرف أقواما هم عند الله
~~تعالى بمنزلتي يوم القيامة، ما هم بأنبياء ولا شهداء، تغبطهم الأنبياء
~~والشهداء بمنزلتهم، فقيل:
# من هم يا رسول الله؟ فيقول: ناس تآخوا في روح الله، على غير مال ولا سبب
~~قريب، والذي نفسي بيده إن لوجوههم نورا، وإنهم لعلى نور، لا يحزنون إذا حزن
~~الناس، ولا يفزعون إذا فزعوا، ثم تلا قوله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ (1).
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن الملائكة يمرون على حلق الذكر،
~~فيقفون على رؤوسهم، ويبكون لبكائهم، ويؤمنون على دعائهم، فإذا صعدوا إلى
~~السماء يقول الله تعالى: يا ملائكتي، أين كنتم؟ وهو أعلم بهم، فيقولون: يا
~~ربنا، حضرنا مجلسا من مجالس الذكر، فرأينا أقواما يسبحونك ويمجدونك
~~ويقدسونك، فيقول الله سبحانه: يا ملائكتي، ما يريدون؟ فيقولون: يخافون
~~نارك، فيقول سبحانه: ازووها عنهم، وأشهدكم أني قد غفرت لهم، وآمنتهم مما
~~يخافون، فيقولون: ربنا، إن فيهم فلانا وإنه لم يذكرك، فيقول الله سبحانه:
~~يا ملائكتي، قد غفرت له بمجالسته لهم، فإن الذاكرين لا يشقى بهم جليسهم ".
# وروى ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال:
# " إن الله تعالى أرضا بيضاء، مسيرة الشمس فيها ثلاثون يوما، هي مثل أيام
~~الدنيا ثلاثون مرة، مشحونة خلقا لا يعلمون أن الله عز وجل ms191 يعصى في الأرض،
~~ولا يعلمون أن الله تعالى خلق آدم وإبليس ".
# PageV00P280
# وروي عن بعض الصالحين أنه قال: نمت ليلة فسمعت هاتفا يقول: أتنام عن حضرة
~~الرحمان؟ وهو يقسم جوائز الرضوان، بين الأحبة والخلان! فمن أراد منا
~~المزيد، فلا ينامن من ليله الطويل، ولا يقنع من نفسه بالقليل.
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يجئ يوم القيامة أطفال المؤمنين،
~~عند عرض الخلائق للحساب، فيقول الله تعالى لجبرئيل عليه السلام: إذهب
~~بهؤلاء إلى الجنة، فيقفون على أبواب الجنة ويسألون عن آبائهم وأمهاتهم،
~~فيقول لهم الخزنة: آباؤكم وأمهاتكم ليسوا كأمثالكم، لهم ذنوب وسيئات
~~يطالبون بها، فيصيحون صيحة باكين، فيقول الله تعالى: يا جبرئيل، ما هذه
~~الصيحة؟ فيقول: اللهم أنت أعلم، هؤلاء أطفال المؤمنين يقولون: لا ندخل
~~الجنة حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا، فيقول الله سبحانه وتعالى: يا جبرئيل،
~~تخلل الجمع وخذ بيد آبائهم وأمهاتهم فأدخلهم معهم الجنة برحمتي " (1).
# وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه: " ينادي مناد يوم القيامة تحت
~~العرش: يا أمة محمد، ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم، وقد بقيت التبعات
~~بينكم، فتواهبوا وادخلوا الجنة برحمتي ".
# وقال بعض الصالحين: إذا لقيت الله تعالى بسبعين ذنبا فيما بينك وبينه،
~~كان أهون من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد.
# قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تزال هذه الأمة بخير تحت يد الله
~~وفي كفه (2)، ما لم يمالئ (3) قراؤها أمراءها، ولم يزك صلحاؤها فجارها، ولم
~~يمالئ أخيارها أشرارها، فإذا فعلوا ذلك رفع الله تعالى يده عنهم، ثم سلط
~~عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب، وضربهم بالفاقة والفقر، وملأ قلوبهم
~~رعبا ".
# قال ابن شهاب (4): بعث سليمان بن داود عليه السلام بعض عفاريته، وبعث
# PageV00P281
# معه نفرا من أصحابه فقال: إذهبوا معه فانظروا ماذا يقول، فمروا به في
~~السوق، فرفع رأسه إلى السماء، ونظر إلى الناس فهز رأسه، ومروا به على بيت
~~يبكون على ميت لهم فضحك ومروا به على الثوم يكال كيلا وعلى الفلفل يوزن
~~وزنا فضحك، ومروا به على قوم ms192 يذكرون الله تعالى وآخرين في باطل فهز رأسه.
# ثم ردوه إلى سليمان فأخبروه بما رأوا منه، فسأله سليمان: أرأيت إذ مروا
~~بك في السوق، لم رفعت رأسك إلى السماء ونظرت إلى الأرض والناس؟ قال: عجبت
~~من الملائكة على رؤوس الناس، ما أسرع ما يكتبون! ومن الناس ما أسرع ما
~~يملون!
# قال: ومررت على أهل بيت يبكون على ميت لهم، وقد أدخله الله الجنة، فضحكت.
# قال: ومررت على الثوم يكال كيلا ومنه الترياق، وعلى الفلفل يوزن وزنا وهو
~~الداء، فتعجبت، ونظرت إلى قوم يذكرون الله، وآخرين في باطل، فتعجبت وضحكت
~~(1).
# وروي أن عمر بن عبد العزيز كان يوما في المسجد، فدخل عليه رجل فأسمعه
~~مكروها ونال منه، فقيل له: ما يمنعك من الانتصار منه؟ قال: التقي ملجم.
# ودخل على امرأته فقال لها: عندك درهم نشتري به عنبا، فقالت: لا، فقال:
# فثمنه من الفلوس نشتري به، قالت: لا، أنت خليفة المسلمين، يجبى إليك
~~فيؤها، ولا تقدر على درهم! فقال: هذا أهون علينا من معالجة أغلال نار جهنم.
# وقال بعضهم لآخر: لا تطلبن حاجتك عند من لا يحب نجاحها، ولا تتهاون
~~بالخلق فيهلكك الله، ولا تصحبن فاجرا فتتعلم من فجوره، واعتزل عدوكم، واحذر
~~صديقك، ولا تأمن إلا من خشي الله، واخشع عند القبور، وذل عند المعصية،
~~واعتصم بالله منها، وسارع في الطاعات، واستشر في أمرك النصيح، وآخ في الله
~~أهل التقوى، ولا تجعل كلامك في غير الله، ولا تقله إلا عند من يشتهيه
~~ويتخذه غنيمة.
# وكان قيس بن سعد يقول: اللهم ارزقني حمدا ومجدا، فإنه لا حمد إلا بفعل،
~~ولا مجد إلا بمال.
# PageV00P282
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: " من سره أن ينفس الله كربته فلييسر على
~~مؤمن معسر وليدع له، فإن الله تعالى يحب إغاثة الملهوف ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " استكثروا من الشئ الذي لا تمسه النار، قالوا:
# وما هو؟ يا نبي الله، قال: المعروف ".
# وتقول العرب: كل شئ إذا كثر رخص إلا العقل إذا كثر غلا.
# وقيل لتميم الداري (1): ما ms193 السؤود؟ قال: العقل، وقد سألت رسول الله صلى
~~الله عليه وآله فقال: " سألت جبرئيل عليه السلام: ما السؤود في الناس؟
~~فقال: العقل ".
# وروى وهب بن منبه أن موسى عليه السلام قال: يا رب، أخبرني عن آية رضاك عن
~~عبدك. فأوحى الله تعالى إليه: إذا رأيتني أهيئ عبدي لطاعتي، وأصرفه عن
~~معصيتي فذلك آية رضاي.
# وفي رواية أخرى: إذا رأيت نفسك تحب المساكين، وتبغض الجبارين، فذلك آية
~~رضاي (2).
# وقال المفضل بن عمرو للصادق عليه السلام: أحب أن أعرف علامة قبولي عند
~~الله، فقال له: " علامة قبول العبد عند الله أن يصيب بمعروفه مواضعه، فإن
~~لم يكن كذلك فليس كذلك ".
# وروي أن حرقة ابنة النعمان استدعاها سعد بن أبي وقاص لما كان أميرا في
~~العراق، فحضرت في لمة من نسائها كلهن عليهن زيها فقال: أيتكن حرقة ابنة
~~النعمان؟
# فقالت: وما استنكارك إياي يا سعد، والله لقد أمسينا دواء فأصبحنا داء،
~~ولقد كنا نملك هذا المصر، يطيعنا أهله، ويجبى إلينا دخله.
# فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة نتنصف
# PageV00P283
# فأف لدنيا لا يدوم نعيمها * تقلب بنا تاراتها (1) وتصرف ثم بكت، فبكى
~~لبكائها وقال:
# إن للدهر دولة فاحذرنها * لا تبيتين قد أمنت الدهورا قد يبيت الفتى معافى
~~فيودي (2) * ولقد كان آمنا مسرورا ثم قال: اذكري حاجتك يا سيدة العرب.
# فقالت: بنو النعمان وأهله أجرهم على عوائدهم.
# فقال لها: اذكري حاجتك لنفسك.
# فقالت: خدم النعمان وعبيده وجواريه أجرهم على عوائدهم.
# فقال لها: اذكري حاجتك لنفسك خاصة.
# فقالت له: يد الأمير بالعطية أطلق من لساني بالمسألة.
# فأعطاها وأجزل، فقالت له: شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا ملكتك يد استغنت
~~بعد فقر، ولا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا
~~أخذ الله من كريم نعمة إلا وجعلك السبب في ردها إليه.
# فقال: اكتبوها في ديوان الحكمة.
# فقالت: اكتبوها في ديوان الحكمة، فإني رأيت قطع الأواخر يمنع شكر
~~الأوائل.
# وقال الصادق عليه السلام: " ما توسل أحد إلي بوسيلة، أحب إلي من اذكاري ms194
~~بنعمة سلفت مني إليه أعيدها إليه ".
# ولقد صدق عليه السلام، فإن من أحسن خصال المعروف تربيته بإعادة الإفضال
~~به، واعلم بأن أهل الفضل والشرف والرئاسة، يرون أن معروفهم دينا عليهم،
~~تتقاضاهم أبدا نفوسهم الشريفة الزكية بإعادته. وأهل الرذالة والنذالة
~~والخساسة، يرون معروفهم دينا لهم، تتقاضاهم نفوسهم الخبيثة بإعادته. وذاك
~~أن أفعال الناس على قدر جواهرهم، ولقد أحسن مولانا أمير المؤمنين عليه
~~السلام في قوله:
# إذا شئت تعلم خير الفتى * أدر لحظ طرفك في منظره فإن لم يبن لك في ذا وذا
~~* فلا تطلبن سوى محضره بيان الرجال بأفواهها * بها يعرف النذل من خيره
# PageV00P284
# وتحظى الرجال بطيب الكلام * وكل يعود إلى عنصره وفي قوله تعالى: (كل يعمل
~~على شاكلته) (١) كفاية.
# وروي أنه لما نزل قوله تعالى: (كل يعمل على شاكلته) (٢) بأن السرور بين
~~عيني أبي الدرداء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما هذا السرور
~~يا أبا الدرداء؟ " فقال: نجونا ورب العزة يا رسول الله. قال: " وكيف ذلك يا
~~أبا الدرداء؟ " قال: إذا كان كل يعمل على شاكلته، فشاكلتنا الذنب والعصيان،
~~وشاكلته العفو والغفران، فسر المسلمون حينئذ سرورا عظيما.
# وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " يأتي على أمتي زمان، يكون
~~أمراؤهم على الجور، وعلماؤهم على الطمع وقلة الورع، وعبادهم على الرياء،
~~وتجارهم على أكل الربا وكتمان العيب في البيع والشراء، ونساؤهم على زينة
~~الدنيا، فعند ذلك يسلط عليهم أشرارهم، فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم " (٣).
# وقال الصادق صلى الله عليه: عن أمير المؤمنين عليه السلام: " إن الله
~~تعالى يبتلي عباده عند ظهور الأعمال السيئة، بنقص الثمرات، وحبس البركات،
~~وإغلاق خزائن الخيرات، ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكر متذكر، ويزدجر
~~مزدجر، وقد جعل الله تعالى الاستغفار سببا لدرور الرزق، ورحمة الخلق، فقال
~~سبحانه: ﴿استغفروا ربكم إنه كان
~~غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات
~~ويجعل لكم أنهارا﴾ (4).
# فرحم الله عبدا قدم توبته، واستقال عثرته، وذكر خطيئته، وحذر منيته، فإن
~~أجله ms195 مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكل به يزين له المعصية ليركبها،
~~ويمنيه التوبة ليسوفها (5)، حتى تهجم عليه منيته أغفل ما يكون عنها، فيا
~~لها حسرة على ذي غفلة، أن يكون عمره عليه حجة، وأن تؤديه أيامه إلى شقوة،
~~نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة، ولا تحل به بعد
~~الموت ندامة ولا نقمة " (6).
# PageV00P285
# وقال عليه السلام في وصيته لابنه الحسن عليه السلام: " واحذر أن يدركك
~~الموت وأنت على (1) حال سيئة، قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة، فيحول بينك
~~وبين ذلك فإذا (2) أنت قد أهلكت نفسك.
# يا بني، أكثر من ذكر الموت، وما تهجم عليه وتصير إليه بعد الموت، حتى
~~يأتيك وقد أخذت منه حذرك، وشددت له أزرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك، وإياك أن
~~تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها، وتكالبهم عليها، فقد نبأك الله
~~عنها، ونعت هي نفسها لك، وتكشفت عن مساوئها، فإنما أهلها كلاب عاوية وسباع
~~ضارية، يهر بعضها على بعض، يأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها، نعم
~~معقلة (3) وأخرى مهملة، قد أضلت عقولها، وركبت مجهولها، ليس لها راع
~~يقيمها، ولا مسيم يسيمها، ركبت بهم سبيل العمى، وأخذت بأبصارهم عن منار
~~الهدى، فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في نعمتها، واتخذوها ربا، فلعبت بهم
~~ولعبوا بها، رويدا يسفر الظلام فكأن قد وردت الأظعان، يشك من أسرع أن يلحق.
# واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار، فإنه يسار به وإن كان واقفا،
~~ويقطع المسافة وإن كان مقيما وادعا.
# واعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، وأنك في سبيل من كان قبلك،
~~فخفض في الطلب، وأجمل في المكتسب، فرب طلب قد جر إلى حرب (4)، فما كل طالب
~~بمرزوق، ولا كل مجمل بمحروم، فأكرم نفسك عن كل دنية، وإن ساقتك إلى
~~الرغائب، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا، وما خير خير لا يوجد إلا
~~بشر، ويسر لا ينال إلا بعسر.
# وإياك أن توجف بك مطايا الطمع، فتوردك موارد الهلكة، وإن استطعت أن لا
~~يكون ms196 بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فإنك مدرك قسمك، وآخذ سهمك، وإن اليسير
~~من الله، أكبر وأعظم من الكثير من خلقه، وإن كان كل منه.
# وتلا فيك ما فرط من صمتك، أيسر من إدراكك ما فات من منطقك، وحفظ
# PageV00P286
# ما في الوعاء بشد الوكاء، وحفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في يد غيرك،
~~ومرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس، والحرفة مع العفة خير من الغنى مع
~~الفجور، والمرء أحفظ لسره، ورب ساع فيما يضره، من أكثر أهجر، ومن تفكر
~~أبصر، قارب أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم، بئس الطعام
~~الحرام، وظلم الضعيف أفحش الظلم. إذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا. وربما
~~كان الدواء داء والداء دواء، وربما نصح غير الناصح وغش المستنصح.
# وإياك والإتكال على المنى، فإنها بضائع النوكى (1). والعقل حفظ التجارب.
# وخير ما جربت ما وعضك. بادر الفرصة قبل أن تكون غصة. ليس كل طالب يصيب،
~~ولا كل غائب يؤوب، ومن الفساد إضاعة الزاد ومفسدة المعاد، ولكل أمر عاقبة،
~~سوف يأتيك ما قدر لك، التاجر مخاطر، ورب يسير أنمى من كثير، لا خير في معين
~~مهين، ولا في صديق ظنين. ساهل الدهر ما ذل لك قعوده (2)، ولا تخاطر بشئ
~~رجاء أكثر منه، وإياك أن تجمح بك مطية اللجاج.
# احمل نفسك من أخيك عند صرمه على (3) الصلة، وعند صدوده على اللطف
~~والمقاربة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على
~~اللين، وعند جرمه على العذر، حتى كأنك له عبد وكأنه ذو نعمة عليك، وإياك أن
~~تضع ذلك في غير موضعه، أو أن تفعله بغير أهله. لا تتخذن عدو صديقك صديقا
~~فتعادي صديقك، وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أم قبيحة، وتجرع الغيظ، فإني
~~لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذ مغبة، ولن لمن غالظك، فإنه يوشك أن
~~يلين لك، وخذ على عدوك بالفضل فإنه أحلى الظفرين، وإن أردت قطيعة أخيك،
~~فاستبق له من نفسك بقية يرجع إليها إن بدا ms197 له ذلك يوما ما، ومن ظن بك خيرا
~~فصدق ظنه، ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه، فإنه ليس لك بأخ من
~~(4) أضعت حقه، ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك، ولا ترغبن فيمن زهد فيك، ولا
~~يكونن أخوك على قطيعتك أقوى منك على صلته، ولا يكونن على الإساءة أقوى منك
~~على الإحسان، ولا يكبرن عليك ظلم من
# PageV00P287
# ظلمك، فإنه يسعى في مضرته ونفعك، وليس جزاء من سرك أن تسوءه.
# واعلم - يا بني - أن الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك، فإن أنت لم
~~تأته أتاك. ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغنى! إنما لك من
~~دنياك، ما أصلحت به مثواك، وإن جزعت على ما تفلت من يدك، فاجزع [على] (1)
~~كل ما لم يصل إليك. استدل على ما لم يكن بما قد كان، فإن الأمور أشباه، ولا
~~تكونن ممن لا تنفعه (2) العظة، إلا إذا بالغت في إيلامه، فإن العاقل يتعظ
~~بالأدب، والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب. إطرح عنك واردات الأمور (3) بعزائم
~~الصبر وحسن اليقين. من ترك القصد جار. الصاحب مناسب، والصديق من صدق غيبه،
~~والهوى شريك العمى. رب بعيد أقرب من قريب، وقريب أبعد من بعيد، والغريب من
~~لم يكن له حبيب. من تعدى الحق ضاق مذهبه، ومن اقتصر على قدره كان أبقى له،
~~وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين الله سبحانه، ومن لم يبالك فهو عدوك. قد
~~يكون اليأس إدراكا، إذا كان الطمع هلاكا. ليس كل عورة تظهر، ولا كل فرصة
~~تصاب، وربما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده.
# أخر الشر، فإنك إذا شئت تعجلته. وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. من أمن
~~الزمان خانه، ومن أعظمه أهانه. ليس كل من رمى أصاب. إذا تغير السلطان تغير
~~الزمان. سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار. إياك أن تذكر من
~~الكلام ما كان مضحكا، وإن حكيت ذلك عن غيرك.
# وإياك ومشاورة النساء، فإن رأيهن إلى أفن، وعزمهن إلى وهن، واكفف عليهن
~~من أبصارهن بحجابك إياهن، فإن شدة ms198 الحجاب أبقى عليهن، وليس خروجهن أشد من
~~إدخالك من لا يوثق به عليهن، وإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل، ولا تملك
~~المرأة من أمرها ما جاوز نفسها، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، ولا تعد
~~بكرامتها نفسها، ولا تطمعها أن تشفع لغيرها، وإياك والتغاير في غير موضع
~~غيرة، فإن ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم، والبريئة إلى الريب.
# PageV00P288
# واجعل لكل إنسان من خدمك عملا تأخذه به، فإنه أحرى أن لا يتواكلوا في
~~خدمتك، وأكرم عشيرتك، فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير،
~~ويدك التي (1) بها تصول.
# أستودع الله دينك ودنياك، وأسأله خير القضاء لك، في الآجلة والعاجلة
~~والدنيا والآخرة " (2).
# وروي عن الحسن بن يقطين (3)، عن أبيه، عن جده قال: ولي علينا بالأهواز
~~رجل من كتاب يحيى بن خالد، وكان علي من بقايا خراج كان فيها زوال نعمتي
~~وخروج من ملكي، فقيل لي: إنه ينتحل هذا الأمر، فخشيت أن ألقاه مخافة ألا
~~يكون ما بلغني حقا، فيكون فيه خروجي من ملكي وزوال نعمتي، فهربت منه إلى
~~الله تعالى، وأتيت الصادق (4) عليه السلام مستجيرا، فكتب إليه رقعة صغيرة
~~فيها:
# بسم الله الرحمن الرحيم: إن لله في ظل عرشه ظلا لا يسكنه إلا من نفس عن
~~أخيه كربة، أو أعانه بنفسه، أو صنع إليه معروفا، ولو بشق تمرة. وهذا أخوك
~~والسلام.
# ثم ختمها ودفعها إلي وأمرني أن أوصلها إليه، فلما رجعت إلى بلدي، صرت إلى
~~منزله فاستأذنت عليه، وقلت: رسول الصادق عليه السلام بالباب، فإذا أنا به
~~وقد خرج إلي حافيا، فأبصرني وسلم علي وقبل ما بين عيني، ثم قال لي: يا سيدي
~~أنت رسول مولاي؟ فقلت: نعم، فقال: قد أعتقتني من النار إن كنت صادقا، فأخذ
~~بيدي وأدخلني منزله، وأجلسني في مجلسه، وقعد بين يدي، ثم قال: يا سيدي كيف
~~خلفت مولاي؟ فقلت: بخير، فقال: الله الله؟ قلت: الله، حتى أعادها ثلاثا، ثم
~~ناولته الرقعة فقرأها وقبلها ووضعها على عينيه، ثم قال: يا أخي مر بأمرك،
~~فقلت: في جريدتك علي كذا ms199 وكذا ألف ألف درهم، وفيه عطبي وهلاكي؟ فدعا
~~الجريدة فمحا عني كل ما
# PageV00P289
# كان فيها، وأعطاني براءة منها، ثم دعا بصناديق ماله فناصفني عليها، ثم
~~دعا بدوا به فجعل يأخذ دابة ويعطيني دابة، ثم دعا بغلمان، فجعل يعطيني
~~غلاما ويأخذ غلاما، ثم دعا بكسوته فجعل يأخذ ثوبا ويعطيني ثوبا، حتى شاطرني
~~جميع ملكه ويقول: هل سررتك؟ فأقول: إي والله وزدت على السرور.
# فلما كان في الموسم قلت: والله لا كان [جزاء] (1) هذا الفرح بشئ أحب إلى
~~الله ورسوله، من الخروج إلى الحج، والدعاء له، والمصير إلى مولاي وسيدي
~~الصادق عليه السلام وشكره عنده، وأسأله الدعاء له، فخرجت إلى مكة وجعلت
~~طريقي إلى مولاي عليه السلام، فلما دخلت عليه رأيته والسرور في وجهه، وقال
~~لي: " يا فلان، ما كان من خبرك مع الرجل؟ " فجعلت أورد عليه خبري، وجعل
~~يتهلل وجهه ويسر السرور، فقلت: يا سيدي، هل سررت بما كان منه إلي؟ سره الله
~~تعالى في جميع أموره، فقال: " إي والله سرني؟ والله لقد سر آبائي، والله
~~لقد سر أمير المؤمنين، والله لقد سر رسول الله صلى الله عليه وآله، والله
~~لقد سر الله في عرشه " (2).
# تم الحديث والحمد لله رب العالمين.
# روي أن رجلا كتب إلى رجل من ولاة العراق، يشفع في الفرزدق وقد طلبه فهرب
~~منه:
# أما بعد، فإن هذا البطن من قريش، قد غرسوا شجرة الحلم فتفرعت أغصانها عن
~~الكرم والعلم والصدق والوفاء، ثم اجتنى كل منهم من ذلك على عظم قدره وعلو
~~همته، وإنك أطولهم باعا، وأحسنهم عمودا، وأجزلهم وفودا، ولو قلت: إن لك
~~ثلثي ذلك الفضل لكان، بل لك ذلك كله، لأنك أهله ومعدنه، وفيه غرس أصلك،
~~وعليه تفرع فرعك، وعليه تهدلت غصونه.
# وبعد، فلولا عظم جرم الفرزدق، لم يضق عنه حلمك على عظمه، وسعة صدرك، وكبر
~~صبرك، وكظم غيظك، لكني أحسبك أردت بإخافته تأديب رعيتك، كيما لا يجتروا على
~~ارتكاب ذنب طمعا في العفو، ولنعم مؤدب الرعية وسائسها أنت، وإنما يذهب
~~الغيظ الظفر، والحقد الحلم، ويطيب ms200 النفس الرغبة في ثواب ذلك، وقد
# PageV00P290
# قال الله سبحانه: ﴿وليعفوا وليصفحوا
~~ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس
~~والله يحب المحسنين﴾ (2) وقد ظفرت به، وذل لك مطلبه، واستخذى (3) إليك
~~طمعا في عفوك، ورجاء لحلمك، والحلم والكرم والعفو والصفح خلق قرشي، وسجال
~~هاشمي، وحلة يلبسها البر الكريم جميلة، وقد أوطأته ربعك الفسيح، وجنابك
~~السميح، وضمنت له عليك الوفاء، حتى يرد كتابك بذلك إن شاء الله تعالى.
# فلما قرأه كتب إليه: أما ما ذكرت من حسن وخير وجميل، ووصفت من كرم، فأنت
~~المقدم فيه والسابق إليه، بل أنت أصله، وبك يصح معناه، وما ذكرت من أمر
~~الرعية، فإنه كذلك لأن الليث لا يفرق إن لم يفترس، وبالمهابة يمكن الجموح
~~من عنانه، ولقد أحسن لنفسه الصنيعة إذ لجأ إليك، وإنما هرب ليعلم أنه خطر
~~بالبال، وقد أردت أن يبين طريدا شريدا، لا يطعم الغمض، ولا يأمن من الخوف،
~~حتى ورد كتابك شافعا فيه، فأمانك أماني، وعفوك عفوي، وأمرك أمري، فإني لا
~~أخيف من آمنته، ولا أرهب من أجرته ومنتك في الطلب إلينا العفو عنه، أفضل
~~وأعظم من منتنا بإسعافك بالإجابة إلى ما سألت، أدام الله نعمتك وسلامتك.
# وروي عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه
~~وآله وسلم، أنه قال: يأتي على الناس زمان إذا سمعت باسم رجل خير من أن
~~تلقاه، فإذا لقيته خير من أن تجربه، ولو جربته أظهر لك أحوالا، دينهم
~~دراهمهم، وهمتهم بطونهم، وقبلتهم نساؤهم، يركعون للرغيف، ويسجدون للدرهم،
~~حيارى سكارى، لا مسلمين ولا نصارى " (4).
# من كلام العباس بن عبد المطلب رحمه الله وقد جاءه أبو سفيان والزبير،
~~فعرضا عليه النصرة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله فقال لهما: قد سمعنا
~~مقالتكما، فلا لقلة نستعين بكما، ولا لظنة نترك رأيكما، لكن لالتماس الحق،
~~فأمهلانا نراجع الفكر، فإن
# PageV00P291
# يكن لنا من الإثم ms201 مخرج، يصر بنا وبهم الأمر صرير الجندب (1)، ونمد أكفا
~~إلى المجد لا نقبضها أو تبلغ المدى، وإن تكن الأخرى، فلا لقلة في العدد،
~~ولا لوهن في العضد، والله لولا أن الإسلام قيد الفتك، لتدكدكت منا إليكم
~~جنادل صخر يسمع أصطكاكها من محل الأثيل (2).
# من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: " الكلمة أسيرة في وثاق صاحبها، فإذا
~~تكلم بها صار أسيرا في وثاقها ".
# وقال عليه السلام: " من كمال المرء تركه ما لا يجمل به، ومن حيائه أن لا
~~يلقي أحدا بما يكره، ومن عقله حسن رفقه، ومن أدبه علمه بما لا بد له منه،
~~ومن ورعه عفة بصره وعفة بطنه، ومن حسن خلقه كف أذاه، ومن سخائه بره بمن يجب
~~حقه، ومن كرمه إيثاره على نفسه، ومن صبره قلة شكواه، ومن عدله إنصافه من
~~نفسه، وتركه الغضب عند مخالفته، وقبوله للحق إذا بان له، ومن نصحه نهيه له
~~عن غيبتك، من حفظه جواره ستره لعيوب جيرانه، وتركه توبيخهم عند إساءتهم
~~إليه، ومن رفقه تركه المواقفة على الذنب بين يدي من يكبر المذنب وقوفه
~~عليه، ومن حسن صحبته إسقاطه عن صاحبه مؤونة أذاه، ومن صداقته كثرة موافقته،
~~ومن صلاحه شدة خوفه، ومن شكره معرفته بإحسان من أحسن إليه، ومن تواضعه
~~معرفته بقدره، ومن حكمته معرفته بذاته، ومن مخافته ذكره الآخرة بقلبه
~~ولسانه، ومن سلامته قلة تحفظه لعيوب غيره، وعنايته بإصلاح نفسه من عيوبه ".
# قال الصادق عليه السلام: " لا تتبع أخاك بعد القطيعة وقيعة فيه، فتسد
~~عليه طريق الرجوع إليك، فلعل التجارب ترده عليك " (3).
# من كلام الحسن بن علي عليهما السلام لأصحابه بعد وفاة أبيه، وقد خطب عليه
~~السلام فحمد الله وأثنى عليه [ثم قال] (4):
# " أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلة ولا قلة، ولكن كنا نقاتلهم
~~بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم تتوجهون
~~معنا
# PageV00P292
# ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم، فكنا لكم وكنتم
~~لنا، وقد صرتم اليوم علينا، ثم أصبحتم تعدون قتيلين: قتيلا بصفين تبكون
~~عليه، ms202 وقتيلا بالنهروان تطلبون بثأره، فأما الباكي فخاذل، وأما الطالب
~~فتاثر.
# وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الحياة قبلناه
~~منه، وأغضضنا على القذى، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله وحاكمنا [إلى]
~~(1) الله ".
# فنادى القوم بأجمعهم: بل البقية والحياة (2).
# وقال صلى الله عليه وآله: " المجالس ثلاثة: غانم، وسالم، وشاحب، فأما
~~الغانم فالذي يذكر الله تعالى فيه، وأما السالم فالساكت، وأما الشاحب فالذي
~~يخوص في الباطل ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من
~~جليس السوء ".
# وقال عليه السلام: " إن الله يحب النظر النافذ عند مجئ الشبهات ".
# وقال عليه السلام: " المهاجر من هجر الخطايا والذنوب ".
# وقال عليه السلام: " من أخرجه الله من ذل المعاصي إلى عز التقوى، أغناه
~~الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا شرف، ومن زهد في الدنيا أنبت
~~الله تعالى الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره داءها ودواءها وعيوبها
~~".
# وقال صلى الله عليه وآله: " لا تلتمسوا الرزق ممن اكتسبه من ألسنة
~~الموازين ورؤوس المكاييل، ولكن من عند من فتحت عليه الدنيا " (3).
# وقال عليه السلام: " لا عيش إلا لرجلين: عالم ناطق، ومتعلم واع ".
# وقال عليه السلام: " إن للقلوب صدءا كصدأ النحاس، فاجلوها بالاستغفار،
~~وتلاوة القرآن ".
# وقال عليه السلام: " الزهد ليس بتحريم الحلال، ولكن أن يكون بما في يدي
~~الله أوثق منه بما في يديه ".
# PageV00P293
# وقال: " خلتان (1) لا تجتمعان في مؤمن: البخل، وسوء الظن بالرزق ".
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من أكثر الاستغفار، جعل الله له من
~~كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب ".
# وقال عليه السلام: " كلمة الحكمة يسمعها المؤمن، خير من عبادة سنة " (2).
# وقال: " خمس من أتى الله بهن - أو بواحدة منهن - وجبت له الجنة: من سقى
~~هامة صادية، أو حمل قدما حافية، أو أطعم كبدا جائعة، أو كسا جلدة عارية، أو
~~أعتق رقبة عانية " (3).
# وقال: " صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة
~~الرحم ms203 تزيد في العمر، وتدفع ميتة السوء، وتنفي الفقر، وتزيد في العمر، ومن
~~كف غضبه، وبسط رضاه، وبذل معروفه، ووصل رحمه، وأدى أمانته، أدخله الله
~~تعالى في النور الأعظم، ومن لم يتعز بعزاء الله، تقطعت نفسه حسرات، ومن لم
~~ير أن لله عنده نعمة إلا في مطعم ومشرب، قل علمه وكثر (4) جهله، ومن نظر
~~إلى ما في أيدي الناس طال حزنه ودام أسفه ".
# وقال: " حسن الخلق، وصلة الأرحام، وبر القرابة، تزيد في الأعمار، وتعمر
~~الديار، ولو كان القوم فجارا ".
# وقال: " إن الله يحب الأتقياء الأخفياء، الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا
~~غابوا لم يفتقدوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون (5) من كل غبراء مظلمة ".
# وقال: " الوحدة خير من قرين السوء، والحزم أن تستشير ذا الرأي وتطيع أمره
~~".
# وقال: " جاملوا الأشرار بأخلاقكم تسلموا من غوائلهم، وباينوهم بأعمالكم
~~كيلا تكونوا منهم ".
# وقال: " ولو أن المؤمن أقوم من قدح، لكان له من الناس غامز، واعلموا أنكم
~~لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ".
# PageV00P294
# وقال: " ما من أحد ولي شيئا من أمور المسلمين، فأراد الله به خيرا، إلا
~~جعل الله له وزيرا صالحا، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن هم بشر كفه
~~وزجره ".
# وقال: " إن الله يبغض البخيل في حياته، والسخي بعد وفاته ".
# وقال: " ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء
~~من قلب غافل ".
# وقال: " الأمل رحمة لأمتي، ولولا الأمل ما رضعت والدة ولدها، ولا غرس
~~غارس شجرا ".
# وقال: " إذا أشار عليك العاقل (1) الناصح فاقبل، وإياك والخلاف عليهم فإن
~~فيه الهلاك ".
# وعاد صلى الله عليه وآله رجلا من الأنصار فقال: " جعل الله ما مضى كفارة
~~وأجرا، وما بقي عافية وشكرا ".
# وقال: " خلتان لا تجتمعان (2) في مؤمن: الشح، وسوء الخلق ".
# وقال: " ويل للذين يجتلبون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من
~~لين ألسنتهم، كلامهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى:
~~أبي يغترون! أم علي يجترون! فوعزتي وجلالي، لأبعثن عليهم فتنة تذر الحليم
~~منهم حيران ".
# وكتب صلى الله عليه وآله إلى بعض ms204 أصحابه يعزيه: " أما بعد، فعظم الله -
~~جل اسمه - لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، إن أنفسنا وأموالنا
~~و أهلينا مواهب الله الهنيئة وعواريه المستردة، نمتع بها إلى أجل معدود،
~~ويقبضها لوقت معلوم، وقد جعل الله تعالى علينا الشكر إذا أعطى، والصبر إذا
~~ابتلى، وقد كان ابنك من مواهب الله تعالى، متعك به في غبطة وسرور، وقبضه
~~منك بأجر مذخور، أن صبرت واحتسبت، فلا تجمعن (3) أن يحبط جزعك أجرك، وأن
~~تندم غدا على ثواب مصيبتك، وإنك لو قدمت على ثوابها علمت أن المصيبة قد
~~قصرت عنها، واعلم أن الجزع لا يرد فائتا
# PageV00P295
# ولا يدفع حزن قضاء، فليذهب أسفك ما هو نازل بك مكان ابنك، والسلام " (١).
# وقال عليه السلام: " الشهوة داء، وعصيانها دواء ".
# وقال عليه السلام: " من أحسن عبادة الله في شبيبته، لقاه الله الحكمة عند
~~شيبته، قال الله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما) ثم قال
~~تعالى: ﴿وكذلك نجزي المحسنين﴾
~~(2) ".
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام يعزي قوما: " علكيم بالصبر، فإن به يأخذ
~~الحازم، وإليه يرجع الجازع ":.
# وقال عليه السلام: " أفضل رداء تردى به الحلم، فإن لم تكن حليما فتحلم،
~~فإنه من تشبه بقوم أوشك أن يكون منهم ".
# وقال عليه السلام: " الناس في الدنيا عاملان: عامل في الدنيا للدنيا، قد
~~شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلف الفقر، ويأمنه على نفسه، فيفني
~~عمره في منفعة غيره، وآخر عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه الذي له من
~~الدنيا بغير عمله، فأصبح ملكا لا يسأل الله تعالى شيئا فيمنعه ".
# وقال عليه السلام: " عجبت للبخيل الذي استعجل الفقر الذي منه هرب، وفاته
~~الغنى الذي إياه طلب، يعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب
~~الأغنياء.
# وعجبت للمتكبر الذي كان بالأمس نطفة وهو غدا جيفة، وعجبت لمن شك في الله
~~وهو يرى خلق الله، وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى من يموت، وعجبت لمن أنكر
~~النشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى، وعجبت لعامر الدنيا - دار الفناء ms205 -
~~وهو نازل دار البقاء ".
# وقال عليه السالم: " الفقيه كل الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله،
~~ولا يؤمنهم من مكر الله، ولا يؤيسهم من روح الله، ولا يرخص لهم في معاصي
~~الله ".
# PageV00P296
# من كلام الإمام الزكي أبي محمد الحسن بن علي عليهم السلام قال: " المصائب
~~مفاتيح الأجر ".
# وقال عليه السلام: " تجهل النعم ما أقامت، فإذا ولت عرفت ".
# وقال: " إذا سمعت أحدا يتناول أعراض الناس، فاجهد أن لا يعرفك، فإن أشقى
~~الناس به معارفه ".
# وقال: " عليكم بالفكر، فإنه حياة قلب البصير، ومفاتيح أبواب الحكمة ".
# وقال: " أوسع ما يكون الكريم بالمغفرة إذا ضاقت بالمذنب المعذرة ".
# وقيل له عليه السلام: فيك عظمة، قال: " لا، بل في عزة، قال الله تعالى:
~~﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾
~~(1) ".
# قال: " صاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به ".
# وكان يقول: " ابن آدم: إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، فخذ
~~مما في يديك لما بين يديك، فإن المؤمن يتزود، والكافر يتمتع، وكان يتلو (2)
~~مع هذه الموعظة: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) " (3) (4).
# * * *
# PageV00P297
# ومن كلام الحسين عليه السلام قال عليه السلام: " اعلموا أن حوائج الناس
~~إليكم، من نعم الله عليكم، فلا تعلموا النعم فتتحول إلى غيركم، واعلموا أن
~~المعروف مكسب حمدا، ومعقب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا لرأيتموه حسنا
~~جميلا، يسر الناظرين ويفوق العالمين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا (1)
~~قبيحا مشوما (2)، تنفر منه القلوب، وتغض دونه الأبصار، ومن نفس كربة مؤمن
~~فرج الله تعالى عنه كرب الدنيا والآخرة، ومن أحسن أحسن الله إليه، والله
~~يحب المحسنين ".
# وتذاكروا العقل عند معاوية، فقال الحسين عليه السلام: " لا يكمل العقل
~~إلا باتباع الحق ".
# فقال معاوية: ما في صدوركم إلا شئ واحد.
# وقال عليه السلام: " لا تصفن لملك دواء، فإن نفعه لم يحمدك، وإن ضره
~~اتهمك ".
# وقال عليه السلام: " رب ذنب أحسن من الاعتذار منه ".
# وقال: " مالك إن يكن لك كنت له منفقا، فلا تبقه بعدك فيكن ذخيرة لغيرك،
~~وتكون أنت المطالب به المأخوذ ms206 بحسابه واعلم أنك لا تبقى له، ولا يبقى عليك،
~~فكله قبل أن يأكلك ".
# وكان عليه السلام يرتجز يوم قتل ويقول:
# الموت خير من ركوب العار * والعار خير من دخول النار والله ما هذا وهذا
~~جاري وقال: " العلم لقاح المعرفة، وطول التجارب زيادة في العقل، والشرف
~~التقوى، والنقوع راحة الأبدان، ومن أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك ".
# وقال: " من أحجم عن الرأي وعييت به الحيل، كان الرفق مفتاحه " (3).
# PageV00P298
# من كلام علي بن الحسين عليه السلام " لا يهلك مؤمن بين ثلاث خصال: شهادة
~~ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~وسعة رحمة الله ".
# وقال عليه السلام: " خف الله تعالى لقدرته عليك، واستحي منه لقربه منك "
~~وقال عليه السلام: " لا تعادين أحدا وإن ظننت بأنه لا يضرك، ولا تزهدن في
~~صداقة أحد وإن ظننت أنه لا ينفعك، فإنه لا تدري متى تخاف عدوك، ومتى ترجو
~~صديقك ".
# " وإذا صليت فصل صلاة مودع ".
# وقال عليه السلام [في] (1) جواب من قال: إن معاوية يسكته الحلم وينطقه
~~العلم، فقال: " بل كان يسكته الحصر (2) وينطقه البطر ".
# وقال عليه السلام: " لكل شئ فاكهة، وفاكهة السمع الكلام الحسن ".
# وقال عليه السلام: " من رمى الناس بما فيهم، رموه بما ليس فيه، ومن لم
~~يعرف داءه أفسده دواءه ".
# وقال عليه السلام: " سبب الرفعة التواضع ".
# وقد قيل: التواضع مصائد الشرف.
# وقال عليه السلام لولده محمد الباقر عليه السلام: " كف الأذى، وافض الندى
~~(3)، واستعن على الكلام بالسكوت، فإن للقول حالات تضر، فاحذر الأحمق ".
# وقال: " لا تمتنع من ترك القبيح وإن كنت قد عرفت به، ولا تزهد في مراجعة
~~الجميل (4) وإن كنت قد شهرت بخلافه، وإياك والرضا بالذنب، فإنه أعظم من
~~ركوبه، والشرف في التواضع، والغنى في القناعة ".
# PageV00P299
# وقال: " ما استغنى أحد بالله، إلا افتقر الناس إليه ".
# وقال: " خير مفاتيح الأمور الصدق، وخير خواتيمها الوفاء ".
# وقال: " كل عين ساهرة يوم القيامة، إلا ثلاث عيون: عين سهرت في سبيل
~~الله، وعين غضت عن محارم الله، وعين فاضت من خشية ms207 الله ".
# وقال صلى الله عليه وآله: " الكريم يبتهج بفضله، واللئيم يفخر بملكه ".
# وقال عليه السلام: " إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب النار ".
# وقال عليه السلام: " من اتكل على حسن اختيار الله عز وجل له، لم يتمن أنه
~~في حال غير الحال التي اختارها الله له ".
