######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009258 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن عرفة #META# 010.AuthorNAME :: أبو عبد الله محمد بن محمد بن عرفة الورغمي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 827 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تفسير الإمام ابن عرفة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير :: كتب التفاسير وعلوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تفسير ابن عرفة #META# 030.LibURI :: JK_009258 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. حسن المناعي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مركز البحوث بالكلية الزيتونية #META# 044.EdPLACE :: تونس #META# 045.EdYEAR :: 1986 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم | صلى الله علي سيدنا محمد وسلم | قال سيدنا ~~وبركتنا الشيخ الفقيه العالم العلامة عز الأنام الحبر الهمام الصدر المحقق ~~فريد دهره ووحيد عصره أبو عبد الله محمد بن عرفة المالكي : علم التفسير : ~~القول في حقيقته ، وموضوعه ، ودليله ، وفائدته ، واستمداده ، وحكمه . | أما ~~حقيقته : فهو العلم بمدلول القرآن وخاصية كيفية دلالته ( وأسباب النزول ) ~~والناسخ والمنسوخ . | فقولنا : خاصية كيفية دلالته هي إعجازه ومعانيه ( ~~البيانية ) وما فيه من علم البديع ( الذي يذكره ) الزمخشري ( ومن نحا نحوه ~~) . PageV01P059 | قيل ( لابن ) عرفة : غيره من المفسرين لم يذكرها كالطبري ~~الذي هو إمام المفسرين ؟ | فقال : كان مركزا في طبعه وإن لم يكتبه . | ~~وموضوعه : القرآن . | ودليله : اللغة ( العربية ) والبيان ، لأن المفسر ~~يفسر اللفظة بمعنى ويستدل عليها بشواهد من الشعر وكذلك يستدل على إعرابها . ~~| وفائدته : استنباط الأحكام والمعاني من أصول الدين وأصول الفقه والعربية ~~. | وحكمه : أنه فرض كفاية وهو الآن ساقط لحصوله في الكتب وقام به جمع كثير ~~. | لكن الناس على أقسام : - مجتهد مفسر ( كالشيخ عز الدين ) ( ب ) ابن عبد ~~السلام . | وآخر مفسر غير مجتهد كسيبويه ( ج ) والفارسي ( د ) والزجاج ~~PageV01P060 والزمخشري فإنهم لم يحصلوا أدوات الاجتهاد ( وحصلوا ) أدوات ~~التفسير . | وآخر مجتهد غير مفسر حسبما ذكر الغزالي ( ب ) في شروط الاجتهاد ~~: ' إنه لا يلزم المجتهد حفظ القرآن كله بل إن ( حفظ منه خمسمائة آية ) ( ~~يستدل بها ) ، وهي آيات الأحكام ( ج ) . | والمفسر من شروطه : حفظ القرآن ~~كله ، لأن المفسر إذا استحضر آية لا يحل له أن يفسرها لاحتمال أن يكون ( ~~هنالك ) آية آخرى ناسخة لها أو مقيدة أو مخصصة أو مبينة فلا بد للمفسر من ~~حفظ القرآن كله . | ( هذا ) ولا حاجة ( له ) بطلبه لأن التفسير من قام به ~~موجود في الكتب . | وأقل التفسير يحتاج فيه إلى المشاركة في العلوم ~~المشترطة في المفسر ما ينقل ليفهم . ونحن الآن ناقلون لا يلزمنا حفظ القرآن ~~كله . PageV01P061 ولقد كان الفقيه أبو القاسم بن القصير ( أ ) مدرسا ~~بمدرسة ابن اللوز يفسر القرآن فيها ، وكان لا يحفظه فأنكر عليه أبو الحسن ~~على العبيدلي ( ب ) . وقال ms001 له : لا يحل لك التفسير حتى تحفظ القرآن كله . ~~فأخذ ذلك منه بالقبول وأقبل على درس القرآن حتى حفظه . | فقيل لابن عرفة : ~~كيف يشترط حفظ القرآن في هذا وهو ناقل للتفسير فقط ، وإنما يشترط ذلك في ~~المنقول عنه ؟ | فقال : ألا ترى أنا لا نجيز الفتوى ( والتدريس ) لمن ينظر ~~في مسألة واحدة في الكتب حتى يشخص جميع مسائل الكتب كلها إذ قد يكون بعضها ~~مقيدا لبعضها . فكذلك هذا فلعل مفسرا آخر يستحضر آية تقيدها ، أو نحو ذلك ، ~~فتحصل من هذا أن فرض الكفاية باعتبار أصل التفسير ( قد ارتفع ) قبل أن يقع ~~البعض به وفرض الكفاية باعتبار نقل التفسير لم يزل باقيا . | قيل لابن عرفة ~~: بل نقول : إنه فرض عين ويجب على من يقرأ ( القرآن ) أن يفهم المعنى ؟ | ~~فقال : كان الصحابة في الزمن الأول ( يعلمون ) الإعجام لألفاظ القرآن بدون ~~معانيه ، وإن كان قد قال الفقهاء : فيما إذا اجتمع الأفقه والأقرأ : إنه ~~يقدم الأفقه ( ج ) ، وحملوا قوله صلى الله عليه وسلم : PageV01P062 ' يؤم ( ~~القوم ) أقرؤهم ' ( أ ) على أن الأقرأ في ذلك الزمان هو الأعلم ( إذ ) ~~كانوا يتعلمون مع التلاوة ما يتعلق به من الأحكام ، والمعاني قاله ابن بشير ~~( ب ) وغيره . | ويحكى أن سيدي الفقيه الصالح أبا العباس بن عجلان ( ج ) ~~رأى رجلا يضبط المصحف ( بالأحمر ) فأنكر عليه ، وضربه ضربة في وجهه ( بخوصة ~~) ( د ) . ثم لقيه بعد ذلك فجعل يطلب منه ( العفو ) وندم على ( ما فعله له ~~) ، ورأى أنه لا يستحق به تلك العقوبة . | ونقل عن العبيدلي أنه كان يمنع ~~المؤدبين الذين لا يحسنون رسم المصحف من الإقراء . ( وهكذا ) كان العمل ~~بتونس لا يقرئ إلا من يحسن الضبط ( بقراءة ) ورش ( ه ) ولا يباع في ~~الكتبيين إلا المصحف المصحح . PageV01P063 # | تفسير الإستعاذة # | أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ( أ ) | قال ابن عرفة : الاستعاذة ~~استجارة والاستجارة إبعاد والإبعاد نفي ( والنفي ) متعلق بالأخص ونفي الأخص ~~لا يستلزم نفي الأعم فلا يلزم ( من ) الاستعاذة من هذا الشيطان المخصوص ~~الاستعاذة من مطلق الشيطان . | وأجاب بأن قال : النعت على قسمين : نعت ~~تخصيص ونعت ms002 لمجرد الذم ، فيقال إن هذا النعت مجرد الذم ، ( وكل ) شيطان ~~مرجوم . PageV01P064 قال الإمام مالك في المدونة : لا يتعوذ في المكتوبة ( ~~قبل القراءة ) ولكن يتعوذ في قيام رمضان ( أ ) وإذا بدأ - وقال في المجموعة ~~( ب ) في قوله تعالى : ^ ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم ) ^ ( ج ) - إن ذلك بعد أم القرآن ( إن ) قرأ في الصلاة . | قال ~~اللخمي ( د ) : ( الشأن فيمن ) افتتح أن لا يتعوذ ورأى ذلك لأن الافتتاح ~~بالتكبير ينوب عنه ويجزئ عنه . | قال ابن عرفة : وإذا نسى الإستعاذة فإن ~~أطال القراءة أتمها ولم يعد وإن لم يكن أطال ففي رجوعه إلى الإستعاذة قولان ~~. وكره له في العتبية ( ه ) PageV01P065 الجهر بالاستعاذة في قيام رمضان ~~ورأى أن الأمر بالاستعاذة على الندب . | ابن رشد ( أ ) : ووجه ما في ~~المدونة الاتباع ، وخفف في العتبية ( ب ) أيضا تعوذ القارئ إذا أخطأ في ~~الصلاة لأن ( ذلك ) من الشيطان . | وحكى ( أبو عمرو الداني ) في ( بحار ~~البيان ) ( ج ) في كيفيته ثلاثة أوجه : ( إما أعوذ بالله السميع العليم من ~~الشيطان الرجيم ، وإما أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وإما أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم ) ( وحكى ) في كتاب ( الإقناع ) ( د ) ~~أن الأولى أن تقول : أعوذ بالله القوي من الشيطان ( الغوي ) . PageV01P066 ~~وقال الشاطبي ( أ ) : | # % إذا أردت الدهر تقرأ فاستعذ % % جهارا من الشيطان بالله مسجلا % # % على ما أتى في النحل يسرا وإن تزد % % لربك تنزيها فلست مجهلا % # % وقد ذكروا لفظ الرسول ولم يرد % % ولو صح هذا النقل لم يبق مجملا ) # % ب ) | فظاهره أن الآي مجملة ( هو خطأ لأن المجلم عند الأصوليين هو ~~اللفظ المحتمل معينين فصاعدا على التساوي ، وليست الآية كذلك بل هي عندهم ~~من قبيل المطلق الذي يصدق بصورة ) . | قال : وعادتهم يجيبون عنه بأنه من ~~قبيل الإجمال اللغوي لا الاصطلاحي . | ( ثم قال ) : | # % وفيه خلاف في الأصول فروعه % % فلا تعد منها باسقا ومظللا ) # % ج ) | ومراده بالأصول إما ( الكتب المطوله ) وإما أصول الفقه . | وقوله ~~الرجيم : هو بمعنى مرجوم فإن أريد المرجوم بالشهب فالنعت للتخصيص والبيان ، ~~وإن أريد به أنه ms003 مرجوم باللعنة ، والمقت وعدم الرحمة فالنعت للتأكيد ، لأن ~~كل شيطان كذلك . PageV01P067 قلت : وتقدم لابن عرفة ( في الختمة الثانية في ~~عام سبعة وخمسين وسبع مائة ) ، قال أبو البقاء ( أ ) : الشيطان فيعال من ~~شطن يشطن إذا بعد ، ويقال فيه : شاطن وشيطان وسمي بذلك كل متمرد لبعد ( ~~غوره ) ( في الشر ) وقيل : هو ( فعلان ) من شاط يشيط إذا هلك ( ب ) . | قال ~~ابن عرفة : ورد هذا لمخالفة ( قاعدة ) الاشتقاق ، لأن الشيطان فيه النون ~~وشاط لا نون فيه - والرجيم بمعنى مرجوم ( وقيل ) بمعنى فاعل أي يرجم غيره . ~~PageV01P068 | # | تفسير البسملة # | { بسم الله الرحمن الرحيم } : قال ابن رشد في البيان ( في رسم نذر سنة ~~) : لم يختلف قول مالك : إنها لا تقرأ في الفريضة لا في أول الحمد ، ولا في ~~( أول ) السورة التي بعدها لأنها ليست آية منها . ( وليست ) من القرآن إلا ~~في سورة النمل : وإنما ثبت في المصحف الاستفتاح بها . قال : ويتحصل في ~~قراءتها في أول الحمد في الفريضة أربعة ( وجوه ) : قراءتها للشافعي - ~~وكراهتها لمالك - واستحبابها لمحمد ابن مسلمة - والرابع قراءتها سرا ~~استحبابا - . وأما النافلة PageV01P069 فلمالك فيها في الحمد قولان ، وله ~~فيما عدا الحمد ثلاثة ، فله في هذه الرواية القراءة ، وله في رواية أشهب ~~عنه عدمها إلا أن يقرأ القرآن في صلاته عرضا ، وفي المدونة أنه يخير - ~~انتهى . قال القاضي عماد الدين : ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها ليست آية من ~~الفاتحة ولا من أول كل سورة وذهب الشافعي وجماعة إلى أنها آية من الفاتحة ~~وعنه في كونها آية من ( أول ) كل سورة قولان : ( ( فمن أصحابه من حمل ~~القولين على أنها من القرآن في أول كل سورة ، ومنهم من حملها على أنها هل ~~هي آية برأسها في أول كل سورة أو هي مع كل آية من أول كل سورة آية ؟ ونقل ~~السهيلي ) ) في الروض الأنف ( عن ) داود وأبي حنيفة أنها آية مقترنة مع ~~السورة ( و ) . PageV01P070 ابن عرفة : قيل البسملة آية من كل سورة . فقال ~~الغزالي في المستصفى : معناه أنها آية مع كل سورة وليست جزءا من كل سورة ms004 . ~~وقال غيره : معناه أنها آية أي جزء من كل سورة . وورد في الحديث عن عائشة ~~ها : ( ما كنا نعلم تمام السورة إلا بالبسملة ) فظاهره ( أنها ) تكرر ~~إنزالها مع كل سورة مثل { فبأي آلاء ربكما تكذبان } وظاهر غيره من الأحاديث ~~أنه لم يتكرر فإذا قلنا : إنها مع أول كل سورة فكيف ( تصح ) قراءة ورش ~~بإسقاطها . قال : لكن يجاب بما ( قال ) ابن الحاجب بتعارض الشبهات : أي أن ~~كل واحد من الخصمين يرى أن ما أتى به خصمه شبهة أعني دليلا باطلا وهما ~~قويان فتعارضت الشبهات . قال ابن عرفة : ولا بد من زيادة ضميمة أخرى وهي ~~الإجماع على أنها قرآن من حيث الجملة ، فلذلك صح التعارض . PageV01P071 قال ~~بعضهم : والنافي هنا دليله أقوى ، وظاهر كلام ابن عطية في آخر سورة الحمد ( ~~أن عدد آي السور قياسي لا سماعي ) لأنه قال : أجمع الناس على أن ( عدد ) آي ~~الحمد سبع . ( رب ) العالمين آية - الرحمان الرحيم آية - ( مالك يوم ) ~~الدين آية - نستعين آية - أنعمت عليهم آية - ولا الضالين آية . ونص الغزالي ~~( في المستصفى ) على أنه مسموع وكذلك قال الزمخشري في أول سورة البقرة في ~~تفسير قوله : الم . قال الزمخشري : وذكر الزجاج أنه يفخم ( لامه ) وعلى ذلك ~~العرب كلهم وإطباقهم عليه دليل على أنهم ورثوه كابرا عن كابر . قال ابن ~~عرفة : إنما يفخم في الرفع ، والنصب أما الخفض فلا . PageV01P072 قال ابن ~~عرفة : وكان الفقيه أبو عبد الله محمد بن سعيد ( بن عثمان ) بن أيوب ( ~~الهزميري ) يحكي عن علماء الشافعية بالمشرق أنهم يقسمون البسملة ثلاثة ~~أقسام : قسم هي فيه آية في أول الفاتحة ، وقسم هي فيه بعض آية ، وذلك في ( ~~سورة ) النمل ، وقسم بعضها فيه آية ، وهو : { الرحمن الرحيم } . { بسم الله ~~} : إما متعلق بفعل أو اسم وقدره الزمخشري ( في ) ( بسم الله أقرأ وأتلو ) ~~وقدره ابن عطية : بسم الله أبتدئ . قال ( ابن عرفة ) : وكان الشيوخ ~~يستصوبون تقدير الزمخشري ، فإنه يجعل ( قراءته ) من أولها إلى آخرها مصاحبة ~~لاسم الله تعالى . وقد قال الشيخ عز الدين في قواعده : في قول الإنسان عند ms005 ~~الأكل { بسم الله } معناه : آكل باسم الله ، وليس معناه : PageV01P073 أبدأ ~~باسم الله ، ولهذا كانوا ينتقدون على الشاطبي في قوله : في ( النظم ) أولا ~~( وهلا قال ) نظمت باسم الله ( في الذكر أولا ( ) . ( حتى تكون التسمية ~~مصاحبة له في جميع نظمه ) فإن قلت : لم قدر الفعل متأخرا ؟ فالجواب : ( إنه ~~إنما ) قدره كذلك ليفيد الاختصاص لأنهم كانوا يقولون : واللات والعزى ~~ويبدؤون بآلهتهم ، قدم اسم الله هنا ( للتوجيه والحصر ) كما في إياك نعبد . ~~وابن أبي الربيع وغيره كانوا يقولون : إنما قدم بسم الله ( هنا ) للاهتمام ~~به . PageV01P074 قوله تعالى : { الرحمن الرحيم } : إن قلت : لم قدم الوصف ~~بالرحمان مع أنه أبلغ على الوصف بالرحيم فيلزم أن يكون تأكيدا للأقوى ~~بالأضعف . PageV01P075 ( فأجيب ) ( بوجهين ) : - الأول : الرحمان لما كان ~~خاصا بالله تعالى جرى مجرى ( الأسماء ) الأعلام التي تلي العوامل فقدم على ~~الرحيم . PageV01P076 - ( الثاني ) : إن الرحمان دال على جلائل النعم ~~والرحيم على دقائقها . قاله الزمخشري . قال ابن عرفة : وكان ( يسبق ) لنا ~~تقريره بأنهما يختلفان PageV01P077 ( باعتبار ) المتعلق ، فالرحمة قسمان ~~لأن الرحمة بالإنقاذ من الموت أشد من الرحمة بإزالة شوكة ، فقد يرحم ~~الإنسان عدوه بالإنقاذ PageV01P078 من الموت ولا تطيب نفسه أن يرحمه بإزالة ~~شوكة تؤلمه في ( بدنه ) ( فتقديم ) الرحمة الأولى لا يستلزم هذه بوجه . قلت ~~: وقرر ابن عرفة لنا في الختمة الثانية السؤال المتقدم : بأن ثبوت الأخص ~~يستلزم ثبوت الأعم ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص ( فيبدأ ) في الثبوت بالأعم ~~، ثم بالأخص وفي النفي على العكس ورحمان أخص من رحيم . وقرر لنا جوابه بأن ~~الرحمن دال على كثير النعم بالمطابقة وعلى دقائقها بالالتزام ودلالة ~~المطابقة أقوى من دلالة الالتزام فذكر الرحيم بعده ليدل على دقائق النعم ~~بالمطابقة . وإليه أشار الزمخشري بقوله : والرحيم أتى به ( كالتتمة ) ~~ليتناول ما دق منها . ولما ( رأى ) ، وذكر أن الرحمان أبلغ لكونه أكثر ~~حروفا قال : وهو من الصفات الغالبة كالدبران ( والعرب ) لم ( تستعمله ) في ~~غير الله أما قول بني حنيفة PageV01P079 في ( مسيلمة ) الكذاب : رحمان ~~اليمامة . وقول شاعرهم : وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا . . . ( فباب ) من ~~تعنتهم في كفرهم قال ابن ms006 عرفة : هو لا يحتاج إليه ، وكان ( يظهر ) لنا ~~الجواب عنه بأن رحمانا في قولهم : رحمان اليمامة ( استعمل مضافا ) ورحمانا ~~في البيت منكرا . وأما الرحمن المعرف بالألف واللام فخاص بالله لم يستعمل ~~في غيره ( فانتفى ) السؤال . وكذا نص إمام الحرمين في الإرشاد خلافا ( ~~للفاسي ) PageV01P080 في شرح الشاطبية ، فإنه نص على أن المختص بالله مجموع ~~الرحمان الرحيم ونحوه في أسئلة ابن السيد البطليوسي . قلت : ونقل لي بعضهم ~~عن القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام أنه أجاب عن السؤال المتقدم بوجوه . ~~أحدها : الجواب المتقدم : أتى بالرحيم على سبيل التتمة ، وقد حصل الغرض ~~بذكر الرحمان وفائدته تحقق دخول ما يتوهم خروجه . - الثاني : مراعاة ~~الفواصل ، عند من يرى أنها من الفاتحة . - الثالث : أن الرحمان يستلزم ~~الرحيم لكنه ذكر ليدل عليه مطابقة . PageV01P081 قال : وأجاب ابن أبي ~~الربيع في شرح الإيضاح بأن الرحمان كثر استعماله حتى عومل معاملة العلم ~~بخلاف الرحيم فإنه لم يخرج عن كونه صفة . قال : أو تقول إنها ليست للمبالغة ~~. وقول الزمخشري : إن العرب لا تزيد حرفا إلا لمعنى ممنوع ، ( وسند ) المنع ~~قولهم في حذر وبطر وأشد إنها أبلغ من حاذر وباطر وأشد . قلت : وأجاب بعض ~~النحاة المعاصرين بأن حذر ناب مناب محذور ، ومحذور أكثر حروفا من حاذر ~~بخلاف حاذر ، فإنه لم ينب مناب شيء ( حسبما ) نص عليه ابن عصفور في ( مقربه ~~) في باب الأمثلة . قلت : وأجاب ابن عرفة : بأن ذلك فيما عدل فيه عن الأصل ~~والقياس إلى غيره كحذر وحاذر فإن القياس في اسم الفاعل منه أن يكون على وزن ~~فاعل ( فإنما ) عدل عن ذلك لمعنى وغرض زائد ، PageV01P082 وهو إرادة ~~المبالغة ، وأما الذي لم يعدل فيه عن الأصل كرحمان ورحيم فنقول الأكثر ~~حروفا ( أبلغ ) ولهذا ( قرر ) القاضي العماد ( رحمان ) أبلغ . قال : ورحمان ~~ورحيم كلاهما معدولان وحذر معه كذلك بخلاف حاذر فما عدل إلا للمبالغة . ~~واستشكل الغزالي ( في الإحياء ) قولهم : أرحم الراحمين مع أن الكفار في ~~جهنم لم تصلهم رحمة بوجه ، وهنالك قال : ما في الإمكان ( أبدع ) مما كان . ~~وانتقدها الناس عليه . وأجاب ms007 ابن عرفة : عن الإشكال بأن ذلك باعتبار مراعاة ~~جميع الصفات لله تعالى لأن من صفاته - شديد العقاب - وذلك صادق بعذاب أهل ~~النار ونعيم أهل الجنة . فرحمته ( هي ) أشد الرحمة ، وعقابه هو أشد العقاب ~~. وعادتهم يخطئون الغزالي في هذه المسألة ، ويقولون : كل عذاب فالعقل يجوز ~~أن يكون أشد منه في الوجود ، وكل نعيم فالعقل يجوز أن يكون هناك أحسن منه . ~~قال الزمخشري : فإن قلت ما معنى وصفه ( بالرحمة ومعناها العطف والحنو ومنه ~~) الرحم لانعطافها على ما فيها . قلت : هو مجاز على إنعامه على عباده . قال ~~ابن عرفة : قالوا كل مجاز لا بد له من حقيقة الا هذا فإن الرحمة هي العطف ~~PageV01P083 ( والحنو ) ، وذلك ( ما هو ) حقيقته إلا في الأجسام وتقرر أن ~~غير الله لا يطلق عليه اسم الرحمن فهو مجاز لا حقيقة له . وتكلم ابن عطية ~~هنا في الاسم هل هو عين المسمى أو غيره ؟ قال الفخر ابن الخطيب في نهاية ~~العقول : المشهور عن أصحابنا أن الاسم هو المسمى ، وعن المعتزلة أنه ~~التسمية ، وعن الغزالي أنه مغاير لهما ، والناس طولوا في هذا وهو عندي ( ~~فضول ) لأن البحث عن ذلك مسبوق بتصور ماهية الاسم وماهية المسمى ، فالاسم ~~هو الاسم الدال بالوضع لمعنى من غير زمان والمسمى هو وضع ذلك اللفظ بإزائه ~~، فقد يكون اللفظ غير المسمى لعلمنا أن لفظ الجواز مغاير لحقيقة ( المجاز ) ~~، وقد يكون نفسه لأن لفظ الاسم اسم ( للفظ ) الدال على المعنى المجرد ( عن ~~) الزمان ، ومن جملة تلك الألفاظ ( لفظ ) الاسم ، فيكون الاسم اسما لنفسه ~~من حيث هو اسم . وقال غيره : إن السؤال ( سفسطة ) . PageV01P084 وقال ~~الآمدي ( في أبكار الأفكار ) ، وهو أحسن من تكلم عليه لأن المسألة لها تعلق ~~باللغة ( وتعلق بأصول الدين ) أما اللغة فمن حيث إطلاق لفظ ( الاسم ) هل ~~المراد به الذات فيكون الاسم ( هو ) المسمى أو اللفظ الدال عليه ك { سبح ~~اسم ربك الأعلى } أما تعلقها بأصول الدين فهو ( هل ) المعقول ( من الذات ) ~~( منها ) وحدها أو منها مع اسمها ( أم لا ) ؟ فإن كان ( المعقول ) منهما ~~واحدا كان الاسم ms008 هو المسمى كالعالم والقادر وقال ابن عرفة : والصواب أن ~~المعقول من الذات من حيث اتصالها بالصفة غير المعقول منها مجردة عن تلك ~~الصفة ، ( فإنا ) إذا فهمنا من لفظ العالم الذات من حيث اتصافها بالعلم ~~استحال اتصافها PageV01P085 بالجهل ، بخلاف قولنا : ( إن المعقول هو الذات ~~القابلة ( للاتصاف ) بالعلم وبضده ولا شك أن المعقولين متغايران ) . وانظر ~~كلام الآمدي ، فهو طويل نقلته بكامله في آخر سورة الحشر وانظر مختصر ابن ~~عرفة في فصل ( الحقيقة ) وما قيدته أنا في أواخر مسلم على حديث ( إن لله ) ~~تسعا وتسعينا اسما مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة . قلت : وقال ابن ~~عرفة مرة أخرى : منهم من قال : تارة يراد بالاسم المسمى مثل : زيد عاقل ، ~~وتارة يراد به التسمية : كزيد ( وزنه فعل ) ، ومنهم من قال : يراد به ~~المسمى : كزيد قادر ، إذا أردت الذات . وتارة يراد به الصفة ، فقادر موضوع ~~لأن يولد به القدرة ، وهو صفة من صفات الذات ، والله أعلم بالصواب . ~~PageV01P086 # | تفسير سورة الفاتحة # PageV01P087 صفحة فارغة PageV01P088 | # | تفسير سورة الفاتحة # ( أ ) | اختلفوا فيها فقال ابن عباس رضي الله عنهما وجماعة : إنها مكية ~~واحتج ( له ) ابن عطية بقوله تعالى في الحجر : PageV01P089 ونقد أتيناك ~~سبعا من المثاني والقرآن العظيم ' . وهي مكية بإجماع وفي حديث أبي بن كعب ' ~~إنها السبع المثاني ' . ورده ابن عرفة بقوله تعالى : ' والقرآن العظيم ' ~~ولم يكن نزل ( حينئذ ) جميعه فلا بد أن يكون أوقع الماضي موضع المستقبل . | ~~قال ابن عطية : ولا خلاف أن الصلاة ( فرض ) ( كان ) بمكة ، ولم يحفظ ( أنه ~~كانت قط ) صلاة في الإسلام بغير الحمد لله رب العالمين . PageV01P090 ورده ~~ابن عرفة : بأن أبا حنيفة لم يشترط قراءة الفاتحة بل خير المصلي بأن يقرأ ~~بما شاء فلعل ( ذلك ) لأنها لم تكن في أول الإسلام واجبة ولعل حديث : ' لا ~~صلاة لمن يقرأ بفاتحة الكتاب متأخر ' . | قال ( الإمام ) : وذهب عطاء ~~والزهري وجماعة إلى أنها مدينة ، وقيل أنها نزنلت بمكة والمدينة ، وأبطله ~~القاضي العماد بأنه يجب عليه تحصيل الحاصل وهو محال . | أجاب ابن عرفة بأن ~~التأكيد شائع في كلام العرب وليس ms009 فيه تحصيل الحاصل . | فإن قلت : يلزم عليه ~~( أن تكون ) الفاتحة في القرآن مرتين لتزولها مرتين وكان ( تكرر ) كما ( ~~تكرر ) ^ ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ^ . | فإن قلنا : إنما ذلك إذا نزلت ~~على أنها غير الأولى . فقد ذكر الأصوليون أن الغيرين يصدقان على المثلين ~~أما إذا نزلت على أنها الأولى بعينها فلا يلزم ذلك فيها . PageV01P091 زاد ~~القاضي العماد في إبطال النزول بمكة والمدينة أنه يلزم منه أن يكون كلما ~~نزل بمكة نزل المدينة مرة أخرى ، لأن جبريل عليه السلام كان ( يعرضه ) ~~القرآن في كل سنة مرة ، وفي الأخيرة مرتين فيكون ذلك إنزالا آخر وهذا لا ~~يقوله أحد . | وقال : ولعلهم يعنون بنزولها مرتين ، أن جبريل نزل حين حولت ~~القبلة فأخبره عليه الصلاة والسلام أن الفاتحة ركن في الصلاة كما كانت بمكة ~~، وأقرأه فيها قراءة لم ( يكن أقرأه بها ) في مكة فظنوا ذلك إنزالا وهو ~~ضعيف . | قوله تعالى : ^ ( الحمد لله . . . ) ^ قال الزمخشري : الحمد ~~والمدح أخوان . فقيل : معناه أنهما مترادفان ، وقيل : متقاربان ، وقيل : ~~متغايران ، فالحمد يطلق على الله تعالى والمدح لا يطلق عليه . وأما الشكر / ~~فحكى أبو حيان فيه ثلاثة أقوال قال الطبري : هو الحمد ، وقيل : غيره ، وقيل ~~: الحمد أعم منه ، فالحمد يطلق على الصفات الجميلة والشكر على الأفعال ~~الجزيلة . وظاهر كلام الزمخشري قول رابع أن بينهما عموم وخصوص وجه دون وجه ~~PageV01P092 فالحمد يكون باللسان على الصفات الجميلة والأفعال الجزيلة ~~والشكر يكون بالقول والفعل والقلب على الأفعال ( خاصة ) ، واحتجوا له بقول ~~الشاعر : أفادتكم النعماء مني ثلاثة . . . يدي ، ولساني ، والضمير المحجبا ~~قال ابن عرفة : وعادتهم يتعقبونه بانه لم يسمه شكرا وإنما سماه نعماء وعلى ~~تقدير أن لو سماه ( شكرا ) فلا دليل فيه . لأن العربي إنما يحتج بقوله فيما ~~يرجع إلى نظم الكلام وأحكامه اللفظية الإعرابية . أما ما يحكم عليه بأنه ~~كذا فلا يحتج به كما ذكر في الإرشاد الرد عليهم في استدلالهم على كلام ~~النفس ( بقول ) الأخطل : إن الكلام لفي الفؤاد وإنما . . . جعل اللسان على ~~الفؤاد دليلا وذكر هذه الأقوال ( الأربعة ) ابن هارون في شرح ابن الحاجب ms010 ~~الأصلي . PageV01P093 والألف واللام في ( الحمد ) إما للجنس أو ( للعهد ) ~~أو للماهية . وقرر القاضي العماد الجنس بأن الحمد يختلف فيه القديم ( ~~والحادث ) لأن الله تعالى في الأزل حمد نفسه بنفسه ، فيتناول حمدنا له ~~وحمده هو لنفسه وقرر العهد بأن النعم لما كان ( اللسان ) يستحضرها فكأنه ~~يعهدها إلى الله تعالى . واختار القاضي العماد أنها للماهية وضعف كونه ~~للجنس ، وقرر بأن الله تعالى تعبدنا بحمده ، أي نحمده بما حمد به نفسه ~~فالحمد القديم ( مماثل ) ( للحادث ) بمعنى اللفظ المؤدي باللسان هو المعنى ~~القديم الذي وصف الله به نفسه ، كما أن القرآن قديم أزلى ، ونحن نعبر عنه ( ~~بألفاظنا الحادثة ) فالحمد إذا حقيقة واحدة . قال : ( وهذا البحث من نظري ) ~~فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان . قال ابن عرفة : ~~وحاصله هل المعتبر في الحمد صفة الفاعل أو صفة متعلق الحمد ، فإن اعتبرته ~~الحمد من حيث الفاعل فهو حادث وإن ( اعتبرته ) من حيث صفة المحمود جاء منها ~~الذي قاله العماد . ولما ذكر ( بعضهم ) كونها للجنس قال : إنها دالة على ~~أفرادها مطابقة . PageV01P094 قال ابن عرفة : هذا جار ( الخلاف ) في دلالة ~~( العام ) على بعض أفراده هل ( هو ) مطابقة تضمن أو التزام ؟ قال ابن عطية ~~: وقرأ سفيان بن عينية ( ورؤبة ) بن العجاج : ( الحمد ) لله بفتح الدال ~~علما على إضمار فعل . قال ابن عرفة : وقالوا وقراءة الضم أدل على الثبوت ( ~~كقولهم له ) علم ( علم الفقهاء ) بالنصب والرفع . قال الزمخشري : ومنه قوله ~~تعالى : { فقالوا سلاما قال سلام } ( بالرفع في ) الثاني ليدل على أن ~~إبراهيم حياهم بتحية أحسن من تحيتهم لأن الرفع دال على الثبوت . وكذا قال ~~السكاكى في علم البيان . PageV01P095 قال ابن عرفة : وعادتهم يوردون عليه ~~تشكيكا من ناحية أن سلام الملائكة على إضمار ( فعل ) مؤكد بالمصدر ، والدال ~~على إثبات الحقيقة وإزالة الشك عن الحديث الأعم من أن يكون وقوعه منهم ~~ثابتا ، أو لا ؟ والاسم المرفوع دال على ثبوت وقوع السلام منهم أعم من أن ~~يكون حقيقة أو مجازا ، فتعادلا ، فليس أحدهما بأبلغ من الآخر . قال : وكان ~~يمشي ms011 لنا الجواب عنه بأن سلام إبراهيم إنما هو بعد سلام الملائكة ردا عليهم ~~، والبعدية تقتضي الحدوث ( والتجدد ) ، فلو عبر فيه بالفعل لتوهم ( فيه ) ~~الحدوث ، وأنه إنما سلم ردا عليهم فعبر بالاسم ( تنبيها ) على أن ( سلامي ) ~~عليكم كان ثابت ولو لم تبدؤوني بالسلام . وسلام الملائكة لما كان ابتدائيا ~~لا يتوهم فيه البعدية ولا أنه جواب ورد عبروا فيه بالفعل ( إذ ) لا ضرورة ~~تدعو إلى التعبير بالاسم . قلت : وأورد بعض نحاة الزمان على هذا إشكالين . ~~- الأول : كيف يصح حذف الفعل مع أن المصدر مؤكد له والفعل المؤكد يحذف لأن ~~مقام الاختصار مناف لمقام التأكيد ( فيمنع ) أن ( يكون ) المصدر هنا مؤكدا ~~؟ - الثاني : ( إنما يمنع ) أن هذا أبلغ لأن هذا المصدر نائب مناب الفعل لا ~~مؤكدا له وكأنه لم يحذف من الكلام شيء PageV01P096 سلمنا أنه مؤكد لكن نقول ~~: هو مؤكد لوجود الفعل وثبوته في نفس الأمر على سبيل الثبوت واللزوم ، أو ~~على سبيل التجدد والحدوث نظر آخر ، وانظر ما قيدته في سورة الذاريات . قوله ~~تعالى : { . . رب العالمين } قال الزمخشري : لفظ الرب لا يطلق هكذا إلا على ~~الله تعالى فهو في غيره مقيد بالإضافة تقول : رب الدابة ورب الدار . قال ~~ابن عرفة : فإن قلت : قد قال الأصوليون كل ما صدق مقيدا صدق مطلقا ؟ ~~فالجواب : أن ذلك باعتبار المفعولية وهذا باعتبار الإطلاق اللفظي . وفي ~~حديث مسلم عن عبد الله بن عمر عن أبية في أشراط الساعة ( أن تلد الأمة ~~ربتها ) . قال ابن عطية : ويروى أنها تعدل ثلثي القرآن . والعدل إما في ~~المعاني باشتمالها على التوحيد وغيره ، و { قل هو الله أحد } على التوحيد ~~فقط ، وإما أن يكون ( فضلا ) من الله لا يعلل . PageV01P097 قوله تعالى : { ~~الرحمن الرحيم } . قال ابن عرفة : قدم أولا الوصف برب العالمين تنبيها على ~~أصل النشأة ، وأنه هو الخالق المبدئ ، ثم ثنى بحال الإنسان في الدنيا من ~~النعم والإحسان ، فلولا رحمة الله تعالى لما كان ذلك . قوله تعالى : { مالك ~~يوم الدين } . تنبيها على ( حال ) الآخرة وفرقوا بين الملك والمالك بأن ~~المالك إنما يتصرف في ms012 مال غيره بالمصلحة ، والمالك يتصرف في ماله بالمصلحة ~~وغيرها . قال ابن عطية : وحكى أبو علي في حجة : من قرأ : { مالك يوم الدين ~~} أن أول من قرأ { مالك يوم الدين } مروان بن الحكم وأنه يقال : مالك ~~الدنانير والطير والبهائم / ولا يقال : ملكها . وقال ابن عرفة : عادتهم ~~يردون الأول بأنها شهادة على ( نفي ) فلا تقبل وكأنه قال : لم يقرأ بها أحد ~~قبل ( مروان ) PageV01P098 وكذلك قالوا في قول ابن خالويه في كتاب ( تفسير ~~) ليس في كلام العرب كذا . قلت : وأجابوا بأن الشهادة على النفي من العالم ~~( مقبولة ) . قال الزمخشري : وصح الوصف بملك يوم الدين لأنه بمعنى ( الفكرة ~~) ( فتعرف ) بالإضافة . قال ( القرطبي ) : وليس المراد الملك الحاصل بالفعل ~~، بل الملك التقديري لأن يوم القيامة ( لم ) يوجد . قال ابن عرفة : المراد ~~الملك على ما قال الزمخشري : ( القدرة ) باعتبار الصلاحية لا باعتبار ~~التنجيز . PageV01P099 قال الزمخشري : أو لأن المراد به زمان ( مستمر ) ، ~~مثل : زيد مالك العبيد فإضافته محضة . قال ( ويجوز ) أن يكون المعنى ( ملك ~~الأمور يوم الدين ) مثل : { ونادى أصحاب الجنة } { ونادى أصحاب الأعراف } - ~~فيكون هذا للماضي وعلى الأول مجرد قيام الصفة بالموصوف من غير تعرض لزمان ~~مخصوص . قوله تعالى : { إياك نعبد وإياك نستعين } . إن قلت : لم قدمت ~~العبادة على الاستعانة مع أن الاستعانة سبب فيها ؟ أجاب الزمخشري : بأن ~~العبادة وسيلة والاستعانة مقصد فقدمت الوسيلة قبل ( الحاجة ) . قال ابن ~~عرفة : بل الصواب العكس ( فالعبادة ) هي المقصد . قال : وكان يمشي لنا ~~الجواب عن ذلك بأن هذا أقرب لكمال الافتقار وخلوص النية فإن المكلف إذا ( ~~أقر أولا بأن لا قدرة ) له على الفعل إلا بالله ، ثم فعل العبادة فإنه قد ~~تحول نيته بعد PageV01P100 ذلك ( وتزهو نفسه ) ويتوهم أن الفعل الواقع منه ~~بقدرته استقلالا ، فإذا أقر بعد الفعل بأن الاستعانة له عليه إلا بالله كان ~~( نفيا ) للتهمة وأقرب لمقام التذلل والخضوع . قلت : وقال بعض الناس ~~العبادة مقصد باعتبار الحكم الشرعي والاستعانة مقصد باعتبار نية المكلف في ~~طلبه لأنه ( أخبر ) أنه إنما يعبد الله لا غيره ، ثم أخبر أنه لا يستعين ~~على ms013 تلك العبادة إلا بالله . قلت : وأجاب القاضي العماد ( عن ) السؤال ~~بثلاثة أوجه : - الأول : طلب المعونة من الله لا يكون إلا بعد معرفته ~~ومعرفته هو التوحيد ( وهي ) العبادة . - الثاني : يحتمل أن ترجع ( العبادة ~~) لتوحيد الله والاستعانة طلب معونته على حوائج الدنيا والاخرة وأول السورة ~~في توحيد الله تعالى وآخرها للعبد كما في حديثه : . . . ( قسمت الصلاة بيني ~~وبين عبدي نصفين ) . قدم العبادة ليكون ما هو لله بإزاء ما هو لله ، وما هو ~~للعبد بإزاء ما هو للعبد . PageV01P101 - الثالث : طلب المعونة عبادة خاصة ~~وإياك نعبد عامة ، والعام مقدم على الخاص قوله تعالى : { اهدنا الصراط ~~المستقيم } . قال ابن عرفة : الطلب من الأدنى للأعلى سؤال عند المنطقيين ~~ودعاء عند النحويين . ومنهم من قال : إن كان لله تعالى فهو دعاء ، ( وإن ~~كان ) لغيره ( فهو ) أمر . والهداية ( لها معنيان خاص وعام ) ( فالأعم ) ~~الإرشاد سواء كان للخير أو للشر ، والأخص الإرشاد إلى طريق الخير والمراد ~~هنا الأخص . والصراط قيل : هنا الطريق وقيل : الطريق الموصلة للآمر الملائم ~~وهو طريق الخير كأنه مأخوذ من السرط وهو ( الإبلاغ ) . والإنسان ما يتبلغ ~~إلا ما هو ملائم له ، وصفه على هذا بالمستقيم لأن طريق الخير قسمان قريبة ، ~~وبعيدة : فالمستقيم نص ( اقليدس ) على أنه أقرب خطين بين نقطتين فالخط ~~المستقيم أقرب من المعوج فلذلك وصفه على هذا بالمستقيم . قال ابن عرفة : ~~ولما قال ( إياك نعبد ) أوهم أن للإنسان في العبادة ( ضربا ) من المشاركة ~~والاختيار ، فعقبه بطلب الهداية PageV01P102 تنبيها على كمال الافتقار ، ~~وأن كل العبادة والطاعة من الله تعالى وليس للعبد عليها قدرة ، فهو دليل ~~لأهل السنة . قوله تعالى : { أنعمت عليهم . . . } . دليل على أن الهداية ~~إلى الطاعة محض نعمة وتفضل من الله تعالى ( لا باستحقاقه ) بوجه ، والمراد ~~بالهداية خلق القدرة على الطاعة وعند المعتزلة ( تيسير ) أسباب الفعل ~~والتمكن منه ( ومنح الألطاف ) لأنهم يقولون : إن العبد يستقل بأفعاله ~~ويخلقها . قال الزمخشري : فإن قلت ما أفاد الوصف بغير المغضوب مع أنه معلوم ~~من الأول ؟ فأجاب : بأن الإنعام يشمل الكافر والمسلم فبين أن المراد به ~~المسلم . ورده ابن ms014 عرفة بما تقدم لنا من أن المراد الإنعام الأخص . قال : ~~وإنما الجواب أنه وصف به تنبيها وتحريضا للانسان على استحضار مقام الخوف ~~والرجاء خشية أن يستغرق في استحضار مقام الإنعام فيذهل عن المقام الآخر ~~وأشار إليه ابن الخطيب هنا . قال ابن عرفة : وغضب الله تعالى إما راجع ~~لإرادته من العبد المعصية والكفر أو راجع لخلقه الكفر والمعصية في قلبه ، ~~هذا PageV01P103 عندنا . وعند المعتزلة راجع لإرادته الانتقام منه لأنهم ~~يقولون أن الله تعالى لم يخلق الشر ولا أراده ووافقونا في ( الداعى ) أنه ~~مخلوق لله تعالى . فإن قلت لم قال : { الذين أنعمت عليهم } بلفظ الفعل ، و ~~{ غير المغضوب عليهم } بلفظ الاسم وهلا قال صراط المنعم عليهم كما قال { ~~غير المغضوب } ؟ قلت : ( فالجواب أنه ) قصد التنبيه على التأدب مع الله ~~تعالى بنسبة الإنعام إليه وعدم ( نسبة ) الشر إليه بل أتى به بلفظ المفعول ~~الذي لم يتم فاعله فلم ينسب الغضب إليه على معنى الفاعلية وإن كان هو ~~الفاعل المختار لكل شيء لكن جرت العادة في مقام التأدب أن ينسب للفاعل ~~الخير دون الشر . وأجاب القاضي العماد بوجوه : - الأول : من ( ألطاف ) الله ~~( أنه ) إذا ذكر نعمة أسندها ( إليه ) فقال : { وإنآ إذآ أذقنا الإنسان منا ~~رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة } ولذلك قال إبراهيم عليه السلام : { وإذا ~~مرضت فهو يشفين } PageV01P104 - الثاني : إنما قال : { غير المغضوب عليهم } ~~( ليدخل غضبه ) وغضب الملائكة والأنبياء والمؤمنين فهو أعم / فائدة . - ~~الثالث : إنما لم يقل صراط المنعم عليهم لأن إبراز ( ضمير ) فاعل النعمة ~~ذكر وشكر له باللسان وبالقلب ، فيكون ( دعاء ) مقرونا بالشكر والذكر . - ~~الرابع : فيه فائدة بيانية ، وهو أنه من ( التفنن ) في الكلام لأنه ( لو ~~أجري ) على أسلوب واحد لم يكن فيه تلك ( اللذاذة ) وإذا اختلف أسلوبه ألقى ~~السامع إليه سمعه ( وهو تنبيه ) وطلب احضار ذهنه من قريب ومن بعيد . ( قلت ~~) : وإشارة إلى قوله تعالى : { مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن نفسك } فالنعمة تفضل ورحمة ، والانتقام عدل وقصاص PageV01P105 . ~~قلت : ونقل بعضهم أن القاضي ( محمد ) بن عبد ms015 السلام الهواري سئل ما السر في ~~أن قيل : { اهدنا الصراط } بنون العظمة والداعي واحد وهو محل تضرع وخضوع ، ~~وهلا قال : اهدني ؟ فأجاب بأن المصلي إن كان واحدا فهو طالب لنفسه ولجميع ~~المسلمين . قال : أو تقول إن المصلي لما حصل ( مناجاة ) الله وهي من أعظم ~~الأشياء عظم لذلك وهو الجواب في ( نعبد - ونستعين ) والله أعلم بالصواب . ~~PageV01P106 # | تفسير سورة البقرة # PageV01P107 صفحة فارغة PageV01P108 # | تفسير سورة البقرة # قوله تعالى : { الم } قال ابن عطية : اختلف في الحروف التي في أوائل ~~السور فقال الشعبي وسفيان الثوري وجماعة : إنها من المتشابه الذى انفرد ~~الله بعلمه . قال ابن عرفة : قال الفخر في المحصول : اختلفوا هل يرد في ~~القرآن ما لا يفهم أو لا على قولين ؟ PageV01P109 قال ( السراج ) : في ~~اختصاره إنما ذلك في الألفاظ الحادثة ( وأما ) الكلام القديم الأزلي فمجمع ~~عليه . قال ابن عرفة : وهذا لا يحتاج إليه إلا لو قال : اختلفوا هل يصح أن ~~يرد في القرآن اللفظ المهمل الذي لا معنى له ؟ وقوله : ما لا يفهم دليل على ~~أنه عنده معنى ودلالة لم تفهم . قال ابن عطية : ( والجمهور ) على أن لها ~~معاني اختلفوا فيها على اثني عشر قولا . قال ابن عرفة : اعلم أن قول ~~الصحابي إذا كان مخالفا للقياس هو عندهم من قبيل المسند لأن التجاسر ( على ~~) التفسير بمثل هذا PageV01P110 لا يكون إلا عن توقيف من نص أو إجماع . ~~وقال قوم : هو بحساب ( أبجد ) ( دليل ) على مدة النبي . وذكر السهيلي في ~~الروض الأنف حديثا استخرج منه المدة ومن أوائل السور وأسقط المتكرر من ~~الحروف . وقال قوم هي أمارة على أن الله تعالى وعد أهل الكتاب أنه سينزل ~~على محمد كتابا في أول كل سورة منه حروف مقطعة . قال ابن عرفة : يقال له : ~~ما معنى تلك الحروف ؟ ( فلم يزل ) الإشكال فيها ، ( وهذه الم مبنية على ~~الوقف ) . فإن قلت : إنما تكون موقوفة قبل الترتيب مثل : واحد - اثنان - ~~ثلاثة - إذا أردت مجرد العدد ( وهذه ) جزء كلام ( وقع ) الإسناد ( فيزول ) ~~الوقف ( ويعرف ) . قال : ( في ) الجواب ( إنها ) محكية مثل سائر الأسماء ~~المحكية ms016 . PageV01P111 قوله تعالى : { ذلك الكتاب لا ريب فيه } أورد ~~الزمخشري هنا سؤالا قال : الإشارة بذلك للبعيد وهو هنا قريب . وأجاب بأن ~~المراد القرب المعنوي . قال ابن عرفة : السؤال غير وارد لأنه أجاب في غير ~~هذا الموضع في قوله تعالى { فذلكن الذي لمتنني فيه } وفي قوله تعالى : { ~~عوان بين ذلك } لأن الإشارة بلفظ ( البعيد ) للقريب على سبيل التعظيم وهو ~~معنى ( يذكره ) البيانيون . قال : وعبر عنه باسم الإشارة دون ضمير الغيبة ~~تنبيها على أنه كالمحسوس المشار إليه فهو دليل على عظمته في النفوس . وقوله ~~تعالى : لا ريب فيه : إما خبر في هذا معنى النهي وإما خبر على بابه والمراد ~~إما نفي وقوع ذلك حقيقة . فيكون عاما مخصوصا بمن ارتاب فيه ، أو المراد لا ~~ينبغي فيه ريب أي ليس بأهل لأن يرتاب فيه ( أحد ) . قال : ومن الناس من يقف ~~على ( لا ريب ) وكان بعضهم يتعقبه بأن فيه شبه تهيئة العامل للعمل وقطعه ~~عنه ، ومنهم من وقف PageV01P112 على { لا ريب فيه } ( وعادتهم بأنهم ~~يصوبونه بأنه يبتدئ ) بقوله تعالى : هدى للمتقين ، ( فجعله ) خبر مبتدإ ~~مضمر ، أي هو هدى فيكون القرآن كله ( هدى ) أي هو نفس الهدى ، فهو أبلغ ممن ~~جعل الهدى فيه . فإن قلت : أخر المجرور هنا وقدمه في قوله : { لا فيها غول ~~} { وعلى أبصارهم غشاوة } ( فالجواب ) أن المراد نفي الريب بالإطلاق . ~~فيتناول جميع الكتب من التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، فليس نفي الريب ~~خاصا بالقرآن فقط بل هو ( عام ) بخلاف ما لو قيل لا ( فيه ريب ) ، ( لأوهم ~~) خصوص النفي به وبخلاف : { وعلى أبصارهم غشاوة } فإن الغشاوة خاصة ~~بأبصارهم دون أبصار المؤمنين . قوله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب . . . } ~~( قال ابن عرفة ) : الغيب ما ( لم ) ينصب عليه دليل ( فمن ) الناس من أجاز ~~النظر في علم النجوم وعلم الهيئة والكسوفات . PageV01P113 وقال أبو العز ~~المقترح في عقيدته : أجمعوا على أن النظر في علم الهيئة محرم . قال ابن ~~عرفة : إنما ذلك إذا نظر ( فيه ) للحكم ، أما إذا ( نظره ) ليعلم الكواكب ( ~~والنجوم ) فجائز ، لكن الاشتغال بالعبادة وتعلم ما ينفعه أولى . قوله تعالى ~~: { ومما ms017 رزقناهم ينفقون } . قال القرطبي : الآية حجة على المعتزلة ويلزمهم ~~الكفر في قولهم : إن لفظ الرزق لا يطلق إلا على الحلال لأن من تغذى من صغره ~~إلى كبره بالحرام يلزمهم أن لا يدخل في عموم قوله تعالى : { وما من دآبة في ~~الأرض إلا على الله رزقها } قال ابن عرفة : يكون عاما مخصوصا ( ان ) سماه ~~رزقا مجازا أو من باب التغليب باعتبار الأكثر فإن الأكثر حلال . وقال غيره ~~: هذا الخلاف لفظي لا يبنى عليه كفر أو إيمان . قوله تعالى : { والذين ~~يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك . . . } PageV01P114 قال الزمخشري : ~~إن قلت إن عنى بما أنزل إليك كل القرآن فليس بماض وإن أراد بما سبق ( ~~إنزاله ) منه فهو إيمان ببعض المنزل والإيمان بالجميع واجب . ( ورده ) ابن ~~عرفة : بأنه إنما يجب مع العلم بإنزال ما وسينزل منه . أما مع عدم العلم / ~~فلا يجب الإيمان إلا بما أنزل منه فقط . وأما ما لم يعلم في الحال بأنه ~~سينزل ( فلسنا ) بمكلفين بالإيمان به . وأجاب الزمخشري : أن المراد ~~بالإيمان بالجميع ، وعبر بالماضي تغليا لما أنزل على ما سينزل . قال ابن ~~عرفة : ويلزم على كلام الزمخشري استعمال اللفظة الواحدة في حقيقتها ومجازها ~~. وفيه خلاف عند الأصوليين . قال ابن عرفة : أو يجاب بأن المراد إنزاله من ~~اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا وقد كان ( حينئذ ) ماضيا . قال ابن عرفة : ~~وعادة الشيوخ يوردون هنا سؤالا لم أره لأحد وهو هلا قيل : والذين يؤمنون ~~بما أنزل من قبلك وما أنزل إليك ( فهو ) الأرتب ليكون الأسبق في الوجود ( ~~متقدما ) في اللفظ ؟ PageV01P115 قال : وعادتهم يجيبون عنه بأن الإيمان بما ~~أنزل على النبي سبب في الإيمان بما أنزل من قبله ، لأن المكلف إن آمن به ~~يسمع القرآن المعجز والسنة المعجزة ويرى سائر المعجزات ، فيطلع ( من ذلك ) ~~على أخبار الكتب السابقة وصحتها ، فيؤمن بها إيمانا حقيقيا أقوى من إيمانه ~~بها مستندا لأخبار اليهود وأخبار النصارى عنها : قيل ( له ) : أو يجاب ( ~~عنه ) : بأنه قدم لكونه أشرف وأحد أسباب تقدم الشرف . قال : وهلا أخر ويكون ~~( مترقيا ) ؟ قوله ms018 تعالى : { وبالآخرة . . . } المنعوت إما النشأة الآخرة ~~أو الدار الآخرة أو الملة ( الآخرة ) ، والموصوف لا يحذف إلا إذا كانت ~~الصفة خاصة ، وعموما ( هذا ) في نوع الموصوف فلا يمنع الخصوص . قوله تعالى ~~: { هم يوقنون } إن قلنا : إن العلوم متفاوتة ، فنقول : اليقين أعلاها . ~~وإن قلنا : إنها لا تتفاوت في ( أنفسها ) ، فنقول : اليقين منها هو العلم ~~الذي لا يقبل التشكيك ( وغيره هو العلم القابل للتشكيك ) وهو قسمان : بديهي ~~، ونظري . PageV01P116 فالتشكيك في الأمور الضرورية البديهية غير قادح بوجه ~~، والتشكيك في النظريات ممكن ( شائع ) . وبهذا يفهم اختلاف العلماء الذين ~~هم مجتهدون فيصوب أحدهم قولا ويخطئه الآخر ، ( وقد ) ( ألف ) الناس التشكيك ~~على كتاب إقليدس في الهندسة . قوله تعالى : { إن الذين كفروا سوآء . . . } ~~قال ابن عرفة : لما كان المخاطب في مادة ( أن ينكر ) مساواة ( حالة ) ~~إنذارهم لحالة عدم الإنذار بل ( نقول ) : إنها مظنة الانزجار والفلاح ( ~~والنجاح ) احتيج إلى تأكيد المساواة بأن قال ابن عطية : قيل : ( للزارع ) ~~كافر لأنه يغطي الحب ويقال : إذا غطى قلبه بالدين عن ( الإيمان ) أو غطى ~~الحق بأقواله وأفعاله . PageV01P117 | قال ابن عرفة : أما الأول فظاهر لأن ~~الدين يجامع القلب فيصح تغطيته إياه ، واعتقاد الحق لا يجامع اعتقاد الباطل ~~، بل هو نقيضه وستره ( له ) لا يكون إلا مع اجتماعه معه : والفرض أنه لا ~~يجامعه وأما باعتبار الأفعال فظاهر . قيل لابن عرفة : يصح اجتماعهما ~~باعتبار اختلاف المتعلق ؟ فقال : تحول المسألة وما ( كلامه ) إلا فيما إذا ~~كان متعلق الكفر هو متعلق الإيمان ، ( فحينئذ ) ( تتعلق ) التغطية . قيل له ~~: تكون التغطية مجازا ، عبر به عن ( معاندة ) أحد الاعتقادين للآخر ؟ فقال ~~: إنما هو مخبر عن أصل العقيدة أي هذه اللفظة مماذا هي مشتقة ؟ فما حقه أن ~~يأتي إلا الحقيقة اللغوية ، وأما المجاز فليس بأصلي . واختلف الأصوليون في ~~الألف واللام الداخلة على الموصول فقيل : إنها للجنس ويكون عاما مخصوصا ~~كأكثر عمومات القرآن . وقيل : إنها مطلقة فتكون للحقيقة أعني الماهية ، فلا ~~يحتاج إلى تخصيص ، ويحتمل أن تكون للعهد . PageV01P118 ابن عطية : وقال ~~الربيع بن أنس : ( إن ) الآية نزلت في قادة الأحزاب وهم أهم أهل ms019 القليب ~~ببدر ، وفي بعض النسخ وأهل القليب ببدر . قال ابن عرفة : وهو الصحيح فإن ~~غزوة الأحزاب متأخرة عن بدر ، وأهل القليب ببدر قتلوا فلم يبق منهم أحد ~~للأحزاب . قال ابن عرفة : إلا أن يريد بالأحزاب الجماعة ولا يريد به الغزوة ~~. قال الإمام ابن الخطيب : والآية دليل على جواز تأخير البيان ( عن ) وقت ~~الحاجة ، فإنها لم ( تبين ) متعلقها . ورده ابن عرفة بأنها ليس المراد بها ~~التكليف ( فيحتاج ) إلى بيان وإنما هي تخويف وإنذار ، والعموم أدعى ( لحصول ~~) التخويف من الخصوص . PageV01P119 قوله تعالى : { ءأنذرتهم . . . } أنكر ~~الزمخشري هنا قراءة ورش وجعلها لحنا وكفره الطيبي . وظاهر كلام الطيبي هذا ~~أن ( السبع ) ( قراءات ) أخبار آحاد وليس بمتواتر . قال ابن عرفة : وحاصل ( ~~كلام ) ( الناس ) فيها أنها على وجهين : فأما ما يرجع إلى آحاد الكلم كملك ~~PageV01P120 ومالك ويخدعون ويخادعون فهو متواتر اتفاقا من غير خلاف منصوص ، ~~إلا أن ظاهر كلام الداودي على ما نقل عنه ( الأنباري ) أنها غير متواترة . ~~وأما ما يرجع إلى كيفية النطق بها من إعراب وإمالة وكيفية وقف ففيه ثلاثة ~~أقوال : الأول نقل ( الأنباري ) شارح البرهان عن أبي المعالي أنها متواترة ~~وأنكره عليه وهو اختيار الشيخ أبي عبد الله محمد بن سلامة من أشياخنا . ~~PageV01P121 ( الثاني ) أنها متواترة عند القراء فقط ( نقله المازري في شرح ~~البرهان واختاره شيخنا ابن عرفة . الثالث : أنها غير متواترة ) قاله ابن ~~العربي في العواصم والقواصم ( والأنباري ) وابن رشد في كتاب الصلاة الأول ~~وفي كتاب ( الجامع ) الرابع من البيان والتحصيل . PageV01P122 قال ابن عرفة ~~: وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق إبراهيم ( الجزرى ) وشيخنا القاضي أبي عبد ~~الله محمد بن عبد السلام وصاحبنا الفقيه أبي العباس أحمد بن إدريس ( ~~البجائي ) . ءأنذرتهم : استفهام في معنى الخبر أو معنى المصدر أي إنذارك ~~وعدم إنذارك سواء . قال : ( وسواء ) مبتدأ وءأنذرتهم إما فاعل وإما خبره ( ~~ويصح ) أن يكون مبتدأ لأنه يكون الخبر أفاده المبتدأ ، فلا فائدة ( فيه ) . ~~ورده ابن عرفة : بأنه يفيد التسوية إذ لعل المراد إنذارك وعدم إنذارك ~~مختلفان . قال ابن عرفة : والصواب أنه على / حذف مضاف أي ms020 سواء عليهم جواب { ~~ءأنذرتهم أم لم تنذرهم } . ويكون استفهاما حقيقة لأن الاستفهام في قوله ~~مجاز ( والمصدر ) يحتاج إلى PageV01P123 ( أداة ) ( تصير ) الفعل مقدرا ~~بالمصدر وهو ( بمنزلة ) قول . قيل : يشتمل على إنذار وجوابه ( إما معه ) أو ~~قبله ولذلك هنا جواب ( الأمرين ) عندهم سواء . قوله تعالى : { لا يؤمنون } ~~. هو احتراز لأنه قد يكون الاختيار ( باستواء ) الحالتين عندهم يقتضي ~~مبادرتهم إلى الإيمان وعدم ( توقفهم ) على الإنذار فاحترز من ذلك ( ببيان ) ~~أنهم على العكس . قيل لابن عرفة : إن ( ابن فورك ) أبطل بهذه الآية قاعدة ~~التحسين والتقبيح ؟ قال : لأن الله تعالى أخبر أن الإنذار لا ينفع فيهم ، ~~وقد أمر بإنذارهم ، ومراعاة الأصلح ( تقتضي ) عدم تكليفهم وعدم إنذارهم . ~~PageV01P124 ( فقال ) : ( تقدم ) ذلك في جواز تكليف ما لا يطاق وهذا متفق ~~عليه فإن هؤلاء المخبر عنهم بذلك غير معينين فليست هذه كقضية أبي لهب وإنما ~~الخلاف يخبر عن معينين ( بعدم ) الإيمان وتكليفهم بالإيمان كقضية أبي لهب ~~فليس في هذه الآية دليل بوجه . قوله تعالى : { ختم الله على قلوبهم . . . } ~~قرر ابن عرفة وجه المناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها ( بأنها ) سبب فيه ~~، كأنه قيل : لم لا ينفع الإنذار فيهم ؟ فقيل : بسبب الختم على قلوبهم . ~~قال ابن عرفة : هكذا قرره بعضهم . ويرد عليه ( أنه كان يكون الأولى تقدير ~~هذه الآية على ما قبلها ، لأنها سبب فيه وكان يمشي لنا فيه ) إن كان تقرير ~~المناسبة بأن امتناع تأثير الفعل في المفعول إما ( لخلل ) في الفاعل أو ~~المانع في القابل فقد يضرب بالسيف شجاع قوي ويكون على المضروب مصفح من حديد ~~فلا يؤثر فيه شيئا ، فأخبر هنا أن ( تعذر ) تأثير الإنذار فيهم لا ~~PageV01P125 بتوهم أنه ( لإخلال ) ( واقع في الرسول ) في تبليغه بوجه بل ~~لمانع فيهم هو ( الطبع ) على قلوبهم . وفسر ابن عطية الختم بثلاثة أوجه : ~~الاول : أنه ( حسي ) حقيقة ، فإن القلب على هيئة الكف ينقبض مع زيادة ~~الضلال كما ينقبض الكف إصبعا إصبعا . الثاني : أنه مجاز ( عبارة عن خلق ~~الضلال في قلوبهم ) ( وأن ما خلق الله في قلوبهم من الكفر والضلال والإعراض ms021 ~~عن الإيمان سماه ختما ) . الثالث : إنه مجاز في الإسناد كما ( يقال ) ، ~~أهلك المال فلانا وإنما أهلكه ( سوء تصرفه فيه ) . قال ابن عرفة : وسكت ابن ~~عطية عن هذا الثالث وهو إنما يناسب مذهب المعتزلة ولما جاءت الآية مصادمة ~~لمذهبهم تأولها الزمخشري وأطال وقال : إنه مجاز واستعارة . PageV01P126 ~~وقال ابن عرفة : فجعله تمثيلا . قال : والفرق بين التشبيه والتمثيل ~~والاستعارة أن إطلاق الصفة على الموصوف إن كان بأداة التشبيه فهو تشبيه مثل ~~: زيد كالأسد ، وإلا فإن كان بواسطة ما يدل على التمثيل فهو تمثيل نحو : ~~زيد الأسد ، وإن لم يكن بواسطة فهو استعارة مثل : رأيت أسدا ( يكر ) ويفر ~~في الحرب . وظاهر كلام الطيبي أنه لا فرق بين التشبيه والتمثيل . قال : ~~والآية حجة لمن يقول : إن العقل في القلب ، ولو كان في الدماغ لقال : ختم ~~الله على أدمغتهم . فإن قلت : لم قدم القلب والأصل تأخيره ؟ قلت : لوجهين : ~~إما ( لأن ) السمع والبصر طريقان إليه فما يلزم من الختم ( عليهما ) الختم ~~عليه ، إذ لعله يعلم ( المعقولات ) بقلبه . ويلزم من الختم على القلب عدم ~~الانتفاع بمدركات السمع ؛ وإما لأن المدركات قسمان : وجدانيات ومحسوسات . ~~فما يلزم من نفي المحسوسات نفي الوجدانيات ( بخلاف ) العكس . ( قال ) : ~~وأجاب ( الطيبي ) بأن ( الأمور ) المدركات على ثلاثة أقسام : معقولات ، ~~ومسموعات ، ومبصرات . PageV01P127 قال : فإن المعقولات أغمض وإدراكها ( ~~أصعب ) والمحسوسات أبين وإدراكها أهون ، فقدم الختم على القلب ليكون تأسيسا ~~، إذ لا يلزم من عدم إدراكهم الدليل الصعب الغميض عدم إدراكهم الدليل البين ~~الظاهر . ( ( وقال بعض الناس : ( نص ) أفلاطون وأرسطو وغيرهما على أن ~~المعقولات فرع المحسوسات ) ) ، ونفي الفرع لا يستلزم نفي الأصل بخلاف العكس ~~. قوله تعالى : { وعلى سمعهم . . . } إفراد السمع إما لأمن اللبس أو لأنه ~~مصدر ( مبهم ) ( يحتمل القليل والكثير ) . أو لإضافته إلى ( المجموع فأغنى ~~عن جمعه أو لأن الكلام على حذف مضاف قدره الزمخشري : ( وعلى ) حواس سمعهم ، ~~وابن عطية : على ( مواضع ) سمعهم . ( وضعف ابن عرفة الأول بأنه أمن اللبس ~~أيضا في القلوب فهلا قيل : { ختم PageV01P128 الله على قلوبهم } وضعف ~~الثاني بأن الختم إذا كان ( حقيقة ) كأول تأويلات ms022 ابن عطية : فيه أنه حسي ~~فلا يصح تعلقه ( بالسمع ) لأن ( المصدر ) معنى من المعاني إلا أن يتجوز في ~~الختم ، ( أو ) يتجوز في السمع فيراد به محله . قال الزمخشري : ( والبصر ) ~~نور العين ، وهو ما يبصر به الرائي ويدرك به المرئيات ، كما أن البصيرة نور ~~القلب وهو ما ( به ) يستبصر ويتأمل . قيل لابن عرفة : إن ابن ( راشد ) قال ~~: ( إن ) هذا لا يجري على قواعده وإنما يتم على مذهب أهل السنة ؟ ( فقال ) ~~: بل هو ( يحتمل ) ( الأمرين ) ، لأن ذلك النور هل هو بأشعة تنفصل من ~~الرائي للمرئي ، أو يحتمل المذهبين ؟ PageV01P129 قال : وإعادة حرف الجر ~~دليل على أن لكل واحد منهما ( ختما ) ( يخصه ) فهو يمنزله ( الكلية ) لا ~~الكل . قوله تعالى : { ولهم عذاب عظيم } قال ابن عرفة : ( العظيم ) للتهكم ~~. قال الزمخشري : والعظيم نقيض الحقير ، والكبير نقيض الصغير ، والعظيم فوق ~~الكبير ، كما أن الحقير دون الصغير . قال ابن عرفة : هذا ينتج له العكس ( ~~لأن ) نفي ( الأبلغ ) يحصل ( بثبوت ) ( أدون نقائضه ) ، ونفي ( احقر ) ~~العذاب يصدق ( بثبوت ) العذاب العظيم وإن كان في نفسه صغيرا ، أما العذاب ~~الصغير يصدق عليه أنه عذاب عظيم لأن نفي ( الأبلغ ) في الحقارة عنه منتف ، ~~فإذا كان ضد الحقير عظيما لزم أن يكون الكبير أعظم من العظيم قطعا ، لأنه ~~إذا انتفى عن العذاب اسم الحقارة ثبت له نقيضه وهو ( العظم ) وإن كان في ~~نفسه صغيرا . ( ( وإذا PageV01P130 انتفى عنه ما فوق الحقارة وهو ( الصغر ) ~~ثبت له ما فوق ذلك وهو ( الكبر ) ( وكان ) أعظم من العظيم . / ويؤيد ذلك ( ~~اختيارهم ) في تكبير الصلاة عند الإحرام لفظ : الله أكبر ( ولم يختاروا ) ~~الله العظيم فدل على أن الكبير أعظم من العظيم ) ) . قلت : هذا عند مالك ~~خلافا لأبي حنيفة فإنه أجاز دخول الصلاة بالله العظيم أو السميع أو الكبير ~~ونحو ذلك والزمخشري حنفي المذهب . قوله تعالى : { ومن الناس من يقول ءامنا ~~بالله . . . } قال ابن عرفة : ذكر أولا ( المؤمنين ) ( أهل ) التقوى ~~والصفات الحسنة ، ثم ( الكافرين ) أهل الضلال والصفات القبيحة ثم المتصفين ~~بأقبح من ذلك وهو ( النفاق ) الموجب للحلول في الدرك الأسفل من ms023 النار . أو ~~يقال : ذكر أولا من اتصف بالإيمان البسيط PageV01P131 ( ( ثم من ( اتصف ) ~~بالكفر البسيط ) ) ، ثم من اتصف بالدين المركب من أمرين وهو الإيمان ظاهرا ~~والكفر باطنا ، والمركب متأخر عن البسيط في ( المرتبة ) . والألف وللام في ~~( الناس ) للعموم ( في ) أنواع بني آدم و ( من ) للتبعيض في أشخاص تلك ~~الأنواع . وهذا القول إما من اليهود أو من المنافقين فإن كان من اليهود فهو ~~قول ( حقيقي ) موافق للاعتقاد ومعناه : من يقول آمنا بوجود الله واليوم ( ~~الآخر ) ( وما هم بمؤمنين ) لأنهم ( قد ) ادعوا ( الشريك ) فقالوا : { عزير ~~ابن الله } { قالوا إن الله ثالث ثلاثة } ( وإن ) كان من المنافقين فمعناه ~~: ومن الناس من يقول آمنا ( بوحدانية ) الله ، ويجري هذا على الخلاف في ( ~~الكلام ) ( النفسي ) ، هل يمكن فيه تعمد الكذب ، ويكون الإعتقاد فيه ~~PageV01P132 مخالفا للعلم ، أو لا يمكن ذلك ؟ و ( هي ) مسألة تكلم عليها ~~الأصوليون لما قسموا العلم إلى تصور وإلى تصديق . فإن ( قلنا ) بجواز الكذب ~~في الكلام النفسي ، فيكون هذا قولا حقيقيا بألسنتهم وقلوبهم ، وإن منعنا ~~وقوع الكذب فيه ، فيكون قولا باللسان فقط قال ابن ( عرفة ) : ( ليس فيها ~~دليل عليهم ) وانظر كيف لم يصرحوا بالإيمان ( بالرسول ) مطابقة بل عبروا ~~بلفظ يدل عليه باللزوم لا بالمطابقة ( لأن مقصودهم ) كف الأذى ( عنهم ) لا ~~الإيمان حقيقة . قال ابن عطية . وفي الآية رد على الكرامية في قولهم : إن ~~الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب . قال ابن عرفة : ليس فيها دليل ~~عليهم لأنهم لم يقولوا : إن الإيمان قول باللسان ( يخالفه ) ( ( الإعتقاد ~~بالقلب ، ( وإنما قالوا : إنه قول باللسان ) عري عن الإعتقاد بالقلب لا لأن ~~الإعتقاد بالقلب يخالفه القول باللسان ) ) ، بمعنى أنه يقوله PageV01P133 ~~بلسانه ، ولا ( يعتقد ) بقلبه شيئا لا هو ولا نقيضه ( هكذا ) حكى ( عنهم ) ~~الشهرستاني في ( النحل ) والملل وليست الآية كذلك . ( قيل له ) : نص الطبري ~~هنا على أن مذهبهم كما قال ابن عطية وألزمهم نسبة الكذب إلى الله عز وجل . ~~قال الزمخشري : فإن قلت : لم قال عنهم ( ءامنا ) بلفظ الفعل وفي الرد عليهم ~~{ وما هم بمؤمنين } بلفظ الاسم ؟ ( وأجاب ) : ( ( إن مقصودهم ms024 الإخبار ) ) ~~بالاتصاف بالإيمان ، فرد عليهم بأنهم ليسوا من نوع المؤمنين ، ولا من جنسهم ~~بوجه . قال ابن عرفة : وهذا الجواب ضعيف ، ومما يؤكد السؤال أن الفعل أعم ~~والاسم أخص ، ونفي الأعم أخص من نفي الأخص . PageV01P134 ( فهلا ) كان ~~الأمر بالعكس ، فهو الأولى ؟ قال : ( والجواب ) أن المنافقين لما ( كان ) ~~مقصدهم التورية لم يعبروا بلفظ صريح في الإيمان بل عبروا بما يدل على ( ~~الاتصاف ) بمطلق الإيمان لا ( بأخصه ) ، و ( أتوا ) بالفعل الماضي ليدل على ~~وقوعه وانقطاعه وعدم الدوام عليه . ولما كان المقصود الرد عليهم وأنهم لم ~~يتصفوا بالإيمان ( النافع بل بإيمان لا ينفع ، لم ينف عنهم مطلق ) الإيمان ~~لأنهم قد آمنوا ظاهرا فنفى عنهم الإيمان الشرعي ( لأن الإيمان الشرعي ) ~~الموجب لعصمة دمائهم وأموالهم قد اتصفوا ( به ) ظاهرا ، فأخبر الله تعالى ~~أن ذلك الإيمان النافع لهم في الدنيا بالعصمة من القتل والسبى لا ينفعهم في ~~الآخرة فلذلك نفاه ( عنهم ) بلفظ الاسم . قوله تعالى : { يخادعون الله ~~والذين ءامنوا . . . } قال الزمخشري : ( في ) هذه الجملة إما تفسير لما ~~قبلها أو استئناف . PageV01P135 قال الإمام ابن عرفة : الفرق بينهما أنه ~~على الأول يكونون وصفوا بأمرين : بعدم الإيمان ( وبالخداع ) . وعلى الثاني ~~وصفوا بعدم الإيمان فكأن قائلا يقول : لم حكم عليهم بعدم الإيمان فقيل : ~~لأنهم يخادعون الله . قال أبو حيان ما نصه : ( ( يخادعون ( مستأنفة ) ، أو ~~بدل من ( يقول ) آمنا ولا موضع لها ، أو حال من فاعل يقول ( فموضعها ) نصب ~~) ) . قال : وأجاز أبو البقاء كونها حالا من الضمير في المؤمنين . قال : ~~واعترض بأنه يلزم منه نفى الإيمان المقيد بالخداع ، وهو فاسد لأن المقيد ~~بقيد إذا نفى فله طريقان : إما نفي المقيد فقط وإثبات المقيد وهو الأكثر ، ~~فيلزم إثبات الإيمان ، ونفي الخداع وهو فاسد . وإما نفيهما معا ( فيلزم ) ~~نفي الإيمان ( والخداع ) وهو فاسد . قال : ومنع أن تكون الجملة حالا من ~~الضمير في آمنا لأن آمنا محكي ( بنقول ) فيلزم أن يكونوا أخبروا عن أنفسهم ~~بأنهم يخادعون وهو باطل ، وأيضا فلو كان من قولهم لكان يخادع بالنون ( ~~انتهى ) . PageV01P136 وأجاب ابن عرفة بأنك تقول : قال زيد : إن ms025 عمرا منطلق ~~وهو كاذب ، فالجملة الأخيرة في موضع الحال مع أنها ليست من قول زيد ، ( فلا ~~) يلزم من ذلك أن يكون { يخادعون الله } مقولا لهم بوجه . قلت : ورد بعضهم ~~هذا بأن المعنى يقول : ( ءامنا ) مخادعين الله ( فبالضرورة ) انها من قولهم ~~. قال : وإنما يتم هذا الجواب ( إن ) لو كان ( يخادعون ) حالا من الضمير ~~الفاعل في ( يقول ) . قال : وقوله يلزم إثبات الإيمان ونفي الخداع ليس كذلك ~~، لأنه إنما أخذه من المفهوم . ونحن نقول : لا مفهوم ( له لأنه مفهوم ) خرج ~~مخرج الغالب ، إذ الغالب عليهم الخداع ، فلا يوجدون غير مخادعين ، كما ورد ~~: في سائمة الغنم الزكاة أو يقال : إن المفهوم ( منتفى ) بالنص ( على تفسير ~~) في غير هذه الآية أو معلوم من السياق . وأورد الزمخشري سؤالا قال : كيف ~~يصح وقوع الخديعة بالله مع أنه عالم بكل شيء ؟ وكيف صح وقوعها ( فيه ) مع ~~أنه يستحيل عليه القبيح ؟ PageV01P137 وأجاب ( بأجوبة أحدها ) بأنه ( لما ) ~~نعمهم في الدنيا وعصم دماءهم وأموالهم ثم عذبهم في الآخرة ( كان ) ذلك شبه ~~الخديعة . قال : وكذلك المؤمنون ( معهم ) . قال ابن عرفة : لا ( نتصور ) ~~الخديعة من المؤمنين لأنهم عصموهم في الدنيا خاصة ، والآخرة لا حكم / لهم ( ~~فيها ) . قيل ( له ) : قد يتصور باعتبار أنهم عالمون بهم ومع هذا ( تركوا ) ~~قتالهم . قال ابن عرفة : وعادتهم يوردون هنا سؤالا وهو أنه عبر عن ( نفيهم ~~) عن المؤمنين في قوله : { وما هم بمؤمنين } بالوصف المقتضي ( أعلى ) درجات ~~الفلاح ، ( فدل على اختصار الفلاح فيه ) ، ولو أريد : وما هم بمؤمنين ~~الإيمان الكامل ، للزم عليه حصول بعض الفلاح لهم والغرض ( أنهم ) لم يحصل ~~لهم من شيء ( فإذا ثبت ) أن الفلاح منحصر في مسمى المؤمنين لا في مسمى من ~~آمن ، فهلا قيل : يخادعون الله والمؤمنين ، لأن المنافقين يصدق عليهم أنهم ~~ممن آمن ؟ PageV01P138 قال : ( والجواب أن المراد الإخبار عنهم بكونهم ~~يخادعون الله تعالى ) وكل من اتصف بمطلق الإيمان حتى أنهم ( يخادعون ) ~~بعضهم فيظن بعضهم في بعض أنه غير منافق فيخادعه والكل منافقون . قوله : { ~~وما يشعرون } . نفى عنهم الشعور ، وهو مبادئ الإدراك . ( فبنفي ) ( مبادئ ) ~~الإدراك ms026 ينتفي كل الإدراك من باب أحرى . قوله تعالى : { في قلوبهم مرض . . ~~. } قال ابن عرفة : هذا احتراز لأنه لما أخبر ( عنهم ) أنهم يخادعون الله ، ~~والمخادع على نوعين فالغالب عليه أن يكون صاحب فكر ونظر ودهاء يدبر الأمور ~~التي يخدع بها عدوه ، ومنهم من يخادع على غير أصل وذلك موجب ( الاستهزاء ) ~~به وعلامة على سخافة عقله فأخبر الله تعالى أن المنافقين من القسم الثاني . ~~وقال الطبري : إن في اعتقاد قلوبهم مرضا . قال ابن عرفة : بل المرض في ~~القلوب أنفسها كما قلناه . قوله تعالى : { فزادهم الله مرضا . . . } ~~PageV01P139 الفاء للسبب ( وفيه ) العقوبة على الذنب بذنب أشد منه . فإن ~~قلت : هذا مرض واحد والزيادة عليه إن كانت مثله لزم اجتماع المثلين في ~~المحل الواحد وهو باطل كما يمتنع اجتماع الضدين والنقيضين : فأجيب بوجوه : ~~الاول : قال ابن عرفة : إنما يمتنع ذلك في الواحد بالشخص وهذا واحد بالنوع ~~أو بالجنس ، فاشتركا في جنس المرض و ( تغايرا ) في الفصل ( واجتماع الغيرين ~~جائز ) . الثاني : قال ابن عرفة أيضا : الضمير في زادهم عائد على ذواتهم لا ~~على قلوبهم ، إذ لو كان عائدا على القلوب لقال ( فزادها ) الله مرضا . وهو ~~أولى . فإن نزل المرض بجميع ذواتهم فمحل الثاني ( أوسع ) من محل المثل ~~الأول فصحت الزيادة ، ولا يلزم منه اجتماع المثلين إلا أن يقال : إنه على ~~حذف مضاف تقديره فزاد الله قلوبهم ( مرضا ) . الثالث : قال بعض الطلبة : ~~ذكر الإسفراييني وغيره في صحة اجتماع المثلين ( أنه ) يخلق جوهرا آخر يكون ~~فيه المثل الآخر زيادة في نعيم المنعم وعذاب المعذب . قال ابن عرفة : إنما ~~ذلك في المثلين حقيقة ، وهذان مختلفان في الفصل بينهم غير أن كما تقدم ( لا ~~مثلان ) . PageV01P140 قوله تعالى : { ولهم عذاب أليم } إما بمعنى مؤلم ~~كقولك ( تحية بينهم ضرب وجيع ) ، أو بمعنى مؤلم ، فيكون الألم حالا ( ~~بالعذاب ) مجازا أو تنبيها على شدته ( مثل . جد جده ) - ( وشعر شاعر ) . ~~قوله تعالى : { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض . . . } هذا القول واقع ( ~~فيما مضى ) ودائم في المستقبل ، ودوامه محقق ولذلك دخلت عليه إذا لأنه من ms027 ~~باب تغيير ( المنكر ) فهو واجب . وحذف الفاعل قصدا للعموم والشيوع ( في ~~القائل ) ولأن القائل عظيما أو حقيرا لا يقبلون منه . وفائدة ذكر المجرور ~~وهو في الأرض ( التنبيه ) على أن إفسادهم عام في الإعتقاد الديني وفي الأمر ~~الدنيوي ، والفساد ( يعم ) في جلب المؤلم ودفع ( الملائم ) شرعا . قال ابن ~~عطية : و ( إذا ) ظرف زمان ، وحكى المبرد أنها للمفاجأة نحو : خرجت فإذا ~~زيد ، ظرف مكان لتضمنها ( الجهة ) ، وظرف الزمان لا يكون إخبارا عن ( الجثة ~~) . PageV01P141 قال ابن عرفة : ( وتقدم لنا ) إبطال كونها ظرف مكان لأنه ~~يلزم عليه مفاجأة من بالمشرق لمن بالمغرب ) ولا يلزم ذلك في الزمان . ابن ~~عطية : وقال سلمان ( الفارسي ) لم ( يجئ ) هؤلاء بعد . ابن عطية : ومعناه ~~لم ينقرضوا بل يجيئون في كل زمان . قال ابن عرفة : والقول : إما لفظي وهو ~~الأظهر ، ( وبعيد ) أن يكون نفسيا ولا يمتنع لاحتمال ( أن يخلق الله جل ~~جلاله ) في خواطرهم النهي عن ذلك وعدم امتثال ذلك النهي . وأورد الزمخشري ~~سؤالا قال : كيف يصح أن يقام مقام الفاعل جملة ( الجملة ) لا تكون فاعلة ؟ ~~ورده ابن عرفة بأنهم نصوا في باب الحكاية على عمل القول في الجملة المحكية ~~مثل : قال زيد إن عمرا منطلق . واحتجوا بقوله : PageV01P142 متى تقول القلص ~~الرواسما . . . يدنين أم قاسم وقاسما فإذا صح تعدي ( القول إلى ) الجملة ~~على المفعولية صح إقامة ذلك المفعول مقام الفاعل . قوله تعالى : { ألا إنهم ~~هم المفسدون . . . } قال ابن عرفة : ألا تنبيه والتنبيه لا يؤتى إلا في ~~الأمر الغريب وكونهم لا يشعرون من الأمر الغريب . قوله تعالى : { وإذا قيل ~~لهم ءامنوا كمآ ءامن الناس . . . } قال الفخر ( الخطيب ) : بدأ بالنهى عن ~~الفساد لأنه راجع لدفع المؤلم ثم عقبه بالأمر بالإيمان لرجوعه إلى جلب ~~المصالح ، لأن دفع المفاسد آكد من جلب المصالح . قال ابن عرفة : والآية ~~عندي حجة لمن يقول : إن النظر واجب ( بالعقل ) ( إذ لو كان واجبا ) بالشرع ~~لما كلفوا بالإيمان بل كانوا يكلفون بالنظر . فإن قلت : ليس هذا بأول ~~تكليفهم فلعلهم كلفوا به بخطاب آخر قبل هذا ؟ ( قلنا ) : الآية خرجت مخرج ms028 ~~ذمهم والذم ( الأغلب ) فيه أنه إنما يقع على المخالفة في الأصل لا في الفرع ~~. PageV01P143 قال ابن عرفة : ولكن يمكن أن يجاب عنه بوجهين : الأول : أن ~~الآية خرجت مخرج التقسيم بين الشيء وضده . ( والإيمان ) نقيض الكفر ، وليس ~~بينهما اشتراك ، والنظر لا ( يناقض ) الكفر لأنه يكون صحيحا ويكون فاسدا ، ~~( فقد ) ينظر المكلف فيهتدي ، وقد ينظر فيضل . فالنظر اشتراك بين الكفر ~~والإيمان فلأجله لم يقل : وإذا قيل ( لهم ) انظروا كما نظر الناس ، ( لأنه ~~) لا يدل صريحا على تكليفهم بالنظر الصحيح . الثاني : إن النفوس مجبولة على ~~النظر في غرائب الأمور فلو كلفوا بالنظر لأشبه ذلك ( تحصيل الحاصل ) . قيل ~~لابن عرفة : أو يجاب بأن تكليفهم بالإيمان وذمهم على عدمه يستلزم تكليفهم ~~بالنظر . قال : ( والكاف ) منهم من جعلها ( نعتا ) ( لمصدر ) ( محذوف ) أي ~~إيمانا ( شبيها ) ( بإيمان ) PageV01P144 الناس والمشبه بالشيء والمشبه ~~بالشيء لا يقوى قوته ، ففيه حجة لمن يقول : إن الإيمان يزيد وينقص ( ~~فكلفوهم ) بتحصيل أقل ما يكفي منه ، فلم يقبلوا ذلك . قال أبو حيان : ومنهم ~~من أعربه حالا من الإيمان أي آمنوا الإيمان كما آمن الناس لأن الإيمان ~~المقدر يعرف بالألف واللام . قال ابن عرفة : ولا يحتاج إلى ( هذا ) ( لأن ) ~~سيبويه قال في قوله تعالى : { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } إن رويدا حال ~~من المصدر المقدر وهو إمهال وصح إتيانها منه وإن كان نكرة ( لأنه ) لما ~~ينطق به أشبه المضمر في المعرفة ، ( فكذلك يكون هذا ) . قوله تعالى : { ~~أنؤمن كمآ ءامن السفهآء ألا إنهم هم السفهآء . . . } أجابوا بعدم الامثتال ~~مع ذكر الموجب لذلك ، فأما أن يريدوا بالسفهاء المؤمنين فيكون ( جرأة ) ~~منهم ومباهتة : أي أنتم PageV01P145 سفهاء ضعفاء فلا نتبعكم ، أو لم يقصدوا ~~أعيان المؤمنين بل قالوا هذا على سبيل المبالغة والجدل فيقول لهم المؤمنون ~~على : هذا نعم ، نقول بموجبه : ( ونحن ) لم نأمركم بإيمان السفهاء فلسنا ~~بسفهاء ، وعلى الأول ( لا ) يحسن أن يقول لهم ذلك المؤمنون لأنهم ( مباهتون ~~) ويقولون : أنتم هم السفهاء . قال الزمخشري : وإنما أطلقوا عليهم ذلك ~~باعتبار الغالب لأن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام كان ms029 ~~أكثرهم فقراء . قيل لابن عرفة : إنما كان هذا في المدينة . ( قال ) : كان ~~أكثر المهاجرين معه فقراء . قال الزمخشري : وختمت الآية بقوله : { ولكن لا ~~يعلمون } ، وتلك { لا يشعرون } إما لأن الفساد في الأرض ( أمر ) محسوس ~~فناسب الشعور الذي هو ( أوائل ) الإدراك والإيمان معنوي يناسب العلم ، ( ~~وإما لتقدم السفه وهو جهل ، فناسب ذكر العلم طباقا ) . PageV01P146 قال ابن ~~عرفة وانظر هل فيها دليل على أن التقليد كاف لقوله : { آمنوا كمآ ءامن ~~الناس } . ( الظاهر أنه ليس فيها دليل لأن المراد : انظروا لتؤمنوا كما آمن ~~الناس ) لأن الأمر بالإيمان أمر بما هو من لوازمه ، ومقدماته ، ومفعول ( ~~يعلمون ) إما عاقبة أمرهم أو المراد لا يعلمون صحة ما أمروا ( به ) أو لا ~~يعلمون علما نافعا ، وحذف المفعول ( قصدا ) لهذا العموم . قال ابن عرفة : ~~وفي هذه آيتان ، آية من الله تعالى بعلمه ذلك ( مع أنهم ) أخفوه : وآية ~~أخرى بإعلامه به محمدا . وقال جل ذكره : { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ~~ءامنا . . . } ( إنما ) اعبر بإذا اعتبارا بالأمر العادى لأنهم ( مجاورون ) ~~لهم ( وقريبون منهم ) فهم في مظنة أن يكون لقاؤهم لهم محقق الوقوع . فإن ~~قلت لم قال : { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا } . ولم يقل إذا لقيهم ~~الذين آمنوا ، وأي فرق بين قولك : لقيني زيد ولقيت زيدا ، مع أنه أمر نسبي ~~، فإن من لقيته لقيك ؟ قال ابن عرفة : فرق بعضهم بينهما بأن المتلاقيين إن ~~كانت لأحدهما مندوحة عن اللقاء ، ويجد ملجأ أو مقرا فهو مفعول ، والآخر ~~الذي لم يجد ملجأ ولا مقرا بل اضطر إلى لقاء صاحبه يستحسن أن PageV01P147 ~~يكون فاعلا للقاء ، والمنافقون كانوا يكرهون لقاء المؤمنين ، وإذا لقوهم في ~~طريق يحيدون عنهم ، فلذلك كانوا في الآية فاعلين لأنهم مضطرون إلى اللقاء . ~~قال جل ذكره : { وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم . . . } قال ~~الزمخشري : لم عبر في الأول بالفعل وفي الثاني بالاسم ؟ وأجاب بأنهم عبروا ~~بالفعل ( لأن ) مقصودهم الإخبار بتحصيل مطلق الإيمان ، ولم يلتزموا تحصيل ~~أعلاه ، وأخبروا أشياطينهم بحقيقة أمرهم على جهة الثبوت . قال ابن عرفة : ~~وتقدم الجواب عنهم بأنهم ( إنما ms030 ) عبروا بالفعل لكونهم نزلوا أنفسهم منزلة ~~البريء الذي يقبل قوله ولا يتهم ، فلو أكدوا كلامهم لكانوا مقرين بأن ~~المؤمنين يتهمونهم بالكفر وينكرون عليهم زعمهم أنهم مؤمنون ، فأرادوا أن لا ~~يوقعوا لأنفسهم ريبة ، بل يخبرون بذلك على البراءة الأصلية خبر من يكتفي ~~منهم بأدنى ( العبارة ) ويقبل كلامه ، ولا ينكر عليه . وقولهم لشياطينهم : ~~( إنا معكم ) أكدوا ذلك لأمرين : إما لكون ( ذلك محبوبا لهم ) ، فبالغوا ~~فيه كما ( يبالغ ) PageV01P148 الإنسان ( في مدح ما ) هو محبوب ( له ) ، ~~وإما تقرير لمعذرتهم لأنهم أظهروا الإسلام ( فخشوا أن ) يتوهم فيهم أصحابهم ~~أنهم مسلمون ، فبالغوا في تمهيد العذر ( لنيتهم ) . قال ابن عطية : قال ~~الشافعي وأصحابه : إنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ~~( لما ) كانوا يظهرونه من الإسلام بألسنتهم مع العلم بنفاقهم لأن الإسلام ~~يجب ما كان قبله فمن قال : إن عقوبة الزنادقة أشد من عقوبة الكفار فقد خالف ~~الكتاب والسنة . قال الشافعي : إنما كف رسول الله عليه وسلم عن قتل ~~المنافقين مع العلم بهم ، لأن الله نهاهم عن قتلهم إذا أظهروا الإيمان ~~فكذلك هو الزنديق . قال ابن عرفة : الفرق بينهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يعلم أن المنافقين يموتون على نفاقهم وكفرهم والزنديق لا يقدر أحد ~~منا أن يعلم وفاته على الزندقة . قوله تعالى : { الله يستهزىء بهم . . . } ~~PageV01P149 قال ابن عرفة : هذا تشريف واعتناء بمقام النبي حيث ( تولى ) ~~الله عقوبتهم ( بنفسه ) ولم يقل : ملائكة الله يستهزئون بهم . قال ( ابن ~~عرفة ) ( وأوردوا ) هنا سؤالا في إسناد الاستهزاء إلى الله ( فقدره ) ~~المعتزلة ( بأنه ) قبيح ، وصدور القبح من الله تعالى محال ، ( وقدره ) أهل ~~السنة / بأن الاستهزاء ملزوم بالجهل لقوله تعالى : { قالوا أتتخذنا هزوا ~~قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } والجهل على الله تعالى محال ~~فالاستهزاء في حقه محال . وأجاب ابن عطية بثلاثة أوجه : إما أنه مجاز ( ~~المقابلة ) كقولك : قالوا : اقترح شيئا نجد لك طبخه قلت : اطبخوا لي جبة ~~وقميصا . PageV01P150 وقول لبيد : ألا لا يجهلن أحد علينا . . . فنجهل فوق ~~جهل الجاهلينا وإما بأنه يفعل بهم من الإملاء ms031 بالنعم كفعل المستهزئ ، أو ~~يفعل بهم في الآخرة ما هو في ( تأويل ) البشر كفعل المستهزئ ، حسبما روي أن ~~النار تجمد كما تجمد الأهالة وهي الشحم ( فيمشون ) عليها يظنونها منجاة ~~فتخسف بهم . قال الزمخشري : هلا قيل : الله مستهزئ بهم كما قالوا هم : إنما ~~نحن مستهزؤون ؟ وأجاب بأن الفعل يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتا بعد وقت . ~~( فرده ) ابن عرفة بأن دوامه عليهم أشد وأشنع . قال : ويجاب عليه بأن ~~التجدد يقتضي تنويعه واختلافه عليهم PageV01P151 شيئا بعد شيء فلا يستهزئ ~~بهم بنوع واحد . وأجاب الطيبي بأن دوام العذاب فيه توطين لهم ، فقد تألفه ~~نفوسهم وتدرب عليه بخلاف تجدده فإنه إذا ارتفع عنهم يرجون انقطاعه ( وإذا ) ~~عاد إليهم كان أشد عليهم . قيل لابن عرفة : نقل بعض الشيوخ عن الأستاذ ابن ~~نزار أنه كان ينهى عن الوقف على { إنما نحن مستهزءون } لأن قوله { الله ~~يستهزىء بهم } مقابل لما قبله فالصواب إيصاله ( به ) ؟ فقال ابن عرفة : كان ~~غيره يختار في مثل هذا الوقف في الفصل بين كلام الله وكلامهم كما ينهى عن ~~الوقف على ( إنا معكم ) . قوله تعالى : { أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى . . . } الإشارة بلفظ البعيد إلى القريب ( للبعد ) من جهة المعنى . ~~وفسر ابن عطية الشراء بأوجه متقاربة ، إنها عبارات مختلفة فالأولان في ~~كلامه راجعان لنفس المعنى ، والأخيران ( لكيفية ) ( صدق ) اللفظ على ذلك ~~المعنى . PageV01P152 قال ابن عرفة : وأدخل الذين للحصر . قال أبو حيان : ~~ودخول الفاء في خبر الموصول لا يجوز إلا إذا كان الموصول عاما . ( ويشترط ) ~~أن يكون فيه معنى التعليل للخبر وعادتهم يردون عليه بقوله تعالى : { الذي ~~خلقني فهو يهدين } لأنه ليس بعام ولا ( هو ) علة في الخبر ، إذ ليس ( الخلق ~~) علة في الهداية وإلا لزم عليه مذهب المعتزلة . قال : وهنا سؤال وهو لم ~~أثبت الضلالة دون الهدى والمناسب العكس أو كان يقال اشتروا ( الضلال ) ~~بالهدى ( فهو ) أبلغ في الذم لاقتضائه أنهم اشتروا الضلال الكثير بخلاف ~~الضلالة الواحدة فإنها لا تفيد ذلك الذم ؟ قال : والجواب بوجهين : أحدهما : ~~أنهم إذا ذموا على أخذ الواحدة من الضلال ( فأحرى ms032 ) أن يذموا على كثيره . ~~الثاني : أن هذا أشنع من حيث إنهم بدلوا الهدى الكثير الشريف فأخذوا عوضه ~~الشيء القليل من مقداره الحقير في ذاته . فإن قلت : الهدى الذين اشتروا ~~الضلالة به لم يكن لهم بوجه ؟ قلنا : إما أنه يعد حاصلا لأجل تمكنهم منه أو ~~هو حاصل PageV01P153 بالفعل لحديث : ( كل مولود يولد على الفطرة ) أو ~~المراد المنافقون وقد حصل لهم الهدى ( بالنطق ) اللساني فخالفوا بالفكر ~~الاعتقادي ( وبكفرهم ) بلسانهم عند خلوهم مع شياطينهم . قوله تعالى : { فما ~~ربحت تجارتهم . . . } فإن قلت : هلا قيل : فخسرت تجارتهم ، فهو أصرح لأن ~~عدم الربح لا يستلزم الخسران ؟ . قال ابن عرفة : عادتهم يجيبون بأنهم إذا ~~ذموا على عدم الربح فأحرى أن يذموا على الخسران . قوله تعالى : { وما كانوا ~~مهتدين } ( قال ابن عطية : قيل : معناه في شرائهم هذا ، وقيل معناه على ~~الإطلاق ، وقيل : في سابق علم الله ) . قال ابن عرفة : وتقدم لنا أن الصواب ~~غير هذا كله وهو أن الخسارة في التجارة تارة تكون لأجل حوالة الأسواق برخص ~~أو لأجل الجهل بمحاولة البيع والشراء أو لأجل الفساد وتبذير المال بإنفاقه ~~في غير مصلحة أو فيما لا يحل ، فلما أخبر عن هؤلاء بالخسارة في ( تجارتهم ) ~~( بقي ) أن يتوهم أنهم من القسم الأول الذين PageV01P154 لهم عذر في ~~الخسارة لأن ذلك أمر جبري ( ليس من قبلهم ولا لهم فيه اختيار بوجه فاحترز ~~عن ذلك بقوله : { وما كانوا مهتدين } حتى يتيقن أنهم من قسم من كانت خسارته ~~في التجارة من قبل نفسه وسبب فساده وقبح تصرفه وهذا أصوب من قول الزمخشري : ~~إذ المراد بذلك إضاعتهم رأس المال ونظره ابن عطية بمنع مالك الاشتراء على ~~أن ( يتخير ) المبتاع فيما تختلف ( آحاده ) ويمتنع التفاضل فيه . ابن عرفة ~~: الخيار والاختيار في آخر كتاب الخيار منع فيها أن يشتري الرجل عدد شجرة ~~شجرة مثمرة يختاره اتفق الجنس أو اختلف ، وتدخله المفاضلة في الجنس الواحد ~~وبيع الطعام قبل قبضه إن كان على الكيل ، لأن من خير بين شيئين يعد متنقلا ~~فيدع هذه وقد ملك اختيارها أو يأخذ هذه ms033 وبينهما فضل في الكيل ، وكذلك منعه ~~في الجنس الواحد المختلف الثمن من غير الطعام للفرد فإن اتفقت حاده أو ~~استوت قيمته جاز الاختيار وان اختلف منع . قوله تعالى : { مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا . . . } قال ابن عرفة : كيف شبه ( الجمع ) بالواحد . فأجيب ~~بأنه كلية روعي فيها آحادها ، أو المراد بالموصول الجمع أو هو واحد ~~PageV01P155 بالنوع لا بالشخص ، والتشبيه يستدعي مشبها ومشبها به ووجه ~~التشبيه نتيجتة ، كما أن القياس التمثيلي يقتضي فرعا وأصلا وعلة جامعة ~~ونتيجة وهي الحكم ، فالمشبه المنافقون والمشبه به مستوقد النار . ووجه ~~التشبيه حكى فيه ابن عطية حمسة أقوال ( ونتيجته ) هو الخسران والندم . قوله ~~تعالى : { ذهب الله بنورهم . . . } قال السهيلي في الروض : إن قلت : لم ~~عداه هنا بالباء . وقال في سورة الأحزاب : { إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت } فعداه بنفسه ؟ فأجاب بأن الباء تقتضي الصاحب ، فإذا قلت ~~: ذهبت بزيد ، فأنت أذهبته وذهبت معه والنور محبوب شرعا فناسب اسناد الذهاب ~~إليه باعتبار الفهم والتصور وإن كان في حق الله تعالى محالا لكنه على معنى ~~يليق به ، كما وصف نفسه بالمجيء في قوله : { وجآء ربك والملك صفا صفا } ~~والرجس مذموم شرعا وطبعا فناسب إبعاده عنه ( وعدم ) إسناده إليه . قال ابن ~~عرفة : وفي ( التعدية ) بالباء التي للمصاحبة نوع زيادة وإشعاره ( بدوام ) ~~الذهاب ، وملازمته بسبب ملازمة PageV01P156 فاعل الذهاب له ، فلا يزال ~~ذاهبا عنهم فهو أشد في عقوبتهم حتى لا يتصور رجوعه ( إليهم ) بوجه . وتكلم ~~الطيبى ( هنا ) ( في الضياء ) والنور . قال الزمخشري : النور ضوء النهار ~~وضوء كل شيء ، وهو نقيض الظلمة ، والضياء إفراط الإنارة ، فالنور عنده ~~زيادة في الضياء . قال تعالى : { هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا . . . ~~} وقدره صاحب المثل السائر بأن الضياء هنا ( مثبت ) والنور منفي . والقاعدة ~~استعمال الأخص في الثبوت والأعم في النفي فإذا ثبت أعلى الضياء فأحرى أدناه ~~، وإذا انتفى أقل النور ( ومبادئه ) PageV01P157 فأحرى أكثره أعلاه . وتعقب ~~عليه صاحب الفلك الدائر بأن يعقوب ابن السكيت نص في ( إصلاح ) المنطق على ~~أن الضياء هو النور لا فرق بينهما . وقال ms034 بعضهم : قول : من قال : إن القمر ~~مستمد من نور الشمس مخالف لمذهب أهل السنة ، ولا يتم إلا على مذهب ~~الطبائعية . ورد بعضهم على الفخر الخطيب في سورة النور عند قول الله تعالى ~~: { الله نور السماوات والأرض } قال فيها : إن النور هو الضوء الفياض من ~~الشمس . ( قال ) : ما يتم إلا على القول بالطبع والطبيعة . وأجاب ابن عرفة ~~بأنه أخطأ في العبارة فقط ، ومراده أنه نور يخلقه الله في القمر عند مقابلة ~~الشمس ، ومذهب أكثر أهل السنة أن الظلمة أمر وجودي ، وذهب الحكماء ~~والفلاسفة إلى أنها أمر عدمي . قوله تعالى : { وتركهم في ظلمات . . . } قول ~~الله تعالى : { صم بكم عمي . . . } الآية PageV01P158 قال ابن عطية : الأصم ~~هو من لا يسمع . والأبكم من لا ينطق ولا يفهم ، والأخرس من ( يفهم ) ولا ~~ينطق . وقيل : الأبكم والأخرس واحد . قال ابن عرفة : تقدم في الأصول أنه ~~إذا ( تعارض الترادف ) والتباين ( فالتباين ) أولى وانظر ( ما معنى ) ~~كونهما سواء هل يرد الأبكم إلى الأخرس أو بالعكس ( وعادتهم ) يقررونه بأن ~~معنى كونهما سواء أن الأبكم والأخرس هو الذي لا ينطق سواء فهم أو لم يفهم ، ~~ولو فسرناه برد الأخرس إلى الأبكم للزم عليه الإهمال والتعطيل ، لأنه يكون ~~الأصم من لا يسمع والأخرس والأبكم من لا ينطق ولا يفهم ، ( ويبقى ) من يفهم ~~ولا ينطق واسطة بينهما مهملا . قيل ( له ) : إنا نجد الأخرس هكذا ؟ ( فقال ~~) : قد يكون في الشيوخ الصم من تعطل فهمه . قال : والترتيب في الآية ( ~~قدوره ) بوجهين : إما أنه على حساب الوجود الخارجي لأن المكلف يسمع قول ~~النبي : | PageV01P159 أني رسول من عند الله فينطق ويقول له : ما دليل صدقك ~~( فيريه ) انشقاق القمر ( أو غيره ) من الآيات . وإما لأن الأمور منها ( ما ~~يصدر ) عن الشخص وهو منفعل ، ومنها ما ( يصدر ) عنه وهو فاعل ، فحاسة السمع ~~من ( قبيل ) قسم المنفعل لا من قسم الفاعل ، لأن الإنسان يسمع الشيء من ~~غيره ، وليس له فعل ، وحاسة النطق من ( قسم ) الفاعل لأنه لا يتكلم إلا ~~باختياره إن أراد ( تكلم ) وإلا سكت ، وحاسة البصر جامعة ( للامرين ) ~~فالنظرة ms035 الفجائية من قسم المنفعل لا من قسم الفاعل لا تسبب ( للإنسان ) ~~فيها ، وما عداها من قسم الفاعل . فبدأ أولا ( بقسم المنفعل ) لأن الكلام ~~في شيء مخلوق حادث والأصل في الحادث الانفعال لا الفعل ، وهما خبر مبتدأ ~~محذوف ، وحسن حذف المبتدأ لكون الخبر لا يصح إلا له وتعدد الجنس فيه خلاف ~~فمنعه بعضهم ، وأجازه آخرون بشرط كون الجميع في معنى خبر واحد ، ومنهم من ~~كان يجعله خلافا ومنهم من يجمع بين القولين بأن الذي منع من التعدد إنما ~~منع حيث يكون الخبران متناقضين كقولك : زيد قائم قاعد ، أو متحرك ساكن . ~~والذي أجازه بشرط الجمعية معنى واحد ، هكذا مراده ، لأن النقيضين لا ~~يجتمعان في معنى واحد بوجه . قال الله تعالى : { فهم لا يرجعون } ~~PageV01P160 قال أبو البقاء : جملة مستأنفة ، وقيل : في موضع نصب على الحال ~~فتعقبه أبو حيان بأن ما بعد الفاء لا يكون حالا . قال : لأن الفاء للترتيب ~~، والحال مقارنة لا ترتيب فيها . قال ابن عرفة : الحكم بكون الفاء تمنع عمل ~~ما قبلها فيما بعدها صحيح إلا أن هذا التعليل باطل لأنا نقول : تكون الحال ~~مقدرة لا محصلة قال : وقوله : فهم لا يرجعون . قيل : إنه خبر وقيل دعاء . ~~قال ابن عرفة : لا يتم كونه دعاء إلا أنهم صم حقيقة ، فإن أريد به المجاز ~~فلا يصح الدعاء عليهم به . قيل لابن عرفة : ولا يصح كونه حقيقة لأن مقتضاه ~~لم يقع . فقال : الدعاء ليس من الله ( فيلزم حصول متعلقه ) بل هو ( أمر ) ~~للنبي والملائكة . فالدعاء عليهم بهذا اللفظ لا يلزم وقوعه فإنه تحصل ~~للداعي مطلوبه ، وقد لا يستجاب له ، ويثاب على الدعاء . قال ابن عطية : ~~وقال غيره ، معناه : لا يرجعون ، ما داموا على الحال التي ( وصفهم بها ) . ~~قال ابن عرفة : هذا تحصيل الحاصل . PageV01P161 قيل له : قد قال أهل المنطق ~~: كل كاتب محرك يده ما دام كاتبا ، ولم يجعلوه تحصيل الحاصل . فقال : ( ~~هؤلاء ) ينظرون إلى المعنى ، والنحوي كلامه في صحة تركيب ( الألفاظ ) ( ~~والاصطلاحان ) متباينان . قال الله تعالى : { أو كصيب من السمآء . . . } ~~قالوا : أو هنا ( تحتمل ms036 معانيها ) الخمسة . قالابن عرفة : وجعلها للتفصيل ~~أصوب من جعلها للشك فإن الشك من حيث ذاته يحتمل ثلاثة معان وإن كان ذلك ~~احتمالا ضعيفا . تقول : زيد قائم أو قاعد تشك : هل هو قائم أم لا ؟ ثم تشك ~~هل هو قاعد أم لا ؟ ويحتمل أن يكون غير ذلك ولا ينحصر الأمر إلا في دخولها ~~بين نقيضين مثل زيد متحرك أو ساكن ، ويبعد كونها للتخيير أو الإباحة لأنهما ~~أكثر ما يكونان في الطلب ، وهذا خبر ، ويبعد الجمع بينهما هنا باعتبار ~~الزمان لأن الناظر أولا ينظر / إلى مستوقد النار فيشبههم به ثم ينظر إلى ~~المطر النازل في الظلمات فيشبههم به ، وهو على حذف مضاف . . فإن جعلنا الذي ~~استوقد النار جمعا ( في التقدير ) قلنا : أو كأهل صيب ، وإن جعلناه واحدا ~~بالنوع قدرنا المضاف أو كذي صيب . PageV01P162 وأورد الزمخشري سؤالا قال : ~~ما الفائدة في قوله : ( من ) السماء ؟ وكأنه إخبار بالمعلوم ( كقولك ) : ~~الماء فوقنا والأرض تحتنا ولذلك منع سيبويه الابتداء بالنكرة كقولك : رجل ~~قائم ، إذ لا فائدة فيه . وأجاب بجواب لا ينهض . قال شيخنا الإمام ابن عرفة ~~: وعادتهم يجيبون بأن فائدة التنبيه على كثرة ما فيه من الهول لأن حصول ~~الألم والتأثير بشيء ينزل من موضع مرتفع بعيد الارتفاع أشد من حصوله مما ~~ينزل من موضع دونه فى الارتفاع ، فأخبر الله تعالى أن هذا المطر ينزل من ~~السماء البعيدة ، فيكون تأثيره وتأثير رعده ، وبرقه وصواعقه أشد . قال الله ~~تعالى : { فيه ظلمات . . . } ( يحتمل أن يكون من باب القلب لأن المطر ينزل ~~في الظلمات لأن الظلمات فيه ) يحتمل أن يكون الظلمات في المطر حقيقة والأول ~~أظهر و ( كذا ) تقدم لنا في قوله تعالى : { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ~~} وفي قوله : { إنا جعلنا في أعناقهم PageV01P163 أغلالا فهى إلى الأذقان ~~فهم مقمحون } وتقدم لنا أنه من باب القلب ( فإن أعناقهم ) هي التي في ~~الأغلال لا العكس ، وتقدم الجواب عنه بأنه ( حقيقة ) على أن الأغلال ضيقة ~~جدا ( فتحصر ) أعناقهم وتدخل فيها حتى تصير الأغلال مضروبة في أعناقهم . ~~قوله تعالى : { فيه ظلمات ورعد ms037 وبرق . . . } هذا الترتيب باعتبار الأعم ~~الأغلب في الوجود لوجود الظلام في كل دورة لأن كل يوم معه ليلة ، وذكر ~~الرعد بعده لأنه أكثر وجود من البرق لأن البرق لا بد معه من الرعد ، والرعد ~~قد يكون معه برق وقد لا يكون ، أو لأن الرعد في ( الظلمة ) أشد على النفوس ~~من الرعد في ( الظلمة ) أشد على النفوس من الرعد في الضوء ، ( والآية خرجت ~~) مخرج التخويف فابتدأ ( فيها ) بما هو أشد ( في ) التخويف . قوله تعالى : ~~{ يجعلون أصابعهم . . . } ولم يقل : أنامل أصابعهم والمجعول إنما هي ~~الأنامل إشارة إلى شدة جعلها وقوة الشد لها ، حتى كأنهم يجعلون الإصبع كلها ~~. PageV01P164 وقال ابن عرفة : وجمع الأصابع إشارة إلى شدة تحيرهم وخوفهم ~~وأنهم لم يتأملوا ويهتدوا حتى يجعلوا إصبعا واحدة ( ( وهي السبابة فهم تارة ~~يجعلون هذا وتارة هذا حتى ( يجعلوا ) الجميع ) ) . قوله تعالى : { من ~~الصواعق حذر الموت . . . } أي حذرا من أن يقرع ذلك الصوت أسماعهم فيموتون . ~~قال ابن عرفة : واختلفوا في وجه التشبيه ( فهو عندي كما قرره ) بعضهم راجع ~~لتشبيه محسوس أي : أن المنافقين في خوفهم وفي حيرتهم مشبهون بمن يدركه هذا ~~الصيب والرعد والبرق . قوله تعالى : { والله محيط بالكافرين } ( هذه ) ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم . والمراد بالكافرين إما المنافقين أي لا ~~تهتم بأمرهم فالله يكفيكهم فإنه محيط بهم إحاطة هلاك في الدنيا ( وعذاب ) ~~في الآخرة ، أو المراد عموم الكافرين هؤلاء منهم ، وهذا كالاحتراس لأنه لما ~~أخبر عنهم أنهم في غاية الخوف والحذر من المؤمنين شبههم بمن ( يسد أذنيه ~~خشية ) الموت ، والخائف في ( مظنة ) ( السلامة لأنه يكون على حذر من عدوه ~~وتحرز منه ويرتكب أسباب النجاة فأخبر الله تعالى أنهم ليسوا من هذا القبيل ~~PageV01P165 بل لا نجاة لهم مما هم خائفون منه فالله محيط بهم إحاطة إهلاك ~~وانتقام . قوله تعالى : { يكاد البرق يخطف أبصارهم . . . } قال ابن عرفة : ~~هذا من ( تمام ) قوله : { فيه ظلمات ورعد وبرق } فصل بينهما بجملة اعتراض ~~وهي قوله { والله محيط بالكافرين } أتت ( مشددة ) لما قبلها . قال : ~~واختلفوا في كاد فقيل : ( نفيها ) إيجاب ، وإيجابها ms038 نفي . قال ابن الحاجب : ~~إذا دخل النفي عليها فهي كالأفعال ( على الاصح وقيل : إنها تقتضي الثبوت مع ~~الماضي والمستقبل ، وقيل : مع الماضي للاثبات ومع الاستقبال كالأفعال ) ~~وانظر أبا حيان . PageV01P166 قال ابن عرفة : الظاهر عندي أن ( الخلاف ) ~~لفظي يرجع إلى ( الوفاق ) فمن رده النفي إلى المقاربة جعلها كسائر الأفعال ~~ومن رده إلى نفس الفعل الذي تعلقت به المقاربة قال نفيها إثبات وإثباتها ~~نفي . فإن قلت : هلا قال : كلما أنار لهم مشوا فيه ؟ ( والجواب : أنه لشدة ~~) الظلمة ( لا يزيلها ) إلا شدة الضوء ( وقليل ) النور لا يزيلها ، أو لشدة ~~( الضوء ) عقب شدة الظلمة إذ هو ( أشد في التخويف ) . ( فإن قلت ) : هلا ~~قيل : وإذا ذهب ضوؤه عنهم قاموا فإن ذهاب الضوء يكون بحصول مطلق ( الظلمة ) ~~حسبما تقدم أن الضوء هو إفراط الإنارة . والجواب بأن الحالتين لا واسطة ~~بينهما : فإما ظلام شديد وإما ضوء شديد وهذا أبلغ في التخويف ، وهو معاقبة ~~ظلام شديد ( بضوء شديد ) سريع الذهاب يعقبه أيضا ظلام شديد . فإن قلت : ما ~~أفاد قوله فيه مع أن المعنى يهدي إليه ؟ PageV01P167 قلنا : أفاد أنهم لا ~~يمشون إلا في موضع الضوء خاصة ، ولا يستطيعون المشي في غيره . فإن قلت : ما ~~أفاد قوله ( عليهم ) ؟ قلنا : التنبيه على أن تلك الظلمات عقوبة فهي ظلمة ~~عليهم ولأجلهم فليست على غيرهم بوجه . قوله تعالى : { ولو شآء الله لذهب ~~بسمعهم وأبصارهم . . . } فإن قلت : هلا علقت المشيئة بما ( تحذروا ) منه ، ~~وهو الموت لأنهم لم يتحذروا من الصمم والعمى ؟ والجواب : أن الموت أمر غالب ~~عام متكرر في العادة ليس لأحد مقدرة عن التحرز منه ( وأما ذهاب السمع ~~والبصر فهو نادر ليس بعام يمكن المخالفة فيه وادعاء الحذر منه ) ( بالتحرز ~~) والتحصن بأسباب النجاة فلذلك أسندت ( المشيئات ) إليه . قلت : ( أو ) ~~لأنهم لم يتحرزوا من الموت ألا بسد سمعهم فلذلك أسند الذهاب إليه . قال ~~الطيبي : والآية حجة لمن يقول : إن القدرة ( تتعلق ) بالعدم الإضافي لأن ~~المعنى : لو شاء الله أن يعدم سمعهم لعدمه . PageV01P168 ورده ابن عرفة : ~~بأن القدرة إنما تعلقت بإيجاد نقيض السمع والبصر في ms039 المحل ، فانعدم السمع ~~والبصر إذ ذاك لوجود نقيضهما لا لكون القدرة تعلقت بإعدامهما . قال الطيبي ~~: في مناسبة هذه الآية إنه لما تقدم أن الرعد سبب / لإذهاب سمعهم والبرق ~~سبب لإذهاب سمعهم والبرق سبب لإذهاب بصرهم نبه بهذا على أنه ليس بسبب عقلي ~~فيلزم ولا ينفك بل هو سبب عادي بخلق الله تعالى ولم يقع ولو شاء أن يقع ~~لوقع . قوله تعالى : { إن الله على كل شيء قدير } قال ابن التلمساني : لا ~~خلاف لأن المعدوم باعتبار التقرر في الأزل لا يصدق عليه شيء واختلفوا في ~~الإطلاق اللفظي ( فذهب المعتزلة إلى أنه يطلق عليه شيء ) ومنعه أهل السنة . ~~قلت : وقال الآمدي في أبكار الأفكار : هما مسألتان : - أحدهما : هل يطلق ~~على المعدوم شيء أم لا ولا ( ينبني عليها ) كفر ولا إيمان ؟ والثانية : هل ~~المعدوم تقرر في الأزل أم لا ؟ PageV01P169 فذهب المعتزلة إلى أن له تقررا ~~في الأزل ويلزمهم الكفر وقدم العالم . قال الزمخشري : ( في ) أن الشيء يطلق ~~على الممكن والمستحيل . وظاهر الآية حجة المعتزلة لأنه لو كان المراد أن ~~الله على كل ( شيء ) موجود قدير للزم تحصيل الحاصل . فإن قلت : يصح تعليق ~~القدرة بالموجود عند من ( يقول ) : إن ( العرض ) لا يبقى زمانين ؟ ( قلت ) ~~: إن كانت القدرة متعلقة ( بالعرض الموجود ) فيلزم تحصيل الحاصل ، وإن ~~تعلقت بإيجاد العرض الذي يخلقه ( هو ) حين التعلق معدوم فيلزم تعلقها ~~بالمعدوم . قلت : وأجيب بثلاثة أوجه : الجواب الأول : أجاب القرافي في شرح ~~الأربعين لابن الخطيب بأن المشتق كاسم الفاعل لا خلاف في صحة ( صدقه ) ~~PageV01P170 حقيقة في الحال ( مجاز ) في الاستقبال . ( واختلفوا ) في صدقه ~~عن الماضي . قال : هذا إذا كان ( محكوما ) به ، وأما إذا كان متعلق الحكم ~~فلا خلاف في صحة صدقه على الأزمنة الثلاثة حقيقة ( نحو القائم في الدار ) ( ~~قال ) : وكذلك لفظة شيء إن كان محكوما به كقولنا : المعدوم شيء ، ففيه ~~التفصيل المتقدم ، وإن كان متعلق الحكم كهذه الآية فلا خلاف أنه يصدق على ~~المستقبل حقيقة . الجواب الثاني : قال ابن عرفة : القدرة تتعلق بالممكن ~~لعدم المقدر الموجود كما يفهم ( من ms040 ) معنى قوله تعالى { الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } المراد من حصل منه الزنا ( بالفعل ) ، ~~ومن سيحصل منه الزنا يصدق عليه في الحال أنه زان ( باعتبار ) على تقدير ( ~~وجوده ) ، وهذا كما ( يقول ) المنطقيون : القضية الخارجية والقضية الحقيقية ~~ويجعلون ( القضية ) الخارجية عامة في الأزمنة الثلاثة مثل كل أسود مجمع ~~للبصر وكل أبيض ( مفرق ) للبصر . والمراد ( به ) كل موصوف بالسواد مطلقا في ~~الماضي والحال والاستقبال . PageV01P171 فإن قلت : ( هلا ) يلزمكم تخصيصه ~~بالممكن الذي علم الله تعالى أنه يوجد ولا ( يصدق ) ( على الممكن الذي علم ~~الله ) أنه لا يوجد ؟ قلنا : نعم وصح إطلاق الحدوث عليه لأن الآية خطاب ~~للعوام ولو كان خطابا للخواص لتناولت الممكن بالإطلاق الذي علم لله أنه ( ~~لم يوجد ) فالمراد : الله قادر على كل شيء موجود لأن الخطاب للعوام . ~~ونظيره الوجهان ( المذكوران ) في الاستدلال على وجود الصانع . قالوا : ثم ~~دليل الإمكان يخاطب به الخواص ، ودليل الحدوث بخاطب به الجميع . وأشار ~~الطيبي إلى هذا وزاد جوابا آخر ، وهو ثالث ، وهو الجواب الثالث : أن لفظة ~~شيء تصدق على الموجود عند ( وجود ) أول جزء منه فيصح تعلق القدرة به ( إذ ~~ذاك ) . قالوا : وهذا العموم مخصوص بالمستحيل . PageV01P172 وقال ابن فورك ~~: لا يحتاج إلى تخصيصه لأنك إذا قلت ( للآخر ) كل مما في هذا البيت فلا ( ~~تأكل ) إلا مما هو مطعوم ، وما ليس بمطعوم لا تأكله . وكذلك هو الذي وقع به ~~التخصيص اللفظ يأباه فلا يحتاج إلى إخراجه منه . قال ابن عرفة : ( إنا إن ~~اعتبرنا لفظ شيء من حيث الإفراد وجب التخصيص ( وإن ) اعتبرناه من حيث ~~التركيب لم يحتج إلى تخصيصه . قال ابن الخطيب : ) لو كان ( لفظ ) شيء عاما ~~في الموجود والمعدوم لما صدق على الموجود شيء لأن الآية دلت على أن تعلق ~~القدرة في العدم فلا يصدق عليه بعد الوجود شيء ( . وأبطله ابن عرفة بأنه ما ~~صار موجودا حتى ثبت له ذلك الاسم ( في ) العدم وتعلقت به القدرة وصدق عليه ~~لفظ شيء ) . قوله تعالى : { ياأيها الناس اعبدوا ربكم . . . } قال ابن عرفة ~~: هذا التفات من ms041 الغيبة إلى الخطاب لأنه تقدم الكلام بين المسلمين ~~والمنافقين بلفظ الغيبة ثم أقبل على الجميع بالنداء وهو خطاب لمشركي مكة . ~~قال القاضي العماد : ( ( في ) هذا اضطراب وتناقض لأن جعله التفاتا يقتضي ~~خطاب جميع الناس مسلمهم وكافرهم ) . PageV01P173 وأجاب ابن عرفة : بأنه ~~خطاب لجميع الناس الذين منهم مشركو مكة . قال : وإذا قلنا إن السورة مدنية ~~كيف يخاطب مشركو مكة ؟ إلا أن يقال : إنه خطاب للجميع ويتناول مشركي مكة ~~وإن كانوا غالبين من باب تغليب المخاطب على الغائب . قال : وحرف النداء اما ~~اسم فعل لأنادي وأنادي إما خبر أو إنشاء والصحيح أنه إنشاء في معنى الخبر ~~يدل عليه قول الفقهاء : إن من قال لرجل : ( يا زان ) إنه يحد . ( قال ) : ~~ويا نداء للبعيد ويستعمل في القريب مجازا . وقيل إنه ( وضع ) أيضا للقريب ~~فيكون مشتركا فيتعارض الاشتراك والمجاز فالمجاز ( أولى ) . وعلى ما قال ابن ~~الخطيب في القدر المشترك : يكون للقدر المشترك بينهما وهو أول من تكلم به ~~أعني ابن الخطيب . وقال بعضهم : لم تعرف العرب القدر المشترك بوجه . ورده ~~بعضهم بتفريق الجزولي بين علم الجنس وعلم الشخص . قال : وحرف النداء جرى ~~مجرى أداة التعريف فلذلك لم تدخل على ما فيه الألف واللام إلا بواسطة أي . ~~PageV01P174 قال ( ابن عرفة ) : وعادتهم يردون بقولك : يا / رجل فلو كان ( ~~للتعريف ) ( لما صح ) دخوله على النكرة . وأجاب بأن النكرة غير مقبل عليها ~~، والتعريف في المنادى إنما هو ( بما فيه من ) معنى الإقبال . والناس ( إن ~~) أريد به أهل مكة فيدخل غيرهم من باب خطاب التسوية ، ( لأنهم ) يتناولهم ~~التكليف كما قال اللخمي في أول كتاب النكاح . قال مجاهد : { ياأيها الناس } ~~حيث وقع ( فهو ) مكي و { ياأيها الذين ءامنوا } مدني . ( قال الطيبي ) أكثر ~~اقتران الناس بلفظ الرب . قال ابن عرفة : لأنه تكليف للجميع من المؤمنين ~~والكافرين ، فحسن فيه وصف التربية ( بالإحسان ) والإنعام على سبيل التهييج ~~PageV01P175 للامتثال . ولما كان الآخر خطابا لمن حصل له الإيمان بالفعل لم ~~يحتج إلى ذلك التأكيد . واعبدو : حمله ابن عطية على التوحيد . وحمله ~~الزمخشري على الطاعات . قال الطبري : وفيها ms042 حجة لأهل السنة القائلين بوقوع ~~تكليف مالا يطاق ( لأن ) من جملة الناس المنافقون المخبر عنهم بأن الله ختم ~~على قلوبهم ( وسمعهم ) . ( ورده ابن عرفة بأن هذا ليس من محل النزاع ) . ~~فقد استثنى ابن التلمساني في شرح المعالم ( الفقهية ) في المسألة الرابعة ~~عشر من باب الأوامر استثناء المحال عقلا كالكون في محلين في وقت واحد ، ~~والمحال عادة . كالطيران في الهواء فقال : هذا لا يصح التكليف به ( إلا مع ~~التمكن ومع القدرة عليه . كما يحكى عن الركراكي وغيره من الصالحين وهذا ) ~~PageV01P176 ( ليس ) من ذلك القبيل بل يصح التكليف به وإن كان غير واقع في ~~علم الله تعالى . وحمل الزمخشري ( الترجي ) على الوجوب وهو المناسب لمذهب ~~المعتزلة لأنهم يقولون : إن الطائع يجب على الله أن يثيبه وكما قالوا في ~~قوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } قال ابن عرفة : وإذا فسرنا ~~العبادة بالتوحيد كما قال ابن عطية بيكون في الآية دليل على أن النظر واجب ~~بالعقل ، ولو وجب بالشرع لأمروا أولا بالنظر ثم بالتوحيد . فإن فسرنا ~~العبادة بفعل التكاليف الشرعية من الصلاة والزكاة وغير ذلك كما قال ~~الزمخشري فيكون فيها دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة إلا أن يقال ~~: إنهم كلفوا بالايمان وبفروعه ضربة واحدة . قوله تعالى : { الذي جعل لكم ~~الأرض فراشا . . . } أخبرهم أن الله تعالى خلقهم ، وعقبه ببيان ما هو من ~~ضروريات الأجسام المخلوقة وهو الخبر . وعبر عنه بالفراش تنبيها على أنه ~~نعمة لهم كالفراش الذي ينام عليه الإنسان ، ويتلذذ به ، ويطمئن إليه . ~~PageV01P177 قال الزمخشري : والموصول إما منصوب صفة للنعت كالذي خلقكم أو ~~على المدح والتعظيم أو رفع على الابتداء وفيه ما في النصب من المدح . قال ~~ابن عرفة : لا يكون فيه ما في النصب إلا إذا كان خبرا ( لمبتدإ ) مضمر لأن ~~معناه الممدوح الذي جعل لكم وأما إذا كان مبتدأ فلا يفيد ذلك التعظيم الذي ~~في النصب بل دونه لأنه إذا جعله خبرا يقدر المبتدأ معرفا بالألف واللام ~~فيفيد الحصر والتعظيم ، وإن جعله مبتدأ ( يقدر ) خبره نكرة . فإن قلت : هلا ms043 ~~قيل : الذي جعل لكم ولمن قبلكم ( كما قيل { الذي خلقكم والذين من قبلكم ) } ~~فالجواب من أوجه . قال ابن عرفة : إما أن يجاب بأنه من ( الحذف ) من ( ~~الثاني ) لدلالة ( الأول ) عليه ، أو ( بأن ) حصول العلم بخلق الله لهم لا ~~يستلزم العلم بخلق الله لمن قبلهم لزوما عقليا ، بخلاف PageV01P178 الاخبار ~~بجعل الأرض فراشا لهم بعد أن ذكر أن الله ( خلقهم ) وخلق من قبلهم فإنه لا ~~يستلزم عقلا ( جعلها فراشا لمن قبلهم كما جعلت فراشا لهم ) أو يجاب ( بأنه ~~من تغليب المخاطب على الغائب ) . أو بأن الآية خرجت مخرج الامتنان ( بما هو ~~مأوى المخاطبين ) فامتن عليهم بخلقهم ، ثم بخلق آبائهم الذين هم سبب فيهم ، ~~ثم جعل الأرض لهم فراشا ( لأنها ) سبب في دوام وجودهم ونعمة لهم ، ولم ، ~~يحتج إلى ذكر كونها فراشا لمن قبلهم لأن الامتنان ( إنما ) هو لها ، وإنما ~~المخاطبون ( الأحياء ، ومن ) قبلهم قد ماتوا وانتفى عنهم التكليف . قال ابن ~~عرفة : والأرض ( كروية ) والكرة الحقيقية لا يمكن أن ( يوجد ) فيها خط ~~مستقيم بوجه حسبما برهن عليه إقليدس . قال ابن الخطيب في الأربعين : لما ~~استدل على بطلان الجوهر الفرد قال : إن الكرة الحقيقية إذا ما مست جزءا من ~~الأرض فإن قلنا : PageV01P179 إن ذلك الجزء لا ينقسم فهو الجوهر الفرد وإن ~~قلنا : إنه ينقسم لزم أن يكون في الكرة خط مستقيم وهو باطل . قال ابن عرفة ~~: فالصواب أن الكرة محددة ( بكور ) أخر ( وضع عليها ) ( كما تأخذ ) رطلا من ~~شمع فتصنع من نصفه كرة وتأخذ ( باقيه ) تضعه على أجنابها ( تسويها به ) ~~وكذا تعرض الأرض قال : ( قبة أزين ) في وسط الأرض . وذكروا أنه لا يعيش ~~هناك أحد لكثرة ما فيها من الحرارة . قلت : وقال الشيخ عبد الخالق : ~~والحكماء لما قاسوا الأرض اختلف عليهم وسطها الحقيقي لكن الاختلاف في مواضع ~~قريب بعضها من بعض فبنوا عليه القبة على مواضع مسافتها ثلاثة أميال حتى ~~PageV01P180 تحققوا أنها احتوت على وسط الأرض الحقيقي قال : ورأيت رجلا ~~رجلا أعجميا أخبر أنه رآها وسمع فيها الأفلاك ودوي حركتها . وأخبروا عن ~~الحكيم ( فيتاغوش ms044 ) أنه أتى عليه وقت تروحن فيه وصعد إلى قريب السماء فسمع ~~حس الأفلاك ( قال ) : ويسمع أحسن من ذلك الحس فنزل ( واستنبط صنعة الديباج ~~) مما رأى في السماء والله أعلم . وقبة ( أزين ) بينها وبين جبل سرنديب ~~درجتان لأن عرضه درجتان في الإقليم الأول وهو عامر والدرج يقابله في ~~الأميال مائة ميل على ما عليه الأكثرون وصححوه . وقيل : مائة وثمانية وقيل ~~: ستة وستون . ومن يكن في القبة يظهر له القطبان محاذيين للأفق . ~~PageV01P181 قيل لابن عرفة : إن الفخر في المباحث المشرقية ذكر أن الأرض ~~على الماء ( وجهتها الموالية ) للماء كروية وأعلاها مسطح ولولا ذلك لما ~~استقرت على الماء والله أعلم . قوله تعالى : { فأخرج به من الثمرات رزقا ~~لكم . . . } المراد بالرزق المباح فهو عند المعتزلة من مادة اللفظ على ~~أصلهم وعندنا من ( ناحية ) أن الآية خرجت مخرج الامتنان والامتنان إنما ~~يكون بالحلال ( لا بالحرام ) . قوله تعالى : { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم ~~تعلمون } أي وأنتم تعلمون الله . قيل لابن عرفة : فيه دليل على أن كفرهم ~~عناد ؟ قال : لا . بل هم عارفون بالله لأنهم قالوا في الأصنام { ما نعبدهم ~~إلا ليقربونآ إلى الله } وهم جاهلون بما يبطل عبادتهم الأصنام للتقرب أو ( ~~نقول ) ( المعنى ) PageV01P182 وأنتم تعلمون الآيات والدلائل التي تدلكم ~~على عبادته ، ( لكنهم ) لم يهتدوا ( للعثور على الوجه ) الذي منه يدل ( ~~الدليل إن كان ارتباط الدليل بالمدلول عقلا أو يقول : علموا الدليل ، ~~وعثروا على الوجه الذي منه يدل ) ، ولم يحصل لهم العلم بالمدلول بناء على ~~ارتباط الدليل بالمدلول عادي . قوله تعالى : { وإن كنتم في ريب . . . } قال ~~ابن عرفة : لما تقدم الكلام معهم في الإيمان بتوحيد الله والإيمان بالرسالة ~~عقب ذلك بما جرت به العادة ( في المخاطبة ) بالجدل ، وهو ( أنكم ) وقع منكم ~~شك في البرهان الذي أتاكم به الرسول دليلا على صحة رسالته فعارضوه ، وهذا ~~أحد أنواع الجدل وهو إما القدح في دليل الخصم ، أو معارضته بدليل آخر . ( ~~قيل ) : لابن عرفة : هم ادعوا أن القدح في الدليل فهلا عجزوا بذلك ؟ فقال : ~~( قد ) نجد الخصم يدعي دعاوي ( جملة ) ويقدح ms045 في دعاوي خصمه ، ولا يقبل منها ~~شيا إلا ما يمكن أن يكون فيه شبهة . قال : والأظهر أن الريب هو عدم الجزم ~~بالشيء ، فتناول الظن والشك والوهم ، لأن الإيمان لا يحصل إلا بالجزم ~~اليقيني ، وما عداه كله ليس بإيمان . PageV01P183 قال : وعبر ب ( إن ) دون ~~إذا لأن المراد ( التنبيه ) عن حالهم ، وانها مذمومة شرعا فعبر عنها لما ~~يقتضي عدم الوقوع وإن كانت واقعة . وأورد الزمخشري أن نزل يقتضي التنجيم ، ~~وأنزل يقتضي الإنزال دفعة واحدة . وأجاب ( عن ذلك ) بأن المراد أنه نزل ~~شيئا بعد شيء . قال ابن عرفة : ونقضوا هذا بقوله تعالى : { وقال الذين ~~كفروا لولا نزل عليه القرءان جملة واحدة } وتقدم الجواب عنه . قال ~~التلمساني : من أن اللفظ ( قد ) يدل على المعنى بظاهره ولا ( يظهر ) ( ~~بخلافه ) في بعض الصور . فإن قلت : ما الحكمة في تنزيله منجما ؟ ( قلنا ) : ~~علله بعضهم بما في الآية وهي : { كذلك لنثبت به فؤادك } PageV01P184 قال ~~ابن عرفة : يرد عليه أنه من الجائز أن يثبت الله تعالى به فؤادك صلى الله ~~عليه وسلم مع نزوله جملة واحدة . قال : ويمكن تعليله بأن ذلك الأظهر فيه ~~كمال الدلالة على صدقه لأن العادة أن رسول الملك إذا كذب عليه إنما يكذب ~~مرة واحدة وبعيد أن ( يكرر ) الكذب خشية التفطن منه والعلم به فلو أنزل ~~عليه في مرة واحدة لقويت التهمة في حقه فلما تكرر إنزاله مرارا كان ذلك ~~ادعى لجواب تصديقه . قوله تعالى : { على عبدنا . . . } ولم يقل على رسولنا ~~تنبيها على ما يقوله أهل السنة من أن الرسول من جنس البشر وعلى طبعهم ( وأن ~~وصف الرسالة أمر اختص ) الله به من شاء من عباده وليست في ذواتهم زيادة ( ~~موجبة ) بوجه . وقال القرطبي : إنما قال ذلك لأن العبودية تقتضي التذلل ~~والخضوع ولا شك أن التذلل للبارئ جل وعلا هو أشرف الأشياء . قال ابن عرفة : ~~نمنع ذلك بل ( وصف الرسالة أفضل منه ) فهلا قيل : مما نزلنا على رسولنا ؟ ~~وقال بعضهم : إنما ذلك تنبيها على أنهم إذا ذموا على مخالفته مع استحضار ~~كونه عبدا فأحرى أن ms046 يذموا على ذلك مع استحضار كونه رسولا من عند الله . ~~PageV01P185 و ( قرئ ) { مما نزلنا على عبدنا } . فإن قلت : إنما هم في ريب ~~مما نزل على عبدنا هذا فقط ، قلنا : الشك في المنزل على هذا شك في المنزل ~~على من قبله لأن الكل رسل من عند الله يصدق بعضهم بعضا فالشك في أحدهم شك ~~في الجميع . قوله تعالى : { فأتوا بسورة من مثله . . . } قال ابن عرفة : ( ~~قال ابن عطية ) : قال الأكثرون : مثل نظمه ووصفه وفصاحة معانيه لا يعجزهم ~~إلا ( التأليف ) الذي خص الله به القرآن ، وبه وقع الإعجاز عند الحذاق . ~~وقال بعضهم : من مثله في غيوبه وصدقه وقدمه ( في التحدي وقع عند هؤلاء ~~بالقديم ) . قال ابن عرفة : إن قلت : هذا ( الخلاف ) مخالف لما ( نص ) عليه ~~الفخر وإمام الحرمين في الإرشاد من أن المعجزة PageV01P186 من شرطها أن ~~تكون حادثة لأنها ( إن ) كانت قديمة استحال أن يأتي بها الرسول ، ( أو تكون ~~) دليلا على صدقه لأن الرسول حادث . ( قلت ) : القديم هنا ليس هو كل ~~المتحدى به هو جزء من أجزاء المعجزة التي تحدى بها الرسول ، فالرسول تحدى ~~بكلام لا مثل له في صدقه وإخباره بالغيوب وأن مدلوله ( هو القديم ) . قال ~~المقترح وابن بزيزة في شرح الإرشاد : اختلفوا هل يجوز أن تعلم صحة الرسالة ~~بغير المعجزة ( أم لا ) ؟ PageV01P187 فأجاز القاضي أبو بكر الباقلاني وابن ~~فورك في تأليفه في الأصول ومنعه إمام الحرمين هذا في الجواز . وأما الوقوع ~~فلم يقع في الوجود إلا مع المعجزة ( اتفاقا ) وكان بعضهم يقول : هذا إنما ~~لا ينبغي الخوض فيه لأنه كلام لغير فائدة لا ينبغي عليه كفر ولا إيمان . ( ~~وكان الشيخ الصالح الزاهد أبو محمد عبد الهادي نقل عنه بعضهم أنه قال : ~~يجوز في العقل أن يخلق الله خلقا أكرم عليه من نبيه محمد فسمع بذلك ) الشيخ ~~الصالح أبو الحسن علي بن المنتصر الصوفي فأنكره الإنكار التام وألزمه ~~إلزاما PageV01P188 شنيعا . واجتمع بابن عبد السلام القاضي فخفف أمره حتى ~~وقعت بين الشيخين وحشة عظيمة / بسبب قوله يجوز أن يخلق الله عقلا أكرم ms047 من ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . ( قوله تعالى : { وادعوا شهدآءكم من دون ~~الله إن كنتم صادقين } يحتمل أن يريد بالشهادة أي الاستصراخ للاجتماع ~~والتعاون على الإتيان بمثله ويحتمل أن يريد فأتوا بمثله واستحضروا شهداءكم ~~لا شاهدا واحدا يشهدون لكم أنه من عند الله . وعبر ( بإن ) تنبيها على أن ~~صدقهم في ذلك محال ) . قوله تعالى : { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا . . . } ~~قال ابن عرفة : لما أمرهم بالعبادة على لسان نبيه المقارنة للبرهان الدال ~~على صدقه ( وهو القرآن ) وعجزهم بأنهم إن لم ( يفعلوا ) ذلك ( فليأتوا ) ~~بسورة من مثله قال هنا : فإن عجزتم ولم تقدروا على معارضته فاعلموا أن ~~الرسول صادق فيجب عليكم الإيمان به ( ثم قال ) : { فاتقوا النار } ( فأقام ~~) مقام السبب الذي هو منه في ثالث رتبة أي : فإن لم تفعلوا تبين لكم أن ذلك ~~معجزة وإذا تبين أنه معجزة دل ذلك على صدقه فمهما أخبر به ، ( فيكون سببا ~~في الإيمان به ) وفي تصديقه والإيمان به سبب في اتقاء النار . PageV01P189 ~~قال الزمخشري : فإن قلت : امتناع معارضتهم القرآن واجب هلا قيل : فإذا لم ~~تفعلوا ؟ وأجاب بوجهين : الأول أنه ساق ذلك على حسب نيتهم وقصدهم وأنهم ~~كانوا يزعمون أنهم يقدرون على معارضته . الثاني : انه تهكم بهم كقول الفارس ~~النحرير لمن دونه : ( إن غلبتك في كذا ) . قال ابن عرفة : وأنكر الشيخ أبو ~~علي عمر بن خليل السكوني هذا الإطلاق ( لئلا ) يلزم عليه أن يسمي الله ~~تعالى متهكما ، وأسماؤه تعالى توقيفية . وكان بعضهم يرد عليه بإجماع ~~المسلمين على ورود المجاز في القرآن مع امتناع أن يقال فيه سبحانه وتعالى ~~متجوز . PageV01P190 فقال ابن عرفة : والصحيح أن التهكم يطلق على معنيين : ~~تقول تارة هذه القصيدة التي هي ( للمعري : هو فيها ) متهكم وتارة تقول ~~فهمنا منها التهكم ، ولا يلزم منه أن يكون ( المعري ) هو فيها متهكم بل ~~التهكم باعتبار ما فهمنا نحن وعلى الأول يكون هو متهكما ، فإطلاق التهكم ~~على البارء جل وعلا بالمعنى الأول باطلا قطعا ، وبالثاني ( حق ) . قال ابن ~~عرفة : ويظهر ( لي ) عن السؤال جواب ثالث ، وهو ms048 أن هذا على سبيل التعظيم ~~بالمخاطبات ، وهو أن يظهر أحد الخصمين لآخر أنه مغلوب ، أو شاك في الغلبة ~~أو متوقع لها ولا ( يريه ) انه محقق أنه الغالب له لئلا ( يتحرز منه ) أو ~~يرجع عن مخاصمته بدليل قوله تعالى ( ولن تفعلوا ) . قال القرطبي : معناه ~~فإن لم تفعلوا في الماضي ولن تفعلوا في المستقبل . قال ابن عرفة : فإن قلت ~~: لم تخلص الفعل للماضي ( وإن ) تخلصه للاستقبال وهما متباينان ؟ ~~PageV01P191 فالجواب : أن ( لم ) خلصت الفعل ( ( ولن ) ) دخلت على الجملة ~~فخلصتها . قال بعض الناس : فإذا قلت : إن لم يقم زيد قام عمرو فلم يقم ~~مستقبل باعتبار ما مضى . والمعنى أن يقدر في المستقبل أنه لم يقم ( زيد ) ~~فيما مضى فقد قام عمرو . ونظيره ما أجابوا به في قوله تعالى { إن كنت قلته ~~فقد علمته } لأن الشرط يخلص الفعل للاستقبال والمعنى يدل على أنه ماض . ~~قالوا : المراد أن ( يقول ) في المستقبل إني إن قلته فيما مضى فقد عملته ~~فكذلك هنا . فإن قلت : لم عدلوا في قولك : إن قام زيد قام عمرو إلى لفظ ~~الماضى والأصل أن يعبروا بالمستقبل لفظا ومعنى ؟ قلت : إما لتحقيق قيامه في ~~المستقبل حتى كأنه واقع أو التفاؤل بذلك أو للتنبيه على أن قيامه محبوب ~~مراد وقوعه . فإن قلت : ( كان يلزمهم ) أن يعبروا بإذا ( موضع إن ) ؟ قلت : ~~إذا لا تدخل إلا على المحقق وقوعه وإن تدخل على الممكن وقوعه ، وعلى المحال ~~مثل { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } فإن أعم من أن تكون في هذا ~~وفي هذا . PageV01P192 قوله تعالى : { فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة . . . } قال ابن عباس هما : هي حجارة الكبريت . ( ( قال ) بن عرفة ~~: معناه مقارنة الناس لها أي هي نار شديدة دائمة ( حالة ) حلول أجسامهم ~~الرطبة فيها كما لو كان فيها ) فإنها لا تزال أبدا تشتعل كاشتعال النار في ~~الوقود . وقال الزمخشري : عرف النار هنا ونكرها في سورة التحريم لأن تلك ~~الاية نزلت أولا بمكة وهذه نزلت بالمدينة بعد ما عرفوا ( النار ) وتقررت ~~عندهم . قيل لابن عرفة : هذا مردود ms049 بما تقدم للزمخشري عن إبراهيم بن علقمة ~~ولابن عطية عن مجاهد أن كل شيء نزل فيه يا أيها الناس فهو مكي ويا أيها ~~الذين آمنوا فهو مدني وصوب ابن عطية ( قوله ) في يا أيها الذين آمنوا بخلاف ~~قوله في أيها الناس PageV01P193 فقال ابن عرفة : قال ابن عطية : ان سورة ~~التحريم مدنية بإجماع لكن يقول الزمخشري إن تلك الآية منها فقط نزلت بمكة ، ~~فيكون دليلا على تقدم نزولها على هذه وهو المراد . قوله تعالى : { وبشر ~~الذين ءامنوا . . . } PageV01P194 قال الزمخشري : معطوف إما على { فاتقوا ~~النار } أو على الجملة ( كلها ) . واعترض أبو حيان الأول بأن ( فاتقوا ) ~~جواب الشرط وموضعه جزم وبشر لا يصح أن يكون جوابا لأنه أمر بالبشارة مطلقا ~~مطلقا إلا على تقدير أن لم تفعلوا . ورده المختصر بوجهين : الأول نص ~~الفارسي وجماعة في مثل زيد ضربته وعمرو كلمته أنه معطوف على الجملة الصغرى ~~مع أن عمرو كلمته يمتنع أن يون خبرا ( عن ) زيد لعدم الرابط فكذا لا يصح أن ~~يعطف على الجواب ما ليس جوابا . قال ابن عرفة : ونظيره رب شاة وسلخها مع أن ~~رب لا تدخل إلا على النكرة . وأجاب المختصر عن قوله لأنه أمر بالبشارة ~~مطلقا ( بأن ) الواقع عدم الفعل جزما ( ولهذا قال ) : ( ولن تفعلوا ) فليس ~~ثم تقدير : إن فعلتم فلا ( تبشير واقع بل ) الأمر بالبشارة واقع مطلقا . ~~وارتضى ابن عرفة الأول ، وضعف الثاني بالفرق بين جواب الشرط وغيره ، فإن ~~المشاركة في العطف جواب الشرط المعنى يقتضيها PageV01P195 [ و ] بخلاف ~~العطف ( على غيره ) فإنه قد يكون مراعاة / لمقتضى اللفظ وأما الشرط فالمعنى ~~فيه يؤكد الارتباط . قلت : ورد غيره الأول بأن ( الصغرى عاطفة ) على الكبرى ~~لعدم الرابط إلا أن يقول : وعمرو أكرمته في داره . قال : وقول سيبويه : إنه ~~( معطوف ) على الصغرى ليس على ظاهره إن لم يتعرض لإصلاح اللفظ ولو سئل عنه ~~لقال لا بد من الربط . وقال الفارسي : إنه محمول على الصغرى في النصب ~~ومعطوف على الكبرى ولا يلزم من الحمل على الصغرى أن يكون معطوفا عليها إنما ~~روعي في ms050 المشاركة اللفظية فقط . ( ابن عرفة ) : نص عليه ابن الصفار وابن ~~عصفور في شرح الإيضاح وشرح الجمل الكبير . PageV01P196 قال : وأما رب شاة ~~وسلخها فضمير النكرة عندهم نكرة كما تقول ( ربه رجلا ) . قلت : واحتج ابن ~~عصفور ( للفارسي ) بأن العرب لاحظوا المناسبة في كثير من كلامهم واختاروا ~~التصب في ( ضربت القوم حتى زيدا ضربته ) مع أنه غير معطوف لأن حتى لا تعطف ~~الجمل وكذلك اختاروا في زيد ضربته إذا كان جوابا لمن قال : أيهم ضربت ، ~~بالرفع أن يرتفع ، وبالنصب أن ينتصب ، فقد لاحظوا المناسبة في عدم العطف ~~وهذا كله ( نص ) على أنه ليس معطوفا على الصغرى ( بوجه بل محمولا عليها في ~~النصب للمشاركة بين ( الجملة ) وبين ما يليها خاصة ) . قال ابن عطية : ~~الأغلب استعمال البشارة في الخير وقد تستعمل في الشر مقيدة به فمتى أطلقت ~~فهي في الخبر . قال الزمخشري : البشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به أو ~~عنه . قال : و ( أما ) { فبشرهم بعذاب أليم } فمن العكس في الكلام الذي ~~يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزإ به وتألمه . PageV01P197 قال ابن ~~عرفة : جعله الزمخشري من قسم المنفرد ، وابن عطية من قسم المشترك . نص ~~الأصوليون في التعارض أن الإفراد ( أولى ) . قال الزمخشري : ومن ثم قال ~~العلماء فيمن قال لعبيده : ( أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر ) ، فبشروه ~~فرادى فعتق أولهم ، ولو قال : أيكم أخبرني ( بقدوم فلان فهو حر ) م ، ~~فأخبروه فرادى عتقوا كلهم . قال ابن عرفة : عوائدهم يقولون : لا فرق بينهما ~~فإن الإخبار الثاني بعد الأول لم يفد شيئا فهو تحصيل الحاصل فليس بإخبار في ~~الحقيقة . قال : لكن يجاب عنه بأن في الإيمان والنذور من المدونة ما نصه : ~~( ومن حلف لرجل إن علم كذا ليعلمنه أو ليخبرنه ) فعلماه جميعا لم يبر حتى ~~يعلمه أو يخبره ( مع أن ) إخباره لم يفد شيئا . قال : فإن كتب إليه وأرسل ~~إليه رسولا بر ولو أسر إليه رجل ( سرا ) وأحلفه لتكتمنه ثم أسره المسر ( ~~لآخر ) فذكره الاخر للحالف فقال الحالف : ما ظننت أنه أسره لغيري حنث مع أن ~~الحالف لم ms051 يخبره بشيء بل أفهمه بما هو تحصيل الحاصل . . ( وفي كتاب العتق ~~الثاني من المدونة ) . ومن قال لأمته : أول ولد تلدينه حر . فولدت ~~PageV01P198 ولدين في بطن واحد عتق أولهما خروجا ، فإن خرج الأول ميتا لم ~~يعتق الثاني عند مالك . وقال ابن شهاب : يعتق الثاني إذ لا يقع على الميت ~~عتق . قال الزمخشري : فإن قلت : أي فرق بين لام الجنس الداخلة على المفرد ~~والداخلة على المجموع ؟ وأجاب بما حاصله أنها إذا دخلت على المجموع تفيد ~~العموم في أنواع ملك المجموع لا في أفراده وإذا دخلت على المفرد أفادت ~~العموم في الأشخاص وفي الجمع وهو نوع من جوابه في قوله تعالى { رب إني وهن ~~العظم مني } ولم يقل العظام . وذلك أن الصالحات أصله صالحات فيحتمل أن يكون ~~مخرجي الزكاة فقط لأنهم عملوا الصالحات وبعد دخول الألف واللام صار يتناول ~~مخرجي الزكاة والمصلي والصائم إلى غير ذلك . قال : ( وعملوا ) الصالحات ~~يتناول الفعل والقول والإعتقاد لأن العلماء فهموا قوله : ( إنما الأعمال ~~بالنيات ) على العموم لأن الفخر في المحصول قال : أجمع الناس على أنه مخصوص ~~بالنية والنظر ، فلولا أن العمل يصدق على النية لما احتاجوا إلى استثنائها ~~من الحديث فيكون في الآية عطف العام على الخاص . PageV01P199 قوله تعالى : ~~{ جنات . . . } قوله تعالى : { كلما رزقوا منها . . . } قال ابن عرفة : قدم ~~ذكر الجنات وأنهارها على الأكل لوجهين إما لأن منفعة ( التنعيم ) بالنظر ~~إليها سابقة على منفعة الأكل منها وإما لأن الأنهار مصلحة لثمرها وسبب في ~~تكونه قال : وعموم ( كلما ) إن أريد به الإطلاق في ثمار الجنة فتكون ~~القبيلة صادقة على ما سوى أول مأكول منها لأنه ليس قبله شيء . ( قال ) : ~~وقولهم في ( كلما ) إنها في موضع الحال إن أريد به أنهم بحيث ( لو رزقوا ~~منها شيئا قالوا ذلك فتكون حالا محصلة ، وإن أريد أنهم رزقوا بالفعل فتكون ~~حالا مقدرة لأنهم لم يحصل لهم جميعه في الحال ) قال الزمخشري : كلما ، وإما ~~، صفة أو استئناف أو خبر مبتدإ . قال ابن عرفة : كونها خبر مبتدأ لا يخرج ~~عن الإعرابين الأولين لأنه حينئذ ms052 يصلح أن تكون الجملة صفة أو استئنافا . ~~قال ابن عطية : في الآية رد على من يقول : إن الرزق من شرطه التملك ، ذكره ~~بعض الأصوليون ، قال ابن عطية : وليس عنده ببين . PageV01P200 قل ابن عرفة ~~: انظر هل معناه أن القول غير بين أو أن الرد عليه بالآية غير بين وليس ~~المراد المسألة التي اختلف فيها أهل السنة والمعتزلة فقالت المعتزلة : ~~الرزق لا يطلق إلا على الحلال وقالت أهل السنة : الرزق يطلق على الحلال ~~وعلى الحرام . قال ابن عرفة : لأن الخلاف هنا أخص من ذلك الخلاف لأنه تحرز ~~( منه رد بقوله ) من شرطه ( التملك ) فمن رزق شيئا ينتفع به ( ولا يملكه ~~كالضيف عند الإنسان إذا قدم له طعاما فإنه يأكل منه ولا يحل / له أن يتصدق ~~منه شيء ، ولا يعطي منه لقمة لأنه لا يملك ) غير الانتفاع به فقط . قال ~~مالك : الانتفاع تارة يكون مؤبدا كالحبس ، وتارة يكون موققا كالعارية ~~ونحوها . قوله تعالى : { من ثمرة رزقا . . . } | قال الزمخشري : ( من ) ~~الثانية لابتداء الغاية ، أو البيان ، كقولك : رأيت منك أسدا تريد أنت أسد ~~. وتعقبه أبو حيان بأن ( من ) البيانية لم يثبتها المحققون ولو صحت لامتنعت ~~هنا إذ ليس قبلها ما تكون بيانا له لا معرفة ، مثل قوله تعالى : { فاجتنبوا ~~الرجس من الأوثان } ولا نكرة مثل : من تضرب من رجل . ( وقدروها ) مع ~~المعرفة بالذي هو ، ومع النكرة بضمير عائد عليها أي هو رجل . فإن قال : ~~تكون بيانا للنكرة بعدها ( أى PageV01P201 كلما رزقوا منها من ثمرة ) | ( ~~خلاف ) الأصل بالتقديم والتأخير ، وأما رأيت منك أسدا ف ( من ) لابتداء ~~الغاية أو للغاية ابتدائها وانتهائها . وأجاب ابن عرفة : بأنه ( لا يريد ) ~~وأنها لبيان الجنس بل للتبيين وسماه بعضهم التجريد . ونقل بعض الطلبة أن ~~ابن مالك جعل في قوله تعالى : { يحلون فيها من أساور من ذهب } للبيان . قلت ~~: وقال بعضهم : لم يذكر أحد أنها للتبيين ، وما معناها إلا ( بيان ) الجنس ~~. وذكر البيانيون أنها تكون للتجريد وهو للتبعيض مثل : لي من زيد صديق حميم ~~، كأنك جردت عن صفاته رجلا صديقا وكذا قوله ms053 : { لهم من جهنم مهاد } وقوله { ~~لهم فيها دار الخلد } وأنشد عليه ابن عطية في سورة آل عمران في قوله { ~~وتخرج الحي من الميت } قوله الشاعر : أفاءت بنو مروان ظلما دماءنا . . . ~~وفي الله إن لم ينصفوا حكم عدل PageV01P202 وكأنه جرد من صفات الله تعالى ~~حاكما عدلا . قال الزمخشري : ومعناه هذا مثل الذى رزقناه إذ لا يصح أن يكون ~~( ذات الحاضر عندهم ) الذات الذي رزقوه ذات في الدنيا . قال ابن عرفة : ~~ومعناه أن هذا الذي أكلناه هو الذي رزقناه أولا ، وهو الذي شاهدناه حين ~~الأكل ، على ما ورد أن الإنسان إذا أكل شيئا يرجع كما كان أولا ) . قال ابن ~~عرفة : وعلى القول بإجازة إعادة المعدوم بعينه يصح ذلك وهو مذهبنا . قوله ~~تعالى : { ولهم فيهآ أزواج مطهرة . . . } أي مخلصة من الشين والدنس المعنوي ~~والحسي المتصل والمنفصل فليس ( لهن ) ذنوب ولا نتن رائحة ولا حيض ولا بصاق ~~ولا مخاط بوجه . قال الزمخشري : فإن قلت : هلا جاءت الصفة مجموعة لموصوفها ~~؟ قلت : ( هما لغتان ) يقال : النساء فعلن ، والنساء فاعلات . PageV01P203 ~~قال ابن عرفة : يرد عليه أن النساء اسم جمع لفظه مفرد ، بخلاف هذا فإنه جمع ~~صريح . وإنما يجاب بما قال المبرد في المقتضب : من أن جمع السلامة لا ينعت ~~إلا بالجمع وجمع التكسير ينعت بالمفرد والجمع . الزمخشري : إنما قال ( ~~مطهرة ) ولم يقل طاهرة ، إشارة إلى أن تطهيرهن من قبل الله تعالى ليس لهن ~~فيه تكسب ولا اختيار بوجه . قال ابن عرفة : وهذا كله تقدم إما على التوزيع ~~أو لكل واحد منهم أزواج وهو الظاهر . قال : والبيانيون منهم من يختار في ~~مثل هذه ( المجرورات ) والضمائر ، ( الفصل ) ومنهم من يختار ( الوصل ) ~~وعليه أنشد : وتسعدني في غمرة بعد غمرة . . . صبوح لها منها عليها شواهد ~~وكان يقول على الأول : ولهم أزواج مطهرة ( فيها ) PageV01P204 قال : وأورد ~~الزمخشري سؤالا في قوله تعالى في الأنعام : { وأجل مسمى عنده } قال : ~~النكرة إذا وصفت في الأصل تقدم خبرها المجرور عليها . قلنا : وهذه الآية ~~جاءت على الأصل الذي قال ( فلا سؤال فيها ) . قوله تعالى : { إن الله لا ms054 ~~يستحى أن يضرب مثلا ما . . . } قال ابن عرفة : الحياء هو ( استقباح ) فعل ~~الشيء بحالة ما دون نقص فيه ، والاستحياء ( استقباح ) فعله لنقص فيه . قال ~~الزمخشري : فإن قلت : كيف وصف به القديم ولا يجوز عليه التغير والخوف ؟ وفي ~~حديث سلمان قال رسول الله : ( إن الله كريم حي يستحي إذا رفع العبد يديه أن ~~يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا ) PageV01P205 أجاب أنه على سبيل التمثيل ~~مثل تركه كتغييب العبد من العطاء بترك من يمتنع من رد المحتاج حياء منه . ~~والمعنى هنا لا يترك ضرب المثل بالبعوض ترك من يستحى أن يتمثل بها . قال ~~ابن عرفة : فجعله من باب العدم و ( الهلكة ) ، مثل زيد لا ( يبصر ) لا من ~~السلب والإيجاب مثل الحائط لا يبصر . وقال صاحب المثل السائر في قوله : ( ~~إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) إنه يفهم على وجهين : إما إذا لم تفعل فعلا ~~تستحي منه فاصنع ما شئت على سبيل التخبير والإباحة ، وإما إذا لم تتصف ~~بالحياء لأجل جرمك وتعديك الحدود الشرعية ولم تبال ما أتت فاعل فاصنع ما ~~شئت على سبيل التهديد والوعيد والإنذار . قال : وفسر ( يضرب ) ( في الآية ) ~~بوجهين : إما بمعنى يذكر مثلا ، وإما بمعنى يصوغ كضرب الصائغ الدراهم بمعنى ~~صاغها . قال : وحكمة ضرب المثل بهذا أن لفظ القرآن صحيح فصيح فضرب الله ~~المثل فيه ابتلاء لعباده ، فالمحق يأخذ بالقبول ، والمبطل يعانده فيه . ~~وهذا جرى على ( السنن ) المألوف عند ( العرب ) الفصحاء في صحيح الأمثال فحق ~~المنصف منهم ( أن يقبل المثل ) PageV01P206 ( وعلى ) هذا فردهم لذلك فيه ~~ومعاندتهم فيه محض مباهتة ، وهي طريقة المغلوب إذا لم يجد ملجأ . قوله ~~تعالى : { فما فوقها . . . } قيل : أي ، ما دونها ، وقيل : ما هو أعظم منها ~~. وانتقد ابن الصائغ على ابن عصفور حده ( التنازع ) ( أن يتقدم اسم ويتأخر ~~عنه عاملان ) فصاعدا ، وقال : إنه غير جامع ، لا يتناول الأسئلة تكون فيها ~~ثلاثة عوامل ، لأن ( الفاء ) تقتضي الجمع . ومنهم من جعلها بمعنى ( أو ) ~~فعلى ما ق ابن الصائغ لا يفسر إلا بمعنى الاول ، وهو أن المراد ما دون ms055 ( ~~البعوضة ) فيتم المثل وعلى أن ( الفاء ) بمعنى ( أو ) ( ويصح ) تفسير ~~الفوقية بالأمرين . قوله تعالى : { فأما الذين ءامنوا . . . } PageV01P207 ~~وقال الزمخشري : ( أما ) حرف فيه معنى ( الشرط ) ولذلك / يجاب بالفاء ~~وفائدته أنه يزيد الكلام تأكيدا . قال : وفي ( قولك ) : أما زيد فذاهب . ~~معناه عند سيبويه مهما يكن من شيء فزيد ذاهب وتفسيره يفيد أمرين : التأكيد ~~والشرطية . ( قال ابن عرفة : أراد أنه يفيد ملزومية الشرط للجزاء أي زيد ~~ملازم للذهاب ، فكأنه لم يزل ذاهبا ) وفائدة دخول الفاء على ( أما ) أنه ~~لما تقدم ( الإخبار ) بأن الله تعالى لا يستحي أن يضرب مثلا وكان الإخبار ~~بذلك لا يقتضي وقوع ضرب المثل بل جوازه في حقه ، وأنه لا يمتنع منه عقبه ~~ببيان أن ذلك واقع منه لقوله تعالى { فيعلمون أنه الحق } . وعبر عن ~~المؤمنين بالفعل تنبيها على أن من أتصف بمطلق الإيمان يعلم ذلك فأحرى من ~~حصل له الإيمان القوي الكامل ويستفاد من عمومه في المؤمنين أن الإعتقاد ~~الحاصل للمقلد علم ( لا ظن ) وهو الصحيح عندهم . قوله تعالى : { فيعلمون ~~أنه الحق . . . } قال ابن عرفة : الحق في القرآن كثيرا كقوله تعالى : { ما ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق } فمن يفهمه على ظاهره يعتزل ~~لأن مذهب المعتزلة مراعاة الأصلح PageV01P208 على قاعدة التحسين والتقبيح ، ~~فالصواب أن يقال في تفسير ( الحق ) هو الأمر الثابت في نفس الأمر الذي دل ~~الدليل الشرعي على ثبوته ، أو يقال : ( إنما هو ) الثابت بدليل شرعي ، أو ~~مدلول الكلام القديم الأزلي . قال ابن العربي في شرح الأسماء الحسنى : الحق ~~في اللغة هو الموجود ويعم الإعتقاد والقول والعمل ثم قال : والمختار أن ~~الحق ما له فائدة مقصودة ، والباطل ( ضده ) سواء كان ( موجودا ) أو معدوما ~~قال تعالى : { ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق } أي لفائدة ~~مقصودة وهي الثواب والعقاب لقوله تعالى : { ربنا ما خلقت هذا باطلا } وقوله ~~تعالى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } وانظر ما قيدته في الزمر والأحقاف ~~والتغابن وعم . قال أبو حيان : والفاء الداخلة على جواب ( أما ) فحقها ~~التقديم فيقال : أما زيد فذاهب ، لأنه هو الجواب ms056 لكنها لو قدمت للزم عليه ~~وجود المعطوف دون المعطوف عليه . PageV01P209 وكذا قال الفارسي وأبو البقاء ~~وابن هشام : ( أما ) فيها معنى الشرط ، والفاء كذلك فكرهوا اجتماع ( حرفي ) ~~شرط ، كما كرهوا اجتماع حرفي تأكيد . قال ابن عرفة : إنما امتنع عندي لما ~~فيه من إيهام الإتيان بالجزاء دون الشرط . قوله تعالى : { من ربهم . . . } ~~لم يقل من الله تنبيها على أنه رحمة منه ونعمة لهم ، ( لكونه ) نصب لهم ~~عليه الأدلة والطرق إلى العلم به . قوله تعالى : { وأما الذين كفروا ~~فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا . . . } الآية ( فيها ) حذف التقابل أي ~~فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ويقولون ذلك بألسنتهم ، وأما ~~الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا ( مثلا . ويعتقدون PageV01P210 ~~ذلك بقلوبهم ولذلك لم يقل في الكافرين : بماذا أراد ربنا بهذا مثلا ) ويمكن ~~أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من الأولى ، وهو أصوب مو كونها استئنافا ~~، لأن ( المؤمنين ) إذا ( اعتقدوا ) أنه الحق حالة وجود المخالف والمعاند ( ~~لهم ) فيه فأحرى أن يعتقدوا صحته مع عدم المخالف . قال ابن عرفة : وسلكوا ~~في هذه العبارة طريق الجدل ( عند الجدليين ) لأنهم لو قالوا ذلك ( أمرنا ~~بالرد ) عليهم ، فالضرب في رجوعهم بالمباهتة والتبكيت . ( وأتوا ) في ~~الجواب بلفظ ظاهره الاستفهام ومعناه الإنكار كما يأتي المجادل المغلوب بلفظ ~~( يموه به ويحيد به ) عن الجواب . وقوله : { ماذآ أراد الله بهذا مثلا } ~~قال الزمخشري : فيه وجهان : إما أن ( ذا ) اسم موصول بمعنى الذي مرفوع على ~~الابتداء أو خبره مع صلته ، وإما أن ( ماذا ) كلمة واحدة كلها وهي في موضع ~~نصب بأن إذا . PageV01P211 قال ابن عرفة : وكان ابن الحباب يحكى عن ( بعضهم ~~) أنه كان يقول في قوله تعالى { وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير ~~الأولين } ( بالرفع : { وقيل للذين اتقوا ماذآ أنزل ربكم قالوا خيرا } قال ~~: النصب في جهة المؤمنين أرجح ، والرفع للكافرين أرجح كما هو في الآية . ~~ووجهه أنه حيده منهم عن الجواب لأن الكافرين لو نصبوا أساطير الأولين لكان ~~المعنى أنزل ) أساطير الأولين فيكونوا مقرين بالإنزال ( وإذا ) رفعوه فيكون ms057 ~~المعنى هو أساطير الأولين ، وحادوا عن الجواب على مقتضى السؤال والمؤمنون ~~أجابوا على مقتضى السؤال فقالوا : أنزل خيرا فأقروا بالإنزال ، وأنه خير في ~~نفسه ، فحصلوا المطلوب وزيادة . وكذلك ( يجيء الرفع في هذه الآية أرجح في ~~جهة الكافرين ) ، ويحتمل أن يكون ( ماذا أراد الله ) في موضع الحال ، ~~ويحتمل أن يوقف على ( ماذا ) . قال ابن عرفة : و ( مثلا ) إما تمييز أو حال ~~، وإما منصوب على المخالفة كما قال ابن منصور في شرح مقربه لما ( عد ) ~~المنصوبات . PageV01P212 قال ابن عطية : ومعنى كلامهم هذا الإنكار بلفظ ~~الاستفهام . وقال الزمخشري في قولهم ( ماذا ) استرذال واستحقار . وقال ابن ~~عرفة : ( عادة ) ابن المنير ينتقد عليه ذلك لأنه إساءة أدب لا بنبغي أن ~~يفسر القرآن به ولا ( يحكي ) عن ( الكافرين ) في الكلام القبيح إلا ما هو ~~نص كلامهم مثل { وقالت اليهود يد الله مغلولة } قوله تعالى : { يضل به ~~كثيرا . . . } قال ابن عرفة : هذا لف ونشر لأنه لما تقدم ذكر المثل وذكر ( ~~بعده ) الفريقين عقبه ببيان أنه يضل به قوما ، ويهدي به آخرين . واللف ~~والنشر قسمان : موافق كقوله تعالى : { فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي ~~النار } ومخالف كقوله تعالى { يوم PageV01P213 تبيض وجوه وتسود وجوه فأما ~~الذين اسودت وجوههم } قال : وحكمة ذلك في ( الجمع ) الاهتمام بمقام التخويف ~~والإنذار ، فلذلك بدأ بأهل الشقاوة في الآيتين . وقال ابن عرفة : وكان ~~بعضهم يقول : هذه الآية إذا ( بنينا ) على ( القول ) الصحيح فإن ارتباط ~~الدليل بالمدلول عادي وهو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري ، وقد نصوا على أن ~~الحق لا يستلزم الباطل بوجه ، وإنما يستلزم حقا مثله . وجاءت هذه الآية بعد ~~ذكر ضرب المثل الذي جعله الله دليلا للمكلفين على صحة الرسالة ، ثم عقبه ~~ببيان أنه دليل ( حق ثم قال : { يضل به كثيرا } ، فجعل الدليل الحق مستلزما ~~للضلال فإذا بنينا على أن ارتباط الدليل بالمدلول عادي يكون / الحق بهذه ~~الآية قد يستلزم الضلال كما قالوا إنه ) يستلزم الحق . وغاية ما فيه أن ~~يقال : الغالب ( عليه ) استلزم الحق وقد يستلزم الباطل . | ( ( قال ابن ~~عرفة واقتضت الآية ms058 أن المثل الذي هدى الله به المؤمنين أضل به بقية ~~الكافرين ، وهو سبب في الشيء ونقيضه ، PageV01P214 وهذا هو عين مذهب أهل ( ~~السنة ) ، لأن جميع الأشياء كائنة بإرادة الله وقدرته . | وأراد الزمخشري ~~سؤالا ( أ ) قال : إن قلت : لم قال : ' يضل به كثيرا ' وهم قليلون قال ~~تعالى : ^ ( وقليل من عبادي الشكور ) ^ وقال : ^ ( الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم ) ^ ؟ | قال ابن عرفة : السؤال غير وارد لأن الشكور ~~أخص من الشاكر ، والشاكر مهدي فلا يلزم من كون الشاكر قليلا أن يكون المهدي ~~قليلا . قال : والآية الأخرى تقتضي نسبة العلة لمن آمن وعمل الصالحات وهو ~~أخص ممن اتصف بمطلق الإيمان ومطلق الاهتداء فلو قدر السؤال بقوله تعالى : ^ ~~( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) ^ . لكان صحيحا متوجها . | قيل لابن ~~عرفة : إنما السؤال غير وارد على مذهبنا ، وأما عند الزمخشري وسائر ~~المعتزلة فهو وارد لأن المؤمن عندهم هو الذي عمل . قال : بل هو غير وارد ~~عندهم لأن من آمن الإيمان الحقيقي الكامل ( واخترمته المنية ) إثر ذلك ولم ~~يمض عليه زمن عمل ( فيه ) الصالحات هو مؤمن باتفاق منا ومنهم . PageV01P215 ~~زاد الزمخشري في تمثيل القليل قوله صلى الله عليه وسلم : ' الناس كإبل مائة ~~لا تكاد تجد فيها راحلة . قال كذلك ( قوله ) وجدت الناس أخبر تقله أي أخبر ~~أحدهم ببعضه . | قال ابن عرفة : وهو تسليم للسؤال . فأجابه عنه الزمخشري : ~~بأنهم كثيرون في أنفسهم . لا سيما فيما قالوا في جمع الكثرة : إنه يتناول ~~مع العشرة فما دون ذلك والقلة ( هي ) فما في الترجيح في العدالة إنه ترجح ~~التي هي أعدل لشرفها . وإسناد فعل الإضلال إلى الله تعالى حقيقه . | وجعله ~~الزمخشري مجازا على قاعدة التحسين والتقبيح عندهم ثم استدل لذلك بحكاية عن ~~مالك بن دينار أنه دخل على محبوس مقيد بين يديه ( دجاج ) ( وأخبصه ) فقال ~~له : هذه وضعت القيود على رجلك . PageV01P216 ابن عرفة : وهذا من أنواع ~~الدليل ( المسمى ) في علم المنطق بالخطأ ، لأنه جعل ( استحالة ) نسبة ~~الأضلال إلى الله تعالى كاستحالة نسبة وضع القيد في رجل المحبوس إلى الدجاج ~~( وللأخبصة ) قال ms059 : فكما أطلقه هناك مجازا فكذلك هنا ( استحقاقا ) لمذهبه ( ~~وجريا ) على عادته الفاسدة . | قوله تعالى : ^ ( وما يضل به إلا الفاسقين ) ~~^ . | تقدم للزمخشري في قوله تعالى : ^ ( هدى للمتقين ) ^ سؤال ، قال : ~~المتقي مهتد فكونها هدى له ( تحصيل ) الحاصل ، وأجاب بأن المراد الصائرين ( ~~للتقوى ) وهو هدى بإعتبار الزيادة في الهداية . وكذا السؤال هنا وجوابه قول ~~تعالى : ^ ( فأما الذين ءامنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين ~~ءامنوا مرض فزادتتهم رجسا ) ^ . قوله تعالى : { الذين ينقضون عهد الله من ~~بعد ميثاقه . . . } PageV01P217 حكى ابن عطية في هذه الجملة خلافا هل هي ~~استئأنفا أو من تمام ما قبلها ؟ قال ابن عرفة : إن راعينا مقام التخويف ~~وترتب الذم على كل وصف من هذه الأوصاف جعلناه كلاما آخر مستأنفا ، وإن ~~راعينا مناسبة اللفظ فترد لما قبلها . واختلفوا في العهد ما هو ؟ ابن عرفة ~~: والظاهر أن نقض العهد راجع إلى الإقرار بوحدانية الله تعالى . وقطع ما ~~أمر الله به أن يوصل راجع إلى الإقرار بالرسالة . وأشار إليه ابن عطية فهم ~~مكلفون بشهادة أن لا إلاه إلا الله وأن ( يصلوها ) بشهادة أن محمدا رسول ~~الله فخالفوا في الأمرين فعهد الله هو الدليل الدال على وحدانيته ونقضه هو ~~المخالفة فيه . ابن عطية : وقال بعض المتأولين إن العهد هو ما أخذه الله ~~تعالى على ( بني آدم حين أخرجهم من ظهر آدم كالذر { وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم ؟ قالوا بلى } وضعفه الفخر بأنهم حينذ ليسوا مكلفين فلا يعاقبون ~~على نقض ذلك العهد ) . وأجاب ابن عرفة بأن قال : لا مانع من أنهم كلفوا ( ~~حينئذ ) بالإيمان فآمنوا والتزموا العهد ونسوه ، ثم ذكروا بذلك في الدنيا ~~بهذه الآية وأنظارها ، فمنهم من تذكر وآمن ، ومنهم من بقي فيعاقب لأجل ~~PageV01P218 ذلك ( ونظيره ) عندنا أن القاضي إذا حكم بحكم ونسيه فذكره فيه ~~شاهد واحد فإنه ينفذه بشهادته ويرجع إليه وكذلك هذا . قوله تعالى : { من ~~بعد ميثاقه . . . } أي من بعد توثقه وإبرامه . ابن عطية قيل : إنها لأهل ~~الكتاب ، وقيل : لجميع الكفار ، وقيل : لمن آمن ( ثم ) كفر . ابن عرفة : ~~الظاهر تناولها لكل من صلح ms060 صدق هذا اللفظ عليه ، قيل : لتدل على مبادرتهم ~~بالنقص في أول ( أزمنته البعيدة ) . أبو البقاء : ( من ) لابتداء الغاية في ~~الزمان عند من أجازه وزائدة عند من منعه وهو ضعيف ( لا متناع ) زيادتها في ~~الواجب . قال الصفاقسي : هذا ليس بشيء لأن القبلية والبعدية من صفات الزمان ~~، فكأن ( من ) ( تدخل ) على الزمان فلا يحتاج إلى زيادتها PageV01P219 قال ~~ابن عرفة : لا يليق به على علمه فإن ابن عصفور وغيره قد تأولوها في مثل هذا ~~على حذف مضاف تقديره مصدرا ، وأعربوا ( قبل ) و ( بعد ) إذا انتصبا ظرفي ~~زمان صريحين وقالوا : ظرف الزمان هو اسم الزمان أو عدده أو ما قام مقامه ~~نحو : أتيتك طلوع الشمس أو ما أضيف إليه إذا كان هو أو بعضه . قوله تعالى : ~~{ ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل . . . } قال ابن عرفة : فيه عندي حجة لمن ~~يقول إن لفظ أمر إنما يطلق على الواجب فقط ، وأما المندوب فغير مأمور به إن ~~زعم أنه لإجماعنا على المراد به هنا ( الوجوب ) لترينه الذم ( فمن ) يقول : ~~إن المندوب مأمور به إن زعم أنه حقيقة لزمه الاشتراك . وإن جعله مجازا لزمه ~~المجاز ، وهما معا على خلاف الأصل . ابن عرفة : والصحيح عندي في الأمر ~~اشتراط الاستعلاء فقط ( لا ) العلو خلافا للمعتزلة وبعض أهل السنة . قوله ~~تعالى : { ويفسدون في الأرض . . . } إن أراد بالفساد الأمر الأعم من القول ~~والفعل والاعتقاد فيكون ذلك من عطف العام على الخاص ( وإن أريد به ) الفعل ~~فقط فتكون من عطف الشيء على ما هو مغاير له . قوله تعالى : { أولئك هم ~~الخاسرون } PageV01P220 عبر بالخسران لأنهم بالعهد والميثاق حصل لهم الفوز ~~والنجاة ، فلما نقضوه ( شبهوا ) بمن اشترى سلعة للتجارة وكان بحيث إن بادر ~~بيعها لربح فيها ربحا كثيرا فتركها حتى كسد سوقها وباعها بالبخس والخسران . ~~قيل لابن عرفة : هذه الآية تدل على أن مرتكب الكبيرة غير مخلد في النار ~~لاقتضائها حصر الخسران في هؤلاء لأن البناء على المضمر يفيد الحصر ؟ فقال : ~~يقول الزمخشري : إنه لمطلق الربط لا للحصر كما قال في { وما هم بخارجين ms061 من ~~النار } قوله تعالى : { كيف تكفرون بالله . . . } قال ( ابن عطية ) : هذه ~~الآية دليل على أن المراد بما قبلها المخالفة في توحيد الله تعالى والإيمان ~~به إما على سبيل الخصوصية أو مع غيره وهو الأصل ( وغيره تابع له ) . ~~الزمخشري : ( كيف ) سؤال عن حال ومعناها معنى الهمزة ( لكن السؤال بالهمزة ~~) عن الذات ، والسؤال بكيف عن صفة الذات فيستلزم السؤال عنها . PageV01P221 ~~قال ابن عرفة : فإن قلت : لم وبخوا بكيف ، وهلا وبخوا بالهمزة ؟ وأجاب : ~~بأنه إذا أنكر عليهم الكفر في حال من الأحوال فيلزم إنكار نفس الكفر من باب ~~أحرى ، لأن كل موجود لا ينفك عن صفة فنفي الصفة يستلزم نفيه بطريق البرهان ~~. ق ابن عرفة : هذا استدلال بنفي الملزوم على نفي اللازم وهو باطل عندهم ~~ويقال له : الصفة تابعة لموصوفها ، ولا يلزم من نفي التابع نفي المتبوع بل ~~العكس ( الذي يلزم ) قيل لابن عرفة : هذا تابع لازم لا ينفك عنه ( المتبوع ~~) فنفيه يستلزم نفيه ؟ فقال : قصارى أمره أنه دل على نفي المتبوع باللزوم ~~لأن دلالته عليه بواسطة نفي الصفة والهمزة تدل على نفيه بالمطابقة . قيل ~~لابن عرفة : الكفر في ذاته لا ينفك عن ( حال ) من الأحوال فعموم النفي في ~~حالاته يستلزم ( انتفاءه هو معها بخلاف نفيه هو في ذاته ؟ فقال : نفيه في ~~ذاته يستلزم انتفاء حالاته ، وأيضا فالهمزة تدل على إنكار نفي الكفر ~~بالمطابقة ، وكيف بواسطة دلالتها على ( إنكار ) نفي صفته ودلالة المطابقة ~~أقوى من دلالة الالتزام . PageV01P222 ( قال ) : وكان ( يظهر ) لنا في ~~الجواب عنه تقدير بأن النفي بالهمزة مطلق في الشيء والنفي بكيف عام في جميع ~~حالات الشيء . ودلالة العام أقوى من دلالة المطلق لأن الهمزة تدل على إنكار ~~كفرهم في حالة ما ، وكيف تدل على إنكار جميع أحوال كفرهم . وتقريبه بالمثال ~~أن الميتة والخمر عندنا محرمان ، لكن الميتة مباحة للمضطر بخلاف الخمر على ~~المشهور . ونص في كتاب الصلاة الأول ( من العتبية ) في أول رسم تأخير صلاة ~~العشاء ، فتقول للانسان : أتأكل الميتة وهي محرمة ؟ ولا تقول له : كيف تأكل ~~الميتة وهي محرمة ، ولا ms062 تقول له : أتشرب الخمر وهو محرم ؟ هذا المختار ~~عندهم . قلت : وبدليل من غص بلقمة ولم يجد ما ( يدفعها ) به إلا الخمر ( ~~وخاف الموت ) . قال ابن رشد : الظاهر من قول أصبغ أن ذلك ( لا ) يجوز له ~~وأجازه غيره غيره . PageV01P223 قال ابن عرفة : ومثله الزمخشري بقولك ( ~~أتطير ) بغير جناح ؟ وكيف تطير بغير جناح ؟ قال ابن عرفة : هذا المثال لا ~~يطابق الآية ، إنما ( يطابقها ) أن يقول : أتطير وأنت مكسور الجناح من غير ~~ضرورة تدعوك لذلك لأن الطيران بلا جناح مستحيل بالبديهة ، ( وكفر هؤلاء ) ~~ليس بمحال . ( قلت ) : والحاصل أن الزمخشري والشيخ ابن عرفة اتفقا على أن ( ~~كيف ) سؤال عن جميع الأحوال ( واختلفا ) في الهمزة فهي عند الزمخشري سؤال ~~عن حقيقة الشيء ، وعند ابن عرفة مطلقة في السؤال عن ذاته وعن أحواله تصدق ~~بصورة من صور ذلك . وقال بعض الشيوخ : ومن ظني أن كلام سيبويه موافق لما ~~قال ابن عرفة . قوله تعالى : { وكنتم أمواتا فأحياكم . . . } قال ابن عرفة ~~: إن قلت ما الفرق بين هذا وبين ما تقدم في قوله تعالى : { ياأيها الناس ~~اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } وهل هو تكرار أم لا ؟ قلنا : ليس ~~PageV01P224 بتكرار وتلك إرشاد للنظر في دليل الوحدانية والإيمان ، وبعد ( ~~تقرر ) ( الإيمان ) ذلك جاءت هذه توبيخا لمن نظر في الدليل ولم يعمل ~~بمقتضاه . ابن عرفة : وفي قوله : { وكنتم أمواتا } دليل على أن الموت أمر ~~عدمي ، فإنه أخبر أنهم كانوا متصفين بالموت حالة كونهم عدما صرفا ، والوجود ~~لا يجامع العدم على المشهور ، وإنما يجامع وجودا مثله . قال ابن عرفة : ~~وأتى في الدليل بأمرين : أحدهما ( مروي ) مشاهد ، وهو وجودهم بعد عدمهم ، ~~وموتهم بعد ذلك ثم عطف عليه أمرا آخر نظريا لا يعلم إلا من جهة الرسل وهو ~~حياتهم بعد ذلك ، ورجوعهم إلى الله ، والعطف يقتضي التسوية فهو إشارة إلى ~~أن ذلك الأمر النظري اعتقدوه حقا كأنه ضروري ( فليكن ) ( عندهم ) مساويا ~~للضرورة . ونظيره العطف في قوله تعالى { ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب ~~لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ( قالوا : أفاد عطف الكبيرة ms063 التسوية ~~في الإحصاء بينها وبين الصغيرة فالمراد أنه لا يدع شيئا إلا أحصاه ) . قال ~~الزمخشري : فإن قلت : لم عطف ( فأحياكم ) بالفاء { ثم يميتكم ثم يحييكم } ~~بثم ؟ PageV01P225 | فأجاب بأن الإحياء الأول غير متراخ عن الموت ، ولذلك ~~كان الإحياء الثاني متراخ عن الموت ورده ابن عرفة : بأنه إن أراد أول أزمنة ~~الموت فالإحياء الأول متراخ عنه فهلا عطف بثم ؟ ( وإن ) أراد آخر أزمنة ~~الموت فالإحياء الثاني ( عقيبه ) من غير تراخ بوجه . قيل له : الإحياء ~~الأول ليس بينه وبين الموت الذي قبله فاصل بوجه ، وبينه وبين الموت الذي ~~بعده فواصل ، وهي التكاليف التي أمرنا الشرع بها . فلما كانت معتبرة شرعا ~~جعل زمن الحياة ( ممتدا ) متراخيا ، فعطف عليه الموت بثم . قال ابن عرفة : ~~هذا ( يعكر ) عليكم في قوله تعالى : { ثم يحييكم } لأنه ليس بينه وبين ~~الموت الذي قبله أيضا فاصل . قال : وإن كان ( يظهر ) لنا الجواب عن ذلك ~~السؤال بأن الموت الأول لسنا نشاهده ، ولا ( نحن ) نعلمه إلا من جهة الخبر ~~والعلم به إن تطاول زمانه يأتينا دفعة واحدة يجعل ( كأنه شيء واحد والحياة ~~الدنيا مشاهدة لنا ضرورية وزمانها لا نعلمه دفعة واحدة ) وإنما نعلمه شيئا ~~بعد شيء إذ لا يدري أحدنا مقدار عمره ما هو ؟ فالإماتة متراخية عنه فاعتبر ~~( فيه ) التراخي ، والحياة الثانية أيضا إنما PageV01P226 نعلمها من جهة ~~الشرع وهو إنما أخبر بها بعد حصول الموت الأول وتقرره في جميع الناس حتى لا ~~يبقى أحدهم منهم إلا مات فحياة أولهم موت متأخر عن موت آخرهم فاعتبروا فيها ~~التراخي لهذا المعنى . قلت : وقرر بعض الشيوخ كلام الزمخشري بأن الموت ~~الأول لا ( بداية ) له بوجه فهو عدم مستمر غير مسبوق بشيء فروعي فيه آخره ~~وأنه شيء واحد فعطفت عليه ( الحياة ) ( بالفاء ) إشارة إلى سرعة التكوين ~~والحياة الأولى ( زمنها ) متطاول والخطاب ( بالآية ) إنما هو ( للاحياء ) ~~فهو مدة حياتهم ، وقد بقيت منها بقية ولها مبدأ ومنتهى ، فاعتبر فيها ~~التراخي ، والموت الثاني عدم مسبوق بوجود قبله ومرتفع بوجود بعده فهو ( ~~محصول له ) مبدأ ومنتهى فروعي أيضا فيه التراخي ms064 فلذلك عطفت عليه الحياة ~~الثانية بثم والله أعلم . وأورد الزمخشري سؤالا على مذهبه ( في اشتراط ~~البنية ) فقال : كيف قيل : لهم أموات في حال كونهم جمادا ، وإنما يقال : ~~ميت فيما تصح فيه الحياة من ( البناء ) . وهذا على مذهبه PageV01P227 ~~اشتراط البنية وهي ( البلة ) والرطوبة المزاجية ( ولا يرد السؤال على ~~مذهبنا بوجه ) . قوله تعالى : { هو الذي خلق لكم . . . } أتت هذه غير ( ~~مفصولة ) وحقها أن تكون مفصولة بحرف العطف لمغايرتها لما قبلها . لكن يجاب ~~: بأنها أتت تفسيرا ودليلا على الجزء الأخير من الجملة ( المتقدمة ) وهي ~~قوله { ثم إليه ترجعون } أي الدليل على ( إعادتهم ورجوعهم ) إليه أنه خلق ~~جميع ما في الأرض ومن ( قدر ) على خلق الجميع اولا لا يستحيل عليه إعادتهم ~~ثانيا . قيل لابن عرفة : أو يقال : الأول دليل على الخلق ، وهذه دليل على ~~العلم والأصوليون ما استدلوا على ثبوت العلم إلا بالخلق والقدرة ؟ قال ابن ~~عرفة : ( والضمائر ) منهم من قال : إنها كلية ، وقيل : إنها ( جزئية ) ~~والصحيح أنها بالإطلاق الأعم كلية ( وأما بالاستعمال ) الأخص فضمير المتكلم ~~والمخاطب جزئيان PageV01P228 وضمير ( الغائب ) إن عاد على كلي فهو كلي مثل ~~الإنسان هو حيوان ناطق . وإن عاد على جزئي فهو جزئي مثل : زيد هو قائم . ~~وقوله تعالى : ( لكم ) قال الزمخشري : اللام للتعليل ، وهو اعتزال . وقدره ~~بعض المأخرين على مذهب أهل السنة بأنه مجاز والمراد بأن ذلك بحيث لو ( صدر ~~) من غيره لكان لأجل مصلحتكم ( وانتفاعكم ) وراعى في هذا الأمر المناسب ~~الملائم للانسان . قال ابن عرفة : وهذا هو تعليل أفعال الله ، وفيه خلاف ، ~~وأما أحكامه فمعللة . قال ابن عطية : واحتج بها من يقول : إن الأشياء على ~~الإباحة و ( قيه ) ثلاث أقوال : ثالثها الوقف . وقال الطيبي : لا حجة في ~~ذلك إذ لعله خطاب المجموع بالمجموع ورده ابن عرفة بوجهين : PageV01P229 - ~~الأول : أنه إحداث قول لم يقل به أحد ، وهو أن بعض الأشياء على الحظر أي ~~المنع ، وبعضها على الإباحة . - الثاني : ان ( المضمرات ) كلية لا كل ( ~~فالخطاب ) بالمجموع لكل واحدة لا للمجموع . قال ابن عطية : ويرد على ~~القائلين بلاباحة بكل حظر في ms065 القرآن وعلى القائلين بالحظر بكل إباحة في ~~القرآن . قال ابن عرفة : هذا ( يلزمهم ) ولهم أن يقولوا : إن الأشياء على ~~الحظر ما لم يرد النص على الإباحة . ويقول : الآخرون على الإباحة ما لم ( ~~يقع ) النص على الحظر . قال ابن عرفة : والقول بالوقف هو مذهب المعتزلة وهو ~~المختار عند أهل السنة لكن ديلنا نحن يعارض الدلائل السمعية . ودليل ~~المعتزلة ( شبهة ) تعارض الدلائل العقلية . ( قال ابن عرفة ) : وهذا إن كان ~~مجرد الإنعام والامتنان بالأمر الدنيوي فالمخاطبون ( ب ( لكم ) ) غير ~~داخلين في عموم ما في الأرض ، وإن أريد به الاعتبار ( الديني ) فهم داخلون ~~قال تعالى : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } PageV01P230 قوله تعالى : { ما في ~~الأرض جميعا . . . } قيل لابن عرفة : هذا معارض لقوله تعالى : { قل أئنكم ~~لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل ~~فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء ~~للسآئلين } قال ابن عرفة : خلق بعضها مجتمعا وبعضها ( متفرقا ) ووقع ~~التنكير في هذه الآية ( فما ) خلق منها مجتمعا فهو أبلغ وأدل على كمال ~~القدرة ، لأن من قدر على أحداث أشياء مجتمعة في حالة PageV01P231 واحدة ( ~~هو قادر على احداثها متفرقة شيئا بعد شيء من باب أحرى . قلت : ووجه السؤال ~~المتقدم أن ظاهر هذه الآية أن الأرض وما فيها خلقت مجتمعة في حالة واحدة ، ~~( وظاهر هذا ) أنها خلقت مفرقة وجميعا هنا ، فيقتضي الاجتماع في حالة واحدة ~~، فوقع النص على ما خلق منها ( مجتمعا ) ، ( فقد قال أبو حيان : ( جميعا ) ~~حال من الموصول ، وهو ما أتى مجتمعا ) وترادف كلا في العموم ولا تفيد ~~الاجتماع في الزمان بخلاف جميعا . وعدها ابن مالك في ألفاظ التأكيد قال : ~~ونبه سيبويه على أنها بمنزلة كل معنى واستعمالا واستشهد له أبو حيان بقول : ~~امرأة ترقص ولدها . فداك حي خولان جميعهم وهمذان وكذلك آل قحطان والأكرمون ~~عدنان ( قال المختصر ) : فعلى رأيه تعرب جميعا هنا توكيدا للمفعول ونظيره ~~قوله تعالى : { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } قال ابن عصفور : وفيها أن ~~التأكيد بكل يقتضي الإحاطة ، والتأكيد بأجمع ms066 يقتضي الاجتماع في حالة واحدة ~~. قال ابن عرفة : وتقدم لنا الرد عليه أنه لو اقتضى الجمعية في الزمان للزم ~~انتصابه على الحال . PageV01P232 وكذا قال الزمخشري في قوله تعالى في سورة ~~يس { وإن كل لما جميع لدينا محضرون } ( الزمخشري ) إن قلت : هذه الآية ~~تقتضي تقدم خلق الأرض على خلق السماء ، وقوله في سورة النازعات : { والأرض ~~بعد ذلك دحاهآ } يقتضي تأخر ( خلق ) الأرض على ( خلق ) السماء ، ) ( ~~والآيتان متعارضتان ) ؟ فالجواب : بأن ( خلق الأرض متقدم على خلق السماء ) ~~ودحوها وتسويتها متأخر عن خلق السماء . ورده القاضي العماد بأن هذه الآية ~~تقتضي تقدم ( خلق ) جميع ما في الأرض على خلق السماء ، وخلق ما في الأرض ~~متأخر عن ( دحوها ) وتسويتها بلا شك ، فيكون دحوها متقدما على خلق السماوات ~~فما زال السؤال واردا . وكذلك قوله في فصلت : { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق ~~الأرض في يومين } ثم قال : { ثم استوى إلى السمآء وهي دخان } ولا جواب عنه ~~إلا أن يكون ثم للمهلة المعنوية ، وهي بعد ما بين المنزلتين . PageV01P233 ~~قيل لابن عرفة : أو يجاب بعكس ما قال الزمخشري ، وهو أنه خلقت السماوات ~~والأرض ملتصقة ، ثم خلقت الأرض ودحيت ، ثم فصلت السماوات وصيرت سبعا والله ~~أعلم ؟ فقال : هذا يمكن لكن ( الأثر ) الذي أورده هنا أن الأرض خلقت كالفهر ~~وعلاها الدخان فخلقت منه السماوات يرده ما ذكره الشيخ الزمخشري ونقله عن ~~الحسن وللفخر في الأربعين في ذلك كلام طويل وليس فيه خبر صحيح . قوله تعالى ~~: { وهو بكل شيء عليم } قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة . . . } قال ~~ابن عرفة : ( { وإذ قال ربك للملائكة } هذه لنا فيها وجه مناسبة لما قبلها ~~) هو أنه لما قدم الامتنان عليهم بخلقهم وجعل الأرض لهم فراشا عقبه ببيان ~~السبب فيهم وفي خلق أهلهم وهو آدم ( ) . PageV01P234 وقرر الطيبي وجه ~~المناسبة بأمرين إما أنه ترق فمن عليهم بأمرين خلقهم ثم خلق أباهم آدم عليه ~~السلام . ورده ابن عرفة بأنه داخل في عموم قوله { هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا } قال : فما المناسبة إلا ما ( قلناه ) . قال أبو ms067 حيان : ~~والظرفية لازمة لإذ ، إن يضاف إليها زمان نحو يومئذ ، { بعد إذ هديتنا } ~~قال ابن عرفة : بل هو ظرف مطلقا إذ لا يمتنع إضافة الزمان وتكون من إضافة ~~الأعم إلى الأخص أو الأخص إلى الأعم أو يكون بينهما عموم وخصوص من وجه دون ~~وجه كقولك : جئتك في أول ساعة من يوم الجمعة فأول أخص من ساعة . وذكر أبو ~~حيان في إعراب ( إذ ) ثمانية أقوال ، رابعها أنه ظرف في موضع خبر المبتدأ ( ~~تقديره ) ابتدأ خلقكم إذ قال ربك . ( ورده ) ابن عرفة بأن زمن الابتداء ليس ~~هو زمن هذه المقالة بل بعدها قال : فيكون الصواب أن تقديره ( سبب ) ابتداء ~~خلقكم . قال : والأصح أن العامل فيها { قالوا أتجعل } . قال ابن عرفة : يرد ~~عليه أن قولهم ذلك إنما كان جوابا عن قوله تعالى { إني جاعل في الأرض خليفة ~~} فليس مقارنا له بل هو بعده بلا شك إلا أن يقال : إن ما قارب الشيء ( له ) ~~حكمه PageV01P235 وهذا مع قطع النظر عن الكلام القديم الأزلي لأنه يستحيل ~~عليه الزمان ويستحيل نسبة ( التقدم ) والتأخر إليه . ق ابن عطية : قال ابن ~~عباس هما : كانت الجن قبل بني آدم ( في الأرض ) فأفسدوا ، وسفكوا الدماء ، ~~فبعث الله إليهم قبيلا من الملائكة ، فقتلت بعضهم وهربت باقيهم ، وحصروهم ~~إلى البحار ، ورؤوس الجبال ، وجعل آدم وذريته خليفة . ق ابن عرفة : هذا يدل ~~على أن الجن أجسام كبني آدم لأجل القتل والمبالغة فيه . قيل لابن عرفة : ~~كيف يفهم هذا مع قوله تعالى { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } إن ~~اللام في ( لكم ) تقتضي اختصاصه بنا ؟ فقال : لعل اللام هنا ليست للاختصاص ~~ولو سلمنا أنها للاختصاص يكون ما في الأرض لهم ، ( ويلزم منه ) كونه قاصرا ~~عليهم فهو خلق لهم ولا ينافي أن يكون ( خلقا ) لغيوهم . قال ابن عرفة : ~~وظاهره أنه ( قيل ) لهم ذلك مباشرة ( ونص المحدثون ) على أن الراوي إذا قال ~~: قال رسول الله : إنه من قبيل المسند لكنه عندهم يحتمل السماع مباشرة أو ~~بواسطة ( لكن الصحابي ) إنما يروى عن صحابي PageV01P236 فلذلك عدوه ms068 من ~~المسند ، وفي هذه زيادة اللام ( في ) للمقول له كقولك : قال لي فلان : كذا ~~. فهو أصرح في الدلالة على المباشرة من ( الأول ) . قوله تعالى : { خليفة . ~~. . } قال الحسن : سماه خليفة لأن كل قرن وجيل يخلفه الجيل الذي قبله ~~والأول مخلوف وما بعده خالف . وقال ابن مسعود ه : معناه خليفة في الحكم بين ~~عبادي بالحق ( وبأوامري ) يعنى آدم ومن قام مقامه من ذريته . قال ابن عرفة ~~: إنما يتناول هذا الأنبياء فقط لأنهم هم الذين ( يتلقون ) الذكر مع ~~الملائكة وغيرهم لا يرى الملائكة بوجه . PageV01P237 قوله تعالى : { قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها . . . } فسره ابن عطية بوجوه . قال ابن عرفة : ~~أظهرها أن الملائكة طلبوا أن يكون الخليفة منهم ، فأثنوا على أنفسهم وذموا ~~غيرهم . قوله تعالى : { ويسفك الدمآء . . . } هذا ( العطف ) كما هو في قوله ~~تعالى { فيهما فاكهة ونخل ورمان } فجعله بعض الأصوليين من عطف الخاص على ~~العام / ، وجعله بعض المتأخرين من عطف ( المقيد على المطلق ) ، وهو المعبر ~~عنه بعطف الأخص على الأعم . قال : لأن ( فاكهة ) نكرة في سياق الثبوت فلا ~~تعم ، وكذلك الفعل هنا موجب فهو مطلق . قيل لابن عرفة : أخذ بعضهم من هذه ~~الآية أنه يجوز للانسان أن يتحدث بما هو يفعل من أفعال الخير والطاعة ، كما ~~قال يوسف عليه السلام { اجعلني على خزآئن الأرض إني حفيظ عليم } . ~~PageV01P238 فقال ابن عرفة : ليس في هذه الآية دليل لأن الله تعالى عالم ~~بكل شيء ، فما أخبروه إلا بما هو عالم به ، أو تقول إنما معنى الآية أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ونحن إذ ذاك ( نسبح ) بحمدك ونقدس لك ، ولا يمنعنا ~~إفساده من ذلك لأن الملائكة معصومون فيكون استفهاما ( عن ) بقاء تسبيحهم ( ~~معه ) . واختلفوا في كيفية عصمة الملائكة فقيل : إنهم لا يستطيعون فعل الشر ~~بوجه ، وهو قول من فضلهم على جميع بني آدم . وقيل : إنهم متمكنون من فعل ~~الشر ، وعصموا منه وهو الصحيح . قيل لابن عرفة : الجواب { إني أعلم ما لا ~~تعلمون } غير مطابق ( للسؤال ) لهذا التفسير . قال : ( سألوا عن جزأين ) : ~~وهما هل يكون الخليفة مفسدا ؟ وهل ms069 يكونون إذ ذاك هم يسبحون ؟ فأجيبوا عن ~~الجزء الأول فقط . قوله تعالى : { وعلم ءادم الأسمآء كلها . . . } قال ابن ~~عرفة : فيه دليل على أفضلية العلم ، وأنه أشرف الأشياء ، لأن الله تعالى ~~جعل السبب في استحقاقه للخلافة كونه عالما مع وجود أن الملائكة شرفوا ~~بالقوة العملية وهي التسبيح والتقديس ، ولكن القوة العملية لا تنفع إلا ( ~~بالعلم ) وآدم أعلم منهم . وقال الله تعالى : PageV01P239 { وفوق كل ذي علم ~~عليم } ( ( فهو يتناول المخلوقات كلها إذ لا ينبغي الكمال إلا لله فهو ~~المختص بالعلوم ، وليس فوقه شيء . وجعل بعضهم عمومها مخصوصا ( خوف ) ~~التسلسل ) ) . والصواب أنها باقية على عمومها ، والقوقية أمر اعتباري . ~~فإذا نسبت بعض الطلبة إلى بعض تجد أحدهم أعلم بالفقه ، وآخر أعلم منه ~~بالنحو ، وآخر بأصول الدين ، فيصدق أن فوق كل ذي علم عليم ( بالإطلاق ) . | ~~ولقد اختلف الأصوليون في ( واضع ) اللغة على ( تسعة ) مذاهب : الأول : مذهب ~~الشيخ أبي الحسن الأشعري وابن فورك وأتباعهما أن الواضع هو الله تعالى ~~وضعها ، ( ووقف عباده عليها ) بأن علمها بالوحي إلى بعض الأنبياء ، أو خلق ~~الأصوات والحروف في جسم وأسمع ذلك الجسم واحدا أو جماعة ، أو خلق الأصوات ~~والحروف في جسم وأسمع ذلك الجسم واحدا أو جماعة ، أو خلق علما ضروريا لبعض ~~الناس ، ( بأن واضعا ) وضع تلك الألفاظ بإزاء تلك المعاني ثم الذي حصل له ~~العلم بها علم غيره كحال الوالدات مع ( أولادهن ) PageV01P240 الثاني : أن ~~الوضع اصطلاحي من الناس وهو مذهب أبي هاشم المعتزلي ومن وافقه . الثالث : ~~قول الأستاذ أبي اسحاق الإسفراييني يعني أن البداية من الله ( والتتمة ) من ~~الناس ، وهو مذهب قوم ، ونقل أيضا عنه قول آخر : إن القدر المحتاج إليه من ~~الله وغيره محتمل نقله عنه الشيخ ابن الحاجب في مختصريه الكبير والصغير ~~وشمس الدين الدمشقي والقول الذي قبله نقله عنه ابن الخطيب في المحصول وتاج ~~الدين في ( الحاصل ) والقرافي . الرابع : أن البداية ( من الله ) ( والتتمة ~~) من الله وهو مذهب قوم . الخامس : مذهب عباد ابن سلمان الصميري المعتزلي ~~أن ( الألفاظ ) تدل على المعاني بذواتها دلالة طبيعية من غير ms070 وضع . ~~PageV01P241 قال ابن يونس في العتق الأول في فصل ما يلزم من ألفاظ العتق ~~وما لا يلزم ما نصه : واختلفوا فيمن أراد أن يقول ادخلي الدار فقال : أنت ~~حرة أو أنت طالق فقيل : يلزمه ولا يعذر بالغلط وقيل : لا يلزمه . قال ابن ~~عرفة : القول باللزوم لا يتم إلا على مذهب عباد ( الصميري ) الذي يجعل بين ~~اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية . قال القرافي : عزاه ( الآمدي ) لأرباب علم ~~التكسير وهم أهل علم الرياض في الهندسة والمساحة من فنون الحساب وهذا تفريع ~~على مذهب من يعتقد أن الحروف مشتملة على ( الحرارة ) والبرودة والرطوبة ~~واليبوسة والخواص الغريبة وأنها صالحة لمداواة الأمراض وأحداثها . السادس : ~~للقاضي أبي بكر الباقلاني والإمام فخر الدين في المحصول الوقف في الجميع ~~إلا في فساد مذهب عباد . قال القرافي في شرح المحصول : قال المازري فائدة ~~الخلاف في هذه المسألة يقع في جواز قلب اللغة أما ما يتعلق بالأحكام ~~الشرعية فقلبه محرم اتفاقا وما لا تعلق له بالشرع . فإن قلنا : إن اللغة ~~توقيفية PageV01P242 امتنع تغيرها ، وإن قلنا : اصطلاحية جاز تغيرها . وعلى ~~القول بتجويز الأمرين وهو الوقف اختلفوا . فقال بعضهم : يجوز التغير ومنعه ~~عبد الجليل الصابوني لاحتمال ( التوقيف ) ( فإن الله ) أوجب على السامعين ~~أن لا ينطقوا إلا بالموضوع الرباني . وقال الغزالي في البسيط في كتاب ~~النكاح : إذا أظهروا ( الصدق ) ( البين ) وعبروا بها عن ألف ( الجمع ) ~~فيخرج جواز ذلك على كون اللغة توقيفية أو اصطلاحية ، انتهى : وقال ابن عبد ~~النور في شرح الحاصل : منهم من قال : فائدة الخلاف لو سب أحد واضع اللغة ~~وقال : هذه لغة سوء أو أن واضعها كذا ، فإن قلنا أنها توقيفية ( قتل ) وإلا ~~أدب . وقال القاضي عبد الحميد بن أبي الدنيا : في شرح عقيدته ليس لهذا ~~الاختلاف إلا فائدة واحدة وهي أنه إذا قال قائل : قتل فلان فلانا . فإن ~~قلنا : إنه توقيف فيكون ذلك مجازا ، وإن قلنا : اصطلاحا PageV01P243 ( فمن ~~) لم يثبت ( إلا فعل ) الله يقول : أخطأ المصطلحون لأن القتل والإحياء وكل ~~فعل إنما هو بخلق الله وهو القاتل . وأبطل ابن الحاجب ms071 وغيره مذهب عباد بأنه ~~لو كان بين الاسم والمسمى ارتباط طبيعي لما صح وضع اللفظ لشيء ونقيضه على ~~سبيل البدل ، وقد وجدنا القرء موضوعا للطهر والحيض وهما نقيضان ( أو ضدان ) ~~على طرفي النقيض وليس بين الشيء وضده أو نقيضه مناسبة طبيعية وقال ابن ~~الحاجب : احتج الأشعرية بدليلين أحدهما قوله تعالى { وعلم ءادم الأسمآء ~~كلها } فأسند تعليمها ( ( إليه وكذلك الأفعال والحروف إذ لا قائل بالفرق ~~ولو أنها كانت اصطلاحية لما أسند ( تعليمها ) إليه ) ) واعترض عليه بوجوه : ~~الأول : أن ذلك ( إعلام ) لا تعليم أعني أنه فعل يصلح لأن ينشأ عنه العلم ~~ولذلك يقال : علمته فتعلم ( أو ) لم يتعلم . الثاني : أن المراد إيجاد ~~العلم لكن المراد ( تعلم ) شيء ثبت باصطلاح قوم خلقهم الله قبل آدم فعلمه ~~تلك الاصطلاحات السابقة كما يعلم أحدنا الطلبة النحو والفقه ( والطب ) . ~~PageV01P244 الثالث : لم ( لا ) يجوز أن يكون مراده الإعلام بحقائق الأشياء ~~ومنافعها ، مثل أن يعلمه أن ( حقيقة ) الخيل ( تصلح ) لكذا ، أو أنها ( ~~تصلح للركوب ) ( وللكر والفر ) والجمل للحمولة ويعين ذلك قوله { ثم عرضهم } ~~ولو ( أريد ) الأسماء لقلل عرضها واجاب الشيخ ابن الحاجب عن الجميع بأن ذلك ~~خلاف ( الظاهر ، لأن ) الأصل ( بالتعليم ) إيجاد العلم ( لا الإلهام ) ~~والأصل عدم اصطلاح سابق والمراد بالأسماء الألفاظ لا الحقائق لقوله جل ذكره ~~: { أنبئوني بأسمآء هؤلاء } فأضاف الأسماء إلى هؤلاء ، فلو كان المراد ~~الحقائق للزم إضافة الشيء إلى نفسه والضمير في ( عرضهم ) للمسميات . قال ~~ابن عطية : قال ابن عباس وقتادة ومجاهد : أي علمه اسم كل شيء من جميع ~~المخلوقات . | قال ابن عرفة : في هذه العبارة نظر . والصواب ان كان يبدل ( ~~المخلوقات بالمعلومات ) ليدخل تحتها ( المعدوم ) الممكن والمستحيل فإنه قد ~~علمه اسمه وليس مخلوقا لله . PageV01P245 قال ابن عرفة : وهذا بناء على أن ~~المراد بالاسم التسمية لا المسمى . قيل لابن عرفة : كيف فضل آدم عليهم مع ~~أن الله علمه ولم يعلمهم ، وما كان تقوم الحجة عليهم إلا لو علموا فلم ~~يتعلموا وعلم آدم فتعلم ؟ فقال في جوابه : هذا تفضيل من قبل ذات المعلم ~~والتفضيل هنا وقع ms072 بالاختصاص من الله تعالى فقط قوله تعالى : { إن كنتم ~~صادقين } . اقتضت الآية أن الثابت في نفس الأمور صدق ذلك وهو عدم صدقهم مع ~~أنهم معصومون من الكذب وغيره . وأجيب بأن الكذب عندنا هو الخبر غير المطابق ~~لما في نفس الأمر سواء كان عمدا أو سهوا . قال ابن عرفة : لا يحتاج إلى هذا ~~( وكانوا يجيبون عن ) السؤال بأن الأصل الذي ( يعرض ) فيه التصديق والتكذيب ~~منتف عنهم فإنهم لا يجيبون بشيء ، ( فلم يعتقدوا ) خبرا ( حتى ) يقال فيهم ~~: إن اعتقادهم مخالف لما في نفس الأمر فيكون الإخبار عنه كذبا ، أو موافقا ~~فيكون الإخبار عنه صدقا ( بوجه ) . قوله تعالى : { قالوا سبحانك . . . } ~~PageV01P246 ( أتى ) ( بالتنزيه ) المقتضي لنفي ما ( قد ) يتوهم من ( آن ) ~~الله تعالى طلب منهم الجواب عما علم أنهم جاهلون به والواحد ( منا ) إذا ~~سأل صاحبه عن مسألة يعلم منه أنه ( يجهلها ) فإنه يتوهم فيه أنه إنما سأله ~~اختبارا وتعجيزا له واستحقارا به . فقالوا : ننزهك ( عن ) أن ينسبك أحد ~~لمثل هذا ويتوهم فيك شيئا منه . وأيضا يكون التسبيح نفيا للشبهة العارضة في ~~تكليف ما لا يطاق لأن مذهبنا جوازه ، وأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد . ومنعه المعتزلة لهذه الشبهة وهي حجة تكليف الله الخلق بما يعلم أنهم ~~لا يقدرون عليه . قيل لابن عرفة : لعل مراد الملائكة تتزيهه عن عدم العلم ~~الثابت لهم ؟ فقال : ما قلت لكم أنسب . قوله تعالى : { إنك أنت العليم ~~الحكيم } قال ابن عرفة : الوصف بالحكيم إشارة إلى الوجه الذي اختص به ( آدم ~~) بالعلم دونهم فمعناه : أنت تضع الأشياء في محلها أو يكون المراد ( ~~الامتنان ) بالعلم ودليل العلم وهو الحكمة لأن الأصوليين عدوها من أسباب ~~العلم . PageV01P247 قوله تعالى : { قال يآءادم أنبئهم بأسمآئهم . . . } ~~قال ابن عرفة : إذا قدم النداء على الأمر فيكون المراد تنبيه المخاطب ~~واستحضار ذهنه لما يلقى إليه ، وإن قدم الأمر على النداء كان ذلك دليلا على ~~تأكيد طلبه وأنه هو ( الاسم ) ( المقصود ) كما ورد في الحديث الصحيح في ~~غزوة بدر لما برز من صف المشركين عتبة بن ربيعة ms073 وشيبة بن ربيعة والوليد بن ~~عتبة وطلبوا أن يكون المباشر ( لهم ) بالقتال مثلهم من بني عمهم فقال النبي ~~: ( قم يا حمزة ، قم يا علي ، قم يا عبيدة بن الحارث ) وكذلك في حديث ~~الأنصار حيث قام منهم خطيب فقال النبي : ( قل ( يا أباحية ) ) . قوله تعالى ~~: { فلمآ أنبأهم بأسمآئهم قال ألم أقل لكم . . . الآية } PageV01P248 ( فإن ~~قلت : هلا قيل : فأنبأهم بأسمائهم . فقال : { ألم أقل لكم } الآية ؟ قلت : ~~الجواب ما قال بعضهم : من أن حكمته الإشعار بترتيب المجازات على الفعل ( ~~فيؤخذ ) منه جواز ( الثناء ) على الإنسان بما فيه من المحاسن لكن في غيبته ~~لئلا يقع ( في نفسه ) كبر وعجب وإن كان ( الإنسان ) هنا سالما من ذلك . قال ~~الطيبي : ويؤخذ من الآية أن علم اللغة والحكمة أفضل من علم العبادة فضلا عن ~~علم الشريعة / لأن آدم عليه السلام فضل على الملائكة لاختصاصه بعلم الأسماء ~~وهذا راجع إلى حفظ اللغة وهم لم يحتجوا إلا بكمال التسبيح والتقديس . فقال ~~ابن عرفة : إنما يؤخذ منه أن علم اللغة له فضل وشرف لا أنه أفضل من العبادة ~~. قال ابن عطية : قال بعض العلماء في قوله تعالى : { فلمآ أنبأهم بأسمآئهم ~~} نبوءة ( لآدم ) عليه السلام إذ أمره الله أن ينبيء الملائكة بما ليس ~~عندهم من علم الله . وكذا قال ابن الخطيب : إنه احتج بها من قال : إن آدم ~~عليه السلام رسول ، ورد هذا ( بوجوه ) : الأول : قال الفخر الرازي : ~~الأنبياء معصومون وهو قد أهبط بعد ذلك من الجنة لأكله من الشجرة فلا يصح ~~كونه رسولا . PageV01P249 الثاني : قال ابن عرفة : الرسول مأمور بتبليغ ~~التكاليف لأمته ، والملائكة ليسوا مكلفين بإجماع ، وأيضا فالتبليغ إنما هو ~~مع الغيبة والله تعالى خاطب الملائكة خطاب مشافهة فلا فائدة في الإرسال ~~إليهم . قوله تعالى : { قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض ~~وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } . PageV01P250 قال ابن عرفة : كان الشيخ ~~ابن عبد السلام تعالى يقول في هذه الآية الكريمة : إنه لم يتقدم في الآية ( ~~التي قبلها ) أنه قال لهم هذا لأن المتقدم إنما هو { أتجعل ms074 فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدمآء } إلى قوله { تعلمون } قال الشيخ ابن عبد السلام : ينبغي ~~عندي أن يوقف عند قوله { ألم أقل لكم } أي ( ألم ) أقل لكم إني أعلم ما لا ~~تعلمون . ثم يبتدئ : { إني أعلم غيب السماوات والأرض } ؟ قلت : والظاهر ~~عندي أن الوقف عند قوله : { غيب السماوات والأرض } لأن { غيب السماوات ~~والأرض } ، لا يعلمونه هم فكأنه قال : إني أعلم ما لا تعلمون ويبتدئ { ~~وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } لأن هذا لا يتسلط عليه القول إذ لم يقله ~~لهم أصلا . قوله تعالى : { ما تبدون وما كنتم تكتمون } قال ابن عرفة : ~~عادتهم يوردون هنا سؤالا مذكورا في جنس الائتلاف وهو : لم جاء هذا هكذا ( ~~مع ) صلاحية الأربعة أوجه إما حذف كان من الفعلين ، أو ذكرهما فيهما معا أو ~~ذكرها مع الأول دون الثاني ، أو العكس . فلم اختص اختص بها الثاني دون ~~الأول ؟ قال : وتقدم لنا الجواب عنه بأنه قصد بالعطف التسوية بين علم الله ~~تعالى الظاهر والخفي كما في قوله تعالى { مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها } وعلم الأمر الظاهري في الحال أقرب من علم ما كان ~~ماضيا في الباطن وجهل الأمر الماضي الخفي أشد من جهل الأمر الحالي الخفي ( ~~فقرن ) علمه الظاهر الذي في أعلى درجات ( الجلاء ) والوضوح بعلمه الأمر ~~الخفي الباطن الذي في أنهى درجات الخفاء إشارة إلى استواء علمه فيهما ، ~~وأنه ليس بينهما عندي في ذلك تفاوت بوجه فلذلك قرنت كان ب ( تكتمون ) دون ( ~~تبدون ) . قيل لابن عرفة : ولو ( قصد ) التسوية لبدأ ( بما كنتم تكتمون ) ~~لأن معرفة الخفي يستلزم ( معرفة ) الجلي ، فلا تكون للعطف فائدة إلا ~~التسوية وأما الآن فالعطف تأسيس وفائدة ظاهرة . قال ابن عرفة : جاء هذا على ~~الأصل فلا سؤال فيه . قوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } ~~PageV01P251 قال : ( اختلفوا ) هل المراد السجود حقيقة أو الإيماء إليه أو ~~الخضوع ؟ وسبب الخلاف أن الخضوع بكون بأمور ، ففسره بأقصاها وهو السجود ~~لاستلزامه الخضوع فعبر عن الخضوع بلوازمه وهذا ( يشبه ) ما قالوه ( في ~~تعارض ms075 ) الحقيقة المرجوحة والمجاز ، لأن القاعدة الثابتة المقررة في أن ~~السجود حقيقة إنما هو بوضع الجبهة في الأرض فإطلاقه ( هنا ) على الخضوع ~~مجاز راجح استصحابا لتلك القاعدة ، وكون المراد به حقيقة هو نسبة المشبه ، ~~لكن ( إن ) نظرنا إلى ( أن ) هذه الأمور جعلية شرعية فنقول : إن الله تبارك ~~وتعالى أمر بالسجود لآدم ( فنأخذ ) الأمر على حقيقته والمعتزلة على ( قاعدة ~~) التحسين والتقبيح يقولون : إن السجود ليس حقيقة بل هو بمعنى الخضوع . ~~ومنهم من جعله تكرمة وجعل آدم كالقبلة فكما أن الصلاة للقبلة تكرمة لها ~~فكذلك هذا ، واحتج بعضهم بهذا أن الأنبياء أفضل من الملائكة . قال ابن عرفة ~~: إنما يؤخذ منه تشريف آدم وتكرمته ، لا أنه أفضل وإنما يلزم ذلك لو كان ~~السجود له لذاته . ونقل ابن عطية : أن الأكثرين على الملائكة أفضل من بني ~~آدم وعكس الفخر الخطيب . PageV01P252 قوله تعالى : { فسجدوا إلا إبليس . . ~~. } حكى الآمدي في شرح الجزولية قولا : بأن الاستثناء من الإثبات ليس بنفي ~~. قال الرازي في المعالم : اتفق الناس على أن الاستثناء من الإثبات نفي ~~واختلفوا في العكس . قلت : وحصل بعضهم فيه ثلاثة أقوال : قيل : الاستثناء ~~من النفي إثبات ومن الإثبات ، نفي وقيل : ليس بإثبات وليس بنفي ، وقيل : من ~~الإثبات نفي ومن النفي ليس بإثبات . قال القرافي في شرح المحصول : ذهب بعض ~~الأدباء إلى أن الاستثناء من الإثبات اثبات واحتج بقوله تعالى { فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس } أي فلو كان نفيا لما احتيج إلى قوله ( ~~أبى ) . وكان الشيخ ابن عبد السلام يرده بأنها أفادت أن امتناعه من السجود ~~لم يكن لعجز ( بعذر ) ولا لأنه أكره عليه بل استكبارا وعنادا لعنه الله . ~~وقال الآمدي : قيل أنه إثبات في الوجهين ، وقيل : نفي في / الوجهين ، وقيل ~~: من الإثبات نفي ، ومن النفي ليس بإثبات . PageV01P253 وقال الطيبي : إن ~~الترتيب هنا معنوي وفي قوله : { إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه } ~~باعتبار اللفظ والأمر الحسي الوجودي . قال ابن عطية : قال جمهور المتأولين ~~: كان من الكافرين في علم الله تعالى . قال ابن عرفة : إن أرادوا ms076 أنه إذ ~~ذاك كفر بهذا الفعل وكان قبل ذلك مؤمنا ( بالحس ) ( وكان ) كافرا في علم ~~الله تعالى وقيل : إنه كان كافرا بالحس ، وشؤم كفره أوجب متناعه من السجود ~~. واختلف هل كفره عناد ( أم لا ) ؟ فمنهم من قال : يستحيل صدور المعصية من ~~العالم حالة كونه عالما لأن العلم يقتضي ترجيح ( طرق السلامة ) ( على طريق ~~الهلاك ) فأبطل الكفر عنادا وهي قاعدة الفخر وغيره . ومنهم من قال : إن ~~كفره كان عنادا . قيل لابن عرفة : ويمكن تقرير هذا بما قالوا : من أن ~~ارتباط الدليل بالمدلول هل هو عقلي أو عادي فقد يعلم الدليل ولا ينتج له ~~العلم بالمدلول ؟ فقال : نعم ولكن ما ذكروا ( هنا ) إلا الأول . ~~PageV01P254 قال ابن عطية : روى ابن القاسم عن الإمام مالك ه إن أول معصية ~~كاتت الحسد والكبر والشح ، حسد إبليس آدم وتكبر عليه ( وشح آدم في أكله من ~~شجرة قد نهى على قربها ) . قلت : وهذا بعينه من كتاب الجامع الأول من ~~العتبية . وقال فيه ابن رشد : الحسد من ( الذنوب ) العظام وهو أن ( يكره ) ~~أن يرى النعمة على غيره ، ويتمنى انتقالها عنه إليه ، والغبطة أن يتمنى ~~مثلها فقط مع بقائها عند صاحبها فالغبطة مباحة والحسد محظور قال : ( لا حسد ~~إلا في اثنين رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار ، ~~ورجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل وأطراف النهار ) انتهي . ~~والاستثناء في الآية منقطع . ومنهم من يرى الحسد على وجهين : - محظور إن ~~كان فيه ( بغي ) . وهو أن يريد الإضرار ( بالمحسود ) بزوال النعمة عنه . ~~PageV01P255 - وجائز إن لم يكن معه بغي كالحسد في الخير فإنه مرغب فيه إذ ~~لا بغي فيه والحسد في المال إن لم يكن معه بغي جاز : والشح قسمان : فالشح ~~بالواجبات حرام ، وبالمندوبات مكروه . قال : وقوله في آدم ( فشح ) أي فشح ~~أن يأكل من ثمار الجنة التي أباح الله له الأكل منها فلم يأكل منها ( ابقاء ~~عليها ) وشحا بها . قوله تعالى : { وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك . . . } . ~~قال ابن عرفة : ( الجمع ) من قوله تعالى ، وزيادة ms077 ( قلنا ) في بعض الآيات ~~تنبيها على تشريف القول وتعظيمه والاهتمام به . فرد عليه بقوله تعالى : { ~~وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا } { قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } والتعظيم ~~للقول لا للمفعول له ، ففيه تهويل وتفخيم لذلك الأمر . والسكنى لا تفيد ~~التأبيد . قال في المدونة في أواخر كتاب الهبات : ومن قال لرجل : داري هذه ~~لك صدقة سكنى فإنما له السكنى فقط دون رقبتها ، وأما إن قال هذه الدار لك ~~ولعقبك سكناها فإنها ترجع إليه ملكا بعد اتقراضهم . فإن مات فأولى الناس به ~~يوم مات وإلى ورثتهم لأنهم هم ورثته . PageV01P256 قال ابن عطية : اختلف ( ~~متى ) خلقت حواء من ضلع آدم ؟ ثم قال : عن ابن عباس هما أنه سألوه لم سميت ~~حواء ؟ قال : لأنها خلقت من حي . قال ابن عرفة : قال بعضهم : المناسب لهذا ~~أن ( كان ) يكون اسمها حيا ؟ وأجيب بأنه اشتقاق أكبر ، ومنهم من قال : سميت ~~حواء لأن امرأة الرجل تحوي عليه وتستحمله ، فيدخل طوعها ويسمع منها في ~~أغالب أمره . قوله تعالى : { وكلا منها رغدا . . . } . | قال ابن عرفة : ~~رأيت تأليفا للشيخ عز الدين بن عبد السلام في إعجاز القرآن وغيره قال : إنه ~~على حذف مضاف تقديره : وكلا من ثمارها رغدا . قال ابن عرفة : هذا إن اعربنا ~~( رغدا ) نعتا للمصدر فتكون ( من ) للتبعيض والثمر ليس هو بعض الجنة إنما ~~الجنة هي الأشجار والأرض بدليل أن من باع جنة فيها ثمر قد أبر فإنه للبائع ~~ولا يتناوله البيع إلا بالشرط فليس الأكل من الجنة . PageV01P257 قيل لابن ~~عرفة : هذه حقيقة شرعية ؟ فقال الأصل موافقة الشيء للغة حتى يدل الدليل على ~~خلاف ذلك . قال وإن أعربنا ( رغدا : ( نعنا ) للمفعول مقدرا أي { وكلا منها ~~} ( مأكولا ) رغدا وتكون ) من ( للغاية أعني لابتدائها وانتهائها فلا يحتاج ~~إلى تقدير المضاف وقال في الأعراف { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من ~~حيث شئتما } فعطف بالفاء وهنا بالواو . قال ابن عرفة : يجاب بأن تكون هذه ~~نزلت قبل تلك الاية فعبر هنا باللفظ الأعم وهو الواو المحتلة لأن يكون ~~الأكل عقب السكنى وبعدها بتراخ ثم ms078 خوطب هناك باللفظ الأخص الدال على إباحة ~~الأكل بعقب السكنى ليكون الكلام تأسيسا مقيدا . وأجاب الفخر في درة التنزيل ~~: بأن الأكل من الموضع لا يكون إلا بعد دخوله له إما قبل سكناه أو بعده ~~والأعراف وردت بعد قوله : { اخرج منها مذءوما مدحورا } ( خطابا للشيطان ) ~~ثم قال : { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } معناه : ادخلها أنت دخول سكنى ~~وهي الإقامة مع طول مكث فناسب العطف بالفاء لأن ( الدخول ) متقدم في الرتبة ~~على الأكل وآية البقرة لم يتقدم فيها ما يدل على الدخول ، فالمراد اسكن ~~حقيقة . وتأخر الأكل على السكنى ليس بلازم . PageV01P258 قوله تعالى : { ~~حيث شئتما . . . } قال ابن عرفة : قالوا : إنه على التوزيع أي يأكل واحد ~~منكما من حيث شاء ، لأن الأكل متوقف على اجتماعهما معا على المشيئة لأن ~~المضمرات عندنا كلية ( وصيغة ) الأمر هنا للامتنان ، وعبر عنه ابن عطية ~~بالإذن . قال الشيخ الفخر : إما للندب أو الإباحة والظاهر ما قلناه . قوله ~~تعالى : { ولا تقربا هذه الشجرة . . . } قال ابن عطية : قال بعض الحذاق : ~~إن الله لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل والقرب منه ~~. قال ابن عطية : وهذا مثال لسد الذرائع . قال ابن عرفة : فرق بين سد ~~الذرائع وبين النهي عن الشيء لأجل غيره وهو النهي عما هو سبب في غيره ، فسد ~~الذرائع هو الامتناع مما لم ينه عنه خشية الوقوع في ما نهى عنه ، ومنها ( ~~بياعات ) الآجال المختلف فيها التي هي ذريعة للوقوع في المحرم ولولا أنها ~~مختلف فيها ما كان ذريعة فالذريعة ( هنا ) هو أن يقارب قرب الأكل من الشجرة ~~لأنه نهى عن قرب القرب . قال ابن الخطيب : والنهي على الكراهة . ~~PageV01P259 قال ابن عرفة : بل على التحريم لقوله { وعصى ءادم ربه فغوى } ~~والظلم الخروج عن الحد إما بكفر أو ارتكاب أمور أدناها الصغائر . قوله ~~تعالى : { فأزلهما الشيطان عنها . . . } أي فسكنا ، وأكلا حيث شاءا ، ~~فأزلهما ، فسروه بأمرين إما ( أوقعهما ) في الزلة والإثم فالضمير في ( عنها ~~) للجنة ، أو للشجرة فهو معنوي ، وإما حسي من الزوال فالضمير في ( عنها ) ~~للجنة ms079 . وقرأ حمزة ، فأزلهما وهو نص في الزوال الحسي فتكون ( مرجحة ) ( ~~لإرادته ) في القراءة الأولى . قال ابن عطية : لما دخل إبليس لآدم سأله عن ~~حاله فقال ( له ) : ما أحسن هذا لو أن خلدا ( كان ) فوجد به السبيل إلى ~~إغوائه . قال ابن عرفة : هذا إلهام ( للنطق ) بما وقع في الوجود حيث قال ~~ابليس { هل أدلك على شجرة الخلد } كما قال PageV01P260 يعقوب عليه السلام ~~لبنيه { وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون } فقالوا له : { إنا ذهبنا ~~نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب } ( وكما قال الشاعر : احفظ ~~لسانك أن تقول فتبتلى ) . . . إن البلاء موكل بالمنطق وأكله من الشجرة إما ~~لظنه أن النهي للكراهة أو المنهي عنها شجرة واحدة بالشخص وهذه من نوعها فقط ~~. زاد ابن عطية : إن حواء سقته الخمر فأكل في حال السكر . قيل لابن عرفة : ~~خمر الجنة لا يسكر فقال : إن تلك الجنة ( التي ) من دخلها ( يؤمن ) من ~~الخروج ( منها ) ولعل هذه إذ ذاك ( كان ) خمرها مسكرا . قلت : أو كان الخمر ~~من غيرها وأدخل ( فسقي منها ) قال : ومذهب مالك أن جميع ما يصدر عن السكران ~~من طلاق وقذف وقتل وزنا وسرقة كله يلزمه ويؤاخذ به وهي ( أول ) مسألة في ~~العتبية من النكاح الأول . PageV01P261 قيل له : إنما هذا اللزوم بعد تحريم ~~الخمر وقد كانت حينئذ حلالا فيعذر شاربها ؟ فقال : حفظ العقول من الكليات ~~الخمس التي اتفقت جميع الملل عليها فالسكر حرام وإنما يجوز فيها ما لا يسكر ~~. قوله تعالى : { وقلنا اهبطوا . . . } . الأنسب أن يكون الخطاب بواسطة وهو ~~الأغلب فيمن يواقع الأمر المرجوح . قوله تعالى : { بعضكم لبعض عدو . . . } ~~ابن عطية : هو في موضع الحال فألزمه أبو حيان أن تكون العداوة مأمورا بها ~~لأن الحال داخله في الأمر . وأجاب ابن عرفة : بأن ذلك حيث يكون الحال غير ( ~~واقعة ) حين الخطاب بالأمر ( إلا ) إذا كانت واقعة فالأمر بها تحصيل الحاصل ~~كقولك : وزيد ( ضاحك ) . أكرم زيدا ضاحكا . والعداوة حينئذ بين آدم وإبليس ~~موجودة . أو تقول : إنها مأمور بها ولا يلزم عليه شيء لكن هذا إن كان ms080 إبليس ~~داخلا في الأمر . PageV01P262 قال ابن عطية : المخاطب بالهبوط آدم وحواء ~~وإبليس والحية ؟ وقال الحسن : آدم وحواء والوسوسة . قال : ( ابن عرفة : أي ~~عدو الوسوسة ) . وقال غيره : والحية . لأن إبليس قد كان إهبط . قال : وإذا ~~قلنا : ( إن ) الأمر لآدم وحواء وإبليس ، فيكون في الآية دليل على جواز ~~إطلاق ( لفظ البعض ) على أكثر من النصف . قوله تعالى : { فتلقى ءادم . . . ~~} . معطوف على قلنا : والفاء للتعقيب أي ( يعقب ) إن قلنا له ذلك تلقى فهي ~~إشارة إلى سرعة إلهام الله تعالى له المبادرة بالتوبة . قال ابن عطية : ~~تلقاها إما بإقباله عليها أو إلهامه إليها . قال ابن عرفة : والإلهام إما ~~حضور ذلك ( بباله ) من ( غير ) تكلف نظر أو علمه بها بعد تكلف النظر . قال ~~: والتفعل يقتضي إما ( تكلف ) الفعل بمشقة وإما للتناهي إلى أعلى درجاته ~~وهو هنا يحتمل الأمرين وتقدم المجرور للتشريف . PageV01P263 وقرأ ابن كثير ~~: ( آدم ) بالنصب ( وكلمات ) بالرفع . قال ابن عرفة : قراءة الجماعة بالرفع ~~ظاهرة لأنه هو فاعل التلقي ( فكلفه ) التلقي والقصد إليه و ( إمعان ) النظر ~~( فيه ظاهر ) ، وأما قراءءة ابن كثير فتقتضي أن آدم عليه السلام أتاه ~~التلقي هجما من غير نظر ، فيمكن ( فهمه ) على أنه أتته أوائل درجات النظر ~~بالبديهة لأن المعقولات فرع المحسوسات ، فأول درجات النظر مدرك معلوم ~~بالبديهة لا يفتقر إلى تقدم شيء قبله ( لئلا ) يلزم عليه التسلسل ، وتنكير ~~( كلمات ) للتشريف والتعظيم كما قال الزمخشري في قوله تعالى : { والفجر ~~وليال عشر } وقال : نكرت لأنها معينات معلومات فرد عليه / بمنافاة التنكير ~~للتعيين . وأجيب بأنها لشرفها وعظمها صارت معلومات في الذهن فلم تحتج إلى ~~تعريف وكذلك هنا . قوله تعالى : { إنه هو التواب الرحيم } تنبيه على أن ~~توبته ( لا تخص آدم ) بل توبته ورحمته عامة . PageV01P264 قوله تعالى : { ~~فإما يأتينكم مني هدى . . . } قال الزمخشري : إن قلت لم جيء بكلمة الشك ~~وإتيان الهدى كائن لا محالة لوجوبه ، قلت : فائدته الإعلام ( بأن الإيمان ) ~~بالله ( وتوحيده ) لا يشترط فيه بعثة الرسل ؟ قال ابن عرفة : هذا السؤال ~~إنما يرد على مذهبه لأنه يقول : إن إرسال الرسل واجب عقلا . وجوابه ms081 ضعيف ، ~~بل هو مؤكد للسؤال ( وبيانه ) أن يقول : إتيان الهدى محقق الوقوع إما من ~~جهة العقل المقتضي لوجوب بعثة الرسل ، ( أو ) من جهة ( الوجود ) الخارجي ~~لأن التوحيد موجود ( فإتيان ) الهدى محقق . قال : فحقه ( كان ) أن يجيب بما ~~( عادته ) أن ( يجيب ) به . وهو أن هذا على عادة الملوك ( في خطاباتهم أن ~~يعبروا عن الأمر المحقق الوقوع باللفظ المحتمل ) لأن خطاباتهم كلها محققة . ~~PageV01P265 وأجاب الطيبي : أن الشك راجع ( إلى اتباع الهدى ) لا إلى نفس ~~الهدى والإتباع غير محقق . قال ابن عرفة : وهذا كله لا يحتاج إليه على ~~مذهبنا لأن إرسال الرسل إنما يجب ( عندنا ) بالشرع لا بالعقل ، ولم يكن ~~حينئذ شرع بوجه فكان الأمر محتملا . قال الطيبي : أكد أول الفعل ب ( إما ) ~~وأخره بالنون الشديدة . قال ابن عرفة : قد قالوا في قول ابن دريد في ~~مقصورته : أما ترى رأسي ( حكى ) لونه . . . طرة صبح تحت أذيال الدجى ( ( ~~إما ) زائدة للتأكيد ) ونابت مناب تكرير الفعل فكأنه قال : إن تر تر . ~~وكذلك هنا تأكيد أوله مناف تكريره وتأكيد آخره راجع إلى تحقيق وقوعه ~~وتثبيته . قوله تعالى : { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } PageV01P266 قالوا ~~: سبب الخوف مستقبل وسبب الحزن ماض فإن قلت : على هذا كان يقال : فلا ( حزن ~~) عليهم ولا يخافون فهو أرتب ليعبر عن المستقبل ( بصيغة ) المستقبل . ( قال ~~) : فالجواب عن ذلك أنه إشارة إلى ( تكرر ) الحزن منهم المرة بعد المرة ، ~~وتذكر الإنسان أمرا ( مضى ) أقرب من تذكره أمرا مستقبلا وتأسفه على الماضي ~~المحقق الوقوع أشد من حزنه على المستقبل ، لأنه ( يتكرر تذكره الماضي ) ~~شيئا بعد شيء ، ( بل ) فمهما تذكره يحزن عليه فعبر عنه بالفعل المقتضي ~~للتجدد وليس كذلك المستقبل بوجه . قوله تعالى : { والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنآ . . . } . PageV01P267 قال ابن عطية : أفاد قوله ( كذبوا ) أن ~~المراد ( بالكفر ) ( الشرك ) فيخرج ( كفر ) النعم والمعاصي . قال ابن عرفة ~~: وفي الآية عندي حذف التقابل والمعنى : فمن تبع هداي فأولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( أي لا حزن عليهم ) والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار ms082 هم فيها خالدون وعليهم الخوف وهم ~~يحزنون . قوله تعالى : { وءامنوا بمآ أنزلت مصدقا لما معكم . . . } . قال ~~ابن عرفة : الظاهر أن المراد به تصديق ( الرسل والإيمان بهم ) والمراد ~~بقوله ( وأوفوا بعهدي ) الإيمان بالله وتوحيده . والعهد يوم { ألست بربكم } ~~قيل لابن عرفة : الإيمان ( بالرسل ) يستلزم التوحيد ؟ فقال : الصحيح أن ~~التوحيد واجب بالعقل لا بالسمع . PageV01P268 فقال الطيبي : هذا من عطف ~~الخاص على العام ( أو من عطف الأخص على الأعم ) لأن الوفاء بالعهد مطلق . ~~قوله تعالى : { ولا تكونوا . . . } . دليل لمن يقول : إن الأمر بالشيء ليس ~~نهيا عن ضده ، لأنه داخل في ضمن قوله { وءامنوا } . قال ابن عطية : وهذا ( ~~من ) مفهوم الخطاب الذي المذكور فيه والمسكوت عنه حكمها واحد . قال ابن ~~عرفة : ( بمعنى ) أنه يدل بمفهوم الموافقة ، وهو مفهوم أحرى على ( النهي ) ~~على كفرهم ( على الإطلاق ) . قال ابن عرفة : ليس هذا مفهوم الموافقة ( ~~وإنما هو فهم مثل الحكم ) المنطوق به في المسكوت عنه ، ذكره ابن التلمساني ~~في المسألة السابعة من باب الأوامر ( ونسبه ) إلى ظن وقطع . قال الزمخشري : ~~ومعنى الآية : ولا تكونوا مثل أول كافر به . PageV01P269 قال ابن عرفة : ~~إنما قال ذلك لأن كفرهم به قد وقع في الوجود إما قبل كفر غيرهم أو بعده ، ~~فالنهي عنه من تكليف ما لا يطاق وهو ( عنده ) غير جائز فلذلك قدر المضاف . ~~قوله تعالى : { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا . . . } . عظم الآيات بالجمع ~~والإضافة إليه إضافة تشريف وحقر الثمن بالإفراد ، والوصف بالقلة ، فهو حقير ~~في قدره ( وفي صفته ) . قوله تعالى : { أتأمرون الناس بالبر . . . } ~~الاستفهام معناه التقرير والتوبيخ . قال ابن عرفة : فرق بعضهم بينهما بأن ~~التقرير لمن أنعمت عليه ولم يحسن إليك . والتوبيخ لمن أحسنت إليه وأساء ~~إليك . وجمع الأنفس جمع قلة تحقيرا لها ، لأن الآية خرجت مخرج الذم ، ~~والواو في ( تنسون ) يجب ( أو يترجح ) أن يكون واو الحال ( إذ ) لو لم تكن ~~من تمام ( الأول ) للزم عليه تسلط الإنكار على كل واحدة من الجملتين على ~~انفرادها ، والأمر بالمعروف مطلوب شرعا لا يوبخ أحد ( على ) فعله فما ~~الإنكار إلا على ms083 من يأمر بالبر حالة عدم اتصافه به . فإن قلت المضارع لا ~~يقع حالا إلا بغير واو إلا فيما شذ من قولهم : ( قمت وأصك عينه ) ؟ قلنا : ~~هو على اضمار المبتدأ أي وأنتم تنسون أنفسكم . PageV01P270 ( قيل ) لابن ~~عرفة : لعل الإنكار تسلط على الجمع بين الأمرين أي أتجمعون بين الأمر بالبر ~~ونسيان أنفسكم ؟ ( فقال ) : ظاهر اللفظ بالاتصاف أن دلالته على ذلك المعنى ~~إنما هو من ناحية كون تلك الجملة حالا فقط . قلت : وأيضا فما يدل على إنكار ~~الجمع بينهما إلا لو كان ( تنسون ) منصوبا كما قالوا في : لا تأكل السمك ~~وتشرب اللبن . قوله تعالى : { وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } أي العقل ~~الذي يصدكم عن ارتكاب ما منع الشرع منه وهو العقل النافع وليس المراد العقل ~~التكليفي لأنه ثابت ، وهذا هو الذي اختص منه منتف عنهم لأن المعنى : ~~أتجهلون فلا تعقلون ؟ انتهى . قوله تعالى : { وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين } . الإعلام بذلك حين التكليف ليكون المكلف على تأهب وبصبرة فلا ~~يظهر له حين العمل الا ما دخل عليه ، والخشوع هو استحضار التقصير في العمل ~~وفق المجازاة عليه . قلت : بل الخشوع رقة في القلب سببها الخوف ، وانظر في ~~أسئلة الشيخ ابن رشد في أول مسألة من كتاب الصلاة . قوله تعالى : { الذين ~~يظنون أنهم ملاقوا ربهم . . . } . PageV01P271 قالوا : معناه يعلمون . قال ~~ابن عرفة : ( الذي يظهر ) لي أن الظن على بابه مصروف لزمن ( الملاقاة ) أي ~~هم يستحضرون الموت ويظنونه في كل زمن واقعا بهم . قال القشيري أبو طالب : ~~إن أبا بكر وعمر جلسا ذات يوم مع النبي ، فقال أبو بكر ه : إني إذا أصبحت ~~ما أدري هل أمسي أم لا ؟ وقال سيدنا عمر ه : إذا أمسيت لا أدري هل أصبح أم ~~لا ؟ فقال : وإذا صعدت النفس لا أدري هل أرده أم لا ؟ ( لأنهم يعتقدون ~~المعاد علما لا ظنا . فقال : يكون مثل : علفتها تبنا وماء باردا ، وتعلمون ~~أنهم إليه راجعون ) . قال ابن عرفة : فإن قلت : جاء في الآية التصديق قبل ~~التصور لأنه حكم على الخاشعين بأن الصلاة ليست عليهم كبيرة ms084 قبل أن يبين ~~حقيقتهم وما أراد بهم . PageV01P272 | فالجواب أنا ( إذا ) جعلنا { الذين ~~يظنون } نعتا للخاشعين فلا سؤال ، لأنه من تمامه وكأنه شيء واحد ، وإن ~~جعلناه مقطوعا للرفع أو للنصب فالسؤال وارد . قلت : وتقدم لنا غير مرة أن ~~التصور باعتبار حقيقة الماهية والإحاطة بها لا يشترط تقدمه على التصديق . ~~قوله تعالى : { يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم . . . } . ~~الذكر باللسان والقلب . واختلفوا في الذكر باللسان فقط هل هو معتبر ( أم ) ~~لا ؟ ووجه مناسبتها لما قبلها أن الله تعالى كلفهم بالصلاة ( وأعلمهم ) ~~بمشقتها وكان ذلك سببا في قنوطهم ( وإياسهم ) ، وقلة ( طمعهم ) في الوفاء ~~بها والخروج من عهدتها ، وعقب ذلك ببيان أن الله تعالى من عليهم نعما في ~~الماضي فليتذكروها لتذهب عنهم الأمور العادية ، ويكونوا على بصيرة من الطمع ~~والرجاء في فضل الله تعالى وإنعامه عليهم في المستقبل بالإعانة على تحصيل ~~تلك العبادة من غير مشقة ( وجهد ) . قال : وإنما نسبهم إلى يعقوب إن كان ~~لهم أجداد غيره أنبياء لأنه أقرب جد إليهم . لأن يعقوب ابن إسحاق بن ~~إبراهيم عليه السلام وعليهم . قال الله تعالى : { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم ~~بالبشرى } ثم قال PageV01P273 { وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن ~~ورآء إسحاق يعقوب } فإن قلت : ما الفائدة في قوله : { التي أنعمت ( عليكم } ~~) ولو أسقطت لقيل : اذكروا نعمتي ( عليكم ) لما اختل المعنى ؟ فالجواب : ~~أنه أفاد اختصاص تلك النعمة بهم ، وأنهم مقصودون بها ، أي اذكروا نعمتي ~~التي جعلتها خاصة لكم ، لأنه أنعم عليهم نعما كثيرة ، وذكرهم بما اختصهم به ~~منها دون ما ( شاركهم ) الغير ( فيه ) ، وأيضا فالإنعام على الشخص يطلق على ~~ما ناله مباشرة وبواسطة كالإنعام على قريبه وصديقه ( فذكروا ) بما أنالهم ~~من النعمة مباشرة . قوله تعالى : { وأني فضلتكم على العالمين } . قال ابن ~~عطية : أي على ( عالمي ) زمانهم . PageV01P274 قال الزمخشري : أي على الجم ~~الغفير . قال ابن عرفة : جعله ابن عطية عاما في الأشخاص ، خاصا في الأزمان ~~( وجعله ) الزمخشري بالعكس ، والتخصيص في الزمان أولى لأن العام في الأشخاص ~~مطلق في الأزمنة والأحوال ، وفرق المنطقيون بين الكلية الدائمة والكلية ~~المطلقة ms085 . ( قرره ) ابن عرفة مرة أخرى فقال : الألف ( واللام ) عند ابن ~~عطية للعهد ، وعند الزمخشري للجنس ، ونظيره كقولك : كل إنسان أبيض ، إن ~~أردت ( اعتبار ) الأمر الذهني فهو كاذب ، وإن ( كان ) باعتبار الوجود ~~الخارجي فهو صادق إذا كان أهل زمانك كلهم بيضا . زاد الفخر الرازي : أنه ~~عام في الأشخاص والأزمان / مطلق في أنواع التفضيل . فلعلهم فضلوا عليهم ( ~~لفرع ) واحد إما بالتنصيص على أن منهم الأنبياء والملوك قال تعالى { وإذ ~~قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبيآء وجعلكم ~~ملوكا } فقال ابن عرفة : ( هذه دلالة ظاهرة ( وليست نصا ) ولا ينبغي أن ~~يصرح بكونهم أفضل من أمة محمد ولا في خصلة واحدة . PageV01P275 قال ابن ~~عرفة : والنعمة تحتمل أن يراد بها أمر حسي والتفضيل معنوي فيكون الكلام ~~تأسيسا ، أو أن يكون عاما في جميع النصح فيكون وأني فضلتكم من عطف الخاص ~~على العام أو مطلقة تصدق على واحدة غير معينة فيكون من عطف الأخص على الأعم ~~وهو المقيد على المطلق . قوله تعالى : { واتقوا يوما . . . } . أي اتقوا ~~عذاب يوم . قال ابن عرفة : لا بد من تقدير ( هذا ) المضاف لأن اليوم إن ~~أعربته مفعولا لزمك تكليف ما لا يطاق لأن يوم القيامة لا بد لهم منه ، فلا ~~يصح تكليفهم بأن يجعلوا بينهم وبينه وقاية ، وإن أعربته ظرفا لم يصح أمرهم ~~بالتقوى فيه لأنه ليس محلا . قوله تعالى : { لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها شفاعة . . . } . أي جزاء ( تستقل به فيبطل استدلال المعتزلة بها ~~على نفي الشفاعة العظمى أو الجزاء راجع إلى ) النصرة لأن الإنسان لا ( يفزع ~~) إلى الشفاعة إلا إذا لم يقدر على النصرة لا بيده ولا بجنده ، فإن علم أنه ~~عاجز تشفع ، فإن لم يقبل منه افتدى بالمال . PageV01P276 قال ابن عطية : ~~وهذه إنما هي في الكافرين للإجماع ولتواتر الحديث بالشفاعة . قال ابن عرفة ~~: قال ابن الصلاح : لم يصح من ( أحاديث ) الشفاعة غير حديثين . قال ابن ~~عرفة : فعلى هذا يكون التواتر فيها معنويا لا لفظيا لتواتر شجاعة علي وجود ~~حاتم . وقال ms086 هنا : { ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل } ( وفي الآية ~~الأخرى ) { ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة } فأخر ( الفداء ) بالمال ~~هنا عن الشفاعة وقدمه ( هناك ) . قلت : ولقد أجاب الفخر الخطيب ( عن ذلك ) ~~بأن ذلك على حسب حال الناس فواحد يرغب في المال ( ويشح به ) فيأتي بالشفيع ~~، وآخر يرغب في ( الجاه والحرمة ) فيهون عليه ( بذل ) المال صيانة لحرمته . ~~PageV01P277 وأجاب الفقيه أبو جعفر أحمد بن إبراهيم ( ابن الزبير ) العاصمي ~~الثقفي بأن هذه الآية تقدمها { أتأمرون الناس بالبر } مظنة الامتثال ~~والقبول فيكون مظنة لترجي الأمرين بالبر ، ( وأن يشفع ) فيهم يوم القيامة ~~من امتثل أمرهم ألا ترى قوله تعالى في المنافقين { ينادونهم ألم نكن معكم } ~~فقد نسبوا المؤمنين بالكون معهم فأحرى أن يتعلق هؤلاء بالحظ على الخير ~~والدلالة عليه فكان الآكد هنا نفي الشفاعة ، فبدأ ( به ) ولم يتقدم في ~~الآية الأخرى ما يستدعي هذا فبدأ بالفدية التي عهد في الدنيا أنها أمكن في ~~التخلص . قال ابن عرفة : واحتج بها المعتزلة على إنكار الشفاعة وحملها أهل ~~السنة على أنها في الكفار خاصة ( بهم ) لما تقدم . قال الإمام الرازي : بل ~~هي حجة على المعتزلة . قال ابن عرفة : لا ينفى إلا ما هو قابل للنفي ~~والكفار ليسوا بقابلين للشفاعة بوجه بخلاف العصاة . PageV01P278 وأجاب ابن ~~عرفة : بأنهم قابلون لها باعتبار الدعوى لقولهم : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله ~~} فقد ادعوا أن لهم شفعاء . قوله تعالى : { وإذ نجيناكم من ءال فرعون . . . ~~} . قال ابن عرفة : معطوف على ( اذكروا ) ( عطف الجملة ) أو على ( نعمتي ) ~~( فالعامل ) فيه ( اذكروا ) ( المتقدم ) على الفعل في المفعول به ، أو عطف ~~على ( عليكم ) ( فالعامل ) فيه ( أنعمت ) ( عمل ) الفعل في الظرف . قلت : ~~وهذا ( باطل ) لأن ( أنعمت ) في صلة الموصول فكذلك معمولها وما عطف عليه ~~وقد ( فصل ) بينهما بأجنبي وهو { واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا } ~~قوله تعالى : { يسومونكم سواء العذاب . . . } . قال الطيبي : السوم مفرد في ~~اللفظ مركب في المعنى لأنه طلب ( البغي ) على الغير فمعناه مركب من الطلب ( ~~والإضرار ) بالغير . PageV01P279 قال ابن عرفة : لا يسمى هذا ms087 مركبا إنما ~~المركب عندهم ( ما كان ) كلفظ مركب ولفظ مجمل ولفظ النسبة . ( فإنها ) لا ~~تعقل إلا بالشيئين المناسبين . قال ابن عطية : وإنما نسب الفعل إلى ( آل ~~فرعون وهم ) إنما فعلوه بأمره ( لمباشرتهم ذلك ) . قال الطبري : إن من أمره ~~ظالم بقتل أحد فقتل إنه المأخوذ به ( لا ) الآمر . قال ابن عرفة : هذا هو ~~المشهور عندنا وذكره الشيخ ابن رشد في البيان والتحصيل وأظنه في كتاب ~~السلطان واللخمي في ( الغصب ) وذكره ابن يونس فر فروع آخر الغصب عن ابن أبي ~~زيد ( من أخبر لصوصا أو غاصبا بظهر رجل ، ومن قدم رجلا إلى ظالم إنه يغرمه ~~مالا يجب عليه ، انظرها ) ، وفي الحج الثالث إذا دل محرم على صيد محرما أو ~~حلالا فقتله المدلول PageV01P280 عليه فلا شيء على الدال وإن أمر بقتله ~~فعليه جزاء واحد وإن كان المأمور عبدا وإلا فلا . هذا هو المشهور . ونقل ~~ابن يونس عن أشهب في كتاب ابن المواز : أنه إن دل محرما على صيد فقتله فعلى ~~كل واحد منهما جزاء وإن دل حلالا فلا شيء على الدال . وقال التونسي : ~~الصواب بأن الجزاء لئلا يبقى الصيد بلا جزاء لأنه إذا وجب ( الجزاء ) حيث ~~يكون المدلول محرما فأحرى إذا كان حلالا وهو عكس / المشهور . وذكر ابن بشير ~~الأول والثالث وزاد إن دل حلالا وجبت عليه ( الدية ) إذ لا يمكن إسقاطها . ~~وإن دل حراما لم تجب لاستقلال المدلول بها فجاءت أربعة أقوال . وإن أمسك ~~الصيد لرجل فقتله قال في المدونة : إن كان القاتل حلالا أداه الماسك وإن ~~كان حراما ( أداه ) القاتل . PageV01P281 وقال سحنون : لا شيء على الماسك . ~~ابن يونس : وقال التونسي : وانظر هل يلزم على مذهب أشهب إذا دل أحد على مال ~~رجل فأخذه ، أو على قتله فقتله ؟ فإنه يقتص منه ويغرم المال لأنه لم يتوصل ~~إليه إلا بدلالته . قوله تعالى : { يذبحون أبنآءكم . . . } كانوا أضروهم ~~بقتل الذكور لانقطاع النسل وإحياء النساء للإذلال والمعرة وقد كانوا هم ( ~~يكرهون ) استحياءهم خوف المعرة والإذلال . وقال في سورة إبراهيم : { ~~ويذبحون } بالواو وهنا بغير واو . قال ابن ms088 عرفة : الجواب ( إما ) بأن العطف ~~بالواو ( تفسير ) كما قال الشيخ ابن رشد في المقدمات في قوله تعالى : { ~~ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن } وإما بأن يكون ( ويذبحون ) ~~معطوفا على فعل مقدر يكون ذلك الفعل تفسير الأول ، وإلا فالقصة واحدة . ~~PageV01P282 فإما أن يكون الثاني هو الأول فيهما ، أو مغايرا ( له فيهما ) ~~لأن العطف يقتضي ( المغايرة ، وعدم العطف ) يقتضي الموافقة فكيف الجمع ~~بينهما ؟ قلت : وتقدم لنا الجواب في الختمة الثانية في سورة إبراهيم حيث ~~قال ابن عرفة : ( وعادتهم ) يجيبون بأن ( المنة في ) آية البقرة ( وقعت من ~~الله تعالى ) ( نجيناكم ) فأسند الفعل إلى نفسه ( والملك ) ( لكل ) الأشياء ~~( عنده ) حقير فلذلك أتى بالجملة ( يذبحون ) مفسرة للأول غير معطوفة فكأنها ~~شيء واحد إذ لا يستعظم الأشياء إلا العاجز فالألف دينار لا قدر لها عند ~~الغني وهي عند الفقير ( مال جليل ) . وأما سورة إبراهيم فالامتنان فيها من ~~موسى عليه السلام لأن أول الآية ( { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله ~~عليكم } فهي حكاية صدرت من موسى لقومه ) ، فناسب المبالغة بالعطف ( فيها ) ~~المقتضي ( للتعدد ) والمغايرة لتكثر أسباب الامتنان . PageV01P283 قلت : ~~وأجاب صاحب درة التنزيل بأن آية إبراهيم وقعت في خبر عطف على خبر آخر قبله ~~وهو { ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ أن أخرج قومك } { وإذ قال موسى لقومه } ~~فيبقى معنى العطف في ( يذبحون ) لأنه هو وما عطف عليه داخل في جملة معطوفة ~~فالمقام مقام فصل وأما آية البقرة أخبر فيها بخبر واحد وهو إخباره عن ( ~~نفسه ) بإنجائه بني إسرائيل فلذلك لم يعطف وأخبر في إبراهيم بخبرين معطوفين ~~فلذلك عطف . قلت : وأيضا فالجمل المتقدمة في البقرة طلبية وهي { يابني ~~إسرائيل اذكروا } ( واتقوا ) ، وجملة ( يذبحون ) خبرية فليست مشاكلة لها ~~بخلاف في سورة إبراهيم فإنها كلها خبرية وقد نص ابن أبي الربيع على أن ~~المشهور أنه لا يعطف الخبرية على الطلبية ولا العكس . وأجاب القاضي أبو ~~جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير بأن هذه الآية مشتملة على استيفاء القصص ، ~~وسورة إبراهيم على إيجاز القصص ، والأمران سائغان عند العرب قال شاعرهم : ~~يرمون ms089 ( بالخطب ) الطوال وتارة . . . ( رمي ) الملاحظ خيفة الرقباء ~~PageV01P284 فذكر في البقرة سوء العذاب مجملا ، ( ثم ) البينة ( بذبح ) ~~الذكور وإحياء النساء لأن القصد الإطناب بدليل زياده { وإذ فرقنا بكم البحر ~~} وأشار في السورة الأخرى بقوله : { يسومونكم ( سواء العذاب } ) إلى جملة ~~ما ( امتحنوا ) به من فرعون وقومه من استخدامهم وإذلالهم بالأعمال الشاقة ~~وذبح الذكور واستحياء النساء ثم جرد منها ( أعظمها ) امتحانا ، فعطفه لأنه ~~مغاير لما قبله فقال : ( ويذبحون ) إشعارا ( بشدة ) الأمر فيه ، وهو مما ~~أجمل فيه ، كما ورد في قوله تعالى : { من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال } خصصهما بالذكر إعلاما بمكانهما . قال ابن عرفة : فإن قلت : ~~لم قال هنا : ( نجينا ) وفي الأعراف ( { أنجينا ) } فالجواب : بأن القصد ~~هنا كثرة تعداد وجوه الإنعام ( فيه ) ( فبدأ ) ب { ياأيها الناس ( اعبدوا ) ~~ربكم } إلى آخرها PageV01P285 وكلها إنعام ، ثم قال : { يا بني إسرائيل } ~~فلما كان موضع تعداد النعم ناسب التضعيف في ( نجيناكم ) وأيضا فهو مناسب ~~للتضعيف في ( يذبحون ) الأعراف إنما فيها ( يقتلون ) فروعي مناسبة اللفظ ~~فيما بعد ، والمعنى فيما قبل ، انتهى . قال ابن عرفة : وإنما قال : ( ~~نساؤكم ) ولم يقل : ببناتكم كما قال : ( أبنآءكم ) تسمية للشيء بما يؤول ~~إليه ، وإشارة إلى قصدهم المعرة ، واستحقار ( بناتكم ) . قوله تعالى : { ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } البلاء : إما قدر مشترك بين الخير والشر أو ~~لفظ مشترك ، ويجيء فيه تعميم المشترك ( فيبتلى الإنسان ) بالخير ليشكر ، و ~~( الشر ) ليصبر . قال الله تعالى { هذا من فضل ربي ليبلونيا ءأشكر أم أكفر ~~} قال ابن عطية : ( معناه ) الامتحان والاختبار . قال ابن عرفة : في هذه ~~العبارة قلق ، وينبغي أن يفهم ( بما ) قال الزمخشري في غير هذا الموضع : ~~إنه يفعل بهم فعل المختبر لأن الاختبار من لوازمه الجهل ، وهو مستحيل عن ~~الله . | PageV01P286 | قوله تعالى : { فأنجيناكم . . . } قال البسيلي : في ~~تفسير قوله تعالى : ( فأنجيناكم ) قدم الإنجاء وإن كان دفع المؤلم آكد ~~مراعاة للترتيب الوجودي لأن الإنجاء متقدم على إغراق آل فرعون . قوله تعالى ~~/ : { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة . . . } قال ابن عرفة : يمتنع أن يكون ~~أربعين ليلة ( ظرفا ) لأن ظرف الزمان ms090 المحدود ( العمل ) فيه كله ، ويمتنع ~~أن يكون ( مفعولا ) ، لأنها ليست هي ( الموعودة ) إنما الموعود موسى عليه ~~السلام . قال الزمخشري : وعده الله الوحي ، ووعده موسى ( المجيء للميقات ) ~~، ( فكأنه ) مواعدة من الجانبين ، وأبطله الطيبي بأن فيه تقدير مضافين ~~معطوفين . وهو باطل . قال ابن عرفة : إنما يريد واعدنا موسى مناجاة أربعين ~~( ليلة ) ، وملاقاة أربعين ليلة ، والمناجاة تستلزم مجيء موسى إلى الميقات ~~، لأنها بعد الأربعين لأن الله تعالى جعل له عبادة هذه الأربعين ~~PageV01P287 ليلة ( و ) وصال صيامها كلها ليلا ونهارا سببا في مناجاته إياه ~~بعدها بما طلب من التوراة والصحف والألواح . قوله تعالى : { ثم اتخذتم ~~العجل من بعده . . . } منع أبو حيان عود الضمير إلى الوعد للتناقض ، لأن ( ~~ثم ) للتراخي و ( من ) في ( من بعده ) ( تقتضي ) ابتداء الغاية فهي لأول ~~أزمنة البعدية . وأجاب ابن عرفة : بأن الأولية مقولة بالتشكيك ، ألا تراهم ~~يؤرخون بأوائل الشهر في العشرة ( الأول ) كلها . ( قيل له ) : ابتداء ~~الغاية ما ( يصدق ) إلا على أول جزء . قوله تعالى : { وأنتم ظالمون } أي لا ~~شبهة لكم في اتخاذه ، بل ذلك محض ظلم منكم وتعنت . قوله تعالى : { لعلكم ~~تشكرون } . قال ابن عطية : الترجي مصروف للمخاطب أي ( عفونا ) PageV01P288 ~~( عنكم ) لتكونوا بحيث ( يترجى ) المخاطب ( بها ) شكركم عليه . وفسره ~~الزمخشري على مذهبه بالإرادة . قوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه ياقوم ~~إنكم ظلمتم أنفسكم . . . } الظلم هنا المراد به الكفر لتقيده ( باتخاذ ) ~~العجل . قال الله تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } وقال جل ذكره : { الذين ~~ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } هو مطلق فلذلك أشكل على الصحابة هم ، ~~وقالوا : أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ قال ابن عرفة : وقدم المجرور هنا على ~~المفعول ، والأصل تأخيره عنه ، ولا ( يقدم ) إلا لنكتة ( تتوخى ) والحكمة ~~في ذلك أن النداء إقبال على المنادى ، وتخصيص له فلو قيل : ( وإذ ) قال ~~موسى : يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم لقومه . لما كان PageV01P289 لقومه فائدة ~~بخلاف قوله تعالى : { وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح } فإن تقديم المجرور هناك ~~( بمعنى ) آخر وهو الاعتناء بالمقول له وتشريفه ، والاهتمام به وتخصيصه ~~بتلك المقالة دون غيره ، وبين ms091 ( بقوله ) : { ظلمتم أنفسكم } أن الله تعالى ~~منزه عن أن يناله شيء من ظلمهم ، وإنما ضرر ذلك راجع ( إليهم ) . قال ابن ~~عرفة : وهذا ( يشبه المحدود ) ، فإنه لا تنفع فيه الشفاعة ، ولا ( تسقطه ) ~~التوبة كما قال الإمام مالك ه في المحارب : إذا قتل ( أحدا ) فعفا عنه وليه ~~، أن الحد لا يرتفع لأن الحق لله تعالى ، فلذلك قال : { فاقتلوا أنفسكم } ~~وهذا بيان للتوبة ، ( و ) الفاء ( للتسبيب أو للتعقيب ) . قوله تعالى : { ~~ذلكم خير لكم . . . } الإشارة PageV01P290 إلى التوبة بشرطها ، وهو القتل ، ~~و ( خير ) هذا إما ( فعل ) ، لأن ( ضده ) وهو عدم التوبة لا خير فيه ، أو ~~أفعل من ، لأن ضده المشارك له في مطلق الخيرية هو التوبة مع علم قتل الأنفس ~~. | قوله تعالى : { فتاب عليكم . . . } إما علم أنكم تتوبون ، وإما على ~~المعنى ألهمكم ( للتوبة ) أو يسرها لكم . قوله تعالى : { إنه هو التواب ~~الرحيم } قال ابن عرفة : الوصف بالرحيم دليل لنا على المعتزلة في إبطال ~~قاعدة التحسين والتقبيح ، وأن الله تعالى لا يجب عليه شيء لاقتضائها أن ~~توبته على ( العصاة ) محض رحمة منه وتفضل ( لأن ) الدليل اقتضى وجوب ذلك ~~عليه ، قال الإمام فخر الدين الرازي . قال ابن عرفة : يقال : إنه إنما لم ~~يقل : فقتلوا لأن توبتهم ( ملزومة ) لقتلهم ( أنفسهم ) ، فلا يبق للقتل بعد ~~ذلك محل ، لأنهم قد ماتوا حين التوبة . PageV01P291 قوله تعالى : { وإذ ~~قلتم ياموسى لن نؤمن لك . . . } أي لن ندوم على الإيمان لك فليس هو ردة ، ~~لأنه من قول السبعين ، وقد كانوا آمنوا به ، وفيه دليل على أن رؤية الله ~~سبحانه وتعالى ممكنة جائزة عقلا لطلبهم ذلك . فإن قلت : لم يقم الدليل على ~~صحة طلبهم ، فلعلهم آخطؤوا في الطلب ؟ قلنا : نص العميدي في الجدل وغيره ~~إذا وقع الشك في شيء إنما يحمل على الأمر الغالب فيه ، والغالب في هؤلاء ~~أنهم ما يطلبون إلا الأمر الممكن عقلا ، فأخبر الشارع أنه غير واقع . قال ~~ابن عرفة : واستشكل القرطبي تكليفهم بعد إحيائهم من الصعق ( لسقوط ) ~~التكليف بالصعق وإذا سقط لا يرجع . قال ابن عرفة : ( وعندي ) لا إشكال ( ~~فيه ) وهو ms092 كمن أحرم بالحج وعنده طائر في قفص ، فإنه مكلف ( بإرساله ، فإذا ~~أزال إحرامه عادت الإباحة ، كما كانت أول مرة . وكذلك النائم حالة نومه غير ~~مكلف ) فإذا استيقيظ عاد التكليف . قوله تعالى : { وأنتم تنظرون } ~~PageV01P292 قال ( ابن عرفة ) : ( حال ) من الضمير المفعول في ( أخذتكم ) ~~فهي إشارة إلى أن ( الصاعقة ) نالتهم / على غفلة فصادفتهم ثابتين في النظر ~~والأبصار والعقول ، ولو علموا بها قبل ذلك لأذهب الوهم عنهم أبصارهم ~~وبصائرهم فلم تصادف عندهم إثباتا بوجه ، والمراد بذلك أو أجزاء ( الصاعقة ) ~~. قوله تعالى : { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية . . . } قال ابن عرفة : هذا ~~إما خطاب لهم مباشرة أو بواسطة . والأول : ( يمتنع ) لأن الله تعالى لم ~~يباشرهم بالخطاب إلا على لسان نبيه إلا أن يكون الخطاب لجماعة أنبياء وهو ~~بعيد . والثاني : أيضا ممتنع لأنهم غائبون عن الخطاب ، وفعل الآمر الغائب ~~إنما يكون باللام فكيف ( يقول ) : ( ادخلوا ) . وأجيب باختيار أنه مباشرة ، ~~وأن قول الرسول لهم منزل منزلة خطاب الله لهم قال الله تعالى : { من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله } وكما يقول الملك : بنيت داري ، وكاتبت فلانا ( بكذا ~~) وهو لم يفعله بنفسه ، إنما فعله أعوانه وخدمه . PageV01P293 قال ابن عرفة ~~: والقرية إن أريد بها بيت المقدس فصيغة أفعل للطلب ، وإن أريد بها ( أريحا ~~) فهي للاباحة . قيل لابن عرفة : هذا أمر ورد عقب الحظر فهو للإباحة ( ~~مطلقا ) ؟ فقال : لم يرد عقب الحظر القولي ، وإنما ( ورد ) عقب ( الحظر ) ~~الجبري ( المعلن ) بالبقاء في أرض وعدم التمكن في الخروج عنها أربعين سنة ~~ولم يقع هنالك نهي بالقول حتى يكون هذا أمر بعده . قيل له : قد قال تعالى : ~~{ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة } فقال : هذا إخبار عن واقع ، لأنهم ~~كلفوا بالبقاء فيها وعدم الخروج بل منعوا من ذلك فمقامهم ليس باختيارهم ~~لأجل التكليف به ، بل جبرا واضطرارا لأجل عدم قدرتهم على الخروج . قال ابن ~~عرفة : وعموم ( حيث شئتم ) مخصوص بالمساجد ، ( فإنه ) يمتنع الأكل فيها . ~~PageV01P294 قوله تعالى : { وادخلوا الباب سجدا . . . } أعيد لفظ ( ادخلوا ~~) ( لأجل وصفهم ) سجدا فليس بتكرار ، والمراد بالسجود الركوع لتعذر الدخول ~~حالة السجود ms093 أو يكون حالا مقدرة ، فيكون الدخول سابقا على السجود . واحتج ~~ابن التلمساني على أن الواو لا تفيد ترتيبا بكون المقدم هنا مؤخرا في سورة ~~الأعراف ، فلو كانت الواو للترتيب للزم عليه : إما التنافي بين الآيتين ، ~~أو المجاز في أحدهما ، وأجاب بأنه قصد تكليفهم ( ( بأن يقولوا : حطة ( حال ~~كونهم ) قبل السجود وبعده ، وأجاب أبو جعفر ( الزبير ) بأنه قصد تكليفهم ) ~~) بالجمع بين السجود والقول في حالة واحدة لأن كلا الأمرين حصل له وصف ( ~~الاهتمام ) بالتقديم . قوله تعالى : { نغفر لكم خطاياكم . . . } قال الفخر ~~الرازي : يحتج بها على المعتزلة في قولهم : إن قبول التوبة واجب عقلا لأجل ~~ما اشتملت عليه من أوصاف الامتنان بتعداد PageV01P295 ( النعم ) ، فغفران ~~الخطايا نعمة وتفضل ( لا انه ) واجب لأجل التوبة . ورده ابن عرفة : بأنهم ~~يقولون : إن الامتنان بهذه النعمة سبب لطريق التوبة والخطايا مرتفعة ~~بالتوبة . قوله تعالى : { وسنزيد المحسنين } قال ابن عرفة : لما تضمن ~~الكلام السابق حصول المغفرة لهؤلاء وعدم المؤاخذة بالذنب فقط من غير زيادة ~~على ذلك أفاد هذا أن المحسنين لهم مع ذلك ثواب جزيل وعبر عنهم بالاسم ~~تهييجا على الاتصاف بذلك وإشارة إلى ( أن ) الزيادة إنما هي لمن بالغ في ~~الإحسان وحصل منه الحظ ( الوافر ) ( لينالها ) من حصل مطلقة وأدناه . فإن ~~قلت : لم قال هنا : { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا } ، وفي الأعراف { ~~وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا } قلت : نقل ( لي ) عن القاضي أبي عبد ~~الله محمد بن عبد السلام أنه قال : إن كانت القصة واحدة ، وتلك مكررة بهذه ~~، فعبر PageV01P296 فيها ب ( قيل لهم ) عن ( قلنا ) التي في هذه ، وأخبر ~~بما بعد الدخول وهو السكنى ( لالتزامها ) إياه وان ( كانا ) قصتين فتلك بعد ~~هذه . وأجاب أبو جعفر ( الزبير ) بأنهم أمروا أولا بالوسيلة وهو الدخول ، ~~ثم أمروا ( بالمقصد ) وهو السكنى . قال الشيخ أبو جعفر : وعطف هنا بالفاء ~~لأن الأكل من الموضع ( لا يكون ) إلا بعد الدخول عليه وعطف في الأعراف ( ~~بالواو ) لأن السكنى قد تقارن الأكل ، وقد يتأخر عنه ، وقد يتقدم ( عليه ) ~~قال ابن عبد السلام : أو ms094 هما قصتان أو يقال : لما فيهم التعقيب من الأول لم ~~يحتج إلى إعادته في الثانية وقال هنا : { حيث شئتم رغدا } . وأسقط في ~~الأعراف ( رغدا ) لأن السكنى يفهم منها الملازمة والدوام وعطفها على الأمر ~~بالأكل من حيث شاء ، وأشعر بدوام الأكل من غير مانع ( فتحصل ) فيه معنى ~~الرغد ( فأغنى ) عن ذكره هناك وقال هنا { نغفر لكم خطاياكم } ، PageV01P297 ~~وفي الأعراف على قراءة الجماعة غير أبي عمرو وابن عامر ، ( نغفر لكم ) ~~خطاياكم ، مجموعة جمع سلامة ولأن آية البقرة ( بنيت ) على كثرة تعداد النعم ~~فناسبت جمع الكثرة وآية الأعراف لم يبالغ فيها بكثرة تعداد النعم فناسبت ~~جمع القلة وهو جمع السلامة . وقلت : ونقل / لي عن القاضي ابن عبد السلام ~~أجاب بأن آية البقرة صدرت ب ( إذ قلنا ) المكنى به عن الله تعالى فناسب جمع ~~الكثرة ( ولما ذكر ) هنا { وإذ قيل لهم } بحذف الفاعل فناسب جمع القلة ، ~~وقال هناك ( وسنزيد ) بالواو وفي الأعراف بغير واو لأن البقرة بولغ فيها ~~بتعداد ما لم يبالغ في الأعراف ، أي ولنجزي المحسنين على ما تقدم من تعداد ~~النعم بالعفو وزيادة الإحسان . قوله تعالى : { فبدل الذين ظلموا قولا غير ~~الذي قيل لهم . . . } PageV01P298 قال ابن عرفة : يكون القول بذاته مصروفا ~~( لنقيض ) الشيء ، فينصرف إلى ذلك الشيء باعتبار حال المخاطب ، وعبر ب ( ~~الذين ظلموا ) ولم يقل : فبدل الظالمون ، لأن تعليق الذم على الوصف الأعم ~~يستلزم الذم على الأخص من باب أحرى ، ( وكذلك ذمهم على ) تبديل القول ~~يستلزم ( ذمهم ) على تبديل الكلام ( من باب أحرى ) لأنه إذا ( بدل ) أحد ~~قرار المركب انتفى عنه التركيب . فإن قلت : هؤلاء إنما بدلوا غير القول ~~الذي قيل لهم ، ومن بدل غير ( ما ) قيل له يذم ، وإنما يذم من بدل لا ما ~~قيل له ( بغيره ) ؟ فالجواب بوجوه : إما بأن في الآية حذفا ، أي فبدل الذين ~~ظلموا فقالوا قولا غير الذي قيل لهم ، ويكون ذلك تفسيرا للتبديل كيف هو ، ~~وإما بأن ( يشوب ) ( بدل ) معنى أتى أي فأتى الذين ظلموا قولا غير الذي قيل ~~لهم ، وإما بأن يكون ( بدل ) ( تعدى ms095 ) إلى الثاني على إسقاط حرف الجر أي ~~فبدل الذين ظلموا قولا بغير الذي قيل لهم . وذكر أبو حيان أن البدل قد ~~يتعدى إلى المبدل وهو المعطي بنفسه وإلى ( المبدل به ) وهو المأخوذ بواسطة ~~حرف الجر وأنشد عليه : PageV01P299 وبدلت والدهر ذو تبدل . . . ( هيفا ) ~~دبورا بالصبا والشمأل والتقدير هنا فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ~~بالقول الذي قيل لهم . قال ابن عرفة : وهو كقوله : { وبدلناهم بجنتيهم ~~جنتين } ق ابن عرفة : وأخذ منه منع نقل الحديث بالمعنى ، ( ورد بأنهم ) ~~إنما ذموا على تبديل اللفظ والمعنى . و ( أجيب ) بأن الذم إنما علل ( ~~بتبديلهم القول ، والقول إنما يطلق على اللفظ فقط ) وأيضا فلعل هذه اللفظة ~~متعبد بها فلذلك ذموا على تبديلها . ( ورده ) ابن عرفة ( بأنه يلزمكم ) ~~التعليل بأمرين . قال القاضي أبو جعفر بن الزبير : وقال هنا { فبدل الذين ~~ظلموا } فعمم ثم خصص ذلك العموم بالأعراف بزيادة منهم لأن المخاطبين ليسوا ~~سواء في الامتثال قال الله : { منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } ولذلك ~~أعاد الظاهر فقال : { فأنزلنا PageV01P300 على الذين ظلموا } ( التختص ) ~~العقوبة بالظالمين ، ولو قال : عليهم لاحتمل العموم وهو غير مقصود . قال : ~~فإن قلت لم قال هنا : { بما كانوا يفسقون } وفي الأعراف { بما كانوا يظلمون ~~} وأجاب بأنه في البقرة وصفهم أولا بالوصف الأعم الصادق على أدنى المعاصي ~~وأعلاها وهو الظلم ثم بالأخص وهو الفسق فقال : { وما ظلمونا ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } ثم قال هنا : { رجزا من السمآء بما كانوا يفسقون } وفي ~~الأعراف وصفهم بالظلم في قوله : { بما كانوا يظلمون } ثم بالفسق فقال : { ~~وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر } إلى قوله { بما كانوا يفسقون } ~~قوله تعالى : { وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر . . . } أخذ ~~منه الإمام المازري جواز استسقاء المخصب للمجدب لأن موسى لم ينله من ~~الاحتياج وقد استسقى لهم . ورده ابن عرفة بأنه نبي مرسل إليهم وهو معهم ~~فليس مثل هذا . PageV01P301 قوله تعالى : | { فانفجرت . . . } أجاز ~~الزمخشري أن تكون الفاء جواب شرط مقدر أي فإن ضربت فقد ( انفجرت ) . | ورده ~~أبو حيان بأن الشرط لا يحذف ms096 ، وإن سلم ( فيلزمه ) فساد المعنى والتركيب لأن ~~الشرط وجوابه مستقبلان ( وانفجرت ) ماض لفظا ومعنى ( إذ لا تدخل الفاء على ~~الماضي إلا إذا كان دعاء أو ماضيا لفظا ومعنى ) ولأنه المفهوم من الآية . ( ~~وأجاب المختصر ) بأن ( اضرب ) أمر مضمن معنى الشرط فليس فيه حذف ، ومنع ~~فساد المعنى والتركيب بأنه كقوله تعالى : { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من ~~قبلك } قال فجوابه محذوف أي فإن كذبوك فاصبر لأنه كذبت رسل من قبلك . وان ~~ضربت فسر أو لم ينكر ونحوه ، فإنه قد انفجرت ، أي أردنا وحكمنا أنها انفجرت ~~. PageV01P302 قال ابن عرفة : وقد يقال إن يكذبوك ( فعل ) ماض وعبر عنه ~~بالمستقبل لأجل ( التصديق ) فهو حكاية مستقبل مضى ، أي كان مستقبلا فصار ~~ماضيا ، ولا سيما أنهم حين نزول الآية كان التكذيب قد وقع منهم لأنها ليست ~~من أول ما نزل وكذلك قوله تعالى : { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } ~~قالوا : أنزلت في غزوة بدر ، وقد كان ذلك واقعا قبلها . ويمكن أن يكون معنى ~~( تلك ) الآية وأن يدوموا على تكذيبك ولا يزال الشرط مستقبلا ، وقول ~~الصفاقسي : أن ( اضرب ) مضمن معنى الشرط . قال الزمخشري : جعل الفاء جواب ~~الشرط ( مقدر ) لأنها جواب شرط مفهوم من الأمر فلم يتوارد على محل واحد . ~~قوله تعالى : { وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد . . . } الإقبال ~~بالخطاب تأكيد لما تضمنه الكلام من المدح والإكرام أو الذم والتوبيخ . ( ~~قوله ) . { لن نصبر على طعام واحد } ( أنظر ما فيه ) من الجفاء والغلظة ~~والجهل لقولهم : ( لن نصبر ) ولقولهم ( ربك ) ولم يقولوا ( ربنا ) وجعلوه ~~واحدا إما PageV01P303 من جهة أنه كله ( خبز ) ( أو ) إدام للخبز ، وليس ~~فيه خبز بوجه ، وإما من ( أجل ) تكرر كل يوم بعينه من غير أن يتبدل . قوله ~~تعالى : { من بقلها وقثآئها . . . } . قيل / لابن عرفة : هل هذا ترق بدأوا ~~بالبقل ثم بالفوم وهو القمح ؟ فقال : ( بعيد ) لقوله ( وبصلها ) فهو في هذا ~~تدل . قوله تعالى : { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير . . . } . قال ~~ابن عرفة : كان الشيخ أبو عبد الله بن سلام يقول : إن هؤلاء ms097 لم يطلبوا ذلك ~~بدلا من طعامهم بل زيادة عليه لقولهم : { لن نصبر على طعام واحد } ولم ~~يقولوا : لن نحب هذا الطعام فكيف أنكر عليهم استبداله ؟ قال : وتقدم الجواب ~~عنه بأنهم إذا أكلوا من الطعام الذي طلبوه فإنه ينقص أكلهم من الطعام الأول ~~بقدر ما أكلوا من هذا فقد حصلت لهم ( المبادلة ) في ذلك المقدار فمن كان ~~يأكل رطلا من المن PageV01P304 والسلوى قبل ذلك يصير الآن يأكل ( منه ) نصف ~~رطل أو أقل . نعم إنهم ( يجتمعون ) في ملك واحد . وحوز واحد ولا يجتمع ذلك ~~في ( بطن ) واحد إلا على الصفة التي ذكرنا . قيل لابن عرفة : قد ( لا ) ~~يأكل الإنسان من ( الخبز ) والإدام ، والخبز أكثر ( مما ) يأكل من كل ( ~~واحد ) منها على انفراده ؟ فقال : وكذلك ( أيضا ) يأكل من العسل إذا ( عقد ~~) وصنع ( خبيصا أو نحوه ) كثيرا . قيل لابن عرفة : أو يجاب بأنهم طلبوا ~~النقلة من ذلك الموضع ( إلى موضع ينبت فيه البقل والقثاء والفوم وما قام ~~الدليل على أن ذلك الموضع ) المنتقل إليه ينزل عليهم فيه المن والسلوى ~~وكأنهم طلبوا الاستبدال . PageV01P305 فقال ( ابن عرفة ) : هذا صحيح لو كان ~~( هذا ) من كلامهم لأن { اهبطوا مصرا } من كلام موسى عليه السلام عن الله ~~تعالى ، فالذم إنما هو على طلبهم الاستبدال وطلب ( الاستبدال ) ليس من ~~كلامهم . ( ( بل ( من ) دلالة الحال والأمر العادي ) ) فهو لازم قولهم ، ~~لأن تلك الأرض لم تجر العادة بإنباتها تلك الأشياء ( فطلبهم تلك الأشياء ) ~~يستلزم طلبهم النقلة منها إلى أرض تنبتها ولا ينزل فيه المن والسلوى . ~~والذم إنما هو على سؤالهم . قيل لابن عرفة : هذا كله على تسليم السؤال ، ~~ولنا أن نمنعه ونقول : إن سؤالهم ليس بنص في أنهم طلبوا الزيادة بل ( هو ) ~~ظاهر في ذلك فقط ؟ والجواب ( أنهم لهم ) نص في طلبهم الاستبدال وإنما عبروا ~~عنه بلفظة محتملة احتمالا مرجوحا ، وربما ينافيه . ومعنى كلامهم : لن نصبر ~~على هذا الطعام لأنه طعام واحد بل نرجع إلى أطعمتنا المعتادة المتعودة . ~~فقال ابن عرفة : هذا هو الحق والله أعلم . قوله تعالى : { الذي هو أدنى . . ~~. } . PageV01P306 سماه ms098 ( أدنى ) لكونه يأتيهم بعد تكليف ومشقة ، والمن ~~والسلوى ينزل عليهم بلا كلفة ، ( أو ) أنه حلال محض أو بأنه ألذ وأطيب ، أو ~~أنه الذي أمرهم الله به ففي أكله الشكر عليه نعمة وأجر . قلت لشيخنا ابن ~~عرفة : مساق الآية يقتضي أنه فيه دناءة قليلة مع أنه خير كله ؟ فقال : لا ~~يريد الذي هو أدنى من طعامكم ( هذا ، بل يريد الذي هو أدنى ) بالإطلاق فليس ~~في المن والسلوى دناءة . قال القرطبي : يؤخذ من الآية تفضيل المستلذات ~~الدنيوية ، وأنها مباحة راجحة ليس فيها مرجوحية بوجه لأجل وصفها بالخير . ( ~~فرده ) ابن عرفة بأنه يلزم من ذلك رجحانها ، فلعل وصفها بالخير لأجل أنها ~~تنال بلا مشقة ولا تكلف . قوله تعالى : { وضربت عليهم الذلة والمسكنة . . . ~~} . ( قال ابن عرفة ) : المسكنة إن كانت من أقسام الفقر فهي مغايرة ( للذلة ~~) ، وإن لم تكن من أقسامه فيكون المسكين هو الذي يسأل ، والذلة مسكنة من ~~غير سؤال ، وضرب الذلة عليهم يطلق يصدق بصورة إما في عصر من الأعصار وهو ~~زمن بعثة نبينا PageV01P307 سيدنا محمد إلى الآن ( وكذا ) تعم الذلة اليهود ~~في كل بلد ، أو يكون في بعض البلاد ، أو في زمن عيسى وما بعده إلى الآن ~~وسجل عليهم بوصف الغضب ، وكونه من الله تعالى فهو أشد عليهم . قوله تعالى : ~~{ ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين . . . } . قال ابن ~~عرفة : ذمهم على قبح ما صدر منهم في ( قوتهم ) العلمية والعملية ، و ( جمع ~~) الأنبياء مبالغة في كثرة قتلهم ، وكذلك جمع الضمير في ( يقتلون ) ، أو ~~يكون حقيقة . وقد قال الإمام مالك ه في جامع العتيبية : بلغني أنه مات في ~~مسجد ( الخيف ) كذا كذا كذا نبي ماتوا كلهم بالقمل والجوع . ( قال ابن رشد ~~) : لزهدهم في الدنيا أو لآن الله تعالى يبتلي عباده المؤمنين بالإذاية ~~ليصبروا ( فيه ) فيعظم أجرهم عند الله . قال ابن عطية : من همز النبيء فهو ~~عنده من ( الإنباء ) إذا أخبر . PageV01P308 قال ( ابن عرفة ) : معناه كونه ~~يخبر الناس بأنه يوحى إليه على الجملة . والرسول يبلغهم الأحكام والشرائع ~~ويدعوهم إلى الإيمان . قوله تعالى : { بغير ms099 الحق . . . } . ما الفائدة فيه ~~مع أن قتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك ؟ وأجاب الزمخشري بأنه الحق باعتبار ~~الدعوى ، كما إذا تخاصم رجلان فكل واحد منهما يزعم أنه على الحق ولدعواه ~~مرجح ، ( وهم يقتلون ) ولا يستندون في ( قتلهم ) إلى شبهة بوجه ، وهم بحيث ~~لو سئلوا عن موجب ذلك لم يستحضروا له سببا . وفي سورة آل عمران { بغير حق } ~~فهو مطلق وهذا ( معرف ) بالعهد أي بغير الحق المعهود في الدعاوى لا الحق ~~الثابت في نفس الأمر لأن قتل النبيئين لا يكون إلا بغير ذلك الحق . قوله ~~تعالى : { ذلك بما عصوا . . . } . و / إن كانت الإشارة إلى المشار إليه ~~أولا فهو من التعليل بعلتين فأكثر ( فيجيء ) فيه تعداد ( العلل ، والعلل ) ~~الشرعية يصح PageV01P309 تعددها مطلقا ، وكذلك العقلية ( تتعدد ) لكن ~~بالنوع لا بالشخص ، وإن كانت الإشارة إلى العلة الأولى فيكون من تعليل ~~المعصية بمعصية أخرى . فإن قلت : إذا كانتا علتين فهلا عطف بالواو ولم ( ~~يكرر ) سم الإشارة بكأن يقال : وبما عصوا ؟ فالجواب : أنه إشارة إلى أن كل ~~واحدة منهما علة مستقلة يحسن التعليل بها . فإن قلت : لم أكدت الأولى دون ~~الثانية بأن ؟ قلنا : ( الغرابة ) القتل ، وعدم تكرره بخلاف المعصية ~~والاعتداء فإنه يكثر تكرره ، ويتجدد شيئا فشيئا ، ونفي ( أكثريته ) لا ~~يدعيه أحد . قال الطيبي : على أن القتل والاعتداء علتان ( تكون ) الأولى ~~للمصاحبة بمعنى مع ، والثانية للسبب . وفيه ( تقديم ) وتأخير ، أي ذلك ~~بكفرهم ( وعصيانهم ) مع قتلهم النبيئين بغير الحق . قال ابن عرفة : الصواب ~~إنما للسبب مطلقا ولا يحتاج إلى تقديم ولا ( إلى ) تأخير . قوله تعالى : { ~~من ءامن بالله واليوم الآخر . . . } PageV01P310 بدل من { الذين ءامنوا } و ~~( ما ) عطف عليه فجيء فيه استعمال اللفظ ( الواحد ) في حقيقته ومجازه ، لأن ~~المؤمنين ( حصلوا ) الإيمان ، فقوله : { من ءامن } مجاز في حقهم ، عبر به ~~المداومة على الإيمان ( وإيمان اليهود والنصارى والصابئين إن شاء فهو حقيقة ~~. ويمكن أن يراد بالجميع المداومة على الإيمان ) ، لأن النصارى إذا داموا ~~على الإيمان بملة نبيهم يؤمنون ( بمحمد ) لأن ( من ) ملة نبيهم عليه السلام ~~الإيمان بملة سيدنا محمد ، وإن لم ms100 يؤمنوا به فلم يؤمنوا بملتهم ( قط ) ~~انتهى . قوله تعالى : { وعمل صالحا . . . } . قال ( ابن عرفة ) : أي فيمن ~~لم ( تخترمه ) المنية . قوله تعالى : { فلهم أجرهم عند ربهم . . . } . هذا ~~ثواب ( تفضلى ) سماه أجرا إشعارا بتأكده حتى كأنه واجب كأجرة الأجير على ~~عمله . PageV01P311 قوله تعالى : { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . | عبر ~~عن الخوف بالاسم ، وعن الحزن بالفعل ، لأن الخوف يتعلق بالمستقبل ، والحزن ~~بالماضي ، وتذكر الإنسان للأمر المستقبل وتألمه منه وخوفه أشد من تألمه من ~~الماضي يعرض له التناسي إذا بعد أمره ، والمستقبل يشتد ( الخوف ) منه متى ~~قرب أمره ، ويتزايد أمره ويتأكد ثبوته في النفس ، ففي كل واحد منهما على ما ~~هو عليه . فإن قلت : هلا كان بالفعل لأنه ( يتجدد زيادة ) ؟ قلنا : التجديد ~~تأكيد لثبوت الخوف ( في النفس ) ، وليس هو ( أمرا ) مغايرا للأول . قوله ~~تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم . . . } قال ابن عرفة : الواو إما عاطفة ، ~~والعامل فيه ( اذكروا ) المتقدم أو استئناف ( والعامل فيه ( اذكروا ) ) ~~مقدر . ( والذي قرره المفسرون ) عند قول الله : { خذوا مآ ءاتيناكم بقوة } ~~. الآية . وقدر الفخر ابن الخطيب وجه مناسبتها لما قبلها ( بأنها ) نعمة . ~~PageV01P312 قال ابن عرفة : الصواب أنها وعظ ، لأن قبلها { ( إن ) الذين ~~ءامنوا والذين هادوا } إلى آخره ، وهو وعظ ونعمة ( لجميع الملل ) . ولما ~~كانت بنو إسرائيل أقرب الناس إلى الإيمان والاتباع لوجهين : إما لأن ملتهم ~~أقدم من ( ملة ) النصارى ، وإما لأنهم كانوا أكثر أهل المدينة ، فإيمانهم ~~سبب في إيمان غيرهم وتعنتهم ( وفرارهم ) سبب في امتناع غيرهم أكد ذلك ~~بإعادة الوعظ لهم بخصوصيتهم في هذه الآية ، ولذلك ( كررت ) قصتهم في القرآن ~~( في ) غير ما سورة أكثر ( مما ) تكرر غيرها من القصص . وقوله تعالى : { ~~ميثاقكم } إما أن يريد ميثاق آبائكم ، ( أو ) المراد المخاطبون ( الموحدون ~~) ( حين ) ما أنالوه ، والمراد الجميع لأن أخذ الميثاق كان على آبائهم ، ~~وعلى من يأتي ( بعدهم ) من ذريتهم إلى قيام الساعة . | وضعف الثاني بقوله : ~~{ ورفعنا فوقكم الطور . . . } . وأجاب ابن عرفة : بأن المراد رفعنا فوق ~~آبائكم وفوقكم . PageV01P313 قال أبو حيان : حال من الطور . وضعف كونه حالا ~~من الضمير في ( رفعنا ) لما ms101 يلزم عليه من إيهام كون الرافع في مكان . فإن ( ~~قلت ) : الفوقية تستلزم الرفع ؟ قلنا : قد يكون إنسان فوق آخر بمقدار قامة ~~فيقال ( رفعته ) عليه إذا علوت ( به ) عليه مقدار قامتين . | قوله تعالى : ~~{ ورفعنا . . . } . قال ابن عرفة : إما حال ، أي أخذنا ميثاقكم في هذه ~~الحالة أو المراد أخذنا عليكم الميثاق فلم تقبلوا ، فرفعنا فوقكم الطور . ~~كما قال المفسرون في سبب نزول الآية . قال ابن عطية : خلق الله وقت سجودهم ~~الإيمان في قلوبهم ، لأنهم آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة . قال ابن عرفة : ~~المذهب لاعتبار الإيمان الجبري ، ولذا يجبر الكفار على الإيمان ( ويقاتلون ~~عليه ) بالسيف ، وإنما ( تعتبر ) النية ( والإرادة ) في الثواب والقبول ~~المرتب عليه ، وكما قالوا في الزكاة : إنها تؤخذ من أربابها جبرا . ~~PageV01P314 قال ابن عطية : الإيمان المتفق عليه الذي لا شبهة فيه ولا ريبة ~~وليس قصده الإيمان المخرج من ( عهدة ) التكليف . ( ( قوله تعالى : { ~~واذكروا ما فيه . . . } . ابن عطية : أي ( تدبروه ) ولا تنسوه ، وامتثلوا ~~أوامره ( ووعيده ) ) ) . قال ابن عرفة : أو اذكروه لغيركم وعلموه له . قيل ~~لابن عرفة : لا يناسب أن ( يعلل ) هذا بالتقوى ، فإنه قد يكون المعلم غير ~~متق ( لله ) ؟ فقال : قد يكون ( تذكيره ) لغيره سببا في ( انزجاره هو ) ، ~~وتذكيره في نفسه . قوله تعالى : { ثم توليتم . . . } ( ( قال ابن عرفة : ( ~~ثم ) إما لبعدها ما بين منزلة ( الإيمان والكفر ) أو للمهلة حقيقة ) ) . ~~PageV01P315 قيل لابن عرفة : الحقيقة متعذرة / فإن ( من ) لابتداء الغاية ، ~~وليس بين أول أزمنة البعدية وآخر أزمنة ( أخذ الميثاق ) تراخ بوجه ؟ قال ~~ابن عرفة : الأولية مقولة بالتشكيك في أزمنة البعدية . قيل لابن عرفة : هذا ~~يرجح أن المراد أخذنا ميثاق آبائكم لأن المخاطبين لما ( أسلموا ) لم يرتد ~~منهم أحد ؟ فقال ابن عرفة : يفهم هذا كما يفهم في قوله تعالى : { والذين ~~كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } لأنه لم يحصل لهم ~~النور فقط ، لكن لما كانت أدلته والآثار التي هي سبب فيه سهلة متيسرة ( ~~قريبة ) لفهمهم لا مشقة عليهم ( فيها ) فصاروا كأنهم حصل لهم الإيمان ~~بالفعل لحصول ( أثره ) أي شرائطه وأسبابه ، ( فعدم ) إيمانهم كأنه ms102 ردة ~~وخروج من النور إلى الظلمات . قوله تعالى : { فلولا فضل الله عليكم ورحمته ~~. . . } . قال ابن عرفة : هذا ليس بتكرار ، بل فضل الله راجع إلى قبول ~~التوبة ، ( ورحمته ) راجعة إلى نفس التوبة ، أو أن فضل الله PageV01P316 ~~راجع إلى الثواب والإنعام ، ورحمته أعم من ذلك ( تتناول ) رفع المؤلم فقط ، ~~أو دفعه مع ( جلب ) الملائم ، فهو من عطف الأعم على الأخص . قوله تعالى : { ~~ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت . . . } فرق الفخر في المحصول بين ~~العلم والمعرفة ، أن العلم من قسم التصديق والمعرفة من التصور . ( فرد ) ~~عليه بقوله : عرفت زيدا أبا من هو ؟ وأجيب بأن متعلق العلم تصديق ومتعلق ~~المعرفة تصور . وانظر ما قيدت في سورة الرحمان ، انتهى . قوله { في السبت } ~~. ( قال ابن عطية ) : والسبت أي في يوم السبت أو ( في ) حكم السبت . قال ~~ابن عرفة : الاعتداء إنما يتعلق بحكم اليوم لا بنفس اليوم فلا بد من ( ~~تقرير ) لفظ الحكم . PageV01P317 ابن عطية : السبت إما من السبوت وهو ~~الراحة والدعة ، وإما بمعنى القطع . قال ابن عرفة : هما راجعان للقطع لأن ~~الراحة إما تحصل بقطع الشواغل والمشوشات ، أو هما متغايران تغاير العلة ~~والمعلول فالقطع سبب في الراحة . قال ابن عرفة : ( واعلم أن ) هذا انذار ~~لهؤلاء الحاضرين أي ( أولئك ) عوقبوا بالمسخ مع أنهم مؤمنون بموسى ، ~~ومعصيتهم إنما هي بالتعدي في السبت ( وفيها سوى الكفر ) فهؤلاء الكافرون ~~بالرسول الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فمعصيتهم أشد . قوله ~~تعالى : { خاسئين } . ( قيل ) : حال من فاعل ( كونوا ) ومنع أبو حيان ~~والطيبي أن يكون حالا من { قردة } إذ لو كان حالا منها لقيل : خاسئة . ورده ~~ابن عرفة بجواز : من كانت أمك ، ومن كان ( أمك ) ؟ PageV01P318 فقد أجازوا ~~تذكير اسم كان مراعاة للفظ ( مع أن خبره مؤنث ) فلذلك يصح إتيان الحال جمع ~~سلامة بالياء والنون من خاسئة وإن كان جمع ما لا يعقل لكونه خبرا عن مذكر ~~عاقل . قال ابن عطية : وثبت أن الممسوخ لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش ~~أكثر من ثلاثة أيام . قال ابن عرفة : وقول الإمام مالك ms103 ه : إن القرد لا ~~يؤكل لأنه مسخ يريد أنه شبيه ( بالممسوخ ) وعلى صفته . وخرج مسلم في كتاب ( ~~الزهد ) والرقائق في صحيحه عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال رسول الله ( ~~( فقدت ) أمة من بني إسرائيل لا ( يدرى ) ما فعلت ( وإني لأراها ) إلا ~~الفأر إذا وضع لها ألبان الإبل لا تشربه فإذا وضع لها ألبان الشاء شربته ) ~~قلت : وخرجه الإمام البخاري في كتابه . PageV01P319 ( ابن عطية ) : ظاهره ~~أن الممسوخ ينسل ، فإذا كان أراد هذا فهو ظن منه لا مدخل له في التبليغ ثم ~~أوحي إليه بعده أنه لا ينسل . قلت : ( وكذا تأوله ابن رشد في كتاب الجامع ~~الثالث من البيان . ونظير هذا نزوله عليه السلام على مياه بدر ، وأمره لهم ~~بترك تذكير النخل فلم يثمر ذلك العام إلا يسيرا فقال لهم عليه الصلاة ~~والسلام : ( إذا أخبرتكم برأي من أمور دنياكم فإنما أنا بشر وأنتم أعلم ~~بدنياكم ) . ( قلت ) : وخرج مسلم في كتاب الصيد والذبائح عن جابر ابن عبد ~~الله قال : أتى رسول الله بضب فأبى أن يأكل منه وقال : ( لا أدري لعله من ~~القرون التي مسخت ) . وخرج أيضا عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال : ( قال : رجل ~~يا رسول الله إنا بأرض مضبة فما تأمرنا ؟ قال : ذكر لنا أن أمة من بني ~~إسرائيل مسخت ) ( فلم يأمر ولم ينه ) . وفي رواية ( غضب : الله على ( سبط ) ~~من بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض : فلا أدري لعل هذا منها ، ( ~~فلست ) آكلها ولا أنهى عنها ) . PageV01P320 قال ابن عرفة : فإن قلت : ~~يعارض حديث مسلم ، أي هذا الحديث لأنه أفاد بأن ( الممسوخ ) لا يعيش أكثر ~~من ثلاثة ( أيام ) ؟ فيجاب بأن مراده في الضب أنه مثل المسخ . قيل لابن ~~عرفة : ( مثل المسخ ) كونه شبيها لا يوجب تحريمه ؟ فقال : حرمه لأنه مسخت ~~أمة على صفته ( فلولا أنه مستقبح مستكره عند الله لما مسخت تلك الأمة على ~~صفته ) . فقيل له : أو يكون هذا الكلام منه قبل أن يوحى إليه لحديث : أن ( ~~الممسوخ ) لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام والضب ( حيوان ms104 ) يشبه الحرضون إلا أن ~~لونه أسود وسيره غير مسرع يكون في الصحاري . قلت : وخرج مسلم في آخر كتاب ~~القدر عن عبد الله بن مسعود ه قال رجل : يا رسول الله القردة والخنازير هي ~~مما مسخ ؟ فقال / النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ( لم ) يهلك قوما ~~ويعذب قوما فيجعل لهم نسلا ، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك ) . ( ~~ذكره في باب ضرب الآجال وقسم الأرزاق ، انتهى ) . PageV01P321 وهذا إنذار ~~للموجودين ( حين ) نزول الآية . أي القوم المتقدمون منكم عوقبوا مع أنهم ~~مؤمنون بعيسى عليه السلام ، ومعصيتهم إنما كانت في الفروع ، وأنتم كافرون ~~فمعصيتكم أشد وعقوبتكم أشد . وجعل ابن التلمساني شارح المعالم صيغة أفعل ~~هنا للتكوين كما قال ابن عطية . قوله تعالى : { فجعلناها . . . } ابن عطية ~~: المراد إما جعلنا العقوبة أو المسخة أو الأمة الممسوخة أو القردة أو ~~القرية ، وقيل : أو الحيتان وفيه بعد . قوله تعالى : { لما بين يديها . . . ~~} . ابن عطية : عن السدي قيل : لما قبلها من ذنوب القوم وما بعدها من يذنب ~~بعد ذلك ( مثل تلك الذنوب ) . وقيل : لما بين يديها أي لما قبلها من الأمم ~~، وما خلفها أي لما بعدها من الأمم ، لأن ( مسختهم ) ذكرت في كتب من تقدمهم ~~من الأمم ، وعلموا بها فاعتبروا وانزجروا . قوله تعالى : { إن الله يأمركم ~~أن تذبحوا بقرة . . . } PageV01P322 قال ابن عرفة : هذا الأمر ( على الوجوب ~~) على تقدير عدم العفو من أولياء القتيل لأن ما يتوصل ( إلى الواجب ) إلا ~~به فهو واجب . قوله تعالى : { قالوا أتتخذنا هزوا . . . } هذا على سبيل ~~الغفلة والذهول من غير تأمل ، ( وإن ) قالوه بعد تأمل فهو كفر ، لأن نسبة ~~الاستهزاء إلى النبيء كفر . وقوله تعالى : { الله يستهزئ بهم } من مجاز ~~المقابلة ك { ومكروا ومكر الله } لا أنه حقيقة ، وقرىء ( يتخذنا ) بياء ~~الغيبة ، فإن كان فاعله عائدا على الله تعالى فهو أشد في الكفر والتعنت ، ~~وإن كان عائدا على موسى عليه السلام فهو أخف من ( اقترانه ) ( بتاء ) ~~الخطاب لأنهم حينئذ ( يكون ) قالوا ذلك بعضهم لبعض في ( حالة ) غيبة موسى ~~عنهم ، ولم يباشروه بهذه المقالة . قوله تعالى ms105 : { قال أعوذ بالله أن أكون ~~من الجاهلين } . من باب نفي الشيء بنفي لازمه ، لأن الاستهزاء ملزوم للجهل ~~فينتفي الأمران : الاستهزاء والجهل ، وجميع ما هو من لوازم الجهل ، ولو نفي ~~الاستهزاء وحده لما نفي الجهل ولا ما ( عد ) من لوازمه . PageV01P323 قيل ~~لابن عرفة : قد يكون الاستهزاء مع العلم ؟ فقال : من غير ( النبيء أما من ~~النبيء المعصوم ) فلا ، والاستعاذة بالله فيها إقرار بالتوحيد ونسبة كل ~~الأمور إليه . قلت : ونظير الآية قوله تعالى : { قال رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين } قوله تعالى ~~: { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي . . . } قال الطيبي : إنما يسأل ب ( ~~ما ) عن جنس الشيء أو نوعه فكأنهم اعتقدوا أنها خارجة عن جنس البقرة إذ لم ~~يعهد في البقرة إحياء الموتى . قال ابن عرفة : هو مثل قول المنطقيين : ~~الجنس هو المقول على كثيرين ( ( مختلفين بالحقيقة ، في جواب ما هو ؟ و ( ~~النوع ) المقول على كثيرين متفقين في الحقيقة ) ) في جواب ما هو ؟ وكقول ~~ابن مالك في أول المصباح : إن السؤال بما هو ؟ يكون عن حقيقة الشيء . ~~PageV01P324 وأورد الفخر هنا سؤالا قال : إن السؤال ب ( ما ) ( إنما ) هو ~~عن الحقيقة فكيف سألوا عن الصفة ؟ قال ابن عرفة : وجوابه ظاهر على مذهبه ( ~~لأنه ) قال في تأليفه في المنطق كالآيات البينات والمحصول ( وغيرهما ) : ( ~~إن ) الأمر اللازم العرضي حكمه كحكم الذاتي مثلا الألوان ( فصح ) السؤال ( ~~هنا ) بما هي ؟ لأن الصفة هناك كالذاتي وأما عندنا فنقول السؤال عن الذات ~~بصفتها ، أو السؤال عن حقيقة تلك الصفة ( فهو ) سؤال عن الحقيقة . قوله ~~تعالى : { فافعلوا ما تؤمرون } . قال ابن عرفة : اختلف الأصوليون في لفظ ~~الأمر هل هو أبلغ من صيغة افعل أو لا ؟ فقيل : أن أمرتك بالقيام أبلغ من قم ~~، لأن صيغة افعل ، قد تكون للإباحة ( كما في قوله جل ذكره { وإذا حللتم ~~فاصطادوا } PageV01P325 وللوجوب بخلاف الأمر ، فإن لفظ أمرتك لا يكون ~~للإباحة ) . وقيل : إن قم أبلغ ، واستدلوا بهذه الآية . فلولا أنه أبلغ لما ~~احتيج إلى قوله ms106 { فافعلوا ما تؤمرون } وإلا ( كان يلزم ) عليه تأكيد الأقوى ~~( بالأضعف ) ؟ والجواب بأن القرينة هنا أفادت أن صيغة افعل للوجوب ، فهو من ~~تأكيد الأقوى بالقوي . واحتج بها بعض الأصوليين على ( صحة ) تأخير البيان ~~عن وقت الحاجة . وقال الآخرون : بل هو تأخير إلى وقت الحاجة . ( ( أو يجاب ~~) بقول ابن عباس ه ( إنهم ) إنما أمروا بذبح بقرة ( على الإطلاق ) ، فلو ~~بادروا وذبحوا من غير سؤال لحصل لهم الغرض ، ولكن شددوا فشدد ( الله ) ~~عليهم . قوله تعالى : { فاقع لونها . . . } لم يقل فاقعة مع أنه من صفة ~~البقرة ( جعلوه ) مبالغة مثل : جد جده ، وجعله الطيبي مجازا ، ورده ابن ~~عرفة بأنه آكد ، والتأكيد ينافي المجاز ألا ترى أن أهل السنة ) ) استدلوا ~~على PageV01P326 وقوع الكلام من الله لموسى بقوله تعالى : { وكلم الله موسى ~~تكليما } لأنه ( مؤكد ) بالمصدر والتأكيد ( ينفي ) المجاز . ذكره الإمام ~~المازري في شرح التلقين في كتاب الطهارة في قوله : { ويطهركم تطهيرا } قوله ~~تعالى : { وإنآ إن شآء الله لمهتدون } . احتج بها الفخر على أن جميع ~~الأشياء من الخير والشر مخلوقة لله تعالى ومرادة له . ورده ابن عرفة / ~~بإجماعنا على أن الداعي خلق الله تعالى فيقول الخصم : نحمل الآية عليه . ~~قوله تعالى : { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض . . . } فسره ~~الزمخشري بوجهين : إما نفي الإشارة فهو على إضمار ( لا ) أي لا تثير الأرض ~~ولا تسقي الحرث ، وإما على إثبات الإشارة ونفي السقي أي هي تحرث ولا تسقي . ~~ورد هذا بأنها إذا انتفى عنها أنها ذلول ثبت كونها صعبة غير مذللة فلا تطاق ~~لا إلى الحرث ولا إلى سقي . وأجيب عنه بأن ذلولا من أبنية المبالغة فما ~~انتفى عنها إلا الأخص PageV01P327 ( ( من ) الذلة فهو نفي ( للاخص ) ، ولم ~~ينتف عنها مطلق الذلة ( فهي متوسطة ) فلولا كانت صعبة جدا ما حرثت ولا سقت ~~، ولو كانت ذليلة ) ) فهي منقادة لا صعبة ولا مذللة . وقال الطيبي : يحتمل ~~أن يكون من نفي الشيء بنفي لازمه مثل قول امرىء القيس : على لاحب لا يهتدى ~~بمناره . . . ابن عطية : إنما ذلك حيث يذكر لازم الشيء ms107 فقط فيكون نفيه نفيا ~~للملزوم وهنا ( ذكر ) ( الملزوم ) ولازمه منفيين فليس من ذلك القبيل إلا لو ~~قيل : لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث ولم يقل : لا ذلول . ورد هذا بأن مراد ~~الطيبي ( أن ) نفي ( الذلة ) عنها ونفي السقي يستلزمان نفي ( إثارتها ) ~~الأرض ، لأن الإثارة في ( الآية ) مثبتة غير منفية ، وهو مثل قول الله ~~تعالى : { ولا ينبئك مثل خبير } PageV01P328 قال الزمخشري : إنه مثل قوله . ~~على لاحب لا يهتدى بمناره . . . ( ( أي ليس هناك خبير فينبئك ، وكذا ( كمثل ~~) قولهم هذا يوم ( لا ) ينادي وليد أي ليس فيه وليد فينادي ) ) ومثل قول ~~صاحب البردة : فذلك حين بلوغ من نبوته . . . فليس ينكر حال محتلم أي ليست ~~له حال محتلم فتنكر . فإن قلت : الذلة والإثارة متلازمان ؟ قلنا : الذلة في ~~الآية منفية ، والإثارة مثبتة ، و ( لا ) يتم ما قال الطيبي إلا إذا ( أعرب ~~) ( تثير الأرض ) صفة ل ( ذلول ) فمعناه لا ذلول مثيرة ( الأرض ) أي ليست ~~مثيرة الأرض فيكون ذلولا كمعنى البيت المتقدم أي ليس له منار يهتدي ( به ) ~~، وإن أعربناه صفة للبقرة أو استئنافا أو حالا ( فما يجيء ) فيه ذلك ~~التفسير ، وإذا كان صفة ل ( ذلول ) فيكون النفي مسلطا على الموصوف وصفته ، ~~( وقصده ) ثبوت أحدهما فتكون إما ذلول غير مثيرة PageV01P329 ولا مسقية ~~وإما ذلول فقط كقولك : لا رجل صالح في الدار . وضده احتمال كونه : فيها رجل ~~غير صالح ، ( أو أنها ليس ) فيها أحد . قال ابن عرفة : وأخذوا من الآية أن ~~الأمور الجزئية المشخصة يمكن تعريفها بالخاصة ، لأن التعريف بالخواص إنما ~~يكفي عندهم في الأمور الكلية ، أما الجزئية فإنها تعرف بتعيينها والإشارة ~~إليها ، إذ في الممكن أن يكون في الوجود غيرها مختصا بتلك الصفات . قال : ~~وعادتهم يجيبون بأن الزمان والمكان هنا معينان ، فلذلك اكتفى بالتعريف ~~بالخواص ولو كان الزمان ( مبهما ) لقلنا : في الجائز أن يوجد من هو على تلك ~~الصفة في زمن من الأزمان ، أو في غير ذلك المكان إما في ذلك الزمان وإما في ~~ذلك المكان ( فيتعين ) أن الموصوف شيء واحد لا يحتمل غيره . واحتجوا بهذه ~~الآية ms108 على أبي حنيفة ه لأنه ( يمنع ) السلم في الحيوان على الصفة ، وقال : ~~لا ( تخصصه ) الصفة ، فنقل عنه القرطبي هنا وابن يونس المنع في الحيوان ~~بالإطلاق ، ونقل عنه غيرهما أنه خصص ذلك ( ببني ) آدم . PageV01P330 قال ~~ابن عرفة : وله أن يجيب بأن الغرور في البيع معتبر ، وهذا ليس ببيع ( فلا ) ~~يلزم من جواز الاكتفاء ( بالصفة ) هنا الاكتفاء بها هنالك . انتهى . قوله ~~تعالى : { وإذ قتلتم نفسا . . . } قال ابن عرفة : لم نسب ( القتل ) إلى ~~الجميع والقاتل إنما هو واحد ؟ قال : وأجيب بأنه راعى في ذلك من رضي ( ~~بفعله ) . قال ابن عرفة : إنما يتم لو كان ظاهرا بحيث علم به البعض ورضي ( ~~بالقتل ) أما هذا ( فهو واحد منهم ) ، وقد قتل واحد منهم غيلة فلم يعلم به ~~أحد ( حتى ) يقال : إنه رضي بقتله . قال ابن عرفة : وإنما الجواب أنه جمعهم ~~باعتبار الدعوى لأن المتهم ( بالقتل ) ينفيه عن نفسه ويدعيه ( على ) غيره ~~وذلك الغير ينفيه أيضا عن نفسه ويدعيه ( عليه ) . PageV01P331 قال الزمخشري ~~: ( خوطبوا مخاطبة ) الجماعة لوجود القتل فيهم . قال : فإن قلت : لم يذكر ~~القصة ( على ترتيبها ) ؟ فهلا قدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر ~~بذبحها ؟ ثم قال : هلا قدم الأمر بالقتل ثم الذبح ثم الضرب ؟ قال ابن عرفة ~~: ظاهر كلامه هذا ( متناقض ) لأنه قال : الأولى بتقديم الضرب ثم رجع إلى أن ~~الأولى تقديم الذبح ولكن جوابه أن الأمر بالذبح ( متقدم ) على الذبح . ~~انتهى . قوله تعالى : { والله مخرج ما كنتم تكتمون } . لم يقل : ما كنتم ~~تجحدون ، لأن الجاحد للشيء المنكر له قد يكون على الحق فيكون موافقا لظاهره ~~بخلاف الكاتم ( فإن ) باطنه مخالف لظاهره فهو على الباطل بلا شك . قال ~~الفخر الرازي : يؤخذ من عمومه أن الله تعالى يظهر جميع الأشياء من الخير ~~والشر . قال ابن عرفة : يلزم عليه ( الخلف ) في الحبر لأن الله تعالى يستر ~~على العبيد كثيرا من المعاصي . PageV01P332 قال الرازي : هو عام مخصوص لأن ~~المراد ما كنتم تكتمون / من أمر القتل ، واحتج بها الفقهاء في قول القتيل : ~~( دمي ) عند فلان ، إنه ( لوث ) يوجب القسامة ms109 . قال ابن رشد في المقدمات في ~~كتاب القسامة : قول الميت : دمي عن فلان ، لم يختلف قول الإمام مالك : إنه ~~لوث في العمد يوجب القسامة والقود عدلا أو مسخوطا . ( وخالفه ) الجمهور ، ~~وحجة الإمام مالك ه هذه الآية ، وأبطله ابن عبد البر بأن هذه الآية ( معجزة ~~لنبي وآية له فلا يصح الاستدلال بها ) . وأجاب ابن رشد : بأن الآية إنما ~~كانت في الإحياء ، وأما في قوله بعد أن حيى : فلان قتلني ، فليس فيه آية . ~~وقد كان الله قادرا على أن يحيي غيره من الأموات فيقول : إن فلانا قتل ~~فلانا . ( قلت ) : ورده ابن عرفة بأن موسى عليه السلام أخبرهم أن الميت ~~يحيا ويخبرهم بمن قتله فكان الأمر كذلك فكلا الأمرين آية . PageV01P333 وقد ~~قال الأصوليون ( إذا ) قال النبي : دليل صدقي أن هذا الميت يحيا ( فصار حيا ~~) . ( ( وقال : هذا الرجل كاذب . فقال القاضي أبو بكر الباقلاني : ( إن ) ~~ذلك دليل على كذبه . وقال الإمام ) ) لا يكون دليلا على كذبه . قالوا : ~~وأما إن قال : دليل صدقي أن هذا الميت يحيا ويقول لكم : إني صادق ، ( فيحيا ~~) فيقول : إنه صادق ، فلا خوف بينهم أنه دليل على صدقة . فكذلك هذا ( هو ) ~~معجزة ( بلا ) شك ، فهو خاص بهذه القضية لا يصح القياس عليه . وجعل الفقهاء ~~وجود القتيل في محلة قوم لوثا يوجب القسامة . وكانوا يحكون أن مسجد ~~الشماسين بتونس كان دار لبعض الموحدين وبجواره قوم لهم ولد صغير يجلس على ~~باب الدار بكسوة رفيعة ففقدوه ، فبحثوا عليه فوجدوه ميتا بمطمور تلك الدار ~~، فرأوا ذلك لوثا فعوقب الموحد وهدمت داره وبنيت مسجدا . قوله تعالى : { ~~فقلنا اضربوه ببعضها . . . } PageV01P334 قال ابن عرفة : لم ( يتعنتوا ) في ~~هذا ولو مكن الله إبليس منهم لقالوا ( لموسى ) : عين لنا ذلك البعض ما هو ؟ ~~وانظر قضية عمر ابن عبد العزيز مع الأمير . وأورد ( ابن عرفة هنا سؤالا ~~قائلا : لما أمروا بذبح بقرة مطلقة انتصبوا للسؤال : على أى بقرة هي ، ~~والأمر دائر بين أن يكون هذا منهم تعنتا أو استرشادا فإذا تقرر هذا فلأي ~~شيء لم يسألوا هنا ما هو البعض ms110 الذي يضربون به ميتهم فيحيي ؟ وأجيب : بأن ~~تفاوت أفراد الجنس والصنف ثابت بخلاف أجزاء الكل من حيث هو كل . وأجيب أيضا ~~بأنهم قادرون على أن يضربوا بكل بعض من أبعاض تلك البقرة حتى يوافقوا البعض ~~المراد بخلاف الآخر فإنهم غير قادرين على ذبح جميع البقر كلها . قلت : وهذا ~~قريب من الأول . قوله تعالى : { كذلك يحي الله الموتى . . . } . أفرد ~~الخطاب والمخاطبون جماعة : إما لقلة من يتأثر بهذه الآية ( منهم ) ، ثم ~~جمعهم في قوله ( ويريكم ) اعتبارا ( بظاهر ) الأمر ، وإما لأن المخاطب واحد ~~بالنوع . واستقرأ الفخر الرازي من الآية PageV01P335 فوائد كثيرة : منها أن ~~الزيادة في خطاب نسخ له . ومنها أن النسخ قبل الفعل ( جائز وإن لم يجز ) ~~قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى ( البدء ) . ورد ابن عرفة الأول بأنها ~~زيادة على النص . والصحيح أنها ليست ( بنص ) خلافا لأبي حنيفة . وقال ~~الطيبي : إنه من باب ( تقييد ) المطلق ، أو تخصيص العام ، لأن البقرة مطلقة ~~. قوله تعالى : { ثم قست قلوبكم . . . } جعل الزمخشري العطف ب ( ثم ) لبعد ~~ما بين منزلة الإيمان والكفر . قال ابن عرفة : ولا ( يبعد ) أن تكون على ~~بابها . ( فرد عليه بأن جعل ) بعد ذلك لابتداء الغاية ( فتناقض ) مهلة ( ثم ~~) ؟ فأجاب بأن دلالة ( ثم ) على المهلة نص لا يحتمل غيره ، فهو أقوى من ~~دلالة ( من ) على ابتداء الغاية . PageV01P336 وقال أبو حيان : السياق ~~يقتضي أنها لبعد ما بين المنزلتين . ورده ابن عرفة بأن الأصوليين رجحوا ~~الدلالة باللفظ على الدلالة المفهومة من السياق . قيل لابن عرفة : يلزم ( ~~على ما قلت ) أن يكونوا مر عليهم ( زمن ) هم فيه مؤمنون ؟ فقال : نعم وهو ~~المناسب وهو الزمن الذي كان فيه الرسول موسى بين أظهرهم ، وظاهر الآية أن ~~العقل في القلب . قوله تعالى : { فهي كالحجارة أو أشد قسوة . . . } . منع ~~أبو حيان أن تكون الكاف بمعنى ( مثل ) محتجا بأنه ليس مذهب سيبويه . وأجاب ~~ابن عرفة بأن ذلك إنما هو إذا جعلها حرفا . ونحن نقول : إنها اسم . وأورد ~~الشيخ الطيبي : ان القلوب شبهت بالحجارة مع أن المشبه بالحجارة إنما هو ~~قسوتها ( شبيهة ) بقسوة ms111 الحجارة . وأجاب : بأن التشبيه في الحقيقة راجع ~~للقسوة ، أي ( صلبت ) وخلت من ( الإنابة ) والإذعان ( لآيات الله تعالى ) . ~~PageV01P337 قاله ( ابن عطية ) . قال ابن عباس هما : المراد قلوب ( ورثة ) ~~القتيل لما ( أخبر ) بمن قتله ومات قالوا : كذب . قال ابن عرفة : فالمراد ~~أنها دامت على القسوة ، أو زادت قسوتها لأنهم لم يزالوا قبل ذلك منكرين ~~للقتل ، قال : ويضعف هذا بأنه لما قتل قاتل القتيل انقطعت تلك القسوة فلم ~~يبق من هو متصف بها . وجعل السكاكي هذا من ( ترشيح ) المجاز . قوله تعالى : ~~{ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار . . . } . قال الطيبي : إنها تذليل ~~لما قبلها لأنها في معناها . قال ابن عرفة : الصواب أنها تعليل أو بيان ~~للوجه الذي كانت به أشد من الحجارة ودليل عليه . وهذا تدلي أو ترقي الذم ~~وهو أولى من العكس لأن الحجارة التي تتفجر منها ( الأنهار ) أفضل وأعلى من ~~الحجارة التي تنشق فيخرج منها الماء . ويلزم من كونها أشد قسوة من التي ~~تنشق فيخرج منها الماء أن تكون أشد قسوة من المتفجرة عن الأنهار فلذلك أتى ~~به بعده . ولو قيل : إن من الحجارة لما ( ينشق ) فيخرج ( منها ) الماء ، ~~وإن منها لما يتفجر منه الأنهار لكان تأكيدا . انتهى . PageV01P338 قوله ~~تعالى : { وإن منها لما يهبط من خشية الله . . . } . قال ابن عرفة : يؤخذ ~~من الآية أن الأفضلية ثبتت للجنس بثبوتها لبعض أفراده لأن الحجارة الموصوفة ~~بذلك هي بعض من كل ، وقد ثبت التفضيل للجميع بقوله : فهي كالحجارة ، ولم ~~يقل فهي كالحجارة الموصوفة بكذا ، والحجارة عام إما بالألف واللام ( أو ) ~~بالسياق فقد فضل عليهم جميع الحجارة . قيل لابن عرفة : هذا تقسيم مستوفى ~~فليس ( من الحجارة ) شيء إلا داخل فيه ؟ فقال : الحجارة التي تتفجر منها ~~الأنهار ، والتي تنشق عن الماء لا قساوة فيها بوجه ، وهم إنما ~~ذموابمشاركتهم للأحجار في القساوة مع الزيادة عليها فقد فضلت عليهم الحجارة ~~القاسية لكونها من جنس ما هو غير قاس . قيل له : فكل ما نراه من الأحجار ~~ساقطا من فوق ، هلا تقول : إنه ( هبط ) من خشية الله ؟ فقال : ( ( الآية ~~إنما ms112 دلت على ( أن ) بعض الحجارة يهبط ) ) من خشية الله لا كلها ، وكل ما ~~نراه هابطا يجوز أن يكون هبوطه من خشية الله . قال الفخر : وهذا مثل قوله ~~تعالى : { لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ~~} PageV01P339 قال ابن عرفة : ليست مثلها لأن تلك شرطية ، والشرط قد يتركب ~~من المحال بخلاف هذه . قال : وقوله : { من خشية الله } هو قيد في الجميع ، ~~لأن تفجر الأنهار أيضا من خشية الله . قوله تعالى : { أفتطمعون أن يؤمنوا ~~لكم . . . } استفهام على ( سبيل ) الاستغراب فيتناول النبي والمؤمنين ، ( ~~أو على الإنكار فيتناول المؤمنين فقط ) . قوله تعالى : { يسمعون كلام الله ~~ثم يحرفونه . . . } . ( ابن عطية : قال ابن إسحاق : وهم السبعون الذين ~~سمعوا كلام الله مع موسى ، ثم بدلوه . ابن عطية ) : وهذا ضعيف وخطأ لأن ~~فيها ( إذهابا ) لفضيلة موسى في اختصاصه ( بالتكليم ) . قال ابن عرفة : بل ~~هو مقرر للفضيلة لأنهم ( إنما ) سمعوا كلام الله بحضرته من أجله وعلى سبيل ~~التبعية له . وقيل : المراد سماعهم تلاوة التوراة والصحف من موسى ، وكونهم ~~بدلوا فيها وغيروا ، فالسماع الأول حقيقة وهذا شبه مجاز في المسموع لا في ~~PageV01P340 نفس السماع ، لأن مسموعهم ليس هو كلام الله تعالى ، إنما هو ~~كلام موسى عليه السلام ، ومدلوله كلام الله ، ونظيره سماعك كلام زيد من ~~ناقل ( نقله عنه ) . قال الزمخشري : والمراد ( بالتحريف ) ما يتلونه من ~~التوراة ، ثم يحرفونه كما حرفوا صفة رسول الله وآية الرجم . قيل لابن عرفة ~~: لم يبدلوا آية الرجم إنما وضع مدرسهم يده عليها فقط ؟ فقال : المراد ~~بالتحريف الكتم أو عدم العمل بمقتضاها . قيل لابن عرفة : إن الشيخ أبا علي ~~ناصر الدين البجائي المشذالي كان يحتج بهذه الآية على إثبات العمل بالقياس ~~، وقرره بأنه سجل على هؤلاء بالكفر قياسا على أحبارهم ومن سلف ( منهم ) ~~الذين شاهدوا الآيات البينات وسمعوا كلام الله إما مشافهة أو بواسطة ؟ فقال ~~ابن عرفة : إنما فيها استحالة ثبوت المعنى وهو الإيمان لوجود المانع ( منه ~~) وهو أحبارهم ( يحدثونهم ) بتحريف من سلف ( منهم ) وكفرهم . PageV01P341 ~~واللام في قوله { يؤمنوا لكم } الأصوب ( أن ms113 تكون بمعنى ( مع ) ويبعد كونها ~~) للتعليل أي يؤمنوا لأجلكم لأن مفهومه حصول الإيمان منهم بسبب آخر غير ~~المؤمنين . قوله تعالى : { وإذا لقوا الذين ءامنوا . . . } عبر ب ( إذا ) ~~مع أنهم يكرهون لقاء المؤمنين لوجهين : إما لعلم الله تعالى أنهم لا بد لهم ~~من لقائهم ، وإما لأن النبي عليه السلام مأمور بتبليغ الوحي لهم ولغيرهم ~~فلا بد ( لهم ) من لقائه ، وإنما قال { وإذا لقوا } ولم يقل وإذا أتوا ، ~~إشارة إلى أن لقاءهم للمؤمنين إنما يكون فجأة غير مقصود ( ومن خبثهم أنهم ) ~~{ قالوا ءامنا } من غير تأكيد نزلوا أنفسهم منزلة البريء ( الغير متهم ) ، ~~ولم يذكروا بمن آمنوا حتى يبقى الكلام مطلقا يفهمه المخاطب على شيء ، ويقصد ~~به المتكلم شيئا آخر . قوله تعالى : { قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ~~ليحآجوكم به عند ربكم . . . } . قال ابن عرفة : هذا من رؤسائهم المنكرين ~~عليهم قصور الإنكار والمناسب لحالهم المبالغة في الإنكار ( عليهم ) لأنهم ~~ما أنكروا عليهم إلا التحدث الموجب للحاجة فمفهومه أنهم أباحوا ( لهم ) ~~مطلق الحديث مع المؤمنين لكن يبقى النظر / هل اللام في ( ليحآجوكم ) تعليل ~~للحديث أو للإنكار ؟ ( وهل ) اللام سابقة على الهمزة ، PageV01P342 ( ثم ) ~~دخلت الهمزة على الحديث لأجل ( المصاحبة ) فأنكرته بعلته أو الهمزة سابقة ~~فدخل التعليل بعدها فكان علة الإنكار ؟ ( وهل ) قبل حديثهم لأجل ( المحاججة ~~) هو المنكر أو المراد أن الحديث في ( الإطلاق ) وأنكر ( خوف ) المحاجة به ~~؟ وجعل أبو حيان اللام في ( ليحآجوكم ) للصيرورة بناء عنده على أنه تعليل ~~للتحدث وإذا جعلناها للإنكار ( تبقى ) اللام ( على بابها ) من التعليل ~~الحقيقي ويكون الإنكار بليغا لا قصور فيه بوجه . قلت : ورده بعضهم بأنه على ~~هذا يكون المعنى لا تحدثوهم بما فتح الله عليكم لئلا يحاجوكم به عند ربكم ، ~~فيكون الرؤساء أقروا ( أن ) للمؤمنين عليهم حجة بذلك يوم القيامة ، وهم ~~إنما غرضهم ( التمويه ) على العوام ، وتنفيرهم من الإيمان فكيف يقرون لهم ~~بصحة هذا الدين ؟ PageV01P343 وأعرب الطيبي ( عند ربكم ) بدلا ( مما ) { ~~فتح الله عليكم } لأنه هو . ورده ابن عرفة : إنما يكون ( هو إن لو ) قيل : ~~ليحاجوكم . قوله تعالى : { أفلا ms114 تعقلون } . إما من كلام الله أو من ( قول ) ~~المنكرين ، وعلى هذا حمله ابن عطية على العقل التكليفي فقال : العقل علوم ~~ضرورية . قال ابن عرفة : والصواب أنه العقل النافع أي أفلا تعقلون من أجل ~~هذا . قوله تعالى : { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } عطف ( يعلنون ) ~~على ( يسرون ) تأكيد ليدل اللفظ عليه بالمطابقة واللزوم ، وأفاد العطف ~~التسوية بين علمه السر ( والجهر ) كما قال الأصوليون في عطف صيغة افعل ~~المحتملة للوجوب والندب على ما هو نص في أحدهما ، وكما قال ( ابن بشير ) في ~~سبب الخلاف في النوم : هل هو حدث أو سبب في الحدث ؟ PageV01P344 قوله تعالى ~~: { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني . . . } قال ابن عطية : ~~الأميون عامة اليهود وأتباعهم لا بطمع في إميانهم . قال ابن عرفة : يؤخذ ~~منه ذم التقليد لكن في الباطل ، ولا نزاع فيه . ابن عطية : وقيل : قوم ذهب ~~كتابهم . وقيل : نصارى العرب . وعن علي هم المجوس . | واستبعده ابن عرفة ~~لأنهم لا كتاب لهم ، ( وقد ) جعلهم منهم . ووجهه ابن عطية : بأن الضمير في ~~( منهم ) على هذا يرجع للكفار أجمعين ( لا أنه ) خاص بأهل الكتاب . قال أبو ~~حيان : والاستثناء منفصل . قال الطيبي : يعلمون ( بمعنى ) يعرفون . ولا يصح ~~أن تكون ( أماني ) مفعولا ثانيا لها لأن علم المتعدية إلى اثنين داخله على ~~المبتدأ والخبر والكتاب ليس هو الأماني بل غيرها . PageV01P345 ورده ابن ~~عرفة بأن ذلك إنما هو في الإثبات ، وأما في النفي فيجوز أن تقول : لا أعلم ~~زيدا حمارا . قيل له : هذا الثاني مثبت ولا يجوز أن تقول : لا أعلم زيد إلا ~~حمارا ؟ فقال : الأماني ( هنا ) في معنى النفي إذ ليس المراد إلا النفي ~~المطلق . قال ابن عرفة : والأماني ، إما بمعنى التلاوة أي لا يعلمون معنى ~~الكتاب بل يحفظون ألفاظه فقط ، وأنشدوا عليه قولا في عثمان : ( تمنى ) كتاب ~~الله أول ليله . . . وآخره لاقى حمام المقاد وإما معنى ( التمني ) أي أنهم ~~يتمنون أن يكونوا يحفظونه ويعلمونه . قلت : وتقدم لنا في الختمة الأخرى أنه ~~من تأكيد الذم بما يشبه المدح كقوله : هو الكلب إلا ms115 أن فيه ملالة . . . ~~وسوء مراعاة وما ذاك في الكلب وعكسه كقوله : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم . ~~. . بهن فلول من قراع الكتائب PageV01P346 قوله تعالى : { وإن هم إلا يظنون ~~} . ابن عطية : الظن على بابه ونقل عن الشيخ أبي علي ناصر الدين أنه معنى ~~يشكون . ورده ابن عرفة : بأن فروع الشريعة عندنا يكفي فيها الظن والأمور ~~الاعتقادية لا بد فيها من العلم وهذا أمر اعتقادي فالظن ( فيه ) غير ( كاف ~~) فلذلك سجل ( عليهم بوصف الظن ) دون الاتصاف بالعلم فلا يحتاج إلى جعله ~~بمعنى الشك . قوله تعالى : { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم . . . } ~~الفاء للاستئناف أو للسبب . ابن عطية : قال الخليل : الويل شدة الشر . وقال ~~الأصمعي : الويل ( القبائح ) وهو مصدر ( لا فعل له ) ينصب على الدعاء . ~~واستبعده ابن عرفة أن يراد به القبائح قال : إنما يفهم منه العقوبة ~~المترتبة على القبائح قال : وويل وويح ( وويس وريب ) ( متقاربة ) وقد فرق ~~بينها قوم . قلت : قال : القاضي عياض في الإكمال PageV01P347 في كتاب ~~الإيمان في حديث خرجه مسلم من رواية واقد بن محمد أنه سمع أباه يحدث عن عبد ~~الله بن عمر هما ، عن النبي قال في حجة الوداع : ( ويحكم ، أو قال : ويلكم ~~لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) . قال القاضي عياض : ويح ، ~~وويل للتعجب والتوجع كما قال سيبويه ويل ( لمن ) ( وقع ) في مهلكه ، وويح ~~يترحم بمعناها ، وحكى عنه ويح لمن أشرف على ( المهلكة ) . قال غيره : ولا ~~يراد بها الدعاء بإيقاع الهلاك ولكن الترحم . وروي عن عمر بن الخطاب ه : ~~ويح ترحم . PageV01P348 قال الهروي : ويح لمن وقع في مهلكة لا يستحقها / ( ~~فيرثى ) له ويترحم عليه ، وويل للذي يستحقها ولا يترحم عليه . وقال الأصمعي ~~: ويح ترحم ، وابن عباس : الويل المشقة . قال ابن عرفة : هو الحزن ( وقيل ~~الهلاك ) . | قلت : وقال القاضي في حديث ( ويحك يا أنجشة ) ( رويدك ~~بالقوارير ) . قال سيبويه : هي لمن وقع في مهلكة ( لا يستحقها ) فيرثى له ~~ويترحم عليه ، وويل بضده ، وويس تصغير أي ( دونها ذكره في كتاب الفضائل ) . ~~قوله تعالى : { ثم يقولون هذا من عند الله ms116 . . . } . ( ( ثم ) ) لبعد ما ~~بين منزلة الكتب والقول . PageV01P349 قيل لابن عرفة : ( الكتاب ) لا شيء ~~فيه ، إنما العقوبة على نسبته إلى الله . فقال : لا بل على الأمرين كمن ~~يكتب ( عقودا ) يضرب فيها على الخطوط والشهادات ( ويخليها ) عنده ، فإنه قد ~~ارتكب محظورا فإن أظهرها ونسبها إلى تلك الشهود وطلب بها فهو قد فعل محظورا ~~( آخر ) . قيل لابن عرفة : نص ابن التلمساني في آخر باب النسخ على أنهم ~~أجمعوا على تكفير من كذب الله ، واختلفوا في تكفير من كذب على الله . فقال ~~ابن عرفة : هذا مشكل فمن يفتي بالخطأ كاذبا على الله يلزم أن يكون كافرا ~~وليس كذلك . قوله تعالى : { ليشتروا به ثمنا قليلا . . . } . قال ابن عرفة ~~: إما أن يراد ( يبيعونه ) بشئ تافه ، أو بلا شيء كقول سيبويه : مررت بأرض ~~فلما تنبت ( البقلا ) أي لا تنبت شيئا ونحوه . قال الزمخشري في قوله تعالى ~~: { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون } وفي قوله ~~في النساء : { فلا يؤمنون إلا قليلا } وأنشد : PageV01P350 ( قليل التشكي ~~للمهم يصيبه . . . كثير الهوى شتى النوى والمسالك ) وأنكره أبو حيان وذكره ~~أيضا الزمخشري في سورة النمل في قول الله : { ويجعلكم حلفآء الأرض أءلاه مع ~~الله قليلا ما تذكرون } قال : المعنى نفي التذكير . والقلة تستعمل في معنى ~~النفي . قال ابن عرفة : معنى كتبهم : إما أنهم يكتبون زيادات يدلون فيها ( ~~صفات ) النبي وغير ذلك مما يقصدون تبديله لغرض ما ويعطون ذلك لعوام ويقولون ~~لهم : إنه منقول من التوراة ، وإما أنهم يخبرونهم بذلك بالقول : إنه ( من ) ~~التوراة دون ( كتب ) ، وأما ( تبديلهم ) ذلك في نفس التوراة فلا ، ( وقد ~~قال ابن فورك : إن صفاته الآن موجودة في التوراة ) . وقال المازرى في ~~الأحوذى له عن ( الجوزقى ) إن اسمه فيها بالعبرانية ( وار كليط ) وما زالت ~~تقع في ( الكتبيين للبيع ) . والفرق بينهما أن القرآن PageV01P351 أخبرنا ~~الله تعالى فيه أنه تكفل بحفظه والتوراة أمر أهلها بحفظها ونحن لا نثق بهم ~~في قولهم : إنهم حفظوها ، فلعلهم عصوا ذلك ، لأمر ولم يمتثلوه . . وبرهان ~~هذا واضح بالبحث عن القرآن في الأقطار كلها ms117 المحصل للعلم والتواتر . قيل ~~لابن عرفة : قال بعضهم : الدليل على أن التوراة لم تزل في نفسها على ما ~~كانت عليه غير مبدلة أنها في الأقطار كلها متساوية الجرم على نوع واحد ولو ~~بدلوها لاختلفت في الأقطار ؟ قالوا : وهي لا تقع إلا في خمسة أسفار ( وصفات ~~) النبي صلى الله عليه وسلم في الخامس منها . قال ابن عطية : قال ابن إسحاق ~~: كانت صفته في التو اة أسمر اللون ربعة ، فردوه آدم طويلا . قال ابن عرفة ~~: نصوا على أنه لا يقال فيه : أسمر لأنه نقص . قيل له : ذكروا في صفاته أنه ~~أبيض بياضا مشوبا بحمرة . وهذا أحد ما تصدق عليه السمرة . فقال : لفظ ( ~~أسمر ) موهم لإطلاقه على القريب من الأسود . قوله تعالى : { فويل لهم مما ~~كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } . PageV01P352 أي من كل خطيئة يكسبونها ~~بالإطلاق كتبا أو غيره ، فهو من عطف العام على الخاص . قوله تعالى : { قل ~~أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده . . . } قال الزمخشري : الفاء ~~جواب شرط مقدر أي أن اتخذتم عند الله عهدا . قال ابن عرفة : لا يحتاج إلى ~~هذا لأن ( الثاني ) ملزوم للأول ، فاتخاذ ( العهد ) ملزوم للوفاء به فيصح ~~عطفه عليه ، ودخل ( العهد ) الإنكار على الفعل وما عطف عليه فهو كالنفي ~~سواء ينفي الفعل وما عطف عليه . وكذا قال الطيبي : إن كلام الزمخشري هنا ~~مبني على أن { فلن يخلف الله } كلام مستأنف ولو كان عنده معطوفا على { ~~أتخذتم } لما احتاج إلى تقدير شيء . PageV01P353 قال ابن عرفة : وكان ( ~~يظهر ) لنا أنه يخرج لنا من الآية أن النافي للدعوة مطالب بالدليل على ذلك ~~( لأنه ) أنكر عليهم قولهم { لن تمسنا النار } قال : ( وكان ) ابن عبد ~~السلام يجيب عنه بأنهم ادعوا أمرا مشتملا على نفي وإثبات فطولبوا بالدليل ~~على طرف الإثبات . ورد بأن من ادعى ما يوافقه الخصم عليه لا يحتاج إلى دليل ~~، ونحن نوافقهم على مس النار لهم أياما ونخالفهم في طرف النفي . وأجيب عنه ~~بأن الإنكار في طرف النفي لكنه نفي ما قد حصل وتقرر ثبوته لأنهم وافقوا ms118 على ~~مس النار إياهم أربعين يوما . ومن ادعى على رجل حقا فأقر به ، وقال : دفعته ~~، يطالب بالدليل على براءته منه . قال ابن عرفة : الكلام معهم في مدة النفي ~~لا في مدة الإقرار . وأجيب أيضا بأن هذا النفي يستلزم ثبوتا ، لأنه ليس ~~هناك إلا جنة أو نار ، فإذا نفوا عنهم النار فقد / ادعوا أنهم في الجنة ، ~~فقال : إنما علمنا الجنة أو النار بالشرع ، وكلامنا الآن في الدليل العقلي ~~، لأن الدليل العقلي اقتضى أن النافي لا يطالب بالدليل . فقيل له : بل ذلك ~~أيضا معلوم من الشرع لحديث ( البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ) . ~~قوله تعالى : { بلى من كسب سيئة . . . } قال ابن عرفة : وجه مناسبتها لما ~~قبلها أنه لما تضمن الكلام السابق ( ادعاء ) الكفار أنهم لا يعذبون بالنار ~~إلا زمانا ( مخصوصا ) يسيرا ، رد عليهم ذلك بوجهين : PageV01P354 - الأول : ~~مطالبتهم بالدليل على ذلك حسبما تضمنه { قل أتخذتم عند الله عهدا } - ~~الثاني : أنهم لما عجزوا عن الإتيان بالدليل ( احتمل ) أن يكون دعواهم في ~~نفس الأمر صحيحة ، فأتى بهذا الدليل على بطلانها . فقال : { بلى من كسب ~~سيئة } . ظاهر الآية حجة لأهل السنة في إثبات الكسب لأنهم اصطلحوا على ~~إطلاق هذا اللفظ مرادا به القدرة على الفعل مع العلم بما فيه من مصلحة أو ~~مفسدة ، والأصل عدم النقل ، فإن قلت : المراد به معناه اللغوي ؟ قلنا : ~~الأصل موافقة اللغة للاصطلاح ، وعدم النقل فلعله كذلك في اللغة . فإن قلت ~~بقول ( المعتزلة ) : المراد به عندي استقلال العبد بقدرته وأنه يخلق أفعاله ~~، والأصل عدم النقل ، فلعله كذلك في اللغة ؟ قلنا : قد أبطلنا مذهبهم في ~~الأصول بموافقتهم على الداعي . | و ( من ) إما موصولة أو شرطية ، والظاهر ~~الأول لعطف الموصول عليها ولأن الشرط ( قد ) يتركب من المحال . تقول : ( لو ~~اجتمع ) النقيضان لكان زيد متحركا ساكنا ، وهذا صادق مع أنه محال ، وكسب ~~السيئة قيل : المراد به ما سوى الكفر من المعاصي . { وأحاطت به خطيائته } ~~المراد به الكفر . وقيل : بالعكس . قيل لابن عرفة : أو المراد بالجميع ~~الكفر ؟ فقال : يكون العطف تكرارا . PageV01P355 ( قيل له ) : بل ms119 المعنى ~~كسب السيئة وأحاطت به تلك السيئة ؟ ( قال ) : والخلود إن كان كسب السيئة ~~مرادا به المعاصي سوى الكفر ، والخطيئة المراد بها الكفر ، فيكون من ~~استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه لأن خلود الكفار حقيقة وإن كان شيئا ~~واحدا ، ( فيجوز ) فيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة . ويفرع على القول ~~الأول بأن معنى الخطاب بذلك راجع إلى تضعيف العذاب على المخالفة في الدار ~~الآخرة ، فيكون هذا خلودا خاصا . والآية حجة لأهل السنة ( بدليل ) أداة ~~الحصر . ( فالمعنى ) : هم الخالدون لا غيرهم . قيل لابن عرفة : يخرج من ~~حافظ منهم على الفروع فيلزم أن يكون غير ( مخلد ) ؟ فقال : السياق يبين أن ~~هذا خلود خاص . قال الطيبي : يحتمل أن يراد بالسيئة كل ما فعل عن قصد ، ~~وبالخطيئة ما فعل غير مقصود كمن شرب الخمر فلما سكر ضرب رجلا ( أو قتله ) . ~~PageV01P356 الزمخشري : قال الحسن : كل آية نهى الله عنها ، وأخبرك أن من ~~عمل بها أدخله النار فهي الخطيئة المحيطة . قال ابن عرفة : صوابه كل نهي . ~~قال ابن عرفة : وزيادة لفظ الخلود دليل على أن الصحبة ( تطلق ) على مطلق ~~الاجتماع وإن لم يكن معه دوام . قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل لا تعبدون إلا الله . . . } قال ابن عرفة : هذا دليل على أن ~~الاستثناء من النفي إثبات . قيل لابن عرفة : نقول إنه محتمل للإثبات والنفي ~~، والدليل العقلي عين هنا أحد المحتملات ، وهو الإثبات ، فقد تقرر عند ~~الجدليين والأصوليين أنه إذا تعارض حمل الكلام على فائدة ( احتمل أن تكون ) ~~فهمت من مجرد اللفظ ، ( أو ) من خارج ، فالأولى ( ترجيح ) فهمها من اللفظ . ~~وتقرر عند الجدليين أن جواز الإرادة موجب ( للإرادة ) بجواز إرادة أن ~~الاستثناء من النفي إثبات موجب لإرادة ذلك . قال : ولا يصح أن يكون { لا ~~تعبدون } بدلا من { ميثاق } فإنه متعلق الميثاق لا نفس الميثاق . قلت : ~~يكون بدل اشتمال ، أو بدل شيء من شيء على تقدير مضاف أي ميثاق لا تعبدون ~~إلا الله . PageV01P357 قوله تعالى : { وقولوا للناس حسنا . . . } . قال ~~ابن عرفة : المراد هو الحسن شرعا ، فيدخل فيه تغيير المنكر ms120 ، فإنه من القول ~~الحسن ، وليس المراد به القول الملائم للناس ، ومجرد تحسين الخلق معهم ، ~~فإنه يخرج عنه تغير المنكر مع أن الأمر يتناوله هو وغيره ، ويحتمل أن ~~التكليف به لهم في شريعتهم أو في شريعتنا بعد ( إيمانهم ، أو بعد التوفيه ~~بذلك ) ، وتقيده بالإعراض إشارة إلى دوامهم على ذلك ، والإصرار عليه فإن ( ~~المتولي ) على قسمين : فواحد يطمع في رجوعه ، وآخر لا يطمع فيه بوجه فهذا ~~هو المعرض . قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمآءكم . . . } ~~تضمن الكلام السابق أمرا اعتقاديا وأمرا فرعيا ، ( وهذا تضمن أمرا فرعيا ~~فقط ) وسفك الدماء أشد من الإخراج من الديار ، فالنهي عنه لا يستلزم النهي ~~عن الإخراج من الديار ، فكان ذلك ترقيا في الذم . وقراءة ( يسفكون ) ~~بالتخفيف أعم من ( قراءة ) التشديد لأنه نهي عن مطلق السفك . ووجه قراءة ~~التشديد أن النهي أتى على وفق حالهم / في سفك الدماء ، وكانوا قد تناهوا ~~وبلغوا الغاية . قوله تعالى : { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } . PageV01P358 ~~قال ابن عرفة : إما أن المراد أقررتم بذلك إقرارا يتضمن أنكم حصل لكم بذلك ~~العلم اليقيني ، فهو يبلغ إلى درجة الشهادة ، لأن الإنسان يقر بها : يظن ~~ولا يشهد إلا بما يعلم . قلت : وأشار الزمخشري إليه حيث جعله كقولك : فلان ~~مقر على نفسه بكذا ، شاهد عليه . قال ابن عرفة : وإما أن يراد أقر كل واحد ~~منكم على نفسه وشهد على غيره . الزمخشري : وقيل : وأنتم تشهدون اليوم يا ~~معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق . زاد ابن عطية : أقررتم ( ~~خلفا بعد سلف ) أن هذا الميثاق أخذ عليكم ، والتزمتموه ، فيتجه في هذه ~~اللفظة أن تكون من الإقرار الذي هو ضد الجحد ، ويتعدى بالباء ، وأن تكون من ~~الإقرار الذي هو إبقاء الأمر على حاله أي أقررتم هذا الميثاق ملتزما . ( ~~وأنتم تشهدون ) أي تحضرون أخذ الميثاق والإقرار . قوله تعالى : { بالإثم ~~والعدوان } يحتمل أن يكون الإثم هو مواقعة الذنب خطأ من غير قصد ، والعدوان ~~مواقعة ( الذنب عن قصد ) . PageV01P359 قوله تعالى : { أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب . . . } أنكر عليهم تناقضهم كما هو في قول الله { أتأمرون الناس ~~بالبر ms121 وتنسون أنفسكم } ليس المنكر كل واحد ( من الأمرين ) على حدته ، لأن ~~الإيمان ( بالبعض ) وأمر الناس بالبر غير منكر ، إنما المنكر ( الكفر ) ~~بالبعض ( وعدم ) الاتصاف بالبر ، والمنكر ( الجمع بين ) الأمرين . وعبر ~~بالفعل المضارع للتصوير والدوام . قيل لابن عرفة : في الآية حجة لمن يقول ~~بوجوب فداء الأسارى لقوله تعالى : { أفتؤمنون ببعض الكتاب } بعد أن قالوا : ~~{ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم } فدل على أن ( فداء ) الأسارى ( من جملة ) ما ~~في كتابهم . فإذا قلنا : إن شرع من قبلنا شرع لنا ، نقول : إن الفداء في ~~شرعنا واجب ؟ ( فقال : نعم ) . قوله تعالى : { فما جزآء من يفعل ذلك منكم ~~إلا خزي . . . } PageV01P360 ولم يقل : من فعل . قال ابن عرفة : في التعبير ~~بالمضارع ترج وإطماع لهم في العفو ، ( لأن ) من فعل ذلك في الماضي وتاب لا ~~يجازى بالخزي ، إنما يجازى به من لم يتب . قوله تعالى : { يردون إلى أشد ~~العذاب . . . } إن قلت : ( الرد ) يقتضي تقدم الحلول في المردود إليه ؟ ~~قلنا : هؤلاء كانوا فيما هو من جنس ذلك العذاب لأن العذاب نالهم في الدنيا ~~. قال الله تعالى : { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } فإن قلت : كيف هو أشد ~~وعذاب المنافقين أشد وعذاب الدهرية أشد لنفيهم الصانع ؟ قلنا : الأشدية ~~مقولة بالتشكيك ، أو المراد أشد العذاب الذي علم الله حلوله بهم في الدنيا ~~والآخرة ، فلا ينافي أن يحل بغيرهم ما هو أشد منه . فعذاب الدهرية أشد ، ~~وعذاب المجوس أشد ، وكان بعضهم يقول : إن الدهرية لم يدعوا نفي وجود الصانع ~~إنما قالوا : { وما يهلكنآ إلا الدهر } فادعوا أن لهم خالقا أوجدهم فقط ، ~~أو ( يقال ) : قوله تعالى : { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } ~~PageV01P361 لم يعين أنه أسفل الطبقات نصا فالمراد أنه أسفل من غيره ~~بالإطلاق فيصدق بكونه أسفل من طبقة ( ما منها ) . قلت : الآية خرجت مخرج ~~الذم للمنافقين و ( الدرك ) معرف بالألف واللام العهدية ، والمعهود ( هنا ) ~~في الأسفل إنما هو ما بلغ الغاية في الانخفاض لا سيما إن قلنا : ( الأصح ) ~~الأخذ بأواخر الأشياء . قيل لابن عرفة : ظاهر الآية أن من كفر بالجميع ~~عذابه أخف من عذاب ms122 من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه مع أن كفر الأول أشد ؟ ~~فأجاب : بأن الإيمان بالبعض دليل على حصول ( العلم ) وكفر العالم أشد من ~~كفر الجاهل . قلنا : أو يجاب بأن ( عذاب ) الجميع ( متساو ) فيصدق على كل ~~فريق أن عذابه أشد ، وهم مستوون في الأشدية ، أو المراد أشد العذاب المعهود ~~في الدنيا ، لأن عذاب الدنيا على أنواع : ( منها ) الضرب والسجن ، وأشدها ~~عذابا النار أي يردون إلى عذاب النار . PageV01P362 قوله تعالى : { اشتروا ~~الحياة . . . } قوله تعالى : { فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون } قال ~~ابن عرفة : هذا ليس بتكرار : - فالأول اقتضى أن ذلك العذاب لا يرجى من ~~فاعله شفقة على المفعول ولا تخفيفا عنه . - والثاني اقتضى أنه لا يقدر أحد ~~على ( استخلاص ) المفعول من ذلك العذاب ونصرته بوجه . قوله تعالى : { ولقد ~~ءاتينا موسى الكتاب . . . } إن قلت : الخطاب لليهود وهم معترفون بنبوة موسى ~~عليه السلام فما فائدة القسم على ذلك ؟ قلنا : فائدته التنبيه على مساواة ~~غيره من الرسل الآتين بعده ( له ) في النبوة ، وأن نبوتهم حق كما ( هي ) ~~نبوة موسى عندهم حق . قال ابن عرفة : وهذه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~، لأن القاعدة أن من ادعى أمرا محالا لم يسمع منه ، وإن ادعى أمرا ممكنا ( ~~سمع منه وطلب ) بالدليل على صحته . والدليل قسمان : PageV01P363 جدلي ~~برهاني للخواص ، ودليل للعوام ، فبين لهم أولا أنه ادعى أمرا ممكنا ، | ( ~~واستدل عليه لهم بدليل برهاني ) خاص بالخواص ، ثم استدل لهم الآن بالدليل ~~الذي يفهمه العوام ، وهو أنه إنما ( ادعى ) أمرا تكرر أمثاله قبله فلم ~~يأتكم بأمر غريب فهو ممكن عقلا ، | ( واقع ) أمثاله بالمشاهدة ، فحقكم أن ~~تنظروا في معجزته فتؤمنوا به . فإن قلت : ما أفاد ( من بعده ) مع أن ( ~~القبلية ) تفيد معنى البعدية ؟ قلت : لإفائدة أول أزمنة البعدية إشارة إلى ~~أن موسى عليه السلام من حين أرسله لم تزل شريعته باقية معمولا بها حتى أرسل ~~رسولا آخرا فكان مقرر لها كيوشع بن نون أو ناسخا كعيسى . وعين موسى وعيسى ~~دون غيرهما إما لأن المخاطبين بهذه الآية اليهود والنصارى ، أو لأن ms123 ~~المتبعين لشريعة موسى وعيسى باقون قيام الساعة ، ولم يبق أحد ( ممن ) تشرع ~~بشريعة غيرهما من الأنبياء . فإن قلت : لم خصص عيسى بذكر ( الآيات ) ~~البينات ؟ قلنا لوجهين : إما لأنه بشر بنبينا سيدنا محمد حيث قال : { ~~ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه PageV01P364 أحمد } واستظهر على صحة قوله ~~بمعجزات واضحات ، وإما لأن الخطاب لليهود وهم كافرون بعيسى ، ( فمعناه ) ~~أرسلنا من بعده موسى رسلا ، منهم عيسى ورسالته ، ( قام ) الدليل على صحتها ~~، وأنها نسخت شريعة نبيكم موسى فكذلك هذه الرسالة . قوله تعالى : { أفكلما ~~جآءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم . . . } قال ابن عرفة : هذا نهي عليهم ، ~~ومبالغة في ذمهم ، لأن ما لا تهواه ( النفس ) أعم مما تكرهه ( النفس ) ، ~~والمعنى أنهم مهما أتاهم رسول من عند الله تعالى بأمر ( لا يحبونه ) سواء ~~كانوا يكرهونه أو لا ، فإنهم ( يستكبرون ) ويكفرون به ونظيره قوله تعالى في ~~سورة العقود : { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون } ولم يقل : ~~ومن حكم بغير ما أنزل الله ، فيتناول من ترك الحكم ولم يحكم بشيء ، لأن ~~الفصل بين المسلمين بالحق واجب . وأورد الزمخشري سؤالا قال : لم قال ( ~~ففريقا كذبتم ) بالماضي ( وفريقا تقتلون ) بالمضارع ؟ وأجاب بان التكذيب في ~~أفراد متعلقاته كله ماض ، والقتل في ( بعض ) آحاد متعلقاته مستقبل ، لأنهم ~~PageV01P365 كانوا يحبون أن يقتلوا النبي ، وقد أهدت له يهودية في ( خيبر ) ~~شاة مصلية وسمت فيها الذراع ، لأنه كان يحبه ، وأخبره الذراع بالسم بعد أن ~~لاكه في فيه ، ثم ألقاه منه ، ثم قال في مرضه الذي ( انتقل فيه إلى الفردوس ~~الأعلى ) : ما زالت من الأكلة التي أكلت بخيبر ( فهذا أوان انقطاع ) أبهري ~~. ولهذا يقال : إن النبي صلى الله عليه ولم مات شهيدا . قوله تعالى : { ~~وقالوا قلوبنا غلف . . . } الظاهر أنه بلسان المقال لا بلسان الحال ، ~~واختلفو في تفسيرها ؟ فقال الزمخشري : أي خلقت قلوبهم غير قابلة ( للإيمان ~~) بوجه . ونقل ابن عطية عن ابن عباس ه : أن المعنى قلوبنا ذات غلاف يمنعها ~~من ( قبول ) الإيمان . والأول أشد ، أو معناه أنها ممتنعة من القبول لذاتها ~~وهذا يقتضي أن المانع ms124 لها غير ما قال الزمخشري . PageV01P366 وقيل : غلف ~~مخفف غلف جمع غلاف أي قلوبنا غلاف لغيرها ، والغلاف الوعاء ، أي هو وعاء ~~للعلم ، وهو نقيض الأول لأنه يقتضي أنها مستغنية بعلمها عن علم الرسول الذي ~~( جاء ) به . وعلى الأول يكونون : إما قصدوا الاستهزاء به ، وإما الاستعذار ~~( له ) بأنهم جاهلون ( لا يفهمون ذلك ولا يطيقون ، فعلى أنهم قصدوا الإخبار ~~) بأنهم ( غنيون بعلمهم عن علمه ) يكون الإضراب يدل على ذلك الكلام حقيقة ، ~~وكذلك إن أرادوا أنها خلقت غير قابلة للإيمان فالإضراب عن لازم ذلك وهو ~~الاستعذار أي لا عذر لهم في ذلك بوجه لأن كونها ذات مانع هو الثابت في نفس ~~الأمر فلا يصح ( إبطاله ) . قوله تعالى : { فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به . ~~. . } قال الزمخشري : أي ما عرفوا من الحق كفروا به بغيا وحسدا وحرصا على ~~الرئاسة . PageV01P367 قال ابن عطية : المراد بقوله ( ما عرفوا ) الرسول ؟ ~~قال ابن عرفة : واستشكلوه لأن ( ما ) لا تقع إلا على ( ما لا يعقل ) ( أو ~~على أنواع من يعقل ) . وأجيب بأنها واقعة على صفة من يعقل لا على ذاته ، أي ~~ما عرفوا من نبوته وصفاته وصحة رسالته كفروا به ، وكان بعضهم يأخذ من الآية ~~جواز الاكتفاء في الشهادة والأحكام بالصفة دون تعريف . وأجيب : بأنه احتفت ~~به قرائن تقوم مقام التعيين ، وهي المعجزات التي جاءهم بها . ورد بأن ~~المعجزات خارجة عن هذا وكافية وحدها ، وليست مذكورة في الآية إنما المذكور ~~فيها معرفتهم له من حيث الصفة التي في كتابهم فقط من غير ضميمة إلى ذلك . ~~وفي كتاب اللقطة : وإذا وصل كتاب القاضي إلى قاض آخر ، وثبت عنه بشاهدين ، ~~فإن كان الفعل موافقا لما في كتاب القاضي من صفته ، وخاتم القاضي في عنقه ~~لم يكلف الذي جاء به أن يقيم بينة أن هذا ( الحكم ) هو الذي حكم به عليه . ~~قوله تعالى : { فلعنة الله على الكافرين } قال ابن عرفة : وانظر هل هذا ~~إنشاء أو إخبار لقول متقدم ؟ ثم قال : لا يبعد أن يكون إنشاء ، وتكون ~~اللعنة مقولة بالتشكيك والتفاوت ، / لأن هؤلاء كفروا وهم ms125 جاهلون ، إذا ~~بنينا PageV01P368 على أن ذلك ( استعذار ) ، وهؤلاء كفروا بعد علمهم ومجيء ~~الكتاب لهم فاللعنة في حقهم أشد . قوله تعالى : { بئسما اشتروا به أنفسهم ~~أن يكفروا . . . } قال ابن عرفة : نص النحويون على أن ( اسم ) الممدوح في ( ~~نعم ) أو المذموم في ( بئس ) لا يكون إلا أخص من فاعلها أو مساويا ، ولا ~~يكون أعم منه ، والشراء والكفر بينهما عموم وخصوص من وجه ، فالشراء يطلق ~~على المعارضة من غير الكفر وعلى المعارضة في الكفر ، والكفر أيضا أعم من ~~وجه ، لأن من كفر بعد أن آمن اشترى الكفر ( بالإيمان ) ، ومن كان كافرا ~~بالإصالة لم يشتر شيئا بشيء . قوله تعالى : { فبآءو بغضب على غضب . . . } ~~أي رجعوا ، ومنه قولهم : بؤ بشسع نعل كليب ، أي ارجع بشسع نعل كليب وهي من ~~كلام المهلهل أخي كليب قالها في حرب ( داحس ) للحارث . قال ابن عرفة : ~~وتنكير الغضب بدل على أن الثاني غير الأول كما قالوا في قوله تعالى : { فإن ~~مع العسر يسرا إن مع العسر PageV01P369 يسرا } لن يغلب عسر ( يسرين ) ~~ووجهوه بأن العسر معرف فكان شيئا واحدا ، واليسر منكر فكان يسرين . قال ابن ~~عرفة : وإنما قال : ( على غضب ) ، ولم يقل بعد غضب إشعارا ( بشدته ) ، فإنه ~~مجتمع متراكم بعضه على بعض . قيل لابن عرفة : والغضب إن كن صفة فعل فالتعدد ~~فيه متصور صحيح وإن كان صفة معنى امتنع فيه التعدد ، لأنه في ( هذه الحالة ~~يصير ) راجعا إلى الإرادة ، وهي شيء واحد ، فكيف يفهم أنهما غضبان ؟ ثم ~~أجاب بأنهما متغايران باعتبار المتعلق ، فمتعلق الإرادة متعددة ، وهو ( ~~أنواع ) العذاب ، فالمعنى على الأول : فباؤوا بعذاب على عذاب . وعلى الثاني ~~: فباؤوا بإرادة عذاب على عذاب . وأوقع الظاهر موقع المضمر في قوله { ~~وللكافرين عذاب مهين } ولم يقل : ولهم عذاب مهين ، مبالغة في إسناد العذاب ~~على كل من اتصف بالكفر بالإطلاق . قوله تعالى : { ويكفرون بما ورآءه . . . ~~} إما معطوف على ( قالوا نؤمن ) فيكون جوابا ل ( إذا ، أي إذا قيل لهم : ~~آمنوا بما أنزل الله يكفرون بما وراء كتابهم ، وإما حال مع أن المضارع لا ~~يأتي حالا بالواو ms126 إلا قليلا ، لكنه هنا على إضمار المبتدإ أي وهم يكفرون ~~بما وراءه . PageV01P370 أخبر الله عن تناقضهم بأن إيمانهم بكتابهم يستلزم ~~إيمانهم بما سواه من الكتب التي من جملتها القرآن ، وكفرهم بالقرآن يستلزم ~~كفرهم بكتابهم المنزل عليهم ، لأن الكتب كلها يصدق بعضها بعضا . قوله تعالى ~~: { وهو الحق مصدقا لما معهم . . . } أبو حيان ( مصدقا ) حال مؤكدة . قال ~~ابن عرفة : بل هي مبنية ، لأن الحق قد يكون مصدقا لما معهم ، وقد لا يكون ~~مصدقا ولا مكذبا ، لأن النبي أتى بشرائع بعضها في كتابهم ، وبعضها ليس ~~موجودا في كتابهم ( بوجه ) ، فكتابنا حق ( ومصدق لما في كتابهم ) ( بالنسبة ~~إلى ما تكرر في الكتابين ) ، وليس بمصدق أو مكذب بالنسبة إلى ما زاد به على ~~كتابهم ، وأما أنه مكذب فلا لأن كلا الكتابين حق ، فليس من لوازم كون ~~القرآن حقا يصدق ما معهم إنما من لوازمه أن لا يكذبه لأن الحق لا يكذب الحق ~~. قوله تعالى : { ولقد جآءكم موسى بالبينات . . . } PageV01P371 إن قلت : ~~لم أقسم على مجيئه لهم بالبينات ، وهم موافقون عليه . وإنما يتوهم مخالفتهم ~~في اتخاذهم العجل فقط ؟ فهلا قيل : ولقد اتخذتم العجل من بعد ما جاءكم موسى ~~بالبينات ؟ فالجواب : أنه ظهرت عليه مخائل الإنكار لمجيئه لهم بالبينات ~~بسبب اتخاذهم العجل ، فلذلك عطفه عليه ( بيانا لسببه ) الموجب للقسم . قال ~~ابن عطية : البينات : التوراة ، والعصا ، وفرق البحر ، وغير ذلك من آيات ~~موسى عليه الصلاة والسلام . قال ابن عرفة : إن أراد بالبينات الظاهرة فظاهر ~~، وإن أراد المعجزات فليست التوراة منها ، لأنها غير معجزة وإنما الإعجاز ~~بالقرآن فقط . فإن قلتم : إنها معجزة باعتبار اشتمالها على الإخبار ~~بالمغيبات . قلنا : الإعجاز فيها حينئذ ( ليس هو من حيث المجيء بها بل من ~~حيث الإخبار بالمغيبات فقط ) . قال ابن عرفة : وذمهم أولا بكفرهم فيما يرجع ~~إلى النبوة بقوله : { فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل } ثم ذمهم بكفرهم فيما ~~يرجع إلى الألوهية باتخاذهم العجل إلاها فهو ترق في الذم . قال : ومفعول ( ~~اتخذتم ) محذوف أي العجل إلاها ، وحذفه مناسب ، لأنه مستكره مذموم ، فحذفه ~~إذا دل السياق ms127 عليه أحسن من ذكره . PageV01P372 قوله تعالى : { خذوا مآ ~~ءاتيناكم بقوة . . . } على حذف القول أي القائلين : { خذوا مآ ءاتيناكم ~~بقوة } قيل لابن عرفة : هل فيه دليل على أن الأشياء كلها محض تفضل من الله ~~تعالى وليست باستحقاق لأن هؤلاء يستحقون ذلك ؟ فقال : نعم . قوله تعالى : { ~~قالوا سمعنا وعصينا . . . } | قال الطيبي : / هذا من القول بالموجب ، ومنه ~~قول الله تعالى : { يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم } قال ابن ~~عرفة : لا بل هو مغالطة منهم لأن السماع في قوله : ( واسمعوا ) ليس المراد ~~به حقيقة بل هو من مجاز إطلاق السبب على مسببه ، لأن السماع سبب في الطاعة ~~، فكأنهم أمروا بالطاعة ( فغالطوا ) في ذلك ، وحملوا الأمر بالسماع على ~~حقيقته من أن المراد به الاستماع فقط فقالوا : ( سمعنا وعصينا ) قوله تعالى ~~: { وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم . . . } الباء إما للمصاحبة أي مع ~~كفرهم ، أو للسببية فيكون العقوبة على الذنب بالذنب كما ورد أن المعاصي ~~تزيد الكفر . قيل لابن عرفة : إنما كفروا بعبادتهم العجل ، ولم يتقدم لهم ~~قبل ذلك كفر بوجه ؟ فقال : لا بل كفروا أولا كفرا عاما بالاعتقاد ، ثم ~~عبدوا العجل ( بالفعل ) . PageV01P373 قوله تعالى : { قل بئسما يأمركم به ~~إيمانكم . . . } عبر بالفعل المضارع ، وقال بعده { ولبئس ما شروا به أنفسهم ~~} فعبر بالماضي فما السر في ذلك ؟ أجاب ابن عرفة : بأن الشراء لا يتكرر ~~لأنه إذا دفع للبائع الثمن لم يعد إليه بوجه ، فلا يقال : إنه يبيع سلعته ~~مرة أخرى أو يشتري العوض مرة أخرى . فإلإيمان الذي باعوه لا يرجع إليهم ~~بوجه بخلاف أمر الإيمان لهم فإنه يتجدد ( بحسب ) متعلقه شيئا فشيئا . قال ~~ابن عرفة : وقبح فعلهم إما من ( جهة ) كذبهم في مقالتهم إذ { قالوا نؤمن ~~بمآ أنزل علينا } وليسوا بمؤمنين ، وإما من جهة إيمانهم مع اتصافهم بالقبيح ~~. والإيمان لا ينشأ عنه إلا الحسن . قيل لابن عرفة : المراد بقوله : ( إن ~~كنتم مؤمنين ) الإيمان الحقيقي الشرعي ، والإيمان الحقيقي لا ( يأمر ) إلا ~~بالخير فكيف قال لهم : { بئسما يأمركم به إيمانكم } ؟ فقال : المراد إن ( ~~كنتم تدعون ) الإيمان حاصلا لكم ms128 ، فبئس ما يأتيكم به إيمانكم المدعى . قيل ~~له : لما يأمرهم الإيمان بذلك ، وإنما هو إيمان ناقص زاحمه غيره من وساوس ~~النفس ، فالمزاحم هو الأمر لا الإيمان ؟ فقال : بل الأمر الإيمان المدعى ~~أنه إيمان . PageV01P374 قوله تعالى : { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند ~~الله خالصة من دون الناس . . . } هذا ( إما ) أمر خاص بالنبي لأن يقوله لهم ~~، أو أمر لكل واحد من المسلمين أن يقوله لهم ، لكنه لسيدنا رسول الله ~~بالذات ولعموم المؤمنين ( بالتبع ) ، وهذا قياس ( شرطي استثنائي ) ( وفي ) ~~قوله { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } ~~قياس شرطي اقتراني ، وفي القرآن أيضا القياس الحملي . قال الزمخشري : سبب ~~نزول الآية أن قوما من اليهود والنصارى قالوا : { لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى } وقرره ابن عطية بأن اليهود قالوا : { نحن أبناؤا الله ~~وأحباؤه } فقال لهم الله ؛ { فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } فهو أحسن لكم . ~~قال : إن الله منعهم من التمني وهذا على القول بالصرفة . PageV01P375 قال ~~ابن عرفة : ولا يبعد إيراد الأمرين في كلام ابن عطية ، ويكون على الأول ~~خطابا لمن ليس كفره عنادا ، فلا يتمنى الموت لعلمه بكذبه في مقالته ، ~~والصرفة لمن ليس كفره عنادا يريد أن يتمنى الموت فيصرفه الله عن ذلك التمني ~~تعجيزا له . فإن قلت : هلا ترك ذكر خالصة فهو أخص وأبلغ ( لتناوله ) تعجيز ~~من زعم منهم أن الدار الآخرة له ولغيره ؟ فالجواب : أنه جاء على حسب الدعوى ~~: لأنهم قالوا : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } قوله تعالى : ~~{ ولن يتمنوه أبدا . . . } وفي سورة الجمعة { ولا يتمنونه أبدا } - قال ابن ~~عرفة ؛ إن كانا بمعنى واحد فلا سؤال . وإن كانت ( لن ) أبلغ في النفي كما ~~يقول الزمخشري : فلعل تلك الآية نزلت قبل هذه ، فلم تقتض المبالغة فجاءت ~~هذه تأسيسا . قلت : قوله : ( أبدا ) دال على المبالغة ، فقال : قد قالوا في ~~قول الله تعالى : { خالدين فيهآ أبدا } إنه عبارة على طول الإقامة فقط ، ~~وأجاب أبو جعفر بن الزبير بأن آية البقرة لما كانت جوابا ms129 لأمر أخروي مستقبل ~~وليس في الحال إلا زعم مجرد ناسبه النفي ب ( لن ) الموضوعة لنفي المستقبل ~~لأن لن يفعل جواب سيفعل ، وآية الجمعة جواب لزعمهم أنهم أولياء الله من دون ~~الناس ، وهو حكم دنيوي ووصف حالي ، فناسبه النفي ب ( لا ) التي ينفى بها ~~المستقبل والحال ، PageV01P376 ولم ينف ب ( ما ) الخاصة بالحال ، لأنهم ~~أرادوا أنهم أولياء الله مستمرون على ذلك إلى آخر حياتهم ، فكذبوا بما ينفي ~~ذلك . قوله تعالى : { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة . . . } قال الزمخشري : ~~نكرة لأنها حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة . قال ابن عرفة : فأريد بها ( ~~هنا ) التعظيم والتهويل أو يقال : إنه ( نكرة ) للتقليل أي يحرصون على ~~الحياة القليلة فأحرى الكثيرة ، فيكون من التنبيه بالأدنى على الأعلى ، هذا ~~أظهر وأدل على اختصاصهم بالحرص على الحياة وأبلغ ، لكن ما بعده يدل على ما ~~قاله الزمخشري . قوله تعالى : { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة . . . } قال بعض ~~الطلبة : ( لم يرد ) ( الحول معبرا عنه بالسنة إلا إذا كان فيه ( الجدب ~~والغلاء ) قال تعالى : { ولقد أخذنآ ءال فرعون بالسنين } فهلا قيل : يود ~~أحدهم لو يعمر ألف عام ؟ فأجاب ابن عرفة بأنهم ( يختارون ) الحياة على ~~الموت PageV01P377 كيف ما كانت ، وهو تنبيه على الأعلى بالأدنى ، لأنهم إذا ~~تمنوا حياة ألف سنة مجدبة وفضلوها على الموت ، فأحرى أن يفضلوا ألف عام . ~~قوله تعالى : { قل من كان عدوا لجبريل . . . } قال الزمخشرى ! روي أنه كان ~~( لعمر ) أرض بأعلى المدينة وكان ( ممره ) على { مدارس ) اليهود ، فسألهم ~~عن جبريل ، فقالوا : ذلك عدو لنا يطلع محمدا على أسرارنا . وقال ابن عطية : ~~سبب نزول الآية أنهم سألوا النبي عن أربعة أشياء ( منها : أنهم ) سألوه عمن ~~يجيئه من الملائكة بالوحي ؟ فقال : جبريل . فقالوا : ذلك عدو لنا لأنه ملك ~~الحروب والشدائد . قال ابن عرفة : هدا جهل ومحض ومكابرة ، ولقائل أن يقول : ~~أن السبب غير مطابق للآية ، لأنهم أخبروا أن جبريل عدو لهم ، والآية اقتضت ~~أنهم أعداء لجبريل ، ( ولا يلزم ) من عداوة أحد الشخصين للاخر أن يكون ~~الآخر عدوا له . وأجيب بأن هذا خرج مخرج الوعيد ms130 لهم ، لأن جبريل ذو قوة ~~وسطوة ، فإذا خالفوه ودافعوه مع علمهم بقوته فقد عادوه . PageV01P378 قال ~~ابن عرفة ؛ الظاهر أن ( من ) موصولة لأن الشرطية لا تقتضي وجود شرطها ولا ~~إمكان وجوده ، والعداوة ثابتة موجودة كما تقدم فهى موصولة . قال الزمخشري : ~~فإن قلت : كيف يصح قوله : { فإنه نزله على قلبك } جزاء للشرط ؟ وأجاب ~~بوجهين : أحدهما أنهم لو أنصفوا لشكروا جبريل على إنزاله كتابا ينفعهم ~~ويصحح كتابهم . الثاني إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن ~~مصدقا لكتابهم . قال ابن عرفة : إنما احتاج إلى هذا ( السؤال ) لأنه فهم أن ~~الارتباط بين الشرط والجزاء لا يكون إلا لزوميا ، وهو عند الأصوليين يكون ~~لزوميا . ويكون اتفاقيا ، لكنه في محل الاستدلال لا يصح أن يكون الا لزوميا ~~. وفي الخبر يصح فيه الأمران . ( نعم لا بد من المناسبة وصحة ترتبه على ~~الشرط ) كقولك : إن تكرم زيدا فقد أكرمه غيرك . فإنه لا ارتباط بينهما إلا ~~في الزمان أو في الذكر خاصة فهو اتفاقي . قلت : ولما ذكر ابن عرفة في ~~الختمة الأخرى هذين الجوابين قال : أو يقال : إن في هذا ردا على من زعم أن ~~جبريل غلط في الرسالة ، وهي مسألة العتبية في كتاب المرتدين والمحاربين في ~~رسم ( يدير ) PageV01P379 ماله من سماع ابن القاسم . قال : فيمن قال : إن ~~جبريل أخطأ بالوحي وإنما كان النبي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يستتاب ~~فإن تاب وإلا قتل . ابن رشد : هذا كفر صريح فإن أعلنه استتيب ، وأن أسره ~~بلا استتابة كالزنديق . قوله تعالى : { فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا ~~لما بين يديه . . . } قيل لابن عرفة : يؤخذ منه تسمية بعض القرآن قرآنا ~~لأنه لم يكن حينئذ أنزل جميعه بل بعضه ؟ فقال : يجاب إما بإيقاع الماضي ~~موقع المستقبل أو بأن الضمير في ( نزله ) عائد على المتلو من القرآن لا ( ~~على ) نفس القرآن . ( أقول : أو إن الضمير يعود على ما أخبر به جبريل رسول ~~الله من أسرارهم الذي كان سببا في عداوتهم ، له كما تقدم في سبب النزول من ~~قولهم لعمر ms131 ه ، وهو قريب من الجواب الثاني ) ، وتقدم في الختمة الأخرى . ~~PageV01P380 قال بعض الطلبة ( لابن عرفة ) : اعتزل الزمخشري فقال : إذا ~~كانت عداوة الأنبياء كفرا فما بالك بعداوة الملائكة وهم أشرف ! فجعله أشرف ~~من بني آدم ولا ينبني عليه كفر ولا إيمان ؟ قال ابن عرفة : فقوله على هذا { ~~من كان عدوا لله } تدل ، وهو من باب التذييل لما قبله ، ومعناه أن يكون ~~اللفظ بزيادة قوله تعالى : { وما يكفر بهآ إلا الفاسقون } فيه دليل على أن ~~الاستثناء من النفي إثبات . قيل لابن عرفة : من ( عاداك ) فقد عاديته فما ~~أفاد قوله : { فإن الله عدو للكافرين } فقال ( العداوة ) ليست متعاكسة ~~النسبة بدليل قول الله ! { ياأيها الذين ءامنوا إن من أزواجكم وأولادكم ~~عدوا لكم فاحذروهم } مع أن الآباء ليسوا أعداء لأولادهم . قيل له : هي ~~متعاكسة ؟ فقال : ( من ) خارج بالدليل العقلي لا من جهة اللفظ والمادة . ~~قوله تعالى : { ولقد أنزلنآ إليك ءايات بينات . . . } قيل لابن عرفة : إن ~~أريد المعجزات فظاهر ، وإن أريد آيات القرآن فيؤخذ منه امتناع تخصيص السنة ~~بالقرآن ، والقرآن بالسنة لأنه كله بين ؟ PageV01P381 فقال : نقول إن ~~القرآن بين من حيث دلالته على صدقه من جهة لفظه المعجز وفصاحته ، وإن كان ~~معناه ( مجملا ) لا يفهم فلا يمتنع فيه بيان ( القرآن ) بالسنة . قوله ~~تعالى : { أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم . . . } قال ابن عرفة : ذم ~~الإنسان على عدم العمل بما كان التزم العمل به أشد من ذمه على إنكار ما ~~يعلم صحته . وقال بعضهم : النبذ طرح خاص ، وهو عدم الاعتناء بالشيء لحقارته ~~وذمامته وانظر تنبيهات القاضي عياض من العتق الثاني . قال ابن عرفة : وهذه ~~تسلية له لأنه لما تقدم ذكر إنزال الايات البينات وكفرهم بها عقبه ببيان أن ~~ذلك شأنهم وعادتهم فلا يلحقك / بسببه ( ضجر ) ولا حزن بوجه . فإن قلت : هل ~~يؤخذ منه أن العهد لا يقبل النقض لأجل ذمهم على نقضه ؟ فالجواب من وجهين : ~~إما بما تقرر في كتاب الإيمان والنذور من أنه في الحكم الشرعي على قسمين : ~~عهد يقبل النقض ، وعهد لا يقبله ، وهذا من الذي ms132 لا يقبله ، وإما بأن الذي ~~وقع فيه الكلام ( إنما هو ) العهد المطلق الذي هو غير متكرر ، وأما هذا فهو ~~عهد مؤكد متكرر فلا يقبل النقض بوجه فلذلك ذموا على نقضه . فإن قلت : هلا ~~قيل : أو كلما عاهد فريق منهم عهدا نقضه ، لئلا يلزم عليه ذم الجميع بعصيان ~~البعض ؟ PageV01P382 فالجواب : أن الجميع ذموا بسبب رضاهم بفعل البعض وإما ~~بأن الذم للفريق الناقض للعهد فقط ، وأتت الاية على هذا الأسلوب لأن نقض ~~العهد من فريق عاهدوهم وغيرهم ، فثبت غيرهم ونقضوا م فاتسع في الذم لهم في ~~نقضهم عهدا اختصوا به . قوله تعالى : { بل أكثرهم لا يؤمنون } قال ابن عطية ~~: الضمير في ( أكثرهم ) إما عائد على بني إسرائيل أو على الفريق النابذين . ~~وضعفه ابن عرفة لأنه يلزم عليه أن يكون بعض الذين نبذوا العهد مؤمنا ؟ ~~وأجيب باحتمال كون المنبذ راجعا لعدم الإيمان بالنبي فبعضهم ( آمن بكتابه ) ~~ولم يؤمن بالنبي فقد نبذ العهد ( مع أنه مؤمن بكتابه ) . قال ابن عرفة : و ~~( أكثرهم ) إما أن يراد به الفريق ، أو ( هو ) أعم منه . ولما كان الفريق ~~يصدق على القليل والكثير بين بالأكثر . ( قيل ) لابن عرفة : ( عدم ) ~~إيمانهم هو نفس نقضهم للعهد فلا يصح أن يكون الأكثر غير مؤمنين والأقل ~~ناقضين للعهد ؟ وأجاب بأنه يصح لأن هؤلاء اليهود منهم من هو متبع لكتابه ~~ومنهم من هو مخالف له . PageV01P383 قال ابن الخطيب : وقيل : المراد بنبذ ~~العهد عدم إيمانهم بالقرآن . قال : وهذا مردود بأن مادة النبذ تقتضي تمسكهم ~~به قبل ذلك مع أنهم لم يكونوا قط متمسكين بالقرآن . وأجاب ابن عرفة بأنهم ~~كانوا قابلين للتمسك ( به ) وكانوا قبل البعثة متمسكين ( به ) لأن كتابهم ~~أخبر به على وفقه بدليل أن من مات منهم قبل ذلك مات مسلما حنيفيا . قوله ~~تعالى : { ولمآ جآءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم . . . } قال الفخر : ~~يحتمل أن يكون التصديق بموافقته لما في التوراة . فرده ابن عرفة بأن ~~التصديق هو نسبة المخبر إلى الصدق فهو من عوارض الخبر ، والتصديق بالصفة ~~مجاز لا حقيقة ، وإنما ينسب ms133 للصفة الصدق والتصديق . قوله تعالى : { كتاب ~~الله ورآء ظهورهم كأنهم لا يعلمون } قال ابن عرفة : كان الفقيه أبو العباس ~~أحمد بن علوان يقول : مقتضى هذا أنهم طرحوه بين أيديهم ، لأن الظهر بالنسبة ~~إلى PageV01P384 الوجه خلف ، والوجه بالنسبة إلى الظهر خلف ، فالظهر خلف ~~الوجه ، والوجه خلف الظهر ، وإذا طرحوه وراء ظهورهم لزم أنهم طرحو أمامهم ~~فلا ذم عليهم . قال ابن عرفة : وأجيب بأن المراد المبالغة في إبعاده عنهم ~~فهم جعلوه وراء الوراء كما جاء في الحديث الصحيح : ( من وراء ورائهم ) ~~جعلوا للوراء وراء ونبذوه خلف ذلك الوراء وهو أبلغ في كمال النبذ . قلت : ~~والحديث خرجه مسلم في أواخر كتاب الإيمان من أحاديث الشفاعة من رواية ربعي ~~بن خراش عن حذيفة قال : قال رسول الله : ( يجمع الله الناس فيقوم المؤمنون ~~حين تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون : يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول ~~: وهل أخرجكم منها إلا خطيئة أبيكم آدم ؟ لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى ابني ~~إبراهيم خليل الله ، فيقول إبراهيم : لست بصاحب ذلك ، إنما كنت خليلا من ~~وراء وراء ، اعمدوا إلى موسى عليه السلام الذي كلمه الله تكليما ) الحديث ~~بكماله انفرد به مسلم . قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين . . . } ~~أي عملوا بمقتضاه ، وليس هو من الاتباع الحقيقي ، لأن متلو الشياطين لا ~~يتبع إنما يتبع التالي وهو الشيطان لا متلوه . قوله تعالى : { على ملك ~~سليمان . . . } قيل ؛ أى على عهد سليمان ، ويحتمل أن يراد اتباعهم ما سمعوا ~~أن الشيطان كان يتلوه في عهد سليمان ، وأنهم يتبعون في عهد سليمان ما يتلوه ~~الشيطان إذاك ؟ قال ابن عرفة : وتعلم السحر واعتقاده حقا كفر . وأما تعلمه ~~من غير اعتقاد حقيقة ففي التكفير به قولان ، وظاهر المتكلمين أن التكفير ~~إنما هو بأحد ثلاثة أمور : إما بقول كلمة الكفر ، أو بالسجود PageV01P385 ~~لصنم ، أو بالفعل كلبس الزنار ونحوه . وجعل الفخر ( هنا ) من السحر ( ~~الشعوذة ) . وكان شيخنا ابن عبد السلام يستضعف ذلك وينكره ويقول : إنما ذلك ~~من خفة اليد ، وليس بحسر ، بخلاف ما يحكى عن غالب العجائبي من أنه كان ms134 يزرع ~~الفقوس ( ويجنيه ) في ساعة واحدة فإنه سحر . قال ابن عطية : روي أنهما ( ~~ملكان ) اختصمت إليهما إمرأة ، وحكى القصة ، وضعفه ابن عطية من جهة السند . ~~قال ابن عرفة : بل هو ضعيف من جهة الاستدلال ، فإنه قد قام الدليل على عصمة ~~الملائكة . ولا يقال : إنهما كانا معصومين ، ثم انتفت العصمة عنهما حينئذ ، ~~فإن ذلك إنما هو فيمن يتصف بالحفظ لا بالعصمة ، فيصح أن يحفظ تارة دون تارة ~~، أما العصمة فلا تزول عمن ثبتت له أبدا ( وقد ) كان الشيوخ / يخطئون ابن ~~عطية في هذا الموضوع لأجل ( ذكره ) هذه الحكاية . ونقل بعضهم عن القرافي أن ~~( مالكا ) أنكر ذلك في حق هاروت وماروت . PageV01P386 قال ابن عرفة ؛ وكان ~~تعلم السحر في ( زمن ) هاروت وماروت ( جائزا ) ، وكانوا مأمورين بتعليم ~~الناس على جهة الابتلاء من الله تعالى لخلقه ، فالطائع لا يتعلمه ، والعاصي ~~( يبادر ) إليه ويتعلمه كما خلق الله السم القاتل والحديد وغير ذلك مع أنه ~~لا يجوز تناوله . فقوله على هذا : ( فلا ) يكفر ، إما أن يراد به العمل أي ~~تعلمه ولا تعمل به فتكفر ، أو يراد به نفس العلم أي نحن يجوز لنا تعليمه ~~وغيرنا لا يجوز له أن يتعلمه منا فلا نتعلمه فنكفر ، فهم مباح لهم تعليمه ~~للغير ، وذلك الغير لا يباح له أن يتعلمه منهم ، وكان التعليم حينئذ جائزا ~~ثم نسخ فصار حراما . وقال الزمخشري : أي فلا نتعلمه ( معتقدا ) أنه حق ~~فنكفر . ومنهم من قال : إن تعلمه جائز أو مطلوب ليفرق بينه وبين المعجزة ~~والكرامة ، ولكن ذلك في تعلمه على الجملة لا تعلمه مفصلا ، وكلام الزمخشري ~~هنا أنسب من كلام ابن عطية إلا في كلمة واحدة . ( وبقوله ) تعالى : ( ~~فيتعلمون منهما ) استشهد ابن التلمساني في كتاب القياس على أن الفاء تكون ~~للاستئناف . قوله تعالى : { ولقد علموا لمن اشتراه . . . } ابن عطية : ~~الضمير عائد على بني إسرائيل . PageV01P387 قال ابن عرفة : إما عموما أو ~~على علمائهم . وقيل : على الشيطان ، وقيل : على الملكين . وضعفه ابن عرفة ، ~~لأنه جمع فلا يصح الا على القول بأن أقل الجمع اثنان . فإن قلت : هلا ms135 قيل ~~فحفظه في الآخرة جهنم ، فهاذ أدل على ( الخسران ) في الآخرة ، لأن فاعل ~~المباح يصدق عليه أنه ليس له في الآخرة نصيب إذ لا ثواب فيه ؟ قلنا : ~~السياق يهدي إلى ( أن ) المراد له العذاب ، وأن هذا القسم ( منتف عنهم ) . ~~قوله تعالى : { ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } قال ابن عرفة : ~~جواب ( لو ) مقدر ، أي لو كانوا يعلمون لما شروا ، ولا يصح أن يكون جوابها ~~: ( لبئس ما شروا ) لأنه مذموم سواء شروه أو لم يشتروه ، وسواء علموا أو لم ~~يعلموا . ابن عطية : من أعاد الضمير في ( ولقد علموا ) على بني إسرائيل ~~وينتقض ذلك عليه بقوله : ( لو كانوا يعلمون ) . فظاهره ( أنهم ) لم يعلموا ~~( ويمكن ) أن يجاب عنه بأنه مجاز لأنهم عملوا عمل من لا يعلم ، فكأنهم لم ~~يعملوا . قال ابن عرفة : قال بعضهم : أو يجاب بأن قولك : كأن زيدا يعلم كذا ~~، أخص من قولك : علم زيد كذا لاقتضاء ( الأول ) PageV01P388 تكرر العلم له ~~ودوامه حتى تطبع به ، فأثبت في أول الآية لهم مطلق العلم الصادق بأدنى شيء ~~وقال في آخرها : ( لو كانوا يعلمون ) علما ثابتا حقيقيا لما باعوا أنفسهم ~~بذلك . وشروا بمعنى باعوا . قوله تعالى : { ولو أنهم ءامنوا واتقوا لمثوبة ~~من عند الله خير . . . } التنكير هنا للتعليل بمعنى : أن الثواب من عند ~~الله وإن قل في ذاته فهو خير من ذلك كله . قال ابن عرفة ؛ وجواب ( لو ) إما ~~نفس ( قوله لمثوبة من عند الله ) وإما نفس الثواب المفهوم منها ، وإما مقدر ~~. قوله تعالى : { لا تقولوا راعنا . . . } اختلف الأصوليون في صيغة افعل هل ~~هو من قسم المركب أو من قسم المفرد ؟ حكاه الأنباري في شرح المحصول . وقال ~~صاحب الجمل : واللفظ المركب إن دل بالقصد الأول على طلب الفعل كان مع ~~الاستعلاء أمرا ومع الخضوع سؤالا ومع التساوي التماسا وإلا كان تنبيها إن ~~لم يحتمل الصدق والكذب ، وإن احتملهما كان خبرا وقضية ( جعلها ) من قسم ~~المركب ، فهل الآية حجة لأحد المذهبين أم لا ؟ من ناحية أن القول إنما ( ~~يحكى ) به الجمل لا المفردات ms136 ؟ قال : لا دليل فيها لأن ( راعنا ) ( قد ) ~~اتصل به ضمير المفعول فهو مركب ( هنا ) بلا شك . وقرئ ( راعنا ) بالتنوين ~~على أنه نعت لمصدر محذوف أي قولا راعنا . فعلى هذا المراد بذلك نفس القول ~~وعلى ( القراءة ) الأخرى المقول له . PageV01P389 قوله تعالى : { ما يود ~~الذين كفروا من أهل الكتاب . . . } مع أن الثابت في نفس الأمر أنهم ودوا ~~عدم نزول الخير ، لكن ذلك مستفاد من السياق فلا يحتاج إلى التنصيص عليه . ~~قوله تعالى : { ما ننسخ من ءاية أو ننسها . . . } تكلم ابن عطية هنا كلاما ~~حسنا من جملته أن قال : المنسوخ عند أيمتنا هو الحكم الثابت نفسه لا ما ~~ذهبت إليه المعتزلة من أنه مثل الحكم الثابت فيما يستقبل ، وقادهم إلى ذلك ~~مذهبهم من أن الأوامر مرادة ، ثم قال : والتخصيص من العموم يوهم أنه نسخ ~~وليس به لأن المخصص لا يتناوله العموم فقط . قال ابن عرفة : قالوا : وليس ~~معناه أنه لم يكن ( مرادا لئلا يلزم عليه كون الأمر غير الإرادة ، وإنما ~~معناه أنه لم يكن ) متعلق الحكم ، ومنهم من قال : رفع الحكم إن كان قبل ~~العمل به فهو تخصيص وإن كان بعد العمل به فهو نسخ . قال ابن عطية : وقد ~~ينسخ الأثقل بالأخف كنسخ قتال الواحد للعشرة . PageV01P390 قال ابن عرفة : ~~والثقل والخفة باعتبار المصالح ، فقد يكون متعلق هذه المصلحة أرجح من متعلق ~~المصلحة الأخرى أو مساويا لها . ولا شك أن وقوف الواحد للعشرة ( ثوابه ) ~~يكون أعظم من ثواب ما هو أخف منه لكنه نادر ، وليس بأكثري الوقوع فنسخ بما ~~هو أخف منه وأقل ثوابا لكونه أكثري الوقوع ، فيتعدد ثوابه ويكثر بتعدد ~~وقوعه ، والأخف بالأثقل كنسخ صوم عاشوراء / بصيام رمضان . قال : وأجمعوا ~~على جواز نسخ القرآن بخبر الواحد . قال أبو المعالي ؛ إنه واقع في مسجد ~~قباء لأنهم كانوا يصلون فيه العصر إلى بيت المقدس ، فمر بهم بعض الصحابة ، ~~فأخبرهم أن القبلة حولت إلى مكة ، فتحولوا في الصلاة . ومنع ذلك قوم ، ~~وقالوا : إنما نسخ بالقرآن . قال : ولا يصح نسخ النص بالقياس . وقال ابن ~~عرفة : لأن النص ms137 المقيس عليه إما أن يكون موافقا لذلك ( النص ) المنسوخ أو ~~مخالفا فإن كان ( موافقا ) فلا نسخ ، وإن كان ( مخالفا ) فهو الناسخ ( لا ) ~~القياس . ولا ينسخ النص بالإجماع لأنه إنما يكون في حياة النبي والإجماع ~~إنما هو بعد وفاته . فيل لابن عرفة : قد حكى الأصوليون عن أبي مسلم أنه ~~أنكر وقوع النسخ من أصله ؟ PageV01P391 فقال ابن عرفة : إنما ذلك في الفروع ~~والأحكام الظنية ، وأما باعتبار الملة فلا خلاف بين المسلمين في وقوعه وأنه ~~تنسخ ملة بملة . وإنما الكلام فيه باعتبار الشخص الواحد هل يصح نسخ الحكم ~~في ملته ( بحكم آخر أم لا ) قولان . قوله تعالى ؛ { نأت بخير منهآ أو مثلها ~~. . . } . الخير باعتبار المصالح الشرعية ، فقد يكون متعلق الحكم يستلزم ~~مصلحة أرجح ( من مصلحة أو مثلها ومعنى { ننسها } أي نؤخرها فتعجيل نسخها أو ~~تأخير نزولها إنما هو لتعجيل الإتيان بما مصلحته أرجح ) . وفيه تأخير ~~البيان إلى وقت الحاجة . واحتج الفخر الرازي في المحصول بهذه الآية على ~~جواز النسخ ووقوعه . ورد عليه السراج في التحصيل بأنها قضية شرطية لا تدل ~~على وقوع ولا على إمكان الوقوع كقوله تعالى : { قل إن كان للرحمن ولد فأنا ~~أول العابدين } وأجاب عنه ابن الخطيب شمس الدين الجزري بأن الاية خرجت مخرج ~~المدح ، والمدح لا يكون إلا بما ( هو ) واقع بالفعل لأن الله تعالى قال : { ~~نأت بخير منهآ أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } . فقد أثنى على ~~نفسه جل وعلا بذلك . PageV01P392 قال ابن عرفة : والتحقيق في هذا ( أن ) ~~المدح دال على جواز النسخ وإمكانه لا وقوعه كما تقول : فلان قادر على أن ~~يعطي ألف درهم وإن لم يعطها بالفعل ، فالمدح بذلك دال على أن إعطاءه غير ~~محال بل هو ممكن سواء وقع بالفعل أم لم يقع . قوله تعالى : { ألم تعلم أن ~~الله على كل شيء قدير } قال ابن عطية : الهمزة ( للتقرير ) . قال ابن عرفة ~~: التقرير في حق المرضي عنه ليس ( كالتقرير ) في حق غيره . قال : فإن كان ~~خطابا للنبي فالمعادل محذوف تقديره : أم علمت ms138 ذلك ، وضعفه ابن عرفة وأبو ~~حيان بأن المعادلة إنما يحتاج إليها إذا كان الاستفهام عن أمرين يكون ~~المتكلم شاكا في أحدهما فيطلب تعيينه . وأما إذا كان الإستفهام للتقرير ~~فليس على هو حقيقته فلا يحتاج إلى المعادلة بوجه . قال ابن عطية : وهو ~~مخصوص بالقديم والمحال . قال ابن عرفة : أما القديم فظاهر لأن القدرة لا ~~تتعلق به ، وأما المحال ( فلا ) يتناوله اللفظ ( بوجه ) ، لأنه ليس بشيء ~~ولا سيما المحال عقلا . PageV01P393 ونقل بعض الطلبة عن شرح الأسماء الحسنى ~~لابن ( الدهاق ) قولا بجواز تعلق القدرة بالمحال العقلي . ورده ابن عرفة ~~بقول الإرشاد : العقل علوم ضرورية لجواز الجائزات واستحالة المستحيلات قال ~~: فيلزم سقوط هذا القسم ولا قائل به . قال ابن عرفة : وتقدم لنا ( في ~~الختمة الأخرى ) في الآية سؤال ، وهو أن النسخ تبديل آية بآية أو حكم شرعي ~~بحكم شرعي ، والحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين ، ~~وخطابه كلامه القديم الأزلي ، فهو راجع إلى الكلام القديم ، والقدرة لا ~~تتعلق بالقديم بوجه ، وإنما تتعلق بالحادث فكيف حسن بعده أن يقال : { ألم ~~تعلم أن الله على كل شيء قدير } ؟ وأجيب بأنه نسخ ما ثبت وتقرر في الأذهان ~~على سبيل اعتقاد الدوام ، وقد تقرر في الأذهان دوام الحكم الشرعي الذي هو ~~مضمون الكلام القديم ، فالنسخ عبارة عن ارتفاعه . ورده ابن عرفة بأن ذلك ~~الذي أنكر النسخ لم ينكره من حيث كونه تبديل اعتقاد باعتقاد ، وإنما أنكره ~~لكونه يلزم عليه ( البداء ) لأن الحكم الأول كان مرادا لله فيصير غير مراد ~~له وهو باطل . ( قال ابن عرفة : وإنما عادتهم يجيبون عن السؤال ) بأنه لما ~~كان المتبادر للذهن أن الشيء لا يرتفع إلا بثبوت نقيضه ، PageV01P394 فإذا ~~نسخ الحكم الشرعي المتضمن المصلحة إنما ينسخه حكم آخر يتضمن مفسدة فأخبر أن ~~الله تعالى قادر على أن يصير الحكم الشرعي المتضمن للمصلحة ، متضمنا لمفسدة ~~باعتبار الأزمان فيكون الحكم في زمن متضمنا للمصلحة ثم يعود في زمن آخر ~~متضمنا للمفسدة ، ( فحينئذ ) ينسخه الله تعالى بحكم شرعي يتضمن مصلحة إما ~~مثل الأولى أو أرجح ms139 منها . قال ابن عرفة : وجاء الترتيب في الآية على أحسن ~~وجه ، فبين أولا جواز تعلق القدرة بكل شيء ، ثم بين وقوع ذلك الجائز بقوله ~~تعالى : { له ملك السماوات والأرض } ثم بين ( بعده ) أن ذلك خاص لا يشاركه ~~فيه غيره بوجه . وقال ابن عرفة : والملك / عبارة عن أهلية التصرف العام في ~~جميع الأمور من المتملك ، فمالك العبد ليس مالكا له حقيقة لأنه ليس له قتله ~~ولا أن يضربه الضرب المبرح ، فحقيقة الملك إنما هو لله تعالى . قوله تعالى ~~: { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } . مثل قوله تعالى : { وما ربك ~~بظلام للعبيد } والجواب ( كالجواب ) انه على تقدير أن يوجد ولي أو ناصر فلا ~~يوجد إلا من هو في أنهى درجات الولاية والنصرة ، فنفي ذلك ( المعنى ) ~~المتوهم المقدر الوجود سواء . قوله تعالى : { أم تريدون أن تسئلوا رسولكم . ~~. . } PageV01P395 إن كان الخطاب للمؤمنين فالمراد أن تسألوا الرسول الذي ( ~~أقررتم برسالته ، وإن كان الخطاب للكفار فالمراد الرسول ) الذي ثبتت رسالته ~~إليكم في نفس الأمر . قوله تعالى : { ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سوآء ~~السبيل } . قالوا : { سوآء السبيل } وسطه . ورد عليه ابن عرفة : أنه يلزمهم ~~المفهوم وهو أنه يكون اهتدى لبعض سبيل الحق وهو جانباه والجواب : أن السبيل ~~اسم جنس يعم طريق الحق والباطل و { سوآء } هنا هو طريق الحق منهما ، قال ~~الله تعالى : { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } قوله تعالى : { ~~ود كثير من أهل الكتاب . . . } . قيل لابن عرفة : ذكر بعضهم في الفاعل أنه ~~يشترط فيه ما يشترط في المبتدإ إذا كان نكرة من أنه لا بد له من مسوغ ، ~~وذكره في قول الله جل ذكره : { فأذن مؤذن بينهم } قال ابن عرفة : لم أسمع ~~هذا من أحد إلا في المبادى كنت أسمعه في قول الجزولي أسند إليه فعل ، أو ما ~~جرى مجراه . قال ابن عرفة : ومن دعا على مسلم أن يميته الله كافرا ( ما ~~يلزمه ؟ ) فقال النووي : إن اعتقد مرجوحية الإيمان فهو PageV01P396 كافر ، ~~وإلا فهو عاص وإثمه أشد من إثم من دعا ms140 على الكافر أن يميته الله كافرا . ~~والخلاف عندنا في شرطية النطق بالشهادتين هل لا بد منها مع القدرة عليها ( ~~أو ) يكفي الإعتقاد ؟ وأما إن صرح بكلمة الكفر فهو كافر بإجماع ، وانظر ~~سورة الحجرات . قوله تعالى : { من بعد ما تبين لهم الحق . . . } . إما أن ~~كفرهم عناد أو ليس بعناد ، بناء على أن ارتباط الدليل بالمدلول عادي أو ~~عقلي فيكون الله تعالى ( أنبأهم ) ذلك في ثاني حال بعد أن علموه وتحققوه . ~~قوله تعالى : { فاعفوا واصفحوا . . . } . قال ابن عرفة : العفو رفع الحرج ~~عمن ثبت وتقرر كمن عفا عن قاتل وليه بعد ثبوته القتل عليه ( والصفح رفع ~~الحرج عن الشخص قبل ( ثبوت ) موجبه كمن عفا عن قاتل وليه قبل ثبوت القتل ~~عليه ، قال : ويكون هذا ترقيا أي فاعفوا عنهم حتى تؤمروا بقتالهم . قوله ~~تعالى : { وأقيموا الصلاوة وءاتوا الزكاة . . . } إن قلت : هلا قيل : ~~وأقيموا الصلاة والزكاة فيكون أمرا بإقامتهما معا على أبلغ الوجوه ؟ ~~فالجواب : أنه لما كانت الصلاة متكررة مشقة على النفوس أكدها بالأمر ، وهو ~~الإتيان بها مستوفاة الشرائط ، ولما كانت الزكاة لا تكرر فهي أخف ، اكتفى ~~فيها بالأمر دون تأكيد . PageV01P397 قوله تعالى : { وما تقدموا لأنفسكم من ~~خير تجدوه عند الله . . . } إن قلنا : إن المباح مأمور به فخير . أفعل من ، ~~لأن المراد بذلك كل ما فيه خير يفضل عن غيره فله فيه الأجر وإن قلنا : إن ~~المباح غير مأمور به ، فافعل فعل ، لا فعل من . قيل لابن عرفة : وكذلك ~~المباح إذا كان مأمورا به فهو خير ؟ فقال : وكذلك الحرام فيه خير باعتبار ~~الدنيا ، وإنما المراد بالخير الأخروي وهو الثواب ؛ وأما المباح فلا ثواب ~~فيه ؟ قوله تعالى : { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء . . . } قال ابن ~~عرفة : حكاية هذه المقالة إما على سبيل الإبطال لها أو على سبيل التقرير ~~لها والموافقة عليها ( والأول باطل لئلا يلزم أن يكون كل فريق منهم على شيء ~~، والثاني باطل لئلا يلزم عليه أنها ) لو حكيت على سبيل أنها حق لم يصح ~~ترتب الذم عليهم مع أن مساق الاية يقتضي ذمهم على ms141 ذلك . قال : وأجيب عنه : ~~بأن اليهودية والنصرانية لهما اعتباران فهما من حيث أصلهما الذي نشآ عنه ~~وهو موسى وعيسى حق ومن ( حيث ) دعوى المنتمين إليهما ( والمتدينين بهما ) ~~باطل ، فقول اليهود : ( ليست النصارى على شيء ) إبطال لأصل ملة النصرانية ~~وليس هو ابطال لدعوى المنتمين إليها ، فحكيت هذه المقالة على معنى الإبطال ~~لها أو ذم قائلها أي قولهم ذلك وإبطالهم له باطل ، بل هم على شيء باعتبار ~~أصل الملة لا باعتبار الدعوى وهذا حق وهو على حذف الصفة أي ليسوا على شيء ~~ديني . PageV01P398 قال الزمخشري : هذه مبالغة عظيمة لأن المحال والمعدوم ~~يقع عليهما اسم الشيء . قال ابن عرفة : الزمخشري ضعيف في أصول الدين ، وقد ~~تقدم الإجماع على أن المحال ( ليس بشيء ) باعتبار المعنى ، واختلفوا في ~~الإطلاق اللفظي والتسمية هل يطلق عليه لفظ شيء أم لا ؟ فمنعه أهل السنة ~~وأجازه المعتزلة وهما مسألتان : فهذه لا ينبني عليها إيمان ولا كفر ، ~~والأخرى توهم أن للمعدوم تقررا في الأزل ويلزمهم بها الكفر . قيل لابن عرفة ~~/ : لم قال : { وهم يتلون الكتاب } ولم يقل : وهم يعلمون الكتاب ؟ فقال : ~~التلاوة هنا تستلزم العلم . قال ابن عرفة : فإن قلت : لم قال { وقالوا لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } فجمع المقالتين ( معا ) هناك ~~وفرقهما هنا ولم يقل : وقالوا ليست النصارى واليهود على شيء ؟ ( قال ) : ~~عادتهم يجيبون بأن المقالتين هناك محصورتان لا ثالث لهما فيعلم بالضرورة أن ~~النصارى قالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا ، واليهود قالوا : لن ~~يدخل الجنة إلا اليهود ، وأما هنا فلو قيل : وقالوا : ليست اليهود والنصارى ~~على شيء لأوهم أن المسلمين هم الذين قالوا ذلك ( والكتاب ) جنس ( يشمل ) ~~التوراة والإنجيل . PageV01P399 قوله تعالى : { كذلك قال الذين لا يعلمون ~~مثل قولهم } . تسلية للنبي بذلك وغيرهم . قوله تعالى : { ومن أظلم ممن منع ~~مساجد الله أن يذكر فيها اسمه . . . } وقال في آية أخرى : { ممن كتم شهادة ~~عنده من الله } وقال في سورة الزمر { فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب ~~بالصدق إذ جآءه } فالجمع بين الآيتين يقتضي ms142 تساويهما في الظلم ، لكن قام ~~الدليل على أن مفتري الكذب على الله أشد ظلما ممن منع مساجد الله من ذكر ~~الله فيها . قيل لابن عرفة : يؤخذ من الآية أنه لا يجوز لهؤلاء الأيمة أن ~~يغلقوا باب المسجد ولا أن يبنوا مسجدا لنقوض مسجد آخر ؟ فقال ه : أما غلق ~~باب المسجد في غير أوقات الصلاة فهو حفظ له وصيانة إلا أن يكون الإمام ~~مفرطا في الصلاة فيتركه مغلوقا لا يصلى فيه إلى آخر الوقت ، وأما بناء مسجد ~~بمسجد فلا يجوز وإن صار قاعة جاز جلوس الجنب والحائض فيه لأنه لم يبق له ~~حرمة المسجد . PageV01P400 قال ( في المدونة ) في كتاب الأقضية : والقضاء ~~في المسجد من الأمر القديم ، ولأنه يرضى فيه ( بالدون ) من المجلس ، وتصل ~~إليه المرأة والضعيف . قال ابن عرفة : وتقدم لنا أن رحابه هنا غير رحابه في ~~الصلاة ، فرحابه في الصلاة أوسع من هذا فلا يركع الفجر إلا في الصحن ~~البراني الذي لا يحوزه ( الغلق ) ، ويحكم هنا في رحابه التي هي صحنه ~~الدخلاني . قوله تعالى : { أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابهآ . . . } قال ~~ابن عطية : تضمنت الاية أن يكون قوله { أن يذكر فيها اسمه } مفعولا لأجله . ~~قال ابن عرفة : مفهومه أن منعها لغير هذه الحيثية لا يتناوله هذا ( الإثم ) ~~بل إثمه أقل من ذلك . قوله تعالى : { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم ~~وجه الله . . . } قال في سورة المعارج : { فلآ أقسم برب المشارق والمغارب } ~~PageV01P401 قال ابن عرفة : إما على أن الأرض كروية فتعدد المشرق والمغرب ~~ظاهر لأن كل موضع مغرب لقوم مشرق لآخرين ، وإن قلنا : إنها بسيطة فهو مغرب ~~واحد ومشرق واحد لكنها تتعدد بالفصول فمشرق الصيف غير مشرق الشتاء . ( قال ~~ابن عرفة : وفيه إبطال للقول بالجسم والجهة ، لأنه لو كان الإلاه جسما للزم ~~عليه حلول الجسم الواحد في الزمن الواحد في مجال متعدد وهو محال ) . قيل ~~لابن عرفة : يقول صاحب هذا القول : إنه كالفلك فإنه دائر بالعالم كله بدليل ~~قوله : { فأينما تولوا فثم وجه الله } والتولي إنما يكون فيما يحوزه الفلك ms143 ~~بل في بعضه فقط . وإنما أبطلوا الجسمية بدليل آخر فكما أنا أينما ( نول نر ~~) الفلك بعضه ( فكذلك هو ) لكن لا نراه والفلك جسم ؟ فقال لفظ ( ثم ) يقتضي ~~وجوده في المكان الذي يقع فيه التولي حقيقة ، وإذا كان كالفلك فليس هو في ~~ذلك المكان . قوله تعالى : { إن الله واسع عليم } قال ابن عرفة : هذا إما ~~ترغيب وترهيب أي هو واسع الرحمة عليهم بأعمال العباد فيجازيهم عليها ، وإما ~~ترغيب وتأكيد للترغيب أي هو واسع الرحمة مع علمه بأعمال العباد ، وهذا أبلغ ~~في رحمته لأن الإنسان قد يرحم عدوه إذا كان جاهلا بعداوته وعصيانه ولا ~~يرحمه إذا علم بذلك . PageV01P402 قوله تعالى : { وقالوا اتخذ الله ولدا } ~~ذمهم بالوصف الأعم لأن اتخاذ الولد يصدق على الابن حقيقة وعلى ابن التبني . ~~قوله تعالى : { بل له ما في السماوات والأرض . . . } إن رجع الإضراب إلى ~~قوله ( سبحانه ) فهو إضراب انتقال ، وإن رجع إلى قوله : { اتخذ الله ولدا } ~~( إضراب ) إبطال . قال ابن عطية : قرأ الجمهور ( وقالوا ) بالواو ، وأسقطها ~~ابن عامر ، إما لأن هذه الجملة في معنى ما قبلها أو مستأنفة . قال ابن عرفة ~~: هذا بعيد لأنه أمر واحد ومقالة واحدة ، إلا أن يكون التعدد باعتبار ~~اختلاف الحالات والأشخاص . واحتجوا بالآية على أن أعمال العباد مخلوقة لله ~~. واحتج بها اللخمي على أن من ملك ولده عتق عليه ، لأن ( الآية ) اقتضت ~~منافاة الملك ( للولدية ) أى لو / كان لله ولد لما صدق أنه PageV01P403 ~~مالك لجميع ما في السماوات والأرض و ( اللازم ) باطل فالملزوم مثله . وأجيب ~~بالفرق بين المقامين فهذا ملك حقيقي وذلك ملك جعلي ، فما يلزم من منافاة ~~الملك الحقيقي للولدية منافاة الملك الجعلي لها . قوله تعالى : { كل له ~~قانتون } قال ابن عطية : أي كل شيء له ملك . قال الزمخشري : أي كل ما هو في ~~السماوات والأرض . ابن عطية : والقنوت إما الخضوع فيصدق على الحيوان ~~والجمادات ، وإما الطاعة ، فالكافر يسجد ظله وهو ( كاره ) . قيل لابن عرفة ~~: كيف يوصف الظل بالسجود وهو هو موجود أم لا ؟ فقال : الظل ظلمة خاصة ~~باعتبار الكم والكيف ms144 فيجري على الخلاف في الظلمة : هل هو أمر وجودي أو عدمي ~~؟ والصحيح أنها وجودية ، ونص بعضهم على أن الظل عرض قام بجسم الهواء . قوله ~~تعالى : { بديع السماوات . . . } قال الزمخشري : هذا إما من إضافة الصفة ~~المشبهة باسم الفاعل . PageV01P404 قال ابن عرفة : ف ( بديع ) صفة ( ~~السماوات ) . قال : أو من إضافة اسم الفاعل . قال ابن عرفة : ( بديع ) صفة ~~الله تعالى أي مبتدع السماوات . وقال أبو حيان : الجمهور بالرفع على أنه ~~خبر مبتدإ ، وقرئ بالنصب على المدح ، وبالجر على البدل من الضمير في قوله ( ~~له ) ، وهي صفة مشبهة باسم الفاعل ( والمجرور ) مشبه بالمفعول ، وأصله : ~~بديع سماواته ، ثم شبه الوصف فأضمر فيه ضمير عائد على الله ونصب سماواته ~~على التشبيه . وقيل : بديع سماواته ثم أضيف فانجر من نصب . وقال الزمخشري : ~~هو من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها واعترض بأن الصفة لا تكون مشبهة إلا ~~إذا نصبت أو أضيفت عن نصب ، أما إذا رفعت فليست مشبهة لأن عمل الرفع في ~~الفاعل تستوي فيه الصفات المتعدية وغيرها ، وأيضا بإضافة الصفة إلى ( ~~فاعلها ) لا يجوز لأنه من إضافة الشيء إلى نفسه ، وقد يتناول كلامه على أن ~~معناه من إضافة الصفة المشبهة إلى ما كان فاعلا لها قبل أن تشبه . انتهى . ~~قلنا قوله : واعترض بكذا ، نقل ابن عصفور في شرح الجمل عن الأستاذ أبي ~~الحسن علي بن جابر الرماح أن الإضافة : في مررت برجل حسن وجهه ، يمكن أن ~~يكون من رفع ، وأنه حكى ذلك عن أشياخه وحمل عليه كلام سيبويه واعترضه ابن ~~عصفور فانظره . PageV01P405 قوله تعالى : { وإذا قضى أمرا . . . } أي أراد ~~فيرجع للارادة القديمة ( التنجيزية ) . ( وقال الزمخشري : إنه عبارة عن ~~سرعة التكوين . فجرى على مذهبه . وقال ابن عطية . أي قدر في الأزل وأمضى ~~فيه ) . قوله تعالى : { وقال الذين لا يعلمون . . . } قال ابن عرفة : إن ~~أريد بهم مشركو العرب فواضح ، وإن أريد أهل الكتاب فواضح ، لأن جهل ~~المشركين بسيط ، وجهل أهل الكتاب مركب . واستشكل الفخر قول من فسره بأهل ~~الكتاب قال : لأنهم يعلمون . قال ابن عرفة : ويجاب بما قلناه : من ms145 أنهم ~~جاهلون جهلا مركبا وكان بعضهم يقول : إنما نفى عنهم العلم لوضعهم الشيء في ~~غير محله ، لأنهم طلب منهم الإقرار بصحة الرسالة فطلبوا هم أن يكلمهم الله ~~مشافهة وهذا مناف للرسالة لأن هؤلاء إذا حصلت لهم المباشرة بالكلام فلا ~~حاجة إلى الرسالة . PageV01P406 قيل لابن عرفة : إنهم طلبوا أن يكلمهم الله ~~( بتصديق رسوله ) . فقال : وفي هذا وقع الكلام معه ، فإذا ( بوشروا ) به ~~فلا حاجة إلى الرسالة . وقال : وتنكير ( ءاية ) لتعم ( في ) المعجزات كلها ~~، وتفيد التقليل فهو محض مكابرة ومباهتة منهم ( حتى ) ( كأنه ) لم يأتهم ~~بشيء من الآيات . قوله تعالى : { مثل قولهم . . . } قيل لابن عرفة : ما ~~فائدة زيادة ( مثل قولهم ) مع أنه مستغنى عنه لأن التشبيه الأول ( يكفي ) ~~في حصول المثلية ؟ فأجاب بوجهين : - إما أنه تأكيد في مقام التسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بتكذيب من قبله وتعنتهم . - وإما أن قوله ( كذلك ) ~~تشبيه لا يقتضي المساواة من جميع الوجوه بل ( المقابلة ) ، لأن المشبه ~~بالشيء لا يقوى قوته فزاد ( مثل قولهم ) ليفيد كمال المماثلة والمساواة ، ~~ولم يقل : مثل كلامهم ، لأن القول أعم من الكلام ، ولازم الأعم لازم الأخص ~~، فأفاد حصول المساواة في قولهم المفرد والمركب . قوله تعالى : { قد بينا ~~الأيات . . . } PageV01P407 رد عليهم في قوله : { أو تأتينآ ءاية } ولم يرد ~~عليهم قولهم : { لولا يكلمنا الله } لظهور بطلانه بالبديهة . قوله تعالى : ~~{ لقوم يوقنون } ابن عطية : اليقين عند الفقهاء أخص من العلم لأن العلم ~~عندهم معرفة المعلوم على ما هو به ، واليقين معتقد يقع للموقن في حقه ، ~~والشيء على خلاف معتقده كتيقن ( المقلدة ) ثبوت الصانع . ثم قال : وحقيقة ~~الأمر أن اليقين هو الأخص ، وهو ما علم على الوجه الذي لا يمكن أن يكون إلا ~~عليه . قال ابن عرفة : كان ابن عبد / السلام يقول : هذا كلام خلف ، لأنه ~~ذكر أن اليقين أخص ثم فسر بما يقتضي أنه أعم من العلم . والصواب أن يقال : ~~اليقين أخص من العلم لأن العلم أخص من الإعتقاد ، فالاعتقاد أعمها ثم العلم ~~، ثم اليقين ، واليقين هو اعتقاد الشيء بدليل قاطع لا تعرض له ms146 الشكوك ، ~~والعلم اعتقاد الشيء بدليل يقبل الشكوك والمعارضة ، وهي مسألة المدنة قال : ~~إنما اللغو أن يحلف بالله على أمر تيقنه ثم تبين له خلاف ذلك فلا شيء عليه ~~. وانظر ما قيدت في سورة الذاريات . قوله تعالى : { إنآ أرسلناك بالحق . . ~~. } الظاهر أن المعجزات هي المراد . وقدم البشارة على النذارة لأن القاعدة ~~في محاولة الأمور الصعبة أن يبدأ فيها بالتلطف والتيسير PageV01P408 ليكون ~~أدعى للقبول ، كما إذا كان لك جمل معك وأردت أن تدخله موضعا فإنك تسايسه ~~بربيع تطعمه له أو تفتل شعره أو نحو ذلك ، كما قال { فقولا له قولا لينا } ~~قوله تعالى : { ولا تسئل عن أصحاب الجحيم } الظاهر أنها تسلية للنبي . قوله ~~تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود . . . } كان بعضهم يقول : غالب استعمال ~~الملة فيما عدا الدين المحمدي ، ولذلك كانوا ينتقدون على أثير الدين ~~الأبهري في كتابه في أصول الدين حيث قالوا : قال المليون : يعني به ~~الإسلاميين قال : وهذا على حذف ولن ترضى عنك اليهود حتى تتبع ملتهم ولا ~~النصارى حتى تتبع ملتهم ، وفيه المبالغة في لفظ ( لن ) و ( حتى ) وفي تكرير ~~( لا ) . قوله تعالى : { قل إن هدى الله . . . } يحسن أن يكون أمرا لكل ~~واحد من الناس أن يقول ذلك . قيل لابن عرفة : النصارى يوافقوننا على ذلك ~~ويقولون : إن دينهم هو هدى الله ؟ PageV01P409 فقال : إن هدى الله على ~~ثلاثة أقسام : هدى باعتبار ما في نفس الأمر ، وهدى باعتبار الدليل العقلي ، ~~وهدى باعتبار الدعوى ؛ فالمراد أن هدى الله الذي دل الدليل العقلي عليه هو ~~الهدى ، وهو الهادي إلى الإيمان بمحمد . قوله تعالى : { ولئن اتبعت أهوآءهم ~~. . . } خطاب على سبيل التهييج والإلهاب ، وعطف النصير على الولي تأسيس ، ~~لأن الولي إما أخص من النصير أو بينهما عموم وخصوص من وجه دون وجه . وعلى ~~كل تقدير فالعطف تأسيس وانظر ابن عطية وانظر ما قيدت في سورة العنبكوت وفي ~~سورة الفتح . قوله تعالى : { الذين ءاتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته . . . ~~} ابن عطية : عن قتادة : هم المؤمنون بمحمد ، والكتاب القرآن . وعن ابن زيد ~~: هم المؤمنون بموسى عليه السلام ، والكتاب التوراة ms147 ، وقيل : الأربعون ~~الواردون مع جعفر بن أبي طالب في السفينة . قال ابن عرفة : المراد به ~~الأنبياء والرسل فقط . لكن يضعف لقوله ( يؤمنون به ) فكأنه إخبار بالمعلوم ~~. PageV01P410 ابن عطية : ويصح أن يكون ( يتلونه ) حالا والخبر ( أولئك ~~يؤمنون ) . ورده ابن عرفة : بأنه إخبار بالمعلوم فيمتنع كما امتنع أن ~~الذاهبة جاريته مالكها ، لأنهم فسروا : يتلونه ( بمعنى يتبعونه بامتثال ~~أوامره ونواهيه ، وهذا هو حقيقة الإيمان به . لكن قال : هذا إنما يلزم إذا ~~جعلنا الهاء من ) به ( عائدة على الكتاب ، وأما إن أعدناها على محمد أو على ~~) الهدى ( فيتم له ما قال . قيل لابن عرفة : أو يجاب بأن الحال من شرطها ~~الانتقال فالتلاوة غير لازمة ؟ فقال : الإخبار عن ( المبتدإ ) إنما هو ( ~~بصفته ) والحال من صفته فإذا انتقلت انتقل الخبر . قال ابن عرفة : وفي ~~الآية رحمة وترج لكونها لم يذكر فيها إلا من آمن بالكتاب ومن كفر به ، ~~ويبقى من كان في زمن الفترة والمجانين والصغار مسكوتا عنهم لم يتناولهم هذا ~~الوعيد . وجاءت الآية مفصولة بغير عطف غير موصولة مع أنهم شرطوا في ذلك ~~اختلاف الجملتين بأن تكون إحداهما طلبية ، والأخرى خبرية وكذا الأمر والنهي ~~وهاتان متفقتان في الخبر لكنهما مختلفان . قوله تعالى : { اذكروا نعمتي ~~التي أنعمت عليكم . . . } ذكرهم بنعمة واحدة إشارة إلى أن التذكير باستحضار ~~النعم الكثيرة من حيز المحال ( تكليف ) بما لا يطاق فلا يطيقون إلا الشكر ~~على النعمة الواحدة . PageV01P411 قوله تعالى : { وأني فضلتكم على العالمين ~~} . أي فضلت أمتكم على الأمم : إما على أمم زمانكم لأن بعثة موسى عليه ~~السلام لم تكن عامة لجميع الناس فكان في زمانه أمم أخرى ، وإما على جميع ~~الأمم التي قبله وبعده فتدخل فيه أمة سيدنا محمد لكثرة ما كان في زمن بني ~~إسرائيل من الأنبياء . وليس المراد ب ( العالمين ) جميع الناس لأن سيدنا ~~محمدا أفضل الخلق ( على الإطلاق ) . قوله تعالى : { ولا تنفعها شفاعة . . . ~~} . جعله ابن عطية من باب ( على لاحب يهتدي بمنارة ) . قوله تعالى : { وإذ ~~ابتلى إبراهيم ربه بكلمات . . . } والعامل / في إذ ( مضمر ) أي ( اذكر ) إذ ~~ابتلى ، ويعمل ms148 فيها عمل الفعل في المفعول به ولا عمله في الظرف لأنه يستحيل ~~ذكره في ذلك الوقت . وقرئ برفع ( إبراهيم ) ونصب ( ربه ) ومعناه ابتلى ( ~~ابراهيم ) إجابة ربه ، أي اختبر حاله عند ربه . قيل لابن عرفة : فهل يجوز ~~أن يختبر المكلف حاله عند ربه ؟ PageV01P412 فقال : أما عند الاضطرار فجائز ~~كما في حديث الثلاثة الذين أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل فانحطت عليهم ~~من ( أعلى الجبل ) صخرة فسدت ( فم ) الغار فقالوا : تعالوا يتوسل كل واحد ~~منا إلى الله بأفضل عمل عمله ، الحديث أخرجه الصحيحان . قال : وكذلك عند ~~الضرورة الظاهر الجواز . قال الإمام فخر الدين هنا : والجمهور على أن إمامة ~~الفاسق حال فسقه لا تجوز ، واختلفوا في الفسق الطارئ هل يبطلها أم لا ؟ قال ~~: وخطأ أبو بكر الرازي من نقل عن أبي حنيفة إجازة كونه خليفة وامتناع كونه ~~قاضيا . قال : فإن شرط كل واحد منهما العدالة . وفي الإكمال للقاضي عياض في ~~كتاب الإمارة قال المازري : وإذا عقد الإمام على وجه صحيح ثم فسق وجار بأن ~~كان يكفر وجب خلعه ، وأما بغيره من المعاصي فلأهل السنة لا يخلع ، ~~وللمعتزلة يخلع . عياض : الاختلاف أنها لا تنعقد لكافر ولا تدوم إن طرأ ~~عليه الكفر ، وكذا إن كان يترك الصلاة والدعاء لها ، وكذا عند الجمهور ~~بالبدعة ولبعض البصريين أنها لا تنعقد للمبتدع وتدوم له للتأويل . عياض : ~~لا تنعقد ابتداء للفاسق بلا تأويل ، وهل يخرج منها بمواقعة المعاصي أو لا ؟ ~~PageV01P413 قال جمهور أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين : لا ~~يخلع ( بالظلم ) والفسق وتعطيل الحقوق ، ويجب وعظه وترك طاعته فيما لا يجب ~~فيه طاعة . وقال بعضهم : يجب خلعه ، وهذا مع القدرة فإن لم يقدر على ذلك ~~إلا بفتنة وحرب فاتفقوا على منع القيام عليه . واحتج الزمخشري بهذه الآية ~~على أن الفاسق لا يصلح للامامة . قال ابن عرفة : لا دليل فيها ، وفرق بين ~~نيل العهد للفاسق وتعلقه به وبين انعقاد الإمامة للفاسق . فنقول : أما ~~ابتداء فلا يصح أن يلي الإمامة الفاسق . وأما بعد الوقوع فتنعقد له الإمامة ~~كما قالوا في ms149 البياعات الفاسدة : إنما تمنع ابتداء فإن وقعت مضت وحكم لها ~~بحكم الصحيح . قيل لابن عرفة : كيف هذا مع قول الله تبارك وتعالى { ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه } فقال : يكون ~~الاصطفاء ( لنفسه ) فقط لا مطلقا . PageV01P414 قوله تعالى : { وإذ جعلنا ~~البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى . . . } أي محل رجوع ~~، والرجوع ليس هو باعتبار الشخص الواحد المعين بل باعتبار الأنواع ( فيحج ) ~~واحد ولا يرجع ، ويحج آخر . ويحتمل أن يراد بالشخص الواحد المعين لكن لا ~~يتناول إلا الأفاقي فإنه يطوف طواف القدوم ثم يرجع إلى البيت فيطوف طواف ~~الإفاضة . واتفقوا على أنه ليس المراد بالبيت حقيقة بل ما حولها فمن دخل ~~المسجد الحرام فهو آمن . قوله تعالى : { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل أن ~~طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } . ابن عطية : عن عطاء وغيره ~~: الطائفون أهل الطواف ، وعن ابن جبير : الغرباء الطارئون على مكة ~~والعاكفون أهل البلد المقيمون . وعن عطاء : المجاورون بمكة الذين عكفوا بها ~~فأقاموا لا يبرحون . وعن ابن عباس هما : المصلون وعن غيره المعتكفون . قال ~~الزمخشري : المعتكفون الواقفون يعني القيام في الصلاة . PageV01P415 قال ~~ابن عرفة : وقدم الطائفين لقرب الطواف من البيت ( واختصاصه ) به والعكوف في ~~سائر البلد ، وإن أريد به الاعتكاف فهو أحرى لأنه يكون فيه ( وفي ) كل مسجد ~~تصلى فيه الجمعة ثم الركوع والسجود لأنه يكون في سائر المساجد والمواضع ~~الطاهرة . وقال السماكي : لأن العكوف يخص موضعا واحدا من المسجد والطواف ~~يكون بجميع البيت فهو أعم والأعم قبل الأخص . قال وجمع : ( الطائفين ) جمع ~~سلامة لأنه أقرب إلى لفظ بمنزلة يطوفون للاشعار بعلة تطهير البيت وهو حدوث ~~الطواف وتجرده ولو قيل : الطواف : لم يفد ذلك لأن المصدر يخفي ذلك ، وجمع ~~العاكفين جمع سلامة لقربهم من البيت كالطائفين بخلاف الركوع والسجود فإنه ~~لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده ، فلذلك لم يجمع جمع سلامة ولم يعطف ( ~~السجود على الركوع ) لأن الركع هم الساجدون ومن لم يسجد فليس براكع شرعا ، ~~ولأن السجود يكون مصدر ( سجد ) ويكون ms150 جمع ( ساجد ) ولو عطف لأوهم أنه مصدر ~~. فإن قلت : هلا قيل : السجد ، كما قيل : الركع ، قال الله تعالى : { رحمآء ~~بينهم تراهم ركعا سجدا } قلت : يراد بالسجود وضع ( الجبهة على ) الأرض ~~ويراد به الخشوع ولو قيل ( السجد ) لم يتناول إلا السجود المرئي ~~PageV01P416 بالعين ، فقيل : السجود ليعم المعنوي والحسي بخلاف الركوع . ~~وجعل السجود وصفا له لأن الخشوع روح الصلاة وسرها . قوله تعالى : { رب اجعل ~~هذا بلدا ءامنا . . . } قيل لابن عرفة : إنه دعا بصيرورته بلدا آمنا ، ~~فظاهره أنه لم يكن حينئذ بلدا فدعا ( هنا بصيرورته بلدا ثم بعد حصوله بلدا ~~دعا بما في ) سورة إبراهيم ؟ فقال : إنك تقول : رب اجعل هذا رجلا صالحا ، ~~فلم تدع بحصول الرجولية له بل بكونه صالحا . قيل له / قد ذكروا في الجواب ~~عن معارضة الآيتين أنه لم يكن حينئذ بلدا فدعا هنا بصيرورته ثم بعد حصوله ~~بلدا دعا بما في سورة إبراهيم ؟ فقال : الظاهر أنه كان في موطنين فقال أولا ~~: { رب اجعل هذا بلدا ءامنا } ثم أعاد الدعاء في إبراهيم إما لأنه استجيب ~~له وطلب دوام الأمن ، أو تأخرت الإجابة وأعاد الدعاء تأكيدا ، وإن كان ذلك ~~منه في موطن ( واحد ) فيشكل فهم الآيتين لأنه إن كان نطق به معرفا فلم حكى ~~منكرا ، وإن قاله منكرا فلم حكي معرفا ؟ ومنهم من أجاب بانه على حذف الصفة ~~أي اجعل هذا البلد آمنا ، وخص بعض ذريته بالدعاء دون بعض إما لأنه علم أن ( ~~فيهم ) الظالمين أو لأن الله أوحى إليه بذلك أو لأن هذا اسلام أخص فخصص ~~البعض ( به دون البعض ) . PageV01P417 قوله تعالى : { وإذ يرفع إبراهيم . . ~~. } قال : إنما فصل بين إسماعيل وإبراهيم بالمفعول ( ليظهر كمال المباينة ~~بينهما ) لأن إبراهيم هو متولي البناء وهو الذي كان يضع الحجر في الحائط ~~وإسماعيل إنما كان يناوله خاصة . قوله تعالى : { ربنا تقبل منآ . . . } مع ~~قوله : { ربنا واجعلنا مسلمين لك } دليل واضح لأهل السنة في قاعدة الكسب ~~لأن مجرد الدعاء بقبول العمل دليل على أن العبد مستقل بفعله والدعاء ( ~~بتحصيل ) الإسلام دليل على سلب القدرة على ms151 العبد فالجمع بينهما موضح لقاعدة ~~الكسب . قوله تعالى : { ومن ذريتنآ أمة مسلمة . . . } تقدم أن الواحد يطلق ~~عليه ( أمة ) وفيه تناقض كلام ابن الخطيب في المحصول . قوله تعالى : { ~~وأرنا مناسكنا . . . } المراد به موضع الهدى ، وأما النسك فيذبحه حيث شاء ~~من البلاد . قوله تعالى : { وتب علينآ . . . } الصواب فيه انه باعتبار ~~الانتقال من مقام إلى مقام أعلى منه ( فيرى ) في ذلك نقصا ( يقتضي ) التوبة ~~لأن الكبائر PageV01P418 ( تستحيل ) على الأنبياء ، وكذلك صغائر الخسة ~~بإجماع ، ويحتمل أن ( يريد ) ( أعطنا ثواب التائبين . فإن قلت : الرحمة سبب ~~في التوبة فلم أخرها عنها ؟ قلت : لأن الرحمة ) وسيلة والتوبة مقصد والمقصد ~~أشرف من الوسيلة . قوله تعالى : { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم . . . } ~~إعادة النداء للاهتمام بالسبب وزيادة ( منهم ) تنبيه على عموم رسالته في ~~العرب لأن ضمير الذرية يعم العرب والعجم لأن بعض كفار قريش زعم أنه لم يرسل ~~إليهم . قوله تعالى : { ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم . . . } هذا جاء ~~على الأصل في تقديم العلم أولا ثم ( العمل ) به لأن العلم شرط في العمل ، ~~ولذلك قال : كل شيء يمكن حصوله للولي الجاهل إلا العلم ، لأن العلم لا يحصل ~~له إلا بالتعلم وما يحكى في بعض المسائل عن الشيخ الصالح أبي الحسن علي ~~الشاذلي وغيره إنما هي مسائل جزئية يمكن أن يطلعه الله على حكمها في مرآة ~~يراها مسطورة بين يديه ، فيجيب بما فيها ، إنما العلم الكلي من حيث هو بحيث ~~( يتصدى ) لإقرائه وتعلمه فلم يوجد في العادة لأحد PageV01P419 ( بوجه ) ، ~~كذا كان بعض الشيوخ يقول . وقدم هنا وفي الحزب الذي يليه بعده ( يعلمهم ) ( ~~يزكيهم ) ، وآخره في سورة الجمعة . كان الشيخ محمد بن عبد السلام يقول : ~~إنه بحسب المجالس فحيث تقدم التعليم تكون تلك الآية نزلت عليه بمحضر الخواص ~~ومن هو أهل للتعليم ، فيكون التعليم أهم ، وحيث تقدم التزكية تكون الآية ~~نزلت عليه في موضع أكثره عوام ، فتكون التزكية في حقهم أهم . قوله تعالى : ~~{ إنك أنت العزيز الحكيم } . ( لم ) يقل : الغفور الرحيم لأن العزيز هو ~~الذي ينفذ مراده ولا ينفذ فيه مراد ( أحد ) والحكيم هو ms152 الذي تضمنه قوله ~~تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } وقوله { وكانوا أحق بها وأهلها } ~~قوله تعالى : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم . . . } الاستفهام في معنى النفي ، ~~أى لا يرغب إلا السفهاء ، وهذا إن كان المراد عقائد التوحيد فالملل كلها ~~متفقة على ذلك وخصص منها PageV01P420 ملة إبراهيم لشرفها واجتماع جميع ~~الملل على اتباعها ، وإن كان المراد به شريعته والأحكام الفرعية فلا شك ~~أنها منسوخة ( فالمراد ) من يرغب عنها قبل ( تقرر نسخها ) . قوله تعالى : { ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين } الآخرة هي التي يظهر فيها فائدة الصلاح في ~~الدنيا . انتهى . قوله تعالى : { إذ قال له ربه أسلم . . . } قال : هذا إما ~~قول حقيقة بعد رؤية الكوكب والقمر والشمس وإما بمعنى الإلهام إلى / ذلك ~~وخلقه في قلبه بنصب الدلائل العقلية عليه . قوله تعالى : { قال أسلمت لرب ~~العالمين } إقرار بالحكم ودليله فلذلك لم يقل : أسلمت لك . قوله تعالى : { ~~أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت . . . } PageV01P421 ولم يقل : أم كنتم ~~حضورا ، لأن لفظ الشهادة تفيد الضبط والإحاطة بعلم الشيء . فإن قلت : مفهوم ~~الآية أنهم لو حضروا لذلك لصح لهم الاحتجاج به مع أنه حجة عليهم لأن يعقوب ~~إنما أوصى بنيه بعبادة الله سبحانه وتعالى وتوحيده ؟ فالجواب : أن المعنى : ~~أم كنتم شهداء إذ قال ذلك ، أم تقولون هذه المقالة وتدعون أنه أوصاهم ( ~~بغير ذلك ) . قال ابن عرفة : لأن هذا الاستدلال على سبيل التقسيم عليهم ~~والتنزل معهم على عادة المستدل ، فأبطل قولهم بالدليل العقلي ثم احتج عليهم ~~بالدليل السمعي النقلي فقيل لهم : أحضرتم لوصية يعقوب لبنيه ، وتزعمون أنها ~~كانت موافقة ( لدعواكم ) ، أي ما لكم دليل عقلي ولا نقلي . وتقديم يعقوب ~~وهو مفعول على الموت للاهتمام لأن الآية ( نزلت ) في معرض إقامة الحجة على ~~الكفار وإقامة الحجة إنما هي بإسناد الأمر إلى يعقوب لا للموت . قال ابن ~~عطية : والمعنى إذا حضر يعقوب مقدمات الموت ، وإلا فلو حضره الموت لما قال ~~شيئا . قال ابن عرفة : لا يحتاج إلى هذا إلا لو قيل إذ نزل ( بيعقوب ) ~~الموت . وأما حضور الموت فهو أعم من ms153 ( نزولها ) و ( مقاربة ) نزولها ~~PageV01P422 قوله تعالى : { ما تعبدون . . . } قال الزمخشري : ( ما ) علم ~~في كل شيء فإذا ( علم ) فرق ب ( ما ) و ( من ) وكفاك دليلا قول العلماء ( ~~من ) لما يعقل ولو قيل : من تعبدون ، لم يعم إلا أولي العلم وحدهم . قال ~~ابن عرفة : إن قلت : جعل ( ما ) عامة تقع على ( ما ) وعلى ( من ) فتقسم ~~الشيء إلى نفسه وإلى غيره ؟ ( قلت ) : جعلها مشتركة بين الأعم والأخص ، ~~فتارة وضعت لأن تدل على كل شيء وتارة وضعت للاختصاص بمن يعقل . فإن قلت : ~~كيف قال ( من ) لما يعقل فأطلق ( ما ) على العاقل وهي لا تصدق عليه إلا مع ~~غيره ؟ قلنا : عادة الطلبة يجيبون بأنها إنما أطلقت عليه مقيدا بالعقل ~~وإنما تخص غير العاقل عند عدم القرينة كقولك : رأيت ما عندك . الزمخشري : ~~ويجوز أن يقال ( ما تعبدون ) سؤال عن صفة المعبود . وضعفه ابن عرفة لقولهم ~~( نعبد إلهك ) فلم يجيبوا بالصفة وإنما يصح ذلك لو قالوا : نعبد القادر ~~السميع البصير . فإن قلت : لم قال : ( من بعد ) فاتى ب ( من ) المقتضية ~~لأول الأزمنة البعدية مع أنه لا يتوهم مخالفتهم ورجوعهم عن دينهم إلا بعد ~~طوال الزمان ( وأما ) بالقرب من موته فلا يزالون متبعين له ومقتفين ( ~~لآثاره ) ؟ PageV01P423 قال الغاسل : عادتهم يجيبون بأن الآية أتت في معرض ~~الرد على اليهود ، وهم يدعون أنهم متبعون لآبائهم فذكر لهم الوجه الذي يصدق ~~على أولاد يعقوب أنهم متبعون له وذلك لا يصدق إلا بأول أزمنة البعدية ، ~~وأما ( ما ) بعد ذلك فقد يقال : إنهم لم يتبعوا ، بل تناسوا الأمر واتبعوا ~~غيره والزمن القريب من موته يقوى فيه وجه الاتباع . قوله تعالى : { وإله ~~ءابآئك إبراهيم وإسماعيل . . . } قال ابن عرفة : إن أجزنا استعمال اللفظ في ~~حقيقته ومجازه ( فالعم ) يطلق عليه أب مجازا . وجعله الزمخشري حقيقة ~~واستشهد بحديث : ( عم الرجل صنو أبيه ) وبقوله في العباس ه ( هذا بقية ~~آبائي ) . ابن عطية وقال : ( أنا ابن الذبيحين ) قال : وعلى القول المشهور ~~في أنه إسحاق . وهو قول مالك في العتبية ، وإن كان اختيار ابن عطية في غير ~~ما موضع أنه ms154 إسماعيل وجعله أصح من القول الآخر ، والوصف بقوله ( واحدا ) ~~دليل على أن لفظ الإلاه كلي ولذلك كان دليل الوحدانية نظريا وإلا ( كان ~~يكون ) ضروريا . قوله تعالى : { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت . . . } ابن ~~عطية : رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا قدرة له وأنه كالميت بين يدي ~~الغاسل . PageV01P424 زاد القرطبي : أن فيها ردا على المعتزلة القائلين بأن ~~العبد يستقل ( بفعله ) لأن الآية دلت على الكسب لا على الخلق والاختراع . ~~قال ابن عرفة : إن كان الكسب في اللغة هو الذي اصطلح عليه المتكلمون ، فما ~~قاله حق وإلا لم يتم له ذلك . قوله تعالى : { ولكم ما كسبتم . . . } قوله ~~تعالى : { ولا تسئلون عما كانوا يعملون } فيه حذف ، أي ولا يسألون هم عما ~~كنتم تعملون . قال أبو حيان : ( لها ما كسبت ) يجوز أن يكون حالإ من الضمير ~~في ( خلت ) ويضعفه عطف ( ولكم ما كسبتم ) عليه ، لأنها تكون حالا ، وعطف ~~الحال على الحال يوجب اتحاد الزمانين وزمان استقرار ( الكسبين ) مختلف . ~~وأجاب ابن عرفة بكون الثانية حالا مقدرة مثل ، مررت برجل معه صقر صائدا به ~~غدا ، أي قد خلت حالة كون ( لها ) ما كسبت وحالة كون ( لمن ) بعدها ما يكسب ~~على تقدير ( اكتسابه ) . PageV01P425 قوله تعالى : { وقالوا كونوا هودا أو ~~نصارى تهتدوا . . . } قال ابن عرفة : هذا قياس استثنائي ( في ) قوة كلامهم ~~( فيه ) أنهم قصدوا استثناء غير المقدم فينتج عين التالي وينتفي الثاني ~~لانتفاء الأول ، أي إن لم تكونوا هودا لم تهتدوا لكنكم لستم بهود فلستم ~~بمهتدين . وقاعدة الأصوليين استثناء عين التالي وينتفي / الأول لانتفاء ( ~~الثاني ) حسبما نص عليه ابن التلمساني في كتاب القياس فيجيء تركيبه : إن لم ~~تهتدوا تكونوا هودا ، وليس هو مرادهم بل مرادهم أن الهداية لازمة لدين ~~اليهودية . والجواب : أنهما متساويان إذا انتفى أحدهما لزم منه انتفاء ~~الآخر والإضراب ب ( بل ) إبطال . فإن قلت : هلا قيل : وما كان مشركا ، فهو ~~الأخص لأن نفي الأعم أخص من نفي الأخص لأنه يستلزم نفي الأخص ؟ فالجواب أن ~~النفي ورد على ( وفق ) دعواهم و ( هم ) ما ادعوا إلا ms155 أنهم متبعون له وأنه ~~كان على دينهم وهم مشركون لقولهم : عزير بن الله والمسيح ابن الله وادعائهم ~~( التجسيم ) . والخطاب بقوله : { قل بل ملة إبراهيم . . . } لجميع الناس ~~خوطب به كل واحد على PageV01P426 حدته وهو أولى من جعله خطابا للنبي لأنه ~~مقابل لقول أتباع موسى وعيسى فيقابلون بقول أتباع محمد . قوله تعالى : { ~~قولوا ءامنا بالله } قال ابن عرفة : فيه دليل على أن من قال : أنا مؤمن ، ~~لا يحتاج إلى زيادة : إن شاء الله ، وهو قول سحنون . قلت : قال ابن بطال في ~~أوائل شرح البخاري هو قول ابن عبد الرحمن السلمي ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، ~~وإبراهيم التميمي وعون ابن عبد الله ، ( ورأى ) زيادة الاستثناء ابن عبد ~~الحكم وحمديس وابن عبدوس وأحمد بن صالح الكوفي . قلت : ونقل لي بعض الطلبة ~~عن الركراكي بالقيروان وكان صالحا أنه قال : لا أماته الله على الإسلام إن ~~كان يعتقد أنه مسلم . PageV01P427 ( قال : فسألت الفقيه أبا عبد الله محمد ~~بن محمد بن سلامة . فقال : مراده إن كان يعتقد أنه كامل الإسلام . وقال لي ~~شيخنا الفقيه أبو العباس أحمد بن إدريس : إنما أراد ما في حديث : ( المسلم ~~من سلم الناس من لسانه ويده ) قال ابن عرفة : والصواب أنه إن أراد : أنا ~~مؤمن في الحال ، لم يحتج إلى زيادة : إن شاء الله تعالى ، وإن أراد ~~المستقبل فلا بد من زيادة إن شاء الله ، وهذه الآية إما خبر أو إنشاء فإن ~~كانت خبرا فهو ماض لا يحتاج فيه إلا الاستثناء لأنه محقق عنده ، وإن كان ~~إنشاء فمدلولها حق صح الإخبار عنه على ما هو عليه من غير استثناء لأنه حق . ~~( ابن عرفة ) . والمسألة المتقدمة مذكورة في الفقه وفي المعالم الفقهية . ~~وقال أبو حيان : هنا في إبراهيم وإسماعيل ( يجوز ) أن يجمعا جمع سلامة ~~فيقال : ( ابراهيمون ) وإسماعيلون . قال ابن عرفة : كان بعضهم يمنع ذلك ( ~~فيه ) لأنه عجمي . والله أعلم . PageV01P428 قال الزمخشري : والأسباط حفدة ~~يعقوب عليه السلام ( ذرارى ) أبنائه الاثني عشر . وقال ابن عطية : ( هم ~~أولاد ) يعقوب وهم روبيل وشمعون ويهودا وداني ولاوى وكرد . قلت ms156 : وتقدم لنا ~~في الختمة التي قبل هذه قال بعض الطلبة لابن عرفة : ما الحكمة في تخصيص أول ~~الآية بلفظ الإنزال و ( ثانيها ) بالإيتاء ؟ فقال : لفظ الإنزال صريح فيما ~~أنزل من أعلى إلى أسفل ، ولفظ الإيتاء محتمل لأن يكون من اليمين والشمال ~~والأمام والعلو ، والنصارى ( مؤمنون ) بما أنزل على عيسى ، واليهود ( ~~مؤمنون ) بما أنزل على موسى لأنهم لا احتمال عندهم فيه ولا شك ، ولما كانوا ~~شاكين في المنزل على محمد وعلى آل إبراهيم وما بعده وبعضهم يدعي أنهم ( ~~تلقوه ) من الكهان ، أتى فيه باللفظ الصريح الدال على نزوله من أعلى إلى ~~أسفل ولهذا قال : { ومآ أوتي النبيون من ربهم } لينفي هذا الاحتمال ، فعورض ~~بوجهين : PageV01P429 - الأول قال بعض الطلبة : السحر إنما يتلقونه من ~~الشياطين المسترقين للسمع فهو من أعلى إلى أسفل فلا احتمال في الإنزال ~~كالاحتمال في الإيتاء . - الوجه الثاني : قلت : ( إذا ) إن النصارى كافرون ~~بما أنزل على موسى واليهود بما أنزل على عيسى فالاحتمال لم يزل أقال في هذه ~~: { ومآ أنزل إلينا } وفي آل عمران { قل ءامنا بالله ومآ أنزل علينا } قال ~~ابن الخطيب : إن ( على ) صريحة في حصول الشيء من فوق ( وإلى ) يحتمل حصوله ~~من إحدى الجهات السبب . والخطاب في قوله ( ءامنا ) بالنبي والقرآن أنزل ~~عليه حقيقة من السماء . والخطاب هنا للمؤمنين ، وإنما حصل لهم القرآن من ~~النبي ( ولم يحصل ) لهم من فوق . وأورده الزمخشري في آل عمران ، وأجاب بأن ~~الوحي يتنزل من فوق وينتهي للرسل ، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر ، ~~قل ومن قال علينا لقوله قل : ( إلينا ) لقوله ( قولوا ) فقد تعسف ، ألا ترى ~~إلى قوله ( بما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ) وإلى قوله { ءامنوا بالذي أنزل ~~على الذين ءامنوا } وأجاب ابن عرفة بجواب آخر : وهو أن النبي لما كان خاطره ~~إلى العالم العلوي أميل ، إذ في السماء الجنة والعرش والكرسي والملائكة ، ~~ناسب تعدي الإنزال إليه ب ( على ) ليشعر PageV01P430 بإتيانه من الجهة ~~الشريفة المحبوبة بخلاف هذه فإن فيها ( قولوا ) وهو خطاب له ولغيره . وأجاب ~~ابن عرفة وبعض طلبته عن ms157 تخصيص أول الآية بالإنزال وآخرها بالإيتاء بأنه لما ~~/ كان ظهور المعجزات الفعلية على يد موسى وعيسى أكثر ( وأشهر ) من ظهورها ~~على يد إسحاق ويعقوب وإبراهيم لأن موسى ضرب البحر فانفلق ، وألقى العصا ~~فعادت ثعبانا ، وأخرج يده فصارت بيضاء من غير سوء ، ( ورفع ) من على البئر ~~الصخرة لابنة شعيب ، ووضع ثوبه على حجر ، ودخل النهر فمضى الحجر به فتبعه ~~وهو يقول : ثوبي حجر . وعيسى كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن ~~الله ، فناسب لفظ الإيتاء سيدنا إبراهيم عليه السلام وأولاده فإن اشتهارهم ~~بإنزال الوحي أكثر من اشتهارهم بالمعجزات . قوله تعالى : { فإن ءامنوا بمثل ~~مآ ءامنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق . . . } قال ابن عرفة ~~: الباء : إما للسبب والمراد أسباب إيمانكم وهي البراهين والمعجزات ، أو ~~للتعدية ( به ) والمراد متعلق الإيمان وهو الإلاه ؛ فإن كان للسبب فواضح أي ~~( فإن ءامنوا ) بسبب مثل الأسباب التي أرشدتكم أنتم إلى الإيمان فقد اهتدوا ~~، وإن أريد متعلق الإيمان فمشكل . PageV01P431 قال ابن عطية : فقيل الباء ~~زائدة ( وقيل مثل الزائدة ) وقيل : إنه مجاز والمراد ( من مثل ) الشيء ذات ~~الشيء كقولك : مثلك لا يفعل هذا . زاد الزمخشري : أنه تبكيت لهم كقولك : ~~هذا هو الرأي ، فإن كان عندك أصوب منه فاعمل عليه وقد علمت أنه لا أصوب منه ~~. فإن قلت : هلا قيل : فإن ءامنوا بمثل مآ آمنتم به كما قيل : فإنما هم ( ~~مهتدون ) ، كما قيل { فإنما هم في شقاق } ؟ قلنا هذا تأكيد في التنفير عن ~~دين الكفر واهتمام لتخفيف جانب الخوف على جانب الرجاء . قوله تعالى : { ~~فسيكفيكهم الله . . . } يتضمن كفاية شرهم وقتالهم ( وكل ما ) يصدر عنهم من ~~المضار وهو أبلغ من ( أن ) لو قيل : فسيكفيك الله شرهم . وقول الله كفايته ~~إياهم بنفسه اعتناء بالنبي . قوله تعالى : { وهو السميع العليم } . ~~الزمخشري : وعيد لهم أو وعد للرسول . | PageV01P432 قال ابن عرفة : بل هما ~~معا فهو وعد ووعيد . قوله تعالى : { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة . . . ~~} قال ابن عرفة : هذا في معنى : الله أحسن صبغة من غيره مثل : { ومن أصدق ~~من ms158 الله حديثا } أي الله من أصدق من غيره . قال : وهذا التركيب يرد على ~~وجهين تقول : زيد أحسن القوم ، وتقول : لا أحسن من زيد في قومه ، فيقتضي ~~الأول نفي الأعلى والمساوي ( ويقتضي ) الثاني نفي الأعلى فقط . قال ~~الزمخشري : وانتصاب ( صبغة ) على أنه مصدر مؤكد وهو الذي ذكره سيبويه ، ~~والقول ما قالت حذام . قيل لابن عرفة : هذا هو معرفة الحق بالرجال ؟ فقال : ~~نعم الذين لا يعرف الحق إلا منهم ، وهذا صواب . انتهى . قوله تعالى : { ~~ونحن له عابدون } راجع للعمل { ونحن له مخلصون } للإيمان الاعتقادي ~~التوحيدي فتضمنت الآية العلم والعمل . قوله تعالى : { قل أتحآجوننا في الله ~~. . . } سماها حجة مجازا وإنما هي شبهة وليست حجة بوجه . قوله تعالى : { أم ~~تقولون إن إبراهيم وإسماعيل . . . } PageV01P433 ( أم ) إما متصلة والمعنى ~~: أي الأمرين تأتون المحاجة في حكم الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على ~~الأنبياء ، وخلط هنا مقالتهم مع أن اليهود ادعوا على الأنبياء دين اليهودية ~~فقط ؛ وإما منفصلة والإضراب انتقل إلى ما هو ( أشد ) وأشنع . قال ابن عرفة ~~: وقوله : { قل ءأنتم أعلم أم الله . . . } دليل على أنها منقطعة لأنه رد ~~عليهم في المقالة الثانية فقط أي لم يكونوا كذلك . وقوله ( أم الله ) إما ~~على ظاهره أو المراد به أم رسول الله ، كما قال الله جل ذكره : { إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله } وهو على سبيل التنزل معهم والإنصاف ( أو ) من ~~باب تجاهل العارف قوله تعالى : { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله . . ~~. } جمعه مع { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } ومع { فمن أظلم ممن كذب على ~~الله } يقتضي التساوي إلا ما دل الدليل على ( التفاوت ) فيه ( بل أقوالهم ~~تضمنت كتم الشهادة فيقال : إنما علق الظلم على الكتم ليعلم أن شهادة الزور ~~أعظم جريمة فقد وعده بالعذاب على الوجهين ( ووبخوا ) بفعل ما ارتكبوا من ~~ذلك ) والشهداء على ثلاثة أقسام : شاهد بالحق ، وشاهد PageV01P434 بالزور ، ~~وكاتم للشهادة ، فلا يشهد بشيء ) مع علمه بها . وهؤلاء شهدوا بالزور ولم ~~يكتموا الشهادة فقالوا : { كونوا هودا أو نصارى } فعلق الحكم على الأخف ~~ليفيد العقوبة ms159 على ما هو أشد منه من باب أحرى . قال الزمخشري : ويحتمل أن ~~يرجع للمؤمنين ، أي لو كتمنا الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا يكتمها . ~~قوله تعالى : { وما الله بغافل عما تعملون } من باب السلب والإيجاب لا من ~~باب العدم والملكة . قوله تعالى : { تلك أمة قد خلت . . . } راجع للأنبياء ~~والأمم السالفة . قيل لابن عرفة : هم إنما ادعوا أنهم ينتفعون بعلمهم / لا ~~أنهم يسألون عن ( علمهم ) فقالوا : كونوا على ديننا ، ونحن متبعون لهم ~~لننتفع بعلمهم . فهلا قيل : ولا ( ينفعهم ) علمهم ؟ فقال : هذا ( استدلال ) ~~أي اعلموا أنهم ( لم يضركم عملهم ) فكما لا يضركم كذلك لا ينفعكم ، أو يكون ~~فيه حذف أي لا تسألون عما كانوا يعملون ولا يسألون هم عما ( أنتم ) تعملون ~~. PageV01P435 قلت : وتقدم في الختمة الأخرى قال بعض الطلبة { قل ءأنتم ~~أعلم أم الله } يقتضي نفي العلم عنهم ، وقوله تعالى : { ومن أظلم ممن كتم ~~شهادة عنده من الله } يقتضي ثبوت العلم لهم إذ لا يكتم إلا من علم ؟ فأجيب ~~بوجهين : الأول : { ءأنتم أعلم } لا يقتضي نفي العلم بل مقتضاه أن العلم ~~الحاصل لهم لا يقارب علم الله ولا يدانيه . الثاني : أن العلم المنفي أولا ~~غير المثبت آخرا ، فالمنفي هو العلم بأنهم كانوا هودا أو نصارى ، والمثبت ~~الذي ( ذموا ) على كتمه هو العلم بأن إبراهيم كان ( حنيفا ) مسلما ، فهم ~~أولا ادعوا ما لا يعلمون ( ثم كتموا ما يعلمون ) . | تم الجزء الأول من ~~تفسير الإمام ابن عرفة ويليه الجزء الثاني . PageV01P436 بسم الله الرحمن ~~الرحيم PageV02P447 صفحة فارغة PageV02P448 قوله تعالى : { سيقول السفهآء ~~من الناس . . . } . جعله الزمخشري مستقبلا حقيقة ، قال : وفائدة الإخبار به ~~قبل وقوعه لأن مفاجأة المكروه أشد والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب ~~إذا وقع . قال ابن عطية : عن ابن عباس هما وغيره أنه من وضع المستقبل موضع ~~الماضي ( لدلالته على دوام ) ذلك واستمرارهم عليه . قال ابن عطية : وإنما ~~قال { من الناس } لأن السفيه يكون من الجمادات والحيوانات ، ( يقال ) : ثوب ~~سفيه أي خفيف النسج . ورده ابن عرفة بأن القول المسند إليه في الآية ms160 يخصصه ~~بالحيوان . قال : وإنما عادتهم يجيبون بأمرين : أحدهما أنه لو لم يذكر ~~لاحتمل كون هذا القول من الجن وكان يكون ( ضمير ) الغيبة في قوله : { ما ~~ولاهم عن قبلتهم } مرجحا لهذا الاحتمال . ويقال : لو كان من ( الإنس ) لقيل ~~ما ولاهم عن قبلتكم لحضورهم معهم ، فقيل : { من الناس } ليخرج الجن قال ~~الله تعالى : { الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس } PageV02P449 ~~الثاني أنه ( إشارة ) إلى أن هذا القول صدر من رؤسائهم وأشرافهم ومن ~~المنافقين الذين آمنوا ظاهرا ، أو من علماء اليهود ولم يصدر من العوام ~~والجهال بوجه وذلك على سبيل ( النفي ) عليهم والتبكيت لهم فكفر أي جهل ليس ~~ككفر غيره . قوله تعالى : { ما ولاهم عن قبلتهم . . . } عبر بلفظ الغيبة ~~إشارة إلى أنهم قالوا ذلك فيما بينهم ولم يباشروا به المؤمنين بوجه ، وهذا ~~مرجح لأن تكون المقالة من المنافقين . قال العلامة ابن العربي في القبس : ~~إن هذا مما نسخ ثلاث مرات وليس في القرآن ما نسخ ثلاث مرات غيره . قال ابن ~~عرفة : يريد أنه كان يصلي لبيت المقدس ثم نسخ بالصلاة للكعبة ، ثم نسخ فصلى ~~لبيت المقدس ثم نسخ فصلى للكعبة وقيل : كان يصلي لمكة ثم صلى لبيت المقدس ~~ثم صلى لمكة فيجيء التحويل ثلاث مرات والنسخ مرتين . قوله تعالى : { قل لله ~~المشرق والمغرب . . . } PageV02P450 أى ليس استقبالهما لذاتهما فيسأل عن ~~سبب التخلف عنه وإنما ذلك حكم شرعي لا اختيار له فيه بوجه ، وفيه دليل على ~~أن لحكم الشرعي إذا لم تظهر لنا علته فالأصل فيه التعبد . قوله تعالى : { ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا . . . } أي ومثل هدايتنا من ( نشاء ) إلى صراط ~~مستقيم ( هديناكم ) إلى الإيمان بمحمد . قال ابن عطية : عن بعضهم ؛ خير ~~الأمور أوسطها أي خيارها . قيل لابن عرفة : لا فائدة في هذا الخير وكأنه ~~قيل : خير الأمور خيارها ؟ فقال : فائدته الحصر ( ولو قال ) : الخير في ~~الوسط ، لم يفد الحصر . قال ابن عرفة : إنما قال : { عليكم شهيدا } ولم يقل ~~: لكم شهيدا ، لأن شاهد الإنسان مستعمل عليه إذ لا يتم له غرض إلا بشهادته ~~. قال الزمخشري ms161 : لأن الشهيد كالرقيب المهيمن على المشهود ( له ) . ~~PageV02P451 | قيل لابن عرفة : ذكر الأصوليون خلافا في إجماع غير هذه الأمة ~~هل يعتبر أو لا ؟ وذكر ابن التلمساني وابن الحاجب منه مسائل وهذه الآية تدل ~~على عدم اعتباره ؟ فقال : ذلك الخلاف لا يصح ، ( والإجماع ) ( على ) انتساخ ~~الملل كلها بالملة المحمدية . قيل لابن عرفة : قد تقرر الخلاف في شرع من ~~قبلنا هل هو شرع لنا أم لا ؟ قوله تعالى : { لتكونوا . . . } . قوله تعالى ~~: { إلا لنعلم . . . } . قيل : أي ليعلم رسولنا من يتبعه ، قال الله تعالى ~~: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } وقيل : إلا ليظهر متعلق علمنا ~~حقيقة للمجازات عليه وإنما لم يقل : إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن لا يتبعه ~~، زيادة في نفي الشدة عليهم والخسران . قوله تعالى : { وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم . . . } PageV02P452 أي ليضيع أعمالكم . وقيل : إنها حجة على ~~المعتزلة في أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار ، إلا أن يجيبوا بأن إيمانه ~~يذهب بالموازنة . قوله تعالى : { إن الله بالناس لرءوف رحيم } . دليل على ~~أن الكافر منعم عليه لعموم الناس ، وفيه خلاف ، وأجيب بأنه منعم عليه في ~~الدنيا فقط . قال ابن الخطيب في شرح الأسماء الحسنى : إنما قدم الرؤوف على ~~الرحيم لأن الرحمة في الشاهد إنما ( تحصل ) لمعنى وفي / المرحوم من حاجة ( ~~و ) ضعف ، والرأفة تطلق عند حصول الرحمة لمعنى في الفاعل من شفقة منه على ~~المرحوم فمنشأ ( الرأفة كمال في إيصال الإحسان ومنشأ ) الرحمة كمال حال ~~المرحوم في الاحتياج إلى الإحسان ، وتأثير حال الفاعل في إيجاد الفعل أقوى ~~من احتياج المفعول إليه . قوله تعالى : { قد نرى تقلب وجهك في السمآء . . . ~~} قال الزمخشري : قد نرى بما نرى ، ومعناه كثرة الرؤية كقوله : قد أترك ~~القرن مصفرا أنامله ( كأن أثوابه مجت بفرصاد ) . PageV02P453 أبو حيان : في ~~كلامه تضاد لأن ( رب ) للتقليل عند المحققين ، ثم إن اللفظ من حيث ( قرر ) ~~ليس فيه ما يدل على التكثير لأن دخول ( قد ) على الفعل ماضيا ( كان ) أو ~~مضارعا لا يفيد هذا المعنى وإنما فهمت الكثرة من التقلب لأنه يقال : قلب ~~إذا ردد . قال ms162 ( كاتبه ) : كلام الزمخشري عندي صحيح لا تضاد فيه . نبه عليه ~~في قول الله سبحانه وتعالى { علمت نفس مآ أحضرت } في جواب الإتيان بلفظ ~~النفس مفردا . قال : هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراد فيما يعكسونه ~~. ومنه قول الله تعالى : { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } ومعناه ~~أكثر وأبلغ ؟ ومنه قول الشاعر قد أترك القرن . . . ( البيت المتقدم ) . ~~وتقول لبعض قواد العساكر : كم عندك من الفرسان ؟ فيقول : ( رب فارس عندي ) ~~، أو ( لا تقدم عندي فارس ) وعنده الكثير فيقصد التمادي في تكثير فرسانه ~~ولكنه أراد إظهار براءته من التزين وأنه ( ممن ) يقلل كثيرا ما عنده ، فضلا ~~عن أن يزيد . فجاء بلفظ التقليل ، ففهم منه لفظ الكثرة . انتهى كلامه . قلت ~~: فظهر أن أبا حيان لم يفهم كلامه ولا أنصفه . وكان الخولاني يجيب عن ~~الزمخشري بأن ( رب ) إذا اقترنت بها ( ما ) تكون للتكثير ولا حاجة بهذا ~~وإنما الجواب ما قلناه . انتهى . PageV02P454 قال ابن عرفة : أي تقلبه في ~~جهة السماء والرؤية في كل مكان وهو دليل على أن القول من السفهاء مستقبل ~~غير واقع كما قال الزمخشري . وتنكير القبلة للتعظيم ، وفيه دليل عل أن ~~السماء قبلة للدعاء ، وفيه دليل على جواز القسم على فعل لأنه لما قال : { ~~فلنولينك قبلة } عطفه بقوله { فول وجهك شطر المسجد الحرام } إذا ليس مراد ~~النحويين بالحال الحال العقلي ، بل إنما يريدون الحال الحقيقي أو ما يقرب ~~منه . قوله تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام . . . } . | المعتبر في ~~القبلة ، فيمن يرى البيت العين ، وفيمن يصلي على جبل أبي قبيس السمت ، وفي ~~البعيد عنه الجهة . قوله تعالى : { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره . . . } ~~هو دليل على أن الأصل من أفعاله عدم التأسي حتى يدل الدليل على التأسي ~~ولولا ذلك لما احتيج إلى قوله : { وحيث ما كنتم } . قال ابن عرفة : وأجيب ~~بأن القرب مظنة الاستقبال بخلاف البعد . قال الزمخشري : وقيل كان التحويل ~~إلى القبلة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين ورسول الله بمسجد بني ~~سلمة وقد صلى في أصحابه ركعتين من ms163 الظهر فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب ~~وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال . PageV02P455 قال ابن عرفة : ~~فيه دليل على أن المعتبر في النسخ يوم البلاغ لا يوم النزول . قال القرطبي ~~: وفيه دليل على ( جواز نسخ ) المتواتر بالآحاد . قيل لابن عرفة : هذا إن ~~قلنا : إن الأصل مشروعية القبلة ( كانت ) بالقرآن وقد قيل : إن أصل ~~مشروعيتها بالسنة ؟ فقال : على كلا الأمرين ( فكله ) وحي في زمن النبي ، ~~فهو متواتر . وكذلك نسخها هو بخبر واحد اختلفت قرينته في حياته مع العلم ~~بقوله : ( من كذب علي ( متعمدا ) فليتبوأ مقعده من النار ) فيكون محصلا ~~للعلم كخبر التواتر سواء . قوله تعالى : { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب ~~بكل آية . . . } . قال ابن عرفة : في هذا تهدئة ( روعته ) صلى الله عليه ~~وسلم وتطمين له حتى لا يتهالك على عدم إيمانهم وهو عام في جميع المعجزات . ~~PageV02P456 قيل لابن عرفة : إن الإمام ابن العربي قال : لا يناول الآيات ~~النظرية وأما الآيات ( الملجئة ) الاضطرارية فلا ، لأن الإيمان عندها ضروري ~~؟ فقال : بل يتناول الجميع لأنا نقول : إن ربط الدليل بالمدلول عادي لا ~~عقلي ، أو نقول : إن في الجائز : إن يستدل المستدل بالدليل الصحيح ويعمي ~~الله بصيرته عن العثور على الوجه الذي يدل الدليل منه ، أو نقول : إن ~~الإيمان الاضطراري ليس إيمانا بوجه ولا يترتب عليه ثواب لأنه ليس للمكلف ~~فيه اختيار . وفي الآية دليل على أن ارتباط الدليل بالمدلول عادي لا عقلي . ~~وفيها رد على المعتزلة القائلين بمراعاة الصلاح والأصلح وأن الآيات التي ~~يمكن الإيمان عندها قد أتى النبي بجميعها وليست القدرة / صالحة لغيرها ~~فقوله : { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية } ( دليل على أنه لم يأتهم ~~بكل آية ) وأن القدرة صالحة للإتيان بآيات أخر . قوله تعالى : { ما تبعوا ~~قبلتك . . . } . قال ابن عطية : أي جواب ( إن ) كجواب ( لو ) وهي ضدها ، ~~لأن ( لو ) تطلب المضي ( والوقوع ) و ( إن ) تطلب المستقبل ، والجواب إنما ~~هو للقسم لأن أحد الحرفين يقع موقع الآخر هذا قول سيبويه . وتعقب هذا أبو ~~حيان بأن أول كلامه يقتضي أن الجواب PageV02P457 ل ( إن ms164 ) مع أن قوله ~~بالجواب للقسم ( يقتضي ) أن الجواب ليس ل ( إن ) . | قال ابن عرفة : إنما ~~ذلك سلب حكم ، لا حكم بالسلب فلا تناقض فيه . قوله تعالى : { ومآ أنت بتابع ~~قبلتهم . . . } . نفى الأول بالفعل وهذا بالاسم ولم يقل : وما أنت تتبع ~~قبلتهم ، مع أن النفي بالفعل أعم لأنه مطلق ، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص ~~. قال ابن عرفة : الجواب أن الأول جاء على الأصل في أنهم مصممون على عدم ~~اتباعه وأما نفيه هو بالاسم فلأن أفعاله ثابتة لازمة فهو إذا اتبع أمرا ثبت ~~عليه ولا ينتقل عنه فنفي على حسب ما هو عليه . قيل لابن عرفة : فيكون هذا ~~نفي أخص ؟ فقال : لا . بل ورد النفي عليه على حسب ما وجد إذا لو ( وجد ) ~~اتباعه أمرا لما وجد إلا على سبيل الثبوت واللزوم . قيل : أو يجاب بأنه قد ~~كان تابعا قبلتهم ثم انتسخ ذلك . فقال : هذه الآية نزلت بعد النسخ و ( ما ) ~~لنفي الحال ، واتباع قبلتهم ( ماض ) . قوله تعالى : { وما بعضهم بتابع قبلة ~~بعض . . . } . PageV02P458 لأن اليهود يستقبلون بيت المقدس والنصارى ~~يستقبلون الشمس من حيث تطلع . قوله تعالى : { ولئن اتبعت . . . } . راعى ~~ابن عطية الأمر العادي فصرفه عن ظاهره وحمله على غير النبي . وراعى ~~الزمخشري الأمر العقلي فأبقاه على ظاهره ، وقال : وهو على حسب الفرض ~~والتقدير من خطاب التهييج والإلهاب . قوله تعالى : { إنك إذا لمن الظالمين ~~} . أي إنك لغريق في الظلم . قال ابن عرفة : ويحتمل أن يكون هذا من باب ~~السلب والإيجاب مثل ( الحائط لا يبصر ) لأن النبي معصوم من اتباع أهوائهم . ~~قيل لابن عرفة : لا يصح التكليف بذلك لأنه من تكليف العاجز ؟ فقال : ~~الأشياء على ثلاثة أقسام : موجود ، وقابل للوجود ، ومستحيل . فالإبصار ~~للحائط غير محال إذ في الجائز أن يخلق الله فيه الإبصار فيبصر ، هذا ( هو ) ~~مذهبنا ، لأنا لا نشترط ( البنية ) . PageV02P459 وكذلك النبي معصوم من ~~اتباع ( أهوائهم ) لكنه ( كلف ) بذلك . وجعل ذاته قابلة للاتباع باعتبار ~~اعتقاد الكفار فيها قبول ذلك وأنها عندهم غير معصومة لا باعتبار ما في نفس ~~الأمر . قال ابن عرفة : وفيه ms165 دليل على أن عقوبة العالم أشد من عقوبة الجاهل ~~. قوله تعالى : { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم . . . } ~~. أي يميزونه بصفاته من حيث كونه رسولا . ( كما يعرفون ) أبناءهم ( من حيث ~~كونهم أبناءهم ، أو يكون من تشبيه المركب بالمفرد ، أي يعلمونه بصفاته من ~~حيث كونه رسولا كما يعرفون أبناءهم ) بالإطلاق لا من حيث النسبة كما قال ~~عبد الله بن سلام : إنه لا يتحقق أن ابنه المنسوب إليه ابنه حقيقة ، ويتحقق ~~رسالته علما يقينيا . قال ابن عطية : لم شبه معرفتهم له بمعرفتهم أبناءهم ~~ولم يشبهها بمعرفتهم أنفسهم ؟ وأجاب بأن الإنسان يتقدم له زمن لا يعرف فيه ~~حال نفسه وهو زمن الصغر بخلاف ولده فإنه يشاهده من صغره إلى كبره . ~~PageV02P460 قال ابن عرفة : ويحتمل عندي أن يجاب بأن ذلك التشبيه للمشاكلة ~~لأن الكتاب منفصل عنهم فشبه بما هو منفصل عنهم وهو الولد بخلاف أنفسهم . ~~قوله تعالى : { ليكتمون الحق وهم يعلمون } . وباقيهم إما يقرون بالحق ، أو ~~يكتمون الحق وهم يجلهون . وهذا دليل على أن كفر الأولين عناد . قلت : تقدم ~~لنا في الختمة الاخرى عن الشيخ الإمام ابن عرفة وهو أن آخر الآية مناقض ~~لأولها لأن قوله { يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم } دليل على أن جميعهم ~~يعلمونه . وقوله تعالى : { وإن فريقا منهم ليكتمون الحق . . . } . دليل على ~~أن بعضهم يجهلونه . فإن قلت : إنما مقتضاه أن باقيهم يعلمون الحق ويظهرونه ~~؟ قلنا : لا يصح لوجهين : الأول : أن الضمير المجرور في قوله { منهم } عائد ~~على { الذين آتيناهم الكتاب } وقد قالوا : إن { الذين } بدل من { الظالمين ~~} ، فإذا كان كذلك بطل أن يكون بعضهم عالمين به ومظهرين له إذ لا يسمى فاعل ~~ذلك ظالما . - الثاني : { إن فريقا } إنما يطلق على القليل من الجماعة ولا ~~يقال للنصف ( فريقا ) ( فيلزم ) أن يكون أكثرهم مظهرين للحق ، وذلك مخالف ~~لسياق الآية لأنها إنما سيقت لذمهم . PageV02P461 وأجاب ابن / عرفة عن ~~الإشكال باحتمال كون فيهم من علم وتحقق ولم تعرض له شبهة توجب له الريبة ~~والشك في علمه فهؤلاء هم الذين قيل فيهم { وإن فريقا منهم ليكتمون الحق ms166 وهم ~~يعلمون } . ومنهم من علم وعرضت له شبهة توجب التردد في علمه فهؤلاء هم ~~المسكوت عنهم . قوله تعالى : { فلا تكونن من الممترين . . . } . يتناول ~~أقسام التردد الثلاثة و ( هي ) الظن ، والشك ، والوهم ، لأن المطلوب في ~~الإيمان العلم اليقين ولا ( يجزئ ) فيه الظن بوجه . قيل لابن عرفة : لعل ~~المراد الظن به فقط ، ويدل على النهي عما سواه من باب أحرى ؟ فقال : الظن ( ~~مطلق ) يتناول ظن الباطل وظن الحق ، ودلالة أخرى إنما هي في ظن الحق ، أي ~~فلا يعتقد الحق اعتقادا ظنيا فيقول القائل : لعل المراد فلا يعتقد الباطل ~~ظنا فيبقى الشك والوهم غير منهي عنهما والصواب تناوله للجميع . قوله تعالى ~~: { ولكل وجهة هو موليها . . . } . حمله الزمخشري على معنيين ، أحدهما : ~~ولكل فريق من أهل الأديان المختلفة قبلة هو موليها نفسه ، أو يعود الضمير ~~على الله ، أى الله موليها إياه . - ( الثاني ) : ولكل واحد منكم يا أمة ~~محمد جهة يصلي إليها شمالية ، أو جنوبية ، أو شرقية أو ( غربية ) . فالقبلة ~~PageV02P462 عندنا نحن في الجنوب وعند أهل العراق و ( اليمن ) في الشمال ~~والمغرب . وضعف ابن عرفة الأول إذا أعيد الضمير في { هو موليها } على الله ~~لأن الملل كلها قد انتسخت بشريعة سيدنا محمد فلا يصدق أن لكل قوم ( وجهة ) ~~. | قال ابن عرفة : وكان بعضهم يفسره بمعنى ثالث وهو أن ( لكل ) شخص منا ~~وجهة من وجوه الخير ، والله أقامه فيها ، فواحد مجاهد وآخر صائم وآخر عالم ~~وآخر حاج وآخر كثير الصدقة . قوله تعالى : { فاستبقوا الخيرات . . . } . ~~دليل على أن الأمر للفور لأن مدلول صيغة افعل وهو الفور من مسمى الخيرات ~~لأن المبادرة إلى فعل المأمور به ( من جملة ) الخيرات فهو مأمور به . وإنما ~~قال : { استبقوا } ولم يقل : اسبقوا ، ليتناول السابق والمسبوق فالمسبوق ~~حينئذ يصدق عليه أنه استبق ولكنه لم يسبق ، ولو قال : اسبقوا لما تناول إلا ~~السابق . والخيرات ( تعم ) الواجبات والمندوبات ، وتعم من سبق بخير أو سبق ~~غيره لخير ( آخر ) وإن لم ( يستبقا ) لشيء واحد . قوله تعالى : { يأت بكم ~~الله جميعا . . } PageV02P463 حمله الزمخشرى على معنيين : إما يأت بكم ( ~~للجزاء ms167 ) أو للحشر والنشر ، وإما أين ما تكونوا من الجهات يجعلكم تصلون إلى ~~جهة واحدة ( كأنكم ) تصلون ( حاضري ) المسجد الحرام . قال ابن عرفة : وقوله ~~إن الله على كل شيء قدير يرجح المعنى الأول . قوله تعالى : { لئلا يكون ~~للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم . . . } . الاستثناء منفصل ، والمعنى ~~: لكن الذين ظلموا فما يكون لهم عليكم حجة ، أو متصل ، والمعنى ( لتنفى ) ~~حجة الناس عليكم إلا الذين ظلموا فما تنفى حجتهم عليكم لما هم عليه من ~~الظلم ولذلك ( يقال ) : فما أضيع البرهان عند المقلد . قلت : وهذا شطر بيت ~~لابن سهل من قصيدة شهيرة . أقلد وجدي فليبرهن مفندي . . . فما أضيع البرهان ~~عند المقلد هبوا نصحكم شمسا فما عين أرمد . . . بأوضح في مرآه من عين مكمد ~~PageV02P464 قال أبو حيان : والحجة على هذا الاحتجاج والخصومة وعلى الأول ~~الدليل الصحيح ( والمراد بالناس اليهود ) . قال ابن عرفة : فإن قلت على ~~الإتصال يلزم أن يكون الذين ظلمو عليهم الحجة ؟ وأجاب ابن عرفة في الختمة ~~الأخرى بوجهين : الأول : أنه من باب أحرى لأنه إذا لم يكن الحجة للمنصفين ~~العارفين فأحرى أن لايكون للآخرين فإن هؤلاء فهموا وعاندوا ( وأنصفوا ) في ~~الدليل وأولئك لم ( ينصفوا ) . الثاني : أن ابن مالك في هذه الآية جعل إلا ~~بمعنى الواو . قال أبو حيان : فعلى الاتصال التقدير : لئلا يكون لأحد من ~~اليهود حجة عليكم إلا المعاندين منهم القائلين : ما ترك قبلتنا وتوجه ( ~~للكعبة ) إلا ميلا منه لدين قومه وحبا لبلده . قال ابن عرفة : وعلى ~~الانفصال فالمراد إلا الظالمين من المشركين كذا قال في الختمة الأخرى . قال ~~أبو حيان : وعلى الانفصال تقديره : الذين ظلموا منهم فإنهم يتعلقون عليكم ~~بالشبهة . قوله تعالى : { فلا تخشوهم واخشوني . . . } . PageV02P465 قال ~~ابن عرفة : كيف ينهى المكلف عن فعل أمر هو فيه بالطبع لأن الخوف من العدو ~~أمر جبلي لا يستطيع الإنسان زواله ؟ وأجاب عن ذلك بأن أوائل ذلك حاصل ~~بالطبع والدوام عليه هو المنهي ( عنه ) . قوله تعالى : { ولعلكم تهتدون } . ~~إن قلت : هذا تكرار لأن الهداية من جملة ( النعم ) ؟ قلنا : المراد النعم ~~الآتية من عند الله ms168 تعالى لا تسبب فيها للمكلف بخلاف الهداية والضلال فإن ~~له ( فيها كسبا وأرادة ) . / قوله تعالى : { كمآ أرسلنا فيكم رسولا . . } . ~~قال ابن عطية : الكاف إما متعلقة بقوله { لأتم نعمتي عليكم } أو ب { لعلكم ~~تهتدون } أو ب { اذكروني } قال ابن عرفة : على الأول فهي للتشبيه فقط ، ~~وعلى الأخير للتعليل فقط . وعلى الثاني يحتمل الأمرين ، أي يهتدون لما ~~أرسلنا أى لأجل إرسالنا . قلت : وعلى التعلق ب { اذكروني } حملها أبو حيان ~~على الوجهين فانظره . قوله تعالى : { منكم يتلوا عليكم آياتنا . . } . دليل ~~على أن الخاصية التي اختص الرسل بها حكمية وليست خلقية بوجه ، وفيه التنبيه ~~على حكمة إرساله منهم وهو تبرئته | PageV02P466 عن أن يكون ساحرا أو مجنونا ~~، فيقال إليهم : لم نرسل إليكم أحدا تجهلونه بل أرسلنا واحدا منكم نشأ بين ~~أظهركم وعرفتم براءته من كل ( آفة تنسب ) إليه . قوله تعالى : { ويزكيكم ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة } . ( قال بعضهم ) : حيث يقدم التزكية يكون معظم ~~المخاطبين عواما مقلدين ليسوا أهلا ( لتعلم ) الحكمة والكتاب فتكون التزكية ~~أهم ، وحيث يقدم التعليم يكون المخاطبون خواص فيكون الأهم التعليم مع أن ~~كلا الأمرين مطلوب . والكتاب هو الكلام المعجز ، والحكمة القول غير المعجزة ~~. قوله تعالى : { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } . قيل : إن هذا تكرار ، ~~ففصل في أولها ثم ( أجمل ) ب { ما لم تكونوا تعلمون } شمل الكتاب والحكمة . ~~ومنهم من قال : إن العلم قسمان : علم يكون ( الإنسان ) بحيث لو ( شحذ ) ( ~~قريحته ) وفكر فيه لأدركه من تلقاء نفسه بعقله ( وفطرته ) ، وعلم لايمكن ~~للإنسان التوصل إليه من ذاته ولا يقبل أن يتعلمه وحده بعقله بوجه . وهذا هو ~~المراد بقوله { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } أي ما لم تكونوا قابلين ~~لمعرفته بعقولكم . قوله تعالى : { فاذكرونيا أذكركم . . . } . PageV02P467 ~~( لما بين شريطة الذكر وهو التعلم أمرهم بالذكر ) . قوله تعالى : { واشكروا ~~لي ولا تكفرون } . قيل لابن عرفة : إنه دليل على أن الأمر بالشيء ليس نهيا ~~عن ضده إذ لو كان نهيا عن الضد لما كان لقوله { ولا تكفرون } فائدة ؟ فقال ~~: الأمر بالشكر مطلق ( فيصدق ) بشكره يوما واحدا ثم يكفر دائما ، فلما قال ms169 ~~{ ولا تكفرون } أفاد النهي عن الكفر دائما . قيل : هل بين الشكر والكفر ~~واسطة ؟ فقال : أما في غير هذا فنعم ، لأن بينهما حالة الغفلة ( والذهول ) ~~وأما هنا فلا ، لأن الأمر بالشكر وترك الكفر إنما أتى عقب الأمر بالذكر . ~~قال : والكفر هنا ( هو ) كفر النعمة . قوله تعالى : { يآأيها الذين آمنوا ~~استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } . ( استعينوا ) بالصبر على ~~المشاق كلها ومنها الصلاة { إن الله مع الصابرين } أي مع المصلين ، ولما ~~كان الصبر مستلزما ( لتحصيل ) جميع العبادات ومنها الصلاة استغنى به عنها . ~~قوله تعالى : { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات . . . } . ~~PageV02P468 ان قلت : هلا قيل : لمن قتل في سبيل الله بلفظ الماضي ؟ قال ~~أجيب عنه بوجهين : - الأول : أن ابن عطية قال : سبب نزولها أن الناس قالوا ~~فيمن قتلوا ببدر وأحد مات فلان وفلان فكره الله تعالى أن يحط منزلة الشهداء ~~إلى منزلة غيرهم فنزلت الآية . وغزوة بدر وأحد هما أعظم الغزوات وما بعدهما ~~من الغزوات دونهما بلا شك فلو كان الفعل ماضيا لتوهم خصوصية هذه الفضيلة ~~بمن قتل في الغزوتين فقط فأتى به مضارعا ليدل على عمومها فيمن بعدهم وفيهم ~~من باب أحرى . - الثاني : لو قال : ( قتل ) لكان فيه إيحاش ووصم عليهم ~~لأنهم كانوا ( متأسفين ) على من قتل منهم فيتذكرونهم بهذا ويزداد حزنهم ~~عليهم ، ولا يقال : قتل فلان غالبا إلا فيمن يفتجع عليه أو يفرح لموته ~~فيقال : لمن يقتل ، ليعم على من يأتي ومن مضى ويسلم من هذا الإيحاش . قوله ~~تعالى : { بل أحياء . . . } . هذا إما إخبار أو حكم من الله تعالى عليهم ~~بالحياة . والمراد بل قولوا : هم أحياء والأول أظهر ( لقوله : { ولكن لا ~~تشعرون } ) . قوله تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } . هذا ترق ~~لأن الجوع أشد من الخوف . فإن قلت : إنه أيضا أشد من النقص من الأموال . ~~PageV02P469 قلت : الجواب أن النقص من الأموال أكثر وجودا فى الناس من ~~الجوع فهو أشد مفسدة والنقص من الأنفس بالمرض أو بالموت أشد من الجميع . ~~قوله تعالى : { قالوا إنا لله وإنآ إليه راجعون } . لأنه ms170 إذا علم العبد أنه ~~وجميع أهله وماله ملك لله طابت نفسه وهانت عليه مصيبته ( كما ) قال للمرأة ~~التى عزاها فى ولدها ( إن لله ما أخذ وله ما أبقى وأعطى ولكل أجل مسمى و كل ~~إليه راجعون فاحتسبي واصبري فإنما الصبر عند أول الصدمة ) . ومن شرط اللفظ ~~العمل بمقتضاه وهو أنه يصبر ويحتسب ، فإن قاله قولا فقط فلا فائدة فيه ، ~~وإن صبر ولم يقله فقد قاله بلسان الحال ويحصل له ( الأجر ) ، وإن فعل ~~الأمرين أخلفه الله الخير في الدنيا وأعظم له الأجر في الآخرة . ( والصلاة ~~) المراد بها الرحمة ، وجمعها ( لإرادة ) التكرار عليهم ( رحمة بعد رحمة ) ~~أي عليهم رحمات كثيرة متعددة ورحمة أخرى أعظم من الجميع فلذلك أفردها ~~بالذكر وعطفها عليها وليس فيه تكرار بوجه . قوله تعالى : { إن الصفا ~~والمروة من شعآئر الله . . . } . قال ابن عطية : الصفا والمروة جبلان بمكة ~~. PageV02P470 قال الجوهري : في الصحاح موضعان بمكة . والصفاء بالمد ضد ( ~~الكدرة ) والتغير . ابن عطية : والصفا جمع صفاة . ابن عرفة : وجعله أبو ~~حيان اسم جنس وهو الصواب . | ابن عطية : وقيل إنه مفرد وجمعه صفى وأصفاء ، ~~وهي الصخرة العظيمة . قال الراجز : ( كأن منبته من النفي مواقع الطير على ~~الصفا ) وقيل : من شرط الصفا البياض والصلابة وشرط الجوهري فيه الملوسة ولم ~~يشترط الصلابة . ابن عطية : والمروة واحدة المرو ، وهي الحجارة الصغار التي ~~فيها لين ومنه قولهم ( ذكيتها بمروة ) . PageV02P471 ابن عرفة : الصواب ~~العكس لأن التذكية إنما تأتي بالصلب لا باللين . ابن عطية : ومنه قول ( ~~الأمين أخرجني ) فإن قتلني بمروة قتلته بمروة . ابن عرفة : الأمين والمأمون ~~ولدا هارون الرشيد وكان الأمين أراد أن ( يغدر ) أخاه المأمون فقال هذه ~~المقالة . الجوهري : الصفا والمروة علمان للجبلين كالصمان والمقطم . ~~الجوهري : الصمان جبل قرب ( الرملة ) بالشام والمقطم جبل بمصر . أبو حيان : ~~فالألف واللام فيهما زائدة كزيادتهما في الاسم العلم ، وقيل للغلبة كالنجم ~~والثريا . ابن عرفة : فرق بينهما بأن التي للغلبة يمتنع اسقاطها فلا تقول : ~~صفا ومروة ، وتريد هذين الموضعين والزائدة يصح أسقاطها . ابن عطية : ~~والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة أي من أعلام ms171 ( مناسكه ) ومتعبداته ، أى من ~~معالمه ومواضع عبادته . PageV02P472 ابن عرفة : أي عباداته الخاصة المؤقتة ~~وإلا فكل مسجد من ( مواضع ) عباداته ، فالمراد من معالمه التى وقتها الشارع ~~لهذه العبادة الخاصة . ابن عرفة : وعلى هذا لا يحتاج إلى ما قال أبو حيان ~~إن الآية على حذف مضاف ( لأن ) . المعنى : أن الصفا والمروة بعض ( مواضع ) ~~عبادة الله إلا على تأويل ، ذكره مختصرا . ابن الخطيب : المراد من عبادة ~~الله فيحتاج أن يقال إن طواف الصفا والمروة . واحتج بعض الأصوليين بالآية ~~مع حديث ( إبدؤوا بما بدأ الله به ) على أن الواو تفيد الترتيب . وقال ~~الآخرون : لو كانت تفيد الترتيب لما سالوه وهم عرب فصحاء ، والصواب أنها لا ~~تقتضيه ولا ( تنافيه ) لكن يحتج PageV02P473 بها على ترجيح تقديم ما قدمه ~~الشارع في لفظه . وقرىء ( أن لا يطوف بهما ) . أبو حيان : لا فرق بين ذكر ( ~~لا ) وإسقاطها والمعنى واحد . | ابن عرفة : بل مختلف كقولك : لاجناح عليك ~~أن تصلي العصر عند الغروب ولا جناح عليك أن لا تصليها عند الغروب . ابن ~~عطية : وليس المقصد إباحة الطواف للحاج وإنما المقصد زوال ما وقع فى نفوسهم ~~من كراهة الطواف بهما . واختلف في أصل ذلك كيف كان ؟ فروي أن الجن كانت ~~تطوف بهما فى الجاهلية ( فتحرج ) المسلمون ( من الطواف ) بينهما لذلك . ~~وروي عن عائشة : أن الأنصار كانوا يهلون لمناة التي بالمشلل ( حذو ) ( قديد ~~) ويعظمونها فكانوا ( لا يطوفون ) PageV02P474 حذو أساف ولا نائلة إجلالا ~~لتلك . فلما جاء الإسلام ( تحرجوا ) فنزلت الآية . ابن عرفة : هذا لا يناسب ~~ولا يليق بالمؤمنين أن يفعلوه . ابن عطية : وعن الشعبي أنهم كانوا يطوفون ~~بهما معتقدين ذلك ( السعي ) إجلالا لأساف ونائلة وهما صنمان فتحرج المسلمون ~~من ذلك فنزلت الآية . ابن عرفة : هذا صواب . قوله تعالى : { إن الذين ~~يكتمون مآ أنزلنا . . . } قال ابن عرفة : من الناس من ينظر وجه المناسبة ~~بين الآية وما قبلها كابن الخطيب ، ومنهم من لا يلتزمه في كل آية كالزمخشري ~~وابن عطية ، ومنهم من يمنع النظر في ذلك ويحرمه لئلا يعتقد أن المناسبة من ~~إعجاز القرآن فإذا لم ms172 تظهر المناسبة فقد يدرك الناظر وهن في دينه وخلل في ~~معتقده . ابن عرفة : ووجه المناسبة هنا أنه لما تقدم الإخبار بحكم شرعي ~~عقبه ببيان عقوبة العالم إذا كتم علمه . PageV02P475 ابن عطية : والمراد ب ~~{ الذين } أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين يكتمون أمر محمد ويتناول من ~~علم علما من دين الله محتاجا إلى بثه وكتمه . قال : ( من سئل عن علم فكتمه ~~ألجمه الله بلجام من نار ) وهذا إذا لم يخف ضررا في بثه . قال ابن عرفة : ~~ولا يحل للعالم أن يذكر للظالم تأويلا أو رخصة يتمادى منها إلى مفسدة كمن ~~يذكر للظالم ما قال الغزالي في الإحياء من أن يبث المال إذا ضعف و اضطر ~~السلطان إلى ما يجهز به الجيش ويدفع ( به ) الضرر عن المسلمين فلا بأس أن ~~يوظف على الناس العشر أو غيره لإقامة الجيش وسد الخلة . قال ابن عرفة : ~~وذكر هذا مما يحدث ضررا ( فادحا ) في الإسلام . قال ابن عرفة : والبينات ~~إما الأدلة ، والهدى نتائجها ، أو العكس . ويحتمل أن يكون البينات هو ~~الأدلة الشرعية السمعية والهدى الدليل العقلي أو العكس . قال ابن عرفة : ~~وقع هذا الوعيد في هذه الآية مشوبا بالرجاء لقوله : { تكتمون } بلفظ ~~المستقبل ولم يقل كتموا بالماضي ( تنبيها على أن ما وقع منهم قبل ذلك معفو ~~عنه لا يتناوله هذا الوعيد ) . ثم أكد هذا الرجاء برجاء آخر وهو أن الكتم ~~الصادر منهم في PageV02P476 المستقبل إنما يعاقبون عليه مع الإصرار عليه ~~والمداومة لقوله : { إلا الذين تابوا } . قال ابن عرفة : وكرر لفظ { يلعنهم ~~} لوجهين : إما تشريفا لله بذكره وحده إشعارا بالتفاوت الذي بينه وبين ( ~~اللاعنين ) ، وإما تنبيها على أن لعنة الله تعالى أشد من لعنة ( اللاعنين ) ~~فهو إما للتفاوت بين اللعنين ، وهذا كما قال ابن التلمساني في المسألة ~~الثامنة من الباب الأول في حديث الخطيب القائل : ( من يطع الله ورسوله فقد ~~رشد ومن يعصهما فقد غوى ) . وتقدم جواب القرافي وعز الدين بن عبد السلام ~~فيه . قال ابن عرفة : وفي الآية عندهم حجة ( للعمل ) بالإجماع السكوتي لأن ~~المجتهد إذا بلغه ms173 مذهب غيره في المسألة النازلة فإما أن يظهر له موافقته أو ~~مخالفته فإن وافقه فهو المطلوب ، وإن ظهر له مخالفته وسكت بطل العمل بقوله ~~لأنه عاص ( في كتمه ) العلم . فإن قلت : تبقى منهم ثالث وهو أن لايظهر ( له ~~) في الحال موافقة ولا مخافة . قلنا : لا يكون إذ ذاك مجتهدا . وقال ~~القرطبي : فيها حجة ( لوجوب ) العمل بخبر الواحد قال : لأنه لا يجب عليه ( ~~البيان ) إلا بعد قبول قوله وقال : { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا } ~~فحكم بوقوع البيان بخبرهم PageV02P477 ورده ابن عرفة بأن أول احتجاحه على ~~العمل والكلام في كتم العلم وفرق بين العمل بخبر الواحد وبين العلم به . ~~قوله تعالى : { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا ~~التواب الرحيم } . ابن عرفة : في الآية اللف والنشر ، فالتوبة والإصلاح ~~راجعان لقوله : { أولئك يلعنهم الله } لأنه يعلم السر وأخفى ، وقوله : { ~~وبينوا } راجع لقوله : { يلعنهم اللاعنون } لأن الملائكة وغيرهم لا يعلمون ~~توبتهم إلا إذا بينوا وظهر على حالهم ذلك . قال : ومن كان متصفا بالفسق ~~ويظهر للبعض الصلاح ، ثم تاب ، فلا تقبل توبته إلا إذا زاد صلاحه . وأما إن ~~دام على صلاحه الأول فقط ، فلا يقبل منه ذلك لأن صلاحه الأول لم يمنعه من ~~الفسق . وقوله { وأنا التواب الرحيم } إشارة إلى عموم توبته عليهم وعلى ~~غيرهم ، وتنبيه على أنه لا يجب عليه شيء وأن قبول التوبة رحمة وتفضل ، ( لا ~~أنه ) واجب . قوله تعالى : { إن الذين كفروا وماتوا . . . } . منهم من قال ~~: إنها مؤكدة لما قبلها لقوله { إلا الذين تابوا } فبقيت الآية عامة فيمن ~~كفر ولم يتب يكون داخلا تحت الوعيد وهو مقتضى هذه الآية ، ومنهم من قال : ~~أنها مؤسسة . وقرره بوجهين : - الأول : أن اللعنة في الأولى مطلقة تحتمل ~~الدوام والانقطاع وهنا مقيدة بالخلود والدوام . PageV02P478 - الثاني : أن ~~العموم غير المخصوص بشيء أقوى دلالة من عموم خص بشيء ، فلذلك أعيدت هذه ~~الآية . ونحو هذا ( لابن رشد ) في النكاح الثالث . قال ابن عرفة : فإن قلت ~~: هلا قيل : ماتوا كفارا . فهو أخص من قوله : { وماتوا وهم كفار } ؟ قال : ~~وعادتهم ms174 يجيبون بوجهين : - الأول : أن هذا فيه فائدة البناء على المضمر ، ~~وقد ذكروا أنه يفيد إما الاختصاص أو مطلق الربط ، قاله الزمخشري في { وما ~~هم بخارجين من النار } - الثاني : أن الحال قيد في الجملة ، فهو من قسم ~~التصور وقوله : { وهم كفار } جملة من مسند ومسند إليه ، فيرجع إلى قسم ~~التصديقات ، والتعبير بما هو من قسم التصديق أولى مما هو من قسم التصور ~~لأنه يستلزم التصور ( فيدل ) على الأمرين . قيل لابن عرفة : أو يجاب بأنه ~~لو قيل ( وماتوا كفارا ) لكانت حالا ، والحال من شرطها الانتقال مع أن ~~المراد : من ثبت ودام على كفره فقال : وكذلك ( وهم كفار ) والواو فيه واو ~~الحال . ( قيل لابن عرفة ، كيف عبر بهذا اللفظ المقتضي للخصوص مع أن من مات ~~كافرا بالإطلاق يناله هذا الوعيد ) ؟ PageV02P479 فقال : هذا وعيد خاص رتب ~~على فعل خاص / انتهى . قوله تعالى : { أولئك عليهم لعنة الله والملائكة . . ~~. } . قال ابن عرفة : إن قلت : لم أعيد لفظ الفعل في الآية المتقدمة فقيل : ~~{ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } ولم يعد هنا ، فكرر هناك ما أسند إليه ~~الاسم المعطوف عليه ولم يكرر هنا ، فهلا قيل : أولئك عليهم لعنة الله ولعنة ~~الملائكة ولعنة الناس أجمعين فهو أولى ؟ قال : عادتهم يجيبون بأن الإسناد ~~الأول للفاعل ، وهو واحد بذاته لايتعدد ، لأنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله ~~، والإسناد الثاني إضافي فهو أمر نسبي ، والأمور النسبية الإضافية يمكن ~~فيها التعدد كالوجود بالنسبة إلى القديم والحادث ، فلذلك لم يفد لفظ اللعنة ~~هنا . قوله تعالى : { والناس أجمعين } . قال ابن عرفة : { أجمعين } إما ~~تأكيد أو حال فإن كان حالا فالمراد لعنة الجميع مجتمعين ، ويبقى النظر : هل ~~ذلك يوم PageV02P480 القيامة أو لا . ؟ فإن كان في ( الآخرة ) فيكون خالدين ~~فيها حالا ( محصلة أو أعيد الضمير على النار . وإن كان في الدنيا فيكون ( ~~خالدين فيها ) حالا ) مقدرة . وإن كانت تأكيدا فالمراد لعنة جميعهم ~~بالإطلاق . ابن عطية : قال قتادة : المراد بالناس المؤمنون خاصة وقال أبو ~~العالية : ذلك في الآخرة أي يلعن الكفرة أنفسهم يوم القيامة . وقيل معناه ~~يقولون في الدنيا ms175 : لعن الله الكافرين ، فيلعنون أنفسهم من حيث لا يشعرون . ~~قال ابن عرفة : ويخرج عن هذا من كفر عنادا فإنه لا يلعن الكافرين . قوله ~~تعالى : { لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون } . ( قيل ) لابن عرفة : كيف ~~يفهم ما ورد في أبي طالب أنه أخف أخف أهل النار عذابا ، وأنه تنفعه شفاعة ~~النبي ، فصار عذابه بجمرتين في أخمص قدميه يغلي منهما دماغه . وما ورد في ~~أبي لهب من أنه يخفف عنه العذاب يوم الاثنين لكونه أعتق فيه الجارية التي ~~بشرته بولادته ؟ قال : ( العذاب ) الذي استحقه كل واحد منهما ونزل به لا ~~يخفف عنه منه بل يخفف عنه بمعنى أنه يعذب عذاب غيره فالتخفيف من عذاب غيره ~~لا من عذابه هو النازل به . قوله تعالى : { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم } . قال ابن عرفة : الإلاه في اصطلاح المتقدمين من الأصوليين ~~هو الغني بذاته المفتقر غيره إليه ، وعند الأصوليين ( المتأخرين ) ~~واللغويين هو المعبود تقربا ، وبه يفهم قوله { وقال فرعون PageV02P481 ~~ياأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري } وقول إبراهيم لأبيه آزر { أتتخذ ~~أصناما آلهة } وقول الله { ءأالهتنا خير أم هو } قال ابن عطية : ومعناه نفي ~~( المثل ) والنظير . وقال أبو العالية : ( نفى ) التبعيض ( والأنقسام ) . ~~قال ابن عرفة : فعلى الأول نفي الكمية المنفصلة وعلى الثاني نفي الكمية ~~المتصلة ، ويحتمل الأمرين إن قلنا إن الوحدة ينطلق عليها بالتواطؤ ، وإن ~~كان إطلاقها عليها بالاشتراك فما يتم إلا على القول بتعميم المشترك ، وقوله ~~: نفي للتبعيض والانقسام صوابه أن يقول : نفي لقابلية ( الانقسام ) بمعنى ~~واحد ، أي ( غير ) معروض للانقسام فيخرج الجوهر الفرد لأنه لا ينقسم ، لكنه ~~في حيز والحيز منقسم . فإذا قلنا غير معروض للانقسام انتفى الجوهر الذي في ~~الحيز . قوله تعالى : { لا إله إلا هو . . . } . PageV02P482 ( قال أبو ~~حيان : ( إلا هو ) بدل من اسم ( لا ) . ورده المختصر وأنه لا يجوز أن يقال ~~: لا أله إلا هو . ابن عرفة : لرده وجه آخر ذكره النحوين وهو أن يكون بدلا ~~من مجموع ( لا ) واسمها ، ومعناه الموجود الذي نفيت الألوهية عن ms176 غيره ، ~~وأثبت له هو الله . قلت : قال الاستاذ أبو العباس أحمد بن القصار . هذا ~~ذكره النحويون وعادتي استشكله لأنه يلزم عليه بدل المثبت من المنفي ، وكذلك ~~قال سيبويه : لا رجل في الدار وامرأة ، بالنصب إنه معطوف على مجموع لا ~~واسمها وكنت أنا أستشكله بأن ( امرأة ) مثبت فكيف يعطف المثبت على المنفي ؟ ~~وكان الأستاذ الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن قيس يجيبني عنه بأنه ~~معطوف على اسم ( لا ) فقط ، لكنهم لما ركبوا ( لا ) مع اسمها وصار كجزء ~~واحد ، فالعطف عليه كالعطف على خبر الكلمة ، كرهوا التصريح بالعطف عليه ~~فقالوا : إنه معطوف على المجموع ومرادهم أنه معطوف على اسم لا فقط فكذلك ~~يجيء هاهنا . قال أبو حيان : وقال صاحب المنتخب : المعنى لا إلاه لنا ولا ~~إله موجود ، ورده المختصر بأنه يلزمه المفهوم في لا إلاه لنا و قوله لا ~~إلاه موجود باطل على مذهب المعتزلة . PageV02P483 وأجاب ابن عرفة : أن ~~الوجود على أربعة أقسام ، فمنها وجود في الإيمان ووجود في الأذهان ، فإن ~~أراد الوجود في الإيمان فما قاله صحيح لأن أهل السنة يمنعونه والمعتزلة ~~يجيزونه ، فيقولون : إن للمعدوم تقررا في العدم ، وإن أراد الوجود في ~~الأذهان فممنوع لأن اجتماع النقيضين باعتبار التصور الذهني فيه خلاف ، فإن ~~قلنا بامتناعه فكلام المجيب حق ، وإن قلنا بصحته فكلام السائل صحيح . قلت : ~~وقال الأستاذ ابن القصار : المعتزلة إنما قالوا : إن المعدوم ثابت في العدم ~~ولم يقولوا أصلا : إنه موجود في العدم . فالموجود لا يثبت إلا في الوجود . ~~قال أبو حيان عن الزمخشري في المفصل : لا يجوز أن تكون ( إلا هو ) خبرا عن ~~( لا إلاه ) لأنه بيان له فيمتنع الإخبار عنه به قال : وفيه بحث . قال ابن ~~عرفة : يظهر لي أن البحث الذي فيه هو أن الحكم قسمان : تقييدي ، وإسنادي . ~~فالبيان بالحكم التقييدي لا يصح والبيان بالإسنادي صحيح ، نقول : زيد ~~العاقل الكريم الشجاع ، فإن كانت نعوتا امتنع البيان بها وإن كانت خبرا صح ~~البيان بها . قلت : وقال ابن القصار : البحث الذي فيه هو أن الإسناد ms177 قيد في ~~المبتدإ ، فلا يصح أن يكون خبرا عنه لكنه نائب مناب الخبر ، لأن التقدير : ~~لا إلاه كائن في الوجود إلا هو ، فهو استثناء من الضمير المستكن في كائن أو ~~في الوجود ، فلما حذف ذلك الخبر ناب هذا PageV02P484 الاستثناء منابه ، فهو ~~نائب مناب الخبر ، وقيد فيه ، قال وهذا راجح في المعنى . قيل لابن عرفة : ~~ثم قال أبو حيان بعد كلام طويل ذكره قال : فرق ابن الحاجب بين الرفع والنصب ~~في قوله : ما قام القوم إلا زيد برفع زيد ونصبه ؟ ابن عرفة : لا فرق بينهما ~~في هذا والحال فيها واحد . قال ابن عرفة : وقد أغفل أبو حيان الفرق بينهما ~~فقد ) قال النحويون : إنك إذا قلت : ما قام القوم إلا زيد بالرفع يكون نفيت ~~القيام عن القوم وأثبته لزيد . وإن قلت : إلا زيدا بالنصب يكون نفيت القيام ~~عن القوم ونفيت ذلك النفي عن زيد ونفي الإثبات في حقه محتمل مشكوك فيه على ~~( خلاف ) في ذلك عندهم ، فإذا قال قائل : لا إلاه إلا الله بالنصب فيلزمه ~~الكفر لأن المراد نفي الألوهية عما سوى الله وإثباتها له . وهذا المعنى ~~لايحصل إلا مع الرفع ، وأما النصب فما فيه إلا نفيها عما سوى الله ونفي ذلك ~~( النفي ) عن الله وأما الثبوت فلا . قيل لابن عرفة : إذا انتفت الألوهية ~~عما سوى الله ثبتت له بالضرورة ؟ PageV02P485 فقال : يبقى القول | ( ~~بالتعطيل ) فقال الله تعالى { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ~~وما يهلكنآ إلا الدهر } قلنا : قال ابن عصفور في شرح الإيضاح : إن مذهب ~~سيبويه وجمهور البصريين أنك إذا قلت : ( قام القوم إلا زيد ) تكون أخرجت ~~زيدا من القوم ومن وصفهم . ومذهب ( الفراء ) أنك أخرجت وصفه من وصفهم ( ولم ~~) تخرجه من ( صفهم ) . ومذهب الكسائي أنك أخرجته هو منهم ولم تخرج وصفه من ~~وصفهم فمعناه أنه لم يقم معهم أعم من أن يكون قام وحده أو لم يقم ~~فالاستثناء عنده بالنصب محتمل وهذا البحث هنا إنما هو على المشهور . قوله ~~تعالى : { إن في خلق السماوات والأرض . . . } . قال ابن عرفة ms178 : تقدمها آية ~~النبوة والرسالة في قوله تعالى { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } وآية ~~الوحدانية في قوله تعالى | { وإلهكم إله واحد } فيحتمل أن يكون دليلا لهذه ~~أو هذه . PageV02P486 قال ابن عطية : / عن عطاء : قال لما نزلت الآية ~~المقدسة بالمدينة ، قال كفار قريش بمكة : ما الدليل على هذا وما آيته وما ~~علامته ؟ فطلبوا دلالة الوحدانية فنزلت هذه الآية . وقال سعيد بن ( المسيب ~~) ه : قالوا إن كان ما تقول حقا فأت بآية تدل على صدقك حتى قالوا : اجعل ~~لنا الصفا ذهبا فقيل لهم : ذلك ( لكم ) ، ولكن إن كفروا عذبوا فأشفق رسول ~~الله من ذلك وقال : ( دعني أدعهم يوما فيوما ) . | قال ابن عرفة : ظاهره ~~أنه رق لحالهم . ويحتمل أن يكون ذلك لما في سورة الأنعام { ولو أننا نزلنآ ~~إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ماكانوا ليؤمنوا ~~إلا أن يشآء الله } فكأنه قال : ولو حصل لهم الصفا ذهبا فإنهم لن يؤمنوا . ~~قال ابن عرفة : قد تقرر الخلاف في الخلق هل هو نفس ( المخلوق ) وهو مذهب ~~أهل السنة . PageV02P487 وإن من يقول : إنه غير نفس المخلوق يلزمه التسلسل ~~وهو مذهب المعتزلة لأن ذلك الخلق يحتاج إلى خلق آخر لأنه يقال بماذا وجد ؟ ~~فيقول : بخلق آخر . وهل هو نفس المخلوق ( أم ) لا ويتسلسل . وأجابوا بأنه ~~أمر نسبي فهو غيره ولكنه أمر نسبي ليس فيه تسلسل . قيل لابن عرفة : والأمور ~~النسبية عدمية والعدمية لا يصح الاحتجاج بها فكيف يستقيم الاستدلال بها في ~~الآية ؟ فقال : الاستدلال بها من حيث إضافتها إلى أمر موجود وهو المخلوق . ~~قيل لابن عرفة : إن الفخر ابن الخطيب احتج بها على أن الخلق غير المخلوق . ~~قال : لأنه لا يقع الاعتبار إلا بالنظر إلى المخلوقات بعد وجودها لا بخلقها ~~لأنه غير مرئي . فقال : الاعتبار بها من حيث إيجادها ( من ) عدم وهو خلقها ~~، أي معنى خلقها . قال : والناس قسمان : عالم وجاهل ، فالجاهل يعتبر بنفس ~~خلقها على الجملة والعالم ينظر فيجد المعمور من الأرض أقل من الخالي ~~بالنسبة إلى سائر الأرضين أقل ، والأرضون بالنسبة إلى ms179 سماء الدنيا وما ~~فوقها أقل ، والسماء الدنيا وما فوقها بالنسبة إلى الشمس أقل ، لأنها في ~~السماء الرابعة ، والشمس بالنسبة إلى السماء التي فوقها أقل منها . قال ابن ~~عرفة : وإنما جمعت السماوات وأفردت الأرضون مع أنها سبع لأن عدد السماوات ~~يدرك بالرصد ، وطول الأعمار ، والكسوفات ، وأطوال البلاد وأعراضها ، وجري ~~الكواكب ، والأرضون لا طريق لنا إلى إدراكها بوجه إلا من السمع ، لأن ~~المشاهد لنا منها PageV02P488 إنما هي أرض واحدة فأفردت بالذكر ، ولذلك ~~اختلف فيها الإمام المازري وشيخه عبدالحميد الصائغ / انتهى / . وأجاب ~~القرطبي عن هذا السؤال بأن السماوات مختلفة ، فقد ورد في الحديث أن بعضها ~~من فضة وبعضها من زبرجد ، وبعضها من لؤلؤ إلى غير ذلك ، فلذلك جمعت بخلاف ~~الأرضين فإنها متماثلة كلها من شيء واحد . ورده ابن عرفة بوجهين : - الأول ~~مذهب المتكلمين أن الجواهر كلها متساوية في الحد والحقيقة ، وإنما تختلف في ~~الأعراض فلا فرق بين جسم الذهب وجسم الفضة . - الثاني : أن النحويين أجازوا ~~جمع المتماثلات ، ألا تراهم يجمعون زيدا وزيدا مع تماثلهم في اللفظ والمعنى ~~، فكذلك يجمعون الأرضون هنا ؟ قال ابن عرفة : وإنما الجواب ما قلناه في ~~قوله تعالى في : { إن في خلق السماوات والأرض } إلى قوله { يعقلون } : فإن ~~قلت : هلا أريد بخلق السماوات والأرض أنفسها أو نفس إيجادها وإثباتها ؟ . ~~PageV02P489 قلت : مذهب أهل السنة أن الخلق نفس المخلوق لا أنه أمر زائد ~~عليه . وكان شيخنا الإمام أبو عمرو بن الحاجب يقول بحسب ذلك : خلق الله ~~السماوات مصدر ، كقولك : خلق الله خلقا ، وينكر طلبة النحو ذلك لاستغرابهم ~~كون الجوامد مصادر وما لهم تصور لحقائق علم الكلام ، ولا لهم إحاطة ~~بالضروريات الملجئة إلى مخالفة ، فإن المتكلمين التجأوا إلى ذلك لعلمهم أن ~~الخلق لو كان معنى زائدا لكان وجوديا ، ولكان مخلوقا ولكان خلقه مفتقرا إلى ~~خلق آخر . فلما قطعوا باستحالة ذلك قطعوا بأن القدرة تتعلق بذات العين ، ~~فتوجدها ( أفعال ) الله كما أن المعاني أفعال . فإن قلت : حاصل ذلك لا ~~تغاير بين الخلق والمخلوق فلا مصدر إذا ، لأن ( المصدر ) في قولك : ضربت ~~زيدا ضربا زائد ms180 على ذات زيد و ( لا هناك ) زائد ، ولا يستقيم إذا كان الموت ~~مصدرا . قلت : هو ما ذكرت . والمستقيم كون الموت مفعولا به وهي نفس الفعل ~~وهو الذي أراد الشيخ ابن الحاجب ولكن لو أعدها مفعولا به لجمع بين الاصطلاح ~~وبين المعقول . فإن قلت : لو قال قائل : خلق الله السماوات خلقا ، فكيف ~~يعرب خلقا ؟ قلت : مصدرا ، وهو نفس المفعول به في المعنى فاحفظ الصناعة ~~والحقيقة معا ، فالتغاير بين المصدر والمفعول به حقيقي في غير هذا الباب ~~ولفظي هنا . PageV02P490 فإن قلت : ما وجه ( المعطوفات ) في الآية على ( ~~خلق السماوات ) وقد فسرت خلقها بمخلوقاتها وكلما ذكر من المخلوقات فيصير من ~~/ عطف الشيء على نفسه ؟ قلت : هو من عطف الجزء على الكل لثبوتهما بالجزء أو ~~من عطف الأخبار في غيرها وإن كانت فيها . فإن قلت : ما وجه التقوية ؟ ( قلت ~~) باعتبار مقصد الاستدلال لأن ذوات السماوات والأرض لا دلالة لها من حيث ~~الأعراض القائمة بها وأنها لا أعراض بدلالة الأكوان إذ الطبيعي ( محال ) في ~~إنكار الأكوان ، وأبعد الأكوان الحركة والسكون ، والحركة أبعد لمشاهدتها ~~ضرورة ولأجله استفتح الشيخ الأشعري في البرهان لقوله : تحرك الجوهر وكان ~~ساكنا . ولا دعوى ( للطبيعي ) إلا في كونها تستفتح للجمع بين النقيضين . ~~وعلى هذه النكتة دارت هذه الأدلة ( فاختلاف ) الليل والنهار ( راجع إلى ~~الحركات وذكر الفلك ) باعتبار جرمها وتحركها حركات قوية ضرورية متوالية . ~~قوله تعالى : { بما ينفع الناس . . . } . PageV02P491 أي يحدث الله المنفعة ~~به في نفوسهم ( فيقطع ) قول الطبيعي : ( الحركة عدم ) لأن المعدوم لا ينفع ~~وإنما ينفع الله بالفلك بواسطة حركاتها ولا فرق بين عدم النفع والنفع ~~بالعدم . ثم ذكر ( الماء ) بواسطة كونه ( منزلا بحركة ) من السماء والأرض ~~ثم ذكر أنه بث الأحياء بواسطة تلك الحركة ، وكيف يكون العدم واسطة في ~~الإحياء ثم إحياء الأرض عبارة عن تحريك الحب الكائن فيها إلى الظهور ، ثم ~~ذكر بث الدواب وهي المتحركات بالوصيب ثم ذكر تصريف الرياح أي تحريكها من ~~قطر إلى قطر ( ثم ذكر السحاب المسخر أي المحرك من قطر إلى قطر وكله ) ~~استدلال على ms181 حدوث الجواهر وحدوث حركاتها التي لا ( تنافي ) وجودها بدليل ~~إثارتها الحسية . فإن قلت : ليس له في كل شيء ( دلالة ) فما فائدة هذه ~~الأدلة والأمثلة ؟ قلت : الإيقاظ بعد الإيقاظ والإيقاع بعد الإيقاع والضرب ~~على الضرب حتى لا يبقى للقبول علة في الاستدامة والغفلة ، حتى تتحرك ~~الدواعي حركات متتابعة متسارعة إلى ضرب ( النجاة ) . قوله تعالى { واختلاف ~~الليل والنهار . . . } . قال ابن عطية : أي تخالفهما ومعاقبة أحدهما للآخر ~~أو يريد اختلاف أوصافهما فالليل تارة أطول والنهار تارة أطول . PageV02P492 ~~قال ابن عرفة : أو المراد اختلاف كل واحد منهما في نفسه فليلة البارحة أقصر ~~من ليلة اليوم ونهار اليوم أطول من نهار غد وأشار إليه الفخر . قوله تعالى ~~{ فأحيا به الأرض . . . } . مجاز في الإفراد وهو لفظ إحيائها ولفظ موتها . ~~قوله تعالى : { من كل دآبة . . . } . ( من ) للتبعيض في الأصناف و ( كل ) ~~للعموم في الأنواع . قوله تعالى : { وتصريف الرياح . . . } . تصريفها ~~هبوبها من ( جهاتها ) المختلفة أو دوران الريح إلى المغرب بعد هبوبه من ~~المشرق . قوله تعالى : { لأيات لقوم يعقلون } . لم يقل : يعلمون ، لأن هذا ~~من باب الاستدلال ( والاستدلال ) مقدمة شرطها العقل وأما العلم نتيجة عن ~~تلك المقدمات فلذلك لم يذكر هنا . قيل لابن عرفة : عادة المتكلمين في كتبهم ~~يذكرون | ( باب ) حدوث العلم ويستدلون ( فيه ) على وجود الصانع ويفردون ~~PageV02P493 بابا آخر للاستدلال على وحدانية الصانع ( فيجعلونهما بابين ~~والآية اقتضت الاستدلال بحدوث العالم على وحدانية الصانع ) ؟ فأجاب ابن ~~عرفة بوجهين : - الأول : قال : إن الآية خطاب لقريش وهم مقرون بأن المؤثر ~~واحد والشركاء غير مؤثرين ، فلا استدلال بالآية مع ضميمة اعتقاد أن المؤثر ~~واحد استدل به على أنه موجود . - الجواب الثاني : أنها دليل على أن هذه ~~الأشياء لها فاعل ومؤثر ، وقد دل الدليل العقلي على منع اجتماع مؤثرين على ~~أثر واحد فصح بالآية وجود الصانع ووحدانيته . قوله تعالى : { ومن الناس من ~~يتخذ من دون الله أندادا } . ابن عطية : ذكر الله تعالى الوحدانية ، ثم ~~الآية الدالة على الصانع الذي لا يمكن أن يكون إلا واحدا ، ثم ذكر هنا ~~الجاحدين للصانع تعجبا من ضلالهم ms182 بعد هذه الآية . قال ابن عرفة : ويحتمل أن ~~يكون ذكر هذه الآية توطينا وتسكينا للنبي لئلا يطمع فيى إيمانهم وتتعلق ~~نفسه بذلك كما قال { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ~~أسفا } فأخبره بعدم إيمان بعضهم حتى لا يناله حزن ولا غم بوجه . قال ابن ~~عرفة : و ( من ) في قوله ( من دون الله ) لابتداء الغاية وانتهائها حتى يعم ~~في جمع الدون وتفيد كثرة تلك الوجوه . قوله تعالى : { يحبونهم كحب الله . . ~~. } . PageV02P494 إن قلت : ( هم ) إنما كانوا يعبدونهم والعبادة أخص من ~~المحبة لأن الواحد منا يحب ولده وأباه وأمه ولا ( يعبدهم ) فهلا قيل : ~~يعبدونهم ؟ قلت : أجاب ابن عرفة بوجهين : - الأول : أنه ذمهم على الوصف ~~الأعم وهو المحبة ليفيد الذم على الأخص وهو العبادة من باب أحرى . - الجواب ~~الثاني : أنه عدل عن لفظ العبادة استعظاما له واستحقارا للأصنام أن تنسب ~~إليهم العبادة . قيل لابن عرفة : إن هذه الآية تدل على أن ارتباط الدليل ~~بالمدلول / عادي لا عقلي ، لأن هؤلاء ( نظروا ) فلم يؤمنوا ؟ فقال ابن عرفة ~~: ( لعلهم لم ينظروا أو نظروا فلم يهتدوا ) للعثور على الوجه الذي منه يدل ~~الدليل . قال : وهما مسألتان في أصول الدين . مسألة تخالف العلم مع التمكن ~~من مراد النظر الصحيح . ومسألة ( تخالف ) العلم مع حصول النظر الصحيح ~~فالآية إنما تدل على الأول لا على الثاني . قوله تعالى : { إذ تبرأ الذين ~~اتبعوا . . . } . قال ابن عرفة : لا ينبغي للانسان أن يشغل نفسه بشهواته ~~وجمع المال فإنه عليه ( وبال ) كما ورد : ( الكيس من دان نفسه ) ~~PageV02P495 وتبرؤهم منه قبل ( رؤيتهم ) العذاب أشد في الممانعة وعدم ~~النصرة . قوله تعالى : { وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة . . . } . قال ~~ابن عرفة : ( تمنوا ) العودة في الدنيا ، وأن يكونوا متبوعين ورؤساؤهم ~~تابعين لهم فتبرؤوا منهم . قيل لابن عرفة : كيف يتمنون الرجوع إلى الكفر ؟ ~~فقال : إنما تمنوا التبري فقط وهو مستلزم للكفر . فقال : أو يريد إنهم ~~تمنوا الرجوع ( للدنيا ) وبقاء رؤسائهم كفارا فيتبرؤون هم من دينهم ~~واتباعهم كما تبرؤوا هم من نصرتهم في الآخرة . قال ابن ms183 عرفة : ويحتمل أن ~~تكون الكاف للتعليل . قوله تعالى { كذلك يريهم الله أعمالهم } . أي مثل ما ~~نالهم من الحسرة يتبرى متبوعهم منهم ( لئلا ) تنالهم الحسرة برؤيتهم ~~أعمالهم القبيحة وبالا عليهم ، وكذلك أعمالهم التي كانوا يظنونها صالحة ~~وبالا عليهم لأنهم كفار . PageV02P496 قيل لابن عرفة : الآية على قراءة ~~مجاهد مشكلة فإنه قرأ ( إذ ( تبرأ ) الذين اتبعوا ) بفتح التاء ( من الذين ~~اتبعوا ) ( بضم التاء ) فيشكل قوله { وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة ~~فنتبرأ منهم } ( لأنهم قد تبرؤوا منهم ) ؟ فقال ابن عرفة : تبري التابعين ~~من المتبوعين يعم تبري المتبوعين منهم فلذلك قال هنا : { كما تبرءوا منا } ~~. قوله تعالى : { وما هم بخارجين من النار } . قال ابن عرفة : قال الزمخشري ~~: الضمير لمطلق الربط . لأن مذهبه خلود مرتكب الكبيرة في النار فلو جعله ~~للحصر لكان مفهومه أن مرتكب الكبيرة يخرج من النار بالشفاعة . وأجاب بعض ~~الناس بأنه يلزم أهل السنة كذلك لأن الآية في كفار قريش وهم جعلوا مع الله ~~شريكا فلا يصح الحصر لأن غيرهم من الكفار مخلدون في النار . وأجيب بأن ~~الإجماع من الفريقين يقتضي أن الضمير لمطلق الربط . ( فالمعتزلة ) يحملون ~~الآية على مذهبهم ويجعلون مرتكب الكبيرة مخلدا في النار . PageV02P497 وأهل ~~السنة يجعلونها على مذهبهم لكن الضمير ليس هو للحصر ليدخل الكافر غير ~~المشرك فقط . قوله تعالى : { ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا . ~~. . } . قال ابن عرفة : هذا الأمر إما للوجوب أي أوجب الله علينا الأكل لأن ~~به قوام الأجسام ، أو لوجوب الأكل من الحلال . وإما للندب أو للإباحة وفيه ~~دليل على أن الأشياء على الحظر ، أو على الإباحة . ابن عرفة : وهو أظهر ، ~~لأن لو قلنا إن الأشياء كانت على الحظر فيلزم عليه الإجمال في هذا الأمر ~~لأن من جملة ما في الأرض النبات والسباع وغير ذلك . قوله تعالى : { ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان . . . } . من مجاز التمثيل فإنه ليس المراد النهي عن ~~اتباع خطواته حقيقة إذ لا نراه نحن بل الخطوات ( معنوية ) . قوله تعالى : { ~~إنما يأمركم بالسواء والفحشآء . . . } . وقال ( ابن عرفة ) : لأن العدو ( ~~قد ) يأمر ms184 بالخير وهذا العدو لا يأمر إلا بالشر . PageV02P498 قيل لابن ~~عرفة : فيه دليل على أن الأمر لا يشترط فيه العلو بل الاستعلاء فقط ، لأن ~~الشيطان أسفل من مأموره . فقال : إنما هو أسفل منه شرعا وهو في الوجود أعلى ~~لاستعلائه عليه من حيث لايراه ولا يشعر به . وأورد الزمخشري على هذا قوله ~~تعالى { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } قال ( كان ) أمرا مع تلك الآية . ~~وأجاب عن ذلك بأنه شبه تزيينه وبعثه على الشر بالأمر وقبول العباد وساوسه ~~بامتثال الأمر . قال ابن عرفة : أو يجاب بأن تلك مقيدة بالسلطان وهو الحجة ~~أو بلفظ العباد ، فالعباد لا يتسلط عليهم ولا تقوم له عليهم حجة ولذلك ~~أضافهم الله إليه إضافة تشريف ، وقوله { بالسواء والفحشآء } يحتمل أن يكون ~~السوء ما لم يرتب الشارع عليه الحد ( والفحشاء ما رتب عليه الحد ، والسوء ~~الصغائر ) والفحشاء الكبائر . قوله تعالى : { وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون } . قال ابن عرفة : يدخل فيه المفتي إذا أفتى بما لايعلم والقاضي ~~إذا حكم بما لايعلم فإنه قال على الله ما ( لا ) يعلم . قيل لابن عرفة : ~~يؤخذ منه أبطال العمل بالقياس ؟ PageV02P499 فقال : أما من لا يقول به ~~فظاهر وأما من يقول به فمقدمات القياس ظنية فتكون ( النتيجة ) ظنية ، لكن ~~يلزم عليه إبطال العمل بجميع الأحكام الشرعية ، لأنها كلها ظنية فليس ~~المراد العلم الحقيقي بل ما عليه الظن . قوله تعالى : { وإذا قيل لهم ~~اتبعوا مآ أنزل الله . . . } ( قال ) ابن عطية / : يعني كفار العرب ، قال ~~ابن عباس هما : نزلت في اليهود وقال الطبري : الضمير في ( لهم ) عائد على ~~الناس في قوله | { ياأيها الناس كلوا } وقال ابن عرفة : وهذا بناء على أن ~~ذلك الخطاب خاص بكفار قريش . وقال الزمخشري : الضمير للناس ( وعدل ) عن ~~الخطاب إلى الغيبة التفاتا . ورده ابن عرفة بوجهين : - الأول : أنه يحتاج ~~إلى تخصيص عموم الناس بكفار قريش . PageV02P500 - الوجه الثاني : أن الأول ~~أمر وهذا خبر فبيعد فيه الالتفاف . قوله تعالى : { قالوا بل نتبع مآ ألفينا ~~عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا ms185 يهتدون } . ( بل ) هنا ~~عاطفة ، والإضراب ( بها هنا ) للانتقال لا للإبطال لأنه أي الإبطال : لا ~~يشترط فيه أن يكون ما قبلها وما بعدها من لفظ متكلم واحد حقيقة أو حكما ، ~~وليس هو كذلك هنا فإن المعنى قالوا : بل نتبع . وقوله : { مآ ألفينا } قال ~~ابن عرفة : كان بعضهم يقول : إنما لم يقولوا ما وجدنا عليه آباءنا ولو كان ~~المعنى واحدا لأن الوجدان يكون اتفاقيا على غفلة ( من ) غير ( قصد ) ومنه ~~وجدان الضالة . ( وألفينا ) يقتضي وجدان ما كان ثابتا دائما مستقرا . قال ~~ابن عطية : الآية دالة على ابطال التقليد ، وأجمعت ( الأمة ) على إبطاله في ~~العقائد . وحكى الأستاذ أبو اسحاق الإسفراييني الإجماع على جواز التقليد في ~~العقائد . PageV02P501 وحكى المقترح في شرح الإرشاد ثلاثة طرق منهم من ينقل ~~الإجماع ( على الجواز ومنهم من ينقل الإجماع ) على المنع ، ومنهم من يحكي ~~الخلاف بين الشيخ القاضي ( أبي بكر الباقلاني ) والأستاذ أبي إسحاق ~~الإسفرائيني وتوقف ابن العربي ، وأجمعوا على أن الفرض من أصول الدين معرفة ~~الله تعالى على الجملة ، وأما معرفة دقائق ذلك العلم والتبحر فيه ومعرفة ~~الله بالدلائل القوية الدقيقة فهو فرض كفاية . قاله ابن التلمساني في شرح ~~المعالم الدينية . وقال الشيخ أبو عمرو بن الحاجب والآمدي : لا ( تقليد ) ~~في العقليات كوجود الباري ، وقال ( الفخر ) بجوازه ، وقيل : النظر فيه حرام ~~، ولنا الإجماع على وجوب ذلك والتقليد لا يحصل بجواز الكذب ولأنه كان يحصل ~~بحدوث العالم ولأنه لو حصل لكان نظرا ولا دليل ( عليه ) قاله الشيخ ابن ~~الحاجب . قال ابن عرفة : وكان بعضهم يقول إن هذه الآية دليل على صحة ما ~~يقول الأصوليون من أن الفعل في الإثبات قد يكون عاما مع القرينة ~~PageV02P502 لأن همزة الإنكار عليهم في حال عدم العقل تدل على أنهم قصدوا ~~اتباعهم مطلقا في حالة العقل و عدمه ، أي أيتبعون إياهم ، ولو كانوا لا ~~يعقلون شيئا ولا يهتدون . وهذا نفي أخص ، فالتأكيد بالمصدر دخل على المنفي ~~، ( فأكده ) لأنه سابق على النفي . وإن جعلت شيئا مفعولا لم يحتج إلى هذا . ~~فإن قلت : ما أفاد قوله ms186 { ولا يهتدون } مع أن نفي ( العقل ) عنهم يستلزم ~~نفي الاهتداء ؟ فالجواب : أن المراد لايعقلون ( شيئا ) من ذات أنفسهم ولو ( ~~نبههم ) غيرهم لما اهتدوا . قوله تعالى : { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ~~ينعق } . أي وصفة الذين كفروا كصفة الذي ينعق . قال الشيخ أبو حيان : وقيل ~~الكاف زائدة . قال ابن عرفة : يفوت معنى التشبيه لأن قولك زيد ( كزهير شعرا ~~) يقتضي انك جعلته مثله سواء . وأجيب بأنه هنا شبهت الذات بالذات وذات زيد ~~( معينة ) مشخصة لا يقبل التعدد ، وفي الآية شبهت الصفة بالصفة ، والصفة ~~PageV02P503 يمكن فيها التعدد والمخالفة فجعلت كأنها هي ولو في ( وحدة ) ~~النوع . قيل لابن عرفة : وكذلك ذات زيد جعلت كأنها ذات عمرو في الشعر فقوله ~~( شعرا ) أزال الشخص والتعيين . فإن قلت : لم خالف بين ( كفروا ) فعبر فيه ~~بالماضي وبين ( من ينعق ) ( فجاء ) به مستقبلا وهلا استويا أو كان الأمر ~~بالعكس ؟ فالجواب بوجهين : - ( الأول ) : أن المراد من اتصف بمطلق الكفر . ~~- الثاني : أنه تقبيح للكفر أن يذكر بصيغة يقتضي الدوام . قال ابن عرفة : ~~وعادتهم يفرقون بين الدعاء والنداء بأن الدعاء يكون بلفظ الطلب وسواء كان ~~معه نداء أو لم يكن ، والدعاء أخف من النداء لأن البهائم تناديها فلا تجيب ~~فإذا دعوتها وزجرتها أتت . فالنداء للخواص والدعاء للعوام فمن لم يستجب ~~للنداء قد يستجيب للدعاء ، ومن لم ينفع فيه ( الدعاء ) فهو في غاية الجهل ~~والغباوة . ونقل أبو حيان عن بعضهم : ( إلا ) زائدة . قال ابن عرفة : وسببه ~~توهم التناقض لأنه إذا قال : { لا يسمع إلا دعآء وندآء } ، ويلزم أن يكون ~~الدعاء والنداء مسموعين له PageV02P504 وقوله { صم بكم عمي } يدل ( على ) ~~أنه لا يسمع شيئا بوجه . قوله تعالى : { فهم لا يعقلون } . أي العقل ~~التكليفي النافع . قوله تعالى : { ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم . . . } . تقرير مناسبتها لما قبلها أنه لما تضمن الكلام السابق ذم ~~المشركين لكونهم ليسوا أهلا لأن يخاطبوا بشيء من الأخبار ولا بشيء من ~~الأوامر والنواهي ، عقب ذلك بخطاب المؤمنين بهذا الأمر المستلزم لكونهم ~~أهلا للمخاطبة . وقرر الفخر وجه مناسبتها بوجه لا ينهض ms187 والأمر بقوله / ( ~~كلوا ما ) للامتنان أو للاباحة . قال ابن عطية : الطيب هنا يجمع الحلال ~~المستلذ ، والآية تشير بتبعيض ( من ) إلى أن الحرام رزق . قال ابن عرفة : ~~وجه دلالتها على ذلك من المفهوم لأن مفهومه أن البعض الآخر وهو الذي ليس ~~بحلال ولا مستلذ غير مأذون فيه . قال ابن عرفة : وعادتهم يوردون هنا سؤالا ~~وهو أنه قال في الآية الاخرى { ياأيها الرسل كلوا من الطيبات } ولم ~~PageV02P505 يقل من طيبات ما رزقناكم مع أن تلك خطاب للرسل ( فهو كان يكون ~~) أولى بهذا اللفظ ؟ وعادتهم يجيبون بوجيهن : - الأول : أما إذا قلنا : إن ~~الرزق لا يطلق إلا على الحلال فنقول : لما كان الأنبياء معصومين أمروا أمرا ~~مطلقا من غير تعيين الحلال وغيرهم ليس بمعصوم ، فقيد الإذن في الأكل له ~~بالحلال فقط فيكون الطيب على هذا المراد به المستلذ . - الجواب الثاني : ~~الرسل في مقام كمال التوحيد ونسبة كل الأشياء إلى الله وأما غيرهم فليس ~~كذلك فقد يذهل حين اقتطاف الثمرة ويظن أنها من الشجرة ويغفل عن كون الله ~~تعالى هو الذي أخرجها منها وأنبتها فقيل لهم { كلوا من طيبات ما رزقناكم } ~~حتى يعتقدوا حين التناول أن ذلك الرزق كله من عند الله وليس للمتسبب فيه ~~صنع بوجه . قوله تعالى : { إنما حرم عليكم الميتة والدم . . . } . قال ابن ~~عرفة : الدم المسفوح نجس بإجماع ، وكذلك الذي يخرجه الجزار من منحر الشاة ~~بعد سلخها والدم الذي يبقى في العروق طاهر ( بإجماع وأما ما انتشر من ~~العروق على اللحم ففيه قولان والمشهور أنه طاهر ) كذا قال اللخمي وغيره . | ~~والميتة هي ( كل مازهقت ) روحه بغير ذكاة من الحيوان المفتقر إلى الذكاة ~~شرعا . فإن قلت : هلا قيل : إنما حرم عليكم لحم الميتة كما قال : لحم ~~الخنزير ؟ PageV02P506 قلت : الجواب عن ذلك أن الخنزير غير مقدور عليه إلا ~~بالاصطياد ، والاصطياد فيه في غالب أمره إنما يكون للحمه ، فعلق بما هو ~~المقصود فيه غالبا بخلاف الميتة فإن النفوس تفر منها وتكره لحمها فالمحرم ~~جميعها . قال ابن عرفة : وما ذبح للجان ويتعمدون ترك التسمية عليه يقولون ms188 : ~~إنه لا يؤكل . والظاهر عندي جواز أكله لأنهم لا يقصدون به التقرب للجان ~~وإنما يقصدون به تكرمته ، وأنه ينال منه ولا يتركون إلا النطق بالتسمية وهم ~~إنما يسمون في أنفسهم . قوله تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد . . . } . ~~الفاء للتسبب ومن الأولى ( أن تكون ) موصولة لما تقدم فى قوله تعالى { ما ~~ننسخ من آية أو ننسها } من أن القضية الشرطية لا تدل على وقوع الشيء ، ولا ~~على إمكان وقوعه . و { غير باغ } قال أبو حيان : حال من الضمير فيى ( اضطر ~~) وقيل : حال من الضمير في الفعل المقدر معطوفا على ( اضطر ) أي في فأكل ~~غير باغ ولا عاد . وتعقبه أبو حيان باحتمال تقدير ذلك ( الفعل ) بعد { غير ~~باغ } وهو أولى لأن في تقديره قبله فصلا بين ما ظاهره الاتصال بما بعده . ~~PageV02P507 قال ابن عرفة : وهو أيضا باطل من جهة المعنى لأنه ، على ما قال ~~هو يكون البيان للحكم بعد الأكل وعلى ما قال أبو حيان يكون البيان للحكم ~~قبل الأكل والبيان قبل الفعل أولى . قال ابن عرفة : وكان بعضهم يقول : ~~البغي غالب إطلاقه في اللسان على ابن آدم ( والعدوان غالب إطلاقه على غير ~~ابن آدم ) . فيقال : عدا عليه السبع ولا يقال : بغى عليه ، ويقال : بغى ~~فلان على فلان فالبغي خاص بالعاقل والتعدي مشترك ، وغالب إطلاقه على غير ~~العاقل ، وفرق المنطقيون بين حرف السلب وحرف العدول فحرف السلب ( لا ) وحرف ~~العدول ( غير ) وجعلوا قولك : الحائط لا يبصر سلبا وزيد لا يبصر عدولا ، ~~فجاءت هذه الاية على هذا المنوال لاقتران ( غير ) بالبغي الخاص بالعاقل ~~واقتران ( لا ) بالتعدي الذي كثر اطلاقه على غير العاقل حتى اشتهر به وغلب ~~عليه . قوله تعالى : { فلآا إثم عليه . . . } . قال ابن عرفة : لا ينفى إلا ~~ما هو في مادة الثبوت ووجود الإثم هنا غير متصور لأن الأكل من الميتة في ~~هذه الحالة واجب لإقامة الرمق قال : فأجاب بان المراد لا عقوبة عليه أو لا ~~ذم عليه . واختلفوا في حد الحرام . قال المتقدمون : إنه ما عوقب فاعله . ~~قال بعضهم : والصحيح ms189 أنه ما ذم فاعله لأن العقوبة قد ترفع بالتوبة ، فعلى ~~الأول معنى الآية فلا عقوبة عليه ، وعلى الثاني معناها فلا ذم عليه . قال ~~ابن عرفة ، وفي الآية دليل على أن العام في الأشخاص عام في الأزمنة ~~والأحوال ، وهو الصحيح ، ولولا ذلك لما احتيج PageV02P508 إلى استثناء ~~المضطر منه ، واختلفوا في الآية ، فقيل : إنها خاصة بسفر الطاعة ، وقيل ~~عامة فيه وفي سفر المعصية لأنه لو لم يبح للعاصي أكل الميتة للزم أن يضاف ~~إلى عصيانه بالسفر عصيان آخر بقتله نفسه ؟ | وأجاب بعض الناس عن ذلك ، بأن ~~عصيان السفر يرتفع بالتوبة وهي ( ممكنة ) / حينئذ قال ابن عرفة : وفي الآية ~~حجة للمشهور وهو أن العاصي بالسفر ( لا يباح له أكل الميتة ) . قوله تعالى ~~: { إن الله غفور رحيم } . قال ابن عرفة : وجه مناسبة المغفرة أنه قد يظن ~~أنه مضطر فيأكل الميتة ولا يكون مضطرا إليها . قوله تعالى : { إن الذين ~~يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا . . . } . قال ابن ~~عرفة : عطفه بالواو مع أن الشراء مسبوق عن الكتم فهلا عطف بالفاء ؟ وأجاب ~~عن ذلك بأن المراد الذم على كل وصف منهما لا على واحد فقط . وجعل الثمن ~~مشترى فإما أن يتجوز في لفظ ( يشترون ) فيجعل بمعنى يبيعون أو في لفظ ( ~~ثمنا ) بمعنى مثمون قليلا ؟ وهذا إن حملنا اللفظ على حقيقته اللغوية فنقول ~~يصح : إطلاق الثمن على المشترى وعلى عوضه وإن نظرنا الاصطلاح فيجيء ما ~~قلناه . قيل لابن عرفة : ظاهره منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن لأنه من ~~كتم ما أنزل الله ؟ فقال PageV02P509 ابن عرفة : أباح له أخذ الأجرة عليه ~~كما أباح له ثمن الماء لأجل المشقة ، ( وكما ) أباح له أخذ ثمن الطعام في ~~الأعوام التي هي مسبغة مع أنه يجب عليه إعطاؤه والواجب إنما هو تعليمه ~~وإعطاؤه ما عنده سواء كان بالثمن أو بغيره وليس الواجب عليه بذل ما عنده ~~بلا ثمن وهذه أمور جعلية لا عقلية . قوله تعالى : { أولئك ما يأكلون في ~~بطونهم إلا النار . . . } . قال تعالى في سورة الغاشية { ليس لهم ms190 طعام إلا ~~من ضريع } وأجاب ابن عرفة : بأن الضريع طعامهم ولا يأكلون منه وإنما تكون ~~المعارضة إن لو قيل ليس لهم أكل ( إلا ) الضريع أو يكون باختلاف الحالات في ~~الأوقات ( أو يكون ) الضريع نارا فأكلهم للضريع أكل للنار ، والأكل المضغ ~~فهو في الفم لا في البطن لكن روعي السبب . قوله تعالى : { أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى . . . } . إن قلت : ما فائدة قوله ( الذين ) وهلا ~~قال : أولائك اشتروا الضلالة بالهدى كما قيل { أولئك يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللاعنون } { أولئك PageV02P510 كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } ( ~~فهل هو للحصر ) ؟ ( فأجاب ابن عرفة : بأنه ليس للحصر بل للتحقيق ، أي فهم ~~جديرون وحقيقون بأن يقال فيهم هذه المقالة وهي أحق من غيرهم . ابن عرفة : ~~وفي كتاب الوصايا من المدونة : إذا أوصى فلان بعبده لرجل ثم أوصى به لرجل ~~آخر فهو بينهما نصفين . فإن قال : عبدي الذي كنت أوصيت به لفلان فهو لفلان ~~فلذلك رجوع عن الوصية الأولى ويختص به الثاني ) . قال ابن عرفة : إن { ~~اشتروا الضلالة بالهدى } راجع لتصور حالتهم في الدنيا . قوله تعالى : { ~~والعذاب بالمغفرة . . . } . | راجع لتصور حالهم في الآخرة وهذا أولى مما ~~قال ابن عطية : لما كان العذاب تابعا للضلالة والمغفرة تابعة للهدى أدخلا ~~في ( حوز ) الشراء ، ولما كانوا متمكنين من الإيمان والكفر جعلوا كأنهم ~~حصلوا الإيمان ثم باعوه بالكفر . وتقدم لابن عطية في أول البقرة الاستدلال ~~بهذا على أن من خير بين شيئين يعد منتقلا . PageV02P511 قيل لابن عرفة : ~~إنما فيها الاحتجاج لمن يقول من ملك أن يملك بعد مالكا ؟ فقال : تلك قاعدة ~~( مختلف ) فيها والصحيح بطلانها وهذه قاعدة صحيحة دلت عليها آخر مسألة من ~~كتاب الخيار في المدونة . قيل لابن عرفة : هم ليسوا مخيرين بين الإيمان ~~والكفر ؟ فقال : لما كانوا متمكنين منهما فكأنهم ( مخيرون ) بينهما . قال ~~ابن عرفة : وإنما أفردت المغفرة ( إشارة ) إلى أن مغفرة واحدة ( تكفي ) في ~~رفع العذاب وإن تعدد ، وهذا دليل على أن التوبة من الكفر قطعية القبول ~~وأنها تجب ما قبلها ، قال الله تعالى : { قل للذين كفروا إن ms191 ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف } قوله تعالى : { فمآ أصبرهم على النار } . ( قال ابن عطية ~~عن جماعة : أظهروا التعجب ( من ) صبرهم على النار لما عملوا عمل ) ( من وطن ~~نفسه عليها ) PageV02P512 أي ما أجرأهم على النار . وحكى عن المقتضب للمبرد ~~أنه تقرير واستفهام من قولك مصبور أي محبوس أي ما أشد حبسهم في النار أو ما ~~أحبسهم في النار . قال ابن عرفة : وهذا أصوب لأن الأول يقتضي أن لهم ~~اختيارا وجلادة على الصبر على النار وهذا مدح لهم بالقوة والجلادة . ~~والثاني يقتضي أن حبسهم فيها اضطرار ليس لهم فيه اختيار بوجه . قيل لابن ~~عرفة : إنما التعجب من أسباب صبرهم على النار ؟ فقال : أسباب الصبر ( ~~محبوبة ) مستلذة ، لا يتعجب ( منها ) كما قال ( حفت الجنة بالمكاره وحفت ~~النار بالشهوات ) . قوله تعالى : { ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق . . . } ~~. قال ابن عطية : أي بالواجب أو بالأخبار الصادقة . وضعف ابن عرفة الأول ~~بأن فيه ( إيماء لمذهب ) المعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح عقلا وأن ~~بعثة الرسل وإنزال الكتب واجب PageV02P513 عقلا فليس المراد إلا إنزال ~~الكتب مصاحبا لكلامه الحق المصدق ، وإنزاله بسبب الحق الصدق . قوله تعالى : ~~{ وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } . هم كلهم في شق واحد بعيد ~~عن شق الحق ، ولا يؤخذ منه أن المصيب واحد لأن المراد المختلفين في الكتب / ~~من أهل البدع وكلهم على الباطل . قوله تعالى : { ليس البر أن تولوا وجوهكم ~~. . . } . قال ابن عطية عن ابن عباس ( ومجاهد ) هم : الخطاب للمؤمنين أي ~~ليس البر الصلاة وحدها . وعن قتادة والربيع : ( الخطاب ) لليهود والنصارى . ~~قال ابن عرفة : هو الظاهر لقوله : { قبل المشرق والمغرب } والمراد بالمشرق ~~حقيقته لأن النصارى يستقبلون مشرق الشمس ، والمراد بالمغرب الأفق لأن ~~اليهود إنما يستقبلون بيت المقدس وهو في جهة المغرب . وفي الآية إيماء لصحة ~~القول بأن المطلوب في القبلة الجهة لا العين . ومعنى ( قبل المشرق ) : عند ~~المشرق وهو مراد الموثقين بقولهم : قبل فلان ( لفلان ) كذا وكذا دينارا . ~~PageV02P514 قال ابن عرفة : ومن لوازم الإيمان بالملائكة الإيمان بعصمتهم ~~وأنهم ( أجسام ) . وصوب المقترح في ms192 شرح الإرشاد القول بثبوت الجسمية لهم ~~بالسمع لا بالعقل ، كأنه اختار ثبوت الجوهر المفارق سمعا لا عقلا . قوله ~~تعالى : { واليوم الأخر . . . } . | قوله تعالى : { والنبيين . . . } . قال ~~ابن عرفة : ( النبي ) أعم من الرسول ، وثبوت الأعم لا يستلزم ثبوت الأخص ، ~~فما يلزم من الإيمان بالنبي الإيمان بالرسول فهلا قيل المرسلين ؟ والجواب : ~~أن ذلك باعتبار الوصف ، لأن وصف النبوة أعم من وصف الرسالة . وترتب الحكم ~~هنا عليهم من حيث ذواتهم لا من حيث أوصافهم ، وعرف بالألف واللام الدالة ~~على العموم فيدخل في ضمنه الأخص بلا شك فهو كقولك كل حيوان في الدار . قيل ~~لابن عرفة : أو يجاب بأن الإيمان باليوم الآخر والملائكة والكتاب يستلزم ~~الإيمان بالرسول ؟ فقال : لايحتاج إلى هذا والجواب ما قلناه . فإن قلت : لم ~~جمع الكل وأفرد ابن السبيل ؟ PageV02P515 قلنا : لكثرتهم باعتبار الوجود ~~الخارجي وقلة ابن السبيل ، وقرىء { ليس البر } بالنصب . قال ابن عرفة : و ( ~~أن تولوا ) اسم ليس إما لكون ( أن ) وما بعدها أعرف المعارف أو لأن التولية ~~معلومة والبر مجهول أي ليست التولية برا . قوله تعالى : { وفي الرقاب . . . ~~} . قوله تعالى : { والموفون بعهدهم . . . } . قال ابن عرفة : إن قلت : هلا ~~قيل : بعهودهم فهذا أبلغ من الوفاء ، فالعهد الواحد لا يستلزم الوفاء ( ~~بالعهود ) بخلاف العكس ؟ فالجواب : أنه يستلزم من ناحية أن المكلف إذا عاهد ~~هو وغيره ووفى غيره بالعهود وبه فإنه قد حصل الوفاء بالعهد على الإطلاق ~~بخلاف ما إذا عاهد وحده ولم يوف فإنه لم يقع في الوجود وفاء بالعهد ، فتعظم ~~العقوبة والذم . فإن قلت : ما فائدة قوله { إذا عاهدوا } ولو أسقط لكان ~~الكلام مستقلا صحيحا ؟ فالجواب عن ذلك : أنه أفاد سرعة الوفاء فالعهد به ( ~~يعقب ) العهد منهم فهم بنفس أن يعاهدوا يبادرون إلى الوفاء بالعهد . ~~PageV02P516 قوله تعالى : { والصابرين في البأسآء والضراء وحين البأس . . . ~~} . البأساء هو الفقر ، والضراء هو المرض ، وحين البأس أي حين القتال وهذا ~~ترق ، لأن وقوع الفقر والحاجة ( في ) الناس أكثر من وقوع القتال فالصبر على ~~القتال أشد لغرابته ، وقلة وقوعه ، ودونه الصبر على المرض ودونه الصبر على ~~الفقر ms193 ، ولهذا تجد الفقراء الأصحاء أكثر عددا من المرضى ، والمرضى أكثر ~~عددا من الفرسان المقاتلين . فإن قلت : لم قال ( في البأساء ) فعداه بفي ~~ولم يقل وفي البأس وكان يقال : والصابرين حين البأساء وحين الضراء ؟ ~~فالجواب عن ذلك : أنه لما كان وقوع القتال أقلها وجودا بالنسبة إلى غيره ~~كان الصبر عليه أغرب وأعجب فالمراد بالصابرين من حصل الوصف الكامل من الصبر ~~ولو عدي بفي لتناول من حصل منه مطلق الصبر ، وهو الصابر في أول جزء من ~~أجزاء القتال لأنه حينئذ يصدق بأول جزء ، فقيل : ( وحين البأس ) ( ليفيد ) ~~كمال الصبر من أول القتال إلى آخره وأما الفقر والمرض فكلاهما أكثري الوقوع ~~فلا غرابة فيهما فلم يحتج إلى التنبيه على كمال الصبر فيه . قال سيدنا علي ~~رضي الله تعالى عنه : ( الصبر رأس كل عبادة وإذا ذهب رأس الشيء ذهب ذلك ~~الشيء ) . وذكر بعضهم أن العهد يكون بالقول وبالفعل كمن يحدث حديثا وهو ~~مترقب ( لمن ) يسمعه فهذا كالعهد في عدم نقله عنه والتحدث به . PageV02P517 ~~قوله تعالى : { أولئك الذين صدقوا . . . } . كرر لفظ أولائك تنبيها على أن ~~كل وصف من هذا كاف في حصول المدح والثناء لا المجموع . قيل لابن عرفة : ~~احتج بها بعض الأصوليين على أن هذه الأمور واجبة ؟ ابن عرفة : الصحيح عند ~~الأصوليين أن الواجب ما ذم تاركه فالواجب إنما يستفاد من الذم على الترك لا ~~من المدح على الفعل لأن ذلك قدر مشترك بين الواجب والمندوب . قيل لابن عرفة ~~: هذه الآية حجة على أن ( ابن قتيبة ) في قوله : إن الخبر المستقبل إذا ~~طابق مخبره فإنما يسمى موافقة و ( وفاقا ) ولايسمى صدقا ، وقد سماه هنا ~~صدقا فقال : والصدق هنا المراد به المطابقة المطلقة . ( فقال ابن عرفة : بل ~~هي حجة له لأنه يجعل { أولئك الذين صدقوا } راجعا للماضي ويجعل { الموفون ~~بعهدهم } راجعا للأمر المستقبل فيكون الكلام تأسيسا وعلى قولكم ( أنتم ) ~~يكون تأكيدا والتأسيس أولى من التأكيد ) . قاله ابن التلمساني شارح المعالم ~~الفقهية في المسألة الأولى من الباب ( الثامن ) . PageV02P518 قوله تعالى : ~~{ ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ms194 . . . } . قال ابن عرفة : الخطاب ~~للمؤمنين . فإن قلنا : إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ؟ فنقول : إنما عين ~~المؤمنين هنا لما ذكره المفسرون في سبب نزول هذه الآية . قال : كتب بمعنى ~~فرض أو كتب في اللوح المحفوظ . وأورد الشيخ ابن العربي هنا سؤالا قال : كيف ~~يفهم الكتب بمعنى الفرض مع أن القصاص غير واجب ؟ قال ابن عرفة : والجواب ~~أنا إذا اعتبرنا جهة المجني عليه ووليه فالقصاص غير واجب لأنه مخير بين ~~القصاص وأخذ الدية ، وإذا راعينا جهة الجاني فالقصاص غير ( واجب ) . إن طلب ~~الولي الدية ، وهذا بخلاف الدين فإن رب الدين إذا أسقط دينه وامتنع من أخذه ~~وأبى ذلك المديون فإنه يجبر رب المال على أخذ دينه ، ولذلك إذا حلف أنه لا ~~يأخذه وحلف المديون أنه لايحبسه فأنه يحنث رب المال وما ذاك إلا لحفظ ~~النفوس ، بخلاف الأموال فإن المديان يقول له : لا أقبل ( مزيتك ) ولا أحبها ~~. قال ابن عرفة في هذا : والقصاص ( فعال ) لأنه يفعل كما فعل له ( كالإتباع ~~) سواء لأنه يفعل كفعل المتبع . PageV02P519 قال ابن العربي : واحتج بها ~~الحنفية على أن المسلم يقتل بالكافر لقولهم ( الحر بالحر ) فعمم ولم يقيد ~~ولو كان بينهما فرق لبينه . وأجيب بقوله : { فمن عفي له من أخيه شيء } ولا ~~أخوة بين المسلم والكافر إلا أن يريد بالأخوة الصحبة فحينئذ ( لايزال ~~السؤال واردا ) . لكن يجاب بما قال الفخر الرازي في المحصول في قوله تعالى ~~{ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } قال : المراد نفي مطلق المساواة في ~~الخلود وغيره فاحتج به الشافعي على أن المسلم لا يقتل بالكافر . قال : ~~والأعم لا إشعار له بالأخص . قال ابن عرفة : ورد عليه بعضهم بأنه لا يستوي ~~فعل في سياق النفي فيعم لأن نفي الأعم أخص من نفي الأخص ( فنقول ) تلك ~~الآية دلت على نفي مساواة بينهما فلا يقتل المسلم بالكافر . قال الفقيه أبو ~~عبد الله محمد بن أبي بكر الأنصاري القرطبي : قال الكوفيون والثوري : يقتل ~~الحر بالعبد والمسلم بالكافر الذمي . واحتجوا بهذه الآية . قالوا : الذمي ~~مع ( الحر ) متساويان في حرمة الدم ms195 على التأبيد بدليل أن المسلم يقطع بسرقة ~~مال الذمي كمال المسلم فيتساويان في الذم إذ المال إنما يحترم بحرمة مالكه ~~. PageV02P520 قال ابن عرفة : يقال : إنما قطع في المال لأنه من فساد الأرض ~~بدليل قول مالك : إن الكافر إذا سرق من مال المسلم فإنما تقطع يده ، وإذا ~~زنا بالمسلمة طائعة فإنه لا يحد وما ذلك إلا لأن أخذ المال من الفساد في ~~الأرض بخلاف الزنا . قال ابن عرفة : وقولهم في العبد إذا جنى جناية وقطع يد ~~المسلم إن سيده مخير ، فله أن يسلمه في الجناية مع أنه يبقى سليما في بدنه ~~. والصواب كان في عقوبته أن تقطع يده لأن إسلامه في الجناية كبعيه ، فما ~~يظلم ( بذلك ) إلا سيده وأما هو فلم يقع عليه عقاب ولا حد يرتدع به بوجه . ~~وغلط الزمخشري هنا في نقله عن الإمام مالك ه لأنه قال : مذهب مالك والشافعي ~~أن الحر لا يقتل بالعبد ، والذكر لا يقتل بالأنثى . أخذ بهذه الآية . ( ~~واختلفوا في هذه الآية ) فقيل : إنها منسوخة بآية المائدة وقيل مجملة وتلك ~~مبينة لها . وقال ابن العربي : تلك مجملة وهذه مبنية ( لها ) . PageV02P521 ~~ابن عطية : وقال علي والحسن ابن أبي الحسن إذا قتل رجل إمرأة فإن أراد ~~أولياؤها قتلوه ( ووفوا ) أولياءه نصف الدية ، وإلا استحيوه وأخذوا الدية ، ~~وإذا قتلت امرأة رجلا فإن أراد أولياؤها قتلوها وإلا استحيوها ، وإن قتلوها ~~أخذوا نصف الدية وإن استحيوها أدوا الدية كاملة . قال ابن عرفة : | ( نظيره ~~) في مذهبنا قولهم في كتاب الزكاة : إذا وجبت على الإنسان بنت لبون فأعطى ~~للساعي بنت مخاض وما نقصت قيمتها عن بنت اللبون أو وجب عليه بنت مخاض ~~فأعطاه بنت اللبون وأخذ منه ما زادت قيمتها عن قيمة بنت المخاض فالمشهور ~~عدم الإجزاء وقيل يجزيه . قوله تعالى : { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة . . . } ~~. ( ابن عطية ) الإشارة إلى ما شرعت له هذه الآية من أخذ الدية ، وكان عند ~~بني إسرائيل في التوراة وجوب القصاص ولا دية عندهم . وقال الطبري : حرم على ~~أهل الإنجيل الدية وكان الواجب عليهم إما القصاص ms196 أو العفو على غير شيء . ~~وقال الزمخشري : فرض على أهل الإنجيل العفو وحرم عليهم القصاص والدية . ~~PageV02P522 ورده ابن عرفة بوجهين : - الأول : ما نقله الطبري وهو حجة في ~~التفسير ، - الثاني : أن الأصوليين عدوا حفظ النفوس في الكليات الخمس التي ~~اجتمعت الملل كلها على ( حفظها ) ، وأيضا فهو مصادم لمقتضى الآية لأنه تكون ~~شريعة النصارى أخف من شريعتنا فلا يكون ذلك تخفيفا بل تثقيلا . قال ابن ~~عرفة : فالتخفيف هو أنه كان في الجاهلية تحتم القصاص من غير قبول العفو ، ~~فصار الآن عقوبته إذا عفى عنه الولي أن يجلد مائة ويسجن عاما . قوله تعالى ~~: { فله عذاب أليم } . ابن عطية : وقال الحسن : عذابه / أن يؤدي الدية فقط ~~ويبقى ( إثمه ) إلى عذاب الآخرة . قال ابن عرفة : هذا ( شبه ) ما قالوا في ~~اليمين الغموس إنها أعظم من أن تكفر . قوله تعالى : { ولكم في القصاص حياة ~~. . . } . ابن عرفة : فيه دليل لاهل السنة القائلين بأن لا حسن ولا قبح لأن ~~الآية خرجت مخرج الامتنان بتعداد هذه النعم ، فدل على أنها تفضل من الله ~~تعالى ، ولو كان القصاص واجبا في ( العقل ) لما حسن كونه نعمة ، ولما صح ~~الإتيان به لأن ذلك تحصيل الحاصل . PageV02P523 قال الأصوليون والبيانيون : ~~وهذه أبلغ من قول العرب القتل أنفى للقتل . وقدره ابن مالك في المصباح ~~بأربعة أوجه : أحدهما : أن حروفها عشرة ، وأسقط منها الياء من في ( وألف ) ~~الوصل من ( القصاص ) لسقوطها في النطق وفي التفعيل أعني الأوزان ( الشعرية ~~) ، وحروف ( القتل أنفى للقتل ) أربعة عشر . الثاني : تنافر الحروف في ~~المثل وتناسبها في الآية . الثالث : لفظ الحياة محبوب ، فالتصريح باسمها ~~أولى من الكناية عنه بنفي القتل . الرابع : صحة معناه لأن تنكير الحياة ~~يفيد إما حياة عظيمة أو نوعا من الحياة إشارة لحسنه وغرابته ، بخلاف المثل ~~فإن معناه غير صحيح وحقيقته غير مرادة . قال ابن عرفة : ويظهر لي بيان ~~الرابع إما بأن القتل في المثل ( مطلق ) ( يتناول ) القتل عدوانا مع أنه ~~غير مراد والآية صريحة في نفي ذلك . قال ( ابن عرفة ) : والآية أصوب من وجه ~~آخر وهو أنها تقتضي ms197 المساواة في جميع الوجوه بخلاف المثل فليس فيه تنصيص ~~على المساواة . PageV02P524 وذكر ( الطبري ) في تأليفه في البيان والجعبري ~~في شرح الشاطبية الصغرى أن الآية تفضله من وجوه : أحدها : ( إيهامه ) ~~التناقض لمنافاة الشيء لنفسه أو العموم فيكون القتل ظلما أنفى للقتل قصاصا ~~والمراد العكس بخلاف الآية فإنها صريحة في معناها من غير احتمال ( شيء ) . ~~الثاني : عدول الآية عن التكرار وعن الإضمار ، بخلاف المثل لأن تقديره ~~كراهية القتل أنفى للقتل . الثالث : سلامة ألفاظها عما يوحش السامع ، ~~وتخصيصها بالحياة المرغوب فيها وبعدها عن تكرار ( قلقلة ) القاف للضغط ~~والشدة وتخصيصها بتكرار الصاد المستجلب ( باستعلائها ) وإطباقها مع الصفير ~~للفصاحة . الرابع : فيها الطباق المعنوي بين القصاص والحياة . قلت : وزاد ~~بعضهم عن القاضي ابن عبد السلام أن الآية أعجب لاقتضائها أن الموت سبب في ~~الحياة ولأن دلالة القصاص على الحياة مطابقة ودلالة القتل عليها باللزوم . ~~PageV02P525 قوله تعالى : { كتب عليكم إذا حضر . . . } . قال الزمخشري : ~~الوصية للوارث كانت في ابتداء الإسلام فنسخت بآية المواريث ولقوله ( أن ~~الله أعطى لكل ذي حق حقه ، ألا لا وصية لوارث ) . قال ( ابن عرفة ) : ( ~~وهذا حديث تلقته الأيمة بالقبول حتى لحق بالمتواتر وإن كان أخبار آحاد . ~~وحكى ابن عطية عن ابن عباس والحسن أنه نسخ منها الوصية للوالدين والقريب ~~والوارث ثم قال : وهي في آية الفرائض في النساء ) ( ناسخة لهذا الحديث ~~المتواتر : قوله : ( إن الله أعطى كل ذي حق حقه ) ) . وهذا خطأ كيف يجعله ~~متواترا والمحدثون مطبقون على أنه لم يصح ، وكلام الزمخشري فيه أصوب . ابن ~~عطية : ( الوصية ) مفعول لم يسم فاعله ( لكتب ) وجواب الشرطين ( إذا ) و ( ~~إن ) مقدر يدل عليه ما تقدم . وتعقبه أبو حيان بامتناع تقدم العامل في ( ~~إذا ) عليها . PageV02P526 ابن عطية : يجوز أن يكون العامل في ( إذا ) ~~الإيصاء المقدر المدلول عليه بلفظ الوصية والوصية . مبتدأ وهو جوابه ~~للشرطين معا . وتعقبه أبو حيان بأنه إذا قدر قبل ( إذا ) لزم تقدم العامل ~~فيها عليها ، وإن قدر بعدها فهو موصول ، ومعمول الصلة لا يتقدم عليه وبأن ~~المقدر هنا ضمير المصدر معناه كتب عليكم هو ms198 أي الإيصاء وضميره المنطوق به ~~لا يعمل عند الكوفيين فأحرى ( المنوي ) بامتناع كون الشيء الواحد جوابا ~~لشرطين معا . وأجاب ابن عرفة بأن المعنى يقتضي كون الجواب للشرطين معا لئلا ~~يلزم عليه فيمن حضره الموت وله مال قليل أن يؤمر بالوصية ، فالأمر فيها ~~إنما هو لمن اجتمع فيه الوصفان ، ورده بعض الطلبة بأن مراد أبي حيان أن ~~الجواب للشرط الأول والشرط الثاني قيد في الجواب ، وجوابه محذوف يدل عليه ~~جواب الأول والمعنى : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت . . . ( الوصية ) إن ~~ترك خيرا . قال ابن عرفة : يلزمك أن يكون الشرط الثاني وجوابه جوابا للأول ~~، والبحث إنما هو على أنهما شرطان وجوابان أو شرطان وجواب واحد . قال أبو ~~حيان : لا يجوز أن يكون جواب ( إذا ) مقدرا من معنى كتب ( لمضيه ) واستقبال ~~الشرط . PageV02P527 قال ابن عرفة : أراد ما ذكر ابن عصفور في باب القسم ( ~~من ) أن جواب الشرط لا يحذف إلا إذا كان فعل الشرط ماضيا ، وبهذا ( ردوا ) ~~على حازم في قوله تعالى { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت ~~العزيز الحكيم } قال : جواب الشرط مقدر ، أي فإنك أنت الغفور الرحيم ، لأن ~~( العزة ) لا تناسب المحل ، وكان المختار أن يوقف عند قوله ( وإن تغفر لهم ~~) ( فإنهم عبادك ) فردوا عليه بأن جواب الشرط لا يحذف إلا إذا كان فعل ~~الشرط ماضيا . قال ابن عرفة : واتفقوا على أن الوصية واجبة لكنها تختلف فقد ~~يكون / مندوبا إليها إذا كان القريب فقيرا وإن كان غنيا فهي للبعيد أولى . ~~قوله تعالى : { حقا على المتقين } . إن قلنا : إن المتقي مرادف للمؤمن ، ~~فالآية واضحة وإن قلنا إنه أخص من المؤمن كما هو مذهب المحققين من ~~المتأخرين فتفهم الآية على أن الخطاب باعتبار ظاهر اللفظ للتكليف وفي ~~المعنى الامتثال PageV02P528 لأن ظاهرها تخصيص وجوب ذلك ( بالمتقي ) فلا بد ~~أن يرادفه وجوب قبول وامتثال . | فإن قلت : ما فائدة الإتيان بهذا المصدر ( ~~المؤكد ) ؟ وأجاب ابن عرفة : بأن قولك ( أكرم زيدا ) أبلغ من قولك أكرم زيد ~~إذا جاء عمرو ولضعف الثاني بتعليقه على الشرط ms199 ، والأول مطلق فهو أقوى ولما ~~أتي الأمر بالوصية مقيدا بالشرط وهو إن ( ترك ) خيرا ضعف فأكد بقوله { حقا ~~على المتقين } . قال أبو حيان : ( حقا ) مصدر مؤكد لمضمون الجملة أي حق ذلك ~~حقا ، ورد بأن ( على المتقين ) إما متعلق به والمصدر المؤكد لا يعمل ، أو ~~صفة له فيخرج عن التأكيد لتخصصه . قال ابن عرفة : تقرر أن معاني الحروف ~~والأسماء الجوامد تعمل في الظروف والمجرورات . قلت كقول الشاعر : كأنه خارج ~~من حيث صفحته . . . سعود شرف نشده عند معتاد أنشد ابن الصائغ في باب ~~الاشتغال ورد به على ابن عصفور و قوله : أنا ابن ماوية ( إذا جد النقر ) . ~~. . PageV02P529 قال أبو حيان : وقيل : نعت لمصدر محذوف أي كتابا حقا أو ( ~~إيماء ) وقيل منصوب ب ( المتقين ) وهو بعيد لتقدمه على عامله الموصول وعدم ~~تبادره إلى الذهن . قال ابن عرفة : العلوم النظرية كلها كذلك لأنها توصل ~~إلى فهم المعاني الدقيقة التي لا تفهم بأول وهلة . قيل لابن عرفة : إنما ( ~~يراد ) أن الظاهر خلافه ؟ فقال : إن أراد أن ظاهر اللفظ ينفيه فليس كذلك ~~وإن أراد أن ظاهر اللفظ لا يقتضيه ولا يدل عليه فكذلك المعاني الدقيقة كلها ~~. أبو حيان : ( والأولى ) أنه مصدر من معنى ( كتب ) لأن معناه وجب وحق مثل ~~قعدت جلوسا . قال ابن عرفة : الذي فر منه وقع فيه لأنه ألزم غيره امتناع ~~عمل المصدر المؤكد لغيره ، وكذلك يلزمه هو . قيل لابن عرفة : هل يؤخذ من ~~الآية عدم وجوب الوصية كما قالوا في { وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على ~~المتقين } ويقال له : إن كنت محسنا أو متقيا ( فمتع ) ؟ PageV02P530 فقال : ~~إنه يتم لك هذا لو وقع الاتفاق على عدم وجوب المتعة . قوله تعالى : { فمن ~~بدله بعدما سمعه . . . } . ابن عرفة : إن أريد به الموصى فالمعنى : فمن لم ~~يمتثله ، لأن تبديل حكم الله تعالى غير معقول . وأن أريد به الوارث الأجنبي ~~فالتبديل حقيقة باق على ظاهره . قوله تعالى : { فإنمآ إثمه على الذين ~~يبدلونه إن الله سميع عليم } . قال ابن عرفة : كان بعضهم يفهم فيقول فائدة ~~الحصر أن الموصي للفقراء بوصية ms200 ثم منعهم منها سلطان ظالم فالأجر ثابت ~~للموصي والإثم خاص بالظالم . قال : ( وكذلك ) أخذ منه بعضهم ، أن الموصي ~~إذا اعترف بدين عليه وحبسه الوارث عن ربه فقد برىء الموصي من عهدته وإثمه ~~على المانع . ففي الآية ثلاثة أسئلة : - الأول : لم خص الحصر بإنما ولم يقل ~~: فإثمه إلا على الذين يبدلونه مع أنه أصرح ؟ والجواب أنهم قالوا : إن ( ~~إنما ) تقتضي ثبوت ما بعدها بخلاف ( إلا ) فتقتضي وجود الإثم وثبوته . - ~~السؤال الثاني : قال ( يبدلونه ) بلفظ المضارع ( ومن بدله ) بلفظ الماضي ؟ ~~PageV02P531 والجواب عنه ما أجاب الزمخشري في قوله الله تعالى { ومن قتل ~~مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة } { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم } وهو ~~أنه لما كان القتل عمدا ممنوعا شرعا عبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل إشعارا ~~بكراهيته ( والتنفير ) عنه حتى كأنه غير واقع ، وكذلك يقال هنا . قلت : ~~لأنه ذكر لفظ الإثم في الثاني مقرونا بأداة الحصر أتي بالفعل مستقبلا زيادة ~~في ( التنفير ) عن موجب الإثم . - السؤال الثالث : هلا استغنى على إعادة ~~الظاهر فيقال : فإنما إثمه عليه ؟ والجواب عن ذلك ! أنه تنبيه على العلة ~~التي لأجلها كان مأثوما وهي التبديل . قوله تعالى : { ياأيها الذين آمنوا ~~كتب عليكم . . . } . كرر النداء لبعد النداء المتقدم وكثرة ما بين النداءين ~~من الفصل فكرره تطرئة . ابن عطية : الصيام مجمل لأنه لم يعين مقداره ولا ~~زمنه . قال ابن العربي : بل هو معين في الآية لقوله { كما كتب على الذين من ~~قبلكم } . PageV02P532 ( قال ابن عرفة : إنما هو تشبيه حكم بحكم والحكم لا ~~يتبدل ولا يتفاوت فهو تشبيه وجوب بوجوب ) . | ابن عرفة : وهذا التشبيه وإن ~~رجع إلى الأحكام فهو تسلية لنا لأن الإعلام بفرضيته على من مضى يوجب خفته ~~عل النفوس وقبولها إياه ، وإن رجع إلى الثواب فهو تنظير نعمة بنعمة ، أي : ~~أنعم عليكم بالصوم المحصل للثواب الأخروي ، كما أنعم على من قبلكم من أن ~~ثوابكم أعظم . وحذف الفاعل للعلم به وزيادة ( من ) تنبيه على عموم ذلك في ~~كل أمة من الأمم السالفة إلى حين : تزول هذه الآية . قوله تعالى : { أياما ms201 ~~معدودات . . . } . زيادة / ( في التسلية ) والتخفيف ، أي هو أيام قلائل تعد ~~عدا . قلت : كما في قوله تعالى { دراهم معدودة } قاله الزمخشري . قوله ~~تعالى : { فمن كان منكم مريضا . . . } . ابن عطية : قال قوم : متى صدق على ~~المكلف أنه مريض صح له ( الفطر ) ، وقاله ابن سيرين فيمن وجعته أصبعه ( ~~فأفطر ) PageV02P533 وحكاه عنه ابن رشد في مقدماته والجمهور : المراد المرض ~~الذي يشق معه الصوم . قال ابن عرفة : سبب الخلاف ما يحكيه المازري وابن ~~بشير من الاختلاف في الأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها فظاهر الآية عندي ~~حجة للجمهور لقول الله { فمن كان منكم مريضا } ولم يقل : فمن مرض فظاهره ، ~~أنه لا يفطر بمطلق المرض بل مرض محقق ثابت يصدق أن يقال في صاحبه كان مريضا ~~لأن ( كان ) تقتضي الدوام . قوله تعالى : { أو على سفر . . . } . ولم يقل : ~~مسافرا . قال ابن عرفة : يؤخذ منه في الحاضر إذا عزم على السفر ( أن له أن ~~يبيت على الفطر ويفطر ، ولا يلزمه كفارة لأنهم قالوا في الحاضر إذا عزم على ~~السفر وبيت ) على الصوم ثم أفطر فالمشهور عندنا أنه لا كفارة عليه . وقال ~~المغيرة المخزومي : تلزمه الكفارة فإذا كان لا يكفر إذا أفطر بعد أن يبيت ~~على الصوم فأحرى أن لا يكفر إذا أفطر بعد أن يبيت على الفطر . تقول : هذا ~~الحائظ على سقوط وهو لم يسقط أي على حالة السفر . فقوله : { أو على سفر } ~~مما يصحح ما قلناه بخلاف المرض ، فإنه لايباح الفطر إلا لمن وقع به المرض ~~وهما في المدونة مسألتان متعاكستان . PageV02P534 قال : في الحاضر يفطر ~~مريدا للسفر يقضي فقط . فقال المخزومي وابن كنانة : يقضي ولا يكفر . قوله ~~تعالى : { فعدة من أيام أخر . . . } . ولم يقل فعدة أيام أخر ، إشارة إلى ~~ما أجاب به الزمخشري في قوله تعالى { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } ~~وذكر ( أيام ) إشارة إلى أنه يجزي فيها الصوم في النهار القصير قضاء عنه في ~~النهار الطويل وإنما المطلوب عدة أيام ( كعدد ) الأيام الأول لا كقدرها ~~وصفتها . قال أبو حيان : أجازوا نصب { أياما معدودات } على الظرف والعامل ms202 ~~فيه ( كتب ) أو يكون مفعولا على السعة والعامل فيه كتب ورد بأن الظرف محل ~~الفعل وليست الكتابة واقعة في الأيام وإنما الواقع فيها متعلقها وكذا النصب ~~على المفعول مبني على وقوعه ظرفا انتهى . قال المختصر : في هذا الأخير نظر ~~. قلت : يريد أنه لا يلزم من منع جعله ظرفا ل ( كتب ) ان لا يكون مفعولا ~~كما قيل : إن يوم الجمعة مبارك ( فجعلوه ) اسم يوم مع امتناع كونه ظرفا ~~فليس ( هو ) مبنيا عليه . PageV02P535 قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه . ~~. . } . حكى أبو حيان في ( يطقونه ) خمسة أقوال . الأول : أنه على تقدير : ~~لايطيقونه ، مثل قولهم : فخالف خلا و الله تهبط تلعة . . . من الأرض إلا ~~أنت للذل عارف وضعفه بأنه لا دليل عليه . قال ابن عرفة : والجواب بأن ~~السياق هنا يدل عليه كما قالوا في { ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } أن ( لا ) ~~زائدة وفي { لئلا يعلم أهل الكتاب } أنها زائدة أيضا . وأيضا ، فيجاب بقوله ~~قبله ، ويحتمل قراءة التشديد أنها بمعنى يتكلفونه أو يكلفونه ويكون من ~~تصويب قول بقول . ونقل ابن عطية في تأويل الآية خلافا . ثم قال : والآية ~~عند مالك إنما هي فيمن يدركه رمضان وعليه صوم من رمضان المتقدم فقد كان ~~يطيق في تلك المدة الصوم فتركه فعليه الفدية . قال ابن عرفة : ويبقى القضاء ~~عنده مسكوتا ( عنه ) . فإن قلنا : إن القضاء بالأمر الأول فلا يحتاج إلى ~~تقدير . وإن قلنا : بأمر جديد فلا بد من تقديره في الآية ، ويكون حذف لفهم ~~المعنى . PageV02P536 | ( { وعلى الذين يطيقونه } استدلوا به على أن المرضع ~~مأمورة بالصوم بدليل إيجاب الفدية عليها ) . | قوله تعالى : { فدية طعام . ~~. . } . قال أبو حيان : إضافته للتخصيص وهي إضافة الشيء إلى ( جنسه ) لأن ~~الفدية اسم للقدر الواجب والطعام يعم الفدية وغيرها . قال ابن عرفة : إضافة ~~الشيء إلى جنسه هي إضافة أمرين بينهما عموم وخصوص من وجه دون وجه مثل خاتم ~~حديد ، وثوب خز . قوله تعالى : { فمن تطوع خيرا . . . } . إن كانت ( من ) ~~شرطية فظاهر وإن كانت موصولة فمشكل لأنه كقولك : إن الذاهبة جارية مالكها . ~~وأجيب : بأن الخير الأول ms203 هو المال والثاني فعل ما هو أفضل من غيره ، أو ~~الخير الأول ( فضل ) والثاني أفضل فعل . قوله تعالى : { وأن تصوموا خير لكم ~~. . . } . استدلو به على أن الصوم للمسافر خير وأفضل . PageV02P537 قلت : ~~وقال لي سيدي الشيخ الصالح الفقيه أبو العباس أحمد ابن إدريس البجائي : لا ~~دليل فيها لأن قوله { ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام . . . } إلى ~~قوله { وأن تصوموا خير لكم } مسنوخ بقوله الله تعالى { شهر رمضان الذي أنزل ~~فيه القرآن } ( ويدلك ) على النسخ قوله تعالى { أياما معدودات } وهو جمع ~~قلة ولا يتناول الشهر حسبما قال الزمخشري معناه : أياما ( مؤقتات ) ( بعدد ~~) ملعوم أو قلائل كقوله { دراهم معدودة . } قوله تعالى : { شهر رمضان الذي ~~أنزل فيه القرآن . . . } . ابن عطية انظره وأبا حيان . قال ابن عرفة : نقل ~~الآمدي في شرح / الجزولية عن السهيلي أنك إذا قلت : صمت رمضان كان العمل في ~~كله ، قال : ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) . ~~وإذا قلت : صمت في شهر رمضان كان العمل في بعضه بدليل هذه الآية . قال ابن ~~عرفة : يرد بأن الفعل في الآية لم يتعد إليه بنفسه بل بواسطة ( في ) لقوله ~~{ الذي أنزل فيه القرآن } وما كان يتم له PageV02P538 الاستدلال إلا لو كان ~~تعدى إليه الفعل بنفسه . ونقل بعضهم عن شرح المقرب لابن عصفور أنك إذا قلت ~~صمت رمضان أو شهرا ، فالعمل في كله وإن قلت : صمت شهر رمضان فهو محتمل ~~لتخصيصه بالإضافة ولم يرضه ابن عطية . قال الضحاك : أنزل القرآن في ( فرضه ~~) وتعظيمه والحض عليه ، وقيل : الذي أنزل القرآن فيه . قال ابن عرفة : ولا ~~يبعد أن يراد الأمران فيكون أنزل القرآن فيه تعظيما له وتشريفا ولم يمدح ~~القرآن بما مدح به الشهر لأن فضله معلوم . وقيل : أنزل فيه القرآن جملة إلى ~~سماء الدنيا . قال ابن عرفة : فالقرآن على هذا الاسم للكل وعلى القول ~~الثاني بأنه أنزل فيه بعضه يكون القرآن اسم جنس يصدق على القليل والكثير . ~~قوله تعالى : { وبينات من الهدى . . . } . قال ابن عطية : الألف وللام في ( ~~الهدى ) للعهد والمراد به ms204 الأول . قال ابن عرفة : إن كانت ( من ) لبيان ~~الجنس فالألف ( واللام ) للعهد في الشخص وإن كانت للتبعيض فهي للعهد في جنس ~~فيكون القرآن نوعا من أنواع جنس الهدى . قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر . . . } . PageV02P539 ~~قال الزمخشري : فمن حضر المدينة في الشهر . قال ابن عرفة : خشي أن يترك ~~الآية على ظاهرها لأن ظاهرها وجوب الصوم على حاضر الشهر مع أنه ينقسم إلى ~~حضري وإلى مسافر ( فتأولها ) على أن المراد حاضر المصر في الشهر والذي فر ~~منه وقع فيه ، لأن حاضر المصر في الشهر ينقسم ( أيضا ) إلى صحيح وإلى مريض ~~، وظاهر الآية وجوب الصوم على الجميع فإن قال : خرج ذلك بالنص عليه في ~~الآية الثانية . قلنا : وكذلك المسافر خرج بالنص عليه . وقيل : من شهد هلال ~~الشهر . قال ابن عطية : وقال علي بن أبي طالب وابن عباس هم من حضر دخول ~~الشهر وكان مقيما في أوله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك أو أقام ، وإنما يفطر ~~في السفر من دخل عليه رمضان وهو مسافر . قال ابن عرفة : انظر هذا مع قول ~~ابن بشير : ( لا خلاف بين لأمة أن السفر من مقتضيات الفطر على الجملة ) . ~~قلت : وكان سيدنا الشيخ أبو العباس أحمد بن ادريس تعالى يقول : هذه الآية ~~تدل على أن المسافر غير مأمور بالصوم لأن ( شهد ) بمعنى حضر والمسافر ليس ~~بحاضر وقالوا إذا صامه فإنه يجزيه ويكون أداء ، وقالوا في العبد : إن الحج ~~ساقط عنه فإن حج PageV02P540 ثم عتق لم يجزه عن حجة الفريضة ، فحينئذ نقول ~~: فعل العبادة قبل وجوبها إن كانت عندكم نفلا سد مسد الفرض . قال : والجواب ~~عن ذلك أن المسافر مأمور بالقضاء لقوله تعالى : { فعدة من أيام أخر } وذلك ~~دليل على أن اباحة الفطر له ( إنما هو رخصة ) لا لكون السفر مانعا من الصوم ~~بخلاف العبد فإنه إن عتق فلا يزال مطلوبا بالحج وإذا فعله بعد العتق كان ~~أداء لأنه أوقعه في وقته وهذا إن أدركه الصوم في السفر ثم ms205 حضر وفعله كان ~~قضاء . قلت : هذا لا يلزم إلا إذا جعلنا الشهر من قوله : { فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه } ظرف زمان لأنه على تقدير ( في ) والمسافر لم يحضر في الشهر ~~، ويحتمل أن يكون ( الشهر ) مفعولا به فلا يلزم هذا السؤال لأن المسافر ~~حضره وفرق بين قوله حضره وحضر فيه . وذكرته لشيخنا ابن ادريس فوافقني عليه ~~. قوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . قال ابن عرفة ~~: المتعذر هو الذي لايمكن فعله ولو بمشقة والمتعسر هو الذي يمكن فعله بمشقة ~~. قال : في الآية إشكال وهو أن متعلق الإرادة إما فعل أو حكم . والأول : ~~باطل بالمشاهدة لأن الله تعالى يفعل الخير والشر وقد رأينا بعض الناس في ~~الخير وبعضهم في الشر . PageV02P541 والثاني ، باطل لأنه يلزم عليه أن يكون ~~حكم الله تعالى مرادا فيكون حادثا ( إذ ) من شأن الإرادة التخصيص ، مع أن ~~الحكم راجع إلى كلامه القديم الأزلي والتخصيص يستلزم الحدوث . ( قيل ) لابن ~~عرفة : يقال المراد الحكم باعتبار متعلقه وهو الحكم المتعلق التنجيزي لا ( ~~الصلوحي ) ؟ قال ابن عرفة : قد تكرر أن الصحيح أن التعلق صفة نفسية والتعلق ~~التنجيزي حادث ، فإن حكمنا لموصوف بحكم صفته لزم عليه حدوث حكم الله تعالى ~~، وإن لم يحكم له بحكمها لزم عليه مفارقة الصفة ( النفسية ) لموصوفها ، ~~والأمران باطلان . قيل له : نقول إن الإرادة متعلقة بالحكم ؟ فقال : قد ~~تقرر الخلاف في الإرادة هل هي مؤثرة ؟ والتحقيق أنه إن أريد به التعلق ~~التنجيزي فهي / مؤثرة كالقدرة ، ومعنى التخصيص فيها كون الشيء على صفة خاصة ~~في وقت معين ، وإن أريد به التعلق الصلاحي فهى غير مؤثرة كالعلم فإنه يتعلق ~~ولا يؤثر وهو اختيار المقترح . قيل لابن عرفة : لعل المراد الحكم التكليفي ~~وهو يسر لاعسر ؟ فقال : هذا تخصيص والآية عامة . قيل له : ( الحكم ) أبدا ~~لايمكن أن يكون إلا مرادا ، وليس هناك حكم غير مراد ، تعالى أن يكون في ~~ملكه ما لا يريد ؟ PageV02P542 فقال : الحكم موافق ( للارادة ) أي مقارن ~~لها لأنه مراد كما نقول العلم مقارن للارادة وليس متعلقا بها . قال ms206 ابن ~~عرفة : الجواب عن الإشكال لا يكون إلا بأن ( يشرب ) يريد معنى يحكم أي يحكم ~~الله عليكم باليسر لا بالعسر ولا سيما إن قلنا : إن تكليف ما لا يطاق غير ~~جائز أو جائز غير واقع . فإن قلت : قوله { يريد الله بكم اليسر } عام ~~فيقتضي عموم متعلق الإرادة باليسر . فقوله تعالى : { ولا يريد بكم العسر } ~~تأكيد فلا فائدة له . قلنا : { يريد الله بكم } ليس جملة مثبتة ، فهي مطلته ~~لا تعم ، { ولا يريد بكم } ، ( فعل منفي ) فيعم . قال : والعسر واليسر ( ~~تجنيس ) مختلف مثل { وهم ينهون عنه وينئون عنه } قال ابن عطية : وقال مجاهد ~~( والضحاك ) : اليسر الفطر في السفر والعسر الصوم في السفر . قيل لابن عرفة ~~: يلزم أن يكون الصوم في السفر غير مأمور به . فقال : هذا مذهب المعتزلة ، ~~لأنهم يجعلون الأمر نفس الإرادة وإنما معنى الآية : يريد الله بكم إباحة ~~الفطور ولا يريد بكم وجوب الصوم . لأن الوجوب والإباحة قسمان من أقسام ~~الحكم الشرعي . PageV02P543 قلت : وتقدم في الختمة الأخرى لابن عرفة أنه لا ~~يمكن أن تحمل الإرادة هنا على حقيقتها لأن المريض ( الذي ) بلغ الغاية في ~~المرض والمحبوس المعسر بالنفقة ، قد أريد بهم العسر فترجع الإرادة إلى باب ~~التكليف وقد قال { وما جعل عليكم في الدين من حرج } قوله تعالى : { ~~ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون } . منهم من قال ~~: إنه أمر . قيل لابن عرفة : قول الله جل جلاله { فعدة من أيام أخر } يغني ~~عنه لأنه يفيد أنه ( يقضي ) أياما على عدد ما فاته ؟ فقال : أفاد هذا الأمر ~~بإكمالها وهو الإتيان بها على وجهها موفاة كما قالوا : إن ( الصائم ) يأخذ ~~جزءا من أول الليل في أول النهار وجزءا من آخره يتحراه لأنه مما لا يتوصل ~~إلى الواجب إلا به . قوله تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب . . . } ~~. قال ابن عطية : قال عطاء لما نزلت { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } قال ~~قوم : في أي ساعة ندعو ؟ فنزلت . PageV02P544 ( وروى أن أعرابيا قال : ~~يارسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت ) . قال ms207 ابن عرفة : ~~هذا يوهم اعتقاد التجسيم والجهة وهو صعب . وقد كان بعض الناس يستشكله فكنت ~~( أقربه ) له بالمثال ، فنقول له : لو فرضنا رجلا لم يشاهد قط في عمره إلا ~~الحيوان الماشي على الأرض فإنه إذا سئل عن حيوان يطير لا هو في السماء ولا ~~هو في الأرض بل بينهما بالفضاء فإنه يظن ذلك محالا ، وكذلك النملة لو كان ~~لها عقل وسئلت عن ذلك لأحالته . وظاهر ما ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن ~~لفظ ( عبادي ) عام ولكن آخر الآية يدل على أنه خاص بالمؤمنين . وقوله ( ~~فإني قريب ) قال أبو حيان : أي فاعلم أني قريب . قال ابن عرفة : لأن الأمور ~~الواقعة الموجودة لا يصح ترتيبها على الشرط إلا على ما ذكر المنطقيون في ~~القضية الاتفاقية مثل كلما كان الإنسان ناطقا كان الحمار ناهقا هي لا تفيد ~~شيئا . قوله تعالى : { أجيب دعوة الداع إذا دعان . . . } . قال ابن عرفة : ~~( أجيب دعوة الداع ) فيه سؤالان : الأول : ما الفائدة في زيادة لفظ ( دعوة ~~) مع أنه مستغنى عنه ؟ قيل له : إنه إذا أجاب الدعوة الواحدة فأحرى أن يجيب ~~الدعوات ( المكررة المؤكدة ) ؟ PageV02P545 فقال : العكس أولى لا ، إذ لا ~~يلزم من أجابة الدعوة الواحدة إجابة الدعوات . قال : وعادتهم يجيبون عنه ~~بأن ( أجاب ) تطلق على ( الإجابة ) بالموافق والمخالف و ( استجاب ) خاص ~~بالموافق ، فلو قال : أجيب الداعي ، لأوهم العموم ، وقوله ( أجيب دعوة ~~الداع ) صريح في الإسعاف بالمقصود ، كما نقول : أجيب طلبة فلان وأجيب دعوته ~~، أي أسعفه بمطلوبه . السؤال الثاني : ما الفائدة في قوله ( إذا دعان ) مع ~~أنه أيضا مستغنى عنه . قال ابن عرفة : وعادتهم يجيبون بأن الدعاء على قسمين ~~دعاء بنية وعزيمة ، والداعي مستجمع لشرائطه ، ودعاء دون ذلك ، فأفاد قوله ( ~~إذا دعان ) إجابة الداعي بنية وحضور . وذكروا أن الدعاء على أقسام ~~فالمستحيل عقلا والمحرم لا يجوز ، وكذلك الدعاء بتحصيل الواجب لأنه من ~~تحصيل الحاصل ، وكذا قالوا في قوله تعالى { ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين } أي المعتدي في الدعاء بالمستحيل عقلا كالدعاء بالجمع بين ~~النقيضين وأما المحال في / العادة ms208 كالطيران في الهواء والمشي على الماء ~~فمنهم من أجازه ومنهم من منعه . والمختار عندهم أنه إن كان في الداعي أهلية ~~لذلك وقابلية له جاز له الدعاء وإلا لم يجز كدعاء شيخ ابن ثمانين سنة أن ~~يكون فقيها عالما ، ودعاء رجل من سفلة الناس بأن يكون ملكا . PageV02P546 ~~قلت : في الجامع الثالث من العتبية قال الإمام مالك ه : صلى رجل في المسجد ~~ثم انصرف ولم يدع كثيرا فدعاه عروة بن الزبير ه فقال له ( أما ) كانت لك ~~حاجة عند الله . والله إني لأدعو الله في حوائجي حتى في الملح . قال الإمام ~~ابن رشد : الدعاء عبادة فيها الأجر العظيم استجيب أم لا ، لأنه لا ( يجتهد ~~) في الدعاء إلا بإيمان صحيح ولن يضيع له عند الله . قال : ( ما من داع ~~يدعو إلا كان بين إحدى ثلاثة : إما أن يستجاب له ، وإما أن يدخر له ، وإما ~~أن يكفر عنه ) إلا أن هذا الحديث ليس فيه ما يدل عنه على أنه لا يدخر له ~~ولايكفر عنه إذا استجيب له لأن معناه : إلا كان بين إحدى ثلاثة ، إما أن ~~يستجاب له مع أن يدخر له أو يكفر عنه مع أن يستجاب له . وفي شرح الأسماء ~~الحسنى للشيخ ابن العربي : الدعاء لغة الطلب . ( اغفر لنا ) ، ويطلق على ~~النداء وعلى الترغيب مثل : { والله يدعوا إلى دار السلام } وعلى التكوين ~~مثل : { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض } PageV02P547 قوله تعالى : { ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي . . . } . قال الزمخشري : فليستجيبوا لي ، إذا ~~دعوتهم إلى الإيمان والطاعة . قال ابن عرفة : يلزم التكرار في الآية لغير ~~فائدة ، والتقديم والتأخير لأن الطاعة متأخرة عن الإيمان وما معناه عندي : ~~ألا فلينظروا في الأدلة التي ترشدهم للايمان ويؤمنوا بالفعل . قيل لابن ~~عرفة : هذا إذا قلنا إن ارتباط الدليل بالمدلول عادي أما إن قلنا : إنه ~~عقلي فيجري فيه تحصيل الحاصل لأنهم إذا نظروا آمنوا فلا فائدة في أمرهم ~~بالإيمان ؟ ( فقال ) : إنما ( أمروا ) بالإيمان قبل كمال النظر كما تقول ~~لغيرك : انظر في كذا واعلمه ، فإنما أمرته بالعلم قبل أن يحصل منه ms209 النظر . ~~قوله تعالى : { لعلهم يرشدون } . أي لعلهم يحصل لهم الفوز والفلاح ، وليس ~~المراد لعلهم يهتدون ( بطريق ) الفوز لأنه من تعليل الشيء بنفسه . ~~PageV02P548 قلت : وجدت هذه الآية في ميعاد القاضي أبي علي عمر بن عبد ~~الرفيع فنقلوا عن ابن الخطيب أن الجواب ( هنا ) : وقع بالفاء فقط إشارة إلى ~~أنه قريب مطلقا وقربه من العبد مع الدعاء لا يعقبه ، وقيل : أمر محمد بأن ~~يقول لهم ذلك ( وب ( قل ) وحدها ) في { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ~~ربي } ( وبهما ) معا في { ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا } الآية ~~، ونسفها إعدامها إشارة إلى الأمر بالمبادرة بالجواب عقب السؤال ردا على من ~~قال بقدمها لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه . ونقلوا عن أبي حيان أن التقدير ( ~~فقل إني قرب ) لأنه لا يترتب على الشرط القرب بل الإخبار عن القرب ، فقال ~~الحساني : لا حاجة إلى إضمار ( قل ) وقد أبدى ابن الخطيب حكمه ذلك . فقال ~~بعضهم : لعل مراد أبي حيان أن هذا شرط والشروط اللغوية أسباب عقلية والسبب ~~العقلي يلزم من وجوده الوجود ، ومن عدمه العدم ، فليزم إذا عدم السؤال أن ~~يعدم مطلق القرب . PageV02P549 فأجاب الطالب : بحديث : ( من أحيا أرضا ميتة ~~فهي له ) قالوا فيه : إنه قد تصير له بالملك من غير إحياء فترى الإحياء ~~انعدم والملك موجود . فرد عليه ابن التلمساني في المسألة السادسة من باب ~~الأوامر قال : قال ( مالك ) في الإحياء إنه غير موجود وإنما الموجود ملك ~~الشراء . قوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم . . . } . ~~قال الزمخشري : إن قلت لم كنى الجماع بالرفث الدال على القبح أي على معنى ~~القبح بخلاف قوله { وقد أفضى بعضكم إلى بعض } وقوله { فلما تغشاها حملت } ~~وأجاب عن ذلك بأن ذلك تقبيح لما صدر منهم قبل الإباحة ، كما سماه ( اختيانا ~~) . PageV02P550 ابن عرفة : والجواب عندي بعكس هذا وهو أنه مبالغة في ~~الإباحة والتحليل فعبر عنه باللفظ الصريح حتى لا يبقى عندهم فيه شك ولا ~~توهم بوجه . قال ابن عرفة : وعدي الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء . وقال ~~ابن ms210 جني في سر الصناعة في مثل هذا : إن الرفث يتعدى بالباء والإفضاء بإلى ~~فذكر الرفث ولم يذكر معموله ، وذكر معمول الإفضاء ولم يذكر عامله إشعارا ~~بإرادة الجميع وأن الكل مقصود بالذكر . قوله تعالى : { هن لباس لكم وأنتم ~~لباس لهن . . . } . ابن عرفة : ليس هذا من ( النسب ) المتعاكسة مثل : زيد ~~أخوك وأخوك زيد ، إذ لا يلزم من كونهن لباسا للرجال أن يكون الرجال لباسا ~~لهن وهذا تأكيد في التحليل . قوله تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون ~~أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم . . . } . قال ابن عرفة : هذا من باب القلب ~~مثل كسر الزجاج الحجر لأن النفس هي الخائنة قال تعالى { إن النفس لأمارة ~~بالسوء } PageV02P551 قوله تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~. . . } . ابن عطية : قال : الإمام مالك / الاعتكاف إلا في مساجد الجماعات ~~. وروي عنه أن ذلك في كل مسجد . ابن عطية : وروي عنه أن ذلك في كل مسجد من ~~المساجد . ابن عرفة : لو نذر أن يعتكف فإنه يجزيه عند مالك الاعتكاف في أي ~~مسجد أراد ويخرج به من العهدة وشرط الجامع غير واجب . وكذا قال الشيخ ابن ~~العربي عن الإمام مالك ه . قوله تعالى : { تلك حدود الله . . . } . الإشارة ~~( راجعة ) إلى الأحكام أو إلى النواهي المتقدمة . قوله تعالى : { فلا ~~تقربوها . . . } . نهى عن القرب لحديث ( الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ~~) . PageV02P552 قيل لابن عرفة : تقرر أن اتقاء الشبهات غير واجب بل مستحب ~~؟ فقال : هي أقسام : مظنون ، ومشكوك فيها ، ومتوهمة ، فالوهم مرجوح ، والظن ~~راجح فينتج وجوب الاجتناب ، والشك فيه خلاف ( ومحمل النهي ) في الآية على ~~تحريم المظنون والمشكوك فيه وقال في الآية الأخرى : { تلك حدود الله فلا ~~تعتدوها } ابن عرفة : يحتمل أن تكون تلك قبل هذه فنهينا أولا عن تعدي ~~الحدود ، ثم نهينا ثانيا عن قربها ؛ أو يكون الأمر الأول للعوام والثاني ~~للخواص . وأجاب أبو جعفر الزبير بأن قرب النساء بالمباشرة يدعو إلى ~~المواقعة فقل من يملك نفسه ، فنهى عن القرب ونظيره : { ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن } { ولا تقربوا الزنى } ولذلك منع المحرم من الطيب . فإن قصد ms211 البيان ~~العام الفارق بين الحلال والحرام لم ينه عن المقاربة بل عن التعدي فقط ، ~~مثل { الطلاق مرتان } إلى قوله { فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود ~~الله فلا تعتدوها } فحرم أموالهم على الأزواج بغير حق ما لم يقع نشوز أو ما ~~يمنع عن القيام بحقوقهم . وأجاب بعضهم بأن تلك تقدمها ( الطلاق مرتان ) وهو ~~أمر مباح ، فناسب النهي عن تعديه لا عن قربه ، وهذه تقدمها النهي عن ~~المباشرة وهو محرم فناسب النهي عن قربه . قوله تعالى : { يبين الله آياته . ~~. . } . PageV02P553 قيل لابن عرفة : هذا يؤخذ منه أن النبي غير مجتهد ؟ ~~فقال : الآيات هي القرآن والمعجزات ، وأما السنة كلها فلا تسمى آيات . قوله ~~تعالى : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام . . . } ~~. قيل لابن عرفة : إن المازري حكى في تعليقه عن الشعبي أن الفقيه إذا علم ~~من نفسه أنه ما في بلده من يصلح للفضل غيره فلا بأس أن يتسبب في الولاية ~~ويعطي عليها الأجرة والرشوة لولاة الأمر ؟ فأنكره ابن عرفة وقال : هذا من ~~أكل المال بالباطل والمشاركة فيه على الخطإ والذي أدركت القضاة عليه أن ~~بعضهم كان يتسبب في ذلك بالكلام فقط . وقد قسم المازري في شرح التلقين ~~القضاء على أربعة أقسام : مندوب ومكروه وحرام وواجب ، ولم يذكر هذا بوجه ~~ولو كان جائزا لذكره . قيل لابن عرفة : وقال المازري في تعليقه : إنه كان ~~ببلدهم مفتيان أحدهما يطلب الأجر على الفتوى ، والآخر لا يأخذ أجرة فأجاز ~~ذلك ( شيخنا ) عبد الحميد الصائغ ومنع ذلك الشيخ أبو الحسن علي اللخمي . ~~PageV02P554 فقال ابن عرفة : وكان بتونس الفقيه أبو علي ابن علوان يأخذ ~~الأجرة على الفتوى ممن يستفتيه . وحكى الشيخ أبو الحسن محمد البصريني قال : ~~أخبرني أبو العباس سيدي أحمد بن فرحون اليقربي أن رجلا من أصحابه كان يهدي ~~إليه كل عام خروفين وزنبيلين فولا ، وزيرين لبنا فيعطي لسيدي الشيخ الصالح ~~أبي محمد المرجاني نصف ذلك ويأخذ هو نصفه ، فجرت على الرجل مظلمة فتسبب له ~~الشيخ المرجاني في زوالها فأهدى ذلك العام للشيخ ابن فرحون ms212 مثله ما عادته ~~يهدي له فبعث نصفه للمرجاني كعادته فأمره أن يقبل منه مقدار العادة ويرد له ~~الزائد على ذلك . قوله تعالى : { بالإثم . . . } . إما مصاحبين للاثم أو ~~بسبب اقتراف الإثم ، أو بسبب الإثم . وجعل الإثم على هذا كأنه السبب في ذلك ~~الفعل تقبيحا له وتنفيرا منه . قوله تعالى : { وأنتم تعلمون } . تنبيها على ~~أن الجاهل لايناله ذلك ( أو ) أن ذلك لايقع إلا على هذه الصفة فلا يقع من ~~الجاهل بوجه . قوله تعالى : { يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ~~. . . } . أي عن حال الأهلة . وجمع الأهلة إما لتعددها بتعدد الأشهر أو ~~لاختلاف أحواله وإن كان واحدا فهو كالمتعدد . PageV02P555 قال ابن عطية : ~~الهلال ليلتان بلا خلاف ، وقيل ثلاث . الأصمعي هو هلال حتى يحجر ، ويستدير ~~له كالخيط الرقيق . وقيل : هو هلال حتى ( يعم ضوؤه ) السماء وذلك ليلة سبع ~~. وأنشد الآمدي شاهدا على ذلك لاختلاف أحواله . قال ابن عرفة : وجواب ~~السؤال في القرآن كله بغير ( فاء ) مثل { ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى } ~~ومثل { يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } { ويسئلونك عن ~~اليتامى قل إصلاح لهم خير } إلا قوله { ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي ~~نسفا } قال ابن عرفة : وعادتهم يجيبون بأن الكل أمور دنيوية فالسؤال عنها ~~ثابت واقع في الوجود / وقوله ( ويسئلونك عن الجبال ) فأمر أخروي والكفار ~~منكرون للبعث فالسؤال غير واقع لكنه مقدر الوقوع في المستقبل أي إن ( ( ~~يسألوك ) عن الجبال ) ، فهو جواب لشرط مقدر فحسنت فيه الفاء . PageV02P556 ~~قال ابن عرفة : وهذا على سبيل الإعراض عن الشيء والإقبال على غيره ، لأنهم ~~سألوا عن سبب تغيير الهلال ونقصه وزيادته في أيام الشهور ، فأجيبوا بالسبب ~~عن ذلك ونتيجته . وأن فائدة ذلك معرفة أوقات الناس ، وأوقات الحج ، أي ذلك ~~سؤال عما لا ( يعني ) فلا حاجة لكم بالجواب عنه ، وإنما حقكم أن تسألوا عن ~~نتيجته وهو كذا . قوله تعالى : { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها . . ~~. } . كانوا إذا حجوا واعتمروا يلتزمون أن لا يحول بينهم وبين السماء شيء ~~فيدخلون بيوتهم من خلفها ms213 ينقبون الحائط أو من سقفها أو يطلعون بسلم على ~~السطح فينزلون في وسط الدار ، وهذا عند ابتداء الدخول فإذا تكرر ذلك تركوه ~~. قوله تعالى : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم . . . } . قلت لابن ~~عرفة في الختمة الأخرى : قاتل مفاعلة لا يكون إلا من الجانبين فما الفائدة ~~في قوله ( الذين يقاتلونكم ) ومعلوم أنه لا يقاتل إلا من قتله ؟ فأجاب ~~بوجهين : الأول أنهم لا يقاتلون إلا من بدأهم بالقتال . PageV02P557 الثاني ~~: قول الله تعالى : { إن الله لا يحب المعتدين } هذا ( النفي ) يحتمل أن ~~يكون على الكراهة لأن عدم محبة الشيء لا يقتضي تحريمه لأن المحب هذا إما ~~مباح أو مكروه ) وإنما يدل على التحريم الذم على الفعل وعلى الوجوب الذم ~~على الترك . ويحتمل أن يكون هذا النهي ( على ) التحريم لأن النحاة قالوا : ~~إذا أردت مدح زيد قلت : حبذا زيد ، وإن أردت ذمه قلت : لا حبذا زيد ( فسموا ~~) نفي المحبة ( ذما ) . قوله تعالى : { واقتلوهم حيث ثقفتموهم . . . } . ~~هذا ( احتراز ) لأنه لما تقدم الأمر بقتال من قاتل أمكن أن يتوهم أنه لا ~~يقاتل إلا من قاتل ، فهذا إما نسخ له أو تخصيص . ابن عطية عن الطبري : ~~الخطاب للمهاجرين والضمير لكفار قريش . واختار ابن عطية أن الخطاب لجميع ~~المؤمنين ، أي أخرجوهم إذا أخرجوا بعضكم . قال ابن عرفة : يلزمه استعمال ~~اللفظ في حقيقته ومجازه . PageV02P558 قيل لابن عرفة : في ظاهر الآية تناف ~~لأن ( اقتلوهم حيث ثقفتموهم ) يقتضي الأمر باستئصالهم وعدم إحياء أحد ( ~~منهم ) فلا يبق للاخراج محل . وقوله : ( وأخرجوهم ) يقتضي إحياء بعضهم حتى ~~يتناوله الإخراج . فأجاب بوجهين : الأول منهما : أن الاستيلاء عليهم تارة ~~يكون عاما بحيث لا تبقى لهم ممانعة بوجه ، فهنا يقتلون وتارة يكون ( دون ) ~~ذلك بحيث يتولى المسلمون على وطنهم ( ويمتنعون ) هم منهم في حصن ونحوه ، ~~حتى لا يكون لهم قوة على المسلمين ولا للمسلمين قدرة على قتلهم فهنا ~~يصالحونهم على أن يخرجوا لينجوا بأنفسهم خاصة . انتهى . الثاني : أنهم ~~يخرجون أولا ثم يقتلون بعد الإخراج والواو لا تفيد رتبة ففي الآية التقديم ~~والتأخير . قال ابن عرفة : في الآية ms214 عندي إيماء إلى كون فعل الطاعة إذا ( ~~وافق ) غرضا دنيويا فلا يقدح ذلك فيه ولا ينقص ثوابه لقوله : { من حيث ~~أخرجوكم } . قلت : وتقدم لنا في الختمة الأخرى عن ابن عرفة أنه تقرر أن ~~الإمام مخير في الجهاد بين ثلاثة أشياء : إما القتل ، وإما الفدية وإما ~~الأسر ، والآية تقتضي تحتم القتل من غير تخيير . وأجاب بأنه قد يكون تخصيصا ~~. PageV02P559 قوله تعالى : { فإن قاتلوكم فاقتلوهم . . . } . وقرىء ( فإن ~~قتلوكم ) أي فإن قتلوا بعضكم أو فإن أرادوا قتلكم ، وقول الله جل جلاله : { ~~كذلك جزآء الكافرين } بعد أن قال { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه } فظاهره أن الكافرين ليس لهم ( جزاء إلا هذا ، مع أن جزاءهم ~~) PageV02P560 أن يقاتلوهم حيث ( ثقفوهم ) حتى يسلموا ، فيجاب بهذا إما ~~منسوخ أو مخصوص . قوله تعالى : { فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } . إما أن ~~يراد إن انتهوا عن الكفر فالله غفور رحيم { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف } وإن انتهوا عن قتالكم ، فالله غفور لكم في ترككم قتالهم ، ~~أو غفور لهم بالستر على نسائهم وعلى صبيانهم من كشفكم لهم وسبيكم ( إياهم ) ~~. قوله تعالى : { ويكون الدين لله . . . } . في الأنفال : { ويكون الدين ~~كله لله } وأجاب بعضهم : بأن هذه في قتال كفار قريش وتلك في قتال جميع ~~الكفار لأن قبلها { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } فالمراد ~~في آية البقرة ويكون الدين ( الذي ) هم عليه لله ودينهم بعض الدين لا كله ~~بخلاف آية الأنفال . قال ابن عرفة : هذا ( ينتج ) له العكس لأن الأمر بقتال ~~جميع الكفار يقتضي أن المراد صيرورة جميع الدين لله فلا يحتاج إلى التأكيد ~~بكل ، PageV02P561 والأمر بقتال بعضهم لا يقتضي ذلك فهو أحق أن يؤكد ( بكل ~~) . قوله تعالى : { الشهر الحرام بالشهر الحرام . . . } . ابن عطية : عن ~~ابن عباس ه وجماعة ( صد ) النبي عن البيت سنة ست ودخلها سنة سبع فنزلت آية ~~: ( الشهر الحرام ) الذي دخلتم فيه الحرم ( بالشهر الحرام ) الذي صدوكم فيه ~~عنه . وقال الحسن بن أبي الحسن البصري : سأله الكفار هل ms215 يقاتل في الشهر ~~الحرام ؟ . فقال : لا ، فهموا بالهجوم عليه فيه فنزلت ، أي هو عليكم كما هو ~~عليهم إن تركوا فيه القتال فاتركوه وإلا فلا . قال ابن عرفة : الأول : بناء ~~على أنهما شهران من سنتين ، والثاني : على أنه شهر واحد من سنة واحدة ~~وتعدده لأجل تعدد حالاته . قوله تعالى : { فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم } . PageV02P562 قال ابن عرفة : فاعتدوا اعتداء جائزا شرعيا فلا يجوز ~~لمن زني بأخته أو ابنته أن يزني بأخت الزاني أو ابنته . قوله تعالى : { ~~وأنفقوا في سبيل الله . . . } . قال ابن عرفة : ( هو عندي يتناول النفس ~~والمال ، أي أنفقوا ما يعز عليكم في سبيل الله ) لقول الزمخشري في غير هذا ~~: إن المفعول قد يحذف قصدا للعموم . ( قلت : أظنه ذكره في قوله تعالى { ~~فأما من أعطى واتقى } قوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة . . . ~~} . قل الزمخشري : الباء زائدة أي لا تجعلوا التهلكة آخذة بأيديكم مالكة ~~لكم ، والمعنى النهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله لأنه سبب الهلاك أو عن ~~الإسراف في النفقة حتى ( يفقر ) نفسه ويضيع عياله . قلت لابن عرفة : إن ~~أريد النهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله يكون في الآية دليل على أن الأمر ~~بالشيء ليس نهيا عن ضده إذ لو كان قوله { وأنفقوا في سبيل الله } ملزوما ~~للنهي عن ترك النفقة ( في سبيل الله ) لما احتيج إلى قوله { ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة } ؟ PageV02P563 فقال لي : إن قلنا إن الأمر يفيد ~~التكرار فيتم ما قلت ، وإن قلنا إنه لا يفيده فيقال إنه مطلق والمطلق يصدق ~~بصورة ، فمهما أنفق في سبيل الله ولو مرة واحدة كان ممتثلا . وأتى بالنهي ~~بعده ليفيد التكرار . قوله تعالى : { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } . أي ~~ببذل المال المتطوع ، أو يراد به الإحسان الذي في حديث القدر ( وهو أن تعبد ~~الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) وقوله { إن الله يحب المحسنين ~~} أبلغ من قوله إن الله ( مع ) ، لأن قولك : زيد يحب بني فلان أبلغ من قولك ~~زيد مع بني فلان لأنه قد ms216 يكون معهم ولا يحبهم ، قال الله تعالى { وهو معكم ~~أين ما كنتم . } قوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله . . . } . ( نقل ~~ابن عطية فيه أقوالا منها ) قيل : إتمامها أن يحرم بهما قارنا . ~~PageV02P564 قال ابن عرفة : فالواو بمعنى ( مع ) والظاهر أن الإتمام ~~الإتيان بالحج مستوفى الشرائط على كل قول . فإن فرعنا على أن الإحرام من ~~الميقات أفضل فإتمامه أن لا يتعدى الميقات إلا محرما وكذلك في كل أفعاله . ~~وذكر ابن عطية واجباته فأسقط منها طواف الإفاضة مع أنه فريضة إن تركه بطل ~~حجه ، ولا يجزيه عنه طواف القدوم متصلا بالسعي . قال ابن عرفة : وتقدم في ~~قول الفخر في المعالم : إن اللفظ إما أن يعتبر بالنسبة إلى تمام مسماه وهو ~~المطابقة أعتقد أن : أحدهما : قال ابن التلمساني التمام يشعر بالتركيب ، ~~فيخرج عنه البسائط كالنقطة والوحدة . وهو يوافق قول من فسر الإتمام بما هو ~~قبل الدخول ، وهو بأن تأتي بهما مفردين ( أو قارنا ) . الثاني : قلنا نحن : ~~أراد أن يحد المطابقة بحد التضمن إذ لا يتناول كلامه إلا الجزء الأخير الذي ~~يتم به المركب وهذا موافق القول بأن إتمامهما أن يتمهما بعد الدخول فيهما ، ~~ولا يفسخ عنهما حسبما نقله ابن عطية . قال ابن عرفة : وإن أريد الإفراد أو ~~القران فالآية دالة على وجوبهما بصيغة : افعل . PageV02P565 قوله تعالى : { ~~ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله . . . } . قال ابن عرفة : انظر هل ~~تدل على وجوب الحلق بالنص أو باللزوم . كان بعضهم يقول : إنه بالنص ولولا ~~ذلك لما ورد النهي عن الحلاق ( مقيدا ) ببلوغ الهدي محله . قوله تعالى : { ~~فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه . . . } . قال ابن عرفة : ( من رأسه ~~) صفة ( لأذى ) ولا يصح رجوعه للجميع كالاستثناء وسائر القيود إذا تعقب ~~جملا لأن المرض مبيح للرخصة مطلقا سواء كان بالرأس أو بغيره . قوله تعالى : ~~{ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج . . . } . قال ابن عرفة : أي إن وجد ~~من يسلفه ، فإن لم يجد من يداينه إلا بالربح لم تلزمه الفدية . وقرىء ( ~~فصيام ) بالنصب . قال أبو حيان : أي فليصم ms217 صيام أو فليلزم صيام . قال ابن ~~عرفة : عادتهم ( يعربونه ) منصوبا على ( الإغراء ) ، قيل له ذلك ( قليل ) ~~جدا . PageV02P566 أبو حيان : ( إذا رجعتم ) قيل العامل في ( إذا ) ( صيام ~~) ورده ابن عرفة : بأنه يلزم أن يكون صوم الثلاثة بعد الرجوع والفرض أنه ~~قبل الرجوع إلا أن يجاب بأن يكون مثل : عندي درهم ونصفه ، فالمعنى فيصوم ~~سبعة إذا رجع ، فيكون ( صيام ) عاملا فيه لفظا لا معنى . قيل ( له ) : ~~يلزمك على هذا الجواب العطف على عاملين ، وصيام سبعة ( إذا رجع ) بعطف ( ~~صيام ) على ( صيام ) ( وإذا ) على قوله ( في الحج ) . فقال : إنما هو عامل ~~واحد فقط . قلت : وقال الأستاذ أبو العباس أحمد بن القصار : ( العامل ) / ( ~~صيام ) ، كما قال أبو حيان باعتبار لفظ المطلق والمعنى يبنه كما تقول : ~~أكرم في الدار زيدا . أو في السوق عمرا أو لو لزم كون الثلاثة بعد الرجوع ~~لتناقضت الآية ولكان يلزم أن يكون السبعة في الحج لأنه كما ( تجعل ) إذا ~~رجعتم قيدا في صيام الجميع فاجعل ( في الحج ) أيضا قيدا في صيام الجميع . ~~هذا إذا جعلنا ( في الحج ) و ( إذا رجعتم ) متعلقين ب ( صيام ) . قال : ~~والصواب عندي غير هذا . وهو أن يكون ، ( إذا رجعتم ) صفة ل ( سبعة ) ، ~~فالسبعة ظرف زمان فيصح وصفها بظرف الزمان ويكون في الحج أيضا صفة ل ( ثلاثة ~~) . PageV02P567 قوله تعالى : { تلك عشرة كاملة . . . } . قال ابن عرفة : ( ~~أحد تفسيري ) ابن عطية بناء على أن أسماء الأعداد نصوص ، والآخر على أنها ~~ليست كذلك . وأورد الزمخشري هنا سؤالين : أحدهما عن الإتيان بالفذلكة وهي ~~لفظ ( تلك ) وأجاب بثلاثة أوجه . قال بعض الطلبة : فيبقى السؤال لأي شيء لم ~~يقل : فهي عشرة كاملة ؟ فقال ابن عرفة : ( تلك ) القصد بها التعظيم . قال ~~ابن عرفة : وعادتهم يجيبون بأن القاعدة أن الصوم المتتابع أعظم ثوابا من ~~المفرق ، فقد يتوهم بتفريقها أن ثوابها أقل من ثوابها لو كانت مجموعة ( ~~فأشار بقوله ( عشرة ) إلى أن ثوابها على هذه الصفة أعظم من ثوابها لو كانت ~~مجموعة فرعا عن أن ) يكون مثله ولذلك قال : ( كاملة ) . قيل لابن عرفة : ~~وأشار إليه مكي ms218 . PageV02P568 قال ابن عرفة : وعادة الشيوخ يحكون عن ابن ~~الحاجب أنه قال : في قول الأصوليين : إن عمومات القرآن كلها مخصوصة ( إلا ~~قوله : { والله بكل شيء عليم } أنهم كان ينبغي أن يمثلوه بآية تقتضي حكما ~~من الأحكام الشرعية ) كقول الله تعالى { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ~~الآية ونحوه . وكان الشاطبي يرد عليه بما إذا كان الولي مسلما والزوجين ~~مشركين فإن ظاهر عموم الآية المنع من إنكاحهما مع أنه جائز فيكون عمومها ~~مخصوصا ( بهذا ) . قيل لابن عرفة : هل المراد ولا تنكحوا المشركين المؤمنات ~~؟ فقال : هذا تخصيص . قال ابن عرفة : وهذه الآية عندي من العام الباقي على ~~عمومه إلا أن يجاب بأنه مخصوص بالمرض فإن المريض لا يقدر على الصيام ولو ~~كانت باقية على عمومها للزم في المريض أن يؤمر بالقضاء وليس كذلك . قال أبو ~~حيان : في الحج : في وقت الحج ، فيجوز عنده الصيام قبل أن يحرم بالحج وبعده ~~. وقيل : في وقت أفعال الحج فلا يجوز الصوم إلا بعد الإحرام . PageV02P569 ~~قال ابن عرفة : لا يحتاج إلى هذا لأن قوله ( في الحج ) يدل عليه لأن الحج ~~بذاته فعل والصوم فيه . قيل لابن عرفة : ليس الصوم فيه ؟ فقال : الحج بنفس ~~أن يحرم فيه ينسحب عليه حكمه ( فالثلاثة ) الأيام هي في الحج حكما . قوله ~~تعالى : { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام . . . } . قال ابن عرفة ~~: يؤخذ فيمن له أهل بمكة وأهل بغيرها . فقد قال الإمام مالك ه : إنها من ~~مشبهات الأمور يؤخذ منه أن حكمه حكم الحاضر بدليل قول ( مالك ) في المسافر ~~: إذا سافر ومر ببلد له فيها أهل فإنه يتم الصلاة كالمقيم . قوله تعالى : { ~~واعلموا أن الله شديد العقاب } . دليل على أن الطلب المتقدم قبل هذا كله ~~للوجوب . قوله تعالى : { الحج أشهر معلومات . . . } . ابن عطية : أي وقت ~~الحج أشهر . ابن عرفة : أو الحج ذو أشهر كقولهم : زيد عدل أي ذو عدل . ابن ~~عرفة : وعادتهم يوردون في هذا تشكيكا وهو أن هذه القضية ، إما صادقة أو ~~كاذبة وكلاهما باطل ، أما بطلان الثاني فظاهر PageV02P570 وأما الأول ~~فلأنها ms219 إذا كانت معلومة كان الإخبار بها غير مفيد إذ هو تحصيل الحاصل كقولك ~~هذا ( الشهر ) معلوم . والجواب أن المعلوم قسمان : باق على أصله ومعلوميته ~~لم يقع فيه ( تغيير ) بوجه ، ومعلوم غير عن وضعه وهذا منه ، كما قالوه في ~~النسيء : فإنهم كانوا ( يؤخرون ) المحرم لصفر ويجعلونه كذلك عاما بعد عام ~~حتى كانت حجة أبي بكر ه في ذي القعدة سنة تسع ، وحجة سيدنا رسول الله أعني ~~حجة الوداع في ذي الحجة ولذلك قال في خطبته : ( إن الزمان قد استدار كهئته ~~يوم خلق الله السماوات والأرض ) فاقتضت الآية أن ( الحج ) هو الأشهر ~~المعلومات ( الأصلية ) التي ليس فيها ذلك ( التغيير ) . ( والجواب الثاني ) ~~بأن فائدة ذلك التنبيه على هذه الأشهر المعلومة بالحج كما هو في شرع من ~~قبلنا هي في شرعنا . ورده ابن عرفة بأن اللفظ لا يقتضى ذلك . قال ابن عرفة ~~: فإن قلت : ما فائدة ( العدول ) عن الحقيقة إلى المجاز في الإخبار بظرف ~~الزمان عن المصدر مثل : زيد عدل ؟ PageV02P571 فأجاب عن ذلك بأن عادتهم ~~يقولون : ( فائدته ) التنبيه على مفارقة الصلاة / فإن الصلاة الفائتة تقضى ~~في غير وقتها ، والحج لا يقضى إلا في هذه الأشهر فجعلت كأنها هي نفس الحج ~~لملازمته لها . قال ابن عطية : وأشهر الحج ، شوال ، وذو القعدة ، وعشر ذي ~~الحجة ، حكاه الشيخ ابن حبيب عن الإمام مالك ه وترك قولين آخرين في المذهب ~~: أحدهما : أنه شوال وذو القعدة وذو الحجة ، والثاني أنه شوال وذو القعدة ~~وعشر ذي الحجة وأيام الرمي . قوله تعالى : { فمن فرض فيهن الحج . . . } . ~~نقل الفخر في المحصول عن أبي الدبوسي من ( الحنفية ) : أن الفرض ما نشأ عن ~~دليل قطعي لأنه مأخوذ من الفرض في ( الخشبة ) ، والواجب ما نشأ عن دليل ( ~~ظني ) لأن الوجوب في اللغة السقوط . قال الله تعالى { فإذا وجبت جنوبها ~~فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر } ولذلك يقولون : هذا واجب وجوب السنن ~~ولا يقولون : هذا فريضة فرض السنن . PageV02P572 قال ابن عرفة : فإن قلت لم ~~أعيد لفظ الحج مظهرا ، وهلا قيل : فمن فرضه فيهن ؟ فأجاب عن ذلك بأنه ms220 لو ~~قيل كذلك لكان فيه عود الضمير على اللفظ لا على المعنى مثل : عندي درهم ~~ونصفه لأن الحج الأول مطلق يصدق بصورة فيتناول حج زيد وعمرو بالتعيين ~~الواقع منهما وحجمها القابل لأن يفعلاه . وقول الله جل جلاله : { فمن فرض ~~فيهن الحج } مقيد بحج كل واحد واحد بعينه ، والشخص المعين ( حجه مقيد لا ) ~~مطلق ، فلذلك أعيد لفظ الحج مظهرا فيتناول الفرض والتطوع . قيل لابن عرفة : ~~ما الفرق بين ( جواز تقديم ) إحرام الحج على أشهر الحج ومنع تقديم إحرام ~~الصلاة على وقتها ؟ فقال : الإحرام قسمان منقطع ومستصحب ، فالمنقطع كتكبيرة ~~الإحرام والمستصحب النية ، فالنية يصح تقديمها على الوقت لأنها لايزال ~~حكمها منسحبا على المصلي في جميع أجزاء صلاته ولا يصح تقديم تكبيرة الإحرام ~~لانقطاعها بالفراغ منها ، ونظيره هنا السعي ، لا يجوز تقديمه على أشهر الحج ~~. وأما نية الإحرام والتوجه فهو مستصحب فيصح تقديمه على أشهر الحج . وفرقوا ~~بين إحرام الصلاة وإحرام الحج بأن إحرام الصلاة متيسر | ( لا مشقة ) فيه ~~فامتنع تقديمه وأمر المقدم له بإعادته واعتقاد وجوبه بخلاف إحرام الحج . ~~قوله تعالى : { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج . . . } . PageV02P573 ~~نقل ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية عن الإمام مالك رضي لله عنه : إن ~~أقل الجمع اثنان ، وقال الباجي في الفصول : المشهور عن مالك وعن أصحابه أن ~~أقل الجمع ثلاثة إلا ابن خويز منداد فإنه قال أقله اثنان . واحتج الأولون ~~بقوله : { وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا ~~لحكمهم شاهدين } وأجيب باحتمال أن يريد بالضمير الفاعل والمفعول معا ، أي ~~الحاكم المحكوم عليه . ورده ابن التلمساني بإلزام كون الضمير فاعلا ومفعولا ~~في حالة واحدة فيكون مرفوعا منصوبا ، انظر المسألة الخامسة من الباب الثالث ~~. قوله تعالى : { فلا رفث ولا فسوق . . . } . قال أبو حيان : قرأ الأعمش ~~رفوث . PageV02P574 قال ابن عرفة : هو إما جمع بناء على أن جمع المصدر إذا ~~اختلفت أنواعه إما قياسا كما قال ابن عصفور أو سماعا كما قال ابن أبي ~~الربيع وابن هشام ، وإما مفردا . قلت : مثل قعود ms221 ووقوف وكقولك : أقل أفولا ~~، ولزم لزوما ، والجمع كالحلوم وأما ( رفث ) فمثل قولك وجل وجلا وخجل خجلا ~~. قوله تعالى : { وما تفعلوا من خير يعلمه الله . . . } . إن قلت : المتقدم ~~نهي وامتثاله بالترك كما أن امتثال الأمر بالفعل ، فهلا عقب بأن يقال : وما ~~تتركوا من شيء يعلمه الله ؟ قيل لابن عرفة : نقول إن الترك فعل ؟ فقال : ~~البحث على أنه غير فعل . قال : وإنما الجواب بما قال ابن الحاجب من أن نقيض ~~الجلي ( جلي ) ، ونقيض الخفي خفي فالإخبار بأن الله تعالى يعلم الفعل ~~يستلزم معرفته نقيض ذلك وهو الترك وإنما عدل على التنصيص على ذلك بالمطابقة ~~إلى دلالة الالتزام ليفيد الكلام أمرين ، وهو الحض على عدم الاقتصار على ~~ترك ذلك فقط فيتضمن طلب تركه وطلب تعويضه بفعل الخير المحصل للثواب فإنه ~~تعالى عالم بمن يترك ذلك ويفعل الخير فنبه على الترك والفعل . قوله تعالى : ~~{ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم . . . } . سبب نزول هذه الآية ~~أنهم كانو يتوهمون أن سفر الحاج إذا خالطته نية التجارة ينقص من ثوابه أو ~~يوقع في الإثم ، فنزلت PageV02P575 الآية . وقوله ( من ربكم ) دليل على أن ~~المراد التجارة بالمال الحلال أما الحرام فلا . قيل لابن عرفة : كله من ~~الله ؟ فقال : أما باعتبار القدرة فنعم ، وأما باعتبار الإذن فلا ، والآية ~~خرجت مخرج الإذن ورفع الحرج . ابن عطية : الجناح أعم من الإثم لأنه فيما ~~يقتضي العقاب وفيما يقتضي العقاب والزجر . قال ابن عرفة : والنفي ب ( ليس ) ~~لما يتوهم وقوعه والإثم كان متوهما وقوعه في سفر الحج للتجارة بخلاف النفي ~~ب ( لا ) . حسبما ذكره المنطقيون في السالبة والمعدومة ، مثل : الحائط لا ~~يبصر ، وزيد ليس يبصر ، أو غير بصير . قوله تعالى : { فإذآ أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله . . . } . ذكر الزمخشري هنا أن التاء في ( بنت ) ليست للتأنيث ~~. قال ابن عرفة : يقال له بل للتأنيث لأن المذكر ( ابن ) المؤنث ( بنت ) ~~وعادتهم يجيبون بأن تاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا كفاطمة . أبو ~~حيان : منهم من قال : العامل في ( إذا ) ( فاذكروا ) قال ( وأخذ ) من الآية ms222 ~~أن جواب ( إذا ) لا يعمل فيها لأن مكان إنشاء الإفاضة غير مكان الذكر فإذا ~~اختلف المكان لزم منه ضرورة اختلاف الزمانين فلا يجوز أن يكون الذكر عند ~~المشعر الحرام واقعا عند انشاء الإفاضة . PageV02P576 قيل لابن عرفة : نقول ~~: إنه يذكر الله تعالى عند آخر أزمنة انفصاله من عرفات إلى المشعر الحرام ، ~~فقال : هذا صحيح لو لم يكن بين المكانين فاصل ، وإنما الجواب الذي عادتهم ~~يقولونه : إنك تقول إذا قدم زيد من سفره فاكرمه بعد قدومه بيوم ، فالعامل ~~في ( إذا ) هو أكرمه مع اختلاف الزمان . قال : عادتهم يقولون : ليس العامل ~~في إذا أكرمته بذاته ، بل لاستلزامه معنى فعل آخر يصح عمله تقديره : إذا ~~قدم زيد فاعلم أنك مكلف بإكرامه بعد قدومه بيوم ، وكذلك ( تفهم ) هذه الآية ~~فلا يتم لأبي حيان الرد بهما على من يقول العامل في ( إذا ) جوابها . قوله ~~تعالى : { واذكروه كما هداكم . . . } . الأول : ذكر الحج ، والثاني : ذكر ~~مطلق ، فهو تأسيس لا تأكيد وقوله : ( كما هداكم ) الكاف إما للتعليل مثل : ~~{ وأحسن كمآ أحسن الله إليك } قوله تعالى : { وإن كنتم من قبله لمن الضآلين ~~. . . } . قال ابن عرفة : إن قلت هذا تأكيد لأن الهداية تستلزم تقدم الضلال ~~لها . فالجواب أنه إنما ( كان ) يكون تأكيدا ( أن ) لو قيل : وإن كنتم من ~~قبله ضالين . وهذا أخص لأن قولك : زيد من الصالحين أخص من قولك : زيد صالح ~~. PageV02P577 قاله الزمخشري في قول الله تعالى { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لندخلنهم في الصالحين . } قوله تعالى : { ثم أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس . . . } . قال أبو حيان : ( ثم ) قيل إنها للترتيب في الذكر لا في ~~الزمان لتعذره وهذا على ( الإفاضة ) من عرفات وقيل بمعنى الواو . قال ابن ~~عرفة : لا فرق بينهما لأن الواو كذلك هي أيضا للترتيب في الذكر فالمقدم ~~فيها مقدم في اللفظ لا في المعنى . قيل لابن عرفة : إنما يريد النحويون ~~بذلك الذكر القلبي بمعنى : أنه لم يستحضر أولا غير ( الأول ) من المعطوفين ~~فلذلك بدأ به فلما نطق به استحضر الآخر وهذا مستحيل في الآية . وذكر ~~الزمخشري أن ( ثم ) هنا ms223 لبعد ما بين الإفاضتين وأن إحداهما صواب والأخرى ~~خطأ كما تقول : أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم . قال ابن عرفة : ~~فإن قلت : هلا ( قال ) ثم أحسن إلى الكريم فيعطف الأمر على الأمر فهو أولى ~~من عطف النهي على الأمر . فأجاب بأنه أراد تحقيق كونها لبعد ما بين الصواب ~~وهو الإحسان إلى الكريم والخطأ وهو الإحسان إلى غير الكريم ولو أتى بالكل ~~أمرا PageV02P578 لكانت ( ثم ) بين الجائز والأولى ( ولم ) تكن صريحة في ~~البعد والتفاوت . ( وزاد ) أبو حيان قولين : أحدهما : أنها للترتيب الزماني ~~والإفاضة ( من ) جمع . والآخر : أنها على بابها من الترتيب . وفي الكلام ~~تقديم وتأخير أي واتقون يا أولي الألباب ثم أفيضوا . قال ابن عرفة : والفرق ~~بين القولين ( الأولين ) عندي أن يريد بقوله ( ثم ) هنا ، قيل للترتيب في ~~الذكر ، إنها في هذه الآية خاصة بمعنى الواو ، وبالقول الثاني : إنها بمعنى ~~الواو مطلقا والله أعلم . قال ابن عرفة : وعادتهم يقولون : إنها للتراخي ~~والمهلة فهي على بابها ، والمهلة فيها بين الذي يليها فقط والذي يليها هو ~~معطوف على ما قبله بالواو والمشهور في الواو أنها للجمع من غير ترتيب ولا ~~مهلة ، فتكون الجملة الموالية ل ( ثم ) مراد بها التقديم . والتقدير : ( ~~فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله كما هداكم ) ( ثم أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس ) و { واذكرا الله عند المشعر الحرام } . قال ابن عرفة : وهذا معنى ~~سادس لم يذكروه ، وهو الذي ( ينبغي ) حمل الآية عليه . والله أعلم . ~~PageV02P579 وقول الله تعالى : { من حيث أفاض الناس } قرأ ابن جبير ( ~~الناسي ) . أبو حيان : والألف واللام قيل للعهد وقيل للجنس فالعهد يريد آدم ~~عليه السلام . ( قال ) ابن عرفة : كونها للجنس ( إما ) أن يريد الناسي في ~~الحج أو بالإطلاق . فالناسي في الحج لا إفاضة له لأنه نسي الإفاضة فلا يصح ~~أمرنا له بالإفاضة من حيث أفاض الناس وإن أراد الناسي مطلقا ، وهو الذي نسي ~~غير هذا أي من حيث أفاض الذي من شأنه النسيان فباطل أيضا ، لأن ترتيب الحكم ~~على الاسم ( المشتق ) ( يشعر ) بمناسبة معناه للحكم ms224 ، وعلته له فإذا قلت . ~~أكرم زيدا المصلي ، فإكرامه إنما هو لصلاته لا لصدقته . قال ابن عطية : ~~ويجوز عند بعضهم حذف الياء . قال : فأما جوازه في العربية فذكره سيبويه ~~وأما جوازه مقروءا به فلا أحفظه . PageV02P580 قال ابن عرفة : وهذا غير ~~صحيح كيف يقول : لا أحفظه وهو شأن الزوائد في القرآن في الاسم والفعل ، قال ~~الله تعالى { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه } وقال أيضا { قال ذلك ما كنا ~~نبغ } فقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة : ( يأت ) ( ونبغ ) بحذف الياء وصلا ووقفا ~~. | وتعقبه أبو حيان بأن سيبويه لم يجزه إلا في الشعر وجوزه الفراء . قال ~~ابن عرفة : وعادتهم يقولون : لم عدل في الآية عن دلالة المطابقة وهي حقيقة ~~إلى دلالة الالتزام ، وهي مجاز ، فعبر بالإفاضة المستلزمة للوقوف ، وهلا ~~عبر بالوقوف نفسه فيقول : ثم قفوا من حيث وقف الناس ، فما السر في ذلك ؟ ~~قال : وعادتهم يجيبون عن ذلك بأن قريشا كانوا لا يخرجون من الحرم لشرفه ~~ويرون الخروج عنه موجبا للوقوع في الإثم ، ( ويقفون بالمشعر الحرام ، فأتت ~~الآية ردا عليهم وتنبيها على أن الخروج هنا لاينقص أجرا ولا يوقع في الإثم ~~) ثم إن الإتيان إلى المحل الشريف من PageV02P581 المحل البعيد مشعر بنهاية ~~تعظيمه وكمال تشريفه ، فقصد التنبيه على الحكم مقرونا بعلته ، وهذا هو ~~المذهب الكلامي عند البيانيين . ولو قيل : ثم قفوا ، لما أشعر بالانتقال ~~والرجوع من الحل إلى الحرم بعد الخروج منه ، فعبر بالإفاضة التي من شأنها ~~أن لاتكون ( إلا بعد ) وقوف لإشعارها بالانتقال من المحل البعيد وهو عرفة ~~لأنه في الحل إلى هذا الحرم الشريف تكريما له وإجلالا ، فالإفاضة مستلزمة ~~للرجوع إلى الحرم ، ومشعرة بالوقوف المستلزم للخروج من الحرم إلى الحل . ~~قيل لابن عرفة : أو يجاب بأنه عبر بالإفاضة للمناسبة بينه وبين لفظه في أول ~~الآية والله أعلم . قوله تعالى : { فإذا قضيتم مناسككم . . . } . المراد : ~~القضاء المطلق اللغوي وهو فعل ( العبادة ) سواء كان في وقتها أو بعد وقتها ~~، أي إذا فرغتم من حجكم . قوله تعالى : { كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا . . . ~~} . PageV02P582 الأشدية إما في ms225 القدر أو باعتبار حضور النية فالمراد إما ~~الإكثار من ذكره أو كمال الحضور والإخلاص في ذكره . وفي إعرابه ستة أوجه . ~~قال الزمخشري : ( أشد ) معطوف على ما أضيف إليه الذكر في قوله { كذكركم ~~آبآءكم } . PageV02P583 قال الطيبي : وضعفه بعضهم لأن فيه العطف على ( ~~المضمر المخفوض ) من غير أعادة الخافض . قال ورد قراءة من قرأ { تسآءلون به ~~والأرحام } بالخفض أقبح رد . قال ابن عرفة : وهذا إما كفر أو معصية لأنها ~~قراءة حمزة . قال ابن عرفة : ومنهم من فرق بين العطف على الضمير المجرور ~~بالحرف وبين العطف على المخفوض ( بالإضافة ) فأجاز العطف على المضاف من غير ~~إعادة الخافض . قال الزمخشري : كما تقول ( كذكر ) قريش آباءهم أو قوما أشد ~~منهم ذكرا . قال : ويكون ( أشد ) في موضع نصب عطفا على ( ( آباءكم ) أو أشد ~~ذكرا ) من آبائكم على أن ( ذكرا ) من فعل المذكور . واختلف في تفسيره فقال ~~أبو حيان : معناه أنك إذا عطفت ( أشد ) على ( آباءكم ) كان التقدير : أو ~~قوما أشد ذكرا من آبائكم فالقوم مذكورون والذكر الذي هو ( تمييز ) ( بعد ) ~~أشد PageV02P584 هو من فعلهم أي وفعل القوم المذكورين لأنه جاء بعد أفعل ~~الذي هو صفة للقوم أي أو قوما أشد ذكرا من ذكركم لآبائكم . قال ابن عرفة : ~~فمعناه عنده أو كذكركم قوما ذاكرين الله بذكر هو أشد ذكرا ، أي بذكر هو أشد ~~من الأذكار التي تذكرون بها آباءكم ، فجعل القوم المذكورين ذاكرين وهو بعيد ~~. وقال الطيبي : أراد الزمخشري أن معناه كذكركم قوما مذكورين بذكر هو أشد ~~ذكرا ، فقوما مفعول وأشد صفة ، فوصفوا بالأشدية من حيث كونهم مذكورين أي ~~كذكركم قوما ذكرتموهم بذكر هو أشد ذكرا . قال ابن عرفة : واعلم أن ( أفعل ( ~~من ) ) إن انتصب تمييزها كانت من صفته وإن انخفض كانت من صفة الاسم الذي ( ~~جرت ) عليه . تقول : زيد أحسن عبدا بالنصب ، أي زيد يملك عبدا أحسن من عبيد ~~غيره . وأن خفضت كان معناه : أن زيدا في نفسه أحسن عبيد الله تعالى . ففي ~~الآية هنا على كلام التفسيرين جعل للذكر ذكر مبالغة مثل جد جده وشعر ms226 ( شعره ~~) أي ذكرا شبيها بذكر آبائهم أو ذكرا أشد ، فالأشدية من صفة ذكر المتأخر ~~وهو غير الأول فيكون الذكر ذكر مبالغة . فالحاصل أن معناه عند أبي حيان : ~~أو كذكركم قوما ذاكرين الله بذكر ذلك الذكر أشد ذكرا ، أي ذلك الذكر كله ~~ذكر أشد من الأذكار التي يذكرون بها آباءهم . PageV02P585 ( وعند الطيبي : ~~المعنى أو كذكركم قوما ذكرتموهم ، فذكر له ذكر أشد من غيره من الأذكار التي ~~تذكرون بها آباءكم ) . فقول الزمخشري : على أن ( ذكرا ) من فعل المذكور هو ~~عند أبي حيان ( الفعل ) وعند الطيبي الفعل الاصطلاحي النحوي وكلام . الطيبي ~~أصوب لأن ( التشبيه ) بالقوم إنما هو من حيث كونهم مذكورين بأشد الأذكار لا ~~من حيث كونهم ذاكرين بأشد الأذكار . قال ابن عرفة : وهذه مسألة طويلة ( ~~عويصة ) ما رأيت من يفهمها من الشيوخ إلا الشيخ ابن عبد السلام ، والشيخ ( ~~ابن الحباب ) . وهكذا كانا يقررانها وما قصر الطيبي ( فيها ) ( وهو الذي ~~كشف القناع عنها و ( تكلم عليها ) هنا وفي قول الله تعالى في النساء { ~~يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية } وكلامه في تلك الآية هو الذي حمل ~~التونسيين على نسخه لأني كنت عند ابن عبد السلام في السقيقة لما قدم الواصل ~~بكتاب الطيبي فقلت له : ننظر ما قال في ( أشد خشية ) فنظرناه فوجدنا فيه ~~زيادة على ما قال الناس فحض الشيخ إذاك على نسخه . PageV02P586 قلت : ولما ~~( حد ) ابن الصائغ ( المصدر ) في بابه استشكل نصب ( ذكرا ) في الآية لما ~~تقدم من أن ( التمييز ) المنتصب بعد افعل سواء بدأ ( غير ) الموصوف بها مثل ~~: زيد أفضل الناس أبا ، ف ( أشد ) في الآية صفة للذكر ثم أجاب بأنه كقولك : ~~زيد أفضل الناس رجلا وعبدا ، ومعناه عند سيبويه أفضل الناس إذا وصفوا رجلا ~~رجلا ، وليس المراد أن عبده أو ( رجله ) أفضل الناس ، فمعنى الآية أشد ~~الأذكار إذا ( صنفت ) ( ذكرا ) في الآية تمييز أو حال والأكثر في مثل هذا ~~أن تضاف إليه افعل لكنه لتقدم الذكر قبله قد يجوز مثل : زيد أفضل الناس ~~رجلا . قال : ويمكن أن يكون ( ذكرا ms227 ) مصدرا ل ( اذكروا ) فقدمت صفته وهو ( ~~ذكر ) فانتصب على الحال . والممعنى : واذكروا الله ذكرا كذكركم آباءكم ، ~~وأطال الكلام بما هذا حاصله . قلت : وعلى هذا لا يحتاج فيه إلى المجاز الذي ~~في : جد جده وشعر شعره . وبالله التوفيق . قال ابن عرفة : هذه الآية نص في ~~( أن ) الأمر بالشيء نهي عن ضده لأنهم قالوا : سبب نزولها أن قريشا الحمس ~~كانوا PageV02P587 يجتمعون بعد الإفاضة من عرفات فيفتخرون بأنسابهم فنزلت ~~الآية ردا عليهم فكان الأصل أن يقال : فإذا قضيتم مناسككم لا تفتخروا ~~بآبائكم . لكنه لو قيل ذلك لاحتمل أن يسكتوا ولا يتكلموا بشيء ويتحدثوا في ~~أخبار الأوائل فيما ليس بذكر ولا فخر فأمرهم الله تعالى بذكر حتى يتناول ~~النهي عن الاشتغال بجميع أضداده المنافية له . قال ابن عرفة : و ( أو ) في ~~قوله ( أو أشد ) للتفصيل فمن هو كثير الشغل والشغب فذكره كذكر آبائه ومن هو ~~خالي البال يعني الخاطر فذكره أشد ذكرا ويزيد ما استطاع . قوله تعالى : { ~~فمن الناس من يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الأخرة من خلاق } . قال ~~ابن عطية : سببها أنهم كانوا في الجاهلية يدعون في مصالح الدنيا فقط إذ ~~كانوا لا يعرفون الآخرة فنهو عن ذلك . قال ابن عرفة : فتقدير ( السببية ) ~~على هذا إما أنهم نهوا عن الاقتصار ( في الدعاء ) بمصالح الدنيا فقط وأمروا ~~بالشعور بالآخرة واستحضار وجودها . قال : ويحتمل ( تقدير ) السببية بوجهين ~~آخرين . أحدهما : أن في الآية اللف والنشر من ( يقول ربنآ آتنا في الدنيا ) ~~راجع PageV02P588 لقوله ( كذكركم آبآءكم ) وقوله تعالى { ومنهم من يقول ~~ربنآ آتنا في الدنيا حسنة } راجع إلى قوله ( أو أشد ذكرا ) . قيل لابن عرفة ~~: ( يعكر ) عليه قوله ( وما له في الأخرة من خلاق ) ( يدل على أنه كافر ~~فيكف يذكر الله كذكره أباه ؟ فقال : قد تقرر أن ( وما له في الأخرة من خلاق ~~) ( معتبر ) بأمرين لأن الواو فيه واو الحال فيحتمل أن يراد أنه في نفس ~~الأمر ليس له نصيب في الآخرة ، ويحتمل ( أن ) يريد من الناس المؤمنين من ~~يطلب أمور الدنيا ، ولم يتعلق ms228 له بال بطلب الثواب في الآخرة عليه ، فقد ~~يعمل العمل الصالح ، ويطلب المعونة عليه ، ولم يخطر بباله طلب الثواب عليه ~~في الآخرة بوجه ( أو بطلب الرزق الحلال من نعيم الدنيا ومستلذاتها ، ويصرفه ~~في وجهه وهو مع ذلك طائع ، ولا يتشوق إلى طلب الآخرة بوجه ) بل ( يغفل ) عن ~~ذلك . الوجه الثاني في تقرير السببية : أنه لما تقدم الأمر بذكر الله عقبه ~~بهذا تنبيها على أن من الناس من لا يمتثل هذا الامر ولا يقبله ، ومنهم من ~~يمتثله ويعمل بمقتضاه فهو الذي يقول : { ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الأخرة حسنة } أو يرجع إلى القبول والأجر . وتقرر أن القبول أخص ، فمن ~~الناس من يفعل العبادة فلا يجزيه ويخرجه من عهدة التكليف فقط ولا يثاب ~~عليها كمن يصلي رياء ومنهم من يفعلها بالإخلاص ونية فتقبل منه ، ويثاب ~~عليها في الدار الآخرة . PageV02P589 قال ابن عرفة : وعادتهم يختلفون في ~~الألف واللام في ( الناس ) فمنهم من كان يقول إنها للعهد والمراد بها الناس ~~الحجاج ( ومنهم من جعلها للجنس فعلى أنها للعهد يكون التقسيم مستوفيا لأن ~~الحجاج ) لا بد أنهم يدعون إما بأمر دنيوي أو بأخروي ( وعلى أنها للجنس ~~لايكون مستوفيا ) لأن بعض الناس قد لا يدعون بشيء أصلا لا دنيوي ولا أخروي ~~. قيل لابن عرفة : وكذلك على أنها للعهد لأن بعض الحجاج يدعو أيضا بأمر ~~الآخرة فقط ؟ . . . قال أبو حيان : ومفعول ( آتنا ) الأول محذوف . ق ابن ~~عرفة : هذا أحد القولين فيها ، وفيها قول آخر بأن الفعل المتعدي إذا ضمن ~~المجرور الذي بعده معنى آخر تصح نيابته مناب المفعول . و ( في ) هنا يتضمنه ~~معنى كقولك : أكلت من الرغيف . قوله تعالى : { وفي الأخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار } . ضعف الشيخ أبو حيان العطف هنا للفصل . وأجاب بعض الطلبة بأن ( ~~حسنة ) مفعول صريح وفي الآخيرة مجرور مؤخر في المعنى ، فتقديمه يصيره فاصلا ~~. فقال ابن عرفة : لا يضر ذلك عندهم . وأنا فيه عندي أنه نعت نكرة تقدم ~~عليها فصار حالا والحال صفة في المعنى ، وإذا كان صفة فالفصل ( به ) جائز ~~لأنه ms229 جزء من الموصوف أو كالجزء . ونظيره PageV02P590 ( من ) الآية التي مثل ~~بها . قال : ( وما يجيء ) ( تمثيل ) الفصل إلا بقوله تعالى { فبشرناها ~~بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب } بالنصب على قراءة حمزة وأما قوله تعالى { إن ~~الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل } فالفصل هنالك بالظرف ( وهي ) جملة معطوفة على جملة . قوله تعالى : ~~{ أولئك لهم نصيب مما كسبوا . . . } . راجع للفريقين فمن طلب الدنيا لها ~~وكذلك الآخرة . قوله تعالى : { والله سريع الحساب } . قال ابن عطية : قيل ~~لعلي كيف يحاسب الله العباد في يوم ؟ فقال ( كما يرزقهم في يوم ) . قل ابن ~~عرفة : كما يفهم أن العرض لا يبقى زمنين والقدرة صالحة إلى الإمداد بعرض ~~آخر فكذلك القدرة صالحة ( لأن ) PageV02P591 يخلق لله في نفس كل واحد ~~الإخبار بما له وما عليه ( فيخبرون ) بذلك في زمن واحد . وهذا أمر خارق ~~للعادة ولا يمكن قياسه على الشاهد . قوله تعالى : { واذكروا الله في أيام ~~معدودات . . . } . الأمر إما خاص ( بالحاج ) أو عام لأن سائر الناس أيضا ~~يكبرون في تلك الأيام غير أن الحجاج يكبرون في كل النهار وغيرهم يكبر دبر ( ~~كل ) صلاة فقط ، وقد كان عمر يرفع صوته بالتكبير في ( خبائه ) فيكبر من ~~خلفه ثم يكبر الناس كلهم حتى ( يسمع ) التكبير من مكة . ( وقيل ) هل الأمر ~~للوجوب أو للندب ؟ قال : إن أريد مطلق الذكر فهو للوجوب وإن أريد الذكر ~~الخاص في الوقت الخاص فهو للندب ، وأما للاباحة ( فلا ) . وقوله ( معدودات ~~) أخذوا منه أن الواحد عدد لأنه جمع مفرده معدود . وأجيب بأن الشيء في نفسه ~~ليس كهو مع غيره فالمجموع عدد والبعض غير عدد . قوله تعالى : { فمن تعجل في ~~يومين فلآ إثم عليه } . PageV02P592 ( تؤول ) بأمرين إما نفي للإثم حقيقة ~~أو إثبات الأجر له والثواب ( لأن الثواب ) كان حاصلا ( بالإقامة ) لأن ~~الذكر معلوم أنه يحصل الثواب فما يبقى إلا توهم الوقوع في الإثم هنا ( لما ~~كان ) الجاهلية يعتقدون . ( فنفي ) ما يتوهم وبقي ما عداه ثابتا بالأصالة ~~وهو حصول الثواب على الذكر . قيل لابن عرفة : والآية ms230 تدل على ترك العمل ( ~~بمفهوم ) العدد لأن مفهومها أن المتعجل في أقل من يومين مأثوم ، مع أن ~~التأخير سنة وتارك السنة غير مأثوم ؟ فقال : إما أن نفرع على أن تارك السنن ~~متعمدا مأثوم وتقدم نظيره في الوتر ، أو نقول : معنى ( لا إثم ) أي له ~~الثواب . قيل للامام : ففيه حجة للقائل بأن تارك السنن متعمدا مأثوم ؟ قال ~~: لا حجة فيه لاحتمال أن يراد بنفي الإثم حصول الثواب . قوله تعالى : { ~~واعلموا أنكم إليه تحشرون } . في ظاهره دليل على أن الحشر بإعادته هذه ( ~~الأجساد ) بعينها . قيل لابن عرفة : وفيه دليل على ذم التقليد ؟ فقال : ~~يقال الحاصل للمقلد علم لا ظن . PageV02P593 قوله تعالى : { ومن الناس من ~~يعجبك قوله . . . } . حكى ابن عطية في سبب نزولها ثلاثة أوجه : إما أنها ~~عامة في كل من أبطن الكفر وأظهر الإسلام ، وإما أنها خاصة بقوم من ~~المنافقين تكلموا في قوم من المؤمنين استشهدوا في غزوة الرجيع . وإما أنها ~~خاصة بالأخنس بن ( شريق ) . قال أبو حيان : و ( من ) إما موصولة بمعنى الذي ~~أو نكرة موصوفة . قال ابن عرفة : إعرابها نكرة مناسب للقول بعموم الآية في ~~كل منافق ، وإعرابها موصولة مناسب للقولين الآخرين لأجل العهد الذي في ~~الصلة فيقتضي تقدم معهود على ( الخصوص ) ويكون تعجبك ماضيا في المعنى ( أي ~~) بفلظ المضارع للتصوير والتحقيق كأنه مشاهد وعلى العموم فهو مستقبل حقيقة ~~. قوله تعالى : { في الحياة الدنيا } . إما متعلق ب ( يعجبك ) أو ب ( قوله ~~) . وعادتهم يوردون عليه سؤالا وهو أنه إن تعلق ب ( يعجبك ) كان الكلام غير ~~مفيد لأنه معلوم لأن الإعجاب منه إنما هو في الدنيا ، ولا يقع في الآخرة ~~فهو تحصيل الحاصل ، وإن تعلق ب ( قوله ) فإما أن يراد نفس قوله أو متعلقه ، ~~فمتعلقه إنما هو في الآخرة لا في الدنيا لأن ( محصول ) ذلك القول ( الإسلام ~~) وهو أمر أخروي لا دنيوي . وإن أريد نفس ( قوله ) فذلك القول PageV02P594 ~~إنما وقع منه في الدنيا ونحن نعلم ذلك من غير حاجة إلى الإعلام به فيرجع ~~إلى تحصيل الحاصل . قال : فالجواب أنه على حذف مضاف ms231 ، أي يعجبك قوله في شأن ~~الحياة الدنيا ، لأنه إنما ( يقصد ) بكلمة الإسلام عصمته من القتل والأسر ~~وضرب ( الجزية ) ، وصيانة ماله وعرضه ، فالإعجاب راجع إلى حكم دنيوي لأن ~~المراد به نفس التعجب . قوله تعالى : { ويشهد الله على ما في قلبه . . . } ~~. دليل على أن العقل في القلب . قيل لابن عرفة : وهذا من الكذب على الله . ~~وقد ذكر ابن التلمسانى فيه قولين : قيل إنه كفر ، وقيل لا ؟ قال ابن عرفة : ~~إنما الخلاف في الكذب على الله في الأحكام كقوله : أحل الله كذا وحرم كذا ~~وأما قول القائل أي الحالف لقد كان كذا والله يعلم أني لصادق ، فهو يمين ~~غموس وليس من ذلك القبيل وعلق التعجب بالقول ليفيد التعجب من كلامه من باب ~~أحرى . قوله تعالى : { وهو ألد الخصام } . إنما كان ملدا لحلفه على الباطل ~~وتأكيده الحلف يعلم أنه تعالى أنه حق . قوله تعالى : { وإذا تولى سعى في ~~الأرض ليفسد فيها . . . } . PageV02P595 ( ابن عطية ) : يحتمل أن يكون ~~توليه بقلبه ، أي ضل ، أو بجسده ، أي أدبر عنكم بجسمه . وضعف ابن عرفة ~~الأول بأنه لم يكن قط مسلما والتولي عن الشيء يقتضي تقدم الكون فيه . قوله ~~تعالى : { ويهلك الحرث والنسل . . . } . من عطف الخاص على العام . قوله ~~تعالى : { والله لا يحب الفساد } . الصحيح أنه ليس المراد حقيقة المحبة بل ~~الذم على ذلك والله يذم الفساد ويعاقب على فعله لقول العرب في المدح التام ~~: حبذا زيد ، وفي الذم التام : لا حبذا زيد ، واحتجاج المعتزلة بها لا يتم ~~. والجواب عنه بما قلناه . . وكذلك احتجاجهم بقول الله تعالى { ولا يرضى ~~لعباده الكفر . } قوله تعالى : { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ~~فحسبه جهنم ولبئس المهاد } . قال ابن عرفة : الآية لها منطوق ومفهوم ~~والتقدير : لم يتق لأجل ما نالته ( من العزة ) بسبب الإثم واكتفى عن ذلك ~~المفهوم فذكر علته . وفي كتاب الأقضية والشهادة فيمن قال له القاضي أو غيره ~~: اتق الله فإنه يقول له : اللهم اجعلنا من المتقين ، لئلا يدخل في ضمن ~~هاته الآية . قال : ولا ينبغي أن يقول أحد لأحد ms232 : اتق الله ، فإنه تعريض له ~~لعدم التقوى . PageV02P596 قوله تعالى : { ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء ~~مرضات الله . . . } . قيل : إنها خاصة بصهيب وقيل عامة في كل مجاهد أو في ~~كل آمر بالمعروف وناه عن المنكر . قال ابن عرفة : ( يشري ) على أنها خاصة ( ~~فعل حال وعلى العموم ) مستقبل حقيقة و ( الناس ) إما المؤمنون فقط أو ~~المؤمنون والكافرون لأنه إذا تعارض العموم في جنس أقرب أو فيه وفي أبعد منه ~~فالأقرب ( أولى ) . ( مرضات ) : قال ابن عطية : وقف عليها حمزة بالتاء ~~والباقون بالهاء . وتبعه أبو حيان وهو غلط إنما وقف عليها بالهاء الكسائي ~~فقط . وعن ورش في إمالتها وجهان ، والمشهور عدم الإمالة . قال ابن عرفة : ~~وهو عندي منتقد على الشاطبي لأنه ذكر أن ورشا يميل ذوات الياء ثم عدها من ~~ذوات الياء فضاهره إنه يميلها . قوله تعالى : { والله رءوف بالعباد } . ~~PageV02P597 المراد رؤوف بهم ، أي بمن يشتري نفسه ، أو المراد رؤوف بهم أي ~~بشيء يشتري نفسه . والمراد رؤوف بالناس إذا قلنا : إن الكافر منعم عليه ~~وذلك أنك إذا قلت : أنعم فلان على فلان . فإن أردت أنه أذهب عنه كل مؤلم ~~فالكافر غير منعم عليه في الآخرة . وإن أردت أنه أذهب عنه مؤلما بالإطلاق ~~فالكافر منعم عليه إذ ما من عذاب إلا وفي علم الله ( ما هو ) أشد منه . قال ~~الزمخشري : ( رؤوف بالعباد ) حيث كلفهم الجهاد فعرضهم لثواب ( الشهداء ) . ~~قال ابن عرفة : وهذا جار على مذهبنا لقوله ( رؤوف ) ( فدل على ) أنه لا يجب ~~عليه مراعاة الأصلح وإنما ذلك محض ( رأفة ورحمة ) وتفضل . قوله تعالى : { ~~ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة } . أجاز ابن عطية أن يكون ( كافة ~~) حالا من فاعل ( ادخلوا ) أو من ( السلم ) كقول الله تعالى { فأتت به ~~قومها تحمله } ( فتحمله ) ( حال ) من فاعل ( أتت ) ومن قوله ( به ) . ~~PageV02P598 قال أبو حيان ، واعترض بأنه لا يصح إلا إذا جعلت صاحبي الحال ~~مبتدأين والحال خبر عنهما كقول الشاعر : وعلقت سلمى وهي ذات موصد . . . ولم ~~يبد للآتراب من ثديها حجم صغيرين نرعى البهم ياليت أننا . . . إلى اليوم لم ms233 ~~نكبر ولم يكبر البهم فيصح : أنا وسلمى صغيران وقال امرؤ القيس : خرجت بها ~~نمشي تجر وراءنا . . . على إثرنا أذيال مرط مرجل لأنه لا يصح : أنا وهي ~~نمشي ولا يصح أن يقال : هو وهي تحمله . فقال ابن عرفة : يصح حمله على الوجه ~~الذي صح إتيانه حالا منهما تقول : هي تحمله وهو محمول كما ( يفهم ) في ~~الحال منهما مجموعة . قلت : وتعقب ابن القصار هذا بأنهما كما جمعا في حال ~~واحدة كذلك يجمعان في خبر واحد فيمتنع الجمع في تلك ، ويصح هنا أي أنتم ~~والسلم مجتمعون لكن يبطل من جهة أن المقدر خبر أو ( ادخلوا في السلم ) أمر ~~والأمر لا يقدر بالخبر . فإن قلت : المعنى أنتم والسلم مطلوبان بالاجتماع ؟ ~~( قلنا لم يخبر ) عنهما بالحال بل بلازمها . PageV02P599 ابن القصار : ولا ~~أعلم من شرط هذا إلا أبا حيان بل إنما اشترطوا اتحاد العلم في صاحب الحال ~~مثل ما تقدم ، وكقول عنترة العبسي في عمارة بن زياد العبسي ، كان يتوعده ~~عنترة بالقول : ( متى تأتني فردين . . . ) وقوله { ادخلوا في السلم } أي ~~دوموا على الدخول . قوله تعالى : { ولا تتبعوا . . . } . احتج ابن الخطيب ~~بها على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده إذ لو كان كذلك لما كان لقوله ( ~~ولا تتبعوا ) فائدة . قال ابن عرفة : إنما يتم له هذا ( على ) القول بأن ~~الأمر للتكرار مع أن الصحيح أنه مطلق يخرج المأمور من العهدة بالمرة ~~الواحدة والنهي يقتضي الانتهاء دائما ففيه زيادة فائدة لم تكن في الأمر . ~~قال ابن عرفة : والاتباع في الاصطلاح كما قال الفخر الرازي في المعالم : أن ~~يفعل فعل المتبوع ( لأجل ) أنه فعله . قيل لابن عرفة : هذا فعل في سياق ~~النفي فهو عام في جميع وجوه الاتباع ؟ فقال : إنما يعم في مسمى الاتباع فقط ~~كقولك : لا عين عندي . إنما يعم في مسمى العين الذي حملته عليه وهو المال ~~مثلا أو غيره . PageV02P600 قوله تعالى : { خطوات الشيطان . . . } . أبو ~~حيان عن ابن أبي مريم صاحب الموضح : سكنت تخفيفا عن ضم مقدر منوي إذ هي ~~حركة فارقة بين الاسم والصفة كما ms234 في جمع ( فعلة ) المفتوحة الفاء . قال ابن ~~عرفة : إنما يكون الفرق باللفظ لا ( بالنية ) . فرد عليه بمثل ذلك بوجهين ~~للمفرد والجمع ( بالنية ) . فقال : قد ذكروا في ذلك أن حركته صغيرة بالنسبة ~~إلى حركة أخرى ولم يجعلوا ( للنية ) فرقا . قيل لابن عرفة : قد فرق ~~المنطقيون بين العدول والتحصيل ( بالنية ) . فقال : المراد منهما أن الحركة ~~منوي بها ذلك من أول ، وهنا ليس كذلك . قوله تعالى : { فإن زللتم من بعد ما ~~جآءتكم البينات } . فيه سؤالان الأول أن قبلها { ادخلوا في السلم } والأمر ~~بالدخول يقتضي أنهم غير مسلمين وقول الله تعالى : ( فإن زللتم ) يقتضى ~~PageV02P601 أنهم مسلمون ثم زلوا بعد ذلك قال الله تعالى : { فأزلهما ~~الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } وأجيب بأنه مثل : { الله ولي الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } لأن الكفار لما كانوا متمكنين من ~~الإيمان فكأنهم حصل لهم الإيمان بالفعل . ( السؤال ) الثاني : الآية خرجت ~~مخرج التقسيم لحالهم والتقسيم الأصل فيه أن يكون بالواو . تقول : العلم إما ~~تصور وإما تصديق ، ولا يجوز عطفه بالفاء ، فقسم حال هؤلاء إلى من دخل في ~~الاسلام ولم يتبع الشيطان وإلى من زل عن الإسلام بعد مجىء البينات فهلا ~~عطفه بالواو ؟ وأجيب بأن الفاء تقتضي السبب فقصد التنبيه على أنهم ضلوا ~~بسبب هذه الآيات التي كانت سببا في هداية غيرهم . قال الله تعالى : { يضل ~~به كثيرا ويهدي به كثيرا } لا سيما مع مذهبنا أن ارتباط الدليل بالمدلول ~~عادي ، وعبر ب ( إن ) دون إذا ( تنفيرا ) عن الزلل حتى كأنه غير واقع . ~~قوله تعالى : { فاعلموا أن الله عزيز حكيم } . قيل لابن عرفة : هل يؤخذ منه ~~إثبات هاتين الصفتين لله تعالى PageV02P602 ( بالسماع ) ؟ فقال : إنما ~~المراد العلم بلازم ذلك وهو العقوبة والانتقام ممن زل . قوله تعالى : { هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله . . . } . قال أبو حيان : قيل بمعنى ينتظرون ~~فيتعدى إلى واحد بنفسه ولو كانت من نظر العين لتعدت بإلى وأضيفت إلى الوجه ~~مثل { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ورده أبو حيان بجواز كونها منه ~~وإلى محذوفة وحذف حرف الجر ms235 مع أنه كثير وهو قياس مطرد ولا يلزم إضافتها إلى ~~الوجه بل قد يضاف إلى الذات قال الله تعالى : { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف ~~خلقت } { قال رب أرني أنظر إليك } وقدر ابن عرفة هذا التعقب بأنه ( إن ) ~~أراد أن المنظور إليه لايكون إلا ( بالوجه ) فباطل بقوله { أفلا ينظرون إلى ~~الإبل } ( وإن ) أراد ( أن ) النظر ( بالنسبة ) لاعتبار الفاعل لا إلى ~~الوجه فيقال : نظر وجهي إلى كذا ، فباطل أيضا . قال ابن عرفة : ويبطل أيضا ~~من وجه آخر وهو المنظور إليه هنا هو الإتيان المفهوم من قوله { إلا أن ~~يأتيهم الله } . والإتيان معنى PageV02P603 من المعاني لأنه مصدر والمعاني ~~لا ترى بوجه الا باعتبار الجواز العقلى لكونها موجدة والوجود مصحح للرؤية . ~~فإن قلتم : نرى إتيان الشخص ؟ قلنا : إنما رأيت الشخص الآتي لا إتيانه . ~~فإن قلتم : إنه عرض ؟ قلنا : العرض الذي هو اللون مرئي ، وأما الرائحة ~~والعلم والقدرة فليس بمرئي بوجه . ( والجواب ) عن ذلك أن النظر هنا بمعنى ~~الانتظار ومعناه أن ( حالاتهم ) تقتضي انتظارهم العقوبة ( لا أنهم ) يقصدون ~~ذلك وفي هذا عقوبتان ( حسية ) ومعنوية لأن وجود السحاب مظنة الرحمة بالمطر ~~قال الله تعالى : { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا ~~بل هو ما استعجلتم به } وقال الله جل ذكره { والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمئان مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا } ففيه العقوبة ( ~~بالخيبة ) فيما يظن فيه قبل الغرض فلا تناله العقوبة بنقيض المقصود وهو ~~إتيان العذاب معه . قوله تعالى : { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ~~. . . } . PageV02P604 ( قال ابن عرفة : لما تضمن الكلام السابق أنهم إن ~~زلوا بعد الآيات البينات عوقبوا نبه بهذه الآية على مساواة حالهم لبني ~~إسرائيل ، إذ جاءتهم بينات كثيرة فزلوا وتولوا فعوقبوا ) . قال ابن عطية : ~~أي كم جاءتهم في أمر محمد من آية دالة عليه . قال الزمخشري : { كم آتيناهم ~~من آية } ( دالة ) على الذي آتيناهم أو من آية دالة على صحة دين محمد . قال ~~ابن عرفة : الأول راجع للثاني لأنه ( إن ) أراد بالآيات المعجزات الصادرة ~~عن ms236 أنبيائهم دلالة على صدقهم فلا يناسب ذكره هنا عقب هذه الآية . ( وإن ) ~~أراد بذلك أن ( أنبياءهم ) أخبروهم بإرسال محمد وصفته وصحة نبوته فيرجع إلى ~~الوجه الثاني . قوله تعالى : { فإن الله شديد العقاب } . الصواب : أن يكون ~~على إضمار الجواب وهذا تعليل له ( أي ) فليعلم أن الله يعاقبه فان الله ~~شديد العقاب . قوله تعالى : { زين للذين كفروا الحياة الدنيا . . . } . ~~PageV02P605 أسند التزين إلى الملزوم اكتفاء به عن اللازم ، مع أن اللازم ~~هو الذي يكتفي به عن الملزوم بخلاف العكس كما قال { زين للناس حب الشهوات } ~~إذ لا يلزم من تزين الحياة الدنيا لهم محبتهم إياها ولو قيل : زين للكافرين ~~حب الدنيا لا ستلزم ذلك تزين الدنيا لهم . وتقرر أن المحبة إن كانت متعلقة ~~بأحد النقيضين أو الضدين دلت على كراهة مقابله . ( ( قال ابن عرفة ) : ~~والمحبة على أن المزين له كافر إلا مع معارضتها للآخرة وترجيحها عليها أما ~~مع عدم المعارضة فلا . وهذا في الإعتقاد وأما في الأحكام والفروع فلا ؛ ~~لأجل أن عصاة المؤمنين كلهم رجحوا الدنيا على الآخرة ) . قوله تعالى : { ~~والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشآء بغير حساب } . إما ~~تهييج على الاتصاف بالتقوى فلذلك قال : ( فوقهم ) وإما تنبيه على تفاوت ~~درجاتهم ، وإما أن يكون التقوى والايمان بمعنى واحد . قوله تعالى : { فبعث ~~الله النبيين مبشرين ومنذرين . . . } . دليل على أن النبي أعم من الرسول ~~بناء على الحكم المسند إلى مشتق أو موصوف بصفة تقتضي ثبوت ذلك الوصف له ~~حالة ثبوت الحكم ، فيقتضي ورود البعث عليهم حال حصول النبوءة فلو كان النبي ~~والرسول بمعنى واحد للزم تحصيل الحاصل . وقيل الرسول أعم حكاه الغزالي في ( ~~الاقتصاد ) والشيخ ابن العربي . PageV02P606 وقال ابن الصلاح : اختلف ~~المحدثون في جواز نقل الحديث بالمعنى ، فقيل يجوز وقيل لا ( يجوز ) وقيل : ~~إن بدل اسم الرسول بالنبي جاز بخلاف العكس . قال ابن عرفة : الآية دالة على ~~أن الجمع المحلي بالألف واللام لا يفيد العموم إذ ليس كل نبي مبعوثا وبدأ ~~بالبشارة لأن الرحمة سبقت غضبه . قوله تعالى : { وأنزل معهم الكتاب . . . } ~~. قيل ms237 لابن عرفة : فهلا قيل : أنزل عليهم الكتاب ، كما في سورة النساء { ~~وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } { إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم ~~بين الناس بمآ أراك الله } لأنك تقول : قام زيد مع عمرو ، فيقتضي اشتركهما ~~في القيام ، والرسل ليسوا منزلين مع الكتاب . قال ابن عرفة : المراد أنزل ~~مع بعثهم والإنزال مصاحب للبعث ولا اشتراك بينهما لأنه معنوي لا يمكن ~~إنزاله وهم من أول بعثهم إلى آخره لايزال الكتاب منزلا عليهم حتى يموتوا . ~~PageV02P607 قيل لابن عرفة : هذا كله مجاز فلم عدل عن الحقيقة إليه ؟ قلت : ~~وحمله الشيخ ابن القصار على ( أمرين ) : أحدهما : أن ( أنزل ) بمعنى بعث ، ~~فيفيد لفظة الإنزال تشريف الرسل وقومهم بالكتاب الشريف المنزل من أشرف ~~الجهات وهي جهة فوق ، ويفيد معنى البعث أن الكتاب مبعوث مع الرسل لقومهم ~~اعتناء بهم وتأكيدا على امتثال أوامره ونواهيه . الثاني : أن يجعل ( معهم ) ~~حالا من ( الكتاب ) وقدمت عليه للاهتمام بالمصاحبة . فإن قلت : الكتاب حين ~~إنزاله لم يكن معهم ؟ قلنا : هي حال مقدرة لا محصلة . واقتضت الآية ~~الاستدلال بمقدمة منطقية وهو أن يقول : كلما ثبتت الرسالة لغير محمد ثبتت ~~لمحمد . قال ابن عرفة : وقولهم إن الكتاب هو التوراة باطل بقوله { فبعث ~~الله النبيين } لأن التوراة ليست منزلة على كل النبيين . قوله تعالى : { ~~ليحكم بين الناس . . . } . هذا عندنا ( فضل ) لا واجب . واستشكل بعض الطلبة ~~فهم الآية لأن قوله { فيما اختلفوا } يقتضي تقدم اختلافهم على إنزال الكتاب ~~. قوله تعالى : { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جآءتهم البينات ~~} . PageV02P608 يقتضي تأخير اختلافهم عن الانزال وعدم تقدمه عليه لأنه ~~مقرون بأداة الحصر كما قال في سورة الجاثية { وآتيناهم بينات من الأمر فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم } وهذا كله على قولهم : إن ~~الضمير المجرور في قوله { وما اختلف } عائد على ما عاد عليه قوله تعالى : { ~~فيما اختلفوا فيه } . قال ابن عرفة : اختلفوا قبل وبعد . قلت : اختلفوا ~~قبله اختلافا ضعيفا فلما ورد الكتاب والدلائل أعمى الله بصائرهم فاستنبطوا ~~به شبهات كانت سببا في ms238 تعنتهم وضلالهم واختلافهم كمن يقرأ أصول الدين ~~ليهتدي فيضل وكان قبل على الصواب فاختلافهم المعتبر إنما هو بعد الآيات وما ~~قبل ذلك لا عبرة له . قلت : فهذا يحسن جوابا والله أعلم ، قال الله تعالى { ~~يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ووافقني عليه بعضهم وقال : تكون من عود ~~الضمير على اللفظ فقط نحو : عندي درهم ونصفه . قوله تعالى : { فهدى الله . ~~. . } . العطف بالفاء إشارة على سرعة هدايته للمؤمنين بعقب الاختلاف فإن ~~يكن اختلافهم في الفروع فيحسن أن يكون { وما اختلف فيه } بعض الحق وإن يكن ~~من الإعتقاد فهو كل الحق لا بعضه . قوله تعالى : { لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه . . . } . قال ابن عرفة : الصواب أن معناه بقدرته وإن كان مجازا فهو ~~أولى من أن يقال بعلمه أو بأمره ليكون فيه حجة على المعتزلة . PageV02P609 ~~قوله تعالى : { والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } . قال ابن عطية : ~~فيها حجة على المعتزلة في قولهم : إن العبد يخلق أفعاله . قال ابن عرفة : ~~هذا بالظاهر لا ( بالنضر ) ولهم أن يجيبوا بعود ذلك إلى الداعي ووقع ~~الاجماع هنا ومنهم عليه . قوله تعالى : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يأتكم . . . } . قال ابن عصفور في مقربة والآمدي في شرح الجزولية : ( لم ) ~~لنفي الماضي المتصل بزمن الحال ومثل ذلك { وعصى ءادم ربه فغوى } ولم يندم ، ~~وعصى إبليس ربه ولما يندم لأن نفي الندم عن آدم كان ومضى وانقطع كوقوع ~~الندم منه بعد ذلك ، ونفيه عن إبليس متصل بزمن الحال . قال ابن عرفة : ~~وعادتهم يتعقبونه بوجيهن : الأول : نسبة العصيان لآدم عليه السلام فإنه وإن ~~كان ورد في القرآن لكنه لا ينبغي أن ( يتكلم ) المخلوق على جهة المثال فإنه ~~من إساءة الأدب على الأنبياء . PageV02P610 الثاني : ان نفي الندم عنه إما ~~قبل المعصية أو بعدها ، والأقسام كلها باطلة لوقوع الندم منه إثر المعصية . ~~قال الله تعالى { فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما } ( فعقب ) الأكل بدت لهما ~~السوءات ، فوقع الندم والندم حين العصيان غير متصور فأحرى قبله . وقال ~~القرطبي : ( لما ) هنا بمعنى ( لم ) لنفي الماضي المنقطع ms239 لأن ذلك كان في ~~غزوة أحد وهي متقدمة على ( هذه ) الآية . ورده ابن عرفة بأنه إنما يلزم ذلك ~~لو ( علقه ) في الآية بالعلم ، وهو أنما علقه بالحسبان . قلت : ونقله بعض ~~الطلبة بلفظ لا يحتاج إلى هذا بل هي على بابها لأن حسابهم أنهم يدخلون ~~الجنة حالة كونهم لم يأتهم مثل الذين خلوا من قبلهم وهذا ( الحسبان ) لم ~~ينقطع وما زال المؤمنون يظنون أنهم يدخلون الجنة من غير بأس ولا مشقة ~~تنالهم إلى حين نزول هذه الآية ، ونيلهم البأس في ( هذه الغزوة ) لا يرفع ~~ظنهم ذلك . قال ابن عرفة : والبأساء راجع لفقد المال ، والضراء للنقص في ~~البدن والزلزال في النفس . PageV02P611 قوله تعالى : { حتى يقول الرسول . . ~~. } . قرأ نافع ، بالرفع . قال ابن عطية : كأنه اقترن بها ( تسبيب ) ، فحتى ~~( حرف ) ( ابتداء ) يرفع الفعل . ابن عطية : ظاهره أيضا إذا كان ما قبلها ~~سببا لما بعدها ، فالرفع مطلقا وليس كذلك . بل لابد من زيادة كونه ماضيا أو ~~حالا ، وأما إن كان الفعل مستقبلا فالنصب ليس إلا ، وكذلك جعله الزمخشري ~~حكاية حال ماضية . قال أبو حيان : وحتى على النصب ( للغاية ) بمعنى : إلى ~~أن ، أو للتعليل بمعنى كي . قال : والغاية أظهر لأن ( الضراء ) والزلزال ~~ليسا معللين بقول الرسول والمؤمنين . PageV02P612 قال ابن عرفة : إن ~~اعتبرنا ( الزلزال ) من حيث نسبته إليهم فليس بعلة ، لأنهم لا يتزلزلون ~~قصدا لأن يقول الرسول والمؤمنون هذه المقالة ، وإن اعتبرناه من حيث نسبته ~~إلى الحق سبحانه وتعالى إذ هو الفاعل المختار في الحقيقة فهو علة في قول ~~الرسول والمؤمنين ؛ ذلك لأن الله تعالى زلزلهم ليقول الرسول والمؤمنون هذه ~~المقالة . وأبو حيان لما رأى الفعل وهو ( زلزلوا ) مبنيا للمفعول اعتبر ~~نسبته إليه . قال ابن عطية : عن طائفة : وفي الكلام تقديم و تأخير تقديره : ~~حتى يقول الذين ءامنوا متى نصر الله ، ويقول الرسول ألا إن نصر الله قريب . ~~قال ابن عرفة : لا حاجة إلى هذا التقديم والتأخير بل هو لف ونشر مخالف جعل ~~فيه أول القولين للقائل الثاني لكونه يليه . وقوله ( معه ) يحتمل أن يتعلق ~~ب ( ءامنوا ms240 ) أو ب ( يقول ) فإن تعلق ب ( ءامنوا ) فيكون من جمع القول دون ~~قائله مثل : { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } فكل فريق دعا إلى دينه ~~وإن تعلق ب ( يقول ) فيكون من جمع ( القائلين وأقوالهم ) فيكون الرسول قال ~~المقالتين والمؤمنون كذلك قالوا المقالتين . قوله تعالى : { يسئلونك ماذا ~~ينفقون . . . } . PageV02P613 السؤال ( يتعدى ) للمحسوسات بنفسه ، ويكون ~~معموله مفردا مثل : سألته طهورا ، أي طلبت منه الماء ، وللمعاين كذلك ، ~~ويكون جملة مثل : سألته ماء هو الطهور . الزمخشري : سألوا عن تعيين المنفق ~~فأجيبوا بتعيين المصرف لانه يستلزم المنفق . قال ابن عرفة : جعل السؤال ( ~~هنا ) عن حال الشيء ويظهر لي وجه آخر وهو أن السؤال بماذا عن حقيقة الشيء ~~وهي قسمان : عقلية وشرعية . فالعقلية لا يختلف جوابها بوجه ولا يمكن فيه ~~التحريف ، وأما الشرعية فهي أمور جعلية يصح تحريف الشارع لها عن شيء آخر ، ~~فالمراد : يسألونك عن حقيقة الشيء المنفق المحصل للثواب في الدار الآخرة ما ~~هو ؟ فأجيبوا بأنه الشيء المنفق على الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل وفعل الخير بالإطلاق . قوله تعالى : { قل مآ أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل . . . } . ( ما ) إما ~~شرطية أو موصولة . قال ابن عرفة : الظاهر أنها شرطية ، لأن فعل الشرط ~~مستقبل ولو كانت موصولة لما حسن ترتيب الجواب عليها ، لأنهم لم يكن إنفاقهم ~~الماضي قاصرا على الوالدين والأقربين ومن بعدهم ، بل عاما فيهم وفي غيرهم ، ~~فإنما أمروا بذلك في المستقبل . PageV02P614 قيل لابن عرفة : قد قال ابن ~~مالك : إن الفعل بعد الموصول يحتمل الحال والاستقبال . قوله تعالى : { وما ~~تفعلوا من خير فإن الله به عليم } . علله بالعلم والمراد لازمه وهو حصول ~~الثواب الجليل عليه . فإن قلت : الآية تدل على أن الأب مساو للأم في البر ~~لتسويتهما في النفقة عليهما ؟ قلنا : الآية إنما تضمنت مطلق الإنفاق عليهما ~~من غير تعرض لما بينهما من التفاوت ، بدليل تضمنهما أيضا النفقة على ~~الأقربين بالإطلاق ، مع أنهم متفاوتون لأن القرابة مقولة بالتشكيك ، ~~فالنفقة على أقرب الأقربين تكون أكثر ( من النفقة ) على من هو أبعد منه . ~~وابن ms241 السبيل هو المسافر إذا قدم على بلد هو فيها فقير ويكون في بلده غنيا ، ~~فإن كان فقيرا في بلده فهو ( مسكين ) . قوله تعالى : { كتب عليكم القتال . ~~. . } . قال ابن عرفة : لفظ الكتب دليل على تأكيد وجوب القتال . والكتب إما ~~حكم الله أو في اللوح المحفوظ أو في القرآن . والجهاد هنا ( قيل فرض عين ) ~~وقيل فرض كفاية . قال ابن عرفة : الظاهر أنه فرض ( عين ) لأنا إذا شككنا في ~~شيء فيحمل على الأكثر . وفرض العين في التكاليف أكثر من فرض الكفاية . ~~PageV02P615 ( قيل له : في غير هذا ، وأما هنا فلا ؟ فقال : هذا محل النزاع ~~، وكان بعضهم يقول : إنه فرض عين في كفاية ) فواجب على ( جميع ) الناس حضور ~~القتال . ويكفي فيه قتال البعض ، والحضور فرض عين ( والقتال فرض ) كفاية ~~كالصلاة في الدار المغصوبة فإنها فرض في حرام . قال ابن عرفة : وإذا قلنا : ~~إن خطاب المواجهة يعم ولا يخص ، فنقول : الأمر للحاضر والغائب وغلب فيه ~~المخاطب . والأمر للحاضرين ويتناول الغائب ( بالقياس ) عليه من باب ( لا ~~فارق ) . قوله تعالى : { وهو كره لكم . . . } . PageV02P616 | الضمير عائد ~~على القتال إما ( لقربه ) وإما لأنه إنما يعود على ( الكتب ) باعتبار ~~متعلقه لأنهم ايكرهون الكتاب لذاته . والكراهة هنا ليست بمعنى البغض بل ~~بمعنى النفور منه وصعوبته على النفس كصعوبة الوضوء في زمن البرد فيكرهه ~~المكلف كذلك لا أنه يبغضه . قوله تعالى : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم . . . } . قال أبو حيان : عسى الأول للاشفاق والثانية للرجاء . قال ابن ~~عرفة : المناسب العكس ، فإن المستقبل في الأولى خير وانتظاره رجاء ، ~~والمستقبل في الثانية شر فانتظاره إشفاق وخوف . قيل لابن عرفة : إنما ~~المعتبر ما دخلت عليه ( أن ) ؟ فقال : نعم لكن بصفته وقيده ، والأول مقيد ~~بأنه ( يعقبه خير ، والثاني مقيد بأنه يعقبه الشر . قيل لابن عرفة : ~~المستقبل غير معلوم للانسان وإنما يعلم الحاضر فيعسر عليه المستقبل فإن كان ~~الحاضر خيرا ترجى دوامه وإن كان شرا أشفق وخاف من دوامه . قال أبو حيان : ~~وكل عسى في القرآن للتحقيق يعنون به الوقوع الا قوله { عسى ربه إن طلقكن أن ms242 ~~يبدله أزواجا خيرا منكن } قال ابن عرفة : بل هي أيضا للتحقيق لما تقدم من ~~أن القضية الشرطية تقتضي صحة ملزومية الجزاء للشرط ولا تقتضي الثبوت ~~والوقوع ، والقضية الحملية تقتضي الثبوت والوقوع أو بفهم الوقوع في ( الآية ~~) باعتبار ( المتكلم ) بهذا الشرط والرجاء واقع من الله تعالى . ~~PageV02P617 قوله تعالى : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . قال ابن عرفة : ~~الآية تدل على أن جميع الأحكام الشرعية تعلل ، وذلك أنهم اختلفوا في ~~التعبدات فذهب جماعة منهم الشيخ الهمام عز الدين ابن عبد السلام إلى أنها ~~الأحكام ( التي لاتدرك لها علة ، وفي بعض كلام ابن رشد وكلام المتقدمين ما ~~يدل على أنها الأحكام ) التي لا علة لها ، والآية تقتضي أن الأحكام كلها ~~لاتكون إلا لمصلحة لأنها خرجت مخرج ( التبيين ) على كمال المبادرة إلى ~~امتثال الأحكام الشرعية فدل على أن المراد والله أعلم ما في ذلك من المصلحة ~~وأنتم لا تعلمونها . فعليكم أن تأخذوها بالقبول . وقوله : وأنتم لا تعلمون ~~: قال ابن عرفة : يصح أن يكون في موضع الحال . قيل له : علمنا حادث لا ~~يجامع علم الله القديم ؟ فقال : هي حال مقدرة والتحقيق أنا إن جعلنا الجملة ~~في موضع الحال تكون سالبة تقتضي وجود الموضوع ، وبقي في الآية أن الزمخشري ~~قال في { وهو كره لكم } إما مصدر من الكراهة أو أنه بمعنى بمعنى المكروه ~~مثل ( الخبز ) بمعنى ( المخبوز ) . PageV02P618 وقرىء : ( كره ) بالفتح على ~~أنه بمعنى ( المضموم ) كالضعف والضعف . قال ابن عرفة : وقال القاضي أبو ~~الفضل عياض في تنبيهاته : الوضوء بالضم هو الفعل وبالفتح اسم الماء ، وقيل ~~: بالعكس . قال : فيجيء هنا كذلك . قيل لابن عرفة : هذا قياس في اللغة فلا ~~يجوز ؟ فقال : إنما هو ( إجراء ) لا قياس . قوله تعالى : { يسئلونك عن ~~الشهر الحرام قتال فيه . . . } . قال ابن عرفة : القتال الذي وقع منهم في ~~الشهر الحرام ، إن كان غلطا فهو كبير موجب للإثم ، وإن كان اجتهادا أجري ~~على الخلاف في الاجتهاد هل يرفع حكم الخطأ أم لا ؟ فإن قلت : لم أعيد لفظ ~~القتال مظهرا ، وهلا كان مضمرا ، ولم أعيد منكرا وهلا ms243 كان معرفا ؟ قيل : ~~الجواب أن ذلك لاختلاف المتكلم فالأول في الكلام السائل والثاني في كلام ~~المسؤول . قال الفراء وهو معطوف على كبير . قال ابن عطية : ( وهو خطأ لأنه ~~( يؤدي ) إلى أن قوله ( وكفر به ) معطوف على ( كبير ) فيلزم أن يكون إخراج ~~أهل المسجد الحرام منه أكبر عند الله من الكفر . وأجيب عنه بثلاثة أوجه : ~~PageV02P619 | الأول : لأبي حيان أن الكلام تم عند { وصد عن سبيل الله } ~~وما بعده ابتداء . | الثاني : قال ابن عرفة : الكفر قسمان : صريح حقيقي وهو ~~الكفر بالشرك ، وكفر ) حكمي غير صريح . فنقول : ( دلت الآية ) على أن ~~القتال في الشهر الحرام كفر وإن لم يعتقد فاعله الكفر ، وكذلك إخراج أهل ~~المسجد الحرام منه كفر وإن لم يعتقده فاعله فجعل الشارع إخراج أهل المسجد ~~الحرام منه أكبر إثما من الكفر الحكمي الذي نشأ عن القتال في الشهر الحرام ~~، وهذا لا شيء فيه ولا سيما إن جعلنا الضمير في ( وكفر به ) عائدا على ( عن ~~سبيل الله ) . الجواب الثالث : لبعض الطلبة قال : أهل المسجد الحرام عام ~~يشمل النبي وغيره ولا شك أن اخراج النبي من المسجد الحرام كفر وزيادة فهو ~~أشد من الكفر بالله فقط . وحكى ابن عطية عن الزهري ومجاهد ، أن { قل قتال ~~فيه كبير } منسوخ بقول الله تعالى { وقاتلوا المشركين كآفة } ورده القرطبي ~~: بأن { وقاتلوا المشركين كآفة } عام وهذا خاص ، والخاص يقضي على العام . ؟ ~~| وأجاب عن ذلك ابن عرفة : بأن الأصوليين قالوا : إن العام إذا تأخر عن ~~الخاص فإنه ينسخه . PageV02P620 | قلت : قال أبو عمرو بن الحاجب ما نصه : ( ~~يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب ) . أبو حنيفة والقاضي والإمام : إن كان الخاص ~~متأخرا وإلا فالعام ناسخ ، فإن جهل تساقطا . قوله تعالى : { ومن يرتدد منكم ~~عن دينه . . . } . قال ابن عرفة : في ( لفظها ) رحمة وتفضل من الله لأن ~~قبلها { حتى يردوكم عن دينكم } فكان المناسب أن يقول : ومن ( يرد ) منكم عن ~~دينه ؛ لكنه لو قيل هكذا لدخل في عمومه من أكره على الردة . فقال : ومن ( ~~يرتدد ) ( ليختص ) الوعيد بمن ارتد مختارا متعمدا . فإن قلت : هلا ms244 قيل : ~~فيمت وهو مرتد ، ليناسب أول الآية آخرها ، ويسمونه رد ( العجز ) على الصدر ~~؟ PageV02P621 ( قال : قلت ) : إن من عادتهم يجيبون بأنه لو قيل كذلك ~~لتناول مرتكب الكبيرة من المسلمين لأنه يصدق عليه أنه مرتد عن دينه لقوله ~~تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } وفسر الإسلام في الحديث بأن قال : ( ~~هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي ~~الزكاة ، ( وتصوم رمضان ) وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ) فالإسلام ( ~~حقيقة ) مركبة من هذه الخمسة أمور ( فمتى ) عدم بعضها عدم الاسلام لامتناع ~~وجود الماهية بدون أحد أجزائها فمن فعلها كلها ثم بدا له في بعضها فلم ~~يفعله يصدق عليه أنه مرتد عن دينه ، وأنه غير مسلم ، فلذلك قال : { فيمت ~~وهو كافر } . قال أبو حيان : قوله ( وهو كافر ) حال مؤكدة . ورده ابن عرفة ~~بوجهين : | الأول : منهما ما قلناه : من أنه احتراز من موت مرتكب الكبيرة ، ~~فإنه مات مرتدا عن دينه الذي هو الإسلام . الجواب الثاني : أنها إنما تكون ~~مؤكدة أن لو كانت حالا من ( يرتدد ) ونحن إنما جعلناها حالا من ( يمت ) ~~والمرتد يحتمل أن يراجع الإسلام فيموت مسلما . PageV02P622 قيل لابن عرفة : ~~فيمت معطوف على ( يرتدد ) بالفاء التي للتعقيب ، فهو بعقب ردته مات ؟ فقال ~~: ( هما زمانان ) ارتد في الأول ومات في الثاني ، إما مسلما أو كافرا ، في ~~حال مبينة بلا شك . قوله تعالى : { فأولائك حبطت أعمالهم . . . } . عامل ( ~~أولئك ) لفظ ( من ) ( ثم ) معناها ، فوجه أبو حيان من طريق الإعراب اللفظي ~~. قال ابن عرفة : قالوا وتوجيهه من جهة المعنى أن الأول راجع إلى فعلهم ~~القبيح في الدنيا ، فالمناسب فيه ( تقليل ) الفاعل تنفيرا عنه فلذلك أفرده ~~، والثاني راجع إلى جزاء ذلك والعقوبة عليه في الدار الآخرة فالمناسب فيه ~~لفظ العموم في جميع الفاعلين خشية أن يتوهم خصوص ذلك الوعيد بالبعض دون ~~البعض . قال ابن عرفة : وإحباط أعمالهم في الدنيا بترك الصلاة ( عليهم ) ~~وعدم دفنهم في مقابر المسلمين ومنع أقاربهم من إرثهم . قال الزمخشري : وذلك ~~مما يتوقع هنا بالردة للمسلمين في الدنيا من ms245 ثمرات الإسلام واستدامتها ~~والموت عليها من ثواب الآخرة . PageV02P623 قال ابن عرفة : ومذهبنا أنه ~~يعتق على المرتد أم ولده ومدبره دون الموصى بعتقه . ومذهب الإمام مالك ه ( ~~أن ميراثه ) لبيت المال . قال القاضي عياض في الإكمال : وقال الامام ~~الشافعي : ميراثه لجماعة المسلمين . ووهنه تاج الدين الفاكهاني وقال : بل ~~مذهبه كمذهب مالك . وكذا حكى عنه الغزالي في البسيط . ابن عطية وروي عن علي ~~ه ( انه ) استتاب مرتدا شهرا فأبى فقتله . ونقل عنه كرم الله وجهه : أن ~~يستتاب ثلاث مرات فإن تاب في الاولى ترك ، وإلا ( روجع ) في الثانية ( ثم ) ~~الثالثة فإن تاب وإلا قتل . قال : ومنهم من فرق بين الذكر والأنثى فمنع قتل ~~الانثى . قال ابن عرفة ( ووجهه ) أنه عنده كالحربي سواء . قوله تعالى : { ~~إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله . . . } . PageV02P624 ~~قال ابن عطية : الهجرة الانتقال من موضع إلى موضع بنية الإقامة ، ومن قال : ~~الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد وهم بسبب أن ذلك كان الأغلب عندهم ~~فيلزم أن لايكون ( أهل مكة مهاجرين ) عنده بالإطلاق . قال ابن عرفة : ~~الهجرة الانتقال من الوطن إلى محل نصرة النبي ويقرب منه الهجرة في موضع ~~كثير المنكر إلى موضع ( أخف ) منه . فان قلت : لم قال ( يرجون رحمة / الله ~~) . وكل مؤمن ولو كان من أهل الكبائر يرجو رحمة الله . قلت : فالجواب : أن ~~هذا رجاء شهد الله تعالى لهم به ، فدل ذلك على صحته . ونظيره : من يزرع ~~فدانا في سنة خصيبة ويوفي بخدمته فيراه الفلاحون فيقولون : هذا زرع يرجو ~~صاحبه بلوغ الأمل ، وآخر يزرع فدانا يراه الفلاحون فيذمونه وربه يستحسنه ~~ويرجوا أن يبلغ فيه الأمر ويعتقد ذلك فليس الرجاءان سواء . فإن قلت : هلا ~~قيل : والذين هاجروا والذين جاهدوا أو بحذف الموصول ( فيهما ) واكتفي بذكره ~~في الأول ؟ ( فالجواب ) أنه قصد التنبيه على أن مجرد الإيمان كاف في حصول ~~المطلوب من ترجي رحمة الله تعالى ، ولما كانت الهجرة إنما هي للجهاد مع ~~النبي ونصرته كانا كالشيء الواحد فلذلك لم يكرر ذكر الموصول مع الجهاد . ~~PageV02P625 قلت لابن عرفة في ms246 الختمة الأخرى : إن الآية حجة على المعتزلة ~~في قولهم إن الطائع يجب على الله أن يثيبه لأن الرجاء إنما يتعلق بالمظنون ~~لا بالمحقق ، فلو كان الثواب محققا لما قال ( يرجون رحمة الله ) ؟ فقال : ~~لهم أن يجيبوا بأن من هاجر وجاهد لا يعلم أيموت مسلما أو لا ؟ فهو لا يتحقق ~~خاتمته ( فصح ) إسناد الترجي إليه وبطل الدليل . قوله تعالى : { يسئلونك عن ~~الخمر والميسر . . . } . قال ابن عرفة : قال ابن عطية ، والشيخ الزمخشري : ~~لما نزلت ( هاته الآية ) شربها قوم وتركها آخرون . قام بعض الشاربين فقرأ : ~~قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون أسقط ( لا ) فنزلت : { لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى } قال ابن عرفة : هذا نص على أن لفظ التأثيم في قوله : ~~( قل فيهما إثم كبير ) غير ملزوم للتحريم لأن الصحابة هم لم ينتهوا عنها ~~بهذه الآية فيستفاد منه الجواب عن السؤال المورود على قول الفقهاء : إن ~~اتخاذ السترة للمصلي سنة ، مع قولهم : إن تركها وصلى حيث لا يأمن المرور ~~فمر عليه أحد أثم . ( قال : وكنا أجبنا عنه بأنه إنما أثم بالتعرض للمرور ~~والمرور معا ) لأنه لو لم يمر عليه أحد لما أثم . PageV02P626 قال ابن عرفة ~~: ( وحكي ) ابن عطية في الإثم وجوها : الأول : أن يراد في استعمالها بعد ~~النهي إثم كبير . ( ابن عرفة ) ما قلناه الا على هذا . | الثاني : ان يراد ~~خلال السوء التي فيها وهي السباب والافتراء وذهاب العقل . وعن سعيد بن جبير ~~: لما نزلت كرهها قوم ( للاثم وشربها قوم ) للمنافع . قال ابن عرفة : ويؤخذ ~~( من الآية أنها إذا تعارضت مصلحة ومفسدة واستويا لا ينبغي الفعل لأن ~~الصحابة لما نزلت ) الآية لم ينتهوا كلهم عن شرب الخمر . فقال : ( نعم ) ، ~~بل هو من باب أحرى . قال : وهذا هو الذي ذكر فيه الأصوليون عن علي بن أبي ~~طالب أنه قال : من شرب الخمر هذى وإذا هذى افترى فأرى عليه حد المفتري . ~~قلت : ذكره العلامة بن التلمساني في المسألة الثانية من الباب التاسع . قال ~~: وساعده عمر ( وغيره ) . قال ابن عرفة : وهذا هو اعتبار جنس العلة في ms247 عين ~~الحكم لأن الهذيان مظنة الافتراء باعتبار جنس المظنة في عين حد الخمر فجعله ~~ثمانين بعد ما كان أربعين قياسا على حد القذف . PageV02P627 قلت : وذكر ابن ~~التلمساني هذا في المسألة ( الثانية ) من الباب التاسع ومثله باعتبار جنس ~~المشقة في اسقاط قضاء الركعتين عن المسافر قياسا على اسقاط القضاء على ~~الحائض . قال ابن عرفة : وجعله الأصوليون من القياس في الأسباب وقياس ~~الكفارات من القياس في المقادير الذي لهم فيه قولان . قال : وهذا اجتهاد من ~~الصحابة لفهمهم عن النبي ( أن حده لشاربه ) أربعين اجتهاد لا نص ، وكذا ما ~~ورد أنه ضربه ( بالجريد ) فخافوا اختلاف المجتهدين وأجمعوا على هذا الحد ~~فكان قطعا للنزاع . ابن عطية : عن بعضهم حرمت الخمرة بهذه الآية لقوله : { ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق } ~~واقتضت هذه الآية أن الخمرة فيها الإثم فيستنتج التحريم ، ثم أبطله هو بأن ~~التحريم حينئذ صار بمجموع الآيتين لا أنه بهذه ( وحدها ) لان هذه إنما فيها ~~الإثم فقط لا التحريم ، وكذا قال القرطبي . قال ابن عرفة : والميسر من ~~اليسر واليسار ، اليسار بالنسبة إلى آخذه لأنه يحدث له يسرا ، واليسار ~~بالنسبة إلى معطيه لأنه مذهب يساره . PageV02P628 ابن عطية : عن ابن عباس ~~ومجاهد هم وغيرهما : كل قمار ميسر من نرد وشطرنج حتى لعب الأطفال بالجوز . ~~قال ابن عرفة : إنما ذلك إذا كان بالمخاطرة بشيء يعطيه المغلوب ، فأما بغير ~~خطار فجائز . وقد أجاز الإمام مالك في العتبية للرجل أن يشتري الكعاب لولده ~~يلعب بها . وكان ابن عبد السلام يقول : في السبك أنه مركب من النرد ~~والشطرنج فلا يجوز ( لأنه من المقامرة ) . قلت : وقد ذكر اللخمي في كتاب ~~الأشربة أن الخمر إنما حرم بالكتاب . وذكر ابن عطية في سورة المائدة أنه ~~إنما حرم بالسنة . ونقل لي : أن القاضي ابن عبد السلام / أنكره وأنهم نظروه ~~في جامع مقدمات ابن رشد فوجدوه موافقا لابن عطية ولم أجده أنا فلعله في ~~البيان . وخرج الترمذي أن عمر بن الخطاب ه قال : اللهم بين لنا في الخمر ms248 ؟ ~~فنزلت آية البقرة . فقال : اللهم بين لنا في الخمر ؟ فنزلت آية النساء . { ~~لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } PageV02P629 فقال : اللهم بين لنا في الخمر ~~بيان ( شفاء ) فنزلت آية العقود إلى قوله : فهل أنتم منتهون . فقال عمر : ~~انتهينا انتهينا . خرجه الترمذي عن أبي ميسرة عن عامر بن شرحبيل عن عمر ( ب ~~) . قوله تعالى : { ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير . . . } . ابن ~~عرفة : تضمنت الآية أن للموصى في خلطه بمال اليتيم ثلاث حالات : النظر في ~~المصلحة ، والنظر في المفسدة ، والنظر المطلق . والأول مستفاد من قوله : ( ~~قل إصلاح لهم خير ) . والثاني من قوله : ( والله يعلم المفسد من المصلح ) . ~~والثالث من لفظ ( إخوانكم ) فإنه يقتضي التساوي . والظاهر أن ( خير ) مبتدا ~~( واصلاح ) خبر لتكون ( الخبرية ) محصورة فيه . ولو جعلنا ( اصلاح ) مبتدأ ~~( وخير ) خبرا لاحتمل أمرين : أحدهما : أن يراد أن الفساد خير لأن ( ~~المختلقات ) يمكن اجتماعها في شيء واحد . والثاني : أن الكفارات خير . قوله ~~تعالى : { والله يعلم المفسد من المصلح . . . } . في الآية سؤال وهو أن ~~القاعدة في التمييز أن يميز القليل من الكثير وتقرر في الوجود وفي الشرع أن ~~الفساد أكثر من الصلاح . PageV02P630 قال الله في سورة غافر : { إن الساعة ~~لأتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } قال ابن عرفة : والجواب أنه ~~باعتبار الطلب لا باعتبار الوجود الخارجي فنبه بالآية على أن المطلوب تكثير ~~الصلاح وتقليل الفساد حتى يكون في الوجود أكثر من الفساد . قيل لابن عرفة : ~~أو إشارة إلى عموم علم الله تعالى ما قلتموه في السؤال إنما يكون في ~~المخلوقين لقصورهم وعجز إدراكهم ، فيكون تمييز القليل من الكثير أهون عليهم ~~من العكس . قلت : أو يجاب بأن الآية خرجت مخرج التخويف فالمناسب فيها تعلق ~~العلم والقدرة بالمفسد ليميز من المصلح . انتهى . قوله تعالى : { ولو شآء ~~الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم } . قال ابن عرفة : وهي حجة لأهل السنة في ~~قوله : إن تكليف ما لا يطاق جائز غير واقع . قيل له : قد تقدم لكم أن الشرط ~~يتركب من المحال ؟ فقال : إن الآية خرجت مخرج التمدح ms249 بكمال قدرة الله تعالى ~~والامتنان على خلقه بتيسير التكليف ، والتمدح إنما يكون بالجائز . وهذا ~~نظير جواب الجزري المتقدم في { ما ننسخ من آية . } PageV02P631 قوله تعالى ~~: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن . . . } . النكاح حقيقة في الوطء مجاز في ~~العقد ، وقيل حقيقة فيهما . قال القاضي عياض في تنبيهاته : ( النكاح لغة ~~الجماع والضم ، يقال : نكحت البر في الأرض ونكحت الحصاة خفاف الإبل ، ثم ~~استعمل في الوطء وهو في الشرع يطلق على لعقد لأنه بمعنى الجمع ومآله إلى ~~الوطء . قال الزمخشري في أساس البلاغة : ومن المجاز قولهم : نكحت الحصى ~~خفاف الإبل : فظاهره أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء ، إلا أن يراد ~~المجاز في الإسناد . والنهي هنا للتحريم بدليل PageV02P632 ما عطف عليه وهو ~~التحريم بلا خلاف ، وإن كان ابن التلمساني أجاز عطف التحريم على المكروه ~~وعكسه لكن الأغلب التساوي . قيل لابن عرفة : ما أفاد قول الله تعالى ) حتى ~~يؤمن ( مع أن النكاح ( يستقل ) بدونه ؟ ( فأجاب ) هو أصرح في دوام الانتهاء ~~بأن الأول مفهوم صفة وهو مفهوم غاية ، والقائلون بإعمال مفهوم الغاية أكثر ~~من القائلين بإعمال مفهوم الصفة . قلت : أو يجاب بأنه لو لم يذكر لأوهم ~~إباحة نكاحهن إن رجعن عن الإشراك إلى دين اليهود والنصارى فيكون في الآية ~~حجة لما حكى ابن عطية عن ابن عباس والحسن ومالك فيما ذكره عنه ابن حبيب من ~~أنه عام فيهم وفي الكتابيات ، ثم نسخت بقوله في المائدة : { والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } قوله تعالى : { خير من مشركة . . . } . ~~PageV02P633 خير ( أفعل من ) الجواز اشتراك المتباينات في وصف ما . ~~فالخيرية في المشركة في الدنيا فقط أما بكثرة المال أو الجمال وميل النفس ~~إليها . وفي المؤمنة باعتبار الدنيا والأخرة واليهود والنصارى ليسوا من ~~المشركين لقول الله : { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين ~~أشركوا } قال ابن عرفة : وأغرب ابن الخطيب : فقال : احتج من قال : بأنهم ~~مشركون بقول الله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشآء } وأجمعوا على أن اليهود والنصارى لا يغفر ms250 لهم فهم مشركون ( وإلا ~~لزم ) منه تطرق احتمال المغفرة لهم . قوله تعالى : { ولو أعجبتكم . . . } . ~~من إثبات ما يتوهم نفيه ، أو نفي ما يتوهم ثبوته مثل : { ومآ أنت بمؤمن لنا ~~ولو كنا صادقين } قلت : وتقدم لابن عرفة في الختمة الآخرى أن هذه الآية يرد ~~بها على ابن بشير فإنه نقل في أول كتاب الجنائز عن ابن عبد الحكم : ان ~~الصلاة على الجنائز فرض كفاية محتجا بقول / الله تعالى : { ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا ولا تقم على قبره } PageV02P634 والنهي عن الصلاة على ~~المنافقين للتحريم فضده وهو الأمر بالصلاة على المؤمنين للوجوب . وتعقبه ~~اللخمى بأنه لا يكون ( هذا ) للوجوب إلا إذا كان له ( ضد ) واحد ، وهذا له ~~( أضداد ) ، وهو إما وجوب الصلاة على المؤمنين أو كراهتها ، أو إباحتها ( ~~أو استحبابها ) . وأجاب ابن بشير : بأن النهي إذا كان للتحريم فضده الأمر ~~للوجوب بلا شدة ، وإن كان للكراهة فضده الأمر للندب . وقال ابن عرفة : وهذا ~~باطل بالكتاب والسنة والنظر ، أما الكتاب فقول الله تعالى : ( ولا تنكحوا ~~المشركات ) فإن النهي عن نكاح المشركات للتحريم وضده وهو الأمر بنكاح ~~المسلمات للندب على الجملة . ( وإنما ) يجب في بعض الأحيان على بعض الأشخاص ~~، وأما السنة فخرج مسلم في كتاب الحج في رواية ( قتادة ) عن قزعة عن أبي ~~سعيد الخدري ه أن رسول الله قال : ( لا تسافر امرأة فوق ثلاث ليال إلا مع ~~ذي محرم ) . PageV02P635 | فهذا نهي عن السفر مع غير ذي المحرم ، وهو ~~للتحريم ( وضده ) وهو الأمر بالسفر مع ذي محرم مباح لا واجب . وقال القاضي ~~أبو بكر الباقلاني في كتاب التقريب والارشاد ما نصه : وأما النهي عن الشيء ~~فلا بد أن يكون أمرا بضده إن كان له ضد واحد أو بعض أضداده إن كان له أضداد ~~، ويكون أمرا بالضد على سبيل ماهو نهي عنه إما وجوبا أو ندبا . ونص القرافي ~~في شرح التنقيحات على أن ضد الكراهة الندب . قلت : وذكرت ذلك لشيخنا المفتي ~~الفقيه الصالح الحاج العلامة أبي العباس أحمد بن ادريس بن بلال البجائي ~~وللفقيه ms251 أبي الحسن علي بن يحيى بن عجمي البجائي فأجابا عنه ( بوجهين ) : ~~الأول : قال ابن إدريس : النهي للتحريم ضده الأمر للوجوب ما لم يعارضه ~~معارض كقولهم في الأمر بصغة افعل : إنه للوجوب ما لم تقترن به قرينة صارفة ~~عنه للندب وهنا قد جاء الأمر بالنكاح صريحا قال الله تعالى : { فانكحوا ما ~~طاب لكم من النسآء } وفي الحديث : ( من استطاع منكم الباءة فليتزوج ) فإذا ~~حمل الأمر الصريح على الندب لقرينة فأحرى أن يحمل على ذلك الأمر المفهوم من ~~النهي فلا يتم للشيخ ابن عرفة بهذه الآية . PageV02P636 قلت : وذكر بعضهم ~~لابن عرفة معبرا عنه بان هذا خرج بالدليل الدال على عموم وجوب النكاح . ~~فقال ابن عرفة : أين الدليل مع قول داود بوجوب نكاح الحرة مطلقا . قال ابن ~~عرفة : وإنما يعترض على اللخمي بما قال المازري فانظره ؟ الجواب الثاني : ~~قال الشيخ ابن ( عجمي ) : إنما مفهوم الآية أن من أراد النكاح هنا يجب عليه ~~إن ينكح المؤمنات كما أنه يحرم على من يريد النكاح هنا أن ينكح المشركات ~~وكذا الكلام في الحديث سواء ، والمفهوم هنا مفهوم الصفة وهذا لا نزاع فيه . ~~قلت : وكلام الشيخ ابن إدريس مثل ما رد به الإمام ابن رشد في مقدماته على ~~ابن عبد الحكم . وانظر ما تقدم لنا عن ابن الحاجب في قول الله تعالى : { ~~واعلموا أن الله بكل شيء عليم } قوله تعالى : { والله يدعوا إلى الجنة ~~والمغفرة بإذنه . . . } . PageV02P637 | إن قلت : هلا قال : والمؤمنون ~~يدعون إلى الجنة والمغفرة بإذنه . كما ( أسند ) للمشركين الدعاء إلى النار ~~. قلت : أجاب ابن عرفة بأن فيه كمال تشريف لدين الإسلام كما قال الله تعالى ~~: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } قال ابن عرفة : فإن قلت المغفرة ~~سبب في دخول الجنة فهلا : قدمت عليها ؟ فالجواب من وجوه : الأول : قال ابن ~~عرفة : تقدم لنا الجواب عنه فإنها إنما أخرت لتتناول الآية من أطاع الله ~~ولم يعصه فإنه يدخل الجنة ( دخولا أوليا ) ومن أطاع الله وعصى فإنه يدخل ~~النار ويغفر له فيدخل الجنة ، ومن أطاع الله وعصى وغفر ms252 له فإنه أيضا يدخل ~~الجنة دخولا أوليا . الثاني : أنه قصد ذكر المغفرة بالتضمن وبالمطابقة . | ~~الثالث : أن المراد أولائك يدعون إلى النار والمعصية ، وهذا مقابل له فحذف ~~من الأول لدلالة هذا المذكور في الثاني عليه . ورده ابن عرفة : بأن الآية ~~إنما جاءت تهييجا على الطاعة ، فالمناسب أن يذكر فيها ( المخوفات ) والدعاء ~~للمعصية ليس بمخوف . قلت : تقول التقدير : أولئك يدعون إلى النار والعذاب . ~~PageV02P638 قال ابن عطية : والإذن ( العلم ) و ( التمكين ) فإن انضاف إليه ~~أمر فهو أقوى . قال ابن عرفة : ( على هذا ) لا يتقرر الدعاء للمغفرة . قيل ~~له : الإذن الكلام والكلام يصدق على الخبر وعلى الأمر ؟ فقال : الأمر مثل { ~~إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون } قيل له : والأمر عندنا ~~ليس هو ( عين ) الإرادة لأن الإنسان قد يأمر بما لا يريد . قوله تعالى : { ~~ويبين آياته للناس . . . } . قال ابن عرفة : يستفاد منه حجة وقوع المجمل في ~~القرآن لأن الآية دلت على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة . قوله تعالى : ~~{ ويسئلونك عن المحيض . . . } . PageV02P639 قال القاضي عياض في تنبيهاته / ~~: قيل أصله : من حاضت ( السمرة ) إذا خرج منها ( ماء ) أحمر ، ولعل الشجرة ~~إنما شبهت بالمرأة . قال ابن عرفة : ظاهرة أنه حقيقة فيهما . وقال الزمخشري ~~: في ( أساس ) البلاغة : من المجاز قولهم حاضت ( السمرة ) اذا خرج منها ماء ~~أحمر . PageV02P640 قال ابن عرفة : وينبغي أن ينظر الأغلب ، والظاهر أنه ~~مجاز كما قال لأن مسيس الحاجة إلى الإخبار عن حيض المرأة أشد وأكثر من ~~الإخبار عن حيض السمرة فينبغي أن يحكم بأنه الأسبق وحيض | ( الشجرة ) منقول ~~عنه . قوله تعالى : { قل هو أذى . . . } . ( وقال تعالى : { لن يضروكم إلا ~~أذى } والجامع أن الأذى هو الأمر المؤلم الذي ) يقصد إماطته ، وأتى هنا ~~بالحكم مقرونا ( بعلته ) ونصوا على أن ( الأصل تقديم العلة على المعلول ) ~~كهذه الآية ، وكقولك : سهى فسجد ، وزنا فرجم . وقد يجيء الحكم PageV02P641 ~~مذكورا قبلها ( وإنما ) ذلك لأن العلة أصل في الأصل واعتبارها فرع في الأصل ~~. واختلفوا في الحائض إذا طهرت من الدم ولم تتطهر بالماء فالمشهور أن وطأها ~~حرام . PageV02P642 صفحة ms253 فارغة PageV02P643 وحكى القاضي عياض في الإكمال عن ~~ابن بكير جواز وطئها ابتداء من غير كراهة . قلت : وكذا حكى ابن العربي في ~~الاحكام وحكى غيرهما عن ابن بكير كراهة وطئها . وقرأ أبو بكر وحمزة ( حتى ~~يطهرن ) PageV02P644 بالتشديد واختلفوا في فهم الآية على القول المشهور ، ~~فقال بعض البيانيين : فيها حرف التقابل أي حتى يطهرن ويتطهرن فإذا طهرن ~~وتطهرن فأتوهن . مثل قول الله { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق } وقول ~~الشاعر : وإني لتعروني لذكراك هزة . . . كما انتفض العصفور بلله القطر أي : ~~وإني لتعروني لذكراك سكون ثم يزول عني فأفيق وأنتفض لها كما يعتري العصفور ~~عندما بلله القطر ، فإنه يسكن ثم ينتفض وكذا قوله الآخر : فإن كان شجوا ~~فاعذروني على الهوى . . . وإن كان داء غيره فلك العذر أي فاعذرني فلك العذر ~~وإن كان داء غيره فاعذرني أيضا . انظر ابن الصائغ في باب المعرب والمبني . ~~وقال العلامة ابن رشد : في البيان والتحصيل ( يطهرن ) بمعنى : يتطهرن بدليل ~~قراءة التشديد ولو كان الاول في الدم والثاني للماء لجاز بالاول ما لم يجز ~~بالثاني ، إذ لا يقال : لا تقم حتى يأتي زيد ، فإذا أتى عمرو فافعله . ~~PageV02P645 وقال ابن عبد البر في الاستذكار : الحجة للمشهور أنهم جعلوها ~~كالحيض في العدة فأوجبوا لزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل بالماء فإن قيل : ~~الله تعالى قال : ( حتى يطهرن ) . وحتى غاية لما بعدها بخلاف ما قبلها ؟ ~~فالجواب : بأنه قد يقع التحريم بشيء آخر ولا يزول بزواله لعله أخرى ( تخلفه ~~) كقوله تعالى في المبتوته : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره } وليس بنكاح الزوج تحل له حتى يطلقها الزوج وتعتد منه . انتهى . قلت ~~: ونقل صاحبنا الفقيه أبو عبد الله أحمد بن علي بن ميمون النجار عن بعضهم ~~أنه تعقب على ابن رشد بأن التطهير بالماء يستلزم الطهر من الدم فصار كقوله ~~: لا تفعل كذا حتى يأتي زيد فإذا دخل عندك زيد فافعله . لأن دخوله مستلزم ~~لإتيانه . وهذا الكلام جائز بلا شك وذكرته لشيخنا ابن عرفة فاستحسنه وأجاب ~~عن كلام ابن ms254 عبد البر بأن ( المبتوتة ) خرجت بالإجماع لإجماعهم على أنها لا ~~تحل للاول حتى يطلقها الثاني ومسألتنا فيها ( الخلاف ) . قلت : وبين ~~الأصوليين خلاف في لزوم عكس العلة الشرعية ، وأشار إليه ابن بشير في النكاح ~~الأول ، وكلام ابن عبدالبر مبني على عدم انعكاسها . قوله تعالى : { إن الله ~~يحب التوابين . . . } . PageV02P646 | التشديد لتكثير التوبة ودوامها ، فقد ~~تكون توبة واحدة لكنها دائمة فمن يذكر المعصية ويندم عليها تائب ، ومن ~~يذكرها ويتشوق لعودته إليها غير تائب لأنه مصر عليها ، وتارة يقف ولا يندم ~~ولا يتشوق إلى العودة ، واختلفوا هل تجب التوبة في كل زمن هو فيه ذاكر ~~للمعصية ، أم لا تجب على قولين ؟ قوله تعالى : { فأتوا حرثكم أنى شئتم . . ~~. } . قال ابن عرفة : هذا أمر ، فإن قلنا : إن سبب نزولها ما ذكره المفسرون ~~عن أم سلمة من أن قريشا كانوا يأتون على النساء على هيئات مختلفة ، فلما ~~تزوجوا الأنصار أرادوا ذلك فامتنعن منه ، فنزلت الآية فان . قلنا : سبب ~~نزولها هذا فيكون أمرا واراد عقيب الحظر فهو للاباحة وإن قلنا كما قال ~~الزمخشري : فيكون أمرا ابتداء للوجوب ، أو الندب . قوله تعالى : { واتقوا ~~الله واعلموا أنكم ملاقوه . . . } . تأكيد في وجوب امتثال هذا الأمر وتحريم ~~الوطء في ( الدبر ) ولذا قال : إنه شبه اللواط . وفي نوازل الشعبي ضرب ~~سحنون PageV02P647 فاعله ( خمسين ) سوطا ، وفي كتاب الجامع من العتبية ~~إجازته عن مالك وهي مكتوبة وهي مكتوبة فيه ( بالفور ) . قال ابن بزيزة في ~~شرح الجمل : الجمهور على المنع وزعم ابن رشد أن ( المشهور ) جوازها وأسند ~~عنه عيسى بن دينار فقال : هذا أحلى من شرب الماء البارد . ونقل أبو بكر ~~الخطيب في تاريخ بغداد أن مالكا سئل عنه فقال : الآن كما اغتسلت منه . قوله ~~تعالى : { وبشر المؤمنين } . قال ابن عرفة : قد يتمسك بها المعتزلة في ~~قولهم : إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار لأن المناسب أن كان يقال وبشر ~~المحسنين ( أو بشر المتقين ) الذين يجتنبون هذا الفعل ، فما قال ( وبشر / ~~المؤمنين ) دل على أن فاعل هذا الفعل غير مؤمن ؟ قال : والجواب أن المراد ( ~~المؤمنين ) الايمان الكامل ms255 . PageV02P648 قوله تعالى : { ولا تجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم . . . } . قيل : أي مانعا من أيمانكم . وأطلق اليمين على ~~المحلوف عليه مجازا ، أي لا تجعلوه مانعا من فعل ما حلفتم عليه ، وقيل أي ~~لا تكثروا الحلف به وإن كان ذلك تعظيما له خشية أن يفضي بكم ذلك إلى ~~التهاون وعدم التعظيم فأحرى فيما عداها . قال ابن عرفة : وعلى الوجه الأول ~~يكون في الآية عندي دليل على أن الاسم غير المسمى لأن الجعل لا يتعلق ~~بالذات الكريمة ، وإنما يتعلق بالألفاظ الدالة عليها بخلاف قولك : جعلت ~~زيدا حائلا بيني وبين كذا . وكذلك أيضا على الثاني لأن الحلف إنما هو ~~بالألفاظ لا بالذات . قال ابن عرفة : وقول الله تعالى : { أن تبروا وتتقوا ~~. . . } . قيل إرادة البر ، وقيل أي إرادة أن تكونوا أبرارا فعلى الأول ~~تكون ترقيا ، لأن التقوى أخص من البر ، والإصلاح بين الناس أخص . قوله ~~تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم . . . } . حكى ابن عطية في ~~اللغو ( خمسة ) أقوال : منها قول ابن عباس ومالك : اللغو حلف الإنسان على ~~تيقنه فتبين له خلافه . ابن عطية : وهذا اليقين هنا غلبة الظن أطلقوا عليه ~~لفظة اليقين . قال ابن عرفة : وهذا مخالف لكلام الفقهاء كلهم وأين هو من ~~قول ابن الحاجب . قلت : والظاهر أن الظن كذلك بعد أن قال : اللغو هو الحلف ~~على ما يعتقده فتبين خلافه . PageV02P649 وقيل : ما سبق إليه اللسان بغير ~~عقد . وفي المدونة : والغموس الحلف على تعمد الكذب أو على غير ( يقين ) ~~فيدخل فيه الظن . قيل لابن عرفة : إن الشيخ القاضي أبا العباس أحمد بن ~~حيدرة كان يقول الظاهر أن اللغو هو قول : الرجل : لا والله وبلى والله ، ~~لقوله تعالى في سورة العقود { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } ففسر الكسب ~~هنا بما عقد عليه اليمين وحلف الانسان على ما يعتقده ثم يتبين له خلافه هو ~~مما كسبت القلوب لأنه انعقد عليه ( اليمين ) بخلاف قوله : لا والله وبلى ~~والله . فانه شيء جرى على اللسان من غير مواطأة القلب عليه فقال ابن عرفة : ~~يمكن تأويل الآية على القول الآخر فإن ms256 الماضي لا يتعلق به كسب لعجز الفكر ~~عن تلافيه والمستقبل منتظر الوقوع فيتعلق به الكسب أعني بانتظاره والتماسه ~~وإدراكه هل هو كذلك أم لا ؟ بخلاف الماضي . قوله تعالى : { والله غفور حليم ~~} . يحتمل أن يرجع ( غفور ) للغو اليمين و ( حليم ) لعدم المعاجلة بالعقوبة ~~في اليمين الغموس . قوله تعالى : { للذين يؤلون من نسآئهم . . . } . ~~PageV02P650 قال ابن العربي : في قول الله { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } ~~وفي قول الله : { والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما قالوا } أجمعنا ~~على أن الأمة من نسائنا ، فليكن العبد من رجالنا فتجوز شهادته ، وكذلك يقال ~~هنا : إن لفظ النساء يتناول الحرائر والإماء . قال ابن عرفة : أو يجاب هنا ~~بالقرينة و هو أن منصب العدالة شريف عظيم فلا تقبل فيه العبيد ، وكذلك ~~القرينة هنا ( لأجل ) أن الإيلاء إنما هو لرفع الضرر على الزوجة والمشقة ، ~~فإذا روعي ذلك في الزوجة الحرة لزم أن يراعى في الأمة الزوجة من باب أحرى ~~ما اتصف به من الزلة الموجبة لانتهاك ( الحرمة ) فضررها أشد . قوله تعالى : ~~{ تربص أربعة أشهر . . . } . قالوا : هذه الإضافة على معنى ( في ) . قال ~~ابن عرفة : فهذا دليل على صحة القول بأنه بنفس انقضاء الأربعة أشهر تخرج ~~مطلقة لأن التربص هو في الأربعة أشهر فإذا انقضت انقضى التربص إلا أن يقال ~~: إن التربص ( يقتضي ) عند فراغه إما الطلاق أو ( أيقافه ) ليطلق ، وكان ~~أولا اتفاقا بغير طلاق . أو يقال : إن هذا التقسيم في الآية يدل على أن ~~الزوج مخير بين أن يبقي أو يطلق ، فدل على أنه لا يلزمه الطلاق بمضي الأجل ~~. PageV02P651 قوله تعالى : { فإن الله غفور رحيم } . قيل لابن عرفة : هذا ~~دليل على أن الإيلاء غير جائز ؟ فقال : المذهب أنه جائز على تفصيل ، ~~والصحيح جوازه مطلقا ، لأن النبي آلى من نسائه . وقد ذكر الشيخ ابن العربي ~~قضيته لما رد على ابن الخطيب في قوله : إن النبي آلى وطلق وظاهر . فقال : ~~له قولك آلى وطلق صحيح وقولك ظاهر ( غير صحيح ) كيف والله تعالى يقول { ~~وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } قال ابن عرفة : والجواب ms257 بأن تكون ~~المغفرة والرحمة راجعين بسبب الإيلاء لأن الإيلاء لا يكون إلا عن غضب وشرور ~~وذلك غير جائز فحسن تعقيبه بالمغفرة . قوله تعالى : { وإن عزموا الطلاق فإن ~~الله سميع عليم } . قال ابن عرفة : جواب الشرط مقدر ، أي ارتفع حكم الإيلاء ~~( عنهم ) . قال الزمخشري : فإن قلت : العزم من أعمال القلب فيكف عقبه ~~بالسمع وهو من لوازم الأقوال لا الأفعال . PageV02P652 قال ابن عرفة : وهذا ~~( السؤال ) لا يوافق أصله فإنه يرد صفة السمع لصفة العلم فلا فرق / عنده ~~بين السميع والعليم وأيضا فهو ينفي الكلام النفسي . وأجاب الزمخشري : بأن ~~العازم على الطلاق لا يخلو من مقاولة ودمدمة . | وأجاب ابن عرفة : بأنا ( ~~نثبت ) الكلام النفسي ، ويصح عندنا سماعه كما سمع موسى كلام الله القديم ~~الأزلي ، وليس بصوت ولا حرف ، أو يقال : إن العزم على الطلاق له اعتباران : ~~اعتبار في نفس الأمر عند الله تعالى ، واعتبار في الظاهر لنا بالحكم الشرعي ~~من حيث يرتفع له حكم الإيلاء عن صاحبه ، ويخرج عن عهدة الحكم عليه ، فهو ~~بهذا الاعتبار لا يعلم إلا بأمارة وقول يدل عليه ، وذلك القول مسموع فعلق ~~به السمع بهذا الاعتبار والعلم باعتبار الأول . قوله تعالى : { والمطلقات ~~يتربصن . . . } . هذا عام مخصوص ( بالمطلقة قبل البناء والحامل والصغيرة ~~والآيسة من الحيض . ابن عرفة : وهو ( مخصوص ) بدليل متصل لأن الحامل معلوم ~~عمارة رحمها فلا بد من انتظارها وقت زوالها ، ومن عداها معلوم براءة ~~أرحامهن فلا فائدة في عدتهن ثلاثة قروء . PageV02P653 قيل لابن عرفة : هذا ~~إن قلنا : لا تحيض ، وأما على قول ابن القاسم بأنها تحيض فيكون مخصوصا ~~بدليل منفصل عن الآية . قوله تعالى : { ثلاثة قرواء . . . } . | مشترك بين ~~الطهر والحيض ، والشافعي يقول : الأقراء هنا الحيض . والإمام مالك ه نقل ~~الكل عنه أنها للأطهار ، ونقل اللخمي عنه قولين ، والقرء في اللغة الجمع . ~~قيل لابن عرفة : كنت قلت لنا : إن هذا ليس من ذلك لأن الجمع من قريت الماء ~~في الحوض غير مهموز ، والقرء مهموز . وقلت لنا : الصحيح أنه للقدر المشترك ~~وهو براءة الرحم ؟ قال ابن عرفة والظاهر في لفظ ms258 الآية أن الأقراء الحيض ، ~~لأن التربص هو الانتظار ، والانتظار يقتضي ( أقراء مستقبلة ) ، وقد أمر ~~الشارع بالطلاق في طهر لم تمس فيه ، فاذا طلقها طاهرا ، فان قلنا : إن ~~الأقراء : الحيض ، صح الانتظار ، وان قلنا : الاطهار ، لم يستقم إسناد ~~الانتظار إليها لأن ( القرء ) الأول حاصل في الحال . فلا ( يقال ) له : ~~انتظره . وأجيب : بأن الانتظار أسند ( ( لمجموع الثلاثة أطهار . ( فقال : ~~على أنها الحيض يكون ) الانتظار أسند لمجموعها ) ) . PageV02P654 ولكل واحد ~~منها وعلى أنها الأطهار فالانتظار مسند لمجموعها باعتبار الكل لا باعتبار ~~الكلية . قوله تعالى : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن . . ~~. } . قال ابن عرفة : هذا إخبار عن الحكم ، فلا يصح أن يكون الشرط الذي ~~بعده قيدا فيه لأن متعلق الخبر حاصل في نفس الأمر سواء حصل الشرط أو لا . ~~لأن حكم الله لا يتبدل فلا يحل لهن ذلك سواء آمن أو كفرن ، ولا بد أن يقال ~~: إنه شرط في لازم ذلك الخبر . والتقدير لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن فلا يكتمنه إن كن يؤمن بالله ، وهذا على سبيل التهييج لئلا يلزم ~~عليه التكفير بالذنب وهو مذهب المعتزلة . قيل لابن عرفة : ما قلتموه إنما ( ~~يقوم ) على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ؟ وقال ابن عرفة : واستعمال ~~الأشياء ( المعقمة ) المانعة من الحمل قبل ( الحمل ) كرهها في العتبية ، ~~وأما بعد الحمل في الأربعين فالجمهور على المنع من إسقاط الماء من الرحم ~~ذكره ابن العربي وغيره . وحكى الامام اللخمي فيه خلافا شاذا ، واما بعد ~~التطوير والتكوين فأجمعوا على تحريم ذلك . قوله تعالى : { وبعولتهن أحق ~~بردهن في ذلك . . . } . PageV02P655 مخصوص بطلاق الخلع . وفي المدونة قولان ~~إن قال لها : أتت طالق طلاق الخلع . | قوله تعالى : { إن أرادوا إصلاحا . . ~~. } . مفهومه : إن لم يريدوا إصلاحا فلا حق لهم سواء أرادوا الإفساد أو لم ~~يريدوا شيئا . قيل لابن عرفة : فعلى هذا لايجوز أن يتزوجها ليطلقها إذ لا ( ~~إصلاح ) فيه ؟ فقال : قد يكون فيه الإصلاح ، تأمل . قوله تعالى : { وللرجال ~~عليهن درجة . . . } . أي في التفضيل ، وفي تفسير الدرجة خلاف ( فالجمهور ms259 ) ~~يحملونها على حسن العشرة كما قال ابن العباس هما . وهذا الظاهر ، فيقولون ~~وله عليها من القيام بحقه المبادرة إلى غرضه ورفقه ، مثل الذي عليه وزيادة ~~درجة التقديم . ويريدون المعنوي وهو التفضيل ومن بدع التفاسير ما نقلوه عن ~~ابن مسعود أن الدرجة ( اللحية ) . قال ابن عرفة : والتفضيل هو الأمر المباح ~~مثل إذا تعارض سكناها في دار أرادتها مع سكناها في دار أخرى أرادها زوجها ~~وهما مستويان ، فينبغي للمرأة إيثار اختيار الزوج . PageV02P656 قوله تعالى ~~: { الطلاق مرتان . . . } . فسروه بوجهين : إما الطلاق الرجعي مرتان لأن ~~الطلقة ( الثالثة ) لا رجعة فيها ، وإما الطلاق السني مرتان . ( فإن ) قلت ~~: الطلاق السني ثلاث تطليقات ؟ ( قلنا ) لأجل هذا قال الزمخشري : إن ~~التثنية ليست على حقيقتها بل للتكرار أي مرة بعد مرة مثل { ثم ارجع البصر ~~كرتين } أي كرة بعد كرة فيكون تنبيها على أن الطلاق الموقع في كلمة واحدة ~~غير سني . فإن قلت : هلا قال : الطلاق ثنتان ؟ فالجواب من وجوه : الأول : ~~قال ابن عرفة : قدمنا أن ( الثنتين ) يصدقان على الطلاق الممكن والمحال ~~فيقال : الطلاق طلاقان . ويكون محالا بخلاف المرتين لأن المرة تفيد ~~بدلالتها / على الزمان أن الطلاق وجودي واقع . الثاني : أنه إنما قيل ( ~~مرتان ) تنبيها على أن المراد الطلاق ( مرة بعد مرة لأن المرة زمان ~~والزمانان متفرقان بلا شك لاستحالة اجتماعهما ) ولو قيل : ثنتان الطلاق ~~مجتمعا ومفرقا لأفاد بذلك النهي عن أيقاع الثالث في كلمة واحدة . ~~PageV02P657 قيل لابن عرفة : إن الشيخ الفقيه القاضي أبا العباس أحمد بن ~~حيدرة والفقيه المفتي أبا القاسم الغبريني رحمهما الله تعالى سئلا عمن شهد ~~عليه أنه قال : لزوجته ما نصه : أنت طالق مرتين ؟ قال لها في مرة واحدة ~~فقالا : ينوى . فاستشكله ابن عرفة لأنه صريح أو ظاهر في الاثنتين وقد أسرته ~~البينة . أبو حيان : أي عدد الطلاق مرتان أو إيقاعه مرتان . قال اين عرفة : ~~إن أراد تقدير معنى فصواب ، وإن أراد أمرا حاجيا لا بد منه ولا يتم اللفظ ~~إلا به ، فليس كذلك . قال ابن عرفة : والآية دالة على أن طلاق الحر مساو ~~لطلاق ms260 العبد . قوله تعالى : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان . . . } . قال ~~ابن عرفة : فإن قلت : هلا قيل : فإمساك بإحسان أو تسريح بمعروف ، وهذا ~~السؤال مذكور في حسن الائتلاف ؟ قال : وعادتهم يجيبون بأن المعروف أخف من ~~الإحسان لأن المعروف حسن العشرة والتزام حقوق الزوجية والإحسان ألا يظلمها ~~شيئا من حقها ، فيقتضي الإعطاء وبذل المال أشق على النفوس من حسن العشرة ( ~~فجعل ) المعروف مع الإمساك المقتضي لدوام العصمة إذ لا يضر تكرره ، وجعل ~~الإحسان المشق على النفوس ( مع ) التسريح الذي لا يتكرر بل هو مرة أو مرتان ~~أو ثلاث فقط . PageV02P658 ونقل ابن يونس عن أبي ( عمر ) : أن هذه الآية ما ~~زالت يكتبها الموثقون في الصدقات . قال : وكان الشيخ القاضي أبو عبد الله ~~محمد بن عبد السلام ينكر على أهل زماننا كتبها في الصدقات إذ لا يذكر في ~~عقد النكاح إلا ما يلائمه ويناسبه . وأما الطلاق ففي ذكره فيه تفاؤل ~~ومناقضة للنكاح ولذا ( تجد ) بعضهم يقول : من الإمساك بالمعروف أو المعاشرة ~~بالإحسان ( فيؤول ) اللفظ . أبو حيان : ( ( إمساك ) ) إما خبر ، أي فالواجب ~~إمساك ، وإما مبتدأ وخبره مقدر إما قبله أي فعليكم امساك أو بعده أي فإمساك ~~عليكم . قال ابن عرفة : سببه أن ( بمعروف ) إن كان صفة الإمساك قدر الخبر ~~متأخرا ، وإن كان متعلقا به قدر مقدما لأن المبتدأ نكرة . قوله تعالى : { ~~ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا . . . } . قال ابن عرفة : إن أريد ~~تأكيد التحريم يقال : لا يحل كذا ، وإن أريد مطلق التحريم يقال : لا تفعل ~~كذا ، لاحتماله الكراهة ، وكذلك المفتي لا يقول : لا يحل كذا ، إلا فيما ~~قوي دليل تحريمه عنده ، وأما دون ذلك فيقول : لا يفعل أو لا ينبغي ( أن ~~تفعل ) كذا . | قوله تعالى : { ممآ آتيتموهن شيئا . . . } . PageV02P659 ~~قال أبو حيان : حذف العائد على ( ما ) لأنه ( المفعول ) الأول للفعل وهو ~~ضمير نصب متصل ، والثاني كذلك . وتقديره مما ءاتيتموهن . هذا نص أبي حيان ، ~~إن ( ءاتيتم ) يعتدى إلى مفعولين حذف أحدهما وهو العائد على ما تقديره | ( ~~ءاتيتموهن إياه ) . قال الصفاقسي : فيه نظر لأنهم نصوا على أن ms261 الضمير ~~المنصوب لا يجوز | ( حذفه ) ولا يجوز اجتماع ضميري نصب متصلين . فقال بعض ~~الطلبة : إنما ذلك إذا اتفقا في الإفراد والتثنية والجمع أما إذا كان ~~أحدهما مفردا والآخر مجموعا فنص سيبويه على جوازه . وقال بعض الطلبة : بل ~~ضعفه ابن مالك . قال ابن عرفة : وعادتهم يجيبون بأن ( يردوا ) على أبي حيان ~~بأن المحذوف هنا ضمير نصب متصل . والتقدير : مما ءاتتموه إياهن ، فحذف ~~الضمير المفرد واتصل الآخر بالفعل بعد أن كان منفصلا فصار ( ءاتيتموهن ) . ~~قوله تعالى : { إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله . . . } . هذا إما ~~استثناء من الأسباب ، أي منهن شيئا لسبب من الأسباب : خوف عدم إقامة حدود ~~الله . والزمخشري يعبر عنه في غير هذا بأنه استثناء من أعم العام . ~~PageV02P660 قال ابن عرفة : وهذا يدل بالمطابقة على جواز الخلغ منهما معا ~~وباللزوم على جوازه من المرأة وحدها وأما الزوج فيستحيل ذلك في حقه . وهذا ~~الخلع للزوجين قد يكون للحاكم . ومثاله : إذا زوج الأب ابنه الصغير ومات ~~وأراد القاضي أن يخالع منه . قوله تعالى : { إلا أن يخافآ . . . } . ذكر ~~أبو حيان أنه في موضع الحال . ورده ابن عرفة بأن ( أن ) الموصولة ( أعرف ~~المعارف عندهم والحال لايكون إلا نكرة . قلت : الحال هنا ) معنوية لا لفظية ~~والتعريف في اللفظ لا في المعنى . قوله تعالى : { فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به . . . } . قيل لابن عرفة : الفدية في اصطلاح الفقهاء هي المخالعة ~~بالبعض لا بالكل وهو مناسب لقوله ( أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا ) . فقال : ~~اللغة لا تفسر بإصطلاح . والمناسب هناك منع الخلع بالبعض فيستلزم منعه ~~بالكل من باب أحرى . والمناسب هنا إباحة الخلع بالجميع فيستلزم إباحته ~~بالبعض . قوله تعالى : { ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } . قال ~~ابن عرفة : / إفراد الضمير العائد على ( من ) أولا ( و ) جمعه ثانيا مناسب ~~لفظا ومعنى ؛ أما اللفظ فالمستحسن عند النحويين معاملة لفظ ( من ) أولا ثم ~~معناها ، وأما المعنى فأفرد ضمير المتعدي تقليلا له ومبالغة في التنفير من ~~صفة التعدي حتى كأنه لا يقع ( الأمر ) PageV02P661 من أحد . ثم جمع ~~الظالمين لأنه ( جزاء ) انتقام وعقوبة ms262 فالمناسب جمعه ( ليعم ) كل ظالم حتى ~~يزجر عن ذلك من هذه صفته . قوله تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد . . ~~. } قيل لابن عرفة : وما أفاد قوله ( من بعد ) والكلام يستقل بدونه ؟ فقال ~~: أفاد التنبيه على مرجوحية الطلقة الثالثة . قال ابن عرفة : ( وهذا الخلع ~~) هل هو فسخ أو طلاق ؟ منهم من قال : لا يكون طلاقا إلا إذا كان بلفظ ~~الطلاق فتقول له : خالعتك على كذا . فيقول : أنت طالق على ذلك ، ولو قال ~~وأنا أخالعك على ذلك أو قال : سرحتك على ( ذلك ) وخليت سبيلك وأبحت لك ~~الأزواج ، فهو فسخ . وهي مسألة وقعت في المغرب في رجل كان يقال له البخاري ~~، لأنه كان يحفظ البخاري ، كان طلق زوجته طلاق الخلع ثلاثا بغير لفظ الطلاق ~~، ثم ردها قبل زوج فاختلف الفاسيون . فبعضهم قال : يرجم ، وآخرون قالوا : ~~يلزمه الأدب فقط ، لأنه خالع بغير لفظ الطلاق ، وحدوه حينئذ وتركوه . وهي ~~مسالة المدونه إما أن يعذر بجهل أولا ، وهذا الرجل كان عالما . قوله تعالى ~~: { حتى تنكح زوجا غيره . . . } . قال سعيد بن المسيب : : إنها تحل بالعقد ~~. قال ابن عرفة : وما حمله عندي إلا أنه يقول : اقتضت الآية أنها تحل ~~بالعقد ، وبينت السنة أنها لا بد من الوطء . وبهذا كان يرد بعضهم على من ~~قال : كل نكاح في القرآن المراد به العقد إلا ( في ) PageV02P662 هذه الآية ~~، فكان يقول : بل هو هنا حقيقة في العقد ، وبينت السنة أنه لابد من الوطء . ~~قوله تعالى : { إن ظنآ أن يقيما حدود الله . . . } . ولم يقل : إن لم يخافا ~~ألا يقيما حدود الله ، لأن هذه أبلغ في التكليف . قال ابن عرفة : وأهل ~~بلدنا يكلفونها إذا أرادت الرجوع لمطلقها بالثلاث إثبات كون المحلل غير ~~متهم لفساد الزمان . وأهل القيروان يكلفونها ( إثبات ) ذلك عند تزويجها . ~~وكان الشيخ ابن هارون لما عزل عن قضاء توزر تكلم معه القاضي ابن عبد السلام ~~في أمور منها أنه لم يأمر بذلك ، فقال ابن هارون : تكليفها بهذا لم يذكره ~~أحد وفيه مشقة عليها ، وإنما الصواب أن يعمل على ما اتفقا عليه ms263 هي والذي ( ~~حللها ) لمطلقها . قال : فأنكر ذلك ابن عبد السلام وقال له : سمعت عنك أنك ~~تأخذ في كل صداق دينارا كبيرا وتسرحه ، فسكت عنه . قوله تعالى : { وإذا ~~طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ~~ضرارا } . وقال قبل هذا : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } وتقدم أن ~~المعروف أخف من الإحسان فالجمع بين الآيتين بأنه لما وقع الأمر بتسريحهن ~~مقارنا للاحسان إليهن خاف أن يتوهم أن الأمر بالإحسان إليهن عند تسريحهن ~~للوجوب فعقبه بهذا تنبيها على أنه إحسان بمعروف فهو للندب لا للوجوب . ولفظ ~~التسريح عندهم من الكنايات الظاهرة في الثلاث . PageV02P663 وقوله ( لا ~~تمسكوهن ) قال أبو حيان : إن كان ( ضرارا ) حالا تعلقت اللام ( من ( ~~لتعتدوا ) به أو ب ( ولا تمسكوهن ) ، وإن كان مفعولا من أجله تعلقت اللام ) ~~ب ( ضرارا ) أو كان علة للعلة كقولك : ضربت بني تأديبا لينتفع . ولا يجوز ~~أن يتعلق ب ( لا تمسكوهن ) فيكون الفعل قد تغير إلى علة وإلى عاقبة وهما ~~مختلفان . قال ابن عرفة : ليس امتناعه من جهة الإعراب بل من جهة المعنى ~~لأنه لا يقصد أحد ( بإمساك زوجته أنه متعد حكم الله كما لا يقصد أحد ) ~~بالزنا أنه متعد حكم الله ، وإنما يقصد أضدادها فيؤول ( أمره ) إلى تعدى ( ~~حكم الله ) والزاني يقصد اتباع شهوته ويؤول أمره إلى أنه تعدى حدود الله . ~~| قوله تعالى : { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه . . . } . قال ابن عرفة : هذا ~~احتراس لأن من يأمره بأمر ويؤكده بالنهي عن ضده ثم يزيد تأكيدا ، فإنما ~~يفعل ذلك لتعلق غرضه به وانتفاعه به وتضرره من ( عدمه ) فبين أنه تعالى لا ~~يلحقه من فعل ذلك نفع ولا يناله من ( تركه ) ضرر بوجه . قوله تعالى : { ولا ~~تتخذوا آيات الله هزوا . . . } . ولم يقل : ولا تستهزئوا بآيات الله ، مع ~~أن الاستهزاء بها أعم من اتخاذها هزؤا ونفي الأعم أخص من نفي الأخص لأن ~~اتخاذ آيات الله هزؤا أخص من مطلق الاستهزاء . PageV02P664 فالجواب أن ~~الاستهزاء بها لو وقع لما وقع إلا على المعنى الأخص ولذلك أضاف الآية إلى ms264 ~~الله تعالى إضافة تشريف . ونظيره قول الله تعالى : { وما ربك بظلام للعبيد ~~} أجابوا بوجهين : إما بأن المبالغة في نفس الظلم أي لو كان وقع لكان عظيما ~~لأن الحقير من العظيم ، وإما باعتبار تعدد متعلقاته . وآيات الله إما ~~أحكامه أو دلائل أحكامه وهو الظاهر لأن الزاني لم يستهزىء بالزنا ولا ~~بتحريمه ، ( بل ) بالدليل الدال على تحريمه . قوله تعالى : { لتعتدوا } . ~~لتعتدوا : متعلق ب ( ضرار ) وهي لام العاقبة وليس متعلقا ب ( تمسكوا ) . ~~قوله تعالى : { وإذا طلقتم النسآء . . . } . الخطاب للأزواح وقيل الأول و ~~أما الثاني فقيل للأزواج وقيل للأولياء فإن كان للأزواج فالمعنى : أن ينكحن ~~أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن . قال ابن عرفة : / ومنهم من قال ~~الخطاب للجميع لأن المفعول إذا لم يكن شخصا بعينه فيمكن أن يكون فاعلا ~~مفعولا . وقوله : { فلا تعضلوهن } ليس المراد به ( نساءكم ) المطلقات بل ~~المراد لا تعضلوا النساء بالإطلاق فيقال للرجال : إذا طلقت امرأتك لا تعضل ~~النساء ، أي لا تمنعها هي من التزويج ولا تمنع وليتك من التزويج . قالوا : ~~وبلوغ الأجل هنا حقيقة وليس المراد مقاربته . قال ابن عرفة : ليس مرادهم ~~أنه يجب ( هنا حمله على حقيقته ) وإنما يريدون أن الاصل في الإطلاق الحقيقة ~~، اقترن بالأول ما أوجب صرفه عن حقيقته إلى مجازه وبقي هذا على الأصل فيصح ~~حمله على المجاز PageV02P665 فإن ( صح بأن ) خوطب الأزواج فظاهر ، وان خوطب ~~الأولياء فالمراد نهي الأولياء عن عضل المرأة عن التزويج في العدة بقرب ~~فراغها خوف الضرار ، لو فرض جواز ذلك وهم ممنوعون منه شرعا فأحرى أن ينهوا ~~عن ذلك بعد العدة حيث هم متمكنون من المنع والإباحة . قوله تعالى : { إذا ~~تراضوا بينهم بالمعروف . . . } . إن قلت : ما أفاد قوله ( بينهم ) ؟ قلنا : ~~أفاد ذلك قصر ذلك على تراضي الزوجين خشية أن يظن توقفه على تراضي عموم ~~العشيرة وسائر القرابات . قوله تعالى : { ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن ~~بالله واليوم الأخر . . . } . أي يوعظ به الوعظ النافع المحصل للانزجار . ~~قوله تعالى : { ذلكم أزكى لكم وأطهر . . . } . أي يزكيكم ، فيجعل لكم صعود ~~الدرجات في الجنات ms265 ، ويطهركم من الآثام ويبعدكم عن الدركات والحلول في ~~النار . وقوله تعالى : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . إما باعتبار عاقبة ~~الأمر في المستقبل وإما لكون العلم القديم مباينا للعلم الحديث ولا مماثلة ~~فيهما بوجه . PageV02P666 قوله تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن . . . } ~~. قال ابن عرفة : هذا عام مخصوص بالعادة فالشريفة التي ليس من عادتها ~~الإرضاع لا يطلب ذلك منها . ونص الأصوليون على صحة التخصيص بالعادة . ~~واعتبره مالك في حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا ، فخصصه بالماء دون ~~الطعام لان العادة تحفظ الناس على الطعام ، فالغالب أن الكلب لا يصل إليه ~~بخلاف الماء . PageV02P667 قال ابن عطية : فإن مات الأب ولا مال للابن ، ~~فذكر مالك في المدونة أن الرضاع لازم للأم بخلاف النفقة . وفي كتاب ( ابن ) ~~الجلاب : رضاعه في بيت المال . وقال عبد الوهاب : هو من فقراء المسلمين . ~~قال ابن عرفة : هذان يرجعان إلى قول واحد ، لأن الفقر يستدعي الإعطاء من ~~بيت المال . قال ابن عطية : وانتزعه مالك وجماعة من العلماء من هذه الآية ~~أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين لأن ~~بانقضاء الحولين تمت الرضاعة فلا رضاعة . قال ابن عرفة : من يطالعه يتوهم ( ~~قصد ) التحريم على الرضاع في الحولين . وفي المدونة : ولا يحرم رضاع الكبير ~~إلا ما قارب الحولين ولم يفصل مثل شهر أو شهرين ، وأما لو فصل بعد الحولين ~~وبعد حول حتى استغنى بالطعام فلا يحرم ما رضع بعد ذلك . PageV02P668 قال ~~ابن عرفة : فالرضاع فيما زاد على الحولين بقربهما ينشر الحرمة . قال ابن ~~عطية : وروي عن قتادة أنه نزل أولا : { والوالدات يرضعن أولادهن } ثم نسخت ~~بقوله تعالى : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } . ابن عطية : وهذا القول متداع ~~( مبتدع ) . قال ابن عرفة : أي متناف لأن الشيء إنما ينسخ بنقيضه وما محمله ~~عندي هنا إلا أنه نسخ في الأخف . قوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن . . . } . قال ابن عرفة : ولو قيل : نفقتهن وكسوتهن ، لكان فيه حجة ~~لمن يقول : إن الكسوة غير داخلة في النفقة ، وهي مسألة اختلف فيها الشيوخ ~~ابن ms266 زرب وغيره من الاندلسيين . قيل لابن عرفة : المطلقة في العدة لا كسوة ~~لها ؟ فقال : وكذلك الكسوة هنا ثابتة للزوجة على زوجها وإن لم يكن إرضاع . ~~قوله تعالى : { بالمعروف . . . } . PageV02P669 عدل بين الآباء والأبناء ~~فلا تبالغ في طلبه و لا يقصر هو في الإعطاء . قوله تعالى : { لا تكلف نفس ~~إلا وسعها . . . } . دليل على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع كمذهبنا انه ~~جائز غير واقع . قيل لابن عرفة : بل ( هي ) دليل على أنه غير جائز كمذهب ~~المعتزلة ويكون من باب السلب والإيجاب كما تقول : الحائط لا يبصر ؟ فقال : ~~الأكثر في الكلام ان لا ينفى إلا ما هو ممكن قابل للثبوت والوقوع . قوله ~~تعالى : { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور } . قال ابن عطية : فصالا ~~، أي فطاما . وفصاله قبل الحولين لا يكون إلا برضاهما وألا يكون على ~~المولود فيه ضرر . وأما بعد تمامهما فمن دعا إلى الفصل فذلك له إلا أن يكون ~~على الصبي فيه ضرر . قال ابن عرفة : فعلى هذا ينبغي أن تحمل الآية على ( أن ~~) التراضي والتشاور قبل انقضاء الحولين لأنه جعل التشاور بعدهما غير معتبر ~~. PageV02P670 ابن عرفة : وتقدم لنا سؤال وهو أن التراضي سبب عن التشاور ( ~~( لأن المشورة ) ( تحصل ) التراضي أو عدمه فكان الأنسب تقديم التشاور على ~~التراضي ) ) . قال : وتقدم الجواب بأنه أفاد عدم الاقتصار على تراضيهما ~~فإذا تراضيا على الفصال وكانت مشورتهما للغير تنتج أن المصلحة في عدم ~~الفصال فلا عبرة بما تراضيا عليه . قيل لابن عرفة : أو يجاب بأنه لو قيل : ~~عن تشاور وتراض ، لأفاد تبعية أحدهما للآخر فإن المستشير أضعف رتبة ( من ) ~~المستشار فقدم الرضى ليفيد اعتبار رضاهما معا من غير تبعية ؟ فقال ابن عرفة ~~: ليس في الآية أن أحدهما يستشير مع الآخر وإنما يستشيران مع الأجنبي . | ~~قال ابن عرفة : ( وعبر ) ب ( إن ) دون ( إذا ) لأن النفوس مجبولة على محبة ~~الولد فإرادتهم الفصال اقل بالنسبة إلى إرادة الرضاع ، فكأنه غير واقع ، أو ~~يكون أفاد أنه ( غير ) ( مرجوح ) شرعا . وعبر في الثاني ب ( إذا ) لأن ~~استرضاع الولد للأجنبية ms267 ( مرجوح ) بالنسبة إلى إرضاع أمه . قيل لابن عرفة : ~~ما الفائدة في هذه الآية مع أن معناها مستفاد من قوله : { والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين لمن PageV02P671 أراد أن يتم الرضاعة } فمفهومها أن ~~من لم يرد الإتمام فلا جناح عليه في الفصال . فقال : هذا جاء احتراسا لأن ~~مفهوم تلك أن من أراد الفصال له ذلك فاقتضت الآية هذه اعتبار رضاهما معا ~~بذلك . فقيل : قوله لمن أراد أن يتم الرضاعة يفيد هذا لأنه إن أراد أحدهما ~~( الفصال ) وأراد الآخر الإتمام لم يتراضيا معا بالفصال ؟ فقال : أفادت هذه ~~زيادة الأمر بمشورتهما غيرهما . قال : وقوله { تراض منهما } ولم يقل : عن ~~تراضيهما ، ليفيد التفسير بعد الإتمام كما قال الزمخشري في قوله الله تعالى ~~: { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } قوله تعالى : { فلا جناح عليهما . ~~. . } . دليل على مرجوحية الفصال لأن اللفظ غالب استعماله في فعل المرجوح . ~~قوله تعالى : { إذا سلمتم مآ آتيتم بالمعروف . . . } . قرىء : ( مآ أتيتم ) ~~. قال ابن عرفة : وفي هذه القراءة تهييج على الأمر بالتسليم لأن تسليم ~~الإنسان ما لا يملك أهون عليه من تسليم ما يملك . ومعنى قوله ( مآ آتيتم ) ~~بالنصب أن يعطي الأب ( الأم ) دينارا على الإرضاع PageV02P672 ثم يريد أن ~~يسترضع الولد ( عند ) الأجنبية فلا جناح ( عليهما ) إذا سلم الدينار للأم ~~ولم يسترجعه من عندها . قال أبو حيان : ( إذا سلمتم شرط ) ، قالوا : ~~وجوابها ما يدل عليه الشرط الأول وجوابه وذلك المعنى هو العامل في ( إذا ) ~~وهو متعلق تعلق بما يتعلق به ( عليكم ) . أبو حيان : وظاهره خطأ لأن القول ~~بأن العامل في ( إذا ) المعنى الذي يدل عليه الشرط وجوابه مع القول بأنها ~~تتعلق بما تعلق به ( عليكم ) متناف . قال : ابن عرفة : لأنه إذا كان العامل ~~في ( إذا ) ما تعلق به ( عليكم ) فيكون ( إذا ) جوابا للشرط الأول فقد قلتم ~~إن الشرط الأول ( جوابها ) فيلزم التناقض . قيل لابن عرفة : أو يريد ~~بالتنافي أنها إذا كان العامل فيها ما تعلق به ( عليكم ) يكون ( إذا ) ظرفا ~~وقد جعلتموها شرطا وهذا تناقض . قوله تعالى : { واتقوا الله . . . } . ~~إشارة إلى مراعاة حق ms268 الولد في ذلك لأنه لا يتكلم ولا يخبر بشيء . قوله ~~تعالى : { واعلموا أن الله بما تعملون بصير } . ابن عرفة : الوصف ب ( بصير ~~) أشد في الوعيد والتخويف من الوصف ب ( عليم ) لأن الإنسان قد يتجرأ على ~~مخالفة سيده الغائب عنه وإن علم أنه يعلم ولا يتجرأ على مخالفته إذا كان ~~حاضرا يشاهده وينظر إليه . PageV02P673 فائدة : سئل الشيخ ابن عرفة عن ~~امرأة سقطت حضانتها لولدها إما لتزويج أو سفه أو عجز أو غير ذلك ثم إنها ~~اشتاقت إلى الولد وأخذته فبقي عندها عاما كاملا ثم طلبت من أبيه نفقته ~~فادعى أنه كان ينفق عليه ؟ فقال ابن عرفة : بأن القول قولها فتحلف وتستحق ، ~~وقصارى الأمر أن تكون كالأجنبية إذا أنفقت على الولد . وقد قال في المدونة ~~: القول قولها . وهذه لما سقطت حضانتها صارت كالأجنيبة . أنتهى . قوله ~~تعالى : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن . . . } . قال ~~ابن عرفة : وتقدم لنا فيه سؤال وهو أن يقال : ما الفائدة في زيادة ( منكم ) ~~ولو أسقط لكان اللفظ أعم فائدة ؟ كما تقدم لنا الجواب عنه بقول بعضهم : إن ~~العام إذا قيد بشيء غالب أمره أنه يتخصص به ، وقد يكون تقييده موجبا لتأكيد ~~عمومه كهذه الآية ، فإن توهم وقوع المخالفة ممن لم يدرك النبي ( من ~~المؤمنين ) أشد من توهم وقوع المخالفة ممن أدركه منهم فإذا خوطب بذلك من ~~أدركه فأحرى من سواهم ، ف ( منكم ) تأكيد لا تخصيص . وأجيب أيضا بأن ( منكم ~~) تخصيص لا تأكيد . والمراد من المسلمين الحاضرين والغائبين وغلب فيها ضمير ~~المخاطبين على غيرهم ويكون في الآية على هذا دليل على أن الكفار غير ~~مخاطبين بفروع الشريعة . PageV02P674 فإن قلت : ما فائدة قوله : | ( ~~بأنفسهن ) ؟ قلت : فائدته التنبيه على مجاهدة النفس بمنعها شهواتها وتحملها ~~الصبر على النكاح حتى تنقضي العدة . فإن قلت : ظاهر الآية أن يكون التربص ~~مقصودا لها . والمذهب على أنها إذا لم تعلم بوفاة زوجها إلا بعد مضي العدة ~~فإنها تجزيها تلك ولا تستأنف عدة أخرى بوجه ؟ قلنا : الأغلب في النساء ~~معرفة - وكذلك المذهب - في الأربعة أشهر وعشرا ms269 أنها تكفي بشرط أن تحيض فيها ~~حيضة و هو الأعم الأغلب في النساء فإن لم تحض ( واسترابت ) رفعت إلى تسعة ~~أشهر فإن زالت عنها / الريبة فقد انقضت عدتها وإن ( استرابت ) بحس بطن ~~فإنها تمكث أقصى أمد الحمل ، ولهذا قال في المدونة : والعدة في الطلاق بعد ~~الريبة وفي الوفاة قبل الريبة . قوله تعالى : { أربعة أشهر وعشرا . . . } . ~~قيل : أراد عشر ليال بأيامها وغلب الليالي لأنها أسبق . | الزمخشري : ولا ~~تراهم فقط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام تقول : صمت عشرا ، ولو ~~ذكرت خرجت من كلامهم . قال المبرد : وعشر مدد كل مدة منها يوم وليلة . ~~PageV02P675 وتعقبه أبو حيان بأنه لا حاجة إلى ذكر الليالي والعدد لأنهم ~~مضوا على أن المعدود إذا كان مذكرا أو حذفته فلك في العدد وجهان إما ~~التذكير الفصيح أو التأنيث . قال ابن عرفة : كان الشيوخ يحكون عن شيوخهم ~~خلافا فيمن يشتري سلعة بعشرة دارهم وفي تونس القديم والجديد فكان سيدى ~~الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الله الزواوي يفتي بأن له أن يعطيه عنها ثمانية ~~دراهم جديدة لأن غالب حال الناس التعامل بالجديد وهو الأكثر . وكان الشيخ ~~الفقيه القاضي أبو القاسم بن زيتون يقول أسماء العدد نصوص فما يعطيه إلا ~~عشرة دراهم قديمة كما وقع العقد بينهما . قلت : وذكرت هذا بعينه في سورة ~~العنكبوت . قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء . ~~. . } . الزمخشري الكناية : هي أن يذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له مثل : ~~فلان جبان ، ( القلب ) عظيم الرماد . والتعريض : أن يذكر شيئا يستدل به على ~~شيء لم يذكره . PageV02P676 ابن عرفة : فلفظه يقتضي أن الكناية ترجع لدلالة ~~المطابقة والتعريض لدلالة الالتزام ولهذا كان بعضهم يقول في قولك : رأيت ~~أسدا يريد به رجلا شجاعا إنه مطابقة ويرد على من كان يقول : إنه مجاز ولذلك ~~فرقوا بين دلالة اللفظ وبين الدلالة باللفظ لأن المطابقة دلالة اللفظ على ~~تمام مسماه بالإطلاق وما عرض من جعله مجازا ، إلا أنه ( فسر دلالة المطابقة ~~بأنها دلالة اللفظ على ) تمام ما وضع له أولا . | قلت : قال ms270 القزويني في ~~الإيضاح الكناية لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة ذلك كقولك فلان : ~~كثير رماد القدر ، كناية عن الكرم . وطويل نجاد السيف كناية عن طول قامة ~~الرجل . | ومثله : بعيدة ( مهوى ) القرط كناية عن طول قامة المرأة . قيل ~~لابن عرفة : هل يجوز لمن عنده أربع نسوة أن يعرض ويواعد خامسة ؟ فقال : ~~الظاهر الجواز وهو أخف من المواعدة في العدة لأن من تزوج في العدة تحرم ~~عليه للأبد ، ومن تزوج خامسة يجبر على تطليق واحدة ونكاحه صحيح ، وأيضا ~~فالمواعد في العدة غير قادر على تنجيز ( العقد عليها في الحال ومتزوج ~~الخامسة ) قادر على تطليق واحدة في الحال ويتزوجها . فإن قلت : ( ليس ) ~~قادرا على أن يطلقها طلقة بائنة ؟ قلنا : هو قادر على أن يطلقها بالثلاث . ~~PageV02P677 قيل لشيخنا القاضي أبي عبد الله : محمد بن القاضي أبي العباس ~~أحمد بن حيدرة كان يقول : هذا إذا كان التعريض من أحد الجانبين فقط . وأما ~~إذا وقع منهما التعريض فظاهر المذهب أنه كصريح المواعدة . فان قلت : إذا ~~نفي الجناح في التعريض فأحرى أن ينتفي عما يخطر بالقلب فما فائدة عطفه عليه ~~. قلت : فائدته الإشعار بالتسوية بينه وبين ما في النفس من الجواز أي هما ~~سواء في رفع الحرج عن صاحبهما وعلى الحكم بتعريض الرجل للمرأة لأنه الأغلب ~~والأكثر وجودا أن الرجال يخطبون النساء فهو مفهوم خرج مخرج الغالب فيستفاد ~~منه جواز العكس قياسا عليه . قوله تعالى : { ولكن لا تواعدوهن سرا . . . } ~~. الزمخشري : المستدرك مقدر ، أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن سرا . قال ابن ~~عرفة : هذا يتخرج من الخلاف في أن ما بعد ( لكن ) إن كان مناقضا لما قبلها ~~جاز بلا خلاف وإن وافقه امتنع اتفاقا فإن خالفه فقولان ، ومفهومه تحريم ~~المواعدة جهرا من باب أحرى . قوله تعالى : { إلا أن تقولوا قولا معروفا . . ~~. } . PageV02P678 جلعها الزمخشري متصلا أما مستثنى من مصدر ( تواعدوهن ) ~~أي إلا مواعدة القول المعروف فينتصب على المصدر أو مفرعا من مجرور أي إلا ~~بالقول المعروف فينتصب على إسقاط حرف الجر ، ومنع انفصاله على استثنائه من ~~( سرا ) لعدم ms271 تسلط العامل عليه فلا يجوز : لا توعدوهن إلا التعريض . ورده ~~أبو حيان بمنع الحصر لأن المنفصل قسمان ما تسلط عليه العامل . مثل : ما ~~رأيت أحدا ( إلا حمارا ) فالحجازيون أوجبوا نصبه والتميميون أجازوا اتباعه ~~لما قبله . وما لم يسلط عليه العامل نحو ما زاد إلا ما نقص . ( قلت : وعبر ~~القرافي عما يتسلط عليه العامل بأن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم ~~على المستثنى منه ، وعما لا يتسلط عليه بأن يكون الحكم بغير النقيض مثل ما ~~زاد إلا ما نقص ) ، فالزيادة هي نقيض عدم الزيادة وذلك بعد أن قال : ~~الاستثناء المتصل هو أن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى ~~منه وأن يكون استثناء من غير الجنس فإن اختل أحدهما أو هما / كان منقطعا ~~ومثل الحكم بعدم النقيض فقول الله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } فظاهره جواز أكل التجارة بالباطل ~~وليس كذلك . PageV02P679 وتعقب ابن عرفة منع الزمخشري الانفصال وتعليله ~~بأنه مشترك الالزام بين المتصل والمنفصل . وأجيب عن ذلك بأن ( المفرغ ) ~~أصله مستثنى من شيء محذوف تقديره في الآية : ولكن لا تواعدوهن سرا بشيء من ~~الأشياء بالقول المعروف . ونظيره : ما مررت إلا بزيد ، أي ما مررت بأحد ~~فليس ( فيه ) مشترك الإلزام . وتعقب ابن عرفة قول أبي حيان في : ما رأيت ~~أحدا إلا حمارا بأن ذلك إنما هو في النقيض . قيل لابن عرفة : قد ذكر ~~القرافي والشلوبين وغيرهما ومثلوه بقول الله تعالى : { لا يذوقون فيها ~~الموت إلا الموتة الأولى } فقال : هذا منفي ، مع صحة قولك لا يذوقون إلا ~~الموتة الأولى . فقيل له : لايجوز لا يذوقون إلا الموتة الأولى ؟ فقال : ( ~~سقط فيها ) . PageV02P680 قلت : قال بعضهم : كلام أبي حيان صحيح وما تقدم ~~للقرافي بينه . قوله تعالى : { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب ~~أجله . . . } . أبو البقاء : عقدة مصدر مضاف إلى المفعول ، أو على إسقاط ~~حرف الجر كقول عنترة : ولقد أبيت على الطوى وأظله . . . حتى أنال به كريم ~~المأكل أي وأظل عليه . قيل لابن عرفة : تقدم النهي عن ms272 المواعدة في العدة ~~وهي أدنى من هذا والنهي عن الأدنى يستلزم النهي عما فوقه من باب أحرى ؟ ~~فقال : دلالة المطابقة أقوى . قيل له : والأول من دلالة المطابقة مثل : { ~~فلا تقل لهمآ أف } فقال : الصحيح عنهم أنه من دلالة الالتزام ؟ قال : ~~والعزم منهم من يفسره هنا بالفعل وهو عقد النكاح . ومنهم من فسره بالنية ، ~~أي لا تنووا عقدة النكاح وهو الصحيح لأن العزم هو PageV02P681 الجزم بفعل ~~الشيء فهو أمر قلبي . قال الله تعالى : { فإذا عزم الأمر } ومما ( يؤيده ) ~~هنا قوله : { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه } . فدل على أنه ~~أمر قلبي . وحكى ابن عطية عن ابن الجلاب : أن العقد في العدة يوجب حرمتها ~~أبدا . وكان بعضهم يقيده بما إذا تعمد ذلك فإن وقع العقد خطأ لم يتأبد ~~التحريم . قيل لابن عرفة : الصواب العكس لأن النكاح متى كانت له شبهة تأبد ~~فيه التحريم ومتى لم تكن له شبهة لم يتأبد التحريم ؟ فقال ابن عرفة : ليس ~~كذلك لأن ( عليه ) المعاقبة بنقيض المقصود . قوله تعالى : { واعلموا أن ~~الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه . . . } . عبر فيه ب ( اعلموا ) وب ( ~~احذروه ) تأكيدا في التنفير عن ذلك والعقوبة من المواطأة هنا على ما في ~~النفس والإصرار عليه . قوله تعالى : { لا جناح عليكم } . PageV02P682 وجه ~~الفصل كونها جملة خبرية والأولى طلبية فلذلك لم يعطفها عليها . قال ابن ~~مالك : وإلا فالقاعدة أن الجملتين إذا كانتا متقاربتين في المعنى لم يعطف . ~~قوله تعالى : { ما لم تمسوهن . . . } . ابن عرفة هذا كما ( قال ) غير مرة : ~~إن من أكثر ما وردت ( لم ) في القرآن لنفي الماضي المتصل بزمن الحال قال : ~~و ( أو ) هنا بمعنى الواو . كما قال ابن راشد ، وهو الصحيح ، لأنها إذا ~~كانت على بابهما أعني ( للتنويع ) لزم نفي الجناح ( عمن طلق بعد الدخول في ~~نكاح التفويض ، وإذا اكانت بمعنى الواو فيكون المراد برفع الجناح ) بسقوط ~~نصف الصداق ) بالطلاق . قوله تعالى : { ومتعوهن . . . } . قال ابن عرفة : ~~إنما عطف هذه وهي أمر على ما قبلها وهي خبر لأن قبلها تضمن حكم الطلاق وهو ms273 ~~سبب في الأمر بالمتعة والسببية ظاهرة فلذلك عطفت ( بالواو ) ولو كانت خفية ~~لعطفت بالفاء . PageV02P683 قال ابن عرفة في مختصره الفقهي : المتعة ما ~~يؤمر الزوج بإعطائه الزوجة لطلاقه أياها ، والمعروف أنها مستحبة يؤمر بها ~~ولا يقضى بها ولا ( تحاصص ) . قال ابن زرقون في المبسوط عن محمد بن مسلمة ~~هي واجبة ( يقضي بها ) ( لأنه ) لا يأبى أن يكون من المحسنين ولا المتقين ~~إلا رجل سوء . قال ابن عرفة : ولأن رأي المتقدمين أن المؤمن والمتقي ~~متساويان ولأن قوله : | { حقا على المتقين } يقتضي عموم تعلقها بكل مسلم ~~لأنه متق الشرك وقوله ( على المحسنين ) مفهومه عدم تعقلها بمن ليس بمحسن من ~~المسلمين فيتعارض العموم والمفهوم والأصح عند الأصوليين أن العموم مقدم ~~ونقله اللخمي ولم يعزه وعزاه الامام ابن عبد السلام لابن حبيب . | قال ابن ~~عرفة : قال أبو عمران : إنما يقدر حال المرأة ، وابن عبد البر يقدر حال ~~الرجل وابن رشد | ( يقدر ) حالهما . قال ابن عرفة : وهي لكل مطلقة في عصمة ~~لا رجعة فيها ولا خيار على الزوج . PageV02P684 وفي المدونة ما نصه : لا ~~متعة لمختلعة ولا مصالحة ولا ملاعنة ولا مطلقة قبل البناء . وقد فرض لها ~~اللخمي . ولا مفتدية ولا متبارية ولا من اختارت نفسها لعتقها ولا من فسخ ~~نكاحها ولم تعارض . قال الامام ابن رشد : ظاهر قول ابن القاسم ان طلق فيما ~~يفسخ بطلاق فسخه ، فلا متعة عليه . اللخمي : إن فسخ الرضاع بأمر الزوج رأيت ~~/ عليها المتعة وإن اشترى زوجته لم يمتعها لبقائها معه ولو اشترى بعضها ~~متعها ، وأما المخيرة والمملكة فقال الامام ابن رشد : روى ابن وهب : أن ~~لهما المتعة . وقال ابن خويز منداد : لا متعة لهما ، وقال ابن يونس : لمن ~~اختارت نفسها بتزويج أمة عليها المتعة ، انتهى . قال ابن عرفة : المطلقة لا ~~متعة لها في البائن دون الرجعي فإن ماتت في العدة فالظاهر أن المطلق يرث من ~~تلك المتعة . قيل لابن عرفة : لا يرث لأنه إذا كان الطلاق بائنا فلا متعة ~~ولا ميراث ، وإن كانت رجعية فقد ماتت قبل أن تجب لها لأنها ms274 إنما تجب لها ~~بعد انقضاء العدة ؟ PageV02P685 فقال إنما | ( أجلنا ) المتعة بانقضاء ~~العدة رجاء أن يرتجعها قبل تمامها فإذا ماتت ذهبت تلك العدة . قيل لابن ~~عرفة : إنما هي جبر لقلبها ففي الموت لا متعة ؟ فقال : قد قالوا : إنها تجب ~~. وقرىء ( على الموسع قدره ) . واستشكلها ابن عرفة بحذف المجرور . وقد ~~انتقد القرافي على الفخر الرازي تسميته كتاب المحصول ، لأن اسم المفعول من ~~الفعل الذي لا يتعدى إلا بحرف الجر لايجوز أن يحذف مجروره ، وأجابوا : بأن ~~ذلك اسم علم سماه بالمحصول كما قال تعالى { عند سدرة المنتهى } لكن ذلك ~~الجواب لا يتصور هنا . وأجيب : بأن هذا يتعدى بنفسه تقول : وسعت المكان ~~والدار والطريق ووسعت الأمر : - قال الله تعالى : { وسع كرسيه السماوات ~~والأرض } _ وقال : { ورحمتي وسعت كل شيء . } PageV02P686 قوله تعالى : { من ~~قبل أن تمسوهن . . . } . قوله تعالى : { وأن تعفوا أقرب للتقوى . . . } . | ~~الخطاب للأولياء ، ويحتمل أن يكون الخطاب بالأول للزوجات والأولياء ليعفوا ~~عن نصف الصداق إذا لم ( يمكن ) قبضه ، وذلك حيث تكون ملية والزوج معسر . ~~والخطاب ( بهذه ) للأزواج حيث يكون الزوج مليا والمرأة معسرة فالعفو عما ~~زاد على النصف . ومعنى ( أقرب للتقوى ) أن الصداق أمر دنيوي وقد ورد ( حب ~~الدنيا رأس كل خطيئة ) فتركه أقرب للتقوى ) ، وإنما عدي باللام التي ~~للاختصاص دون ( إلى ) إشارة إلى خصوص العفو عنه بالتقوى . PageV02P687 قوله ~~تعالى : { ولا تنسوا الفضل بينكم . . . } . المراد إما إنشاء التفضل أو ~~مراعاة الفضل المتقدم ، أي لا تتركوا أيقاع التفضل ولا تتركوا عند الطلاق ~~مراعاة ما وقع بينكم من الفضل عند عقد النكاح ، فإن أريد الأول فيكون ~~تأكيدا لأن ما قبله يغني عنه ، وإن أريد الثاني فهو تهييج على ( العفو عن ) ~~الصداق . قوله تعالى : { بينكم . . . } . دليل على أن الخطاب للأزواج ~~وللزوجات وغلب فيه ضمير ( المذكر ) . وقوله تعالى : { إن الله بما تعملون ~~بصير } . قال ابن عرفة : وعد ووعيد . قيل له : إنما هو وعد خاصة لأن ما ~~قبله تفضل ومستحب لا واجب ؟ فقال : هو وعيد بالذات ويحتمل أن يتناول الواجب ~~. قوله تعالى : { حافظوا على الصلوات . . . } . إن قلت : ما وجه ms275 مناسبتها ~~مع أن ما قبلها في شأن الزوجات ؟ قلنا : الجواب عنه بأمرين : إما بأنه ~~تنبيه الأزواج أن لا يشتغلوا بأمور زوجاتهم عن الصلوات ، وإما بأن بعضهم ~~كان لا يراعي ( المناسبة ولا يشتغل ) بها . PageV02P688 قال ابن عرفة : ~~إنما قال ( حافظوا ) ولم يقل : احفظوا ، إشارة إلى تأكدها ( وتكرر ) الأمر ~~بها من وجهين : أحدهما : أن ( حافظوا ) مفاعلة لا تكون إلا من اثنين مثل : ~~قاتلت زيدا ، ووقوعها هنا من الجانبين مستحيل ، فيتعين صرف ذلك إلى تكرر ( ~~الأمر ) بوقوعه وتأكده . الثاني : إن لفظه يقتضي الاستيلاء والإحاطة فهو ~~إشارة إلى تعميم الإحاطة بالصلوات دون ترك شيء ( منها ) وتخصيص الصلاة ~~الوسطى منها بالذكر : إما لورودها على الناس في زمن شغلهم أو في زمن راحتهم ~~ونومهم أو لكونهم من بقية الصلوات التي كانت مفروضة على الأمم المتقدمة وهو ~~من عطف الخاص على العام . قوله تعالى : { وقوموا لله قانتين } . فسره ابن ~~عطية بالقيام الحسي حقيقة قال : ومعناه في صلاتهم فسره بعضهم بالقيام ~~المعنوي وهو الجد في الطلب والطاعة فيتناول ركوع الصلوات وسجودها مثل : ( ~~قمت بالأمر ) . قوله تعالى : { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا . . . } . قال ~~ابن عرفة : الخوف أمر محقق لكونه شرطا في الرخصة والرخصة إنما تكون في ~~الأمر المحقق الثابت لأنها مظنة المبادرة للعمل بمقتضاها لما فيها من ~~التخفيف ، فلو لم يكن شرطها محققا لأدى إلى التهاون بفعلها PageV02P689 من ~~غير استيفاء شروطها ، فحق هذا الشرط أن يكون ب ( إذا ) الدالة على التحقيق ~~كما كان الشرط وهو ( فإذآ أمنتم ) لكنه روعي في الشرطين شيء آخر وهو الحظ ~~على تشجيع النفس بإحضار الطمأنينة والأمن من العدو وعدم الاهتبال به حتى ~~كأن الخوف منه غير واقع في الوجود بوجه ، ولها عبر في آية الخوف ب ( إن ) ~~وفي آية الأمن ب ( إذا ) . وقال الزمخشري : وعند الإمام أبي حنيفة لا يصلون ~~في حال المشي . وعند الإمام الشافعي ه يصلون في كل حال والراكب يومىء ويسقط ~~عنه التوجه إلى القبلة . قال ابن عرفة : مذهب الإمام مالك والشافعي هما في ~~ذلك سواء وينوي بقلبه التوجه إلى القبلة ms276 ( وهذا إذا خاف العدو وفوات الوقت ~~المختار ) فإن رجا حصول الأمن فيه أخر / الصلاة و ( وكذا ) الخائف من لصوص ~~أو سباع لأن الفرع في هذا أقوى من أصله كما ( قالوا ) في الجدة للأم مع ~~الجد للأب ، لأن الخائف من العدو لا يقضي والخائف من اللصوص أو السباع يقضي ~~. قوله تعالى : { فإذآ أمنتم فاذكروا الله . . . } . قال ابن عطية : قيل ~~فإذا زال خوفكم الذي اضطركم إلى هذه الصلاة . وقيل : فإذا كنتم آمنين قبل ~~أو بعد أي فمتى كنتم عل ( أمن ) . PageV02P690 ورده ابن عرفة بأن الشرط هنا ~~يقتضي أنه مستقبل لم يقع في الوجود لا أنه ماض . قوله تعالى : { في ما فعلن ~~في أنفسهن من معروف . . . } . وقال قبله : { فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ~~} قال ابن عرفة : الجواب أنهم قالوا إن آية ( من معروف ) نزلت قبل آية ( ~~بالمعروف ) فنزل هنا معرفا للعهد المتقدم في النزول وإن كان متأخرا في ~~التلاوة كقول الله تعالى { كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول } ~~وقاله الزمخشري في قول الله تعالى حكاية عن إبراهيم { رب اجعل هذا بلدا ~~آمنا } في سورة البقرة ثم قال في سورة إبراهيم { رب اجعل هذا البلد آمنا } ~~انتهى . قوله تعالى : { وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين } . قال ~~ابن عرفة : عادتهم يقولون إن هذا أبلغ من قوله : ( فمتعوهن على الموسع قدره ~~) من وجهين : أحدهما : لقوله { حقا على المتقين } ( إذا قلنا إن المتقي ~~مرادف للمؤمن ، فأفاد وجوبها على عموم المؤمنين وتلك اقتضت خصوص وجوبها ~~بالمحسنين فقط ) . PageV02P691 الثاني : أن ذلك أمر وهذا خبر في معنى الأمر ~~وورود الأمر عندهم بصيغة الخبر أبلغ لاقتضائه ثبوت الشيء المأمور به ووقوعه ~~في الوجود حتى صار مخبرا عنه بذلك . قوله تعالى : { كذلك يبين الله لكم ~~آياته . . . } . أي مثل هذا البيان في المتعة وفي العدة وجميع ما تقدم يبين ~~الله لكم ءاياته . ( والظاهر ) ان المراد آيات الأحكام ، ويحتمل العموم في ~~المعجزات وغيرها وهو دليل على صحة من منع الوقف على قوله { وما يعلم تأويله ~~إلا الله } وقال لابد من وصله بقوله ms277 { والراسخون في العلم } قوله تعالى : { ~~لعلكم تعقلون } . قال ابن عرفة : ليس المراد هنا العقل التكليفي بل أخص منه ~~وهو العقل النافع . وذكر ابن عطية حديثا وقال هو حديث لين . ابن عرفة أي ~~ضعيف . قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف . . . } ~~. أي متآلفون مجتمعون ، خرجوا في وقت واحد فارين من الموت ، والرؤية إما ~~بصرية أو علمية لكن ( العلمية لاتتعدى ب ( إلى ) فلذلك قال أبو حيان : ( ~~المعنى لم ينته علمك إلى الذين خرجوا من ديارهم ) . PageV02P692 قال ابن ~~عرفة : وكذا البصرية ممتنعة هنا فإن أولئك غير موجودين ( حين ) الخطاب لكن ~~نزل الماضي منزلة الحاضر تحقيقا له حتى كأنه مشاهد كما قال سيبويه ، وهذا ~~باب كذا . وفرق في الإرشاد بين نظر في كذا وهو النظر الفكري فجعله يتعدى ( ~~بفي ) . قوله تعالى : { فقال لهم الله موتوا . . . } . أورد الزمخشري هنا ~~سؤالا فقال : كيف قال لهم الله ) موتوا ( وكان الأصل فأماتهم الله . قال ~~ابن عرفة : هذا السؤال إنما يرد على مذهبه لأنه ينفي الكلام النفسي . وأجاب ~~بأنه عبارة عن سرعة ( التكوين ) وزاد فيه ( تدقيقا ) لمذهبه بقاعدة ( ~~إجماعية ) وهي قول الله تعالى : | { إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له ~~كن فيكون } وهذا بناء على خطاب المعدوم وهل يصح ( أم ) لا ؟ قال ابن عرفة : ~~وهنا إضمار أي : فماتوا ثم أحياهم . قوله تعالى : { إن الله لذو فضل على ~~الناس . . . } . PageV02P693 فضله عام باعتبار الكم وباعتبار الكيف فالكم ~~راجع إلى تكثير أعداد النعم والكيف راجع إلى حالها في أنفسها ، والناس عام ~~، فالكافر منعم عليه في الدنيا وأما في الأخرة فمحل نظر . والاستدراك في ~~قوله { ولكن أكثر الناس } راجع إلى لازم قوله { لذو فضل } فإن من لوازم ~~فضله على الناس أن يشكروه ويحمدوه فلذلك استدرك بعده ب ( لكن ) . قوله ~~تعالى : { وقاتلوا في سبيل الله . . . } . المقاتلة تكون للجهاد بالذات ~~لتكون كلمة الله هي العليا أو باللزوم كمن يقاتل ليذب عن حريمه ، فإنه ~~يستلزم الجهاد . معناها ليكن اعتقادهم ونيتكم بالقتال ( سبيل الله ) . قوله ~~تعالى : { واعلموا أن الله سميع عليم } . قال ms278 ابن عرفة : وجه مناسبة ~~الصفتين أن من قعد ولم يخرج للقتال لا بد أن يتكلم في المؤمنين ويتحدث في ~~أمره فالله سميع له عليم . ( قتال ) من قاتل ، ففيه وعد ووعيد . قوله تعالى ~~: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا . . . } . هذه رحمة من الله تعالى لأنه ~~متول على جميع الخلق غني بذاته عنهم ، ومع هذا يجعل طاعتهم له ( سلفا ) ~~منهم له ، وقال في سورة براءة : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة } ووصفه بالحسن في كميته وكيفيته . و ( قرضا ) إن ~~كان مصدرا فهو مجاز ، كما قال الامام المازري في { ويطهركم PageV02P694 ~~تطهيرا } إن التأكيد يصير التطهير المعنوي حسيا وهو من ترشيح المجاز كقولك ~~قول هند زوجة ابن زنباع : بكى الخزمن ( عوف ) وانكره جلده . . . وعج عجيجا ~~من جذام المطارق قوله تعالى : { أضعافا كثيرة . . . } . قال ابن عرفة : ( ~~كثيرة ) راجع إلى المجموع ( وإفراد ) ، كل واحد من تلك الأضعاف موصوف / ~~بالكثرة . قوله تعالى : { والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون } . قدم القبض ~~ترجيحا له أي ذلك القبض الذي ينالكم ( بالصلاة ) والزكاة ( راجع ) لكونه ~~يعود عليكم بالبسط في الدنيا والثواب في الآخرة ، وهذا بحسب الأشخاص فقد ~~يكون إنفاق درهم قليلا لشخص ( وكثيرا لآخر كما في الحديث : ( سبق دينار ~~مائة ، فمن عنده درهمان فأنفق منهما ) درهما ليس كمن عنده عشرة دراهم فينفق ~~منها درهما ) . قوله تعالى : { ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل . . . } . ~~قال ابن عرفة : الرؤية إن كانت بصرية ونزل الغائب منزلة الحاضر تحقيقا له ، ~~( فالخطاب ) للنبي وحده ، وكذلك PageV02P695 قالوا في قول سيبويه : هذا باب ~~: إن الخطاب للخواص لا للعوام . وإن كانت علمية فالخطاب للجميع والظاهر ~~الاول ( لتعديه بإلى ) . قوله تعالى : { إذ قالوا . . . } . قوله تعالى : { ~~لنبي لهم ابعث لنا ملكا . . . } . لم يقل : لنبيهم لأجل مخالفتهم له وعدم ~~اتباعهم إياه فلذلك لم يضفه إليهم ، والنبي إما شمعون ، أو شمويل ، أو يوشع ~~. وأبطل ابن عطية كونه يوشع لأن يوشع كان بعد موسى وبينه وبين داود قرون ~~كثيرة . قال ابن عرفة : لعل يوشع رجل آخر ( غير ) الذي كان بعد ms279 موسى . ( ~~ابن عرفة قال : وتقدم لنا أن الإخبار بهذا القصص إما معجزة له ( أو وعظ ~~وتخويف لأمته أن ينالهم مثل ما نال أولئك ) . قوله تعالى : { نقاتل في سبيل ~~الله . . . } . PageV02P696 القتال مع أنهم لم يقاتلوا إلا لأجل استخلاص ( ~~حريمهم ) وأولادهم لكنه مستلزم لقتالهم في سبيل الله . قوله تعالى : { هل ~~عسيتم . . . } . قال الزمخشري : ( هل ) استفهام في معنى الإنكار عليهم ~~والتقدير مثل : { هل أتى على الإنسان حين من الدهر } قال ابن عرفة : ويظهر ~~لي أنه استفهام على بابه ، وأنه تأكيد في التلطف في الخطاب لما وبخهم على ~~العصيان تلطف في العبارة عنه بوجهين : أحدهما : ذكره له بلفظ الرجاء ( ~~مقاربة ) العصيان دون التحقيق . | الثاني : لفظ الاستفهام دون الخبر . فإن ~~قلت : هم إنما طلبوا منه أن يؤمر عليهم ملكا في قتال يتطوعون به فكيف ~~أجابهم بامتناعهم من قتال يكتب عليهم فرضا ؟ قلت : إذا امتنعوا من امتثال ~~قتال يجب عليهم ( فأحرى ) ( ألا يوفوا ) بقتال يتطوعون به . وقرأ الكل ( ~~عسيتم ) بفتح السين إلا نافعا كسرها . PageV02P697 قال الزمخشري : وهي ~~ضعيفة . قال ابن عرفة : هذا ( عادته ) في تجاسره على القراءات ( السبعة ) ~~وتصريحه بأنها غير متواترة . قوله تعالى : { وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا ~~. . . } . قال ابن عرفة : ( إما أنهم جعلوا ) إخراج مثلهم كإخراجهم فنزلوا ~~إخراج المماثل لهم منزلة إخراجهم ، وإما أن المراد وقد قاربنا الإخراج من ~~الديار . قيل لابن عرفة ( أو ) أخرجوا منها حقيقة ثم رجعوا إليها وقيل : ~~إنه على القلب ، أي إخراج أبنائنا من ديارنا . قوله تعالى : { فلما كتب ~~عليهم القتال تولوا . . . } . ابن عرفة : هذا أبلغ من لو قيل : فكتب عليهم ~~القتال فتولوا ، لأن قولك : لما قام زيد قام عمرو ، أبلغ من قولك : قام زيد ~~فقام عمرو ، لاقتضائه تحقيق السبيبية والارتباط . ابن عرفة : ويحتمل أن ~~يكون ( تقدم ) سؤالهم سببا في ( وجوب ) القتال عليهم وكان قبل ذلك تطوعا ~~كقضية بني إسرائيل في البقرة . قوله تعالى : { وقال لهم نبيهم . . . } . إن ~~قلت : لم أضافه هنا إليهم ولم يضفه في { إذ قالوا لنبي لهم } PageV02P698 ~~قلنا : إنما أضافه هنا لأنه في مقام التبليغ لهم بخلاف ms280 الأول فإنه حكاية عن ~~( مقالتهم ) التي لم يوفوا بها وعصوا وقدم المجرور لأنهم المقصودون بالذكر ~~. | ابن عطية : عن وهب بن منبه لما سأل شمويل من الله أن يبعث لهم ملكا ~~ونزله عليهم قال الله تعالى : ( انظر القرن الذي فيه الدهن في بيتك فإذا ~~دخل عليك رجل فسرا الدهن الذي فيه فهو ملك لبني إسرائيل . قال ابن عرفة سرا ~~أي ارتفع . وهذا الخبر إن صح وإلا فما يكون ( مفسره ) ( في قوله { بعث لكم ~~طالوت ملكا } ) إلا مجرد ( الوحي ) . فان قلت : ( قد ) حرف ( توقع ) حسبما ~~ذكره الزمخشري في قول الله تعالى { قد أفلح المؤمنون } وبنو اسرائيل لم ~~يكونوا قط ( متوقعين تأمر طالوت عليهم ؟ فالجواب : أنهم كانوا ) متوقعين ~~البعثة بالإطلاق لا من حيث تعلقها بشخص معين . قال الزمخشري : طالوت إن كان ~~من الطول فوزنه فعلوت إلا أن امتناع صرفه يمنع أن يكون منه إلا أن يقال : ~~هو اسم عبراني وافق PageV02P699 عربيا ، كما وافق : حنط حنطة ، وبسمالاها ~~رحمانا رحيما ، بسم الله الرحمان الرحيم . قال ابن عرفة : واستدلوا على ~~مرجوحية ملكه بالأصل ، لأنه ليس في آبائه ملك ولا نبي أحق منه بالعادة لأن ~~الأمير باعتبار العادة لا بد أن يكون غنيا عن غيره ولا يكون فقيرا أصلا . ~~وغالطوا في احتجاجهم فأتوا بدليل ظاهره صواب يمكن قبوله فقالوا : { ولم يؤت ~~سعة من المال } . وعدلوا عن أن يقولوا : ولم يؤت شيئا من المال ، لئلا يرمى ~~دليلهم في وجوههم فيقال لهم : قد أوتي بعض المال وإن قل مع أن طالوت لم يكن ~~لديه مال البتة . فأجيبوا عن الدليل الأول بقول الله تعالى : | { إن الله ~~اصطفاه عليكم } فلا مزية لكم عليه بآبائكم ، وعن الثاني بإن الزيادة في ~~العلم والجسم أرجح / من الزيادة في المال ، فإن المال سريع الذهاب والعلم ~~إذا حصل ثابت لا يزول وكذلك الجسم الطويل لا يعود قصيرا بوجه . الزمخشري : ~~والواو في { ونحن أحق بالملك منه } واو الحال وفي { ولم يؤت } واو العطف . ~~قال ابن عرفة : الأولى أن يكونا معا للحال وهو أبلغ في التعليل لأن كل ms281 واحد ~~منهما علة مستقلة ، أي أنى يكون له الملك والحالة أنا أحق به منه ، وأنى ~~يكون له الملك علينا والحالة أنه فقير لا مال له ، فلم يعللوا بمجموع ~~الأمرين بل بكل واحد منهما . قال ابن عرفة : وهما حالان من الفاعل والمفعول ~~. PageV02P700 قوله تعالى : { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم ~~التابوت . . . } . قال ابن عرفة : هذا دليل على صحة ما يقول ابن التلمساني ~~من أن لفظ الآية ليس خاصا بالمعجزة لأن المراد ( بها ) هنا الدليل والعلامة ~~بلا خلاف ، وهذا اللفظ من حيث هو قابل لأن يراد به آية ثبوت ملكه ملكه أو ~~آية بطلان ملكه ، والمراد هنا الأول ، فإما أن يكون على حذف مضاف أو ( يقول ~~) : ( القرينة معينة فلا يحتاج إلى إضماره ) . قال ابن عرفة : والتأكيد ب ( ~~إن ) إنما هو لمن ينكر ذلك وهم لا ينكرون هذا عند ظهور هذه العلامة . قال ~~ابن عرفة : كان بعض الشيوخ يجيب بأن الإنكار تارة يتسلط على نسبة الخبر ( ~~للمخبر ) عنه ، وتارة يتسلط على الذات المخبر عنها وإن كانت النسبة متفقا ~~عليها كقول الولد لأبيه الذي لا شك في صدقه : جميع ما نربح في هذه السلعة ~~فهو لك وتكون السلعة بخيسة فالأب مستعد للربح من أصله وإن كان موافقا على ~~النسبة . فالإنكار بمعنى استبعادهم وقوع ذلك ، لأنه إن وقع لا يكون دليلا ~~على صحة ملكه ؟ PageV02P701 وأجيب أيضا بأنه روعي في ذلك مخالفتهم له أخيرا ~~لأن بعضهم تعنتوا عليه . وذكر ابن عطية هنا أقوالا منها : أن التابوت من ~~خشب ( الشمشار ) طوله ثلاثة أذرع وفيه عصى موسى . قيل لابن عرفة : ( كيف ) ~~تسع فيه وهي طويلة ؟ فقال : لعل ذراعهم كان أكبر من ذراعنا أو تكون العصا ~~مفصلة أو مكسورة . وحكي في السكينة عن علي بن أبي طالب ه أنها ريح ( هفافة ~~) لها وجه كوجه الإنسان وعنه أيضا أنها ريح ( خجوج ) لها رأسان . وقال ~~الزمخشري هي صرصرة فيها ريح . PageV02P702 قال ابن عرفة : و لا يبعد ما حكى ~~ابن عطية على مذهبنا لأن الوجود مصحح للرؤية فيمكن أن ترى ms282 الريح . وقوله : ~~ريح ( خجوج ) أي لينة . قال ابن عطية : وقال أبو صالح : ( البقية ) عصى ~~موسى وعصى هارون ولوحان من التوراة والمن المنزل على بني إسرائيل . ~~واستشكله ابن عرفة لأنهم ذكروا أن المراد المن إذا بقي يفسد . قلت : يجاب ~~بأن هذه آية وخرق عادة . ابن عرفة : لما ذكر الخلاف كله قال : وهذه أخبار ~~متعارضة ويمكن الجمع بينهما فإن السكينة ( تتطور ) فتارة تكون كالطست وتارة ~~كالهر وتارة كغيره ، والله أعلم ! قوله تعالى : { إن في ذلك لأية لكم إن ~~كنتم مؤمنين } . قال ابن عرفة : إنما أكده ب ( إن ) ( لأن ) الخطاب بهذا ~~قبل وقوعه وقد كانوا منكرين له حينئذ أو بعد وقوعه ويكون تأكيدا لكونه آية ~~. وقوله { إن كنتم مؤمنين } إما حقيقة أو تهييجا على الاتصاف بالإيمان . ~~PageV02P703 قوله تعالى : { فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم ~~بنهر . . . } . أضمر ابن عطية هنا الجواب فقال : التقدير ، فاتفق بنو ~~اسرائيل على ان طالوت ملك وأذعنوا وتهيؤوا لغزوهم عدوهم فلما فصل طالوت ~~بالجنود ( تعنتوا ) . قال ابن عرفة : ترك ( إضماره ) سبب الجواب وحقه ان ~~كان يضمر شيئين : الجواب وسبب الجواب ، ويقول : التقدير فلما أتاهم بآية ~~ملكه وفصل بالجنود تعنتوا . قال ابن عرفة : وعطفه بالفاء لأنه سبب ظاهر كما ~~تقول : جاء الغيم فلما نزل المطر كان كذا ، وتقول أيضا : قام زيد ولما نزل ~~المطر قعد فهذا ليس بسبب . قال ابن عرفة : وإنما قال : ( بالجنود ) ولم يقل ~~: بجنوده لما اقتضت الآية من أن أكثرهم تعنتوا عليه وخرجوا عن طاعته فليسوا ~~بجنوده ، وإنما قال : ( مبتليكم ) فعبر بالاسم دون الفعل تحقيقا لوقوع ذلك ~~في نفس الأمر وثبوته في علم الله تعالى أزلا ، وأنه لا بد منه . وعلمه بذلك ~~، إما بالوحي أو بإخبار من النبي . PageV02P704 قوله تعالى : { فمن شرب منه ~~فليس مني . . . } . فسره الشيخ الزمشخري : بالكرع مع أنه ينفي فيه المفهوم ~~لأن الشرب منه يكون كرعا ويكون بإناء تملأ منه أو باليد . وقوله ( فليس مني ~~) فسره إن أراد نفيه حقيقة عنه فيكون مجازا لأنه معلوم أنه ليس منه ، فعبر ~~بنفيه عنه نفيه عن ms283 ملته ، وإن أراد نفيه عن اتباعه أي فليس من اتباعي وجندي ~~فيكون على إضمار مضاف فيتعارض المجاز والإضمار . قوله تعالى : { ومن لم ~~يطعمه فإنه مني } . قال ابن عرفة : أكد الثاني ( بإن ) ، ولم يقل في الأول ~~( فمن شرب منه فإنه ليس مني ) ؟ قال : والجواب بأنه إنما لم يؤكد الأول لأن ~~سببه أكثر ( في ) الوقوع ، وأكد الثاني لأن سببه أقل في الوقوع فأكده حضا ~~على المبادرة إلى امتثال سببه والعمل بمقتضاه . قال : واحتج به بعضهم على ~~أن الماء طعام وهو قول ابن نافع نقله ابن يونس في كتاب السلم الثالث . وكان ~~القاضي أبو عبد الله بن عبد السلام يحكي لنا عن الفقيه القاضي أبي القاسم / ~~بن علي بن البراء أن رجلا سأله وهو PageV02P705 راكب على بغلته عمن حلف ~~بالله لا يتناول طعاما ؟ فقال له : لا يأكل ولا يشرب الماء لأنه طعام واحتج ~~بهذه الآية . ورده ابن عرفة بوجهين : الأول منهما : أن الآية اقتضت ذلك لغة ~~، وأما الشرع فلا يسميه طعاما . الثاني : أنه نفى في الأول الشرب وفي ~~الثاني الطعمية ، والطعمية أوائل الشرب ، ولذلك ذكروا في الصيام أن الصائم ~~اذا استطعم الماء وبصقه فإنه لا يفسد صومه ، فلما تعلق النفي بأوائل الشرب ~~قال : ( فإنه مني ) ، فأكد نسبته إليه ب ( إن ) أي من اتصف بكمال البعد عنه ~~فهو موصوف بكمال القرب مني وبقي الواسطة مسكوتا عنه وهو الذي شرب بالإناء ~~على تفسير الزمخشري فإما أن ذنبه أقل من ذنب من كرع أو مساو . قال ابن عرفة ~~: و ( لم ) هنا بمعنى ( لما ) . قوله تعالى : { إلا من اغترف غرفة بيده . . ~~. } . | قال أبو حيان : يستثني من الجملة ( الاولى وهي ) { فمن شرب } . زاد ~~أبو البقاء أو من ( من ) الثانية وهي { ومن لم يطعمه } . وتعقب بأنه لو كان ~~من ( من ) الثانية للزم أن يكون من PageV02P706 اغترف غرفة واحدة بيده ليس ~~منه ( مع أنه أبيحت لهم الغرفة ) الواحدة باليد لأن الاستثناء من الإثبات ~~نفي ومن النفي إثبات . قال ابن عرفة : هذا لا يتعين بل يحتمل عندي استثناؤه ~~من الجملتين فعلى ms284 أنه مستثنى من الأولى يكون المراد نفيه عن الدخول في حكم ~~ليس مني أي هو ( منه ) وعلى أنه مستثنى من قوله : { ومن لم يطعمه فإنه مني ~~} يكون ( الناس ) على ثلاثة أقسام : شارب بفيه فليس منه ، وشارب منه بيده ~~وهذا يقال فيه ( هو ) منه فقط ، ومن لم يشرب منه شيئا يقال فيه : إنه منه ~~مجاله أبلغ ، فاستثناؤه من الأخص أي إلا من اغترف غرفة بيده فليس محكوما ~~عليه بأنه ( مني ) أي ليس متصفا بكمال القرب مني . قيل لابن عرفة : يلزمك ~~أن يكون ليس مني قدرا مشتركا بين الحرام والمباح ؟ فقال : لم نخرجه ( منه ) ~~وإنما أخرجتهم ، من قوله : { ومن لم يطعمه فإنه مني } فإذا خرج من هذا كان ~~منفيا عنه أي يكون منه ( وقد ) قال : أول الآية { فمن شرب منه فليس مني } . ~~فيتعين أن النفي هنا ( نفي ) أخص باعتبار ترك الأمر المستحب بفعل الأمر ~~المباح ، فالمستحب ترك الشرب ، والمباح الشرب باليد ، والحرام الكرع فيه ~~بالفم . PageV02P707 قال ابن عرفة : وغرفة بالضم والفتح ، فالفتح هو الماء ~~والضم الفعل . ( قال ابن عرفة ) : وعلى أنها الفعل يكون المفعول مقدرا أي ~~إلا من اغترف غرفة ماء . قال ( ابن عرفة ) : وفائدة التأكيد بالمصدر على ~~هذا تحقيقا للرخصة في ذلك الفعل وتأكيد ( إباحتها ) خشية أن يتوهم قصر ذلك ~~على أدنى شيء من الماء المأخوذ باليد فأكده تنبيها على إباحتة الغرفة ~~الواحدة بكمالها . قوله تعالى : { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } . ~~قال ابن عرفة : إن أريد الملاقاة بالإطلاق فهي بمعنى العلم وإن أريد ~~الملاقاة حينئذ فالظن على بابه لأن الإنسان لا علم له بزمن موته . قال ( ~~ابن عرفة ) : وعبر عنهم بهذا إشارة إلى ما قاله بعضهم في رسالة : ( من أحب ~~الممات حيي ومن أحب الحياة مات ) . قوله تعالى : { بإذن الله } . قال ابن ~~عرفة : قال ابن عطية : إذن الله هنا تمكينه وعلمه بمجموع ذلك الإذن . ~~PageV02P708 ( ابن عرفة : كذا يقول في كل موضع ) والصواب أن معناه بقدرة ~~الله وفضله وإرادته . قال ابن عرفة : وهذا إما أن بعضهم قاله لبعض أو قالوه ~~كلهم ms285 لأنفسهم ( تشجيعا ) لها وتوطينا على الصبر على القتال والهجوم عليه . ~~قوله تعالى : { والله مع الصابرين } . قالوا : هذا إما من كلامهم أو من ~~كلام الله تعالى . ابن عرفة : ( والصواب أنه من كلامهم لأن فيه تشجيعا ~~لأنفسهم وحضا لها على المقاتلة وأما إن كان من قوله الله تعالى ) خطابا ~~لنبيه فهو بعد انفصال تلك القضية فلا مناسبة لها ، انتهى . قوله تعالى : { ~~قالوا ربنآ أفرغ علينا صبرا . . . } . دعوا بالأمر المعنوي وهو الصبر ~~وبالحسي ( والمراد ) بتثبيت الأقدام عدم الرجوع على الأعقاب ، وليس المراد ~~الوقوف في موضع واحد وابتدؤوا في الدعاء بالصبر لأنه سبب في تثبيت الأقدام ~~. قاله الزمخشري : ( أي هب لنا ما نثبت به من القوة والرعب ( في قلب العدو ~~) ونحوه من الاسباب . PageV02P709 قال ابن عرفة : وهذا على مذهبه في أن ~~العبد يستقل بفعله ونحن نقول : المراد ثبت أقدامنا حقيقة . قوله تعالى : { ~~وانصرنا على القوم الكافرين } . تنبيه على أن قتالهم إياهم إنما هو لوصف ~~كفرهم لا لغرض دنيوي ، وهنا محذوف مقدر أي فقاتلوهم فهزموهم . وحكى ابن ~~عطية هنا والزمخشري أن ( ايشي ) كان له ستة أولاد أحدهم ( داود ) وكان صغير ~~السن فمر في طريقه بثلاثة أحجار ، قال له : كل واحد منها خذني ( فبي تقتل ) ~~جالوت فجعلها في مخلاته وطلب جالوت ( المبارزة ) ، فقال طالوت : من يبرز ~~فيقلته فأنا أزوجه بنتي وأحكمه في مالي ؟ وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع ~~والتأمت الحجارة فوضعها في ( المقلاع ) وسمى بالله وأداره ورماه فأصاب رأس ~~جالوت فقتله وحز رأسه وجعله في مخلاته . قال ابن عرفة : المقلاع شبه الوضف ~~. PageV02P710 الزمخشري : / وزوجه طالوت ابنته وروي أنه ( حسده ) وأراد ~~قتله ثم تاب . قيل لابن عرفة : كيف صح هذا وقد حكى الزمخشري عن بعضهم أن ~~طالوت ( نبي ) . والنبي معصوم ؟ فقال : الأكثر على أنه غير نبي وقد ( تاب ) ~~من هذا ، ومعلوم ما فيه . قال ابن عرفة : وهذه الآية يرد بها على الكوفيين ~~في قولهم : إن الواو تفيد الترتيب لأن المفسرين نقلوا هنا أن الهزيمة إنما ~~كانت بعد أن قتل داود جالوت فحينئذ انهزموا وتفرقوا . قوله تعالى ms286 : { مما ~~يشآء . . . } . قوله تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض . . . } . قال ابن عطية : أي لولا دفعه لكفر بالمؤمنين لفسدت الأرض ~~بعموم ( الكفر ) من أقطارها ، لكه لا يخلو زمان من داع إلى الله ومقاتل ~~عليه إلى أن جعله في أمة محمد . وقال مكي : PageV02P711 أكثر المفسرين على ~~أن المراد لو لا ان يدفع الله بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي ~~( لأهلك ) لاناس بذنوبهم . وضعفه ابن عطية قال : والحديث الذي ذكر عن ابن ~~عمر هما المعارض للآية لا يصح . قلت : انظره في تفسير مكي . قال ابن عرفة : ~~وكان بعضهم يبدي في هذه الآية معنى ذكره البيانيون وهو الفرق بين قولك : ~~أكلت بعض الرغيف وبين قولك : أكلت الرغيف بعضه . وكذلك : أكلت بعض الشاة ، ~~وأكلت الشاة بعضها . ( فما تقول ) إلا أذا كان المأكول أكثرها أو كان ~~أفضلها ، لأنه من باب إطلاق اسم الكل على الجزء ولا يكون إلا لمعنى . قال : ~~وفي الآية حجة على من يجعل لفظ البعض لا يطلق إلا على الأقل وهو ( خلاف ~~نقله ) الآمدي في شرح الجزولية في باب التثنية والجمع لأن البعض الأول عبر ~~به عن الدافع والبعض الثاني عن المدفوع ، والدافع إما أقل من المدفوع أو ~~أكثر أو مساو . وأجيب بأن هذا لازم إذا كانا قسمين فقط ولعلها ثلاثة أقسام ~~دافع ومدفوع عنه ومدفوع . PageV02P712 قال ابن عرفة : وفي الآية حجة لمن ~~قال : إن العقل ما خلا عن سمع قط لاقتضائها أنه لولا ذهاب الفساد بالصلاح ~~المرشد إلى اتباع أوامر الله ونواهيه لعم الكفر والفساد الأرض ، فلو خلا ~~العقل من سمع في زمن من الأزمان لهلك الخلق كلهم . فقال : بعض الطلبة ~~بمحضره : إنما يتم هذا على أحد تفسيري ابن عطية . فقال ابن عرفة : والآية ~~دالة على أن الفساد هو الأصل والأكثر فيستفاد ( منها ) فيما إذا كنا شككنا ~~في صفته ، واحتملت الصحة والفساد أنها تحمل على الفساد كقولهم في فداء ~~المسلمين من أيدي الكفار بالسلاح والكراع هل يجوز ؟ وتغلب مصلحة استخلاص ~~المسلمين منهم على مفسدة تقوي ms287 الكافرين بالسلاح أو يمتنع ؟ وكذلك إذا تترس ~~الكفار بالمسلمين هل يباح قتل الترس أم لا ؟ قوله تعالى : { ولكن الله ذو ~~فضل على العالمين } . قال ابن عرفة : هذا احتراس وهو حجة لأهل السنة لأن ما ~~قبلها تضمن أن الله تعالى يذهب الفاسد بالصالح فلو اقتصر عليه لأوهم وجوب ~~مراعاة الأصلح على الله تعالى فبين بهذه الآية أن ذلك محض تفضل من الله ~~تعالى ولا يجب عليه شيء . PageV02P713 قال أبو حيان : ( ولكن ) استدراك ~~بإثبات الفضل على جميع العالمين لما يتوهمه من يريد الفساد أن الله غير ~~متفضل عليه إذ لم يبلغه مقاصده . قال ابن عرفة : هذا بناء على أن ما بعد ( ~~لكن ) لا يكون ( مضادا ) لما قبلها ، ومن يجيز كونه مخالفا له لا يحتاج إلى ~~هذا بل نقول : معناه لهلك الناس كلهم بغلبة الفساد . ( وعلل تفضله ) ~~بالجميع لأنه عام يناله المفسد والمصلح والمدفوع عنه ، أما نيله المدفوع ~~فظاهر وأما المفسد فلأن منعه من ذلك منقذ ( له ) من الهلاك ودخول النار ~~فيصير صالحا . قوله تعالى : { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق . . . } . ~~قال ابن عرفة : الإشارة إلى الآيات المتقدمة . وعبر عن التلاوة الماضية ~~بصيغة المستقبل للتصور والدوام ، وإما أن يكون ( نتلوها ) مستقبلا حقيقة ~~والإشارة إلى المتقدم باعتبار لفظه فقط . مثل : عندي درهم ونصفه ، أو ~~الإشارة إلى المستقبل ( المقدر ) في الذهن تحقيقا لوقوعه وتنزيلا له منزلة ~~الدافع حقيقة . وفي الآية التفات بالانتقال من الغيبة إلى التكلم . قوله ( ~~ءايات الله ) إشارة إلى عظمها وجلالة قدرها . PageV02P714 وقوله ( نتلوها ) ~~لم يقل : يتلوها الله عليك فعبر ( بالنون المشتركة ) بين المتكلم وحده وبين ~~المتكلم ومعه غيره إشارة إلى بلوغها للنبي بواسطة الملك . قوله تعالى : { ~~وإنك لمن المرسلين } . PageV02P715 ابن عرفة : هذا كالنتيجة بعد المقدمتين ~~لأن تلك الآيات المعجزات دالة على صحة رسالة محمد . وأكدت رسالته ب ( أن ) ~~واللام بورودها بهذا اللفظ لأنه أبلغ من قوله وإنك | ( المرسل ) كما قال { ~~يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين } قاله الزمخشري في قول الله في سورة ~~العنكبوت { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين . } قوله ms288 ~~تعالى : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض . . . } . قال ( الزمخشري ) : ~~الإشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت فقط في السورة ، أو التي ( ثبت ) علمها ~~عند رسول الله . قال ابن عرفة : بل الإشارة إلى ما قبله يليه وهي الرسل ~~المفهومة من قوله { وإنك لمن المرسلين } قال ابن عرفة : فهذا التفضيل إما ~~مطلقا / أي بعضهم أفضل من بعض ( مطلقا ) ، أو من وجه دون وجه ، فبعضهم أفضل ~~من بعض في شيء والمفضول في ذلك أفضل من الفاضل في شيء آخر ، فهل هو كالأعم ~~مطلقا أو كالأعم من وجه دون وجه ، والظاهر الأول . وما ورد في الحديث : ( ~~لا تفضلوني على موسى ولا ينبغي لأحد أن يقول : أنا أفضل من يونس بن متى ) ~~فلا يعارض هذا لأن الآية اقتضت تفضيل بعضهم على بعض من غير تعيين الفاضل من ~~المفضول . قيل له : معلوم أن رسول الله أفضل الخلق ؟ ( فقال ) : بان ذلك ~~يعتقده ( الإنسان ) ولا يقوله بمحضر الكفار لئلا يقعوا بالنبي بتنقيص ( ~~فيتركه ) سدا للذريعة ، أو يجاب بأنه تواضع من النبي ، قاله الغزالي كقوله ~~: ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) . وأجاب القاضي عياض في الإكمال عن معارضة ~~حديث نوح لحديث ( لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ) وحديث ( ~~لا PageV02P716 تفضلوا بين الأنبياء ) مع حديث ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) ~~. أحدها أن يكون قبل إعلام الله له أنه أفضل ولد آدم أو يكون على طريق ~~الأدب والتواضع ، أو المراد : لا تفضلوا بينهم في النبوة وإنما تفضيلهم ~~بخصائص خص الله بها بعضهم كما قال { فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ~~} الآية . قيل لابن عرفة : ( إن ) ابن عطية أخطأ في قوله هنا لأن يونس عليه ~~السلام كان شابا وتشيخ تحت أعباء النبوة ؟ فقال : لا شيء في مثل هذا . قال ~~ابن عرفة : وكون بعض الرسل أوتي ما لم يؤته النبي ( لا ينافي كون النبي ) ~~أفضل الخلق لأن المفضول قد يختص بفضيلة هي ليست في الفاضل كما قالوا : إن ( ~~أفضل ) الصحابة أبو بكر مع أن لبعضهم من ms289 الخصوصيات ما ليست في أبي بكر ، ~~وكذلك كون عيسى ( اختص ) بإحياء الموتى وموسى بالكلام لا ينافي كون النبي ~~أفضل منهم ، وكذلك قوله في سورة النجم { وإبراهيم الذي وفى } وتكليم الله ~~للرسل ليس بمعجزة ، وكذلك رفع الدرجات مشترك بينهم ، فلذلك لم يسنده إلى ~~معين ( ولما كان إيتاء البينات والتأييد خاصا بروح القدس أسنده إلى عيسى . ~~والكلام هنا المراد به ) كلام الرحمة . PageV02P717 فإن قلت : وكل رسول أيد ~~بروح القدس وهو جبريل ؟ قلت : عيسى اختص من ذلك بقدر زائد من صغره إلى كبره ~~لتكونه من نفخ جبريل عليه السلام في فرج مريم وتكلمه في المهد . قوله تعالى ~~: { ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات . . . ~~} . قال الزمخشري : مشيئته قصد وإلجاء لأن العبد عنده يستقل بفعله وفعله ~~بإرادته فيقول : إنه لا تتعلق إرادة الله تعالى بذلك الفعل . قال ابن عرفة ~~: وفي هذه الآية عندي حجة لمن يقول : إن العدم الإضافي تتعلق به القدرة لأن ~~المعنى : ولو شاء الله عدم اقتتالهم . فقيل له : فرق بين الإرادة والقدرة ؟ ~~فقال : قد تقدم الخلاف في الإرادة هل هي مؤثرة أو لا ؟ والصحيح أنه اختلاف ~~لفظي ( وأنه ) خلاف في حال . فإن كان المقصود بها الإبراز من العدم إلى ~~الوجود فليست مؤثرة ، إن أريد به كون الشيء على صفة مخصوصة فهي مؤثرة ، ~~وإذا كانت مؤثرة فيه كالقدرة وقد تعلقت هنا بالعدم . قال ( السكاكي ) : ~~ومفعول ( شاء ) ( لا يحذف ) إلا إذا كان ( عدما ) أو أريد به العموم . ~~PageV02P718 قوله تعالى : | { فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شآء الله ما ~~اقتتلوا . . . } . قدم المؤمن لشرفه وإلا فالكافر أكثر وأسبق وجودا . وقوله ~~تعالى : { ولو شآء الله } إما تأكيد ، أو المراد بالأول جميع الخلق . ( ~~والمراد ) بهذا المؤمنون . قوله تعالى : { ولكن الله يفعل ما يريد } . صريح ~~في مذهب أهل السنة وهو ينعكس بنفسه ، فكل مراد مفعول لقوله ( { ولكن الله ~~يفعل ما يريد } . وكل مفعول مراد ) . ولقوله : { ولو شآء الله ما اقتتلوا } ~~فدل على أنه أراد اقتتالهم إذ لو لم يرده لما وقع ms290 . انتهى . قوله تعالى : { ~~ياأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم } . قال ابن عطية : ( هو عام في ~~الجهاد والتطوع ) . والتحاكم في هذا إلى السبب المتقدم ( هل ينهض ) إلى ~~وجوب القصد عليه أو يعم فيه وفي غيره ؟ قال ابن عرفة : وفرقوا بين قولك : ~~تصدق ، وبين قولك : يا غني تصدق . بثلاثة أوجه : إما للوصف المناسب ، أو ~~تنبيه المخاطب ، أو استحضار ذهنه . وإما خوف احتمال الشركة في النداء . ~~PageV02P719 فإن قلنا : إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة فينتفي احتمال ~~( الشريك ) هنا ، وأيضا فسبب النزول يعين كون الخطاب للمؤمنين فانحصر كون ~~فائدته إما التنبيه أو الإشعار بأن سبب الأمر بذلك وصف الإيمان . قوله ~~تعالى : { مما رزقناكم . . . } . مذهب أهل السنة تعميم الرزق في الحلال ~~والحرام ، وأمروا هنا بالحلال لأن ( من ) للتبعيض فيبقى البعض الآخر . قوله ~~تعالى : | { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة . . . } . واليوم حمله ~~المفسرون على يوم القيامة . قال ابن عرفة : وعندي أنه يوم موت كل واحد لأن ~~من مات قد قامت قيامته . قيل لابن عرفة : يلزمك الإضمار لأن يوم القيامة لا ~~بيع فيه بالإطلاق ويوم موت كل واحد لا بيع له فيه ولا خلة له فيه ، وإلا ~~فالبيع لغيره ثابت له فيه لأن غيره حي قطعا ؟ فقال : إنما تعلق النفي بيوم ~~الموت والبيع غير ثابت فيه من حيث كونه يوم الموت ، ونفي البيع لايستلزم ~~نفي الخلة لأنه قد لا يكون عنده ما يبيع وقد يكون ( له ) صاحب يحميه وينصره ~~، ولا يلزم من نفي الخليل نفي الشفاعة لأن العدو قد ( يرق ) لعدوه ويشفع ~~فيه ، PageV02P720 ولأن الخليل يستنقذ بالانتصار والقوة والغلبة والشفيع ~~يستنقذ بالرغبة والفضل لا بالقوة . قوله تعالى : { الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم . . . } . قال الامام ابن العربي في شرح الاسماء الحسنى : يقال : حي ~~وحيى ويحيي وقيل : حاي على وزن فاعل والخبر آكد ، أي جنس الحي ، وقيل : هو ~~الحياة والحي نوع من القبيلة سمى به مجازا لأن به يستعزون على حماية أنفسهم ~~وحياة مواشيهم بالخصب ورعي الحيا ، وشربه وهو المطر ، والحياة وصف للجسم ms291 | ~~( عرض ) إذا وجدت في جسم أو جوهر كان دراكا فعالا والعرب إذا أرادت الإدراك ~~والحس قالت : هذا حي ، والحي في الشاهد من قوله : حياة . وأما الغائب ~~فبعضهم قال : لا أقول : إن الله حي بحياة ، إذ لم يرد فيه ولا في السمع ~~والبصر ونقول : ( عالم بعلم ) لوروده ( . وقال الامام الغزالي : والكثير من ~~علمائنا : الحي : الفعال الدراك . وهو باطل بوجوه : منها أن البارىء في ~~الأزل حي مدرك بنفسه وصفاته ولم يفعل ، وأيضا الإدراك معنى غير الحياة ~~والفعل فكيف يفسر معنى بمعنى مغاير له ، واعلم أن وجود الحياة مصحح للادراك ~~والفعل فيلزم الإدراك إذ لايصح حي غير مدرك ويصح الفعل ولا يلزم . ووجوب ~~الحياة للبارىء يختص بخمسة أوصاف : أنه لم يسبقه موت ، ولا ( يعتريه ) ، ~~PageV02P721 وليس له ( بلل ) ورطوبة ، ولا يحتاج إلى غذاء ، فإنه يطعم وهي ~~للعبد بعكس ذلك كله . قال الزمخشري : والحي الباقي الذي لا سبيل للفناء ~~عليه وهو على اصطلاح المتكلمين الذي يصح أن يعلم ويقدر . قال ابن عرفة : ~~وكل شيء يصح اتصافه بالعلم والقدرة لكن الحي بغير واسطة والجماد بواسطة ~~الحياة . قال ابن عرفة : قال ابن عطية : قال المعتزلة وقوم : الله حي لا ~~بحياة ، وهو باطل . وقال آخرون : حي بحياة ، وقال قوم : هو حي كما وصف نفسه ~~، وسلم ذلك أن ينظر فيه . وقد تقدم الخلاف في الصفات فنحن نثبتها ونقول : ~~الله عالم بعلم ، قادر بقدرة . حي بحياة . المعتزلة ينفونها ، وتقدم الخلاف ~~بيننا في الأحوال كالعالمية والقادرية والحيية . فمنا من يثبتها ، ومنا من ~~ينفيها ، والمثبتون لها قسموها على قسمين : معللة وغير معللة ، والمعللة ~~عندهم مشروطة بالحياة والسوادية والبياضية غير معللة ، والعالمية معللة ~~كالقادرية . وكان بعضهم يرد على من يقول : إنها معللة بصفات الحياة لأن ~~الحياة حال ليست معللة لئلا يلزم عليه تعليل الشيء بنفسه . قوله تعالى : { ~~الحي القيوم . . . } . قال الامام ابن العربي : على وزن فيعول : اجتمعت ياء ~~وواو ، سبقت إحداهما بالسكون فقلبت وأدغمت . والقيام أصله القيوام وأهل ~~PageV02P722 الحجاز يصرفون الفعال إلى الفعلان فيقولون في الصداع صداع . ~~والقيم عند سيبويه فيعل للتأكيد ، فقلب ms292 وأدغم . وأنكر الفراء أن في الأمثلة ~~فيعل ، وقال : أصلها فعيل ككريم وكان ( أصلهم ) أن يجعلوا الواو وألفا ~~لافتتاح ما قبلها ثم يسقطونها لسكونها وسكون الياء بعدها فلما فعلوا ذلك ~~صار فعيل على لفظ فعل فزادوا ياء ليكمل بها بناء الحرف . قال ابن العربي : ~~واختلفوا في معناه فقيل : الدائم الذي لا يزول ، فالقيوم معناه : الباقي ~~الدائم . وقيل : القيوم هو القيم على كل شيء بالرعاية والمدبر لجميع أمور ~~العالم بمعنى : الحفيظ والمدبر . وقيل : الذي لا تفنيه الدهورو و لا يتغير ~~بانقلاب الأمور فهو بمعنى : الثابت القدوس . قال : والصحيح أنه مبالغة قائم ~~من قام إذا أطاق . قال : وروى ابن راشد الأزدي أنه ورد على النبي فقال له : ~~( ما اسمك ؟ فقال عبدالعزى بن ( غاويه ) ) فقال له : : بل اسمك عبد الرحمن ~~بن راشد ، قال : من الذي معك ؟ قال : مولاي قال : ما اسمه ؟ قال : قيوم . ~~قال : ولكنه عبد القيوم ( . ورواه الدار قطني وعبد الغني الحافظ كذلك ورواه ~~ابن ( رشد ) قال : ) ما اسم مولاك . قال : القيوم . قال : PageV02P723 لا ~~بل عبد القيوم ( والدار قطني أحفظ وأوثق . قال : فأما القائم فله في اللغة ~~ثلاثة معان : قام إذا انتصب وعلا ، وقام بالامر أي استقل به ، وقام إذا ~~لازم . قال الله تعالى : { إلا ما دمت عليه قآئما } فقيل كلها حقيقة ، وقيل ~~: الأول فقط ، واختلفوا في معنى كون الله قائما بنفسه ، فقيل : لا يحتاج ~~إلى مكان ، وقيل : موصوف بصفاته العلية ، وقيل : مستغن عن كل شيء . والصحيح ~~أنه لا يصح وصفه إلا مضافا لما يبينه فإذا قلت : قائم على كل نفس بما كسبت ~~فصحيح معنى وارد شرعا ، وإن قلت : قائم بنفسه فصحيح لم يرد . واختلفوا في ~~معنى قائم على كل نفس بما كسبت ، فقيل بما كسبت من رزق تفضلا فهو امتنان ، ~~وقيل : بما كسبت من عمل يحفظه عليها فهو وعيد . وقيل : يطلع عليها لا يخفى ~~عليه من أمرها شيء ، وقيل : المراد الملائكة الموكلون بحفظ بني آدم لا ~~يستوون مع الأصنام فكيف بخالق الملائكة ومن هو قائم عليها ومدبرها وهذا ~~مجاز . ابن العربي : والصحيح ms293 أنه قائم بالخلق والحفظ والرزق وغير ذلك فهو ~~غني عنه . قوله تعالى : { لا تأخذه سنة ولا نوم } PageV02P724 . قال ابن ~~عرفة : هذا كالدليل / على كونه حيا قيوما و { له ما في السماوات وما في ~~الأرض } كالدليل على أنه لا تأخذه سنة ولا نوم . فان قلت : نفي السنة ~~يستلزم نفي النوم فهلا قدم النوم على السنة ؟ قال : فالجواب من وجهين : ~~الأول منهما : ( قصد ) نفى السنة بالمطابقة واللزوم . الثاني : إنا نجد من ~~يدافع النوم لا تأخذه سنة لأنه مهما تأخذه السنة يدافعها ويغلبها حتى يأتيه ~~النوم غلبة فينام فما يلزم من عدم السنة عدم النوم . قوله تعالى : { له ما ~~في السماوات } دليل على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى لأنها ما في ~~السماوات وما في الأرض . قوله تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه . ~~. . } . قال ابن عرفة : ورد النفي بصغية الاستفهام وهو أبلغ لاقتضائه ~~موافقة المخاطب عليه . قال ابن عطية : الإذن قسمان فهو في الشفاعة في ~~الخروج من النار بمعنى الأمر لحديث ( يامحمد ارفع رأسك تعطه واشفع تشفع ) ، ~~وهو ( ( في شفاعة غيره من الأنبياء والعلماء وشفاعة ( الجار ) والصاحب ~~الذين يشفعون ) ) قبل أن ( يؤمروا ) بمعنى العلم والتمكين . PageV02P725 ~~قال ابن عرفة : ( يريد ) بمعنى خلق الداعي والقدرة على ذلك . قال : واقتضت ~~الآية ألا شفاعة إلا بإذن والإذن فيها يقتضي قبولها فيعارض قوله تعالى : { ~~فما تنفعهم شفاعة الشافعين } فدل على أن هناك من يشفع ولا تقبل منه ، إلا ~~أن يجاب بأن تلك سالبة ، مثل : الحائط لا يبصر ( لا معدومة ) مثل : زيد غير ~~بصير ، فليس المراد شفاعة الشافعين لا تنفعهم بل هو من باب نفي الشيء بنفي ~~لازمة مثل : على لا حب لا يهتدى بمنارة . . . أي ليس له منار يهدى به ، أي ~~لا شافع هناك فتنفع شفاعته . قوله تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~. . . } . هنا دليل على عموم تعلق علمه بالجزيئات والكليات فيرد بها على من ~~نفى تعلقه بالجزيئات . قيل لابن عرفة : قد يقال إنه دليل ظاهر لا نص وندعى ~~تخصيص عمومه ؟ فقال : استدلوا بظواهر ( الآي ms294 ) في ( كثير ) من المطالب ~~وتعقبوا على ابن الخطيب في قوله في المحصول : إن الدلائل السمعية لا تفيد ~~الظن فضلا عن اليقين . PageV02P726 قال ابن عرفة : وتقدم لنا سؤال وهو أنه ~~تسلط النفي هنا على الأخص دون الأعم فلو قيل : ولا يعلمون شيئا من علمنا بل ~~علمه إلا ما شاء لكان أبلغ لأن الإحاطة بعلم الشيء أخص من مطلق علمه . قال ~~: والجواب أنا إن قلنا : إن العلوم كلها متساوية فلا فرق بين الإحاطة ~~وعدمها . وإن قلنا : إنها غير متساوية فالسؤال وارد . وعادتهم يجيبون بأن ( ~~الآية ) خرجت مخرج التمدح . والعلوم قسمان : ضرورية ونظرية ، فالضرورية لا ~~يقع عليها مدح ولا ذم لأنها جبرية يستوي فيها كل الناس وإنما يقع المدح على ~~العلوم النظرية وهي لا تحصل إلا بالإحاطة لأنها ناشئة عن مقدمتين والعلم ~~بالمقدمتين مستلزم الإحاطة بعلم النتيجة ، فالإحاطة بها وعلمها ( متساويان ~~) . قيل لابن عرفة : الآية دالة أن المعدوم ( يصدق ) عليه شيء لأنا إن لم ~~نجعله داخلا تحت مسمى شيء لزم إبطال العمل بمفهوم الصفة لأنه يكون مفهوم ~~الآية ( أنهم ) يحيطون بالمعدوم من ( تعلق ) علمه وهذا كفر ؟ فأجاب : بأنه ~~مفهوم أحرى لأنهم إذا لم يحيطوا بالموجود فأحرى المعدوم . قلت : وقال بعضهم ~~: إن هذا السؤال غير وارد لأن المعنى إلا بما شاء أن يحيطوا به فإنهم ~~محيطون به ولا يلزم منه نفي تعلق المشيئة بالمعدوم بل يبقى الأمر مسكوتا ~~عنه فلا يلزم تعلق الحكم بنفيه ولا بإثباته . PageV02P727 قال ابن عطية : ( ~~وقد قال الخضر لموسى عليهما السلام : ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ما ~~نقص هذا العصفور من البحر ) . قال ابن عرفة : شبه ما ليس بمتناه بما هو ~~متناه لأن البحر متناه ، فالنقص فيه معقول وليس المراد حقيقة النقص ، بل ~~معناه نسبة علمي وعلمك من معلوم الله تعالى الذي لم ندركه نحن كنسبة ما ~~يتعلق بالعصفور من ماء البحر إلى ماء البحر . انتهى . قوله تعالى : { وسع ~~كرسيه السماوات والأرض . . . } . قال ابن عرفة : كلام الزمخشري هنا حسن ~~وكلام ابن عطية في بعضه إيهام والألفاظ الموهمة ms295 إذا وردت من الشارع تأولت ~~وردت إلى الصواب ، وإن وردت من غيره لم تتأول لأن الشارع يذكر الألفاظ ~~الموهمة للابتلاء بها { فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء } ( فالمحق ) ~~يصرفها عن ظاهرها إلى الصواب والمبطل يقف مع الظاهر ، وأما إذا وردت من غير ~~( الشارع ) فلا تتأول . | قلت : وكذا قال الزمخشري : لفظ الكرسي تخييل . ~~والتخييل أن يعبر عن الشيء بلازمه كقوله تعالى : { طلعها كأنه رءوس ~~الشياطين } قوله تعالى : { ولا يئوده حفظهما . . . } . PageV02P728 | ان ~~قلت : هلا قيل : حفظها ، بضمير جماعة ما لا يعقل أو : حفظه ، بضمير الكرسي ~~لا شتماله على العرش والسماوات والأرض ، ( والشي ) ( في نفسه ) ليس كهو مع ~~غيره ، فلا يلزم من نفي الثقل ( عن ) السماوات والأرض ( بخصوصيتها ) نفي ~~الثقل ( عنها ) مع غيرها ؟ فالجواب : أنه ( خصهما ) بالذكر لأنهما ~~المشاهدان للإنسان الذي يراهما ويوافق على إمساكهما وعدم إزالتهما ليكون ~~ذلك أقطع في طريق / الاستدلال وأقوى في قيام الحجة عليه . قوله تعالى : { ~~وهو العلي العظيم } . قال ابن عطية : أي عظيم القدر والخطر وليس من عظيم ~~الأجرام وحكى ( الطبري ) عن قوم أن العظيم بمعنى المعظم كقولهم : العتيق ~~بمعنى المعتق ، وأنكره آخرون وقالوا : لو كان بمعنى معظم لوجب ان لا يكون ~~عظيما قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم إذ لا معظم له حينئذ . PageV02P729 ~~قال ابن عرفة : وهذا الإنكار غير صحيح ، بل يفهم كما قال الضرير في أرجوزته ~~لأنه قسم الحمد على قسمين : قديم وحادث ، فالقديم حمده تعالى نفسه . قوله ~~تعالى : { لا إكراه في الدين . . . } . نقل ابن عرفة عن ابن عطية الخلاف في ~~سبب نزولها ثم قال : الظاهر عندي ( أنها ) على ظاهرها ويكون خبرا في اللفظ ~~والمعنى . والمراد أنه ليس في الإعتقاد إكراه وهو أولى من قول من جعلها ~~خبرا في معنى النهي . وكان أبو عمر ولد الأمير أبي الحسن على المريني في ( ~~أيام ) مملكته جمع كل من كان في بلده من النصارى وأهل الذمة وقال لهم : إما ~~أن تسلموا أو ضربت أعناقكم ، فأنكر عليه ذلك فقهاء بلده ومنعوه وكان في ~~عقله اختبال . قيل لابن عرفة : من ms296 فسر الدين بالإسلام لا يتم إلا على مذهب ~~المعتزلة القائلين بأن الإعتقاد غير كاف . فقال : قد قال الله تعالى : { إن ~~الدين عند الله الإسلام } وفسره في الحديث ( بأن تشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن ~~استطعت إليه سبيلا ) . PageV02P730 قوله تعالى : { قد تبين الرشد من الغي . ~~. . } . ( قد ) للتوقع لأن المشركين كانوا يتوقعون بعثة رسول الله . ~~وعارضوها بقوله تعالى : { ليميز الله الخبيث من الطيب } فجعل الخبيث مخرجا ~~من الطيب ، وعكس هنا . وأجيب : بأن هذا في أول الإسلام كان الكفر أكثر وتلك ~~في آخر الإسلام كان الإيمان أكثر ودخل الناس في الدين أفواجا . قوله تعالى ~~: { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله . . . } . قدم الكفر إما لأنه من دفع ~~المؤلم ، أو لأنه مانع ولا يتم الدليل على الشيء إلا مع نفي المانع المعارض ~~ولذلك قال في الإرشاد : ( النظر في الشيء يضاد العلم بالمنظور ويضاد الجهل ~~به والشك فيه ) . فإذا كان الكافر مصمما على كفره استحال إيمانه وإذا ظهر ~~له بطلان الكفر وبقي قابلا للإيمان ونظر في دلائله أنتجت له الإيمان . قوله ~~تعالى : { فقد استمسك بالعروة الوثقى . . . } . قال الزمخشري : هذا تمثيل ~~للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس ( ونظر في دلالات أنتجت له ) ~~حتى يتصوره السامع كأنه ينظر ( إليه ) بعينه . PageV02P731 ابن عطية : هذا ~~تشبيه واختلفوا في المشبه بالعروة فقال مجاهد : العروة الإيمان وقال السدى ~~: الإسلام . وقال سعيد بن جبير والضحاك : ( العروة ) لا إله إلا الله . قال ~~ابن عرفة : إنما يريد المشبه خاصة ولو أراد المشبه به لكان تشبيه الشيء ~~بنفسه . قوله تعالى : { والله سميع عليم } . قال ابن عطية : لما كان الكفر ~~بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات ~~سميع من أجل النطق وعليم من أجل المعتقد . وقال الفخر : هذا دليل على أن ~~اعتقاد القلب الايمان غير كاف ولا بد من النطق . قال ابن عرفة : لايتم هذا ~~إلا على مذهب المعتزلة الذين ينكرون الكلام النفسي ونحن نقول : كلام النفس ~~مسموع ولذلك نتصوره في ms297 الكلام القديم الأزلي وهم ينكرونه . قوله تعالى : { ~~الله ولي الذين آمنوا . . . } . أفرد الولي هنا لأن الإيمان من لوازمه ~~التوحيد والكفر من لوازمه الشرك وتعدد الآلهة . PageV02P732 قوله تعالى : { ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور . . . } . وأورد الزمخشري في أول سورة الأنعام ~~سؤالا فقال : لأي شيء جمع الظلمات وأفرد النور وحقه إن كان يورده هنا ؟ ~~وأجاب بتعدد طريق الشرك واتحاد طريق الإيمان . قال ابن عرفة : وإخراج ~~المؤمنين من الظلمات إلى النور بالفعل حقيقة ، لأنهم كانوا كافرين فآمنوا ، ~~والكافرون كانوا في مظنة الإيمان أو القبول إلى الإيمان فأخرجهم إلى ~~التصميم على الكفر والقسمة رباعية كفر مستديم إلى الموت وإيمان دائم إلى ~~الموت وكفر بعد الإيمان وإيمان بعد كفر فتضمنت الآية القسمين الأخيرين . ~~قال ابن عرفة : إما أن يتجوز في لفظ ( ءامنوا ) فيريد به المستقبل ويبقى ( ~~يخرجهم ) على ظاهره ، أو يبقى ( ءامنوا ) على ظاهره ويتجوز في لفظ ( يخرجهم ~~) وغلب في الآية مقام الوعظ والتخويف على مقام البشارة فلذلك لم يقل في ~~الأول : { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } وذكر في الثاني . ~~PageV02P733 قوله تعالى : { ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم . . . } . قوله ~~تعالى : { قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب } ~~. إن قلت : هلا قال نمرود : أنا هو الذي يأتي بها من المشرق فليأت بها ربك ~~من المغرب ؟ قلت : إنه لا يقدر أن يقول ذلك لئلا تقوم عليه الحجة لأن الشمس ~~كانت تطلع من المشرق قبل أن يوجد نمرود . وذكره ابن عطية فقال : إن ذوي ~~الأسنان يكذبونه . قوله تعالى : / { أو كالذي مر على قرية . . . } . قال ~~ابن عطية عن ابن عباس وجماعة : هو عزيز بن منبه ، وجماعة هو أرمياء . ( ~~وقال ابن اسحاق أرميا هو الخضر ) . ( وضعفه ابن عطية . قال : إلا أن يكون ~~اسما وافق اسما لأن الخضر ) هو معاصر لموسى عليه السلام ، والذي مر على ~~القرية PageV02P734 ( هو ) بعده بزمان من سبط هارون فيما روى وهب بن منبه . ~~قال ابن عرفة : هذا بناء منه على أن الخضر عليه السلام مات والناس يقولون : ~~لم يزل حيا إلى ms298 الآن على أن العلماء قد حكوا في موته خلافا . ( قال ابن ~~عرفة : وعطفه ) بغير فاء دليل على سرعة القول حتى أنه قال ذلك مع المرور لا ~~بعده وتعجب من نفس الإحياء أو من كيفيته . قوله تعالى : { بعد موتها . . . ~~} . ولم يقل من بعد موتها إشارة إلى ( كمال ) التأخر والانفصال عن أزمنة ~~البعدية لا أولها والمجاز فيها من أحد وجهين : إما أن يراد بالإحياء ~~العمارة وبالموت الخراب أو يكون الإحياء حقيقة ، والموت كذلك والمراد بعد ~~موت أهلها . قوله تعالى : { ثم بعثه . . . } . قيل لابن عرفة : ثم للمهلة ~~ولا مهلة بين المائة عام وبين البعثة ؟ فقال : إما أن يعتبر أول أزمنة ~~المائة عام أو نقول : المائة عام ماهية مركبة من أجزاء والإماتة بعد ~~مجموعها ، ولا تسمى الماهية إلا بكمال أجزائها فكانت المهلة بين إماتته ~~مائة عام وبعثه لابين آخر جزء مائة ) . PageV02P735 قوله تعالى : { قال ~~لبثت يوما أو بعض يوم . . . } . قالوا : إنه مات في أول النهار ضحوة وبعث ~~آخر النهار فقال : لبثت يوما ثم نظر فوجد الشمس لم تزل على ( الجدران ) ~~فقال : بعض يوم . قيل لابن عرفة : وكذلك كان يقول : لو وجدها غابت لأنه ( ~~ما مات ) إلا ضحوة بعد مضي بعض النهار ؟ فقال : ما اعتبر إلا ما بعد ( موته ~~) وما قبله كان فيها فيها مستصحبا الحياة . قوله تعالى : { فانظر إلى طعامك ~~وشرابك لم يتسنه . . . } . PageV02P736 الفاء للسببية والنظر البصر ويستلزم ~~العلم لقول الله : { أعلم أن الله على كل شيء قدير } . وقوله : { لم يتسنه ~~} . الزمخشري حمله على ثلاثة أوجه : أحدها : لم تمر عليه السنون لعدم تغيره ~~مثل ( على لا حب لا يهتدي بمناره ) فبقاؤه دال على عدم مرور السنين عليه ~~ومرور السنين عليه يقتضي عدم بقائه . الثاني : أن معناه لم يتغير . قوله ~~تعالى : { كيف ننشزها ثم نكسوها لحما . . . } . قال أبو حيان : أعربوا ( ~~كيف ننشزها ) حالا من ( العظام ) أي انظر إلى العظام محياة . ورد بأن ~~الجملة الاستفهامية لا تقع حالا وإنما تقع حالا ( كيف ) وحدها . قال ابن ~~عرفة : ( يصح ) ذلك على إضمار القول كما قال : ( جاؤوا بمذق هل ms299 رأيت الذيب ~~قط ) ؟ . قوله تعالى : { ننشزها . . . } . على قراءة الراء معناه نحييها ~~فيحتج به على أن العظام تحلمها الحياة . قوله تعالى : { فلما تبين له . . . ~~} . PageV02P737 وقال أولا : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } ؟ | قال ابن ~~عرفة : إن كان كافرا فظاهر ، وإن كان مؤمنا ( فمذهبنا ) على القول بأن ~~العلوم النظرية تتفاوت بالقوة والضعف خلافا لقول أبي بكر الصديق ه ( لو كشف ~~الغطاء ما ازددت يقينا ) . فهذا كان يعلم ذلك لكن علم المشاهدة أقوى من علم ~~ما هو غائب . قيل لابن عرفة : إن بعض الناس يجري على لسانه : يا حمار عزير ~~. فقال : يتقدم إليه وينهى عن ذلك فإن عاد إليه فلا يبعد أن يقال : إنه ~~يؤدب . قلت : في كتاب القذف من التهذيب ومن قال : يا شارب خمر أو يا خائن ، ~~أو يا آكل الربا ، أو يا ابن الحمار ، ( أو يا ثور ) ، أو يا خنزير فعليه ~~النكال . وفي المدارك للقاضي أبي الفضل عياض في باب نوادر من أخبار مالك ~~سأله رجل عمن قال للآخر : يا حمار ؟ قال : يجلد . قال : وإن قال له : يا ~~فرس ؟ قال : تجلد أنت . ثم قال : يا ضعيف هل سمعت أحدا يقول : يا فرس ؟ . ~~قوله تعالى : { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى . . . } . ~~PageV02P738 قال ابن عطية : قال الجمهور : إن إبراهيم لم يكن شاكا قط في ~~إحياء الله الموتى ، وإنما طلب المعاينة ، وقال آخرون : إنه شك في قدرة ~~الله تعالى ( في ) إحياء الموتى ( ولذلك قال ابن عباس هما ما في القرآن آية ~~أرجى عندي من هذه . ابن عرفة : هذا كلام لا يليق بابن عباس ) . وحمله على ~~ظاهره يلزم عليه الكفر فلا بد من تأويله وهو أن الشك في كيفية وجود الشيء ~~لا يلزم منه الشك في وجود ذلك الشيء ، كما أنا لا نشك في موت عثمان ه ~~مقتولا ونشك في كيفية ذلك حسبما اختلف فيه الرواة والنقلة . قال : ومن هنا ~~يستدل على القول بعدم تواتر القراءات ( السبعة ) غير ملزوم ( للقول ) بعدم ~~تواتر القرآن جملة . قال ابن عرفة : فأراد إبراهيم عليه السلام الانتقال ms300 من ~~العلم النظري إلى العلم الضروري لأن ( النظري ) تعرض له الشكوك ( والضروري ~~لا تعرض له الشكوك ) ولذلك يقول الفخر ابن الخطيب : في كلامه هذا تشكيك في ~~الضروريات فلا يستحق جوابا . قيل له علم ( النبي ) ضروري لا نظري ؟ ~~PageV02P739 فقال : علمه بنفس الإحياء ضروري وبكيفيته نظري ، وقول النبي ( ~~نحن أحق بالشك من إبراهيم ) على سبيل الفرض والتقدير في حق إبراهيم ، وعلى ~~جهة التواضع منه ، أي لو فرض وقوع الشك من إبراهيم عليه السلام لكنا نحن ~~أحق بذلك منه . قلت : تأول عياض في الشفاء هذه الآية بستة أوجه . أحدها : ~~ما تقدم أنه طلب زيادة اليقين لأن العلوم تتفاوت . الثاني : علم وقوعه ~~وأراد مشاهدته وكيفيته . الثالث : المراد اختبار منزلته عند الله تعالى وأن ~~يعلم / إجابة دعوته ، والمراد : أو لم تؤمن بمنزلتك واصطفائي ( لك ) . ~~الرابع : لما احتج على الكفار بأن الله يحيي ويميت طلبه من ربه ليصحح ~~احتجاجه به عيانا . الخامس : أنه سؤال على طريق الأدب أي ( أقدرني ) على ~~إحياء الموتى . والسادس : أنه آمن من نفسه الشك ولم يشك لكن ليجاب فيزداد ~~قربة . PageV02P740 وقول ( رسول الله ) ( نحن أحق بالشك من إبراهيم ) نفي ~~لأن يكون من إبراهيم شك أي نحن موقنون بالبعث وإحياء الموتى ، فلو شك ~~إبراهيم لكنا أولى بالشك منه ( أو ) على طريق الأدب أو المراد أمته ( الذين ~~) يجوز عليهم الشك أو هو تواضع ، فأما قول الله تعالى { فإن كنت في شك ممآ ~~أنزلنآ إليك } فقيل : معناه قل يا محمد للشاك : إن كنت في شك ، كقوله تعالى ~~: { ياأيها الناس إن كنتم في شك من ديني } و { فلا تكونن من الممترين } ~~وقيل : المخاطب غيره وقيل : إنه تقرير كقوله : { ءأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله } وقد علم أنه لم يقل . ( وقيل : إن كنت في شك ~~فأسأل تزدد علما إلى علمك ، وقيل : إن كنت شاكا فيما شرفناك به فاسألهم عن ~~صفتك في الكتاب ؟ وقيل : إن كنت في شك من غيرك فيما أنزلنا إليك . قال ~~القاضي عياض : واحذر أن يخطر ببالك ما نقله بعضهم عن ابن ms301 عباس هما أو غيره ~~من إثبات شك النبي فيما أوحي إليه وأنه من البشر فمثل هذا لايجوز جملة بل ~~قال ابن عباس : لم يشك . PageV02P741 وانظر ما قيل على هذا الحديث ( في ~~كتاب الإيمان في دفتر الحديث ، وفي أسئلة السكوني ) . قوله تعالى : { قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي . . . } . دليل على أن ( العقل ) في القلب . قوله ~~تعالى : { فصرهن إليك . . . } . قوله تعالى : { ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا . . . } . أي من الطير لأنهم جعلوه حالا من جزء فيكون نكرة تقدم عليها ~~فانتصب ( على الحال ) . قال ابن عرفة : ويحتمل هذا أن يكون على كل جبل من ~~الجبال فيعود الضمير على الجبال المفهومة من كل جبل . قيل لابن عرفة : هلا ~~بين له ذلك بإعدامهن جملة ثم أيجادهن عن عدم ؟ فقال : إيجادهن لايلزم منه ~~إعادتهن بأعيانهن لأنه يشاهد كل قوم أمثالهن : وقد يظن أن الموجود غير هذا ~~مماثل لهن فهذا أغرب ، وهو رؤيته PageV02P742 أجزاءهن المفترقة ( حين ) ~~تجتمع وتعود كما كانت أول مرة قالوا : ولما اجتمعت أتت إليه التصق كل جسد ~~مع رأسه . قال ابن راشد في اختصار ابن الخطيب : في الآية دليل على عدم ~~اشتراط البنية خلاقا للمعتزلة . فقال ابن عرفة : هذا بناء فيه على أن ~~البنية هي الشكل الخاص وليس كذلك مطلقا بل البنية المشترطة في الرؤية هي ~~الشكل الخاص والبنية المشترطة في الحياة هي البلة والرطوبة المزاجية . نص ~~عليه القاضي والمقترح وغيرهما لأنا نجد الحيوانات على أشكال متنوعة ولو ~~كانت الشكل الخاص لكانت على ( شكل ) واحد . قوله تعالى : { يأتينك سعيا . . ~~. } . دليل على أنهن أتينه يمشين خلافا لمن أتينه يطرن . قوله تعالى : { ~~واعلم أن الله عزيز حكيم } . الحكمة مشروطة ( بالإتقان ) وهو سأل عن كيفية ~~الإتقان فأخبره أنه إذا علم كيفية الإتقان فلا يسأل عما وراء ذلك ، فإن ~~الله PageV02P743 عزيز حكيم لا يمانع ولا يعاند في فعله فإذا تدبر الإنسان ~~في ملكوت الله وقدرته على الأشياء وخلقه لها ، فلا يتدبر فيها وراء ذلك ~~لئلا ( يجر به ) تدبيره إلى الكفر وفساد العقيدة كما قال تعالى : { فارجع ~~البصر هل ms302 ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ~~. } قوله تعالى : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله . . . } . قال ~~ابن عرفة : ويتناول ( نفقة ) النفوس وقدروه على حذف مضاف إما من الأول أو ~~من الثاني . وعندي أنه لا يحتاج إليه لأن المنفقين للأموال نشأ عنهم نفقات ~~، ونشأ عن نفقاتهم منافع دنيوية من إعلاء كلمة الله وإظهار الإسلام وتكثير ~~المسلمين وهضم ( حمية ) الكافرين واستئصالهم ومنافع أخروية بتكثير الثواب ~~في الدار الآخرة كما أن الحبة ينشأ عنها أولاد كثيرة . وعن الامام مالك ه ~~الأولاد حبوب كثيرة . قال الزمخشري : فإن قلت هلا قيل سبع سنبلات بلفظ جمع ~~القلة ؟ وأجاب بجواز إيقاع جمع الكثرة على جمع القلة فوقع جمع القلة مثل ( ~~ثلاثة قروء ) . وأجاب ابن عرفة بأنه لما سلك في الآية مسلك الحظ على النفقة ~~في سبيل الله وتكثير الثواب المعد عليها روعي في ذلك وصف الكثرة فأتى به ~~بجمع الكثرة . PageV02P744 وجعله الزمخشري وابى ( عطية ) من تشبيه المحسوس ~~بالمحسوس قبل الوجود . زاد الزمخشري : أو تشبيه محسوس بمعقول مقدر الوجود . ~~قال ابن عرفة : كان ابن عبد السلام يقول : هذا عندهم في أ رض الحجاز وأما ~~نحن فهو عندنا كثير والحبة الواحدة تنبت قدر الخمسين سنبلة أو مائة واما أن ~~( في ) كل سنبلة مائة حبة فهذا عندنا قليل الوجود . قوله تعالى : { الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله . . . } . قال ابن عرفة : أتى به غير معطوف ~~لأنه في معنى التفسير للأول فعلى هذا يكون خبر مبتدإ مقدر ، أي هم الذين ~~ينفقون أموالهم . قوله تعالى : { ثم لا يتبعون . . . } . عطفه ب ( ثم ) / ~~إما لبعد ما بين المنزلتين أو للمهلة حقيقة ويكون فيه إشارة إلى أنهم يمنون ~~بنفقة طال ( أمدها ) وداموا عليها ( فأحرى ) أن لا يمنوا بنفس الإنفاق . ~~قوله تعالى : { منا ولا أذى . . . } . قال ابن عرفة : قالوا الأذى هو ~~الشكوى بذلك والسب عليه . ابن عرفة : وتقدم لنا سؤال وهو أنه لا يلزم من ~~نفي الأخص نفي الأعم بل العكس ، فالمن أعم من الأذى فإذا لم يمنوا فأحرى أن ms303 ~~لا يسبوا عليها . PageV02P745 وأجيب بأن الإنسان قد يشكو بإعطائه النفقة ~~لغيره ويذم معه ولا يمن عليه لأنه إذا رآه يستحيي منه ( فلا يمن عليه ) . ~~فقال : المن على المعطي يكون بمحضره وفي غيبته . قال : وإنما عادتهم يجيبون ~~بأن سبب المن أخف من سبب الأذى ، فإنهم اعتبروا الفاعل ونحن نعتبر المفعول ~~. فنقول : سبب المن مجرد بذل المال للفقير فقط ، وأما الأذية ( والتشكي ) ~~والسب فما يصدر إلا عن موجب وهو إذاية المعطي للفاعل ونحو ذلك . فلا يلزم ~~من نفي المن نفي الأذى . | قال : وقال هنا { لهم أجرهم عند ربهم } وقال ( ~~بعده ) { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ~~ربهم } فعطفه بالفاء . وأجاب الزمخشري بأن الموصول لم يضمن هنا معنى الشرط ~~وضمنه هناك لأن الفاء تدل على أن الإنفاق به استحق الأجر . قال ابن عرفة : ~~هذا الكلام لا يستقل بنفسه ، ولا يزال السؤال واردا ، فيقال : لأي شيء أريد ~~الشرط هناك ولم يرد هنا ؟ قال : لكن عادتهم يجيبون بأنه لما قصد هناك ~~الإخبار بأن مطلق الإنفاق في سبيل الله ( يلزمه ) الأجر قل أو كثر دخلت ~~الفاء تحقيقا للارتباط ، ولما كان المراد هنا إنفاقا خاصا على وجه شبيه ~~بحسنة PageV02P746 موصوفة بهذه الصفة وأكدت خصوصية سلامته من المن والأذى ~~كان ترتيب الأجر عليه كالمعلوم بالبديهة وكالمستفاد من اللفظ فلم يحتج إلى ~~ما يحقق الارتباط . قوله تعالى : { لهم أجرهم . . . } . أفادت الإضافة ~~الاستحقاق أي أجرهم ( اللائق ) بهم فواحد يقل أجره وواحد يكثر وآخر في مادة ~~التوسط بحسب ( عمله ) ونفقته . انتهى . قوله تعالى : { ولا خوف عليهم . . . ~~} . قال : الخوف يتعلق بالمستقبل فالمناسب فيه أن يكون الفعل المقتضي ~~للتجدد ، والحزن يتعلق بالماضي فالمناسب ( أن يكون بالاسم ) المقتضي للثبوت ~~والتحقيق . قوله تعالى : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى . . . } . ~~PageV02P747 ( قوله تعالى ) : { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات ~~الله . . . } . تأوله المفسرون إما على الإضمار في الثاني أي كمثل غارس جنة ~~بربوة أو على الإضمار في الأول أي ومثل إنفاق الذين ينفقون أموالهم . قال ~~ابن عرفة : والظاهر أن يكون التقدير ومثل مال الذين ينفقون ms304 أموالهم فالمال ~~هو الذي يشبه ( جنة بربوة ) و ( تثبيتا من أنفسهم ) . قال ابن عطية : ( ~~ابتغاء ) مفعول من أجله فكيف عطف عليه ( تثبيتا ) مع أن التثبيت سبب في ( ~~ابتغاء مرضات الله ) ومتقدم عليه فهو علة فيه . PageV02P748 وأجيب بأنه علة ~~غائبة فذكره أبو حيان . قوله تعالى : | { فآتت أكلها ضعفين . . . } . قال ~~المفسرون : الضعف هو المثل ، أي آتت أكلها المعهود على مرتين أعني آتته ~~وآتت مثله معه . قال ابن عرفة : ووقع في ابن الحاجب ما نصه : ولو أوصى بضعف ~~نصيب ابنه فلا نص . فقيل مثله وقيل مثليه . ابن عرفة : فعلى هذا الخلاف ~~يكون المعنى فأتت أكلها أربع مرات وعلى القول الآخر ( يكون ) كما قال ~~المفسرون . قوله تعالى : { فإن لم يصبها وابل . . . } . قال المفسرون : إن ~~أصابها الوابل تؤتي أكلها مرتين وإن أصابها الطل فقط تؤتي أكلها مرة واحدة ~~. ابن عرفة : ولا يمتنع أن يراد أنها تؤتي أكلها مرتين سواء أصابها وابل أو ~~طل ويكون ذلك مدحا فيها وتأكيدا في أوصاف حسنها . قوله تعالى : { أيود ~~أحدكم . . . } . الهمزة للإنكار ، أي لا يود أحدكم أن تكون له جنة هكذا ! ~~وهذا التشبيه لمن أبطل صدقته بالمن والأذى . PageV02P749 ( قوله تعالى ) : ~~{ له فيها من كل الثمرات . . . } . وقد قال : { من نخيل وأعناب } ، يعني أن ~~معظمها النخيل والاعناب وفيها من كل الثمرات . قوله تعالى : { وله ذرية ~~ضعفآء . . . } . بيان لتمام الحاجة ( إلى ) ثمر الجنة أو هو احتراس لأن من ~~بلغ الكبر يكفيه ذرية ينفقون عليه ولا يحتاج إلى أحد . قوله تعالى : { من ~~طيبات ما كسبتم . . . } . يحتمل المستلذات فيعم الحلال و ( غيره ) إلا أن ~~يريد المستلذ بقيد كونه ( حلالا ) أو يقال بالعموم لأن الغاصب إذا زكى ~~ماغصب ( يجزى ) عن ربه ولكن ذلك بعد الوقوع ، وأما ابتداء ( فيؤمر ) برده ~~إلى ربه ، وقيل : الطيب الحلال هنا . | ( وقوله ) : { وممآ أخرجنا لكم من ~~الأرض } . إشارة إلى الحقيقة وأن الكسب إنما هو سبب ( لا مؤثر ) ، لأن ما ~~أخرج من الأرض يدخل في الكسب فهو عطف خاص على عام أو مقيد على مطلق . ~~PageV02P750 قوله تعالى : { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون . . . } . إما ms305 ~~الحرام أو ما تكرهون على التأويلين في الطيب . قال ابن عرفة : وعندي أن ~~الإنسان إذا كانت عنده كسرة باردة وأخرى سخنة وهو يكره الباردة فتصدق بها ~~يدخل في هذا . PageV02P751 قوله تعالى : { واعلموا أن الله غني حميد } . | ~~احتراس أن تتوهموا أن الصدقة بهذا يحصل بها نفع للآمر بل النفع لمخرجها فقط ~~. قوله تعالى : { يؤتي الحكمة من يشآء } . قال ابن عرفة : الظاهر أن المراد ~~به الفقه والعمل به . قوله تعالى : { إن تبدوا الصدقات فنعما هي . . . } . ~~ابن عطية : هي تفسير / الفاعل المضمر قبل الذكر . والتقدير : نعم شيء ~~إبداؤها . قال ابن عرفة : وكان بعضهم يقول : غير هذا . وهو أن المازري ذكر ~~في قوله ( هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ) . الخلاف هل هو إشارة ~~للفعل فقط أو للفعل بصفته ( فكذلك ) PageV02P752 يجيء هنا إن عاد الضمير ~~على الصدقات بصفتها لم يحتج إلى هذا الإضمار والقرينة هنا تعين أن المراد ~~الصفة ، وهي قرينة التقسيم بين الإخفاء والإظهار قيل لابن عرفة : لعل ~~القرينة هي المفسرة للمضمر ؟ فقال : ثبت أن المراد هنا ( الصدقة ) بصفتها ~~وإنما ثبت استعمال اللفظ في معنى ودار ( الأمر ) بين صرفه ذلك المعنى إلى ~~القرينة أو إلى نفس اللفظ فصرفه إلى نفس اللفظ أولى . قوله تعالى : { وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقرآء . . . } . PageV02P753 قال ابن عرفة : لم يقل أو ~~تبدوها وتؤتوها الفقراء . وعادتهم يجيبون : بأنك إظهارها مظنة الكشف عن حال ~~آخذها ، وكثرة السؤال عنه وإخفاؤها مظنة لعدم الكشف عن ذلك فإعطاؤها في ~~العلانية متوقف على علم المعطي وغيره بفقر آخذها فلا تقع إلا في يد فقير ~~لأنه إما أن يسأل عن حاله أو يراه من يعلم أنه غني فينهاه عن الصدقة عليه ~~وإعطاؤها ( سرا ) يتوقف على مجرد علم المعطي فقط بذلك ، فقد تقع في يد غني ~~يظنه المعطي فقيرا لأنه لا يسأل عن حاله ولا يطلع عليه من يعرف حاله فيخبره ~~بحاله فلذلك قال في الثاني : { وتؤتوها الفقرآء } . قوله تعالى : { ليس ~~عليك هداهم . . . } . PageV02P754 قال ابن عرفة : الخطاب خاص بالنبي أو عام ~~له ولسائر المؤمنين كقوله تعالى : { ولو ms306 ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم } | { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم } وهو راجع إلى الخلاف ~~الذي ( حكاه ) ابن عطية لأن ما نقله عن سعيد بن جبير وعن النقاش يقتضي ~~الخصوص وما نقله عن ابن عباس يقتضي العموم . قال ابن عرفة : وعلى تقدير ~~الخصوص يستلزم العموم فهو خصوص لأنه إذا رفع التكليف عن النبي الذي هو رسول ~~مأمور بالتبليغ والدعاء إلى الإيمان فأحرى أن يرفع عن من سواه . ~~PageV02P755 قال ابن عطية : ذكر النقاش أن النبي أتى بصدقة فجاءه يهودي ~~فقال : أعطني . فقال له : ( ليس لك من صدقة المسلمين شيء ) فذهب اليهودي ~~غير بعيد فنزلت الآية ، فدعاه رسول الله ثم أعطاه ، ثم نسخ الله ذلك بقوله ~~: { إنما الصدقات للفقرآء والمساكين } قال ابن عرفة : هذا ليس بنسخ ولكن ~~المتقدمين يطلقون عليه نسخا والمتأخرين يقولون : العام إن عمل به ثم ورد ~~بعد ذلك خاص فهو نسخ له وإن ورد الخاص بعده وقبل العمل به فهو تخصيص لا نسخ ~~. قال ابن عطية : والهدى المنفي هو خلق الإيمان في قلوبهم ، و أما الهدى ~~الذي هو الدعاء إلى الإيمان فهو عليه . قال ابن عرفة : أما خلق الهدى ( ~~فمنفي ) معلوم بالضرورة لا يحتاج إلى نفيه ، وأما الدعاء إلى الإيمان فغير ~~منفي ، ويبقى قسم ثالث وهو الدعاء المحصل للإيمان الكسبي لا الجبري فيقال ~~هديث فلانا إلى الإيمان ، أي دعوته إليه فاهتدى بخلاف ما إذا دعوته إليه ~~فلم يهتد فإنك لا تقول : هديته إلى الإيمان ، فهذا هو المنفي في الآية ، أي ~~ليس مطلوبا بتحصيل الهداية الكسبية لهم إنما عليك أن تدعوهم فقط ، والإضافة ~~على ما قلناه للمفعول . أي ليس عليك أن تهديهم . قيل لابن عرفة : لعل ~~المراد لا يجب عليك أن تهديهم إلى الإيمان ؟ فرده بقول الله تعالى : { ولكن ~~الله يهدي من يشآء } فإنه ليس المراد به الجبر على الإيمان بل خلق الهداية ~~. PageV02P756 قال ابن عرفة : وهذا تسكين لروعته لأنه مضى قبل الآية مقدار ~~ربع حزب في الحض على الصدقة ، وعلى ( خلوص ) النية ، وكرر ذلك وأكد فخشي ms307 أن ~~يتهالك عليه النبي لأجل عدم امتثالهم فأتت هذه الآية تسكينا لروعته وتطمينا ~~لجنانه . قوله تعالى : { ولكن الله يهدي من يشآء . . . } . فالتشديد كما في ~~قوله تعالى : { ولكن الله رمى } وفي بعضها ولكن بالتخفيف . وسبب ذلك أنه ~~إذا كان المخاطب منكرا وظهرت عليه مخائل الإنكار فيؤتي بها مشددة . ابن ~~عرفة : وهذا أعم من قول الله تعالى : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله ~~يهدي من يشآء } ( فإن عليك أن تهدي من أحببت ) أخص من قولك أنت تهدي من ~~أحببت ، ونفي الأخص أعم من نفي الأعم . فان قلت : الأصل في نسبة المتكلم ~~إلى نفسه فعلا أن يأتي باسمه مضمرا فيقول : ليس عليك إكرام محمد ولكنه علي ~~، ولا تقول : ولكنه على زيد ، يعني نفسه . قال : وتقدم لنا الجواب بأنه لما ~~كان المعنى خاصا بالله تعالى أتى فيه باسم الجلالة الخاص به ولو قال : ~~ولكنا نهدي من نشاء لكان عاما لأن الضمائر كلية . PageV02P757 قلت : ولأن ~~النون والالف تكون للمتكلم وحده إذا عظم نفسه وللمتكلم ومعه غيره بخلاف / ~~اسم الجلالة فإنه خاص بلا شك . قوله تعالى : { وما تنفقون إلا ابتغآء وجه ~~الله . . . } . يحتمل أن تكون الواو واو الحال ( أى ) وما تنفقوا من ( خير ~~) فلأنفسكم حالة كونهم يقصدون به وجه الله وهذا خبر في معنى الطلب ( أو ) ~~الأمر أو النهي . انتهى . قوله تعالى : { وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون } . PageV02P758 تأسيس ، والمراد بالتوفية في المقدار وعدم ~~الظلم في الصفة لأن من لك عليه طعام موصوف تارة يعطيك مثل الصفة وأقل في ~~المقدار ، وتارة يعطيك مثل القدر ( وأدون ) في الصفة . قوله تعالى : { ~~للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله . . . } . قال الزمخشري : أي اعمدوا ~~للفقراء أو جعلوا ما تنفقون للفقراء . ويجوز أن يكون خبر متبدإ ( محذوف ) ~~أي صدقاتكم للفقراء . قال ابن عرفة : المقدرات باعتبار المعنى متفقة ~~وباعتبار كيفية الدليل مختلفة ( وسبيل الله ) قال مالك في كتاب الحبس : هو ~~وجوه الخير . بالإطلاق كيف ما كانت . وقال ابن عبد البر : المشهور عن مالك ~~أنه الجهاد . قوله تعالى : { أغنيآء من ms308 التعفف . . . } . ولم يقل : من ~~تعففهم إشارة إلى اتصافهم بأبلغ وجوه التعفف لأن تعفف المحتاج ( المضطر ) ~~إلى المسألة ليس كتعفف من لم تبلغ PageV02P759 به الحاجة إلى السؤال فأفاد ~~أن هؤلاء لم يتصفوا بتعففهم اللائق بهم بل اتصفوا بالتعفف الإجمالي . قوله ~~تعالى : { تعرفهم بسيماهم } . الخطاب له ولغيره . قوله تعالى : { لا يسئلون ~~الناس إلحافا . . . } . ونقل هنا ابن عرفة كلام المفسرين ثم قال : ويحتمل ~~أن يكون مثل { وما ربك بظلام للعبيد } أي لو قدر صدور السؤال منهم لما قدر ~~وقوعه إلا بالإلحاف لأجل ما نالهم من الجهد والحاجة ، ويحتمل أن يكون مثل ~~قول الله تعالى { لا يحزنهم الفزع الأكبر } فيكون من باب ( نفي ) استلزام ~~الأخص أمرا وإذا لم يستلزم الأخص أمرا لم يستلزمه الأعم . والمعنى : لا ~~يسألون الناس لأجل الإلحاف ( في السؤال ) أي لأجل سبب الإلحاف وهو شدة ~~الحاجة وإذا لم يسألوهم لأجل شدة الحاجة فأحرى أن لا يسألوهم لأجل سبب عدم ~~الإلحاف وهو مطلق الحاجة فقط . قال الفخر بن الخطيب يحتمل أن يراد بالإلحاف ~~( تأكيد ) صبرهم . PageV02P760 قال ابن عرفة : ينبغي أن يوقف على قوله : { ~~لا يسئلون الناس إلحافا } مصدر ، أي يلحفون إلحافا ، أي يبلغون في شدة ~~صبرهم وتجلدهم على الفقر . انتهى . قوله تعالى : { وما تنفقوا من خير فإن ~~الله به عليم } . قال ابن عرفة : قالوا : إن العبد يفرق بين حالة طاعته ~~لسيده وهو حاضر ينظر إليه وبين حالة طاعته له في غيبته فمع الحضور يجتهد ~~أكثر . قيل لابن عرفة : إذا بنينا على مذهب أهل السنة في التفريق بين ( ~~عليم وبصير ) فيرد السؤال على ما قلت ، فيقال : هلا قيل : فإن الله به بصير ~~فهو أخص من ( عليم ) خلافا للمعتزلة ؟ فقال : الآية خطاب للعوام لا للخواص ~~وصفة العلم عندهم ( أجلى ) اذ لا خلاف فيها ، بخلاف بصير فإن منهم من رده ~~لعليم ومنهم من أبقاه على ظاهره . PageV02P761 قوله تعالى : { الذين ينفقون ~~أموالهم بالليل والنهار . . . } . قال ابن عطية : عن ابن عباس هما نزلت في ~~علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه كانت له أربعة دراهم تصدق بدرهم ms309 ليلا ~~وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية . قيل لابن عرفة : التصدق بالليل ~~والنهار لايخرج عن كونه سرا ( أو ) علانية ؟ ( فقال : لا يصح الاعتراض على ~~السبب وإنما النظر في ذلك عند تطبيق السبب على لفظ الآية ، ويفهم هذا بأنه ~~قسمة رباعية فتصدق ( بدرهم ) بالليل سرا وبدرهم علانية وفي النهار بدرهم ~~سرا وبدرهم علانية ) . قال : هو في الآية عندي تفسير ( سرا ) راجع لليل ، ( ~~وعلانية ) للنهار ، بدليل إتيان السر غير معطوف . قال : وعادتهم يقولون لأي ~~شيء قدم السر على العلانية مع أن نفقة السر أفضل من نفقة العلانية . فهلا ~~بدأ بالعلانية ليكون العطف ترقيا لا تدليا لأن عطف الترقي فيه تأسيس وعطف ~~التدلي فيه ضرب من التأكيد ؟ قال : فكانوا يجيبون بقاعدة استصحاب الحال ، ~~وذلك لأن نفقة السر أفضل من نفقة العلانية لخلوص النية فيها فإذا أنفق أولا ~~سرا بنية خالصة واستصحب تلك النية بعينها في نفقة الجهر ( فإنفاق ) الجهر ~~بتلك PageV02P762 النية الخالصة الغير المشوبة بشيء من الرياء كان في أعلى ~~درجات الطاعة فروعي فيه هذا المعنى فكان ترقيا . | قوله تعالى : { فلهم ~~أجرهم عند ربهم . . . } . ولم يقل : فلهم أجر ، لأن المراد أجرهم اللائق ~~بهم ولو قيل : فلهم أجر لكان مفهومه أن من فعل دون ذلك لا أجر له مع أنه ~~يؤجر . قال ابن عطية : ودخلت الفاء لأن الموصول وصل بالفعل ولم يدخل عليه ~~يغير معناه . قال أبو حيان : وكذلك أيضا إذا كانت الصلة ظرفا أو مجرورا . ~~وكذا ذكر ابن عصفور في المقرب وشرح الإيضاح . فإن قلت : إن الظرف المجرور ~~محل والتعليل عند الأصوليين ( إنما يكون ) بالصفة لا بالمحل . فالجواب : إن ~~المحل هنا ناب مناب متعلقة وهو كائن أو مستقر الذي هو صفة وتقوى هنا حتى ~~صار كأنه هو ولذلك لا يجوز الجمع بينهما . قال أبو حيان : ومن شروط دخول ~~الفاء أن يكون الخبر مستحقا بالصلة كهذه الآية . PageV02P763 ورده ابن عرفة ~~: بأنه ما علم كونه سببا إلا بعد دخول الفاء لا قبلها فكونه مستحقا بالصلة ~~فرع عن دخول الفاء فلا يصح أن يكون شرطا فيها ms310 وموجبا لها . وأجيب بأن هذا ~~بالنسبة إلى السامع وكلامنا في دخول الفاء بالنسبة إلى قصد المتكلم ونيته . ~~وعادتهم يردون على كلام أبي حيان بقوله { الذي خلقني فهو يهدين } فإن نفس ~~الخلق غير موجب للهداية وإلا لزم منه مذهب المعتزلة القائلين بمراعاة ( ~~الأصلح ) ، وعادتهم يجيبون بأن المراد : الذي خلقني هذا الخلق الخاص على ~~هذه الصفة وهي النبوءة فهو يهدين ، وتقدم نظيره في قول الله تعالى { أولئك ~~الذين اشتروا الضلالة بالهدى } وفي سورة قد أفلح { فمن ثقلت موازينه } قال ~~ابن عرفة : فإن قلت : ما الحكمة في دخول الفاء مع أنه ( يجوز ) الذي يأتيني ~~له درهم . والمعنى فيه وغير ما فيه الفاء واحد ، وكذلك ( إن قلت ) النفقة ~~هنا ( مستلزمة ) لثبوت الأجر لهم ( مع الفاء ومع عدمها ) . PageV02P764 قلت ~~: وعادتهم يجيبون بأن الخبر إذا كان ثابتا وعطف عليه ما يتوهم نفيه وعدم ~~ثبوته فلا بد من الفاء ولا شك أن حزنهم مما يتوهم نفيه فأتي بالفاء الدالة ~~على كمال الارتباط وأن ذلك سبب في نفي الحزن والخوف عنهم . قال : ولفظ الرب ~~هنا دال على أن هذا الثواب محض ، تفضل من الله تعالى كما يقول أهل السنة ~~خلافا للمعتزلة . وعادتهم يوردون سؤالا وهو : لأى شيء نفى الحزن عنهم ~~بالفعل والخوف بالاسم مع أن المناسب العكس لأن متعلق الحزن ماض والخوف ~~مستقبل ؟ قال : وعادتهم يجيبون بأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم ~~بإجماع ، والفعل في سياق النفي مختلف فيه ، هل يفيد العموم أم لا ؟ والماضي ~~محصور لأنه مشاهد مرئي فمتعلقه غير متعدد ، والمستقبل متعلقاته متعددة لأنه ~~غير محصور ، فالخوف منه يعظم لكثرة الخواطر التي تخطر ( ببال الإنسان ) ، ( ~~فقد ) يخاف من كذا ويخاف من كذا ويخاف من شيء هو في نفس الأمر آمن فيه . ~~فلذلك نفي الخوف بلفظ الاسم الدال على العموم بإجماع ونفي الحزن بالفعل ~~المحتمل للعموم وعدمه . قلت : ورد هذا بمعنى الإجماع لأن النكرة عند ~~النحويين لا تعم إلا اذا كانت مبنية مع ( لا ) مثل : لا رجل في الدار ، ~~بالفتح بلا تنوين . ويجاب بأنها أعم من ms311 الفعل بلا شك . قوله تعالى : { ~~الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس . ~~. . } . PageV02P765 قال ابن عرفة : يحتمل أن يكون التشبيه بمن يتخبطه ( ~~الشيطان من المس ( حال ) تخبطه . ويحتمل أن يكون التشبيه بالمتخبط إثر ~~تخبطه ) ) والظاهر العموم ، لأن الآكلين من الربا متفاوتون في الأكل ، ~~فالمكثر منهم شبيه به حال التخبط والمقلل شبيه به أثر التخبط . قال ابن ~~عرفة : وجه مناسبتها لما قبلها أنها تقدمها إنفاق الصدقة ، والصدقة ( من ) ~~غير عوض | ( والربا في ظاهر الأمر زيادة من غير عوض ) لأنه يدفع قليلا في ~~كثير . وقدر الفخر المناسبة بأن الصدقة ( نقص من المال ) والربا زيادة فيه ~~، فالنفوس تحبه وتكره الصدقة فجاءت الآية ردا عليهم وإشعارا بأن ذلك النقص ~~زيادة وتلك الزيادة نقص . قال الزمخشري : ) من المس ( متعلق ب ) يقومون ( ( ~~أو يقوم ، فرد عليه أبو حيان تعلقه ب ) يقومون ( ) لأن قيامهم في الآخرة ~~وليس فيه جنون ولا مس . قال ابن عرفة : وفيه عندي نظر من وجه آخر وهو ( أنك ~~تقول ) : ما أكل زيد إلا كالشيطان يأكل بشماله . أو تقول : ما أكل زيد ~~بشماله إلا كالشيطان ( يأكل بشماله ) . فهذه الحالة أخف لأنه PageV02P766 ~~في الأولى ذم لآكله مطلقا ، وفي الثانية ذم له إذا اتصف بالأكل بالشمال وقد ~~لا يتصف به ، وكذلك هذا يلزم أن يكون التشبيه خاصا بقيامهم من المس فيقال : ~~لعل لهم ( حالة ) أخرى يقومون ( بها ) من المس . قال ابن عرفة : اعلم أن ~~القدماء من المعتزلة ينكرون الجن بالأصالة ، وهو كفر لا شك فيه فإنه تكذيب ~~للقرآن والحديث ، والمتأخرون منهم يثبتونهم وينكرون الصرع . قوله تعالى : { ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا . . . } . | قال الزمخشري : الإشارة ~~للعقاب . قال ابن عرفة : أو لأكلهم الربا لأنه سبب في عقوبتهم وسبب السبب ~~مسبب ، وهذا قياس تمثيلي ذكروا منه قياس ( الشبه ) والتسوية PageV02P767 ~~وهو قياس أخروي بمعنى أن الحكم في المقيس عليه ثابت في الفرع المقيس من باب ~~أحرى فينعكس فيه التشبيه . ومثله ابن مالك في المصباح بهذه الآية وبقول ~~الشاعر : كأن انتظار البدر من تحت ms312 غيمه . . . نجاة من البأساء بعد الوقوع ~~وبقول الآخر : وكأن النجوم بين الدجى . . . سنن لاح بينهن ابتداع فجعل أهل ~~السنة بين المبتدعة بمنزلة النجوم في الظلام . وقال غيره : الاهتداء ~~بالنجوم يحتاج فيه إلى معرفة استدلال واتباع أهل السنة لا يحتاج فيه إلى ~~تكليف دليل فكان أحرى . | قوله تعالى : { وأحل الله البيع وحرم الربا . . . ~~} . قال الزمخشري : هذا رد على قياسهم . PageV02P768 قال ابن عرفة : بل هو ~~عندي تجهيل لهم ، ويكون النص متقدما فهو قياس في معرض النص فهو فاسد الوضع ~~وعلى ما قال الزمخشري يكون النص غير متقدم . قوله تعالى : { يمحق الله ~~الربا . . . } . قال ابن عرفة : الأحكام الشرعية منطوية بمصالح الدنيا ~~والآخرة ، فلما تضمن الكلام السابق حصول المصلحة الأخروية بالصدقة لقول ~~الله تعالى { فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } والعقوبة ~~في الآخرة لفاعل الربا تضمن هذا / أنه محصل للمصلحة الدنيوية ، والربا ~~متضمن للمسفدة الدنيوية لأن الربا ( ممحقة ) للمال والصدقة زيادة فيه . ~~وحمله ابن عطية على أنه في الدار الآخرة . والظاهر الأول . وبدأ هنا بالربا ~~، وفيما تقدم بالصدقة وطريق المقابلة واللف والنشر العكس . لكن الجواب لما ~~كان ذكر الصدقة قد يطول الكلام فيه قدم الكلام ( على ) الربا ثم عاد إلى ~~الصدقة . فإن قلت : هلا قيل يمحق الله المال الذي فيه الربا فهو أبلغ في ~~التخويف لأن محق المال الذي فيه الربا أشد لاستلزامه محق الربا وزيادة ؟ ~~فالجواب : أن هذا ( أجلى ) من محق الربا و المخاطبون عوام . | قوله تعالى : ~~{ والله لا يحب كل كفار أثيم } . PageV02P769 قال ابن عطية : يحتمل أن يريد ~~: والله لا يحب توفيق الكفار الأثيم . قاله ابن فورك . ابن عطية : وهذا غير ~~صحيح لأن الله تعالى يحب التوفيق على العموم ( ويحببه ) . قلت : وسمعت ~~القاضي أبا العباس بن حيدرة والمفتي أبا القاسم الغبريني يقولان : هذه نزغة ~~اعتزالية غفل فيها واعتزل من حيث لا يشعر ، بل الله يحب الخير والشر تعالى ~~أن يكون في ملكه ما لا يريد والرجل سني لا شك في فضله ودينه . PageV02P770 ~~قال ابن عرفة : إن قلنا : إن ms313 نقيض المستحب مكروه فالمعنى ظاهر وإن قلنا : ~~إن نقيضه غير مكروه فهلا قيل : والله يكره كل كفار أثيم ، لأن نفي المحبة ~~أعم من الكراهة وعدمها . قال : وعادتهم يجيبون بقول العرب في المدح ( التام ~~) حبذا زيد . ( وفي الذم التام لا حبذا زيد ) فنفي المحبة عندهم يستلزم ~~الكراهة . فإن قلت : هلا قيل : والله لا يحب كل ( كافر ) أثيم فهو أبلغ ؟ ~~قلت : إنه لما كان النفي أخص كان ( المنفي ) أعم . قوله تعالى : { إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكواة لهم أجرهم عند ربهم . ~~. . } . قال هنا : ( لهم أجرهم ) وقال فيما سبق : { فلهم أجرهم } لوجهين : ~~PageV02P771 | الأول : أن السابق ( أكمل ) وأبلغ لقوله : { الذين ينفقون ~~أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } ، فأكده بالسر والعلانية وهنا لم ~~يؤكده كذلك . قيل لابن عرفة : الأعمال الصالحة تشتمل على النفقة وغيرها ؟ ~~فقال : تستلزم مطلق النفقة وتلك نفقة خاصة . الثاني : إن هذا مؤكد ( بإن ) ~~فأغنى عن تأكيده بالفاء ؟ قلت : لأن الأول موصول مضمن معنى الشرط فصح دخول ~~الفاء في خبره وأن لا تدخل على الشرط الصريح ، فلا يدخل على ما هو مضمن ~~معناه فدخولها يمنع من تضمين الموصول معناه ، وإذا لم يضمن معنى الشرط فلا ~~يدخل الفاء في خبره . قوله تعالى : { ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله . . . ~~} . حلمه ابن عطية على أحد ثلاثة أمور : إما يا أيها الذين آمنوا بمحمد ~~دوموا على إيمانكم ، وإما يا أيها الذين ءامنوا في الظاهر اتقوا الله إن ~~كنتم مؤمنين في الباطن ، وإما يا أيها الذين ءامنوا بموسى وعيسى آمنوا ~~بمحمد . قوله تعالى : { فإن لم تفعلوا . . . } . PageV02P772 قال ابن عرفة ~~: عادتهم يقولون : فيها حجة لمن يقول : إن الترك فعل لأن قبلها { وذروا ما ~~بقي من الربا } ثم قال : { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } . ~~قال : وعادتهم يجيبون بأن هذا كف لا ترك ، ونظيره : إذا كان طيب طعام بين ~~يدي رجلين : أحدهما جائع والآخر شابع ولم يأكلا منه منه شيئا . يقال في ~~الجائع : إنه كف ( عن الأكل ) وفي الشبعان : إنه ترك الأكل . قيل لابن عرفة ~~: أو يجاب ms314 بأن قبلها اتق الله وهو فعل ؟ فقال : الأمر بالتقوى ليس هو لذاته ~~والآية إنما سبقت لتحريم الربا بدليل استدلالهم بها في كتاب بيوع الآجال في ~~ربا الجاهلية . قوله تعالى : { فأذنوا بحرب من الله ورسوله . . . } . قال ~~الزمخشري : في التنكير للتعظيم . وتقدم استشكاله بأن التنكير إنما هو ~~للتقليل والشيوع في آحاد ذلك الشيء . وتقدم الجواب : بأن التعظيم الصفة ~~والكيفية لا في الكمية والقدر وانظر سورة الفجر . قوله تعالى : { فلكم رءوس ~~أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } . قال ابن عرفة : مذهبنا أنه يجب رد الربا ~~وهو الزيادة . PageV02P773 قيل لابن عرفة : فكيف يتم مفهوم الآية على ~~مذهبنا فإن مفهومها إن لم تتوبوا فليس ( لكم رؤوس أموالكم ) مع أن مذهبنا ~~بطلان الربا وللمعطي رأس ماله ؟ فقال : الجواب إن لم يتوبوا سقط الخطاب ~~لأنه لا يخاطب إلا المؤمن برد الربا وأما الكافر فلا ( يخاطب برده ) حيث ~~كان . قوله تعالى : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة . . . } . قال ابن ~~عرفة : تقرر من كلام الإمام عياض في كتاب الوصايا من الإكمال في حديث سعد ~~بن أبي وقاص أن قولك : زيد ذو مال أبلغ من قولك : زيد له مال ، ونحوه ~~للزمخشري في أول سورة PageV02P774 آل عمران في قوله : { والله عزيز ذو ~~انتقام } وفي سورة غافر : { إن الله لذو فضل على الناس } ونحوه لابن الخطيب ~~في سورة الروم في قوله { فآت ذا القربى حقه } وخالفهم الشيخ ( ابن عطية ) ~~فقال في سورة الرعد في قوله { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } ( انها ~~) دالة على تغليب جانب الخوف على جانب الرجاء لأن قولك ذو مغفرة مقتض ~~لتقليل المغفرة . قال ابن عرفة : وقال بعضهم قولك : زيد صاحب مال ، أبلغ من ~~: ذو مال ، لأن ذو مال إنما يقتضي مطلق النسبة سواء اتصف به / أم لا ، ~~بخلاف قولك : صاحب ، فإذا بنينا على كلام الجماعة الصحيح فإنما قال ( ذو ~~عسرة ) ولم يقل : وإن كان معسرا ، إشارة لما ( تقرر ) في الفقه من أن من له ~~دار وخادم وفرس لا فضل في ثمنهن على ما سواهن يجوز له ms315 أخذ الزكاة ويسمى ~~فقيرا ، مع أنه إذا كان عليه دين يباع عليه داره وخادمه في دينه فليس مجرد ~~الإعسار موجبا لإنظاره ( بالدين ، فإن ) الموجب لذلك الإعسار ( البين ~~الكثير ) فناسب إدخال ( ذو ) . PageV02P775 قال ابن عطية : و ( كان ) هنا ~~عند سيبويه تامة بمعنى وجد وحدث . ومن هنا يظهر أن الأصل الغنى لأن إدخال ( ~~إن ) يدل على أن الإعسار لم يكن موجودا . ورده ابن عرفة بأن ذلك ( في ) ~~الدين الذي كان ( عن ) عوض يقول فيه : الأصل الملاء ، واستصحاب الحال ببقاء ~~ذلك العوض وذهابه على خلاف الأصل ، وأما الدين الذي لا عن عوض كنفقة ~~الزوجات والبنين والأبوين فليس الأصل فيه الملاء . ابن عطية : حكى المهدوي ~~عن بعضهم أن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين . وحكى ~~مكي : أن النبي أمر به في صدر الإسلام . ابن عطية : فإن ( قلنا ) : فعل ~~النبي فهو نسخ وإلا فليس نسخا . PageV02P776 قال ابن عرفة : يريد أنه على ~~الأول يكون نسخا لغويا وعلى الثاني يكون نسخا في اصطلاح الأصوليين . قال : ~~وهنا أورد القرافي ( في قواعده ) سؤالا قال : ثواب الواجب أعظم من ثواب ~~المندوب مع أن تأخير الغريم بالدين واجب والتصدق عليه مندوب والآية نص في ~~أن التصدق عليه بن أفضل ، ثم أجاب التصدق به يستلزم التأخير وزيادة . قوله ~~تعالى : { وأن تصدقوا خير لكم . . . } . قوله تعالى : { ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت . . . } . قال ابن عرفة : عام مخصوص لأن المجانين والأطفال لا يدخلون ~~فيها . فإن قلت : لا كسب لهم ؟ قلنا : تقرر مذهبنا أن الطفل الصغير إذا ~~استهلك شيئا فإنه يغرم مثله أو قيمته من ماله ، ( فنرى ) كسبه معتبرا في ~~الدنيا وهو في الآخرة معفو عنه . PageV02P777 قوله تعالى : { وهم لا يظلمون ~~} . قوله تعالى : { ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين . . . } . قال ~~الفخر : تداين مفاعلة فلا ( تكون ) إلا من الجانبين ، فلا يتناول إلا الدين ~~بالدين . أو ( فسخ ) الدين ( بالدين ) فلا يصح حلمه على ظاهره بل المراد به ~~إذا تعاملتم . وأجاب ابن عرفة : بأنه يتناول الدين ( بالدين ) عن معاوضة ~~فإن من اشترى سلعة ms316 بنقد أو نسيئة فإذا دفع الثمن حصل له في ذمة المشتري فله ~~عليه الرجوع بعهدة العيب أو الاستحقاق . قال الزمخشري : وإنما قال بدين ~~ليعيد عليه الضمير . قال ابن عطية : ليرفع الوهم ، إن المراد بتداينتم جزاء ~~بعضكم بعضا . PageV02P778 قال ابن عرفة : بلى أتى به ليكون نكرة في سياق ~~الشرط فيفيد العموم . قوله تعالى : { فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا ~~يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله . . . } . الأمر بالكتب مصلحة دنيوية وهي ~~حفظ المال ، ومصلحة دينية وهي السلامة من الخصومة بين المتعاملين . قيل ~~لابن عرفة : يخرج ( الدين ) الذي على الحلول ؟ فقال : لا يحتاج إلى كتب ~~وثيقة غالبا فإن له طلبه في الحال . إبن عطية : قوله ( بالعدل ) متعلق ~~بقوله تعالى ( وليكتب ) لا ب ( كاتب ) لئلا يلزم عليه ألا يكتب الوثيقة إلا ~~العدل في نفسه وقد يكتبها الصبي والعبد والمسخوط إذا ( أقامو فقهها ) إلا ~~أن المنتصبين لكتبها لا يجوز للولاة أن ( يولوهم ) إلا عدولا مرضيين . ~~PageV02P779 قال ابن عرفة : هذا تخليط لأن الأمر بالكتب ابتداء إنما هو ~~للعدل في نفسه وإمضاء كتب الصبي والعبد والمسخوط إنما هو بعد الوقوع ، ~~والآية إنما جاءت فيمن يؤمر بكتبها وفرق بين الأمر في كتبها عند العدل في ~~نفسه وبين إمضائها إذا كتبها غير العدل . PageV02P780 قوله تعالى : { فإن ~~كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا . . . } . قال ابن عطية : السفيه الذي ~~لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء ( منها ) . ابن عرفة : هذا هو السفيه عند ~~الفقهاء . قال : ومن كان بهذه الصفة لا يخلو من حجر أب أو وصي أو قاض . ~~قوله تعالى : { فليملل . . . } . PageV02P781 قوله تعالى : { بالعدل . . . ~~} . كان بعضهم يقول : الذي يظهر أن يكون بالعدل متعلقا بوليه ( لا بيملل ) ~~لأن إملاء الوصي إذا كان بغير العدل فالمشهور ( يجرحونه ) ولا يشهدون له ~~فينبغي أن الوصي إذا أتى ليرهن على المحجور ويعمر ذمته ألا يشهدوا له إلا ~~إذا تبين لهم في ذلك وجه المصلحة ، وأما تعلقه بدين ( وكان ) أكثر الأوصياء ~~لا يعدلون فلا يقبل إلا إملاء الوصي الدين ولذلك كان ابن الغماز يقول : ~~جميع من ms317 رأيت من الأوصياء يتصرفون بغير الصواب إلا فلانا ( أو فلانا ) ~~ويعينهما . قوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم . . . } . قال ابن ~~عرفة : مذهبنا أن العبد لايستشهد ( ابتداء ) فإن شهد قبلت شهادته . والآية ~~دالة على أنه لا يشهد الرجل والمرأة إلا عند عدم الرجلين مع أنه إذا تعارضت ~~بينتان إحداهما رجل وامرأتان والأخرى رجلان فإنهما متكافئتان لكن هنا شيء ~~وهو أن الأصوليين ذكروا الخلاف فيما إذا تعارض أمران في صورة أو تساويا ~~فيها وثبت لأحدهما الرجحان على الآخر في غيرها من الصور فهل يرجح الأرجح أم ~~لا ؟ فقولان فإن قلنا بالتساوي فلا سؤال ، وإن قلنا بتقديم الأرجح فيرد ~~السؤال ، لم جعلهما مالك متكافئتين ولم يقدم الأرجح PageV02P782 قال ابن ~~العربي : واحتج بهذا أبو حنيفة على أنه لا يقضي بالشاهد واليمين . ورده ابن ~~عرفة بوجهين : الأول : أن الآية سيقت لبيان ما يستقل به الحكم في الشهادة ~~لا لبيان كل ما يوجب الحكم . الثاني : أن هذه حالة التحمل وهو في حالة ~~مأمور بأن يشهد رجلين أو رجلا وامرأتين وإنما اليمين حالة الأداء والحكم ~~بالحق . PageV02P783 قوله تعالى : { ممن ترضون من الشهدآء . . . } . | ~~متعلق ب ( استشهدوا ) . وأبطل أبو حيان تعلقه ب ( امرأتين ) أو ب ( رجلين ) ~~لئلا يلزم عليه المفهوم وهو إطلاق الحكم في الفريق الآخر وهما الرجلان ~~مرضيان كانا أو غير ( مرضيين ) . ( وأجاب ابن عرفة : بأن قوله : ( من ~~رجالكم ) ( وشهيدين ) بالإضافة ، والمبالغة تفيد كونهما مرضيين ) . قوله ~~تعالى : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى . . . } . | قال ابن عرفة : ~~كان بعضهم يقول : إنه تعليل للمجموع ( وإرادة ) أن تذكر إحداهما الآخرى إذا ~~ضلت . PageV02P784 قال ابن عطية : قال بعض المكيين ( فرجل وامرأتان ) بهمز ~~الألف ساكنة . قال ابن جني : لا نظير لتسكين الهمزة المتحركة وإنما خففوا ~~الهمزة فقرب من الساكن ثم بالغوا في التخفيف فصارت الهمزة ألفا ساكنة ثم ~~أدخلوا ( الهمزة على الألف ) ساكنة ( ومنه ) قراءة ابن كثير ( وكشفت عن ~~سأقيها ) . قال ابن عرفة : وقع تسكين ( الهمزة ) المتحركة ( في القرآن ) في ~~ثلاثة مواضع : أحدها ( وجئتك من سبأ بنبإ يقين ) . قرأها أبو عمرو والبزي ~~بفتح الهمزة ms318 . | وروي عن قنبل إسكان الهمزة إجراء للوصل مجرى الوقف ، قوله ~~تعالى : ( ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته ) . PageV02P785 ~~وقرأها نافع وأبو عمروا بالألف من غير همزة وابن ذكوان بهمزة ساكنة ~~والباقون بهمزة مفتوحة . والثالث قوله في سورة فاطر : ( ومكر السيء ) قرأ ~~حمزة بسكون الهمزة إجراء للوصل مجرى الوقف والباقون بتحريكها . قلت : وموضع ~~رابع وهو ( فتوبوا إلى بارئكم ) . روى فيه عن أبي عمرو الاختلاس وروي عنه ~~الإسكان . قال ابن عطية : وقرأ حمزة ( إن تضل إحداهما فتذكر ) جعل ( إن ) ~~شرطا والشرط وجوابه رفع لأنه صفة للمرأتين ، وارتفع ( تذكر ) كما ارتفع ~~قوله تعالى ( ومن عاد فينتقم الله منه ) . هذا قول سيبويه وفي هذا نظر . ~~PageV02P786 قوله تعالى : { ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا . . . } . | قال ~~بن عرفة : قالوا : إن النهي تارة يكون للحاضر ، وتارة يكون للغائب ، فأما ~~بالنسبة إلى القديم فلا فرق بينهما ، وأما في المحدثات فقد يكون النهي في ~~الغيبة أقوى وأشد منه في الحضرة ، لأنك قد تنهي الشخص الحاضر عن فعل شيء ~~بين يديك وتكون بحيث لو سمعت عنه أنه يفعله في غيبتك لا تزجره ولا تنهاه . ~~فهذا الأمر فيه أخف من شيء تزجره على فعله في الغيبة والحضرة فإن النهي في ~~هذا أشد . ولا يؤخذ من الآية أن الأمر بالشيء ليس هو نهيا عن ضده لأن ( ~~استشهدوا ) أمر للمتعاقدين ( ولا يأب ) نهي للشاهدين . PageV02P787 قوله ~~تعالى : { ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله . . . } . السآمة ~~( بمعنى ) الكسل ، وقدم الصغير خشية التهاون به والتفريط فيه كقول الزمخشري ~~في { لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } وقوله { من بعد وصية يوصى بهآ ~~أو دين } وقوله { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن ~~كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة } مع ~~أن العداوة تنفي أخذ الدية ويوجب ( التعارف ) بها فلذلك قدمت الدية . ~~والضمير في قوله ( تكتبوه ) ( إما عائد على الحق أو على الدين ، أو على ~~الكتب . PageV02P788 ( ( قال بعضهم : وإن عاد الضمير على ms319 الكتاب ف ( أو ) ~~للتخيير ، وإن عاد على الحق أو الدين ف ( أو ) | ( للتفصيل ) . قوله تعالى ~~: { ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة . . . } . ابن عرفة : هذا دليل على ~~أن الأمر المقدم الندب لا للوجوب . والصواب أن المراد الإشهاد أقسط عند ~~الله ( والكتاب ) أقوم للشهادة فيكون لفا ونشرا ، أي أعدل وأقرب لقيام ~~الشهادة . و ( أقسط ) قيل من الرباعي وهو شذوذ . قال الزمخشري : من قاسط ~~على النسب أي ذو قسط ، أو جار مذهب سيبويه في بنائها من أفعل . ورده أبو ~~حيان : بأن سيبويه لم ينص بناء أفعل التفضيل من أفعل بل قال : فعل التعجب ~~ينبني من فعل وأفعل . قالوا : وأفعل التفضيل ينبني مما بني به فعل التعجب . ~~قال ابن عرفة : فظاهره أنه لم يحك بناء وهي من أفعل . PageV02P789 وقال ابن ~~خروف : رأيت في النسخ المشرقية أنه يبنى من فعل وفعل وأفعل زاد في النسخ ~~الرياحية إلا أن بناءه من أفعل قليل . وقد نص على صحة بناء التعجب من أفعل ~~مبني منهما . وقول ابن عطية : انظر هل يكون من قسط بالضم غير صحيح لأنه لم ~~يحك فيه ( أحد ) قسط . وقول الزمخشري : إنه يجوز على مذهب سيبويه صحيح على ~~ما قاله ابن خروف ، ولا يحتاج إلى جعله على طريق النسب إلا لو لم يثبت فيه ~~الرباعي . قوله تعالى : { وأدنى ألا ترتابوا . . . } . ابن عرفة : إن أريد ~~بالريبة مطلق الاحتمال فيكون فيه منح الشهادة بالمفهوم لأنه ظني فلا ( ~~ينتفي ) فيه الاحتمال . وقد قدمنا فيه ثلاثة أقوال : | أحدها : أنه يشهد ~~بها على القطع . الثاني : أنه لا يشهد . الثالث : أنه يشهد بها بالفهم على ~~نحو ما تحملها . PageV02P790 قال ابن عرفة : وإن أريد بالريبة الشك فلا ~~يكون فيه دليل على ما قلنا . قوله تعالى : { إلا أن تكون تجارة . . . } . ~~قال ابن عرفة : إن أراد بالأول الدين وبهذا الحاضر / فيكون حينئذ استثناء ~~منقطعا وإن ( أراد ) بالأول مطلق المعاملة فهو متصل . فإن قلت : هل في ~~الآية دليل لمن يقول : : إن الاستثناء من الإثبات ليس بنفي كالاستدلال بقول ~~الله تعالى { فسجدوا إلا إبليس أبى } لقول ms320 الله تعالى { فليس عليكم جناح } ~~وإلا لما كان له فائدة . | ( فالجواب ) أن الأول تناول الكتب والإشهاد ، ~~فلو لم تذكر هذه الزيادة لأدى إلى إهمال الإشهاد والكتب . فأفادت ~~PageV02P791 هذه الزيادة رفع الجناح عن الكتب في الحاضر وبقاء الأمر في ~~الإشهاد فيها من غير كتب . أبو حيان : وقيل الاستثناء متصل راجع ( لقوله ) ~~( ولا تسئموا ) . | وقدر أبو البقاء معنى الاتصال في الاستثناء لأنه أمر ~~بالاستشهاد في كل معاملة ، واستثنى منه التجارة الحاضرة . والتقدير : إلا ~~في حال الحضور للتجارة . قال الصفاقسي : وفي هذا التقدير نظر . انتهى . ~~قوله تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم . . . } . هذه تضمنت الإشهاد من غير ~~كتب فلا تناقض ( ( في قوله : { فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } لأن تلك إنما ~~اقتضت رفع الجناح عن عدم الكتب و ( بقي ) الإشهاد مطلوبا ) ) . قوله تعالى ~~: { ولا يضآر كاتب ولا شهيد . . . } . | يحتمل أن يكون أصله يضارر مبينا ~~للفاعل أو يضارر مبينا للمفعول . PageV02P792 قال ابن عرفة : ويصح حمله على ~~الأمرين معا على القول بجواز تعميم اللفظ المشترك في مفهوميه معا ، كما ~~قالوا في الجور والقرء ونحوه . قيل لابن عرفة : هذان لفظان وذلك إنما هو ( ~~في ) اللفظ الواحد كذا قال الفخر ؟ فقال ابن عرفة : قد قال سيبويه في ~~المشترك إنهما لفظان دالان على معنيين . ذكره في باب المستقيم والإحالة في ~~( وجدت ) . وقال ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية في المسألة الخامسة ~~من الباب الثالث في قوله { وكنا لحكمهم شاهدين } إنه يحتمل أن يكون مضافا ~~للفاعل والمفعول معا ، ثم رده بأنه إذا ( عممنا ) في الأمرين يلزم أن يكون ~~مرفوعا ومنصوبا في حالة واحدة وذلك جمع بين النقيضين . فإن قلت : لم عبر في ~~( شهيد ) بلفظ المبالغة دون ( كاتب ) . | قلت : إن ذلك فيمن برز وبلغ إلى ~~درجة العدالة . واختلف ( الناس ) في جواز أخذ الأجرة على الشهادة والمعروف ~~المنع . PageV02P793 وبعضهم أجازها إذا كان منقطعا عن أسبابه إليها . وقيل ~~: إن كان له من المعرفة ( ما ) يفتقر بها إليه في النظر في الوثيقة ليصححها ~~فقها وكتابة باعتبار سلامتها من اللحن المخل فيجوز له أخذ الأجرة وإلا فلا ms321 ~~. وقال الحافظ أبو عمرو عثمان بن الصلاح في علوم الحديث ما نصه : من أخذ ~~على التحديث أجرا فقال ( إسحاق ) بن إبراهيم وأحمد ابن حنبل وأبو حاتم ~~الرازي في ذلك مانع من قبول روايته فلا يؤخذ منه . وترخص أبو نعيم الفضل بن ~~( دكين ) وعلي بن عبدالعزيز ( المكي ) وآخرون فأجازوا أخذ العوض عن التحديث ~~وشبهوها بأخذ الأجرة على إقرائهم القرآن على أن في هذا من حيث العرف خرما ~~للمروءة والظن ( السوء ) بفاعله إلا أن يقترن PageV02P794 ذلك بما ينفيه ~~كما كان أبو الحسن السعودي ( وأفتى به ) الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أن أصحاب ~~الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله . انتهى . ذكره في النوع الثالث ~~والعشرين ( في إكمال عياض في كتاب الطب في أحاديث الرقى . أجاز الإمام مالك ~~وأحمد بن حنبل والشافعي وأبو ثور وأبو إسحاق أخذ الأجرة على الرقية والطب ~~وعلى تعليم القرآن . ومنع الإمام أبو حنيفة وأصحابه الأجرة على تعليم ~~القرآن وأجازوا الأجرة على الرقية ) . قال ابن عرفة : ( فحاصله ) أنه إن ~~كان انقطاعه لذلك يشغله عن معاشه وكان فقيرا محتاجا لما يتعيش به ولم يكن ~~عنده من المال ما يستغني به عن طلب المعاش فيجوز له أخذ الأجرة وإلا فلا . ~~PageV02P795 وحكى أبو العباس أحمد بن حلولو عن والده أن القاضي أبا محمد ~~عبد الله اللخمي بعث له صهره سيدى أبو علي بن قداح بزير لبن فشربه ثم سمع ~~أنه من عند شاهد يأخذ الأجرة على الشهادة ، فتقيأه ، ثم لما صار هو شاهدا ~~كان يأخذ في الشهادة قدر الدينار كل يوم ، وما ذلك إلا لأنه كان يأخذ ذلك ~~من وجهه ، والشاهد الأول لم يكن يأخذ ذلك من وجهه . قوله تعالى : { وإن ~~تفعلوا فإنه فسوق بكم . . . } . الفسق في اللغة مطلق الخروج عن الحد وفي ~~الشرع هو تعدي الحدود الشرعية . قوله تعالى : { واتقوا الله ويعلمكم الله . ~~. . } . قال ابن عرفة : هذا دليل على ثبوت اشتراط العلم في الكاتب والشاهد ~~. قوله تعالى : { والله بكل شيء عليم } . اختلفوا في لفظ ( شيء ) هل يصدق ~~على المعدوم أو لا ؟ وقال الشيخ ms322 القرافي في تأليفه على الأربعين لابن ~~الخطيب : إن ذلك الخلاف إنما هو في كونه محكوما به لا في كونه متعلق الحكم ~~كقولك : المعدوم شيء . وأما مثل { والله بكل شيء عليم } فهو متعلق الحكم . ~~PageV02P796 قال ابن عرفة : إنما الخلاف مطلقا ، وما ذكروا هذا إلا في اسم ~~الفاعل المشتق وأما في هذا فقد ذكره الآمدي في أبكار الأفكار مطلقا . ابن ~~عرفة : والآية حجة بأن المعدوم ليس بشيء وهو مذهب أهل السنة . قوله تعالى : ~~{ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان . . . } . ابن عرفة : مفهوم ~~الآية ملغى بنص السنة لأن النبي رهن درعه في الحضر . وأيضا فهو مفهوم خرج ~~مخرج الغالب لأن السفر مظنة لعدم وجدان الكاتب أو هو شيء من الأدلة غالبا ~~بخلاف الحضر . قال ابن عطية : أجمع الناس على صحة قبض المرتهن وعلى قبض ~~وكيله . واختلفوا في قبض عدل فجعله الإمام مالك قبضا . قال ابن عرفة : إذا ~~لم يكن من جهة الراهن . وقال الحكم بن عيينة وقتادة : ليس بقبض . قال ابن ~~عرفة : إذا قبض المرتهن الرهن ولم يزل حائزا له كان أحق به لا خلاف . وإن ~~كان قبضه بالشهادة ثم أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه فتصرف فيه الراهن ~~بطل الحوز بلا خلاف ، وإن أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه فلم يتصرف فيه ~~ولم يزل بيد PageV02P797 المرتهن فظاهر كتاب الرهن في المدونة أنه مبطل ~~للحوز . وظاهر كتاب حريم البير منها أنه غير مبطل ( بناء ) على أن الحوز ~~شرط في لزوم الرهن أو في استحقاق الرهن . قوله تعالى : { فإن أمن بعضكم ~~بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته . . . } . ظاهره جواز إعطاء الدين وجواز أخذه ~~من غير رهن فتكون ناسخة لما قبلها لأن عمومها يقتضي اشتراط أخذ الرهن فيه . ~~قوله تعالى : { ولا تكتموا الشهادة . . . } . راجع لحالة ( الأداء ) . ~~PageV02P798 | قوله تعالى : { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه . . . } . قال ~~الزمخشري : لم قال { آثم قلبه } فخصص الإثم بالقلب وهلا علقه بجميع الجسد ؟ ~~وأجاب بأربعة أوجه : الأول : أنه تحقيق لوقوع الإثم ثم لأن كتمان الشهادة ~~من فعل القلب وإثمها مقترن بالقلب ms323 فلذلك أسند إليه . للثاني : أن القلب ~~الأصل لحديث ( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد ~~الجسد كله ألا وهي القلب ) . الثالث : أن القلب أصل واللسان ترجمان له . ~~الرابع : أن أفعال القلب أعظم من أفعال الجوارح وإثمه أعظم من إثمها . قال ~~ابن عرفة : ومنهم من كان يجيب بأن القلب يستوي فيه الفعل والترك وليس ~~بينهما تفاوت إذ لا أثر ( للترك ) فيه بالنسبة إلى الفعل بخلاف الجوارح فإن ~~الفعل يمتاز عن الترك ( بالبديهة ) وكتمان الشهادة ترك فلو أسند للجوارح ~~لما حسن ( ترتب ) الإثم عليه فلذلك أسند للقلب الذي هما فيه مستويان . ~~PageV02P799 قوله تعالى : { لله ما في السماوات وما في الأرض . . . } . ~~احتجوا بها على أن أعمال العباد مخلوقة لله لأنها ( مما ) في السماوات وما ~~في الأرض . واحتجوا بها على أن السماء بسيطة إذ لو كانت كروية لكانت الأرض ~~( مما ) فيها ولم يكن لقوله : { وما في الأرض } فائدة ؟ وأجيب : بأن ذكرها ~~بالمطابقة أولى من ذكرها بالتضمن والالتزام ، لأنها مشاهدة مرئية ، ومذهب ( ~~المتقدمين أنها بسيطة ومذهب ) المتأخرين أنها كروية . قال الغزالي في ~~النهاية ولا ينبني على ذلك الكفر ولا إيمان . قوله تعالى : { وإن تبدوا ما ~~في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله . . . } . من إقامة المسبب مقام سببه ~~لأن المحاسبة ( عليه ) متسببة عن العلم به أي يعلمه الله فيحاسبكم عليه ، ~~وما في النفس إن كان وسوسة وترددا من غير جزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به ~~( وإن كان على سبيل الجزم والمواطأة عليه فإما أن يكون له أثر في الخارج أو ~~لا . فإن كان قاصرا على نفس الإنسان ولا أثر له في الخارج كالإيمان ~~PageV02P800 والكفر خلاف في المؤاخذة ، وإن كان له أثر في الخارج فإن تم ~~بإثره فلا خلاف في المؤاخذة ) ، كمن يعزم على السرقة ويسرق أو على القتل ~~ويقتل ، وإن عزم عليه في نفسه ورجع عن فعله في الخارج فإن كان اختيارا لغير ~~مانع فلا خلاف في عدم المؤاخذة به ، بل ذكروا أنه يؤجر على ذلك كما في بعض ~~طرق ms324 الحديث ( إن ) تركها ( مأجور ) ، وإن رجع عنه لمانع منه ففي المؤاخذة ~~به قولان . هذا محصول ما ذكره القاضي أبو الفضل عياض في الإكمال : ( إذا هم ~~العبد بسيئة فلم يعملها ) الحديث ذكره مسلم في كتاب الإيمان . قال ابن عرفة ~~: والكفر خارج من هذا لقول الله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } PageV02P801 وحكى ابن عطية عن ابن عباس هما ~~وجماعة أنها لما نزلت قال الصحابة : ( هلكنا إن حوسبنا بخواطرنا ) . فأنزل ~~الله { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } فمنهم من جعلها ناسخة . وضعفه ابن ~~عطية لأنه خبر فلا ينسخ . قال لكن ورد أنهم لما قالوا : هلكنا ، قال لهم ~~النبي قولوا : ( سمعنا وأطعنا ) فقالوا فنزلت { لا يكلف الله نفسا } فصح ~~النسخ وتشبه الآية حيئنذ قول الله تعالى في الأنفال : { إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين } ثم نسخت بصبر المائة للمائتين . قال ابن عرفة : آية ~~الأنفال ليس فيها إلا النسخ لأنه رفع كل الحكم ( وآيتنا ) هذه تحتمل النسخ ~~والتخصيص كما قال بعضهم . PageV02P802 قال ابن عرفة : ونظير الآية ما خرج ~~مسلم في كتاب الإيمان عن علقمة عن عبد الله قال : لما نزلت { الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن } شق ذلك على أصحاب رسول الله ( ~~وقالوا أينا لم يظلم نفسه ) فقال لهم : ( ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال ~~لقمان لابنه : { يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } ) . قال ابن ~~عرفة : وذكر الفقهاء الخلاف إذا شهد شاهدان لرجل بشيء مظروف في شيء وماتا ~~أو غابا هل يكون له الظرف ( أم لا ) ؟ قالوا : إن كان الظرف من ضرورياته لا ~~يمكن أن يجعل إلا فيه كالزيت والخل فهو له بما / فيه باتفاق . وإن لم يكن ~~من ضرورياته كجبة في صندوق أو في ( صر ) ففي كون الظرف له خلاف . وذكره ابن ~~الحاجب في كتاب الإقرار قال فيه ما نصه : وثوب في صندوق أو منديل ففي لزوم ~~ظرفه قولان بخلاف زيت في جرة ، وجبة وبطانتها ، وخاتم وفصه ms325 ، أي يقبل قوله ~~. قال ابن عرفة : والآية حجة لمن يقول شهادتهما بالمظروف يستلزم الظرف لأن ~~كون { لله ما في السماوات وما في الأرض } يستلزم أن السماوات نفسها له . ~~PageV02P803 قال ابن عرفة : الآية حجة أيضا لمن يقول : إن الطلاق بالنية ( ~~لا ) يلزم عندنا وفيه خلاف والمشهور أنه غير لازم . قوله تعالى : { فيغفر ~~لمن يشآء ويعذب من يشآء . . . } . قال الزمخشري : وقرىء فيغفر ( بالجزم ) ~~في جواب الشرط . ورده أبو حيان بأن النحويين نصوا على أن الفاء إنما تنصب ~~في الأجوبة الثمانية ولم يعدوا منها الشرطية . فجعله معطوفا على مصدر مقدر ~~فيكون من عطف الفعل على الاسم الملفوظ به . ونص الشلوبين على أن قول ( ~~النحويين ) الأجوبة الثمانية ليس على ظاهره بل مرادهم كل ما ليس واجبا أعني ~~ما ليس بخبر فيدخل فيه الشرط . وتحامل الزمخشري هنا | ( وأساء الأدب ) على ~~السوسى PageV02P804 من طريق أبي عمرو وخطأه كما خطأ ( الصيمري ) في تبصرته ~~| ( والزجاج ) وكذا خطأ ابن عامر في قراءته { وكذلك زين لكثير من المشركين ~~قتل أولادهم شركآؤهم } ولكن تخطئته هنا لأبي عمرو من طريق السوسي أشنع . ~~قال ابن عطية : هنا عن النقاش : فيغفر لمن يشاء ( أي ) لمن ( ينزع ) عنه ، ~~ويعذب من يشاء أي من أقام عليه . PageV02P805 قال ابن عرفة : وهذا نحو ما ~~قال الزمخشري ، وفيه إيهام الاعتزال . قلت : لأنه يوهم أن المعاصي لا تغفر ~~إلا بالتوبة ومذهب أهل السنة أنه يجوز أن يغفر له وإن لم يتب ( منها ) إلا ~~الكفر . قوله تعالى : { والله على كل شيء قدير } . قال ابن عرفة : لفظ ( ~~شيء ) يطلق على المعدوم والموجود فأفاد أنه على كل شيء مما في السموات ~~والأرض ومما هو خارج ( عنهما ) قدير . قال ( والفضاء الذي بين السماء ~~والأرض تقول إنه عامر وإنه خارج عنها وهي مسألة الخلاء والملاء ) ونقول : ~~تناولت الآية الأمر الحالي والماضي ونفي المستقبل غير داخل فيها فلذلك قال ~~: { والله على كل شيء قدير } ليدخل المستقبل . قوله تعالى : { آمن الرسول ~~بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن . . . } . ذكر ابن عطية سبب نزول ~~الآية أنها لما ms326 نزلت { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } . . الآية شق ذلك ~~على المؤمنين ثم قالوا { سمعنا وأطعنا } . فمدحهم الله وأثنى عليهم ورفع ~~عنهم المشقة بقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } PageV02P806 ~~قال ابن عرفة : وضم الإخبار عنهم بالإيمان في هذه الآية إلى هذا السبب ~~يقتضي استلزام الإيمان للعمل الصالح ، قال : وفيها سؤال وهو أن الفاعل مخبر ~~عنه بفعله وتقرر أنه لا يجوز ( قام ) القائم ، ولا ضرب الضارب ، إذ لا ~~فائدة فيه ، فلو قيل : ( آمن الرسول والصحابة لأفاد ، فكيف قال ( آمن ) ~~المؤمنون ؟ والجواب : أنه يفيد إذا ( قيد بشيء ) كقولك قام : في الدار ~~القائم ، وهنا أفاد تقيده وهو قوله { بمآ أنزل إليه من ربه } . انتهى . فإن ~~قلت : لم ذكر الرسول ومعلوم أنه آمن ؟ قلت : إنه ذكر مع المؤمنين تشريفا ~~لهم وتعظيما إذ لا ينظم الجوهر النفيس إلا ( مع ) نفيس مثله . قال ابن عرفة ~~: قال ابن عطية : و ) كل ( لفظة تصلح للاحاطة والقرينة تبين ذلك . انتهى . ~~قال ابن عرفة : وظاهر أنها ليست نصا في العموم خلافا للأصوليين فإنهم ~~ذكروها في ألفاظ العموم وتقدم للنحويين التفريق بين رفعها ونصبها في قوله : ~~قد أصبحت أم الخيار تدعي . . . علي ذنبا كله لم أصنع PageV02P807 فقالوا : ~~رفعها أعم . قلت : إنما أراد ابن عطية قولهم : كل الصيد في جوف الفراء . ~~ورأيت رجلا كل ( الرجل ) وقولهم : أكلت شاة كل شاة . قوله تعالى : { ~~وملائكته . . . } . قال ابن عرفة : لا بد في الإيمان بالملائكة من استحضار ~~أنهم أجسام متحيزة ( منتقلة ) كبني آدم . | ولذلك قال أبو عمران الفارسي في ~~المسألة المنقولة عنه في الكفار : إنهم ما عرفوا ( الله ) قط ولا آمنوا به ~~خلافا للغزالي من أهل السنة ( فإنه ) قال في الملائكة إنهم أجسام لطيفة لا ~~متحيزة ولا قائمة بالمتحيز ونحا في هذا منحى الفلاسفة . قيل لابن عرفة : إن ~~( المقترح ) توقف فيهم ؟ فقال : إنما توقف في إثبات الجوهر ( الفرد ) وهو ~~شيء لا متحيز ولا قائم بالمتحيز ولم يتوقف في الملائكة . قوله تعالى : { ~~وكتبه ورسله . . . } . PageV02P808 قال الزمخشري : قرأ ابن عباس : ) وكتابه ~~( يريد القرآن وعنه الكتاب ms327 أكثر من الكتب . فإن قلت : كيف يكون الكتاب أكثر ~~من الكتب ؟ قلت : لأنه إذا أريد بالواحد الجنس والجنسية قائمة في وحدان ( ~~الجنس ) كلها لم يخرج منها شيء ، وأما الجمع فلا يدخل تحته ( الا ما فيه ~~الجنسية من المجموع . وقدره الطيبي بأن المفرد إذا أريد به الجنس يدخل تحته ~~) المجموع والأشخاص بخلاف الجمع فإنه لا يتناول إلا المفردات فقط . قيل ~~لابن عرفة : قد اختلفوا في المفرد المحلى بالألف واللام ( هل يفيد العموم ، ~~واتفقوا على أن الجمع يفيد العموم لا سيما المحلى بالألف واللام ) ؟ فقال : ~~( ما كلامنا ) إلا فيما ثبت فيه العموم من مفرد أو جمع ، فالمفرد الذي يثبت ~~فيه العموم ( أعم من الجمع الذي يثبت فيه العموم ) . PageV02P809 وكلام أبي ~~حيان في هذا الموضع غير صحيح وكذلك كلام الطيبي . قال : وقد ذكر القرافي في ~~الخلاف في دلالة العام على أفراده هل هي تضمن أو التزام ونص على / أن ~~المفرد الذي أريد به العموم دال على أفراده ومسمياته وذلك كان أعم من الجمع ~~. قيل لابن عرفة : لعل دلالته على العموم بقرينة حالية ؟ فقال : إذا تعارض ~~صرف الدلالة للفظ أو لقرينة فصرفها للفظ أولى . انتهى . قلت : لأن دلالة ~~الجمع على أفراده من باب دلالة اللفظ على جزء مسماه ودلالة المفرد من باب ~~دلالة اللفظ على تمام مسماه لأنه يدل على هذا المسمى وحده وعلى هذا بدلا ~~عنه . قال ابن عرفة : ودلالة المطابقة حقيقة ودلالة التضمن والالتزام مجاز ~~. PageV02P810 فإن قلت : ليس الكتب في الآية معرفا بالألف واللام ( بل ~~مضافا ) ؟ قلت : الإضافة عاقبة الألف واللام . ولذلك قال ابن التلمساني ~~شارح المعالم في المسألة الثانية من الباب الثالث : إن من ألفاظ العموم صيغ ~~الجموع المعرفة بلام الجنس أو بالإضافة . ابن عرفة : وفائدة هذا الترتيب في ~~الآية ما يقولونه : وهو التركيب والتحليل لأنك إن بدأت من أول قلت : الله ~~الأول ، والملائكة يتلقون الوحي منه ، والوحي في ثالث رتبة ، لأنه ملقى ~~ومتلقى كقولك : أعطيت زيدا درهما ، فالدرهم معطى ومأخوذ ، فهو مفعول بكل ~~اعتبار ، وزيد فاعل ومفعول فالرسل في الرتبة ms328 الرابعة . وإن بدأت من أسفل ~~قلت : الرسل المباشرون لنا والقرآن هو الذي يقع به المباشرة وهو منزل عليهم ~~ثم من أنزله من عنده . قوله تعالى : { لا نفرق بين أحد من رسله . . . } . ~~فإن قلت : كيف هذا مع قوله { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } قلت : إذا ~~أسند الحكم إلى الشيء فإنما يسند إليه باعتبار ( وصفه ) المناسب له وقد قال ~~: ( من رسله ) فما التفريق بينهم إلا في وصف PageV02P811 الرسالة أي لا ~~نؤمن ببعضهم ونترك بعضهم بل نؤمن بالجميع . قال الله تعالى { إن الذين ~~يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض . } قوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . . . } . ابن ~~عرفة : تقدم في الآية السابقة أنها ( إما ) منسوخة أو مخصوصة بهذا أو مبينة ~~بهذا . زاد ابن الخطيب أنها من كلام الناس . ورده ابن عرفة : بأن هذا خبر ~~فلا يصح أن يكون من كلام الناس إذ لا طريق لهم إلى معرفته إلا أن يكون أنزل ~~قبله ما هو في معناه . قال ابن عرفة : وتكليف ما لا يطاق فيه ثلاث أقوال : ~~مذهب أهل السنة جوازه ، ومذهب المعتزلة منعه ، والثالث الوقف . وإذا قلنا ~~بالجواز فهل هو واقع أم لا ؟ فيه خلاف . وتردد الأشعري في وقوعه ، وقسمه ~~ابن التلمساني على خمسة أقسام والخلاف إنما هو في قسمين وهما المستحيل عقلا ~~والمستحيل عادة ، وما عداهما فلا خلاف فيه إذ ليس من تكليف ما لايطاق . قال ~~في ( شرح ) المحصول : وفائدة التكليف بالمستحيل عقلا أو عادة أن يكون علامة ~~على ( شقاوة ) المكلف بذلك لأنه PageV02P812 لا يتوصل إلى امتثاله والآية ~~حجة لمن يجيز التكليف ( بما ) لا يطاق ويبقى وقوعه إذ لا ( ينفى إلا ) ما ~~هو ممكن الوقوع و ( من ) قال بوقوع تكليف ما لا يطاق واحتج بقضية أبي لهب ~~فإنه مكلف بأن لا يؤمن لقوله تعالى : { سيصلى نارا ذات لهب } وهو مكلف بأن ~~يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وبجميع ما جاء به ومن جملته هذا . وأجاب ~~تاج الدين الأرموي في شرح الحاصل بأنه ms329 مكلف بأن يؤمن بالنبي وبما جاء به ~~إيمانا جمليا لا تفصيليا . قال الفخر وابن التلمساني : من تكليف ما لا يطاق ~~التكليف بما علم عدم وقوعه . فقال ابن عرفة : هذا وهم وليس ذلك من تكليف ما ~~لا يطاق بوجه لأنه ممكن في نفس الأمر فهو ( مطيق ) فعله كتكليف العصاة ~~بالصلاة في الوقت فيفعلونها بعد الوقت قضاء . قيل لابن عرفة : ما فائدة ~~الخلاف ( بتكليف ) ما لا يطاق بالنسبة إلى النائم ؟ فقال : قد ذكروا في ~~النائم أنه إذا ضرب ( برجله ) إناء فكسره فإنه يضمنه . وكذلك إذا ضرب أحدا ~~فقتله فهل تضمينه ذلك من تكليف ما لا يطاق أم لا ؟ PageV02P813 والظاهر أنه ~~من خطاب الوضع والإجبار . قوله تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت . . ~~. } . ذكر ( الزمخشري ) وابن عطية وجه المغايرة بين الفعلين وهما متقاربان ~~. فتقرير ما قال ابن عطية ( والزمخشري ) أن المكلف بفعل الطاعة مستحضر ~~للثواب عليها فيسهل عليه أمرها من غير تكليف PageV02P814 طبيعي ولا وازع له ~~عن فعلها ، وفاعل المعصية يستحضر العقوبة عليها في الدار الآخرة فشهوته ~~تحمله عليها وتكلفه على فعلها وتوجب معاندته للوازع الديني . وتقرير كلام ~~الزمخشري كأنه على عكس هذا لكنه في الحقيقة راجع إلى هذا وهو أن الشر مما ~~تشتهيه النفوس وتأمر به فهي في تحصيله أعمل وأقوى اجتهادا ( فجعلت ) له ~~مكتسبة ولما لم تكن كذلك في الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الفعل ~~والتكليف . وقال ابن الصائغ في باب ما جاء من المعدول على فعال : لما كان ~~الإنسان يثاب على قليل الخير وكثيره استعمل فيه اللفظ العام للقليل والكثير ~~وهو ( كسب ) ، ولما كانت الصغائر معفوا عنها بفضل الله جاء بلفظ الكثير ~~إشعارا بأنها ليس عليها إلا ما فوق الصغائر قال هذا بعد أن ذكر أن : كسب ~~واكتسب إن اجتمعتا في كلام واحد كانت ( كسب ) عامة ( في الأمرين ) و ( ~~اكتسب ) خاصة بالكثير وإن انفردت إحداهما عمت في الأمرين . وقال القرافي في ~~قواعده : إنها تدل على أن المصائب لا يثاب عليها لأنها ليس للمكلف فيها ~~اعتماد . قلت : وفي شرح ms330 أبيات الجمل لابن هشام / النحوي حكى ابن جني عن ~~الزجاج أنه يقال : جزيته في الخير وجازيته في PageV02P815 الشر فيستعمل فعل ~~الزيادة في الشر وفعل النقص في الخير ومنه { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ~~} . وقول الشاعر أيضا : إنا اقتسمنا خطيئتنا بيننا . . . فحملت بره واحتملت ~~فجار قوله تعالى : { ربنا لا تؤاخذنآ إن نسينآ أو أخطأنا . . . } . قال ~~الزمخشري : فإن قلت : النسيان والخطأ متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك ~~المؤاخذة فيهما ؟ وأجاب بأن الدعاء راجع لسببهما وهو التفريط والغفلة . قال ~~ابن عرفة : هذا على مذهبه في منع تكليف ما لا يطاق لأنه دعاء بتحصيل الحاصل ~~ونحن نقول : يجوز الدعاء بتحصيله لأنه ممكن باعتبار الأصالة . فإن قلت : ~~الأصل تقديم الشرط نحو أن يقال : إن نسينا أو أخطأنا فلا تؤاخذنا ؟ قلت : ~~قدم المدعو به للاهتمام به . قال ابن عرفة : فالنسيان والخطأ مرفوع عن ابن ~~آدم فيما بينه وبين الله تعالى . قيل له : قد قال الإمام مالك ه في العتبية ~~فيمن حلف بالطلاق : ليصومن يوم كذا فأفطر ناسيا : إنه لا شيء عليه ؟ فقال : ~~قال ابن رشد وابن دحون : أي لا حنث له . PageV02P816 وقال السيوري : ~~واختاره اللخمي أي لا فضل عليه ، واحتج بحديث : ( حمل ( عن ) أمتي أخطاؤها ~~ونسيانها . وأجاب الآخرون : بأن الذي حمل إنما هو إثم الخطإ والنيسان لا ~~نفس الخطإ . وذكرها ابن الحاجب في كتاب الأيمان والنذور ، قال : وفيها ما ~~نصه : ) والنسيان في المطلق كالعمد على المعروف ، وخرج الفرق من قوله : من ~~حلف بالطلاق لأصومن كذا فأفطر ناسيا فلا شيء عليه ( . قلت : ووقعت هذه ~~المسألة في رسم سلف سمع من سماع عيسى من كتاب الأيمان والنذور بالطلاق . ~~PageV02P817 ( وقال ابن رشد : أي لا حنث عليه إذا كان ناسيا بخلاف ما لو ~~أصبح مفطرا ) ناسيا ليمينه ، مراعاة للخلاف في وجوب القضاء على من أفطر في ~~التطوع متعمدا وفي رمضان ناسيا لما جاء في ذلك . قيل لابن عرفة : قد قالوا ~~: إذا قتل رجل خطأ : إن على قاتله صوم شهرين ؟ فقال : النسيان إنما هو في ~~رفع الإثم وليس سببا في ms331 صومه والقتل سبب في الصوم والشرع رتب عل ذلك القتل ~~صوما فيجب عليه امتثاله ( لا لأنه ) كفارة بل الإثم ساقط عنه . انتهى . ~~قوله تعالى : { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا . . ~~. } . قال أبو حيان : قرىء بالتشديد والتخفيف . قال : في التشديد إما ~~للتعدية أو للمبالغة . قال ابن عرفة : فظاهره أنه لهما على ( البديلة ) ~~ومنهم من قال : يصح كونه لهما على المعية وقال بعضهم : أما المبالغة هنا مع ~~التشديد فظاهرة ، وأما مع التخفيف ( فمستفادة ) من لفظ ( على ) لاقتضائها ~~الاستعلاء والاستيلاء . فإن قلت : ما الفائدة في قوله : { كما حملته } ولو ~~أسقط ( كما ) ( احتمل ) المعنى ، وإسقاطه كان يكون أتم وأبلغ لأن نفي ( ~~إصرا ) مطلق أبلغ منه مقيدا ؟ PageV02P818 ( قال ) ابن عرفة : وعادتهم ( ~~يجيبون ) بأن الدعاء حالة الخوف مظنة الإجابة فهو فيه أقوى ( منها ) حالة ~~عدم الخوف لأن الخوف أقرب لمقام التضرع والالتجاء . فذكر عقوبة من مضى في ~~هذا مما يزيد في الخوف ويقوي فيه العبودية والتضرع والالتجاء . قال ابن ~~عطية : ولا خلاف أن المراد ب { الذين من قبلنا } اليهود . ابن عرفة : لأن ( ~~تكاليفهم ) والتشديد الواقع في شريعتهم أكثر من النصارى وغيرهم ، قال ~~الضحاك : اليهود والنصارى . قوله تعالى : { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ~~به . . . } . تقدم إما أنه راجع لأمور الآخرة أو للتكاليف الدنيوية فإن كان ~~للآخرة فهو تأسيس وإن كان للدنيا فهو تأكيد ، إن أريد بما لا طاقة لنا به ~~الحقيقة وهو ما ليس في قدرة البشر لأن الدعاء لنفي ( الإصر ) يستلزم الدعاء ~~بنفي ما فوقه ، وإن أريد به المجاز كما أشار إليه ابن عطية في أحد التفاسير ~~من أنه الأمر المستصعب وإن ( كانت ) تطيقه فيكون تأسيسا . قوله تعالى : { ~~واعف عنا . . . } الآية . PageV02P819 قال ابن عرفة : وجه الترتيب هذا أن ~~العفو عبارة عن عدم المؤاخذة بالذنب ، وما يلزم من الدعاء برفع ( الأمر ) ~~الذي في قدرة البشر بمشقة أو الخارجة عن قدرة ( البشر ) ، عدم المؤاخذة ~~بالذنب . ثم عقبه بالمغفرة لأنه لا يلزم من عدم المؤاخذة ستر ولأنه قد لا ~~يؤاخذه به ويظهره ms332 عليه ، ثم عقبه بالرحمة لأن العفو والمغفرة من باب دفع ~~المؤلم والرحمة من باب جلب الملائم ، فدفع المؤلم آكد وأولى من جلب الملائم ~~ونحوه لابن الخطيب . قال ابن عطية : وقال سلام بن سابور الذي لا طاقة لنا ~~به الغلمة . وروي أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه : وأعوذ بك من غلمة ليس ~~لها عدة . ابن عرفة : الغلمة ( هي ) قوله : أنت مولانا فانصرنا . ~~PageV02P820 الزمخشري : أي سيدنا وناصرنا ومتولي أمرنا ومالكنا . ابن عرفة ~~: السيد والناصر إطلاقه عليهما من قبيل المشترك والمتولي والمالك ينبغي أن ~~يحمل على أن المراد الأخص منهما ليدخل تحت الأعم من باب أحرى . قال ~~الزمخشري : وعنه : ( من قرأ الآيتين من سورة البقرة في كل ليلة كفتاه ) . ~~قال ابن عرفة : أولهما ( آمن الرسول ) ومعنى كفتاه أي يرفعان قارئهما عن ~~رتبة من حرم قيام الليل . قلت : وفي إكمال القاضي عياض أي في كتاب الطب : ~~أي كفتاه كل هامة وشيطان فلا يضره ( وفي سلاح المؤمن معنى كفتاه أجزأتاه عن ~~قيام الليل . وقيل : كفتاه من كل شيطان لم يضر به ليلته ( وقيل : كفتاه مما ~~يكون من تلك الليلة من الآفات وقيل : حسبه بهما فضلا وأجرا . ويحتمل الجميع ~~والله سبحانه وتعالى أعلم ) . | PageV02P821 ms333