# قيل: تشاجر هو وبعض الناس في مسألة من الفقه، فقال عليه السلام: " يا
~~هذا، إنك لو صرت إلى منازلنا لأريناك آثار جبرئيل عليه السلام في رحالنا،
~~أفيكون أحد أعلم بالسنة منا!؟ ".
# وكان عليه السلام إذا صلى تبرز إلى مكان خشن، يتخفى ويصلي فيه، وكان كثير
~~البكاء.
# قال: فخرج يوما في حر شديد إلى الجبان (1) ليصلي فيه، فتبعه مولى له، وهو
~~ساجد على الحجارة - وهي خشنة حارة - وهو يبكي، فجلس مولاه حتى فرغ، فرفع
~~رأسه وكأنه قد غمس رأسه ووجهه في الماء من كثرة الدموع، فقال له مولاه: يا
~~مولاي، أما آن لحزنك أن ينقضي؟ فقال: " ويحك، إن يعقوب نبي ابن نبي كان له
~~اثنا عشر ولدا، فغيب عنه واحد منهم، فبكى حتى ذهب بصره، واحد ودب ظهره،
~~وشاب رأسه من الغم، وكان ابنه حيا يرجو لقاءه، وأنا رأيت أبي وأخي وأعمامي
~~وبني عمي - ثمانية عشر - مقتلين صرعى تسفي عليهم الريح، فكيف ينقضي حزني
~~وترقأ عبرتي!؟ " (2).
# PageV00P300
# من كلام محمد بن علي الباقر عليه السلام قال: " كن لما لا ترجو، أرجى منك
~~لما ترجو، فإن موسى عليه السلام خرج ليقتبس نارا فرجع نبيا مرسلا ".
# وقال لبعض شيعته: " إنا لا نغني عنكم من الله شيئا إلا بالورع، وإن ولا
~~يتنا لا تدرك إلا بالعمل، وإن أشد الناس يوم القيامة حسرة من وصف عدلا وأتى
~~جورا ".
# وقال عليه السلام: " إذا علم الله تعالى حسن نية من أحد، اكتنفه بالعصمة
~~".
# وقال عليه السلام: " صانع المنافق بلسانك، وأخلص ودك للمؤمنين، وإن جالسك
~~يهودي فأحسن مجالسته ".
# وقال عليه السلام: " الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وتركك
~~حديثا لم تروه، خير من روايتك حديثا لم تحصه، إن على كل حق نورا، وما ms208 خالف
~~كتاب الله فدعوه، إن أسرع الخير ثوابا البر، وإن أسرع الشر عقوبة البغي،
~~وكفى بالمرء عيبا أن ينظر إلى ما يعمى عنه من نفسه، ويعير الناس بما لا
~~يتقيه عن نفسه، أو يتكلم بكلام لا يعنيه ".
# وقال: " من عمل بما يعلم، علمه الله ما لا يعلم ".
# واجتمع عنده جماعة من بني هاشم وغيرهم، فقال لهم: " اتقوا الله - شيعة آل
~~محمد - وكونوا الفرقة (1) الوسطى، يرجع إليكم الغالي، ويلحق بكم التالي ".
# قالوا له: وما الغالي؟.
# قال: " الذي يقول فينا، ما لا نقوله في أنفسنا " قالوا: وما التالي؟
# قال: " الذي يطلب الخير فتزيدونه (2) خيرا، إنه والله ما بيننا وبين الله
~~من قرابة، ولا لنا عليه حجة، ولا يتقرب إلى الله إلا بالطاعة، فمن كان منكم
~~مطيعا لله يعمل بطاعته، نفعته ولا يتنا - أهل البيت - ومن كان منكم عاصيا
~~لله يعمل بمعاصيه
# PageV00P301
# لم تنفعه ولايتنا، ويحكم لا تغتروا، ويحكم لا تغتروا، ويحكم لا تغتروا ".
# وقال لبعض شيعته، وقد أراد سفرا فقال له: أوصني.
# فقال: " لا تسيرن شبرا وأنت حاف، ولا تنزلن عن دابتك ليلا إلا ورجلاك في
~~خف، ولا تبولن في نفق، ولا تذوقن بقلة ولا تشمها حتى تعلم ما هي، ولا تشرب
~~من سقاء حتى تعرف ما فيه، ولا تسيرن إلا مع من تعرف، واحذر من [لا] (1)
~~تعرف ".
# وقيل له: من أعظم الناس قدرا؟ فقال: " من لا يبالي في يد من كانت الدنيا
~~".
# وقال عليه السلام: " تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة، وطلبه عبادة،
~~ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه صدقة، وبذله لأهله قربة، والعلم
~~ثمار الجنة، وأنس في الوحشة، وصاحب في الغربة، ورفيق في الخلوة، ودليل على
~~السراء، وعون على الضراء، ودين عند الأخلاء، وسلاح عند الأعداء، يرفع الله
~~به قوما فيجعلهم في الخير سادة وللناس أئمة، يقتدى بفعالهم، وتقتص آثارهم،
~~ويصلي عليكم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه " (2).
# PageV00P302
# ومن كلام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام " المؤمن يداري ولا يماري ".
# وقال عليه السلام: " من اعتدل يوماه فهو مغبون، ms209 ومن كان في غده شرا من
~~يومه فهو مفتون، ومن لم يتفقد النقصان في نفسه دام نقصه، ومن دام نقصه
~~فالموت خير له، ومن أذنب من غير عمد كان للعفو أهلا ".
# وقال عليه السلام: " اطلبوا التعلم ولو بخوض اللجج وشق المهج ".
# وقال عليه السلام: " لجاهل سخي، خير من ناسك بخيل ".
# وسئل عليه السلام عن التواضع، فقال: " هو أن ترضى من المجلس بدون شرفك،
~~وأن تسلم على من لقيت، وأن تترك المراء وإن كنت محقا ".
# وقال عليه السلام: " إذا رق (1) العرض استصعب جمعه ".
# وقال صلى الله عليه: " المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه من حق، وإذا رضي لم
~~يدخله رضاه في باطل، والذي إذا قدر لم يأخذ أكثر من مما له (2) " وقال عليه
~~السلام: " كتاب الله عز وجل [على] (3) أربعة أشياء على العبارة، والإشارة،
~~واللطائف، والحقائق، فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء،
~~والحقائق للأنبياء عليهم السلام ".
# وقال عليه السلام: " من سأل فوق قدره استحق الحرمان ".
# وقال عليه السلام: " من أكرمك فأكرمه، ومن استخفك فأكرم نفسك عنه ".
# وقال عليه السلام: " من أخلاق الجاهل الإجابة قبل أن يسمع، والمعارضة قبل
~~أن يفهم، والحكم بما لا يعلم ".
# وقال عليه السلام: " سرك من دمك، فلا تجريه في غير أوداجك ".
# وقال عليه السلام: " صدرك أوسع لسرك ".
# وقال عليه السلام: " أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس
# PageV00P303
# عقلا من ظلم من دونه ولم يصفح عمن اعتذر إليه، والقادر على الشئ سلطان ".
# وقال عليه السلام: " المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل ".
# وقال عليه السلام: " لا تشر على المستبد برأيه ".
# وقال عليه السلام: " إن القلب يحيا ويموت، فإذا حيي فأدبه بالتطوع، وإذا
~~مات فاقصره على الفرائض ".
# وقال عليه السلام: " لا تحدث من تخاف أن يكذبك، ولا تسأل من تخاف أن
~~يمنعك، ولا تثق في من تخاف أن يغدر بك، ومن لم يؤاخ إلا من لا عيب فيه قل
~~صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بإيثاره له على نفسه دام سخطه، ومن عاتب
~~على كل ذنب كثر تعتبه ms210 " (١).
# وقال عليه السلام: " من عذب لسانه زكا عقله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه،
~~ومن حسن بره بأهله زيد في عمره ".
# وقال عليه السلام: " إن الزهاد في الدنيا نور الجلال عليهم، وأثر الخدمة
~~بين أعينهم، وكيف لا يكونون كذلك؟ وإن الرجل لينقطع إلى بعض ملوك الدنيا،
~~فيرى عليه أثره، فكيف بمن ينقطع إلى الله تعالى، لا يرى أثره عليه!؟ " وقال
~~عليه السلام: " صلة الرحم تهون الحساب يوم القيامة، قال الله تعالى:
# ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل
~~ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب﴾ (2) " (3).
# PageV00P304
# من كلام مولانا موسى بن جعفر عليه السلام قال عليه السلام: " أولى العلم
~~بك ما لا يصلح لك العمل إلا به (1)، وأوجب العمل عليك ما أنت مسؤول عن
~~العمل به، وألزم العلم لك ما دلك على صلاح قلبك، وأظهر لك فساده، وأحمد
~~العلم عاقبة ما زاد في عملك العاجل، فلا تشتغلن بعلم ما لا يضرك جهله، ولا
~~تغفلن عن علم ما يزيد في جهلك تركه ".
# وقال عليه السلام: " لو ظهرت الآجال، افتضحت الآمال ".
# وقال عليه السلام: " من لم يكن له من نفسه واعظ، تمكن منه عدوه " يعني
~~السلطان.
# وقال عليه السلام: " من أتى إلى أخيه مكروها فبنفسه بدأ ".
# وقال عليه السلام: " من لم يجد للإساءة مضضا، لم يكن عنده للإحسان موقع
~~".
# وقال عبد المؤمن الأنصاري: دخلت على الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر عليه
~~السلام، وعنده محمد بن عبد الله الجعفري، فتبسمت إليه، فقال: " أتحبه؟ "
~~فقلت: نعم، وما أحببته إلا لكم. فقال عليه السلام: " هو أخوك، والمؤمن أخو
~~المؤمن لأمه ولأبيه وإن لم يلده أبوه، ملعون من اتهم أخاه، ملعون من غش
~~أخاه، ملعون من لم ينصح أخاه، ملعون من اغتاب أخاه ".
# وقال عليه السلام: " ما تساب اثنان إلا انحط الأعلى إلى مرتبة الأسفل ".
# وقدم على الرشيد رجل من الأنصار يقال له: (نفيع) وكان عريفا، فحضر يوما
~~بباب الرشيد، وتبعه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وحضر موسى بن جعفر ms211
~~عليه السلام على حمار له، فتلقاه الحاجب بالإكرام والإجلال، وأعظمه من كان
~~هناك، وعجل له الإذن، فقال نفيع لعبد العزيز: من هذا الشيخ؟ فقال له: أفما
~~تعرفه؟ هذا شيخ آل أبي طالب، هذا موسى بن جعفر عليه السلام. فقال نفيع: ما
~~رأيت أعجب من هؤلاء القوم! يفعلون هذا برجل لو يقدر على زوالهم عن السرير
~~لفعل، أما إن خرج لأسوأنه، فقال له عبد العزيز: لا تفعل، فإن هؤلاء أهل بيت
~~قل ما تعرض لهم
# PageV00P305
# أحد بخطاب، إلا وسموه في الجواب سمة يبقى عارها عليه مدى (1) الدهر.
# وخرج موسى عليه السلام، فقام إليه نفيع فأخذ بلجام حماره، ثم قال له: من
~~أنت؟ قال: " يا هذا، إن كنت تريد النسب، فإنا ابن محمد حبيب الله بن
~~إسماعيل ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، وإن كنت تريد البلد فهو الذي فرض
~~الله عز وجل عليك وعلى المسلمين - إن كنت منهم - الحج إليه، وإن كنت تريد
~~المفاخرة فوالله ما رضي [مشركي] (2) قومي مسلمي قومك أكفاء لهم، حتى قالوا:
~~يا محمد، أخرج لنا أكفاءنا من قريش. خل عن الحمار " فخلى عنه ويده ترعد،
~~وانصرف بخزي، فقال له عبد العزيز: ألم أقل لك؟
# وقيل: حج الرشيد فلقيه موسى على بغلة له، فقال له الرشيد: مثلك في حسبك
~~ونسبك وتقدمك يلقاني على بغلة، فقال: " تطأطأت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن
~~ذلة الحمير " (3).
# PageV00P306
# من كلام الرضا عليه السلام " من رضي من (١) الله تعالى بالقليل من الرزق،
~~رضي الله عنه بالقليل من العمل ".
# وقال عليه السلام: " من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن نسب إليه ما نهى
~~عنه فهو كافر ".
# وقال عليه السلام: لا يسلك طريق القناعة إلا رجلان: إما متعبد يريد أجر
~~الآخرة، أو كريم يتنزه عن لئا؟؟؟ الناس ".
# وقال عليه السلام: " الاسترسال بالأنس يذهب المهابة ".
# وقال: " من صدق الناس كرهوه ".
# وقال عليه السلام للحسن بن سهل، وقد عزاه بموت ولده: " التهنئة بآجل
~~الثواب، أولى من التعزية على عاجل المصيبة ".
# وقال عليه السلام: " إن للقلوب إقبالا وإدبارا ونشاطا ms212 وفتورا، فإذا أقبلت
~~بصرت وفهمت، وإذا أدبرت كلت وملت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها
~~عند إدبارها وفتورها ".
# وقال عليه السلام للحسن بن سهل، وقد سأله عن صفة الزاهد، فقال عليه
~~السلام: " متبلغ بدون قوته، مستعد ليوم موته، متبرم بحياته ".
# وقال عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ (2) فقال: " عفو من غير عقوبة،
~~ولا تعنيف، ولا عتب ".
# وأتي المأمون برجل يريد أن يقتله، والرضا عليه السلام جالس، فقال: ما
~~تقول يا أبا الحسن؟ فقال عليه السلام: " إن الله تعالى لا يزيدك بحسن العفو
~~إلا عزا " فعفا عنه.
# وسئل عليه السلام عن المشيئة والإرادة، قال: " المشيئة: الاهتمام بالشئ،
~~والإرداة: إتمام ذلك الشئ ".
# PageV00P307
# وقال عليه السلام: " الأجل آفة الأمل، والعرف ذخيرة الأبد، والبر غنيمة
~~الحازم، والتفريط مصيبة ذوي القدرة، والبخل يمزق العرض، والحب داعي
~~المكاره، وأجل الخلائق وأكرمها اصطناع المعروف، وإعانة (1) الملهوف، وتحقيق
~~أمل الآمل، وتصديق مخيلة (2) الراجي، والاستكثار من الأصدقاء في الحياة،
~~يكثر الباكين بعد الوفاة " (3).
# PageV00P308
# من كلام أبي جعفر محمد بن علي الجواد عليهما السلام قال عليه السلام: "
~~كيف يضيع من الله كافله؟ وكيف ينجو من الله طالبه؟
# ومن انقطع إلى غير الله وكله الله إليه، ومن عمل على غير علم أفسد أكثر
~~مما يصلح ".
# وقال عليه السلام: " من أطاع هواه أعطى عدوه مناه ".
# وقال عليه السلام: " من هجر المداراة قارنه المكروه، ومن لم يعرف الموارد
~~أعيته المصادر، ومن انقاد إلى الطمأنينة قبل الخبرة فقد عرض نفسه للهلكة
~~وللعاقبة المتعبة ".
# وقال عليه السلام: " قد عاداك من ستر عنك الرشد اتباعا لما تهواه ".
# وقال عليه السلام: " راكب الشهوات لا تقال عثرته ".
# وقال عليه السلام: " الثقة بالله تعالى ثمن لكل غال، وسلم إلى كل عال ".
# وقال عليه السلام: " إياك ومصاحبة الشرير، فإنه كالسيف: يحسن منظره،
~~ويقبح أثره ".
# وقال عليه السلام: " الحوائج تطلب بالرجاء، وهي تنزل بالقضاء، والعافية
~~أحسن عطاء ".
# وقال عليه السلام: " إذا نزل القضاء ضاق الفضاء ".
# وقال عليه السلام: " لا تعاد أحدا حتى تعرف الذي ms213 بينه وبين الله تعالى،
~~فإن كان محسنا لا يسلمه إليك، وإن كان مسيئا فإن علمك به يكفيكه فلا تعاده
~~".
# وقال عليه السلام: " لا تكن وليا لله تعالى في العلانية عدوا له في السر
~~".
# وقال عليه السلام: " التحفظ على قدر الخوف ".
# وقال عليه السلام: " عز المؤمن في غناه عن الناس ".
# وقال عليه السلام: " نعمة لا تشكر كسيئة لا تغفر ".
# وقال عليه السلام: " لا يضرك سخط من رضاه الجور ".
# وقال عليه السلام: " من لم يرض من أخيه بحسن النية، لم يرض منه
~~PageV00P309
# بالعطية ".
# وقال عليه السلام: " الأيام تهتك لك الأمر عن الأسرار الكامنة ".
# وقال عليه السلام: " تعز عن الشئ إذا ضيعته، لقلة صحبته إذا أعطيته "
~~(1).
# PageV00P310
# من كلام الإمام أبي الحسن علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام " من رضي عن
~~نفسه، كثر الساخطون عليه ".
# وقال عليه السلام: " المقادير تريك ما لم يخطر ببالك ".
# وقال عليه السلام: " من أقبل مع أمر، ولى مع انقضائه ".
# وقال عليه السلام: " راكب الحرون (1) أسير نفسه، والجاهل أسير لسانه ".
# وقال عليه السلام: " الناس في الدنيا بالأموال، وفي الآخرة بالأعمال ".
# وقال عليه السلام: " المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحلل العقدة الوثيقة،
~~وأقل ما فيه أن تكون فيه المغالبة، والمغالبة أس أسباب القطيعة ".
# وقال عليه لسلام: " العتاب مفتاح المقال، والعتاب خير من الحقد ".
# وقال عليه السلام: " المصيبة للصابر واحدة، وللجازع اثنتان ".
# وقال يحيى بن عبد الحميد: سمعت أبا الحسن عليه السلام، يقول لرجل ذم إليه
~~ولدا له فقال: " العقوق ثكل من لم يثكل ".
# وقال عليه السلام: " الهزل فكاهة السفهاء، وصناعة الجهال ".
# وقال عليه السلام في بعض مواعظه: " السهر ألذ للمنام، والجوع يزيد في طيب
~~الطعام " يريد به الحث على قيام الليل وصيام النهار.
# وقال عليه السلام: " اذكر مصرعك بين يدي أهلك، ولا طبيب يمنعك، ولا حبيب
~~ينفعك ".
# وقال عليه لسلام: " اذكر حسرات التفريط تأخذ بقديم الحزم ".
# وقال عليه السلام: " الغضب على من لا تملك عجز، وعلى من تملك لؤم ".
# وقال عليه السلام: " الحكمة لا تنجع في الطباع الفاسدة ".
# وقال عليه السلام: ms214 " خير من الخير فاعله، وأجمل من الجميل قائله، وأرجح
~~من العلم حامله، وشر من السوء جالبه، وأهول من الهول راكبه ".
# وقال عليه السلام: " إياك والحسد، فإنه يبين فيك، ولا يعمل في عدوك ".
# PageV00P311
# وقال عليه السلام: " إذا كان زمان، العدل فيه أغلب من الجور، فحرام أن
~~تظن بأحد سوءا حتى يعلم ذلك منه، وإذا كان زمان الجور أغلب فيه من العدل،
~~فليس لأحد أن يظن بأحد خيرا ما لم يعلم ذلك منه ".
# وقال للمتوكل جواب كلام دار بينهما: " لا تطلب الصفاء ممن كدرت عليه، ولا
~~الوفاء ممن غدرت به، ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك إليه، فإنما قلب غيرك [لك]
~~(1) كقلبك له ".
# وقال له وقد سأله عن العباس (2): ما تقول بنو أبيك فيه؟ فقال: " ما
~~يقولون في رجل فرض الله طاعته على الخلق، وفرض طاعة العباس عليه ".
# وقال: " ألقوا النعم بحسن مجاورتها، والتمسوا الزيادة فيها بالشكر عليها،
~~واعلموا أن النفس أقبل شي لما أعطيت، وأمنع شئ لما منعت " (3).
# PageV00P312
# من كلام أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام قال: " من مدح غير المستحق،
~~فقد قام مقام المتهم ".
# وقال: " لا يعرف النعمة إلا الشاكر، ولا يشكر النعمة إلا العارف ".
# وقال عليه السلام: " ادفع المسألة ما وجدت التحمل يمكنك، فإن لكل يوم
~~رزقا جديدا، واعلم أن الإلحاح في المطالب، يسلب البهاء، ويورث التعب
~~والعناء، فاصبر حتى يفتح الله لك بابا يسهل الدخول فيه، فما أقرب الصنيع من
~~الملهوف، والأمن من الهارب المخوف، فربما كانت الغير نوع من أدب الله،
~~والحظوظ مراتب، فلا تعجل على ثمره لم تدرك، فإنما تنالها في أوانها.
# واعلم أن المدبر لك أعلم بالوقت الذي يصلح حالك فيه، فثق بخيرته في جميع
~~أمورك يصلح حالك، فلا تعجل بحوائجك قبل وقتها، فضيق قلبك وصدرك ويغشاك
~~القنوط.
# واعلم أن للسخاء (1) مقدارا، فإن زاد عليه فهو سرف، وأن للحزم مقدارا،
~~فإن زاد عليه فهو تهور، واحذر كل ذكي ساكن الطرف، ولو عقل أهل الدنيا خربت
~~".
# وقال: " خير إخوانك من نسي ذنبك، وذكر إحسانك إليه ".
# وقال: ms215 " أضعف الأعداء كيدا من أظهر عداوته ".
# وقال: " حسن الصورة جمال ظاهر، وحسن العقل جمال باطن ".
# وقال: " أولى الناس بالمحبة منهم من أملوه ".
# وقال عليه السلام: " من أنس بالله استوحش من الناس، وعلامة الأنس بالله
~~الوحشة من الناس ".
# وقال عليه السلام: " جعلت الخبائث في بيت، والكذب مفاتيحها ".
# وقال: " إذا نشطت القلوب فأودعوها، وإذا نفرت فودعوها ".
# وقال: " اللحاق بمن ترجو خير من المقام مع من لا تأمن شره ".
# وقال: " الجهل خصم، والحلم حكم، ولم يعرف راحة القلب (2) من لم يجرعه
# PageV00P313
# الحلم غصص الصبر والغيظ ".
# وقال: " من ركب ظهر الباطل نزل به دار الندامة ".
# وقال: " المقادير الغالبة لا تدفع بالمغالبة، والأرزاق المكتوبة لا تنال
~~بالشره، ولا تدفع بالإمساك عنها ".
# وقال: نائل الكريم يحببك إليه، ويقربك منه، ونائل اللئيم يباعدك منه
~~ويبغضك إليه ".
# وقال: " من كان الورع سجيته، والكرم طبيعته، والحلم خلته، كثر صديقه
~~والثناء إليه، وانتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه " (١).
# وقال جابر بن يزيد الجعفي: دخلت على أبي جعفر الباقر عليه السلام فقلت:
# أوصني يا ابن رسول الله.
# فقال: " ليعن قويكم ضعيفكم، وليعطف غنيكم على فقيركم، وليساعد ذو الجاه
~~منكم بجاهه من لا جاه له، ولينص الرجل أخاه كنصحه لنفسه، واكتموا أسراركم،
~~ولا تحملوا الناس على رقابنا، وانظروا أمرنا وما جاءكم عنا منه، فإن
~~وجدتموه موافق القرآن فهو من قولنا، وما لم يكن موافقا للقرآن، فقفوا عنده
~~وردوه إلينا، حتى نشرحه لكم كما شرح لنا ".
# روى عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام، أنه قال: " قال رسول الله
~~صلى الله عليه وآله: أوحى الله إلى نبي من أنبيائه: ابن آدم، اذكرني عند
~~غضبك أذكرك عند غضبي، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري
~~لك، فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك.
# واعلم أن الخلق الحسن يذيب السيئة كما تذيب الشمس الجليد، وأن الخلق السئ
~~يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ".
# وفي التوراة مكتوب: من يظلم يخرب بيته، وفي الإنجيل: ظالمون لا فالحون،
~~ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا﴾ (2) وقيل: إذا ظلمت من
~~دونك عاقبك من فوقك.
# PageV00P314
# وقال رسول الله صلى الله عليه آله: " من ولي من أمور أمتي شيئا فحسنت
~~سيرته، رزقه الله الهيبة في قلوبهم، ومن بسط كفه إليهم بالمعروف، رزقه الله
~~المحبة منهم، ومن كف عن أموالهم وفر الله ماله، ومن أخذ للمظلوم من الظالم
~~كان معي في الجنة مصاحبا، ومن كثر عفوه مد في عمره، ومن عم عدله نصر على
~~عدوه، ومن خرج من ذل المعصية إلى عز الطاعة، آنسه الله بغير أنيس، وأعزه
~~بغير عشيرة، وأعانه بغير مال ".
# وقال عليه السلام وآله: " إن الله يمهل الظالم حتى يقول: قد أهملني، ثم
~~يأخذه أخذة رابية، إن الله حمد نفسه عند هلاك الظالمين فقال: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد
~~لله رب العالمين﴾ (1) ".
# PageV00P315
# ومن كلام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام جاء في الحديث أن الحسن
~~البصري كتب إلى الحسن عليه السلام: أما بعد، فإنكم - معاشر بني هاشم -
~~الفلك الجارية في اللجج الغامرة، مصابيح الدجى، وأعلام الهدى، والعروة
~~الوثقى، والأئمة القادة، الذين من تبعهم نجا، ومن تخلف عنهم هوى، والسفينة
~~التي بركوبها ينجو المؤمنون، ويعتصم بها المستمسكون.
# أما بعد: فقد كثر - يا ابن رسول الله - عندنا الكلام في القضاء والقدر،
~~واختلافنا في الاستطاعة، فتعلمنا ما ترى عليه رأيك ورأي آبائك، فإنكم ذرية
~~بعضها من بعض، من علم الله علمتم، وهو الشاهد عليكم، وأنتم الشهداء على
~~الناس، والسلام.
# فأجابه الحسن عليه السلام: " أما بعد، فقد انتهى إلي كتابك عند حيرتك
~~وحيرة من زعمت من أمتنا، وكيف ترجعون إلينا وأنتم بالقول دون الفعل! واعلم
~~أنه لولا ما انتهى إلي من حيرتك وحيرة الأمة قبلك، لأمسكت عن الجواب، ولكني
~~الناصح ابن الناصح الأمين.
# واعلم أن الذي أنا عليه، أنه من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فقد كفر، ومن
~~حمل المعاصي على الله عز وجل فقد فجر، إن الله سبحانه لا يطاع بإكراه ولا ms217
~~يعصى بغلبة، ولا أهمل العباد من الملكة، ولكنه عز وجل المالك لما ملكهم،
~~والقادر على ما عليه أقدرهم، فإن ائتمروا بالمعصية فشاء سبحانه أن يمن
~~عليهم فيحول بينهم وبينها فعل، فإن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها
~~إجبارا ولا ألزمهم بها إكراها، بل الحجة له عليهم أن عرفهم، وجعل لهم السبل
~~إلى فعل ما دعاهم إليه وترك ما نهاهم عنه، ولله الحجة البالغة على جميع
~~خلقه ".
# وروي أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج: تكتب إلى علماء أهل البصرة،
~~يكتبون إليك بما عندهم في القضاء والقدر، فجاءته منهم أربعة أجوبة:
# الجواب الأول من الحسن البصري: ليس عندي في ذلك شئ أبلغ من قول علي عليه
~~السلام: " أيأمر بالعدل ويخالفه! وينهى عن المنكر ويؤالفه! أفلا افترى عليه
~~من هو بهذا واصفه!؟ " الجواب الثاني من واصل بن عطاء: لا أجد في ذلك كلاما
~~خيرا مما قاله علي ابن أبي طالب: " أدلك على الطريق، ولزم عليك المضيق! إن
~~هذا بالحكمة لا يليق ". PageV00P316
# الجواب الثالث من عمرو بن عبيد قال: ليس عندي شئ في ذلك أتم حكمة من قول
~~علي بن أبي طالب: " إذا كان الوزر في الأصل محتوما، كان الوازر في القصاص
~~مظلوما ".
# الجواب الرابع من عامر الشعبي قال: ليس عندي شئ في ذلك أصوب من قول علي
~~عليه السلام: " ما استغفرته عليه فهو منك، وما حمدته عليه فهو منه، وما بكم
~~من نعمة فمن الله، وما بكم من خيانة فبما كسب أيديكم، وما الله بظلام
~~للعبيد ".
# ويقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه، الحسن بن أبي الحسن - مملي ما
~~ذكرناه - أعانه الله على طاعته، وتغمده برأفته وحرمته: إن الله تعالى قال:
~~﴿ادخلوا في السلم كافة﴾ (١) فهذا أمر
~~منه بالدخول في باب الطاعة، فكيف يجوز في العدل والحكمة، أن يأمرهم بدخولها
~~وقد أغلقها عنهم؟ وما هذا إلا كمن أمر العميان أن ينظروا إلى الهلال والزمن
~~(٢) أن يعدو، والأصم أن يسمع خفي القول، والله تعالى يقول إنه ms218 لا يظلم
~~العباد شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (٣). وقال سبحانه: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ (4) وروي أن طاووس اليماني دخل
~~على جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، وكان يعلم أنه يقول بالقدر، فقال له:
~~" يا طاووس من أقبل للعذر من الله ممن اعتذر وهو صادق في اعتذاره؟ " فقال:
~~لا أحد أقبل للعذر منه.
# فقال له: " من أصدق ممن قال: لا أقدر وهو لا يقدر؟ " فقال طاووس: لا أحد
~~أصدق منه.
# فقال له الصادق: " يا طاووس، فما بال من هو أقبل للعذر، لا يقبل عذر من
~~قال: لا أقدر، وهو لا يقدر؟ " فقال طاووس وهو يقول: ليس بيني وبين الحق
~~عداوة، والله أعلم حيث يجعل
# PageV00P317
# رسالاته، فقد قبلت نصيحتك (1).
# وقال الصادق عليه السلام لهشام بن الحكم: " ألا أعطيك جملة في العدل
~~والتوحيد؟
# قال: بلى، جعلت فداك.
# قال: " من العدل أن لا تتهمه، ومن التوحيد أن لا تتوهمه " (2) وروي عن
~~أبي حنيفة أنه قال: أتيت الصادق عليه السلام لأسأله عن مسائل فقيل لي: إنه
~~نائم، فجلست أنتظر انتباهه، فرأيت غلاما - خماسيا أو سداسيا - جميل المنظر،
~~ذا هيبة وحسن سمت، فسألت عنه، فقالوا: هذا موسى بن جعفر، فسلمت عليه وقلت
~~له: يا ابن رسول الله، ما تقول في أفعال العباد، ممن هي؟
# فجلس ثم تربع وجعل كمه الأيمن على الأيسر وقال: " يا نعمان، قد سألت
~~فاسمع، وإذا سمعت فعه، وإذا وعيت فاعمل: إن أفعال العباد لا تعدو من ثلاث
~~خصال:
# إما من الله على انفراده، أو من الله والعبد شركة، أو من العبد بانفراده
~~فإن كانت من الله على انفراده، فما باله - سبحانه - يعذب عبده على ما لم
~~يفعله، مع عدله ورحمته وحكمته! وإن كانت من الله والعبد شركة، فما بال
~~الشريك القوي يعذب شريكه على ما قد شركه فيه وأعانه عليه؟ " ثم قال: "
~~استحال الوجهان، يا نعمان " فقال (3): نعم فقال له (4): " فلم يبق إلا أن
~~يكون من العبد على انفراده، ثم أنشأ يقول:
# لم تخل أفعالنا اللاتي نذم ms219 بها * إحدى ثلاث خصال حين نبديها إما تفرد
~~بارينا بصنعتها * فيسقط اللوم عنا حين نأتيها أو كان يشركنا فيها فيلحقه *
~~ما كان يلحقنا من لائم فيها أو لم يكن لإلهي في جنايتها * ذنب فما الذنب
~~إلا ذنب جانيها " (5)
# PageV00P318
# وروي أن أبا الهذيل (1) حضر عند أمير من أمراء البصرة - وكان قدريا - وقد
~~أوتي بطرار (2) أسود أعور، فقال له: كم يجب على هذا لطرار من سوط على
~~طرارته؟
# قال له: ستون سوطا.
# فقال الأمير: إنما يقول الفقهاء عشرون سوطا.
# فقال: نعم، عشرون سوطا على طرارته، وعشرون سوطا على عوره، وعشرون على
~~سواده.
# فقال الأمير: كيف تضربه على سواده وعوره؟ وقد خلقهما الله فيه، وليسا من
~~جنايته!
# فقال له أبو الهذيل: وكذلك طرارته، مخلوقة فيه على مذهبك، إذا ضربته
~~عليها وهي من خلق الله فيه، فكذلك تضربه على سواده وعوره.
# فقال الأمير: ما بيني وبين الحق عداوة. ثم رجع عن القول بالجبر على
~~القبيح ودان بالعدل.
# وروي أن شخصا من أهل الإيمان والعلم، وشى به رجل قدري إلى أمير من أمراء
~~البصرة أيضا - وكان قدريا - فقال له: إن هذا لا يرى ما يراه أهل العلم، من
~~أن أفعال العباد من الحسن والقبح من الله، فأحضره الأمير وقال: إن هذا يقول
~~فيك إنك لا ترى أن العبد مجبور على فعل الحسن والقبيح.
# فقال له المؤمن: أيها الأمير، قد جعلتك بيني وبينه حكما ثم التفت إلى
~~القدري فقال له: ما تقول في كلمة العدل والإخلاص والتوحيد، من قالها في
~~الموحد؟
# فقال: الله فقال: أصادق هو أم لا؟
# فقال: بل صادق.
# فقال له: فما تقول في كلمة الكفر والإلحاد، من قالها في الملحد؟
# قال: الله على مذهبه.
# PageV00P319
# فقال: أصادق هو أم كاذب؟
# فالتفت الأمير إلى القدري فقال له: ويلك إن قلت: صادق، قتلتك، وإن قلت:
~~كاذب، قتلتك. فخزي وانقطع، ورجع الأمير عما كان يعتقده، وقال بالعدل.
# وروي أنه كان رجل معتوه في بني عابد، وكان صبيانهم يرجمونه ليلا، فشكا
~~ذلك إلى آبائهم، فقالوا له: إنهم لم ms220 يرجموك وإنما يرجمك الله، فقال: كذبتم،
~~فإنهم يرجموني فيصيبوني تارة، ويخطئوني أخرى، ولو رجمني الله ما أخطأني.
# وكان رجل يجادل في القضاء والقدر أهله فيقول: إن الله تعالى يقول: ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها
~~الله﴾ (1) فلو كان هو الموقد لما أحتاج أن يطفئ وكان لا يوقد، وقد أخبر
~~سبحانه بأنهم هم الموقدون، فلا بد من تصديقه بذلك، وبأنهم يوقدون وهو
~~المطفئ.
# PageV00P320
# من كلام أمير المؤمنين عليه السلام " ألا إن اللسان بضعة من الإنسان، فلا
~~يسعده القول إذا امتنع، ولا يمهله النطق إذا اتسع، وإنا لأمراء الكلام،
~~وفينا تنشبت (1) عروقه، وعلينا تهدلت غصونه.
# فاعلموا - رحمكم الله - أنكم في زمان القائل فيه بالحق قليل، واللسان عن
~~الصدق كليل، واللازم للحق ذليل، أهله معتكفون على العصيان، مصطلحون على
~~الإدهان، فتاهم عارم، وشائبهم آثم، وعالمهم منافق، وقارئهم مماذق (2)، لا
~~يعظم صغيرهم كبيرهم، ولا يعول غنيهم فقيرهم ".
# وروى عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: للمسلم على
~~أخيه المسلم ثلاثون حقا، لا براءة له منها إلا بالأداء والعفو:
# يغفر زلته، ويرحم عبرته، ويستر عورته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويرد
~~غيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خلته، ويرعى ذمته، ويعود مرضته، ويشهد ميتته،
~~ويجيب دعوته، ويقبل هديته، ويكافئ صلته، ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويحفظ
~~حليلته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويسمت عطسته، ويرشد ضالته، ويرد سلامه
~~ويطيب كلامه، ويبر إنعامه، ويصدق أقسامه، ويوالي وليه ولا يعاديه، وينصره
~~ظالما ومظلوما، فأما نصره ظالما فيرده عن ظلمه، وأما نصره مظلوما فيعينه
~~على أخذ حقه، ولا يسلمه، ولا يخذله، ويحب له من الخير ما يحبه لنفسه، ويكره
~~له من الشر ما يكرهه لنفسه ".
# ثم قال عليه السلام: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن أحدكم
~~ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه به يوم القيامة، فيقضى له عليه " (3).
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " العفاف زينة الفقر، والشكر زينة
~~الغنى، الصبر زينة البلاء، التواضع زينة الحسب، الفصاحة زينة الكلام، العدل
~~زينة الإمارة، السكينة زينة ms221 العباد، الحفظ زينة الرواية، خفض الجناح زينة
~~الحلم، بذل المجهود زينة
# PageV00P321
# المعروف، الخشوع زينة الصلاة، الإيثار زينة الزهد، حسن الأدب زينة العقل،
~~بسط الوجه زينة الحكم، ترك ما لا يعني زينة الورع " (1).
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أعبد الناس من أقام الفرائض، وأزهد
~~الناس من اجتنب المحارم، وأسخى الناس من أدى زكاة ماله، وأتقى الناس من قال
~~الحق فيما له وعليه، وأعدل الناس من رضي للناس ما يرضى لنفسه وكره لهم ما
~~يكره لنفسه، وأكيس الناس من كان أشد الناس ذكرا للموت، وأغبط الناس من كان
~~في التراب في أمن من العذاب يرجو الثواب، وأغفل الناس من لم يتعظ بتغير
~~الدنيا من حال إلى حال وأعظم الناس في الدنيا خطرا من لم يجعل للدنيا عنده
~~خطرا، وأعلم الناس من جمع علم الناس إلى علمه وأشجع الناس من غلب هواه،
~~وأكثر الناس قيمة أغزرهم علما، وأقل [الناس] (2) لذة الحسود، وأقل الناس
~~راحة البخيل، وأبخل الناس من بخل بما افترض الله عز وجل عليه، وأولى الناس
~~بالحق أعلمهم به، وأقل الناس حرمة الفاسق، وأقل الناس وفاء الملوك، وأفقر
~~الناس الطمع، وأغنى الناس من لم يكن للحرص أسيرا، وأكرم الناس أتقاهم،
~~وأعظم الناس قدرا من ترك ما لا يعنيه، وأورع الناس من ترك المراء وإن كان
~~محقا، وأقل الناس مروءة من كان كاذبا، وأمقت الناس المتكبر، وأشد الناس
~~اجتهادا من ترك الذنوب، وأسعد الناس من خالط كرام الناس، وأغفل الناس أشدهم
~~تهمة للناس، وأولى الناس بالتهمة من جالس أهل التهمة، وأظلم الناس من قتل
~~غير قاتله أو ضرب غير ضاربه، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على القوبة، وأحق
~~الناس بالذم السفيه المغتاب، وأذل الناس من أهان الناس، وأحزم الناس أكظمهم
~~للغيض، وأصلح الناس أصلحهم للناس، وخير الناس من انتفع به الناس " (3).
# PageV00P322
# روي أن هذه الأبيات لأمير المؤمنين عليه السلام تخذتكم درعا حصينا
~~لتمنعوا (1) * سهام العدى عني فكنتم نصالها فإن أنتم لم تحفظوا لمودتي *
~~ذماما فكونوا لا عليها ولا لها قفوا موقف المعذور ms222 عني بجانب * وخلوا نبالي
~~للعدي ونبالها (2)
# PageV00P323
# من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله أنه خرج على أصحابه فقال: " أيها
~~الناس، اتقوا الله وارتحضوا (١) واستقيموا إليه، فإن الاستقامة درجة بها
~~كمال الأمور ونظامها، وبوجودها حصول الخيرات وتمامها، ومن لم يكن مستقيما
~~في حالته ضل سعيه وخاب جهده، قال الله تعالى:
# واستقيموا إلى ربكم (٢) وقال سبحانه: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من
~~بعد قوة أنكاثا) (٣) وقال سبحانه: ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثوبتها
~~وتذوقوا السوء﴾ (4). واعلموا - عباد الله - أنه من لم يكن مستقيما في
~~صفته، لم يرتق من حاله إلى غيرها، ولم يتبين سلوكه على صحته ".
# وقال بعض آل محمد عليهم السلام: " أيها الناس، لا تخرجوا من عز التقوى
~~إلى ذل المعصية، ولا من أنس الطاعة إلى وحشة الخطيئة، ولا تسروا لإخوانكم
~~غشا، فإنه من أسر لأخيه المؤمن غشا، أظهره الله في صفحات وجهه وفلتات
~~لسانه، فأورثه الله الخزي في الدنيا، والعذاب والندامة في الآخرة، فأصبح من
~~الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون
~~صنعا ".
# ولقد أحسن من قال:
# العين تعلم من عيني محدثها * إن كان من حزبها أو من معاديها وقال آخر:
# إذا القوم أخفوك الذي في صدورهم * من الغل أنبتك الوجوه العوابس وقال آخر
~~أبياتا موعظة:
# أيا بن آدم تلهيك عافية * عليك مشمولة فالعمر معدود ما أنت إلا كزرع عند
~~حضرته * بكل شئ من الآفات مقصود فإن سلمت من الآفات أجمعها * فأنت عند أوان
~~الزرع محصود
# PageV00P324
# لا يعجبنك ملكهم إذ ملكوا * فالملك يفنى والنعيم يبيد وإذا رأيت جنازة
~~محمولة * فاعلم بأنك بعدها مفقود روى عن أويس القرني - رحمة الله عليه -
~~قال لرجل سأله: كيف حالك؟
# فقال: كيف يكون حال من يصبح يقول: لا أمسي، ويمسي يقول: لا أصبح، يبشر
~~بالجنة ولا يعمل عملها، ويحذر النار ولا يترك ما يوجبها، والله إن الموت
~~وغصصه وكرباته، وذكر هول المطلع، وأهوال يوم القيامة، لم تدع للمؤمن في
~~الدنيا فرحا، ms223 وإن حقوق الله لم تبق لنا ذهبا ولا فضة، وإن قيام المؤمن
~~بالحق في الناس لم يدع له صديقا، نأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر،
~~فيشتمون أعراضنا ويرمونا بالجرائم والمعائب والعظائم، ويجدون على ذلك
~~أعوانا من الفاسقين إنه والله لا يمنعنا ذلك أن نقوم فيهم بحق الله.
# ولقد صدق رحمه الله في قوله، فإنه كان وليا لله، ولا تصح ولاية الله ورضى
~~الناس، فإن ولي الله لا يداهن ولا ينافق ولا يراقب ولا تأخذه في الله لومة
~~لائم، وقل أن يبقى مع هذا له صديق، بل لا أهل ولا ولد.
# يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه، الحسن بن أبي الحسن الديلمي،
~~أعانه الله على طاعته، وتغمده برأفته ورحمته، ممل هذا الكلام المقدم: إن
~~أعظم عرى الإيمان وأوثقها الموالاة في الله تعالى، والمعاداة فيه جل وعز،
~~دل على ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين
~~آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما
~~جاءكم من الحق﴾ (١).
# وقال سبحانه: ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله
~~والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء﴾ (٢).
# وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا
~~لا تتولوا قوما غضب الله عليهم﴾ (٣).
# وقال سبحانه: ﴿لا تجد قوما يؤمنون
~~بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم
~~أو إخوانهم أو عشيرتهم... أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾
~~(4)
# PageV00P325
# يقسم بالله - جل جلاله - مملي هذا الكتاب: إن أوثق وأنجح ما توخيته فيما
~~بيني وبين الله عز وجل، بعد المعرفة والولاية هذا المعنى، ولقد فعل الله
~~تعالى معي به كل خير، وإن كان أكسبني العداوة من الناس، فقد ألبسني ثوب
~~الولاية لله تعالى، لأن الله تعالى علم مني مراعاة هذا الأمر صغيرا وكبيرا،
~~وما عرفني به معرفة صحيحة غير والدي - رحمه الله - فإنه قال لي يوما من
~~الأيام: يا ولدي، أنت تريد الأشياء بيضاء ms224 نقية خالية من الغش من كل الناس،
~~وهذا أمر ما صح منهم لله، ولا لرسوله، ولا لأمير المؤمنين، ولا لأولاده
~~الأئمة عليهم السلام، ولا لأولياء الله كافة عليه وعليهم السلام، فإذا تعيش
~~فريدا وحيدا غريبا فقيرا، وكان الأمر كما قال، ولست بحمد الله بندمان على
~~ما فات، حيث كان في ذلك حفاظ جنب الله تعالى، وكفى به حسيبا ونصيرا.
~~PageV00P326
# وصية لقمان لولده قال له: يا بني، أقم الصلاة، فإنما مثلها في دين الله
~~كمثل عمود الفسطاط، فإن العمود استقام نفعت الأطناب والأوتاد والظلال، وإن
~~لم يستقم لم ينفع وتد ولا طنب ولا ظلال.
# أي بني، صاحب العلماء، وجالسهم وزرهم في بيوتهم، لعلك أن تشبههم فتكون
~~منهم.
# إعلم يا بني، أني قد ذقت الصبر وأنواع المر، فلم أجد أمر من الفقر، فإذا
~~افتقرت يوما فاجعل فقرك بينك وبين الله، ولا تحدث الناس بفقرك فتهون عليهم،
~~ثم سل في الناس: هل من أحد وثق بالله فلم ينجه!؟
# يا بني، توكل على الله، ثم سل في الناس: من ذا الذي توكل على الله فلم
~~يكفه!؟
# يا بني، أحسن الظن بالله، ثم سل في الناس: من ذا الذي أحسن الظن بالله
~~فلم يكن عند حسن ظنه به!؟
# يا بني، من يرد رضوان الله يسخط نفسه كثيرا، ومن لا يسخط نفسه لا يرضي
~~ربه، ومن لا يكظم غيضه يشمت عدوه.
# يا بني، تعلم الحكمة تشرف بها، فإن الحكمة تدل على الدين، وتشرف العبد
~~على الحر، وترفع المسكين على الغني، وتقدم الصغير على الكبير، وتجلس
~~المسكين مجالس الملوك، وتزيد الشريف (1) شرفا، والسيد سؤودا، والغني مجدا،
~~وكيف يظن ابن آدم أن يتهيأ له أمر دينه ومعيشته بغير حكمة؟ ولن يهيئ (2)
~~الله عز وجل أمر الدنيا والآخرة إلا بالحكمة، ومثل الحكمة بغير طاعة مثل
~~الجسد بغير نفس، ومثل الصعيد بغير ماء، ولا صلاح للجسد بغير نفس، ولا
~~للصعيد بغير ماء، ولا للحكمة بغير طاعة (3).
# قال كعب الأحبار: مكتوب في التوراة:
# PageV00P327
# يا موسى، من أحبني لم ينسني، ومن رجا ms225 معروفي ألح في مسألتي.
# يا موسى، إني لست بغافل عن خلقي، ولكن أحب أن تسمع ملائكتي ضجيج الدعاء
~~من عبادي، وترى حفظتي تقرب بني آدم إلي، بما أنا مقويهم عليه ومسببه لهم.
# يا موسى، قل لبني إسرائيل: لا تبطر بكم النعمة فيعاجلكم السلب، ولا
~~تغفلوا عن الشكر فينازعكم الذل، وألحوا في الدعاء تشملكم الرحمة بالإجابة
~~وتهنئكم العافية.
# وروي في زبور داود يقول الله تعالى: يا بن آدم، تسألني فأمنعك لعلمي بما
~~ينفعك، ثم تلح علي بالمسألة فأعطيك ما سألت، فتستعين به على معصيتي، فأهم
~~بهتك سترك فتدعوني أستر عليك، فكم من جميل أصنع معك، وكم قبيح تصنع معي؟
# ويوشك أن أغضب عليك غضبة لا أرضى بعدها أبدا.
# ومن الإنجيل: لا تدينوا وأنتم خطاة، فيدان منكم بالعذاب.
# لاتحكموا بالجور فيحكم عليكم بالعذاب، بالمكيال الذي تكيلون يكال لكم،
~~بالحكم الذي تحكمون يحكم عليكم.
# ومن الإنجيل أيضا: إحذروا الكذابة الذين يأتونكم بلباس الحملان (1)، وهم
~~في الحقيقة ذئاب خاطفة، من ثمارهم تعرفونهم، لا يمكن الشجرة الطيبة أن تثمر
~~ثمارا رديئة، ولا الشجرة الرديئة أن تثمر ثمارا صالحة.
# وروي عن علي بن الحسين: أنه دخل المسجد الحرام، فرأى الحسن البصري وحوله
~~جماعة من الناس وهو يعظهم، وكان يعرف منه أن يرى رأي المعتزلة في تخليد من
~~يعمل ذنبا كبيرا في النار، فقال له علي بن الحسين: " يا هذا، أنت على حال
~~ترضى لنفسك معها الموت؟ " فقال له: لا فقال: " فأنت على ثقة من البقاء لوقت
~~تدرك فيه التوبة؟ " فقال: لا.
# فقال له: " أفعند الموت نظرة؟ " فقال له: لا
# PageV00P328
# فقال له: " أفبعد الموت عمل؟ " فقال: لا فقال: " فعظ نفسك، ودع الناس
~~يطوفوا بهذا البيت الذي قد جاؤوا إليه من كل فج عميق ".
# وقال رجل لعبد الملك بن مروان: أناظرك وأنا آمن؟ قال: نعم، فقال له:
~~أخبرني عن هذا الأمر الذي صار إليك، أبنص من الله ورسوله؟ قال: لا.
# قال: فاجتمعت الأمة فتراضوا بك؟ فقال: لا قال: فكانت لك بيعة في أعناقهم
~~فوفوا بها؟ قال: لا قال: ms226 فاختارك أهل الشورى؟ قال: لا قال: أفليس قد قهرتهم
~~على أمرهم، واستأثرت بفيئهم دونهم؟ قال: بلى قال: فبأي شئ سميت أمير
~~المؤمنين، ولم يؤمرك الله ولا رسوله ولا المسلمون؟
# قال له: اخرج عن بلادي وإلا قتلتك.
# قال: ليس هذا جواب أهل العدل والإنصاف، ثم خرج.
# وروي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله بخراسان: أن أوفد إلي من علماء
~~بلادك مائة، رجل، أسألهم عن سيرتك، فجمعهم وقال لهم ذلك، فاعتذروا وقالوا:
~~إن لنا عيالا وأشغالا لا يمكننا مفارقتها (1)، وعدله لا يقتضي إجبارنا،
~~ولكن قد أجمعنا على رجل منا، يكون عوضنا عنده، ولساننا لديه، فقوله قولنا،
~~ورأيه رأينا، فأوفد به العامل إليه.
# فلما دخل عليه سلم وجلس، فقال له: أخل لي المجلس، فقال له: ولم ذلك؟
# وأنت لا تخلو أن تقول حقا فيصدقوك، أو تقول باطلا فيردوك، فقال له: ليس
~~من أجلي أريد خلو المجلس ولكن من أجلك، فإني أخاف أن يدور بيننا كلام تكره
~~سماعه.
# فأمر بإخراج أهل المجلس ثم قال له: قل، فقاله: أخبرني عن هذا الأمر من
~~أين صار إليك؟ فسكت طويلا فقال له: ألا تقول؟ فقال: لا، فقال: ولم؟ فقال
~~له: إن قلت: بنص من الله ورسوله كان كذبا، وإن قلت: بإجماع من المسلمين
~~قلت: فنحن أهل بلاد المشرق، ولم نعلم بذلك ولم نجمع عليه، وإن قلت:
~~بالميراث من آبائي،
# PageV00P329
# قلت: بنو أبيك كثير، فلم تفردت أنت به دونهم؟
# فقال له: الحمد لله على اعترافك على نفسك بالحق لغيرك، فأرجع إلى بلادي
~~فقال: لا، فوالله إنك لواعظ فظ. فقال له: فقل ما عندك بعد ذلك، فقال له:
~~رأيت أن من تقدمني ظلم وغشم وجار واستأثر بفئ المسلمين، وعلمت من نفسي أني
~~لا أستحل ذلك وأن المؤونة بولايتي تكون أنقص وأخف عليهم فوليت، فقال له:
~~أخبرني، لو لم تلي هذا الأمر، ووليه غيرك وفعل ما فعل من كان قبله، أكان
~~يلزمك من إثمه شئ؟
# فقال: لا، فقال له: فأراك قد شريت راحة غيرك بتعبك، وسلامته بخطرك، فقال ms227
~~له: والله إنك لواعظ فظ، فقام ليخرج ثم قال له: والله، لقد هلك أولنا
~~بأولكم، وأوسطنا بأوسطكم، وسيهلك آخرنا بآخركم، والله المستعان عليكم، وهو
~~حسبنا ونعم الوكيل. PageV00P330
# يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه، الحسن بن أبي الحسن الديلمي،
~~أعانه الله على طاعته، وتغمده برأفته ورحمته: إنني حيث سمعت عن النبي صلى
~~الله عليه وآله يقول: " من حفظ عني أربعين حديثا حشره الله مع النبيين
~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " رغبني ذلك أن أحفظ مائة
~~وأربعين حديثا، أولها الأربعون حديثا التي رواها ابن ودعان (1)، بحذف
~~الإسناد المذكور في كتب الأحاديث.
# الحديث الأول عن أنس بن مالك قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله
~~على ناقته العضباء فقال:
# " أيها الناس، كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق على غيرنا وجب،
~~وكأن الذين نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم
~~ونأكل تراثهم، كأنا مخلدون بعدهم، قد نسينا كل واعظة، وأمنا كل جائحة (2)،
~~طوبى لمن أنفق ما اكتسبه من غير معصية، وجالس أهل الفقه والحكمة، وخالط (3)
~~أهل الذلة والمسكنة، طوبى لمن ذلت نفسه، وحسنت خليقته، وصلحت سريرته، وعزل
~~عن الناس شره، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته
~~السنة ولم تستهوه البدعة " (4).
# الثاني: عن خليفة (5) بن الحصين قال: سمعت قيس بن عاصم المنقري يقول:
# قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله، في وفد من جماعة بني تميم، فقال
~~لي:
# PageV00P331
# " اغتسل بماء وسدر " ففعلت ثم عدت إليه، وقلت: يا رسول الله عظنا عظة
~~ننتفع بها.
# فقال: " يا قيس، إن مع العز ذلا، وإن مع الحياة موتا، وإن مع الدنيا
~~آخرة، وأن لكل شئ حسيبا، وعلى كل شئ رقيبا، وإن لكل حسنة ثوابا، ولكل سيئة
~~عقابا، وإن لكل أجل كتابا.
# وإنه - يا قيس - لا بد لك من قرين، يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت،
~~فإن كان كريما أكرمك، وإن كان لئيما أسلمك، ثم لا يحشر إلا معك، ولا تحشر
~~إلا معه، ولا ms228 تسأل إلا عنه، ولا تبعث إلا معه، فلا تجعله إلا صالحا، فإنه
~~[إن] (1) كان صالحا لم تأنس إلا به، وإن كان فاحشا لم تستوحش إلا منه وهو
~~عملك ".
# فقال قيس: يا رسول الله، لو نظم هذا شعرا لافتخرنا به على من يلينا من
~~العرب، فقال رجل من أصحابه، يقال له الصلصال (2): قد حضر فيه شئ يا رسول
~~الله، أفتأذن لي بإنشاده، فقال: " نعم " فأنشأ يقول:
# تخير قرينا من فعالك إنما * قرين الفتى في القبر ما كان يفعل فلا بد
~~للإنسان من أن يعده * ليوم ينادي المرء فيه فيقبل فإن كنت مشغولا بشئ فلا
~~تكن * بغير الذي ترضي به الله تشغل فما يصحب الإنسان من بعد موته * ومن
~~قبله إلا الذي كان يعمل ألا إنما الإنسان ضيف لأهله * يقيم قليلا عندهم ثم
~~يرحل (3) وقال العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه، الحسن بن أبي الحسن
~~الديلمي، أعانه الله على طاعته، وتغمده برأفته ورحمته، ممل هذه الأحاديث
~~النبوية في المعنى:
# تخير قرينا من فعالك صالحا * يعنك على هول القيامة والقبر ويسعى به نورا
~~لديك ورحمة * تعمك يوم الروع في عرصة الحشر وتأتي به يوم التغابن آمنا *
~~أمانك في يمناك من روعة النشر فما يصحب الإنسان من جل ماله * سوى صالح
~~الأعمال أو خالص البر
# PageV00P332
# بهذا أتى التنزيل في كل سورة * يفصلها رب الخلائق في الذكر وفي سنة
~~المبعوث للناس رحمة * سلام عليه بالعشي وفي الفجر حديث رواه ابن الحصين
~~خليفة * يحدثه قيس بن عاصم ذو الوفر يجوز في النحو عند الكوفيين ترك صرف ما
~~لا ينصرف ذو الوفر (1).
# الحديث الثالث: عن أبي الدرداء قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله
~~يوم جمعة، فقال: " يا أيها الناس، توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا
~~بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا، وأصلحوا الذي بينكم وبين ربكم تسعدوا،
~~وأكثروا من الصدقة ترزقوا، وأمروا بالمعروف تحصنوا، وانهوا عن المنكر
~~تنصروا.
# يا أيها الناس، إن أكيسكم أكثركم ذكرا للموت، وإن أحزمكم أحسنكم استعدادا
~~له، ألا وإن من علامات ms229 العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار
~~الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور " (2).
# الرابع: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
~~وآله، يقول في خطبته: " أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن
~~لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين: يوم قد مضى لا يدري
~~ما الله قاض فيه، ويوم قد بقي لا يدري ما الله صانع به، فليأخذ العبد لنفسه
~~من نفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن شبابه لهرمه، ومن صحته لسقمه، ومن حياته
~~لوفاته، فوالذي نفسي بيده، ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار
~~إلا الجنة أو النار " (3).
# الحديث الخامس: عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه
~~وآله قال في خطبته: " لا عيش إلا لعالم ناطق، أو مستمع واع.
# أيها الناس، إنكم في زمان هدنة، وإن السير بكم سريع، وقد رأيتم الليل
~~والنهار، كيف يبليان كل جديد! ويقربان كل بعيد! ويأتيان بكل موعود! " فقال
~~له المقداد: يا نبي الله، وما الهدنة؟
# فقال: " دار بلاء وانقطاع، فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم،
~~فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، وصادق مصدق، من جعله أمامه قاده إلى
~~الجنة،
# PageV00P333
# ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل، من قال به
~~صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل " (1).
# الحديث السادس: عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله: " لا يكمل عبد الإيمان بالله حتى تكون فيه خمس خصال: التوكل على
~~الله، والتفويض إلى الله، والتسليم لأمر الله، والرضا بقضاء الله، والصبر
~~على بلاء الله، إنه من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى لله، ومنع لله،
~~فقد استكمل الإيمان " (2).
# الحديث السابع: عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله
~~يقول في خطبته: " يا أيها الناس، إن العبد لا يكتب من المسلمين حتى يسلم
~~الناس من يده ولسانه ولا ينال درجة المؤمنين حتى ms230 يأمن أخوه بوائقه (3)،
~~وجاره بوادره (4)، ولا يعد من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذار ما به
~~الباس (5).
# أيها الناس، إنه من خاف البيات (6) أدلج (7)، ومن أدلج المسير وصل، وإنما
~~تعرفون عواقب أعمالكم لو قد طويت صحائف آجالكم.
# أيها الناس، إن نية المؤمن خير من عمله، ونية الفاسق شر من عمله " (8).
# الحديث الثامن: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله: " من انقطع إلى الله كفاه كل مؤونة، ومن انقطع إلى الدنيا وكله
~~الله إليها، ومن حاول أمرا بمعصية الله كان أبعد له مما رجا وأقرب مما
~~أبقى، ومن طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده منهم ذاما، ومن أرضى
~~الناس بسخط الله وكله الله إليهم، ومن أرضى الله بسخط الناس كفاه الله
~~شرهم، ومن أحسن ما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن أحسن
~~سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه
# PageV00P334
# الله أمر دنياه " (١).
# التاسع: عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وسلم:
# رحم الله عبدا تكلم فغنم، أو سكت فسلم، إن اللسان أملك شئ للانسان، ألا
~~وإن كلام العبد كله عليه، إلا ذكر الله تعالى، أو أمر بمعروف، أو نهى عن
~~منكر، أو إصلاح بين مؤمنين ".
# فقال له معاذ بن جبل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما نتكلم به؟
# فقال: " وهل تكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم! فمن أراد
~~السلامة فليحفظ ما جرى به لسانه، وليحرس ما انطوى عليه جنانه، وليحسن عمله،
~~وليقصر أمله ".
# ثم لم يمض إلا أيام حتى نزلت هذه الآية ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو
~~إصلاح بين الناس﴾ (2) (3).
# الحديث العاشر: عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~آله: " لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن، فعليها يبلغ الخير، وبها ينجو
~~من الشر، إنه إذا قال العبد: لعن الله الدنيا، قالت ms231 الدنيا: لعن الله
~~أعصانا لربه ".
# فأخذ الشريف الرضي هذا المعنى فنظمه بيتا:
# يقولون الزمان به (4) فساد * فهم فسدوا وما فسد الزمان (5) الحديث الحادي
~~عشر: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
# " أكثروا من ذكر هادم اللذات، فإنكم إن كنتم في ضيق وسعه عليكم، فرضيتم
~~به فأجرتم، وإن كنتم في غنى بغضه إليكم فجدتم به فأثبتم، إن المنايا قاطعات
~~الآمال، والليالي مدنيات الآجال..... (6) لا يدري لعله لا يصل إليه، إن
~~العبد عند خروج نفسه وحلول رمسه، يرى جزاء ما قدم، وقلة غناء ما خلف، ولعله
~~من حق منعه، ومن
# PageV00P335
# باطل جمعه " (1).
# الحديث الثاني عشر: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله وسلم: " أيها الناس، إن الرزق مقسوم، لن يعدوا امرؤا ما قسم
~~له، فأجملوا في الطلب، وإن العمر محدود، لن يتجاوز أحد ما قدر له، فبادروا
~~قبل نفاذ الأجل، والأعمال محصية " (2).
# قال السيد: الوجه في محصاة لن يهمل منها صغيرة ولا كبيرة، فأكثروا من
~~صالح العمل.
# " أيها الناس، إن في القنوع لسعة، وإن في الاقتصاد لبلغة، وإن في الزهد
~~لراحة، وإن لكل عمل جزاء، وكل آت قريب ".
# الحديث الثالث عشر: عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وسلم يقول في بعض خطبه أو مواعظه: " أما رأيتم المأخوذين على الغرة،
~~والمزعجين بعد الطمأنينة!؟ الذين أقاموا على الشبهات، وجنحوا إلى الشهوات،
~~حتى أتتهم رسل ربهم، فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم رجعوا،
~~قدموا على ما عملوا، وندموا على ما خلفوا، ولن يغني الندم، وقد جف القلم،
~~فرحم الله امرءا قدم خيرا، وأنفق قصدا، وقال صدقا، وملك دواعي شهوته ولم
~~تملكه، وعصى أمر نفسه فلم تهلكه (3) " (4).
# الحديث الرابع عشر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وسلم: " أيها الناس، لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها
~~أهلها فتظلموهم، ولا تعاقبوا ظالما فيبطل فضلكم، ولا تراؤا الناس فيحبط
~~عملكم، ولا تمنعوا ms232 الموجود فيقل خيركم.
# أيها الناس، إن الأشياء ثلاثة: أمر استبان رشده فاتبعوه، وأمر استبان غيه
~~فاجتنبوه، وأمر اختلف عليكم فردوه إلى الله.
# أيها الناس، ألا أنبئكم بأمرين، خفيف مؤنتهما، عظيم أجرهما، لم يلق الله
# PageV00P336
# بمثلهما: طول الصمت، وحسن الخلق " (١).
# الحديث الخامس عشر عن ابن عمر قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وسلم خطبة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فكان مما ضبطت منها:
# " أيها الناس، إن أفضل الناس من تواضع عن رفعة، وزهد عن غنية، وأنصف عن
~~قوة، وحلم عن قدرة، ألا وإن أفضل الناس عبد أخذ من الدنيا الكفاف، وصاحب
~~فيها العفاف، وتزود للرحيل، وتأهب للمسير، ألا وإن أعقل الناس عبد عرف ربه
~~فأطاعه، وعرف عدوه فعصاه، وعرف دار إقامته فأصلحها، وعرف سرعة رحيله فتزود
~~لها، ألا وإن خير الزاد ما صحبه التقوى، وخير العمل ما تقدمته النية، وأعلى
~~الناس منزلة عند الله أخوفهم منه " (٢).
# الحديث السادس عشر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وسلم: " إنما يؤتى الناس يوم القيامة من إحدى ثلاث: إما من شبهة في الدين
~~ارتكبوها، أو لشهوة للذة آثروها، أو عصبية لحمية أعملوها، فإذا لاحت لكم
~~شبهة في الدين فاجلوها باليقين، وإذا عرضت لكم شهوة فاقمعوها بالزهد، وإذا
~~عنت لكم غضبة فادرؤوها بالعفو، إنه ينادي مناد يوم القيامة: من كان له على
~~الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا العافون، ألم تسمعوا قوله تعالى ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ (3)
~~" (4).
# السابع عشر: قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "
~~قال الله تعالى: ابن آدم، يؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن، وينقص كل يوم من
~~عمرك وأنت تفرح، أنت فيما يكفيك، وتطلب ما يطغيك (5)، لا بقليل تقنع، ولا
~~من كثير تشبع " (6).
# الحديث الثامن عشر: عن أبي هريرة قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله
~~جالس، إذ رأيناه ضاحكا حتى بدت ثناياه، فقلنا: يا رسول الله، مما ضحكت؟
# PageV00P337
# فقال: " رجلان ms233 من أمتي، جثيا بين يدي ربي، فقال أحدهما: يا رب، خذلي
~~بمظلمتي من أخي. فقال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته، فقال: يا رب، لم يبق من
~~حسناتي شئ، فقال: يا رب، فليحمل عني (1) من أوزاري ".
# ثم فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: " إن ذلك اليوم ليوم
~~يحتاج الناس فيه إلى من يحمل عنهم من أوزارهم.
# ثم قال الله تعالى للطالب بحقه: ارفع بصرك إلى الجنة، فانظر ماذا ترى؟
~~فرفع رأسه، فرأى ما أعجبه من الخير والنعمة، فقال: يا رب، لمن هذا؟ فقال:
~~لمن أعطاني ثمنه، فقال: يا رب، ومن يملك ثمن ذلك؟ فقال: أنت، فقال: كيف لي
~~بذلك؟
# فقال: بعفوك عن أخيك. فقال: يا رب، قد عفوت فقال الله تعالى: فخذ بيد
~~أخيك فادخلا الجنة. ثم قال رسول الله: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم "
~~(2).
# التاسع عشر: عن أنس بن مالك قال: قالوا: يا رسول الله - صلى الله عليه
~~وآله - من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ فقال: " الذين
~~نظروا إلى باطن الدنيا، حين نظر الناس إلى ظاهرها، فاهتموا بآجلها حين اهتم
~~الناس بعاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا منها ما علموا أن
~~سيتركهم، فما عرض لهم منها عارض إلا رفضوه، ولا خادعهم من رفعتها خادع إلا
~~وضعوه، أخلقت الدنيا عندهم فما يجددونها، وخربت بينهم فما يعمرونها، وماتت
~~في صدورهم فما يحيونها، بل يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون
~~بها ما يبقى لهم، نظروا إلى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات، فما يرون أمانا
~~دون ما يرجون، ولا خوفا دون ما يجدون " (3).
# الحديث العشرون: عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~يقول: " إنما أنتم خلف ماضين، وبقية متقدمين، كانوا أكثر منكم بسطة، وأعظم
~~سطوة، فأزعجوا عنها أسكن ما كانوا إليها، وغدرت بهم وأخرجوا منها أوثق ما
~~كانوا بها، فلم يمنعهم قوة عشيرة، ولا قبل منهم بذل فدية، فارحلوا أنفسكم
~~بزاد مبلغ قبل أن تؤخذوا على فجأة وقد غفلتم عن ms234 الاستعداد " (4).
# PageV00P338
# الحادي والعشرون: عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر قال: قال لي رسول الله
~~صلى الله عليه وآله: " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، واعدد نفسك في
~~الموتى، وإذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك
~~بالصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن حياتك لوفاتك، فإنك لا
~~تدري ما اسمك غدا " (1).
# الثاني والعشرون: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وسلم في بعض خطبه أو مواعظه: " أيها الناس، لا تشغلنكم دنياكم عن آخرتكم،
~~فلا تؤثروا أهواءكم على طاعة ربكم، ولا تجعلوا إيمانكم ذريعة إلى معاصيكم،
~~وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، ومهدوا لها قبل أن تعذبوا، وتزودوا للرحيل
~~قبل أن تزعجوا، فإنما هو موقف عدل، واقتضاء حق، وسؤال عن واجب، وقد أبلغ في
~~الإعذار من تقدم بالإنذار " (2).
# الثالث والعشرون: عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وسلم يقول - عند منصرفه من أحد، والناس محدقون به، وقد أسند ظهره، إلى
~~طلحة -: " أيها الناس، أقبلوا على ما كلفتموه (3) من إصلاح آخرتكم، وأعرضوا
~~عما (4) ضمن لكم من دنياكم، ولا تستعملوا جوارحا غذيت بنعمته في التعرض
~~لسخطه بمعصيته (5)، واجعلوا شغلكم في التماس مغفرته، واصرفوا همتكم بالتقرب
~~إلى طاعته، إنه من بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبه من الآخرة، ولم يدرك
~~منها ما يريد، ومن بدأ بنصيبه من الآخرة وصل إليه من الدنيا " (6).
# الرابع والعشرون: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وسلم: " إياكم وفضول المطعم، فإنه يسم القلب بالقسوة، ويبطئ بالجوارح عن
~~الطاعة، ويصم الهمم عن سماع الموعظة، وإياكم وفضول النظر، فإنه يبذر الهوى،
# PageV00P339
# ويولد الغفلة، وإياكم واستشعار الطمع، فإنه يشوب القلب شدة الحرص، ويختم
~~على القلوب بطبائع حب الدنيا، وهو مفتاح كل سيئة، ورأس كل خطيئة، وسبب
~~إحباط كل حسنة " (1).
# الخامس والعشرون: عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وسلم يقول: " إنما هو خير يرجى، أو ms235 شر يتقى، أو باطل عرف فاجتنب، أو
~~حق تيقن فطلب، وآخرة أظل إقبالها فسعي لها، ودنيا عرف نفادها فأعرض عنها،
~~وكيف يعمل للآخرة، من لا تنقطع من الدنيا رغبته، ولا تنقضي فيها شهوته، إن
~~العجب كل العجب لمن صدق بدار البقاء، وهو يسعى لدار الفناء! وعرف أن رضى
~~الله في طاعته، وهو يسعى في مخالفته! " (2).
# السادس والعشرون: عن أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وسلم يقول: " حلوا أنفسكم الطاعة، وألبسوها قناع المخافة،
~~واجعلوا آخرتكم لأنفسكم، وسعيكم لمستقركم، واعلموا أنكم عن قليل راحلون،
~~وإلى الله صائرون، ولا يغني عنكم هنا لك إلا صالح عمل قدمتموه، وحسن ثواب
~~أحرزتموه، فإنكم إنما تقدمون على ما قدمتم، وتجازون على ما أسلفتم، فلا تخد
~~عنكم زخارف دنيا دنية، عن مراتب جنات علية، فكأن قد انكشف القناع، وارتفع
~~الإرتياب، ولاقى كل امرئ مستقره، وعرف مثواه ومنقلبه " (3).
# السابع والعشرون: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وسلم - في خطبة -: " لا تكونوا ممن خدعته العاجلة، وغرته الأمنية، فاستهوته
~~الخدعة، فركن إلى دار سوء، سريعة الزوال وشيكة الانتقال، إنه لم يبق من
~~دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب، أو صر حالب (4)، فعلام تعرجون،
~~وماذا تنتظرون، فكأنكم - والله - وما أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن، وما
~~تصيرون إليه من الآخرة لم يزل، فخذوا الأهبة لأزوف (5) النقلة، وأعدوا
~~الزاد لقرب الرحلة، واعلموا أن كل
# PageV00P340
# امرئ ما قدم قادم، وعلى ما خلف نادم " (12).
# الحديث الثامن والعشرون: عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وآله يقول: " أيها الناس، بسيط الأمل متقدم حلول الأجل، والمعاد
~~مضمار العمل، فمغتبط بما احتقب غانم، ومبتئس بما فاته نادم.
# أيها الناس، إن الطمع فقر، واليأس غنى، والقناعة راحة، والعزلة عبادة،
~~والعمل كنز، والدنيا معدن، والله ما يساوي ما مضى من دنياكم هذه بأهداب
~~بردي هذا، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء، وكل إلى بقاء وشيك
~~وزوال قريب، فبادروا ms236 العلم وأنتم في مهل الأنفاس، وجدة الأحلاس (2)، قبل أن
~~تؤخذوا بالكظم (3) فلا ينفع الندم " (4).
# التاسع والعشرون: عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
~~وآله يقول: " تكون أمتي في الدنيا ثلاثة أطباق:
# أما الطبق الأول: فلا يحبون جمع المال وادخاره، ولا يسعون في اقتنائه
~~واحتكاره، وإنما رضاهم من الدنيا سد جوعة وستر عورة، وغناهم فيها ما بلغ
~~بهم الآخرة، فأولئك الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
# وأما الطبق الثاني: فإنهم يحبون جمع المال من أطيب وجوهه، وأحسن سبله،
~~يصلون به أرحامهم، ويبرون به إخوانهم، ويواسون به فقراءهم، ولعض أحدهم على
~~الرضف (5)، أيسر عليه من أن يكتسب درهما من غير حله، أو يمنعه من حقه أن
~~يكون له خازنا إلى حين موته، فأولئك الذين إن نوقشوا عذبوا، وإن عفي عنهم
~~سلموا.
# وأما الطبق الثالث: فإنهم يحبون جمع المال مما حل وحرم، ومنعه مما افترض
~~ووجب، إن أنفقوه أنفقوا إسرافا وبدارا، وإن أمسكوه أمسكوا بخلا واحتكارا،
~~أولئك الذين ملكت الدنيا زمام قلوبهم، حتى أوردتهم النار بذنوبهم " (6).
# PageV00P341
# الثلاثون: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن
~~من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله تعالى، وأن تحمدهم على رزق الله
~~تعالى، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا
~~يرده كراهة كاره، إن الله - تبارك اسمه - بحكمته جعل الروح والفرح في الرضا
~~واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط، إنك إن تدع شيئا لله إلا آتاك
~~الله خيرا منه، وإن تأتي شيئا تقربا لله تعالى إلا أجزل الله لك الثواب
~~عنه، فاجعلوا همتكم الآخرة لا ينفد فيها ثواب المرضي عنه، ولا ينقطع فيها
~~عقاب المسخوط عليه " (1).
# الحادي والثلاثون: عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
# " ليس شئ يباعدكم من النار إلا وقد ذكرته لكم، ولا شئ يقربكم من الجنة
~~إلا وقد دللتكم عليه، إن روح القدس نفث في روعي أنه لن ms237 يموت عبد منكم حتى
~~يستكمل رزقه، فأجملوا في الطلب، فلا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوا
~~شيئا من فضل الله بمعصيته، فإنه لن ينال ما عند الله إلا بطاعته، ألا وإن
~~لكل امرئ رزقا هو يأتيه لا محالة، فمن رضي به بورك له فيه ووسعه، ومن لم
~~يرض (2) لم يبارك له فيه ولم يسعه، إن الرزق ليطلب الرجل كما يطلبه أجله "
~~(3).
# الثاني والثلاثون: عن عيسى بن عمر، عن معاوية (4) قال: سمعت رسول الله
~~صلى الله عليه وآله وسلم، يقول في خطبة أحد العيدين: " الدنيا دار بلاء،
~~ومنزل بلغة وعناء، قد نزعت عنها نفوس السعداء، وانتزعت بالكره من أيدي
~~الأشقياء، فأسعد الناس بها أرغبهم عنها، وأشقاهم (5) بها أرغبهم فيها، فهي
~~الغاشة لمن استنصحها، والمغوية لمن أطاعها، والخاترة (6) لمن انقاد إليها،
~~والفائز من أعرض عنها، والهالك من
# PageV00P342
# هوى فيها.
# طوبى لعبد اتقى فيها ربه، وقدم توبته، وغلب شهوته، من قبل أن تلقيه
~~الدنيا إلى الآخرة، فيصبح في بطن موحشة غبراء، مدلهمة ظلماء، لا يستطيع أن
~~يزيد في حسنة، ولا ينقص من سيئة، ثم ينشر فيحشر إما إلى جنة يدوم نعيمها،
~~أو إلى نار لا ينفد عذابها " (1).
# الثالث والثلاثون: عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
~~وآله يقول: " يا معشر المسلمين، شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن الرحيل
~~قريب، وتزودوا فإن السفر بعيد، وخففوا أثقالكم فإن وراءكم عقبة كؤودا، لا
~~يقطعها إلا المخفون.
# أيها الناس، إن بين يدي الساعة أمورا شدادا، وأهوالا عظاما، وزمانا صعبا،
~~يتملك فيه الظلمة، ويتصدر فيه الفسقة، ويضام فيه الآمرون بالمعروف، ويضطهد
~~فيه الناهون عن المنكر، فأعدوا لذلك الإيمان، وعضوا عليه بالنواجذ، والجؤوا
~~إلى العمل الصالح، وأكرهوا عليه النفوس، تفضوا إلى النعيم الدائم " (2)،
~~الرابع والثلاثون: عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وسلم، يقول لرجل يعظه: " أرغب فيما عند الله يحبك الله، وازهد ما في
~~أيدي الناس يحبك الناس، إن الزاهد في الدنيا يرتجى (3) ويريح قلبه وبدنه في
~~الدنيا والآخرة، ms238 والراغب فيها يتعب قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة، ليجيئن
~~أقوام - يوم القيامة - لهم حسنات كأمثال الجبال، فيؤمر بهم إلى النار ".
# فقيل: يا نبي الله، أمصلون كانوا؟
# قال: " نعم، كانوا يصلون ويصومون، ويأخذون وهنا من الليل، لكنهم كانوا
~~إذا لاح لهم شئ من أمر الدنيا وثبوا عليه " (4).
# الحديث الخامس والثلاثون: عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وآله وسلم يقول: " أيها الناس، هذه دار ترح لا دار فرح، ودار
~~التواء لا دار
# PageV00P343
# استواء، فمن عرفها لم يفرح لرجاء، ولم يحزن لشقاء، ألا وإن الله خلق
~~الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا،
~~وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، وإنها
~~لسريعة الذهاب، ووشيكة الانقلاب، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها،
~~واهجروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها، ولا تسعوا في عمرانها وقد (1) قضى الله
~~خرابها، ولا تواصلوها وقد أراد الله منكم اجتنابها، فتكونوا لسخطه متعرضين،
~~ولعقوبته مستحقين " (2).
# الحديث السادس والثلاثون: عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وسلم [يقول] (3): " أيها الناس، اتقوا الله حق تقاته، واسعوا في
~~مرضاته، وأيقنوا من الدنيا بالفناء، ومن الآخرة بالبقاء، واعملوا لما بعد
~~الموت، فكأنكم بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل.
# أيها الناس، إن من في الدنيا ضيف، وما في أيديهم عارية، وإن الضيف مرتحل،
~~والعارية مردودة، ألا وإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، والآخرة
~~وعد صادق، يحكم فيها ملك عادل قادر، فرحم الله امرءا نظر لنفسه، ومهد
~~لرمسه، ما دام رسنه (4) مرخيا، وحبله على غاربه ملقيا، قبل أن ينفد أجله،
~~وينقطع عمله " (5).
# السابع والثلاثون: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وسلم لرجل - وهو يوصيه -: " أقلل من الشهوات، يسهل عليك الفقر،
~~وأقلل من الذنوب، يسهل عليك الموت، وقدم مالك أمامك، يسرك اللحاق به، واقنع
~~بما أتيته، يخف عليك الحساب، ولا تتشاغل عما فرض عليك، بما قد ضمن لك، فإنه
~~ليس بفائتك ms239 ما قد قسم لك، ولست بلا حق ما قد زوي عنك.، فلا تك جاهدا فيما
~~يصح (6) نافدا، واسع لملك لا زوال له، في منزل لا انتقال عنه " (7).
# PageV00P344
# الثامن والثلاثون: عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله
~~يقول: " إنه ما سكن حب الدنيا قلب عبد إلا التاط (1) فيها بثلاث: شغل لا
~~ينفد عناؤه، وفقر لا يدرك غناه، وأمل لا ينال منتهاه، ألا إن الدنيا
~~والآخرة طالبتان، ومطلوبتان، فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل رزقه،
~~وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يأخذ الموت بعنقه (2)، ألا وإن السعيد من
~~اختار باقية يدوم نعيمها، على فانية لا ينفد عذابها، وقدم لما يقدم عليه
~~مما هو في يديه، قبل أن يخلفه لمن يسعد بإنفاقه، وقد شقي هو بجمعه " (3).
# التاسع والثلاثون: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وسلم: " ألا إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، والآخرة قد احتملت مقبلة، ألا
~~وإنكم في يوم عمل ولا حساب فيه، ويوشك أن كونوا في يوم حساب ليس فيه عمل،
~~وإن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض، ولا يعطي الآخرة إلا لمن يحب، وإن
~~للدنيا أبناء وللآخرة أبناء، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء
~~الدنيا، إن شر ما أتخوف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل، فاتباع الهوى يصرف
~~قلوبكم عن الحق، وطول الأمل يصرف هممكم إلى الدنيا، وما بعدهما لأحد من خير
~~يرجاه في دنيا ولا آخرة " (4).
# الأربعون: عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله: " ما من بيت إلا وملك الموت يقف على بابه كل يوم خمس مرات، فإذا وجد
~~الإنسان قد نفد أجله وانقطع أكله ألقى عليه الموت، فغشيته كرباته، وغمرته
~~غمراته، فمن أهل بيته الناشرة شعرها، والضاربة وجهها، الصارخة بويلها،
~~الباكية بشجوها، فيقول ملك الموت: ويلكم، مم الفزع؟ وفيم الجزع؟ والله ما
~~أذهبت لأحد منكم مالا، ولا قربت له أجلا، ولا أتيته حتى أمرت، ولا قبضت
~~روحه حتى استأمرت، وإن لي إليكم عودة ms240 ثم عودة، حتى لا أبقي منكم أحدا ".
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " والذي نفسي بيده، لو يرون مكانه
# PageV00P345
# ويسمعون كلامه، لذهلوا عن ميتهم، وبكوا على نفوسهم، حتى إذا حمل الميت
~~على نعشه، رفرف روحه فوق النعش، وهو ينادي: يا أهلي وولدي لا تلعبن بكم
~~الدنيا كما لعبت بي، جمعته من حله ومن غير حله، وخلفته لغيري، فالمهنأ له،
~~والتبعات علي، فاحذروا من مثل ما نزل بي " (1).
# ومما حفظت من كتاب (الخصال) بروايته المتصلة، واقتصرت على ذكر الرجال
~~إحالة على الأصل، أربعين حديثا (2):
# أولها: إن النبي صلى الله عليه وآله، أوصى إلى أمير المؤمنين عليه
~~السلام، فكان فيما أوصى به إليه أن قال: " يا علي، من حفظ عني من أمتي
~~أربعين حديثا، يطلب بذلك وجه الله والدار الآخرة، حشره الله تعالى - يوم
~~القيامة - مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
# فقال له علي عليه السلام: أخبرني - يا رسول الله - ما هذه الأربعون
~~حديثا؟
# فقال: أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، وتعبده ولا تعبد غيره، وتقيم
~~الصلاة بوضوء سابغ في مواقيتها، ولا تؤخرها فإن في تأخيرها من غير علة غضب
~~الله عز وجل وتؤدي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت إذا كان لك مال
~~وكنت مستطيعا، وأن لا تعق والديك، ولا تأكل مال اليتيم ظلما، ولا تأكل
~~الربا، ولا تشرب الخمر ولا شيئا من الأشربة المسكرة، ولا تزني، ولا تلوط،
~~ولا تمشي بالنميمة، ولا تحلف بالله كاذبا، ولا تسرق، ولا تشهد شهادة الزور
~~لأحد - قريبا كان أو بعيدا - وأن تقبل الحق ممن جاء به - صغيرا كان أو
~~كبيرا - وأن لا تركن إلى ظالم - وإن كان حميما قريبا - وأن لا تعمل بالهوى،
~~ولا ترمي (3) المحصنة، ولا ترائي فإن يسير (4) الرياء شرك بالله عز وجل،
~~وأن لا تقول لقصير: يا قصير، ولا لطويل: يا طويل، تريد بذلك عيبه، وأن لا
~~تسخر بأحد من خلق الله، وأن تصبر على البلاء والمصيبة، وأن تشكر نعم الله
~~التي أنعم الله بها عليك، ms241 وأن لا تأمن عقاب الله على ذنب تصيبه، وأن لا
~~تقنط من رحمة
# PageV00P346
# الله، وأن تتوب (1) من ذنوبك، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأن لا
~~تصر على الذنوب - مع التوبة والاستغفار - فتكون كالمستهزئ بالله وآياته
~~ورسله، وأن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطأك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن
~~لا تطلب رضى المخلوق بسخط الخالق، وأن لا تؤثر الدنيا على الآخرة، فإن
~~الدنيا فانية والآخرة باقية، وأن لا تبخل على إخوانك بما تقدر عليه، وأن
~~تكون سريرتك كعلانيتك، وأن لا تكون علانيتك حسنة وسريرتك قبيحة، فإن فعلت
~~ذلك كنت من المنافقين. وأن لا تكذب، ولا تخالط الكذابين، وأن لا تغضب إذا
~~سمعت حقا، وأن تؤدب نفسك وأهلك وولدك وجيرانك على حسب الطاقة، وأن تعمل بما
~~علمت، ولا تعاملن أحدا من خلق الله عز وجل إلا بالحق، وأن تكون سهلا للقريب
~~والبعيد، وأن لا تكون جبارا عنيدا، وأن تكثر من التسبيح والتهليل والتكبير
~~(2)، وذكر الموت وما بعده من القيامة والجنة والنار، وأن تكثر من قراءة
~~القرآن وتعمل بما فيه، وأن تستغنم البر والكرامة بالمؤمنين والمؤمنات، وأن
~~تنظر إلى كل ما لا ترضى فعله لنفسك فلا تفعله بأحد من المؤمنين، ولا تمل من
~~فعل [الخير] (3)، ولا تثقل على أحد، وأن لا تمن على أحد إذا أنعمت عليه،
~~وأن تكون الدنيا عندك سجنا حتى يجعل الله لك جنته.
# فهذه أربعون حديثا، من استقام عليها وحفظها عني من أمتي دخل الجنة برحمة
~~الله، وكان من أفضل الناس وأحبهم إلى الله عز وجل بعد النبيين والوصيين،
~~وحشره الله (4) مع النبيين والوصيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن
~~أولئك رفيقا " (5).
# يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه، الحسن بن أبي الحسن الديلمي،
~~أعانه الله على طاعته وتغمده برأفته ورحمته: إن هذا (6) الخطاب من النبي
~~صلى الله عليه وآله، خرج منه إلى علي أمير المؤمنين، على معنى: إياك أعني
~~فاسمعي يا جارة، كما قال
# PageV00P347
# الله تعالى لنبيه مخاطبا والمعنى للخلق: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (١) وكما قال له: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء
~~فطلقوهن لعدتهن﴾ (2) وإن النبي صلى الله عليه وآله علم أن أمير
~~المؤمنين عليه السلام معصوم من الخطايا والزلل، وأنه لا يترك مما أمره به
~~شيئا، ولا يرتكب مما نهاه عنه شيئا.
# وبالجملة إنه كان مؤدبه، يأخذ العلوم عنه والآداب، عن جبرئيل، عن الله
~~تعالى، ليؤوب الخلق بعده، فإنه القائم بعده بأحكام الدين وتأديب المسلمين.
# PageV00P348
# باب عدد أسماء الله تعالى، وهي تسعة وتسعون عن الصادق جعفر بن محمد، عن
~~آبائه عليهم السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: " قال رسول الله
~~صلى الله عليه وآله: إن لله تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحد - من أحصاها
~~ودعا بها دخل الجنة:
# الله (1)، الرحمن، الرحيم، الواحد، الأحد، الصمد، الأول، الآخر، السميع،
~~البصير، القدير، القاهر، العلي، الأعلى الباقي، البديع، البارئ، المصور
~~الأكرم، الظاهر الباطن، الحي، الحكيم، العليم، الحليم، الحفيظ، الحق،
~~الحسيب، الحميد، الحفي، الرب، الذارئ، الرازق، الرقيب، الرؤوف، الداني (2)،
~~السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، السيد، السبوح، الشهيد
~~الصادق، الصانع، الطاهر (3)، العدل، العفو الغفور، الغني، الغياث الفاطر،
~~الفرد، الفتاح، الفالق (4)، الملك، القديم (5) القوي، القريب، القيوم،
~~القابض، الباسط، قاضي الحاجات، المجيد، المولى، المنان، الحنان (6)،
~~المحيط، المبين، المقيت، الكريم، الكبير، الكافي، كاشف الضر، مجيب المضطر
~~(7)، الوتر، النور، الوهاب، الناصر، الواسع، الودود، الهادي، الوفي،
~~الوكيل، الوارث، البر، الباعث التواب، الجليل، الجواد، الخبير، الخالق، خير
~~الناصرين، الديان، الشكور، العظيم (8)، الشافي (9).
# هذه أسماء الله الحسنى، من حفظها ودعا بها مخلصا في غير قطيعة، ولا إسراف
~~في مسألة، دخل الجنة ".
# الحديث الثاني: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
# PageV00P349
# " أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا نصتوا، وأنا قائدهم
~~إذا وفدوا وأنا مبشرهم إذا أبلسوا (1)، وأنا شافعهم إذا حبسوا، لواء الحمد
~~والكرم يومئذ بيدي، ومفاتيح الجنة يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم يومئذ على
~~ربي عز وجل - ولا فخر - يطوف علي ألف خادم كأنهم اللؤلؤ المكنون ms243 ".
# الثالث: وقال صلى الله عليه وآله: " لا تسأل بوجه الله غير الجنة ".
# الرابع: وقال صلى الله عليه وآله: " من استعاذ بالله عز وجل فأعيذوه، ومن
~~سألكم بوجه الله فأعطوه ".
# الحديث الخامس: عن أبي أمامة (2) أن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال -
~~ذات يوم - لأصحابه: " ألا أحدثكم عن الخضر؟ " قالوا: بلى، يا رسول الله.
# قال: " بينا هو يمشي في سوق من أسواق بني إسرائيل، أبصره مكاتب (3) فقال:
# تصدق علي بارك الله فيك.
# قال الخضر: آمنت بالله، ما يقضي الله يكون، ما عندي من شئ أعطيكه.
# قال المسكين: بوجه الله، لما تصدقت علي، إني رأيت الخير في وجهك، ورجوت
~~الخير عندك.
# قال الخضر: آمنت بالله، إنك سألتني بأمر عظيم، ما عندي من شئ أعطيكه، إلا
~~أن تأخذني فتبيعني.
# قال المسكين: وهل يستقيم هذا؟
# قال: الحق أقول لك، إنك سألتني بأمر عظيم، سألتني بوجه ربي عز وجل، أما
~~أني لا أخيبك مسألتي بوجه ربي، فبعني.
# فقدمه إلى السوق فباعه بأربع مائة درهم، فمكث عند المشتري زمانا لا
~~يستعمله في شئ.
# PageV00P350
# فقال الخضر عليه السلام: إنما ابتعتني التماس خدمتي، فمرني بعمل.
# قال: إني أكره أن أشق عليك، إنك شيخ كبير.
# قال: لست تشق علي.
# قال: فقم فانقل هذه الحجارة.
# قال: وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم، فقام فنقل الحجارة في ساعته.
# فقال له: أحسنت وأجملت، وأطقت ما لم يطقه أحد.
# قال: ثم عرض للرجل سفر، فقال: إني أحسبك أمينا، فاخلفني في أهلي خلافة
~~حسنة، وإني أكره أن أشق عليه.
# قال: ليس تشق علي.
# قال: فاضرب من اللبن شيئا - أو قال لبن - حتى أرجع إليك.
# قال: فخرج الرجل لسفره ورجع وقد شيد بناؤه.
# فقال له الرجل: أسألك بوجه الله، ما حسبك وما أمرك.
# قال: إنك سألتني بأمر عظيم، بوجه الله عز وجل، ووجه الله عز وجل أوقعني
~~في العبودية، وسأخبرك من أنا، أنا الخضر الذي سمعت به، سألني مسكين صدقة
~~ولم يكن عندي شئ أعطيه، فسألني بوجه الله عز وجل، فأمكنته من ms244 رقبتي فباعني.
# فأخبرك: أنه من سئل بوجه الله عز وجل، فرد سائله وهو قادر على ذلك، وقف
~~يوم القيامة، ليس لوجهه جلد ولا لحم ولا دم إلا (1) عظم يتقعقع (2).
# قال الرجل: شققت عليك ولم أعرفك.
# قال: لا بأس، أبقيت وأحسنت.
# قال: بأبي أنت وأمي، احكم في أهلي ومالي بما أراك الله عز وجل، أم أخيرك
~~فأخلي سبيلك.
# فقال: أحب إلي أن تخلي سبيلي فأعبد الله فخلى سبيله.
# قال الخضر: الحمد لله الذي أوقعني في العبودية، وأنجاني منها (3) ".
# PageV00P351
# الحديث السادس: عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
~~" من توضأ ثم خرج إلى المسجد، فقال حين يخرج من بيته: " بسم الله الذي
~~خلقني فهو يهديني " هداه الله (1) للإيمان (2).
# وإذا قال: " هو الذي يطعمني ويسقيني " أطعمه الله عز وجل من طعام الجنة،
~~وأسقاه من شراب الجنة.
# وإذا قال: " وإذا مرضت فهو يشفيني " جعل الله عز وجل كفارته لذنوبه.
# وإذا قال: " والذي يميتني ثم يحييني " أماته الله عز وجل موتة الشهداء،
~~وأحياه حياة الشهداء (3).
# وإذا قال: " والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين " غفر الله عز وجل
~~خطأه كله، وإن كان أكثر من زبد البحر.
# وإذا قال: " رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين " وهب الله له حكما، وألحقه
~~بصالح من مضى وصالح من بقي.
# وإذا قال: " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " كتب الله عز وجل له في ورقة
~~بيضاء: إن فلان بن فلان من الصادقين.
# وإذا قال: " واجعلني من ورثة جنة النعيم " أعطاه الله عز وجل منازل في
~~الجنة.
# وإذا قال: " واغفر لأبوي " غفر الله عز وجل لأبويه.
# الحديث السابع: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من
~~قال: (سبحان الله حين تمسون) يعني صلاة المغرب والعشاء (وحين تصبحون) صلاة
~~الغداة (وعشيا) صلاة العصر (وحين تظهرون) صلاة الظهر، هذه الآية تجمع
~~صلاتكم الخمس، فمن قرأ هذه الثلاث الآيات من سورة الروم (4)، وآخر الصافات
~~(سبحان ربك رب العزة عما يصفون) (5) ثلاث مرات دبر صلاة ms245 المغرب، أدرك ما
~~فاته في يومه ذلك وقبلت صلاته، فإن
# PageV00P352
# قرأها دبر كل صلاة يصليها - من فريضة أو تطوع - كتب له من الحسنات عدد
~~نجوم السماء، وقطر المطر، وعدد ورق الشجر، وعدد تراب الأرض، فإذا مات أجري
~~له بكل حسنة عشر حسنات في قبره ".
# الحديث الثامن: عن أنس بن مالك قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وآله
~~هذه الآية ﴿ونفح في الصور فصعق من في
~~السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ (1).
# قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين استثنى الله عز وجل؟
# قال: " جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فإذا قبض الله أرواح
~~الخلائق قال: يا ملك الموت، من بقي؟ قال: يقول: سبحانك ربي، تباركت ربي
~~وتعاليت ربي ذا الجلال والإكرام، بقي جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت،
~~قال:
# فيقول: خذ نفس إسرافيل، فيأخذ نفس إسرافيل. قال: فيقول: يا ملك الموت، من
~~بقي؟ قال: فيقول: سبحانك ربي، تباركت وتعاليت ربي ذا الجلال والإكرام، بقي
~~جبرئيل وميكائيل وملك الموت، فيقول: خذ نفس ميكائيل، قال: فيأخذ نفس
~~ميكائيل، فيقع كالطود العظيم. فيقول: يا ملك الموت، من بقي؟ فيقول: تباركت
~~وتعاليت، بقي جبرئيل وملك الموت، قال: فيقول: مت يا ملك الموت، فيموت.
# قال: يا جبرئيل، من بقي؟ فيقول: تباركت ربي وتعاليت، ذا الجلال والإكرام،
~~وجهك الباقي الدائم، وجبرئيل الميت الفاني، قال: يا جبرئيل، لا بد من
~~الموت، فيخر ساجدا فيخفق بجناحيه فيقول: سبحانك ربي، تباركت وتعاليت ذا
~~الجلال والإكرام.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فعند ذلك يموت جبرئيل، وهو آخر من
~~يموت من خلق السماوات والأرض ".
# الحديث التاسع: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " أتي رسول الله صلى
~~الله عليه وآله بسبعة من الأسارى، فأمر عليا بضرب أعناقهم، فهبط جبرئيل في
~~طرفة عين فقال: يا محمد، اضرب أعناق هؤلاء الستة، ولا تضرب عنق هذا. قال:
~~يا جبرئيل، ولم؟ قال: لأنه حسن الخلق، سمح الكف، يطعم الطعام. قال: يا
~~جبرئيل، أعنك هذا أو عن ربي ms246 عز وجل؟ قال: بل ربك أمرني بذلك.
# PageV00P353
# قال الأعرابي: يا محمد، لم تركتني دون أصحابي؟
# فقال: إن ربي أخبرني أنك حسن الخلق، سمح الكف، تطعم الطعام. فأسلم
~~الأعرابي عند ذلك ".
# الحديث العاشر: عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "
~~إذا كان العبد على طريقة من الخير، فمرض أو سافر أو عجز عن العمل بكبر، كتب
~~الله له مثل ما كان يعمل، ثم قرأ: ﴿فلهم أجر غير ممنون﴾ (1).
# وعن عبد الله بن أبي الحمساء (2) قال: كان علي لرسول الله صلى الله عليه
~~وآله شئ قبل المبعث، فواعدته إلى مكان، فجلس ينتظرني، ونسيت، فأتيته اليوم
~~الثالث فوجدته في مكانه، فقال لي: يا فتى، لقد شققت علي أنا هاهنا منذ
~~ثلاثة أيام ".
# الحديث الحادي عشر: عن مبارك، عن الحسن (3) قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله: " لو منع الناس فت البعر لقالوا: فيه الدر ".
# الحديث الثاني عشر: عن [أسعد بن] (4) سهل بن حنيف، عن أبيه قال: قال رسول
~~الله صلى الله عليه وآله: " من أذل عنده مؤمن ولم ينصره - وهو قادر على
~~نصره - أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة ".
# PageV00P354
# الحديث الثالث عشر: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " قال رسول الله
~~صلى الله عليه وآله: من قرأ في رجب وشعبان وشهر رمضان - كل يوم وليلة -
~~فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وقال يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، وقل
~~أعوذ برب الناس، وقل أعوذ برب الفلق، - ثلاث مرات - ويقول: سبحان الله،
~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله
~~العلي العظيم - ثلاث مرات - ثم يصلي على النبي وآله ثلاث مرات ويقول: اللهم
~~صلى على محمد وآل محمد - ثلاث مرات - وعلى كل نبي.
# ثم يقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، ثلاث مرات.
# ثم يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، أربع مائة مرة.
# ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده، من قرأ هذه السور،
~~وفعل ذلك كله في ms247 الشهور الثلاثة ولياليها لا يفوتها (1) شئ، لو كانت ذنوبه
~~عدد قطر المطر، وورق الشجر، وزبد البحر، غفرها الله له، وأنه ينادي مناد
~~يوم الفطر يقول:
# يا عبدي، أنت وليي حقا حقا، ولك عندي بكل حرف قرأته شفاعة في الإخوان
~~والأخوات بكرامتك علي.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق نبيا، إن من قرأ
~~هذه السور، وفعل ذلك في هذه الشهور الثلاثة ولياليها، ولو في عمره مرة
~~واحدة، أعطاه الله بكل حرف سبعين ألف حسنة، كل حسنة أثقل عند الله من جبال
~~الدنيا، ويقضي الله له سبع مائة حاجة عند نزوعه، وسبع مائة حاجة في القبر
~~وسبع مائة عند خروجه من قبره، ومثل ذلك عند تطاير الصحف، ومثله عند
~~الميزان، ومثله عند الصراط، ويظله الله تعالى تحت ظل عرشه، ويحاسبه حسابا
~~يسيرا، ويشيعه سبعون ألف ملك إلى الجنة، ويقول الله تعالى: خذها في هذه
~~الأشهر، ويذهب به إلى الجنة وقد أعد له ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ".
# الرابع عشر: عن عبد الله بن الوليد - من كتاب (ثواب الأعمال) - رفعه إلى
# PageV00P355
# النبي صلى الله عليه وآله، قال: " ثمن الجنة لا إله إلا الله " (1).
# الخامس عشر: قال صلى الله عليه وآله: " من قال: لا إله إلا الله، غرست له
~~شجرة في الجنة من ياقوتة حمراء، منبتها في مسك أبيض، أحلى من العسل، وأشد
~~بياضا من الملح (2)، وأطيب ريحا من المسك، فيها ثمار أمثال أثداء الأبكار،
~~تفلق عن سبعين حلة " (3).
# السادس عشر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ليس شئ إلا وله شئ
~~يعدله إلا (لا إله إلا الله) فإنه ليس له ما يعدله (4)، وكذلك دمعة من خوف
~~الله، فإنه ليس لها مثقال، فإذا سارت (5) على وجهه لم يرهقه قتر ولا ذلة
~~بعدها أبدا (6).
# وما من مؤمن يقول: لا إله إلا الله، إلا محت ما في صحيفته " (7).
# السابع عشر: عن أبي جعفر عليه السلام، عنه صلى الله عليه وآله قال: " قال
~~لي جبرئيل: يا محمد، طوبى لمن ms248 قال من أمتك: لا إله إلا الله وحده وحده وحده
~~- ثلاث مرات - مخلصا بها، وإخلاصه أن تزجره عما حرم الله " (8).
# الثامن عشر: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله: قال جبرئيل: قال الله تعالى: لا إله إلا الله حصني، فمن دخل
~~حصني كان آمنا ".
# PageV00P356
# وقال الإمام عليه السلام (1): " بشروطها " (2) وشروطها: المعرفة،
~~والولاية، والعمل بالأركان.
# التاسع عشر: عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله
~~جالسا وعنده نفر من أصحابه، وفيهم علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال رسول
~~الله:
# " من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة " فقال رجلان من أصحابه: فنحن نقول:
~~لا إله إلا الله، فقال رسول الله: " إنما تقبل شهادة لا إله إلا الله من
~~هذا ومن شيعته (3) - ووضع رسول الله صلى الله عليه وآله يده على رأس علي،
~~وقال لهما -: من علامة ذلك أن (4) لا تجلسا مجلسه ولا تكذبا قوله " (5).
# العشرون: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " (قال رسول الله عليه وآله
~~وسلم:) (6) من قال مائة مرة: " لا إله إلا الله الملك الحق المبين " أعاذه
~~الله تعالى من الفقر، وآنس وحشته في قبره، واستجلب الغنى، واستقرع باب
~~الجنة " (7).
# الحديث الحادي والعشرون: عن أبي عبد الله عليه السلام (عن النبي صلى الله
~~عليه وآله) (8): " من قال في يومه: أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له،
~~إلها واحدا أحدا فردا (9) صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. كتب الله له خمسا
~~وأربعين ألف ألف حسنة، ومحا عنه خمسا وأربعين ألف ألف سيئة، ورفع له خمسا
~~وأربعين ألف ألف درجة، وكان كمن قرأ القرآن في يوم اثنتي عشرة مرة، وبنى
~~الله له بيتا في الجنة ". (10) وقال صلى الله عليه وآله: " من قال في كل
~~يوم ثلاثين مرة: " لا إله إلا الله الحق المبين " استقبل الغنى، واستدبر
~~الفقر، وقرع باب الجنة " (11).
# PageV00P357
# الثاني والعشرون: عن أبي عبد الله قال: " قال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله:
# أكثروا من سبحان ms249 الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن
~~(١) الباقيات الصالحات (٢).
# ومن دعا فختم دعاءه بقول (٣): ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله،
~~أجيبت (٤) دعوته (٥).
# ومن قال في كل يوم سبع مرات: " الحمد لله على كل نعمة كانت أو هي كائنة "
~~فقد أدى شكر ما مضى وشكر ما بقي " (٦).
# الثالث والعشرون: عن سهل بن سعد الأنصاري قال: سألت رسول الله صلى الله
~~عليه وآله عن قول الله تعالى: ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾ (7) قال: " كتب الله
~~تعالى [كتابا] (8) قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، في ورق آس أنبته، ثم وضعها
~~على العرش: [ثم نادى] (9) يا أمة محمد، إن رحمتي سبقت غضبي؟ أعطيتكم قبل أن
~~تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، فمن لقيني منكم يشهد ألا إله إلا أنا
~~وأن محمدا عبدي ورسولي؟ أدخلته الجنة (10) " (11).
# الحديث الرابع والعشرون: عن أبي عبد الله عليه السلام قال (12): " جاء
~~الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله، إن
~~الأغنياء لهم ما يعتقون وليس
# PageV00P358
# لنا، ولهم ما يحجون وليس لنا، ولهم ما يتصدقون وليس لنا، ولهم ما يجاهدون
~~وليس لنا. فقال صلى الله عليه وآله: من كبر الله مائة مرة، كان أفضل من عتق
~~مائة رقبة، ومن سبح الله مائة مرة، كان أفضل من سياق مائة بدنة، ومن حمد
~~الله مائة مرة كان أفضل من حملان مائة فرس في سبيل الله بسروجها ولجمها
~~وركبها، ومن قال: " لا إله إلا الله " مائة [مرة] (١)، كان أفضل الناس عملا
~~في ذلك اليوم إلا من زاد.
# قال: فبلغ ذلك الأغنياء فصنعوه.
# قال: فعادوا إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقالوا: يا رسول الله، قد بلغ
~~الأغنياء ما قلت فصنعوه.
# قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٢) " (٣).
# الخامس والعشرون: عن أبي جعفر قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
# من قال: سبحان الله، غرس الله له شجرة في الجنة. ومن قال: الحمد لله،
~~غرست له شجرة. ms250 ومن قال: لا إله إلا الله، غرس [الله] (٤) له شجرة. ومن قال:
~~الله أكبر، غرس الله له شجرة في الجنة.
# فقال رجل من قريش: يا رسول الله، إن الشجر لنا (٥) في الجنة كثير.
# فقال: نعم، ولكن إياكم، أن ترسلوا عليها نارا فتحرقوها، وذلك أن الله عز
~~وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا
~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (6) " (7).
# وبالإسناد: إن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال لأصحابه ذات يوم:
# " أرأيتم لو جمعتم ما عندكم من الثياب والآنية، ثم وضعتم بعضه على بعض،
~~أكنتم ترون أنه يبلغ السماء؟ " قالوا: لا، يا رسول الله.
# قال: " أفلا أدلكم على شئ أصله في الأرض وفرعه في السماء؟ " قالوا: بلى.
# PageV00P359
# قال: " يقول أحدكم إذا فرغ من الفريضة: سبحان الله والحمد لله ولا إله
~~إلا الله والله أكبر، ثلاثين مرة، فإن أصلهن في الأرض وفرعهن في السماء،
~~وهي تدفع الهدم، والحرق، والغرق، والتردي في البئر، وأكل السبع، وميتة
~~السوء، والبلية التي تنزل من السماء في ذلك اليوم على العبد، وهن الباقيات
~~الصالحات " (1).
# وبالإسناد قال: " من قال: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم وبحمده،
~~كتب الله له ثلاثة آلاف حسنة، (ومحا عنه ثلاثة آلاف سيئة) (2)، ورفع له
~~ثلاثة آلاف درجة، ويخلق منها طائر في الجنة يسبح، ويكون (3) تسبيحه له "
~~(4).
# السادس والعشرون: قال أبو عبد الله عليه السلام: " قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: من قال: الحمد لله كما هو أهله، شغل كتاب السماء (5)،
~~فيقولون: (6) اللهم إنا لا نعلم الغيب، فيقول: اكتبوها كما قالها عبدي وعلي
~~ثوابها " (7).
# وبالإسناد: " من قال إذا أصبح، أربع مرات: الحمد لله رب العالمين، فقد
~~أدى شكر يومه، ومن قالها إذا أمسى فقد أدى شكر ليلته " (8).
# الحديث السابع والعشرون: عن أبي عبد الله قال: " (قال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله) (9) إن الله يمجد نفسه في كل يوم وليلة ثلاث مرات، فمن مجد الله
~~بما مجد به نفسه، وكان في حال شقوة حول إلى السعادة.
# PageV00P360
# فقلت: ms251 كيف هو التمجيد؟
# قال: تقول: اللهم أنت الله لا إله إلا أنت رب العالمين، وأنت الله لا إله
~~إلا أنت الرحمن الرحيم، أنت الله لا إله إلا أنت العلي الكبير، أنت الله لا
~~إله إلا أنت مالك يوم الدين، أنت الله لا إله إلا أنت الغفور الرحيم (1)،
~~أنت الله لا إله إلا أنت [منك] (2) بدء كل شئ وإليك يعود، أنت الله لا إله
~~إلا أنت لم تزل ولا تزال، أنت الله لا إله إلا أنت خالق الخير والشر، أنت
~~الله لا إله إلا أنت خالق الجنة والنار، أنت الله لا إله إلا أنت الأحد
~~الصمد لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوا أحد، أنت الله لا إله إلا أنت الملك
~~القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما
~~يشركون، أنت الله لا إله إلا أنت الخالق البارئ المصور، لك الأسماء الحسنى،
~~يسبح لك ما في السماوات والأرض، وهو (3) العزيز الحكيم، أنت الله لا إله
~~إلا أنت الكبير والكبرياء رداؤك " (4).
# يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه، الحسن بن أبي الحسن الديلمي،
~~أعانه الله على طاعته وتغمده برأفته ورحمته، ممل هذا التمجيد: إنني أتبع
~~هذا التمجيد بقوله: أسألك اللهم بهذه الأسماء التي لا تليق إلا بك، ولا
~~تصلح إلا لك، وبعز جلالك، وكرم وجهك، وباسمك المكتوب في سرادق المجد،
~~وباسمك المكتوب في سرادق البهاء، وأسألك باسمك المكتوب في سرادق العظمة،
~~وأسألك باسمك المكتوب في سرادق العزة، وأسألك باسمك المكتوب في سرادق
~~قدرتك، وأسألك باسمك المكتوب في سرادق الجبروت، وأسألك باسمك المكتوب في
~~سرادق الملكوت، وأسألك باسمك المكتوب في سرادق الجلال، وأسألك باسمك
~~المكتوب في سرادق الكمال، وأسألك باسمك المكتوب في سرادق السرائر، السابق
~~الفائق الفاتق الراتق، الحسن البصير، رب الملائكة الثمانية، رب العرش
~~العظيم، وبالعين التي لا تنام، وبالاسم الأكبر الأكبر الأكبر، وبالاسم
~~الأعظم الأعظم الأعظم، المحيط بملكوت
# PageV00P361
# السماوات والأرض، وبالاسم الذي أشرقت له الشمس، وأضاء به القمر، وفجرت به
~~البحار، ونصبت به الجبال، وبالاسم الذي قام به ms252 العرش والكرسي وما حوله،
~~وبأسمائك المكرمات المقدسات المكنونات المخزونات في علم الغيب عندك، أسألك
~~بذلك كله، وبكل اسم هولك في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم، وبكل
~~اسم هولك سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب
~~عندك، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تعجل فرجهم، وتهب لي في هذه الساعة
~~رضاك، وتسكن قلبي خوفك، وتقطعه عمن سواك، حتى لا أرجو غيرك، ولا أخاف إلا
~~إياك.
# اللهم صل على محمد وآل محمد وهب لي ثبات اليقين، ومحض الإخلاص، وشرف
~~التوحيد، ودوام الاستقامة، ومعدن الصلاح، يا من تملك حوائج السائلين، وتعلم
~~ضمير الصامتين، صل على محمد وآل محمد، واستجب دعائي، واغفر ذنبي، وأوسع
~~رزقي، واكفني المهم من أمري، وأقض لي حوائجي في نفسي وأهلي وإخواني وذريتي،
~~يا أرحم الراحمين.
# الحديث الثامن والعشرون: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " (قال رسول
~~الله صلى الله عليه وآله:) (1) في السواك اثنتا عشرة خصلة: هو من السنة،
~~ومطهرة للفم، ومجلاة للبصر، ويرضي الرحمان، ويبيض الأسنان، ويذهب بالحفر
~~(2)، ويشد اللثة، ويشهي الطعام، ويذهب البلغم، ويزيد في (العقل و) (3)
~~الحفظ، ويضاعف الحسنات، وتفرح به الملائكة (4).
# ولو يعلم الناس ما فيه من المنفعة لأباتوه معهم في اللحاف " (5).
# الحديث التاسع والعشرون: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول
~~الله صلى الله عليه وآله: من قلم أظفاره يوم الجمعة، أخرج الله تعالى من
~~أنامله الداء، وأدخل فيها الدواء " (6).
# PageV00P362
# وقال عليه السلام: تقليم الأظفار يوم الجمعة وأخذ الشارب، يؤمن من الفقر،
~~والبرص، والجذام، والعمى.
# ومن قال حين يقلمها: بسم الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله.
# أعطي بكل قلامة عتق رقبة من ولد إسماعيل، وينبغي أن يبدأ بخنصره من يده
~~اليسرى، ويختم بخنصره من يده اليمنى، وكذلك في قص أظفار رجليه (1).
# وبالإسناد قال: " من قطع ثوبا جديدا، وقرأ (إنا أنزلناه في ليلة القدر)
~~ستا وثلاثين مرة، فإذا بلغ (تنزل الملائكة) رش عليه ماء رشا خفيفا، ثم صلى
~~ركعتين، ودعا بعدهما، ms253 فقال في دعائه: " الحمد لله الذي رزقني من الرياش، ما
~~أتجمل به في الناس وأواري به عورتي، وأصلي به لربي " (2) أكل (3) في سعة
~~حتى يبلى ذلك الثوب " (4).
# الحديث الثلاثون: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: درهم في الخضاب (يعدل عند الله) (5) نفقة ألف درهم في سبيل
~~الله، وفيه أربع عشرة خصلة: يطرد الريح من الأذنين، ويجلو غشاوة البصر،
~~ويلين الخياشيم، ويطيب النكهة، ويشد اللثة، ويذهب الضنى (6)، ويقل وسوسة
~~الشيطان، وتفرح به الملائكة، ويسر (7) به المؤمن، ويغيظ الكافر، وهو زينة،
~~وطيب، وبراءة في قبره، ويستحيي منه منكر ونكير " (7).
# PageV00P363
# الواحد والثلاثون: بالإسناد قال: " غسل الرأس بالخطمة (1) أمان من
~~الصداع، وبراءة من الفقر، وطهور للرأس (2) ويجلب الرزق جلبا " (3).
# وقال عليه السلام: " اغسلوا رؤوسكم بورق السدر، فإنه قدسه (4) كل ملك
~~مقرب ونبي مرسل، ومن غسل رأسه به (5) صرف الله عنه وسوسة الشيطان سبعين
~~يوما، ومن صرف عنه وسوسة الشيطان لم يعص، ومن لم يعص دخل الجنة (6).
# وأن رسول الله صلى الله عليه وآله اغتم فأمره جبرئيل أن يغسل رأسه بالسدر
~~(7) ".
# وقال عليه السلام: " اكتحلوا، فإن الكحل ينبت (8) الشعر، ويجفف الدمعة،
~~ويعذب الريق، ويجلو البصر " (9).
# وقال عليه السلام: " من سرح لحيته سبعين مرة، وعدها مرة مرة، لم يقربه
~~الشيطان أربعين صباحا " (10).
# وقال عليه السلام: " لا تلبسوا النعل السوداء، فإن فيها ثلاث خصال:
# تضعف البصر، وترخي الذكر، وتورث الهم. والبسوا النعل الصفراء، فإن فيها
~~ثلاث خصال: تحد البصر، وتشد الذكر، وتنفي الهم، وهي مع ذلك لباس الأنبياء "
~~(11).
# PageV00P364
# " ومن دخل السوق قاصدا لشراء نعل بيضاء، لم يبلها حتى يكتسب مالا من حيث
~~لا يحتسب ".
# وقال الراوي: إنه شراها فلم يلبث حتى اكتسب مائة دينار من حيث لا يحتسب
~~(1).
# " ولبس الخف أمان من الجذام " (2).
# والثاني والثلاثون: عن أمير المؤمنين عليه السلام (عن رسول الله صلى الله
~~عليه وآله) (3) قال: " من اختلف إلى المساجد أصاب إحدى الثمان: أخا مستفادا
~~في الله، أو علما مستطرفا، أو آية محكمة، أو رحمة منتظرة، أو كلمة ms254 ترده عن
~~ردى، أو تدله على هدى، أو يترك ذنبا خشية، أو حياء " (4).
# " ومن مشى إلى المسجد، لم يضع رجله على رطب ولا يابس، إلا سبحت له الأرض
~~إلى الأرضين السابعة " (5).
# " ومن كان المسجد بيته، والقرآن حديثه، بنى الله له بيتا في الجنة " (6).
# الحديث الثالث والثلاثون: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: " كونوا في الدنيا أضيافا، واتخذوا المساجد بيوتا، وعودوا
~~قلوبكم الرقة، وأكثروا من التفكر والبكاء من خشية الله، واجعلوا الموت نصب
~~أعينكم وما بعده من أهوال القيامة، تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا
~~تأكلون، فاتقوا الله الذي إليه ترجعون " (7).
# PageV00P365
# الرابع والثلاثون: وبالإسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "
~~من قال: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن كتابا، وبمحمد صلى الله
~~عليه وآله نبيا، وبعلي وليا وإماما، وبولده الأئمة أئمة وسادة وهداة. كان
~~حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة " (1).
# الحديث الخامس والثلاثون: عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: "
~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قرأ دبر صلاة الجمعة (فاتحة الكتاب)
~~مرة، و (قل هو الله أحد) (2) سبع مرات، وبعدها (فاتحة الكتاب) مرة، وبعدها
~~سبع مرات (قل أعوذ برب الفلق) (3) وبعدها (فاتحة الكتاب) مرة، وبعدها (قل
~~أعوذ برب الناس) سبع مرات، لم تنزل به بلية، ولم تصبه فتنة، إلى الجمعة
~~الأخرى.
# فإن قال: " اللهم اجعلني من أهل الجنة، التي حشوها البركة، وعمارها
~~الملائكة، مع نبينا محمد وأبينا إبراهيم " جمع الله تعالى بينه وبينهما (4)
~~في الجنة (5).
# ومن صلى على النبي عليه وآله السلام، يوم الجمعة دبر الظهر والعصر، فقال:
~~اللهم صل على محمد وآل محمد الأوصياء الراضين المرضيين بأفضل صلواتك، وبارك
~~عليهم بأفضل بركاتك، والسلام عليهم وعلى أرواحهم وأجسادهم ورحمة الله
~~وبركاته. كتب الله تعالى له مائة ألف حسنة، ومحا عنه مائة ألف سيئة، وقضى
~~له مائة ألف حاجة، ورفع له مائة ألف درجة (6).
# ومن قال عقيب صلاة الظهر ثلاث مرات: اللهم اجعل صلواتك وصلوات ملائكتك
~~ورسلك ms255 على محمد وآل محمد. كانت له أمانا بين الجمعتين.
# PageV00P366
# ومن قال - أيضا - عقيب ظهر الجمعة سبع مرات: اللهم صل على محمد وآل محمد،
~~وعجل فرج آل محمد. كان من أصحاب القائم عليه السلام ".
# السادس والثلاثون: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " كان رسول الله
~~صلى الله عليه وآله في كل يوم من أيام عشر ذي الحجة، يقول هذه الكلمات عشر
~~مرات، عند طلوع الشمس وعند غروبها: لا إله إلا الله عدد الليالي والدهور،
~~لا إله إلا الله عدد أمواج البحور، لا إله إلا الله رحمته خير مما يجمعون،
~~لا إله إلا الله عدد الشوك والشجر، لا إله إلا الله عدد الشعر والوبر، لا
~~إله إلا الله عدد الحجر والمدر، لا إله إلا الله عدد لمح العيون، لا إله
~~إلا الله في الليل إذا عسعس وفي الصبح إذا تنفس، لا إله إلا الله عدد
~~الرياح في البراري والصخور، لا إله إلا الله من يومنا إلى يوم ينفخ في
~~الصور.
# [قال الخليل (1): فسمعته يقول: إن عليا عليه السلام كان يقول: من قال
~~ذلك] (2) في كل يوم من أيام العشر عشر مرات، أعطاه الله عز وجل بكل تهليلة،
~~درجة في الجنة من الدر والياقوت، ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام للراكب
~~المسرع، في كل درجة مدينة فيها قصر من جوهر، لا فصل فيها، في كل مدينة من
~~تلك المدائن، من الدور والحصون والغرف والبيوت والفرش والأزواج والسرر
~~والحور العين، ومن النمارق والزرابي (3)، والموائد والخدم، والأنهار
~~والأشجار، والحلي والحلل، ما لا يصف خلق من المختلقين الواصفين.
# فإذا خرج من قبره أصاب (4) كل شعرة منه نورا، وابتدره ألف (5) ملك يمشون
~~أمامه وعن يمينه وشماله، حتى ينتهي إلى باب الجنة، فإذا دخلها قاموا خلفه
~~وهو أمامهم، حتى ينتهي إلى مدينة ظاهرها ياقوتة حمراء، وباطنها زبرجد
~~خضراء، فيها من أصناف ما خلق الله عز وجل في الجنة، وإذا انتهوا إليها
~~قالوا: يا ولي الله هل تدري ما هذه المدينة بما فيها؟ قال: لا، فمن أنتم؟
~~قالوا: ms256 نحن الملائكة، الذين
# PageV00P367
# شهدناك في الدنيا يوم هللت الله عز وجل بالتهليل، هذه المدينة بما فيها
~~ثوابا لك، وأبشر بأفضل من هذا [من] (1) ثواب الله عز وجل، حتى ترى ما أعد
~~الله لك في داره - دار السلام - في جواره، عطاء لا ينقطع أبدا ".
# قال الخليل: فقولوا أكثر ما تقدرون عليه ليزاد لكم (2).
# السابع والثلاثون: عن أبي عبد الله عليه السلام، يرفعه إلى النبي صلى
~~الله عليه وآله قال: " ليس شئ على الشيطان أشد من القراءة في المصحف نظرا
~~(3)، والمصحف في بيت يطرد الشيطان (4).
# ومن قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ خمسين كتب من
~~الذاكرين، ومن قرأ مائة كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي [آية] (5) كتب من
~~الخاشعين، ومن قرأ ثلاثمائة كتب من الفائزين، ومن قرأ خمسمائة كتب من
~~المجتهدين، ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار، والقنطار خمسمائة (6) ألف مثقال
~~ذهبا، المثقال أربعة وعشرون قيراطا، أصغرها مثل جبل أحد " (7).
# وقال عليه السلام: " لكل شئ ربيع، ربيع القرآن شهر رمضان " (8).
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " من قرأ مائة آية من القرآن - من أي
~~القرآن شاء - ثم قال: يا الله، سبع مرات، فلو دعا على صخرة لفلقها الله (9)
~~" (10).
# PageV00P368
# وقال عليه السلام: " اسم الله الأعظم (1) في (أم الكتاب) (2).
# ومن قرأ (البقرة) و (آل عمران) جاء يوم القيامة تظلانه على رأسه مل
~~الغمامتين " (3).
# عن علي بن الحسين قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله، من قرأ أربع
~~آيات من أول (البقرة) و (آية الكرسي) وآيتين بعدها، وثلاث آيات بعدها (4)،
~~لم ير في نفسه وماله سوءا يكرهه، ولا يقر به شيطان، ولا ينسى القرآن (5).
# ومن قرأ (آية الكرسي (عند منامه، لم يخف الفالج (6)، ووكل الله به خمسين
~~ألف ملك يحفظونه حتى الصباح، وإن فيها خمسين كلمة، في كل كلمة خمسون بركة،
~~ولكل شئ ذروة وذروة القرآن (آية الكرسي).
# ومن قرأ سورة (النساء (في كل جمعة، أمن ضغطة القبر (7).
# ومن قرأ سورة (المائدة) في كل خميس، لم يلبس إيمانه بظلم، ms257 ولم يشرك أبدا
~~(8).
# ومن قرأ سورة (الأنعام) في كل ليلة كان من الآمنين يوم القيامة، ولم ير
~~النار بعينه أبدا (9) ونزلت (الأنعام) على رسول الله صلى الله عليه وآله
~~(10) يشيعها سبعون ألف ملك، فعظموها وبجلوها فإن فيها اسم الله في سبعين
~~موضعا، ولو علم الناس ما
# PageV00P369
# فيها ما تركوها (1).
# ومن قرأ سورة (الأعراف) في كل شهر، كان (من الآمنين) (2) الذين لا خوف
~~عليهم ولا هم يحزنون، ومن قرأها في كل جمعة، كان ممن لا يحاسب يوم القيامة
~~(3)، فلا تدعوا قراءتها، فإنها تشهد يوم القيامة لكل من قرأها " (4).
# وقال عليه السلام: من قرأ (براءة) و (الأنفال) في كل شهر، لم يدخله نفاق،
~~وكان من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام. (5) ومن قرأ سورة (يونس) في كل
~~شهرين أو ثلاثة، لم يخف عليه أن يكون من الجاهلين، وكان يوم القيامة من
~~المقربين " (6).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (هود) في كل جمعة، بعثه الله يوم
~~القيامة في زمرة النبيين، ولم تعرف له خطيئة (7) " (8).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (يوسف) في كل يوم، أو في كل ليلة، بعثه
~~الله عز وجل - يوم القيامة - وجماله كجمال يوسف، ولا يصيبه فزع يوم
~~القيامة، وكان من خيار عباد الله الصالحين " (9).
# وقال عليه السلام: " من أكثر قراءة (الرعد) لم يصبه الله بصاعقة أبدا، و
~~(10)
# PageV00P370
# أدخله الله الجنة بلا حساب، وشفع في جميع من يعرف من أهل بيته وإخوانه "
~~(1).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (إبراهيم) و (الحجر) في ركعتين في كل
~~جمعة، لم يصبه فقر أبدا، ولا جنون، ولا بلوى " (2).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (النحل) في كل شهر، كفي العدم (3) في
~~الدنيا، وسبعين نوعا من أنواع البلاء، أهونه الجنون والجذام والبرص، وكان
~~مسكنه في جنة عدن، وهي وسط الجنان " (4).
# عن أبي جعفر عليه السلام قال: " من قرأ سورة (بني إسرائيل) في كل ليلة
~~جمعة لم يمت حتى يدرك القائم عليه السلام، ويكون معه (5) (6).
# ومن قرأ سورة (الكهف) كل ليلة جمعة، لم يمت إلا شهيدا، وبعثه ms258 الله مع
~~الشهداء " (7).
# وقال عليه السلام: " من قرأ (8) سورة (مريم) لم يمت حتى يصيب ما يعينه
~~(9) في نفسه وماله وولده، وكان في الآخرة من أصحاب عيسى بن مريم، وأعطي
~~فيها مثل ملك سليمان بن داود في الدنيا " (10).
# وقال عليه السلام: " لا تدعوا قراءة سورة (طه) فإن الله تعالى يحبها ويحب
~~من قرأها، ومن أدمن قراءتها أعطاه الله يوم القيامة كتابه بيمينه، ولم
~~يحاسبه بما
# PageV00P371
# عمل، (وأعطاه من الأجر حتى يرضى) (1) " (2).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (الأنبياء) حبا لها، كان كمن رافق
~~النبيين أجمعين في جنات النعيم، وكان مهيبا في أعين الناس (3).
# ومن قرأ سورة (الحج) في كل ثلاثة أيام، وفق للحج، وإن مات في شهره دخل
~~الجنة.
# ومن قرأ سورة (المؤمنين) في كل جمعة، ختم الله له بالسعادة، وكان منزله
~~في الفردوس الأعلى مع النبيين والمرسلين " (4).
# وقال عليه السلام: " حصنوا أموالكم وفروجكم ونساءكم بتلاوة سورة (النور).
~~فإن من أدمن قراءتها في كل يوم أو في كل ليلة، لم يزن أحد من أهل بيته،
~~فإذا مات شيعه (5) سبعون ألف ملك (من قبره إلى الجنة) (6)، كلهم يدعون له
~~ويستغفرون حتى يدخل الجنة (7). (8) ومن قرأ سورة (الفرقان) في كل ليلة، لم
~~يعذبه الله تعالى أبدا، وكان منزله الفردوس الأعلى " (9).
# وقال أبو عبد الله عليه السلام: " من قرأ الطواسين الثلاث - ليلة الجمعة
~~- كان من أولياء الله وجواره (10) وكنفه، ولم يصبه في الدنيا بؤس أبدا،
~~وأعطي في الآخرة من الجنة حتى يرضى وفوق رضاه، وزوجه الله مائة حوراء (11)
~~من
# PageV00P372
# الحور العين " (1).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (العنكبوت) و (الروم) في ليلة ثلاث
~~وعشرين من شهر رمضان، فهو والله من أهل الجنة، لا أستثني به أبدا، ولا أخاف
~~أن يكتب الله علي في يميني إثما، وإن لهاتين السورتين من الله مكانا (2).
# ومن قرأ سورة (لقمان) في كل ليلة، وكل الله به في ليلته ملائكته يحفظونه
~~من إبليس وجنوده حتى يصبح، فإن قرأها نهارا حفظوه (3) حتى يمسي (4).
# ومن قرأ سورة (السجدة) في كل ليلة (5) جمعة، ms259 أعطاه الله كتابه بيمينه،
~~ولم يحاسبه بما كان منه، وكان من رفقاء محمد وأهل بيته صلى الله عليه وآله
~~(6).
# ومن قرأ سورة (7) (الأحزاب) كان يوم القيامة في جوار محمد وأزواجه، وإن
~~سورة (الأحزاب) فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم (8).
# ومن قرأ سورة (سبأ) وسورة (فاطر) في ليله، لم يزل في ليلته في حفظ الله
~~وكلاءته، فإن قرأهما في نهاره، لم يصبه في نهاره مكروه، وأعطي من خير
~~الدنيا والآخرة ما لم يخطر على قلبه ولم يبلغه مناه " (9).
# وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن لكل شئ قلبا وقلب
~~القرآن (ياسين) فمن قرأ (ياسين) (10) قبل أن ينام، أو في نهاره قبل أن
~~يمسي، كان في نهاره من المحفوظين والمرزوقين حتى يمسي، ومن قرأها (11) قبل
~~أن ينام،
# PageV00P373
# وكل الله به ألف ملك يحفظونه من (1) كل شيطان رجيم، ومن كل آفة، ومن مات
~~في يومه أدخله الله الجنة، وحضر غسله ثلاثون ألف ملك، كلهم يستغفرون له،
~~ويشيعونه إلى قبره بالاستغفار له، فإذا أدخل في لحده، كانوا في جوف قبره
~~يعبدون الله، وثواب عبادتهم له، وفتح (2) له في قبره مد بصره، وأمن ضغطة
~~القبر، ولم يزل له في قبره نور ساطع إلى أعنان السماء، إلى أن يخرجه الله
~~من قبره، فإذا أخرجه لم تزل ملائكة الله معه، يشيعونه ويحدثونه ويضحكون في
~~وجهه ويبشرونه بكل خير، حتى يجوزوا به الصراط والميزان، ويوقفونه من الله
~~موقفا لا يكون عند الله خلق أقرب منه، إلا ملائكة الله المقربون وأنبياؤه
~~المرسلون، وهو مع النبيين واقف بين يدي الله، لا يحزن مع من يحزن، ولا يهتم
~~مع من يهتم، ولا يجزع مع من يجزع.
# ثم يقول له الرب تبارك وتعالى: اشفع - عبدي - أشفعك في جميع من تشفع، ولا
~~تحاسب، وسلني - عبدي - أعطك جميع ما تسأل، فيسأل فيعطى، ويشفع فيشفع، ولا
~~يحاسب فيمن يحاسب، ولا يوقف مع من يوقف، ولا يذل مع من يذل، ولا يبكت (3)
~~بخطيئة، ولا بشئ من سوء عمله، ويعطى كتابا منشورا، ms260 حتى يهبط من عند الله،
~~فيقول الناس بأجمعهم: سبحان الله، ما كان لهذا العبد من خطيئة واحدة. ويكون
~~في رفقاء محمد صلى الله عليه وآله " (4).
# وبالإسناد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من قرأ سورة (الصافات) في
~~كل جمعة لم يزل محفوظا من كل آفة، مدفوعا عنه كل بلية (5)، مرزوقا (6)
~~بأوسع ما يكون من الرزق، ولم يصبه الله في ماله ولا ولده ولا بدنه، بسوء من
~~شيطان رجيم، ولا جبار عنيد، فإن من مات في يومه أو في ليلته، بعثه الله
~~شهيدا مع الشهداء في درجتهم (7).
# PageV00P374
# قال: ومن قرأ سورة (صاد) في ليلة الجمعة، أعطي من خير الدنيا والآخرة، ما
~~لم يعط أحد من الناس، إلا نبي مرسل، أو ملك مقرب، وأدخله الله الجنة وكل من
~~أحب من أهل بيته، حتى خادمه الذي يخدمه (1).
# قال: ومن قرأ سورة (الزمر) (2) أعطاه الله تعالى شرف الدنيا والآخرة،
~~وأعزه بلا مال ولا عشيرة، حتى يهابه من يراه، وحرم جسده على النار، وبنى له
~~في الجنة ألف مدينة، في كل مدينة ألف قصر، في كل قصر مائة حوراء، وله مع
~~هذا عينان تجريان، وعينان نضاختان (3)، وحور مقصورات في الخيام (4)، ومن كل
~~فاكهة زوجان (5).
# ومن قرأ (حاميم المؤمن) في كل ليلة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما
~~تأخر، وألزمه كلمة التقوى، وجعل الآخرة خيرا له (6).
# ومن قرأ (حاميم السجدة) كانت له نورا - يوم القيامة - مد بصره، سرورا،
~~وعاش في هذه الدنيا محمودا مغبوطا (7).
# وقال: من أدمن قراءة (حم عسق) بعثه الله يوم القيامة، ووجهه كالثلج - أو
~~كالشمس - حتى يقف بين يدي لله تعالى فيقول: عبدي، أدمنت قراءة (حم عسق) ولم
~~تدر ما ثوابها، (ولو دريت) (8) لما مللت قراءتها، ولكني سأجزيك (9) جزاءك،
~~أدخلوه الجنة وله فيها قصر من ياقوتة حمراء، أبوابها وشرفها ودرجها منها،
# PageV00P375
# يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، وله فيها حور (1) أتراب من
~~الحور العين، وألف جارية، وألف غلام من الولدان المخلدين (2) قال: ومن قرأ
~~(3) (حاميم الزخرف) آمنه الله في ms261 قبره من هوام الأرض، ومن ضغطة القبر (4)
~~ومن قرأ (حم الدخان) (ليلة الجمعة (5)، بعثه الله من الآمنين (6)، وأظله
~~تحت عرشه، وحاسبه حسابا يسيرا، وأعطاه كتابه بيمينه (7).
# قال: ومن قرأ سورة (الجاثية) كان ثوابها أن لا يرى النار أبدا، ولا يسمع
~~بزفير جهنم ولا شهيقها، وهو مع محمد صلى الله عليه وآله (8).
# قال: ومن قرأ كل جمعة سورة (الأحقاف) لم يصبه الله عز وجل بروعة في
~~الدنيا، وآمنه من فزع يوم القيامة (9).
# وقال: إن (الحواميم) ريحان القرآن، فإذا قرأتموها فاحمدوا الله واشكروه
~~على حفظها وتلاوتها، إن العبد يقرأ (الحواميم) فيخرج من فيه أطيب من المسك
~~الأذفر والعنبر، وإن الله تعالى يرحم تاليها، ويرحم جيرانه، وأصدقاءه
~~ومعارفه وكل حميم أو قريب له، ويستغفر له العرش والكرسي وملائكة الله
~~المقربون (10).
# قال: ومن قرأ سورة (محمد) عليه السلام لم يرتب، ولم يدخله شك في دينه
~~أبدا،
# PageV00P376
# ولم يبتله الله بفقر أبدا، ولا بخوف من سلطان أبدا، ولا يزال (1) محفوظا
~~(2) حتى يموت، ووكل (3) الله به في قبره ألف ملك يصلون عليه، ويكون ثواب
~~صلاتهم له، ويشيعونه حتى يوقفوه موقف الآمنين (4).
# ومن قرأ سورة (الفتح) نادى مناد يوم القيامة حتى يسمع الخلائق: أنت من
~~عبادي المخلصين، ألحقوه بالصالحين من عبادي، فأسكنوه جنات النعيم، واسقوه
~~الرحيق المختوم بمزاج الكافور (5).
# قال: ومن قرأ سورة (الحجرات) في كل يوم - أو في كل ليلة - كان من زوار
~~محمد صلى الله عليه وآله (6).
# ومن قرأ (7) سورة (قاف) وسع الله عليه في رزقه، وأعطاه الله كتابه بيمينه
~~(8).
# ومن قرأ سورة (الذاريات) في يومه - أو في ليلته - أصلح الله تعالى له
~~معيشته، وأتاه برزق واسع، ونور له في قبره بسراج يزهر إلى يوم القيامة "
~~(9).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (الطور) جمع الله له خير الدنيا والآخرة
~~" (10).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (النجم) في كل يوم - أو في كل ليلة -
~~عاش محمودا بين الناس، وكان مغفورا له إن شاء الله تعالى " (11).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (اقتربت الساعة) أخرجه الله من ms262 قبره على
# PageV00P377
# ناقة من نوق الجنة " (1).
# وقال عليه السلام: " لا تدع (2) قراءة سورة (الرحمان) والقيام بها، فإنها
~~لا تقر في قلوب المنافقين، ويأتي بها [ربها] (3) يوم القيامة في صورة آدمي
~~في أحسن صورة وأطيب ريح، حتى تقف من الله عز وجل موقفا لا يكون أحد أقرب
~~إلى الله منها، فيقول لها: من الذي كان يقوم بك في الدنيا (4)؟ فتقول: يا
~~رب، فلان وفلان، فتبيض وجوههم، ويقال لهم: اشفعوا فيمن أحببتم (5)، وادخلوا
~~الجنة فاسكنوا حيث شئتم (6).
# وإن قرأها ليلا أو نهارا مات شهيدا " (7).
# وبهذا الإسناد عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من قرأ
~~كل ليلة جمعة (الواقعة) أحبه الله، وحببه إلى الناس أجمعين، ولم ير في
~~الدنيا بؤسا ولا فقرا ولا آفة، وكان من رفقاء أمير المؤمنين عليه السلام،
~~وإنها نزلت فيه خاصة (8).
# ومن اشتاق إلى الجنة وصفتها فليقرأها (9).
# ومن قرأها قبل أن ينام، لقي الله تعالى ووجهه كالقمر ليلة البدر (10).
# قال: ومن قرأ سورة (الحديد والمجادلة) في فريضة، لم يعذبه الله عز وجل
~~أبدا، ولم ير في نفسه وأهله سوءا أبدا ولا خصاصة " (11).
# وعن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من قرأ سورة (الحشر)
~~لم يبق جنة ولا نار. ولا عرش ولا كرسي، ولا حجب السماوات السبع،
# PageV00P378
# والأرضين السبع، والهواء والطير والشجر والجبال، والشمس والقمر،
~~والملائكة، إلا صلوا عليه واستغفروا له، وإن مات في يومه، أو في ليلته، مات
~~شهيدا " (1).
# وقال علي بن الحسين عليه السلام: " من قرأ سورة (الممتحنة) في فرائضه
~~ونوافله، امتحن الله قلبه للإيمان، ونور بصره، ولا يصيبه فقر ولا جنون، في
~~نفسه ولا في ولده " (2).
# وعن أبي جعفر عليه السلام: " من قرأ سورة (الصف) (3) في فرائضه ونوافله،
~~جعله الله في صف ملائكته وأنبيائه المرسلين " (4).
# وقال عليه السلام: " من الواجب على كل مؤمن، إذا كان من شيعتنا، أن يقرأ
~~في ليلة الجمعة ب (الجمعة) و (سبح) وفي الظهر والعصر ب (الجمعة) و
~~(المنافقون) فإذا فعل ذلك فكأنما يعمل عمل ms263 رسول الله، وكان ثوابه على الله
~~الجنة " (5).
# وقال عليه السلام: " من قرأ (التغابن) في فريضته كانت شفيعته يوم
~~القيامة، وشاهد عدل عند من يجيز شهادتها، ثم لا يفارقها (6) حتى تدخله
~~الجنة " (7).
# وقال عليه السلام: " من قرأ بالمسبحات كلها قبل أن ينام، لم يمت حتى يدرك
~~القائم عليه السلام، فإن مات كان من جوار النبي صلى الله عليه وآله " (8).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (الطلاق) و (التحريم) في فريضة، أعاذه
~~الله من أن يكون في القيامة ممن يخاف أو يحزن، وعوفي من النار، وأدخله الله
~~الجنة، بتلاوته إياهما، ومحافظته عليهما، لأنهما للنبي صلى الله عليه وآله
~~" (9).
# وقال عليه السلام: " من قرأ (تبارك الذي بيده الملك) في المكتوبة قبل أن
# PageV00P379
# ينام، لم يزل في أمان [الله] (1) حتى يصبح، وفي أمانه يوم القيامة حتى
~~يدخل الجنة إن شاء الله " (2).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (نون والقلم) في فريضة - أو نافلة -
~~آمنه الله عز وجل [من] (3) أن يصيبه فقر، وأعاذه إذا مات من ضمة القبر إن
~~شاء الله " (4).
# وقال عليه السلام: " أكثروا من قراءة (الحاقة) فإن قراءتها في الفرائض
~~والنوافل من الإيمان بالله ورسوله، لأنها إنما نزلت في أمير المؤمنين عليه
~~السلام ومعاوية، ولم يسلب قارئها دينه حتى يلقى الله عز وجل " (5).
# وقال عليه السلام: " أكثروا من قراءة (سأل سائل) فإن من أكثر قراءتها، لم
~~يسأله الله عز وجل يوم القيامة عن ذنب عمله، وأسكنه الجنة مع محمد صلى الله
~~عليه وآله و (6) أهل بيته إن شاء الله " (7).
# وقال عليه السلام: " من كان يؤمن بالله ويقرأ كتابه لا يدع أن يقرأ سورة
~~(إنا أرسلنا نوحا إلى قومه) فأي عبد قرأها محتسبا صابرا - في فريضة أو
~~نافلة - أسكنه الله عز وجل مساكن الأبرار، وأعطاه ثلاث جنان مع جنته كرامة
~~من الله، وزوجه مائتي حوراء، وأربعة آلاف بنت (8)، إن شاء الله " (9).
# وقال عليه السلام: " من أكثر قراءة سورة (الجن) لم يصبه شئ من أعين الجن،
~~ولا نفثهم ولا سحرهم ولا من كيدهم، وكان مع ms264 محمد عليه الصلاة والسلام،
~~فيقول: يا رب، لا أريد به بدلا، ولا أريد أن أبغي عنه حولا " (10).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (المزمل) في العشاء الآخرة، أو في آخر
# PageV00P380
# الليل، كان له الليل والنهار شاهدين مع سورة المزمل، وأحياه الله حياة
~~طيبة و [أماته] (1) ميتة طيبة " (2).
# وقال عليه السلام: " من قرأ في الفريضة سورة (المدثر) كان حقا على الله
~~عز وجل، أن يجعله مع محمد صلى الله عليه وآله في درجته، ولا يدركه في حياة
~~الدنيا شقاء أبدا، إن شاء الله تعالى " (3).
# وقال عليه السلام: " من أدمن قراءة (لا أقسم) وكان يعمل بها، بعثه الله
~~عز وجل مع رسول الله صلى الله عليه وآله من قبره في أحسن صورة، ويبشره
~~ويضحك في وجهه حتى يجوز على الصراط " (4).
# وقال عليه السلام: " من قرأ (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) في كل
~~غداة خميس، زوجه الله من الحور العين (5)، وكان مع محمد صلى الله عليه وآله
~~" (6).
# وقال عليه السلام: " ومن قرأ (والنازعات) لم يمت إلا ريانا، ولم يبعثه
~~الله إلا ريانا، ولم يدخله الجنة إلا ريانا.
# قال: ومن قرأ (والمرسلات) عرف الله تعالى بينه وبين محمد - يوم القيامة -
~~صلى الله عليه وآله.
# ومن قرأ (عم يتساءلون) لم تخرج سنته - إذا أدمنها في كل يوم - حتى يزور
~~بيت الله الحرام " (7).
# وقال عليه السلام: " ومن قرأ (عبس) و (إذا الشمس كورت) كان (في أمن) (8)
~~من الخيانة، وفي ظل الله وكرامته وجنانه " (9).
# PageV00P381
# وقال عليه السلام: " من قرأ (إذا السماء انفطرت) و (إذا السماء انشقت)
~~وجعلهما نصب عينيه (1)، لم يحجبه الله عن حاجة، ولم يحجزه عن الله حاجز،
~~ولم يزل الله ينظر إليه حتى يفرغ من الحساب " (2).
# وقال عليه السلام: " من كان قراءته في الفريضة (ويل للمطففين) أعطاه الله
~~عز وجل الأمن يوم القيامة من النار، ولا يمر على جسر جهنم، ولا يحاسب "
~~(3).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (البروج) حشره الله مع النبيين
~~والمرسلين " (4).
# وقال عليه السلام: " من قرأ في فرائضه ب (السماء ms265 والطارق) كانت له عند
~~الله يوم القيامة جاها عظيما ومنزلة رفيعة، وكان من رفقاء النبيين وأصحابهم
~~في الجنة " (5).
# وقال عليه السلام: " من أدمن قراءة سورة (الغاشية) (6) غشاه الله برحمته
~~في الدنيا والآخرة، وآمنه من عذاب النار " (7).
# وقال عليه السلام: " اقرؤا سورة (الفجر) في فرائضكم، فإنها سورة الحسين
~~عليه السلام، من قرأها كان معه في درجته من الجنة " (8).
# وقال عليه السلام: " من كان قراءته في فريضة (لا أقسم بهذا البلد) كان في
# PageV00P382
# الدنيا معروفا من الصالحين، وفي الآخرة معروفا أن له من الله مكانا، وكان
~~يوم القيامة من رفقاء النبيين والشهداء والصالحين " (1).
# وقال عليه السلام: " من أكثر قراءة (الشمس وضحاها) (والليل إذا يغشى)
~~(والضحى) و (ألم نشرح) في يومه - أو في ليلته - لم يبق شئ بحضرته إلا شهد
~~له يوم القيامة، حتى شعره وبشره، ولحمه ودمه، وعروقه وعصبه، وعظامه وجميع
~~ما أقلت الأرض منه.
# ويقول الرب تبارك وتعالى، قلت شهادتكم لعبدي وأجزتها له، انطلقوا به إلى
~~جناتي حتى يتخير منها حيث شاء وأحب، فاعطوه إياها من غير من، ولكن رحمة مني
~~وفضلا عليه، فهنيئا هنيئا لعبدي " (2).
# وقال عليه السلام: " من قرأ (والتين) في فرائضه ونوافله، أعطي من الجنة
~~حيث (3) يرضى، إن شاء الله " (4).
# وقال عليه السلام: " من قرأ في يومه أو ليلته (ألم نشرح لك صدرك)
~~(والضحى) و (اقرأ باسم ربك) (5) مات شهيدا، وبعثه الله شهيدا، وأحياه
~~شهيدا، وكان ممن (6) ضرب بسيفه في سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه
~~وآله " (7).
# وقال عليه السلام: " من قرأ (إنا أنزلناه في ليلة القدر) يجهر بها صوته،
~~كان كالشاهر سيفه في سبيل الله عز وجل، ومن قرأها سرا، كان كالمتشحط بدمه
~~في سبيل الله عز وجل، ومن قرأها عشر مرات، محا الله عنه ألف ذنب من ذنوبه "
~~(8).
# وقال عليه السلام: " من قرأ (إنا أنزلناه في ليلة القدر) في فريضة من
~~فرائض الله عز وجل، نادى مناد: يا عبد الله، قد غفر لك ما مضى، فاستأنف
~~العمل " (9).
# PageV00P383
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (لم ms266 يكن) كان بريئا من الشرك، وأدخل في
~~دين محمد صلى الله عليه وآله، وبعثه الله عز وجل مؤمنا، وحاسبه حسابا يسيرا
~~" (1).
# وقال عليه السلام: " لا تملوا من قراءة سورة (إذا زلزلت) فإن من كانت
~~قراءته في نوافله، لم يصبه الله عز وجل بزلزلة أبدا، ولم يمت بها، ولا
~~بصاعقة، ولا بآفة من الآفات، فإذا مات أمر به إلى الجنة، فيقول الله عز
~~وجل: عبدي، أبحتك جنتي، فأسكن منها حيث شئت وهويت، لا ممنوع ولا مدفوع عنها
~~" (2).
# وقال عليه السلام: من قرأ سورة (العاديات) وأدمن قرأتها، بعثه الله تعالى
~~مع أمير المؤمنين عليه السلام - يوم القيامة - خاصة، وكان من رفقائه " (3).
# وقال عليه السلام: " من قرأ (القارعة) وأكثر من قراءتها، آمنه الله عز
~~وجل في فتنة الدجال (4)، ومن فيح جهنم " (5).
# وقال عليه السلام: " ومن قرأ سورة (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) في
~~فريضة، كتب الله له ثواب مائة شهيد، ومن قرأها في نافلة كتب الله له ثواب
~~خمسين شهيدا، وصلى معه في فريضته أربعون صفا من الملائكة " (6).
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من قرأ (ألهاكم التكاثر) عند نومه،
~~وقي فتنة القبر " (7).
# وقال صلى الله عليه وآله: " من قرأ (والعصر) في نوافله، بعثه الله يوم
~~القيامة مشرقا وجهه، ضاحكا سنه، قريرا عينه، حتى يدخل الجنة " (8).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (الهمزة) في فرائضه، بعد الله عنه
~~الفقر، وجلب إليه الرزق، ويدفع عنه ميتة السوء " (9).
# PageV00P384
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (الفيل) شهد له يوم القيامة كل سهل وجبل
~~ومدر، بأنه كان من المصلين، وينادي له يوم القيامة مناد: صدقتم على عبدي،
~~قبلت شهادتكم له، أدخلوه الجنة، ولا تحاسبوه، فإنه ممن أحبه وأحب عمله "
~~(1).
# وقال عليه السلام: " من قرأ (لإيلاف قريش) فأكثر من قراءتها، بعثه الله
~~يوم القيامة على مركب [من مراكب] (2) الجنة، حتى يقعد على موائد النور "
~~(3).
# ومن قرأ في فريضة سورة (الفيل) فليقرأ (4) معها (لإيلاف قريش) فإنهما
~~جميعا سورة واحدة (5).
# وقال عليه السلام: " من قرأ سورة (أرأيت الذي يكذب ms267 بالدين) في فرائضه
~~ونوافله، كان ممن قبل الله عز وجل صلاته وصيامه، ولم يحاسبه بما كان منه "
~~(6).
# وقال عليه السلام: " من كان قراءته (إنا أعطيناك الكوثر) في فرائضه
~~ونوافله، سقاه الله من الكوثر يوم القيامة، وكان منزله (7) عند رسول الله
~~في أصل طوبى " (8).
# وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من قرأ (قل يا أيها الكافرون) و
~~(قل هو الله أحد في فريضة من الفرائض، غفر الله له ولوالديه وما ولدا، وإن
~~كان شقيا محي من ديوان الأشقياء، وأثبت في ديوان السعداء، وأحياه الله
~~سعيدا، وأماته شهيدا، وبعثه شهيدا " (9).
# وقال عليه السلام: " من قرأ (إذا جاء نصر الله) في نافلة أو فريضة، نصره
~~الله على جميع أعدائه، وجاء يوم القيامة ومعه كتاب (10) فيه أمان من جسر
~~جهنم ومن
# PageV00P385
# النار [و] (1) زفيرها، ولا يمر على شئ يوم القيامة إلا بشره، وأخبره بكل
~~خير، حتى يدخل الجنة، ويفتح له في الدنيا من أسباب الخير ما لم يتمن ولا
~~يخطر بباله " (2).
# وقال عليه السلام: " إذا قرأتم (تبت يدا أبي لهب) فادعوا عليه، فإنه كان
~~من المكذبين للنبي صلى الله عليه، وبما جاء به من عند الله عز وجل " (3).
# وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من مضى له يوم واحد، (ولم يصل فيه)
~~(4) ب (قل هو الله أحد) قيل له: يا عبد الله، لست من المصلين " (5).
# وقال عليه السلام: " من مرت له جمعة، ولم يقرأ فيها ب (قل هو الله أحد)
~~ثم مات، مات على دين أبي لهب " (6).
# وقال عليه السلام: " من أصابه مرض أو شدة، ولم يقرأ في مرضه أو شدته (قل
~~هو الله أحد) ثم مات في مرضه أو في شدته، فهو من أهل النار " (7).
# وقال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدع أن يقرأ في دبر الفريضة
~~(قل هو الله أحد) فإنه من قرأها جمع الله له خير الدنيا والآخرة، وغفر له
~~ولوالديه وما ولدا " (8).
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من
~~قرأ ms268 (قل هو الله أحد) مائة مرة (9)، غفر الله له ذنوب خمسين سنة (10).
# وأن النبي صلى الله عليه وآله صلى على سعد بن معاذ، فقال: لقد وافى من
~~الملائكة سبعون (11) ألف ملك - فيهم جبرئيل - يصلون عليه، فقلت: يا جبرئيل،
~~بما
# PageV00P386
# استحق صلاتكم عليه؟ فقال: بقراءة (قل هو الله أحد) قائما وقاعدا وراكبا
~~وماشيا وذاهبا وجائيا " (1).
# وقال عليه السلام: " من أوى إلى فراشه فقرأ (قل هو الله أحد) عشر مرات
~~(2)، حصن (3) في داره ودويرات حوله " (4).
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " من قرأ (قل هو الله أحد) اثنتي عشرة
~~(5) مرة في دبر الفجر، لم يتبعه في ذلك اليوم ذنب، [وإن رغم أنف] (6)
~~الشيطان (7).
# ومن قدم (قل هو الله أحد) بينه وبين جبار، منعه الله تعالى منه، بقراءتها
~~بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، فإذا فعل ذلك، رزقه الله خيره،
~~ومنعه شره " (8).
# وقال: " إذا خفت أمرا فاقرأ مائة آية من القرآن من حيث شئت، ثم قل:
# اللهم اكشف عني البلاء، ثلاث مرات " (9).
# وقال أبو عبد الله عليه السلام لرجل: " أتحب البقاء في الدنيا؟ قال: نعم،
~~قال: ولم؟ قال: لقراءة (قل هو الله أحد) فسكت عنه، ثم قال بعد ساعة: من مات
~~من أوليائنا وشيعتنا، ولم يحسن القرآن، علم في قبره ليرفع الله به درجته،
~~فإن درجات الجنة على قدر آيات القرآن، فيقال لقارئ القرآن: اقرأ [وارق]
~~(10) " (11).
# وعن أبي جعفر عليه السلام قال: " من أوتر بالمعوذتين و (قل هو الله أحد)
~~قيل
# PageV00P387
# له: يا عبد الله، أبشر، فقد قبل (1) وترك " (2).
# PageV00P388
# باب تتمة الأحاديث المقدم ذكرها الثامن والثلاثون: قال النبي صلى الله
~~عليه وآله: " من قدم غريما (1) ليستحلفه، ويعلم أنه يحلف، فتركه تعظيما
~~لله، لم يرض الله له يوم القيامة إلا بمنزلة إبراهيم خليل الرحمن عليه
~~السلام (2).
# ومن بلغه شئ من الثواب على (شئ من الخير) (3) فعمله، كان له أجر ذلك، وإن
~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله (4).
# ولا يتكلم الرجل بكلمة حق فأخذ بها إلا كان له مثل أجر من ms269 أخذ بها، ولا
~~يتكلم بكلمة ضلال يؤخذ بها إلا كان عليه مثل وزر من أخذ بها (5).
# ومن سن سنة هدى، كان له أجر من عمل بها، ومن سن سنة ضلالة، كان عليه مثل
~~وزر من عمل بها (6).
# ومن عمل بما علم كفي ما لم يعلم (7).
# وأربع من كن فيه بنى الله له بيتا في الجنة: من آوى اليتيم، ورحم الضعيف،
~~وأشفق على والديه، ورفق بمملوكه (8).
# ومجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة (9).
# PageV00P389
# ومن حفظ (1) أربعين حديثا (عن رسول الله صلى الله عليه وآله) (2) مما
~~يحتاجون إليه من دينهم، بعثه الله عز وجل يوم القيامة فقيها " (3).
# التاسع والثلاثون: عن أبي عبد الله عليه السلام، (عن رسول الله صلى الله
~~عليه وآله) (4)، قال: " لا يجمع الله تعالى لمؤمن الورع والزهد والإقبال
~~إلى الله تعالى في الصلاة، إلا رجوت له الجنة، وإني لأحب للمؤمن (5) أن
~~يقبل إلى الله في صلاته، ولا يشغل قلبه بأمر الدنيا، فما من مؤمن يقبل
~~بقلبه في صلاته إلى الله، إلا أقبل الله إليه بوجهه، (وأقبل بقلبه إليه
~~بالمحبة، وعطف عليه قلوب المؤمنين بالمحبة). (6) (7) وأيما مؤمن نفس عن
~~مؤمن كربة، نفس الله عنه سبعين كربة من كرب الدنيا وكرب يوم القيامة، ومن
~~يسر على مؤمن وهو معسر، يسر الله عليه حوائجه في الدنيا والآخرة (8)، فإن
~~الله عز وجل في عون المؤمن ما كان المؤمن في عون أخيه المؤمن، انتفعوا
~~بالعظة، وارغبوا في الخير (9).
# ومن أطعم أخاه في الله، كان له من الأجر مثل من أطعم فئاما (10)، قال:
# قلت: ما الفئام؟ فقال: مائة ألف من الناس " (11).
# الأربعون: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله: من أقرض مؤمنا قرضا ينتظر به ميسوره، كان ما له في زكاة، وكان
~~هو في صلاة
# PageV00P390
# الملائكة حتى يؤديه إليه " (1).
# وعن المفضل (2) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " ما من مسلم أقرض
~~مسلما قرضا يريد وجه الله عز وجل، إلا احتسب الله له أجرها بحساب الصدقة،
~~حتى يرجع إليه ms270 (3).
# عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " القرض الواحد بثمانية عشر ضعفا (4)،
~~وإن مات احتسب بها من الزكاة " (5).
# وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لئن أقرض قرضا أحب إلي [من] (6) أن
~~أصل بمثله ".
# قال: وكان يقول: " من أقرض فضرب له أجلا فلم يؤت به عند ذلك الأجل، فإن
~~له من الثواب في كل تأخر عن ذلك الأجل، بمثل صدقة دينار واحد في كل يوم "
~~(7).
# عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال النبي صلى الله عليه وآله: ألف
~~درهم أقرضها مرتين، أحب (إلى الله) (8) من أن أتصدق بها مرة، وكما لا يحل
~~لغريمك أن يمطلك وهو موسر، فكذلك لا يحل لك أن تعسره إذا علمت أنه معسر "
~~(9).
# عن الرضا عليه السلام قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: من اتخذ
~~خاتما فصه عقيق لم يفتقر، ولم يقض له إلا بالتي هي أحسن (10).
# ومر به رجل من أهله مع غلمان الوالي فقال (11): اتبعوه بخاتم عقيق، فاتبع
~~به
# PageV00P391
# فلم ير مكروها " (1).
# وقال: " العقيق حرز في السفر " (2).
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " تختموا بالعقيق يبارك (3) عليكم،
~~وتكونوا في أمن من البلاء " (4) وشكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
~~أنه قطع عليه الطريق، فقال له: " هلا تختمت بالعقيق! فإنه يحرس من كل سوء
~~(5).
# ومن تختم بالعقيق لم يزل ينظر إلى (6) الحسن ما دام في يده، ولم يزل عليه
~~من الله واقية (7).
# ومن صاغ خاتما من عقيق، فنقش فيه: " محمد نبي الله وعلي ولي الله " وقاه
~~الله ميتة السوء، ولم يمت إلا على الفطرة (8).
# وما رفعت إلى الله كف أحب إليه من كف فيها عقيق (9).
# ومن ساهم بالعقيق كان (حظه فيها) (10) الأوفر (11).
# ولما ناجى موسى الله تعالى (12) كلمه على طور سيناء ثم اطلع إلى الأرض
~~اطلاعة فخلق (13) العقيق، فقال سبحانه: آليت بنفسي ألا أعذب كفا لبسته إذا
~~تولى عليا صلوات الله عليه " (14).
# PageV00P392
# وقال عليه السلام: " صلاة ركعتين بفص عقيق تعدل ألف ركعة بغيره " (1).
# وقال عليه السلام: " التختم بالفيروزج، ونقشه: الله الملك، النظر ms271 إليه
~~حسنة، وهو من الجنة، أهداه جبرئيل لرسول الله صلى الله عليه وآله فوهبه
~~لأمير المؤمنين عليه السلام، واسمه بالعربية: الظفر " (2).
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " تختموا بالجزع (3) اليماني، فإنه يرد
~~كيد مردة الشياطين " (4).
# وقال عليه السلام: " التختم بالزمرد يسر لا عسر فيه (5).
# والتختم باليواقيت ينفي الفقر " (6).
# وقال: " ونعم الفص البلور " (7).
# عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن عليه السلام، أنه كان يقول: " من دعا
~~لامرئ (8) من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وكل الله به لكل
~~مؤمن ملكا يدعو له " (9).
# PageV00P393
# وبهذا الإسناد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: " ما من مؤمن يدعو
~~للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إلا كتب
~~الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة، منذ بعث الله آدم إلى أن تقوم الساعة " (1).
# عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من قال كل يوم
~~خمسا وعشرين مرة: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، كتب
~~الله له بعدد كل مؤمن (2) ومؤمنة بقي إلى يوم القيامة حسنة، ومحا عنه سيئة،
~~ورفع له درجة " (3).
# عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه قال: " قال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله: ما من عبد دعا للمؤمنين والمؤمنات، إلا رد الله عليه مثل الذي
~~دعا لهم، من كل مؤمن ومؤمنة مضى من أول الدهر إلى ما هو آت إلى يوم
~~القيامة، وإن العبد ليؤمر به إلى النار ويسحب فيقول المؤمنون والمؤمنات: يا
~~ربنا هذا الذي كان يدعو لنا فشفعنا فيه، فيشفعهم الله فيه، فينجو من النار
~~" (4).
# وعن أبي جعفر عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا
~~دعا أحدكم فليعم، فإنه أوجب للدعاء " (5).
# وقال عليه السلام: " من قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، دفع
~~الله بها عنه سبعين نوعا من البلاء، أيسره الجنون (6) (7).
# ومن خرج من بيته فقال: بسم الله، قال له الملكان: هديت، فإذا قال:
# لا حول ولا قوة إلا بالله، قالا له: وقيت، فإذا قال: توكلت على الله،
~~قالا له: ms272 كفيت، فيقول الشيطان: كيف (أصنع بمن) (8) هدي ووقي وكفي! " (9).
# PageV00P394
# وقال عليه السلام: " من خرج من داره فوقف على بابه وقال: الله أكبر، الله
~~أكبر، الله أكبر، بالله أخرج، وبالله أدخل، وعلى الله أتوكل، اللهم افتح في
~~وجهي هذا بخير، واقض لي فيه بخير، واختم لي بخير، واكفني شر كل دابة أنت
~~آخذ بناصيتها إنك على صراط مستقيم. كفي ما يخاف " ومن توجه في حاجة، فينبغي
~~أن يكون على طهر، فقد قال عليه السلام:
# " عجبا لمن توجه في حاجة على غير طهر، كيف تقضى له! " ويقرأ عن يمينه
~~وشماله وخلفه وأمامه (قل هو الله أحد) و (الحمد) و (آية الكرسي) و ﴿آية الملك﴾ (١) و ﴿شهد الله﴾ (٢) وآيات (آل عمران):
~~﴿إن في خلق السماوات والأرض - إلى قوله
~~- إنك لا تخلف الميعاد﴾ (٣) و (إنا أنزلناه) فإن حاجته تقضى إن شاء
~~الله.
# الحديث الواحد والأربعون: عن أمير المؤمنين عليه السلام (٤): " من خرج في
~~سفره، ومعه عصا لوز مر وتلا هذه الآية (ولما اتجه تلقاء مدين) إلى قوله ﴿والله على ما نقول وكيل﴾ (5) آمنة
~~الله تعالى من كل سبع ضار، وكل لص عاد، وكل ذات حمة (6)، حتى يرجع إلى أهله
~~ومنزله، (ووكل الله) (7) معه سبعة وسبعين من المعقبات (8)، وتنفي عنه
~~الفقر، ولا يجاوره شيطان " (9).
# وقال صلى الله عليه وآله: " إن آدم مرض مرضا شديدا فصابته فيه وحشة، فشكا
~~ذلك إلى جبرئيل فقال له: اقطع واحدة من خشب اللوز وضمها إلى صدرك، ففعل
~~فأذهب الله عنه الوحشة " (10).
# وقال: " من أراد أن تطوى له الأرض، فليتخذ العصا من لوز مر " (11).
# PageV00P395
# " ومن خرج من بيته معتما محنكا مضمون له السلامة " (1).
# وعن أبي الحسن الأول عليه السلام قال: " أنا الضامن لمن خرج من بيته يريد
~~سفرا معتما تحت حنكه، أن لا يصيبه الحرق والغرق والشرق (2) " (3).
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: " إذا ركب الرجل الدابة فسمى، ms273 ردفه ملك
~~يحفظه حتى ينزل، فإن ركب ولم يسم، ردفه الشيطان " (4).
# وقال: " من قال إذا ركب الدابة: بسم الله، لا حول ولا قوة إلا بالله،
~~الحمد لله الذي هدانا لهذا (وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) (5)، سبحان
~~الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. إلا حفظت له نفسه ودابته حتى ينزل
~~(6).
# وما من أحد يخرج من بيته، إلا وعلى بابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد
~~الشيطان، فإن خرج في طاعة الله مشى الملك برايته خلفه، وإن مشى في معصية
~~مشى الشيطان خلفه برايته ".
# وكان أمير المؤمنين عليه السلام يقول عند سفره: " اللهم إني أعوذ بك من
~~وعثاء السفر (7)، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في النفس والأهل والمال
~~والولد.
# اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الحضر، ولا يجمعهما غيرك، لأن
~~المستصحب لا يكون مستخلفا، والمستخلف لا يكون مستصحبا ".
# ويستحب أن يدعو عند توجهه فيقول: اللهم بك يصول الصائل، وبك يطول الطائل،
~~ولا حول لكل ذي حول إلا بك، ولا قوة يمتادوها (8) ذو قوة إلا منك، أسألك
# PageV00P396
# بصفوتك من خلقك محمد نبيك وعترته صلوات الله عليهم، أن تكفيني شر هذا
~~اليوم وضره، وارزقني خيره ويمنه، واقض لي في متصرفاتي بحسن العاقبة، وبلوغ
~~المحبة، والظفر بالأمنية، وكفاية الطاغية، والمعونة على كل ذي أذية، حتى
~~أكون في جنة وعصمة من كل بلاء ونقمة، وأبدلني في المخاوف أمنا، ومن العوائق
~~يسرا، حتى لا يصدني صاد عن المراد، ولا يحل بي طارق من أذى العباد، إنك على
~~كل شئ قدير، والأمور إليك تصير، يا من ليس كمثله شئ وهو السميع البصير.
# ويقرأ الآيات التي ذكرناها.
# الثاني والأربعون: في المرض والعيادة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
# " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الحمى رائد الموت، وسجن الله في
~~أرضه، وحرها من جهنم، وهي حظ كل مؤمن من النار (1).
# ونعم الوجع الحمى يعطي كل عضو حظه من البلاء، ولا خير فيمن لا يبتلى (2).
# وإن المؤمن إذا حم حمى واحدة، تناثرت الذنوب عنه ms274 كورق الشجر، فإن أن على
~~فراشه، فأنينه تسبيح، وصياحه تهليل، وتقلبه على فراشه كمن يضرب بسيفه في
~~سبيل الله، فإن أقبل يعبد الله (مع مرضه) (3)، كان مغفورا له، وطوبى له
~~(4). (5) وحمى ليلة كفارة سنة، لأن ألمها يبقى في الجسد سنة (6).
# وهي كفارة لما (7) قبلها وما بعدها (8).
# ومن اشتكى ليلة، فقبلها بقبولها، وأدى إلى الله شكرها، كانت له كفارة
# PageV00P397
# ستين سنة. (وقبولها: الصبر عليها) (1) (2).
# والمرض للمؤمن تطهير ورحمة، وللكافر تعذيب ولعنة، ولا يزال المرض بالمؤمن
~~حتى لا يبقي عليه ذنبا (3).
# وصداع ليلة يحط كل خطيئة إلا الكبائر " (4).
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: " للمريض أربع خصال: يرفع عنه القلم،
~~ويأمر الله الملك فيكتب له فضل ما كان يعمله في صحته، (وينفي عن كل عضو من
~~جسده ما عمله من ذنب) (5)، فإن مات مات مغفورا له، وإن عاش عاش مغفورا له
~~(6).
# وإذا مرض المسلم كتب الله له كأحسن ما كان يعمل في صحته، وتساقطت ذنوبه
~~ما يتساقط ورق الشجر (7).
# ومن عاد مريضا في الله، لم يسأل المريض للعائد شيئا إلا استجاب [الله]
~~(8) له (9).
# ويوحي الله تعالى إلى ملك الشمال: ألا تكتب على عبدي شيئا ما دام في
~~وثاقي، وإلى ملك اليمين: أن اجعل أنين عبدي حسنات.
# وإن المرض ينقي الجسد من الذنوب، كما يذهب الكير خبث الحديد (10).
# وإذا مرض الصبي كان مرضه كفارة لوالديه " (11).
# وروي أن فيما ناجى به موسى ربه، أن قال: يا رب، أعلمني ما في عيادة
~~المريض من الأجر؟ فقال سبحانه: أوكل به ملكا يعوده في قبره إلى محشره قال:
~~يا رب،
# PageV00P398
# فما لمن غسله إذا مات؟ قال: أغسله من ذنوبه كما ولدته أمه. قال: يا رب،
~~فما لمن شيع جنازته؟ قال: أوكل به ملائكتي ومعهم رايات يشيعونهم من قبورهم
~~إلى محشرهم.
# قال: يا رب، فما لمن عزى (مصابا بمصيبته) (1)؟ قال: أظله بظلي يوم لا ظل
~~إلا ظلي (2).
# وقال عليه السلام: " عائد المريض يخوض في الرحمة، فإذا جلس انغمس فيها ".
# ويستحب الدعاء له فيقول: اللهم رب السماوات السبع، ورب ms275 الأرضين السبع،
~~وما فيهن وما بينهن وما تحتهن، ورب العرش العظيم، صل على محمد وآل محمد،
~~واشفه بشفائك، وداوه بدوائك، وعافه من بلائك، واجعل شكايته كفارة لما مضى
~~من ذنوبه وما بقي (3).
# * * *
# PageV00P399
# باب ما جاء من عقاب الأعمال عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " عبد الله
~~حبر من أحبار بني إسرائيل حتى صار مثل الخلال (1)، فأوحى الله عز وجل إلى
~~نبي زمانه: قل له: وعزتي وجلالي، لو عبدتني حتى تذوب كما تذوب الألية في
~~القدر، ما قبلت منك حتى تأتيني من الباب الذي أمرتك " (2).
# وقال عليه السلام: " إياكم والغفلة، فمن غفل فإنما يغفل عن نفسه، وإياكم
~~والتهاون بأمر الله، فمن تهاون بأمره أهانه الله يوم القيامة " (3).
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من أبغضنا أهل البيت بعثه الله
~~يهوديا (4)، ولو أن عبدا عبد الله بين الركن والمقام ألف سنة، ثم لقي الله
~~بغير ولايتنا، لأكبه الله على منخريه في النار (5).
# ومن مات لا يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية (6).
# والله ما ترك الله الأرض منذ قبض آدم، إلا وفيها إمام يهتدى به، حجة على
~~العباد، من تركه هلك، ومن لزمه نجا " (7).
# وقال الله تعالى في بعض كتبه، لأعذبن كل رعية أطاعت إماما جائرا وإن كانت
~~برة تقية، ولأعفون عن كل رعية أطاعت إماما هاديا، وإن كانت ظالمة مسيئة
~~(8).
# ومن أم قوما وفيهم أعلم منه، لم يزل أمرهم في سفال إلى يوم القيامة (9).
# PageV00P400
# ومن صلى ولم يذكر الصلاة علي وعلى آلي، سلك به غير طريق الجنة، وكذلك من
~~ذكرت عنده ولم يصل علي (1).
# ومن ادعى الإمامة وليس بإمام، فقد افترى على الله وعلى رسوله (2).
# وقال عليه السلام: " ثلاث خصال لا يموت صاحبهن حتى يرى وبالهن:
# البغي، والكذب (3)، وقطيعة الرحم " (4).
# قال الله تعالى: لا تنال رحمتي لمن تعرض للأيمان الكاذبة، ولا أدني مني
~~زانيا (5) ولا قاطع رحم.
# و الجنة محرمة على سافك الدم الحرام، ومدمن خمر، ومنان، ومغتاب (6).
# و قال صلى الله عليه وآله: " من تعصب أو تعصب له، فقد ms276 خلع ربقة الإسلام
~~من عنقه (7).
# وحشره الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية (8).
# وإنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في
~~قلبه مثقال حبة من إيمان (9) وإن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال له: سقر،
~~شكا إلى الله شدة حرة، وسأله أن يأذن له أن يتنفس، فتنفس فأحرق جهنم (10)
~~ومن أذنب ذنبا وهو ضاحك، دخل النار وهو باك " (11).
# PageV00P401
# وقال صلى الله عليه وآله: " إن الرجل لتدخله امرأته النار، فقيل: وكيف
~~تدخله امرأته النار؟ قال: تطلب أن تذهب إلى الحمامات، والعرسات، والنائحات،
~~والثياب الرقاق فيجيبها " (1) وقال عليه السلام: " شاهد الزور لا تزول
~~قدماه حتى تجب له النار. " (2) وما من رجل شهد شهادة زور على مال رجل مسلم
~~ليقطعه، إلا كتب الله له مكانه صكا (3) بالنار (4).
# ومن شهد شهادة حق ليحيى بها حق امرئ مسلم، جاء يوم القيامة ولوجهه نور مد
~~البصر " (5).
# وقال: " شاهد الزور لا تقبل توبته حتى يرد ما شهد به من ماله، وإن شهد
~~معه آخر كان عليه النصف (6).
# ومن حلف على يمين، وهو يعلم أنه كاذب، فقد بارز الله تعالى بالمحاربة
~~(7).
# وإن اليمين الكاذبة تذر الديار بلاقع من أهلها (8).
# وتورث الفقر في العقب (9).
# وإنه لا يعرف عظمة الله من يحلف به كاذبا (10).
# وإن الله تعالى لا يزال ناظرا إلى عبده إذا صلى، ما دام مقبلا على صلاته،
~~فإذا أعرض أعرض الله عنه " (11).
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " من قرأ خلف إمام يأتم به، بعث على غير
# PageV00P402
# الفطرة (1).
# ومن صلى بقوم فطول بعث من أئمة الجور.
# ومن نام عن عشا الآخرة إلى نصف الليل، فلا أنام الله عينه (2).
# ومن أفطر يوما من شهر رمضان، خرج الإيمان من قلبه (3).
# ومن نسي سورة من القرآن، مثلت له يوم القيامة في صورة حسنة ودرجة رفيعة،
~~فإذا رآها قال: من أنت، ما أحسنك، ليتك لي؟! فتقول: أما تعرفني! أنا سورة
~~كذا وكذا، لو لم تنسني لرفعتك إلى هذا المكان " (4).
# وقال عليه السلام وعلى آله: " قال الله تعالى: ms277 ليأذن بحربي من أذل عبدي
~~المؤمن، وليأمن غضبي من أكرمه (5).
# وما من أحد خذله، إلا خذله الله في الدنيا والآخرة " (6).
# وقال عليه السلام: " إن الله عز وجل خلق المؤمن من نور عظمته وجلال
~~كبريائه، فمن طعن عيه أو رد قوله فقد رد على الله في عرشه، وليس هو من الله
~~في شئ، إنما هو شرك شيطان (7).
# وأيما مؤمن كان بينه وبين مؤمن حجاب، ضرب الله بينه وبين الجنة سبعين ألف
~~سور، مسيرة ألف عام ما بين السور إلى السور " (8).
# وقال عليه السلام: " ربح المؤمن على المؤمن ربا (9).
# ومن كان الرهن عنده أوثق من أخيه المسلم فأنا منه برئ " (10).
# PageV00P403
# وقال عليه السلام: " من كان له دار فاحتاج مؤمن إلى سكناها فمنعه إياها،
~~قال الله عز وجل: ملائكتي، عبدي بخل على عبدي بسكنى الدنيا، لا وعزتي لا
~~يسكن جناني أبدا " (1).
# وقال عليه السلام: " أيما مؤمن منع مؤمنا شيئا مما يحتاج إليه - وهو يقدر
~~عليه، أو من عند غيره - أقامه الله يوم القيامة مسودا وجهه، مزرقة عيناه،
~~مغلولة يداه إلى عنقه، فيقال، هذا الخائن الذي خان الله ورسوله، ثم يؤمر به
~~إلى النار (2).
# ومن حبس حق المؤمن، أقامه الله يوم القيامة خمس مائة عام على رجليه، حتى
~~يسيل من عرقه أودية، وينادي مناد من عند الله: هذا الظالم الذي حبس حق
~~المؤمن (3)، ويؤمر به إلى النار (4).
# ومن روى عن مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروته، ليسقط من أعين الناس،
~~أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان " (5).
# وقال عليه السلام: " من عمل عملا لله، فأدخل فيه رضى أحد من الناس، كان
~~مشركا " (6).
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إذا ظهر العلم، واختزن (7) العمل،
~~وائتلفت الألسن، واختلفت القلوب، وتقطعت الأرحام، هنا لك لعنهم الله فأصمهم
~~وأعمى أبصارهم ". (8).
# وقال صلى الله عليه وآله: " أربع لا تدخل بيتا واحدة منهن إلا خرب ولم
~~يعمر بالبركة: الخيانة، والسرقة، وشرب الخمر، والربا (10).
# PageV00P404
# ومن اكتحل بميل من مسكر، كحله الله بميل من نار (١).
# ومن خضع لصاحب سلطان، أو ms278 لمن يخالفه في دينه - طلبا لما في يديه - أخمله
~~الله ومقته ووكله إليه، وإن صار إليه منه شئ نزع الله البركة منه، ولم
~~يؤجره على شئ ينفقه منه في حج ولا عمرة ولا عتق " (٢).
# عن محمد بن فضيل قال: قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام: الرجل من إخواني
~~يبلغني عنه الشئ الذي أكرهه له، فأسأله عنه فينكره، وقد أخبرني عنه قوم
~~ثقات، فقال لي: " يا محمد، كذب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون
~~قسامة، وقال لك قولا، فصدقه وكذبهم، ولا تذيعن (٣) عليه شيئا يشينه تهدم
~~بمروته، فتكون من الذين قال الله فيهم: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب
~~أليم في الدنيا والآخرة﴾ (4) ". (5) إسماعيل بن عمار قال: قلت لأبي عبد
~~الله عليه السلام: المؤمن رحمة؟ فقال:
# " نعم، وأيها مؤمن أتاه أخوه في حاجة، فإنما ذلك رحمة ساقها الله إليه
~~وسببها له، فإن قضاها كان قد قبل رحمة الله بقبولها، وإن ردها - وهو يقدر
~~على قضائها - فإنما رد عن نفسه الرحمة التي ساقها الله إليه وسببها له،
~~وردت الرحمة للمردود عن حاجته (6).
# ومن مشى في حاجة أخيه ولم يناصحه بكل جهده، فقد خان الله ورسوله
~~والمؤمنين (7).
# وأيما رجل من شيعتنا، أتاه رجل من إخوانه، واستعان به في حاجته، فلم يعنه
~~وهو يقدر، ابتلاه الله تعالى بقضاء حوائج أعدائنا ليعذبه بها (8).
# ومن حقر مؤمنا فقيرا واستخف به، واحتقره لقلة ذات يده وفقره، شهره الله
# PageV00P405
# يوم القيامة على رؤوس الخلائق وحقره، ولا يزال ماقتا له (1).
# ومن اغتيب عنده أخوه المؤمن فنصره وأعانه، نصره الله في الدنيا والآخرة.
# ومن لم ينصره ويدفع عنه - وهو يقدر - خذله الله وحقره في الدنيا والآخرة
~~" (2).
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تزال أمتي بخير ما تحاببوا (3)،
~~وأدوا الأمانة، وآتوا الزكاة، فإذا لم يفعلوا ابتلوا بالقحط والسنين (4)
~~(5).
# وسيأتي على أمتي زمان تخبث فيه سرائرهم، وتحسن فيه علانيتهم طمعا في
~~الدنيا (6)، يكون عملهم رياء، لا يخالطهم خوف، ms279 يعمهم الله ببلاء، فيدعونه
~~دعاء الغريق فلا يستجيب لهم " (7).
# وقال صلى الله عليه وآله: " سيأتي على أمتي زمان، لا يبقى من القرآن إلا
~~رسمه، ولا من الإسلام إلا اسمه، يسمون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم
~~عامرة من البناء وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل
~~السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود (8).
# وأن الله تعالى بعث نبيا إلى قومه، فأوحى إليه: قل لهم: ليس من أهل قرية
~~ولا أهل بيت كانوا على طاعتي فأصابهم شر، فانتقلوا عما أحب إلى ما أكره،
~~إلا تحولت لهم عما (9) يحبون إلى ما يكرهون " (10).
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " إن في جهنم رحا تطحن، أفلا تسألوني:
~~ما طحنها!؟ فقيل له: وما طحنها، يا أمير المؤمنين؟ فقال: العلماء الفجرة،
~~والقراء الفسقة،
# PageV00P406
# والجبابرة الظلمة، والوزراء الخونة، والعرفاء الكذبة " (١).
# وقال صلى الله عليه وآله: " إن الله تعالى أنزل على نبي من أنبيائه: إنه
~~سيكون خلق من خلقي، يخلطون الدنيا بالدين، يلبسون للناس مسوك (٢) الضأن على
~~قلوب كقلوب الذئاب، أشد مرارة من الصبر، وألسنتهم أحلى من العسل، وأعمالهم
~~الباطنة أنتن من الجيف، أبي يغترون! أم إياي يخادعون! أم علي يجترون!
~~فبعزتي حلفت، لأبعثن عليهم فتنة تطأ في خطامها حتى تبلغ أطراف الأرض، تترك
~~الحليم (٣) فيها حيران، وألبسهم شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض، أنتقم من أعدائي
~~بأعدائي " (٤).
# وبهذا جاء قوله تعالى: ﴿وكذلك نولي بعض
~~الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون﴾ (5).
# وقال عليه السلام: " إذا ترك (6) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
~~فليأذنوا بوقاع (7) من الله " (8).
# وقال عليه السلام: " إذا غضب الله على أمة (9) ولم ينزل بهم العذاب، غلت
~~أسعارها، وقصرت أعمارها، ولم يربح تجارها، ولم تزك ثمارها، ولم تغزر
~~أنهارها، وحبس عنها أمطارها، وسلط عليها شرارها " (10.
# وقال عليه السلام: " من روع مؤمنا بسلطان، ليصيبه منه مكروه فلم يصبه،
~~فهو في النار (فإن أصابه) (11) فهو مع فرعون وآل فرعون في النار (12).
# وإذا كان يوم القيامة، نادى مناد: أين المؤذون لأوليائي؟ فيقوم قوم ليس ms280
~~على
# PageV00P407
# وجوههم لحم، فيقول: هؤلاء الذين آذوا المؤمنين، ونصبوا لهم العداوة
~~وعاندوهم وعنفوهم في دينهم، ثم يؤمر بهم إلى جهنم.
# ثم قال عليه السلام: كانوا والله يقولون بقولهم، ولكنهم حبسوا حقوقهم
~~وأذاعوا سرهم " (1).
# وقال عليه السلام: " من ولي شيئا من أمور المسلمين فضيعهم، ضيعه الله عز
~~وجل " (2).
# وعن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " من ولي
~~عشرة فلم يعدل فيهم، جاء يوم القيامة ويداه ورجلاه ورأسه في ثقب فأس (3).
# وإذا كان يوم القيامة، نادى مناد: أين الظلمة، (وأعوان الظلمة، وأتباع
~~الظلمة) (4)؟ حتى من لاق (5) لهم دواة، أو ربط لهم كيسا، أو مد لهم مدة
~~قلم، فاحشروهم معهم (6).
# وقال صلى الله عليه وآله: " ما اقترب عبد من سلطان، إلا تباعد من الله،
~~ولا كثر ماله، إلا وطال (7) حسابه، فإياكم وأبواب السلاطين وحواشيه، فإن
~~أقربكم من أبواب السلاطين وحواشيهم، أبعدكم من الله عز وجل، ومن آثر
~~السلطان على الله، أذهب الله عنه الورع وجعله حيرانا " (8).
# وقال صلى الله عليه وآله: " من لقى المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم
~~القيامة وله لسانان من نار (9).
# وبئس العبد عبدا يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه شاهدا ويأكله
# PageV00P408
# غائبا، إن أعطي حسده وإن ابتلي خذله (١).
# وإن الله تعالى أوحى إلي: ليكن لسانك في السر والعلانية واحدا وكذلك
~~قلبك، فإنه لا يصلح لسانان في فم واحد، ولا قلبان في صدر واحد، وكذلك
~~الإدهان (٢) " (٣).
# وقال صلى الله عليه وآله: " من شهد على [رجل] (٤) بكفر باء به [أحدهما]
~~(٥)، فاحذروا الطعن على المؤمن " (٦).
# وقال عليه السلام: يقول الله تعالى:. وعزتي، لا أجيب دعوة مظلوم في مظلمة
~~ولأحد عنده مثل تلك المظلمة (٧).
# وإن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء في زمن جبار: أن قل له: إني لم
~~أستعملك على سفك الدماء واتخاذ الأموال، وإنما استعملتك لتكف عني أصوات
~~المظلومين، فإني لا أردها وإن كانوا كفارا (٨).
# وأنه ما من أحد يظلم بمظلمة إلا أخذه الله بها في نفسه وماله (٩).
# وإن الله يبغض الغني الظلوم (١٠).
# ومن ms281 عذر ظالما في ظلمه، سلط عليه من يظلمه، فإن دعا لم يستجب له (١١).
# وما انتصر الله من ظالم: إلا بظالم، وذلك قوله تعالى: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون﴾
~~(12) ". (13)
# PageV00P409
# وقال عليه السلام: " من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، جاء يوم القيامة
~~مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله (1) وكان كمن هدم الكعبة والبيت المقدس
~~وقتل عشرة آلاف من الملائكة، وأول ما يحكم الله تعالى في الدماء.
# ومن قتل مؤمنا يقال له: مت أي موتة شئت يهوديا أو مجوسيا (2).
# وأوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران: قل لبني إسرائيل: إياكم وقتل النفس
~~الحرام بغير حق، فإن من قتل نفسا قتلته في النار مائة ألف قتلة " (3).
# وقال عليه السلام: " من قرأ القرآن يأكل به الناس، جاء يوم القيامة ووجهه
~~عظم لا لحم عليه " (4).
# وعن عبد الله بن عباس - رحمة الله عليه - قال: خطب بنا رسول الله صلى
~~الله عليه وآله خطبة - وهي آخر خطبة خطبها - فوعظنا بمواعظ ذرفت منها
~~العيون، ووجلت منها القلوب، واقشعرت منها الجلود، وتقلقلت منها الأحشاء،
~~وأمر بلالا فنادى بالصلاة جامعة فاجتمع الناس، وخرج رسول الله صلى الله
~~عليه وآله [حتى ارتقى] (5) المنبر فقال: " يا أيها الناس أدنوا ووسعوا لمن
~~خلفكم " فدنا الناس وانضم بعضهم إلى بعض، فالتفتوا فلم يروا خلفهم أحدا.
# ثم قال: " يا أيها الناس، ادنوا ووسعوا لمن خلفكم " فقال رجل: يا رسول
~~الله، لمن نوسع؟ فقال: " للملائكة " وقال: " إنهم إذا كانوا معكم لم (6)
~~يكونوا من بين أيديكم ولا من خلفكم، ولكن يكونون على أيمانكم وعن شمائلكم
~~".
# فقال رجل: يا رسول الله، لم لا يكونون من بين أيدينا ولا من خلفنا؟ أمن
~~فضلنا عليهم [أم فضلهم علينا] (7)؟ قال: " أنتم أفضل من الملائكة، إجلس "
~~فجلس الرجل، فخطب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " الحمد لله نحمده
~~ونستعينه،
# PageV00P410
# ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا
~~عبده ورسوله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ms282 ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله
~~فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
# يا أيها الناس، إنه كائن في هذه الأمة ثلاثون كذابا، أول من يكون فيهم
~~صاحب صنعاء وصاحب اليمامة.
# يا أيها الناس، إنه من لقى الله عز وجل يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا لم
~~يخلط معها غيرها دخل الجنة ".
# فقام علي بن أبي طالب - صلوات الله عليه - فقال: " يا رسول الله بأبي أنت
~~وأمي فكيف يقولها مخلصا لا يخلط معها غيرها؟ فسر لنا هذا حتى نعرفه " فقال:
~~" نعم حرصا على الدنيا وجمعا (1) من غير حلها، ورضى بها، وأقوام يقولون
~~أقاويل الأخيار ويعملون أعمال الجبابرة، فمن لقى الله وليس فيه شئ من هذه
~~(2) وهو يقول: لا إله إلا الله، فله الجنة، فإن أخذ الدنيا وترك الآخرة فله
~~النار.
# ومن تولى خصومة ظالم أو أعانه عليها، نزل عيه (3) ملك الموت بالبشرى
~~بلعنة الله ونار جهنم خالدا فيها وبئس المصير.
# ومن خف لسلطان جائر في حاجة كان قرينه في النار.
# ومن دل سلطانا على الجور قرن مع هامان، وكان هو والسلطان من أشد أهل
~~النار عذابا.
# ومن عظم صاحب دنيا وأحبه لطمع دنياه، سخط الله عليه، وكان في درجته مع
~~قارون في الدرك (4) الأسفل من النار.
# ومن بنى بنيانا رياء وسمعة، حمله يوم القيامة إلى سبع أرضين، ثم يطوقه
~~نارا توقد في عنقه، ثم يرمى به في النار ".
# فقلنا: يا رسول الله، كيف يبني رياء وسمعة؟
# قال: يبني فضلا على ما يكفيه، أو يبني مباهاة.
# PageV00P411
# ومن ظلم أجيرا أجره، أحبط الله عمله، وحرم الله عليه ريح الجنة، وريحها
~~يوجد من مسيرة خمسمائة عام.
# ومن خان جاره شبرا من الأرض، طوقه [الله تعالى] (1) يوم القيامة إلى سبع
~~أرضين نارا حتى يدخله جهنم.
# ومن تعلم القرآن ثم نسيه متعمدا، لقي الله عز وجل يوم القيامة مجذوما
~~مغلولا، ويسلط الله عليه بكل آية حية موكلة به.
# ومن تعلم القرآن ولم يعمل به وآثر عليه غيره - حب الدنيا وزينتها -
~~استوجب سخط الله ms283 عز وجل، وكان في درجة اليهود والنصارى الذين نبذوا كتاب
~~الله وراء ظهورهم.
# ومن نكح امرأة في دبرها حراما أو رجلا أو غلاما، حشره الله عز وجل يوم
~~القيامة أنتن من الجيفة، يتأذى به الناس حتى يدخل جهنم، ولا يقبل الله منه
~~صرفا ولا عدلا، وأحبط الله عمله، ويدخل في تابوت مشدود بمسامير من حديد،
~~ويضرب عليه في التابوت بصفائح حتى (تشبك حر تلك النار المسامير) (2)، ولو
~~وضع عرق (3) من عروقه على أربعمائة ألف ألف أمة لماتوا جميعا، وهو من أشد
~~الناس عذابا.
# ومن زنى بامرأة يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو مسلمة، حرة أو أمة، أو من
~~كانت من الناس، فتح الله عز وجل عليه في قبره ثلاثمائة ألف باب من النار،
~~تخرج عليه منها حيات وعقارب ولهب (4) من نار، وهو يحترق إلى يوم القيامة،
~~يتأذى الناس من [نتن] (5) فرجه فيعرف به إلى يوم القيامة، [حتى] (6) يؤمر
~~به إلى النار، فيتأذى به أهل الجمع مع ما هم فيه من شدة العذاب، لأن الله
~~حرم فعل المحارم، وما أحد أغير من الله ومن غيرته أنه حرم الفواحش وحد
~~الحدود.
# ومن اطلع في بيت جاره، فنظر إلى عورة رجل أو شعر امرأته، أو شيئا من
~~جسدها، كان حقا على الله أن يدخله النار مع المنافقين الذين كانوا يبتغون
~~(7) عورات
# PageV00P412
# النساء في الدنيا، ولا يخرج من الدنيا حتى يفضحه الله ويبدي للناظرين (1)
~~عورته في الآخرة.
# ومن سخط رزقه وبث شكواه ولم يصبر في (2)، لم يرفع له إلى الله حسنة ولقي
~~الله عز وجل وهو عليه غضبان.
# ومن لبس ثوبا فاختال فيه، خسف به من شفير جهنم، ويتخلخل (3) فيها ما دامت
~~السماوات والأرض، لأن قارون لبس حلة فاختال فيها فخسف به، فهو يتخلخل (4)
~~فيها إلى يوم القيامة.
# ومن نكح امرأة حلالا بمال حلال، غير أنه أراد به فخرا ورياء لم يزده الله
~~- جل وعز - بذلك إلا ذلا وهوانا، وأقامه الله تعالى بقدر ما استمتع منها
~~على شفير جهنم، ثم يهوي فيها سبعين خريفا. ms284
# ومن ظلم امرأة مهرها فهو عند الله زان، يقول الله له عز وجل يوم القيامة:
# عبدي زوجتك أمتي على عهدي، فلم تف لي بالعهد، فيتولى الله عز وجل حقها،
~~فيستوعب حسناته كلها فلا يفي بحقها، فيؤمر به إلى النار.
# ومن رجع عن شهادة وكتمها، أطعمه الله لحمه على رؤوس الخلائق، ويدخل النار
~~وهو يلوك لسانه.
# ومن كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما في القسم من نفسه وماله، جاء يوم
~~القيامة مغلولا (يداه إلى عنقه) (5) حتى يدخل النار.
# ومن كان مؤذيا لجاره من غير حق، حرم الله عليه ريح الجنة، ومأواه جهنم،
~~ألا وإن الله عز وجل ليسأل الرجل عن حق جاره، فمن ضيع حق جاره فليس منا.
# ومن أهان فقيرا مسلما من أجل فقره واستخف به، استخف بحق الله، ولم يزل في
~~مقت الله - عز وجل - وسخطه حتى يرضيه، ومن أكرم فقيرا مسلما لقي الله يوم
~~القيامة وهو يضحك إليه.
# PageV00P413
# من عرضت له دنيا وآخرة، فاختار الدنيا وترك (1) الآخرة، لقي الله - عز
~~وجل - وليست له حسنة يتقي بها النار، ومن أخذ (2) الآخرة وترك الدنيا، لقي
~~الله يوم القيامة وهو عنه راض.
# ومن قدر على امرأة أو جارية حراما وتركها مخافة الله عز وجل، حرم الله
~~عليه النار، وآمنه الله عز وجل من الفزع الأكبر، وأدخله الله الجنة، وإن
~~أصابها حراما حرم الله عليه الجنة وأدخله النار.
# ومن اكتسب مالا حراما، لم يقبل الله منه صدقة ولا عتقا ولا حجا ولا
~~اعتمارا، وكتب الله - جل وعز - بعدد أجر ذلك أوزارا، وما بقي منه بعد موته
~~كان زاده إلى النار. ومن قدر عليها فتركها مخافة الله عز وجل، دخل في محبة
~~الله عز وجل ورحمته، ويؤمر به إلى الجنة.
# ومن صافح امرأة حراما، جاء يوم القيامة مغلولا، ثم يؤمر به إلى النار.
# ومن فاكه امرأة لا يملكها، حبس بكل كلمة كلمها في الدنيا ألف عام،
~~والمرأة إذا طاوعت الرجل فالتزمها (3) حراما أو قبلها أو باشرها حراما، أو
~~فاكهها أو أصاب منها فاحشة، ms285 فعليها من الوزر ما على الرجل، فإن غلبها على
~~نفسها كان على الرجل وزره ووزرها.
# ومن غش مسلما في بيع أو شراء فليس منا، ويحشر مع اليهود يوم القيامة،
~~لأنه من غش الناس فليس بمسلم.
# ومن منع الماعون من جاره إذا أحتاج إليه، منعه الله فضله ووكله إلى نفسه،
~~ومن وكله الله - عز وجل - إلى نفسه هلك، ولا يقبل الله له - جل وعز - عذرا.
# ومن كان له امرأة تؤذيه، لم يقبل الله صلاتها ولا حسنة من عملها حتى
~~تعينه وترضيه، - وإن صامت الدهر وقامت (4)، وأعتقت الرقاب، وأنفقت الأموال
~~في سبيل الله - وكانت أول من يرد النار.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وعلى الرجل مثل ذلك من الوزر
# PageV00P414
# والعذاب، إذا كان لها مؤذيا (1).
# ومن لطم خد مسلم لطمة بدد الله عظامه يوم القيامة، ثم سلط عليه النار،
~~وحشر مغلولا حتى يدخل النار.
# ومن بات وفي قلبه غش لأخيه المسلم، بات في سخط الله وأصبح كذلك وهو في
~~سخط الله، حتى يتوب ويراجع، وإن مات كذلك مات على غير دين الإسلام.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا ومن غشنا (2) فليس منا - قالها
~~ثلاث مرات - ومن يعلق سوطا بين يد سلطان جائر، جعله الله عز وجل حية طولها
~~سبعون (3) ألف ذراع، وتسلط عليه في نار جهنم خالدا فيها مخلدا.
# ومن اغتاب أخاه المسلم بطل صومه ونقض وضوءه، فإن مات وهو كذلك مات وهو
~~مستحل لما حرم الله.
# ومن مشى في نميمة بين اثنين سلط الله عليه في قبره نارا تحرقه إلى يوم
~~القيامة، وإذا خرج من قبره سلط الله عليه تنينا أسود ينهش (لحم وجهه) (4)
~~حتى يدخل النار.
# ومن كظم غيظه، وعفا عن أخيه المسلم، وحلم عن المسلم، أعطاه الله أجر
~~شهيد.
# ومن بغى على فقير وتطاول عليه واستفزه (5) حشره الله يوم القيامة مثل
~~الذرة - في صورة رجل - حتى يدخل النار.
# ومن رد عن أخيه غيبة سمعها في مجلس، رد الله عز وجل عنه ألف باب من ms286 الشر
~~في الدنيا والآخرة، فإن لم يرد عنه وأعجبه كان عليه كوزر من اغتاب.
# ومن رمى محصنا أو محصنة، أحبط الله عمله وجلده يوم القيامة سبعون ألف ملك
~~من بين يديه ومن خلفه، (وسلط عليه تنينا ينهش لحمه) (6)، ثم يؤمر به إلى
~~النار.
# PageV00P415
# ومن شرب الخمر، سقاه الله عز وجل من سم الأوساد (1) ومن سم العقارب شربة
~~يتساقط لحم وجهه (2) ويتأذى به أهل الجمع حتى يؤمر به إلى النار، وشاربها
~~وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها سواء
~~في إثمها وعارها، ألا ومن سقاها يهوديا أو نصرانيا أو صابئيا أو من كان من
~~الناس، فعليه كوزر من شربها، ألا ومن باعها أو اشتراها لغيره، لم يقبل الله
~~- عز وجل - له (3) صلاة ولا صياما ولا حجا ولا اعتمارا حتى يتوب، فإن مات
~~قبل أن يتوب كان حقا على الله أن يسقيه بكل جرعة شرب منها (4) شربة من صديد
~~جهنم، ألا وإن الله عز وجل حرم الخمرة بعينها، والمسكر من كل شراب، ألا وكل
~~مسكر حرام.
# ومن أكل الربا ملأ الله بطنه من نار جهنم بقدر ما أكل، وإن اكتسب منه
~~مالا لم يقبل الله منه شيئا من عمله، ولم يزل في لعنة الله والملائكة ما
~~كان عنده منه قيراط.
# ومن خان أمانة (5) ولم يردها على أربابها، مات على غير دين الإسلام، ولقي
~~الله - عز وجل - وهو عليه غضبان، فيؤمر به إلى النار، فيهوي في (6) جهنم
~~أبد الآبدين.
# ومن شهد شهادة زور على رجل مسلم أو ذمي أو من كان من الناس، علق بلسانه
~~يوم القيامة، وهو مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
# ومن قال لخادمه أو مملوكه أو من كان من الناس: لا لبيك ولا سعديك، قال
~~الله له يوم القيامة: لا لبيك ولا سعديك، اتعس في النار.
# ومن أضر بامرأة حتى تفتدي منه، لم يرض الله عنه بعقوبة دون النار، لأن
~~الله يغضب للمرأة كما يغضب لليتيم.
# ومن سعى بأخيه عند سلطان، ولم يبد له منه سوء ms287 ولا مكروه، أحبط له الله كل
~~عمل عمله، فإن وصل إليه منه سوء أو مكروه أو أذى، جعله الله في طبقة هامان
~~في جهنم.
# PageV00P416
# ومن قرأ القرآن يريد به رياء وسمعة والتماس الدنيا، لقي الله تعالى يوم
~~القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم، وزج (١) القرآن في قفاه حتى يدخله النار،
~~يهوي فيها مع من يهوي.
# ومن قرأ القرآن ولم يعمل به، حشره الله تعالى يوم القيامة أعمى، فيقول:
~~يا ربي لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا؟ قال: ﴿كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾ (2)، ويؤمر
~~به إلى النار.
# ومن اشترى خيانة وهو يعلم أنها خيانة، فهو كمن خانها في عارها وإثمها.
# ومن قاود بين امرأة ورجل، حرمت (3) عليه الجنة، ومأواه جهنم وساءت مصيرا،
~~ولم يزل في سخط الله حتى يموت.
# ومن غش أخاه المسلم، [نزع] (4) الله منه بركة رزقة، وأفسد عليه معيشته،
~~ووكله إلى نفسه.
# ومن اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة، فهو كمن سرقها في عارها وإثمها.
# ومن أهان (5) مسلما فليس منا ولسنا منه في الدنيا والآخرة.
# ألا ومن سمع فاحشة فأفشاها، فهو كمن أتاها، ومن سمع حراما (6) فأفشاه،
~~فكان (7) كمن عمله.
# ومن وصف امرأة لرجل وذكر جمالها، فافتتن الرجل بها فأصاب منها فاحشة، لم
~~يخرج من الدنيا حتى يغضب الله عليه، ومن غضب الله عليه غضبت عليه السماوات
~~السبع والأرضون السبع، وكان عليه من الوزر مثل الذي أصابها.
# قيل: يا رسول الله، فإن تابا وأصلحا.
# قال: يتوب الله عليهما، ولم يقبل توبة الذي وصفها.
# PageV00P417
# ومن ملأ عينيه من امرأة حراما، حشره (1) الله يوم القيامة (مسمرا بسمار)
~~(2) من نار (3) حتى يقضي بين الناس، ثم يؤمر به إلى النار.
# ومن أطعم طعاما رياء وسمعة، أطعمه الله مثله من صديد جهنم، وجعل ذلك
~~الطعام نارا في بطنه حتى يقضي بين الناس.
# ومن فجر بامرأة ولها بعل، يفجر من فرجيهما - من صديد - واد مسيرة خمس
~~مائة عام، يتأذى أهل النار من نتن ريحهما، وكان من أشد الناس ms288 عذابا.
# واشتد غضب [الله] (4) على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها أو غير
~~ذي محرم منها، وإذا فعلت ذلك أحبط الله كل عمل عملته، فإن أوطأت فراشه
~~غيره، كان حقا على الله أن يحرقها في النار بعد أن يعذبها في قبرها.
# وأيما امرأة اختلعت من زوجها، لم تزل في لعنة الله وملائكته ورسله والناس
~~أجمعين، حتى إذا نزل بها ملك الموت، قيل لها: أبشري بالنار. فإذا كان يوم
~~القيامة، قيل لها: ادخلي النار مع الداخلين.
# ألا وإن الله ورسوله بريئان من المختلعات بغير حق، ألا وإن الله ورسوله
~~بريئان ممن أضر بامرأة حتى تختلع منه.
# ومن أم قوما ولم يقتصد بهم حضوره وقراءته وركوعه وسجوده وقيامه وقعوده،
~~(لم تقبل) (5) صلاته ولا تجاوز تراقيه (6)، وكانت منزلته عند الله تعالى
~~كمنزلة إمام جائر معتد (7).
# فقام أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - فقال: بأبي أنت وأمي، ما منزلة
~~إمام جائر معتد (8)؟
# PageV00P418
# قال: هو رابع أربعة أشد الناس عذابا يوم القيامة: إبليس، وفرعون، وقاتل
~~النفس، ورابعهم سلطان جائر.
# ومن أحتاج أخوه المسلم إليه في قرض فلم يقرضه، حرم الله عليه الجنة يوم
~~يجزي المحسنين.
# ومن صبر على سوء خلق امرأته واحتسبه (أعطاه الله تعالى بكل يوما وليلة،
~~يصبر عليها) (1) من الثواب مثل ما أعطى أيوب عليه السلام على بلائه، وكان
~~عليها من الوزر في كل يوم وليلة مثل رمل عالج (2)، (فإن مات) (3) قبل أن
~~يرضى عنها، حشرت يوم القيامة منكوسة مع المنافقين في الدرك الأسفل من
~~النار.
# ومن كانت له امرأة لم توافقه، ولم تصبر على ما رزقه الله تعالى، وشقت
~~عليه وحملته ما لم يقدر عليه، لم يقبل الله منها حسنة تتقي بها النار، وغضب
~~الله عليها ما دامت كذلك.
# ومن أكرم أخاه فإنما يكرم الله، فما ظنكم بمن يكرم الله أن يفعل الله به.
# ومن تولى عراقة (4) قوم (5)، حبس على شفير جهنم بكل يوم ألف سنة، وحشر
~~ويده مغلولة إلى عنقه، فإن كان قام فيهم بأمر الله عز وجل أطلقه الله، ms289 وإن
~~كان ظالما هوى به في نار جهنم سبعين خريفا.
# (ومن يحكم بما لم يحكم به الله) (6)، كان كمن شهد بشهادة زور، ويقذف به
~~في النار، ويعذب بعذاب شاهد الزور.
# ومن كان ذا وجهين ولسانين، كان ذا وجهين ولسانين يوم القيامة.
# ومن مشى في صلح بين اثنين، صلى الله عليه وملائكته حتى يرجع، وأعطي أجر
~~ليلة القدر.
# PageV00P419
# ومن مشى في قطيعة بين اثنين (1)، كتبت عليه لعنة الله حتى يدخل جهنم
~~فيضاعف له العذاب.
# ومن مشى في عون أخيه ومنفعته، فله ثواب المجاهدين في سبيل الله.
# ومن مشى في عيب أخيه وكشف عورته، كانت أول خطوة خطاها في جهنم، وكشف
~~عورته على رؤوس الخلائق.
# ومن مشى إلى ذي قرابة ورحم بصلة، أعطاه الله أجر مائة شهيد، فإن وصله
~~بماله ونفسه جميعا، كان له بكل خطوة أربعون ألف ألف حسنة، ورفع له أربعون
~~ألف ألف درجة، [و] (2) كأنما عبد الله عز وجل مائة سنة.
# ومن مشى في فساد بينهما وقطيعة، غضب الله تعالى عليه ولعنه في الدنيا
~~والآخرة، وكان عليه من الوزر مثل قاطع الرحم.
# ومن عمل في تزويج بين مؤمنين حتى يجمع بينهما، زوجه الله عز وجل ألف
~~امرأة من الحور، كل امرأة في قصر من در وياقوت، وكان له بكل خطوة خطاها
~~وكلمة تكلم بها في ذلك عمل سنة، قيام ليلها، وصيام نهارها.
# ومن عمل في فرقة بين امرأة وزوجها، كان عليه غضب الله ولعنة الله في
~~الدنيا والآخرة، وكان حقا على الله أن يرضخه (3) بألف صخرة من نار.
# ومن مشى في فساد بينهما ولم يفرق، كان في سخط الله ولعنته في الدنيا
~~والآخرة، وحرم الله عليه (4) النظر إلى وجهه.
# ومن قاد ضريرا إلى مسجده أو إلى منزله أو إلى حاجة من حوائجه، كتب الله
~~له بكل قدم رفعها ووضعها عتق رقبة، وصلت عليه الملائكة حتى يفارقه.
# ومن كفى ضريرا حاجة من حوائجه، فمشى فيها حتى يقضيها، أعطاه الله
~~براءتين: براءة من النار، وبراءة من النفاق، وقضى له سبعين ألف ms290 حاجة في
~~عاجل الدنيا، ولم يزل يخوض في رحمة الله حتى يرجع.
# ومن قام على مريض يوما وليلة، بعثه الله مع إبراهيم خليل الرحمن عليه
~~السلام
# PageV00P420
# فجاز على الصراط كالبرق اللامع.
# ومن سعى لمريض في حاجة فقضاها، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
# فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، وإن كان المريض من أهله؟
# فقال صلى الله عليه وآله: فأعظم الناس أجرا من سعى في حاجة أهله، ومن ضيع
~~أهله، وقطع رحمه، حرمه [الله] (1) حسن الجزاء يوم يجزي المحسنين، وضيعه،
~~ومن ضيعه الله فهو يتردد مع الهالكين، حتى يأتي بالمخرج ولن يأتي به.
# ومن أقرض ملهوفا فأحسن طلبته، قيل له: استأنف العمل فقد غفر لك، وأعطاه
~~الله بكل درهم ألف قنطار (2).
# ومن فرج عن أخيه كربة (3)، فرج الله عنه سبعين كربة من كرب الدنيا
~~والآخرة.
# ومن مشى في إصلاح بين امرأة وزوجها، أعطاه الله أجر ألف شهيد فتلوا في
~~سبيل الله، وكان له بكل خطوة يخطوها وكلمة يتكلمها عبادة سنة، قيام ليلها
~~وصيام نهارها.
# ومن أقرض أخاه المسلم، كان له بكل درهم وزن جبل أحد ورضوى وطور سيناء
~~حسنات، وأجازه (4) على الصراط كالبرق اللامع بغير حساب ولا عذاب.
# ومن أحتاج إليه أخوه المسلم فلم يقرضه، حرم الله عليه الجنة يوم يجزي
~~المحسنين.
# ومن شكا إليه أخوه المسلم فلم يقرضه، حرم الله عليه أجر المحسنين.
# ومن منع طالبا حاجته وهو يقدر على قضائها، فعليه مثل خطيئة عشار (5).
# فقام إليه عوف بن مالك فقال: وما يبلغ خطيئة عشار، يا رسول الله؟
# قال: على العشار كل يوم وليلة لعنة الله والملائكة أجمعين، ومن يلعنه فلن
~~يجد
# PageV00P421
# له وليا ولا نصيرا.
# ومن اصطنع إلى أخيه معروفا فمن به عليه، حبط عمله، وخاب سعيه.
# ثم قال: ألا وإن الله - جل وعز - حرم الجنة على المنان (1)، والمختال،
~~والقتات (2)، ومدمن الخمر، والحريص، والجعظري (3) والعتل الزنيم.
# ومن تصدق بصدقة على مسكين، كان له (ما لا يحصى من الأجر) (4)، ولو
~~تداولها أربعون ألف إنسان ثم وصلت إلى المسكين ms291 كان لهم أجرا كاملا، وما عند
~~الله خير وأبقى للذين اتقوا وأحسنوا لو كانوا يعلمون.
# ومن بنى مسجدا في الدنيا، بنى الله بكل شبر منه - أو قال: بكل ذراع منه -
~~مسيرة أربعين ألف ألف عام مدينة من ذهب وفضة ودر وياقوت وزمرد وزبرجد، وفي
~~كل مدينة أربعون ألف ألف قصر، في كل قصر أربعون ألف ألف دار، في كل دار
~~أربعون ألف ألف بيت، وفي كل بيت أربعون ألف سرير، على كل سرير زوجة من
~~الحور العين. في كل بيت ألف ألف وصيف، وأربعون ألف ألف وصيفة، في كل بيت
~~أربعون ألف ألف مائدة، على كل مائدة أربعون ألف ألف قصعة، في كل قصعة
~~أربعون ألف ألف لون من الطعام، ويعطي الله وليه من القوة ما يأتي على تلك
~~الأزواج وعلى ذلك الطعام والشراب.
# ومن تولى أذان مسجد من مساجد الله، فأذن فيه يريد وجه الله، أعطاه الله
~~ثواب أربعين ألف ألف (5) صديق، وأربعين ألف ألف شهيد، وأدخل في شفاعته
~~أربعين ألف ألف أمة، كل أمة أربعون ألف ألف رجل، وكان له في كل جنة من
~~الجنان أربعون ألف ألف مدينة، في كل مدينة أربعون ألف ألف قصر، في كل قصر
~~[أربعون] (6) ألف ألف دار، في كل دار أربعون ألف ألف بيت، في كل بيت أربعون
# PageV00P422
# ألف ألف سرير، على كل سرير زوجة من الحور العين، كل بيت منها مثل الدنيا
~~أربعون ألف ألف مرة، لكل (1) زوجة أربعون ألف ألف وصيف، وأربعون ألف ألف
~~وصيفة، [وفي] (2) كل بيت أربعون ألف ألف مائدة، على كل مائدة أربعون ألف
~~ألف قصعة، في كل قصعة ألف ألف لون من الطعام، لو نزل (3) به الثقلان
~~لأدخلهم في أدنى بيت من بيوتها، لهم فيها ما شاءوا من الطعام والشراب،
~~والطيب واللباس، والثمار والألوان، والتحف والطرائف، والحلي والحلل، كل بيت
~~منها (4) يكتفي بما فيه من هذه الأشياء عما في البيت الآخر.
# فإذا أذن المؤذن فقال: (أشهد ألا إله إلا الله) اكتنفه أربعون ألف ألف
~~ملك، كلهم ms292 يصلون عليه ويستغفرون له، وكان في ظل رحمة الله عز وجل حتى يفرغ،
~~وكتب ثوابه (5) ألف ألف ملك، ثم صعدوا به إلى الله عز وجل.
# ومن مشى إلى مسجد من مساجد الله، فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع إلى منزله
~~عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات.
# ومن حافظ على الجماعة - حيث ما كان - مر على الصراط كالبرق اللامع في أول
~~زمرة مع السابقين، ووجهه أضوأ من القمر ليلة البدر، وكان له بكل يوم وليلة
~~حافظ عليها ثواب شهيد.
# ومن حافظ على الصف المقدم وأدرك التكبيرة الأولى، ولا يؤذي مؤمنا، أعطاه
~~الله من الأجر مثل ما للمؤذن (ومثل ثوابه) (6).
# ومن بنى على ظهر الطريق ما لا يؤذي (7) عابر سبيل، بعثه الله يوم القيامة
~~على نجيب من در، ووجهه يضئ لأهل الجمع نورا، حتى يزاحم خليل الرحمن عليه
~~السلام في قبته. فيقول أهل الجمع: هذا ملك من الملائكة لم ير مثله قط، ودخل
~~في شفاعته الجنة أربعون ألف ألف رجل.
# PageV00P423
# ومن يشفع لأخيه بشفاعة (طلب بها الله) (1)، نظر الله - جل وعز - إليه،
~~وكان حقا على الله أن لا يعذبه أبدا، وإن شفع لأخيه من غير أن يطلبها، كان
~~له أجر سبعين شهيد.
# ومن صام شهر رمضان في إنصات (2) وسكون، وكف سمعه وبصره (ولسانه ووجهه)
~~(3) وجوارحه من الكذب والحرام والغيبة تقربا [إلى الله تعالى] (4) قربه
~~الله منه حتى تمس ركبتاه ركبتي إبراهيم عليه السلام.
# ومن احتفر بئر الماء حتى استنبط ماءها فبذلها للمسلمين، كان له كأجر من
~~توضأ منها وصلى، وكان له بعدد كل (سفر شرب منها من) (5) إنسان أو بهيمة أو
~~سبع أو طائر عتق ألف رقبة، ودخل في شفاعته عدد النجوم، وحوض القدس.
# فقلنا: يا رسول الله، ما حوض القدس؟ قال: حوضي حوضي حوضي - ثلاث مرات -
~~ومن حفر لمسلم قبرا محتسبا حرمه الله عن النار، وبوأه بيتا من الجنة،
~~وأورده حوضا فيه من الأباريق عدد نجوم السماء، عرضه ما بين أيلة (6)
~~وصنعاء.
# ومن غسل ميتا فأدى فيه ms293 الأمانة، كان له بكل شعرة منه عتق رقبة، ورفع له
~~به مائة درجة.
# فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، وكيف يؤدي فيه الأمانة؟
# قال: يستر عورته، ويستر سيآته (7)، وإن لم يستر عورته ويستر سيآته (8)،
~~حبط أجره وكشفت عورته في الدنيا والآخرة.
# ومن صلى على ميت، صلى عليه جبرئيل وتسعون ألف (9) ملك، وغفر له ما تقدم
~~من ذنبه. وإن أقام عليه حتى يدفن، وحثا عليه من التراب، انقلب من الجنازة
# PageV00P424
# وله بكل قدم من حيث شيعها حتى يرجع إلى منزله قيراط من الأجر، والقيراط
~~مثل أحد (1) يكون في ميزانه من الأجر.
# ومن ذرفت عيناه من خشية الله، كان له بكل قطرة من دموعه مثل جبل أحد يكون
~~في ميزانه من الأجر، وكان له بكل قطرة عين من الجنة، على حافتيها (وأبرز
~~له) (2) من القصور ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
# ومن عاد مريضا فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع إلى منزله سبعون ألف ألف
~~حسنة، ومحي عنه سبعون ألف ألف سيئة، ويرفع له سبعون ألف ألف درجة، ووكل به
~~سبعون ألف ألف ملك، يعودونه في قبره، ويستغفرون له إلى يوم القيامة.
# ومن شيع جنازة، فله بكل خطوة حتى يرجع إلى منزله مائة ألف حسنة، ويمحى
~~عنه مائة ألف سيئة، ويرفع له مائة ألف درجة، وإن صلى عليها، شيعه في جنازته
~~مائة ألف ملك كلهم يستغفرون له حتى يرجع، فإن شهد دفنها وكل أولئك المائة
~~ألف ملك به كلهم، يستغفرون له حتى يبعث من قبره.
# ومن خرج حاجا أو معتمرا، فله بكل خطوة حتى يرجع ألف ألف حسنة، ويمحى عنه
~~ألف ألف سيئة، ويرفع له ألف ألف درجة، وكان له عند ربه بكل درهم (3) ألف
~~ألف درهم، وبكل دينار ألف ألف دينار، وبكل حسنة عملها في وجهه ذلك ألف ألف
~~حسنة (4) حتى يرجع، وكان في ضمان الله، فإن توفاه الله أدخله الجنة، يرد
~~يوم القيامة مغفورا له، فاغتنموا دعوته فإنها لا ترد، وإن الله لا ms294 يرد
~~دعاءه، فإنه يشفع في مائة ألف رجل يوم القيامة.
# ومن يخلف حاجا أو معتمرا في أهله بخير بعده، كان له أجر كامل مثل أجره،
~~من غير أن ينقض من أجره شئ.
# ومن خرج مرابطا في سبيل الله أو مجاهدا، فله بكل خطوة سبعمائة ألف حسنة،
~~ويمحى عنه سبعمائة ألف سيئة، ويرفع له سبعمائة ألف درجة، وكان في
# PageV00P425
# ضمان الله حتى يتوفاه (بأي حتف كان كان) (1) شهيدا، وإن رجع رجع مغفورا
~~له، مستجابا له دعاؤه.
# ومن مشى زائرا لأخيه، فله بكل خطوة حتى يرجع إلى منزله عتق مائة ألف
~~رقبة، ويرفع له مائة ألف درجة، ويمحى عنه مائة ألف سيئة، ويكتب له مائة ألف
~~حسنة ".
# فقيل لأبي هريرة: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من أعتق رقبة
~~فهو فداؤه من النار؟ " قال: قلنا لرسول الله صلى الله عليه وآله، قال: "
~~بلى، ولكن يرفع له درجات عند الله في كنوز عرشه.
# ومن قرأ القرآن ابتغاء وجه الله وتفقها في الدين، كان له من الأجر
~~والثواب مثل جميع ما يعطى الملائكة والأنبياء والمرسلين.
# ومن تعلم القرآن يريد به رياء وسمعة، ليماري به السفهاء، ويباهي به
~~العلماء، ويطلب به الدنيا، بدد الله - عز وجل - عظامه يوم القيامة، ولم يكن
~~في النار أشد عذابا منه، وليس نوع من أنواع العذاب إلا سيعذب به، من شدة
~~غضب الله عليه وسخطه.
# ومن تعلم القرآن، وتواضع في العلم، وعلم عباد الله، وهو يريد ما عند
~~الله، لم يكن في الجنة أعظم ثوابا منه، ولا أعلى منزلة منه، ولم يكن في
~~الجنة منزل ولا درجة رفيعة ولا نفيسة، إلا كان له فيها أوفر النصيب وأشرف
~~المنازل.
# ألا وإن العلم خير من العمل، وملاك الدين الورع، ألا وإن العالم من يعمل
~~بالعلم وإن كان قليل العمل، ألا ولا يحتقرن أحد شيئا وإن صغر في أعينكم،
~~فإنه لا صغيرة تصغر مع الإصرار، ولا كبيرة تكبر مع الاستغفار.
# ألا وإن الله - عز وجل - يسائلكم عن أعمالكم حتى عن مس ms295 أحدكم ثوب أخيه
~~بأصبعه، فاعلموا - عباد الله - أن العبد يبعث يوم القيامة على ما مات، وقد
~~خلق الله عز وجل الجنة والنار، فمن اختار النار على الجنة (فأبعده الله)
~~(2).
# PageV00P426
# ألا وإن ربي أمرني أن أقاتل الناس حتى يقولوا (لا إله إلا الله) فإذا
~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله جل وعز.
# ألا وإن الله - جل اسمه - لم يدع شيئا مما يحبه إلا وقد بينه لعباده، ولم
~~يدع شيئا يكرهه إلا وقد بينه لعباده ونهاهم عنه، ليهلك من هلك عن بينة،
~~ويحيى من حي عن بينة.
# ألا وإن الله عز وجل لا يظلم بظلم، ولا يجاوزه ظلم، وهو بالمرصاد ﴿ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي
~~الذين أحسنوا بالحسنى﴾ (1) من أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها (2).
# يا أيها الناس، إنه قد كبرت سني، ودق عظمي، وانهدم جسمي، ونعيت إلي نفسي
~~(3)، ولا أظن إلا أن هذا آخر العهد مني ومنكم، فما دمت حيا فقد تروني، فإذا
~~مت فالله خليفتي على كل مؤمن، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
# فابتدر إليه رهط من الأنصار قبل أن ينزل من المنبر، وكلهم قال: يا رسول
~~الله، جعلنا الله فداك، بأبي أنت وأمي ونفسي لك الفداء يا رسول الله، من
~~يقوم لهذه الشدائد؟ وكيف بالعيش بعد هذا اليوم؟
# قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأنتم فداكم أبي وأمي، إني قد نازلت
~~ربي في أمتي، فقال لي: إن باب التوبة مفتوح حتى ينفخ في الصور.
# ثم أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إنه من تاب قبل موته
~~بسنة تاب الله عليه، ثم قال: وسنة كثيرة، من تاب قبل الموت بشهر تاب الله
~~عليه، ثم قال:
# وشهر كثير، من تاب قبل موته بجمعة [تاب الله عليه] (4) ثم قال: وجمعة
~~كثير، (ثم قال: من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه، ثم قال: ويوم كثير،)
~~(5) من تاب قبل أن يموت بساعة تاب الله عليه، ثم قال: وإن ساعة كثيرة، ms296 ثم
~~قال: من تاب وقد بلغت نفسه هذه - وأومأ بيده إلى حلقه - تاب الله عز وجل
~~عليه.
# PageV00P427
# قال: ثم نزل، وكانت آخر خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لحق
~~بالله عز وجل (1).
# من كلام الحسين عليه السلام قال لرجل: يا هذا لا تجاهد في الرزق جهاد
~~المغالب (2)، ولا تتكل على القدر اتكال مستسلم، فإن ابتغاء (3) الرزق من
~~السنة، والإجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بمانعة رزقا، ولا الحرص
~~بجالب فضلا، وإن الرزق مقسوم، والأجل محتوم (4)، واستعمال الحرص طالب
~~المأثم " (5).
# قال بعض العلماء يصف الصمت فقال: إن في الصمت سبع خصال، كل خصلة تشتمل
~~على ألف خير:
# أولها: إن الصمت عبادة من غير عناء.
# الثاني: زينة من غير حلي.
# الثالث: حصن من غير حافظ.
# الرابع: عز من غير عشيرة.
# الخامس: عصمة وغنى عن الاعتذار والتوبة.
# والسادس: راحة للكرام الكاتبين.
# السابع: ستر لعيبه وعوراته وسقطاته وعثراته، فرب متكلم قد تكلم بكلام كان
~~فيه هلاكه وذهاب ماله، فإن المرء يعثر فتدمى إصبعه أو تتهى (6) رجله، ويعثر
~~بلسانه فيهلك إما في الدنيا أو في الآخرة.
# وروي أن جوارح الإنسان تقول للسان في صبيحة كل يوم: ناشدناك الله إلا ما
~~سكت، فإنا ما نزال بخير ما دمت ساكتا.
# وقال علي بن الحسين عليهما السلام: " إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره،
~~وإن كان عندك اعتذاره، فما كل من تسمعه نكرا، يمكنك أن توسعه عذرا ".
# PageV00P428
# ولقد أحسن لقمان في قوله:
# العلم زين والسكوت سلامة * فإذا نطقت فلا تكن مكثارا ما إن ندمت على سكوت
~~مرة * ولقد ندمت على الكلام مرارا وقال الكسائي - وقد سمعه رجل يحادث عاميا
~~ولا يقيم الإعراب فعجب - فقال الكسائي:
# لعمرك ما اللحن من شيمتي * ولا أنا من خطأ ألحن ولكن قسمت الورى قسمة *
~~فخاطبت كلا بما يحسن ومن كلام الحسن البصري، قال لمن كان عنده: والله لقد
~~عهدت أقواما كانوا في الحلال أزهد منكم في الحرام، وكانوا على النوافل أشد
~~حرصا منكم على الفرائض، وكانوا يسترون حسناتهم كما تسترون ms297 أنتم سيئاتكم،
~~وكانوا من حسناتهم أن ترد عليهم ولا تقبل منهم أشد وجلا وخجلا منكم على
~~سيئاتكم أن تعذبوا بها، والله ما كانوا مع هذا آمنين، ولقد كانوا خائفين
~~وجلين مشفقين.
# وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سأل عن قول الله تعالى ﴿يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ (1)
~~قالوا: يا رسول الله، قلوبهم وجلة مما يأتون من السيئات. قال: " لا، بل
~~يعملون الحسنات ويبالغون في عمل الصالحات، وهم مع ذلك وجلون خائفون أن
~~يكونوا قصروا ".
# ومن كلام حسن ليوسف النبي عليه السلام.
# روي أن زليخة لما افتقرت جلست في طريقه، ثم قالت له بعد أن سلمت:
# أصابتنا فاقة فتصدق علينا، فالحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعتهم،
~~والملوك عبيدا بمعصيتهم.
# فقال لها: غموض النعمة سقم دوامها، فراجعي ما يمحص عنك دون الخطيئة، فإن
~~محل الإجابة قدس القلوب وطهارة الأعمال.
# فقالت: ما اجتمعت لي بعد هبة التمام، وإني لأستحيي أن يرى الله لي موقف
~~استعطاف، ولما تهرق العين دمعتها، ويؤدي الجسم ندامته.
# فقال لها: فبادري وجدي قبل مزاحمة العدة ونفاد المدة.
# PageV00P429
# فقالت: هو عقيدتي، وسيبلغك إن بقيت بعدي.
# فأمر لها بقنطار من المال.
# فقالت: بل القوت بتة، فإني لا أعود إلى الخفض في العيش، وأنا مأسورة في
~~قيد الخطيئة.
# فقال بعض ولد يوسف: يا أباه، من هذه التي فقد تفتت لها كبدي ورق لها
~~قلبي؟
# فقال له: هذه دابة البرح (١)، وسبب البلية في حبال الانتقام.
# ثم تزوجها فوجدها بكرا، فقال لها: أنى هذا، وقد كان لك بعل!؟
# فقالت: كان محصورا بفقد الحركة وصرد (٢) المجاري.
# يقول الحسن بن أبي الحسن الديلمي - أعانه الله على طاعته وتغمده برأفته
~~ورحمته -: إني لأعجب من قوم ينسبونه إلى الاهتمام بالمعصية، وقد نزهه الله
~~عنها في سبع مواضع من السورة، منها:
# قوله تعالى حكاية عنها: (الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه) (٣) فاستعفى
~~فلو لم تكن هي المراودة دونه، لم يكن للكلام معنى، لأنها إنما أرادت تنزيهه
~~عن المراودة بما شهدت ms298 له.
# ومنها قول النساء: (حاش لله ما علمنا عليه من سوء) (٤).
# ومنها قول الطفل إنطاق من الله تعالى وبرهان كبير في تنزيهه ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من
~~الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى
~~قميصه قد من دبر قال﴾ (٥) يعني العزيز حيث رأى برهان الله بنطق الصغير
~~في المهد، معجزة وحجة ظاهرة في تنزيهه من اهتمام المعصية ﴿إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ (6).
# PageV00P430
# ومنها قوله: ﴿رب السجن أحب إلي مما
~~يدعونني إليه﴾ (١).
# ومنها قول الله تعالى مخاطبا لإبليس حين قال: ﴿لأغوينهم أجمعين﴾ (٢) فقال: إلا عبادي المخلصين (٣). ولا
~~شك ولا ارتياب أنه من المخلصين المصطفين بشهادة الله له أنه صديق. وأيضا إن
~~إبليس قال: ﴿إلا عبادك منهم
~~المخلصين﴾ (٤) فأي ريب أو شك يعتري أحدا في نزاهته، لولا العمى والهوى
~~والارتياب واتباع الخرص، وقد شهد الله تعالى له بالبراءة والتنزيه والنسوة
~~وزليخة والطفل والعزيز، وقوله: ﴿رب السجن أحب إلي﴾ (٥) وإبليس بقوله: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ (6).
# PageV00P431
# ويقول - أيضا - الحسن بن أبي الحسن الديلمي، أعانه الله على طاعته، وأيده
~~بعصمته، وحشره مع سادته وأئمته محمد النبي وأخيه أمير المؤمنين علي بن أبي
~~طالب وعترته صلوات الله عليهم جميعا: إنني أثبت في هذا الكتاب ما نقلته في
~~كتاب (المؤمن) تصنيف الحسين بن سعيد الأهوازي بحذف الإسناد إحالة على سنده
~~قال:
# باب ما يبتلى به المؤمن (عن الحسن بن علي بن فضال) (1) عن زرارة قال:
~~سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: " في قضاء الله للمؤمنين كل خير " (2).
# وقال عليه السلام: " لا يقضي الله تعالى قضاء للمسلم إلا كان خيرا له،
~~ولو قطع قطعة قطعة كان خيرا له، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له
~~" (3).
# وقال عليه السلام: " لو يعلم المؤمن ms299 ما له في المصائب من الأجر، لتمنى أن
~~يقرض بالمقاريض " (4).
# وقال الحسين عليه السلام: " والله للبلاء والفقر والقتل أسرع إلى من
~~أحبنا من ركض البراذين، ومن السيل إلى صمره (5) وهو منتهاه " (6).
# وقال رجل لأمير المؤمنين عليه السلام: والله إني أحبك في الله.
# فقال: " صدقت، إن طينتنا طينة مخزونة، أخذ الله ميثاقها من صلب آدم، إذهب
~~فاتخذ للفقر جلبابا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا علي
~~إن الفقر لأسرع إلى محبيك من السيل إلى بطن الوادي " (7).
# PageV00P432
# وقال أبو عبد الله عليه السلام: " إن الشياطين أكثر على المؤمنين من
~~الزنابير على اللحم (1).
# وما منكم من عبد ابتلاه الله بمكروه فصبر، إلا كتب الله له أجر ألف شهيد
~~" (2).
# وقال عليه السلام: " إن فيما أوحى الله إلى موسى عليه السلام: ما خلقت
~~خلقا أحب إلي من عبدي المؤمن، وإني إنما ابتليته لما هو خير له، وأعطيته
~~لما هو خير له، أعاقبه لما هو خير له، وأروعه لما هو خير له) (3)، وأنا
~~أعلم بما يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي، وليرض بقضائي، وليشكر نعمائي،
~~أكتبه في الصديقين عندي، إذا عمل برضاي وأطاعني " (4).
# وقال أبو جعفر عليه السلام: " إن الله - تبارك وتعالى - إذا كان من أمره
~~أن يكرم عبدا وله عنده ذنب، ابتلاه بالسقم، فإن لم يفعل فبالحاجة (5)، فإن
~~لم يفعل شدد عليه عند الموت، وإذا كان من أمره أن يهين عبدا، وله عنده
~~حسنة، أصح بدنه، فإن لم يفعل وسع عليه في معيشته، فإن لم يفعل هون عليه
~~الموت " (6).
# وقال عليه السلام: " بينا موسى يمشي على ساحل البحر، إذ جاء صياد فخر
~~للشمس ساجدا وتكلم بالشرك، ثم ألقى شبكته فخرجت مملوءة، ثم ألقاها فخرجت
~~مملوءة، ثم أعادها فخرجت مملوءة فمضى، ثم جاء آخر فتوضأ وصلى وحمد الله
~~وأثنى عليه، ثم ألقى شبكته فلم يخرج فيها شئ - ثلاث مرات - غير سمكة صغيرة،
~~فأخذها وحمد الله وأثنى عليه وانصرف.
# فقال موسى: يا رب، عبدك الكافر تعطيه مع كفره، وعبدك المؤمن لم تخرج له ms300
~~غير سمكة صغيرة، فأوحى الله إليه: انظر عن يمينك، فكشف له عما أعد الله
~~لعبده المؤمن، ثم قال: أنظر عن يسارك، فكشف له عما أعد الله للكافر، فنظر،
~~ثم قال: يا موسى ما نفع هذا الكافر ما أعطيته، ولا ضر هذا المؤمن ما منعته.
# PageV00P433
# فقال موسى: يا رب، يحق لمن عرفك أن يرضى بما صنعت " (1).
# وقال عليه السلام: " إن أهل الحق منذ كانوا لم يزالوا في شدة، أما إن ذلك
~~إلى مدة قريبة وعافية طويلة (2).
# وإن الله جعل وليه غرضا لعدوه (3) ".
# وقال رجل لأبي عبد الله عليه السلام: إن من قبلنا يقولون: إن الله إذا
~~أحب عبدا نوه به منوه من السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيلقي الله له
~~المحبة في قلوب العباد. وإذا أبغضه نوه منوه من السماء: إن الله يبغض فلانا
~~فأبغضوه، فيلقي الله له البغضاء في قلوب العباد.
# قال: وكان عليه السلام متكئا فاستوى جالسا ثم نفض كمه، ثم قال: " ليس
~~هكذا، ولكن إذا أحب الله - عز وجل - عبدا أغرى به الناس ليقولوا فيه ما
~~يأجره ويؤثمهم، وإذا أبغض عبدا ألقى الله - عز وجل - له المحبة في قلوب
~~العباد [ل] (4) يقولوا ما ليس فيه ليؤثمهم وإياه.
# ثم قال: من كان أحب إلى الله - عز وجل - من يحيى بن زكريا! ثم أغرى به
~~جميع من رأيت، حتى صنعوا [به ما صنعوا] (5).
# من كان أحب إلى الله - عز وجل - من الحسين بن علي عليهما السلام! ثم أغرى
~~به حتى قتلوه.
# من كان أبغض إلى الله من أبي فلان وفلان! ليس كما قالوا " (6).
# وقال عليه السلام: " إن الله إذا أحب عبدا أغرى به الناس (7).
# وإن الله تعالى أخذ ميثاق المؤمن على أربع: مؤمن مثله يحسده، ومنافق يقفو
~~أثره، وشيطان يفتنه، وكافر يرى جهاده وقتله. فما بقاء المؤمن مع هذا؟ (8)!؟
# PageV00P434
# وإن الله تعالى يتعاهد عبده المؤمن بالبلاء، كما يتعاهد الرجل أهله
~~بالهدية، ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض. (1) وإن لله عبادا من
~~خلقه، ما من بلية (2) أو تقتير في الرزق ms301 إلا ساقه إليهم، ولا عافيه أو سعة
~~في الرزق إلا صرف عنهم. ولو أن نور أحدهم قسم بين أهل الأرض لاكتفوا به
~~(3).
# وإنه ليذود المؤمن عما يكره، كما يذود الرجل البعير الأجرب عن إبله (4).
# ما من مؤمن تمر عليه أربعون ليلة، إلا تعاهده الرب بوجع في بدنه، أو ذهاب
~~مال. ولا بدله من ثلاث - وربما اجتمعت له -: أن يكون معه في داره من يؤذيه
~~[أو جار يؤذيه، أو من في طريقه إلى حوائجه [يؤذيه] ولو أن مؤمنا على قلة
~~جبل لبعث الله شيطانا يؤذيه] (5)، ويجعل الله له من إيمانه أنسا " (6) وقال
~~رسول الله صلى الله عليه وآله: " يقول الله تعالى: يا دنيا موري (7) على
~~عبدي المؤمن بأنواع البلاء، وضيقي عليه في معيشته، ولا تحلو لي له فيسكن
~~إليك " (8).
# وقال أبو الصباح (9): قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما أصاب المؤمن من
~~بلاء، أفبذنب؟
# قال: " لا، ولكن ليسمع أنينه وشكواه ودعاءه، ليكتب له الحسنات، ويحط عنه
~~السيئات (10).
# وإن الله ليعتذر إلى عبده المؤمن كما يعتذر الأخ إلى أخيه، فيقول: لا -
~~وعزتي - ما أفقرتك لهوانك علي، فارفع هذا الغطاء، فيكشف فينظر ما عوضه
~~فيقول: ما
# PageV00P435
# ضرني يا رب مع ما عوضتني (1).
# وما أحب الله قوما إلا ابتلاهم، وإن عظيم الأجر لمع عظيم البلاء (2).
# وإن الله تعالى يقول: إن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح لهم أمر دينهم
~~إلا بالغنى والصحة في البدن فأبلوهم به، وإن من العباد لمن لا يصلح لهم أمر
~~دينهم إلا بالفاقة والمسكنة والسقم في أبدانهم فأبلوهم به فيصلح لهم أمر
~~دينهم (3).
# وإن الله أخذ ميثاق المؤمن على أن لا يصدق في مقالته، (ولا ينتصر على
~~عدوه) (4) (5).
# وإن الله إذا أحب عبدا غبه بالبلاء غبا (6)، فإذا دعا قال له: لبيك عبدي،
~~إني على ما سألت لقادر، ولئن ادخرت لك فهو خير لك (7).
# وإن حواريي عيسى شكوا إليه ما يلقون من الناس، فقال لهم: إن المؤمنين لم
~~يزالوا مبغضين " (8).
# وقال أبو عبد الله عليه السلام لأصحابه: " إن أردتم أن تكونوا ms302 أصحابي
~~وإخواني، فوطنوا أنفسكم على العداوة والبغضاء من الناس، وإلا فلستم لي
~~بأصحاب (9).
# وإن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض، ولا يعطي الآخرة إلا أهل صفوته (10).
# وإن الله يقول: لا أصرف عبدي المؤمن عن شئ، إلا جعلت ذلك خيرا له، فليرض
~~بقضائي، وليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، أكتبه في الصديقين عندي (11).
# PageV00P436
# وتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألا تسألوني مم ضحكت؟
# قالوا: بلى، يا رسول الله.
# قال: عجبت للمرء المسلم، لا يقضي الله له القضاء إلا كان خيرا له (1).
# وإنه ليكون للعبد عند الله منزلة لا يبلغها إلا بإحدى خصلتين: إما بمرض
~~في جسم، أو بذهاب مال " (2).
# PageV00P437
# باب ما خص الرب تعالى المؤمن من الكرامة والثواب قال أبو عبد الله عليه
~~السلام: " إذا أحسن العبد المؤمن، ضاعف الله له عمله سبعمائة ضعف، وذلك
~~قوله تعالى: ﴿يضاعف لمن يشاء﴾ (1).
~~(2).
# وإن المؤمن ليزهر نوره لأهل السماء كما تزهر نجوم السماء لأهل الأرض وإن
~~المؤمن ولي الله عز وجل، يعينه ويصنع له، ولا يقول على الله إلا الحق، ولا
~~يخاف غيره " (3).
# وقال عليه السلام: " إن المؤمنين يلتقيان فيتصافحان، فلا يزال الله تعالى
~~مقبلا عليهما، والذنوب تتحات عنهما حتى يفترقا (4).
# وينزل الله عليهما مائة رحمة تسع وتسعون لأشدهما حبا لصاحبه، (5) وافترقا
~~من غير ذنب (6).
# وإن جبرئيل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا
~~محمد، إن ربك يقول: من أهان عبدي المؤمن فقد استقبلني بالمحاربة، وما ترددت
~~في شئ أنا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته
~~(7).
# وإذا مات المؤمن صعد ملكاه فقالا: يا ربنا أمت فلانا، فيقول: انزلا فصليا
~~عليه عند قبره وهللاني وكبراني، واكتبا ما تعملان له " (8).
# وقال أبو عبد الله عليه السلام: " إن رؤيا المؤمن جزء من سبعين جزء من
~~النبوة (9).
# وإن الله عز وجل إذا أحب عبدا عظمه (10) وجعل غناه في نفسه، ونوره بين
# PageV00P438
# عينيه، وإذا بغضه وكله إلى نفسه، وجعل فقره بين عينيه " (١) وقال ms303 عليه
~~السلام: " إن العبد ليدعو فيقول الرب عز وجل: يا جبرئيل اهبط بحاجته،
~~وأوقفها بين السماء والأرض شوقا إلى صوته بتضرعه (٢).
# وإن موت المؤمن لمن ثلم الدين (٣).
# وإن عمل المؤمن يذهب فيمهد له في الجنة، كما يرسل الرجل غلامه يفرش له
~~ويمهد له، ثم تلا: ﴿ومن عمل صالحا
~~فلأنفسهم يمهدون﴾ (4) " (5) وقال عليه السلام: " ما من مؤمن يموت في
~~غربة فيغيب عنه بواكيه، إلا بكته بقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها،
~~وبكته أبواب السماء التي كان يصعد إليها عمله وينزل منها رزقه، وبكاه
~~الملكان الموكلان به " (6).
# * * *
# PageV00P439
# باب ما جعل الله تعالى بين المؤمنين من الإخاء والحقوق قال أبو عبد الله
~~عليه السلام: " المؤمنون إخوة، إذا ضرب رجل منهم عرق سهر الآخرون، لأن
~~أرواحهم واحدة " (1).
# وعن أبي جعفر عليه السلام قال: " إن الأرواح جنود مجندة، تلتقي فتتشام
~~كما تتشام الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، ولو أن
~~مؤمنا دخل مسجدا فيه أناس كثير ليس فيهم إلا مؤمن واحد، إلا مالت نفسه إلى
~~ذلك المؤمن حتى يجلس إليه (2).
# وإن المؤمن ليستريح إلى أخيه المؤمن، كما يستريح الطير إلى شكله (3).
# وإن المؤمنين في إيثارهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى تداعى
~~سائره بالسهر (4).
# ثم قال: لا - والله - لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون كذلك (5).
# ولقد قال صلى الله عليه وآله: ست خصال من كن فيه، كان بين يدي الله عز
~~وجل، وعن يمين الله.
# فقيل له: ما هن؟
# فقال: يحب المرء لأخيه المسلم ما يحب لأعز أهله، ويكره له ما يكره لأعز
~~أهله، ويناصحه بالولاية، ويفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، فإن كان عنده ما يفرج
~~عنه، وإلا دعا له " (6).
# PageV00P440
# وقال أبو عبد الله عليه السلام: " والله ما عبد الله بشئ أفضل من أداء حق
~~المؤمن، وإن المؤمن أفضل حقا من الكعبة، وإن المؤمن أخو المؤمن فهو عينه
~~ودليله، لا يخونه ولا يخذله، ومن حقه عليه لا يشبع ويجوع المؤمن، ولا يروى
~~ويعطش، ولا يلبس ويعرى ms304 أخوه، ويحب له ما يحبه لنفسه، فإذا احتجت فاسأله،
~~وإذا سألك أعطه، وكن لهم ظهرا فإنهم لك ظهر، وإذا غاب أخوك فاحفظه في
~~غيبته، وإن شهد فزره، وأجله وأكرمه فإنه منك وأنت منه، وإن أصابه خير فأحمد
~~الله تعالى، وإن ابتلى فاعضده وتحمل عنه وأعنه (1).
# فإنه يحق عليك نصيحته ومواساته ومنع عدوه منه (2).
# وإن نفرا من المسلمين خرجوا في سفر لهم، فأضلوا الطر يق وأصابهم عطش
~~شديد، فتمكنوا (3) ولزموا أصول الشجر، فجاءهم شيخ عليه ثياب بيض، فقال:
~~قوموا فلا بأس عليكم، هذا الماء، فقاموا وشربوا وارتووا، ثم قالوا له: من
~~أنت، رحمك الله؟
# فقال: أنا من الجن الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله، سمعته
~~يقول: " المؤمن أخو المؤمن ودليله (4) " فلم تكونوا تضيعوا بحضرتي " (5).
# وقال عليه السلام: " من مشى لأخيه المؤمن في حاجة فنصحه فيها، كتب الله
# PageV00P441
# له بكل خطوة حسنة، ومحا عنه سيئة، قضيت الحاجة أو لم تقض (1).
# ألا وإن الله انتجب قوما من خلقه، لقضاء حوائج الفقراء من شيعة علي عليه
~~السلام ليؤتيهم (2) بذلك الجنة (3).
# ومن نفس عن مؤمن كربة، نفس الله عنه اثنتين وسبعين كربة من كرب الدنيا،
~~واثنتين وسبعين كربة من كرب الآخرة، ومن يسر على مؤمن، يسر الله له حوائج
~~الدنيا والآخرة، ومن ستر على مؤمن عورة، ستر الله عليه سبعين عورة من
~~عوراته التي يخافها في الدنيا والآخرة (4).
# وإن قضاء حاجة المؤمن خير من حملان ألف فرس في سبيل الله، وعتق ألف نسمة،
~~وصيام شهر في المسجد الحرام واعتكافه " (5).
# وروى ابن عباس قال: كنت مع الحسن بن علي عليهما السلام في المسجد الحرام
~~- وهو معتكف به، وهو يطوف بالكعبة - فعرض له رجل من شيعته، فقال، يا ابن
~~رسول الله، إن علي دينا لفلان، فإن رأيت أن تقضيه عني.
# فقال: " ورب هذه البنية (6)، ما أصبح عندي شئ ".
# فقال: إن رأيت [أن] (7) تستمهله عني، فقد تهددني بالحبس.
# قال ابن عباس: فقطع الطواف وسعى معه، فقلت: يا ابن رسول الله، أنسيت أنك
~~معتكف؟
# فقال: " لا، ولكن ms305 سمعت أبي عليه السلام يقول: سمعت رسول الله صلى الله
~~عليه وآله يقول: من قضى أخاه المؤمن حاجة، كان كمن عبد الله تسعة آلاف سنة
~~صائما نهاره قائما ليله ".
# فاجتاز على دار أبي عبد الله الحسين عليه السلام فقال للرجل: " هلا أتيت
~~أبا
# PageV00P442
# عبد الله في حاجتك؟ " فقال: أتيته، فقال: " إني معتكف " فقال: " أما إنه
~~لو سعى في حاجتك لكان خيرا من اعتكاف ثلاثين سنة " (1).
# عن إبراهيم التيمي قال: كنت أطوف بالبيت الحرام، فاعتمد علي أبو عبد الله
~~عليه السلام فقال: ألا أخبرك - يا إبراهيم - بمالك في طوافك هذا؟ " قال،
~~قلت: بلى، جعلت فداك.
# فقال (2): " من جاء إلى هذا البيت عارفا بحقه، وطاف به أسبوعا، وصلى
~~ركعتين في مقام إبراهيم، كتب الله له عشرة آلاف حسنة، ومحا عنه عشرة آلاف
~~سيئة، ورفع له عشرة آلاف درجة ".
# ثم قال عليه السلام: " ألا أخبرك بخير من ذلك؟ " قال، قلت: بلى، جعلت
~~فداك.
# فقال: " من قضى أخاه المؤمن حاجة، كان كمن طاف طوافا وطوافا وطوافا - حتى
~~عد عشرة - وقال: أيما مؤمن سأله أخوه المؤمن حاجة، وهو يقدر على قضائها ولم
~~يقضها له، سلط الله عليه شجاعا في قبره ينهش أصابعه " (3).
# وقال عليه السلام: " إن مؤمنا كان في مملكة جبار يؤذيه، فهرب منه ونزل
~~برجل من أهل الشرك فأضافه وألطفه وأجاره، فلما حضره الموت أوحى الله تعالى
~~إليه:
# PageV00P443
# وعزتي وجلالي، لو كان في جنتي مسكن [لمشرك] (1) لأسكنتك فيها، ولكنها
~~محرمة على من مات مشركا، ولكن يا نار هادنيه ولا تؤذيه، ويؤتى برزقه فيها
~~من حيث يشاء الله تعالى " (2).
# وقال عليه السلام: " من سر مؤمنا فقد سرنا، ومن سرنا فقد سر رسول الله
~~صلى الله عليه وآله، ومن سر رسول الله فقد سر الله تعالى، ومن سر الله
~~أسكنه في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله (3).
# وإن من أحب الأعمال إلى الله تعالى إدخال السرور على عبده المؤمن (4).
# ومن أدخل على مؤمن سرورا، خلق الله منه خلقا فيقول له: أبشر - يا ولي
~~الله - بكرامة ms306 من الله ورضوان، ثم لا يزال معه حتى يدخل قبره، فيقول مثل
~~[ذلك] (5)، ثم لا يزال معه عند كل هول يبشره، فيقول له: من أنت، يرحمك
~~الله؟ فيقول: أنا السرور الذي أدخلت على فلان " (6).
# وقال عليه السلام: " إن لله جنة ادخرها لثلاثة: إمام عادل، ورجل يحكم
~~أخاه المسلم في ماله، ورجل مشى لأخيه المسلم في حاجة قضيت أو لم تقض (7).
# وثبت الله قدميه على الصراط يوم تزل فيه الأقدام (8).
# وكتب له اثنتين وسبعين رحمة، عجل له واحدة يصلح بها أمر دنياه، وادخر له
~~واحدة وسبعين لأهوال الآخرة (9).
# ومن أكرم مؤمنا فإنما يكرم الله تعالى (10).
# PageV00P444
# ودعاء المؤمن للمؤمن، يدفع عنه البلاء، ويدر عليه الرزق (1).
# وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: إن العبد من عبادي يأتيني
~~بالحسنة فأبيحه جنتي، فقال داود: يا رب، وما تلك الحسنة؟ قال: يدخل على
~~عبدي المؤمن سرورا ولو بتمرة، فقال داود: يا رب، حقا على من عرفك أن لا
~~يقطع رجاءه منك " (2).
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أيما مؤمن عاد مريضا خاض في الرحمة
~~خوضا، فإذا قعد عنده استنقع بها، فإن عاده غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك إلى
~~أن يمسي، وإن عاده عشية صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح " (3).
# وقال عليه السلام: " إن العبد المسلم إذا خرج من بيته، يريد زيارة أخيه
~~التماس وجه الله ورغبة فيما عنده، وكل الله تعالى به سبعين ألف ملك ينادونه
~~من خلفه (4): ألا طبت وطابت لك الجنة " (5).
# وقال رسول الله: " هبط إلى الأرض ملك، فأقبل يمشي حتى دفع إلى باب رجل،
~~وعليها رجل واقف، فقال له الملك: ما جاء بك إلى هذه الدار؟ فقال: أخ لي
~~زرته في الله، فقال له الملك: أبشر، فأني رسول الله إليك وهو يقرئك السلام
~~ويقول:
# وجبت الجنة لك عندي، وإن الله يقول: أيما مسلم زار أخاه، فإياي يزور
~~وثوابه علي " (6).
# وقال عليه السلام: " من أشبع أربعة من المؤمنين، كان كمن عتق رقبة من ولد
~~إسماعيل (7).
# ومن أدخل مؤمنين بيته فأشبعهما، ms307 كان ذلك أفضل من عتق رقبة، وأطعمه الله
~~من ثمار الجنة (8).
# PageV00P445
# ومن أطعم مؤمنا من جوع أو سقاه من ظمأ، أطعمه الله من ثمار الجنة وسقاه
~~من الرحيق المختوم ومن كسا مؤمنا من عري، كساه الله من الثياب الخضر، ولم
~~يزل في ضمان الله ما دام عليه (1).
# وإن من أحب الخصال إلى الله تعالى، إطعام مسلم من جوع، أو فك رقبة من رق،
~~أو قضاء عن مؤمن دينا (2).
# وأقرب ما يكون العبد من الكفر أن يحفظ على أخيه عثراته وزلاته ليعيره
~~ويعنفه بها يوما ما (3).
# ومن عير مؤمنا بشئ لم يمت حتى يركبه (4).
# ومن قال لأخيه المؤمن: أف لك، انقطع ما بينهما، فإذا قال له: أنت عدوي،
~~فقد كفر أحدهما، فإذا اتهمه انماث الإيمان في قلبه كما يماث الملح في الماء
~~(5).
# ومن لم يعرف لأخيه مثل ما يعرف له فليس بأخيه (6).
# ومن أدخل على أخيه المؤمن سرورا، فقد أدخله على رسول الله وعلينا، وكذلك
~~من أدخل عليه أذى أو غما (7).
# ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس في مجلس (8) يسب فيه إمام أو
~~يغتاب فيه مؤمن (9).
# وليس بمؤمن من لم يأمن جاره بوائقه وأخوه بوادره (10).
# ولو كشف الغطاء عن الناس فنظر [وا] (11) وصل ما بين الله وبين
# PageV00P446
# المؤمن، لخضعت له رقابهم، وانقادت له طاعتهم، ولو نظروا إلى ما يرد من
~~الأعمال من السماء، لقالوا: ما يقبل من أحد عمل " (1).
# وقال: " لا تبدي الشماتة بأخيك فيرحمه [الله عز وجل] (2) ويبتليك " (3).
# يقول العبد الفقير إلى رحمة الله ورضوانه، أبو محمد الحسن بن أبي الحسن
~~بن محمد الديلمي، أعانه الله على طاعته وتغمده برحمته ورأفته: إنني حيث
~~ذكرت صفات المؤمنين، وما يجب أن يكونوا عليه من الخصال المحمودة، وما
~~يجانبوه من الخصال الذميمة، وبالغت في ذلك على حد يخاف أن يشق على من لم
~~يعرف أصول ذلك من كتاب الله تعالى وسنة نبيه وأهل بيته عليه وعليهم السلام،
~~أحببت أن أردف ذلك بذكر ما جاء من بشائر المؤمن ومساره، عند وفاته وبعد ms308
~~وفاته، لقول النبي صلى الله عليه وآله: " ألا أخبركم بالفقيه كل الفقيه؟ "
~~قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: " من لم يطمع الناس في جنب الله، ولم
~~يؤيسهم من رحمة الله تعالى ".
# الحديث الأول: عن صفوان بروايته عن أبي عبد الله عليه السلام، أن قوما من
~~أصحابه قالوا له: إنما أحببناكم لقرابتكم من رسول الله، ولما أوجب الله من
~~حبكم، ما أحببناكم لدنيا نصيبها منكم، ولكن لوجه الله والدار الآخرة.
# فقال: " صدقتم، ثم قال: من أحبنا كان معنا وجاء معنا يوم القيامة هكذا -
~~ثم جمع بين السبابتين - ثم قال: والله لو أن رجلا صام النهار وقام الليل،
~~ثم لقي الله بغير ولا يتنا، لقيه وهو عليه ساخط ".
# وقال عليه السلام: " إذا كان يوم القيامة يقبل قوم على نجائب من نور،
~~ينادون بأعلى أصواتهم: الحمد لله الذي أنجزنا وعده، الحمد لله الذي أورثنا
~~أرضه نتبوأ من الجنة حيث نشاء.
# قال فيقول الخلائق: هذه زمرة الأنبياء، فإذا النداء من عند الله عز وجل:
# هؤلاء شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام، وهم صفوتي من عبادي وخيرتي.
# PageV00P447
# فيقول الخلائق: إلهنا وسيدنا، بما نالوا هذه الدرجة؟
# فإذا النداء من قبل الله عز وجل: نالوها بتختمهم في اليمين، وصلاتهم إحدى
~~وخمسين، وإطعامهم المسكين، وتعفيرهم الجبين، وجهرهم في الصلاة ببسم الله
~~الرحمن الرحيم " (1).
# وعنه عليه السلام قال: " من أحبنا ولقي الله وعليه مثل زبد البحر ذنوبا،
~~كان حقا على الله أن يغفر له " (2).
# وقال عاصم، عن أبي حمزة، عن حنش (3) بن المعتمر قال: دخلت على علي - وهو
~~في الرحبة متكئا - فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته،
~~كيف أصبحت؟ قال: فرفع رأسه ورد علي، وقال: " أصبحت - والله - محبا لمحبنا،
~~صابرا على بغض مبغضنا، إن محبنا ينتظر الروح والفرج في كل يوم وليلة، وإن
~~مبغضنا بنى بنيانا، فأسس بنيانه على شفا جرف، فكأنك ببنيانه قد هار " (4).
# وقال أبو عبد الله عليه السلام لداود الرقي: " ألا أحدثك بالحسنة التي من
~~جاء بها أمن من فزع يوم القيامة، ms309 وبالسيئة التي من جاء بها أكبه الله على
~~وجهه في النار؟ " قال: قلت: بلى، قال: " الحسنة حبنا، والسيئة بغضنا " (5).
# وعن الحارث الأعور قال: أتيت أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: " ما جاء
~~بك؟ " فقلت: حبك، قال: " الله الله، ما جاء بك إلا حبي؟ " فقلت: نعم، فقال:
# " أما إني سأحدثك بشكرها: إنه لا يموت عبد يحبني حتى يراني حيث يحب، ولا
~~يموت عبد يبغضني حتى يراني حيث يكره " (6).
# PageV00P448
# وقال أبو عبد الله عليه السلام لعمر (١) بن حنظلة: " يا با صخر، إن الله
~~يعطي الدنيا لمن يحب ويبغض، ولا يعطي هذا الأمر إلا أهل صفوته، أنتم -
~~والله - على ديني ودين آبائي " (٢).
# وقال عليه السلام: " والله لنشفعن، والله لنشفعن - ثلاث مرات - حتى يقول
~~عدونا: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم.
# إن شيعتنا يأخذون بحجزتنا، ونحن آخذون بحجزة نبينا، ونبينا آخذ بحجزة
~~الله " (٣).
# وقال له زياد الأسود: إني ألم بالذنوب فأخاف الهلكة، ثم أذكر حبكم فأرجو
~~النجاة.
# فقال عليه السلام: " وهل الدين إلا الحب! قال الله: ﴿حبب إليكم الإيمان﴾ (٤) وقال: ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ (5) ".
# وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله: إني أحبك، فقال: " إنك لتحبني؟
~~" فقال الرجل: إي والله، فقال النبي: " أنت مع من أحببت " (6).
# وقال أبو عبد الله عليه السلام: " من مات منكم على هذا الأمر منتظرا له،
~~كان كمن كان في فسطاط القائم " (7).
# وقال له بعض أصحابه: أصلحك الله، والله لقد تركنا أسواقنا انتظارا لهذا
~~الأمر، فقال أبو عبد الله: " أترى من حبس نفسه على الله لا يجعل له مخرجا؟
~~بلى - والله - ليجعلن الله له مخرجا، رحم الله من حبس نفسه علينا، رحم الله
~~من أحيا
# PageV00P449
# أمرنا " (1).
# وروي عن أبي أيوب الأنصاري - رحمه الله - قال: كنت عند رسول الله صلى
~~الله عليه وآله وقد سئل عن الحوض، فقال: " أما إذا سألتموني عن الحوض، فإني
~~سأخبركم عنه، إن الله تعالى أكرمني به دون الأنبياء، وإنه ما بين ms310 أيلة إلى
~~صنعاء، يسيل فيه خليجان من الماء، وماؤهما أبيض من اللبن، وأحلى من العسل،
~~بطحاؤهما مسك أذفر، حصباؤهما الدر والياقوت، شرط مشروط من ربي، لا يردهما
~~إلا الصحيحة نياتهم، النقية قلوبهم، الذين يعطون ما عليهم في يسر، ولا
~~يأخذون ما لهم في عسر، المسلمون للوصي من بعدي، يذود من ليس من شيعته، كما
~~يذود الرجل الجمل الأجرب عن إبله " (2).
# وعنه عليه السلام قال: " إذا بلغت نفس أحدكم هذه - وأومأ بيده إلى حلقه -
~~قيل له: أما ما كنت تحذر من هم الدنيا فقد أمنته، ثم يعطى بشارته " (3).
# وعنه عليه السلام، يرويه عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه
~~قال لأمير المؤمنين عليه السلام: " بشر شيعتك ومحبيك بخصال عشر: أولها: طيب
~~مولدهم، و [ثانيها] (4) حسن إيمانهم و [ثالثها] (5) حب الله لهم، والرابعة:
~~الفسحة في قبورهم، والخامسة: نورهم يسعى بين أيديهم (6) والسادسة: نزع
~~الفقر من بين أعينهم وغنى قلوبهم، والسابعة: المقت من الله لأعدائهم،
~~والثامنة: الأمن من البرص والجذام، والتاسعة: انحطاط الذنوب والسيئات عنهم،
~~والعاشرة: هم معي في الجنة وأنا معهم، فطوبي لهم وحسن مآب " (7).
# وروى جابر بن عبد الله قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله
~~إذ
# PageV00P450
# التفت إلى علي عليه السلام فقال: " يا أبا الحسن، هذا جبرئيل عليه السلام
~~يقول: " إن الله تعالى أعطى شيعتك ومحبيك سبع خصال: الرفق عند الموت،
~~والأنس عند الوحشة والنور عند الظلمة، والأمن عند الفزع، والقسط عند
~~الميزان، والجواز على الصراط، ودخول الجنة قبل الناس يسعى نورهم بين أيديهم
~~" (1).
# وروى جابر - أيضا - عنه صلى الله عليه وآله قال: " من أحب الأئمة من أهل
~~بيتي، فقد أصاب خير الدنيا والآخرة، فلا يشكن أحد أنه في الجنة، فإن في حب
~~أهل بيتي عشرين خصلة: عشر في الدنيا، وعشر في الآخرة.
# أما في الدنيا: فالزهد، والحرص على العمل، والورع في الدين، والرغبة في
~~العبادة، والتوبة قبل الموت، والنشاط في قيام الليل، واليأس مما في أيدي
~~الناس، والحفظ لأمر الله عز وجل ونهيه، ms311 والتاسعة بغض الدنيا، والعاشرة:
~~السخاء.
# وأما في الآخرة: فلا ينشر له ديوان، ولا ينصب له ميزان، ويعطى كتابه
~~بيمينه، وتكتب له براءة من النار، ويبيض وجهه، ويكسى من حلل الجنة، ويشفع
~~في مائة من أهل بيته، وينظر الله إليه بالرحمة، ويتوج من تيجان الجنة،
~~والعاشرة:
# دخول الجنة بغير حساب، فطوبى لمحب أهل بيتي " (2).
# وعن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " للمؤمن على
~~الله تعالى عشرون خصلة، يفي له بها، له على الله تعالى: ألا يفتنه ولا
~~يضله، وله على الله أن لا يعريه ولا يجوعه [وله على الله أن لا يشمت به
~~عدوه] (3) وله على الله أن لا يخذله ويعزه (4) [وله على الله أن لا يهتك
~~ستره] (5)، وله على الله لا يميته غرقا ولا حرقا، وله على الله أن لا يقع
~~على شئ ولا يقع عليه شئ، وله على الله أن يقيه مكر الماكرين، وله على الله
~~أن يعيذه من سطوات الجبارين، وله على الله أن يجعله معنا في الدنيا
# PageV00P451
# والآخرة، وله على الله أن لا يسلط عليه من الأدواء ما يشين خلقته [وله
~~على الله أن يعيذه من البرص والجذام] (١)، وله على الله أن لا يميته على
~~كبيرة، وله على الله أن لا ينسيه مقامه في المعاصي حتى يحدث توبة، وله على
~~الله أن لا يحجب عنه (علمه ويعرفه بحجته) (٢) وله على الله أن [لا] (٣)
~~يغرز في قلبه الباطل، وله على الله أن يحشره يوم القيامة ونوره يسعى بين
~~يديه، وله على الله أن يوفقه لكل خير، وله على الله أن لا يسلط عليه عدوه
~~فيذله، وله على الله أن يختم له بالأمن والإيمان ويجعله معنا في الرفيق
~~الأعلى، هذه شرائط الله عز وجل للمؤمنين " (٤).
# ومن كتاب (فرج الكرب) عن أبي بصير، قال الصادق عليه السلام: " يا با محمد
~~تفرق الناس شعبا ورجعتم - أنتم - إلى أهل بيت نبيكم، فأردتم ما أراد الله،
~~و أحببتم من أحب الله، واخترتم من اختاره الله، فأبشروا واستبشروا، فأنتم
~~والله ms312 المرحومون، المتقبل منكم حسناتكم، المتجاوز عن سيئاتكم فهل سررتك؟ "
~~فقلت: نعم.
# فقال: " يا با محمد، إن الذنوب تساقط عن ظهور شيعتنا، كما يسقط الريح
~~الورق من الشجر، وذلك قوله تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون
~~بحمد ربهم.... ويستغفرون للذين آمنوا) (٥) والله - يا با محمد - ما أراد
~~الله بهذا غيركم، فهل سررتك؟ " قلت: نعم زدني.
# فقال: " قد ذكر كم الله في كتابه عز من قائل " ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ (٦) يريد أنكم
~~وفيتم بما أخذ عليكم ميثاقه من ولايتنا، وأنكم لم تستبدلوا بنا غيرنا.
# وقال: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم
~~لبعض عدو إلا المتقين﴾ (7) والله ما عنى بهذا
# PageV00P452
# غيركم، فهل سررتك، يا با محمد؟ " فقلت: زدني قال: " لقد ذكركم الله في
~~كتابه، حيث يقول: ﴿إخوانا على سرر
~~متقابلين﴾ (١) والله ما أراد الله بهذا غيركم، هل سررتك؟ [فقلت: نعم
~~زدني] (٢) قال: وقد ذكركم الله تعالى بقوله: ﴿أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين
~~والشهداء والصالحين﴾ (٣) فرسول الله في هذا الموضع النبيون، ونحن
~~الصديقون والشهداء، وأنتم الصالحون، وأنتم والله شيعتنا، فهل سررتك؟ "
~~فقلت: نعم زدني.
# فقال: " لقد استثناكم الله تعالى على الشيطان فقال: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ (٤) والله ما عنى
~~بهذا غيركم، فهل سررتك؟ ".
# فقلت: نعم زدني.
# فقال: " قال الله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة
~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ (٥) والله ما عنى بهذا غيركم، هل
~~سررتك، يا با محمد؟ " قال: زدني.
# فقال: " يا با محمد، ما استثنى الله تعالى لأحد من الأنبياء ولا أتباعهم،
~~ما خلا شيعتنا، فقال عز من قائل: ﴿يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا... إلا من رحم الله﴾
~~(٦) وهم شيعتنا، يا با محمد، هل سررتك؟ " قلت: زدني، يا بن رسول الله. ms313
# قال: " لقد ذكركم الله تعالى في كتابه حيث قال: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر
~~أولوا الألباب﴾ (7) فنحن الذين نعلم، وأعداؤنا الذين لا يعلمون،
~~وشيعتنا هم أولوا الألباب ".
# قلت: زدني، يا ابن رسول الله.
# PageV00P453
# قال: " يا با محمد، ما يحصى تضاعف ثوابكم - يا با محمد - ما من آية تقود
~~إلى الجنة، وتذكر أهلها بخير، إلا وهي فينا وفيكم، وما من آية تسوق إلى
~~النار، إلا وهي في عدونا ومن خالفنا، والله ما على دين محمد وملة إبراهيم
~~عليه السلام غيرنا وغيركم، وإن سائر الناس منكم براء، يا أبا محمد، هل
~~سررتك؟ " قلت: نعم - يا ابن رسول الله - صلى الله عليك، وجعلت فداك، ثم
~~انصرفت فرحا (1).
# PageV00P454
# فصل: في حسن الظن بالله تعالى روي عن العالم عليه السلام أنه قال: "
~~والله ما أعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة، إلا بحسن ظنه بالله عز وجل،
~~ورجائه له، وحسن خلقه، والكف عن اغتياب المؤمنين، فالله تبارك وتعالى لا
~~يعذب عبدا بعد التوبة والاستغفار، إلا بسوء ظنه، وتقصيره في رجائه لله عز
~~وجل، وسوء خلقه، واغتيابه للمؤمنين، وليس يحسن ظن عبد مؤمن بالله - عز وجل
~~- إلا كان عند ظنه به، لأن الله تعالى كريم يستحيي أن يخلف ظن عبده ورجاءه،
~~فأحسنوا الظن بالله وارغبوا إليه، فإن الله تعالى يقول: ﴿الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله
~~عليهم ولعنهم وأعدلهم جهنم وساءت مصيرا﴾ (١) " (٢).
# وقد روي: إن الله تعالى قال: " أنا عند ظن عبدي بي، فلا يظن بي إلا خيرا
~~" وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله: " الثقة بالله حصن لا يحصن به
~~إلا مؤمن، والتوكل عليه نجاة من كل سوء، وحرز من كل عدو ".
# وعن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ (٣) فقال: " من انتحل ولا يتنا
~~فقد جاز العقبة، فنحن تلك العقبة التي من اقتحمها نجا ".
# ثم قال: " مهلا، أفيدك حرفا ms314 هو خير لك من الدنيا وما فيها، قوله تعالى:
~~﴿فك رقبة﴾ (4) إن الله تعالى فك
~~رقابكم من النار بولايتنا - أهل البيت - فأنتم صفوة الله (5)، ولو أن الرجل
~~منكم يأتي بذنوب مثل رمل عالج، لشفعنا فيه عند الله تعالى، فلكم البشرى في
~~الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله، ذلك هو الفوز العظيم "
~~(6).
# ميسر قال: كنت أنا وعلقمة الحضرمي، وأبو حسان العجلي، وعبد الله بن
# PageV00P455
# عجلان، ننتظر أبا جعفر عليه السلام، فخرج علينا فقال: " مرحبا وأهلا،
~~والله إني لأحب ريحكم وأرواحكم، وإنكم لعلى دين الله ".
# فقال له علقمة: فمن كان على دين الله، تشهد أنه من أهل الجنة؟
# قال: فمكث هنيئة ثم قال: " بوروا (١) أنفسكم، فإن لم تكونوا قارفتم
~~الكبائر فأنا أشهد ".
# قلنا: وما الكبائر؟
# قال: " سبع: الشرك بالله العظيم، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة [وعقوق
~~الوالدين، وقتل النفس، والربا، والفرار من الزحف] (٢) ".
# قال، قلنا: ما منا أحد أصاب من هذا شيئا.
# فقال: " فأنتم إذا ناجون (٣)، فاجعلوا أمركم هذا لله ولا تجعلوه للناس،
~~فإنه ما كان للناس فهو للناس، وما كان لله فهو له، فلا تخاصموا الناس
~~بدينكم، فإن الخصومة ممرضة (٤) للقلب، إن الله قال لنبيه: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ (٥) وقال: ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ (6) ". (7).
# عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " قد
~~استحييت مما أكرر هذا الكلام عليكم، إنما بين أحدكم وبين أن يغتبط أن تبلغ
~~نفسه ها هنا - وأهوى بيده إلى حنجرته - يأتيه رسول الله صلى الله عليه وعلي
~~فيقولان له: أما ما كنت تخاف فقد آمنك الله منه، وأما ما كنت ترجو فأمامك
~~(8)، فأبشروا أنتم الطيبون، ونساؤكم الطيبات، كل مؤمنة حوراء عيناء، وكل
~~مؤمن صديق شهيد " (9).
# PageV00P456
# وعن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " شيعتنا أقرب
~~الخلق من عرش الله يوم القيامة " (1).
# وقال: " أنتم أهل تحية الله بالسلام، وأهل أثرة ms315 الله برحمته، وأهل توفيق
~~الله بعصمته، وأهل دعوته بطاعته، ولا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، أسماؤكم
~~عندنا الصالحون المصلحون، وأنتم أهل الرضا لرضاه عنكم، والملائكة إخوانكم
~~في الخير، فإذا اجتهدتم دعوا، وإذا أذنبتم استغفروا، وأنتم خير البرية
~~بعدنا، دياركم لكم جنة، وقبوركم لكم جنة، للجنة خلقتم، وفي الجنة نعيمكم،
~~وإلى الجنة تصيرون " (2).
# وقال أبو حمزة: سمعت أبا جعفر يقول: " إذا قام المؤمن في الصلاة، بعث
~~الله الحور العين حتى يحدقن به، فإذا انصرف ولم يسأل الله منهن شيئا تفرقن
~~وهن متعجبات " (3).
# وقال الحسن بن علي عليه السلام: " ما يضر الرجل من شيعتنا أي ميتة مات:
# أكله سبع، أو أحرق بنار، أو غرق، أو صلب، أو قتل، هو والله صديق شهيد "
~~(4).
# وقال أبو عبد الله عليه السلام لأصحابه ابتداء منه: " أحببتمونا وأبغضنا
~~الناس، وصدقتمونا وكذبنا الناس، ووصلتمونا وجفانا الناس، فجعل الله محياكم
~~محيانا ومماتكم مماتنا.
# أما - والله - ما بين الرجل منكم وبين أن يقر الله عينه، إلا أن تبلغ
~~نفسه هذا المكان - وأومأ إلى حلقه فمد الجلدة ثم أعاد ذلك، فوالله ما رضى
~~حتى حلف فقال -:
# والله الذي لا إله إلا هو، لحدثني أبي محمد بن علي بذلك، إن الناس أخذوا
~~ها هنا وها هنا، وإنكم أخذتم حيث أخذ الله، إن الله اختار من عباده محمدا
~~صلى الله عليه وآله واخترتم خيرة الله، فاتقوا الله، وأدوا الأمانات إلى
~~الأسود والأبيض، وإن كان حروريا، وإن [كان] (5) شاميا " (6).
# PageV00P457
# وعن عبد الرحيم قال: قال لي أبو جعفر: " إنما يغتبط أحدكم حين تبلغ نفسه
~~ها هنا، فينزل عليه ملك (١) فيقول: أما ما كنت ترجو فقد أعطيته، وأما ما
~~كنت تخافه فقد أمنت منه، فيفتح له باب إلى منزله من الجنة، ويقال له: انظر
~~إلى مسكنك من الجنة، وانظر هذا رسول الله وفلان وفلان وفلان (٢)، هم رفقاؤك
~~[وهو قوله تعالى:] (٣) ﴿الذين آمنوا
~~وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ (4) " (5).
# وعن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله قال: " قال ms316 الله تعالى: ليأذن بحربي
~~مستذل عبدي المؤمن، وما ترددت في شئ ترددي في موت عبدي المؤمن، إني لأحب
~~لقاءه ويكره الموت فأصرفه عنه، وإنه ليدعوني في الأمر فأستجيب له، ولو لم
~~يكن في الأرض إلا مؤمن واحد، لاستغنيت به عن جميع خلقي، ولجعلت له من
~~إيمانه أنسا لا يستوحش معه " (6).
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من أبغضنا - أهل البيت - بعثه الله
~~يوم القيامة يهوديا ".
# وعن صفوان، عن أبي عبد الله قال: " أما - والله - إنكم لعلى دين الله
~~ودين ملائكته، وإنكم - والله - لعلى الحق، فاتقوا الله، وكفوا ألسنتكم،
~~وصلوا في مساجدكم، وعودوا مرضاكم، فإذا تميز الناس فتميزوا، فإن ثوابكم
~~لعلى الله، وإن أغبط ما تكونون إذا بلغت نفس أحدكم إلى هذه - وأومأ إلى
~~حلقه - قرت عينه ".
# وروى خالد بن نجيح الخزاز فقال: (دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام)
~~(7) فقال: " مرحبا بكم وأهلا وسهلا، والله إنا لنستأنس برؤيتكم، إنكم ما
~~أحببتمونا لقرابة بيننا وبينكم، ولكن لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه
~~وآله، والحب لرسول [الله] (8)، على غير دنيا أصبتموها منا، ولا مال أعطيتم
~~عليه، أحببتمونا في توحيد الله
# PageV00P458
# وحده لا شريك له، إن الله قضى على أهل السماوات وأهل الأرض الموت فقال ﴿كل شئ هالك إلا وجهه﴾ (١) فليس يبقى
~~إلا الله وحده لا شريك له.
# اللهم كما كانوا مع آل محمد في الدنيا، فاجعلهم معهم في الآخرة، اللهم
~~كما كان سرهم على سرهم وعلانيتهم [على علانيتهم] (٢) فاجعلهم في ثقل محمد
~~يوم القيامة " (٣).
# وسأله أبو بصير عن قول الله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾ (4) ما عنى
~~بذلك؟
# فقال: " معرفة الإمام، واجتناب الكبائر، ومن مات وليس في رقبته بيعة
~~لإمام مات ميتة جاهلية، ولا يعذر الناس حتى يعرفوا إمامهم، فمن مات وهو
~~عارف بالإمامة لم يضره تقدم هذا الأمر أو تأخر، وكان كمن هو مع القائم في
~~فسطاطه.
# قال: ثم مكث هنيئة، ثم قال: لا، بل كمن ms317 قاتل معه. ثم: قال: لا، بل -
~~والله - كمن استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله (5) " (6).
# عن الحارث بن الأحول قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: " إن رسول
~~الله صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: لما أسري بي إلى السماء،
~~رأيت في الجنة نهرا أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، فيه أباريق عدد نجوم
~~السماء، على شاطئه قباب الياقوت الأحمر والدر الأبيض، فضرب جبرئيل بجناحه
~~إلى جانبه فإذا هو مسك أذفر.
# ثم قال: والله الذي نفس محمد بيده، إن في الجنة لشجرا يصفقن بالتسبيح
~~بصوت لم يسمع الأولون والآخرون بمثله، يثمرن أثداء كالرمان، تلقي الثمرة
~~إلى الرجل فيشقها عن سبعين حلة، والمؤمنون - يا علي - على كراسي من نور،
~~وهم الغر المحجلون وأنت إمامهم، على الرجل نعلان يضئ له شراكهما أمامه حيث
~~شاء من الجنة، فبينا المؤمن كذلك إذ أشرفت عليه امرأة من فوقهم فتقول:
~~سبحان الله - يا عبد الله - أما لنا
# PageV00P459
# منك دولة! فيقول: ومن أنت؟ فتقول: أنا من اللواتي قال الله: ﴿ولدينا مزيد﴾ (١)، فبينا هو كذلك، إذ
~~أشرفت عليه أخرى من فوقهم، فتقول: سبحان الله - يا عبد الله - أما لنا منك
~~دولة! فيقول: ومن أنت؟ فتقول: أنا من اللواتي قال الله: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا
~~يعملون﴾ (2).
# ثم قال: والذي نفس محمد بيده، إنه ليجيئه سبعون ألف ملك، يسمونه باسمه
~~واسم أبيه " (3).
# وعن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " ما من
~~مؤمن إلا وقد جعل الله له من إيمانه أنسا يسكن إليه، حتى لو كان على قلة
~~جبل لم يستوحش " (4).
# وقال أبو عبد الله: " وفد إلى الحسين عليه السلام وفد قالوا: يا ابن رسول
~~الله، إن أصحابنا وفدوا إلى معاوية ووفدنا نحن إليك.
# فقال: إذن أجيزكم بأكثر مما يجيزهم.
# فقالوا: جعلنا فداك، إنما جئنا مرتادين لديننا.
# قال: فطأطأ رأسه ونكت (5) في الأرض وأطرق طويلا، ms318 ثم رفع رأسه فقال:
# " قصيرة من طويلة " (6)، من أحبنا لم يحبنا لقرابة بيننا وبينه، ولا
~~لمعروف أسديناه إليه، إنما أحبنا لله ورسوله، فمن أحبنا جاء معنا يوم
~~القيامة كهاتين - وقرن بين سبابتيه - " (7).
# حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله في البشائر، رواه عنه الصادق
# PageV00P460
# عليه السلام، قال: " إن الله تعالى مثل أمتي في الطين، وعلمني أسماءهم
~~كما علم آدم الأسماء كلها، فمر بي أصحاب الرايات فاستغفرت لعلي وشيعته، إن
~~ربي وعدني في شيعة علي خصلة.
# قيل: يا رسول الله، وما هي؟
# قال: المغفرة - لمن أتقى منهم - لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، ولهم يبدل
~~الله السيئات حسنات.
# يا علي، لقد مثلت لي أمتي في الطين، حتى لقد رأيت صغيرهم وكبيرهم أرواحا
~~قبل أن تخلق الأجساد، وإني مررت بك وشيعتك فاستغفرت لكم.
# فقال له أمير المؤمنين: زدني فيهم.
# قال: نعم، يا علي تخرج أنت وشيعتك من قبورهم ووجوههم كالقمر ليلة البدر،
~~وقد فرجت عنكم الشدائد، وذهبت عنكم الأحزان، فتستظلون تحت العرش، يخاف
~~الناس ولا تخافون، ويحزن الناس ولا تحزنون ".
# عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر (1)، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام
~~للحارث (2) الأعور: " لينفعنك حبنا عند ثلاث: عند نزول ملك الموت، وعند
~~مساءلتك في قبرك، وعند موقفك بين يدي الله " (3).
# ومن كتاب مفرج الكرب (4)، عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى
~~الله عليه وآله، يقول: " إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الوسيلة ".
# قال: فسألناه عن الوسيلة فقال: " هي درجتي في الجنة، وهي ألف مرقاة، ما
~~بين مرقاة جوهرة، إلى مرقاة زبرجد، إلى مرقاة ياقوتة، إلى مرقاة لؤلؤة، إلى
~~مرقاة ذهب، إلى مرقاة فضة، فيؤتى بها يوم القيامة حتى تنصب مع درج النبيين
~~كالقمر بين الكواكب، فلا يبقى نبي ولا صديق ولا شهيد إلا قالوا: طوبى لمن
~~هذه الدرجة [كانت] (5) درجته، فيأتي النداء من عند الله تعالى يسمع النبيون
~~والصديقون والشهداء
# PageV00P461
# والمؤمنون: هذه درجة محمد صلى الله عليه وآله.
# ثم قال: أقبل يوم القيامة [متزرا] (1) بريطة (2) من نور، علي تاج الملك ms319
~~وإكليل الكرامة، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب أمامي، ومعه لوائي - وهو
~~لواء الحمد - مكتوب عليه لا إله إلا الله المؤمنون الفائزون المفلحون، فإذا
~~مررنا بالملائكة قالوا: ملكان مقربان، وإذا مررنا بالنبيين قالوا: نبيان
~~مرسلان، وإذا مررنا بالمؤمنين قالوا: نبيان ولم يعرفوهما، حتى أعلو الدرجة،
~~وعلي أسفل بمرقاة وبيده لوائي، فلا يبقى يومئذ ملك ولا نبي ولا صديق ولا
~~شهيد ولا مؤمن، إلا رفعوا رؤوسهم إلينا يقولون: طوبى لهذين السيدين، ما
~~أكرمهما على الله، فيأتي النداء من عند الله، يسمع النبيون والخلائق
~~أجمعون: هذا محمد حبيبي، وهذا علي وليي، طوبى لمن أحبه، وويل لمن أبغضه
~~وكذب عليه.
# ثم قال: يا علي، فلا يبقى أحد يومئذ - في مشهد القيامة - ممن يحبك
~~ويتوالاك، إلا ابيض وجهه وفرح قلبه، ولا يبقى أحد ممن أبغضك أو نصب لك حربا
~~أو عاداك أو جحد لك حقا، إلا اسود وجهه ورجفت قدماه، فبينما نحن كذلك، إذ
~~أقبل ملكان: أحدهما رضوان، فيقول: السلام عليك يا رسول الله، فأرد عليه
~~السلام وأقول له: أيها الملك، ما أحسن وجهك، وأطيب ريحك! فمن أنت؟ فيقول:
~~أنا رضوان خازن الجنة، أمرني رب العزة أن آتيك بمفاتيح الجنة، فخذها يا
~~أحمد.
# فأقول: قد قبلت ذلك من ربي، فله الحمد على ما أنعم به، ثم أدفعها إلى أخي
~~أمير المؤمنين، فيرجع رضوان.
# ثم يدنو مالك فيقول: السلام عليك يا رسول الله، فأقول: وعليك السلام،
~~أيها الملك، فمن أنت؟ فيقول: أنا مالك خازن النيران، أمرني رب العزة أن
~~آتيك بمفاتيح النار، فخذها يا أحمد.
# فأقول: قد قبلت ذلك من ربي، فله الحمد على ما أنعم، ثم أدفعها إلى أخي
~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم يرجع مالك خازن النار.
# ويقبل علي ومعه مفاتيح الجنة ومفاتيح النار، فيجلس على كرسي من نور، على
~~شفير جهنم، وقد أخذ زمامها بيده، فإن شاء مدها يمنة، وإن شاء مدها يسرة،
~~فتقول
# PageV00P462
# جهنم: يا علي قد أطفأ نورك لهبي، فيقول لها: قري يا جهنم، خذي هذا،
~~واتركي هذا. ms320
# فجهنم يومئذ أطوع لعلي من غلام أحدكم، وإنه لأميرها (1).
# ثم قال عليه السلام: يضعون عليا دون ما وضعه الله، ولا يرفعون عليا فوق
~~ما رفعه الله، كفى بعلي أن يقاتل أهل الردة، ويروح بأهل الجنة إلى الجنة،
~~وإنه لقسيم الجنة والنار بإذن الله ".
# عن عبد الرحمان بن أبي نجران، عن الرضا عليه السلام قال: " قال علي بن
~~الحسين عليهما السلام: إن محمدا صلى الله عليه وآله [كان أمين الله في
~~أرضه، فلما قبض محمد صلى الله عليه وآله] (2) كنا - أهل البيت - ورثته،
~~فنحن أمناء الله تعالى في أرضه، عندنا علم البلايا والمنايا، وأنساب العرب،
~~ومولد الإسلام، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق،
~~وإن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، أخذ الله تعالى علينا وعليهم
~~الميثاق، يردون موردنا، ويدخلون مدخلنا، نحن النجباء وأفراطنا أفراط
~~الأنبياء، ونحن أولاد الأوصياء، ونحن المخصوصون في كتاب الله تعالى، ونحن
~~أولى الناس بدين الله تعالى، نحن الذين شرع لنا دينه، فقال جل من قائل في
~~كتابه: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) قد وصانا بما وصى به نوحا (والذي
~~أوحينا إليك) يا محمد، وما وصينا به إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، قد
~~علمنا وبلغنا ما علمنا، واستودعنا علمهم، نحن ورثة الأنبياء، ونحن ورثة
~~أولي العزم من الرسل (أن أقيموا الدين) يا آل محمد (ولا تتفرقوا فيه)
~~وكونوا على جماعة (كبر على المشركين) من أشرك بولاية أمير المؤمنين علي بن
~~أبي طالب - صلوات الله عليه وسلامه - [(ما تدعوهم إليه) من ولاية علي] (3)
~~إن الله تعالى قال: يا محمد (يهدي إليه من ينيب) من يجيبك إلى ولاية علي
~~(4)، هكذا نزلت على محمد صلى الله عليه وآله ".
# حدثنا (5) أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن بكير، عن أبي
# PageV00P463
# جعفر عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أول وصي
~~كان على وجه الأرض هبة الله بن آدم عليه السلام، وما من نبي إلا وله وصي،
~~وكان عدد الأنبياء مائة ms321 ألف [و] (1) أربعة وعشرين ألف نبي، خمسة منهم أولو
~~العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلى الله عليه وعليهم - وإن أمير
~~المؤمنين هبة الله لمحمد، ورثه علمه وعلم من كان قبله من الأنبياء
~~والمرسلين (2)، ويشفعه الله - سبحانه - فيمن يشفع، هو وحزبه الفائزون
~~المفلحون ".
# ومن كنوز الرحمة، عن مالك بن أنس، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: " من أحب عليا، قبل الله صلاته وصيامه وقيامه، واستجاب
~~دعاءه، ألا ومن أحب عليا وآل محمد، أمن من الحساب والميزان والصراط، ألا
~~ومن مات على حب آل محمد، فأنا كفيله بالجنة مع الأنبياء، إلا ومن أبغض آل
~~محمد، جاء يوم القيامة وبين عينيه مكتوب آيس من رحمة الله ".
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لما دخلت الجنة رأيت فيها شجرة
~~تحمل الحلي والحلل، أسفلها خيل بلق، وأوسطها حور عين، وفي أعلاها الرضوان،
~~قلت: يا جبرئيل لمن هذه الشجرة؟ قال: لابن عمك علي، إذا أمر الله الخلق
~~بالدخول إلى الجنة، يؤتى بشيعته حتى ينتهى بهم إلى هذه الشجرة، فيلبسون
~~الحلي والحلل، ويركبون الخيل البلق، وينادي مناد: هؤلاء شيعة علي، صبروا في
~~الدنيا على الأذى، فجزوا اليوم ثواب الصابرين ".
# وقال عليه السلام: " إن عليا وذريته ومحبيه السابقون الأولون إلى الجنة،
~~وهم جيران أولياء الله، ومن أحب عليا قبل الله صلاته وصيامه وقيامه،
~~واستجاب دعاءه، وأعطاه بكل عرق في بدنه مدينة في الجنة، وأمن من شدة الحساب
~~والميزان والصراط، ومن مات على حب آل محمد، فأنا كفيله بالجنة مع الأولياء
~~والأنبياء والشهداء والصديقين ".
# وحيث قد انتهينا من البشائر إلى هذا الموضع - وهو آخر الكتاب - أحببنا أن
~~نختمه بكلام يجمع نصيحة تامة بليغة.
# PageV00P464
# إعلموا - أيها الإخوان المكرمون - أن من نصب كلامه لتأمل طبقات الناس -
~~ظنا برفع نفسه عليهم - فقد خاطر، إذا التواضع به أليق، والاعتراف منه
~~بالتقصير أوفق، والمرء يعرف بكلامه، ولسانه ترجمان عقله، وأفضل الناس عندهم
~~من لا يدعي الكمال لنفسه، ولا يظن سلامته من خطأه، لأن الخطأ في الناس أكثر ms322
~~من الصواب، والجهل أغلب في الهوى، والعاقل يرى أن فوق علمه علما فيتواضع
~~لتلك الزيادة، والجاهل يرى أن علمه فوق علم غيره فيتكبر فيمقته الله
~~والناس، وإن أحسن الناس حالا من عرف قدره، وإن كان مع ذلك لا يعدم كاشحا
~~يقبح إحسانه، ورب قول سليم قد أسقمه متأوله، وزلل خفي أظهره متأمله.
# فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: " الأقاويل محفوظة، والسرائر مبلوة،
~~وكل نفس بما كسبت رهينة والناس منقوصون مدخولون إلا من عصم الله، قائلهم
~~باغ، ومستمعهم عائب، وسائلهم متعنت، ومجيبهم متكلف، يكاد أفضلهم رأيا أن
~~يرده عن رأيه الرضا والغضب، ويكاد أصلبهم عودا أن تنكأه اللحظة، وتستحره
~~الكلمة " (1).
# فاختر لنفسك في لحظك ولفظك، وتدبر وانتقد ما تبديه من قولك وفعلك، واحذر
~~عثرات قلمك، كما تحذر عثرات قدمك، فهي أعظم وصمة من زلات كلمك، لأن الخط
~~ينقل ويبقى والكلام يذهب وينسى، وإن جهل الكتاب أثبت من جهل اللسان وإن كان
~~أكثر خطا، لا تثبت به الحجة على صاحبه كما تثبت بخطه، فاحذره، واحذر معه
~~آفة الخلوة وبوائق الوحدة، فإنهما يورثانك الثقة بنفسك، والاسترسال إلى
~~رأيك.
# وإذا شككت فاسأل وتبين، وظن عند كل خاطر أن غيرك أقوم بتفصيله منك، ليحثك
~~ذلك على السؤال وأنهم إذا نظروا فيه نظر من لا يبسط عذرك ولا يحب رشدك
~~فيعيبوه، وأنت إذا نظرت فيه نظرت بعين وامقة وأذن عاشقة، فتلقيته بنفس
~~قابلة وطبيعة جاذبة، لأنه من لفظك وبكر فطنتك، ومنك صدر وإليك ينسب، وهو
~~فرع أنت أصله، وحادث أنت أولة، فشفيعه هواك، فاحذره فهو موطئ زلق، والتحفظ
~~منه شديد، ومعناه غامض، وأمره خفي، فاستعن عليه بالعقل والسؤال، ليتحقق لك
~~الحق، ويظهر لك فيه الصدق، فإن من أعطي النصفة من نفسه، والتحفظ من الزلل،
~~واستعمل
# PageV00P465
# التهمة لها، والتيقظ من خطأها، كان أقرب إلى السلامة، وأبعد من اللائمة،
~~فأما أنه يتمنى السلامة من كل الأخطار، والبلوغ بجميع الأوطار، فذاك ما لا
~~يطمع فيه إلا جاهل معذور أو معجب مغرور.
# فأما نحن فمقرون بالعجز والتقصير، معترفون بضعف البضاعة ms323 - فيما صنفناه في
~~هذا المسطور - سالكون سبيل المستفيدين، ولولا ما اعتذرنا به في صدر الكتاب
~~من خوف ما عساه أن ننساه، فيفوتنا العمل به، ويفوت غيرنا العلم له، لم
~~نتكلف الجمع بين كلمتين، والنطق ولو بحرفين، فنسأل الله - سبحانه وتعالى -
~~أن يوفقنا وإياكم لصائب الأقوال وصالح الأفعال، ويحسن لنا السلامة والوقاية
~~في جميع الأحوال، فإنه ولي التوفيق والتسديد، والمأمول منه حسن الخاتمة
~~وتوفير المزيد.
# فأحسنوا - أيها الإخوان - مطالعة هذا الكتاب وتصفحه، وطول المراجعة
~~والنظر في معانيه، والاهتمام والعمل بما فيه، وأحسنوا النية، فبها يدرك
~~الفوز بذخائر الخير في الدنيا والآخرة، فالله - سبحانه وتعالى - يسددنا
~~وإياكم، ويؤيدنا - من لطفه وتوفيقه - لما يزلفنا من حسناته، ويقربنا من
~~عفوه ورضوانه، ويبوئنا الفردوس الأعلى من فسيح جناته، بمنه وطوله، وكرمه
~~وجوده، وفضل إنعامه وإحسانه.
# ويقول العبد الفقير إلى رحمة ربه وإحسانه ورضوانه، الحسن بن أبي الحسن بن
~~الديلمي: إنني أحببت أن أختم الكتاب بدعاء اخترته من كلام جمعته وهو:
# اللهم صف قلبي من الكدر ليتهنأ بمعرفتك، ولساني من العذر ليتخلى لشكرك
~~وعبادتك، وتول صفاء سري ليعي ويرغب في مناجاتك ومجاورتك، وأصلح نفسي لتقف
~~على اتباع أمرك وإرادتك، والقيام بخالص الأعمال في طاعتك وخدمتك، واجمع لي
~~همي حتى لا أنعكف إلا عليك، ولا أقبل إلا إليك، وروح قلبي وروحي بحنينها
~~إلى محبتك، واشغل كلي بما يجذبني إلى رضاك وعبادتك، وأدب جوارحي وفعلي بما
~~يوافق هواك وسابق مشيئتك، وقيدها عن مخالفة أفعال أوليائك وأهل محبتك، ولا
~~تعجل لي هما ولا التفاتا إلى سواك، وآنس أنسي، وطيب نفسي، وطهر بتطهير قدسك
~~جسمي، وأقبل إلي بوجهك الكريم، واشملني بطولك الجسيم، فإني أسألك باسمك
~~العظيم، وملكك القديم، وإحسانك العميم، غفران ذنبي العظيم.
# اللهم خذ بعناني لأهتدي، وبجناني حتى لا أعتدي، ولا تتركني وهواي فأرتدي،
~~ولا تنسني تذكري، وأيقظني بتفكري، بما يدلني على اعتباري ومعتبري، في
~~PageV00P466
# يقظتي ونومي وحضرتي وسفري، فبك - يا إلهي - أستنصر وأستكفي، ومنك قوة
~~ضعفي، وإليك من ذنبي أستعفي.
# اللهم فاجبر بتيسيرك تقصيري، وأصلح بنظرك ضميري، حتى ms324 أعرف أدب الحضور،
~~وخطر الغرور، فإنك المحمود المشكور.
# يا بارئ البرية وقاضي القضية، ومجزل العطية، ورافع السماء المبنية، وما
~~هد الأرض المدحية، صل على سيد البرية محمد وآله الأخيار الأطهار الأبرار
~~الأئمة، واعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم
~~الكافرين، وصل على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
# ووافق الفراغ من إكماله يوم الجمعة منتصف ربيع الآخر المبارك...
# الهلالية. نصره من أوله إلى آخره أضعف عباد الله وأحوجهم محمد بن عبد
~~الحسين... أبو منصور المؤذن بالحرم الشريف الغروي... وذلك من سنة 3
~~وسبعمائة.# PageV00P467 ms325