######OpenITI# #META# bkid: 13769 #META# bk: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام #META# المؤلف: ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (المتوفى: 804ه) #META# المحقق: عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح #META# الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية #META# الطبعة: الأولى، 1417 ه - 1997 م #META# عدد الأجزاء: 11 (10 وجزء للفهارس) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: ابن الملقن #META# authinf: ابن الملقن (723 - 804 ه = 1323 - 1401 م). عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي، سراج الدين، أبو حفص ابن النحوي، المعروف بابن الملقن: من أكابر العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال. أصله من وادي آش (بالأندلس) ومولده ووفاته في القاهرة. له نحو ثلاثمائة مصنف، منها «إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال - خ» تراجم، و «التذكرة في علوم الحديث - خ» [ثم طبع] رسالة، و «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام - خ» [ثم طبع] و «إيضاح الارتياب في معرفة ما يشتبه ويتصحف من الأسماء والأنساب - خ» في شستربتي، و «غريب كتاب الله العزيز - خ» [ثم طبع] في الرباط (2018 كتاني) و «التوضيح لشرح الجامع الصحيح - خ» [ثم طبع] شرح البخاري، كبير، و «خلاصة البدر المنير - خ» [ثم طبع] في تخريج أحاديث شرح الوجيز للرافعي، و «خلاصة الفتاوى في تسهيل أسرار الحاوي - فقه»، و «تصحيح الحاوي - خ» و «عجالة المحتاج، على المنهاج - خ» فقه و «الإشارات إلى ما وقع في المنهاج من الأسماء والأماكن واللغات - خ» و «طبقات الأولياء - ط» و «المقنع - خ» في الحديث، باسطنبول (طوبقبو) و «غاية السول في خصائص الرسول - خ» رسالة [ثم طبع]، و «طبقات المحدثين» و «طبقات القراء» و «العقد المذهب - خ» في طبقات الشافعية، و «شرح زوائد مسلم على البخاري - خ» حديث. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 13769 #META# over: 1 #META# seal: F9D4BE85 #META# oauth: 709 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 3 #META# vername: None #META# cat: فقه عام #META# lng: ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري #META# higrid: 804 #META# ad: 804 #META# aseal: ED603205 #META# blnk: None #META# pdfcs: 1 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/13769 #META#Header#End# # النص المحقق PageV01P069 # بسم الله الرحمن الرحيم # {ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا (10)} (¬1) # الحمد لله (¬2) أتم الحمد وأكمله، وأعمه وأشمله، وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، شهادة هي للفوز محصلة، وللنجاة متكفلة، وأن محمدا ~~عبده ورسوله، خير الخلق آخره وأوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه "وسلم" ~~(¬3)، صلاة زاكية دائمة بكل زمن متصلة، وبعد: # فهذه نبذة مهمة على كتاب عمدة الأحكام في أحاديثه -عليه أفضل الصلاة ~~والسلام- تأليف الحافظ تقي الدين أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي ~~بن سرور المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقى (¬4) الصالحي الحنبلي، سقا الله ~~ثراه، وجعل الجنة مأواه [علقتها] (¬5) حال قراءتها علي، وتردد قاريها إلي، ~~وخصصت الكلام PageV01P071 # عليها لإكباب جميع المذاهب عليها، وحصرت الكلام في خمسة أقسام: # الأول: التعريف [بمن] (¬1) ذكر من رواة الحديث، وبيان حاله، وضبط نسبه، ~~ومولده ووفاته، على وجه الاختصار، فإني أفردت هذا بالتصنيف وسميته "العدة ~~في معرفة رجال العمدة" (¬2)، ولله الحمد على إكماله، وهو مهم فسارع إليه. # الثاني: في التنبيه على أحاديث وقعت في الكتاب من أفراد الصحيحين، وهو ~~مخالف لشرطه في الخطبة كما ستعلمه عند شرحها، نعم هي قليلة جدا كما ستراها ~~في مواضعها إن شاء الله تعالى (¬3). # الثالث: بيان ما وقع فيه من [المبهمات] (¬4)، وقد ظفرت بغالبه ولله الحمد. # الرابع: في ضبط لفظه وبيان إعراب ما يشكل وغريبه. # الخامس: -وهو المهم- الإشارة إلى بعض ما يستنبط [من الحديث] (¬5) والأصول ~~والفروع والأدب وغيرها حسبما تيسر بفضل الله ومنه، ما لا يجتمع في غيره، ~~والجمع بين مختلفها، وإيضاح PageV01P072 # ما فيه من الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمبين والمجمل، وتبيين ~~المذاهب الواقعة فيه، وذكر وجهها وما يظهر منها على وجه الإنصاف، وما لا ~~يظهر، وأعرض عما فعله بعض الشراح من إيراد [مسائل] (¬1) لا تستنبط من ألفاظ ~~الحديث، كمن يأتي إلى حديث يدل على جواز مسح الخف مثلا، فيأتي [بمسائل] ~~(¬2) ذلك الباب من غير أن تكون مستنبطة من الحديث الذي تكلم عليه، وإن أمكن ~~فبطريق مستبعد، وأعرض أيضا ms0001 عما فعله قوم من الاسترسال في وجوه الاستنباط، ~~فإن تعرضت له نبهت على بعده وعدم ظهوره، وأتبع ذلك على ما وقع للشراح من ~~المؤاخذات، إلى غير ذلك مما ستراه واضحا إن شاء الله تعالى من الفوائد ~~والفرائد، وسميته "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" أسال الله الكريم إتمامه ~~مصونا عاجلا، وأن يجعله لكل خير كافلا لا رب سواه ولا نرجو إلا إياه حسبنا ~~[الله ونعم الوكيل ولا حول] (¬3) ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، [اعتصمت] ~~(¬4) بالله ألجأت ظهري إلى الله اعتمدت على الله، اللهم انفع به [مؤلفه ~~وقارئه والناظر فيه وجميع] (¬5) المسلمين. # فصل: في نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - ليشرف الكتاب به، ولمعرفه ~~فوائد PageV01P073 # [لا تحصى هو: محمد بن] (¬1) عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ~~بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي -بالهمز، وقيل: [مرة] (¬2) - بن غالب ~~بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس -بكسر الهمزة ~~وفتحها- بن مضر [ابن نزار بن] (¬3) معد بن عدنان، إلى هنا إجماع الأمة، وما ~~وراءه مختلف (فيه) (¬4)، كنيته أبو القاسم، وكناه جبريل أبا إبراهيم (¬5)، ~~ويكنى أبا الأرامل أيضا. # وأمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب. وأسماؤه ~~كثيرة ذكر ابن عساكر منها جملة، وذكر ابن العربي (¬6) منها [ستين] (¬7) ~~اسما (¬8) سردها وقال: [وله] (¬9) وراء ذلك أسماء، وقال بعض الصوفية: له ~~ألف اسم، وذكر له ابن دحية فوق المائتين في جزئين وقد لخصتهما فيما اختصرته ~~من (دلائل PageV01P074 # النبوة) (¬1) للبيهقي، أعان الله على إكماله. # ولد عام الفيل، وقيل: بعده بثلاثين سنة، وقيل: بأربعين سنة، واتفقوا على ~~ولادته يوم الاثنين في ربيع الأول، قيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لثمان، ~~وقيل: لعشر، وقيل: لثنتي عشرة وهو أشهر. # وبعث رسولا إلى الناس كافة وهو بمكة ابن أربعين سنة، وقيل: أربعين ويوم، ~~ثم أقام بها بعد النبوة ثلاث عشرة سنة، وقيل: عشرا، وقيل: خمس عشرة، ثم ~~هاجر إلى المدينة فأقام بها عشرا ms0002 بالاتفاق، والصحيح في عمره ثلاث وستون ~~(¬2) وقدم المدينة يوم الاثنين ضحى لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، وتوفي ~~يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وابتدأ ~~التاريخ من الهجرة. # قال الحاكم أبو أحمد: يقال نبىء يوم الاثنين، وخرج من مكة مهاجرا يوم ~~الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وفيه ولد وتوفي. فصل: في نبذة مختصرة ~~من حال مصنف هذا الكتاب المبارك الذي عم النفع به وكم من قاصد "تحداه" (¬3) ~~فلم ينل شيئا من مرتبته وهذا مما يدل على صدق نية مؤلفه وعلو منزلته، هو ~~الحافظ الإمام محدث الإسلام تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن PageV01P075 # علي بن سرور المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الصالحي ثم المصري الحنبلي، ~~صاحب التصانيف، ولد سنة إحدى وأربعين وخمس مائة بجماعيل، سمع ابن البطي ~~وطبقته ببغداد، وأبا طاهر السلفي بالثغر، وأقام عليه ثلاثة أعوام، ولعله ~~كتب عنه ألف جزء، والحافظ أبا موسى المديني وأقرانه بأصبهان، وعلي بن هبة ~~الله الكاملي بمصر وسمع أيضا من غيرهم، وكتب ما لا يوصف كثرة، وما زال ينسخ ~~ويصنف ويحدث ويعبد الله حتى أتاه اليقين، روى عنه [ولداه] (¬1)، أبو الفتح، ~~وموسى، وعبد القادر الرهاوي، والشيخ موفق الدين، والضياء، وابن خليل، وابن ~~عبد الدائم، وابن عزون، وابن علاق، وحدث بالكثير وصنف في الحديث تصانيف ~~حسنة، وكان غزير الحفظ من أهل الإتقان والتجويد، وكان كثير العبادة ورعا ~~متمسكا بالسنة على قانون السلف [خرج] (¬2) من دمشق لكائنة (¬3) وأقام بمصر ~~إلى أن توفي. # وصفته أنه ليس بالأبيض الأبهق يميل إلى سمرة، حسن الثغر كث اللحية واسع ~~الجبين، عظيم الخلق تام القامة كأن النور يخرج من وجهه، ضعف بصره من كثرة ~~الكتابة والبكاء، وحدث ببغداد ودمشق ومصر والإسكندرية، قال ابن خليل: كان ~~دائم الصيام كثير الإيثار، يصلي كل يوم وليلة ثلائمائة ركعة ومن تصانيفه ~~"المصباح" يشتمل على أحاديث الصحيحين، "نهاية المراد في PageV01P076 # السنن" في نحو مائتي جزء لم يتمه، "المواقيت"، "الجهاد"، "الروضة"، ~~"فضائل خير البرية"، "الذكر"، "الإسراء"، "البهجة"، ms0003 "الفرج"، "صلات الأحياء ~~إلى الأموات"، "الصفات الحسنة"، "فضل مكة"، "غنية الحفاظ في مشكل الألفاظ"، ~~"الحكايات" أزيد من مائة جزء، وتصانيف كثيرة جزء جزء (¬1) ومما ألفه بلا ~~إسناد "هذه العمدة"، و"العمدة الكبرى"، و"درر الأثر والكمال" عدة مجلدات ~~و"السيرة" و"الجامع الصغير لأحكام البشير النذير" ولم يتمه، و"مناقب عمر بن ~~عبد العزيز". # قال الضياء: وكان أمير المؤمنين في الحديث، وقد ترجمه في أربعة كراريس ~~ذكرت منها في الكتاب المشار إليه أوراقا (¬2) فراجعها. # مات -رضي الله عنه ونور ضريحه- في يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول سنة ~~ستمائة، قال المنذري: مات بمسجد ابن الفرات بمصر ودفن بسفح المقطم بالتربة ~~المعروفة به. # وبيننا وبينه اثنان، فإن جماعة من شيوخنا أخبرونا بهذا الكتاب وبغيره عن ~~مسند وقته الفخر بن البخاري عنه، منهم الحافظ قطب الدين عبد الكريم بن عبد ~~النور الحلبي، وفتح الدين بن سيد الناس اليعمري، وغيرهما، وأخبرني أيضا ~~[السيد] (¬3) الأمير [بدر الدين] (¬4) PageV01P077 # أبو علي حسن بن محمد بن عبد الرحمن الأرملي -عرف بابن السديد- عن ابن عبد ~~الدائم عنه، وهذا أعلى [ما يقع] (¬1) في زماننا ولله الحمد. # فصل: في شرح خطبته أيضا على طريق الاختصار: # قال رحمه الله ونفعنا به: "الحمد لله"، الكلام عليه من وجوه: # أحدها: إنما بدأ بالحمد [لله] (¬2) لأمور. # أولها: الاقتداء بكتاب الله تعالى فإنه مفتتح به. # ثانيها: لامتثال أمر الله تعالى ونبيه - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: ~~{قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} [النمل: 59] (¬3). وقال: {وقل ~~الحمد لله سيريكم آياته} (¬4). وقال: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا} ~~(¬5). وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ~~بحمد الله فهو أجذم" (¬6). PageV01P078 # رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي في عمل [اليوم والليلة] (¬1) وصححه أبو ~~عوانة وابن حبان وروي مرسلا وموصولا، والحكم # للاتصال عند الجمهور لأنها زيادة من ثقة، فقبلت. # ثالثها: للتبرك بذكر الله تعالى في أول كتابه. # رابعها: شكر الله عز وجل على ما أولى من النعم حيث رفعه من درجة التعلم ~~إلى التعليم. # ثانيها: ms0004 في حد الحمد: هو الثناء على الممدوح بصفاته الجميلة وأفعاله ~~الحسنة. # وقال الإمام فخر الدين في "تفسيره": هو عبارة عن كل فعل [مشعر] (¬2) ~~بتعظيم المنعم لكونه منعما، والفعل إما بالقلب وهو اعتقاد كونه موصوفا ~~بصفات الجلال، وإما باللسان وهو أن يذكر ألفاظا دالة على اتصافه بصفات ~~الكمال، وإما بالجوارح وهو أن يأتي بأفعال دالة على ذلك. PageV01P079 # وقال جماعة: هو الرضا. # وقال الجوهري (¬1): هو نقيض الذم. # وقال ثعلب والزمخشرى (¬2): هو المدح. # ورد بأن [الحمد] (¬3) أعم كما ستعلمه. # وقيل: إنه الوصف بالجميل على سبيل التعظيم قصدا مطلقا، فخرج بالأول حمد ~~الغافل، وبالئاني قصد الحمد ظاهرا لغيره وباطنا # لنفسه، كقولك: نعم الطالب زيد، وقد قرأ علي. # وقيل: غير ذلك. # ثالثها: أكثر الناس في الحمد والشكر وأيهما أخص؟ والتحقيق أن بينهما عموم ~~وخصوص من وجه فيجتمعان في ثناء في مقابلة نعمة، ويوجد الحمد بدون الشكر في ~~ثناء [ولا] (¬4) مقابل نعمة، والشكر بدون الحمد في فعل مقابل لنعمة، فليس ~~كل حمد شكرا ولا كل شكر حمدا، نعم متعلق الحمد وهو المحمود عليه أعم من ~~متعلق الشكر، فكل ما يصح الشكر عليه يصح الحمد عليه، ولا ينعكس. # رابعها: اختار المصنف الحمد دون المدح لأمرين: PageV01P080 # أحدهما: [اختار المصنف الحمد] (¬1) للتأسي بالقرآن. # ثانيهما: أنه بعد الإحسان بخلاف المدح، وقال الزمخشرى (¬2): هما أخوان. # وقال الرافعي في "تذنيبه" (¬3): إن المدح أعم، لأن الثناء على الشخص بما ~~لا اختيار له فيه كحسن الوجه والقد ونحوهما يطلق عليه المدح دون الحمد، ~~وحينئذ يكون متعلق المدح وهو الممدوح عليه أعم الثلاثة. # وفرق السهيلي بينهما؛ لأن الحمد يشترط فيه أن يكون صادرا عن علم، وأن ~~تكون تلك الصفات المحمودة صفات كمال، والمدح قد يكون عن ظن وبصفة مستحسنة ~~وإن كان فيها نقص ما. # وفرق الرضا القزويني صاحب "العروة الوثقى": بأن المدح يكون للحي وغيره ~~بخلاف الحمد، تقول: مدحت اللؤلؤة، ولا تقول: حمدتها، والمدح قد يكون منهيا ~~عنه، قال عليه السلام (¬4): "احثوا في وجوه المداحين التراب" (¬5). بخلاف ~~الحمد، فالحمد أعم PageV01P081 # ولأنه يصح إطلاقه للشاهد والغائب، ms0005 بخلاف المدح فإنه مختص بالغائب، والحمد ~~[لله] (¬1) يدل على كونه فاعلا مختارا بخلاف المدح لله لعمومه (¬2). # خامسها: اختار المصنف الحمد دون الشكر أيضا؛ لأنه ثناء على الله بسبب كل ~~إنعام، فهو أفضل، بخلاف الشكر فإنه ثناء عليه بسبب إنعامه عليك، هذا هو قول ~~من فرق بين الحمد والشكر [بأن الحمد] (¬3) يكون مع [الإنعام] (¬4) عليك ~~وعدمه، والشكر مختص بالإنعام عليك (¬5). # سادسها: اختار أيضا (الحمد لله) دون أحمد الله، لأنه أولى منه، لأن أحمد ~~يفيد أن العامل نحمد. # وقوله: "الحمد لله" يفيد أنه محمود قبل حمد الحامدين سواء حمده أحد أم ~~لا، ولأن الحمد لله معناه أن الحمد حق لله وأنه تعالى مستحقه لذاته لكثرة ~~آلائه على عبيده، ولو قال: (أحمد الله) لم يدل على كونه مستحق للحمد لذاته، ~~والأول أولى لأن في قوله أحمد الله أنه يحمد حمدا يليق به، وإذا قال: الحمد ~~لله. فكأنه يقول من أنا حتى أحمده لكنه محمود قبل حمد الحامدين، ذكر ذلك ~~ابن الخطيب. PageV01P082 # سابعها: الألف واللام في "الحمد" يحتمل كونها للجنس، ويحتمل كونها للعهد ~~أي -الذهني- الذي حمد به نفسه وحمدته # أوليائه. # ثامنها: أجمع القراء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من "الحمد لله"، ~~وقرىء بنصبها على إضمار فعل وبضمها مع ضم اللام على الاتباع وبكسر الدال ~~على الاتباع أيضا. # تاسعها: اختلف العلماء: هل الحمد المقيد أفضل أم المطلق؟ فذهب جمع من ~~أصحابنا الخرسانيين إلى تفضيل الأول لقوله: {الحمد لله الذي هدانا لهذا} ~~(¬1) وقالوا: من حلف ليحمدن الله بأجل المحامد فطريقه أن يقول "الحمد لله ~~حمدا يوافي نعمه، ويكافىء مزيده" (¬2) وذهبت طائفة من متكلمي المغاربة إلى ~~ترجيح المطلق لتشعب جميع المحامد منه. # عاشرها: التحميد أكمل من التسبيح، كما قاله الإمام [فخر الدين] (¬3)، ~~وأجاب عن تقديم التسبيح على التحميد في قوله # عليه السلام: "سبحان الله والحمد لله" [بأن] (¬4) الحمد يدل على PageV01P083 # التسبيح؛ لأن معنى التسبيح: التنزيه [عن] (¬1) النقائص، والتحميد فيه مع ~~ذلك ... أنه محسن إلى خلقه، فهو أكمل. # الحادي عشر: نبه الإمام فخر الدين في "تفسيره" على ms0006 أن من قال: الحمد لله، ~~فتحت له أبواب الجنة الثمانية، لأن الحمد لله ثمانية أحرف وأبواب الجنة كذلك. # وقال صاحب "الحلل " أبو عمر الزناتي، شارح "رسالة ابن أبي زيد": موجب ~~الحمد اثنان وخمسون خصلة ما اجتمعت قط لمخلوق، وإليها أشير بكلمة حمد، فإن ~~الحاء بثمانية والميم بأربعين والدال بأربعة (¬2)، ولقد أحسن المتنبي في ~~شعره حيث قال # في ذلك: # لك الحمد حتى لا لمفتخر ... في الحمد حاء ولا ميم ولا دال (¬3) # الثانى عشر: [في] (¬4) أحكام الحمد، وهو ينقسم أربعة أقسام: واجب، ~~ومندوب، ومكروه، وحرام. # أما الأول: فهو واجب في الجملة سمعا وعند المعتزلة عقلا، PageV01P084 # وحكى الإمام فخر الدين عن طائفة: إنكاره جملة، ولا وجه له، ومن أمثلة هذا ~~القسم: الابتداء به في الخطبة فإنه ركن فيها. # وأما الثاني: فمن أمثلته الخطبة على الخطبة، وعند العقد، وفي ابتداء ~~الدعاء، وبعد الأكل والشرب، والعطاس، والخروج من الخلاء، وعند النوم، ~~واليقظة، ونحو ذلك. # وأما الثالث: فمن أمثلته الأماكن المستقذرة تنزيها له: كالمزبلة، ~~والمجزرة، والأحوال المستكرهة لفرط الشبع والنوم، ومدافعة الأخبثين، وقد نص ~~القرافي في "قواعده" (¬1) على كراهة الدعاء في ذلك كله، وما أحسن ما حكي عن ~~سرى السقطي (¬2) أنه # بقي يستغفر الله ثلاثين سنة في قوله: "الحمد لله" لوقوع حريق ببغداد أتى ~~على دورها ودكاكينها فبلغه أن دكانه سلم، فحمد الله على ذلك، ثم راجع نفسه، ~~وقال: كان الواجب أن يحزنني ما أصاب إخواني المؤمنين. # وأما الرابع: فهو حرام، على الفرح بوقوع معصية. # وأوجبه بعض العلماء في الأمور الدنيوية ليكون لها عاقبة محمودة، واستحسنه ~~في الدينية لأنها طاعة. PageV01P085 # وأما قوله: [الله] (¬1) فهو علم على المعبود بحق وهو الباري سبحانه ~~وتعالي، واللام فيه لام الإضافية ولها معنيان: الملك "كالمال لزيد"، وفي ~~معناه "القدرة" (¬2) والاستيلاء نحو "البلد للسلطان"، والاختصاص "كالسرج ~~للفرس". # وعن الإمام فخر الدين (¬3): أنها لام اللياقة أي أن الحمد لا يليق إلا ~~له، وقرن الحمد به لأنه اسم للذات بخلاف الرحمن وغيره، لأنه صفة لا تدل على ~~[غيره] (¬4). # قال البندنيجي (¬5): وأكثر أهل العلم على ms0007 أن هذا الاسم هو الاسم الأعظم. PageV01P086 # قال الخطابي (¬1). وأحب الأقاويل إلي: قول من ذهب إلى أنه اسم علم وليس بمشتق. # قال الإمام فخر الدين (¬2) في "لوامع البيان في شرح الأسماء والصفات" ~~(¬3): وهو قول أكثر المحققين خلافا لجمهور المعتزله. # وقال صاحب "الحلل": هو مرتجل غير مشتق ولا منقول بخلاف لفظة [الإله] (¬4) ~~فإنه منقول اتفاقا. # وأما صاحب "العروة الوثقى" فنقل عن الأكثربن: أنه مشتق. # وقال أبو العز مظفر في "الأسرار العقلية": الصحيح عندي أنه كان مشتقا ثم ~~صار علما وهذا جمع بين القولين. # ومن خواص هذا الاسم أنك متى حذفت من خطه حرفا بقي دالا عليه تبارك وتعالى ~~[ويقال] (¬5): فإن حذفت الألف بقي لله وإن حذفت اللام الأولى وأبقيت الألف ~~بقي إله [واحد] (¬6) وإن حذفتهما معا بقي له ملك السموات والأرض، وإن حذفت ~~الثلاثة [بقي] (¬7) هو الحي لا إله إلا هو. PageV01P087 # قال بعضهم: كل اسم يصلح للتخلق إلا اسم الله تعالى فإنه لا يصلح إلا ~~للتعلق. # قال بعض المتكلمين: والإله عند أهل الحق هو الكامل على الإطلاق، والإلهية ~~هي: الكمال على الإطلاق في جميع الصفات الواجبة والجائزة والمستحيلة في حقه تعالي. # وقال جمهورهم: الإله عبارة عن موجود قائم بذاته قديم لا حد له ولا نهاية ~~حي عالم قادر مدبر سميع بصير متكلم فرد صمد، وقيل: الإله: القادر على ~~الاختراع (¬1) والإلهية: القدرة على الاختراع. # واختلف في اشتقاقه عند من قال به على أقوال حكاها صاحب "العروة الوثقى": # أحدها: أن [أصله] (¬2) "إله" [والإله] (¬3) من تضرع إليه في النوائب، وهو ~~اختيار المحاسبي وغيره. # ثانيها: أنه مشتق من "لاه" إذا احتجب، وهو خطأ. # ثالثها: أنه من "لاه"، إذا على. # رابعها: أنه من "أله" إذا قام بالمكان. PageV01P088 # خامسها: أنه من "إله" إذا تجبر، وهو خطأ. # سادسها: من "التأله" وهو التعبد. # سابعها: وقال: وهو أصحها: أنه من "الإلهية" وهي القدرة على الاختراع ~~(¬1)، واختلف أهل العربية في أصله أيضا على قولين: فذهب أهل البصرة إلى أن ~~أصله "إلاه"، وذهب الكوفيون إلى أن أصله "لاه" (¬2). وموضع البسط في ذلك ~~كتب ms0008 العربية فلا نطول به. # قال رحمه الله: "الملك الجبار". وأما "الملك" فقال [أبو عمرو] (¬3) [وهو] ~~(¬4) أبلغ من المالك في المدح؛ لأن الملك لا يكون إلا مالكا وقد يكون ~~المالك غير الملك. # قال [الأزهري] (¬5): هذا إنما يكون في المخلوقين لأن أحدهم ملك شيئا دون ~~شيء، [والله تعالى] (¬6) ملك كل شيء والملك والملوك [من أملاكه] (¬7) ألا ~~تراه يقول: {قل اللهم مالك الملك} (¬8). PageV01P089 # وقال الأزهري: الملك تمام القدرة. # وقيل: هو [شرعا] (¬1): القدرة على الإيجاد والاختراع، من قولهم: فلان ~~يملك الانتفاع بكذا: إذا تمكن منه، فيكون من أسماء # الصفات كالقادر. # وقيل: هو المتصرف في الأشياء بالإيجاد والإعدام فتكون من أسماء الأفعال، ~~كالخالق، والله تعالى مالك، وملك، ومليك، ولا يطلق الاسم على غيره إلا مجازا. # وأما "الجبار": فله معان: # أحدها: بمعنى المكره لغيره [لأنه] (¬2) جبر خلقه على ما شاء، ومنه: جبر ~~الأمير فلانا وأجبره على كذا: إذا أكرهه عليه. # ثانيها: بمعنى المصلح للشيء من حال الفساد إلى نسق السداد. # ثالثها: بمعنى المتعالي على كل شيء. ومنه قولهم: نخلة جبارة إذا كانت ~~باسقة، لا تنالها الأيدي، فالأول والثاني [راجعان] (¬3) إلى صفة الأفعال، ~~والثالث إلى "صفات" (¬4) التنزيه. وقيل معناه: جبر القلوب على معرفته ~~وفطرها على الإقرار به، وهو راجع إلى الثاني. وقرن المصنف الملك بالجبار؛ ~~لأن بسطوة الجبروت يتم الملك. # قال رحمه الله: "الواحد القهار". PageV01P090 # أما "الواحد" فله معنيان: # أحدهما: مفتتح الوجود. # والثاني: أنه لا نظير له ولا مثل، كقولهم: فلان واحد في قومه في الشرف، ~~واختلف في "واحد" و"أحد"، فقيل: هما بمعنى، وقيل: إن "أحدا" أكمل من "واحد" ~~لأنك تفرق بين قولك: فلان لا يقوم له واحد وأحد، وقد أوضحت الكلام على هذه ~~المادة في خطبة "شرح المنهاج" (¬1)، فإن شئت فراجعها منه، وقرن المصنف ~~الواحد بالقهار لأن بالوحدة يقع القهر. # تنبيهان: # الأول: توحيد الله نفسه على ثلاثة أوجه: علمه بأحديته، وإخباره بها، ~~وإقرار العبد عليها. # وتوحيد العبد لله على ثلاثة أوجه: علمه بأحديته، وإقراره بها، وتعليمها ~~لغيره، نبه عليه صاحب العروة الوثقى. # الثاني: قال القرافى (¬2): الإلهية، ms0009 وعموم تعلق صفاته، وشبهها ... يجب ~~توحيده بالإله إجماعا، والعلم والقدرة ونحوهما لا توجب [توحده] (¬3) به ~~إجماعا، فيجوز أن يقال: فلان عالم بكذا قادر على كذا. # والقسم بغيره تعالى اختلف فيه، فإن القسم بالشيء تعظيم له PageV01P091 # وتعظيم غير الله حرام، وهو جائز [و] (¬1) لأنه يرجع إلى تعظيم الله تعالى ~~كالحلف برسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2). # وأما "القهار" فقال الحليمي وغيره: هو الذي يقهر ولا يقهر [بحال] (¬3). # وقال الخطابي (¬4): هو الذي قهر الجبابرة من عتاة خلقه بالعبودية، وقهر ~~الخلق كلهم بالموت. # قلت: وله معنيان: # الأول: بمعنى القادر على منع غيره من فعل بخلاف مراده، فهو من صفات الذات. # الثاني: المانع لغيره من جريه على وفق مراده فهو من صفات الفعل. # والقهار: يدل على الوحدانية إذ لو كان معه شريك يعانده لما كان قهارا، ~~ويوجب الخوف الشديد [لا جرم] (¬5) أنه تعالى أردفه في صورة ص PageV01P092 # بقوله: {رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار} (¬1). # تنبيه: اختلف الأصوليون في أن الاسم غير المسمى، أو هو هو، وذلك في غير ~~اسم الله تعالى، وأما الله تعالى فلا يجوز إطلاق ذلك عليه، بل هو سبحانه ~~واحد في ذاته وصفاته، وذاته وصفاته وأسماؤه كذلك لا يقال هذا هذا ولا هذا ~~غير هذا، بل نطلقه كما أطلقه تعالى (¬2)، تعالى الله PageV01P093 # عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. # قال رحمه الله: "وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب السموات ~~والأرض وما بينهما العزيز الغفار" معنى: "أشهد" أعلم # وأبين (¬1). # ومن خواص لا إله إلا الله، أن حروفها كلها مهملة، ليس فيها حرف معجم ~~تنبيها على التجرد عن كل معبود سوى الله، ومن خواصها أيضا: أن جميع حروفها ~~جوفية ليس فيها حرف من الحروف الشفهية، وهذه الكلمة فيها إثبات بعد [نفي] ~~(¬2)، وأنكره # أبو العز مظفر صاحب "الأسرار العقلية"، وقال: كلها إثبات، إذ يلزم منه ~~كفر، وإيمان، بل المستثنى مع المستثنى منه كاللفظة # الواحدة الدالة على شيء واحد، وإن للسبعة عبارتان: سبعة وعشرة إلا ثلاثة، ~~وما قاله ضعفه الأصوليون؛ ms0010 لأنه إنما يكون كفرا عند إنفراد النفي، وأفاد ~~بقوله: "لا شريك له" وإن كان مستفادا من الأول نفي القائل بان الإستثناء من ~~النفي ليس إثباتا وإن [كان] (¬3) كلمة التوحيد لا تفيده إلا بقرائن حالية ~~لا لفظية، والشريك هو [المقارن] (¬4) في الإيجاد والعدم تعالى الله PageV01P094 # عن ذلك، ولقد أحسن أبو العتاهية (¬1) في شعره حيث قال: # أيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد # ولله في كل تحريكة ... عليك وتسكينة شاهد # [وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد] (¬2) # وفي معنى "رب" أربعة أقوال: الملك، والسيد، والمدبر، والمربي، فالأولان: ~~من صفات الذات، والآخران من صفات الفعل، قال العلماء: متى دخلت الألف ~~واللام على لفظ رب اختص بالله تعالى، وإن حذفت كان مشتركا. ومنه رب المال ~~ورب الإبل، وكله جائز عند الجمهور، وخصه بعضهم برب المال ونحوه مما لا روح ~~له وهو غلط. قال بعض العلماء: إذا تأملت [الكتاب] (¬3) والسنة وجدت أكثر ~~دعوات المرسلين والنبيين وسائر من ذكر الله من المؤمنين: الرب. # والسموات: جمع سماء [وكل] (¬4) شيء ارتفع فهو سماء، وهي سبع، جاء أن بين ~~كل سماء وسماء خمسمائة عام (¬5) وغلظ كل سماء خمسمائة عام (¬6). PageV01P095 # وروينا عن كعب أنه قال: خلق الله السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية ~~صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، # والسادسة ذهب، والسابعة ياقوت. # قال الزمخشري (¬1): قيل: ما في [القرآن] آية تدل على أن [الأرضين] (¬2) ~~سبع، إلا قوله تعالى: {ومن الأرض مثلهن} (¬3). # قلت: والأحاديث مستفيضة فيه أيضا كقوله عليه الصلاة والسلام: "من ظلم قيد ~~شبر طوقه الله من سبع أرضين" (¬4). # وإختلف أهل الهيئة: هل هن متراكمات بلا تفاصل، أو بين كل واحدة والتي ~~تليها خلاء؟ على قولين: أصحهما الثاني، وفي وسطها المركز وهو نقطة مقدرة ~~متوهمة [وهو] (¬5) محط الأثقال [إليه] (¬6) ينتهي ما يهبط من كل جانب إذا ~~لم يقارنه مانع، وتأول بعضهم الحديث على أن المراد بها [سبع] (¬7) أقاليم، بعيد. # وروى البيهقي عن أبي الضحى مسلم عن ابن عباس أنه قال: " {الله الذي خلق ~~سبع سماوات ومن ms0011 الأرض مثلهن} قال: سبع أرضين في كل أرضين نبي كنبيكم وآدم ~~كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى PageV01P096 # كعيسى" ثم قال: إسناد هذا الحديث عن ابن عباس صحيح، وهو شاذ بمرة، لا ~~أعلم لأبي الضحى عليه متابعا (¬1). # وهي مثل السموات في البعد والغلظ، أخرج الترمذي من حديث الحسن عن أبي ~~هريرة: لما عد مسيرة ما بين سماء وسماء حتى عد سبع ثم قال: "أتدرون ما فوق ~~ذلك"، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء ~~بعد ما بين السماءين"، ثم عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم ~~قال: "والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على ~~الله"، ثم قرأ: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم (3)} ~~(¬2). قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه (¬3)، والحسن لم يسمع من ~~أبي هريرة، وأعله الجوزقاني من هذا الوجه فذكره في "موضوعاته"، وقال إنه ~~حديث باطل، لكن قد صحح جماعات سماع الحسن من أبي هريرة، ثم ذكر أعني ~~الجوزقاني الحديث المذكور من طريق أبي ذر وبنحوه من طريق PageV01P097 # العباس ووهاهما. وقوله: "إنما هبط على الله"، قال الترمذي: قراءة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية تدل على أنه أراد: هبط على علم الله ~~وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على عرشه كما وصف نفسه في كتابه (¬1). # وجمع السموات ووحد الأرض لأنه أراد الجنس، وجمع السموات لشرفها، قاله ~~النووي (¬2) في "شرح المهذب". PageV01P098 # وقال القاضي أبو الطيب: إنما جمعت؛ لأنا لا ننتفع من الأرض إلا بالطبقة ~~الأولى، بخلاف السماء فإن الشمس والقمر والكواكب موزعة عليها. # والمذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن السموات أفضل من الأرض، ~~وقيل: الأرض أشرف؛ لأنها مستقر الأنبياء ومدفنهم، وهو ضعيف (¬1). # [وخلق] (¬2) السموات والأرض في ستة [أيام] (¬3)، والجمهور على أنها ~~كأيامنا هذه، واختار جماعة أن كل يوم كألف سنة مما تعدون. # وروى ابن جرير (¬4) عن الضحاك بن مزاحم وغيره أن أسماء الأيام الستة: ~~أبجد هوز حطي كلمن سعفص ms0012 قرشت. # وحكى ابن جرير (¬5) في أول الأيام ثلاثة أقوال: فروى عن ابن PageV01P099 # إسحاق أن أهل التوراة يقولون: ابتداؤها يوم الأحد، وعن أهل الإنجيل: ~~الاثنين، وعن الإسلاميين: السبت، ثم اختار ابن جرير أنه # الأحد. # فائدة: حكى [ابن حزم] (¬1) وابن الجوزي وغيرهما الإجماع على أن السماء ~~كرة مستديرة، وهو أشهر القولين لقوله تعالى: {وكل في فلك يسبحون} (¬2)، قال ~~الحسن: يدورون، قال ابن عباس: في فلكة مثل فلكة المغزل. # فائدة [ثانية] (¬3) اختلف العلماء: هل كان قبل السموات والأرض شيء مخلوق ~~قبلهما أم لا؟ فقالت طائفة من المتكلمين: لم # يكن قبلهما شيء مخلوق وإنما خلقتا من العدم المحض، وخالفهم آخرون لقوله ~~تعالى: ({وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء} ~~(¬4)، ثم اختلف هؤلاء فاختار ابن جرير (¬5) وغيره أن [القلم] (¬6) خلق قبل ~~هذه الأشياء ثم السحاب الرقيق وبعده العرش. # ونقل الحافظ أبو العلاء الهمداني (¬7) وغيره عن الجمهور: أن PageV01P100 # العرش خلق قبل ذلك، ويحمل حديث: "أول ما خلق الله القلم" (¬1) على أنه ~~أول المخلوقات من هذا العالم، وقال آخرون: بل خلق الماء قبل العرش، وقال ~~ابن إسحاق: أول ما خلق [الله] (¬2) النور ثم الظلمة ثم ميز بينهما (¬3)، ~~وقيل: أول ما خلق [الله] (¬4) بعد القلم الكرسي ثم العرش ثم الهواء والظلمة ~~ثم الماء، حكاه ابن جرير (¬5). # وقوله: "وما بينهما" أي من الجواهر والأعراض (¬6). # وأما "العزيز" فله معان: # أولها: لا مثيل له، من عز يعز بكسر العين في المستقبل: إذا تعذر وجود ~~مثله. PageV01P101 # وثانيهما: بمعنى الغالب ومنه قوله تعالى: {وعزني في الخطاب (23)} (¬1)، ~~أي غلبني. # وثالثها: بمعنى الشديد، من عز يعز بفتح العين في المستقبل: إذا إشتد ~~وقوي، ومنه قوله تعالى: {فعززنا بثالث} (¬2)، أي شددنا. # ورابعها: بمعنى المعز، وقيل: بمعنى [مفعول] (¬3) كأليم بمعنى مؤلم. ~~والأول: يرجع إلى التنزيه، والثاني والثالث: إلى صفة # الذات. والرابع: إلى صفة الفعل (¬4). # وحكى الزجاج (¬5): العزيز: الجليل الشريف. # وقال أبو حامد الإسفراييني (¬6): العزيز الذي يقل وجوده، وتشتد الحاجة ~~إليه ويصعب الوصول إليه، فمتى لم تجتمع هذه PageV01P102 # المعاني الثلاثة لم يطلق [اسم] ms0013 (¬1) العزيز عليه. # وأما "الغفار": فمعناه الستار، وقيل: معناه الماحى، وأطلق على المحو ستر ~~لاشتراك الممحو والمستور في عدم الظهور. # ونقل ابن الجوزي (¬2) عن بعض أهل اللغة: أنه مأخوذ من الغفر وهو نبت ~~يداوى به الجراح إذا ذر عليها دملها وأبراها. وهو غريب، وقد أوضحت الكلام ~~على هذه المادة في خطبة "شرح المنهاج"، فليراجع منه، وقرن المصنف العزيز ~~بالغفار تبعا للآية السالفة (¬3). # قال رحمه الله: "وصلى على النبي المصطفى المختار". # أما الصلاة فهي من الله تعالى رحمة مقرونة بتعظيم، ومن الملائكة ~~باستغفار، ومن الآدمي تضرع ودعاء (¬4). وأعرض (¬5) القرافي في "شرح ~~التنقيح" فقال: عادة جماعة يفسرون الصلاة في حق الله تعالى بالرحمة وهي ~~مستحيلة لأنها [رقة] (¬6) في الطبع فلذلك فسرتها: PageV01P103 # [بالإحسان] (¬1) لأنه ممكن في حق الله تعالى. قال قتادة: رفع الله ذكره ~~في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بالصلاة ~~عليه - صلى الله عليه وسلم -. وفي مسند إسحاق بن راهويه من حديث PageV01P104 # أبي ذر مرفوعا: "إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي" (¬1). # قلت: وكان ينبغي للمصنف أن يقرن الصلاة بالتسليم، وقد نص العلماء على ~~كراهة إفراد أحدهما (¬2). # وأما "النبي": فهو بالهمز وتركه، فمن همز فهو عنده من أنبأ إذا أخبر واسم ~~فاعله منبي وجمعه أنبياء. وجاء نبأ. ومن ترك الهمز فقيل: إن اشتقاقه اشتقاق ~~المهموز ثم سهل الهمزة، ومنهم من قال: هو مشتق من نبأ ينبو إذا أظهر. # فالنبى من النبوة وهو الارتفاع فمنزلته رفيعة. # والنبي (¬3): بترك الهمز أيضا: الطريق، فسمي الرسول نبيا لاهتداء الخلق ~~به كالطريق. # قال الزمخشري: النبي هو الذي ينبي عن الله تعالى وإن لم يكن معه كتاب. # وذهب الأشعرى: إلى أنه هو الذي نبأه الله. # وتظهر ثمرة الخلاف في أن الرسول هل يثاب على النبوة والإرسال أم لا؟ PageV01P105 # أما الإرسال: فهو من الصفات الشريفة التي لا ثواب عليها وإنما الثواب على ~~أداء الرسالة التي حملها. # وأما النبوة: فمن قال بالقول الأول قال: إنه يثاب على إنبائه لأنه من ~~كسبه، ومن قال ms0014 بمذهب الأشعري قال: لا ثواب له على # إنباء الله إياه لتعذر اندراجه في كسبه، وكم من صفة شريفة لا يثاب ~~الإنسان عليها كالمعارف الإلهامية التي لا كسب له فيها، وكالنظر إلى وجهه ~~الكريم الذي هو أشرف الصفات ولا يثاب عليه، ذكره ابن عبد السلام (¬1). # وها هنا أمور مهمة: # أولها: الرسول أخص من النبي فإنه الذي أوحي إليه للعمل والتبليغ، بخلاف ~~النبي فإنه أوحي إليه العمل فقط، نعم. # قال القاضي عياض في "الشفا" (¬2): اختلف العلماء: هل الرسول والنبي بمعنى ~~واحد أم لا؟ فقيل: هما بمعنى واحد وأصله من الإنباء وهو الإعلام؛ لقوله ~~تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ...} (¬3) الآية. فأثبت لهما ~~معنى الإرسال فلا يكون الرسول إلا نبيا ولا النبي إلا رسولا. PageV01P106 # وقيل: هما مفترقان من وجه، إذ قد اجتمعا في النبوة التي هي الاطلاع على ~~الغيب (¬1) والإعلام بخواص النبوة، وفي الفرق # وجهان: # أحدهما: امتياز الرسول بالأمر بالتبليغ. # وثانيهما: امتيازه بمجيئه بشرع مستأنف، والنبي من لم يأت بذلك وإن كان قد ~~أمر بتبليغ، واحتج هذا القائل من الآية نفسها؛ لأنه فرق بين الاسمين فلو ~~كانا بمعنى واحد للزم التكرار في الكلام البليغ، قالوا: والتقدير: وما ~~أرسلنا من رسول إلى أمة أو نبى ليس بمرسل إلى أحد. # قال القاضي: والصحيح الذي عليه الجمهور أن كل رسول نبى من غير عكس. ونقل ~~غيره الإجماع على هذا (¬2). # وقال القاضي في "إكماله": في قوله عليه الصلاة والسلام للذي قال آمنت ~~بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت: (قل # وبنبيك الذي أرسلت) إنما قال ذلك ليشعر بأن المراد محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، إذ قوله: (وبرسولك الذي أرسلت) يعم جبريل وغيره إذ ليس بنبي. # وقال الخطابي في "إعلامه": لو قال (وبرسولك الذي أرسلت) لكان تكرارا إذ ~~كان نبيا قبل أن يكون رسولا، فجمع له الثناء بالاسمين جميعا. PageV01P107 # ثانيها: ذكر القرافي رحمه الله أن الرسالة أفضل من النبوة، فإنها ثمرة ~~هداية الأمة، والنبوة قاصرة على النبي فنسبتها إلى النبوة كنسبة العالم ~~للعابد، وكأن الشيخ عز ms0015 الدين بن عبد السلام يذهب إلى تفضيل النبوة لشرف ~~المتعلق؛ لأن المخاطب بها الأنبياء والمخاطب بالرسالة الأمة، والأنبياء ~~أفضل من الأمة. # ثالثها: الرسالة والنبوة ليستا [بصفتين] (¬1) مكتسبتين للرسول والنبى ~~خلافا للفلاسفة. # رابعها: من الغريب ما قاله الحليمي (¬2): أن الإيمان يحصل بقول الكافر ~~(آمنت بمحمد النبى دون محمد الرسول) وعلله بأن # النبي لا يكون إلا لله، والرسول قد يكون لغيره (¬3)، وكأنه أراد أن لفظ ~~الرسول يستعمل عرفا في غير الرسالة إلى الخلق، بخلاف النبوة فإنها لا ~~تستعمل إلا في النبوة الشرعية دون اللغوية. # خامسها: جملة الأنبياء مع المرسلين مائة ألف وأربعة PageV01P108 # وعشرون ألفا، وكلهم ذكران إلا أم موسى وعيسى وإسحاق وحوى وآسية، على ~~اختلاف في نبوتهن، قاله [بعضهم] (¬1). # قال القرطبي (¬2): وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن في ~~النساء أربع نبيات حوى وآسية وأم موسى ومريم"، قال: والصحيح أن مريم كانت ~~نبية (¬3)؛ لأن الله أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر الأنبياء، ~~ويؤيده الحديث المذكور، ذكر هذا الحديث في أوائل سورة الأنبياء وقال في ~~قوله تعالى: {إن الله اصطفاك} [آل عمران: 42] (¬4)، أي اختارك لولادة عيسى. # وقيل: اصطفاك على نساء العالمين أجمع إلى يوم النفخ في الصور، قال: وهو ~~الصحيح والكمال المذكور في حديث: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء ~~غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون (¬5)، قيل: إنه بالنبوة وإنهما ~~نبيتين، قال: والصحيح أن مريم نبية (¬6). PageV01P109 # وقال النووي: لم يثبت كونها نبية، وكذا لم تثبت نبوة لقمان أيضا، وحكى ~~بعضهم خلافا في نبوة أم عيسى وأم موسى وأم إسحاق والخضر، والحواريين وإخوة ~~يوسف وذي القرنين. # قال صاحب "الشفا" (¬1): وجميع المرسلين ثلاثمائة وثلاثة عشر، ونبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم ختمهم بثلاثمائة وأربعة عشر. # قال غيره: وفي حروف اسمه تنبيه على ختم الرسل به لاشتمالها على عددهم، ~~فإذا فككت الحروف ونطقت بكل حرف على انفراده وجمعت الأصول وما تولد عنها ~~وجدتها ثلاثمائة وأربعة عشر حرفا، فإن فيها ثلاث ميمات إذ الحرف المشدد ~~بحرفين وكل واحد منها ms0016 بثلاثة أحرف إذا نطقت، به ميمان وياء، عدد كل ميم ~~أربعون، والياء عشرة، فكل ميم من تسعين حرفا، وتسعون في ثلاثة مائتين ~~وسبعين، والحاء من حرفين الحاء بثمانية والألف بواحد جاءت تسعة، والدال من ~~ثلاثة أحرف بخمسة وثلاثين؛ لأن الدال بأربعة والألف بواحد واللام بثلاثين، ~~والمجموع ثلاثمائة وأربعة عشر فهو - صلى الله عليه وسلم - خاتم [الأنبياء] ~~(¬2) لاشتمال اسمه على عددهم (¬3). # وأولو العزم منهم خمسة، نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ونوح، ~~وإبراهيم، وموسى، وعيسى. وكلهم عجم إلا نبينا، وإسماعيل، وهود، وصالح، ~~وشعيب. وكلهم من بني اسرائيل أولهم يعقوب وآخرهم PageV01P110 # عيسى [إلا شيث] (¬1)، وإدريس، ونوحا، وأولاده: (سام، وحام، ويافث)، ~~وإبراهيم، وإسحاق، زاد بعض المفسرين: وكلهم وحيهم رؤيا إلا أولو العزم فإن ~~وحيهم وإن رؤيا ويقظة، ولم ينزل كتب إلا [على] (¬2) ثمانية: آدم، وشيث، ~~وإدريس، وإبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى، ونبينا، محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وأما "المصطفى": فهو من الصفوة وهي الخلوص. # "والمختار": أصله مختير فهو عليه الصلاة والسلام أفضل المخلوقات، ومذهب ~~أهل السنة (¬3) أن النوع الإنساني أفضل من نوع الملائكة خلافا للمعتزلة، ~~وما يعزى إلى بعضهم من تفضيل الولي على النبي فقد تأوله هو أو غيره بأن كل ~~نبي ولي قطعا وهو من حيث إنه ولي أفضل من حيث إنه نبي؛ لأن ولايته وجهته ~~إلى الحق ونبوته وجهته إلى الخلق، وفيه مع ذلك ما لا يخفى من الاستشباع من ~~جهة الإطلاق. # وذكر الحليمي في "منهاجه": أن الأنبياء لا بد أن يخالفوا غيرهم في القوى ~~الجسمانية والروحانية. # قال رحمه الله: "وعلى آله وصحبه الأطهار". أما الآل فقال النحاس (¬4): ~~أصله: أهل ثم أبدلت من الهاء ألفا فإن صغرته رددته PageV01P111 # إلى أصله فقلت: أهيل. # وقال المهدوي: أصله أول وقيل [أهل] (¬1) قلبت الهاء همزة ثم أبدلت الهمزة ~~ألفا وجمعه ألون وتصغيره أويل، فيما حكى الكسائي وحكى غيره: أهيل، وقد ~~ذكرناه عن النحاس واختلف في حقيقته على أقوال كثيرة أصحها عند الشافعي رضي ~~الله عنه (¬2) بنو هاشم وبنو المطلب. # ثانيها: عترته وأهل بيته. # ثالثها: جميع الأمة، ms0017 واختاره الأزهري وغيره من المحققين (¬3). # رابعها: أنهم أهل البيت [زوجاته] (¬4) خاصة، قاله ابن عباس وغيره وذهبوا ~~إلى أن البيت أريد به ساكنه، وصحح ابن الفركاح # دخول زوجاته في أهل بيته، والخلاف عند أحمد أيضا. # وقالت الرافضة: آله فاطمة والحسن والحسين فقط. # وقال القاضي عياض (¬5): وقيل: إنه نفس محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~ولهذا كان الحسن يقول: اللهم صل على آل محمد. PageV01P112 # وعبارة الإمام الشافعى رضي الله عنه على ما نقله البيهقي (¬1) فيما جمعه ~~من كلامه في أحكام القرآن (¬2)، قال: قال الشافعي (رضي الله عنه) (¬3) ~~اختلف الناس في آل محمد فقال [قائلون] (¬4): آل محمد أهل دينه، وقال قائل: ~~أزواجه، وذهب ذاهبون إلى أنهم قرابته التي ينفرد بها دون غيرها من قرابته، ~~واستدل الشافعى بقوله تعالى: {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك} ~~(¬5)، وأجاب عنه، وهذا يؤخذ منه أنه لا فرق بين الآل والأهل وهو وجه ~~الشافعية في الوصايا. # واستدل للثاني: بأنه مطلق. وأجاب: [بأنه] (¬6) بقرينة، وللثالث: بقوله ~~عليه [الصلاة] (¬7) والسلام: "إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا آل محمد" وبالآية ~~الكريمة، وإعطائه بني هاشم وبني المطلب وهم الذين أمر الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - بالصلاة عليهم معه، والذين PageV01P113 # اصطفاهم الله من خلقه بعد نبيه فإن الله يقول: {إن الله اصطفى آدم ونوحا ~~وآل إبراهيم وآل عمران} (¬1) فاعلم: أنه اصطفى الأنبياء وآل الأنبياء صلى ~~الله عليهم. # تنبيهان: # الأول: الصواب إضافة "آل" إلى المضمر؛ لأن السماع الصحيح يعضده (¬2). # الثاني: هل تضاف "آل" إلى البلدان فيقال: "آل المدينة"؟ جوزه الأخفش ~~ومنعه الكسائى. # وأما: "الصحب" فهو جمع صاحب كركب وراكب، وهو كل مسلم رآه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، هذا هو المختار في حده، ويدخل في هذا [التفسير] (¬3) ابن ~~أم مكتوم الأعمى وغيره، وقد حكيت في "المقنع في علوم الحديث" ستة أقوال في ~~حده فراجعها منه وهو كتاب جليل نفع الله به (¬4). # ثم اعلم أن بين "الآل" و"الصحب" عموما وخصوصا من وجه؛ وإن التابعي الذي ~~من بني هاشم وبني المطلب من الأول وليس من ms0018 الثاني، وسلمان الفارسي مثلا ~~بالعكس فلذلك حسن عطفهم عليهم. PageV01P114 # "والأطهار": جمع طاهر، ذكره ابن سيده، وهو نادر كجاهل وأجهال. # والتطهر: التنزه عما لا يحل، ومنه قوله تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين} ~~(¬1). أي من المعاصي والأفعال المحرمة. # قال: "أما بعد: فإن بعض إخواني سألني اختصار جملة من أحاديث الأحكام مما ~~اتفق عليه الإمامان محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ومسلم بن الحجاج". # معنى أما بعد: أما بعد ما سبق وهو الحمد والصلاة. # قال ابن بطال: هو فصل بين الثناء على الله وبين ابتداء الخبر الذي يريد ~~[الخطيب] (¬2) إعلامه، وبدأ بها؛ للأحاديث الصحيحة أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يقولها في خطبه وشبهها، رواه عنه خمسة وثلاثون صحابيا ~~عددتهم في كتاب "الإشارات إلى ما يتعلق بالمنهاج من الأسماء والمعاني ~~واللغات"، وفي المبتدىء [بها] (¬3) خمسة أقوال: # أحدها: داوود. # ثانيها: قس بن ساعدة. # ثالثها: كعب بن لؤي، وهذه شهورة. PageV01P115 # رابعها: يعرب بن قحطان، حكاه النووي في شرح مسلم في كتاب الجمعة. # خامسها: سحبان بن وائل وهو القائل: # لقد علم الحي اليمانيون أنني ... إذا قلت أما بعد أني خطيبها # قال الزناتي: في "شرح رسالة ابن أبي زيد": وفي ضبطها أربعة أوجه: ضم ~~الدال وفتحها ورفعها منونة وكذا نصبها. # وقوله: "بعض إخواني" يحتمل أن يكون أخا حقيقة، والظاهر أنه عني به: من ~~المؤمنين، قال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} (¬1). وفي سنن أبي داود من حديث ~~زيد بن أرقم مرفوعا: "اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة" (¬2). # "والاختصار": مشتق من الخصر، والخصر سرة الشيء وخلاصته، والاختصار: إيجاز ~~اللفظ مع استيفاء المعنى، ومراده أن البخاري ومسلما اشتملا على جمل من ~~التوحيد والأحكام والآداب والفضائل والمواعظ والقصص وغير ذلك، فاختصر جملة ~~من الأحكام دون غيرها. # والفرق بين الاختصار والإيجاز: أن الإيجاز حذف طول الكلام، والاختصار حذف ~~عرضه، كذا سمعت من يذكره. # وعبارة بعضهم أن الإيجاز: تجريد المعنى من غير رعاية للفظ PageV01P116 # الأصل بلفظ يسير، والاختصار: تجريد اللفظ اليسير من الكثير مع بقاء ~~المعنى. # "والأحادث": [قيل] ms0019 (¬1) هي جمع أحدوثة قياسا على جمع أعجوبة وأعاجيب، ~~وقيل: جمع حديث فيكون جمعا على غير [قياس] (¬2). # والحديث لغة: كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظة أو نوم. # وفي الاصطلاح: كلام الرسول غير المتلو قرآنا فتندرج الأحاديث المروية عن ~~ربه تبارك وتعالى: كما في ليلة الإسراء والرؤيا. # وأحسن من هذا الحد: ما نسب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - قولا أو ~~فعلا أو إقرارا (¬3). # وقوله: "مما اتفق عليه الإمامان" قد خالف هذا الشرط فخرج أحاديث انفرد ~~البخاري بها تارة، ومسلم أخرى، نعم هي قليلة كما ستقف عليها في مواطنها من ~~هذا الشرح إن شاء الله تعالى (¬4) PageV01P117 # وقد أفردتها مجموعة في فصل [مفرد] (¬1) في معرفة رجال هذا الكتاب. # فصل: في معرفة [حال] (¬2) الإمام البخاري رضي الله عنه فإن المصنف قد ~~تعرض له: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم [البخاري] (¬3) ابن ~~المغيرة بن يزدزبه. ويقال [بردزبه] (¬4) كذا ضبطه أولا ابن خلكان عن بعضهم، ~~ثم نقل الثاني عن ابن ماكولا، قال -أعني ابن ماكولا- هو بالبخارية، ومعناه ~~بالعربية: الزراع، وقال ابن دحية في كلامه على حديث "إنما الأعمال ~~بالنيات": قال لي أهل خراسان بعد أن لم يرفوا معنى [هذه] (¬5) اللفظة: يقال PageV01P118 # للفلاحين [بالفارسية] (¬1): برزكر، بباء موحدة ثم راء مهملة وزاي معجمة ~~مكسورة وكاف غير صافية، وراء مهملة. وهو لقب لكل من سكن البادية زراعا كان ~~أو غيره. وقيل: إنه ابن المغيرة بن الأحنف الجعفي (¬2) مولاهم ولاء ~~الإسلام؛ لأن جده المغيرة أسلم على يد يمان البخاري الجعفي والي بخارى (¬3). # الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث، كتب بخراسان والجبال والعراق والحجاز ~~والشام ومصر، عن [أبي] (¬4) نعيم والفريابي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، ~~وخلق يزيدون على ألف وروى عنه الترمذي والنسائي فيما قيل ومسلم خارج ~~الصحيح، وإبراهيم الحربي، وأبو زرعة محمد بن نصر المروزي، وصالح بن محمد ~~جزره، ومطين، وابن خزيمة. قال الخطيب: آخر من حدث عن البخاري ببغداد الحسين ~~بن إسماعيل المحاملي. قال النووي: وصحيحه متواتر عنه، وأشتهر عنه من ms0020 رواية ~~الفربرى روينا عن أبي عبد الله الفربري: قال: سمع الصحيح من أبي عبد الله ~~تسعون PageV01P119 # ألف رجل فما [بقي] (¬1) أحد يرويه غيري. قال الذهبي: وآخر من روى عنه ~~صحيحه منصور بن محمد البزدوي وآخر من زعم أنه سمع منه أبو [ظهيرة] (¬2) عبد ~~الله بن فارس البلخي المتوفى ستة ست وأربعين وثلاثمائة، ورواه -أعني صحيحه- ~~عن الفربري خلائق منهم أبو محمد الحموي، وأبو زيد المروزي، وأبو إسحاق ~~المستملي وأبو الحسن علي بن أحمد الجرجاني، وأبو الهيثم محمد بن مكي ~~الكشميهيني، وأبو بكر إسماعيل بن محمد [الكشاني] (¬3)، وأحمد بن محمد بن مت ~~بفتح الميم وتشديد المثناة فوق، وآخرون. ورواه عن كل واحد من هؤلاء جماعات ~~وأشتهر الآن عن أبي الوقت عن [الداروردي] (¬4) عن الحموي عن الفربري عن ~~البخاري. # قال الحسن بن الحسين البزار: رأيت البخاري شيخا نحيفا ليس بالطويل ولا ~~بالقصير. # ولد بإجماع بعد صلاة الجمعة لثلاث عشر خلت من شوال ستة أربع [وتسعين] ~~(¬5) ومائة، وأجمعوا على أنه توفي ليلة السبت عند صلاة العثساء ليلة الفطر، ~~ودفن يوم الفطر بعد الظهر ستة ست وخمسين ومائتين ودفن بخرتنك، قرية على ~~فرسخين من سمرقند. PageV01P120 # قال محمد بن أبي حاتم النحوي وراق البخاري: قلت لأبي عبد الله: كيف كان ~~بدء أمرك؟ قال: ألهمت حفظ الحديث في الكتاب ولي عشر سنين أو اقل ثم خرجت من ~~الكتاب [بعد العشر] (¬1) فجعلت اختلف إلى الداخلي وغيره (إلى آخر الحكاية). # وروينا عن الفربري قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، ~~فقال: أين تريد؛ فقلت: أريد محمد بن إسماعيل البخاري، فقال: أقرئه مني ~~السلام. وعنه أيضا: سمعت محمدا البخاري يقول: رأيت أبا عبد الله محمد بن ~~إسماعيل البخاري في النوم خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يمشىي كلما رفع قدمه وضع البخاري قدمه في ذلك الموضع. # وعن محمد بن حمدويه قال: سمعت البخاري يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحح ~~ومائتين ألف حديث غير صحيح. وعن الإمام أحمد قال: ما أخرجت خراسان مثل محمد ms0021 ~~بن إسماعيل [البخاري] (¬2). وعنه قال: انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل ~~خراسان: أبو زرعة الرازي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وعبد الله بن عبد ~~الرحمن السمرقندي -يعني الدارمي- والحسن بن شجاع البلخي. وعن الحافظ أبي ~~علي صالح بن محمد جزره، قال: ما رأيت خراسانيا أفهم منه، وقال: أعلمهم ~~بالحديث البخاري، وأحفظهم أبو زرعة وهو أكثرهم حديثا. وعن محمد بن بشار ~~قال: PageV01P121 # حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة (¬1) بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد ~~الله الدارمي بسمرقند، والبخاري ببخارى. وعنه # قال: ما قدم علينا مثل البخاري. وعنه أنه قال حين دخل البخاري البصرة: ~~دخل اليوم سيد الفقهاء. وعنه أنه حين قدم البخاري البصرة قام إليه فأخذ ~~بيده وعانقه وقال: مرحبا بمن أفتخر به منذ سنين. # وعن إسحاق بن أحمد بن خلف قال: سمعت البخاري غير مرة يقول: ما تصاغرت ~~نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني. وذكر لعلي بن المديني (¬2) قول ~~البخاري هذا فقال: ذروا قوله، هو ما رأى مثل نفسه. وعن محمد بن عبد الله بن ~~نمير وأبي بكر بن أبي شيبة قالا: ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل. وعن عمرو ~~بن علي الفلاس قال: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث. وعن عبد ~~الله: قال: ما رأيت شابا أبصر من هذا، وأشار إلى البخاري، وعن عبد الله بن ~~محمد المسندي -بفتح النون- قال: محمد بن إسماعيل إمام فمن لم يجعله إماما ~~فاتهمه. # وعن الدارمي قال: رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام ومصر والعراق فما ~~رأيت منهم أجمع من أبي عبد الله البخاري. وعن أبي سهل محمود بن النضر قال: ~~دخلت البصرة والشام PageV01P122 # والحجاز والكوفة ورأيت علماءها وكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري ~~فضلوه على أنفسهم. وعن علي بن حجر قال: # أخرجت خراسان ثلاثة: أبا زرعة والبخاري والدارمي، قال: ومحمد عندي أعلمهم ~~وأبصرهم. # وعن أبي حامد الأعمش قال: رأيت محمد بن إسماعيل البخاري في جنازة ومحمد ~~بن يحيى -يعني الذهلي- يسأله عن الأسماء والكنى وعلل الحديث وعرفها البخاري ~~مثل السهم كأنه يقرأ (قل ms0022 هو الله أحد). وعن حاشد -بالشين المعجمة- بن ~~إسماعيل قال: رأيت إسحاق بن راهويه جالسا على السرير ومحمد بن إسماعيل معه ~~فأنكر محمد بن إسماعيل شيئا فرجع إسحاق إلى قول محمد، وقال إسحاق: يا معشر ~~أصحاب الحديث اكتبوا عن هذا الشاب فإنه لو كان في زمن الحسن البصري لاحتاج ~~إليه لمعرفته بالحديث وفقهه. # وعن أبي عمرو الخفاف قال: حدثني محمد بن إسماعيل البخاري التقي النقي ~~العالم الذي لم أر مثله. وعن الترمذي قال: لم # أرى بالعراق وخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من ~~محمد بن إسماعيل. وعن عبد الله بن حماد الأيلي قال: # وددت أني شعرة في صدر محمد بن إسماعيل. # وعن محمد بن يعقوب الحافظ عن أبيه قال: رأيت مسلم بن الحجاج بين يدي ~~البخاري يسأله سؤال الصبي المتعلم. وعن مسلم بن الحجاج أنه قال للبخاري: لا ~~يبغضك إلا حاسد وأشهد أنه PageV01P123 # ليس في الدنيا مثلك. وذكر الحاكم في تاريخ نيسابور بإسناده عن أحمد بن ~~حمدون قال: جاء مسلم بن الحجاج إلى البخاري فقبل بين عينيه وقال: دعني أقبل ~~رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين ويا طبيب الحديث في علله. # وروينا عن حاشد بن إسماعيل قال: وإن أهل المعرفة من أهل البصرة يعدون خلف ~~البخاري في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق ~~ويجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه، وكان البخاري إذ ذاك شابا لم يخرج ~~وجهه. وعن أبي بكر الأعين قال: كتبا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن ~~يوسف الفريابي وما في وجهه شعرة. وعن الحافظ صالح بن محمد جزرة قال: كان ~~البخاري يجلس ببغداد وكنت أستملي له ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفا. ~~وعن محمد بن يوسف بن عاصم قال: كان لمحمد بن إسماعيل ثلاثة مستملين واجتمع ~~في مجلسه زيادة على عشرين ألفا. وقال ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء ~~أعلم بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه. # ومناقبه رضي الله عنه جمة أفردت بالتصنيف ms0023 فلنقتصر على هذا القدر منها. # فائدة: قدمنا أن البخاري رضي الله عنه أمير المؤمنين في الحديث، وقد ~~شاركه في ذلك جماعة أفردهم الحافظ أبو علي # الحسن بن محمد البكري في كتابه (التبيين لذكر من يسمى بأمير PageV01P124 # المؤمنين) ومن خطه نقلت، قال وأول من [تسمى بأول] (¬1) بهذا الاسم فيما ~~أعلمه وشاهدته ورويته وسمي بالإمام في أول الإسلام: أبو الزناد عبد الله بن ~~ذكوان، وبعده امام دار الهجرة مالك بن أنس، ثم عد بعدهما: محمد بن إسحاق ~~صاحب المغازي، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، والواقدي، وإسحاق بن ~~راهويه، وعبد الله بن المبارك، والبخاري، والدارقطني، وذكر فيه أن أبا ~~إسحاق الشيرازي أمير المؤمنين فيما بين الفقهاء نقلا عن الحنفي إمام أصحاب ~~الرأي ببغداد، هذا مجموع ما ذكر في تأليفه، وأغفل أبا نعيم الفضل بن دكين ~~الملآئي الكوفي، فإن الحاكم في تاريخ نيسابور قال: حدثني محمد بن عبد ~~الوهاب قال: سمعت بالكوفة يقولون: أمير المؤمنين في الحديث وإنما يعنون ~~[أبا نعيم] (¬2) الفضل بن دكين بعلمه بالحديث. وقد قدمنا في ترجمة المصنف ~~أن الضياء المقدسي لقب بذلك أيضا، ومسلم بن الحجاج يجب أن يلقب بذلك أيضا، ~~وكذا أنظاره فاستفد ذلك فإنه من المهمات (¬3). # فصل: في معرفة حال الإمام مسلم رضي الله عنه فإن المصنف قد تعرض له أيضا: ~~هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري # النيسابوري (¬4) صاحب التصانيف، أحد الأئمة الحفاظ، يقال: إنه PageV01P125 # ولد ستة أربع ومائتين، ويجزم ابن الأثير في جامعه بأنه ولد ستة ست وأنه ~~مات عشية يوم الأحد لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين وهو ابن خمس وخمسين ~~سنة، رحل إلى العراق والشام والحجاز، ومصر، وأخذ الحديث عن إسحاق بن ~~راهويه، والإمام أحمد، وحرملة، وخلق، وقدم بغداد غير مرة وحدث بها. روى عنه ~~خلق منهم إبراهيم بن محمد بن سفيان، وكان آخر قدومه بغداد سنة سبع وخمسين ~~ومائتين، روى عنه الترمذي حديثا واحدا، قال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زرعة ~~وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على أهل ms0024 عصرهما. وسئل ابن ~~عقدة: أيهما أحفظ هو أم البخاري؟ فقال: كلاهما عالم، فأعيد عليه السؤال ~~فقال: يقع لمحمد الغلط في أهل الشام وذلك لأنه أخذ كتبهم ونظر فيها فربما ~~ذكر الرجل بكنيته ويذكره في موضع آخر في اسمه ويظنهما اثنان، وأما مسلم فقل ~~ما يوجد له غلط في النقل لأنه كتب المسانيد ولم يكتب (¬1) المقاطيع ولا ~~المراسيل. # قال مسلم بن الحجاج: صنفت هذا الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وقال ~~أحمد بن سلمة: كنت مع مسلم في تأليفه صحيحه خمس عشرة سنة وهو اثنا عشر ألف ~~حديث. قال الحاكم: ولمسلم: المسند الكبير على الرجال [ما أرى] (¬2): أنه ~~سمعه منه أحد، وكتاب الجامع الكبير على الأبواب، وكتاب الأسماء والكنى، PageV01P126 # والتمييز، والعلل، الوحدان، الأفراد، الأقران، سؤالات أحمد بن حنبل، ~~[حديث] (¬1): عمرو بن شعيب. والانتفاع بأهب [السباع] (¬2)، ومشايخ مالك، ~~ومشايخ الثوري، ومشايخ شعبة، [من] (¬3) ليس له إلا راو واحد، المخضرمين، ~~أولاد الصحابة؛ أوهام المحدثين، والطبقات، وأفراد الشاميين. # قال أحمد بن سلمة: عقد لأبي الحسين مسلم مجلس للمذاكرة فذكر له حديث فلم ~~يعرفه فانصرف إلى منزله وأوقد السراج وقال لمن في الدار: لا يدخل [أحد ~~منكم] (¬4) [فقيل له] (¬5): أهديت لنا سلة فيها تمر، فقال: قدموها، وكان ~~يطلب الحديث ويأخذ تمرة، فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث، قال الحاكم: ~~زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مات. # فصل: إنما اقصر المصنف على اختصار هذه الأحاديث مما اتفق عليه الإمامان ~~لأنه أعلى درجات [الصحيح] (¬6) واتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن ~~العزيز صحيح البخاري وصحيح مسلم، وكتاب البخاري أصح منه عند الجمهور، وخالف ~~أبو علي النيسابوري فقال: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم، PageV01P127 # ووافقه على ذلك بعض شيوخ المغرب، والصحيح الأول، قال الخطيب: إنما قفى ~~مسلم طريق البخاري ونظر في علمه وحذى حذوه. ولما ورد البخاري نيسابور في ~~آخر [مرة] (¬1) لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه، وقال الدارقطني: لولا ~~البخاري ما ذهب مسلم ولا جاء. # قال رحمه الله: (فأجبته إلى سؤاله رجاء المنفعة به وأسأل ms0025 الله أن ينفعنا ~~به ...) إلى آخر الخطبة، أجاب رضي الله عنه السائل تفضلا منه ورجاء المنفعة ~~ثم سأل الله ذلك وقد حقق رجاءه [و] (¬2) استجاب دعاءه، فما من مذهبي [إلا] ~~(¬3) وأكب على حفظها والاقتباس منها. # وإجابة السائل تجب أيضا لكن بشروط: أن يكون السؤال عن واجب، وأن لا يكون ~~هناك غيره، وأن يخاف فوات النازلة، وأن يكون عند المجيب علم من المسألة، ~~وأن يكون عدلا، وأن يكون السائل والمجيب مكلفين، وينبغي التحرز في الجواب، ~~فقد قال المحاسبي: يسأل العالم يوم القيامة عن ثلاثة أشياء: هل أفتى بعلم ~~أم لا؟ وهل نصح في الفتيا أم لا؟ وهل أخلص فيها لله أم لا؟ # قال القرافي رحمه الله: وللمجيب ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يكون مجتهدا مطلقا فيجيب بما غلب على ظنه حيث ظفر به من أي ~~مذهب كان. PageV01P128 # ثانيها. أن يكون مجتهدا مقيدا بمذهب نظر نصوص إمامه ومداركه وعلله ويعلم ~~أنواع العلل ومراتبها ومداركها وكيفية التخريج # وشروطه، فيجيب نصا وتخريجا على مذهب إمامه ولا يتعداه إلى غيره. # ثالثها: أن يكون مقلدا صرفا عاريا عما تقدم، فحظه نقل اللفظ فقط ولا ~~يتعداه لترجيح ولا تخريج ولا تأويل ولا تعليل. # وقول المصنف: "فأجبته إلى سؤاله" قد علمت أنه لم [يوف] (¬1) به في بعض ~~المواضع. # و"الرجاء": تعلق الأمل بأمر يحصل في المستقبل مع [العمل] (¬2)، فإن تجرد ~~عن العمل فهو طمع. # و"النفع": ضد [الضر] (¬3)؛ يقال: نفعه كذا ينفعه وانتفع به، والاسم: ~~المنفعة، قاله الجوهري (¬4). وقال الراغب في مفرداته (¬5): النفع: ما ~~يستعان به في الوصول إلى الخيرات وما يتوصل به إلى الخير خير، فالنفع خير ~~وضده الضر، قال تعالى: {ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا} (¬6). PageV01P129 # "والإخلاص": هو إفراد الحق سبحانه [وتعالى] (¬1) في الطاعة بالقصد وهو أن ~~يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق، أو اكتساب ~~محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني صوى التقرب إلى الله # تعالى. # وقوله: "لديه" أي عنده، وقوله: "فإنه حسبنا ونعم الوكيل" ختم الخطبة ms0026 بذلك ~~لأن الله وعد [من] (¬2) تحصن بها بالأمن مما يخشاه فقال: {الذين قال لهم ~~الناس إن الناس} إلى قوله: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} (¬3). # وفي البخاري عن ابن عباس إن: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها: إبراهيم حين ~~ألقي في النار وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا إن الناس قد ~~جمعوا لكم (¬4). # ومعنى حسبنا: كافينا. قال [النحاس] (¬5) قول الإنسان (حسبي الله) أحسن من ~~(حسبنا) لما في الثاني من التعظيم. # قلت: والمصنف أتى بلفظ التلاوة للتبرك، وفي معنى الوكيل عشرة أقوال: PageV01P130 # أحدها: المعين. # الثاني: الكفيل، ذكرهما الماوردي. # الثالث: الموكول إليه الأمور، ذكره الواحدي في وسيطه قال: وهو فعيل بمعنى مفعول. # الرابع: المعتمد والملجأ، ذكره أيضا. # الخامس: [القائم] (¬1) بالأمور المصلح لما يخاف من فسادها، قاله ابن عطية. # السادس: الشاهد والحافظ بالوفاء، [ذكره] (¬2) الثعلبي. # السابع: الحفيظ، ذكره الهروي. # الثامن: الكافي. # التاسع: الكفيل بالرزق والقيام على الخلق بما يصلحهم، ذكرهما البيهقي في ~~الاعتقاد (¬3). # العاشر: الموكول إليه تدبير البرية، ذكره إمام الحرمين في الإرشاد. # "ونعم": فعل عند أهل البصرة للمدح، كبئس للذم. وفيها أربع لغات (¬4) كما ~~في فخذ. PageV01P131 # وإذ فرغنا من شرح الخطبة فلنشرع في المقصود، أسال الله الكريم إتمامه ~~والنفع به بمحمد وآله (¬1). PageV01P132 ### | AUTO كتاب الطهارة PageV01P133 ### || AUTO 1 - باب الطهارة # الكتاب: أصله الضم والجمع والمراد به ما جمع أبوابا ترجع إلى أصل واحد، ~~ثم قد يحتمل أن تكون حقيقة. وأن تكون مجازا # بالنسبة إلى المعنى المدلول عليه بالألفاظ المذكورة، فإن الجمع والضم ~~حقيقة في الأجسام. # [الطهارة] (¬1): بفح الطاء فعالة من التطهر و [هي] (¬2) في اللغة: ~~النزاهة، قال الله تعالى: {ومطهرك من الذين كفروا} (¬3) أي [من] (¬4) ~~أدناسهم، وقال تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا (33)} (¬5)، وهو حقيقة لتأكيد الفعل بالمصدر، وهو في الاغلب بمنع ~~[المجاوز] (¬6). PageV01P135 # وهي في الشرع: فعل ما يستباح به الصلاة. هذا أحسن حدودها وأخصرها. # ونقل الشيخ تقي الدين القشيري في كلامه على ابن الحاجب عن القزاز أنه قال ~~في جامع اللغة: الطهارة: بفتح الطاء ms0027 وضمها لغتان بإزاء معنيين مختلفين، أما ~~الفتح فمعلوم، وأما الضم فهو فضل ما تطهرت به. # وبدأ المصنف بكتاب الطهارة، لأن [أشرف] (¬1) أركان الدين بعد الشهادتين ~~الصلاة، ولا بد لها من الطهارة فاستحقت التقديم، ولأنها آكد شروطها ~~ومفتاحها فإنها أول ما يبدأ به المكلف من الشروط، ثم إن الطهارة [قد] (¬2) ~~تكون بالماء والتراب، والماء هو الأصل فلهذا قدمه على التيمم، والبخاري رضي ~~الله عنه بدأ بالوحي، ومالك بوقوت الصلاة، ومنهم من بدأ بالإيمان، ومنهم من ~~بدأ بالوضوء، ومنهم من بدأ بالاستنجاء. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة عشر ~~حديثا: PageV01P136 ### ||| AUTO الحديث الأول # 1/ 1/ 1 - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "إنما الأعمال بالنية -وفي رواية: (بالنيات) - وإنما لكل ~~امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن ~~كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # يحضرنا منها اثنان وثلاثون وجها -ولله الحمد على ذلك وعلى جميع نعمه-: # أحدها: بدأ المصنف بهذا الحديث لأمور: # أحدها: أنه ترجم بكتاب الطهارة فقدمه لاشتماله على النية التي هي شرطها. PageV01P137 # ثانيها: اقتداء بقول الأئمة، كما نقله الخطابي عنهم: ينبغي لمن صنف كتابا ~~أن يبتدىء بهذا الحديث تنبيها للطالب على تصحيح النية. # وقال ابن مهدي (¬1) الحافظ: من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ بهذا الحديث. ~~وقال: لو صنفت كتابا لبدأت في كل باب منه بهذا # الحديث. # ثالثها: اقتداء بفعلهم فإن البخاري وغيره من المصنفين، ابتدأوا به وقد ~~ذكره البخاري في سبعة مواضع من صحيحه في أول كتابه، ثم في الإيمان، ثم في ~~العتق، ثم في الهجرة، ثم [في النكاح] (¬2)، ثم في ترك الحيل، ثم في الأيمان ~~والنذور. وتقديم البخاري له في أول صحيحه لا مناسبة له على ما ترجمه [من] ~~(¬3) باب بدء الوحي وإنما قصد به إصلاح النية في تأليفه وليقتدى به، ~~وامتثالا لقول عبد الرحمن بن مهدي السالف، فجعله فاتحة كتابه وأقامه مقام ~~الخطبة ms0028 لأبوابه (¬4). PageV01P138 # ثانيها: في التعريف براويه قبل الكلام عليه: هو أمير المؤمنين أبو حفص، ~~وأول من كناه بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما رواه ابن الجوزي ~~عنه. والحفص في اللغة: الأسد، عمر بن الخطاب بن نفيل بضم النون وفتح الفاء ~~[بن] (¬1) عبد العزى بن رياح بكسر الراء ثم مثناة تحت -وأبعد من قال بباء ~~موحدة- بن عبد الله بن قرط بضم القاف ثم راء ثم طاء مهملتين بن رزاح -بفتح ~~الراء وبالزاي- بن عدي بن كعب بن لؤي -بالهمز وتركه- بن غالب بن فهر العدوي ~~القرشي يجتمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كعب بن لؤي. # واتفقوا على تسميته بالفاروق لفرقانه بين الحق والباطل بإسلامه، وظهور ~~ذلك، فقيل: سماه الله تعالى بذلك، روته عائشة رضي الله عنها وإسناده ضعيف ~~(¬2) كما قال ابن دحية، وقال ابن شهاب: سماه بذلك أهل الكتاب، ذكره الطبري، ~~وقيل: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذه ثلاثة أقوال (¬3)، وهو أول ~~من سمي أمير المؤمنين عموما، وسمي [قبله به] (¬4) خصوصا # عبد الله بن جحش على سرية في اثني عشر رجلا، وقيل: PageV01P139 # ثمانية، وقد كان مسيلمة الكذاب تسمى بذلك أيضا كما ثبت في صحيح البخاري ~~في قصة قتله. # وأم عمر رضي الله [عنه] (¬1): اسمها حنتمة بالحاء المهملة [ثم] (¬2) نون ~~ثم مثناة فوق، بنت هاشم، ويعرف بذي الرمحين، ابن المغيرة المخزومي، قال أبو ~~عمرو: من قال حنتمة بنت [هشام] (¬3) فقد أخطأ ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي ~~جهل بن هشام وإنما هي ابنة عمه، وقد وقع هذا الخطأ ابن قتيبة في "معارفه"، ~~وقبله ابن منده في "المعرفة" وقال: هي أخت أبي جهل، وهو وهم (¬4). # ولد - رضي الله عنه - بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وإليه كانت السفارة في ~~الجاهلية. # وأسلم بعد ست من النبوة، وقيل: خمس، بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة، ~~وذكر ابن الجوزي أن عمر لما أسلم نزل جبريل عليه السلام فقال: استبشر أهل ~~السماء بإسلامه. وكان إسلامه عزا ظهر به الإسلام بدعوة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم ms0029 -، وفي "صحيح البخاري" (¬5): PageV01P140 # "ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر". # بويع له بالخلافة يوم موت الصديق وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادي ~~الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة بوصاية الصديق إليه، فسار بأحسن سيرة وزين ~~الإسلام [بعدله] (¬1). # وفتح الله به الفتوح الكثيرة كبيت المقدس وجميع الشام، ودون الدواوين في ~~العطاء ورتب الناس فيه، وكان لا يخاف في الله لومة لائم وهو أول من ضرب ~~بالدرة وحملها، ومصر الأمصار وكسر الأكاسرة وقصر بالقياصرة، وأخر المقام ~~إلى موضعه الآن وكان # ملصقا بالبيت، ونور المساجد بصلاة التراويح. # وأول من أرخ التاريخ من الهجرة، وأول قاض في الإسلام (¬2) ولاه الصديق ~~القضاء، وأول من جمع القرآن في المصحف، وآخى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بينه وبين الصديق [و] (¬3) حج بالناس عشر سنين متوالية، وزهده ~~ومناقبه كثيرة ومشهورة، وهل كان أدم أو أبيض؟ قولان والجمهور على الثاني ~~كما قاله النووي، وكان من محدثي هذه الأمة، وفي الصحيح أنه عليه السلام قال ~~له: "والذي نفسي بيده [مالقيك] (¬4) الشيطان سالكلا فجا قط إلا سلك فجا غير ~~فجك" (¬5) PageV01P141 # وشهد له بالشهادة والجنة، ونزل القرآن بموافقته في أسرى بدر، وفي الحجاب، ~~وفي تحريم الخمر، وفي مقام إبراهيم، وغير ذلك كما أوضحته فيما أفردته في ~~الكلام على رجال هذا الكتاب فسارع إليه، قال ابن دحية في كتابه "مرج ~~البحرين": [وكان] (¬1) أعسر يسر أي قوة يديه سواء قال: وكان يأخذ بيده ~~اليمنى أذنه اليسرى ثم يجمع جراميزه -أي أطرافه- ويثب فكأنما خلق على ظهر ~~فرسه (¬2). # روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمس مائة حديث وتسعة وثلاثون ~~حديثا اتفق البخارى ومسلم [منها على ستة وعشرين حديثا وانفرد البخارى ~~بأربعة وثلاثين ومسلم بأحد وعشرين] (¬3). # ولي الخلافة عشر سنين ونصف، واستشهد يوم الأربعاء لأربع أو لثلاث أو لسبع ~~بقين من ذي الحجة [سنة] (¬4) ثلاث وعشرين من الهجرة، وقال الفلاس: سنة ~~أربع، وهو ابن ثلاث وستين على الصحيح، وغسله ابنه الزاهد أبو عبد الرحمن ~~عبد الله وكفنه في ثوبين سحوليين وصلى عليه صهيب بن ms0030 سنان الرومي، ودفن في ~~الحجرة PageV01P142 # النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، قتله أبو لؤلؤة المجوسي فيروز ~~غلام نصراني -وقيل: مجوسي- للمغيرة بن شعبة، وهو في صلاة الصبح، طعنه ثلاث ~~طعنات بسكين مسموم ذات طرفين، فقال: [قتلني] (¬1) أو أكلمني الكلب، وطعن ~~معه ثلاثة عشر رجلا مات منهم تسعة، وفي رواية سبعة، فلما رأى ذلك رجل من ~~المسلمين طرح عليه برنسا فلما ظن أنه مأخوذ نحر نفسه فصار إلى لعنة الله ~~وغضبه (¬2)، ثم حمل [عمر] (¬3) رضي الله عنه إلى منزله وبقي ثلاثة أيام، ~~وقيل: سبعة، ومات. قال [عمرو] (¬4) بن علي: مات يوم السبت غرة المحرم، وروي ~~عنه أنه قال حين احتضر ورأسه في حجر ابنه عبد الله: # ظلوم لنفسي غير أني مسلم ... أصلي الصلاة كلها وأصوم # ومن كراماته المشهورة أنه قال في خطبته يوم الجمعة: يا سارية الجبل ~~الجبل. فالتفت الناس بعضهم لبعض فلم يفهموا مراده، # فلما قضى الصلاة، قال له علي: ما هذا الذي قلته؛ قال: وسمعته؟ قال: نعم ~~وكل أهل المسجد، قال: وقع في خلدي أن المشركين هزموا إخواننا وركبوا ~~أكتافهم وهم يمرون بجبل فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجدوا وظفروا وإن جازوا ~~هلكوا فخرج مني هذا الكلام. فجاء PageV01P143 # البشير بعد شهر فذكر أنهم سمعوا في ذلك اليوم وتلك الساعة حين جاوزوا ~~الجبل صوتا يشبه صوت عمر، قال: فعدلنا إليه ففتح الله. رواه ابن عساكر بسند ~~كل رواته ثقات، وكانت هذه الوقعة [نهاوند] (¬1) من بلاد العراق. # وقد قيل: إن عمر - رضي الله عنه -[كان أطاع الله] (¬2) في العناصر ~~الأربعة: الرياح، دليله هذه القصة، والماء [دليله] (¬3): قصة نيل مصر ~~المشهورة عنه (¬4)، والتراب، دليله: ما روي إن الأرض زلزلت على عهده فضربها ~~بالدرة فقال: ألم أعدل عليك؟ فسكنت (¬5)؟ والنار، دليله أن رجلا جاءه فقال ~~له: ما اسمك؛ فقال: جمرة، قال: ابن من؟ فقال: جذوة، فقال: أين مسكنك؟ فقال: ~~حرة النار. فقال: بأيها؟ فقال: بذات لظى، فقال: أدرك أهلك فقد احترقوا ~~(¬6). PageV01P144 # الوجه الثالث: فيمن وافق اسم راويه من الرواة وينبغي أن يعلم أن في ms0031 ~~الرواة عمر بن الخطاب سبعة أولهم: أمير المؤمنين هذا، وثانيهم: كوفي روى ~~عنه خالد بن عبد الله الواسطي، وثالثهم: راسبي روى عنه سويد بن أبي حاتم، ~~ورابعهم: [الأ] (¬1) سكندري حدث عن ضمام بن إسماعيل، [و] (¬2) خامسهم: ~~عنبري روى عن أبيه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وسادسهم: سجستاني روى عن محمد ~~بن يوسف الفريابي، وسابعهم: [سدوسي] (¬3) بصري روى عن معتمر بن سليمان. # فائدة: عمر اسمه معدول عن عامر [كزفر وقثم وزحل وحسم ودلف، فهذه كلها ~~معدولة، عمر معدول عن عامر] (¬4)، وقثم عن قاثم، وكذلك سائرها لكنها يوقف ~~[بها] (¬5) على المسموع، لا يجوز أن يعدل عن نافع ولا عن رافع فيقول: نفع ~~ورفع، ولا ينصرف لاجتماع أمرين فيه: العدل والتعريف، وعمر معدود من الأسماء ~~المرتجلة، نبه على ذلك كله ابن دحية رحمه الله ثم قال: فإن قلت: قد قيل رجل ~~عمر إذا وإن كثير الاعتمار، وقالوا عمرة الحج [وجمعها] (¬6) عمر، فما الذي ~~يمنع أن يكون منقولا عن أحدهما؟ ثم PageV01P145 # أجاب: بأن المانع [من] (¬1) ذلك أنه لو كان منهما لانصرف. # قال: "والخطاب" يجوز أن يكون فعالا من الخطبة والخطبة معا، وقد أسلفت ~~الكلام على كنيته رضي الله عنه وأن الحفص في # اللغة: الأسد. # الوجه الرابع: هذا الحديث أحد أركان الإسلام وقواعد الإيمان، وهو صحيح ~~جليل متفق على صحته، مجمع على عظم موقعه [وجلالته] (¬2) وثبوته من حديث ~~الإمام أبي سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري رواه عنه حفاظ الإسلام، ~~وأعلام الأئمة: إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، و ~~[الحمادان] (¬3): حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والسفيانان: سفيان الثوري ~~وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن ~~المبارك، وخلائق لا يحصون كثرة، قال أبو سعيد محمد بن علي الخشاب الحافظ: ~~روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد نحو مائتين وخمسين رجلا، قلت: وبلغهم ابن ~~منده في مستخرجه فوق الثلاثمائة، وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني: سمعت ~~الحافظ أبا مسعود عبد الجليل بن أحمد يقول في المذاكرة: قال ms0032 الإمام عبد ~~الله الأنصاري: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد. ~~أخرجه الإمام أبو عبد الله أحمد بن PageV01P146 # حنبل في مسنده، وأبو عبد الله البخاري في سبعة مواضع من صحيحه كما ~~أسلفتها، ورواه مسلم في الجهاد من طرق ثمانية، وأخرجه أيضا أصحاب السنن ~~الأربعة: أبو داود في الطلاق، والترمذي في الحدود، والنسائي (¬1) في ~~الأيمان والطهارة و [الرقائق] (¬2) والطلاق، وابن ماجه في الزهد (¬3)، ولم ~~يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك فإنه لم يخرجه في ~~الموطأ، نعم رواه خارجها (¬4) وأخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديثه، ووهم ~~ابن دحية فقال في كلامه على هذا الحديث: إن مالكا أخرجه في موطئه وأن ~~الشافعي رواه [عنه] (¬5) وهو عجيب منه. # وتنبه لقولتين ساقطتين: # الأولى: ما رأيته في أول كتاب (تهذيب مستمر الأوهام) لابن ماكولا أنه ~~يقال: إن يحيى بن سعيد لم يسمعه من التيمي (¬6). PageV01P147 # الثانية: ما ذكرها هو في موضع آخر أنه يقال لم يسمعه محمد بن إبراهيم ~~التيمي من علقمة وبيان وهن هاتين المقالتين أن في أول صحيح البخاري: حدثنا ~~الحميدي حدثنا سفيان حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري أخبرني محمد بن إبراهيم ~~التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص فذكره، وفي كتاب الأيمان والنذور منه: حدثنا ~~قتيبة بن سعيد حدثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني محمد ~~بن إبراهيم أنه سمع علقمة يقول: سمعت عمر فذكره، وإنما ذكرت هاتين ~~المقالتين لأنبه على وهنهما وشذوذهما وأنهما [لا يقدحان] (¬1) في الإجماع ~~(¬2) السالف على صحته، ومثلهما في الوهن قول ابن جرير الطبري في (تهذيب ~~الآثار): إن هذا الحديث قد يكون عند بعضهم مردودا؛ لأنه حديث فرد. # الوجه الخامس: هذا الحديث قد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~الصحابة غير عمر بن الخطاب رضي الله عنهم نحو عشرين صحابيا، وإن كان البزار ~~قال: لا نعلم يروى هذا الكلام إلا عن عمر بن الخطاب عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بهذا الإسناد، وكذا ابن السكن في ms0033 كتابه المسمى (بالسنن ~~الصحاح) حيث قال: ولم يروه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[بإسناد غير ~~عمر بن الخطاب، وكذا الأمام أبو عبد الله محمد بن غياث حيث قال: لم يروه عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - غير PageV01P148 # عمر] (¬1)، [و] (¬2) ذكره الحافظ أبو يعلى القزويني في كتابه [الإرشاد] ~~(¬3) من رواية مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~"الأعمال بالنية" ثم قال: هذا حديث غير محفوظ عن زيد بن أسلم بوجه فهذا ما ~~أخطأ فيه الثقة عن الثقة، ورواه الدارقطني في (أحاديث مالك التي ليست في ~~الموطأ) ولفظه: "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" إلى آخره ثم قال: ~~تفرد به عبد المجيد عن مالك ولا يعلم حدث به عن عبد المجيد غير نوح بن حبيب ~~وإبراهيم بن محمد العتيقي، وقال ابن منده الحافظ في جمعه لطرق هذا الحديث: ~~رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير عمر: سعد بن أبي وقاص وعلي بن ~~أبي طالب وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود [وعبد الله بن عمر] (¬4) ~~وأنس وابن عباس ومعاوية وأبو هريرة وعبادة بن الصامت وعتبة بن عبد السلمي ~~[وهلال] (¬5) بن سويد وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله PageV01P149 # و [أبو ذر] (¬1) وعتبة بن [المنذر] (¬2) وعقبة بن مسلم، رضي الله عنهم. # قال [الخطابي] (¬3) في كتاب (الأعلام) (¬4): لا أعلم خلافا بين أهل ~~الحديث أن هذا الحديث لا يصح مسندا إلا من رواية عمر رضي الله عنه [وسيأتى ~~قريبا نقل ذلك عن الحفاظ أيضا] (¬5)، وكذا قال المحب الطبري في "أحكامه": ~~وقد عدد بعض هؤلاء ما لا يصح مسندا إلا من حديث عمر. # الوجه السادس: هذا الحديث فرد غريب باعتبار، مشهور باعتبار آخر، وليس ~~بمتواتر بخلاف ما يظنه بعض الناس، فإن مداره # على يحيى بن سعيد الأنصاري كما سلف، قال الحفاظ: لا يصح عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إلا من [جهة] (¬6) عمر بن الخطاب رضي الله ms0034 عنه، ولا عن ~~عمر إلا من جهة علقمة ولا عن علقمة إلا من جهة محمد بن إبراهيم التيمي ولا ~~عن محمد إلا من جهة يحيى بن سعيد الأنصاري، وعن يحيى اشتهر، ورواه جماعات ~~لا يحصون كما سلف وأكثرهم أئمة معروفون. ونبهنا على هذا؛ لأنه قد يخفى على ~~بعض من لا يعاني الحديث فيتوهم تواتره لشدة شهرته عند الخاصة PageV01P150 # والعامة، وعدم معرفته بفقد شرط التواتر في أوله، وقد صرح الائمة بأنه لا ~~يوصف بالتواتر لما قلناه. # قلت: وقد توبع علقمة والتيمي ويحيى بن سعيد على روايتهم، قال الحافظ أبو ~~عبد الله بن منده (¬1): هذا الحديث رواه عن # عمر غير علقمة: ابنه عبد الله، وجابر، وأبو جحيفة، وعبد الله بن عامر بن ~~ربيعة، وذو الكلاع، وعطاء بن يسار، وياسرة بن سمي، وواصل بن عمرو الجذامي، ~~ومحمد بن المنكدر، ورواه عن علقمة غير التيمي: سعيد بن المسيب، ونافع مولى ~~ابن عمر. # وتابع يحيى بن سعيد على روايته عن التيمي محمد بن محمد بن علقمة أبو ~~الحسن الليثي، وداود بن أبي الفرات. ومحمد بن إسحاق بن يسار، وحجاج بن ~~أرطاة وعبد ربه بن [قيس (¬2) الأنصاري. # تنبيهات: # الأول: ادعى الحاكم أبو عبد الله أن شرط البخاري ومسلم أن [لا] (¬3) ~~يذكرا فى كتابيهما إلا ما رواه [صحابي] (¬4) مشهور له راويان PageV01P151 # نقتان فأكثر [ثم يرويه عنه تابعي مشهور بالرواية عن الصحابة له راويان ~~ثقتان فأكثر] (¬1). [ثم] (¬2) يرويه عنه من أتباع الأتباع الحافظ المتقن ~~المشهور على ذلك الشرط. وما ادعاه ينتقض بأحاديث من جملتها هذا الحديث الذي ~~بدأ به البخاري كتابه فإنه لا يصح إلا فردا كما قررناه، وأغرب من هذا قول ~~[الميانشي] (¬3): أن شرطهما أن لا يدخلان فيه إلا ما صح عندهما وذلك ما ~~رواه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنان فصاعدا وما نقله عن كل ~~واحد من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر، وأن يكون [عن] (¬4) كل واحد من ~~التابعين أكثر من أربعة. قال ابن دحية في كلامه على هذا الحديث: وإنما ~~اشترط الشيخان الثقة ms0035 # والاشتهار بالطلب. # الثاني: ادعى [الخليلي] (¬5) أن الذي عليه الحفاظ: أن الشاذ ما ليس له ~~الا إسناد واحد يشد به ثقة أو غيره، فما كان عن غير ثقة فمتروك وما كان عن ~~ثقة توقف فيه [فلا] (¬6) يحتج به، وقال الحاكم: انه ما انفرد به ثقة وليس ~~[له] (¬7) أصل متابع، وما ذكراه يشكل بما PageV01P152 # ينفرد به العدل الحافظ الضابط. [كهذا] (¬1) الحديث فإنه لا يصح إلا فردا ~~كما قدمناه وهو أول حديث استفتح به البخاري [كتابه] (¬2) كما أسلفناه. # الثالث: هذ الحديث فيه طرفة [من] (¬3) طرف الإسناد وهي رواية ثلاثة ~~تابعين بعضهم عن بعض يحيى ومحمد وعلقمة، وقد # اعتني بجمع نظائر ذلك في جزء. # الوجه السابع: هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقد ~~اختلف في عدها على عشرة أقوال، يسر الله جمعها. أحدها: أنها ثلاثة: هذا ~~الحديث، وحديث " [من] (¬4) حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (¬5) وحديث ~~"الحلال بين والحرام بين" (¬6). # قال الحافظ حمزة بن محمد الكناني (¬7): سمعت أهل العلم PageV01P153 # يقولون: هذه الثلاثة أحاديث هي الإسلام، وكل حديث منها ثلث الإسلام. # الثاني: أنها أربعة قاله أبو داود والدارقطني وغيرهما، بزيادة حديثا ~~"وازهد في الدنيا يحبك الله"، وقال عثمان بن سعيد الدارمي: أمهات الحديث ~~أربعة هذا أحدها، وقد نظمها أبو الحسن المعرور (¬1) رحمه الله تعالى فقال: # عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية # اتق الشبهات وازهد ... ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية # الثالث: أنها اثنان. # الرابع: أنها واحد. # الخامس: قال أبو بكر الخفاف (¬2) من قدماء أصحابنا في كتابه "الخصال" ~~ومنه نقلت: روي عن الشافعى رضي الله عنه أنه قال: مدار الإسلام على ~~أربعمائة حديث، كذا رأيته أربعمائة، ثم رأيت في "أصول الفقه" لابن سراقة ~~العامرى من أصحابنا [يذكر] (¬3) أربعة أحاديث، وكأنه أصوب. # السادس: قال الخفاف أيضا لما نقل هذا: وقال علي بن PageV01P154 # المديني وعبد الرحمن بن مهدي: أن مداره على أربعة أحاديث "الأعمال ~~بالنيات"، و"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" (¬1)، و"بني الإسلام على ~~خمس" (¬2)، و"البينة على المدعي واليمين على ms0036 من أنكر" (¬3)، وحكاه أيضا ابن ~~سراقة المذكور. # السابع: قال أيضا بعد ذلك عن إسحاق أن مداره على ثلاثة: "إنما الأعمال ~~بالنيات"، وحديث عائشة: "من أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (¬4)، وحديث ~~النعمان: "الحلال بين والحرام بين"، ونقله غيره عن الإمام أحمد. # الثامن: قال أبو داود: الفقه يدور على خمسة أحاديث: "الأعمال بالنيات"، ~~و"الحلال بين والحرام بين"، و"ما نهيتكم عنه # فانتهوا وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"، و"لا ضرر ولا ضرار". # التاسع: أسند ابن دحية عن أبي داود (¬5) من طريق ابن داسة أنه قال: كتبت ~~عن رسول الله - صلى الله عليه ومسلم - خمسمائة ألف حديث انتخبت منها PageV01P155 # ما ضمنته هذا الكتاب -يعني كتاب السنن- جمعت فيه أربعة آلاف حديث ~~وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ~~ذلك أربعة أحاديث أحدها: "الأعمال بالنيات"، ثانيها: "من حسن إسلام [المرء] ~~(¬1) تركه ما لا يعنيه"، ثالثها: "لا يكون المؤمن مؤمنا حتى لا يرضى لأخيه ~~إلا ما يرضى لنفسه"، ورابعها: "الحلال بين والحرام بين"، وحكاه القاضي عياض ~~عن أبي داود ايضا، ولفظه عنه: كتبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~خمسمائة ألف حديث، الثابت منها أربعة آلاف حديث، وهي ترجع إلى أربعة ~~أحاديث، فذكرهن. # العاشر: أسند ابن دحية أيضا عن أبي داود من طريق أبي سعيد أحمد بن محمد ~~بن زياد الأعرابي قال: أقمت بطرسوس عشرين سنة فاجتهدت في المسند فإذا هو ~~أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة آلاف حديث على أربعة أحاديث ~~لمن وفقه # الله، فأولها: حديث النعمان "الحلال بين والحرام بين وشبهات بين ذلك" ~~الحديث، قال: وهذا ربع العلم، ثانيها: حديث عمر بن # الخطاب: "الأعمال بالنيات ولكل أمرىء ما نوى" وهذا نصف العلم، ثالثها: ~~حديث أبي هريرة: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا" # الحديث، وهذا ثلاثة أرباع العلم، ورابعها، حديث أبي هريرة أيضا: "من حسن ~~إسلام [المرء] (¬2) تركه ما لا يعنيه"، فهذه أربعة PageV01P156 # أحاديث من أخذها ووفقه الله تجزي عن الأربعة آلاف، وقال ابن ms0037 أبي زيد في ~~آخر رسالته: جماع أبواب الخير وأزمته تتفرع على أربعة أحاديث: حديث: "لا ~~يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وحديث: "من حسن إسلام المرء تركه ~~ما لا يعنيه"، # وحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت"، وحديث "لا ~~تغضب". فتصير الأقوال إذن أحد عشر قولا. # فائدة: مما نحن فيه ما حكاه الزناتي شارح "الرسالة" عن بعضهم أنه كتب إلى ~~ابن عمر رضي الله عنهما- أن اكتب لي بالعلم # كله [وكتب] (¬1) إليه: العلم كثير ولكن إن استطعت أن تلقى الله تعالى ~~خميص البطن من أموال الناس، خفيف الظهر من دنياهم، كاف اللسان عن أعراضهم، ~~ملازما لجماعاتهم؛ فافعل. فكانوا يقولون: جمع العلم في أربع كلمات. # وفي "إقليد التقليد" لابن أبي جمرة، نفعنا الله به، على المدونة: أن رجلا ~~صحب بعض ملوك العجم، فرأى معه سبعين بعيرا تحمل كتبا، فردها إلى سبعة ~~أبعرة، ثم ردها إلى أربعة أبعرة، ثم ردها إلى أربع كلمات: لا تأكل إلا عن ~~شهوة، ولا تنظر المرأة إلا # إلى زوجها، ولا يصلح الملك إلا الطاعة، ولا يصلح الرعية إلا العدل. # الوجه الثامن: هذا الحديث عظيم الموقع، كبير الفائدة، أصل PageV01P157 # من أصول الدين، وقد خطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا أيها ~~الناس إنما الأعمال بالنية" كما رواه البخاري في أحد المواضع السبعة ~~السالفة (¬1)، وخطب به عمر أيضا على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كما أخرجه [أيضا] (¬2) وقد أسلفنا عن أبي داود أنه نصف الفقه. # وقال الشافعي فيما رواه البويطي [عنه] (¬3): يدخل في هذا الحديث ثلث العلم. # وقال في رواية الربيع: هذا الحديث ثلث العلم ويدخل في شعين بابا من الفقه ~~(¬4)، وكذا قال الإمام أحمد وغيره: إنه ثلث # العلم (¬5). # وسببه، كما قال البيهقي وغيره: أن كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه، ~~فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها؛ لأنه يكون عبادة PageV01P158 # بانفرادها بخلاف القممين الآخرين، ولهذا كانت "نية المؤمن خيرا من عمله" ~~(¬1) ولأن القول والعمل يدخلهما [الفساد] (¬2) بالرياء ونحوه بخلاف النية. # وقال عبد ms0038 الرحمن بن مهدي: [يدخل] (¬3) هذا الحديث في ثلاثين بابا من ~~الإرادات والنيات. وقال أبو عبيد: ليس شيء من # أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا أجمع وأغنى وأكثر فائدة وأبلغ ~~من هذا الحديث (¬4). وقال البخاري فيما نقله ابن دحية عنه: قوله عليه ~~السلام: "وإنما لكل امرئ ما نوى". يدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة ~~والزكاة والحج والصوم والأحكام، وقال ابن دحية: لم أجد فيما أرويه من ~~الدينيات أنفع من قوله: "إنما الأعمال بالنيات"، إذ PageV01P159 # مدار العلم عليه وهو نور يسعى بين يديه. # قلت: وقول إمامنا الشافعى رضي الله عنه السالف: إن هذا الحديث يدخل في ~~سبعين بابا من الفقه، مراده الأبواب الكلية كالطهارة بأنواعها، والصلاة ~~بأقسامها، والزكاة، والصيام، والاعتكاف، والحج والعمرة، والأيمان، والنذور، ~~والأضحية والهدي، والكفارة، والجهاد، والطلاق، والخلع، والظهار، والعتق، ~~والكتابة، والتدبير، والابراء ونحوها، والبيع، والإجارة، وسائر المعاملات، ~~والرجعة والوقف، والهبة وكناية الطلاق وغيرها عند من يقول كنايتها مع النية ~~كالصريح وهو الصحيح، وكذلك إذا كان عليه ألفان بأحدهما رهن دون الآخر فلو ~~وفاه ألفا صرفه إلى ما نواه منهما وشبه ذلك، وذكر القاضي حسين من أصحابنا ~~في آخر حد الخمر أنه لا بد للإمام في إقامة الحدود من النية حتى لو ضربه ~~لمصادرة أو لمعنى آخر، وعليه حدود لا تحتسب عنه، وأما المسائل الجزئية فلا ~~[تحصى] (¬1)، ثم يحتمل أن يكون أراد بالسبعين التحديد ويحتمل أن يكون أراد ~~المبالغة في التكثير؛ لأن العرب تستعمل السبعين في ذلك ومنه قوله تعالى: ~~{إن تستغفر لهم سبعين مرة} (¬2). # ومن المسائل الجزئية التي ينبغي استحضار النية فيها: الصدقات، وقضاء ~~حوائج الناس، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز، # وابتداء السلام ورده، وتشميت العاطس، وجوابه، والأمر PageV01P160 # بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإجابة الدعوة، وحضور مجلس العلم والأذكار، ~~وزيارة الأخيار والقبور، والنفقة على الأهل # والضيفان، وإكرام أهل الود والفضل وذوي الأرحام، ومذاكرة العلم والمناظرة ~~فيه وتكراره وتدريسه، وتعليمه، وتعلمه، ومطالعته # وكتابته، وتصنيفه، والفتوى، والقضاء وإماطة الأذى [من] (¬1) الطريق، ~~والنصيحة، والإعانة على البر والتقوى، وقبول الأمانات وأدائها، وما أشبه ~~ذلك، حتى ms0039 ينبغي استحضارها عند إرادة الأكل والشرب والنوم ويقصد بها التقوي ~~على الطاعة وإراحة البدن لينشط لها، وكذا إذا جامع موطوءته بقصد المعاشرة ~~بالمعروف، وإيصالها حقها، وتحصيل ولد صالح يعبد الله، وإعفاف الزوجة، ~~وإعفاف نفسه وصيانتها من التطلع إلى [حرام] (¬2) أو الفكر فيه أو مكابدة ~~[العشاق] (¬3) بالصبر، وهذا معنى قوله عليه السلام، "وفي بضع أحدكم صدقة"، ~~وكذا ينبغي لمن عمل حرفة للمسلمين مما هو فرض كفاية أن يقصد إقامة فرض ~~الكفاية ونفع المسلمين كالزراعة وغيرها من الحرف التي هي قوام عيش ~~المسلمين. # والضابط لحصول النية: أنه متى قصد بالعمل امتثال أمر الشرع، وبتركه ~~الانتهاء بنهي الشرع؛ كانت حاصلة مثابا عليها وإلا فلا، وإن لم يقصد ذلك ~~كان عملا بهميا، ولهذا قال السلف: الأعمال البهيمية ما عملت بغير نية. PageV01P161 # الوجه التاسع: هذا الحديث من أجل أعمال القلوب والطاعة المتعلقة بها، ~~وعليه مدارها وهو قاعدتها، فهو قاعدة الدين لتضمنه حكم النيات التي محلها ~~القلب بخلاف الذكر الذي محله اللسان ولهذا نشر نوى الصلاة بلسانه دون قلبه ~~لم تصح، ولو قرأ الفاتحة بقلبه دون لسانه لم تصح فهو أصل في وجوب النية في ~~سائر العبادات كما سيأتي عن الجمهور قال الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل ~~المقدسي (في أربعينه): هذ الحديث أصل كبير في صحة الأعمال الدينية وأنها ~~موقوفة على خلوص النية وهي بالإضافة إلى الأفعال والأقوال بمنزلة الأرواح ~~للأشباح، [والأعمال] (¬1) كالأجسام الموات، والنية [الصالحة] (¬2) لها ~~كالحياة، فمتى لم يقصد العامل بعمله وجه الله دون ما سواه كان سعيه خائبا ~~وأمله كاذبا، قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} (¬3). # العاشر: هذا الحديث [أصل] (¬4) في الإخلاص أيضا وهو إرادة عمل الفعل إلى ~~وجه الله تعالى وحده خالصا. # والنية: هي القصد المتعلق بتمييل الفعل إلى وجه الله تعالى، قاله ~~القرافي. # والإخلاص يرجع إلى الكتاب والسنة، أما الكتاب: فكل آية PageV01P162 # تضمنت [مدح] (¬1) الإخلاص وذم الرياء، نحو: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين} (¬2)، {إنه من عبادنا المخلصين} (¬3)، {فمن كان يرجو لقاء ~~ربه فليعمل ms0040 عملا صالحا} (¬4)، {كالذي ينفق ماله رئاء الناس} (¬5)، {أيود ~~أحدكم أن تكون له جنة من نخيل} (¬6)، {من كان يريد حرث الآخرة} (¬7). ~~الآية، فأخبر الله تعالى إنه لا يكون في الآخرة نصيب إلا لمن قصدها بالعمل، ~~وأما السنة فقوله عليه السلام: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى ~~قلوبكم" (¬8). وقوله: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" (¬9). وقوله: ~~"إذا أنفق الرجل على أهله وهو يحتسبها فهي له صدقة". وقوله في حديث سعد: ~~"إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى [ما تجعل] (¬10) ~~في في امرأتك" (¬11). وقوله: "يقول الله عز وجل: أنا PageV01P163 # أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري فإني بريء منه وهو ~~للذي أشرك". وفي رواية "تركته وشركه" (¬1). وقوله: "من قاتل لتكون كلمة ~~الله هي العليا فهو في سبيل الله" (¬2). # وإخلاص النية لله تعالى لم تزل شرعا لمن كان قبلنا ثم لنا من بعدهم، قال ~~تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} (¬3). قال أبو العالية: وصاهم ~~بالإخلاص لله تعالى وعبادته لا شريك له، وترجم البخاري على قوله تعالى: {قل ~~كل يعمل على شاكلته} (¬4) قال: على نيته. # فائدة: لما عزم مالك [رحمه الله] (¬5) على تصنيف الموطأ فعل من كان ~~[بالمدينة يومئذ] (¬6) [من العلماء] (¬7) الموطآت فقيل لمالك: شغلت نفسك ~~بعمل هذا الكتاب وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله، فقال (¬8): ائتوني بما ~~عملوا، فأتي بذلك فنظر فيه ثم نبذه، وقال: لتعلمن أنه لا يرتفع من هذا إلا ~~ما أريد به وجه الله. قال الفضل بن محمد بن حرب: فكأنما ألقيت تلك الكتب في ~~الآبار وما PageV01P164 # سمع بشيء منها بعد ذلك يذكر (¬1). # الحادي عشر: ومن هنا وقع الكلام على ألفاظ الحديث فوائده: # قوله: (سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول) اختلف النحاة في ~~(سمعت) هل تتعدى إلى مفعولين؛ فقيل: نعم، وهو مذهب أبي علي الفارسي في ~~إيضاحه (¬2)، قال: لكن لا بد أن يكون الثاني مما سمع، كقولك: سمعت زيدا ~~يقول كذا، ولو قلت: سمعت ms0041 زيدا [يضرب] (¬3) أخاك؛ لم يجز. # والصحيح أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعل الواقع بعد المفعول في ~~موضع الحال، أي سمعت حال قوله كذا. # وأما ابن دحية فقال في كلامه على هذا الحديث: نجد أن إعراب (سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -) فعلا وفاعلا ومفعولا، قال بعضهم: فمن يسلك ~~التعليل ويتكلف المجاهيل يجب أن يكون في الكلام مضاف محذوف كأنه قال: سمعت ~~قول الناس؛ لأن الأشخاص لا يسمع إنما يسمع أصواتها وكلامها، فإذا قلت: سمعت ~~زيدا يقول كذا وكذا، فإنما التقدير: سمعت كلام زيد ويقول جملة موضعها نصب ~~على الحال ثم ذكر مقالة أبي علي الفارسي، فقال: وزعم الفارسي في الإيضاح أن ~~سمع يتعدى إلى: [مفعول واحد إذا كان مما يسمع كقولك: سمعت كلام زيد وإن كان ~~مما لا يسمع تعدى PageV01P165 # إلى مفعولين] (¬1) كقولك: (سمعت زيدا يقول) فتقديره عنده في موضع المفعول ~~الثاني [حال] (¬2) قال: وهذا من مسائله التي غلط فيها [لأن سمعت لو كان] ~~(¬3) مما يتعدى إلى مفعولين لم يخل من أن يكون من باب ما يتعدى إلى مفعولين ~~لا يجوز السكوت على أحدهما وهو ظننت وأخواتها، أو يكون، وليس في العربية ~~باب آخر له حكم ثالث ولا يجوز أن تكون من باب ظننت؛ لأنهم عدوه إلى مفعول ~~واحد فقالوا: سمعت كلام زيد، ولا يجوز أن تكون من باب أعطيت؛ لأن بابه لا ~~يجوز أن يكون المفعول الثاني فيه إلا اسما محضا ولا يجوز أن يقع موقع فعل ~~ولا جملة، وأنت تقول: سمعت زيدا يتكلم وسمعت زيدا وهو يتكلم، فتأتي بعده ~~بفعل وبجملة فإذا بطل أن يكون من هذين البابين ثبت أنه مما تعدى إلى مفعول ~~واحد، وإنك إذا قلت: سمعت زيدا يقول فيقول في موضع الحال، كقولك: أبصرت ~~الرجل ونحوه. وأهل شيراز يقلدون الفارسي في مقالته وهو خطأ عند النحويين، ~~قاله البطليوسي. # الثانى عشر: أجمعوا على أن الإسناد المتصل بالصحابي لا فرق فيه بين أن ~~يأتي بلفظ "سمعت"، أو بلفظ "عن"، أو بلفظ # "أن"، أو بلفظ ms0042 "قال". PageV01P166 # وإنما وقع الاختلاف فيمن دونه إذا قال: عن فلان، فقيل: إنه من قبيل ~~المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره، والصحيح أنه # من قبيل المتصل بشرط أن لا يكون المعنعن مدلسا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم ~~بعضا، وفي اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه مذاهب أربعة: # أحدها: لايشترط شيء من ذلك، ونقل مسلم في مقدمة صحيحه الإجماع عليه. # وثانيها: يشترط ثبوت اللقاء وحده، وهو قول البخاري والمحققين. # ثالثها: يشترط طول الصحبة. # ورابعها: يشترط معرفته بالرواية عنه، والأصح أن: أن كعن بالشرط المذكور، ~~وقال أحمد وجماعة: يكون منقطعا حتى يتبين # السماع. # الثالث عشر: أرفع الأقسام عند الجماهير: السماع من لفظ المسمع، قال ~~الخطيب: وأرفع العبارات سمعت، ثم حدثنا وحدثني، فإنه لا يكاد أحد يقول في ~~الإجازة والكتابة سمعت؛ لأنه تدليس ما لم يسمعه. وقال ابن الصلاح: حدثنا ~~وأخبرنا أرفع من سمعت؛ إذ ليس في سمعت دلالة أن الشيخ خاطبه بخلافهما، كما ~~وقع للبرقاني (¬1) مع شيخه أبي القاسم PageV01P167 # الأبندوني (¬1) فإنه وإن عسر الرواية وكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه ~~أبو القاسم ولا يعلم بحضوره فيسمع منه ما يحدث به فكان يقول: سمعت، ولا ~~يقول: حدثنا وأخبرنا؛ لأن قصده الرواية للداخل عليه. # قلت: ولك أن تقول سمعت صريحة في سماعه بخلاف [حدثنا] (¬2) لاستعمالها في ~~الإجازة عند بعضهم، ففيما ذكره ابن # الصلاح نظر من هذا الوجه. # الرابع عشر: تقدم الكلام على لفظ "الرسول" في الخطبة والفرق بينه وبين ~~"النبي" واختلف المحدثون: هل يجوز تغيير قال # النبي إلى قال الرسول أو عكسه؟ فقال ابن الصلاح: الظاهر أنه لا يجوز وإن ~~جازت الرواية بالمعنى لاختلاف معنى الرسالة والنبوة، وسهل في ذلك الإمام ~~أحمد وحماد بن سلمة والخطيب، وقال النووي: إنه الصواب؛ لأنه لا يختلف به ها ~~هنا معنى، وقال غيره: لو قيل يجوز تغيير النبي إلى الرسول دون عكسه لما ~~بعد؛ لأن في الرسول معنى زائدا على النبي وهو الرسالة فإن كل رسول نبي من ~~غير عكس. # الخامس عشر: لفظة "إنما" موضوعة للحصر تثبت المذكور ms0043 وتنفي ما عداه، هذا ~~مذهب الجمهور من أهل اللغة والأصول (¬3) PageV01P168 # وغيرهم، وعلى هذا: هل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؛ فيه مذهبان حكاهما ابن ~~الحاجب ومعنى كلام الإمام وأتباعه أنه بالمنطوق واختار الآمدي: أنها لا ~~تفيد الحصر بل تفيد تأكيد الإثبات وهو الصحيح عند النحويين، وقيل: تقتضيه ~~عرفا لا وصفا، حكاه بعض المتأخرين، ومحل بسط المسألة كتب الأصول، وعبر بعض ~~الفضلاء عن إفادتها الحصر بعبارة لطيفة فقال: لفظة (إنما) موضوعة لتحقيق ~~المتصل وتمحيق المنفصل يعني أنها تحمل تركها نفيا وإثباتا فتثبت ما اتصل ~~بها وتنفى ما انفصل عنها، وقد فهم ابن عباس رضي الله عنه أنها للحصر من ~~قوله عليه الصلاة والسلام: "إنما الربا في النسيئة" (¬1) وعورض بدليل آخر ~~يقتضي تحريم ربا الفضل ولم يعارض فى فهمه للحصر، وفي ذلك اتفاق على أنها ~~للحصر، وقال أبو علي الفارسي: يقول ناس من النحويين في قوله تعالى: {قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} (¬2) أن المعنى ما حرم ربي إلا ~~الفواحش، قال: ويؤيده قول الفرزدق: # أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي (¬3) PageV01P169 # وقال الزجاج: الذي أختار في قوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم} ~~(¬1) أن تكون "ما" هي التي تمنع، ويكون المعنى: # ما حرم عليكم إلا الميتة؛ لأن "إنما" تأتي إثباتا لما يذكر بعدها ونفيا ~~لما سواه، وقال أبو علي: التقدير في البيت: وما يدافع عن أحسابهم إلا أنا ~~أو مثلي. # وقال ابن عطية: إنما: لفظ لا تفارقه المبالغة والتأكيد حيث وقع، ويصلح مع ~~ذلك للحصر، فإذا دخل في قصة وساعد معناها على الانحصار صح ذلك وترتب، مثل ~~قوله تعالى: {إنما الله إله واحد} (¬2) وغير ذلك من الأمثلة وإذا كانت ~~القصة لا يتأتي فيها الانحصار بقيت "إنما" للمبالغة والتأكيد فقط لقوله ~~عليه السلام: "إنما الربا في النسيئة" (¬3)، وكقولهم: إنما الشجاع [عنترة] ~~(¬4)، قال: وأما من قال: إن "إنما" لبيان الموصوف فهي عبارة [جائزة] (¬5). ~~إذ بيان الموصوف يكون في مجرد الإخبار دون إنما. # وقال الشيخ تقي الدين: تارة تقتضي ms0044 الحصر المطلق، وتارة تقتضي حصرا ~~مخصوصا، ويفهم ذلك بالقرائن والسياق، أي فالأول # كقوله تعالى: {إنما الله إله واحد}. الحصر ها هنا على إطلاقه لشهادة ~~العقول والنقول بوحدانيته تعالى، والثانى كقوله تعالى: {إنما أنت PageV01P170 # منذر} (¬1) أي بالنسبة لمن لا يؤمن وإلا فصفاته الجميلة [لا تحصر ~~بالبشارة] (¬2) والشجاعة والكرم وغير ذلك، وكذا قوله عليه السلام: "إنما ~~أنا بشر وإنكم تختصمون إلي" (¬3) معناه حصر في البشرية بالنسبة إلى الاطلاع ~~على مواطن الخصوم لا بالنسبة إلى كل شيء وكذا قوله تعالى: {إنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو} (¬4) باعتبار (¬5) أثرها، والله أعلم، وإلا فقد تكون ~~سبيلا إلى الخيرات أو يكون ذلك من باب التغليب بحال الأكثر أو الواقع كذلك، ~~فاعتبر هذا الأصل فحيث دل السياق على الحصر في شيء مخصوص فقل به وإلا ~~فالأصل الإطلاق، ومن هذا قوله عليه السلام: "إنما الأعمال بالنيات". # وقال السماكي في "إعجازه": الحصر في الحديث ليس عاما فإن القاعدة أن ~~المبتدأ والخبر إذا وقعا بعد "إنما" فالمحصور الثاني # كيف كان، فإذا قلت: إنما المال لك، [فالمحصور المال لك] (¬6) وتقديره: لا ~~لغيرك، وإذا قلت: إنما لك المال، فالمحصور المال وتقديره: لا غيره، فتأمله. PageV01P171 # تنبيهات: # أحدها: الأصل في "إنما" [أن] (¬1) تجيء بخبر لا يجهله المخاطب أو لما هو ~~متنزل منزلته، كما نبه عليه ابن خطيب زملكان، مثال الأول قوله تعالى: {إنما ~~أنت منذر من يخشاها (45)} (¬2)، وقوله: {إنما يستجيب الذين يسمعون} (¬3) ~~فإن كل عاقل يعلم أنه لا يكون استجابة إلا ممن يسمع، وأن الإنذار إنما يجدي ~~إذا كان مع من يصدق بالبعث، ومثال الثاني قوله: # إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء # ثانيها: (أنما) بالفتح كأنما كما قاله الزمخشري في قوله تعالي: {يوحى إلي ~~أنما إلهكم إله واحد} (¬4). # قال شيخنا أبو حيان: وهذا شيء انفرد به، ودعوى الحصر هنا ممنوع؛ لاقتضائه ~~أنه لم يوح إليه غير التوحيد. وفيما ذكره نظر فإن الخطاب مع المشركين، ~~فالمعنى: ما أوحى إلي في أمر الربوبية إلا التوحيد لا الإشراك. # ثالثها: للحصر أدوات أخر: # منها: حصر المبتدأ ms0045 في الخبر، نحو: العالم زيد وصديقي زيد. PageV01P172 # ومنها: إلا، على اختلاف فيها. # ومنها: تقديم المعمولات، على ما قاله الزمخشري وجماعة نحو: {إياك نعبد} (¬1). # ومها: لام كي، كقوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} ~~(¬2) قاله الباجي. # ومنها: السبر والتقسيم، نحو إن لم يكن زيد متحركا فهو ساكن. # رابعها: في الحديث صيغتا [حصر] (¬3) وهما (إنما، والمبتدأ والخبر الواقع ~~بعده) وقد ورد بإسقاط (إنما) في رواية صحيحة كما سيأتي، فكل منهما إذا ~~انفرد يفيد ما أفاده الآخر، واجتماعهما آكد. # السادس عشر: وقع في كتاب الشهاب للقضاعي: "الأعمال بالنيات" بجمع ~~"الأعمال" و"النيات" وحذف "إنما"، قال النووي في كتابه بستان العارفين ~~(¬4)، وفي إملائه على هذا الحديث أيضا ولم يكملهما، نقلا عن الحافظ أبي ~~موسى الأصبهاني أنه قال: "لا يصح إسناد هذا الحديث"، وأقره عليه. وفيما ~~قاله نظر، فقد رواه كذلك حافظان وحكما بصحته: ابن حبان في صحيحه، والحاكم ~~في PageV01P173 # أربعينه، ثم حكم بصحته، وقد ذكرت إسنادهما إليه في تخريجي لأحاديث ~~الرافعي فراجعه (¬1) منه، وكذا ساقه ابن دحية في كلامه على هذا الحديث من ~~طريق النسائي عن ابن راهويه عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد به، ورواه ~~ابن الجارود في المنتقى (¬2) بلفظ آخر: "إن الأعمال بالنية وإن لكل امرئ ما ~~نوى". وفي رواية للبخاري: "العمل بالنية". وفي رواية له: "الأعمال بالنية". ~~وفي رواية له: "يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية". # السابع عشر: الأعمال: حركات البدن، ويتجوز بها عن حركات النفس وإنما عبر ~~بالأعمال دون الأفعال؛ لئلا يتناول أفعال # القلوب، ومنها النية ومعرفة الله تعالى، فكان يلزم أن لا يصحان إلا بنية ~~لكن النية فيهما محال، أما النية فلأنها لو توقفت على نية أخرى لتوقفت ~~الأخرى على أخرى ولزم التسلسل أو الدور وهما محالان، وأما معرفة الله تعالى ~~فإنها لو توقفت على النية مع أن النية قصد PageV01P174 # المنوى بالقلب لزم أن يكون الإنسان عارفا بالله قبل معرفته وهو محال؛ ~~ولأن المعرفة وكذا الخوف والرجاء مستمرة لله تعالى # بصورتها، وكذا التسبيح وسائر الأذكار والأذان والتلاوة لا ms0046 يحتاج شيء منها ~~إلى نية التقرب به بل إلى مجرد القصد له، ولهذا لما كان الركوع والسجود في ~~الصلاة غير ملتبس بغيرها لم تجب فيها ذكر، بخلاف القيام والقعود في التشهد ~~فإن كلا منهما ملتبس بالعادة فوجب في القيام القراءة وفي القعود التشهد؛ ~~ليتميز عن العادة، ثم اعلم أن الأعمال ثلاثة: بدني، وقلبي، ومركب منهما. # فالأول: كل عمل لا يشترط فيه النية كرد الغصوب والعواري والودائع ~~والنفقات وإزالة النجاسات ونحو ذلك. # والثاني: كالاعتقادات والتوبة والحب في الله والبغض في الله، وما أشبه ذلك. # والثالث: كالوضوء والصلاة والحج وكل عبادة بدنية، فيشترط في حصولها النية ~~قولا كانت أو فعلا كما سيأتي، وبعض الخلافيين يخصص العمل [بما] (¬1) لا ~~يكون قولا، وفيه نظر للشيخ تقي الدين؛ لأن القول عمل خارجي أيضا أما ~~الأفعال فقد استعملت مقابلة للأقوال ولا شك أن هذا الحديث يتناول الأقوال. # الثامن عشر: النيات: جمع نية بالتشديد والتخفيف، فمن شدد وهو المشهور ~~كانت من نوى ينوي إذا قصد وأصله نوية قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء ~~بعدها لتقاربهما، وانقلاب الواو [إلى PageV01P175 # الياء] (¬1) بطريقين: # أحدهما: انكسار ما قبلها فإنه يوجب قلبها إلى الياء. # والثاني: أن من أصلهم أنه متى اجتمع واو وياء وأرادوا الإدغام قلبوا ~~الواو إلى لفظ الياء لأنه أخف اعتلال من الواو والياء، وسواء كان [المتحرك ~~هو الواو والياء وسواء كان] (¬2) المتقدم أو المتأخر قالوا: طويت طيا ~~ولويته ليا أصله طويا ولويا [فتقدمت الواو] (¬3) ساكنة وقلبوها. وقالوا سيد ~~وميت وأصله سيود وميوت؛ لأنه من ساد يسود ومات يموت فتأخرت الواو وتحركت ~~ومع ذلك # قلبوها إلى الياء ولم يقلبوا الياء إليها لما ذكرناه، ومن خفف الياء كانت ~~من ونى يني إذا أبطأ وتأخر، لأن النية تحتاج في توجيهها # وتصحيحها إلى إبطاء وتأخر يقال: نويت فلانا وأنويته بمعنى، ثم إنهم جعلوا ~~مصدر نوى (نية) وقل ما يقولون نيا كما قالوا شوى # شيا جآؤوا بالمصدر على الفعلة التي هي من نيا الهيئات، إذ القصد المعتمد ~~هنا إنما هو صادر عن القلب ms0047 فله هيئة متميزة فمن # ها هنا جاء مصدرها على نيا الهيئات، نبه عليه ابن دحية. # فائدة: الباء في قوله "بالنيات" يحتمل أن تكون (باء) السبب ويحتمل أن ~~تكون (باء) المصاحبة وينبني على ذلك: أن النية جزء من العبادة أم شرط؟ ~~وستعلم ما فيه قريبا. PageV01P176 # التاسع عشر: وجه إفراد (النية) على الرواية الأولى كونها مصدرا وجمعت في ~~الثانية (بالنيات) لاختلاف أنواعها ومعانيها؛ لأن # المصدر إذا اختلفت أنواعه جمع، فمتى أريد مطلق النية من غير نظر لأنواعها ~~تعين الإفراد ومتى أريد ذلك جمعت. # تنبيه: أفردت "النية" في الرواية الأولى وجمعت (¬1) "الأعمال" لأن المفرد ~~المعرف عام، وجمعا في الثانية، والمراد: أن كل عمل # على انفراده يعتبر فيه نية مفردة ويحتمل أن العمل الواحد يحتاج إلى نيات ~~إذا قصد كمال العمل كمن قصد بالأكل دفع الجوع وحفظ الصحة والتقوي على ~~العبادة وما أشبه ذلك وبسبب تعدد النيات بتعدد الثواب. # العشرون: أصل النية: القصد، تقول العرب: نواك الله بحفظه، أي قصدك الله ~~بحفظه، كذا نقله عنهم جماعة من الفقهاء، # واعترض ابن الصلاح فقال: هذه عبارة منكرة؛ لأن المقصود مخصوص بالحادث فلا ~~يضاف إلى الله تعالى، قال: وفي ثبوت # ذلك عن العرب نظر؛ لأن الذي في الصحاح: نواك الله: أي: صحبك في السفر ~~وحفظك. وقال الأزهري: يقال نواه الله أي # حفظه، وهذا الذي أنكره عليهم غير منكر بل صحيح (¬2)، وقد قال هو في ~~القطعة التي شرحها في أول صحيح مسلم: وقد ورد عن العرب أنها قالت: "نواك ~~الله بحفظه" فقال فيه بعض الأئمة: معناه PageV01P177 # قصدك [الله] (¬1) بحفظه، هذا كلامه، ومعلوم أن من أطلق القصد لم يرد ~~القصد الذي هو من: [صفة الحادث] (¬2) بل أراد الإرادة. # إذا تقرر هذا فالمراد هنا: قصد الشيء المأمور به تقربا إلى الله تعالى ~~مقترنا بفعله، فإن قصد وتراخى عنه فهو عزم، وكذا حدها # الماوردي من أصحابنا في كتاب الأيمان، [وجعل الحافظ أبو الحسن علي بن ~~المفضل المقدسي (¬3) في أربعينه: النية والإرادة والقصد والعزم بمعنى، قال: ~~وكذا أزمعت على النبلاء وعمدت إليه. ms0048 # قال: وتطلق الإرادة على الله تعالى ولا يطلق عليه غيرها (¬4) مما ذكرناه، ~~وقد علم بعد ذلك أن] (¬5) محلها القلب عند الجمهور كما جزمت به في الوجه ~~التاسع لا اللسان؛ لقوله تعالى: {وما أمروا PageV01P178 # إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} (¬1) والإخلاص إنما يكون بالقلب، وقال ~~تعالى: {ولكن يناله التقوى منكم} (¬2)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلات مرات" (¬3) رواه مسلم من حديث أبي هريرة. # إذا تقرر أن محلها القلب فإن اقتصر عليه جاز، إلا في الصلاة على وجه ضعيف ~~للشافعية لا يعبأ به (¬4)، وإن اقتصر على PageV01P179 # اللسان لم يجز إلا في الزكاة [على وجه لهم شاذ، ومثله قول الأوزاعي: لا ~~تجب النية في الزكاة] (¬1) وإن جمع بينهما فهو آكد. # وعند المالكية: الأفضل أن ينوي العبادة بقلبه من غير نطق بلسانه إذ ~~اللسان ليس محلا للنية على ما تقرر، ونقل التلمساني منهم عن صاحب ~~"الاستلحاق": استحباب النطق، وهو غير المعروف من مذهبهم. # تنبيهات: # الأول: جميع النيات المعتبرة في العبادات يشترط فيها المقارنة، إلا ~~الصوم؛ للمشقة، وإلا الزكاة فإنه يجوز تقديمها قبل وقت إعطائها، قيل: ~~والكفارات فإنه يجوز تقديمها على الفعل والشروع. # الثاني. ينبغي لمن أراد شيئا من الطاعات أن يستحضر النية فينوي به وجه ~~الله تعالى، وهل يشترط ذلك أول كل عمل وإن قل # وتكرر فعله مقارنا لأوله؟ فيه مذاهب: # أحدها: نعم. # وثانيها: يشترط ذلك في أوله ولا يشترط إذا تكرر، بل يكفيه أن ينوي أول كل ~~عمل ولا يشترط تكرارها فيما بعد [ولا مقارنتها] (¬2) ولا الاتصال. PageV01P180 # وثالثها: يشترط المقارنة دون الاتصال. # ورابعها: يشترط الاتصال وهو أخف من المقارنة. # وكأن هذه المذاهب راجعة إلى أن النية جزء من العبادة أم شرط لصحتها؟ # مذهب الجمهور أنها جزء منها، ولأصحابنا وجه أنها شرط، والشرط لا يجب ~~مقارنته ولا اتصاله ولا تكراره للمشروط، بل متى # وجد ما يرفعه أو ينفيه وجب فعله. # وقال الحارث بن أسد المحاسبي (¬1): الراجح عند أكثر السلف الاكتفاء بنية ~~عامة ولا يحتاج إليها في كل جزء ms0049 لما فيه من # [الحرج] (¬2)، والمشقة. # الثالث: النية وسيلة للمقاصد، والأعمال قد تكون وسيلة [وقد تكون] (¬3) ~~مقصودة وقد يجتمعان. # الرابع: الغرض المهم من النية: تمييز العبادات عن العادات، وتمييز رتب ~~العبادات بعضها عن بعض، فمن أمثلة الأول: الوضوء # والغسل والإمساك عن المفطرات ودفع المال إلى الغير [والذبح] (¬4)، ومن ~~أمثلة الثاني: الصلاة. PageV01P181 # الخامس: قد أسلفنا أن معنى النية القصد، وذلك لا يؤثر إلا إذا كان جازما ~~بالمقصود بصفته الخاصة وإلا لم يكن قصدا، فلو كان شاكا في وجود شرط ذلك ~~الفعل أو علق النية على شرط لم يصح المنوي، نعم لو كان جازما بالوجوب ناسيا ~~صفته كمن تحقق أن عليه صوما ولم يدر أنه من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة فقد ~~حكى صاحب (البيان) (¬1) عن الصيمري (¬2): أنه يصح إذا نوى الصوم الواجب ~~عليه؛ قياسا على من نسي صلاة من الخمس ولم يدر عينها فإنه يعذر في جزم ~~النية للضرورة، ولو علق كما إذا قال: أصوم غدا إن شاء الله تعالى، فالأصح ~~أنه إن قصد الشك أو التعليق لم يصح، وإن قصد التبرك أو تعليق الحياة على ~~مشيئة الله تعالى وتمكنه صح، ثم فى عدم الجزم بالنية صور محل الخوض فيها ~~كتب الفروع. # الحادي والعشرون: قوله عليه السلام: "إنما الأعمال بالنيات" وهو متعلق ~~بالخبر المحذوف، ولا جائز أن يقدر وجودها لوجود # العمل ولا نية، فتعين أن يقدر نفي الصحة أو نفي الكمال، وفيه مذهبان ~~للأصوليين، والأظهر الأول؛ لأنه أقرب إلى حضوره بالذهن عند الإطلاق فالحمل ~~عليه أولى، وقد يقدرونه بالاعتبار أي اعتبار PageV01P182 # الأعمال بالنيات، وقرب ذلك تمثيل قولهم: "إنما الملك بالرجال" أي قوامة ~~وجوده، و"إنما الرجال بالمال" و"إنما الرعية بالعدل" # وكل ذلك يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور. # وقدر بعض المحدثين: القبول، وهو راجع إلى ثواب الآخرة وهو مرتب على الصحة ~~والكمال، وقد تنفك الصحة عن القبول # بالنسبة إلى أحكام الدنيا فقط. وعلى تقدير إضمار الصحة أو الكمال وقع ~~اختلاف الفقهاء. # فذهب الشافعى ومالك وأحمد وداود وجمهور أهل الحجاز إلى ms0050 تقدير الصحة، أي: ~~الأعمال مجزية أو معتبرة بالنيات أو إنما # صحتها أو اعتبارها بالنيات، فيكون قد حذف المضاف وأقام المضاف إليه ~~مقامه، فلا يصح وضوء (¬1) ولا غسل ولا تيمم إلا بنية. # وذهب أبو حنيفة ومن وافقه: إلى تقدير الكمال، أي كمال الأعمال بالنيات، ~~فيصح الوضوء والغسل بغير نية ولا يصح التيمم إلا بنية. # وذهب طائفة ثالثة: إلى أنه يصح الكل من غير نية حكاه ابن المنذر (¬2) عن ~~الأوزاعي وغيره (¬3). # احتج الأولون بأدلة: # أحدها: هذا الحديث. PageV01P183 # ثانيها: قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} (¬1). ~~والإخلاص عمل وهو النية فالأمر به يقتضي الوجوب. # ثالثها: قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} (¬2) أي ~~للصلاة، وهذا معنى النية، وقاسه الشافعى رضي الله عنه على التيمم بجامع ~~أنها طهارة من حدث تستباح بها الصلاة. # فإن قيل: التيمم ليس طهارة. # فالجواب: أن الشرع سماه طهارة، فقال: "وتربتها طهورا" (¬3). # فإن قيل: التيمم فرع للوضوء فلا يجوز أن يؤخذ حكم الأصل من الفرع. # فالجواب: أنه ليس فرعا بل بدلا. # فإن قيل: إن التيمم تارة يكون بسبب الحدث وتارة بسب الجنابة فوجب فيه النية. # فالجواب: أن الوضوء أيضا تارة يكون عن نوم وتارة يكون عن بول. # فإن قيل: الوضوء وإن اختلفت أسبابه فالواجب شيء واحد. PageV01P184 # فالجواب: أن التيمم كذلك فإن الواجب مسح الوجه واليدين في كل حال. # فإن قيل: التيمم بدل، وشأن البدل [أن يكون] (¬1) [ضعف] (¬2) من المبدل ~~فافتقر إلى النية ككنايات الطلاق. # فالجواب: أن هذا ينتقض بصح الخف فإنه بدل أيضا ولا [بد من مسح] (¬3) ~~يفتقر إلى النية وإنما [افتقرت] (¬4) كنايات الطلاق إلى النية؛ لأنها تحتمل ~~الطلاق وغيره احتمالا واحدا، والصريح ظاهر في الطلاق، وأما الوضوء والتيمم ~~فمستويان بل التيمم أظهر في إرادة القربة؛ لأنه لا يكون عادة بخلاف صورة ~~الوضوء، فإذا افتقر التيمم المختص بالعبادة إلى النية، فالوضوء المشترك أولى. # فإن قيل: التيمم نص فيه على القصد وهو النية بخلاف الوضوء. # فالجواب: أن المراد قصد الصعيد وذلك غير النية. # فإن قيل: الماء مطهر ms0051 بطبعه فاستغنى بقوته عن النية بخلاف التيمم. # فالجواب: بالمنع؛ لأن الطهارة عبادة لا تأثير فيها للطبع. PageV01P185 # فإن قيل: الوضوء ليس عبادة. # فالجواب: أن هذا وهم، فإن العبادة: الطاعة، أو ما ورد التعبد به قربة إلى ~~الله تعالى، وهذا موجود في الوضوء، والشرع سماه شطر الإيمان، فقال: ~~"والطهور شطر الإيمان" (¬1). ومعنى كونه شطرا أن الإيمان مطهر الباطن وهو ~~مطهر الظاهر، والأحاديث في فضل الوضوء وسقوط الخطايا به كثيرة مشهورة في ~~الصحيح، وكل هذا مصرح بأنه عبادة. # فإن قيل: المراد بالوضوء الذي يترتب عليه هذا الفضل الوضوء الذي فيه نية ~~ولا يلزم من ذلك أن ما لا نية فيه ليس بوضوء. # فالجواب: أن الوضوء في هذه الأحاديث هو المراد بقوله عليه الصلاة ~~والسلام: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (¬2). # واحتج الآخرون بالكتاب والسنة والقياس، أما الكتاب فقوله تعالى: {إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} (¬3). # والجواب: أن هذه حجة للأولين كما سلف. # وجواب ثان: وهو أنها مطلقة مصرحة ببيان ما يجب غسله غير معترضة للنية وقد ~~ثبت وجوبها بالآية الأخرى، وبالحديث الذي نحن فيه. PageV01P186 # وأما السنة: فأحاديث كثيرة في الأمر بالغسل من غير نية ولو وجبت لذكرت. # والجواب: عن مثل هذا ما سلف في الآية، ومن تلك الأحاديث حديث أم سلمة أنه ~~عليه الصلاة والسلام قال لها. "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ~~ماء ثم تفيضي عليك الماء فإذا أنت قد طهرت" (¬1). # والجواب عنه: أن السؤال كان عن نقض الضفائر فقط. # وأما القياس فمن أوجه: # الأول: إزالة النجاسة. # الثاني: ستر العورة. # الثالث: غسل الكتابية عن الحيض لتحل للمسلم. # والجواب عن الأول: أنها من باب التروك ومن هنا تعلم أنه لا يشترط النية ~~في ترك المعاصي، نعم إن نوى بإزالتها القربة لاداء # الصلوات ونحو ذلك أثيب، وكذا إذا خطر بباله معصية فكف نفسه عنها لله ~~تعالى أثيب على ذلك (¬2). PageV01P187 # ومن الفوائد الغريبة: حكاية وجه ثالث عندنا في النجاسة: أنها إن كانت على ~~البدن وجبت النية في إزالتها، وإن كانت على الثوب ms0052 فلا. # والجواب عن الثاني: أن المراد منها الصيانة عن العيون فليس عبادة محضة. # وعن الثالث: أنها إنما صحت بالنسبة للزوج للضرورة، إذ لو لم نقل به لتعذر ~~وطئها ونكاحها، ولهذا لا تصح طهارتها في حق الله # فليس لها أن تصلي بتلك الطهارة إذا أسلمت. # فإن قلت: الحديث المذكور عام مخصوص فإن أداء الدين ورد الودائع والأذان ~~والتلاوة والأذكار وهداية الطريق وإماطة الأذى: عبادات، فتصح بلا نية فتضعف ~~دلالته حينئذ وتخص عدم اعتبارها في الوضوء أيضا. # فالجواب: أن ما عد وادعي فيه الصحة بلا نية إجماعا ممنوع حتى يثبت ~~الإجماع ولن يقدر عليه، ثم نقول: النية تلازم هذه الأعمال فإن مؤدي الدين ~~قصد براءة الذمة وذلك عبادة، وكذا الوديعة والأذكار والتلاوة والأذان ~~بصورهن عبادة، ولا ينفك تعاطيهن عن القصد وذلك نية، ومتى خلون عن القصد لم ~~يعتد بهن عبادة، والهداية والإماطة مترددة بين القربة وغيرها وتتميز ~~بالقصد، [وقد قال الرافعي في "الكفارات": وقول الغزالي في (الوجيز) يصح ~~الإعتاق والإطعام من الذمي بغير نية القرب، فأما نية التمييز فتشبه أن ~~يعتبر كما في قضاء الديون، وما قاله صحيح وقد PageV01P188 # صرح به إمام الحرمين في باب صفة الوضوء في (نهايته) وكذا محمد بن يحيى ~~(¬1) في كتاب الزكاة من (تعليقته في الخلاف) # فذكر ما حاصله: أن نية التمييز في الدين ونحوه لا بد منها بخلاف نية ~~القرب، وذكر نحوه في كتاب الصيام فقال: النية # ضربان: تقرب وتمييز، أما التقرب فكما في العبادات من الصوم والصلاة وهو ~~إخلاص العمل لله تعالى، وأما نية التمييز فكما # في أداء الدين فإنه يحتمل التمليك هبة وقرضا فافتقر إلى قصد وتمييز، وصرح ~~به الشيخ عز الدين في "قواعده" في النوع الخامس والعشرين في أثناء قاعدة: ~~في مثال متعلقات (¬2) الأحكام، ومثله أيضا القراءة ونحوها وقد صرح به أيضا ~~في "القواعد" قبل الموضوع المذكور نحو ثلاث كراريس قال: ولكن لا يشترط نية ~~التقرب] (¬3). # وأما ابن دحية [فقال] (¬4): الحديث عام مخصوص؛ لأن الأعمال المفتقرة إلى ~~النية إنما هي [المتقرب] (¬5) بها إلى الله ms0053 PageV01P189 # تعالى دون سائر الأعمال، فكأنه قال: لا عمل يتقرب [به] (¬1) إلى الله ~~وينتفع به إلا بنية، فالألف واللام مع ذلك لاستغراق هذا النوع من الأعمال خاصة. # تتمات تتعلق بالنية: # الأولى: لو وطئ امرأة يظنها أجنبية فإذا هي مباحة له أثم، ولو اعتقدها ~~زوجته أو أمته فلا إثم، وكذا لو شرب مباحا يعتقده حراما أثم، وبالعكس لا ~~يأثم، ومثله ما إذا قتل من يعتقده معصوما فبان أنه مستحق دمه، أو أتلف مالا ~~يظنه لغيره فكان ملكه. # قال الشيخ عز الدين في "قواعده" (¬2): ويجري عليه حكم الفاسق لجرأته على ~~ربه تعالى، وأما مفاسد الآخرة فلا يعذب تعذيب زان ولا قاتل ولا آكل مالا ~~حراما؛ لأن عذاب الآخرة مرتب على ترتب المفاسد في الغالب [كما أن ثوابها ~~مرتب على ترتب المصالح في الغالب] (¬3)، ثم قال: والظاهر أنه لا يعذب تعذيب ~~من ارتكب صغيرة لأجل جرأته وانتهاكه الحرمة، بل عذابا متوسطا بين الصغيرة ~~والكبيرة. # الثانية: لو قال لامرأته: أنت طالق، يظنها أجنبية، طلقت زوجته لمصادفته ~~محله. وفي عكسه تردد لبعض العلماء مأخذه النظر PageV01P190 # إلى النية أو إلى فوات المحل، ولو قال لرقيق [له] (¬1): أنت حر، يظنه ~~أجنبيا، عتق، وفي عكسه التردد المذكور، وعلى هذا القياس في مسائل الشريعة ~~والحقيقة والمعاملات الظاهرة والباطنة. # الثالثة: ذهب بعض العلماء إلى وقوع الطلاق بالنية المجردة ولزوم النذر ~~بها اعتمادا على هذا الحديث، ولا يرد على هذا الحديث "إن الله تجاوز لأمتي ~~عما حدثت [به نفسها] (¬2) ما لم تعمل به" (¬3)؛ لأن المعفو عنه في هذا ~~الحديث هو الخطرات والهمم الضعيفة، بخلاف ما عقدت عليه العزائم، وهم إنما ~~يوقعون الطلاق ونحوه بالنية إذا قويت وصارت عزيمة أكيدة. # الرابعة: إذا نذر إعتكاف مدة متتابعة لزمه، وأصح الوجهين عند الشافعية ~~أنه لا يجب التتابع بلا شرط، فعلى هذا لو نوى التتابع بقلبه ففي لزومه ~~وجهان: أصحهما: لا، كما لو نذر أصل الاعتكاف بقلبه، كذا نقله الرافعي عن ~~تصحيح البغوي وغيره، قال # الروياني: وهو ظاهر نقل المزني، قال: والصحيح عندي: اللزوم؛ لأن النية ms0054 ~~إذا اقترنت باللفظ عملت، كما لو قال: أنت طالق، ونوى ثلاثا. # الخامسة: في اشتراط نية الخطبة وجهان للشافعية كما في الأذان، قاله ~~الروياني في "البحر"، وفي الرافعي في الجمعة أن PageV01P191 # القاضي حسين حكى اشتراط نية الخطبة وفرضيتها كما في الصلاة، ونقله في ~~"الشرح الصغير" عن بعضهم. # السادسة: قال الروياني: قال القاضي أبو الطيب: قال البويطي: قد قيل: من ~~صرح بالطلاق والظهار والعتق، ولم يكن له نية في ذلك، لم يلزمه فيما بينه ~~وبين الله تعالى طلاق ولا ظهار ولا عتق، ويلزمه في الحكم، وحجته هذا ~~الحديث: و"رفع القلم عن ثلاثة" (¬1) والإجماع على أن المجنون والنائم إذا ~~تلفظا بصريح لفظ الطلاق لا يلزمهما، وقال: قال مالك: من طلق أو أعتق أو ~~ظاهر بلا نية، يلزمه ذلك في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى، والحجة فيه ~~لمن ذهب إليه: ما ذكر الله من إتلاف المؤمن خطأ، وما أجمع عليه العلماء أن ~~من أتلف مال آدمي خطأ فذلك عليه وإن لم ينو، وذلك من حقوق الآدميين، ~~وللمرأة حق في منعها نفسها، وللعبد حق في حريته، وللمساكين حق في الظهار، ~~ولم يتعرض البويطي لواحد منها، فالظاهر أنه قصد تخريجه على قولين. # السابعة: في مسند أبي يعلى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:" يقول ~~الله عز وجل للحفظة يوم القيامة: اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر، PageV01P192 # فيقولون: ربنا لم نحفظ ذلك عنه ولا هو فى صحفنا فيقول: إنه نواه إنه ~~نواه" (¬1). ولهذا المعنى ونحوه ورد [الحديث] (¬2) الآخر: "نية المؤمن خير ~~من عمله" (¬3)، وللناس فيه تأويلات: # أحدها: أن نيته في الاجتهاد خير من خطئه فيه. # ثانيها: أن النية أوسع من العمل؛ لأنها تسبقه فيتعجل الثواب عليه. # ئالثها: أن نيته خير من خيرات عمله. # رابعها: أن النية المجردة عن العمل خير من العمل المجرد عن النية. # خامسها: ما أسلفناه عن البيهقي فى الوجه الثامن (¬4). # سادسها: أن معناه أن الإنسان ينوي أن يعبد الله وإن عاش ألف سنة وأكثر ~~فهو يثاب على ذلك وإن لم يدركه، فهو ms0055 خير من عمل يسعه [ذلك] (¬5) الزمن. PageV01P193 # سابعها: أنه ورد في رجل معين، وأنه عليه السلام قال: "من حفر بئرا فله من ~~الأجر كذا" فهم رجل من المسلمين بحفرها فسبقه # يهودي إلى ذلك فقال عليه السلام: "نية المؤمن أبلغ من عمله"، أي من عمل ~~اليهودي. # ثامنها: أن الأعمال المباحة إذا اقترنت بها نية جميلة بأن أكل ليتقوى على ~~الطاعة، ونكح ليستعف ونحو ذلك، كانت عبادة وقربة، فإذا خلت منها لم تكن ~~عبادة، وكانت النية منفكة عنها خيرا منها، حكاه المحب الطبري في أحكامه، ~~وقال: إنه أحسن ما قيل فيه. # تاسعها: أن ينوي أداء العبادة على الوجه الأكمل ثم لا يتأتى له ذلك فيأتي ~~به على وجه دون المنوي، فتكون النية خيرا من [هذا] (¬1) العمل. # عاشرها: أنه حديث ضعيف (¬2) قاله ابن دحية، رواه يوسف بن عطية عن ثابت عن ~~أنس رفعه: "نية المؤمن أبلغ من عمله"، ويوسف ليس بشيء، ورواه عثمان بن عبد ~~الله الشامي من طريق النواس بن سمعان، قال ابن عدي: عثمان هذا له أحاديث ~~موضوعة وهذا من جملتها (¬3). PageV01P194 # الثاني والعشرون: قوله عليه الصلاة والسلام: "وإنما لكل امرئ ما نوى"، ~~يقال: امرؤ ومرء، قال الله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} ~~(¬1)، ويقول: هذا امرؤ، وهذان امرءان، ولا يجمع إلا قوما ورجالا، ومنهم من ~~يقول: هذا مرآن، وأنثى [امرئ] (¬2) امرأة، وأنثى مرء مرأة، ومرة بغير همز. PageV01P195 # "وما" بمعنى الذي، وصلته "نوى" والعائد محذوف أي نواه، فإن قدرت "ما" ~~مصدرية لم يحتج إلى حذف؛ إذ ما المصدرية عند # سيبويه حرف، والحروف لا تعود عليها الضمائر، والتقدير: لكل امرئ نيته. # الثالث والعشرون: قوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" مقتضاه أن من نوى شيئا ~~يحصل له وما لم ينوه [لا] (¬1) يحصل له، ولهذا عظموا هذا الحديث وجعلوه ~~[ثلث] (¬2) العلم، والمراد بالحصول وعدمه بالنسبة إلى الشرع، وإلا فالعمل ~~قد حصل لكنه غير معتد به، وسياق الحديث يدل عليه بقوله: "ومن كانت هجرته ~~إلى دنيا" إلي آخره. # فإن قلت: ما فائدة ذكر هذا بعد ms0056 الأول وهو يقتضي التعميم؟ فالجواب: أن له ~~ثلاث فوائد: # الأولى: اشتراط تعيين المنوي، "فمن" (¬3) كانت عليه مقضية لا يكفيه أن ~~ينوي الصلاة الفائتة، بل لابد أن ينوي كونها ظهرا أو عصرا وغيرهما، ولولا ~~اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين أو أوهم ذلك، قاله الخطابي. # الثانية: منع الاستنابة في النية، فإن اللفظ الأول إنما يقتضي اشتراط ~~النية لكل عمل وذلك لا يقتضي منع الاستنابة في النية، إذ لو PageV01P196 # نوى واحد عن غيره لصدق عليه أنه عمل بنية وذلك ممتنع فأفاد بالثاني منع ~~ذلك، وقد استثني من هذا نية الولي عن الصبي في # الحج، والمسلم عن زوجته الذمية عند طهرها من الحيض على القول بذلك، وحج ~~الإنسان عن غيره، وكذا إذا وكله في تفرقة الزكاة وفوض إليه النية ونوى ~~الوكيل فإنه يجزئه كما قاله الإمام الغزالي في "الحاوي الصغير". # الثالثة: أنه تأكيد لقوله: "إنما الأعمال بالنيات"، فنفى الحكم بالأول ~~وأكده بالثاني. # تنبيهان: # الأول: إذا أشرك في العبادة غيرها من أمر دنيوي أو رياء: فاختار الغزالي ~~[اعتبار] (¬1) الباعث على العمل، فإن كان القصد الدنيوي هو الأغلب [لم يكن ~~فيه أجر، فإن كان القصد الديني هو الأغلب] (¬2) كان له أجر بقدره، وإن ~~تساويا تساقطا. # واختار الشيخ عز الدين بن عبد السلام (¬3): أنه لا أجر فيه مطلقا سواء ~~تساوى القصدان أو اختلفا. # الثانى: مقتضى قوله عليه السلام: "إنما [لكل] (¬4) امرئ ما نوى" أن من ~~نوى شيئا لم يحصل له غيره، ومن لم ينو شيئا لم PageV01P197 # يحصل [وهي] (¬1) قاعدة [مطردة] (¬2) في جميع مسائل النية، نعم شذ [عن] ~~(¬3) ذلك مسائل [يتأدى] (¬4) الفرض فيها بنية النفل، محل الخوض فيها كتب ~~الفروع وقد أوضحتها في كتاب "الأشباه والنظائر" فليراجع منه. # الرابع والعشرون: الهجرة في اللغة: الترك، والمراد بها هنا ترك الوطن ~~والانتقال إلى غيره، وهي: # في الشرع: مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة وطلب إقامة الدين. # وفي الحقيقة: مفارقة ما يكره الله إلى ما يحب، ووقعت الهجرة في الإسلام ~~على خمسة أوجه: # إحداها: إلى الحبشة ms0057 عندما آذى الكفار الصحابة، وذكر الماوردي أن الهجرة ~~من مكة إلى المدينة قبل هجرته عليه السلام كانت مباحة لمن خاف على نفسه ~~أودينه، معصية لمن أمن من ذلك، قال: وكانت الهجرة إلى الحبشة مباحة. # الثانية: من مكة إلى المدينة عند مهاجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إليها، وفي هذه الهجرة نزل قوله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا} (¬5) ~~الآية، وقال PageV01P198 # عليه السلام: "لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار" (¬1)، "وأشار" (¬2) ~~إلى هذه الهجرة، وأفضل المسلمين أصحاب الهجرتين إلا ما خصه الدليل، وذكر ~~الماوردي أن هذه الهجرة واجبة على من خاف على نفسه [ودينه] (¬3) وهو قادر ~~على الخروج بأهله وماله؛ للآية، ومستحبة على من آمن على نفسه كالعباس، وذكر ~~أبو عبيد (¬4) في كتاب "الأموال" أن الهجرة كانت على غير أهل مكة من ~~الرغائب ولم تكن فرضا؛ لما في الصحيحين: "أن أعرابيا أتى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فسأله عن الهجرة، فقال: ويحك، إن شأن الهجرة شديد فهل لك من ~~إبل؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء [البحار] (¬5) فإن الله لن يترك من # عملك شيئا" (¬6)، ولأنه عليه السلام لم يأمر الوفود بها. # الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الفتح ~~للاقتباس منه كوفد عبد القيس وغيرهم، ثم يرجعون إلى مواطنهم ويعلمون قومهم. # الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ثم يرجع إليها كفعل صفوان بن أمية ومهاجرة الفتح. PageV01P199 # الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه وهي المشار إليها بقوله عليه السلام: ~~"المجاهد من جاهد نفسه والمهاجر من هجر ما نهى الله # عنه" (¬1)، قال بعض متأخري المالكية: وهي الهجرة العظمى التي اندرج جميع ~~الأقسام تحتها، ففيه: # فائدة: ترجع للمهاجرين، لكيلا يتكلوا على نفس الهجرة، فبين لهم عليه ~~السلام أن الهجرة التامة الكاملة هي هجران الفواحش، ففيه حض على التزام ~~الطاعة وعدم الاغترار بالهجرة، وحث على الجد في الفضائل، وأن لا يعتمدوا ~~على الهجرة ويتركوا العمل. # وفيه فائدة ثانية: ترجع إلى من لم يهاجر، وهو إيناس ms0058 لهم وتبيين أن سبل ~~الخير باقية، وأعمال [الطاعات] (¬2) متلاحقة وأن اسم # الهجرة باق لهم [مقول] (¬3) عليهم عند هجران المحارم وجميع ما نهى الله ~~عنه، بل هو أعظم هجرة وأكبر فضيلة. # قلت: والهجرة باقية إلى يوم القيامة من دار الكفر إذا لم يمكنه إظهار ~~دينه إلى دار الإسلام وينبغي أن تعد. # سادسه (¬4): وحديث أنه عليه السلام قال يوم الفتح: "لا هجرة" PageV01P200 # فأول كما ستعلمه -في باب حرمة مكة حيث ذكره المصنف- إن شاء الله تعالى. ~~ثم اعلم أن معنى الحديث وحكمه يتناول الجميع غير أن الحديث ورد على سبب كما ~~سيأتي، والعبرة بعموم اللفظ. # الخامس والعشرون: قوله عليه السلام: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ~~فهجرته إلى الله ورسوله" القاعدة عند أهل العربية أن الشرط والجزاء، ~~والمبتدأ والخبر، لا بد أن يتغايرا [وها هنا] (¬1) وقع الاتحاد في قوله: ~~"فمن كانت هجرته" إلى آخره، فلا بد أن يقدر له شيء وهو: "فمن كانت هجرته ~~إلى الله ورسوله" نية وعقدا "فهجرته إلى الله ورسوله" حكما وشرعا. # السادس والعشرون: قوله عليه السلام: "فمن كانت هجرته، إلى آخره، هو تفصيل ~~لما سبق في قوله: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"، وإنما فرض ~~الكلام في الهجرة لأنها السبب PageV01P201 # الباعث، وعلى هذا الحديث كما سيأتي وقوله: "فمن كانت هجرته" إلى آخره، هو ~~على عمومه، لاختصاصها بالهجرة التي هي [من] (¬1) العبادات وهي متوقفة على النية. # السابع والعشرون: قوله عليه السلام: "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها". ~~"الدنيا" بضم الدال على المشهور، وحكى ابن قتيبة وغيره كسرها وجمعها دنى ~~ككبرى وكبر، وهي من دنوت، لدنوها وسبقها الدار الآخرة، وينسب إليها دنيوي ~~ودنيي وقال الجوهري وغيره: ودنياوي (¬2). # وقوله "دنيا" هو مقصور غير منون على المشهور وهو الذي جاءت به الرواية ~~ويجوز في لغة عربية تنوينها، وقال ابن دحية في كلامه على هذا الحديث في ~~الجزء الذي سماه "جمع العلوم الكليات في الكلام على حديث إنما الأعمال ~~بالنيات": وأكثر ما يتكلم فيه على الإسناد، الدنيا: تأنيث الأدنى، وصرفها ~~أبو الهيثم في ms0059 أصله من صحيح البخاري، قال: وأبو الهيثم لم يكن من أهل ~~العلم، ولم يكن بالقوي أيضا، وكان الحافظ أبو [ذر] (¬3) الهروي بآخرة يسقط ~~أكثر روايته من كتابه لا سيما فيما انفرد به، قاله ابن مفوز الحافظ. # فالدنيا: تأنيث الأدنى مثل حبلى لا ينصرفان؛ لاجتماع الوصفية ولزوم حرف ~~التأنيث آخره، ومعنى هذا أن الهمزة والألف PageV01P202 # لا يفارقان الكلمة وهاء التأنيث تفارق الكلمة، ألا ترى أنك تقول في ~~قائمة: قائم، ولا تقول في حمراء [حمر] (¬1)، ولا في حبلى: حبل، ولا في ~~دنيا: دنى (¬2). # فائدة: في حقيقة الدنيا قولان للمتكلمين. # أحدهما: ما على الأرض مع الجو والهواء. # وأظهرهما: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة. # تنببه: المراد بالإصابة: الحصول، شبه محصل الدنيا بإصابة الغرض بالسهم ~~بجامع حصول المقصرد. # الثامن والعشرون: قوله عليه السلام: "أو امرأة يتزوجها"، أي ينكحها كما ~~جاء في الرواية الأخرى، وقد يستعمل بمعنى الإقران بالشيء ومنه قوله تعالى: ~~{وزوجناهم بحور عين} (¬3) أي قرناهم، قاله الأكثرون. وقال مجاهد والبخاري ~~وطائفة: أنكحناهم. # التاسع والعشرون: إن قلت: كيف ذكرت "المرأة مع PageV01P203 # الدنيا] (¬1) مع أنها داخلة فيها؟ # فالجواب عنه من أوجه: # أحدها: أنه لا يلزم دخولها في هذه الصفة؛ لأن لفظ الدنيا نكرة وهي لا تعم ~~في الإثبات فلا يلزم دخول المرأة فيها. # ثانيها: أن هذا الحديث ورد على سبب وهو أنه لما أمر بالهجرة من مكة إلى ~~المدينة تخلف جماعة عنها فذمهم الله بقوله: {إن الذين توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم} (¬2) الآية، ولم يهاجر جماعة لفقد استطاعتهم ~~فعذرهم واستثناهم بقوله: {إلا المستضعفين من الرجال} (¬3) [الآية] (¬4)، ~~وهاجر المخلصون إليه فمدحهم في غير ما موضع في كتابه، وكان في المهاجرين ~~جماعة خالفت نيتهم نية [المخلصين] (¬5)، منهم من كانت نيته أن يتزوج امرأة ~~كانت بالمدينة من المهاجرين يقال لها أم قيس -وقال ابن دحية في كتابه ~~السالف قريبا: اسمها قيلة- فسمي [بها] (¬6): مهاجر أم قيس، ولا يعرف اسمه ~~بعد البحث عنه ولعله للستر عليه، فكان قصده بالهجرة من مكة إلى المدينة ~~نيته التزوج ms0060 بها لا لقصد فضيلة الهجرة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ذلك وبين مراتب الأعمال والنيات، فلهذا PageV01P204 # خص ذكر المرأة دون سائر ما ينوي به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية ~~لأجل تبيين السبب، كان كانت أعظم أي أسباب فتنة الدنيا، قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء" (¬1)، ~~وذكر الدنيا معها من أسباب زيادة النص على السبب كما أنه [لما] (¬2) سئل عن ~~طهورية ماء البحر زاد "الحل ميتته"، ويحتمل أن يكون هاجر [لمالها] (¬3) مع ~~نكاحها، ويحتمل أنه هاجر لنكاحها وغيره ليحصل دنيا من جهة (¬4) تعرض بهما. # واعلم: أن بعض المتأخرين من أهل الحديث شرع في تصنيف في أسباب الحديث كما ~~صنف في أسباب النزول للقرآن العزيز كالواحدي وغيره، كذا عزاه الشيخ تقي ~~الدين لبعض المتأخرين، وعزاه ابن العطار في شرحه إلى ابن الجوزي وغيره، ~~وسمعت من يذكر أن عبد الغني بن سعيد الحافظ صنف فيه تصنيفا قدر "العمدة" ~~[ومن تتبع الأحاديث] (¬5) قدر على إخراج جملة منها وأرجو أن أتصدى له إن ~~شاء الله تعالى. # ثالثها: أن ذكرها من أسباب التنبيه على زيادة التحذير منها كذكر الخاص ~~بعد العام تنبيها على مزيته كما في ذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة، وذكر ~~الصلاة الوسطى بعد الصلوات في المحافظة، وذكر PageV01P205 # محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بحد ذكر النبيين في أخذ الميثاق ~~عليهم، صلى الله عليهم أجمعين، وليس منه قوله تعالى: {ونخل ورمان} (¬1) بعد ~~ذكر الفاكهة وإن كان قد غلط فيه بعض الناس فعده منه؛ لأن فاكهة نكرة في ~~سياق الإثبات فلا تعم، وقد جاء أيضا في القرآن عكس هذا وهو ذكر العام بعد ~~الخاص كقوله تعالى إخبارا عن إبراهيم عليه السلام: {ربنا اغفر لي ولوالدي ~~وللمؤمنين} (¬2)، وقوله تعالى إخبارا عن نوح: {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل ~~بيتي مؤمنا} (¬3) الآية. # الثلاثون: إن قلت: لم ذم على طلب الدنيا وهو أمر مباح، والمباح لا ذم فيه ~~ولا مدح؟ # فالجواب: أنه لم يخرج في الظاهر لطلب الدنيا وإنما ms0061 خرج في صورة طلب فضيلة ~~الهجرة، فأبطن خلاف ما أظهر فلذلك توجه عليه الذم. # الحادي والثلاثون: إن قلت: لم أعاد - صلى الله عليه وسلم - ما بعد الفاء ~~الواقعة جوابا للشرط بلفظ الأول، أعني قوله: "فهجرته إلى الله ورسوله" ولم ~~يعده في قوله: "ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها"، بل قال: "فهجرته إلى ما ~~هاجر إليه"؟ # فالجواب: أن سر ذلك الإعراض عن تكرير ذكر الدنيا والغض PageV01P206 # منها وعدم الاحتفال بأمرها، وذلك مناسب لما قيل: "من أحب شيئا أكثر من ~~ذكره"، وهو أبعد الناس عن حبها وهذا معنى لطيف، لكن يخدشه رواية ابن ~~الجارود في "المنتقى" (¬1): "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ما ~~هاجر إليه ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما ~~هاجر إليه" ورواية البخاري في أول "صحيحه" مختصرة، ولفظه: "إنما الأعمال ~~بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ~~ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ولم يذكر القطعة الأولى. # الثاني والثلاثون: قال ابن الأنباري في كتاب "الورع": في الحديث دليل على ~~أنه لا يجوز الاقدام على الفعل قبل معرفة حكمه، قال: ووجه الاستدلال منه ~~أنه لا بد للمكلف من الإتيان بما أمر به على وجهه، وقد نفى - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يكون العمل منتفعا به إلا بالنية أي نية التقرب لما طلبه الله من ~~العبد، ولا يتصور ذلك إلا بعد معرفة المطلوب. # خاتمة: قال الخطابي: قد يستدل بهذا الحديث بعد العبادات في أحكام ~~المعاملات كالإكراه على الطلاق والعتاق، وفي باب الأيمان: حتى لو حلف والله ~~ما رأيت زيدا وهو ينوي أنه لم يصب [رئته] (¬2)، وما كلمت محمدا يريد ما ~~جرحته، كان على ما نوى، PageV01P207 # وكذلك يدل على أن من باع واشترى بغش وخلابة أو ربا [بحيلة] (¬1) فإنه ~~محظور في حق الدين، فأما طلاق السكران فلا يدخل فيه؛ لأن صريح الطلاق لا ~~يحتاج إلى النية إلا أن يكون [ذلك] (¬2) بلفظ كناية. # وقال قوم: إن الاستدلال بهذا الحديث ms0062 في غير العبادات لا يجوز لأنه غير ما ~~قصد به. PageV01P208 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 2/ 2/ 1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه: هو دوسي أزدي [يماني] (¬2) مكثر حافظ، وفي ~~اسمه اختلاف شديد، أفرده بعض الحفاظ بجزء وأشهره: عبد الرحمن بن صخر، وقال ~~الحاكم أبو أحمد: إنه أصح، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: عبد الله أو ~~عبد الرحمن هو الذي يسكن القلب إلى اسمه في الإسلام، وقال النووي: الأصح ~~أنه عبد الرحمن من نحو ثلاثين قولا، وقال غيره أكثر من ذلك. # وقال ابن حبان في ثقاته: الأشبه أن اسمه في الجاهية عبدنهم فسماه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله وهو أول من كني بأبي هريرة لهرة PageV01P209 # كانت له يلعب بها صغيرا و [أول] (¬1) من كناه بها فيه قولان: # أحدهما: النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال أبو عمر: وهو الأشبه. # والثاني: والده، وكان يكره تصغيره ويقول: كناني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بأبي هر، ذكره ابن عساكر، وقال ابن إسحاق وأبو عمر: إنه عليه ~~السلام كناه بأبي هريرة، كذا قالاه بالتصغير، وكان يكنى في الجاهلية بأبي ~~الأسود، قال الكلبي: ولأبي هريرة أخ اسمه أبو كريم، قال ابن دريد: وكان أبو ~~هريرة ينتقل في الأحياء ويغير اسمه، أي لأنه كان عليه دم فكان إذا نزل على ~~قبيلة غير اسمه؛ لئلا يفطن به فيؤخذ بمن قتله، فهذا سبب كثرة أسمائه في ~~الجاهلية. # أسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة، وقال ابن هشام: سنة ست، حكاه عنه ابن ~~الطلاع، وبه جزم الشيخ تقي الدين (¬2) في شرحه، وابن الرفعة في كفايته في ~~باب زكاة النبات وجزم بالأول في قتال المشركين، واختلف في شهوده فتحها على ~~ثلاثة أقوال: قيل: نعم، وقيل: لا، وإنما حضر بعد فتحها، وذكر البخاري (¬3) ~~في "صحيحه" ما يدل لحضوره إياها، وقيل: إنه خرج معه إليها، رواه ms0063 البخاري من ~~طريق ثور، وقال موسى بن هارون: وهم ثور، إنما قدم بعد خروجه. PageV01P210 # قلت: والصحيح أنه قدمها بعد خروجه عليه السلام إليها وقبل الفتح. # ومن صفته أنه كان أدم، بعيد ما بين المنكبين، صاحب ضفيرتين، أفرق ~~الثنيتين، وكان يخضب بالحمرة، صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - على ملء ~~بطنه، وكان يدور معه حيث ما دار، وكان غيره يشغله الصفق بالأسواق، فقال ~~عليه السلام مرة: "من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلن ينسى ~~شيئا سمعه مني" قال: فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه ثم قبضتها إلي، فوالذي ~~نفسي بيده ما نسيت بعد شيئا سمعته منه (¬1). وكان ذكر له قبل ذلك: إني اخشى ~~أن أنسى ما أسمعه منك ففعل به [ذلك] (¬2)، وشهد له بالحرص على العلم. # وروى سليم بن حيان عن أبيه عن أبي هريرة قال: نشأت يتيما وهاجرت مسكينا ~~وكنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركبوا وأحتطب ~~إذا نزلوا، [فالحمد لله] (¬3) الذي جعل الدين قواما وأبا هريرة إماما. # وروى أبو يزيد الديني عنه أنه قام على منبر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مقاما دون مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعينه، ثم قال: ~~الحمد لله الذي هدى PageV01P211 # أبا هريرة للإسلام، الحمد لله الذي علم أبا هريرة القرآن، الحمد لله الذي ~~من على أبي هريرة بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، الحمد لله الذي أطعمني ~~الخمير، وألبسني الحبير، الحمد لله الذي زوجني ابنة غزوان بعدما كنت أجيرا ~~لها بطعام بطني وعقبة رجلي، أرحلتني فأرحلتها كما أرحلتني (¬1). [وروى قيس ~~بن أبي حازم عنه قال كنت أصرع بين القبر والمنبر من الجوع حتى يقولوا ~~مجنون] (¬2) وخرج ابن جهضم في كتابه "بهجة الأسرار" أنه عليه السلام قال:" ~~[لكل] (¬3) نبي حكيم وحكيم هذه الأمة أبو هريرة" (¬4)، وفي "الطبقات" دعا ~~له النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحببه إلى كل مؤمن ومؤمنة (¬5)، وقال ~~الإمام أحمد: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت: يا رسول ~~الله ms0064 ما روى أبو هريرة عنك حق؟ قال: نعم. # قلت: روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأكثر، وهو أكثر الصحابة ~~حديثا، قال: حفظت [عن] (¬6) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث جرب ~~أخرجت منها PageV01P212 # جرابين، وفي رواية: حفظت عنه وعائين فأما أحدهما فبثثته للناس وأما الآخر ~~فلو بثثته لقطع هذا البلعوم. روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسة ~~آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثا، وليس لأحد من الصحابة هذا القدر ~~ولا ما يقاربه، أخرج له في الصحيحين ستمائة حديث وتسعة أحاديث، اتفقا منهما ~~على ثلاثمائة وستة وعشرين حديثا، وانفرد البخاري ثلاثة وتسعين ومسلم بمائة ~~وتسعين، قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. قال أبو هريرة ~~فيما يثبت عنه: ليس أحد أكثر حديثا مني إلا فلانا، كان يكتب وأنا لا أكتب. ~~وأراد عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد عاش عبد الله أكثر منه إلا أن أبا ~~هريرة كان مقيما بالمدينة ولم يخرج منها وكان الناس يأتونها من كل ناحية ~~بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكونها محط الركاب لأجل الخلافة ~~ولزيارة قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والصلاة في مسجده (¬1)، ~~ولأجل العلم، وكان أبو هريرة متصديا للرواية ونشر العلم، بخلاف عبد الله بن ~~عمرو فإنه سافر إلى البلاد وغلب عليه العبادة فلهذا لم يشتهر حديثه ولم ~~تكثر روايته، واشتهر وكثر حديث أبي هريرة، رضي الله عنهما. # قال رضي الله عنه: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، والله لولا اثنان في ~~كتاب الله ما حدثت شيئا، وتلى {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من PageV01P213 # البينات} (¬1) إلى قوله {الرحيم} (¬2). وكان يقول: إخواننا من المهاجرين ~~شغلهم الصفق في الأسواق، وإخواننا من الأنصار شغلهم العمل في أموالهم. # رآه أبو بكر بن داود في المنام، وقال له: إني أحبك، فقال: أنا أول صاحب ~~حديث كان في الدنيا. ولقي مرة كعبا فجعل يحدثه ويسأله، قال كعب: ما رأيت ~~أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة. # وكان رضي ms0065 الله عنه من أصحاب الصفة، قال أبو نعيم في الحلية: كان عريفهم ~~وأشهر من سكنها، قال البخاري: روى [عنه] (¬3) أكثر من ثمانمائة رجل ما بين ~~صاحب وتابع. # قلت: وكان أحد من يفتي بالمدينة مع ابن عمر وابن عباس. وكان يسبح في ~~اليوم اثنتي عشر ألف تسبيحة، وكان يدمن من الصيام والقيام والضيافة. # ولي المدينة لمعاوية ثم عزل بمروان، وكان يمر بالسوق يحمل الحزمة [من] ~~(¬4) [الحطب] (¬5). وهو يقول: أوسعوا الطريق للأمير -كان فيه دعابة رضي ~~الله عنه- قال له عمر: كيف وجدت الإمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني ~~وقد أحببتها. وأتاه بأربعمائة ألف PageV01P214 # من البحرين وعزله، ثم أراده على العمل فأبى. # ولم يزل يسكن المدينة، وكان ينزل ذا الحليفة وله بها دار تصدق بها على ~~مواليه فباعوها من عمرو بن بزيغ. وصلى على عائشة رضي الله عنها وأم سلمة ~~[زوجي] (¬1) النبي - صلى الله عليه وسلم -. وكان يقول لبنته: "لا تلبسي ~~الذهب فإني أخشى عليك اللهب". # وقال أبو عثمان [النهدي] (¬2): تضيفت أبا هريرة سبعا فكان هو وامرأته ~~وخادمه يعتقبون الليل أثلاثا يصلي هذا ثم يوقظ الآخر فيصلي ثم يوقظ الثالث. # ومات بها، وقيل: بالعقيق، ودفن بالبقيع، وأما ما اشتهر [بأن] (¬3) قبره ~~بقرية بسناجية (¬4) بالقرب من عسقلان، وعقد عليه # الملك الأشرف ابن منصور قبة، ورأيته مرجعي من القدس الشريف فليس بصحيح، ~~بل ذاك قبر جندرة بن حبشية أبي قرصافة (¬5) كما نص عليه ابن حبان في ~~الصحابة في أول كتابه "الثقات"، فتنبه له. # ولد رضي الله عنه سنة إحدى وثلاثين من الفيل، قاله [العتيقي] (¬6) في ~~"تاريخه"، وفي وفاته أقوال: أحدها: [سنة سبع PageV01P215 # وخمسين، وفيها ماتت عائشة رضي الله عنها. ثانيها: سنة ثمان. ثالثها] ~~(¬1): سنة تسع قال النوي في "شرح مسلم" (¬2): وهو الصحيح. وقال ابن حبان في ~~"ثقاته": مات [سنة] (¬3) سبع أو ثمان. وقيل: مات ستة خمس، وقيل: ست، حكاهما ~~الذهبي في "تذكرته" (¬4). وقال الواقدي: صلى على عائشة في رمضان سنة ثمان ~~وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع، ثم توفي بعدها في هذه السنة وله ms0066 ثمان وسبعون ~~سنة (¬5)، وكان يقول "اللهم لا تدركني سنة ستين" فتوفي فيها أو قبلها بسنة، ~~وقد أوضحت ترجمته فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب وهذا القدر ~~هنا كاف، والله الموفق. # الوجه الثاني: قوله عليه السلام: "لا يقبل" هو بفتح الياء كيعلم، والماضي ~~مكسور كعلم، والقبول: يراد به في الشرع: PageV01P216 # حصول الثواب، وقد تتخلف الصحة عن الثواب بدليل صحة صلاة العبد الآبق، ومن ~~أتى عرافا، وشارب الخمر إذا لم يسكر ما دام في جسده شيء منها، وكذا الصلاة ~~في الدار المغصوبة على الصحيح عندنا، فأما ملازمة القبول للصحة، ففي قوله ~~عليه السلام: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (¬1)، صححه الأئمة ابن ~~خزيمة وابن حبان والحاكم. # والمراد بها من بلغت سن الحيض فإنها لا تقبل صلاتها إلا بسترتها، ولا تصح ~~ولا تقبل مع إنكشاف عورتها، والقبول مفسر بترتب الغرض المطلوب من الشيء على ~~الشيء، يقال: قبل فلان عذر فلان، إذا رتب على عذره الغرض المطلوب منه وهو ~~محو الجناية والذنب، فقوله عليه السلام: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث ~~حتى يتوضأ" هو عام في عدم القبول من جميع المحدثين في [جميع] (¬2) أنواع ~~الصلاة، والمراد بالقبول وقوع الصلاة مجزئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا يلزم ~~من القبول الصحة في الظاهر والباطن، ومتى ثبت القبول ثبتت الصحة، ومتى ثبتت ~~الصحة ثبت القبول. PageV01P217 # ونقل عن بعض المتأخرين أن القبول عبارة عن ترتب الثواب والدرجات على ~~العبادة، والإجزاء: عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران، أحدهما: أخص من ~~الآخر، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فالقول على هذا التفسير أخص من ~~الصحة، فكل مقبول صحيح ولا عكس، وهذا إن نفع في نفي القبول مع بقاء الصحة ~~فيما سلف، ضر في نفي القبول مع نفي الصحة كما هو محكي عن الأقدمين، إلا أن ~~يقال: [دل] (¬1) [الدليل على كون القبول من لوازم الصحة، فإن انتفى انتفت، ~~فيصح الاستدلال] (¬2) بنفي القبول على نفي الصحة، ويحتاج في نفيه مع بقائها ~~في تلك الأحاديث إلى تأويل أو تخريج ms0067 جواب، [ويرد] (¬3) على من فسر القبول ~~بكون العبادة مثابا عليها أو مرضية، مع أن قواعد الشرع تقتضي أن العبادة ~~إذا أتى بها مطابقة للأمر كانت سببا للثواب، في ظواهر لا تحصى. # [تنبيه] (¬4): الحكم مرتفع ومتجدد باعتبار تعلقه لا باعتبار ذاته، فيصح ~~قولك: نويت رفع الحدث، وإن كان [بالمنع] (¬5) حكما قديما فلا يستحيل رفعه ~~بهذا الاعتبار [كما] (¬6) نبه عليه القرافي رحمه الله. PageV01P218 # [الثالث] (¬1): الحدث عبارة [عما ينقض] (¬2) الوضوء، ومحل الخوض في ~~تفاصيله كتب الفروع، قد أوضحناها فيها، وقد فسره أبو هريرة (¬3) راوي ~~الحديث بنوع من الحدث حين سئل عنه فقال: فساء أو ضراط، وكأنه أجاب السائل ~~عما يجهله منها أو عما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر. # والحدث بموضوعه يطلق على الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس. # والأصغر: كنواقض الوضوء، وقد يسمى نفس الخارج حدئا، وقد يسمى المنع ~~المترتب عليه حدثا، وبه يصح قولهم: رفعت الحدث، نويت رفعه، وإلا استحال ما ~~يرفع أن لا يكون رافعا، وكأن الشارع جعل أمد المنع المرتب على خروج الخارج ~~إلى استعمال [الطهر] (¬4) وبهذا يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث لكون ~~المرتفع هو المنع وهو مرتفع بالتيمم لكنه مخصوص بحالة ما أو [بوقت] (¬5) ~~ما، وليس ذلك ببدع؛ فإن الأحكام قد تختلف باختلاف محلها. # وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبا لكل صلاة فقد ثبت PageV01P219 # أنه كان مختصا بوقت مع كونه رافعا للحدث [اتفاقا، ولا (¬1) يلزم من ~~انتهائه في ذلك الوقت بانتهاء وقت الصلاة أن لا يكون رافعا للحدث] (¬2)، ثم ~~نسخ في فتح مكة وصلى الشارع الخمس بوضوء واحد، ونقل عن بعضهم أنه مستمر ثم ~~نسخ وهو مردود، لكن الحكم في الاستحباب باق؛ لأنه إذا نسخ الوجوب بقي الندب ~~على ما تقرر في كتب الأصول. # وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن الحدث وصف حكمي مقدر قيامه في ~~الأعضاء (¬3) على معنى الوصف الحسي، وينزلون الوصف الحكمي مزلة الحسي في ~~قيامه بالأعضاء، كقولنا: الغسل والوضوء يرفع الحدث، أي يزيل الأمر الحكمي ~~المرتب على المقدر الحكمي، [فمن] (¬4) يقول بأن ms0068 التيمم لا يرفع الحدث يقول: ~~إن الأمر المقدر الحكمي باق لم يزل، # والمنع الذي هو مرتب عليه زائل، ولا دليل من (¬5) حيث الشرع يدل عليه، ~~وأقرب ما يذكر فيه كما قال الشيخ تقي الدين (¬6): أن الماء المستعمل قد ~~إنتقل إليه مانع وذلك متنازع في طهارته أو طهوريته فلا يلزم انتقال المانع ~~إليه فلا يتم الدليل، وهذا تحقيق منه فلينظر توجيه PageV01P220 # المشهور من مذهب مالك الشافعي أن التيمم لا يرفع الحدث. # الرابع: قوله عليه السلام: "حتى يتوضأ" نفى القبول إلى غاية وهو الوضوء، ~~وما بعد الغاية مخالف لما قبلها؛ فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقا، ~~ودخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيا وتحققه أن [الصلاة] (¬1) ~~اسم جنس وقد أضيف فعم، وهذا مجمع عليه في الوضوء. # فائدة: أصل الوضوء: من الوضاءة، وهو الحسن والنظافة. # وهو بالضم: الفعل. # وبالفتح: الماء على أفصح اللغات. # الخاص: هذا الحديث محمول عند العلماء على [أن] (¬2) ترك الوضوء بلا عذر، ~~أما من [ترك] (¬3) بعذر وأتى ببدله فالصلاة مقبولة قطعا؛ لأنه قد أتى بما ~~أمر به قطعا، على أن التيمم من أسمائه الوضوء، قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين" الحديث، صحح ابن ~~القطان إسناده من حديث أبي هريرة، [وصححه] (¬4) الترمذي وابن حبان والحاكم ~~من حديث أبي ذر، رضي الله عنهما (¬5). PageV01P221 # السادس: هذا الحديث نص في وجوب الطهارة وشرطها في الصلاة وهو إجماع، ~~واختلفوا: متى فرض الوضوء؟ # فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء كان في أول الإسلام سنة، ثم نزل فرضه في ~~آية التيمم. # وقال الجمهور: بل كان قبل ذلك فرضا. # واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة أو على المحدث خاصة. # فذهب ذاهبون من السلف: إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض بدليل قوله تعالى: ~~{إذا قمتم إلى الصلاة} (1) الآية. # وذهب [قوم] (2): إلى أن ذلك [قد] (3) كان ثم نسخ. # وقيل: الأمر به لكل صلاة على الندب. # وقيل: بل [لم] (4) يشرع إلا لمن أحدث ولكن تجديده لكل PageV01P222 # صلاة ms0069 مستحب، وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك ولم يبق بينهم خلاف، ومعنى ~~الآية عندهم: إذا قمتم محدثين. # وأما الوضوء لغير الفرائض فذهب بعضهم إلى أن الوضوء بحسب ما يفعل له من ~~نافلة أو فريضة. # قلت: وهو عجيب لا جرم، [رده] (¬1) بعض المالكية إلى أنه هل ينوي بالوضوء ~~الفرض أو النفل؟ # وذهب بعضهم: إلى أنه فرض على كل حال، حكى هذا كله القاضي عياض، وبعضه ~~قدمناه في أثناء الوجه الثالث (¬2). # السابع: استدل المتقدمون بهذا الحديث على أن الصلاة لا تجوز إلا بطهارة ~~ولا [يلزم] (¬3) من انتفاء القبول انتفاء الصحة كما سلف، وقد تكون الصلاة ~~مقبولة ولا تيمم في حق فاقد الطهورين فإنها صحيحة مقبولة، ولا تجب إعادتها ~~على أحد الأقوال [عندنا] (¬4) وهو المختار عند جماعة من محققي أصحابنا وقول ~~جماعة [من العلماء] (¬5)، فيكون الحديث خرج على الأصل والغالب، والإعادة ~~والقضاء لا يجبان إلا بأمر جديد، وهذا كله على مذهب [من] (¬6) يقول: إن ~~الطهارة شرط في الصحة، أما من يقول إنها شرط للوجوب PageV01P223 # كمالك وابن نافع فإنهما قالا: فاقد الطهورين لا يصلي ولا يقضي إن خرج ~~الوقت؛ لأن عدم قبولها لعدم شرطها يدل على أنه ليس مخاطبا بها حال عدم ~~شرطها، فلا يترتب في الذمة شيء فلا يقضي، لكن قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (¬1) يمنع هذا، فإنه أمر بالصلاة ~~بشروط تعذرت، فيأتى بها، ولا يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط بالنسبة ~~إلى أصل الوجوب، وهذه المسألة فيها أربعة أقوال عندنا وعند المالكية أيضا، ~~لكن عندهم قوله: إنه لا يصلي ولا يقضي، وليس عندنا، وقد نظمها بعض المالكية ~~في بيتين فقال: # ومن لم يجد ماء ولا متيمما ... فأربعة الأقوال يحكون مذهبا # يصلي ويقضي عكس ما قال مالك ... وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا # الثامن: قد استدل بهذا الحديث على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان خروجه ~~اختيارا أم اضطرارا؛ لعدم تفريقه عليه السلام # بين حدث وحدث في حالة دون حالة، وقد حكي عن مالك والشافعي في القديم ~~وغيرهما ms0070 أنه إذا سبقه الحدث يتوضأ ويبني على صلاته، وإطلاق الحديث يرده. # التاسع: قام الإجماع على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب لغير ~~فاقد الطهورين، ولا فرق في ذلك بين الصلاة # المفروضة والنافلة وسجود التلاوة والشكر. # وحكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري أنهما أجازا PageV01P224 # صلاة الجنازة بغير وضوء، وهو باطل؛ لعموم هذا الحديث وللإجماع، ومن ~~الغريب أنه [وجه] (¬1) عند الشافعية كما أفدته في # "شرح المنهاج". # فرع: لو صلى محدثا متعمدا بلا عذر أثم ولا يكفر عندنا وعند الجمهور. وحكي ~~عن أبي حنيفة أنه يكفر لتلاعبه، دليل الجمهور أن الكفر بالاعتقاد وهذا ~~المصلي اعتقاده صحيح، وأبدى بعضهم في هذا الاستدلال نظرا؛ للاتفاق على ~~تكفير من استهان بالمصحف استهانة مخصوصة في الصورة المخصوصة (¬2). # فائدة: اختلف أصحابنا وغيرهم في موجب الوضوء ما هو؟ على ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه يجب بالحدث وجوبا موسعا. # ثانيها: أنه يجب بالقيام إلى الصلاة؛ بدليل الآية السالفة. # ثالثها: أنه يجب بالأمرين جميعا، وهو أرجحها عندنا، وقطع بعضهم بأن الحدث ~~سبب والوضوء شرط كالاستطاعة في الحج، PageV01P225 # وقد ذكرت في "شرح المنهاج" فائدة هذا الخلاف فليراجع منه. # العاشر: لا بد في الحديث من تقدير حذف وهو: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا ~~أحدث حتى يتوضأ ويصلي؛ إذ يستحيل قبول صلاة غير مقبولة. # الحادي عشر: قد يستدل بهذا الحديث على طرح الشك واستصحاب يقين الطهارة؛ ~~لقوله عليه السلام: "إذا أحدث". ولا يقال (أحدث) إلا مع اليقين. PageV01P226 ### ||| AUTO الحديث الثالث والرابع والخامس # 3، 4، 5/ 3، 4، 5/ 1 - عن [عبد الله] (¬1) بن عمرو بن العاص وأبي هريرة ~~وعائشة رضي الله عنهم قالوا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ويل ~~للأعقاب من النار" (¬2). # الكلام عليه من ثلاثة عشر وجها: [بعد أن يعلم أن حديث عائشة من أفراد ~~مسلم كما نبه عليه عبد الحق في جمعه] (¬3): PageV01P227 # أحدها: [تعريف رواته] (¬1): أما عبد الله بن عمرو بن العاصي بإثبات الياء ~~على [الأصح] (¬2) فهو أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن (¬3)، قرشي سهمي، أحد ~~من هاجر هو وأبوه قبل الفتح، وأبوه ms0071 أسن منه بأحد عشر عاما، وأسلم قبل أبيه. # وأمه: [ريطة] (¬4) بنت منبه بن الحجاج السهمية. # وزوجته: عمرة بنت [عبيد الله] (¬5) بن العباس بن عبد المطلب، وهي أم ابنه ~~محمد والد شعيب. # وكان [رضي الله عنه] (¬6) غزير العلم، مجتهدا في العبادة، يسرد الصوم ولا ~~ينام الليل، فشكاه أبوه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له ~~عليه السلام [إن] (¬7) لعينك عليك حقا" (¬8) الحديث، كما سيأتي في الصوم ~~بكماله إن شاء الله تعالى، وكان كثير كتابة العلم والحديث وهو أكثر أقرانه ~~حملا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو هريرة أكثر رواية منه، ~~وتقدم في الحديث PageV01P228 # قبله سببه، وكان [رسول الله] (¬1) - صلى الله عليه وسلم - يقول فيهم: ~~"نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله" (¬2)، وقيل: كان اسمه ~~العاصي (¬3)، فغيره النبي - صلى الله عليه وسلم - وفضله النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على والده، وحفظ القرآن أجمع. قال عن نفسه: جمعت القرآن فقرأته ~~كله في ليلة، قال عليه السلام: "اقرأه في شهر"، وذكر الحديث. # وكان يقرأ كتب الأولين التوراة والإنجيل، وله حكم ومواعظ، حضر صفين مع ~~والده خوف العقوق ولم يسل سيفا وكانت بيده الراية يومئذ فندم ندامة شديدة، ~~له بستان بالطائف يسمى الرهط قيمته ألف ألف درهم، روي له عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سبعمائة حديث، أخرج له منها في الصحيحين خمسة وأربعون، ~~اتفقا على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين، وروى عنه جماعة ~~من التابعين. # قال ابن يونس: روى عنه من أهل مصر نيف وخمسون رجلا، في وفاته أقوال، قال ~~ابن حبان: أصحها سنة ثلاث وستين عام # الحرة، قال: وكان يسكن مكة ثم خرج إلى الشام وأقام بها ومات بمصر. PageV01P229 # قلت: وفي موضع قبره أربعة أقوال: أحدها: بمصر، وبه جزم ابن حبان كما ~~[ذكرته] (¬1) عنه، ثانيها: الطائف، ثالثها: بمكة، # رابعها: بفلسطين، قال ابن حبان وغيره: وكان له يوم مات ثنتان وسبعون سنة، ~~وأما أبو هريرة فتقدم التعريف به في الحديث قبله. # أما عائشة: [فهي] ms0072 (¬2) الصديقة بنت الصديق والحبيبة بنت الحبيب أبي بكر ~~عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرة بن # كعب بن سعد [بن] (¬3) تيم بن مرة بن كعب، أم المؤمنين. قال ابن عبد البر: ~~لم يختلف في اسم أبيها وجدها وأن لقب أبي بكر عتيق. # كنيتها: أم عبد الله، كنيت بابن أختها عبد الله بن الزبير بإذنه - صلى ~~الله عليه وسلم -، وقيل لسقط لها، وهو ضعيف، وعائشة: مأخوذة من العيش، وحكي ~~عيشة بلغة فصيحة، وأمها: أم رومان -بفتح الراء وضمها- زينب بنت عامر، وقيل: ~~بنت دهمان من بني مالك بن كنانة، وعائشة وأبوها وجدها صحابة وشاركها في ذلك ~~جماعة من الصحابة لكنه قليل، نعم لا يوجد أربعة صحابة متوالدون إلا في آل ~~أبي بكر الصديق: عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، ومحمد بن عبد ~~الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة. # وعائشة رضي الله عنها من أكبر فقهاء الصحابة، يرجعون إليها، قال القاسم ~~بن محمد: اشتغلت بالفتوى في خلافة PageV01P230 # [أبي] (¬1) بكر وعمر وعثمان وهلم جرا إلى أن ماتت. # تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة بسنتين، وقيل: ثلاث، ~~وقيل: غير ذلك، وهي بنت ست، وبنى بها في شوال بعد وقعة بدر في السنة ~~الثانية من الهجرة وهو الصحيح، قال الواقدي: في الأولى، وصححه الدمياطي، ~~وأما ابن دحية فوهاه بالواقدي، فأقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر ~~[وتوفي رسول الله وهي ابنة ثمان عشرة] (¬2). # وولدت ستة أربع من النبوة، نزلت براءتها من السماء، ولها عدة خصائص، عاشت ~~خمسا وستين سنة. # بعث إليها معاوية بمائة ألف فما غابت عليها الشمس حتى فرقتها [فقالت] ~~(¬3) مولاة لها: لو اشتريت لنا من ذلك بدرهم لحما [فقالت] (¬4): ألا ~~ذكرتيني. [كذا] (¬5) رواه هشام عن [أبيه] (¬6). وروى أبو معاوية عن هشام عن ~~محمد بن المنكدر عن أم درة أن عائشة رضي الله عنها بعث إليها [ابن] (¬7) ~~الزبير بمال في غرارتين، قالت: أراه ثمانين ومائة ألف، فدعت بطبق وهي يومئذ ~~صائمة PageV01P231 # [فجلست] (¬1) فقسمته فأمست وما ms0073 عندها منه درهم، فقالت: يا جارية هلمي ~~فطري فجاءتها بزيت وخبز، فقالت لها أم درة: أما استطعت أن تشتري لنا لحما ~~بدرهم [نفطر عليه] (¬2)؛ قالت: لا تعنفيني لو كنت ذكرتيني لفعلت، وروى ابن ~~أبي مليكة أن عائشة بنت طلحة حدثته أن عائشة قتلت جنانا فأريت في المنام: ~~والله لقد قتلت مسلما، فقالت: لو كان مسلما ما دخل على أزواج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقيل لها: وهل دخل إلا وعليك ثيابك؟ فأصبحت فزعة فأمرت ~~باثني عشر ألف درهم فجعلتها في سبيل الله. # روت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[ألفي] (¬3) حديث ومائتي حديث وعشرة ~~أحاديث، اتفقا منها على مائة وأربعة وسبعين حديثا، وانفرد البخاري بأربعة ~~وخمسين، ومسلم بثمانية وستين، [وقيل: بتسعة وستين] (¬4)، وروت عن خلق من ~~الصحابة، وروى عنها جماعة من الصحابة والتابعين قريب من مائتين، وكانت ~~عائشة مسماة لجبير بن مطعم [فصلها] (¬5) منهم الصديق وزوجها من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، روى البخاري من حديث عروة مرسلا أنه عليه السلام خطب ~~عائشة إلى أبي بكر فقال أبو بكر: إنما أنا أخوك، فقال: "أنت أخي في الله ~~وكتابه، وهي لي حلال". [وروى الإمام أبو بكر الإسماعيلي في معجمه عن PageV01P232 # عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: جاء الصديق وأم رومان حتى دخلا على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، قال: "ما جاء بكما"؛ قالا: يا رسول الله لتستغفر ~~لعائشة ونحن شهود، قال: "اللهم اغفر لعائشة بنت أبي بكر مغفرة ظاهرة وباطنة ~~لا تغادر ذنبا" فلما رأى سرورهما بذلك قال: "ما زالت هذه [هي] (¬1) دعوتي ~~لمن أسلم من أمتي من لدن بعثني الله عز وجل إلى يومي هذا"] (¬2) (¬3). # ماتت رضي الله عنها بعد الخمسين، إما ستة خمس أو ست أو سبع أو ثمان، في ~~رمضان، وقيل: شوال، وأمرت أن تدفن ليلا بعد الوتر [بالبقيع] (¬4)، وصلى ~~عليها أبو هريرة، وترجمتها بسطتها في العدة في [معرفة] (¬5) رجال هذا ~~الكتاب، يتعين عيك مراجعتها منه. PageV01P233 # فائدة: مات - صلى الله عليه وسلم - (¬1) عن تسع نسوة وعائشة أفضلهن ms0074 قطعا، ~~وهل هي أفضل من خديجة بنت خويلد؟ فيه وجهان في التتمة، وترجح من فضل خديجة ~~عليها بأنها أول الناس إسلاما، كما نقل الثعلبي الإجماع عليه. # الوجه الثاني: كلمة "ويل" من المصادر التي لا أفعال لها، ومثلها: ويح، ~~وويب، وويس، ويقال: ويل وويله، قال تعالى: {قالت يا ويلتى أألد} (¬2) ~~والأصل [يا ويلتي] (¬3) فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفا [كيا] (¬4) ~~غلاما في إحدى اللغات الست، وتستعمل مفردا مضافا فإذا أفرد فالأكثر الرفع ~~وإذا أضيف فالأكثر النصب، فالرفع على الابتداء، والنصب: إما على المصدرية ~~كأنه قال: ألزمه الله ويلا ونحو ذلك، ويقال: ويل له، وويل عليه، وويل منه، ~~قال الشاعر: # قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويل عليك وويلي منك يا رجل PageV01P234 # و "ويل" كلمة عذاب وحزن وهلاك وحكى [القاضي عياض فيها ستة أقوال (¬1): # أحدها: أنها تقال لمن وقع في الهلاك. # ثانيها: لمن استحقه. # ثالثها: [أنها] (¬2) الهلاك نفسه. # رابعها: مشقة العذاب. # خامسها: الحزن. # سادسها: واد في جهنم لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره، وقال ابن مسعود: ~~منها صديد أهل [النار] (¬3). ولعله المراد هنا؛ لقوله: "من النار" (¬4). # قال البغوي: وتكون تفجعا، وتكون تعجبا، ومنه قوله عليه السلام: "ويله ~~مسعر حرب". # الثالث: "الأعقاب": جمع عقب، وهي مؤخر القدم، وعقب كل شيء: آخره، وهي ~~مؤنثة، وتسكن القاف وتكسر، وجاء أيضا في الصحيح "ويل [للعراقيب] (¬5) من ~~النار"، وهي جمع: عرقوب بضم العين في الفرد وفتحها في الجمع، وهو العصب ~~الغليظ الموتر فوق PageV01P235 # عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يديها، قال ~~الأصمعي: وكل ذي أربع عرقوباه في رجليه وركبتاه في يديه. # الرابع: خص النبي - صلى الله عليه وسلم - (الأعقاب) بالعقاب بالنار؛ ~~لأنها التي لم تغسل غالبا، وقيل: أراد صاحب الأعقاب، فحذف المضاف؛ لأنهم ~~كانوا [لا] (¬1) يستقصون غسل أرجلهم في الوضوء (¬2). # الخامس: هذا الحديث مما ورد على سبب، فإنه عليه السلام رأى أقواما ~~وأعقابهم تلوح فقال ذلك (¬3). # السادس: الألف واللام في الأعقاب يحتمل أن تكون للعهد [فيختص] (¬4) الذكر ~~بتلك الأقدام المرئية التي لم يمسها ms0075 الماء، ويحتمل أن تكون للجنس فلا تختص ~~بها، بل الأعقاب التي هذه صفتها لا تعم بالمطهر، وهو الأظهر؛ لأن الأول فيه ~~تخصيص العموم [بسببه] (¬5) ولا يجوز أن يكون للعموم المطلق في كل الأقدام ~~ومسحها، بل يكون [للعموم] (¬6) المطلق فيها يراد بالتضمين بالتنبيه بالأدنى ~~على الأعلى. # السابع: في الحديث دليل على وجوب تعميم الأعضاء PageV01P236 # بالمطهر، وأن ترك البعض منها غير مجزىء، ونصه إنما هو في الأعقاب وسبب ~~التخصيص أنه ورد على سبب كما سبق. # الثامن: استدل به أيضا على أن العقب محل التطهير بالغسل وجوب كل المتوعد ~~بالنار على تركه عند رؤيته يلوح من غير غسل، وقال عليه السلام في بعض طرقه: ~~"أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار" (¬1). قال البيهقي: وصح من حديث ~~عمرو بن عنبسة التصريح بأن الله [تعالى] (¬2) أمر بالغسل فإن لفظه: "ثم ~~يغسل رجليه كما أمره الله". وصح من حديث عثمان الآتي في الباب وجماعة أنه ~~عليه السلام: "غسل"، فانضم القول إلى الفعل وتبين أن المأمور به الغسل، ~~وهذا من أحسن الأدلة، واستدل برواية "أسبغوا" على أن المسح لا يجزئ فيه، ~~وهذا إجماع ووراءه مذاهب باطلة: # أحدها: وجوب مسح الرجلين وهو مذهب الشيعة. # وثانيها: وجوب الجمع بين المسح والغسل وهو قول بعض أهل الظاهر. # وثالثها: أنه مخير بينهما وهو قول محمد بن جرير الطبري، وعزاه الخطابي ~~إلى الجبائي المعتزلي [فليحرر] (¬3). PageV01P237 # وقد صنف في المسألة الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (¬1)، وسليم الرازي (¬2) ~~فأفادا، وقراءة الخفض في قوله تعالى {وأرجلكم} عنها أجوبة. # منها: أنها عطف على الرأس (¬3) فهما [يمسحان] " (¬4) لكن إذا PageV01P238 # كان عليهما [خفان] (¬1) وتلقينا هذا القيد من فعله عليه السلام، إذ لم ~~يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان، والمتواتر عنه غسلهما، فبين - صلى ~~الله عليه وسلم - علة الحال التي تغسل فيها الرجل، والحال التي تمسح فيها. # ومنها: [أن] (¬2) العطف على الجوار لكنها لغة شاذة (¬3)، قال الأمام في ~~البرهان: وكل تأويل يؤدي إلى حمل القرآن على [دليل] (¬4) شاذ في اللغة لا ~~يقبل، ويعد متأوله معطلا [لا مأولا] (¬5). # ومن الغريب ms0076 أن بعض من يقول بالمسح يدعي أن ذلك بنص القرآن، وأن من يقول ~~بالغسل متعلقه خبر واحد، ولا يصح نسخ القرآن بخبر الواحد، وهذا إنما يلزم ~~أن لو كان القرآن نصا فيما [ادعاه] (¬6) لا يحتمل التأويل، وهو قابل له كما ~~قررناه، ويعضد هذا التأويل أنه عليه السلام لما علمهم الوضوء غسل رجليه، ~~وكل من وصف وضوءه لم يذكر في الرجلين غيره. # التاسع روى البخاري من حديث ابن عمر أنه قال عليه السلام قوله: "ويل ~~للأعقاب من النار" لما رآهم مسحوا على أرجلهم، PageV01P239 # وترجم عليه: غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين (¬1) قال الشيخ تقي الدين ~~(¬2): فهم البخاري من هذا الحديث أن القدمين لا يمسحان بل يغسلان، وهو عندي ~~غير جيد، لأنه مفسر في الرواية الأخرى أن الأعقاب كانت تلوح لم يمسها ~~الماء، ولا شك أن هذا موجب للوعيد بالاتفاق، والذين استدلوا على أن المسح ~~غير مجز إنما اعتبروا لفظه فقط، فقد رتب الوعيد على مسمى المسح، وليس فيها ~~ترك بعض العضو، والصواب -إذا جمعت طرق الحديث- أن يستدل ببعضها على بعض، ~~ويجمع ما يمكن جمعه، فبه يظهر المراد. # العاشر: في وجوب تعليم الجاهلين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # الحادي عشر: استدل بعضهم بهذا الحديث على نزع الخاتم في الوضوء فإنه عقب ~~من جهة المعنى، والبخاري قال: باب غسل الأعقاب، ثم قال: وكان ابن سيرين ~~يغسل موضع الخاتم إذا توضأ، ثم ذكر [موضع] (¬3) هذا الحديث [فكأنه ترجم به ~~عليه واستدل بالحديث] (¬4). PageV01P240 # الثاني عشر: فيه حجة لأهل السنة أن المعذب الأجساد (¬1). # الثالث عشر: فيه التعذيب على الصغائر؛ لما قد علمت من الاختلاف في فرض ~~الرجلين، فابن جرير يقول: إنه مخير بين الغسل # والمسح (¬2). واستدل به بعضهم على تعميم الرأس بالمسح؛ لأن PageV01P241 # التبعيض فيه عقب من جهة المعنى، وليس المراد في الحديث خصوص العقب ~~الحقيقي، بدليل ما صنع البخاري في استدلاله به # على نزع الخاتم وهو استدلال عجيب. PageV01P242 ### ||| AUTO الحديث السادس # 6/ 6/ 1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0077 ~~- قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل [الماء] (¬1) في أنفه، ثم لينتثر، ومن ~~استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن [يدخلهما في ~~الإناء ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري] (¬2) أين باتت يده". # وفي لفظ لمسلم: "فليستنشق بمنخريه من الماء". # وفي لفظ: "من توضأ فليستنشق" (¬3). # الكلام عليه من ثمانية وعشرين وجها: PageV01P243 # الأول: في التعريف يراويه وقد سلف في الحديث الثاني. # قال ابن منده في مستخرجه: وروى قوله عليه السلام: "فليستنثر ومن استجمر ~~فليوتر" مع أبي هريرة من الصحابة ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله. # الثاني: قول الراوي ["أن" هو] (¬1) عند الإطلاق محمول على السماع خصوصا ~~إن كان الراوي صحابيا وقد أدرك الواقعة، # وقد أسلفنا ذلك في الوجه الثاني عشر في الكلام على الحديث الأول. # الثالث: قوله عليه السلام: "إذا توضأ" أي [إذا] (¬2) أراد الوضوء، ومنه ~~قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ} (¬3) أي إذا أردت القراءة. # الرابع: قوله عليه السلام: "فليجعل في أنفه": أي ماء، فحذف ذلك للعلم به، ~~ففيه دلالة على جواز حذف المفعول إذا دل # الكلام عليه، [وورد] (¬4) ذكر المفعول في [رواية] (¬5) أخرى. # الخامس: معنى "يجعل" هنا ملغى "ولجعل" ستة معان: PageV01P244 # أحدها: أوجده، ومنه قوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} (¬1) فيتعدى إلى ~~مفعول واحد. # ثانيها: صير، ومنه: جعلت البصرة بغداد، فيتعدى إلى مفعولين بنفسه. # ثالثها: ألقى، ومنه: جعلت المتاع بعضه على بعض، فيتعدى إلى [مفعولين] ~~(¬2)، [الأول] (¬3) بنفسه والثاني بحرف الجر. # رابعها: اعتقد، كقوله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا} (¬4) فيتعدى إلى مفعولين. # خامسها: أوجب، كقولهم: جعلت للعامل كذا، فيتعدى إلى واحد. # سادسا: شرع، ومنه: جعل زيد يقول كذا، فيكون من أفعال المقاربة يرفع الاسم ~~وينصب الخبر إلا أن خبره لا يكون فعلا مضارعا [فيه ضمير] (¬5) يعود على ~~اسمها كما مثلناه. # السادس: الانتثار: هو دفع الماء للخروج من الأنف، مأخوذ من النثرة وهي ~~طرف الأنف، وقال الخطابي: [هي] (¬6) الأنف. PageV01P245 # ومنهم من جعله جذب الماء إلى الأنف وهو الاستنشاق [وهو أعني الاستنشاق] ~~(¬1) مأخوذ من النشق، وهو جذب ms0078 الماء بريح الأنف إلى داخله. # [وقيل] (¬2): هو مشترك بينهما، وهو قول ابن الأعرابي (¬3) وابن قتيبة ~~(¬4) والصواب الأول، ويدل له حديث عثمان الآتي في الباب وكذا حديث عبد الله ~~بن زيد الآتي فيه أيضا، أنه عليه السلام: "استنشق واستنثر" فجمع بينهما ~~وذلك يقتضي التغاير. ومنهم من قال: سهمي جذب الماء استنشاقا بأول الفعل ~~واستنثارا بآخره وهو استدخال الماء بنفس الأنف للدخول والخروج، وقال الفراء ~~(¬5): يقال: نثر الرجل واستنثر، إذا حرك النثرة في الطهارة. # السابع: الاستجمار: مسح جميع محل البول والغائط PageV01P246 # بالجمار، وهي الأحجار الصغار، ومنه الجمار التي يرمى بها في الحج، قال ~~ابن حبيب: وكان ابن عمر يتأول الاستجمار هنا على # إجمار الثياب بالمجمر (¬1)، ونحن نستحب الوتر في الوجهين جميعا، أي فإنه ~~يقال في هذا تجمر واستجمر، فيأخذ ثلاث قطع من الطيب أو يتطيب مرات واحدة ~~بعد الأولى، وحكي عن مالك أيضا (¬2)، والأظهر الأول. # الثامن: الإيتار: أن يكون الاستجمار بوتر، لكن هو عند الشافعى لا يجوز ~~بأقل من ثلاث وإن حصل الإنقاء بدونه، لأن الواجب عنده أمران: [إمكان] (¬3) ~~إزالة العين، واستيفاء ثلاث مسحات، فإن حصل الإنقاء بثلاث فلا زيادة وإن لم ~~يحصل وجبت، # وهذا الحديث يدل على وجوب الإيتار، لكن بالثلاث من دليل آخر وهو نهيه - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار (¬4). # ووافقنا أحمد على وجوب استيفاء ثلاث مسحات وإن حصل الإنقاء بدونها، وبه ~~قال القاضي أبو الفرج والشيخ أبو إسحاق من # المالكية (¬5)، وقد يقال: لا دلالة في هذا الحديث؛ لأن الإيتار PageV01P247 # [أعم] (¬1) أن يكون بواحد أو ثلاث أو بغير ذلك ولا يلزم في وجود الأعم ~~وجود الأخص، وقال الخطابي: فيه دليل على ذلك إذ معقول أنه لم يرد الوتر ~~الذي هو واحد [فرد؛ لأنه زيادة وصف على الاسم، والاسم لا يحصل بأقل من ~~واحد] (¬2) فعلم أنه قصد به ما زاد على الواحد وأقله الثلاث. # ومذهب مالك وأبي حنيفة أن الواجب الإنقاء لا غير (¬3)، واستدل القاضي عبد ~~الوهاب (¬4) بهذا الحديث نفسه على عدم التعداد معللا بأن أقل ms0079 ما يقع عليه ~~الاسم مرة واحدة، ثم استدل بحديث: "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن ~~لا فلا حرج" (¬5). ولا دلالة في هذا لما سيأتي قريبا، ثم استدل بأقية ~~معارضة للنص السالف. PageV01P248 # فرع: المراد بالإيتار: عندنا أن يكون عدد المسحات ثلاثا أو خمسا أو فوق ~~ذلك من الإيتار (¬1)، [ومذهبنا] (¬2) أنه فيما زاد على الثلاث سنة، فإن حصل ~~الإنقاء بثلاث فلا زيادة وإن لم يحصل وجبت، ثم إن حصل بوتر فلا زيادة، وإن ~~حصل بشفع كأربع أو ست استحب الإيتار. # وقال بعض أصحابنا: يجب الإيتار مطلقا لظاهر هذا الحديث، وحجة الجمهور ~~الحديث السالف: "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" (¬3). ~~حملا له على ما زاد على الثلاث جمعا بينه وبين حديث نهيه عليه السلام عن أن ~~يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار. # التاسع: فيه دلالة على أن شرعية غسل اليدين وكراهة غمسهما في الإناء في ~~الوضوء ليس مختصا بنوم الليل، بل لا فرق فيه بين نوم الليل والنهار ~~ولإطلاقه عليه السلام النوم من غير تقييد. # وقال أحمد: يختص بنوم الليل دون نوم النهار؛ لقوله: "أين باتت يده"، ~~والمبيت لا يكون إلا بالليل، وقد صح أيضا مقيدا بالليل، فقال عليه السلام: ~~"إذا قام أحدكم من الليل". رواه أبو داود وصححه الترمذي (¬4)، وعنه رواية ~~أخرى [ووافقه] (¬5) عليها أبو داود أن PageV01P249 # كراهة الغمس إن كانت من نوم اليل فهي للتحريم، وإن كانت من نوم النهار ~~فهي للتنزيه، لكنه محمول على الغالب لا للتقييد، كيف وقد علل بأمر يقتضي ~~الشك وهو "فإنه لا يدري أين باتت يده"، فدل على أن اليل والنوم ليس مقصودا ~~بالتقييد. # وقال الرافعي في شرحه للمسند (¬1): يمكن أن يقال: الكراهة في الغمس إذا ~~نام ليلا أشد من نوم النهار؛ لأن احتمال التلويث # أقرب لطوله. # العاشر: فيه دلالة على كراهة غمس اليد في الإناء قبل [غسلها] (¬2) ثلاثا ~~إذا قام من النوم، وأما غير المستيقظ فيستحب له غسلها قبل إدخالها في ~~الإناء؛ لأن صيغة النهي تقتضي الكراهة على أقل ms0080 الدرجات، ولا يلزم من ~~الكراهة في الشيء الاستحباب في غيره؛ لعدم التلازم بينهما، بدليل عكسه في ~~صلاة الضحى وكثير من النوافل، فان [غسلها] (¬3) مستحب وتركها غير مكروه كما ~~صرح به الشيخ تقي الدين (¬4). فلذلك غسلهما للمستيقظ قبل إدخالهما الإناء ~~من المستحبات وتركه له من المكروهات، وبذلك فرق أصحابنا بين المستيقظ ~~وغيره، وظاهر كلام المالكية بل صريحه أنه لا فرق بينهما وإن كانوا يفرقون ~~بين المكروه وترك الأولى. PageV01P250 # الحادي عشر: قال جماعة من العلماء: [يجب] (¬1) غسل اليدين قبل إدخالهما ~~الإناء في إبتداء الوضوء عند الاستيقاظ من النوم؛ أخذا من الأمر لظهوره في ~~الوجوب. وقال مالك والشافعي والجمهور: لا يجب والأمر أمر ندب؛ لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - للأعرابي: "توضأ كما أمر (¬2) الله". حسنه الترمذي وصححه ~~الحاكم على شرط الشيخين، وليس فيه غسل اليدين في ابتداء الوضوء، ولأن الأمر ~~يصرف عن الوجوب عند الإطلاق؛ لقرينة ودليل، وهي هنا تعليله عليه السلام بما ~~يقضي الشك في نجاسة اليد. # وقواعد الشرع (¬3): تقضي أن الشك لا يقضي وجوبا في الحكم إذا كان الأصل ~~فلتستصحب على خلافه موجدا، والأصل # الطهارة في اليد والماء، فلتستصحب، ودليلهم على ندبيته في ابتداء الوضوء ~~مطلقا وروده في صفة وضوئه عليه أفضل الصلاة والسلام، PageV01P251 # من غير تعرض لسبق نوم، والمعنى المعلل به في الحديث هو جولان اليد حال ~~اليقظة فيعم الحكم لعموم علته (¬1). # فرع: لو خالف وغمس يده لم يأثم الغامس ولم يفسد الماء (¬2)، وحكي عن ~~الحسن (¬3) البصري أنه ينجس الماء في القيام من PageV01P252 # نوم الليل، وهو رواية ضعيفة عن أحمد، ونقل عن إسحاق بن راهويه (¬1) ومحمد ~~بن جرير الطبري (¬2)، وهو ضعيف جدا. # الأصل طهارة الماء وعدم التنجس بالشك، ولا يمكن أن يقال: الظاهر في اليد ~~النجاسة، وقال ابن حبيب المالكي (¬3): يفسد الماء، وأطلق، قال سند (¬4): ~~ويستحب إراقة ذلك الماء؛ لأن قوله عليه السلام: "لا يدري أين باتت يده" ~~يقتضي كراهة ذلك الماء إن لم يغسلهما، وقد طرح سؤر الدجاج -وإن لم يتيقن ~~نجاسته- وقال بإراقته الحسن البصري وأحمد (¬5). PageV01P253 # قلت: إنما قالاه ms0081 في نوم الليل كما علمته، وروى ابن عدي الأمر [بإراقته] ~~(¬1). وقال: إنها زيادة منكرة. # وفي "شرح الموطأ لابن حبيب": إذا نام جنبا فإنه لا يدري: أوضع يده على ~~الجنابة أم لا، فأما من بات على غير جنابة فيستحب # له الغسل، فإن أدخلها قبله فليس يفسد وضوءه. # فرع: ما أسلفنا من الكراهة هو فيما إذا شك في نجاسة يده، فإن تيقن ~~طهارتها فقيل: يكره أيضا؛ لأن أسباب النجاسة قد تخفى # في حق معظم الناس فيجري عليه حكمه؛ لئلا يتساهل فيه من لا يعرف، وصححه ~~الماوردي (¬2) ونسبه إلى الجمهور الإمام (¬3)، والأصح أنه لا يكره ونقله ~~النووي في شرحه عن المعظم (¬4)، بل هو بالخيار بين الغمس أو لا والغسل؛ ~~لأنه عليه السلام ذكر النوم ونبه على العلة وهو الشك فإذا انتفت العلة ~~انتفت الكراهة، ولو كان النهي PageV01P254 # عاما لقال: إذا أراد أحدكم استعمال الماء فلا يغمس يده حتى يغسلها، وكان ~~أعم وأحسن. # قال النووي في تصحيحه: ولا استحباب أيضا في تقديم غسلها قبل الغمس على ~~الصحيح. # قال ابن الصلاح: وما أوهمه كلام الوسيط وصرح به مجلي (¬1) من حكاية ~~الوجهين في أصل غسل اليد فهو غلط، واستحباب غسل اليد ثلاثا والحالة هذه ~~ثابت قطعا. # فرع: عند المالكية [حكاية] (¬2) خلاف في أن هذا الغسل: هل هو تعبد [أو] ~~(¬3) معلل؟ فمن نظر إلى العدد قال بالتعبد؛ لأن هذا الغسل إما للنجاسة وإما ~~للشك في وجودها، وكلاهما لا يقتضي حصرا مخصوصا، ومن نظر إلى قوله عليه ~~السلام: "فإنه لا يدري أين باتت يده". قال بالتعليل، قالوا: وتظهر فائدة ~~هذا الخلاف في موضعين: # الأول: من انتقض وضوءه وهو قريب عهد بغسل يديه، فعلى التعبد يعيده، وعلى ~~الآخر لا (¬4). PageV01P255 # الثاني: من قال بالتعبد قال بغسلهما متفرقتين؛ لأن صفة التعبد في غسل ~~الأعضاء أن لا يشرع في عضو حتى يكمل غسل ما قبله، قال [المازري] (¬1) وهو ~~ظاهر حديث عبد الله بن زيد؛ لأنه ذكر في صفته لوضوئه عليه السلام أنه غسل ~~[يده] (¬2) مرتين مرتين، وإفراد كل واحدة بالذكر يدل على ms0082 إفرادها بالغسل، ~~ومن قال بالتعليل قال: يغسلان مجتمعين؛ لأنه أبلغ في # النظافة. # وعلى القولين جميعا: فالغسل ليس بواجب، وهل هو سنة أو فضيلة؟ قولان ~~عندهم. وهل يفتقر غسلهما إلى نية؟ قال الباجي (¬3) ما معناه: أن من جعلهما ~~من سنن الوضوء -كابن القاسم- اشترط النية في غسلهما، ومن رأى النظافة فيهما ~~-كأشهب ويحيى بن يحيى- لم يشترطها. # الوجه الثاني عشر: قال الشافعى في البويطي: وتبعه الأصحاب، لا تزول ~~الكراهة إلا بغسل اليدين ثلاثا قبل الغمس؛ لرواية المصنف، لكن ينبغي أن ~~يعلم أنها من أفراد مسلم لا كما أوهمه إيراد المصنف أنها من المتفق عليه. # وقال ابن خزيمة في صحيحه بعد أن ساقه بدون (ثلاثا): [لا أدري هذه اللفظة ~~في الخبر أم لا؟ ثم ساقه بعد ذلك بأوراق PageV01P256 # بالسند المذكور وفيه لفظ (ثلاثا)] (¬1)، وفي رواية للترمذي والنسائي ~~"مرتين أو ثلاثا" قال الترمذي: حسن صحيح (¬2) وقال الدارقطني في علله: رفعه صحيح. # الثالث عشر: قوله عليه السلام: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" هو بيان ~~(¬3) [لسبب] (¬4) الأمر بالغسل عند استيقاظه من النوم، وحكمه ومعناه: أنه ~~لا يأمن نجاسة يده بطوافها حال نومه على بدنه فتصادف بثرة أو قتل قملة أو ~~قذرا أو نحو ذلك. # قال الشافعي وغيره: وأهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار غالبا، وبلادهم ~~حارة، فإذا نام أحدهم عرق، فلا يأمن أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس، ~~فإذا وضعها في الماء القليل نجسته، والماء غالبا إنما يكون في الأواني ~~والغالب فيها القلة (¬5). # الرابع عشر: فيه استعمال الكنايات فيما يستحى من التصريح به، فإنه عليه ~~السلام قال: "لا يدري أين باتت يده". ولم يقل: فلعل يده وقعت على دبره أو ~~على ذكره أو على نجاسة أو نحو ذلك، وإن كان هذا في معنى قوله عليه [أفضل ~~الصلاة] (¬6) والسلام، ولهذا نظائر PageV01P257 # كثيرة في القرآن (¬1) والأحاديث الصحيحة، وهذا إذا علم أن السامع يفهم ~~بالكناية المقصود، فإن لم يكن كذلك فلا بد من التصريح لينفي اللبس والوقوع ~~في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء في ذلك مصرحا ms0083 به. # فائدة حديثية: روى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما (¬2) في هذا الحديث ~~زيادة "منه" ولفظهما: "فإنه لا يدري أين باتت يده منه" (¬3). وأخرجها ~~البيهقي من جهة ابن خزيمة وقال: قوله: "منه" تفرد بها محمد [بن] (¬4) ~~الوليد البسري وهو ثقة. # وقال الدارقطني في علله: تفرد بها شعبة. PageV01P258 # وقال ابن منده: فهذه الزيادة رواتها ثقات، ولا أراها محفوظة. # الخامس عشر: الفائدة في قوله: "من نومه" فإن من المعلوم أن الاستيقاظ لا ~~يكون إلا من النوم، أنه لا ينحصر الاستيقاظ [من] (¬1) النوم لمشاركة الغفلة ~~والغشية في ذلك، ألا ترى أنه يقال: استيقظ فلان من غشيته ومن غفلته، وفائدة ~~إضافة النوم إلى ضمير "أحدكم" ولم يقل من النوم أو [من] (¬2) نوم، وإن كان ~~من المعلوم أن أحدا لا يستيقظ من نوم غيره، أن فيه التنبيه والإشارة على أن ~~نومه عليه السلام مغاير لنومنا "إذ كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه" نبه على ~~ذلك الفاكهي رحمه الله، ثم قال: فإن قلت قوله: "أحدكم" يعطي هذا المعنى ~~المذكور؟ # قلت: أجل [ولكن] (¬3) جاء على طريق المبالغة والتأكيد وربما سمى أهل علم ~~البيان هذا نظرية، وهو أن يكون المعنى [مستقبلا] (¬4) بالأول [ويؤتى] (¬5) ~~بالثاني لما ذكر. # السادس عشر: في (¬6) الحديث دليل على الفرق بين [ورد] (¬7) PageV01P259 # الماء على النجاسة وورودها عليه، فإذا ورد عليها الماء أزالها وإذا وردت ~~عليه [نجسته] (¬1) إذا كان قليلا؛ لنهيه عليه السلام عن إيرادها عليه وأمره ~~بايراده عليها، وذلك يقتضي أن ملاقاة النجاسة إذا كان الماء واردا عليها ~~غير مفسد له وإلا لما حصل المقصود من التطهير. # السابع عشر: فيه دليل على أن الماء القليل ينجس بملاقاة النجاسة ووقوعها ~~فيه، فإنه عليه السلام إذا منع من إدخال اليد فيه لاحتمال النجاسة فمع ~~تيقنها أولى، لكن قد يعترض على هذا بأن [مقتضى] (¬2) الحديث: أن ورود ~~النجاسة على الماء تؤثر فيه، ومطلق التأثير بالمنع لا يلزم منه التأثير ~~بالتنجيس، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص المعين، [فإذا] (¬3) سلم ~~الخصم أن الماء القليل [ينجس] (¬4) بوقوع النجاسة فيه ms0084 يكون مكروها، [فقد] ~~(¬5) ثبت مطلق التأثير ولا يلزم ثبوت خصوص التأثير بالتنجيس، نبه [عليه] ~~(¬6) الشيخ تقي الدين ثم قال: وقد يورد عليه أن الكراهة ثابتة عند [التوهم] ~~(¬7) فلا يلزم أن يكون أثر اليقين هو للكراهة، قال: ويجاب عنه بأنه يثبت ~~عند اليقين زيادة في رتبة الكراهة. PageV01P260 # الثامن عشر: فيه دليل على كراهة غمس اليدين في الإناء قبل غسلهما ثلاثا ~~سواء كان في الإناء ماء قليل أو طعام أو غيره من # الأشياء الرطبة، لكن جاء في رواية ابن حبان: "قبل أن [يدخلهما] (¬1) في ~~وضوئه" (¬2)، وهو يشعر بأن السياق له، نعم الحكم لا يختلف. # التاسع عشر: فيه دليل على استحباب التثليث في غسل النجاسة؛ لأنه أمر به ~~في المتوهمة ففي المتحققة أولى. # العشرون: [فيه دليل أيضا على رد ما يقوله أحمد أن الغسل سبعا عام في جميع ~~النجاسات؛ لتنصيصه عليه السلام في التثليث، والتسبيع خاص في ولوغ الكلب. # الحادي والعشرون] (¬3) فيه دليل أيضا على أن النجاسة المتوهمة يستحب ~~الغسل فيها دون الرش؛ للأمر بالغسل دون الرش، فإنه في بول الرضيع الذي لم ~~يطعم غير اللبن، وفي اللباس ونحوه إذا توسوس فيه. # الثاني والعشرون: فيه دليل أيضا على العفو عن أثر النجاسة في محلها وإذا ~~انتقل منه لم يعف عنه. # الثالث والعشرون: فيه أيضا دلالة على استحباب الأخذ PageV01P261 # بالاحتياط في العبادات [وغيرها] (¬1) عند الإشتباه والشك ما لم يخرج إلى ~~حد الوسوسة. # الرابع والعشرون: قوله عليه السلام: "فليستنشق بمنخريه من الماء". تمسك ~~به من قال بوجوب الاستنشاق وهو رواية عن أحمد، # وقال مالك والشافعي وغيرهما بعدم الوجوب، وحملوا الأمر على الاستحباب؛ ~~بدليل حديث الأعرابي السالف فإنه أحاله على الآية وليس مذكورا فيها، ولأن ~~المأمور به حقيقة إنما هو الانتثار وليس بواجب اتفاقا (¬2). PageV01P262 # الخامس والعشرون: الاستنشاق (¬1) تقدم بيانه في الانتثار. # قال القاضي عياض: وهما عندنا سنتان، وقيل: واحدة (أي) لأنهما وسيلتان إلى ~~تطهير عضو واحد. # السادس والعشرون: ذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور إلى وجوب الاستنشاق في الوضوء ~~والغسل [دون المضمضة، بدليل هذا # الحديث، وأكثر العلماء ms0085 على الندب فيهما، وملخص ما في المضمضة والاستنشاق ~~في الوضوء والغسل] (¬2) مذاهب أربعة: # أحدها: السنية فيهما، وإليه ذهب مالك والأوزاعي وربيعة الشافعي والجمهور. # ثانيها: الوجوب فيهما، وإليه ذهب ابن أبي ليلى وغيره وهو المشهور عن ~~أحمد. PageV01P263 # ثالثها: وجوبهما في الغسل دون الوضوء، وإليه ذهب الكوفيون. # رابعها: وجوب الاستنشاق فيهما دون المضمضة، وهو رواية عن أحمد [كما ~~أسلفناه] (¬1)، قال ابن المنذر (¬2): وبه أقول. # قال ابن حزم (¬3): وهو الحق؛ لأنه لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في المضمضة أمر، وإنما هي فعل فعله، وأفعاله ليست فرضا وإنما [هي] (¬4) ~~فيها التأسي به. وفيما قاله نظر؛ فقد صح الأمر بها على شرطه من حديث لقيط ~~بن صبرة مرفوعا: "إذا توضأت فمضمض" رواه أبو داود (¬5). # السابع والعشرون: قوله عليه السلام: (بمنخريه) هو بفتح الميم وكسر الخاء ~~المعجمة وبكسرهما جميعا لغتان معروفتان، وهو # نقب الأنف، والكسر على الاتباع، لكسرة الخاء كما قالوا منتن، وهما نادران ~~كما قال الجوهري؛ لأن مفعلا ليس من الأبنية، PageV01P264 # والمنخور لغة في المنخر، قال الشاعر (¬1): # من لد لحييه إلى منخوره # ومثله فيما كسر للاتباع قولهم: المغيرة (¬2) ورغيف، بكسر أولهما. # تنبيه: الاستنشاق لا يكون إلا في [المنخرين] (¬3) فما فائدة ذكرهما؟ وليس ~~لقائل أن يقول: إن ذلك من أسباب قوله تعالى: {ولا طائر يطير بجناحيه} (¬4)؛ ~~لأن ذلك جاء لدفع المجاز كما قيل، أو كما يقال: فلان يطير في جناحك ونحو ~~ذلك، وقد استغني عن ذكرهما [في الرواية] (¬5) الأخرى وهي: "من توضأ ~~فليستنشق" (¬6). # الثامن والعشرون: أنه لا يصير الماء مستعملا إذا أدخل يده وأراد بذلك ~~غسلها، كذا رأيت هذا الوجه في كتاب "الخصال" لأبي بكر الخفاف من قدماء ~~أصحابنا، فإنه قال: إن حديث "لا يدخل يده في الإناء"، فيه ستة دلائل: ~~التفرقة بين إيراد النجاسة PageV01P265 # على الماء (¬1) وعكسه، وأن القليل من الماء ينجس، وأنه لا يصير مستعملا ~~إذا أدخل يده وأراد بذلك غسلها، وأنه على وجه # الاستحباب، لقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده"، وأنه إذا درى أين باتت ~~يده فلا غسل عليه، ms0086 وأن الأصل إذا لم يكن واجبا فالأعداد ليست واجبة. هذا ما ~~ذكره ومنه نقلته، وقد من الله وله الحمد بأكثر من ذلك في الحديث المذكور ~~كما قررته لك، ونسأل الله الزيادة من فضله العميم، والنظر إلى وجهه الكريم. PageV01P266 ### ||| AUTO الحديث السابع # (¬1) # 7/ 7/ 1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" (¬2). # ولمسلم: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" (¬3) الكلام عليه من ~~خمسة عشر وجها: PageV01P267 # الأول: هذا النهي حمله مالك على الكراهة؛ لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا ~~بالتغيير (¬1)، وحمله غيره على التحريم تارة، والتنزيه # أخرى، وسيأتي ذلك بعد. # الثانى: الدائم: الراكد الساكن، من دام يدوم دوما إذا سكن، وأدمته: ~~سكنته، يقال للطائر إذا صف جناحيه وسكنها ولم يحركها: # قد دوم الطائر يديما، وجاء في رواية: "الماء الراكد" رواها ابن ماجه ~~(¬2)، ورواها أحمد أيضا بزيادة: "ثم يتوضأ منه" (¬3)، وأصله من الاستدارة، ~~وذلك أن أصحاب الهندسة يقولون: إن الماء إذا كان في مكان فإنه يكون مستديرا ~~في الشكل. # قلت: والدائم أيضا الدائر، قيل: هو من الأضداد (¬4)، ويقال له: دوام ~~بالضم أي دوار وهو من دوران الرأس، قال الجوهري: وتدويم الطير: تحليقه، وهو ~~دورانه في تحليقه (¬5) ليرتفع إلى السماء، وقال بعضهم: تدويم الكلب: إمعانه ~~في الهرب. # الثالث: قوله عليه السلام: "الذي لا يجري" فيه قولان: # أحدهما: أنه تأكيد لمعنى الدوام وتفسير له، وبه جزم الشيخ PageV01P268 # تقي (¬1) الدين وغيره، وفي رواية الحاكم في تاريخ نيسابور: "الماء الراكد ~~الدائم". # الثاني: أنه للاحتراز من المياه التي تجري بعضها دون بعض كالبرك ونحوها، ~~وأوضح من هذا أن يقال: لا يمتنع أن يطلق على البحار والأنهار الكبار التي ~~لا ينقطع ماؤها أنها دائمة، بمعنى أنها غير منقطع ماؤها، والإجماع [على] ~~(¬2) أنها غير مرادة في هذا الحديث، فيكون قوله: "لا يجري" مخرج لها من حيث ~~وإن يطلق عليها أنها دائمة بالمعنى المذكور، وهذا أولى من حمله على التأكيد ~~[الذي] (¬3) الأصل ms0087 عدمه، ولأن حمل الكلام على فائدة [جديدة] (¬4) أولى من ~~التأكيد، لا سيما كلام الشارع (¬5)، بل PageV01P269 # [لو] (¬1) لم يأت قوله الذي لا يجري لكان مجملا بحكم الاشتراك بين الدائم ~~والدائر، فلا يصح العمل على التأكيد. # الرابع: أصل الماء: موه، بدليل مويه وأمواه تصغيرا وتكبيرا، فحركنا الواو ~~وانفتح ما قبلها فقلبت الفا، فاجتمع خفتان الألف # والهاء، فقلبت الهاء همزة. والماء ممدود، وحكى ابن سيده عن (¬2) بعضهم ~~(اسقني ما) مقصورا وهو غريب. # الخامس: الألف واللام فى الماء لبيان حقيقة الجنس، ويقال فيهما أيضا للمح ~~الحقيقة، كما يقال ذلك فى نحو: أكلت الخبز، # وشربت الماء، وليست للجنس الشامل، إذ لا ينهى الإنسان عن البول في جميع ~~مياه الأرض إذ النهي إنما يتعلق بالممكن دون # المستحيل، ويجوز أن تكون للعهد الذهني. # واعلم أن الألف واللام لها تسعة أقسام: # الأول: للجنس، نحو قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر} (¬3). PageV01P270 # ثانيها: للعهد، نحو قوله تعالى: {فعصى فرعون الرسول} (¬1). ثالثها: لبيان ~~حقيقة الجنس وللمح الحقيقة كما قدمناه. رابعها: للحضور، نحو "يا أيها ~~الرجل"، و"خرجت هذا الوقت". خامسها: للمح الصفة، كالفضل والحارث. سادسها: ~~بمعنى [الذي] (¬2)، نحو الضارب (¬3) والمضروب، أي الذي ضرب والذي ضرب. ~~سابعها: للغلبة، كالعقبة. ثامنها: للتزين، في نحو الذي والتي على الصحيح ~~عند النحاة، لا للتعريف، وهي كذلك عند بعض الأصوليين في قولهم: دل الدليل ~~على كذا. تاسعها: زائدة، كقولهم، أدخلوا الأول فالأول، وزيادتها على ضربين: ~~لازمة وغير لازمة، ومحل الخوض في ذلك كتب العربية. # السادس: قوله عليه السلام: "ثم يغتسل منه". كذا أخرجه مسلم (¬4). ~~وللبخاري (¬5) "فيه" بدل "منه" ومعناهما مختلف، يفيد كل منهما حكما بطريق ~~النص وآخر بطريق الاستنباط، ولو لم يرد لاستويا لما ستعلمه على الأثر. # السابع: النهي عن الاغتسال لا يخص الغسل بل الوضوء، كذلك كما أسلفناه عن ~~رواية الإمام أحمد، ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما بلفظ: "لا يبولن ~~أحدكم في الماء الدائم ثم PageV01P271 # يتوضأ منه أو يشرب" (¬1). ولو لم يرد لكان معلوما قطعا استواؤها في هذا ~~[الحكم] (¬2) لفهم المعنى المقصود وهو التنزه ms0088 عن التقرب إلى الله تعالى ~~بالمستقذرات. # الثامن: قوله: "ثم يغتسل". الرواية فيه بالرفع كما قاله النووي. # وقال القرطبي (¬3) أيضا: إنه الرواية الصحيحة أي هو يغتسل فيه أي شأنه ~~الاغتسال منه، ومعناه النهي عن البول فيه سواء أراد # الاغتسال منه أم لا. # وقال ابن مالك (¬4): يجوز جزمه على النهي، ونصبه على [تقدير] (¬5) "أن"، ~~وتكون "ثم" بمعنى [الواو للجمع] (¬6). كقوله: # "لا تأكل السمك وتشرب اللبن"، أي لا تجمع بينهما. # وقال النووي: الجزم ظاهر، وأما النصب فلا يجوز؛ لأنه يقتضي أن المنهي عنه ~~الجمع بينهما دون إفراد أحدهما ولم يقله أحد، بل PageV01P272 # البول (¬1) منهي عنه سواء اراد الاغتسال فيه أو منه أو لا (¬2). أي ~~والاغتسال فيه منهي عنه على انفراده وهذا التعليل الذي علل به النصب ضعيف؛ ~~لأنه ليس فيه أكثر من كون هذا الحديث لا يتناول النهي عن البول في الماء ~~الراكد بمفرده، وليس [بألزم] (¬3) أن يدل على الأحكام المتعددة بلفظ واحد ~~فيؤخذ النهي عن الجميع من هذا الحديث، ويؤخذ النهي عن الإفراد # من حديث آخر، ومثل هذا الحديث على القول بجواز النصب قوله تعالي: {ولا ~~تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق} (¬4) على أحد الوجهين وهو النصب لا ~~الجزم، فإن النهي في الآية أيضا عن شيئين: # أحدهما: لبس الحق بالباطل وهو زيادتهم في التوراة ما ليس فيها. # والثاني: كتمان الحق وهو جحدهم ما فيها من نعوته عليه السلام وغير ذلك، ~~حتى يقال في الآية أيضا على وجه النصب: إنه # يؤخذ منها النهي عن الجمع ويؤخذ النهي عن الإفراد من دليل آخر، وقد صرح ~~بذلك ابن يعيش (¬5) في (شرح المفصل) (¬6)، قال: وجرت PageV01P273 # هذه المسألة يوما في مجلس قاضي القضاة بحلب، فقال أبو الحزم الموصلي: لا ~~يجوز النصب في الآية؛ لأنه لو كان منصوبا لكان من قبيل لا تأكل السمك وتشرب ~~اللبن. [وكان مثله في الحكم يجوز تناول كل واحد منهما كما يجوز ذلك في: لا ~~تأكل السمك وتشرب اللبن] (¬1) فقلت: يجوز أن يكون منصوبا ويكون النهي عن ~~الجمع بينهما [و] (¬2) كون كل واحد منهيا ms0089 عنه بدليل آخر، ونحن إنما قلنا في ~~قولهم "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" إنه يجوز تناول كل واحد منهما مفردا؛ ~~لأنه لا دليل إلا هذا، ولو قدرنا دليلا آخر للنهي عن كل واحد منهما مفردا ~~لكان كالآية، فانقطع الكلام عند ذلك. # واعلم أن القرطبي (¬3) في (المفهم) (¬4) منع رواية النصب أيضا في هذا ~~الحديث فقال: لا يجوز النصب، إذ لا ينصب بإضمار "أن" بعد "ثم"، وهي الجزم ~~الذي ادعى النووي ظهوره، فقال: وبعض الناس قيده بالجزم على العطف [على] ~~(¬5) (يبولن)، وليس بشيء، إذ لو أراد ذلك لقال: "ثم لا يغتسلن"، لأنه إذ ~~ذاك عطف فعل [على PageV01P274 # فعل] (¬1) لا عطف جملة على جملة، وحينئذ يكون الأصل مساواة الفعلين في ~~النهي عهما، وتأكيدهما بالنون المشددة، فإن المحل الذي تواردا عليه هو شيء ~~واحد، [و] (¬2) هو الماء، [فعدوله] (¬3) عن ثم [لا يغتسل] (¬4) دليل على ~~أنه لم [يرد] (¬5) العطف، وإنما جاء "ثم يغتسل" على التنبيه على الحال، ~~ومعناه: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله؛ لما أوقع ~~فيه من البول، وهذا مثل قوله عليه السلام: "لا يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة ~~ثم يضاجحها" (¬6) برفع يضاجعها، ولم [يروه] (¬7) أحد [بالجزم] (¬8) ولا ~~تخيله [فيه] (¬9)؛ لأن المفهوم منه إنما نهاه عن ضربها؛ لأنه يحتاج إلى ~~مضاجعتها في ثاني [حال] (¬10) فيمتنع عليه بما أساء من معاشرتها ويتعذر ~~عليه المقصود لأجل الضرب، وتقدير اللفظ: ثم هو يضاجعها، وثم هو يغتسل .. PageV01P275 # فائدة أصولية (¬1): النهي المعلق بعدد تارة يكون عن الجمع، أي الهيئة ~~الاجتماعية دون المفردات على سبيل الانفراد، كالنهي عن نكاح الأختين، وتارة ~~يكون عن الجمع أي عن كل واحد (¬2)؛ كالزنى والسرقة، وهذا الحديث يحتمل أن ~~يكون من الأول وأن يكون من الثاني كما أسلفنا. # ورواية أبي داود (¬3) والدارقطني (¬4) وابن حبان: "لا يبولن أحدكم في ~~الماء الدائم، ولا يغتسل [فيه] (¬5) من الجنابة" ظاهرة في الثاني، وهذه ~~الرواية تقتضي عموم النهي في القليل والكثير؛ لكن في الكثير للتنزيه، وأما ~~القليل فستعلم ما فيه، وعبر بعضهم عن هذه القاعدة بعبارة ms0090 أخرى، فقال: النهي ~~[عن] (¬6) شيئين: تارة يكون على الجمع وتارة يكون عن الجمع، فأما الأول: ~~فيقتضي المنع من كل واحد، وأما الثاني: فمعناه المنع من فعلهما معا، قال: ~~وهذا الحديث من الثاني أي لا يجمع بين البول في الماء والاغتسال منه، يؤيده ~~الرواية المذكورة. # التاسع: هذا النهي في بعض المياه للتحريم وفي بعضها PageV01P276 # للتنزيه، ويؤخذ ذلك من حكم المسألة، فإن كان الماء كثيرا جاريا لم يحرم ~~البول فيه؛ لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتنابه، وإن كان قليلا جاريا، فقال ~~جماعة من أصحابنا: [يكره] (¬1)، والمختار [كما] (¬2) نبه عليه النووي (¬3) ~~أنه [يحرم] (¬4)؛ لأنه [يقذره] (¬5) وينجسه (¬6)، [و] (¬7) إن كان قليلا ~~راكدا [فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه] (¬8)، [والصواب المختار كما ~~نبه عليه النووي التحريم، لأنه ينجسه ويغر غيره باستعماله] (¬9)، وإن كان ~~كثيرا راكدا فقال أصحابنا يكره، ولو قيل: يحرم، لم يبعد؛ فإن النهي يقتضي ~~التحريم على المختار عند المحققين والأكثرين من الأصوليين، فالمختار في هذه ~~المسألة: التحريم في القليل وإن لم يتغير جاريا كان أو راكدا، والكراهة في ~~الكثير البخاري إن لم يتغير، فإن تغير حرم، وفي الكثير الراكد ما أسلفته لك. # فرع: الكراهة في البول الراكد ليلا أقوى؛ لأنه قيل: إن PageV01P277 # الماء بالليل للجن، فلا ينبغي أن يبال فيه ولا يغتسل خوفا من أن يصاب من ~~جهتهم (¬1). # فرع: التغوط في الماء كالبول فيه وأقبح، وكذا إذا بال في إناء ثم صبه ~~فيه، خلافا للظاهرية [فيهما] (¬2) كما ستعلمه بعد (¬3). # فرع: يكره البول والتغوط بقرب الماء وإن لم يصل إليه؛ لعموم النهي عن ~~البراز في الموارد. # فرع: انغماس المستنجي في القليل حرام لتنجسه، فإن كان كثيرا جاريا فلا، ~~وكذا إن كان راكدا فلا يكره؛ لأنه ليس في معنى # البول ولا يقاربه، ولو تركه فحسن، قاله النووي في شرح مسلم (¬4). # العاشر: يقتضي الحديث تحريم البول في الراكد مطلقا كما قررناه، وبه استدل ~~أبو حنيفة على تنجيس الغدير الذي يتحرك طرفه # بتحرك الآخر [بوقوع] (¬5) النجاسة فيه، فإن الصيغة عموم، وهو عند ~~الشافعية وغيرهم مخصوص، والنهي محمول ms0091 على ما دون القلتين وعدم تنجيس ~~القلتين، (فما) (¬6) زاد إلا بالتغير مأخوذ من حديث القلتين وهو حديث صحيح ~~كما شهد له بذلك الأئمة كابن معين وابن PageV01P278 # خزيمة وابن حبان والحاكم (¬1) وغيرهم؛ جمعا بين الحديثين، فحديث القلتين ~~خاص وهذا الحديث مقتضاه العموم، والخاص مقدم على العام. # ولأحمد رحمه الله طريقة أخرى وهي الفرق بين بول الآدمي: [وما في معناه من ~~العذرة المائعة وغير ذلك من النجاسات، فأما بول الآدمي] (¬2) وما في معناه ~~فينجس الماء، وإن كان أكثر من قلتين، ما لم يكثر كالمصانع التي بطريق مكة، ~~وأما غيره من النجاسات فتعتبر فيه القلتان، وكأنه رأى أن الخبث المذكور في ~~حديث القلتين عام بالنسبة إلى الأنجاس وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول ~~الآدمي، فيقدم الخاص على العام بالنسبة إلى النجاسات الواقعة في الماء ~~الكثير، ويخرج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في ~~القلتين؛ لخصوصية تنجيس الماء دون غيره من النجاسات، ويلحق بالبول المنصوص ~~[عليه] (¬3) ما يعلم أنه في معناه. PageV01P279 # ومالك رحمه الله حمل النهي على الكراهة للتنزيه مطلقا؛ لاعتقاده أن الماء ~~لا ينجس إلا بالتغير بالنجاسة كما هو مذهب بعض الصحابة والأوزاعي وداود، ~~وقول لأحمد نصره بعض المتأخرين من أتباعه، واختاره الروياني من أصحابنا، ~~[فخرج] (¬1) الحديث عن الظاهر عند الكل بالتخصيص أو التقييد؛ للإجماع على ~~أن الماء الكثير المستبحر [لا تؤثر فيه النجاسة، وأنه إذا غيرته النجاسة ~~ولو كان يسيرا امتنع استعماله، ولأصحاب أبي حنيفة أن يقولوا: خرج عنه ~~المسبحر الكثير] (¬2) بالإجماع فيبقى فيما عداه على حكم النص؛ فيدخل تحته ~~ما زاد على القلتين. # ولأصحاب الشافعي أن يقولوا يقول أبي حنيفة في خروج المستبحر بالإجماع ~~[ويخرج] (¬3) القلتان فما زاد بمقتضى حديث # القلتين، فيبقى ما نقص عنهما داخلا تحت مقتضى الحديث. # ولأصحاب أحمد أن يقولوا: خرج ما ذكرتموه، وما دون القلتين داخل تحت نص ~~الحديث، وما زاد عليهما عام في الأنجاس فيخصص ببول الآدمي، ولمخالفهم أن ~~يقول: معلوم جزما أن النهي إنما هو [لمعنى] (¬4) النجاسة وعدم التقرب إلى ~~الله تعالى ms0092 بما خالطها؛ وهذا المعنى يتجه فيه سائر الأنجاس [فلا] (¬5) يتجه ~~فرق بين بول PageV01P280 # الآدمي وغيره في هذا المعنى، ولا يقال: إن بول الآدمي أشد استقذارا من ~~غيره من سائر النجاسات فيكون أوقع وأنسب في المنع، فإنه ليس كذلك بل قد ~~يساوي غيره أو يرجح عليه غيره في الاستقذار والنفرة منه، فلا يبقى لتخصيصه ~~معنى في المنع دون غيره، فحينئذ يحمل الحديث على أنه ورد من باب: [التنبيه] ~~(¬1) على ما يشاركه في معناه من الاستقذار، واذا وضح المعنى شمل الكل، ~~والجمود عل خلافه، ظاهرية محضة. # وللمالكية أن يقولوا: وجب إعمال الحديث فيما يمكن إعماله فيه من كراهة ~~التنزيه في القليل والكثير، مع وجود الإجماع على تحريم الاغتسال بعد تغير ~~الماء بالبول، وذلك [يلقيك] (¬2) إلى مسألة أصولية: وهي جواز حمل اللفظ ~~[الواحد] (¬3) على معنيين مختلفين، فإذا جعلنا النهي للتحريم كان استعماله ~~في كراهة التنزيه والتحريم من باب استعمال اللفظ الواحد في حقيقته [ومجازه] ~~(¬4)، والأكثرون -كما نقله الشيخ تقي الدين- على منعه، والشافعي وغيره ~~يقولون بجوازه، وقد يقال: حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ ولا يلزم ~~استعمال اللفظ في معنيين مختلفين، وهو ظاهر، إلا أنه يلزم [منه] (¬5) تخصيص ~~الحديث بمجرده ولا بد في الحديث من التخصيص كما أسلفناه. PageV01P281 # [الحادي عشر] (¬1): ارتكبت الظاهرية الجامدة [ههنا] (¬2) مذهبا شنيعا ~~واخترعوا في الدين أمرا فظيعا، منهم ابن حزم القائل: إن كل ماء راكد قل أو ~~كثر من [البرك] (¬3) العظام وغيرها بال فيه إنسان لا يحل لذلك البائل خاصة، ~~الوضوء منه ولا الغسل، إن لم يجد غيره، وفرضه التيمم، وجائز لغيره الوضوء ~~منه والغسل وهو [طاهر] (¬4) [مطهر] (¬5) لغير الذي بال فيه، قال: ولو تغوط ~~فيه أو بال خارجا منه [فسال] (¬6) البول إلى الماء الراكد، أو بال في إناء ~~وصبه في ذلك الماء ولم يغير له صفة: فالوضوء منه والغسل جائز لذلك المتغوط ~~فيه والذي سال بوله [ولغيره] (¬7). # وهذا [مما] (¬8) يعلم بطلانه قطعا [واستشباعه] (¬9) واستشناعه عقلا وشرعا ~~لا جرم أخرجهم بعض الناس من أهلية الاجتهاد ومن اعتبار الخلاف في ms0093 الإجماع، ~~بل من العلم [مطلقلا] (¬10)، ووجه بطلان ما ادعوه -وهو من أجمد ما لهم- ~~استواء الأمرين في الحصول في الماء وأن PageV01P282 # المقصود اجتاب ما وقعت فيه النجاسة من الماء، وليس هذا من محال الظنون، ~~بل هو مقطوع به، وما أحسن كلام الحافظ [أبي] (¬1) بكر [بن] (¬2) مفوز (¬3) ~~في تشنيعه على ابن حزم، حيث قال بعد حكاية كلامه: # (تأمل أكرمك الله ما جمع في هذا القول من السخف وحوى من الشناعة، ثم يزعم ~~أنه الدين الذي شرعه الله تعالى وبعث به # رسوله [- صلى الله عليه وسلم -] (¬4)، واعلم أكرمك الله أن هذا الأصل ~~الذميم مربوط على ما أقول، ومخصوص على ما أمثل: أن البائل على الماء الكثير ~~ولو نقطة أو جزء من نقطة فحرام عليه الوضوء منه، وإن تغوط فيه حملا أو جمع ~~بوله في إناء شهرا ثم صبه فيه فلم يغير له صفة جاز له الوضوء منه، فأجاز له ~~الوضوء [منه] (¬5) بعد حمل [غائط] (¬6) أنزله به أو صب من [بول] (¬7) صبه ~~فيه، وحرمه عليه لنقطة بول بالها فيه، جل الله تعالى عن قوله وكرم دينه عن ~~إفكه). PageV01P283 # الثاني عشر: يكره الاغتسال في الماء الراكد قليلا كان أو كثيرا، وكذا ~~العين الجارية، كما نص عليه البويطي، ولفظه: أكره # للجنب أن يغتسل في البئر معينة كانت أو دائمة، وفي الماء الراكد وسواء ~~قليل الراكد وكثيره، أكره الاغتسال فيه. انتهى. وهذا كله على كراهة التنزيه ~~لا [التحريم] (¬1). # فرع: في حكم الماء الذي انغمس فيه الجنب بعد إنفصاله منع، وفيه تفصيل: ~~فإن كان قلتين فصاعدا لم يصر مستعملا، سواء اغتسل فيه واحد فيكرر، أو ~~جماعات في أوقات، وإن كان دون [قلتين] (¬2) فإن نوى [تحته] (¬3) ارتفعت ~~جنابته وصار مستعملا في حق غيره على الصحيح، وقيل: لا، حتى ينفصل (¬4)، ~~وفيه إشكال للرافعي، وإن نوى قبل تمام الانغماس ارتفعت جنابة الجزء الملاقي ~~قطعا، ولا يصير الماء مستعملا بل له أن يتم الانغماس ويرتفع عن الباقي على ~~الصحيح، والمسألة مبسوطة في شرح المنهاج وغيره فليراجع. # الثالث عشر: استدل بعض الشافعية بالرواية ms0094 الثانية التي ذكرها المصنف على ~~خروج المستعمل عن التطهير به، إما لنجاسته كما # نقل عن أبي حنيفة ونقل عنه الرجوع عن ذلك، وإما لعدم طهوريته PageV01P284 # وهو القول الجديد للشافعي؛ لأن النهي وارد على مجرد الغسل فدل على وقوع ~~المفسدة بمجرده، وهي خروجه عن كونه أهلا # للتطهير، ومع هذا فلا بد من التخصيص فإن الماء [الكثير] (¬1)، أما ~~القلتين فما زاد على مذهب الشافعى، أو المستبحر على مذهب أبي حنيفة: لا ~~يؤثر فيه الاستعمال. # ومالك رحمه الله لما رأى أن الماء المستعمل طهور غير أنه مكروه حمل هذا ~~النهي على الكراهة، وقد يرجحه أن وجوه الانتفاع بالماء لا تختص بالتطهير، ~~والحديث عام في النهي، فإذا حمل على التحريم لمفسدة خروج الماء عن طهوريته ~~لم يناسب ذلك؛ لأن بعض مصالح الماء يبقى بعد كونه خارجا عن الطهورية، وإذا ~~حمل على الكراهة كانت المفسدة عامة؛ لأن الماء يستقذر بعد الاغتسال فيه، ~~وذلك ضرر بالنسبة إلى من يريد استعماله في طهارة أو شرب، فيستمر النهي ~~بالنسبة إلى المفاسد المتوقعة، إلا أن فيه حمل اللفظ على المجاز، أعني حمل ~~النهي على الكراهة، فإنه حقيقة في التحريم، [وما أسلفناه] (¬2) عن [مالك] ~~(¬3) هو المشهور من مذهبه، وكرهه لأجل اختلاف العلماء [فيه] (¬4) أو لشبهه ~~بالماء المضاف، وإن كانت الإضافة لا تغيره إذ الأعضاء في [الأغلب] (¬5) لا ~~تخلو عن PageV01P285 # الأعراق والأوساخ، لا سيما أعضاء الوضوء؛ لأنها بارزة للغبار غالبا ~~فتخالط الماء. # وقال أصبغ: إنه غير طهور، كقول الشافعي (¬1) الجديد، وقيل: مشكوك فيه، ~~فيتوضأ به ويتيمم. # وما أسلفناه عن أبي حنيفة هو إحدى الروايتين عنه، فقيل: إنه نجس نجاسة ~~مخففة، وقيل: مغلظة، إلا أنه يقول على هذا أن # [ما يترشرش] (¬2) منه على الثوب وما يعلق بالمنديل عند التنشف من بلله ~~طاهر، وإنما يحكم بنجاسته عند استقراره متصلا إلى الأرض [و] (¬3) إلى ~~الإناء. والرواية الثانية: أنه طاهر غير مطهر، والخلاف عند أحمد أيضا في ~~طهارته وطهوريته فقط. # الرابع عشر: مادة الجنابة: البعد، هذا أصلها في اللغة. # وهي في عرف حملة الشرع: تطلق ms0095 على إنزال الماء والتقاء الختانين أو ما ~~يترتب على ذلك. # قال الراغب في مفرداته (¬4): وقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} (¬5)، ~~أي أصابتكم الجنابة [وذلك] (¬6) بإنزال الماء أو بالتقاء PageV01P286 # الختانين، قال: وسميت الجنابة بذلك [لكونها] (¬1) سببا [لتجنب] (¬2) ~~الصلاة في محكم الشرع أي والقرآن. # قلت: [ولما] (¬3) بعد عنهما أمر بالإبعاد عن الماء الدائم؛ لئلا يقذره ~~[كما] (¬4) يقذره البول، ويقال للرجل: جنب، وللمرأة وللاثنين والجمع كله ~~بلفظ واحد، قال تعالى: {كنتم جنبا فاطهروا} (¬5)، وسيكون لنا عودة إلى ذلك ~~أيضا في أسباب الجنابة. # الخامس عشر: يؤخذ من الحديث أن حكم البخاري يخالف حكم الراكد؛ لأن الشيء ~~إذا ذكر بأخص أوصافه كان حكم ما عداه بخلافه، والمعنى فيه أن الجاري إذا ~~خالطه النجس دفعه الجزء الثاني الذي يتلوه منه، فيغلبه فيصير في معنى ~~المستهلك الذي لم يخالطه النجس، والماء الراكد القليل لا يدفع النجس عن ~~نفسه إذا خالطه، لكن يداخله [فمهما] (¬6) أراد استعمال شيء منه كان النجس ~~فيه قائما والماء في حد القلة، وهذا يقوي ما أسلفناه [في] (¬7) تحريم البول ~~فيه. PageV01P287 ### ||| AUTO الحديث الثامن والتاسع # 8، 9/ 8، 9/ 1 - عن أبي هريرة [رضي الله عنه] (¬1) أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا" (¬2). # ولمسلم: "أولاهن بالتراب" (¬3). PageV01P288 # وله [من] (¬1) حديث عبد الله بن مغفل (¬2) أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا ولغ (¬3) الكلب في الإناء فاغسلوه سبعا وعفروه الثامنة ~~بالتراب". # الكلام عليهما من أربعة وعشرين وجها: # الأول: في التعريف بمن رواهما: # أما أبو هريرة: فتقدم في الحديث الثاني. # وأما عبد الله: فهو ابن مغفل بضم الميم وفتح الغين المعجمة ثم فاء مشددة، ~~ويقال: المغفل بالألف واللام، ذكره مسلم في # صحيحه (¬4)، ابن عبد نهم (¬5) بن عفيف، أبو زياد، وقيل: أبو سعيد، وقيل: ~~أبو عبد الرحمن المزني من مزينة مضر، من PageV01P289 # أصحاب الشجرة، نزل البصرة، روى [عنه الحسن] (¬1) وجماعة، قال الحسن: كان ~~أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلينا يفقهون الناس، وهو أول من دخل تستر حين ~~فتحت، وهو أحد البكائين الذين نزل ms0096 فيهم قوله تعالي: {ولا على الذين لا ~~يجدون} (¬2) الآية. # أمه: [عبلة] (¬3) بنت معاوية، من مزينة. # ووالده صحابي، قاله أبو عمر، مات [بطريق مكة] (¬4) قبل أن يدخلها سنة ~~ثمان عام الفتح قبل الفتح بقليل، قال: ومغفل هو أخو عبد الله ذي البجادين، ~~ولعم عبد الله بن مغفل: خزاعي بن عبد نهم صحبة أيضا. # روي لعبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة وأربعون حدثا، ~~اتفقا منها على أربعة، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بآخر. # مات ستة ست وخمسين، قاله أبو عمر، وقال ابن حبان: سنة تسع، في ولاية عبيد ~~الله بن زياد، قال: ويقال: سنة إحدى وستين، # وصلى عليه أبو برزة الأسلمي بوصية منه، وأن لا يصلي عليه عبيد الله بن ~~زياد، وقيل: صلى عليه عائذ بن عمر (¬5)، وحكاه ابن # حبان. PageV01P290 # فائدة: مغفل والد عبد الله بفتح الغين المعجمة كما سلف، وهو من الأفراد ~~[يشتبه] (¬1) بمغفل بإسكانها، وهو حبيب بن غفل (¬2) صحابي فرد أيضا، ~~[ويشتبه بمعقل بإسكان العين المهملة وبقاف، وهم عدة منهم عبد الله بن معقل ~~(¬3) الذي ذكره المصنف في أسباب الفدية] (¬4) ويشتبه (¬5) بمعقل بفتح القاف ~~والعين المهملة وهو والد عبد الله في [العرب] (¬6). # "فائدة ثانية": # يقال في الصحابي ابن الصحابي: رضي الله عنهما، قراءة وكتابة، فتنبه له، ~~وعبد الله بن مغفل من هذا القسم وجماعة، فتنبه # لذلك. # الثاني: يقال: شرب الكلب وولغ (¬7)، والظاهر تغايرهما. PageV01P291 # وقال صاحب المطالع: الشرب أعم من الولوغ، فكل ولوغ شرب ولا عكس. # ونقل النووي (¬1) عن أهل اللغة أنه يقال: ولغ الكلب في إلاناء يلغ -بفتح ~~اللام فيهما- ولوغا، إذا شرب بطرف لسانه. # وفي الصحاح عن أبي زيد: ولغ [الكلب] (¬2) بشرابنا [وفي شرابنا] (¬3) ومن ~~شرابنا. # وقال ثعلب (¬4): ولغ الكلب في الإناء يلغ، ويولغ إذا أولغه صاحبه، ~~والولوغ من الكلاب والسباع كلها هو أنه يدخل لسانه في # الماء وغيره من كل مائع [فيحركه فيه] (¬5)، قال المطرز: قليلا كان ~~التحريك أو كثيرا. # قال مكي؛ فإن كان غير مائع قيل: لعقه ولحسه. # قال المطرز (¬6): فإن كان الإناء فارغا يقال: لحس، ms0097 فإن كان PageV01P292 # فيه شيء قيل: ولغ. وقال ابن درستويه (¬1): معنى ولغ: لطعه بلسانه، شرب ~~فيه أولم يشرب، كان فيه ماء أو لم يكن. # قال المطرز: ولا يقال: ولغ شيء من جوارحه سوى لسانه. # قلت: ولا يكون الولوغ لشيء من الطير إلا للذباب. # وقال ابن جني: في شرح المتنبي (¬2): أصل الولوغ: شرب السباع بألسنتها ~~الماء، ثم كثر فصار الشرب مطلقا. وذكر المطرز عن ثعلب أنه يقال: ولغ بكسر ~~اللام، ولكنها لغة غير فصيحة، وسكن بعضهم اللام فقال: ولغ، حكاه أبو حاتم ~~السجستاني، قال ابن جني: ومستقبله يلغ بفتح اللام وكسرها، وفي مستقبل ولغ ~~بالكسر يلغ بالفتح، زاد ابن القطاع الكسر أيضا كما في الماضي. # الثالث: قال ابن عبد البر (¬3): مالك يقول في هذا الحديث: "إذا شرب"، ~~وغيره من الرواة يقولون: "إذا ولغ" وهذا الذي تعرفه أهل الغة، وكذا استغرب ~~هذه اللفظة الحافظان: الإسماعيلي وابن منده. PageV01P293 # ولم ينفرد مالك بها فقد تابعه (¬1) عليها المغيرة (¬2) بن عبد الرحمن، ~~وورقاء بن عمر (¬3) عن أبي الزناد، روى الأول أبو الشيخ الحافظ (¬4)، ~~والثاني أبو بكر الجوزقي (¬5) في "كتابه". # ورواه هشام بن حسان (¬6) عن محمد بن سيرين (¬7) عن أبي هريرة وفيه أيضا: ~~"إذا شرب". # وقد اختلف على مالك في لفظ "الشرب" و"الولوغ". # قال الشيخ تقي الدين في [الإمام] (¬8): والمشهور عنه ما قال أبو عمر. PageV01P294 # قلت: والإسماعيلي (¬1) نفسه رواها من طريق مالك بلفظ: "إذا ولغ" فقد رد ~~بنفسه على نفسه. # الرابع: الأمر بغسل ما ولغ فيه الكلب أو شرب ظاهر في تنجيس الماء، وأقوى ~~من هذا [في] (¬2) الدلالة على ذلك الرواية # الثانية: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن ~~بالتراب" (¬3) والمصنف ذكر منها القطعة الأخيرة فإن لفظة (طهور) تستعمل إما ~~عن حدث أوخبث، ولا حدث على الإناء [بالضرورة] (¬4) فتعين الخبث، وفي هذا ~~شيء سيعرف في التيمم إن شاء الله، ويبعد الحمل على الطهارة اللغوية؛ لأن ~~الشرعية مقدمة عليها. # [وحمل] (¬5) مالك رحمه الله: هذا الأمر على التعبد؛ لاعتقاده طهارة الماء ~~والإناء، وربما رجحه أصحابه ms0098 بذكر هذا العدد PageV01P295 # المخصوص وهو السبع؛ لأنه لو كان للنجاسة لاكتفى بما دون السبع فإنه لا ~~يكون أغلظ من نجاسة العذر وقد اكتفي فيها بما دون السبع، والحمل على ~~التنجيس أولى؛ لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبدا أو معقول المعنى كان حمله ~~على [كونه] (¬1) معقول المعنى أولى؛ لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام ~~المعقولة المعنى، وأما كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذر فممنوع عند القائل ~~بنجاسته، نعم ليس [بأقذر] (¬2) من العذر ولكن لا يتوقف التغليظ على زيادة ~~الاستقذار، وأيضا إذا كان أصل المعنى معقولا [قلنا به] (¬3) وإذا وقع في ~~التفاصيل ما لا يعقل سقناه في التفصيل ولم ينقض لأجله التأصيل، نبه على ذلك ~~الشيخ تقي الدين (¬4)، قال وله نظائر في الشريعة، ولو لم [يظهر] (¬5) زيادة ~~التغليظ في النجاسة لكنا نقتصر [في] (¬6) التعبد على العدد ونمشي في الأصل ~~على معقولية المعنى. # الخامس: إذا ظهر أن الأمر بالغسل للنجاسة: فقد استدل بذلك على نجاسة عين ~~الكلب، وهو مذهب الشافعي والجمهور، # ولهم في ذلك طريقان: PageV01P296 # الأول: أنه إذا ثبتت نجاسة فمه من نجاسة لعابه فإنه جزء من فمه، وفمه ~~أشرف ما فيه فبقية بدنه أولى. # الثانى: أن لعابه نجس واللعاب عرق الفم فعرق فمه نجس فعرق كله نجس، فتبين ~~بهذا الحديث إنما دل على النجاسة فيما # يتعلق بالفم وأن نجاسة بقية البدن بطريق الاستنباط. # قال الشيخ تقي الدين (¬1): وفيه بحث وهو أن يقال: الحديث إنما دل على ~~نجاسة الإناء بسبب الولوغ، وذلك قدر مشترك بين # نجاسة عين اللعاب وعين الفم (¬2)، وتنجيسهما باستعمال النجاسة غالبا، ~~والدال على المشترك لا يدل على أحد الخاصين، فلا يدل الحديث على نجاسة عين ~~الفم أو عين اللعاب، فلا تتم الدلالة على نجاسة عين الكلب كله، وقد يعترض ~~على هذا بأن يقال: لو كانت العلة تنجيس الفم أو اللعاب كما أشرتم إليه لزم ~~أحد أمرين وهو: إما وقوع التخصيص في العموم، أو ثبوت الحكم بدون علته؛ لأنا ~~إذا فرضنا سلامة فم الكلب من النجاسة الطارئة إما بالتطهير منها ms0099 أو بأي وجه ~~كان، فولغ في الإناء فإما أن يثبت وجوب غسله [أو لا] (¬3) فإن لم يثبت وجب ~~تخصيص العموم [وإن ثبت لزم ثبوت الحكم بدون علته، وكلاهما على خلاف الأصل] ~~(¬4). PageV01P297 # والذي يمكن أن يجاب عن هذا السؤال أن يقال: الحكم منوط بالغالب، وما ~~ذكرتموه من [الصورة] (¬1) نادر لا يلتفت إليه، وهذا البحث إذا انتهى إلى ها ~~هنا يقوي قول من [يرى] (¬2) أن الغسل لأجل قذارة الكلب. # وعن مالك ثلاثة أقوال في الكلب: # أحدها: نجاسته، كمذهب الجمهور. # وثانيها: طهارته، وإليه ذهب أهل الظاهر، وقالوا: غسله تعبد، وتقدم فساده. # وثالثها: طهارة الماء دون (¬3) غيره. # وحكى [الخطابي] (¬4) عنه قولا رابعا: أنه إذا لم يجد ماء غيره توضأ به، ~~[وبه] (¬5) قال الثوري، لكن قال: ثم يتيمم بعده، جعله كالماء المشكوك فيه. # وقال عبد الملك بن الماجشون المالكي: كلب البدوي كثير نجس وكلب الحضري ~~نجس، والأظهر العموم؛ لأن الألف واللام PageV01P298 # إذا لم يقم دليل على صرفها [إلى] (¬1) المعهود المعين فهما للعموم، ومن ~~يرى الخصوص يصرفه عنه بقرينة أنهم نهوا عن اتخاذ الكلاب إلا لوجوه مخصوصة، ~~والأمر بالغسل مع المخالطة عقوبة تناسبها الاختصاص بمن ارتكب النهي في ~~اتخاذها، [وأما] (¬2) من اتخذ ما أبيح له اتخاذه فإيجاب الغسل عليه مع ~~المخالطة عسر وحرج، ولا يناسبه الاذن والإباحة في الاتخاذ، وهذا يتوقف على ~~أن تكون هذه القرينة موجودة عند الأمر بالغسل، ونقل الطحاوي (¬3) عن ~~الأوزاعي: أن سؤر الكلب في الإناء نجس، وفي الماء المستنقع ليس بنجس. # السادس: قدمنا عن مالك رحمه الله (¬4) أن غسل الإناء تعبد وأن أصحابه ~~رجحوه، وعندهم قول آخر: أنه معقول المعنى، # واختلف فيه عندهم على أقوال: # فقيل: لنجاسته [وهو قول عبد الملك وسحنون. # وقيل: بل لاستقذاره لكرة ملابسة النجاسة] (¬5) ولأن في اتخاذه مخالفة ~~[دأب] (¬6) [أهل] (¬7) المروءات لما فيه من الترويع # للمسلمين. PageV01P299 # وقيل: تشديدا للمنع. # وقيل: نهوا فلم ينتهوا، حكاه ابن الحاجب. # وقيل: خشية أن يكون الكلب كلبا فيؤذي بسمه، واحتج على ذلك بذكر السبع ~~والسبع، وردت كثيرا في الشرع في أسباب العلاج والمداواة ms0100 [واعترض على هذا ~~القول بأن الكلب الكلب لا يرد المياه] (¬1) (¬2). # وأجيب عنه: بأنه إنما يمنع من ورود الماء بعد استحكام ابتداء فيه، وأما ~~في أول الأمر فإنه يردها. # قالوا: فإن قلنا: العلة النجاسة، فلا يجب الغسل إلا على من أراد استعمال ~~ذلك الإناء كالوضوء للنافلة. PageV01P300 # وإن قلنا: علته غيرها أو هو تعبد فهل الغسل واجب أو مستحب؟ # فيه قولان عندهم منشأهما الاختلاف الأصولي [في] (¬1) أن صيغة الأمر ~~المطلقة تحمل على الوجوب أو على الندب؟ (¬2) وهل يفتقر الغسل إلى نية؟ فمن ~~قال بالتعبد اعتبرها ومن قال بالتعليل لم يعتبرها. # السابع الحديث نص في اعتبار السبع في عدد الغسلات، وهو مذهب الشافعي ~~وأحمد [ومالك] (¬3) والجمهور [وهو] (¬4) حجة على أبي حنيفة في قوله: يغسل ~~ثلاثا، كما نقله عنه النووي في شرح مسلم (¬5) وهو خلاف ما نقل عنه في شرح ~~المهذب (¬6) أنه لا يعتبر عدد، بل يغسل حتى يغلب على الظن نقاؤه من النجاسة ~~كسائر النجاسات، وهذا مناقض [لظاهر] (¬7) هذا الحديث وغيره من الأحاديث ~~الصحيحة الدالة على وجوب اعتبار العدد، وكأنها لم تبلغه، فإن استدل بحديث ~~الدارقطني (¬8) وغيره عن أبي هريرة PageV01P301 # مرفوعا "في الكلب يلغ في الإناء أنه يغسل ثلاثا أو خمسا أو [سبعا] (¬1) ~~[فهي] (¬2) ضعيفة باتفاق الحفاظ، وقد بين البيهقي ضعفها واضحا في سننه (¬3) ~~وخلافياته، وعلى تقدير الصحة "فأو" تحتمل الشك والتخيير ولعلها من الراوي، ~~فيجب التوقف عن العمل به، وإن احتج بالقياس على سائر النجاسات فلا تصح؛ ~~لأنه قياس مع وجود النص وهو قياس شبه، وفي قبوله خلاف، وإن قبلناه فخبر ~~الواحد مقدم على القياس المظنون، وإن كان جليا كما صححه الأصوليون (¬4) ~~وادعى الأمام أبو المعالي الإجماع فيه، فإن احتج بأن راويه [أبو] (¬5) ~~هريرة كان يغسل ثلاثا والعبرة بما رأى الراوي لا بما روى. PageV01P302 # فالجواب: أن الصحيح عند الأصوليين أن العبرة بما رواه، بل قال النووي في ~~شرح المهذب (¬1): هذا ليس بثابت عنه بل نقل ابن المنذر عنه وجوب الغسل سبعا (¬2). # ومن الغرائب ما نقله الرافعي في [الشرح] (¬3) الصغير عن الروياني أنه ms0101 ~~اختار الاكتفاء فيه بمرة. # الثامن: هل يلحق الخنزير بالكلب أم لا؟ قولان منشأهما: هل الغسل تعبد فلا ~~يقال على الكلب غيره، أو معلل بالإبعاد [أو] (¬4) التنجيس فالخنزير بذلك ~~أولى؟ والأظهر عندنا الإلحاق وهو رواية (¬5) مطرف عن مالك، والمشهور من ~~مذهب مالك عدم الإلحاق، وهو القوي من جهة الدليل وهو قول أكثر العلماء، كما ~~عزاه النووي في شرح مسلم (¬6) إليهم، والخلاف جار في [المتولدة] (¬7) منهما ~~[أو من أحدهما] (¬8). # التاسع: هل يختص وجوب غسل الإناء بالكلب المنهي عن PageV01P303 # اتخاذه، أم هو عام في جميع الكلاب؟ فيه قولان لمالك منشأهما التعبد أو ~~التعليل، فعلى التعبد هو عام وهو [على] (¬1) المشهور عندهم، وهو مذهب جمهور ~~العلماء، وعلى التعليل بالإبعاد يخرج منه المأذون في اتخاذه، وهو قول أحمد ~~بن المعذل (¬2) منهم، وفيه نظر؛ لأنه يؤدي إلى تخصيص العموم بالمعنى ~~المستنبط من محل النص، والأكثرون على المنع منه. # العاشر: في الحديث دليل على عموم الإناء والأمر بغسله للنجاسة وذلك ~~لتنجيس مافيه، فيقتضي المنع من استعماله، والمشهور من مذهب مالك أنه يغسل ~~إناء الماء دون إناء الطعام؛ لأن الطعام مصون عنها بخلافه، فيفيد اللفظ ~~بذلك الأمر ولأنه ورد الأمر بإراقته كما سيأتي، والطعام لا تجوز إراقته؛ ~~لحرمته ولنهيه عليه السلام عن إضاعة المال، قال في المدونة (¬3): ورآه ~~عظيما أن تعمد إلى رزق من رزق الله فيراق لكلب ولغ فيه، وروى عنه ابن وهب ~~أنه يؤكل الطعام ويغسل الإناء، ورجح القاضي عبد الوهاب واللخمي (¬4) PageV01P304 # أن يغسل إناء الطعام والماء منه، لعموم الحديث، ويجوز أن يبنى ذلك على ~~الخلاف الأصولي وهو: تخصيص العموم بالعادة؛ لأن الغالب عندهم وجود الماء لا ~~الطعام، لكن من عادتهم أنهم لا يضعون في أوانيهم التي تصل إليها الكلاب إلا الماء. # قال القرافي: والظاهر انعقاد الإجماع في [أنه لا يخصص] (¬1) بالعادة ~~الفعلية. # فرع: هل يغسل الإناء بالماء الذي ولغ فيه؟ قولان في مذهب مالك حكاهما ابن ~~بشير، منشأهما التعليل بالنجاسة [فلا] (¬2) يغسل به، أو التعبد فيغسل به. # الحادي عشر: في صحيح مسلم (¬3): الأمر بإراقة ما ms0102 ولغ فيه، ولفظه: "إذا ~~ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع [مرار] (¬4) ". # قال ابن منده: هذه الزيادة وهي (فليرقه) تفرد بها علي بن مسهر (¬5)، ولا ~~تعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجه من الوجوه إلا من هذه الرواية. PageV01P305 # قلت: لا يضر تفرده بها فإن علي بن مسهر إمام حافظ متفق على عدالته ~~والاحتجاج به، ولهذا قال الدارقطني (¬1) بعد أن رواها: إسناده حسن [ورواتها ~~ثقات] (¬2)، ورواها إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في صحيحه (¬3) ~~ولفظه: "فليهرقه" وظاهر هذه الرواية: وجوب إراقة الماء والطعام، وهو مبني ~~على التعليل بالنجاسة، وهو مذهبنا وقول في مذهب مالك. # وفي قول آخر: لا يراقان، وبنوه على التعبد فالإراقة مندوبة، وكأنه لما ~~اعتقد طهارة الكلب بالدليل الذي دل عليه جعله صارفا له # من الوجوب إلى الندب، والأمر قد يصرف عن ظاهره بدليل. # وقول ثالث: أنه يراق الماء لتيسره دون الطعام لحرمته وماليته، وصوبوه. # وقول رابع: إن شرب من لبن وكان بدويا أكل، وإن كان حضريا طرح، بخلاف ~~الماء فإنه يطرح مطلقا، فإن عجن به طعام # تنجس؛ لأنه أذن للبدوي في اتخاذه دون الحضري، وهو قول عبد الملك، ~~واستشكلوه بأن الكلب عنده نجس فكيف يبيح للبدوي PageV01P306 # أكل لبن فيه نجاسة؟ إلا أن يكون راعى الخلاف في [البدوي في الطعام؛ ~~لماليته والضرورة إليه. # وعندهم قول خامس: عزوه إلى مطرف أن] (¬1) البدوي والحضري سواء، إن كان ~~الطعام كثيرا أكل، وإن كان قليلا طرح؛ إذ # لا ضرورة في القليل بخلاف الكثير. # الثانى عشر: إذا تعدد الولوغ من كلب واحد أو من كلاب: هل يغسل للجميع ~~سبعا، أو يتكرر الغسل يتكرر الولوغ فيه؟ [فيه] (¬2) وجهان عندنا وقولان في ~~مذهب مالك، منشأهما أن الألف واللام في الكلب جنسية أو عهدية أي الإشارة ~~إلى كلب واحد، والمشهور عندهم الأول وهو الأصح عندنا، ويعتضد بأن الأسباب ~~إذا اتحد موجبها تداخلت وكانت كالسبب الواحد، وعندنا وجه ثالث: أنه إن تكرر ~~من كلب كفى سبع، أو من كلاب فلكل كلب سبع. # الثالث عشر: ms0103 لو لم يرد استعمال الإناء سنت إراقته على [الأصح] (¬3) عند ~~الشافعية، وقيل: يجب؛ لظاهر الرواية التي أسلفناها، لأن الأمر المطلق يقتضي ~~الوجوب على المختار وهو قول أكثر الفقهاء، والأول قاسه على سائر النجاسات ~~فإنه لا يجب إراقتها بلا خلاف. # وقد يجاب من ذلك: بأن المراد في الإراقة الزجر والتغليظ والمبالغة في ~~التنفير عن الكلاب. PageV01P307 # وقال المازري (¬1) المالكي: الجمهور على أن غسله عند إرادة الاستعمال، ~~وذهب بعض المتأخرين إلى غسله وإن لم يرد استعماله، أي بناءا على أن الأمر ~~المطلق يقضي [الفورية] (¬2). # الرابع عشر: لم يرو مالك رحمه الله رواية زيادة "التراب" [فلذلك] (¬3) لم ~~يقل بها، وقد رواها مسلم كما ذكره المصنف، وهي # [من] (¬4) طريق ابن سيرين عن أبي هريرة، وهي زيادة من ثقة فقبلت، لا جرم ~~قال بها الشافعي وأصحاب الحديث. # قال القرافي: والعجب من المالكية في ذلك مع ورود الأحاديث الصحيحة به. # قلت: لكن هذه الرواية هي من طريق ابن سيرين (¬5) كما PageV01P308 # أسلفناه واختلف عنه، فرواية (¬1) هشام (¬2) وحبيب بن الشهيد (¬3): ~~"أولاهن بالتراب"، ورواية حماد بن زيد عن أيوب عنه بدون ذكر التراب (¬4)، ~~ورواية قتادة عنه: "السابعة بالتراب" (¬5)، ورواية خلاس عن أبي رافع عن أبي ~~هريرة: "أولاهن بالتراب" (¬6)، قال البيهقي (¬7): وهو حديث غريب (¬8)، إن ~~كان حفظه معاذ عن أبيه عن قتادة عن خلاس فهو حسن؛ لأن التراب باقي هذا ~~الحديث لم يروه ثقة غير ابن سيرين عن أبي هريرة، وإنما رووه عن هشام عن ~~قتادة عن ابن سيرين. ورواه ابن أبي عروبة عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة: ~~"أولاهن"، وفي رواية أبان وغيره عن قتادة عنه: "السابعة"، وفي رواية يزيد ~~(¬9) بن إبراهيم عن ابن سيرين: "إحداهن". PageV01P309 # قلت: قوله "لم يروه عن أبي هريرة ثقة غير ابن سيرين" فيه نظر، فقد رواه ~~الحسن (¬1) عنه مرفوعا: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب يغسل سبع مرات ~~أولاهن بالتراب" رواه الدارقطني وفي سماعه من أبي هريرة خلاف، قال أبو ~~حاتم: لا، وقال جماعات: نعم. # فرع: هل الأمر بالتراب تعبد محض لا يعقل ms0104 معناه، [أو] (¬2) معلل ~~بالاستطهار بغير الماء ليكون فيه زيادة كلفة وتغليظ، أو معلل بالجمع بين ~~نوعي [الطهور] (¬3)؟ فيه معان استنبطها أصحابنا وليس فيها سوى مجرد مناسبة ~~ليس بأمر قوي، فإذا دخلها الاحتمال رجع إلى النص. # وأيضا فالمعنى المستنبط إذا عاد على النص بإبطال [أو تخصيص] (¬4) مردود ~~عند جمبع الأصوليين (¬5)، [فإن] (¬6) عاد بالتخصيص ففيه نظر، [كذا قاله ~~الشيخ تقى الدين، وقال غيره: إنه PageV01P310 # مردود أيضا عند جميعهم] (¬1). # وتظهر فائدة هذه المعاني في مسائل محل الخوض فيها كتب الفقه، وقد ذكرتها ~~في شرح المنهاج وغيره، منها: أن الصابون والأشنان وكذا النخالة -كما قال ~~الروياني- هل تقوم مقام التراب؟ فيه أربعة أقوال: أصحها: لا، وثانيها: نعم، ~~وثالثها: تقوم عند عدم التراب دون وجوده. ورابعها: تقوم فيما يفسده التراب ~~كالثياب دون الأواني [وغيرها] (¬2). # الخامس عشر: [اختلفت] (¬3) الروايات في غسله [بالتراب] (¬4)، ففي مسلم: ~~"أولاهن" كما تقدم، وفي أبي داود (¬5) بإسناد كل رجاله ثقات: "السابعة ~~بالتراب"، وفي رواية للشافعي (¬6): "أولاهن أو أخراهن"، وفي الدارقطني (¬7) ~~وغيره: "إحداهن". قال الشيخ تقي الدين (¬8): والمقصود عند الشافعي وأصحابه ~~حصول التتريب في مرة من المرات، وقد يرجح كونه في الأولى فإنه إذا ترب أولا ~~فعلى تقدير أن يلحق بعض المواضع الطاهرة رشاش بعض الغسلات PageV01P311 # لا يحتاج إلى تتريبه، وإذ أخرت غسلة التتريب احتيج إليه، فالأولى أرفق ~~بالمكلف [فكانت] (¬1) أولى، وكذا قال النووي: إن [في] (¬2) هذه الروايات ~~دلالة على أن التقييد بالأولى [وبغيرها] (¬3) ليس على الاشتراط، بل المراد: ~~[إحداهن]. # وقال القرافي: [سمعت] (¬4) قاضي القضاة [صدر] (¬5) الدين الحنفي يقول: إن ~~الشافعية تركوا أصلهم لغير موجب؛ لأن رواية # "إحداهن" مطلقة، ولم يحملوها على المقيد وهي "أولاهن وأخراهن". # فقلت له: هذا لا يلزم؛ لقاعدة أصولية وهي أن المطلق إذا دار بين مقيدين ~~متضادين وتعذر الجمع فإن اقتضى القياس تقييده بأحدهما [قيده، وإلا سقط ~~اعتبارهما معا وبقي المطلق على إطلاقه، فكذا هنا دار الأمر المطلق بين ~~مقيدين ولم يقتض القياس تقييده بأحدهما] (¬6) فبقيت الرواية المطلقة على ~~إطلاقها، فبقي على إطلاقه وهو أن ينزل اللفظ على واحدة منهن ms0105 بتراب مع الماء. # قلت: لكن نص الشافعى في البويطي على أنه يتعين الأولى PageV01P312 # أو الأخرى، فقال: وإذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبعا أولاهن أو أخراهن ~~بالتراب، ولا يطهره غير ذلك، وكذلك روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وفي الأم نحوه، وجزم به المرعشي في [ترتيب] الأقسام (¬1) ونحوه في الرونق. # وهذا نص غريب لم ينفله أحد من الأصحاب فيما علمت (¬2)، وعن نصه في حرملة ~~أن الأولى أولى، ونقل ابن الرفعة (¬3) عن بعضهم أن الأولى أن تكون في ~~الثانية. # السادس عشر: الأصح عندنا في قدر التراب ما يعم [على] (¬4) المحل، وقيل: ~~ما ينطلق عليه الاسم. # السابع عشر: [رواية] (¬5) مسلم التي فيها: "وعفروه الثامنة بالتراب" ~~تقتضي زيادة مرة ثامنة، وبه قال الحسن البصري قال # أبو عمر (¬6): [و] (¬7) لا أعلم أحدا أفتى بذلك غيره، وتبعه الشيخ تقي ~~الدين، فقال: قيل: لم يقل به غيره، ولعل المراد بذلك: PageV01P313 # [من] (¬1) المتقدمين [أي لأنه رواية عن مالك وأحمد بن حنبل] (¬2) والحديث ~~قوي فيه، ومن لم يقل به احتاج إلى تأويله بوجه فيه استكراه. # قال الفاكهي: لم أدر الاستكراه الذي أراده، ولعله أراد قول من ترك ~~استعمال التراب في غسلة من الغسلات بمنزلة غسلة # أخرى. # قلت: هو كذلك [و] (¬3) قد صرحوا به وجمعوا بذلك بين الأخبار. # وقال العجلي (¬4) من متأخري أصحابنا في "شرح الوسيط": الأولى أن يغسل ~~ثمان غسلات إحداهن بالتراب لهذا الحديث، وأما البيهقي فإنه أجاب عن هذه ~~الرواية بأن قال: أبو هريرة [أحفظ] (¬5) من روى الحديث في دهره [فروايته] ~~(¬6) أولى. # قلت: وقد يقال: بل رواية ابن مغفل أولى؛ لأنه زاد الغسلة PageV01P314 # الثامنة والزيادة مقبولة خصوصا من مثله. وقد قال ابن منده لما أخرجها: ~~إسنادها مجمع على صحته. # فائدة: هذه الرواية من أفراد مسلم كما [أسلفه] (¬1) المصنف، ووقع في كتاب ~~التحقيق في أحاديث التعليق لابن الجوزي الحافظ أنها من أفراد البخاري [وهو] ~~(¬2) سبق قلم، فتنبه [له] (¬3). # فرع: لو غسل ثامنة بالماء وحده فأصح الأوجه عندنا: أنه لا يقوم مقام ~~التراب بالحديث المذكور وغيره. # وثانيها: يقوم، ms0106 لأنه أبلغ منه، وشذ المتولي من أصحابنا فصححه. # وثالثها: يقوم عند عدم التراب لا عند وجوده. # الثامن عشر: التعفير: التمريغ ومعناه: مرغوه بالتراب. وقال صاحب المطالع: ~~عفروه اغسلوه بالتراب، أي مع الماء يقال فيه: [عفره] (¬4) مخفف الفاء ~~[يعفره] (¬5) عفرا [وأعفره] (¬6) تعفيرا أي مرغه تمريغا. PageV01P315 # فائدة: التراب معروف وهو اسم جنس لا يثنى ولا يجمع، وقال المبرد: هو جمع ~~واحدته ترابة، وله من الأسماء نحو خمسين # اسما ذكرتها مفصلة في "الإشارات إلى ما وقع [في] (¬1) المنهاج من الأسماء ~~والمعاني واللغات" فمن أراد راجعه منه، واقتصر النحاس منها على خمسة عشر، ~~وتبعه النووي وغيره، فسارع إلى استفادة ذلك. # التاسع عشر: فيه دلالة على أن ذر التراب على المحل لا يكفي، بل لا بد من ~~خلطه بالماء ثم إيصاله إلى المحل من إناء أو ثوب، ووجه الدلالة أنه جعل مرة ~~التتريب داخلة في مسمى الغسلات، وذر التراب لا يسمى غسلا، وفيه احتمال كما ~~قال الشيخ تقي الدين (¬2) من حيث إن ذر التراب على المحل وإتباعه الماء يصح ~~أن يقال: غسل بالتراب، ولا بد من مثل هذا [في] (¬3) أمره عليه السلام في ~~غسل الميت بماء وسدر عند من يرى أن المتغير بالطاهر غير طهور، وإن جرى ~~[على] (¬4) ظاهر الحديث في الاكتفاء [بغسلة] (¬5) واحدة، إذ بها يحصل مسمى ~~الغسل [وهذا جيد] (¬6)، إلا أن قوله: "وعفروه" قد يشعر بالاكتفاء بالتتريب ~~بطريق ذر التراب PageV01P316 # على المحل، فإن كان خلطه بالماء لا ينافي كونه تعفيرا لغة فلا ينافي ما ~~قالوه (¬1)؛ لأن لفظ التعفير حينئذ يطلق على ذر التراب على المحل وعلى ~~إيصاله بالماء إليه، والحديث الذي دل على اعتبار مسمى الغسل دل على خلطه ~~بالماء وإيصاله إلى المحل به، فذلك أمر زائد على مطلق التعفير على تقدير ~~شموله للصورتين: ذر التراب وإيصاله. # العشرون: فيه دلالة على أن الماء القليل إذا حلت فيه نجاسة يفسد. # الحادي والعشرون: فيه دلالة أيضا على تحريم بيع الكلب إذا كان نجس الذات، ~~كما قررناه فيما سلف كغيره من النجاسات. # الثاني والعشرون: لا فرق ms0107 عند الشافعية بين ولوغ الكلب وغيره من أجزائه ~~كدمه وبوله وروثه وعرقه وشعره ولعابه وعضو من أعضائه، إذا كان رطبا [و] ~~(¬2) أصحاب شيئا طاهرا في حال رطوبته ويبوسة أجزائه في وجوب الغسل سبعا مع ~~التعفير بالتراب، وحكوا وجها أنه يكفي غسله في غير الولوغ مرة كسائر ~~النجاسات، ووصفه النووي في الروضة بالشذوذ، ومراده: من حيث المذهب؛ لأنه ~~قال في شرح المهذب: إنه القوي والمتجه من حيث الدليل اقتصارا على محل النص ~~لخروجه عن القياس. PageV01P317 # الثالث والعشرون: الأرض الترابية إذا تنجست بلعاب الكلب ونحوه هل يحتاج ~~في طهارتها إلى تتريب؟ فيه وجهان لأصحابنا: [أحدهما] (¬1) [لا] (¬2)؛ لأن ~~استعمال التراب في التراب لا معنى له، [وظاهر] (¬3) الحديث قد يخرج هذه ~~[الصور] (¬4)؛ لذكر الإناء فيه. # الرابع والعشرون: سؤر الهر سائر الحيوان [الطاهر] (¬5) طاهر عندنا ولا ~~كراهة، ورواية الغسل من ولوغها مرة موقوفة كما قاله # أبو داود، أو مدرجة من بعض الرواة كما قاله البيهقي، وأما الترمذي فصححها (¬6). # فروع متعلقة بالولوغ: لو وقع في الإناء المولوغ فيه نجاسة PageV01P318 # أخرى كفى غسله سبعا. ولو [ولغ] (¬1) في ماء كثير بحيث لم ينقص بولوغه عن ~~قلتين لم ينجسه. ولو ولغ في [ماء] (¬2) مائع أو ماء قليل أو كثير متغير ~~بالنجاسة فأصاب غيره؛ غسل سبعا، أو في جامد؛ ألقى ما أصابه والباقي طاهر. ~~ولو كانت نجاسة الكلب عينية كدمه وروثه فلم يزل إلا بست غسلات مثلا فهل ~~يحسب ذلك غسلة أم ستا أم لا يحسب شيئا؟ فيه أوجه: أصحها في الروضة وغيرها ~~أولها، وأصحها في الشرح الصغير ثانيها. وفروع الباب كثيرة محل الخوض فيها ~~كتب الفروع، وقد بسطناها فيها ولله الحمد. PageV01P319 ### ||| AUTO الحديث العاشر # (¬1) # 10/ 10/ 1 - عن حمران مولى عثمان بن عفان: أنه رأى عثمان دعا بوضوء فأفرغ ~~على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات # ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا، ~~ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كلتا رجليه ثلاثا، ثم قال: ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ ms0108 نحو وضوئي هذا وقال: "من توضأ ~~نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" (¬2). # الكلام عليه من سبعة وثلاثين وجها: وهو أصل عظيم في صفة الوضوء: PageV01P320 # الأول: في التعريف براويه: أما عثمان فهو ابن عفان بن أبي العاصي بن أمية ~~بن عبد شمس بن عبد مناف، يجتمع [مع # النبي - صلى الله عليه وسلم -] (¬1) في عبد مناف. في كنيته ثلاثة أقوال، ~~أشهرها: أبو عمرو، وثانيها: أبو عبد الله، وثالثها: أبو ليلى. # وقال ابن الأثير في جامعه: كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو، فلما ولدت له ~~رقية عبد الله؛ كني به، # قال: وكان إسلامه في أول الإسلام على يد الصديق. ولد في السنة السادسة من ~~عام الفيل وهاجر الهجرتين وتزوج بنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رقية وأم كلثوم، زوجه الله أم كلثوم بمثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها، لهذا ~~سهمي ذو النورين، ولم يعرف أحد من لدن آدم - صلى الله عليه وسلم -، تزوج ~~[ابنتي] (¬2) نبي غيره (¬3). وهو أول من خرج إلى الحبشة وهاجر إليها وسائر ~~من هاجر إليها تبع له. # وكان - صلى الله عليه وسلم - يستحي منه أكثر من غيره (¬4)، وهو أكثر أمته ~~حياء، وأخبر أن الملائكة تستحي منه (¬5)، وجمع القرآن بعد الاختلاف فيه ~~وجمع الناس عليه، وشهد له [النبي - صلى الله عليه وسلم -] (¬6) بالجنة، ~~واشترى موضع PageV01P321 # خمس سوار فزاده في المسجد، وجهز جيش العسرة (¬1) بتسعمائة وخمسين بعيرا ~~وبخمسين فرسا وذلك في غزوة تبوك، وقيل: بألف بعير وسبعين فرسا، فدعا له - ~~صلى الله عليه وسلم - بالمغفرة ما أسر وما أعلن وما أبدى وما أخفى وما هو ~~كائن إلى يوم القيامة، وقال: "ما يبالي عثمان ما عمل بعدها"، واشترى بئر ~~رومة بعشرين ألفا وسبلها للمسلمين (¬2)، وكان عليه السلام قال قبل ذلك: "من ~~يشتريها ويجعلها للمسلمين وله بها مشربة في الجنة"، وتخلف عن بدر لتمريض ~~رقية فضرب له منها بسهمه وأجره، وبايع عنه في بيعة الرضوان؛ لأنه بعثه إلى ~~مكة في أمر الصلح. # وكان ms0109 يحيي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن، وكان يصوم الدهر، وكان من ~~الذين: {اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا} (¬3) الآية، كما ~~قاله علي رضي الله عنه، وافتتح نوابه إقليم خراسان والمغرب، قال ابن سيرين: ~~وكثر المال في زمنه حتى بيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف درهم ونخلة بألف ~~درهم، [قلت] (¬4): وشبهه - صلى الله عليه وسلم - بإبراهيم خليل الرحمن، وهو ~~أحد العشرة [المشهود] (¬5) لهم بالجنة كما تقدم، وأحد الذين كانوا معه بأحد ~~فارتج فقال: "أثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان"، وثالث الخلفاء الراشدين، ~~وأكبرهم سنا، PageV01P322 # وأكثرهم إقامة في الخلافة، بويع له بها أول [سنة] (¬1) أربع وعشرين بعد ~~دفن عمر بثلانة أيام، وقتل شهيدا مستسلما للقتل صبرا وهو صائم في ذي الحجة ~~سنة خمس وثلاثين عن ست وثمانين سنة، فكانت مدة خلافته ثنتي عشرة سنة إلا ~~أياما عشرة أو نحوها، وصلى عليه جبير بن مطعم، ودفن بالبقيع ليلا، ومناقبه ~~ومآثره أكثر من أن تحصى، وقد بسطت ترجمته فيما أفردته من الكلام على رجال ~~هذا الكتاب فراجعها منه، وقد أفردته بالتصنيف أيضا. # واسم أمه: أروى بنت كريز، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، قال ~~البيهقي: والذي حفظ عنه نحو من أربعين حديثا. وقال أبو نعيم: أسند ستا ~~وستين [سوى] (¬2) الطرق، وقال عبد الغني: روى مائة وستة وأربعين حديثا، ~~اتفق على ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بخمسة. # وكان في يده خاتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوا من سنتين ثم سقط ~~في بئر أريس بقباء، فاتخذ خاتما من فضة ونقش عليه "آمنت بالذي خلق فسوى"، ~~قال سهم بن [حبيش] (¬3): لما حملنا نعشه غشينا سواد من خلفنا، فهبناهم، ~~فنادى مناديهم: أن لا روع عليكم اثبتوا فإنا جئنا نشهده، وكان [ابن] (¬4) ~~حبيش يقول: هم ملائكة الله تعالى. PageV01P323 # وأما مولاه حمران: فهو بضم الحاء المهملة، ابن أبان، وقيل: ابن (¬1) ~~وقيل: (¬2) أبي، مدني قرشي أموي، مولاهم، تابعي، كان من سبي عين التمر، كان ~~للمسيب ابن نجبة فابتاعه عثمان وأعتقه، أدرك أبا بكر وعمر وروى عن عثمان ms0110 ~~ومعاوية، وعنه: عروة بن الزبير وغيره، وهو أول من دخل المدينة من سبي ~~المشرق، ذكره البخاري في الضعفاء، واحتج به في صحيحه، وكذا مسلم والباقون، ~~وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، لم أرهم يحتجون بحديثه، مات سنة خمس ~~وسبعين، أغرمه الحجاج مائة ألف؛ لأنه [كان] (¬3) ولي نيسابور، ثم رد عليه ~~ذلك بزيادة بشفاعة عبد الملك. # الوجه الثاني: قوله "دعا بوضوء" الوضوء بفتح الواو: الماء، وبالضم: اسم ~~لفعل الوضوء، وقيل بالفتح فيهما وهو قليل، وحكي # ضمهما وهو شاذ، والطهور كالوضوء فيما ذكرناه، وأصل الوضوء من الوضاءة وهي ~~النظافة والحسن، وذكر الشيخ تقي الدين أن الوضوء بالفتح إذا قلنا إنه الماء ~~هل هو اسم لمطلق الماء أو للماء بقيد الوضوء به [أو (¬4) إعداده] (¬5) ~~[للوضوء] (¬6) له، فيه نظر يحتاج PageV01P324 # إلى كشف [وبيان] (¬1) ينبني عليه. # فائدة فقهية: وهو أنه في بعض الأحاديث التي استدل بها على طهورية الماء ~~المستعمل قول جابر: "فصب علي من وضوئه (¬2) فإنا إن جعلنا الوضوء اسما ~~لمطلق الماء لم يكن في قوله "فصب علي من وضوئه" دلالة على ذلك؛ لأنه يصير ~~التقدير: فصب علي من مائه، ولا يلزم أن يكون ماؤه هو الذي استعمله في ~~أعضائه؛ لأنا نتكلم على أن الوضوء اسم لمطلق الماء، فإذا لم يلزم ذلك جاز ~~أن يكون المراد بوضوئه: فضلة مائه الذي توضأ ببعضه، لا ما استعمله في ~~أعضائه، فلا يبقى دليل من جهة اللفظ على ما أراده من طهارة الماء المستعمل، ~~وإن جعلنا الوضوء بالفتح مقيدا بالإضافة [إلى الوضوء بالضم، أعني (¬3) ~~استعماله في الأعضاء أو إعداده كذلك. فها هنا يمكن أن يقال في الدليل] ~~(¬4): إن وضوءه بالفتح متردد بين مائه المعد للوضوء بالضم، وبين مائه ~~المستعمل في الوضوء، وحمله على الثاني أولى؛ لأنه الحقيقة، واستعماله بمعنى ~~المعد مجاز، والحمل على الحقيقة أولى. PageV01P325 # قلت: ولا يؤخذ من ذلك كونه [طهورا] (¬1) [بل كونه طاهرا] (¬2) والإجماع ~~قائم عليه، وما نقل عن أبي حنيفة من نجاسته ثبت عنه رجوعه، ويجوز أيضا أن ~~يكون عليه السلام استعمله للتبريد أيضا فلا ms0111 دلالة فيه أيضا، كذلك فيقال ~~حينئذ: حمله على مطلق الماء أولى، وهذا البحث راجع إلى أن الماء المطلق ~~يسمى وضوءا عند إطلاقه أو لا بد أن يقصد به الوضوء ويعد له، وحينئذ يرجع ~~إلى تأثير النيات في الأعيان وتغيير أحكامها وهو مرجوح. # الوجه الثالث: قوله: "دعا بوضوء" فيه جواز الاستعانة في إحضار الماء وهو ~~مجمع عليه من غير كراهة. # الرابع: قوله: "فأفرغ على يديه" أي قلب وصب عليهما ليغسلهما، واليدان ~~تثنية يد وهي مؤنثة. # الخامس: يؤخذ من هذا: الإفراغ على اليدين معا، وجاء في رواية أخرى "أفرغ ~~بيده اليمنى على اليسرى ثم غسلهما" وهو قدر # مشترك بين غسلهما مجموعتين أو مفترقتين؛ والفقهاء اختلفوا: أيهما أفضل ~~[كما] (¬3) قال الشيخ تقي الدين. # قال صاحب "الجواهر" (¬4): تكرار الثلاث يدل على غسلهما PageV01P326 # [متفرقتين، وعدم تكرارهما يدل على غسلهما] (¬1) مجتمعتين والاجتماع يدل ~~على التنظيف، والافتراق يدل على التعبد. قلت: والذي يظهر أنه إن أمكن ~~غسلهما معا فهو أفضل هنا، وإلا قدم الكف اليمنى، كما إذا غسل يده اليمنى ~~إلى المرفق فإن الأفضل تقديمها بلا شك. # فرع: أدب الوضوء أن يكون الإناء عن يساره إن لم يغترف [منه] (¬2) إلا أن ~~يكون واسعا كما قاله العبادي (¬3) في "الزيادات" # والمحاملي (¬4). # ونقل ابن الصلاح في "القطعة التي له على المهذب" عن PageV01P327 # صاحب "الأمالي" (¬1): أنه إذا فرغ من غسل اليمنى حوله بيمينه وصب منه على ~~اليسرى حتى يفرغ، ولم يوافق عليه لكنه حسن، فإن غرف منه فيكون عن يمينه. # السادس: قوله: "ثلاث مرات" فيه استحباب التثليث في ذلك، ولعله إجماع. # تنبيه: لم يذكر في هذا الحديث التسمية، وهي سنة عند الأئمة الأربعة، وعن ~~أحمد رواية بوجوبها. # وقال إسحاق: إن تركها عامدا أعاد، وعن مالك [رواية بالتخيير ورواية ~~بالكراهة] (¬2). # السابع: قوله: "ثم أدخل يمينه في الوضوء" فيه استحباب غسل اليدين قبل ~~إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء مطلقا، والحديث السادس المتقدم يعطي ~~استحبابه عند القيام من النوم، وقد مضى ما فيه هناك وأن الحكم عند عدم ~~القيام الاستحباب، وعند القيام تارة ms0112 يكون مكروها وتارة لا يكون مكروها، ~~فراجعه منه. # الثامن: فيه جواز إدخالهما الإناء بعد غسلهما وأنه لا يفتقر إلى نية ~~الاغتراف. # التاسع: قوله: "ثم تمضمض واستنشق واستنثر" لفظة (ثم) تفيد الترتيب بين ~~غسل اليدين والمضمضة، والأصح عند الشافعية أن PageV01P328 # ذلك على وجه الاشتراط، وكذا الترتيب بين المضمضة والاستنشاق أيضا وإن كان ~~المأتي به في هذا الحديث بينهما "الواو" دون "إثم"، وعبر الماوردي عن ~~الخلاف بأن في وجوب الترتيب في المسنونات وجهين. # فائدة: قال الشيخ عز الدين: قدمت المضمضة على الاستنشاق لشرف منافع الفم ~~على منافع الأنف، [فإنه] (¬1) مدخل الطعام # والشراب اللذين بهما قوام الحياة، وهو محل الأذكار الواجبة والمندوبة، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # فائدة ثانية: الحكمة في تقديم المضمضة والاستنشاق على [غسل] (¬2) الوجه ~~المفروض؛ لأن المعتبر في صفات الماء للتطهير: لون يدرك بالبصر، وطعم يدرك ~~بالذوق، وريح يدرك بالشم، فقدمت هاتان السنتان لاخبار حال الماء قبل فعل ~~الفرض به، أفاده القاضي عياض، ولا ينتقض ما ذكره بمن لا يشم وبمن لا يبصر ~~وبمن علم سلامة الماء [لئلا] (¬3) يخفى، مما لا يحتاج إلى تسطيره. # العاشر: المضمضة أصلها مشعر بالتحريك، ومنه: مضمض النعاس في عينيه، إذا ~~تحرك، واستعمل في المضمضة لتحريك الماء # في الفم، والأصح عند الشافعية أنه لا يشترط الإدارة ولا المج، ومن اشترط ~~المج جرى على الأغلب فإن العادة عدم ابتلاعه. PageV01P329 # الحادي عشر، والثانى عشر: الاستنشاق والاستنثار قد أسلفنا بيانهما في ~~الحديث [السادس] (¬1) وأن بعضهم جعلهما بمعنى، وأن هذا الحديث يرد عليه ~~فإنه عليه السلام عطف بعضهما على بعض والعطف يقتضي [المغايرة] (¬2). # تنبيهان: # الأول: لم يصرح في هذا الحديث بأن المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة أو ~~بأكثر، وقد يؤخذ [منه] (¬3) الأول؛ لأنه ذكر تكرار غسل الوجه والكفين وأطلق ~~أخذ الماء للمضمضة والاستنشاق، وهو أحد الأوجه الخمسة في ذلك، وحديث عبد ~~الله بن زيد الآتي بعده صرح فيه بالعدد وسيأتي الكلام عليه هناك إن شاء ~~الله [تعالى] (¬4). # الثاني: [الاستنثار] (¬5) يكون باليسرى، وليس في الحديث ما يقتضي أنه ~~باليمين فتأمله (¬6). # الثالث عشر: ms0113 جمهور الأمة على أن المضمضة والاستنشاق سنة PageV01P330 # في الوضوء كما [أسلفته] (¬1) في الحديث المذكور [هناك] (¬2) فراجعه مع ~~خلاف العلماء فيه. # الرابع عشر: قوله "ثم غسل وجهه ثلاثا" الغسل في اللغة كما قال ابن عطية ~~(¬3): إيجاد الماء في المغسول مع إمرار شيء عليه كاليد أو ما قام مقامها، ~~وهو يتفاضل بحسب الانغمار في الماء والتقليل منه، [فغسل] (¬4) الوجه في ~~الوضوء وهو نقل الماء إليه وإمرار اليد عليه، وهذا فيه إشعار بإيجاب الدلك ~~في الوضوء، وهو مذهبه خلافا للشافعية. # الخامس عشر: الوجه: من من المواجهة، وقد اعتبر الفقهاء هذا الاشتقاق ~~وبنوا عليه أحكاما، وجمهورهم على أن حد الوجه ما بين منابت [الشعر] (¬5) ~~غالبا ومنتهى لحييه وما بين أذنيه، وتفصيل القول في ذلك محله كتب الفروع، ~~وقد بسطناها فيها ولله # الحمد. # السادس عشر: (ثم) هنا للترتيب بين المسنون (¬6) والمفروض، وهما المضمضة ~~وغسل الوجه، وبعض الفقهاء رأى PageV01P331 # الترتيب في المفروض دون [المسنون] (¬1) كما أسلفناه وهو مذهب مالك كما ~~أفاده الفاكهي. # واختلف أصحاب مالك في الترتيب في الوضوء على ثلاثة أقوال: الوجوب، ~~والندب، والاستحباب، والمشهور عندهم أنه # سنة. # ومذهب الشافعية: وجوبه. # وخالف المزني فقال: لا يجب، واختاره ابن المنذر (¬2) والبندنيجي، وحكاه ~~البغوي (¬3) عن أكثر العلماء، وحكاه [الدزماري] (¬4) قولا عن القديم، وعزاه ~~إلى صاحب [الترتيب] (¬5)، وفيه رد لقول الفاكهي المالكي: لا يختلف قول ~~الشافعى في وجوبه، قال إمام الحرمين (¬6): لم ينقل قط أحد أنه عليه السلام ~~نكس وضوءه، فاطرد الكتاب والسنة على وجوب الترتيب. PageV01P332 # قال صاحب القبس (¬1): ما أحسن هذا السياق لولا أنكم قلتم: يجوز تقديم ~~اليمنى على اليسرى، ولم ينقل ذلك من فعله عليه # السلام قط، فعذركم عن هذا هو عذرنا عن ذلك. # قلت: مذهبك أن تقديم [باليمين] (¬2) سنة، ولم يقل بالوجوب إلا الشيعة فلا ~~يلزم ذلك. # (فرع): الموالاة [سنة] (¬3) عند أكثر العلماء؛ وبه قال الشافعي وأحمد ~~خلافا لمالك. # [السابع عشر: قوله "ثلاثا" يفيد استحباب هذا العدد في كل ما ورد فيه. # الثامن عشر: قوله "ويديه إلى المرفقين" المرفق: بفتح الميم وكسر الفاء ~~وعكسه لغتان، ms0114 وكذلك المرفق من الأمر الذي يرتفق وينتفع به الإنسان، وهما ~~قراءتان في السبع، قرأ نافع وابن عامر بالأولى وقرأ الباقون بالثانية، ~~والمراد به موصل الذراع في العضد لكن اختلف قول الشافعي رضي الله عنه هل هو ~~اسم لإبرة الذراع أم [لمجموع] (¬4) عظم رأس العضد مع الإبرة؟ على قولين: ~~وبنى على ذلك أنه [لوصل الذراع من العضد هل يجب غسل رأس العضد PageV01P333 # أم يستحب؟ فيه قولان أشهرهما وجوبه] (¬1). # [التاسع عشر] (¬2): اختلف العلماء في [وجوب] (¬3) إدخال المرفقين في ~~الغسل على قولين. # فذهبت الأئمة الأربعة -كما عزاه ابن هبيرة إليهم- والجمهور إلى الوجوب. # وذهب زفر وأبو بكر بن داود: إلى عدم الوجوب، ورواه أشهب عن مالك وزيفه ~~القاضي عبد الوهاب. # ومنشأ الخلاف: أن كلمة (إلى) لانتهاء الغاية وقد ترد بمعنى "مع"، والأول ~~هو المشهور فمن قال به لم يوجب إدخالهما في الغسل، ومن قال بالثاني أوجب، ~~وفرق بعضهم بين أن تكون الغاية من جنس ما قبلها أو لا، فإن كانت من الجنس ~~دخلت كما في الوضوء، وإن كانت من غيره لم تدخل كما في قوله تعالى: {ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} (¬4) ومنهم من قال: إن كانت الغاية [لإخراج] (¬5) ~~ما دخل قبلها لم يخرج فإن اسم اليد يطلق عليها إلى المنكب، حتى قال أصحاب ~~الشافعي: لو طالت [أظفاره] (¬6) ولم يقلمها وجب PageV01P334 # غسلها قطعا لاتصالها باليد ودخولها فيه، ولذلك: لو نبت في محل الفرض يد ~~أخرى أو سلعة وجب غسلها (¬1). فلو لم ترد هذه الغاية لوجب غسل اليد إلى ~~المنكب، فلما دخلت أخرجت عن الغسل ما زاد على المرفقين فانتهى الإخراج إلى ~~المرفقين فدخل في الغسل. # وقال آخرون: لما تردد اللفظ بين أن تكون للغاية أو بمعنى (مع) فاقتضى ~~الإجمال، فبينه فعله عليه السلام، حيث أدار الماء على "مرفقيه"، وفعله أصل ~~في بيان المجمل خصوصا في الوجوب. # قال الشيخ تقي (¬2) الدين: وهذا عندنا ضعيف؛ لأن "إلى" حقيقة في انتهاء ~~الغاية مجاز بمعنى "مع" ولا إجمال في اللفظ بعد # تبين حقيقته، ويدل على أنها حقيقة في انتهاء ms0115 الغاية كثرة نصوص أهل ~~العربية على ذلك، ومن قال بأنها بمعنى (مع) لم ينص على أنها حقيقة في ذلك ~~فيجوز أن يريد المجاز. # وقال أبو البقاء في "إعرابه" (¬3): الصحيح أنها على بابها، وأنها لانتهاء ~~الغاية، وإنما وجب غسل المرافق بالسنة، وليس بينهما # تناقض؛ لأن "إلى" تدل على انتهاء الفعل ولا تعرض لنفي المحدود إليه ولا ~~لإثباته؛ لأنك إذا قلت: سرت إلى الكوفة فغير ممتنع أن PageV01P335 # تكون بلغت أول حدودها ولم تدخكها وأن تكون دخلتها، فلو قام الدليل على ~~أنك دخلتها لم يكن مناقضا لقولك: سرت إلى الكوفة. # تنبيهان: الأول: ملخص ما في "إلى" خمس مذاهب للأصوليين (¬1): # أحدها: أن ما بعدها ليس داخلا، وهو مذهب الشافعي. # وثانيها: أنه داخل. # وثالثها: إن كان من الجنس دخل، وإلا فلا. # ورابعها: إن لم [يكن] (¬2) معه من دخل، وإلا فلا. # وخامسها: إن كان منفصلا عما قبله بمفصل معلوم بالحس كآية الصوم السالفة ~~فإنه لا يدخل، وإلا فيدخل كآية الوضوء. وفي المحصول والمنتخب أن هذا ~~التفصيل هو [الأولى] (¬3)، ومذهب سيبويه أنه [إن] (¬4) اقترن "بمن" فلا ~~يدخل وإلا فيحتمل الأمرين، واختار الآمدي أن التقييد بالغاية لا يدل على ~~شيء، وفي دخول غاية الابتداء أيضا مذهبان. # الثاني: (إلى، وحتى) يكونان لانتهاء الغاية مع كونهما جارتين، ويفترقان ~~من وجهين: PageV01P336 # الأول: أن ما بعد (إلى) غير داخل فيما قبلها على الصحيح إلا أن تقترن به ~~قرينة دالة على دخوله، و (حتى): على العكس من ذلك، وهذا إذا كانت (حتى) ~~عاطفة، فإن كانت غاية بمعنى إلى فلا يدخل، ومنه قوله تعالى: {حتى مطلع ~~الفجر (5)} (¬1). # والثاني: أن (إلى) تجر الظاهر والمضمر، و (حتى) لا تجر [إلا] (¬2) الظاهر ~~دون المضمر في الأمر العام. # فائدة: ادعى [الحكيم] (¬3) الترمذي في علله أن يبدأ في غسل اليد ~~[بالذراع] (¬4) إلى المرفق ثم يمده على باطن الذراع إلى الكف، وفي المرة ~~الثانية عكسه، وفي الثالثة [يعممها] (¬5) فإنه السنة، ولا يسلم له ذلك، نعم ~~السنة أن يبدأ [بأصبع يديه وكذا رجليه] (¬6) لكن قال الصيمري والماوردي ~~(¬7): إن كان غيره يصب ms0116 عليه؛ بدأ من كعبه. # العشرون: قوله: "ثم مسح برأسه" ظاهره: استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن اسم ~~الرأس حقيقة في العضو كله، لكن الاستيعاب هو # هو على سبيل الوجوب أو الندب؛ اختلف الفقهاء فيه، وليس في PageV01P337 # الحديث ما يدل على الوجوب لمسح جميعه لجواز أن يكون الثواب المخصوص ~~المذكور في آخره على هذه الأفعال، إذ لا يلزم منه عدم الصحة عند عدم كل جزء ~~من تلك الأفعال كما رتبه فيه على المضمضة والاستنشاق وإن لم يكونا واجبين ~~عند الجمهور، وادعاء الإجمال فيه كما في المرفقين وأن الفعل بيان له ليس ~~بصحيح؛ لأن الظاهر من الآية مبين: # إما على مطلق المسح كما يقول الشافعى بناء على أن "الباء" في الآية ~~للتبعيض أو لغير ذلك. # أو على الكل كما يقول مالك في المشهور عنه بناء على أن اسم الرأس حقيقة ~~في الكل والتبعيض لا يعارضه، وكيف ما كان فلا إجمال (¬1)، خلافا للحنفية، ~~وهذا قوي وهو المشهور [عن] (¬2) المزني من الشافعية، وحكاه في "البيان" عن ~~أبي نصر البندنيجي، ونقله الإمام فخر الدين في مناقب الشافعي عن البغوي ~~(¬3)، وادعى بعض شراح هذا الكتاب من الشافعية أنه قول عن الشافعي، ~~[والمعروف ما ذكرته. # ونقل صاحب المحصول عن الشافعي] (¬4) أن مسح الرأس PageV01P338 # حقيقة فيما ينطق عليه اسم المسح وهو القدر المشترك بين الكل والبعض؛ لأن ~~هذا التركيب تارة يأتي لمسح الكل وهو واضح وتارة يأتي لمسح البعض، كما ~~يقال: مسحت بيدي برأس اليتيم، وإن لم يمسح منها إلا البعض، فإن جعلناه ~~حقيقة في كل منهما لزم الاشتراك، وإن جعلناه حقيقة في أحدهما فقط لزم ~~المجاز في الآخر فيجعله حقيقة في [القدر المشترك] (¬1) دفعا للمحذورين، قال ~~البيضاوي: وهذا هو الحق. # ثم نقل في المحصول (¬2) عن بعض الشافعية أن الباء تدل على التبعيض فلذلك ~~اكتفينا بالبعض، وأنكر ابن جني (¬3) ورودها للتبعيض وقال: إنه شيء لا يعرفه ~~أهل اللغة. وهو عجيب منه فقد ورد في أشعارهم، ونص عليه الأصمعي والقتبي ~~والفارسي في "التذكرة" وابن مالك (¬4)، وحكاه ابن القواس (¬5) في شرح ~~"ألفية ms0117 ابن معطي" (¬6) PageV01P339 # عن ابن كيسان (¬1) وحكاه ابن الخباز (¬2) عن العبدي. # فائدة: ألخص لك فيها مذاهب العلماء في مسح الرأس: فذهب الشافعى رضي الله ~~عنه أن الواجب ما يقع عليه الاسم ولو # بعض شعره، قال القاضي حسين: ولو على قدر رأس إبرة، ووراثه آراء لأصحابه: # [أحدها] (¬3): أن أقل ما يجزىء ثلاث شعرات قياسا على الحلق في الإحرام، ~~وادعى الماوردي (¬4): أنه المذهب. # [وهل] (¬5) يختص هذا الوجه بما إذا مسح الشعر أم يجزئ في مسح البشرة ~~ويشترط مسح قدر ثلاث شعرات؟ قال الرافعي: في كلام الائمة ما يشعر ~~بالاحتمالين والأول أظهر. # ثانيها: يجب مسح الجميع، وقد أسلفناه (¬6). PageV01P340 # ثالثها: أنه ينبغي (¬1) ألا يجزي أقل من الناصية، قاله البغوي (¬2) معللا ~~بأنه، عليه السلام لم يمسح أقل منها، وفيه نظر لدخول الباء عليها كما في ~~الآية، وقال الماوردي: عندي أن أقله أن يمسح بأقل شيء من إصبعه على أقل شيء ~~من رأسه لأنه أقل ما يقتصر عليه في العرف، ووقع في (المحلى) (¬3) لابن حزم ~~الظاهري أن أصحاب الشافعي حدوا ما يجزئ من مسح الرأس بشعرتين ولم أره في ~~كلام أصحابنا. # وأما مذهك مالك رضي الله عنه فنقل صاحب (البيان والتقريب) فيه أربعة أقوال: # أشهرها: وجوب استيعاب جميعه، وحده: من منقطع الوجه إلى ما تحوزه الجمجمة. # وقال ابن شعبان: بل إلى آخر منبت الشعر من القفا. # قال اللخمي: وليس يحسن؛ لأن ذلك من العنق وليس من الرأس. # وثانيها: يجزئ مسح الثلثين، قاله محمد بن مسلمة (¬4). PageV01P341 # وثالثها: يجزئ مسح الثلث [قاله] (¬1) أبو الفرج القاضي عمرو بن محمد ~~الليثي. # ورابعها: إجزاء الناصية، قاله أشهب (¬2) في رواية، وعنه رواية أنه إن لم ~~[يعم] (¬3) رأسه أجزأه، ولم يقدر ما لا يضر تركه. # وهذه الأقاويل مذاهب أصحابه مخرجة على مذهبه، وأولها نص مذهبه. ونقل ~~اللخمي عن مالك في العتبية: إن مسح المقدم # أجزأه، قيل له: فإن مسح بعض رأسه ولم يعم؟ قال: يعيده، أرأيت لو غسل بعض ~~وجهه أو بعض ذراعيه؟ وذهب إلى التفرقة بين المقدم والمؤخر، فهذه خمسة أقوال عدهم. # وأما ms0118 مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، فعنه (¬4) ثلاث روايات: الربع، قدر ~~الناصية، قدر ثلاث أصابع، والأولى أشهرها. # وعن أبي يوسف: نصف الرأس، وعنه: الربع بثلاث أصابع، فإن مسح بثلاث أصابع ~~دون ربع الرأس لم [يجزىء] (¬5)، وإن مسح PageV01P342 # بأصبعين ربع الرأس [لم يجزئه، فحد الممسوح به والممسوح. وعن زفر أن الفرض ~~منه ربع الرأس] (¬1) سواء مسحه [بثلاث] (¬2) أصابع أو دونها فحد الممسوح ~~دون ما يمسح به، وهذا يرجع إلى أحد أقوال أبي حنيفة المتقدمة. # وأما مذهب أحمد رضي الله عنه، فعنه روايتان: # الأولى: يجب مسح الجميع، وهي المشهورة عنه. # وثانيها: يجب مسح أكثره، فإن ترك [الثلث] (¬3) فما دونه أجزأه. # وحكى ابن الصباغ عن ابن عمر (¬4) موافقة المشهور عن الشافعى، وحكاه غيره ~~عن الحسن البصري وسفيان الثوري وداود، ومحل الخوض في البحث في ذلك كتب ~~الخلافيات، وقد أسلفت لك فيما مضى مأخذ ذلك. # فرع: لا تتعين اليد للمسح، وبه قال الأوزاعي والنخعي والثوري وصاحب (عيون ~~المجالس) من المالكية والشافعية أيضا، ولا أعلم في ذلك خلافا. # فرع: الماسح مخير في المسح بين الاقتصار على مسح الشعر PageV01P343 # أو البشرة (¬1) مع وجوده، هذا هو الأصح عند الشافعية، وفي وجه عندهم: أنه ~~لا يجزئ مسح البشرة التي تحت الشعر، ومن العجيب نقل بعض شراح هذا الكتاب من ~~الشافعية اتفاق العلماء على أن المسح لا يتعين على الشعر ولا على البشرة في ~~حق من له شعر، بل أيهما مسح عليه أجزأه، ولا نقول: إن مسح الشعر بدل عن ~~البشرة كما يقول في الخف، وهذا غريب منه، [فالخلاف] (¬2) ثابت في مذهبه كما ~~حكيته لك. # الحادي والعشرون: قوله: "ثم غسل كلتا رجليه" فيه الصراحة بوجوب غسلهما، ~~والرد على من أوجب المسح، وقد تقدم في الحديث الثالث إيضاح ذلك. # الثاني والعشرون: "كلا وكلتا" إذا أضيفتا إلى مضمر أعربتا إعراب التثنية ~~بالألف رفعا وبالياء جرا ونصبا، وإذا أضيفتا كما هو هنا أعربتا إعراب ~~المقصور نحو: عصى، ورحى. # الثالث والعشرون: قوله "ثلاثا" فيه استحباب التثليث في غسل الرجلين، وبعض ~~الفقهاء كما نقله ms0119 الشيخ تقي الدين (¬3) لا يراه، واستدل بأنه ورد في بعض ~~الروايات غسل رجليه حتى أنقاهما ولم يذكر عددا، وأكد من جهة المعنى بقرب ~~الرجل من PageV01P344 # الأرض في المشي وكثرة مباشرتها الأوساخ والأدران فاقتضى الإنقاء من غير ~~عدد، لكن هذا لا ينافي العدد؛ لما في [ذكر] (¬1) العدد من الزيادة عليه، ~~[فتعين] (¬2) العمل به لدلالة لفظ الحديث عليه من غير وجه. # فائدة: أجمع العلماء على أن تثليث الطهارة [مستحب] (¬3) إلا الرأس، ~~فالمشهور [عن] (¬4) الشافعي أنها كغيرها في الاستحباب خلافا لباقي الأئمة ~~الثلاثة، دليل الشافعى ما رواه أبو داود بإسناد جيد من حديث حمران عن عثمان ~~أنه عليه السلام "مسح رأسه ثلاثا" وإن كان أبو داود (¬5) [قد] (¬6) قال: ~~أحاديث عثمان الصحاح تدل على أن مسح الرأس كان مرة، فهذا [إسناده] (¬7) حسن ~~وله شواهد ومتابعات، وقد بسطت ذلك في تخريج أحاديث الرافعي فليراجع منه (¬8). # وقول أبي عبيد القاسم بن سلام: لا يعلم أحد من السلف جاء PageV01P345 # عنه استعمال الثلاث، يعني الذي ذهب إليه الشافعي إلا عن إبراهيم التيمي، ~~عجيب، فقد فعله أنس بن مالك وسعيد بن جبير وعطاء وزادان وميسرة، [كما] (¬1) ~~ذكره عنهم ابن أبي شيبة ومصرف [أبي] (¬2) عمرو، كما ذكره ابن السكن، ومن ~~الغرائب ما حكاه الشيخ أبو حامد وغيره أن بعض الناس أوجب الثلاثة، وحكاه ~~صاحب (الإبانة) عن ابن أبي ليلى (¬3) وهو باطل. # قال مالك: ولا أحب الواحدة إلا من العالم بالوضوء، وعندهم أن الاقتصار ~~على الواحدة مكروه. # واختلفوا في وجه الكراهة فقيل: لتركه الفضيلة، وقيل: مخافة ألا يعم بها. # ولو خالف بين الأعضاء فغسل [بعضها] (¬4) مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثا ~~جاز بالإجماع والأخبار. # الرابع والعشرون: قوله: "نحو وضوئي هذا" اعلم أن لفظ "نحو" لا يطابق لفظة ~~مثل، فإن المثل: تقتضي ظاهر المساواة من كل وجه إلا من الوجه الذي يقع به ~~الامتياز بين الحقيقتين بحيث يخرجهما عن الوحدة، ولفظة "نحو" لا تعطي ذلك ~~وإن استعملت كذلك لغة لا اصطلاحا عرفيا، فيكون استعمالها فيها مجازا، ولهذا PageV01P346 # فرق المحدثون بين "نحو" و"مثل"، فقالوا: ms0120 فيما كان مثل الإسناد [أو] (¬1) ~~المتن من كل وجه: "مثله" كما استعمله مسلم في [صحيحه] (¬2) في غير موضع، ~~وقالوا "نحوه" فيما قارب الإسناد أو المتن، حتى استدلوا على الذين قالوا ~~بالفرق بينهما وألزموهم بمنعهم الرواية بالمعنى، ولعل واصف وضوء رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وروايته عنه لفظه "نحو وضوئي هذا" لحظ الفرق بينهما ~~من حيث أن مثليه وضوئه - صلى الله عليه وسلم - لا تتأتى لأحد إلا من حيث ~~امتثال الأمر وحصول الثواب المناسب للمتوضئ على قدر تبعيته فيه؛ لأنه قد ~~يكون في وضوئه عليه السلام أشياء لم يكلف بها، فتكون ملغاة بالنسبة إلينا، ~~فيكون ذلك بيانا للفعل الذي يحصل الثواب الموعود به، وعليه فلا بد أن يكون ~~الوضوء المفعول موصوفا لأجل الغرض المطلوب؛ فلهذا استعمل "نحو" في حقيقتها ~~العرفية مع فوات المقصود لابمعنى "مثل"، أو يكون ترك ما علم قطعا أنه لا ~~يخل بالمقصود، مع أن لفظة "مثل" ثابتة عنه - صلى الله عليه وسلم - في سنن ~~أبي داود، وهذا لفظه: "ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ~~مثل وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ مثل وضوئي هذا ثم صلى ركعتين ... " (¬3) ~~الحديث، وثابتة أيضا في PageV01P347 # صحيح أبي حاتم ابن حبان، وهذا لفظه عن حمران قال: "رأيت عثمان قاعدا في ~~المقاعد فدعا بوضوء فتوضأ ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-[يتوضأ] (¬1) في مقعدي هذا مثل وضوئي هذا ثم قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من توضأ مثل وضوئي هذا غفر له ما تقدم من ذنبه"، ثم قال عليه ~~السلام: "ولا تغتروا" (¬2). # وهذه الرواية أخرجها البخاري أيضا كما سيأتي، ولم يعثر الشيخ تقي الدين ~~عليها بل قال: يمكن أن يقال إن الثواب يترتب على # مقاربة ذلك الفعل؛ تسهيلا وتوسيعا على المخاطبين من غير تضييق وتقييد بما ~~ذكرناه، إلا أن الأول أقرب إلى مقصود البيان. # وقال الفاكهي: لا بد من ذلك لتعذر الإتيان بمثل وضوئه عليه PageV01P348 # السلام، وذلك مما تقتضيه الشريعة السمحة من التوسعة وعدم التضييق ms0121 على ~~المكلف، ولم يعثر على الرواية التي أسلفناها أيضا، [وكذا] (¬1) النووي في ~~(شرح مسلم) فإنه قال: إنما أتى "بالنحو" دون "المثل" لأن حقيقة مماثلته لا ~~يقدر عليها غيره؛ ثم رأيت بعد ذلك [الحميدي] (¬2) في (جمعه بين الصحيحين) ~~عزى رواية "مثل" إلى مسلم من رواية زيد بن أسلم، أن عثمان "توضأ" ثم قال: ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: "من ~~توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيته إلى المسجد نافلة"، ~~وعزاه ابن أبي أحد عشر في (جمعه بين الصحيحين) [إليه] (¬3) أيضا، وراجعت ~~صحيح مسلم فرأيت الرواية المذكورة فيه بلفظ: "نحو" لا بلفظ "مثل" (¬4)، ~~وعزى ابن أبي أحد عشر إليه أيضا من طريق آخر لفظة "مثل" ولفظة [ثم] (¬5) ~~قال: "من توضأ مثل الوضوء" ولم أرها من الوجه الذي ذكره أيضا في مسلم فتنبه لذلك. # وفي البخاري في كتاب الصيام "توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال PageV01P349 # من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين" (¬1) إلخ، وفي (¬2) كتاب الرقاق في ~~أسباب قوله تعالى: {يا أيها الناس إن وعد الله حق} (¬3)، عن ابن أبان قال: ~~أتيت عثمان بطهور وهو جالس على المقاعد فتوضأ فأحسن الوضوء ثم قال: رأيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في هذا المجلس فأحسن الوضوء ثم قال: "من ~~توضأ مثل هذا الوضوء ثم أتى المسجد فركع ركعتين ثم جلس غفر له ما تقدم من ~~ذنبه" قال: وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "لا تغتروا" (¬4). # وما أسلفناه في تفسير المثل هو ما ذكره الشيخ تقي الدين هنا (¬5)، وقال ~~في أسباب الأذان في قوله عليه السلام "فقولوا مثل ما يقول" إن فيه دلالة ~~على أن لفظ "مثل" لا تقتضي المساواة من كل وجه، وستقف عليه هناك إن شاء ~~الله مع زيادة. # الخامس والعشرون: "قوله" (¬6): "ثم صلى ركعتين" فيه استحباب ركعتين بعد ~~الوضوء، [قال في (شرح مسلم) فأكثر] (¬7) وتفعل كل وقت حتى وقت النهي عند ~~الشافعية، خلافا للمالكية قالوا: وليست هذه من السنن، قالوا: ms0122 وحديث بلال في PageV01P350 # البخاري (¬1): إنه كان متى توضأ صلى، وقال: إنه أرجى عمل له، يجوز أن يخص ~~بغير أوقات النهي. # فرع: هل تحصل هذه الفضيلة بركعة؟ الذي يظهر المنع، وهل يجري فيه الخلاف ~~الذي ذكره أصحابنا في التحية ونظائرها؟ # فيه نظر. # السادس والعشرون: الثواب الموعود به مرتب على أمرين: # الأول: وضوؤه على النحو المذكور. # الثاني: صلاة ركعتين عقبه بالوصف المذكور في الحديث، والمرتب على مجموع ~~أمرين لا يلزم ترتيبه على أحدهما إلا بدليل خارج، وقد يكون المشي فضيلة ~~بوجود أحد جزئيه؛ فيصبح كلام من أدخل هذا الحديث في فضل الوضوء فقط لحصول ~~مطلق الثواب، لا الثواب المخصوص على مجموع الوضوء على النحو المذكور ~~والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور. # السابع والعشرون: قوله: "لا يحدث فيهما نفسه" [فيه] (¬2) إثبات حديث ~~النفس وهو مذهب أهل الحق، ثم حديث النفس # قسمان: PageV01P351 # الأول: ما يهجم عليها ويتعذر دفعه عنها. # والثاني: ما يسترسل معها ويمكن [وقفه] (¬1) وقطعه، فيحمل الحديث عليه دون ~~الأول؛ لعسر اعتباره، ولفظ الحديث يقتضيه بقوله: "لا يحدث" فإنه يشهد بتكسب ~~وتفعل كحديث النفس [لا] (¬2) الخواطر التي ليست من جنس مقدور العبد معفو ~~عنها، [ويمكن أن يحمل على القسمين؛ لتعلق العسر بالتكاليف في وجوب دفعه، ~~فالحديث إنما يقتضي ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص] (¬3) فمن حصل له ذلك ~~العمل حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا، ولا يكون ذلك من باب التكاليف حتى ~~يلزم دفع العسر عنه، نعم لا بد أن تكون الحالة المرتب عليها الثواب المخصوص ~~ممكنة الحصول وهي التجرد عن شواغل الدنيا وغلبة ذكر الله تعالى على القلب ~~وتعميره به، وذلك حاصل لأهل العناية ومحكي عنهم. # ونقل القاضي عياض (¬4) عن بعضهم أن ما يكون من غير قصد يرجى أن تقبل معه ~~الصلاة ويكون دون صلاة من لم يحدث نفسه بشيء؛ لأنه عليه السلام إنما ضمن ~~الغفران لمراعي ذلك، لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس، وإنما حصلت له ~~هذه المرتبة لمجاهدة نفسه من خطرات الشيطان ونفيها عنه ومحافظته عليها حتى PageV01P352 # لم يشتغل ms0123 عنها طرفة عين، [وسلم] (¬1) من الشيطان باجتهاده وتفريغه قلبه. # ولم يرتض النووي (¬2) هذا، قال: [و] (¬3) الصواب حصول هذه الفضيلة مع ~~طريان الخواطر العارضة غير المستقرة. # الثامن والعشرون: حديث النفس يعم الخواطر الدنيوية [والأخروية] (¬4)، ~~والحديث محمول على المتعلق بالدنيا فقط؛ لأنه مأمور بالفكر في معاني المتلو ~~من القرآن العزيز والذكر والدعوات وتدبرها، وذلك لا يحصل بحديث النفس، وليس ~~كل أمر محمود أو مندوب بالنسبة إلى غير وقته وحاله من أمور الآخرة، بل قد ~~يكون أجنبيا عنها مثابا عليه، وقد كان عمر رضي الله عنه يجهز الجيوش وهو في ~~الصلاة (¬5)، واستعجل - صلى الله عليه وسلم - وهو في صلاة وفراغه منها وسئل PageV01P353 # عن ذلك، فقال: "كان عندي شيء [من] (¬1) تبر فكرهت أن يحبسني فقسمته" ~~(¬2)، وكل ذلك قربة خارجة عن مقصود الصلاة. وفي كتاب (الصلاة) للحكيم ~~الترمذي قال سعد رضي الله عنه: "ما قمت في PageV01P354 # صلاة فحدثت نفسي فيها بغيرها" [فقال] (¬1) الزهري: رحم الله سعدا، إن كان ~~لمأمونا على هذا، ما ظننت أن يكون هذا إلا في نبي. # قلت: ويؤيد ما سلف أنه جاء في رواية: "لا يحدث فيها نفسه بشيء من الدنيا ~~ثم دعا إلا استجيب له" (¬2) ذكرها الحكيم الترمذي أيضا في الكتاب المذكور. # فرع: إذا تعمد حديث النفس وتشاغل به، فهل تبطل صلاته أم لا يفرق بين ~~القليل (¬3) والكثير؟ # قال الفاكهي: لم أقف على نص صريح في ذلك لأصحابنا -يعني المالكية- لكن ~~ذكر [ابن] (¬4) العربي في مسألة النية ما ظاهره البطلان. PageV01P355 # وعند الشافعية: وجه أن حديث النفس إذا كثر (¬1) أبطل الصلاة، وقال القاضي ~~[حسين] (¬2): يخاف لمن فكر في أمور الدنيا أن يحرم فضيلة الجماعة؛ لقوله ~~عليه السلام: "لا صلاة لامرىء لا يحضر قلبه". # وقال غيره: اختلف الفقهاء والزهاد في قبول الصلاة مع استرسال الخواطر ~~المشغلة عن حضور القلب فيها، فمال الفقهاء إلى قبولها، ومال الزهاد إلى عدم ~~قبولها، والأولى بنا والأقوى في أدلتنا: أنه إن كان الخاطر عرضا عرض فأعرض ~~فالمسالة كما قال الفقهاء، وإن كان سببه التعلق بفضول الدنيا الذي يستغنى ~~عنه ms0124 فالمسألة كما قاله الزهاد؛ لأن ذلك العارض من سببه، وواقع باختياره ~~[وكسبه] (¬3) (¬4). PageV01P356 # .............................................................. PageV01P357 # التاسع والعشرون: قوله: "غفر له ما تقدم من ذنبه" الظاهر فيه العموم في ~~الكبائر والصغائر، لكنهم خصوا (¬1) بالصغائر وقالوا: إنما تكفر الكبائر ~~بالتوبة، وكان مستندهم في ذلك وروده مقيدا في مواضع كقوله عليه السلام: ~~"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارات لما بينهن ~~ما اجتنبت الكبائر" (¬2). فجعلوه في هذه الأمور المذكورة مقيدا للمطلق في ~~غيرها، والمعنى: أن الذنوب "كلها" (¬3) تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر، ~~وليس المراد أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة فإن كانت فلا يغفر شيء من ~~الصغائر، فإن هذا وإن كان مجملا فسياق الحديث يأباه، وهذا مذهب أهل السنة: ~~أن الذنوب تغفر ما لم [تكن] (¬4) PageV01P358 # كبيرة، وأن الكبائر إنما تكفر بالتوبة، ثم كل واحدة من المذكورات من ~~الخمس (¬1) والجمعة ورمضان صالح للتكفير، فإن لم يجد ما يكفر كتب به حسنات ~~ورفع به درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجونا أن تخفف من ~~الكبائر (¬2). # الثلاثون: يؤخذ من الحديث شرعية التعليم بالفعل فإنه أبلغ وأضبط في حق ~~المتعلم. # الحادي والثلاثون: فيه أيضا استحباب التثليث فيما ذكر من أعمال الوضوء، ~~وأما الرأس فقد سلف حكمها. # الثاني والثلاثون: فيه وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء فإنه رتبه الراوي ~~"بثم" في معرض البيان وهي للترتيب، وقد سلف ما فيه (¬3). PageV01P359 # الثالث والثلاثون: فيه الاستدلال بفعله عليه السلام على الأحكام الشرعية، ~~ومتابعته وتحري مقارنة فعله، وأن المرجع إليه عليه السلام في جميعها. # الرابع والثلاثون: فيه استحباب تناول ماء الوضوء باليمين، ولم يتعرض [في] ~~(¬1) هذا الحديث لتقديم اليمين على اليسار، لكنه ثابت في غيره في اليدين ~~والرجلين، وأما الأذنان والخدان والكفان والمنخران والعينان وجانبا الرأس، ~~فقال العلماء: لا يستحب تقديم اليمين [منهما] (¬2)، بل يستحب غسلهما ~~ومسحهما دفعة واحدة، فلو تعذر غسلهما أو مسحهما دفعة واحدة بأن كان له يد ~~واحدة قدم [اليمين] (¬3) منهما في الأذنين والخدين وباقيهما، وفي الأذن وجه ~~للشافعية أنه يقدم اليمنى على اليسرى، والأصح الأول. ms0125 # الخامس والثلاثون: فيه دفع حديث النفس في الأمور الدنيوية وما لا يعني. PageV01P360 # [وما أعده] (¬1) الله تعالى لهذه الأمة من الثواب على الطاعات وغفر ~~السيئات، قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} (¬2). # السادس والثلاثون: فيه أيضا حصول المغفرة مع الوضوء المذكور وصلاة ركعتين ~~عقبه، وصح أنه تخرج خطاياه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من ~~ذنوبه، وصح حصولها مع المشي إلى الصلاة، وجمع بينهما بأن الوضوء بمجرده سبب ~~مغفرة ذنوبه والمشي والصلاة نافلة، كما جاء في الحديث الصحيح السالف: ~~"وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة" [و] (¬3) أن سببها [الوضوء] (¬4) مع ~~الصلاة؛ لأن المتوضئ بنية الصلاة في [صلاة] (¬5)، كما أن المتوضئ مع المشي ~~[بنية] (¬6) الصلاة في صلاة وأولى؛ لأن [عمل] (¬7) الوضوء بنية [الصلاة] ~~(¬8) أشرف من عمل المشي بنية الصلاة، لا سيما وقد صح أن الوضوء شطر الإيمان ~~(¬9)، وقيل: إن PageV01P361 # ذلك يختلف بحسب اختلاف أحوال الأشخاص، فشخص يتوضأ ويحصل له ذلك عند إتمام ~~توضئه، وآخر لا يحصل له ذلك حتى يصلي. # السابع والثلاثون: أدخل البخاري هذا الحديث في باب السواك الرطب واليابس ~~للصائم، فليتأمل وجه استنباطه منه، [وخطر لي] (¬1) أنه أخذه من المضمضة ~~(¬2) فإنها في معنى السواك ولم [يخص] (¬3) الحديث بصوم ولا غيره. PageV01P362 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # (¬1) # 11/ 11/ 1 - عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال: "شهدت عمرو بن أبي حسن ~~سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدعا بتور (¬2) ~~من ماء، فتوضأ لهم وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - فأكفأ (¬3) على يديه ~~من التور، فغسل يديه ثلاثا، ثم أدخل يده فى التور فمضمض واستنشق PageV01P363 # واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات، ثم أدخل [يده (¬1) في الوضوء] (¬2) فغسل وجهه ~~(¬3) ويديه فغسلهما إلى المرفقين مرتين (¬4)، ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل ~~بهما وأدبر مرة واحدة ثم غسل رجليه (¬5) ". # وفي رواية: "بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى ~~المكان الذي بدأ منه". # وفي رواية: "أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخرجنا له ماء ms0126 [من] ~~(¬6) تور من صفر". PageV01P364 # التور: شبه الطست. # الكلام عليه من ثلاثين وجها: # الأول: في التعريف برواته، وهم أنصاريون مازنيون. # أما عمرو بن يحيى: فثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو ابن بنت عبد ~~الله بن زيد بن عاصم، روى عن أبيه وعباد بن تميم وغيرهما، وعنه: يحيى بن ~~سعيد الأنصاري ويحيى بن أبي كثير -وهما من أقرانه- وخلق، مات سنة أربعين ~~ومائة، وأمه أم النعمان بنت أبي [حية] (¬1). # وأما والده: يحيى، فهو ابن عمارة بن أبي حسن واسمه تميم بن عبد عمرو بن ~~قيس [بن محارب] (¬2) بن الحارث بن ثعلبة مازن بن النجار، وقيل: اسمه كنيته، ~~مازني أنصاري مدني تابعي، روى عن أبي سعيد الخدري وغيره، وعنه الزهري ~~وغيره، أخرج له الستة، ووثقه النسائي وابن خراش، وعمارة بن أبي حسن جد عمرو ~~صحابي عقبي بدري، وقال أبو نعيم: ذكره بعض المتأخرين، يعني ابن منده، وفيه ~~نظر، وقال [أبو] (¬3) عمر: له صحبة PageV01P365 # ورواية، ووقع في كلام ابن العطار شارح هذا الكتاب: أنه لا تعرف له رواية، ~~قال أبو عمر: وأبوه أبو [حسن] (¬1)، كان عقبيا بدريا. # وأما عمرو بن أبي حسن: فذكره أبو موسى المديني في الصحابة، فقال عمرو بن ~~أبي حسن الأنصاري: ثم أسند [من] (¬2) # حديث عمرو بن يحيى بن عمارة عن [عمه] (¬3) [(¬4)] عمرو بن أبي حسن قال: ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمضمض واستنشق مرة واحدة. وقال ~~الشيخ شرف الدين الدمياطي: عمرو بن أبي حسن تميم بن عبد عمرو، ثم ساق نسبه ~~كما تقدم، قال: وأبو حسن له صحبة ومشاهدة وليس بجد [لعمرو] (¬5) بن يحيى بن ~~عمارة ابن أبي حسن، وإنما هو [عمرو] (¬6) [عن] (¬7) أبيه يحيى بن عمارة، ~~وقد جاء مبينا في باب الوضوء من التور من صحيح البخاري (¬8) عن عمرو بن ~~يحيى عن أبيه قال: كان [عمي] (¬9) يكثر من الوضوء، قال PageV01P366 # لعبد الله بن زيد: "أخبرني كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يتوضأ" الحديث، وعمارة وعمرو وعمر أولاد أبي حسن، وفي البخاري (¬1): في باب ~~مسح ms0127 الرأس كله عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلا قال لعبد الله بن ~~زيد -وهو جد عمرو بن يحيى (¬2) -: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يتوضأ؟ فذكر الحديث، ورواه في أسباب غسل الرجلين (¬3) ~~إلى الكعبين، وفي أسباب مسح الرأس مرة (¬4) كما رواه المصنف، ورواه في باب ~~من [مضمض] (¬5) واستنشق من غرفة واحدة (¬6)، PageV01P367 # بإسقاط عمرو بن أبي حسن، رواه عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن ~~زيد، والرجل المذكور في الرواية الأولى الظاهر أنه عمرو بن أبي حسن، وأسقطه ~~[من] (¬1) الرواية الأخيرة؛ لأن والد عمرو بن يحيى شهد ذلك من عبد الله بن زيد. # تنبيه: قوله "قال شهدت عمرو بن أبي حسن" كأنه قال: شهدت أبا عمرو، (¬2) ~~نسبه إلى جده الصحابي تشريفا له، [ولم ينسبه إلى نفسه أدبا، كذا] (¬3) قاله ~~ابن العطار في شرحه، وقد علمت أنه عمه لا جده؛ لأن أباه عمارة. # وأما عبد الله بن زيد: فهو ابن عاصم الأنصاري المازني المدني، أمه: أم ~~عمارة، [عم] (¬4) عباد بن تميم، له ولأبويه صحبة ولأخيه [خبيب] (¬5) بن زيد ~~الذي قطعه مسيلمه عضوا عضوا فقضى أن عبد الله هو الذي قتل مسيلمة، شارك ~~وحشيا في قتله، وروي من وجه غريب عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: أنا قتلت ~~مسيلمة، فيحتمل أنه شاركه فيه، وقد شهد عبد الله أحدا هو وأمه: أم عمارة ~~نسيبة بفتح النون وكسر السين بنت كعب PageV01P368 # [التي قتلها] (¬1) مسيلمة الكذاب، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال ~~له يومئذ: "رحمة الله عليكم أهل البيت" (¬2) وعبد الله هذا راوي حديث ~~[صلاة] (¬3) الاستسقاء الآتي في بابه، والحديث الآتي في باب المذي (¬4) ~~وباب الزكاة أيضا. # وقد وهم ابن عيينة (¬5) فزعم أنه الذي أري الأذان، فإن الذي رآه عبد الله ~~بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج (¬6) أبو محمد ~~الأنصاري الخزرجي، شهد بدرا والعقبة، وكانت رؤياه الأذان في السنة الأولى ~~من الهجرة بعد بناء [رسول الله ms0128 - صلى الله عليه وسلم - مسجده] (¬7)، وقال ~~عليه السلام: "هذه [رؤيا] (¬8) حق" (¬9)، ومات بالمدينة سنة اثنين وثلاثين ~~وهو ابن أربع وستين سنة، وصلى عليه PageV01P369 # عثمان بن عفان (¬1). قال البخاري: فيما نقله الترمذي لا يعرف له غير حديث ~~الأذان. # قلت: بل له حديث ثان وثالث، وقد ذكرتهما في تخريجي لأحاديث الرافعي ~~فاستفدهما منه فإن ذلك يساوي رحلة (¬2)، وعبد الله هذا لم يخرج له ~~[الشيخان] (¬3) شيئا، وقد نص على ذلك الحافظ أبو الحسن بن المفضل المقدسي. # وأما راوي حديث الوضوء فأخرج له الستة، وجملة أحاديثه ثمانية وأربعون ~~حديثا، اتفقا على ثمانية منها. # روى عنه ابن أخيه عباد، وسعيد بن المسيب ويحيى بن عمارة زوج ابنته، ~~وغيرهم. # قتل بالحرة في ذي الحجة عن سبعين سنة، وكانت الحرة في آخر سنة ثلاث ~~وستين، وقد ذكرت سبب تسميتها بالحرة فيما أفردته في معرفة رجال هذا الكتاب ~~فراجعه منه فإنهما متفقان في الاسم PageV01P370 # واسم الأب والقبيلة، ويفترقان في الجد والبطن من القبيلة فالأول مازني، ~~والثاني حارثي، وكلاهما أنصاريان خزرجيان فيدخلان في نوع المتفق (¬1) ~~والمفترق من علوم الحديث، ووهم أبو القاسم البغوي فجعلهم ثلاثة، فإنه ذكر ~~عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب حديث الأذان، ثم ذكر بعده عبد الله بن زيد ~~بن عمرو المازني وذكر له حديثا في الأذان، وقال: ليس له غيره، وعقد لعبد ~~الله بن زيد بن عاصم ترجمة ثالثة، وذكر [من] (¬2) حديثه، وحكى وفاته. # الوجه الثاني: "المازني" بالزاي والنون نسبة إلى مازن قبائل وبطون أحدها ~~مازن الأنصار، منهم عبد الله بن زيد هذا وأخوه تميم بن زيد وابن أخيه عباد ~~بن تميم وجماعة من الصحابة والتابعين، وعمرو بن يحيى وأبوه وجده منهم، ثم ~~اعلم أن هذه النسبة تشتبه بالمأربي بالهمزة والراء والباء الموحدة، نسبة ~~إلى مأرب: ناحية باليمن، وهي التي [استقطع] (¬3) أبيض بن حمال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ملحها، وقد يقال في النسبة إليها مآربي بالمد على الجمع، ~~وإليه ينسب جماعة، وذكر الأمير مع هاتين النسبتين المازني وقال هو محمد بن ~~[الحسين] ms0129 (¬4) النيسابوري. # الثالث: الوضوء هنا بضم الواو كما أسلفته لك في الحديث قبله واضحا. PageV01P371 # الرابع: معنى أكفأ: أمال وصب وهو مهموز، قال الجوهري: كفأت الإناء: قلبته ~~وكفيته فهو مكفوء. # واختلف هل يستعمل رباعيا وثلاثيا بمعنى واحد، أو كفأت ثلاثيا بمعنى قلبت، ~~وأكفأت رباعيا بمعنى أملت، وهو مذهب الكسائي وغيره. # ومعنى دعا بتور: طلبه. # الخامس (¬1): التور: بالتاء المثناة فوق [معرب فارسي] (¬2)، قاله أبو ~~عبيد كما حكاه صاحب "المعرب"، وقال صاحب المحكم: هو عربي، وقيل: دخيل (¬3)، ~~قال: وهو مذكر، وحكى الزمخشري في أساس (¬4) البلاغة: تأنيثه، [وقد] (¬5) ~~فسره المصنف بأنه شبه الطست. [وعبارة] (¬6) الجوهري (¬7): هو إناء يشرب ~~فيه، زاد المطرزي (¬8): صغير. PageV01P372 # وعبارة العسكري في تلخيصه (¬1): يجعل فيه المحرضة، والجمع: أتوار. وعبارة ~~أبي موسى في المغيث (¬2): هو إناء شبه إجانة من صفر أو حجارة، [يتوضأ فيه ~~ويؤكل. وعبارة صاحب المطالع: هو مثل قدح من حجارة، وعبارة ابن الأثير: إناء ~~من صفر أو حجارة] (¬3). وعبارة الشيخ تقي الدين (¬4): إنه الطست. وعبارة ~~غيرهم: [إنه] (¬5) مثل الإجانة يشبه القدر ويكون من حجارة ومن نحاس، وهي ~~متقاربة. والتور: لفظ مئترك يطلق على [ما ذكرناه] (¬6) وعلى الرسول بين القوم. # والطست: في كلام المصنف بفتح الطاء وكسرها وبحذف التاء والطسة أيضا لغات. # السادس: قوله: "من ماء" الظاهر أنه من باب تسمية الشيء بما يجاوره ~~كالراوية، "ومن" هنا لبيان الجنس ليس إلا، وعبارة الشيخ # تقي الدين (¬7) في هذه الرواية مجاز أي من إناء ماء [أي] (¬8) على حذف ~~مضاف. PageV01P373 # واستعمل الحقيقة في الرواية الثانية في قوله: "في تور من صفر" والصفر ~~-بضم الصاد وكسرها والضم أفصح- وأشهر، [وانفرد أبو عبيدة بالكسر، وهو ~~النحاس] (¬1)، وزعم ابن درستويه أنه سمي صفرا لصفرته وهو الذي يصبغ ~~بالنوشادر، وقال القزاز: هو # النحاس الجيد، وفي المحكم: إنه ضرب من النحاس، وقيل: هو ما صفر فيه ~~واحدته صفرة، وسمي النحاس شبها بفتح الشين والباء وبكسر الشين وإسكان ~~الباء؛ لأنه يشبه الذهب. # السابع: قوله: "فتوضأ لهم وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -". تقديره: ~~وضوءا نحو وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم ms0130 - فحذف المصدر وصفته وهو المضاف ~~وأقام المضاف إليه مقامه، وهذا من باب المبالغة في التشبيه، كقولهم: زيد أسد. # الثامن: قوله: "فأكفأ على يديه من التور فغسل يديه: ثلاثا"، فيه استحباب ~~غسل اليدين في ابتداء الوضوء لغير المستيقظ. # التاسع: قوله: "ثم أدخل يده في التور فمضمض ... " إلى آخره، فيه جواز ~~الوضوء من آنية الصفر، وكره الغزالي في الإحياء التوضي من إناء صفر، ورواه ~~عن ابن عمر وأبي هريرة، ونقله القاضي عن عمر ونحا به ناحية الذهب؛ لأنه ~~صفر، أصفر، وروى ابن أبي شيبة (¬2) عن معاوية: "نهيت أن PageV01P374 # أتوضا [في] (¬1) النحاس" رواه عن يحيى بن سليم عن ابن جريج عنه، وهذا ~~الحديث يرد عليهم، لكن من قال بالكراهة خصها # بوجدان غيره وليس في الحديث وجدان غيره ولا عدمه. # وفي كتاب "الطهور" (¬2) لأبي عبيد القاسم بن سلام عن ابن سيرين: "كانت ~~الخلفاء تتوضأ في الطست" وعن الحسن: "رأيت عثمان يصب عليه من إبريق" (¬3) ~~يعني نحاسا. # قال أبو عبيد: وعلى هذا أمر الناس في الرخصة والتوسعة في الوضوء في آنية ~~النحاس وأشباهه من الجواهر [لا استثناء] (¬4) يروى عن ابن عمر في الكراهة (¬5). # وقال ابن المنذر (¬6): رخص كثير من أهل العلم في ذلك، وبه قال الثوري ~~وابن المبارك والشافعي وأبو ثور، وما علمت أني رأيت أحدا كره الوضوء في ~~آنية الصفر والنحاس والرصاص وشبهه، والأشياء على الإباحة، وليس يحرم ما هو PageV01P375 # مباح [بموقوف] (¬1) ابن عمر. قال ابن (¬2) بطال: وقد وجدت عن ابن عمر أنه ~~توضأ فيه، وهذه [الرواية] (¬3) أشبه بالصواب، # وكان الشافعي [وأبو ثور، وإسحاق] (¬4) يكرهون الوضوء في آنية الذهب ~~والفضة وبه نقول، ولو توضأ فيه متوضيء أجزأه وقد # أساء، وعن أبي حنيفة (¬5): أنه كان يكره الأكل والشرب في آنية الفضة، ولا ~~يرى بأسا بالمفضض، وكان لا يرى بالوضوء فيه بأسا. وفي سنن أبي داود (¬6) ~~بإسناد ضعيف عن عائشة: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في تور من شبه"، وفي مسند أحمد بسند صحيح عن زينب بنت جحش أنه عليه السلام ~~"كان ms0131 يتوضأ [من] (¬7) PageV01P376 # مخضب [من] (¬1) صفر" (¬2). # العاشر: تقدم الكلام على المضمضة والاستنشاق والاستنثار في الحديث السادس ~~والعاشر وذكر الخلاف في أحكامها، والكلام [هنا] (¬3) في كيفيتها فصلا ~~وجمعا، وفي المسألة خمسة أوجه عندنا مبسوطة في (شرحي المنهاج والتنبيه) ~~وغيرهما، وصحح الرافعي أن الفصل بغرفتين أفضل (¬4)، وصححه النووي (¬5) أن ~~الجمع بثلاث غرفات أفضل وهو ظاهر الحديث، [وإن كان يحتمل من حيث اللفظ غير ~~ذلك، وهو أن تفاوت العدد بين المضمضة والاستنثاق مع اعتبار ثلاث غرفات، إلا ~~أنه لا يعلم قائلا بأفضليته، مثاله: أن يغرف غرفة فيتمضمض منها مرة مثلا ثم ~~أخرى فيتمضمض منها مرتين ثم أخرى فيستنشق ثلاثا وغير ذلك من الصور التي ~~تعطي هذا المعنى، فيصدق على هذا أنه تمضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات] ~~(¬6). PageV01P377 # ومذهب مالك أن الفصل أفضل لحديث في سنن أبي داود (¬1) (¬2)، قال المازري ~~(¬3): هذا هو المختار؛ لأنهما عضوان # متعددان فيتعدد الماء لهما كبقية الأعضاء. # قال: وقيل: يغسلان ثلاث مرات من غرفة واحدة؛ لأنهما كعضو واحد. # وقيل: يجمعان في كل غرفة؛ لأنهما كالعضو الواحد فيتكرر فيه أخذ الماء. # الحادي عشر: فيه دلالة على المغايرة بين الاستنشاق والاستنثار كما نبهنا ~~عليه في الحديث السادس وغيره. # الثاني عشر: [قوله: "غرفات"] (¬4) يجوز لك في قراءته فتح الغين والراء، ~~وضمهما، وضم الغين مع إسكان الراء وفتحها، وهي # لغات، نبه على ذلك النووي في شرح المهذب (¬5). # الثالث عشر: قوله: "ثم أدخل يده فغسل وجهه" كذا في PageV01P378 # صحيح مسلم (¬1) (يده) بالإفراد وكذا في أكثر روايات البخاري، وفي بعضها ~~(يديه)، وفي بعضها "يده وضم إليها الأخرى"، وهي دالة على جواز الأمور ~~الثلاثة وأن الجميع سنة، [ويجمع] (¬2) بين الأحاديث فإنه عليه السلام فعل ~~ذلك في مرات، وهي ثلاثة أوجه عندنا: أصحها: -وهو منصوص البويطي والمزني- ~~(¬3) أن المستحب أخذ الماء للوجه باليدين جميعا؛ لكنه [أشرف] (¬4)، ولأنه ~~أقرب إلى الاستيعاب، وهذا الخلاف محكي عند المالكية أيضا في أخذ الماء ~~للرأس فقيل: باليمنى، وقيل: بهما، وقيل: مخير. # الرابع عشر: قوله: "ثم غسل وجهه" تقدم الكلام على غسل الوجه وحده في ~~الحديث قبله. ms0132 # الخامس عشر: قوله: "ويديه إلى المرفقين مرتين" كذا في شرح الشيخ تقي ~~الدين (¬5)، [وفي] (¬6) الفاكهي وغيره "ثم أدخل يديه مرتين إلى المرفقين" ~~وفيه حذف أي فغسلهما مرتين، فالعامل في مرتين "أدخل" و"إلى" متعلقة ~~بالمحذوف. # السادس عشر: قوله: "مرتين" فيه دلالة على جواز التكرار ثلاثا في بعض ~~الأعضاء واثنين في بعضها وهو إجماع. PageV01P379 # السابع عشر: قوله: "ثم أدخل يده" يعني في التور، فمسح رأسه فأقبل بهما ~~وأدبر مرة واحدة: فيه دلالة لمن قال بعدم التكرار # في المسح، وقد تقدم ما فيه في الحديث قبله. # الثامن عشر: اختلف [الفقهاء] (¬1) في الإقبال والإدبار هل هو بالنسبة إلى ~~الرأس، أو بالنسبة إلى الشعر، أو بالنسبة إلى الناصية إلى الوجه ثم إلى ~~[مؤخر] (¬2) الرأس ثم إلى ما بدأ منه؟ على ثلاثة مذاهب، وهذا الحديث مطلق ~~في الإقبال والإدبار من غير تحديد ابتداء غاية وانتهائها في الرأس، لكنه ~~ذكر في الرواية الثانية في قوله "بدأ بمقدم الرأس حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ~~ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه" فهذه الرواية ظاهرة في الأول وهو ~~مذهب الشافعى ومالك رحمهما الله، فقالا: يبدأ بمقدم الرأس الذي يلي الوجه ~~[ويذهب] (¬3) إلى القفاء ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه وهو مبتدأ ~~الشعر من حد الوجه. # ولو لم ترد رواية التحديد بالابتداء والانتهاء لكان الإطلاق في الرواية ~~[الأولى] (¬4) جوابا من حيث إنهم قالوا: الإقبال لا يكون ابتداؤه إلا من ~~مؤخر الرأس، والإدبار لا يكون ابتداؤه إلا من مقدم الرأس، لو سلم، مع أنهم ~~استدلوا عليه برواية حسنة وردت في حديث الربيع -بضم الراء- بنت معوذ رضي ~~الله PageV01P380 # [عنهما] (¬1) رواها أبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنها (¬2)، وقال: حديث ~~عبد الله بن زيد أصح منها وأجود إسنادا [وهي] (¬3) أنه بدأ بمؤخر رأسه ويمر ~~إلى جهة الوجه ثم [رجع] (¬4) من مقدمه إلى المؤخر، وبه قال الحسن ابن حيي ~~كما نقله [أبو] (¬5) عمر، وهي محمولة على الجواز لا على الأفضل أو على حالة ~~أو وقت، [فلا] (¬6) PageV01P381 # يعارض ذلك الرواية المفسرة عن عبد ms0133 الله بن زيد. # والجواب عن رواية الإطلاق في الإقبال والإدبار: أن "الواو" لا تدل على ~~الترتيب [ففيه] (¬1) تقديم وتأخير، والتقدير: أدبر وأقبل، وقد جاء كذلك ~~مصرحا به في حديث عبد الله بن زيد المذكور في صحيح البخاري ولفظه" [فمسح ~~برأسه فأدبر به] (¬2) وأقبل" (¬3) وابتدأ بالإقبال في هذه الرواية [في ~~الكتاب] (¬4) تفاؤلا، وعكس هذا قوله تعالى: {ثم أدبر يسعى (22)} (¬5)، ~~والمراد على ما قيل: ثم أقبل يسعى، كما نقول: أقبل فلان يفعل كذا [بمعنى] ~~(¬6) أنشأ يفعل، فوضع أدبر موضع أقبل [لئلا] (¬7) يوصف بالإقبال، قاله ~~الزمخشري (¬8). ويصح أيضا جعل الإقبال من جهة الشعر من نباته من جهة القفا، ~~والإدبار إليه على معنى الفرق بين الذهاب إليه والوصول، وهو بعيد؛ للبدآة ~~بالرأس لا بالشعر في رواية الكتاب. # قال الشيخ تقي الدين: وعندي فيه جواب آخر وهو أن الإقبال PageV01P382 # والإدبار من الأمور الاضافية [أعني] (¬1) أنه ينسب إلى ما تقبل [إليه] ~~(¬2) وتدبر [عنه] (¬3)، والمؤخر [محل] (¬4) يمكن أن ينسب الإقبال إليه ~~والإدبار عنه، قال: [ويحتمل] (¬5) أن يريد بالإقبال: الإقبال على الفعل لا ~~[غيره] (¬6) ويضعفه قوله: "وأدبر". # وصاحب المذهب الثالث: [قصر] (¬7) المحافظة على قوله: "بدأ بمقدم رأسه" ~~فإن الناصية مقدم الرأس، ويصدق عليه أنه أقبل أيضا فإنه ذهب إلى ناحية ~~الوجه وهو القبل، إلا أن الرواية الثانية المفسرة قد تعارض هذا فإنه جعله ~~بادئا بالمقدم إلى غاية الذهاب إلى قفاه، وهذه الصفة التي لهذا القائل ~~تقتضي أنه ذهب بمقدم رأسه غير ذاهب إلى قفاه بل إلى ناحية وجهه، وهي مقدم الرأس. # قال الشيخ تقي الدين: ويمكن أن يقول هذا القائل: إن البداءة بمقدم الرأس ~~تمتد إلى غاية الذهاب إلى المؤخر وابتداء الذهاب من حيث الرجوع من منابت ~~الشعر من ناحية الوجه إلى القفا، والحديث إنما جعل البدأة بمقدم الرأس يمتد ~~إلى غاية الذهاب إلى القفا [لا] (¬8) PageV01P383 # إلى غاية الوصول إلى القفا [وفرق بين الذهاب إلى القفا] (¬1) وبين الوصول ~~إليه، وقد أسلفت هذا. # وقال ابن بزيزة المالكي: حكي عن جدنا الفقيه العابد الولي المشهور محرز ~~بن خلف: أن "أقبل" ms0134 هنا مأخوذ من القبل في العين # وهو ميل الناظر، وكثيرا ما يكون في الخيل يقال: فرس أقبل، فمعنى أقبل ~~بهما: أمالهما. # فتحصلنا على خمسة أجوبة: # أحدها: أن الواو لا تدل على الترتيب. # ثانيها: أن الإقبال من جهة الشعر من جهة القفا والإدبار إليه. # ثالثها: أنها من الأمور الإضافية. # رابعها: أنه يحمل الإقبال على الإقبال بالفعل [لا غيره] (¬2). # خامسها: المعنى: أمالهما. # التاسع عشر: الحكمة في الإقبال والإدبار مسح وجهي الشعر متلاقى في رد ~~يديه [ملاقاة] (¬3) في إقبالهما، وعبارة بعضهم: لتقييم النائم وتنييم ~~القائم لا جرم كان الذهاب والإياب مرة على الأصح، ثم إنما يستحب الرد لمن ~~له شعر مسترسل، أما من لا شعر له أو حلق رأسه وطلع منه يسير فلا يستحب له ~~الرد؛ لأنه لا فائدة فيه، PageV01P384 # وكذا لا يستحب الرد لمن له شعر كثير مضفور، ويكون الحديث خرج مخرج ~~الغالب، فلو فعل في هذه الحالة لا يستحب له مرة ثانية، لأن الماء صار ~~مستعملا بالنسبة إلى ما سوى تلك المسحة، نقله الرافعي عن البغوي وجزم به ~~النووي في الروضة (¬1) وشرح مسلم (¬2). # العشرون: قوله: "ثم غسل رجليه" قد تقدم الكلام عليه في الحديث قبله فأغنى ~~عن إعادته. # الحادي والعشرون: قول المصنف: وفي [رواية] (¬3): "أتانا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فأخرجنا له ماءا في تور من صفر" وهي رواية عبد العزيز بن ~~أبي سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد قال: "أتانا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأخرجنا له ماءا في تور من صفر فتوضأ فغسل ~~وجهه ثلاثا ويديه مرتين مرتين ومسح رأسه فأقبل بهما وأدبر وغسل رجليه". كذا ~~أخرجه البخاري في صحيحه (¬4)، ولم أر هذا الإسناد ولا المتن هكذا في مسلم، ~~فكان ينبغي للمصنف إذن أن # يقول: وفي رواية للبخاري، فتنبه لذلك. # الثاني والعشرون: لا دلالة في الحديث على وجوب استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن ~~الحديث وارد [إلى] (¬5) إكمال الوضوء لا في ما لا بد منه. PageV01P385 # الثالث والعشرون: فيه دلالة على استئناف أخذ الماء ms0135 لمسح الرأس، وجاء في ~~صحيح مسلم (¬1) "فمسح بماء غير فضل يديه" # وكلا الحديثين حجة على الحسن والأوزاعي وابن الماجشون حيث قالوا فيما ~~حكاه القاضي عنهم: يجوز مسح الرأس بفضل ذراعيه، نعم إذا حملوا أفعاله [- ~~صلى الله عليه وسلم -] (¬2) التي ليست بيانا للمجمل على الندب فلا يتم ~~الاستدلال عليهم. # الرابع والعشرون: لم يذكر المصنف في روايته حد الغسل في الرجلين، وفي ~~البخاري في هذا الحديث في بعض طرقه: "ثم غسل رجليه إلى الكعبين" (¬3) وكذا ~~هو في صحيح مسلم، والأصح أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ~~وقيل معقد الشراك، واختلف قول مالك في إدخالهما في الغسل كما اختلف قوله في ~~دخول المرفقين. # الخامس والعشرون: لم يجىء في هذا الحديث مسح الأذنين، ولا خلاف أن ~~طهارتهما مشروعة وأن من اقتصر على مسحهما دون مسح رأسه لا يجزئه، والأصح ~~عند الشافعية: أنهما عضوان مستقلان، وعند المالكية: أنهما من الرأس. PageV01P386 # وقيل: إنهما من الوجه يغسلان معه. # وقيل: ما أقبل من الوجه وما أدبر من الرأس. # السادس والعشرون: قال القاضي عياض: لم يجىء في هذه الأحاديث تخليل شعر ~~اللحية (¬1) فدل على أنه غير مشروع، وبهذا # احتج مالك على عدم تخليلها في مشهور قوله. # قلت: هذا استنباط غريب، فليس فيه أيضا تخليل الأصابع ويلزم أن لا يكون ~~سنة عنده ولا قائل به (¬2)، وقد صح [من] (¬3) حديث عثمان رضي الله عنه أنه ~~[- صلى الله عليه وسلم -] (¬4) خلل لحيته الكريمة، وله اثني عشر شاهدا ~~ذكرتها موضحة في تخريج أحاديث الرافعي فراجعها منه (¬5). PageV01P387 # السابع والعشرون: يؤخذ من الحديث جواز الاستعانة [بإ] (¬1) حضار الماء ~~للطهارة بلا كراهة. # الثامن والعشرون: يؤخذ منه أيضا تعليم المتعلمين بالفعل إذا [كان] (¬2) ~~الفعل أبلغ في الفهم من القول. # التاسع والعشرون: يؤخذ منه أيضا جواز إدخال اليد في الإناء بعد غسلها وأن ~~نية الاغتراف لا تجب، إذ لو وجبت لنقل. # الثلاثون: فيه إتيان الكبير إلى أتباعه، وابتداؤهم إياه بإحضار ماء ~~الوضوء إذا علموا أن به حاجة إليه. PageV01P388 ### ||| AUTO الحديث الثاني عشر # (¬1) # 12/ 12/ 1 - عن عائشة رضي الله ms0136 عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله" (¬2). # الكلام عليه من عشرة أوجه: # الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في الحديث الخامس من الباب واضحا، وأن ~~لها عدة خصائص، وفد فصلتها في (العدة PageV01P389 # في معرفة رجال العمدة) فزادت على الثلاثين، فراجعها منه فإنه من المهمات. # الثاني: التيمن: معناه هنا: الابتداء باليمين قبل الشمال، وفي "المغرب" ~~للمطرزي: يامن وتيامن [من] (¬1) أخد جانب اليمين، ومنه: كان عليه السلام ~~يحب التيامن في كل شيء، وهذا اللفظ الذي ذكره رواه ابن حبان في صحيحه ~~بزيادة: "حتى في الترجل والانتعال" (¬2) والتيمن من الألفاظ المشتركة، لأنه ~~أيضا مصدر تيمن بالشيء إذا تبرك به، مأخوذ من اليمن بضم الياء وهو البركة. # والتيمن أيضا النسبة إلى اليمن بفتح الياء والميم، يقال تيمن [إذا] (¬3) ~~انتسب إلى اليمن. # الثالث: التنعل: لبس النعل وهي الحذاء مؤنثة وتصغيرها نعيلة، قال الجوهري ~~(¬4) تقول: نعلت فانتعلت، إذا احتذيت، وأهمل # تنعلت أيضا كما هو في الحديث؛ لأن التنعل مصدر تنعل كالتعلم مصدر تعلم. PageV01P390 # الرابع: الترجل: تسريح الشعر [يقال] (¬1): شعر مرجل أي مسرح، وشعر رجل ~~[ورجل، ورجله صاحبه: إذا سرحه ودهنه، وشعر رجل ورجل] (¬2) ورجل: بين ~~السبوطة والجعودة، وقد رجل رجلا ورجله وهو رجل [رجيل] (¬3) الشعر ورجل، ~~وجمعهما أرجال # ورجالا، ذكره ابن سيده في محكمه، وفي الغريبين ومجمع الغرائب: المرجل ~~والمسرح المشط، وفي المغرب للمطرزي (¬4): # رجل شعره: أرسله بالمرجل وهو المشط، وترجل: فعل ذلك بنفسه، قال بعضهم: ~~ومن الترجل: النزول عن الدابة على الرجل # اليمنى، وادعى أن الترجل مشط الرأس والمشي راجلا [وأن] (¬5) كلاهما مشهور ~~في اللغة. # الخامس: الطهور: بضم الطاء والمراد به فعل الطهارة، وأما بالفتح: فهو ~~الماء الذي يتطهر به، [وقال] (¬6) سيبويه: الطهور بالفتح يقع على الماء ~~والمصدر معا. # السادس: معنى التيمن في النعل: البداءة بالرجل اليمنى، بخلاف النزع فإنه ~~ينزع اليسرى أولا؛ لأن الانتعال للرجل أفضل من PageV01P391 # الحفاء، ومعناه في الترجل: البدأة بالشق الأيمن من الرأس في تسريحه ~~ودهنه، وفي الطهور: البدأة بالشق ms0137 الأيمن في الغسل، [وباليد] (¬1) اليمنى ~~والرجل اليمنى في الوضوء. # والضابط في ذلك: أن كل ما كان من باب التكريم والزينة كان باليمين وما ~~كان بخلافه فباليسار، فمن الأول: لبس الثوب والسراويل والخف ودخول المسجد ~~والسواك والانتعال وتقليم الأظفار والاكتحال وقص الشارب وترجيل الشعر ونتف ~~الإبط وحلق الرأس والسلام في الصلاة وغسل أعضاء الطهارة والخروج من الخلاء ~~والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك [مما] (¬2) هو في ~~معناه كالاضطجاع. # ومن الثاني: دخول الخلاء والأماكن المستقذرة والخروج من المسجد والمنزل ~~والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والخف، وشبه ذلك، وذلك كله ~~لكرامة اليمين وشرفها. # ونقل ابن بطال عن عطاء: قال ابن عمر: "خير المسجد المقام ثم ميامن ~~المسجد" [وكان أنس وابن المسيب يصلي في الشق الأيمن من المسجد] (¬3) وكان ~~إبراهيم يعجبه أن يقوم عن يمين الإمام، [وكذلك] (¬4) عن الحسن وابن سيرين. PageV01P392 # ويستثنى من القسم الأول الخدان والعينان [والأذنان] (¬1) والمنخران ~~والكفان، فلا يشرع التيمن [فيهما] (¬2) كما أسلفناه في # الحديث العاشر إلا أن يكون أقطع فيقدم اليمين. # قال ابن المنذر (¬3): وأجمعوا [على أن لا إعادة] (¬4) على [من] (¬5) بدأ ~~بيساره في الوضوء قبل يمينه، وروينا عن علي (¬6) وابن مسعود (¬7) أنهما ~~قالا: لا تبالي بأي [يد] (¬8) بدأت، وفيه رد على الشيعة [فإنهم] (¬9) قالوا ~~بوجوب تقديم اليمين ولا عبرة بخلافهم، وزعم المرتضى الشيعي أن الشافعي كان ~~في القديم يقول به، وهو عجيب، فهذا شيء لا يعرفه أصحابنا، وقد حكاها الإمام ~~الرافعي وأنكرها، وأما النووى فإنه حذفها من الروضة وما قصر في ذلك، وكأن ~~سبب وهمه في هذا النقل أنه رأى [أن] (¬10) الشافعي يقول PageV01P393 # بوجوب الترتيب في أعضاء الوضوء، وهو عجيب فإنه وإن قال به فإن اليدين ~~والرجلين كالعضو الواحد حيث جمعا في لفظ القرآن العزيز حيث قال: {أيديكم ~~وأرجلكم} (¬1)، نعم نص الشافعي في الأم (¬2) على كراهته؛ وقد صح أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - (¬3) قال: "إذا توضأتم [فابدأوا بميامنكم] (¬4) " صححه ~~ابن خزيمة (¬5)، وابن حبان (¬6)، وظاهر الأمر فيه للوجوب فمخالفته محرمة، ~~لكن انعقد الإجماع على عدم التحريم فبقيت الكراهة. ms0138 # واعترض الفاكهي فقال: لم لا يقال: إن ذلك من باب ترك الأولى ولا يتم ~~الاستدلال على الكراهة؟ وجوابه ما رواه ابن حبان من # حديث ابن عمر: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن يتعاطى أحدنا ~~شيئا بشماله" (¬7). PageV01P394 # فرع: لو تعارض الانتعال والخروج من المسجد خرج [منه] (¬1) بيساره ووضعها ~~على نعله اليسرى من غير لبس، ثم خرج # باليمنى ولبسها ثم لبس اليسرى. # [فائدة] (¬2): قسم بعضهم ما يستحب فيه التيامن وما لا يستحب خمسة أقسام: # أولها: ما يستحب فيه التيامن فقط. # ثانيها: ما يستحب فيه [التياسر] (¬3) فقط، وقد قدمنا أمثلتهما. # ثالثها: ما اختلف فيه وهو الامتخاط والتنخم ومسح [القذا] (¬4). # قلت: الذي ينبغي في هذا القطع باليسار. # ورابعها: ما خير فيه بينهما وهو سد الفم عند التثاؤب، فإن سد باليمنى ~~يخير بين سده بظاهرها أو باطنها، وإن سد باليسرى # فليكن بظاهرها. # خامسها: ما يجمع فيه بينهما، وذلك أكل كل حار ببارد كما جاء عنه عليه ~~السلام "أنه أكل قثاء برطب (¬5) هذا بيده [وهذا PageV01P395 # بيده] " (¬1) قال بعض العلماء: وهذا مستثنى من الأكل بالشمال. # السابع: يدخل في عموم قولها: "وفي شأنه كله" الأحوال التي أسلفناها ومنها ~~الأخذ والعطاء ومنها السواك كما قدمناه، ومذهب [أحمد] (¬2) استحبابه ~~باليسار (¬3)؛ لأنه إزالة مستقذر فكان كالحجر في الاستنجاء، ونقل عن ~~القرطبي أيضا، ويرده رواية أبي داود في هذا الحديث في اللباس وسواكه، زادها ~~مسلم بن إبراهيم أحد رواته عن شعبة، ثم قال [أبو] (¬4) داود: رواه عن ~~[شعبة] (¬5) معاذ، لم يذكر سواكه. PageV01P396 # وقال الترمذي الحكيم: والاستياك باليسار إلا من علة من [فعل] (¬1) ~~الشيطان، قال: وقد روي مرفوعا "الشيطان [يأكل بيساره] (¬2) ويشرب بيساره ~~ويعمل الأعمال بيساره فاجتنبوا الأعمال بها إلا من علة". # قلت: ولأن في السواك تعبدا حيث أمر به، ولا إزالة، فهو من باب التكريم ~~فيفعل باليمين كالأكل والشرب، فإن قلت: كان # ينبغي التفصيل [بين] (¬3) حالة التغيير فيكون باليسار وبين عدمها فيكون ~~باليمين. # قلت: إطلاق الرواية السالفة التي قدمنا ترد هذا التفصيل. # فرع: يستحب البداءة أيضا بالجانب الأيمن من الفم ms0139 بالسواك. # الثامن: قولها: "وفي شأنه كله" هذا عام في كل شيء، لكن PageV01P397 # خص منه دخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء [وما شابه] ~~(¬1) ذلك، فقد روى أحمد وأبو داود عنها وصححه ابن حبان والحاكم، قالت: "كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجعل يمينه لطعامه وشرابه ويجعل شماله ~~لما سوى ذلك" (¬2). وروى أحمد وأبو داود عنها أيضا قالت: "كانت يد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه ~~وما كان من أذى" (¬3). [ورواية] (¬4) الطبراني بلفظ: "كان يفرغ يمينه ~~لطعامه وحاجته، ويفرغ شماله للاستنجاء وما هنالك". # التاسع: فيه دلالة على أن التختم في اليمين دون اليسار؛ لأن لباس الخاتم ~~من شأنه، وهو الصحيح عند الشافعية، وصح أنه عليه السلام تختم في اليسار أيضا. # العاشر: فيه دلالة على أن التأكيد لا يرفع المجاز؛ لأنه ورد هنا مؤكدا ~~للعموم مع الجزم بالخصوص بما ذكرناه (¬5). PageV01P398 # خاتمة: ورد الشرع بإكرام جهة اليمين وتفضيلها على الشمال في مواضع في ~~الشرب "لما شرب وعن يساره الصديق وعن يمينه الأعرابي فشرب ثم ناول الأعرابي ~~وقال الأيمن فالأيمن" (¬1)، وفي الصف الذي يلي يمين الإمام وفي غير ذلك ما ~~تقدم وقال تعالى: {وناديناه من جانب الطور الأيمن} (¬2)، وقال: {فأما من ~~أوتي كتابه بيمينه (7)} (¬3)، وما في معنى ذلك من التيمن. PageV01P399 ### ||| AUTO (الحديث الثالث عشر) # (¬1) # 13/ 13/ 1 - عن نعيم المجمر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار ~~الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" (¬2). # وفي لفظ: "رأيت أبا هريرة توضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ~~ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين PageV01P400 # من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" (¬1). # وفي لفظ لمسلم: سمعت خليلي (¬2) - صلى الله عليه وسلم - يقول (¬3): "تبلغ ~~الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" (¬4). # الكلام عليه من تسعة ms0140 عشر وجها: # أحدها: نعيم هذا هو ابن عبد الله، وقيل ابن محمد، أبو (¬5) عبد الله ~~المدني القرشي العدوي، مولى عمر، تابعي ثقة، سمع ابن عمر وأنسا، وجالس أبا ~~هريرة عشرين سنة، وعنه: مالك والناس (¬6)، كان يجمر المسجد، قال له عمر ~~يحسن تجمير المسجد [أي تبخيره، قال: نعم] (¬7) فكان يجمر المسجد فعرف به، ~~وقيل: إن أباه كان يأخذ المجمر قدام عمر بن الخطاب إذا خرج إلى الصلاة في ~~رمضان، وبه جزم ابن حبان، فالمجمر: بضم الميم وإسكان الجيم وكسر الميم ~~الثانية، ويقال: المجمر بفتح الجيم وتشديد الميم الثانية، على هذا القول ~~صفة لعبد الله أبي نعيم لا لنعيم، وبه جزم النووي في شرح مسلم (¬8)، وعزى ~~إلى صاحب PageV01P401 # المطالع والأكثرين، قالوا: وأطلق على [ابنه] (¬1) نعيم مجازا، ويقال: إن ~~عمر جعل نعيما على أجمار المسجد فسمي المجمر، # ذكره عبد الغني في ترجمة كيسان، والله أعلم. وجزم الشيخ تقي الدين بأن ~~الوصف لنعيم (¬2). # "فائدة": مجمر تشتبه بمخمر بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الميم ~~الثانية، وهم جماعة سردهم الأمير، منهم: [ذو] (¬3) مخمر ابن أخي النجاشي، ~~له صحبة، ويقال: مخبر بالباء الموحدة بدل الميم (¬4). # ثانيها: أبو هريرة، تقدم التعريف [به] (¬5) في الباب في الحديث الثاني. # ثالثها: (أمة) جاءت على ثمانية أوجه ذكرها العزيزي رحمه الله: # أمه: جماعة، كقوله تعالى: {أمة من الناس يسقون} (¬6). PageV01P402 # وأمة: أتباع الأنبياء عليهم السلام؛ كما نقول: نحن أمة محمد، عليه أفضل ~~الصلاة والسلام. # وأمة: رجل جامع للخير يقتدى به، كقوله تعالى: [{إن إبراهيم كان أمة} (¬1). # وأمة: دين وملة، كقوله تعالى] (¬2): {إنا وجدنا آباءنا على أمة} (¬3). # وأمة: حين وزمان كقوله تعالى: {إلى أمة معدودة} (¬4)، وقوله تعالى (¬5): ~~{وادكر بعد أمة} (¬6) أي بعد حين، ومن قرأ (بعد أمة) بفتح الهمزة وتخفيف ~~الميم فسيان. # وأمة: قامة (¬7)، يقال: فلان حسن الأمة، أي القامة. # وأمة: رجل منفرد بدين لا يشركه فيه أحد، قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده" (¬8). PageV01P403 # وأمة: أم، يقال: أمة زيد. # والمراد بالأمة إذا قلنا: أمة محمد - صلى ms0141 الله عليه وسلم -: المؤمنون ~~خاصة، هذا هو الحق، وقد يطلق على غيرهم بعلاقة كونه مرسلا إلى الناس (¬1) ~~أجمعين (¬2). # رابعها: قوله: "يوم القيامة" يوم: من الأسماء الشاذة لوقوع الفاء والعين ~~فيه حرفي علة فهو من باب ويل وويح، والقيامة: فعالة # من قام يقوم، أصله القوامة فقلبت الواو فيه ياء لانكسار ما قبلها. # خامسها: قوله: "غرا محجلين" [أهما] (¬3) منصوبان على الحال من الضمير في ~~يدعون وهو الواو. # والأصل يدعوون بواوين تحركت الأولى وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، اجتمع ~~ساكنان الألف والواو بعدها فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار يدعون، ~~ومعناه -والله أعلم-: يدعون إلى موقف الحساب أو إلى الميزان أو إلى غير ~~ذلك. PageV01P404 # وقال الشيخ تقي الدين: [يحتمل] (¬1) أيضا أن يكون مفعولا ليدعون بمعنى ~~التسمية، أي يسمون غرا، قال؛ والأقرب أن تكون حالا وتعدى يدعون في المعنى ~~بالحرف كما قال تعالى: {يدعون إلى كتاب الله} (¬2)، ويجوز أن لا [يعدى] ~~(¬3) يدعون بالحرفية ويكون غرا حالا أيضا، واقتصر الفاكهي على إعرابه حالا ~~[من] (¬4) الضمير في يدعون، ثم قال: وقد خلط بعض الناس في إعراب هذا الموضع ~~وليس من شأنه. # سادسها: الغرة: بياض في [جبهة] (¬5) الفرس. # والتحجيل: بياض في يديها ورجليها فسمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء ~~يوم القيامة: غرة وتحجيلا، تشبيها بذلك. # قال ابن سيده: الغرة بياض في [الجبهة] (¬6)، فرس أغر وغرا. # وقيل: الأغر في الخيل: الذي غرته أكبر من الدرهم قد وسطت جبهته ولم تصب ~~واحدة من العينين ولم تمل على واحدة من PageV01P405 # الخدين ولم تسل سفلى، [وهي] (¬1) أفشى من القرحة (¬2). # وقال بعضهم: بل يقال للاغر: أغر أقرح؛ لأنك إذا قلت أغر فلا بد [من] (¬3) ~~أن تصف الغرة بالطول والعرض والصغر والعظم والدقة، وكلهن غرر، فالغرة جامعة ~~لهن، [وغرة] (¬4) الفرس: البياض يكون في وجهه، فإن كانت مدور فهي [وتيرة] ~~(¬5)، وإن كانت طويلة فهي شارخة وعندي أن الغرة نفس القدر الذي يشغله ~~البياض، والأغر: الأبيض من كل شيء، وقد غر وجهه يغر بالفتح غررا وغرة ~~وغرارة: صار ذا غرة. قال: # والتحجيل: بياض يكون في ms0142 قوائم الفرس كلها. # وقيل: هو أن يكون البياض في ثلاث قوائم منهم دون الأخرى، في رجل ويدين، ~~فلا يكون التحجيل في اليدين خاصة إلا مع الرجلين ولا في يد واحدة دون ~~الأخرى إلا مع الرجلين. # والتحجيل: بياض قل أو كثر حتى يبلغ نصف الوطيف ولون سائره ما كان، وفي ~~الصحاح (¬6): يجاوز الأرساخ ولا يجاوز الركبتين ولا العرقوبين، وفي المغيث ~~(¬7) لأبي موسى: PageV01P406 # فإذا كان البياض في طرف اليد فهو العصمة، يقال: فرس أعصم. # [السابع] (¬1): المراد بالغرة: غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه ~~زائدا على الجزء الذي يجب غسله لاستيعاب كمال # الوجه، وفي التحجيل غسل ما فوق المرفقين والكعبين. # وادعى ابن بطال ثم القاضي عياض اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة ~~فوق المرفق والكعب وهي دعوى باطلة، فقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، فهما محجوبان ~~بالإجماع واحتجاجهما بقوله عليه السلام: "من زاد على هذا أو نقص فقد أساء ~~وظلم" (¬2) غير صحيح؛ لأن المراد به الزيادة في عدد [المرات] (¬3) أو النقص ~~عن الواجب أو الثواب المرتب على [بعض] (¬4) العدد لا الزيادة PageV01P407 # على تطويل الغرة والتحجيل. # وأما حد الزائد فغايته: استيعاب العضد والساق. # [وقال جماعة من أصحابنا: يستحب إلى نصف العضد والساق] (¬1). # وقال البغوي: نصف العضد فما فوق، ونصف الساق فما فوقه. # وجمعها النووي في شرح مسلم [فقال] (¬2): اختلف أصحابنا في القدر المستحب ~~على ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت. # وثانيها: إلى نصف العضد والساق. # وثالثها: يستحب إلى المنكب والركبتين، قالا: والأحاديث تقتضي ذلك كله. # وقال الشيخ (¬3) تقي الدين: ليس في الحديث تقييد ولا تحديد لمقدار ما ~~يغسل من العضدين والساقين، وقد استعمل أبو هريرة الحديث على إطلاقه، وظاهره ~~في طلب إطالة الغرة، PageV01P408 # [فغسل] (¬1) إلى قريب من المنكبين ولم ينقل ذلك عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأكثر استعماله في الصحابة والتابعين، [فلذلك] (¬2) لم يقل به ~~الفقهاء ورأيت بعض الناس قد ذكر أن حد ms0143 ذلك نصف العضد ونصف الساق، هذا آخر كلامه. # وقوله: (لم يقل به الفقهاء) عجيب مع ما قدمناه عنهم. # ومن أوهام ابن بطال (¬3) والقاضي أيضا إنكارهما على أبي هريرة بلوغه ~~الماء إبطيه وأن أحدا لم يتابعه عليه، فقد قال [به] (¬4) القاضي حسين ~~وآخرون من أصحابنا (¬5) أيضا، وفي (مصنف ابن أبي شيبة) حدثنا وكيع عن ~~العمري عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف" ~~(¬6)، ثم روى عن PageV01P409 # وكيع أيضا عن عقبة بن أبي صالح عن إبراهيم أنه كرهه (¬1). # قلت: وهذا مردود بما سلف، وما أبعد من أول الاستطاعة [في] (¬2) الحديث ~~على إطالة الغرة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء # لكل صلاة وإدامته فتطول غرته بتقوية نور أعضائه (¬3). # الثامن: قوله: "من آثار الوضوء". هو بضم الواو [وهذا] (¬4) هو المعروف، ~~ويجوز أن يقال بفتحها (¬5)، ويكون المراد آثار الماء المستعمل في الوضوء، ~~فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء فيجوز أن ينسب إلى كل منهما. # التاسع: قوله: "فمن استطاع إلى آخره" اقتصر فيه على ذكر الغرة دون ~~التحجيل، وإن ذكر معها في رواية أخرى في الصحيحين (¬6) [للعلم] (¬7) به ~~وكأنه من باب قوله تعالى: {سرابيل تقيكم الحر} (¬8). ولم يذكر البرد للعلم ~~به. PageV01P410 # وقال الشيخ تقي لدين (¬1): كأن ذلك من باب التغليب بالذكر لأحد السببين ~~على الآخر وإن كانا سبيل واحد للترغيب فيه، وقد استعمل الفقهاء ذلك أيضا، ~~فقالوا: يستحب تطويل الغرة، ومرادهم الغرة والتحجيل، وفي هذا نظر كما قال ~~الفاكهي؛ لأن القاعدة في التغليب أن يغلب المذكر على المؤنث لا العكس ~~والأمر هنا بالعكس؛ [لتأنيث] (¬2) الغرة وتذكير التحجيل، وأيضا [فمثل] (¬3) ~~هذا لا يسمى تغليبا إذ لم يؤت فيه إلا بأحد الاسمين، والتغليب اجتماع ~~الاسمين أو الأسماء وتغليب أحدهما على الآخر، نحو [العمرين] (¬4) والأبوين ~~وشبههما. # ويجاب أيضا بأنها خصت بالذكر؛ لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء، ولأنه أول ما ~~يقع عليه البصر يوم القيامة. # العاشرة: ادعى بعضهم أن قوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" من ~~قول أبي هريرة أدرجه آخر الحديث، ذكره في ms0144 رواية البخاري عن نعيم قال: "رقيت ~~مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ فقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ~~فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل". وفي هذه PageV01P411 # الدعوى عندي بعد. فليتأمل (¬1). # (فائدة): قال ابن منده في مستخرجه حديث: "أمتي الغر [المحجلين] (¬2) من ~~آثار الوضوء". رواه [مع] (¬3) أبي هريرة من الصحابة ابن مسعود (¬4) وجابر ~~بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأبو أمامة الباهلي وأبو ذر الغفاري وعبد ~~الله بن بسر المازني (¬5) وحذيفة بن اليمان [رضي الله عنهم] (¬6). # الحادي عشر: المنكب: مجمع عظم العضد والكتف، قاله الجوهري (¬7). # وقال غيره: هو مجمع رأس العضد والكتف وطرف الترقوة، والساقان تثنية ساق ~~وهي مؤنثة غير مهموزة وفيها لغة قليلة بالهمز وقد قرئ بهما (¬8) في السبع ~~في قوله تعالى: {وكشفت عن ساقيها} (¬9) وغيره. PageV01P412 # الثاني عشر: استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص ~~هذه الأمة زادها الله شرفا، وبه [جزم] (¬1) الحليمي في (منهاجه) وفي الصحيح ~~أيضا: "لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون [علي] (¬2) غرا محجلين من أثر ~~الوضوء" (¬3)، وقال آخرون: ليس الوضوء مختصا بها (¬4) وإنما الذي اختصت به ~~الغرة والتحجيل، قال ابن العطار: في شرحه في باب التيمم في الكلام على حديث ~~جابر: وهو المشهور من قول العلماء، واحتجوا بالحديث الآخر. "هذ وضوئي ووضوء ~~الأنبياء من قبلي" وأجاب [الأولون] (¬5) عن هذا بوجهين: # أحدهما: أنه حديث ضعيف (¬6). # والثاني: أنه لو صح لاحتمل اختصاص الأنبياء دون أممهم بخلاف هذه الأمة، ~~وفي هذا شرف عظيم لهذه الأمة حيث استووا مع PageV01P413 # الأنبياء في هذه الخصوصية وامتازت بالغرة والتحجيل. # ونقل الزناتي المالكي شارح الرسالة عن العلماء: أن الغرة والتحجيل حكم ~~ثابت لهذه الأمة، من توضأ منهم ومن لم يتوضأ (¬1)، كما قالوا: لا يكفر أحد ~~بذنب من أهل القبلة، إن أهل القبلة كل من آمن به من أمته سواء صلى أو لم ~~يصل، وهذا نقل غريب، وظاهر الأحاديث تقتضي خصوصية ذلك بمن توضأ ms0145 منهم، وفي ~~صحيح ابن حبان: "يا رسول الله: كيف تعرف من لم تر (¬2) من أمتك، قال: غر ~~محجلون بلق من آثار الوضوء" (¬3). # [الثالث عشر] (¬4): في جامع الترمذي مصححا: "أمتي يوم القيامة غر من ~~السجود محجلون من الوضوء" (¬5)، ولا تضاد بينه وبين PageV01P414 # ما نحن فيه فنورت وجوههم بسببين وأرجلهم بسبب واحد. # [الرابع عشر] (¬1): قال صاحب المعلم (¬2): قد استوفى - صلى الله عليه ~~وسلم - بذكر الغرة والتحجيل جميع أعضاء الوضوء، فإن الغرة: بياض في الوجه، ~~والتحجيل: بياض في اليدين والرجلين أي والرأس داخلة في مسمى [الغرة] (¬3). # [الخامس عشر] (¬4): المراد بالحلية في هذا: حلية أهل الجنة، وقد روى ابن ~~حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعا: "تبلغ حلية أهل الجنة مبلغ ~~الوضوء" (¬5)، [فقوله] (¬6): تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء، يحتمل ~~أن يكون المراد به ما في هذا الحديث فيحلى في الجنة في مواضع الوضوء تحلية ~~تبلغ حيث بلغ الماء فيها، تقول منه: حليته احليه تحلية إذا ألبسته الحلية. # السادس عشر (¬7): أصل الخليل: الصديق، فعيل بمعنى مفعول، وهو المحبوب ~~الذي تخللت محبته القب فصارت خلاله أي في باطنه، والمخاللة مفاعلة وهي لا ~~تكون إلا من اثنين غالبا، وقد اختلف الناس في الخليل فقيل: إنه الصاحب، ~~وقيل: إنه الخالص PageV01P415 # في [الصحبة] (¬1) وهو أخص من الصاحب، واختلفوا أيضا: هل الخلة أرفع درجة ~~من المحبة (¬2)، أو عكسه، أو هما سواء، على أقوال، واختلفوا أيضا في ~~اشتقاقه على أقوال: # أحدها: أنه من الخلة بفتح الخاء وهي الحاجة. # ثانيها: من الخلة بضمها وهي تخلل المودة في القلب فلا يدع ليه خلا إلا ~~ملا به، قاله ثعلب. # ثالثها: من الخلة وهي نبت يستحليه الإبل ومن أمثالهم، الخلة خبز الإبل ~~والحمض فاكهتها، وقال القاضي عياض: الخلة عبارة عن صفاء المودة، قال ~~الشاعر: # قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا # [فذا ما نطقت كنت حديثي ... وإذا ما سكت كنت العليلا] (¬3) # وقال الزجاج: معنى الخليل: الذي ليس في محبته خلل. # [وقيل] (¬4): معناه الذي يوالي فيه ويعادي. PageV01P416 # وقيل: الخليل هو المختص ms0146 بشيء دون غيره، ولا يجوز أن يخص النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أحدا بشيء من الديانات دون غيره، قاله النحاس. ولذلك قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني أبرأ إلى كل خليل من خلته ولو كنت متخذا ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن، يعني نفسه" (¬1) فهذا ~~منه عليه السلام قطع للمخاللة بينه وبين غيره، وحينئذ فما الجواب عن قول ~~أبي هريرة: سمعت خليلي - صلى الله عليه وسلم -؟ فإن أجيب بأن المنفي أن ~~يتخذ هو خليلا، وما نفى أن يتخذ غيره خليلا، ورد عليك ما قدمناه من أن ~~المخاللة مفاعلة وهي غالبا لا تكون إلا من اثنين، وقد يجيب بأن هذا من ذلك ~~النادر، أو أنه أراد مجرد الصحبة فقط فعبر عنها بالخلة مجازا، ولا شك أنه ~~يحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محبة تخالط القلب والبدن مقدمة على ~~النفس والمال والولد والناس أجمعين. # ويجوز إطلاق ذلك [منا] (¬2) بهذا المعنى فيقول أحد الصحابة أو كلهم: سمعت ~~خليلي، وقال خليلي، وأما هو - صلى الله عليه وسلم - فلم يتخذ أحدا خليلا؛ ~~لأن خلته كانت مقصورة على حب الله تعالى، فليس فيها متسع لغيره، ولا ينال ~~ذلك إلا بفضل الله لمن يشاء من عباده، وقد وقع من جماعة من الصحابة غير أبي ~~هريرة [إضافة خلتهم له تشرفا بها ولم ينكر عليهم وهو دال على جوازه] (¬3). PageV01P417 # السابع عشر: في الحديث استحباب المحافظة على الوضوء وسننه [الشرعية] (¬1) فيه. # الثامن عشر: فيه أيضا ما أعد الله تعالى من الفضل والكرامة لأهل الوضوء ~~يوم القيامة. # التاسع عشر: فيه أيضا ما أطلعه الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~من المغيبات المستقبلة التي لم يطلع عليها نبيا غيره من أمور الآخرة وصفات ~~ما فيها. PageV01P418 ### || AUTO 2 - باب الاستطابة # (¬1) # الباب: ضرب من الكتاب تتقارب مسائله وهو مجاز من الباب الصوري الذي يدخل ~~منه إلى الشيء، والأصح: أنه المنفذ لا الخشب المركب عليه، وإنما سمي الخشب ~~بابا لملازمته له، وهو في [العلوم] (¬2) للتمييز بينه وبين ما ms0147 بعده وهو ~~مستعمل هنا لافتتاح أحكام مندرجة تحت اسم خاص. PageV01P419 # والاستطابة: إزالة الأذى عن المخرجين بحجر ونحوه، أو مأخوذ من الطيب؛ لأن ~~إزالة الفضلة تطيب المحل وتذهب عنه القذر، يقال: استطاب الرجل فهو مستطيب، ~~وأطاب فهو مطيب. # وذكر المصنف رحمه الله في الباب ستة أحاديث: PageV01P420 ### ||| AUTO الحديث الأول # 14/ 1/ 2 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (¬1). # [الخبث: بضم الخاء والباء جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة، استعاذ من ~~ذكران الشياطين وإناثهم] (¬2). # الكلام عليه من ثلاثة عشر وجها: # الأول: في التعريف براويه: هو أنس بن مالك بن النضر بضاد معجمة ساكنة، ~~ابن ضمضم بضاد معجمة ثم ميم، ابن زيد بن حرام # بالحاء المهملة والراء، وجميع ما في الأنصار من الأسماء كذلك وفي PageV01P421 # قريش بكسر الحاء المهملة والزاي، الأنصاري الخزرجي النجاري. # كنيته: أبو حمزة، كناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببقلة كان ~~يجتنيها، قال الأزهري: البقلة التي جناها أنس كان في طعمها لذع فسميت حمزة ~~بفعلها. يقال: رمانة حامزة [أي] (¬1) فيها حموضة. خادم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، شهد بدرا، جاءت به أمه أم سليم بنت ملحان -بكسر الميم ~~وفتحها- إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخدمه حين قدم المدينة، ~~فقالت: يا رسول الله أنس غلام كاتب [لبيب] (¬2) يخدمك، فقبله وخدمه عشر ~~سنين، وكان عمره عشرا، وقيل ثمانية، ودعا له بكثرة المال والولد وطول ~~الحياة ودخول الجنة، فكان له كرم يحمل في السنة مرتين. # وفي الترمذي عن أبي العالية أنه عليه السلام دعا له وكان له بستان يحمل ~~في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه # ريح المسك، ثم قال: حديث حسن (¬3)، ورأى من أولاده وأحفاده عددا كثيرا. # وكان يقول: إني لمن أكثر الأنصار مالا وولدا، ويقال: إنه ولد له ثمانون ~~ولدا (¬4) ليس فيهم أنثى إلا اثنتين حفصة وأم عمرو، # وفي البخاري أنه دفن لصلبه مقدم حجاج البصرة بضع وعشرون PageV01P422 # ومائة. ms0148 وفي الطبراني الكبير عنه قال: لقد دفنت بيدي هاتين (مائتين) (¬1) ~~[من] (¬2) ولدي، لا أقول سقطا ولا ولد ولد. وفي مسند عبد بن حميد لما دعا ~~له بكثرة المال والولد قال: وبارك له فيه، وروي عنه أنه قال: رأيت كثرة ~~المال والولد وأرجو دخول الجنة (¬3). # قلت: ومات له في طاعون [الجارف] (¬4) ثلاثة وثمانون ابنا، ويقال ثلاثة ~~وسبعون. # وكان من أكثر الصحابة أيضا حديثا، روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثا، أخرج له في الصحيحين ثلاثمائة ~~حديث وثمانية عشر حديث، اتفقا منها على مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري ~~بثمانين، ومسلم بسبعين، حكاه ابن الجوزي. وقال المقدسي: انفرد البخاري ~~بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وسبعين. روى عنه أبو أمامة، ومن أولاده موسى ~~والنضر وأبو بكر، وأحفاده، وخلق كثير من التابعين. # وكان يصلي فيطيل القيام حتى تفطر قدماه دما، وأتي به إلى الحجاج فآذاه ~~-آذاه الله-. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخل على أمه أم سليم ~~فيصلي في بيتها غير المكتوبة ويدعو لهم بخير الدنيا والآخرة. # وهو من أطول الصحابة عمرا، توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~ابن PageV01P423 # عشرين سنة، وبقي بعده دهرا، سكن البصرة، ومات بقصره بألطف على فرسخين ~~منها، وقيل فرسخ ونصف، ودفن هناك سنة ثلاث وتسعين على الصحيح الذي عليه ~~الجمهور كما نقله عنهم النووي. # وقيل: سنة خمس، وقيل: سنة إحدى، وقيل: اثنين. وصلى عليه قطن بن مدرك ~~الكلابي، وهو آخر الصحابة موتا بالبصرة لا موتا على الإطلاق، فلا التفات ~~إلى من أطلق ذلك، وكان يقول: لم يبق على وجه الأرض ممن صلى [إلى] (¬1) ~~القبلتين غيري (¬2). قال أبو عمر: لا أعلم أحدا مات بعده ممن رأى [النبي] ~~(¬3) - صلى الله عليه وسلم - إلا أبا الطفيل يعني عامر بن واثلة القائل: # وبقيت سهما في الكنانة واحدا ... سيرمى به أو يكسر السهم ناضله # وكانت وفاته سنة مائة وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ~~ثمانية أعوام. # قال: واختلف في سنه -يعني ms0149 من أنس- يوم مات، وأصح ما فيه أنه عمر مائة إلا ~~سنة. [واعترض] (¬4) عليه النووي فقال: هذا # شاذ مردود، فقد ثبت في الصحيح أنه كان له قبل الهجرة عشر سنين [فعمر] ~~(¬5) فوق المائة. PageV01P424 # قلت: قيل: زاد على المائة ثلاث سنين، وقيل: سبعا، وقيل: عشرين (¬1). # وقد ذكر أبو عمر أيضا في وفاة [محمود] (¬2) بن الربيع قولين: # أحدهما: سنة تسع وتسعين، # والثاني: سنة ست، فهذا بعد أنس، فكيف يقول: لا أعلم أحدا مات بعده ممن له ~~رواية إلا أبا الطفيل؟. # [قال] (¬3) مورق العجلي لما مات أنس: ذهب اليوم نصف العلم، قيل له: كيف ~~[ذلك] (¬4)؛ قال: كان رجل من [أهل] (¬5) الأهواء إذا خالفنا في الحديث ~~قلنا: تعال إلى من سمعه من رسول الله. # فائدة مهمة: في الرواة أنس بن مالك خمسة، أولهم هذا. # وثانيهم: أبو أمية الكعبي، له حديث: إن الله وضع عن المسافر ... إلى آخره. # وثالثهم: أنس بن مالك بن أبي عامر والد مالك بن أنس الفقيه. PageV01P425 # ورابعهم: شيخ حمصي. # وخامسهم: كوفي حدث عن الأعمش وغيره. # فائدة [ثانية] (¬1): أنس [في] (¬2) الرواة [تشتبه] (¬3) بأتش بالمثناة ~~فوق بدل النون ثم شين معجمة، وهو محمد بن الحسن بن أتش الصنعاني المتروك ~~(¬4) وأخوه علي بن الحسن، فاعلم ذلك. # الوجه الثاني: قوله: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (كان) هنا ~~هي التي تدل على الملازمة والمداومة. # الثالث: (إذا دخل) معناه: إذا أراد الدخول، وهذا كقوله تعالى: {فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله} (¬5) وقد ثبت هذا المعنى صريحا في رواية البخاري ~~تعليقا: "كان إذا أراد أن يدخل" (¬6)، قال الشيخ تقي (¬7) الدين: ويحتمل أن ~~يريد به ابتداء الدخول، وذكر الله تعالى مستحب في ابتداء قضاء الحاجة. PageV01P426 # قلت: يضعف هذا رواية البخاري التي [ذكرناها] (¬1). # ثم قال: فإن كان المحل الذي يقضي فيه الحاجة [غير] (¬2) سعد لذلك ~~كالصحراء مثلا جاز ذكر الله تعالى في ذلك المكان، وإن كان معدا لذلك كالكنف ~~ففي جواز الذكر فيه خلاف بين الفقهاء، فمن كرهه [فهو] (¬3) يحتاج إلى أن ~~يؤول قوله: "إذا دخل" بمعنى أراد؛ لأن لفظة ms0150 دخل أقوى في الدلالة على الكنف ~~المبنية منها على المكان البراح، أو لأنه قد بين في حديث آخر المراد حيث ~~قال عليه السلام؛ "إن هذه الحشوش محتضرة -أي للجان والشياطين- فإذا دخل ~~أحدكم الخلاء فليقل أعوذ بالله من الخبث والخبائث" (¬4). [أي] (¬5) وهو حدث ~~صحيح كما شهد له بذلك ابن حبان والحاكم من حديث زيد بن أرقم، [وإن] (¬6) ~~تكلم فيه غيرهما، قال: وأما من أجاز ذكر الله تعالى فلا يحتاج إلى هذا ~~التأويل، ويحمل [دخل] (¬7) على حقيقتها. PageV01P427 # وحديث: "إن هذه الحشوش محتضرة" فيه بيان لمناسبة هذا الدعاء المخصوص لهذا ~~المكان المخصوص، وما ذكره رحمه الله من الجزم بجواز الذكر في المكان غير ~~المعد لقضاء الحاجة وحكاية الخلاف في غيره هو مذهب مالك كما ستعلمه، وتبعه ~~الفاكهي على ذلك وزاد نفي الخلاف في الأول، قال: وحمل الحديث على أن ~~المراد: إذا أراد الدخول، أولى من حمله على ظاهره؛ لأنه لا خلاف في جواز ~~الذكر قبل الوصول إلى المكان المعد لقضاء الحاجة (¬1)، وأما فيه نفسه فقد ~~اختلف فيه المذهب على قولين، وحمله على المجمع عليه أولى من المختلف فيه؛ ~~لأن الخلاء المذكور في الحديث هو المعد لقضاء الحاجة [فلا] (¬2) إشكال، أما ~~غير المعد فلا خلاف في جواز الذكر فيه. وعبارة صاحب (الجواهر) (¬3) منهم: ~~إذا كان [المكان] (¬4) غير معد لقضاء الحاجة جاز تقديم الذكر وتأخيره، وإن ~~كان معدا لها ففي جواز الذكر بعد الدخول قولان مبيان على جواز الاستنجاء ~~بالخاتم فيه اسم الله تعالى. # [وهذا] (¬5) الذي بناه عليه ستعرف ما فيه في الحديث PageV01P428 # [الخامس] (¬1) إن شاء الله (¬2)، [فأما] (¬3) أصحابنا فجزموا بالكراهة ~~وأطلقوا، قال ابن العطار: ولا أعلم أحدا من العلماء ذكر هذه الجملة التي ~~ذكرها الشيخ تقي الدين في الجواز والاختلاف والمناسبة، بل كلهم ذكروا ~~الكراهة فيه، حتى صرح بعض العلماء في الصحراء بالكراهة إذا أراد قضاء ~~الحاجة، وأراد اتخاذ مكان فيه أنه يصير حكمه حكم المكان المتخذ في البنيان، ~~قال: ورأيت بعض المتأخرين ينقل تحريم استصحاب ذكر الله تعالى فيه المكتوب، ~~فكيف بالنطق به؟ ms0151 ولم أره. ولكنهم صرحوا بالكراهة سواء كان غير قاض حاجته ~~[أم] (¬4) قاضيها. # ومناسبة الاستعاذة تقتضي ذلك أما إنها تقتضي جواز ذكر الله تعالى فيه، فلا. # قلت: وبقية الخلاف قد علمته. # الرابع: الخلاء: بفتح الخاء المعجمة والمد: موضع قضاء الحاجة، سمي بذلك ~~لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو الكنيف، وسمي به للتستر فيه، والكنيف ~~الستر وهو المرحاض (¬5)، والمرفق والحش أيضا، وأصله المكان الخالي ثم كثر ~~استعماله حتى PageV01P429 # تجوز به عن ذلك، وأما الخلى بالقصر فهو الحشيش الرطب، والكلام الحسن ~~أيضا، ومنه قولهم: هو حسن الخلاء، وقد يكون # خلا مستعملا في باب الاستثناء، وللعرب فيه حينئذ مذهبان: منهم من يجعله ~~حرفا، ومنهم من يجعله فعلا، فإن كسرت الخاء مع المد فهو عيب في الإبل ~~كالحران في الخيل، وفي الصحيح "ما خلأت القصواء ولكن حبسها حابس الفيل" ~~(¬1). وفي حديث أم زرع أنه عليه السلام قال لها: "كنت لك كأبي زرع لأم زرع" ~~(¬2) في الألفة والوفاء لا في الفرقة والخلاء، وانتصب (الخلاء) في الحديث ~~على أنه مفعول به لا على الظرف [لأنه] (¬3) [دخيل] (¬4) عدته العرب بنفسه ~~إلى كل ظرف مكان مختص (¬5)، تقول: دخلت الدار، ودخلت المسجد ونحو ذلك، كما ~~عدت: ذهب إلى الشام خاصة، فقالوا: ذهبت الشام، ولا يقولون: ذهبت العراق ولا اليمن. # الخامس: [قوله] (¬6) "اللهم" فيه لغتان، أفصحهما: أن يستعمل بالألف ~~واللام. الثانية: (لاهم) بحذفهما والميم في آخره زائدة، زيدت لتجعل عوضا من ~~حرف النداء وهو ياء، وشددت [لتكون] (¬7) PageV01P430 # على حرفين كالمعوض منه، ولما كانت الميم المشددة [عوضا] (¬1) من ياء لم ~~يجز الجمع بينهما فلا يقال: يا اللهم، في فصيح الكلام. # السادس: أعوذ أصله: أعوذ بسكون العين وضم الواو، واستثقلت الضمة على ~~الواو فنقلت إلى العين فبقيت الواو ساكنة، ومصدره: عوذ وعياذة ومعاذ، ~~[فمعنى] (¬2) الاستعاذ: الاستجارة والاعتصام، فمعنى أعوذ بالله: أستجير ~~بالله وأعتصم، وفي رواية لمسلم "وأعوذ بالله" بدل "أعوذ بك". # السابع: الخبث: بضم الخاء والباء كما ذكره المصنف. # وذكر الخطابي (¬3) في أغاليط المحدثين (¬4) رواية لهم بإسكانها. قال ~~الشيخ تقي الدين: ولا ms0152 ينبغي أن يعد هذا غلطا؛ لأن [فعلا] (¬5) بضم الفاء ~~والعين وتخفف عينه قياسا، [أي] (¬6) وكذلك فعل بالكسر قال: ولا يتعين أن ~~يكون المراد بالخبث بسكون الباء مالا يناسب [المعنى] (¬7)، بل يجوز أن يكون ~~-وهو ساكن الباء- PageV01P431 # بمعناه، وهو مضموم الباء؛ نعم من حمله -وهو ساكن الباء- على ما لا يناسب ~~فهو غالط في الحمل على هذا المعنى، لا في اللفظ. # قلت: وهو كما (¬1) قال فالإسكان على سبيل التخفيف قياس مقرر عند أئمة ~~التصريف، كما في كتب ورسل وعنق وأذن. # ولعل الخطابي أنكر أن الأصل الإسكان فيه، وممن صرح بالإسكان إمام هذا ~~الفن والعمدة فيه أبو عبيد القاسم بن سلام (¬2)، # وحكاه أيضا الفارابي (¬3) في (ديوان الأدب)، والفارسي (¬4) في (مجمع ~~الغرائب)، وقال القرطبي (¬5): رويناه به أيضا، ونقله القاضي عياض (¬6) عن ~~الأكثرين، لكن لا نسلم له في ذلك، فإن الأكثر على الضم. # وقد فسر المصنف الخبث والخبائث كما أسلفناه عنه وأنه يريد PageV01P432 # ذكران الشياطين وإناثم، ورجحه [المازري] (¬1)؛ لأن هذه الأماكن محلها. # وقيل: الخبث: الشر، وهو قول أبي عبيد. # وقيل: الكفر، قاله ابن الأنباري. # وقيل: الخبث: الشيطان، والخبائث: المعاصي، قاله الداودي. # وقيل: الخبث: الشيطان، وكأنه استعاذ من فعلها، والخبائث: البول والغائط، ~~وكأنه استعاذ من ضررهما. # قال القاضي (¬2): ولا يبعد أن تستعيذ من الكفر والشياطين ومن جميع ~~الأخلاق الخبيثة والأفعال المذمومة، وهي الخبائث، وإنما جاؤوا بلفظ الخبث ~~لمجانسة الخبائث. # وقال ابن الأعرابي (¬3): الخبث في كلام العرب: المكروه، فإن كان من ~~الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو ~~الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار. # فائدة: اختلف في وجود الجن والشياطين مع الإطباق على أنهم ليسوا أشخاصا ~~جثمانية يبعد ويجيء ويذهب، [بل هي] (¬4) كما قيل: أجسام هوائية قادرة على ~~التشكل بأشكال مختلفة، لها عقول PageV01P433 # وأفهام وقدرة على الأعمال الشاقة، وقد تكون خيرة وهم صالحو الجن، وقد ~~تكون شريرة [وهم الشياطين] (¬1) فاستعيذ منهم. # الثامن: زاد سعيد بن منصور وأبو حاتم وابن السكن (¬2) في صحاحه في أول ~~هذا الحديث: "باسم الله، اللهم إني ms0153 أعوذ بك من # الخبث والخبائث" وصرح أصحابنا باستحبابها مع التعوذ، وصرح جماعات منهم ~~باستحباب تقديم البسملة على التعوذ، وفرقوا بين هذا وبين التعوذ في الصلاة ~~بأن التعوذ هناك للقراءة والبسملة من القرآن، فقدم التعوذ عليها بخلاف هذا (¬3). # التاسع: ظاهر الحديث أنه عليه السلام جهز بهذه الاستعاذة ضرورة كونها لو ~~لم تسمع لم تنقل، ويبعد أن يكون ذلك جاء على # طريق إخباره عليه السلام عن نفسه (¬4). # العاشر: الظاهر أنه عليه السلام قال ذلك إظهارا للعبودية وتعليما للأمة، ~~وإلا فهو عليه السلام محفوظ من الجن والإنس، وقد # ربط عفريتا في سارية من سواري المسجد ... الحديث بطوله، PageV01P434 # [ففيه] (¬1) دليل على مراقبته عليه السلام لربه ومحافظته على ضبط أوقاته ~~وحالاته، واستعاذته عند ما ينبغي أن يستعاذ منه، ونطقه بما ينبغي أن ينطق ~~به، وسكوته عند ما ينبغي أن يسكت عنده، وقد صح أنه عليه السلام كان إذا خرج ~~من الخلاء قال: "غفرانك" (¬2) كما صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، أي ~~سألتك غفرانك على حالة شغلتني عن ذكرك، [فختم] (¬3) بالذكر كما ابتدأ به، ~~قال الشاعر: # وآخر شيء أنت أوله هجعه ... وأول شيء أنت عند هبوبي # الحادي عشر: صيغة التعوذ: [أعوذ بك] (¬4) [و] (¬5) أعوذ بالله" كما تقدم. ~~وفي سنن ابن ماجه (¬6) بإسناد ضعيف من حديث أبي PageV01P435 # أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لا يعجز أحدكم إذا دخل ~~مرفقه أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس [الخبيث] (¬1) المخبث ~~الشيطان الرجيم" ورواه أبو داود في مراسيله (¬2) عن الحسن: أنه عليه السلام ~~كان إذا أراد دخول الخلاء قال ... ، فذكر مثله سواء، والرجس بكسر [الراء] ~~(¬3) [و] (¬4) سكون الجيم، والنجس [بكسر] (¬5) النون وإسكان الجيم اتباعا ~~للرجس، كما ضبطه الشيخ تقي الدين في كتابه [الإمام] (¬6). # وقال الغزالي: يقول ذلك ولم يذكر الرجس النجس. # وقال الإمام في (النهاية) يقول: "باسم الله أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم". # الثاني عشر: هذه الاستعاذة مجمع على استحبابها وسواء فيها البنيان ~~والصحراء؛ لأنه يصير مأوى لهم بخروج الخارج، [وقبل] (¬7) مفارقته إياه. لكن ~~في ms0154 (البيان) عن الشيخ أبي حامد أن ذكر الدخول PageV01P436 # خاص بالبنيان، لأن الموضع لم [يصر] (¬1) مأوى الشيطان بعد. # (فرع): لو نسي التعوذ ودخل، فذهب ابن عباس وغيره إلى كراهة التعوذ [له] ~~(¬2) وأجازه جماعة منهم ابن عمر وقد أسلفنا عن # مالك. # الثالث عشر: في الحديث ما كان عليه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من ضبط أموره عليه أفضل الصلاة والسلام، وأحواله، وأقواله، وأفعاله، ~~وأذكاره، وغير ذلك، رضي الله عنهم أجمعين. PageV01P437 ### ||| AUTO الحديث الثاني # (¬1) # 15/ 2/ 2 - عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ~~ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا" (¬2). # قال أبو أيوب: فقدما الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ~~ونستغفر الله عز وجل. # [قال المصنف] (¬3): الغائط: [الموضع] (¬4) المطمئن من الأرض، كانوا ~~ينتابونه للحاجة، فكنوا به عن نفس الحدث كراهة # لذكره بخاص اسمه، والمراحيض جمع مرحاض وهو المغتسل، وهو أيضا كناية عن ~~موضع التخلي. PageV01P438 # الكلام عليه من خمسة عشر وجها: # الأول: في التعريف براويه وهو: أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة ~~الأنصاري الخزرجي النجاري، غلبت عليه كنيته، شهد بدرا والمشاهد كلها، وهو ~~أحد السبعين الذين بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة الثانية، ~~[وعليه] (¬1) نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة شهرا ~~حتى بني مسجده ومساكنه، قال أبو أيوب: لما نزل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في بيتي نزل في السفل وأنا وأم أيوب في العلو، قال: فقلت له: بأبي ~~أنت وأمي إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون [تحتي] (¬2) فكن أنت في العلو ~~وننزل نحن فنكون في [أسفل] (¬3) فقال: "يا أبا أيوب إنه أرفق بنا [ومن] ~~(¬4) يغشانا أن نكون في أسفل البيت" قال: فكان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في سفله وكنا فوقه في المسكن فلقد انكسر حب لنا فيه ماء فقمت أنا ~~وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف [غيره] (¬5) ننشف بها الفاء تخوفا ms0155 أن يقطر ~~على [رأس] (¬6) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء، وفي رواية: فنزلت ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا [مشفق] (¬7) فقلت: يا رسول الله PageV01P439 # [إنه] (¬1) ليس ينبغي أن نكون فوقك، انتقل إلى الغرفة، فأمر بمتاعه فنقل ~~ومتاعه قليل، وفي رواية: لما قدم علينا نزل في دارنا # [فقلنا] (¬2): العلو يا رسول الله، فقال: " [السفل] (¬3) أهون علينا وعلى ~~من يغشانا" فقالت أم أيوب حين أمسينا: يا أبا أيوب ننام ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أسفل منا؟ فلم ننم حتى أصبحنا، فنزلت إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فذكرت الذي قالت أم أيوب. # آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[بينه] (¬4) وبين مصعب بن عمير، ~~وقيل: بينه وبين طلحة. # وهو أحد الصحابة الذين وافقت كنيتهم كنية زوجهم، فإن كنية زوجه أم أيوب. ~~وقد أفرد ذلك الحافظ أبو الحسن محمد بن # عبد الله بن حيوية النيسابوري، وعددهم اثنى عشر: أولهم أبو أيوب، وثانيهم ~~أبو أسيد الساعدي، ثالثهم أبو الدحداح، ورابعهم: أبو بكر الصديق كنية زوجته ~~أم بكر، خامسهم: أبو الدرداء، سادسهم: أبو ذر، سابعهم: أبو رافع الأسلمي، ~~ثامنهم: أبو سلمة المخزومي زوجته أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية، ~~تاسعهم: أبو سيف القين، عاشرهم: أبو طليق، الحادي عشر: أبو الفضل العباس بن ~~عبد المطلب، الثاني عشر: أبو معقل الأسدي. PageV01P440 # ولما تحدث في الإفك وقالت له أم أيوب: ألم تسمع ما يتحدث به الناس؟ ~~[وأخبرته] (¬1)، فقال رضي الله عنه: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا ~~بهتان عظيم، فأنزل الله الآية: {لولا إذ سمعتموه} (¬2) إلى آخرها. # روى عنه البراء بن عازب وخلق، وكان من نجباء الصحابة، وأمه [هند] (¬3) ~~بنت قيس بن عمرو بن امرئ القيس، قاله ابن حبان في ثقاته. روي له عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مائة وخمسون حديثا، اتفقا منها على سبعة وانفرد ~~البخاري بحديث ومسلم بخمسة، وقال البرقي: # حفظ عنه نحو من خمسين حديثا. # شهد مع علي حروبه كلها ثم سكن دمشق. # ولم يزل يغزو الروم ms0156 حتى قبض في غزوة غزاها يزيد بن معاوية في خلافة ~~معاوية بالقسطنطينية سنة خمسين، وقال أبو زرعة: سنة خمس وخمسين، وقال ~~الواقدي وجماعة: سنة اثنين وخمسين، وقل: إنه المشهور، وقيل: سنة إحدى، وكان ~~يقول: قال الله عز وجل: {انفروا خفافا وثقالا} (¬4) فلا أجدني إلا خفيفا أو ~~ثقيلا، وكذلك كان المقداد بن الأسود وأبو طلحة يتأولان هذه الآية، # [وروى ابن سيرين أنه غزا زمن معاوية فمرض فقال لهم: قدموني في PageV01P441 # أرض الروم ما استطعتم] (¬1). # وروى المدائني أنه دخل عليه يزيد بن معاوية فقال: ما حاجتك؟ قال: تعمق ~~قبري وتوسعه، وقال ابن حبان في ثقاته: إن أبا أيوب قال لهم: إذا أنا مت ~~فقدموني في بلاد الروم ما استطعتم ثم ادفنوني فمات، وكان المسلمون على حصار ~~القسطنطينية فقدموه حتى دفن إلى جانب حائطها، وروى غيره عنه أنه قال: إذا ~~قبضت فلتركب الخيل [ثم القوا] (¬2) العدو [فيردنكم] (¬3) حتى لا تجدوا ~~متقدما فاحفروا حينئذ لي قبرا ثم سووه وليطأ الخيل والرجال عليه حتى لا ~~يعرف. وروى أنهم لما أصبحوا أشرف عليهم الروم فقالوا: يا معشر العرب قد كان ~~لكم الليلة شأن، فقالوا: مات رجل من أكابر أصحاب نبينا - صلى الله عليه ~~وسلم - والله لئن نبش لأضربن بناقوس في بلاد العرب، فكانوا إذا قحطوا كشفوا ~~عن قبره فأمطروا، وبنى الروم على قبره بناء وعلقوا عليه أربعة قناديل بسرج ~~(¬4)، قال [الواقدي] (¬5): وصلى عليه يزيد. وكان قد أتى ابن عباس بالبصرة ~~وقد وليها لعلي، فقال: يا أبا أيوب إني أخرج عن [مسكني] (¬6) كما خرجت عنه ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمر أهله فخرجوا وأعطاه كل شيء أغلق ~~عليه الدار فلما كان انطلاقه قال: حاجتك، قال: حاجتي عطائي وثمانية أعبد ~~يعملون في PageV01P442 # أرضي، وكان عطاؤه أربعة آلاف فأضعفها له مرات فأعطاه عشرين ألفا وأربعين ~~عبدا. وقدم على معاوية فأجلسه معه على السرير، فجعل معاوية يتحدث ويقول: ~~فعلنا وفعلنا، وأهل الشام حوله، فقال: يا أبا أيوب من قتل صاحب الفرس ~~البلقاء يوم كذا؟ فقال أبو أيوب: أنا قتلته ms0157 إذ أنت وأبوك على الجمل الأحمر ~~معكما لواء الكفر، فنكس معاوية وتنمر أهل الشام، فرفع معاوية رأسه وقال: مه ~~مه وإلا فلعمري ما عن هذا سألتك ولا هذا أردنا منك. # الثاني: أبو أيوب رضي الله عنه أنصاري كما نسبه المصنف، وهو نسبة إلى ~~الأنصار، واحدهم نصير كشريف وأشراف، # وقيل: ناصر كصاحب وأصحاب، قبيلتان: الأوس، والخزرج، والخزرج أشرفهما لكون ~~أخوال النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم وهو وصف لهم [إسلامي] (¬1). # وقيل لهم ذلك: لنصرتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، روى البخاري في ~~صحيحه عن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس بن مالك رضي الله عنه "أرأيت اسم ~~الأنصار أكنتم تسمون به، أم سماكم الله به، قال: بل سمانا الله تعالى". وقد ~~ذكرت جملة من فضائلهم في "الإشارات لغات المنهاج" (¬2)، واعلم أن الأوس ~~والخزرج هما أبناء حارثة بن ثعلبة العنقاء (¬3) بن عمرو مزيقياء بن عامر ~~ماء السماء بن حارثة الغطريف بن PageV01P443 # [قيس] (¬1) ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن ~~مالك بن زيد بن [كهلان] (¬2) بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عامر بن ~~شالخ (¬3) بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام، وقحطان أصل عرب اليمن وهو ~~يقطن، وقيل: يقطان، وسمي قحطان؛ لأنه كان أول من تجبر وظلم وقحط أموال ~~الناس من ملوك العرب، قال ابن ماكولا: اسمه مهرم. # وأما عرب الحجاز: وهم العرب المستعربة: فمن ذرية إسماعيل، وأما العرب ~~العاربة: [فهم] (¬4) عاد وثمود وجرهم والعماليق [وأميم] (¬5)، وقيل: إن ~~جميع العرب ينتسبون إلى إسماعيل، والمشهور ما ذكرنا. # فائدة: أيوب في الرواة يشتبه بأثوب بالمثلثة بدل المثناة تحت، وهو [أثوب] ~~(¬6) بن عتبة (¬7)، ذكره ابن قانع في الصحابة؛ PageV01P444 # والحارث بن [أثوب (¬1)] (¬2)، تابعي، كذا قاله عبد الغني، والصواب: ثوب ~~بوزن صوغ [وأثوب بن أزهر] (¬3) (¬4). # الثالث: قوله عليه السلام: "إذا أتيتم الغائط". استعمل في قضاء الحاجة ~~كيف كان؛ لأن [هذا] (¬5) الحكم عام في جميع صور قضاء الحاجة وهو إشارة إلى ~~استعمال هذه اللفظة مجازا، وقد [سبق] ms0158 (¬6) كلام المصنف في تفسير الغائط. # وفي (المحكم) الغائط والغوط: المتسع من الأرض مع طمأنينة، وجمعه أغواط ~~وغياط وغيطان، وكل ما انحدر من الأرض فقد غاط، ومن بواطن الأرض الميتة: ~~الغيطان، الواحد منها غائط، وزعموا أن الغائط ربما كان فرسخا. والغائط: اسم ~~العذرة نفسها؛ لأنهم كانوا يلقونها بالغيطان، وقيل: لأنهم كانوا إذا أرادوا ~~ذلك أتوا الغائط، وتغوط الرجل: كناية عن الخرأة، والغوط أغمض من الغائط ~~وأبعده. # وفي (الصحاح) جمع الغائط: غوط، وفي (المخصص) (¬7) أن PageV01P445 # قراءة الزهري: (أو جاء أحد منكم من [الغيط] (¬1)) (¬2) مخففة الياء وأصله ~~الغوط. وقال الشيخ تقي الدين (¬3): الغائط في الأصل: [المطمئن] (¬4) من ~~الأرض، كانوا يقصدون لقضاء الحاجة، ثم استعمل في الخارج وغلب على الحقيقة ~~الوضعية فصار حقيقة عرفية، لكن لا يقصد به إلا الخارج من الدبر فقط لتفرقته ~~بينهما، وقد تكلموا في أن قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} (¬5) ~~لما كانت العادة أن يقصد لأجله وهو الخارج من الدبر (¬6)، ولم يكونوا ~~يقصدون الغائط للريح مثلا، أو يقال: إنه يقصد به الخارج من القبل والدبر ~~كيف كان. # الرابع: الحديث دال عل المنع من استقبال القبلة واستدبارها، وللفقهاء في ~~ذلك أربعة مذاهب: # أحدها: المنع المطلق في البنيان والصحراء، وهو قول أبي أيوب الأنصاري ~~راوي هذا الحديث، ومجاهد (¬7) وإبراهيم النخعي (¬8) PageV01P446 # التابعيين، وسفيان الثوري (¬1)، وأبو ثور (¬2) وأحمد في رواية (¬3)، ~~وهؤلاء حملوا النهي على العموم وجعلوا العلة فيه التعظيم والاحترام للقبلة؛ ~~لأنه معنى مناسب ورد النهي [على] (¬4) وفقه فيكون علة له، وقد روي من حديث ~~سلمة بن وهرام عن سراقة مرفوعا: "إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله عز ~~وجل" (¬5). وهذا ظاهر قوي في هذا التعليل فلا فرق فيه بين الصحراء ~~والبنيان، ولو كان الحائل كافيا في جوازه في البنيان لكان في الصحراء من ~~الجبال والأودية ما هو أكفى. # وفي الدارقطني عن الشعبي من قوله بإسناد ضعيف أنه علل ذلك: "إن لله تعالى ~~خلقا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم". [وأما ~~بيوتكم هذه الي تتخذونها للنتن فإنه لا ms0159 قبلة لها، عيسى بن أبي الخياط وهو ~~عيسى بن ميسرة وهو ضعيف] (¬6). PageV01P447 # وينبني على هذا الخلاف في التعليل اختلافهم فيما إذا كان بالصحراء واستتر ~~بشيء فمن علل باحترام القبلة منع الاستقبال # والاستدبار، ومن علل برؤية المصلين أباح، وضعف صاحب القبس (¬1) التعليل ~~بذلك، وقال: لم يتعبدنا [به] (¬2) الله إلا بما نرى. # قلت: ثم هذا كله مبني على أن العلة المستنبطة معتبرة أما إذا لم ~~[يعتبرها] (¬3) فلا كلام. # المذهب الثاني: أنهما جائزان مطلقا وهو قول عروة بن الزبير، وربيعة الرأي ~~شيخ مالك، وداود الظاهري (¬4) ورأى هؤلاء حديث أبي أيوب منسوخا، وزعموا أن ~~ناسخه حديث مجاهد عن جابر رضي الله عنه قال: "نهانا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن نستقبل القبلة أو نستدبرها ببول ثم رأيته قبل أن يقبض بعام ~~يستقبلها". حسنه الترمذي مع الغرابة (¬5)، ونقل عن البخاري تصحيحه كما نقله ~~البيهقي في (خلافياته) عنه (¬6)، وصححه أيضا PageV01P448 # ابن حبان (¬1)، وشيخه ابن خزيمة (¬2)، والحاكم وصححه على شرط مسلم (¬3)، ~~واستدلالهم بالنسخ ضعيف لأنه لا يصار إليه إلا بعد تعذر الجمع وهو ممكن كما ~~ستعلمه. # المذهب الثالث: أنه لا يجوز الاستقبال فيهما ويجوز الاستدبار فيهما، وهو ~~إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وهو ضعيف جدا، ويكفي في الرد عليه حديث أبي ~~أيوب هذا. # المذهب الرابع: وهو قول الجمهور وبه قال مالك (¬4) والشافعي (¬5) وإسحاق ~~(¬6)، وأحمد في إحدى الروايتين، أنه يحرم # الاستقبال في الصحراء دون البنيان، وهو مروي عن اللباس وابن عمر، ورأى ~~هؤلاء الجمع بين الأحاديث وأنه لا يصار إلى النسخ إلا بالتصريح به أو ~~بمعرفة تاريخه، وأن الجمع أولى من إلغاء بعض الأحاديث، واستدلوا بحديث ابن ~~عمر الآتي وبأحاديث أخر، ولما PageV01P449 # في المنع [في] (¬1) البنيان من المشقة والتكلف لترك القبلة بخلاف ~~الصحراء، [ويتعلق] (¬2) بذلك فروع يأتي بعضها في الحديث الآتي مختصره، ومحل ~~بسطها كتب الفروع وقد بسطتها فيها ولله الحمد. # فرع: هل الجماع كقضاء الحاجة أم لا؟ يبني على محل [العلة] (¬3) أيضا، هل ~~هو الخارج؛ فيجوز الجماع إذ لا خارج، أو كشف العورة؟ فيمتنع إذا كشف ms0160 وقد ~~حكى الخلاف الشيخ تقي الدين (¬4) أيضا، وتبعه الفاكهي. ونقل النووي (¬5) عن ~~ابن القاسم الجواز. وعن [ابن] (¬6) حبيب الكراهة. وبعض المالكية منعه على ~~العلتين جميعا لأجل الكشف وخروج المني فإنه نجس عندهم، وصرح أصحابنا بأنه ~~لا يكره فضلا عن الجواز، وبجوازه قال أبو حنيفة وأحمد وداود، وهو الصواب؛ ~~لأن التحريم إنما [ثبت] (¬7) بالشرع ولم يرد فيه نهي. # الخامس: قوله عليه السلام: "ولكن شرقوا أو غربوا". هذا الخطاب لأهل ~~المدينة ومن في معناهم كأهل الشام واليمن وغيرهم PageV01P450 # ممن قبلته على هذا السمت، فأما من كانت قبلته من جهة المشرق أو المغرب ~~فإنه يتيامن أو يتشأم. # السادس: الشأم: مهموز ويجوز تسهيله، ويقال: الشام بالمد وفتح الشين في ~~لغة قليلة، وهو يذكر وقد يؤنث فيقال: الشام مبارك ومباركة، وسمي به لأن سام ~~بن نوح سكنه أولا فعرف بالسين. وقيل: لكثرة قراه ودنو بعضها من بعض ~~كالشامات. وقيل: لأن باب الكعبة مستقبل مطلع النفس فمن استقبله كان اليمن ~~عن يمينه والشام عن شماله، وهي السوما (¬1) فسميا بذلك. وحده في الطول: من ~~[العريش] (¬2) إلى الفرات، وقيل: [من] (¬3) بالسن، وفي العرض قال السمعاني: ~~هو بلاد بين الجزيرة و [الغور] (¬4) إلى الساحل. # وقوله: "فقدمنا الشام" وهو منصوب على الظرفية لا على المفعولية. # السابع: قوله: "قد بنيت" يعني في الجاهلية وبناؤها نحو الكعبة ليس قصدا ~~لها، ولا لقبلة أهل الشام إذ ذاك وهي بيت المقدس، وإنما هو مجرد جهل ~~ومصادفة. # الثامن: الكعبة: سميت بذلك لاستدارتها، من التكعب وهو الاستدارة، وهذا ~~مما يدل على أن القبلة التي روي النهي عنها هي PageV01P451 # الكعبة، وفي حديث مالك (¬1): "فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة" فالألف ~~واللام فيها للعهد ولا يجوز أن تكون للجنس. # وإن كان ورد النهي عن استقبال بيت المقدس في مسند أحمد وسنن أبي داود ~~وابن ماجه (¬2) من حديث معقل بن أبي [معقل] (¬3) الأسدي، وزعم ابن حزم أنه ~~لا يصح (¬4)، ولأن القبلة عند الإطلاق تصرف إلى الكعبة في شرعنا لا على ~~القبلة المنسوخة، ولأن النهي في الكعبة عن الاستقبال والاستدبار، ms0161 وذلك إنما ~~ورد في الاستقبال فقط، على أن مذهبنا أنه يكره الاستقبال والاستدبار وفي ~~بيت المقدس أيضا، وأغرب ابن أبي الدم فحكى وجها أنه يحرم، وهو قول ابن ~~سيرين والحسن والنخعي (¬5). # التاسع: قول أبي أيوب "فقدمنا الشام" إلى آخره ففيه دلالة على أن للعموم ~~صيغة عند العرب وأهل الشرع على خلاف ما ذهب إليه بعض الأصوليين، والمعنى به ~~استعمال صيغة العموم في بعض أفراده كما فعله الجمهور في حديث أبي أيوب هذا. # قال الشيخ تقي الدين: وأولى بعض أهل العصر، وما يقرب PageV01P452 # به، [بأن] (¬1) قالوا: صيغة العموم إذا وردت على الذوات مثلا أو على ~~الأفعال كانت عامة في ذلك مطلقة في الزمان والمكان، والأحوال والمتعلقات. ~~ثم [يقال] (¬2): المطلق يكفي في العمل [به] (¬3) صورة واحدة فلا يكون حجة ~~فيما عداه. # وأكثروا من هذا السؤال [فيما لا] (¬4) يحصى من ألفاظ الكتاب والسنة وصار ~~ذلك ديدنا لهم في الجدال، وهذا عندي باطل، بل الواجب أن ما دل على العموم ~~في الذوات مثلا يكون، وإلا على ثبوت الحكم في كل ذات تناولها اللفظ، ولا ~~يخرج عنها ذات إلا بدليل يخصه، فمن أخرج شيئا من تلك الذوات فقد خالف مقتضى ~~العموم، نعم يكفي في العمل بالمطلق مرة كما قالوه، ونحن لا نقول بالعموم في ~~هذه المواضع من حيث الإطلاق، وإنما قلنا به من حيث المحافظة على ما تقتضيه ~~صيغة العموم في كل ذات، فإن كان المطلق لا يقتضي العمل به مرة مخالفة ~~لمقتضى صيغة العموم اكتفينا [في العمل] (¬5) به بمرة واحدة، [وإن] (¬6) كان ~~العمل به مرة واحدة مما يخالف مقتضى صيغة العموم قلنا بالعموم محافظة على ~~مقتضى صيغته لا من حيث أن المطلق يعم، مثال ذلك: إذا قال: من دخل PageV01P453 # داري فأعطه درهما، فمقتضى الصيغة العموم في كل [ذات] (¬1) صدق عليها أنها ~~الداخلة. # فإذا قال قائل: هو مطلق في الأزمان فأعمل به في الذوات الداخلة في أول ~~النهار مثلا، ولا أعمل به في غير ذلك الوقت؛ لأنه # مطلق في الزمان وقد عملت به مرة فلا ms0162 يلزم أن أعمل به أخرى لعدم عموم ~~المطلق. # قلنا له: لما دلت الصيغة على العموم في كل ذات، دخلت الدار ومن جملتها ~~الذوات الداخلة في آخر النهار، فإذا أخرجت تلك الذوات فقد أخرجت ما دلت ~~الصيغة على دخوله وهي كل ذات. وهذا الحديث أحد ما يستدل به على ما قلناه ~~فإن أبا أيوب من أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله: "لا تستقبلوا القبلة ~~ولا تستدبروها" عاما في الأماكن وهو مطلق فيها، وعلى ما قاله هؤلاء ~~المتأخرون لا يلزم العموم، وعلى ما قلناه يعم؛ لأنه إذا خرج عنه بعض ~~الأماكن خالف صيغة العموم في النهي عن الاستقبال والاستدبار، هذا آخر ~~كلامه، وهو نفيس. # وكأن كلامه مع القرافي فإنه كان يناظره وهو المكثر من ذلك. # وقوى بعضهم كلام القرافي من أوجه: # أحدها: من القرآن: قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (¬2) فلو ~~كان العام في المشركين عاما في المكان لكان PageV01P454 # قوله (حيث وجدتموهم) تكرارا، و (حيث) من صيغ العموم في المكان، قاله ~~القاضي عبد الوهاب. # [و] (¬1) ثانيها: من هذا الحديث نفسه، [فإن] (¬2) المكان هو الغائط معرف ~~بالألف واللام، فعم جميع الأماكن، ونزاع القرافي إنما هو فيما إذا لم يكن ~~العموم إلا في الأشخاص أو [في] (¬3) الأفعال، وأما إذا كان في اللفظ ما يدل ~~على العموم في المكان والزمان مثلا فإنه ليس محل النزاع، وكذا نص عليه في ~~تصانيفه، فالحديث حجة له؛ لأنه لو كان عموم الفعل في سياق النهي يقتضي ~~العموم في المكان لما كان لتعريف المكان بالألف واللام فائدة. # ثالثها: أن الشيخ تقي الدين قال في حديث بيع الخيار: إن الخيار عام ~~[ومتعلقه] (¬4) -وهو ما يكون فيه الخيار- مطلق، فيحمل على خيار [الفسخ] ~~(¬5) وهذا اعتراف. # [و] (¬6) رابعها: أن أبا حنيفة في مسألة الفعل في سياق النفي يقول بعدم ~~العموم في المفعول في الزمان والمكان، ووافقه الشافعي على عدم العموم في ~~الزمان والمكان، وخالفه في المفعول به، واحتج عليه أبو حنيفة بقياس المفعول ~~به على الزمان والمكان الذي PageV01P455 # [سلم] (¬1) الشافعي عدم العموم فيهما، وهذا ms0163 مثل مقالة القرافي. # العاشر: قوله: "ونستغفر الله عز وجل" قال صاحب المفهم (¬2): هذا دليل على ~~أنه لم يبلغه حديث ابن عمر -يعني الآتي- أو لم يره مخصصا، وحمل ما رواه على ~~العموم. انتهى، فإن صح هذا الثاني فهو يضعف المقالة السالفة إن العموم في ~~الذوات مطلق في الزمان والمكان والأحوال والمتعلقات. # قال الفاكهي: وهو قول بعض الأصوليين، والراجح عند جماعة من المحققين خلافه. # قال الشيخ تقي الدين: وهذا الاستغفار قيل: لباني الكنيف على الصفة ~~الممنوعة [عنده] (¬3)، وحملهم على هذا التأويل أنه إذا انحرف عنها لم يفعل ~~ممنوعا فلا يحتاج إلى الاستغفار، والأقرب أنه استغفار لنفسه أي [فالذنب] ~~(¬4) يذكر بالذنب؛ ولعل ذلك لأنه بسبب موافقته لمقتضى البناء سهوا أو غلطا ~~فيتذكر وينحرف ويستغفر الله. # فإن قلت: فالغالط والساهي لم يفعل إثما فلا حاجة للاستغفار. # فالجواب: أن أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد PageV01P456 # يفعلون مثل هذا بناء على نسبتهم [التقصير] (¬1) إلى أنفسهم في التحفظ ~~ابتداء. # وقال غيره: استغفار أبي أيوب؛ لأن مذهبه تحريم الاستقبال في البنيان كما ~~سلف، ولا يتأتى له الانحراف الكامل في قعوده إلا # بحسب إمكانه، فاستغفر احتياطا، ولا يظن به أنه كان يفعل ما يعتقد تحريمه. # ومن قال: إن استغفاره لبانيها، ففيه بعد لوجهين: # أحدهما: أن تعقيب الوصف بالفاء والعطف عليه يشعر [بالعلة] (¬2) فالحكم ~~المنع من الجلوس إلى القبلة، والوصف الانحراف المتعقب بالفاء، والعطف عليه ~~الاستغفار. # ثانيهما: [أن الظاهر] (¬3) أن المراحيض بناء الكفار في الجاهلية فكيف ~~يجوز الاستغفار لهم؟ # ويحتمل أن استغفاره لمن بناها من المسلمين جاهلا على اعتقاده. # الحادي عشر: [في الحديث] (¬4): ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من ~~القيام بالبيان والإيضاح لأمته. PageV01P457 # الثاني عشر: فيه أيضا ابتداء العالم أصحابه بالعلم خصوصا إذا علم أنه بهم ~~حاجة إلى العمل به. # الثالث عشر: فيه أيضا أنه ينبغي للعالم التنبيه على الوقائع المخالفة ~~للعلم والرجوع عنها، أو الاستغفار والتوبة منها. [إن كان # تلبس بها ملتبس] (¬1). # الرابع عشر: فيه الكناية عن المستقذرات بألفاظ غير [شنعة النطق بها] (¬2). # الخامس عشر: فيه ms0164 أيضا تعظيم جهة القبلة وتكريمها والنهي عما يلزم منه عدم ~~ذلك كما في الاستدبار. PageV01P458 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 16/ 3/ 2 - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: "رقيت يوما ~~على بيت حفصة فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقضي حاجته مستقبل الشام ~~مستدبر الكعبة" (¬1). # الكلام عليه من ثلاثة عشر وجها: # الأول: في التعريف براويه [هو] (¬2): أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب، وبقية نسبه تقدم في ترجمة والده في أول الكتاب، وهو معدود [من] ~~(¬3) المكيين المدنيين، وكان فقيها عالما زاهدا ورعا، أحد الأعلام، قال ابن ~~الحنفية: كان خير هذه # الأمة، شهد الخندق وما بعدها من المشاهد، وهو من أهل بيعة الرضوان، وقيل: ~~إنه أول من بايع بها، ولا يصح، واستصغره يوم PageV01P459 # أحد؛ لأن سنه كان ثلاث عشرة فمولده قبل الوحي بسنة، قاله ابن حبان، وفي ~~الصحيح أن سنه يوم أحد أربع عشرة، وقال الواقدي: استصغر عام بدر وأجازه عام ~~أحد، والأول أصح، قال الموفق الحافظ: ولم يشهد بدرا لصغره، أسلم قديما مع ~~أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، وبايع قبل أبيه وبعده [أدبا] (¬1)، وكان ينكر ~~على من يقول إنه أسلم قبل أبيه، وهاجر معه ومع أمه زينب، وقيل: بل هاجر قبل ~~أبيه، وصححوه، وهو شقيق حفصة أم المؤمنين، وأمهما زينب بنت مظعون، وقال ابن ~~حبان: أمه ريطة بنت مظعون. # عين للخلافة يوم الحكمين مع وجود مثل الإمام علي وسعد وغيرهما، وروى نافع ~~قال: دخل ابن عمر الكبة فسمعته يقول في سجوده: ما يمنعني من مزاحمة قريش في ~~هذا الأمر إلا خوفك، وقال ابن المسيب: أتوا ابن عمر فقالوا: أنت سيد الناس ~~[وابن سيد الناس] (¬2) والناس بك راضون، اخرج فنبايعك، فقال: لا والله ما ~~يراق [في] (¬3) محجمة دم، ثم زوى عمرو بن العاص الأمر عنه لما رأى أنه لا ~~يوليه شيئا إن استخلف، ولما قتل عثمان دخل مروان بن الحكم عليه في نفر ~~فعرضوا عليه أن يبايعوه فقال: كيف لي بالناس؟ قال: تقاتلهم، فقال: والله لو ~~اجتمع ms0165 الناس أهل الأرض إلا أهل فدك ما قاتلتهم، فخرج مروان وهو يقول: ~~"والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا". PageV01P460 # أثنى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ووصفه بالصلاح لو أنه يقوم الليل ~~فما تركه بعد، وهو من أكثر الصحابة حديثا وكان ضابطا لها لا يزيد فيها ولا ~~ينقص، روي له عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ألف [حديث] (¬1) وستمائة ~~وثلاثون حديثا اتفق البخاري ومسلم على مائة وثمانية وستين حديثا، وانفرد ~~البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين، روى عنه أولاده وأحفاده ومولاه ~~نافع وأكثر عنه وخلق كثير من التابعين. # وهو أحد العبادلة الأربعة أيضا وباقيهم: عبد الله بن الزبير، وعبد الله ~~بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص. ولا يطلق العبادلة اصطلاحا على غيرهم ~~وإن كان في الصحابة من يسمى عبد الله جماعات كثيرين، وخصوا هؤلاء من بينهم ~~بالذكر لكونهم من # أصاغر الصحابة وفقهاء وتأخروا وأخذ عنهم العلم والرواية واحتيج إلى ~~علمهم. روى ابن وهب عن مالك أنه قال: بلغ ابن عمر ستة وثمانين سنة وأفتى في ~~الإسلام ستين سنة، وقيل: لأن كل واحد صحابي ابن صحابي، قيل: للإمام أحمد: ~~فابن مسعود؛ قال: ليس من العبادلة. قال البيهقي في سننه: [إن] (¬2) ابن ~~مسعود تقدمت وفاته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم فإذا اتفقوا على شيء ~~قيل: هذا قول العبادلة أو فعلهم أو مذهبهم. ونبه النووي رحمه الله في كتابه ~~(المبهمات) وغيره على شيء سبق القلم [منه] (¬3) فيه فإنه PageV01P461 # قال: وأما قول الجوهري في صحاح اللغة (¬1): أن ابن مسعود منهم، وحذف ابن ~~[عمرو] (¬2) فليس مقبولا منه، وكيف يعارض بقوله قول الإمام أحمد وغيره؟ هذا ~~لفظه. وتبعه تلميذه ابن العطار في شرحه جازما بذلك، وكنت تبعته أيضا في بعض ~~التصانيف ثم رجعت ولله الحمد، فإن هذا ليس في الصحاح أصلا، والذي فيها: ~~والعبادلة ابن عباس وابن عمرو وابن عمر، وهذا لفظه فلم يذكر ابن مسعود ~~أصلا، وذكر ابن عمر. نعم يعترض على صاحب الصحاح لكونه حذف عبد الله بن ~~الزبير وهو معدود منهم ms0166 قطعا، فتنبه لذلك فإنه [من] (¬3) طغيان القلم. ووقع ~~للرافعي أيضا في كتاب الجنايات عند ابن مسعود في العبادلة وحذف ابن الزبير ~~وابن عمرو بن العاصي وهو عجيب منه (¬4). # ولعبد الله بن عمر فضائل شهيرة ومناقب كثيرة، وكان صواما قواما متواضعا ~~بكاء خشاعا، لا يأكل حتى يؤتى بمسكين فيأكل معه، PageV01P462 # لم تمل به الدنيا، وكان إذا أعجبه شيء من ماله قربه لربه، وكان رقيقه ~~يتزينون له بالعبادة وملازمة المسجد، فيعتقهم فيقول له # أصحابه: ما بهم إلا خديعتك، فيقول: من خدعنا بالله انخدعنا له، قال مالك: ~~قال ليس ابن شهاب: لا تعدلن برأي ابن عمر فإنه أقام ستين سنة بعد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فلم يخف عليه شيء من أمره ولا من أمر أصحابه، وقال ~~الداروردي: عن مالك: أفتى ستين سنة وحج سبعين حجة، وأعتق ألف رأس، وحبس ألف ~~فرس، وكان لا ينام من الليل إلا قليلا، حكاه ابن دحية في كتابه (مرج ~~البحرين) عنه، قال: وذكر عنه ابن شعبان أنه اعتمر ألف عمرة، وكان من أكرم ~~أهل زمانه، [قال] (¬1) ميمون بن مهران: أتت ابن عمر اثنان وعشرون ألف دينار ~~في مجلس فلم يقم حتى فرقها. # قلت: وكان رضي الله عنه يتحفظ ما سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ويسأل عما غاب عنه من قول أو فعل من حضره ويتبع آثاره حتى [موضع] (¬2) ~~صلاته عليه أفضل الصلاة والسلام سفرا وحضرا، قال نافع: لو نظرت إليه إذا ~~اتبع أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقلت: إنه مجنون (¬3)، PageV01P463 # ولم يمت حتى أعتق ألف إنسان (¬1) وزيادة، وربما تصدق في المجلس الواحد ~~بثلاثين ألفا، وبعث إليه معاوية بمائة ألف فلم يحل حول وعنده منها شيء، ~~وكان إذا تلى: {ألم يأن للذين آمنوا} (¬2) الآية، يبكي حتى يغلبه، وإذا ~~تلى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} (¬3) يبكي ويقول: إن هذا الإحصاء ~~لشديد (¬4). # قال سعيد بن المسيب: لو شهدت لأحد أنه من أهل الجنة في الدنيا لشهدت لابن ~~عمر. وكان رضي الله عنه ممن اعتزل ms0167 الفتنة فلم يقاتل مع أحد من الفريقين ~~تورعا لما أشكل عليه الأمر، ثم ندم على ترك القتال مع علي لما تبينت [له] ~~(¬5) الفئة الباغية وقال لمن سأله، عففت يدي فلم أقاتل والمقاتل على الحق ~~أفضل، وقال عند موته: لا آسى على شيء من الدنيا إلا تركي قتال الفئة ~~الباغية. [حكاه] (¬6) أبو عمر، ولم يكن يتخلف عن سرية من سرايا PageV01P464 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أولع بالحج في الفتنة وبعدها، وكان ~~من أعلم الناس بالمناسك، وكان يصفر لحيته، وعمي في آخر عمره. # وروى ابن أبي [الزناد] (¬1) عن أبيه قال: اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد ~~الله بن الزبير وعبد الله بن عمر فقالوا: تمنوا، # فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة. وقال عروة: أما أنا ~~فأتمنى أن يؤخذ عني العلم. وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة # العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين. وقال ابن عمر: أما ~~أنا فأتمنى المغفرة، فنالوا كلهم ما تمنوا ولعل ابن عمر قد غفر له. # مات رضي الله عنه بمكة سنة ثلاث وسبعين أو أربع وسبعين بعد موت ابن ~~الزبير بثلاثة أشهر، وقيل: سنه ابن أربع -وقيل: ست، وقيل: سبع- وثمانين ~~سنة، وكان مولده قبل الوحي بسنة كما سبق، ودفن بالمحصب، وقيل: بسرف، وقيل: ~~بفخ بالخاء المعجمة، وكلها مواضع بقرب مكة بعضها أقرب إلى مكة من بعض، ~~وأوصى أن يدفن [في الحل] (¬2) فلم يقدر على ذلك من أجل الحجاج، [وكان ابن ~~عمر يتقدم الحجاج] (¬3) في المواقف وغيرها، وقال له وقد خطب يوما فأخر ~~الصلاة: إن الشمسى لا تنتظرك، فقال: لقد هممت أن أضرب الذي فيه عيناك، ~~فقال: إن تفعل فإنك سفيه PageV01P465 # مسلط، فعز ذلك عليه. وقيل: إنه أخفى ذلك عن الحجاج فلم يسمعه، فأمر رجلا ~~فسم زج (¬1) رمحه ورمحه في الطواف فوقع الزج على قدمه. وروي أنه وقع ذلك به ~~لما دفع من عرفة وأنه أمره على ظهر قدمه وهي في غرز راحلته، فمرض منها ~~أياما فدخل عليه الحجاج فقال: من ms0168 فعل بك يا أبا عبد الرحمن؛ فقال: وما تصنع ~~به؟ قال: قتلني الله إن لم أقتله، قال: لست بفاعل، قال: ولم؟ قال: لأنك ~~الذي أمرت به، فقال: لا تفعل يا أبا عبد الرحمن، وخرج عنه، وروي أنه قال: ~~قتلني الذي أمر بإدخال السلاح الحرم ولم يكن يدخل به، فمات من ذلك الجرح ~~وصلى عليه الحجاج قاتله الله. # الوجه الثاني: قوله: "رقيت" بكسر القاف أي صعدت، يقال رقي بكسر القاف ~~يرقى بفتحها، إذا صعد منبرا وسلما أو نحو ذلك، # وهذا هو الفصيح المشهور، ولغة طي بفتح القاف. # وحكى صاحب المطالع: الفتح مع الهمزة، واختيار ثعلب الكسر هنا. والفتح من ~~الرقة رقيت الرجل أرقيه. # وقال الزمخشري (¬2): حكى بعضهم رقيت في السلم بفتح القاف ولا أعلم صحته. # وفي الجامع: رقات ورقيت أفصح وخالف كراع (¬3) فقال: PageV01P466 # [رقأت] (¬1) بالهمز أجود. # الثالث: حفصة: هي أخته شقيقته أم المؤمنين رضي الله عنها، وسيأتي التعريف ~~بها في باب فضل الجماعة حيث ذكرها المصنف # هناك، إن شاء الله. # الرابع: اطلاع ابن عمر رضي الله عنه لم يكن تحسسا وإنما كان اتفاقا من ~~غير قصد ولم ير إلا أعاليه فقط. # قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون عن قصد للتعلم مع أمنه من الاطلاع على ~~ما لا يجوز له الاطلاع عليه. # قلت: يبعده رواية البخاري (¬2): "ارتقيت فوق [بيت] (¬3) حفصة لبعض ~~حاجتي". # الخامس: جاء في رواية الصحيحين: "فرأيته قاعدا على لبنتين". قال القاضي ~~عياض: يحتمل أن تكونا مبنيتين، فتكون فيه حجة لمن قال أنه لا يتكلف ~~الانحراف في الكنف المبنية إلى القبلة، خلافا لما ذهب إليه أبو أيوب كما ~~مضى في الحديث قبله. # قلت: وفي رواية صحيحة لابن حزم (¬4): "رأيته يقضي حاجته PageV01P467 # محجر عليه باللبن"، وفي رواية [للبزار] (¬1): "رأيته في كنيف مستقبل ~~القبلة" قال (¬2) البزار: لا نعلم رواها عن نافع إلا عيسى الحناط، قلت: وهو ضعيف. # السادس: قوله: ["مستقبل الشام مستدبر الكعبة"، كذا هو في الصحيحين، وفي ~~رواية لهما] (¬3) "مستقبل بيت المقدس"، ووقع في صحيح ابن حبان (¬4): ~~"مستقبل القبلة مستدبر الشام" (¬5)، [فالله ms0169 أعلم] (¬6). والشام، والكعبة، ~~تقدم الكلام عليهما في الحديث قبله. # السابع: اختلف العلماء في كيفية العمل بهذا الحديث؟ # فمنهم من [رآه] (¬7) ناسخا لحديث أبي أيوب السالف واعتقد الإباحة مطلقا، ~~وقاس الاستقبال على الاستدبار وطرح حكم # تخصيصه بالبنيان ورأى أنه وصف ملغي لا اعتبار فيه. PageV01P468 # ومنهم: من رأى العمل بحديث أبي أيوب وما في معناه واعتقد هذا خاصا بالنبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. # ومنهم: من جمع بينهما وأعملهما كما تقدم في الحديث قبله. # ومنهم: من توقف في المسئلة. # ولمن خصه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستدل بأن نظر ابن عمر [كان] ~~(¬1) اتفاقا كما مر، وكذا جلوسه عليه السلام من غير قصد لبيان حكم الأمة؛ ~~لأنه لو كان ذلك حكما عاما لبينه عليه السلام بالقول كغيره من الأحكام، ~~فلما لم يقع ذلك دل على الخصوص، وفيه بعد ذلك بحث [كما قال] (¬2) الشيخ تقي ~~الدين (¬3): ثم إن حكم العام إذا خص أن يقتصر على موضع التخصيص ويبقى العام ~~فيما عداه على عمومه فيما بقي من الصور، إذ لا معارض له في ذلك، وحديث ابن ~~عمر هذا لم يدل على جواز الاستقبال والاستدبار معا بل دل على الاستدبار ~~فقط، فالمعارضة بينه وبين حديث أبي أيوب إنما هي في الاستدبار فيبقى ~~الاستقبال لا تعارض فيه، فيجب العمل به في المنع منه مطلقا، لكن أجازوهما ~~معا في البنيان، وعليه هذا السؤال كما نبه عليه الشيخ تقي الدين (¬4) قال: ~~وهذا إذا كان في حديث أبي أيوب لفظ يعم وليس كذلك، بل هما جملتان: إحداهما ~~عامة في محلها، PageV01P469 # تناول حديث ابن عمر بعض صور عمومها بالخصوص، والأخرى لم يتناولها فهي ~~باقية على حالها، وتقديم القياس على العام فيه كلام أصولي، وشرط صحة القياس ~~مساواة الفرع للأصل أو زيادته عليه في المعنى المعتبر في الحكم، [ولا ~~تساوي] (¬1) [ها هنا] (¬2) لزيادة قبح الاستقبال على الاستدبار على ما يشهد ~~العرف بذلك، وقد اعتبر أبو حنيفة هذا [المعنى] (¬3) في إحدى الروايتين عنه ~~كما أسلفنا عنه، [فمنع الاستقبال وأجاز الاستدبار، وإذا كان أقبح ms0170 من ~~الاستدبار فلا يلزم من إلغاء الناقص في القبح] (¬4) إلغاء الزائد فيه وحكم جوازه. # قلت: وفي سنن ابن ماجه بإسناد صحيح عن عراك عن عائشة قالت: ذكر عند النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة، فقال: ~~"أراهم قد فعلوها استقبلوا [بمقعدتي] (¬5) القبلة" (¬6). قال PageV01P470 # الإمام [أحمد] (¬1): هذا أحسن ما روي في الرخصة وإن كان مرسلا فإن خرجه ~~حسن، وقد قدمنا حديث جابر في الاستقبال أيضا في الحديث الذي قبله. # الثامن: يؤخذ من الحديث تتبع أحواله - صلى الله عليه وسلم - كلها ونقلها، ~~وأنها كلها أحكام شرعية. # التاسع: يؤخذ منه أيضا [جواز] (¬2) استقبال القبلة في البنيان، وأنه مخصص ~~لعموم النهي. # العاشر: يؤخذ منه أيضا استعمال الكناية بقضاء الحاجة عن البول والغائط. # الحادي عشر: يؤخذ منه أيضا جواز قضاء الحاجة في مكان غير معد له [من] ~~(¬3) سطح وغيره، سواء كان مضطرا إلى ذلك أم لا، كذا استنبطه منه ابن ~~العطار، ورواية البزار وابن حزم المتقدمين ظاهرهما (¬4) أن المكان ~~[المذكور] (¬5) معد لذلك. # الثاني عشر: فيه أيضا جواز الإخبار عن مثل ذلك للاقتداء والعمل. PageV01P471 # الثالث عشر: فيه أيضا [جواز] (¬1) تبسط أقارب الزوجة [في بيت] (¬2) الزوج ~~حالة الاحتشام وكف البصر عما يستحى عن رؤيته، فإنه الظاهر من ابن عمر. # خاتمة: قال أصحابنا: إنما يجوز استقبال القبلة واستدبارها في البنيان ~~بشرطين: # أحدهما: [أن يكون بينه وبين الساتر ثلاثة أذرع فما دونها. # الثاني]: (¬3) أن يكون الساتر مرتفعا بحيث يستر أسافل الإنسان، وقدروه ~~بآخرة الرحل وهو نحو ثلثي ذراع؛ فإن فقد أحد الشرطين فهو حرام إلا إذا كان ~~في بيت بني لذلك فلا حرج فيه؛ قالوا: ولو كان في صحراء وتستر بشيء على ~~الشرط المذكور زال التحريم، فالاعتبار بالساتر وعدمه، فيحل في الصحراء ~~والبنيان بوجوده ويحرم فيهما لعدمه، هذا هو الصحيح، ولا فرق في الساتر بين ~~الوهدة والدابة وكثيب الرمل والجدار، والأصح حصول الستر بإرخاء الذيل أيضا، ~~وحيث جوزنا الاستقبال والاستدبار، قال المتولي: يكره، ونقله النووي في شرح ~~مسلم (¬4) عن جماعة من الأصحاب، ثم قال: ولم ms0171 يذكر الجمهور الكراهة، ~~والمختار: أنه إن كان عليه مشقة في تكلف التحرف عن القبلة فلا كراهة [وإن ~~لم يكن PageV01P472 # مشقة فالأولى تجنبه خروجا من خلاف العلماء، ولا يطلق عليه الكراهة] (¬1) ~~للأحاديث الصحيحة. # فرع: إذا تجنب الاستقبال والاستدبار حالة خروج الفضلة جاز له ذلك حال ~~الاستنجاء بلا كراهة، وكذا إخراج الريح إلى # القبلة. # فائدة: التغوظ مستقبل القبلة من الصغائر كذا ذكره الرافعي في الشهادات ~~[نقلا] (¬2) عن صاحب العدة [وأقره] (¬3). PageV01P473 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 17/ 4/ 2 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يدخل الخلاء فأحمل أنا وكلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي ~~بالماء" (¬1). # العنزة: الحربة [الصغيرة] (¬2). # الكلام عليه من اثني عشر وجها. # والتعريف براويه [سبق] (¬3) في الباب وعادتنا أن لا نكرر شيئا سبق طلبا ~~للاختصار فاعلم ذلك. # الوجه الأول: معنى [كان يدخل الخلاء] يريد دخوله، وقد تقدم أن الخلاء ~~ممدود، وأنه الخالي المتخذ لقضاء الحاجة، وظاهره PageV01P474 # هنا البراح من الأرض دون البنيان لقرينة حمل العنزة، فإن الصلاة إليها ~~إنما تكون حيث يخشى المرور بين يديه؛ ولأنه لو كان المراد البنيان لكان ~~الذي يناسب ذلك خدمة أهله من نسائه ونحوهن (¬1) دون الرجال. # الثاني: قوله: "وغلام نحوي" أي مقارب ليس في السن والحرية، لا أنه مثله ~~من كل وجه، وفي البخاري "وغلام منا" -أي من الأنصار (¬2) - وكذا أخرجه ~~الإسماعيلي في صحيحه وفيه "معنا عنزة أو عصا أو عكازة" (¬3). # وقوله: "أحمل أنا وغلام نحوي" يحتمل أن يكون أحدهما يحمل العنزة، والآخر ~~يحمل الإدواة، ويحتمل أن يكون ذلك باعتبار # حالين، والله أعلم. # الثالث: "الغلام" هو الذي طر شاربه. # وقيل: هو من حين يولد إلى أن يشب. # والجمع: أغلمة وغلمة وغلمان. # والأنثى: غلامة. # وفي المخصص (¬4): هو غلام من لدن فطامه إلى سبع سنين. PageV01P475 # وعن أبي عبيد (¬1): هو المترعرع المتحرك. وفي الجامع (¬2) عن الخليل: ~~الغلومة والغلامية والغلام هو الذي طر شاربه. وفي الصحاح: استغنوا بغلمة عن ~~أغلمة، وتصغير الغلمة اغيلمة على غير مكبرة، كأنهم صغروا أغلمة وإن كانوا ~~لم يقولوه. ms0172 وزعم الزمخشري في أساس البلاغة [أن الغلام] (¬3) هو الصغير إلى ~~حد الالتحاء، فإن أجري عليه بعدما صار ملتحيا اسم الغلام فهو مجاز. ويروى ~~عن علي بن أبي طالب في بعض أراجيزه: "أنا الغلام الهاشمي المكي" وقالت ~~[الأخيلية] (¬4) في الحجاج: "غلام إذا هز القناة رماها" (¬5). # قال: وقال بعضهم: يستحق هذا الاسم إذا ترعرع وبلغ الاحتلام؛ لشهوة ~~النكاح، كأنه يشتهي النكاح في ذلك الوقت، PageV01P476 # ويسمى الغلام قبل ذلك تفاؤلا، وبعده مجازا. # وقال صاحب الموعب (¬1): لا يقال [للأنثى] (¬2) غلامة إلا في كلام قد ذهب ~~في ألسنة الناس. # وقال صاحب الجمهرة (¬3): غلام رعرع ورعراع، ولا يكون ذلك إلا مع حسن ~~الشباب. # ونقل الفاكهي عن أهل اللغة: أن الغلام من فطم إلى سبع سنين. # قال أبو جعفر أحمد بن محمد النحوي (¬4) في "خلق الإنسان" (¬5) له [حكى ~~باب] (¬6) ما دام الولد في بطن أمه فهو جنين، فإذا ولد [سمي] (¬7) صبيا ما ~~دام رضيعا، فإذا فطم سمي غلاما إلى PageV01P477 # سبع سنين، ثم يصير يافعا إلى عشر، ثم حزورا إلى [خمس] (¬1) عشرة، ثم قهدا ~~إلى خمس وعشرين، ثم غطيا إلى ثلاثين، ثم صمل إلى أربعين، ثم كهلا إلى ~~خمسين، ثم شيخا إلى ثمانين، ثم يصير بعد ذلك [وهم] (¬2). فانيا كبيرا. # الرابع: "الإداوة" بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد يتخذ الماء كالسطيحة ~~ونحوها والجمع إداوى. # قال الجوهري (¬3): الإداوة: المطهرة، والجمع: الأداوى مثل المطايا، قال: ~~وكأن قياسه أداوى مثل رسالة ورسائل فتجتبوه وفعلوا به ما فعلوا بالمطايا ~~والخطايا فجعلوا فعايل [فعالى] (¬4) وأبدلوا هنا الواو لتدل على أنه [قد] ~~(¬5) كانت في الواحدة واوا ظاهرة، فقالوا: أداوى، فهذه الواو بدل من الألف ~~الزائدة في إداوة، والألف التي في آخر الإداوى بدل من الواو التي في إداوة، ~~وألزموا الواو [هنا] (¬6) كما ألزموا الياء في [مطايا] (¬7). # الخامس: العنزة: بفتح العين والنون والزاي. PageV01P478 # قال المصنف: إنها الحرية، وفي شرح الشيخ تقي (¬1) الدين شيئا: إنها ~~الحربة القصيرة، وقال في باب الأذان في حديث ركزت له عنزة، قيل: إنها عصا ~~في طرفيها زج، وقيل: الحربة [القصيرة] (¬2) وصحح ms0173 النووي في شرح مسلم (¬3) ~~الأول [فقال] (¬4): هي عصا طويلة في أسفلها زج، قال: ويقال: رمح قصير. # وعكس القاضي (¬5) فقال: هي رمح قصير، وقيل: عصا في طرفها زج (¬6). # وفى [المغازي] (¬7) قال الزبير بن العوام: رأيت [عبيدة بن] (¬8) سعيد بن ~~العاصي وفي يدي عنزة فأطعن بها في PageV01P479 # عينه (¬1) حتى أخرجتها متعقفة عليها حدقته، فأخذها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فكانت تحمل بن يديه وبعده بن يدي أبي بكر وعمر. # وقال الخوارزمي (¬2) في "مفاتيح العلوم": [هي] (¬3) الحربة وتسمى العنزة، ~~وكان النجاشي أهداها للنبي - صلى الله عليه وسلم - فكانت تقام بين يديه إذا ~~خرج إلى المصلى وتوارثها من بعد الخلفاء. # وفي الطبقات (¬4): أهدى النجاشي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ثلاث عنزات فأمسك واحدة لنفسه، وأعطى عليا واحدة، وأعطى عمر واحدة. # السادس: إنما كان - صلى الله عليه وسلم - يستصحب هذه العنزة معه؛ لأنه ~~كان إذا توضأ صلى فيحتاج إلى نصبها بين يديه لتكون حائلا يصلي إليه، وقد ~~ورد في حديث أنه عليه السلام كانت توضع له فيصلي إليها، وهذا إنما يناسب ~~البراح من الأرض دون البنيان كما أسلفناه في الوجه الأول. # قيل: ويحتمل أن يكون فعلها ليتقي بها من يكيده من المنافقين PageV01P480 # واليهود فإنهم كانوا يرومون قتله واغتياله بكل حيلة، ومن أجل هذا الحديث ~~اتخذ الأمراء المشي أمامهم بالحربة، وذكر بعض شراح المصابيح أن للعنزة فوائد: # الأولى: دفع العدو واتقاء السبع. # الثانية: نبش الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة خشية الرشراش. # الثالثة: تعليق الأمتعة بها. # الرابعة: [السترة] (¬1) بها في الصلاة. # الخامسة: التوكؤ عليها، وفيها مآرب أخرى. # فإن قلت: هل كان عليه السلام يستتر بها حال قضاء الحاجة؟. # قلت: لم أره منقولا ويبعد؛ لأن ضابط السترة ما يستر الأسافل كما صرح به ~~النووي في شرح مسلم (¬2) نقلا عن الأصحاب، وقد أسلفته أيضا في الحديث قبله ~~(¬3) لكن من تراجم البخاري (¬4) على هذا الحديث "باب: حمل العنزة مع الماء ~~في الاستنجاء" فتأملها. PageV01P481 # السابع: في الحديث خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك (¬1)، وتفقد ~~حاجاتهم خصوصا المتعلقة بالطهارة، ms0174 [ومن] (¬2) # تراجم البخاري (¬3) على هذا الحديث "باب من حمل معه الماء لطهوره". # الثامن: فيه أيضا استخدام الرجل الفاضل بعض أتباعه الأحرار خصوصا إذا ~~أرصدوا لذلك، والاستعانة في مثل هذا. # قال الروياني (¬4) من أصحابنا: ويجوز أن يعير ولده الصغير ليخدم من يتعلم ~~منه، ويؤيده قصة أنس التي أسلفناها في ترجمته. # وقال صاحب العدة (¬5): للأب أن يعير ولده الصغير لمن يخدمه؛ لأن ذلك هبة ~~لمنافعه فأشبه إعارة ماله. PageV01P482 # [قال] (¬1) النووي في الروضة: وهذا محمول على خدمة تقابل بأجرة، أما ما ~~كان محتقرا لا يقابل بأجرة فالظاهر والذي تقتضيه أفعال السلف أن لا منع منه ~~إذا لم يضر بالصبي. # وقال غيره من المتأخرين: ينبغي تقييد المنع بما إذا انتفت المصلحة، أما ~~إذا وجدت كما لو قال لولده الصغير: اخدم هذا الرجل في كذا، ليتمرن على ~~التواضع ومكارم الأخلاق، فلا [منع] (¬2) منه، وهذا حسن متجه. # التاسع: فيه أيضا التباعد لقضاء الحاجة عن الناس لقرينة حمل العنزة ~~والإداوة، وقد صح الإبعاد من فعله - صلى الله عليه وسلم -. # العاشر: فيه أيضا جواز الاستنجاء بالماء وقد ترجم عليه البخاري بذلك، ~~فقال: باب الاستنجاء بالماء ولفظه فيه: "كان - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء يعني فيستنجي به". # وزعم الأصيلي: أن الاستنجاء بالماء ليس بالبين في هذا الحديث، لأن قوله ~~(فيستنجي به) ليس من قول أنس إنما هو من قول [أبي] (¬3) الوليد شيخ البخاري ~~(¬4) وقد رواه سليمان بن حرب (¬5) عن PageV01P483 # شعبة لم يذكر "فيستنجي به" (¬1) يعني رواية البخاري الثانية تحتمل أن ~~يكون الماء لطهوره أو لوضوئه. # وقال ابن التين مثله (¬2)، زاد: وقال أبو عبد الملك [البوني] (¬3): هو ~~قول أبي معاذ الراوي عن أنس، قال: وذلك [أنه] (¬4) لم يصح أنه عليه السلام ~~استنجى بالماء، وهذا عجيب من الكل ففي البخاري من حديث أبي معاذ [وهو] (¬5) ~~عطاء بن أبي ميمونة عن أنس كان - صلى الله عليه وسلم - "يدخل الخلاء فأحمل ~~أنا وغلام إدواة من ماء وعنزة يستنجي بالماء" (¬6) وفيه باب غسل البول ~~(¬7)، من ms0175 حديثه أيضا: كان عليه السلام: "إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل ~~به"، وفي رواية لمسلم (¬8): "دخل حائطا وتبعه غلام معه PageV01P484 # ميضأة [هو] (¬1) أصغرنا فوضعها عند رأسه فقضى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حاجته فخرج علينا وقد استنجى بالماء"، وفيه غير ذلك من الأحاديث ~~الصحيحة. # وقول الإمام أحمد أيضا: لم يصح في الاستنجاء بالماء حديث، غريب منه مع ~~جلالته. # وزعم ابن بطال (¬2) أن حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب كرها الاستنجاء ~~بالماء، وكان المهاجرون يستحبون الاستنجاء # بالأحجار والأنصار بالماء (¬3). PageV01P485 # وفي المصنف أيضا عن سعد بن أبي وقاص وعمر بن الخطاب (¬1) وعبد الله بن ~~الزبير، ومجمع بن يزيد، وعروة بن الزبير، # والحسن بن أبي الحسن، وعطاء، شيء من ذلك، والإجماع يقضي على قولهم، وكذا ~~امتنان الله تعالى به في كتابه التطهير به؛ ولأنه أبلغ في إزالة العين. # وأجيب عن قول سعيد بن المسيب وقد سئل عن الاستنجاء بالماء: إنه وضوء ~~النساء، أنه لعل ذلك في مقابلة غلو من أنكر # الاستنجاء بالأحجار، وبالغ في إنكاره [بهذه] (¬2) الصيغة ليمنعه من ~~الغلو، وحمله ابن نافع على أنه في حق النساء، وأما الرجال فيجمعون بية وبين ~~الأحجار، حكاه الباجي (¬3) عنه. # قال القاضي: والعلة عند سعيد كونه وضوء النساء [معناه] (¬4) أن الاستجاء ~~في حقهن بالحجارة متعذر. # [وشذ ابن] (¬5) حبيب فقال: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، ~~والسنة قاضية عليه، استعمل - صلى الله عليه وسلم - الأحجار وأبو هريرة معه ~~ومعه إداوة من ماء، ومقابلة هذا في الشذوذ ما ذهب إليه بعض PageV01P486 # السلف من أن الأفضل الحجر، حكاه النووي في شرحه (¬1)، قال: وربما أوهم ~~كلام بعضهم أن الماه لا يجزئ. # قلت: وبه صرح القاضي والقرطبي (¬2) فقالا: فيه حجة على من كره الاستنجاء ~~بالعذب؛ لأن ماء المدينة عذب، تعلقا بأنه # مطعوم، وليس بشيء، لأن الماء ليس من قبيل المطعوم. # قلت: ومذهب جمهور السلف والخلف والذي أجمع عليه أئمة الفتوى من أهل ~~الأمصار أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر [فيقدم الحجر] (¬3) أولا ثم ~~يستعمل الماء، فتخف النجاسة ويقل ms0176 مباشرتها بيده [ويكون] (¬4) أبلغ في ~~النظافة (¬5) فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لكونه يزيل عين ~~النجاسة وأثرها والحجر يزيل العين دون الأثر، لكنه معفو عنه في حق نفسه ~~وتصح الصلاة معه كسائر النجاسات. # الحادي عشر: الألف واللام في (الماء) تحمل على المعهود وهو المطلق ~~المحدود في كتب الفقه، فلو استنجى [بغيره] (¬6) من المائعات لم يصح، ويتعين ~~بعده الاستنجاء بالماء ولا يجزيه الحجر، وأجرى صاحب البيان من أصحابنا ~~خلافا في ذلك وهو غلط. PageV01P487 # الثاني عشر: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على (¬1) أن المستحب أن يتوضأ ~~من الأواني دون البرك ونحوها، وهو [غير] (¬2) مقبول. # قال القاضي: ولا أصل له [لأنه] (¬3) لم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه وجد البرك والمشارع ثم عدل عنها إلى الأواني (¬4). PageV01P488 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 18/ 5/ 2 - عن أبي قتادة الحارث بن ربعي رضي الله عنه أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من ~~الخلاء بيمينه ولا يتنفس في الإناء" (¬1). # الكلام عليه من تسعة أوجه: # الأول: في التعريف براويه: هو أبو قتادة الحارث بن ربعي بن [بلدمة] (¬2) ~~-بفتح الباء الموحدة والدال المهملة وسكون اللام بينهما-، ويقال: بضمهما، ~~ويقال: بالذال -المعجمة المضمومة-، بن خناس -بضم الخاء المعجمة [ثم] (¬3) ~~نون ثم ألف ثم سين مهملة-، بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن PageV01P489 # كعب بن سلمة بكسر اللام، السلمي -بفتحها- ويجوز في لغة كسرها، المدني، ~~فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، شهد أحدا والخندق وما بعدهما من ~~المشاهد واختلف في شهوده بدرا فلم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق فيهم، ~~وذكره بعضهم فيهم ولم يصح. # والمشهور في اسمه: ما ذكره المصنف. # وقيل: النعمان، قال الواقدي: وهو أثبت. # وقيل: عمرو. واشتهر بكنيته. # روى عنه ابنه عبد الله وأبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وخلق من ~~التابعين، وروى أيضا عن عمرو ومعاذ، روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- مائة حديث وسبعون حديثا، انفرد البخاري بحديثين ومسلم بثمانية واتفقا على ms0177 ~~أحد عشر. # قال إياس بن مسلمة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خير ~~فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة" (¬1)، وقال له عليه السلام يوم ذي ~~قرد أيضا: "اللهم بارك له في شعره وبشره"، وقال: "أفلح وجهك ما هذا [الذي] ~~(¬2) بوجهك؟ # قلت: سهم رميت به يا رسول الله (¬3) قال فبصق عليه فما ضرب PageV01P490 # علي [ولا قاح] (¬1) (¬2)، قال العسكري: وشك أبو قتادة اثنين في رمح يوم ~~ذي قرد، وفي دلائل النبوة للبيهقي: أنه عليه السلام قال له يوم ذي قرد: ~~"أبو قتادة سيد الفرسان، بارك الله قيس [يا أبا قتادة] (¬3) وفي ولدك وفي ~~ولد ولدك [وفي ولد ولد ولدك] " (¬4). # وفي وفاته أقوال: # أحدها: سنة أربع وخمسين عن سبعين سنة، قاله ابن حبان وغيره. # ثانيها: أنه مات في خلافة علي، وصلى عليه وكبر سبعا، حكاه ابن حبان، قال ~~بعضهم: سنة ثمان وثلاثين، ابن [اثنين] (¬5) وسبعين. # ثالثها: سنة أربعين، حكاه أبو [عمر، ويرجح] (¬6) القول الأول ما علقه ~~البخاري أن مروان أرسل لما كان على المدينة من قبل معاوية إلى أبي قتادة ~~ليريه مواقف [النبي - صلى الله عليه وسلم -] (¬7) وأصحابه. وأما ابن القطان ~~فقال في كتاب الوهم والإيهام: الصحيح أنه توفي [في] (¬8) PageV01P491 # زمن علي وهو صلى عليه. وفي موضع قبره قولان، أشهرهما: بالمدينة. (¬1) ~~ثانيهما: بالكوفة وهو غريب. # الثاني: هذا الحديث من [الآداب] (¬2) النبوية الجامعة. وفي الحلية لأبي ~~نعيم الحافظ عن عثمان رضي الله عنه قال: ما تغنيت (¬3) ولا تمنيت -يعني ~~كذبت- ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. وهذا من التقوى والأدب الذي يؤتيه الله من يشاء من عباده. وعن علي رضي ~~الله عنه أنه قال: يميني لوجهي وشمالي لحاجتي. وقد امتخط ابنه الحسن بيمينه ~~عند معاوية فقال له: بشمالك. وروى الترمذي الحكيم في علله عن أبي العالية ~~قال: ما مسست فرجي بيميني منذ ستين سنة أو سبعين سنة. وفيه عن أبي الدرداء ~~مرفوعا: "من استنجى بيمينه فقد جعل للشيطان سلما إلى نفسه وفقد عقله حتى ~~يذهب منه ms0178 دينه وهو لا يشعر". # الثالث: ظاهر النهي عن مس الذكر باليمين في هذا الحديث خصوصية بحال ~~البول، وورد في حديث آخر النهي عن مس الذكر # باليمين مطلقا، لكن في تقييده بحالة البول تنبيه على رواية الإطلاق، PageV01P492 # وأولى؛ لأنه إذا كان النهي عن المس باليمين حالة الاستنجاء مع مظنة ~~الحاجة إليها فغيره من الحالات أولى، ومن العلماء من خص النهي عن مس الذكر ~~باليمين بحالة البول أخذا بظاهر الحديث كما ذكرنا، ومنهم من أخذ بالنهي عن ~~مسه مطلقا أخذا بالرواية المطلقة، وقد يسبق إلى الفهم أن المطلق يحمل على ~~المقيد أو العام على الخامس فيخص النهي بهذه الحالة، وفيه بحث أصولي نبه ~~عليه الشيخ تقي الدين (¬1) وهو: أن القاعدة أن حمل العام على الخاص أو ~~المطلق على المقيد ليس هو في باب المناهي وإنما في باب الأمر والإثبات؛ لما ~~يلزم منه [من] (¬2) الإحلال باللفظ الدال على الخصوص أو المقيد، وأما في ~~باب النهي فيلزم منه الإخلال باللفظ الدال على الإطلاق أو العموم مع تناول ~~النهي وهو غير سائغ، وهذا أيضا بعد مراعاة النظر في روايتي الإطلاق ~~والتقييد أو العموم والخصوص: هل هما حديثان أو حديث مخرجه واحد؟ فإن كانا ~~حديثين فالأمر على ما ذكرناه أولا، وإن كان حديثا واحدا مخرجه واحد، اختلف ~~عليه الرواة فينبغي حمل المطلق على المقيد، ويكون زيادة من عدل وهي مقبولة ~~عند الأصوليين والمحدثين، وهذا يكون أيضا بعد النظر في دلالة المفهوم وما ~~يعمل به منه وما لا يعمل به وبعد أن ينظر في تقديم المفهوم على ظاهر ~~العموم. # (تنبيه): إن قلت: قد نهي عن الاستنجاء باليمين وعن مس PageV01P493 # الذكر باليمين ولا بد للمستجمر من أحد [اليدين] (¬1) لأنه إن أمسك ذكره ~~بيمينه دخل في النهي عن مسه، وإن أمسك الحجر بها دخل في النهي عن الاستنجاء ~~باليمين؟ # والجواب: أنه لا يلزم منه أن يمسك الحجر بها بل يمكنه الاستجمار بحجر ضخم ~~لايزول عن مكانه أو بجدار هو ملكه لا يتأذى مار بالتنجيس به حين استناده ~~إليه إذا ms0179 كان رطبا ويمسك ذكره بيساره [فيحركه] (¬2) بها من غير تكرار وضعه ~~في الموضع الذي [وضعه] (¬3) [أولا] (¬4) عليه؛ لئلا يتنجس رأس ذكره بوضعه ~~ثانيا عليه فلا يجزيه حينئذ إلا الماء، [فلو] (¬5) كان الحجر صغيرا جعله ~~بين عقبيه وفعل ما ذكرنا بالصفة المذكورة، فلو عجز أو شق عليه أخذ الحجر ~~باليمين وجعله بمزلة حائط أو حجر كبير وحرك اليسار دون اليمين ومتى حرك ~~اليمين دخل في النهي، وغلط من قال من أصحابنا: يمسك ذكره بيمينه والحجر ~~يساره ويحركها. # فائدة: يستحب أن [لا] (¬6) يستعين باليد اليمنى في شيء من أمور الاستنجاء ~~إلا لعذر، وإذا استنجى بالماء صب باليمين ومسح PageV01P494 # باليسار، [وإن] (¬1) كان بالحجر مسح باليسار أيضا. # الرابع: الأصل في النهي التحريم إلا أن يدل على إرادة الكراهة، وقد حمله ~~في هذا الحديث وأمثاله داود (¬2) الظاهري وكذا ابن (¬3) حزم على التحريم ~~مطلقا فقالا: لا يجوز مس الذكر باليمين إلا من ضرورة، والعجيب منهما أنهما ~~أجازا مس المرأة فرجها بيمينها وشمالها، وأجازا لها مس [ذكر زوجها بيمينها ~~وشمالها] (¬4)، وأجاز مس الخاتن ذكر الصغير للختان باليمين، وكذا الطبيب، ~~وحرموا مس الإنسان ذكره. # وحكى القاضي عياض عن بعض أهل الظاهر: أنه لو استنجى بيمينه لا يجزئه، وبه ~~صرح الحسين بن عبد الله الناصري منهم في # كتاب البرهان. # وجمهور الفقهاء: حملوا النهي هنا على الكراهة. # وبعض الشافعية كصاحب المهذب وغيرهم: اشاروا إلى التحريم. # وعن مالك: أنه مسيء ويجزئه. # فائدة: الحكمة في النهي عن مس الذكر باليمين احترامها وصيانتها، أو لأنه ~~إذا باشر النجاسة بها ربما تذكر عند تناوله الطعام PageV01P495 # [أو الشراب] (¬1) ما باشرت يمينه من النجاسة فينفر طبعه من ذلك. # فرع: المرأة كالرجل في حكم مس القبل والدبر باليمين؛ لأن سبب النهي إكرام ~~اليمين وصيانتها عن الأقذار ونحوها كما أسلفناه، وقد علمت تلك المقالة ~~الغريبة العجيبة عن الظاهرية. # الخامس: يؤخذ من الحديث أنه إذا كان في يده خاتم فيه اسم الله تعالى، لا ~~يستنجي وهو في يده؛ لأنه إذا نزهت اليمنى عن ذلك فذكر الله أولى وأعظم، وقد ms0180 ~~[كره] (¬2) مالك أن يدفع الدراهم التي فيها اسم الله تعالى لكافر، فهذا أولى. # قال ابن بزيزة في شرح الأحكام لعبد الحق: وقعت في العتبية رواية منكرة ~~[مستهجنة] (¬3)؛ قال مالك: لا بأس أن يستنجي بالخاتم وفيه اسم الله تعالى، ~~وهذه رواية لا يحل سماعها فكيف العمل عليها؛ وقد كان الواجب أن تطرح ~~العتبية كلها لأجل هذه الرواية وأمثالها مما حوته من شواذ الأقوال التي لم ~~تكن في غيرها، [ولذلك] (¬4) أعرض عنها المحققون من علماء المذهب [حتى قال ~~أبو بكر بن العربي -حيث حكى أن من العلماء من كره بيع كتب الفقه- فإن كان ~~ففي العتبية] (¬5). PageV01P496 # قال ابن العربي: وقد كان لي خاتم [فيه] (¬1) منقوش محمد بن العربي فتركت ~~الاستنجاء به إجلالا لاسم [رسول الله -تعالى-] (¬2). # قال الفاكهي: وروى الأوزاعي مثل ما وقع في العتبية. # وقال الحسن: لا بأس أن يدخل الرجل الخلاء وفي إصبعه الخاتم. # وقال النخعي: يدخل الناس الخلاء بالدراهم للضرورة، وكره ذلك مجاهد في ~~الدراهم والخاتم قال: وهذا الذي وقع في العتبية، إنما هو بناء على أن ~~الخاتم يحبس في الشمال وهو رواية عن أنس (¬3)، والصحيح أنه عليه السلام كان ~~يتختم في يمينه، والأصح من مذهب مالك: أنه يحبسه في الشمال ولا يستنجي به، ~~وقد صح عن مالك أنه كان لا يقرأ الحديث إلا على طهارة دون الفقه، وهو يناقض ~~ما وقع في العتبية. # قلت: والأصح عند الشافعية أنه يتختم في اليمين (¬4). PageV01P497 # السادس: قوله عليه السلام: "ولا يتمسح [من] (¬1) الخلاء بيمينه". [المسح] ~~(¬2) هنا الاستنجاء وسمي الخارج من القبل والدبر خلاء لكونه يفعل في المكان ~~الخالي ويلازم ذلك غالبا، ولفظ الحديث يتناول القبل والدبر، وقد أسلفنا أن ~~الخلاء بالمد وأسلفنا أيضا كيفية مسح القبل. # وأما الدبر: فأصح الوجهين عندنا أن كل حجر لكل مسحة وفيه عسر. # وقيل: يوزع على الجانبين والوسط وهو أسهل. # السابع: "اليمين"، فقيل: من اليمن، وقيل: من القوة قال تعالى: {لأخذنا ~~منه باليمين (45)} (¬3). وقال [نفطويه] (¬4): أي لأخذنا بيمينه فمنعناه من ~~التصرف. # وفي الصحاح (¬5): أن تصغيرها يمين بالتشديد بلا ms0181 هاء. # وفي الجمهرة: الجمع: أيمن. # الثامن: قوله عليه السلام: "ولا يتنفس في الإناء". التنفس PageV01P498 # شيئا: خروج النفس من الفم، يقال: يتنفس الرجل، ويتنفس الصعداء، وكل ذي ~~رئة [متنفس] (¬1)، ودواب الماء لا رئات لهما كما قاله الجوهري (¬2). # ويستعمل التنفس أيضا مجازا: كقوله تعالى: {والصبح إذا تنفس (18)} (¬3) ~~وكذا سميت القوس إذا تصدعت، وتنفس النهار إذا زاد (¬4)، وكذا الموج إذا نضح الماء. # ومعنى "لا يتنفس في الإناء". أي في نفس الإناء [فإنه] (¬5) مكروه، بل ~~يتنفس خارجه فإنه سنة ثابتة وأدب شرعي في الشرب؛ # لما يحصل بالنفس في الإناء من نتنه وغير ذلك [مما] (¬6) سيأتي. ويكون ثلاثا. # والحكمة في النهي عن التنفس في الإناء: أنه أبعد عن تقدير الإناء والماء، ~~فإنه من ألطف الجواهر وأقبلها للتغير بالريح، وعن خروج شيء تعافه النفس من ~~الفم فإذا أبانه عند إرادة [التنفس] (¬7) أمن ذلك، وقد ثبت إبانة الإناء ~~للتنفس ثلاثا (¬8) وهو في هذا الحديث PageV01P499 # مطلق، ولأن إبانة الإناء أهنأ في الشرب (¬1)، وأحسن في الأدب، [وأبعد عن ~~الشره] (¬2) [وأخف] (¬3) للمعدة، وإذا تنفس في الإناء واستوفى ريه حمله ذلك ~~على فوات ما ذكرناه من حكمة النهي، وتكاثر الماء في حلقه وأثقل معدته وربما ~~شرق به وآذى كبده. # وقيل: علة الكراهة أن كل عبة شربة مستأنفة فيستحب الذكر في أولها والحمد ~~في آخرها، فإذا وصل ولم يفصل [بينها] (¬4)، فقد أخل بسنن كثيرة (¬5). # قال ابن وضاح (¬6): رأيت سحنون إذا شرب سمى فيتناول من الماء ثم يبين ~~القدح فيحمد الله ثم يفعل ذلك مرارا عدة في الشربة الواحدة، قال (¬7): وهو ~~حسن وليس سنة (¬8). PageV01P500 # تنبيه: لا يختص النهي المذكور [بالشراب] (¬1)، بل الطعام مثله فيكره ~~النفخ [فيه] (¬2)، والتنفس في معنى النفخ، يدل على ذلك ما في الترمذي من ~~حديث أبي سعيد] (¬3) الخدري رضي الله عنه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ فقال: [اهرقها] ~~(¬4)، قال: فإني لا أروى من نفس واحد، [قال: فأبن القدح إذا عن فيك" قال ~~الترمذي: حديث حسن صحيح (¬5). وأما ما ms0182 ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي ~~الله PageV01P501 # عنه أنه عليه السلام: "كان يتنفس في الشراب ثلاثا" (¬1) فمعناه خارج ~~الإناء. # فائدة: اختلف العلماء في هذه الأنفاس الثلاثة أيها أطول؟ # على قولين: # أحدهما الأول، فيمحص، الثاني والثالث للسنة، فإنه إذا أطال المرة الأولى ~~حصل الري منها فيبقى ما عداها اتباعا للسنة. # الثاني: أن الشربة الأولى: أقصر، والثانية: أزيد منها، والثالثة: أزيد ~~منها ليجمع بين السنة [والطب] (¬2)؛ لأنه إذا شرب قليلا وصل إلى جوفه من ~~غير إزعاج. # التاسع: في الحديث جواز الشرب في نفس واحد؛ لأنه إنما نهى عن التنفس في ~~الإناء، والذي يشرب في نفس واحد] (¬3) ولم يتنفس في الإناء فلا يكون مخالفا ~~للنهي، وهو مقتضى حديث [أبي سعيد] (¬4) الذي أسلفناه قريبا أيضا فإنه أقره عليه. # قال المازري: ومذهبنا جوازه. # وحكاه القاضي عن ابن المسيب وعطاء وعمر بن عبد العزيز (¬5) PageV01P502 # قال: وكرهه ابى عباس وطاوس وعكرمة، وقالوا: هو شرب الشيطان (¬1). PageV01P503 ### ||| AUTO الحديث السادس # 19/ 6/ 2 - عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: مر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما ~~فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فأخذ جريدة رطبة ~~فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: ~~لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" (¬1). # الكلام عليه تسعة وعشرين وجها: # الأول: في التعريف براويه. # هو أبو العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أخي أبيه، وحبر الأمة، وبحر العلم وأبو الخلفاء ~~وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة كما قدمناه في الحديث الرابع في ~~ترجمة ابن عمر رضي الله عنهما دعا له PageV01P504 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة والتفقه في الدين وتعلم ~~التأويل أي تأويل القرآن فأخذ عنه الصحابة رضي الله عنهم ذلك، ودعا له ~~أيضا، فقال: "اللهم بارك فيه وانشر منه واجعله من عبادك الصالحين، اللهم ~~زده علما وفقها". وهي أحاديث صحاح كلها ms0183 كما قال [أبو] (¬1) عمر قال: وقال ~~مجاهد عن ابن عباس: رأيت جبريل عليه السلام مرتين، ودعا لي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالحكمة مرتين. # وكان عمر بن الخطاب يحبه ويدنيه ويقربه ويدخله مع كبار الصحابة ويشاوره ~~ويعده للمعضلات ويقول: هو فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول. وقال ابن ~~مسعود: هو ترجمان القرآن لو أدرك أسناننا ما عاشره منا رجل. وقال القاسم بن ~~محمد ومجاهد: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس إلا أن يقول: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: [وقال طاووس: أدركت نحو خمسمائة من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] (¬2) إذا خالفوا ابن عباس لم يزل يقررهم ~~حتى ينتهوا إلى قوله. وقال يزيد بن الأصم: خرج ابن عباس حاجا مع معاوية ~~فكان لمعاوية موكب ولابن عباس موكب [ممن] (¬3) يطلب العلم. وقال مسروق: كنت ~~إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا تكلم، قلت: أفصح الناس، فإذا ~~تحدث، قلت: أعلم الناس. وقال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس ~~باطلا قط، وما سمعت فتوى أشبه بالسنة من فتواه. وقال عمرو بن دينار: ما ~~رأيت PageV01P505 # مجلسا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس، الحلال والحرام والعربية والأنساب- ~~وأحسبه قال: والشعر. # [وقال] (¬1) أبو وائل شقيق: خطبنا ابن عباس وهو على الموسم فافتتح سورة ~~النور فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، لو ~~رأته فارس والروم (¬2) لأسلمت. وقال [عبيد الله] (¬3) بن عبد الله: ما رأيت ~~أحدا كان أعلم بالسنة ولا أجلد رأيا ولا أثقب نظرا من ابن عباس، ولقد كان ~~عمر يعده للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين، قال الحسن: وهو أول من ~~عرف بالبصرة فقرأ سورة البقرة ففسرها آية آية. # وعن الشعبي أن عليا استخلفه على البصرة، ولما قتل علي حمل ابن عباس مبلغا ~~من المال ولحق بالحجاز واستخلف على البصرة عبد الله بن الحارث بن نوفل ~~الهاشمي. وقال أبو عبيدة: كان على ميسرة علي يوم صفين. وقال كريب: رأيت ms0184 ابن ~~عباس كان يعتم بعمامة سوداء ويرخيها شبرا. وكان قد عمي في آخر عمره، قال ~~الطبراني في أكبر معاجمه: كأبيه وجده [فيما بلغني] (¬4). وروى أنه رأى رجلا ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعرفه فسأل عنه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: أرأيته؟ قال: نعم. قال: ذاك جبريل، أما أنك [ستفقد] (¬5) PageV01P506 # بصرك، فعمي بعد ذلك في آخر عمره وفي ذلك يقول: # إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور # قلبي ذكي وعقلي غير ذي دغل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور # [وإن أحسن شيء أنت تظهره ... صبرا إذا ما جرى بالكره مقدور] (¬1) # ولد رضي الله عنه وبنو هاشم في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين. وتوفي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثلاث عشرة سنة قد ناهز الاحتلام، وقيل ~~ابن عشر، وقيل ابن خمس عشرة، قاله أحمد بن حنبل، وقال: هو أصح. والذي عليه ~~أهل التاريخ هو الأول، وروي عنه أنه قال: قبض رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأنا ختين. رواه البخاري في صحيحه في باب الختان بعد الكبر، وقيل ~~إنهم كانوا يختنون للبلوغ، ووقع في كلام الحافظ أبي الفضل المقدسي في ~~[أربعينه] (¬2) وتبعه الفاكهي أنه قال: إن ذلك غير ثابت وهو عجيب، فقد ~~أخرجه البخاري من حديث سعيد بن جبير عنه. # ومن مناقبه أنه بات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة ~~خالته وتهجد معه كما سيأتي في الكتاب في موضعه. وأردفه يوما وقال: ألا ~~أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ... الحديث. # وكان من أكثر الصحابة حديثا، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألف ~~حديث وستمائة وستين حديثا، اتفقا منها على خمسة وسبعين، PageV01P507 # وانفرد البخاري بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، قاله الحميدي والحافظ ~~عبد الغني، وقال ابن الجوزي: أخرجا له في # صحيحيهما مائتي حديث وأربعة وثلاثين حديثا، اتفقا منها على خمسة وسبعين، ~~وانفرد البخاري بمائة وعشرة، ومسلم بتسعة # وأربعين، روى عنه جماعة من الصحابة منهم أنس وابن عمر وخلق من ms0185 التابعين: ~~وروى عنه أيضا أخوه كثير بن العباس. # ووقع في [أثناء] (¬1) النصف الثاني من المستصفى للغزالي أن ابن عباس مع ~~كثرة روايته، قيل: إنه لم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أربعة ~~أحاديث لصغر سنه، وصرح بذلك في حديث "إنما الربا في النسيئة" وقال: حدثني ~~به أسامة بن زيد، ولما روى حديث [قطع] (¬2) التلبية حين رمي جمرة العقبة ~~قال: حدثني به أخي الفضل، والذي حكاه غيره أن له تسعة أحاديث، قاله يحيى ~~القطان وأبو داود، وغيره، كما قاله غندر. # مات رضي الله عنه بالطائف، وقبره بها مشهور (¬3) يزار، سنة ثمان وستين، ~~ابن إحدى وسبعين سنة على الصحيح، في أيام ابن الزبير، وكان قد اعتزله ولم ~~يبايعه، [رحل] (¬4) إلى الطائف وصلى عليه محمد بن الحنفية وكبر عليه أربعا، ~~وقال: اليوم مات رباني هذه PageV01P508 # الأمة، وضرب على قبره فسطاطا، ولما ادرج في كفنه دخل فيه طائر أبيض فما ~~رؤي حتى الساعة، فلما سوي عليه سمع من يقرأ هذه الآية ولا يرى شخصه: {يا ~~أيتها النفس المطمئنة (27)} (¬1) الآية، قاله ميمون بن مهران، وقال أبو ~~عمر: روي أن طائر (¬2) خرج من قبره فتأولوه علمه خرج إلى الناس، ويقال: بل ~~دخل قبره طائر [أبيض] (¬3) فقيل: إنه بصره في التأويل. # وكان للعباس بن عبد المطلب عشرة أولاد: الفضل، وقثم، وعبد الله، [وعبيد ~~الله] (¬4)، وعبد الرحمن، ومعبد -وأمهم أم الفضل لبابة الصغرى- وعون، ~~والحارث، وكثير، وتمام، وهو أصغرهم، فكان العباس يحمله ويقول: # تموا بتمام فصاروا عشرة ... يا رب فاجعلهم كراما بررة # اجعلهم [ذكرى] (¬5) وأنم الثمرة # ومات كثير بينبع، أخذته الذبحة، واستشهد الفضل بأجنادين، وعبد الرحمن ~~ومعبد بأفريقية، وعبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن، وقيل: بالشام، وقثم ~~بسمرقند، أخذته الذبحة، قال مسلم المكي: ما رأيت مثل بني أم واحدة أشراف ~~ولدوا في دار واحدة أبعد قبورا PageV01P509 # من بني أم الفضل، وقد أفردت سيرته رضي الله عنه بالتصنيف. وهذا القدر كاف ~~هنا والله الموفق. # الوجه الثاني: قوله: "مر بقبرين" أي بصاحب قبرين، فعبر بالقبرين عن ~~صاحبهما مجازا من ms0186 باب تسمية الشيء بمحله. # الثالث: القبر: جمعه قبور في الكثرة وأقبر في القلة، واستعمل مصدرا، ~~قالوا: قبرته [أقبره] (¬1) قبرا، قال صاحب العين (¬2): القبر مدفن الإنسان ~~[والمقبر والمقبرة موضع القبر، وقال ابن السكيت (¬3): هي المقبر والمقبرة] ~~(¬4) وسيأتي في باب التشهد كسر الباء أيضا. وقال سيبويه: ليست المقبرة على ~~المفعل ولكنه اسم كالمشربة. # قال ابن السكيت: وقد يقال أقبرته: صيرت له قبرا يدفن فيه. # وفي المحكم: قبره يقبره وتقبره: دفنه، وفي الجامع: أقبرته إقبارا إذا ~~أعنت على دفنه، وفي المغرب للمطرزي (¬5): المقبرة بالضم # موضع القبر، والفتح لغة، والمقبر بالفتح لا غير، والمقابر جمع لهما. PageV01P510 # قلت: وللقبر أسماء أحدها: الرمس بالراء، ثانيها: الجدث، ثالثها: الجدف، ~~رابعها: البيت، خامسها: الضريح، سادسها: الريم، سابعها: الرجم، ثامنها: ~~البلد. قال الشاعر: # كل امرئ تارك أحبته ... ومسلم نفسه إلى البلد # ذكرهن صاحب المخصص (¬1)، التاسع: الختان، ذكره ابن السكيت والعسكري، ~~العاشر: الجامور، ذكره [الهنائي] (¬2) في المنتخب (¬3)، الحادي عشر: الدمس ~~بالدال، الثاني عشر: المنهال، ذكرهما ابن السكيت والعسكري (¬4). # الرابع: إن قلت: هل عرف تعيين مكان هذين القبرين؟ # قلت: في صحيح البخاري (¬5) في كتاب الأدب أنهما بالمدينة في بعض حيطانها، ~~وفي رواية له في الطهارة: "أنه مر بحائط # [من] (¬6) حيطان مكة أو المدينة فسمع صوت إنسانين يعذبان ... " PageV01P511 # الحديث (¬1). وفي الترغيب والترهيب لأبي موسى المديني من حديث [ابن] (¬2) ~~لهيعة عن أسامة بن زيد عن [أبي] (¬3) الزبير عن جابر قال: "مر نبي الله على ~~قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية فسمعهما يعذبان في البول والنميمة"، ~~ثم قال: حديث حسن، وإن كان إسناده ليس بالقوي، لأنهما لو كانا مسلمين لما ~~كان لشفاعته إلى أن ييبسا معنى، ولكن لما رآهما يعذبان لم يستجز (¬4) من ~~لطفه وعطفه حرمانهما [في] (¬5) ذلك فشفع لهما إلى المدة المذكورة، ولما ~~رواه الطبراني في [أصغر] (¬6) معاجمه [بلفظ] (¬7) أنه عليه السلام مر على ~~قبور نساء من بني النجار هلكن في الجاهلية فسمعهن يعذبن في النميمة. قال: ~~لم يروه عن (¬8) أسامة إلا ابن لهيعة. # قلت: ورواه عيسى بن طهمان عن أنس أنه ms0187 عليه السلام "مر PageV01P512 # بقبرين من بني النجار يعذبان في النميمة والبول" وفي بعض طرق حديث ابن ~~عباس: "مر بقبرين من قبور الأنصار" ولعله بالمعنى إذ بنو النجار من ~~الأنصار، ورواه أبو موسى من حديث أبي هريرة بلفظ: "قبرين: رجل لا يتطهر من ~~البول، وامرأة تمشي بالنميمة". ولابن أبي شيبة [ما فيهما] (¬1) نداوة، وفي ~~رواية لابن حبان: مر بقبر فوقف عليه وقال: "ائتوني بجريدتين" فجعل إحداهما ~~عند رأسه والأخرى عند رجليه. # وفي تاريخ بخشل (¬2) من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر: "دخل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - حائطا لأم ميسرة فإذا بقبرين ... " الحديث، وفي آخره: ~~ثم قال: "لا يرفعان عنهما حتى يجفا". قال الدارقطني: تفرد به أبو إسرائيل ~~عن الأعمش، كذا قال. # وقد رواه ابن أبي الدنيا (¬3) من حديث النضر بن (¬4) شميل عن أبي العوام ~~(¬5) عن أبي الزبير (¬6) عن جابر به. PageV01P513 # ورواه أبو الفضل الجوزي في ترغيبه وترهيبه (¬1) من حديث عطاء عن جابر. # الخامس: قال القرطبي (¬2): اختلف في هذين المعذبين هل كانا من أهل القبلة ~~أم لا؟ فإن كانا منها فالمرجو نخفيف العذاب # عنهما [بذلك] (¬3) مطلقا، وإلا فالمرجو تخفيف العذاب المطلق بهذين ~~الذنبين المذكورين. # قلت: حديث جابر الذي أسلفناه يدل للثاني. # وقال ابن العطار في شرحه: لا يجوز أن يقال إنهما كانا كافرين أو منافقين؛ ~~لأنهما لو كانا كذلك لم يدع لهما بتخفيف العذاب أو لم يرجه لهما، ولو كان ~~من خواصه في حقهما لبينه. # قلت: ورد بعضهم على المرجئة القائلين بأن المعصية لا تضر مع الإيمان وأن ~~الإيمان يمحو أثرها بهذا الحديث (¬4). وقال: كانا PageV01P514 # مؤمنين ولذلك استغفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلا فهو [منهي ~~عن] (¬1) الاستغفار للمشركين. # السادس: قوله عليه السلام عند مروره بهما: "إنهما ليعذبان" هو من الضمير ~~الذي يفسره سياق الكلام إذ ليس في اللفظ ما يعود عليه الضمير فهو من باب ~~قوله تعالى: {حتى توارت بالحجاب (32)} (¬2)، {إنا أنزلناه في ليلة القدر ~~(1)} (¬3) وأشباه ذلك وورد مصرحا به عند ابن أبي شيبة (¬4) PageV01P515 # لكن من حديث يعلى ms0188 بن سيابة: "مر عليه السلام بقبر يعذب صاحبه في غير ~~كبيرة" وأن يجوز [أن] (¬1) تكون مبتدأ ويجوز أن تكون جوابا لقسم محذوف، أي: ~~والله إنهما ليعذبان. # السابع: فيه دلالة على إثبات عذاب القبر وهو مذهب أهل السنة وجمهور ~~المعتزلة كما ستعلمه، وهو [ما] (¬2) يجب اعتقاد حقيقته، وهو مما نقلته ~~الأمة متواترا. # فمن أنكر عذاب القبر أو نعيمه فهو كافر؛ لأنه كذب الله تعالى ورسوله في ~~خبرهما. # وقال القاضي عبد الجبار المعتزلي في طبقاته: إنما أنكر ذلك أولا: ضرار بن ~~عمرو (¬3) لما كان من أصحاب واصل ظن ذلك PageV01P516 # مما أنكرته المعتزلة وليس الأمر كذلك، بل المعتزلة رجلان: # أحدهما: يجوز ذلك كما وردت به الأخبار. # والثاني: يقطع بذلك، قال: وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك، وإنما ينكرون قول ~~جماعة سنن الجهلة إنهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع سنن ذلك، ونقل ~~القرطبي (¬1) عن الملحدة ومن تمذهب بمذهب الفلاسفة إنكاره، ثم قال: ~~والإيمان به واجب حسب ما أخبر به الصادق - صلى الله عليه وسلم - وأن الله ~~يحيي العبد ويرد إليه الحياة والعقل، بهذا نطقت الأخبار وهو مذهب أهل السنة ~~والجماعة، ولذلك يكمل العقل للصغار ليعلموا منزلتهم وسعادتهم، وقد جاء أن ~~الأرض تنضم [عليه] (¬2) كالكبير، وصار أبو الهذيل وبشر إلى أن سنن خرج عن ~~سمة الإيمان فإنه يعذب بين النفختين، ولأن المساءلة إنما تقع في تلك # الأوقات، وأثبت البلخي والجبائي وابنه عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمن ~~وأثبتوه للكافر والفاسق. # وقال أكثر المعتزلة: لا يجوز تسمية الملائكة بمنكر ونكير (¬3) PageV01P517 # وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل، وتقريع الملكين له هو النكير. # وقال بعضهم: عذاب القبر جائز وأنه يجري على [الموتى] (¬1) من غير رد ~~أرواحهم إلى أجسادهم وأن الميت يجوز أن يألم ويحس وهذا مذهب جماعة من ~~الكرامية. # وقال بعض المعتزلة: إن الله يعذب [الموتى] (¬2) في قبورهم ويحدث فيهم ~~الآلام وهم لا يشعرون فإذا حشروا وجدو تلك الآلام، كالسكران والمغشي عليه، ~~لو ضربوا لم يجدوا ألما (¬3) فإذا عاد PageV01P518 # عقلهم إليهم وجدوا تلك الآلام. # وأما الباقون سنن ms0189 المعتزلة مثل ضرار (¬1) بن [عمرو] (¬2) وبشر (¬3) ~~المريسي ويحيى (¬4) بن أبي كامل وغيرهم: فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلا. # وهذه أقوال كلها فاسدة تردها الأحاديث الثابتة، والله الموفق. # وإلى الإنكار أيضا ذهبت الخوارج وبعض المرجئة. # ثم المعذب عند أهل السنة: الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إليه [أو] ~~(¬5) إلى جزء منه، وخالف في ذلك محمد بن [حزم] (¬6) PageV01P519 # وابن كرام (¬1) وطائفة، فقالوا: لا يشترط إعادة الروح، وهو فاسد توضحه ~~الرواية السالفة (سمع صوت إنسانين يعذبان) فإن الصوت لا يكون [إلا] (¬2) من ~~جسم حي (¬3) أجوف (¬4). # فائدة: اختلف في فتنة القبر هل هي للمسلمين أو للكافرين؟ # فذهب ابن عبد البر (¬5) إلى أنها لا تكون إلا لمؤمن أو منافق من PageV01P520 # أهل القبلة ممن حقن الإسلام دمه، وكذا قاله الحكيم الترمذي، ويدل له قوله ~~عليه السلام: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فيقال: ما تقول في هذا الرجل؟ ~~" يعني نفسه عليه السلام، والكافر مجاهر بعدم الاتباع. # وزعم أبو محمد عبد الحق (¬1) أنه يعم المؤمن والمنافق والكافر، واختاره ~~القرطبي لرواية "فأما المنافق أو الكافر -لا أدري أيهما قال-" (¬2). # الثامن: في إضافة عذاب القبر إلى البول خصوصية دون غيره من المعاصي مع ~~العذاب بسبب غيره أيضا، إن أراد الله تعالى ذلك في حق بعض عباده، فإنه جاء ~~في الحديث بإسناده [جيد] (¬3): PageV01P521 # "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" (¬1)، وجاء أن بعضهم ضمه ~~القبر أو ضغطه فسئل [أهله عنه] (¬2) فذكروا أنه كان فيه تقصير في الطهور. # التاسع: قوله عليه السلام: "وما يعذبان في كبير". فيه (¬3) تأويلات: # أحدها: ليس بكبير عندكم، وهو عند الله كبير، ومعناه أنه كبير في الذنوب ~~وإن كان صغيرا عندكم، يدل عليه رواية البخاري في كتاب الأدب (¬4) في باب: ~~النميمة من الكبائر (وإنه لكبير كان أحدهما .. إلى آخره) وذكره هنا بلفظ: ~~"وما يعذبان في كبير، بلى" أي بلى إنه كبير عند الله، مثل قوله تعالى: ~~{وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15)} (¬5). وسبب كبرهما أن عدم التنزه ~~من البول يلزم منه بطلان الصلاة، وتركها كبيرة بلا ms0190 شك، والمشي بالنميمة ~~والسعي بالفساد من أقبح القبائح لا سيما مع قوله: "كان يمشي بالنميمة" بلفظ ~~كان التي هي للحال المستمرة غالبا. # ثانيها: أنه ليس بأكبر الكبائر وإن كان كبيرا، إذ الكبائر متفاوتة PageV01P522 # فيحمل كبير على أكبر، ويكون المراد به الزجر والتحذير لغيرهما، أي لا ~~يتوهم (¬1) أن التعذيب لا يكون إلا في الكبائر الموبقات، فإنه يكون في ~~غيرهما (¬2). # ثالثها: أنه ليس كبيرا في زعمهما دون غيرهما. # رابعها: أنه ليس كبيرا تركه عليهما، إذ التنزه من البول وترك النميمة لا ~~يشق، قال [المازري] (¬3): الذنوب تنقسم إلى ما يشق تركه طبعا كالملاذ ~~المحرمة، وإلى ما ينفر منه طبعا كتناول السموم، وإلى ما لا يشق تركه طبعا ~~كالغيبة والبول. # خامسها: أن النميمة من الدناءات المستحقرة بالإضافة إلى المروءة ولذلك ~~التلبس بالنجاسة لا يفعله إلا حقير الهمة، فلعل قوله: "وما يعذبان في كبير" ~~إشارة إلى حقارتهما بالنسبة إلى الذنوب، وفي صحيح ابن حبان من حديث أبي ~~هريرة: "عذابا شديدا في ذنب هين". # سادسها: أنه يحتمل أن جبريل عليه السلام نزل عليه إثر هذه الكلمة وأعلمه ~~أن ذلك كبير فقاله، حكاه ابن التين في شرح البخاري. PageV01P523 # سابعها: أنه ليس كبيرا عند الله وهو كبير لو رأيتموه. # ثامنها: أن معناه: وما يعذبان معا في كبير، وإنما المعذب في الكبير ~~أحدهما وهو صاحب النميمة، وفيه نظر. # تاسعها: أنه ليس من الكبائر عند الله ويكون التعذيب عليه من باب التنبيه ~~على التعذيب بالكبائر وأولى تحذيرا من الذنوب مطلقا. # العاشر: "في" من قوله عليه السلام ["في كبير"] (¬1) للسبب، أي وما يعذبان ~~بسبب أمر كبير، وقد أنكر أن تكون (في) للسبب جماعة من الأدباء، والتصحيح ~~ثبوته لهذا الحديث وغيره من الأحاديث؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "في ~~النفس المؤمنة مائة من الإبل" (¬2). فإن النفس ليست ظرفا للإبل، وقوله عليه ~~السلام: "دخلت امرأة النار في هرة" (¬3) [أي بسبب هرة] (¬4). وكذا قولهم: PageV01P524 # أحب في الله وأبغض في الله، أي أحب بسبب طاعة الله، وأبغض بسبب معصية الله. # الحادي عشر: "أما" حرف تفصيل نائب ms0191 عن حرف الشرط وفعله، تقول لمن قال: زيد ~~عالم كريم مثلا: أما زيد فعالم، أي: مهما يكن من شيء فزيد عالم، فناب (أما) ~~مناب حرف الشرط وهو (مهما) والمجزوم وهو (يكن) وما تضمنه من الفاعل، فلذلك ظهر # بعده الجواب دون الشرط لقيامه مقامه، وأجيب بالفاء كما يجاب بالشرط. ~~وجوابه هنا: الفاء في قوله: "فكان يمشي بالنميمة" وقد تستعمل "أما" بمعنى ~~"كان" فترفع الاسم وتنصب الخبر، ومنه قوله: # أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم [يأكلهم] (¬1) الضبع # أي: لأن كنت ذا "نفر"، فأنت "اسمها"، وذا "خبرها" لقيامها مقام كان، ~~وقوله تعالى: {أماذا كنتم تعملون (84)} (¬2). ليس من هذا، بل هما كلمتان ~~"أم" المنقطعة و"ما" الاستفهامية، وأدغمت الميم في الميم للتماثل. # الثاني عشر: قوله عليه السلام: "أما أحدهما فكان لا يستتر من البول". # معنى (لا يستتر) على وجهين: PageV01P525 # أحدهما: أن يحمل على حقيقتهما من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على ~~كشف العورة، وأقربهما كما قال الشيخ تقي # الدين (¬1)، أنه لا يجعل بينه وبين القبلة حجابا من ماء أو حجارة، فيكون ~~مجازا لكونه عبر بالتستر بالماء أو الأحجار في إزالة النجو عن الاستتار عن ~~الأعين في كشف العورة إذ هو حقيقة فيه لما بين الحقيقة والمجاز هنا من ~~العلاقة، وهي أن المستتر عن الشيء فيه بعد واحتجاب عنه، وذلك شبيه بالبعد ~~عن ملابسة البول، قال: وإنما رجحتا المجاز وإن كان الأصل الحقيقة لوجهين: # أحدهما: أنه لو كان المراد العذاب على مجرد كشف العورة لكان أمرا خارجا ~~عن البول بحصول العذاب على كشفها وإن لم يكن بول، فتبقى خصوصية البول ~~مطروحة عن الاعتبار، والحديث دال على خصوصية البول بعذاب القبر تصريحا ~~فالحمل عليه أولى. # الثانى: أن لفظة "من" في قوله: "لا يستتر من البول" حين (¬2) أضيفت إليه ~~لابتداء الغاية حقيقة أو مجازا بمعنى ما يرجع إلى معنى ابتدائها، وهو أن ~~عدم الاستتار سبب العذاب إلى البول، إذ هو ابتداء سببه من البول وحمله على ~~كشفها فقط يزيل هذا المعنى. PageV01P526 # [قلت] (¬1): وبعضهم أجاب عن ms0192 تقييده بالبول بأنه الغالب في الناس. # الثالث عشر: هذه اللفظة أعني "يستتر" رويت على وجوه [أخر] (¬2): # أحدها: "لا يستنزه" بالزاي والهاء. # وثانيها: "لا يستبرىء من البول" بالباء الموحدة وبالهمز بعد الراء، ~~ومعناهما [لا يمسحه] (¬3)، ولا يتحرز منه، قال النووي في # شرح مسلم (¬4): والروايات الثلاث في البخاري وغيره، أعني رواية المصنف ~~وما ذكرناه. # ثالثها: "لا يستنثر " بنون ثم مثلثة، أي [لا] (¬5) ينثر البول عن محله ~~كما ينثر الماء من أنفه بعد استنشاقه. # رابعها: مثله إلا أنه بمثناة فوق بدل المثلثة، ومعناها: إمرار الأصابع ~~على مجرى البول حتى يخرج ما فيه (¬6)، وروى وكيع بلفظ: PageV01P527 # "لا يتوقى" أي لا يتنزه منه، ورواه البرقي في تاريخه: "لا يتقي بوله"، ~~ورواه أبو موسى أيضا: "لا يتطهر من البول" فهذه ثمان # روايات وكلها يقوي ترجيح الاستنزاه منه لا الاستتار، ويستدل بالرواية ~~الأولى على اشتراط طهارة الخبث، وبالثانية على طلب # الاستبراء. وكلام القاضي حسين والبغوي (¬1) يفهم وجوبه، والمعروف عندنا ~~استحبابه. # الرابع عشر: وقع في إحدى روايتي البخاري هنا: "لا يستتر من بوله"، قال ~~ابن حزم (¬2): ورواية من روى "من بوله" يعارضها من # هو فوقهم فقالوا: "من البول". # قلت: لكنها فرد من أفراد ذلك العام موافق له وهو لا يقتضي التخصيص. # الخامس عشر: قوله عليه السلام: "من البول" يؤخذ منه نجاسة الأبوال مطلقا ~~قليلها وكثيرها، لشمول البول وهو عام يتناول جميع الأبوال وأن القليل منها ~~والكثير غير معفو عنه، سوى ما استثنى من أثر الاستنجاء في محله بعد الإنقاء ~~بالحجر على ما دلت عليه الأحاديث في ذلك، وهو مذهبنا ومذهب مالك وعامة ~~الفقهاء، PageV01P528 # وسهل فيه القاسم بن محمد، ومحمد بن علي، والشعبي. # وصار أبو حنيفة وصاحباه: إلى العفو عن قدر الدرهم الكبير اعتبارا بالمشقة ~~وقياسا على المخرجين. # وقال الثوري: كانوا يرخصون في القليل من البول. # ورخص الكوفيون: في مثل رؤوس الإبر من البول (¬1). # وحكي عن مالك أيضا: أن غسل القليل للاستحباب. # وقال صاحب الجواهر: عندهم البول والعذرة من بني آدم الآكلين الطعام ~~نجسان، وطاهران من كل حيوان مباح، ms0193 [ومكروهان] (¬2) من المكروه أكله. # وقيل: نجسان (¬3). # السادس عشر: قوله عليه السلام: "وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة". قال أهل ~~اللغة: يقال: ثم الحديث ينمه وينمه بالكسر والضم نما فهو [نام و] (¬4) نمام ~~[ونموم] (¬5) (¬6) ونميمة ونم نم. PageV01P529 # والاسم: النميمة (¬1)، ونما الحديث إذا ظهر، فهو لازم ومتعد. # قال ابن سيده (¬2): وهي التوريش والإغراء، ورفع الحديث على وجه الإشاعة ~~والإفساد. # وفي الجامع: نم الرجل، إذا أظهر ما عنده من الشر. # وفي مجمع الغرائب (¬3): هو الساعي بين الناس بالشر. # وقال النووي في شرح مسلم (¬4): حقيقتها نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على ~~جهة الإفساد. # وهي محرمة بالنصوص والإجماع، قال تعالى: {ويل لكل همزة لمزة (1)} (¬5). ~~وقال تعالى: {هماز مشاء بنميم (11)} (¬6). PageV01P530 # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يدخل الجنة نمام" (¬1) متفق عليه من ~~حديث حذيفة رضي الله عنه. وفي لفظ "قتات" وهو النمام. # وحمل على ما إذا استحل [بغير] (¬2) تأويل مع العلم بالتحريم، أو لا ~~يدخلها دخول الفائزين (¬3)، أما إذا كان فعلها نصيحة في ترك مفسدة أو دفع ~~ضرر وإيصال خير يتعلق بالغير لم تكن محرمة ولا مكروهة بل قد تكون واجبة أو ~~مستحبة، كما يقول في الغيبة إذا كانت نصيحة [لدفع] (¬4) مفسدة أو تحصيل ~~مصلحة شرعية، ولو كان (¬5) شخصا اطلع من آخر على قول يقتضي إيقاع ضرر ~~بإنسان وإذا نقل ذلك القول إليه احترز عنه وجب عليه ذكره له، [ويقال] (¬6) ~~من هذا: نمى، بالتخفيف، ومن الأول: نمى، بالتشديد كما أسلفناه، ولا اختلاف ~~في هذا كما قاله الهروي. PageV01P531 # وقال الغزالي (¬1) رحمه الله: النميمة إنما تطلق في الغالب على من ينم ~~قول الغير إلى المقول عنه، كقوله: فلان يقول فيك كذا، وليست النميمة مخصوصة ~~بذلك، بل حدها: كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه ~~أو ثالث، وسواء كان الكشف بالقول أو بالكتابة أو بالرمز أو بالإيماء ~~ونحوها، وسواء كان المنقول من الأعمال أو الأقوال، وسواء كان عيبا أو غيره، ~~فحقيقة النميمة: إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه، قال: وينبغي للإنسان ~~أن يسكت عن ms0194 كل ما يراه من أحوال الناس، إلا ما كان في حكايته فائدة لمسلم ~~أو دفع مصيبة، وإذا رآه يخفي مال نفسه فذكره [فهو] (¬2) نميمة. # قال: فكل من حملت [إليه] (¬3) النميمة، وقيل له: قال فيك فلان كذا، لزمه ~~ستة أمور: # أولها: أن لا يصدقه؛ لأن النمام فاسق مردود الخبر .. # ثانيها: أن تنهاه عن ذلك وتنصحه وتقبح فعله. # ثالثها: أن تبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله، والبغض في الله واجب. # رابعها: أن لا يظن بالمنقول عنه السوء لقوله تعالى: {اجتنبوا كثيرا من ~~الظن} (¬4). PageV01P532 # خامسها: أن لا يحملك ما حكى لك [على] (¬1) التجسس، والبحث عن تحقيق ذلك، ~~قال تعالى: {ولا تجسسوا} (¬2). # سادسها: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فلا تحكي نميمته. # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم (¬3) # وقد حكي أن رجلا ذكر لعمر بن عبد العزيز [رجلا] (¬4) بشيء، فقال عمر: إن ~~شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية: {إن جاءكم فاسق ~~بنبإ فتبينوا} (¬5)، وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية: {هماز مشاء ~~بنميم (11)} (¬6)، وإن شئت عفونا عنك، [قال] (¬7): العفو يا أمير المؤمنين، ~~لا أعود إليه أبدا. PageV01P533 # وحكى: أن إنسانا رفع إلى الصاحب [بن] (¬1) عباد رقعة يحضه فيها على أخذ ~~مال يتيم، وكان مالا كثيرا، فكتب على ظهرها: # النميمة قبيحة، وإن كانت صحيحة، والميت رحمه الله، واليتيم جبره الله، ~~والمال ثمره الله، والساعي لعنه الله. # وذكر السعاة عند المأمون فقال: لو لم يكن من عيبهم إلا أنهم أصدق [ما ~~يكونون] (¬2) أبغض [ما يكونون] (¬3) عند الله. # فائدة: قال كعب الأحبار: أصاب الناس قحط شديد على عهد موسى عليه السلام ~~فخرج موسى يستسقي ببني إسرانيل فلم يسقوا (¬4)، حتى خرج الثالثة فأوحى الله ~~إليه: إني لا أستجيب لك ولا لمن معك فإن فيكم نماما، فقال موسى: من هو يا ~~رب حتى نخرجه من بيننا؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى أنهاكم عن النميمة ~~وآتيها، فباتوا فأرسل الله عليهم الغيث. # وقال يحيى بن ms0195 زيد: قلت للحسن بن علي لما سقي السم: أخبرني من سقاك؟ فدمعت ~~عيناه وقال: أنا في آخر قدم من الدنيا # وأول قدم من الآخرة تأمرني أن أغمز. # ولما لقي أسقف نجران عمر بن الخطاب فقال: يا أمير PageV01P534 # المؤمنين احذر قاتل الثلاثة، فقال عمر: ومن هو؟ قال: الرجل [يلقى] (¬1) ~~الإمام [بالحديث] (¬2) الكذب فيقتله الإمام يكون قد قتل نفسه وصاحبه ~~وإمامه، فقال عمر: ما أراك أبعدت. # السابع عشر: روى أحمد في مسنده من حديث أبي بكرة بإسناد على شرط الصحيح ~~أن عذابهما كان من الغيبة والبول (¬3). وفي تاريخ البرقي (¬4) من حديث يعلى ~~بن سيابة: "أحدهما يأكل لحوم الناس ويغتابهم، والآخر لا يتقي بوله"، فذكرت ~~الغيبة هنا بدل النميمة لاشتراكهما في ذكر المرء بسوء من ورائه، وإلى هذا ~~يشير قتادة: عذاب القبر ثلاث أثلاث: ثلث من الغيبة، وثلث من النميمة، وثلث ~~من البول (¬5). # الثامن عشر: الجريدة: السعفة، كما جاء في بعض الروايات من حديث أنس، ~~وجمعها جريد، والعسيب من الجريد: ما لم ينبت عليه خوص، فإن نبت فهو سعف، ~~وفي صحيح مسلم (¬6): "فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين"، و"الباء" في هذه ~~الرواية زائدة PageV01P535 # للتوكيد، واثنين: منصوب على الحال، وزيادة "الباء" في الحال صحيحة ~~معروفة، وقد أسلفنا رواية ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة أنه عليه ~~الصلاة والسلام: "مر بقبر فوقف عليه وقال: ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما ~~عند رأسه والاخرى عند رجليه" (¬1) والظاهر أن هذه قصة أخرى. # التاسع عشر: وضعه - صلى الله عليه وسلم - الجريدتين على القبر يحتمل أوجها: # أحدها: أنه سأل الشفاعة لهما ورجا [إجابتها] (¬2) وارتفاع العذاب أو ~~تخفيفه عنهما مدة رطوبتهما لبركته - صلى الله عليه وسلم - فأجيبت [شفاعته] ~~(¬3) [بالتخفيف] (¬4) عنهما إلى أن ييبسا، ويؤيده رواية مسلم في آخر كتابه ~~في الحديث الطويل، حديث جابر في صاحبي القبرين: "فأحببت بشفاعتي أن [يرفه] ~~(¬5) عنهما ما دام [الغصنان] (¬6) رطبين" (¬7) وإن كانت قضية أخرى فيكون ~~المعنى فيهما واحدا. # ثانيهما: أنه كان يدعو لهما تلك المدة. # ثالثها: أنه أوحي إليه التخفيف عنهما في تلك المدة، قاله ms0196 الماوردي. PageV01P536 # رابعها: أنه بتسبيح الجريدتين ما دامتا رطبتين (¬1)، ويؤيده PageV01P537 # رواية ابن عمر من عند الطبراني " [ولن يعذبا] (¬1) ما دامت هذه رطبة" ~~(¬2)؛ لأن اليابس لا تسبيح له على قول كثيرين من المفسرين وأكثرهم في قوله ~~تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} (¬3) فإنهم قالوا: معناه: وإن من شيء ~~حي، وحياة كل شيء تسبيحه، فحياة الخشب ما لم ييبس (¬4) والحجر ما لم [يقطع] ~~(¬5)، وقدم إلى الحسن مائدة فقيل له: يا أبا سعيد هل يسبح هذا الخشب؟ قال: ~~كان يسبح وأما الآن فلا (¬6). # وذهب المحققون منهم إلى أنه على عمومه. # ثم اختلف هؤلاء: هل يسبح حقيقة أم [] (¬7) فيه دلالة على [الصانع] (¬8) ~~فيكون مسبحا منزها بصورة [حاله] (¬9)؟ والمحققون على PageV01P538 # الأول، وقد أخبر الله تعالى عن الحجارة أن منها ما يهبط من خشية الله، ~~وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها، وجاء النص به [فوجب] (¬1) المصير إليه. # العشرون: استحب العلماء كما نقله النووي وغيرهم عنهم: قراءة القرآن عند ~~القبر لهذا الحديث؛ لأنه إذا رجي التخفيف بتسبيح # الجريد [فالقرآن] (¬2) أولى (¬3). PageV01P539 # وفي وصول القرآن للميت خلاف بين العلماء وقد أفرد بالتصنيف، ومذهب أبي ~~حنيفة [وأحمد] (¬1) وصوله (¬2)، ولهما PageV01P540 # أحاديث وآثار في ذلك، وقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39)} ~~(¬1) إما منسوخة بقوله تعالى: {ألحقنا بهم ذريتهم} (¬2) أو أن السلام في ~~الإنسان بمعنى "على" أو غير ذلك من أقوال المفسرين فيها. والمشهور من ~~مذهبنا عدم وصول ثواب القراءة إليه كما بسطته في شرح المنهاج، والمختار ~~الوصول. # وقيل: إن قرئ عند القبر وقيل وإلا فلا. # وكذا حكى الخلاف الفاكهي المالكي في شرح الرسالة قال: وذهب بعض الشافعية ~~-وأظنه الإمام أبا المعالي- إلى أن القارئ إن نوى في أول قراءته [أن يكون] ~~(¬3) ثواب ما يقرأه لفلان الميت، كان ذلك له وإلا فلا [إذ ليس له] (¬4) أن ~~ينقل ثوابه لغيره. # الحادي والعشرون: ذكر البخاري في صحيحه أن بريدة بن PageV01P541 # الحصيب الصحابي رضي الله عنه أوصى أن يجعل في قبره جريدتان، ففيه أنه رضي ~~الله عنه (¬1) تبرك بفعل مثل (¬2) فعل # رسول الله ms0197 - صلى الله عليه وسلم -. # قال القاضي: وقد عمل الناس في بعض الآفاق تبسيط الخوص على القبر، لعلهم ~~فعلوه اقتداء بهذا الحديث. PageV01P542 # وأما الخطابي (¬1): فإنه أنكر ما يفعله العوام في كثير من البلدان [من] ~~(¬2) فرش الخوص في القبور متعلقين بهذا الحديث، # وليس لما تعاطوه من ذلك وجه، قال: والذي وقع في هذا الحديث إنما كان من ~~ناحية التبرك بأثره ودعائه بالتخفيف عنهما وليس ذلك من [أجل] (¬3) أن في ~~الجريد الرطب معنى ليس في اليابس. # وكذا قال الطرطوشي (¬4) في سراج الملوك: لما ذكر هذا الحديث، قال عقبه: ~~وذلك لبركة يده، وكذا قال في [كتابه] (¬5) # "تحريم النميمة"، والقاضي عياض لما نقل كلام الخطابي وفعل بريدة قال: جعل ~~الجريدة والخوص اليوم استنانا بهذا الحديث لا يصح؛ لأنه عليه السلام علل ~~غرزها على القبر بعلة معينة لا يطلع عليها [وهي] (¬6) قوله: "إنهما ~~ليعذبان" [وعلم] (¬7) عليه السلام إنهما ليعذبان فلذلك فعل ما فعل، ولا ~~نفعله نحن الآن؛ لأنا لا نعلم هل الميت يعذب أو هو ممن غفر له، كما قلناه ~~في حديث المحرم: PageV01P543 # "لا تمسوه طيبا لأنه يبعث يوم القيامة ملبيا"، وصوب مقالة الخطابي. ~~وتبعهم ابن الحاج المالكي أيضا فقال: ذلك راجع إلى بركة ما وقع في لمسه ~~عليه الصلاة والسلام لتلك الجريدة، قال: فليحذر من غرس شجرة أو ريحان أو ~~[غيرهما] (¬1) عند قبره، قال: وما نقل عن أحد الصحابة فلم يصحبه عمل ما، ~~فهم إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم إليه ولكان يقتضي أن يكون الدفن في ~~البساتين مستحبا. # قلت: وأما القرطبي [فذكر] (¬2)، وفي تذكرته (¬3) عن علمائهم أنه مستفاد ~~من هذا -يشير إلى وضع الجريدتين- غرس الأشجار وقراءة القرآن على [القبور] ~~(¬4)، وإذا خفف عنهم بالأشجار بقراءة الرجل المؤمن القرآن؟ قال: والعجب من ~~الخطابي في قوله: لا أصل له ولا وجه له، مع هذا [الحديث] (¬5) المتفق عليه، ~~[ثم رأيت] (¬6) [الحافظ أبو عبد الله الجوزقاني استنبط ذلك أيضا في أثناء ~~كتابه في الموضوعات: في الحديث دلالة على استحباب وضع الجريدة الرطبة على ~~ما فعله - صلى الله عليه وسلم ms0198 -] (¬7) (¬8). PageV01P544 # الثاني والعشرون: قوله عليه السلام: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". ~~"لعل" حرف لتوقع مرجو أو مخوف، وفيها لغات: عن، # وعل، وعن، وأن، ولأن. # و (ييبسا) مفتوح الباء ويجوز كسرها لغتان، وقد حصل ما ترجاه في الحال - ~~صلى الله عليه وسلم -، فذكر ابن الجوزي: أن الغصنين أورقا من ساعتهما ففرح ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: رفع عنهما العذاب بشفاعتي. # الثالث والعشرون: يؤخذ من الحديث تحريم النميمة، إذ هي القاطعة بين ~~المتواصلين والمباعدة بين المتقاربين وأنها سبب العذاب، وهو محمول على ~~النميمة المحرمة كما سلف، وأنها من الكبائر لا سيما إذا تعددت كما يشعر به ~~لفظ (كان)، وقال # بعضهم: ليست من الكبائر فيكون العذاب عليها تنبيها على التعذيب بالكبائر ~~وأولى تحذيرا من الذنوب مطلقا، وقد أسلفنا # ذلك. # فائدة: قال بعض العلماء: يفسد النمام في ساعة ما لا يفسد الساحر في شهر، ~~ولترغيب الشارع في الإصلاح بين الناس أباح الكذب فيه، ولزجره [على] (¬1) ~~الإفساد حرم الصدق فيه. # فائدة ثانية: قال العلماء: لا يكون الشخص نماما إلا وفي نسبه شيء، فإن من ~~جملة أوصافه في الآية "زنيم" (¬2) وهو الدعي الذي لا يعرف من أبوه على أحد ~~القولين، قال أبو موسى الأشعرى: PageV01P545 # "لا يسعى على الناس إلا [ولد] (¬1) بغي" (¬2). وسعى رجل إلى بلال بن أبي ~~بردة برجل، وكان أمير البصرة فقال له: انصرف حتى أكشف عنك، فكشف عنه فإذا ~~هو لغير رشده، يعني -ولد زنا (¬3) -. # الرابع والعشرون: يؤخذ منه أيضا التنزه عن النجاسات كما سلف فيجب ~~إزالتها؛ لوقوع التعذيب بسبب تركها، وهي حجة على من جعلها سنة إلا إن تأوله ~~بأنه ترك التنزه عمدا أو استخفافا وتهاونا، وقد قال ابن القصار المالكي: إن ~~متعمد ترك [التنزه] (¬4) بغير عذر ولا تأويل مذموم. PageV01P546 # الخامس والعشرون: يؤخذ منه أيضا وجوب ستر العورة كما سلف. # السادس والعشرون: يؤخذ منه أيضا جواز ذكر الموتى إذا كان في ذكرهم ~~بالمعاصي مصلحة وأنه ليس غيبة وجواز تعيينهم بالذكر، وأن هذا الحديث مخصص ~~لعموم الحديث الآخر: "اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن ms0199 مساويهم" (¬1)، وقد ~~تقدم استبعاد كونهما كافرين أو منافقين (¬2). # السابع والعشرون: من تراجم البخاري على هذا الحديث: من الكبائر أن لا ~~يستتر من بوله (¬3) "وما جاء في غسل البول" (¬4). # الثامن والعشرون: ادعى بعض الأئمة في قوله: "ما لم ييبسا" أن شفاعه عليه ~~السلام المؤيدة إنما تحصل بشرطين: PageV01P547 # أحدهما: طلب الاستشفاع من المشفوع له. # ثانيهما: الاستئذان من المشفوع عنده فيها، فإن فقدا كانت مؤقتة كما في ~~هذا الحديث لقوله: (ما لم ييبسا). # التاسع والعشرون: استنبط منه الحافظ أبو عبد الله الجوزقاني إباحة المشي ~~بين المقابر، ذكره في أثناء الكتاب السالف قريبا. # قال: وفيه [دليل] (¬1) على أن الله قد يعذب على غير الكبائر، والله أعلم، ~~إذ قال: "وما يعذبان في كبير"، وهذا فيه تأويلات # أسلفناها فراجعها. PageV01P548 ### || AUTO 3 - باب السواك # قال أهل اللغة: السواك بكسر السين يطلق على الفعل وعلى العود الذي يتسوك ~~به، وهو مذكر، وقيل: يؤنث أيضا، حكاه اليث [وغلطه] (¬1) الأزهري، وذكر صاحب ~~المحكم تأنيثه أيضا. # ويقال: ساك فاه يسوكه سوكا، فإن قلت: استاك أو يسوك لم تذكر الفم، ومثل ~~استاك: استن وشاص فاه، كما ستعلمه في # الباب. # وجمع السواك: سوك بضمتين [] (¬2) ككتاب وكتب ونظائره، وهو القياس في كل ~~واو مضمومة ضمة لازمة نحو وقيت وأقيت، وسماع في المفتوحة اتفاقا، قالوا: ~~ولم يجىء من ذلك إلا كلمتان: أحد في واحد، وأناة في وناة وهي المرأة ~~البطيئة القيام، وهل ذلك في [المكسورة] (¬3) سماع أو قياس؟ خلاف. PageV01P549 # [ثم قيل] (¬1): إن السواك مأخوذ من ساك إذا دلك. # وقيل: من جاءت الإبل تتساوك أي تتمايل هزالا. # وهو في الاصطلاح: استعمال عود أو نحوه في الأسنان ليذهب الصفرة وغيرها ~~عنها، وذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث: PageV01P550 ### ||| AUTO الحديث الأول # 20/ 1/ 3 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (¬1). # الكلام عليه من ثلاثة عشر وجها: # الأول: "لولا" حرف يدل على انتفاء الشيء لوجود غيره، أو امتناع الشيء ~~لوجود غيره؛ لأنها نفت ms0200 وجوب السواك لأجل المشقة، أو منعت ذلك [لذلك] (¬2) ~~ولا يليها إلا الأسماء، تقول: لولا زيد لأكرمتك [أي امتنع إكرامي] (¬3) ~~إياك لوجود زيد، وتستعمل لولا أيضا حرف تحضيض بمعنى هلا، فلا يليها إلا ~~الأفعال نحو لولا صليت، PageV01P551 # لولا تصدقت. ومنه قوله تعالى: {لولا يأتون عليهم بسلطان بين} (¬1)، {لولا ~~يعذبنا الله بما نقول} (¬2)، وأشباه ذلك من الآي وهذه لا يليها إلا الأفعال ~~عكس الأولى. # الثاني: "عند" بكسر العين على أصح اللغات وأشهرها، ويجوز ضمها وفتحها، ~~حكاهما الجوهري (¬3). # ومعناها: حضور الشيء ودنوه، وهي ظرف [زمان ومكان] (¬4) ولا يدخل عليها من ~~حروف الجر إلا من. # الثالث: استدل بهذا الحديث بعض الأصوليين على أن الأمر للوجوب، وهو قول ~~الأكثرين من الفقهاء والمتكلمين، [ووجه] (¬5) ما ذكرنا من دلالة لولا ~~ومعناها فيدل على انتفاء الأمر لوجود المشقة [والمنتفي لأجل المشقة] (¬6) ~~إنما هو الوجوب لا الاستحباب؛ لأنه ثابت عند كل صلاة فاقتضى أن الأمر ~~للوجوب، ولولا أن الأمر للوجوب لم يكن لقوله عليه الصلاة والسلام معنى؛ ~~لأنه إذا أمر به ولم يجب كيف يشق عليهم؟ فثبت أنه للوجوب ما لم يقم دليل ~~على خلافه، وهذا الاستدلال يحتاج [إلى] (¬7) تمامه، إلى دليل على PageV01P552 # أن السواك كان مسنونا حالة قوله عليه السلام ذلك. # نعم مذهب جميع العلماء استحبابه. # قال الشافعى رضي الله عنه: لو كان واجبا لأمرهم به شق أو لم [يشق] (¬1). # حكى الشيخ أبو حامد والماوردي عن داود الوجوب، لكن قال صاحب الحاوي (¬2) ~~عنه: إن تركه لا يبطل الصلاة. # وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه واجب، وإن تركه [عمدا أبطلها] (¬3)، وأنكر ~~أصحابنا المتأخرون عليهما هذا النقل عن داود، فإن [المنقول] (¬4) عنه أنه ~~سنة، نعم نقله عنه القاضي عياض تمسكا بظاهر الأخبار لقوله "استاكوا": أو ~~"عليكم بالسواك" (¬5)، وهذا الحديث يبين المراد بتلك الظواهر، ثم على تقدير ~~صحته عنه لم يكن خارقا للإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون، ~~نعم ابن حزم الظاهري (¬6) قال: إنه سنة إلا يوم الجمعة فإنه فرض لازم، وأما ~~إسحاق: فلم يصح هذا النقل عنه. PageV01P553 # ووقع في ms0201 الانتصار لابن أبي عصرون (¬1) حكاية وجه: يوافق إسحاق أن السواك ~~شرط في صحة الصلاة، وغلطه ابن أبي الدم (¬2) في حكايته، وفي بعض نسخ الحلية ~~للشاشي أن أبا إسحاق قال بذلك، ولعله تصحف بإسحاق بن راهويه. # الرابع: فيه دلالة أيضا لمسألة ثانية أصولية: وهي أن المندوب ليس مأمورا ~~به، وفيه خلاف لهم. # قال القرطبي (¬3): والتصحيح: أنه مأمور به لأنه مطلوب بالاتفاق. # الخامس: فيه دلالة أيضا لمسألة ثالثة أصولية: وهي جواز الاجتهاد للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى، وهو مذهب الفقهاء ~~وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المختار عندهم، وجه الدلالة أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - جعل المشقة سببا لعدم أمره ولو كان الحكم موقوفا على النص لكان سبب ~~انتفاء أمره عدم ورود النص به لا وجود PageV01P554 # المشقة، وفي المسألة أقوال أخر للأصوليين: # أحدها: المنع، وهو قول أبي علي الجبائي وابنه. # وثانيها: أن له أن يجتهد في الحروب والآراء دون الأحكام. # وثالثها: التوقف في هذه الثلاثة، ونقله في المحصول (¬1) عن أكثر ~~المحققين، وإذا قلنا بالجواز فالمختار أنه وقع. # وقيل: لا. # وقيل: بالوقف، ومحل الخلاف على ما قاله القرافي (¬2) في شرح المحصول في ~~الفتاوى، أما الأقضية فيجوز الاجتهاد فيها بالإجماع. # السادس: فيه دلالة أيضا لمسألة رابعة أصولية: وهي أن الأمر المطلق لا ~~يفيد التكرار وهو المختار، لأنه لو أفاده لم يكن لقوله: "عند كل صلاة" ~~فائدة، كذا استنبطه بعضهم. # وعكس غيره فقال: فيه دلالة على أن الأمر للتكرار، لأنه لا مشقة في مرة ~~واحدة، فلو لم يكن الأمر به للتكرار لما كانت # المشقة مانعة (¬3): PageV01P555 # السابع: فيه [دلالة] (¬1) أيضا لمسألة خامسة أصولية: وهي جواز تعليل ~~الحكم العدمي بالمانع، ولا يتوقف على وجود # المقتضى، ومثله قول الشاعر: # لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإعدام قتال # كذا استنبطه ابن التلمساني (¬2) في شرح المعالم. # الثامن: فيه دلالة أيضا لمسألة نحوية: وهي الرد على من قال من النحاة: إن ~~من شرط اسم "لولا" أن يكون موجودا حسا [لقول عمر في علي "لولا ms0202 علي لهلك ~~عمر"، "فعلي" موجود حسا] (¬3). # ووجه الرد: أن المشقة لم تقع في الوجود ولا تقع، وإنما هي واقعة على ~~تقدير ورود الأمر، والأمر لم يقع. فلم تقع، نبه عليه القرافي. وقد يقال: ~~الإضمار المقدر في الحديث وهو خوف المشقة واقع وموجود في النفس، فلا رد إذن. # التاسع: فيه دلالة أيضا على مسألة فقهية: وهو استحباب السواك عند كل صلاة ~~سواء كانت فريضة عينا أو كفاية أو نافلة PageV01P556 # [بوضوء] (¬1)، أو تيمم، حتى في حق فاقد الطهورين، فإن ما يأتي به صلاة ~~على الأصح. # وقيل: لا بل يشبهها، والسر في ذلك أنا مأمورون في كل حالة من أحوال ~~التقرب إلى الله تعالى أن يكون على [] (¬2) حال # كمال ونظافة شرفا للعبادة، وأيضا فالعبد "إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك ~~خلفه يسمع القرآن فلا يزال عجبه [بالقرآن يدنيه] (¬3) حتى يضع فاه على فيه ~~فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف ذلك الملك" كما رواه البزار ~~[وأبو نعيم من حديث علي مرفوعا، قال البزار] (¬4): وهذا الحديث لا نعلمه ~~يروى عن علي بأحسن من هذا الإسناد، وروي عنه موقوفا عليه أيضا (¬5). PageV01P557 # قلت: ورجال المرفوع رجال الصحيح، فسن السواك لأن الملائكة تتأذى من ~~الرائحة الكريهة. # العاشر: فيه دلالة أيضا بعمومه على مسألة أخرى فقهية وهي استحبابه للصلاة ~~الواقعة بعد الزوال، ولذا ترجم عليه النسائى فقال: السواك للصائم [بالغداة ~~والعشي] (¬1)، وهو قول الشافعي حكاه الترمذي في بعض نسخه عنه أنه لم [ير] ~~(¬2) بأسا بالسواك أول النهار وآخره. # قال النووي في شرح (¬3) المهذب: وهو نقل غريب عنه وإن كان [قويا] (¬4) من ~~جهة الدليل، وبه قال المزني ومالك وأكثر العلماء وهو المختار. # قلت: لا غرابة فيه فقد نص عليه الشافعي في البويطي أيضا، فقال في كتاب ~~الصيام، ومنه نقلت: لا بأس بالسواك للصائم في الليل والنهار، نعم نصه في ~~المختصر على الكراهة بعد الزوال وعليه جمهور أصحابه لقوله عليه السلام ~~(¬5): "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (¬6). متفق عليه من ~~حديث أبي ms0203 هريرة. وأما PageV01P558 # الشيخ عز الدين فإنه مال إلى استحبابه فقال: لا يلزم من الثناء عليه ~~أفضلية غيره بدليل ركعتي الفجر مع الوتر، قال: وثبت أن الصلاة بسواك تفضل ~~على صلاة بغير سواك سبعين ضعفا (¬1). # قلت: وهو كما قال، وإن اعترضوا على الحاكم في تصحيحه فقد ذكرته من طريق ~~صحيحة في (تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج) وثبت أن في الخلوف أجر مقدر، ~~فيجوز أن يقدر ما زاد على الفضل بسبب السواك أو فوقه أو دونه، فلا يترك ~~الفضل المحقق لأمر يحتمل أن يكون أنقص منه. # قلت: ويسئل عن الحكمة في تحريم إزالة دم الشهيد مع أن رائحته مساوية ~~لرائحة المسك، وعدم تحريم إزالة الخلوف مع كونه # أطيب من ريح المسك. # الحادي عشر: فيه أيضا بيان ما كان عليه الصلاة والسلام من الرفق بأمته. PageV01P559 # الثاني عشر: فيه أيضا دلالة على فضل السواك. # الثالث عشر: في هذا الحديث ذكر السواك "عند كل صلاة" وفي رواية للبخاري ~~(¬1) تعليقا: "عند كل وضوء" وهي في الموطأ (¬2) أيضا. # وادعى بعضهم أنها من قول ابن شهاب وهو غريب. # ورجح بعض المالكية رواية "عند كل وضوء" على الأولى تقريرا لقاعدتهم فإن ~~السواك عندهم من فضائل الوضوء، وفيه عندهم قبله قالوا: لأن "عند" ظرف مبهم ~~يصح للقبلية والبعدية [والمعية] (¬3) في المضمضة والسواك، في جميعها صحيح ~~[فهي رواية] (¬4) مطلقة، بخلاف رواية "عند كل صلاة" لا يصح السواك فيها إلا ~~قبلها دون المعية والبعدية فيه مقيدة مرجوحة؛ [ولأنه] (¬5) طهارة للفم كما ~~أن الوضوء طهارة للأعضاء بضم الشكل إلى شكله وفعله مع فعله أولى. PageV01P560 # قال: وبه يقع الرد على من قال بالاستياك في المسجد، وكل هذا عجيب من هذا ~~القائل، وكيف يرد رواية الصحيحين وهي "عند # كل صلاة" برواية معلقة للبخاري وحده، وفي رواية للنسائي (¬1) من طريق ~~مالك "مع كل صلاة". # فوائد مهمة: # الأولى: يستحب أن يكون السواك باليمين كما قدمته في الحديث التاسع من ~~كتاب الطهارة مبسوطا، وأن ذلك ورد منصوصا # عليه وهو من الفوائد الجليلة التي لم يعثروا عليها. # الثانية: يستحب ms0204 السواك أيضا ويتأكد في مواضع: # الأول: عند قراءة القرآن. # الثاني: عند اصفرار الأسنان. # الثالث: عند دخول الإنسان منزله. # الرابع: عند إرادة النوم. # الخامس: عند الاستيقاظ منه. # السادس: عند الأكل. # [السابع] (¬2): بعد الوتر. # الثامن: في السحر، ذكر هذه الثلاثة الأخير ابن عبد البر. # التاسع: عند تغير الفم. # العاشر: عند الوضوء. PageV01P561 # وفي النسائي (¬1) من حديث ابن عباس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يصلي ركعتين ثم ينصرف فيستاك. وهذا يدل على فعله عقب الصلاة، قال ابن ~~الحاج (¬2) المالكي: ويستاك في الليلة ثلاثة مرات قبل النوم، وبعده عند ~~القيام لورده، وعند الخروج لصلاة الصبح. # قلت: وروى أبو نعيم (¬3) من حديث أبي أيوب أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~يستاك في الليلة مرارا، ومن حديث ابن عباس: ربما استاك - صلى الله عليه ~~وسلم - في الليلة أربع مرات. # الثالثة: للسواك منافع وقد ذكرتها في تخريجي لأحاديث الرافعي (¬4) فزادت ~~على الثلاثين فسارع إليه فإنه يرحل إليه، وله أيضا آداب ستأتي [وقد] (¬5) ~~ذكرتها أيضا في شرحي للمنهاج الذي سميته (عجالة المحتاج) (¬6) وهو شرح ~~الصغير فراجعها منه، والله الموفق. # الرابعة: أحسن ما يستاك به الأراك، لحديث ابن مسعود PageV01P562 # [في] (¬1) (صحيح ابن حبان) وحديث أبي خيرة الصنابحي في (تاريخ البخاري) ~~(¬2)، وفيه منافع كثيرة ويقوم مقامه كل خشن إلا إصبعه في الأصح وبه جزمت ~~المالكية، وعندهم أنه يكره للصائم أن يستاك بالأخضر الذي يجد له طعما، ~~قالوا: وأما الجوزة المحمرة فحرام للصائم. # وعند الشافعية وجه: أنه يكره الرطب للصائم قبل الزوال، والأصح لا ~~كاليابس. # الخامسة: ذكر الحكيم الترمذي في علله -ومنه نقلت- في كيفية الاستياك: أن ~~تجعل الخنصر من يمينك أسفل السواك تحته # والبنصر والوسطى والسبابة فوق السواك، قال: ولا تقبض القبضة على السواك ~~فإن ذلك يورث البواسير (¬3)، وقال: وابلع ريقك من أول ما تستاك فإنه ينفع ~~الجذام والبرص وكل داء سوى الموت، ولا يبلع بعده PageV01P563 # شيئا فإنه يورث الوسوسة، برواية زياد بن علاقة. # [ونقل] (¬1) بعض المالكية عن الغزالي أنه نص على أن ما ينفصل بالسواك من ~~الطعام المتغير المتعلق بالأسنان ms0205 محرم أكله، وهو غريب. قال -أعني الترمذي ~~[الحكيم] (¬2) -: ولا يمس بالسواك شيئا فإن ذلك يورث العمى. قال: ولا تضع ~~السواك إذا وضعته عرضا وانصبه نصبا، فإنه يروى عن سعيد بن جبير قال: من وضع ~~سواكه بالأرض فجن [من ذلك] (¬3) فلا يلومن إلا نفسه. وهذه آداب حسنة ينبغي ~~استعمالها فإنه لا تجلب إلا خيرا. # السادسة: قال الترمذي أيضا يروى عن كعب أنه قال: "من أحب أن يحبه الله ~~تعالى [فليكثر] (¬4) من السواك والتخلل فالصلاة بهما مائة صلاة". قال: وروى ~~خالد عن أبيه قال: "السواك شطر الوضوء، والوضوء شطر الصلاة، والصلاة شطر ~~الإيمان"، ونقل ابن عبد البر عن الأوزاعي (¬5) أيضا: "أنه شطر الوضوء". # السابعة: مذهب مالك كراهية الاستياك في المسجد خشية أن يخرج من فيه دم ~~ونحوه مما ينزه المسجد عنه، قال صاحب المفهم (¬6): لم يثبت قط أنه عليه ~~الصلاة والسلام استاك في المسجد PageV01P564 # فلا يشرع [] (¬1) لما فيه من زوال الأقذار فيه، والمساجد منزهة عنها وأهل ~~الهيئات والمروءات يمنعون من زوال الأقذار في المحافل والجماعات، قال: ~~ومعنى قوله: "عند كل صلاة": عند كل وضوء، وما قاله عجيب؛ فإن السواك يستحب ~~كونه متوسطا بين الليونة واليبوسة حينئذ فالخشية السالفة مأمونة ولئن حصلت ~~فعدم تنزيه المسجد إنما يحصل إذا بصقه فيه، [دون ما إذا بصقه] (¬2) [فيما] ~~(¬3) معه [من] (¬4) خرقة ونحوها، ودعواه عدم الثبوت من فعله لا يلزم منه ~~على صحته عدم فعله، بل ترغيبه فيه بقوله "عند كل صلاة" يشمله، وكان السواك ~~من أذنه - صلى الله عليه وسلم - موضع القلم من أذن الكاتب كما رواه البيهقي ~~(¬5) من حديث جابر، وكذا كان زيد بن خالد الجهني يفعله وكلما قام إلى ~~الصلاة استاك كما رواه الترمذي وصححه (¬6). وروى الخطيب [في] (¬7) كتاب "من ~~روى عن مالك" عن أبي هريرة (¬8) أن PageV01P565 # أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أسوكتهم خلف آذانهم يستنون ~~بها لكل صلاة. # وقوله: إنه من باب إزالة الأقذار، لا يسلم، بل هو من باب الطيب، وفعله ~~أيضا من المروءة لا كما قاله؛ لأنه فيه ms0206 إظهار شعار هذه السنة، وسيأتي في ~~الحديث الرابع من هذا الباب أن بعضهم ترجم عليه: استياك الإمام بحضرة ~~رعيته، وترجم [ابن حبان] (¬1) أيضا في صحيحه (¬2): الإباحة للإمام أن يستاك ~~بحضرة رعيته إذا لم يكن يحتشمهم، ثم روى حديث أبي موسى الأشعري الثابت في ~~الصحيحين قال: "أقبلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعي رجلان من ~~الأشعرين ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستاك فكأني انظر إلى سواكه ~~تحت شفتيه وقد قلصت". # قلت: وأما التأويل السالف -الصلاة بالوضوء- فمن الأعاجيب، بل يؤخذ من ~~الحديث المذكور أنه لا كراهة في فعله في المسجد [لإطلاق] (¬3) قوله: "عند ~~كل صلاة". PageV01P566 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 21/ 2/ 3 - عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك" (¬1). # الكلام عليه من خمسة أوجه: # وتقدم أولا أن هذا اللفظ الذي ذكره المصنف لم يذكر الحميدي في جمعه بين ~~الصحيحين سواء وكذا رواه البخاري هنا، ورواه في كتاب الجمعة بلفظ: "كان إذا ~~قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك". # ورواه مسلم [بلفظ المصنف] (¬2) وبلفظ: "كان إذا قام ليتهجد يشوص فاه ~~بالسواك". ووقع في بعض نسخ الكتاب "إذا قام من النوم" بدل "من الليل" وكذا ~~وقع في شرح الشيخ تقي الدين (¬3) لكنه PageV01P567 # قال في كلامه على الحديث: وقوله: "من الليل" ظاهره تعليق الحكم بمجرد ~~القيام، ويحتمل أن يكون المراد: إذا قام من الليل للصلاة، وهذا الكلام منه ~~يقتضي إنما [أراد] (¬1) لفظ الحديث إنما هو "من الليل" بدل "من النوم" لكن ~~لما ذكر هذا الحديث في كتابه الإمام (¬2) أورده بلفظ "النوم" بدل "الليل"، ~~وقال: أخرجوه إلا الترمذي. # وإنما ذكرت هذا كله لأن ابن العطار قال: إن لفظ الحديث في رواية البخاري ~~ومسلم: "كان إذا استيقظ من النوم" وهو غريب. # [قلت] (¬3): فلم أر هذه اللفظة في واحد منهما ولفظهما كما ذكرته لك. # الوجه الأول من الكلام على الحديث: في التعريف براويه: وهو صحابي ابن صحابي. # واليماني: يكتب بالياء على الأفصح كما قدمت ms0207 مثله في عبد الله بن عمرو بن ~~العاصي. # وكنية حذيفة: أبو عبد الله. # وقيل: أبو سريحة، وهو معدود في أهل الكوفة. # [واليمان] (¬4) اسمه حسيل بضم الحاء وفتح السين المهملتين ثم PageV01P568 # مثناة تحت ثم لام، تصغير حسل بكسر الحاء وإسكان السين، ويقال فيه: غير مصغر. # ولقب باليمان؛ لأن جده جروه [أصاب] (¬1) دما في قومه فهرب إلى المدينة ~~فحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليماني [لحلفه] (¬2) اليمانية فلقب ~~بلقبه، ويقال في نسبه: عبسي قطعي وهو من حلفاء الأنصار. # وأمه: اسمها الرباب بنت كعب بن عدي بن كلب بن عبد الأشهل. # شهد حذيفة وأخوه صفوان وأبوهما أحدا وقتل أبوهما يومئذ، قتله بعض ~~المسلمين خطأ وهو [يحسبه] (¬3) من المشركين فتصدق بدم أبيه وديته على ~~المسلمين، يقال: إن الذي قتله عتبة بن مسعود، وأراد هو وأبوه أن يشهدا بدرا ~~فاستحلفهما المشركون أن لا يشهدا فحلفا ثم سألا النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال: "نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم". # وكان حذيفة من [المهاجرين] (¬4)، ومن كبار الصحابة ومشاهيرهم، وهو الذي ~~بعثه ينظر إلى قريش يوم الخندق فجاء بخبر # رحيلهم، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأله عن المنافقين PageV01P569 # ويقتدي به في الصلاة عليهم، فمن صلى عليه حذيفة صلى عليه عمر ومن لم يصل ~~عليه لم يصل عليه، وكان معروفا في الصحابة بصاحب السر لما كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يسر إليه ويعلمه بأسماء المنافقين وأعيانهم، وكان ~~أعلم الصحابة بذلك، وفي صحيح مسلم عنه: "لقد حدثني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بما يكون حتى تقوم الساعة غير أني لم أسأله ما يخرج أهل ~~المدينة منها، وإني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة". # وخيره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما هاجر إليه بين الهجرة ~~والنصرة فاختار النصرة، وكان يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الشر ~~[فيجتبه] (¬1). وسأله عمر عن الأيام التي بين يدي الساعة: من يعقلها عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أنا، فقال له عمر رضي الله عنه: ~~هات ms0208 فلعمري إنك عليها لجريء، ثم ذكر له منها. وسئل حذيفة: أي الفتن أشد؟ ~~قال: أن يعرض عليك الخير والشر فلا تدري أيهما تركب؟ وقال رضي الله عنه: لا ~~تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها. # قال ابن عبد البر: وشهد نهاوند مع النعمان بن مقرن فلما قتل النعمان أخذ ~~الراية ففتح الله على يديه نهاوند والري والدينور وذلك كله سنة اثنين ~~وعشرين. قال ابن سيرين: وكان عمر رضي الله عنه إذا بعث أميرا كتب [إليهم] ~~(¬2) ليسمعوا له ويطيعوا، فلما بعث حذيفة ركبوا إليه ليتلقوه فلقوه على بغل ~~تحته أكاف وهو معترض عليه فلم PageV01P570 # يعرفوه فأجازوه، فلقيهم الناس فقالوا: أين الأمير؟ قالوا: هو الذي لقيتم، ~~قال: فركضوا في أثره فأدركوه وفي يده رغيف وفي الأخرى عرق وهو يأكل، ~~[فسلموا عليه] (¬1) فنظر إلى عظيم منهم [فناوله] (¬2) العرق والرغيف فلما ~~غفل ألقاه أو أعطاه خادمه. وكان عمر قد ولاه المدائن فأقام بها إلى أن مات ~~سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ليلة، وقيل: سنة خمس وثلاثين. # روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأكثر ولم يذكر عدتها بقي بن مخلد، ~~وفي الصحيحين له سبعة وثلاثون حديثا، اتفقا على اثنى عشر، وانفرد البخاري ~~بثمانية ومسلم بسبعة عشر، روى عنه جماعة من الصحابة منهم أبو الطفيل وعمار ~~بن ياسر وجندب بن عبد الله، وخلق من التابعين، قال ابن حبان: وكان فص خاتمه ~~ياقوتة أسمانجونية فيها [كوكبان] (¬3) متقابلان بينهما مكتوب الحمد لله ~~(¬4)، قال: كذا قاله PageV01P571 # جرير عن الأعمش عن موسى بن عبد الله الله بن يزيد عن أم سلمة بنت حذيفة. # قلت: وكذا رواه علي بن يونس عن الأعمش أيضا، أورده البغوي في معجمه، فإن ~~صح [عنه] (¬1) فيحمل على أنه لم يبلغه النهي عن خاتم الذهب إن كان ذهبا وهو ~~الظاهر. # فائدة: في الرواة حذيفة ابن اليمان اثنان: # أحدهما: هذا. # وثانيهما: واسطي حدث عن الشعبي وغيره وعنه شعبة بن الحجاج وغيره. # الوجه الثاني: "كان" هذه دالة على الملازمة والاستمرار. # وقوله: "إذا قام من الليل" ظاهره ms0209 يقتضي تعليق الحكم بمجرد القيام، ويحتمل ~~كما قال الشيخ تقي الدين (¬2): إذا قام من الليل للصلاة، فتعود إلى معنى ~~الحديث الأول. ويؤيده رواية الصحيحين التي أسلفناها: "إذا قام ليتهجد" ~~فتفسر هذه تلك، لكن قال ابن منده: قوله "للتهجد" لا يرويه غير حصين وحديث ~~الأعمش ومنصور مشهور وليس في حديثهما هذه الرواية. # قلت: ورواه حصين مرة بدونها، كذا رواه البخاري (¬3) عنه في PageV01P572 # كتاب الجمعة، ورواه الطبراني (¬1) من حديث أبي حفص الأبار عن منصور ~~والأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يشوص فاه بالسواك" ولم يذكر القيام من الليل. # الثالث: قوله "من الليل" أي "في الليل" "فمن" هنا بمعنى "في" وهو نظير ~~قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} (¬2) أي في يوم الجمعة. # الرابع: قوله: "يشوص" هو -بفتح أوله وضم ثانيه وهو بشين معجمة ثم واو ~~ساكنة ثم صاد مهملة- واختلف في تفسيره على # خمسة أقوال متقاربة: # أحدها: الغسل: وكل شيء غسلته فقد شصته، قاله الهروي [وهو ما في الجامع ~~أيضا، وجزم به المصنف في الكتاب حيث قال: # يشوص معناه: يغسل، يقال: شاصه يشوصه وماصه يموصه إذا غسله، وتبع في ذلك ~~الهروي] (¬3) فإنه قال: الشوص والموص بمعنى واحد، وفي الصحاح (¬4): الشوص: ~~الغسل والتنظيف. # قال ابن سيده: شاص الشيء شوصا: غسله، وشاص فاه بالسواك شوصا (¬5): غسله ~~عن كراع. PageV01P573 # القول الثانى: أنه التنقية: قاله أبو عبيد (¬1) والداودي يقول: شصت الشيء ~~إذا نقيته. # الثالث: أنه الدلك: قاله ابن الأنباري. # قال الشيخ (¬2) تقي الدين: وهو الأقرب، وظاهر كلامه في كتاب الإمام (¬3) ~~تصحيحه. # وقال ابن الأعرابي وإبراهيم الحربي (¬4) والخطابي (¬5) وآخرون: إنه دلك ~~الأسنان عرضا أي عرض الأسنان. # وقيل: عرض الفم، والموص قريب منه. # وقيل: بل هو غسل الشيء في بين ورفق. # وقال [المازري] (¬6): قال رجل لأعرابية اغسلي ثوبي، قالت: نعم وأموصه، ~~تريد غسله ثانية برفق (¬7). # الرابع: أنه الحك: قاله ابن حبيب. # الخامس: أنه بالإصبع: وأنه يغني عن السواك، حكاه PageV01P574 # أبو عمر (¬1)، ويرده قوله في الحديث: "بالسواك". # قال النووى في شرح ms0210 (¬2) مسلم: وأظهر هذه الأقوال الثالث، يعني مقالة ~~الخطابي ومن وافقه وما في معناه، ولما ذكر ابن سيده # أنه الغسل، قال وقيل: إنه الإمرار على الأسنان من [أسفل] (¬3) إلى علو، ~~وهذا يأتي على قول من فسر العرض بعرض الفم، وهو قول ابن دريد، ومته الشوصة: ~~[هي] (¬4) ريح ترفع القلب عن موضعه، قال: وقيل: هو أن يطعن به فيها. قال: ~~وقد شاصه شوصا وشوصانا، وشاص الشيء شوصا [إذا] (¬5) دلك، وشاص الشيء: زعزعه. # الخامس: فيه استحباب السواك في حال القيام من النوم، وعلته أن النوم ~~مقتضى لتغير الفم وهو آلة تنظيف الفم فيسن لاقتضائه التغيير، وإذا كان كذلك ~~فلا فرق بين نوم الليل والنهار فتخصيصه بالليل للغلبة أي لكون تغير الفم ~~فيه أكثر، وأبدى الحكيم الترمذي استحباب السواك عند القيام من النوم فإنه ~~قال ما معناه: إن الإنسان إذا نام ارتفعت معدته وانتفخت وصعد بخارها إلى ~~الفم والأسنان فتنتن وتغلظ. ويروى أن الشيطان ذلك طعامه ويمسح لسانه عليه PageV01P575 # ويرمي [به] (¬1). # قال: واحرص على الاستياك أول النهار ووسطه إن كنت تتوضأ. # فعن عائشة [رضي الله عنها] (¬2) مرفوعا: "من استاك أول النهار وآخره كان ~~مع المقربين في الفردوس"، قال: ولا يستاك بين ذلك إلا من علة أو حاجة، ~~وقيل: من فعل ذلك عقم وذهب ماء وجهه [وحيائه] (¬3)، يروى ذلك عن جعفر بن ~~محمد عن أبيه عن جده قال: وإذا قمت من الليل فاستك شديدا، كذلك السنة فيه؛ ~~لأنه عليه السلام (¬4): "كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك" [والشوص] ~~(¬5): ما يوجع فمه منه. قال: واجعله أول النهار ووسطه أخف من الأول وآخره ~~أخف من وسطه، كذلك السنة (¬6). PageV01P576 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 22/ 3/ 3 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: "دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك ~~رطب يستن به فأبده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصره فأخذت السواك ~~فقضمته، فطيبته، ثم دفعته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستن به، فما ~~رأيت رسول ms0211 الله - صلى الله عليه وسلم - استن استنانا أحسن منه، فما عدا أن ~~فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفع [يديه] (¬1) -أو إصبعه- ثم قال: ~~في الرفيق الأعلى -ثلاثا- ثم قضى، وكانت تقول: مات [بين] (¬2) حاقنتي ~~وذاقتني". # وفي لفظ: "فرأيته ينظر إليه، [وعرفت] (¬3) أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك؟ ~~[فقال] (¬4) برأسه: أن نعم". لفظ البخاري (¬5)، ولمسلم نحوه. PageV01P577 # الكلام عليه من سبعة عشر وجها: # الأول: في التعريف براويه وقد سلف في الطهارة، وعبد الرحمن هذا هو أخو ~~عائشة لأبويها وهو أسن أولاد الصديق. # كنيته: أبو عبد الله. # وقيل: أبو محمد، حضر بدرا وأحدا مع الكفار، ثم أسلم في هدنة الحديبية ~~وحسن إسلامه وهاجر قبل الفتح مع معاوية فيما قيل، وكان اسمه عبد الكعبة ~~فغيره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعبد الرحمن، وكان من أشجع قريش ~~وأرماهم بسهم، حضر اليمامة مع خالد بن الوليد، وقتل سبعة من كبارهم وهو ~~الذي قتل محكم اليمامة ابن طفيل رماه بسهم في نحره فقتله. # روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمانية أحاديث، اتفقا منها على ~~ثلاثة، روى عنه جماعة من التابعين [وابنه] (¬1) أبو عتيق محمد ولد في حياة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو صحابي بهذا الاعتبار ابن صحابي ابن صحابي ~~[ابن صحابي] (¬2) وهذا من خصائص بيت الصديق، ولا يعرف في غيره كما قدمناه ~~في ترجمة عائشة رضي الله عنها. # مات رضي الله عنه بالحبشى، وهو جبل بينه وبين مكة ستة أميال، وقيل: نحو ~~عشرة فنقله ابن صفوان إلى مكة، ووقع في ثقات PageV01P578 # ابن حبان أنه مات بالحبشة ولعله غلط من الناسخ. وكانت وفاته سنة ثلاثة ~~[وخمسين، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة خمس، وقال ابن حبان: سنة ثمان، قبل ~~عائشة، ثم حكى قول من قال سنة ثلاث] (¬1) قال: وكان يخضب بالحناء والكتم، ~~قال القاسم: توفي في مقيل قاله على غير وصية، فأعتقت عائشة رقيقا من رقيقه ~~عسى أن نفعه الله به، ولما اتصل موته بها ظعنت من المدينة حاجة حتى وقفت ~~على قبره فبكت عليه وتمثلت: ms0212 # وكناكندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتفرقا (¬2) # فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا # ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك. # وترجمته مبسوطة أكثر من هذا فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب ~~وذكرت فيه أن في الرواة عبد الرحمن بن أبي بكر # ثلاثة، هذا أحدهم فاستفد الباقي منه. # الوجه الثاني: [بقولها] (¬3): "ومع عبد الرحمن سواك رطب" فيه الاستياك ~~بالسواك الرطب وقد قدمت في الحديث الأول ما فيه # للصائم. PageV01P579 # الثالث: معنى "يستن به": يستاك. # قال الخطابي (¬1): وأصله من السن وهو إمرار الشيء الذي فيه حروشه على شيء ~~آخر، [ومنه] (¬2) المسن: الذي يستحد عليه الحديد ونحوه، يريد أنه كان يدلك ~~به أسنانه، وكان سواكه - صلى الله عليه وسلم - تارة من أراك وتارة جريدة ~~النخل، وفي البخاري (¬3) في هذا الحديث أن هذا السواك كان من جريد رطبة، ~~وفي صحيح الحاكم (¬4) أنه كان من أراك رطب، ثم قال: صحيح الإسناد ولم ~~يخرجاه، وقال ابن دحية في كتابه مرج البحرين (¬5): أنه كان من عسيب النخل ~~فيما رواه أبو القاسم بن الحسين (¬6). # قلت: وهو الجريد ما لم ينبت عليه خوص كما سلف في الباب قبله، قال: والعرب ~~تستاك بالعسيب، قال: وكان أحب السواك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~صرع الأراك، واحدها صريع وهو قضيب ينطوي من الأراك حتى يبلغ التراب فيبقى ~~في ظلها [فهو] (¬7) ألين من PageV01P580 # [فرعها] (¬1). # الرابع: قولها: فأبده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصره [معنى] (¬2) ~~أيده بالباء الموحدة ثم الدال المهملة: نظر إليه طويلا؛ لقوله في الرواية ~~الأخرى: "فرأيته ينظر إليه"، [يقال] (¬3): أبددت فلانا النظر إذا طولته ~~إليه، فكان أصله من معنى التبديد الذي هو التفريق، وكأنه عليه الصلاة ~~والسلام أعطاه بدته من النظر أي حظه. # ويروى أن عمر بن عبد العزيز لما حضرته الوفاة قال: أجلسوني، فأجلسوه، ~~فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع ~~رأسه فأبد النظر، ثم قال: ms0213 إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جن، ثم قبض (¬4). # وما ذكرته من أن أصله من معنى التبديد الذي هو التفريق هو ما ذكره الشيخ ~~تقي الدين (¬5) ونازعه فيه الفاكهي، وقال: بل هو بالجمع أولى منه بالتفريق ~~[فإنه] (¬6) من أطال نظره إلى الشيء فقد جمع نظره فيه، وكذا فيه الحكاية ~~المذكورة معناه: جمع نظره في الحضرة لا أنه فرق نظره وردده، وتبعه بعض من ~~[أدركناه] (¬7) فقال: PageV01P581 # يحتمل أن يكون أصله التأبيد وهو طول المكث وهو أنسب لتطويل البصر، قال: ~~فإن كان من التأبيد فتكون الباء مشددة، وإن كان من التبديد فتكون الدال مشددة. # الخامس: فيه العمل بما يفهم من الإشارة والحركات، وقد أعملها الفقهاء في ~~غير ما مسألة من الأخرس وغيره. # السادس: قولها "فقضمته": هو بالضاد المعجمة المكسورة، قال الجوهري: القضم ~~هو الأكل بأطراف الأسنان، والخضم يعني بالخاء المعجمة: الأكل بجميعها. ~~وقولهم: "يبلغ الخضم" (¬1) أي: يدرك السبع بالأكل [أي] (¬2) بأطراف الفم، ~~وإن الغاية البعيدة تدرك بالرفق، قال الشاعر: # تبلغ بأخلاق الثياب جديدها ... وبالقضم حتى [تبلغ] (¬3) الخضم بالقضم # وقال ابن هشام: القضم: لكل شيء يابس كالتبن والشعير، والخضم لكل شيء رطب ~~كالقثاء وغيره. PageV01P582 # وذكر ابن جني: أن العرب اختصت اليابس بالقاف والرطب بالخاء؛ لأن في القاف ~~شدة وفي الخاء رخاوة. # وقيل: إن القضم لمقدم الأسنان والخضم بالفم كله (¬1)، وقالوا في تعريف ~~اسمه: خضم بفتح الضاد وكسرها. # وذكرهما صاحب المطالع في باب: القاف مع الصاد المهملة فقال: قولها ~~"فقضمته" يعني بفتح الضاد أي شققت السواك بأسناني، وفي كتاب التميمي: ~~فقضمته أي قطعت رأسه، والقضم القص، وفي البخاري (¬2) في الوفاة، ومثله ~~للقابسي، وابن السكن، وكذلك اختلف فيه عن أبي ذر. # ثم قال بعد ذلك: قولها "فقصمته ثم مضغته" كذا لأكثرهم، ولابن السكن ~~والمستملي والحموي بضاد معجمة (¬3)، فالقصم الكسر، والقضم القطع بالأسنان، ~~والمضغ التليين. # ولما ذكره ابن الجوزي (¬4) في الضاد المعجمة قال: وبعض المحدثين يقوله ~~بالمهملة، وبالمعجمة أصح. PageV01P583 # وقال ابن التين في شرح البخاري: هو في [الكثير] (¬1) بصاد غير معجمة ~~وقاف، وضبطه بعضهم بالفاء، ms0214 والمعنى يصح في ذلك كله؛ لأن الفصم بالفاء: ~~الكسر. وصوابه بقاف وصاد غير معجمة وهو الكسر والقطع وكذا رويناه، وقد صح ~~بالضاد المعجمة لأنه الأكل بأطراف الأسنان. # وقال ثعلب (¬2): قضمت الدابة شعيرها، بكسر ثانية يقضم. # وحكى الليلي (¬3) فتح ثانية، ولم يزد الشيخ تقي الدين (¬4): في شرحه على ~~قوله: القضم بالأسنان. # وأما ابن العطار: فلم يتكلم على هذه اللفظة رأسا. # ويتلخص مما ذكرنا ثلاث روايات: # الأولى: بالقاف والصاد المهملة. # الثانية: بالفاء (¬5). PageV01P584 # الئالثة: بالقاف والضاد المعجمة المكسورة ويجوز فتحها أيضا كما سلف ~~فاستفد ذلك (¬1). # ولما حكى المحب الطبري في أحكامه عن ابن الأثير (¬2) أنه قال: قولها ~~"فقضمته" هو بكسر الضاد المعجمة أي مضغته ولينته # وطيبته، قال: فيكون قولها "فطيبته" تكرارا للتأكيد. قال: ولا يبعد أن ~~يكون بالصاد المهملة وهو الكسر، فيكون معناه كسرته لطوله أو لمعنى آخر [و] ~~(¬3) قد علمت أن ذلك رواية وأن بعضهم صوبها. # السابع: قولها "فطيبته" يحتمل أن تريد غسلته، ويحتمل أن تريد أنعمته ~~ولينته وهو أظهر لعطفها بالفاء السببية، إذ التليين والتنعيم مسبب عن القضم ~~وليس الغسل كذلك، ولذلك لما لم يكن الدفع مسببا عن القضم أثبت "بثم" التي ~~لا تسبب فيها ولما بين الأخذ و [الدفع] (¬4) من التراخي. # الثامن: فيه إصلاح السواك وتهيئته للاستياك. # التاسع: فيه الاستياك بسواك الغير من غير كراهة. # قال الخطابي (¬5): على من يذهب [إليه] (¬6) بعض من يتقزز. PageV01P585 # وفي كلام الترمذي الحكيم ما يشعر بكراهة ذلك فإنه قال: [ولا تستاك] (¬1) ~~بسواك [غيرك] (¬2) وإن غسلته، فإن ابن عمر قال: "من استاك بسواك غيره فقد" ~~[الحفظ] " ((¬3) وهذا الحديث يرده. قال [الخطابي] (¬4): إلا أن السنة أن ~~يغسله ثم يستعمله. # تنيه: من المنكر ما رواه العقيلي عن عائشة قالت: لما مرض عليه الصلاة ~~السلام مرضه الذي مات فيه قال: "يا عائشة ائتيني بسواك رطب امضغيه ثم ~~ائتيني به أمضغه لكي يختلط ريقي بريقك لكي يهون (به) (¬5) علي عند الموت". ~~قال العقيلي (¬6): روى هذا سهيل بن إبراهيم الجارودي ولا يتابع عليه. # العاشر: قوله "إصبعه" فيه عشر لغات: [بتثليث] (¬7) الهمزة ms0215 PageV01P586 # والباء، والعاشرة (أصبوع) حكاه ابن سيده (¬1) وغيره، وقد جمعها ابن مالك ~~في بيت فقال: # تثليث با أصبع مع [شكل] (¬2) همزته ... من غير [قيد] (¬3) مع الأصبوع قد كملا # قال ابن سيده: [وأصحها] (¬4) كسر الهمزة وفتح الباء. # قال القرطبي في تفسيره: وروي عن أصابع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن المشيرة [منها] (¬5) كانت أطول من الوسطى ثم الوسطى [أقصر] منها، ثم ~~البنصر أقصر من الوسطى] (¬6)، ثم روى من حديث ميمونة بنت كردم أنها قالت: ~~لقد رأيتني أتعجب وأنا جارية من طول إصبعه التي تلي الإبهام على سائر ~~أصابعه. كذا ذكره، والذي في دلائل النبوة للبيهقي (¬7) أن ذلك في أصابع ~~رجليه لا في يديه، وقد ذكرت ذلك في اختصاري لتفسيره وتهذيبه، أعان الله على ~~إكماله. PageV01P587 # وقولها: "رفع يده أو إصبعه" ظاهره الشك فيجوز أن يكون منها أو من الراوي ~~عنها، والله أعلم بذلك. # الحادي عشر: "الرفيق الأعلى" الرفيق: هنا موحد في معنى الجمع كقوله ~~تعالى: {ثم يخرجكم طفلا} (¬1). # والأعلى: على بابها من التفضيل. # وقيل: بمعنى العالي. # قال القاضي عياض (¬2): وفيه أربع روايات "في الرفيق الأعلى" و "الرفيق" ~~و"بالرفيق" و"مع الرفيق"، قال: وفي معناها أربع تأويلات: # أحدها: أنه من أسماء الله تعالى (¬3)، وأنكره الأزهري ولا سيما مع رواية "مع". # ثانيها: أنه جماعة الأنبياء [عليهم الصلاة والسلام] (¬4) يدل عليه PageV01P588 # قوله في الحديث الآخر: {مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ...} (¬1) ~~الآية، وهو لفظ عام يقع على الواحد والجمع بلفظ واحد. # ثالثها: أنه مرتفق الجنة. # رابعها: أنه اسم لكل سماء، قاله الداودي: ووهم فيه؛ لأن السماء إنما هو ~~الرفيع بالعين، ويبعد مع رواية "الرفيق". # وقال الشيخ تقي الدين (¬2): الرفيق الأعلى إشارة إلى قوله تعالى: {ومن ~~يطع الله ورسوله} إلى قوله: {وحسن أولئك رفيقا (69)} (¬3) فيكون معناه: ~~الأعلى من نوع البشر، وقد ذكر بعضهم أن قوله تعالى: {صراط الذين أنعمت ~~عليهم} (¬4) إشارة إلى ما في هذه الآية وهي قوله تعالى: {مع الذين أنعم ~~الله عليهم}، فكان هذا تفسيرا لتلك، قال: وبلغني أنه صنف في ذلك كتاب تفسير ms0216 ~~فيه القرآن بالقرآن. # [قلت] (¬5): صنف السهيلي (¬6) كتابا في مبهمات القرآن (¬7) وذكر PageV01P589 # أن المنعم عليهم في الفاتحة هم المذكورون في الآية السالفة التي في سورة ~~النساء. # قال الشيخ (¬1): ويجوز أن يكون (الأعلى) من الصفات اللازمة التي ليس لها ~~مفهوم يخالف المنطوق، كما في قوله تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا ~~برهان له به} (¬2) وليس ثمة داع إلها آخر له به برهان، وكذلك {ويقتلون ~~النبيين بغير حق} (¬3) ولا يكون قتل النبيين إلا بغير الحق، كذا ذكره ~~[الشيخ] (¬4)، والزمخشري (¬5) يخالفه فإنه قال: إن قلت: قتل الأنبياء لا ~~يكون إلا [بغير] (¬6) حق، فما فائدة ذكره؟ # قلت: معناه أن قتلهم بغير حتى عندهم [لأنهم] (¬7) لم يقتلوا ولم يفسدوا ~~في الأرض ولا استوجبوا القتل بسبب يكون شبهة [لهم] (¬8) ومستندا، بل نصحوهم ~~ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، ولو أنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يوجب ~~عندهم القتل. # ثم قال الشيخ: فيكون "الرفيق" لم يطلق إلا على الأعلى الذي PageV01P590 # اختص الرفيق به، ويقوي هذا ما ورد في الروايات: "وألحقني بالرفيق" ولم ~~يصفه بالأعلى، وذلك دليل أنه المراد بلفظ الرفيق. # ويحتمل أن يعم الأعلى وغيره، ثم ذلك على وجهين: # أحدهما: أنه يختص [الرفيقان] (¬1) معا بالمقربين المرضيين، ولا شك أن ~~مراتبهم متفاوتة، فطلب عليه الصلاة والسلام أن يكون # في أعلى مراتب الرفيق وإن كان الكل من السعداء المرضيين. # الثاني: أن يطلق "الرفيق" بالمعنى الوضعي الذي يعم كل رفيق، ثم يخص منه ~~"الأعلى" بالطلب، وهو مطلق المرضيين، ويكون "الأعلى" بمعنى العالي، ويخرج ~~عنه غيرهم، وإن كان [اسم] (¬2) "الرفيق" منطلقا عليهم، قال الفاكهي، والوجه ~~الأول أليق بمحله - صلى الله عليه وسلم -. # وقال ابن العطار: وما ذكر من المجوزات في الرفيق الأعلى هو إذا لم يكن ~~فيه بيان منه - صلى الله عليه وسلم - وقد ثبت البيان فيه من حديث عائشة رضي ~~الله عنها قالت: "أغمي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورأسه في حجري ~~فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال عليه الصلاة والسلام: لا بل ~~أسأل الله الرفيق ms0217 الأعلى مع جبريل وميكائيل واسرافيل" (¬3) رواه ابن حبان ~~في صحيحه بإسناده الصحيح (¬4). PageV01P591 # الثانى عشر: قولها: "ثم قضى" أي مات - صلى الله عليه وسلم - بعد تكرار ~~هذه الكلمة ثلاثا، وذلك حين خير - صلى الله عليه وسلم -، ويؤخذ من ذلك ~~التلقين باللهم الرفيق الأعلى، وفي رواية لابن حبان أنه قال: "اللهم اغفر ~~لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى" (¬1). لكن صح عنه - صلى الله عليه وسلم ~~- في حقنا أنه قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" كما أخرجه مسلم (¬2) من ~~حديث أبي هريرة وأبي (¬3) سعيد الخدري، وقال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا ~~الله دخل الجنة". كما رواه أبو داود والحاكم من حديث PageV01P592 # معاذ (¬1)، قال الحاكم: صحيح الإسناد (¬2). # الثالث عشر: "الحاقنة": الوهدة المنخفضة بين الترقوتين من الحلق. # وعبارة الجوهري (¬3): هي ما بين الترقوة وحبل العاتق. والعاتق: موضع ~~الرداء قال: [هما] (¬4) حاقنتان. # وقيل: إنهما ما سفل من البطن. والمراد: يحقن الطعام [أي] (¬5) يجمعه، ~~ومنه المحقنة بكسر الميم التي يحتقن بها وجمعها # حواقن، ومن كلام العرب: لأجمعن دين حواقنك وذواقنك. # وأما الذاقنة ففيها أقوال: # أحدها: الذقن. # ثانيها: طرف الحلقوم، قاله الجوهري. PageV01P593 # ثالثها: ما يناله الذقن من الصدر. وعبارة بعضهم أنها نقرة النحر. # رابعها: أعلى البطن. # خامسها: أسفله. # وجاء في رواية أخرى: "ما بين سحري ونحري" (¬1) بالسين والحاء المهملتين ~~وبالمعجمتين وبالسين المهملة مع الجيم ومعنى # الأول: الرئة وما يتعلق بها، ومعنى الثانية: الضم إلى الصدر مع تشبيك ~~الأصابع، ومعنى الثالثة: ما بين اللحيين. # الرابع عشر: يستفاد من الحديث دخول أقارب الزوجة على الزوج في مرضه وغيره. # الخامس عشر: فيه أيضا جواز أن يكون الذي قربت وفاته جالسا مستندا إلى ~~زوجته ونحوها ممن يعز عليه. # ولا يشترط أن يوجه إلى القبلة على جنبه الأيمن أو على قفاه على العادة. # السادس عشر: أيضا نقل أحواله إلى أمته ليتبع. # السابع عشر: فيه أنه عليه السلام كان يحب السواك وقد فعله في مثل هذه ~~الحالة وهي آخر الأمر، وقد صحيح أصحابنا وجوبه عليه PageV01P594 # كما أوضحته في "غاية السول في خصائص ms0218 الرسول" (¬1) وفيما نقل عن ابن سبع ~~أن السواك يسهل الموت. # خاتمة: # توفي - صلى الله عليه وسلم - سنة إحدى عشرة من الهجرة بعد حجة الوداع ~~باثنتين وثمانين يوما. # وقيل: إحدى وثمانين. # قيل: لثمان خلت من ربيع الأول وهو الراجح عند جماعة، منهم ابن حزم (¬2). # وقال الواقدي: يوم الاثنين الثاني عشر منه، وعليه [جمهور] (¬3) العلماء ~~كما جزمت به في أول الكتاب. # وقال السهيلي (¬4) وأبو ربيع بن سالم: هذا لا يصح؛ لأن وقفة حجة الوداع ~~كانت يوم الجمعة تمت الشهور كلها أو نقصت أو تم بعضها أو نقص بعضها، ~~وتبعهما ابن دحية في المولد فقال: لا يصح بوجه إلا أنه توفي في أول يوم منه ~~أو ثانيه أو ثالث عشرة أو رابع عشرة أو خامس عشرة؛ للإجماع على أن وقفة ~~عرفة كانت يوم الجمعة. وقال الطبري (¬5): توفي يوم الاثنين لليلتين مضتا ~~منه. PageV01P595 # وقال أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي (¬1): في أول يوم منه، وكلاهما ممكن. # وكان ابتداء مرضه الذي مات فيه (وجع الرأس) في بيت عائشة. # وقيل: في بيت ميمونة (¬2). # وقيل: في بيت زينب. # وقيل: في بيت ريحانة، وذلك يوم الأربعاء [ثاني عشر] (¬3) ثاني من شهر صفر. # وقيل: لليلتين بقيتا، منه. # وقيل: لليلة بقيت منه. # وكان له - صلى الله عليه وسلم - من العمر يومئذ ثلاث وستون. # وقيل: خمس وستون. وقيل: ستون. # والأول: أكثر وأصح، وقد جاءت الأقوال الثلاثة في الصحيح. PageV01P596 # قال العلماء: والجمع بين الروايات أن من روى ثلاثا وستين لم يعد معهما ~~الكسور، ومن روى خمسا وستين عند سني المولد # والوفاة، ومن قال: ستين لم يعدهما، والمنقول عن الأكثرين أنه عليه السلام ~~(¬1) توفي حيث اشتد الضحى يوم الاثنين وبه جزم # عبد الغني. # وفي صحيح البخاري (¬2) أنه توفي في آخر ذلك اليوم. # وصحح الحاكم في الإكليل أنه توفي حين زاغت الشمس من يوم الاثنين ودفن تلك ~~[الساعة] (¬3) وقال: إنه أثبت الأقاويل. # وقيل: [دفن] (¬4) ليلة الثلاثاء. # وقيل: ليلة الأربعاء وسط الليل، ورجحه جماعة من العلماء، وقيل: # دفن يوم الأربعاء - صلى الله عليه وسلم -. PageV01P597 ### ||| AUTO ms0219 الحديث الرابع # 23/ 4/ 3 - عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "أتيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو يستاك [بسواك] (¬1)، قال: وطرف السواك على [لسانه] ~~(¬2) يقول: أع أع، والسواك في فيه، كأنه يتهوع" (¬3). # الكلام عليه من ستة أوجه: # وتقدم عليها أن قوله: أع أع إلى آخره [من] (¬4) أفراد البخاري كما بينه ~~الحميدي في جمعه بين الصحيحين. # أحدها: في التعريف براويه واسمه عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بفتح ~~أوله وتشديد ثانيه معجما على الأكثر. # الأشعري: نسبة إلى الأشعر، واسمه: بنت بن أدد. PageV01P598 # وقيل: إلى الأشعر بن سبأ أخي حمير بن سبأ. # وأمه: ظبية بنت وهب بن علي أسلمت وماتت بالمدينة. وكان هو [وأبو عامر] ~~(¬1) وأبو بردة وأبو رهم [بنو] (¬2) قيس إخوة أربعة أسلموا كلهم في موضع ~~واحد، صحابيون. وكان أبو موسى حليفا لبني عبد شمس، واختلف فيمن حالف منهم ~~على قولين: # أحدهما: أنه حالف بعد قدومه مكة مع إخوته في جماعة الأشعريين أبا أحيحة ~~سعيد بن العاص بن أمية، ثم أسلم بعد ذلك # وهاجر إلى أرض الحبشة، قاله الواقدي: # ثانيهما: أنه حليف آل عتبة بن ربيعة، قاله ابن إسحاق وذكره فيمن هاجر من ~~حلفاء بني عبد شمس إلى الحبشة. # واختلف في هجرة أبي موسى وقومه إلى أرض الحبشة على قولين: # أحدهما: أنه لما قدم مكة وحالف من حالف انصرف إلى بلاد قومه ولم يهاجر ~~إليها، ثم قدم مع إخوته [فصادف] (¬3) قدومه قدوم السفينتين من الحبشة، قاله ~~جماعة من أهل السير والنسب، وأصحهما كما قال أبو عمر: أنه لم يهاجر إليها ~~وإنما رجع بعد مخالفته إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم مع الأشعريين نحو ~~خمسين رجلا في سفينة، فألقتهم الريح إلى النجاشي بأرض الحبشة فوافقوا PageV01P599 # خروج جعفر وأصحابه منها فأقاموا معهم، وقدمت السفينتان معا سفينة ~~الأشعريين وسفينة جعفر وأصحابه على النبي - صلى الله عليه وسلم - في خيبر ~~فأسهم لهم ولم يسهم لأحد غاب عن فتح خيبر غيرهم. # وقيل: إنهم أقاموا بالحبشة بعد رمي الريح لهم إليها مدة ثم ms0220 خرجوا منها ~~بعد خروج جعفر فذكروا فيمن هاجر إليها. # عمل أبو موسى للنبي - صلى الله عليه وسلم - على زبيد وعدن إلى الساحل، ثم ~~ولاه عمر البصرة حين عزل عنها المغيرة، فلم يزل عليها إلى صدر من خلافة ~~عثمان فعزله عنها فانتقل إلى الكوفة، فسأل أهلها عثمان أن يوليه عليهم ~~فأقره عليها إلى أن قتل، فعزله [علي] (¬1) عنها، وكان في نفسه من ذلك إلى ~~أن جاء منه ما قال حذيفة فيه مما يكره ذكره، ثم كان من أمره يوم الحكمين ما ~~كان [قاله] (¬2) أبو عمر. # وذكر غيره أنه ولي الكوفة لعمر وتبعته فيما أفردته في رجال هذا الكتاب، ~~وشهد رضي الله عنه وفاة [أبي عبيدة] (¬3) بالأردن، وخطبة عمر بالجابية، ~~وقدم دمشق على معاوية. # روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثمائة وستون حديثا، اتفقا ~~منها على خمسين، قاله الحافظ عبد الغني. وقال ابن الجوزي: على تسعة ~~وأربعين. وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر، وروى عنه من الصحابة أنس ~~بن مالك، وخلق من التابعين، وأولاده أبو بردة PageV01P600 # وأبو بكر وإبراهيم وموسى. وروى عن جماعة من الصحابة، وكان من فقهائهم ~~ومشاهيرهم ونساكهم، وهو معدود من أهل البصرة. # سئل علي رضي الله عنه عنه فقال: صبغ في العلم صبغة. وكان من أحسن الناس ~~صوتا بالقرآن. قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: "لقد أوتي مزمارا من مزامير ~~[آل] (¬1) داود" (¬2). وكان عمر إذا رآه يقول: ذكرنا يا أبا موسى، فيقرأ ~~عنده. وقال الشعبي: كانت القضاة أربعة: عمر وعلي وزيد بي ثابت [وأبو] (¬3) ~~موسى رضي الله عنهم. وكان رضي الله عنه قصيرا خفيف اللحم [أثط] (¬4)، وفي ~~الحديث "يقدم عليكم الأشعريون" فلما أن قدموا تصافحوا فكانوا أول من أحدث ~~المصافحة. وقال الشعبي: كنت عمر في وصيته أن لا يتولى عامل أكثر من سنة ~~وأقرها الأشعري أربع سنين. ويروى أنه عليه السلام استغفر له، فقال: "اللهم ~~اغفر [لعبد الله] (¬5) بن قيس ذنبه وأدخله مدخلا كريما". # وفي وفاته ستة أقوال: # أحدها: سنة اثنتين وأربعين. # ثانيها: سنة أربع وأربعين في ms0221 ذي الحجة عن ثلاث وستين سنة. PageV01P601 # ثالثها: سنة خمسين. # رابعها: سنة ثلات وخمسين. # خامسها: سنة إحدى وخمسين. # سادسها: سنة اثنين. # وفي موضع قبره قولان: # أحدهما: بداره بالكوفة، وقال بعضهم: دفن بالثوبة على ميلين من الكوفة. # ثانيهما: بمكة، يقال: إنه خرج إلى مكة حياء من علي فمات بها. # ومناقبه وفضائله مستوفاة في تاريخ دمشق. # الوجه الثاني: قوله: "يقول أع أع" الضمير في (يقول) يحتمل أن يعود إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الظاهر فيكون القول حقيقة. # ويحتمل على بعد- أن يعود إلى السواك ويكون من باب: امتلأ الحوض وقال: ~~قطني. ووجه بعده: إن السواك ليس له صوت يسمع ولا قرينة حال تشعر بذلك. # الثالث: "أع أع" هو بضم الهمزة وسكون العين المهملة (¬1) وفيه ثلاث ~~روايات أخرى: # الأولى: "عا عا" رواه النسائي وابن خزيمة (¬2) وابن حبان. PageV01P602 # الثانية: "إخ إخ" بكسر الهمزة وخاء معجمة، رواه الجوزقي في صحيحه. # الثالثة: "أه أه" بهمزة مضمومة، وقيل: مفتوحة، والهاء ساكنة، رواه أبو ~~داود (¬1)، وكلها عبارة عن إبلاع السواك إلى أقاصي الحلق. # الرابع: قوله: "كأنه يتهوع" أي يتقيأ، أي له صوت كصوت التهوع الذي يتقيأ ~~لا أنه يتقيأ، قال ابن التياني (¬2) في الموعب: عن صاحب العين: هاع الرجل ~~يهوع هوعا وهواعا: جاءه القيء من غير تكلف فما خرج من حلقة هواعه، وهوعته ~~ما أكل، استخرجته من حلقي، وعن إسماعيل: الهوعا [مثال عسرا] (¬3) من ~~التهوع. # وعن قطرب (¬4): [الهيعوعة] (¬5) من الهواع. قال ابن [سيده] (¬6): PageV01P603 # هيعوعة في باب الواو، ولا يتوجه اللهم إلا أن يكون محذوفا. # الخامس: في الحديث الاستياك على اللسان [لقوله: "وطرف السواك على لسانه ~~يقول: "أع أع" وذلك إنما يتأتى بالاستياك على # اللسان] (¬1)، وقول الشيخ تقي الدين (¬2): إن اللفظ الذي أورده صاحب ~~الكتاب وإن كان ليس بصريح في الاستياك على اللسان فقد ورد مصرحا به في بعض ~~الروايات ليس بجيد فإنه صريح في ذلك كما قررته لك. # وفي مسند الإمام أحمد عن أبي موسى قال: "دخلت على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو يستاك وهو واضع طرف ms0222 السواك على لسانه يستن إلى فوق" فوصف حماد ~~كأنه يرفع سواكه. قال حماد: ووصفه لنا غيلان، قال: كأنه يستاك طولا (¬3). ~~وفي رواية للطبراني في أكبر معاجمه عنه قال: "أتينا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نستحمله فرأيته يستاك على لسانه". والعلة المقتضية للاستياك ~~على الأسنان موجودة في اللسان، بل هي أبلغ وأقوى لما يتصاعد إليه من أبخرة ~~المعدة لكن ذكر الفقهاء أنه يستحب أن يستاك عرضا. قال الشيخ (¬4) تقي ~~الدين: PageV01P604 # [وذلك] (¬1) في الأسنان وأما اللسان فقد ورد منصوصا عليه في بعض ~~الروايات: الاستياك فيه طولا. # قلت: كأنه يشير إلى رواية الإمام أحمد التي أسلفناها، وقد وردت أحاديث ~~ضعاف في الاستياك عرضا: # الأول: حديث عطاء بن أبي رباح رفعه: "إذا استكتم فاستاكوا عرضا" رواه أبو ~~داود في مراسيله، وفيه أيضا من لا يعرف حاله (¬2). # الثاني: حديث بهز بن حكيم "كان عليه السلام يستاك عرضا" (¬3). # الثالث: حديث ربيعة بن أكثم مثله (¬4). # الرابع: حديث عائشة: كان عليه السلام يستاك عرضا ولا يستاك طولا (¬5). # وهذه الأحاديث قد بينت من خرجها بعللها في تخريجي PageV01P605 # لأحاديث الرافعي (¬1)، وجمع بعضهم بين هذه الأحاديث وحديث الباب بأنها في ~~استياك الأسنان وهو عرضا، وحديث الباب في # استياك اللسان وهو طولا فلا تعارض بينها. # السادس: ترجم هذا الحديث باستياك الإمام بحضرة رعيته [وقدمت في آخر ~~الحديث الأول من باب السواك أن ابن حبان في صحيحه ترجم على الإباحة للإمام ~~أن يستاك بحضرة رعيته] (¬2) إذا لم يكن يحتشمهم، ثم ساق حديثا من طريق أبي ~~موسى (¬3). # [وأكثر] (¬4) التراجم التي يترجم بها أصحاب التصانيف على الأحاديث، إشارة ~~إلى المعاني المستنبطة منها، على ثلاث مراتب: منها [ما هو ظاهر في الدلالة ~~على المعنى المراد، ومنها ما هو [خفي] (¬5) الدلالة على المراد بعيد مستكره ~~لا يتمشى إلا بتعسف] (¬6)، ومنها ما هو [ظاهر] (¬7) الدلالة على المعنى ~~[المراد] (¬8) إلا أن فائدته قليلة لا تكاد تستحسن، مثل ما ترجم البخاري في ~~صحيحه (¬9) باب PageV01P606 # "السواك [والفتيا] (¬1) عند رمي الجمار". وهذا القسم يحسن إذا كان لمعنى ~~يخص الواقعة لا يظهر ms0223 لكثير من الناس في بادئ الرأي كترجمة هذا الحديث، فإن ~~الاستياك [من] (¬2) أفعال البذلة والمهنة، ويلازمه أيضا من إخراج البصاق ~~وغيره ما لعل بعض الناس يتوهم أن ذلك يقتضي إخفاءه وتركه بحضرة بعض الرعية، ~~وقد اعتبر الفقهاء ذلك في مواضع كثيرة كالأكل والشرب في المواضع التي لم ~~تجبر العادة بالأكل والشرب فيها كالطرق والأسواق [وهو] (¬3) الذي يسمونه ~~بحفظ المروءة (¬4). # فأورد هذا الحديث لبيان أن الاستياك ليس من قبيل ما يطلب إخفاؤه ويتركه ~~الإمام بحضرة الرعايا إدخالا له في باب العبادات # والقربات، ويحسن هذا القسم أيضا إذا كان فيه رد على مخالف في المسألة لم ~~تشتهر مقالته، مثل ما ترجم على أنه لا يقال: ما صلينا، فإنه نقل عن بعضهم ~~أنه كره ذلك، فرد عليه بقوله عليه السلام "ما صليتها" (¬5)، ويحسن أيضا إذا ~~كان سبب الرد على فعل شائع بين PageV01P607 # الناس لا أصل له فيذكر الرد على من فعل ذلك الفعل، كما اشتهر بين الناس ~~في هذا المكان التحرز عن قولهم: ما صلينا، إذ لم يصح أن أحدا كرهه، نبه على ~~ذلك الشيخ تقي الدين. PageV01P608 ### || AUTO 4 - باب المسح على الخفين # ذكر فيه المصنف حديث المغيرة، وحديث حذيفة، أما حديث المغيرة فلفظه: ### ||| AUTO الحديث الأول # 24/ 1/4 - عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: "كنت مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما ~~طاهرتين"، فمسح عليهما" (¬1). # والكلام عليه من وجوه تسعة: # أولها: في التعريف براويه وهو أبو عيسى المغيرة بضم الميم، وحكي كسرها، ~~ابن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب الثقفي، # أسلم عام الخندق وقدم مهاجرا وشهد الحديبية. # وأمه: أمامة بنت الأنعم بن أبي عمرو، قال ابن حبان: وهو أول من سلم عليه ~~بالإمرة، أحصن في الإسلام ثلاثمائة امرأة. وقيل: # ألف امرأة. PageV01P609 # قال مالك: وكان نكاحا للنساء، وكان ينكح أربعا جميعا ويطلقهن جميعا. وقص ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاربه على سواك وهذه منقبة لا نعرفها ~~لغيره من الصحابة. # روي ms0224 له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة وستة وثلاثون حديثا، اتفقا ~~على تسعة أحدها يجمع أحاديث، وانفرد البخاري بحديث يجمع حديثين، ومسلم ~~بحديثين، وهو ابن أخي عروة بن مسعود. روى عنه ابنه حمزة وعروة وعفان، ~~وكاتبه وزاد والشعبي وجماعة من التابعين، وكان يقال له: مغيرة الرأي؛ لكمال ~~عقله ودهائه. # بعثه - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف لهدم الربة وشهد اليمامة وأصيبت ~~عينه يوم اليرموك. وروي عن عائشة قالت: كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقام المغيرة بن شعبة فنظر إليها فذهبت عينه (¬1). وشهد ~~أيضا فتح الشام، والقادسية، وفتح الأهواز، وهمذان، ونهاوند، وكان على ميسرة ~~النعمان بن مقرن. وولي لعمر فتوحا. # قال الشعبي: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو بن العاصي، والمغيرة، ~~وزياد. فأما معاوية فللحلم والأناءة (¬2)، وأما عمرو فللمعضلات، وأما ~~المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير. وقال [الزهري] (¬3): دهاة ~~الناس [في الفتنة] (¬4) خمسة: PageV01P610 # عمرو، ومعاوية، وقيس بن سعد، والمغيرة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء ~~الخزاعي. وكان مع علي: ابن بديل، وقيس واعتزل المغيرة. وقال (¬1) داود بن ~~[أبي] (¬2) هند فيما نقله ابن زولاق في تاريخ عمرو بن العاصي [بعد أن ذكر ~~أن الدهاة أربعة: وإذا رأيت وردان غلام عمرو بن العاصي] (¬3) لم تدر أيهما ~~أدهى، ولقد كان عمرو كثيرا [ما يفزع] (¬4) إلى غلامه وردان في رأيه. # وقال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب ~~لا يخرج من باب منها إلا بمكر [لخرج] (¬5) من أبوابها كلها. قال المغيرة ما ~~غلبني أحد قط إلا غلام من بني الحارث بن كعب فإني خطبت امرأة منهم فأصغى ~~إلي الغلام، وقال: أيها الأمير لا خير لك فيها إني رأيت رجلا يقبلها. ~~فانصرفت عنها فبلغني أن الغلام تزوجها فقلت: ألست زعمت كيت وكيت؟ قال: ما ~~كذبت، رأيت أباها يقبلها. PageV01P611 # [قال] (¬1) ابن عبد البر: [لما] (¬2) شهد على المغيرة عند عمر عزله عن ~~البصرة وولاه الكوفة إلى أن قتل عمر فأقره عثمان ثم عزله عثمان فلم يزل ~~كذلك، ms0225 واعتزل صفين، فلما كان حين الحكمين لحق بمعاولة فولاه الكوفة. قال ~~أبو عبيد: توفي وهو أميرها سنة تسع وأربعين. قال الخطيب: مات سنة خمسين ~~بالإجماع. وكذا قال ابن حبان: مات سنة خمسين بالطاعون في شعبان وهو ابن ~~سبعين سنة، وقيل: سنة إحدى وخمسين. قال عبد الملك بن عمير: رأيت زيادا (¬3) ~~واقفا على قبر المغيرة وهو يقول: # إن تحت الأحجار حزما [وعزما] (¬4) ... وخصما ألدا ذا معلاق # حية في الوجار أربد لا ... ينفع منه السليم نفث الراقي # واستخلف عند موته ابنه عروة، وقيل: بل جريرا، فولى معاوية حينئذ الكوفة ~~زيدا مع البصرة، وجمع له العراقين. # الوجه الثاني: قوله: "كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر" هو في ~~غزوة تبوك قبل الفجر كما ثبت في بعض طرقه في الصحيح، وكانت غزوة تبوك في ~~رجب سنة تسع. # الثالث: قوله: "أهويت" يقال: أهوى إلى كذا بيده ليأخذه. وقال الأصمعي: ~~أهويت بالشيء إذا أومأت به، ويقال: أهويت له PageV01P612 # بالسيف، هذا في الرباعي، وأما في الثلاثي: فهوى بفتح الواو وهوى إذا سقط. # قال تعالى: {والنجم إذا هوى (1)} (¬1) يهوي بالكسر، وهوي بالكسر يهوى ~~بالفتح إذا عشق. # الرابع: قوله "لأنزع" هو بكسر الزاي. # والضمير في قوله عليه السلام "دعهما" للخفين وفي "أدخلتهما" للرجلين ~~فالضميران مختلفان. # ومعنى "طاهرين" أي بطهر الوضوء، إذ ذاك من شرط صحة المسح عليهما كما ~~ستعلمه. # وقوله: "فمسح عليهما" فيه إضمار تقديره (فأحدث فمسح عليهما) لأن وقت جواز ~~المسح بعد الحدث ولا يجوز قبله، لأنه على طهارة الغسل وإنما قلنا ذلك لأن ~~في بعض طرقه في الصحيح أنه عليه السلام "تبرز قبل الغائط [وأنه] (¬2) اتبعه ~~بالإداوة" (¬3) فتعين حمله على أن المراد: فأحدث فمسح عليهما [لا] (¬4) أنه ~~جدد الوضوء. # الخامس: في الحديث دلالة على جواز المسح على الخفين PageV01P613 # وهو جائز بإجماع من يعتد به في السفر لهذا الحديث، [وفي الحضر] (¬1)؛ ~~لحديث حذيفة الآتي بعده. # نعم، هل الأفضل غسل الرجلين إذ هو الأصل والغالب، أم المسح على الخف ردا ~~على الخوارج، أم متساويان لتقابلهما؟ فيه # [ثلاث] ms0226 (¬2) مذاهب: # ذهب إلى الأول جماعة من الصحابة وبه قال أصحابنا. # وذهب جماعة من التابعين إلى الثاني وهو الصحيح عن أحمد. # وذهب إلى الثالث أحمد في رواية، واختاره ابن المنذر. # وحكى المحاملي (¬3) [في] (¬4) المجموع وغيره من أصحابنا عن مالك ست ~~روايات: # أحدها: يجوز المسح. # ثانيها: يكره. # ثالثها: يجوز أبدا وهي الأشهر (¬5) والأرجح عند أصحابه. # رابعها: يجوز [مؤقتا] (¬6). PageV01P614 # خامسها: يجوز للمسافر دون الحاضر. # سادسها: عكسه، وكل هذا الخلاف مردود، وقد نقل ابن المنذر في كتابه ~~(الإجماع) (¬1) إجماع العلماء على الجواز، ودليله # الأحاديث المستفيضة فيه فعلا، حضرا وسفرا، وأمره بذلك وترخيصه فيه واتفاق ~~الصحابة فمن بعدهم عليه. # قال الإمام أحمد: ليس في قلبي منه شئ، فيه أربعون حديثا عن [أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -] (¬2) ما رفعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وما وقفوا. وقال [الميموني] (¬3) عن أحمد: سبعة وثلاثون صحابيا، وفي ~~رواية الحسن بن محمد عنه: أربعون، وكذا قال البزار في مسنده، وقال ابن أبي ~~حاتم: أحد وأربعون، وقال ابن عبد البر (¬4): روى عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة وأنه استفاض وتواتر. # قلت: وبلغتهم في [تخريج] (¬5) أحاديث الرافعي إلى ثمانين صحابيا فاستفده ~~منه فإنه من المهمات. # وقال ابن المنذر (¬6): روينا عن الحسن البصري: حدثني PageV01P615 # سبعون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يمسح على الخفين. # وعبارة الماوردي (¬1) في حكاية هذا عنه: حدثني سبعون بدريا. قال: وأراد ~~أنه سمع ذلك من بعضهم، وروي له ذلك عن بعضهم؛ لأنه لم يدرك سبعين بدريا. # قلت: ومن أشهر الروايات فيه حديث المغيرة الذي ذكره المصنف. # قال الشيخ تقي الدين في الإمام: [بلغني] (¬2) عن الحافظ أبي بكر البزار ~~أنه ذكر [أن] (¬3) حديث المغيرة بن شعبة يروى عنه من نحو ستين طريقا، ومن ~~أصحها رواية جرير بن عبد الله البجلي بفتح الباء والجيم معا. # قال البيهقي في سننه: روينا عن إبراهيم بن أدهم قال: ما سمعت في المسح ms0227 ~~على الخفين أحسن منه (¬4). # وقال البخاري: قال إبراهيم (¬5): كان يعجبهم -يعني هذا الحديث- لأن جريرا ~~كان من آخرهم إسلاما، أي لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة كما ثبت عنه في ~~الصحيح. PageV01P616 # وفي الطبراني عنه: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح على خفيه بعدما ~~نزلت سورة المائدة (¬1). وفي لفظ: وذلك بحجة الوداع. وكان أصحاب عبد الله ~~بن مسعود يعجبهم الأخذ بحديثه لتأخره ورده على من ظن أنه منسوخ أو شك في ~~جوازه وإزالته الإشكال فيه واللبس على [من] (¬2) التبس عليه، فصار حديث ~~جرير مبينا للمراد من الآية في غير صاحب الخف وأنه خصصها، فاشتهر بحمد الله ~~جواز المسح وعد شعارا لأهل السنة (¬3) وعد ترك القول به شعارا لأهل البدع ~~حتى إن الواحد منهم [ربما] (¬4) تآلى فيقول: برئت من ولاية أمير المؤمنين ~~ومسحت على خفي إن فعلت كذا. وروى الخطابي في معالمه (¬5) PageV01P617 # عن الحسن بن زيد أنه [مقت] (¬1) على كاتب له فحبسه وأخذ ماله فكتب إليه ~~من الحبس: # أشكو إلى الله ما لقيت ... أحببت قوما بهم بليت # لا أشتم الصالحين جهرا ... ولا [تشيعت] (¬2) ما بقيت # أمسح خفي ببطن كفي ... ولو على جيفة وطيت # قال: فدعا به من الحبس ورد عليه ماله وأكرمه. # السادس: قوله عليه السلام: "فإني أدخلتهما طاهرتين". يعني الطهارة ~~الشرعية بكمالها، لأنه لا يسمى متطهرا من تطهر في جميع # الأعضاء إلا لمعة، فكيف من ترك عضوا كاملا؟ # ولهذا قال أصحابنا: لو غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف ثم غسل الأخرى ~~فأدخلها الخف لم يجز المسح حتى ينزع الأولى ثم يلبسها ولا يحتاج إلى نزع ~~الثانية لأنها ليست بعد كمال الطهارة. وشذ بعض أصحابنا فأوجب نزع الثانية أيضا. # ومشهور مذهب مالك أنه لا يمسح في هذه الصورة. وقال مطرف: يمسح. # وهذا الذي ذكرناه من اشتراط الطهارة في اللبس هو مذهبنا ومذهب مالك وأحمد ~~وإسحاق، ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه علق الحكم بالمسح عليهما بإدخالهما ~~طاهرتين وذلك لا يقتضي PageV01P618 # إدخال إحداهما طاهرة دون الأخرى، والحكم المرتب على التثنية غير المرتب ~~على الوحدة ms0228 فيكون حالا منهما لا من كل واحد منهما. # وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري، ويحيى بن آدم، والمزني، وأبو ثور، وداود: ~~يجوز اللبس على الحدث ثم يكمل طهارته، واختاره ابن المنذر فيما إذا غسل ~~إحدى رجليه ثم لبس ثم غسل الأخرى. # وقال القاضي عياض: قال داود: يجوز المسح عليهما إذا كانتا طاهرتين وإن لم ~~يتسبح [الصلاة] (¬1). قال: والفقهاء على خلافه، وبناء (¬2) على حمل كلامه ~~عليه السلام على الطهارة اللغوية أو الشرعية وهو مختلف فيه بين الأصوليين: ~~هل يقدم العرف على اللغة أم لا؟ كما وقع الخلاف في وضوئه عليه السلام مما ~~مست النار. انتهى. والأصح عند الأصوليين العمل على الشرعي دون اللغوي. # وقال الشيخ تقي الدين (¬3): استدل بهذا الحديث بعضهم على اشتراط الطهارة ~~في اللبس لجواز المسح، فإنه علل عدم نزعهما # بإدخالهما طاهرتين وذلك يقتضي أن إدخالهما غير طاهرتين موجب للنزع، قال: ~~وقد استدل به بعضهم على أن إكمال الطهارة [فيهما] (¬4) شرط، حتى لو غسل ~~إحدى الرجلين وأدخلها الخف ثم غسل PageV01P619 # الأخرى وأدخلها الخف لم يجز المسح، وفي هذا الاستدلال عندنا ضعف أعني في ~~دلالته [في] (1) حكم هذه المسألة، [فلا] (2) يمتنع أن يعبر بهذه العبارة عن ~~كون كل واحدة منهما أدخلت طاهرة، بل ربما يدعي أنه طاهر في ذلك فإن الضمير ~~في قوله "أدخلتهما" يقتضي تعليق الحكم بكل واحد منهما، نعم من روى "فإني ~~أدخلتهما وهما طاهرتان" فقد يتمسك برواية هذا القائل من حيث إن قوله ~~"أدخلتهما" إذا يقتضي كل واحدة منهما، فقوله "وهما طاهرتان" حال من كل ~~واحدة منهما فيصير التقدير: أدخلت كل واحدة في حال طهارتها، وذلك إنما يكون ~~بكمال الطهارة، وهذا الاستدلال بهذه الرواية من هذا الوجه قد لا يتأتى في ~~رواية من روى "أدخلتهما وهما طاهرتين". # وعلى كل حال فليس الاستدلال بذلك القوي جدا، لاحتمال الوجه الآخر في ~~الروايتين معا، اللهم إلا أن يضم إلى هذا دليل يدل على أنه لا تحصل الطهارة ~~لأحدهما إلا بكمال الطهارة في جميع الأعضاء، فحينئذ يكون ذلك الدليل مع هذا ~~الحديث ms0229 مستندا لقول القائلين بعدم الجواز، أعني أن يكون المجموع هو المستند ~~فيكون هذا الحديث دليلا على اشتراط طهارة كل واحد منهما ويكون ذلك الدليل ~~دالا على أنها لا تطهر إلا بكمال الطهارة، ويحصل من هذا المجموع حكم ~~المسألة المذكورة في عدم الجواز. # هذا كلامه، ولا يخلو [بعضه من نظر كما نبه عليه الفاكهي PageV01P620 # فليتأمل، وأصرح من هذا الحديث] (1) في الدلالة حديث أبي بكرة وحديث صفوان ~~بن عسال -بفتح العين والسين المهملتين- أما حديث أبي بكرة رضي الله عنه ~~فلفظه: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرخص للمسافر ثلاثة أيام ~~[ولياليهن] (2) وللمقيم يوما وليلة إذا [تطهر] (3) فلبس خفيه أن يمسح ~~عليهما" حديث صحيح رواه ابن خزيمة (4) وابن حبان (5) في صحيحيهما، وقال ~~الشافعي: إسناده صحيح، وقال البخاري (6): حديث حسن، فشرط إكمال الطهارة ~~وعقبه بحرف الفاء. PageV01P621 # وأما حديث صفوان رضي الله عنه فرواه الدارقطني بلفظ: "أمرنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثا ~~إذا سافرنا يوما وليلة إذا أقمنا" (¬1). قال ابن خزيمة: ذكرت هذا للمزني ~~فقال: حدث به أصحابنا [إنه] (¬2) [ليس] (¬3) للشافعي حجة أقوى من هذا (¬4). # السابع: استدل بعض المالكية بقوله: "فإني أدخلتهما طاهرتين" على ما [إذا] ~~(¬5) نكس وضوءه (¬6) فغسل رجليه ابتداء ولبس الخف ثم كمل وضوءه فهل يمسح ~~بعد ذلك؟ قال مالك في العتبية: لا يفعل فإن فعل فلا شيء عليه. قال صاحب ~~البيان [والتعريف] (¬7): والمشهور من المذهب عدم المسح، واستدل به أيضا على ~~ما إذا غسل رجليه ثم لبس الخف ثم نام قبل كمال طهارته هل يمسح عليهما في ~~وضوء ثان أم لا؟ وفيه روايتان عن مالك حكاهما PageV01P622 # الباجي (¬1)، والرجلان في الصورتين أدخلتا بعد طهارتهما، وما أبعد هذا ~~الاستدلال فإن هذا إخبار منه عليه السلام عما فعله، ولم ينقل قط أنه توضأ ~~منكوسا (¬2). # الثامن: استدل به بعضهم أيضا على المسح على الخف في طهارة التيمم لأنها ~~طهارة شرعية، وعند المالكية حكاية قولين في # ذلك، وعند أصحابنا أنه إن كان التيمم لإعواز الماء ms0230 لزمه النزع والوضوء، ~~كان لم يكن لإعوازه مسح واستباح فرضا واحدا ونوافل. # التاسع: استدل بعضهم بقوله " [فمسح] (¬3) عليهما" على أن المشروع مسح ~~الأعلى وهو الظاهر؛ لأن لفظة "على" ظاهرة في # ذلك، ومشهور مذهب مالك وجوب مسح الأعلى واستحباب مسح الأسفل، لكن إن ~~اقتصر على الأعلى استحب له الإعادة في الوقت. وقال أشهب: أيهما مسح أجزأه. ~~وقال ابن نافع: يجب مسحهما (¬4). # ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يسن مسح أعلاه وأسفله خطوطا وأنه يكفي ~~مسمى مسح يحاذي الفرض إلا أسفل رجل # وعقبها وحرف الخف فإنه لا يكفي. # خاتمة: لا فرق في جواز المسح بين أن يكون لحاجة أم لا، PageV01P623 # حتى يجوز للمرأة الملازمة لبيتها والزمن الذي لا يمشي، ونقل النووي في ~~شرحه لمسلم (¬1) الإجماع عليه. # وعند المالكية: أنه يشترط في جواز المسح على الخف أن يكون لبسه على الوجه ~~المعتاد عند الناس في لباس الخفاف، فإن # لبسه لا لغرض سوى الترخص بالمسح، أو كانت امرأة خضبت بالحناء فلبست للمسح ~~ولئلا تغسل الحناء وشبه ذلك؛ فالمشهور # عندهم أن هؤلاء لا يمسحون، فإن فعلوا ففي الإعادة خلاف. # واعلم أن محل الخوض في شروط المسح وصفته والواجب منه والمسنون وكم يصلي ~~به فرضا كتب الفروع، وقد بسطنا ذلك فيها ولله الحمد. PageV01P624 ### ||| AUTO الحديث الثاني # (¬1) # 25/ 2/ 4 - عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "كنت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -[في سفر] (¬2) فبال، وتوضأ، ومسح على خفيه" (¬3). # مختصر الكلام عليه من وجوه خمس: # أحدها: في التعريف براويه، وقد تقدم في الباب قبله. PageV01P625 # ثانيها: هذا الحديث لفظه في الصحيحين عنه قال: "كنت مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائما فتنحيت فقال: ادنه، فدنوت منه ~~حتى قمت عند عقبه فتوضأ" زاد مسلم "فمسح خفيه" قال عبد الحق: في الجمع بين ~~الصحيحين: ولم يذكر البخاري في روايته هذه الزيادة. # وفي رواية للبيهقي "سباطة قوم بالمدينة". # قال أبو عمر: لم يقل فيه (بالمدينة) غير عيسى بن يونس وهو ثقة فاضل، إلا ~~أنه خولف في ms0231 ذلك عن الأعمش، وسائر الرواة عن # الأعمش لا يقولون فيه (بالمدينة). # قلت: قد تابعه محمد بن طلحة بن مصرف وأبو [الأحوص] (¬1) فقالا فيه عن ~~الأعمش (بالمدينة) كما ذكره الإسماعيلي في جمعه لحديث الأعمش. # ثالثها: قوله: " [فبال] (¬2) فتوضأ ومسح على خفيه" فيه بيان للإضمار في ~~الحديث قبله وقد أسلفناه هناك مبينا في رواية أخرى. # رابعها: فيه تصريح بجواز المسح [على حدث] (¬3) البول. وفي حديث صفوان بن ~~عسال ما يقتضي جوازه [على] (¬4) حدث الغائط وعن النوم أيضا ومنعه عن ~~الجنابة، وهو حديث صحيح، قال PageV01P626 # الترمذي فيه: حديث حسن صحيح (¬1). # [خامسها] (¬2): ترجم البخاري على هذا الحديث: البول عند صاحبه والتستر ~~بالحائط (¬3)، والبول عند سباطة قوم (¬4)، والبول قائما وقاعدا (¬5)، وكأنه ~~أخذ البول قاعدا منه بطريق الأولى؛ لأنه إذا جاز البول قائما فقاعدا أجوز. # [سادسها] (¬6): السباطة المذكورة في الرواية التي ذكرناها: ملقى القمامة. # وبوله عليه السلام قائما إما للاستشفاء لوجع الصلب أو الركبة، وإما أنه ~~لم يجد مكانا، وإما أن يكون لبيان الجواز، وإما أن يكون لأنها حالة يؤمن ~~معها خروج الحدث من السبيل الآخر بخلاف القعود، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ~~"البول قائما أحصن للدبر" (¬7). # قال المنذري: لعله كانت في السباطة نجاسات رطبة وهي رخوة يخشى أن تتطاير ~~عليه. PageV01P627 # وفي صحيح الحاكم من حديث أبي هريرة أنه فعل ذلك لجرح كان بمأبضه ثم قال: ~~رواته كلهم ثقات (¬1) وهو يؤيد أن ذلك كان لوجع الركبة. # قال العلماء: يكره البول قائما كراهة تنزيه (¬2). كان ابن سعد (¬3) لا ~~يجيز شهادة من بال قائما (¬4). # وقال مالك (¬5): إن كان في مكان يتطاير إليه شيء من البول فمكروه وإلا ~~فلا بأس به. # وأما حديث عائشة: "من حدثك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بال ~~قائما فلا تصدقه، أنا رأيته يبول قاعدا" صححه أبو عوانة (¬6)، وابن حبان ~~(¬7)، PageV01P628 # والحاكم (¬1)، وقال الترمذي: هو أحسن شئ في الباب وأصح (¬2): فجعله أبو ~~عوانة ناسخا لحديث حذيفة (¬3). # وقال البيهقي: مرادها ما بال قائما في منزله. # وقال مجاهد (¬4): ما بال قائما إلا مرة واحدة في ms0232 كثيب أعجبه، وهو غريب، ~~فقد رواه حذيفة أيضا. # وقال ابن المنذر: البول جالسا أحب إلى وقائما مباح (¬5)، وكل ذلك ثابت ~~عنه - صلى الله عليه وسلم -. # وقال الباجي (¬6) للبائل أربعة أحوال: فإن كان الموضع رخوا PageV01P629 # طاهرا جاز قائما وقاعدا، وإن [كان] (¬1) صلبا نجسا امتنعا، وإن كان صلبا ~~طاهرا جاز قاعدا فقط، وإن كان رخوا نجسا جاز قائما فقط وعليه يحمل هذا ~~الحديث، [وبوله] (¬2) عليه السلام في سباطة القوم لأنهم كانوا يؤثرون ذلك، ~~وإنما [لم] (¬3) يبعد عليه السلام لأجل شغله بأمور المسلمين فلعله طال عليه ~~المجلس حتى حصره البول ولم يمكنه التباعد كعادته وأراد السباطة لدمثها، ~~وإنما استدناه عليه السلام عن أعين الناس ليستتر به عنهم. ولهذا قال بعضهم: ~~السنة القرب في حق القائم، وفي حق القاعد الإبعاد عنه (¬4)، حكاه القاضي عياض. # ويستفاد من الحديث أيضا أن الإنسان إذا احتاج إلى البول لا يؤخره وهو مضر ~~جدا من جهة [الطب] (¬5). PageV01P630 ### || AUTO 5 - باب في المذي وغيره # المذي بالذال المعجمة أفصح من المهملة [والأصح] (¬1) الأشهر إسكان الذال ~~أيضا، وفيه لغة ثانية وهي مشهورة أيضا: بكسرها وتشديد الياء، وصوبها أبو ~~عبيد، وفي لغة ثالثة: كسر الذال مع تخفيف الباء، وحكى المطرزي (¬2): مذى، ~~وأمذى، ومذى، الثالثة بالتشديد، وهو: ماء رقيق لزج يخرج عند شهوة لا بها ~~ولا يحس بخروجه، وهو [من] (¬3) النساء أغلب منه في الرجال، يقال: كل ذكر ~~يمذي وكل أنثى تمذي، يقال: وقذت الشاه (¬4): ألقت بياضها من رحمها. # وذكر المصنف رحمه الله في الباب ستة أحاديث: PageV01P631 ### ||| AUTO الحديث الأول # 26/ 1/ 5 - عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "كنت رجلا مذاء ~~فاستحييت أن أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمكان ابنته [مني] (¬1) ~~فأمرت المقداد [بن الأسود] (¬2) فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ (¬3) ~~وللبخاري "اغسل ذكرك وتوضأ". ولمسلم "توضأ وانضح فرجك" (¬4). PageV01P632 # الكلام عليه من ستة وعشرين وجها: # الأول: في التعريف [براويه] (¬1) هو أمير المؤمنين أبو الحسن وأبو تراب. # وقل: إنه يقال له وصي لاتصال نسبه [ونسمه] (¬2) بنسب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ونسمه، ms0233 ولا يحفظ هذا الاسم في حقه عن أحد من السلف المقدى بهم ~~فإن صح ذلك [فهذا] (¬3) وجهه الذي ذكره أهل اللغة، فلا [يتعلق] (¬4) به ذو ~~بدعة أنه عليه السلام وصى إليه بالخلافة لم يكن ذلك قط. # واسم والده أبي طالب عبد مناف وافترى من ادعى من الشيعة أن اسمه عمران. # وقيل: اسمه كنيته، ابن عبد المطلب ويقال [له] (¬5): شيبة الحمد بن هاشم ~~واسمه عمرو بن قصي واسمه زيد، القرشي # الهاشمي، ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV01P633 # أمه: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، من ~~كبار الصحابيات، هاجرت إلى المدينة وتوفيت في حياة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وصلى عليها، ونزل في قبرها. # وقيل: بل ماتت بمكة في الهجرة، والأول أشهر. # وروى عنه أمم لا يحصون، منهم أولاده: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، ~~وفاطمة، وعمر، وابن أخيه عبد الله بن جعفر، # وابن [عمه] (¬1) عبد الله بن عباس، وكاتبه عبد الله بن أبي رافع، وشريح ~~القاضي، والشعبي. # روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسمائة حديث وستة وثمانون ~~حديثا، اتفقا منها على عشرين، انفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، قاله ~~الحافظ عبد الغني. وقال ابن الجوزي: له خمسمائة حديث وسبعة وثلاثون حديثا ~~مثل عمر رضي الله عنه. # وهو رابع الخلفاء وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأقضى الأمة وأول ~~خليفة أبواه هاشميان ولم يل بعده ممن أبواه هاشميان غير محمد الأمين بن ~~زبيدة. وهو من النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة هارون من موسى في ~~الأخوة وشد الأزر -ليس في النبوة- في حياته وبعد موته. وكان علي يقول أنا ~~عبد الله [و] (¬2) أخو رسوله لا يقولها غيري إلا كذاب. # وشبهه عليه السلام بعيسى في كونه يهلك فيه طائفتان من PageV01P634 # اليهود والنصارى، حيث جعلته إحداهما ولد زانية فكفروا بذلك، والأخرى ابن ~~الله فكفروا بذلك، فكذلك هلك في علي طائفتان: محب مفرط، ومبغض مفرط، فمن ~~كفره أو بدعه أو استنقصه فهو ضال هالك، ومن رقاه إلى ms0234 الإلهية أو النبوة أو ~~التقدمة في الخلافة على من تقدمه من الخلفاء أو التفضيل عليهم فهو ضال ~~هالك، فعيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وعلي ابن عم ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - وزوج ابنته فاطمة البتول، ودعا له رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بالرحمة وأن يدور الحق معه حيث دار. # وهو أول من أسلم وصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصبيان وعمره ~~إذ ذاك ثلاث عشرة على الأصح، وتزوج بفاطمة سنة اثنين من الهجرة، وقال زوجتك ~~سيدا في الدنيا والآخرة. # وشهد معه - صلى الله عليه وسلم - مشاهده كلها إلا تبوك، خلفه على المدينة ~~وعلى عياله، فقال: يا رسول الله! تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال "ألا ~~ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" رواه البخاري، ~~قال ابن عبد البر وهو من أثبت الأحاديث. وقال في حقه: "من كنت مولاه فعلي ~~مولاه" أي من كنت ناصره ومؤازره فعلي كذلك، وفي رواية: "اللهم وال من والاه ~~وعاد من عاداه". وعن ابن عباس أنه عليه السلام قال لعلي: "أنت ولي كل مؤمن ~~من بعدي" ذكره أبو عمر. # وروى جماعة من الصحابة أنه عليه السلام قال يوم خيبر: "لأعطين الراية ~~رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ليس PageV01P635 # بفرار، يفتح الله على يديه، ثم دعا بعلي وهو أرمد فتفل في [عينيه] (¬1) ~~وأعطاه الراية ففتح الله عليه". وبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى اليمن وهو شاب ليقضي بينهم فقال: يا رسول الله إني لا أدري ما القضاء، ~~فضرب صدره بيده وقال: "اللهم اهد قلبه وسدد لسانه" قال: فوالله ما شككت ~~بعدها في قضاء بين اثنين. # وكان عمره مبدأ النبوة عشر سنين وبقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بعدها بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، ومدة خلافة أبي بكر وعمر ~~وعثمان وخلافته وجملتها ثلاثون سنة، وكان عمره ثلاثا وستين، هذا هو الصحيح ~~المختار في مدة عمره. وقال ابن حبان: اثنين ms0235 وستين. # وقد أفرد العلماء ترجمته بالتصنيف، قال الإمام أحمد: لم يرو في فضائل ~~الصحابة بالأسانيد الحسان ما روي في فضائله مع قدم إسلامه. وكان رضي الله ~~عنه من ينابيع [الخير] (¬2) [في الصحابة وأكثرهم علما وأعظمهم حلما، ومن ~~كلامه: "ليس الخير أن يكثر مالك وولدك [ولكن] (¬3) [الخير] (¬4) أن يكثر ~~علمك ويعظم حلمك وأن تباهي الناس بعبادة ربك، فإن أحسنت حمدت الله وإن أسأت ~~استغفرت الله، ولا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: [رجل] (¬5) أذنب PageV01P636 # ذنوبا فهو يتدارك [منها] (¬1) بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات، ولا يقل ~~عمل في تقوى وكيف يقل ما تقبل (¬2). # ومن كلامه "احفظوا عني خمسا فلو ركبتم الإبل في طلبهن لا تصيبونهن قبل أن ~~تدركوهن، لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا # ذنبه، ولا يستحي جاهل أن يسأل عما لا يعلم، ولا يستحي عالم إذا سئل عما ~~لا يعلم أن يقول: الله أعلم، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا ~~إيمان لمن لا صبر له". # ومن كلامه أيضا: "إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فأما ~~اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فيصد عن الآخرة، ألا وإن الدنيا ~~قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا ~~من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، ~~وغدا حساب ولا عمل". # ومن كلامه أيضا: "أشد الأعمال ثلاثة: إعطاء الحق من نفسك، وذكر الله على ~~كل حال، ومواساة الأخ في المال". # وكان رضي الله عنه من الزهاد (¬3) يلبس ثيابا رثة فعابوا عليه لباسه، ~~فقال: تعيبون علي لباسي وهو أبعد لي من الكبر وأجدر أن يقتدي بي المسلم. ~~وقال يوما وفد فرق جميع ما في بيت المال على PageV01P637 # الناس حتى كنسه [ثم] (¬1) أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين رجاء أن يشهد له يوم ~~القيامة: "يا صفراء ويا بيضاء غري غيري". وقال: "لقد رأيتني أربط الحجر على ~~بطني من شدة الجوع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0236 -[وإن] (¬2) ~~صدقتي اليوم أربعون ألف دينار". # ولي رضي الله عنه الخلافة خمس سنين، وقيل: إلا أربعة أشهر، وقيل: إلا ~~شهرين وأياما، وقال ابن حبان في ثقاته: خمس سنين وثلاثة أشهر إلا [أربعة ~~عشر] (¬3) يوما، ولم يقم بالمدينة بعد الخلافة غير أربعة أشهر، ثم سار إلى ~~العراق في سنة ست وثلاثين. وكان ما كان وقتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي ~~-وكان فاتكا ملعونا- ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وقيل غير ~~ذلك، سنة أربعين وهو عام الجماعة. # قال ابن حبان في ثقاته: واختلفوا في موضع قبره ولم يصح عندي شيء من ذلك ~~فأذكره، وقيل: إنه دفن بالكوفة في قصر الإمارة عند مسجد الجامع وعمي قبره، ~~وقيل: برحبة الكوفة، وقيل: بنجف الحرة، وقيل: نقل إلى المدينة ودفن ~~بالبقيع، وقال أبو جعفر الباقر: جهل قبره، وغسله الحسن والحسين وعبد الله ~~بن جعفر وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وحنط بحنوط فضل من حنوط PageV01P638 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى عليه الحسن وكبر أربعا، وقيل ~~تسعا، ليلا في المسجد. # قال أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي: قال عبد الله بن سلام المشهود له ~~بالجنة: ما قتلت أمة نبيا إلا قتل به منهم سبعون ألفا، ولا قتلوا خليفتهم ~~إلا قتل به منهم خمسة وثلاثون ألفا، وكان له رضي الله عنه من الولد أربعون ~~[إلا] (¬1) ولدا، خمسة (¬2) من فاطمة الزهراء: الحسن والحسين ومحسن وأم ~~كلثوم الكبرى وزينب الكبرى، [والنسل] (¬3) منهم بخمسة كما قال القضاعي في ~~عيون الأخبار: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وعمر الأكبر والعباس الأكبر. # وكان علي رضي الله عنه أصغر ولد أبيه، كان أصغر من جعفر بعشر سنين، وكان ~~جعفر أصغر من عقيل بعشر [سنين] (¬4)، [وكان] (¬5) عقيل أصغر من طالب بعشر، ~~وأم الجميع فاطمة بنت أسد المقدم ذكرها. # ومبارزته في بدر والخندق وغيرهما مشهورة، ولم يبارزه أحد إلا قتله، ~~وشجاعته يضرب بها المثل، وكان ممن بذل نفسه في الله PageV01P639 # ورسوله قام على فراشه وخلفه في مكانه حين أرادوا قتله فعلم الله ms0237 مكانة ~~صدقه فوقاه سيئات ما مكروا، ومناقبه ومآثره رضي الله عنه لا تحصى وقد ذكرت ~~طرفا منها فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب، وذكرت فيه أن في ~~الرواة من اسمه علي بن أبي طالب ثمانية غيره فاستفدهم منه. # الوجه الثاني: وقع في الحديث ذكر المقداد بن الأسود فينبغي ذكر طرف من ~~حاله: هو المقداد بن [عمرو] (¬1) بن ثعلبة بن مالك الكندي الهراني، أبو ~~عمرو، [ويقال: أبو الأسود] (¬2) ويقال: أبو معبد [المكي] (¬3) وهو حليف ~~الأسود بن عبد يغوث الزهري، وكان الأسود قد تبناه وحالفه في الجاهلية فقيل ~~ابن الأسود، ويقال: كان في حجره، ويقال: كان عبدا حبشيا [للأسود] (¬4) ~~فتبناه، وقال ابن حبان: كان أبو المقداد حالف كندة فلذلك قيل الكندي، شهد ~~المشاهد كلها، وكان فارس المسلمين يوم بدر باتفاق، واختلف في الزبير فقيل: ~~كان فارسا معه أيضا، وقد هاجر قبل الحبشة، وكان من الرماة المذكورين، وهو ~~أحد الستة الذين أظهروا إسلامهم. # قال ابن عبد البر: وكان من الفضلاء النجباء الكبار الخيار من الصحابة وهو ~~أحد الأربعة عشر النجباء الوزراء الرفقاء الذين أعطيهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كما كان للأنبياء قبله. PageV01P640 # روى عنه علي وابن عباس وآخرون من الصحابة وكبار التابعين، وروي له اثنان ~~وأربعون حديثا، اتفقا [منها] (¬1) على واحد، # وانفرد مسلم ثلاثة. # مات بأرضه بالجرف على عشرة أميال من المدينة فحمل ودفن بالمدينة، وصلى ~~عليه عثمان سنة ثلاث وثلاثين عن نحو سبعين سنة، وأوصى للزبير بن العوام، ~~وروي عنه أنه شرب دهن الخروع فمات، وعن كريمة ابنة المقداد أن أباها أوصى ~~للحسن والحسين بستة وثلاثين ألف درهم، وأوصى لكل واحدة من أمهات المؤمنين ~~بسبعة آلاف فقبلوا وصيته. # روى بريدة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أمرني [الله] (¬2) ~~بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم: علي، وأبو ذر، وسلمان، والمقداد" وسمعه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ رافعا صوته فقال: "أواب" وقال للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو على المشركين: لا نقول لك كما قال [قوم] ms0238 ~~(¬3) موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا أنا ها هنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن ~~يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك، فأشرق وجه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - (¬4) وسره، قال ابن مسعود: شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه ~~أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، فذكره. PageV01P641 # الوجه [الثالث] (¬1): الرواية الثانية التي عزاها المصنف للبخاري لفظه ~~فيها: "فأمرت رجلا يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - لمكان ابنته، فسأله ~~فقال: توضأ واغسل ذكرك"، ونص الحميدي في جمعه أيضا على أنها من أفراد ~~البخاري، وترجم البخاري على هذه الرواية: باب: غسل المذي والوضوء منه (¬2)، ~~وذكره أيضا في باب (¬3): من لم ير الوضوء إلا من المخرجين، ولفظه فيه: ~~"فسأله المقداد فقال: [فيه] (¬4) الوضوء" وهذه أخرجها مسلم، والرواية ~~الثالثة التي عزاها المصنف إلى مسلم (¬5) رواها من طريق مخرمة بن بكير عن ~~أبيه عن سليمان بن يسار عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب: أرسلنا ~~المقداد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "فسأله عن المذي يخرج من ~~الإنسان كيف يفعل؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: توضأ وانضح ~~فرجك" ونص الحميدي في جمعه أيضا على أنها من أفراد مسلم، واستدرك الدارقطني ~~على مسلم هذا الإسناد وقال: قال حماد بن خالد (¬6): سألت مخرمة (¬7): سمعت ~~من أبيك؟ فقال لا. وقد خالفه الليث عن PageV01P642 # بكير فلم يذكر فيه ابن عباس، وتابعه مالك عن أبي النضر (¬1). # قلت: وذهب بعضهم إلى أنه سمع من أبيه (¬2). وفي رواية للكجي (¬3) في ~~سننه: "كل فحل يمذي وليس فيه إلا الطهور". # الوجه الرابع: قوله: "كنت رجلا مذاء" فيه احتمالان: # أحدهما: أن ذلك حكاية عما مضى وانقطع عنه حين إخباره به وهو بعيد، ~~وأظهرهما (¬4): أن هذه حالة مستدامة له ويكون من باب قوله تعالى: {وكان ~~الله عليما حكيما (111)} (¬5). أي أنه لما علم الناس أنه تعالى عليم حكيم ~~قيل لهم، ولذلك كان في الأول على ما هو عليه الآن. PageV01P643 # الخامس: قوله: "مذاء" أي كثير المذي وهو بفتح الميم وتشديد الذال المعجمة ~~على الأفصح، ms0239 وبالمد صيغة مبالغة على زنة فعال كضراب من الضرب، وفي رواية ~~لأبي داود (¬1) والنسائي (¬2) وابن حبان (¬3) بعد مذاء "فجعلت أغتسل في ~~الشتاء حتى تشقق ظهري فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -أو ذكر ~~له- فقال: لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا ~~فضخت الماء فاغتسل". # [ومعنى] (¬4) "فضخت" بالفاء والخاء المعجمة: دفقت، وفي سنن البيهقي (¬5) ~~من حديث ابن جريج عن عطاء أن عليا "كان يدخل في إحليله الفتيلة من كثرة ~~المذي". # السادس: قوله "فاستحييت" هذه اللغة الفصيحة فيه بيائين، ويقال (استحيت) ~~أيضا بياء واحدة. # السابع: المراد بالحياء هنا: تغير وانكسار يعرض للإنسان من تخوف ما يعاتب ~~به أو يذم عليه، وأما الحياء الشرعي الممدوح عليه الذي لا يأتي إلا بخير ~~فهو: رؤية النعم ورؤية التقصير فيتولد PageV01P644 # بينهما حالة تسمى حياء، وتلك حالة حاملة على مزيد الشكر واستقصار ~~الأعمال، والحياء المذموم كالحياء المانع من التعلم، # وحياء علي رضي الله عنه لم يقض عليه ولهذا أرسل وسأل. # الثامن: قوله: "أن أسأل" تقديره (من أن أسأل) وحرف الجر يحذف من أن وإن قياسا. # ثم اختلف: هل يكون أن وإن في موضع نصب أو جر؟ فيه خلاف للنحاة. # التاسع: قوله: "لمكان ابنته" هو علة الاستحياء، فإن [المذي] (¬1) يكون ~~غالبا عند ملاعبة الرجل أهله وقبلتها ونحو ذلك من أنواع الاستمتاع، ففيه ~~استعمال الأدب ومحاسن [العبارات] (¬2) في ترك المواجهة بما يستحيا منه عرفا. # العاشر: قوله: "فأمرت المقداد بن الأسود" وكذا هو في الصحيحين وفي رواية ~~للبخاري أسلفناها: "فأمرت رجلا" وفي رواية أحمد والنسائي وابن حبان "فأمرت ~~عمار بن ياسر" وفي صحيح ابن خزيمة وغيره "أن عليا سأل" من غير شك، وجمع ابن ~~حبان (¬3) بينهما: بأن يحتمل أن يكون عليا أمر عمارا أن يسأل ثم أمر ~~المقداد أيضا، ثم سأل بنفسه، وهو جمع حسن، ويؤيده رواية عبد الرزاق PageV01P645 # عن ابن جريج عن عطاء: أخبرني [عائش] (¬1) بن أنس قال: تذاكر علي وعمار ~~والمقداد المذي فقال علي: إنه رجل مذاء فسالا عن ذلك النبي - صلى ms0240 الله عليه ~~وسلم -، قال [عائش] (¬2): فسأله أحد الرجلين -عمارا والمقداد- قال عطاء: ~~وسقاه عائش، ونسيته" قال ابن عبد البر: حديث المذي صحيح ثابت عند أهل العلم ~~له طرق شتى عن علي والمقداد وعمار وكلها صحاح (¬3)، أحسنها رواية عبد ~~الرزاق (¬4) هذه. # وأما النووي فجمع في شرح المهذب (¬5) بينها بأن قال رواية "فذكرت ذلك ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -" المراد: أمرت من ذكر كما جاء في معظم ~~الروايات، قال: وتحمل رواية "فأمرت المقداد" ورواية "فأمرت عمارا" على أنه ~~أمر أحدهما ثم أمر الآخر قبل أن يخبر الأول. # قلت: وفي الفاصل للرامهرمزي "أنه عليه السلام هو السائل له لما رءاه ~~شاحبا، فقال له: يا علي لقد أشحبت، قلت: شحبت من اغتسال الماء وأنا رجل ~~مذاء [فإذا] (¬6) رأيت منه شيئا اغتسلت، قال: PageV01P646 # لا تغتسل منه يا علي" الحديث. # [اعلم] (¬1) أن ابن [بشكوال] (¬2) صحيح أن السائل هو المقداد لا عمار بن ~~ياسر (¬3)، وقد علمت أن كلاهما صح مع زيادة وجمع بينهما (¬4). # الحادي عشر: [قوله] (¬5) "وانضح فرجك" هو بكسر الضاد المعجمة، نص عليه ~~الجوهري وغيره فمن فتحها فقد أخطأ، وهي # بالحاء المهملة أيضا، كذا [بخطه] (¬6). # قال الشيخ تقي الدين (¬7): وكذا الرواية لا يعرف غيره، قال: ولو روي ~~بالخاء المعجمة لكان أقرب إلى معنى الغسل فإن النضخ PageV01P647 # بالمعجمة أكثر من المهملة (¬1). # قلت: هذا قول كما ستعرفه في أثناء الحديث [الثالث] (¬2) إن شاء الله. # الثاني عشر: المراد بالنضح هنا الغسل بدليل الرواية الأولى والثانية، وفي ~~حديث أم قيس الآتي الرش كما ستعلمه هناك، قال أبو عمر (¬3): ورواية يحيى عن ~~مالك وحده "فلينضح فرجه" (¬4) ورواية الكل -منهم ابن وهب عن مالك- (فليغسل ~~فرجه)، وهذا هو الصحيح قال: ولو صحت الأولى فتفسرها الثانية، لأن النضح ~~يكون في لسان العرب مرة الغسل ومرة الرش. # وقال الدارقطني في كتاب أحاديث الموطأ: رواية الشافعى (¬5) ويحيى بن بكير ~~ومصعب وابن وهب وجماعات عددهم "فلينضح" إلا ابن وهب فإن في بعض ألفاظه ~~"فليغسل" وهذا عكس ما ذكره أبو عمر، قال الشيخ تقي الدين (¬6): ويؤيد أن ~~المراد ms0241 بالنضح هنا PageV01P648 # الغسل بأن غسل النجاسة المغلظة لا بد منه ولا يكتفي فيها بالرش الذي هو ~~دون الغسل. # قلت: إطلاقه النجاسة المغلظة على نجاسة المذي خلاف الاصطلاح. # الثالث عشر: قوله "يغسل ذكره" هو برفع اللام، هذا هو المشهور في الرواية ~~كما قال الشيخ تقي الدين (¬1)، وهو خبر بمعنى الأمر واستعماله بمعنى الأمر ~~جائز مجازا لما يشتركان فيه من معنى الإثبات للشيء. قال: ولو روي مجزوما ~~على حذف اللام الجازمة وإبقاء عملها لكان جائزا عند بعضهم على ضعف، ومنهم ~~من منعه إلا لضرورة كقول الشاعر (¬2): # محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت [في أمر تبالا] (¬3) # تنبيه: جاء في القرآن الأمر بلفظ الخبر كقوله تعالى: {والوالدات يرضعن} ~~(¬4)، {والمطلقات يتربصن} (¬5) وجاء أيضا الخبر بلفظ الأمر كقوله تعالى: ~~{قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} (¬6) والسر في العدول عن ~~الأصل فيهما ما أبداه الفاكهي: أما PageV01P649 # سر الأول: فلأن الخبر يستلزم ثبوت مخبره ووقوعه إذا كان مبينا، بخلاف ~~الأمر فإذا عبر عن الأمر بلفظ الخبر كان ذلك آكد، لاقتضائه الوقوع حتى كأنه ~~واقع، ولذلك اختير [الدعاء بلفظ] (¬1) الخبر تفاؤلا بالوقوع، وأما سر ~~الثانى: فلأن الأمر شأنه أن يكون بما فيه داعية للأمر، وليس الخبر كذلك ~~فإذا [عبر] (¬2) عن الخبر بلفظ الأمر أشعر ذلك بالداعية فيكون ثبوته وصدقه أقرب. # الرابع عشر: في الحديث أن المذي لا يوجب الغسل وهو إجماع. # الخامس عشر: فيه أيضا أنه ناقض للوضوء وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد ~~والجماهير قالوا: [ويوجوب] (¬3) الوضوء. وقال الفاكهي: لا أعلم بين الأمة ~~في نقض الوضوء به خلافا، ثم قال بعد بورقة: سلس المذي عند مالك لا يوجب ~~الوضوء ولا ينقضه، قال: [فإن] (¬4) كان يعتريه المذي لطول عزبته وهو قادر ~~على رفعه بالنكاح والتسري فلم يفعل فالمشهور إيجاب الوضوء، وإن لم يقدر فإن ~~كان يلازم ولا يفارق فلا يجب الوضوء ولا يستحب، وقيل: يستحب، وإن استوت ~~ملازمته ومفارقته فقولان، وإن كان PageV01P650 # ملازمته أكثر فالمشهور استحبابه، [فإن] (¬1) كان عكسه فالمشهور وجوبه، ~~ومنشأ الخلاف عندهم ms0242 وجود الحرج وعدمه. # فرع: إذا أنعظ (وهو قيام الذكر بشدة) فعند المالكية فيه أربعة [أحوال] ~~(¬2): أن يخرج معه ماء فيجب الوضوء قطعا. وأن يلتذ ولا يخرج منه ماء ~~فالمشهور من القولين وجوبه، وأن يخرج منه ولا لذة فالمشهور أيضا الوجوب إذ ~~الغالب أن لا يعرى عنها، وأن لا يكون منه إلا مجرد إنعاظ وانكسر من غير ماء ~~فقولان، وهذا الخلاف لا يعرفه أصحابنا، والمجزوم به عندهم وجوب الوضوء عند ~~خروج المذي. # السادس عشر: فيه أيضا نجاسة المذي لإيجاب غسل الذكر منه وهو إجماع، وقال ~~ابن عقيل الحنبلي: قد قيل إنه -يعني المذي- من أجزاء المني؛ فيجب حينئذ أن ~~يتخرج في نجاسته روايتان. # واختلف العلماء: هل يغسل [منه] (¬3) كل الذكر أو محل النجاسة فقط؟ ~~فالشافعي والجمهور قالوا بالثاني، والمشهور عن مالك [الأول] (¬4) كما [قال] ~~(¬5) الفاكهي، قال: وإن غلظ اللخمي (¬6) PageV01P651 # القول به، وهو رواية عن أحمد؛ لكون الذكر حقيقة في العضو كله، وخرجه ابن ~~بشير المالكي على الخلاف الأصولي [على] (¬1) أن الأسماء تحمل على أوائلها ~~أو على أواخرها، وفي التخريج نظر. # واختلفوا في معنى غسل الجميع: هل هو [لمعنى] (¬2) [تبريد] (¬3) العضو ~~فيضعف المذي، أو هو تعبد؟ وبنوا على ذلك فرعا وهو وجوب النية لغسله إن ~~جعلناه تعبدا، وجبت؛ لأن الطهارة التعبدية تفتقر إلى النية كالوضوء، وعدل ~~جمهور العلماء عن استعمال الحقيقة في الذكر كله نظرا إلى المعنى الموجب ~~للغسل وهو خروج الخارج، فاقتضى الاقتصار عليه، ومن جعل الحكمة فيه [التبرد] ~~(¬4) اقتضى عدم وجوبه أيضا. # السابع عشر: أوجب الإمام أحمد [وجوب] (¬5) غسل الأنثيين أيضا لرواية [في] ~~(¬6) أبي داود (¬7) بالأمر بغسلهما مع الذكر، وهي منقطعة؛ لأنها من حديث ~~عروة عن علي، وعروة لم يسمع من علي. PageV01P652 # لكن أخرجها أبو عوانة في صحيحه من حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن ~~[عبيدة] (¬1) السلماني عن علي، وفي هذا رد لما نقله أبو داود (¬2) عن أحمد ~~بن حنبل [ما قال] (¬3) غسل الأنثيين إلا هشام بن عروة في حديثه، فأما ~~الأحاديث كلها فليس فيها ذا. # فائدة: قيل: ms0243 إنما أمر بغسل الأنثيين؛ لأن الماء البارد إذا أصاب الأنثيين ~~رد المذي وكسر حدته. # الثامن عشر: فيه أيضا وجوب غسل المذي بالماء، ولا يجوز فيه غيره مما يجوز ~~الاستنجاء به في الغائط والبول؛ لكونه نادرا فأشبه الدم، وهو أحد القولين ~~عندنا، ومشهور مذهب مالك كما قاله ابن بشير منه وعلله: بأنه يأتي مستحلبا ~~بخلاف البول والغائط فإنهما يخرجان [بطبع] (¬4) الغذاء. PageV01P653 # وعلله سند في (طرازه) بما فيه من [اللزوجة] (¬1) فقد [ينتشر] (¬2) بالمسح ~~إلى محل آخر فينجسه؛ ولأنه ليس في معنى الغائط حتى يلحق به. # والتصحيح عندنا [إجزاء الحجر] (¬3) وما في معناه فيه قياسا على المعتاد، ~~والحديث خرج على الغالب [فيمن هو في بلد أن يستنجي بالماء] (¬4) أو يحمله ~~على الاستحباب. # ووقع في شرح مسلم للنووي: إن أصح القولين عندنا الأول (¬5)، وهو سبق قلم ~~منه، فالصحيح عندنا الثاني ولذا [فالذي] (¬6) صححه هو في باقي كتبه وتبعه ~~تلميذه ابن العطار في شرحه لهذا الكتاب، فقال: إنه أصح القولين عند ~~الشافعي، فاحذر التقليد في النقول فإنه مذموم، ووقع في شرح الشيخ تقي الدين ~~(¬7): أنه الصحيح أيضا لكنه لم يعزه لمذهب معين، فإنه قال: اختلفوا في أنه ~~هل يجوز في المذي الاقتصار على الأحجار؟ والصحيح: أنه يجوز، قال: ودليله ~~أمره بغسل الذكر منه، فإن ظاهره بعينه [والمعين] (¬8) PageV01P654 # لا يقع الامتثال إلا به. # التاسع عشر: قد يستدل به من قال: يجب الوضوء على من به سلس البول لكون، ~~المذاء من كثر منه المذي وقد أمر بالوضوء منه [فكذلك] (¬1) من به سلس البول ~~لكن المذاء الذي يكثر مذيه يكون لصحته وغلبة شهوته غالبا، وقد يكون لمرضه ~~واسترساله بحيث لا يمكن دفعه، ففي الأول يجب دون الثاني على تفصيل سلف عن ~~المالكية، وليس في الحديث ما يعين أحد الوجهين كما قال الشيخ تقي الدين ~~(¬2)، لكن رواية الموطأ التي نذكرها آخر الباب ظاهرة في الأول ثم هو نادر، ~~بخلاف سلس البول فإنه مرض لا يزول غالبا فافترقا. # العشرون: فيه جواز الاستنابة في الاستفتاء للعذر سواء كان المستفتي حاضرا ~~أو ms0244 غائبا، وقد ترجم البخاري عليه في كتاب العلم من صحيحه: باب من استحى ~~فأمر غيره بالسؤال (¬3)، وأغرب ابن القطان المالكي المتأخر فمنع الاستنابة ~~في ذلك معللا بتطرق الوهم إلى النائب، بخلاف الصحابة فإنهم ثقات فصحاء، ~~[وهو ضعيف] (¬4). # الحادى والعشرون: فيه أيضا جواز الاعتماد على الخبر PageV01P655 # المظنون مع القدرة على المقطوع به؛ لأن عليا اقتصر على قول المقداد في ~~رواية المصنف مع تمكنه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # قال القاضي عياض: وليس هذا كالاجتهاد مع القدرة على النص؛ لأن قضية علي ~~احتفت بها قرائن [توجب] (¬1) القطع عنده # بخبر من أرسله فلم ينتقل إلا من علم إلى علم، لا من علم إلى ظن. # قلت: وقد ينازع في هذا ويقال: لعل عليا كان حاضرا مجلس السؤال وإنما ~~استحى أن يكون السؤال منه بنفسه. # فإن قلت: يلزم من قبول قول المقداد من غير أن يكون علي حاضرا مجلس السؤال ~~إثبات خبر الواحد بخبر الواحد، وقد انتقد # على بعضهم حيث استدل في المسألة بأخبار آحاد. # فقيل: أثبت خبر الواحد بخبر الواحد. # فجوابه: أن المراد ذكر صورة من صور خبر الآحاد تدل على قبوله وهي فرد من ~~أفراد لا تحصى، والحجة تقوم بجملتها لا بفرد معين منها، وإلا لكان ذلك ~~إثبات الشيء بنفسه وهو محال، لكنه يذكر للتنبيه على أمثاله لا للاكتفاء به، ~~مع أن عليا إنما أمر المقداد بالسؤال استحياء، لا لأجل قبول خبره، فإن ثبت ~~أن عليا أخذ هذا الحكم عن المقداد من غير حضوره ولا قرينة أوجبت قبول خبره ~~ففيه الحجة. كيف وقد ثبت سؤاله بنفسه كما قدمناه؟ # تنبيه: ادعى الجبائي (¬2) أنه لا بد في خبر الواحد من نقل اثنين PageV01P656 # له، أو يعضد الواحد ظاهرا، أو عمل بعض الصحابة، أو اجتهاد، أو يكون ~~منتشرا، ولا يسلم ذلك له (¬1). # الثانى والعشرون: فيه أيضا استحباب حسن العشرة مع [الأصهار] (¬2)، وأن ~~الزوج ينبغي له أن لا يذكر ما يتعلق بأسباب الجماع ومقدماته والاستمتاع ~~بالزوجة مع حضرة أبيها وأخيها وابنها وغيرهم من أقاربها، مع كون ms0245 السؤال في ~~الحديث عن حكم شرعي، فما ظنك بذكر ذلك لغير حاجة؟ وقد أثنى - صلى الله عليه ~~وسلم - على نساء الأنصار لكونهن لم يمنعهن الحياء من التفقه في الدين لما ~~سألنه عن أشياء تتعلق بأنفسهن مما يستحى من ذكره عادة، كما ستعلمه في ~~الحديث الخامس من باب الجنابة، فالعلم وتعلمه عبادة لا ينبغي أن تدخله ~~النيابة وعدم مواجهة العلماء بالسؤال عنه، لكن تركه علي على رواية المصنف: ~~لما ذكرناه. # فرع: لا ينبغي لأحد الزوجين أن يذكر ما يجري بينهما من ملاعبة ونحوها ~~لقريب ولا أجنبي، فإن ذلك ليس من مكارم الأخلاق، نعم يجوز ذكر ذلك إذا دعت ~~الحاجة إليه؛ لقول عائشة: فعلته أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فاغتسلنا. # الثالث والعشرون: "الفرج" في الحديث: الذكر [وهو] (¬3) PageV01P657 # مأخوذ من الانفراج في اللغة فيدخل في عمومه الدبر، وقد تمسك به أصحابنا ~~في انتقاض الوضوء بمسه في قوله عليه السلام "من مس فرجه فليتوضأ" (¬1). نعم ~~العرف يغلب استعماله في القبل من الرجل والمرأة، فيحتمل أن يكون استدلالهم ~~به؛ لأنه لم يثبت عندهم عرف يخالف الوضع ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه ممن يقدم ~~الوضع اللغوي على الاستعمال العرفي. # الرابع والعشرون: قد يؤخذ من قوله "توضأ وانضح فرجك" جواز تأخير ~~الاستنجاء عن الوضوء، وهو الأصح عندنا إذا كان بحائل # يمنع الانتقاض، لكن إنما يتم ذلك على قول من يقول الواو للترتيب وهو مذهب ضعيف. # الخامس والعشرون: احتج بعض متأخري المالكية بقوله: "اغسل ذكرك وتوضأ" ~~بأنه إنما يغسل ذكره عند إرادة الوضوء ولا يجزيه قبل ذلك؛ لأن "الواو" ~~ظاهرة في المعية ومشهور مذهبهم خلافه. # السادس والعشرون: قال [المازري] (¬2): لم يبين في هذه الروايات هل أمره ~~أن يسأل سؤالا عاما أو خاصا؟ فإن كان لا يلتفت إلى كيفية السؤال ففيه دلالة ~~على أن قضايا الأعيان تتعدى وهي مسألة PageV01P658 # أصولية مختلف فيها؛ لأنه لو كان يرى أنها لا تتعدى لأمره أن يسأله سؤالا ~~يخصه، ويسمي له السائل، [فإنه قد يفتح له ما لا يفتح لغيره] (¬1). # قلت: رواية ms0246 مسلم (¬2) التي أسلفناها في الوجه الثالث فسأله له عن (المذي) ~~(¬3) يخرج من الإنسان؟ فهذا [سؤال] (¬4) عام، وكذا رواية الموطأ (¬5): أن ~~يسأل عن الرجل إذا دنى من أهله يخرج منه المذي؟ PageV01P659 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 27/ 2/ 5 - عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي ~~الله عنه قال: "شكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل بخيل إليه أنه ~~يجد الشيء في الصلاة، قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا" (¬1). # الكلام عليه من ثمانية أوجه: # أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في الحديث الحادي عشر في كتاب الطهارة ~~مستوفى. # ثانيها: عباد هذا بفتح أوله وتشديد ثانيه، وهو تابعي مدني ثقة باتفاق، ~~ووالده صحابي وكذا عمه [كما أسلفته، وهو عمه] (¬2) من PageV01P660 # قبل أمه لا من قبل أبيه، وعباد كان يذكر أيام النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- "قال: كنت يوم الخندق ابن خمس سنين كنت مع النساء أذكر أشمياء وأعيها" ~~والخندق كانت سنة أربع أو خمس من الهجرة كما ستعلمه في باب المواقيت فينبغي ~~إذن أن يعد في صغار [الصحابة] (¬1)، وقد عد أصغر منه فيهم. # واعلم: أن عباد بن تميم هذا يشتبه بعباد بضم أوله وتخفيف ثانيه وهو قيس ~~بن عباد وغيره، وبعباد بكسر أوله وفتح ثانيه، وبعياذ بالياء المثناة تحت ~~وذال معجمة، وبعياد مثله إلا أن الدال مهملة، وبعناد بإبدال الباء نونا ~~[وكل] (¬2) موضح في كتابي مشتبه # النسبة. # ثالثها: الياء في (شكي) منقلبة عن واو، لأن من شكى يشكو، ويجوز أن تكون ~~أصلية غير منقلبة في لغة من قال شكى يشكي، وشكي بضم أوله وكسر ثانيه مبني ~~لما لم يسم فاعله، و (الرجل) مرفوع وهو القائم مقام الفاعل لشكي، لا ~~المجرور، لأنه مفعول به أعني الرجل وإذا وجد المفعول به لم يقم سواه عند ~~الأكثرين، والجملة من قوله: "يخيل إليه" صفة [للرجل] (¬3) وإن كان فيه ~~الألف والسلام وهو من [وادي] (¬4) قوله: PageV01P661 # ولقد [أمر] على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت [لا يعنيني] (¬1) # فإنه لم يرد لئيما معينا فهو ms0247 نكرة في المعنى، نبه [عليه] (¬2) الفاكهي، ~~والقائم مقام المفعول "ليخيل" إن وما عملت فيه. # والشاكي هو عبد الله بن زيد الراوي، كذا جاء في صحيح البخاري في باب: "لا ~~يتوضأ من الله حتى يستيقن" (¬3) وهذا لفظه عن عباد بن تميم عن عمه: أنه شكى ~~إلى رسول الله الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: " [لا ~~ينفتل] (¬4) -أو لا ينصرف- حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا"، قال النووي في شرحه ~~(¬5): وينبغي أن [لا] (¬6) يتوهم [بهذا] (¬7) أن شكى بفتح الشين والكاف ~~ويجعل الشاكي هو عمه المذكور، فإن هذا الوهم غلط، [وهذا لفظه] (¬8) فتأمله. PageV01P662 # رابعها: "الشيء" المشار إليه هو الحركة التي يظن بها أنها حدث وليس كذلك، ~~ولهذا [قال] (¬1) عليه السلام: "حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". ومعناه [يعلم] ~~(¬2) وجود أحدهما يقينا، ولا يشترط اجتماع السماع والشم بالإجماع. # وفي صحيحي ابن خزيمة (¬3) وابن حبان (¬4) ومستدرك الحاكم (¬5) من حديث ~~أبي سعيد الخدري مرفوعا: "إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك أحدثت، فليقل: ~~كذبت، إلا ما وجد ريحا بأنفه أو سمع صوتا بأذنه". قال الحاكم: هذا حديث ~~صحيح على شرط الشيخين، وفي رواية ابن حبان "فليقل في نفسه [كذبت] " (¬6) ~~وزعم بعض العلماء أنه عليه السلام ذكر الصوت لمن حاسة شمه معلولة [والريح ~~لمن حاسة سمعه معلولة] (¬7). PageV01P663 # وفي مسند أحمد من حديث أبي سعيد أيضا: "إن الشيطان ليأتي إلى أحدكم وهو ~~في صلاته فيأخذ شعرة من دبره فيمدها فيرى # أنه أحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتا" (¬1)، وفيها علي بن زيد وهو ابن جدعان ~~[وهو ذو غرائب] (¬2). # قال الإسماعيلي: هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمن شك في ~~خروج ريح منه لا [نفي] (¬3) الوضوء إلا من سماع صوت أو وجدان ريح، وقال ~~الخطابي (¬4): معنى الحديث أنه يمضي في صلاته ما لم يتيقن الحدث، ولم يرد ~~تخصيص هذين النوعين من الحدث وإنما هو جواب خرج [حذو سؤال السائل، ودخل] ~~(¬5) في معناه كل ما يخرج من السبيلين من بول أو غائط أو مذي أو ودي أو ms0248 دم ~~وقد يكون بأذنه وقر فيخرج الريح ولا يسمع له صوتا، وقد يكون أخشم فلا يجد ~~الريح، والمعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى، وهذا كما روي أنه ~~عليه [الصلاة والسلام] (¬6) قال: "إذا استهل # الصبي ورث وصلي عليه" (¬7). لم يرد تخصيص الاستهلال الذي هو PageV01P664 # الصوت دون غيره من أمارات الحياة من حركة وقبض وبسط، وهذا أصل في كل ما ~~ثبت يقينا فإنه لا يرفع بالشك. # خامسها: ترجم البخاري (¬1) على هذا الحديث: "لا يتوضأ من الشك حتى ~~يستيقن" ثم ذكره باللفظ الذي أسلفناه عنه، وترجم عليه أيضا: "من لم ير ~~الوضوء إلا من المخرجين" (¬2) ولفظه فيه: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". # وذكره في البيوع (¬3) في، "باب: من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات" ~~ولفظه فيه عن عباد بن تميم عن عمه قال: شكي إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الرجل يجد في الصلاة شيئا أيقطع الصلاة؟ قال: "لا، حتى يسمع صوتا أو ~~يجد ريحا" ووجه تبويبه عليه أنه نهى عن العمل بمقتضى الوسواس؛ لأن تيقن ~~الطهارة لا يقاومه الشك، ففي هذا تنبيه على ترك موافقة الوسواس في كل حال. # ورواه البيهقي في معرفة السنن والآثار في باب: عدة زوجة المفقود (¬4)، ~~ولفظه فيه "إن الشيطان ينقر عند عجز أحدكم حتى يخيل PageV01P665 # له أنه [قد] (¬1) أحدث، فلا يتوضأ حتى يجد ريحا يعرفه أو صوتا يسمعه" وفي ~~سنده ابن لهيعة. # سادسها: في الحديث مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع وجواب ~~السائل. # سابعها: هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الفقه وهو: أن ~~الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الله الطارئ ~~عليها، والعلماء متفقون على هذه القاعدة، لكنهم مختلفون في كيفية ~~استعمالها، مثاله مسألة الباب التي دل عليها الحديث، وهي: أن من تيقن ~~الطهارة وشك في الحدث [يحكم] (¬2) ببقائه على الطهارة سواء حصل الشك في ~~الصلاة أو خارجها، وهو مذهب الشافعي وجمهور علماء السلف والخلف؛ إعمالا ~~للأصل السابق وهو الطهارة وإطراحا ms0249 للشك الطارئ، وأجازوا الصلاة في هذه ~~الحالة، وهو ظاهر الحديث. # وعن مالك -رحمه الله- روايتان: # إحداهما: يلزمه الوضوء مطلقا؛ نظرا إلى الأصل الأول قبل الطهارة وهو ~~ترتيب الصلاة في الذمة، فلا تزال إلا بطهارة متيقنة ولا يقين مع وجود الشك ~~في وجود الحدث، ووقع في شرح ابن العطار أنه وجه شاذ عن بعض الشافعية، وهو ~~غلط منه، وكان سببه انتقال ذهني منه إلى الرواية الثانية المنفصلة، فإنها ~~حكيت وجها لنا وهو PageV01P666 # غلط أيضا كما ستلعمه، وغلط أيضا في حكايته ذلك عن الحسن البصري، وإنما ~~حكى عنه الرواية الثانية، وليته تبع شيخه النووي (¬1) فإنه حكى ذلك عنهما ~~أعني الرواية الثانية. وستعلم أن حكايته وجها عندنا غلط. # الرواية الثانية: إن كان شكه في الصلاة لم يلزمه الوضوء، وإن كان خارجها ~~لزمه، وحكاها الشيخ تقي الدين (¬2) عن بعض أصحاب مالك، وحكاها الرافعي في ~~(شرحه الكبير) وجها وعزاه إلى صاحب (التتمة) (¬3) ولم يعزه في (الصغير)، ~~وتابعه على حكاية هذا الوجه النووي في (الروضة وغيرها، [وابن الرفعه في ~~(كفايته)] (¬4)، وهو غلط فإن الذي في (التتمة) حكاية ذلك عن مالك، كذا ~~رأيته فيها، وحكاه الماوردي (¬5) عن الحسن البصري، فقد علمت بهذا إن هذا ~~الوجه لا أصل لحكايته. # ونقل القاضي والقرطبي (¬6) عن ابن حبيب المالكي أن هذا PageV01P667 # الشك في الريح دون غيره من الأحداث، وكأنه تبع ظاهر الحديث، واعتذر عنه ~~بعض المالكية بأن الريح لا يتعلق بالمحل منه شيء بخلاف البول والغائط، ولا ~~يخفى ما فيه، وسيأتي مقالة لهم أيضا مفرقة بين الشك: أن يكون الشك في سبب ~~حاضر أو متقدم. # كأن قائل الرواية الثانية أخذ ذلك أيضا من حديث أبي هريرة أنه عليه ~~السلام قال: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه # أخرج منه شيء أم لا فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" رواه ~~مسلم (¬1) منفردا [بل] (¬2) ورواه الترمذي (¬3) بلفظ: "إذا كان أحدكم في ~~المسجد فوجد ريحا بين إليتيه فلا يخرجن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" وحمل ~~الحديث على العموم في ms0250 الصلاة إذا كان في المسجد [وإن كان المراد بالمسجد] ~~(¬4) نفس الصلاة تسمية للصلاة باسم موضعها للزومها إياه، ويؤيده رواية أبي ~~داود (¬5) لهذا الحديث "إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أو ~~لم يحدث فأشكل عليه فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". # ولما ذكر الشيخ تقي الدين الرواية الثانية التي عزاها إلى أصحاب مالك ~~قال: لها وجه حسن، فإن القاعدة أن مورد النص إذا PageV01P668 # وجد فيه معنى يمكن أن يكون معتبرا في الحكم فالأصل يقتضي اعتباره وعدم ~~إطراحه، وهذا الحديث بدل على إطراح الشك إذا # وجد في الصلاة، وكونه موجدا في الصلاة معنى يمكن أن يكون معتبرا فإن ~~الدخول إلى الصلاة مانع من إبطالها على ما اقتضاه من استدلالهم في مثل هذا ~~بقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم (33)} (¬1)، فصارت صحة [الصلاة] (¬2) ~~أصلا سابقا على [صحة] (¬3) حالة الشك مانعا من الإبطال، ولا يلزم من إلغاء ~~الشك مع وجود المانع من اعتباره إلغاؤه مع عدم المانع، وصحة العمل [ظاهرا] ~~(¬4) معنى يناسب عدم الالتفات إلى الشك، عكس اعتباره فلا ينبغي إلغاؤه. # ومن أصحاب مالك من قيد هذا الحكم -أعني إطراح هذا الشك- بقيد آخر وهو أن ~~يكون الشك في سبب حاضر كما في الحديث، حتى لو شك في تقدم الحديث على وقته ~~الحاضر لم يبح له الصلاة، وهذا مأخذه ما ذكرناه من أن مورد النص ينبغي ~~اعتبار أوصافه التي يمكن اعتبارها، ومورد النص اشتمل على هذا الوصف وهو ~~كونه شكا في سبب حاضر فلا يلحق به ما ليس في معناه من الشك في سبب متقدم، ~~إلا أن هذا القول أضعف من الأول؛ لأن صحة العمل ظاهر وانعقاد الصلاة مانع ~~مناسب لإطراح الشك، وأما PageV01P669 # كون السبب [تأخر] (¬1) فإما غير مناسب وإما مناسب مناسبة ضعيفة. # قال الشيخ: فالذي يمكن أن يقرر به قول هذا القائل أن يرى أن الأصل الأول ~~وهو ترتب الصلاة في ذمته معمول به، فلا يخرج عنه إلا ما ورد فيه النص، وما ~~بقي يعمل فيه بالأصل، ولا يحتاج في ms0251 المحل الذي خرج على الأصل بالنص إلى ~~مناسب كما في صور كثيرة عمل فيها العلماء هذا العمل، أعني أنهم اقتصروا على ~~مورد النص إذا خرج عن الأصل أو [القياس من غير اعتبار مناسبة والسبب فيه أن ~~[إعمال] (¬2) النص في مورده لا بد منه، [والعمل] (¬3) بالأصل أو القياس ~~المطرد مسترسل لا يخرج منه إلا بقدر الضرورة، ولا ضرورة فيما زاد على مورد ~~النص، ولا سبيل إلى إبطال النص في مورده سواء كان مناسبا أو لم يكن، وهذا ~~يحتاج معه إلى إلغاء وصف كونه في صلاة، ويمكن هذا القائل منع ذلك بوجهين: # الأول: أن يكون هذا القائل نظر إلى ما في بعض الروايات، وهو أن يكون الشك ~~[لمن] (¬4) هو في المسجد، يعني التي أسلفناها، وكونه في المسجد أعم من كونه ~~في الصلاة، فيؤخذ من هذا إلغاء ذلك القيد الذي اعتبر القائل الآخر وهو كونه ~~في الصلاة، ويبقى كونه PageV01P670 # شكا في سب [ناجز] (¬1)، إلا أن القائل الأول له أن يحمل كونه في المسجد ~~على كونه في الصلاة، [أي] (¬2) كما أسلفته، فإن الحضور في المسجد يراد ~~للصلاة فقد يلازمها فيعبر عنها، وهذا وإن كان مجازا إلا أنه يقوى إذا اعتبر ~~الحديث وكان حديثا واحدا مخرجه من جهة واحدة، فحينئذ يكون ذلك الخلاف ~~اختلافا في عبارة الراوي فنفسر أحد اللفظين بالآخر ويرجع إلى أن المراد ~~كونه في الصلاة. # قلت: الحديث غير متحد ومخرجهما مختلف كما أسلفته لك، وإن رواية أبي داود ~~صرح فيها بذكر الصلاة. # الوجه الثاني: وهو أقوى من الأول: ما ورد في الحديث "إن الشيطان ينفخ بين ~~إليتي الرجل" (¬3) وهذا المعنى يقتضي مناسبة السبب الحاضر لإلغاء الشك، قال ~~الشيخ: وإنما أفردنا هذه المباحث ليلمح الناظر مآخذ العلماء في أقوالهم ~~فيرى ما ينبغي ترجيحه فيرجحه وما ينبغي إلغاؤه فيلغيه، والشافعي رضي الله ~~عنه ألغى القيدين معا، أعني كونه في الصلاة وكونه في سبب [ناجز] (¬4) ~~واعتبر أصل الطهارة، ورجح القرافي ما ذهب إليه مالك وقال: لأنه احتاط ~~للصلاة التي هي مقصد، وألغى الشك في [السبب] ms0252 (¬5)، والشافعي PageV01P671 # احتاط للطهارة وهي وسيلة، وألغى الشك في [الحدث] (¬1) الناقض لها، ~~والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل. # قلت: لكن في الأول خروج عن [الحديث] (¬2) جملة فإنه أمره بعدم الانصراف ~~إلا أن يتحقق. # تذنيب: هذه القاعدة تعرف في الأصول باستصحاب الحال، وهي أدلة الشريعة ~~الثلاثة التي هي: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال، ونعني بالأصل: الكتاب، ~~والسنة، والإجماع. وبمعقول الأصل: فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، والحصر، ومعنى ~~الخطاب على ما تقرر في الأصول. # ونعني باستصحاب حال الأصل: البقاء عليه حتى يدل دليل على خلافه، وهو على ~~ضربين: استصحاب حال العقل، واستصحاب حال الإجماع. # فالأول: [نحو] (¬3) أن يدعي أحد الخصمين حكما شرعيا في مسألة، ويدعي ~~الآخر البقاء على حكم العقل، مثل أن يدعي من أوجب الوتر، فيقال: الأصل ~~براءة الذمة، وطريق شغلها الشرع، فمن ادعى شرعا يوجب ذلك فعليه الدليل. # والثاني: مثل استدلال داود على أن أم الولد يجوز بيعها، بأنا قد أجمعنا ~~على جواز بيعها قبل العمل، فمن ادعى المنع من ذلك PageV01P672 # بعده فعليه الدليل، وهذا غير صحيح من الاستدلال؛ لأن الإجماع لا يتناوله ~~موضع الاتفاق، وما كان حجة فلا يصح الاحتجاج به في الوضع الذي لا يوجد فيه، ~~كألفاظ صاحب الشرع إذا تناولت موضعا خاصا لا يجوز الاحتجاج بها في الوضع ~~الذي يتناوله. # تنبيهات: # أحدها: قال أصحابنا: لا فرق في الشك بين تساوي الاحتمالين في وجود الحدث ~~وعدمه، أو ترجح أحدهما ويغلب على ظنه فلا وضوء عليه، نعم يستحب احتياطا فلو ~~بان بعد حدثه فوجهان: أصحهما: لا يجزئه هذا الوضوء؛ لتردده في نيته، بخلاف ~~ما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فتوضأ ثم بان محدثا فإنه [يجزئه] (¬1) ~~قطعا؛ لأن الأصل بقاء الحدث فلا يضر التردد معه. # ثانيها: لو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث بالإجماع (¬2). # ثالثها: لو تيقن الطهارة والحدث وشك في السابق منهما فأوجه: أصحها: أنه ~~يأخذ بضد ما قبلهما إن عرفه، فإن لم يعرفه لزمه الوضوء بكل حال، والمختار ~~لزوم الوضوء بكل حال والمسألة مبسوطة في شرحي للمنهاج وغيره. ms0253 # رابعها: من مسائل القاعدة التي اشتمل عليها معنى الحديث: PageV01P673 # من شك في طلاق زوتجه، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، وطهارة النجس، ~~أو نجاسة الثوب، أو غيره، أو أنه صلى ثلاثا # أو أربعا، أو أنه ركع أو سجد أم لا، أو نوى الصوم أو الصلاة أو الوضوء أو ~~الاعتكاف، وهو (في) (¬1) أثناء هذه العبادات وما # أشبه هذه الأمثلة، فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث. # قد استثنى من هذه القاعدة بضع عشرة مسألة: # منها: من شك في خروج وقت الجمعة قبل الشروع فيها قبل وقتها، ومن شك في ~~ترك بعض وضوء أو صلاة بعد الفراغ؛ لا أثر له على الراجح. # ومنها: عشر ذكرهن ابن القاص -بكسر الصاد المهملة المشددة- من أصحابنا: ~~الشك في مدة خف، وأن إمامه مسافر، أو وصل وطنه، أو نوى إقامة، ومستحاضة ~~شفيت؛ وغسل [متحرية] (¬2)، وثوب خفيه نجاسته، ومسألة الظبية (¬3)، وبطلان ~~التيمم بتوهم الماء، وتحريم صيد جرحه فغاب فوجده ميتا. # قال القفال: لم يعمل بالشك في شيء منها؛ لأن الأصل في PageV01P674 # الأولى: [الغسل] (¬1)، وفي الثانية: الإتمام، وكذا في الثالثة والرابعة ~~إن أوجبناه، والخامسة والسادسة: اشتراط الطهارة ولو ظنا # أو استصحابا، والسابعة: بقاء النجاسة، والثامنة: لقوة الظن، والتاسعة: ~~للشك في شرط التيمم وهو عدم الماء، وفي الصيد: # تحريمه إن قلنا به. # قال النووي في تحقيقه: بعد أن لخص المسألة هكذا وبسطها في شرح المهذب ~~(¬2): وقول ابن القاص (¬3) أقوى في غير الثامنة والتاسعة والعاشرة. # الوجه الثامن: قال الخطابي: في الحديث حجة لمن أوجب الحد على من وجدت منه ~~رائحة المسكر وإن لم يشاهد يشربه ولا شهد عليه الشهود [واعترف به] (¬4)، ~~قال: وفيه دلالة أيضا على أنه إذا تيقن النكاح وشك في الطلاق كان على ~~النكاح [المقدم إلا إن تيقن] (¬5) الطلاق. # قلت: وهذا فرد من أفراد القاعدة التي أسلفناها [ويتعلق بها ما PageV01P675 # رويناه بالإسناد إلى عبد الرحمن بن مالك بن مغراء قال: جاء رجل إلى أبي ~~حنيفة فقال: شربت البارحة نبيذا فلا أدري أطلقت امرأتي أم لا؟ فقال ms0254 له: ~~المرأة امرأتك حتى تستيقن أنك طلقتها، قال: فتركه، ثم جاء إلى سفيان الثوري ~~فسأله فقال: اذهب فراجعها فإن كنت طلقت فقد راجعتها وإلا فلا تضرك ~~المراجعة، فتركه، وجاء إلى شريك فقال له: اذهب فطلقها ثم راجعها، فتركه، ~~وجاء إلى زفر فسأله، فقال: هل سألت قبلي أحدا؟ قال: نعم، وقص عليه القصة، ~~فقال في جواب أبي حنيفة: الصواب قال لك، وقال في جواب سفيان: ما أحسن ما ~~قال، ولما بلغ إلى قول شريك ضحك مليا، ثم قال: لأضربن لهم مثلا: رجل مرة ~~بشعب يسيل دما فشك في ثوبه هل أصابه نجاسة؟ قال أبو حنيفة: ثوبك طاهر حتى ~~تستيقن، وقال سفيان: اغسله فإن كان نجسا فقد طهرته وإلا فقد زدته طهارة، ~~وقال شريك: بل عليه ثم اغسله] (¬1). PageV01P676 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 28/ 3/ 5 - عن أم قيس بنت محصن الأسدية: "أنها أتت بابن لها صغير، لم ~~يأكل الطعام، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجلسه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه (¬1) ولم يغسله ~~(¬2) " (¬3). PageV01P677 # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه: أم قيس هذه هي أخت عكاشة بتشديد الكاف ~~وتخفيفها، والأول أكثر، ابن محصن بن حدثان بضم # الحاء المهملة، ووهم الفاكهي تبعا للصعبي فضبطاه بالجيم، ابن قيس. # لها صحبة، أسلمت قديما وهاجرت إلى المدينة وبايعت، قال ابن العطار في ~~شرحه: لا اسم لها غير كنيتها. # قلت: عجيب! فقد قال السهيلي في روض الأنف: اسمها آمنة، وقال ابن عبد ~~البر: اسمها خذامة، فاستفدها، وكأنه اغتر بابن # حبان فإنه ذكرها في ثقاته فيمن عرف بكنيتها دون اسمها، لكن لا يلزم من ~~ذلك ما قاله. # روت أربعة وعشرين حديثا، اتفقا منها على حديثين، قاله الحافظ المقدسي، ~~وقال ابن الجوزي: لها في الصحيحين حديثان أحدهما للبخاري، والثاني لمسلم، ~~روى عنها جماعة منهم وابصة بن معبد الأسدي، أخرج لها البخاري في الأدب ~~والنسائي والطبراني أنها قالت: "توفي ابني فجزعت فقلت للذي يغسله لا تغسل ~~ابني PageV01P678 # بالماء البارد فتقتله، فانطلق عكاشة ms0255 بن محصن إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأخبره بقولها فتبسم، ثم قال: طال عمرها، فلا نعلم [امرأة] (1) ~~عمرت ما عمرت". # والأسدية: بفتح الهمزة والسين المهملة نسبة إلى أسد بن خزيمة (¬2). وهي ~~نسبة أيضا إلى أسد [بن] (¬3) قريش أسد بن عبد العزى بن قصي بن مالك (¬4)، ~~وأسد في مذحج أسد بن مسلية بن عامر (¬5)، وأسد بن عبد مناه بن عايذ الله بن ~~سعيد [العشيرة] (¬6). وفي الأزد أيضا: أسد [بنو أسد] (¬7) بن الحارث بن ~~عتيك، ونسبة هذه النسبة [بالأسدي] (¬8) (¬9) بسكون السين مبدلة من الزاي ~~نسبة إلى أزد شنوءه، كذا قاله السمعاني، وحكى عن ابن السكيت وغيره أنه يقال ~~فيه [الأزد] (¬10) بالزاي والسين لغتان، منهم من الصحابة ابن PageV01P679 # بحينة (¬1) وابن اللتبية وغيرهما. # ثانيها: في ألفاظه: وفيه مواضع: # الأول: الابن: [لا] (¬2) يقع إلا على الذكر خاصة، بخلاف الولد فإنه يقع ~~عليه وعلى الأنثى. # ثانيها: قوله: "لم يأكل الطعام" هو في موضع خفض صفة لابن، وهو من باب ~~اجتماع المفرد الجملة صفتين، والأحسن تقديم المفرد على الجملة، وإن كان ~~الآخر حسنا جيدا ومنه قوله تعالى: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} (¬3). ومن ~~الآخر قوله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} (¬4). وإنما كان تقديم المفرد ~~أولى؛ لأصالته، دون الجملة. # [ثالثها] (¬5): [الطعام] (¬6) ما يؤكل اقتياتا ليخرج ما يحنك به عند ~~الولادة، وربما خص الطعام بالبر كما في حديث أبي سعيد في الفطرة. PageV01P680 # [رابعها] (¬1): معنى "لم يأكل الطعام" لم يستغن به ويصير له غذاء عوضا عن ~~الإرضاع، لا أنه لم يدخل جوفه شيئا قط؛ فإن الصحابة كانوا يأتون بأبنائهم ~~ليدعوا لهم لا سيما عند شيء يجده أحدهم [من مرض ونحوه] (¬2)، ويؤيد ذلك ~~جلوسه في حجره - صلى الله عليه وسلم - إذ الصبي عند الولادة لا يجلس، ~~ويقويه أيضا قولها: "لم يأكل الطعام" ولم تقل: لم يرضع، ويبعد أن يكون عبر ~~بالإجلاس عن الوضع كما قال الباجي (¬3)؛ لأنه خلاف الأصل. # [خامسها] (¬4): الحجر بفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان. # [سادسها] (¬5): النضح: هو إصابة الماء جميع موضع البول، وكذا غلبة الماء ~~في الأصح عند ms0256 أصحابنا: ولا يشترط أن ينزل عنه، ويدل عليه قولها: فنضحه ولم ~~يغسله. والغسل: أن يغمره وينزل [عنه] (¬6)، ولا يشترط العصر هنا، وقال ~~المتولي من أصحابنا: معنى الرش أن يقلب عليه من الماء مايغلبه بحيث لو كان ~~بدل البول نجاسة أخرى وعصر الثوب كان يحكم بطهارته. # [سابعها] (¬7): قال ابن الأثير في شرح المسند: النضح PageV01P681 # بالمهملة: الرش، وبالمعجمة أكثر من النضح، وقيل: هما سواء، وخالف في ~~نهايته (¬1) فقال: النضخ قريب من النضح، وقد اختلف في أيهما أكثر، والأكثر ~~أنه بالمعجمة أقل من المهملة، وقيل: هو بالمعجمة: الأثر يبقى على الثوب ~~والجسد، وبالمهملة: الفعل نفسه، وقيل: ما فعل تعمدا فبالمعجمة وإلا ~~فبالمهملة (¬2)، وقيل: ما ثخن كالطيب فبالمعجمة، وما رق كالماء فبالمهملة، ~~وقيل عكسه (¬3). # قلت: ومما يدل على أنه بالمعجمة أكثر قوله تعالى: {عينان نضاختان (66)} ~~(¬4)، أي فوارتان، والفوران أكثر من الرش بلا شك. # [ثامنها] (¬5): في أحكامه وفوائده، ويحضرنا منها عشرة: # الأولى: أن بول الصبي يكفي فيه النضح وهو مخالف للجارية في ذلك، وهو ~~الصحيح عند الشافعية وبه قال أحمد وجماعة من # السلف وأصحاب الحديث، منهم علي بن أبي طالب وأم سلمة والأوزاعي وإسحاق وداود. # وقال أبو حنيفة ومالك في المشهور عنهما والثوري (¬6): لابد PageV01P682 # من الغسل، ونص عليه الشافعي أيضا تسوية بينهما، وقدموا القياس على ~~الأحاديث وربما حمل بعضهم لفظ النضح في بول الصبي على الغسل، وهو ضعيف؛ ~~لنفي الغسل والتفرقة بينهما في الحديث. # وعندنا وجه أنه يكفي النضح في الجارية أيضا، وهو قول النخعي ورواية عن ~~الأوزاعي (¬1)، [ولا ينبغي] (¬2) أن يقال: يكفي النضح فيها دونه معللا ~~بالاتفاق على محبة الغلام دونها فخفف أمرها بالنضح؛ لأنه مصادم للنص، وقد ~~صحيح ابن خزيمة (¬3) والحاكم (¬4) من حديث أبي السمح واسمه إياد رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يغسل من بول الجارية ويرش ~~من بول الغلام"، وأخرجه أبو داود (¬5) والنسائي (¬6) وابن ماجه (¬7) وحسنه ~~البخاري، ومن قال بالغسل تأول الحديث على أنه لم يغسله أي غسلا مبالغا فيه ~~كغيره، فسمي الأبلغ [فيه] (¬8) غسلا والأخف ms0257 نضحا، وهو خلاف الظاهر (¬9). PageV01P683 # ثانيها: قال النووي في شرح مسلم (¬1): هذا الخلاف إنما هو في كيفية تطهير ~~ما بال عليه الصبي ولا خلاف في نجاسته، وكذا قال الخطابي (¬2) أيضا: ليس ~~النضح لعدم نجاسته بل للتخفيف في إزالته، قال النووي: وقد نقل بعض أصحابنا ~~الإجماع على نجاسته وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهري، قال: وأما ما حكاه ~~ابن بطال ثم القاضي عياض عن الشافعي وغيره أنهم قالوا: بول الصبي طاهر ~~[فينضح] (¬3) حكاية باطلة قطعا لا تعرف في مذهبنا. PageV01P684 # قلت (¬1): نقله القرطبي (¬2) في شرحه لمسلم عن إمامنا أيضا، وكذا ابن عبد ~~البر (¬3) والباجي في المنتقى (¬4)، ولم ينفردوا به فقد حكاه الشيخ أبو ~~يحيى بن زكريا الصباحي البصري عن الشافعى في كتابه (اختلاف العلماء) وهذا ~~لفظه: حكي عن الشافعي أنه قال: الأبوال كلها نجسة، قال: وروي عنه في موضع ~~آخر أنه قال: الأبوال كلها نجسة إلا بول الغلام الذي لم يطعم فإنه يرش ~~عليه؛ لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وحكاه القرطبي في شرحه ~~لمسلم (¬5) عن أحمد والحسن وابن وهب [و] (¬6) رواية عن مالك أيضا، قال: ~~وحكي عن أبي حنيفة وقتادة، قال: ومشهور مذهب أبي حنيفة: النجاسة، وروى عن ~~مالك القول بطهارة بول الذكر والأنثى، ففي مذهب مالك حينئذ ثلاثة أقوال. # ثالثها: اختلف في السر في الفصل بين الذكر والأنثى على أقوال كثيرة ~~ومهمها ما ذكره ابن ماجه (¬7) في سننه عن أبي اليمان المصري قال: سألت ~~الشافعي [عن الحديث السالف] (¬8) والماءان PageV01P685 # جميعا واحد، قال: لأن بول الغلام من الماء والطين وبول الجارية من اللحم ~~والدم، ثم قال: فهمت [] (¬1): [أو قال: لقنت] (¬2) [أي] (¬3) قلت: لا، قال: ~~إن الله لما خلق آدم خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء ~~والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم. قال ليس: فهمت ذلك؟ قلت: نعم. ~~قال: نفعك الله. # قلت: وهذا عزيز حسن لا يعدل عنه إلى غيره، والعجب أن أصحابنا أهملوا ذلك ~~في كتبهم وهو قول إمامهم، ورأيت في شرح # ألفاظ مصابيح البغوي ms0258 للشيخ ضياء الدين أبي النجيب عبد القاهر السهروردي ~~(¬4) أن مالكا قال: ربما جاء هذا الحديث -يعني التفرقة بينهما- وليس عليه ~~العمل، وإن ابن وهب أخذ بهذا الحديث وقال: الصبي خلق من تراب والتراب إذا ~~طرح في الماء طهر، والصبية خلقت من ضلع والضلع إذا طرح في الماء أنتن، هذا PageV01P686 # ما ذكره فليتأمل فإن هذا موجود في بول الكبير. # وقال الشيخ تقي الدين (¬1): ذكر بعضهم أن بول [الصبي يقع في محل واحد ~~وبول الصية يقع منتشرا] (¬2) فاحتيج إلى صب # الماء في مواضع معددة ولا يحتاج إليه في بول الصبي، قال: وأقوى ما قيل ~~فيه: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث فيكثر # حمل الذكور فناسب التخفيف بالاكتفاء بالنضح دفعا للحرج والعسر، بخلاف ~~الإناث فإن هذا المعنى قليل فيهن، فيجري على # القياس في غسل الجنابة، وما قدمناه مهم بالغ فلا يعدل عنه مع هذا. # رابعها: في الحديث التبرك بأهل الصلاح والفضل واستحباب حمل الأطفال إلى ~~أهل الفضل والتبرك بهم، قال النووي: وسواء [في هذا] (¬3) وقت الولادة ~~وبعدها (¬4). وفيه الندب إلى حسن PageV01P687 # المعاشرة واللين والتواضع والرفق بالصغار وغيرهم. # خامسها: فيه أيضا دلالة على أن قليل الماء لا ينجسه قليل النجاسة إذا غلب عليها. # سادسا: فيه أيضا أنه لا يفتقر التطهير إلى إمرار اليد وإنما المقصود ~~إزالة العين. # سابعها: فيه أيضا وجوب غسل بول الصبي إذا طعم ولا خلاف فيه. PageV01P688 # ثامنها: فيه أيضا الندب إلى حمل الآدمي [وما يعرض له فيه] (¬1). # تاسعها: فيه أيضا جبر قلوب الكبار بإكرام أطفالهم، وإجلاسهم في الحجر، ~~وعلى الركبة ونحو ذلك. # عاشرها: الصبي المذكور لا أعرف اسمه، ولم أره أيضا في كتب المبهمات بعد ~~التتبع الشديد. PageV01P689 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 29/ 4/ 5 - " عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أتي بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إياه". # ولمسلم: "فأتبعه بوله، ولم يغسله" (¬1). # أما راويه فقد تقدم التعريف به في الحديث الثالث من الطهارة. # وأما ألفاظه: "فالصبي" جمعه صبيان، كقضيب وقضبان (¬2)، والصبيان: بكسر ~~الصاد وضمها، وهو الغلام من ms0259 حين يولد إلى [أن] (¬3) يبلغ كما أسلفته في ### ||| AUTO الحديث الرابع # من باب الاستطابة. # وقولها: "فأتبعه بوله ولم يغسله" معناه رشه عليه، وفي رواية (¬4) لمسلم: ~~"فصبه عليه"، قال القرطبي (¬5): وقد روى "فنضحه" وكلها بمعنى واحد. PageV01P690 # وأما أحكامه: فتقدم بيانها في الحديث قبله، قال القرطبي (¬1): وتعسف ~~بعضهم وقال: إن الضمير في قولها: "فبال عليه" عائد على الصبي نفسه، وهذا ~~وإن كان [هذا] (¬2) اللفظ صالحا له، غير أن في حديث أم قيس السالف "فبال في ~~حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" أخرجه مالك (¬3) كذلك، فبطل ذلك ~~التأويل، وفيه أن إزالة النجاسة المقصود بها إذهاب عينها وأنها لا تفتقر ~~إلى ذلك (¬4)، قال الشيخ تقي الدين (¬5): واستدل به بعض المالكية على أن ~~الغسل لا بد فيه من أمر زائد على مجرد إيصال الماء من وجهة قولها: "ولم ~~يغسله" مع كونه أتبعه بماء. # واعلم أن الصبي المذكور في حديث عائشة يحتمل أن يكون عبد الله بن الزبير ~~أو الحسن أو الحسين؛ لروايات في ذلك ذكرتها في تخريجي لأحاديث الرافعي الذي ~~لا يستغنى عنه. PageV01P691 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 30/ 5/ 5 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "جاء أعرابي، فبال في طائفة ~~المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما قضى بوله ~~أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب من ماء، فأهريق عليه" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: [في] (¬2) راويه، وقد تقدم التعريف به في أول الاستطابة. # ثانيها: في ألفاظه وفيه مواضع: PageV01P692 # الأول: الأعرابي: الذي (¬1) يسكن البادية وإن لم يكن من العرب، والعربي ~~منسوب إلى العرب وإن كان في الحضر، والعرب # ولد إسماعيل عليه السلام، وإنما نسب الأعراب إلى الجمع دون الواحد لأنه ~~جرى مجرى القبيلة كأنمار، وقيل: لأنه لو نسب إلى الواحد وهو عرب لقيل: ~~عربي، فيشتبه المعنى فإن العربي كل من هو من ولد إسماعيل عليه السلام كما ~~تقدم سواء كان ساكنا في البادية أو لا، وهذا غير المعنى الأول. # واعلم أن هذا الأعرابي لم أر أحدا ممن تكلم على المبهمات سماه، ms0260 وقد ظفرت ~~به بحمد الله ومنه في معرفة الصحابة [لأبي] (¬2) موسى الأصبهاني فإنه روى ~~من حديث سليمان بن يسار قال: اطلع ذو الخويصرة اليماني وكان رجلا جافيا على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، وساق الحديث وفى آخره: أنه ~~بال فيه وأنه أمر بسجل فصبه على مباله (¬3)، وقد ذكرته كذلك في كتابي العدة ~~في معرفة رجال العمدة نفع الله به. # الثاني: الطائفة من الشيء: القطعة [منه] (¬4)، وطائفة المسجد: ناحيته. PageV01P693 # الثالث: المسجد: بكسر الجيم كالمجلس، لموضع السجود، ويجوز فتحها، وقيل ~~بالفتح: اسم لمكان السجود، وبالكسر: اسم # للموضع المتخذ مسجدا. # وحكى ابن مكي (¬1) في تثقيفه (¬2) عن غير واحد من أهل اللغة أنه يقال ~~للمسجد: مسيد، بفتح الميم وبالياء المكسورة بدل الجيم. # وهو في الأصل: لموضع السجود ويطلق في العرف على كل مكان مبني للصلاة التي ~~فيها السجود. # الرابع: الزجر: النهي والمنع. يقال: زجره وازدجره فانزجر وازدجر. # الخامس: الذنوب: بفتح الذال المعجمة وضم النون، قال الشافعي في المختصر: ~~هو الدلو العظيم، وكذا قاله غيره، زاد الأزهري (¬3): وهو دون الغرب الذي ~~يكون للسانية ولا يسمى ذنوبا حتى يكون ملىء ماء، ونقله النووي في شرح ~~المهذب عن الأكثرين، # وجزم به في شرحه لمسلم (¬4)، وقال ابن السكيت (¬5): هي التي فيها PageV01P694 # قريب من الثلث، وقال ابن داود من أصحابنا: إنه لا يسمى ذنوبا ما لم يكن ~~الحبل مشدودا فيه وهو مذكر وقد يؤنث، قاله ابن # سيده (¬1): والجمع: في أدنى العدد أذنبة، والكثير ذنائب مثل قلوص وقلائص (¬2). # واعلم: أن الذنوب من الألفاظ المشتركة فهو ما ذكرنا وهو [من] (¬3) الفرس ~~الطويل، والنصيب، ولحم أسفل المتن. # السادس: "أهريق عليه": سبب، والأصل (أريق) والهاء زائدة. # ثالثها: في أحكامه وفوائده ويحضرنا منها ثلاث عشرة: # [الأولى] (¬4): نجاسة بول الآدمي وهو إجماع إذا أكل غير اللبن. # ثانيا: احترام المسجد وتنزيهه عن الأقذار، وفي مسند إسحاق بن راهويه ~~وصحيح ابن خزيمة (¬5) أنه عليه السلام قال له: "إن هذا المسجد إنما هو لذكر ~~الله والصلاة، ولا يبال فيه". # ثالثها: الرفق بالجاهل في التعليم وأنه ms0261 لا يؤذى ولا يعنف إذا لم يأت ~~بالمخالفة استخفافا وعنادا، وأخرج الشافعي PageV01P695 # في الأم (¬1) هذا الحديث بفائدة حسنة من طريق أبي هريرة وهذا لفظه: "دخل ~~أعرابي المسجد فقال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد تحجرت واسعا"، فما لبث أن بال في ناحية ~~المسجد فكأنهم عجلوا عليه، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أمر ~~بذنوب من ماء [أو سجل من ماء] (¬2) فأهريق عليه. # ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "علموا ويسروا ولا تعسروا". وفي ~~رواية أبي داود (¬3) أنه صلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدا ... ~~الحديث، وكذا أخرجه الترمذي (¬4)، وقد يستنبط من هذه الرواية صحة صلاة ~~مدافع الأخبثين؛ لأن الظاهر من حال من يبول عقب الصلاة أنه كان يدافعه، ~~ويحتمل أنه سبقه والله أعلم. # رابعها: أن الأرض تطهر بصب الماء ولا يشترط حفرها، على قول الجمهور خلافا ~~لأبي حنيفة، والأمر بالحفر ورد من [طريق] (¬5) معللة (¬6). PageV01P696 # خامسها: أن غسالة النجاسة طاهرة وفي ذلك خلاف للعلماء، والتصحيح عندنا ~~طهارتها إن انفصلت غير متغيرة ولم يزد وزنها وقد طهر المحل. # سادسها: أنه لا تحديد فيما يغسل بها. # وقيل: يشترط بقيته أمثال البول. # وقيل: لبول كل رجل دلو، وهما شاذان، نعم قال الجرجاني (¬1) من أصحابنا في ~~كتاب (البلغة) باستحباب الأول، وحكاه الشيخ تقي (¬2) الدين فقال: وقيل: ~~[إنه] (¬3) يستحب أن يكون مثل سبعة أمثال البول، وفي كتاب المحاملي من ~~أصحابنا أنه لا بد في الأرض الرخوة من قلع ترابها، وأبعد بعض أصحابنا ~~فاشترط نضوب الماه من الأرض وهو ذهابه. # سابعها: فيه دلالة للجمهور على أن إزالة النجاسة لا يطهرها الجفوف، بل ~~الماء خلافا لأبي حنيفة. # ثامنها: فيه أيضا أن غيره من المانع لا يجزئ خلافا له أيضا. PageV01P697 # تاسعها: فيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما لنهيه - صلى الله عليه وسلم ~~- عن زجره، وفي الصحيح أيضا: "دعوه"، وفيه مصلحتان: # الأولى: أنه لو قطع عليه بوله تضرر، وأصل التنجيس قد حصل؛ فكان احتمال ~~زيادة أولى من إيقاع ضرر ms0262 به. # الثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد [فلو أقاموه في أثناء ~~بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من # المسجد] (¬1)، وذكر هنا القرطبي (¬2) رحمه الله احتمالين فقال: يحتمل ~~أمره بتركه أن يكون لئلا تنتشر النجاسة وتكثر، ولئلا يضر قطعه به. # عاشرها: فيه أيضا أن الماء إذا كان واردا على النجاسة طهرها، وقال ~~القرطبي (¬3): فرقت الشافعية بن ورود الماء على النجاسة، وورود النجاسة على ~~الماء، تمسكا بهذا الحديث، وقالوا: إذا كان الماء دون القلتين [فحل به] ~~(¬4) نجاسة [تنجس، وإن لم تغيره، وإن ورد ذلك القدر فأقل على النجاسة فأذهب ~~عينها بقي الماء على طهارته، وأزال النجاسة] (¬5)، قال: وهذه مناقضة [إذ ~~المخالطة] (¬6) حصلت في الصورتين، وتفريقهم بالورود فرق صوري PageV01P698 # ليس فيه من الفقه شيء، وليس الباب [من] (¬1) [باب] (¬2) التعبدات بل من ~~باب عقلية المعاني، فإنه من [أبواب] (¬3) إزالة النجاسة وأحكامها، قال: ~~[ثم] (¬4) هذا كله منهم يرده قوله عليه السلام: "الماء طهور لا ينجسه شيء ~~إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" (¬5). # قلت: هذا الاستثناء ضعيف، ويقوي الفرق الذي ذكروه قوله عليه الصلاة ~~والسلام: "إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا ~~فإنه لا يدري أين باتت يده" (¬6). كما قررناه هناك. # حادي عشرها: في رواية [في] (¬7) الصحيح: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من ~~هذا البول" (¬8). قال القرطبي (¬9): فيه حجة لمالك أنه [لا] (¬10) يتسوك ~~فيه؛ لأنه من باب إزالة الأقذار، وغيره علله PageV01P699 # بأنه يخشى أن يخرج من فيه دم ونحوه مما ينزه المسجد عنه، وهذا يبعد إذا ~~استعمل السواك المشروع وهو أن يكون عودا بين عودين وقد قدمنا رد هذه ~~المقالة في باب السواك. # ثاني عشرها: قال الخطابي (¬1): إذا أصاب الأرض نجاسة ومطرت مطرا عاما كان ~~ذلك مطهرا لها، وكانت في معنى صب الذنوب وأكثر. # ثالث عشرها: فيه المبادرة إلى إنكار المنكر عند من يعتقده منكرا [فإنهم] ~~(¬2) زجروا الأعرابي لكونهم اعتقدوه منكرا فبادروا إلى منعه، لما فيه من ~~تنزيه المسجد عن الأنجاس، لكنه فاتهم ms0263 النظر إلى أن منعه وقطعه عليه يؤدي ~~[إلي] (¬3) الضرر به وزيادة التنجيس لمكان آخر من المسجد كما سلف، فلهذا ~~نهاهم عليه الصلاة والسلام عن زجره. PageV01P700 ### ||| AUTO الحديث السادس # 31/ 6/ 5 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم ~~الأظفار، ونتف الإبط" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في راويه، وقد تقدم التعريف به في الطهارة. # ثانيها: في ألفاظه (¬2): # الأول: "الفطرة" المراد بها السنة كما نقله الخطابي (¬3) عن الأكثرين، ~~وصوبه النووي (¬4)، أي أنها من سنن الأنبياء الذين يقتدى PageV01P701 # بهم، ويؤيده رواية البخاري عن [بن] (¬1) عمر مرفوعا: "من السنة قص الشارب ~~ونتف الإبط وتقليم الأظفار" (¬2). وأصح ما فسر به الحديث بما ثبت في رواية ~~أخرى، وقال الماوردي: والشيخ أبو إسحاق الشيرازي (¬3): إنها هنا الدين، ~~والصحيح الأول. # وقال القزاز (¬4): في تفسير غريب صحيح البخاري: الفطرة في كلام العرب ~~تنصرف على وجوه، مصدر فطر الله الخلق: أنشأه، والله فاطر: خالق، والفطرة: ~~الجبلة التي خلق الناس عليها وجبلهم على فعلها، وكل مولود يولد على الفطرة، ~~قيل: على الإقرار بالله الذي أقر به لما أخرجه من ظهر آدم عليه السلام، ~~والفطرة: زكاة الفطر، قال: وأولى الوجوه بما ذكرناه أنها (الجبلة) وهي ~~كراهة ما في جسده مما ليس من زينته. # قلت: والمراد بها دين الإسلام في حديث البراء "إذا أويت إلى فراشك فقل ~~اللهم أسلمت نفسي إليك -إلى قوله- فإن مت مت PageV01P702 # على الفطرة" (¬1). وكذا في حديث حذيفة أنه رأى رجلا لا يتم الركوع [ولا] ~~(¬2) السجود فقال: "لو مات هذا مات على غير الفطرة". # الثاني: الختان: يقال ختن الصبي يختنه بكسر التاء وضمها ختنا بإسكان التاء. # الثالث: الاستحداد: استعمال [الحديد] (¬3) في الحلق استفعال من الحديد ~~[وهو الموسي] (¬4). # الرابع: الشارب: هو ما ينبت على الشفة العليا، وقيل: هو الإطار الذي ~~يباشر به الشرب، وقص الشارب هو بحيث نظهر الشفة، [واستئصاله] (¬5) [مثلة] ~~(¬6) عند مالك وجماعة خلافا للكوفيين. وقد ورد في رواية (¬7): "انهكوا ~~الشوارب"، وفي الصحيح (¬8): "احفوا الشوارب"، وأول ms0264 ذلك على أن المراد إحفاء PageV01P703 # ما طال عن الشفتين، وقال الطحاوي: لم نجد عن الشافعي في هذا شيئا منصوصا، ~~وأصحابه الذين رأيناهم: المزني، والربيع كانا حفيان يحفيان شواربهما ويدل ~~ذلك (¬1) أنهما أخذا ذلك عن الشافعي، وذكر ابن خواز منداد عن الشافعي ~~موافقة الكوفيين. # وقال الأثرم: رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدا وسمعته يقول: وقد سئل ~~عن الإحفاء: إنه السنة، وجمع بعضهم بين الأحاديث فقال: يقص الشارب ويحف ~~الإطار، وقال القاضي عياض (¬2): الحف من الأضداد يطلق على التوفير وعلى الحلق. # الخامس: "تقليم الأظفار": تفعيل من القلم وهو القطع. # قال الجوهري (¬3): قلمت ظفري يريد بتخفيف اللام، وقلمت أظفاري مشددا ~~للكثرة أي للمبالغة، والقلامة ما سقط منه. # وفي مسلم من حديث عائشة: "قص الأظفار". قال القاضي عياض في مشارقه: تقليم ~~الأظفار [تقصيصها] (¬4). # قلت: ويحصل بأي آلة كانت من مقص وسكين، ويكره بالأسنان. # السادس: نتف الإبط: إزالة شعره بالنتف، ويحصل أيضا PageV01P704 # بالحلق والنورة، لكن الأفضل ما دلت السنة عليه وهو النتف وسيأتي ما فيه. # والإبط: بإسكان الباء، [و] (¬1) قال الجواليقي وبعض المحدثين: يقول الإبط ~~بكسرها، والصواب: سكونها، ولم يأت في # الكلام شيء على فعل [إلا إبل وإطل (¬2) وحبر، وهي صفرة الأسنان (¬3)، وفي ~~الصفات: امرأة بلز، وهي السمينة (¬4) وأتان إبد: تلد كل عام، [وقيل] (¬5): ~~هي التي أتى عليها الدهر] (¬6)، وأما الإطل [فهي] (¬7): الخاصرة. PageV01P705 # ثالثها: في فوائده وأحكامه. # الأولى: قوله عليه السلام: "الفطرة خمس"، أي: خمس من الفطرة، كما في ~~الرواية الأخرى، وفي الصحيح (¬1): "عشر من الفطرة"، وليست منحصرة في ~~[العشر] (¬2)، وقد أشار عليه الصلاة والسلام إلى عدم انحصارها فيها بقوله: ~~"من الفطرة"، والمراد [آداب] (¬3) الدين المتعلقة بحلية البدن ويظهر أثرها فيه. # وقال القاضي عياض: يحتمل أنه أعلم أولا بالأول ثم بالثاني، وفيه نظر. # وقد يجاب [أيضا] (¬4) عن رواية الحصر أن المراد به المجاز لا الحقيقة ~~"كالحج عرفة"، "والدين النصيحة". وإن كان ظاهرها # الحقيقي الحصر كالعالم في البلد زيد. # الثانية: هذه الخصال [هي] (¬5) التي ابتلي بها إبراهيم فأتمهن فجعله الله ~~إماما يقتدى به ويستن بسنته، ms0265 قال ابن عباس (¬6)، وهو أول PageV01P706 # من أمر بها من الأنبياء، قاله الخطابي (¬1)، وقيل: كانت عليه فرضا ولنا سنة. # الثالثة: الختان: واجب عند الشافعي رحمه الله وجمهور أصحابه وكثير من ~~العلماء، خلافا لمالك وعامة العلماء كما نقله القرطبي (¬2) وأكثرهم كما ~~نقله النووي (¬3) والمحب الطبري؛ لأنه لم يرد في الشرع ذم تاركه ولا توعده ~~بعقاب، ومحل بسط المسألة كتب الخلافيات والفروع. # ومن فسر الفطرة بالسنة في الجميع يستدل به على عدم الوجوب. # وقد يجاب: بأن لفظ السنة استعمل في قدر مشترك بين الواجب والمستحب وهو ما ~~رجح فعله، والجمع بن المختلفات غير ممتنع كما قال تعالى: {كلوا من ثمره إذا ~~أثمر وآتوا حقه} (¬4) والأكل مباح والإيتاء واجب، وفرق بعض الفضلاء من ~~المالكية بفرق لطيف بين الآية والحديث وهو أن الفطرة لفظة واحدة استعملت في ~~[الكل] (¬5)، وفي الآية كل جملة مستقلة على حالها. PageV01P707 # تنبيه: إنما يجب الختان بعد البلوغ، ويستحب في سابعه، قال القرطبي في ~~تفسيره: وثبت في الأخبار عن جماعة من العلماء أنهم قالوا: ختن إبراهيم ~~إسماعيل لثلاث عشرة سنة، وختن ابنه إسحاق لسبعة أيام، وروي عن فاطمة أنها ~~كانت تختن ولدها يوم السابع، وأنكر ذلك مالك وقال: إنه من عمل اليهود، وقال ~~الليث بن سعد: يختن ما بين سبع إلى عشر، ونحوه رواية عن مالك، وقال أحمد: ~~لم أسمع في ذلك شيئا (¬1). # وفي البخاري عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: "أنا يومئذ مختون وكانوا لا يختنون ~~الرجل حتى يدرك أو يقارب الاحتلام". # واستحب العلماء في الرجل الكبير يسلم أن يختن، وكان عطاء يقول: لا يتم ~~إسلامه حتى يختن وإن بلغ ثمانين سنة (¬2). وروي عن الحسن أنه كان يرخص ~~للشيخ الذي يسلم أن لا يختتن ولا يرى به بأسا ولا بشهادته وذبيحته وحجه ~~وصلاته (¬3)، قال ابن عبد البر (¬4): PageV01P708 # وعامة أهل العلم على هذا، وحديث بريدة في حج الأقلف لا يثبت، وروي عن ابن ~~عباس (¬1) وجابر [] (¬2) بن زيد وعكرمة ms0266 أن الأغلف لا تؤكل ذبيحته، ولا تجوز ~~شهادته. # فائدة: قال ابن الجوزي في (المجتبى) (¬3): أسماء من ولد من الأنبياء ~~مختونا: آدم، شيث، إدريس، نوح، سام، هود، صالح، لوط، شعيب، يوسف، موسى، ~~سليمان، زكريا، عيسى، يحيى، حنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس على خلاف في ~~نبوته، محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذلك سبعة عشر نبيا، وما ~~ذكره في آدم كأنه جاء على طريق التغليب، وقيل: إن نبينا - صلى الله عليه ~~وسلم - ختن. # فائدة ثانية: لو ولد مختونا لم يختن على الأصح؛ لأنها مؤنة كفيت، وقيل: ~~لا بد من إجراء الموسي عليه ليقع الامتثال. # فائدة ثالثة: السنة في ختان الذكور إظهاره، وفي ختان النساء إخفاؤه، كذا ~~رأيته في المدخل لابن الحاج المالكي رحمه الله، قال: واختلف في حق النساء: ~~هل يخفضن مطلقا أو يفرق بين أهل المشرق لوجود الفضلة عندهن في أصل الخلقة، ~~وبين أهل المغرب لعدمها عندهن؟ وقال: وذلك راجع إلى مقتضى التعليل فيمن ولد ~~مختونا (¬4). PageV01P709 # فائدة رابعة: في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ~~(إبراهيم أول من اختتن، وأول من ضاف الضيف، وأول من استحد، وأول من قلم ~~الأظفار، وأول من قص الشارب، وأول من شاب فلما رأى الشيب قال: يا رب ما ~~هذا؟ قال: وقار، قال: يارب زدني وقارا) (¬1). # وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن [سعد] (¬2) بن إبراهيم عن أبيه قال: (أول من ~~خطب على المنابر إبراهيم خليل الله) قال غيره: # (وأول من ثرد الثريد، وأول من ضرب بالسيف، وأول من استاك، وأول من استنجى ~~بالماء، وأول من لبس السراويل) (¬3). # الرابعة: نتف العانة وقصها والأزالة بالنورة كالاستحداد، وذلك بحسب ~~الحاجة. # والعانة: هي الشعر النابت حول الفرج، وقيل: حول الدبر، وعبارة الباجي ~~(¬4) المالكي: العانة ما يستره الإنسان. # قلت: والأولى [حلقهما] (¬5) أعني حلق ما حول الفرج والدبر، وحكى الفاكهي ~~عن بعضهم: أنه لا يجوز حلق ما حول الدبر، وهو عجيب غريب، والسنة في حق ~~الرجل الحلق، وفي المرأة النتف، PageV01P710 # وقاله الدزماري (¬1) ثم النووي ms0267 واستشكله الفاكهي بأن فيه ضررا على الزوج ~~باسترخاء المحل باتفاق الأطباء. # قلت: وحديث جابر في الصحيح: "إذا دخلت ليلا فلا تدخل على أهلك حتى تستحد ~~المغيبة" (¬2) قد يقويه. # الخامسة: يستحب أن يبدأ في قص الشارب بالجانب الأيمن، وهو مخير بين القص ~~بنفسه، وبين أن يولي ذلك غيره لحصول المقصود من غير هتك مروءة ولا حرمة، ~~بخلاف الإبط والعانة، والمختار أنه يقص حتى تظهر الشفة كما تقدم، والأصل في # قص [الشارب] (¬3) مخالفة المجوس كما جاء في الصحيح (¬4) ولأن زوالها عن ~~مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة وأنزه من وضر الطعام. # وقال الحليمي في منهاجه: لا يحل لأحد أن يحلق لحيته ولا حاجبيه، وإن كان ~~له أن يحلق سباله؛ لأن لحلقه فائدة وهي أن # لا يعلق به من دسم الطعام ورائحته ما يكره، بخلاف حلق اللحية فإنه هجنة ~~وشهرة وتشبه بالنساء، فهو كجب الذكر، وما ذكره في حق PageV01P711 # اللحية حسن وإن كان المعروف في المذهب الكراهة (¬1). # السادسة: [المستحب] (¬2) أن يبدأ في تقليم [الأظفار] (¬3) باليدين قبل ~~الرجلين [فيبدأ بمسبحة يده اليمنى ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم ~~الإبهام] (¬4)، ثم يعود إلى اليسرى فيبدأ بخنصرها ثم PageV01P712 # ببنصرها [ثم] (¬1) إلى آخرها ثم يعود إلى الرجل اليمنى فيبدأ بخنصرها ثم ~~يختم بخنصر اليسرى، كذا جزم به النووي في شرح مسلم (¬2) (¬3)، وقال الشيخ ~~تاج الدين بن الفركاح في الإقليد: الذي يقتضيه التيامن بخنصر اليمنى حتى ~~ينتهي إلى خنصر اليسرى، وقال الغزالي في الإحياء (¬4): يبدأ في يديه بمسبحة ~~اليمنى ويختم بإبهامه، وذكر في الرجل كما تقدم، وفرق [بين] (¬5) اليد ~~والرجل [بما] (¬6) ثبت للمسبحة من الفضل، قال النووي (¬7): [ولا] (¬8) بأس ~~بما ذكره [إلا تأخير] (¬9) [إبهام] (¬10) اليمنى، PageV01P713 # فإن السنة إكمال اليمنى أولا. # وروي عن وكيع عن عائشة قالت: قال [لي] (¬1) رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "يا عائشة إذا أنت قلمت أظفارك فابدئي بالوسطى ثم الخنصر ثم ~~الإبهام ثم البنصر ثم السبابة فإن ذلك يورث الغنى" (¬2). # وروى الموفق الحنبلي في المغني حديثا: "من قص أظفاره مخالفا لم ير في ms0268 ~~عينيه رمدا" (¬3)، وفسر ابن [بطة] (¬4) بأن يبدأ بخنصر اليمنى ثم الوسطى ثم ~~الإبهام ثم البنصر ثم المسبحة ثم بإبهام اليسرى ثم وسطاها ثم خنصرها ثم ~~السبابة ثم البنصر، والله أعلم بصحة ما ذكره. # وقال ابن الرفعة في كفايته: إن الأولى في قص الأظفار هذه الكيفية، وحكى ~~بعض شيوخنا الحفاظ عن المحدث شرف الدين # الدمياطي أنه كان يقص أظفاره هكذا في اليدين والرجلين، ويأثر أن PageV01P714 # ذلك أمان من الرمد، وقال: فعلته من خمسين سنة فلم أرمد، قال شيخنا الحاكي ~~عنه: وأنا فعلته من إحدى وثلاثين سنة فلم أرمد إلا مرة واحدة. # وكان الدمياطي المذكور يقلم أظفاره يوم الخميس، ويسلسل ذلك بسند ضعيف إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه قال: "يا علي قص الأظفار ونتف الإبط ~~وحلق العانة يوم الخميس والغسل والطيب [واللباس] (¬1) يوم الجمعة" (¬2) ~~قلت: ونظم بعضهم ذلك في أبيات فقال: # ابدأ بيمناك وبالخنصر ... يوم الخميس الأفضل الأكبر # وثن بالوسطى وثلث كما ... قد قيل بالإبهام والبنصر # واختم بسبابتها هكذا ... في اليد والرجل [ولا] (¬3) تمتري # وفي اليد اليسرى بإبهامها ... والأصبع الوسطى مع الخنصر # واتبع الخنصر سبابة ... بنصرها خاتمة الأيسر (¬4) # [فذاك أمن لك إن حزته ... من رمد العين فلا تمتري] (¬5) PageV01P715 # (و) (¬1) قال القاضي عياض: يستحب تفقدها من الجمعة إلى الجمعة. # وفي زيادات العبادي: كان سفيان الثوري يقلم أظفاره يوم الخميس (¬2) فقيل ~~له: غدا الجمعة، فقال: السنة لا تؤخر قال: وروى عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من أراد أن يأتيه الغنى فليقلم أظفاره يوم الخميس" (¬3). وفي ~~الزيادات أيضا أنها إذا قلمت تفرق، قال - صلى الله عليه وسلم -: "فرقوها ~~فرق الله همومكم"، ونقل عن محمد بن مقاتل الرازي من الحنفية أنها تدفن ولا ~~تلقى في الكنيف. # وروى الترمذي الحكيم في نوادره من حديث عبد الله بن [بشر] (¬4) المازني ~~[مرفوعا] (¬5) "قصوا أظافيركم وادفنوا قلاماتكم" (¬6) ومن حديث عائشة: "كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بدفن PageV01P716 # سبعة من الإنسان: الشعر والظفر والدم والحيض والسن والعلقة [والمشيمة] " ~~(¬1) (¬2). # فائدة: في التقليم معنيان: تحسين الهيئة، ms0269 والقرب إلى تحصيل الطهارة ~~الشرعية على الأكمل، إذا لم يخرج من طولها المعتاد # خروجا بينا، فإن خرجت فذاك مانع من حصولها إذا تعلق بها وسخ. # فائدة: قال الحافظ محب الدين الطبري في أحكامه: يستحب غسل رؤوس الأصابع ~~بعد قصها، فقد قيل: إن حك الجلد بالأظفار قبل غسلها [مضر] (¬3) بالجسد، كذا ~~رأيته فيه وهي فائدة جليلة (¬4). PageV01P717 # فرع: يستثنى من استحباب تقليم الأظفار مريد التضحية إذا دخل عليه عشر ذي ~~الحجة، فإن السنة أن لا يقلم ظفره ولا يزيل # شعره حتى يضحي؛ للحديث الصحيح فيه. # السابعة: نتف الإبط سنة بالاتفاق أيضا، قال الغزالي في الإحياء: ويستحب ~~في كل أربعين يوما مرة، وذلك سهل على من تعود في الابتداء نتفه، فأما من ~~تعود الحلق فيكفيه الحلق إذ في النتف تعذيب وإيلام، والمقصود النظافة وأن ~~لا يجتمع الوسخ في # خللها وذلك يحصل بالحلق، ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه -والمزين يحلق ~~إبطه-: علمت أن السنة النتف ولكن لا أقوى # على الوجع (¬1). # واعلم أنه ثبت في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه: "وقت لنا في قص الشارب ~~ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة" (¬2). وفي ~~النسائي: "وقت لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (¬3)، ومعناه: أن لا ~~تترك تركا تتجاوز به أربعين، لا أنه وقت لهم الترك بأربعين، وكذا معنى ما ~~روى عن علي رضي الله عنه أن تقليم الأظفار يكون في كل عشرة أيام، ونتف ~~الإبط في كل أربعين [يوما] (¬4)، PageV01P718 # وحلق العانة في كل عشرين يوما، ونتف [الأنف] (¬1) في كل ثلاثين يوما. # تنبيه: خص النتف بالإبط والحلق بالعانة؛ لأن الإبط محل الرائحة الكريهة، ~~والنتف يضعف الشعر فتخف الرائحة الكريهة، والحلق يكثر الشعر فتكثر فيه ~~الرائحة الكريهة، ولهذا تصف الأطباء تكرار حلق الشعر في المواضع [التي] ~~(¬2) يراد قوته فيها. # فائدة: يستحب البدء بالإبط [الأيمن] (¬3). # الثامنة: يؤخذ من الحديث نقل ما سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وضبطه وأن لا نتجاوزه، وأن ذلك لا يمنع رواية ما سمعه غيره وضبطه ms0270 زيادة ~~[على] (¬4) ما رواه هو [بل الزيادة من الثقة مقبولة إذا لم يخالف ما رواه ~~هو] (¬5) فإنه روي: "خمس من الفطرة" و"عشر من الفطرة" كما أسلفناه، وعمل ~~العلماء بهما من غير اختلاف ولا إنكار، وروي في بعض طرقه "عشر من سنن ~~المرسلين" ففيه تبيين العلم وهل [هو] (¬6) مجتهد فيه أو منقول عن غيره. PageV01P719 # انتهى الجزء الأول ويليه # الجزء الثاني وأوله باب الجنابة PageV01P720 # الإعلام بفوائد عمدة الأحكام # للإمام الحافظ العلامة # أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي # المعروف بابن الملقن # (723 - 804) ه # تقديم # فضيلة الشيخ # صالح بن فوزان الفوزان # عضو هيئة كبار العلماء # وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # فضيلة الشيخ # بكر بن عبد الله أبو زيد # عضو هيئة كبار العلماء # وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه # عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح # غفر الله ولوالديه ولجميع المسلمين # الجزء الثاني # تابع كتاب الطهارة وكتاب الصلاة إلي نهاية باب الإمامة # (32 - 83) حديث # دار العاصمة # للنشر والتوزيع PageV02P001 # الإعلام بفوائد عمدة الأحكام PageV02P002 # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة الأولى # 1417 ه -1997 م # دار العاصمة # المملكة العربية السعودية # الرياض - ص ب 42507 - الرمز البريدي 11551 # هاتف 4915154 - 4933318 - فاكس 4915154 PageV02P003 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV02P004 ### || AUTO 6 - باب الجنابة # الجنابة فعالة من البعد كما سيأتي واضحا. # وذكر المصنف رحمه الله في الباب ثمانية أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 32/ 1/ 6 - عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لقيه في بعض طرق المدينة، وهو جنب، فانخنست منه، فذهبت فاغتسلت، ثم ~~جئت، فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت جنبا، فكرهت أن أجالسك وأنا على ~~غير طهارة، فقال: سبحان الله إن [المسلم- وفي رواية] (¬1) المؤمن- لا ينجس" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: PageV02P005 # أحدهما: في راويه، وقد [تقدم] (¬1) التعريف به. # ثانيها: فيما يتعلق بإسناده، وفيه انقطاع في مسلم، نبه عليه المازري ~~(¬2)، فإنه أخرجه من حديث حميد الطويل عن أبي رافع عن أبي هريرة، وسقط بين ~~حميد وأبي رافع ms0271 بكر بن عبد الله المزني، كذا أخرجه البخاري وأصحاب السنن ~~الأربعة، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في مسنديهما، وادعى [أبو] (¬3) ~~مسعود الدمشقي وخلف الواسطي (¬4) أن مسلما أخرجه أيضا كذلك، والموجود في ~~نسخه ما تقدم، وهذا [الاستدراك] (¬5) لا يقدح في أصل متن الحديث فإنه ثابت ~~على كل حال من رواية أبي هريرة ومن رواية حذيفة (¬6) أيضا. # ثالثها: في ألفاظه: # الأول: الجنابة: فعالة من البعد، ومنه قوله تعالى: {والجار PageV02P006 # الجنب} [النساء: 36] (¬1) أي البعيد الذي ليس بقرابة على أظهر الأقوال ~~فيه، وقد حمل عليه قوله تعالى: {فبصرت به عن جنب} (¬2) أي عن بعد، ويثنى ~~هذا ويجمع فيقال: جنبان وهم [جنوب] (¬3) واجتناب. # وقيل: معنى يجنب الرجل الشيء: جعله جانبا وتركه، فقيل من هذا: رجل جنب، ~~أي [أصاب] (¬4) الجنابة، كأنه في جانب من # الطهارة. # وعن الشافعي رضي الله عنه: إنما سمي "جنبا" من المخالطة، ومن كلام العرب: ~~أجنب الرجل، إذا خالط امرأته. # وقال بعضهم: وكان هذا ضد [المعنى الأول فإنه] (¬5) من القرب منها. # قال الشيخ تقي الدين (¬6): وهذا لا يلزم، فإن مخالطتها مؤدية [للجنابة] ~~(¬7) التي معناها البعد. # وقال الترمذي الحكيم: في علله: سميت جنابة؛ لأن ماء الرجل من ظهره فإذا ~~وصل إلى رحم المرأة نزل الماء PageV02P007 # [من] (¬1) ترائبها، يخرج من بين الصلب: يعني فقار الظهر، والترائب: يعني ~~الصدر والثديين، فيختلط الماءان، فإن قضى الله من ذلك ولدا جمد وصار علقة، ~~إلى آخر ما أخبر الله تعالى، وإلا غلب ماء الرجل ماء المرأة فذهب كأنه لم ~~يكن، وأكثر ما يكون ذلك من البرودة، وأما ما يصير به ولدا فيستوي الماءان ~~في الرحم وينزل ماء المرأة من ترائبها إلى بين جنبيها، ولو نزل ماؤها من ~~ظهرها خرج [لها] (¬2) شعر [في] (¬3) وجهها كما يخرج من الرجال، وأما الذي ~~ينزل من المرأة من ترائبها: الذي بين جنبيها، فإن كان ما ينزل من الجنب ~~الأيمن أكثر وأغلب وإن سعيدا واسع الرزق حكيما يشبه بالصفة أباه في اللون ~~وغيره من الجسد، وإن كان [الماء] (¬4) الذي ينزل إلى الجانب الأيمن أغلظ ms0272 من ~~الذي ينزل [من] (¬5) الجانب الأيسر كان الولد عالما حكيما وسطا في أمر ~~الدنيا، وإن كان الماء الذي ينزل إلى الجانب الأيسر أغلب وأكثر كان الولد: ~~شقيا موسعا عليه في الدنيا # وربما كان كافرا، يشبه في الصفة واللون وغير ذلك [في] (¬6) جسده أخواله، ~~وإن كان الماء الذي ينزل إلى الجانب الأيسر أغلظ كان PageV02P008 # الولد فاسقا فاجرا زانيا فاحشا متفحشا مقترا عليه في الدنيا، يروى ذلك عن ~~علي رضي الله عنه، فمن ذلك سميت الجنابة جنابة؛ لأن ماء الرجل إذا وصل إلى ~~رحم المرأة نزل ماؤها إلى بين جنبيها فيجتمع ثم ينزل إلى الرحم ثم يلحق ~~بماء الرجل، قال: وقد قيل أيضا: إنما سميت الجنابة جنابة، لقول حواء لما ~~جامعها آدم: وجدت لذة ذلك بين جنبي إلى أن استقر ذلك في. # الثاني: "انخنست" فيه ثمان روايات: # الأولى: بنون ثم خاء معجمة ثم نون: ومعناها: انقبضت وتأخرت عنه، قال ~~الجوهري (¬1): خنس يخنس بالضم أي تأخر، وأخنسه غيره إذا خلفه ومضى عنه، ~~وقال الشيخ تقي الدين (¬2): الانخناس: الانقباض والرجوع، وهو راجع إلى ~~الأول، ويقال: خنس، يستعمل لازما ومتعديا، ومن الأول: "إذا ذكر الله خنس ~~(¬3) وإذا غفل وسوس"، ومن الثاني: "وخنس PageV02P009 # إبهامه" (¬1) أي قبضها، وقد يكون [أشرب] (¬2) جنس بمعنى حبس بالباء ~~الموحدة والحاء المهملة أو قبض فلا دليل فيه على التعدي، وقيل: إنه يقال: ~~أخنسه، في المتعدي، حكاه صاحب مجمع البحرين (¬3)، وقوله تعالى: {فلا أقسم ~~بالخنس (15)} (¬4): انخناسها: رجوعها وتواريها تحت ضوء الشمس، وقيل: ~~إخفاؤها [بالنهار] (¬5). # الرواية الثانية: "انبجست" بنون ثم باء موحدة ثم جيم، ومعناه: اندفعت ~~عنه، ومنه قوله تعالى: {فانبجست منه اثنتا عشرة عينا} (¬6) أي جرت واندفعت، ~~ويؤيد هذه الرواية قوله في رواية البخاري (¬7): "فانسللت منه"، وفي رواية ~~أخرى (¬8) "فانحاد عنه" أي PageV02P010 # مال وعدل. وقال الترمذي (¬1): معناه: تنحيت عنه. # الثالثة: "انبخست" بنون ثم باء موحدة بعدها خاء معجمة، من البخس الذي هو ~~النقص، حكاها الشيخ تقي الدين (¬2)، ثم قال: وقد [استبعدت] (¬3) هذه ~~الرواية، ووجهت على بعدها بأنه اعتقد نقصان نفسه بجنابته عن مجالسة ms0273 رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أو مصاحبته، لاعتقاده نجاسة نفسه، هذا أو معناه. # الرابعة: "انتجست" بنون ثم مثناة فوق ثم جيم، ومعناها: اعتقدت نفسي نجسا ~~لا أصلح لمجالسة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا على تلك الحالة، ~~ومعنى "منه": أي من أجله، حكاها ابن العربي (¬4). # الخامسة: "اختنست" بتقديم الخاء المعجمة وبعدها تاء مثناة فوق ثم نون ~~ومعناها كالثانية، ذكر هذه الخمسة الحافظ أبو الحسين يحيى بن أبي الحسن ~~القرشي المصري في كلامه على الأحاديث المقطوعة في مسلم (¬5)، وعبر عن ~~الثالثة بقوله: ذكر في هذه الكلمة قول آخر، ثم قال: فإن صحت فقد ذكر بعض ~~العلماء أن معناها أنه ظهر له نقصانه عن مماشاة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لما اعتقد في نفسه من النجاسة فرأى أنه لا يقاومه ما دام في تلك ~~الحالة، وهذا قد أسلفناه PageV02P011 # أيضا، ثم قال: ومعنى هذه الأقول كلها ترجع إلى شيء واحد وهو الانفصال ~~والمزايلة على وجه التوقير والتعظيم له. # وأهمل رواية سادسة: وهي "انبخشت" بالباء الموحدة بعد النون ثم شين معجمة، ~~قال ابن التين شارح البخاري: ولا أعلم لها # وجها في اللغة. # وسابعة: وهي "انتجشت" [أي الإسراع] (¬1) بنون ثم مثناة فوق ثم شين معجمة ~~[من النجش] (¬2) قال المنذري (¬3): وهو من النجش أي الإسراع. قال الزمخشري ~~(¬4): والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان. # وأهمل ثامنة: وهي "احتبست" بحاء مهملة ثم مثناة فوق ثم موحدة ثم سين ~~مهملة من الاحتباس، بمعنى حبست نفسي عن # اللحاق به - صلى الله عليه وسلم -. # ومن الغريب أن النووي والقرطبي رحمهما الله لم يذكرا معنى هذه اللفظة في ~~شرحيهما عوضا عن هذه [اللفظة] (¬5) فاستفدها. PageV02P012 # اللفظ الثالث: قوله "كنت جنبا" أي ذا جنابة، يقال: جنب الرجل وأجنب: إذا ~~أصابته الجنابة، ويقال: جنب: للذكر والأنثي والمثنى والمجموع، قال تعالى في ~~الجمع: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} (¬1)، وقال بعض أزواج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: إني كنت جنبا، وقد يقال: جنبان وجنبون وأجناب. # الرابع: "سبحان الله" المراد بها التعجب من أن ms0274 أبا هريرة اعتقد نجاسة ~~نفسه بسبب الجنابة، وهذه اللفظة من المصادر [الملازمة] (¬2) للنصب "كمعاذ ~~الله" و"غفرانك" وشبههما مما هو منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره. # ومعناه: تنزيه الله وبراءته عن النقصان الذي لا يليق [بجلال الله] (¬3) ~~وكماله. [وفي "الدعوات للمستغفري" (¬4) عن طلحة بن PageV02P013 # عبيد الله قال: "سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تفسير سبحان ~~الله، فقال: هو تنزيه الله". # قلت:] (¬1) ويستعمل مفردا ومضافا، فإذا أفرد فمنهم من ينونه ومنهم من لا ~~ينونه، فمن الأول قوله: # سبحانه ثم سبحانا أسبحه ... وقبلنا سبح الجودي والجمد (¬2) # ومن الثاني قوله (¬3): # أقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر # فمن ترك تنوينه جعله علما فمنعه الصرف للتعريف وزيادة الألف والنون، ومن ~~نونه جعله نكرة، وقيل: بل صرفه للضرورة، # وأبعد من قال: إنه مقطوع عن الإضافة. # الخامس: قوله: "إن المؤمن لا ينجس" يقال: نجس الشيء بالكسر، ينجس بالفتح، ~~ونجس بالضم ينجس، قاله القرطبي (¬4). # وقال النووي: يقال بضم الجيم وفتحها لغتان، وفي ماضيه لغتان: نجس ونجس ~~بكسر الجيم وضمها، فمن كسرها في الماضي فتحها في المضارع، ومن ضمها في ~~الماضي ضمها في PageV02P014 # المضارع أيضا، [هذا] (¬1) قياس مطرد معروف عند أهل العربية إلا [أحرفا] ~~(¬2) [مستثناه] (¬3) من المكسور. # قال القرافي: وحقيقة النجاسة أنها عبارة عن تحريم ملابسة المستقذرات فهي ~~حكم شرعي راجع إلى الأحكام الخمسة # [وهي] (¬4): التحريم، قال: والاستقذار هو التتجيس عملا بالمناسبة. # وفيه أيضا من الألفاظ: # "المدينة": وهي مشتقة من دان إذا أطاع، وقيل: [من] (¬5) مدن [بالمكان] ~~(¬6)، إذا أقام به، ولها أسماء كثيرة فوق العشرين ذكرتها موضحة في كتابي ~~المسمى ب"الإشارات إلى ما وقع في المنهاج من الأسماء والمعاني واللغات" ~~فراجعها منه. # [الرابع] (¬7): في فوائده: # [الأولى] (¬8): فيه استحباب الطهارة عند مجالسة العلماء وأهل الدين ~~والفضل حتى يكون على أكمل الحالات وأحسن الهيئات PageV02P015 # احتراما لهم وتوقيرا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما [رد] (¬1) على ~~أبي هريرة [لاعتبار] (¬2) الطهارة في مجالسته واعتقاده نجاسة الجنب، لأن ~~الإيمان كاف، وقد أزال اعتقاده بقوله: "سبحان الله" تعجبا من اعتقاده ~~وإعلامه بالحكم ms0275 في عدم نجاسة الجنب كما سبق، وإن كان المستحب أن يكون ~~الإنسان على طهارة في ملابسته الأمور المعظمة كما سأذكره لك، لكن اعتقاد ~~النجاسة أعظم مفسدة من مراعاة مصلحة مستحبة. # قال العلماء: يستحب لطالب العلم أن يحسن حاله في حال مجالسة شيخه فيكون ~~متطهرا متنظفا بإزالة الشعر المأمور بإزالته # وقص الأظفار وإزالة الروائح الكريهة، وغير ذلك مما في هذا المعنى فإن ذلك ~~من إجلال العلم والعلماء. # الثانية: فيه أن العالم إذا رأى من تابعه أمرا يخاف عليه فيه خلاف الصواب ~~سأل عنه، وقال له صوابه وبين له حكمه. # الثالثة: فيه أيضا جواز التعجب "بسبحان الله" وأن ذلك لا يعد سوء أدب مع ~~التزيه، وكأن في المعنى تذكير لمن تعجب من فعله # المخالف بالرجوع إلى الله تعالى وتنزيهه. # الرابعة: فيه أيضا دلالة على أن للجنب تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه ~~وأن له أن ينصرف في حوائجه وأموره قبل الاغتسال. PageV02P016 # الخامسة: هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتا، فأما الحي فهو ~~إجماع، حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة # فرجها، قال بعض أصحابنا: ولا يجيء فيه الخلاف المعروف في نجاسة باطن ~~فرجها ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة ظاهر بيض الدجاج ونحوه ~~فإن فيه وجهين بناء على رطوبة الفرج. # وأما الميت ففيه خلاف للعلماء، وللشافعي فيه قولان: أصحهما طهارته، وصححه ~~القاضي عياض في كتاب الجنائز (¬1)، ولهذا غسل، وللحديث المذكور، وذكر ~~البخاري أيضا في صحيحه عن ابن عباس تعليقا: "المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا" ~~(¬2)، ورواه الحاكم في مستدركه مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~"ولا تنجسوا موتاكم فإن المسلم لا ينجس [حيا]، ولا ميتا" (¬3)، ثم قال: ~~صحيح على شرط البخاري ومسلم، وقال الحافظ ضياء الدين (¬4) في أحكامه: ~~إسناده عندي على شرط الصحيح. PageV02P017 # وأما الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم، هذا مذهبنا ومذهب ~~الجماهير من السلف والخلف، وأما قوله تعالى: {المشركون نجس} (¬1). فالمراد ~~نجاسة الاعتقاد والاستقذار، وليس المراد أن أعضاءهم نجسة [كنجاسة] (¬2) ~~البول والغائط ونحوهما. أو ms0276 المراد أنهم لا ينفكون عن النجاسة بعدم تحرزهم ~~منها؛ ولأنه يقال للشيء: نجس [بمعنى أن عينه نجس، ويقال: إنه نجس] (¬3) ~~بمعنى أنه متنجس بإصابة النجاسة [له، فينبغي أن يحمل على الثاني لإمكان ~~نجاسته بإصابة النجاسة] (¬4). # وقد ذهب بعض الظاهرية إلى أن المشرك نجس في حال حياته أيضا [أخذا] (¬5) ~~بالآية، وعزاه القرطبي في باب النهي عن الجلوس على القبور إلى الشافعي ~~وغيره، وهو غريب، ونقل عن مالك وغيره طهارته، ونقل عن بعض المتأخرين أن ~~الخلاف في طهارة الميت ونجاسته في المسلم دون الكافر فإنهم [متفقون] (¬6) ~~على نجاسته، قال: وهو قول حسن؛ لمفهوم الحديث السالف. # قلت: وإذا ثبت طهارة الآدمي مسلما كان أو كافرا فعرقه PageV02P018 # ولعابه [طاهران] (¬1)، سواء كان محدثا أو جنبا أو نفسا، وهذا كله بإجماع ~~المسلمين، وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى ~~تتبين النجاسة، فيجوز الصلاة في ثيابهم والأكل معهم من المائع إذا غمسوا ~~أيديهم فيه ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة. # وخالف ابن حزم (¬2) الإجماع فادعى نجاسة عرق الكافر عملا بالآية السالفة ~~وقد أسلفنا الجواب عنها، وقال القرطبي (¬3) رحمه الله: هنا يقتبس من الحديث ~~أن من صدق عليه اسم المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا، وأما طهارة الآدمي مطلقا ~~فلا ينازع بوجه. # قلت: طهارة المسلم منتزعة من الرواية التي أسلفناها، ومن قال بطهارة ~~الكافر قد يجيبون بأن الحديث خرج مخرج الغالب فلا # مفهوم له. # واعلم أن ابن العربي (¬4): نقل الاتفاق على طهارة الشهيد بعد الموت، ~~والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أحياء في قبورهم، # فتنبه له. # السادسة: استدل لمالك بهذا الحديث على كراهة نكاح نساء أهل الكتاب لقوله: ~~"إن المؤمن لا ينجس" وبالنجاسة علل مالك الكراهة في ذلك لأجل مضاجعتهن ~~وشربهن الخمر وأكلهن الخنزير. PageV02P019 # السابعة: اختلف العلماء في (¬1) الثوب إذا أصابته النجاسة: يكون نجسا أم ~~لا؟ حكاه الشيخ تقي الدين (¬2)، فقيل: نعم، وأن # اتصال النجس بالطاهر موجب لنجاسة الطاهر، وقيل: لا، بل الثوب طاهر في ~~نفسه وإنما امتنع استصحابه في الصلاة؛ لمجاورة النجاسة، فلهذا القائل أن ms0277 ~~يقول: دل الحديث على أن المؤمن لا ينجس [ومقتضاه] (¬3) أن بدنه لا يتصف ~~بالنجاسة، وهذا يدخل تحت حالة ملابسة النجاسة له فيكون طاهرا، وإذا ثبت ذلك ~~في البدن ثبت في الثوب، لأنه لا قائل بالفرق، أو يقول: البدن إذا أصابته ~~نجاسة من مواضع النزاع وقد دل الحديث على أنه غير نجس وعلى ما قدمناه من أن ~~الواجب حمله على نجاسة العين؛ يحصل الجواب عن هذا الكلام فقط، وقد يدعى أن ~~قولنا الشيء نجس حقيقة في نجاسة العين، فيبقى ظاهر الحديث دالا على أن نفس ~~المؤمن لا ينجس، فيخرج عنه حالة التنجس التي هي محل الخلاف. PageV02P020 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 33/ 2/ 6 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، [ثم] (¬1) ~~اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ~~ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده" (¬2)، وقالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد، نغترف منه جميعا" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في راويه، وقد سبق التعريف به في الطهارة. # ثانيها: في ألفاظه: # الأول: "كان" هنا تدل على الملازمة والتكرار كقول ابن عباس: "كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس بالخير" ويقال: كان فلان PageV02P021 # يقري الضيف، وقد تستعمل كان لإفادة مجرد الفعل ووقوعه دون الدلالة على ~~التكرار، والأول أكثر في الاستعمال. # الثاني: قولها: "إذا اغتسل" يحتمل أن يكون من باب قوله [تعالى] (¬1): ~~{فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} (¬2) أي: إذا أراد الاغتسال. ويحتمل أن ~~يكون اغتسل بمعنى شرع فيه، فإنه يقال: فعل كذا [إذا] (¬3) فرغ منه، وفعل ~~إذا شرع فيه، فإذا حملنا اغتسل على معنى شرع صح؛ لأنه يمكن أن يكون الشروع ~~وقت [الابتداء] (¬4) بغسل اليدين، وهذا بخلاف الآية فإنه لا يمكن أن يكون ~~وقت الشروع في القراءة وقت الاستعاذة [فلهذا تعين حمله على الإراد فقط. # وقولها: "من الجنابة" (من) هنا بمعنى السببية مجازا عن ابتداء الغاية ms0278 من ~~حيث إن السبب مصدر المسبب ومنشأ له، فتكون الجنابة هنا بمعنى الأمر الحكمي ~~الذي يتسبب عن التقاء الختانين أو الإنزال] (¬5). # الثالث: "أروى" مأخوذ من الري الذي هو خلاف العطش وهو مجاز في ابتلال ~~الشعر بالماء، تقول: رويت من الماء -بالكسر- أروى بالفتح ريا وريا وروى، ~~وأرويته [أنا] (¬6). والمقصود بالإرواء PageV02P022 # هنا: الوصول إلى جميع الجلد، والغالب أنه لا يصل إليه [إلا] (¬1) وقد ~~ابتلت أصول الشعر أو كله، فإن البشرة ظاهر الجلد [كما ستعلمه على الأثر. # الرابع: البشرة: ظاهر الجلد] (¬2) وهذا هو المشهور، وقال أبو جعفر النحاس ~~(¬3) في كتابه "الاشتقاق" في الكلام على آدم: العرب سمت الجلد الظاهر: ~~أدمة، والباطن: بشرة، قال: وحكى الأصمعي (¬4): أن ظاهر [بشر] (¬5) الإنسان ~~من رأسه وسائر جسده البشرة، وباطنه الأدمة، وإطلاق البشرة على الباطن غريب ~~وليس [وهو] (¬6) مراد الحديث ولا الفقهاء. # وقال صاحب المهذب (¬7): جلدة الرأس تسمى الفروة [والشواة] (¬8)، وجلدة ~~سائر الجسد يقال: لها البشرة: وظاهر PageV02P023 # الحديث يرد عليه فإنه أطلق على جلدة الرأس اسم البشرة. # الخاص: "الإفاضة": الإفراغ، يقال: فاض الماء إذا جرى، وفاض الدمع إذا سال. # السادس: "سائر" هنا بمعنى باقي وهو الأصل في استعمالها، وقد تستعمل بمعنى ~~الجميع لكن الاستعمال الأول متعين هنا لذكرها الرأس أولا وهو مأخوذ من ~~السور، وغلط الحريري (¬1) في "درته" (¬2) من استعمله بمعنى الجميع، واستدل ~~على ذلك بحديث غيلان الثقفي الذي قال [له] (¬3) [عليه السلام] (¬4): "أمسك ~~أربعا وفارق سائرهن" (¬5) أي باقيهن بعد الأربع المختارات، قال: والصحيح ~~أنه يستعمل في كل باقي قل أو كثر، لإجماع أهل اللغة إن معنى "إذا شربتم ~~فأسئروا" (¬6): أي أبقوا بقية، لأن المراد به أن يشرب الأقل ويبقى PageV02P024 # الأكثر، وإنما ندب [إلى التأدب] (¬1) بذلك لأن الإكثار من المطعم والمشرب ~~منبأة عن النهم وملامة عند العرب (¬2). # السابع: "الجسد": البدن، وهو لفظ مشترك يطلق على الزعفران ونحوه من الصبغ ~~وهو الدم أيضا، ومصدر جسدته الدم تجسيدا: إذا [أطبق] (¬3) به. # ثالثها: في فوائده: # الأولى: قولها "غسل يديه" أي قبل إدخالهما الإناء كما جاء مصرحا به في ~~رواية، ولا خلاف ms0279 في مشروعية ذلك، وإنما الخلاف # في وجوبه كما تقدم في الطهارة. # الثانية: قولها "وتوضأ وضوءه للصلاة" فيه استحباب تقديم أعفاء الوضوء ~~[للغسل] (¬4)، قال الشيخ تقي الدين (¬5): وهل هو وضوء حقيقة فيكتفى به عن ~~غسل هذه الأعضاء للجنابة؟ فإن موجب PageV02P025 # الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحدا، وإنما هو عن الجنابة وقدمت على ~~بقية الجسد تكريما لها ويدرج الأصغر فيه، ينبغي أن يقع البحث فيه، قال: وقد ~~يقول قائل: قولها: "وضوءه للصلاة" مصدر مشبه تقديره: وضوءا مثل وضوء الصلاة ~~[فيلزم] (¬1) لأجل ذلك أن تكون هذه الأعضاء مغسولة عن الجنابة؛ لأنها لو ~~كانت مغسولة عن الوضوء حقيقة لكان قد توضأ غير الوضوء للصلاة فلا يصح ~~التشبيه؛ لأن التشبيه [يقتضي تغاير المشبه] (¬2) والمشبه به، فإذا جعلناها ~~مغسولة للجنابة صح التغاير وكان التشبيه في الصورة الظاهرة. وجوابه -بعد ~~تسليم كونه مصدرا مشبها- من وجهين: # الأول: أن يكون شبه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء للصلاة ~~في غير غسل الجنابة، والوضوء بقيد كونه في غسل الجناية [بقيد] (¬3) مغايرا ~~للوضوء بقيد كونه خارج غسل الجنابة، فيحصل التغاير الذي يقتضي صحة التشبيه، ~~ولا يلزم منه عدم كونه وضوءا للصلاة حقيقة. # الثاني: لما كان وضوء الصلاة أو صورته معنوية ذهنية، فشبه هذا الفرد الذي ~~وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن، كأنه يقال: أوقع في الخارج ما يطابق ~~الصورة الذهنية لوضوء الصلاة. # قلت: قد صرح بالبحث الثاني الداودي من الشافعية حيث PageV02P026 # قال: قول الشافعي: "ثم يتوضأ وضوءه للصلاة" أي يقدم غسل أعضاء وضوءه على ~~غيرها من الأعضاء على ترتيب الوضوء لكن # بنية غسل الجنابة لا أن ذلك وضوء. هذا لفظه، وقد ذكرته في شرحي الصغير ~~للمنهاج وهو غريب منه [في المذهب] (¬1). # وادعى أبو ثور (¬2) وجوب الوضوء قبل الغسل [و] (¬3) لا دليل له من هذا ~~الحديث ولا من غيره؛ لأن فعله عليه السلام محمول على الاستحباب إلا أن يدل ~~دليل على الوجوب. # الثالثة: قولها: "وضوءه للصلاة" ظاهره إكمال الوضوء، وسيأتي الخلاف في ~~ذلك في الحديث الآتي على الأثر إن شاء ms0280 الله. الرابعة: قولها: "ثم اغتسل" ~~يعني ما هو مشروع معلوم عندكم، ثم ذكرت بعض هيئاته فقالت: "ثم يخلل بيده ~~شعره" وحقيقة التخليل ستأتي، ويجوز أن يكون المراد بالاغتسال هنا صب الماء ~~على الرأس، قال القاضي [عياض] (¬4): واحتج بعضهم به على تخليل شعر اللحية ~~في الغسل فإنه لم يجر في الحديث ذكر الرأس حتى يكون مختصا بشعره، قال: ~~وعندنا في تخليل شعرها قولان، ومنهم من احتج بالقياس على تخليل شعر الرأس. # تنبيه: حقيقة التخليل: إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر، PageV02P027 # لكن هل يكون مع بلل الأصابع بغير نقل ماء، أو بنقل ماء؟ أشار بعضهم إلى ~~ترجيح الثاني لرواية مسلم: "ثم يأخذ الماء فيدخل # أصابعه في أصول الشعر" وذكر النسائي في سننه ما يبين هذا حيث بوب: تخليل ~~الجنب رأسه، وأدخل حديث عائشة هذا فقال فيه: "كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يشرب رأسه ثم يحثي عليه ثلاثا" (¬1). وهذا فيه رد على الأول ~~لأنه لا يقال: أشربت رأسي، بغير ماء. # فائدة: للتخليل فوائد ثلاث: # تسهيل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة. # ثانيها: مباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه. # ثالثها: تأنيس البشرة خشية أن يصيب بصبه [دفعة] (¬2) آفة في رأسه. # الخامسة: قولها: "حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته". يحتمل أن تريد بالظن ~~هنا اليقين وقد كثر في كلام العرب، قال تعالى: {فظنوا أنهم مواقعوها} (¬3)، ~~أي أيقنوا؛ لأنه وقت رفع الشكوك والظنون، ويحتمل أن يكون الظن هنا على ~~بابه؛ لأنه كاف، ويؤيده قولها بعد ذلك: "أفاض عليه الماء ثلاثا"؛ لأنه ما ~~اكتفى بري البشرة الذي لزم منه حصول الواجب حتى [ثلث] (¬4) بعد ذلك. PageV02P028 # السادسة: فيه استحباب تثليث الغسل، وخالف فيه من أصحابنا الماوردي (¬1) ~~فقال: لا يستحب. # قال القاضي عياض: ولم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار، قال: وقال ~~بعض شيوخنا: إن التكرار في الغسل لا فضيلة فيه. # وقال [الباجي] (¬2): يحتمل أن يكون أتى بالثلاث كما ورد في الطهارة من ~~التكرار، ويحتمل أن يكون للمبالغة فإنه لا يكفيه الغرفة الواحدة. # وقال القاضي: ذكر ms0281 عن بعضهم أن الثلاث غرفات مستحبة، ومن قال: إن التكرار ~~غير مشروع في الغسل، حمل الثلاث على الرأس [واحدة للشق الأيمن وواحدة ~~للأيسر وواحدة لوسط الرأس] (¬3)، ويدل على صحة هذا الحمل قولها: في الحديث ~~الآخر أي في البخاري: "أخذ بكفيه فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ ~~بكفيه فقال بهما على رأسه" (¬4). # السابعة: فرق في الحديث بين إفاضة الماء وبين الغسل شروعه فذكرت إفاضة ~~الماء مجردة بعد حصول التخليل ثم الغسل، فاستدل به المالكية على أن الغسل ~~لا يكون إلا مع الدلك وإلا فلا فائدة PageV02P029 # للتفرقة، وأنصف [المازري] (¬1) المالكي فقال: الحديث حجة للشافعية على ~~عدم وجوب الدلك؛ لأن إفاضة الماء تكون مع الدلك ودونه بخلاف الغسل، فيحمل ~~المطلق على المقيد. # الثامنة: فيه جواز اغتسال الرجل والمرأة [جميعا] (¬2) من إناء واحد وأن ~~اغترافهما من الإناء يكون على التعاقب؛ لغلبة صغر أوانيهم وتعذر تساويهما ~~في الاغتراف من غير تعاقب، فيقتضي جواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة ~~لتأخر اغتراف الرجل عن المرأة في بعض الاغترافات، وإن كان لفظ الحديث محتمل ~~لشروعهما في الاغتسال دفعة واحدة لكن ليس فيه عموم. # واعلم أن الإجماع قام على جواز [طهر] (¬3) الرجل والمرأة من إناء واحد ~~كما نقله القاضي ثم النووي في شرحهما (¬4) لمسلم (¬5)، وقال القرطبي: هو ~~متفق عليه بين الأمة إلا شيء روي من ذلك عن أبي هريرة. # وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فجائز بالإجماع كما [نقله] (¬6) النووي ~~أيضا. PageV02P030 # وأما تطهير الرجل بفضلها فهو جائز عند الشافعي ومالك وأبي خيفة والجمهور، ~~سواء خلت به أو لم تخل. # قال أصحاب الشافعي: ولا كراهة في ذلك. # وروي عن ابن المسيب والحسن كراهة فضل [وضوئها طهارة الرجل وغسلها] (¬1)، ~~وكره أحمد فضل [وضوئهما وغسلهما] (¬2)، وشرط ابن عمر: إذا كان أحدهما جنبا ~~أو المرأة حائضا، [وما نقلناه] (¬3) عن ابن المسيب والحسن وأحمد هو ما نقله ~~القرطبي (¬4)، ونقل النووي عن الأولين كراهة فضلها مطلقا، [وعن أحمد وداود: ~~أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها] (¬5)، قال: ~~وروي عن [عبد الله] ms0282 (¬6) بن سرجس والحسن البصري قال: وروي عن أحمد كمذهبنا (¬7). # والمختار ما قاله الجمهور؛ للأحاديث الواردة في تطهره - صلى الله عليه ~~وسلم - مع أزواجه وكل واحد منهما يستعمل فضل صاحبه ولا تأثير للخلوة، وقد ~~ثبت في الحديث الآخر: "أنه عليه السلام اغتسل بفضل بعض أزواجه" رواه أبو ~~داود والترمذي والنسائي، قال الترمذي: حسن PageV02P031 # صحيح (¬1). # وأما الحديث الذي جاء بالنهي وهو حديث الحكم بن عمرو فأجاب العلماء عنه. # أحدها: أنه ضعيف، ضعفه أئمة الحديث، منهم البخاري وغيره. # والثاني: أن المراد النهي عن فضل أعضائها وهو المتساقط منها وذلك مستعمل. # والثالث: أن النهي للاستحباب والأفضل. # وقال القرطبي (¬2): سبب اختلافهم في المسألة اختلافهم في تصحيح أحاديث ~~النهي الواردة في ذلك، ومن صححها اختلفوا أيضا في الأرجح منها أو ما ~~يعارضها، كحديث ميمونة أنه عليه السلام توضأ PageV02P032 # بفضلها (¬1)، وكحديث ابن عباس الذي في الترمذي (¬2)، ولا شك أن حديث ~~عائشة هذا وغيره أصح وأشهر فالعمل به أولى، وأيضا فقد اتفقوا على غسلهما ~~معا مع أن كل واحد منهما يغتسل مما يفضله صاحبه عن غرفه. # التاسعة: قال ابن القطان (¬3) في أحكام النظر (¬4): سئل مالك: أيجامع ~~الرجل زوجته وليس بينهما ستر، قال: نعم، فقيل له: إنهم يرون كراهة ذلك، ~~فقال: قد كان - صلى الله عليه وسلم - وعائشة يغتسلان عريانين، والجماع أولى ~~بالتجرد، وقال: لا بأس أن ينظر إلى فرجها في الجماع، قلت: وهو المرجح عندنا ~~أيضا (¬5). # العاشرة: يؤخذ من الحديث أيضا أن أفعاله عليه السلام حجة كأقواله. PageV02P033 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 34/ 3/ 6 - عن ميمونة بنت الحارث -زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -- ~~قالت: " [وضعت] (¬1) لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضوء الجنابة، ~~فأكفأ بيمينه على يساره مرتين -أو ثلاثا- ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض، ~~أو الحائط مرتين -أو ثلاثا- ثم تمضمض واستنشق، [ثم] (¬2) غسل وجهه وذراعه، ~~ثم أفاض على رأسه، ثم غسل جسده، ثم تنحى، فغسل رجليه. [قالت] (¬3): فأتيته ~~بخرقة فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيده" (¬4). # الكلام عليه من وجوه: PageV02P034 # أحدها: [في] (¬1) التعريف براويه: # [ميمونة] (¬2) هذه هلالية تزوجها النبي ms0283 - صلى الله عليه وسلم - سنة ست، ~~وقال جماعة: سنة سبع، قال محمد بن إبراهيم: في شوال، وفي الكلاباذي في [ذي ~~القعدة] (¬3) وبنى بها في ذي الحجة. # روي لها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة وأربعون حديثا، اتفقا ~~[منها] (¬4) على سبعة، وللبخاري حديث، ولمسلم خمسة، قاله النووي، وقال ابن ~~الجوزي: لها [ستة وسبعون] (¬5) حديثا، روى عنها ابن أختها ابن عباس وجماعة ~~من التابعين. # قيل: كان اسمها (برة) فسماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة، ~~وتوفيت بسرف لأنها اعتلت بمكة، فقالت: أخرجوني من مكة؛ لأن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أخبر أني لا أموت بها فحملوها حتى أتوا بها سرفا فماتت ~~هناك ودفنت بموضع القبة التي بني بها عندها، قاله البكري، وقال النسابة ~~الحواني: ماتت بمكة فحملها ابن عباس على مناكب الرجال إلى سرف وهو بقرب مكة ~~وهو ما بينه وبينها عشرة أميال، وقيل: ستة، وقيل: سبعة، وقيل: اثني عشر، ~~وقيل: تسعة، ورأيت بخط [الصديقي] (¬6) عن عبد الغني أنه قال: بينهما تسعة ~~أيام، PageV02P035 # وهذا من طغيان القلم، وإنما أراد تسعة أميال. # وهي مشتقة من اليمن: وهو البركة، كانت أولا عند أبي رهم بن عبد العزى ~~العامري أو سخبرة (¬1) بن أبي رهم [أو خروبة] (¬2) أو حويطب بن عبد العزى ~~بن أخي أبي رهم، أقوال. # وتزوجها على خمسمائة درهم، وكان بعث جعفرا وقد قدم من أرض الحبشة فخطبها ~~له فجعلت أمرها إلى العباس، [وقيل] (¬3): # بعث أوس بن خولي وأبا رافع فزوجاه إياها، وفي رواية: قبل أن يخرج من ~~المدينة (¬4). قال أبو رافع: تزوجها حلال (¬5). وقال ابن عباس: محرما (¬6)، ~~قال الزهري: وهي الواهبة نفسها (¬7)، وقال غيره: الواهبة: زينب بت جحش، ~~ويقال: أم شريك، وأختها أم PageV02P036 # الفضل تحت العباس وهي أم عبد الله بن عباس، فهي خالة ابن عباس. # وفي وقت وفاتها ثمانية أقوال أوضحتها في كتابنا المسمى ب"العدة في معرفة ~~رجال العمدة"، أظهرها سنة إحدى وخمسين، وفي # الصحيح أنها توفيت قبل عائشة، وصلى عليها عبد الله بن عباس، ودخل قبرها ~~هو ويزيد ms0284 بن الأصم وعبد الله بن شداد أبناء أخواتها (¬1)، وربيبها عبد الله ~~الخولاني، قال محمد بن عمرو وهي آخر من مات من أزواجه، وكان لها يوم توفيت ~~ثمانون أو إحدى وثمانون سنة وكانت جلدة. # قلت: وقيل: إن أم سلمة كانت آخرهن موتا، ولا خلاف أنها آخر من تزوج بها. # الوجه الثاني: في ألفاظه: # الأول: قولها: "وضوء الجنابة" هو بفتح الواو أي: ماء الجنابة، وقد تقدم ~~في الطهارة أن الوضوء بفتح الواو: هل هو اسم لمطلق الماء، أو للماء بقيد ~~كونه معدا للوضوء، أو للماء بقيد كونه مستعملا في أعضاء الوضوء؟ ونقلنا عن ~~الشيخ تقي الدين أن الأقرب إلى الحقيقة الثالث، وقد يؤخذ من هذا اللفظ أنه ~~اسم لمطلق الماء فإنها لم تضفه إلى الوضوء بل إلى الجنابة، كأنه يريد: لو ~~كان إنما يطلق على الماء مضافا إلى الوضوء لم يضفه للجنابة. PageV02P037 # والظاهر أن الوضوء بالفتح هو: الماء المعد للغسل، وإن كان [يقال] (¬1) ~~[له] (¬2): غسول؛ لشرفه، ولهذا يستحب تجديده بخلافه. # الثاني: معنى "أكفأ": قلب، وقد أسلفناه في كتاب الطهارة أنه (¬3) يستعمل ~~رباعيا وثلاثيا بمعنى واحد، وكفأت ثلاثيا بمعنى قلبت، وأكفأت رباعيا بمعنى ~~أملت، وأنه مذهب الكسائي وغيره (¬4). # الثالث: يقال: يمين ويمنى، ويسار ويسرى، وهما مؤنثان، واليمنى من [اليمن] ~~(¬5)، كما سلف في باب الاستطابة، واليسرى هي الشؤما ضد اليمنى. # الرابع: قولها: "مرتين أو ثلاثا" هما منصوبان على الظرف والعامل فيهما أكفأ. # الخامس: الفرج: العورة، قاله الجوهري، واعترض [عليه] (¬6) بعض المالكية ~~بأنه يلزم منه أن يقع الفرج على الدبر أيضا إذ هو # عورة. ثم ادعى أن المعروف أن الفرج مختص بالقبل، والاست بالدبر. ولا يسلم ~~له؛ فإن الفرج أصله لغة: الخلل بين شيئين، وذلك يعمهما، نعم المراد به هنا ~~القبل فيما يظهر. PageV02P038 # الوجه الثالث: في فوائده: # الأولى: الإكفاء باليمين على اليسار سببه -والله أعلم- لأجل إدخال اليد ~~الإناء كما سلف في حديث عائشة. # الثانية: فيه أنه لا يقتصر ع لى مرة واحدة في السنة المذكورة، وقد تقدم ~~ما فيه في كتاب الطهارة. # الثالثة: البدأة بغسل ms0285 الفرج لإزالة ما علق به من أذى، وينبغي أن يبدأ ~~بغسله أولا من الجنابة لئلا يحتاج إلى غسله مرة أخرى، وقد يقع ذلك بعد ~~[غسل] (¬1) أعضاء الوضوء فيحتاج إلى إعادة غسلها، فلو اقتصر على غسلة واحدة ~~فهل هي كافية للحدث مع النجس أم لا؟ فيه وجهان لأصحابنا مبنيان على أن ~~للماء قوتين أو واحدة، أصحهما عند الرافعي: لا، وعند النووي: نعم، وقد يقوى ~~بأن الوارد في الحديث مطلق الغسل من غير ذكر تكرار، لكن قد يخدشه قوله ~~بعده: "ثم غسل جسده". # تنبيه: غسل الواحد منا فرجه قبل وضوء الجنابة: إما لنجس كائن عليه، وإما ~~لطاهر كالمني عند من يرى طهارته، وكرطوبة فرج # المرأة عند من قال بطهارته. # الرابعة: قولها: "ثم ضرب يده بالأرض" الظاهر: أنه من المقلوب، والأصل: ~~ضرب الأرض بيده؛ لأن اليد هي الآلة والباء لا تدخل إلا على الآلة كضربت ~~بالعصا وكتبت بالقلم وشبه ذلك، وقد جاء القلب كثيرا في كلامهم، قالوا: عرضت ~~الناقة على الحوض PageV02P039 # وأدخلت القلنسوة في رأسي، ومنه قوله تعالى: {لتنوء بالعصبة} (¬1) أي ~~العصبة تنوء بالمفاتيح لثقلها على ما قيل. # الخامسة: ضربه عليه السلام يده بالحائط أو الأرض لإزالة ما عساه يعلق ~~باليد من رائحته مبالغة في التنظيف، وقال الترمذي # الحكيم في علله: وقيل: إن من داوم عليه عوفي من ميتة السوء (¬2). # قلت: ويؤخذ من الحديث أنه يستحب للمستنجي بالماء إذا فرغ أن يغسل يديه ~~بتراب أو أشنان أو يدلكهما بالأرض أو الحائط؛ ليذهب الاستقذار منها، وبه ~~صرح الخفاف من قدماء أصحابنا في كتابه الخصال، فعد من سنن المستنجي أن يغسل ~~يده بالأشنان بعد فراغه. # ويؤخذ منه أنه إذا غلب على ظنه زوال النجاسة ثم شم من يده ريحها [لا] ~~(¬3) يدل على بقائها في المحل وهو الأصح، وأما إذا زالت عين النجاسة وبقيت ~~رائحتها لا يضر وهو الأصح، ووجه أخذ ذلك منه أن ضربه - صلى الله عليه وسلم ~~- بالأرض أو الحائط لا بد أن يكون لفائدة ولا جائزا أن يكون لإزالة العين ~~لحصولها قبله، وإلا ms0286 لنجست الأرض أو الحائط [لملاقاتها] (¬4) ولا تكون ~~لإزالة الطعم؛ لأنه دليل على بقاء العين، ولا لبقاء اللون لبعده، وإن وجد ~~فنادر، فتعين أن يكون فعله PageV02P040 # استظهارا في زيادة التنظيف أو إزالة احتمال [وجود] (¬1) رائحته مع ~~الاكتفاء بالظن في زوالها. # السادسة: قولها: "ثم تمضمض واستنشق" فيه مشروعيتهما في الغسل، وقد تقدم ~~الخلاف في الوجوب فيه في بابه واضحا فإن # تمسك به من يرى بوجوبهما فيه فلا دلالة له فيه، لأن فعله - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يدل على الوجوب، إلا ما كان بيانا [لمجمل] (¬2) تعلق به الوجوب ~~على المختار، وليس الأمر بالغسل من الجنابة من قبل المجملات. # السابعة: لم يذكر في هذا الحديث أنه مسح برأسه، وهو قول عند المالكية على ~~القول بتأخير غسل الرجلين، حكاه الشيخ تقي # الدين (¬3)، ويحتمل أن يكون اكتفى بالإفاضة على الرأس عنه، لأن فيه معنى ~~المسح وزيادة، وقد اختلف أصحابنا في قيام غسل الرأس مقام مسحها على وجهين، ~~وصححوا الجواز. # [وهل] (¬4) يكره؟ فيه وجهان، أصحهما: لا؛ لأنه الأصل، وقيل: نعم كغسل ~~الخف بدل مسحه، لكن الفرق بينهما أن فيه # إضاعة مال بخلافه. # ثم [وقع] (¬5) في شرح ابن العطار أن أصحابنا اختلفوا في أن PageV02P041 # غسل الرأس والخف: هل يقوم مقام مسحهما؟ على ثلاثة أوجه: أصحها أنه يجزئ ~~في الرأس ولا يجزئ في الخف، وهو كما قاله من حكاية الخلاف دون التصحيح، فإن ~~الأصح الأجزاء فيهما كما ذكره الرافعي والنووي وغيرهما، فاعلمه. # الثامنة: قد يستدل بهذا الحديث على أن من غسل يديه قبل إدخالهما الإناء ~~ثم أحدث في أثناء وضوئه أنه لا يعيد غسلهما؛ فإنه # عليه السلام غسل يديه، ثم بعد غسلهما غسل فرجه ولم يعد غسلهما بعد ذلك. # التاسعة: قولها: "ثم تنحى فغسل رجليه" فيه إشعار بتأخير غسل القدمين وهو ~~[أحسن] (¬1) القولين عندنا وعند المالكية، قال القرطبي (¬2): وذلك ليكون ~~الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، قال: وروي عن مالك أنه إذا أخرهما أعاد ~~وضوءه عند الفراغ، قال: والأظهر الاستحباب؛ لدوام النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على ذلك، وقال المازري ms0287 (¬3): ليس في الحديث تصريح بالتأخير بل هو ~~محتمل؛ لأن قولها "توضأ وضوءه للصلاة" ظاهره إكماله، [وغسلهما] (¬4) بعد ~~ذلك يحتمل؛ لما نالهما من تلك البقعة. # وقال القاضي عياض: ظاهر قولها في الأحاديث إتمام الوضوء. وإليه نحا ابن ~~حبيب. PageV02P042 # قلت: وهو الأصح عند الشافعية والمشهور عند المالكية، وروي عن مالك أن ~~التأخير واسع، وفي مذهب مالك قول آخر أنه إن كان الموضع نظيفا فلا يؤخر، ~~وإن كان وسخا والماء قيلا أخر؛ جمعا بين الأحاديث، واختيار أبي حنيفة ~~التأخير، وقال في المبسوط: إن كان الموضع وسخا أخرهما، وإن كان طاهرا ~~قدمهما. # العاشرة: قال القاضي عياض: في تنحيته لغسل رجليه حجة في أن التفريق ~~اليسير غير مؤثر في الطهارة، وما ذكره إنما يتأتى إذا # قلنا بأنه لم يكمل وضوءه. # فإن قلنا [إنه] (¬1) أكمله فلا حجة فيه، وقد يقال: أخرهما للمانع السالف ~~عن [المازري] (¬2)، ولا يلزم منه التأخير مطلقا. الحادية عشرة: قولها: ~~"فأتيته بخرقة فلم يردها" هذه الخرقة جاءت [غير] (¬3) مسماة في هذا الحديث، ~~وفي رواية [الدارمي] (¬4) (¬5) "فأعطيته ملحفة فأبى"، وفي الأحكام (¬6) ~~لأبي علي الطوسي PageV02P043 # مصححا: "فأتيته بثوب فقال بيده هكذا". # ويؤخذ من [ذلك] (¬1) كله استحباب ترك تنشيف الأعضاء، وفي المسألة ثلاث مذاهب: # أحدها: أنه يكره في الوضوء والغسل، وهو قول ابن عمر وابن أبي ليلى. # وثانيها: لا بأس به فيهما، وهو قول أنس بن مالك والثوري وبه قال مالك. # وثالثها: يكره في الوضوء دون الغسل، روي عن ابن عباس، قال القرطبي (¬2): ~~وإلى الأول مال أصحاب الشافعي. # قلت: هو أحد أوجه خمسة عندهم، وقد اضطرب في الراجح عندهم منها كما أوضحته ~~في شرح المنهاج وغيره فإنه محله، [والمختار] (¬3) أنه مباح يستوي فعله ~~وتركه، قال القرطبي (¬4): وقالوا: هو أثر عبادة فيكره إزالته كدم الشهيد ~~وخلوف فم الصائم، قال: ولا حجة في الحديث، لاحتمال أن يكون رده إياه لشيء ~~رآه بالمنديل،-أي من وسخ أو صبغ من زعفران أو نحوه- أو لاستعجاله للصلاة، ~~أو تواضعا أو مجانبا لعادة المترفهين، وأما القياس فلا نسلمه. قال الترمذي: ~~لا يصح في الباب ms0288 شيء، يعني في PageV02P044 # التنشيف (¬1). # قلت: واحتج بعضهم بهذا الحديث على إباحته حيث نفض الماء بيده، قال: فإذا ~~كان النفض مباحا كان التنشيف مثله أو أولى؛ لاشتراكهما في إزالة الماء. ~~ووقع [للمازري] (¬2) أنه لا خلاف أن التنشيف لا يستحب، وإنما وقع الخلاف في ~~الكراهة. # قلت: لكن بعض أصحابنا قال باستحبابه. ووقع في شرح ابن العطار أنا لا نعلم ~~أحدا من العلماء قال باستحبابه، وهو غريب فإنه وجه في مذهبه، وكأنه تبع ~~المازري (¬3) في ذلك، واحتج من قال بعدم كراهته في الوضوء والغسل بحديث ~~[سعد] (¬4) بن عبادة أنه عليه السلام التحف بملحفة بعد الغسل، لكنه قد ضعف ~~(¬5). وحديث معاذ أنه عليه السلام كان يمسح وجهه بطرف ثوبه، لكنه ضعيف ~~(¬6). PageV02P045 # وحجة القول الثالث: أن أم سلمة ناولته الثوب ليتنشف به فلم يأخذه، وحجة ~~الثاني أنه عليه السلام كانت له خرقة يتنشف بها لكنه ضعيف (¬1) أيضا أو ~~يحمل كما قاله القاضي عياض على الضرورة وشدة البرد ليزيل برد الماء عن ~~أعضائه - صلى الله عليه وسلم -. # الثانية عشرة: قولها: "وجعل ينفض الماء بيده" فيه دليل على أن نفض اليد ~~بعد الغسل والوضوء لا بأس له [كما] (¬2) قال القرطبي، وفيه رد على من كره ~~التمندل وقال إن الوضوء يوزن، إذ لو كان كما قال لما نفضه عنه؛ لأن النفض ~~كالمسح في إتلاف ذلك [الماء] (¬3) (¬4). # قلت: والمسألة عندنا فيها ثلاثة أوجه ذكرتها في شرح المنهاج والتنبيه. ~~والمختار أنه مباح يستوي فعله وتركه. PageV02P046 # الثالثة عشرة: يؤخذ من الحديث إعداد ماء الغسل كالوضوء. # الرابعة عشرة: يؤخذ منه [أيضا] (¬1) استحباب تقديم غسل الفرج كما [سلف] ~~(¬2)، ثم الوضوء بعده ثم إفاضة الماء على الرأس ثم على سائر الجسد. # الخامسة عشرة: يؤخذ منه أيضا استحباب التنحي من المغتسل إذا كان وسخا ~~لغسل القدمين سواء أكمل وضوءه قبل الغسل أم لا. PageV02P047 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 35/ 4/ 6 - عن عبد الله بن عمر [أن عمر] (¬1) بن الخطاب رضي الله عنه ~~قال: "يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد ~~[وهو جنب] ms0289 (¬2) (¬3) ". # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في الطهارة، وابنه عبد الله تقدم في ~~الاستطابة. # الثاني: فيه دلالة لمن يقول بوجوب الوضوء للجنب عند النوم، وهو قول كثير ~~من أهل الظاهر ورواية عن مالك حكاها ابن بشير، وأغرب ابن العربي فحكاه عن ~~الشافعي ولا أعرف من PageV02P048 # حكاه عنه غيره، وروى صاحب المنتقى عن ابن نافع (¬1) عن مالك أن من تركه ~~فليستغفر الله، فقيل: الاستغفار من لوازم الوجوب؟ وقيل: لا، وذهب ابن حبيب ~~(¬2) وابن العربي (¬3) إلى الوجوب أيضا، وقال بعض أشياخ المالكية لا تسقط ~~العدالة [بتركه] (¬4) لاختلاف العلماء فيه. # ولعل الخلاف مبني على أن أوامره - صلى الله عليه وسلم - هل تدل على ~~الوجوب؟ وقد تقدم المختار فيه من الحديث قبله، والجمهور على الندب إذ في ~~الترمذي (¬5) وأبي داود (¬6) و [النسائي] (¬7) وابن ماجه (¬8) عن عائشة رضي ~~الله عنها "أنه عليه السلام كان ينام وهو جنب لا يمس ماء"، نعم قال ~~البيهقي: طعن فيه الحفاظ، وأجاب هو وقبله ابن سريج: بأن المراد لا يمس ماء ~~للغسل (¬9). PageV02P049 # وقال الشيخ تقي الدين (¬1): في الحديث متمسك للوجوب فإنه وقف إباحة النوم ~~على الوضوء، وقال: هذا الأمر ليس للوجوب، # ولا للاستحباب، فإن النوم من حيث هو نوم لا يتعلق به وجوب ولا استحباب، ~~فإذا هو للإباحة فتتوقف الإباحة على الوضوء، وذلك هو المطلوب. # واختلف في علة هذا الوضوء، فقيل: ظاهر قول مالك؛ لأنه تعبد، ففي الإكمال ~~عنه: وضوء الجنب شيء لزمه لا لخوف موت # عليه، وقال بعض المالكية: لعله ينشط فيغتسل (¬2)، وقال بعضهم: ليبيت على ~~إحدى الطهارتين خشية الموت في المنام، فعلى هذا تتوضأ الحائض، ولا تتوضأ ~~[على] (¬3) الأول، وينبني على ذلك التيمم أيضا. # وأما أصحابنا: فقالوا الحكمة فيه تخفيف الحدث فلا يستحب للحائض إلا أن ~~ينقطع دمها. # واختلف المالكية: هل يترك في وضوئه غسل رجليه أم لا؟ فذهب عمر بن الخطاب ~~إلى جواز ذلك، ولم يره مالك، ¬__________ # = الجماع ثم ينام، ومن شاء غسل يده وذكره ونام، ومن شاء نام من غير أن ms0290 ~~يمس ماء، غير أن الوضوء أفضل، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ~~هذا مرة ليدل على الفضيلة، وهذا مرة ليدل على الرخصة، ويستعمل الناس ذلك، ~~فمن أحب أن يأخذ بالأفضل أخذ ومن أحب أن يأخذ بالرخصة أخذ". # (¬1) إحكام الأحكام (1/ 389). # (¬2) انظر: (المعلم)، فإنه ذكر بمعناه (1/ 371). # (¬3) زيادة من ن ب. PageV02P050 # [ووسع] (¬1) فيه ابن حبيب، وقد يصح بناؤه عندهم على الخلاف السالف عنهم، ~~لكن ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة أنه عليه السلام "كان إذا أراد أن ينام ~~وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة" (¬2). # واختلفوا: هل ينتقض وضوء الجنب بالحدث الأصغر؟ فروى الباجي (¬3) عن مالك ~~في المجموعة أنه إنما ينتقض بمعاودة الجماع دون البول والغائط. # وقال اللخمي: ينتقض بالحدث الأصغر، وبناه على التعليل الثاني وهو ظاهر ~~قول الداودي في تأويل قوله عليه السلام: "توضأ # واغسل فرجك" (¬4). # وقال القاضي عياض: هو على طهارة ولا ينتقض إلا بمعاودة الجماع، ويلزم على ~~القول من علل بالنشاط أنه إذا عاود الجماع عن # قرب [لا] (¬5) يعيد الوضوء لأجل النشاط بوضوئه الأول. # والجواب: عن هذا [الإلزام] (¬6) أنه إذا عاد كسل فيحتاج إلى وضوء ينشطه ~~ثانيا. PageV02P051 # واختلفوا: هل يؤمر الجنب بالوضوء إذا أراد معاودة أهله أم لا؟ # فذهب مالك إلى [أنه لا] (¬1) يؤمر بذلك وإنما يؤمر بغسل ذكره فقط [لئلا] ~~(¬2) يدخل على المرأة نجاسة في فرجها بغير ضرورة. # وذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله إلى أنه يؤمر بالوضوء. # واختلفوا في الجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب: هل يؤمر بوضوء الصلاة أم لا؟ # فذهب مالك إلى أنه إنما يؤمر بغسل يده (¬3)، وقال ابن عمر: يؤمر بوضوء ~~الصلاة. # الثالث: قال ابن الجوزي في كشف مشكل الصحيحين (¬4): دل هذا الحديث على ~~استحباب التنظف من الأقذار عند النوم؛ لأن الإنسان لا يكاد يتوضأ حتى يغسل ~~ما به من أذى، وإنما أمر الإنسان بذلك عند النوم؛ لأن الملائكة تبتعد عن ~~الوسخ والريح الكريهة، والشياطين تتعرض للأنجاس والأقذار. وقال عبد الله بن ~~عمرو بن العاصي: (إن الأرواح يعرج بها في منامها، إلى ms0291 السماء فتؤمر بالسجود ~~عند العرش، فما كان منها طاهرا سجد عند العرش، وما PageV02P052 # ليس بطاهر سجد بعيدا عن العرش) (¬1). ثم إن الوضوء يخفف الحدث، ولهذا ~~يجوز عندنا للجنب إذا توضأ أن يجلس في # المسجد، هذا كلامه. # الرابع: قوله عليه السلام: "نعم" هذه اللفظة يعبر عنها النحاة أنها عدة ~~وتصديق، زاد الجوهري: جواب الاستفهام، وربما ناقض # [بلى] (¬2)، إذا قال ليس [لي عندك] (¬3) وديعة [فقولك: PageV02P053 # نعم] (¬1) تصديق له، [وبلى] (¬2) تكذيب، ونعم بكسر العين لغة فيه حكاه ~~الكسائي رحمه الله. # قاعدة لها تعلق بهذا الحديث: [التعليق] (¬3) شرعا على أربعة أقسام: تعليق ~~واجب على واجب كقوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} (¬4)، وتعليق مستحب ~~على مستحب كقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ} (¬5): وتعليق واجب على ~~غير واجب كقوله تعالى: {وإن طلقتموهن}، إلى قوله: {فنصف ما فرضتم} (¬6)، ~~وعكسه كقوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} (¬7). PageV02P054 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 36/ 5/ 6 - عن أم سلمة رضي الله عنها -زوج النبي- صلى الله عليه وسلم -- ~~قالت: "جاءت أم سليم -امرأة أبي طلحة- إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل ~~إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم، إذا رأت ~~الماء" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: التعريف براويه، وهي أم سلمة هند. وقيل: رملة بنت أبي أمية حذيفة، ~~ويقال: سهيل، ويقال: زهير، ويقال: هشام بن # المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشية المخزومية أم المؤمنين. ~~كنيت بابنها سلمة بن [عبد الله] (¬2). PageV02P055 # تزوجها في شوال سنة اثنين من الهجرة بعد وقعة بدر وبنى بها في شوال، ~~وكانت قبله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد والد # [عمر] (¬1) بن أبي سلمة، كذا قال أبو عمر وغيره أنه تزوجها سنة اثنين، ~~وفي كتاب ابن الأثير: سنة ثلاث، وفيه نظر؛ لأن أبا سلمة شهد بدرا سنة اثنين ~~ومات سنة ثلاث أو أربع لا جرم، قال خليفة وغيره: تزوجها سنة أربع (¬2)، ~~وإنما التي بني بها في ms0292 شوال عائشة ثم تزوج بعدها حفصة سنة ثلاث، ووقع في ~~المستدرك للحاكم عن أبي عبيدة أنه تزوجها سنة [اثنين] (¬3) قبل وقعة بدر ~~وصوابه [بعد] (¬4). # وفي الطبقات (¬5) عن أم كلثوم قالت: لما تزوج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أم سلمة قال لها: إني قد أهديت إلى النجاشي أواقي من مسك وحلة ولا ~~أراه إلا قد مات، ولا أرى الهدية التي أهديت له إلا سترد إلي PageV02P056 # فإذا ردت إلي فهي لك. قالت: فكان كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. مات النجاشي [وردت إليه] (¬1) الهدية [فأعطى] (¬2) كل امرأة من نسائه ~~أوقية أوقية من مسك وأعطى سائره والحلة أم سلمة، وفيه إشكال؛ لأن النجاشي ~~توفي سنة تسع فهذا بعد تزويجها بخمس سنين أو أكثر على ما سلف. # قال ابن سعد: وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة الكنانية ثم القرشية. وقال ~~خليفة (¬3): أمها أخته بنت عمرو بن الحارث القرشية. # قال أبو عمر (¬4): كانت هي وأبو سلمة أول من هاجر إلى أرض الحبشة، [وقيل] ~~(¬5): هي أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة، وقيل: بل ليلى بنت أبي حثمة. # وقال ابن حزم: هي آخر نسائه موتا، وقال عطاء: آخرهن حفصة، وهو وهم، وقد ~~تقدم في ترجمة ميمونة قول الواقدي فيها. # روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثمائة حديث وثمانية ~~وسبعون حديثا، اتفقا على ثلاثة عشر حديثا، ولمسلم مثلها، قال ابن PageV02P057 # الجوزي: وللبخاري ثلاثة، روى عنها ابنها عمر وابنتها زينب وسعيد ابن ~~المسيب وعروة وعطاء وغيرهم. # قال ابن سعد: وهاجر بها أبوسلمة إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعا فولدت ~~هناك زينب وسلمة وعمر ودرة، قال مالك: وهاجرت إلى المدينة مع رجل من ~~المشركين وكان ينزل عنها ناحية ويرحل لها بعيرها ويتنحى (¬1) إذا ركبت فلما ~~رأى نخل المدينة قال لها: هذا النخل الذي تريدين، ثم سلم عليها وانصرف، قال ~~الضحاك بن عثمان: وهذا الرجل هو عثمان بن طلحة يعني العبدري. # قال ابن المسيب: وكانت من أجمل الناس، قال المطلب بن عبد الله بن حنطب: ~~دخلت [أيم] ms0293 (¬2) العرب على سيد المرسلين أول العشاء عروسا، وقامت من آخر ~~الليل تطحن، يعني أم سلمة (¬3). # وكان أبوها أحد الأجواد يعرف بزاد الراكب. # وروى ابن سعد قصة غيرة عائشة منها لجمالها، وشهدت فتح خيبر فسمعت وقع ~~السيف في أسنان مرحب. ولما انقضت عدتها أرسل إليها أبو بكر فخطبها ثم عمر ~~ثم أرسل إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: مرحبا به، وروي أنه ~~لم خطبها قالت: إني امرأة مصبية وفي غيرة وقد كبرت، قال عليه السلام: "أما ~~الصبية فأنا وليهم- أو قال: PageV02P058 # فإلي- وأما الغيرة فأنا أدعو الله لها [تذهب] (¬1) وأنا أكبر منها" فلما ~~دخل بها قال: "إن شئت سبعت عندك وسبعت [عند] (¬2) نسائي وإن شئت ثلثت ودرت" ~~[قالت] (¬3): بل ثلث. # [و] (¬4) في تاريخ وفاتها خمسة أقوال: # أحدها: سنة تسع وخمسين. # ثانيها: سنة أربع وستين. # ثالثها: سنة اثنتين وستين. # رابعها: سنة إحدى وستين حين جاءها نعي الحسن، حكاه ابن عساكر وصححه، وفي ~~صحيح مسلم وجامع الترمذي ما يؤيده. # وخامسها: في أول ولاية يزيد بن معاوية، وكانت ولايته لثمان بقين من رجب ~~سنة ستين في اليوم الذي مات فيه معاوية. # واختلف في الشهر على ثلاثة أقوال: # أحدها: في ذي القعدة. # وثانيها: [في] (¬5) رمضان. # وثالثها: ربيع الأول. PageV02P059 # واختلف فيمن صلى عليها على قولين: # أحدهما: أبو هريرة، قاله الواقدي. # الثاني: سعيد بن زيد، وهو غريب جدا، بل وهم، فإنه توفي سنة إحدى وخمسين ~~أو سنة خمسين، وفي كتاب أبي عمر أنها أوصت بذلك وهو غريب أيضا فحمل على ~~أنها أوصت بذلك ثم مات قبلها، وكان لها يوم ماتت أربع وثمانون سنة وقيل ~~تسعون، ولا خلاف أنها دفنت بالبقيع، ونزل في قبرها ابنها عمر وأخوه سلمة، ~~وعبد الله بن عبد الله بن أبي أمية، وعبد الله بن وهب الأسدي [خ م دت ق] ~~(¬1) (¬2). # وأما أم سليم: فهي بنت ملحان بكسر الميم على الأشهر وحكي فتحها، ابن خالد ~~بن زيد، الأنصارية، أم أنس وأخت أم [حرام] (¬3) [و] (¬4) لها صحبة ورواية. # يقال: إنها الغميصاء، ويقال: الرميصاء، وقال أبو ms0294 داود: الرميصاء أخت أم ~~سليم من الرضاعة، واسمها سهلة، ويقال: رملة، # ويقال: رميثة، ويقال أنيفة. وضعفه ابن حبان، وقيل: مليكة، وجزم به جماعة، ~~وزعم الأصيلي أنها بفتح الميم وكسر اللام، وزعم ابن PageV02P060 # سعد أن مليكة اسم أمها، وورد ما يؤيده، فقال السمعاني: الرميصاء لقب لها، ~~[أي] (¬1) لرمص كان في [عينها] (¬2) كما قاله السهيلي. # روي لها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعة عشر حديثا، اتفقا على ~~حديث واحد، وللبخاري حديث، ولمسلم اثنان، روى عنها ابنها أنس وابن عباس ~~وغيرهما، وكانت من عقلاء النساء، وفضلائهن. # وفي البخاري عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "دخلت الجنة (¬3) ~~فسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذه الرميصاء بنت ملحان أم أنس" وفي ~~رواية "الغميصاء" (¬4). # قال ابن عبد البر: كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية فولدت له أنسا ~~فلما جاءها الله بالإسلام اسلمت مع قومها وعرضت # الإسلام على زوجها فغضب عليها وخرج إلى الشام فهلك هناك، ثم خلف عليها ~~بعده أبو طلحة الأنصاري، خطبها مشركا فلما علم أنه لا سبيل عليها إلا ~~بالإسلام أسلم وتزوجها وحسن إسلامه (¬5)، قال أنس: وكان صداقها الإسلام، ~~فولد له منها غلام كان قد أعجب به فمات صغيرا فأسف عليه، ويقال: إنه أبو ~~عمير صاحب النغير، ثم ولد عبد الله بن أبي طلحة فبورك فيه وهو والد إسحاق ~~بن PageV02P061 # عبد الله بن أبي طلحة الفقيه وإخوته كانوا عشرة كلهم حمل عنه العلم. # وروي عن أم سليم أنها قالت: لقد دعا لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حتى ما أريد زيادة، وفي الطبقات أنها شهدت أحدا ومعها خنجر (¬1). # والمعروف أنها أم [أنس] (¬2) ووقع في عدة من كتب الفقهاء كالنهاية ~~والوسيط والبحر المحيط أنها جدته، وصرح به ابن منده، وورد في حديث مصرحا به ~~أيضا، لكن في حديث صلاة الجماعة الذي ذكره المصف في باب الصفوف فاستفد ذلك ~~من كتابي تذكرة الأخبار بما في الوسيط من [الأخبار] (¬3) فإنه موضح فيه. # وكانت هي وأختها خالتين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0295 - من الرضاعة، ~~ذكره النووي [في تهذيبه] (¬4)، وكان عليه السلام يقيل عندها وتبسط له نطعا ~~فينام عليه وقال: "إني أرحمها قتل أخوها معي" (¬5)، وشرب عليه السلام عندها ~~قائما من قربة فقطعت ذلك الموضع وأمسكته عندها (¬6). # وقصتها مشهورة مع أبي طلحة وقد مات ولده فلم تعرفه PageV02P062 # بذلك حتى تغشاها وأصاب منها، وقولها له آخر الليل: يا أبا طلحة ألم تر أن ~~آل فلان استعاروا عارية فمنعوها فطلبت (¬1) فشق عليهم، قال: ما أنصفوا، ~~قالت: فإن ابنك عارية من الله فقبضه الله إليه، فاسترجع فحمد الله فلما ~~أصبح غدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رآه قال: "بارك الله ~~لكما في ليلتكما" فحملت بعبد الله (¬2)، قال عباية بن رفاعة: فلقد رأيت ~~لذلك الغلام سبع بنين كلهم قد ختم القرآن (¬3). # ولم أر من أرخ وفاتها، ولم يذكره أيضا [المزي] (¬4) في تهذيبه ولا من تبعه. # وأما زوج أم سليم: فهو [أبو] (¬5) طلحة زيد بن سهل ابن الأسود أحد ~~النقباء ليلة العقبة. شهد بدرا والمشاهد، روي له عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - اثنان [وسبعون] (¬6) (¬7) حديثا، اتفقا على اثنين، وانفرد كل واحد ~~بواحد، روى عنه [ابن] (¬8) عباس وأنس وابنه عبد الله وابن ابنه إسحاق بن ~~عبد الله وغيرهم. PageV02P063 # مات بالمدينة سنة أربع وثلاثين عن سبعين سنة وعاش بعد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مدة، [سرد] (¬1) الصوم، وروي أنه غزا البحر فمات فيه، قال ابن ~~حبان: وكان فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقتل يوم حنين عشرين ~~رجلا بيده وهو القائل: # أنا أبو طلحة واسمي زيد ... وكل يوم في سلاحي صيد # وصح أنه كان يتناول البرد وهو صائم ويقول: ليس بطعام ولا شراب (¬2). ~~وترجمته موضحة فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب فراجعها [منه] (¬3). # الوجه الثاني: قولها "إن الله لا يستحي من الحق" أي لا يأمر بالحياء فيه، ~~ولا يمتنع من ذكره، ويقال: يستحي بيائين وبياء واحدة # وكلاهما صحيح، والأولى لغة أهل الحجاز، والثانية: لغة تميم، وأصل الثاني ~~كالأول فاستثقلت الكسرة تحت الياء الأولى ms0296 التي هي عين الكلمة فنقلت إلى ~~الحاء، واستثقلت الضمة على الياء الثانية التي هي ياء الكلمة فحذفت، وجمع ~~ساكنان [فحذفت] (¬4) الياء (¬5). قال PageV02P064 # ابن عطية (¬1): وقرأ ابن كثير وابن محيصن وغيرهما (يستحي) بكسر الحاء وهي ~~لغة تميم كما تقدم، وذكر هذه القراءة القرطبي أيضا. # وأصل الاستحياء: الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح، ~~وهذا محال على الله تعالى (¬2). # الثالث (¬3): قولها: "إن الله لا يستحي من الحق" أيضا هو توطئة واعتذار ~~لما ستذكره بعد مما يستحي النساء من ذكره غالبا. وهو عند الكتاب والأدباء ~~أصل المكاتبات والمحاورات، ووجه ذلك أنه يقدم الاعتذار بسبب الإدراك النفسي ~~المعتذر منه صافيا خاليا عن العتب، بخلاف ما إذ تأخر فإن النفس تستقبل ~~المعتذر منه بقبحه، ثم يأتي العذر رافعا وفي الأول يكون دافعا، ولا يخفى ~~الفرق بين الدافع والرافع، وقريب من هذا الإعلام بالمكروه قبل وقوعه فإن ~~النفس PageV02P065 # تتوطن عليه بخلاف ما إذا فاجأ على غفلة والعياذ بالله وإن [وقع] (¬1) ذهب ~~بعد ذلك. # فيستنبط مما ذكرته رضي الله عنها أن الشخص إذا عرضت له مسألة أن يسأل ~~عنها ولا يمتنع من السؤال حياء من ذكرها فإن ذلك ليس بحياء حقيقي؛ لأن ~~الحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلا بخير والإمساك عن السؤال في هذه الحال ~~ليس بخير بل هو شر فلا يكون حياء حقيقيا بل [هو] (¬2) مجازي طبعي يسمى ~~خورا، وقد قالت عائشة: "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن ~~يتفقهن في الدين" (¬3). # فإن قلت: إنما يعتذر من المطلوب عادة بالحياء في الإثبات لا في النهي كما ~~ثبت "إن الله [حيي] (¬4) كريم" فأما في النفي # فالمستحيلات تنفي فلا يشترط فيه أن يكون ممكنا. # فالجواب: أنه لم يرد على النفي مطلقا، بل على الاستحياء من PageV02P066 # الحق، فمن حيث المفهوم يقتضي أنه يستحيي من غير الحق فيعود من حينه إلى ~~جانب الإثبات. # الرابع: اختلف العلماء في معنى قولها: "إن الله لا يستحي من الحق" على أقوال: # أحدها: ما قدمته في أن معناه: إن الله لا ms0297 يأمر بالحياء فيه ولا يمنع من ~~ذكره، وبه جزم القرطبي في تفسيره، ونقل عن الطبري أنه قال في قوله تعالى: ~~{إن الله لا يستحيي} (¬1) الآية أن معناها: لا يخشى، وأنه رجحه قال: وقال ~~غيره: لا يترك، وقيل: لا يمنع. # ثانيها: أن سنة الله وشرعه أنه لا يستحيي من الحق. # ثاثها: إن الله لا يأمر بالحياء في الحق ولا يبيحه، قال الشيخ تقي الدين ~~(¬2): أما تأويله على أنه لا يمنع من ذكره فقريب؛ لأن المستحي يمتنع من فعل ~~ما استحيا منه، فالامتناع من لوازم الحياء، فيطلق الحياء على الامتناع ~~إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم، وأما قولهم: [لا يأمر بالحياء] (¬3) [ولا ~~يقبحه، فيمكن في توجيهه أن يقال: التعبير بالحياء عن الأمر بالحياء] (¬4) ~~متعلق بالحياء، فيصح إطلاق الحياء على الأمر به على سبيل إطلاق المتعلق على ~~المتعلق، وإذا صح إطلاق الحياء على الأمر بالحياء صح إطلاق عدم الحياء من ~~الشيء على عدم الأمر به. PageV02P067 # وهذه الوجوه من التأويلات تذكر لبيان ما يحتمله اللفظ من المعاني ليخرج ~~ظاهره [عن المنصوصية] (¬1) لا [على] (¬2) أنه يجزم بإرادة [متعين منها] ~~(¬3)، إلا أن يقوم على ذلك دليل. # وأما قولهم: "إن سنة الله وشرعه إنه لا يستحيي من الحق"، فليس فيه تحرير ~~(¬4) بالغ، فإنه إما أن يسند فعل الاستحياء إلى الله تعالى [أو لا] (¬5) ~~[و] (¬6) يجعله فعلا لما لم يسم فاعله، فإن أسنده إلى الله تعالى فالسؤال ~~باق بحاله، وغاية ما في الباب: إنه زاد قوله "سنة الله وشرعه" وهذا لا يخلص ~~من السؤال، وإن بنوا الفعل لما لم يسم فاعله، فكيف يفسر فعلا بني للفاعل ~~[و] (¬7) المعنيان متباينان، والإشكال إذا وارد على بنائه للفاعل؟ قال: ~~والأقرب: أن يجعل في الكلام حذف، تقديره: إن الله لا يمنع من ذكر الحق ~~"والحق" هنا خلاف الباطل ويكون المقصود من الكلام: أن يقتدى بفعل الله ~~سبحانه وتعالى في ذلك، أي في قوله: {والله لا يستحيي من الحق} (¬8) PageV02P068 # الآية، ويذكر هذا الحق الذي دعت الحاجة إليه من السؤال عن احتلام المرأة. # الخامس: قولها: ms0298 "إذا هي احتلمت" الظاهر أن "هي" زائدة لتوكيد المعنى ~~وتحقيقه، وإن كان الأصل عدم الزيادة لدلالة المعنى على ذلك؛ لأن أصل المعنى ~~لا يختل بإسقاطها (¬1)، ولأن "إذا" هنا فيها معنى الشرط وهو لا يليها [إلا ~~الأسماء] (¬2) عند البصريين غير الأخفش، فلا يجوز أن يكون في موضع المبتدأ ~~ولا أن يكون فاعلا بفعل مضمر، يفسره ما بعده من باب قوله تعالى: {إذا ~~السماء انشقت (1)} (¬3) لأن الفاعل لا يكون ضميرا منفصلا بغير واسطة فتعين ~~زيادتها، نعم يصح أن يكون مبتدأ عند الكوفيين والأخفش على أصلهم. # السادس: "الاحتلام" كما قال الشيخ تقي الدين (¬4) في الوضع: افتعال من ~~الحلم -بضم الحاء وسكون اللام- وهو: ما يراه النائم في نومه، يقال منه: حلم ~~-بفتح اللام [واحتلم] (¬5) - واحتلمت به، واحتلمته. PageV02P069 # وأما في الاستممال والعرف العام: فإنه قد خص هذا الوضع اللغوي ببعض ما ~~يراه النائم، وهو ما يصحه إنزال الماء، فلو رأى # غير ذلك لصح أن يقال له: "احتلم" وضعا، ولا يصح عرفا. # وقال الماوردي رحمه الله: الاحتلام هو إنزال المني في نوم أو جماع أو ~~غيرهما، وأما النووي رحمه الله [فخصه] (¬1) بما يراه # النائم كما سلف. # السابع: قوله عليه السلام: "نعم إذا رأت الماء" قال الشيخ تقي الدين ~~(¬2): يحتمل أن يكون مراعاة للوضع اللغوي في قوله: "واحتلمت" فإنا قد بينا ~~أن "الاحتلام" رؤية المنام كيف كان وضعا، فلما [سألت] (¬3): [هل] (¬4) على ~~المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ [وكانت لفظة "احتلمت" عامة، خصص الحكم بما ~~إذا رأت الماء، أما لو حملنا لفظة "احتلمت] " (¬5) على المعنى العرفي كان ~~قوله: "إذا رأت الماء" كالتوكيد والتحقيق لما سبق من دلالة اللفظ الأول عليه. # ويحتمل أن يكون الاحتلام الذي يحصل به الإنزال على قسمين: تارة يوجد معه ~~البروز [إلى الظاهر، وتارة لا، فيكون قوله - صلى الله عليه وسلم - "إذا رأت ~~الماء" مخصصا للحكم بحالة البروز PageV02P070 # إلى] (¬1) الظاهر، ويكون قوله: "إذا رأت الماء" أفاد فائدة زائدة، وليس ~~لمجرد التوكيد. # الثامن: الرؤية: ظاهرها الخروج إلى ظاهر الفرج، وهو ما نقله الرافعي عن ~~الأكثرين، ms0299 وأما ابن الصلاح فأنكره عليه وقال: # إنه مردود (¬2). # وقال الشيخ تقي الدين: [إن] (¬3) ظاهر كلام بعض الفقهاء يقتضي وجوب الغسل ~~بالإنزال إذا عرفته بالشهوة ولا يوقفه على # البروز إلى الظاهر، فتكون الرؤية بمعنى العلم ها هنا، أي إذا علمت نزول ~~الماء فعلى هذا يكون حذف هنا للمفعول الثاني لرأى، وفي البسيط عن الأطباء ~~أن منيها لا يخرج منها. # وقال الفقيه ناصر الدين ابن المنير رحمه الله في ترجيز التهذيب في مذهب ~~مالك رحمه الله: إن قلت: # كيف ينزلن النساء وهن لا يبدو لهن الماء؟ # فاعلم أن فرجها مقلوب، يعرف شرح ذلك الأطباء PageV02P071 # وفي الذخيرة للقرافي: إن المرأة [داخل] (¬1) فرجها ذكرا وأنثيين، ويبعد ~~أن تحمل [الرؤية] (¬2) هنا على رؤية القلب وهو علمها # بلذتها بانتقال مائها من مكان إلى مكان آخر من باطن الفرج، لكنه يظهر في ~~جانب البكر كما سأذكره في الفرع الآتي على الأثر. # فرع مهم ينتبه [له] (¬3): وهو أنه لو نزل المني إلى باطن فرج ثيب، ولم ~~يخرج وجب الغسل، أو بكر فلا، والفرق [أن باطن] (¬4) فرج الثيب في حقها ~~كالظاهر فإنه يجب عليها غسله في الاستنجاء، بخلاف البكر فإن باطنه كباطن ~~إحليل الرجل، صرح به الماوردي (¬5) وجزم به النووي في تحقيقه وشرحه لمسلم ~~(¬6)، وكلام الغزالي يقتضي الوجوب بالنسبة إلى البكر أيضا. # التاسع: اعلم أنه يجب الغسل على المرأة بالإنزال كالرجل؛ للحديث الصحيح: ~~"إنما الماء من الماء" (¬7) فيحتمل أن أم سليم لم تسمع ذلك فسألت عنه لمسيس ~~حاجتها إليه، ويحتمل أن يكون سمعته ولكنها سألت عن حال المرأة لقيام مانع ~~منها يخرجها عن العموم وهو ندرة بروز الماء منها. PageV02P072 # العاشر: يؤخذ من الحديث السؤال عن العلم إذا جهله وعلمه واحتاج إلى زيادة إيضاح. # الحادي عشر: يؤخذ منه أيضا تقديم الاعتذار قبل المعتذر عنه وإن كان واجب ~~الفعل لأجل العادة. # الثاني عشر: يؤخذ منه أيض الاحتياط لعدم سوء الظن بالشخص بعدم الأدب ~~العادي وإن لم يكن سوء أدب شرعا. # الثالث عشر: يؤخذ منه أيضا أن الحياء المطلوب إنما هو فيما ms0300 وافق الشرع لا ~~العادة. # الرابع عشر: يؤخذ منه أيضا السؤال في الاستفتاء بهل تنبيها على عدم معرفة ~~السائل، فلا يقول: هكذا قلت أنا، ولا: كنت أعلم # ذلك من [غيرك] (¬1) كذا، وقال فلان بخلاف قولك. # الخامس عشر: يؤخذ منه أيضا أن لفظة [على] (¬2) مقتضاها الوجوب. # السادس عشر: يؤخذ منه (¬3) جواب المفتي بنعم مع قيد في الحكم إذا كان. # السابع عشر: يؤخذ منه أيضا أن المرأة يجب عليها الغسل بخروج المني سواء ~~النوم واليقظة، كما يجب على الرجل بخروجه، PageV02P073 # وهو إجماع، ويجب عليها بأمور أخرى، محل الخوض فيها كتب الفروع. # الثامن عشر: يؤخذ منه (¬1) جواز استفتاء المرأة بنفسها. # التاسع عشر: يؤخذ منه أيضا استحباب حكاية الحال في الوقائع الشرعية مع ~~الحكم. PageV02P074 ### ||| AUTO الحديث السادس # 37/ 6/ 6 - عن عائشة رضي الله عنها [قالت] (¬1): "كنت أغسل الجنابة من ~~ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيخرج إلى الصلاة، وإن بقع الماء في ~~ثوبه" (¬2). # وفي لفظ لمسلم: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فركا فيصلي فيه" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: PageV02P075 # أحدها: في التعريف براويه، وقد سبق بيانه في الطهارة. # ثانيها: في ألفاظه: # الجنابة: تقدم بيانها أيضا، وتسمية الجنابة باسم المني من باب تسمية ~~الشيء باسم سببه، فإن خروج المني ووجوده سبب لاجتناب الصلاة -وما في ~~معناها- وبعده عنها. # والفرك: بفتح الفاء: الدلك، وبكسرها: البغض (¬1). # ثالثها: في أحكامه: وفيه مسائل: أهمها ما يتعلق بنجاسة المني وطهارته. # وقد اختلف العلماء في طهارة مني الآدمي ونجاسته على ستة أقوال: # أحدها: نجاسته، وبه قال مالك وأبو حنيفة، إلا أن أبا حنيفة قال: يكفي في ~~تطهيره فركه إذا كان يابسا، وهو رواية عن أحمد، # وحكاه صاحب التتمة قولا للشافعي، وأطلق ابن العربي في شرح الترمذي عن أبي ~~حنيفة أنه يكفي الفرك ولم يخصه باليابس. # قلت: والقائل بنجاسته اختلف قوله: هل هو نجس أصالة أو لمروره على مسلك ~~البول؟ وقال مالك: لا بد من غسله رطبا ويابسا. # ثانيها: أنه نجس ولا تعاد الصلاة منه، قاله الليث. PageV02P076 # ثالثها: لا ms0301 تعاد الصلاة منه في الثوب بخلاف الجسد، قاله الحسن بن صالح. # رابعها: طهارته، وإليه ذهب الأكثرون وهو أصح القولين عندنا، وأصح ~~الروايتين [عن] (¬1) أحمد، وقد غلط من زعم أن الشافعي تفرد به وهو مروي عن ~~علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة، وبه قال داود أيضا. # خامسها: طهارته من الرجل ونجاصته من المرأة، وهو قول [للشافعي] (¬2) لكنه ~~شاذ، قال بعض العلماء: وينبغي أن يخص # الخلاف فيها بالتي لم تحض، فأما من تقدم لها حيض أو نفاس فينبغي القطع ~~بنجاسته فيها؛ لأن باطن الفرج قد تنجس بالدم وإذا جرى فيه المني تنجس به، ~~وهذا البناء مشكل ويلزم طرده في مني الرجل، لكن أجاب الغزالي عنه بأن رطوبة ~~الذكر لا تكاد تنفصل بخلاف رطوبة فرجها. # سادسها: أن مني الخصي نجس؛ لأنه ينجس بملاقاة منفذ البول [لأنه] (¬3) نجس ~~بالأصالة، حكاه الجيلي من الشافعية عن كتاب الخصال للخفاف ورأيته فيه، وهذا ~~لفظه: كل مني نجس إلا مني الفحل دون [الخصي] (¬4). وحكاه صاحب الاستقصاء أيضا. # والتعليل المذكور موجود في مني الفحل؛ لأن مجراه غير PageV02P077 # مجرى البول كما ستعلمه ويلتقيان في رأس الذكر، احتج لمن قال بنجاسته وهو ~~القياس بالرواية الأولى السالفة في حديث عائشة المذكور وبالقياس على البول ~~والحيض؛ ولأنه يخرج من مخرج البول، ولأن المذي جزء من المني؛ لأن الشهوة ~~تجلب كل واحد منهما فاشتركا في النجاسة، والاكتفاء بالفرك لا يدل على ~~الطهارة بدليل الاكتفاء في النعل بالدلك بالأرض ولا يدل على طهارة الأذى ~~المتعلق به، واحتج الجمهور: بالرواية الثانية في فركه، ولو كان نجسا لم يكف ~~[فركه] (¬1) كالدم والمذي وغيرهما. # وفي صحيح ابن خزيمة (¬2) وابن حبان (¬3) عن عائشة أيضا رضي الله عنها ~~"أنها كانت [تحت] (¬4) المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~يصلي" وظاهره أنه في الصلاة وهذا أقوى الأدلة: وإنما فركته تنزها واستحبابا ~~وكذا غسله كان للتنزيه والاستحباب، وهذا متعين للجمع بين الأحاديث (¬5) ~~(¬6). PageV02P078 # قال القرطبي (¬1): لا حجة في حديث عائشة من وجهين، ثم أطال في ذلك بما ~~يمكن ms0302 الجواب عنه، ولا شك أن مذهبه فيه مخالفة لظاهر الحديث. # فإن قلت: [في مسلم] (¬2) أن عائشة قالت لرجل أصاب ثوبه مني فغسله كله: " ~~[إنما كان] (¬3) يجزيك أن رأيته [أن] (¬4) تغسل مكانه، فإن لم تره نضحت ~~حوله، لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فركا ~~فيصلي فيه" (¬5)، وظاهر هذا وجوب الغسل عند الرؤية. # فالجواب: أنه محمول على الاستحباب؛ لأنها احتجت عليه بالفرك فلو وجب ~~الغسل لكان كلامها حجة عليها لا لها، وإنما أرادت الإنكار عليه في غسل كل ~~الثوب، فقالت: غسل كل الثوب بدعة منكرة وإنما يجزئك في تحصيل الأفضل ~~والأكمل كذا وكذا. وادعى ابن العربي (¬6) أن قوله: "فيصلي فيه" هو من ~~[رواية علقمة] (¬7) والأسود متكلم فيه وغمزه الدارقطني وغيره، وهذا ليس ~~بجيد منه. PageV02P079 # وأما القياس على الدم والبول: # فجوابه: أن المني أصل الآدمي المكرم فهو بالطين أشبه، بخلافهما. # وأما قولهم: إنه يخرج من مخرج البول: # فجوابه: منع ذلك، بل مجراهما مختلف، ولهذا قال أصحابنا: يجب غسل المني ~~إذا استجمر بالحجر؛ [لأنه] (¬1) يجتمع هو والبول في رأس الذكر وهو نجس معفو ~~عنه بالنسبة إلى الصلاة، غير معفو عنه بالنسبة إلى ما لا يلاقيه من ~~الرطوبات، [فلو] (¬2) كان يجري مجرى البول لما كان لقولهم فائدة ولقالوا ~~بوجوب غسله لتنجسه، وأما في إزالته بالماء فكسائر النجاسات إلا ما عفي عنه، ~~والفرد يلحق بالأعم الأغلب. # قال القاضي أبو الطيب (¬3): ... وقد ............ PageV02P080 # [شق] (¬1) ذكر رجل بالروم فوجد كذلك فلا ينجسه بالشك، قال الشيخ أبو حامد ~~(¬2): ولو ثبت أنه يخرج من مخرج البول لم يلزم منه النجاسة؛ لأن ملاقاة ~~النجاسة في الباطن لا تؤثر وإنما تؤثر ملاقاتها في الظاهر، وقال ابن العربي ~~(¬3): إنهما يجتمعان عند أصل الثقب فيتنجس مما يخرج عليه وادعى أنه لا جواب ~~عن هذا. # وأما قولهم: المذي جزء من المني: # فجوابه: بالمنع أيضا، [بل] (¬4) هو مخالف له في الاسم والخلقة وكيفية ~~الخروج، لأن النفس والذكر يفتران بخروج المني، # ومن به سلس المذي لا يخرج معه شيء من المني. # واحتج من ms0303 فرق بين البدن والثوب: بأنه عليه الصلاة والسلام PageV02P081 # "كان إذا اغتسل من الجنابة غسل ما على فرجه من الأذى" وكانت عائشة تفركه ~~كما تقدم. # وجواب هذا يظهر مما تقدم. # المسألة الثانية: قولها: "وإن بقع الماء في ثوبه" هو من أثر الغسل، وفي ~~مسلم: "وأنا أنظر أثر الغسل فيه" (¬1) فيحتمل أن تريد أثر الماء، ويحتمل أن ~~تريد أثر المني بعد غسله، فعلى هذا فيه دلالة لمن يرى بتنجيسه على أن ~~النجاسة إذا ذهب عينها لا يضر بقاء أثرها ولونها، وبذلك ترجم البخاري (¬2) ~~على هذا الحديث حيث قال: "باب إذا غسل الجنابة أو غيرها قلم يذهب أثره" ~~ويؤخذ منه أيضا جواز الصلاة في الثوب الرطب وإن أصابه شيء من الأوساخ ~~الطاهرة كالتراب والطين ونحوهما لا ينجسه. # المسألة الثالثة: فيه خدمة المرأة لزوجها في غسل ثيابه وشبهه، خصوصا إذا ~~كان من أمر يتعلق بها، وهو من حسن العشرة وجميل الصحبة. # المسألة الرابعة: فيه أيضا أنه ينبغي للمقتدي أن ينقل أحوال المقتدى به، ~~وإن كان يستحى من ذكرها في العادة للناس [فيقتدى] (¬3) بها. # المسألة الخامسة: استدل جماعة بهذا الحديث على طهارة PageV02P082 # رطوبة فرج المرأة، وهو الأصح عندنا؛ لأن الاحتلام مستحيل في حقه عليه ~~السلام على الأشبه فتعين أن يكون المني من جماع، ومنع [ذلك] (¬1) بأنه قد ~~يكون خرج بمقدمات فسقط منه شيء على الثوب. # [فائدة] (¬2) قد عرفت حكم مني الآدمي، وأما غيره من الحيوان الطاهر ~~فالأصح عند الرافعي نجاسته، وعند النووي طهارته، وفي وجه ثالث أنه طاهر من ~~مأكول اللحم، نجس من غيره كاللبن. # وأما صفة المني فمحل الخوض فيه كتب الفروع، وقد أوضحته في شرح المنهاج ~~والتنبيه والحاوي وغيرها. # وهذه أقوال غريبة من مذهب مالك أحببت ذكرها هنا: فيه قوله: فيما إذا خرج ~~عريا عن اللذة أنه لا يجب الغسل. وفيه قول آخر: فيما إذا قارنته لذة غير ~~معتادة كما إذا احتك أو اغتسل بماء حار أو لدغته عقرب أو ضرب فأنزل. وفيه ~~قول: أن الواجب الوضوء، إذا قلنا: لا غسل. وفيه: فيما ms0304 إذا التذ ثم خرج منه ~~بعد ذهاب اللذة، ثلاثة أقوال: أضعفها: التفرقة بين أن يكون عن جماع وقد ~~اغتسل له فلا يعيد، وعلى وجوب الغسل إذا صلى ففي الإعادة قولان، وعلى عدمه: ~~هل يتوضأ وجوبا أو استحبابا؟ قولان، ولو رأى في ثوبه احتلاما اغتسل، وفي ~~إعادته من أول يوم أو من أحدث [يوم] (¬3) ثلاثة أقوال يفرق في الثالث بين ~~أن يدع لبسه أم لا. PageV02P083 ### ||| AUTO الحديث السابع # 38/ 7/ 6 - عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغسل". # وفي لفظ: "وإن لم ينزل" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في الطهارة. # الثاني: في ألفاظه. # الأول: الضمير المستتر في "جلس" والضميران البارز والمستتر في "جهدها" ~~للرجل والمرأة وإن لم يجر لها ذكر فهو من المضمر الذي يفسره سياق الكلام ~~كقوله تعالى: {حتى توارت بالحجاب} (¬2)، وكذا قوله: "بين شعبها". من هذا ~~الباب أيضا. PageV02P084 # الثاني: الشعب: جمع شعبة، وأما من قال: أشعبها: جمع شعب. # وفي المراد بها خمسة أقوال: # أحدها: اليدان والرجلان. # ثانيها: الرجلان والفخذان. # ثالثها: الاسكتان -وهما حرفا شق فرج المرأة- والفخذان، قاله الخطابي ~~(¬1)، ومنهم من أبدل الاسكتين بالشفرين، قال # الأزهري (¬2): ويفترق الاسكتان والشفران في أن الاسكتين ناحيتا الفرج ~~والشفران طرفا الناحيتين. # رابعها: الرجلان والشفران. # خامسها: واختاره القاضي (¬3) عياض، أن المراد بها نواحي الفرج الأربع، ~~والشعب النواحي، وهذا مثل قوله: "إذا التقى الختانان وتوارث الحشفة"؛ لأنها ~~تتوارى حتى تغيب بين الشعب، ويروى: "إذا التقى الرفغان" (¬4)، ويروى "إذا ~~التقت PageV02P085 # المواسي" (¬1) والمراد بها واحد. # وقال الشيخ تقي الدين (¬2): الأقرب عندي أن يكون المراد: اليدين والرجلين ~~أو الرجلين والفخذين، فيكون الجماع مكنيا عنه # بذلك، فاكتفى بما ذكر عن التصريح. قال: وإنما رجحنا هذا، لأنه أقرب إلى ~~الحقيقة [إذ] (¬3) هو حقيقة في الجلوس بينهما، وأما إذا حمل على نواحي ~~الفرج فلا جلوس بينهما حقيقة. # فائدة: الشعب: من الألفاظ المشتركة فهي واحدة: الأغصان، والفرقة، يقال: ~~شعبتهم المنية، أي فرقتهم، وتطلق ms0305 ويراد بها المسيل الصغير، والطائفة من ~~الشيء، وغير ذلك كما نبه عليه الجوهري (¬4). # الثالث: قوله: "ثم جهدها" هو بفتح الجيم والهاء وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: [حفرها] (¬5) أي كدها بحركته، قاله الخطابي قال: والجهد من أسماء ~~النكاح، وفي حديث آخر: "إذا خالطها" PageV02P086 # والاختلاط: الجماع، قال القرطبي (¬1): وعلى هذا ينبغي أن يكون جهدها: نكحها. # قلت: وعلى هذا القول لا يحتاج أن يجعل قوله: "بين شعبها" كناية عن الجماع ~~فإنه صرح به بعد ذلك كما قاله هذا القائل. # ثانيها: بلغ مشقها، قال أهل اللغة: يقال جهدته [و] (¬2) اجتهدته: بلغت ~~مشقته، وهذا أيضا لا يراد حقيقته وإنما المقصود منه # وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل، فهو كناية [يكتفى] (¬3) بفهم المعنى ~~منها عن التصريح. # ثالثها: -قال القاضي (¬4) عياض: وهو الأولى-: أن يكون جهدها: بلغ جهده ~~فيها، والجهد: الطاقة، وهو إشارة إلى الحركة وتمكين صورة العمل، وهو نحو ~~قول الخطابي [يحفرها] (¬5) أي كدها بحركته، وإلا فأي مشقة بلغ بها في ذلك؟ # وقيل: طلب منها مثل ما فعل بها، يقال: جهدته، إذا حملته أن يبلغ جهده، ~~قال ابن الأنباري. وقال ابن العربي (¬6): هو من PageV02P087 # الجهد بفتح الجيم وهي المبالغة، وهو بناء فيه نظر، قال: والمروي "اجتهد" ~~وهو مثله. # الوجه الثالث: في حكمه: # فيه حكمان: # الأول: أن إيجاب الغسل لا يتوقف على إنزال المني بل متى غابت الحشقة في ~~الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة، ولهذا جاء في الرواية الأخرى: "وإن لم ~~ينزل" فيكون قوله: "جلس" إلى آخره، خرج [مخرج] (¬1) الغالب، لا أن الجلوس ~~بين شعبها وجهدها شرط لوجوب الغسل، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه ~~خلاف لبعض الصحابة كعثمان وأبي ومن بعدهم كالأعمش وداود، ثم انعقد الاجماع ~~على ما ذكرنا. # وقال الشيخ تقي الدين: خالف بعض الظاهرية داود ووافق الجماعة، ومستند ~~داود ["إنما الماء من الماء" (¬2) وقد جاء] (¬3) [في الحديث] (¬4). "إنما ~~كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نسخ" رواه الترمذي (¬5) وصححه، ~~فزال ما استندوا إليه. PageV02P088 # وقال ابن العربي (¬1): قد روى جماعة من ms0306 الصحابة المنع ثم رجعوا حتى روي ~~عن عمر أنه قال: (من خالف في ذلك جعلته نكالا) (¬2)، وانعقد الإجماع على ~~ذلك ولا يعبأ بخلاف داود في ذلك فإنه لولا خلافه ما عرف، وإنما الأمر ~~الصعب: خلاف البخاري في ذلك وحكمه بأن الغسل أحوط، وهو أحد علماء الدين ~~(¬3)، والعجب منه أنه يساوي بين حديث عائشة في وجوب الغسل بالتقاء الختانين ~~(¬4) وبين حديث .......... PageV02P089 # "عثمان" (¬1) و "أبي" في نفيه [الغسل إلا] (¬2) بالإنزال، وحديث عثمان ~~ضعيف، لأن مرجعه إلى الحسين بن ذكوان المعلم يرويه عن يحيى بن أبي ك ثير عن ~~أبي سلمة عن عطاء بن يسار عن زيد، والحسين لم يسمعه من يحيى وإنما نقله له، ~~قال يحيى: ولذلك أدخله البخاري (¬3) عنه بصيغة المقطوع وهذه علة [وقد خولف ~~حسين فيه عن يحيى فرواه عنه غيره موقوفا على عثمان ولم يذكر [فيه] (¬4) ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه علة ثانية] (¬5)، وقد خولف فيه أيضا أبو ~~سلمة فرواه زيد بن أسلم عن عطاء عن زيد بن خالد أنه سأل خمسة أو أربعة من PageV02P090 # الصحابة فأمروه بذلك، ولم يرفعه وهذه علة ثالثة، وكم من حديث ترك البخاري ~~إدخاله بواحدة من هذه العلل الثلاث، فكيف بالحديث إذا اجتمعت فيه، وحديث ~~أبي أيضا يصعب التعلق به؛ لأنه قد صح رجوعه عما روى لما سمع وعلم مما كان ~~أقوى منه، ويحتمل قول البخاري: الغسل أحوط، يعني في الدين (¬1)، وهو باب ~~مشهور في أصول الفقه، وهو أشبه [بإمامة] (¬2) الرجل وعلمه. # قلت: قد أخرج البخاري حديث عثمان من غير طريق الحسين بن ذكوان رواه عن ~~[سعيد] (¬3) [بن] (¬4) حفص عن شيبان عن # يحيى عن أبي سلمة عن عطاء عن زيد بن خالد عن عثمان مرفوعا (¬5)، وقال ~~الدارقطني: حدث به عن يحيى حسين المعلم # وشيبان وهو صحيح عنهما، ورواه ابن شاهين (¬6) من حديث معاوية بن سلام عن ~~يحيى به، والحسين بن ذكوان ثقة مشهور أخرج له الستة وأما العقيلي فضعفه بلا حجة. # وقوله: إن البخاري رواه بصيغة المقطوع فيه نظر، بل ذكره في PageV02P091 # موضع ms0307 الاحتجاج به، وقد أخرجه مسلم (¬1) بصيغة: عن يحيى، بدل: قال يحيى، ~~وقال ابن طاهر: سمع الحسين بن ذكوان من # يحيى، وقد رواه مصرحا بالسماع من يحيى ابن خزيمة في صحيحه (¬2) والبيهقي ~~في سننه (¬3) وغيرهما فلله الحمد. # وقوله: إن أبا سلمة خالفه زيد بن أسلم، لا يضره؛ لأن أبا سلمة إمام حافظ ~~وقد زاد فيقبل، ولأن [الراوي] (¬4) قد ينشط فيرفع # الحكم. # الثاني: قوله عليه السلام: "فقد وجب الغسل" فيه دلالة على أنه ليس على ~~الفور وهو إجماع، نعم اختلف في الموجب له على أوجه عندنا أوضحناها في كتب ~~الفروع، ثم اعلم أن الأحكام كلها من وجوب الغسل والمهر وغيرهما متعلقة ~~بتغييب الحشفة بالاتفاق، ولا يشترط تغييب جميع الذكر. # ويتعلق بذلك فروع محل بسطها كتب الفروع، ومسائل تغييب الحشفة كثيرة جدا ~~أوصلها الجويني إلى ستين وغيره إلى نيف وسبعين وبعض المالكية إلى نيف ~~وثمانين. وقال ابن أبي [جمرة] (¬5) رحمه الله: إنها أصل لألف مسألة، وقد ~~جمعت منها ما تيسر من ذلك في أوراق مفردة، ولله الحمد. PageV02P092 # فروع: من مذهب مالك رحمه الله: أحببت ذكرها هنا: # لو جومعت بكر فحملت وجب الغسل عليها؛ لأن المرأة لا تحمل حتى تنزل، أفاده ~~ابن العربي (¬1) عن بعض شيوخه. # ولو كان الواطىء والموطوءة غير بالغين: # قال ابن بشير المالكي: مقتضى المذهب أن لا غسل وقد يؤمران به ندبا. # ولو وطئ الصغير كبيرة فلا غسل إلا بإنزال. وقيل: يجب. # وإن وطئ الكبير صغيرة ممن تؤمر بالصلاة فهل تغتسل الصغيرة؟ قولان. # ولو جامع فيما دون الفرج فأنزل ووصل الماء إليه، فإن أنزلت وجب الغسل، ~~فإن لم تنزل ولم تلتذ فلا، وإن التذت ولم يظهر منها إنزال فقولان: # قال القاضي (¬2) أبو الوليد: والوجوب عندي قول مالك ونفيه، وهو تأويل قول ~~ابن القاسم عن مالك. PageV02P093 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 39/ 8/ 6 - عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بن أبي طالب [رضي الله ~~عنهم] (¬1) أنه كان هو وأبوه عند بن عبد الله وعنده قومه، فسألوه عن الغسل؟ ~~فقال: "يكفيك صاع، فقال ms0308 رجل: ما يكفيني، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى ~~شعرا وخيرا منك، يريد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم أمنا في ثوب" (¬2). # وفي لفظ: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفرغ على رأسه ثلاثا" (¬3). # الرجل الذي قال "ما يكفيني " هو: الحسن بن محمد بن بن أبي طالب، أبوه: ~~ابن الحنفية. # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه ونبدأ منهم: # بجابر: وهو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة PageV02P094 # أبو عبد الله الأنصاري الخزرجي المدني، أكثر عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وعنه: بنوه محمد وعقيل وعبد الرحمن وغيرهم، شهد العقبة مع أبيه ~~-يعني الثانية-. وقال عن نفسه: غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تسع ~~عشرة غزوة لم # أشهد بدرا ولا أحدا، منعني أبي، قال الواقدي: ووهم من قال: كنت [أمنح] ~~(¬1) أصحابي الماء يوم بدر، ونقل عن البخاري أنه قال ذلك. قال عمرو: سمعت ~~جابرا يقول: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية: أنتم ~~خير أهل الأرض. وقال أبو الزبير عن جابر: استغفر لي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ليلة البعير خمسا وعشرين مرة، قال هشام بن عروة: # رأيت لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد يؤخذ عنه [العلم] (¬2). # أمه: نسيبة بنت عقبة بن عدي. # وشهد مع علي صفين. # روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون ~~حديثا، أخرجا له مائتي حديث وعشرة حاديث، اتفقا منها على ثمانية وخمسين، ~~وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين. # مات بعد أن عمي سنة ثمان وسبعين عن أربع وتسعين سنة، وقيل: أربع، وقيل: ~~تسع، وصلى عليه أبان بن عثمان، والقائل بأنه توفي سنة ثمان قال: هو آخر ~~الصحابة موتا بالمدينة. # وقال أبو نعيم: إنما هو آخر العقبيين موتا بالمدينة، وقال PageV02P095 # يعقوب بن سفيان الفسوي: آخرهم موتا بالمدينة ليس [هو] (¬1) جابر بن عبد ~~الله بن عمرو بن حرام، إنما هو جابر بن عبد الله بن رياب بن ms0309 النعمان بن سنان. # فائدة (¬2): جابر بن عبد الله سبعة، أحدهم هذا. والثاني: جابر بن عبد ~~الله بن رياب، صحابي أيضا وقد سلف آنفا. والثالث: # جابر بن عبد الله بن عمرو السلمي روى عن أبيه عن كعب الأحبار. والرابع: ~~جابر بن عبد الله بن عصمة المحاربي، روى عنه # الأوزاعي. والخامس: جابر بن عبد الله الغطفاني، روى عن عبد الله بن الحسن ~~العلوي. والسادس: جابر بن عبد الله بن عبيد بن # جابر، روى عن الحسن البصري وكان كذابا. والسابع: جابر بن عبد الله أبو ~~الخير المصري، روى عنه يونس بن عبد الأعلى. # فائدة ثانية: جابر يشتبه (بجاثر) بالمثلثة بدل الباء، و (بخاتر) بخاء ~~معجمة ثم ألف ثم مثناة فوق ثم راء، فالأول [من] (¬3) القبيلة التي [بعث ~~الله] (¬4) منها صالحا وهم ثمود بن جاثر بن أرم بن سام بن نوح، وأخوه جديس ~~(¬5) بن جاثر، والثاني سابر بن خاتر مغن له أخبار وحكايات [مشهور] (¬6). PageV02P096 # وأما أبو جعفر: الذي ذكره الشيخ أيضا فهو محمد بن علي بن الحسين [بن علي] ~~(¬1) بن أبي طالب القرشي الهاشمي، مدني تابعي يعرف بالباقر، لأنه بقر العلم ~~أي شقه فعرف أصله. # أمه: أم عبد الله بنت السيد الحسن، روى عن جديه الحسن والحسين مرسلا ~~وأبيهما (¬2)، وعن أبيه (¬3) وابن عمر، وأرسل أيضا # عن عائشة وأبي هريرة وجماعة، وعنه ابنه جعفر الصادق والزهري وخلق. # مولده: ولد سنة ست وخمسين، ومات سنة أربع عشرة ومائة على أحد القولين، ~~وكان سيد بني هاشم في زمانه علما وفضلا وسؤددا ونبلا. وخير محمدي (¬4) على ~~وجه الأرض في زمنه. واتفقوا على إمامته وجلالته وتوثيقه، له ترجمة طويلة في ~~تاريخ دمشق. وقيل: كان يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة. # وأما والده: علي، فهو زي العابدين. قيل له ذلك، لكثرة عبادته، وهو تابعي ~~جليل مدني، ثقة مأمون كثير الحديث عال # رفيع. PageV02P097 # قال يحيى بن سعيد: كان أفضل هاشمي أدركته، يقول: "يا أيها الناس أحبونا ~~حب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارا" (¬1). # وأمه: أم ولد، اسمها ms0310 غزالة (¬2)، كان مع أبيه يوم قتل، وهو ابن ثلاث ~~وعشرين سنة، وهو مريض، فقال عمر بن سعد: لا تتعرضوا لهذا المريض (¬3). # قال أبو بكر بن أبي شيبة: وأصح الأسانيد: الزهري عن علي بن الحسين عن ~~أبيه عن علي، وهذا أحد الأقوال في المسألة. # [وقال] (¬4) ابن المسيب: ما رأيت أورع منه (¬5). # وقال المقبري: بعث إليه المختار بمائة ألف فكرهها وخاف أن يردها فاحتبسها ~~عنده، فلما قتل المختار كتب إلى عبد الملك بن مروان في أمرها فكتب إليه: ~~خذها يا ابن عمي فقد طيبتها لك، فقبلها (¬6). # وقال أبو نوح الأنصاري: وقع حريق في بيته وهو [ساجد] (¬7) PageV02P098 # فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله، النار، فما رفع رأسه حتى [طفئت] (¬1)، ~~فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ قال: النار الأخرى (¬2)، وكان إذا قام للصلاة ~~أخذته رعدة فقيل له في ذلك فقال: ما تدرون بين يدي من أن أقوم وأناجي (¬3)؟ # [وقيل] (¬4): كان إذا توضأ اصفر [ويقول] (¬5): تدرون بين يدي من أريد أن ~~أقوم؟ ولما حج وأحرم اصفر وانتفض وارتعد ولم يستطع أن يلبي، فقيل له: مالك ~~لا تلبي؟ فقال: أخشى أن أقول لبيك، فيقول (لي) (¬6): لا لبيك، فقيل: لا بد ~~من هذا، فلما لبى غشي عليه وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه (¬7). # وقال مصعب الزبيري [عن مالك] (¬8): إنه لما سقط هشم (¬9). وبلغني أنه كان ~~يصلي في [كل] (¬10) يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات (¬11). PageV02P099 # وقال طاووس: رأيته ساجدا في الحجر فأصغيت إليه فسمعته يقول: عبيدك ~~بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك. قال: فوالله ما دعوت بها في كرب إلا ~~كشف عني. وعن أبي جعفر: أن أباه قاسم الله ماله مرتين. وكان يحمل الخبز ~~آناء الليل على ظهره يتتبع به المساكين في ظلمة الليل، ويقول: إن الصدقة في ~~[ظلم] (¬1) الليل تطفئ غضب الشرب، فأثر ذلك في ظهره، وكأنه يبخل فلما مات ~~وجدوه يعول مائة أهل بيت بالمدينة في السر. ومناقبه كثيرة وقد أوضحتها فيما ~~أفردته في رجال هذا الكتاب فراجعها منه. # مات سنة اثنين ms0311 وتسعين: وقيل: سنة ثلاث. وقيل: سنة أربع سنة الفقهاء، ~~وسميت بذلك لكثرة من مات فيها منهم، وصلي عليه # بالبقيع وهو ابن ثمان وخمسين سنة. # وأما جده: فهو أبو عبد الله سبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وريحانته، روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية، أحاديث، رويا ~~له عن أبيه. # وولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع، وقيل: سنة ثلاث. # وقتل يوم عاشوراء يوم السبت، وقيل: يوم الجمعة، بكربلاء من أرض العراق ~~وهو عطشان، سنة إحدى وستين، وسمي ذلك العام: عام الحزن، وهو ابن ثمان ~~وخمسين سنة كما سيأتي. # قتله سنان بن أنس النخعي قاتله الله، وبه جزم ابن حبان في ثقاته، وقيل: ~~قتله عمر بن سعد بن أبي وقاص، وقيل: شمر بن ذي PageV02P100 # الجوشن، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي، من حين حز رأسه، وأتى به عبد ~~الله بن زياد وقال: # أوقر ركابي فضة وذهبا ... [أنا] (¬1) قتلت الملك المحجبا # قتلت خير الناس أما وأبا ... [وخيرهم إذ يذكرون النسبا] (¬2) # وقيل: تولى حمل الرأس بشر بن مالك الكندي ودخل به على ابن زياد وهو يقول ~~الأبيات المذكورة بزيادة في آخرها: # [من] (¬3) أرض نجد [وحرا] (¬4) ويثربا # فغضب ابن زياد من قوله. وقال: فإذا علمت [أنه] (¬5) كذلك (¬6) فلم قتلته؟ ~~والله لا نلت مني خيرا أبدا ولألحقنك به، ثم قدمه فضرب عنقه. # وقيل: إن يزيد بن معاوية هو الذي قتل القاتل. # وكان سبب قتل الحسين أنه خرج يوم التروية يريد الكوفة، إذ ورد كتابهم ~~عليه يبايعه في نحو من سبعين ألفا، فمشى إليهم فكان # هلاكه على أيديهم، وبلغ عدد مقاتليه الذين أرسلهم زياد اثنان وعشرون ~~ألفا، وأميرهم عمر بن سعد ووعده أن يملكه مدينة الري PageV02P101 # فباع الفاسد الرشد بالغي، فضيق عليه [أشد] (¬1) ضيق إلى أن قتله قاتله ~~الله. وقتل معه اثنان وثمانون رجلا من أصحابه مبارزة فيهم الحر بن يزيد ثم ~~قتل بعد ذلك جميع بنيه إلا عليا المسمى بعد ذلك بزين العابدين، كان مريضا ~~فأخذ أسيرا بعد قتل أبيه. # وقتل أكثر ms0312 إخوة الحسين وبني أعمامه ووجد في قميصه مائة وبضع عشرة [من] ~~(¬2) بين رمية وطعنة وضربة. قال محمد بن # الحنفية: قتل معه سبعة عشر رجلا كلهم من ولد فاطمة. وقال الحسن: ستة عشر. ~~وقيل: ثلاثة وعشرون. وجثته بكربلاء. # واختلف في موضع رأسه على أقوال: أصحها: بالبقيع: [و] (¬3) ثانيها: بدمشق. ~~[و] (¬4) ثالثها: بالرقة، ولم يعرف قط، قال # مصعب الزبيري: حج الحسين خمسة وعشرين حجة ماشيا. قال الشافعي: عن سفيان ~~أن عليا توفي وهو ابن ثمان وخمسين. وكذا الحسين ابنه وكذا علي بن الحسين. ~~وكذا محمد بن علي بن [الحسين] (¬5). وكذا جعفر بن محمد. # قلت: وكان [بين] (¬6) الحسين والحسن طهر واحد. PageV02P102 # وأمهما: فاطمة الزهراء. # وكان (عليه السلام) (¬1) يقول: "اللهم إني أحبهما [فأحبهما] " (¬2) وقال: ~~أيضا: "حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من ~~الأسباط" وقال أيضا: "ابناي هذان سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة عيسى ~~ويحيى". قال ابن حبان، في [ثقاته] (¬3): وكان الحسين [يخضب] (¬4) بالسواد. # وأما جده -جد أبي جعفر- الأعلى: فقد سلفت ترجمته في باب المذي. # وأما الحسن بن محمد بن الحنفية: فكنيته أبو محمد وهو عبد الله بن محمد بن ~~الحنفية. [وكان الحسن هذا] (¬5) يقدم على أخيه في الفضل وهو تابعي مدني ثقة ~~من أوثق الناس. كان الزهري يعد من غلمانه -يعني في العلم-، مات سنة مائة أو ~~تسع وتسعين. # فأما أبوه محمد بن علي بن أبي طالب، فهو هاشمي مدني، والحنفية: أمه ~~واسمها خولة بنت جعفر، رأى عمر، وروى عن أبيه وغيره. [وقال] (¬6) ابن ~~الجنيد: لا نعلم أحدا أسند عن علي أكثر ولا أصح من محمد بن الحنفية. قال [] ~~(¬7) الزبير بن بكار: سمته PageV02P103 # الشيعة المهدي كانت شيعته تزعم أنه لم يمت (¬1). قال العجلي: وهو تابعي ~~ثقة، وهو أول من وضع الإرجاء، مات سنة ثلاث وسبعين، وقيل غير ذلك. # الوجه [الثاني] (¬2): في ألفاظه: # الأول: "الصاع" يذكر ويؤنث. ويقال فيه أيضا: صوع وصواع، ثلاث لغات، وهو ~~أربعة أمداد بمده [عليه السلام] (¬3)، والمد رطل وثلث كما في الفطرة وفدية ms0313 ~~الحج وغيرهما بالبغدادي تقريبا. # والرطل: مائة وثلاثون درهما على ما صححه الرافعي، ومائة وثمانية وعشرون ~~درهما وأربعة أسباع درهم على ما صححه النووي. # وقيل: بلا أسباع. وقيل: الصاع ثمانية أرطال، والمد رطلان. # الثاني: "يكفي" بفتح أوله فقط. # الثالث: "أوفى" يحتمل أن يكون بمعنى أطول فيرجع إلى الصفة، وبمعنى أكثر ~~فيرجع إلى الكمية، ويقال: إن هذا الرجل كان # رجلا تاما عظيم الخلق كثير الشعر. # الرابع: قوله: "وخيرا منك" هو بالنصب معطوف على "من" الذي هو مفعول ~~"يكفي" ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. PageV02P104 # الخامس: الهاء في (قومه) (¬1) يعود على جابر. # والمراد "بالغسل" غسل الجنابة. # وقوله: "فقال: يكفيك صاع" أي قاله للسائل عن قدر ما يكفي في الغسل [من ~~الجنابة] (¬2). # وقوله في صدر الكلام: "فسألوه عن الغسل"، وقوله في الجواب: "يكفيك صاع" ~~بلفظ الخطاب للواحد يحتمل أنهم سألوه # عن [أشياء من] (¬3) أنواع الغسل وأحكامه فسأله بعضهم عن صفته وبعضهم عن ~~مقدار مائه فاشتركوا في السؤال فأضيف إليهم، فنقل الراوي جواب مقدار الماء ~~فقط، ويحتمل أنهم اشتركوا في السؤال عن مقدار الماء فأجابهم بلفظ الواحد، ~~كأنه قال: يكفي أحدكم صاع. # وقوله: "فقال رجل: ما يكفيني" ظاهره أنه هذا الرجل غير السائل، إذ لو كان ~~هو لقال: فقال: ما يكفيني. # الوجه الثالث: في فقهه. وفيه مسائل: # الأولى: أن الصاع كاف في الغسل، ولهذا أنكر جابر على الحسن بن محمد، وهذا ~~[في] (¬4) حق من جسده يشبه جسده - صلى الله عليه وسلم - PageV02P105 # [كما] (¬1) نبه عليه الشيخ عز الدبن بن عبد السلام، وقد وردت أحاديث في ~~سنن أبي داود وغيره دالة على مقادير مختلفة (¬2). وذلك -والله أعلم- ~~لاختلاف الأوقات والحالات، وهو دليل على عدم [التحديد] (¬3) وقال النووي ~~رحمه الله في شرح مسلم (¬4): فأجمع العلماء على أن الماء الذي يجزئ في ~~الوضوء والغسل غير مقدر. # قلت: في نقل الإجماع نظر، فقد قال القاضي عبد الوهاب المالكي: من الناس ~~من حكى عنه أنه لا يجوز الاقتصار في الوضوء على أقل من مد، وفي الغسل على ~~أقل من صاع؛ لورود ms0314 الخبر بذلك، وأفاد غيره من المالكية أن هذا القول حكي في ~~مذهب مالك، قال: وهذا لا معنى له؛ لأن ذلك إنما ورد على أنه [إخبار] (¬5) ~~عن القدر الذي كان يكفيه [عليه السلام] (¬6) لا أنه لا يجزئ دونه، وإنما ~~قصد به التنبيه على فضيلة الاقتصار وترك الإسراف، وقد أجمعو على النهي عن ~~الإسراف في الماء وإن كان على شاطئ نهر جار، والأظهر عندنا أنه للتنزيه لا ~~للتحريم وخالفت الإباضية من الخوارج في أن الإقلال من صب الماء سنة، ولا ~~عبرة بهم. PageV02P106 # الثانية: قوله: "ثم يفرغ على رأسه ثلاثا" فيه دلالة على استحباب التثليث ~~في الغسل، وقد تقدم في موضعه. # الثالثة: قال بعض المالكية: فيه دلالة على وجوب [الدلك] (¬1)؛ لأن به يقع ~~التعميم [بالصاع] (¬2) وبالمد، ولا دليل فيه؛ لأن مالكا يقول: إنه واجب ~~وجوب المقاصد لا وجوب الوسائل. # الرابعة: قوله: "ثم أمنا في ثوب" لا خلاف في مقتضاه فإنه يجوز الصلاة في ~~الثوب الواحد وإن كان المصلي إماما، وقد روي أنه # صلى وثيابه موضوعة عنده [وقال: لئلا يراني] (¬3) أحمق مثلك، أي (¬4) ~~فيتوهم عدم جواز ذلك. # الخامسة: في الحديث بيان ما كان عليه الصحابة وغيرهم (¬5) من رجوعهم إلى ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وحالاته، فإن جابرا لما كان عنده ~~[آل] (¬6) علي بن أبي طالب وسألوه عن الغسل [فأجابهم] (¬7) بالصاع فأجابه ~~أحدهم بعدم الكفاية، فرد عليه جابر بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وحاله [وأنه عليه السلام] (¬8) أوفى منه شعرا، فأفحمه ورجع إليه. PageV02P107 # السادسة: فيه المباحثة في العلم والسؤال عنه وإن كان السائل أشرف نسبا. # السابعة: فيه [أيضا] (¬1) جواز الرد بعنف إذا كان حقا وصوابا في إبلاغ ~~الحق وإيصاله إلى المردود عليه. # الثامنة: فيه أيضا وجوب الوقوف عند الحق من غير [ممانعة] (¬2) وجدال. # التاسعة: فيه الرد على الموسوسة والتأسي بأفعال الشارع وتساوي الناس ~~فيها. PageV02P108 ### || AUTO 7 - باب التيمم # نفتتحه بمقدمات: # [الأولى] (¬1): التيمم في اللغة: القصد. # وفي الشرع: قصد إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائط مخصوصة. # وهو ثابت بالكتاب والسنة (¬2) الشهيرة والإجماع، ورخصة ms0315 (¬3) وفضيلة خصت ~~بها هذه الأمة، لم يشاركها فيها غيرها من الأمم، كما صرحت به الأحاديث ~~الصحيحة. # وقيل: إنه عزيمة (¬4)، وبه جزم الشيخ أبو حامد في "تعليقه"، PageV02P109 # وقال: الرخصة إنما هو إسقاط الفرض به. وقال الغزالي في "المستصفى": إن ~~تيمم لعدم الماء فعزيمة. وإن تيمم مع وجوده لمانع كمرض ونحوه فرخصة، وهو حسن. # وتظهر فائدة الخلاف: في العاصي بسفره إذا تيمم، هل يقضي؟ وكذا في صحة ~~التيمم بتراب مغصوب، فإن قلنا: عزيمة صح، وإلا فوجهان. # وجزم النووي في باب الآنية ومسح الخف من "شرح المهذب" بالصحة، والتيمم ~~بتراب المسجد حرام (¬1)، كما قاله النووي في # "شرح المهذب". وحينئذ سيأتي في [صحة] (¬2) ما ذكرناه في المغصوب. # المقدمة الثانية: أجمع العلماء على أنه مخصوص بالوجه PageV02P110 # واليدين، سواء تيمم عن الحدث الأصغر، أو الأكبر، تيمم عن كل الأعضاء أو بعضها. # الثالثة (¬1): اختلف في وقت نزول فرضه. # فقال ابن حبيب: سنة أربع. # وقال غيره: سنة ست، وجزم ابن حبان في [ثقاته] (¬2) بأنه سنة خمس، [قال: ~~في] (¬3) غزوة المريسيع في شعبان قصد بني [المصطلق] (¬4) من خزاعة على ~~مائهم، قريب من الفرع (¬5)، فقتل منهم رجالهم، وسبى نساءهم، وكان [ممن] ~~(¬6) سبي جويرية بنت الحارث، تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وجعل صداقها أربعين أسيرا من قومها. # قال: وفي هذه الغزاة سقط عقد عائشة، فأقام رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالناس على التماسه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فنزلت آية ~~التيمم [قال] (¬7) أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. PageV02P111 # فبعثوا البعير الذي كانت عليه، فوجدوا العقد تحته (1). # الرابعة: سبب مشروعيته: أنه لما كان أصل الحياة الماء، والمصير إلى ~~التراب، شرع التيمم به، ليستشعر بفقد الماء موته، وبالتيمم بالتراب إقباره، ~~فيذهب عنه الكسل، ويسهل عليه ما صعب من العمل. كذا قيل. # وقال ابن العربي (2): في خصوصية [هذه الأمة] (3) بالتيمم حكمتان: # الأولى: أن طهارتهم الأصلية كانت بالماء، فنقل الله منها عند عدمها إلى ~~التراب الذي هو أصل الخلقة، لتكون العبادة دائرة بين قوام الحياة وأصل ms0316 ~~الخلقة. # والثانية: أن النفس خلقها الله -تعالى- على جبلة وهي أنها كلما تمرنت ~~عليه أنست به، وكلما أعرضت عنه كسلت، فلو لم نوظف عليها عند عدم الماء حركة ~~في الأعضاء، وإقبالا على الطهور، لكانت عند وجود الماء [تبعد] (4) عنها ~~العبادة، فتشق عليها العبادة، فشرع الله لها ذلك دائما حتى يكون [أنسها] ~~(5) به، "فإنما الخير عادة، والشر لجاجة" (6). PageV02P112 # قال: [وإذا] (1) ثبت أنه قائم مقامه، فإنه عامل عمله، في إباحة الصلاة، ~~ورفع الحدث، فإن الحدث ليس بمعنى حسي قائم، وإنما هو عبارة عن المنع من ~~الصلاة، فإذا تيمم وصلى زال المانع، وارتفع حكم الحدث. # قال: وقد مد الله طهارة الماء إلى غاية وهي: وجود الحدث، ومد طهارة ~~التيمم إلى غاية وهي: وجود الماء. # قال: والذي يقول: إن عليه أن يطلب الماء لكل صلاة، فإن وجده استعمله ~~وصلى، وإن لم يجده بقي على حكم التيمم الأول، وقد تقدم [الكلام] (3) على ~~هذه المسألة في حديث "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (3) ~~مستوفى. # إذا تقررت هذه المقدمات فلنرجع إلى ما نحن بصدده، فنقول: ذكر المصنف ~~-رحمه الله- فى الباب ثلاثة أحاديث: # ... PageV02P113 ### ||| AUTO الحديث الأول # 39/ 1/ 7 - عن عمران بن حصين -رضي الله عنه- "أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - رأى رجلا معتزلا، لم يصل في القوم، فقال: يا فلان! ما منعك أن ~~تصلي في القوم؟ فقال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد؛ فإنه ~~يكفيك" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه وهو: عمران بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبدنهم ~~بن سالم بن غاضرة أبو نجيد -بنون مضمونة ثم # جيم- الخزاعي أسلم هو وأبو هريرة أيام خيبر. روى عنه ابنه نجيد وغيره، ~~وكان من علماء الصحابة، بعثه عمر إلى أهل البصرة ليفقههم. # وكان الحسن يحلف ما قدم عليهم رجل خير لهم منه، كان يلبس الخز، وكانت ~~الملائكة تسلم [عليه] (¬2)، فلما اكتوى تركته، PageV02P114 # فلما تركه عادوا (¬1). # ولي القضاء أياما لابن عامر وقضى على رجل بقضية، فقال: والله لقد قضيت ~~علي بجور، فقال: وكيف ذلك؟ ms0317 قال: شهد علي بزور، قال: ما قضيت عليك فهو في ~~مالي، والله لا أجلس مجلسي هذا أبدا (¬2). # وقال -رضي الله عنه-: ما مسست ذكري بيميني منذ [بايعت] (¬3) رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - (¬4) # وقال ابن سيرين: ما قدم البصرة أحد يفضل على عمران، وقال قتادة: بلغني عن ~~عمران أنه قال: وددت أني رماد [يذروني] (¬5) # الريح (¬6). # وكان -رضي الله عنه- ممن اعتزل الفتنة وذمها. # قال ابن سبرين: سقى بطنه ثلاثين سنة، كل ذلك يعرض عليه الكي فيأبى، حتى ~~[كان] (¬7) قبل موته بسنتين فاكتوى (¬8). قال مطرف عنه: فما أفلحن ولا ~~أنجحن- يعني: المكاوي-. PageV02P115 # وقال أبو مجلز: كان ينهى عن الكي، فابتلي فاكتوى، فكان يعج، قال الحسن: ~~وأوصى لأمهات أولاده بوصايا، وقال: من # صرخ علي منهن فلا وصية لها. # كان نقثى خاتمه تمثال رجل [متقلد] (¬1) بسيف، جملة أحاديثه مائة حديث ~~وثمانون حديثا، اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة. ومسلم ~~بتسعة: مات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين، وكان أبيض الرأس واللحية، وبقي له ~~عقب بالبصرة. # فائدة: والد عمران ذكره البخاري وغيره في الصحابة. # قال [ابن سعد] (¬2): أسلم قديما عمران هو وأبوه وأخته. [وذكره] (¬3) أبو ~~الحسين المرادي في جملة العميان عن الصحابة، # وحسنن الترمذي (¬4) حديث إسلامه، وصححه ابن حبان والحاكم على شرط ~~الشيخين، وحكى المزي في "تهذيبه" قولا: إنه مات مشركا. PageV02P116 # وهو عجيب غريب (¬1) (¬2). # فائدة ثانية حديثية: في الرواة أربعة عمران بن حصين أحدهم هذا. # والثاني: ضبي، حدث عن ابن عباس. # والثالث: يقال: إنه أبو رؤبة القشيري بصري، روى عن عائشة. # والرابع: أصبهاني، روى عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة. # الوجه الثاني: [في فن] (¬3) المهمات هذا الرجل المبهم هو: خلاد بن رافع ~~بن مالك الأنصاري أخو رفاعة [بن رافع] (¬4) شهد # بدرا. # قال ابن الكلبي: وقتل يومئذ. # وقال غيره: له رواية. وهذا يدل على أنه عاش بعد PageV02P117 # النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1) [قاله] (¬2) أبو عمر: وللنظر فيه مجال. # الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه. # الأول: "المعتزل" المنفرد عن القوم المتنحي عنهم، قال الجوهري (¬3): ~~اعتزله، وتعزله، بمعنى، ms0318 والاسم: العزلة. # الثاني: "فلان" كناية عن الأعلام، وكذا فلانة. ولذلك لا يثنيان، ولا ~~يجمعان. والظاهر أنه [عليه السلام] (¬4) خاطب الرجل بلفظ: يا فلان! ويحتمل ~~أن يكون خاطبه باسمه، ولكن الراوي كنى عنه، إما لأنه نسي اسمه، أو لأمر ~~آخر. PageV02P118 # الثالث: قوله: "في القوم" روى بدل "في" " [مع] (¬1) " ومعنى الحرفين: ~~مختلف فإن "في" للظرفية، فكأنه [جعل] (¬2) اجتماع القوم ظرفا، فأخرج منه ~~هذا الرجل، و"مع" المفتوحة العين وإن كانت ظرفا، لكن فيها معنى المصاحبة ~~فكأنه، قال: ما منعك أن تصحبهم في فعلهم. # الرابع: اعتزال هذا الرجل عن القوم فيه استعمال الأدب. والسنة في ترك ~~جلوس الإنسان عند المصلين إذا لم يصل معهم. # الخامس: "القوم" الرجال دون النساء، لا واحد له من لفظه، كما قاله ~~الجوهري (¬3)، قال -تعالى-: {لا يسخر قوم من قوم}، ثم قال: {ولا نساء من ~~نساء} (¬4). # وجمع القوم: الأقوام. # وجمع القوم: أقاويم. وقال ابن السكيت: يقال أقائم وأقاويم. # والقوم يذكر، ويؤنث، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا ~~[كانت] (¬5) للآدميين يذكر ويؤنث [مثل] (¬6) "رهط" PageV02P119 # و "نفر" قال -تعالي-: {وكذب به قومك} (¬1)، فذكر وقال: {كذبت قوم نوح} ~~(¬2) فأنث، فإن صغرت لم تدخل فيها الهاء، وقلت: قويم، ورهيط، ونفير. وإنما ~~يلحق التأنيث فعله، وتدخل الهاء فيما [يكون] (¬3) لغير الآدميين مثل: الإبل ~~والغنم، لأن التأنيث لازم له. # وأما جمع التكسير، مثل: جمال ومساجد. فإن ذكر وأنث فإنما يريد الجمع إذا ~~ذكرت والجماعة إذا [أنثت] (¬4). # السادس: قوله "ولا ماء" هو بفتح الهمزة اسم "لا" مبني معها، والخبر محذوف ~~أي: لا ماء معي أو عندي أو موجود أو نحو ذلك. # السابع: "الصعيد" المراد به التراب، وهو مذهب الأكثرين، كما ستعلمه. ~~وقيل: هو جميع ما صعد على الأرض. # الثامن: "يكفيك" بفتح أوله [فقط] (¬5) كما مضى. # الوجه الرابع: في فوائده وهي خمس عشرة. # الأولى: المشهور الصحيح من مذهب الشافعية: أنه لا يصح التيمم إلا بتراب، ~~فلا يصح بالمعادن وغيرها، وبه قال أحمد وداود وابن المنذر (¬6) وحكي عن ~~مالك، قال الأزهري والقاضي PageV02P120 # أبو الطيب: وهو ms0319 قول أكثر الفقهاء. # وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز بكل أجزاء الأرض، حتى بصخرة مغسولة. # وقال بعض أصحاب مالك: يجوز بكل ما اتصل بالأرض كالخشب وغيره. وفي الملح ~~ثلاثة أقوال لأصحابه، أشهرها: إن كان # مصبوغا لم يجز التيمم به، وإلا جاز. # وخصص ابن حبيب الإجزاء بعدم التراب. # وقال الأوزاعي والثوري: يجوز بالثلج وكل ما علا الأرض. # واحتجوا بقوله -تعالى-: {فتيمموا صعيدا طيبا} (¬1) والصعيد: ما علا الأرض ~~وبالحديث المذكور أيضا، وباقي أحاديث الباب، وبحديث تيممه [عليه السلام] ~~(¬2) على الجدار، كما أخرجه البخاري مسندا (¬3) ومسلم تعليقا (¬4)، وغير ~~ذلك من الأحاديث. # قالوا: [وهذا] (¬5) يدل على أنه لا يختص بتراب ذي غبار، يعلق بالعضو، كما قلتم. # قالوا: ولأنه طهارة بجامد، فلم يختص بجنس كالدباغ. PageV02P121 # واحتج الأكثرون: بقوله -تعالى-: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} (¬1). ~~وهذا يقتضي أن يمسح بما له غبار، يعلق بعضه بالعضو، وبحديث حذيفة - رضي ~~الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "جعلت الأرض كلها ~~لنا مسجدا، وترابها (¬2) لنا طهورا إذا لم نجد الماء" رواه الدارقطني (¬3) ~~في سنة وأبو عوانة (¬4) في صحيحه وهو في مسلم (¬5) أيضا لكن بلفظ "تربتها" ~~بدل "ترابها". # وروى البيهقي (¬6) ء عن ابن عباس قال: "الصعيد: الحرث، حرث الأرض، ولأنه ~~طهارة عن [حدث] (¬7) فاختص بجنس واحد كالوضوء، وبهذا يقع الاحتراز عن ~~الدباغ. # وأما قولهم: الصعيد: ما صعد على وجه الأرض، فلا نسلم اختصاصه به، بل هو ~~مشترك يطلق على وجه الأرض، لأنه صعد عليها، وعلى التراب، وعلى الطريق، وكذا ~~نقله الأزهري (¬8) عن العرب، وإذا كان كذلك لم يختص بأحد الأنواع إلا ~~بدليل. وحديث حذيفة وتفسير ابن عباس ترجمان القرآن قاض بتخصيص التراب. PageV02P122 # وقال الشيخ تقي الدين في شرح الإلمام: الألف واللام في قوله [عليه ~~السلام] (¬1): "عليك بالصعيد" يحتمل أن تكون للعهد، إذ هنا صعيد معهود، وهو ~~المكان الذي هم فيه. # ويحتمل أن يكون للجنس، فإذا حمل على العهد دل على جواز التيمم بما هو ~~سعيد حينئذ لذلك المكان، ولا دليل لنا على # تعيين ذلك الصعيد مما اختلف فيه من ms0320 المسائل، ولا يمكن الاستدلال بهذا عليه. # وإن حمل على الجنس رجع الحال إلى معرفة ما يسمى صعيدا، ويكون الحديث: ~~كالآية في أخذ حكم التيمم منه، ولا شك # في تناول اللفظ لذلك الصعيد إما بخصوصه أو بعمومه. # وأما حديث: "جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا" فمختص محمول على ما قيده في ~~حديث حذيفة. # وأما التيمم بالجدار: فمحمول على جدار عليه غبار، لأن جدرانهم من الطين، ~~فالظاهر حصول الغبار منها، وحديث النفخ في اليدين من حديث عمار الثابت في ~~الصحيحين محمول على أنه علق باليد غبار كثير فخففه، ونحن نقول: باستحباب ~~تخفيفه. ورواية مسلم (¬2) [فيه] (¬3) "إنما [كان] (¬4) يكفيك أن تضرب بيديك ~~الأرض، PageV02P123 # ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك" محمولة على ما إذا علق بها. [من] (¬1) ~~غبار كثير. ولا يصح أن يعتقد أنه أمره بإزالة جميع الغبار. # والفرق: بين التيمم والدباغ، أن المراد بالدباغ: تنشيف فضول الجلد، وذلك ~~يحصل بأنواع فلم يختص، والتيمم: طهارة تعبدية، # فاختصت بما جاءت به السنة كالوضوء. # [الثانية] (¬2): في الحديث دليل صريح على جواز تيمم الجنب، وسيأتي ما فيه ~~في الحديث الآتي بعد. # الثالثة: فيه الاجتهاد في زمنه - صلى الله عليه وسلم -، لأن هذا المعتزل ~~عن الناس لأجل الجنابة لوجوه عديدة وتعيينه لبعضها طريقة اجتهادية، فإنه ~~يحتمل أن يكون لأنه لا يعلم مشروعية التيمم، ويحتمل أن يكون لاعتقاده أن ~~الجنب لا يتيمم، وإن تيمم المحدث كما نقل عن بعض الصحابة، ثم إذا لم يتيمم ~~كان كمن عدم الماء والصعيد، فأحتمل أن يصلي ويقضي، ويصلي ولا يقضي، ولا ~~يصلي ويقضي، ولا يصلي ولا يقضي، كما اختلف [الفقهاء] (¬3) في ذلك. والذي ~~يتعلق بالقضاء لا يعلم لما اعتقده فيه، لكنه رجح عدم الأداء، أو بقع ~~احتماله التيمم مع احتماله القضاء، وتعيين المحتملات طريقة الاجتهاد. ولأنه ~~عمل على كون التيمم ليس مشروعا وأن ذلك قبل نزول الآية، لأن قوله PageV02P124 # [عليه السلام] (¬1): "عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك" دليل على تقدم مشروعية ~~التيمم على هذا القول، لأن مشروعية التيمم لم تعلم إلا بالآية ونزولها، ~~فالحكم بمقتضاها ms0321 يقتضي تقديمها، وأخص من هذا الاجتهاد بحضرة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مع إمكان من يفتيه، قاله كله الشيخ تقي الدين في "شرح ~~الإلمام". # الرابعة: قوله: "أصابتني جنابة ولا ماء". [لا] (¬2) ينبغي أن يحمل على ~~أنه اعتقد: أن المحدث لا يتيمم، لأن مشروعية التيمم كانت متقدمة على زمن ~~إسلام عمران بن حصين راوي هذا الحديث، كما تقدم، فإنه أسلم عام خيبر، ~~ومشروعية التيمم كانت قبل ذلك، كما سلف أول الباب. # وإنما ينبغي أن يحمل على أنه اعتقد: أن الجنب لا يتيمم، كما سيأتي عن عمر ~~وغيره. وتكون الملامسة المذكورة في قوله # -تعالى-: {أو لامستم النساء} عندهم أعني عند من شك في تيمم الجنب محمولة ~~على غير الجماع؛ لأنهم لو حملوه على الجماع لكان تيمم الجنب مأخوذ من ~~الآية، فلم يقع لهم شك في تيمم الجنب، إلا أن يكون هذا الرجل لم يبلغه نزول ~~الآية، فيحمل على أنه لم يعلم مشروعية التيمم، وفيه بعد. # فائدة: لا خلاف أنه يجب عليه تحصيل الماء بثمن مثله، وأبعد من قال ~~بالمنع، كما حكاه صاحب "الحلل" الزناتي من المالكية، PageV02P125 # عمن لا يعتد بخلافه، إن دفع الثمن في شراء الماء للطهارة من: إضاعة ~~المال، والنفقة التي لا يؤجر عليها، فإن الله -تعالى- جعل منه بدلا، وهو: ~~التراب الذي لا يتصور فيه غرم. # الخامسة: في حديثه بسط لعذره لما فيه من عموم النفي: كأنه نفى وجود الماء ~~بالكلية، بحيث لا يوجد بسبب أو سعي أو غير ذلك يحصله، فإذا نفى وجوده مطلقا ~~كان أبلغ في النفي وأعذر له، # قال الشيخ تقي الدين: وقد أنكر بعض المتكلمين على النحاة في تقديرهم في ~~قوله: "لا إله إلا الله لنا أو في الوجود" (¬1). PageV02P126 # وقال: إن نفى الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة، فإنها إذا [نفيت] (¬1) ~~مقيدة كان ذلك دليلا على سلب الماهية مع القيد، وإذا نفيت غير مقيدة كان ~~نفيا للحقيقة، وإذا انتفت الحقيقة انتفت مع كل قيد، أما [إن] (¬2) نفيت ~~مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر ms0322 هذا أو معناه. # قال غيره: وفي هذا الإنكار نظر. # فإن قولنا: "لا إله في الوجود إلا الله"، يستلزم نفي كل إله غير الله ~~قطعا؛ فهو في الحقيقة نفي [الحقيقة] (¬3) مطلقة لا مقيدة، وقد قدره ابن ~~عطية: "لا إله [إلا الله] (¬4) معبود أو موجود" وهو قريب مما تقدم، أو هو ~~من حيث المعنى فلا معنى لهذا الإنكار. وليت شعري ما يقدر هذا المنكر فيه إذ ~~لا بد من تقدير الخبر، وإلا أدى ذلك إلى خرم قاعدة [عربية] (¬5) مجمع عليها ~~(¬6). PageV02P127 # السادسة. فيه أن العالم إذا رأى من فعل فعلا يحتمل أن يسوغ، ويحتمل أن لا ~~يسوغ أن يسأله ليتبين حاله. # السابعة: فيه أن انفراد الإنسان بحضرة المصلين أمر منفي على صاحبه. # الثامنة: فيه حسن الملاطفة والرفق في إنكار ما ينكر، ويحتمل لما هو منكر ~~لإخراجه [عليه السلام] (¬1) [كلامه] (¬2) في معرض السؤال عن السب المقتضي للترك. # فإن قلت: لما قال [عليه السلام] (¬3) لذلك الرجل الذي وجده جالسا: "ما ~~منعك أن تصلي بالناس! ألست برجل مسلم؟! " (¬4) ولم ينكر علي [هذا] (¬5): # فالجواب: أن ذلك كان في الحضر في المسجد، وهذا كان في السفر، لأن هذا ~~حديث الراوي، ولم يورده المصنف بكماله، والسفر مظنة الإعذار من إعواز الماء ~~وغيره؛ فهو أقرب إلى احتمال ما هو عذر من حالة الحضر ومن هذا يظهر رد ما ~~قاله ابن # [العطار] (¬6) في شرحه: إن الظاهر أنه كان في المسجد، ثم بني عليه PageV02P128 # لبث الجنب في المسجد، وأن جمهور العلماء على المنع منه خلافا لأحمد ~~والمزني وطول في ذلك. # التاسعة: فيه أمر بالصلاة جماعة. # العاشرة: فيه ذكر إبداء العذر لنفي اللوم. # الحادية [عشر] (¬1): هذه اللفظة قد تدل على أن الذي عرض للمفعول هو ~~اعتقاد أن التيمم ليس سائغا للجنب؛ لأنه [عليه السلام] (¬2) أحاله على ~~الصعيد من غير بيان [للتعبد] (¬3) بما يفعله، فيه وصفة تيممه به، ولم يرد ~~على قوله "عليك بالصعيد" هذا هو الظاهر من اللفظ، ولو كان غير عالم بكيفية ~~التيمم وصفة العمل فيه، لوجب بيانه، واحتمال بيانه من غير ms0323 أن ينفك البيان. ~~خلاف ما دل عليه ظاهر اللفظ. # الثانية عشر: فيه الاكتفاء في البيان للأحكام الشرعية بما يحصل به ~~المقصود من الأفهام، دون نفي ما هو صريح غير محتمل # لشيء آخر، لقوله [عليه السلام] (¬4): "عليك بالصعيد". # الثالثة عشر: فيه دليل على اعتبار ما دلت عليه القرائن من فهم المقصود في ~~العام والمطلق إذا اقتضت القرائن تخصيصا أو تقييدا؛ فإن قوله [عليه السلام] ~~(¬5): "فإنه يكفيك" لا بد أن يفهم منه "فإنه PageV02P129 # يكفيك في هذه الحالة أو في مثل هذه الحالة". [ولا] (¬1) يؤخذ منه إطلاق ~~الكفاية، بل يتقيد بما يؤخذ منه الشرط والركن في التيمم. # الرابعة عشر: قد يؤخذ من الاكتفاء عدم القضاء للمسافر المتيمم، لأن تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهو متأخر # أيضا عن الأمر بالتيمم كما سلف. # الخامسة عشر: فيه الجريان على تنبيه العادة التي أجراها الله في خلقه، ~~وعدم التوقف لأجل انحرافها، وأن ذلك غير منفي [ولا # يناقض] (¬2) في التوكل والتوحيد يحرك نظرا كثيرا في مسائل التوكل ~~والانتصاب، وما ينافي التوكل في المباشرات للأسباب، وما # لا ينافيه، وله موضع آخر إلا أن الذي يحتاج إليه هنا هو أن مثل هذا السبب ~~غير مناف. PageV02P130 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 40/ 2/ 7 - عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - قال: "بعثني النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - (¬1) في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد ~~كما [تتمرغ] (¬2) الدابة، ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك ~~له، فقال: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا"، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة ~~واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه، ووجهه" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وهو: عمار بن ياسر صحابي بن صحابي بن عامر بن ~~مالك [العبسي] (¬4) أبو اليقظان مولى بني مخزوم. PageV02P131 # وأمه سمية مولاة أبي حذيفة بن المغيرة صحابية أيضا. # وكان [وأبواه] (¬1) ممن عذب في الله ورد أنه [عليه السلام] (¬2) مر بهم ~~وهم يعذبون، فقال: "صبرا آل ياسر، فإن موعدكم # الجنة" (¬3). # ثم إن أبا جهل قتل سمية ms0324 طعنها بحربة في قبلها، فكانت أول شهيدة في ~~الإسلام، ثم هاجر عمار الهجرتين كما سيأتي. # روى عنه ابنه محمد وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين. # له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - اثنان وستون حديثا اتفقا على حديثين. ~~وقال ابن الجوزي: على واحد، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث. # وقال البرقي: جاء عنه من الحديث تسع وعشرون، وأكثرها لأهل الكوفة. وثلاثة ~~لأهل المدينة. قال عبد الله: أول من أظهر # إسلامه سبعة منهم عمار، فعذبوا في الله إلا [أبا] (¬4) بكر فمنعه قومه. # هاجر - رضي الله عنه - الهجرتين، وصلى إلى القبلتين. # وقيل: لم يهاجر إلى الحبشة. PageV02P132 # وفيه نزل قوله -تعالى-: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} (¬1) قال أبو ~~عمر: أجمع أهل التفسير عليه، وشهد بدرا والمشاهد كلها وأبلى ببدر بلاء ~~حسنا، وشهد اليمامة، وآخا النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين حذيفة بن ~~اليمان، وهو أول من بنى مسجدا في الإسلام. وهو مسجد قباء حكاه ابن الأثير. ~~وعن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة تشتاق الجنة إليهم: ~~علي، وسلمان، وعمار" (¬2) وقال -عليه السلام- في حقه: "مرحبا بالطيب ~~المطيب" (¬3)، وقال في حقه: "مليء إيمانا إلى مشاشه" (¬4). وقال: "واهتدوا ~~بهدي عمار" (¬5) وقال: "من أبغض عمارا أبغضه الله، ومن عاداه عاداه الله" ~~(¬6)، PageV02P133 # أخرجه النسائي، وتواترت الروايات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" (¬1) وهذا من إخباره بالغيب وأعلام ~~نبوته. وكان الذي قتله أبو غادية الجهني، وقيل: المزني طعنه برمح فسقط وهو ~~ابن أربع. [أو] (¬2) ثلاث وتسعين سنة، قتل في وقعة صفين بين علي ومعاوية في ~~صفر، ربيع الأول سنة سبع وثلاثين. # قال ابن حبان في ثقاته: وقد قطعت أذنه يوم اليمامة. وكان عدد من قتل في ~~هذه الوقعة أعني وقعة صفين [سبعون] (¬3) ألفا: خمسة وعشرون ألفا من أهل ~~العراق منهم عمار، وخمسة وأربعون ألفا من أهل الشام. وصلى عليه علي ولم ~~يغسله، ومناقبه كثيرة جدا، ولاه عمر الكوفة، ورضي أهلها به. # [فائدة] (¬4) ياسر: والد عمار يشتبه بباشر بالباء ms0325 الموحدة بدل المثناة ~~تحت وهو ابن حازم [روى] (¬5) عنه المقدمي. وبناشر: بالنون والشين المعجمة ~~وهو والد أبي ثعلبة الخشني (¬6). # الوجه الثاني: في ألفاظه: يقال: بعثه وابتعثه بمعنى أي أرسله فابتعث. وهو ~~من المطاوع، ومنه بعثت الناقة أثرتها، وبعثه من منامه PageV02P134 # أي [نبهته] (¬1) وبعث الله الموتى أي: نشرهم ليوم البعث، وانبعث في السير ~~[أي] (¬2) أسرع فيه. # والحاجة: معروفة، قال الجوهري (¬3): والجمع: حاج، وحاجات، وحوج، وحوائج، ~~على غير قياس: كأنهم جمعوا حائجة، وكان الأصمعي ينكره، ويقول: هو مولد، ~~وإنما أنكره لخروجه عن القياس، وإلا فهو كثير في كلام العرب. # والتمرغ في الشيء التمعك فيه. ويقال للموضع المتمرغ فيه، متمرغ، ومراغ، ~~ومراغة. # وقوله كما " [تتمرغ] (¬4) الدابة" أصله تتمرغ فحذف إحدى التائين تحقيقا ~~وهو القياس في كل تاءين اجتمعتا في أول الفعل # المضارع بشرط اتحاد حركتهما، فإن اختلفتا وجب الإثبات نحو: تتغافر ~~الذنوب، وتتواضع الأمة وشبه ذلك. # والصعيد: تقدم الكلام عليه في [الحديث] (¬5) قبله. # والدابة: في [أصل] (¬6) اللغة كل ماش على وجه الأرض، وقد أخرجها العرف عن ~~هذا الأصل فاستعملها أهل العراق في الفرس PageV02P135 # خاصة، وأهل مصر في الحمار، قال الجوهري: وقولهم أكذب من دب ودرخ، أي: ~~أكذب الأحياء والأموات (¬1). # وقوله: "أن يقول" أي: أن يفعل، فأطلق القول على الفعل مجازا، وقد قيل: إن ~~العرب أطلقت القول في كل فعل. # يكفيك: [هو] (¬2) بفتح أوله فقط، كما مضى في الحديث قبله، واليد: مؤنثة ~~لا غير وهي اسم للجارحة المعروفة من المنكب # إلى رؤوس الأصابع. # والكف: مؤنثة وقد تذكر سميت بذلك لأنها تكف عن [البدن] (¬3) أي تدفع ~~وقيل: لأن بها يضم ويجمع. # وفي الإنسان عشرة أشياء أولها كاف: كوع، كرسوع، كف، كتف، وكتد -وهو طرف ~~[عظم] (¬4) لوح الكتف- كاهل، [كلية] (¬5) PageV02P136 # وهو ما بين الكتفين، كبد، كمرة وهي الحشفة، كعب. # والوجه: مأخوذ من المواجهة، ويقال: له المحيا [أيضا] (¬1). # الوجه الثالث: في فوائده: # الأولى: فيه مشروعية التيمم للجنب، وبه قال العلماء كافة من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم؛ إلا عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود وإبراهيم ~~النخعي، فإنهم منعوه. ms0326 قاله ابن الصباغ وغيره. # وقيل: إن عمر وعبد الله رجعا. # واحتج من منعه: بأن الآية فيها إباحة للمحدث فقط. # وقال الشيخ تقي الدين (¬2): كأن سبب التردد ما أشرنا إليه من حمل ~~الملامسة على غير الجماع مع عدم وجود دليل عندهم على جوازه. # واحتج الجمهور بالآية [أيضا] (¬3)، فإن قوله -تعالى-: {فتيمموا صعيدا} ~~(¬4) يعود إلى المحدث والجنب جميعا، فإنه قال قبل ذلك أيضا: {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا} وقد ثبت في الصحيحين (¬5) من حديث أبي موسى الأشعري "قال عبد الله ~~بن مسعود: لو أن جنبا لم يجد الماء شهرا لا يتيمم. فقال له PageV02P137 # أبو موسى: وكيف تصنع بهده الآية {فلم تجدوا}. فقال عبد الله: لو رخص لهم ~~لأوشكوا إذا أبرد عليهم الماء أن يتيمموا"، فهذا # دليل على أنهم كانوا متفقين على أن الآية تدل على جواز التيمم للجنب. # ودليل المسألة من السنة [أيضا] (¬1): حديث عمران بن حصين السالف أول ~~الباب، وحديث أبي ذر أنه كان يغرب في الإبل وتصيبه الجنابة، فأخبر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال له: "الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد ~~الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته" رواه أبو داود (¬2) والترمذي ~~(¬3) والنسائي (¬4) وصححه الترمذي وابن حبان (¬5) والحاكم. # وفي هذا الحديث دليل أيضا على [أن] (¬6) من تيمم ثم قدر على استعمال ~~الماء أنه يلزمه الغسل، وهو قول العلماء كافة، # وخالف أبو سلمة بن عبد الرحمن التابعي فقال: لا يلزمه (¬7)، وهو متروك ~~بإجماع من قبله. # الثانية: فيه أنه لو معك في التراب وجهه ويديه كفى، وهو PageV02P138 # الصحيح عند أصحابنا، ونص عليه في "الأم". والوجه: القطع به لأن الأصل قصر ~~التراب، وقد حصل، ولا خلاف في الاكتفاء عند العذر: كالأقطع وغيره. # الثالثة: فيه مشروعية الضرب باليدين على التراب، وهو محمول على ما إذا ~~كان الغبار لا يصل إلا بالضرب، أما إذا كان يصل # بدونه فالوضع كاف. # الرابعة (¬1): فيه دلالة لمذهب من يقول: تكفي ضربة واحدة للوجه والكفين ~~جميعا، وهو ما صححه الرافعي، وعلى المنصوص # [وهو] (¬2) وجوب ضربتين، وصححه النووي. # يجاب ms0327 عنه: بأن المراد هنا صورة الضرب للتعليم، وليس المراد بيان جميع ما ~~يحصل به التيمم، كذا أجاب به النووي في "شرحه لمسلم" (¬3)، وليس بظاهر كما ~~ستعلمه بعد، وحكى ابن المنذر هذا القول عن: علي، وابن عمر، والحسن [البصري] ~~(¬4)، وسالم، و [مالك] (¬5)، والثوري، وأصحاب الرأي، وعبد العزيز بن سلمة. # قال أصحابنا: وهو قول أكثر العلماء، PageV02P139 # والمشهور [من] (¬1) مذهب مالك أن من اقتصر على ضربة واحدة لا إعادة عليه ~~في الوقت ولا غيره. # وقيل: يعيد في الوقت. # وأغرب يعض أصحابنا، فقال: يستحب ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربتان لليدين. # وأغرب منه ما حكاها الماوردي وغيره عن ابن سيرين أنه لا يجزيه إلا بثلاث ~~ضربات: ضربة لوجهه، وضربة لكفيه، وضربة # لذراعيه. # وأغرب من الكل طائفة قالوا بوجوب أربع ضربات: ثنتان للوجه، وثنتان ~~لليدين. حكاه ابن بزيزة وقال: لا أصل [له] (¬2). وفي "قواعد" ابن رشد روي ~~عن مالك الاستحباب إلى ثلاث والفرض اثنتان. # فرع: الزيادة على مسحة للوجه ومسحة لليدين مكروهة، كما قاله الروياني ~~والمحاملي. # وقيل: يستحب تكرار المسح كالوضوء، وليس بشيء، لأن السنة فرقت بينهما، ~~ولأن في تكرار الغسل زيادة تنظيف بخلافه (¬3). PageV02P140 # فرع: إمرار التراب على العضو تطويلا للتحجيل سنة مع الأصح للخروج من خلاف ~~من أوجبه وهو أبو حنيفة -رحمه الله- # إذا قطع من فوق المرفق. # الخامسة: فيه [دلالة] (¬1) على أنه يكفي المسح إلى الكوع، ولهذا خاطبه ~~بلفظ "إنما" لينحصر القدر الواجب، وحكاه ابن # المنذر (¬2) عن عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق، قال ابن المنذر: وبه ~~أقول، وبه قال داود. # وحكاه الخطابي: عن عامة أصحاب الحديث. # وحكاه أبو ثور وغيره: قولا قديما للشافعي، وأنكر أبو حامد والماوردي ~~وغيرهما عليه حكايته، ولا يقبل منهم لجلالته، وهو # قوي في الدليل، وأقرب إلى ظاهر السنة، كما قاله النووي في "شرح المهذب". # والمشهور من مذهبنا: أنه إلى المرفقين (¬3)، وبه قال مالك (¬4)، وأبو ~~حنيفة (¬5) وأكثر العلماء. PageV02P141 # وحكى الماوردي وغيره: عن الزهري (¬1) أنه يجب مسحهما إلى الإبطين قال ~~النووي: وما أظن هذا يصح [عنه] (¬2). # قال الخطابي (¬3): لم يختلف العلماء أنه لا ms0328 يجب مسح ما وراء المرفقين. # وحكى ابن بزيزة في "شرح أحكام عبد الحق" عن طائفة: أن الجنب يتيمم إلى ~~المنكب، وغيره إلى الكوع. # واحتج أصحابنا بأدلة أقربها أن الله -تعالى- أمر بغسل اليد إلى المرفق في ~~الوضوء. وقال في آخر الآية {فلم تجدوا ماء فتيمموا} {فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم} وظاهره أن المراد الموصوفة أولا وهي المرفق، وهذا المطلق محمول ~~على ذلك المقيد لا سيما وهي آية واحدة (¬4). وذكر الإمام الشافعي هذا ~~الدليل PageV02P142 # [بعبارة] (¬1) أخرى، فقال كلاما معناه: إن الله -تعالى- أوجب طهارة ~~الأعضاء الأربعة في الوضوء في أول الآية، ثم أسقط منها # عضوين في التيمم في آخر الآية، فيبقى العضوان في التيمم على ما ذكر في ~~الوضوء إذ لو اختلفا لبينهما، وقد أجمع المسلمون على أن الوجه يستوعب في ~~التيمم كالوضوء فكذا [اليدان] (¬2). قال البيهقي في "المعرفة": قال، ~~الشافعي إنما [منعنا] (¬3) أن نأخذ برواية عمار في الوجه والكفين ثبوت حديث ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح وجهه وذراعيه [ولأن] (¬4) هذا ~~أشبه بالقرآن والقياس أن البدل من الشيء يكون مثله (¬5). قال البيهقي: حديث ~~عمار أثبت من مسح الذراعين إلا أن PageV02P143 # حديث الذراعين جيد بشواهده. ورواه جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" قال: وقد صح عن ابن عمر ~~أيضا ذلك من قوله وفعله. PageV02P144 # قلت: وقد أثنى الحاكم على رواية ابن عمر ذلك مرفوعا من عليه [أفضل] (¬1) ~~الصلاة والسلام لما ذكره في مستدركه (¬2). PageV02P145 # وقال الخطابي (¬1): الاقتصار على الكفين أصح في الرواية ووجوب الذراعين ~~أشبه بالأصول الظاهرة وأصح في القياس. # السادسة: فيه إيصال التراب إلى جميع البشرة الظاهرة من الوجه والشعر ~~الظاهر عليه، وهو قول أكثر العلماء. كما حكاه # العبدري وعن أبي حنيفة روايات: # الأولى: كذلك وهي التي ذكرها الكرخي في "مختصره". # وثانيها: إن ترك قدر درهم منه لم [يجزئه] (¬2). # والثالث: إن ترك دون ربع الوجه أجزأه، وإلا فلا. # والرابعة: إن مسح [أكثره] (¬3) وترك الأقل منه أو من الذراع أجزأه، وإلا فلا. # وحكى ابن المنذر عن سليمان ms0329 بن داود: أنه جعله كمسح الرأس. # السابعة: قال الشيخ تقي الدين: استعمال القياس لا بد في من تقدم العلم ~~بمشروعية التيمم وكأن عمارا لما رأى أن الوضوء # خاص ببعض الأعضاء، وكان بدله وهو التيمم خاصا وجب أن PageV02P146 # يكون بدل الغسل الذي يعم جميع البدن عاما [لجميع] (¬1) البدن. # وقال ابن حزم الظاهري (¬2): في هذا الحديث إبطال القياس، لأن عمارا قدر ~~أن المسكوت عنه من التيمم للجنابة حكمه حكم # الغسل للجنابة؛ إذ هو بدل منه، فأبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ذلك، وأعلمه أن لكل شيء حكم المنصوص عليه فقط. # والجواب عما قال: إن الحديث دل على بطلان هذا القياس الخاص، ولا يلزم من ~~بطلان الخاص بطلان العام، والقائسون # لا يعتقدون صحة كل قياس، ثم في هذا القياس شيء آخر: وهو أن الأصل الذي هو ~~الوضوء قد ألغي فيه مساواة المبدل له، فإن التيمم لا يعم جميع أعضاء ~~الوضوء، [وصار] (¬3) مساواة [البدل] (¬4) للأصل ملغى في محل النص، وذلك لا ~~يقتضي المساواة في الفرع. # بل لقائل أن يقول: قد يكون الحديث دليلا على صحة أصل القياس، فإن قوله - ~~عليه السلام -: "إنما كان يكفيك كذا وكذا" # يدل [عليه] (¬5) أنه لو [كان] (¬6) فعله لكفاه، وذلك دليل على صحة PageV02P147 # قولنا لو كان فعله [لكان] (¬1) [مصيبا] (¬2)، ولو كان فعله لكان قايسا ~~التيمم على الجنابة للتيمم على الوضوء، على تقدير أن يكون اللمس المذكور في ~~الآية [ليس] (¬3) هو الجماع؛ لأنه لو كان عند عمار هو الجماع لكان حكم ~~التيمم مبينا في الآية، فلم يكن يحتاج إلى أن يتمرغ، فإذن فعله ذلك يتضمن ~~اعتقاد كونه ليس عاملا للنص، بل بالقياس وحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بأنه كان يكفيه التيمم مع الصورة المذكورة مع ما بيناه من كونه لو فعل ذلك ~~لفعله بالقياس عنده لا بالنص. # الثامنة: فيه أن من أرسل [في] (¬4) أمر عظيم، ينبغي أن يتحفظ ويثبت، ولا ~~يشهر ما أرسل فيه إذا رأى ذلك مصلحة، ويفعل كما فعل عمار حيث لم يصرح ~~بالحاجة ما هي. # التاسعة: ms0330 فيه أن المتأول المجتهد لا إعادة عليه لأنه - عليه السلام - لم ~~يأمر بالإعادة وإن كان قد أخطأ في اجتهاده، لأنه إنما # ترك هيئة الطهارة. # وفيه جواز الاجتهاد للغائب في حياته [وفي هذه المسألة مذاهب: أصحها: جواز ~~الاجتهاد للغائب في حياته] (¬5). PageV02P148 # وفي هذه المسألة مذاهب: # أصحها: جواز الاجتهاد في زمنه لقصة عمار هذه والقائلون بذلك جوزوه بحضرته أيضا. # والثاني: لا يجوز بحال. # والثالث: يجوز في غير حضرته، ولا يجوز فيها. # العاشرة: قدم في اللفظ مسح اليدين على الوجه، لأن الواو لا تقتضي ترتيبا، ~~لكن جاء في صحيح البخاري أنه [عليه السلام] (¬1) قال له: "إنما كان يكفيك ~~أن تصنع هكذا. وضرب بكفيه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه ~~بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بها وجهه" وهذا يقتضي عدم الترتيب، ولا ~~أعلم من قال به من أصحابنا. # وقال الشيخ تقي الدين (¬2): استدل بهذه الرواية على عدم الترتيب لأنه إذا ~~ثبت ذلك في التيمم ثبت في الوضوء، إذ لا قائل بالفرق. # واعلم أن هذه الرواية التي ذكرناها تقتضي أيضا إجزاء التيمم بالمستعمل، ~~وهو وجه عندنا والأصح المنع. PageV02P149 # الحادية [عشر] (¬1): فيه دليل على طلب الماء، وإن نفي الوجود يستلزم الطلب. # الثانية عشر: فيه دليل على أن من فعل ما أمر به بزيادة أنه يصح لاندراج ~~أعضاء التيمم في التمرغ، وله نظائر منها من اغتسل بدل الوضوء. # الثالثة عشر: ظاهر الحديث أنه لا يمسح باطن كفيه. # قال ابن عطية: وظاهر كلام "المدونة" أنه يستغني عن مسح الكف بالاخرى، ~~ووجهه أنها في الإمرار على الذراع ماسحة ممسوحة. # وقال ابن حبيب (¬2): يمر بعد ذلك كفه مع الكف الأخرى. # وقال اللخمي في كتاب "المدونة": يريد ثم يمسح كفه بالأخرى، فيجيء على ~~تأويل كلام اللخمي كلام ابن حبيب تفسيرا # وليس بخلاف، # قال غيره: وتبع صاحب "الرسالة" (¬3) ابن حبيب، وكثيرا ما يختار رأيه فإنه ~~كان يحفظ "واضحته" (¬4). PageV02P150 # الرابعة عشر: يستفاد من الحديث أيضا مراجعة العلماء في العلم والاجتهاد ~~فإن عمارا راجع فيما اجتهد فيه. # الخامسة ms0331 عشر: يستفاد منه أيضا ذكر العلماء لمن راجعهم وجه الصواب ~~وتبيينه. PageV02P151 # السادسه عشر: فيه أيضا البيان بالفعل، وأنه أبلغ في التفهم من القول. # خاتمة: في الصحيح (¬1) إنكار عمر على عمار حيث قال: اتق الله يا عمار، ~~قال: إن شئت لم أحدث به. وذلك لا يوهن الحديث. PageV02P152 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 41/ 3/ 7 - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "أعطيت خمسا، لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب ~~مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة ~~فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي ~~يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس [عامة] (¬1) ". # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وقد تقدم في الباب قبله. # ثانيها: في [ألفاظه] (¬2) فيه مواضع. # الأول: "النصر"، قال ابن فارس (¬3): العون، وانتصر الإنسان انتقم، ~~والنصر: الإتيان، يقال: نصرت [أرض] (¬4) بني فلان أي أتيتها. PageV02P153 # والنصر: المطر، يقال: نصرت الأرض أي مطرت. # والنصر: العطاء وهو مصدر والاسم، النصرة. # الثاني: "الرعب" الخوف والوجل، لتوقع نزول محذور، وقرأ ابن عامر والكسائي ~~بضم [العين] (¬1)، والباقون بسكونها. # ويقال: رعبته فهو مرعوب إذا أفزعته ولا يقال أرعبته. نعم حكاه الليلي عن ~~ابن طلحة. # الثالث: "الشفاعة" الدعاء. قاله المبرد وثعلب، كما حكاه عنهما الأزهري، ~~وهي كلام الشفيع للمالك في حاجة يسألها لغيره، # وفي "جامع القزاز": الشفاعة الطلب من فعل الشفيع. # وهذا الرعب والله أعلم هو الذي ألقاه الله في قلوب الكفار في قوله تعالى: ~~{سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} (¬2) وقوله: {وقذف في قلوبهم الرعب} (¬3). # الرابع: "المسجد" بفتح الجيم وكسرها، كما تقدم في حديث الأعرابي الذي بال ~~في المسجد. # الخامس: قوله - عليه الصلاة والسلام - "وطهورا" اعلم أن فعولا قد تكون ~~للمبالغة، وهو أن يدل على زيادة في معنى فاعل مع مساواته له في التعدي ~~كضرب، أو للزوم كصبور، وقد تكون اسما PageV02P154 # لما يفعل به الشيء كالسنون وهو ما يسنن به، وكالبرود وهو ما تبرد به ~~العين. قاله ابن ms0332 مالك كما نقله عنه النووي إملاءا، وقد يكون أيضا مصدرا كما ~~نقله الراغب (¬1) عن سيبويه: و "طهور" في هذا الحديث، يجوز أن تكون من ~~القسم الأول، وأن تكون من الثاني. # قال القاضي عياض: [استدل] (¬2) الشافعية والمالكية على الحنفية بهذا ~~الحديث في أن المراد بالطهور في قوله تعالى: {ماء # طهورا (48)} (¬3) أي مطهرا [فإنه] (¬4) متعد خلافا لهم، فإنهم قالوا: إنه ~~طاهر في نفسه، قاصر غير متعد. # قال الشيخ تقي الدين: ووجه الاستدلال [منه] (¬5) أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - ذكر خصوصية لكونها طهورا أي مطهرة [ولو] (¬6) كان "الطهور" هو ~~الطاهر لم تثبت الخصوصية، فإن طهارة الأرض عامة في [حق] (¬7) كل الأمم. # (¬8) السادس: قوله: "فأي ما"، "أي": اسم مبتدأ فيه معنى الشرط. PageV02P155 # "وما": زائدة لتوكيد معنى الشرط، والجملة التي هي "أدركته الصلاة" في ~~موضع خفض صفة للرجل و"الفاء" في "فليصل" جواب الشرط، تقديره والله أعلم ~~سيما نقص عليكم، أو سيما فرض عليكم، أيما رجل. الحديث وهو من باب قوله ~~تعالى: {والسارق والسارقة} (¬1) {الزانية والزاني} (¬2). وأشباه ذلك على ~~مذهب سيبويه، فإنه قدره: فيما يتلى عليكم، أو فيما فرض عليكم. وقيل: الخبر ~~ما بعده، كما تقول زيد [فاضرب] (¬3) وكأن الفاء زائدة وعلى هذا يكون ~~"فليصل" الخبر لكن فيه بعد كما قال الفاكهي: من حيث [إنما] (¬4) شرط صريح ~~تقتضي الجواب، ولا جواب له هنا إلا الفاء بخلاف الاثنين، فإنهما صريحين في ~~الشرط فيتعين الوجه الأول وهو حذف الخبر. # الوجه الثالث: في فوائده: # [الأولى] (¬5): في هذا الحديث: "أعطيت خمسا" وكون الأرض مسجدا وطهورا، ~~خصلة واحدة وإلا كانت سادسة، وفي حديث أبي هريرة في مسلم (¬6): "فضلت على ~~الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، وختم بي النبيون" الحديث. وعنده أيضا من ~~حديث، PageV02P156 # (¬1) حذيفة (¬2): "فضلنا على الناس بثلاث. جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، ~~وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وتربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء" فاعلم أن ~~ذكر الخمس والست والثلاث لا يظن أنه تعارض، وإنما هذا من توهم أن ذكر ~~الأعداد يدل على الحصر وأنها دليل خطاب، وكل ذلك باطل كما قاله القرطبي، ms0333 ~~فإن القائل: عندي خمسة دنانير، مثلا لا يدل [على] (¬3) هذا اللفظ على أنه ~~ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول مرة أخرى: عندي عشرون وأخرى ثلاثون، فإن ~~من عنده الأكثر يصدق عليه أن عنده الأقل، فلا تعارض، ويجوز أن يكون الرب ~~-سبحانه- أعلمه بثلاث، ثم بخمس، ثم بست. # الثانية: قال الداودي: في قوله: "لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي" يعني لم ~~يجمع لأحد قبله [هذه] (¬4) الخمس لأن نوحا - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى ~~كافة الناس، وأما [الأربع] (¬5) فلم يعط واحدة منهن قبله أحدا، وأما كونها ~~مسجدا فلم يأت أن غيره منع منها، وقد كان عيسى - عليه السلام - يسيح في ~~الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة. # وقال القاضي عياض (¬6): من كان قبله من الأنبياء إنما أبيح لهم PageV02P157 # الصلوات في مواضع مخصوصة: كالبيع والكنائس. # وقيل: في موضع يتيقنون طهارته، وخصت هذه الأمة بجواز الصلاة في جميع ~~الأرض، إلا في المواضع المستثناة بالشرع أو في # موضع تيقنت نجاسته. # وزعم بعضهم: أن نوحا - عليه الصلاة والسلام - بعد خروجه من السفينة كان ~~مبعوثا إلى كل من في الأرض [لأنه] (¬1) لم يبق إلا من كان مؤمنا وقد كان ~~مرسلا إليهم. # ويجاب: بأن هذا العموم الذي في رسالته لم يكن في أصل البعثة، وإنما وقع ~~لأجل الحادث [الذي حدث] (¬2) وهو انحصار الخلق في الموحدين، ونبينا - صلى ~~الله عليه وسلم - عموم رسالته في أصل البعثة. وزعم ابن الجوزي: أنه كان في ~~الزمان الأول إذا بعث نبي إلى قوم (¬3) بعث غيره إلى آخرين، وكان يجتمع في ~~الزمن الواحد جماعة من الرسل، فأما نبينا (¬4) - صلى الله عليه وسلم - فإنه ~~انفرد بالبعثة فصار نذيرا للكل. # الثالثة: الخصوصية التي يقتضيها لفظ الحديث، أعني: الرعب مسيرة شهر. ~~متقيدة بالقدر المذكور من الزمان، ويفهم منه أمران: # الأول: أنه لا ينفي وجود الرعب من غيره في أقل من هذه المسافة. PageV02P158 # الثاني: أنه لم يوجد لغيره في أكثر منها ولا في مثلها، فإنه مذكور في ~~سياق الفضائل والخصائص، ومناسبته أن يذكر الغاية فيه، وأيضا فإنه لو وجد ms0334 ~~أكثر من هذه المسافة لا تبقى الخصوصية فيه، والظاهر أن ذلك مختص به في ~~نفسه، حتى لو لم يكن في معسكر يوم أرسلهم مثلا لم يسبقهم الرعب إلى قلوب ~~أعدائهم، ويحتمل أن ذلك له ولأمته على الإطلاق، إذ ورد في مسند أحمد: ~~"والرعب يسعى بين بدر أمتي شهرا" (¬1) وروينا من حديث السائب بن أخت نمر: ~~"فضلت على الأنبياء بخمس: فذكر منها: ونصرت بالرعب شهرا أمامي وشهرا خلفي" (¬2). # وفي مسند عبد بن حميد من حديث يزيد بن أبي زياد عن مجاهد ومقسم [عن] (¬3) ~~ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أعطيت خمسا ولا أقول ~~فخرا: بعثت إلى الأسود والأحمر، ونصرت بالرعب، فهو يسير أمامي مسيرة شهر، ~~وأعطيت الشفاعة، فأدخرتها لأمتي إلى يوم القيامة، وهي [أيضا] (¬4) نائلة ~~لمن لا يشرك بالله [شيئا] (¬5) " وذكر باقي الحديث (¬6). PageV02P159 # الرابعة: [الذي] (¬1) ينبغي حمل المسجد عليه في هذا الحديث موضع السجود ~~في أي مكان كان، وهو الموضوع اللغوي دون الاصطلاحي. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): ويجوز أن يجعل مجازا. عن المكان المبني ~~للصلاة، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها. كانت كالمسجد في ذلك، فأطلق اسمه ~~عليها من مجاز التشبيه. والذي يقرب هذا التأويل أن الظاهر أنه إنما أريد ~~أنها موضع [الصلاة] (¬3) بجملتها، لا السجود فقط منها. لأنه لم ينقل أن ~~الأمم الماضية كانت تخص السجود وحده بموضع دون موضع. # قال غيره: ويحتمل أن يكون من باب تسمية البعض بالكل [من حيث كان موضع دون موضع: # قال غيره: ويحتمل أن يكون من باب تسمية البعض بالكل] (¬4) من حيث كان ~~موضع السجود بعضا للمسجد العرفي. # الخامسة: استدل بهذا الحديث على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض كما سلف ~~في الحديث الأول، ويمكن أن يجاب عنه كما [قاله] (¬5) الشيخ تقي الدين في ~~الحديث قرينة زائدة على مجرد تعلق PageV02P160 # الحكم بالتربة، وهي الاقتران [في اللفظ] (¬1) بين جعلها مسجدا وجعل ~~تربتها طهورا على ما في ذلك الحديث، وهذا الاقتران في هذا السياق قد يدل ~~على الاقتران في الحكم [أو لا] (¬2)، لعطف ms0335 أحدهما على الآخر نسقا كما في ~~الحديث الذي ذكره المصنف. # ومن اشترط التراب استدل بما في الحديث الآخر: "وجعلت تربتها [لنا] (¬3) ~~طهورا" كما أسلفته في الحديث الأول من الباب، وهو خاص فينبغي أن يحمل العام ~~عليه كما يحمل المطلق على المقيد واعترض على ذلك بوجوه. # منها: منع كون التربة مرادفة للتراب وادعى أن التربة اسم لما كان [في ~~المكان] (¬4) من تراب أو غيره مما يقاربه. # ومنها: أنه مفهوم لقب أعني الاحتجاج بالتربة ومفهوم اللقب (¬5) ضعيف لم ~~يقل به إلا الدقاق (¬6)، ويمكن أن يجاب عن هذا PageV02P161 # بما أسلفناه أولا واضحا. # ومنها: أن حديث التربة لو سلم أن مفهومه معمول به لكان الحديث الآخر يدل ~~على طهورية بقية [أجزاء] (¬1) الأرض أعني قوله: "مسجدا وطهورا" [بمنطوقه] ~~(¬2) [ودلالة] (¬3) المنطوق أقوى من دلالة المفهوم، وقد قالوا: إن المفهوم ~~مخصص للعموم فيمتنع هذه الأولوية إذا سلم المفهوم ها هنا، وقد أشار بعضهم ~~إلى خلاف هذه القاعدة، أعني: تخصيص [المفهوم] (¬4) للعموم. # السادسة: أخذ بعض المالكية من هذا الحديث أن لفظة: "طهور" تستعمل لا ~~بالنسبة إلى الحدث، ولا الخبث. وقال: إن "الصعيد" قد سمي طهورا وليس بحدث، ~~ولا خبث. لأن التيمم لا يرفع الحدث، وجعل ذلك جوابا عن استدلال أصحابنا على ~~نجاسة الكلب بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه ~~الكلب أن يغسله سبعا" حيث قالوا: "طهور" يستعمل إما عن الحدث أو عن الخبث، ~~ولا حدث على الإناء. فتعين الخبث فمنع هذا الحصر، وقال: لفظة "طهور" تستعمل ~~في إباحة الاستعمال، كما في التراب. إذ لا يرفع الحدث كما قلناه، فيكون ~~قوله - عليه الصلاة والسلام -: "طهور إناء أحدكم" مستعملا في إباحة ~~استعماله، أعني الإناء، كما في التيمم، وأجاب الشيخ PageV02P162 # تقي الدين (¬1) عن هذا، فقال: عندي فيه نظر، فإن التيمم -وإن كان لا يرفع ~~الحدث- لكنه سبب عن الحدث، أي الموجب لفعله الحدث، وفرق بين قولنا: "أنه عن ~~حديث" وبين قولنا: "إنه يرفع الحدث" وأيد بعض فضلاء المالكية الاعتراض ~~المذكور بقول الشاعر: # *عذاب الثنايا ريقهن طهور* # إذ لا ms0336 حدث هنا أيضا ولا خبث فلا حصر إذا. # قلت: لا حجة في هذا على ما ذكره، فإنه وصفه بأعلى الصفات، وهي التطهير ~~لأن قصد تفضيلهن على سائر النساء [فوصف] (¬2) ريقهن بأنه مطهر [يتطهر] (¬3) ~~به لكمالهن، وطبب ريقهن، وامتيازه على غيره. # السابعة: قوله - عليه [الصلاة] (¬4) والسلام -: "فأيما رجل من أمتي ~~أدركته الصلاة فليصل" يستدل به أيضا على عموم التيمم # بأجزاء الأرض، لأن صيغته صيغة عموم، فيدخل تحته من لم يجد ترابا ووجد ~~غيره من أجزاء الأرض، ومن خص التيمم بالتراب يحتاج إلى أن يقيم دليلا يخص ~~به هذا العموم، أو يقول: دل الحديث على أنه يصلي، وأنا أقول بذلك، فمن لم ~~يجد ماءا ولا ترابا صلى على PageV02P163 # حسب حاله، فأقول بموجب الحديث إلا أنه قد جاء في رواية أخرى "فعنده طهوره ~~ومسجده" والحديث إذا جمعت طرقه فسر بعضه بعضها. # وقال ابن المنذر: ثبت أن - عليه الصلاة والسلام -[أنه] (¬1) قال: "جعلت ~~لي كل أرض طيبة مسجدا أو طهورا" (¬2) [حكاه الخطابي] (¬3). # الثامنة: هذا العموم مخصوص بما استثنى من [هذه] (¬4) المواضع التي تحرم ~~الصلاة فيها: كالأماكن المغصوبة ونحوها أو يكره كالحمام ونحوه مما هو مبسوط ~~في الفروع، وتقدمت أيضا الإشارة إلى هذا التخصيص. # التاسعة: قد يؤخذ من قوله: "فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" أنه ~~لا يجوز التيمم إلا بعد دخول الوقت، كما هو مذهب الجمهور (¬5) وأنه يضعف ~~قول من يقول: إن التيمم يرفع PageV02P164 # الحدث (¬1). # العاشرة: "الغنائم" جمع غنيمة وهو [المغنم] (¬2) بمعنى واحد، PageV02P165 # يقال: منه غنم [القوم غنما] (¬1) بالضم لا غير، وهي ما يؤخذ من الكفار ~~بإيجاف (¬2) خيل وركاب قال العلماء: كان الأمم قبلنا على ضربين منهم من لا ~~يحل لأنبيائهم جهاد الكفار فلا غنائم لهم. # ومنهم: من أحله [لهم] (¬3) إلا أنهم إذا غنموا مالا جاءت نار فأحرقته، ~~فلا يحل لهم أن يتملكوا منها شيئا. وأباح الله -تعالى- # لهذه الأمة الغنائم وطيبها لها. # قال الشيخ تقي الدين (¬4): ويحتمل أن يراد بحلها له أن يتصرف فيها كيف ~~شاء، ويقسمها كما أراد في قوله -تعالى-: {يسألونك ms0337 عن الأنفال قل الأنفال ~~لله والرسول} (¬5). # ويحتمل أن يراد لم يحل شيء منها لغيره - صلى الله عليه وسلم - وأمته، وفي ~~بعض الأحاديث ما يشعر ظاهره بذلك. # ويحتمل أن يراد بالغنانم [بعض الغنائم] (¬6) وفي بعض الأحاديث: "وأحل لنا ~~الخمس" رواه ابن حبان (¬7). # قلت: قد يجاب عن هذا بأن الخمس خص منها لشرفه. PageV02P166 # الحادية عشرة: قوله - عليه الصلاة السلام -: " [وأعطيت] (¬1) الشفاعة" ~~الألف واللام قد ترد للعهد كما في قوله -تعالى-: # {فعصى فرعون الرسول} (¬2). # وترد للعموم كما في قوله - عليه الصلاة والسلام -: " [المسلمون] (¬3) ~~تتكافأ دماؤهم" (¬4). # وترد لتعريف الحقيقة كقولهم. الرجل خير من المرأة. إذا ثبت [هذا] (¬5). # فقال الشيخ تقي الدين (¬6): الأقرب أنها هنا للعهد، وهو ما بينه - عليه ~~الصلاة والسلام - من شفاعته العظمى المختصة به، # وهي الشفاعة في إراحة الناس من طول القيام بتعجيل حسابهم، كما جاء مبينا ~~في الصحيح، ولا خلاف في هذه، ولا تنكرها # المعتزله. # قال القاضي عياض (¬7): وقيل: المراد بالشفاعة شفاعة لا ترد. PageV02P167 # قال: وقد تكون شفاعته المذكورة في الحديث بخروج من في قلبه مثقال ذرة من ~~إيمان من النار، لأن الشفاعة لغيره إنما جاءت قبل هذا، وهذه مختصة به ~~كشفاعة المحشر. # قلت: وقد ذكرت له - صلى الله عليه وسلم - ست شفاعات أخر في كتابنا: "غاية ~~السول في خصائص الرسول" (¬1). فراجعها منه، فإنها من المهمات، فإن أكثر ~~الناس لم يذكر له إلا خمسا، ولا تنكر المعتزلة أيضا الشفاعة بعد دخول الجنة ~~في رفع الدرجات، فإنه كان - صلى الله عليه وسلم - قد تقدم منه إعلام ~~الصحابة بالشفاعة العظمى المختصة به، فلتكن الألف واللام للعهد، وإن كان لم ~~يتقدم ذلك على هذا الحديث فليكن لتعريف الحقيقة وتتنزل على تلك الشفاعات، ~~لأنه كالمطلق حينئذ فيكفي تنزيله على فرد. # قال الشيخ تقي الدين: وليس لك أن تقول: لا حاجة إلى هذا التكلف، فإنه ليس ~~في الحديث إلا إعطاء الشفاعة، فكل هذه الأقسام المذكورة قد أعطيها فليحمل ~~اللفظ على العموم لأنا نقول: هذه الخصلة مذكورة في الخمس التي اختص بها، ~~فلفظها وإن كان مطلقا إلا ms0338 أن ما سبق في صدر الكلام يدل على الخصوصية. # فائدة: كيفية شفاعته - صلى الله عليه وسلم - أنه يشفع أولا في إراحة ~~الخلق من الموقف والفصل بين العباد، وهذا هو المقام المحمود، الذي ادخره ~~الله -تعالى- له وأعلمه أنه يبعثه فيه ثم بعد ذلك حلت الشفاعة في أمته - ~~صلى الله عليه وسلم - وفي المذنبين، وحلت شفاعة الأنبياء والملائكة وغيرهم PageV02P168 # - صلوات الله وسلامه عليهم - ثم تميز المؤمنين من المنافقين، ثم حلول ~~الشفاعة ووضع الصراط، وهذه شفاعة في المؤمنين المذنبين على الصراط، وهي ~~لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ولغيره، ثم الشفاعة فيمن دخل النار، ~~وهذا ما تقتضيه مجموع الأحاديث. # تنيه: قال بعض الناس: يكره أن يسأل الله إن يرزقه [شفاعته] (¬1) - صلى ~~الله عليه وسلم -[لأنها لا تكون] (¬2) إلا للمذنبين وهذا لا يلتفت إليه قال ~~القاضي عياض: قد عرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح شفاعته ورغبتهم ~~فيها، ولا يلزم أن تكون شفاعته للمذنبين، فإنها قد تكون للتخفيف من الحساب ~~وزيادة الدرجات، بل كل [عامل] (¬3) معترف بالتقصير، محتاج إلى العفو، غير ~~معتد بعمله، مشفق من أن يكون من الهالكين، ويلزم هذا القائل أن لا يدعو ~~بالمغفرة والرحمة لأنها لأصحاب الذنوب، وهذا كله خلاف ما عرف من [حال الخلف ~~والسلف] (¬4). # الثانية عشرة: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "وبعثت إلى الناس عامة" ~~قيل: لفظ الناس لا يندرج فيها الجن، ولا خلاف أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أرسل للثقلين، ولعله من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنه إذا أرسل إلى ~~الإنس [فأحرى] (¬5) إلى الجن، لأن الإنس أشرف، PageV02P169 # فذكر ذلك - صلى الله عليه وسلم - في معرض إمتنان الله -تعالى-[عليه] (¬1) ~~ولا يبقى زيادة الامتنان ببعثته إلى غيرهم. وفي صحيح مسلم أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "وبعثت إلى كل أحمر وأسود" (¬2) وفي الأحمر والأسود ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المراد بالأحمر البيض من العجم وغيرهم، وبالأسود العرب لغلبة ~~السمرة فيهم، وغيرهم من السودان. # ثانيها: أن المراد بالأسود السودان، وبالأحمر من عداهم من العرب وغيرهم. # ثالثها: أن الأحمر الانس، والأسود الجن. # الثالثة عشرة: ms0339 المراد بالقوم هنا الرجال والنساء وإن كان أصل القوم ~~[جماعة] (¬3) الرجال دون النساء، كما أسلفناه في الحديث الأول من هذا الباب. # الرابعة عشرة: في الحديث (¬4) جواز ذكر ما امتن الله به على [عبده] (¬5) ~~وخصه به وعدم كتمانه. قال -تعالى-: {وأما بنعمة ربك فحدث (11)} (¬6). PageV02P170 # الخامسة عشرة: فيه أيضا دلالة على أن الأصل في الأرض الطهارة. # السادسة عشرة: فيه أيضا جواز ذكر العلم من غير سؤال خصوصا عند الاحتياج ~~إليه، والتعريف [بنعم] (¬1) الله -تعالى- وعدم الجهل. # السابعة عشرة: قد يستدل به على أن نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~أفضل الأنبياء، وأنه فضل بأشياء على غيره منهم، وذلك دليل على أفضليته، ولا ~~شك أنه يعرف فضل المتبوع بفضل التابعين أيضا، فكما أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - أفضل الأنبياء، كذلك أمته خير الأمم، وقد ثبت أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - قال: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، أنتم ثمانون" (¬2). # خاتمة: متعلقة بما سلف، قال ابن عقيل: خصيصة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- حاصلة من جهة خصت عن كثير من العلماء، وذلك أن شريعته جاءت ناسخة لكل ~~شريعة قبلها، فلم يبق دين من الأديان التي جاءت به الأنبياء - صلوات الله ~~عليهم - إلا أمر بتركها ودعي إلى شريعته، ومعنى قوله: "كل نبي بعث إلى ~~قومه" أنه كان يجتمع في العصر الواحد نبيان، يدعوان كل (¬3) منهما إلى ~~شريعة تخصه ولا يدعو الأمة PageV02P171 # التي بعث فيها غيره إلى شريعته، ولا ينصرف عنه، ولا ينسخ ما جاء به ~~الآخر، فهذه خصيصة له لم تكن لأحد قبله حتى أن نوحا - صلى الله عليه وسلم - ~~لم ينقل عنه أنه كان معه نبي فدعا إلى ملته يعني ملة ذلك النبي، ولا نسخها، ~~يوضح هذا قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لو أدركني موسى لما وسعه إلا ~~اتباعي" (¬1) فهذه الخصيصة التي امتاز بها عن جميع الأنبياء. # قلت: وخص - صلى الله عليه وسلم - بهذه الخمسة وبغيرها من: جوامع الكلم، ~~وهو القرآن، وكلامه [عليه السلام] (¬2) فإن كلا منهما ألفاظه يسيرة ومعانيه ~~كثيرة، وخص أيضا بمفاتيح خزائن الأرض، والآيات من خواتيم ms0340 سورة البقرة، وله ~~أيضا خصائص كثيرة لا تحصى، ومآثر أكثر من أن يحاط بها فتستقصى، وقد جمعنا ~~[ها هنا] (¬3) ما وصل علمنا إليه في كتابنا المسمى: ب "غاية السول في خصائص ~~الرسول" وفي الذهن أنه أجمع ما صنف فيه [والحمد لله] (¬4) على ذلك وأمثاله. PageV02P172 # فائدة: هذا الحديث رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع جابر، عوف بن ~~مالك الأشجعي، وأبو هريرة، وعلي وأبو سعيد الخدري، وأبو ذر الغفاري، وأبو ~~موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، [وابن عمرو] (¬1) وأبو أسامة والسائب بن ~~يزيد كما أفاد ذلك ابن منده في مستخرجه. PageV02P173 ### || AUTO 8 - باب الحيض # (¬1) # أصله، السيلان. وله تسعة أسماء أخر: الضحك، والإكبار (¬2)، والإعصار، ~~والدراس، والعراك (¬3)، والفراك. الأول: بالعين، والثاني: بالفاء. والطمث ~~(¬4): بالثاء، والطمس: بالسين، والنفاس (¬5) وذكر المصنف في الباب خمسة ~~أحاديث: PageV02P174 ### ||| AUTO الحديث الأول # 22/ 1/ 8 - عن عائشة - رضي الله عنها - أن فاطمة بنت أبي حبش سألت النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، فقالت: إني أستحاض فلا أطهر (¬1)، أفأدع [الصلاة؟] ~~(¬2)، قال: "لا (¬3)، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي [كنت] ~~(¬4) تحيضين فيها، ثم اغتسلي، وصلي" (¬5). # وفي رواية: " [وليس] (¬6) بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، PageV02P175 # فاتركي الصلاة (¬1) [فيها،] (¬2) فإذا ذهب قدرها (¬3) فاغسلي عنك الدم ~~وصلي" (¬4). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وقد [سلف] (¬5) في الطهارة. # ثانيها: فاطمة هذه والدها قيس بن المطلب- ووقع في أكثر نسخ مسلم عبد ~~المطلب وهو غلط [بن] (¬6) أسدبن عبد العزى بن قصي، القرشية الأسدية. # ووقع في مبهمات الخطيب أنها [أنصارية] (¬7)، وهي غير فاطمة بنت قيس ~~الآتية في كتاب النكاح، ولا يعرف [للمذكورة] (¬8) هنا أعني في باب الحيض ~~غير هذا الحديث. PageV02P176 # وحبيش: بضم الماء المهملة، ثم باء موحدة، ثم مثناة تحت، ثم شين معجمة. ~~وتشتبه بأشياء ذكرتها في مشتبه النسبة. # وذكر الحربي: أن فاطمة هذه تزوجت بعبد الله بن جحش فولدت له محمدا وهو ~~صحابي هاجرت - رضي الله عنها - وهي # إحدى المستحاضات على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -. # والثانية: حمنة بنت جحش زوج طلحة بن [عبيد الله] (¬1) أخت ms0341 زينب أم ~~المؤمنين، وقيل: إنها استحيضت أيضا، وهو وهم (¬2). PageV02P177 # ووقع في "الموطأ" كما نبه عليه ابن العربي (¬1)، قال: ووقع في PageV02P178 # "الموطأ" أيضا أن زينب كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، ولم يكن ذلك قط، إنما ~~كانت تحت زيد، ثم زوجها الله بنبيه - عليه أفضل الصلاة والسلام -. # والثالثة: أختها أم حبيبة أو أم حبيب زوج عبد الرحمن بن عوف (¬1). # والرابعة: [سودة بنت زمعة] (¬2) أم المؤمنين (¬3). # والخامسة: سهلة بنت سهيل (¬4) العامرية واقتصر جماعات على هذا العدد ~~وأهملوا أربعا. # الأولى: أسماء بنت عميس (¬5). # الثانية: زينب بنت أم سلمة (¬6). PageV02P179 # الثالثة: أسماء بنت مرثد الحارثية (¬1). # الرابعة: بادية بنت غيلان (¬2). # ثالثها: في ألفاظه. # قولها: "أستحاض" يقال: منه استحيضت المرأة مبنيا للمفعول لغة، ولم يبن ~~هنا الفعل للفاعل، كما في قوله: "نفست المرأة"، # و"نتجت الناقة". # وأصل الكلمة من الحيض والزوائد التي لحقتها للمبالغة، كما يقال: "قر في ~~المكان " ثم يزاد للمبالغة [فيه] (¬3)، فيقال: استقر، وأعشب المكان، ثم ~~يبالغ فيه فيقال: اعشوشب. وكثيرا ما تجيء الزوائد لهذا المعنى نبه عليه ~~الشيخ تقي الدين (¬4). # والاستحاضة: جريان الدم في غير أوانه: # وقولها: "فلا أطهر" المراد بالطهارة هنا النظافة من الدم. # وقولها: "أفأدع الصلاة؟ " هو سؤال عن استمرار حكم الحيض حالة دوام الدم ~~[و] (¬5) عدمه ممن تقرر عنده أن الحائض ممنوعة من الصلاة. PageV02P180 # والعرق: بكسر أوله وإسكان ثانيه، وهذا العرق، يقال: له العاذل بالذال ~~المعجمة، قاله الأزهري (¬1). # وحكى ابن سيده (¬2): إهمالها وبدل اللام راء. # وهذا العرق فمه في أدنى الرحم يعتنق [الرحم] (¬3) منه، وجاء في الحديث: ~~"عرق انفجر" (¬4)، ويحتمل أن يكون من مجاز التشبيه، إن كان سبب الاستحاضة ~~كثرة مادة الدم، وخروجه من مجاري الحيض المعتادة. # وفي رواية [للحاكم] (¬5) في مستدركه "إنما هو داء عرض أو ركضة [من ~~الشيطان] (¬6) أو عرق انقطع" (¬7) [ثم قال: صحيح # الإسناد ولم يخرجاه. PageV02P181 # وأما ابن الصلاح والنووي فأنكرا وجود لفظة: انقطع] (¬1) (¬2) في الحديث، ~~وهو غريب منهما. # وقوله: "وليس بالحيضة" هو بفتح الحاء أي الحيض هذا هو الأظهر، ونقله ~~الخطابي عن أكثر المحدثين، أو كلهم، ثم اختار ms0342 الكسر أي الحالة، والأول هو ~~المتعين، كما قاله النووي، فإن المعنى يقتضيه لأنه - عليه الصلاة والسلام - ~~أراد إثبات [الاستحاضة] (¬3) ونفي الحيض. # وقوله: "فإذا أقبلت الحيضة" يجوز فيه الوجهان: جوازا حسنا قاله النووي. ~~و"الإدبار": الانقطاع. # وقوله: "قدرها" قال الشيخ تقي الدين (¬4): الأشبه أن يريد قدر أيامها، ~~وصحف بعض الطلبة هذه اللفظة بالذال المعجمة المفتوحة، وإنما هو بالدال ~~المهملة، أي قدر وقتها انتهى، والرواية السالفة: PageV02P182 # "ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها" تبطل هذا التصحيف أيضا. # رابعها: في فوائده: # الأولى: أن المستحاضة تصلي أبدا، إلا في الزمن المحكوم بأنه حيض، وهذا ~~إجماع كما ستعلمه. # الثانية: استفتاء من وقعت له مسألة. # الثالثة: جواز استفتاء المرأة ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بالطهارة ~~وأحداث النساء. # الرابعة: استماع صوتها عند الحاجة. # الخامسة: الأمر بإزالة النجاسة. # السادسة: نجاسة الدم وهو إجماع إلا من شذ (¬1). # السابعة: أن الصلاة تجب بمجرد إنقطاع الحيض. # الثامنة: أن الصلاة لا يتركها من عليه الدم كما فعل عمر حيث صلى [وجرحه] ~~(¬2) يثعب دما (¬3). PageV02P183 # التاسعة: أن الدم السائل من الجسد من فصد وغيره لا ينقض الطهارة (¬1)، ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "إن ذلك عرق" ولم يأمرها بالطهارة للحيضة، ~~قاله صاحب الإكمال. نعم صح أمرها بالوضوء، كما رواه أبو داود (¬2) والنسائي ~~(¬3) وصححه ابن حبان (¬4) والحاكم (¬5) وابن ~~.............................. PageV02P184 # حزم (¬1). # وإذا أرادت المستحاضة الصلاة فإنها تحتاط (¬2) ومحل الخوض في ذلك كتب ~~الفروع، وقد أوضحنا ذلك فيه، ولله الحمد. # العاشرة: فيه دليل على ترك الحائض الصلاة (¬3) وهو إجماع لم يخالف فيه ~~إلا الخوارج. # نعم استحب بعض السلف للحائض إذا دخل الوقت أن تتوضأ وتستقبل القبلة وتذكر ~~الله، وأنكره بعضهم. # ونقل ابن العطار في شرحه: أن بعض أصحابنا قال [بمقالة] (¬4) بعض السلف ~~المذكورة (¬5). PageV02P185 # الحادية عشرة: فيه دليل على الرد إلى العادة، لأن الحديث يدل بلفظه على ~~أن هذه المرأة كانت معتادة لقوله: "قدر الأيام" وهو يقتضي أنه كان لها أيام ~~تحيض فيها، وليس فيه أنها كانت مميزة أو غير مميزة، فإن ثبت ما يدل على ~~التمييز فذاك، وإلا ردت إلى ms0343 العادة، والتمسك به يدل على أن ترك الاستفصال ~~في قضايا الأحوال [مع قيام الاحتمال] (¬1) ينزل منزلة العموم في المقال. ~~ويجوز أن يكون علم الواقعة في التمييز أو عدمه، وأجاب على ما علم. # الثانية عشرة: فيه دليل لأبي حنيفة في الرجوع إلى العادة سواء كانت مميزة ~~أم لا. PageV02P186 # وقال مالك والشافعي: في الأصح من مذهبه إذا كانت مميزة فلا ترجع إلى ~~العادة، بل تصلي في أيام الاستحاضة وتترك الصلاة # في أيام الحيض، وتبقى كذلك أبدا، [قال] (¬1) صاحب الإكمال: وإليه ذهب ~~عامة أهل الفتيا. # الثالثة عشرة: فيه رد على من قال: إنه يلزمها الغسل لكل صلاة لأنه ليس في ~~الحديث ما يقتضي تكرار الغسل، وهو مذهب # الجمهور سلفا [وخلفا] (¬2). # قالوا: ولا يجب إلا مرة واحدة عند الانقطاع. # وروي عن ابن عمر وابن الزبير وعطاء أنهم قالوا: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة. # وروي عن عائشة أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلا واحدا. وعن ابن المسيب ~~والحسن قالا: تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة # [الظهر] (¬3) دائما (¬4). PageV02P187 # الرابعة عشرة: فيه رد أيضا على من قال: إن عليها غسل بالليل وآخر ~~بالنهار، وهو قول لبعض الصحابة. # الخامسة عشرة: فيه رد لقول من رأى عليها الجمع بين الظهر والعصر بغسل ~~واحد، وتغتسل للصبح لعدم الأمر به، قاله أبو عمر (¬1). # السادسة عشرة: قال فيه رد لمن قال بالاستطهار يومين أو ثلاثا أو أقل أو ~~أكثر، أي كما حكي عن مالك أنها تستطهر (¬2) ثلاثا. # السابعة عشرة: قال فيه [دليل] (¬3) على أنه لا يلزمها غير الغسل، لأنه ~~عليه الصلاة والسلام لم يأمرها بغيره. PageV02P188 # الثامنة عشرة: قوله "ثم اغتسلي" قال الباجي (¬1): يحتمل أن يكون ~~للاستحاضة واستغنى عن ذكر الغسل للحيض، لأنه معلوم # عندها ويحتمل أن يكون لإدبار الحيض. # قلت: وهذا هو الظاهر والخلاف المذكور مبني على أن الغسل [هل] (¬2) هو ~~لإدبار الحيضة والذي للاستحاضة مستحب أو عكسه، وفيه قولان عند المالكية، ~~وتظهر فائدة الخلاف في جواز وطئها بعد الغسل الأول. # فإن قلنا: إنه الواجب جاز وإلا فلا. # التاسعة عشرة: قوله ms0344 - عليه الصلاة والسلام -: "فإذا أقبلت الحيضة" قال ~~الشيخ تقي الدين: [فيه] (¬3) تعليق الحكم بالإقبال والإدبار، فلا بد أن ~~يكون معلوما [لها] (¬4) بعلامة تعرفها فإن كانت مميزة ردت إلى التمييز، ~~فإقبالها: بدو الدم الأسود، وإدبارها: إدبار ما هو بصفة الحيض. وإن كانت ~~معتادة ردت إلى العادة، فإقبالها: وجود الدم في أول أيام العادة. وإدبارها: ~~انقضاء أيام العادة. وقد ورد في حديث فاطمة ما يقتضي الرد إلى التمييز، ~~وقالوا: إن حديثها في المميزة. وحمل قوله: "فإذا أقبلت الحيضة" على الحيضة ~~المألوفة، قال: وأقوى الروايات في الرد إلى التمييز: الرواية التي PageV02P189 # فيها "دم الحيض أسود يعرف فإذا كان [ذلك] (¬1) فأمسكي عن الصلاة" (¬2) ~~وأما الرد إلى العادة فقد سلف في الرواية الأولى. # العشرون: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فاغسلي عنك الدم وصلي" قال ~~الشيخ تقي الدين (¬3): هذا مشكل في ظاهره، لأنه # لم يذكر الغسل ولا بد بعد إنقضاء الحيض منه. # وحمل بعضهم هذا الأشكال على أن جعل الإدبار: انقضاء أيام الحيض، ~~والاغتسال. وجعل قوله: "فاغسلي عنك الدم": محمول على دم يأتي بعد الغسل. # قال: والجواب الصحيح: أن هذه الرواية -وإن لم يذكر فيها الغسل- فقد روي ~~في رواية أخرى صحيحة، فقال فيها "واغتسلي" (¬4) انتهى. # وقد يجاب: بأن الغسل من دم الحيض معلوم، وإنما أجابها عما سألته (¬5) ~~[وهو حكم الاستحاضة] (¬6). PageV02P190 # الحادية والعشرون: في الحديث ما كانت الصحابة عليه في الرجوع فيما يحدث ~~لهم من الأمور كلها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والسؤال عن ~~الأحكام والجواب عنها. # الثانية والعشرون: فيه أيضا دلالة على إثبات الاستحاضة، وأن حكم دمها غير ~~حكم دم الحيض ومحل الخوض في [أقسامها] (¬1) كتب المذهب. # خاتمة: يجوز وطء المستحاضة غير المتحيرة عند الجمهور، وقال أحمد: لا ~~يأتيها إلا أن يطول ذلك بها، وعنه أنه لا يجوز وطؤها إلا أن يخاف العنت. PageV02P191 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 43/ 2/ 8 - عن عائشة - رضي الله عنها - أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، ~~فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمرها أن تغتسل، [فقال: هذا عرق] ~~(¬1) فكانت تغتسل لكل صلاة ms0345 (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه وقد سلف في الطهارة. # الثاني: قد تقدم في الحديث قبله أن أم حبيبة هذه إحدى المستحاضات على ~~[عهده - صلى الله عليه وسلم -] (¬3) وأنه يقال لها: أم حبيب، وصححه الحربي ~~والدارقطني (¬4). # وصحح الغساني أن اسمها حبيبة قال: وكذا قاله الحميدي عن سفيان. PageV02P192 # وقال ابن الأثير: الأكثر أم حبيبة (¬1). # قال [أبو] (¬2) عمر: والصحيح أنها وأختها زينب [و] (¬3) (¬4) حمنة ~~مستحاضتان. وقد تقدم عن ابن العربي أنه وهم قائل هذا. # وحكى القاضي (¬5) عن بعضهم: أن بنات جحش الثلاث كل منهن اسمها زينب ولقب ~~أحداهن حمنة وكنية الأخرى أم حبيبة، وإذا كان هكذا فقد سلم مالك من الخطأ ~~في تسمية أم حبيبة زينب. وأم حبيبة هذه حضرت أحدا تسقي العطشى وتداوي ~~الجرحى. # الثالث: غسلها - رضي الله عنها - لكل صلاة لم يكن بأمره - عليه الصلاة ~~والسلام - كما قاله الزهري وغيره، وإنما هو شيء # فعلته وإنما الواجب عليها الغسل مرة واحدة عند إنقطاع حيضها كما سلف في ~~الحديث قبله (¬6). # وروى ابن إسحاق عن الزهري فأمرها أن تغتسل لكل صلاة [فلم] (¬7) يتابعه ~~عليه أصحاب الزهري، وربما وقع ذلك في بعض PageV02P193 # نسخ الكتاب (¬1)، وهو وهم من النساخ. # نعم في أبي داود (¬2) والبيهقي (¬3) من طرق أنه أمرها بذلك لكنها ضعيفة ~~كما بينها البيهقي وغيره، وحملها بعضهم على الناسية PageV02P194 # للوقت والعدد، يجوز في مثلها أن ينقطع الدم عنها في وقت كل صلاة (¬1). PageV02P195 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 24/ 3/ 8 - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد، كلانا جنب (¬1)، وكان يأمرني فأتزر، ~~فيباشرني وأنا حائض (¬2)، وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: فيه جواز تطهير الرجل والمرأة من إناء واحد وهو إجماع كما قدمت في ~~الحديث الثاني من باب الجنابة فراجعه منه، وتقدم هناك أيضا الكلام على لفظ ~~الجنب ومعناه. # الثاني: قولها "فأتزر"، معناه أشد إزارا أستر به سرتي وما تحتها إلى ~~الركبة. # وقولها: "فيباشرني"، أي: بجميع أنواع الاستمتاع ms0346 من القبلة PageV02P196 # والمعانقة سيما فوق الإزار فوق السرة وتحت الركبة، فيؤخذ منه جواز ~~المباشرة فوق الإزار، وأما تحته ففيه خلاف بسطناه في كتب الفقه فإنه موضعه. # والأصح عندنا تحريم المباشرة سيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر ~~وبه قال مالك وأبو حنيفة وأكثر العلماء كما حكاه عنهم النووي في شرح مسلم (¬1). # ومذهب أحمد الجواز، وهو قوي لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أصنعوا كل ~~شيء إلا النكاح" رواه مسلم (¬2). # واقتصاره - عليه الصلاة والسلام - في مباشرته على ما فوق الإزار محمول ~~على الاستحباب (¬3). # وقال الشيخ تقي الدين (¬4): ليس في هذا الحديث ما يقتضي إباحته ولا منعه، ~~وإنما فيه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ومجرد فعله لا يدل على الوجوب ~~على المختار، وفيما ذكره نظر. PageV02P197 # الثالث: في الحديث بيان جواز النوم مع الحائض وغير ذلك والاضطجاع معها في ~~لحاف واحد إذا كان هناك حائل يمنع من # ملاقاة البشرة [فيما بين السرة] (¬1) والركبة، أو يمنع الفرج وحده عند من ~~لا يحرم إلا الفرج. # قال العلماء: لا يكره مضاجعة الحائض ولا قبلتها ولا الاستمتاع بها فيما ~~فوق السرة وتحت الركبة، ولا يكره وضع يدها على شيء من المائعات، ولا يكره ~~غسلها رأس زوجها وغيره من محارمها، ولا يكره طحنها وعجنها وغير ذلك من ~~الصنائع، وسؤرها وعرقها طاهران، وكل هذا إجماع كما نقله ابن جرير الطبري في ~~كتابه مذاهب العلماء، وأما قوله تعالى {فاعتزلوا النساء في المحيض} (¬2). ~~فالمراد اعتزلوا وطأهن ولا تقربوا وطأهن (¬3). # الرابع: فيه دليل على أن المعتكف إذا أخرج رأسه من المسجد لا يبطل ~~اعتكافه، وأن من حلف لا يدخل بيتا أو يخرج منه فأدخل رأسه أو أخرجه لا يحنث. # وفيه دليل على أنه إذا طاف بالبيت ومس جداره أنه يصح، وهو وجه عندنا لأن ~~العبرة بالقدمين لا باليد والرأس، والأصح خلافه. # ومن نظائر المسألة ما إذا رمى إلى صيد بعض قوائمه في الحل وبعضها في ~~الحرم فإنه يجب الجزاء، كذا قاله الرافعي. وهو في PageV02P198 # القائم أما النائم فالعبرة بمستقره [كما] (¬1) قاله ms0347 صاحب "الاستقصاء". # وذكر الجرجاني في "المعاياة" فيما إذا كان بعضه في الحرم ثلاثة أوجه، ~~أحدها: لا يضمنه، وثانيها: نعم إن كان أكثره في # الحرم، وثالثها: نعم إن كان خارجا من الحرم إلى الحل دون عكسه. ومن ~~نظائرها ما لو مال من شجر الحرم غصن إلى الحل فإنه يحرم قطعه دون عكسه، ~~والطائر على الغصن بالعكس. # الخامس: فيه دليل على أن الحائض لا تدخل المسجد، لأنه لو جاز لما أحوجت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك، بل بادرت إليه، وقد يقال: لعلها ~~اعتقدت أن المسجد ليس محلا للغسل. # السادس: فيه جواز استخدام الرجل لامرأته فيما خف من الشغل، واقتضته ~~العادة. # وجواز غسل [رأس] (¬2) المعتكف حال اعتكافه وترجيله وما في معناه بشرط أن ~~لا يقذر المسجد. # واعلم أن المصنف ذكر في الاعتكاف من حديث عائشة أنها كانت ترجله وهي حائض ~~وهو معتكف في المسجد وهي في حجرتها يناولها (رأسه) (¬3). فيحتمل أن تكون ~~قضيتان، ويحتمل أن تكون قضية واحدة، ويحتمل الترجيل في الحديث الثاني على ~~أنه مع الغسل كما هنا. PageV02P199 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 45/ 4/ 8 - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يتكئ في حجري، فيقرأ القرآن، وأنا حائض" (¬1). # الكلام عليه من وجهين: # الأول: في ألفاظه: # "الحجر" معروف، وهو بفتح الحاء وكسرها، كما سبق في حديث أم قيس في باب المذي. # قال القاضي (¬2): ووقع للعدوي: في "حجرتي" بدل "حجري"، وهو وهم، والمعروف ~~الأول وهو الرواية. # ومعنى "يتكىء": يميل بإحدى شقيه. # الثاني: في فوائده: PageV02P200 # الأولى: فيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن، لأن قولها: "فيقرأ ~~القرآن"، إنما يحسن التنصيص عليه إذا كان ثم ما يوهم منعه، ولو كانت ~~القراءة جائزة لها لكان هذا التوهم [منفيا] (¬1) أعني توهم امتناع قراءة ~~القرآن، فارادت بهذا نفي توهم أنه لا يجوز مخالطتها والاتكاء في حجرها، ~~ونفي ما كانت اليهود عليه من عدم مخالطة الحائض وصجانبتهم إياها في الأكل ~~والشرب والمضاجعة، فكيف بالتلاوة والعبادة. # ومذهب الشافعي امتناع القراءة عليها على الصحيح منه، ms0348 وهو مذهب الجمهور. # ومذهب أصحاب مالك جوازه، وما ذكرناه من هذه الإشارة هو ما نبه عليه الشيخ ~~تقي الدين. # وأما صاحب الإكمال (¬2) فخالف، فقال: فيه دليل على أنها تقرأ. قال وإليه ~~نحى البخاري في كتابه (¬3)، قال: ووجه استدلاله أنها لو كانت ممتنعة منها ~~لامتنع - صلى الله عليه وسلم - من قراءته في محل حامل للحيض تشريفا للقرآن، ~~لأن قراءتها له في تلك الحالة حالة استقذار وقراءته في حجرها قراءة في مكان ~~حامل لمستقذر، ولا فوق بين حالة PageV02P201 # الاستقذار ومكان الاستقذار في تنزيه القرآن، كما منعت قراءته في الحمام ~~والسوق ونحوهما. قال: ورخص جماعة من السلف وأهل الظاهر في القراءة للحائض ~~والجنب ومس المصحف لهما وتأولوا قوله: {لا يمسه إلا المطهرون (79)} على أنه ~~خبر عن الملائكة كآية عبس، قال: وإليه نحى مالك في الموطأ (¬1). # وقال جمهور العلماء والشافعي ومالك في رواية وأبو حنيفة: أن الآية خبر ~~بمعنى النهي وأنه لا يجوز مسه إلا طاهرا ومشهور قول # مالك في الحائض أنها تقرأ القرآن ظاهرا وفي المصحف وتقلب لها أوراقه. ~~ومشهور مذهبه أيضا وهو مذهبنا منع الجنب من قراءة القرآن، وفرق بين الحائض ~~والجنب بأن الحائض لا تملك التطهير بخلافه. # الثانية: في الحديث تبليغ العلم والاقتداء به والإخبار بأحواله - عليه ~~الصلاة والسلام - للتأسي به، والإخبار بما يستحي من ذكره عادة إذا ترتب ~~عليه مصلحة من تبيين حكم وغيره، وقراءة القرآن في حجر الحائض وبقرب موضع ~~النجاسة. # الثالثة: قولها: "وأنا حائض" قال القاضي (¬2): وقع في بعض روايات مسلم ~~"وأنا حائضة" والوجهان جائزان قال تعالى: {ولسليمان الريح عاصفة} (¬3). PageV02P202 # وقال تعالى: {جاءتها ريح عاصف} (¬1). فإثبات الهاء فيها على إجرائها على ~~فعل المؤنث، وإسقاطها على طريق النسب، أي: ذات حيض. PageV02P203 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 46/ 5/ 8 - عن معاذة - رضي الله عنها - قالت: "سألت عائشة - رضي الله ~~عنها - فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية ~~أنت؟ فقلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء ~~الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # [والسياق ms0349 المذكور لمسلم وللبخاري بمعناه] (¬2). # أحدها: معاذة هذه بصرية أم الصهباء ابنة عبد الله العدوية امرأة صلة بن ~~أشيم تابعية ثقة، وكانت من العابدات، روي أنها لم تتوسد فراشا بعد أبي ~~الصهباء حتى ماتت. # قال ابن حبان عنها: صحبت الدنيا سبعين سنة فما رأيت فيها قرة عين قط، ~~وكيف أرى السرور فيها، وقد كدرت على الأمم قبلنا عيشهم، ماتت سنة ثلاث ~~وثمانين، وقد أوضحت ترجمتها فيما أفردته في الكلام على رواة هذا الكتاب. PageV02P204 # الثاني: معنى: "ما بال الحائض" أي: ما شأنها. # و"البال": الشأن والحال. # وقولها: "أحرورية أنت؟ " هو بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى نسبة ~~إلى حروراء بالمد. # وحكى أبو عبيد [قصرها] (¬1) قرية قرب الكوفة على ميلين منها (¬2)، كما ~~قاله السمعاني. # وكان أول اجتماع الخوارج به (¬3)، وقال الهروي: تعاقدوا في هذه القرية ~~فنسبوا إليها، كثر استعمال اللفظ فيهم حتى صار اسما # لكل خارجي. # وقال أبو القاسم الفوراني (¬4): حروراء موضع بالشام. وفيه نظر. PageV02P205 # قال المبرد: والنسبة إليها حروراوي، وكذا كل ما كان في آخره ألف التأنيث ~~الممدودة. # الثالث: إنما قالت عائشة ذلك لها لأن طائفة من الخوارج يرون على الحائض ~~قضاء الصلاة، إذ لم تسقط عنها في كتاب الله على أصلهم في رد السنة إلى ~~الكتاب، وفيه خلاف بينهم، وقد أجمع المسلمون على خلافه. فالحائض والنفساء ~~لا يجب عليهم الصوم والصلاة (¬1)، على أنه يجب عليهم قضاء الصوم دونها، ~~والفرق أن الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها بخلافه. # قال الأصحاب: وكل صلاة تفوت في زمن الحيض لا تقضى إلا ركعتي الطواف، كذا ~~نقله عنهم المصنف في شرح مسلم (¬2)، وفيه نظر ذكرته في شرح المنهاج. # الرابع: إنما أنكرت عائشة [لكونها] (¬3) فهمت أن السؤال سؤال منكر لا ~~مستفهم، أي هذه الطريقة طريقة الحرورية، وبينت الطريقة، فأجابتها بأني أسأل ~~سؤال مستفهم لا منكر، ففرقت عائشة لها بالنص، لأنه أبلغ وأقوى في الرد على ~~المخالف، بخلاف الفرق المعنوي، فإنه عرضة للمعارضة، وقد اكتفت في الاستدلال ~~على إسقاط القضاء بكونه لم يأمر به، فيحتمل أن يكون أخذت إسقاط القضاء من ms0350 ~~سقوط الأداء، ويكون مجرد سقوط الأداء دليلا على PageV02P206 # سقوط القضاء، إلا أن يوجد معارض وهو الأمر بالقضاء كما في الصوم، ويحتمل ~~وهو الأقرب كما قال الشيخ تقي الدين (¬1) أن يكون السبب في ذلك أن الحاجة ~~داعية إلى بيان هذا الحكم؛ فإن الحيض يتكرر فلو وجب قضاء الصلاة لوجب ~~بيانه، وحيث لم يتبين دل على عدم الوجوب، لا سيما وقد اقترن بذلك قرينة ~~أخرى، وهي الأمر بقضاء الصوم وتخصيص الحكم به. # الخامس: فيه دليل للمذهب المثمهور أن القضاء إنما يجب بأمر جديد لأنها ~~جعلته [مبلغا] (¬2) من أمره بعد فوات وقت الأداء وذكر بعض أصحابنا وجها ~~أنها مخاطبة بالصيام في حال الحيض [وتؤمر] (¬3) بتأخيره كما يخاطب المحدث ~~بالصلاة، وإن كانت لا تصح منه في زمن الحدث، وهو غلط [والمحدث] (¬4) قادر ~~على إزالة حدثه بخلافها. # السادس: فيه دليل على أن قول الصحابي: "كنا نؤمر" محمول على الرفع، وفيه ~~خلاف لأهل هذا الفن ذكرته في "المقنع في # علوم الحديث" (¬5). # السابع: ادعى بعضهم أنه ليس في السنة ما يدل على تحريم PageV02P207 # الصوم على الحائض (¬1)، وليس كذلك، فحديث حمنة بنت جحش في أبي داود (¬2) ~~والترمذي فيه إشعار به، وقد ذكرته بطوله في "تحفة المحتاج إلى أدلة ~~المنهاج" (¬3). # الثامن: يؤخذ من الحديث السؤال عن العلم، وأن المسؤول [إذا] (¬4) فهم من ~~لفظ السائل شيئا يذكره له [ويبين] (¬5) إن كان مقصود السائل خلافه. # التاسع: يؤخذ منه أيضا بيان السائل مراده من لفظه. # العاشر: يؤخذ منه أيضا أن أمر الشارع ونهيه حجة بمجرده، ولا يفتقر إلى ~~معرفة سره أو حكمته أو علته. PageV02P208 # كتاب الصلاة PageV02P209 ### || AUTO 9 - باب المواقيت # أصلها في اللغة: الدعاء بخير على ما صححه الأكثرون، والمواقيت: جمع ~~ميقات، والأصل: موقات لأنه من الوقت: كميعاد # وميزان من الوعد والوزن. سكنت الواو وانكسر ما قبلها فقلبت ياء (¬1). # قال الجوهري (¬2): وهو الوقت المضروب للفعل، والموضع، يقال: هذا ميقات ~~أهل الشأم للموضع الذي يحرمون [فيه]، وذكر # المصنف في الباب أحاديث: PageV02P211 ### ||| AUTO الحديث الأول # 47/ 1/ 9 - عن أبي عمرو الشيباني -واسمه سعد بن إياس- قال: ms0351 حدثني صاحب ~~هذه الدار- وأشار بيده إلى دار [عبد الله] (¬1) بن مسعود قال: سألت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة [على وقتها] " ~~(¬2). قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل ~~الله"، قال: حدثني بهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو استزدته ~~لزادني (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: أبو عمرو هذا: له إدراك (¬4) فقط، قال: أذكر أني سمعت وأنا أرعى ~~إبلا لأهلي بكظامة (¬5)، خرج نبي بتهامة. فهو PageV02P212 # تابعي مخضرم، وقد عد مسلم التابعين المخضرمين عشرين نفسا، وأهمل جماعة، ~~منهم الأحنف بن قيس، وأبو مسلم الخولاني، # وعاش أبو عمرو مائة وعشرين سنة. وكان يقرىء القرآن في المسجد الأعظم، قرأ ~~عيه عاصم بن (بهدلة) (¬1) وهو مجمع على ثقته، قال ابن حبان: كأنه مات سنة ~~إحدى ومائة، وقال أبو عمر: سنة خمس وتسعين. وقال الذهبي يقال: سنة ثمان ~~وتسعين. # ثانيها: الشيباني [بالشين] (¬2) المعجمة نسبة إلى شيبان بن ثعلبة بن ~~[عكابة] (¬3) وتشتبه هذه النسبة بخمسة أشياء ذكرتها في مشتبه النسبة ~~فراجعها منه. # ثالثها: في الرواة أبو عمرو [الشيباني] (¬4) اثنان: هذا والنحوي الكبير، ~~وفي الرواة أيضا أبو عمرو السيباني بسين مهملة مفتوحة ومكسورة وهو والد ~~يحيى [بن] (¬5) زرعة (¬6). # رابعها: عبد الله بن مسعود: هو أبو عبد الرحمن الهذلي أحد السابقين ~~الأولين حليف الزهريين. PageV02P213 # وأمه: أم عبد بنت عبد (¬1) [وهي] (¬2) هذلية أيضا شهد بدرا. والمشاهد، ~~وقتل أبا جهل ببدر، وهاجر الهجرتين. وصلى إلى # القبلتين. أسلم قبل عمر. روى الطبراني عنه قال: رأيتني سادس ستة ما على ~~الأرض مسلم غيرنا. وهو صاحب سواد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني ~~سره، وصاحب وساده يعني فراشه، وصاحب سواكه ونعليه وطهوره. وشهد له - عليه ~~الصلاة والسلام - بالجنة مع العشرة في حديث حسن رواه أبو عمر في استيعابه. # وهو ممن جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأحد ~~الأربعة الذين أمر بأخذه عنهم. وثانيهم: معاذ. وثالثهم: أبي. ورابعهم: سالم ~~مولى أبي حذيفة. # وكان - رضي الله عنه - رجلا ms0352 قصيرا نحيفا يكاد طوال الرجال يوازيه جلوسا ~~وهو قائم. وكان شعره يبلغ شحمة آذنيه. وكان [لا] (¬3) يغير شيبة، وكان أحمش ~~الساقين. والحموشة الدقة. كثير العلم، فقيه النفس، كبير القدر. وله فتاوى، ~~وقراءة ينفرد بها معروفة. وقال - رضي الله عنه -: إني لأعلمهم بكتاب الله، ~~وما أنا بخيرهم، وما في كتاب الله سورة ولا آية إلا وأنا أعلم فيم نزلت ~~ومتى نزلت. ولم ينكر هذا القول عليه أحد. # روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون ~~حديثا، PageV02P214 # اتفقا منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة ~~وثلاثين، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين. # مات سنة اثنين. وقيل: سنة ثلاث. وقيل: ست وثلاثين ابن بضع وستين سنة. قال ~~أبو الدرداء: وما ترك بعده مثله. ودفن بالبقيع. وقيل: بالكوفة، وصلى عليه ~~الزبير بوصايته إليه. وقيل: عثمان. وقيل: عمار. # فائدة: عبد الله بن مسعود (¬1) اثنان: # أحدهما: صاحب هذه الترجمة: وثانيهما: الغفاري (¬2) روى عن نافع عن بردة ~~في فضل رمضان. وقيل: أبو مسعود [له حديث. # ولهم ثالث: عبد الله بن مسعود الثقفي (¬3) أخو أبي عبيد استشهد يوم الجسر ~~كأخيه (¬4). # ورابع: عبد الله بن مسعود (¬5). وقيل: ابن مسعدة فزاري أمير الجيوش في ~~غزوة الروم بدمشق. له في معجم الطبراني حديث تفرد به إبراهيم بن الصنعاني ~~عن عبد الرزاق، وهذا مرسل أو وهم] (¬6). # خامسها: في فوائده: PageV02P215 # الأولى: قوله "حدثني صاحب هذه الدار وأشار بيده إلى دار عبد الله بن ~~مسعود" فيه أن الإشارة يكتفي بها عن التصريح بالاسم، # وينزل منزلته إذا كانت معينة للمشار إليه مميزة له عن غيره، وربما كان ~~ذلك أوقع وأبلغ في التفهيم من التصريح بالاسم، لأنه يصير بحيث يوضع اليد ~~عليه، والاسم العلم ربما تطرق إليه الاشتراك، ولهذا والله أعلم ذهب بعض ~~النحويين إلى أن اسم الإشارة أعرف من العلم وإن كان الأرجح خلافه. # الثانية: هذا السؤال عن طلب الأفضل لتشتد المحافظة عليه، فإن العبد مأمور ~~بتزيل الأشياء منازلها؛ فيقدم الأفضل على الفاضل # طلبا للدرجة العليا. # الثالثة: العمل ms0353 يطلق على عمل القلب والجوارح كما قدمناه في أول الكتاب ~~[في] (¬1) حديث: "إنما الأعمال بالنيات". # والمراد: هنا عمل [القلب] (¬2) والجوارح حيث وقع الجواب بالصلاة على ~~وقتها، وتكون النية مطلوبة فيه باللازم لا بمراد الحديث، وفي أعمال القلوب ~~فاضل وأفضل: كالإيمان وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة، منها حديث أبي هريرة ~~[أنه سئل - عليه الصلاة والسلام -] (¬3) أي الأعمال أفضل؟ قال: [إيمان] ~~(¬4) بالله PageV02P216 # ورسوله قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج ~~مبرور" (¬1). والأعمال في [هذا] (¬2) الحديث يراد بها عمل الجوارح والقلوب. # الرابعة: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "الصلاة على وقتها" ليس [له] ~~(¬3) [فيها] (¬4) ما يقتضي تفضيل أول الوقت على غيره، بل المقصود منه ~~الاحتراز عن إخراج الصلاة عن وقتها المشروع لئلا تصير قضاء. نعم، صح في ابن ~~خزيمة (¬5) وابن حبان (¬6) والحاكم (¬7): "الصلاة لأول وقتها" وهو ظاهر في ~~الاستدلال على فضيلة التقديم، وما ذكرناه من أنه ليس في الحديث ما يقتضي ~~ذلك. قاله الشيخ تقي الدين (¬8) أيضا، لكن قد ينازعه صيغة "أحب" (¬9) لأنها ~~تقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون للاحتراز عن إيقاعها في آخر الوقت. ~~وحمل الحديث على الاحتراز [من] (¬10) إيقاع الصلاة خارجه PageV02P217 # فيه نظر لأنه محرم، وأيضا على [للاستعلاء] (¬1) فالمراد إيقاعها [على] ~~(¬2) أول الوقت، ويستثنى من تفضيل الصلاة أول الوقت فروع فقهية بسطتها في ~~شرح المنهاج فلتراجع منه. # الخامسة: اعلم أن الأحاديث قد اختلفت في أفضل الأعمال وتقديم بعضها على ~~بعض. ففي هذا الحديث قدم الصلاة، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد، وفي حديث أبي ~~هريرة السالف (¬3) تقديم الإيمان ثم الجهاد ثم الحج المبرور. وذكر في حديث ~~أبي ذر (¬4) الإيمان والجهاد وفي حديث عبد الله بن عمر (¬5) "وأي الإسلام ~~خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف". وفي حديث ~~أبي موسى وعبد الله بن عمرو (¬6). "أي الإسلام (¬7) خير؟ قال: "من سلم ~~المسلمون من لسانه ويده". وصح من حديث عثمان (¬8): "خيركم من تعلم القرآن ~~وعلمه". وغير ذلك من PageV02P218 # الأحاديث. والذي قيل في الجمع ببنها. أنها أجوبة مخصوصة ms0354 لسائل مخصوص ~~بالنسبة إلى حاله. أو وقته أو بالنسبة إلى عموم ذلك الحال والوقت أو ~~بالنسبة إلى المخاطبين بذلك أو من هو في مثل حالهم ولو خوطب بذلك الشجاع ~~لقيل له: الجهاد، أو الغني لقيل له: الصدقة أو الجبان الفقير لقيل له: البر ~~أو الذكر أو الفطن لقيل له: العلم أو الحديد (¬1) الخلق لقيل له: لا تغضب ~~[وهكذا] (¬2) في حق جميع أحوال الناس [و] (¬3) قد يكون الأفضل في حق قوم أو ~~شخص مخالفا للأفضل في حق آخرين بحسب المصلحة اللائقة بالوقت أو الحال أو الشخص. # وذكر الحليمي (¬4) عن شيخه العلامة أبي بكر القفال الشاشي الكبير (¬5) ~~.................................... PageV02P219 # [] (¬1). وكان أعلم من [لقيته] (¬2) من علماء عصره أنه جمع بين هذه ~~الأحاديث بوجهين: # أحدهما: نحو ما ذكرناه. قال: فإنه قد يقال خير الأشياء كذا، ولا يراد إنه ~~خير جميع الأشياء من جميع الوجوه. وفي جميع الأحوال والأشخاص بل في حال دون ~~حال ونحو ذلك، واستشهد في ذلك بأخبار منها عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حجة لمن لم يحج أفضل من أربعين ~~غزوة، وغزوة [لمن] (¬3) حج أفضل من أربعين حجة" (¬4). PageV02P220 # الثاني: أنه يجوز أن يكون المراد من أفضل الأعمال كذا ومن خيرها أو من ~~[خيركم] (¬1) من فعل كذا، فحذفت من وهي مرادة، كما يقال: [من] (¬2) أعقل ~~الناس وأفضلهم ويراد أنه من أعقلهم وأفضلهم، ومن ذلك قوله [عليه السلام] ~~(¬3): "خيركم خيركم لأهله" (¬4) ومعلوم أن لا يصير بذلك خير الناس مطلقا ~~ومن ذلك قولهم: أزهد الناس في عالم جيرانه، وقد يوجد في غيرهم من هو أزهد ~~منهم فيه، هذا كلامه، فعلى هذا الوجه يكون الإيمان أفضلها مطلقا، والباقيات ~~متساوية في كونها من أفضل الأعمال أو الأحوال، PageV02P221 # ثم يعرف فضل بعضها على بعض بدلائل عليها، وتختلف باختلاف الأحوال ~~والأشخاص (¬1). # السادسة: قدم في هذا الحديث [بر] (¬2) الوالدين على الجهاد وهو دال على ~~تعظيم برهما، ولا شك أن أذاهما موجب محرم وممنوع منه. # والبر: خلاف العقوق قال أهل اللغة: [يقال] (¬3) بررت والدي ms0355 أبره برا وأنا ~~بر به. بفتح الباء وبار. # وجمع البر: الأبرار، وجمع البار: البررة. # وبر الوالدين: الإحسان إليهما، وفعل الجميل معهما، وفعل ما يسرهما، ويدخل ~~فيه الإحسان إلى صديقهما، كما ثبت في الصحيح، "إن من أبو البر أن يصل الرجل ~~أهل ود أبيه" (¬4) وقد ألف الناس فيه تصانيف مفردة كالطرطوشي (¬5) وغيره. ~~وفي ضبط ما يجب منه إشكال. PageV02P222 # قال سفيان بن عيينة: في قوله تعالى: {أن اشكر لي ولوالديك} (¬1) من صلى ~~الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه عقب الصلوات فقد شكرهما. # السابعة: الجهاد: ينقسم إلى فرض عين، وفرض كفاية، فالعين يقدم على حق ~~الوالدين، والكفاية لا يجوز إلا بأذنهما إذا تعطلت مصلحتهما الواجبة به، ~~وكل حق متعين وكفاية كذلك حكمه بالنسبة إليهما، إذا تقرر هذا ففي هذا ~~الحديث قدم برهما على الجهاد. وفي حديث أبي هريرة السالف تقديم الجهاد على ~~الحج بلفظ "ثم". وهي موضوعة للترتيب خلافا لمن شذ وهي [هنا] (¬2) للترتيب ~~في الذكر كما قال تعالى {وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13)} إلى قوله ~~{ثم كان من الذين آمنوا} (¬3) ومعلوم أنه ليس المراد الترتيب في الفعل [كما ~~قال تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} إلى قوله ~~{ثم آتينا موسى الكتاب} (¬4) وكما قال تعالى {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} (¬5) ونظائر ذلك كثيرة (¬6) ومما أنشدوا فيه: PageV02P223 # قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد [قبل] (¬1) ذلك جده # وأجاب القاضي عياض: عن تقديم الجهاد على الحج بأن ذلك كان في أول ~~الإسلام، فكان السعي في [الجهاد] (¬2) أفضل بخلاف اليوم. # والمراد بالجهاد: الجهاد المتعين وقت الزحف أو النفير العام، فإنه مقدم ~~على الحج لما فيه من المصلحة العامة للمسلمين. # واعلم أن العبادات على ضربين: # منها: ما هو مقصود لنفسه. # ومنها: ما هو وسيلة إلى غيره وفضيلة الوسيلة بحسب مقصودها المتوسل إليه، ~~فالجهاد وسيلة إلى إعلان الإيمان ونشره وإخماد الكفر ودحضه، فعظم فضله بفضل ~~مقصوده وهو الإيمان. # تنبيه: الذي يظهر والله أعلم ms0356 في ترتيب هذه الأعمال أن الإيمان أفضلها، ثم ~~الصلاة. لأنها عنوانه، ثم الصيام، ثم الحج، ثم الجهاد، ثم الزكاة. والقياس ~~يقتضي أن يكون الجهاد تلو الإيمان لأنه وسيلة إلى إعلانه كما أسلفناه، وقد ~~جاء في رواية [تأتي] (¬3) رتبة الإيمان في قوله: "إيمان بالله وجهاد في ~~سبيله" وقدم البر عليه في هذا الحديث تفخيما لشأنه. PageV02P224 # وصرح القرافي أن الحج أفضل من الجهاد كما أسلفناه لأنه مطلوب [من] (¬1) ~~جميع المكلفين على الأعيان بخلاف الجهاد فإنه من بعضهم، ولأن مصلحة الجهاد ~~لا تتكرر بخلاف مصلحة الحج. # وروى الحافظ محب الدين الطبري (¬2) في "أحكامه" من حديث ابن عمر سئل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أي الأعمال أفضل؟ قال: "قراءة القرآن في ~~الصلاة ثم قراءة القرآن في غير الصلاة، فإن الصلاة [أفضل] (¬3) الأعمال عند ~~الله وأحبها إليه، ثم الدعاء والاستغفار فإن الدعاء هو العبادة وإن الله ~~يحب الملح في الدعاء، ثم الصدقة فإنها تطفيء غضب الرب، ثم الصيام فإن الله ~~-عز وجل- يقول: "الصوم لي وأنا أجزي به، والصيام جنة للعبد من النار" ثم ~~قال: حديث غريب رواه أبو عبد الله الثقفي في "أربعينه"، ولم يبرز إسناده ~~حتى ننظر فيه. قال وورد من حديث أبي ذر رفعه: "أفضل الأعمال: الحب في الله ~~والبغض في الله (¬4) " فيحمل على أفضل أعمال القلب. PageV02P225 # فائدتان: # الأولى: الجهاد يشتمل على حق الله تعالى. وحق رسوله وحق المسلمين. # فالأول: محو الكفر من القلوب، والألسنة، وتخريب محاله من البيع، ~~والكنائس. # والثاني: الشهادة له - عليه الصلاة والسلام - بالرسالة، وإجابة دعوته. # والثالث: الذب عن المسلمين وأولادهم ونسائهم وأموالهم [وتحصيل الغنائم ~~لهم] (¬1) والظفر بعدوهم. # الثانية: الصلاة أيضا مركبة من حق الله تعالى: كالنية والتكبيرات وغيرها، ~~وحق رسوله: كالشهادة له بالرسالة، وحق الآدمي وهو الدعاء. # فائدة ثالثة: أوقع - عليه الصلاة والسلام - البر ثانيا بعد الصلاة كما ~~جاء ثانيا في قوله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين ~~إحسانا} (¬2) وفي قوله تعالى {أن اشكر لي ولوالديك} (¬3). PageV02P226 # الثامنة: قوله: "ثم أي؟ " هو غير منون، لأنه غير موقوف ms0357 عليه في الكلام، ~~والسائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه [فتنوينه] (¬1) ووصله بما ~~بعده خطأ فيوقف عليه وقفة لطيفة ثم تأتي بما بعده فتنبه له. # التاسعة: قوله: "حدثني بهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" كأنه تقرير ~~وتأكيد لما تقدم، إذ لاريب في أن اللفظ الأول يعطي أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - حدثه بذلك وهو أرفع درجات التحمل. # العاشرة: قوله: "ولو استزدته لزادني" يحتمل أن يريد من هذا النوع المذكور ~~أعني مراتب الأعمال وتفضيل بعضها على بعض، ويحتمل أن يريد لزادني عما ~~أسأله. من حيث الإطلاق. تنبيه على سعة علمه - عليه أفضل الصلاة والسلام - ~~وترك ذلك خشية التطويل عليه. # الحادية عشرة: فيه السؤال عن العلم ومراتبه في الأفضلية. # الثانية عشرة: فيه جواز تكرير السؤال والاستفتاء عن مسائل شتى في وقت واحد. # الثالثة عشرة: فيه أيضا رفع العالم وصبره على السائل. # الرابعة عشرة: فيه فضل الصلاة في الوقت وأن أوله أفضل كما سلف وخالف ~~[أصحاب] (¬2) الرأي، فقالوا: إن التأخير إلى آخر الوقت أفضل إلا الحاج فإنه ~~يغلس بالفجر يوم النحر بمزدلفة. PageV02P227 # الخامسة عشرة: فيه أن الصلاة أفضل العمل. # السادسة عشرة: فيه فضل بر الوالدين وأنه أفضل من الجهاد بشروطه. # السابعة عشرة: فيه فضل الجهاد. # الثامنة عشرة: فيه تقديم الأهم فالأهم من الأعمال. # التاسعة عشرة: فيه تنبيه الطالب على تحقيق العلم وكيفية أخذه. # العشرون: فيه التنبيه على مرتبته عند الشيوخ وأهل الفضل ليؤخذ علمه بقبول ~~وانشراح [وضبط] (¬1). PageV02P228 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 48/ 1/ 9 - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن، ثم ~~يرجعن إلى بيوتهن، ما يعرفهن أحد من الغلس" (¬1). # [قال: المروط: أكسية معلمة تكون من خز وتكون من صوف] (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: قد تقدم أن: "كان" هذه تعطي الملازمة والاستمرار على الشيء، ومن ~~عادته - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي الصبح في هذا الوقت. نعم أسفر بها ~~مرة كما أخرجه [أبو] داود (¬3) من حديث [أبا] (¬4) مسعود أنه PageV02P229 # - عليه ms0358 السلام -: "صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم ~~كانت صلاته بعد بالغلس حتى مات - صلى الله عليه وسلم - ولم يعد إلى أن ~~يسفر" صححه ابن حبان (¬1) وقال الخطابي (¬2): صحيح الإسناد. # ثانيها: معنى "يشهد" هنا يحضر ومنه قوله -تعالى-: {فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} (¬3) أي حضره. # ثالثها: "النساء": من الجمع الذي لا واحد له من لفظه، إذ الواحد امرأة ~~وله نظائر كثيرة. # رابعها: قولها: "من المؤمنات" وفي رواية لمسلم (¬4): "نساء المؤمنات" ~~وصورته صورة إضافة الشيء إلى نفسه. واختلف في # تقديره على أوجه. # أحدها: نساء الأنفس المؤمنات. # ثانيها: نساء الجماعة المؤمنات. PageV02P230 # ثالثها: أن نساء [ها هنا] (¬1) بمعنى الفاضلات أي فاضلات المؤمنات، كما ~~يقال: رجال القوم أي فضلاؤهم ومتقدموهم. # وقولها: "من المؤمنات" يحتمل أنه بيان لوصفهن ليخرج المنافقات وهو ~~الأقرب، ويحتمل أنه بيان لنوعهن ليخرج الكافرات. # خامسها: "متلفعات" هو بالعين المهملة بعد الفاء أي متلحفات كما فسره ~~المصنف أثر الحديث (¬2). وروى (¬3) متلففات تكرير الفاء ومعناهما متقارب ~~إلا أن التلفع يستعمل مع تغطية الرأس، بل قال ابن حبيب (¬4): لا يكون ~~[الالتفاع] (¬5) إلا [بتغطية] (¬6) [الرأس] (¬7). PageV02P231 # سادسها: "المروط" جمع مرط بكسر الميم أكسبته معلمة تكون من خز وتكون من ~~صوف كما فسره المصنف ومن كتان (¬1): قاله الخليل، وزاد بعضهم في صفتها أن ~~تكون مربعة. # وقيل: سداها شعر. الواحد مرط بكسر الميم كما سلف. # وقال ابن الأعرابي (¬2): هو الإزار. # وقال النظر (¬3): لا يكون إلا درعا، وهو من خز أخضر، ولا يسمى المرط إلا ~~الأخضر ولا يلبسه إلا النساء. وفي الحديث (¬4): PageV02P232 # "مرط [مرجل] (¬1) هن شعر أسود". # سابعها: "الغلس" اختلاط ضياء الفجر بظلمة الليل كما فسره المصنف [أيضا] (¬2). # والغبش (¬3): -بالباء بدل اللام والشين المعجمة- قريب منه لكن يفترقان في ~~أن الغلس آخر الليل [والغبش] (¬4) قد يكون في أول الليل وفي آخره. # وأما الغبس: -بالسين المهملة- فيكون كون الرماد وهو بياض فيه كدرة، يقال: ~~لبن أغبش. # قال القاضي: والغبش بالمعجمة، قيل [العبس] (¬5) بالمهملة ثم الغلس، وكلها ~~في آخر الليل [ويكون العبس في أول الليل] (¬6). PageV02P233 # وقال ابن الأثير (¬1): عند ms0359 أول طلوع الفجر الغبش ثم الغبس ثم الغلس، ثم ~~قال: وقد يكون بالمعجمة في أول الليل (¬2). # [ثامنها] (¬3) قولها: "ما يعرفهن أحد من الغلس" وفي الموطأ (¬4) "ما ~~يعرفن من الغلس" على الباء للمفعول. # قال الداودي: [معناه] (¬5) ما يعرفن أنساء هن أم رجال أي إنما يظهر للرأي ~~الأشباح خاصة. # وقيل: ما يعرف أعيانهن وضعفه. النووي (¬6) لأن المتلفعة في النهار لا ~~يعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة. # وادعى بعضهم أنه أرجح من الأول بقوله (¬7) "ما يعرفهن" والمعرفة إنما ~~تتعلق بالأعيان فلو [كان] (¬8) المراد نفى كونهن ذكورا # أو إناثا. لقال: لا يعلمهن لأن الحكم بالذكورة والأنوثة إنما يتعلق به ~~العلم دون المعرفة. PageV02P234 # قال الباجي في المنتقى (¬1): وهذا الوجه يقتضي أنهن سافرات بوجوههن ولو ~~كن غير سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من # معرفتهن لا من الغلس إلا أنه يجوز أن [لهن] (¬2) كشف وجوههن أحد أمرين ~~[إما] (¬3) أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، أو يكون بعده [لكن هن] (¬4) أمن ~~أن تدرك صورهن من شدة الغلس. وأبيح لهن كشف وجوههن (¬5). # تاسعها: استدل بعضهم من هذا الحديث على جواز صلاة المرأة مختمرة الفم ~~والأنف ولعله يجعل "متلفعات" صفة [لشهود] (¬6) الصلاة وانصرافهن. # وقال القاضي: لا دليل فيه لأنها إنما أخبرت بذلك في الانصراف لا في ~~الصلاة (¬7). # عاشرها: في الحديث دليل لمالك والشافعي وأحمد والجمهور على أبي حنيفة في ~~أن الأفضل التغليس بالصبح لا سيما PageV02P235 # مع طول قراءته - صلى الله عليه وسلم - فيها، وأما حديث: "أسفروا [بالفجر] ~~(¬1) فإنه أعظم للأجر" صححه الترمذي (¬2) فعنه أجوبة: # [أحدها] (¬3): أنه محمول على تحقق طلوع الفجر عند خفائه في [مبتدأ] (¬4) طلوعه. # ثانيها: أنه محمول على الليالي [المقمرة] (¬5) التي يصبح فيها القمر فإن ~~الفجر يخفى فيها غالبا لغلبة ضوء القمر عليه. # وقال الشيخ تقي الدين: فيه نظر لأنه [قبل] (¬6) التبين للفجر لا يجوز ~~إيقاع الصلاة فيه، والحديث دل على أن ثم وقتين أحدهما. أعظم أجرا ولا ~~اشتراك بين إيقاع الفجر قبل وقتها وبعد دخول وقتها. وفيما ذكره نظر فتأمله. # ثالثها: "أن أعظم" [هنا] (¬7) بمعنى عظيم ms0360 كلاهما قوله تعالى: PageV02P236 # {وهو أهون عليه} (¬1) أي هين وشبهه فيكون المعنى: أسفروا بالفجر فإنه ~~عظيم الأجر، وذلك بسبب التسبب والتبيين لطلوع الفجر على التحقيق وهذا يرجع ~~إلى الذي قبله. # رابعها: قال البيهقي في خلافياته: إنه حديث [ضعيف] (¬2) [اختلف في إسناده ~~ومتنه، وقال ابن العطار في شرحه: إنه حديث # ضعيف] (¬3) (¬4). # خامسها: ذكره الخطابي أنه يحتمل أنهم لما أمروا بالتعجيل صلوا بعد الفجر ~~الأول والثاني طلبا للثواب، فقيل لهم صلوا بعد # الثاني وأصبحوا بها، فإنها أعظم لأجركم. # فإن قيل: لو صلوا قبل الفجر لم يكن فيها أجر. # فالجواب: أنهم يؤجرون على نيتهم وإن لم تصح صلاتهم لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر" (¬5). # (¬6) وأما حديث عبد الله بن مسعود قال: "ما رأيت PageV02P237 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع ~~بين المغرب والعشاء. بجمع يعني [المزدلفة] (¬1) وصلى الفجر يومئذ قبل ~~ميقاتها" متفق عليه (¬2). # قالوا: ومعلوم أنه لم [يكن] (¬3) يصليها قبل طلوع الفجر، وإنما صلاها بعد ~~طلوعه مغلسا بها، فدل على أنه كان يصليها في جميع الأيام غير ذلك اليوم ~~مسفرا بها. # وجواب هذا: أن معناه أنه صلاها في هذا اليوم قبل ميقاتها المعتاد بشيء ~~يسير ليتسع الوقت لمناسك الحج، وفي غير هذا اليوم # كان يؤخر بقدر ما يتطهر المحدث والجنب ونحوه. # وأغرب الطحاوي (¬4): فادعى أن حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس. # قال الحازمي (¬5): وهو وهم لأنه ثبت أنه - عليه الصلاة والسلام - داوم ~~على التغليس حتى فارق الدنيا كما رواه أجر داود (¬6) وهو حديث مخرج في ~~الصحيح رواته عن آخرهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة، وقد قدمت هذا ~~الحديث في الوجه الأول، وأن ابن PageV02P238 # حبان صححه والخطابي (¬1) قال، إنه صحيح الإسناد. # واعلم أن البغوي (¬2) روى في شرح السنة من حديث معاذ قال: "بعثني رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن فقال: يا معاذ إذا كنت في الشتاء ~~فغلس بالفجر وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم، وإذا كان في الصيف ~~فأسفر بالفجر، فإن ms0361 الليل قصير، والناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوا" ولم أر ~~من قال بهذا التفصيل، ولو قيل به لم يبعد، وبه يجمع بين الأحاديث، فالتغليس ~~يحمل على الشتاء، وحديث الإسفار يحمل على الصيف (¬3) والله أعلم بذلك. PageV02P239 # الحادي عشر: فيه دليل على خروج النساء إلى المساجد لصلاة الصبح وعشاء ~~الآخرة ملحقة بها لكونها في معناها من حيث وجود الظلمة فيها، وهذا كله بشرط ~~أمن الفتنة عليهن أو بهن. وادعى القاضي: أن فيه دليلا على خروج النساء إلى ~~المساجد، وتبعه النووي في شرحه (¬1)، فقال: فيه جواز حضور النساء الجماعة ~~في المسجد، والحديث إنما فيه ذكر الليل فقط، وكأنهما أخذاه من باب أولى، ~~لأن الليل مظنة الفساد، وليس في الحديث ما يدل على كونهن عجزا أو شواب. ~~وكره بعضهم للشواب الخروج. # وقال بعض العلماء: لا تخرج المرأة إلا بخمسة شروط: # أن يكون ذلك لضرورة، # وأن تلبس أدنى ثيابها، # وأن لا يظهر عليها الطيب، وما في معناه من البخور، # وأن يكون خروجها في طرفي النهار، # وأن تمشي في طرفي الطرقات دون وسطها لئلا تختلط بالرجال. وفي صحيح ابن ~~حبان (¬2) من حديث أبي هريرة مرفوعا: # "ليس للنساء وسط الطريق". PageV02P240 # وزاد بعضهم أن لا تكون ممن يفتتن بها وقد سلف. # وأن لا تكون ذات خلخال يسمع صوته. وفي معناه الحذاء المصرصر [والإزار] ~~(¬1) المقعقع الذي يوجب رفع الأبصار إليها # بسببها. # وزاد بعضهم [أيضا] (¬2) أن لا تخاف في طريقها مفسدة. # وزاد بعض المتأخرين من المالكية على وجه البحث أن لا ترفع صوتها من غير ضرورة، # وأن لا يظهر منها ما يجب ستره، والذي ينبغي في هذه الأزمان المنع مطلقا ~~إلا أن تكون عالمة عاملة لا يفتتن بها، وذلك أن صلاتها في بيتها أفضل من ~~المسجد مطلقا، وفي مخدع بيتها أفضل من بيتها مطلقا للأحاديث (¬3) في ذلك. ~~وفي صحيح ابن حبان (¬4) من حديث عبد الله مرفوعا: "المرأة عورة، فإذا خرجت ~~استشرفها [الشيطان] (¬5) وأقرب ما تكون من ربها إذا [هي] (¬6) في قعر ~~بيتها". # والثاني عشر: قال القاضي (¬7): فيه دليل على خروجهن قبل ms0362 PageV02P241 # الرجال اغتناما لظلمة الغلس ومبادرة حقوق الأزواج في بيوتهن، انتهى. ~~ورواية الموطأ (¬1) إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ليصلي الصبح ~~فينصرف النساء متلفعات" ظاهرة في ذلك دون الرواية المذكورة فإن فيها "ثم" ~~التي للتراخي. # الثالث عشر: فيه دلالة على استقرار المرأة في بيتها، وأن لا تخرج منه إلا ~~لمصلحة شرعية، وأن ترجع إليه بعد فراغها منه. # الرابع عشر: للصبح خمسة أسماء أخر [غير الفجر] (¬2) كما ستعلمها في ~~الحديث الرابع وقولها: "كان يصلي الفجر" أي صلاة الفجر على حذف المضاف. PageV02P242 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 49/ 3/ 9 - عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر: بالهاجرة، والعصر: والشمس نقية، والمغرب: ~~إذا وجبت، والعشاء: أحيانا [وأحيانا] (¬1). إذا رآهم اجتمعوا: عجل، وإذا ~~رآهم ابطأوا: أخر، والصبح: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس ~~(¬2) ". # [الهاجرة: هي شدة الحر بعد الزوال] (¬3). # الكلام عليه من وجوه وراويه تقدم في الغسل: # أحدها: في ألفاظه. # الظهر: في سبب تسميتها بذلك أقوال، ذكرتها في لغات المنهاج للنووي -رحمنا ~~الله وإياه-. ومنها: لأنها ظاهرة وسط النهار. PageV02P243 # والهاجرة: شدة الحر. # والمراد هنا: نصف النهار بعد الزوال من الهجر، وهو الترك: لترك الناس ~~التصرف حينئذ لشدة الحر، ويقيلون. # قال الخليل (¬1): [الهجر] (¬2) والهجير و [الهاجرة] (¬3): نصف [النهار] ~~(¬4) وأهجر القوم، وأهجروا: ساروا في الهاجرة. # والعصر: [أصله الزمان] (¬5). والمراد [به] (¬6) هنا طرفه. ومنه قيل لصلاة ~~الصبح والعصر. العصران. # ويقال: العصران للغداة والعشي. [سميتا] (¬7) باسم الوقت. وقيل: لتأخيرها. PageV02P244 # والنقي: الصافي الخالص. # والمغرب: في اللغة: يطلق على وقت الغروب، وعلى مكانه سميت المغرب بذلك: ~~لفعلها في هذا الوقت، ويبعد أن يكون # مصدرا. # وأصل الغرب: البعد. # وتسمى المغرب أيضا: صلاة الشاهد لطلوع نجم حينئذ، يسمى الشاهد، فنسبت ~~إليه (¬1). # وقيل: [لاستواء] (¬2) الشاهد وهو الحاضر والمسافر في عذرها أي أنها لا ~~تقصر، وفيه نظر، لأن الصبح لاتقصر، وهي لا تسمى الشاهد. # والوجوب: السقوط للغروب. # والمراد: سقوط فرضها. ويستدل عليه. بطلوع الليل من [المشرق] (¬3) وهو ~~الوقت الذي يفطر فيه الصائم، وفاعل ms0363 [وجبت] (¬4) مستتر، وهو الشمس، وهو من ~~الضمير الذي يفسره سياق الكلام، نحو قوله تعالى: {حتى توارت بالحجاب (32)} ~~(¬5) ونحو ذلك. PageV02P245 # والعشاء: كأنها سميت باسم الوقت الذي يقع فيه. # والأحيان: جمع حين، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان. # وقيل: إنه يقع على ستة أشهر. # وقيل: على أربعين سنة (¬1). # والغلس: تقدم تفسيره في الحديث قبله. # والصبح: [بضم] (¬2) الصاد وكسرها لغة حكاها ابن مالك (¬3) في مثلثه (¬4)، ~~وهو في اللغة أول النهار، فسميت بذلك. # ثانيها: الحديث دال على فضيلة أول الوقت، وعورض في الظهر بحديث الإبراد ~~بالصلاة، [وجمع] (¬5) بينهما فحمل حديث الإبراد على الترخيص والتخفيف في ~~التأخير. قاله بعض أصحابنا وغيرهم، وفيه بعد لأن علة الإبراد تقتضي أن ~~التأخير أفضل، أو يكون أطلق الهاجرة على الوقت الذي بعد الزوال مطلقا، فإنه ~~قد يكون فيه الهاجرة في وقت فيطلق على الوقت مطلقا PageV02P246 # [بطريق] (¬1) الملازمة، وإن لم يكن وقت الصلاة في حر شديد. # ذكره الشيخ تقي الدين (¬2) واستبعده. قال: أو يقول من يرى الأبراد سنة: ~~إن الهجير لبيان الجواز. قال: وفيه بعد، لأن قوله "كان" يشعر بالكثرة ~~والملازمة عرفا. # قلت: والأشبه أن حديث التعجيل نسخه حديث الإبراد، كما قيل في حديث خباب: ~~"شكونا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء في [جباهنا] (¬3) ~~وأكفنا فلم يشكنا" (¬4) أي لم يزل شكوانا أنه منسوخ بأحاديث الإبراد. وقول ~~القاضي عياض (¬5): إن معناه لم يحوجنا إلى الشكوى، فرخص لنا في الإبراد ~~عجيب لأن في آخره، قال زهير: قلت لأبي إسحاق (¬6): "أفي الظهر؟ قال: نعم. ~~قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم". # وروى ابن المنذر والبيهقي (¬7) من طريق آخر فقال: "فما أشكانا. وقال: إذا ~~زالت الشمس فصلوا" وصححه ابن القطان، PageV02P247 # وهذه الرواية ترد أيضا قول من حمله على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا على قدر ~~الإبراد فاعلمه. # ثالثها: فيه دليل أيضا على المبادرة بالعصر في أول وقتها، وأبعد من قال: ~~إن أول وقتها ما بعد القامتين. # رابعها: فيه دليل أيضا على أن سقوط قرص الشمس يدخل [بها] (¬1) وقت ~~المغرب. والأماكن تختلف فما ms0364 كان منها منه حائل بين الرأي وبين القرص لم يكف ~~بغيبوبته عن العين. ويستدل على غروبها بطلوع الليل من المشرق. قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إذا غربت الشمس من ها هنا، وطلع [الليل] (¬2) من ها هنا ~~فقد أفطر الصائم" (¬3) وإن لم يكن ثم حائل. فقد قال بعض أصحاب مالك: إن ~~الوقت يدخل بغيبوبة النمس وشعاعها المستولي عليها. # وقال الماوردي: وقتها أن يسقط القرص، ويغيب حاجب الشمس، وهو [الضياء] ~~(¬4) المستعلي عليها: كالمتصل بها؛ وهو # غريب. PageV02P248 # خامسها: قال بعضهم: فيه دليل على أن المغرب لا يتنفل قبلها لقوله: "كان ~~يصلي المغرب إذا وجبت" والمشهور عندنا أنه # لا يستحب، وبه قال الخلفاء الأربعة ومالك وأكثر الفقهاء. # وصحح المحققون: الاستحباب، وهو المختار لأحاديث ثابتة فيه، وبه قال أحمد (¬1). # ووهم النخعي فقال: إنها بدعة. # وأغرب من ادعى نسخ هذه الأحاديث المشار إليها، ومن قال: [إنه] (¬2) يؤدي ~~إلى تأخير المغرب، فإنه زمن يسير. # سادسها: استمر العمل بصلاة المغرب عقب الغروب، وقد أخذ منه أن وقتها ~~واحد، وهو المشهور في المذهب، والحق امتداده # إلى مغيب الشفق. # سابعها: فيه دلالة لمن يقول: إن تقديم العشاء أفضل عند اجتماع الجماعة، ~~والتأخير أفضل عند عدم [الاجتماع] (¬3). وهو قول عند المالكية وأكثر أهل ~~العلم على أن تأخيرها أفضل، حكاه الترمذي (¬4) عن أكثر العلماء من الصحابة ~~والتابعين، قال: وبه يقول أحمد وإسحاق. # قلت: وأبو حنيفة والصحيح عند الشافعي ومالك أن تقديمها أفضل. PageV02P249 # وقال ابن أبي هريرة (¬1) من الشافعية: إن علم من نفسه أنه إذا أخرها لا ~~يغلبه نوم ولا غسل استحب تأخيرها، وإلا فتعجيلها. # قال الشاشي: وهو متجه للمنفرد دون الجماعة لاختلاف أحوالهم. # وقال قوم: إنه يختلف باختلاف الأوقات ففي الشتاء وفي رمضان تؤخر، وفي ~~غيرهما تقدم لتشاغل الناس بفطرهم ونحو ذلك، # وقد لا يدرك الجماعة لو أخرت، وإنما أخرت في الشتاء لطول الليل وكراهة ~~الحديث بعدها، وهو قول في مذهب مالك، وتحرير مذهب مالك أن تقديم الصبح ~~والمغرب في أول وقتها أولى [للفذ] (¬2) وللجماعة؛ حتى إذا أراد أن يصليها ~~الفذ أول ms0365 الوقت، أو ينتظر الجماعة: كانت صلاته لها أول الوقت أفضل من ~~انتظار الجماعة. # وأما الظهر: فالمستحب عند مالك أن يصلي في الصيف والشتاء والفيء قدر ذراع. # والعصر: دون ذلك على المشهور. وقيل: هي كالظهر؛ ولا فرق في ذلك بين الفذ ~~والجماعة. واستحب ابن حبيب: تعجيلها يوم # الجمعة ليقترب انصراف المتطهرين لها ممن صلى الجمعة. # وأما العشاء الآخرة: فعندهم أربعة أقوال [ثالثها] (¬3). PageV02P250 # ورابعها التفصيل كما تقدم. # قال ابن حبيب: وأخبرني مطرف عن مالك أن من سنة الصلاة في الغيم تأخير ~~الظهر، وتعجيل العصر، وتأخير المغرب حتى لا يشك في الليل، وتعجيل العشاء ~~إلا أنه يتحرى ذهاب الحمرة، وتأخير الصبح حتى لا يشك في الفجر. # وذهب بعض العلماء: إلى أن تأخير الصلوات إلى آخر الوقت أفضل؛ إلا الحاج ~~يوم النحر بالمزدلفة فإنه يصليها بغلس، وقد # أسلفت ذلك [في] (¬1) أواخر الكلام على الحديث الأول. # ثامنها: قال الشيخ تقي الدين: هذا الحديث يتعلق [بشيء لم يتكلموا فيه] ~~(¬2)، وهو أن صلاة الجماعة أفضل من الصلاة في أول الوقت، وبالعكس حتى إنه ~~إذا تعارض في [حق] (¬3) شخص أمران: # أحدهما: أن يقدم الصلاة في أول الوقت منفردا أو يؤخرها في الجماعة، أيهما ~~أفضل؟ قال: والأقرب عندي أن التأخير لصلاة الجماعة أفضل، وهذا الحديث يدل ~~عليه، لقوله: "وإذا رآهم [ابطأوا] (¬4) أخر" [وهو] (¬5) لأجل الجماعة مع ~~إمكان التقديم، ولأن التشديد في ترك الجماعة، والترغيب في فعلها موجود في ~~الأحاديث PageV02P251 # الصحيحة، وفضيلة الصلاة في أول الوقت ورد على وجه الترغيب في الفضيلة (¬1). # قلت: هذه المسألة النسبة فيها خلاف منتشر لأصحابنا والمختار التقديم في ~~أول الوقت إن فحش التأخير؛ وإلا انتظار الجماعة. # تاسعها: فيه دلالة على التغليس بالصبح وقد تقدم مبسوطا في الحديث قبله مع ~~الجواب عما عارضه. PageV02P252 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 50/ 4/ 9 - عن أبي المنهال -سيار بن سلامة- قال: "دخلت أنا وأبي على أبي ~~برزة الأسلمي. فقال له أبي: كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير [الذي] (¬1) تدعونها الأولى، حين تدحض ~~الشمس. ويصلي العصر، ثم ms0366 يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة، والشمس حية. ~~ونسيت ما قال في المغرب. وكان يستحب أن يؤخر من العشاء، التي تدعونها ~~العتمة. وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها. وكان ينفتل من صلاة الغداة ~~حين يعرف الرجل جليسه وبقرأ بالستين إلى المائة (¬2) ". # الكلام عليه من وجوه: PageV02P253 # أحدها: سيار هذا تابعي ثقة، قال ابن حبان: مات سنة تسع وعشرين ومائة ~~والده سلامة ذكره العسكري. # وسيار: يشتبه بيسار بتقديم الياء على السين، وذكر الأمير مع سيار سنانا أيضا. # ثانيها: أبو برزة: هذا هو نضلة بن عبيد، هذا أصح ما فيه وأشهره، شهد ~~الفتح. ورد أنه قتل ابن خطل يومئذ، وغزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~غزوات، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة. وغزا بخراسان، فمات بها أو ~~بالبصرة أو بنيسابور أقوال بعد سنة أربع وستين، وقال ابن عبد البر: سنة ~~ستين وقيل: سنة أربع وكان يقوم من جوف الليل فيتوضأ ولا يوقظ أحدا من خدمه ~~وهو شيخ كبير ثم يصلي. روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة وأربعون ~~حديثا، اتفقا منها على حديثين. وقال ابن الجوزي: على حديث. وانفرد مسلم ~~بأربعة والبخاري بحديثين. # وأما نسبة الأسلمي: فإلى جد من أجداده [اسمه] (¬1) أسلم بن أفصى بالفاء، ~~ابن حارثة. # [فائدة] (¬2): برزة: بفتح أوله وإسكان ثانية ثم زاي ثم هاء ملفوظا بها ~~وهي تاء في الوصل. # فيشتبه: بأبي بردة صورة لا لفظا ولهم في الأسماء برزه بضم PageV02P254 # أوله سمع منه ابن ماكولا (¬1). # ونضلة بفتح أوله وسكون ثانيه. ويشتبه بنضلة بن قصية في [القريب] (¬2): # قال ابن ماكولا: هو بفتح الضاد وما عداه فبإسكانها (¬3). # ويشتبه أيضا [ببصلة] (¬4) بالصاد المهملة لقب محمد بن محمد بن عبيد الله ~~[الجرجاني] (¬5) المقريء. # ثالثها: "كان" هذه قد تقدم أنها تشعر بالدوام. # رابعها: قوله: "المكتوبة" أي الصلاة المكتوبة وهي المفروضة. قال تعالى: ~~{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103)} (¬6) وأفردت لأن المراد ~~الجنس وتصح المكتوبات على تقدير الصلوات المكتوبات. والألف واللام فيها ~~للاستغراق، ولهذا أجاب فذكر الصلوات كلها لفهمه من ms0367 السائل العموم. PageV02P255 # خامسها: في ذكره الصلوات الخمس دون الوتر يدل على أنها ليست مكتوبة، وأبو ~~حنيفة قال: إنه واجب على قاعدته في الفرق بين الفرض والواجب (¬1). # سادسها: للظهر أربعة أسماء: هذا، [والهجيرة] (¬2)، والهاجرة الظهر لما ~~تقدم، والأولى، لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~على المشهور. # وقال الشيخ تاج الدين ابن الفركاح (¬3): يكره أن يقال لها: PageV02P256 # الأولى فلم [يسمع] (¬1) في استعمال معتمد. # والهجير، والهاجرة: نصف النهار كما سلف [والهجر] (¬2) أيضا، فكأنها سميت ~~باسم الزمان [التي تقع] (¬3) فيه، فيكون تسميتها به من باب حذف المضاف ~~وإقامة المضاف إليه مقامه. [تقديره] (¬4) كأنه يصلي صلاة الهجير. وهما أعني ~~الهجير والهاجرة في أصل اللغة اسم لشدة الحر كما سلف. وفي حديث أبي هريرة ~~الآتي حيث ذكره المصنف: "صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى ~~صلاتي [العشي] (¬5) والمراد الظهو والعصر، وفي الصحيح (¬6): "من صلى ~~البردين دخل الجنة" يعني الصبح والعصر. وسمتا بذلك لأنهما يفعلان في وقت البرد. # وأما العصر فلها اسمان: هذا، والعشي، وفي الحديث: "حافظوا على العصرين. ~~قيل: وما العصران؟ قال: صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" (¬7) سماهما ~~العصرين، لأنهما يقعان في طرفي PageV02P257 # العصرين، وهما الليل والنهار، وهو من باب تغليب أحد الاسمين على الآخر: ~~كالعمرين والقمرين. # وأما المغرب: فلها اسمان هذا، والشاهد على ما تقدم، ويكره تسميتها عشيا (¬1). # وأما العشاء الآخرة: فلها اسمان: هذا، والعتمة، وفي كراهة الثاني خلاف. ~~وصح النهي عنه (¬2)، وعنه أجوبة: PageV02P258 # منها: أن المكروه أن يغلب عليها اسم العتمة، بحيث يهجر تسميتها بالعشاء. # ومنها: أنه خاطب بذلك من لا يعرف العشاء، وفيه بعد. # ومنها: أنه حيث وقع تسميتها بذلك يحمل على الجواز. وأما ابن عمر - رضي ~~الله عنه - "فكان إذا سمع أحدا يقول العتمة صاح به وغضب" (¬1). # وأما الصبح: فلها أسماء هذا، والفجر، كما ذكره في الحديث الثالث من باب ~~صلاة الجماعة، والغداة، كما هو مذكور هنا. نعم قال الشافعي في الأم: أحب أن ~~لا تسمى بذلك، فإن الله -تعالى- سماها الفجر، ورسوله سماها الصبح. # وقال ms0368 صاحب "المهذب" (¬2): يكره وتسمى أيضا الصلاة الوسطى، وصلاة التنوير، ~~وقرآن الفجر. # سابعها: قوله: "تدعونها العتمة" أي تسمونها، وفيه دليل على جواز تسميتها ~~بذلك وإن تركها أحسن. # ثامنها: معنى "تدحض" بفتح أوله وثالثه، تزول عن كبد PageV02P259 # السماء، وهو الدلوك والميل أيضا، فهذه أربعة أسماء لوقتها. والصلاة لها ~~أوقات كما تقدم أيضا، وظاهر قوله " [حين] (¬1) # تدحض" يقتضي وقوع الظهر عند الزوال، فلا بد من تأويله، وقد يتمسك [به] ~~(¬2) من يقول من أصحابنا: إن فضيلة أول الوقت # لا تحصل إلا إذا قدم ما يمكن تقديمه على الوقت: كالطهارة وغيرها، وهو ~~ضعيف، إذ لا يمكن وقوع جميع الصلاة عند الزوال # لتعذره [ولا انطباق] (¬3) أول جزء من الصلاة على أول جزء من الوقت لعسره، ~~ولهذا كان الصحيح عند أصحابنا أن فضيلة [أول] (¬4) الوقت يحصل بأن يشتغل ~~بأسباب الصلاة كما دخل الوقت. # وقوله: "والشمس حية" حياتها صفاء لونها قبل أن تصفر أو تتغير. # وقيل: وجود حرها وهو مجاز عن نقاء بياضها، وعدم مخالطة الصفرة لها (¬5). # تاسعها: [قوله] (¬6) "وكان يستحب أن يؤخر من العشاء" فيه [دليل على] (¬7) ~~استحباب التأخير قليلا، لأن حرف التبعيض يدل PageV02P260 # عليه، قاله الشيخ تقي الدين (¬1): وفيه نظر لأن التبعيض مطلق، لا دلالة ~~فيه على القليل بخصوصه (¬2). # عاشرها: كره النوم قبلها خشية التمادي فيه إلى خروج وقتها المختار أو ~~الضروري [أو] (¬3) [لخشية] (¬4) نسيانها وقد كرهه عمر وابنه وابن عباس ~~وغيرهم من السلف، وبه قال مالك وأصحابنا، ورخص فيه علي وابن مسعود ~~والكوفيون (¬5). # قال الطحاوي: رخص فيه بشرط أن يكون معه من يوقظه. وروى عن ابن عمر مثله، ~~وخص بعضهم الرخصة برمضان، وكره # الحديث بعدها أي [بعد] (¬6) فعلها، إما لخشية أن ينام عن الصبح بسبب سهره ~~أول الليل، وإما لخشية الوقوع في [الغلط] (¬7) واللغو وما لا ينبغي أن يختم ~~به اليقظة، وهذا العموم يستثنى منه؛ إذا كان PageV02P261 # في خير كمذاكرة العلم ونحوه. وقد بوب البخاري عليه "باب: السمر في العلم" (¬1). # وقال القرطبي في تفسيره (¬2): في قوله تعالى: {سامرا تهجرون (67)} (¬3). # سبب كراهة الحديث بعدها أن الصلاة ms0369 قد كفرت خطاياه فينام على سلامة وقد ~~ختم كتاب صحيفته بالعبادة. # وروى جابر مرفوعا: "إياكم [والسهر] (¬4) بعد هدأة الرجل، فإن أحدكم لا ~~يدري ما بيت الله من خلقه، أغلقوا الأبواب" (¬5) الحديث وروي عن عمر (¬6) ~~أنه كان يضرب الناس على الحديث بعد العشاء، ويقول: "سمرا أول الليل ونوما ~~آخره أريحوا كتابكم". # وقد قيل: الحكمة في ذلك أن الله جعله سكنا فلا يخالف. # وقيل: إنه من أفعال الجاهلية فلا يتشبه بهم. وبالجملة فتقليل PageV02P262 # الكلام بالشخص أولى ما لم يتعلق بمصلحة دينية أو دنيوية، سواء كان في ليل ~~أو نهار. # ويقال: لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب، فنظمه بعضهم فقال: # إذا ما اضطررت إلى كلمة ... فدعها وباب السكوت اقصد # فلو كان كلامك من فضة ... لكان سكوتك من عسجد # وسأل بعضهم مالكا - رضي الله عنه - في مرضه الذي مات فيه، فقال: أوصني. ~~فقال: إن شئت جمعت لك: علم العلماء، # وحكم الحكماء، وطب الأطباء في ثلاث كلمات. أما علم العلماء إذا سئلت عما ~~لا تعلم فقل: لا أعلم. # وأما حكم الحكماء: فإذا كنت جليس قوم فكن أسكتهم، فإن أصابوا كنت من ~~جملتهم. وإن أخطأوا سلمت من خطائهم. # وأما طب الأطباء: فإذا أكلت طعاما فلا تقم إلا ونفسك تشتهيه، فإنه لا يلم ~~جسدك غير مرض الموت أو قريبا من هذا وقال أيضا: # من عبد كلامه من عمله قل كلامه. أي إلا فيما يعنيه. # وقيل: إنما جعل لك لسان واحد وأذنان، ليكون ما تسمع أكثر مما تقول. # الحادي عشر: استنبط ابن الصلاح في فتاويه (¬1) من النهي عن PageV02P263 # النوم قبلها أنه لو قصد بالنوم حيث يحتمل عنده الاستيقاظ قبل خروج الوقت ~~[وعدمه على السواء أنه يعصي، ولو غلب على ظنه الاستيقاظ قبل خروج الوقت] ~~(¬1) فيظهر عدم عصيانه، وإن غلب على ظنه أنه لا يستيقظ عصى قطعا مهما نام ~~بعد الوقت، أما إذا نام قبله فلا؛ لأن التكليف لم يتعلق به [ورع] (¬2) يعلم ~~من [عادته] (¬3) أنه لا يستيقظ إلا بعد الوقت. # الثاني عشر: قوله: "وكان ينفتل ms0370 من صلاة الغداة" إلى آخره فيه دلالة على ~~ما تقدم من تقديم صلاة الصبح أول وقتها، فإن ابتداء # معرفة [الإنسان] (¬4) جليسه يكون مع بقاء الغلس. # وفيه دلالة أيضا على أنه لا كراهة في تسمية الصبح غداة، وقد تقدم [ما ~~فيه] (¬5). # [الثالث عشر] (¬6): معرفة الرجل جليسه حين يسلم هو نظره إلى وجهه، ولهذا ~~جاء في رواية [في] (¬7) مسلم (¬8): "حين يعرف بعضا وجه بعض" وليس في هذا ~~مخالفة لقوله في الحديث السالف في PageV02P264 # النساء "ما يعرفهن أحد من الغلس" لأن هذا إخبار عن رؤية جليسه، وذلك ~~إخبار عن رؤية النساء من بعد. # [الرابع عشر] (¬1): انفتاله - عليه الصلاة والسلام - يحتمل أن يكون [أراد ~~به الراوي السلام أي انفتل بوجهه للسلام. # ويحتمل أن يكون] (¬2) أراد [أنه] (¬3) انفتل بجميع بدنه، وأقبل على ~~المأمومين. # واعلم أنه إذا أراد الإمام أن ينفتل في المحراب ويقبل على [الناس] (¬4) ~~للذكر والدعاء جاز أن ينفتل كيف شاء، والأصح عندنا أن [الأفضل] (¬5) أن ~~بجعل يمينه إليهم ويساره إلى المحراب. وقيل: عكسه، وهو مذهب أبي حنيفة. # وقال إمام الحرمين: إن لم يصح حديث يخير. # قلت: صح بالأول في مسلم (¬6) من حديث البراء - رضي الله عنه - وفي فوائد ~~الرحلة (¬7) لابن الصلاح [عن المدخل] (¬8) لزاهر PageV02P265 # السرخسي (¬1): أن الإمام إذا مسلم من الظهر أو المغرب أو العشاء قام ~~ليركع السنة إما عن يمينه أو عن شماله، وإن سلم من الصبح أو العصر أقبل ~~بوجهه على الناس. # ونقل ابن العطار في شرح هذا الكتاب: عن الشافعي ومن وافقه، وتبعه أن بقاء ~~الإمام مستقبل القبلة إذا لم يرد الانصراف أفضل # خصوصا إن جلس للذكر والدعاء لقوله - عليه السلام -: "خير المجالس ما ~~استقبل به القبلة" (¬2)، ولحثه - عليه السلام - على نوع من الذكر بعد ~~الصبح، وهو ثان رجليه على هيئة الجلوس في الصلاة (¬3) قبل أن يقوم؛ لأنه ~~أجمع للقلب، وأبعد من شغله، قال: PageV02P266 # فيكون انفتاله -عليه السلام- على أحد الاحتمالين لبيان الجواز أو محمولا ~~على حالة دعت إليه مصلحتها متعدية عامة. قال: وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه ~~إلى [أن] ms0371 (¬1) انفتال الإمام إلى المأمومين بجميع بدنه عقب السلام أفضل، ~~واستدل بأحاديث أخر، قال فيها: فلما [سلم] (¬2) إنفتل، وأقبل على جلسائه، ~~قال: والذي يقتضيه الجمع بين الأدلة أنه إن كانت المصلحة الشرعية في ~~الاستقبال أكثر كان أفضل، وإن كانت في الانفتال إلى المأمومين [أفضل كان ~~أكثر] (¬3). # [الخامس عشر] (¬4): قوله: "كان يقرأ بالستين إلى المائة" أي كان يقرأ ~~بالستين من الآى المائة آية، وهذا يدل أيضا على التقديم، لأن - عليه الصلاة ~~والسلام - كان يرتل قراءته، ومع ذلك يكون فراغه عند ابتداء معرفة الرجل ~~جليسه، وتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، وهذا الحكم وهو ~~التطويل في القراءة أمته فيه كهو. نعم إذا أموا خففوا إلا إذا رضوا ~~بالتطويل وانحصروا. # [السادس عشر]: هل المراد بالجليس من جرت عادته مجالسته في غير الصلاة، أو ~~[من] (¬5) بإزائه في الصلاة عن يمينه أو يساره PageV02P267 # خاصة، فيه احتمال، والأول هو ظاهر اللفظ، لأن جليسا "فعيل" وهو من أبنية ~~المبالغة المشعرة بالتكرار والكثرة، ويختلف المعنى باختلاف ذلك، فإن معرفة ~~من جرت عادته بمجالسته كثيرا أسرع قطعا من معرفة غيره. # [السابع عشر]: فيه تأدب الصغير مع الكبير عند السؤال، وفيه [جواز] (¬1) ~~مسارعة المفتي بالجواب إذا كان مستحضرا له لإتيانه بالفاء المعقبة. PageV02P268 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 51/ 5/ 9 - عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال يوم الخندق: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن ~~الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" (¬1). # وفي لفظ لمسلم: "شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر. ثم صلاها بين ~~المغرب والعشاء" (¬2). # الكلام عليه من جوه: # أحدها: في راويه وقد تقدم بيانه في باب المذي وغيره. # ثانيها: قوله: "يوم الخندق"، أي: في يوم من أيام حفر الخندق، وكان حضره ~~في سنة خمس من الهجرة. وقيل: سنة أربع. PageV02P269 # ويسمى أيضا يوم الأحزاب لتحزب الكفار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- حين إجلاء بني النضير. فخرج نفر منهم إلى مكة شرفها الله -تعالى- فحرضوا ~~قريشا على قتاله، [ثم عادوا إلى غطفان وسليم فحرضوهم ms0372 أيضا، فاجمع الكل على ~~قاله] (¬1). فأولئك هم الأحزاب. فلما أقبلوا نحو المدينة أشار سلمان بحفر ~~الخندق فحفر. # قال ابن حبان في ثقاته (¬2): [وهي] (¬3) أول غزوة غزاها سلمان مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فخندق على المدينة فيما بين المذاد إلى ناحية ~~راتج، وأقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة في عشرة الآف رجل حتى ~~نزلوا [بجنب] (¬4) نقمى، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستخلف ~~على المدينة ابن أم مكتوم، وذلك في شهر شوال حتى جعل سلعا وراء ظهره، ~~والخندق بينه وبين القوم وهو في ثلاثة آلاف من المسلمين، ثم ساق القصة ~~بطولها. PageV02P270 # ثالثها: قوله: "شغلونا" هذا هو الأفصح، وفيه لغة رديئة: أشغل والشغل. # قال الجوهري (¬1): فيه أربع لغات: شغل، وشغل، وشغل، وشغل. والجمع: أشغال. # رابعها: "الوسطى" فعلها مؤنث الأفعل وهو الأوسط، وكلاهما لا تستعمل إلا ~~بالألف واللام والإضافة أو من، فالوسطى على الرواية الأولى صفة، وعلى ~~الثانية صلاة العصر بدل من الصلاة الوسطى، من باب بدل الكل من الكل ~~والمعرفة من المعرفة. فائدة: "بين" [] (¬2) عبارة عن أحد معنين إما عن ~~الغاية في الجودة، وإما عن معنى يكون ذا طرفين نسبتهما إلى الطرفين من ~~جهتهما سواء، وذلك يكون بالعدد والزمان والمكان. # خامسها: اختلف العلماء في تعيين الصلاة الوسطى من قوله تعالى: {حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى} (¬3) على سبعة عشر قولا: # أصحها: أنها العصر، كما هو صريح هذا الحديث وغيره. ومن الغريب قول ابن ~~العربي (¬4) أن البخاري لم يخرج حديث الصلاة PageV02P271 # الوسطى، وقد خرجه في تفسير القرآن وغزوة الخندق من صحيحه، وهذا القول هو ~~مذهب الإمام [أحمد] (¬1). والصحيح من مذهب أبي حنيفة (¬2)، وحكى عن الشافعي ~~أيضا وهو مذهبه، كما قال الماوردي (¬3) لاتباع الحديث (¬4)، وهو قول ~~الجمهور أيضا (¬5). # ثانيها: أنها الصبح ونص عليه الشافعي في الأم (¬6)، وهو مذهب مالك (¬7) ~~وجماعات (¬8). PageV02P272 # ثالثها: أنها الظهر (¬1) وهو رواية عن أبي حنيفة (¬2). # رابعها: أنها المغرب (¬3). # خامسها: أنها العشاء الآخرة (¬4). # سادسها: أنها واحدة من الصلوات الخمس غير معينة (¬5). # سابعها: أنها الخمس (¬6). PageV02P273 # ثامنها: أنها الجمعة وادعى ms0373 القاضي حسين في باب صلاة الخوف أنه الصحيح (¬1). # تاسعها: أنها الجمعة في يوم [الجمعة] (¬2) وفي سائر الأيام الظهر (¬3). # عاشرها: أنها صلاتا (¬4) العشاء والصبح (¬5). # الحادي عشر: أنها صلاتان الصبح والعصر (¬6). # الثاني عشر: أنها الجماعة في جميع الصلوات (¬7). PageV02P274 # الثالث عشر: أنها الوتر (¬1) واختاره السخاوي (¬2). # الرابع عشر: أنها صلاة الخوف (¬3). # الخامس عشر: أنها صلاة عيد الأضحى (¬4). # السادس عشر: أنها صلاة عيد الفطر (¬5). # السابع عشر: أنها الضحى [حكاه] (¬6) الحافظ شرف الدين الدمياطي (¬7) في ~~مصنفه في ذلك (¬8)، وقد لخصه في أوراق مع عزوها إلى قائلها، وذكر نبذ من ~~أدلتها. PageV02P275 # وفي تفسير ابن أبي حاتم بإسناد عن مسروق: الوسطى هي المحافظة على وقتها ~~يعني الصلوات. # وقال مقاتل بن حيان: مواتيتها ووضوؤها وتلاوة القرآن فيها والتكبير ~~والركوع والسجود والتشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمن ~~فعل ذلك فقد أتمها وحافظ عليها. وذكر أبو الليث السمرقندي في تفسيره عن ابن ~~عباس نحوه (¬1). # قلت: وأصح الأقوال فيها الصبح والعصر، وأصحها العصر كما قدمته أولا (¬2). # سادسها: هذا التأخير كان قبل نزول صلاة الخوف، ورفع لشغل العدو [لهم] ~~(¬3) عنها وترجم عليه ابن حبان (¬4) جواز تأخير # الصلاة عن وقتها إذا شغله الخوف المباح. # وأجاب جماعة عنه: بأنه كان قبل أن تنزل صلاة الخوف، وهو ماش على من يقول ~~الخندق سنة أربع، وذات الرقاع التي صلاها فيها سنة خمس. PageV02P276 # وقال النووي (¬1): إنه الصحيح بل ذكر البخاري أنها بعد خيبر لأن أبا موسى ~~الأشعري جاء بعدها. # سابعها: وقع هنا أن المؤخر صلاة العصر، وظاهره أنه لم يفته [غيرها] (¬2) ~~ووقع في غيره أكثر من ذلك، وسيأتي الجمع بين ذلك في الحديث الثاني عشر [إن ~~شاء الله] (¬3). # ثامنها: قوله: "ثم صلاها بين المغرب والعشاء" فيه حجة لمالك وأبي حنيفة ~~وآخرين في تقديم المنسية على الحاضرة وإن خرج وقتها؛ لا سيما من قال: وقت ~~المغرب مضيق لا يسع غيرها، وقد أخرها لفعل العصر، وقد وافق على ذلك. # واحتج الشيخ تقي الدين (¬4) لمذهب الشافعي فقال: يحتمل أن يريد فصلى ~~العصر بين صلاة المغرب وصلاة العشاء، ويحتمل ms0374 أن يريد فصلى العصر بين وقت ~~صلاة المغرب ووقت صلاة العشاء، فلا بد من ترجيح أحدهما، وإلا تعين الاحتمال ~~المسقط للاستدلال، هذا كلامه، لكن حديث جابر المذكور في آخر الباب رافع ~~لهذا الاحتمال: إن كانت القصة واحدة، وهو الظاهر، فإنه قال: فصلى بعدما ~~غربت الشمس ثم صلى المغرب بعدها. PageV02P277 # تاسعها: قال القاضي عياض: ظاهره أنه صلى العصر في جماعة ففيه صلاة ~~الفوائت في جماعة، ولم يخالف فيه إلا الليث، # فإنه قال: لا يجمع لها. # وقال بعضهم: إن كانت من يوم واحد جاز اتفاقا، وإن كانت من أيام مختلفة ~~ففيه قولان. # قلت: وأطلق الرافعي [القول] (¬1) تبعا للقاضي حسين من أصحابنا أن الفائتة ~~لا تشرع لها الجماعة، وهذا الحديث يرد عليهم. # عاشرها: قد يحتج بفعله - عليه الصلاة والسلام - العصر مقدمة على المغرب ~~من يرى أن وقت المغرب متسع إلى غروب الشفق؛ لأنه لو كان ضيقا لبدأ بالمغرب ~~لئلا يفوت وقتها، فدل على أنه متسع وهو المختار. PageV02P278 ### ||| AUTO الحديث السادس # 52/ 6/ 9 - قال المصنف: وله عن [عبد الله] (¬1) ابن مسعود - رضي الله عنه ~~- قال: حبس المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة العصر، حتى ~~احمرت الشمس أو اصفرت. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "شغلونا عن ~~الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا، أو: "حشى الله ~~أجوافهم وقبورهم نارا" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في الباب. # ثانيها: هذا التأخير كان قبل نزول صلاة الخوف أيضا كما سلف في الحديث ~~قبله ولا يخلو من نظر، فإن الخندق سنة خمس # أو أربع كما سلف، وسيأتي في باب صلاة الخوف أن أول صلاة PageV02P279 # صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع وأنها سنة خمس أو ~~أربع فتأمل ذلك. # ثالثها: لا يتوهم من قوله "حتى اصفرت" مخالفة لما في الحديث الذي قبله ~~[فصلاها] (¬1) بين المغرب والعشاء وإنما الحبس # انتهى إلى هذا الوقت، ولم تقع الصلاة إلا بعد المغرب، كما في الحديث الذي ~~قبله، وقد يكون ذلك للاشتغال ms0375 بأسباب الصلاة # أو غيرها مما هو مقتض لذلك. # رابعها: فيه أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر وقد عرفت الخلاف فيه واضحا في ~~الحديث قبله. # خامسها: فيه دليل على جواز الدعاء على الكفار بمثل هذا الدعاء، وعلى ~~الإخبار بسبب الدعاء لإقامة العذر. # [سادسها] (¬2): إنما تردد ابن مسعود - رضي الله عنه - في: "ملأ [الله"] ~~(¬3) "أو حشى [الله"] (¬4) لاختلاف معناهما فإن "حشى" تقتضي التراكم وكثرة ~~أجزاء المحشو بخلاف "ملأ" فلا يكون في ذلك متمسك لمن منع رواية الحديث ~~بالمعنى إذ من شرط الرواية بالمعنى أن [لا] (¬5) ينقص معنى أحد اللفظين عن ~~الآخر شيئا مع أن الاتفاق PageV02P280 # على أن رواية [اللفظ] (¬1) أولى فلعل ابن مسعود يجري الأولى، وفي رواية ~~لابن حبان من حديث حذيفة: "شغلونا عن صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وبيوتهم ~~نارا" -أو قلوبهم نارا- ولم يصلها [يومئذ] (¬2) حتى [غابت] الشمس (¬3). # فائدة: روى الحسن وغيره عن أبي هريرة مرفوعا: "لم تحبس الشمس على أحد إلا ~~ليوشع ليال سار إلى بيت المقدس" حديث # حسن (¬4). # كما قال الجوزقاني في موضوعاته، قال: وفيه رد لحديث أسماء بنت عميس قالت: ~~"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوحى إليه ورأسه في حجر علي - رضي ~~الله عنه - فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: صليت يا علي؟ فقال: لا، فقال اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك، ~~فاردد عليه الشمس. قالت أسماء: فأرنيها غربت، ثم أرانيها طلعت بعد ما غربت" ~~قال: وهذا حديث PageV02P281 # منكر مضطرب (¬1) والنبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل من علي، وعمر خير من ~~علي، PageV02P282 # ........................................................... PageV02P283 # ............................................................ PageV02P284 # ........................................................ PageV02P285 # ............................................................. PageV02P286 # ................................................................. PageV02P287 # ولم ترد الشمس لهما، وصليا بعد ما غربت، فكيف ترد لعلي؟ هذا كلامه. # وقد يجاب عنه: بأنها إنما ردت له ببركة دعائه - صلى الله عليه وسلم - ~~وأما تضعيفه لحديث أسماء فيعارض بتصحيح الطحاوي وغيره له. # وقال أحمد بن صالح [المصري] (¬1) لا ينبغي لأحد التخلف عن حفظ حديث أسماء ~~فإنه من دلائل النبوة. PageV02P288 ### ||| AUTO الحديث السابع # 53/ 7/ 9 - عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - قال: أعتم ms0376 النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بالعشاء، فخرج عمر، فقال: الصلاة يا رسول الله! رقد ~~النساء والصبيان. فخرج -ورأسه يقطر- يقول: "لولا أن أشق على أمتي -أو على ~~الناس لأمرتهم- بهذه الصلاة في هذه الساعة" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وقد تقدم التعريف بحاله في باب الاستطابة. # ثانيها: يقال: "أعتم الليل" يعتم بكسر التاء إذا أظلم. # قال الجوهري (¬2): العتمة وقت العشاء. # وقال الخليل: بعد مغيب الشفق إلى ثلث الليل. قال: والعشاء بالكسر وبالمد ~~مثل العشاء من صلاة المغرب إلى العتمة. PageV02P289 # وزعم قوم أنه من الزوال إلى طلوع الفجر. وفي الموطأ عن القاسم بن محمد ~~(¬1) قال: "ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر # بعشي". # وقال ابن عطية: العشي زوال الشمس. # قال الجوهري (¬2): والعشاء بالفتح الطعام وهو [خلافا لغدا] (¬3)، والعشي: ~~مقصور مصدر الأعشى، وهو الذي لا يبصر ليلا. # وقوله: "أعتم" معناه دخل في وقت العتمة، كما يقال: أتهم إذا دخل تهامة. # والمراد: أنه دخل في الصلاة في وقت من العتمة لم يعهد منه الدخول فيه؛ ~~ليكون سببا لقول عمر الماضي، وبهذا يرتفع الإشكال على أن تأخيرها أفضل، لأن ~~المعهود منه فيها إنما كان التعجيل، ولذلك نادى بالصلاة عمر. # ثالثها: قد قدمت في الكلام على الحديث الرابع حكايته خلاف في كراهة تسمية ~~[العشاء عتمة] (¬4) وليس في هذا الحديث دلالة على عدم الكراهة، لأن قوله: ~~"أعتم" أي دخل في وقت العتمة، فالمراد PageV02P290 # صلى فيه، ولا يلزم من ذلك أن يكون سمى الصلاة بالعتمة. # رابعها: قوله: "الصلاة" [وهو] (¬1) منصوب بفعل مضمر تقديره: صل الصلاة، ~~أو أقم الصلاة، أو نحو ذلك مما يصح المعنى عليه. وإنما يجوز حذف الفعل ~~والاكتفاء بالاسم إذا دل على الفعل المحذوف دليل [محال] (¬2) وإلا لم يجز ~~الحذف. خامسها: قوله: "رقد النساء والصبيان" يحتمل أن يريد الحاضرين في ~~المسجد لقلة صبرهم، ويحتمل إرادة أهل البيوت من طول انتظارهم. وقال عمر: ~~ذلك لأنه ظن أنه - عليه الصلاة والسلام - إنما تأخر عنها نسيانا، ويحتمل أن ~~يكون المراد تمكن الوقت حتى دخل وقت رقادهم عادة. ms0377 # سادسها: قوله: "فخرج ورأسه يقطر" فيه دلالة كما قال القاضي على أن ~~التأخير كان بعذر، لكن لسان الحال: كلسان المقال، وأن الأفضل تعجيل الصلاة، ~~ولا يعارضه قوله: "لولا أن أشق [على أمتي] (¬3) إلى آخره" لأن المراد خصوص ~~تلك الساعة في كل ليلة؛ إذ لو كان مراده ذلك لقال: لأمرتهم بتأخير الصلاة ~~إلى هذا الوقت الذي شمل هذه [الساعة] (¬4) من هذه الليلة وغيرها. # تنبيه: قوله: "فخرج ورأسه يقطر" أي شعر رأسه يقطر لكون PageV02P291 # القطر إنما يكون من الشعر لا من الرأس؛ فعبر به عنه مجازا لبيانه فيه، ~~وكان ذلك من أثر اغتساله، ويبعد كل البعد أن يكون من أثر وضوئه. # سابعها: في هذا الحديث دليل على أن الأمر [المطلق] (¬1) للوجوب وإذا ضم ~~إلى هذا الاستدلال الأمور الخارجية الدالة على # استحباب التأخير، ويرجح على الدلائل المقتضية للتقديم، ويجعل ذلك مقدمة ~~فيكون المجموع دليلا على ذلك (¬2). # ثامنها: فيه دليل أيضا على أن له أن يجتهد في الأحكام، وقد سلف الخلاف ~~فيه في باب السواك. # تاسعها: فيه دليل أيضا على تنبيه الأكابر إما لاحتمال غفلة أو لإثارة ~~فائدة منهم في التنبيه، وعلى أنه يستحب للعالم أو [الإمام] (¬3) أن يعتذر ~~إلى أصحابه إذا تأخر عنهم أو جرى منه ما يظن أنه يشق عليهم، ويقول لهم وجه ~~المصلحة فيه. # عاشرها: فيه دليل على عدم التنشيف إذ لو تنشف - عليه الصلاة والسلام - لم ~~يكن رأسه يقطر. ولا قائل بالفرق بين الرأس # والبدن في التنشيف. # الحادي عشر: قوله: "بهذه الصلاة في هذه الساعة" "هذه" الأولى في موضع ~~المصدر الذي هو الصلاة، ويجوز أن تكون في PageV02P292 # موضع نصب على المفعولية إذا استعمل المصدر استعمال الأسماء و"هذه" ~~الثانية في موضع الظرف أعني أنه بدخول "في" عليه خرج عن الظرفية. # الثاني عشر: قد أسلفنا في باب السواك في حديث: "لولا أن أشق على أمتي ~~لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" أن "لولا" حرف يدل على انتفاء الشيء لوجود ~~غيره أي: لولا أن أشق لأمرت بالتأخير، وقد علمت ما فيه. # الثالث عشر: النساء ms0378 والصبيان تقدم الكلام عليهما الأول في الحديث الثاني ~~من هذا الباب، والثاني في الحديث الرابع في باب # المذي [وغيره] (¬1). # الرابع عشر: في الحديث دلالة على تتبع [أفعاله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأحواله] (¬2) وأقواله، ونقلها إلى أمته، وأنها كلها شرع مقتدى به. # الخامس عشر: فيه تأخير صلاة العشاء، وقد عرفت ما فيه في الحديث الثالث. # السادس عشر: فيه أيضا شرعية المنظر في أمور الضعفاء: كالنساء والصبيان ~~ونحوهم أكثر من غيرهم. # السابع عشر: فيه أيضا أنه يجوز لغير المؤذن الراتب أن يعلم الإمام ~~بالصلاة خصوصا إذا كان في إعلامه مصلحة ظنها أو تحققها. # الثامن عشر: فيه أيضا ذكر المصلحة مبينة غير مجملة. PageV02P293 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 54/ 8/ 9 - عن عائشة - رضي الله عنها -: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إذا أقيمت الصلاة، وحضر العشاء، فابدؤا بالعشاء" (¬1). # وعن ابن عمر نحوه (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وقد تقدم التعريف بعائشة في كتاب الطهارة، ~~وبابن عمر في [باب] (¬3) الاستطابة، قال ابن منده في # مستخرجه: ورواه مع عائشة وابن عمر أم سلمة وأنس وأبو هريرة. # [الثاني] (¬4): "العشاء" بالمد تقدم بيانه في الحديث قبله. # الثالث: قال الشيخ تقي الدين: الألف واللام في "الصلاة" لا ينبغي أن تحمل ~~على الاستغراق، ولا على تعريف الماهية. بل # ينبغي أن تحمل على العهد لصلاة معينة وهي المغرب. لقوله - عليه PageV02P294 # السلام-: "فابدؤا بالعشاء" فخرج به صلاة النهار، وتبين أنها غير مقصودة. # ويبقى التردد بين المغرب والعشاء، ويترجح حمله على صلاة المغرب، بما ورد ~~في بعض الروايات: "إذا وضع العشاء وأحدكم صائم، فابدؤا به، قبل أن تصلوا" ~~(¬1) وهو صحيح قال: وكذا (¬2) صح "فابدؤا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب" ~~[والحديث] (¬3) يفسر بعضه بعضا. # وقال غيره من فضلاء المالكية: ينبغي أن تحمل الألف واللام على العموم ~~نظرا إلى العلة في ذلك، وهي التشويش المفضي إلى عدم الخشوع، وهذا لا يخص ~~صلاة دون صلاة، وإن كان قد ورد ذلك في المغرب، فليس فيه ما يقتضي العصر ~~فيها، ولأن الجائع غير الصائم قد ms0379 يكون أتوق إلى الطعام [من الصائم وقد يكون ~~الصائم لا تشوف له إلى الطعام] (¬4). PageV02P295 # والحالة هذه فينبغي أن يدور الحكم مع العلة وجودا وعدما؛ فحيث أمنا ~~التشويش قدمت الصلاة، ولا يختص ذلك بالمغرب ولا # غيرها، ويوضح ذلك الحديث الآتي بعده. "لا صلاة بحضرة طعام" (¬1) فهذه ~~نكرة في سياق النفي فتعم وإن كان هذا العموم يخص منه من لا تشوف له إلى ~~الطعام حينئذ. # الرابع: اختلف العلماء كما قال صاحب القبس: في الشغل والصلاة إذا تعارضتا ~~مع سعة الوقت، فقال أحبارهم: من فقه الرجل # أن يبدأ بشغله قبل صلاته حتى يقيمها بقلب فارغ لها وقال قوم: يبدأ ~~بالصلاة. # وحكى القاضي عياض قولا ثالثا: أنه إن كان الطعام يسيرا بدأ به، وإن كان ~~كثيرا بدأ بها. # قلت: وظاهر الحديث دال على البداءة بها مطلقا، ورأيت في مستخرج ابن مسنده ~~بإسناده عن وكيع بن الجراح (¬2) أنه قال: إذا كان الطعام حارا يخشى فساده ~~بدأ به، وإذا [كان] (¬3) باردا لا يخشى فساده بدأ بها. PageV02P296 # الخامس: الجمهور على أنه إذا صلى بحضرة الطعام أنها صحيحة، وخالف أهل ~~الظاهر فقالوا: باطلة، ولعلهم يوجبون الخشوع، كما قال [به] (¬1) بعض ~~الشافعية. # السادس: فيه دليل على اتساع وقت المغرب كما قاله القاضي، لكن قال الشيخ ~~تقي الدين (¬2): إن [أريد] (¬3) به مطلق التوسعة [فهو صحيح] (¬4) لكن ليس ~~ذلك محل الخلاف المشهور، وإن أريد به التوسعة إلى غروب الشفق، ففيه نظر. ~~[فإن] (¬5) بعض [القائلين] (¬6) بضيق وقتها جعله مقدرا بزمان يدخل فيه ~~مقدار ما يتناول لقيمات يكسر بها سورة الجوع، فعلى هذا لا يلزم أن يكون وقت ~~المغرب موسعا إلى غروب الشفق. # قلت: لكن رواية مسلم (¬7) الأخرى صريحة في ذلك، فإن لفظها "إذا قرب ~~العشاء وحضرت الصلاة فابدؤا به قبل أن تصلوا # صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم" (¬8) ظاهرها أن يأكل حاجته بكمالها ~~بحيث يسمى عشاء. PageV02P297 # السابع: فيه دليل على أن الجماعة ليست بفرض على الأعيان كما قاله صاحب ~~القبس، وقال الشيخ تقي الدين: إن أريد به أن حضور الطعام -مع التشوف ms0380 إليه- ~~عذر في ترك الجماعة فهو صحيح، وإن أريد به الاستدلال على أنها ليست بفرض من غير # عذر فليس بصحيح (¬1). # الثامن: فيه دليل على تقديم فضيلة حضور القلب على فضيلة أول الوقت. # التاسع: في "حسان المصابيح" (¬2) عن جابر عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - PageV02P298 # أنه قال: "لا تؤخروا الصلاة لطعام ولا لغيره" وهذا [عام] (¬1) مخصوص ~~بحديث عائشة المذكور. وغيره أو محمول على ما لم يشتغل قلبه [به] (¬2) جمعا ~~بين الأحاديث، وأعل الحديث عبد الحق بأن قال: في إسناده معلى بن منصور، وقد ~~رماه أحمد بن حنبل بالكذب. # قلت: إنما رماه بالخطأ وهو من رجال مسلم، ووثق، وأعله المنذري بمحمد بن ~~ميمون المفلوج، فإنه وإن وثقه يحيى وأبو حاتم والدارقطني، فقد قال البخاري: ~~إنه منكر الحديث، وكذا قال ابن حبان [وزاد] (¬3): ولا يجوز الاحتجاج به إذا ~~وافق الثقات، فكيف إذا انفرد بأوابد. PageV02P299 # العاشر: في الحديث دلالة على فضيلة هذه الأمة وما منحها الله -تعالى- به ~~من مراعاة حظوظها البشرية وتقديمها على الفضائل # الشرعية، ووضع التشديدات عنها، وتوفير ثوابها على ذلك خصوصا إذا قصده ~~[للمتابعة] (¬1) (¬2). PageV02P300 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 55/ 9/ 9 - قال: المصنف، ولمسلم عنها، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: الأخبثان: [الغائط والبول] (¬2)، وقد ورد مصرحا به في بعض ~~الأحاديث (¬3). # ثانيها: تقدم الكلام في الحديث قبله على حكم الصلاة بحضرة الطعام. # ثالثها: اختلف العلماء كما قال صاحب القبس (¬4): في علة PageV02P301 # النهي عن الصلاة مع مدافعة الاخبثين، فقيل: علته عدم الخشوع والإقبال على ~~أفعال الصلاة. # وقيل: علته أنه انصب للخروج، فإذا حقنه فكأنه حبسه في ثوبه. # وقيل: إذا حقنه كأنه نقض طهارته فيكون مصليا بغير طهارة. وهذا بعيد كما ~~قاله الشيخ تقي الدين: لأنه إحداث سبب آخر في # النواقض من غير دليل صريح فيه فإن استند في ذلك إلى [] (¬1) هذا الحديث ~~فليس [بصريح] (¬2) فيما ذكره، وإنما غايته أن يكون مناسبا أو محتملا (¬3). # رابعها: ظاهر الحديث أن المعتبر مدافعة الأخبثين ms0381 معا لا أحدهما، وليس ~~كذلك بل كل واحد منهما مستقل بالكراهة (¬4) PageV02P302 # لحديث عبد الله بن أرقم: "إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة" ~~رواه مالك (¬1) وغيره. وإن كان الغائط لا ينفك عن البول غالبا، فإنه قد لا ~~يدافعه البول معه لحقنه. # قال الشيخ تقي الدين: ومدافعة الأخبثين إما أن تؤدي إلى [الإخلال] (¬2) ~~بركن أو شرط أو لا، فإن أدت امتنع الدخول، فإن # دخل واختلا فسدت، وإن لم يؤد إلى ذلك، فالمشهور فيه الكراهة. # ونقل عن مالك أن ذلك مؤثر في الصلاة بشرط شغله عنها، وأنه قال: يعيد في ~~الوقت وبعده، وتأوله بعض أصحابه على أنه # شغله حتى أنه لا يدري كيف صلى فهو الذي يعيد قبل وبعد، وإلا فإن كان ~~خفيفا فهو الذي يعيد في الوقت. # قال القاضي عياض: وكلهم مجمعون على أنه [إن] (¬3) بلغ PageV02P303 # به ما لا يعقل به صلاته، ولا يضبط حدودها أنه لا يجوز له الدخول فيها، ~~[وأنه] (¬1) يقطع الصلاة وإن أصابه ذلك فيها، قال: وهذا الذي قدمناه في ~~التأويل. وكلام القاضي فيه بعض [احتمال] (¬2). # والتحقيق: ما أشرنا إليه أولا، لأنه إن منع من ركن أو شرط امتنع الدخول، ~~وفسدت باختلالهما، وإلا فهو مكروه إن نظر إلى المعنى، أو ممتنع إن نظر إلى ~~ظاهر النهي [فلا] (¬3) يقتضي ذلك الإعادة على مذهب الشافعي، وأما ما [ذكره] ~~(¬4) من التأويل [في أنه لا يدري] (¬5) كيف صلى [وما قاله] (¬6) القاضي: إن ~~بلغ به ما لا يعقل صلاته، فإن أريد بذلك الشك في شيء من الأركان فحكمه حكم ~~من شك في ذلك بغير هذا السبب وهو البناء على اليقين، وإن أريد به أنه يذهب ~~خشوعه بالكلية فحكمه حكم من صلى بغير خشوع، ومذهب جمهور الأمة إن ذلك لا ~~يبطل الصلاة. # قلت: ولأصحابنا وجه ببطلانها، وحكاه [أبو] (¬7) عبد الله بن PageV02P304 # خفيف قولا عن الشافعي، أفاده عنه ابن العطار، ثم استغربه جدا، وهو كما ~~ذكر، ثم بحث الشيخ تقي الدين (¬1) مع القاضي في قوله: لا يضبط حدودها بذلك ~~أيضا قال: وهذا الذي ذكرناه ms0382 إنما هو بالنسبة إلى إعادة الصلاة، وأما ~~بالنسبة إلى جواز الدخول فيها فقد يقال: إنه لا يجوز له أن يدخل في صلاة لا ~~يتمكن فيها من ذكر إقامة أركانها وشرائطها. فتلخص أن لمدافع الأخبثين أربعة ~~[أحوال] (¬2). # أحدها: أن يكون بحيث لا يعقل بسببهما الصلاة وضبط حدودها، فلا تحل له ~~الصلاة ولا الدخول فيها إجماعا. # ثانيها: أن يكون بحيث يعقلها مع ذهاب خشوعه بالكلية. # ثالثها: أن يكون بحيث يؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط. # رابعها: أن يكون بحيث يؤدي إلى الشك في شيء من الأركان، وقد عرفت حكم ذلك ~~(¬3). PageV02P305 # خامسها: يلحق بالأخبثين ما في معناهما مما يشغل القلب، ويذهب كمال ~~الخشوع. كما الحق بقوله - صلى الله عليه وسلم - "لا يقضي القاضي وهو غضبان" ~~(¬1) ما في معناه من الجوع المؤلم، والعطش الشديد، والغم، والفرح، ونحو ذلك ~~(¬2). PageV02P306 # سادسها: هذه الكراهة عند جمهور أصحابنا وغيرهم إذا صلى كذلك وفي الوقت ~~سعة، فإن ضاق بحيث لو أكل أو تطهر خرج # الوقت صلى على حالته محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز تأخيرها، وفي وجه ~~شاذ أنه لا يصلي بحاله، بل يأكل ويتوضأ وإن # خرج الوقت، لأن مقصودها الخشوع فلا يفوت، وإذا صلى على حاله وفي الوقت ~~سعة فقد ارتكب المكروه، وصلاته صحيحة عند الجمهور، لكن يستحب إعادتها ولا ~~يجب، خلافا لأهل الظاهر كما سبق عنهم في حضرة الطعام أيضا. # [سابعها:] (¬1) لو لم يحضره الطعام ونفسه تتوق إليه فالحكم فيه كما لو ~~حضره، لوجود المعنى وهو ترك الخشوع. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): والتحقيق أن الطعام إذا لم يحضر، فإن تيسر ~~حضوره عن قرب فلا يبعد أن يكون كالحاضرة، وإلا فلا ينبغي أن يلحق بالحاضر؛ ~~فإن حضور الطعام يوجب زيادة تشوق وتطلع إليه، وهذه الزيادة يمكن أن يكون ~~اعتبرها الشارع في تقديم الطعام على الصلاة، فلا ينبغي أن يلحق بها ما لا ~~يساويها للقاعدة الأصولية "أن محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكون ~~معتبرا لم يلغ". PageV02P307 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 56/ 10/ 9 - عن عبد الله بن عباس - رضي ms0383 الله عنهما - قال: "شهد عندي رجال ~~مرضيون -وأرضاهم عندي: عمر- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~الصلاة بعد الصبح، حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب" (¬1). # أما راويه فتقدم في [باب] (¬2) الاستطابة التعريف به. # ومعنى: "شهد" بين وأعلم وأخبر، لا بمعنى الشهادة عند الحكام، كيف وعمر ~~كان قاضيا للصديق وخليفة بعده إلى أن مات، # ولم يكن ابن عباس قاضيا له ولا نائبا في الإمارة، فدل على ما ذكرناه. # وقوله: "مرضيون" أي لا شك في صدقهم ودينهم. # و"تشرق": بضم أوله وكسر ثالثه وبفتح أوله وضم ثالثه وهو PageV02P308 # للأكثر عند رواة المشارقة، وأشار القاضي (¬1) إلى ترجيح الأول، وهو بمعنى ~~تطلع؛ لأن أكثر الروايات على تطلع، فوجب حمل تشرق في المعنى على موافقتها. # قال أهل اللغة (¬2): يقال: شرقت الشمس تشرق أي: طلعت على وزن طلعت تطلع، ~~وغربت تغرب، ويقال: أشرقت تشرق أي: # ارتفعت وأضاءت، ومنه قوله تعالى: {وأشرقت الأرض بنور ربها} (¬3) أي: أضاءت. # فمن قال: إن الرواية: من أشرقت تشرق، احتج لها بالأحاديث الأخرى في النهي ~~عن الصلاة عند طلوع الشمس (¬4) والنهي عن الصلاة إذا بدأ حاجب الشمس حتى ~~تبرز (¬5). وحديث "ثلاث ساعات حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع" (¬6)، وكل ~~هذا PageV02P309 # يبين أن المراد بالطلوع ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها لا مجرد ظهور قرصها ~~[ثم] (¬1). # الكلام عليه بعد ذلك من وجوه: # أحدها: فيه رد على الروافض فيما يدعونه من المباينة بين أهل البيت وأكابر ~~الصحابة. # ثانيها: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في أوقات النهي، واتفقوا ~~على جواز الفرائض المؤداة فيها. # واختلفوا في النوافل التي لها سبب: كالعيد (¬2)، والجنازة، وقضاء ~~الفوائت. # ومذهب الشافعي -رحمه الله- وطائفة جواز ذلك كله إذا كان السبب متقدما بلا ~~كراهة. PageV02P310 # ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النهي لعموم الأحاديث، وتباح الفوائت ~~عنده بعد الصبح [والعصر] (¬1) ولا يباح # في الأوقات الثلاثة إلا عصر يومه (¬2)، فيباح عند اصفرار الشمس، PageV02P311 # وتباح المنذورة (¬1) في هذه الأوقات عندنا، ولا تباح عنده، والمشهور من ~~مذهب داود منع الصلاة في هذه الأوقات مطلقا ms0384 سواء ذات السبب وغيرها، وهو ~~رواية عن أحمد. # ونقل القاضي عن داود أنه أباحها بسبب وبدونه. # واحتج الشافعي وموافقوه بأنه ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى ~~سنة الظهر بعد العصر (¬2). وهذا تصريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة ~~أولى، والفريضة المقضية أولى، وكذا الجنازة، وهو إجماع فيهما، وقال - عليه ~~الصلاة والسلام - في التحية: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ~~ركعتين" (¬3) وهذا خاص وحديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات عام، وقد دخله ~~التخصيص بصلاة PageV02P312 # الصبح وبصلاة العصر وصلاة الجنازة (¬1) كما تقدم، وبحديث: "من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (¬2) وأما حديث التحية فهو على عمومه لم ~~يدخله تخصيص، ولهذا أمر بهما الداخل والإمام يخطب (¬3). # قلت: وكل واحد من الحديثين أعتم من الآخر من وجه وأخص من وجه، فحديث: "لا ~~صلاة" خاص في الوقت عام في الصلاة # [وحديث] (¬4): "من نام عن صلاة [أو نسيها] (¬5) " عكسه بقيد كون PageV02P313 # الصلاة فائتة، فلا يقدم أحدهما على الآخر إلا بدليل بخلاف العام مع الخاص ~~من كل وجه. # ثالثها: ذكر في هذا الحديث النهي عن الصلاة: " [حتى] (¬1) تشرق" وفي ~~الحديث الآتي بقيد: "حتى ترتفع" وهما بمعنى وبذلك # تبين أن المراد بالطلوع في باقي الروايات: ارتفاعها، وإشراقها، وإضاءتها، ~~لا مجرد ظهور قرصها كما أسلفناه (¬2). # رابعها: الكراهة في هذين الوقتين يتعلق بالفعل حتى إذا تأخر الفعل فإنه ~~[لا] (¬3) تكره الصلاة قبلها، وإن تقدم كرهت (¬4)، وفي PageV02P314 # هذين يختلف وقت الكراهة في الطول والقصر. # أما الكراهة المتعلقة بالوقت فهو طلوع الشمس إلى ارتفاعها والاصفرار حتى ~~تغرب (¬1) والاستواء (¬2). # ونقل بعض المالكية أن النهي عندهم متعلق بالوقت في الصبح وفي العصر ~~بالفعل (¬3). PageV02P315 # وذهب مالك وأصحابه إلى إجازة الصلاة عند الزوال (¬1). # خامسها: استثنى الشافعي وأصحابه من أوقات النهي زمان ومكان لدليل آخر. # فالزمان: وقت الاستواء يوم الجمعة (¬2). # والمكان: حرم مكة (¬3). PageV02P316 # والكلام في ذلك مبسوط في الفقه، وقد بسطته في "شرح المنهاج" و "التنبيه" ~~وغيرهما مع بيان الاختلاف في الكراهة في هذه # الأوقات: هل هي كراهة تحريم أو تنزيه، ms0385 وظاهر [الحديث] (¬1) يدل للتحريم ~~لأنه الأصل في النهي (¬2). # سادسها: روى الشافعى (¬3) -رحمه الله-: "أن الشمس تطلع ومعها قرن ~~الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا ~~دنت للغروب فارقها، فإذا غربت فارقها". وهو مرسل لأنه من رواية الصنابحي، ~~وقد نبه على ذلك المصنف بعد كما ستعلمه من كلامه، وهذا أحد ما قيل في سبب ~~الكراهة في هذه الأوقات، وللشيخ عز الدين بن عبد السلام فيه [نظر] (¬4) ~~ذكرته في "شرح التنبيه" فراجعه منه. # وقال الخطابي: قوله: "بين قرني الشيطان" وأمثاله من الألفاظ الشرعية مثل ~~قوله: "تسجر جهنم " يجب علينا التصديق بها، # والإقرار بصحتها أو العمل بموجبها دون اعتقاد تكييف، والله PageV02P317 # ورسوله أعلم بذلك؛ وتابعه البغوي (¬1) فقال: هذا التعليل وأمثاله مما PageV02P318 # ............................................................ PageV02P319 # لا يدرك معناه، وإنما علينا الإيمان [به] (¬1) وترك الخوض فيه والتمسك ~~بالحكم [المعلق] (¬2) [بها] (¬3). PageV02P320 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # 57/ 11/ 9 - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد ~~العصر حتى تغيب الشمس" (¬1). # [وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر بن ~~الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وسمرة بن جندب، وسلمة بن ~~الأكوع، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، ومعاذ بن عفراء، وكعب بن مرة، وأبي ~~أمامة الباهلي، وعمرو بن عبسة السلمي، وعائشة رضي الله عنهم، والصنابحي ولم ~~يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم -] (¬2). # الكلام عليه من وجوه: PageV02P321 # أحدها: التعريف براويه واسمه سعد بن مالك الأنصاري وهو صحابي ابن صحابي ~~بايع تحت الشجرة، [و] (¬1) شهد الخندق، واستصغر يوم أحد، والخدري بخاء ~~معجمة مضمومة، ودال مهملة ساكنة، وراء مهملة وياء النسب، نسبة إلى خدرة جد من # أجداده، وخدرة وخدارة بطنان من الأنصار. # وكان - رضي الله عنه - من علماء الصحابة ومكثريهم روى فوق الألف. وكان ~~ممن بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن لا تأخذه في الله لومة لائم ~~مات بالمدينة سنة ms0386 أربع وسبعين وهو ابن أربع وتسعين. # ثانيها: تقدم فقهه في الحديث الذي قبله، وقدمت هناك أيضا أن الكراهة بعد ~~الصبح والعصر متعلقة [بالفعل وهو ما أطلقه أصحابنا، وقد يقال إنها متعلقة] ~~(¬2) به وبالوقت [معا] (¬3) لأنه لو صلاهما قضاء، في وقت آخر لم يكره النفل ~~بعدهما [ولو أوقع العصر في وقت الظهر بالجمع احتمل أن يكره النفل بعدها] ~~(¬4) لأنه وقت العصر للجامع، وعليه دل كلام القاضي حسين، واحتمل أن لا ~~يكره، لأنه ليس بوقت [للعصر] (¬5) ولذلك لا يجب إذا طرأ العذر على المكلف ~~في أثناء وقت الظهر. PageV02P322 # [قلت] (¬1): وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: الكراهة في الصبح تدخل بطلوع ~~الفجر. ونقله في شرح المهذب (¬2) عن أكثر العلماء، وأغرب الترمذي فنقل في ~~جامعه الإجماع عليه (¬3). # ثالثها: استدل مالك ومن تبعه بهذا الحديث على أنه لا تكره الصلاة عند ~~الاستواء؛ لأن مفهومه أنها إذا ارتفعت حلت [له] (¬4) # الصلاة مطلقا، وهو معارض بحديث عقبة بن عامر. أخرجه مسلم (¬5). # رابعها: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "لا صلاة" أي: لا صلاة شرعية، لأن ~~الحسية لم تنتف لوقوعها. ذكره الشيخ تقي # الدين. قال: وإنما قلنا ذلك لأمرين: # الأول: أن الشارع له عرف في الصلاة، فيحمل لفظه على عرفه. # وثانيهما: إنا إذا حملناه على الحقيقة الجنسية احتجنا إلى إضمار يصح به ~~الكلام، وهو المسمى بدلالة الاقتضاء [و] (¬6) ينشأ PageV02P323 # [على] (¬1) ذلك الإضمار احتمال: هل يكون اللفظ بالنسبة إليه عاما أو ~~مجملا أو ظاهرا، أما إذا حملناه على الحقيقة الشرعية لم يحتج إلى إضمار، ~~ومن هذا [حديث] (¬2) "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" (¬3) فإنه نفي ~~للصوم الشرعي لا الحسي (¬4) [وحديث] (¬5): "لا نكاح إلا بولي" (¬6) فإن ~~حمله على الحقيقة الشرعية [لا] (¬7) يبقى الاحتياج إلى الإضمار وحمله على ~~الحقيقة الجنسية غير صحيح، -لأنها غير منتفية عند عدم الولي حسا- فيحتاج ~~إلى إضمار فحينئذ يضمر بعضهم الصحة وبعضهم الكمال، وكذلك ما شاكل ذلك. # قال المصنف: وفي الباب عن علي بن أبي طالب (¬8). PageV02P324 # قلت: تقدم التعريف به في باب المذي وغيره، وحديثه هذا أخرجه أبو ms0387 داود كما ~~سيأتي، وهذه الزيادة التي ذكرها المصنف # أعني، قوله: وفي الباب إلى آخره ذكره الترمذي كذلك وبعض منه عقبة بن ~~عامر، ويعلى بن أمية، ومعاوية، قال: وعبد الله بن مسعود. # قلت: تقدم التعريف به في الباب، وحديثه هذا أخرجه (¬1) [] (¬2). # قال: وعبد الله بن عمر بن الخطاب. # قلت: تقدم التعريف به في باب الاستطابة، وحديثه هذا أخرجه البخاري (¬3) ~~ومسلم (¬4). PageV02P325 # قال: وعبد الله بن عمرو بن العاص. # قلت: تقدم التعريف به في الطهارة، وحديثه هذا أخرجه (¬1) [] (¬2). # قال: وأبو هريرة. # قلت: تقدم التعريف به في الطهارة أيضا، وحديثه هذا (¬3) أخرجه البخاري ~~ومسلم (¬4). # قال: وسمرة بن جندب. # قلت: يأتي التعريف بعد إن شاء الله [تعالى] (¬5) في الجنائز، PageV02P326 # وحديثه هذا أخرجه (¬1) [] (¬2). # قال: وسلمة بن الأكوع. # قلت: يأتي التعريف به إن شاء الله -تعالى- في [الجمعة] (¬3)، وحديثه هذا ~~أخرجه (¬4) [] (¬5). # قال: وزيد بن ثابت. # قلت: يأتي في الصوم إن شاء الله، وحديثه هذا أخرجه (¬6) PageV02P327 # [] (¬1). # قال: ومعاذ بن عفراء. # قلت: هو معاذ بن الحارث بن رفاعة الأنصاري، وعفراء أمه، وهو داخل في نوع ~~المنسوبين إلى غير أبائهم، شهد بدرا والمشاهد كلها، يقال: إنه ورافع بن ~~مالك الزرقي أول من أسلما من الأنصار، قال الواقدي: وآخى - عليه الصلاة ~~والسلام - بينه وبين معمر بن الحارث، قال: ومات في زمن علي، وقال خليفة: ~~مات أيام حرب علي ومعاوية، وقال ابن حبان في "ثقاته": قل بالحرة سنة ثلاث ~~وستين، قال أبو عمر: ولمعاذ رواية في النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد ~~العصر، قلت: أخرجه (¬2) [] (¬3). # ومعاذ وأخوه هما اللذان ضربا أبا جهل ببدر حتى برد، وأجهز عليه ابن مسعود ~~بسيف أبي جهل. # قال: وكعب بن مرة. # قلت: هذا هو الأكثر. PageV02P328 # وقيل: مرة بن كعب السلمي البهزي (¬1) نزيل البصرة ثم الأردن، له أحاديث ~~مخرجها عن أهل الكوفة عن شرحبيل بن السمط عن كعب بن مرة وأهل الشام يروون ~~تلك الأحاديث بأعيانها عن شرحبيل عن عمرو بن عبسة (¬2)، فالله أعلم. مات ~~بالأردن من الشام سنة تسع وخمسين، وحديثه هذا أخرجه (¬3) [] (¬4). # قال: وأبو أمامة الباهلي: # قلت: ms0388 أسمه صدي بن عجلان نزيل حمص، وكان سكن مصر من علماء الصحابة ~~وأعيانهم. روى فوق المائتين، وهو آخر من مات [من] (¬5) الصحابة بالشام سنة ~~إحدى وثمانين، وقال جماعة: سنة PageV02P329 # ست وثمانين، وحديثه هذا أخرجه (¬1) [بياض في أصل المؤلف. # والباهلي: نسبة إلى باهلة بن أعصر، قاله السمعاني (¬2). وقيل: غير ذلك] (¬3). # قال: وعمرو بن عبسة السلمي. # قلت: وهو أول رابع أو خامس [في الإسلام] (¬4) روى PageV02P330 # [عدة] (¬1) أحاديث فوق الثلاثين. روى له مسلم منها حديثا واحدا [وهذا] ~~(¬2) أخو أبي ذر الغفاري لأمه، نزل الشام، وسكن حمص إلى أن مات، وحديثه هذا ~~أخرجه مسلم مطولا (¬3). # والسلمي: بضم السين المهملة وفتح اللام نسبة إلى سليم قبيلة، وهي سليم بن ~~منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس غيلان بن # مضر وهي قبيلة مشهورة. # قال: وعائشة، # قلت: تقدم التعريف بها في الطهارة وحديثها هذا أخرجه أبو داود (¬4) من ~~حديث ذكوان عنها. # قال: والصنابحي (¬5). ولم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - هو كما ~~قال، PageV02P331 # لأنه بلغه موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجحفة، فقدم المدينة ~~بعد خمس ليال أو نحوها. واسمه عبد الرحمن بن عسيلة مات في خلافة عبد الملك، ~~وكان جليل القدر. # قال ابن الأثير: اختلف فيه على عطاء بن يسار فقيل عبد الله. # وقيل: أبو عبد الله. # وقال يحيى بن معين: يقال عبد الله وأبو عبد الله. وخالفه غيره، وقال: هو ~~عبد الله وأما أبو عبد الله فاسمه عبد الرحمن، وسرد # ذكره في التابعين. # [قال أبو عمر: والصواب عندي أبو عبد الله اليافعي] (¬1) لا عبد الله ~~الصحابي. # قلت: وحديثه هذا أخرجه مالك (¬2) وغيره. PageV02P332 # والصنابحي: بضم الصاد المهملة وفتح النون ثم ألف ثم باء موحدة ثم حاء ~~مهملة ثم ياء النسب نسبة إلى الصنابح بطن من مراد. # قلت: وفي الباب أيضا عن عقبة بن عامر أخرجه مسلم (¬1) ويعلى بن أمية (¬2) ~~ومعاوية (¬3) كما أسلفناه عن الترمذي، # وسعد بن أبي وقاص. ذكره أبو عمر (¬4)، وأبو ذر الغفاري رواه البيهقي في ~~المعرفة (¬5)، وأبي قتادة رواه أبو داود PageV02P333 # [وأبو] ms0389 (¬1) الدرداء رواه البيهقي (¬2). # خاتمة: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة" رواه أبو داود (¬3) ~~وصححه ابن حبان (¬4). PageV02P334 # وفي رواية لأبي داود "نقية" وظاهره يخالف ظاهر الآحاديث الصحيحة في تعميم ~~النهي من حين صلاة العصر إلى الغروب، # ويخالف أيضا ما عليه مذاهب جماهير العلماء. PageV02P335 ### ||| AUTO الحديث الثاني عشر # 58/ 12/ 9 - عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - "أن عمر بن الخطاب ~~جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله، ~~ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والله ما صليتها. قال: فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى ~~العصر بعدما غربت الشمس. ثم صلى المغرب بعدها" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وقد سبق في آخر الجنابة وعمر - رضي الله عنه - ~~تقدم في أول الكتاب. # ثانيها: يوم الخندق تقدم بيانه في الحديث الخامس. # ثالثها: فيه دليل جواز سب المشركين للتقرير عليه، والمراد به: ما ليس ~~بفحش إذ هو اللائق [هنا] (¬2) بمنصب عمر - رضي الله عنه -. PageV02P336 # رابعها: مقتضاه أن عمر صلى العصر قبل الغروب [لأن النفي] (¬1) إذا دخل ~~علي "كاد" اقتضى وقوع الفعل في الأكثر كما في # قوله تعالى: {وما كادوا يفعلون (71)} (¬2) نبه عليه الشيخ تقي الدين (¬3). # قال القرافي: والمشهور في "كاد" أنها إذا كانت في سياق النفي أوجبت، وإن ~~كانت في سياق الإيجاب نفت. وقيل: النفي # نفي، والإيجاب إيجاب، انتهى. # وكلاهما وقع في كلام عمر - رضي الله عنه -. # فالأول: قوله: "ما كدت أصلي العصر". # والثاني: "حتى كادت الشمس تغرب". # وقال غيرهما: اختلف في "كاد" إذا دخل عليها حرف النفي كما في هذا الحديث ~~هل يكون نفيها نفيا كسائر الأفعال أو يكون نفيها إيجابا أو التفرقة بين كون ~~الفعل ماضيا ويكون للإثبات أو مضارعا فيكون كسائر الأفعال، وتوجيه ذلك ~~وتحريره في كتب النحو فيخرج قول عمر "ما كدت أصليها" على ms0390 هذا الخلاف. # فإن قلنا: إن نفيها إيجاب، فيكون صلى العصر قبل المغرب وإلا فبعدها. PageV02P337 # خامسها: ورد في رواية أخرى في مسلم "حتى كادت الشمس أن تغرب" بإثبات "أن" ~~فاستدل به على إثبات "أن" في خبر "كاد" والكثير حذفها [كما] (¬1) في رواية ~~الكتاب (¬2). # سادسها: فيه جواز الحلف من غير استحلاف إذا ترتب على ذلك مصلحة دينية وهو ~~كثير في القرآن [وقد] (¬3) قيل: إنه- عليه السلام - إنما حلف تطيبا لقلب - ~~عمر رضي الله عنه - لأنه [لما] (¬4) شق عليه تأخيرها أخبره - عليه الصلاة ~~والسلام - بأنه لم يصلها هو أيضا، ليتأسى ويتسلى به - عليه الصلاة والسلام ~~-[ثم] (¬5) إنه أكد ذلك [باليمين] (¬6) ليكون أبلغ في هذا المعنى. # وقيل: [في] (¬7) قسمه - صلى الله عليه وسلم - إشفاق منه في تركها، وتحقيق ~~هذا أن القسم تأكيد للمقسم عليه، وفي هذا القسم إشعار ببعد وقوع هذا المقسم ~~عليه حتى كأنه لا يعتقد وقوعه، فأقسم على وقوعه، وذلك يقتضي تعظيم هذا ~~الترك وهو مقتضى الإشفاق منه أو ما يقارب هذا المعنى، ففيه الاعتناء بأمر ~~الصلاة وشدة المحافظة عليها. # وقيل: يحتمل أنه تركها نسيانا لاشتغاله بالقتال، فلما قال له PageV02P338 # عمر ذلك تذكر فقال: "والله ما صليتها" والنسيان عذر واضح شرعي في تأخير ~~الصلاة، ويكون في هذا النسيان فائدة يقتضي بيان حكم شرعي، كما ورد في ذلك ~~الحديث المنقطع في الموطأ (¬1) "إني لأنسى أو أنسي لأسن" كما وقع بنومه - ~~عليه الصلاة والسلام - في حديث الوادي بيان حكم من نام عن الصلاة بالفعل ~~حتى يتظافر [على] (¬2) ذلك بالدليل الفعلي والقولي. # سابعها: "بطحان" -بضم الباء الموحدة وإسكان الطاء وبالحاء المهملتين-. # قال صاحب المطالع: كذا يرويه المحدثون أجمعون. # وحكى أهل اللغة: فيه "بطحان" بفتح أوله وكسر الطاء وهو واد بالمدينة. PageV02P339 # قال البكري: هو على وزن فعلان لا يجوز غيره (¬1). # قلت: ويجوز فيه [الصرف] (¬2) وعدمه على تأويل المكان أو البقعة. # ثامنها: قوله: "فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها" لله المراد: صلاة العصر وفيه ~~إشعار بأنه توضأ لها على التعيين، وقد صحيح أصحابنا # أن من توضأ لصلاة دون غيرها صح ms0391 لكل شيء. # وقيل: لا مطلقا. # وقيل: لها فقط. # تاسعها: ظاهره أنه صلاهما في جماعة فيكون [فيه] (¬3) دليل للجماعة في ~~الفائتة، وهو إجماع إلا ما حكاه القاضي عياض عن الليث بن سعد، فإنه منع ~~ذلك، وهذا إن صح عنه فمردود بهذا الحديث وبحديث [الوادي] (¬4) وقد تقدمت ~~المسألة في آخر الحديث الخامس من هذا الباب (¬5) أيضا بزيادة فراجعها وما ~~ذكرته من أن الظاهر أنه - عليه السلام - صلاهما في جماعة هو ما ذكره النووي ~~في [شرحه لمسلم] (¬6) أيضا، PageV02P340 # وقال الشيخ تقي الدين: إنه قد [يشعر] (¬1) به. # وقال بعضهم: الظاهر أنه صلاها وحده لاشتغالهم بالقتال، ولهذا صلى عمر ~~العصر وحده لأنه لو صلاها جماعة لقال فصلينا # العصر وإنما قال: فصلى، وفيما ذكره بعد فليتأمل. # عاشرها: فيه دليل على أن [من] (¬2) فاتته صلاة وذكرها في وقت آخر ينبغي ~~له أن يبدأ بالفائته ثم بالحاضرة، وهذا إجماع # لكنه عند الشافعي وطائفة وابن القاسم وسحنون على سبيل الاستحباب. # وعند مالك وأبي حنيفة وآخرين: على الإيجاب. # واتفق مالك وأصحابه على أن حكم الأربع فما دونها حكم صلاة واحدة، يبدأ ~~بهن وإن خرج الوقت. # واختلفوا في خمس وعند أبي حنيفة الكثير ستا وفي قول محمد خمس. # وقال زفر: من ترك صلاة شهر بعد المتروكة لا تجوز الحاضرة. # وقال ابن أبي ليلى: من ترك صلاة لا تجوز صلاته سنة بعدها. PageV02P341 # قال الشيخ تقي الدين (¬1): وإذا ضم إلى هذا الحديث الدليل على اتساع وقت ~~المغرب إلى مغيب الشفق لم يكن فيه دليل على # وجوب الترتيب في قضاء الفوائت، لأن الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب (¬2) ~~على المختار عند الأصوليين، وإن ضم إليه الدليل على تضييق وقت المغرب، كان ~~فيه دليل على وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة عند ضيق الوقت، لأنه لو لم ~~يجب لم تخرج الحاضرة عن وقتها لفعل ما ليس بواجب، فالدلالة من هذا الحديث ~~على حكم الترتيب ينبني على ترجيح أحد الدليلين على الآخر من امتداد وقت ~~المغرب. # قلت: وأما حديث: "لا صلاة لمن عليه صلاة" (¬3) فلا يعرف وحديث: ms0392 "من نسي ~~صلاة فلم يذكرها إلا مع الإمام فليصل مع الإمام فإذا فرغ من صلاته فليصل ~~التي نسي، ثم ليعيد صلاته التي صلى مع PageV02P342 # الإمام"، الصحيح وقفه على ابن عمر (¬1). # قال القاضي عياض: واتفق العلماء على الاستدلال بهذا الحديث فيمن فاتته ~~صلاة وأيقن أنه يصليها، ويدرك وقت الحاضرة # أنه يبدأ بالمنسية، قال: واختلفوا [فيها] (¬2) إذا خشي فوات وقت الحاضرة ~~بتقديم المنسيات عليها. # فقال مالك: يبدأ بالمنسية. # وقال الشافعي: يبدأ بالحاضرة وما ذكره القاضي من الاستدلال بهذا الحديث ~~على ما ذكره إنما يأتي إذا قلنا: إن وقت المغرب إلى غروب الشفق فتأمله. # الحادي عشر: قد يحتج به من يقول: إن وقت المغرب يتسع إلى غروب الشفق، ~~لأنه قدم العصر عليها، ولو كان ضيقا لبدأ بالمغرب لئلا يفوت وقتها أيضا، ~~كما قدمته في الحديث الخامس أيضا. PageV02P343 # لكن قال النووي في شرحه لمسلم (¬1): لا دلالة فيه لهذا القائل، لأن هذا ~~كان بعد غروب الشمس بزمن بحيث خرج وقت # المغرب عند من يقول إنه ضيق ... # الثاني عشر: فيه دليل على عدم كراهة قول القائل [ما صليت] (¬2) خلاف ما ~~يتوهمه بعضهم. وفي البخاري أن ابن سيرين كره أن يقول فاتتنا وليقل لم ندرك، ~~قال البخاري (¬3): وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -[أصح] (¬4). # الثالث عشر: هذا الحديث قبل نزول صلاة الخوف كما قدمته في الحديث السادس ~~فلا يحسن تمسك بعض المتقدمين به في تأخير الصلاة في حالة الخوف إلى حالة ~~الأمن ولا تمسك الفقهاء على إقامة الصلاة في حالة الخوف (¬5). # قال الشيخ تقي الدين (¬6): ومن الناس من سلك طريقا أخر، وهو أن الشغل ~~عنها بالقتال إن أوجب النسيان فالترك للنسيان وربما ادعي الظهور في الدلالة ~~على النسيان، وليس كذلك، بل الظاهر تعليق الحكم بالمذكور لفظا وهو الشغل. PageV02P344 # الرابع عشر: جاء في هذا الحديث أنه أخر صلاة العصر فقط، وكذا في حديث علي ~~وابن مسعود السالفين في الباب، وجاء في # الموطأ (¬1) وصحيح ابن حبان (¬2) أنها الظهر والعصر، وفي الترمذي (¬3) ~~بإسناد منقطع أنه فاته أكثر من ذلك، والجمع ms0393 ممكن، فإن الخندق كان أياما، ~~فكان هذا في بعض الأيام وهذا في بعضها. PageV02P345 ### || CHECK 10 - باب فضل [الصلاة في] الجماعة ووجوبها # 10 - باب فضل [الصلاة في] (¬1) الجماعة ووجوبها # حديث ابن عمر وأبي هريرة دال على فضلها، وحديث أبي هريرة الذي أوله: ~~"أثقل الصلاة على المنافقين" كأنه ساقه لوجوبها وهو ماض على ما ذكره القاضي ~~عياض إن الحديث في المؤمنين دون المنافقين، لأنه كان يعلم طويتهم، ولم ~~يتعرض لهم، لكن فيه نظر كما أبداه الشيخ تقي الدين لتصريح الحديث في أوله ~~بالمنافقين، فالظاهر أنه في المنافقين كما قيل، وإذا كان كذلك # فالتحريق إنما هو لمن ترك الصلاة في جماعة نفاقا لا غيره، وترك تعرضه لهم ~~للتأليف. # نعم رواية أبي داود الآتية في الوجه الرابع عشر من الكلام على الحديث ~~الثالث يؤيد ما قاله القاضي [عياض] (¬2) ولفظ الجماعة يحتمل أن يراد به ~~[لعموم المجتمعون في الصلاة ويحتمل أن يراد PageV02P346 # به] (¬1) الاجتماع نفسه، ويكون المعنى صلاة الاجتماع فعلى الأول تكون ~~الجماعة صفة موصوف محذوف أي القوم ونحو ذلك وعلى الثاني لا حذف لوقوعه على ~~المعنى الذي هو الاجتماع والحكمة في مشروعية الجماعة، وجوه ذكرها ابن ~~القسطلاني في مقاصد الصلاة. # أحدها: قيام نظام الألفة بين المصلين، ولهذه العلة شرعت المساجد في ~~المحال [ليحصل التعاهد] (¬2) باللقاء في أوقات # الصلوات [بين] (¬3) الجيران. # ثانيها: حصر النفس أن تستقل بهذه العبادة وحدها فإنها ربما لم تف بالقيام ~~بها وحدها، فإذا علمت انتظار جماعة بوقعها فيها # [نشطها] (¬4) ذلك على المبادرة إلى فعلها، فإن النفوس تحب البطالة، وتركن ~~إليها، فإذا وجدت محركا من خارج أذعنت وأجابت. # ثالثها: أن الناس بين عالم بأفعال الصلاة وأحكامها وجاهل بها، فإذا حصل ~~إقامتها في الجماعة تعلم الجاهل من العالم فزال جهله. # رابعها: أن الدرجات والمثوبات متقاربة في العمال لأجل قبول الأعمال، فإذا ~~كانت الجماعة حصل فيها الكامل والناقص بحسب الحضور والغفلة، فيعود من بركة ~~الكامل على الناقص فتكمل صلاته وذكر المصنف رحمه الله في الباب سبعة ~~أحاديث: PageV02P347 ### ||| AUTO الحديث الأول # 59/ 1/ 10 - عن عبد الله ms0394 بن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة. # [الثاني] (¬2): في ألفاظه: PageV02P348 # "الفذ": هو المنفرد، ومعناه: المصلي وحده. # قال صاحب المطالع: ولغة عبد القيس: الفند بالنون، وهي غنة لا نون حقيقية. ~~قال: [وكذلك] (¬1) يقوله أهل الشام. # الثاني: [إن] (¬2) قوله: "أفضل" إعلم أن صيغة أفضل للتفضيل بصفتي ~~الاشتراك غالبا حيث لا مانع [منه] (¬3)، وقد [لا] (¬4) يقتضيه لمانع ~~[لقوله] (¬5) -[تبارك] (¬6) وتعالى-: {فتبارك الله أحسن الخالقين (14)} ~~(¬7) فإنه لا يجوز حمله هنا على الاشتراك إجماعا. # [الوجه] (¬8) الثالث: في فوائده؛ # الأولى: فيه دلالة على سنية الجماعة. ونقله الشيخ تقي الدين (¬9) عن ~~الأكثرين، ووجهه أن تفضيل فعل [على] (¬10) آخر # يشعر بتفضيلهما كما قررناه، وهي هنا مقتضية لذلك، وزيادة فضل الجماعة. PageV02P349 # وفيه رد على داود حيث قال: إنها شرط للصحة، وعلى أحمد حيث قال: إنها فرض ~~على الأعيان. وكذا على من قال بقوله، ولا # يقال: إن هذه الصيغة قد ترد مع عدم الاشتراك في الأصل: كقولهم: العسل ~~أحلى من الخل، لأن ذلك خلاف الأصل لغة، # وأيضا فإن ذلك إنما يقع عند الإطلاق، وأما التفاضل بزيادة عدد فيقتضي ~~قطعا أن ثم جزاء معدودا يزيد أجزاء أخر، كما إذا قلنا: هذا العدد يزيد على ~~ذلك بكذا وكذا من الآحاد؛ فلا بد من وجود أصل العدد، (¬1) [ويزيد هذا بيانا ~~رواية [التضعيف] (¬2) الآتية]، فإن ذلك يقتضي وجود شيء يزاد عليه وعدد ~~يضاعف (¬3)، والمسألة مبسوطة في الخلافيات. # الثاني: في حديث أبي هريرة الآتى بعد "تضعف خمسا وعشرين ضعفا" [وفي رواية ~~للبخاري ومسلم "جزاء بدل ضعفا"] (¬4) وفي رواية لمسلم "درجة" وفي الجمع ~~[بينهما] (¬5) ثلاثة عشر وجها: # إحداهما: أنه لا منافاة بينهما، فذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم ~~العدد باطل عند جمهور الأصوليين، كذا حكاه عنهم النووي PageV02P350 # في شرحه لمسلم (¬1) وتبعه تلميذه ابن العطار في شرحه، لكن نقله الغزالي ~~في المنخول (¬2) عن الشافعي. # وقال ابن برهان (¬3): إن الشافعي ms0395 والجمهور يقولون به. # ثانيهما: أن يكون أخبر أولا بالقليل، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، فأخبر ~~بها. ولا بد من معرفة التاريخ على هذا، وقد يقال: إن الفضائل لا تنسخ ~~فيتعين التأخير. # ثالثهما: أنه يختلف باختلاف المصلين والصلاة؛ فيكون لبعضهم خمسا وعشرين، ~~ولبعضهم سبعا وعشرين بحسب كمال # الصلاة [و] (¬4) من المحافظة على هيأتها وخشوعها وكثرة جماعاتها وفضلهم ~~وشرف البقعة ونحو ذلك. # رابعها: أن الدرجة غير الجزء، وهو غلط؛ لأن لفظ الدرجة [ورد في الصحيح ~~فيها، كما تقدم، فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة] (¬5) وحذف التاء مع ~~الجزء وإثباتها مع الدرجة [يدل] (¬6) على PageV02P351 # تأويل أحدهما بالآخر أيضا، وقد سمع من العرب: جاءته كتابي فاحتقرها، على ~~تأويل الكتاب بالصحيفة. # خامسها: أن الجزء في الدنيا والدرجة في [الجنة] (¬1) ذكره العلامة أبو ~~بكر [محمد] (¬2) بن أحمد بن القسطلاني (¬3) في الكتاب السالف ذكره احتمالا. # سادسها: أن الاختلاف بحسب قرب المسجد وبعده. # سابعها: أن السبع والعشرين للصلاة الجهرية والخمس والعشرين للسرية، لأنها ~~تنقص عن الجهرية بسماع قراءة الإمام والتأمين لتأمينه، قاله بعض المتأخرين (¬4). # ثامنها: أن الأول إذا كان فيها خطا إلى المسجد وانتظار الصلاة والثاني ~~إذا انتفيا. PageV02P352 # تاسعها: أن الأول: لصلاتي العشاء والصبح لاجتماع ملائكة الليل والنهار ~~فيهما، والثاني: لغيرهما يؤيده حديث أبي هريرة (¬1): "تفضل صلاة أحدكم وحده ~~بخمسة وعشرين جزاء، ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر"، ~~فذكر اجتماع الملائكة بواو فاصلة، واستأنف الكلام وقطعه من الجملة ~~المتقدمة. # عاشرها: أن الأول للصبح والعصر، حكاه القاضي عياض للحديث المذكور، وصح ~~اجتماعهما أيضا في صلاة العصر، فيكون التفضيل بالدرجتين لبركة اجتماع ~~[الملائكة] (¬2) في الصلاتين، ونبه بصلاة الفجر على صلاة [العصر] (¬3) في ~~الحديث السالف لثبوت اجتماعهما فيهما في [الصبح] (¬4). # الحادي عشر: أن الأول لمن صلى في جماعة في المسجد، والثاني لمن صلى جماعة ~~في غيره. # الثاني عشر: [أن الأول لمن أدرك الصلاة كلها مع الإمام والثاني لمن أدرك بعضها. # الثالث عشر] (¬5): أن الأول لمن صلى في جماعة كثيرة، والثاني لمن صلى في ~~جماعة قليلة، على من يقول: إن ms0396 ما كثر جمعه PageV02P353 # أفضل، وسيأتي الكلام في ذلك، وهذه [كلها] (¬1) احتمالات. [والله أعلم] (¬2). # الثالث (¬3): قال ابن الجوزي: تكلف جماعة تعليل هذه الدرجات وما جاؤوا ~~بطائل. وذكر ابن التين، وابن بطال أيضا مناسبات، ولابن حبان صاحب الصحيح في ~~ذلك مصنف مفرد كما نبه عليه في أثناء صحيحه. # الرابع: اختار القاضي عياض أن كل درجة هي بمقدار صلاة الفذ، كما يقتضيه ~~[ظاهر] (¬4) [كثير من الروايات] (¬5) ورجحه الشيخ تقي الدين (¬6) أيضا، ~~فإنه قال: وقع البحث في أن هذه "الدرجات" هل هي بمعنى الصلوات؟ فتكون صلاة ~~الجماعة بمثابة خمس وعشرين صلاة أو بسبع وعشرين، أو يقال: إن لفظ "الدرجة" ~~و "الجزء" لا يلزم منهما أن يكونا بمقدار الصلاة؟ قال: والأول أظهر لأنه قد ~~ورد مبينا في بعض الروايات، وكذلك لفظة "تضاعف" مشعرة بذلك. لأن التضعيف ~~إنما يكون بمثل الشيء المضاعف. # قلت: وفي مسند أحمد من حديث ابن مسعود (¬7): "صلاة PageV02P354 # الجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده خمسة وعشرين ضعفا كلها مثل صلاته". # الخامس: استدل بعض المالكية بهذا الحديث على أن صلاة الجماعة لا تفضل ~~بعضها على بعض بكثرة الجماعة، وهو أشهر القولين عندهم، لأنه لم يذكر جماعة ~~كثيرة دون قليلة، وهو مردود بحديث أبي بن كعب: "وما كثر فهو أحب إلى الله"، ~~صححه ابن حبان (¬1) والعقيلي (¬2) وغيرهما، ووافق الشافعي ابن حبيب من ~~المالكية وفي رد ابن عبد البر (¬3) [بأن] (¬4) حديث أبي بن كعب (¬5) غير ~~قوي، وكذا قول القرطبي في تفسيره: في إسناده PageV02P355 # لين نظر. # السادس: اختلف العلماء هل هذا الفضل لأجل الجماعة فقط حيث كانت، أو إنما ~~تكون الجماعة التي تكون في المسجد [لما # يلازم] (¬1) ذلك من أفعال تختص بالمساجد. # قال القرطبي في تفسيره (¬2): والأول. أظهر لأن الجماعة هو الوصف الذي علق ~~عليه الحكم، وما كان من إكثار الخطا إلى [المسجد] (¬3)، وقصد الإتيان ~~[إليها] (¬4) والمكث فيها، فذاك زيادة فوات خارج عن فضل الجماعة. # وكذا قال الشيخ تقي الدين: إنه الظاهر [في] (¬5) إطلاقهم قال: ولست أعني ~~أنه [لا] (¬6) تتفاضل صلاة الجماعة في البيت على الانفراد فيه، ms0397 فإن ذلك لا ~~شك فيه، إنما المنظر هل يتفاضل هذا القدر المخصوص أم لا؟ ولا يلزم من [عدم] ~~(¬7) حصول هذا [القدر المخصوص من الفضيلة عدم حصول] (¬8) مطلق الفضيلة، ~~قال: وإنما تردد أصحاب الشافعي في أن إقامة الجماعة في غير المسجد PageV02P356 # كالبيوت هل يتأدى بها المطلوب؟ [والأصح عندي] (¬1) أنه لا يكفي، لأن [في] ~~(¬2) أصل المشروعية إنما كان في جماعة المساجد، وهذا وصف معتبر لا يتأتى ~~إلغاؤه (¬3). # السابع: قال ابن عبد البر في تمهيده (¬4): # اختلفوا في الأفضل من القيام مع الناس أو الانفراد في شهر رمضان. PageV02P357 # فقال مالك والشافعي: [في] (¬1) صلاة المنفرد في بيته [برمضان] (¬2) أفضل. # قال مالك: وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس. # قال مالك: وأنا أفعل ذلك وما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ~~في بيته. # واحتج الشافعي: بحديث زيد بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال في قيام رمضان: "أيها الناس! صلوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في ~~بيته إلا المكتوبة" (¬3)، قال الشافعي: ولا سيما مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في مسجده على ما كان في ذلك من الفضل. # وروينا عن ابن عمر، وسالم، والقاسم، وإبراهيم، ونافع: أنهم كانوا ينصرفون ~~ولا يقومون مع الناس. # وقال قوم من المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة [وأصحاب] (¬4) الشافعي منهم ~~المزني وابن عبد الحكم: الجماعة في المسجد في قيام رمضان أحب إلينا، وأفضل ~~من صلاة المرء في بيته. وإليه ذهب أحمد وكان يفعله وابن جبير. PageV02P358 # وقال الطحاوي: قيام رمضان واجب على الكفاية، لأنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز ~~للناس تعطيل المساجد عن قيام رمضان، فمن فعل كان [أفضل] (¬1) ممن انفرد ~~كسائر الفروض التي هي على الكفاية، قال: وكل من اختار التفرد فينبغي [أن ~~يكون ذلك] (¬2) على أن لا يقطع معه القيام في المساجد، وأما المنفرد الذي ~~يقطع معه القيام في المساجد فلا. # الثامن: تحصل الجماعة باثنين فصاعدا. # وقال مالك: لا تكون جماعة إلا أن يكون إماما راتبا. # وحكى الروياني من أصحابنا ms0398 في "تلخيصه": إن أقل الجماعة ثلاثة. قال: وهو ~~غلط (¬3). # فرع: من صلى في جماعة استحب إعادتها في أخرى على PageV02P359 # الصحيح عندنا، ومشهور مذهب مالك أن من صلى في جماعة وإن قلت لايعيد في ~~أكثر منها. # قال ابن العطار في شرحه: وهو قول عامة العلماء. # وحكي عن مالك إعادتها في المساجد الثلاثة جماعة (¬1). # التاسع: المراد بالفذ إذا لم يكن معذورا بترك الجماعة لمرض أو سفر أو ~~نحوهما، أما إذا كان معذورا بذلك فهل يقع التفاضل بينه وبين الصلاة في ~~جماعة؟ الظاهر: نعم، والألف واللام في الفذ وإن كانت للعموم فالمعذور خرج ~~بدليل، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مرض العبد أو سافر كتب الله ~~له ما كان يعمل صحيحا مقيما" رواه البخاري من حديث أبي موسى الأشعري، وقد ~~شرح بما ذكرته غير واحد. # قال الروياني في "تلخيصه": تحصل له الفضيلة إذا كان قصده جماعة لولا ~~العذر للأخبار الواردة فيه، ونقله في "البحر" عن القفال. # وقال الماوردي (¬2): صلاة المريض منفردا: كصلاة الصحيح جماعة في الفضل. # وأما النووي في "شرح المهذب" (¬3) فخالف وقال: هذه الأعذار مسقطة للإثم ~~والكراهة، ولا تكون محصلة للفضيلة بلا شك. ويرده المنقول كما ذكرته. PageV02P360 # العاشر: يؤخذ من الحديث إطلاق الفضيلة في الجماعة سواء تبدد قلب المصلي ~~فيها أو لم يتبدد لطلب الشرع لها والحث عليها. # خاتمة: صرح الروياني من المالكية في "شرح رسالة ابن أبي زيد" عند [ذكر] ~~(¬1) تضعيف الحسنات بعشر: أن العشر زائدة على الأصل المضاعف، وأن العشر غير ~~ملفقة من الأصل والتضعيف. ويلزمه مثل ذلك هنا، فيكون الأجر المرتب على ~~صلاته وحده غير السبع والعشرين. PageV02P361 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 60/ 2/ 10 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه ~~خمسا وعشرين ضعفا، وذلك: أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا ~~يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة. ~~وإذا صلى لم ms0399 تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صلى عليه ~~اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: قوله - عليه السلام -: "صلاة الرجل" هو في المرأة كذلك حيث يشرع ~~لها الخروج [إلى] (¬2) المسجد، لأن وصف PageV02P362 # الرجولية بالنسبة إلى ثواب الأعمال غير معتبر شرعا، وهو مثل قوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: "من أعتق شركا له في عبد" (¬1) من صلى كذا، من فعل كذا ~~فله كذا، كله يتساوى فيه الرجال والنساء من غير نزاع، نبه على ذلك الشيخ ~~تقي الدين (¬2)، فتكون "الألف واللام" في "الرجل" ليست لتعريف ماهية ~~الرجولية، بل للعموم من حيث المعنى، كما عم قول الرجال والنساء في قوله ~~تعالى: {كذبت قوم نوح} (¬3) وإن كان لفظ "قوم" خاصا بالرجال دون النساء، ~~كما قاله الماوردي: # نعم قال الروياني من أصحابنا: هل تكون جماعة النساء في الفضل و [إلا] ~~(¬4) ستجاب كجماعة الرجال، فيه وجهان: # أحدهما: نعم فتفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة. # وأظهرهما: أن جماعة الرجال أفضل من جماعتهن، لقوله تعالي: {وللرجال عليهن ~~درجة} (¬5). # ثانيها: قوله - عليه السلام -: "تضعف على صلاته في بيته PageV02P363 # وفي سوقه" المراد: في بيته وفي سوقه منفردا، هذا هو الصواب، كما قاله ~~النووي (¬1)، قال: وما عداه مما قيل فيه باطل. # قلت: و [من] (¬2) ذلك [قول] (¬3) ابن التين في "شرح البخاري": لو صلى في ~~سوقه جماعة كان كالفذ أخذا بظاهر الحديث، أو لأن السوق مأوى الشياطين، وهذا ~~واه جدا [نعم] (¬4) رفع الدرجات وحط الخطيئات مشروط بالمشي إلى المسجد، فمن ~~فعل ذلك حصلا له، وإلا فلا. # ثالثها: إحسان الوضوء هو الإتيان [بفرضه] (¬5) وسننه وآدابه، ويبعد ~~تنزيله على الفرض فقط. # وقوله: "توضأ" شمل الوضوء المجدد وغيره، وقد يقال: إن قوله: "توضأ" ليس ~~للتقييد بالفعل، وإنما خرج مخرج الغالب أو ضرب المثال. # رابعها: لفظ: "ثم خرج" لا يستلزم الفورية، نعم البدار أولى فيما يظهر ~~لعموم قوله -تعالى-: {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61)} (¬6). PageV02P364 # خامسها: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "لا يخرجه إلا الصلاة" ظاهره ترتب ms0400 ~~المذكور من رفع الدرجات وحط الخطيئات على اشتراط الخروج لها فقط لا لأمر ~~آخر من غير العبادات، ونظيره حج من خلط به التجارة أو غيرها من الأسباب ~~[الدنيوية] (¬1)، فإنه ليس كمن محض الخروج للحج وكذا سائر العبادات من ~~الجهاد وغيره، وأسند الفعل للصلاة، وجعلها هي المخرجة له: كأنه لفرط ~~محافظته عيلها ورجاء ثوابها مجبر على خروجه إليها: وكأن الصلاة هي الفاعلة ~~للخروج لا هو. # سادسها: الخطوة هنا بالفتح لأن المراد فعل الماشي وهو بالضم ما بين قدمي ~~الماشي. قاله كله الشيخ تقي الدين (¬2)، وكذا قال ابن التين "شارح البخاري" ~~رويناه بفتح الخاء وهي المرة الواحدة. # وأما القرطبي (¬3) فقال: الرواية بضم الخاء وهي واحدة الخطأ، وهي ما بين ~~القدمين، والتي بالفتح مصدر. # وقال غيرهما من المتأخرين: كأن القياس أن يجيء في خطوة ثلاثة أوجه -الضم، ~~والكسر، والفتح- كما هو في [جذوة] (¬4) PageV02P365 # وأشباهها، وقد قرىء بالأوجه الثلاثة في [جذوة] (¬1) في السبع على ما أصله ~~أهل اللغة من أن كل ما كان على فعله لامه واو بعدها تاء التأنيث جاء فيه ~~ثلاثة أوجه. # سابعها: "الدرجة". واحدة الدرجات، وهي الطبقات من المراتب. # والدرجة: -بضم الدال- مثال الهمزة لغة في الدرجة، وهي المرقاة، قاله ~~الجوهري (¬2). # وهل هذه الدرجة محسوسة أو معنوية بمعنى: ارتفعت رتبته، الله أعلم بذلك. # وأما حط الخطيئة: فالظاهر أنه محوها من صحيفة السيئات حقيقة. # تنبيه: [قوله] (¬3): "وحط عنه بها خطيئة"، قال الداودي: أي [إن] (¬4) كان ~~له خطيئة وإلا رفع له درجات، قال: وهذا يقتضي أن الحاصل بالخطوة درجة ~~واحدة، إما الحط، وإما الرفع، أي وتكون الواو بمعنى أو، لا بمعنى العطف، ~~وخالفه غيره. فقال: الحاصل بالخطوة ثلاثة أشياء. لقوله في الحديث الآخر: " ~~[كتب] (¬5) الله له PageV02P366 # بكل خطوة حسنة، ورفعه بها درجة، وحط عنه بها خطيئة" (¬1). # فائدة: في فضل الانتظار، روى [البيهقي] (¬2) والحاكم (¬3) وقال: صحيح على ~~شرط الشيخين من حديث عقبة بن عامر "إذا تطهير الرجل ثم مر إلى المسجد يرعى ~~الصلاة، كتب له كاتبه أو كاتباه بكل خطوة يمشيها إلى المسجد عشر حسنات، ~~والقاعد ms0401 يرعى الصلاة كالقانت، ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع". # وفي مسند أحمد (¬4) من حديث عبد الله بن عمرو قال: "صلينا مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - المغرب فعقب من عقب، ورجع من رجع، فجاء رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وقد كاد يحسر ثيابه عن ركبتيه، قال: أبشروا معشر ~~المسلمين! هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، ~~يقول: هؤلاء عبادي قضوا فريضة، وهم ينتظرون أخرى" [] (¬5). PageV02P367 # ثامنها: الملائكة: جمع ملك اسم لخلق من صفوة الله -تعالى- قال ابن كيسان ~~وغيره: فعل من الملك. # وقال أبو عبيدة: هو مفعل من لاك. إذا أرسل والألوكة، [والمألكة] (¬1) ~~الرسالة [فأصله] (¬2) على هذا أليك الهمزة فاء الفعل، # لكنهم قلبوها إلى عينه، فقالوا: مليك، [ثم سهلوه فقالوا: ملك] (¬3). # وقيل: أصله مليك من ملك يملك [نحو سمير من سمره] (¬4) فالهمزة زائدة عن ~~ابن كيسان أيضا. # تاسعها: "ما" من قوله عليه السلام: "ما دام في مصلاه" مصدرية ظرفية، أي ~~مدة دوام كونه في مصلاه، وكذلك "ما" في قوله:" ما انتظر الصلاة". # عاشرها: قوله: "اللهم صلي عليه، اللهم ارحمه"، أي: تقول: اللهم. والقول ~~يحذف كثيرا في كلام العرب، قال تعالى: PageV02P368 # {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام عليكم} (¬1)، أي يقولون: ~~سلام عليكم. وفي رواية لمسلم (¬2): "اللهم تب عليه" وقد تقدم الكلام على: ~~"اللهم" في باب الاستطابة، فأغنى عن الإعادة. # وقوله: "اللهم" إلى آخره هو بيان لصلاتهم. # الحادى عشر: هؤلاء الملائكة الذين يصلون يجوز أن [يكونوا] (¬3) الحفظة ~~ويجوز أن [يكونوا] (¬4) سواهم، فالله أعلم. # الثاني عشر: "في" [من] (¬5) قوله - عليه السلام -: "ولا يزال في صلاة" ~~[من] (¬6) مجاز لظرف إذ الصلاة لا تكون ظرفا للمصلي حقيقة، فما ظنك بمن هو ~~في [حكم] (¬7) المصلي. # الثالث عشر: ظاهر قوله: "ما دام في مصلاه" إن صلاة الملائكة مشروطة ~~بدوامه في مصلاه بعد صلاته. # وفي مسلم: "ما دام في مجلسه الذي صلى فيه". # وفي الموطأ (¬8) ما يصرح بذلك من حديث أبي هريرة: "إذا PageV02P369 # صلى أحدكم فجلس في مصلاه لم ms0402 تزل الملائكة تصلي عليه: اللهم اغفر له، ~~اللهم ارحمه. فإن قام من مصلاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة لم يزل في ~~[صلاة] (¬1) حتى يصلي". # قال الباجي: المنتظر في غير مصلاه من المسجد يكون في صلاة: كالمنتظر في ~~مصلاه، غير أن المنتظر في مصلاه يحصل له أنه في صلاة، وصلاة الملائكة عليه ~~بخلاف المنتظر في غير مصلاه (¬2) [...] (¬3). # [روى الحاكم في مستدركه من حديث داود بن صالح قال: قال أبو سلمة بن عبد ~~الرحمن: "يابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا ~~اصبروا وصابروا ورابطوا} (¬4) قلت: لا، قال: إنه لم يكن في زمن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - غزو يرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة"] (¬5). # الرابع عشر: ظاهر هذا الحديث أن انتظار الصلاة مختصة بالمصلي في جماعة في ~~المسجد، فلو صلى وحده وقعد ينتظر # الصلاة لم تحصل له هذه الفضيلة. PageV02P370 # قال الباجى (¬1): سئل مالك -رحمه الله- عمن صلى في غير جماعة، [ثم] (¬2) ~~قعد في موضعه ينتظر الصلاة، أتراه في صلاة كمن ينتظر الصلاة في المسجد؟ ~~قال: نعم، إن شاء الله تعالى. # الخامس عشر: ظاهره أيضا أن الانتظار يكون في مشترك الوقت على رأي من رواه ~~وهو مالك وفي غيرها. # وقال الباجي (¬3): هذا مختص بمشترك الوقت: كانتظار العصر [بعد الظهر] ~~(¬4)، [والعشاء بعد المغرب] (¬5)، [وأما انتظار الظهر بعد الصبح، والمغرب ~~بعد العصر، والصبح بعد العشاء] (¬6) فليس من عمل الناس: # قلت: ويرد هذا قول عبد الله ابن سلام في الساعة التي في يوم الجمعة لأبي ~~هريرة: "إنها لآخر ساعة بعد العصر، فقال أبو هريرة: كيف وهي ساعة لا يصلى ~~فيها. وقد قال - عيه السلام -: لا يوافقها عبد مسلم يصلي؟ فقال له عبد ~~الله: أليس قال: من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة؟ " رواه مالك في ~~الموطأ (¬7) PageV02P371 # وصححه الترمذي (¬1) وابن حبان (¬2) والحاكم (¬3)، فجعل الانتظار يكون من ~~العصر إلى المغرب، ولم ينكر عليه أبو هريرة. # السادس عشر: جاء في رواية لمسلم (¬4) في آخر هذا الحديث بعد قوله: "اللهم ~~اغفر له، اللهم ms0403 تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث" قيل لأبي هريرة: ما ~~الحدث؟ قال: يفسو أو يظرط". وفي البخاري (¬5) في "باب: من لم ير الوضوء إلا ~~من المخرجين" عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة ما لم يحدث". فقال ~~رجل أعجمي: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت "يعني الضرطة". # السابع عشر: يؤخذ من الحديث الحث على الصلاة في الجماعة المشروعة لها. # الثامن عشر: يؤخذ منه أيضا [أن] (¬6) فعلها في المسجد أفضل. PageV02P372 # التاسع عشر: يؤخذ منه أيضا إحسان الوضوء بفعله على الوجه المأمور به من ~~غير مجاوزة فيه ولا تقصير. # العشرون: فيه أيضا أن المسجد الأبعد للجماعة أفضل من القريب، ويستثنى منه ~~ما إذا تعطل القريب لغيبته [أو] (¬1) [إذا] (¬2) # كان إمام البعيد مبتدعا. # الحادي والعشرون: فيه أيضا تكفير الذنوب، ورفع الدرجات، وصلاة الملائكة ~~على من ينتظر الصلاة في المسجد [وهو] (¬3) الدعاء [له] (¬4). # الثاني والعشرون: [فيه أيضا أن من تعاطى أسباب الصلاة يسمى مصليا] (¬5). # الثالث والعشرون: فيه أيضا أنه ينبغي لمن خرج في طاعة صلاة أو غيرها أن ~~لا يشاركها شيء من أمور الدنيا وغيرها. # خاتمة: ينعطف على هذا الحديث والذي قبله: اعلم أن ثواب الواجب أعظم من ~~ثواب المندوب؛ حتى لو تصدق الرجل بعشرة الآف دينار، لكان الدينار الواجب ~~أعظم أجرا منه. وإن كانت مصلحة العشرة الآف أعظم، إذا تقررت هذه القاعدة، ~~فقد جاء PageV02P373 # الحديث بالتضعيف على خلافها، فإن الشارع إنما رتب السبع والعشرين درجة ~~على مجرد صلاة في الجماعة [ومجرد صلاة في # الجماعة] (¬1) مندوب إليه، ولم يرتب على صلاة واحدة الذي هو الواجب عليه ~~إلا درجة واحدة، فكان البخاري على القاعدة: أن يكون السبع والعشرون على ~~صلاته وحده، والدرجة الواحدة على صلاته في الجماعة. نبه على ذلك القرافي ~~-رحمه الله-. # فإن قلت: [فإن الثواب] (¬2) المضاعف ليس بين واجب ومندوب، وإنما هو بين ~~مباح ومندوب، فإن صلاة الرجل وحده مباح له، وصلاته مع الجماعة ms0404 مندوب إليه، ~~والتضعيف إنما هو بين وصف الوحدة المباح ووصف الجماعة المندوب؛ ولا شك أن ~~ثواب المندوب أعظم من ثواب المباح. # فالجواب: أنه يلزم على هذا أن يكون المباح [في] (¬3) فعله ثواب، ~~والقاعدة: أنه مستوي الطرفين: لا ثواب في فعله، ولا عقاب في تركه. فثبت أن ~~الدرجة الواحدة إنما هي على الفعل الواجب، لا على صفة الوحدة فيه. # فإن قلت: لا نسلم أن السبعة والعشرين مرتبة على صلاة الجماعة فقط، بل على ~~مجموع الفرض وصفته من صلاة الجماعة. # فالجواب: أنه تفرض المسألة فيمن صلى وحده ثم أعاد في PageV02P374 # [جماعة] (¬1) فإن ثواب الفرض حصل [له] (¬2) بصلاته وحده، وهو أجر صلاة ~~واحدة، ولم يبق إلا ترتيب السبع والعشرين على مجرد صلاة الجماعة، فتوجه ~~الإشكال. # ثم [أجاب] (¬3): بأن [من] (¬4) المندوبات ما يكون ثوابه أعظم من ثواب ~~الواجب؛ لكن الشارع لم يوجبه رفقا بالعباد، كما في # السواك، فإنه جاء فيه من الثواب ما بلغ به رتبة الواجب، ولم يوجبه الشرع ~~رفقا بالعباد، فكذا صلاة الجماعة. # تنبيه: حديث: "صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة" (¬5) مقتضاه أن يكون ~~السواك أفضل من صلاة الجماعة، لأن الوارد في صلاة الجماعة دون ذلك كما ~~علمته، والظاهر كما قال القرافي: إن الصلاة في الجماعة أفضل من السواك قال: ~~فيحتاج إلى الجواب، وإلا فهو مشكل. # قلت: وحديث السواك لا يقاومه حديث صلاة الجماعة في الصحة، وإن قدمنا في ~~بابه ثبوته من طريقة ذكرناها في التحفة. PageV02P375 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 61/ 3/ 10 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ~~ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم ~~أمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا ~~يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: الثقل: ضد الخفة، # والثقل: بالتحريك متاع المسافر وحشمه، ويقال: وجدت ثقلا في جسدي، أي: ~~فتورا. حكاه الكسائي وثقلة القوم بكسر ms0405 القاف أثقالهم، وأثقلت المرأة، فهي ~~مثقل، أي: ثقل حملها في بطنها. PageV02P376 # قال الأخفش: صارت ذات ثقل (¬1). # وألقى عليه مثاقيله، أي: مؤنته. فحصل من هذا أنه يستعمل حقيقة، وذلك في ~~الأجسام، ومجازا، وذلك في المعاني. ومنه الحديث إذ الصلاة ليست بجسم. # ثانيها: يؤخذ من الحديث الصلوات كلها ثقيلة على المنافقين، لما تقرر من ~~مدلول صيغة أفعل، وشاهد ذلك قوله -تعالى-: {ولا يأتون الصلاة إلا وهم ~~كسالى} (¬2) وقوله: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} (¬3) وهذا كله في ~~صلاة الجماعة، وإن لم يذكر [لقوة] (¬4) السياق الدال على ذلك [ومنه: ~~"لأتوهما"، و"لا] (¬5) يشهدون الصلاة". # ثالثها: إنما كانت هاتان الصلاتان أثقل عليهما من غيرهما لقوة الداعي إلى ~~ترك حضور الجماعة فيهما، وقوة الصارف عن الحضور. # أما العشاء: فلأنها وقت الإيواء والراحة. # وأما الصبح: فلأنها وقت لذة النوم صيفا وشتاء، والمؤمن الكامل لا مشقة ~~عليه لابتغاء الأجر، ولهذا قال - عليه السلام -: "ولو يعلمون ما فيهما" أي ~~جماعة في المسجد من الأجر والثواب، PageV02P377 # وفي تركها من العقاب لأتوهما، أي [جاؤا] (¬1) إليها ولو حبوا أي: محتبين، ~~يزحفون على إلياتهم من مرض أو آفة كحبو الصغير على يديه ورجليه. # فائدة: قال الحسن البصري: من النفاق: اختلاف اللسان والقلب، واختلاف السر ~~والعلانية، واختلاف الدخول والخروج. # وقال الأوزاعي: المؤمن يقول قليلا ويعمل كثيرا، والمنافق يقول كثيرا ~~ويعمل قليلا. # رابعها: المنافق: من أظهر الإيمان وأخفى الكفر؛ مشتق من النافقاء: وهو ~~جحر اليربوع، لأنه يكتم النافقاء، ويظهر القاصعاء، فإذا أتي من قبل ~~القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانفتق أي: خرج. وفي كلام المحب الطبري عن ابن ~~عباس: كان المنافقون ثلاثمائة رجل وسبعين امرأة، وكان ابن أبي رأس القوم (¬2). # خامسها: استدل بهذا الحديث من قال: الجماعة فرض عين في غير الجمعة، وهو ~~مذهب أحمد وابن المنذر وداود وابن خزيمة # وجماعة، والأظهر عن أحمد أنها ليست شرطا للصحة. PageV02P378 # وأجاب الجمهور: بأن هؤلاء المتخلفين كانوا منافقين، وسياق الحديث يقتضيه، ~~فإنه لا يظن بالمؤمنين من الصحابة أنهم يؤثرون # ترك الصلاة خلفه وفي مسجده؛ ولأنه لم يحرق، بل هم ms0406 به وتركه، ولو كانت فرض ~~عين لما تركهم، كذا ذكره النووي في "شرح # مسلم" (¬1)، ورواية أبي داود الآتية قريبا تخدشه، فإن ظاهرها أنهم كانوا ~~مؤمنين، نعم رواية مسلم تقويه، فإن فيه بعد قوله: " [فتحرقوا بيوتهم] (¬2) ~~ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها" يعني العشاء، وهذا ليس صفة ~~للمؤمنين. # سادسها: قوله: "ولقد هممت أن آمر بالصلاة" الهم بالشيء غير فعله. # واختلف في الألف والسلام في الصلاة: هل هي لمعهود صلاة أو للجنس؟ # [فمن قال: للجنس] (¬3) حمله على جميع الصلوات مطلقا، ومن قال: للعهد ~~اختلف فيها. # ففي رواية: "أنها العشاء" (¬4) وفي أخرى: "إنها الجمعة" وفي أخرى: ~~"العشاء والفجر" وفي أخرى: "يتخلفون عن الصلاة" (¬5) PageV02P379 # مطلقا، ولا منافاة بينهما؛ نعم إذا كانت هي الجمعة: فالجماعة شرط فيها. ~~ومحل الخلاف إنما هو في غيرها، فلا دلالة حينئذ في الحديث. # قال البيهقي (¬1): والذي يدل عليه سائر الروايات أنه عبر بالجمعة عن ~~الجماعة ونوزع في ذلك. # وقال المحب في "أحكامه": يحمل ذلك على تكرر الواقعة [ولا تضاد] (¬2). # وقال الشيخ تقي الدين: يحتاج أن ينظر في هذه الروايات، فإن كانت أحاديث ~~مختلفة، قيل بكل واحد منها، وإن كانت حديثا واحدا اختلف فيه فقد يتم هذا ~~[الجواب] (¬3)، إن عدم الترجيح بين بعض تلك الروايات وبعض، وعدم إمكان أن ~~يكون الجمع مذكورا، فترك بعض [الرواة] (¬4) بعضه [ظاهرا] (¬5) بأن يقال: إن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد إحدى الصلاتين -أعني الجمعة، أو العشاء ~~مثلا- فعلى تقدير أن تكون هي الجمعة لا يتم الدليل، وعلى تقدير العشاء يتم. ~~فإذا تردد الحال وقف الاستدلال، ومما بينه عليه هنا أن هذا الوعيد بالتحريق ~~إذا ورد في صلاة معينة -وهي العشاء، أو الجمعة، أو الفجر- PageV02P380 # فإنما يدل على وجوب الجماعة في هذه الصلاة. فمقتضى مذهب الظاهرية أن لا ~~يدل على وجوبها في غير هذه الصلوات، عملا بالظاهر، وترك اتباع المعنى، ~~اللهم إلا أن يأخذ بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "أن آمر بالصلاة فتقام" ~~على عموم الصلاة، فحينئذ يحتاج في ذلك إلى اعتبار لفظ الحديث وسياق، وما ~~يدل ms0407 عليه، فيحمل لفظ "الصلاة" عليه إن أريد التحقيق وطلب الحق. # سابعها: قال بعضهم: في هذا الحديث دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر ~~بالمال، لأن تحريق البيوت عقوبة مالية. # وقال بعضهم: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن ~~الصلاة والغال من الغنيمة، واختلف السلف فيهما. # والجمهور: على منع تحريق متاعهما، نقلهما النووي في "شرح مسلم" (¬1). # وقال ابن العطار في "شرحه": استدل [به] (¬2) بعضهم على جواز العقوبة ~~بالمال، وهو مذهب مالك. # ثامنها: "الحبو": حبو الصغير على يديه ورجليه كما سلف، ومعنى: "لو يعلمون ~~ما فيهما" أي من الأجر كما تقدم، ثم لم يستطيعوا الإتيان إليهما [إلا حبوا] ~~(¬3) حبوا [إليها] (¬4) ولم يفوتوا PageV02P381 # جماعتهما [في] (¬1) المسجد [ففيه] (¬2) الحث البليغ على حضورها. # فائدة حديثيه: قال ابن مندة في مستخرجة: قوله - عليه السلام -: [لو ~~يعلمون] (¬3) المتخلفون عن صلاة الفجر والعشاء # لأتوهما ولو حبوا"، رواه مع أبي هريرة، ابن مسعود (¬4)، وعائشة (¬5)، ~~وأنس بن مالك (¬6)، وحذيفة بن اليمان. # تاسعها: قوله - عليه السلام -: "ثم آمر رجلا فيصلي بالناس" فيه أن الإمام ~~إذا عرض له شغل يستخلف من يصلي بالناس؛ وإنما هم بإتيانهم بعد إقامة ~~الصلاة، لأن ذلك الوقت يتحقق مخالفتهم وتخلفهم، فيتوجه اللوم عليهم. PageV02P382 # وفيه جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر، وهو الوجه العاشر. # وفيه تقديم الوعد [والتهديد] (¬1) على العقوبة، وهو الوجه الحادى عشر. ~~وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزواجر # اكتفي به عن الأعلى. # الثاني عشر: قوله - عليه السلام -: "فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" ظاهره ~~أنه أراد حرقهم وقتلهم بالنار، إذ لو لم يرد ذلك لقال: "فأحرق بيوتهم" ولم ~~يقل: عليهم. وهو يقوي ما تقدم من أن المراد بهم المنافقون، لأن المؤمن لا ~~يقتل بترك الجماعة إجماعا. # الثالث عشر: إذا تقرر أن الظاهر أن المراد حرقهم وقتلهم بالنار فيحتاج ~~إلى الجمع بينه وبين حديث النهي عن التعذيب بالنار؛ # فإنه - عليه الصلاة والسلام - لا يهم إلا بما يجوز. # فإن قيل: إنه ناسخ لهذا، فيحتاج إلى دليل يدل عليه، فإن النسخ خلاف الأصل (¬2). # والرابع عشر: ms0408 فيه دليل على قتال تارك الصلاة متهاونا بها، كذا قاله ~~القاضي عياض، وتبعه بعضهم، ولا يخلوا من نظر، ففي PageV02P383 # [سنن] (¬1) أبي داود (¬2) من حديث أبي هريرة: "لقد هممت أن آمر فتيتي، ~~فيجمعوا حزما من حطب، ثم آتي قوما يصلون في بيوتهم، ليست بهم علة، فأحرقها ~~عليهم" وهذه الرواية ظاهرة في أن هذا التهديد لقوم مؤمنين، صلوا في بيوتهم ~~لأمر توهموه مانعا، ولم يكن كذلك، لأن المنافقين لا يصلون في بيوتهم، وإنما ~~يصلون في الجماعة رياء وسمعة، وأما إذا خلوا فكما وصفهم الله من الكفر ~~والاستهزاء. # الخامس عشر: فيه دليل أيضا على جواز أخذ أصحاب الجنايات والحرابة على غرة ~~و [المخالفة] (¬3) إلى منازلهم، وعلى جواز إخراج أهل المعاصي من بيوتهم، ~~[وقد] (¬4) ترجم البخاري عليه (¬5)، واستدل بهذا الحديث [عليه] (¬6): يريد ~~أن من اختفى منهم طلب، وأخرج من بيته بما يقدر عليه، كما أراد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إخراج هؤلاء، وهذا فيمن عرف واشتهر منهم. # السادس عشر: فيه دليل كما قال صاحب القبس: على إعدام PageV02P384 # محل المعصية، كما ذهب إليه مالك وخالفه الشافعي وأحمد. استدل بما روي من ~~[كسر] (¬1) دنان الخمر وتحريق عمر بيت خمار. # واستدلا بالنهي عن إضاعة المال. # [قالا] (¬2): إن المعصية لا تعلق للمحل بها، والأحكام إنما تتعلق بالفاعل (¬3). # خاتمة: في مسند أحمد (¬4) في هذا الحديث "لولا ما في PageV02P385 # البيوت من النساء والذرية أقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في ~~البيوت بالنار" وهذا من شفقته - صلى الله عليه وسلم - على النساء والذرية. PageV02P386 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 62/ 4/ 10 - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد، فلا يمنعها"، قال: ~~فقال بلال [بن عبد الله] (¬1): والله لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبد الله ~~فسبه سبا سيئا، ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وتقول والله لنمنعهن (¬2). # وفي لفظ: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: PageV02P387 # أحدها: في التعريف براويه، وقد ms0409 سلف في [باب] (¬1) الاستطابة. # وبلال هذا: هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب تابعي ثقة، قال بعض الأئمة: ~~لا يعرف له غير هذا الحديث، كذا رواه ابن # شهاب عن سالم بن عبد الله وفي رواية ورقاء [...] (¬2) عن مجاهد عن ابن ~~عمر، فقال: ابن له، يقال له: واقد، وواقد: هذا هو ابن عبد الله أيضا. # قال القرطبي: في "شرح مختصر مسلم" (¬3): وكلاهما صحيح، كان لابن عمر ~~ابنان: بلال وواقد، وكلاهما قابله بالمنع، # وكلاهما أدبه ابن عمر. # وقوله: "قال: فقال بلال" وقوله بعده "قال: فأقبل عليه" المراد بالقائل: ~~هو سالم بن عبد الله كما سلف في تلك الرواية، فلو صرح به المصنف [كان] (¬4) أوضح. # ثانيها: استأذن: استفعل من الإذن [أي طلبه] (¬5) يقال: أذن له في الشيء ~~إذنا، ويكون أذن بمعنى: علم، ومنه قوله -تعالى-: {فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله} (¬6) وأذن له أذنا بفتح الهمزة: استمع. PageV02P388 # قال الشاعر: # إن يسمعوا (¬1) ريبة طاروا بها فرحا ... مني وما أذنوا من صالح دفنوا # [ومنه الحديث: "ما أذن الله لشيء [كأذنه لنبي حسن الصوت أن يتغنى ~~بالقرآن] (¬2) " (¬3) ومن فسر يتغنى بمعنى: استغنى فقد أبعد] (¬4). # ثالثها: يقال: امرأة ومرأة بالهمز ومرة بغير همزة، كما تقدم في أول ~~الكتاب. # رابعها: "المسجد" بكسر الجيم وفتحها، ومسيد كما تقدم أيضا في باب المذي. # خامسها: الحديث نص صريح في النهي عن منع النساء من المساجد عند استئذانهن ~~الأزواج، وينبغي أن يحمل عليه إذن السيد لأمته، لكن قال النووي (¬5) في ~~"شرحه": إن هذا النهي للتنزيه فقط، وهو عام في النساء، ولكن الفقهاء خصصوه ~~بشروط وحالات تقدمت PageV02P389 # في آخر الحديث الثاني من باب المواقيت؛ فهو من باب تخصيص العموم بالمعنى. # وفي مسلم: "لا تمنعوا النساء الخروج إلى المساجد بالليل" (¬1) وصح: ~~"وليخرجن تفلات" (¬2). # وفي الصحيح: "أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة" (¬3) ~~وخصها بالذكر؛ لأنه يمكنها قضاء الوطر في ذلك ما لا يمكن في غيره بخلاف ~~صلاة الصبح، فإنها عند إقبال النهار. # فرع: لو لم يكن زوج ولا سيد واجتمعت الشروط حرم ms0410 المنع، كما جزم به النووي ~~في "شرح مسلم". # سادسها: في صحيح مسلم (¬4) عن عائشة: "لو أن PageV02P390 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى ما أحدث النساء بعده لمنعهن ~~المساجد، كما منعت نساء نبي إسرائيل". # قال النووي (¬1) وغيره: والمراد به إحداث الزينة والطيب وحسن الثياب ~~ونحوها. # سابعها: ما يخص به بعضهم هذا الحديث: أن المنع للمرأة الجميلة المشهورة، ~~وفيما ذلمحره بعضهم مما يقتضي التخصيص أن # يكون بالليل، وقد تقدم ما يشهد لذلك. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): ومما قيل في تخصيصه أن لا يزاحمن الرجال. وقد ~~قدمت هذا في الموضع المشار إليه أعلاه. # ثامنها: هل عدم المنع خاص بصلاة أو عام، فيه خلاف حكاه بعضهم. # تاسعها: استدل [بعضهم] (¬3) بهذا الحديث على أن للرجل منع امرأته من ~~الخروج إلا بإذنه. # قال الشيخ [تقي الدين] (¬4): وهذا إن أخذ من تخصيص النهي بالخروج إلى ~~المساجد، وأن ذلك يقتضي بطريق المفهوم جواز المنع في غير المساجد. PageV02P391 # وقد يعترض عليه بأن هذا تخصيص الحكم باللقب. وهو ضعيف عند أهل الأصول. # وأجاب غيره: بأن مفهوم اللقب إنما ضعف لعدم رائحة التعليل فيه، والتعليل ~~هنا موجود، وهو: أن المسجد فيه معنى مناسب، وهو أنه محل للعبادة، فلا تمنع ~~من التعبد فيه، فلا يكون ذلك من مفهوم اللقب. # قال الشيخ: [و] (¬1) يمكن أن يقال في هذا: إن منع النساء من الخروج مشهور ~~معتاد، وقد قرروا عليه، وإنما علق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز، ~~وإخراجه عن المنع المستمر المعلوم. فيبقى ما عداه على المنع، وعلى هذا فلا ~~يكون منع الرجل لخروج امرأته لغير المسجد مأخوذ من تقييد الحكم بالمسجد، ~~ويمكن أن يقال فيه وجه آخر وهو: إن في قوله - عليه الصلاة والسلام -: "لا ~~تمنعوا إماء الله مساجد الله". [مناسبة تقتضي الإباحة -أعني كونهن "إماء ~~الله"- بالنسبة إلى خروجهن إلى مساجد الله] (¬2). ولهذا كان التعبير: بإماء ~~الله أوقع في النفس من التعبير بالنساء لو قيل. [وإن] (¬3) كان مناسبا أمكن ~~أن يكون علة للجواز [فإن] (¬4) انتفى انتفى الحكم، لأن الحكم يزول بزوال ~~علته. PageV02P392 # عاشرها: ms0411 أخذ من إنكار ابن عمر على ولده بلال وسبه إياه: تأديب المعترض ~~على السنن والمعارض لها برأيه. وفيه تعزير الوالد # ولده، وإن كان كبيرا وهو الوجه. # الحادي عشر: وتأديب العالم من يتعلم عنده إذا تكلم عنده بما لا ينبغي، ~~وتقديم حق الله ورسوله على [غيرهم] (¬1) والقول بالحق وإن كان المقول له ~~قريبا وهو [الثاني عشر] (¬2). # الثالث عشر: فيه أيضا نفي التحسين والتقبيح العقليين، وإثبات أن الحسن ما ~~حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه [الشرع] (¬3)، دون ما خبث في النفس والطبع. # الرابع عشر: إن ثبت أن مستند بلال بن عبد الله في المنع القياس ففيه حجة ~~لمن يقول بتقديم القياس على خبر الواحد. # الخامس عشر: استنبط منه أنه لا يجوز للزوج منع زوجته من حج الفرض، وهو ~~أحد القولين عندنا، والأظهر الجواز لحديث آخر فيه في البيهقي هو نص في ~~المسألة (¬4). PageV02P393 ### ||| AUTO الحديث الخامس والسادس # 63، 64/ 5/ 10 - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -. قال: "صليت مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، ~~وركعتين بعد الجمعة، وركعتين بعد المغرب] (¬1) وركعتين بعد العشاء" (¬2). # وفي لفظ: "فأما المغرب والعشاء والجمعة ففي بيته" (¬3). # وفي لفظ: "أن ابن عمر قال: حدثتني حفصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~كان يصلي سجدتين خفيفتين بعد ما يطلع الفجر، وكانت ساعة لا أدخل على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فيها" (¬4). # الكلام عليه من وجوه: PageV02P394 # أحدها: في راويهما وقد تقدم بيان حال ابن عمر في باب الاستطابة. # وأما حفصة: فهي أم المؤمنين. # قيل: إنها ولدت قبل المبعث بخمسة أعوام، تزوجها - صلى الله عليه وسلم - ~~سنة ثلاث من الهجرة. # وقيل: سنة اثنين، روت ستين حديثا، اتفقا منها على ثلاثة. # وقال ابن الجوزي: على أربعة، وانفرد مسلم بستة، وقد بسطت ترجمتها فيما ~~أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب، # وحكيت ستة أقوال في وفاتها منها سنة خمسين. # ثانيها: هذا الحديث لا يظهر له مناسبة في هذا الباب، فإن كان [أراد] (¬1) ~~أن قول ابن عمر: "صليت مع ms0412 رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" معناه: اجتمع ~~معه في الصلاة [فليست الدلالة على ذلك قوية، فإن المعية مطلقا أعم من ~~المعية في الصلاة] (¬2) وإن كان محتملا، ومما يقتضي أنه لم يرد ذلك أنه ~~أورد عقبه حديث عائشة الآتي إثر هذا، لا تعلق له بصلاة الجماعة، نبه على ~~ذلك الشيخ تقي الدين (¬3). # وقد يقال: الظاهر من فعل ابن عمر هذه السنن بحضرته - عليه أفضل الصلاة ~~والسلام - أن يكون عقب فعل الفرض، ويبعد # منه وقوع صلاة الفرض وحده بحضوره، وحينئذ فقد ظهر وجه المناسبة. PageV02P395 # وقد يجاب أيضا: بأن حكمة شرعية النوافل تكميل الفرائض، فإن عرض فيها نقص ~~كما ثبت في سنن أبي داود (¬1) وغيره # [وارتاض] (¬2) نفسه بتقديم النافلة، وينشط لها، ويتفرغ قلبه أكمل فراغ ~~لها، ولهذا استحب أن تفتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين (¬3)، فلما ذكر ~~المصنف المقارن للصلاة وهو الجماعة، ذكر السابق واللاحق، فالجميع مكملات ~~الفريضة. # ثالثها: هذا الحديث يتعلق بالسنن الرواتب التي قبل الفرائض وبعدها، ويدل ~~على هذا العدد منها. # وقد اختلفت الأحاديث في أعداد الركعات الرواتب قولا وفعلا. # وقد اختلفت مذاهب الففهاء في الاختيار لتلك الأعداد. # والمروي عن مالك أنه [قال] (¬4): لا توقيت في ذلك. PageV02P396 # قال ابن القاسم صاحبه: وإنما توقف في هذا أهل العراق. والمتفق عليه عند ~~الشافعية أن الرواتب المؤكدة ما في هذا الحديث. # وفي البخاري (¬1) من حديث عائشة أيضا: "كان لا يدع أربعا قبل الظهر" وليس ~~للعصر ذكر في الصحيحين وفي الترمذي (¬2) محسنا من حديث علي - رضي الله عنه ~~- أنه - عليه الصلاة والسلام -: "كان يصلي قبل العصر أربع ركعات، يفصل ~~بينهن بالتسليم" وفيه أيضا مصححا من حديث أم حبيبة (¬3): "من حافظ على أربع ~~ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار" وفي صحيح البخاري (¬4) PageV02P397 # من حديث ابن مغفل الأمر بالصلاة قبل المغرب، وهذه ليست مؤكدة بل مستحبة ~~على الأصح بخلاف الأول، واختلاف الأحاديث في أعدادها محمول على التوسعة ~~فيها، وأن لها أقل وأكمل، فيحصل [أصل] (¬1) السنة [بالأقل] (¬2) والأكمل ~~بالأكثر، [وكذلك القول في الضحى والوتر يحصل ms0413 أصل السنة بالأقل والأكمل ~~بالأكثر] (¬3)، وما بينهما أوفى الكمال هذا ما يتعلق بالنوافل المقيدة. # وأما النوافل المطلقة وتسمى: المرسلة، فقد بسط الشيخ تقي الدين (¬4) ~~-رحمه الله- الكلام فيه أحسن بسط، فقال الحق والله أعلم في هذا الباب أعني ~~ما ورد فيه أحاديث بالنسبة إلى التطوعات والنوافل المرسلة، أن [كل] (¬5) ~~حديث صحيح دل على استحباب عدد من هذه الأعداد، أو هيئة من الهيئات، أو ~~نافلة من النوافل، يعمل به في استحبابه، لم تختلف مراتب ذلك المستحب، فما ~~كان الدليل دالا على تأكده،- إما بملازمته فعلا، وإما بكثرة فعله، وإما ~~بقوة دلالة PageV02P398 # اللفظ على تأكيد الحكم فيه، وإما [بمعاضدة] (¬1) حديث آخر له أو أحاديث ~~فيه حكم بعلو مرتبته في الاستحباب، وما نقص عن ذلك كان بعده في [الرتبة] ~~(¬2)، وما ورد فيه حديث لا ينتهي إلى الصحة، فإن كان حسنا عمل به إن لم ~~يعارضه صحيح أقوى منه، وكانت مرتبته ناقصة عن هذه المرتبة [الثانية] (¬3) ~~أعني: الصحيح الذي لم يدم عليه أو لم يؤكد [اللفظ] (¬4) في طلبه، وما كان ~~ضعيفا لا يدخل في حيز الموضوع، فإن أحدث شعارا في الدين منع منه، وإلا فهو ~~محل نظر يحتمل أن يقال: إنه مستحب لدخوله تحت العمومات المقتضية لفعل الخير ~~واستحباب الصلاة، ويحتمل أن يقال: هذه الخصوصيات بالوقت أو بالحال أو ~~الهيئة والفعل المخصوص يحتاج إلى دليل خاص يقضي استحبابه بخصوص وهذا أقرب. ~~ثم نبه بعد ذلك على أمور: # أحدها: إنا حيث قلنا في الحديث الضعيف: إنه يحتمل أن بعمل به لدخوله تحت ~~العمومات، فشرطه أن لا يقوم دليل على المنع منه أخص من تلك العمومات، مثال ~~الصلاة المذكورة في ليلة أول جمعة من رجب (¬5) لم يصح فيها الحديث ولا حسن، ~~فمن أراد فعلها PageV02P399 # إدراجا لها تحت العمومات الدالة على [فضل] (¬1) الصلاة والتسبيحات لم ~~يستقم، لأنه قد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تخص ليلة الجمعة ~~بقيام، وهذا أخص من العمومات الدالة على فضيلة مطلق الصلاة. # الثاني: أن هذا إلاحتمال الذي قلناه [في] (¬2) جواز إدراجه ms0414 تحت العمومات ~~يريد به في الفعل لا في الحكم باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصة؛ ~~لأن الحكم باستحبابه على هيئته الخاصة يحتاج دليلا شرعيا عليه ولا بد، ~~بخلاف ما إذا فعل بناء على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص بذلك الوقت ~~ولا بتلك الهيئة، فهذا الذي قلنا باحتماله. # الثالث: قد منعنا إحداث ما هو شعار في الدين، ومثال ما أحدثه الروافض من ~~عيد ثالث سموه: عيد الغدير، وكذلك الاجتماع وإقامة شعاره في وقت مخصوص على ~~شيء لم يثبت شرعا، وقريب من ذلك أن تكون العبادة من جهة الشرع مرتبة على ~~وجه مخصوص، فيريد بعض الناس أن يحدث فيها أمرا آخر لم يرد به الشرع، زاعما ~~أنه يدرجه تحت عموم؛ فهذا لا يستقيم، لأن الغالب على العبادات التعبد، ~~ومأخذها التوقيف، وهذه الصور حيث لا يدل دليل على كراهة ذلك المحدث أو ~~منعه، فأما إذا دل فهو أقوى في المنع وأظهر من الأول، ولعل مثال ذلك: ما ~~ورد [في] (¬3) رفع اليد [في PageV02P400 # القنوت، فإنه قد صح رفع اليد] (¬1) في الدعاء مطلقا. # قال بعض الفقهاء: ترفع اليد في القنوت، لأنه دعاء فيندرج تحت الدليل الذي ~~يقتضي استحباب رفع اليد في الدعاء. # وقال غيره: يكره لأن الغالب على هيئة العبادة والعبد التوقف، والصلاة ~~تصان عن زيادة عمل غير المشروع فيها، فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليدين في ~~القنوت كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن العمل الذي لم يشرع أخص من ~~الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء. # قلت: قد روى البيهقي (¬2) الرفع فيه بإسناد جيد، كما ذكرته في "شرح ~~المنهاج". # الرابع: ما ذكرنا من المنع تارة يكون منع تحريم، وتارة يكون منع كراهة، ~~ولعل ذلك يختلف بحسب ما يفهم من نفس الشرع [من] (¬3) التشديد في الابتداع ~~بالنسبة إلى ذلك الجنس، [و] (¬4) التخفيف؛ ألا ترى أنا إذا نظرنا إلى البدع ~~المتعلقة بأمور الدنيا لم تساو الدع المتعلقة بأمور الأحكام الشرعية أو ~~لعلها -أعني البدع PageV02P401 # المتعلقة بأمور الدنيا] (¬1) لا تكره أصلا، بل يحرم ms0415 في كثير منها [بعدم] ~~(¬2) الكراهة، وإذا [نظر] (¬3) إلى البدع المتعلقة بالأحكام الفرعية لم تكن ~~مساوية للبدع المتعلقة بأصول العقائد. # قال الشيخ: فهذا ما أمكن ذكره في هذه المواضع مع كونه من المشكلات القوية ~~لعدم الضبط فيه بقوانين [تقدم] (¬4) ذكرها # للتابعين، وقد تباين الناس في هذا الباب تباينا شديدا، حتى بلغني أن بعض ~~المالكية مر في ليلة من إحدى ليلتي الرغائب، أعني في رجب أو التي في شعبان ~~(¬5) بقوم يصلونها، وقوم عاكفين على محرم، فحسن حال العاكفين على المصلين ~~لتلك الصلاة، وعلل ذلك بأن العاكفين عالمون بارتكاب المعصية فيرجى لهم ~~الاستغفار والتوبة، والمصلون لتلك الصلاة في امتناعها عنده يعتقدون أنهم في ~~طاعة فلا يتوبون ولا يستغفرون قال: والتباين في هذا يرجع إلى الحرف الذي PageV02P402 # ذكرنا، وهو إدراج الشيء المخصوص تحت العمومات أو طلب دليل خاص على ذلك ~~الخاص، وميل المالكية إلى هذا الثاني، وورد عن السلف الصالح ما يؤيده في ~~مواضع، ألا ترى أن ابن عمر قال في صلاة الضحى "إنها بدعة" لأنه لم يثبت ~~عنده فيها دليل، ولم ير إدراجها تحت عمومات الصلاة لتخصيصها بالوقت ~~المخصوص، وكذلك قال في القنوت الذي [كان] (¬1) يفعله الناس في عصره: إنه ~~بدعة. ولم ير إدراجه تحت عمومات الدعاء. # وكذلك ما روى الترمذي (¬2) من قول عبد الله بن مغفل لابنه في الجهر ~~بالبسملة: "إياك والحدث" ولم ير إدراجه تحت دليل # عام [وكذا] (¬3) ما جاء عن ابن مسعود [النهي] (¬4) فيما خرجه الطبراني ~~(¬5) عن قيس بن أبي حازم قال: ذكر [لابن مسعود # [قاص] (¬6) [يجلس] (¬7) بالليل، ويقول للناس: قولوا كذا، PageV02P403 # قولوا] (¬1) فقال: إذا رأيتموه فأخبروني. قال: فأخبروه. فجاء عبد الله ~~متقنعا، فقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا # عبد الله بن مسعود (¬2): إنكم لأهدى من محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه، يعني وإنكم [المتعلقون] (¬3) بذنب ضلالة" وفي رواية: "لقد جئتم ~~ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - علما" فهذا ~~ابن مسعود أنكر هذا الفعل مع إمكان إدراجه تحت عموم فضيلة الذكر، على ms0416 [أن] ~~(¬4) ما حكيناه في القنوت والجهر بالبسملة من باب # الزيادة في العبادات، هذا آخر كلام الشيخ تقي الدين (¬5) وهو من النفائس. # ويجاب على تقدير ثبوت ذلك عنهم أنه محمول على أنه لم تبلغهم الأحاديث ~~الخاصة فيه، أو أنه إقترن به أمر من زيادة أو ترك واجب شرعي، أو استدراج ~~بذلك إلى مفاسد علموها؛ وإلا فالأحاديث الصحيحة ثابتة [بالأمر] (¬6) بالذكر ~~فرادى ومجتمعين، والحث عليه وعلى صلاة الضحى والدعاء في الصلاة وكذا القنوت ~~في الصبح. # واعترض عليه بعض المالكية فيما ذكره من الجهر بالبسملة، PageV02P404 # فقال: ليس النهي عن مجرد [الجهر] (¬1)، بل النهي عن زيادة البسملة في ~~[أول] (¬2) الفاتحة، لأنه - عليه السلام - وأبا بكر وعمر وعثمان وعليا لم ~~يكونوا يقرءون بها، كما جاء مصرحا به في الصحيح (¬3) وهذا منه غلط، بل ~~الحديث المذكور مؤول بل [معلول] (¬4)، وقد ذكرت وجه تعليله في "تخريجي ~~لأحاديث منهاج البيضاوي في الأصول" فراجعه منه [وسأذكره إن شاء الله عند ~~وصولي إلى موضعه] (¬5). # [وأما] (¬6) إمامنا الشافعي - رضي الله عنه - كما نقله البيهقي في مدخله ~~سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ثلاثة أوجه. # أحدها: ما أنزل الله -تعالى- فيه نص بالكتاب [فسن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بمثل نص الكتاب] (¬7). # والثاني: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد ~~بالجملة، وأوضح كيف فرضها أعاما أم خاصا، وكيف أراد أن # تأتي به العباد. PageV02P405 # والثالث: [ما سنه] (¬1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ليس فيه نص ~~كتاب، فمنهم من قال: جعله -تعالى- له بما افترض من طاعته، وسبق في علمه من ~~توفيقه لرضاه أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب. # ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته ~~ليبين عدد الصلاة وعملها عن أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سن من البيوع ~~وغيرها من الشرائع لأن الله -تعالى- قال: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} (¬2) وقال: {وأحل الله البيع وحرم الربا} ~~(¬3) فما أحل وحرم ms0417 فإنما بين فيه عن الله، كما بين الصلاة. # ومنهم من قال: جاءته رسالة الله -جل ثناؤه- فأثبتت به سنة بفرض الله -عز وجل-. # ومنهم من قال: ألقي في روعه كل ما سن وسببه الحكمة التي ألقيت في روعه عن ~~الله -جل ثناؤه- هذا آخر كلامه. وفيه بيان # لمعرفة وجوه السنة وما هي؟ # وقال غيره: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله أو فعله أو حاله ~~وتقريره كما اطلع عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من القول والفعل ~~أو الحال بحضرته وسكت عليه [فالحاصل أن السنة في المعنى الشرعي أمر بين ~~الغلو والإهمال، أعاننا الله على القيام بها على أوفى حال] (¬4). PageV02P406 # الوجه الرابع: من الكلام على الحديث فيه فعل النافلة في البيت والمسجد، ~~نعم اختلف العلماء هل التنفل إثر الفرائض في # المسجد أفضل أم في البيت على ثلاثة أقوال: # أحدها: وهو مذهب الشافعي وقاله النخعي وغيره: إن فعلها في البيت أفضل ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" ~~(¬1) وعلل بخشية اختلاطها بالفرائض، ولئلا تخلى البيوت من الصلاة. # وثانيها: إن فعلها أثر الصلاة في المسجد أجمع للخاطر، حكاها القاضي عياض ~~عن قوم. # وثالثها: الفرق بين الليل والنهار، ففي النهار في المسجد أفضل، وفي الليل ~~البيت أفضل، حكاه القاضي عن مالك والثوري. # واستدل مالك بقوله: "فأما المغرب والعشاء والجمعة، ففي بيته"، وهو دال ~~على [أن] (¬2) ما سوى ذلك كان في المسجد، وما سوى المغرب والعشاء هو راتب ~~النهار. # قلت: هذه الرواية التي استدل بها قد ذكر فيها سنة الجمعة وهي نهارية فلا ~~يحسن الاستدلال بها إذن؛ والحديث السالف عام في جميع النوافل الراتبة مع ~~الفرائض، إلا في سنة الجمعة التي قبلها، وإلا في النوافل التي هي شعار ~~الإسلام: كالعيد والكسوف والاستسقاء وغير ذلك مما أوضحته في "شرح المنهاج"، ~~فراجعه PageV02P407 # منه. وفي بعض الروايات التصريح بأنه عليه السلام صلى سنة الصبح في بيته، ~~وهي صلاة نهار، فهو مما يرد على من فصل أيضا. # ولو قيل: فعلها في البيت أفضل ms0418 إلا أن يكسل عن فعلها فيه ففي المسجد أفضل ~~لم يبعد. # واعلم أن ابن حبان (¬1) روى في صحيحه من حديث جابر أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - صلى ركعتين بعد الجمعة في المسجد، [ولم ير يصلي بعد الجمعة يوم ~~الجمعة ركعتين في المسجد، وكان ينصرف إلى بيته قبل ذلك اليوم]. وهو محمول ~~على بيان المشروعية منه - صلى الله عليه وسلم - وكذا حديث حذيفة أنه - عليه ~~السلام -: "صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة" ~~أخرجه الترمذي (¬2) معلقا قبيل أبواب الزكاة، وقال: فيه دلالة أنه - عليه ~~السلام - صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد (¬3). PageV02P408 # الخامس: قول حفصة - رضي الله عنها -: "وكان يصلي سجدتين". المراد بهما: ~~ركعتا الفجر، فهو من باب إطلاق الجزء # على الكل. # السادس: فيه أن سنة الصبح لا يدخل وقتها إلا بطلوع الفجر، ولا أعلم فيه خلافا. # السابع: فيه أيضا استحباب تخفيفهما وهو مذهبنا ومذهب مالك والجمهور (¬1). # وقال بعض السلف (¬2): لا بأس بإطالتهما، ولعله أراد أن الإطالة ليست ~~محرمة ولا نزاع في ذلك. # وبالغ قوم فقالوا: لا قراءة فيها أصلا، حكاه الطحاوي والقاضي، وهو غلط، ~~والأحاديث الصحيحة ترده. # فقد صح أنه - عليه السلام - قال: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن" (¬3). # وصح أنه - عليه السلام - كان يقرأ فيهما ب {قل يا أيها الكافرون (1)}. ~~{قل هو الله أحد (1)} (¬4) [وقوله] (¬5) تعالي: PageV02P409 # {قولوا آمنا بالله} {قل يا أهل الكتاب تعالوا ...} (¬1) الآيتان. # واستحسن الغزالي في كتابه "وسائل الحاجات" (¬2) أن يقرأ في الأولى {ألم ~~نشرح} وفي الثانيه {ألم تر كيف} وقال: إن ذلك يرد شر ذلك اليوم (¬3). # وفي "فضائل القرآن العظيم" لأبي العباس الغافقي (¬4) أنه - عليه السلام - ~~"أمر رجلا شكى إليه شيئا أن يقرأ في الأولى والثانية بذلك". # وتوسط مالك وجمهور أصحابه (¬5)، فقال: لا يقرأ غير الفاتحة، وهو مخالف ~~للسنة الصحيحة المذكورة التي لا معارض لها. # وفي مختصر ابن شعبان (¬6) عندهم يقرأ فيها بأم القرآن وسورة PageV02P410 # من قصار المفصل. # الثامن: قوله: "وكانت ساعة لا أدخل على النبي - صلى الله عليه وسلم ms0419 - ~~فيها" هذا بيان لعذره في عدوله عن المعاينة لفعله -عليه السلام - إلى إخبار ~~حفصة - رضي الله عنها - وفيه تنبيه على أنه لا يعدل في تحصيل العلم إلى خبر ~~الواحد إلا لعذر، وإن كان حجة [كما سيأتي] (¬1). # التاسع: في الرواية الأخيرة دلالة على رواية الأخ عن أخيه ذكرا كان أو أنثى. # العاشر: أخذ العلم عن المرأة خصوصا إذا كانت أعلم بالواقعة والحالة. # الحادي عشر: قبول خبر الواحد، وهو مذهب العلماء من جميع الطوائف، خلافا ~~لبعضهم، وعمل [بخبر الواحد من الصحابة فمن بعدهم] (¬2) [فيما لا يحصى من ~~الأحكام] (¬3). # الثاني عشر: عدم الدخول على الشخص في ذلك الوقت والاستئذان عليه. PageV02P411 # الثالث عشر: فيه أيضا الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - في النوافل، ~~وفعلها وتتبعها ونقلها؛ إن حملت المعية المذكورة في الحديث على المعية في ~~الصلاة، وقد تقدم ما فيه في الوجه الثاني من الكلام على الحديث. PageV02P412 ### ||| AUTO الحديث السابع # 65/ 7/ 10 - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "لم يكن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر" (¬1). # وفي لفظ لمسلم (¬2): "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها". # [وفي لفظ: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما عليها"] (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # بعد أن تعلم أنه لا مناسبة لإيراده في هذا الباب إلا ما أسلفناه في ~~الحديث قبله. # أحدها: النوافل: جمع نافلة. # وأصلها في اللغة: عطية التطوع. # والنافلة: أيضا ولد الولد (¬4). PageV02P413 # [ثانيها] (¬1): التعاهد: المحافظة على الشيء، وتجديد العهد به والتعهد مثله. # قال الجوهري: [وتعهدت فلانا وتعهدت صنعتي] (¬2)، وهو أفصح من قولك: ~~[تعاهدته] (¬3)، لأن التعاهد لا يكون إلا بين [شيئين] (¬4). # قلت: وشدة تعاهده - عليه الصلاة والسلام - على صلاتها لعظم فضلها وجزيل ~~ثوابها. # [ثالثها] (¬5): في الحديث دليل على تأكد ركعتي الفجر، وهو إجماع فإن ~~المراد [بها] (¬6) في هذا الحديث: السنة لا الفريضة. # ومن الغرائب ما حكاه في "المحصول" عن الفقهاء أنهم قالوا: إن أهل محلة لو ~~اتفقوا على ترك سنة الفجر بالإصرار فإنهم يقاتلون بالسلاح؛ وهذا لا نعرفه ~~عنهم، ولا عن ms0420 غيرهم، وإنما قالوه في الأذان والجماعة ونحوهما من الشعائر ~~الظاهرة، ومع ذلك فالصحيح عندهم إذا قلنا بسنيتها أنهم لا يقاتلون على تركها. # رابعها: فيه أيضا أنهما غير واجبتين لقول عائشة: من النوافل. وقد انفرد ~~الحسن البصري بدعواه وجوبهما. PageV02P414 # وفي مذهب مالك أنها من الرغائب، لأنها قالت: من النوافل. ولم تقل من السنن. # والمالكية فرقوا سنين السنة والرغيبة والنافلة. فقالوا: السنة آكدها، ثم ~~الرغيبة، ثم النافلة. # فما واظب عليه في الجماعة مظهرا له فهو سنته. # وما لم يواظب [عليه] (¬1) [وحده] (¬2) [وعده] (¬3) من النوافل فهو فصيلة. # وما واظب عليه ولم يظهره كركعتي الفجر ففيه قولان: # أحدهما: سنته. # والثاني: فضيلة. وهذا اصطلاح لا أصل له (¬4)، وقد بينا السنة PageV02P415 # ومعناها في الحديث قبله لكن السنة تختلف رتبتها في الفضيلة، فبعضها آكد ~~من بعض على حسب مقصود الشرع ومقتضاه وشرعية الجماعة فيها؛ نعم أكابر ~~[الصحابة] (¬1) (¬2) على أنهما من السنن، وعرف الشرع إطلاق النافلة على ~~الكل لقوله -عليه السلام - للأعرابي: "إلا أن تطوع" (¬3) والتطوع والنافلة ~~بمعنى واحد. [وإذا] (¬4) كان لفظ النافلة إسما جامعا للثلاثة، فلا دلالة ~~فيه على أحدها بعينه، ولأن لفظ الحديث شرح بأنها نافلة، والمستدل على أنها ~~من الرغائب لا يقول بمرادفتها للنافلة. # خامسها: استدل بهذا الحديث لأحد القولين عندنا في ترجيح سنة الصبح على ~~الوتر، لكن لا دلالة فيه، لأن الوتر كان واجبا # عليه - صلى الله عليه وسلم -، فلا يتناوله هذا الحديث. # واستدل لهذا القول وهو قول قديم بأمور: # أحدها: أن الوتر تبع للعشاء، وركعتي الفجر تبع للصبح، والصبح أفضل من ~~العشاء، فتابعها آكد. # ثانيها: أنه - عليه السلام - كان يصلي الوتر على الراحلة، وركعتي الفجر ~~على الأرض. # ثالثها: أن [ركعتي] (¬5) الفجر تتقدم على متبوعها، والوتر يتأخر. PageV02P416 # رابعها: أنها محصورة بعدد متفق عليه بخلافه. # خامسها: شدة المحافظة [عليها وكونها] (¬1) خير من الدنيا وما فيها، لكن ~~المواظبة مشتركة [بينه] (¬2) وبين الوتر، فإن كان واجبا عليه على ما صححوه، ~~ومعلوم أنه كان على الواجب أشد محافظة من المندوب، وإذا كان فعل المندوب ~~خير من الدنيا وما ms0421 فيها، فما ظنك بالواجب؟ والجدير أن الوتر أفضل، وعلل ~~بكونه اختلف في وجوبه وهو منتقض بما قدمناه عن الحسن البصري، فإنه قال: ~~بوجوب ركعتي الفجر، ومعلوم [أنه] (¬3) من فضلاء التابعين وجلتهم فاستويا في ذلك. # سادسها: هذا الحديث يقتضي تفضيل ركعتي الفجر على جميع الصلوات فرضها ~~ونفلها، خرج الفرض بالإجماع، وبقي ما عداه على عمومه، قاله الماوردي (¬4). # سابعها: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "خير من الدنيا وما فيها". قال ~~النووي في شرح مسلم (¬5): أي خير من الدنيا ومتاعها. PageV02P417 # وقال غيره المراد بالدنيا حياتها وما فيها، متاعها لا ذاتها [وكأنه] (¬1) ~~قال: خير من متاع الدنيا. # وقال غيرهما: إنما قال: ذلك لأنه بشر أن حساب أمته يقدر بهما، فلهذا ~~كانتا عنده خير من الدنيا وما فيها، لما يتذكر بها من # عظم رحمة الله بأمته من ذلك الموقف العظيم. # وقال بعض فضلاء المالكية في تفسير النووي السالف: نظر فإنه قد جاء في ~~الحديث الآخر: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله" (¬2) الحديث. ~~وخير هنا أفعل تفضيل، وهو يقتضي المشاركة في الأصل وزيادة كما تقرر، ولا ~~مشاركة بين فضيلة ركعتي الفجر ومتاع الدنيا المخبر عنه بأنه ملعون، ويبعد ~~أن يحمل كلام الشارع على ما شذ من قولهم: العسل أحلى من الخل. إلا أن يقال: ~~إن المعنى ما يحصل من نعيم ثواب ركعتي الفجر في الدار الآخرة خير مما يتنعم ~~به في الدنيا فترجع (¬3) المفاضلة إلى ذات النعيم الحاصل بين الدارين، [لا] ~~(¬4) إلى نفس ركعتي الفجر ومتاع الدنيا. PageV02P418 ### || AUTO 11 - باب الأذان # أصله الإعلام: قاله أهل اللغة. # واشتقاقه: من الأذن بفتح الهمزة والذال وهو الاستماع. # وهو في الشرع: ذكر مخصوص شرع في الأصل للإعلام بدخول وقت الصلاة ~~المفروضة، ونفتتح هذا الباب بمقدمات. # أولها: الأذان كلمة جامعة لعقيدة الإيمان مشتملة على نوعيه من العقليات ~~والسمعيات. # فأولها: إثبات الذات وما تستحقه من الكمال والتنزيه. # ثم إثبات الوحدانية. # ثم إثبات الرسالة والنبوة لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم الدعاء ~~إلى الصلاة، وجعلها عقب إثبات الرسالة، لأن معرفة وجودها ms0422 من جهته لا من جهة ~~العقل، ثم الدعاء إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء، وفيه إشعار بأمور الآخرة ~~من البعث والجزاء، ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها، وهو ~~متضمن لتأكيد الإيمان، نبه على ذلك القاضي عياض، وهو من النفائس. PageV02P419 # ولخصه القرطبي في شرحه (¬1)، فقال: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على ~~مسائل العقيدة، وذلك أنه - عليه السلام - بدأ بالأكبرية وهي تتضمن وجود ~~الله - تعالى - ووجوبه وكماله، ثم ثني بالتوحيد ثم ثلث برسالة رسوله، ثم ~~ناداهم لما أراد من طاعاته، ثم ضمن ذلك بالفلاح وهو البقاء الدائم، فاشعر ~~بأن ثم جزاء، ثم أعاد ما أعاد توكيدا. # ثانيها: الأصل في مشروعية الأذان قصه عبد الله بن زيد أخرجها أبو داود ~~والترمذي وغيرهما، وهي موضحة فيما خرجته من أحاديث الرافعي وأحاديث الوسيط ~~فراجعها منهما. # ثالثها: ذكر العلماء في حكمة الأذان أربعة أشياء: إظهار شعار الإسلام، ~~وكلمة التوحيد، والإعلام بدخول وقت الصلاة، ومكانها، # والدعاء إلى الجماعة (¬2). # رابعها: المشهور عندنا أن الأذان والإقامة سنته أي سنه [على] (¬3) كفاية، ~~وبه قال أبو حنيفة ومالك. # وقيل: فرض كفاية، وبه قال أحمد. # وقال أهل الظاهر: إنه فرض على الأعيان. # وقال بعضهم: إنه فرض مطلقا على الجماعة سواء كانت الجماعة في حضر أو سفر. PageV02P420 # وقال بعضهم: هو فرض السفر. # واختار القاضي أبو الوليد من المالكية (¬1): أنه واجب على الكفاية في ~~المساجد والجماعات الراتبة، وعلل الوجوب بإقامة # الشعار وتعريف الأوقات. # قال القاضي عياض: وهو ظاهر قول مالك في الموطأ (¬2). # وروى الطبري عن مالك (¬3): إن ترك أهل [المصر] (¬4) الأذان عامدين أعادوا ~~الصلاة. # واختلف عند المالكية في المراد بالوجوب السالف، فقيل: معناه وجوب السنن ~~المؤكدة. # وقيل: على ظاهره من الوجوب على الكفاية، وتأول قول من قال: إنه سنة. أي ~~ليس من شروط الصلاة لقولهم في ستر العورة وإزالة النجاسة قاله أبو عمر وفي ~~وجه عندنا أنه سنة في غير الجمعة فرض كفاية فيها. # وقال ابن المنذر (¬5): هو فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر. دون ~~المنفرد، وأكثر أهل العلم على أن من ms0423 صلى بلا أذان # ولا إقامة في حضر أو سفر لا إعادة عليه. PageV02P421 # وقال عطاء ومجاهد (¬1): فيمن نسي الإقامة أنه يعيد الصلاة. # وقال الأوزاعي (¬2): من نسيها فإن كان الوقت واسعا أعاد وإلا فلا. # خامسها: ادعى ابن العربي في القبس (¬3) أنه - عليه السلام - أذن (¬4) ~~وهذا لفظه: "أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقام وصلى". فتعين الكل ~~بفعله ثم سقط الوجوب في الأذان عن الفذ وفي ذلك غائلة، فراجعها من تخريجي ~~لأحاديث الرافعي والوسيط وذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث: PageV02P422 ### ||| AUTO الحديث الأول # 66/ 1/ 11 - عن أنس - رضي الله عنه - قال: "أمر بلال أن يشفع الأذان، ~~ويوتر الإقامة" (¬1). # [الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وقد تقدم في الاستطابة] (¬2). # [ثانيها] (¬3): بلال هو ابن رباح بالموحدة، مولى الصديق، أمه: حمامة، سكن ~~دمشق، وكان ممن عذب في الله، وهانت عليه نفسه، وهو أول من أذن في الإسلام، ~~مات سنه عشرين، وهو ابن بضع وستين على أحد الأقوال فيهما، وترجمته مبسوطة ~~فيما أفردته في [الكلام على] (¬4) تراجم هذا الكتاب فراجعها منه. PageV02P423 # ثالثها: قوله: "أمر [بلال] (¬1) " هو بضم الهمزة وكسر الميم أي أمره بذلك ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد جاء مصرحا [به] (¬2) كذلك في ~~النسائي (¬3) وصحيح أبي عوانة (¬4) وابن حبان (¬5) والحاكم (¬6) وزاد إنه ~~على شرط الشيخين. ومثل هذا اللفظ من الصحابي يقتضي الرفع على الصحيح عند ~~[المحدثين] (¬7) والأصوليين. # وزعم بعضهم أن الآمر بذلك إنما هو أبو بكر وعمر (¬8)، وهذا [فاسد] (¬9). # قال الخطابي (¬10): هذا تأويل فاسد؛ لأن بلال لحق بالشام بعد موت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - واستخلف سعد القرظي على الأذان في مسجد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. PageV02P424 # [رابعها] (¬1): "يشفع" بفتح أوله وثالثه معناه يأتي به مثنى، وهذا مجمع ~~عليه اليوم، وحكي في إفراده خلاف عن بعض السلف، وأسقط مالك (¬2) التكبير في ~~أوله، وجعله مثنى، والترجيع ثابت في بعض نسخ مسلم من حديث أبي محذورة (¬3). ~~وهو المشهور أيضا في حديث عبد الله بن زيد. # وقال أبو حنيفة: هو خمس عشرة بإسقاط الترجيع (¬4). # وحكى ms0424 الخرقي عن أحمد (¬5): أنه لا يرجع. PageV02P425 # واختار بعض أصحاب مالك الترجيع. # وذهب البصريون إلى تربيع التكبير الأول، وتثنية الشهادتين والحيعلتين، ~~فيشهد أولا إلى حي على الفلاح نسقا، ثم يرجع ثانيا # كذلك، وبه قال الحسن وابن سيرين (¬1). # [خامسها] (¬2): قوله: "ويوتر الإقامة" أي يأتي بها [على] (¬3) وتر، ولا ~~يثنيها بخلاف الأذان وفي الصحيحين (¬4). "إلا الإقامة"، فإنه يثنيها. # والمراد: معظم الإقامة وتر، وإلا فلفظ التكبير [والإقامة] (¬5) مثنى، ~~وكذلك الأذان مثنى. المراد معظمه، وإلا فالتكبير في أوله # أربعا، ولا إله إلا الله في آخره مرة. # وفي الإقامة عندنا خمسة أقوال ذكرناها في كتب الفروع. # وأصحها وهو مذهب أحمد أنها إحدى عشرة كلمة (¬6). PageV02P426 # ومشهور مذهب مالك أنها عشر بإفراد قوله: "قد قامت الصلاة" (¬1). # وقال أبو حنيفة: الإقامة سبع عشرة كلمة فثناها كلها (¬2). # وروي ذلك في بعض روايات عبد الله بن زيد (¬3)، وهو مذهب شاذ، كما قاله ~~النووي (¬4). # وقال الخطابي (¬5): مذهب جمهور العلماء والذي جرى به العمل في الحرمين ~~والشام ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الإسلام أن الإقامة فرادى، وأن مذهب ~~عامة العلماء أنه يكرر قوله: "قد قامت الصلاة" إلا مالكا [فإن] (¬6) ~~[المشهور] (¬7) عنه أنه لا يكررها. # وأورد الشافعي على مالك سؤالا لا جواب عنه، فقال له: إن كنت تحقق الإفراد ~~فاقتصر على التكبيرة الواحدة، ولا تعد إليها بعد # الإقامة. PageV02P427 # [نعم مالك] (¬1) [أيد] (¬2) مذهبه في ذلك [وغيره] (¬3) يعمل أهل المدينة ~~ونقلهم، [وجعله أقوى] (¬4)، لأن طريقة النقل والعادة في مثله تقتضي شيوع ~~العمل، [وأنه لو كان بغيره لعمل به] (¬5). # وقد اختلف أصحاب مالك في أن إجماع المدينة حجة مطلقا في مسائل الاجتهاد، ~~أو يختص ذلك بما طريقه النقل [والأثار] (¬6): كالأذان، والإقامة، والصاع، ~~والمد، والأوقات، وعدم أخذ الزكوات. من الخضروات. # [وقال] (¬7) بعض المتأخرين من [المالكية] (¬8): الصحيح التعميم. # قال الشيخ تقي الدين: وما قاله غير صحيح عندنا جزما، ولا فرق في مسائل ~~الاجتهاد بينهم وبين غيرهم من العلماء، إذ لم يقم دليل على عصمة بعض ~~الأئمة، نعم طريقة النقل إذا علم اتصاله، وعدم تغيره، واقتضت العادة من ~~صاحب الشرع ms0425 -ولو بالتقدير عليه- فالاستدلال به قوي يرجع إلى أمر عادي. PageV02P428 # سادسها: قد يستدل بهذا الحديث على وجوب الأذان من حيث أنه إذا أمر بالوصف ~~لزم أن يكون [الأصل] (¬1) مأمورا به، # وظاهر الأمر الوجوب. وقد سلف الخلاف في ذلك في مقدمات أول الباب. # سابعها: الحكمة في إفراد الإقامة وتثنية الأذان، أن الأذان [لإعلام] (¬2) ~~الغائبين، فيكرر ليكون أبلغ في إعلامهم، والإقامة للحاضرين فلا حاجة إلى ~~تكرارها، ولهذا يكون صوته في الإقامة دونه في الأذان، وإنما كرر لفظ ~~الإقامة خاصة؛ لأنه مقصود الإقامة. # خاتمة: يحترز من أغاليط المؤذنين في أشياء. # أولها: مد الهمزة من أشهد فيخرج إلى الاستفهام. # ثانيها: مد الباء من أكبر فينقلب المعنى إلى جمع كبر وهو الطبل. # ثالثها: الوقف على إله ويبتدىء إلا الله فهو كفر. # رابعها: إدغام الدال من محمد - صلى الله عليه وسلم - في الراء من رسول ~~الله وهو لحن خفي عند القراء. # خامسها: أن [النطق] (¬3) بالهاء من الصلاة فتركها يبقى دعاء إلى النار. ~~ذكر هذه الخمسة صاحب الذخيرة. PageV02P429 # سادسها: أن يبدل هاء الصلاة حاء زاد الماوردي. # سابعها: وهو إخفاؤهم الشهادتين حتى لا تسمع، قال: وهو غلط؛ لأنه إخلال ~~بالمقصود من الأذان الذي هو الإسماع. # قلت: وثامنا: وهو أن يضم الراء في أكبر الأولى وإنما يفتحها ويسكن ~~الثانية، وفي هذا غائلة ذكرتها في "شرحي المنهاج" فليراجع # منه. PageV02P430 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 67/ 2/ 11 - عن أبي جحيفة- وهب بن عبد الله السوائي - رضي الله عنه - ~~قال: "أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في قبة حمراء من آدم- قال: ~~فخرج بلال بوضوء، فمن ناضح ونائل، قال: فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وعليه حلة حمراء، كأني انظر إلى بياض ساقيه، فتوضأ، وأذن بلال. فجعلت أتتبع ~~فاه (¬1). ها هنا وها هنا، يقول -يمينا وشمالا-: حي على الصلاة، حي على ~~الفلاح، ثم ركزت له عنزة، [فتقدم] (¬2). فصلى [الظهر ركعتين، ثم صلى العصر ~~ركعتين ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى] (¬3) المدينه" (¬4). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه، والمشهور في اسمه واسم أبيه ما ms0426 PageV02P431 # ذكره المصنف، وكان علي - رضي الله عنه - يسميه: وهب الخير، ووهب الله، له ~~صحبة ورواية، روى خمسة وأربعين حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري ~~بحديثين ومسلم بثلاثة، نزل الكوفة وابتنى بها دارا، قيل مات النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولم يبلغ الحلم، جعله علي - رضي الله عنه -[على] (¬1) بيت ~~المال بالكوفة، وشهد معه مشاهده كلها، وكان إذا تعش لا يتغدى، وإذا تغدى لا ~~يتعشى. قال أبو عمر: مات في [إمارة] (¬2) بشر بن مروان بالكوفة. # وقال الشيخ تقي الدين (¬3): مات سنة أربع وسبعين. # والسوائي: بضم السين والمد- نسبة إلى سواءة بن عامر بن صعصعة كذا رأيته ~~في الأنساب للسمعاني (¬4)، وكذا ذكره الشيخ # تقي الدين في الشرح وغيره ووقع في "شرح ابن العطار" [أنها] (¬5) نسبة إلى ~~بني سواه. # ثانيها: "القبة": أصلها في البناء وشبه الأديم وغيره به، والجمع: قبب، ~~وقباب، وهي شيء يحمل من خشب مقبا وهو ضيق الرأس معروف ونعني [بالأدم] (¬6) ~~المصبوغ بالحمرة. PageV02P432 # وقوله: "حمراء" [وصفها] (¬1) بذلك، وهو من باب وصف الشيء بما ظهر [ورئي] ~~(¬2). وهو أحسنه. # ثالثها: "الأدم": الجلد جمع أديم وأدمه، وهو جمع نادر، وربما سمي وجه ~~الأرض: أديما. # رابعها: "الوضوء": هنا بفتح الواو لا غير، وقد تقدم ذلك، قال الشيخ تقي ~~الدين: أطلقه على الماء المعد للاستعمال، لأنه لم # يستعمله بعد، لقوله بعد ذلك: "فتوضأ فأذن بلال" وفي هذا شيء ستعرفه بعد، ~~وقد قدمنا فيما مضى عن الشيخ تقي الدين: أنه قال الأقرب إلى الحقيقة، أن ~~الوضوء بالفتح هو الماء بقيد كونه مستعملا في أعضاء الوضوء، فهنا صرفه [عن] ~~(¬3). الحقيقة لأجل المذكور بعد. # خامسها: قوله: "فخرج بلال" أي من القبة "بوضوء" أي بفضل الماء الذي توضأ ~~به [عليه السلام] (¬4). # وفي البخاري (¬5) "أخذ وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" قيل: ولا ~~ينبغي PageV02P433 # أن يحمل ذلك على الساقط من أعضائه [عليه السلام] (¬1). لأنه ليس من عادته ~~أن يتوضأ في إناء يسقط [فيه] (¬2) الماء المنفصل عن الأعضاء ويجمع ذلك في ~~إناء بل كان يتوضأ على الأرض. # قلت: حديث جابر بن عبد ms0427 الله قال: "جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يعودني، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، وصب من وضوئه علي" أخرجه البخاري (¬3) ~~ومسلم وفي حديث صلح الحديبية (¬4) من رواية المسور ومروان: "ما تنخم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نخامة يومئذ إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك ~~بها وجهه وجلده، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه" رواه البخاري بطوله ~~يدل بظاهره على التوضىء في الإناء فلم لا يحمل [عليه]؟ (¬5). # سادسها: النضح: الرش كما تقدم مبسوطا في باب المذي وغيره. # سابعها: قوله: "فمن ناضح ونائل" فيه إضمار تقديره: فتوضأ، فمن الناس من ~~ينال من وضوئه شيئا، ومنهم من ينضح عليه غيره شيئا مما ناله، ويرش عليه ~~بللا مما حصل له تبركا بآثاره - صلى الله عليه وسلم -، وكلاهما قد ورد ~~مبينا في الصحيح. PageV02P434 # ففي رواية، "ورأيت بلالا أخرى وضوءا فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن ~~أصاب منه شيئا يمسح به، ومن لم يصب منه أخذ من بلل يد صاحبه"، ففيه التبرك ~~(¬1) بآثار الصالحين والتماس خيرهم وبركتهم. # وفيه شدة تعظيم أصحابه له وإجلالهم لمكانه [وعظيم] (¬2) حقه وعظم الحرص ~~على نيل بركته، وكانوا عنده كأنما على رؤوسهم الطير إذا تكلم أنصتوا، وإذا ~~تنخم أو توضأ بادروا كما سلف قريبا، وذلك بعض ما يجب من إعظامه وإجلاله، ~~وكيف لا! وقد أنقذهم من النار، وأبعدهم عن دار البوار، وما أحسن قول ~~القائل: # ولو قيل لمجنون ليلى ووصلها ... تريد أم الدنيا وما في طواياها # لقال غبار من تراب نعالها ... أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها # ثامنها: "الحلة": ثوبان [غير ملفقين] (¬3) إزار ورداء. # وسميا بذلك لأن كل واحد يحل على الآخر. # قال أهل اللغة: ولا يقال: حلة لثوب واحد. # قال البطليوسي (¬4): إلا أن يكون له بطانة. PageV02P435 # وقال بعضهم: لا يقال له حلة حتى تكون جديدة يحلها عن طيها (¬1). # وفي سنن البيهقي في الجنائز: "الحلة ثوبان أحمران غالبا" (¬2) وظاهر هذا ~~الحديث يشهد له، لكن لم أر من أهل اللغة [من # قيدهما] (¬3) بالحمر. # وقال أبو عبيد (¬4): الحلل برود اليمن. والدليل على ms0428 أن الحلة لا تكون إلا ~~ثوبان ما ثبت في الحديث أنه [عليه السلام] (¬5) رأى رجلا عليه حلة إئتزر ~~بإحداهما وارتدى بالأخرى. # [تاسعها] (¬6): قوله: "كأني انظر إلى بياض ساقية" إن قلت من صفاته: إنه ~~ليس بالأبيض الأبهق فإذا نفى عنه البياض، فكيف # يوصف به؟! PageV02P436 # الجواب: أنه ليس [المنفي] (¬1) عنه مطلق البياض، فإنما نفي عنه البياض ~~المقيد بالمهق. # [والأمهق] (¬2): هو الشديد البياض، لا يخالطه شيء من الحمرة، وليس بنير، ~~ولكن كون الجص ونحوه. كذا ذكره أهل اللغة، وفي رواية الحاكم (¬3) في ~~مستدركه: "كأني انظر إلى [بريق] (¬4) ساقيه". # [عاشرها]: فيه دليل على تقصير الثياب، وهو أحد ما قيل في تفسير قوله ~~تعالى {وثيابك فطهر (4)} (¬5) فيكون من باب تسمية الشيء بلازمه إذ يلزم من ~~تقصيرها تطهيرها، وقد جاء [أنه] (¬6) أنقى وأتقى (¬7). # الحادى عشر: فيه دليل على أن الساق ليس بعورة، وهو PageV02P437 # إجماع من الرجل؛ لكن إن نظر [إليهما] (¬1) بشهوة فهو حرام إجماعا كسائر ~~ما ينظر إليه من المحرمات. # الثاني عشر: قوله: "فتوضأ، وأذن بلال" في ظاهره إشكال وذلك أنه قد تقدم ~~قوله: "فخرج بلال بوضوء" وقد قالوا: إن الوضوء ها هنا فضلة ماء وضوئه - صلى ~~الله عليه وسلم - ولذلك ابتدره الصحابة [وازدحموا] (¬2) عليه تبركا به كما ~~تقدم، وقد جاء مبينا في الرواية الأخرى، "فرأيت الناس يأخذون من فضل ~~وضوئه"، فكيف يقال بعد هذا فتوضأ؟! # وقد أجاب القاضي (¬3) عن هذا الإشكال: بأن فيه تقديما وتأخيرا. # التقدير: فتوضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج بلال بوضوءه وليس ~~بظاهر لأن التقديم والتأخير وإن كان خلاف الأصل لا يكون مع التكرار جزما. # قيل: وأقرب ما [يقال] (¬4) في ذلك والله أعلم: أن الوضوء الذي خرج به ~~بلال يجوز أن يكون به فضلة وضوء له متقدم، ثم لما خرج توضأ لهذه الصلاة ~~التي أذن لها بلال، قال قائل: هذا، وهذا أقل تكلفا مما تقدم، إذ لا يلزم أن ~~يكون الوضوء الذي خرج به بلال لهذه الصلاة ولا بد، ويحتمل أن يكون لها لكن ~~عرض PageV02P438 # [له] (¬1) [عليه السلام] (¬2) بعد وضوئه ms0429 ما أوجب إعادة الوضوء إما وجوبا ~~لحدث أو [اختار التجديد] (¬3) وهذا ليس بقوي عندي، والظاهر أن قوله "فتوضأ" ~~أي فتوضأ بلال لأجل الأذان ولا حاجة إلى ادعاء التقديم والتأخير ولا إلى ~~التكلف السابق والله أعلم. ويبعد حمل الوضوء الأول على اللغوي، وهو إدخال ~~اليد في الإناء. # الثالث عشر: قوله: "فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا" معناه أتتبع فاه في ~~حال التفاته يمينا وشمالا يقول: "حي على الصلاة، حي على الفلاح". # [وهنا] (¬4): ظرف مكان، ويتصل بآخرها حرف الخطاب، فيقال: "هناك" زيدت ~~عليه [هاء] (¬5) التنبيه كزيادتها على اسم الإشارة نحو "هذا". # وهنا: مبني لتضمنه معنى حرف الإشارة تقديرا، إذ لا وجود له لفظا. # [و] (¬6) فيها ثلاث لغات: # ضم الهاء، وتخفيف النون كما هو في الحديث، وفتح الهاء PageV02P439 # مع تشديد النون وكسرها مع ذلك، وهو أقلها ومثلها من ظروف المكان المشار ~~بها، ثم بفتح الهاء [لكنها] (¬1) لا يشار بها إلا لما بعد من الأمكنة بخلاف ~~[هنا] (¬2) فإنها لما قرب خاصة. # الرابع عشر: قوله: "يمينا وشمالا" هما بدل من قوله "ها هنا وها هنا" ~~ويجوز أن يكون منصوبين بإضمار أعني، مفعولين على التبعية. # الخامس عشر: فيه دليل على جواز استدارة المؤذن للإسماع عند الدعاء إلى ~~الصلاة، وهو وقت التلفظ بالحيعلتين. # وقوله: "يقول حي على الصلاة، حي على الفلاح" يبين وقت الاستدارة وأنه وقت ~~الحيعلتين، كذا ذكره الشيخ تقي الدين (¬3)، لكن ظاهر الحديث استدارة الرأس ~~والعنق فقط لا استدارة جميع البدن، ويؤيده رواية (¬4) أبي داود بعد ذلك: ~~"ولم يستدر" وفي النسائي (¬5): "ينحرف يمينا وشمالا" وفي صحيح ابن خزيمة ~~(¬6) "فيتبع PageV02P440 # بفيه ووصف سفيان [يميل] (¬1) برأسه يمينا وشمالا" نعم في ابن ماجه (¬2) ~~"فاستدار في أذانه" وفيها حجاج بن أرطأة وفي مسند الدارمي (¬3): "فرأيته ~~يدور في أذانه". وفي صحيح الحاكم (¬4): "رأيت بلال يؤذن، ويدور، ويتبع فاه ~~ها هنا وها هنا" ثم قال الحاكم: لم يذكر البخاري ومسلم الاستدارة في ~~الأذان، وهو سنته مسنونة صحيحة على شرطهما. وأما البيهقي (¬5) فإنه لم يصحح ~~رواية الاستدارة، كما ذكرت كلامه بطوله ms0430 في تخريجي لأحاديث الرافعي، وليس ~~هذا موضع ذكره فراجعه منه. # وقد جوز مالك [دورانه] (¬6) [للاسماع] (¬7) مطلقا فيما يظهر من PageV02P441 # كلام القاضي عياض (¬1)، قال: ويكون مستقبل بقدميه وهو اختيار الشافعي أي: ~~وإنما يلوي رأسه وعنقه وفي البلد الكبير وجه عندنا في جواز الاستدارة. حكاه ~~الماوردي (¬2). # واختلف في كيفية التفاته على مذاهب، وهي أوجه لأصحابنا: أصحها: أنه يلتفت ~~في الحيعلتين الأولى: يمينا، والثانية: شمالا. # والثاني: يقسمان للجهتين: والثالث: يلتفت يمينا [فيحيعل] (¬3) [ثم يلتفت ~~فيحيعل] (¬4)، ثم يستقبل، ثم يلتفت فيحيعل، وكذلك الشمال. # قال الشيخ تقي الدين: والأقرب إلى لفظ الحديث [هو] (¬5) الأول. # قلت: وهو محتمل للوجه الثاني والثالث أيضا فليتأمل. # السادس عشر: قوله: "حى على الصلاة، حى على الفلاح" معناه تعالوا إلى ~~الصلاة تعالوا إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء الدائم، يقال: حي على كذا، ~~أي: هلم وأقبل، ويقال: حي علا وحي هلا وحي هلا وحي على كذا وحي إلى كذا ~~[وحي] (¬6) [هل] (¬7) منصوبة PageV02P442 # مخففة مشبة بخمسة عشر وحي [هل] (¬1) بالسكون لكثرة الحركات وتشبيها بصه ~~ومه [وحي هل] (¬2) بسكون الهاء [وحي هلن وحي هلن] (¬3). # وذكر الزمخشري (¬4) لغة أخرى وهي [حيهلا] (¬5) بتخفيف الياء. # وقد نظم ابن مالك معظم لغاته في بيت (¬6). فقال: # حيهل حيهل احفظ ثم حيهلا ... أو نون أو حيهل ثم قل حي علا # وهي كلمة استعجال مولدة ليست من كلام العرب، لأنه ليس في كلامهم كلمة ~~واحدة فيها حاء وعين مهملتان. # وقيل: معنى حي هلم، وهلا: حثيثا (¬7). PageV02P443 # وقيل: هلا أسرع [جعلا] (¬1) كلمة واحدة. # وقيل: هلا أسكن. # وحي: أسرع. # وقيل: حي أعجل أعجلا، وهلا: صلة. # السابع عشر: قوله: "ثم ركزت له عنزة" أي أثبتت له في الأرض. يقال: ركزت ~~الشيء، أركزه بضم الكاف في المستقبل ركزا وأثبته، وتقدم بيان العنزة في ~~الاستطابة، وأن المصنف، قال: إنها الحربة. وذكر مقالة غيره فيها أيضا. # وقال المحب الطبري في "أحكامه": في باب: استحباب السترة. العنزة: مثل نصف ~~الرمح، والعكازة قريب منها، قال: والظاهر أن هذه العنزة هي التي قتل بها ~~الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص يوم ms0431 بدر، فإن في البخاري (¬2) من حديث عروة ~~به الزبير عن أبيه أنه "لما قتله بها سأله إياها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأعطاه [فلما] (¬3) قبض أخذها، [ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قبض ~~أخذها، ثم سأله إياها عمر فأعطاه، فلما قبض أخذها] (¬4)، ثم طلبها عثمان ~~منه فأعطاه إياها، فلما قتل وقعت عند آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، ~~فكانت عنده حتى قتل". PageV02P444 # الثامن عشر: [قوله] (¬1): "ثم لم يؤل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة" ~~[يريد أن اجتماعه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة، فلم يزل يصلي ركعتين ~~حتى رجع إلى المدينة] (¬2) وقد جاء مصرحا بذلك في رواية أخرى في الصحيح ~~وأنه أتاه "بمكة وهو بالأبطح في قبة حمراء من أدم" وفيها فائدة زائدة رافعة ~~لإيهام أن يكون اجتماعه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل وصوله إلى مكة ~~في رواية الكتاب، فيشكل قوله: "فلم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة من ~~حيث إن السفر يكون له نهاية يوصل إليها قبل الرجوع، وذلك مانع من القصر عند ~~بعضهم، فإذا تبين أن الاجتماع كان بمكة علم نهاية السفر وابتداء قصر الظهر، ~~وأنه من ابتداء رجوعه من مكة إلى وصوله إلى المدينة. نبه على ذلك الشيخ تقي ~~الدين (¬3). # التاسع عشر: "المدينة": مشتقة من دان إذا أطاع. # وقيل: من مدن بالمكان إذا أقام به و [قد قدمنا في باب الجنابة] (¬4) أن ~~لها أسماء كثيرة فوق العشرين وأحلنا [على] (¬5) مراجعتها [من] (¬6) كتابي ~~المسمى بالإشارات إلى ما وقع في المنهاج PageV02P445 # من الأسماء والمعاني واللغات (¬1). # العشرون: في الإشارة إلى ما حضرنا من فوائده. # الأولى: إتيان [أهل القدوة وأهل الفضل] (¬2) إلى أماكنهم في السفر والحضر ~~[] (¬3) وذكر منازلهم. # الثانية: خدمتهم بإحضار الوضوء ونحوه. # الثالثة: استعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم والتبرك بأثارهم ~~كما سلف. # الرابعة: الازدحام على فعل الخير ما لم يكن فيه أذى. # الخامسة: جواز لبس الأحمر من الحلة الحمراء وغيرها (¬4) PageV02P446 # وحديث: "إياكم والحمرة! فإنها أحب الزينة إلى الشيطان" باطل، PageV02P447 # وإسناده مضطرب منقطع، كما نبه عليه ms0432 الجوزقاني في "موضوعاته" (¬1): # وقال الخطابي: عقب حديث أنه عليه السلام: "كان يلبس حلة حمراء" (¬2) [قال ~~الشيخ: قد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبس المعصفر، وكره لهم] ~~(¬3) الحمرة [للرجال] (¬4) في اللباس، وهو منصرف إلى [ما صبغ من الثياب بعد ~~النسج، فأما ما] (¬5) صبغ غزله ثم نسج فغير داخل في النهي. والحلل إنما هي ~~برود اليمن: حمر وصفر وخضر وما بين ذلك من الألوان، وهي لا تصبغ [إلا] (¬6) ~~بعد النسج [وإنما] (¬7) يصبغ الغزل ثم يتخذ منه الحلل، وهي [العصبة] (¬8) PageV02P448 # وإنما سمي عصبا، لأن غزله [يصبغ ثم يعصب] (¬1) ثم ينسج. # وقال الأستاذ أبو القاسم (¬2) قوام السنة إسماعيل الحافظ: إنما لبسه ونهى ~~غيره عنه لمعنى هو مأمون منه. # وسأل أبو بكر المروذي (¬3) الإمام أحمد عن المرأة تلبس المصبوغ الأحمر ~~فكرهه كراهة شديدة. [وقال] (¬4): إما أن تريد الزينة فلا. وقال: يقال: إن ~~أول من لبس الثياب الحمر آل قارون [و] (¬5) آل فرعون، ثم قرأ: {فخرج على ~~قومه في زينته} (¬6) قال: في ثياب حمر (¬7)، يروى بأسانيد في النهي عن لبس ~~الأحمر. # قال المروذي: سمعت غير واحد من أصحابنا يقول PageV02P449 # حدثنا (¬1) إسحاق بن منصور السلولي عن إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ~~ابن عمر، قال: "مر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل وعليه ثوبان ~~أحمران فسلم فلم يرد عليه" (¬2). # قال المروذي: ورأى أبو عبد الله بطانة جبتي حمراء. # فقال: لم صبغتها حمراء؟ # فقلت: للرقاع التي فيها. # قال: وإيش تبالي أن يكون فيها رقاع؟ # قلت: تكرهه؟ # قال: نعم. # قال المروذي: وأمرني يعني أبا عبد الله أن أشتري له تكة، فقال: لا تكون ~~فيها حمرة. # قلت: تكرهه. PageV02P450 # قال: نعم. # قال: وأمرني أن أشتري [له] (¬1) مدادا، قال: لا يكون فيه حمرة ثم قال: هو ~~شيء يصبغ به، إنما هو طاهر، وإنما كرهته من # أجل هذا # قلت لأبي عبد الله: الثوب الأحمر يغطي به الجنازة، فكرهه. # قلت: ترى أن [أجذبه] (¬2)؟ # قال: نعم. # وقال النووي في شرح [المهذب] (¬3): يجوز لبس الثوب الأبيض والأحمر ~~والأصفر والأخضر والمخطط ms0433 وغيرها من ألوان الثياب: قال ولا خلاف في هذا ولا كراهة. # قال الشافعي والأصحاب: وأفضلها البيض. # السادسة: جواز النظر إلى ساقي الرجل الصالح للاقتداء به في حاله ولباسه. # السابعة: [أن] (¬4) الساق ليس بعورة كما تقدم. # الثامنة: تقصير الثياب أيضا كما تقدم أيضا. PageV02P451 # التاسعة: شرعية الأذان في السفر، قال الشافعي: ولا أكره من تركه في السفر ~~ما أكره من تركه في الحضر، لأن أمر المسافر مبني # على التخفيف. # العاشرة: الاستدارة في الأذان وقد تقدم ما فيه. # الحادية عشرة: استحباب وضع السترة بين يدي المصلي عند خوف المرور وسيأتي ~~بيانه في بابه. # [الثانية عشرة] (¬1): أن المرور [من] (¬2) وراء السترة غير ضار. # الثالثة عشرة: الاكتفاء في السترة مثل غلظ العنزة، وهو أقل السترة عند ~~مالك، وعند الشافعي يكفي الغليظ وغيره، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"يجزي من السترة قدر مؤخرة الرحل ولو بدقة شحرة" (¬3)، وقوله - عليه السلام ~~-: "استتروا في صلاتكم ولو بسهم" (¬4) [رواهما] (¬5) الحاكم، وقال في كل ~~منهما: صحيح على شرط مسلم. [وحديث النهي عن الصلاة إلى عود باطل، كما قاله ~~الجوزقاني في موضوعاته] (¬6). PageV02P452 # الرابعة عشرة: استصحاب العنزة للصلاة ونحوها في السفر. # الخامسة عشرة: جواز الاستعانة للإمام بمن يركزها له ونحو ذلك. # السادسة عشرة: أن الأفضل قصر الصلاة في السفر، وإن كان بقرب بلد ما لم ~~ينو إقامة أربعة أيام أما كونه دليلا على وجوب القصر فلا إلا على [قول] ~~(¬1) من يقول: إن أفعاله [عليه السلام] (¬2) على الوجوب، وليس بمختار عند ~~الأصوليين، وسيأتي الكلام على [ذلك] (¬3) في بابه إن شاء الله [تعالى] (¬4) ~~[ذلك] (¬5) وقدره. # السابعة عشرة: أن للمسافر القصر إلى وصوله إلى بلده. PageV02P453 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 68/ 3/ 11 - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، قال: "إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى [تسمعوا] ~~(¬1) أذان ابن أم مكتوم" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وبما وقع فيه من الأسماء أما ابن عمر وبلال ~~فتقدما وأما ابن أم مكتوم فالأكثرون على أن اسمه [عمر] (¬3) بن ms0434 قيس، وقيل: ~~كان اسمه الحصين، فسماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عبد الله. # أمه: عاتكة بنت عبد الله كان قديم الإسلام بمكة وهاجر إلى المدينة [و] ~~(¬4) قدمها بعد بدر بيسير، قاله الواقدي. PageV02P454 # وقيل: قدمها مع مصعب بن عمير قبل قدومه [عليه السلام] (¬1) حكاه أبو عمر، ~~وكان يؤذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع بلال، واستخلفه على ~~المدينة ثلاث عشرة مرة، كما جزم به أبو عمر، شهد فتح القادسية ومعه راية ~~سوداء، وعليه درع، وقتل شهيدا بها. وقال الواقدي: رجع منها إلى المدينة ~~فمات ولم يسمع له بذكر بعد عمر بن الخطاب. # قلت: وكان رجلا أعمى، ذهب بصره بعد بدر بسنتين (¬2)، وذكر أبو القاسم ~~البغوي: أنه - عليه السلام - استعمله يوم الخندق. # ثانيها: في الحديث ما كان [عليه السلام] (¬3) من المحافظة على أمر ربه ~~-سبحانه وتعالى- في بيان الشرائع والأحكام دقها وجلها؛ فإن الله جعل البيان ~~إليه فقال: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} (¬4). # ثالثها: فيه جواز الأذان للصبح قبل طلوع الفجر الصادق في الصوم وغيره، ~~وهو حجة على أبي حنيفة والثوري (¬5) من أنه PageV02P455 # لا يؤذن لها إلا بعد طلوع الفجر، ومن جهة المعنى إنباه النائم وتأهبه ~~لإدراك فضيلة أول الوقت، وقد أشار - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا المعنى ~~في حديث ابن مسعود: "لا يمنعن [أحدكم] (¬1) أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن ~~أو قال ينادي [بليل] (¬2) ليرجع قائمكم [ولينبه] (¬3) نائمكم" (¬4). # وفي "شرح التنبيه" لابن الحلي عن أحمد: أنه كره الأذان للصبح قبل الوقت ~~في رمضان خاصة. # قال صاحب "الإقليد": وتقديمه على سبيل الاستحباب لا على سبيل الجواز، كما ~~أطلقه الأكثرون وذلك في عبارة الشافعي. # [رابعها] (¬5): فيه وجوب البيان عند الاشتباه، فإنه لما كان الأكل والشرب ~~جائز إلى طلوع الفجر الثاني للصائم، والأذان في PageV02P456 # العادة مانع منهما بين حكمه - صلى الله عليه وسلم - وهو عدم الامتناع ~~منهما بأذان بلال إلى سماع آذان ابن أم مكتوم، ومن هذا كقوله تعالى: {وكلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ms0435 من الفجر} (¬1) فجعل ~~حتى غاية للتبيين. # قال ابن عطية (¬2): والمراد به فيما قال جميع العلماء بياض النهار وسواد ~~الليل، وهو نص قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن حاتم في حديثه ~~المشهور (¬3). # قال: واختلف في الحد الذي يجب به الإمساك. # فقال الجمهور: بطلوع أول الفجر الصادق. # وروي عن عثمان وحذيفة وابن عباس وطلق وعطاء والأعمش وغيرهم: أن الإمساك ~~يجب بتبيين الفجر [من] (¬4) الطرق وعلى # رؤوس الجبال. # وذكر عن حذيفة أنه قال: "تسحرت مع رسول - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~النهار PageV02P457 # إلا أن الشمس لم تطلع" (¬1). # "وروي عن علي أنه صلى الصبح بالناس ثم قال الآن تبين الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود" (¬2). # قال الطبري: "ومما قادهم إلى هذا القول أنهم يرون أن الصوم إنما هو في ~~النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس لأن آخره # غروبها فكذلك أوله طلوعها" (¬3). PageV02P458 # وحكى النقاش عن الخليل أن النهار من طلوع الفجر، ويدل على ذلك قوله ~~-تعالى-: {وأقم الصلاة طرفي النهار} (¬1). والقول # في نفسه صحيح قال [وقد ذكرت] (¬2) حجته في تفسير قوله تعالى: {واختلاف ~~الليل والنهار} (¬3) قال: وفي الاستدلال بهذه الآية نظر. # خامسها: اختلف أصحابنا في دخول وقت هذا الأذان على أوجه خمسة أوضحتها في ~~شرح المنهاج. # وأصحها عندهم: أنه يدخل من نصف الليل لأنه بمضيه ذهب المعظم. # وأقربها عندي: أنه يؤذن قبيل طلوع الفجر في السحر، وهو ظاهر المنقول عن ~~بلال وابن أم مكتوم فإن في الصحيح (¬4) أنه ليس بين أذانهما إلا أن ينزل ~~[ذا] (¬5) ويرقى [ذا] (¬6) مقيد لإطلاق الحديث المذكور أن بلال يؤذن بليل. # وضبط ابن أبي الصيف (¬7) في "نكته" في الصيام، السحر: بالسدس الأخير. PageV02P459 # وعبارة القاضي حسين الصحيح: أنه يؤذن في نحو السحر؛ لئلا يؤدي إلى اشتباه ~~الأمر على الناس. # وضبط المتولي ذلك ما بين الفجر الصادق والكاذب. # وعبارة ابن يونس في "شرحه للتنبيه" في حكايته هذا الوجه ما نصه، وقيل: ~~يؤذن [قبل] (¬1) الصبح كوقت السحور. # وقال الشيخ تقي الدين: الذين قالوا بجواز الأذان للصبح قبل وقته اختلفوا ~~في وقته. وذكر بعض ms0436 أصحاب الشافعي أنه يكون في وقت السحر بين الفجر الصادق ~~والكاذب ويكره التقديم على ذلك الوقت. قال: وقد يؤخذ من الحديث ما يقرب من ~~هذا وهو أن قوله [عليه السلام] (¬2) "أن بلال يؤذن بليل" إخبار يتعلق به ~~فائدة للسامعين قطعا، وذلك إذا كان وقت الأذان مشتبها محتملا لأن يكون عند ~~طلوع الفجر [فتبين أن] (¬3) ذلك لا يمنع الأكل والشرب إلا عند طلوع الفجر ~~الصادق، وذلك يدل على تقارب وقت أذان بلال من الفجر. # قلت: ووقع في الأذكار (¬4) للنووي: حكايته وجه أنه يؤذن لها بعد ثلثي ~~الليل وهو غريب، فالذي حكاه في غيره من كتبه أنه يؤذن لها بعد وقت العشاء ~~المختار وهو ثلث الليل في قول، ونصفه في قول. PageV02P460 # ومن الأوجه البعيدة أن الليل كله وقت له، كما أنه وقت لنية صوم الغد. # ونقل القاضي عياض عن بعضهم: أنه لا يجوز تقديمه قبل الفجر إلا إذا كان ثم ~~مؤذن آخر يؤذن بعد الفجر. # وفي "الإحياء" (¬1) للغزالي في باب الأمر بالمعروف: الجزم به لئلا يشوش ~~الصوم والصلاة على الناس كذا علله. # سادسها: فيه دليل على جواز [أن] (¬2) يكون للمسجد الواحد مؤذنان وهو مستحب. # سابعها: فيه دليل على استحباب أن يؤذن كل واحد منهما منفردا إذا اتسع ~~الوقت (¬3) كصلاة الفجر ونحوها فإن كان ضيقا PageV02P461 # كالمغرب أذنوا متفرقين، وإلا معا بلا تهويش، ثم لو اقتصر على مؤذن واحد ~~لم يكره، وفرق بين أن يكون الفعل مستحبا وبين أن # يكون تركه مكروها. # ثامنها: لبس في الحديث تعرض للزيادة على مؤذنين فإن احتيج إلى أكثر رتب ~~قدر الحاجة. # وقيل: لا يجاوز أربعة، وبه جزم الرافعي، ثم إن اتسع الوقت فبعضهم عقب ~~بعض، وإلا معا بلا تهويش، ومحل الخوض في ذلك كتب الفقه، وقد لخصته في "شرح ~~المنهاج" (¬1)، فليراجع منه، ولما ذكر الشيخ تقي الدين أن بعض أصحاب ~~الشافعي، قال: إن الزيادة على أربعة تكره، قال: استضعفه بعض المتأخرين لكن ~~وجه الكراهة عند القائل بها أنه [عليه السلام] (¬2) لم يزد على أربعة ~~مؤذنين: بلال وابن أم ms0437 مكتوم وسعد القرظ وأبو محذورة إلا أن بلالا كان ~~الملازم له لوظيفة الأذان حضرا وسفرا، فكره الزيادة على ذلك لهذا المعنى. # قلت: سعد القرظ كان بقباء، وأبو محذورة كان بمكة، فليس فيه أن الأربعة ~~لمسجد واحد، كما هو المدعى فاعلمه. # وجعل الماوردي (¬3) سعد القرظ مؤذن أبي بكر أي بعد PageV02P462 # النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن بلال لما ترك الأذان بعد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نقله إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يزل ~~يؤذن فيه إلى أن مات، وقيل: إنه أذن لعمر بعد أبي بكر. # تاسعها: فيه دليل على جواز كون المؤذن أعمى، وأذانه صحيح ولا كراهة فيه ~~(¬1) إذا كان معه بصير، ويكره أن يكون الأعمى # مؤذنا وحده قاله أصحابا. # [العاشر] (¬2): فيه دليل على جواز تقليد البصير للأعمى في الوقت، وجواز ~~اجتهاده فيه، فإن الأعمى لا بد له من طريق يرجع إليه في طلوع الفجر إما ~~[سماع] (¬3) من بصير أو اجتهاد. وفي الصحيح (¬4): "أنه كان لا يؤذن حتى ~~يقال له: أصبحت أصبحت" أي قاربت الصباح كما صححه القاضي عياض ومنه: "حتى ~~مطلع الفجر" (¬5) [وقيل] (¬6) دخلت في الصباح. فهذا دليل على رجوعه إلى ~~البصير ولو لم يرد ذلك لم يكن في هذا اللفظ دليل على جواز رجوعه إلى ~~الاجتهاد بعينه، لأن الدال على أحد الأمرين منهما لا يدل على واحد منهما ~~معينا، وهذه المسألة عندنا فيها أوجه: # أحدها: أن للأعمى والبصير اعتماد المؤذن الثقة العارف في PageV02P463 # الصحو والغيم، لأنه لا يؤذن في العادة إلا في الوقت، وصححه النووي (¬1) ~~في كتبه. # والثاني: لا يجوز لهما لأنه اجتهاد وهما مجتهدان. وقال الماوردي: إنه ~~المذهب. # والثالث: يعتمده أعمى مطلقا وبصير في صحو دون غيم، وهو ما صححه الرافعي: ~~لأنه في الغيم مجتهد، وفي الصحو مشاهد. # والرابع: يجوز للأعمى دون البصير من غير فرق بين الصحو والغيم؛ نعم لو ~~كثر المؤذنون في يوم صحو أو غيم وغلب على الظن أنهم لا يخطئون لكثرتهم، جاز ~~اعتمادهم للبصير والأعمى بلا خلاف. # الحادي عشر: فيه ms0438 دليل أيضا على صحة العمل بخبر الواحد. # الثاني عشر: فيه دليل على أن ما بعد طلوع الفجر من النهار، وفيه مذاهب ثلاثة: # أحدها: أنه من الليل. # والثاني: أنه من النهار وهو قول الجمهور (¬2). # والثالث: أنه منفرد بنفسه ليس من واحد منهما، لأنه زمان PageV02P464 # ولوج الليل وينتقض بزمان ولوج النهار وهو وقت المغرب، وعزا الأول إلى ~~الأعمش والشعبي وحكاه المحب الطبري عن السنجي (¬1) من أصحابنا، ولعله التبس ~~عليه بالشعبي، فإنه القائل بذلك كما أسلفته، وممن حكاه عنه الماوردي (¬2) ~~أو التبس على الناسخ. # الثالث عشر: فيه دليل لمن يرى بجواز الأكل مع الشك في الفجر حتى يتحقق ~~طلوعه، وهو قول الأئمة الثلاثة، وخالف مالك # فقال: لا يأكل فإن أكل فعليه القضاء، وحمله بعض أصحابه على الاستجاب. # الرابع عشر: اختلف فيمن طلع عليه الفجر وهو مجامع أو أكل فترك، فإنه لا ~~يبطل صومه عندنا، وبه قال ابن القاسم. PageV02P465 # وقال أبو حنيفة: يبطل في الأول دون الثاني، وبه قال عبد الملك من ~~المالكية، ووجهه كونه جعل آذان بلال بليل فدل على أن آذان ابن أم مكتوم ~~نهارا، وإلا لم يكن لتخصيص آذان بلال بالليل فائدة. ويؤيده أن في رواية ~~لمسلم: "وكان [لا] (¬1) ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت" كذا استدل به، ~~وفيه نظر، ومعنى: "أصبحت"، أي: قاربت الصباح كما تقدم [قريبا] (¬2) أنه ~~الصحيح في معناه. # الخامس عشر: فيه حجة على المالكية والحنفية حيث عممت [الرؤية] (¬3) في ~~جميع الأرض، ولم يجعلوا لكل قوم رؤيتهم كما قاله الشافعية واكتفوا في ~~الأذان بواحد والمخبر برؤية الهلال على قاعدة المالكية أشبه بالرؤية من ~~المؤذن، فينبغي أن يقبل الواحد قياسا على الواحد بطريق الأولى. # قال القرافي في "قواعده": هنا سؤالان مشكلان على المالكية: الأول هذا. # ويجاب: بأن الأذان عدل به عن الإخبار إلى صفة العلامة على دخول الوقت. انتهى. # وقد يجاب لهم: بأن الأذان يتكرر فلو أوجبنا العدد فيه لشق بخلاف رمضان. PageV02P466 # الثاني: حصول الإجماع في الأزمان على أنها مختصة بأقطارها بخلاف الأهلة ~~مع أن الجميع مختلف باختلاف الأقطار ms0439 عند العلماء بهذا الشأن، فقد [يطالع] ~~(¬1) الهلال في بلد دون غيره بسبب البعد عن المشرق والمغرب منه، فإن البلد ~~الأقرب من المشرق [هو] (¬2) بصدد أن لا يرى فيه الهلال، ويرى في البلد ~~الغربي بسبب مزيد السير الموجب لتخلص الهلال من شعاع الشمس، وكذلك ما من ~~زوال إلا وهو غروب لقوم وطلوع الشمس لقوم ونصف اليل عند قوم، وكل درجة تكون ~~الشمس فيها فهي متضمنة لجميع أوقات الليل والنهار لأقطار مختلفة. # فإذا قياس الأهلة على أوقات الصلوات متجه، ويطلب الفرق ثم شرع يجيب عنه. # السادس عشر: في مسند أحمد (¬3) وصحيح ابن حبان (¬4) عكس حديث ابن عمر ~~الذي ذكره المصنف من حديث أنيسة بت حبيب وكذا في صحيح ابن خزيمة (¬5) من ~~حديث عائشة وقالا يجوز أن يكون بينهما نوب. PageV02P467 # [وأما] (¬1) ابن الجوزي فقال في "جامع المسانيد" عقب حديث أنيسة [هكذا] ~~(¬2) رووه كأنه مقلوب إنما هو "إن بلالا ينادي بليل". # قلت: وحديث ابن عمر (¬3) "أن بلالا أذن بليل فنهاه [عليه السلام] " (¬4) ~~فضعيف، ضعفه ابن المديني وأبو داود، كما نقله عنهما صاحب الإقليد. # السابع عشر: "الباء" في "بليل" بمعنى "في" وهو أحد معانيها، ومنه زيد ~~بالبصرة أي فيها هذا في ظرف المكان، وذاك ظرف # الزمان. # الثامن عشر: قوله: "فكلوا واشربوا" (¬5) إلى آخره، اعلم أن أكل، ومر، ~~وأخذ، ثلاثتها حذفت العرب في الأمر همزاتها على PageV02P468 # غير قياس كما نص عليه أهل العربية، وأبدى بعض الفضلاء له وجها من جهة ~~القياس وهو أن إثبات الهمزة فيها يؤدي حالة الأمر إلى اجتماع همزتين همزة ~~الوصل التي في مثل اضرب والهمزة التي [هي] (¬1) فاء الكلمة واجتماع ~~الهمزتين مستثقل أو مرفوض ويوضح ذلك [أنه] (¬2) إذا أسقطت همزة الوصل ثبتت ~~فاء الكلمة قال تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة} لما استغنى عن همزة الوصل ~~لاتصال الهمزة الساكنة [التي] (¬3) هي فاء الكلمة بما قبلها وهو الراء ~~وثبتت فاء الكلمة ولم تحذف. # التاسع عشر: استدل عبد الغني بن سعيد الحافظ بهذا الحديث على [جواز] (¬4) ~~السماع من وراء حجاب اعتمادا على الصوت (¬5). PageV02P469 ### ||| AUTO الحديث الرابع ms0440 # (¬1) # 69/ 4/ 11 - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول (¬2) [المؤذن] ~~" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وقد تقدم بيانه في الصلاة. # ثانيها: هذا الأمر للندب، وقيل: للوجوب حكاه [الخطابى] (¬4) والجمهور على ~~الأول. PageV02P470 # ثالثها: هذا الحديث عام مخصوص بحديث عمر في صحيح مسلم (¬1) أنه يقول في ~~الحيعلتين: "لا حول ولا قوة إلا بالله" والمناسبة في جواب الحيعلة بالحوقلة ~~أن الحيعلة دعاء، فلو قالها السامع لكان الناس كلهم دعاة، فمن يبقى المجيب؟ ~~فحسن من السامع الحوقلة، لأنها تفويض محض إلى الله [سبحانه] (¬2) وتعالى. # نعم، قال [بعض] (¬3) أهل العلم: بظاهر الحديث [كما] (¬4) حكاه بعض ~~المتأخرين. # ولك أن تقول قد قال بعض أهل الأصول: إذا أمكن الجمع بين العام والخاص ~~وإعمالهما وجب ذلك فلم لا قيل بالجمع بين # الحيعلة والحوقلة ولم أر أحدا قال به. # رابعها: يستحب أن يتابع عقب كل كلمة لا معها ولا يتأخر عنها عملا بظاهر ~~فاء التعقيب المذكورة في الحديث هذا مذهبنا. # وللمالكية في ذلك ثلاثة أقوال، ثالثها: للباجي إن كان في شغل من ذكر ~~ونحوه عجل وإن كان [مستفرغا] (¬5) قارنه. # خامسها: ظاهر الحديث أنه يحكي السامع مثل قول المؤذن PageV02P471 # إلى آخره إلا ما تقدم استثناؤه والمشهور [في] (¬1) مذهب مالك أنه يحكيه ~~إلى آخر الشهادتين لأنه ذكر وما بعده [بعضه] (¬2) ليس بذكر وبعضه مكرر، ~~وأنه يحكي الشهادتين مرة واحدة. وفيه قول أنه [لا] (¬3) يحكي الترجيع. # سادسها: ظاهره أنه يحكيه ولو كان في الصلاة وهو قول عندنا. # وقيل: إنه خلاف الأولى. # والأظهر أنه مكروه. # نعم إن أتى بلفظ الخطاب بطلت صلاته إن علم أنه في الصلاة، وأنه كلام أدمى ~~وفي وجه أنه مباح. # [وفي مذهب] (¬4) مالك ثلاثة أقوال، ثالثها: أشهرها أنه يحكيه في النافلة ~~لا في الفريضة. # ومنعه أبو حنيفة فيهما. # وفي مذهب مالك قول: إنه إذا أجاب بالحيعلة فيها لا تبطل (¬5). # فرع: لا تكره متابعته في حال أو وقت من الأوقات إلا في [حالة] ms0441 (¬6) نهي ~~الشرع عن الذكر فيه. PageV02P472 # سابعها: ظاهر استحباب متابعة كل مؤذن، وأنه لا يختص بأول مؤذن، والمسألة ~~خلافية في مذهب مالك ولا نقل فيها عندنا، لكن قال الرافعي (¬1) في كتاب ~~سماه "الإيجاز بأخطار الحجاز" على ما حكاه بعضهم [منه] (¬2). # خطر لي: أنه إذا سمع المؤذن وأجابه وصلى في جماعة فلا يجيب الثاني لأنه ~~غير مدعو به وهو حسن، لكن يخدشه إعادة الصلاة جماعة، ويؤخذ منه أن من لم ~~يصل أجاب لأنه مدعو به (¬3). # فرع: لم أر في مذهبنا هل يحكي المؤذن أذان غيره؟ فيه قولان [وظاهر] (¬4) ~~الحديث يقتضي الحكاية. # ثامنها: ظاهر الحديث حكايته في الترجيع ولا نقل في ذلك عندنا، والوجه ~~استحبابه إن سمعه. # تاسعها: ظاهره أيضا [أن] (¬5) يجيب في التثويب مثل قوله، لكن صحيح النووي ~~في كتبه أنه يجيبه: بصدقت وبررت. ولم يذكر له وجها (¬6). PageV02P473 # وقال بعض الفقهاء: إن فيه خبرا وبحثت عنه دهرا فلم أره. # عاشرها: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فقولوا مثل ما يقول" فيه دليل على ~~أن لفظة "مثل" لا تقتضى المساواة من كل وجه، فإنه لا يراد بقوله: "فقولوا ~~مثل ما يقول" مماثلته في كل أوصافه حتى رفع الصوت، كذا قاله الشيخ تقي ~~الدين هنا، وخالف في كتاب الطهارة فقال: إنها تقتضي المساواة من كل وجه إلا ~~في الوجه الذي تقع به المغايرة بين الحقيقتين بحيث يخرجها عن الوحدة بخلاف ~~لفظة "نحو" فإنها لا تقتضي ذلك. # وأجاب غيره بأن قال: المراد تلفظوا بمثل ما يتلفظ به المؤذن من أذكار ~~الأذان من غير تعرض لرفع صوت ولا خفضه. وإذا حصل هذا التلفظ حصلت المماثلة ~~في جميع صفات الأذان، فلا إشكال. ألا ترى أنه حيث لم تمكلن المماثلة في ~~وضوئه - عليه الصلاة والسلام - في جميع صفاته أتى "بنحو" التي هي ~~[المقارنة] (¬1) دون المماثلة فقال: "من توضأ نحو وضوئي هذا" ولم يقبل "مثل ~~وضوئي" لتعذر مماثلة وضوئه - عليه الصلاة والسلام -[في] (¬2) جميع الوجوه، ~~وهذا فيه شيء بيناه هناك فراجعه. PageV02P474 # وادعى بعض الأصولين من أهل التحقيق: أن المماثلة لا تقتضي ms0442 الاشتراك في ~~جميع الأوصاف ولا في الذاتيات بل في وصف مخصوص، وكذا المشابهة مثال. الأول: ~~قوله -تعالى-: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} (¬1)، أي: لم ~~يكن له أب، ومثال الثاني: قولهم: وجه زيد: كالقمر، أي: شبيه بالبدر ~~لاشتراكهما فيه. # الحادي عشر: يتابع المؤذن في ألفاظ الإقامة كالأذان إلا أنه يقول في كلمة ~~الإقامة: أقامها الله وأدامها (¬2). # ... PageV02P475 ### || AUTO 12 - باب استقبال القبلة # الاستقبال: استفعال من المقابلة، [وهذه] (¬1) الصيغة أعني استفعل تكون ~~لطلب الفعل غالبا، نحو استحقه واستعمله، إذا طلب حقه وعمله، وتكون من ~~التحول نحو استحجر الطين (¬2) ومن الإصابة على صفة كاستعظمته أي وجدته ~~عظيما، وتكون بمنزلة فعل نحو قر واستقر. # وسميت القبلة: قبلة، لأن المصلي يقابلها وتقابله. # والحكمة في استقبالها كما قاله الخطيب رحمه الله: إن للإنسان قوة عقلية ~~يدرك بها المعقولات المجردة، وقوة خيالية متصرفة في عالم الأجسام، وقلما ~~تنفك العقلية عن الخيالية، ولذلك تنحصر الصور الخيالية معينة عن إدراك ~~المعقولات كما في وضع الأشكال الهندسية؛ والعبد [إذا] (¬3) استقبل الملك ~~العظيم [استقبله] (¬4) بوجهه [وإلا] (¬5) كان معرضا عنه، فاستقبال القبلة: PageV02P476 # كاستقبال الملك، والقراءة والذكر والصيام والركوع والسجود كالخدمة، وحضور ~~القلب هو المقصود في الصلاة، وإنما يكون مع السكون وعدم الالتفات والحركة، ~~وذلك بمداومة جهة واحدة، فلذلك شرع استقبال القبلة، ولأن [موافقة] (¬1) ~~المطلوبة [والافتراق] (¬2) في التوجه اختلاف ظاهر، فجمعهم على جهة واحدة ~~لتحصل الموافقة المطلوبة، وجمعهم على استقبال الكعبة، لأن الكعبة بيته، ~~وإضافتها [إليه] (¬3) بقوله {وطهر بيتي} (¬4)، وأضاف المؤمن إليه بوصف ~~العبودية بقوله {قل لعبادي} (¬5)، والكعبة بيته، والصلاة خدمته، فكأنه ~~تعالى قال: أقبل بوجهك لي يا عبدي في خدمتي إلى بيتي، وبقلبك إلي. # قال بعضهم: وإنما استقبلت اليهود المغرب، لأن النداء لموسى كان في الجانب ~~الغربي، واستقبلت النصارى المشرق لأن الملك جاء لمريم في المكان الشرقي، ~~قاله ابن عباس. وذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث: PageV02P477 ### ||| AUTO الحديث الأول # 70/ 1/ 12 - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، أن [النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -] (¬1): "كان يسبح على ظهر ms0443 راحلته حيث كان وجهه، يومئ ~~برأسه، وكان ابن عمر يفعله" (¬2). # وفي رواية: "كان يوتر على بعيره" (¬3). # ولمسلم: "غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة" (¬4). # وللبخاري: "إلا الفرائض" (¬5). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: معنى يسبح: هنا يصلي النافلة، وأطلق التسبيح على مطلق الصلاة في ~~قوله تعالى: {على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل PageV02P478 # طلوع الشمس وقبل الغروب (39)} (¬1) على صلاة الصبح والعصر عند أهل ~~التفسير. # والتسبيح حقيقة قوله: سبحان الله، فإذا أطلق على الصلاة كان من باب تسمية ~~الشيء باسم جزئه تنبيها على فضل ذلك الجزء، # كما أن الصلاة الدعاء، ثم إنها سميت العبادة كلها به لاشتمالها عليه ~~وكذلك [سميت] (¬2) الصلاة بالركوع [أو] (¬3) السجود أو القرآن أو القيام أو ~~لأن المصلي منزه لله تعالى [بإخلاص العبادة له وحده، كالتسبيح فإنه تنزيه ~~لله تعالى، فيكون من مجاز الملازمة، لأن التنزيه لازم للصلاة المخلصة لله ~~تعالى] (¬4). والتسبيحة التطوع من الذكر والصلاة، ومنه أن عمر جلد رجلين ~~سبحا بعد العصر أي صليا، ويطلق التسبيح أيضا بمعنى النور، ومنه الحديث ~~(¬5): "لأحرقت سبحات وجهه"، وقوله تعالى: {فلولا أنه كان من المسبحين ~~(143)} (¬6)، معناه: من المصلين، وقوله تعالى: {لولا تسبحون (28)} (¬7)، ~~قيل: أراد باللسان، وقيل: أراد غيره. PageV02P479 # الثاني: "الراحلة" الناقة التي تصلح لأن ترحل، وكذلك الرحول. # قال الجوهري (¬1): ويقال: الراحلة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى. ~~انتهى. فيكون كالبعير في وقوعه على الجمل والناقة على أحد القولين، ~~وكالشاة، والإنسان في وقوعه على الرجل والمرأة، وإن كان قد سمع إنسانة في ~~المرأة كما حكاه بعض فضلاء المالكية سماعا من شيوخه، ثم إنه كما يجوز ~~التنفل على الراحلة يجوز أيضا على الفرس والبغل والحمار قطعا بشرط أن لا ~~يكون الراكب مماسا للنجاسة. # الثالث: في "حيث" (¬2) لغات بتثليث الثاء مع [الياء] (¬3) والواو فهذه ست ~~لغات، وفيها أكثر من ذلك قد ذكرته موضحا في # "الإشارات إلى ما وقع في المنهاج من الأسماء والمعاني واللغات" وهي مبنية ~~لخروجها عن نظائرها من ظروف المكان. # [الرابع] (¬4): "الإيماء": الإشارة أي يومئ برأسه في الركوع والسجود ~~ليكون البدل على ms0444 وفق الأصل، فيجعل السجود أخفض من الركوع، وليس في الحديث ~~المذكور ما يدل على ذلك ولا ينفيه، لكن في اللفظ ما يدل على نفي حقيقة ~~الركوع والسجود، نعم في PageV02P480 # أبي داود (¬1) والترمذي (¬2) من حديث جابر [قال] (¬3): "بعثني [رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -] (¬4) في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو ~~المشرق، السجود أخفض من الركوع" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # [الخامس] (¬5): قوله (حيث كان [] (¬6) وجهه) يعني حيث ما توجه وجهه في ~~السفر، وقد ثبت ذكر السفر في بعض الأحاديث أو معظمها، وهو مطلق في رواية ~~الكتاب حتى تمسك بها الإصطخري (¬7) من الشافعية في جواز النافلة في البلد ~~وهو محكي عن أنس بن مالك وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة. # السادس: السبب في التنفل على الراحلة لئلا ينقطع المتعبد عن السفر ~~والمسافر عن التنفل. PageV02P481 # وقال الشيخ تقي الدين: كأن سببه تيسير تحصيل النوافل وتكثيرها، فإن ما ~~ضيق طريقه قل، وما اتسع طريقه سهل، فاقتضت # رحمة الله للعباد أن يقلل الفرائض عليهم تسهيلا للكلفة، وفتح لهم طريق ~~التكثير للنوافل تعظيما للأجور. # السابع: قوله: (على ظهر راحلته) قد يتمسك به من لا يرى التنفل للماشي، ~~وهو مالك وأبو حنيفة. # وعندنا وعند أحمد أنه يجوز قياسا عليه ولأنه أشق. # وعن مالك قول أنه يجوز لراكب السفينة التنفل أيضا حيث ما توجهت به لكل ~~أحد، وقول آخر أنه لا يجوز لتمكنه إلا للملاح وهو مذهبنا. # الثامن: قوله (وكان ابن عمر يفعله) فيه تنبيه على أن رواية الحديث والعمل ~~به أقوى في التمسك به من الرواية فقط لجواز أن # يكون الحديث عند الراوي إذا لم يعمل به مخصوصا بحاله أو منسوخا أو معللا ~~أو نحو ذلك. # التاسع: في هذه الرواية دلالة على جواز التنفل على الدابة في السفر حيث ~~توجهت، ولا يشترط استقبال القبلة فيها، سواء كانت نافلة مطلقة أو راتبة، ~~وفي وجه أنه لا يباح عيد، وكسوف، واستسقاء، وسجود شكر، ولا تلاوة خارج ~~صلاة، وفيه قوة لأنه لم ينقل فعله. # العاشر: لا فرق في ذلك ms0445 بين السفر القصير والطويل عند الشافعي وأبي حنيفة ~~والجمهور، وكما نقله القاضي عياض. PageV02P482 # وقال [مالك] (¬1) في رواية عنه [أنه] (¬2) لا يجوز التنفل على الدابة إلا ~~في السفر الطويل وهو قول غريب محكى عندنا. # تنبيهات: # أحدها: شرط السفر أن لا يكون له معصية، وأن يكون له مقصد معلوم. # ثانيها: يحرم انحرافه عن طريقه إلا إلى القبلة، لأنه - عليه الصلاة ~~والسلام - "كان يسبح حيث كان وجهه" اللهم إلا أن ينحرف إلى القبلة لأنها الأصل. # ثالثها: في استقباله [القبلة] (¬3) عند الإحرام خلاف، وتفصيله محله كتب ~~الفقه، وقد بسطناه في "شرح المنهاج" وغيره. # وعند أبي حنيفة وأبي ثور أنه يفتتح أولا إلى القبلة استحبابا ثم يصلي كيف شاء. # الحادي عشر: قوله: "وكان ابن عمر يفعله" كيف يجمع بينه وبين ما رواه مالك ~~في الموطأ عنه (¬4): "أنه لم يكن يصلي مع الفريضة في السفر شيئا قبلها ولا ~~بعدها إلا من جوف الليل، فإنه كان يصلي على الأرض وكان يقول: "لو كنت مسبحا ~~لأتممت" (¬5). PageV02P483 # والجواب: أنه إنما منع في [رواية] (¬1) الموطأ النافلة الراتبة دون ~~المطلقة، ومن تتمة حديث مالك في الموطأ: "يصلي على # الأرض، وعلى راحلته حيث توجهت به". # قال القاضي: ومنهم من تأول حديث ابن عمر بالمنع على أنه في النافلة التي ~~تصلي على الأرض دون النافلة على الراحلة. # [الثاني عشر] (¬2): قوله: "كان يوتر على بعيره" يعني النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لا ابن عمر - رضي الله عنه-. # واستدل به على أن الوتر ليس بواجب، بل سنة، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد ~~والجمهور. # وقال أبو حنيفة: واجب لا يجوز على الراحلة بناء على مقدمة أخرى، وهي أن ~~الفرض لا يقام على الراحلة، وهو إجماع، كما حكاه القاضي، وهو مرادف للواجب، ~~فلا يقام عليها [وترك الفعل] (¬3). PageV02P484 # فإن قيل: مذهب الشافعي أن الوتر واجب على النبي - صلى الله عليه وسلم -. # قلنا: وإن كان واجبا [عليه] (¬1) فقد صح فعله على الراحلة، فدل على صحته ~~منه على الراحلة، ولو كان واجبا على العموم لم يصح على الراحلة: كالظهر. # فإن ms0446 قيل: الظهر فرض والوتر واجب، وبينهما فوق. # قلنا: هذا الفرق اصطلاح منكم، لا يسلمه لكم الجمهور، ولا يقضيه شرع ولا ~~لغة، ولو سلم لم يحصل به هنا غرضكم. # الثالث عشر: قوله: "غير أنه لا يصلي عليه" المكتوبة" هو نعت للصلاة، ~~وحذفت لدلالته عليها، ونعتها بالمكتوبة دون المفروضة اتباعا للفظ القرآن في ~~قوله -تعالى-: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103)} (¬2). # وعبر في الرواية الأخرى بالفرائض، وأجمعت الأمة على أن المكتوبة لا تجوز ~~إلى غير القبلة ولا على الدابة إلا في شدة الخوف، فلو أمكنه استقبال القبلة ~~والقيام والركوع والسجود على الدابة واقفة، عليها هودج، أو نحوه، جازت ~~الفريضة على الصحيح، ولو كانت سائرة لم يصح على الصحيح. # وقيل: يصح كالسفينة، فإنها تصح فيها الفريضة بالإجماع. ولو كان في ركب ~~وخاف لو نزل للفريضة انقطع عنهم ولحقه الضرر، صلى عليها، وأعاد لندرته، كذا ~~جزم به الأصحاب، وفيه نظر PageV02P485 # خصوصا إذا خاف فوت الوقت، لأنه أتى بما أمر به على حسب الطاقة، والإعادة ~~إنما تغيب بأمر جديد. # واعلم أن الشيخ تقي الدين -رحمه الله- قال: هذا الحديث قد يتمسك به في أن ~~صلاة الفرض لا تؤدى على الراحلة، وليس ذلك بالقوي في الاستدلال، لأنه ليس ~~فيه إلا ترك الفعل، وليس التبرك دليلا على الامتناع. وكذا الكلام على ~~استثناء ابن عمر الفرائض من فعله - عليه الصلاة والسلام - فإنه يدل على ترك ~~هذا الفعل وترك الفعل لا يدل على امتناعه (¬1). # لكن قد يقال: إن وقت الفريضة مما يكثر على المسافرين فترك الصلاة [لها ~~دائما مع فعل النوافل على الراحلة، إشارة إلى الفرق بينهما في الجواز وعدمه ~~مع تأييد المعنى له من كون الصلوات المفروضة قليلة محصورة؛ لا يؤدي النزول ~~عن الراحلة لها إلى نقصان المطلوب. والنوافل المطلفة لا حصر لها، فيؤدي ~~النزول إلى ترك المطلوب [من] (¬2) تكثيرها مع اشتغاله بأمور سفره] (¬3). # قلت: ويحتمل أن يقال: إنما نزل عنها لأن فعلها في الأرض أفضل، فلا دلالة ~~فيه، لكن صدنا عن هذا الإجماع السابق (¬4). PageV02P486 ### ||| AUTO الحديث الثاني ms0447 # 71/ 2/ 12 - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: "بينما الناس ~~بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: [إن] (¬1) النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها، ~~وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # فقد جمع جملا من اللغة والتاريخ والأصول والفروع. # أحدها: "بينما": معناه بين أوقات كذا، ويجوز بينا أيضا بلا ميم. # ثانيها: "الناس": قد يكون من الإنس والجن على ما قاله PageV02P487 # الجوهري (¬1)، ولم يجعلوا الألف واللام فيه عوضا من الجملة المحذوفة، ~~وهذا خلاف مذهب سيبويه كما حكاه عنه أبو البقاء # وغيره، فإنه جعلها عوضا منها. # واختلف في عينه، فقيل: ياء والصحيح واو، بدليل قولهم في التصغير نويس، ~~وهو من الأسماء التي لا واحد له من لفظه: كالخيل والإبل والغنم والأنام وما ~~أشبه ذلك. # ثالثها: قباء: بالمد والقصر، ويذكر ويؤنث، ويصرف ولا يصرف، فهذه ست لغات ~~أفصحها أولها وهو موضع معروف بقرب المدينة على ثلاثة أميال، كما قاله ~~النووي (¬2)، إلا أنه يحتمل أن يكون المراد [هنا قباء نفسه، ويحتمل أن يكون ~~المراد] (¬3) المسجد وهو الظاهر، وهو المسجد الذي أسس على التقوى، وهو أول ~~مسجد أسس في الإسلام على ما حكاه البيهقي (¬4)، قال: وأول من وضع فيه حجرا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أبو بكر ثم عمر، وفي حديث أخر أنه سئل ~~عنه، فقال: هو مسجدي هذا. # قال السهيلي (¬5): [ويمكن] (¬6) الجمع، فإن كل واحد منهما PageV02P488 # أسس على التقوى غير أن قوله تعالى: {من أول يوم} (¬1) يرجح الأول؛ لأن ~~مسجد قباء أسس قبل مسجده - عليه الصلاة والسلام -، غير أن اليوم [قد] (¬2) ~~يراد به المدة والوقت، فيكون معنى قوله: "من أول يوم" أي من أول عام من ~~الهجرة. # رابعها: قوله: "في صلاة الصبح" هو أحد أسمائها كما أوضحته في المواقيت، ~~وفي رواية مسلم: "في صلاة الغداة" ففيه دليل على جواز تسميتها غداة ولا ~~خلاف فيه، وإن كان الخلاف في الكراهة كما قدمته هناك. # خامسها: قوله: "إذ ms0448 جاءهم آت" في اسمه ثلاثة أقوال: # أحدها: عباد بن نهيك الأنصاري. # ثانيها: عباد بن بشر الأشهلي، وبه جزم ابن طاهر في إيضاح الإشكال (¬3). # ثالثها: عباد بن وهب. # سادسها: قوله: "فاستقبلوها" كسر الباء فيه أفصح (¬4)، وأشهر من فتحها، ~~وهو الذي [يقتضيه] (¬5) تمام الكلام بعده على الأمر، والفتح على الخبر. PageV02P489 # سابعها: حولت القبلة في السنة الثانية قطعا، واختلفوا في الشهر الذي حولت فيه. # فقال محمد بن حبيب الهاشمي (¬1): في الظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان. # وقال غيره: في رجب قبل بدر بشهرين، وكان ذلك في ركوع الركعة الثانية من ~~الظهر [في مسجد بني سلمة] (¬2)، فاستدار # واستدارت الصفوت لما نزل قوله -تعالى-: {قد نرى تقلب وجهك)} (¬3) الآية. # وذكر القرطبي أن الآية نزلت في غير صلاة، وفي صحيح البخاري عن البراء بن ~~عازب: "أول صلاة صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبة صلاة ~~العصر"، وفي أخرى: "صلاة الصبح" والأولى أثبت، ولذلك سمي المسجد الذي لبني ~~سلمة مسجد القبلتين، ويجمع بينهما وبين رواية العصر: أن أول صلاة صلاها ~~كاملة إلى الكعبة صلاة العصر بخلاف الظهر، ويحتاج إلى جواب عن رواية الصبح ~~(¬4). PageV02P490 # قلت: وكانت مدة صلاته لبيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا كما ~~ثبت في الصحيحين من حديث البراء (¬1) [وفي رواية لمسلم "ستة عشر شهرا"] ~~(¬2) [بخلاف الظهر وفي سنن أبي داود "ثمانية عشر شهرا" وحكى مسلم ثلاثة ~~عشر] (¬3) وفي أخرى سنتين حكاه المحب الطبري. # وقال ابن حبان: صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام ~~سواء، قال: لأن قدومه - عليه الصلاة PageV02P491 # والسلام - من مكة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ~~وحولت يوم الثلاثاء نصف شعبان (¬1). # وفي تفسير ابن الخطيب عن أنس: "إنها حولت بعد الهجرة بتسعة أشهر" وهو ~~غريب، وعلى هذا القول يكون التحويل في ذي # القعدة، إن عد شهر الهجرة وهو ربيع الأول، أو ذي الحجة إن لم يعد (¬2). PageV02P492 # واعلم أنه ينبغي أن يعرف كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يستقبل الكعبة في ms0449 صلاته وهو بمكة، فذهب نفر من العلماء إلى أن صلاته - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو بمكة لم تكن إلى بيت المقدس، وإنما [كان] (¬1) صلى ~~إليه بعد مقدمه إلى المدينة، والذي عليه جمهورهم أنه كان يصلي إلى الشام. # قال أبو عمر: وأصح القولين عندي أنه [كان] (¬2) يجعل مدة مقامه بمكة ~~الكعبة بينه وبين بيت المقدس [فيقف] (¬3) بين الركنين اليمانيين ويستقبل ~~الكعبة وبيت المقدس (¬4)، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه ذلك لأن المدينة ~~عن يسار الكعبة، وكان تقلب وجهه في السماء. # وقال الحافظ أبو اليمن ابن عساكر: سبب الاختلاف في ذلك أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - كان إذا صلى بمكة مستقبلا بيت PageV02P493 # المقدس جعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فتحرى القبلتين معا، فلم يظهر ~~استقباله بيت المقدس ولا توجهه إليه للناس حتى هاجر إلى المدينة وخرج من ~~مكة، هكذا روي عن ابن عباس من [طرق] (¬1) صحيحة، وقد روى ابن حبان في صحيحه ~~(¬2) في هجرة البراء بن معرور، وكعب بن مالك ما يدل على ذلك، وهو أن البراء ~~رأى أن لا يجعل الكعبة وراء ظهره في صلاته، وأنه شاور في ذلك كعبا فلم ~~يوافقه، وأنه بقي في نفسه من فعله، حتى قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو وعمه العباس جالسين بمكة، فسلم هو وكعب عليه - صلى الله عليه وسلم - ~~في قصة طويلة، قال البراء: يا رسول الله إني [قد] (¬3) صنعت في سفري هذا ~~شيئا أحببت أن تخبرني عنه، فإنه قد وقع في نفسي منه شيء، إني قد رأيت أن لا ~~أجعل هذه البنية مني بظهر، وصليت إليها ومنعني أصحابي، وخالفوني حتى وقع في ~~نفسي من ذلك ما وقع. فقال - عليه الصلاة والسلام -: "أما إنك قد كنت على ~~قبلة لو صبرت عليها". قال: ولم يزده على ذلك. # قال ابن حبان: أما تركه - صلى الله عليه وسلم - أمر البراء بإعادة الصلاة ~~التي صلاها إلى الكعبة حيث [قال] (¬4) كان الفرض عليهم استقبال بيت PageV02P494 # المقدس، لأن البراء أسلم لما شاهد النبي - صلى الله عليه وسلم -[فمن ms0450 ~~أجله] (¬1): لم يأمره بإعادة تلك الصلاة [من أجل ذلك] (¬2)، واقتضى كلام ~~أبي اليمن ابن عساكر أن البراء كان مسلما قبل هجرته إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى مكة هو ومن معه من الأنصار، ويحتمل أن تكون صلاة البراء ~~إلى الكعبة اتباعا لما علم [به من علماء] (¬3) اليهود أن هذا النبي المبعوث ~~في عصرهم هو على ملة إبراهيم وفيه وقبلته الكعبة مستصحبا لأصل الحكم في ذلك ~~ورجحه على ما وجد فيه التردد عنده في ثبوته والاختلاف في صحته أو وجوده وهو ~~وجه من وجوه التراجيح. # وقال الغزالي في "وسيطه": كان [رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] (¬4) ~~يستقبل الصخرة من بيت المقدس مدة مقامه بمكة وهي قبلة الأنبياء (¬5)، PageV02P495 # [وكان] (¬1) يقف بين الركنين اليمانيين كان لا يؤثر استدبار الكعبة، ~~وعيرته (¬2) اليهود، وقالوا: يخالف ديننا، ويصلي إلى قبلتنا. فسأل الله أن ~~يحوله إلى الكعبة، فنزل قوله -تعالى-: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} (¬3) ~~الآية، هذا لفظه برمته، وقد غيرت بعضه، وأوضحت الكلام عليه فيما خرجته من ~~أحاديثه المسمى ب (تذكرة الأخيار بما في الوسيط من الأخبار) (¬4) فراجعه ~~منه، ونقلت فيه عن المحاملي (¬5) في المجموع (¬6): أنه كان يقف ناحية ~~الصفا، وأن رواية PageV02P496 # إمامة جبريل [فيه] (¬1) - عليه السلام - عند باب البيت (¬2) يقتضي بالقطع ~~عدم استقبال ذلك. # ثامنها: في الحديث دليل على جواز النسخ (¬3) ووقوعه، ولا عبرة بمن أحاله ~~(¬4)، قال ابن ....................... PageV02P497 # عباس (¬1): أول ما نسخ من القرآن: شأن القبلة والصيام، فأول من صلى إلى ~~الكعبة (¬2) البراء بن معرور. # تاسعها (¬3): فيه قبول خبر الواحد وهو معمول به معتد به عند الصحابة، ~~وهلم جرا، ومن منع قال: احتفت به قرائن ومقدمات # أفادت العلم، وخرج عن كونه خبر واحد. # وقيل: إن النسخ بالواحد كان جائزا في زمنه - عليه الصلاة والسلام - وإنما ~~منع بعده. PageV02P498 # وقيل: إنما تلا عليهم الآيات التي فيها ذكر النسخ، فتحولوا عند سماع ~~القرآن، فلم يقع النسخ إلا بما سمعوه. # قال القاضي: وأسد الجواب في هذا أن يقال: إن العمل بخبر الواحد مقطوع به. # [عاشرها] (¬1): هل يجوز ms0451 نسخ السنة بالكتاب وعكسه، فيه قولان: أصحهما عند ~~الأكثرين. نعم كما سيأتي بعد أيضا، ويشترط # في السنة إذا كانت ناسخة أن تكون متواترة. # الحادي عشر: جواز نسخ السنة بالكتاب (¬2)، ووجه تعلق ذلك بالحديث أن ~~الآتي المخبر لهم ذكر أنه أنزل اليلة قرآن وأحال النسخ على الكتاب، وليس ~~التوجه إلى بيت المقدس بالكتاب، إذ لا نص فيه عليه، فالتوجه إليه بالسنة، ~~ويلزم من مجموع ذلك نسخ السنة بالكتاب، والأكثرون على الجواز (¬3). # الثاني عشر: فيه أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف قبل بلوغ الخطاب له، ~~وقد اختلف في ذلك ووجه استنباط هذا من # الحديث أنه لو ثبت الحكم في أهل قباء قبل بلوغ الخبر إليهم لبطل ما فعلوه ~~من التوجه إلى بيت المقدس، فلم ينعقد، وتجب الإعادة في بعضها فتبطل. PageV02P499 # وتتعلق بذلك مسألة فقهية وهي أن الوكيل ينعزل من حين العزل على الصحيح ~~بخلاف القاضي، والفرق تعلق المصالح الكلية # بالقاضي بخلافه (¬1). # ومسألة أخرى (¬2): وهي أن الأمة لو صلت مكشوفة الرأس، ثم علمت بالعتق في ~~أثنائه. # فقال أصبغ: تبطل. # وقال ابن قاسم: تصح، وكذا إذا أعتقت في نفس الصلاة وهي مكشوفة الرأس ~~وأمكنها الستر، ومذهب الشافعي ومالك والكوفيين أنها تبني، وقيل: تقطع. # الثالث عشر: قد يؤخذ منه جواز الاجتهاد في زمنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أو بالقرب منه، لأنه كان يمكن قطع الصلاة، وأن يبنوا على ما صلوا كما ~~فعلوه، فرجحوا البناء، وهو محل اجتهاد. قاله الشيخ تقي الدين (¬3)، وفيه نظر. # وقد حكى الماوردي (¬4) خلافا لأصحابنا: في أن استقبال بيت المقدس كان ~~ثابتا بالقرآن ثم باجتهاده - صلى الله عليه وسلم -. # وقال القاضي عياض: الذي شهبة إليه أكثر العلماء أنه كان بسنة لا بقرآن ~~[فعلى] (¬5) هذا فيه دليل لمن يقول إن القرآن ينسخ PageV02P500 # السنة، وهو قول الأكثرين كما سلف، ووجه مقابله أن السنة مبينة، فكيف ~~ينسخها؟ والقائل بهذا يقول: لم يكن استقبال بيت المقدس بسنة، بل بوحي من ~~الله -تعالى- قال -تعالى-: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} (¬1) الآية، ~~واختلفوا أيضا في عكسه ms0452 كما سلف. # الرابع عشر: فيه دليل على أن الليلة لا تطلق إلا على الماضية ولا يراد ~~بها المستقبلية إلا بقرينة أو دليل. # الخامس عشر: [فيه] (¬2) جواز الصلاة إلى جهتين، وهو الصحيح عندنا، بل إلى ~~أربع جهات بأربع اجتهادات، وجه الدلالة أنهم استداروا ولم يستأنفوا. # السادس عشر: فيه تنبيه من لم يصل [المصلي] (¬3) على أمر يتعلق بالصلاة ~~واجب أو ممنوع والحديث دال على الواجب وفي # إلحاق غيره [به] (¬4) نظر للشيخ تقي الدين (¬5) إذ لا مساواة. # السابع عشر: فيه مراعاة سمت القبلة بالاجتهاد لميلهم إلى جهة الكعبة عند ~~بلوغهم الخبر بتحويل القبلة قبل قطعهم بالصلاة إلى عينها (¬6). PageV02P501 # الثامن عشر (¬1): فيه أن من صلى إلى غير القبلة بالاجتهاد ثم تبين له ~~الخطأ لم تلزمه الإعادة؛ لأنه فعل ما وجب عليه في ظنه، مع مخالفة الحكم في ~~نفس الأمر، وهو قول عندنا، والأظهر وجوب الإعادة، وترجم أبو داود (¬2) على ~~هذا الحديث من طريق أنس: "من صلى لغير القبلة ثم علم". وترجم عليه البخاري ~~(¬3): "من لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة ثم علم". وفي أخذه ~~منه نظر لأن السهو إنما يكون عن حكم (¬4) استقر. # التاسع عشر (¬5): فيه أن من لم يعلم بفرض الله عليه ولا بلغته الدعوة ولا ~~أمكنه الاستعلام بذلك من غيره، فالفرض غير لازم له، والحجة غير قائمة عليه، ~~فعلى هذا لو أسلم في دار الحرب، أو طرف بلاد الإسلام، ولم يجد من يستعلمه ~~عن شرائع الإسلام، وأمكنه السير والبحث عما يجب عليه بالإسلام. # قال الشافعي ومالك: يجب عليه أن يقضي ما مر من صلاة وصيام لم يعلم ~~وجوبهما، لأنه يعد مقصرا بإعراضه عما يجب عليه بالإسلام مع تمكنه منه. # العشرون: قال القاضي: فيه دليل على أن المسافر إذا نوى PageV02P502 # الإقامة في أثناء الصلاة أنه يتمادى ولا يقطع وهو قول الأكثرين، قال: ~~واختلفوا في إمام الجمعة يعزل في أثناء الصلاة، وقد عقد # ركعة منها هل يتمادى وهو قول الأكثرين، قال: وهذا الحديث يدل عليه، أو ~~يقطع، وهو قول البعض. ms0453 # قال: واختلفوا في المتيمم إذا طلع عليه رجل بماء وهو في الصلاة، أو نزل ~~المطر عليه وهو في الصلاة، هل يتمادى أو يقطع؟ # ولا يقال في هذا: إنه يستعمل الماء ويتمادى، لأنه عمل كثير في الصلاة، ~~فلا يجوز التمادي معه، وهو مذهب الشافعي ومالك # والجمهور. # وقال الكوفيون والأوزاعي: يستعمل ويتمادى، وهذا الحديث حجة عليهم. # الحادي والعشرون: استدل به أيضا على أن المرأة إذا زوجها أحد ولييها ~~زيدا، والآخر عمرا، فدخل بها زيد ولم يعلم بعقد عمرو، أن العقد للأول ووطء ~~الثاني شبهة، والمشهور [في] (¬1) مذهب مالك أنها للداخل بها، واحتجوا بأن ~~أهل قباء لم يثبت في حقهم النسخ إلا بعد بلوغه إليهم، ولذلك صح ما مضى من ~~صلاتهم، قالوا: فكذلك الناكح الثاني لا يثبت المنع في حقه إلا بعد علمه ~~بعقد الأول، قالوا: وكذلك القول في السلعة يبيعها وكيلان: المشهور أنها ~~للثاني إذا قبضها. # الثاني والعشرون: فيه دليل على أن الحظر بعد الوجوب PageV02P503 # للتحريم، فإن الصلاة لبيت المقدس كانت واجبة، ثم منع من استقباله بهذا ~~الحديث، لأن الأمر بالشيء نهى عن ضده لقوله: # (فاستقبلوها) على رواية الكسر وهي المشهورة كما سلف، وفيه خلاف حكاه في ~~المحصول (¬1). PageV02P504 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 72/ 3/ 12 - عن أنس بن سيرين قال: "استقبلنا أنسا حين قدم من الشام، ~~فلقيناه بعين التمر، فرأينه يصلي على حمار، ووجهه من ذا الجانب -يعني عن ~~يسار الكعبة- فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة؟ فقال: لولا أني رأيت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يفعله لم أفعله" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: كان ينبغي للمصنف -رحمه الله- أن يذكر هذا الحديث عقب الأول لأنه ~~في معناه، ثم يذكر حديث التحويل بعدهما، فإنه أنسب. # ثانيها: أنس بن سيرين [والده] (¬2) مولى أنس بن مالك رضي الله عنه، ولد ~~أنس بن سيرين لسنة بقيت من خلافة عثمان، فيقال: إنه جيء به إلى مولاه أنس ~~فسماه باسمه، وكناه أبا حمزة بكنيته، سمع أنسا وابن عمر وغيرهما، مات سنة ~~عشرين ومائة، قال ابن معين: أثبت ولد سيرين محمد يعني الإمام ms0454 المشهور، وأنس ~~دونه ولا بأس PageV02P505 # به، ومعبد يعرف وينكر، ويحيى ضعيف [الحديث] (¬1) [وكريمة] (¬2) كذلك، ~~وحفصة أثبت منها. # ثالثها: في ألفاظه: "الشام" تقدم [ذكرها] (¬3) في الاستطابة. # و"عين التمر": موضع كانت به وقعة [زمن] (¬4) عمر بن الخطاب في أول ~~خلافته، استشهد بها جماعة من الصحابة. # و"الحمار": اسم للذكر من الحمر، والأنثى: أتان. # رابعها: وقع في رواية مسلم: "حين قدم الشام" بإسقاط لفظة "من". # قال القاضي: وقد قيل: إنه وهم وصوابه: "من الشام" كما هو في صحيح ~~البخاري، وكذا قاله الشيخ تقي الدين (¬5) أيضا، لأنهم خرجوا من البصرة ~~للقائه حين قدم من الشام. وقال النووي: رواية مسلم صحيحة، ومعناه: تلقيناه ~~في رجوعه حين قدم الشام، وإنما حذف ذكر رجوعه للعلم به. # خامسها: قوله: "رأيتك" إلى آخره، هذا السؤال لأنس بن مالك إنما هو عن عدم ~~استقبال القبلة فقط، لا عن غير ذلك من هيئة ونحوها، فعلى هذا لا يؤخذ منه ~~أنه - عليه الصلاة والسلام - صلى على الحمار، بل قد غلط الدارقطني وغيره ~~[من PageV02P506 # نسبة] (¬1) ذلك إليه، وهو عمرو بن يحيى المازني قال: "رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يصلي على حمار" وإنما المعروف في صلاته - عليه الصلاة ~~والسلام - على راحلته أو على البعير، والصواب: أن ذكر الحمار في تنفل أنس ~~كما حكاه [في] (¬2) مسلم (¬3) بعد، وفي الموطأ (¬4) من حديث عمرو بن يحيى ~~على "راحلته". PageV02P507 # سادسها: فيه الصلاة على الدابة إلى غير القبلة إذا كانت نافلة كما تقدم ~~في حديث ابن عمر. # سابعها: فيه جواز النافلة في السفر على الحمار، ولم يبين في هذا الحديث ~~كيفية الصلاة [على الحمار] (¬1)، وقد وقع مفسرا في الموطأ من فعل أنس فقال: ~~"يركع ويسجد إيماءا من غير أن يضع جبهته على شيء" (¬2). قال مالك: وتلك سنة ~~الصلاة على الدابة. # ثامنها: قد يؤخذ منه طهارة الحمار، لأن ملامسته مع [التحري] (¬3) منه ~~متعذر، لا فيما إذا طال الزمان في ركوبه، فاحتمل العرق، وإن كان يحمل أن ~~يكون على حائل بينه وبينه، وقد يؤخذ منه أن من صلى على موضع ms0455 فيه نجاسة لا ~~يباشرها بشيء منه تصح صلاته؛ لأن الدابة لا تخلو من نجاسة ولو على منفذها. # تاسعها: فيه الرجوع إلى أفعاله - صلى الله عليه وسلم - كأقواله والوقوف ~~عندها، وهكذا كانت عادة الصحابة غالبا يجيبوا باتباعه - عليه الصلاة ~~والسلام - من غير إبداء [معنى، إذ أبدأ] (¬4) المعنى عرضة PageV02P508 # للاعتراض، كما تقدم في قول عائشة حين [سألتها معاذة] (¬1): "كنا نؤمر ~~بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (¬2) فأجابتها بالنص دون المعنى. # عاشرها: فيه تلقى المسافر. # الحادي عشر: فيه سؤاله عن مستند عمله المخالف للعادة. # الثاني عشر: فيه أن التابع إذا رأى من متبوعه ما يجهله يسأله عنه. # الثالث عشر: فيه الجواب عن السؤال بالدليل، و [نص] (¬3) الصحابي وقوله ~~حجة [فيما يخالف] (¬4). # الرابع عشر: فيه التلطف في إنكار ما خفي على المنكر حتى أخرى في مخرج ~~الخبر المحض. # الخامس عشر: قوله: "من ذا الجانب" فيه العمل بالإشارة، وكأنه والله أعلم ~~متفق عليه في مسائل شتى منها: طلاق الأخرس، وبيعه، وشراؤه، وغير ذلك. وكذا ~~غيره إذا قال: أنت طالق، وأشار بأصبعين أو ثلاثة كما هو مبسوط في الفروع. # وبالله التوفيق. PageV02P509 ### || AUTO 13 - باب الصفوف # ذكر فيه أربعة أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 73/ 1/ 13 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "سووا صفوفكم، فإن تسوية [الصف] (¬1) من تمام الصلاة" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أولها: فيه الأمر بتسوية الصفوف الأول فالأول، وهو اعتدال القائمين ~~للصلاة على سمت واحد وسد فرج الصفوف [جمعا] (¬3) بين مدلول الأمر للصورة ~~والمعنى، وقد ورد الأمر بسد الخلل في PageV02P510 # الصفوف في حديث صحيح أخرجه مسلم (¬1) من حديث جابر بن سمرة قال: خرج ~~علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة ~~عند ربها [فقلنا: يا رسول الله! وكيف تصف الملائكة عند ربها؟] (¬2)، قال: ~~يتمون الصفوف الأول [] (¬3)، [ويتراصون] (¬4) في الصف" وفي سنن أبي داود ~~(¬5) وصحيح ابن حبان (¬6) من حديث أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا ms0456 بالأكتاف، فوالذي نفسي بيده! إني ~~لأرى الشيطان يدخل [في] (¬7) خلل الصف: كأنها الحذف". # قلت: الحذف (¬8) -بفتح الحاء المهملة ودال معجمة مفتوحة ثم فاء- وهي غنم ~~صغار سود تكون باليمن. PageV02P511 # وفي رواية البيهقي (قيل: يا رسول الله [] (¬1) وما الحذف؟ قال: ضأن جرد ~~سود تكون بأرض اليمن). # قال الخطابي (¬2): ويقال: أكثر ما تكون بأرض الحجاز. فحصل من ذلك التسوية ~~صورة ومعنى تصريحا، وإن كان الشيخ تقي # الدين (¬3)، قال: الأظهر أن المطلوب بالحديث الأول. # ثانيها: فيه إشارة إلى أن تسويتها مستحب ليس بواجب بجعله - عليه الصلاة ~~والسلام - تسويتها من تمام الصلاة، ومعلوم أن الشيء إذا لم يكن من أركان ~~الصلاة ولا واجباته، وكان من تمامه، كان مستحبا، لكونه أمرا زائدا على وجود ~~حقيقته التي لا تسمى إلا بها في الاصطلاح المشهور، كما قاله الشيخ تقي ~~الدين، قال: وقد ينطلق من حيث الوضع على [بعض] (¬4) ما لا تتم الحقيقة إلا ~~به (¬5). PageV02P512 # وقال القاضي عياض: تمام الشيء وحسنه وكماله بمعنى واحد. # قلت: ولهذا جاء في رواية ابن حبان: "حسن" مكان: "تمام" (¬1)، وأما ابن ~~حزم فزعم أن تسويتها فرض، لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض ~~[ثم] (¬2) استدل بهذا الحديث. # ثالثها: قيل: فيه رد على من يقول: إن المفرد المحلى بالألف واللام لا يعم. # ووجهه أنه أضاف الصفوف [بصيغة] (¬3) الجمع، فعمت، ثم أفرد فلو لم يكن ~~للعموم لتناقض. # رابعها: يمكن أن يؤخذ منه أن الأمر للوجوب عند التجرد عن القرائن، لأنه ~~لو كان محمولا على الندب لما [احتاج] (¬4) لزيادة PageV02P513 # قوله: (فإن تسوية الصف من تمام الصلاة). فلما أتى بلفظ التمام الذي هو ~~ظاهر في عدم الوجوب دل على أنه لولا تلك الزيادة لكان الأمر للوجوب، وفيه ~~أنه ينبغي للمفتي [والأمير] (¬1) إذا أمر بأمر أن يذكر مقام ذلك الأمر من ~~المأمورات. [ثم] (¬2) اعلم أنه يسوي الأول فالأول، فلا يشرع في صف حتى يفرغ ~~مما قبله، ثم الأمر بتسوية الصفوف لا يختص بالإمام، نعم هو آكد من غيره (¬3). # [خامسها: السر في تسويتها موافقة الملائكة كما تقدم ms0457 والمطلوب منها محبة ~~الله لعباده. # فائدة: متعلقة بما نحن فيه في "الإحياء" للغزالي: أن المنبر يقطع بعض ~~الصفوف، وإنما الصف الأول المتصل الذي في فناء المنبر وما على طرقيه مقطوع] ~~(¬4). قال وكان سفيان الثوري يقول: الصف الأول هو الخارج بين يدي المنبر، ~~وهو متجه لأنه متصل، ولأن الجالس فيه يقابل الخطيب، ويسمع منه، ولا يبعد أن ~~يقال: الأقرب إلى القبلة [هو] (¬5) الصف الأول، وما ذكره في تفسير الصف # الأول مقالة مرجوحة. PageV02P514 # قال النووي في "شرح مسلم" (¬1): الصف الأول الممدوح الذي وردت الأحاديث ~~بفضله والحث عليه هو [الصف] (¬2) الذي يلي # الإمام سواء جاء صاحبه متقدما أو متأخرا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها أم ~~لا، هذا هو الصحيح الذي تقتضيه ظواهر الأحاديث، # وصرح به المحققون. # وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه لا ~~يتخلله مقصورة ونحوها. قال: فإن تخلل الذي يلي الإمام فليس بأول، بل الأول ~~ما لا يتخلله شيء وإن تأخر. # وقيل: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولا وإن صلى في صف ~~متأخر، قال: وهذان القولان غلط صريح وإنما [ذكرته] (¬3) أو مثله لأنبه على ~~بطلانه كيلا [يغتر] (¬4) به. # [وقال] (¬5) في شرح المهذب (¬6). في [باب] (¬7) (موقف الإمام والمأموم): ~~اعلم أن المراد بالصف الأول: الصف الذي يلي # الإمام، سواء تخلله منبر ومقصورة وأعمدة وغيرها، أم لا. هذا لفظه ولم ~~يذكر غيره. PageV02P515 # وجزم القرطبي في "شرحه لمختصر مسلم" في باب ([التنفل] (¬1) [بعد] (¬2) ~~الجمعة): أن المقصورة إذا اتخذت لغير التحصين لا يجوز، ولا يصلى فيها ~~لتفريقها الصفوف، وحيلولتها مع التمكن من المشاهدة. # ورأيت في "الشامل الصغير" (¬3) لبعض المتأخرين من الفقهاء الشافعية: [أن] ~~(¬4) الصف الأول أفضل، ثم أقربهم من الإمام ثم # اليمين من كل صف، كذا قال. # وقال الغزالي في "الإحياء": يراعي [في] (¬5) الصف الأول إلا أن يكون فيه ~~منكر يعجز عن تغييره: كلبس حرير أو صلاة في ساح # كثير شاغل أو مذهبة ونحو ذلك، فإن كان شيء من ذلك فالتأخير أسلم، نقله ~~جماعة من العلماء طلبا للسلامة. ms0458 PageV02P516 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 74/ 2/ 13 - عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: "لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (¬1). # ولمسلم: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسوي صفوفنا، حتى كأنما ~~يسوي بها القداح، حتى رأى أن قد عقلنا عنه، ثم خرج يوما حتى كاد أن يكبر، ~~فرأى رجلا باديا صدره، فقال: "عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين ~~وجوهكم" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه، وهو صحابي ابن صحابي، كنيته أبو عبد الله، ~~أمير الكوفة وحمص، وقاضي دمشق، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة، وأول ~~من حياه النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحية الإسلام، ولد على رأس أربعة ~~عشر شهرا من الهجرة على الأصح، PageV02P517 # ومات بحمص أو بقرية من قراها أو بالشام، أقوال: سنة أربع وستين، وقيل غير ~~ذلك، وكان كريما جوادا، شاعرا، وترجمته أوضحتها فيما أفردته لرجال هذا ~~الكتاب، فراجعها منه فإنها مهمة. # ثانيها: في التعريف بما وقع فيه من المبهم وهو قوله "فرأى رجلا باديا ~~صدره" ولم أقف على تسميته بعد البحث عنه. # ثالثها: في ألفاظه ومعانيه وأحكامه: # أولها: الظاهر أن اللام في "لتسون" [جواب قسم محذوف التقدير: والله لتسون ~~صفوفكم] (¬1) "لتسون صفوفكم" الواقع ولا بد [من] (¬2) أحد [الأمرين] (¬3) ~~من تسوية الصفوف أو وقوع المخالفة بين الوجوه. # [ثانيها] (¬4): هذه المخالفة للوجوه هل هو بالصورة أو بالمعنى، اختلف ~~فيه، فقيل: معناه مسخ الوجوه وتحويلها عن خلقتها، لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله صورته صورة ~~حمار" (¬5)، وقيل يغير صفتها، وقيل: المراد PageV02P518 # بالوجوه القلوب، فإن تقدم الشخص على المصلي إلى جنبه يوغر صدره، وذلك ~~موجب لاختلاف القلوب فعبر عنه باختلاف وجوههم [لكونه] (¬1) يلزم من تغير ~~القلب تغير الوجه غالبا، فلما كان لازما له عبر به عنه. # قلت: ويؤيده رواية أبي داود (¬2) وابن حبان (¬3) (بين قلوبكم). # وقال النووي (¬4): الأظهر والله أعلم: أن معناه يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء واختلاف القلوب، كما ms0459 يقال: تغير وجه فلان علي، أي: ظهر لي من وجهه ~~كراهة لي، وتغير قلبه (¬5) علي. # قلت: ومقتضى الوجه الأول وجوب تسوية الصفوف لترتيب الوعيد المذكور على ~~عدمها، فإن حمل الوعيد على ترك ائتلاف القلوب فهو على تركه واجب. PageV02P519 # [ثالثها] (¬1): "القداح" بكسر القاف جمع قدح بكسرها أيضا وسكون الدال ~~كذلك، وهي خشب السهام، حين تنحت وتبرى وتهيأ # للرمي به، وهو تمثيل حسن جدا، فإن السهام يطلب في تسويتها التحذير وحسن ~~الاستقامة، كيلا يطيش عند الرمي، فلا يصيب # الغرض. فشبه تسوية الصفوف بها، فالمعنى كان يبالغ في تسويتها، حتى يصير ~~كأنما يقوم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها، وإنما قال: القداح ولم يقل ~~القدح لأجل مقابلة الصفوف، وقد كان بعض أئمة السلف يوكلون رجالا يسوون ~~الصفوف. # [رابعها] (¬2): قوله: "حتى رأى أن قد عقلنا" أي فهمنا ما أمرنا به من ~~التسوية، [وكأنه] (¬3) - صلى الله عليه وسلم - راقبهم في التسوية حتى ظهر ~~له فهمهم المقصود منها وامتثالهم له. # خامسها: هذه الرؤية رؤية علم لا رؤية بصر، لأن فهمهم ليس مما يدرك بحاسة البصر. # و"أن": هذه مخففة من العقيلة. # سادسها: قوله: "حتى كاد أن يكبر" تتعلق به مسألة نحوية، وهو دخول "أن" ~~على "كاد" وهو قليل عندهم، والأكثر حدفها عكس "عسى". # سابعها: فيه جواز كلام الإمام بعد الإقامة وقبل الإحرام، وهو PageV02P520 # مذهبنا ومذهب الجمهور للحاجة، سواء كان الكلام لمصلحة الصلاة أو لم يكن، ~~ومنعه أبو حنيفة، وقال: يكبر الإمام إذا قال المؤذن "قد قامت الصلاة"، ~~والحديث حجة عليه، نعم إذا كان لا لمصلحة أصلا يكون مكروها. # وقال اللخمي: من أصحاب مالك إذا طال الكلام أعاد الإقامة. # ثامنها: فيه أن تسوية الصفوف من وظيفة الإمام وقد تقدم في الحديث الأول ~~أنه آكد في حقه من غيره، وقدمت قريبا أن بعض أئمة # السلف كانوا يوكلون رجالا يسوون الصفوف وهو المنقول عن عمر وعثمان. # تاسعها: قوله: "عباد الله لتسون صفوفكم" [هذا تفسير لشدة مراقبته - عليه ~~الصلاة والسلام - لهم في التسوية في الصفوف، والمحافظة على ذلك] (¬1)، ~~وتنبيه المأمومين عليه" والأمر ms0460 المؤكد لهم بها، فإنه أكده بلام الأمر ونون ~~التوكيد، والتهديد على تركها باختلاف القلوب والأبشار. # عاشرها: فيه أنه ينبغي للإمام والراعي أمر أتباعه بالخير، ومراقبته لهم ~~في ذلك ظاهرا وباطنا والشفقة عليهم في الدنيا والآخرة، ولا يهمل واحد منهم، ~~ولا يخصه بالمخاطبة، بل يعم جميعهم بالخطاب وإن وقعت من [أحد] (¬2) منهم. PageV02P521 # الحادي عشر: فيه التحذير من المخالفة في الظاهر والباطن، والحث على ~~الموافقة في الظاهر والباطن. # الثاني عشر: فيه أنه لا يهمل مخالفة، حتى لو حصل الامتثال من الجميع، ~~وتخلف واحد [خشي] (¬1) من شؤمه عليهم. # الثالث عشر: فيه كراهة المتقدم على المأمومين في الصف، سواء كان المتقدم ~~بقدمه أو بمنكبه أو بجميع بدنه، فإنه إذا كان - صلى الله عليه وسلم - منع ~~بادي الصدر الذي [لا] (¬2) يظهر فيه كبير مخالفة [في التسوية، وهدد من ~~فعله، فما ظنك بغيره من البدن والقدم والمنكب؟!] (¬3). # الرابع عشر: [فيه] (¬4) جواز التمثيل للأمور المأمور بها بعضها ببعض، فإن ~~تسوية الصف مأمور بها، وتسوية القداح مأمور بها، # ومثل بتسوية الصف تسوية القداح. # الخامس عشر: فيه اختبار الإمام أو المعلم أتباعه بعد فهمهم عنه. # السادس عشر: فيه التهديد على المخالفة والتوكيد للتحذير. PageV02P522 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 75/ 3/ 13 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، (أن جدته مليكة دعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لطعام صنعته فأكل منه، ثم قال: "قوموا لأصلي ~~لكم". قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، ~~وقام عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصففت أنا واليتيم وراءه، ~~والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين ثم انصرف - صلى الله عليه وسلم -) (¬1). # ولمسلم: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى به وبأمه (¬2) فأقامني ~~عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # أولها: التعريف براويه وقد تقدم في الاستطابة. PageV02P523 # ثانيها: هذا اليتيم، قال المصنف فيه: أنه ضميرة جد حسين بن عبد الله بن ~~ضميرة ولم ينسبه، وإنما عرفه بكونه جد حسين المذكور # وهو ضميرة بن أبي ضميرة الليثي، قاله ms0461 ابن حبان. # وقال النووي في "شرح مسلم" (¬1): ضميرة بن سعد الحميري، ولا تنافي ~~بينهما، فإن ليثا من حمير. # وفي كتاب [ابن] (¬2) الحذاء قيل: اسمه روح [بن سندر] (¬3)، وقيل: ابن ~~شيرزاد. # وادعى بعض الشراح أن في "تاريخ الصحابة" لابن حبان بدل ضميرة والد عبد ~~الله عميرة بفتح العين المهملة وكسر الميم، قال: فيكون أحدهما تصحيفا، وهذا ~~غريب، فإن الذي رأيته في كتاب ابن حبان (¬4) المذكور هو كما قال المصنف ~~سواء، وهذا لفظه: (ضميرة بن أبي ضميرة الليثى) جد حسين بن عبد الله بن ~~ضميرة من PageV02P524 # أهل المدينة له صحبه. [انتهى] (¬1). # وكأنه والله أعلم تصحف عليه فضبطه ثم ادعى التصحيف. # ثالثها: مليكة: بضم الميم، وزعم الأصيلي بأنها -بفتح الميم وكسر اللام ~~(¬2) - وهي أم سليم، وقد قدمنا التعريف بها في باب الجنابة. # رابعها: قوله: "أن جدته مليكة"، كذا شرح بأنها جدته، ويؤيده ما رواه أبو ~~الشيخ (¬3) الحافظ في "فوائد العراقيين" (¬4) من حديث إسحاق بن عبد الله بن ~~أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: "أرسلتني جدتي إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - واسمها مليكة فجاءنا فحضرت الصلاة، فقمت إلى حصير لنا ... " الحديث. # وقال أبو عمر (¬5): الضمير في جدته يعود إلى إسحاق بن PageV02P525 # عبد الله الراوي عن أنس، فعلى هذا كان ينبغي للمصنف وغيره أن يذكر إسحاق ~~فإن إسقاطه يوهم أن تكون جدة أنس لا جدة إسحاق، وكذا قال القاضي عياض، ~~[وعبد الحق] (¬1) أن الضمير يعود إلى إسحاق. # وقال النووي (¬2): إنه الصحيح فتكون أم أنس، لأن إسحاق ابن أخي أنس لأمه ~~(¬3) (¬4). PageV02P526 # خامسها: العجوز: هي أم سليم [أم آنس] (¬1) قاله غير واحد. # سادسها: فيه دليل على عظم تواضعه - صلى الله عليه وسلم - بإجابة دعوة داعيه. # سابعها: فيه دليل أيضا على إجابة الداعي لغير وليمة العرس، ولا خلاف في ~~أن إجابتها مشروعية، لكن إجابتها عندنا غير واجبة على الأظهر، وظواهر ~~الأحاديث الإيجاب، ونشره مالك إجابة أهل الفضل لكل من دعاهم إلا في وليمة ~~العرس، كذا نقله القاضي عياض، والحديث حجة عليه، وتكلف بعض المالكية فقال: PageV02P527 # المقصود ms0462 بهذه الدعوة إنما كان للصلاة لهم ليتخذوا مكانه مصلى، والطعام ~~تبع، ويرده قوله: (لطعام صنعته) (¬1). # ثامنها: اللام في قوله: (فلأصلي) مكسورة لام كي، والفاء زائدة وقد جاءت ~~زيادتها في قولهم: (زيد فمنطلق)، كما قال: (وقائلة خولان فانكح فتاتهم) وهو ~~مذهب الأخفش، وقد [ورد] (¬2) بكسر اللام وجزم الياء على أنه أمر نفسه، وروي ~~بفتح اللام الأولى والياء ساكنة وهي [أشدها] (¬3) لأن اللام تكون جواب قسم ~~محذوف، وحينئذ يلزمها النون في الأشهر. # وقال البطليوسي: كثير من الناس يتوهمه قسما، وهو غلط، لأنه لا وجه للقسم ~~هنا، ولو كان قسما لقال (فلأصلين) بالنون، وإنما الرواية الصحيحة فلأصل على ~~معنى الأمر، والأمر إذا كان للمتكلم والغائب كان باللام أبدا، وإذا كان ~~للمخاطب كان باللام وغيره. # وحكى صاحب المطالع: (فلنصل) (¬4) بالنون وكسر اللام الأولى والجزم، كأنه ~~أمر للجميع. # تاسعها: فيه جواز النافلة جماعة. PageV02P528 # عاشرها: فيه الصلاة للتعليم، ولحصول البركة للاجتماع فيها أو بإقامتها في ~~المكان المخصوص، فإن قوله - عليه الصلاة والسلام - (فلأصل لكم) يشعر ~~بتخصيصهم. # [وفيه] (¬1) تبريك الرجل الصالح والعالم (¬2) أهل المنزل بصلاته في ~~منزله، ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد تعليمهم أفعال الصلاة ~~مشاهدة مع [تبريكهم] (¬3)، فإن المرأة قل ما تشاهد أفعاله في المسجد، فأراد ~~أن تشاهدها وتتعلمها وتعلمها غيرها. # الحادي عشر: فيه جواز صلاة النافلة في الجماعة اليسيرة وهو مذهب مالك، ~~أعني جواز الجمع في النافلة في غير رمضان في موضع خفي، والجماعة يسيرة، ~~وإلا فالكراهة على المشهور. # الثاني عشر: قال بعض العلماء: المتعبد له حالتان. # الأولى: أن يصلى لنفسه قاصدا وجه الله -تعالى- PageV02P529 # والإخلاص في العبادة لمن يستحق أن يكون معبودا لذاته، وهو الله -سبحانه ~~وتعالى-[وهذا] (¬1) أعلى مراتب الإخلاص. # الثاني: أن يأتي بالعبادة ليعلم الجاهل، فهذا جائز، وهو مستحب، وعلى هذا ~~الحديث يكون سنة، لكن هذا في حقه ملتحق بالأول، فإنه في حقه - صلى الله ~~عليه وسلم - أبلغ فإنه من باب التبليغ والتعليم الواجب عليه، وأفضل ~~العبادات أداء المفروضات، ويكون فعله - صلى الله عليه وسلم - هذا موصوف ~~بأحسن الصفات، ويقرب من هذا ms0463 تعليم العالم للمتعلم، وإن لم يبلغ تلك المرتبة ~~العلية. # الثالث عشر: قوله: (فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس) أخذ منه أن ~~الافتراش يطلق عليه لباس، ولا شك أن لباس كل شيء بحسبه شرعا ولغة، فافتراش ~~الحصير لا يسمى لباسا عرفا، ولو حلف لا يلبس ثوبا، ولم يكن له نية ~~بافتراشه، فافترشه حنث عند مالك (¬2) احتجاجا بقوله: (من طول ما لبس) خلافا ~~للشافعية، لأن الأيمان مبناها العرف، وهذا في العرف لا يسمى لباسا، وافتراش ~~الحرير لباسا له فيحرم على الرجل مع أن فيه نصا يخصه بالتحريم على المذكور ~~والتحليل للإناث، # واختلف أصحابنا في جواز افتراش الحرير للنساء على وجهين: PageV02P530 # أصحهما عند النووي: الجواز، لأنه يسمى لباسا، وقد أحل لهن اللباس. # وأصحهما عند الرافعي: المنع، لأن اللباس العرفي في البدن، وجوز لهن لما ~~فيه من الزينة للرجال، وليس ذلك في الجلوس والاستناد إليه. # وفي "المدخل" لابن الحاج المالكي -رحمه الله- أنه يجوز لها استعمال ذلك ~~خاصة، قال: وأما زوجها فسمعت سيدي أبا محمد -رحمه الله- يقول: إنه لا يجوز ~~له ذلك إلا على سبيل التبع لها، فلا يدخل الفراش إلا بعد دخولها، ولا يقيم ~~في الفراش بعد قيامها، ويجب عليها أن توقظه إذا قامت أو تزيله عنه. # الرابع عشر: (النضح): الرش، قاله الجوهري (¬1)، وقد يطلق على الغسل، ~~والأول أشهر، فنضحه للحصير يجوز أن يكون لأجل # تليينه وتهيئته للجلوس عليه، فإنه كان من جريد، كما جاء في رواية لمسلم، ~~واختار هذا التأويل النووي (¬2). # ويجوز أن يكون لطهارته [وزوال] (¬3) ما يعرض من الشك [من] (¬4) نجاسة، ~~ورجحه القاضي (¬5)، فإن احتراز الصبيان عن PageV02P531 # النجاسة بعيد، ويقوي هذا كون أبي عمير في البيت معهم، وكان طفلا صغيرا، ~~كما جاء في رواية [في] (¬1) غير الصحيحين، فيدل # للمالكية حينئذ على اعتبار النضح حال الشك (¬2)، وقد قدمت خلافا في حديث ~~أم قيس في باب المذي وغيره في الفرق بين النضح بالحاء المهملة والمعجمة. # الخامس عشر: (اليتيم): جمعه أيتام ويتامى، وقد يتم الصبي بالكسر [يتم ~~بالفتح] (¬3) يتما ويتما بالتسكين ms0464 فيهما قاله أهل اللغة قالوا: واليتم في ~~الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم. # وحكى الماوردي: أنه يقال في بني آدم أيضا أيتمت المرأة، فهي مؤتم أي صار ~~أولادها يتامى. # وكل شيء مفرد يعز نظيره، فهو يتيم، يقال: درة يتيمة، ويتمهم تيتيما، ~~جعلهم أيتاما. # السادس عشر: فيه صحة [صلاة] (¬4) الصبي المميز. # السابع عشر: فيه أن للصبي موقفا في الصف، وبه قال الجمهور. # قال النووي في "شرح مسلم" (¬5): وهو الصحيح المشهور من مذهبنا، وعن أحمد ~~كراهته في الفرائض والمساجد. PageV02P532 # وروي عن عمر أنه إذا أبصر صبيا في الصف أخرجه، ونحوه (¬1) عن بعض السلف ~~وهو محمول على صبي لا يعقل الصلاة ويعبث فيها. # الثامن عشر: أن الاثنين يكونان صفا وراء الإمام، وهو مذهب العلماء كافة ~~إلا ابن مسعود وصاحبيه وأبا حنيفة والكوفيين، فإنهم # قالوا: يكونان عن يمينه [وعن] (¬2) يساره، ويكون بينهما، واستدل بحديث ~~عنه أجوبة أوضحتها في "شرح المنهاج" (¬3). PageV02P533 # التاسع عشر: فيه أن موقف المرأة في الصلاة وراء الصبي، وأنها إذا لم تكن ~~معها امرأة أخرى تقف وحدها وهذا لا خلاف فيه (¬1). # العشرون: يجوز أن يتمسك به على أن المرأة لا تؤم الرجال، لأن مقامها في ~~الائتمام متأخر عن مرتبتهم، فكيف تتقدم أمامه؟ وهذا # مذهب جمهور العلماء خلافا للطبري [وأبي] (¬2) ثور، فإنهما أجازا إمامة ~~المرأة للرجال والنساء جملة، وحكي عنهما إجازته في التراويح إذا لم يوجد ~~قارئ غيرها. # واختلف أيضا في إمامتها للنساء فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة من العلماء ~~إلى المنع أيضا، وأجازه الشافعي وغيره، وهو رواية عن مالك (¬3). # الحادي والعشرون: فيه دليل على أن موقف المنفرد من المأمومين عن يمين ~~الإمام سواء كان رجلا أو صبيا. # الثاني والعشرون: فيه جواز الصلاة على الحصير وسائر ما تنبته الأرض، وهو ~~مجمع عليه، وروي عن عمر بن عبد العزيز خلاف # هذا، وهو محمول على استحباب التواضع بمباشرة الأرض نفسها، وكره مالك نبات ~~القطن والكتان، وأجازه ابن مسلمة (¬4). PageV02P534 # الثالث والعشرون: فيه أن الأصل في الثياب والحصر والبسط الطهارة، وأن حكم ~~الطهارة مستمر ms0465 حتى تتحقق النجاسة. # واستفد هنا أن إسحاق بن راهويه انفرد فقال: لا يجوز لأحد أن يلبس ثوبا ~~جديدا من ثياب النصارى حتى يغسله، ويرده أنه - عليه الصلاة والسلام -: "لبس ~~جبة من جباب الروم ضيقة الكمين" (¬1)، ولم يرو واحد أنه غسلها. # الرابع والعشرون: فيه أن الأفضل في نوافل النهار أن تكون ركعين: كنوافل الليل. # الخامس والعشرون: جاء في هذا الحديث [فعيل] (¬2) في [الصفات] (¬3) من غير ~~مبالغة، وذلك (يتيم وعجوز) وهو مما جاء على خلاف القياس، ومثله حصور للناقة ~~الضيقة الإحليل وهي التي ضاق مجرى لبنها من ضرعها وهو كثير. # السادس والعشرون: فيه دليل على ترك الوضوء مما مست النار، لأنه لم يذكر ~~في الحديث أنه توضأ. # السابع والعشرون: أدخل مالك (¬4) هذا الحديث في ترجمة جامع لسبحة الضحى، ~~واستدل به القاضي عياض على ذلك. PageV02P535 # وقال الباجي (¬1): حديث أنس أنه لم ير النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~الضحى إلا مرة واحدة في دار رجل من الأنصار، سأله أن يصلي في بيته ليتخذ ~~مكانه مصلى، قد يجمع بينه وبين هذا بأن يقال: لعل مالكا بلغه أن صلاته في ~~دار مليكة كانت ضحى، وأن أنسا لما اعتقد فيها أن المقصود [منها] (¬2) ~~التعليم دون الوقت لم يعتقدها صلاة ضحى، ويحتمل أن يكون مالكا لم يبلغه ~~ذلك، ولكنه لما كانت عنده صلاة الضحى نافلة عبر عنها بصلاة الضحى، وجعلها ~~تنوب عنها. # وقال صاحب القبس (¬3): إنما أخذ مالك أنها صلاة الضحى من قوله: "أن جدته ~~مليكة دعته لطعام صنعته"، والظاهر منه أن الدعوة # في وقت الغداة عند تناول الغداء، وفيما ذكره نظر. # الثامن والعشرون: احتج بعضهم بهذا الحديث على صحة صلاة المنفرد خلف الصف ~~ولا دلالة فيه لأنه موقفها (¬4)، وملخص ما # في هذه المسألة ثلاثة مذاهب. PageV02P536 # أحدها: الصحة مطلقا، وهو قول النووي وابن المبارك وأصحاب الرأي ومالك ~~والشافعي والأكثرين. # وثانيه: البطلان مطلقا، وهو قول النخعي وحماد وابن أبي ليلى ووكيع، وبه ~~قال أحمد وإسحاق. # وقال الزهري والأوزاعي: من ركع دون الصف إن كان قريبا من الصف أجزأه ms0466 وإلا فلا. # وقال ابن حبان (¬1): من فعل هذا الفعل المنهي عنه بعد أن علم بالنهي كان ~~مأثوما في ارتكابه وصلاته صحيحة. لحديث أبي بكرة # أي في صحيح البخاري (¬2). PageV02P537 # التاسع والعشرين: قوله: (فصلى لنا ركعتين ثم انصرف) الأقرب كما قال الشيخ ~~تقي الدين: إنه أراد الانصراف عن البيت، ويحتمل أنه أراد الانصراف من ~~الصلاة بناء على أن السلام لا يدخل تحت مسمى [الصلاة] (¬1) عند أبي حنيفة. # وأما على رأي غيره فيكون الانصراف عبارة عن التحلل، ويؤيده الحديث الآخر: ~~"لا تسبقوني بالركوع ولا بالانصراف" (¬2) أي بالسلام، فيكون أراد الانصراف ~~عن الصلاة، وهو السلام، وهذا الاحتمال هو الأظهر. PageV02P538 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 76/ 4/ 13 - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "بت عند خالتي ميمونة، ~~فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل، فقمت عن يساره، فأخذ ~~برأسي، فأقامني عن يمينه" (¬1). # الكلام عليه من تسعة عشر وجها: # الأول: في التعريف براويه وقد تقدم في باب الاستطابة، وميمونة رضي الله ~~عنها تقدم التعريف بها في باب الجنابة. # الثاني: فيه جواز نوم بعض محارم المرأة في بيت زوجها، إذا لم يكن على ~~الزوج ضرر في ذلك. PageV02P539 # الثالث: ورد في رواية ضعيفة (¬1) في مبيته عندها أنها كانت حائضا وهي ~~حسنة المعنى جدا إذ لم يكن ابن عباس يطلب المبيت # في ليلة للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيها حاجة إلى أهله، لأنه معلوم ~~أنه - عليه الصلاة والسلام - لا يفعل حاجته مع حضرة ابن عباس معها في ~~الوسادة، فإن مبيته إنما كان ليراقب أفعاله ليقتدي به في الصلاة وغيرها، ~~ولعله لم ينم أو نام قليلا جدا. # رابعها: فيه فضل قيام الليل، وكان واجبا عليه، ثم نسخ وجوبه عليه [على] ~~(¬2) الأصح. # خامسها: فيه أن أقل الجماعة اثنان، وأن الجماعة تحصل بالصبي المميز. # سادسا: فيه أن موقفه موقف الرجال في الصف عن يمين الإمام. # سابعها: فيه أن موقف الواحد مطلقا عن يمينه صغيرا كان أو كبيرا، خلافا ~~لسعيد بن المسيب في أن قيام الواحد مع الإمام عن # يسار الإمام، وقال أحمد: ms0467 [إن وقف] (¬3) عن يساره بطلت صلاته. # ثامنها: فيه جواز الجماعة في النافلة في صلاة الليل. PageV02P540 # تاسعها: فيه أن الإمام إذا اطلع على مخالفة من المأموم يرشد إليها بالفعل ~~وهو في الصلاة. # عاشرها: أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة ولا يسجد لسهوه. # الحادي عشر: أن المأموم إذا وقف في غير موقفه يحول إلى غيره، سواء كان في ~~الصلاة أو خارجها، بشرط عدم تكرار الأفعال # ثلاثا متوالية. # قال ابن بشير المالكي: وتكون الإدارة من وراء الإمام. # قلت: وهو المنقول، قال القاضي عياض: قوله (فأقامني عن يمينه) فسره في ~~حديث محمد بن حاتم: (فأخذ بيدي من وراء ظهري [يعدلني] (¬1) كذلك إلى الشق ~~الأيمن) (¬2). # الثاني عشر: فيه جواز الائتمام لمن لم ينو الإمامة، فإن إحرامه كان بعد ~~دخوله - عليه الصلاة والسلام - فيها، ويحتمل (¬3) أن يكون النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نوى الإمامة لما اقتدى به، فلا دلالة فيه إذن. # قال القاضي: واختلفوا فيمن لم ينو هو أن يؤمك. # فذهب مالك: إلى جوازه. # وذهب إسحاق والثوري: إلى منع ذلك على الجملة. PageV02P541 # وذهب غيرهم: إلى منعه لغير الإمام والمؤذن الداعي إلى الصلاة. # وذهب أبو حنيفة: إلى منع ذلك للنساء دون الرجال. # قال القاضي: وقد يجاب عنه بأن في بعض الروايات: "فحركني النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وفي ظني نية الائتمام به". # [قلت: ومذهبنا أنها مستحبة محصلة للفضل إلا في الجمعة] (¬1). # الثالث عشر: فيه نقل أفعاله وأقواله ليقتدى بها. # الرابع عشر: فيه دليل على أنه لا يجوز المتقدم على الإمام، لأنه لو جاز ~~ذلك لكانت إدارة ابن عباس من قدامه أسهل، والمنقول عنه أداره من خلفه، كما ~~سلف كذا استنبطه بعضهم، وفيه نظر، لأن المرور بين يدي المصلي مكروه، فجاز ~~أن تكون إدارته من خلفه لذلك. # الخامس عشر: قوله: "من الليل" يحتمل أن تكون للتبعيض، ويحتمل أن تكون ~~بمعنى في لقوله -تعالى-: {من يوم الجمعة} (¬2) أي في يوم الجمعة. # السادس عشر: قد قدمنا أن مبيته ليراقب أفعاله، فيستفاد منه مسألة حديثية، ~~وهو طلب علو المسند في الرواية، ms0468 فإنه كان يكتفي # بإخبار خالته وفيها خلاف، فذهب بعضهم إلى أن النزول أحسن، PageV02P542 # لأنه كلما طال السند كثر البحث عن أحوال الرجال، وذهب بعضهم أن العلو ~~أحسن طلبا للقرب منه - صلى الله عليه وسلم -. # السابع عشر: كان سن ابن عباس إذ ذاك عشر سنين، كما رواه أحمد، وأخذه ~~القاضي عياض منه. # الثامن عشر: قوله: "فأخذ برأسي" كذا جاء في رواية، وفي أخرى: "فوضع [يده] ~~(¬1) اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يفتلها"، وفي أخرى: "فأخذ بأذني"، ~~وفي أخرى: "فأخذ برأسي من ورائي"، وفي رواية: "بيدي أو عضدي" (¬2) والرواية ~~الثانية جامعة لهذه الروايات، قال الماوردي: قيل: في أخذه بأذنه أنه أراد ~~أن يذكره القضية بعد ذلك لصغر سنه. # وقيل: لينفي عنه النوم لما أعجب قيامه معه. # وقيل: تنبيها للفهم، وفي بعض طرقه أنه قال: "وكنت إذا أغفيت يأخذ بشحمة ~~أذني"، فقد بين في هذا الحديث: أنه إنما فعل ذلك لينبهه من النوم (¬3). # التاسع عشر: يؤخذ من الحديث أيضا أن النافلة كالفريضة في تحريم الكلام ~~فيها، لأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يكلمه. PageV02P543 ### || AUTO 14 - باب الإمامة # ذكر فيه سبعة أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 77/ 1/ 14 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه: رأس حمار؛ ~~أو يجعل صورته: صورة حمار" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الحديث ترجم عليه البخاري باب (إثم من رفع رأسه قبل الإمام) ~~ثم أخرجه بلفظ (أما يخشى أحدكم [أو ألا] (¬2) يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل ~~الإمام أن يجعل الله رأسه: رأس حمار، أو يجعل صورته: سورة حمار)، كذا رواه ~~بلفظ (يجعل) PageV02P544 # فيهما، وكذا ذكره الحميدي في جمعه بين الصحيحين بلفظ (يجعل) فيهما، وذكره ~~صاحب المنتقى (¬1) بلفظ (يحول) فيهما، وعزاه إلى رواية الجماعة، وأما لفظ ~~رواية المصنف (¬2). # وهذا الحديث رواه مع أبي هريرة، عائشة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، ~~وحذيفة بن اليمان، كما أفاده ابن مندة في مستخرجه (¬3). # ثانيها: (أما) مخفف لفظه: لفظ استفهام ms0469 ومعناه: التقرير والتوبيخ، ويسمى ~~حرف استفتاح [وحرفا الاستفهام] (¬4) "أما، وألا" أي يستفتح بعدها الكلام، ~~والأصل فيه ما النافية دخلت عليها همزة الاستفهام، وهي كليس في قوله: {ألست ~~بربكم} (¬5). # وفي الصحاح (¬6): "أما" مخففة تحقق الكلام الذي يتلوه، تقول: "أما إن ~~زيدا قائم" بمعنى أنه قائم على الحقيقة، لا على المجاز، وهذا معنى آخر، ~~وكذا قولهم: (أما والله قد ضرب زيد عمرا) معناه غير معنى أما في الحديث. PageV02P545 # ثالثها: (يخشى) معناه: يخاف. # رابعها: الحديث نص في النهي عن الرفع قبل الإمام في الركوع والسجود، ~~[ويقاس عليها الخفض: كالهوي في الركوع والسجود] (¬1) كذا قاله الشيخ تقي ~~الدين (¬2). # وقد يقال: الرفع وسيلة للفصل بين الأركان والاعتدال، وهو مختلف في ~~[وجوبه، والخفض وسيلة إلى الركوع والسجود، وهما متفق على وجوبهما، وإذا دل ~~الحديث على] (¬3) وجوب الموافقة فيما هو وسيلة لأمر مختلف فيه، فأولى أن ~~تجب الموافقة فيما هو وسيلة لأمر مجمع عليه، نبه على ذلك الباجي. # خص الركوع والسجود دون غيرهما، لأنهما آكد أركان الصلاة من حيث إن غاية ~~الخضوع والتذلل ظاهر، إنما يحصل بهما فهما محل القرب: "أقرب ما يكون العبد ~~من ربه وهو ساجد" (¬4). وذلك يناسب الطمأنينة فيهما، فلما عجل حتى سبق ~~الإمام فيهما، فقد قصر فيما ينبغي التطويل فيه نهى عن ذلك ونبه عليه. # خامسها: إنما خص الحمار دون غيره كالكلب مثلا لمناسبة حسية وهي التنبيه ~~بذكر الحمار على البلادة وعدم الفهم، لأن PageV02P546 # المتعاطي بمخالفة إمامه ومسابقته في أفعاله: كأنه بلغ هذا المبلغ من ~~البلادة، فناسب بذلك أن [يجعل] (¬1) الله رأسه رأس حمار لشبهه به، لا سيما ~~وقد قالوا: إن العقوبة تكون من جنس الجناية والذنب: كقوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: (من تحلم كاذبا ألزم أن يكلف عقد شعيرتين وليس بعاقد) (¬2)، ~~وكقوله في المصور: (كلف أن ينفخ فيه الروح، وليس بنافخ) (¬3)، وفي الحديث ~~الآخر: (أحيوا ما خلقتم) (¬4). # قلت: وجاء في صحيح ابن حبان في هذا الحديث (أن يحول الله رأسه: رأس كلب) ~~(¬5) فيتأمل لهذه الرواية مناسبة [أخرى] (¬6)، وروى ابن جميع (¬7) في حديث ~~أبي ms0470 هريرة أيضا (أنه يحول الله رأسه: رأس شيطان). PageV02P547 # سادسها: إنما خصت الرأس بذلك دون غيرها، لأن بها وقعت الجناية. # واعلم: أنه جاء في رواية (الرأس) وفي أخرى (الوجه) وفي أخرى (الصورة) ~~وكلها بمعنى واحد، كما قال القاضي، لأن الوجه # في الرأس ومعظم الصورة فيه (¬1). # سابعها: هذا الحديث فيه الوعيد على الفعل المذكور، ولا يلزم وقوعه بخلاف ~~الوعد، فإنه لازم وقوعه، ثم التحويل والجعل هل يرجع إلى أمر معنوي كما ~~أسلفناه أو صوري أو أعم، فيرجع إلى المعنى والصورة جميعا، ويكون أبلغ في ~~[الوعيد] (¬2) والتخصيص على عدم المخالفة واجتنابها، فإن الحمار موصوف ~~بالبلادة، ويستعار للجاهل البليد عن ترك ما يجب عليه من فروض الصلاة ~~ومتابعة الإمام، فيرجح المعنى المجازي بأن التحويل في الصورة الظاهرة لم ~~يقع غالبا مع كثرة [رفع] (¬3) المأمومين قبل الإمام، وإن كان قد نقل وقوعه ~~بإسناد صحيح لشخص أو شخصين في أزمنة PageV02P548 # قديمة (¬1). # لكن الحديث لا يدل على وقوعه، وإنما فاعل الرفع قبل الإمام متعرض له ~~خصوصا إن كان مستهزءا بالحديث. # فإنه يقع به كما ذكرنا ونعوذ بالله من ذلك، والمتعرض للشيء لا يلزم وقوع ~~ما تعرض له، والمتوعد به لا يلزم وقوعه في الفعل الحاضر عند المخالفة، ~~والجهل موجود عنده -فإن الجهل عبارة عن فعل ما لا ينبغي- وعن الجهل بالحكم ~~فإن العالم بالشيء ولم يعمل به، يقال له: جاهل، لأن الشيء يفوت بفوات ثمرته ~~ومقصوده وإن كان سببه موجودا، ولهذا يقال: فلان ليس بإنسان، لفوات وصف ~~يناسب الإنسانية، ولما كان المقصود من العلم العمل به جاز أن يقال لمن لا ~~يعمل به: جاهل غير عالم، وقد يقال: عالم غير عارف، فسمى عدم المعرفة جهلا. PageV02P549 # ويجوز -والله أعلم- أن المراد تحويل صورته يوم القيامة، فيحشر على تلك ~~الحالة، علما له على المخالفة. # ثامنها: في المصنف عن أبي هريرة - رضي الله عنه -[موقوفا] (¬1) "إن الذي ~~يخفض ويرفع رأسه قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان" (¬2) وكذا قاله أيضا ~~سلمان من [طريق] (¬3) ليث بن أبي سليم. # ونظر ابن مسعود إلى من سبق ms0471 إمامه فقال: "لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت" ~~(¬4) وعن ابن عمر نحوه وأمره بالإعادة (¬5). # تاسعها: فيه دليل على تحريم مسابقة الإمام وغلظها كما سلف، إن سبقه بركن ~~لا تبطل صلاته على الأصح مع ارتكابه الحرام، فيندب العود إن كان عامدا، ~~ويخير بينه وبين الدوام إن كان ساهيا، وإن سبقه بركنين بطلت. PageV02P550 # وقال القرطبي وغيره: من خالف الإمام فقد خالف سنة المأموم، وأجزأته صلاته ~~عند جمهور العلماء. # وقال ابن قدامة في المغني (¬1): إن سبق إمامه فعليه أن يرفع ليأتي بذلك ~~مؤتما بالإمام، فإن لم يفعل حتى لحقه الإمام سهوا أو جهلا فلا شيء عليه، ~~فإن سبقه عالما بتحريمه فقال أحمد في "رسالته" (¬2): ليس لمن سبق الإمام ~~صلاة لقوله: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام" الحديث، ولو كانت له ~~صلاة لرجى له الثواب، ولم يخش عليه العقاب. # عاشرها: فيه التهديد على المخالفة خشية وقوعها. # الحادي عشر: فيه وجوب متابعة الإمام، وقال القاضي عياض: لا خلاف أن ~~متابعة الإمام من سنن الصلاة. # الثاني عشر: فيه كمال شفقته - عليه الصلاة والسلام - بأمته، وبيانه لهم ~~الأحكام، وما يترتب على المخالفة. # الثالث عشر: قال صاحب القبس (¬3): جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أن ~~[الشيطان مسلط] (¬4) على الإنسان من إفساد صلاته [عليه] (¬5) قولا بالوسوسة PageV02P551 # حتى لا يدري كم صلى، وفعلا بالتقدم على الإمام حتى يخل بالاقتداء، فأما ~~الوسوسة فدواؤها الذكر والإقبال على الصلاة، وأما التقدم فعلته طب ~~الاستعجال ودواؤه أن يعلم أنه لا يسلم قبل الإمام، فلا يستعجله في هذه ~~الأفعال. # الرابع عشر: هذا الحديث دال بمنطوقه على عدم المسابقة، وبمفهومه على جواز ~~المقارنة، ولا شك فيه لكن يكره، ويفوت به فضيلة الجماعة، نعم تضر مقارنته ~~في تكبيرة الإحرام، هذا في الأفعال، وأما الأقوال فإنه يتابعه فيها، فيتأخر ~~ابتداؤه عن ابتداء الإمام إلا في التأمين، فيستحب المقارنة للنص فيه، وحكى ~~القاضي عن مالك ثلاثة أقوال في الأفعال: # أحدها: عقبة. # ثانيها: بعد تمامه. # ثالثها: معه إلا القيام من اثنين فبعد تمامه. # واعلم أن النووي -رحمه الله- في "شرحه ms0472 لمسلم" (¬1) أجحف في شرح هذا ~~الحديث، فلم يذكر فيه غير أنه قال بعد أن روى: (رأسه ووجهه وصورته): هذا ~~كله بيان لغلظ تحريم ذلك، ولم يزد. PageV02P552 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 78/ 2/ 14 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر ~~فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا [و] ~~(¬1) لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون" ~~(¬2). PageV02P553 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 79/ 3/ 14 - عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: صلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في بيته، وهو شاك، فصلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما، فأشار ~~إليهم: أن اجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع ~~فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك ~~الحمد، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون" (¬1). # الكلام عليهما من وجوه: # الأول: قوله: "إنما جعل الإمام" لا بد فيه من تقدير محذوف وهو المفعول ~~الثاني لجعل، لأنها هنا بمعنى صير، و [] (¬2) التقدير [إنما] (¬3) جعل ~~الإمام إماما، والأول ارتفع لقيامه مقام الفاعل. PageV02P554 # الثاني: معنى (ليؤتم به) ليقتدى به. # الثالث: الفاء تقتضي التعقيب، فتقتضي أن تكون أفعال المأموم عقب أفعال ~~الإمام القولية والفعلية، فنبه - صلى الله عليه وسلم - بالتكبير والتسميع ~~على القولية، وبالركوع والرفع على الفعلية، وقد تقدم الكلام في الحديث قبله ~~على مسابقته ومقارنته. # الرابع: (إنما) تقتضي العصر، والائتمام والمسابقة في كل شيء حتى في النية ~~والهيئة من الوقف وغيره، وقد اختلف في ذلك العلماء. # فقال الشافعي: لا يضر اختلاف النية فتصح قدوة المؤدي بالقاضي، والمفترض، ~~بالمتنفل، وبالعكس، وجعل الحديث مخصوصا بالأفعال الظاهرة (¬1). PageV02P555 # وقال أبو حنيفة (¬1): يضر اختلافها وجعل اختلاف النيات داخلا PageV02P556 # تحت الحصر في الحديث. # وقال مالك وغيره: لا يضر الاختلاف في الهيئة بالتقدم في الموقف وجعل ~~الحديث عاما فيما عدا ذلك (¬1). # وحجة الشافعي في أن اختلاف النيات لا يضر، لأنه - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى PageV02P557 # بأصحابه ببطن نخل ms0473 صلاة الخوف مرتين بكل فرقة مرة، وصلاته الثانية وقعت له ~~نفلا وللمقتدين فرضا، وبأن معاذا كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصليها بهم هي له تطوع، ولهم مكتوبة، كما سيأتي ~~في موضعه، ومما يدل أن الائتمام إنما يجب في الأفعال الظاهرة قوله - عليه ~~الصلاة والسلام - في رواية جابر: "ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائما فصلوا ~~قياما، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا" (¬1). # فإن قلت: يدخل في النهي الوارد في الحديث إمامة القائم للعاجز عن القيام ~~ولا شك في صحتها. # فالجواب: بأن النهي إنما يتناول من أمكنه الموافقة. # الخامس: قوله: "فإذا كبر فكبروا" وسيأتي الكلام على التكبير الإحرام أنها ~~لا تنعقد، وتكبيرة الإحرام ركن. # وقيل: شرط، وخرج المالكية على ذلك الإحرام قبل دخول الوقت وغيره مما ~~سيأتي في الباب الآتي. # السادس: قد يؤخذ من الحديث عدم قراءة المأموم الفاتحة في الجهرية، إذ لم ~~يقل: "وإذا قرأ فاقرءوا"، كما قال: (فإذا كبر فكبروا)، وإنما خصصنا الجهرية ~~لأنها الذي يمكن استعلامها دون السرية. PageV02P558 # سابعها: معنى "سمع الله لمن حمده" أي أجاب، ومعناه أن من حمد الله متعرضا ~~لثوابه استجاب له فأعطاه ما تعرض له، و"الواو" في (ربنا ولك الحمد) ثابتة ~~في فهم هذين الحديثين، وصح حذفها أيضا، وإثباتها أحسن (¬1)، لأنها تدل على ~~زيادة معنى، وهو النداء # بالاستجابة، فكأنه يقول: يا ربنا استجب أو تقبل ونحوهما، وعطف ذلك بقوله: ~~(ولك الحمد) فكأنه خبر بأن له الحمد -سبحانه # وتعالى- فكأنه حمد الله بلفظ الخبر الدال على ثبوت الحمد له ملكا ~~واستحقاقا، فاشتمل الكلام على معنى الدعاء ومعنى الخبر، وحذف الواو دال على ~~أحد هذين المعنيين فقط، وكذا في الرد في قوله وعليكم السلام بإثبات [الواو ~~فإنه يتضمن] (¬2) الدعاء لنفسه ولمن سلم عليه لأن تقديره علينا وعليكم ~~السلام فحذف علينا لدلالة العطف عليه بخلاف إسقاطها، فإنه لا يقتضي إلا ~~إثبات الدعاء لغيره خاصة. # واعلم أن ما جاء من الدعاء بصيغة الخبر مثل: سمع الله لمن حمده، وغفر ~~الله لنا، ورضي عنا، وصلى ms0474 الله على سيدنا محمد وآله # وسلم، ونحو ذلك، قد قيل: إنه من باب التفاؤل بإجابة الدعاء، وكأنه وقع ~~واستجيب وأخبر عن وقوعه. # ثامنها: فيه أن التسميع مختص بالإمام، وأن "ربنا ولك الحمد" مختص ~~بالمأموم، هكذا استدل به أحمد، وهو اختيار مالك وأبي حنيفة وابن المنذر. PageV02P559 # ومذهب الشافعي (¬1) أن الإمام والمأموم والمنفرد يجمعون بين التسميع ~~والتحميد في الركوع والاستواء منه، فالتسميع ذكر لحالة الرفع منه، والتحميد ~~ذكر لحالة الاستواء من الرفع، وقاله من المالكية عيسى بن ديار، ونافع، وإن ~~كان القاضي عياض في "إكماله" خطأ من تأول عليهما ذلك. # وقال مالك: في "مختصر ما ليس في المختصر"، للمأموم أن يجمع بينهما. # وادعى الطحاوي أن الشافعي خالف الإجماع، وليس كما ذكر. # والجواب عن الحديث: أنه - عليه الصلاة والسلام - علمهم ما جهلوه من ذكر ~~الاستواء بخلاف ذكر الرفع من الركوع، وهو التسميع فإنهم كانوا يعلمونه، ~~ويعملون به، ويتابعون فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يحتج إلى ~~[التنبيه] (¬2) عليه بخلاف قوله: "ربنا لك الحمد"، وكذا حديث أبي هريرة: ~~"إذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق ~~قوله قول الملائكة كفر له ما تقدم من ذنبه" رواه مالك في الموطأ (¬3) PageV02P560 # [فجوابه] (¬1) ما ذكرناه، وفي صحيح مسلم (¬2) من حديث ابن أبي أوفى - رضي ~~الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع ظهره من ~~الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، ~~وملء ما شئت من شيء بعد"، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر (¬3) وأبي هريرة ~~(¬4) الجمع بينهما أيضا، وقد ذكرها المصنف في باب صفة الصلاة (¬5). وسيأتي ~~الكلام عليهما هناك إن شاء الله، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما ~~رأيتموني PageV02P561 # أصلي" (¬1). # تاسعها: اختلف المتأخرون من أصحاب مالك في صلاة المسمع وصلاة المصلي ~~بتسميعه على ثلاثة أقوال: # أحدها: الصحة للصلاة، لأنه نائب عن الإمام، ففعله كفعله، وعمدتهم اقتداء ~~الصديق - رضي الله عنه - بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في واقتداء الناس ~~بالصديق ms0475 وهذا على أنه خرج من الإمامة وائتم بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وهذا الراجح، ولأن العمل استمر في سائر الأعصار على الصلاة بالتسميع. # والثاني: بطلان الصلاة، لأنه إنما شرع الاقتداء بالإمام، لا لعوض عنه كما ~~هو ظاهر الحديث. # والثالث: الصحة عند إذن الإمام له، والبطلان عند العدم، وحكى القاضي ~~عياض: أنه إنما يجوز ذلك في مثل: الأعياد والجنائز وغير الفرائض التي يجتمع ~~لها الناس. قال: وقيل يجوز في هذا وفي الجماعات لضرورة كثرة الجمع، قال: ~~وقيل: إنما يجوز ذلك إذا كان بصوت وطيء غير متكلف، فإن تكلف أفسد على نفسه ~~وعلى من ائتم به. # عاشرها: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فقولوا ربنا ولك PageV02P562 # الحمد" في معناه " [لك] (¬1) الحمد ربنا"، أو "من حمد الله سمع له" ~~للإتيان باللفظ والمعنى. نص عليه الشافعي في الأم. # قال الماوردي (¬2): ولو قال حمد الله من سمعه أجزأه وإن خالف السنة. # الحادي عشر: قوله: "وإذا سجد فاسجدوا" يؤخذ منه الطمأنينة فيه، وكذا من ~~قوله: "وإذا ركع فاركعوا" فإنه يقتضي تقديم ما يسمى ركوعا وسجودا، كذا قاله ~~الشيخ تقي الدين في الحديث الرابع الآتي، ولا يخلو من مشاحة فيه. # الثاني عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا ~~أجمعون" كذا وقع التأكيد في الروايات "بأجمعون" (¬3) مرفوعا، ومقتضاه أن ~~يكون منصوبا، لأن التأكيد (¬4) PageV02P563 # يتبع المؤكد في إعرابه، وقد وقع في بعض الروايات لذلك (بأجمعين) منصوبا، ~~وقد تكلف (¬1)، للجواب عن الأولى. # الثالث عشر: هذا الحديث عند الشافعية ومهم البخاري والحنفية والجمهور: ~~منسوخ بحديث عائشة - رضي الله عنها - أنه - عليه الصلاة والسلام -: "صلى ~~قاعدا، وأبو بكر والناس قياما" (¬2) متفق عليه. وكان هذا في مرض موته، ~~فإنها كانت صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد وتوفي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم الاثنين كلما رواه البيهقي (¬3). # وأما ابن حبان (¬4) فإنه أبى هذا في صحيحه، وبسط القول فيه بسطا بليغا، ~~وقال: هو عندي ضرب من إجماع الصحابة أن صلاة المأمومين قعودا إذا صلى ~~إمامهم قاعدا من طاعة الله، وأن عليهم ذلك، ms0476 وأوجبه أحمد وابن المنذر أيضا. PageV02P564 # وقال مالك: في المشهور عنه وعن أصحابه: لا يجوز أن يؤم أحد جالسا لحديث ~~"لا يؤمن أحد بعدي جالسا" (¬1) لكنه حديث PageV02P565 # ضعيف [مرسل ولترك الخلفاء الراشدين الإمامة من قعود وهو ضعيف] (¬1) لأن ~~ترك الشيء لا يدل على تحريمه، ولعلهم اكتفوا # بالاستنابة [للقادرين] (¬2) وإن كان وقع الاتفاق على أن صلاة القاعد ~~بالقائم مرجوحة، وأن الأولى تركها، فذلك سبب ترك الخلفاء # الإمامة من قعود [ورائهم] (¬3). # وقال ابن القاسم [عمل] (¬4) [أهل] (¬5) المدينة [على] (¬6) ذلك، وفيه ~~البحث المذكور (¬7). PageV02P566 # ومن العلماء من زعم أن إمامة الجالس كانت خاصة به - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو ضعيف، لأن الأصل عدمه حتى يدل دليل عليه، وأبعد بعضهم، فقال: المراد ~~بقوله: "فإذا (¬1) صلى جالسا فصلوا جلوسا" الجلوس في موضع الجلوس في ~~الصلاة، فإنه ذكر الركوع والرفع والسجود، ولم يذكر الجلوس، وحديث عائشة ~~يرده ردا صريحا (¬2). PageV02P567 # فرع: اختلف أصحاب مالك في جواز ائتمام الجالس العاجز عن القيام بمثله، ~~والمشهور الجواز كما حكاه القاضي. # وقيل: لا، فيعيد المأموم فقط. وروي عن ابن القاسم "لا يؤم المضطجع وهو وهم". # الرابع عشر: قولها: (وهو شاك) هذه الشكاية يحتمل أنها كانت من سقطة عن ~~فرس ركبها بالمدينة فصرعته (¬1) [جذم نخلة] (¬2) فانفكت قدمه فدخل عليه ~~أصحابه يعودونه في مشربة لعائشة في غير وقت صلاة فريضة، ووجدوه يصلي نافلة ~~فقاموا خلفه [ثم أتوه مرة أخرى فوجدوه يصلي المكتوبة فقاموا خلفه] (¬3)، ~~فأشار إليهم، فقعدوا، فلما قضى الصلاة، قال: "إذا صلى الإمام جالسا، فصلوا ~~جلوسا، وإذا صلى قائما، فصلوا قياما، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس ~~بعظمائها". رواه ابن حبان في صحيحه من حديث جابر - رضي الله عنه - (¬4) ~~فهذه الرواية صريحة في أن الصلاة الأولى PageV02P568 # كانت نافلة، وأن العلة في أمرهم بالجلوس خلفه في الثانية عدم PageV02P569 # التشبه بالكفار في قيامهم خلف عظمائهم، فالعظمة لله. # وكان سقوطه - صلى الله عليه وسلم - عن فرسه وجحش شقه الأيمن أي خدش جلده ~~[وإشحاحه] (¬1) فخرج فصلى بهم جالسا، وقال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" إلى ~~آخر الحديث في ms0477 ذي الحجة سنة خمس من الهجرة كان - صلى الله عليه وسلم - ركب ~~وأتى الغابة فسقط عن فرسه (¬2). وفي هذا الشهر [دفت] (¬3) دافة [من] (¬4) ~~عامر بن صعصعة فأمرهم أن PageV02P570 # لا يدخروا من ضحاياهم شيئا ليواسوا المحتاجين، ثم قال لهم: كلوا وادخروا ~~بعد ثلاث. فهذان النقلان يدلان على أنه انقطع غير مرة، وصلى بهم جالسا ~~شاكيا غير مرة من سقطة، فإن أمرهم بالصلاة خلفه جلوسا متقدم على قصة ~~الصديق، وصلاته بالناس وخروجه - عليه الصلاة والسلام - في مرضه الذي مات ~~فيه بين بريرة ونوبة [بضم النون و] (¬1) بالباء الموحدة قبل الهاء، وإجلاسه ~~- عليه الصلاة والسلام - إلى جنب الصديق - رضي الله عنه - (¬2). PageV02P571 # فائدة: قرر الحافظ أبو المعز عبد المغيث بن زهير البغدادي (¬1) في كتابه ~~[الاستنصار] (¬2) لا [فضل] (¬3) المهاجرين والأنصار: أن الصديق - رضي الله ~~عنه - كان إماما والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان [مأموما] (¬4) من عدة ~~طرق، وقال: إن قول بعض العلماء: إن الحديث الذي روى أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - صلى وراء الصديق، وكان الصديق إماما آخر صلاة صلاها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، ثم لم يصل بعدها صلاة، وكانت صلاة الصبح وقبض - صلى الله ~~عليه وسلم - حين ارتفع نهار ذلك اليوم، [غير صحيح] (¬5) ومداره على شبابة ~~بن سوار وقد تكلم فيه أحمد، وقال: إنه غلط فيه، ليس كما ذكره، بل [ابن] ~~(¬6) سوار من رجال الصحيحين، وقد أخرج الحديث من طريقه أحمد (¬7) والترمذي ~~(¬8) وصححه وأبو داود PageV02P572 # وإمام المشرق ابن حبان في صحيحه (¬1) وغيرهم، وقول أحمد في [ابن] (¬2) ~~سوار [أليس] (¬3) هو صاحب حديث صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - خلف أبي ~~بكر؟ أراد تعريفه به [وإشهاره بروايته] (¬4) إن صح هذا عنه. # وقد أخرج أحمد هذا الحديث في مسنده، وهو يدحض هذه المقالة المعزية إليه، ~~وإنما أنكر أحمد على شبابة شيئا بلغه عنه من PageV02P573 # الإرجاء، وجاء شبابة إليه معتذرا مما بلغه عنه، ذكره العقيلي في "كتابه" ~~(¬1)، ثم ساق الحديث من ثلاثين طريقا، ليس فيها ذكر # شبابة بن سوار، وفي بعض طرقه عن ابن عباس لم يصل النبي ms0478 - صلى الله عليه ~~وسلم - خلف أحد من أمته صلاة تامة إلا خلف أبي بكرة، ولم في خلف عبد الرحمن ~~بن عوف (¬2) ركعة وفي بعض طرقه: أن أبا بكر أراد أن يتحول من الصف من ~~إمامته فرده - صلى الله عليه وسلم - وقال: "ما كان لنبي أن يموت حتى يؤمه ~~رجل من أمته" رواه أحمد (¬3). # وفي رواية لابن سعد (¬4) أنه - عليه الصلاة والسلام - قال ذلك حين انصرف، ~~وبذلك أجاب الحافظ أبو علي أحمد بن محمد PageV02P574 # البرداني (¬1) وابن ناصر السلامي (¬2)، وقال: إنه صح، وثبت أنه - عليه ~~الصلاة والسلام - صلى خلفه مقتديا به في مرضه الذي توفي فيه ثلاث مرات، ~~ذكره أبو داود والترمذي (¬3)، ولا ينكر ذلك إلا جاهل، لا علم له بالرواية، ~~ووافقه أيضا [في] (¬4) ذلك الحافظ أبو بكر محمد بن منصور القصري، وصنف فيه ~~أيضا الحافظ ضياء الدين المقدسي. # الخامس عشر: في الحديث وجوب متابعة الإمام، وتحريم الاختلاف عليه، وقد ~~سبق الكلام على الاختلاف. # السادس عشر: فيه أن ركوعه وسجوده متأخر عن الإمام. # السابع عشر: فيه جواز الإشارة والعمل القليل في الصلاة للحاجة. PageV02P575 # الثامن عشر: لم يذكر في الحديث: وإذا سلم فسلموا، لأنه -والله أعلم- لا ~~يلزم المتابعة فيه على الفور، فإن له أن يطول التشهد والدعاء بعده، ولأنه ~~مندرج في [عموم قوله] (¬1): "إنما جعل الإمام ليؤتم به"، وما ذكر فيه على ~~التفصيل فهو من أفراد ذلك العموم. PageV02P576 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 80/ 4/ 14 - عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري قال: حدثني البراء -وهو ~~غير كذوب- قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: سمع الله ~~لمن حمده، لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ساجدا، ثم نقع سجودا بعده" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: عبد الله هذا صحابي ابن صحابي، شهد [والده] (¬2) أحدا والمشاهد ~~بعدها، ومات [قبل] (¬3) فتح مكة، وأما هو فشهد الحديبية وهو ابن سبع عشر ~~سنة، وشهد مع علي حروبه، وولي [إمرة] (¬4) الكوفة، ومات في زمن ابن الزبير، ~~وكان استعمال ابن # الزبير له على ms0479 الكوفة سنة خمس وستين ذكره بقي بن مخلد فيمن روى أربعة ~~أحاديث، وقال عبد الغني: روى سبعة وعشرين حديثا، PageV02P577 # أخرى له البخاري حديثين ولم يخرج له مسلم شيئا، وقال غيره: خرج له مسلم ~~أحد حديثي البخاري. # وقول المصنف: "الخطمي" هو بفتح الخاء وسكون الطاء نسبة إلى بطن من ~~الأنصار. # الثاني: "البراء": هو ابن عازب صحابي ابن صحابي، نزيل الكوفة، له زيادة ~~على ثلاثمائة حديث، شهد أحدا والحديبية وغيرهما، وشهد مع علي الجمل وصفين ~~والنهروان مات بالكوفة سنة إحدى أو اثنين وسبعين قيل: إنه افتتح الري. # فائدة: البراء بالتخفيف [يشتيه] (¬1) بالبراء بالتشديد وهو أبو العالية ~~البراء وأبو معشر البراء. # الثالث: قوله: "غير كذوب" قال ابن معين: قائل هذا هو أبو إسحاق السبيعي ~~في عبد الله بن يزيد الخطمي، فإنه الراوي عنه لأن مثل البراء لا يحتاج إلى ~~تزكية، وتبعه [على] (¬2) ذلك الحميدي، والخطيب في "الفصل المدرج للوصل" ~~(¬3)، وابن الجوزي وفيه نظر، لأن عبد الله بن يزيد صحابي أيضا كما قررناه، ~~وعبد الله لم يرد به التعديل، وإنما أراد به قوة الحديث. PageV02P578 # قال النووي في شرح مسلم (¬1): هذا الذي قاله ابن معين خطأ عند العلماء، ~~قالوا: بل الصواب أن قائل ذلك هو عبد الله بن يزيد، # ومراده التقوية لا التزكية، قال: ونظيره قول ابن مسعود حدثنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق، وقول: أبي مسلم الخولاني حدثني ~~الأمين عوف بن مالك، وما ادعاه من التنظير ليس بجيد. # قال بعض فضلاء المالكية: كأنه كلام من لم يلم بشيء من علم البيان أصلا، ~~ومن ذا الذي لا يفرق بين قولنا: زيد صدوق، وزيد # غير كذوب، وبين قولنا: زيد عاقل، وزيد ليس بمجنون، ألا ترى أن ابن مسعود ~~[لو] (¬2) قال عوض قوله "وهو الصادق المصدوق [] وهو غير كذوب" لوجدت الطبع ~~ينفر والشعر يقف عند سماعه، فإنا نفرق بين إثبات الصفة للموصوف وبين نفي ~~ضدها عنه، والسر -والله أعلم- أن نفي الضد، كأنه يقع جوابا لمن أثبته، ~~بخلاف إثبات الصفة فإنه على الأصل، فإذا ms0480 قلت: جاء زيد العالم. فكأنك قلت: ~~المعروف بالعلم [إلا] (¬3) أن ثم منازعا في ذلك إنما هو كلام خرج في معرض ~~تعريف الذات الموصوفة بالعلم (¬4). # الرابع: قوله: "لم يحن" معناه: لم يعطف، ومنه: حنيت العود عطفته ويقال: ~~حنيت وحنوت لغتان حكاهما الجوهري (¬5) PageV02P579 # وغيره، وقد روي منهما في صحيح مسلم (¬1) "يحنو" و"يحني"، والأكثر في ~~اللغة والرواية الياء. # الخامس: فيه ما كانت الصحابة عليه من الاقتداء برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - والمتابعة له في الصلاة وغيرها، حتى لم يتلبسوا بالركن الذي ~~ينتقل إليه [حين] (¬2) يشرع في الهوي إليه، بل يتأخرون عنه. # السادس: في فعل الصحابة ذلك دليل على طول الطمأنينة من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وقد اختلف أصحاب مالك في وجوبها، قالوا: ومذهب ابن القاسم ~~أنها سنة في جميع الأركان. # [السابع] (¬3): فيه أن السنة للمأموم أن لا ينحني للسجود حتى يضح الإمام ~~جبهته على الأرض، إلا أن يعلم من حاله أنه لو أخر إلى هذا الحد لرفع الإمام ~~من السجود قبل سجوده. # [الثامن] (¬4): فيه مع مجموع ما ذكر أن السنة للمأموم أن يتأخر عن الإمام ~~قليلا، بحيث يشرع في الركن بعد شروعه [فيه] (¬5) وقيل فراغه منه. PageV02P580 # [التاسع] (¬1): قوله: "ثم نقع سجودا بعده" هو بالرفع على الاستئناف، وليس ~~معطوفا على "يقع" الأول المنصوب ب"حتى"، إذ ليس المعنى عليه. PageV02P581 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 81/ 5/ 14 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين ~~الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: فيه دليل على استحباب التأمين للإمام والمأموم، وأما المنفرد: ~~فيستحب له أيضا، ولكل قارئ في غير الصلاة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~(إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما ~~الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه (¬2) من حديث PageV02P582 # أبي هريرة، وهو أعم من أن يكون إماما أو مأموما أو منفردا أو في غير ~~صلاة، نعم في رواية لمسلم (¬1) (إذا ms0481 قال أحدكم في الصلاة: # آمين ...). # الثاني: فيه دليل على استحباب مقارنة الإمام في التأمين، فإن المراد إذا ~~أراد التأمين فأمنوا جميعا بينه وبين حديث أبي هريرة الآخر في الصحيحين ~~(¬2): (إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين. فقولوا: آمين، فإنه ~~من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما # تقدم من ذنبه) وهذا كقولهم إذا رحل الأمير فارحلوا أي إذا تهيأ للرحيل ~~فتهيؤوا ليكون رحيلكم معه، وبيانه في الحديث السالف: # (إذا قال أحدكم آمين ... إلى آخره) فظاهره الأمر بوقوع الجميع في حالة ~~واحدة، فهذا جمع بين الأحاديث، وأبعد من قال المراد # بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أمن، إذا قال آمين) وكذا قول من قال: ~~المراد إذا دعا بقوله الصراط المستقيم. # الثالث: قد يدل به على الجهر بالتأمين للإمام وهو ضعيف، فإن فعله ~~والتخصيص عليه لا يلزم منه الجهر به ووجه الاستدلال على [جهة] (¬3) الإمام ~~به أنه علق تأمينهم بتأمينه فلا بد أن يكونوا عالمين [به] (¬4)، ولا يحصل ~~لهم العلم إلا بالسماع (¬5)، وأظهر قولي PageV02P583 # الشافعي: إن المأموم يجهر به أيضا. # وأما المنفرد فيجهر به قطعا، وفي "تعليق" القاضي حسين. أنه يسر به وهو ضعيف. # وقال مالك: في رواية قيل: إنها المشهورة عنه لا يؤمن الإمام في الجهرية، ~~ولم يختلف قوله في السرية، لأنه قد عري دعاؤه من مؤمن عليه غيره. # واختار القاضي أبو (¬1) الوليد: أنه يؤمن في الجهر. # وقال [أبو بكر] (¬2). # يتخير [قالوا] (¬3) وحيث قلنا: يؤمن فيسر. # وقيل: [يجهر] (¬4) حكاه في "الجواهر". # وقيل: يتخير بينهما. PageV02P584 # وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يجهر به (¬1)، والأكثرون على خلافه. # واستدل مالك على أن الإمام لا يؤمن لأن المراد من الحديث إذا بلغ موضع ~~التأمين وهو خاتمة الفاتحة. # ويؤيده الرواية الأخرى (إذا قال: ولا الضالين، فقولوا آمين) فإذا بلغ ~~موضعه قيل: أمن وإن [لم] (¬2) يتلبس به، كما قال أنجد إذا بلغ نجد، وأتهم ~~إذا بلغ تهامة، وأحرم إذا بلغ الحرم، وهذا مجاز، فإن وجد دليل يرجحه على ~~ظاهر الحديث فإن حقيقته في التأمين عمل به، وإلا ms0482 فالأصل عدم المجاز. # قلت: والحديث حجة للشافعي ومن قال بقوله لأنه - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إذا أمن" وهو يعطي أن التأمين ثابت له معلوم من عادته، [وشأنه من ~~حيث] (¬3) كانت "إذا" للشرطية المحقق بخلاف "إن" فإنها للمشكوك فيه. # وفي البخاري (¬4) قال عطاء: "أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى أن للمسجد ~~[لجة] " (¬5). PageV02P585 # وقال أيضا (¬1): "أدركت مائتين من الصحابة في هذا المسجد يعني المسجد ~~الحرام، إذا قال الإمام: ولا الضالين رفعوا أصواتهم # بآمين"، رواه ابن حبان في "ثقاته" (¬2). # قال القاضي (¬3): وشذت طائفة فأنكرت التأمين جملة، وقال: إنه يفسد جملة ~~الصلاة لأنه كلام فيها. # الرابع: فيه دليل على فضل الإمام، فإن تأمينه موافق لتأمين الملائكة، ~~ولهذا شرع موافقة المأمومين له بخلاف غيره. # الخامس: فيه دليل أيضا على فضل الله وكرمه حيث جعل غفران الذنوب على ما ~~ذكرنا مرتبا على موافقة الإمام في التأمين. # السادس: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "غفر له ما تقدم من ذنبه" ظاهره ~~يشمل الصغائر والكبائر، فإن دل دليل على تخصيص # أحدهما رجع إليه، وإلا بقينا مع ظاهر الحديث، وزاد الغزالي في "وسيطه" ~~و"وجيزه" في هذا الحديث زيادة، قال ابن الصلاح: إنها ليست صحيحة وهي بعد ~~قوله: "ما تقدم من ذنبه وما تأخر" (¬4) وليس PageV02P586 # كما ذكر كما أوضحته في تخريج "أحاديث الوسيط". # السابع: اختلف في هذه الموافقة على أقوال: # أحدها: وهو أظهرها أنها في القول لقوله: "قالت الملائكة في السماء آمين" ~~كما أسلفناه من حديث أبي هريرة أيضا. # ثانيها: في الصفة [من] (¬1) الخشية والإخلاص، وبه جزم ابن حبان (¬2)، ~~وأبدى فيه المحب الطبري في "أحكامه" نظرا. # ثالثها: أن يكون دعاؤه لعامة المؤمنين كالملائكة "فالفاء" في الحديث ~~للمشاركة لا للتعقيب. PageV02P587 # رابعها: معناه استجيب له كما يستجاب للملائكة، وإنما كانت موافقتهم سببا ~~لغفران الذنوب، لأن موافقتهم تقع في وقت إجابة # الدعاء، لأن دعاءهم مستجاب، فيتفضل الله -جل وعلا- عليهم بذلك، وإن لم ~~يتضمنه سؤال الداعي، أفاده المحب الطبري في # "أحكامه". # الثامن: اختلف العلماء في هذه الملائكة: هل هم الحفظة أو غيرهم من أهل ~~السماء ms0483 على قولين: # واحتج للثاني بالرواية السالفة: (وقالت الملائكة في السماء آمين). # وأجاب الأول بأنه إذا قالها الحاضرون من الحفظة قالها من فوقهم حتى تنتهي ~~إلى أهل السماء (¬1). # التاسع: في (آمين) خمس لغات ذكرتها في "شرح المنهاج" PageV02P588 # أفصحها تخفيف الميم والمد (¬1)، والأظهر في معناها: اللهم استجيب (¬2). # [وقال الزمخشري (¬3): آمين صوت سمي به الفعل الذي هو استجيب] (¬4) وفيه ~~أقوال أخرى منتشرة. # العاشرة: استدل بعض المالكية بهذا الحديث على أن المأموم لا يقرأ فيما ~~يجهر [به] (¬5) الإمام، لأنه يكون مأمورا بالتأمين مطلقا، # وإن كان في حال قراءته خلف إمامه. PageV02P589 # وجوابه: أن هذا لا يقطع الولاء. # الحادي عشر: استدل به على تفضيل الملائكة على الآدميين، لأنه - عيه ~~الصلاة والسلام - جعل تأمين الملائكة سببا لقبول # تأميننا، ولا شك في شرف الشافع على المشفوع له عند المشفوع عنده فتأمله. ~~ومذهب أهل السنة أن النوع الإنساني أفضل من نوع الملائكة خلافا للمعتزلة، ~~ولخص ملخص في ذلك سبعة أقوال: # أحدها: بعض الآدميين ممن ليس بنبي أفضل. # ثانيها: بعض الأنبياء وبعض المؤمنين أفضل من بعض الملائكة غير المقربين، ~~وممن عصى كهاروت وماروت. # ثالثها: أن الأنبياء أفضل مطلقا. # رابعها: أن الملائكة أفضل مطلقا. # خامسها: الرسل أفضل. # سادسها: ملائكة السماء أفضل من الرسل، والرسل أفضل من ملائكة الأرض. # سابعها: التوقف بين الملائكة والأنبياء (¬1). PageV02P590 # [الثاني عشر] (¬1): فيه دليل لقراءة الإمام وكونها ملتزمة للصلاة وغير ~~منفصلة منها. # [الثالث عشر] (¬2): تستحب للإمام سكتة بعد فراغه من التأمين، ليقرأ ~~المأموم فيها الفاتحة، وهو مذهب الشافعي ومن وافقه (¬3). PageV02P591 # وذهب مالك وأبو حنيفة ونقله القاضي عياض عن جمهور السلف والعلماء: إلى ~~إنكار ذلك في هذه السكتة، وكذا في السكتة بعد # فراغ قراءة السورة، قال: وقد رويت في ذلك أحاديث لا تتفق فيها عند أهل ~~الحديث، قال: وقوله - عليه الصلاة والسلام -: "وإذا قال الإمام: ولا ~~الضالين، فقولوا: آمين" حجة لمن لا يرى السكتة الأولى ولا قراءة المأموم ~~خلفه فيما يجهر فيه، لأنه ذكر ما يفعل الإمام والمأموم فذكر التكبير للإمام ~~ثم ذكر بعده تكبير المأموم ثم ذكر قراءة ms0484 الإمام ولم يذكر [للمأموم قراءة] ~~(¬1) ولو كانت السكتة من حكم الصلاة لقال: وإذا سكت فاقرؤوا، وهو موضع ~~تعليم وبيان. # قلت: الحديث في سنن أبي داود (¬2) وجامع الترمذي (¬3) صرح بالسكتتين فهو ~~حجة لمن استحبهما، ومقدم على من لم يتعرض # لهما. PageV02P592 ### ||| AUTO الحديث السادس # 82/ 6/ 14 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم ~~وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: المراد بالتخفيف: تخفيف لا يخل بمقاصد الصلاة وأركانها وسننها، ~~والضابط: في التطويل وعدمه إذا لم يكن [المأمومون] (¬2) يؤثرونه [فإذا] ~~(¬3) آثروه [طول] (¬4). # وحد التطويل مقدر بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله فيها غالبا، ~~وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يدخل في الصلاة ويريد إطالتها، فيسمع بكاء ~~الصبي، PageV02P593 # فيتجوز فيها، ولا بد مع الإيثار من حصرهم بأن اجتمعوا لصلاة الليل أو كان ~~المسجد صغيرا في الفرائض وإلا فيخفف بهم مطلقا، بحيث لا يخل بالفرائض ~~والسنن، وهذا الحكم مذكور في هذا الحديث والذي بعده مع علته، وهي المشقة ~~اللاحقة للمأمومين إن طول عليهم، ثم المشقة في التطويل أمر إضافي، [فليس] ~~(¬1) المعتبر فيه عادة بعض المصلين الجاهلين المقصرين ولا الغالين ~~المتنطعين، بل هو معتبر بما قاله العلماء، فلا يزيد في القيام بالقراءة ~~الطويلة المؤدية المملة إلى كراهة الصلاة ولا في الركوع والسجود على ثلاث ~~تسبيحات، ونحوها من دعاء في السجود وتعظيم في الركوع، كما كان - عليه أفضل ~~الصلاة والسلام - يفعله مع أمره بالتخفيف، وشدة غضبه في الموعظة في إطالة ~~الإمام الصلاة بهم، كما سيأتي في الحديث بعد هذا، فهذا لا يعد تطويلا ومشقة ~~شرعا، بل التخفيف عنه مكروه، وعن الواجب حرام. # ثانيها: "الضعيف": يعم السقيم، فذكره بعده من باب: ذكر الخاص بعد العام، ~~أو من باب: تعداد الصفات الموجبة للعذر في # ترك الإمام التطويل عليهم في الصلاة، ويحتمل أن يراد بالضعيف هنا النحيف ~~البدن الذي يشق عليه طول القيام والركوع والسجود، # ويحتمل أن يراد ms0485 به الشيخ الكبير والصغير كما [هو] (¬2) مفسر في الحديث ~~الآتي بعد. PageV02P594 # وأما السقيم: فهو المريض ليس إلا. # وأما ذو الحاجة: فالحاجة أعم من أن توصف، وينص عليها، وقد كان الصحابة - ~~رضي الله عنهم - ذوي: حرف، وأعمال، ومعايش، وزروع يعملون فيها، كما ورد ~~أنهم كانوا أصحاب نواضح [وعمال] (¬1) أنفسهم - رضي الله عنهم -، وقد تقدم ~~الكلام على لفظ [الحاجة] (¬2) في التيمم في حديث عمار، فأغنى عن إعادته. # [ثالثها] (¬3): قوله - عليه السلام -: "فليطول ما شاء" قد يؤخذ منه أنه ~~لو مد الصلاة بتطويل القراءة حتى خرج وقتها جاز، وهو كذلك على الصحيح عند ~~الشافعية، بل في "عمد" الفوراني (¬4) حكاية وجهين في استحباب المسند، وفي ~~"الإحياء" للغزالي: إن مد الصلاة بتطويل السورة إلى ما بعد أول الوقت وهو ~~وقت الفضيلة خلاف الأفضل؛ وهو غريب. # رابعها: فيه الرد على من قال: لا تجوز صلاة الجماعة إلا خلف معصوم. PageV02P595 # خامسها: فيه أن الإمام يخفف الصلاة، على الشرط والتفصيل الذي أسلفناه. # سادسها: فيه ذكر الأحكام للناس بعللها. # سابعها: جواز حضور الضعيف والسقيم وسائر من به ضعف الجماعة، وفي الصحيح ~~(¬1): "إني لأسمع بكاء الصبي فأتجوز فيها" وقد سلف، ومذهب مالك أنه لا ~~ينبغي أن يدخل الصبى المسجد، إلا أن يكون مميزا يعقل الصلاة. # ثامنها: فيه مراعاة الضعفاء في أمور الآخرة وكذلك في أمور الدنيا ومنه ~~الحديث (¬2): "سيروا لسير أضعفكم". # تاسعها: فيه دليل واضح على أن الجماعة ليست شرطا للصحة لقوله: "فليطول ما ~~شاء" وقد أسلفنا الخلاف في ذلك في موضعه. # عاشرها: قوله: "فليطول ما شاء" ظاهر في تطويل كل في ذلك الأركان، واستثنى ~~بعض أصحابنا الاعتدال والجلوس بين السجدتين # لقصرهما، والحق تطويلهما. PageV02P596 ### ||| AUTO الحديث السابع # 83/ 7/ 14 - عن [أبي] (¬1) مسعود [الأنصاري] (¬2) - رضي الله عنه - قال: ~~جاء رجل إلى [رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] (¬3)، فقال: إني لأتأخر عن ~~صلاة الصبح [لأجل] (¬4) فلان، مما يطيل بنا، فما رأيت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - غضب في موعظته قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: "يا أيها الناس! إن ~~منكم منفرين، فأيكم أم ms0486 الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والصغير وذا ~~الحاجة" (¬5). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه، واسمه عقبة بن عمرو، والأكثر على أنه لم يشهد ~~بدرا، ولكنه نزلها فنسب إليها، وقال البخاري: # شهدها، شهد العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم، وشهد أحدا وما PageV02P597 # بعدها، وكان من [جلة] (¬1) الصحابة، مات بالكوفة أو بالمدينة قولان، وفي ~~وفاته أقوال: # أحدها: سنة إحدى وثلاثين. # ثانيها: سنة أربعين. # ثالثها: سنة إحدى أو اثنين وأربعين. # رابعها: بعد الستين. # فائدة: أبو مسعود في الصحابة جماعة: # أحدهم: هذا. # ثامنهم: الغفاري ذكره الطبراني قيل اسمه عبد الله. # ثالثهم: غير منسوب. # الثاني: في بيان المبهم فيه في هذا الرجل خمسة أقوال: # أحدها: [حزم] (¬2) بن أبي كعب، كذا جاء في سنن أبي داود وتاريخ البخاري ~~الكبير (¬3)، ووهم الفاكهي، فقال: إنه كعب بن PageV02P598 # أبي [حزة] (¬1) بفتح الماء المهملة وتشديد الزاي ابن أبي القين، كذا ذكره ~~وضبطه فاجتنبه (¬2). # ثانيها: حرام بن ملحان وعليه اقتصر الخطيب (¬3). # ثالثها: حازم. # رابعها: سليم بن الحارث (¬4)، ووقع في أصل قرئ PageV02P599 # [على] (¬1) القرطبي من شرحه (¬2) عن رواية البزار أنه سلم وعلى اللام ~~علامة الإسكان. # خامسها: [ملك] (¬3). # وقوله: "من أجل فلان" هو معاذ - رضي الله عنه - (¬4). # الثالث: في ألفاظه: PageV02P600 # الأول: قوله: "جاء رجل" جاء هنا تعدى [بإلى] (¬1) والمعروف أن جاء تتعدى ~~للمفعول [به] (¬2) بنفسه قال تعالى: {إذا جاءك # المنافقون} (¬3) {وأما من جاءك يسعى (8)} (¬4) وهو كثير، وقد لا تتعدى ~~أصلا قال -تعالى-: {وقل جاء الحق} (¬5) {وجاء ربك والملك} (¬6) وأمثاله ~~كثيرة، ويحتمل أن يكون هذا قد حذف منه المفعول والتقدير وقيل جاءكم الحق، ~~وزهق عنكم الباطل، وجاء ربك [الحق] (¬7) فيرجع إلى ما قبله. # الثاني: قوله: "ومن أجل فلان" الظاهر أن لفظة فلان كناية من الراوي، فإن ~~الرجل سماه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو من الأدب وحسن التعبير. # الثالث: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فليوجز" أي [فليقتصر] (¬8). # قال أهل اللغة: [وجزت] (¬9) الكلام قصرته وكلام موجز PageV02P601 # وموجز بفتح الجيم وكسرها وجز [ووجز] (¬1) والظاهر أن الإيجاز والاختصار ~~بالنسبة إلى الكلام مترادفان. # وفي الصحاح (¬2): اختصار الكلام ms0487 إيجازه. # الوجه الرابع: في فوائده غير ما سلف في الحديث قبله، ويحضرنا منه سبع عشرة: # الأولى: جواز ذكر الإنسان في الشكوى والانتصار عليه. # الثانية: التأخر عن الجماعة للأعذار. # الثالثة: الموعظة لأمر الدين وذكر الأحكام عند المخالفة. # الرابعة: الغضب في الموعظة، وذلك يكون إما لمخالفة [الموعوظ] (¬3) لما ~~علمه أو المصير في تعلمه أو لهما. # الخامسة: تألف الناس على الطاعات وعدم تنفيرهم عنها. # فإن قلت: يؤخذ منه أن الجماعة من [الفرائض] (¬4) الأعيان. # قلت: [لا] (¬5)، لأن هذا الرجل لم يؤمر بالإعادة، فدل على أن غضبه إنما ~~كان للتنفير عنها. # السادسة: تسمية الصلاة وإضافتها إلى وقتها المأمور بإتيانها فيه. PageV02P602 # السابعة: خطاب الاس و [نداؤهم] (¬1) في الموعظة بما تكرهه نفوسهم من ~~المخالفة وإظهار ذلك القصد والإرشاد والتعليم والتبليغ # من غير تخصيص بالذكر لفاعل المخالفة. # الثامنة: شكاية الأئمة إلى الإمام الأعظم، وذكر حاله وحالهم معه، ولا ~~يكون ذلك من باب الغيبة. # التاسعة: خص صلاة الصبح لأنها مما يطول فيها القراءة والقيام أكثر من ~~غيرها، ولأنه وقت السعي لمن له حرفة يبكر إليها. # العاشرة: شدة غضبه - عليه الصلاة والسلام - إنما هو لفرط شفقته على أمته ~~والحرص على [تألفهم] (¬2)، وصرف المشقة عنهم، # ولا ينافي هذا ما جاء من النهي عن أن يقضي القاضي وهو غضبان، لأنه - عليه ~~الصلاة والسلام - معصوم بخلاف غيره، فلا يقول إلا حقا، ولا يحكم إلا بالحق. # الحادية عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "إن منكم منفرين" هو من باب ~~قوله (¬3) - عليه الصلاة والسلام -: "ما بال أقوام يفعلون كذا" من غير ~~مناجات بالخطاب لمعين كما أسلفته، وإن كان هو معينا عنده - صلى الله عليه ~~وسلم - لقوله في حديث بريرة (¬4): "ما بال أقوام PageV02P603 # يشترطون شروطا ليست في كتاب الله .. " الحديث، ومنه أنه لم يعين مهاجر أم ~~قيس في حديث: "إنما الأعمال بالنيات" سترا عليه، ولا يبعد والله أعلم أن ~~يكون ذلك أدخل في الزجر إذ فيه الإعراض منه - صلى الله عليه وسلم - عن ~~مواجهة ذوي المخالفة، والإعراض عن المخالف من أشد العقوبات لا سيما إعراضه ~~- صلى الله ms0488 عليه وسلم -. # الثانية عشر: تطويل الإمام الصلاة عذر في التخلف عن حضور الجماعة، كما ~~سلف إذا علم من عادة الإمام التطويل، ولهذا غضب - صلى الله عليه وسلم - في ~~موعظته، لكون التطويل على المأمومين سببا لترك الجماعة، وربما يكون في حق ~~بعض الجهال سببا لترك الصلاة، ولا شك أن ترك أصل الجماعة فيه من الخلاف ما ~~علقه في موضعه، وفي صحيح ابن حبان من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "من سمع النداء ولم يجب فلا صلاة له إلا من عذر" (¬1). # ثم الأعذار في ترك الجماعة كثيرة محل الخوض فيها كتب الفقه، وقد بسطنا ~~الكلام عليها فيها، وذكر ابن حبان (¬2) أن المنصوص عليه في السنة منها ~~عشرة: (المرض- وحضور الطعام وهو تائق إليه- الثالث: النسيان لحديث الوادي- ~~الرابع: السمن المفرط لحديث أنس الثابت في الصحيحين في قصة الرجل PageV02P604 # الضخم- الخامس: مدافعة الأخبثين البول والغائط- السادس: خوف الإنسان على ~~نفسه وماله في طريقه إلى المسجد لحديث عتبان في سيلان الوادي. السابع: وجود ~~البرد الشديد المؤلم- الثامن: المطر المؤذي- التاسع: وجود الظلمة لحديث ابن ~~عمر- العاشر: أكل الثوم والبصل إلى أن يذهب ريحها، وكذلك ما في معناهما مما ~~له رائحة كريهة كالكراث والبقول المنتنة، وقد ثبت في النهي عن ذلك أحاديث ~~صحيحة تمنع إتيان المساجد حتى يذهب ريحها، سواء كان في جماعة أم لا، فإن ~~الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وألحق الفقهاء بهذه المنصوص عليها ~~أعذارا في معناها، وبعضها أولى بأن يكون عذرا، وسيأتي في موضعه مبسوطا. # الثالثة عشر: قال المازري (¬1): هذا الحديث يعارض ما روي عنه - صلى الله ~~عليه وسلم - من تطويل القراءة في بعض الصلوات. # ثم أجاب: بأن يحمل على أنه أراد أن يسن جواز الإطالة أو على أنه يحمل على ~~أنه علم من حال الصحابة أنه لا يشق عليهم. # قلت: ولا شك في ذلك ولا مرية. # الرابعة عشرة: فيه دليل على أن حديث النفس في الصلاة لا يبطلها، فإن ذا ~~الحاجة يريد استعجال الإمام لينصرف إليها. # [الخامسة عشرة: فيه دليل على ms0489 رعاية مصلحة الواحد، وأنه إذا كره تطويل ~~الإمام روعي، وفيه شيء ستعرفه على الإثر، والمسألة PageV02P605 # فيها اختلاف عندنا، وقد أوضحته في "شرح المنهاج" فراجعه منه] (¬1). # [السادسة عشرة] (¬2): فيه دليل لمن يقول بسد الذرائع، لأن غضبه - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يكن لنفور هذا الرجل وحده، بل خشية استرسال الناس في ~~النفور حتى يقع الإخلال بالجماعة. # السابعة عشرة: جاء في رواية في مسند البزار وغيره: أنه لما شكى تطويله، ~~قال له - عليه الصلاة والسلام -: "إما أن تخفف # بقومك أو تجعل صلاتك معنا" (¬3). # قال القرطبي (¬4): وظاهر هذا يدل أنه كان يصلي الفريضة مع قومه. # قلت: فيه نظر وسيأتي الكلام على ذلك في الحديث الخامس في باب جامع. PageV02P606 # مسألة: # الصحيح عندنا جواز المفارقة بعذر وبغيره، ومنعه أبو حنيفة، وهو المشهور ~~من مذهب مالك، كما قال القاضي. # وقال المازري: يجوز إن كان لعذر من الخوف على تلف بعض ما له بشرط أن ~~يتعدى الإمام في التطويل على العادة، قال: وله أن يتم وحده غير أنه لا يتم ~~معه في الموضع للنهي عن صلاتين معا وليصل خارج المسجد. # واختلفوا: يخرج بسلام، أم لا؟ # فالذي قال بسلام: فالخروج من المسجد [طول يمنع البناء] (¬1). # ومن قال بغير سلام: فهو في حكم الإمام، فيتناول النهي عن صلاتين معا. # ومن قال: إنه يخرج بغير سلام. # أجاب عن ذلك: النهي عن صلاتين معا، إنما يكون إذا كانا جميعا في المسجد. # قلت: ويرده قصة ذلك الرجل مع معاذ، وهي مشهورة في الصحيحين وغيرهما (¬2). PageV02P607 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # ... # انتهى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله باب صفة صلاة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - PageV02P608 # الإعلام بفوائد عمدة الأحكام # للإمام الحافظ العلامة # أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي # المعروف بابن الملقن # (723 - 804) ه # تقديم # فضيلة الشيخ # صالح بن فوزان الفوزان # عضو هيئة كبار العلماء # وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # فضيلة الشيخ # بكر بن عبد الله أبو زيد # عضو هيئة كبار العلماء # وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه ms0490 # عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح # غفر الله ولوالديه ولجميع المسلمين # الجزء الثالث # تابع كتاب الصلاة إلي نهاية باب الوتر # (84 - 128) حديث # دار العاصمة # للنشر والتوزيع PageV03P001 # الإعلام بفوائد عمدة الأحكام PageV03P002 # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة الأولى # 1417 ه -1997 م # دار العاصمة # المملكة العربية السعودية # الرياض - ص ب 42507 - الرمز البريدي 11551 # هاتف 4915154 - 4933318 - فاكس 4915154 PageV03P003 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV03P004 ### || AUTO 15 - باب صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - # (¬1) # المراد بالصفة الكيفية، وذكر في الباب أربعة عشر حديثا: ### ||| AUTO الحديث الأول # 84/ 1/ 15 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول ~~الله! بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: ~~أقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم ~~نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي ~~بالثلج والماء [والبرد] (¬2) " (¬3). # الكلام عليه من وجوه فوق العشرين: PageV03P005 # أولها: لا شك أن "كان" هنا تشعر بكثرة الفعل، أو المداومة عليه، وقد تكون ~~لمجرد وقوعه. # ثانيها: قوله: "مكث هنيهة" أي قليلا من الزمان، وأصله هنه ثم صغر [هنيهة] ~~(¬1) ثم أبدلت الياء المشددة هاء، وفي رواية في # الصحيح (هنية) بغير هاء والياء مشدة من [غير همز] (¬2). # قال النووي في "شرح مسلم" [و] (¬3): من همزها فقد أخطأ. # وخالف القرطبي فقال في "شرحه" (¬4): هنيئة بضم الهاء وياء التصغير وهمزة ~~مفتوحة [كخطيئة] (¬5) (¬6) رواية الجمهور. # وعند الطبري (¬7): "هنئهة" بالهاء بعد الهمزة تصغير هنة، قال: [وهن] ~~(¬8)، وهنة كناية عن أسماء الأجناس، هذا هو المعروف. # وقال أبو الحسن بن خروف (¬9): [هن] (¬10) كناية عن كل اسم PageV03P006 # نكرة [عاقل] (¬1) ك"فلان" في الأعلام. # ثالثها: قوله: "رأيت" هو بضم التاء، وهي من رؤية القلب لا العين. # رابعها: المراد بالسكوت هنا سكوت عن الجهر، لا سكوت مطلق عن القول، وسكوت ~~عن قراءة القرآن، لا عن الذكر والدعاء، # بدليل قوله بعده: "ما تقول"، فإنه مشعر بأنه ms0491 فهم أن في سكوته قولا. # خامسها: وقع السؤال بقوله: "ما تقول؟ " دون قوله: هل تقول؟ مع أن السؤال ~~"بهل" مقدم على السؤال "بما" ها هنا لكنه استدل # على أصل القول بحركة الفم، كما استدل الصحابة على قراءته سرا [باضطراب] ~~(¬2) لحيته. # سادسها: فيه الحرص على تتبع أقوال الإمام وأفعاله من حركة وسكون، وهذا ~~كان دأب الصحابة معه - عليه الصلاة والسلام - محافظة على الاقتداء به، وذلك ~~من نعم الله -تعالى- على هذه الأمة، إذ هم الذين نقلوا الشريعة إلينا، ولو ~~[تساهلوا] (¬3) في ذلك لاختل النظام. # سابعها: "اللهم" تقدم الكلام عليه في باب الاستطابة، فأغنى عن الإعادة. PageV03P007 # ثامنها: قوله: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي ... إلى آخره" [و] (¬1) ~~المراد محو الخطايا وترك المؤاخذة بها أو المنع من وقوعها، والعصمة منها، ~~وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - على قصد التعليم أو إظهار العبودية، وإلا ~~فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والثاني: أظهر إذ لو قصد التعليم ~~لجهر به، ولا يبعد أن يكون ذلك دعاء لأمته - صلى الله عليه وسلم - وقال: ~~القرطبي (¬2) في شرحه: هذا الدعاء منه - صلى الله عليه وسلم - على جهة ~~المبالغة في طلب غفران الذنوب وتبرئته منها. # تاسعها: في قوله: "اللهم باعد ... إلى آخره"، مجازان: # الأول: استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة، والمباعدة إنما تكون في الزمان ~~أو المكان. # الثاني: استعمالها في الإزالة الكلية مع أن أصلها لا يقتضي الزوال، وليس ~~المراد البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز، بل المراد الإزالة ~~الكلية، ومثله قوله -تعالى-: {تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا} (¬3) ~~والمراد التبري منه، وكذلك التشبيه بالمباعدة بين # المشرق والمغرب، فإن المراد منه ترك المؤاخذة. # عاشرها: قوله: "من الدنس" هو أيضا مجاز عن زوال الذنوب وأثرها، ولا شك أن ~~الدنس في الثوب يكون غير البياض، وطعم غير طيب، ورائحة كريهة. وجاء في ~~رواية في صحيح مسلم: "من PageV03P008 # الدرن"، وفي رواية: "من الوسخ"، ولما كان ذلك في الثوب الأبيض أظهر من ~~غيره من الألوان وقع التشبيه به. # الحادي عشر: "اللهم ms0492 اغسلني ... إلى آخره" هو مجاز عن المؤاخذة كما ذكرنا، ~~ويحتمل بعده أمران، الأول: التعبير بالغسل عن الغاية بالمحو، أعني: مجموع ~~أنواع المياه في مشاهدة نزولها إلى الأرض من الماء والثلج والبرد، فيكون ~~المراد منه الثواب الذي تكرر تنقيته [للذنوب] (¬1) بثلاثة أشياء منقية يكون ~~في غاية النقاء. # الثاني: أن يكون كل واحد من هذه الثلاثة مجازا عن صفة يقع بها التكفير ~~والمحو، وهذا كقوله -تعالى-: {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا} (¬2) وكل واحد ~~من العفو والمغفرة والرحمة صفة لها أثر في محو [الذنب] (¬3)، ففي الأمر ~~الأول نظر إلى كل واحد من أفراد الألفاظ، وفي الثاني نظر إلى كل فرد من ~~أفراد المعاني، وكلاهما دالان على الغاية في محو الذنب والتطهير منه. # الثاني عشر: قوله: "بالثلج والماء والبرد" فيه استعارة للمبالغة في ~~التنظيف من الذنوب، وروي (والماء البارد) وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ~~كقولك مسجد الجامع. وانظر تخصيص الماء البارد دون الساخن، وإن كان الساخن ~~أذهب للوسخ من البارد، وكأن سره والله أعلم، أنه استعاره لبرد القلب من ~~الذنوب. PageV03P009 # قال الهروي: [يقال] (¬1) إنما سمي بردا لأنه يبرد وجه الأرض أي يقشر، ~~وجاء في الصلاة على الجنازة: واغسله بالماء، والثلج، والبرد. # قال بعض العلماء: عبر بالماء عن الرحمة، وبالثلج عن العفو، وبالبرد عن ~~المغفرة. # فائدة: ترقى - صلى الله عليه وسلم - في هذا الدعاء فطلب أولا مطلبا يليق ~~بالعبودية وهو المباعدة، ثم ترقى فطلب [التنقية، ثم ترقى فطلب] (¬2) الغسل ~~فإنه أبلغ [منها] (¬3)، وكذلك أدخل حرف التشبيه على التنقية، وأسقطه في ~~الغسل تحقيقا للنقاء من كل وجه، لأن الغسل بثلاثة أشياء أبلغ من التنقية ~~بالماء وحده، لأن تنقية الثوب إنما عهدت بالماء خاصة، ونظيره قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح. "أعوذ برضاك من سخطك" ... الحديث فطلب ~~أولا الرضا، فلما رآها لا تسلم من الأسقام، انتقل إلى المعافاة، ثم انتقل ~~إلى الذات، ثم أثنى، ثم اعترف بالعجز عن ثنائه، ثم أثبت الثناء اللائق به ~~عز وجل. # الثالث عشر: استدل [الشاشي] (¬4) وأصحابنا بهذا الحديث ms0493 على طهورية الثلج ~~والبرد وهو إجماع، لكن قال الشيخ عز الدين: لم يرد عين الثلج والبرد والماء ~~البارد، وإنما أراد إذاقته [لذة] (¬5) غفران ذنوبه. PageV03P010 # الرابع عشر: الخطايا. جمع خطيئة. # وأصل: "خطايا" عند الخليل: خطائي فالهمزة الأولى بدل من الياء الزائدة ~~[في خطيئة، والهمزة الثانية هي لام الفعل ووزنه فعائل واستثقل الجمع بين ~~همزتين في كلمة، فقدمت الياء الزائدة] (¬1) بعد الهمزة التي هي لام الفعل ~~فصار خطائي بالهمزة بعدها ياء، ثم أبدلت الياء ألفا بدلا لازما مسموعا من ~~العرب (¬2) في هذا البناء من الجمع، وإذا أبدل من الياء ألفا لزم أن يبدل ~~من كسر الهمزة التي قبلها فتحة إذ الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، فلما ~~انفتحت الهمزة صارت خطاءا اجتمع ألفان بينهما همزة، فأبدل من الهمزة ياء ~~فصارت خطايا، فوزنها فعالى [محول] (¬3) من فعالى مقلوب من فعائل، وسيبويه ~~يرى أن لا قلب فيه، ولكنه أبدل من الهمزة الثانية التي هي لام الفعل ~~[بانكسار] (¬4) ما قبلها، ثم أبدل منها ألفا على ما تقدم في مذهب الخليل، ~~فوزنه عنده فعالى [محول] (¬5) من فعائل. # الخامس عشر: فرق بعضهم بين الخطيئة والإثم، بأن الخطيئة: فيما بين العبد وربه. # والإثم: فبما بين المخلوقين، وفيه نظر، فإنه قد كثر إطلاق PageV03P011 # الفقهاء اسم الإثم على من أخرج الصلاة عن وقتها [وكذا] (¬1) فيمن أفطر ~~متعمدا في الفرض، وهي فيما بين العبد وبين ربه. # السادس عشر: فيه استحباب هذا الدعاء ببن تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة، ~~وهو مستحب عند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد والجمهور، والحكمة فيه تمرين النفس ~~على انشراحها لأفضل الأذكار وتدبرها، وهي الفاتحة وما شرع معها من القراءة، ~~وجاء في الاستفتاح أحاديث: # أحدها: هذا وهو مما اتفق على إخراجه الشيخان في صحيحيهما كما صرح به ~~المصنف. # ثانيها: حديث علي (¬2) - رضي الله عنه -: "وجهت وجهي ... إلى آخره" وهو ~~من أفراد مسلم، وكأن الشافعي إنما اختاره لموافقته ألفاظ القرآن. # ثالثها: حديث عائشة (¬3) في الاستفتاح ب"سبحانك اللهم PageV03P012 # وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" رواه أبو داود والترمذي ~~وضعفاه ms0494 (¬1)، وبه قال أبو حنيفة وأحمد: قال PageV03P013 # البيهقي (¬1): والصحيح وقفه على عمر، وفيه غير ذلك من الأحاديث. # وانفرد مالك (¬2)، فقال: لا يأتي بعد بشيء بل [يقرأ] (¬3): "الحمد لله" ~~إلى آخرها، ولعله لم تبلغه الأحاديث، أو لم يجد عملا # على وفقه، وحديث المسيء صلاته: "كبر ثم اقرأ" لا حجة [له] (¬4) فيه، لأنه ~~علمه الواجبات. # قال الشيخ تقي الدين: في حديث المسيء صلاته، وقد نقل بعض المتأخرين ممن ~~لم يرسخ قدمه في الفقه ممن ينسب إلى غير الشافعية أن الشافعي يقول بوجوب ~~دعاء الاستفتاح، قال: وهو غلط PageV03P014 # قطعا لم ينقله غيره، وإن نقله غيره كالقاضي عياض وغيره من الفضلاء ممن هو ~~في رتبته، فالوهم منهم لامنه. # السابع عشر: سكوته - عليه الصلاة والسلام - إنما [هو] (¬1) للدعاء كما ~~بينه - عليه الصلاة والسلام - فلا حجة فيه لمن يرى أن سكوت الإمام حتى يقرأ ~~من خلفه الفاتحة، وبدليل أنه - عليه الصلاة والسلام - كان لا يسكت إذا نهض ~~في الركعة الثانية، قال ذلك القرطبي (¬2). # وقال القاضي عياض: اختلف العلماء هل على الإمام سكتة أم لا؟. فذهب ~~الشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق إلى أن على الإمام ثلاث سكتات: واحدة: بعد ~~التكبير لدعاء الاستفتاح، والثانية: بعد تمام أم القرآن أي للتأمين وهي ~~سكتة لطيفة، والثالثة: بعد التأمين ليقرأ من خلفه، وذهب مالك إلى إنكار ~~جميعها. # وذهب أبو حنيفة وجمهور العلماء من السلف: إلى إنكار السكتتين الأخيرتين، ~~وقد سلف ذلك في الحديث الخامس من الباب # قبله مع الدلالة على الاستحباب، وقدمت هناك سكتة رابعة وهي [بعد] (¬3) ~~فراغ قراءة السورة. # قال الغزالي في الإحياء (¬4): وهي قدر "سبحان الله". ووقع له تخالف في ~~الإحياء ينبغي أن تعرفه، وهو أنه قال: وللإمام سكتة PageV03P015 # عقب الفاتحة ليقرأ المأموم الفاتحة في الجهرية فيها، كذا قال: في وسط ~~الباب الثاني في الأعمال الظاهرة، وقال: في الباب الرابع في الإمامة (¬1). ~~الثانية: أن يكون للإمام في القيام ثلاث سكتات أولهن: إذا كبر وهي الطولى ~~منهن مقدار ما يقرأ من خلفه فاتحة الكتاب، وذلك وقت قراءته لدعاء ~~الاستفتاح، الثانية: إذا فرغ ms0495 من الفاتحة ليتم من لم يقرأ الفاتحة في السكتة ~~الأولى وهي نصف السكتة الأولى، ثم ذكر. الثالثة فتنبه لذلك، ووافقه على ~~قراءة الفاتحة في هذه السكتة، الفارقي وابن أبي عصرون. # وقال المتولي: تكره قراءتها له قبل شروع الإمام فيها، فإن فرغ منها بطلت ~~صلاته في وجه. # واعلم أيضا أن تسمية الأولى سكتة مجاز، فإنه لا يسكت حقيقة، بل يقول دعاء ~~الاستفتاح، لكن سميت سكتة في الحديث الصحيح الذي نحن فيه لأنه لا يسمع أحد ~~كلامه، فهو كالساكت، وقد سلف ذلك أيضا. # وأما السكتة الثالثة: فقال السرخسي: يستحب أن يقول فيها دعاء، وذكر فليست ~~سكتة [حقيقة] (¬2) أيضا، وذكر صاحب "الشامل # الصغير" من المتأخرين: إنه يندب سكتة أيضا [بعد] (¬3) السلام الأول. # الثامن عشر: فيه تفدية النبي - صلى الله عليه وسلم - بالآباء والأمهات ~~وهو إجماع، وهل يجوز تفدية غيره من المؤمنين فيه ثلاثة مذاهب. PageV03P016 # أصحها: نعم بلا كراهة. # وثانيها: المنع، وذلك خاص به - صلى الله عليه وسلم -. # وثالثها: يجوز تفدية العلماء الصالحين الأخيار، دون غيرهم، لأنهم هم ~~[الوراث] (¬1) المنتفع بهم (¬2) بخلاف غيرهم. # التاسع عشر: فيه استعمال المجاز، وتسمية الكلام اليسير سكوتا. # العشرون: فيه سؤال العلماء عن العلم. # الحادية والعشرون: فيه تخصيص الإمام نفسه بالدعاء دون المأمومين، فإن ~~الظاهر منه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إماما، فيحمل النهي الوارد في ~~تخصيص الإمام نفسه به وأنه جاء [نهيهم] (¬3) على كراهة التنزيه لا التحريم ~~بيانا للجواز. # قال ابن المنذر في (الإشراف): قال الشافعي: لا أحب للإمام تخصيص نفسه ~~بالدعاء دون القوم. قال ابن المنذر: وثبت أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يقول إذا كبر في الصلاة قبل القراءة: "اللهم باعد بيني ... فذكر ~~الحديث"، قال: وبهذا نقول (¬4). # الثاني والعشرون: فيه شرعية سؤال المباعدة من الذنوب، والتنقية منها، ~~والغسل وتأكد ذلك، فإن ذلك ليس من التحجر في # الدعاء، بل هو من باب العلم بسعة رحمة الله تعالى وجوده وكرمه. PageV03P017 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 85/ 2/ 15 - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - صلى الله ~~عليه ms0496 وسلم - يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة: بالحمد لله رب العالمين، ~~وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من ~~الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى ~~يستوي قاعدا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب ~~رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان وينهى أن يفترش [الرجل] (¬1) ~~ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم" (¬2): # هذا حديث عظيم كثير الأحكام. PageV03P018 # والكلام [فيه] (¬1) من أربعة وثلاثين وجها: # أحدها: هذا الحديث سها المصنف في إيراده في كتابه فإنه من أفراد مسلم، ~~وشرطه إخراج ما اتفقا عليه. # قلت: وفي إسناده علة ذكرتها في تخريج أحاديث الرافعي فسارع إليه (¬2). # ثانيها: تقدم الكلام على: "كان" وأنها تقتضي المداومة أو الأكثرية، لكن ~~لا يأتي فيها هنا إلا المداومة لافتتاح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد ~~لله رب العالمين، أي بسورة الحمد، ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يخل بالتكبير والقراءة. PageV03P019 # ثالثها: الرواية في القراءة بالنصب عطفا على مفعول يستفتح، وهو الصلاة، ~~وفي الحمد ضم [داله] (¬1) على الحكاية أي ويستفتح القراءة ب"الحمد لله رب ~~العالمين" أي بسورة الحمد، ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة ~~السالف قبله إذن. لأن المعنى أنه يسكت السكوت المذكور بعد التكبير، ثم ~~يستفتح القراءة بذلك، ولا يصح الخفض في القراءة، ويكون دليلا على عدم ~~السكوت لئلا يؤدي إلى معارضته لحديث أبي هريرة فاعلمه. # [رابعا] (¬2): الفقهاء يستدلون بأفعاله - صلى الله عليه وسلم - في كثير ~~منها في الصلاة على الوجوب، لأنهم يرون أن قوله -تعالى-: {وأقيموا الصلاة} ~~خطاب مجمل مبين بالفعل، والفعل [المبين للمجمل المأمور به] (¬3) يدخل تحت ~~الأمر، فيدل [بمجموع] (¬4) ذلك على الوجوب، لا لأن الفعل بمجرده يدل على ~~الوجوب، وإذا كان المسلك ذلك ووجدت أفعال غير واجبة وجب أن يحال على دليل ~~آخر دل على [عدم] (¬5) وجوبها؛ وفي ذلك بحث؛ وهو: أن الخطاب المجمل يبين ~~بأول الأفعال وقوعا، فلا يكون ما وقع بعده PageV03P020 # بيانا له [بوقوع] ms0497 (¬1) البيان بالأول، بل تبقى أفعالا مجردة لا تدل على ~~الوجوب، إلا أن يدل دليل على أن الفعل المستدل به بيانا، فيتوقف الاستدلال ~~بهذه الطريقة على وجوده، بل قد [يقوم] (¬2) الدليل على خلافه: كمن رأى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل فعلا، وهو من أصاغر الصحابة الذين لهم ~~تمييز بعد إقامته عليه الصلاة والسلام مدة للصلاة مثلا؛ فهذا مقطوع بتأخيره ~~عن وقت البيان، وكذا من أسلم بعد [مكة] (¬3) وأخبر برؤية الفعل، فإنه حينئذ ~~يتحقق تأخير الفعل. # قال الشيخ تقي الدين (¬4): وهذا تحقيق بالغ، قال: وقد يجاب عنه بأن يقال: ~~دل الدليل من الحديث المعين على وقوع هذا الفعل، والأصل عدم غيره، فتعين أن ~~يكون بيانا، وهذا قوي فيما إذا وجدنا فعلا لم يقم الدليل على عدم وجوبه، ~~فأما إذا وجد فإن جعلناه # مبينا بدلالة الأصل على عدم غيره، ودل الدليل على عدم وجوبه لزم النسخ ~~لذلك الوجوب الذي ثبت فيه أولا، ولا شك أن مخالفة # الأصل أقرب من التزام النسخ. # خامسها: قولها: "يستفتح الصلاة بالتكبير" تعني بالتكبير الذي هو تحريم ~~للصلاة، كما ثبت: "تحريمها التكبير" (¬5) صححه الحاكم PageV03P021 # من حديث أبي سعيد على شرط مسلم، ولا شك أن التحريم لا يحصل بالتكبير ~~وحده، بل به وبالنية، وهما أمران أحدهما قائم بالقلب، والثاني بالنطق، ~~فيحتمل أنها عبرت بالأخص عن الأعم للعلم به، ويحتمل أنها ذكرته للتنبيه على ~~تعين لفظ التكبير دون غيره، وأن استفتاح الصلاة بالنية كان معلوما عندهم، ~~وهي قصد الطاعة بالصلاة، كما أن الإخلاص في الطاعة لله لا بد منه في ~~الاستفتاح وغيره، وهو تصفية العمل من الشوائب، بأن لا يقصد بالعمل للنفس، ~~ولا للهوى، ولا للدنيا، بل [للتقرب] (¬1) إلى الله -تعالى- فكذلك النية، ~~وكلاهما كان عندهم معلوما، فلهذا استغنت بذكر التكبير عنهما، ونقل خلاف ذلك ~~عن بعض المتقدمين. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): تأوله بعضهم على مالك، والمعروف خلافه عنه وعن غيره. # سادسها: تكبيرة الإحرام: ركن على المشهور عندنا، وبه قال مالك. # وقيل: شرط، حكاه الروياني في (بحره)، وهو مقتضى قول PageV03P022 # الطبري ms0498 في الصلاة الرباعية: خمسة وأربعون خصلة: ثمانية منها قبل الدخول، ~~النية، والتكبير، ثم [عد باقي] (¬1) الشروط، وهو مذهب أبي حنيفة، وتظهر ~~فائدة الخلاف فيما لو كبر وفي يده نجاسة ثم ألقاها في أثناء التكبير، أو ~~شرع في التكبير قبل [ظهور] (¬2) الزوال، ثم ظهر الزوال قبل فراغها، فلا تصح ~~صلاته على المشهور عندنا [فيها] (¬3) وتصح على الثاني كستر العورة. # وقال بعض المالكية: فائدة الخلاف ما ذكره سحنون، إن الناظر إلى عورة ~~إمامه في الصلاة متعمدا تبطل صلاته. # فإذا قيل: إنها ركن بطلت صلاة الناظر إلى عورة إمامه حين إحرامه وإلا فلا. # وقال بعضهم: فائدته في صحة تقديم الإحرام على وقت العبادة. # فإن قلنا: بالأول فلا تصح، وإلا صحت، إذ لا يشترط في إيقاع شرط العبادة ~~المؤقتة دخول الوقت كالطهارة. # واحتج من قال: بأنها ركن بحديث المسيء صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر" ~~(¬4) الحديث، واعترض بأن فيه إسباغ الوضوء # واستقال القبلة، وهما شرطان. PageV03P023 # وأجيب: بأن الشرط [قد] (¬1) لا يفارق الصلاة: كالستر والاستقبال. # ويحتج له أيضا بحديث معاوية بن الحكم السلمي في الصحيح "إن صلاتنا لا ~~يصلح فيها شيء من كلام الآدميين إنما هو التسبيح # والتكبير وقراءة القرآن" (¬2) فجعل التكبير منها. # واحتج من قال: بأنها شرط بقوله -تعالى-: {وذكر اسم ربه فصلى (15)} (¬3)، ~~والفاء للتعقيب، والذكر: التكبير، والصلاة معطوفة عليه بالفاء، فهو غيرها. ~~قال الزمخشري (¬4): فصلى صلاة العيد، وذكر اسم ربه، فكبر تكبيرة الافتتاح. ~~وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة، لأن الصلاة ~~معطوفة عليها. وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه -عز وجل-. ثم قال: ~~وعن ابن عباس: ذكر معاده وموقفه ببن يدي ربه، فصلى له. وعن الضحاك: وذكر ~~اسم ربه في طريق المصلى، فصلى صلاة العيد. PageV03P024 # وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا النية، فالآية خارجة عن ~~النصوصية على ما ادعوه، [وإذا] (¬1) تطرق إليها الاحتمال سقط بها ~~الاستدلال. # وقال بعض المتأخرين: ليس المراد بالذكر هنا تكبيرة الإحرام بالإجماع قبل ~~خلاف المخالف. # واحتجوا أيضا: بالحديث السالف: "تحريمها ms0499 التكبير وتحليلها التسليم" ~~والمضاف غير المضاف إليه. # وجوابه: أنه قد يضاف البعض إلى الجملة. كما تقول: راس زيد، فلا حجة فيه. # وفي المسألة قول ثالث: أن تكبيرة الإحرام سنة. # روى ابن المنذر (¬2): عن ابن شهاب أنه قال في رجل نوى الصلاة ورفع يديه ~~ولم يحرم: إن الصلاة تجزئه. # وحكى القاضي وجماعة: عن ابن المسيب والحسن والزهري والحكم والأوزاعي: أن ~~تكبيرة الإحرام سنة (¬3). وأنكر ذلك على ابن PageV03P025 # شهاب وابن المسيب. وقالوا: إنهما يريانها سنة في حق المأموم خاصة (¬1). ~~وإليه أشار بن الموارد. قال: ولم يختلف في الفذ والإمام، وإنما اختلف في ~~المأموم. # سابعها: إذا تقرر أنه لا بد من لفظ فاختلف العلماء [فيه] (¬2) [فعند] ~~(¬3) أبي حنيفة أنه يكفي مجرد التعظيم كالله أجل، أو أعظم # فإن لم [يقصد] (¬4) [فروايتان] (¬5) عنه. ورويمما عنه أنه قال: أكره أن ~~تنعقد الصلاة بغير: الله أكبر (¬6). وعنه روايتان: فيما إذا قال: الله PageV03P026 # أو الرحمن، واقتصر عليه. [ووافقه] (¬1) على عدم الانعقاد بيا الله ارحمني ~~وبيا اللهم اغفر لي، وبالله أستعين. والجمهور على تعين لفظ التكبير، وبه ~~قال مالك والشافعي وأحمد. مستدلين على وجوبه وتعينه بهذا النقل (¬2) PageV03P027 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P028 # على الطريقة السابقة من كونه بيانا للمجمل وفيه ما ذكرنا، لكن انضم إليه ~~قوله -عليه أفضل الصلاة والسلام-: "صلوا كما # رأيتموني أصلي" (¬1)، فصار البيان بفعله وقوله./ وصح من حديث PageV03P029 # أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه -: قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا استفتح الصلاة: استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: الله أكبر"، ~~رواه ابن ماجه (¬1)، وصححه ابن حبان (¬2) في كتابه "وصف الصلاة بالسنة". # وذهب أبو يوسف إلى [الانعقاد] (¬3) بالله الكبير. # وجوابه: أن أكبر أبلغ. # واختلف أصحابنا في الانعقاد بقوله: [الله الأكبر] (¬4) PageV03P030 # والأصح: نعم، بل هو أبلغ في التعظيم. ووجه مقابله أنه إذا أدخل الألف ~~واللام على أكبر صار نعتا، وبقي المبتدأ بلا خبر، كذا علله الأبهري ~~المالكي. # واعترض عليه: بأنه لا يمتنع أن يكون الأكبر خبرا، لأن خبر المبتدأ قد ~~يكون معرفة، إلا أنه قد صار محتملا للنعت وللخبر، فكيف يقوم ms0500 [ذلك] (¬1) ~~مقام الله أكبر الذي تعين فيه أن أكبر خبر، ولعل هذا هو السر في اقتصار ~~الشارع على الثاني. # واعترض الأبهري على من قال بالانعقاد بالله الأكبر: بأنه لا يجوز الجمع ~~بين الألف واللام ومن في أفعل التفضيل إذ المعنى الله الأكبر من كل كبير. # فإذا قلت: الأكبر جاز أن يكون معه من يشاركه في الكبر، بخلاف أكبر. وفيما ~~ذكره نظر، لأن صيغة أفعل التي للمفاضلة تقتضي وضعها للمشاركة في أصل الشيء ~~والزيادة عليه، كان فيه الألف واللام أو لم يكن: كقولنا: زيد أفضل من عمرو، ~~وزيد الأفضل. وكذا مع الإضافة نحو زيد أفضل القوم (¬2). # فرع: لو قال: الله أكبر بالتنوين أو بالنصب [فلا] (¬3) نقل في ذلك، والذي ~~يظهر المنع إذ لم يأت بالتكبير اللغوي، كما صرحوا به فيما إذا مد الهمزة. PageV03P031 # فرع: من عجز عن المنطق بالحربية ولم يقدر على التعلم ترجم بلسانه، ووجب ~~عليه التعلم إن قدر، فإن فقد من يعلمه ترجم ولا إعادة، فإن أهمل التعلم مع ~~إمكانه [وضاق] (¬1) الوقت صلى بالترجمة، والأصح وجوب الإعادة لتقصيره. ~~وللمالكية ثلاثة أقوال # فيما إذا ضاق الوقت عن التعلم: # أحدها: لا ينطق بغير التكبير إذ لا يقوم غيره مقامه ومقتضاه، أن يدخل في ~~الصلاة بالنية، وهو قول الأبهري. وصوبه المازري. # والثاني: يفتتح الصلاة بالحرف الذي دخل به في الإسلام، قاله أبو الفرج، ~~وهو أولى من الاكتفاء بالنية. # والثالث: كمذهبنا. # فرع: [قال] (¬2) صاحب (البيان والتقريب) من المالكية: اختلف فيمن افتتح ~~الصلاة، ثم شك في صحة إحرامه، فتمادى، ثم تبين له أنه كان أحرم. وكذا من ~~زاد في الصلاة متعمدا أو ساهيا، ثم تبين له أنه الواجب، ومن صلى شاكا في ~~إتمام صلاته، ثم تبين [له] (¬3) أنه أتم أو شك في طهارته، فتمادى، ثم تبين ~~أنه متطهر في جميع ذلك قولان: الإجزاء، وعدمه. # فائدة: الحكمة في تقديم التكبير تنبيه [للمصلي] (¬4) على معنى PageV03P032 # هذه [الكلمة] (¬1) التي معناها أنه الموصوف بالجلال وكبر الشأن، وأن كل ~~شيء دون جلاله وسلطانه حقير، وأنه جل وتقدس عن شبه ms0501 المخلوقين والعابثين ~~[وليشغل] (¬2) المصلي فهمه وخاطره بمقتضى هذه اللفظة، ويستحضر أن يذكر معه ~~غيره أو يحدث نفسه بسواه جل اسمه (¬3). # ثامنها: قوله: "والقراءة بالحمد لله رب العالمين" تمسك به مالك وأصحابه ~~في ترك الذكر بين التكبير والقراءة، لأنه لو تخلل بينهما ذكر لم يكن ~~الاستفتاح بالحمد لله رب العالمين، وقد تقدم ما فيه في الوجه الثالث. # تاسعها: قولها: "بالحمد" استدل به أصحاب مالك وغيرهم PageV03P033 # على ترك التسمية في ابتداء الفاتحة، وأنها ليست منها (¬1)، ونقله القرطبي ~~(¬2) في شرحه عن الجمهور، وتأوله الشافعي والأكثرون القائلون بأنها من ~~الفاتحة، كما نقله عنهم النووي في شرح مسلم (¬3) على أن المراد يستفتح ~~القراءة بسورة الحمد كما تقدم، لا بسورة أخرى، وقد قامت أدلة على أن ~~البسملة منها، وقد صنف في ذلك وفي الجهر بها (¬4) أبو شامة المقدسي -قدس ~~الله روحه- مجلدة PageV03P034 # ضخمة. فأفاد فيها وأجاد، وأغنى عن الخوض فيها. وقد صنف قبله في ذلك سليم ~~الرازي، والخطيب، حتى ابن عبد البر من المالكية. # وأجاب بعض المخالفين عن تأويل الشافعي وغيره: بأن لفظ الحديث. إن أجرى ~~[مجرى] (¬1) الحكاية [اقتضى] (¬2) البداءة [به] (¬3) بعينه [فلا] (¬4) يكون ~~غيره قبله [لأن الغير حينئذ] (¬5) يكون هو المفتتح [به] (¬6) وإن جعل اسما ~~فالفاتحة لا تسمى سورتها مجموع الحمد لله PageV03P035 # رب العالمين، بل بسورة الحمد. فلو كان لفظ الرواية " [كان] (¬1) يفتتح ~~بالحمد" لقوي تأويل الشافعي وغيره، فإنه يدل حينئذ على الافتتاح بالسورة ~~التي البسملة بعضها عندهم، قاله الشيخ تقي الدين. # وقوله: "لا تسمى بهذا المجموع" غلط. ففي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله في: "الحمد لله رب العالمين: أم القرآن وأم الكتاب ~~والسبع المثاني" (¬2) وفيها أيضا من حديث أبي سعيد بن المعلى: "الحمد لله ~~رب العالمين، هي السبع المثاني الذي [أوتيت] (¬3) والقرآن العظيم" (¬4)، ~~[وهذا] (¬5) ظاهر، ونص في أن الفاتحة تسمى بهذا المجموع الذي هو: الحمد لله ~~رب العالمين، وبالله التوفيق. # وأجاب بعض المتأخرين من المخالفين؛ عن التأويل المذكور: بأن هذا الاحتجاج ~~إنما [كان] (¬6) يحتمل لو كانت الرواية بخفض PageV03P036 # الدال. ms0502 وأما على الضم فهو على الحكاية كما تقدم، أعني حكايته لفظه - صلى ~~الله عليه وسلم -. وكأنها قالت: كان يبتدىء الصلاة بهذا اللفظ (¬1). # فائدة: تتعلق بإثبات البسملة في الفاتحة. روى الروياني (¬2) في "بحره" عن ~~أبي سهل الأبيوردي (¬3) أن خطيبا ببخارى من العلماء # الزهاد رأى خبرا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن من قرأ قل هو ~~الله أحد ألف PageV03P037 # مرة رفع الله عنه وجع السن [فلا يجع] (¬1) أبدا فوجع سنه، فقرأها ألفا، ~~فلم يزل الوجع وزاد. فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام ~~فسأله عن وجع السن وعما يفعل؟ فقال: رأيت خبرا عنك يا رسول الله! كذا، ~~وفعلت كذا، فلم يسكن وجعي، فقال عليه الصلاة والسلام: لأنك قرأتها بلا ~~تسمية [فاقرأ بها] (¬2) بالتسمية فقرأها، بها فزال وجع سنه، ولم يعد (¬3). ~~قال هذا الخطيب: فاعتقدت مذهب الشافعي في هذه المسألة فلا أصلي إلا بها. # وروى بعض العلماء عن بعض العارفين وقد قيل له: بماذا ترى ظهر اسم الإمام ~~الشافعي وغلب ذكره، فقال: أرى ذلك بإظهار اسم الله في البسملة لكل صلاة. # عاشرها: قولها: "وكان إذا ركع لم يشخص رأسه" هو بضم الياء، وماضيه أشخص، ~~أي لم يرفع رأسه. ومادة الإشخاص تدل على الارتفاع، ومنه أشخص بصره إذا رفعه ~~إلى العلو: ومنه الشخص لارتفاعه للأبصار. ومنه شخص المسافر إذا خرج [من] ~~(¬4) منزله إلى غيره، والأصل شخص الرجل غير متعد، فلما دخلت عليه همزة ~~النقل تعدى إلى مفعول واحد، ويقال للرجل إذا ورد عليه أمر أقلقه: PageV03P038 # شخص، كأنه ارتفع عن الأرض لقلقه. # الحادي عبر: قولها: "ولم يصوبه" هو بضم الياء وفتح الصاد وكسر الواو ~~المشددة، أي لم ينكسه، ومنه الصيب للمطر، يقال # صاب يصوب إذا نزل، ومن أطلق الصيب على الغيم، فهو من المجاز [لأنه] (¬1) ~~سبب الصيب الذي هو المطر. # الثاني عشر: قولها: "ولكن بين ذلك" أي بين الارتفاع والتنكيس. # فإن قلت: الأصل في "بين" أن تضاف إلى شيئين فصاعدا كقولك: المال بين زيد ~~وعمرو، وبين الزيدين ونحو ذلك. فما بالها ms0503 # جاءت مضافة إلى مفرد وهو "ذلك"؟ # فالجواب: أنه لما كانت الإشارة ب"ذلك" إلى ما تقدم من الأشخاص والتصويب ~~المفهومين من فعليهما ساغ فيها ذلك. ومنه قوله -تعالى-: {لا فارض ولا بكر ~~عوان بين ذلك} (¬2) وهذا منها إشارة إلى المسنون في الركوع، وهو الاعتدال ~~[باستواء] (¬3) الظهر والعنق. # الثالث عشر: قولها: "وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي ~~قائما". فيه دليل على الرفع من الركوع والاعتدال فيه بأن يستوي قائما. PageV03P039 # وقد اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال: # أحدها: يجب. # وثانيها: يستحب. # وثالثها: يجب فيما هو إلى الاعتدال أقرب، ويستحب ما زاد عليه، ولكن الرفع ~~من الركوع من الأفعال التي ثبت استمرار النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عليها، ورواية ابن القاسم: أنه إذا أخل به وجبت الإعادة، ولم تجب في رواية ~~ابن زياد. # [فإذا] (¬1) قيل برواية ابن القاسم: فهل يجب الاعتدال أم لا؟ # فيه الأقوال السالفة. # الأول: لابن القاسم. # والثاني: لأشهب. # والثالث: للقاضي عبد الوهاب. وحيث قالوا بالوجوب فتجب الطمأنينة عندهم ~~وقيل: لا. # ومن الفوائد الغريبة: أن منصورا التميمي من قدماء الشافعية، أخذ عن ~~الربيع ذكر في كتاب المسافر عن نص الشافعي أنه [] (¬2) يكفي الاعتدال في ~~الرفع من الركوع وفي الجلوس بين السجدتين. وهذا غريب عن الشافعي. # وفي (التتمة) وجه أن الاعتدال لا يجب في النافلة، وأجراه PageV03P040 # القفال فيما رأيته من (فتاويه) في الجلوس بين السجدتين. وبناه على أن ~~صلاة التطوع هل تجوز بالإيماء مع القدرة؟ وصحح الجواز، وأما غيره فصحح عدم ~~الجواز. # الرابع عشر: قولها: "وكان إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي ~~قاعدا" فيه دليل على الرفع من السجود والاستواء في # الجلوس بين السجدتين، أما الرفع فلا بد منه لعدم تصور عدد السجدتين ~~[بغيره] (¬1). بخلاف الركوع فإنه غير متعدد فلهذا أجرى # الخلاف في وجوب الرفع منه. # قال الشيخ تقي الدين: [وأجرى بعض الفضلاء من المتأخرين [الخلاف] (¬2) ~~الذي في الرفع من الركوع في الرفع من السجدة الأولى، وقال: الرفع منها ~~والاعتدال والطمأنينة: كالرفع من الركوع وهو سهو ms0504 لعدم تصوره في الرفع من ~~السجود لتعدده شرعا بخلاف الركوع، فإنه غير متعدد، وهو متميز عن السجود ~~بخلاف السجدة الثانية، فإنها غير متميزة عن الأولى، فافتقرت إلى التمييز ~~بالرفع الفاصل بينهما] (¬3) وكأن الذي نسب إليه الشيخ PageV03P041 # [هذا] (¬1) السهو هو ابن الحاجب، فإنه قال: والرفع منه والاعتدال فيه: ~~كالركوع، وبعض المالكية شرع يؤوله ويقول: لا سهو فيه، وليس بظاهر، ومحل ~~الكلام في أقل السجود وأكمله كتب الفقه، وقد بسطناه فيها، فلا نطول ~~بإيرادها منه. ونص صاحب (الجواهر) من المالكية: على أنه يستحب كشف الكعبين، ~~واستحب متأخروا المالكية أن يسجد بين كفيه ولم يحد مالك في ذلك حدا. ثم إذا ~~سجد الثانية قام مكبرا كسائر تكبيرات الانتقالات. # ومذهب مالك أنه يستثنى [من] (¬2) ذلك تكبيرة القيام من الجلوس، فإنه لا ~~يكبر حتى يستقل قائما، وفرقوا بأن الشروع في تكبير الانتقال إنما هو في ~~الأركان، فلم ينتقل من ركن إلى ركن فيكبر فيه. # قال القاضي عياض: وهو مذهب عمر بن عبد العزيز. قال: وعامة الفقهاء على خلافه. # قال مالك: وإن كبرها في نهوضه فهو في سعة. # الخامس عشر: قولها: "وكان يقول في كل ركعتين التحية" تريد التشهد كله، ~~وهو من باب إطلاق لفظ البعض على الكل، وهذا الموضع مما فارق فيه الاسم ~~المسمى فإن التحية: الملك PageV03P042 # [أو] (¬1) البقاء أو غيرهما (¬2) وذلك لا يتصور قوله بل يقال: اسمه الدال ~~عليه بخلاف قولنا: أكلت الخبز وشربت الماء. فإن الاسم فيه أريد به المسمى. # وأما لفظة الاسم: فقد قيل فيها: إن الاسم هو المسمى، وفيه نظر دقيق، كما ~~قال الشيخ تقي الدين (¬3): وهذا بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى الله ~~-تعالى- فلا يقال الاسم غير المسمى، ولا هو [هو] (¬4)، بل يجب إطلاقه كما ~~أطلقه الله -تعالى- من غير خوض PageV03P043 # فيه (¬1). # وقد أفرد هذه المسألة (¬2) بالتصنيف البطليموسي -رحمه الله-. ولم تعين - ~~رضي الله عنها -، ما كان يتشهد به في هذا الحديث. وقد ورد في ذلك أحاديث ~~عدة جمعتهم في تخريجي لأحاديث الرافعي. PageV03P044 # واختار الشافعي منها: حديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم ms0505 (¬1). # واختار أبو حنيفة وأحمد: تشهد ابن مسعود (¬2). # واختار مالك: تشهد عمر (¬3). وسيأتي الكلام على ذلك إن PageV03P045 # شاء الله [تعالى] (¬1) في بابه. # السادس عشر: قولها: "وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى". يفرش ~~بضم الراء أشهر من كسرها. # واستدل أصحاب أبي حنيفة: بهذا الحديث على اختيار هذه الهيئة في الجلوس من ~~الرجل وهو مذهب سفيان. # ومالك: اختار التورك. # وأحمد: يتورك في آخر الرباعي. # والشافعي: فصل بين الأول والأخير، فيفترش في [الأول] (¬2)، كما يجلس بين ~~السجدتين وجلسة الاستراحة، ويتورك في الأخير. واحتج بحديث أبي حميد الساعدي ~~في صحيح البخاري (¬3): أنه لما وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا جلس في ~~الركعة الأخيرة قدم PageV03P046 # رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته، وحمل حديث عائشة هذا على غير ~~الأخير، جمعا بينه وبين حديث أبي حميد، # ورجح من حيث المعنى بأمرين: # أحدهما: أن المخالفة في هيئة الجلوس قد يكون سببا للتذكر عند الشك في ~~كونه الأول أو الأخير. # والثاني: أن الافتراش هيئة استيفاز [فناسب] (¬1) الجلسات الأول. والتورك ~~هيئة اطمئنان فناسب الأخير. كيف وهو مطابق للنقل # في حديث أبي حميد السالف فكان أولى. # ومذهب الشافعي: جلوس المرأة كجلوس الرجل. # وذهب بعض السلف إلى أن سنة المرأة التربع في الجلسات سواء فيه الفريضة ~~والنافلة، وخصه بعضهم بالنافلة، حكاه عنهما القاضي. # ومذهب الجمهور: أنه لا فرق. وقد وردت هيئة التورك في بعض الأحاديث، لكن ~~ليست لها قوة في الصحة: كأحاديث الافتراش والتورك (¬2). PageV03P047 # واختلف قول الشافعي - رضي الله عنه - في الأفضل في جلوس العاجز عن القيام ~~في الفريضة وجلوس المتنفل الذي له أجر # نصف القاعد على أقوال، ذكرتها في "شرح المنهاج" وغيره أصحها: الافتراش، ~~لأنه غالب جلسات الصلاة الأربع. # السابع عشر: قولها: "وكان ينهى عن عقبة الشيطان" هو بضم العين وإسكان ~~القاف. ويروى "عقب" -بفتح العين وكسر القاف- وحكي ضم العين فيه وهو ضعيف. ~~وفسره أبو عبيدة وغيره بالإقعاء المنهي عنه. وهو أن يلصق إليته بالأرض ~~وينصب ساقيه ms0506 ويضع يديه على الأرض [كذا] (¬1) حكاه النووي في [(شرحه لمسلم)] ~~(¬2) عن PageV03P048 # أبي عبيدة وغيره، وحكاه في (شرح المهذب) (¬1) عن أبي عبيد أنه حكاه عن ~~شيخه أبي عبيدة. وقال الشيخ تقي الدين: فسر بأن يفرش قدميه ويجلس بإليته ~~على [عقبيه] (¬2) وقد سمى ذلك بالإقعاء أيضا. # قلت: فأما الإقعاء الذي هو سنة الثابت في صحيح مسلم (¬3) PageV03P049 # من حديث ابن عباس فهو: أن ينصب أصابع قدميه ويجلس بوركيه على عقبيه، فليس ~~من هذين التفسيرين في شيء. # وقال صاحب (التبصرة) [و] (¬1) لا يجوز أن يقعي في الجلوس بين السجدتين ~~إقعاء الكلب. قال: وهو أن يجلس على قدميه وهما منصوبتان. # وقال البيهقي في سننه (¬2): يحتمل أن يكون حديث عائشة هذا واردا في ~~الجلوس في التشهد الأخير فلا منافاة. # وقال القاضي [عياض] (¬3): ذهب جماعة من السلف إلى أن المنهي عنه من ~~الإقعاء هو الرجوع على صدور القدمين فيما بين السجدتين وتمس أليته بعقبيه. # قلت: وهو ما صدره المحب الطبري في (أحكامه). ثم قال: وقيل: هو أن يترك ~~عقبيه غير مغسولتين في الوضوء، ولم يذكر غير ذلك في تفسيره. # الثامن عشر: قولها: "وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع" هو أن ~~يضع ذراعيه على الأرض في السجود، والسنة أن يرفعهما، ويكون الموضوع على ~~الأرض كفيه، وإنما نهى عن ذلك لأنها صفة الكاسل والمتهاون بحاله، مع ما فيه ~~من [التشبه] (¬4) PageV03P050 # بالسباع والكلاب، كما نهى عن التشبه [بهما] (¬1) في الأفعال. # التاسع عشر: قولها: "وكان يختم الصلاة بالتسليم" معناه: يتحلل منها ~~بالتسليم، كما قال - عليه الصلاة والسلام - في الحديث # السالف: "وتحليلها التسليم". ولا شك أن تحريمها التكبير، أو ما في معناه ~~من التعظيم على قول أبي حنيفة، فكذلك تحليلها فتقتضي الوجوب فيه مع قوله - ~~عليه الصلاة والسلام -: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وبوجوبه، قال مالك ~~والشافعي وأحمد والجمهور سلفا وخلفا، وأن الصلاة لا تصح إلا به. # وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي: هو سنة ولو تركه صحت صلاته. # قال أبو حنيفة: لو فعل [فعلا] (¬2) منافيا للصلاة من [حدث] (¬3)، أو غيره ~~في آخرها ms0507 صحت صلاته. # واحتج: بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يعلمه [للأعرابي] (¬4) حين علمه ~~واجبات الصلاة، واحتج الجمهور بفعله وما ذكرناه (¬5). PageV03P051 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P052 # قال القاضي: وعندنا مثل قول أبي حنيفة عن ابن القاسم غير أنها قولة منكرة ~~غير جارية على أصولنا. # واحتج له: بأنه - عليه الصلاة والسلام - علم ابن مسعود (¬1) التشهد. ~~وقال: "إذا قضيت هذا فقد تمت صلاتك، فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد". # والجواب: أن هذا مدرج في الحديث كما [نبه] (¬2) الحفاظ. # قال ابن العربي: وكان شيخنا فخر الدين ينشدنا في الدرس. # ويرى الخروج من الصلاة بظرطة ... أين الضراط من السلام عليكم PageV03P053 # ومحل الخلاف في أقل السلام وأكمله، بسطناه في الفقه، فراجعه منه. # وانفرد مالك من بين الأربعة فقال: المشروع تسليمة واحدة (¬1). وهو قول ~~ضعيف ....................... PageV03P054 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P055 # [عندنا] (¬1). # وشذ بعض الظاهرية والمالكية: فأوجب الثانية، وهو رواية عن أحمد، وهو ~~مخالف لإجماع من قبله. # [ولا يسلم المأموم عند المالكية: حتى يفرغ الإمام منها، ويضيف إليها ~~المأموم اثنتين على المشهور عندهم: أولاهما يرد بها على إمامه، والثانية عن ~~يساره إن كان عن يساره أحد. # وقيل: يبدأ منها باليسار. # وقيل: يتخير ولو كان مسبوقا، ففي رده على الإمام ومن على يساره روايتان ~~عندهم] (¬2). # العشرون: في الحديث نقل أقواله وأفعاله وأحواله إلى الأمة كما فعلته ~~عائشة - رضي الله عنها -. # [الحادي والعشرون] (¬3): فيه افتتاح الصلاة بالتكبير ووجوبه وتعيينه وقد ~~سلف واضحا. # الثاني والعشرون: فيه وجوب القراءة في الصلاة وأنه بالفاتحة. # وفي الصحيحين (¬4) من حديث عبادة: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة PageV03P056 # الكتاب"، وفي رواية للدارقطني، وقال: إسنادها صحيح: "لا تجزيء صلاة لا ~~يقرأ فيها الرجل بفاتحة الكتاب" (¬1). # الثالث والعشرون: فيه تسمية السورة [ببعضها] (¬2) وكل سور القرآن في ~~التسمية: كالفاتحة، ثم التسمية بالبعض قد يكون لعظم # لفظه [ومعناه] (¬3). وقد يكون لشهرة قصته. وقد يكون لعظم [المثوبة] (¬4). ~~وقد يكون لتفخيم ذكر [المنعوت] (¬5) في السورة. وقد يكون لغير ذلك على ما ~~اقتضته التسمية. # الرابع والعشرون: فيه تسوية الظهر في الركوع بحيث يستوي [رأسه] (¬6) ~~ومؤخره وقد مر، وفي الطبراني من حديث أبي برزة الأسلمي ms0508 (¬7) PageV03P057 # قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ركع لو صب على ظهره ماء ~~لاستقر". # الخامس والعشرون: فيه وجوب الاعتدال إذا رفع رأسه من الركوع بحيث يستوي قائما. # السادس والعشرون: فيه وجوب الجلوس بين السجدتين. # السابع والعشرون: فيه وجوب التشهد الأول والأخير وهو مذهب أحمد وأصحاب ~~الحديث. # وقال الشافعي: الأول سنة، والثاني فرض. # وقال مالك، وأبو حنيفة والأكثرون: هما سنتان، لكن أوجب أبو حنيفة الجلوس ~~[بقدره] (¬1). والأشهر عن مالك أنه يجب الجلوس PageV03P058 # [بعد] (¬1) السلام فقط. دليل أحمد هذا الحديث مع حديث: "صلوا كما ~~رأيتموني أصلي" ويقول ابن مسعود: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن" وبقوله - عليه الصلاة والسلام ~~-: "إذا صلى أحدكم فليقل التحيات" والأمر للوجوب، لكنه قال في التشهد ~~الأول: إن تركه محمدا بطلت صلاته، وإن تركه سهوا أجزأته صلاته، ويسجد للسهو ~~لأنه - عليه الصلاة والسلام - تركه وجبره به، ونقيسه على واجب الحج في أنه ~~إذا تركه جبر بدم. # لكن الفرق بينهما أن الأصل في الواجب أنه يتعين الإتيان به، ولا يجوز ~~تركه ولا جبره، جوز في الحج لمشقة العبادة، ولمواساة الفقراء من أهل الحرم، ~~ولدخول النيابة فيه للتخفيف، بخلاف الصلاة فإنها عبادة بدنية لا مشقة فيها، ~~ولا تدخلها النيابة، ولا تكفر بالمال، بل لا بد من الإتيان بها على كل حال ~~ما دام العقل ثابتا، حتى في مقابلة العدو وغيره. # واحتج من أوجب الثاني: بأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ~~عن غيره تركه عمدا ولا سهوا، فاقتضى وجوبه: كالركوع والسجود، بخلاف التشهد ~~الأول مع أن التشهد لم يجر له ذكر فيما أعلم [في] (¬2) حديث المسيء صلاته. PageV03P059 # فيجاب عنه: بأنه كان معلوما عنده، ولهذا لم يذكر له النية وقد [أجمعنا] ~~(¬1) على وجوبه، ولم يذكر القعود للتشهد، وقد وافق # أبو حنيفة على وجوبه، ولم يذكر السلام. وقد وافق مالك والجمهور على وجوبه. # واعلم أن المحب الطبري نقل في (أحكامه): عن الإمام أحمد أنه [إن] (¬2) لم ~~يتشهد ومسلم أجزأه، ms0509 كذا أطلق النقل عنه، وقد عرفت تفصيل مذهبه فيه. # الثامن والعشرون: فيه شرعية الافتراش في جلسات الصلاة، وقد تقدم مستوفى، ~~وكيف قعد جاز، وإنما الخلاف في الأفضل. # التاسع والعشرون: فيه شرعية مخالفة الشيطان في الجلوس في الصلاة وغيرها، ~~ولا شك أن كل حالة من قول أو فعل أو حركة أو سكون أو خطرة أو نظرة أو فكرة ~~مخالفة للشرع، فهي شيطانية لكن بعضها دخل في المجاوزة التي امتن الله بها، ~~وبعضها لم يدخل. # الثلاثون: فيه مخالفة الحيوان كالكلب وغيره في حالة افتراش ذراعيه وغيرها ~~خصوصا في الصلاة، ولا شك أن الله -تعالى- جبل الحيوانات على أحوال محمودة ~~ومذمومه [فتبين بالشرع] (¬3) محمودا منها ومذموما للاكتساب وللاجتناب، وقد ~~صنف بعض العلماء كتابا PageV03P060 # في (تفضيل الكلاب على كثير [ممن] (¬1) لبس الثياب)، [ولنا به] (¬2) سماع ~~متصل. وكل ذلك كرما منه سبحانه لتفضيل النوع الإنساني ليقتدي أو يرتدي. # الحادي والثلاثون: فيه شرعية السلام آخر الصلاة وقد تقدم واضحا. # الثاني والثلاثون: فيه دليل على أن السلام ركن من أركان الصلاة لقولها: ~~"وكان يختم الصلاة بالتسليم" وليس ذلك [بقوي] (¬3) # الظهور، كما قاله الشيخ تقي الدين. # وادعى الرافعي الاتفاق على ركنيته، وليس كما ادعى، فقد حكى القاضي مجلى: ~~أنه شرط. # الثالث والثلاثون: فيه حجة لمن نكر السلام، وهو ما صححه الرافعي، وخالف ~~النووي (¬4)، فصحح المنع، وعلله بأنه لم ينقل لكنه # صحيح إجزاء: "عليكم السلام" ولم ينقل فيما أعلم. # فرع: لم أره منقولا لو قال "سلم عليكم" -بكسر السين PageV03P061 # وإسكان اللام- فظاهر كلامهم المنع، لكنها لغة في [السلام] (¬1)، حكاها ~~الخطابي (¬2). # الرابع والثلاثون: فيه استحباب مجافاة المرفقين عن الجنبين في السجود، ~~لأنه إذا نهى عن افتراش ذراعيه لزم منه رفعهما، فلزم منه مجافاتهما، كما ~~استنبطه بعضهم، ووجه تلازمهما غير ظاهر. PageV03P062 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 86/ 3/ 15 - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: "أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا كبر ~~للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده، ~~ربنا ms0510 ولك الحمد. وكان لا يفعل ذلك في السجود (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: اختلف في سبب مشروعية رفع اليدين، فقيل: إن كفار قريش وغيرهم ~~كانوا يظهرون الصلاة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV03P063 # وأصنامهم تحت آباطهم، فأمر - صلى الله عليه وسلم - برفعهما ليرفعوها معه ~~فتسقط أصنامهم (¬1). # وقيل: كانوا يرفعون أيديهم عند طلب العفو في محاصرة أعدائهم [لهم] (¬2) ~~فجعل الله -تعالى- ذلك في الصلاة استسلاما له # وانقيادا. # وقيل: لرفعهم أيديهم في الغارات بالصياح والتكبير فجعل ذلك في الصلاة. # [الثاني] (¬3): اختلفوا أيضا في حكمته (¬4)، فقال الشافعي -رحمه الله-، ~~فعلته إعظاما لجلال الله واتباعا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ورجاء ثواب الله. PageV03P064 # وقال الدرزماري: هو إشارة إلى رفع الحجاب بين العبد والرب -جلت عظمته-. # وقيل: إنه تعبد لا يعقل معناه، وقيل هو إشارة إلى التوحيد. # وقيل: الحكمة فيه عند الإحرام أن يراه من لا يسمع التكبير، فيعلم دخوله ~~في الصلاة فيقتدي به. # قلت: وكذا في غيرها عند من استحبه كما سيأتي ليتبع. # وقيل: هو استسلام وانقياد، وكان الأسير إذا [غلب] (¬1) مد يديه علامة ~~لاستسلامه وهذا نحو ما سلف. # وقيل: هو إشارة إلى طرح أمور الدنيا وراء ظهره والإقبال بكليته على صلاته ~~ومناجاته، كما تضمن ذلك قول: "الله أكبر" فيتطابق فعله وقوله. # وقيل: القصد به إشعار النفس استعظام ما يدخل فيه، وكثيرا ما يجري للناس ~~مثل ذلك عند [مفاجاة] (¬2) أمر استعظمه، فيرفع يديه: كالفزع منه والمستهول له. # [الثالث] (¬3): رفع اليدين مع التكبير للإحرام مشروع بالإجماع، للأحاديث ~~الثابتة فيه لهذا الحديث وغيره. # واختلف العلماء في الرفع فيما سواه. PageV03P065 # فقال الشافعي وأحمد وجمهور الصحابة ممن بعدهم: يشرع رفعهما أيضا عند ~~الركوع، وعند الرفع منه، وهو رواية عن مالك، وهذا الحديث دال على ذلك. # واختلف أصحابنا في موضع رابع، وهو: إذا قام من التشهد الأول، وصححوا أنه ~~لا يستحب. # والصواب: استحبابه لصحة الحديث فيه من طريق ابن عمر في البخاري (¬1)، ومن ~~طريق أبي حميد الساعدي (¬2) في سنن أبي داود والترمذي. # وقال بعض أصحابنا: يستحب أيضا ms0511 في السجود، وهو قوي، فقد صح في النسائي من ~~حديث أبي قلابة، وحكى النووي في "تحقيقه" وجها أنه يستحب الرفع من كل خفض ~~ورفع، ويستدل له بأحاديث صحيحة،. # قال ابن القطان: صح الرفع بين السجدتين وعند الرفع من PageV03P066 # السجود حتى النهوض إلى ابتداء الركعة من حديث ابن عباس (¬1) ومالك بن ~~الحويرث (¬2) عند النسائي، وابن عمر (¬3) عند الطحاوي PageV03P067 # وفي هذا رد لقول البغوي: -أظنه في، "شرح السنة" (¬1) - لم يقل أحد من أهل ~~العلم نعلمه أنه يرفع إذا قام من السجدتين في وتر من [صلاته] (¬2). # وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة: لا يستحب في غير تكبيرة ~~الإحرام- وهو مشهور الروايات عن مالك. # قال صاحب (البيان والتقريب): المشهور من مذهب مالك إثبات الرفع في ~~الجملة. # قال ابن القاسم: ولم أر مالكا يرفع يديه عند الإحرام [وأحب إلى ترك] (¬3) ~~الرفع عنده. # قلت: ودليله أحاديث كلها معلولة، وقد ذكرتها بعللها موضحة فيما أخرجته من ~~أحاديث الرافعي، فسارع إليه. وأما حديث: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها ~~أذناب خيل [شمس] (¬4) PageV03P068 # اسكنوا في الصلاة" (¬1). # فجوابه: أن المراد بالرفع رفعهم أيديهم عند السلام مشيرين إلى السلام من ~~الجانبين، كما صرح به في الرواية الأخرى. # وأيضا: فلم ينكر - عليه الصلاة والسلام - مطلق الرفع [و] (¬2) إنما ~~المراد أنكر كثرة تحريك الأيدي واضطرابها وعدم استقرارها. ويفهم ذلك من ~~تشبيهه (¬3) بأذناب الخيل الشمس، وهي التي لا تكاد تستقر، هكذا فسره ابن ~~فارس في (مجمله) (¬4). # والمشهور أنه لا يجب شيء من الرفع، وحكى الإجماع عليه. # وحكي عن داود إيجابه في [تكبيرة الإحرام، وبه قال ابن سيار من أصحابنا، ~~وقال: إذا لم يرفع فيها تبطل صلاته، كما نقلته PageV03P069 # في] (¬1) "فتاوى" القفال عنه، وعلله بأنها واجبة بخلاف باقي التكبيرات لا ~~يجب لها الرفع لأنها غير واجبة، واستغربه النووي في (طبقاته) (¬2)، فقال: ~~نظرت فيما استقصى فيه العلماء خلاف العلماء، فلم أجد ذلك محكيا عن أحد ~~أصلا. وهذا عجيب منه، # فقد حكاها هو في (تهذيب الأسماء) (¬3)، و (شرح مسلم) (¬4) عن داود ~~الظاهري، وقال في (شرح المهذب) ms0512 (¬5): إن صاحب (التتمة) نقله عن بعض ~~العلماء. وحكاه القرطبي (¬6): في أول تفسير البقرة عن بعض المالكية، ونقل ~~عن بعض أصحاب داود أنه أوجبه أيضا عند الركوع وعند الرفع منه، وهو قول ~~الحميدي ورواية عن الأوزاعي. # وقال ابن خزيمة إمام الأئمة: من ترك الرفع في الصلاة فقد PageV03P070 # ترك ركنا من أركانها (¬1)، حكاه عنه الحاكم في (تاريخ نيسابور) في ترجمة ~~محمد بن علي العلوي. # وقال ابن حزم (¬2): رفع اليدين في أول الصلاة فرض لا تصح الصلاة إلا به، ~~وقد روي عن الأوزاعي (¬3). وهو قول من تقدم من # أصحابنا، فاستفد من ذلك، ولله الحمد على تيسيره. # الرابع: اختلفت الروايات في صفة الرفع ففي الكتاب الرفع إلى حذو ~~المنكبين. # -والمنكب: مجمع عظم العضد والكتف- وفي رواية لمسلم: "أنه رفعهما حتى حاذى ~~بهما أذنيه"، وفي رواية له أيضا: "أنه حاذى بهما فروع أذنيه"، وجمع الإمام ~~الشافعي بينهما: بأنه - عليه الصلاة والسلام -، جعل كفيه محاذيا منكبيه، ~~وأطراف أصابعه أعلا أذنيه، وإبهاميه شحمتي أذنيه، فاستحسن الناس ذلك منه، ~~وذلك معنى رواية الكتاب. # وحكى قولا أنه يرفع حذو الأذنين، وحكى عن أبي حنيفة. # وحكى الرافعي: قولا أسقطه النووي من الروضة: أنه يرفع إلى أن يحاذي رؤوس ~~أصابعه منكبيه، وأنكر على الغزالي حكايته ثلاثة أقوال في ذلك. PageV03P071 # وحكى عن الطحاوي: أن الرفع إلى الصدر والمنكبين في زمن البرد وإلى ~~الأذنين وفوق الرأس في زمن الحر، لأن أيديهم في زمن # البرد تكون ملفوفة في ثيابهم، وفي غيره تكون بادية، واعتمد رواية وائل ~~(¬1) الرفع إلى الأذنين (¬2) وحمل رواية المنكبين أنهم فعلوا ذلك في البرد، ~~وهذا تمنع منه رواية سفيان بن عيينة، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه" (¬3). # قال وائل: "ثم أتيتهم في الشتاء فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس"، كذا ~~رواه الشافعي والحميدي عن سفيان، وهي مصرحة أن الرفع إلى المنكبين كان في ~~الشتاء، وقال ابن سريج: هذا [من] (¬4) الاختلاف المباح. PageV03P072 # الخامس: اختلف في وقت الرفع، فظاهر رواية الكتاب: أنه يبتدىء الرفع مع ~~ابتداء التكبير، ms0513 ولم يتعرض فيهما لوقت وضعهما وفي رواية لمسلم: "أنه رفعهما ~~ثم كبر" وفي رواية له: "كبر ثم رفع يديه" فهذه حالات فعلت لبيان جواز كل ~~منها، وهي أوجه لأصحابنا، وأصحها: عندهم أنه يبتدىء الرفع مع ابتداء ~~التكبير ولا استحباب في الانتهاء، صححه الرافعي في كتبه، والنووي في ~~(الروضة)، و (المنهاج)، و (شرح مسلم) (¬1)، لكنه خالف في (شرح المهذب) ~~(¬2)، و (الوسيط)، و (التحقيق)، فصحح أنه ينهيه مع # الانتهاء أيضا، وفي المسألة ثلاثة أوجه ذكرتها في شرحي المنهاج وغيره ~~فليراجع عليه، وعن الشيخ أبي محمد ونسبه الغزالي إلى # المحققين أن هذه الكيفيات كلها سواء، ولا أولوية، فقد صحت الروايات بها ~~كلها (¬3). # فقد حمل الكلام في الرفع في ستة مواضع: # الأول: في سبب مشروعيته. # الثاني: في [حكمه] (¬4). # الثالث: في أصله. PageV03P073 # والرابع: في موضعه. # والخامس: في صفته. # والسادس: في وقته، ولله الحمد. # فروع متعلقة بالرفع: تكون كفاه للقبلة مكشوفتين وهو ما اختاره الباجي من ~~المالكية، وعلله بأنا نتمكن من ذلك الجمع بين الحديثين، وأنه أبعد في ~~التكلف، وأيسر في الرفع، ثم حكى عن سحنون: تكون يداه [مبسوطتين] (¬1) ~~ظهورهما إلى السماء وبطونهما إلى الأرض. # وحكى بعض متأخريهم: اختيار إقامة الكف مع ضم الأصابع، لأن هذا الشكل فيه ~~معنى من حال الرهبة ومن حال الرغبة، وهي الإشارة بالكف نحو السماء. # قال الغزالي في (الإحياء): وينبغي أن يرفع يديه إلى قدام [دفعا عند ~~التكبير] (¬2)، ولا يردهما إلى خلف منكبيه ولا يتفضهما يمينا ولا شمالا. # قال المتولي: وينبغي قبل الرفع والتكبير أن ينظر إلى موضع سجوده، ويطرق ~~رأسه قليلا ثم يرفع يديه ويكبر ويستحب جزم تكبيرة الإحرام بخلاف تكبيرات ~~الانتقالات. # فائدة: في كل صلاة ثنائية إحدى عشرة تكبيرة، تكبيرة PageV03P074 # الإحرام، وخمس في كل ركعة، وفي الثلاثية سبع عشرة تكبيرة، وفي الرباعية ~~ثنتان وعشرون، ففي المكتوبات الخمس أربع وتسعون # تكبيرة (¬1). # السادس: قوله: "وقال سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" قد تقدم الكلام ~~على معنى ذلك في الحديث الثاني من باب الإمامة # واضحا وإثبات الواو وحذفها (¬2)، وتقدم الكلام هناك ms0514 على أن الإمام PageV03P075 # والمأموم والمنفرد يجمعون بين التسميع والتحميد في الركوع والاستواء منه ~~(¬1)، والجواب عما ظاهره المخالفة فراجعه. وهذا # الحديث ظاهر في جمع الإمام بينهما وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". PageV03P076 # السابع: قوله: "وكان لا يفعل ذلك في السجود" معناه لا يرفع يديه في ~~ابتداء السجود والرفع منه. ولعل مراده في الابتداء أو كأنه # أقرب، وبه قال أكثر الفقهاء، وخالف فيه بعضهم كما قدمته [وأنه] (¬1) صح ~~في [النسائي] (¬2) من حديث أبي قلابة (¬3)، وكأنه # اعتمد أنه زيادة فقدمت على من [نفاها] (¬4) أو سكت عنها لكن من ترك الرفع ~~ورجح رواية ابن عمر في الترك، لكن الترجيح إنما يكون عند التعارض، ولا ~~تعارض بين رواية من أثبت الزيادة أو نفاها أو سكت عنها إلا أن يكون ذلك ~~جميعه منحصرا متحدا في وقت واحد فيجب العمل بالزيادة، وادعى بعض الشارحين ~~أن إثبات الرفع فيه ضعيف، وهو غلط منه، فقد صح كما أسلفناه. # الثامن: فيه إثبات تكبيرة الإحرام، وقد تقدم الكلام عليها في الحديث قبله. # التاسع: في الحديث التكبير في الهوي إلى الركوع، وهو سنة عند العلماء ~~كافة، إلا أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه فإنه أوجبها، وكذا [سائر ~~تكبيرات] (¬5) الانتقالات [وحجة] (¬6) الجمهور أنها لم تذكر في حديث المسيء ~~صلاته وهو موضع غاية البيان. PageV03P077 # العاشر: فيه أن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - حجة كأقواله. # الحادي عشر: فيه وجوب نقلها وتبليغها والعمل بها على مراتبها من الوجوب ~~والندب. # الثاني عشر: فيه فضل الصحابة على من بعدهم حيث ضبطوا وبلغوا وعملوا ~~وبذلوا الجهد في ذلك، واعلم أنه إذا ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سنة وجب اعتقاد شرعيتها والعمل بها، فإن كانت واجبة كان الاعتقاد والعمل ~~واجبين، وإن كانت مندوبة وجب اعتقاد ندبيتها من حيث هو مندوب، ولم يجب ~~العمل بها لكن يستحب، ويتأكد ما لم يعارضه مراعاة واجب في نفس أو مال أو ~~عيال أو حق واجب غيرهما. وقد صنف الأئمة كتبا مستقلة في الرد على من مع ~~الرفع، ومنهم البخاري، ولله الحمد ms0515 (¬1). PageV03P078 # الثالث عشر: روى مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان إذا افتتح ~~الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما دون ذلك" ~~(¬1)، وروايته في الكتاب "وإذا رفع رأسه PageV03P079 # من الركوع رفعهما كذلك" قد يشعر بذلك، فإن المشبه بالشيء دون المشبه [به] ~~(¬1). PageV03P080 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 87/ 4/ 15 - عن ابن عباس - رضي الله [عنهما] (¬1) -. قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار ~~بيده إلى أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين" (¬2). # الكلام عليه من [وجوه ثمانية] (¬3): PageV03P081 # أحدها: الأصل: (أمرت بأن أسجد). ولكن حديث حرف البحر مع أن، وأن [قياس] ~~(¬1) مطرد. # ثانيها: الأمر له - صلى الله عليه وسلم - بواسطة جبريل - عليه الصلاة ~~والسلام - وبالإلهام [وغير] (¬2) ذلك من الطرق: كالرؤيا. والأمر: يقتضي ~~الوجوب. # ثالثها: تسمية كل واحد من هذه الأعضاء عظما، وإن كان كل واحد منها يشتمل ~~على عظام من باب تسمية الجملة باسم بعضها. # وأراد - صلى الله عليه وسلم - الأعضاء. كما جاء في رواية. وفي رواية ~~"سبعة أراب" وهي الأعضاء أيضا. # رابعها: قوله: "على الجبهة" إلى آخره هو من بدل التقسيم كقولك: مررت ~~برجال زيد [وبكر] (¬3) وعمرو. # والجبهة: هي ما أصاب السجود من الأرض، ولا يكفي جانباها، وهما الحبينان. # خامسها: إشارته - صلى الله عليه وسلم - إلى الأنف دون الجبهة، بعد ذكرها ~~يحتمل أن معناه: أنهما جعلا كعضو واحد. فنبه بالإشارة إلى ذلك [وعينها] ~~(¬4) بالذكر [ليتبين] (¬5) أنهما المردان من الوجه دون سائره. PageV03P082 # وهذا المعنى يقوي قول من يوجب السجود على الأنف مع الجبهة، كما ستعلمه، ~~لكن [في] (¬1) بعض طرق هذا الحديث: "الجبهة والأنف معا" (¬2) واصل العطف ~~[للمغايرة] (¬3)، وذلك [يضعف] (¬4) دليل الوجوب. # سادسها: ظاهر الحديث دال على وجوب السجود على هذه الأعضاء. # أما الجبهة: فالسجود عليها واجب عينا عندنا (¬5). وبه قال مالك والجمهور. ~~وأوجب أحمد (¬6): السجود على الأنف أيضا، وهو قول عندنا. ووافقه ابن حبيب ~~المالكي، وقال أبو حنيفة وابن القاسم: هو مخير بينهما، وله الاقتصار على ~~أحدهما. # والمشهور عند المالكية: الإجزاء عند ms0516 الاقتصار على الجبهة دون الأنف. # واختلف قول الشافعي في السجود على اليدين والركبتين PageV03P083 # والقدمين، فالراجح عنده كما نقله النووي في (شرح مسلم) (¬1) الوجوب، ورجح ~~الرافعي في كتبه: المنع. # ونقل القاضي عياض عن الجمهور: أن السجود على ما عدا الوجه واليدين غير ~~واجب (¬2). # واستدل من قال بالمنع بأدلة: # أحدها: حديث رفاعة بن رافع: "ثم يسجد فيمكن جبهته" (¬3) وهذا غاية دلالة ~~مفهوم لقب أو غايته. ودلالة المنطوق مقدمة وليس هذا من باب تخصيص العموم ~~بالمفهوم [في] (¬4) حديث: "جعلت [لي] (¬5) الأرض مسجدا وطهورا" (¬6) مع ~~الزيادة المنقولة عن # جماعة من الثقات: "وتربتها طهورا" فإنه يعمل بها لما يلزم من PageV03P084 # العمل بالعموم، المفهوم بخلاف هذا، فإنا إذا قدمنا دلالة المفهوم أسقطنا ~~المنطوق، وهو السجود على الأعضاء الستة مع تناول اللفظ لها بخصوصها. # ثانيها: إضافة السجود إلى الوجه في حديث: "سجد وجهي للذي خلقه" (¬1)، ~~وهذا أضعف من الأول من حيث أنه لا يلزم من # الإضافة [إليه] (¬2) انحصار السجود فيه. # ثالثها: إن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة، وهذا أضعف [منهما] (¬3)، فإن ~~الحديث يدل على إثبات زيادة في المسمى فلا # تترك. # وأضعف من الكل المعارضة بقياس شبهي، وهو أنه لا يجب كشفها، فلا يجب وضعها ~~كغيرها من الأعضاء سوى الجبهة. # نعم الرافعي استدل له بأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز ~~كالجبهة. PageV03P085 # ولك أن تقول: الفرق أن الجبهة عضو لا يتحقق السجود بدونه، فلذلك وجب ~~الإيماء به عند العجز، لا لمجرد وجوب السجود به، وأما غير الجبهة فإنها يجب ~~السجود بها لتمكن الجبهة من السجود فلا يحمل المقصود بالإيماء عند العجز، ~~ولا يدعي أن هذا من خصانصه لقوله: "أمرت" لأنه لا قائل به. # واحتج لأبي حنيفة ومن وافقه بالرواية السالفة "والأنف" وقد قدمنا تأويل ~~رواية الكتاب "وأشار بيده إلى أنفه" وأنه يحتمل أن معناه: أنهما جعلا ~~كالعضو، ويكون الأنف كالتبع للجبهة، وقوي هذا الاحتمال بوجهين: # الأول: لو كان الأنف كعضو منفرد عن الجبهة حكما لكانت الأعضاء المأمور ~~بالسجود عليها: ثمانية لا سبعة، فيخرج الحديث # عن مطابقة ms0517 العدد المذكور فيه. # الثاني: اختلاف [عبارة] (¬1) الحديث في ذكره لفظا أو إشارة، فإذا جعلا ~~كعضو واحد أمكن أن تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة # إلى الآخر، فتتطابق الإشارة والعبارة، وحينئذ ربما [استنتج] (¬2) منه ~~إجزاء السجود على الأنف وحده، لأنهما كعضو واحد، فإذا سجد على بعضه أجزأه، ~~لكن هذا لا يعارض رواية التصريح بذكرهما ودخولهما تحت الأمر، وإن اعتقد ~~أنهما كعضو من حيث العدد فهو في التسمية لفظا؛ لا في الحكم الدال عليه ~~الأمر مع أن الإشارة PageV03P086 # لا تغير المشار إليه، بل قد تتعلق بالجبهة، فتكون الإشارة إلى ما قاربه، ~~لا إليه يقينا بخلاف اللفظ، فإنه يتعين لما وضع له. # سابعها: المراد باليدين المأمور بالسجود عليهما: الكفان، كما جاء في ~~رواية أخرى، فهو من باب تسمية الجملة ببعضها، اعتقد قوم أن مطلق اليدين ~~يحمل عليهما، كما في -قوله تعالى-: {فاقطعوا أيديهما} (¬1) واستنتجوا من ~~ذلك أن التيمم إلى الكوعين كما تقدم، ولو حملنا الحديث على الكفين والذراع ~~لكان آمرا بالمنهي عنه من افتراش الكلب أو السبع، وهو مستحيل أن يكون الشيء ~~الواحد مأمورا به منهيا عنه. ثم المراد بالكفين الراحة والأصابع من غير ~~اشتراط جمعهما، بل يكفي أحدهما فلو سجد على ظهر الكف لم يكفه، هكذا ذكره ~~الشيخ تقي الدين (¬2) عن بعض مصنفي الشافعية. وقال النووي في (تحقيقه): ~~المعتبر في القدمين بطون الأصابع. # وقيل: يكفي ظهر القدم، وفي الكفين بطنهما. # وقيل: يشترط بطن الراحة. # وقال ابن عبد البر: لو سجد عليهما مقبوضتين جاز ذلك. # ثامنها: أقل السجود مباشرة [بعض] (¬3) جبهته مصلاه مع الطمأنينة، ~~والتحامل على موضع سجوده، وارتفاع الأسافل على PageV03P087 # الأعالي، وإذا أوجبنا وضع الركبتين والقدمين لم يجب كشفهما قطعا، بل يكره ~~كشف الركبتين، كما نص عليه في الأم، وإذا أوجبنا # وضع الكفين لم يجب كشفهما أيضا على أظهر القولين، وهو ظاهر الحديث، فأنه ~~دال على الوضع فقط. # والزائد هل يجعل علة للإجزاء [أوجزء] (¬1) [علة] (¬2) فيه نظر، والخلاف ~~متردد بين الجبهة، فيجب كشفها قطعا، وبين الركبتين # والقدمين فلا يجب قطعا. # وقال القاضي عياض: ms0518 استحب ستر الجبين أو بعضه بما خف: كطاقات العمامة مع ~~كراهة ذلك ابتداء، قال: ويكره السجود على # اليدين وهما ملفوفتان في الثياب. # قال الشيخ تقي الدين (¬3): ورخص في ذلك بعض السلف، ولعله لكثرة حر أو ~~برد. PageV03P088 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 88/ 5/ 15 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم ~~يقول: "سمع الله لمن حمده" حين يرفع صلبه من الركعة، ثم [يقول وهو قائم: ~~"ربنا ولك الحمد"، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حبن ~~يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه] (¬1)، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها، حتى يقضيها، ~~ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس (¬2). # الكلام عليه من وجوه عشرة: # أحدها: فيه مشروعية التكبير في كل خفض ورفع [ما عدا PageV03P089 # الرفع] (¬1) من الركوع، وهذا إجماع اليوم، وقد كان فيه خلاف زمن أبي ~~هريرة، فكان بعضهم لا يرى التكبير إلا للإحرام، وبعضهم # يزيد على بعض ما في حديثه، [وكأنه] (¬2) لم يبلغهم فعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولهذا كان أبو هريرة يقول في بعض الروايات: "إني لأشبهكم ~~صلاة [بصلاة] (¬3) رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، واستقر العمل عليه ~~بعده إلى الآن. # وأغرب بعضهم، فقال: لا يسن إلا للجماعة ليشعر الإمام بحركته من وراءه. # وذهب أحمد إلى وجوبها كما قدمته في الحديث الثالث. # ثانيها: هذا الحديث مصرح [....] (¬4) بتكبيرات في الركعة، وقد تقدم عددها ~~في الحديث الثالث. # ثالثها: قوله: "يكبر حين يقوم" ظاهره إيقاع التكبير في حال القيام، ولا ~~شك في وجوبه للتكبير وقراءة الفاتحة عند من يوجبها مع # القدرة، وكل انحناء يمنع اسم القيام عند التكبير يبطل التحريم، فلا بد من ~~[صرف] (¬5) اللفظ عن ظاهره. # رابعها: قوله: "ثم يكبر حين يركع" مقتضاه مقارنة التكبير PageV03P090 # لابتداء الركوع إلى حين انتهائه إلى حده ويمده على ذلك، ويشرع في تسبيح ~~الركوع المشروع فيه. # خامسها: [قوله] (¬1): "ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع ms0519 صلبه من ~~الركعة"، مقتضاه ابتداء قولة التسميع حال ابتداء الرفع # من الركوع إلى حين ينتصب قائما ويمده عليه، ويدل على أنه ذكر هذه الحالة، ~~ولا شك أن الفعل يطلق على ابتداء الشيء وجملته حالة مباشرته، فحمله [عليها] ~~(¬2) لكونه مستصحبا للذكر في جميع مباشرته أولى لئلا يخلو جزء من الفعل عن ~~ذكر، ومعنى يرفع صلبه من الركعة أي حين يبتدىء الرفع. # سادسها: "الصلب"، من لدن الكاهل إلى عجيب الذنب، وفي الصلب الفقار، وهي ~~ما بين كل مفصلين. # "والنخاع"، وهو الخيط الأبيض الذي يأخذ من الهامه ثم ينقاد في فقار الصلب ~~حتى يبلغ عجب الذنب. # و (المتنان) [جانبا] (¬3) الظهر من [عن] (¬4) يمين الصلب ويساره قد ~~اكتنفا الصلب من الكاهل إلى الورك. # سابعها: قوله: "ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد" فيه دليل على أن ~~التحميد ذكر الاعتدال من الركوع، وأن ابتداءه حال ابتداء الاعتدال حين ~~ينتصب قائما. PageV03P091 # ثامنها: فيه دليل أيضا على أن كلا من التسميع والتحميد في محلهما، يشرعان ~~لكل مصل جمعا بينه وبين الحديث الآخر: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬1) ~~وتخصيص جمعهما [بالإمام خلاف الأصل وتخصيص] (¬2) من غير مخصص، وقد تقدم ~~إيضاح ذلك في باب الإمامة. # وأغرب المازري المالكي فقال: إن أراد صلاة كان - صلى الله عليه وسلم - ~~فيها إماما، [فذاك] (¬3) حجة للقول الشاذ عن مالك، أنه كان يرى أن يقول ~~الإمام اللفظين جميعا، والمشهور أنه يقتصر على قوله: "سمع الله لمن حمده". ~~هذا كلامه، وفيه بعض تحامل، فالظاهر أنه كان إماما. # تاسعها: قوله: "يهوي" هو بفتح الياء وكسر الواو أي يسقط إلى أسفل، ومنه ~~الحديث: "فهو يهوي في النار" أي ينزل ساقطا، وماضيه هوى -بالفتح-. # وزعم بعضهم أن صوابه: أهوى إلى الأرض، وليس ذلك بشيء، ويقال: هوى بمعنى: ~~هلك ومات، ومنه قوله -تعالى-: PageV03P092 # {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81)} (¬1). وأما هوى يهوى [بالكسر في ~~الماضي والفتح في المستقبل فمعناه أحب. # وأما الرباعي: فأهوى يهوي] (¬2) يقال: أهوى إليه بيده ليأخذه. # قال الأصمعي: أهويت إلى الشيء [إذا] (¬3) أومأت به، ويقال: أهويت له ms0520 ~~بالسيف. # وقيل: أهوى من قريب، وهوى من بعيد. والكلام في ابتدائه وانتهائه: كالكلام ~~فيما قبله، وكذلك الكلام فيما بعده. # عاشرها: قوله: "ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس". # [مقتضاه] (¬4): أنه يشرع في التكبير للقيام من التشهد الأول [حين] (¬5) ~~يشرع في الانتقال ويمده حتى ينتصب قائما. وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة ~~إلا مالكا، فإنه قال: لا يكبر للقيام منه حتى يستوي قائما. وقد قدمته في ~~آخر الوجه الرابع عشر في الكلام على الحديث الثاني من هذا الباب. وظاهر هذا ~~الحديث يخالف ذلك. PageV03P093 ### ||| AUTO الحديث السادس # 89/ 6/ 15 - عن مطرف بن عبد الله، قال: صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي ~~بن أبي طالب، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين ~~كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين، وقال: [لقد] (¬1) ذكرني هذا ~~صلاة محمد - صلى الله عليه وسلم -، أو قال: "صلى بنا صلاة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -" (¬2). # الكلام عليه من وجوه سبعة: # أحدها: مطرف هذا كنيته أبو عبد الله بن عبد الله [بن] (¬3) الشخير -بكسر ~~[الشين] (¬4) وتشديد الخاء المشددة المعجمتين ثم مثناة تحت ثم راء- الحرشي ~~العامري التابعي الجليل البصري، لوالده صحبة. روى عن أبيه وعائشة وغيرهما، ~~وعنه أخوه أبو العلاء PageV03P094 # يزيد، وآخرون. وكان ثقة، له فضل وورع، وعقل وأدب، وكان مجاب الدعوة، كان ~~بينه وبين رجل كلام فكذب عليه، فقال مطرف: اللهم إن كان كاذبا فأمته فخر ~~ميتا. فرفع [ذلك إلى] (¬1) زياد فقال: قتلت الرجل. قال: لا، ولكنها دعوة ~~وافقت أجلا. ولم ينج من فتنة ابن الأشعث بالبصرة إلا هو وابن سيرين. وكان ~~يلبس المطارف، والبرانس، ويركب الخيل، ويغشى السلطان، وكان ربما نور له ~~سوطه فأدلج ليلة [جمعة] (¬2)، فرأى أهل القبور، صاحب كل قبر جالسا على قبره ~~فلما رأوني قالوا: هذا مطرف [يأتي] (¬3) [يوم] (¬4) الجمعة، قلت: أتعلمون ~~عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم! نعلم ما تقول الطير فيه؟ تقول: سلام سلام من ~~يوم صالح (¬5). ومناقبه كثيرة في الحلية وغيرها. تزوج امرأة على عشرين ألفا ~~وأكثر. مات ms0521 سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة سبع وثمانين وهو أكبر من الحسن ~~بعشرين سنة، وفي [الرواة] (¬6) مطرف أربعة: أوضحتهم فيما أفردته في الكلام ~~على [أسماء] (¬7) هذا الكتاب فراجعه منه. PageV03P095 # ثانيها: علي، وعمران، تقدم الكلام عليهما فيما مضى فأغنى عن الإعادة. # ثالثها، ورابعها: هذا الحديث دال على إتمام التكبير في حالات الانتقات ~~[وهو الذي استقر عليه العمل، وأجمع عليه فقهاء الأمصار، وقد] (¬1) تقدم ~~قريبا، وتقدم الاختلاف في وجوبها أيضا، وهو مبنى على أن الفعل للوجوب أم ~~لا؟ [وإذا لم يكن للوجوب رجع البحث إلى أن الفعل وإن للمجمل أم لا؟] (¬2)، ~~ومن هنا مأخذ من يرى الوجوب، والأكثرون على الاستحباب. # فإذا قلنا: به فتركه هل يسجد للسهو له إذا تعدد أم لواحد منه أم لا يسجد؟ ~~فيه اختلاف وليس لذلك تعلق بهذا الحديث إلا أن # يستدل به على أن التكبيرات سنة مع انضمام [إلى] (¬3) المستحب مطلقا يقتضي ~~سجود السهو لتركه، فيصير المجموع دليلا على ذلك، وأما التفرقة بين كون ~~المتروك مرة أو أكثر فهو راجع إلى الاستحباب، وتخفيف أمر المرة الواحدة. ~~والصحيح من مذهبنا أن # تركها لا يوجب السجود. # وقال القاضي عياض (¬4): اختلف قول مالك في السجود لقليل الفعل وكثيره على ~~ثلاثة أقوال: ثالثها: يسجد لكثيره فقط. PageV03P096 # خامسها: فيه دليل على أن التكبير لم يكن معمولا به حينئذ لقوله: "لقد ~~ذكرني"، وإنما يتذكر من نسي ولو كان معمولا به لم ينس وقد قدمنا أن ذلك كان ~~في زمن أبي هريرة، ثم استقر العمل عليه إلى الآن. # قال بعض المالكية: ونظيره قول عائشة - رضي الله عنها -: "ما أسرع ما نسي ~~الناس أن يعيبوا ما لا علم لهم به. والله ما صلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على سهيل وأخيه إلا في المسجد" (¬1) حتى استدل به بعضهم على أن ~~المعمول به عند الصحابة ترك الصلاة على الجنازة في المسجد. وفي ذلك نظر لا يخفى. # سادسها: فيه دليل على أن تأخر المأمومين خلف الإمام وهو مذهب الجمهور ~~خلافا لأبي حنيفة والكوفيين في أن موقفهما عن ms0522 يمين الإمام وشماله. وقد تقدم ~~الكلام في ذلك في باب الصفوف. # سابعها: هذا الحديث لم يستوف فيه تكبيرات الانتقالات ولا الذي قبله، فقد ~~يستدل به على عدم وجوبها. PageV03P097 ### ||| AUTO الحديث السابع # 90/ 7/ 15 - عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما -، قال: رمقت محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم -، فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد الركوع، فسجدته، ~~فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبا من ~~السواء. # وفي رواية للبخاري: "ما خلا القيام والقعود قريبا من السواء" (¬1). # الكلام عليه من وجوه عشرة: # أحدها: البراء تقدم التعريف به في باب الإمامة: فأغنى عن إعادتها. # ثانيها: قوله: "رمقت" [أي] (¬2) نظرت. والمصدر رمق مثل ضرب، ورمق ترميقا، ~~مثل كلم تكليما، أدام النظر. # ومعنى: رمقت هنا المبالغة في النظر وشدة التتبع لأفعاله PageV03P098 # وأقواله [- صلى الله عليه وسلم - ففيه الحث على استحباب مراعاة أفعال ~~العالم وأقواله] (¬1) للاقتداء به، فإن تعارض القول والفعل فعلى أيهما ~~يعتمد، فيه خلاف للأصوليين ليس هذا موضعه. # ثالثها: هذا الحديث بصراحته يدل على تخفيف القراءة والتشهد وإطالة ~~الطمأنينة في الركوع والسجود، وفي الاعتدال عن الركوع وعن السجود، كما نبه ~~عليه القاضي عياض. # وقوله: "قريبا من السواء" دال على أن بعضها كان فيه طول يسير على بعض، ~~وذلك في القيام والتشهد لأنه يقتضي إما تطويل ما العادة فيه التخفيف، أو ~~التخفيف ما العادة فيه التطويل في القيام: كقراءة ما بين الستين إلى المائة ~~في الصبح (¬2) [وكما ثبت في] (¬3) قراءة صلاة الظهر بحيث يذهب الذاهب إلى ~~البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~في الركعة الأولى مما يطولها (¬4). PageV03P099 # وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة المؤمنين حتى بلغ ذكر موسى ~~وهارون (¬1)، وأنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالطور (¬2) ~~والمرسلات (¬3). وفي البخاري PageV03P100 # "أنه قرأ فيها بالأعراف" (¬1). وفي الحاكم على [شرط] (¬2) الشيخين " [قرأ ~~فيها] (¬3) في الركعتين كلتيهما" (¬4)، وأشباه هذا ويوافق هذا أن مسلما لم ~~يعد في روايته "القيام". ورواية البخاري "أن ما خلا القيام والقعود قريبا ms0523 ~~من السواء"، شاملة لقيام القراءة والاعتدال والقعود [و] (¬5) التشهد ~~والجلوس بين السجدتين فحينئذ يجمع بين الروايات PageV03P101 # كلها بأنها محمولة على اختلاف أحوال، ففي أوقات يطول، وفي أوقات يخفف. # وذهب بعضهم: إلى أن التخفيف هو المتأخر من فعله - صلى الله عليه وسلم - ~~بعد ذلك التطويل، [وقد ورد] (¬1) في بعض الأحاديث [من حديث جابر بن سمرة] ~~(¬2) أن صلاته - صلى الله عليه وسلم - كانت بعد ذلك تخفيفا" (¬3). وأن ~~رواية البخاري المذكورة صحيحه، وأن ذكر القيام وهم من الراوي، وهو بعيد كما ~~قاله الشيخ تقي الدين (¬4)، لأن توهيم [الراوي] (¬5) الثقة على خلاف الأصل، ~~لا سيما إذا لم يدل دليل قوي -لا يمكن الجمع بينه وبين الزيادة- على كونه ~~وهما، وليس هذا من باب العموم والخصوص، حتى يحمل العام على الخاص فيما عدا ~~القيام، فإنه قد صرح في حديث البراء بذكر القيام، ويمكن الجمع، بينهما بأن ~~يكون فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك كان مختلفا. فتارة يستوي ~~الجميع، وتارة يستوي ما عدا القيام والقعود، وليس في هذا إلا أحد أمرين: PageV03P102 # إما الخروج عما تقتضيه لفظة "كان" من المداومة أو الأكثرية. # وإما أن يقال الحديث [واحد] (¬1) اختلفت [رواته] (¬2) عن واحد، فيقتضي ~~ذلك التعارض، ولعل هذا هو السبب الذي دعا من ذكرنا عنه أنه نسب تلك الرواية ~~إلى الوهم [ممن] (¬3) قاله، وهذا هو الوجه الثاني، -يعني اتحاد الرواية- ~~أقوى من الأول في وقوع التعارض، وإن احتمل غير ذلك على الطريقة الفقهية، ~~ولا يقال: إذا وقع التعارض، فالذي أثبت التطويل في القيام لا يعارضه [من] ~~(¬4) نفاه، فإن المثبت [مقدم] (¬5) على النافى، لأنا نقول: الرواية الأخرى ~~تقتضي بنصها عدم التطويل في القيام، وخروج تلك الحالة أعني حالة القيام ~~والقعود عن بقية حالات أركان الصلاة، فيكون النفي والإثبات محصورين في محل ~~واحد، [والنفي والإثبات إذا انحصرا في محل واحد تعارضا إلا أن يقال باختلاف ~~هذه الأحوال] (¬6) [بالنسبة إلى صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ~~يبقى فيه انحصار إلى محل واحد] (¬7) بالنسبة إلى الصلاة، ولا يعترض على هذا ~~إلا بما ms0524 قدمناه PageV03P103 # من مقتضى لفظة "كان"، أو كون الحديث واحدا عن مخرج (¬1) واحد اختلف فيه، ~~فلينظر ذلك من الروايات، ويحقق الاتحاد أو الاختلاف في مخرج الحديث، هذا ~~آخر كلامه. # رابعها: فيه دليل على أن الرفع من الركوع ركن طويل لأنه لا يتأتى أن تكون ~~القراءة في الصلاة فرضها ونفلها بمقدار ما إذا فعل في الرفع من الركوع ~~ويكون قصيرا. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): ورجح أصحاب الشافعي: أنه ركن قصير. # قلت: المعروف أنهم جزموا به من غير حكاية خلاف فيه، بخلاف ما تقتضيه هذه ~~العبارة، واستثنوا من ذلك القنوت وصلاة التسبيح. نعم قال النووي في (شرح ~~المهذب) (¬3): الأقوى جواز إطالته بالذكر. وقال في (الروضة): إنه الراجح ~~دليلا. وقال في (التحقيق): إنه المختار. # خامسها: فيه دليل على أن الجلوس بين السجدتين ركن طويل أيضا. # وادعى بعض شراح هذا الكتاب من الشافعية: أن الشافعية لم يتكلموا في ~~الجلوس بين السجدتين في طوله وقصره وأنه على # الخلاف، بل أطلقوا أنه قصير، ومقتضى الحديث أنه طويل: كالاعتدال عن ~~الركوع. PageV03P104 # قلت: لا بل حكوا الخلاف فيه، وصحح الرافعي في كتبه، والنووي في ~~(المنهاج): أنه قصير ونقل الإمام عن الجمهور: أنه طويل. # ونقله النووي في (شرح المهذب) (¬1) في باب سجود السهو عن الأكثرين، ولم ~~يخالفهم، وصححه في (تحقيقه) في هذا الباب، # وخالف في باب صلاة الجماعة فصحح في (شرح المهذب) (¬2). # والتحقيق: أنه قصير، وينبغي أن تكون الفتوى في مذهب الشافعي بما قاله ~~الجمهور مع اعتضاده بالدليل القوي. وفي صحيح ابن حبان (¬3) من حديث عائشة: ~~أنه - عليه الصلاة والسلام - انتظر فراغ الفرقة الأولى ومجيء الثانية في ~~ذات الرقاع في الجلسة ببن السجدتين، فسجد بها السجدة الثانية، وهو صريح في ~~تطويله. # وفائدة الخلاف في تطويله: أنه هل يقطع الموالاة الواجبة من الصلاة أم ~~لا؟. فالقائل بقصره يبطله. # وقيل: لا، حتى ينقل إليه ركنا قوليا: كفاتحة أو تشهد، حكاه الشيخ تقي ~~الدين (¬4). PageV03P105 # واختلف أصحابنا في أن الركن القصير مقصود في نفسه أم لا؟ وفي ذلك اضطراب ~~ترجيح عندنا، ذكرته في (شرح ms0525 المنهاج) وغيره، # وهذا الحديث قد يدل على أنه مقصود فليتأمل. # سادسها: فيه دليل على أن أفعال الصلاة تكون مقاربة بعضها بعضا في الطول ~~والقصر، فلو طول بعضها على بعض جاز. # سابعها: قوله: "فجلسته ما بين التسليم والانصراف" يحتمل أن يكون المراد ~~ما بين التسليم في التشهد [والصلاة] (¬1) على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وعلى عباد الله الصالحين، فعبر عن جميع ذلك بالتسليم. # وقوله: "والانصراف" يعني به الخروج من الصلاة بالسلام، وذلك مستعمل في ~~الخروج من الصلاة، وقد نص عليه بعضهم، وجاء التعبير بالانصراف عن السلام في ~~عدة أحاديث في الصحيح، ومنها حديث أنس المذكور في باب الصفوف: "فصلى لنا ~~ركعتين ثم # انصرف" (¬2) على ما تقدم فيه هناك. # [و] (¬3) منها حديث: "لا تسبقوني بالركوع ولا بالانصراف" (¬4) أي ~~بالسلام. PageV03P106 # ومنها قول الراوي: كان ينصرف عن يمينه وعن شماله، ويحتمل أن يكون ذلك ~~[من] (¬1) باب [التعبير] (¬2) بالشيء عما يقاربه، وقد حمله بعض المتأخرين ~~على الانصراف بعد السلام. فقال: فيه دليل على أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يجلس في مصلاه بعد التسليم شيئا يسيرا، وقد نص على ذلك القاضي عياض، ~~وقد جاء مبينا في الصحيح أنه - عليه السلام - كان إذا سلم لم ينصرف من ~~مصلاه حتى يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال ~~والإكرام" (¬3). # ثامنها: فيه استحباب الجلوس في مصلاه بعد التسليم، والانصراف بقدر قيام ~~أو ركوع أو سجود كما أسلفنا. PageV03P107 # تاسعها: فيه دليل على أن التابع يستحب له أن يرمق أفعال متبوعه [في ~~صلاته] (¬1) وعبادته، كما أسلف ليعمل بها وينقلها، ولا يسأل باللفظ عنها، ~~بل يحمل عنه: كلغة الجواب والتعليم بالقول خصوصا إذا تعلقت بالمتبوع تكاليف كثيرة. # عاشرها: فيه دليل أيضا على أن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - حجة ~~كأقواله. PageV03P108 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 91/ 8/ 15 - عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك. - رضي الله عنه - قال: إني ~~لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا. ~~قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئا لم أراكم تصنعونه، ms0526 كان إذا رفع رأسه من ~~الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسي. وإذا رفع من السجدة مكث حتى ~~يقول القائل: قد نسي (¬1). # الكلام عليه من ثلاثة عشر وجها: # أحدها: ثابت هذا هو ابن أسلم أبو محمد البناني نسبة إلى بنانه. # قيل: هي أم سعد بن لؤي. PageV03P109 # وقيل: غيرها. البصري [أحد] (¬1) الأعلام: الثقة، العابد، الزاهد، الجليل، ~~تابعي [كالزبير] (¬2). روى عن أنس وغيره، وعن خلق من التابعين، وروى عنه ~~جماعة من التابعين [الصغار] (¬3) وخلق سواهم، وهو أحد الثلاثة الذين هم ~~أثبت الناس في أنس، الزهري، ثم قتادة، ثم ثابت، وأحاديثه مستقيمة، وما وقع ~~في حديثه من النكرة فإنما هو من الراوي عنه، لأنه روى عنه ضعفاء. قال أنس - ~~رضي الله عنه -: إن للخير لأهلا، وإن ثابتا من مفاتيح الخير. وقال حماد بن ~~سلمة: كان ثابت يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحدا الصلاة في قبره فأعطني ~~الصلاة في قبري، وكان حماد أروى الناس عن ثابت فيما ذكره الإمام أحمد. [و] ~~(¬4) روى أنه رؤي في قبره يصلي، وقال محمد بن ثابت: ذهبت ألقن أبي، فقال: ~~دعني! فإني في وردي السابع. كان يقرأ، ونفسه تخرج. قال سليمان بن المغيرة: ~~رأيت ثابتا يلبس الثياب الثمينة والطيالسة والعمائم. قال ابن علية: مات سنة ~~سبع وعشرين ومائة. وكذا قال يحيى القطان. وزاد وهو ابن ست وثمانين سنة، ~~ويروى أنه مات سنة ثلاث وعشرين. # ثانيها: قوله: "لا آلو" أي: لا أقصر و "الألو" بمعنى التقصير PageV03P110 # وبمعنى الاستطاعة (¬1)، والسياق يرشد إلى المراد، كما قال الشيخ تقي ~~الدين (¬2): # والألو على مثال العتو، ويقال: الألي على مثال العتي والماضي "ألا" ~~مخففا، وقد يقال بهذا المعنى: "إلا" مشددا، وكلاهما صواب. يقال: ألى الرجل ~~وألى إذا قصر وترك الجهد. # واسم الفاعل منه: آل مثل قاض والمرأة آلية. # وجمعها: [أوال] (¬3) وقد تحذف الواو منه في المضارع لغير جازم، كما حذفت ~~الباء من أدري كذلك فقالوا: لا أدر. # قال الجوهري: حكى الكسائي، عن العرب أقبل [يضربه] (¬4) لا يأل (¬5)، يريد يألوا. # ثالثها: قوله: "أن أصلي" أي ms0527 في أن أصلي، وحذف حرف الجر في أن، وأن قياس ~~مطرد فلما حذف حرف الجر تعدى الفعل بنفسه فنصب، وقد تقدم مثل هذا. # رابعها: إنما قدم أنس - رضي الله عنه - هذا القول على PageV03P111 # روايته لما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[يفعل] (¬1) ليدل ~~السامعين على التحفظ والاهتمام به ولتحقق عندهم المراقبة لاتباع أفعاله. # خامسها: قوله: "حتى يقول القائل: قد نسي" فيه تنبيه على تطويل فعله - صلى ~~الله عليه وسلم - في الاعتدال والجلوس بين السجدتين على العادة فيه ~~والمشروع، فيحمل القائل فعله - عليه السلام - على النسيان لا على المشروع. # سادسها: فيه نص على [أن] (¬2) الاعتدال طويل، وكذا الجلوس بين السجدتين ~~أيضا، فلا يجوز العدول عنه لقول من قال: إنها ركن قصير، بدليل أن التسبيحات ~~لم تسن فيه استرسالا كما سنت القراءة في القيام والتسبيحات في الركوع ~~والسجود مطلقا، وقد # يخدش هذا بأنه [لو] (¬3) كان طويلا لما عمل بعض الصحابة بخلافه. # ويجاب: بأنه ما بلغه ذلك. # سابعها: فيه دليل على وجوب الاعتدال في الركوع والسجود، وقد تقدم الكلام ~~على ذلك مستوعبا في الحديث الثاني من أحاديث # الباب. # ثامنها: فيه دليل على إحياء السنن إذا أميتت، والإنكار على مخالفة السنة. # تاسعها: إنما خص ذكر الاعتدال في الركوع والسجود دون PageV03P112 # غيرهما، لأنه كان قد رأى الناس في زمانه (¬1) ذلك قد وقع منهم أو من ~~بعضهم التقصير في الطمأنينة فيها دون [غيرهما] (¬2)، ولذلك قال: يصنع شيئا ~~لم أركم تصنعونه. # عاشرها: [فيه] (¬3) البيان بالفعل، والتنبيه عليه بالقول. # الحادي عشر: "مكث" بفتح الكاف وضمها، وقد قرئ بهما قوله -تعالى-: {فمكث ~~غير بعيد} (¬4) ومعناه: لبث وانتظر. # والاسم: المكث، مثلث الميم، كما حكاه أبو البقاء في (إعرابه) (¬5) في ~~سورة سبحان، وكذا ابن مالك في (مثلثه)، ويمكث يلبث، والمكيثي مثل الخصيصي ~~المكث. وسار الرجل ممكثا أي: ملتزما، ورجل مكيث أي رزين (¬6). # أنشد الجوهري (¬7): # فإني عن تقفر كم مكيث PageV03P113 # وهو قياس اسم الفاعل من مكث -بالضم وبالفتح- ماكث منه قوله -تعالى-: ~~{إنكم ماكثون (77)} (¬1). # الثاني عشر: قوله: "حتى يقول القائل: قد نسي" ms0528 يقول هنا بمعنى: يظن، ومنه: ~~أتقول زيدا قائما، أي أتظن، ومنه قول الشاعر: # متى يقول القلص الرواسما ... يدنين أم قاسم وقاسما # أي متى تظن. # الثالث عشر: فيه دليل على قبول خبر الواحد العدل. PageV03P114 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 92/ 9/ 15 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "ما صليت وراء إمام قط ~~أخف صلاة ولا أتم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (¬1). # الكلام عليه من وجوه خمسة: # أحدها: هذا الحديث مبين لحديث ثابت، عن أنس المتقدم أيضا من التطويل ~~والتخفيف، ولا تعارض [بينهما] (¬2) وبين تطويله PageV03P115 # - عليه الصلاة والسلام - القراءة في بعض [الأحيان] (¬1)، بل يحمل حديث ~~أنس هذا على أنه آخر الأمرين من فعله - صلى الله عليه وسلم -، كما قدمت ذلك ~~عن بعضهم في الحديث السابع. # ثانيها: "وراء" من الأضداد (¬2) تستعمل بمعنى قدام، كما في قوله -تعالى-: ~~{وكان وراءهم ملك} (¬3) الآية، أي أمامهم، وهي # مؤنثة بدليل إلحاق الهاء في تصغيرها تقول: ورئية، وكذلك قدام تقول: ~~قديديمة (¬4)، وهما شاذان لأن الرباعي لا يلحقه التأنيث ووجه شذوذهما. أنه ~~ليس في الظروف مؤنث غيرهما فلو لم تلحقهما الهاء لأوهم تذكيرهما كسائر ~~الظروف. # ثالثها: سمي الإمام إماما لأن الناس يأتمون به، أي يؤمون أفعاله، أي ~~يقصدونها ويتبعونها، ويقال: للطريق: إمام، لأنه يؤم، أي يقصد ويتبع، ومنه ~~قوله -تعالى-: {وإنهما لبإمام مبين (79)} (¬5) PageV03P116 # أي لبطريق واضح، يمرون عليها في أسفارهم، يعني القريتين المهلكتين: قريتي ~~قوم لوط، وأصحاب الأيكة فيراهما ويعتبر بهما # من يخاف وعيد الله تعالى. # والإمام: أيضا الكتاب، ومنه قوله تعالى: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} (¬1) ~~أي بكتابهم. # [ويقال: بدينهم. # وقيل: بنبيهم. # وقيل: بكتابهم] (¬2) الذي فيه أعمالهم. # وقيل: بمتبعهم من هاد ومضل. # قال ابن عطية: ولفظ الإمام يعم هذا كله، لأن الإمام هو ما يؤتم به، ~~ويهتدي به في [المقصد] (¬3): ومنه [قيل] (¬4): لخيط البناء إمام (¬5). PageV03P117 # رابعها: قط (¬1): على قسمين [زمانية] (¬2) كهذه التي في الحديث وغير ~~زمانية: # فالأولى: مفتوحة القاف مشددة الطاء، وفيها لغات أخر منها ضم القاف أيضا ~~وقط مخففة وبنيت لأنها غاية كسائر الغايات. # والثانية: [بمعنى] ms0529 (¬3) حسب [وهو] (¬4) الاكتفاء فهي مفتوحة القاف ساكنة الطاء. # خامسها: الظاهر هو أن هذه الصفة المذكورة في الحديث من صلاته - عليه ~~الصلاة والسلام - تختص بحال الإمامة، وأما حال الانفراد فإنه - عليه السلام ~~-[كان] (¬5) يطول: من ذلك قيام الليل وغيره، وقد جاء ذلك صريحا في الصحيحين ~~من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "ما كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يزيد في رمضان ولا [في] (¬6) غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا، ~~فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم ~~يصلي ثلاثا" (¬7)، وكما تقدم PageV03P118 # من قوله - عليه السلام -: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، وإذا صلى ~~[أحدكم] (¬1) لنفسه فليطول ما شاء" (¬2)، فذكر الحكم والعلة. # واعلم: أن المطلوب [في] (¬3) كل أمر العدل وهو الوسط [من] (¬4) كل شيء، ~~وهذا الحديث من هذا فيدل على طلب أمرين في الصلاة التخفيف في حق الإمام مع ~~الاتمام وعدم التقصير [وذلك] (¬5) هو الوسط العدل، والميل إلى أحد الطرفين ~~خروج عنه، فالتطويل في حق الإمام إضرار [بالمأمومين] (¬6) والتقصير عن ~~الاتمام بخس PageV03P119 # يلحق العبادة، وليس المراد بالتقصير [هنا] (¬1) ترك الواجبات، فإن تركها ~~مفسد للصلاة موجب لنقصها فيرفع حقيقتها، بل المراد والله أعلم، التقصير ~~[في] (¬2) المسنونات والتمام بفعلها، فينبغي للإمام التوسط في ذلك وتكون ~~حاله دائما بين التفريط والإفراط، لأنه إذا كان هذا في الصلاة التي هي ~~[أجل] (¬3) أركان الإسلام، فما ظنك بغيرها من [العبادات] (¬4)، والعادات، ~~كيف وهو قدوة؟!. PageV03P120 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 93/ 10/ 15 - عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري قال: "جاءنا ~~مالك بن الحويرث في مسجدنا هذا [قال] (¬1): إني لأصلي بكم! وما أريد الصلاة ~~أصلي كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي! فقلت: لأبي قلابة ~~كيف كان يصلي؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا، وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود ~~قبل أن ينهض" (¬2). PageV03P121 # الكلام عليه من وجوه عشرة يجمعها علم الأنساب والتاريخ والمبهمات وبيان ~~المعاني والأحكام: # الأول: هذا الحديث من أفراد البخاري، فهو خارج عن شرط المصنف كما سلف ~~نظيره ms0530 [في] (¬1) حديث عائشة، وحديث مالك هذا أخرجه البخاري من طرق منها، ~~رواية وهيب (¬2) وأكثر ألفاظ رواية الكتاب فيها وفي آخرها: "وإذا رفع رأسه ~~من السجدة [الثانية] (¬3) جلس واعتمد على الأرض، ثم قام"، وفي رواية خالد ~~عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث الليثي (¬4): "أنه رأى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي، فإذا كان في [وتر] (¬5) من صلاته لم ينهض حتى يستوي ~~قاعدا". # الثاني: أبو قلابة هذا أحد [أئمة] (¬6) التابعبن، ونزيل الشام، [نزل] ~~(¬7) داريا، ثقة كثير الحديث، عابد زاهد، طلب للقضاء بالبصرة فهرب إلى ~~الشام. وقال: ما وجدت مثل القاضي العالم إلا مثل رجل وقع في بحر فأعي أن ~~يسبح حتى يغرق. مات سنة ست أو أربع ومائة [أو سبع ومائة] (¬8). قال ~~السمعاني: توفي بالعريش، وقد ذهبت يداه PageV03P122 # ورجلاه وبصره، وهو مع ذلك يحمد الله ويشكره. وقال ابن يونس: قدم مصر زمن ~~عمر بن عبد العزيز. # الثالث: الجرمي -بفتح الجيم وسكون الراء ثم ميم ثم ياء النسب- نسبة إلى ~~جرم قبيلة وهو جرم بن ريان بن عمران بن الحاف بن قضاعة (¬1). # الرابع: البصري -بفتح الباء الموحدة وكسرها- نسبة إلى البصرة مثلثة الباء ~~والفتح أشهرها، ولم يذكروا في النسبة الضم خوفا # من الاشتباه بالنسبة إلى [بصرى] (¬2) البلدة المعروفة بالشام، وطلبا ~~للتخفيف، ويقال لها: البصيرة [بضم الباء وفتح الصاد] (¬3) على التصغير. # [ويقال] (¬4): تدمر والمؤتفكة. قال السمعاني: ويقال لها: قبة الإسلام، ~~وخزانة العرب، بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر بن # الخطاب سنة سبع عشرة، وسكنها الناس سنة ثمان عشرة، ولم يعبد بأرضها صنم ~~قط (¬5). # الخامس: مالك بن الحويرث أبو سليمان، ويقال في اسم أبيه: الحارث. وحويرثة ~~تأنيث حويرث، وتصغير حارث، صحابي PageV03P123 # ليثي له [وفادة ورواية] (¬1) روى خمسة عشر حديثا. اتفقا على حديثين ~~وللبخاري حديث واحد نزل البصرة. ومات بها سنة أربع وتسعين. # السادس: قوله: "فقلت لأبي قلابة" القائل له [أبو] (¬2) أيوب ابن أبي ~~تميمة [كيساني] (¬3) السختياني البصري، سيد شباب أهل البصرة الثقة. مات سنة ~~إحدى وثلاثين ومائة عن ثلاث وستين سنة، وهذا الشيخ هو عمرو ms0531 بن سلمة -بكسر ~~اللام- وسلمة قبيلة معروفة من الأنصار، والنسبة إليهم سلمى -بفتح اللام- ~~وكسرها كثير من المحدثين كنيته أبو بريد- بموحدة مضمومة ثم راء. # وقيل: بمثناة فوق ثم زاي- واختلف [في] (¬4) رؤية عمرو وسماعه من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - والأشهر عدمها، ولأبيه وفادة، وروى عن عمرو جماعة من ~~التابعين، وهو معدود فيمن نزل [البصرة] (¬5) وروى له: خ. د. س (¬6). # السابع: قوله: "إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة" إني أصلي صلاة لقصد ~~التعليم لا لغيره من مقاصد الصلاة، ونظير هذا الحديث ما تقدم من حديث عبد ~~الله بن زيد وحديث عثمان في الوضوء، ويشبه أن يكون قوله - عليه الصلاة ~~والسلام - في الحديث المتقدم PageV03P124 # " [قوموا] (¬1) فلأصلي لكم" من هذا الباب، وأنه قصد التعليم، وكذا حديث ~~سهل في صلاته على المنبر الآتي في الجمعة، ففي ذلك جميعه دليل على جواز فعل ~~مثل ذلك، وليس هو من باب التشريك في العمل، والظاهر أنه من فعل ذلك يكون له ~~أجر الصلاة التي قصد بها التعظيم مع أجر التعليم، لا أجر التعليم خاصة. # الثامن: فيه دليل على البيان بالفعل وأجري مجرى القول وإن كان البيان ~~بالقول أقوى في الدلالة على آحاد الأفعال إذا كان القول # ناصا على كل فرد منها. # التاسع: هذا الحديث دليل ظاهر على إثبات جلسة الاستراحة عقب الفراغ من ~~الركعة الأولى والثالثة، [لقوله] (¬2): " [وكان] (¬3) # يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض" وهو أصح قولي الشافعي. # وذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد: إلى عدم استحبابها، وبه قال كثيرون أو ~~الأكثرون، كما نقله عنهم النووي [في] (¬4) (شرح المهذب) (¬5). PageV03P125 # وقال القاضي عياض: قال بها الشافعي ونفاها مالك وسائر الفقهاء. # وقال مرة، نفاها الجمهور. # وقال الإمام أحمد: أكثر الأحاديث عليه، وحملوا الحديث على أنها إنما فعلت ~~بسبب الضعف [للكبر] (¬1) لا لأنها مقصودة لقصد القربة. # وقد فصل [بعض] (¬2) أصحاب الشافعي في استحبابها بين الشاب القوي والشيخ ~~الضعيف، [فقال] (¬3): لا تستحب للشاب، # وتستحب لغيره. واختاره الشيخ [عز] (¬4) الدين في (الفتاوى الموصلية) (¬5). # [و] (¬6) في الموطأ (¬7) عن المغيرة بن حكيم: "أنه رأى ms0532 عبد الله بن عمر ~~[...] (¬8) يرجع من سجدتين من الصلاة على صدور قدميه. قال: فلما انصرف ذكرت ~~ذلك له، فقال: "إنها PageV03P126 # ليست بسنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي"، وقوله: "ليست بسنة ~~الصلاة" من المرفوع، وفي حديث آخر في فعل آخر لابن عمر أنه قيل له في ذلك ~~قال: "إن رجلاي لا تحملاني" (¬1). # والأفعال إذا كانت للجبلة أو ضرورة الخلقة لا تدخل في أنواع القرب ~~المطلوبة، فإن تأيد هذا التأويل بقرينة تدل عليه مثل إن تبين # أن أفعاله [السالفة] (¬2) على حالة الكبر والضعف، لم تكن فيها هذه الجلسة ~~أو يقترن فعلها بحالة الكبر من غير أن يدل دليل على قصد القربة، فلا بأس ~~بهذا التأويل، وقد رجح في علم الأصول أن ما لم يكن من الأفعال مخصوصا ~~بالرسول ولا جاريا مجرى أفعال الجبلة، ولا ظهر أنه بيانا لمجمل، ولا علم ~~صفته من وجوب أو ندب أو غيره، فكما أن يظهر فيه قصد القربة أو لا، فإن ظهر ~~فمندوب وإلا فمباح، لكن لقائل أن يقول: ما وقع في الصلاة، فالظاهر [أنه] ~~(¬3) من هيئتها، لا سيما الفعل الزائد الذي تقتضي الصلاة منعه [وهو] (¬4) ~~أقوى إلا أن تقوم القرينة على أن ذلك الفعل كان بسبب [الكبر أو الضعف] (¬5) ~~فتظهر حينئذ [تلك] (¬6) القرينة أن PageV03P127 # ذلك أمر جبلي، فإن قوي باستمرار عمل السلف على ترك الجلوس فهو زيادة في ~~الرجحان [للترك] (¬1) مع أن [في] (¬2) فعلها تنبيها على الاستعانة على ~~النشاط في القيام للصلاة وإظهار [الضعف] (¬3) بين يدي الله -تعالى- ولهذا ~~إذا نهض إلى القيام يقوم كالعاجز [...] (¬4) [لا] (¬5) كالقادر، فهو أقرب ~~إلى الخشوع الذي هو جل مطلوب الصلاة. # واحتج بعض الشراح من المالكية لمذهبه بحديث وائل بن حجر أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "كان إذا رفع رأسه من السجود استوى قائما" (¬6). ~~قال: فيكون هذا في حال الصحة، PageV03P128 # وذاك [في] (¬1) [حال] (¬2) الضعف جمعا بين الحديثين، فإنه أولى من إطراح ~~أحدهما، وهذا كلام فقيه صرف؛ فالحديث الذي استدل به لنفيها لا يعرف مخرجه البتة. # وادعى الطحاوي ms0533 الحنفي: أنها لم ترد في حديث أبي حميد الساعدي، وهو غريب ~~منه مع جلالته، فقد أخرجها من حديثه في [غيره] (¬3) من الصحابة الترمذي ~~وقال: حسن صحيح (¬4)، وتبع القاضي عياض الطحاوي فقال: حجة الجمهور في نفيها ~~حديث أبي حميد الساعدي: أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يقوم PageV03P129 # ولا يتورك. وقد علمت ورودها وصحتها. ووهم بعضهم فادعى أنها لم تذكر في ~~حديث المسيء صلاته. # وأجاب عنه النووي (في شرح المهذب) (¬1) بأن قال إنما علمه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الواجبات دون المسنونات، وهو غريب منه فهي مذكورة فيه في ~~صحيح البخاري (¬2) إلا في كتاب الاستئذان في باب PageV03P130 # [من] (¬1) رد فقال: عليكم السلام. من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - "قال-[للمسيء] (¬2) صلاته-: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ~~[ارفع] (¬3) حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم [ارفع] (¬4) حتى ~~تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك [في] (¬5) صلاتك كلها"، فاستفد ذلك، بل لو ادعى ~~وجوبها عملا بهذا الجواب أنه - عليه الصلاة والسلام - إنما علمه الواجبات، ~~لم يبعد، لكن لا أعلم من قال به، وقد ذكرت في (شرح المنهاج): مقدار هذه ~~الجلسة، وصفة جلوسها، وما يتعلق بها، فراجع ذلك منه، فإنه أليق به (¬6). PageV03P131 # العاشر: فيه دلالة على ائتمام المفترض بالمتنفل خلافا لمالك، وجه الدلالة ~~أن غالب الصلاة في المسجد الفرض. والظاهر أن صلاة مالك بن الحويرث نافلة ~~لقوله: "وما أريد الصلاة"، فتأمله. PageV03P132 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # 94/ 11/ 15 - عن عبد الله بن مالك ابن بحينة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه" (¬1). # الكلام عليه من وجوه عشرة: # [أحدها] (¬2): التعريف براويه هو أبو محمد عبد الله بن مالك بن القشب ~~-بكسر القاف وسكون الشين المعجمة ثم باء موحدة- واسمه جندب بن نضلة الأزدي ~~صحابي بن صحابي وأمه بحينة صحابية، وقيل إنها أم أبيه، كان ناسكا فاضلا، ~~يصوم الدهر. واسم بحينة عبدة بنت الحارث وهو الأرت، وعبد الله هذا أحد ~~المنسوبين إلى أمهاتهم فعلى هذا يكتب ابن ms0534 بالألف ويقرأ مالك PageV03P133 # منونا، وقد أوضحت ذلك فيما أفردته في أسماء هذا الكتاب، فسارع إليه [و] ~~(¬1) روى عدة أحاديث، روى له الشيخان أربعة منها. قال أبو عمر: [...] (¬2) ~~مات في خلافة معاوية، قال ابن الأثير: ما بين سنة أربع وخمسين وثمان ~~وخمسين. # الثاني: قد تقدم أن "كان" هذه تدل على الملازمة والتكرار. # الثالث: قوله "فرج" -بتشديد الراء- أي رفعهما عن جنبيه حال وضع كفيه على ~~الأرض وبعده حتى يرفع من السجود وتسميه [الفقهاء] (¬3) مجافاة المرفقين عن ~~الجنببن، ويسمى أيضا تخوية وتجنيحا والكل في الحديث، وفي رواية (¬4) "جخي" ~~والجميع # بمعنى واحد. # الرابع: قوله: "حتى يبدو بياض إبطيه" [بمعنى] (¬5) يبالغ في رفع مرفقيه ~~وساعديه عن الأرض مبالغة بحيث يرى الأجنبي بياض إبطيه لشدة رفعهما والمعنى ~~فيه إعمال اليدين في الصلاة، وإخراج هيئتها إلى صفة الاجتهاد عن صفة ~~التكاسل والاستهانة بالعبادة، ولأنها أيضا هيئة تدل على التواضع وهي أبلغ ~~في تمكين الجبهة والأنف من الأرض. PageV03P134 # واعلم: أني رأيت في شرح هذا الكتاب للفاكهي أن قوله: "حتى يبدو بياض ~~إبطيه" يروى بالنون وبالياء المثناة تحت والمحفوظ المعروف في ذلك الياء ~~المضمومة على ما لم يسم فاعله، هذا لفظه وهو عجيب، بل لا يتأتى النطق بما ~~ذكره وهذا الاختلاف إنما هو مذكور في رواية مسلم (¬1): "كان يجنح في سجوده ~~حتى يرى وضح إبطيه"، فإنه روى بالنون في يرى وبالمثناة تحت المضمومة. # قال النووي (¬2) في (شرحه [لمسلم]) (¬3): وكلاهما صحيح. # وقال القاضي: لا وجه لفتح النون، فهذا وهم حصل من انتقال نظري. # الخامس: الإبط: ما تحت الجناح يذكر ويؤنث والجمع: آباط. # قاله الجوهري: والإبط أيضا من الرمل منقطع معظمه (¬4). # السادس: فيه استحباب مجافاة اليدين كما مر، قال القاضي: وإليه ذهب جماعة ~~السلف والعلماء إلا إحدى روايتي ابن عمر. # قلت: وذلك في حق الرجال. # أما النساء: فالضم مستحب في حقهن لأنه أستر لهن، وفيه PageV03P135 # حديث مرسل في مراسيل أبي داود، وروى وصله أيضا (¬1)، والخنثى: كالمرأة، ~~لأنه أحوط. # وقال أبو الفتوح (¬2): من أصحابنا لا تستحب له مجافاة ولا ضم، لأنه ليس ms0535 ~~أحدهما أولى من الآخر. # السابع: لفظ الحديث في الكتاب ليس مقيدا بالسجود فيدخل فيه الركوع أيضا، ~~لأن قوله: "كان إذا صلى فرج"، يشملهما، وقد يلزم من ذلك الحمل على الجبهة ~~في السجود ولا يكفي الإمساس وهو الأصح عندنا خلافا للغزالي. # الثامن: فيه دليل أيضا على عدم بسط اليدين على الأرض، فإنه لا يرى بياض ~~الإبطين مع بسطهما. # التاسع: فيه أيضا الاقتداء بفعله كما يقتدى بقوله. # العاشر: قوله: "حتى يبدو بياض إبطيه"، [و] (¬3) قد أسلفنا الرواية الأخرى ~~"حتى يرى وضح إبطيه" [وجاء] (¬4)، في [رواية لمسلم (¬5) في حديث ميمونة: ~~"كان إذا سجد خوى بيديه حتى يرى PageV03P136 # وضح إبطيه"] (¬1)، وفي رواية "حتى إني لأرى بياض إبطيه". # قال ابن أبي جمرة -رحمه الله- في (إقليد التقليد على المدونة) (¬2): ~~استدل بعضهم على سعة الأكمام بهذا الحديث، لأنه لا يرى بياض إبطيه إلا مع ~~سعة [الكم] (¬3)، وفي الأثر (¬4): "كانت PageV03P137 # أكمام الصحابة بطحا"، أي واسعة، وإنما كانت ضيقة في الأسفار، انتهى. # وللمانع أن يقول: تقدير الحديث حتى يبدو بياض إبطيه لولا الساتر: وهو ~~القميص، فإنه كان أحب الثياب إليه، كما أخرجه الترمذي في "شمائله" من حديث ~~أم سلمة (¬1). PageV03P138 # وقد قال الشيخ عز الدين في (فتاويه) توسعة الثياب والأكمام بدعة وسرف ~~وتضييع للمال (¬1) [وكذا قال المحب الطبري في # (أحكامه) في باب الاستسقاء. # مما يعد من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - أن الإبط من سائر الناس متغير ~~بخلافه (¬2)] (¬3) [فائدة جليلة روى] (¬4) [] (¬5). PageV03P139 ### ||| AUTO الحديث الثاني عشر # 95/ 12/ 15 - عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال: "سألت أنس بن مالك: أكان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في عليه؟! قال: نعم" (¬1). # الكلام [عليه] (¬2) من وجوه ت # [الأول] (¬3) أبو [مسلمة] (¬4) هذا أزدي، ويقال: طاحي -بطاء وحاء ~~مهملتين- ووقع في "ثقات" ابن حبان بدل الطاحي: الطحان. والظاهر أنه تصحيف، ~~وهو بصري تابعي صغير ثقة، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة. # ثانيها: "النعل" معروف، والصلاة فيه جائزة، لكن لا توصف بالاستحباب لكونه ~~خارجا عن المطلوب في الصلاة، وهو عدم الزينة الشاغلة عن استكمال هيئة ~~الجلوس والسجود ونحوهما. PageV03P140 # فان ms0536 قلت: إن لبسهما من باب التزين للصلاة والتجمل لها كالأردية والثياب ~~الحسنة فيكون مستحبا. # فالجواب: أن التزين والتجمل إنما يستحب إذا لم يكن مانع من الإلهاء ~~كالخميصة أو يلبس بقذر أو وسخ غالبا: كالنعال، فتحط # رتبة الصلاة فيها عن الاستحباب، ويبقى الجواز ولمراعاة مصالح الصلاة من ~~أمر النجاسة أولى من التحسين فإنه ضروري، فيعمل # بالحديث في الجواز ما لم يمنع منه مانع في عدم الاستحباب. # وادعى بعض الشراح: أن التزين والتجمل في الصلاة لم يرد نص خاص [به] (¬1) ~~وإنما هما داخلان في عموم قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فالله أحق من ~~تزين [له] (¬2) ": "إن الله جميل يحب [الجمال] (¬3) " (¬4). [وهذه] (¬5) ~~غفلة عن صدر الحديث فإن في أوله: "إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله ~~[أحق] (¬6) من تزين له" رواه البيهقي (¬7) وابن المنذر وكذلك قال ابن ~~القطان PageV03P141 # في كتاب "الوهم والإيهام" وهو طريق جيد. # ثالثها: قد يستدل بالحديث على جواز العمل بالأصل في حكم [الطهارة] (¬1) ~~والنجاسة، وقد اختلف الفقهاء في تعارض الأصل، والظاهر أيهما يقدم؟ نعم قد ~~يعارض هذا بأنه - عليه الصلاة والسلام - أمر بالنظر إلى النعلين، ودلكهما ~~بالأرض إن كان فيهما # أذى، فلو لم يكن الغالب إصابة القذر للنعل لم يؤمر بذلك ودل ذلك على أن ~~دلكهما طهورهما إن فسر الأذى بالظاهر المستقذر وإن فسر بالنجس، فهو قول ~~للشافعي -رحمه الله-، وإذا كان كذلك لم يكن هذا من باب تعارض الأصل ~~[والغالب] (¬2)، وإنما هو من باب البيان، كما لو صلى فيهما من غير دلك، مع ~~أن الأصل عدم الدلك، لكن الشارع إذا أمر بشيء لم يترك، والظن المستفاد من ~~الدلك أرجح من عدمه. # تنبيه: التحقيق في تعارض الأصل والغالب أنه إن كان الغالب الظاهر اتبع ما ~~لم يعارضه غيره، وإلا عمل بالأصل، ورجح بعض المالكية تقديم الغالب على ~~الأصل، إلا في موضع [يلزم] (¬3) من تقديمه حرج أو إضاعة مال محترم [كطعام] ~~(¬4) [أهل] (¬5) الكتاب، فإن الأصل طهارته، والغالب نجاسته، لأنهم لا ~~يتوقونها، ويلزم PageV03P142 # من اجتنابه حرج، والأمر بغسل اليدين عند القيام من النوم ms0537 قدم فيه الغالب ~~لانتفاء الحرج فيه، وقدم فيما نحن فيه الأصل لما في غسل النعل في كل وقت من الضرر. # [رابعها] (¬1): "نعم" حرف عدة وتصديق وجواب الاستفهام، سمع فيه كسر العين ~~والأكثر الفتح، وهو قائم في الكلام مقام الجملة # المفيدة، وذلك من محاسن كلام العرب. # [خامسها] (¬2): قد قدمنا جواز الصلاة في النعلين من غير استحباب. # قال الشيخ تقي الدين (¬3): ولا يؤخذ من الحديث الاستحباب لما سلف. # وعبارة القاضي عياض (¬4): أنه رخصة مباحة. # وفي سنن أبي داود وصحيح ابن حبان (¬5) من حديث شداد بن أوس - رضي الله ~~عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خالفوا اليهود، PageV03P143 # فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم" وظاهره أن ذلك سنة لأجل المخالفة. # وقال الغزالي في (الإحياء): الصلاة في النعلين جائزة، وإن كان نزع ~~النعلين سهلا، فليست الرخصة في الخف لعسر النزع، بل # هذه النجاسة معفو عنها، قال: وفي معناها المداس، قال: # وقال بعضهم: الصلاة في النعلين أفضل [قال] (¬1) فمن خلع فينبغي أن لا يضع ~~عن يمينه ويساره، بل يضع بين يديه (¬2) ولا يتركه # وراءه فيكون قلبه ملتفتا إليه، قال: ولعل من رأى الصلاة فيه أفضل راعى ~~هذا المعنى. # قلت: وأظهر من هذا أنه راعي المخالفة كما أسلفته. قال: ووضعهما رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عن يساره وكان إماما فللإمام أن يفعل ذلك، إذ لا ~~يقف أحد [عن] (¬3) يساره (¬4)، والأولى أن لا يضعهما PageV03P144 # بين قدميه فيشغلاه، ولكن قدام قدميه، ولعله المراد بالحديث (¬1). # سادسها: قد [يؤخذ] (¬2) من الحديث أنه يجوز المشي في المسجد بالنعل، وقد ~~استنبطه النووي أيضا من حديث أبي سعيد # الخدري، لما خلع نعله في الصلاة فخلع الناس [نعالهم] (¬3) [الحديث] (¬4) ~~(¬5). PageV03P145 # فائدة: رأيت أنا ذكرها [هنا] (¬1) قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافا في ~~جواز لبس النعال السبتية [في غير المقابر] (¬2) وكرهها قوم # في المقابر لحديث (¬3): "ألق سبتيتيك" وقال قوم: يجوز ذلك لحديث: ["إذا ~~وضع الميت في قبره إنه ليسمع قرع نعالهم" (¬4). PageV03P146 # قلت: وذكر الحكيم الترمذي (¬1)، في "نوادر الأصول": "أنه - عليه الصلاة ms0538 ~~والسلام - إنما قال له: "ألق سبتيتيك"] (¬2) لأن الميت كان يسأل، فلما صر ~~نعل ذلك الرجل شغله عن جواب الملكين، فكاد يهلك، لولا أن ثبته الله. PageV03P147 ### ||| AUTO الحديث الثالث عشر # 96/ 13/ 15 - عن أبي قتادة الأنصاري، - رضي الله عنه -: "أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، كان يصلي وهو حامل أمامة ابنة زينب بنت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولأبي العاص بن الربيع بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها، ~~وإذا قام حملها" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: أبو قتادة تقدم التعريف به في باب الاستطابة. # ثانيها: أمامة: هذه ولدت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان ~~[رسول الله] (¬2) - صلى الله عليه وسلم - يحبها، ويحملها في الصلاة، تزوجت ~~بعلي بعد PageV03P148 # وفاة فاطمة بوصاية فاطمة رضي الله عنهم، وتزوجها بعد وفاة علي المغيرة بن ~~نوفل بن الحارث ابن عبد المطلب] (¬1) بوصاية علي، لأنه [يخاف] (¬2) أن ~~يتزوجها معاوية، فولدت للمغيرة يحيى وبه كان يكنى، وهلكت عن المغيرة، وقيل: ~~إنها لم تلد لعلي ولا [للمغيرة] (¬3). # ثالثها: "زينب" بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولدتها خديجة في ~~الجاهلية سنة ثلاثين من الفيل، وهي أكبر بناته، واختلف بين القاسم وبينها ~~أيهما أكبر، تزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، فلما أسر يوم بدر ~~وفادى نفسه وأطلق، أخذ [] (¬4) النبي - صلى الله عليه وسلم -[عليه] (¬5) ~~العهد أن ينفذها [إليه] (¬6) إذا عاد إلى مكة، ففعل فجاءت مهاجرة إلى ~~المدينة، وولدت من أبي العاص غلاما، يقال له: علي، وجارية، يقال لها: أمامة ~~السالفة [فلما] (¬7) أسلم أبو العاص وهاجر، ردها النبي [- صلى الله عليه ~~وسلم - إليه] (¬8) بالنكاح الأول. # وقيل: بعقد جديد، وماتت بالمدينة سنة ثمان، ونزل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في قبرها. PageV03P149 # رابعها: "أبو العاص" فهو ابن الربيع بن عبد العزى بن عبد العاص بن شمس ~~وأسقط المصنف عبد العزى، ووقع في الموطأ (¬1) "ربيعة" بدل "ربيع"، وكذا ~~رواه البخاري (¬2) من رواية مالك، وقال الأصيلي: هذا نسبة إلى الجد (¬3). ~~وقال الشيخ تقي الدين: هذا قاله بعضهم وأن "ربيعه" بعد ms0539 "الربيع"، وهذا ليس ~~بمعروف. # وفي اسمه أقوال: مهشم. # وقيل: مقسم. # وقيل: لقيط. # وقيل: ياسر. # وقيل: القاسم. # وقيل: هشيم. # أمه: هالة بنت خويلد بن أسد أخت خديجة لأبيها وأمها. # قال أبو عمر: وكان أبو العاص مواخيا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وشكر النبي - صلى الله عليه وسلم - مصاهرته، وأثنى عليه خيرا، هاجرت زينب ~~وتركته على شركه حتى كان قبل الفتح أسلم وهاجر، فردها عليه كما سلف مات PageV03P150 # في ذي الحجة سنة [اثنتي] (¬1) عشرة، ويقال: إنه استشهد في بعض المغازي، ~~ثم أحرق بالنار حتى صار فحمة - رضي الله عنه -. # وأما قول المصنف: "ولأبي العاص بن الربيع" دون نسبة أمامة إليه، وإنما ~~نسبها إلى [أمها تنبيها على أن الولد إنما ينسب إلى] (¬2) أشرف أبوبه دينا ~~ونسبا، لأنه - عليه السلام - لما حملها كان أبوها مشركا، وكانت أمها هاجرت ~~فنسبها إليها دونه وبين بعبارة لطيفة أنها لأبي العاص بن الربيع تحريا ~~للأدب في نسبتها، نبه على ذلك الشيخ علاء الدين بن العطار -رحمه الله-. # [خامسها] (¬3): في أحكامه وفوائده. # الأولى: فيه دلالة على صحة صلاة من حمل آدميا أو حيوانا طاهرا من طير أو ~~شاة وغيرهما، وإن كان غير مستجمر؛ لأنه الغالب على الصغار، بل على الكبار ~~في ذلك الوقت، ولو قيل: الغالب على الصغار عدم الاستنجاء [لكان] (¬4) سائغا. # الثانية: فيه أن ثياب الصبيان وأجسادهم طاهرة، حتى يتحقق نجاستها، وكره ~~الحسن الصلاة في ثوب الأطفال، حكاه عنه المحب الطبري في (أحكامه) في باب: ~~ما يعفى عنه من الفعل. PageV03P151 # الثالثة: أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وكذا الكثير المتفرق. # الرابعة: فيه التواضع مع الصبيان وسائر الضعفة ورحمتهم وملاطفتهم. # الخامسة: فيه دلالة للشافعي ومن وافقه على حمل الصبى والصبية في الصلاة، ~~وسواء [الفرض في ذلك] (¬1) والنقل، وسواء [في ذلك] (¬2) الإمام والمأموم ~~والمنفرد. # وحمله أصحاب مالك: على أن ذلك كان في النافلة، وحكاه القاضي عياض (¬3) عن ~~ابن القاسم عن مالك، وأفسده النووي (¬4) بأن قوله في الصحيح: "يؤم الناس" ~~صريح أو كالصريح في أنه كان في الفريضة. # قلت: بل ms0540 ورد ذلك صريحا، فروى أبو داود (¬5) في سننه: أن ذلك كان في [ظهر ~~أو عصر] (¬6) وروى الزبير بن بكار في كتاب النسب، والطبراني (¬7) في أكبر ~~معاجمه عن عمرو بن سليم: أن ذلك كان في صلاة الصبح. PageV03P152 # وادعى [بعض] (¬1) المالكية: أنه منسوخ. # واستدلوا: بما روي عن مالك أنه منسوخ بتحريم العمل في الصلاة وهو حديث ~~(¬2): "إن في الصلاة لشغلا". # ورده الشيخ تقي الدين (¬3): بأن حديث: "إن في الصلاة لشغلا" كان [قبل ~~قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة، وأن قدوم زينب # وابنتها إلى المدينة كان] (¬4) بعد ذلك، ثم لو ثبت أنه بعده لكان فيه ~~إثبات النسخ بالاحتمال، وهو لا يجوز. # [وادعى بعضهم: أنه خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قاله القاضي عياض ~~(¬5)، معللا بأنه - عليه الصلاة والسلام - يعصم من ملابسة بول الولد، وإذا ~~كان يعصم من ذلك فهو خاص. # وضعفه الشيخ تقي الدين (¬6): بأنه لا [يلزم] (¬7) إن كان قبل PageV03P153 # قدوم عبد الله بن مسعود، لا يلزم من الاختصاص في أمر الاختصاص في آخر بلا ~~دليل ولا مدخل للقياس في مثل هذا. والأصل عدم التخصص، وضعفه بغر ذلك أيضا،. # وادعى بعضهم (¬1): أنه كان لضرورة. # قالوا: لرواية أشهب عن مالك أن ذلك كان لضرورة إذا لم يجد من يكفل الولد، ~~ولا يجوز ذلك [بحب] (¬2) الولد. # وفرق الباجي (¬3): بين الضرورة وغيرها، فقال: إذا لم يجد كافلا يجوز ~~فيهما وإلا ففي النافلة فقط، ولا يخفى بطلان ذلك. # وقال غيره: قد يكون حمله لها: لأنه لو تركها بكت، وشغلت سره في صلاته ~~أكثر من شغله [لحملها (¬4)] (¬5). # قال النووي (¬6): كل هذه الدعاوى باطلة أو مردودة، فإنه لا دليل عليها، ~~ولا ضرورة إليها، وهو كما قال. # وادعى الخطابي (¬7): أن هذا الفعل يشبه أن يكون بغير تعمد حملها في ~~الصلاة، لكنها كانت تتعلق به فلم يدفعها، فإذا قام بقيت # معه، قال: ولا يتوهم أن حملها ووضعها مرة بعد مرة عمدا، لأنه PageV03P154 # عمل كثير، ويشغل القلب. فإذا كان علم الخميصة يشغله، فكيف لا يشغله هذا؟! ~~وهذا باطل ودعوى مجردة، كما ms0541 قاله النووي ومما يرده قوله: (وإذا قام حملها)، ~~وفي رواية [في] (¬1) مسلم: "وإذا رفع من السجود أعادها"، وفي رواية له: ~~"خرج علينا حاملا أمامة فصلى"، وذكر الحديث. وأما قصة الخميصة فإنها تشغل ~~القلب بلا فائدة وحمل أمامة لا نسلم أنه يشغل القلب [و] (¬2) إن شغله ~~فيترتب عليه فوائد، فاحتمل ذلك الشغل لها بخلاف الخميصة. # وقال الشيخ تاج الدين الفاكهي -رحمه الله-: كأن السر في حملها في الصلاة ~~رفعا لما كانت العرب [تأنفه] (¬3) من [كراهة] (¬4) حمل البنات كبرا؛ فحملها ~~على عنقه حتى في الصلاة. قال: ونظيره قوله - عليه السلام -: "الحج عرفة" ~~(¬5) أي لا حج إلا عرفة على طريق المبالغة دفعا لعادتهم من ترك الوقوف. # وقد ذهب بعضهم إلى أن البيان بالفعل أقوى من البيان بالقول أخذه من قضية ~~الحلاق حين أمرهم - عليه السلام -[به] (¬6) فأبوا عليه أو بعضهم أو ترددوا ~~فلم يكن إلا أن دعا حالقه فلم يتخلف منهم أحد (¬7). PageV03P155 # السادسة: فيه ترجيح الأصل، وهو الطهارة على الغالب. وفي كلام الشافعي ~~إشارة إليه حيث قال: وثوب أمامة ثوب صبي. # وأورد الشيخ تقي الدين (¬1) على هذا: بأن هذه حالة فردة، والناس يعتادون ~~تنظيف الصبيان في بعض الأوقات، وتنظيف ثيابهم عن الأقذار، وحكايات الأحوال ~~لا عموم لها، فيحتمل أن يكون هذا وقع في تلك الحالة التي وقع فيها التنظيف. # واعترض بعضهم، فقال: هذا إيراد فيه ضعف. والشيخ أكبر من أن يعذر مثله، ~~فإن الغالب عدم التنظيف بالنسبة إلى الصبيان عملا # بالوجدان. والحكم للغالب لا للنادر، فلا يصار إلى رد المذاهب المشهورة ~~بالاحتمال المرجوح. # السابعة: استدل النسائي (¬2) بهذا الحديث على جواز إدخال الصبيان المساجد ~~فإن عورض بالنهي عنه فهو ضعيف (¬3). # الثامنة: استدل به كما قال الشيخ تقي الدين (¬4) على أن حمل PageV03P156 # المحارم ومن لا يشتهى غير ناقض للطهارة. # قال: وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون من وراء حائل. # قال: وهذا يستمد مما ذكرناه على أن حكايات الأحوال لا عموم لها. # وأما القاضي عياض (¬1). فقال: هذا المأخذ ليس بشيء، لأن من في هذا السن ~~من ms0542 غيرهن لا اعتبار بلمسه، فكيف بذوي المحارم؟!. # التاسعة: فيه أيضا أن شغل القلب بالحمل في الصلاة معفو عنه. # العاشرة: فيه إكرام أولاد المحارم: كالبنات والأخوات ونحوهم بالحمل ~~ومؤانستهم جبرا لهم ولآبائهم وأمهاتهم. PageV03P157 ### ||| AUTO الحديث الرابع عشر # 97/ 15/ 14 - عن أنس بن [مالك] (¬1) - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط ~~الكلب" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: راويه سلفت ترجمته في باب الاستطابة. # ثانيها: فيه الأمر بالاعتدال في السجود على الوجه المشروع، PageV03P158 # والاعتدال: وضع الكفين على الأرض، ورفع المرفقين عنها وعن جنبيه رفعا ~~بليغا بحيث يظهر بياض إبطيه إذا لم تكن مستورة، والحكمة في ذلك: أنه أشبه ~~في التواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض وأبعد من هيئات ~~الكسالى، وليس المراد الاعتدال الخلقي المطلوب في الركوع [فإن] (¬1) المراد ~~فيه استواء الظهر والعنق. والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل [عن] (¬2) الأعالي ~~[مع] (¬3) ما تقدم حتى لو تساويا بطلت الصلاة على الأصح عدنا، ولهذا نهى ~~عقب ذلك عن بسط ذراعيه انبساط الكلب لكونه مناف لمقصود الشرع، فإنه ذكر ~~الحكم مقرونا بعلته. # وقوله: "ولا يبسط" إلى آخره، هو كالتتمة للأول، فإن الأول كالعلة له، ~~فيكون الاعتدال المطلوب للشرع علة لترك انبساط الكلب، فذكر الحكم مقرونا ~~بعلته تنبيها على الأشياء الخسيسة المشبهة بفعل الكلب، لتترك في الصلاة، ~~فإن المنبسط يشعر حاله بالتهاون بالصلاة وقلة الاعتناء بها والإقبال عليها، ~~ومثل هذا قوله - عليه السلام -: "العائد في هبته: كالكلب يعود في قيئه" ~~(¬4). فإنه - عليه الصلاة والسلام - لما قصد التنفير عن الرجوع في الهبة ~~شبهه برجوع الكلب في قيئه. PageV03P159 # ثالثها: فيه النهى عن التشبه بالأفعال الخسيسة كما بينا، [وإنما جاز لقصد ~~التنفير عنه] (¬1). # [رابعها: فيه إضافة الخسيس إلى أهله، [وإنما جاز] (¬2) لقصد التنفير عنه. # خامسها] (¬3): جاء المصدر في هذا الحديث مخالف لفعله فإنه من الثلاثي، ~~والانبساط من الخماسي، وهو جائز أن يكون المصدر مخالفا لفعله [في] (¬4) ~~صيغته وهو في القرآن العزيز كقوله تعالى: {فتقبلها ربها} (¬5) الآية. ~~وقوله: {والله أنبتكم من ms0543 الأرض نباتا (17)} (¬6)، وفي الآية الأولى شاهدان. # [سادسها] (¬7): جاء في رواية لمسلم: "ولا يتبسط" بزيادة التاء المثناة ~~فوق، ومعناها: لا يتخذهما بساطا، فرواية الكتاب وهذه صحيحتان. PageV03P160 ### || AUTO 16 - باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود # أي وفي الجلوس بين السجدتين كما سيأتي، والشيخ حذفه اختصارا، وصح أيضا ~~وجوبها في الاعتدال في هذا الحديث أعني: حديث المسيء صلاته، لكن من حديث ~~رفاعة بن رافع. أخرجه ابن حبان في صحيحه (¬1)، وفيه رد على قول إمام ~~الحرمين من أصحابنا: أنها غير مذكورة فيه، وأقره عليه الرافعي وأغرب منه ~~أنه: نفاها أيضا في الجلوس بين السجدتين، وهو في الصحيح أيضا. PageV03P161 # والطمأنينة: أصلها في اللغة الاستقرار. # ومعناها شرعا: أدنى لبث في الركن بعد بلوغ أول حده في الأقل، وفي الأكمل ~~اللبث قبل الذكر المشروع في الركن بعد بلوغ أكمله، وبذلك يعرف ما بين ذلك. ~~قاله صاحب (الإقليد)، وذكر المصنف في الباب حديث أبي هريرة: PageV03P162 ### ||| AUTO [الحديث الأول] # (¬1) # 98/ 1/ 16 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "دخل المسجد، فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: ارجع فصل! فإنك لم تصل، فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء فسلم على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ارجع فصل! فإنك لم تصل، [فرجع فصلى ~~كما صلى ثم جاء فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ارجع فصل! ~~فإنك لم تصل] (¬2) ثلاثا فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فعلمني. ~~فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع ~~حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ~~ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها" (¬3). PageV03P163 # (¬1) الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الرجل المبهم هو خلاد، كما ذكره ابن بشكوال (¬2) بعد أن ذكر ~~الحديث من رواية رفاعة بن رافع، والحديث من رواية [يحيى بن علي] (¬3) بن ~~يحيى بن خلاد [بن رافع] (¬4) الزرقي عن أبيه عن جده عن ms0544 رفاعة [بن رافع] ~~(¬5) كذا أخرجه أبو داود فليتأمل. # ثانيها: اعلم أن الواجبات في الصلاة على ضربين: متفق عليها ومختلف فيها، ~~وليس هذا الحديث موضوعا لحصرها [بل لحصر ما] (¬6) أهمله [...] (¬7) هذا ~~الرجل المصلي وجهله في صلاته، وقد استدل به الكثير من الفقهاء على [أن] ~~(¬8) ما ذكره فيه فهو واجب، وما لم يذكره فيه ليس بواجب، وليس الحديث ~~موضوعا لبيان سنن الصلاة اتفاقا. PageV03P164 # فالنية والقعود في التشهد الأخير، وترتيب أركان الصلاة: واجبات مجمع ~~عليها، وليست مذكورة في الحديث، والتشهد الأخير، والصلاة على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فيه، والسلام من المختلف [فيه] (¬1) أوجبها الشافعي وأوجب ~~الجمهور: السلام، وكثيرون: التشهد. # وللشافعي قول بوجوب نية الخروج من الصلاة، وأوجب أحمد التشهد الأول، وكذا ~~التسبيح وتكبيرات الانتقالات فالجواب عما استدل به الكثير من الفقهاء من أن ~~المذكور في الحديث واجب وغيره ليس بواجب مع ماذكرنا من الواجبات المجمع ~~عليها، والمختلف فيها، أن المجمع عليه إن كان معلوما عند السائل لم يحتج ~~إلى بيانه، وكذا المختلف فيه عند من يوجبه بحمله على ذلك وجه استدلالهم على ~~الوجوب بذكره في الحديث وعدمه بعدمه، إن الأمر يتعلق بالوجوب وإن عدمه ليس ~~[بمجرد] (¬2) أن الأصل عدم الوجوب، بل لأمر زائد، وهو أن ما ذكره ي في هذا ~~الحديث تعليم وبيان للجاهل وتعريف واجب الصلاة وهو يقتضي انحصاره فيما ذكر ~~وقويت رتبة الحصر فيه بذكر ما تعلقت به الإساءة من المصلي من الواجب فيها ~~وما لم تتعلق به، وذلك دليل على عدم الاقتصار على المقصود مما وقعت فيه ~~الإساءة فقط فكل موضع اختلف [الفقهاء] (¬3) في وجوبه، وكان مذكورا في ~~الحديث فلك أن تتمسك PageV03P165 # به في وجوبه، وكل موضع اختلفوا في تحريمه، فلك أن تستدل على عدم تحريمه ~~لأنه لو حرم لوجب التلبس بضده. # فإن النهي [عن] (¬1) [الشيء] (¬2) أمر بأضداده، ولو كان التلبس بالضد ~~واجبا لذكر على ما قررناه، فإذا انتفى ذكره -أعني ذكر الأمر بالتلبس بالضد- ~~انتفى ملزومه، وهو النهي عن ذلك الشيء، وكل موضع اختلفوا في وجوبه [و] (¬3) ~~لم يكن ms0545 مذكورا في الحديث فلك أيضا أن تتمسك [به] (¬4) في عدم وجوبه أيضا، ~~لكونه غير مذكور فيه لما تقدم [من] (¬5) كونه موضع [للتعليم] (¬6) وبيان، ~~فظهرت القرينة. مع ذلك على قصد ذكر الواجبات، فهذه الطرق الثلاثة يمكن ~~الاستدلال بها على كثير من المسائل المتعلقة بالصلاة إلا أن على طالب ~~التحقيق في هذا ثلاث وظائف: # إحداها: جمع طرق الحديث [وإحصاء] (¬7) الأمور المذكورة فيه، والأخذ ~~بالزائد فالزائد منها، فإنه واجب. # الثانية: استمراره على طريقة واحدة فيها، فلا يستعمل في مكان ما نتركه في ~~آخر، فينقلب نظره، بل يستعمل القوانين المعتبرة PageV03P166 # في ذلك استعمالا واحدا، فإنه قد يقع هذا الاختلاف في كلام [كثيرين] (¬1) ~~من المناظرين. # الثالثة: إذا قام دليل على أحد أمرين- إما على عدم الوجوب، أو الوجوب- ~~فالواجب العمل به، ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب النفي يجب ~~التحرز فيه أكثر. فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين فيعمل به. وإذا استدل ~~على عدم وجوب شيء [بعدم] (¬2) ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر في حديث ~~آخر فهي مقدمة. # وإن قيل: إن الحديث دل على عدم الوجوب [وتحمل] (¬3) [صيغة] (¬4) الأمر ~~[على] (¬5) الندب لكن عدم الوجوب أقوى، لأنه متوقف على مقدمة أخرى (¬6)، ~~وهي أن عدم الذكر في الرواية يدل PageV03P167 # على عدم الوجوب، لأن المراد: ثم إن عدم الذكر في نفس الأمر (¬1) من ~~الشارع يدل على عدم الوجوب فإنه [] (¬2) موضع البيان، وعدم الذكر في نفس ~~الأمر [غير عدم الذكر في الرواية، وعدم الذكر في الرواية إنما يدل على عدم ~~الذكر في نفس الأمر] (¬3) بطريق أن يقال: لو كان لذكر أو بأن الأصل عدمه، ~~وهذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب أيضا (¬4). # فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة، فيعمل بها، وهذا البحث كله بناءا ~~على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيها، والمخالف يخرجها عن ~~حقيقتها، بدليل عدم الذكر. فيحتاج الناظر المحقق إلى الموازنة بين الظن ~~المستفاد من عدم الذكر في # المخالفة، وبين الظن المستفاد من كون الصيغة للوجوب. قال الشيخ تقي الدين ~~(¬5): والثاني عندنا ms0546 أرجح. # ثالثها: إذا تقرر أن عدم الذكر في الحديث يدل على عدم الوجوب، فقد ~~استدلوا بهذا الحديث على مسائل من حيث إنها غير مذكورة فيه. PageV03P168 # الأولى: إن الإقامة غير واجبة. # وقال بعض العلماء: بوجوبها لما ورد في بعض [طرق] (¬1) الحديث الأمر بها. # فمن استدل بعدم الذكر في الحديث على عدم الوجوب [يحتاج إلى عدم رجحان ~~الدليل الدال على وجوبها عند الخصم، فإن صح الأمر بالوجوب فقد عدم أحد ~~الشرطين، وإن لم يصح فقد تم الدليل على عدم الوجوب] (¬2) وإلا فيتعارض عدم ~~الذكر والأمر بها لو صح، فينتفي الوجوب ويبقى الندب (¬3). # قلت: هذا الأمر قد أخرجه أبو داود في سننه (¬4) بإسناد لم يضعفه. # الثانية: إن دعاء الاستفتاح غير واجب، لأنه لم يذكر فيه، ومن نقل من ~~المتأخرين -من غير المنسوبين إلى مذهب الشافعي- أنه قال بوجوبه فقد غلط ~~ووهم (¬5). # الثالثة: التعوذ، رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، ووضع اليد PageV03P169 # اليمنى على اليسرى، وتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع والسجود، وهيآت ~~الجلوس، ووضع اليد اليمنى على الفخذ، وغير # ذلك مما لم يذكر في الحديث ليس بواجب، إلا ما ذكرناه من [المجمع] (¬1) ~~عليه والمختلف فيه. # الرابعة والخامسة (¬2): استدل بعض المالكية على عدم وجوب التشهد بما ~~ذكرنا من عدم الذكر. # واستدل به الحنفية على عدم وجوب السلام، لكن الدليل على راجح وجوبه أقوى، ~~وكذلك دليل إيجاب التشهد [هو] (¬3) الأمر به، وهو راجح، وقد تقع المناظرة ~~بين الرجحانين بأن دلالة اللفظ على الشيء لا تنفي معارضة المانع الراجح، ~~لكونها أمر يرجع إلى اللفظ، أو إلى أمر لو جرد النظر إليه -وذلك يمهد عذر ~~أحد الرجحانين- ويثبت الحكم ولا ينفي وجود المعارض، أما لو استدل بلفظ ~~يحتمل أمرين على السواء، لكانت الدلالة منتفية، وقد يطلق الدليل على الدليل ~~التام الذي يجب العمل به، وذلك يقتضي عدم وجوب المعارض الراجح، لكن الأولى ~~أن يستعمل في دلالة ألفاظ الكتاب والسنة الطريق الأول، ومن ادعى المعارض ~~فعليه البيان. # السادسة (¬4): فيه دليل على وجوب التكبير بعينه لنصه عليه PageV03P170 # بقوله: "فكبر"، والمخالف وهو أبو حنيفة يقول: ms0547 المراد منه التعظيم وبأي ~~لفظ أتى به [حصل] (¬1). [وغيره] (¬2) قصر التعظيم بلفظ التكبير، ولم يعده ~~إلى غيره نظرا إلى التعبد به والاحتياط فيه [والاتساع] (¬3) بخصوص التعظيم ~~به، وهو الله أكبر. # واعلم: أن رتب الأذكار مختلفة، فلا يتأدى بذكر ما يتأدى بآخر، ولا تعارض ~~يكون المعنى مفهوما، فقد يكون التعبد واقعا في التفصيل، كما يفهم من الركوع ~~بالخضوع، ولو أقام مقامه خضوعا آخر لم يكتف به، فكذلك لفظ التكبير، ويتأيد ~~باستمرار عمل الأمة على الدخول في الصلاة و [هو] (¬4): "الله أكبر" [ومما] ~~(¬5) اشتهر في الأصول بأن كل علة مستنبطة تعود على النص بالإبطال أو ~~التخصيص فهي باطلة، وعلى هذا يخرج حكم المسألة، فأنه إذا استنبط من النص أن ~~مطلق التعظيم هو المقصود، بطل خصوص التكبير، فيخرج عن القاعدة. # السابعة: فيه وجوب القراءة في الصلاة في الركعات كلها، وهو مذهب الشافعي ~~والجمهور [و] (¬6) لكن ظاهر هذا الحديث من هذا الطريق أن الفاتحة غير ~~متعينة. والفقهاء الأربعة عينوها PageV03P171 # للوجوب، إلا [أن] (¬1) أبا حنيفة منهم جعلها واجبة، وليست بفرض، على أصله ~~في الفرق بين الواجب والفرض (¬2). # وحكى القاضي (¬3) عن علي بن أبي طالب وربيعة ومحمد بن أبي صفرة، وأصحاب ~~مالك: أنه لا تجب قراءة أصلا، وهي شاذة # عن مالك. # وفي مذهب مالك في قراءة الفاتحة في كل ركعة ثلاثة أقوال: # أحدها: كمذهب الجمهور تجب في كل ركعة. # والثاني: في الأكثر. # والثالث: تجب في ركعة واحدة. # وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة: لا تجب القراءة [...] (¬4) في ~~الركعتين الأخيرتين، بل هو بالخيار، إن شاء قرأ، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت. # والصحيح الذي عليه [جمهور العلماء] (¬5) من السلف والخلف: [وجوب] (¬6) ~~الفاتحة في كل ركعة، لقوله - عليه السلام - PageV03P172 # [للأعرابي: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" مع قوله - عليه السلام -:] (¬1) ~~"لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب". رواه ابن خزيمة وابن حبان في ~~صحيحيهما (¬2) من رواية أبي هريرة وهو مبين أن المراد من قوله - عليه ~~السلام -: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (¬3) عدم الإجزاء لا نفي الكمال. # والجواب: عن ms0548 الرواية في هذا الحديث: أن المراد منه اقرؤوا ما تيسر ما زاد ~~على الفاتحة بعدها، جمعا بينه وبين دلائل إيجابها، وتؤيده الأحاديث الحسنة ~~التي رواها أبو داود في سننه مرفوعة: "ثم اقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر من ~~القرآن"، وفي رواية: "وما شاء الله"، وروى ابن حبان في صحيحه (¬4) عن أبي ~~سعيد الخدري: "أمرنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - أن نقرأ بفاتحة الكتاب ~~وما تيسر في الصلوات". PageV03P173 # قلت: وأعلا من هذا [كله] (¬1) وأعلا أن أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه ~~(¬2) رويا [من] (¬3) حديث رفاعة بن رافع الزرقي قال: جاء رجل ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في المسجد فصلى قريبا من النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، ثم انصرف إليه، فسلم عليه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أعد ~~صلاتك، فإنك لم تصل. إلى أن قال: يا رسول الله كيف أصنع فقال: "إذا استقبلت ~~القبلة، فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن" إلى أن قال: "ثم اصنع ذلك في كل ركعة". # ترجم عليه ابن حبان في صحيحه (¬4) ذكر البيان بأن فرض المصلي في صلاته ~~قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة من صلاته لا أن # قراءته إياها في ركعة واحدة تجزئه عن باقي صلاته. # قلت: فاستفد هذا فإنه مهم جدا، ويبين أن المراد بما تيسر: الفاتحة. أما ~~رواية الزائد عليها فقد قال به جماعة من التابعين وغيرهم، ونقله الشيخ تقي ~~الدين (¬5) عن الأكثرين وحملوا الحديث على من عجز عن الفاتحة، وكذا حديث ~~أبي هريرة: "اقرأ بها في نفسك" أن المراد [اقرأها] (¬6) سرا بحيث تسمع نفسك ~~لا تدبر ذلك، وتذكره كما حمله بعض المالكية، لأن القراءة لا تطلق إلا على ~~حركة PageV03P174 # اللسان بحيث يسمع نفسه، ولهذا اتفق العلماء على أن الجنب لو تدبر القرآن ~~بقلبه من غير حركة بلسانه لا يكون قارئا مرتكبا لقراءة الجنب المحرمة، ~~وكذلك لو أمره الجنب على قلبه من غير لفظ جاز، مع أنه يقال: قرأت بقلبي. ~~فدل على أن مراد أبي هريرة ما ذكرنا، ويدل له فعل النبي - صلى ms0549 الله عليه ~~وسلم - في قراءته وأصحابه ثم مذهب الشافعي ومن وافقه: أنها واجبة على ~~الإمام والمأموم والمنفرد عملا بحديث أبي هريرة: "اقرأ بها في نفسك"، ثم ~~إنه لا يصح أن يكون المراد بقوله: "اقرأ ما تيسر معك" الاحتمال الذي يريده ~~الأصوليون، فإن المجمل ما لم يتضح المراد منه، وهذا متضح المراد، إذ يقع ~~امتثاله [بفعل] (¬1) كل ما يتيسر حتى لو لم ترد أحاديث تعيين الفاتحة ~~لاكتفينا في الامتثال [بكل ما] (¬2) تيسر، وإن أريد بالمجمل الذي لا يتعين ~~فرد من إفراده، فهذا لا يمنع الاكتفاء بكل فرد ينطلق عليه الاسم: [لا صلاة ~~إلا بفاتحة الكتاب. مطلق وهو مقيد بقيد المتيسر الذي يقتضي التخيير في ~~قراءة كل فرد من أفراد المتيسرات، فليس المطلق مطلقا هنا من فرد من أفراد ~~المتيسرات] (¬3)، [فليس المطلق مطلقا هنا] (¬4) من كل وجه [والتقييد] (¬5) ~~المخصوص يقابل التعيين ونظير المطلق الذي لا ينافي التعيين أن يقول: اقرأ ~~قرآنا، ثم يقول: PageV03P175 # اقرأ الفاتحة. فإنه يحمل المطلق على المقيد حينئذ، ويوضح ذلك بمثال وهو ~~أنه لو قال لعبده: اشتر لي لحما ولا تشتر لحم الضأن. لم يتعارض [فلو] (¬1) ~~قال: اشتر أي لحم شئت ولا تشتر لحم الضأن في وقت واحد لتعارض، وأما التخصيص ~~فأبعد لأن سياق الكلام يقتضي تيسير الأمر عليه، وإنما يقرب هذا إذا جعلت ~~"ما" بمعنى "الذي" وأريد بها شيء معين وهو الفاتحة لكثرة حفظ # المصلين لها فهي المتيسرة. # الثامنة: فيه إيجاب (¬2) الركوع والطمأنينة فيه. وقد يتخيل من لا يعتقد ~~وجوبها بأن الغاية: هل تدخل في المغي أم لا؟ فيه مذاهب خمسة أسلفتها في ~~الحديث العاشر من كتاب الطهارة، فمن فرق بين أن يكون من جنس المغيا وصف ~~الركوع بوصف ووصف الطمأنينة [معه] (¬3) بوصف، حتى لو فرضنا أنه ركع ولم ~~يطمئن ارتفع مسمى الركوع، ولم يصدق عليه أنه [جعل] (¬4) مطلق الركوع مغيا ~~للطمأنينة. # وادعى بعض المتأخرين: أن الطمأنينة لا تجب، وهو قول ابن القاسم. من حيث ~~إن الأعرابي صلى غير مطمئن ثلاث مرات، والعبادة بدونها فاسدة، ولو كانت ~~فاسدة ms0550 لكان فعل الأعرابي فاسدا، PageV03P176 # ولو كان كذلك لم يقره الشارع عليه في حال فعله. وإذا تقرر بهذه الدعوى ~~عدم الوجوب حمل الأمر في الطمأنينة على الندب، وفي قوله: "فإنك لم تصل" على ~~عدم الكمال وهذا التحيل والدعوى: فاسدان مخالفان لمدلول اللفظ ومفهوم ~~الشريعة (¬1). # التاسعة: فيه وجوب الرفع من الركوع والاعتدال [منه] (¬2)، خلافا لمن نفى ~~وجوب الرفع من الركوع والاعتدال فيه. # ومذهب الشافعي وجوبها. # وفي مذهب مالك خلاف استدل من قال بعدم الوجوب: أن المقصود من الرفع ~~الفصل، وهو يحصل بدون الاعتدال: وهو ضعيف، فإن الفصل مقصود، وصيغة الأمر ~~دلت عليه [فلا] (¬3) يجوز تركه. # وعند الشافعية خلاف أيضا في الاعتدال والجلوس بين السجدتين: هل كل منهما ~~مقصود أم لا؟!، وقد أوضحت ذلك في (شرح المنهاج)، وقريب من هذا الاستدلال في ~~الضعف عن قال في عدم وجوب الطمأنينة: بأن الله -تعالى- قال: {اركعوا ~~واسجدوا} فلم يأمر -سبحانه- بما زاد على ما يسمى ركوعا وسجودا [وهو واه ~~جدا، ولا شك أن المكلف يخرج [من عهدة] (¬4) PageV03P177 # الأمر بما يسمى ركوعا وسجودا] (¬1) لكن [لا] (¬2) يخرج عن عهدة الأمر ~~الآخر وهو الطمأنينة إلا بفعلها، وبه يحصل امتثاله، كما يحصل امتثال الأمر ~~في الركوع والسجود بفعل مسماهما (¬3). # العاشرة: فيه وجوب السجود والطمأنينة فيه، والكلام فيه: كالكلام في ~~الركوع والرفع منه كما مر. # الحادية عشرة: فيه وجوب الجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه كما مر، وهو ~~صريح الرواية التي سنذكرها قريبا. # الثانية عشرة: فيه وجوب ذلك في كل ركعة كما ذكرناه. # الثالثة عشرة: فيه الرفق بالمتعلم والجاهل في التعلم وملاطفته وإيضاح ~~المسألة له، وتلخيص المقاصد والاقتصار على المهم، دون المكملات التي [لا] ~~(¬4) يحتمل حاله حفظها والقيام بها. # قال القاضي عياض (¬5): وفيه دلالة على أن فعل الجاهل بغير علم في ~~العبادات لا يتقرب بها إلى الله -تعالى-، ولا تجزئ لقوله: "فإنك لم تصل". # الرابعة عشرة: فيه استدراجه بفعل ما جهله مرات، لعله أن يكون فعله ناسيا ~~أو غافلا فيتذكره فيفعله من غير تعليم وأمر، PageV03P178 # وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ [بل] ms0551 (¬1) من باب تحقيق الخطأ، وفعله ~~عن جهل لا عن غفلة ونسيان. # الخامسة عشرة: فيه استحباب السلام وتكراره على قرب المتلاقيين: [وأنه لا ~~يشترط في تكراره التفرق خلاف ما أشعر به حديث أبي هريرة في أبي داود (¬2): ~~" [إذا] (¬3) لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو ~~حجر، ثم لقيه فليسلم عليه"] (¬4). # وفيه أيضا: وجوب الرد عليه في كل مرة، وهذا وإن لم يكن له ذكر في هذا ~~الحديث، لكنه مذكور فيه في بعض طرقه في الصحيح. # وفيه (¬5) أن صيغة الرد: "وعليكم السلام" أو "وعليك السلام" بالواو ونظير ~~تكرار الرد تكرار تحية المسجد (¬6) بالدخول على قرب وحكاية قول المؤذن ~~وسجود التلاوة والإحرام لدخول [مكة] (¬7) والوضوء لمس المصحف وقصد الأعرابي ~~بتكرار سلامه تكرار الرد PageV03P179 # استكثارا لدعائه - عليه السلام - كما في قصة سعد لما زارهم - عليه السلام ~~- كما أخرجه أبو داود (¬1) [والنسائي] (¬2). # السادسة عشرة: فيه أن من أخل ببعض واجباب الصلاة: لا تصح صلاته، ولا يسمى ~~مصليا، بل يقال: لم يصل. # فإن قلت: كيف تركه الشارع يصلي مرارا صلاة فاسدة؟. # [فجوابه: أنه - عليه السلام - لم يعلم من حاله أنه يأت بها في المرة ~~الثانية والثالثة فاسدة] (¬3) بل كان محتملا عنده أنه يأتي بها صحيحة، وفعل ~~الرجل الداخل في المرة الأولى إياها على وجه الغفلة والنسيان، وتضمن أمره - ~~عليه السلام - بالرجوع والصلاة وبيان أنه لم يصل مجملا من غير تفصيل. # فائدة زائدة: وهي إقامة عذره بالغفلة والنسيان تجويزا لذلك، إعلاما أنه ~~فعله جهلا وعنادا مع أن ذلك أبلغ في التعليم والتعريف والأدب، وأخذ ما يجهل ~~بقوله له ولغيره كما أمرهم بالإحرام بالحج ثم بفسخه إلى العمرة، ليكون أبلغ ~~في تقرير ذلك عندهم. # السابعة عشرة: فيه أنه ينبغي للجاهل أن يسأل التعليم من العلماء، ~~والاعتراف بعدم العلم، وأن يقربه ويقسم. # الثامنة عشرة: فيه وجوب النظر إلى صلاة الجاهل فيها، PageV03P180 # وتعريفه الصواب وما جهله، وأن ذلك [ليس] (¬1) من باب التجسس ولا الدخول ~~فيما لا يعني. # التاسعة عشرة: فيه جواز صلاة الفرض منفردا إذا ms0552 أتى أي: بفرائضها وشروطها. # العشرون: فيه وجوب القيام للصلاة قبل الدخول فيها على القادر لقوله: "إذا ~~قمت إلى الصلاة فكبر". # الحادي والعشرون: روى البخاري في [صحيحه] (¬2) في هذا الحديث: الجلسة بعد ~~السجدة (¬3) الثانية، ولم يقل أحد بوجوبها، بل اختلفوا في استحبابها، وهذه ~~الرواية ذكرها في كتاب الاستئذان (¬4) في باب من رد فقال: عليكم السلام، ~~فقد يقال ذكرها فيه أنه يبين له الأكمل من حال الصلاة لا الأقل. # [الثانية] (¬5) والعشرون: روى النسائي هذا الحديث من رواية رفاعة بن رافع ~~بزيادات وفيها زيادة: "فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منها شيئا ~~انتقص من صلاتك، ولم تذهب كلها" (¬6). قال ابن عبد البر: وهو حديث ثابت، ~~وفي هذه الزيادة PageV03P181 # ما مر في المسألة قبلها من الأشكال، وفي حديث رفاعة هذا ما هو غير واجب أيضا. # [الثالثة] (¬1) والعشرون: فيه أن المفتي إذا سئل عن شىء وكان هناك شيء ~~آخر يحتاج إليه السائل ولم يسأله عنه: يستحب له أن يذكره له، ويكون هذا من ~~النصيحة، لأن في الحديث من رواية رفاعة أنه علمه الوضوء والاستقبال. PageV03P182 # بسم الله الرحمن الرحيم (¬1) # حسبنا الله ونعم الوكيل، # ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا ### || AUTO 17 - باب وجوب القراءة في الصلاة # ذكر فيه، رحمه الله، ستة أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 99/ 1/ 17 - عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب" (¬2). PageV03P183 # الكلام عليه من سبعة أوجه: # الأول: في التعريف براويه، هو أبو الوليد: عبادة بن الصامت بن قيس بن ~~أصرم بن فهر بن قيس بن ثعلب بن غنم بن (مالك بن سالم) (¬1) بن عوف بن عمرو ~~بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي السالمي، أخو أوس بن الصامت، أمه قرة ~~العين بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان وهو أحد النقباء الاثني عشر ~~ليلة العقبة، ومن [القواقل] (¬2) وإنما سموا [قوقل] (¬3) لأنهم كانوا في ~~الجاهلية إذا نزل بهم الضيف قالوا: [قوقل] (¬4) حيث شئت. يريدون: ms0553 اذهب حيث ~~شئت، وقدر ما شئت، فإن لك الأمان، لأنك في ذمتي (¬5)، قاله ابن حبان. شهد ~~العقبتين الأولى والثانية وبدرا والمشاهد كلها [وآخا] (¬6) رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بينه وبين أبي مرثد الغنوي، له مائة حديث وثمانون حديثا ~~اتفقا منها على ستة، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بأخرين، قال محمد بن كعب ~~القرظي: جمع القرآن [في] (¬7) زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة ~~من PageV03P184 # الأنصار: معاذ، [وعبادة] (¬1)، وأبي، وأبو أيوب، وأبو الدرداء (وجهه عمر) ~~(¬2) إلى الشام قاضيا ومعلما، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين، وهو أول من ~~ولي القضاء بها، روى عنه جماعة من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وجابر، وروى ~~عنه أيضا بنوه: الوليد، وعبد الله، وداود بنو عبادة، وجماعة من التابعين ~~وغيرهم. مات سنة أربع وثلاثين عن اثنين وسبعين سنة، وقيل خمس وأربعين، ودفن ~~ببيت المقدس، وهو مشهور بها قريب من باب الرحمة يزار (¬3)، قال ابن حبان: ~~مات بالرملة، ودفن ببيت المقدس، # وقال ابن طاهر: المشهور أنه مات [بقبرص] (¬4) بالشام. # فائدة: "عبادة" -بضم العين يشتبه- بعبادة بفتحها وتخفيف الباء- وهم جماعة ~~منهم محمد بن عبادة الواسطي شيخ البخاري (¬5). PageV03P185 # ثانيها: فاتحة الكتاب سميت بذلك، لأنه افتتح بها القرآن ولها أسماء أخر. # أحدها: أم القرآن. # ثانيها: أم الكتاب: لأن أصل القرآن منها بدىء، وأم الشيء أصله، ومنه سميت ~~مكة أم القرى، لأنها أصل البلاد، ودحيت الأرض من تحتها. # وقيل: لأنها مقدمة، وإمام لما يتلوها من السور وبدىء بكتابتها في المصحف ~~ويقرأ بها في الصلاة. # ثالثها: السبع المثاني: لأنها سبع آيات باتفاق العلماء، وسميت مثاني ~~لأنها تثنى في الصلاة، وتقرأ في كل ركعة. # وقال مجاهد: سميت مثاني لأن الله استثناها لهذه الأمة، وادخرها لهم، وقد ~~امتن الله -تعالى- على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بها فقال: {ولقد ~~آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (87)} (¬1) والمراد بها فاتحة ~~الكتاب. # رابعها: سورة الحمد. # خامسها: الصلاة. # سادسها: الوافية [بالفاء] (¬2)، لأن تبعيضها لا يجوز. PageV03P186 # سابعها: الكافية. # ثامنها: الشفاء. # تاسعها: الأساس. # عاشرها: الكبر. # الحادي عشر: الشافية (¬1) وقد أوضحتها في ms0554 (مختصري لتفسير القرطبي) ~~فراجعها منه. ومنع بعضهم تسميتها: بأم الكتاب، زعما بأن هذا اسم اللوح ~~المحفوظ، فلا يسمى به غيره، وهو غلط، فقد ثبت في صحيح مسلم (¬2)، عن أبي ~~هريرة قال: "من قرأ بأم الكتاب أجزأت عنه"، وفي سنن أبي داود (¬3) عنه ~~مرفوعا أيضا: "الحمد لله رب العالمين أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع ~~المثاني". # الوجه الثالث: قوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، فيه دليل (¬4) ~~على وجوب قراءتها في الصلاة، ووجه الاستدلال ظاهر، واعتقد بعض علماء ~~الأصول: الإجمال في مثل هذا اللفظ لدورانه بين نفي الحقيقة والكمال، وأما ~~نفي الحقيقة فلا سبيل إليه للزومه نفي كل إضمار محتمل، وهو منتف لأن ~~الإضمار إنما احتيج إليه للضرورة، وهي تندفع بإضمار فرد فلا يحتاج إلى ~~إضمار أكثر منه، وإضمار الكل يتنافض، فإن إضمار الكمال يقتضي إثبات أصل PageV03P187 # الصحة، ونفيه يعارض الأصل، وليس واحد منهما بأولى من الآخر، فيتعين ~~الإجمال، وهذا إنما يتم إذا حمل [لفظ] (¬1) الصلاة والصيام وغيرهما على غير ~~عرف الشرع، أما إذا حمل على عرف الشرع فيكون منتفيا حقيقة، ولا يحتاج إلى ~~الإضمار المؤدي إلى الإجمال، فإن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه في الغالب ~~لأنه المحتاج إليه، فإنه بعث لبيان الشرعيات لا لبيان موضوعات الألفاظ في ~~اللغة، ثم إن الصلاة اسم لمجموع الصلاة التي تحريمها التكبير وتحليلها ~~التسليم، حقيقة لا كل ركعة، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "خمس صلوات ~~كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة"، فلو كان كل ركعة تسمى صلاة لقال: ~~سبع عشرة صلاة. # الوجه الرابع: قد يستدل بالحديث من يرى وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، ~~بناءا [على أن [كل] (¬2) ركعة تسمى صلاة، وقد بينا عدمه (¬3). # الخامس، قد يستدل به من يرى وجوبها في ركعة] (¬4) واحدة بناءا على أنه ~~يقتضي حصول اسم الصلاة عند قراءة الفاتحة، فإذا حصل مسمى قراءتها وجب أن ~~تحصل الصلاة، والمسمى يحصل بقراءتها مرة واحدة، فوجب القول بحصول مسمى ~~الصلاة، بدليل أن PageV03P188 # إطلاق اسم الكل يطلق على الجزء، [لكن] (¬1) بطريق المجاز لا الحقيقة. ms0555 # والجواب عن هذا: أنه دلالة مفهوم على صحة الصلاة بقراءة الفاتحة في ركعة، ~~فإذا دل المنطوق على وجوبها في كل ركعة كان مقدما عليه (¬2). # السادس: قد يستدل به من يرى وجوبها على العموم؛ لأن صلاة المأموم: صلاة. ~~فتنتفي عند انتفاء قراءتها، فإن وجد دليل يقتضي تخصيصه من هذا العموم قدم، ~~وإلا فالأصل العمل به (¬3). # قلت: بل صح ما يدل على عمومه، وهو أنه - عليه الصلاة والسلام - ثقلت عليه ~~القراءة في صلاة الفجر، فلما فرغ قال: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم، قلنا: نعم ~~هذا يا رسول الله!، قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن ~~لم يقرأ بها" (¬4)، PageV03P189 # حديث حسن، كما قاله الترمذي، وصحيح كما قاله ابن حبان، وما عارض هذا ~~فضعيف [أو] (¬1) مؤول. # وفي مذهب الشافعي في وجوب قراءتها على المأموم تفصيل، إن كانت سرية وجبت ~~على المشهور، وادعى ابن الرفعة في الكفاية أنها تجب قطعا، وتبعه بعض شراح ~~هذا الكتاب عليه والخلاف في الرافعي. # وإن كانت جهرية وجبت أيضا على أصح القولين. # وقال الشيخ تاج الدين الفاكهي المالكي: إن قرأ المأموم خلف إمامه حال ~~الجهر فبئس ما صنع، ولا تبطل صلاته. ورأى قوم بطلان صلاته، وقد روي ذلك عن ~~الشافعي، وما نقله عن الشافعي غريب، وقوله: بئس ما صنع: عجيب. # السابع: قد يستدل به على عدم وجوب ما زاد على الفاتحة. وروي [عن عمر] ~~(¬2) [و] (¬3) عثمان بن أبي العاص: PageV03P190 # وجوب ثلاث آيات (¬1). # وعند المالكية حكايته قولين: # الأول: أنه سنة. # والثاني: فضيلة. قال صاحب (البيان والتقريب): ومنشأ الخلاف النظر إلى ~~تأكد الأمر، وعدم تأكده، وهذا في الفرائض، أما السنن والتطوعات فما عدا ~~الفاتحة فيها سنة ما عدا ركعتي الفجر، فالمشهور عندهم الاقتصار فيها على ~~الفاتحة. PageV03P191 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 100/ 2/ 17 - عن أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - قال: "كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر ~~[بفاتحة] (¬1) الكتاب وسورتين، يطول في الأولى، ويقصر في الثانية يسمعنا ~~الآية أحيانا. وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب ms0556 وسورتين، يطول في الأولى، ~~ويقصر في الثانية، [وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، وكان يطول في الركعة ~~الأولى في صلاة الصبح، ويقصر في الثانية] (¬2) " (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة. PageV03P192 # الثاني: "الأوليان": تثنية أولى [وكذلك] (¬1) "الأخريان" تثنية أخرى، ~~وأما ما يشيع على الألسنة من الأولى وتثنيتها [بالأولتين] (¬2) فمرجوح في ~~اللغة، كما نبه عليه الشيخ تقي الدين (¬3). والسورة في معناها أقوال. # أحدها: لانفصالها عن أختها. # ثانبها: لشرفها وارتفاعها، كما يقال لما ارتفع من الأرض: [سورة] (¬4). # ثالثها: لأنها قطعة من القرآن، فعلى هذا يكون أصلها الهمز، ثم خففت ~~وأبدلت واوا لضم ما قبلها. # رابعها: لتمامها وكمالها، من قولهم للناقة التامة: سورة. وجمع سورة سور ~~-بفتح الواو- ويجوز أن تجمع على سورات وسورات. # الثالث: الحكمة في قراءة السورة في الأوليين من الظهر والعصر وفي الصبح: ~~أن الظهر في وقت قائلة، والعصر في وقت شغل الناس بالبيع والشراء وتعب ~~الأعمال، والصبح في وقت غفلة بالنوم آخر الليل، فطولتا بالقراءة ليدركهما ~~المتأخر لاشتغاله بما ذكرنا من القائلة والتعب والنوم، وإن كانت قراءتهما ~~في العصر أقصر PageV03P193 # من الصبح والظهر (¬1). # الرابع: الحكمة في تطويل الأولى عن الثانية قصدا: ليدرك المأموم فضيلة ~~أول الصلاة جماعة. # الخاص: إسماعه - عليه الصلاة والسلام - الآية أحيانا، يحتمل أنه كان ~~مقصودا ليكون دليلا على أن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة السرية، بل يجوز ~~الجهر والإسرار فيها. والإسرار أفضل، فيكون ذلك بيان للجواز، مع أن الإسرار ~~منه سنة، ويحتمل أنه ليس مقصودا، بل كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في ~~التدبر وهو الأظهر لكن الأسماع يقتضي القصد له. # السادس: فيه أن "كان" تقتضي الدوام في الفعل وقد سلف. # السابع: [فيه] (¬2) وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وقد سلف ذلك مع ~~الاختلاف فيه قريبا. # الثامن: فيه مشروعية السورة في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر، وفي ~~حكمهما المغرب والعشاء وكذلك الصبح. # التاسع: فيه أن السورة لا تشرع في الأخريين من الظهر والعصر وكذا العشاء ~~وثالثة المغرب، وهو أشهر قولي الشافعي إلا أن يكون ms0557 PageV03P194 # المصلي [مسبوقا] (¬1) كما نص عليه لئلا تخلو صلاته من سورة. # [العاشر] (¬2): فيه أن قراءة سورة كاملة أفضل من قدرها من تطويله لارتباط ~~القراءة بعضها ببعض في ابتدائها وانتهائها بخلاف من قراءة قدرها من طويله، ~~فإنه قد يخفى الارتباط على أكثر الناس أو كثير منهم، فيبتدىء، ويقف على غير ~~مرتبط وهو محذور لإخلاله بنظم الإعجاز. # واختلف عند المالكية في الاقتصار على بعض سورة. # فقيل: مكروه (¬3)، لأنه خلاف ما مضى به العمل. PageV03P195 # وقيل: جائز، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد قرأ بعض سورة في صلاة الصبح. # قال صاحب "البيان والتقريب": إنما فعل ذلك، في الصبح لأنه - عليه الصلاة ~~والسلام - أخذته سعلة فركع. فلا حجة فيه للجواز، والأحسن عندهم الاقتصار ~~على سورة، لأنه عمل السلف. # وقيل: تجوز الزيادة عليها لقول ابن مسعود: لقد عرفت النظائر التي كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة، سورتين في ~~كل ركعة. # وأجيب عن هذا: بأن ذلك محمول على النوافل. # [و] (¬1) مشهور مذهب مالك: أنه لا يقسم سورة في ركعتين. فإن فعل أجزأه. # وقال مالك في "المجموعة": لا بأس به، وما هو الشأن. # الحادي عشر: فيه تطويل الأولى على الثانية في الصبح والظهر والعصر، وكذلك ~~المغرب والعشاء، وقد اختلف العلماء في ذلك من # الشافعية وغيرهم، والاختلاف وجهان لأصحاب الشافعي: # أشهرهما: عندهم وهو المنصوص أيضا، أنه لا يطول الأولى على الثانية، وهو ~~مخالف لظاهر هذا الحديث [وتأولوه] (¬2) على أنه PageV03P196 # طول بدعاء الافتتاح والتعوذ لا في القراءة، أو على أنه أحس بداخل، وفي ~~هذا [الحمل] (¬1) ضعف؛ لأن السياق للقراءة والانتظار # لا يستحب إلا في التشهد والركوع لا في القيام (¬2). وحديث أبي قتادة فيه (¬3). # والثاني: وهو الصحيح (¬4) [كما] (¬5) قال البيهقي، واختاره أبو الطيب ~~والمحققون، ونقله القاضي أبو الطيب عن عامة أصحابنا # الخراسانيين: يطول القراءة في الثانية قصدا لظاهر السنة، فعلى هذا من قال ~~من أصحاب الشافعي باستحباب السورة في الأخيرتين اتفقوا على أنها أخف منها ~~في الأوليين. # واختلفوا في تطويل الثالثة على الرابعة إذا قلنا ms0558 بتطويل الأولى على ~~الثانية على طريقين: # أحدكما: لا، جزما لعدم النص فيها، كذا علله النووي في PageV03P197 # (شرح المهذب)، وليس كذلك، ففيه حديث في (التلخيص) (¬1) للخطيب من حديث ~~نعيم بن طرفة، عن عبد الله بن أبي أوفى في # الظهر والمغرب. # والثانية: طرد الخلاف [وهي] (¬2) طريقة الرافعي، ثم اعلم أنه ليس في ~~الحديث تعرض لتطويل الصلاة بالقراءة ولا قصرها، وقد ثبت في الصحيح بيان ذلك. # تبيه: قال الشيخ تقي الدين في [باب] (¬3) صلاة الكسوف: كان السبب في ~~تطويل الأولى، على الثانية أن النشاط في الركعة الأولى يكون أكثر، فناسب ~~التخفيف في الثانية حذرا من الملل، انتهى. وشبيه بهذا التعليل كما نبه عليه ~~الفاكهي التعليل عند النحاة: لاختصاص الفاعل بالرفع والمفعول بالنصب. ~~قالوا: لأن الإنسان يتناول الفاعل أولا بقوة، ثم يتناول المفعول بعد بضعف، ~~فأعطى لي # الأول الأثقل، وهو الرفع، وأعطى في الثاني الأخف وهو النصب (¬4). # ثم اعلم بعد ذلك أنه - عليه الصلاة والسلام - اعتبر خلاف معنى المناسبة ~~السالفة في قيام الليل، فقال: "إذا قام أحدكم من PageV03P198 # الليل فليصل ركعتين خفيفتين، ثم ليطول ما شاء" (¬1) وكان المناسبة في ذلك ~~استدراج النفس من التخفيف إلى حلاوة التثقيل وهو # التطويل، وكذلك ذكر العلماء مناسبة شرعية السنن الراتبة قبل الصلوات، ~~وكذلك إذا اعتبرت مناسبة التنزيل للكتاب العزيز وشرعية الأحكام وتكثيرها، ~~فإنك تجدها مستدرجة من التخفيف والتقليل إلى التثقيل والتكثير، ليكون أثبت ~~وأبعد من الملل، ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام -: "خذوا من العمل ما ~~تطيقون" (¬2) (¬3). # الثاني عشر: اعلم أن مجرد فعله - عليه الصلاة والسلام - لا يدل على ~~الوجوب إلا أن يتبين أنه وقع بيانا لمجمل [فقد] (¬4) أدعي في كثير من ~~أفعاله - عليه الصلاة والسلام - التي قصد إثبات PageV03P199 # وجوبها: أنها بيان له، لمن ذلك في هذا المحل خارج عما أدعي، فإنه ليس في ~~قراءته - عليه الصلاة والسلام - السورة مع الفاتحة هنا إلا مجرد فعل ~~فافترقا، وقد قدمت في الباب قبل هذا اختلاف السلف في وجوب قراءة السورة مع ~~الفاتحة ودليله وعدمه. # الثالث عشر: في الحديث أيضا جواز إضافة ms0559 تسمية الصلاة إلى وقتها. # الرابع عشر: فيه الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار دون التوقف الخير على ~~اليقين إذ لا [يتبين] (¬1) قراءة سورة إلا بسماع جميعها، وقد قال: "يسمع ~~الآية أحيانا"، فأخذ من سماع ذلك قراءة جميعها، اعتمادا على هذه القرينة، ~~ويبعد أن يكون تيقن ذلك بإخباره - عليه الصلاة والسلام - عند فراغ الصلاة ~~مع ما في لفظ "كان" من الإشعار بالدوام كما سلف. PageV03P200 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 101/ 3/ 17 - عن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - قال: "سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه هو أبو محمد. ويقال: أبو عدي قرشي مدني أسلم ~~قيل عام خيبر، وقيل: يوم الفتح، وكان أحد الأشراف، قيل: إنه أول من لبس ~~طيلسانا بالمدينة. روي له ستون حديثا، اتفقا على ستة، وانفرد البخاري ~~بحديث، ومسلم بآخر، مات سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة أربع ~~بالمدينة. PageV03P201 # ثانيها: هذا الحديث مما سمعه جبير من النبي - صلى الله عليه وسلم - حال ~~قدومه وهو مشرك في فداء الأسارى لا بعد إسلامه قال: "فوافقته وهو يصلي ~~بأصحابه المغرب أو العشاء، فسمعته يقرأ وقد خرج صوته من المسجد {إن عذاب ~~ربك لواقع (7) ما له من دافع (8)} قال فكأنما صدع قلبي"، رواه ابن شهاب عن ~~محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه (¬1) وبعض أصحاب الزهري يقول عنه في هذا ~~الخبر: {أم خلقوا من غير شيء} فكاد قلبي يطير، فلما فرغ من صلاته كلمته في ~~أسارى بدر، فقال: لو كان الشيخ أبوك حيا فأتانا فيهم شفعناه". ورواه ~~الطبراني (¬2) من حديث إبراهيم بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده إلى ~~قوله: عن قلبي، قال الطبراني: ولا يحفظ لإبراهيم هذا حديثا مسندا غير هذا. # قلت: وإبراهيم (¬3) هذا لا أعرف حاله، وهذا النوع من الأحاديث قليل، يعني ~~التحمل قيل الإسلام والأداء بعده ولا خلاف فيه. # ثالثها: "سمعت" لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، كما سبق في أول الكتاب أنه ~~الصحيح، وأن الفعل ms0560 الواقع بعد المفعول في موضع PageV03P202 # الحال، فيقرأ في هذا الحديث في موضع الحال، أي سمعته في حال قراءته. # رابعها: الطور: الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو مدين. # خامسها: فيه عدم التحرج بنقل اسم السور على لفظها ولا بد، فإنه لو حكاها ~~لقال: والطور. وقد جاء لذلك نظائر كثيرة. # سادسها: فيه جواز قراءة سورة كذا خلافا لمن منع، وقال: لا يقال إلا ~~السورة التي تذكر فيها البقرة مثلا، لأن قوله بالطور تقديره بسورة الطور، ~~وفي النهي حديث مرفوع لكنه ضعيف (¬1). # سابعها: قراءته - عليه الصلاة والسلام - في المغرب بالطور، معناه في ~~الركعتين الأوليين التي يجهر فيهما بالقراءة لا في الثالثة منها، والذي ~~استقر عليه العمل عند الفقهاء تقصير القراءة فيها، وهذا الحديث يخالفه، فإن ~~الطور من أوساط سور القراءة [في الصلاة] (¬2) ومثلها مشروع في العصر ~~والعشاء لا في المغرب، وكذلك ما ثبت في قراءته - صلى الله عليه وسلم - في ~~المغرب بالأعراف (¬3) فإما أن يحمل الحديثان على PageV03P203 # رجحان قراءتهما في المغرب [ويقتضيان] (¬1) الاستحباب أو على بيان ~~جوازهما. # والأفضل ما استقر عليه العمل من تقصير القراءة لكونهما غير متكرر ~~قراءتهما، فيدلان على الجواز لا على رجحانها وفرق بين كون الشيء مستحبا ~~وبين كون تركه مكروها، كيف وقراءته - عليه الصلاة والسلام - بالطور متقدمة، ~~فإنه عقب غزوة بدر، وهي متقدمة، فإن ذلك كان في آخر السنة الثانية من ~~الهجرة. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): والصحيح عندنا أن ما صح من ذلك عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مما لم يكثر مواظبته عليه فهو جائز من غير كراهة لحديث ~~جبير هذا وكحديث قراءة الأعراف فيها، وما صحت المواظبة عليه فهو في درجة ~~الرجحان في الاستحباب، لا أن غيره مما [لم] (¬3) يقرأه - عليه الصلاة ~~والسلام - مكروه. PageV03P204 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 102/ 4/ 17 - عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما -: "أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في سفر فصلى العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين بالتين ~~والزيتون، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في ms0561 التعريف براويه، وقد تقدم بيانه في باب الإمامة وأنه صحابي ابن ~~صحابي، وأنه مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين. # وثانيها: هذا الحديث والذي قبله يتعلقان بكيفية القراءة في PageV03P205 # الصلاة، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أفعال مختلفة في ~~الطول والقصر، وصنف بعض الحفاظ فيها كتابا مفردا، والذي اختاره أصحابنا، ~~التطويل في الصبح والظهر، والتقصير في المغرب والتوسط في العصر والعشاء، ~~وغيرهم فوافق في الصبح والمغرب وخالف في الباقي. # قال صاحب (الجلاب) (¬1) من المالكية: يستحب تطويل القراءة في الصبح ~~والظهر، والتخفيف في المغرب و [العشاء] (¬2)، [والتوسط [في العصر] (¬3). # وقال الباجي (¬4) في "المنتقى": يطول في الصبح ثم الظهر دونها ثم العشاء] ~~(¬5) دون ذلك، ويخفف في الباقي. # وقال غيرهما: ثم العصر دون المغرب، ثم المغرب دونها. # قلت: والذي استقر عليه العمل: التطويل في الصبح، والتقصير في المغرب، ~~ولعل العلة في [مشروعية] (¬6) ذلك انبساط النفس وانبعاثها للتطويل لراحتها ~~[بالنوم] (¬7) واستيقاظها بعده نشيطة PageV03P206 # بخلاف المغرب، فإنها عند الفراغ من السعي في النهار وعند حاجة الناس إلى ~~عشاء صائمهم وأكلهم عقب تعبهم وشغلهم، فخففت # القراءة بالتقصير [لذلك] (¬1) فحينئذ تكون قراءته - عليه الصلاة والسلام ~~- في العشاء (بالتين والزيتون)، وهي من قصار سور [...] (¬2) القراءة لكونه ~~في السفر وهو [مناسب] (¬3) للتخفيف لتعب المسافر واشتغاله. # وقد ذكر الغزالي في (الخلاصة) و (الإحياء) (¬4) و (البداية) و (عقود ~~المختصر). # والمصعبي (¬5) في (شرح المختصر) (¬6): أن المسافر يستحب أن يقرأ في الصبح ~~في الأولى: {قل يا أيها الكافرون (1)}، وفي # الثانية: {قل هو الله أحد (1)}، وفيه حديث في المعجم الكبير للطبراني: في ~~إسناده ضعيفان (¬7). PageV03P207 # ثالثها: قى الحديث تخفيف القراءة في صلاة السفر كما مر. # رابعها: فيه أيضا تحسين الصوت بالقراءة، لأنه إذا حسنها في السفر مع أنه ~~مظنة التعب والمشقة، ففي غيره أولى. # خامسها: فيه أيضا جواز قول: عشاء الآخرة مضافا، والرد على الأصمعي في ~~إنكاره ذلك، وأن ذلك من غلط العامة، وعزاه بعضهم إلى الشعبي أيضا. # ونقل الزناتي المالكي في (شرح الرسالة) عن ابن عبادة: أن ذلك من لحن ~~الفقهاء، ms0562 وهو من [العجب] (¬1) العجاب، وسيكون لنا عودة في الرد على هذه ~~المقالة في الحديث الخامس من قوله باب جامع. # سادسها: فيه أيضا نقل أفعالة وأقواله وأحواله إلى أمته للعلم والعمل بها. # سابعها: قوله: (في إحدى الركعتين) لم يذكر صفة قراءته في الركعة الأخرى، ~~فيحتمل أن يكون إنما أدرك معه تلك الركعة خاصة، ويحتمل أن يكون أدرك معه ~~جملة الصلاة، إلا أنه إنما استمع لقراءته في إحدى الركعتين فقط، وفيه بعد. PageV03P208 # ثامنها: قوله: (أحسن صوتا أو قراءة منه) فيه احتمالان: # الأول: أن تكون "أو" بمعنى الواو لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان أحسن ~~الناس صوتا وقراءة. # ثانيهما: أن تكون "أو" للشك [وأنه شك] (¬1) هل كان مستمعا لحسن صوته ~~خاصة، أو لحسن قراءته، فحسن الصوت يرجع إلى طيب النغمة، وحسن القراءة يرجع ~~إلى حسن الأداء. PageV03P209 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 103/ 5/ 17 - عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعث رجلا على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم ب {قل هو ~~الله أحد (1)} فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ " فسألوه، ~~فقال: لأنها صفة الرحمن -عز وجل-، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "أخبروه أن الله -عز وجل- يحبه" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الرجل المبعوث على السرية، اسمه كلثوم بن الهدم (¬2). PageV03P210 # وقال ابن بشكوال في "مبهماته": هو قتادة بن النعمان الظفري. PageV03P211 # وأما ابن العطار فقال في "شرحه": لا أعلم اسمه في المبهمات، فاستفد أنت ~~مما ذكرته لك. # الثاني: "السرية" أحد السرايا وهي الطائفة التي يبعثها الإمام من الجيش ~~قبل دخول دار الحرب، يبلغ أقصاها أربعمائة، سموا بذلك لكونهم خلاصة العسكر ~~وخياره، مأخوذ من [التسري] (¬1)، وهو النفيس. # وقيل: لأنهم يبعثون سرا وخفية وليس بالوجه لأن [لام] (¬2) التسري راء ~~وهذه [تاء] (¬3) (وجاء: "خير السرايا أربعمائة رجل") (¬4). # والأصحاب: جمع صحب: كفرخ وأفراخ. # ومفرد صحب: صاحب: كراكب وركب. # فائدة: الصحابي كل مسلم ms0563 رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الأصح، PageV03P212 # كما أوضحته في "المقنع في علوم الحديث"، وأسلفته في شرح الخطبة أيضا. # [الثالث] (¬1): فيه استحباب البعوث والسرايا والتأمير عليهم. # الرابع: فيه أن أميرهم [يؤمهم] (¬2) في صلاتهم. # الخامس: فيه جواز قراءة سورتين مع الفاتحة في ركعة، وقد ثبت ذلك من فعله ~~- صلى الله عليه وسلم -، ففي الصحيحين (¬3) من حديث أبي وائل، قال: جاء رجل ~~إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال ابن مسعود: هذا كهذ ~~الشعر، لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرن ~~بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل: سورتين في كل ركعة، وقد جاء بيان هذه ~~السور في سنن أبي داود (¬4)، الرحمن، والنجم في ركعة، واقتربت، والحاقة في ~~ركعة، والطور، والذاريات في ركعة، وإذا وقعت، ونون في ركعة، PageV03P213 # وسأل سائل، والنازعات في ركعة، وويل للمطففين، وعبس في ركعة، وهل أتى، ~~ولا أقسم في ركعة، وعم يتساءلون، والمرسلات في ركعة، والدخان، وإذا الشمس ~~كورت في ركعة"، وزاد في رواية [ابن] (¬1) الأعرابي: "والمدثر والمزمل في ~~ركعة" (¬2). # وفي (المعرفة) للبيهقي (¬3): أن الشافعي [احتج] (¬4) في جواز الجمع بين ~~السور بما رواه لإسناده عن ابن عمر، وبما رواه في موضع آخر عن عمر أنه قرأ ~~بالنجم فسجد فيها، ثم قام فقرأ سورة أخرى، قال الربيع: قلت للشافعي: أتستحب ~~أنت هذا؟ قال: نعم، وأفعله يعني الجمع بين السور، قال البيهقي: أنا بجميع ~~ذلك أبو سعيد نا [أبو] (¬5) العباس، نا الربيع عن الشافعي. # قلت: وهذا نص غريب في استحباب ذلك. # فائدة: تتعلق بحديث ابن مسعود [الذي] (¬6) أوردناه، وهي: أن إطلاق ~~النظائر على هذه السور لعل المراد به اشتراك ما بينهما في # الموعظة أو الحكم أو القصص أو [للتقارب] (¬7) في القدر أو للمقارنة، فإن ~~القرين يقال له: نظير. PageV03P214 # قال المحب الطبري في (أحكامه): وكنت أتخيل أن التنظير بين هذه السور ~~لتساويهما في عدد الآي [حتى] (¬1) اعتبرتها فلم أجد شيئا منها يساوي شيئا، ~~وقد ذكرت نظائر في عد الآي أحد وعشرون نظيرا ms0564 عدد آياتها متساوية: (الفاتحة، ~~الماعون)، ([الأنفال] (¬2)، الزمر)، (يوسف، الإسراء)، (إبراهيم، نون)، ~~(الجاثية (¬3)، الحج، الرحمن)، (القصص، صاد)، الروم، الذاريات)، (السجدة، ~~الملك، الفجر)، (حم السجدة، سبأ)، (فاطر، ق)، (الفتح، الحديد)، (الحجرات، ~~التغابن)، (المجادلة، البروج)، (الجمعة، المنافقون)، ([الضحى، العاديات، ~~القارعة)، (الطلاق، التحريم]) (¬4)، (نوح، الجن)، (المزمل (¬5)، [المدثر ~~(¬6)، القيامة، عم يتساءلون)، (الانفطار، سبح، العلق]) (¬7)] (ألم نشرح، ~~التين، لم يكن، الزلزله، ألهاكم)، (القدر، الفيل، تبت، الفلق)] (العصر، # النصر، [الكوثر]) (¬8)، قريش (¬9). انتهى. وهو أكثر مما عده أولا. PageV03P215 # سادسها: قوله: "فيختم بقل هو الله أحد"، فيه دليل على أنه كان يقرأ ~~بغيرها، لكنه هل كان يقرأ بها مع غيرها في ركعة واحدة، ويختم بها في تلك ~~الركعة، أم كان يختم بها في آخر ركعة يقرأ بها السورة؟، الظاهر الأول، ~~والثاني يحتمله اللفظ، وعلى الأول يكون فيه دلالة على جواز الجمع بين ~~سورتين في ركعة واحدة، كما أسلفته، وعلى جواز [لزوم] (¬1) قراءة سورة ~~بعينها خلافا لمن أنكره. # وفي صحيح البخاري (¬2)، في باب الجمع بين سورتين في ركعة تعليقا بصيغة ~~جزم عن أنس: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة ~~يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح ب (قل هو الله أحد)، حتى فرغ ~~منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه ~~وقالوا: إنك تفتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما ~~أن تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها إن أحببتم ~~أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن ~~يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبروه الخبر، فقال: ~~يا فلان! ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما يحملك على لزوم هذه ~~السورة من كل ركعة؟ فقال: إني أحبها، قال: "حبك إياها أدخلك الجنة". PageV03P216 # قلت: وهذا الإمام يحتمل أن يكون هو المبعوث على هذه السرية، ويحتمل أن ~~يكون غيره. # سابعها: فيه أنه ينبغى للمسؤول العالم أن يسأل السائل عن ms0565 قصده وسبب فعله. # ثامنها: فيه أن هذا الذي صنعه لم يكن معهودا عندهم ولهذا ذكره الصحابة ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -، لكنه لما ذكر الوجه الذي كان من أجله يفعل ~~ذلك أقره عليه. # قيل: لأن ذلك كان في أول الإسلام والترغيب في الدخول [فيه] (¬1)، فأقره ~~لئلا يقع التنفير، ولا سيما عن هذه السورة التي تضمنت أصول التوحيد. # تاسعها: قوله: "لأنها صفة الرحمن"، يحتمل أنها اختصت بصفات الرب -تعالى- ~~دون غيرها، بمعنى عدم انحصارها فيها، لا أنها تضمنت جميعها. # ويحتمل أن يضمر: ذكر، فيكون المراد فيها (ذكر صفة الرحمن) فعبر عن ذلك ~~الذكر بالوصف، وإن لم يكن نفس الوصف، وغلت الحشوية (¬2)، فقالوا: إنها نفس ~~الوصف. PageV03P217 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P218 # [عاشرها] (¬1): هذه السورة اشتملت على اسمين من أسمائه تعالى يتضمنان ~~جميع أوصاف كماله لم يوجدا في غيرها من جميع # السور، وهما "الأحد" و"الصمد"، فإنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة ~~الموصوفة بجميع صفات الكمال المعظمة، نبه على ذلك القرطبي في "شرحه" (¬2)، ~~قال: وبيانه أن الأحد والواحد وإن [اجتمعا] (¬3) إلى أصل واحد لغة، فقد ~~افترقا استعمالا وعرفا، وذلك أن الهمزة المنقلبة [عن] (¬4) أحد منقلبة عن ~~الواو من وحد فهما من الوحدة وهي راجعة إلى نفي العدد والكثرة، غير أن ~~استعمال العرب فيهما مختلف، فإن الواحد عندهم أصل العدد، من غير تعرض لنفي ~~ما عداه والأحد [يثبت] (¬5) مدلوله، ويتعرض لنفي ما سواه، ولهذا أكثر ما ~~استعملته العرب في النفي، فقالوا: ما فيها أحد، (ولم يكن له كفوا أحد)، ولم ~~يقولوا: هنا واحد، فإن أرادوا الإثبات قالوا: PageV03P219 # رأيت واحدا من الناس، ولم يقولوا: هنا أحدا. وعلى هذا، فالأحد في أسمائه ~~تعالى مشعر بوجوده الخاص به الذي لا يشاركه فيه غيره، وهو المعبر عنه بوجود ~~الوجود، وربما عبر عنه بعض المتكلمين بأنه أخص وصفه. # وأما الصمد: فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال، فإن الصمد الذي انتهى سؤدده ~~بحيث يصمد إليه في الحوائج كلها، أي يقصد، ولا يصح ذلك تحقيقا إلا ممن حاز ~~جميع خصال الكمال حقيقة، وذلك لا يكمل إلا لله -تعالى- فهو الأحد ms0566 الصمد الذي # (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)، فقد ظهر لهذين الاسمين، من شمول ~~الدلالة على الله -تعالى- وصفاته، ما ليس لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا ~~مرجودين في شيء من سور القرآن. # قلت: فلهذا علل حبه إياها بأنها صفة الرحمن. # فائدة: ذكر ابن الخطيب لهذه السورة عشرين اسما سورة التفريد [التوحيد] ~~(¬1)، سورة التجريد، الإخلاص، النجاة، الولاية، النسبة (¬2) لأنها نزلت حين ~~قالوا: انسب لنا ربك، المعرفة، لما PageV03P220 # روي أنه - عليه الصلاة والسلام - لما سمع قارئا يقرؤها قال: "هذا عبد عرف ~~ربه" (¬1) الجمال، المقشقشة، المبرية، المعوذة، الصمد، الأساس، المانعة، ~~المحضر لأن الملائكة تحضر لسماعها، المنفرة لأن الشياطين تنفر عند قراءتها، ~~البراءة، النور، في الحديث "نور القرآن قل هو الله أحد" (¬2)، الأمان (¬3). # الحادي عشر: في هذا الحديث فضيلة هذه السورة، ولا يدل على أنها أفضل ~~السور، بل أفضلها الفاتحة، قاله ابن العطار في "شرحه". # قلت: ويؤيده ما أخرجه البخاري (¬4) من حديث أبي سعيد بن المعلي، قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن ~~قبل أن تخرج من المسجد"، ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل ~~لأعلمنك سورة (¬5) في القرآن؟ قال: "الحمد لله رب العالمين هي السبع ~~المثاني والقرآن العظيم الذي PageV03P221 # أتيته"، وفي صحيح ابن حبان (¬1) من حديث أنس أنه - عليه الصلاة والسلام - ~~قال لرجل: "ألا أخبرك بأفضل القرآن؟ قال: فتلا عليه: "الحمد لله رب ~~العالمين"، وفي مسند عبد بن حميد (¬2) عن حسين الجعفي، عن زائدة، عن أبان، ~~عن شهر، عن ابن عباس رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فاتحة ~~الكتاب تعدل ثلثي القرآن"، وهذا إسناد ضعيف. # الثاني عشر: "هو" ضمير الشأن و"الله أحد" هو الشأن أي الشأن هذا وهو أن ~~الله واحد لا ثاني له، فهو مبتدأ، والجملة التي هي أحد خبره، ويجوز أن يكون ~~هو مبتدأ بمعنى المسؤول عنه لأنهم قالوا: ربك من نحاس أو من ذهب؟، فعلى هذا ~~يجوز أن يكون "الله" خبرا لمبتدأ "وأحد" بدل ms0567 منه أو خبر مبتدأ محذوف ويجوز ~~أن يكون "الله" بدلا من هو، و"أحد" الخبر، وهمزة "أحد" بدل من واو لأنه ~~بمعنى الواحد وإبدال الواو المفتوحة همزة قليل جاء منه امرأة أناه والأصل ~~وناه لأنه من الونى وهو الفتور، وقيل: الهمزة أصلية. # الثالث عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "أخبروه أن الله PageV03P222 # يحبه" يحتمل أن محبة الله [له] (¬1) بسبب قراءتها أو يحتمل أنها سبب ما ~~شهد به كلامه من محبته لذكر صفة الرب -سبحانه- وصحة اعتقاده] (¬2)، ويحتمل ~~أنها بسبب قراءتها وما شهد به، فإن قراءتها سبب عن [المحبة] (¬3) لما ذكره. # الرابع عشر: فيه أن محبة الله تعالى ومحبة صفاته أفضل المطلوبات. # الخامس عشر: محبة الله -تعالى- لعباده إرادة ثوابه وتنعيمهم. # وقيل: هي نفس الإثابة والتنعيم لا الإرادة (¬4). # ومحبة عباده له -سبحانه وتعالى- لا يبعد فيها الميل منهم إليه -سبحانه- ~~وهو متقدس عن الميل. # فحقيقة محبة عباده له: ميلهم إليه لاستحقاقه سبحانه وتعالى المحبة من ~~جميع وجوهها. # وقيل: محبتهم له استقامتهم على طاعته. PageV03P223 # وقيل: الاستقامة ثمرة المحبة. # فائدة: قال سهل بن عبد الله التستري: المحبة معانقة الطاعة ومباينة ~~المخالفة. # وقال أبو علي الروذياري (¬1): المحبة الموافقة. # وقال يحبى بن معاذ: ليس الصادق من ادعى محبته ولم يحفظ حقوقه. # السادس عشر: فيه أن ما كان من التلاوة متعلقا بصفة الرب -سبحانه وتعالى- ~~كان أفضل [التلاوات] (¬2) لكن قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لما ذكر ~~أن القرآن ينقسم إلى فاضل ومفضول: كآية الكرسي وتبت، فالأول كلام الله في ~~الله والثاني كلامه في غيره، لا ينبغي أن يداوم على قراءة الفاضل ويترك ~~المفضول، فإنه - عليه الصلاة والسلام - لم يفعله ولأنه يؤدي إلى نسيانه. PageV03P224 ### ||| AUTO الحديث السادس # 104/ 6/ 17 - عن جابر - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لمعاذ: "فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها والليل إذا ~~يغشاها، فإنه يصلي وراءك الكبير (¬1) [والضعيف] (¬2) وذا الحاجة" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: والتعريف براويه تقدم في آخر باب الجنابة. # أحدها: لم يعين في هذه الرواية في أي صلاة كان القول لمعاذ، ms0568 وهي صلاة ~~العشاء، كما ثبت في الصحيحين (¬4)، وفي PageV03P225 # رواية (¬1) لهما: "واقرأ باسم ربك، ثم الليل إذا يغشى"، وقد سلف في باب ~~الإمامة (¬2) أنه شكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تطويله في صلاة ~~الصبح أيضا، ولا تنافي بينهما. # وثانيها: فيه دلالة على استحباب هذه السورة أو قدرها في العشاء إذا كان ~~إماما، وفي حكمه المنفرد، والذي لا يسمع قراءة الإمام، وهذه السورة أفضل من ~~غيرها للتنصيص عليها، وكذلك ينبغي المحافظة على كل ما ورد صحيحا أو حسنا ~~عنه - صلى الله عليه وسلم - من القراءة المختلفة في الصلاة فعلا أو قولا أو ~~تقريرا، ولقد أحسن من قال من العلماء: اعمل بالحديث ولو مرة تكن من أهله، ~~كما أفاده الشيخ تقي الدين (¬3). # واعترض الفاكهي فقال: في هذا نظر، فإنه يقتضي استحباب قراءة الأعراف في ~~المغرب مرة أو الطور ونحو ذلك مثلا، كما جاء # في الحديث مع استمرار العمل على خلاف ذلك. PageV03P226 # قلت: وأي مانع من ذلك وقد بلغني عن الشيخ تقي الدين أنه فعل ذلك مرة وقد ~~فعلته أنا أيضا؟! ولله الحمد. # ثالثها: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ب"سبح اسم ربك الأعلى، والشمس ~~وضحاها، والليل إذا يغشى" المراد بواحدة منها إذ هو المناسب للتخفيف، ~~فالواو هنا بمعنى أو. # رابعها: المراد بالكبير السن [وقد تقدم فقه هذا الحديث في باب الإمامة ~~واضحا ولا بأس بتجديد العهد به فنقول] (¬1): لا شك أن الصلاة تختلف إطالتها ~~وتخفيفها باختلاف أحوال المصلي إماما أو مأموما أو منفردا فإذا كان ~~المأمومون يؤثرون التطويل ولا شغل # للإمام ولا لهم طولوا، وإذا لم يكن كذلك خففوا، وقد تراد الإطالة ثم يعرض ~~ما يقتضي التخفيف: كبكاء الطفل أو نحوه، وعلى ذلك تتنزل الأحاديث في تطويله ~~- عليه الصلاة والسلام - وتخفيفه، وإذا استقرىء فعله وجد التطويل إماما ~~أقل، والتخفيف أكثر. فتكون الإطالة لبيان الجواز. والتخفيف لكونه أفضل، ~~وعليه دل الحديث السالف هناك: "إن منكم منفرين". # وقيل: إن تطويله وتخفيفه لبيان أن القراءة فيما زاد على الفاتحة لا تقدير ~~فيها بل يجوز قليلها وكثيرها، ms0569 بل الواجب الفاتحة فقط لاتفاق الروايات ~~واختلافها فيما زاد وبالجملة السنة التخفيف للعلة التي بينها وتطويله في ~~بعض الأوقات لتحقيقه انتفاء العلة مع # قصد إرادة التطويل لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "إني لأدخل PageV03P227 # في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء [الصبي] (¬1)، فأتجوز في صلاتي، مخافة ~~أن يفتن أمه" (¬2)، ولهذا قال لمعاذ: "أفتان أنت"؟ # مرتين أو ثلاثا. وإن كان منفردا ووجد نفسه مقبلة على التطويل طول وإلا ~~خفف ليكون مقبلا على صلاته في جميع حالاته، ولهذا قال - عليه الصلاة ~~والسلام -: "إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد" (¬3) أي بعد فراغه منها ~~وتخفيفها خوفا من السآمة وعدم التدبر. # خامسها: في هذا الحديث تعليل الأحكام للناس لكونه ادعى إلى القبول والعمل ~~بالعلم، وأثبت في القلوب. # سادسها: فيه أيضا الرفق بالضعفاء والشفقة عليهم في الأمور الأخروية، فما ~~ظنك بغيرها من أمور الدنيا (¬4). PageV03P228 # سابعها: فيه أيضا تحسين العبارة في التعليم بالتخصيص الدال على الأمر من ~~غير تعاطي لفظه مراعاة لنفرة النفوس عنه. # ثامنها: "لولا" هذه أحد حروف التحضيض وهي أربعة: (هلا، وإلا، ولولا، ولو ~~ما)، وهي من الحروف المختصة بالأفعال، فإذا وليها المستقبل كانت تحضيضا، ~~وإذا وليها الماضي كانت توبيخا. PageV03P229 ### || AUTO 18 - باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم # 105/ 1/ 18 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: "أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهما -[كانوا يفتتحون] (¬1) الصلاة ~~ب"الحمد لله رب العالمين" (¬2). # وفي رواية: "صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ: ببسم ~~الله الرحمن الرحيم" (¬3). PageV03P230 # ولمسلم: "صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان ~~فكانوا يفتتحون الصلاة ب"الحمد لله رب العالمين" لا يذكرون "بسم الله ~~الرحمن الرحيم" في أول قراءة ولا [في] (¬1) آخرها] " (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه، وقد تقدم في باب الاستطابة. # ثانيها: تقدم الكلام على افتتاح الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وتأويله ~~في باب صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ثالثها: الرواية الثالثة لا تناسب ما ترجمه المصنف للباب فتأمله. # رابعها: ms0570 قوله: "بالحمد" هو يرفع الدال على الحكاية، وإن كان مجرورا ~~بالباء. # خامسها: استدل بالرواية الثالثة من لا يرى البسملة من الفاتحة، وقد أسلفت ~~الخلاف في ذلك في الباب المشار إليه قريبا. # سادسها: استدل بالثانية من يقول: إنها منها ولا يجهر بها وهو مذهب أبي ~~حنيفة وأحمد، والمذاهب في ذلك ثلاثة (¬3): PageV03P231 # مذهب مالك: تركها سرا وجهرا. # ومذهب أبي حنيفة وأحمد: ما ذكرته. # ومذهب الشافعي: الجهر بها وهو قول أكثر العلماء من الصحابة والتابعين فمن ~~بعدهم من الفقهاء والقراء، كما نقله عنهم النووي في (شرح المهذب) (¬1)، على ~~أنه جاء في رواية شعبة: "لم يجهروا ببسم الله الرحمن الرحيم"، وفي رواية ~~"لم يكونوا يجهرون". # قال البيهقي (¬2): "ورواية كانوا يفتتحون القراءة، بالحمد لله PageV03P232 # رب العالمين" أولى أن تكون محفوظة. # وقال الدارقطني (¬1): إنه المحفوظ. # قال الشافعي: يعني يبدؤون بقراءة أم القرآن قيل ما يقرأ بعدها. # وفي رواية ابن عبد الله بن مغفل عن أبيه: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأبو بكر وعمر لا يقرؤون" يعني لا يجهرون كذا في الحديث، وفي رواية ~~سفيان: "لا يجهرون" ولم يقل: "لا يقرؤون" لكنه حديث ضعيف، كما قاله الحفاظ ~~لأن ابن عبد الله مجهول (¬2). # ورواية المصنف، [الثانية] (¬3): "لم أسمع". المتيقن منه ترك الجهر لا ~~الجهر مطلقا. # وأما الثالثة: فظاهرة في عدم الذكر، لكنها معلولة، لأن مسلما قال في ~~صحيحه (¬4): ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي عن عبدة: أن عمر كان يجهر ~~بهؤلاء الكلمات يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، PageV03P233 # تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، وعن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن ~~أنس بن مالك أنه حدثه قال: "صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون القراءة ب"الحمد لله رب العالمين"، ~~لا يذكرون: بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها ثم قال ~~مسلم: ثنا محمد بن مهران، ثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي قال: أخبرني ~~إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك فذكر ذلك. ms0571 انتهى. # وبيان العلة من وجهين: # الأول: أن في إسناده كتابة (¬1)، لا نعلم من كتبها، ولا من حملها، وقتادة ~~ولد أكمه. # الثاني: أنه اشتمل على عنعنة مدلس، وهو الوليد، ولا ينفعه تصريحه ~~بالتحديث، فإنه اشتهر بتدليس التسوية، وهو أن لا يدلس PageV03P234 # شيخ نفسه، ولكن شيخ شيخه لا سيما وقد عارضه أحاديث ثابتة، منها ما رواه ~~البخاري عن قتادة نفسه، قال: سئل أنس كيف كانت قراءة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؟ قال: كانت مدا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، مد بسم الله، ~~ومد الرحمن، ومد الرحيم (¬1)، وقد سئل أنس أيضا: أكان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يستفتح ب"الحمد لله" أو بالبسملة؟ فقال: إنك سألتني عن شيء ما ~~أحفظه، ولا سألني عنه أحد قبلك. رواه الإمام أحمد (¬2) وصححه ابن خزيمة ~~(¬3)، وقال الدارقطني (¬4): إسناده صحيح. لا جرم. # قال ابن عبد البر (¬5): حديث أنس السالف لا يحتج به لتلونه واضطرابه ~~واختلاف ألفاظه مع تغاير معانيها، وقد سئل أنس عن # ذلك، فقال: كبرت ونسيت (¬6). PageV03P235 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P236 # قلت: وأما أحاديث الجهر فالحجة (¬1) قائمة بما PageV03P237 # [يشهد] (¬1) له بالصحة، منها وهو ما روي عن ستة من الصحابة، أبي هريرة، ~~وأم سلمة، وابن عباس، وأنس، وعلي بن أبي طالب، وسمرة بن جندب، قال ذلك ~~الحافظ أبو شامة المقدسي بعد أن ذكر: أن الأحاديث الواردة في الجهر [كثيرة] ~~(¬2) ومتعددة عن جماعة من الصحابة يرتقي عددهم إلى أحد وعشرين صحابيا، رووا ~~ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم من صرح بذلك ومنهم من فهم من ~~عبارته، قال: ولم يرد تصريح بالأسرار بها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلا روايتان: # إحداهما: عن ابن مغفل وهي ضعيفة (¬3). # والثانية: عن أنس وهي معللة بما أوجب سقوط الاحتجاج بها. # ومنهم من استدل بحديث: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" (¬4) ولا دليل ~~فيه للإسرار قال: فأما أحاديث الجهر فالحجة PageV03P238 # قائمة بما شهد له بالصحة منها وهو ما روي عن ستة فذكرهم [كما أسلفته] ~~(¬1)، وقد بسطتها أنا في "تخريجي لأحادبث الرافعي"، # فراجعه إن شئت، وبالله ms0572 التوفيق. PageV03P239 ### || AUTO 19 - باب سجود السهو # السهو مصدر سها يسهو وفسره الجوهري (¬1) بالغفلة ذكر فيه حديث أبي هريرة، ~~وحديث عبد الله ابن بحينة: ### ||| AUTO الحديث الأول # 106/ 1/ 19 - عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي، قال ابن سيرين: وسماها أبو هريرة، ~~ولكن نسيت أنا، قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة [معترضة] (¬2) ~~في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين ~~أصابعه وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة وفي القوم أبو ~~بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين. ~~فقال: يا رسول الله قصرت الصلاة أم نسيت؟، قال: "لم أنس ولم تقصر"، فقال: ~~"أكما يقول ذو اليدين؟ " فقالوا: PageV03P240 # نعم، فتقدم فصلى ماترك ثم سلم، ثم سجد وكبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم ~~رفع رأسه فكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده # أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر فربما سألوه ثم سلم: فنبئت أن عمران بن حصين ~~قال: ثم سلم (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: محمد بن سيرين هذا هو الإمام الرباني التابعي مولى أنس بن مالك، ~~وأبوه من سبي عين التمر، وأمه صفية مولاة الصديق وهو أخو أنس، ومعبد وحفصة ~~وكريمة أولاد سيرين، كان إمام وقته بالبصرة مع الحسن، ولد لسنتين بقيتا من ~~خلافة عثمان، ومات بعد الحسن بمائة يوم في شوال سنة عشر ومائة، وهو أثبت من الحسن. # رأى ابن سيرين كأن الجوزاء تقدمت الثريا فأخذ في وصيته وقال: يموت الحسن ~~وأموت بعده هو أشرف مني، وكان علامة في التعبير. # قال مورق العجلي: ما رأيت أحدا أفقه في ورع ولا أورع في فقه منه. # وقال أبو قلابة: من يطيق ما يطيق [محمد] (¬2) يركب مثل حد السنان: PageV03P241 # قال [ابن عون] (¬1). رأيته في السوق فما رآه أحد إلا ذكر الله. # وقال زهير الأقطع: كان إذا ذكر: الموت مات كل عضو منه، روى عن طائفة من ms0573 ~~الصحابة، ومن عزيز ما وقع له، أنه روى عن أخيه يحيى بن سيرين، عن أخيه أنس ~~بن سيرين، عن أنس: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لبيك حجا حقا ~~تعبدا ورقا" (¬2). # الوجه الثاني: قوله (صلى بنا)، كذا جاء في هذه الرواية وفي رواية أخرى: ~~(صلى لنا) بدل: (صلى بنا) (¬3). # الثالث: العشي -بفتح العين وكسر الشين وتشديد الياء- قال الأزهري (¬4): ~~هو عند العرب ما بين زوال الشمس وغروبها، قال: ومنه قول القاسم بن محمد ~~(¬5) "ما أدركت الناس إلا وهم PageV03P242 # يصلون الظهر بعشي"، وأصله الظلمة: ومنه عشا البصر وعشوت إلى النار نظرت ~~إليها عن ظلمة، وفي صحيح مسلم: (إحدى صلاتي العشي: الظهر أو العصر)، وفي ~~بعض الأحاديث "أنها الظهر"، قال بعضهم: وهذا الاختلاف في قضية واحدة، قاله ~~ابن بزيزة، ويحتمل أن تكون قضيتان مختلفتان إلا أن يثبت التاريخ، [ونقله ~~غيره عن المحققين] (¬1). # الرابع: الخشبة المعروضة: جذع من نخل كذا جاء مبينا في صحيح مسلم، وكان ~~في قبلة المسجد. # قال الفاكهي: والظاهر أن هذه الخشبة هي الجذع الذي كان يخطب عليه أولا. # وقوله: "كأنه غضبان"، جاء في حديث عمران: "فخرج مغضبا" وغضبه يحتمل أن ~~يكون إنكارا على المتكلم إذ نسبه إلى ما كان يعتقد خلافه، ولذلك أقيل على ~~الناس متكشفا عن ذلك، ويحتمل: أن يكون غضبه لأمر آخر لم يذكره الراوي. # قال القرطبي (¬2): وكأن الأول أظهر. # وقال بعضهم: وأظنه ابن بزيزة، لعل الصحابة عبروا بالغضب عما ظهر عليه، ~~وإلا فلا موجب له في هذا الوقت أي ظاهرا. # الخامس: السرعان -بفتح السين المهملة والراء- المسرعون PageV03P243 # إلى الخروج، ويجوز فيه إسكان الراء كما نقله القاضي (¬1)، وقال: وضبطه ~~الأصيلي في البخاري بضم السين وإسكان الراء، فيكون جمع سريع: كقفيز وقفزان، ~~وكثيب وكثبان. # قال الخطابي (¬2): وكسر السين خطأ. # وإنما خرجوا ولم يتكلموا ولم يلبثوا، لأن الزمن زمن وحي، ونزول الشرائع، ~~فخرجوا بانين على أن النسخ قد وقع، وأن الصلاة قد قصرت ويبعد اتفاقهم على ~~النسيان. # السادس: قوله: "أقصرت الصلاة؟ " -هو بضم القاف وكسر الصاد- وروى بفتح ~~القاف وضم الصاد ms0574 وكلاهما صحيح ولكن الأول أشهر وأصح، قاله النووي في شرحه (¬3). # وإنما قالوا: "أقصرت الصلاة؟، على اعتقاد وقوع ما يجوز من النسخ. # السابع: "ذو اليدين: اسمه الخرباق -بكسر الخاء المعجمة، ثم راء، ثم باء ~~موحدة، ثم ألف، ثم قاف- ابن عمرو وهو سلمي من بني سليم كنيته أبو العريان. # قال جماعة: عاش بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - زمانا. # قال الزهري: وهو ذو الشمالين أيضا المقتول يوم بدر وغلطوه فيه. PageV03P244 # واختلف في سبب تسميته بذلك. # فقيل لطول في يديه، وهو ما في الكتاب، وهو قول البخاري وهو الظاهر ووقع ~~في رواية: "بسيط اليدين" بدل ذلك وهو هو. # وقيل لأنه كان يعمل بيديه، قاله ابن قتيبة، وقيل: إنه كان قصير اليدين، ~~حكاه [الجيلي] (¬1) في (شرح التنبيه). # وقال القرطبي (¬2): يحتمل أنه كان طويل اليدين بالعمل وبالبذل قال: وقد ~~سماه في حديث عمران الخرباق [قال] (¬3): وكان في يده طول ويحتمل أن يكون ~~رجلا آخر. # قلت بعيد جدا (¬4)، [وفي معجم ................ PageV03P245 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P246 # الإسماعيلي (¬1) فأتاه ذو اليدين أو اليد] (¬2). # الثامن: قوله: "فنبئت أن عمران بن حصين، قال: ثم سلم" القائل هو محمد بن ~~سيرين الراوي عن أبي هريرة، وهو مصرح بأنه لم يسمع ذلك من عمران بل بواسطة. # التاسع: اعلم أن أحاديث باب السهو في الصلاة ستة، وإن كان المازري (¬3) ~~-رحمه الله- ذكرها خمسة، وتبعه النووي (¬4) وغيره، وأغفل حديث عمران بن ~~حصين، وهو أنه سلم في ثلاث، ثم صلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، وإنما لم ~~يذكره لأنه رأى أنه في معنى حديث ذي اليدين، ويلزمه على هذا ألا يعدد حديث ~~أبي هريرة، لأنه عنده في معنى حديث أبي سعيد. # الحديث الأول: حديث أبي هريرة (¬5) فيمن شك فلم يدر كم PageV03P247 # صلى. وفيه أنه سجد سجدتين ولم يذكر موضعهما. # الثاني: حديث أبي سعيد (¬1) فيمن شك أيضا، وفيه: أنه سجد سجدتين قبل أن يسلم. # الثالث: حديث ابن مسعود (¬2)، وفيه القيام إلى خامسة، وأنه PageV03P248 # سجد بعد السلام. # الرابع: حديث ذي اليدين (¬1) الذي ذكره المصنف من رواية أبي هريرة، وفيه ~~السلام من ms0575 اثنتين [والمشي] (¬2) والكلام، وأنه سجد # بعد السلام. # قال أبو عمر (¬3): وقد روى قصة ذي اليدين عبد الله بن عمر (¬4)، ومعاوية ~~بن حديج (¬5) -بضم الحاء المهملة- وعمران بن حصين (¬6)، وصاحب الجيوش واسمه ~~عبد الله (¬7) بن مسعدة، وهو معروف في الصحابة بابن مسعدة له رواية عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الخامس: حديث ابن بحينة (¬8) وقد ذكره المصنف بعد هذا، PageV03P249 # وفيه القيام من اثنتين والسجود قبل السلام. # السادس: حديث عمران الذي أسلفناه أولا، وقال الشيخ تاج الدين الفاكهي: ~~جملة الأحاديث الواردة في ذلك ثلاثة عشر حديثا مشهورة في كتب الحديث. # قلت: ولعلها ترجع إلى هذه الستة، وقد اختلف العلماء في الأخذ بهذه ~~الأحاديث، فمنهم من وقف عليها في مواضعها، ومنع القياس عليها: كداود ~~الظاهري، ووافقه أحمد في الصلوات المذكورة خاصة، وخالفه في غيرها، وقال: ~~يسجد فيما سواها قبل # السلام لكل سهو. # ومنهم من قاس عليها، واختلف هؤلاء. # فقال بعضهم: هو مخير في كل سهو إن شاء سجد بعد السلام وإن شاء قبله في ~~الزيادة والنقص. # وقال أبو حنيفة: الأصل فيه السجود بعد السلام. وتأول باقي الأحاديث عليه. # وقال الشافعي: الأصل فيه السجود قبل السلام ورد بقية الأحاديث إليه. # وقال مالك: إن كان السهو زيادة فبعده وإلا فقبله. # فأما الشافعي، فقال في حديث أبي سعيد: فإن كانت خامسة PageV03P250 # شفعها. ونص على السجود قبل السلام مع تجويز الزيادة، والمجوز كالموجود ~~[وتأويل] (¬1) حديث ابن مسعود في القيام إلى خامسة والسجود بعد السلام على ~~أنه - عليه الصلاة والسلام - ما علم السهو إلا بعد السلام، ولو علمه قبله ~~لسجد قبله، [ويتأول] (¬2) حديث ذي اليدين على أنها صلاة جرى فيها سهو فسها ~~عن السجود قبل السلام فتداركه بعده. # قال النووي في (شرح مسلم) (¬3): وأقوى المذاهب هنا مذهب مالك، ثم مذهب ~~الشافعي، وللشافعي قول كمذهب مالك، وقول بالتخيير وعلى القول بمذهب مالك لو ~~اجتمع في صلاته سهوان: سهو بزيادة وسهو ينقصان سجد قبل السلام. # قال القاضي عياض وجماعة من أصحابنا: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم ~~من العلماء أنه لو ms0576 سجد بعد السلام أو قبله للزيادة أو للنقص: أنه يجزيه، ~~ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل (¬4). PageV03P251 # ولو سها سهوين فأكثر، كفاه للجميع سجدتان، وبه قال الأربعة وجمهور ~~التابعين وعن ابن أبي ليلى: "لكل سهو سجدتان" (¬1) وفيه حديث ضعيف (¬2). PageV03P252 # ثم سجود السهو سنة عند الشافعي واجب عند أبي حنيفة، وحكي عن مالك أيضا. # وقال القاضي عبد الوهاب: منه ما هو واجب، ومنه ما هو سنة. # قال المازري (¬1): فالأول هو ما كان قبل السلام على قولنا: إنه إذا نسي ~~ما قبل السلام حتى طال تبطل صلاته، والثاني: ما كان بعد السلام. # العاشر: في هذا الحديث [فوائد أصولية] (¬2)، فمنها ما يتعلق بأصول الدين. # وهو في موضعين: # الأول: جواز السهو في الأفعال على الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ~~(¬3). PageV03P253 # والثاني: في الأقوال (¬1) وقبل الخوض في ذلك، فاعلم أنهم PageV03P254 # معصومون من الكفر والبدعة إلا من خالف من الخوارج ممن لا يعتد به، وأجازت ~~الروافض عليهم إظهار كلمة الكفر تقية، والإجماع قائم على أن الكذب عليهم في ~~تبليغ الشرائع والأحكام الإلهية لا يجوز، وكذلك النسيان قبل التبليغ، وكذا ~~بعده على قول الجمهور، وكذا الإجماع قائم أيضا على أنه لا يجوز عليهم ~~[تعمد] (¬1) الخطأ في الفتوى [و] (¬2) في السهو خلاف. # وأما ما يتعلق بأفعالهم وأقوالهم (¬3)، .............. PageV03P255 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P256 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P257 # فالمذاهب في ذلك خمسة: # أحدها: وهو مذهب الحشوية، يجوز عليهم الإقدام على الصغائر والكبائر ~~مطلقا، وقالوا بوقوعها منهم (¬1). PageV03P258 # ثانيها: مذهب الروافض، لا يجوز ذلك عليهم مطلقا لا عمدا ولا سهو ولا ~~تأويلا (¬1). # ثالثها: لا يجوز الكبائر عمدا وأما الصغائر والكبائر سهوا فجائزة عليهم ~~بشرط عدم الإصرار لأنه كبيرة، وهو قول أكثر المعتزلة. PageV03P259 # رابعها: لا يجوز عليهم تعمد ذلك، ولكن يجوز صدور ذلك على سبيل الخطأ في ~~التأويل قاله الجبائي. # خامسها: لا يجوز ذلك عمدا ولا بالتأويل الخطأ، ويجوز سهوا. # قال ابن بزيزة: وجمهور الأشاعرة: على جواز وقوع الصغائر منهم، وأن ~~الكبائر لا تجوز عليهم. قال: واتفق الجمهور على [أن] (¬1) تكرار الصغائر ~~وكثرة وقوعها معصومون منها كالكبائر. قال: واختلفوا في [مواقعتهم] (¬2) ~~المكروه قصدا، ms0577 والجمهور على أنهم معصومون منه. # إذا تقرر ذلك فجوز السهو عليهم عامة [العلماء] (¬3) والنظار، وهذا الحديث ~~دال عليه، وهو مصرح به في حديث ابن مسعود بأنه - عليه الصلاة والسلام - ~~ينسى كما تنسون، وهو ظاهر القرآن، ومن ألفاظ العلماء: "النسيان ليس ببدع في ~~الإنسان" "وأول ناس أول الناس". # وشذت طائفة من المتوغلين فقالت: لا يجوز [عليه السهو] (¬4) وإنما ينسى ~~قصدا أو يتعمد صورة النسيان، نحا إلى قولهم عظيم من أئمة التحقيق وهو أبو ~~المظفر الإسفراييني في كتابه "الأوسط"، وهذا PageV03P260 # منحى غير سديد (¬1) وجمع الضد مع الضد مستحيل بعيد لإخباره - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه ينسى، ولأن الأفعال العمدية تبطل # الصلاة، ولأن صورة الفعل النسياني كصورة الفعل العمدي، وإنما يتميزان ~~للغير بالإخبار. # ومنعت أيضا طائفة من العلماء: السهو عليه في الأفعال البلاغية والعبادات ~~كما أجمعوا على منعه. واستحالته عليه في الأقوال البلاغية وأجابوا عن ~~الظواهر الواردة في ذلك، وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني. # والصحيح الجواز: فإن السهو لا يناقض النبوة، وإذا لم يقر عليه لم تحصل ~~فيه مفسدة، بل تحصل [منه] (¬2) فائدة، وهي بيان # أحكام التأسي وتقرير الأحكام. PageV03P261 # والذين أجازوا السهو قالوا. لا يقر عليه فيما طريقه البلاغ الفعلي (¬1). # واختلفوا هل من شرط التنبيه الاتصال بالحادثة أم لا يشترط؟ # بل يجوز التراخي إلى أن تنقطع مدة التبليغ وهو العمر؟ # وهذه الواقعة أعني الحديث الذي نحن فيه قد وقع البيان فيها على الاتصال؛ ~~ومذهب الأكثرين: الأول، واختار إمام الحرمين: الثاني، وكذا قال القرطبي في ~~شرحه (¬2): أن الصحيح أن السهو عليه جائز مطلقا، إذ هو واحد من نوع البشر، ~~فيجوز عليه ما يجوز عليهم إذا PageV03P262 # لم يقدح في حاله غير أن ما كان منه فيما طريقة بلاغ الأحكام قولا وفعلا ~~لا يقر على نسيانه، بل ينبه عليه إذا دعت الحاجة إليه، فإن أقر على نسيانه ~~لذلك، فذلك من باب النسخ كما قال -تعالى-: {سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء ~~الله} (¬1). # وقسم القاضي عياض (¬2) السهو عليه - صلى الله عليه وسلم - في الأفعال ~~إلى: ما طريقه ms0578 البلاغ وإلى ما ليس طريقه البلاغ، ولا بيان الأحكام من ~~الأفعال البشرية مما يختص به من العبادات والأذكار القلبية، وأبى ذلك بعض ~~من تأخر عن زمنه، وقال: إن أقوال الرسول وأفعاله وإقراره كله بلاغ واستنتج ~~بذلك العصمة في العمل بناءا على أن المعجزة تدل على العصمة فيما طريقه ~~البلاغ، وهذه كلها بلاغ تتعلق بها العصمة، ولم يصرح في ذلك بالفرق بين عمد ~~أو سهو، وأحد البلاغ في الأفعال من حيث التأسي به - صلى الله عليه وسلم - ~~فإنه سوى بين العمد والسهو، فهذا الحديث يرد عليه. # قال القاضي: واختلقوا في جواز السهو عليه في الأمور التي لا تتعلق ~~بالبلاغ وبيان أحكام الشرع من أفعاله وعاداته وأذكار قلبه فجوزه الجمهور. # وأما الثاني: وهو الأقوال وهو ينقسم إلى ما طريقه البلاغ والسهو فيه ~~ممتنع إجماعا كالعمد وأما طروء السهو في الأقوال PageV03P263 # الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ من الأخبار التي لا [تستند] (¬1) ~~الأحكام إليها ولا أخبار المعاد وما لا يضاف إلى وحي فجوز قوم # إذ لا مفسدة فيه، وليس هو من باب التبليغ التي يتطرق به إلى القدح في ~~الشريعة. والحق كما قال القاضي عياض: المنع على الأنبياء في كل خبر من ~~الأخبار، كما لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عمدا ولا سهوا لا في صحة ولا مرض ~~ولا رضي ولا غضب. # وأما جواز السهو عليه في الاعتقادات في أمور الدنيا: فغير ممتنع، كما وقع ~~في تلقيح النخل، وقد استدركه. # وأما جوازه في اعتقاد متعلق بالدين ومعرفة [الذات] (¬2) والصفات: فالسهو ~~عليه فيه محال إجماعا. # والذي يتعلق بما ذكرنا من هذا الحديث قوله - عليه الصلاة والسلام -: "لم ~~أنس ولم تقصر" وفي رواية أخرى: "كل ذلك لم يكن" فإنه مشكل بما ثبت من حاله ~~- عليه الصلاة والسلام - فإنه مستحيل عليه الخلف. # وقد اعتذر عن ذلك بوجوه: # الأول: أن المراد لم يكن القصر والنسيان معا، وكان الأمر كذلك، فنفى ~~الكلية وهو صادق فيها، إذ لم يجتمع وقوع الأمرين وإنما وقع أحدهما، ولا ~~يلزم من نفي الكلية ms0579 نفي كل [جرء من] (¬3) PageV03P264 # أجزائها، فإذا قال: [لم] (¬1) ألق كل العلماء. لا يفهم أنه لم يلق واحدا ~~منهم، ولا يلزم ذلك [منه] (¬2)، وفي هذا نظر لأن لفظ # ذي اليدين لا يقتضي مجموع الأمرين، وإنما معناه السؤال عن أحدهما لا ~~بعينه بدليل حرف المعادلة وهو أم. # الثاني: أن المراد الإخبار عن اعتقاد قلبه وظنه، وهذان الوجهان يختص ~~الأول منهما بالرواية الثانية، وأما الأولى فلا يصح فيها هذا التأويل، وأما ~~الوجه الثاني فهو مستمر على مذهب من يرى أن مدلول اللفظ الخبري هو الأمور ~~الذهنية، فإنه وإن لم يذكر ذلك فهو الثابت في نفس الأمر فيصير كالملفوظ به، ~~واقتصر النووي في (شرح مسلم) (¬3) على هذين الوجهين، وقال: إن الثاني هو # الصواب. وقال: ويدل على صحته وأنه لا يجوز غيره رواية: "لم أنس ولم تقصر" ~~فنفى الأمرين. # قال القرطبي (¬4): وهو الصواب فإنه ضعف ما سواه. قال: ومن هذا ما قد صار ~~إليه أكثر العلماء أن الحالف بالله على شيء يعتقده فيظهر أنه بخلاف ما حلف ~~عليه أن تلك اليمين لاغية لا حنث فيها، وهي التي لم يضفها الله إلى كسب ~~القلب، حيث قال: {لا يؤاخذكم الله باللغو} (¬5) الآية. PageV03P265 # [قلت: ويؤيد هذا الوجه رواية السراج في مسنده: "ما قصرت ولا علمت أني ~~نسيت"] (¬1). # الثالث: أن قوله: "لم أنس"، يحمل على السلام (¬2)، أي أنه كان مقصودا، ~~لكنه بني على ظن التمام، ولم يقع سهوا في نفسه، # وإنما وقع السهو في عدد الركعات، وهذا بعيد لأنه حينئذ لا يكون جوابا عما ~~سئل عنه. # [الرابع] (¬3): الفرق بين السهو والنسيان (¬4): فأنه كان يسهو ولا PageV03P266 # ينسى، ولذلك نفى عن نفسه النسيان، لأنه غفلة ولم يغفل عنها، وكان شغله ~~بحركات الصلاة وما فيها شغلا بها لا غفلة عنها ذكره # القاضي عياض. # قال الشيخ تقي الدين (¬1): وليس فيه تلخيص العبارة عن حقيقة السهو ~~والنسيان، مع بعد الفرق بينهما في استعمال اللغة، وكأنه # يتلوح من اللفظ على أن النسيان عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسهو ~~عدم الذكر لأمر تعلق بها، ويكون ms0580 النسيان: الإعراض عن تفقد أمورها، حتى يحصل ~~عدم الذكر، والسهو: عدم الذكر، لا لأجل الإعراض. وليس في هذا بعد ما ذكرناه ~~[تفريق] (¬2) كلي # [بين] (¬3) السهو والنسيان. PageV03P267 # وقال القرطبي (¬1) أيضا: هذا الوجه ليس بشيء، إذ لا نسلم الفرق، ولو سلم ~~فقد أضاف النسيان إلى نفسه في غيرما موضع، # فقال: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني"، وغير ذلك. # وقال [الكاشغري] (¬2) في غريبه: "السهو: في الشيء تركه من غير علم. # والسهو: عن الشيء تركه مع العلم. ومنه قوله تعالى: {الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون (5)} (¬3)، وقال: والسهو في الصلاة: النسيان. والنسيان: هو عدم الذكر ~~لما قد كان مذكورا، [إذ] (¬4) السهو: الغفلة عما كان في الذكر وعما لم يكن. # وقال غيره: السهو: يتعدى بحرف الجر. # والنسيان: يتعدى بنفسه، وأحسن منه أن النسيان: يطلق على ترك الشيء عمدا ~~(¬5) ومنه قوله -تعالى-: {نسوا الله فنسيهم} (¬6). PageV03P268 # قال صاحب القبس (¬1): وهذا هو الذي يعني به النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عن نفسه. # الخامس: ذكر القاضي عياض -رحمه الله- أنه ظهر له ما هو أقرب وجها وأحسن ~~تأويلا، وهو أنه - عليه الصلاة والسلام - إنما أنكر "نسيت" المضافة إليه ~~وهو الذي نهى عنه، بقوله: "بئسما لأحدكم أن يقول نيست ولكنه نسي" (¬2)، وقد ~~روي: "إني لا آنسى" على النفي "ولكن أنسي". وقد شك الراوي على رأي بعضهم في ~~الراوية الأخرى، هل قال" أنس" أو "أنس" وأن "أو" هنا للشك، وقيل: بل ~~للتقسيم وأن هذا يكون مرة من قبل شغله وسهوه، ومرة يغلب على ذلك، ويجبر ~~عليه ليسن، فلما سأله السائل بذلك اللفظ أنكره. وقال: كل ذلك لم يكن. وفي ~~الرواية الأخرى: "لم أنس، ولم تقصر" أما القصر فبين لا، وقال كل ذلك لم ~~يكن، وفي الرواية الأخرى، وكذلك لم أنس حقيقة من قبل نفسي وغفلتي عن ~~الصلاة، ولكن الله نساني لأسن. # قال القرطبي (¬3): وهذا يبطله قوله أيضا: "أنسى كما تنسون، PageV03P269 # فإذا نسيت فذكروني" (¬1) وأيضا فلم يصدر ذلك عنه على جهة الزجر والإنكار، ~~بل على جهة النفي لما قاله السائل عنه، ms0581 وأيضا فلا يكون جوابا لما سئل عنه، ~~ونحى بنحوه الشيخ تقي الدين (¬2)، فقال: اعلم أنه ثبت في الصحيح من حديث ~~ابن مسعود أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو وجدت في الصلاة [شيء] (¬3) ~~[لأنبئتكم] (¬4) به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني" ~~(¬5)، وهذا يعترض على ما ذكره القاضي (¬6) من أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أنكر نسبة النسيان إليه، وقد نسبه إليه في حديث ابن مسعود هذا مرتين وما ~~ذكره أيضا من أنه - عليه الصلاة والسلام - نهى أن يقال: "نسيت كذا"، [و] ~~(¬7) الذي أعرف: "بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا" (¬8)، وهذا ذم لإضافة ~~نسبة النسيان PageV03P270 # إلى الآية ولا يلزم من الذم للإضافة إليها الذم للإضافة إلى كل PageV03P271 # شيء، فإن الآية من كلام الله المعظم، ويقبح بالمسلم إضافة نسيان كلام ~~الله -تعالى- إلى نفسه، وليس هذا المعنى موجودا في كل # نسيان ينسبه إلى نفسه، فلا يلزم مساواة غير الآية لها، وكيف ما كان لو لم ~~تظهر مناسبة لم يلزم من الذم الخاص الذم العام، [وإذا] (¬1) لم يلزم ذلك لم ~~يلزم أن يكون قول القائل نسيت، الذي أضافه إلى عدد الركعات داخلا تحت الذم ~~فينكر، ولما تكلم بعض المتأخرين على هذا الموضع ذكر أن التحقيق في الجواب ~~عنه أن العصمة إنما تثبت في الأخبار عن الله في الأحكام وغيرها، لأنه الذي ~~قامت عليه المعجزة، أما إخباره عن الأمور الوجودية فيجوز عليه فيه النسيان. # تنبيه: حديث: "إني لأنسى او أنسى لأسن" (¬2)، منقطع الإسناد PageV03P272 # وهو من بلاغات "الموطأ". قال ابن عبد البر: لا أعلمه بهذا اللفظ يروى ~~مسندا ولا مقطوعا من غير هذا الوجه. # قلت: وفي طريق آخر "إني لا أنسى ولكن أنسى لأسن"، وقد تقدم الكلام على ~~"أو" هذه. # وقال بعضهم: المقصود به النوم واليقظة [فينسى] (¬1) في اليقظة، وينسى في ~~النوم فأضاف نسيان اليقظة إلى نفسه، وأضاف نسيان النوم إليه، حكاه الباجي ~~واستبعده غيره من المتأخرين. # وقال بعضهم: "إني لا أنسى" على عادة البشر، وأنسى الشيء مع إقبالي عليه ~~وتوجهي إليه. ms0582 # قال ابن بزيزة: والصحيح [عندي] (¬2) أنه خرج مخرج النسبتين الحقيقية ~~والمجازية، فتكون "أو" للتقسيم، فأضاف النسيان إلى نفسه مجازا، ثم أضافه ~~إلى الله، فالرواية الثانية تبين النسبة الحقيقية. # فائدة: نقل ابن بزيزة في "شرح أحكام عبد الحق": إن حديث "إني لأنسى [أو ~~أنسى] (¬3) لأسن" أحد الأحاديث الأربعة الواقعة في الموطأ المطعون فيها. # وثانيها: الحديث الذي من سبب إعطاء ليلة القدر، وسيأتي في بابه (¬4). PageV03P273 # وثالثها: حديث: "إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة" (¬1). # ورابعها: قوله: "أخبر معاذ"، قال آخر: "ما أوصاني به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حين وضعت رجلي في الغرز" (¬2) الحديث وقد ألحق بها حديث ~~المغفر، فإنه خالف في زيادة المغفر سائر أصحاب ابن شهاب، وفي هذا نظر فقد ~~توبع عليه، لكنه لم يصح. # (¬3) الحادي عشر: فيما يتعلق بهذا الحديث من أصول الفقه: فإن بعض من صنف ~~في ذلك احتج به على جواز الترجيح بكثرة الرواة من حيث إنه - عليه الصلاة ~~والسلام - طلب إخبار القوم بعد إخبار ذي اليدين. # قال الشيخ تقي الدين (¬4): وفي هذا بحث. أي من حيث إنه PageV03P274 # ليس المطلوب هنا السؤال للتحمل والأخبار، بل لتقوية الأمر المسؤول عنه ~~وتحقيقه لا للترجيح للتعارض. # ويتعلق به أيضا: من أصول الفقه القول [با] (¬1) لاستصحاب (¬2)، فإن سرعان ~~الناس أعملوا الظاهر جريا على الغالب من أفعاله - عليه الصلاة والسلام - ~~وأنه للتشريع، فإن الوقت قابل للنسخ، وذا اليدين عمل الاستصحاب، وهو ~~استمرار حكم الصلاة فسأله [لذلك] (¬3)، والقوم الذين سكتوا تعارض عندهم ~~الأصل والظاهر فلم يجزموا بالقصد، ولم يستفهموا مع علمهم بأنه لا يقر على خطأ. # الثاني عشر: فيما يتعلق به من الفروع وفيه فوائد. # الأولى: أن أبا هريرة صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الصلاة ~~(¬4) التي PageV03P275 # سلم فيها من اثنتين، ومعلوم أن أبا هريرة أسلم عام خيبر، وأنه لم يحصل له ~~صحبة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى هذه المدة، فيكون حديث ذي اليدين ~~متاخرا فلا يكون منسوخا. # [الثانية] (¬1): أن نسيان الراوي لعين المروي لا يمنع الرواية، ms0583 خصوصا إذا ~~لم يلتبس بأبهامه حكم. # الثالثة: إن نية الخروج من الصلاة وقطعها إذا كانت بناء على ظن التمام لا ~~يوجب بطلانها. # [رابعها] (¬2): أن السلام [سهوا] (¬3) لا يبطلها. # الخامسة: أن كلام الناسي لا يبطلها، وكذلك الذي يظن أنه ليس فيها، وبه ~~قال الجمهور منهم الأئمة الثلاثة. # وخالف أبو حنيفة وأصحابه. والثوري في أصح الروايتين عنه تبطل صلاته ~~بالكلام ناسيا أو جاهلا لحديث ابن مسعود وغيره. PageV03P276 # وزعموا: أن قصة ذي اليدين منسوخة به بناء على أن ذا اليدين قتل يوم بدر، ~~وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر. # قالوا: ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة، رواه وهو متأخر الإسلام عن بدر ~~لأن الصحابي قد يروي ما لا يحضره بأن يسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أو صحابي آخر. # والجواب عن ذلك: أنه لا يصح ادعاء النسخ لحديث أبي هريرة ولحديث ابن ~~مسعود ولاتفاق العلماء من المحدثين وأهل السير على أن حديث ابن مسعود كان ~~بمكة حين رجع من أرض الحبشة قبل الهجرة، وحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين كان # بالمدينة متأخرا عن عام خيبر بدليل ما ذكرناه من شهوده القصة وإسلامه عام ~~خيبر كما سلف (¬1). # السادسة: أن كلام العمد لإصلاح الصلاة يبطلها عند الجمهور. # وروى ابن القاسم عن مالك: أنه لو تكلم بما تكلم به النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من الاستفسار والسؤال عند الشك وإجابة المأمومين أن صلاتهم تامة على ~~مقتضى الحديث. # وقال الحارث بن مسكين: أصحاب مالك كلهم على خلاف ما قال ابن القاسم عن ~~مالك وقالوا: كان هذا أول الإسلام واستثنى سحنون (¬2) فقال: إن سلم من ~~اثنتين من الرباعية PageV03P277 # [فوقع] (¬1) الكلام هناك لم تبطل، وإن وقع في غير ذلك بطلت، وأباح الإمام ~~أحمد ذلك للإمام وحده. # قال القرطبي (¬2): والصحيح ما ذهب إليه مالك تمسكا بالحديث وحملا له على ~~الأصل الكلي من تعدي الأحكام وعموم الشريعة، ودفعا لما يتوهم من الخصوصية ~~إذ لا دليل عليها، ولو كان شيء مما ادعى لكان فيه تأخير البيان عن وقت ms0584 ~~الحاجة، [فلا] (¬3) يجوزه إجماعا، ولو كان لبينه كما فعل في حديث أبي بردة ~~بن نيار حيث قال: "ضح بها، ولن تجزئ عن أحد بعدك" (¬4). # قلت: واعتذر الأولون عن هذا الحديث بأوجه. # أحدها: نسخه وقد أسلفنا بطلانه (¬5). # ثانيها: تأويل كلام الصحابة بأنه [بالإشارة] (¬6) والإماء لا بالنطق، ~~وفيه بعد لأنه خلاف الظاهر من حكايته الراوي لقولهم، وإن كان قد ورد في ~~حديث حماد بن زيد في رواية لأبي داود بإسناد PageV03P278 # صحيح، كما قاله النووي في (شرحه) (¬1): إن الجماعة أومؤوا، أي: نعم، ~~فيمكن الجمع أن يكون بعضهم فعل ذلك إيماءا، وبعضهم كلاما، واجتمع الأمران ~~في حق بعضهم (¬2). # الثالث: أن كلامهم كان إجابة للشارع وإجابته واجبة. # واعترض عليه بعض المالكية: بأن قال أن الإجابة لا تتعين بالقول، فيكفي في ~~الإيماء، وعلى تقدير أنه يجب القول لا يلزم منه الحكم بصحة الصلاة لجواز أن ~~تجب الإجابة، ويلزمهم الاستئناف (¬3). PageV03P279 # الرابع: أنه - عليه الصلاة والسلام - تكلم معتقدا لتمام الصلاة والصحابة ~~تكلموا مجوزين النسخ، فلم يكن كلام واحد منهم مبطلا، وهذا يضعفه ما في كتاب ~~مسلم: أن ذا اليدين قال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟، فقال - عليه ~~الصلاة والسلام -: "كل ذلك لم يكن"، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله! ~~فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس فقال: "أصدق ذو اليدين". ~~فقالوا: نعم يا رسول الله! بعد قوله: "كل ذلك لم يكن"، وقوله: "كل ذلك لم ~~يكن" يدل على عدم النسخ، فقد تكلموا بعد العلم بعدم النسخ. # قال الشيخ تقي الدين [وننبه] (¬1) ها هنا لنكتة لطيفة في قول ذي اليدين: ~~"قد كان بعض ذلك" بعد قوله - عليه الصلاة والسلام -: "كل ذلك لم يكن" فإن ~~قوله: "كل ذلك [لم يكن] " (¬2) يتضمن [أمرين] (¬3). # أحدهما: الإخبار عن حكم شرعي وهو عدم القصر. # الثاني: الإخبار عن أمر وجودي وهو النسيان، وأحد هذين PageV03P280 # الأمرين لا يجوز فيه السهو، وهو الإخبار عن الأمر الشرعي، والآخر متحقق ~~عند ذي اليدين، فلزم أن يكون بعض ذلك كما ذكر. # السابعة: أن الأفعال ms0585 الكثيرة التي ليست من جنس أفعال الصلاة إذا وقعت ~~سهوا لا تبطل الصلاة بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - جرى منه أفعال ~~كثيرة: مشيه - صلى الله عليه وسلم - إلى منزله، وإتيانه جذعا في قبلة ~~المسجد واستناده إليها لما خرج سرعان الناس، وكلامه لذي اليدين وغيرهم، ~~وتقدمه لإتمام ما بقي من صلاته. # وفي هذه المسألة وجهان لأصحابنا: أصحهما: عند المتولي عدم البطلان. # قال النووي [في] (¬1) "تحقيقه": وهو المختار والمشهور في المذهب: ~~البطلان، وهو مشكل، وتأويل الحديث صعب على القائل # بهذا. # أما الأفعال القليلة أو الكثيرة المتفرقة: فإنها لا تبطل قطعا، خصوصا إن ~~كانت لعذر. # الثامنة: جواز البناء على الصلاة بعد السلام سهوا، وجمهور العلماء عليه. # وذهب سحنون من المالكية: إلى أن ذلك إنما يكون إذا سلم من ركعتين، على ما ~~ورد في الحديث، ولعله رأى أن البناء بعد قطع الصلاة ونية الخروج منها على ~~خلاف القياس، وإنما ورد النص في PageV03P281 # هذه الصورة المعينة وهو السلام من اثنتين، فيقتصر على مورد النص، ويبقى ~~فيما عداه على القياس. # والجواب عنه كما قال الشيخ تقي الدين (¬1): إنه إذا كان الفرع مساويا ~~للأصل لحق به، وإن خالف القياس عند بعض أهل الأصول، وقد علمنا أن المانع ~~لصحة الصلاة إن كان هو الخروج منها بالنية والسلام، وهذا المعنى قد ألغي ~~عند ظن التمام بالنص # ولا فرق في النسبة إلى هذا المعنى بين كونه بعد ركعة أو ركعتين أو ثلاث، ~~أي فإذا الفرع في معنى الأصل بلا فرق، فإن الأصل في جواز البناء إذا سلم ~~سهوا فإذا الحديث، وهو ركعتان، وفرعه السلام من ركعة أو ثلاث، فهو في معنى ~~الأصل، ومساو له كما قرره الشيخ. # التاسعة: تقدير القرب في جواز البناء بما ورد في هذا الحديث، وما عداه ~~طويل فلا يجوز فيه البناء، وهو وجه عندنا، وهو قوي خصوصا على رواية من روى ~~أنه - عليه الصلاة والسلام - وصل إلى منزله ثم خرج منه. # والأصح عندهم: اتباع العرف وقدره بعضهم بمقدار الصلاة، وبعضهم: بمقدار ~~ركعة، وأبى ذلك بعض ms0586 المتقدمين، وقال: يجوز البناء وإن طال ما لم ينتقض فيه ~~وضوء. روي ذلك عن ربيعة، وقيل نحوه عن مالك، وليس ذلك بمشهور عنه. # العاشرة: شرعية سجود السهو. PageV03P282 # الحادية عشرة: أن سجود السهو سجدتان كسجود الصلاة. # الثانية عشرة: أنه في آخر الصلاة للاتباع. # وقيل: في حكمة كونه في آخرها: احتمال طرآن سهو آخر فيكون جابرا للكل، ~~ويتفرع على ذلك أنه لو سجد ثم تبين أنه لم يكن في آخر الصلاة لزمه إعادته ~~في آخرها، ويتصور ذلك في صورتين. # إحداهما: أن يسجد للسهو في الجمعة، ثم يخرج الوقت وهو في السجود الأخير ~~فيلزمه إتمام الظهر ويعيد السجود. # والثانية: أن يكون مسافرا فيسجد للسهو، وتصل به السفينة إلى الوطن أو ~~ينوي الإقامة ويتم ويعيد [السجود] (¬1). # الثالثة عشرة: أن سجود السهو يتداخل، ولا يتعدد بتعدد أسبابه، فإنه قد ~~تعدد في هذا الحديث القول والفعل، ولم يتعدد السجود، وهذا مذهب جمهور ~~العلماء. # ومنهم من قال: بتعدده. # ومنهم: من فوق بين اتحاد الجنس وتعدده، فإن اتحد لم يتعدد وإلا تعدد، ~~وهذا الحديث دليل على خلاف هذا المذهب، فإنه قد تعدد الجنس بالقول والفعل، ~~ولم يتعدد السجود (¬2). PageV03P283 # وقال ابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي سلمة: إن كان أحدهما محله قبل ~~السلام والآخر بعده لم يتداخلا، ويسجد قبل السلام لما يختص بما قبله، وبعد ~~السلام لما يختص بما بعده. # الرابعة عشرة: أن محل سجود السهو بعد السلام، وقد تقدم؟ اختلاف العلماء ~~في ذلك في الوجه التاسع، وتقرير مذهبنا وتأليف الأحاديث عليه والأحاديث ~~ثابتة في السجود: بعد السلام في الزيادة وقبله في النقص، وعلى ذلك جمع مالك ~~بينها والذين قالوا بأن الكل قيل السلام كالشافعي ومن وافقه، واعتذروا PageV03P284 # عن الأحاديث التي جاءت بعد السلام بوجوه. # أحدها: دعوى النسخ لوجهين. # إحداهما: أن الزهري قال: إن آخر الأمرين من فعله - عليه الصلاة والسلام - ~~قبل السلام (¬1). # الثاني: إن الذين رووه قبل السلام من متأخري الإسلام وأصاغري الصحابة. ~~وقد اعترض على الأول بأن رواية الزهري مرسلة (¬2) ولو كانت مسندة فشرط ~~النسخ التعارض ms0587 باتحاد المحل (¬3)، ولم يقع ذلك مصرحا به في رواية الزهري، ~~فيحتمل أن يكون الآخر هو السجود قبل السلام لكن في محل النقص، وإنما يقع ~~التعارض المحوج إلى النسخ لو تبين أن المحل واحد ولم يتبين ذلك (¬4). # واعترض على الثاني بأن تقدم الإسلام والكبر لا يلزم منه تقدم PageV03P285 # الرواية حال التحمل، بل قد يكون قبلهما، ثم رووه بعدهما (¬1). # الوجه الثاني: تأويلها على أن المراد بالسلام السلام على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الذي في التشهد، أو يكون تأخيرهما بعده على سبيل السهو، ~~وهما بعيدان. [لسبق الفهم في] (¬2) السلام إلى الذي يقع به التحلل، لا الذي ~~في التشهد (¬3)، والأصل عدم السهو [وتطرقه] (¬4) إلى الأفعال الشرعية من ~~غير دليل غير سائغ. وأيضا فهو مقابل بعكسه، وهو أن يقول الحنفي: محله بعد ~~السلام وتقديمه قبله على سبيل السهو. # الوجه الثالث: الترجيح بكثرة الرواة، وهو إن صح فالاعتراض عليه بأن طريقة ~~الجمع أولى من طريقة الترجيح، لأنه إنما يصار إليه عند عدم إمكان الجمع، ~~وأيضا فلا بد من النظر في محل التعارض، واتحاد موضع الخلاف من الزيادة ~~والنقصان. PageV03P286 # وأما القائلون: بأن محله بعد السلام مطلقا اعتذروا عن الأحاديث المخالفة ~~لذلك بالتأويل: إما بأن المراد بقوله قبل السلام: [السلام] (¬1) الثاني، أو ~~بأن المراد بعد السلام: السلام الثاني، أو بأن المراد بقوله: وسجد سجدتين ~~سجود الصلاة، وما ذكره الأولون من احتمال السهو عائد هنا والكل ضعيف، كما ~~قاله الشيخ تقي الدين قال: والأول يبطله أن سجود السهو لا يكون إلا بعد ~~التسليمتين اتفاقا. # وذهب أحمد بن حنبل إلى الجمع بين الأحاديث بطريق أخرى غير ما ذهب إليه ~~مالك، وهو أن يستعمل كل حديث فيما ورد فيه، وما لم يرد فيه حديث فمحل ~~السجود فيه قيل السلام، وكان هذا نظر إلى أن الأصل في الجائز: أن يقع في ~~المجبور فلا يخرج عن هذا الأصل إلا في مورد النص، ويبقى فيما عداه على ~~الأصل، وهذا المذهب مع مذهب مالك متفقان في طلب الجمع، وعدم سلوك طريق ~~الترجيح لكنهما اختلفا ms0588 في وجه الجمع، ويترجح قول مالك بذكر المناسبة في ~~الفرق بين الزيادة والنقصان، وإذا ظهرت المناسبة وكان الحكم على وفقها كانت ~~علة، وإذا كانت علة عم الحكم في جميع محالها، فلا يتخصص ذلك بمورد النص ~~(¬2). PageV03P287 # الخامسة عشرة: أن حكم سهو الإمام يتعلق بالمأمومين يسجدون معه، وإن لم ~~يسهوا بدليل أن القوم سجدوا معه - صلى الله عليه وسلم - لسهوه في هذا ~~الحديث لما سجد، وهذا إنما يتم في حق من لم يتكلم من الصحابة، ولم يمش، ولم ~~يسلم إن كان كذلك. # السادسة عشرة: أن التكبير في سجود السهو كما في سجود الصلاة. # السابعة عشرة: أنه لا يشرع التشهد بعد سجود السهو، فإنه لم يذكر في هذا ~~الحديث فدل على عدمه في الحكم، وقد فعل العلماء في استدلالهم ذلك كثيرا، ~~فيقولون: لو كان لذكر. وقد اختلف أصحاب مالك فيه إذا كان سجود السهو قبل ~~السلام. # قال الشيخ تقي الدين (¬1): فقد يستدل بتركه على ذلك. # قلت: لكنه قد صح من حديث عمران، كما سأذكره لك في الحديث الثاني فاستفده. # الثامنة عشرة: جواز رجوع المصلي في قدر صلاة نفسه إلى قول غيره إماما كان ~~أو مأموما، وهو وجه عندنا، والجمهور على خلافه. # وقالوا: لا يعمل المصلي إلا على يقين نفسه، إلا أن يكون المخبرون ممن ~~يحصل اليقين بقولهم، وهو أن يبلغوا حد التواتر. # وأجابوا: عن هذا الحديث بأن سؤاله - عليه الصلاة PageV03P288 # والسلام - لهم ليتذكر لا رجوعا إلى قوله، فلما ذكروه ذكر السهو، فبنى ~~عليه، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره رجع إليه لما قال ذو ~~اليدين حين قال له - عليه الصلاة والسلام -: "لم أنس ولم تقصر" فإن لم يفد ~~خبرهم العلم فذكر ابن القصار في ذلك عن مالك قولين: الرجوع إلى قولهم ~~وعدمه، وبالأول قال ابن حبيب، وبالثاني قال ابن مسلمة. # قال صاحب القبس: ثبت في أبي داود في هذا الحديث بعينه: "فلم يرجع حتى ~~يقنه الله تعالى" (¬1). # قال القرطبي: في (شرحه) (¬2) وهل يشترط في المخبر عدد، لأنه من باب ~~الشهادة ms0589 أو لا لأنه من باب قبول الخبر؟ قولان: الأول: لأشهب وابن حبيب، ولا ~~حجة في هذا الحديث على اشتراط العدد لما ستعلمه قريبا. # التاسعة عشرة: في هذا الحديث تشبيك الأصابع في المسجد، وبه احتج البخاري ~~على الإباحة (¬3)، وكرهه قوم كما في الصلاة لأنه # محلها، وقد أفردت الكلام على هذه المسألة في جزء مع الجواب عما عارضه. PageV03P289 # العشرون: ادعى بعضهم: أن فيه دلالة على أن المحدث إذا أنكر الحديث وخالفه ~~راويه عنه: إن رواية الفرع مقبولة، وهو مذهب # الجمهور خلافا لأبي حنيفة. # الحادية والعشرون: ادعى بعضهم أيضا: أن فيه أن خبر الواحد ليس بحجة، لأن ~~خبر ذي اليدين لم يعمل به وحده حتى انضم إليه خبر غيره. # وجوابه: أن ثم قرينة منعت من العمل به، وهو كون الواقعة في جمع عظيم، ~~وانفراد الواحد منهم يمنع من العمل به لوجود المعارض. # الثانية والعشرون: قال القاضي عياض (¬1): فيه حجة لمالك على أبي حنيفة: ~~في أن الحاكم إذا نسي حكمه فشهد عنده شاهدان # بحكمه أنه يمضيه. # وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يمضيه حتى يتذكره، ولا تقبل الشهادة إلا على ~~غيره لا على نفسه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد رجع عما قطع به أنه لم ~~يكن إلى أن كان بما شهد عنده من خلفه. قال: وقيل: إنما كان رجوعه إلى ما ~~يقنه [الله] (¬2) لا ليقين من خلفه، هذا كلامه، ولك أن تقول: باب الشهادة ~~أضيق من باب الخير، فلا يقاس عليه، والذي في حديث ذي اليدين إنما هو خبر. # وقال القرطبي (¬3): هذا إنما يتم لمالك إذا سلم له أن رجوعه PageV03P290 # للصلاة إنما كان لأجل الشهادة، لا لأجل تيقنه ما كان قد نسيه (¬1). # الثالثة والعشرون: قال الباجي (¬2) من المالكية: اختلف عندنا فيمن سلم ثم ~~قام من مجلسه. فذهب ابن القاسم إلى أنه يجلس ثم يقوم ويتم صلاته. # وقال ابن نافع: لا يجلس. # وقال ابن حبيب: لو سلم من ركعتين أو ثلاث دخل بإحرام ولم يجلس. # قلت: وظاهر قوله في الحديث: "فتقدم فصلى ما ترك" يدل ms0590 للثاني. # الرابع والعشرون: إنما هاب الصديق والفاروق أن يكلماه لما غلب عليهما من ~~احترامه وتعظيمه وإكبار مقامه الشريف مع علمهما، # بأنه سيبين أمر ما وقع. # قال القرطبي (¬3): ولعله بعد النهي عن السؤال وإقدام ذي اليدين على ~~السؤال دليل على حرصه على تعلم العلم وعلى اعتنائه بأمر الصلاة. # الخامسة والعشرون: أن اليقين لا يدفع إلا بيقين بدليل أن ذي اليدين لما ~~كان متيقنا أن فرض الصلاة أربع ركعات [لم] (¬4) ينته PageV03P291 # حتى استفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل قصرت الصلاة أم لا؟ وذلك ~~للشك المعارض عنده فدفعه باليقين، ورجع إلى ما قطع عنه الشك. # السادسة والعشرون: أن من ادعى شيئا من الجماعة انفرد به لم يقبل قوله إلا ~~بعد سؤال الجماعة وموافقتهم له. وجعله العلماء أصلا فيمن ادعى رؤية الهلال ~~في يوم الصحو وانفرد بذلك دون الناس، وقد قال سحنون: هؤلاء شهود سوء. # قلت: يجاب عن هذا خروجه بالنص الصحيح فيه. # واعلم أن ابن العربي وصل فوائد هذا الحديث إلى مائة وخمسين فائدة في كتاب ~~"النيرين" (¬1). # قال الفاكهي: والفوائد الظاهرة منه أربع. # الأولى: أن النسيان لا يعصم منه أحد. # الثانية: أن اليقين لا يدفع إلا بيقين. # الثالثة: أن من ادعى شيئا انفرد به لا يقبل عن الجماعة إلا بعد سؤالهم. # الرابعة: الكلام في الصلاة (¬2). # قلت: وأنت إذا تأملت ما ذكرته لك وجدت فوائده الظاهرة أكثر من هذا. والله ~~الموفق. # ... PageV03P292 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 107/ 2/ 19 - عن عبد الله ابن بحينة، وكان من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الظهر فقام في ~~الركعتين الأوليين ولم يجلس فقام الناس معه حتى إذا قضى صلاته وانتظر الناس ~~تسليمه كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # إحداها: في التعريف براويه، وقد سلف في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # ثانيها: قوله: "ولم يجلس" كذا في الكتاب -بالواو وفي مسلم بالفاء-. # قال القاضي: وليس في الحديث نص يدل على أنه متى ms0591 PageV03P293 # تنبه - صلى الله عليه وسلم - أقبل الركوع أم لا؟ لكن قوله: "فلم يجلس" ~~يدل لمجيء فاء التعقيب بعد ذكر القيام أنه لم يرجع إلى الجلوس بعد التنبيه له. # ثالثها: فيه دليل على أن السجود قبل السلام: إما مطلقا كما يقوله ~~الشافعي، وإما في النقص كما قاله مالك. # رابعها: فيه دليل أيضا على أن التشهد الأول والجلوس له ليسا بركنين في ~~الصلاة ولا واجبين، إذ لو كانا واجبين لما جبرهما بالسجود، وبهذا قال مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة. # وقال أحمد: في طائفة قليلة: هما واجبان، وإذا سها جبرهما بالسجود على ~~مقتضى الحديث. # خامسها: [فيه] (¬1) أنه يشرع التكبير لسجود السهو، وهذا مجمع عليه. # واختلفوا فيما إذا فعلهما بعد السلام: هل يتحرم ويتشهد ويسلم أم لا؟. # والصحيح: عندنا أنه يسلم ولا يتشهد. # وذهب الحسن: إلى نفيهما، وروي ذلك عن أنس. # وذهب النخعي: إلى إثبات التشهد دون السلام. # وذهب عطاء: إلى التخيير في ذلك. # وذهب مالك: إلى أنه يتشهد ويسلم في سجوده بعد السلام، PageV03P294 # واختلف قوله: هل يجهر لسلامهما كسائر الصلوات أم لا؟ وهل يحرم لهما أم لا؟ # قال القرطبي (¬1): وأولى الروايتين عن مالك أن هذا التكبير للإحرام لا ~~للسجود قال: ولا بد من بينة، لأنه قد انفصل عن حكم الصلاة. # قال النووي في (شرحه) (¬2): وثبت السلام لهما إذا فعلتا بعد السلام في ~~حديث ابن مسعود وحديث ذي اليدين قال: ولم يثبت في التشهد حديث، كذا ادعاه. # وقال في (شرح المهذب) (¬3) أيضا: أنه لم يصح فيه حديث. وتبعه تلميذه ابن ~~العطار في "شرحه"، وليس كما ذكرا، ففي سنن أبي داود (¬4) والترمذي (¬5) من ~~حديث عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم فجرا فسجد ~~سجدتين، ثم تشهد وسلم. قال الترمذي: حسن غريب، وأخرجه ابن حبان أيضا في ~~صحيحه (¬6)، ولفظه: أنه PageV03P295 # -عليه الصلاة والسلام- "صلى بهم فسجد سجدتي السهو، ثم تشهد وسلم". # سادسها: استدل بهذا الحديث على أن ترك التشهد الأول بمفرده موجب للسجود، ~~وفيه نظر لاحتمال أن يكون مرتبا على ترك الجلوس له. وجاء ms0592 هذا من الضرورية ~~الوجودية، نبه عليه الشيخ تقي الدين (¬1). PageV03P296 # سابعها: فيه دليل على متابعة الإمام عند القيام عن هذا الجلوس، وهو ظاهر ~~على قول من يقول: إن الجلوس الأول سنة (¬1)، فإن ترك السنة للإتيان بالواجب ~~واجب، ومتابعة الإمام واجبة. # ثامنها: فيه دليل أيضا على أنه إذا سها سهوين أو أكثر أنه يكفيه سجدتان ~~(¬2). PageV03P297 # تاسعها: فيه التعبير بالأكثر عن الجملة فإن قوله: "قضى صلاته"، إنما يصدق ~~حقيقة بالتسليم، إذ التسليم وإن كان مخرجا من الصلاة فهو من جملتها: ~~كالتكبير للافتتاح. # واعلم أن الكلام على هذا الحديث والذي قبله منحصر في نفس السجود [وفي ~~أسبابه] (¬1). والأول في محله وتكرره وصفته وحكمه، ولا يخفى عليك ذلك مما ~~قررناه لك فيهما فتدبره. PageV03P298 ### || AUTO 20 - باب المرور بين يدي المصلي # ذكر فيه أربعة أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 108/ 1/ 20 - عن أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري - رضي الله عنه - ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعلم المار بين يدي ~~المصلي. ماذا عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين خيرا له، من أن يمر بين ~~يديه" (¬1). # قال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يوما أو شهرا أو سنة (¬2). PageV03P299 # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه هو عبد الله بن جهيم كما ذكره ابن بن جهيم عبد ~~البر (¬1)، قال: ويقال إنه ابن أخت أبي بن كعب قال: ولست أقف على نسبه في ~~الأنصار، وفرق [أبو] (¬2) عمر بينه وبين أبي جهيم بن الحارث بن الصمة ~~وغيره. قال: هما واحد، وقد # أوضحت ذلك فيما أفردته من الكلام على رجال هذا الكتاب. # وأما أبو النضر المذكور: فهو راوي الحديث عن بسر بن سعيد عن أبي جهيم، ~~واسمه سالم بن أبي أمية، وهو تابعي ثقة، مات سنة تسع وعشرين ومائة. PageV03P300 # الوجه الثاني: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "المار" مفهومه أن القائم ~~والقاعد والنائم وغيره بخلافه، وأنه لا إثم عليه. # الثالث: قوله: "بين يدي المصلي" فيه التعبير بالبعض عن الكل عكس ما ~~قدمناه في الحديث الذي قبل هذا الباب. ms0593 # قيل: وإنما عبر باليدين لما كان أكثر عمل الإنسان بهما؛ حتى نسب الكسب ~~إليهما في نحو: بما كسبت يداك وأشباهه. # الرابع: قوله: "من الإثم" "من" فيه لبيان الجنس. # وقوله: "خيرا" روي بالنصب والرفع على أنه اسم كان أو خبرها، وهو ظاهر (¬1). # ومعناه: لاختار وقوف هذه المدة على ما عليه من الإثم. وروى البزار (¬2): ~~"أربعين خريفا" وذكر ابن أبي شيبة (¬3) فيه: "لكان PageV03P301 # أن يقف مائة عام خير له [من الخطوة التي خطا] " (¬1)، وكل هذا تغليظ ~~وتشديد. # واعلم أن قوله: "من الإثم" هو في بعض روايات أبي ذر عن أبي الهيثم في ~~صحيح البخاري فقط، فتنبه له (¬2). # الخامس: وقع الإبهام في تمييز العدد ليكون أردع عن المرور بين يدي ~~المصلي، لكن قد ورد مفسرا في رواية أخرى كما PageV03P302 # سبق (¬1) [] (¬2) هذا إذا لم يكن المصلي متعديا بوقوفه في الصلاة بأن ~~يصلي في طريق الناس أو في غيرها إلى غير سترة ونحوها. ثم للمار أربعة أحوال: # أولها: أن يكون له مندوحة عن المرور، ولم يتعرض المصلي لذلك، فالإثم خاص ~~بالمار إن مر. # ثانيها: أن يتعرض المصلي لمرور الناس عليه، وليس للمار مندوحة عن المرور، ~~فالإثم خاص بالمصلي دون المار. # ثالثها: أن يتعرض وللمار مندوحة، فيأثمان: أما المصلي فلتعرضه، وأما ~~المار فلمروره مع إمكان أن لا يفعل. # رابعها: أن لا يتعرض المصلي ولا يكون للمار مندوحة فلا يأثم واحد منهما ~~وقد جمع ذلك ابن الحاجب في قوله: ويأثم المصلي إن تعرض والمار وله مندوحة، ~~وذكر ابن عبد البر أن إثم PageV03P303 # المار أشد من إثم الذي يدعه يمر بين يديه. والمشهور عند المالكية أن ~~السترة حيث يأمن المرور مطلوبه. # قال أبو الطاهر: وسبب الخلاف أن السترة هل جعلت حريما للصلاة حتى يقف ~~عندها ولا يتعداها، أو حذرا من المرور المشغل له. قال: فإن قلنا بالعلة ~~الأولى وجبت السترة وإن أمن المرور، وإن قلنا بالثاني لم تجب مع الأمن. # قال القاضي عياض: واختلفوا هل سترة الإمام نفسها، ستره لمن خلفه، أم هي ~~سترة له خاصة وهو سترة ms0594 لمن خلفه؟ مع الاتفاق على أنهم مصلون إلى سترة. # السابع: فيه النهي الأكيد والزجر الشديد عن المرور بين يدي المصلي [إذا ~~لم يكن المصلي] (¬1) متعديا لما فيه من شغل قلبه عما هو بصدده والدخول بينه ~~وبين ربه. # الثامن: ظاهر الحديث عموم النهي في كل مصل، وخصه بعض المالكية بالإمام ~~والمنفرد، وأن المأموم لا يضره من يمر بين يديه على كراهة في ذلك وهو بعيد ~~(¬2). PageV03P304 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 109/ 2/ 20 - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد ~~أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، إنما هو شيطان" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: والتعريف براويه سلف في باب الآذان. # الأول: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من ~~الناس" هو عام في كل ما يستره من جماد وحيوان في كل شيء إلا ما ثبت المنع ~~من استقباله من آدمي، أو ما أشبه الصنم المصمود إليه وما في معنى ذلك، وقد ~~كره ذلك بعض الفقهاء، وكرهه مالك في المرأة. PageV03P305 # وقال المتولي: لو تستر بآدمي أو حيوان لم يستحب له ذلك لأنه يشبه عبادة ~~من يعبد الأصنام. # وقال الشافعي في البويطي: لا يستتر بامرأة ولا دابة [فإن] (¬1) قوله في ~~المرأة (¬2) فظاهر، لأنها ربما شغلت ذهنه، وأما الدابة ففي # الصحيحين (¬3) عن ابن عمر أنه - عليه الصلاة والسلام -: "كان PageV03P306 # يعرض راحلته فيصلي إليها"، زاد البخاري في رواية: "وكان ابن عمر يفعله" ~~ولعل الشافعي لم يبلغه هذا الحديث، وهو صحيح لا معارض له، فتعين العمل به، ~~لا سيما وقد أوصانا الشافعي بأنه إذا صح حديث فهو مذهبه. # فائدة: إذا صلى إلى سترة فالسنة أن يجعلها مقابلة يمينه أو شماله، ولا ~~يصمد لها أي يجعلها تلقاء وجهه (¬1). PageV03P307 # الثاني: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فليدفعه" هذا الأمر الظاهر فيه ~~الوجوب، لكن اتفق العلماء على أنه أمر ندب متأكد. # قال النووي (¬1): ولا أعلم أحدا من العلماء أوجبه بل صرح أصحاب ms0595 الشافعي ~~وغيرهم بأنه مندوب غير واجب، وجاء في رواية لمسلم: "فليدفعه في نحره". # الثالث: هذا لمن لم يفرط في ترك الصلاة إلى سترة، أما إذا فرط بترك ~~الصلاة إليها أو تباعد عنها على قدر المشروع فمن مر وراء موضع السجود لم ~~يكره، وإن مر موضعه كره، ولكن ليس للمصلي أن يقاتله، وعلة ذلك تقصيره حيث ~~لم يقرب من السترة. نقل القاضي عياض: اتفاق العلماء على ذلك. قال: وكذلك ~~اتفقوا على أنه لا يجوز للمصلي المشي إليه ليدفعه، وإنما يدفعه ويرده من ~~موقفه إما بإشارة أو بشيء، لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مرور المار من ~~بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من موقفه، ولهذا أمر المصلي ~~بالقرب من PageV03P308 # سترته (¬1)، وإنما يرده إذا كان بعيدا بالإشارة أو التسبيح. قال: وكذلك ~~اتفقوا على أنه إذا مر لا يرده لئلا يصير مرورا ثانيا إلا شيئا # روى عن بعض السلف أنه يرده وتأوله بعضهم. PageV03P309 # وقال صاحب القبس (¬1): إنما يدفعه إذا مر في موضع سجوده خاصة سواء وضع ~~بين يديه سترة أم لا، وما ذكره في الثاني ليس # بجيد. # الرابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فليقاتله" ليس المراد بها ~~المقاتلة بالسلاح، ولا بما يؤدي إلى الهلاك بالإجماع، لأن ذلك مخالف [لما ~~علم] (¬2) من قاعدة: الإقبال على الصلاة، والاشتغال بها، والسكون فيها، ~~ولما علم من تحريم دم المسلم وعظم حرمته، وإنما المراد: قوة المنع له على ~~المرور بحيث لا ينتهى إلى الأعمال المنافية للصلاة. # قال القرطبي في شرحه (¬3): ولا يلتفت لقول آخر ومتأخر لم يفهم سرا من ~~أسرار الشريعة، ولا قاعدة من قواعدها. # قال أصحابنا: فيرده إذا أراد المرور بين يديه بأسهل الوجوه، فإن أبى ~~فبأشد منه، وإن أدى إلى قتله فلا شيء عليه: كالصائل عليه لأخذ نفسه أو ~~ماله، وقد أباح له الشرع مقاتلته، وهي مباحة، فلا ضمان فيها فلو قاتله بما ~~يجوز قتاله به فهلك، فلا قود عليه باتقاق العلماء. # وهل تجب دية أم يكون هذا هدرا؟ فيه مذهبان للعلماء، وهما ms0596 قولان في مذهب ~~مالك، وصحح الماوردي من أصحابنا وجوب PageV03P310 # الدية. وروي عن عثمان (¬1) - رضي الله عنه - أنه رفع إليه إنسان دفع مارا ~~بين يديه فكسر أنفه، فقال: لو تركه لكان أهون، ولم يذكر أنه ألزمه الدية. # وقال الباجي (¬2): يحتمل أن يكون المراد هنا بالمقاتلة اللعنة، والقتال ~~بمعنى اللعنة جاء في قوله تعالى: {قتل الخراصون (10)} (¬3)، ويحتمل أن يكون ~~معناه: فليعنفه. # قلت: وفي الأول نظر: "فلعن المؤمن: كقتله" (¬4). # وقال صاحب القبس (¬5): حريم المصلي إذا لم يكن سترة مقدار ما يستقل فيه ~~قائما وراكعا وساجدا، قال: وذهب بعض العلماء إلى # أنه إذا صلى إلى غير سترة لا يمر أحد بين يديه بمقدار رمية سهم. # وقيل: رمية حجر. # وقيل: مقدار رمح. # وقيل: مقدار المطاعنة. # وقيل: المضاربة بالسيف. قال: وهذا كله أوقعهم فيه قوله: PageV03P311 # "فليقاتله". فحملوه على جميع أنواع المقاتلة، ولم يفهموا أن القتل لغة ~~المدافعة كانت بيد أو بآلة، حتى قال بعضهم: وباللسان، وليس بصحيح، لما ثبت ~~عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصيام: "فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني ~~صائم" (¬1) ففرق بين المشاتمة التي هي راجعة إلى القول وبين المقاتلة، فدل ~~على عدم دخول أحدهما تحت الآخر. # الخامس: في الحديث دليل على جواز العمل في الصلاة لمصلحتها من غير كراهة. # السادس: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فإنما هو شيطان" يعني أن امتناعه ~~من الرجوع عن المرور فعل من أفعال الشيطان، فأشبه فعله فعله، لأن الشيطان ~~بعيد من الخير وقبول السنة. # وقيل: إنما حمله على المرور [و] (¬2) الامتناع من الرجوع الشيطان. # وقيل: المراد بالشيطان القرين، كما في الحديث: "فإن معه القرين" (¬3). PageV03P312 # السابع: فيه جواز إطلاق لفظ الشيطان في مثل هذا. # الثامن: فيه التنبيه على: عظم رتبة الصلاة، ومناجاة الرب -تعالى- واحترام ~~المصلي، وعدم تعاطي أسباب تهويش قلبه وشغله عما هو بصدده، فإنها حالة ~~عظيمة، ومقام كريم خاص بالله -تعالى-. # [التاسع] (¬1): الشيطان مأخوذ من شطن إذا بعد. # وقيل: من شاط إذا احترق، والأول أصح، وعليهما يبنى الصرف وتركه، فتصرف ~~على شطن لأصالة [النون] (¬2) ولا يصرف على ms0597 شاط لزيادتها. PageV03P313 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 110/ 3/ 20 - عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "أقبلت راكبا على حمار ~~أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت ~~الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: والتعريف براويه سبق في باب الاستطابة. # الأول: "الأتان" الأنثى من جنس الحمير، ولا تقل: أتانة. وحكى عن يونس ~~وغيره: أتانة وعجوزة وفرسة ودمشقة في دمشق. PageV03P314 # فقوله في هذه الرواية: "على حمار أتان" هي رواية إطلاق البخاري، كما ذكره ~~النووي في "شرح مسلم" (¬1)، وهو بدل من حمار وتبعد فيه الوصفية، ولمسلم ~~روايتان إحداهما "أتان" والأخرى "حمار"، فرواية البخاري فيها استعمال ~~[للفظ] (¬2) الحمار فيما يعم الذكر والأنثي، وبين أنه أنثى، ومثله لفظ ~~الشاة والإنسان. # قال الجوهري: وربما قالوا للإتان حمارة. # وقال المحب الطبري في "أحكامه": حمار أتان بتنوين الحرفين. # وقال بعضهم: إنما هو على الإضافة. # الثاني: قوله "ناهزت الاحتلام" أي قاربته ودانيته: والاحتلام معروف، وهو ~~البلوغ. # وحده عندنا بالسن: خمس عشرة [سنة] (¬3) وهو رواية عن مالك وأخرى عنه سبع ~~عشرة، والمشهور عنه ثماني عشرة، وأما الإنبات ففيه ثلاثة أقوال عندهم. # ثالثها: يعتبر في الجهاد ولا يعتبر في غيره، ومذهبنا أنه علامة في حق ~~الكافر دون المسلم. PageV03P315 # وقوله: هنا " [قاربت] (¬1) الاحتلام" يؤيد قول من قال: إن ابن عباس ولد ~~قبل الهجرة بثلاث سنين وأنه ابن ثلاث عشرة عند موته - صلى الله عليه وسلم - ~~خلافا لمن قال: عمره عشر سنين عند موته - عليه الصلاة والسلام -. وروى سعيد ~~بن جبير عنه أنه كان عمره إذ ذاك خمس عشرة، وقال الإمام أحمد: أنه الصواب ~~وقد قدمت هذا الخلاف في ترجمته في باب الاستطابة (¬2). # وفائدة قول ابن عباس "ناهزت الاحتلام" والله أعلم التوكيد لهذا الحكم حتى ~~لايظن أن عدم الإنكار سببه الصغر وعدم التمييز. # الثالث: معنى "ترتع" ترعى، يقال: رتعت الإبل إذا رعت يقال: خرجت تلعب ~~فترتع أي تنعم وتلهو، وأرتع ms0598 الغيث أي أثبت ما رتع فيه الإبل (وترتع بكسر ~~التاء [يفتعل] (¬3) في الرعي) (¬4). PageV03P316 # الرابع: "منا" الأجود صرفها [وتركه] (¬1) وكتابتها بالألف وتذكيرها. # وسميت منا: لما يمنى بها من الدماء أي يراق، ومنه قوله تعالى: {من مني ~~يمنى (37)} (¬2) [وقيل: غير ذلك] (¬3). # الخامس: في هذه الرواية: "أنه رآه يصلي بمنا" وفي رواية لمسلم "بعرفة" ~~وهو محمول على أنهما قضيتان (¬4). # السادس [: في الحديث دليل على ركوب الصبي المميز الحمار وما في معناه وأن ~~الولي لا يمنعه من ذلك. # السابع:] (¬5) فيه دليل أيضا على صحة صلاة الصبي. # الثامن: فيه أيضا أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، كذا استنبطه النووي في ~~شرحه منه، وتوبع عليه، وليس في الحديث تعرض لها كما ستعلمه في الوجه ~~[الثاني] (¬6) عشر. PageV03P317 # التاسع: فيه أيضا جواز إرسال الدابة من غير حافظ أو مع حافظ غير مكلف. # العاشر: فيه أيضا احتمال بعض المفاسد لمصلحة أرجح منها، فإن المرور أمام ~~المصلين مفسدة والدخول في الصلاة وفي الصف مصلحة راجحة، فاغتفرت المفسدة ~~للمصلحة الراجحة من غير إنكار. # الحادي عشر: قوله: "فلم ينكر ذلك علي أحد" (¬1) استدلاله PageV03P318 # على عدم بطلان الصلاة لمروره بعدم الإنكار منهم لفعله. لفائدتين: # الأولى: أنه غير مؤاخذ بفعله وبمرور الحمار بين يدي الصف، أما فعله فإنه ~~لو كان في سن الصغر وعدم التمييز لاحتمل أن يكون عدم الإنكار عليه لعدم ~~مؤاخذته [لسبب] (¬1) صغر سنه، لكنه نبه عليه بقوله: "ناهزت الاحتلام"، ~~تأكيدا لعدم بطلان الصلاة بمرور من هو في هذا السن، ولم يستدل بعدم ~~استئنافهم الصلاة بدلا عن عدم إنكارهم لأنه أكثر فائدة، فأنه إذا دل عدم ~~إنكارهم على أن هذا الفعل غير ممنوع من [يفعله] (¬2) دل على عدم إفساده ~~الصلاة إذ لو أفسدها لامتنع إفساد صلاة الناس على المار، ولا ينعكس هذا وهو ~~أن يقال لو لم تفسد لم يمتنع على المار لجواز أن لا يفسد الصلاة، ويمتنع ~~المرور على المار، كما يقول في مرور الرجل بين يدي المصلي حيث يكون له ~~مندوحة عنه إنه يمتنع عليه المرور، وإن لم تفسد الصلاة ms0599 على المصلي، فثبت ~~بهذا أن عدم الإنكار دليل على الجواز، والجواز دليل على عدم الإفساد [فإنه] ~~(¬3) لا ينعكس، فكان الاستدلال بعدم الإنكار أكثر فائدة من الاستدلال بعدم ~~استئنافهم الصلاة. # الثاني عشر: مرور الحمار بين يدي المصلي لا يخلو إما أن PageV03P319 # يكون المصلي إماما أو غيره، فإن كان إماما فلا يخلو أن يصلي إلى سترة أو ~~إلى غير سترة، فإن كان إلى سترة فهي سترة لمن وراءه، فالمرور وقع في هذا ~~الحديث بين يدي بعض الصف لا كله، والإمام سترة للكل فلا يضر، وإن كان إلى ~~غير سترة فالأكثرون من الفقهاء على أنه لا تفسد الصلاة بمرور شيء بين يديه، ~~وظاهر هذا الحديث يدل عليه لقوله: "بغير جدار" (¬1)، ولو كان ثم سترة غيرها ~~من غيره لذكرها، وإن كان لا يلزم [من عدم الجدار عدم [السترة] (¬2) لأنه PageV03P320 # لا يلزم] (¬1) من عدم الأخص عدم الأعم، والمأموم بطريق الأولى والمنفرد كذلك. # وقد وردت أحاديث معارضة لذلك، منها ما دل على قطع الصلاة، بمرور المرأة، ~~والحمار، والكلب الأسود. وهو صحيح أخرجه مسلم (¬2) من حديث أبي ذر وفيه: ~~"أن الكلب الأسود شيطان" ووجه ذلك في المرأة أنها تقبل وتدبر في صورة ~~شيطان، وأنها من مصائد الشيطان وحبائله. وأما الحمار فقد تعلق الشيطان به ~~في دخول السفينة وإنهاقه عند رؤيته. # ومنها: ما دل على قطعها بمرور اليهودي والنصراني والمجوسي والخنزير وهو ~~ضعيف (¬3). PageV03P321 # وأجاب الشافعي وغيره عن الأول بأن المراد بالقطع. القطع عن الخشوع والذكر ~~للشغل بها والالتفات إليها، لا لأنها تفسد الصلاة. فالمرأة تفتن، والكلب ~~والحمار لقبح أصواتهما. قال -تعالى-: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19)} ~~(¬1)، وقال: {كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث} (¬2) الآية، ولنفور النفس من ~~الكلب لا سيما الأسود، وكراهة لونه، وخوف عاديته، والحمار لحاجته وقلة ~~تأتيه عند دفعه ومخالفته (¬3). # وادعى أصحابنا بنسخه بحديث ابن عباس هذا وحديث عائشة (¬4) الآتي، وبعضهم ~~ادعى نسخه بحديث أبي سعيد الخدري المرفوع: "لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما ~~استطعتم" أخرجه PageV03P322 # أبو داود (¬1) لكن ابن حزم (¬2) ضعف هذا الحديث، ودعوى النسخ ms0600 جيدة إن ثبت ~~تاريخ تأخير الناسخ عن المنسوخ بعد تعذر الجمع والتأويل، وأنى لها ذلك. # وقد اختلف العلماء في قطع الصلاة بمرور الحمار والمرأة والكلب الأسود. # فقال قوم: يقطع هؤلاء الصلاة. # وقال أحمد (¬3): يقطعها الكلب الأسود وفي قلبي من المرأة PageV03P323 # والحمار شيء ووجه قوله: إن الكلب لم يجيء في الترخيص فيه شيء يعارض هذا ~~الحديث. # وأما المرأة: ففيها حديث عائشة الآتي، وفي الحمار: حديث ابن عباس، وقال ~~الأئمة الثلاثة وجمهور السلف والخلف: لا تبطل الصلاة بمرور شيء من هؤلاء ~~ولا غيرهم، وتأولوه كما سلف. # وحكى الأثرم عن أحمد: جزم القول بأنه لا يقطع المرأة والحمار. وجزم القول ~~بذلك يتوقف على أمرين. # أحدهما: أن يتبين تأخر المقتضي لعدم الفساد على المقتضي للفساد، وفيه عسر ~~عند المبالغة في التحقيق. # والثاني: أن يتبين أن مرور المرأة مساو [بما] (¬1) حكته عائشة [من] (¬2) ~~الصلاة إليها راقدة (¬3). # قال الشيخ تقي الدين (¬4): وليست هذه بالبينة عندنا لوجهين. # الأول: أنها ذكرت أن البيوت ليس فيها حينئذ مصابيح، فلعل سبب هذا الحكم ~~عدم المشاهدة، لها. PageV03P324 # والثاني: أن قائلا لو قال: إن مرور المرأة ومشيها لا يساويه في التشويش ~~على المصلي اعتراضه بين يديه فلا يساويه في الحكم، لم يكن ذلك بالممتنع، ~~وليس يبعد من تصرف الظاهرية مثل هذا. # الثالث عشر: في قول ابن عباس: "فلم ينكر ذلك علي أحد" دلالة على أن عدم ~~الإنكار حجة على الجواز، لكنه مشروط بانتفاء الموانع من الإنكار وبالعلم ~~بالاطلاع على الفعل، وذلك ظاهر، ولعل السبب في قول ابن عباس ذلك دون قوله: ~~ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر أن هذا الفعل كان بين يدي ~~بعض الصف، وليس بلازم من اطلاع الشارع على ذلك لجواز أن يكون الصف ممتدا، ~~ولا يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الفعل مته، فلا يجزم بترك إنكاره ~~مع اطلاعه، فلا يوجد شرط الاستدلال بعدم الإنكار على الجواز، وهو الاطلاع ~~مع عدم المانع أما عدم الإنكار فمن رأى هذا الفعل، فهو المتيقن، فترك ~~المشكوك فيه، وهو ms0601 الاستدلال بعدم إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأخذ ~~المتيقن، وهو الاستدلال بعدم إنكار الرأيين للواقعة، وإن كان يحتمل قوله: ~~"فلم ينكر ذلك علي أحد" النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره لعموم لفظ: ~~"أحد" إلا أن فيه ضعفا، لأنه لا معنى للاستدلال بعدم إنكار غير الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - مع حضرته، وعدم إنكاره إلا على بعد. PageV03P325 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 111/ 4/ 20 - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كنت أنام بين يدي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، ~~وإذا قام بسطتهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: والتعريف براويه سلف في الطهارة. # الأول: قولها: "غمزني"، قال صاحب المطالع: أي طعن بإصبعه في لأقبض رجلي ~~من قبلته انتهى. # والغمز: يكون باليد وبالعين، وإن اختلف [في] (¬2) معناهما: # وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما PageV03P326 # ومن الثاني: قوله -تعالى-: {وإذا مروا بهم يتغامزون (30)} (¬1). # الثاني: استدل به من يقول: إن لمس النساء لا ينقض الوضوء. # والجمهور: على النقض، وحملوا الحديث على أنه فوق حائل [قال] (¬2) النووي ~~في (شرحه) (¬3)، وهذا هو الظاهر من حال النائم، فلا دلالة فيه على عدم ~~النقض، وهذه فروع على مذهب مالك في اللمس، لا بأس أن تعرفها [فمحل] (¬4) ~~الاتفاق [على النقض] (¬5) عندهم إذا وجدت اللذة في كبيرة غير محرم قصدها أم ~~لا فإن قصد ولم يجد فكذلك على الأصح، وإن لم يقصد ولم يجد فلا نقض، وبعضهم ~~فرق بين اللذة وعدمها عند فقد الحائل. والقبلة في الفم تنقض على المشهور ~~للزوم اللذة، والحائل الخفيف: كالعدم. وفي الكثيف قولان، واللذة بالنظر لا ~~ينقض على الأصح وفي الانعاظ الكامل قولان بناءا على لزوم المذي أم لا (¬6). PageV03P327 # الثالث: قولها: "والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح"، أرادت به الاعتذار عن ~~عدم قبضها رجليها عند سجوده - عليه الصلاة والسلام - وعلمها به بالظلمة حيث ~~لا ضوء في البيت، كي لا تحوجه إلى طعن رجلها بإصبعه لو كان فيها مصابيح عند ~~سجوده، ويحتمل أنها ذكرت ذلك ms0602 لتأكيد الاستدلال على حكم من الأحكام الشرعية ~~إما لاغتفار صلاة المصلي إلى النائم أو إلى المرأة أو لفعل مثل الغمز في ~~الصلاة للحاجة. # الرابع: فيه جواز الصلاة إلى النائم وإن كان امرأة، وقد كرهه مالك لحديث ~~ورد فيه رواه ابن عمر: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أن يصلي ~~الإنسان إلى نائم أو متحدث" (¬1)، لكنه حديث باطل كما قاله PageV03P328 # الجوزقاني في موضوعاته. # قال القاضي عياض (¬1): وإنما كرهه من كرهه تنزيها للصلاة لما يخرج منه ~~وهو في قبلته، وحمل بعض العلماء هذا الحديث على # جواز ذلك وخصوصيته بالنبي - صلى الله عليه وسلم - دون غيره لتنزهه عما ~~يعرض لغيره في الصلاة من الفتنة بالمرأة واشتغال القلب بها والنظر إليها ~~وتذكرها مع أن هذه الحالة كانت بالليل والبيوت ليس فيها مصابيح. # الخامس: فيه أن المرأة لا تقطع الصلاة، وقد مر الكلام على هذه المسألة في ~~الحديث قبله، وقد يفرق في المعنى بين مرورها ونومها، فإن المرور قد يهوش ~~القلب عن الصلاة أكثر من النوم في الظلمة وعدم الرؤية. # السادس: فيه أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة. # السابع: فيه عدم كراهية أن تكون المرأة سترة للمصلي، وكرهه مالك، ونشره ~~بعض العلماء الصلاة إلى الحيوان آدميا كان أو غيره، مع تجويز الصلاة إلى ~~المضطجع، وكأنه محمول أو مقيد PageV03P329 # بما إذا كان مستقبلا للمصلي بوجهه أو ببعض بدنه، أما إذا كان مستدبرا له ~~فلا كراهة. # الثامن: فيه اللطف بالأهل وعدم التشويش عليهم في نومهم ومضجعهم، وإن كان ~~على الزوج كلفة في ذلك وهو في عبادة. # التاسع: استدل به بعضهم على تحريم الصلاة على الحائض، لأنها لو كانت ~~طاهرا لقامت تصلي معه، ولا دلالة فيه لما ذكره. PageV03P330 ### || AUTO 21 - باب جامع # جرت عادة المصنفين فيمن جمع أحكاما مختلفة التعبير بذلك، ذكر فيه -رحمه ~~الله- تسعة أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 112/ 1/ 21 - عن أبي قتادة ابن ربعي الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى ~~يصلي ركعتين" (¬1). # الكلام ms0603 عليه من وجوه: والتعريف براويه سلف في باب الاستطابة. PageV03P331 # وقبل أن نخوض في هذا: # إعلم أن المراد هنا بالمسجد الخاص لا العام: وأعني بالعام ما جاء في قوله ~~- عليه الصلاة والسلام -: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا"، وهو واضح جلي. # والمسجد هنا مفعول به لتعديه بنفسه إلى كل مكان مختص لا ظرف، ومنه قوله ~~تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام ...} (¬1) الآية. # [الثاني] (¬2): فيه التصريح بكراهة الجلوس بلا صلاة وهي كراهة تنزيه. # [الثالث]: فيه استحباب التحية في أي وقت كان وهو مذهب جماعة، وكرهها أبو ~~حنيفة والأوزاعي والليث ومالك في وقت النهي. وهما وجهان عند الشافعية. # والأصح عندهم وجه ثالث: أنه يكره إن دخل ليصلي التحية فقط، وإن دخل لأمر ~~آخر من اعتكاف وغيره فلا. # وأما ما حكاه القاضي عياض (¬3): عن الشافعي من جواز صلاتها بعد العصر ما ~~لم تصفر الشمس وبعد الصبح ما لم يسفر، إذ هي عنده من النوافل التي لها سبب ~~فغير معروف عن أصحابه هكذا، كما نبه عليه الشيخ تقي الدين (¬4). PageV03P332 # واستدل من قال بالكراهة: بالنهي عن الصلاة في هذين الوقتين. # وأجاب من قال بعدمها: بأن النهي إنما هو عما لا سبب لها، لأنه - عليه ~~الصلاة والسلام - صلى بعد العصر ركعتين سنة الظهر، # ولم يترك التحية في حال من الأحوال، بل أمر الداخل يوم الجمعة والإمام ~~يخطب بها مع أن الصلاة في حال الخطبة ممنوع منها إلا التحية، فلو كانت ~~التحية تترك في حال من الأحوال لتركت الآن، لأنه قعد وهي مشروعة قبل القعود ~~وقطع - عليه الصلاة والسلام - خطبته، وكلمه، وأمره أن يصلي التحية، فلولا ~~شدة الاهتمام، بالتحية في جميع الأوقات لما اهتم هذا الاهتمام، ولا شك أن ~~الكلام في هذه المسألة يبنى على مسألة أصولية وهي: ما إذا تعارض نصان كل ~~منهما بالنسبة إلى الآخر عام من وجه وخاص من وجه، وهي من أشكل مسائل ~~الأصول، وقد أسلفتها في باب المواقيت في الحديث العاشر منه وذهب بعض ~~المحققين في هذا إلى الوقف حتى يأتي ترجيح خارج بقرينة أو غيرها ms0604 (¬1). PageV03P333 # الوجه الأول: في هذا الحديث استحباب تحية المسجد بركعتين وهي سنة بإجماع ~~المسلمين والجمهور على عدم وجوبها. # وقال داود وأصحابه: بالوجوب، وظاهر مذهب مالك إنهما من النوافل. # وقيل: من السنن، وهذا على اصطلاح المالكية في الفرق بين السنن والنوافل ~~والفضائل. # وتمسك من قال: بالوجوب بالنهي عن الجلوس قبل الركوع، وظاهره التحريم: # وبالرواية الواردة بصيغة الأمر بهما، وظاهره الوجوب ومن أزالهما عن ~~الظاهر فهو محتاج إلى الدليل. # وغيرهم: استدل على عدم الوجوب بقوله: "خمس صلوات كتبهن الله على عباده"، ~~وبقوله للسائل لما قال: هل علي غيرها؟: "لا إلا أن تطوع". وحمل صيغة الأمر ~~على الندب، نعم يشكل على ذلك إيجابهم الصلاة على الميت تمسكا بصيغة الأمر. # الرابع: إذا دخل المسجد بعد فعل ركعتي الفجر: هل يركع تحية المسجد؟ # اختلف فيه قول مالك رحمه الله، فروى عنه أشهب: أنه يركع. PageV03P334 # وروى عنه ابن القاسم: أنه لا يركع. # قال صاحب (البيان والتقريب): وهو البخاري على الفقه. # قلت: وظاهر هذا الحديث يقتضي أنه يركعهما، وهو قول الجمهور من أهل العلم. # واستدل من منع ركوعهما: بحديث ضعيف وهو: "لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي ~~الفجر" (¬1). # الخاص: إذا دخل المسجد مجتازا هل يركعهما؟ خفف في ذلك مالك. PageV03P335 # قال الشيخ تقي الدين (¬1): وعندي أن دلالة هذا الحديث لا تتناول هذه ~~المسألة، فإنا إن نظرنا إلى صيغة النهي فهو يتناول جلوسا قبل الركوع، فإذا ~~لم يحصل الجلوس أصلا لم يفعل المنهي. وإن نظرنا إلى صيغة الأمر، فالأمر ~~يوجد بركوع قبل جلوس، فإذا انتفيا معا لم يخالف الأمر. # قلت: ورواية أبي داود: "ثم ليقعد بعد إن [شاء] (¬2) [أو ليذهب] (¬3) ~~لحاجته" (¬4)، دالة على استحبابها للمجتاز، لكن في إسنادها رجل مجهول. # السادس: ركعتا التحية مشروعة لكل مسجد يدخله لتناول لفظ الحديث كل مسجد، ~~وقد أخرجوا عنه المسجد الحرام وجعلوا تحيته الطواف للاتباع، نعم هو تحية ~~للبيت لا المسجد فاعلمه، والداخل مسجد [] (¬5)، المدينة، وسع مالك له أن ~~يبدأ بالسلام على # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيل التحية. # وقال في "العتبية": يبدأ ms0605 بالصلاة قبلها، واستحسنه ابن القاسم: فإن السلام ~~لا يفوت بها، ولأن من جملة إكرامه - عليه PageV03P336 # الصلاة والسلام - امتثال أوامره، والتحية مما أمر بها. # واعلم: أنه لا فرق في ذلك بين مسجد الجمعة وغيره، وإن كان الإمام على ~~المنبر خلافا لمالك، فإنه [قال] (¬1): لا يصليها والحالة هذه. # السابع: مصلى العيد لا تحية له على الأصح (¬2) وظاهر هذا الحديث يدل ~~لمقابله، ووقع هنا في كلام الشيخ تقي الدين أنه - عليه الصلاة والسلام - لم ~~يصل العيد في المسجد، ولا نقل PageV03P337 # ذلك، وتابعه عليه بعضهم، وهو عجيب، ففي سنن أبي داود (¬1) وابن ماجه (¬2) ~~أنه - عليه الصلاة والسلام - صلى بهم في مسجد في يوم عيد لأجل [المطر] ~~(¬3)، وقال الحاكم: حديث صحيح (¬4) الإسناد. # الثامن: تتكرر التحية بتكرر الدخول على قرب في الأصح (¬5). PageV03P338 # ومن قال لا يتكرر قاسه على من تكرر دخوله إلى مكة من حطاب وصياد وفكاه ~~بغير إحرام، ويشبه من دخل المسجد يوم الجمعة وقد اغتسل لها ثم خرج لحاجة، ~~وقد قال مالك: إن كان قريبا لم يعد غسله وإن تطاول أعاد، وهذا القياس ~~السالف يبنى على جواز القياس على المختلف فيه، وقد منعه بعضهم، وجوزه ~~بعضهم، وحينئذ يرجع ذلك إلى تخصيص العموم بالقياس، وللأصوليين فيه أقوال ~~متعددة (¬1). # التاسع: في ظاهر الحديث دليل على أنه لا تحصل التحية إلا PageV03P339 # يفعل ركعتين، ولا يشترط أن ينوي بهما التحية، بل يحصل بفرض أو نفل آخر ~~سواء كان راتبا أو مطلقا لا ركعة على الصحيح، وكذا لا تحصل بالجنازة وسجدة ~~التلاوة والشكر للنص على صلاة ركعتين، وليس ذلك في معناهما إلا أن يكون ~~المفهوم من الحديث شغل المسجد بعبادة مطلقة عند الدخول تعظيما له، لكن ~~تعظيمه بركعتين أبلغ في إكرامه واحترامه من ركعة أو سجدة أو قيام، كيف # والمعتبر في العبادات التوقيف، ولم يرد ما يدل على خلافه. # فرع: لو نوى بصلاته التحية والمكتوبة حصلتا له، لأنه ليس في نيته وفعله ~~ما ينافي المأمور. # العاشر: الخطيب هل يستحب له التحية عند صعوده المنبر؟ فيه وجهان ~~لأصحابنا: أصحهما لا، ms0606 وعليه العمل. # الحادي عشر: تكره التحية إذا دخل والإمام في مكتوبة أو الصلاة تقام أو ~~قربت إقامتها (¬1). # الثاني عشر: لو صلى أكثر من ركعتين بتسليمة واحدة هل تحصل التحية، نقل ~~النووي في (شرح (¬2) [مسلم] (¬3)) عن الأصحاب: نعم. # الثالث عشر: الظاهر أنه لو أحرم بها قائما ثم قعد وأتمها، جاز وتكون ~~المراد بالصلاة في الحديث: التحرم بها. PageV03P340 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 113/ 2/ 21 - عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: "كنا نتكلم في ~~الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: {وقوموا لله ~~قانتين (238)}، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه هو أنصاري خزرجي، في كنيته أقوال أشهرها: أبو ~~عمرو، نزل الكوفة وابتنى بها دارا، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سبعون حديثا، اتفقا على أربعة، وانفرد [البخاري] (¬2) بحدثين ~~[ومسلم] (¬3) بستة. روى عنه أنس وجماعة كثيرة من كبار التابعين، مات ~~بالكوفة سنة ثمان وستين. PageV03P341 # الثاني: قوله: "كنا نتكلم في الصلاة" هذا حكمه حكم المرفوع، ولا يجيء فيه ~~التفصيل بين الإضافة إلى زمنه - صلى الله عليه وسلم - وبين عدمها، لأنه ذكر ~~نزول الآية {وقوموا لله قانتين (238)} ومعلوم أنها نزلت على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حتى أمروا ونهوا عن الكلام لبعضهم بعضا، وكان ذلك ناسخا. # الثالث: هذا اللفظ أحد ما [يستدل] (¬1) به على الناسخ والمنسوخ، وهو ذكر ~~الراوي. تقدم أحد الحكمين على الآخر. قال الشيخ تقي الدين (¬2): وليس كقوله ~~هذا منسوخ من غير بيان التاريخ، فإن ذلك قد ذكروا أنه لا يكون دليلا ~~لاحتمال أن يكون الحكم بالنسخ عن طريق اجتهادي منه. # الرابع: في هذا الحديث دلالة على أن تحريم الكلام كان بالمدينة بعد ~~الهجرة (¬3)، فإن زيدا مدني وأخبر أنهم كانوا يتكلمون PageV03P342 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P343 # خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن نهوا، وصح من حديث ابن ~~مسعود: كنا نسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ كنا بمكة قيل أن نأتي ~~[من] (¬1) أرض الحبشة، فلما قدمنا من أرض الحبشة أتيناه، ms0607 فسلمنا عليه فلم ~~يرد فأخذني ما قرب وما بعد حتى قضوا الصلاة، فسألته فقال: "إن الله يحدث من ~~أمره ما شاء، وأنه قد أحدث من أمره أن لا نتكلم في الصلاة" (¬2). PageV03P344 # الخامس: قوله -تعالى-: {وقوموا لله قانتين (238)} (¬1). # قيل: معناه مطيعين. # وقيل: ساكتين، حكاهما النووي (¬2) في (شرحه) من غير زيادة على ذلك. # ونقل غيره عن المفسرين أنهم رجحوا الأول، ومنه قوله -تعالى-: {إن إبراهيم ~~كان أمة قانتا} (¬3) أي مطيعا وفي صحيح ابن حبان (¬4) من حديث أبي سعيد ~~[الخدري] (¬5) رفعه: "كل حرف PageV03P345 # [في القرآن] (¬1) يذكر فيه القنوت فهو الطاعة". # [وقيل: إن المراد به فيها الدعاء حتى جعل ذلك دليلا على أن الصلاة الوسطى ~~الصبح من حيث قراءتها بالقنوت. # وقيل: القنوت الصلاة أي مصلين. ومنه قوله تعالى: {أمن هو قانت آناء ~~الليل} (¬2) أي مصل] (¬3). # وقال القرطبي (¬4): القنوت ينصرف في الشرع واللغة على أنحاء مختلفة بمعنى ~~الطاعة، والسكوت، وطول القيام، [والخشوع] (¬5) والدعاء، والإقرار ~~بالعبودية، والإخلاص. # وقيل: أصله الدوام على الشيء (¬6)، ومنه الحديث "قنت PageV03P346 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو شهرا على قبائل من العرب" (¬1) أي ~~أدام الدعاء والقيام له قال: واللائق بالآية من هذه المعاني: السكوت ~~والخشوع. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): وفي كلام بعضهم ما يفهم منه أنه موضوع ~~للمشترك. PageV03P347 # وقال القاضي (¬1): أصله الدوام على الشيء فمديم الطاعة قانت، وكذلك ~~الداعي والقارئ والساكت فيها. # قال الشيخ: ولفظ الراوي يشعر بأن المراد بالقنوت في الآية السكوت أي عن ~~الكلام المذكور لا مطلقا، فإن الصلاة ليس فيها حالة سكوت حقيقة قال: وهذا ~~هو الأرجح لما دل عليه لفظة حتى التي للغاية والفاء التي تشعر بتعليل ما ~~سبق عليها لما يأتي بعدها. # السادس: كلام الصحابي في التفسير لا ينزل منزلة المرفوع بل يكون [موقوفا] ~~(¬2) عليه، فإن كان كلامه يتعلق بسبب نزول آية أو تعليل ونحوهما فهو منزل ~~منزلة المسند المرفوع، وبهذا يقوي ما رجحه الشيخ تقي الدين، من أن المراد ~~بالقنوت في الآية السكوت. # السابع: قوله: "فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام"، هذا حكمه حكم المرفوع، ~~ولا ms0608 يجيء فيه الخلاف الشهير عند أهل هذا الفن في ذلك بدليل مشاهدة الراوي ~~لنزول الآية وجعله غاية لترك الكلام. # الثامن: فيه دلالة على تحريم جميع أنواع كلام الآدميين في الصلاة وأجمع ~~العلماء على أن الكلام فيها عامدا عالما بتحريمه لغير مصلحتها ولغير إنقاذ ~~هالك وشبهه مبطل لها، وأما الكلام لمصلحتها فقال الأربعة والجمهور تبطل ~~الصلاة، وجوزه الأوزاعي وبعض PageV03P348 # أصحاب مالك وطائفة قليلة، وكلام الناسي لا يبطلها عند الشافعي والجمهور ~~ما لم يطل، وقال الكوفيون وأبو حنيفة: تبطل. # التاسع: الأمر بالسكوت يقتضي أن كل ما يسمى كلاما فهو منهي عنه، وما لا ~~يسمى كلاما فدلالة الحديث قاصرة عن النهي عنه. # وقد اختلف [العلماء] (¬1) في أشياء: هل تبطل الصلاة أم لا؟ كالنفخ ~~والتنحنح لغير علة وحاجة وكالبكاء والذي يقتضيه القياس أن # ما يسمى كلاما فهو داخل تحت اللفظ وما لا يسمى كلاما فمن أراد إلحاقه به ~~كان ذلك بطريق القياس فليراع شرطه في مساواة الفرع للأصل، واعتبر أصحابنا ~~ظهور حرفين وإن لم يكونا مفهمين، فإن أقل الكلام حرفان. # قال الشيخ تقي الدين: ولقائل أن يقول: ليس بلازم من كون الحرفين يتألف ~~منهما كلام أن يكون كل حرفين كلاما، وإن لم يكن كذلك فالإبطال به لا يكون ~~بالنص بل بالقياس، فليراع شرطه، اللهم إلا أن يريد بالكلام: كل مركب: مفهما ~~كان أو غير مفهم، فحينئذ يندرج المنازع فيه تحت اللفظ إلا أن فيه بحثا. ~~قال: والأقرب أن ننظر إلى مواقع الإجماع والخلاف حيث لا يسمى الملفوظ به ~~كلاما فما أجمع على إلحاقه بالكلام ألحقنا به وما لم يجمع عليه مع كونه لا ~~يسمى كلاما [فيقوي] (¬2) فيه عدم الإبطال، ومن هذا استضعف القول بإلحاق ~~النفخ بالكلام، قال: ومن ضعف التعليل فيه قول من PageV03P349 # علل البطلان بأنه يشبه الكلام وهذا ركيك مع ثبوت السنة الصحيحة أنه - ~~عليه الصلاة والسلام - نفخ في صلاة الكسوف في سجوده. # قلت: نفخته في "الكسوف" أخرجه أبو داود والنسائي (¬1) من حديث عبد الله ~~بن عمرو، وهو [من] (¬2) رواية عطاء بن السائب، ms0609 وهو من الثقات، لكنه اختلط ~~بآخره، نعم راوي هذا الحديث رواه عنه قبل اختلاطه، وهو شعبة رحمة الله عليه. # العاشر: ادعى بعضهم أن في [هذا] (¬3) الحديث حجة لمن يقول: إن الأمر ~~بالشيء ليس نهيا عن ضده إذ لو كان نهيا عن ضده، لما احتاج إلى قوله: ~~"ونهينا عن الكلام" بعد ذكر الأمر بالسكوت. وليس ذلك بظاهر لمن تأمله. PageV03P350 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 14/ 3/ 21 - عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة - رضي الله عنهما - عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -[أنه] (¬1) قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا [عن] (¬2) ~~الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # والتعريف بحال ابن عمر تقدم في باب الاستطابة وبحال أبي هريرة تقدم في ~~الطهارة. # الأول: لو ذكر المصنف هذا الحديث والذي بعده في باب PageV03P351 # المواقيت لكانت مناسبته ظاهرة. # الثاني: اشتداد الحر، قوته وسطوعه وانتشاره وغليانه. # الثالث: معنى "أبردوا" أخروا الصلاة إلى البرد، واطلبوه لها، وسيأتي ضابطه. # الرابع: قوله: "عن الصلاة" أي بالصلاة، كما جاء في الرواية الأخرى و"عن" ~~تأتي بمعنى "الباء". قالوا: رميت عن القوس وبالقوس، كما تأتي "الباء" بمعنى ~~"عن" في قوله تعالى: {الرحمن فاسأل به خبيرا (59)} (¬1) أي عنه، ومنع بعض ~~أئمة اللغة: رميت بالقوس. ونقل جوازه جماعة كما أوضحته في (التذهيب الذي ~~ذيلته على التحرير) للنووي -رحمه الله-. # وقد تكون "عن" زائدة أي أبردوا الصلاة، يقال: أبرد فلان كذا إذا فعله في ~~برد النهار. # ويروى: "أبردوا عن الحر في الصلاة" أي أبعدوا بها عن الحر. # الخامس: "فيح" بفتح الفاء وإسكان الياء المثناة تحت وبالحاء المهملة وروى ~~"فوح" بالواو بدل الياء. ذكره ابن الأثير في (نهايته) (¬2)، ومعناه: أن شدة ~~الحر وغليانه يشبه نار جهنم فاحذروه واجتنبوا ضرره. PageV03P352 # قال الجوهري (¬1): يقال: فاح الطيب إذا يفوح، ولا يقال فاحت ريح خبيثة، ~~كذا قال، وليتأمل هذا الحديث مع كلامه هذا. # السادس: قال الأزهري: "الحر" و"الحرور" وهي الحر بالليل والنهار، وأما ~~السموم: فلا يكون إلا بالنهار. # قال القاضي عياض في "إكماله" (¬2): ويحتمل أن يكون "الحرور" أشد من ms0610 ~~"الحر"، كما أن "الزمهرير" أشد من "البرد". # السابع: الذي يقتضيه مذهب أهل السنة وظاهر الحديث أن شدة الحر من فيح ~~جهنم حقيقة لا استعارة وتشبيها وتقريبا، فإنها مخلوقة موجودة، وقد ثبت في ~~الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "اشتكت النار إلى ربها فأذن لها ~~بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف" (¬3) الحديث بطوله. # فائدة: جهنم مأخوذة من قول العرب بئر [جهنام] (¬4) إذا كانت بعيدة القعر، ~~وهذا الاسم أصله الطبقة العليا [و] (¬5) تستعمل في غيرها. PageV03P353 # الثامن: "الإبراد" إنما يشرع في الظهر بشروط مذكورة في كتب الفقهاء ~~بسطتها في (شرح المنهاج) وغيره، وظاهر الحديث منها اشتراط شدة الحر فقط. # وقال أشهب المالكي: يشرع في العصر أيضا، وخالف جميع العلماء ففي صحيح ~~البخاري (¬1) من حديث أبي سعيد: "أبردوا بالظهر" وقال أحمد: يؤخر العشاء ~~أيضا في الصيف دون الشتاء، وعكس [[ابن] (¬2) حبيب لقصر الليل في الصيف ~~وطوله في الشتاء] (¬3). # وقلت: ومفهوم الحديث عدم الإبراد في الشتاء والأيام غير الشديدة الحر ~~مطلقا، وخالف في ذلك مالك كما سيأتي. # التاسع: اختلف في مقدار وقته فنقل الشيخ تقي الدين (¬4): عن بعض مصنفي ~~الشافعية أن الإبراد. أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت # مقدار ما يظهر للحيطان ظل، ولا يحتاج إلى المشي في الشمس. # ونقل عن المالكية: أنه يؤخر الظهر في الحر إلى أن يصير الفيء أكثر من ~~ذراع (¬5). PageV03P354 # قلت: ونقل [القاضي] (¬1) أن ظاهر قول مالك أو نصه أن الإبراد تأخير الظهر ~~إلى أن يكون الفيء ذراعا، وسوى في ذلك بين الصيف والشتاء فقال: أحب [إلي] ~~(¬2) أن يصلي الظهر في الصيف والشتاء والفيء ذراع قال: وما عزاه الشيخ تقي ~~الدين للمالكية # مخالف لقول مالك في شيئين: الأكثرية، وتخصيص الحر دون الشتاء فلينظر ذلك. # وقال ابن الرفعة: ظاهر النص أن المعتبر أن ينصرف منها قبل آخر الوقت. # قلت: ويؤيده حديث أبي ذر أن مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد ~~أن يؤذن وكان في سفر، فقال له: "أبرد قال: حتى ساوى الظل التلول" رواه ~~البخاري (¬3)، وحكى الزناتي المالكي ms0611 أنه: هل ينتهي إلى نصف القامة أو إلى ~~ثلثيها أو إلى ثلاثة أرباعها أو إلى مقدار أربع ركعات فيه أربعة أقوال. PageV03P355 # قال [المازري] (¬1): والأقوال منزلة على أحوال: فقد يشتد الحر ولا يمتد ~~وقد يمتد مع ذلك، وقد يشتمل المكان على برودة ينكسر فيه الحر. فإطلاق ~~الأقوال مع اختلاف الأحوال خطأ. # العاشر: اختلف الفقهاء في الإبراد [في] (¬2) الصلاة، فمنهم من لم يره ~~وتأول قوله عليه الصلاة والسلام: "أبردوا بالصلاة" (¬3) بمعنى: أوقعوها في ~~برد الوقت، وهو أوله، وبرد النهار أوله، وبرداه طرفاه، وهما برداه: ~~والجمهور على القول به ثم اختلفوا. # فقيل: إنه عزيمة. # وقيل: رخصة. PageV03P356 # والقائلون بأنه عزيمة: اختلفوا فمنهم من قال: إنه سنة. # ومنهم من قال: إنه واجب. حكاه القاضي. # وينبني على ذلك أن من صلى في بيته أو مشى في كن إلى المسجد، هل يسن له ~~الإبراد؟ # إن قلنا: رخصة لم يسن له، إذ لا مشقة عليه في التعجيل. # وإن قلنا: سنة أبرد وهو الأقرب لورود الأمر به مع ما اقترن به من العلة ~~من أن شدة الحر من فيح جهنم، وذلك مناسب للتأخير والأحاديث الدالة على ~~التعجيل، وفضيلته عامة أو مطلقة وهذا خاص فلا مبالاة مع صيغة الأمر ومناسبة ~~العلة بقول من قال: التعجيل أفضل لأنه أكثر مشقة، فإن مراتب الثواب إنما ~~يرجع فيها إلى النصوص، وقد ترجح بعض العبادات الخفيفة على ما هو أشق منها ~~بحسب المصالح المتعلقة بها. # قلت: والأصح عندنا أن الإبراد سنة. نعم نص في البويطي على أنه رخصة ~~[وصحح] (¬1) الشيخ أبو علي كما نقله عنه ابن الصلاح في (مشكله)، وأما ~~النووي فوصفه في (روضته) (¬2) بالشذوذ، لكنه لم يحكه قولا، ويؤيده حديث ~~خباب الآتي (¬3). # الحادى عشر: اختلف أصحابنا في الإبراد [بالجمعة] (¬4) على وجهين: PageV03P357 # أصحهما: عند جمهورهم لا يشرع، وهو مشهور مذهب مالك أيضا فإن التبكير سنة فيها. # وقال بعضهم: يشرع لأن لفظة الصلاة في الحديث تطلق على الظهر والجمعة ~~[والتعجيل] (¬1) مستمر فيها، وصححه العجلي. # والجواب عن تعليل الجمهور: بأنه قد يحصل التأذي بحر المسجد عند ms0612 انتظار ~~الإمام لكن قد ثبت في الصحيح (¬2) أنهم "كانوا يرجعون من صلاة الجمعة وليس ~~للحيطان فيء يستظلون به" من شدة التبكير بها أول الوقت [فدل] (¬3) على عدم ~~الإبراد بهذا. # الثاني عشر: عورض هذا الحديث بحديث خباب في صحيح مسلم "شكونا إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء فلم يشكنا" (¬4) والجواب عنه من أوجه: PageV03P358 # أحدها: نسخه لأنهم لما شكوا ذلك كانوا بمكة وحديث الإبراد بالمدينة فإنه ~~من رواية أبي هريرة. # ثانيها: أن يجمع بينهما فيحمل حديث خباب على الأفضل وحديث الإبراد على ~~الرخصة والتخفيف في التأخير. # ثالثها: أن يجمع بينهما أيضا بأن الإبراد سنة للأمر به والتعليل ويحمل ~~حديث خباب أنهم طلبوا تأخيرا زائدا على قدر الإبراد الذي ذكرناه أولا، وفي ~~هذا نظر، كما أسلفته في الكلام على الحديث الثالث من باب المواقيت فراجعه ~~منه. PageV03P359 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 115/ 4/ 21 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك. أقم ~~الصلاة لذكري" (¬1). # ولمسلم: "من نسي [صلاة] (¬2) أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # والتعريف براويه سلف [في] (¬4) باب الاستطابة. PageV03P360 # الأول: معنى الحديث أنه يلزمه الصلاة إذا خرجت عن الوقت بنوم أو نسيان ~~وتكون قضاء، وهذا لا خلاف فيه، كثرت الصلوات # أو قلت: # قال القرطبي (¬1) في "شرحه": وشذ بعض الناس فيما زاد على خمس صلوات أنه ~~لا يلزمه قضاء، وهو خلاف لا يعبأ به، لأنه مخالف لنص الحديث. # قلت: ووجهت هذه المقالة على غلطها بأن القضاء يسقط [لمشقة] (¬2) التكرار: ~~كالحائض، والخمس لا مشقة عليها في قضائها بخلاف ما زاد، ويلزم على هذا أن ~~تقضي الحائض الخمس لانتفاء المشقة، ولا قائل به، ولا يحسن إلحاق الناسي ~~بها، [لأنه] (¬3) لا تفريط من جهتها بخلافه، فإنه يمكنه التحفظ والاهتمام ~~فمعه ضرب تقصير. # الثاني: معنى: "لا كفارة لها إلا ذلك" يعني أنه لا كفارة لها غير فعلها ~~وقت ذكرها، ولا يلزمه شيء آخر مع فعلها ms0613 من عتق: أو صدقة، أو صيام: كغيرها ~~مما يدخله الكفارة مع وجوب قضائه. ويحتمل أن مراده أنه لا بدل لقضائها، كما ~~يقع الإبدال في بعض # الكفارات، وأنه لا يكفي مجرد التوبة، بل لا بد من الإتيان بها، وذلك ~~مردود بأنها كانت صبح اليوم. وأبو حنيفة يجيزها في هذا PageV03P361 # الوقت، كذا ذكره الشيخ تقي الدين (¬1)، وفيه شيء سيأتي في الوجه السادس ~~[وفي] (¬2) الحديث (¬3): "فما أيقظهم إلا حر الشمس" وذلك يكون بالارتفاع، ~~وقد يعتقد أن المانع من فعلها على الفور كون الوادي به شيطان، كما دل عليه ~~الحديث (¬4) فأخر ذلك بالخروج عنه ولا شك أن هذا علة للتأخير والخروج كما ~~دل عليه الحديث، ولكن هل يكون ذلك مانعا على تقدير أن يكون الواجب ~~المبادرة؟ في هذا نظر كما قاله الشيخ تقي الدين فلا يمتنع أن يكون مانعا ~~على تقدير جواز التأخير. # وأجاب صاحب القبس (¬5): عن حديث الوادي بأجوبة: # منه: أن التأخير كان لانتظار الوحي كيف يكون العمل في القضاء. # ومنها: أن ذلك كان [تحرزا] (¬6) عن [العدو] (¬7) واستشرافه. PageV03P362 # ومنها: أنه [ليعم] (¬1) الاستيقاظ والنشاط جميع الناس (¬2). # وأجاب القاضي عياض (¬3): بأنه منسوخ بهذا الحديث قال: واعترض أن الآية ~~مكية يعني قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري (14)} وهذه القصة كانت بعد ~~الهجرة بأعوام، فلا يصح النسخ قيل ورود الأمر به. # وأما الحديث: فهو مستند للآية ومأخوذ منها، وأيضا: فإن النسخ يحتاج إلى ~~توقيف أو إلى عدم الجمع. # الثالث: الأمر بقضائها يقتضي فعلها عند ذكرها، فتصير طرفا لمأمور به، ~~فيتعلق الأمر بالفعل فيه، ولا شك أنه كذلك: إما على الوجوب في حق من تركها ~~عامدا، فإنه يجب على الفور أو على الاستحباب في حق النائم والساهي، ولا ~~يجب، وهذا التفصيل هو # الصحيح عند الشافعية. PageV03P363 # وفي وجه: [أنه] (¬1) يجب القضاء على الفور [مطلقا] (¬2). # واستدل بعض العلماء على عدم وجوب القضاء على الفور بعذر النسيان والنوم، ~~بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يقض صلاة الصبح حتى خرجوا من الوادي، لكنه ~~يتوقف ذلك على أنه لا يكون ثم مانع من المبادرة إلى ms0614 فعلها. # وادعى بعضهم: أن المانع كون الشمس كانت حينئذ طالعة والصلاة حينئذ ~~مكروهة. # الرابع: إذا قلنا: يجب الترتيب في قضاء الصلاة، فلو ذكر الفائتة المنسية ~~وهو في صلاة هل يقطعها؟ # للمالكية: فيه تفصيل بين الفذ والإمام، [والمأموم] (¬3) وبين أن يكون ~~الذكر: بعد ركعة أم لا، فلا يستمر الاستدلال بهذا الحديث # مطلقا لهم، وحيث يقال: يقطعها فوجه الدليل من أنه يقتضي الأمر بالقضاء ~~عند الذكر (¬4) ومن ضرورة ذلك قطع ما هو فيه، ومن أراد PageV03P364 # إخراج شيء من ذلك فعليه أن يبين معنى مانعا من إعمال اللفظ في الصورة ~~التي يخرجها؟ ولا يخلو هذا التصرف من نوع جدل، كما # قاله الشيخ تقي الدين. # الخامس: وجوب القضاء على العامد بالترك من طريق الأولى، كما قاله الشيخ ~~تقي الدين، فإنه إذا لم تقع المسامحة مع قيام العذر بالنوم والنسيان فلأن ~~لا تقع مع عدم العذر أولى. # وحكى القاضي عياض عن بعض المشائخ: أن قضاء العامد مستفاد من قوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: "فليصلها إذا ذكرها" لأنه بغفلته عنها وعمده: كالناسي، ~~ومتى ذكر تركه لها لزمه قضاؤها وهذا ضعيف (¬1)، كما قال الشيخ تقي الدين ~~لأن قوله: "فيصلها إذا PageV03P365 # ذكرها" كلام مبني على ما قبله، وهو من نام عن صلاة أو نسيها. والضمير في ~~قوله: "فليصلها إذا ذكرها" على الصلاة المنسية أو التي وقع النوم عنها فكيف ~~يحمل على ضد النوم والنسيان وهو الذكر واليقظة، نعم لو كان [كلاما] (¬1) ~~مبتدأ مثل أن يقال من ذكر صلاة فليصلها إذا ذكرها لكان ما قيل محتملا، وأما ~~قوله: كالناسي، إن أراد بذلك أنه مثله في الحكم فهي دعوى، ولو صحت لم يكن ~~ذلك مستفادا من اللفظ، بل من القياس أو من مفهوم الخطاب الذي أشرنا إليه، ~~وكذا ما ذكر في هذا من الاستناد إلى قوله: "لا كفارة لها إلا ذلك" والكفارة ~~إنما تكون من الذنب. والنائم والناسي لا ذنب لهما، وإنما الذنب للعامد لا ~~يصح أيضا، لأن الكلام كله مسوق على قوله: "من نام عن صلاة أو نسيها" ~~والضمائر عائدة ms0615 إليها، فلا يجوز أن يخرج عن الإرادة، ولا أن يحمل اللفظ ما ~~لا يحتمله، وتأويل لفظ الكفارة هنا أقرب وأيسر من أن يقال إن الكلام الدال ~~على الشيء PageV03P366 # مدلول به على ضده فإن ذلك ممتنع، وليس ظهور الكفارة في الإشعار بالذنب ~~بالظهور القوي الذي يصادم به النص الجلي في أن # المراد الصلاة المنسية أو التي وقع النوم عنها، وقد وردت كفارة القتل خطأ ~~مع عدم الذنب، وكفارة اليمين بالله مع استحباب الحنث في بعض المواضع، وجواز ~~اليمين ابتداء ولا ذنب. # وقال القرطبي (¬1) في "شرحه": من ترك الصلاة عمدا: فالجمهور على وجوب ~~القضاء عليه، وفيه خلاف [ظاهر] (¬2) شاذ عن داود وأبي عبد الرحمن الشافعي ~~(¬3)، وقد احتج الجمهور عليهم بأوجه: # أحدها: أنه قد ثبت الأمر بقضاء الناسي والنائم مع أنهما غير مأثومين، ~~فالعامد أولى، وهذا ما قدمته عن الشيخ تقي الدين. # ثانيها: التمسك بقوله: "إذا ذكرها" والعامد ذاكر لتركها فلزمة قضاؤما. # ثالثها: التمسك [بعموم] (¬4) قوله: "من نسي صلاة، أي من حصل منه نسيان، ~~والنسيان: هو الترك، سواء كان مع ذهول أو لم يكن، وقد دل على هذا قوله ~~-تعالى-: {انسوا الله فنسيهم} (¬5) أي تركوا معرفة الله وأمره فتركهم في ~~العذاب. PageV03P367 # رابعها: التمسك بقوله: "من نسي صلاة فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" ~~والكفارة إنما تكون عن الذنب غالبا، والناسي بمعنى الذاهل ليس بآثم، فتعين ~~أن يكون العامد هو المراد بلفظ الناسي. # خامسها: قوله: "أقم الصلاة لذكري" أي لتذكرني فيها على أحد التأويلات. # سادسها: أن القضاء يجب بالخطاب الأول، لأن خروج وقت العبادة لا يسقط ~~وجوبها، لأنها لازمة في ذمة المكلف كالديون، وإنما يسقط العبادة [فقدها] ~~(¬1) أو فقد شرطها، ولم يحصل شيء من ذلك، وهذا أحد القولين لأئمتنا ~~الأصوليين والفقهاء (¬2). # وقال النووي في (شرحه) (¬3): هذا القول خطأ من قائله [وجهالة] (¬4)، ولم ~~يزد على ذلك. # وقال ابن دحية في "المولد": شذ ابن حزم (¬5) في ذلك، وخالف الجمهور، وظن ~~أنه يسير في ذلك برواية شاذة جاءت عن بعض التابعين، ثم رد عليه بقصة الخندق ~~(¬6) حيث لم ms0616 يصل هو ولا أصحابه حتى غربت الشمس، وكذلك حديث: "لا يصلين PageV03P368 # أحدكم العصر إلا في بني قريظة" (¬1) فخرجوا مبادرين ولم يصلها بعضهم إلا ~~في بني قريظة بعد الغروب، لقوله ذلك لهم. # وأما الشيخ عز الدين فقال في "قواعده" (¬2): له وجه حسن فذكره. # وعن "شرح الوسيط" لابن الأستاذ: أنه حكى في باب سجود السهو عن ابن كج أن ~~ابن بنت الشافعي كان لا يرى بقضائها [أيضا] (¬3)، وهذا غريب، وقد أسلفنا أن ~~القرطبي (¬4) حكاه عن أبي عبد الرحمن الشافعي، وهذه الكنية كناها بعضهم ~~لابن بنت الشافعي # أيضا وبعضهم لغيره، فالله أعلم. # [قالوا] (¬5): ونظير هذه المقالة وجه مشهور عندنا: أنه إذا ترك بعضا من ~~الأبعاض لا يسجد له، واليمين الغموس [قالوا] (¬6) لا كفارة فيها، وإثمها ~~أعظم من أن يكفره. # وقال صاحب "المعلم" (¬7): سبب الخلاف في هذه المسألة أن حكم العامد ~~مستفاد من دليل الخطاب، فإن العامد بخلاف الناسي # أو من تبينه الخطاب، فإن العامد أولى بالقضاء من الناسي والحق PageV03P369 # أنه إن جعل القضاء في الناسي تغليظا، فالعامد أحق به، وإن جعل من باب ~~الرفق، وأنه يستدرك بقضائه ما فاته [بقدره] (¬1)، فالعامد # ضده فلا يلحق به، ولا يقوم به حجة على أهل الظاهر الباقين. # السادس: في قوله: "إذا ذكرها" حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول: إن ~~المتروكة لا تقضي بعد الصبح، ولا بعد العصر كما نبه عليه القرطبي (¬2). ~~قال: ووجه تمسكهم أنها صلاة تجب لسبب ذكرها فتفعل عند حضور سببها متى [ما] ~~(¬3) حضر، وقد صرح بالتعليل في قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري (14)} (¬4)، ~~فإن اللام للتعليل ظاهرا ولا يعارض هذا بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "لا ~~صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس" (¬5)، فإن هذا عام في جنس الصلوات، وذاك ~~خاص في الواجبات المقضية. # والوجه الصحيح عند الأصوليين: بناء العام على الخاص، إذ ذلك يرفع ~~التعارض، وبه يمكن الجمع، وهو أولى من الترجيح باتفاق الأصوليين. # السابع: استدلاله - عليه الصلاة والسلام - بقوله -تعالى-: {وأقم الصلاة ~~لذكري (14)} دليل على أن شرع من PageV03P370 # قبلنا شرع لنا ما لم يرد ms0617 شرعنا بخلافه؛ لأن الخطاب بهذه الآية إنما هو ~~لموسى - عليه السلام -. # قال القرطبي: وهو قول أكثر أصحابنا. # وقال صاحب "القبس" (¬1): لا خلاف عن مالك أن: "شرع من قبلنا شرع لنا" وقد ~~نص عليه في كتاب الديات من الموطأ (¬2). # وقال القرافي. شرع من قبلنا على ثلاثة أقسام: # قسم: لم يعلم إلا من قبلهم كما يزعمون: أن في التوراة تحريم الجدي بلبن ~~أمه، يشيرون إلى المضيرة. # وقسم: علم بشرعنا وأمرنا نحن أيضا به كقوله -تعالى-: {وكتبنا عليهم فيها ~~أن النفس بالنفس} (¬3). # وقسم: علم بشرعنا أنه كان شرعا لهم، ولم نؤمر نحن به، فالأول: ليس شرعا ~~لنا قطعا. والثاني: شرع لنا قطعا، والئالث: [] (¬4) محل النزاع، والحديث ~~إنما دل على القسم الثاني، وليس النزاع فيه كما نقله القرافي. # الثامن: قوله: "أقم الصلاة لذكري" اختلف أهل التفسير في قوله: "لذكري". PageV03P371 # فقال مجاهد: لتذكرني فيها. # وقال النخعي: اللام للظرف أي: إذا ذكرتني أي: إذا ذكرت أمري بعد ما نسيت، ~~ومنه الحديث. # وقيل: لا تذكر فيها غيري. # وقيل: شكرا لذكري. # وقيل: اللام للتسبب. قال القرطبي (¬1): وهو أوضحها، ويقرب منه قول النخعي ~~وقرىء شاذا: {وأقم الصلاة لذكرى (14)} (¬2). # وقيل: أقم الصلاة لأذكرك بالمدح، حكاه الباجي (¬3). قال: وأبين الأقاويل ~~عندي أن المعنى أقم الصلاة حين تذكرها لأنه - عليه # الصلاة والسلام - احتج بالآية على قوله: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها ~~إذا ذكرها. # وقال القاضي عياض: أي لتذكيري لك إياها، وهو أولى لسياق [الحديث] (¬4) ~~والاحتجاج بها [ويعضده] (¬5) قراءة للذكري، وهو قول أكثر العلماء ~~والمفسرين. PageV03P372 # التاسع: يستدل بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "لا كفارة لها إلا ذلك" ~~على أن من مات وعليه صلاة لا يقضى عنه، ولا تجبر بمال. # وذهب أصحاب [الرأي] (¬1): إلى أنه يطعم عنه. # والقائل بهذا: يحمل الحديث على حال الحياة، وأما بعد الموت [فيلحق] (¬2) ~~بالصوم في الإطعام والقضاء أيضا لاشتراكهما في معنى التعبد البدني: # [فرع] (¬3): أصح قولي الشافعي: استحباب قضاء السنن الراتبة. ويستدل له ~~بعموم هذا الحديث [وبغيره من الأدلة أيضا] (¬4). # [العاشر] (¬5): روى الجوزقاني في موضوعاته (¬6) عقب حديث PageV03P373 # أنس ms0618 هذا ردا على حديث باطل من حديث عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله ~~قال: قال رجل: يا رسول الله! إني تركت الصلاة # فقال: "اقض ما تركت" فقال: يا رسول الله! كيف أقضي؟ قال: "صل مع كل صلاة ~~صلاة مثلها" قال: يا رسول الله! قيل أم بعد؟ # قال: "لا، بل قبل" ثم قال: هذا حديث غريب لم نكتبه إلا بهذا الإسناد. PageV03P374 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 116/ 5/ 21 - عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - "أن معاذ بن جبل كان ~~يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، ~~فيصلي بهم تلك الصلاة" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وقد سلف قبيل [التيمم] (¬2). # ثانيها: وقع في الحديث ذكر معاذ وترجمته مبسوطة فيما أفردته من الكلام ~~على رجال هذا الكتاب، فراجعها منه تجد ما يشفي الغليل. # ثالثها: قوله: "عشاء الآخرة" فيه دليل على جواز مثل هذا، PageV03P375 # وإضافة المنكر إلى المعرف إذا كان المعرف صفة للمنكر، ويعبر عنه بإضافة ~~الموصوف إلى صفته، وهو مذهب الكوفيين. فيقال: عشاء الآخرة، ومسجد الجامع. # ومنعه البصريون، قالوا: وحيث جاء إضافة المنكر إلى المعرف في الصفة ~~والموصوف إنما هو على تقدير موصوف معرف محذوف، وهو العشاء الآخرة، وفي مسجد ~~المكان الجامع. # رابعها: وقد منع بعض العلماء قول: العشاء الآخرة. قال: لأنه يقتضي أن ~~يكون ثم عشاء أولى، كما لا يقال: مررت برجل وامرأة أخرى وبالعكس. فإن نقل ~~تسمية المغرب عشاء فهو وجه قول الجمهور، وإلا فيكفيهم دليلا على جواز ذلك ~~قوله - عليه الصلاة والسلام -: "أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا ~~العشاء الآخرة". رواه مسلم (¬1)، وثبت في مسلم عن جماعات من الصحابة وصفها ~~بذلك (¬2). PageV03P376 # وأجاب بعضهم عن الشبهة السالفة بأن قال: إنما وصفت بالآخرة، ولم تكن لها ~~أولى كما وصفت الجاهلية بالأولى في قوله: # {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} (¬1)، فإنه لم يكن ثم جاهلية أخرى، ~~وهذا وهم. # فالجاهلية الأولى: هي [الزمن] (¬2) الذي ولد فيه إبراهيم، كانت المرأة ~~تلبس الدرع من اللؤلؤ ms0619 فتمشي به وسط الطريق، تعرض نفسها على الرجال. # وقيل: ما بين آدم، ونوح. PageV03P377 # وقيل: غير ذلك. # والجاهلية الأخرى: ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين. # خامسها: في الحديث دلالة ظاهرة على صحة صلاة المفترض خلف المتنقل، وهو ~~مذهب الجمهور، لأن معاذا كان يصلي الفريضة # مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسقط فرضه، ويصلي مرة ثانية بقومه له ~~[تطوع] (¬1) ولهم مكتوبة، وكذا جاء مصرحا به في رواية الشافعي (¬2)، ثم ~~البيهقي (¬3). # قال الشافعي في "الأم" (¬4): وهذه الراوية صحيحة، وصححها البيهقي أيضا ~~وغيره. PageV03P378 # وقال ابن شاهين في (ناسخه ومنسوخه) (¬1): لا خلاف بين أهل النقل للحديث ~~في [صحة] (¬2) إسنادها. # قال البيهقي: والظاهر أن هذه [الزيادة] (¬3) من قول جابر، فإنه لا يقول ~~ذلك إلا بعلم. # قلت: [وبما] (¬4) ذكرناه يرد به على من ادعى من المالكية ضعفها [أو] (¬5) ~~إدراجها، وادعى بعض الحنفية (¬6) ممن له شرب في # الحديث: أن ابن عيينة لم يذكرها في الحديث، وإنما ذكرها ابن جريج، وهذا ~~غير قادح، فابن جريج ثقة يقبل ما تفرد به إن سلم له # ذلك (¬7). PageV03P379 # وفي "المنتقى" (¬1): أن الإمام أحمد ضعف هذه الزيادة وقال: أخشى أن لا ~~تكون محفوظة، لأن ابن عيينة يزيد فيها كلاما لا يقوله # أحد، زاد ابن قدامة في المغني: وقد روى الحديث منصور بن زاذان وشعبة فلم ~~يقولا ما قال سفيان. # قلت: قد قاله ابن جريج واعتذر ابن الجوزي (¬2) عن هذه الزيادة: بأنها من ~~ظن الراوي (¬3) وقد سبق جواب هذا من كلام البيهقي. # واعتذر ابن العربي (¬4) عنها بأن قال: يحمل على أن معاذا كان يصلي مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة النهار ومع قومه صلاة الليل، فأخبر PageV03P380 # الراوي بقوله: "فهي له تطوع، ولهم مكتوبة". بحال معاذ في وقتين لا في وقت (¬1). # قلت: وهذا بعيد. # ثم اعلم بعد ذلك، أن لهم في أصل الحديث اعتذارات. # إحداها: أن معاذا لعله كان يصلي أولا نافلة، ثم بقومه فريضة. # قال القرطبي (¬2): وليس هذا الاحتمال بأولى [مما] (¬3) صاروا إليه، فيلحق ~~بالمجملات فلا يكون فيه حجة. PageV03P381 # قلت: ms0620 هذا عجيب! قال الشافعي - رضي الله عنه -: كيف يظن أن معاذا يجعل ~~صلاته مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي لعل صلاة واحدة أحب إليه ~~من كل صلاة صلاها في عمره ليست معه وفي الجمع الكثير نافلة. # وادعى ابن العربي (¬1): أن فضيلة النافلة خلفه لتأدية فريضة لقومه تقوم ~~مقام أداء الفريضة معه، وامتثال أمره - عليه الصلاة والسلام - في إمامة ~~قومه زيادة طاعة. # قلت: ومما يبعد هذا الاعتبار أيضا أنه كيف يظن بمعاذ أن يشتغل بعد إقامته ~~الصلاة بنافلة، مع قوله - عليه الصلاة والسلام -: "إذا أقيمت الصلاة فلا ~~صلاة إلا المكتوبة" (¬2)، وقد يجاب عن هذا: بأن المفهوم أن لا يصلي نافلة ~~غير الصلاة التي تقام، لأن المحذور وقوع الخلاف على الأئمة، وهذا المحذور ~~منتف مع الاتفاق في الصلاة المقامة، ويؤيد هذا الاتفاق أن الجمهور على جواز ~~النفل خلف الفرض، كما سلف، ولو تناوله النهي لما جاز جوازا مطلقا (¬3). PageV03P382 # الاعتذار الثاني: أن حديث معاذ كان في الأول حين كانت الفريضة تقام في ~~اليوم مرتين حتى نهى عنه (¬1)، وهذا منقول عن الطحاوي، وقدره بعضهم بأن ~~إسلام معاذ كان متقدما أي في أول الإسلام، كما نقله القاضي عن الأصيلي ~~[وقد] (¬2) صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعده بسنتين من الهجرة صلاة ~~الخوف غير مرة، على وجه وقع فيه المخالفة الظاهرة بالأفعال المنافية للصلاة ~~في غير حالة الخوف، PageV03P383 # وذلك يدل على عدم إيقاع الصلاة في اليوم مرتين، على وجه لا تقع المنافاة ~~والمفسدات في غير هذه الحالة، وهذا لا يدل على النسخ بتقدير تقدم إسلام ~~معاذ وفعله، كيف والمنازعة واقعة في أن ذلك هل كان عقب إسلامه أو بعده؟ وقد ~~روى ابن جرير أن ذلك قبل أحد لكنه قال: إنه خبر منقطع. # قال النووي (¬1) في شرحه: وهذه دعوى لا أصل لها، فلا يترك ظاهر الحديث بها. # قال البيهقي: وحديث ابن عمرو يرفعه: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين" (¬2) ~~لا يثبت ثبوت حديث معاذ للاختلاف في الاحتجاج # بروايات عمرو بن شعيب يعني المذكور في إسناده ms0621 وانفراده، وللاتفاق على ~~الاحتجاج برواية معاذ. # الثالث: أن الضرورة داعية إلى صلاة معاذ [بقومه لقلة القراء ذلك الوقت، ~~ولم يكن لهم غنى عن صلاة معاذ] (¬3)، ولم يكن لمعاذ PageV03P384 # غنى عن صلاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه بعد (¬1). # ومن ادعى عدم [علمه - عليه الصلاة والسلام - بذلك: فقد أبعد أيضا (¬2) بل ~~قد شكي تطويله إليه ولم] (¬3) ينكر عليه [] (¬4) إلا التطويل فقط. # وبصحة صلاة المفترض خلف المتنفل: قال به الشافعي وأحمد والجمهور: # ومنعه [ربيعة و] (¬5) مالك وأبو حنيفة والكوفيون: # والخلاف في ذلك راجع إلى قاعدة وهي: أن ائتمام المأموم PageV03P385 # بالإمام واجب في: الصورة، والنية، والفعل، والقول، أم في الفعل وبعض ~~القول؟ وقد تقدم ذلك في الحديث الثاني من باب الإمامة. # ونذكر هنا أن العلماء اختلفوا في جواز اختلاف نية الإمام والمأموم على مذاهب: # [أوسعها] (¬1): الجواز مطلقا [فيجوز] (¬2) اقتداء المفترض بالمتنفل وعكسه ~~[والقاضي] (¬3) بالمؤدي وعكسه، سواء [اتفقت] (¬4) الصلاتان أم لا، إلا أن ~~تختلف الأفعال الظاهرة، وهو مذهب الشافعي ومن قال بقوله. # وثانيها: مقابله وهو أضيقها وهو أنه لا يجوز اختلاف النيات حتى لا يصلي ~~المتنفل خلف المفترض. # [وثالثها: وهو أوسطها، أنه يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض] (¬5) [و] (¬6) ~~لا عكسه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. # وقال الشيخ تقي الدين (¬7): ومن نقل عن مذهب مالك مثل المذهب الثاني فليس ~~بجيد، فليعلم ذلك. PageV03P386 # قال الفاكهي: وهذا شيء لم أره في مذهبنا أصلا، فهو وهم إن صح نقله. # قال القرطبي (¬1): ويتمسك المانع بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "إنما ~~جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (¬2)، ولا اختلاف أعظم من اختلاف ~~النيات. # قلت: [و] (¬3) قد يمنع هذا، وإنما يظهر الاختلاف في الأفعال الظاهرة لا ~~الباطنة (¬4). PageV03P387 # وقال ابن بطال: لو جاز بنا صلاة المفترض على صلاة المتنفل لما شرعت صلاة ~~الخوف مع كل طائفة بعضها، وارتكاب الأعمال # التي لا [تصح] (¬1) الصلاة معها في غير الخوف، لأنه كان يمكنه - عليه ~~الصلاة والسلام - أن يصلي مع كل طائفة جميع صلاته # وتكون الثانية له نافلة [وللطائفة] (¬2) الثانية فريضة. # قلت: لا حاجة إلى إحالة ms0622 هذا، فقد وقع هذا منه - صلى الله عليه وسلم - في ~~صلاة الخوف صلى بكل طائفة كل الصلاة كما ذكره الحاكم (¬3) من حديث أبي بكرة ~~وقال: صحيح على شرط الشيخين. وفي أبي داود والنسائي وصحيح ابن حبان (¬4) ~~عنه أيضا: أنه PageV03P388 # - عليه الصلاة والسلام - صلى في خوف الظهر [بكل] (¬1) طائفة [مرة] (¬2). # فرع غريب في مذهب الشافعي: هل يجوز أن يصلي الفريضة خلف من يصلي صلاة ~~التسبيح؟ فيه وجهان حكاهما القاضي نجم الدين القمولي (¬3) [رحمه الله] (¬4) ~~ولم يذكر راجحا منهما. PageV03P389 ### ||| AUTO الحديث السادس # 117/ 6/ 21 - عن أنس - رضي الله عنه - قال: "كنا نصلي مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في [شدة] (¬1) الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته ~~من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # -والتعريف براويه سلف-. # الأول: قوله: "كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" هذا حكمه ~~حكم المرفوع بلا خلاف، إذ الظاهر تقريرهم عليه وعلمه به. # [الثاني] (¬3): "الاستطاعة" الإطاقة كما قاله الجوهري. # والثوب لغة: هو غير المخيط: كالرداء أو إزار، وقد يطلق PageV03P390 # على المخيط: كالقميص، وغيره. وقد فسر عمر: الثوبين بالمخيط في قوله - ~~عليه الصلاة والسلام -: "أو كلكم يجد ثوبين" (¬1) حين سئل عن الصلاة في ~~الثوب الواحد؟ فقال: هو إزار ورداء [أو إزار] (¬2) وقميص. # فقول أنس: بسط ثوبه، يعم ذلك ما يسمى ثوبا. # [الثالث] (¬3). في الحديث دلالة لمن أجاز السجود على طرف ثوبه المتصل به، ~~وبه قال أبو حنيفة والجمهور، كما حكاه عنهم # النووي في شرح (¬4) مسلم: ولم يجوزه الشافعي، وتأول هذا الحديث وشبهه على ~~السجود على ثوب [منفصل] (¬5) عنه، وهو الظاهر. # قال البيهقي (¬6): والحمل عليه أولى للاحتياط لسقوط فرض السجود، وحمله ~~الأصحاب على المتصل إذا لم يتحرك بحركته. PageV03P391 # قال الشيخ تقي الدين (¬1): ومن استدل به [على] (¬2) الأول يحتاج إلى أمرين. # أحدهما: أن تكون لفظة ثوبه دالة على المتصل به، إما من حيث اللفظ أو من ~~أمر خارج. # والثاني: أن يدل الدليل على تناوله لمحل النزاع إذ من منع السجود على ~~الثوب المتصل به، ms0623 اشترط في المنع أن يكون متحركا بحركة المصلي، وهذا الأمر ~~الثاني سهل الإثبات لأن طول ثيابهم إلى حيث لا يتحرك بالحركة بعيد. # قلت: وأما حديث أبي هريرة وجابر "أنه -عليه الصلاة والسلام - كان يسجد ~~على كور عمامته" ففي إسناد كل منهما متروك، كما قاله عبد الحق (¬3). # وقال البيهقي (¬4): لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء من ذلك. ~~قال: وأصح ما فيه قول الحسن البصري (¬5). حكايته عن الصحابة: أنهم PageV03P392 # كانوا يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل على عمامته، وحكى الماوردي ~~(¬1) عن الأوزاعي [أنه] (¬2) قال: كانت عمائم # القوم: [لية أو ليتين] (¬3) لصغرها، وكان السجود على كورها لا يمنع من ~~وصول الجبهة إلى الأرض (¬4). PageV03P393 # وعن ابن رشد حكايته أربعة أقوال عندهم في السجود على كور العمامة: # ثالثها: يجوز في الطاقات اليسيرة دون الكثيرة. # رابعها: يجوز إن باشر بشيء من جبهته الأرض، وإلا فلا. # الرابع: [يقتضي] (¬1) الحديث تقديم الظهر في أول الوقت مع الحر، ويعارضه ~~ما قدمناه في أمر الإبراد، فمن قال: إنه رخصة فلا # إشكال لأن التقديم حينئذ يكون سنة والإبراد جائز، ومن قال: إنه عزيمة ~~مسنونة فقد ردد بعضهم القول في أن صلاتهم للظهر في أول الوقت في شدة الحر ~~منسوخ أو يكون على الرخصة. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): ويحتمل عندي عدم التعارض، لأننا إذا جعلنا ~~الإبراد إلى حيث يبقى ظل يمشي فيه إلى المسجد أو إلى # ما زاد على الذراع فلا يبعد أن يبقى مع ذلك حر يحتاج معه إلى بسط الثوب، ~~فلا يقع تعارض. # قلت: وجزم بهذا الاحتمال القرطبي فإنه قال في شرحه (¬3): ليس في الحديث ~~دليل على أنه - عليه الصلاة والسلام - كان لا يبرد، بل قد يوجد شدة الحر ~~بعد الإبراد، إلا أنها أخف مما قبله. # خامسها: فيه ما يدل على البسط والثياب لا سيما عند الضرورة والمشقة: ~~كالحر والبرد، وقد صح أنه - عليه الصلاة والسلام -: PageV03P394 # "كان يصلي على الخمرة" (¬1) وهي سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل وترمل ~~بالخيوط. # سادسها: فيه أيضا أن مباشرة المصلي الأرض بجبهته ms0624 ويديه هو الأصل [فإنه ~~علق بسط الثوب بعدم الاستطاعة وذلك يفهم أن الأصل] (¬2) والمعتاد عدم بسطه. # سابعها: فيه أيضا أن العمل القليل في الصلاة لا يفسدها. PageV03P395 ### ||| AUTO الحديث السابع # 118/ 7/ 21 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" ~~(¬1) (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: المراد بالثوب هنا: الإزار فقط، وقد ألحق به في المعنى السراويل، ~~وكل ما يستر به العورة بحيث يكون أعالي البدن مكشوفا، فورد النهي (¬3) على ~~مخالفة ذلك بأن يجعل على عاتقه شيء PageV03P396 # يحصل الزينة المسنونة في الصلاة. # الثاني: "العاتق" (¬1) ما بين المنكب والعنق، وهو مذكر، ويؤنث أيضا. # وجمعه: عواتق وعتق بضمتين وعتق بإسكان التاء. # الثالث: السنة في جعل بعض ثوب المصلي على عاتقه إذا كان مكشوفا، أما إذا ~~كان مستورا بقميص وغيره فلا. نعم يستحب للرجل أن يصلي في أحسن ما يجد من ~~ثيابه، ويتعمم ويتقمص ويرتدي. # قال القاضي حسين: ويتطيلس، فإن اقتصر على ثوبين: فالأفضل قميص ورداء أو ~~قميص وسراويل، فإن اقتصر على واحد فالقميص أولى، ثم الإزار، ثم السراويل. # واختار البنديجي والمحاملي وغيرهما: أن السراويل أفضل من الإزار. # وقال ابن التلمساني (¬2) المالكي في (شرح الجلاب): تكره PageV03P397 # الصلاة في السراويل والعمامة (¬1) إلا في المنزل، [فإنه] (¬2) ليس عليه ~~أن يتجمل فيه، كما يتجمل إذا خرج منه، وهو عجيب منه، فالله أحق أن يتزين له. # وقال ابن العطار في "شرحه" بعد أن نقل عن أصحابنا: أن الإمام يوم الجمعة ~~يستحب له أن يزيد على سائر الناس في الزينة: كالرداء ونحوه، ليس من زينته ~~الطيلسان، فإنه ليس من [شعائر] (¬3) الإسلام، بل هو من شعار اليهود، فأنه ~~يثبت في صحيح مسلم (¬4) PageV03P398 # وغيره [أن شعار] (¬1) يهود أصبهان السبعين ألفا الذين يخرجون مع الدجال، ~~وقد نهى الشارع عن التشبه باليهود والنصارى وسائر # الكفار، ولعن من تشبه بهم مع أنهم يمنعون من لبسه في بلاد الإسلام لما ~~فيه من الرفعة عليهم به، هذا كلامه. # وفي المدخل لابن ms0625 الحاج -رحمه الله- نحوه، فإنه قال: ورد في الطيلسان أنه ~~زينة بالليل ومذلة بالنهار، وقد ذكر أن أحبار اليهود # إنما كانوا يعرفون في زمن نبينا - صلى الله عليه وسلم - بصفة هذا ~~الطيلسان اليوم، فيكون ذلك تشبيها بهم. # قلت: وما أسلفناه عن القاضي حسين يأتي ما ذكراه، فالله أعلم. PageV03P399 # الرابع: قال العلماء: حكمة النهي أنه إذا اتزر به ولم يكن على عاتقه منه ~~شيء لم يأمن أن تنكشف عورته، بخلاف ما إذا جعل بعضه # على عاتقه، ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه [] (¬1) بيده أو يديه، فيشتغل ~~بذلك، ويفوته سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت # صدره ورفعهما حيث شرع الرفع، وغير ذلك. # الخامس: اختلف العلماء في ستر العاتق في الصلاة: هل هو مستحب [أم] (¬2) واجب؟ # فذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والجمهور إلى الأول، وأن تركه مكروه: ~~كراهة تنزيه. # وذهب أحمد في المشهور عنه وبعض السلف: إلى الوجوب، وعدم الصحة بتركه إذا ~~قدر على ستره أو وضع شيء عليه لظاهر هذا # الحديث. # وعن أحمد رواية أخرى: أن صلاته صحيحة، لكنه يأثم بتركه. # وحجة الجمهور: حديث جابر في الصحيحين أنه - عليه الصلاة والسلام - قال له ~~في ثوب له: "فإن كان واسعا فالتحف به، وإن كان ضيقا فاتزر به" (¬3). ولم ~~.................... PageV03P400 # [يأمره] (¬1) بوضع شيء على عاتقه مع ضيقه واتزاره [به] (¬2)؟ فدل PageV03P401 # على [عدم] (¬1) وجوبه، والاثم بتركه، كذا استدل بهذا الشيخ تقي الدين ~~(¬2) والنووي (¬3) وغيرهما وقبلهم الشافعي في "الأم"، وقد يقال: عدم أمره - ~~عليه الصلاة والسلام - له بوضع شيء على عاتقه مع ضيق ثوبه لعلمه بعجزه عن ~~ستره؛ والعاجز معذور في ذلك بخلاف القادر. # وقال الباجي (¬4): ووسع مالك في طرح الرداء عن المنكبين في النافلة، ~~وكرهه في الفريضة. PageV03P402 ### ||| AUTO الحديث الثامن # (¬1) # 119/ 8/ 21 - عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد ~~في بيته" (¬2) وأتي بقدر فيه خضروات من بقول، فوجد لها ريحا، فسئل فأخبر ~~بما فيها [من البقول] (¬3) فقال: "قربوها PageV03P403 # إلى بعض أصحابه"، ms0626 فلما رآه كره أكلها [قال] (¬1): "كل فإني أناجي من لا ~~تناجي" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # والتعريف براويه سلف قبل التيمم. # الأول: يقال: ثوم وفوم، وفي قراءة ابن مسعود (¬3) وثومها، ويقال: الفوم ~~الحنطة، ويقال: الحمص، ويقال: الحبوب (¬4). حكاه العزيزي (¬5). PageV03P404 # وفي الصحيح (¬1): تسميته شجرة وهو على خلاف الأصل، فإنها من البقول ~~والشجر في كلام العرب ما كان على ساق يحمل أغصانه، وما ليس كذلك [فهو] (¬2) ~~نجم، وهو المروي عن ابن عباس وابن جبير في قوله -تعالى-: {والنجم والشجر ~~يسجدان (6)} (¬3)، وفي الصحيح (¬4) أيضا تسميته: خبيثا، والمراد المستكره. # [فائدة] (¬5): البقول جمع بقل. # قال أهل اللغة: البقل كل نبات اخضرت به الأرض. PageV03P405 # [الثاني] (1): استحب [بعض] (¬2) [العلماء] (¬3): أن لا يخلي المائدة من ~~شيء أخضر. # فقد قيل: إنه ينفي الجان أو الشيطان. أو كما قال نقله أبو [عبد الله] ~~(¬4) بن الحاج في مدخله (¬5)، وهذا ورد في حديث مرفوع من طريق أبي أمامة: ~~"احضروا موائدكم البقل، فإنه مطردة للشيطان مع التسمية" (¬6). # الثالث: قوله: "بقدر" [كما] (¬7) هو في صحيح مسلم وهو ما يطبخ فيه رواه ~~البخاري وأبو داود وغيرهما "ببدر" -ببائين موحدتين-. # قال العلماء كما نقله عنهم النووي (¬8) في شرحه: وهو الصواب. PageV03P406 # وفسره الرواة وأهل اللغة والغريب: بالطبق. # قالوا: وسمي بدرا لاستدارته كاستدارة البدر، واستبعدوا لفظة "القدر"، ~~فإنها تشعر بالطبخ، وقد ورد الإذن بأكل البقول المذكورة مطبوخة. # وأما البدر: فلا يشعر كونها فيه مطبوخة، بل [يجوز أن تكون نيئة، فلا ~~يعارض ذلك الإذن في أكلها مطبوخة، بل] (¬1) ربما يدعى # أن ظاهر كونها في الطبق أن تكون نيئة، ولو سلم أنه "بقدر" بالقاف فيكون ~~معناه: أنها لم يمت الطبخ تلك الرائحة منها، فيبقى المعنى المكروه، فكأنها نيئة. # الرابع: الضمير في "فيه" عائد على "القدر" المذكور في هذه الرواية، إذا ~~قلنا: إنه مذكر، وهو لغة. # وأما إذا قلنا: إنها مؤنثة فيكون الضمير عائد إلى الطعام الذي في القدر. # وقوله: "فأخبر بما فيها من البقول"، دليل على أن "القدر" مؤنثة والضمير ~~في "قربوها" يعود إلى البقول أو إلى الخضروات لكن عوده إلى ms0627 البقول أولى ~~لأنه أقرب. # وقوله: "إلى بعض أصحابه" الظاهر أنه من كلام الراوي فتأمله. # ووقع في شرح الشيخ تقي (¬2) في متن الحديث " [إلى PageV03P407 # بعض] (¬1) أصحابي" بدل "أصحابه" ولا إشكال على هذه الرواية. # الخامس: قوله - عليه الصلاة والسلام -: " [كل] (¬2) " فيه دلالة على ~~إباحة أكل الثوم والبصل ونحوهما، وهو حلال بإجماع من يعتد به. # وحكي عن أهل الظاهر تحريمها، لأنها تمنع من حضور الجماعة، وهي عندهم فرض عين. # وحجة الجمهور هذا الحديث وقوله - عليه الصلاة والسلام -: "أيها الناس! ~~إنه ليس بي تحريم ما أحل الله" (¬3). # قلت: والنهي إنما هو الحضور مع الجماعة أو عن حضور المسجد فقط، ويلزم من ~~إباحة أكلها ومنع حضور الجماعة والمساجد بسبب أكلها أن لا تكون الجماعة ~~واجبة على الأعيان، لأن من لازم جواز أكلها ترك الصلاة جماعة في حق آكلها ~~[] (¬4) ولازم PageV03P408 # الجائز جائز، وترك الجماعة في حق آكلها جائز، وذلك ينافي الوجوب (¬1) عليه. # فإن قلت: لا يمتنع أن يسقط المباح الفرضي كالسفر، فإنه يسقط الصوم وتقصر ~~الصلاة. # فجوابه: أن السفر لم يسقط ذلك جملة، وإنما نقله إلى بدل بخلاف ما نحن ~~فيه، فإنه أسقط الجماعة لغير بدل. # السادس: في الحديث دلالة على احترام الملائكة بمنع أذاهم من الروائح ~~الكريهة ونحوها مما يؤذي. # وقد اختلف أصحابنا في الثوم: هل كان حراما عليه - صلى الله عليه وسلم - ~~أم كان تركه تنزيها كغيره؟ على وجهين: # أصحهما: الثاني (¬2)، وهو ظاهر الأحاديث ومن قال: بالتحريم قال: المراد ~~بقوله: "ليس بي تحريم ما أحل الله" بالنسبة إلى أمته فيما أحل لها لا ~~بالنسبة إليه. PageV03P409 # السابع: فيه احترام الناس أيضا بمنع أذاهم بالروائح [الكريهة ونحوها مما ~~يؤذي] (¬1) فيعتزل الجماعة والمساجد من أكلها، ويلزم الكريهة بيته. وكل ~~المساجد في ذلك سواء، وهو مذهب العلماء كافة، وحكي عن بعض العلماء: أن ~~النهي خاص بمسجده - صلى الله عليه وسلم - لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ~~"فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا" وأكد ذلك بأن مسجده كان مهبط الوحي والصحيح ~~عمومه لرواية مسلم: "فلا يقربن المساجد" فيكون قوله - عليه الصلاة والسلام ~~-: "مسجدنا" للجنس ms0628 (¬2) أو لضرب المثال، لأنه معلل [بتساوي] (¬3) الناس أو ~~الملائكة الحاضرين، وذلك قد يكون موجودا في المساجد كلها. # الثامن: نص في هذا الحديث على الثوم والبصل وفي الحديث الذي بعده على ~~الكراث، وألحق العلماء [بها] (¬4) كل ما له رائحة # كريهة من المأكولات وغيرها، ولعل تخصيص هذه الأشياء بالذكر كثرة أكلهم ~~لها. PageV03P410 # قال القاضي عياض: ويلحق [بها] (¬1) من أكل فجلا، وكان يتجشى، كذا نقله ~~عنه النووي، وأقره، واستفد أنت أن ذكر الفجل # ورد منصوصا عليه في الحديث أيضا. أخرجه الطبراني (¬2) في أصغر معاجمه، ~~وقد أوضحت الكلام عليه في "تخريج أحاديث المنهاج" و"شرحه". # وقال ابن المرابط (¬3): يلتحق بها من في فيه بخر أو به جرح له رائحة. # قال المازري (¬4): وألحق الفقهاء بالروائح أصحاب الصنائع: كالقصاب ~~والسماك. # قلت: ومن باب [أولى] (¬5) المجذوم والأبرص في ذلك، لأن التأذي بهما أشد ~~[قلت] (¬6): تفقها (¬7). PageV03P411 # [التاسع] (¬1): قاس العلماء على المساجد: مجامع [الصلاة] (¬2) في غيرها: ~~كمصلى العيد [والجنائز] (¬3) ونحوهما من مجامع # العبادات، وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها (¬4)، ولا يلتحق بذلك ~~الأسواق ونحوها. # وقسم صاحب القبس (¬5) المساجد إلى ضربين: محيطة غير مبنية: كمصلى العيد ~~ومصلى المسافرين إذا نزلوا، ومحيطة مبنية كسائر المساجد. قال: والنهي إنما ~~يتعلق بالمبنية. # قال المازري (¬6): قالوا: ويمتنع الدخول بهذه الروائح المسجد، وإن كان ~~خاليا لأنه محل الملائكة. # [العاشر] (¬7): قد يستدل بالحديث على أن أكل هذه الأمور من الأعذار ~~المرخصة في ترك حضور الجماعة. قال الشيخ تقي الدين (¬8): وقد يقال: إن هذا ~~الكلام خرج مخرج الزجر عنها، فلا PageV03P412 # يقتضي ذلك أن يكون عذرا في تركها، إلا أن يدعو إلى [أكلها] (¬1) ضرورة. ~~قال: ويبعد هذا من وجه تقريبه إلى بعض أصحابه، فإن # ذلك [ينافي] (¬2) الزجر (¬3). # الحادي عشر (¬4): ينبغي إذا كان معذورا لأكل ما له ريح كريه للعدم ونحوه ~~أن يعذر في حضوره المسجد. وقد قال الإمام أبو حاتم بن حبان من أصحابنا في ~~صحيحه (¬5): ذكر إسقاط الحرج عن آكل ما وصفنا نيئا مع شهوده الجماعة إذا ~~كان معذورا من علة [يداوى] (¬6) بها. ثم ذكر بإسناده إلى المغيرة ms0629 بن شعبة ~~قال: أكلت ثوما ثم أتيت مصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدته قد ~~سبقني بركعة، فلما قمت أقضي وجد ريح الثوم، فقال: "من أكل من هذه البقلة ~~فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها". قال المغيرة: فلما قضيت PageV03P413 # الصلاة أتيته فقلت: يا رسول الله إن لي عذرا، فناولني يدك. قال: فناولني، ~~فوجدته والله سهلا، فأدخلتها في كمي إلى صدري، فوجده معصوبا. فقال: "إن لك ~~عذرا". وأخرجه أبو داود (¬1) في الأطعمة من سننه، وأعله المنذري بأبي هلال ~~محمد بن سليم الراسبي. وقال: [تكلم] (¬2) فيه غير واحد (¬3). # قلت: لكنه صدوق. وروى أبو نعيم عن المغيرة أيضا قال: قلت: يا رسول الله! ~~نهينا عن طعام كان لنا نافعا. قال: "وما هو؟ " قلت: الثوم. قال: "وما كنتم ~~تجدون من منفعته" قلت: كان ينفع صدورنا وظهورنا. قال: "فمن أكله منكم فلا ~~يقربن مسجدنا حتى # يذهب ريحها منه" (¬4). # الثاني عشر: استدل بعضهم بهذا الحديث على أن من يتكلم في الناس ويؤذيهم ~~بلسانه في المسجد أنه يخرج منه ويبعد، ذكره # القرطبي في تفسيره. PageV03P414 # الثالث عشر: في الحديث الأمر بالقعود في البيت عند وجود الأذى واعتزال ~~الناس للكف عن أذاهم. # الرابع عشر: فيه دليل كما [قاله] (¬1) القاضى: على أن إتيان الجماعة ~~للآحاد على الدوام ليس بفرض، وإن كانت إقامتها بالجملة متعينة لأن إحياء ~~السنن الظاهرة فرض أي فرض كفاية. # الخامس عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فإني أناجي من لا تناجي" أي ~~أسارر من لا تسارر، وانتجى القوم وتناجوا: تسارروا [وانتجيته إذا خصصته ~~بمناجاتك. # والاسم النجوى والنجى، على فعيل الذي تساره] (¬2)، والجمع: الأنجية. قال ~~الأخفش (¬3): [وقد يكون النجي جماعة مثل الصديق. قال تعالى: {خلصوا نجيا} ~~(¬4) [و] (¬5) قال الفراء (¬6)] (¬7): وقد تكون النجي والنجوى اسما ومصدرا. PageV03P415 # السادس عشر: قال صاحب "الإكمال": قال أبو القاسم بن أبي صفرة في قوله: ~~"أناجي من لا تناجي"، دليل على أن الملائكة أفضل من بني آدم (¬1). قال ~~القاضي (¬2): ولا دليل فيه لا سيما على رواية "فإن الملائكة تتأذى مما ~~يتأذى منه بنو آدم" فقد ms0630 ساوى بينهم. # السابع عشر: حكم رحبة المسجد حكمه لأنها منه، ولذلك كان - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا وجد [ريحها] (¬3) من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع ~~إبعادا له عن المسجد ورحبته (¬4). # الثامن عشر: قال صاحب (الإكمال) (¬5): لو أن جماعة مسجد كلهم وجدت ~~الروائح الكريهة منهم، لا يخالطهم في مسجدهم # غيرهم لم يمنعوا منه بخلاف ما لو كان معهم غيرهم ممن يتأذى منهم بذلك. # قلت: فيه نظر لأجل احترام الملائكة. وقد روى الترمذي PageV03P416 # الحكيم [بعد] (¬1) ". فلا يقربن مسجدنا" قيل: يا رسول الله! إذا كان ~~أحدنا خاليا، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن الملائكة تتأذى مما يتأذى به ~~ابن آدم" (¬2) ومن هذا يؤخذ الكراهة فيما إذا صلى فيه وحده (¬3). PageV03P417 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 120/ 9/ 21 - عن جابر - رضي الله عنه -[أن] (¬1) النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة ~~تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" (¬2). # هذا الحديث كذا هو في محفوظنا، وأورده الشيخ تقي الدين (¬3) بلفظ: "فإن ~~الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان"، وفي رواية: "بنو آدم"، وتبعه ~~الشراح على ذلك: كابن العطار والفاكهي. # ثم الكلام عليه من وجوه: PageV03P418 # الأول: في هذا الحديث زيادة الكراث [وهو] (¬1) في معنى ما سلف، لأن العلة ~~تشمله، وقد قدمنا أن الحكم تعدى إلى كل ماله # رائحة كريهة. # الثاني: تقدم التوسع بالمسجد إلى سائر المجامع خلا الأسواق ونحوها (¬2). # الثالث: ليس المراد بالملائكة: الحفظة، لأنه لو كان مرادا لامتنع أكل ذلك ~~مطلقا، وهو خلاف مذهب الجمهور كما سلف، # نعم في الحديث تنبيه على كراهة أكلها مطلقا أو في مواضع حضور الملائكة. # الرابع: علل في هذا الحديث بتأذي الملائكة، وفي حديث آخر: "بتأذي بني ~~آدم". قال الشيخ تقي الدين (¬3): والظاهر أن كل واحد منهما علة مستقلة. ~~وقال صاحب "القبس" (¬4): علله الشارع بثلاث علل بهاتين والثالثة: "لا يقربن ~~مسجدنا" وذكر الصفة في # الحكم وهي المسجد به يدل على التعليل، وفيه تنبيه على مسألة PageV03P419 # أصولية، وهي جواز تعليل الحكم الواحد بعلل مستقلة وفيه خلاف ms0631 بين أهل ~~الأصول. قال: بخلاف العلل الفعلية، فإن الحكم لا يعلل # فيها إلا بعلة واحدة. # الخامس: قوله: "تتأذى مما يتأذى" هو بتشديد الذال فيهما. قال النووي ~~(¬1): وهو ظاهر، ووقع في أكثر أصول مسلم تأذى مما # يتأذى بتخفيف الذال فيها، وهو لغة يقال: أذى تأذى: كعمى يعمى. ومعناه تأذى. # السادس: قال العلماء: في هذا الحديث دليل على منع من أكل الثوم ونحوه من ~~دخول المسجد، وإن كان خاليا لأنه محل الملائكة. # السابع: هذا كله ما دامت هذه البقول غير مطبوخة، كما أسلفته في الحديث ~~قبله. قال عمر - رضي الله عنه -: فمن أكلهما فليمتهما طبخا، [والله أعلم] ~~(¬2). PageV03P420 ### || AUTO 22 - باب التشهد # هو تفعل من تشهد: كالتعلم من تعلم، سمي تشهدا لاشتماله على [الشهادتين] ~~(¬1) تغليبا له على بقية أذكاره، لكونهما أشرف أذكاره، كما سميت الصلاة: ~~سبحة، أو ركوعا، أو سجودا: بأشرف ما فيها، وهو التسبيح أو الركوع أو ~~السجود، فإنهما لما كانا غاية في الخضوع سميت به، وإن كان أحدهما أبلغ من ~~الآخر، وإن كان التسبيح من حيث ذاته أفضل منهما، والسجود أفضل من الركوع، ~~والقيام أفضل منهما عندنا، والأصل في مشروعيته ما صح من حديث عبد الله بن ~~مسعود - رضي الله عنه -: كنا نقول قيل أن يفرض علينا التشهد: السلام على ~~الله من عباده، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "لا تقولوا السلام على الله؛ فإن الله هو السلام، ~~ولكن قولوا: التحيات لله" الحديث رواه الدارقطني (¬2) والبيهقي (¬3) PageV03P421 # [وقالا] (¬1): إسناده صحيح [وذكر] (¬2) المصنف [رحمه الله] (¬3) في الباب ~~خمسة أحاديث: PageV03P422 ### ||| AUTO الحديث الأول # 121/ 1/ 22 - عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: علمني رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد، كفي بين كفيه، كما يعلمني السورة من ~~القرآن: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي! ورحمة ~~الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". # وفي لفظ: إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: "التحيات [لله] ms0632 (¬1) "، وذكره ~~وفيه: "فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء ~~والأرض"، وفيه: "فليتخير من المسألة ما شاء" (¬2). PageV03P423 # الكلام عليه من سبعة وعشرين وجها: # الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب المواقيت. # الثاني: التشهد تقدم الدلالة عليه قريبا. # الثالث: الكف [] (¬1) مؤنثة، وورد في الشعر تذكيرها، وهو ضرورة. # الرابع: السورة بالهمز، وتركه أشهر وأصح. # الخامس: "التحيات" جمع: تحية، وهي الملك الحقيقي التام. # وقيل: البقاء الدائم. # وقيل: العظمة الكاملة. # وقيل: السلامة، أي من الآفات وجميع وجوه النقص. # وقيل: الحياء، حكاه القاضي عياض في "تنبيهاته". # وقيل: السلام، قال -تعالى-: {وإذا حييتم بتحية} (¬2)، أي سلم عليكم، أي ~~التحيات التي تعظم بها الملوك مثلا كلها مستحقة لله PageV03P424 # -تعالى-، ويجوز أن يكون لفظ التحية (¬1) مشتركا بين هذه المعاني، كما ~~أبداه المحب الطبري في "أحكامه"، قال: وكونها بمعنى السلام أنسب هنا وأمس. # قال ابن قتيبة (¬2): إنما جمعت التحيات لأن كل واحد من ملوكهم كان له ~~تحية يحيى بها فقيل لنا: قولوا: التحيات، أي الألفاظ الدالة على الملك ~~مستحقة لله -تعالى-. # وقال القاضي عياض في (تنبيهاته): سمعت شيخنا [أبا] (¬3) إسحاق الفقيه ابن ~~جعفر يقول: إنما جمعت التحيات هنا لأنها تجمع معاني التحية من الملك، ~~والبقاء، والسلام، [والعظمة] (¬4). # وقوله: "لله"، أي الألفاظ الدالة على الملك مستحقة لله -تعالى- وحده. # قال البغوي في (شرح السنة) (¬5): لأن شيئا مما كانوا يحيون به الملوك لا ~~يصلح للثناء على الله -تعالى-. # وقال القرطبي (¬6): فيه تنبيه على الإخلاص في العبادات: أي PageV03P425 # ذلك لا يفعل إلا لله -تعالى- ويجوز أن يراد به الاعتراف، بأن ملك ذلك كله ~~لله. قلت: وما أحسن قول الشاعر هنا: # إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني # وإن سرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي تعني # السادس: الواو في قوله: "والصلوات" تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف ~~عليه، فيكون حينئذ كل جملة ثناء مستقلا وهو أبلغ. # السابع: "الصلوات" فيها أقوال: # أحدها: أنها الخمس، قاله ابن المنذر وآخرون: ويكون التقدير: أنها واجبة ~~لله -تعالى- لا يجوز ms0633 أن يقصد بها غيره، أو تكون [كالإخبار] (¬1) عن إخلاصنا ~~الصلوات له، أي صلاتنا مخلصة [لله] (¬2) لا لغيره [[ومنهم من قال: هي كل ~~الصلوات] (¬3). # ثانيها: أنها الرحمة، أي هو المتفضل بها والمعطي لها، لأن الرحمة التامة ~~لله لا لغيره] (¬4)، وقرر بعض المتكلمين هذا المعنى بأن # قال: كل من رحم أحدا فرحمته له بسبب ما حصل له من الرقة عليه، وهو برحمته ~~دافع لألم الرقة عن نفسه بخلاف رحمة الله -تعالى- فإنها لمجرد إيصال النفع ~~إلى العبد (¬5). PageV03P426 # ثالنها: أنها الأدعية والتضرع. # رابعها: أنها العبادات، قاله الأزهري (¬1). # [الثامن] (¬2): "الطيبات"، أي الكلمات الطيبات، وهي ذكر الله، قاله ~~الأكثرون. # وقيل: الأعمال الصالحات، وهو أعم من الأول لاشتماله على الأقوال والأفعال ~~والأوصاف، وطيب الأوصاف، كونها بصفة الكمال وخلوصها عن شوائب النقص، وقال ~~القرطبي (¬3): هي الأقوال الصالحة: كالأذكار والدعوات وما شاكل ذلك، كما ~~قال -تعالى-: {إليه يصعد الكلم الطيب} (¬4). # فائدة: الطيب إن وصف به الكلام: فالحسن، أو العمل: فالخالص من شوائب ~~النقص، أو المال: فالحلال، أو الطعام: فاللذيذ، أو الصعيد: فالطاهر، أو ~~العباد: فالمؤمن، قال -تعالى-: {والطيبات للطيبين} (¬5). # التاسع: "السلام"، قيل: معناه التعوذ باسم الله الذي هو السلام، والتحصين ~~به -سبحانه وتعالى-، كما يقول: الله معك، أي الله متوليك وكفيل بك، أي ~~باللطف والحفظ والمعونة. PageV03P427 # وقيل: معناه السلامة والنجاة لكم، كما في قوله -تعالى-: {فسلام لك من ~~أصحاب اليمين (91)} (¬1)، وقيل: معناه الانقياد لك كما في قوله- تعالى -: ~~{فلا وربك} إلى قوله: {ويسلموا تسليما (65)} (¬2)، وليس يخلو بعض هذا من ~~ضعف لأنه لا يتعدى السلام لبعض هذه المعاني بكلمة على، وكذلك [قيل] (¬3) ~~في: معنى السلام آخر الصلاة الذي هو تحليل منها. # وقال الشيخ [عز] (¬4) الدين في "مقاصده": قيل: هو مصدر سلم يسلم سلاما. # وقيل: هو جمع سلامه كلامه وملام، فهو دعاء بالسلامة (¬5). PageV03P428 # فائدة: قال العزيزي (¬1): السلام على أربعة أوجه: السلام: الله، كقوله ~~-تعالى-: {السلام المؤمن المهيمن} (¬2). # والسلام السلام، كقوله -تعالى-: {لهم دار السلام عند ربهم} (¬3)، أي دار ~~السلامة، وهي الجنة. # السلام: التسليم، يقال: سلمت عليه سلاما: أي تسليما. # والسلام: شجر عظام، ms0634 واحدتها سلامة. # فائدة ثانية: قال الخطابي في (غريبه) (¬4): في التسليم لغتان: سلام ~~عليكم، والسلام عليكم. ووقوع الألف واللام فيه بمعنى التفخيم، ثم قال: وفيه ~~لغة ثالثة. # قال الفراء: العرب تقول: [يسلم] (¬5) [عليكم] (¬6) بمعنى: PageV03P429 # سلام، كما قالوا: حل وحلال، وحرم وحرام، قال: وكانوا [يستحبون] (¬1) أن ~~يقولوا في أول الكتاب: سلام عليكم بمعنى: التحية، وفي آخره: السلام [عليكم] ~~(¬2) بمعنى: الوداع (¬3). # فائدة ثالثة: في هذا الحديث من أصول الفقه: أن عطف العام على الخاص لا ~~يقتضي أن المراد بالعام ذلك الخاص المتقدم، بل يحمل الأول على التشريف ~~والاهتمام به، كما لو تقدم العام وعطف عليه الخاص، وفيه خلاف حكاه القاضي ~~عبد الوهاب، ووجه الاستدلال قوله: (¬4) (السلام عليك)، (السلام علينا)، ~~وهما خاص، ثم عطف، ويؤخذ من ذلك أيضا تفضيله - عليه الصلاة والسلام - على ~~جميع الخلق لتخصيصه بالسلام، ثم التعميم له ولغيره، ولا شك في ذلك، وهو [ما ~~قرره] (¬5) القرطبي (¬6) في (تفسير) قوله -تعالى-: {وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين (107)} (¬7). PageV03P430 # العاشر: قوله: "أيها النبي" الأصل، "يا أيها النبي"!، فحذف حرف النداء ~~وهو لا يحذف إلا في أربعة مواضع: # العلم: نحو [قوله]-تعالى-: {يوسف أعرض عن هذا} (¬1). # والمضاف: نحو [قوله] (¬2) -تعالى-: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا} (¬3) ومن ~~نحو قولهم: من لا يزال محسنا أحسن. # "وأي" نحو أيها النبي، وأيها الناس، وما أشبه ذلك. # الحادي عشر: "النبي" بالهمز (¬4) وتركه، كما أوضحته في شرح الخطبة، ~~فراجعه منه. # فإن قلت: لم لم يقل أيها الرسول؟ # فالجواب: أنه أثبت له الرسالة بعد، فقصد الجمع بين الصفتين وإن كانت ~~الرسالة تلازم النبوة، لكن التصريح بها أبلغ في الكمال، وقدم ذكر النبوة ~~على الرسالة لوجودها كذلك في الخارج، قال الله -تعالى-: {اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق (1)} (¬5)، ثم قال: {يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2)} (¬6). # قال الخطابي في (أعلامه) في حديث: "آمنت بكتابك الذي PageV03P431 # أنزلت"، لو قال: " [و] (¬1) برسولك الذي أرسلت" لكان تكرارا، إذ كان نبيا ~~قبل أن يكون رسولا، فجمع له النبأ بالاسمين جميعا. الثاني عشر: قوله: ~~"ورحمة الله وبركاته"، الأظهر أن المراد بالرحمة نفس ms0635 الإحسان، ويحتمل أن ~~يريد إرادة الإحسان بمعنى الإخبار عن سبق علمه في إرادته لكن المراد الدعاء ~~[له] (¬2) بالرحمة والدعاء، إنما يتعلق بالممكن وهو نفس الإحسان لا الإرادة ~~لأنها قديمة (¬3). # و"البركات" جمع بركة، وهي النماء والزيادة من الخير، ويقال: البركة جماع ~~كل خير. # الثالث عشر: "عباد [الله] " (¬4) جمع: عبد، وله جموع جمعها ابن مالك في ~~بيتين (¬5)، وقد ذكرتهما عنه في أول (شرح PageV03P432 # خطبة المنهاج)، فراجعها منه. # والعبودية: أشرف أوصاف العبد، وبها نعت الله -تعالى- نبيه محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - في أعلى مقاماته في الدنيا، وهو الإسراء في بدايته ~~ونهايته، حيث قال: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} (¬1)، فكان من ربه قاب ~~قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. # الرابع عشر: نعت عباده بالصالحين ليخرج غيرهم، وخص الأول بذلك لأنه ~~[كلام] (¬2) ثناء وتعظيم، فيؤخذ منه أن مفهوم الصفة # حجة. # قال جماعة: والصالح هو القائم بحقوق الله -تعالى- وحقوق العباد الواجبة عليهم. # فائدتان: # الأولى: قال الترمذي الحكيم: من أراد أن يحظى من هذا السلام الذي يسلم ~~الخلق في صلاتهم، فليكن عبدا صالحا. # الثانية: ينبغي للمصلي أن يستحضر عند ذكر ذلك جميع عباد الله من الأنبياء ~~والملائكة وجميع المؤمنين، وعند سلامه على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يكون كأنه مشاهدا له، حاضر بن يديه - صلى الله عليه وسلم -، نبه عليه ~~الفاكهي -رحمه الله-. # فائدة ثالثة: قال القفال الشاشي: "ترك الصلاة يضر بجميع PageV03P433 # المسلمين، لأنه يقول: اللهم اغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات، ولابد من ~~قوله: سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيكون مقصرا في خدمة الخالق، ~~وفي حق رسوله بترك الصلاة عليه، وفي حق نفسه بترك مسألة النعمة والمغفرة، ~~وفي حق كافة المسلمين، فيعم الفساد، ولذلك عظمت المعصية" نقلته من فتاوى ~~القفال المروي عنه. # [الخامس عشر] (¬1): يتعلق بتفسير الصالح الذي قدمته، قال إمام الحرمين في ~~كلامه على الكفاءة في النكاح: الصالحون هم المرموقون بالصلاح المشهورون ~~[به] (¬2)، بحيث ينتصبون أعلاما في التقوى، ولا ينسون على ناسخ الدهر فيها، ~~ولا هم الذين تشرف الأنساب بالاعتزا (¬3) إليهم، فأما الذين [لا ms0636 يبلغون] ~~(¬4) هذا المبلغ، فلا تتأثر الأنساب بالانتماء إليهم. # [السادس عشر] (¬5): قوله: "وعلى عباد الله الصالحين" لفظ عموم، ففيه ~~دلالة على أن جمع التكسير للعموم، وقد دل عليه، قوله: " [أصابت] (¬6) كل ~~عبد صالح في السماء والأرض"، وقد PageV03P434 # كانوا يقولون: السلام على الله، السلام على فلان، كما قدمته حتى علموا ~~هذا اللفظ. # السابع عشر: في قوله: [أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض] (¬1) ~~دليل على أن للعموم [صيغ] (¬2) وأن هذه الصيغة وهي "كل" للعموم، كما هو ~~مذهب الفقهاء خلافا لمن توقف في ذلك من الأصوليين، وهو مقطوع به في لسان ~~العرب، وتصرفات ألفاظ الكتاب والسنة، ومن تبع ذلك وجده. # فائدة: لما خص الله نبيه - عليه أفضل الصلاة والسلام - ليلة الإسراء ~~بكلمات أربع هي: السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته. أعطى منها ~~سهما لإخوانه الأنبياء، وسهما لأمته، وسهما للملائكة، وسهما لصالحي الجن، ~~بقوله: السلام علينا وعلى # عباد الله الصالحين، لأنه يعمهم. # وقال الشيخ عز الدين في "مقاصد الصلاة": بدأ أولا بالثناء على الله، لأنه ~~الأهم المقدم، ثم بالسلام على النبي، لأنه الأهم بعد الثناء على الله، ثم ~~ثلث بنفسه لقوله - عليه الصلاة والسلام-: ابدأ بنفسك، ثم ختم بعباده ~~الصالحين، وهذا قول نوح على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام: {رب اغفر لي ~~ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات} (¬3)، [فبدأ بالثناء على ~~الله بالربوبية، ثم بالمغفرة PageV03P435 # لنفسه، ثم لوالديه، ثم للمؤمنين من معارفه، ثم لسائر المؤمنين والمؤمنات] ~~(¬1)، ثم اعترف بأنه لا معبود إلا الله تحقيقا للإيمان، ثم بالرسالة تحقيقا ~~للإسلام. # الثامن عشر: قوله: "أشهد" إلى آخره، إنما أتى بلفظ الشهادة دون لفظ العلم ~~واليقين، لأنه [أفضل] (¬2) وأبلغ في معنى العلم واليقين، وأظهر من حيث أنه ~~شهود، وهو مستعمل في ظواهر الأشياء وبواطنها، بخلاف العلم واليقين، فإنهما ~~يستعملان في البواطن غالبا دون الظواهر، ولهذا قال الفقهاء: لا يصح أداء ~~الشهادة عند الحاكم بلفظ دون الشهادة، فلو قال: أعلم أو أوقن بكذا لم يصح. # فائدة: الشهادتان كلمتان جامعتان جعلهما الله -تعالى- شهادة واحدة، فقد ~~شهد ms0637 أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم، ثم كتب على جبهة العرش: لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله، وجعلهما مبتدأ اللوح فهذه منك شهادة يواطىء ~~مبتدأ اللوح، وما على جبهة العرش، قاله الحكيم الترمذي. # فائدة ثانية: روى مالك (¬3) في موطئه في تشهد عائشة: أشهد PageV03P436 # أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو تأكيد للنفي. # فائدة ثالثة: سمي نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - به لكثرة خصاله ~~المحمودة. # التاسع عشر: [قوله: فليختر من المسألة ما شاء، فيه دليل على شرعية الدعاء ~~آخر الصلاة قبل السلام، والدعاء بالسلام على الأنبياء والصالحين. # [العشرون] (¬1): فيه أيضا أنه يدعو بما شاء من أمور الآخرة والدنيا ما لم ~~يكن إثما، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. # وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا الدعوات الواردة في القرآن والسنة عملا ~~بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام ~~الآدميين" (¬2)، واستثنى بعض الشافعية بعض صور من الدعاء بقبح، كما لو قال: ~~اللهم اعطني امرأة صفتها # كذا وكذا، وأخذ بذكر أوصاف أعضائها. PageV03P437 # وقال ابن شعبان المالكي ما معناه: أنه إن ابتدأ كلامه بنداء ليس بدعاء ~~مثل قوله: يا فلان فعل الله به كذا، فقد أبطل صلاته # قبل الشروع [في الدعاء] (¬1) بخلاف ما إذا ابتدأ بالدعاء ثم أتبعه ~~النداء، قال ابن أبي زيد: ولم أعلم أحدا من أصحابنا قاله غيره. # وقال القاضي عياض: قوله - عليه الصلاة والسلام - للشيطان في الصلاة: ~~"ألعنك بلعنة الله التامة، وأعوذ بالله منك" (¬2)، وهو في الصلاة دليل على ~~الدعاء على غيره بصيغة المخاطبة، كما كانت الاستعاذة ها هنا بصيغة ~~المخاطبة، خلافا لما شهبة إليه ابن شعبان من إفساده الصلاة بذلك. # قلت: ويتأول هذا الحديث أو يحمل على أنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة ~~أو غيره أو غير ذلك. # فائدة. محل الدعاء من الصلاة مواطن منها بين التشهد والتسليم، وسيأتي ~~[ومنها دعاء الاستفتاح بين تكبيرة الإحرام وقبل قراءة الفاتحة، وقد سلف] ~~(¬3) ومنها الدعاء في الركوع والسجود وسيأتي، ومنها الدعاء [في ms0638 الجلوس] ~~(¬4) بين السجدتين، وحديثه # مشهور، ومنها الدعاء في تلاوته فيها، وهو إذا مر بآية فيها سؤال سأل، ~~وإذا مر بآية فيها تعوذ تعوذ. PageV03P438 # وذكر صاحب (البيان والتقريب): أنه يكره الدعاء عندهم في ستة مواضع: بعد ~~[الإحرام] (¬1) وقبل القراءة، وفي الركوع (¬2)، وفي # الجلوس قبل التشهد، وفي أثناء الجلوس الأول على المشهور، وفي أثناء ~~الفاتحة أو السورة (¬3). # الحادي والعشرون: فيه الأمر بالتشهد، وقد اختلف العلماء في وجوبه، كما ~~سلف إيضاحه في الحديث الثاني من باب صفة صلاة # النبي - صلى الله عليه وسلم - فراجعه منه. # الثاني والعشرون: قدت هناك أنه ورد في التشهد (¬4) أحاديث اختار الشافعي ~~(¬5) منها تشهد ابن عباس في مسلم، ووقع في الشفاء (¬6) للقاضي عياض: أن ~~الشافعي اختار منها تشهد ابن مسعود وهو وهم. # واختار الإمامان أبو حنيفة وأحمد: تشهد ابن مسعود في PageV03P439 # الصحيحين، وهو عشر كلمات كما سلف. # واختار مالك تشهد عمر في "الموطأ" (¬1) وهو: "التحيات لله، الزاكيات لله ~~الطيبات الصلوات لله، السلام عليك" إلى آخره، لأنه # علمه الناس على المنبر بحضرة الصحابة ولم ينكره أحد، فكان كالإجماع، إلا ~~أنه [يترجح] (¬2) عليه تشهد ابن عباس، وابن مسعود # من جهة أن رفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصرح به، ورفع تشهد ~~عمر بطريق استدلالي، كذا قاله الشيخ تقي الدين (¬3)، وظاهره أن تشهد عمر لم ~~يرد مصرحا برفعه، وقد ورد لكنه وهم، كما قاله الدارقطني في علله (¬4)، ~~[والصواب] (¬5) وقفه عليه. # وينبغي أن يعلم بعد أن يتقرر عندك أن الاختلاف إنما هو في الأفضل ~~والمختار منها لا في الجواز، فإنه إجماع أن أشدها صحة باتفاق الحفاظ حديث ~~ابن مسعود، فإن الأئمة الستة اتفقوا على إخراجه في كتبهم بخلاف تشهد ابن ~~عباس فإنه معدود من أفراد مسلم، وأخرجه أصحاب السنن الأربعة أيضا، قال ~~الترمذي (¬6) في "جامعه": وحديث ابن مسعود روي عنه من غير وجه، وهو أصح # حديث روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد والعمل عليه عند ~~أكثر أهل PageV03P440 # العلم من الصحابة ومن بعدهم من التابعين، وهو قول سفيان الثوري ms0639 وابن ~~المبارك وأحمد وإسحاق، وروى الترمذي بإسناده إلى # معمر عن خصيف قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فقلت: ~~يا رسول الله! [إن الناس] (¬1) قد اختلفوا في التشهد، قال: "عليك بتشهد ابن ~~مسعود". # وذكر ابن عبد البر بإسناده إلى البزار (¬2) الحافظ أنه مثل عن أصح حديث ~~في التشهد فقال: هو عندي، والله حديث ابن مسعود # روي من عشرين طريقا. ثم عددهم، قال: ولا أعلم يروى عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في التشهد أثبت من حديث عبد الله، ولا أصح [أسانيد] (¬3) ولا ~~أشهر رجالا [ولا] (¬4) أشد تضافرا بكثرة الأسانيد واختلاف طرقها، وإليه ~~أذهب، وربما زدت، قال ابن عبد البر (¬5): وكان أحمد بن خالد (¬6) بالأندلس ~~يختاره، ويمبل إليه، ويتشهد به. PageV03P441 # قلت: ومما رجح به تشهد ابن مسعود أيضا أن فيه زيادة واو العطف وهي تقتضي ~~المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون # كل جملة ثناءا مستقلا، بخلاف إسقاطها فإن ما عدا اللفظ الأول يكون صفة ~~للأول والأول أبلغ، وزاد بعض الحنفية في تقرير هذا بأنه قال: [لو قال] ~~(¬1): والله والرحمن والرحيم كانت أيمانا متعددة، تتعدد بها الكفارة بخلافه ~~ما إذا أسقطها. # ورجحوه أيضا بأن فيه إثبات الألف واللام في السلام وتنكيره في رواية ~~غيره، والتعريف أعم، وبقول ابن مسعود في اللفظ الذي يدل على العناية بتعلمه ~~وتعليمه وهو: "علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد، كفي بين ~~كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن". # وأجاب من رجح تشهد ابن عباس: بأن واو العطف قد تسقط وتكون مقدرة فيه، ~~وحذفها جائز للاختصار معروف في اللغة، وأنشدوا في ذلك: " [كيف أمسيت؟ وكيف ~~أصبحت؟ (¬2)] " (¬3) هما والمراد: وكيف أمسيت، وهذا إسقاط للواو العاطفة في ~~عطف الجمل، ومسألتنا في إسقاطها في عطف المفردات، وهو أضعف من إسقاطها في ~~عطف الجمل، ولو كان غير ضعيف لم يمتنع الترجيح بوقوع التصريح بما يقتضي ~~تعدد الثناء بخلاف ما لم يصرح به فيه، والجواب عن الثاني: وإن كان الشيخ ~~تقي الدين لم يجب عنه أن في PageV03P442 # صحيح مسلم (¬1)، تعريف ms0640 السلام في تشهد ابن عباس، وكذا في سنن الدارقطني ~~(¬2) وصححه، أو المراد بالتنكير في الرواية الأخرى تنكير التعظيم، كما حكاه ~~صاحب (الإقليد) عن أبي حامد فاستويا في مقالة كل واحد منهما على تعظيم ~~السلام] (¬3). # وعن الثالث: أن في تشهد ابن عباس أيضا في صحيح مسلم (¬4): "كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن"، وفي ~~رواية: "كما يعلمنا القرآن"، وإذا تقرر [لك] (¬5) ذلك، فيترجح تشهد ابن ~~عباس بأوجه. # أولها: أن فيه زيادة "والمباركات" ولأنها موافقة لقول الله -تعالى-: ~~{تحية من عند الله مباركة طيبة} (¬6)، قاله أصحابنا: قال الشافعي: [و] (¬7) ~~هو أكثر وأجمع لفظا من غيره، وفي "صحيح أبي عوانة" (¬8) بسنده إلى الشافعي ~~أنه قال: حديث ابن عباس أجود ما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ثانيها: أنه - عليه الصلاة والسلام - علمه لابن عباس وأقرانه PageV03P443 # من أحداث الصحابة، فيكون متأخرا عن تشهد ابن مسعود، وأخدانه. قاله ~~البيهقي (¬1) في "سننه"، قال: وهذا بلا شك. # ثالثها: قاله البيهقي: في "خلافياته" الذي عندي، إنما اختاره الشافعي لأن ~~إسناده: إسناد حجازي، وإسناد حديث عبد الله: إسناد كوفي، ومهما وجد أئمتنا ~~المتقدمون من أهل المدينة للحديث طريقا بالحجاز فلا يحتجون بحديث يكون ~~مخرجه من الكوفة. قال: ومما يشهد لهذا قول الشافعي ليونس بن عبد الأعلى: ~~إذا وجدت أهل المدينة على شيء فلا يدخلن قلبك إنه [حق] (¬2) ثم ذكر البيهقي ~~شواهد لما ذكره، ولله الحمد على ذلك. # الثالث والعشرون: مذهب الشافعي - رضي الله عنه - أن الواجب من التحيات ~~خمس كلمات: "التحيات لله سلام عليك أيها النبي" ورحمة الله وبركاته، سلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدأ رسول ~~الله". وعللوا الاقتصار # على ذلك بأنه المتكرر في جميع الروايات، وفيه إشكال، كما قاله الشيخ تقي ~~الدين، لأن الزائد في بعض الروايات زيادة من عدل # فوجب قبولها إذ توجه الأمر بها في قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فليقل: ~~التحيات" والأمر للوجوب. # قلت: وكان الشافعي اعتبر في حد ms0641 الأقل ما رواه مكررا في جميع الروايات، ~~ولم يكن تابعا لغيره، وما انفردت به الروايات PageV03P444 # أو كان تابعا لغيره جوز حذفه، لكنه يشكل على هذا لفظة: "الصلوات" فإنها ~~ثابتة في كل الروايات، وليست متابعة في المعنى وقد ادعى الرافعي ثبوت: ~~"الطيبات" في جميع الروايات واستشكلها (¬1). # الرابع والعشرون: في الحديث تعلم شرعية السنة والأحكام وضبطها وحفظها، ~~كما يشرع تعليم القرآن وحفظه وضبطه. # الخامس والعشرون: فيه دليل على مس المعلم بعض أعضاء المتعلم عند التعليم ~~تانيسا له وتنبيها، ونقل ابن الحاج -رحمه الله- # في "مدخله" عن بعض السلف: أنهم كانوا لا يبتعدون عن المدرس، بل يمس ثياب ~~الطلبة ثوبه لقربهم منه. # السادس والعشرون: وفيه دلالة على عدم وجوب الصلاة عليه - صلى الله عليه ~~وسلم - في التشهد الأخير، لأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يعلمه ابن ~~مسعود، بل علمه التشهد، وأمره عقبه أن يتخير من المسألة ما شاء، ولم يعلمه ~~الصلاة، وموضع التعليم لا يؤخر فيه البيان لا سيما الواجب، وهو مذهب أحمد ~~ومشهور مذهب مالك. ونقله PageV03P445 # النووي في (شرح مسلم) (¬1) عن الجمهور. # ومذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وبعض أصحاب مالك: الوجوب، فمن تركها بطلت ~~صلاته. وقد جاء في رواية في هذا الحديث في غير مسلم زيادة: "فإذا فعلت ذلك، ~~فقد تمت صلاتك" لكنها زيادة ليست صحيحة (¬2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كما قاله PageV03P446 # النووي في شرحه [وسيأتي الكلام على هذه المسألة في الحديث الآتي بعده إن ~~شاء الله] (¬1). # السابع والعشرون: أخذ من قوله: "فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل ~~عبد لله"، أن من قال لرجل: فلان يسلم عليك ويريد # بالسلام، هذا أنه لا يكون كاذبا، ويلزم عليه أن يحنث بذلك إذا حلف أن لا ~~يسلم عليه إلا أن يكون له نية خاصة بالسلام، وأيضا فإن العرف يخالف ذلك، ~~ويشهد بأن هذا غير مسلم. # الثامن والعشرون: يؤخذ من هذا الحديث أنه يستحب البداءة بنفسه في الدعاء ~~حيث قال: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" (¬2). PageV03P447 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 122/ 2/ 22 - عن عبد الرحمن بن أبي ms0642 ليلى قال: "لقيني كعب بن عجرة فقال: ~~ألا أهدي لك هدية: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج علينا، فقلنا: يا ~~رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صلي ~~على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك ~~على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (¬1). # الكلام عليه من ستة وعشرين وجها: PageV03P448 # الأول: التعريف [بصحابيه] (¬1) وهو كعب بن عجره -بضم العين وإسكان الجيم ~~-رضي الله عنه أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله. # ويقال: أبو إسحاق، وهو من بني سالم بن عوف. # وقيل: من غيرهم شهد بيعة الرضوان مات سنة اثنتين أو إحدى وخمسين. # ثانيها: التعريف بالراوي عنه، وهو أبو عيسى، عبد الرحمن بن أبي ليلى ~~الكوفي، الإمام التابعي الجليل الثقة أنصاري أوسي، والد القاضي محمد ~~الضعيف، واسم أبيه يسار على الأصح. حضر حلقة عبد الرحمن جماعة من الصحابة، ~~يستمعون لحديثه، وينصتون له منهم البراء بن عازب. وقال: أدركت عشرين ومائة ~~من الصحابة كلهم من الأنصار إذا سئل أحدهم عن شيء أحب أن يكفيه صاحبه. # [ولد] (¬2) في أثناء خلافة عمر بالمدينة. # قيل: لست بقين منها. # وقيل: لست [مضين] (¬3). وروى عنه وعن الخليفتين بعده وخلق من الصحابة ~~والتابعين. وأبوه أبو ليلى صحابي، لم يرو عنه PageV03P449 # غير ابنه عبد الرحمن هذا استعمل الحجاج عبد الرحمن على القضاء، ثم عزله، ~~ثم ضربه ليسب عليا، فكان يوري، فقد بالجماجم، # وقيل: غرق مع ابن الأشعث ليلة دجيل (¬1) سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين. # ثالثها: "الهدية" واحدة الهدايا: كعطية وعطايا، وهي اسم. # والمصدر: [إهدا] (¬2) يقال: [أهديت] (¬3) له وإليه والمهدى -بكسر الميم- ~~ما يهدى فيه: كالطبق ونحوه، ولا يسمى الطبق # مهدا، إلا وفيه ما يهدى، والمهدي: الذي عادته الهدية. والهدية: ما يتقرب ~~به إلى المهدي إليه توددا وإكراما، زاد فيه بعضهم من غير قصد عوض دنيوي، بل ~~لقصد ثواب الآخرة، وأكثر ما يستعمل في المأكول والمشروب والملبوس، وقد يجوز ~~بها في العلوم اللفظية ms0643 والمعنوية الشرعية كما في هذا الحديث. # رابعها: فيه إضمار كأن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال له: نعم، فقال كعب: إن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج علينا، فذكر الحديث. # خامسها: يجوز في إن الكسر على الاستئناف، والفتح على البدل من الهدية ~~[فذكر الحديث] (¬4)، وأن تكون في محل رفع على PageV03P450 # إضمار مبتدأ، تقديره وهي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # سادسها: قوله "فقلنا: يا رسول الله" الظاهر فيه سؤال بعضهم لا كلهم، ففيه ~~التعبير بالكل عن البعض، وهو أحد أنواع المجاز، ويبتعد جدا انفراد كعب به ~~وأنه أتى بالنون التي للجمع تعظيما لنفسه، وإن كان عظيما، بل لا يجوز ذلك، ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "قولوا" ولو كان واحدا لم يقل [له] (¬1) ~~قولوا [إذ لا يعهد ذلك من كلامه - عليه الصلاة والسلام - في غير السلام. # سابعها] (¬2): فيه الابتداء بالتعليم من غير طلب التعلم لذلك، كما هو ~~ظاهر الحديث. # ثامنها] (¬3): فيه ابتداء التعليم باستفتاح كلام يحملهم على أخذه بقبول. # تاسعها: فيه أخذ العلم تؤدة أي شيئا فشيئا ليفهم ويعمل به فإذا علمه أخبر ~~العالم بأنه فهمه وعلمه، وسأله عن غيره، فإن الصحابة قالوا: "قد علمنا كيف ~~نسلم [عليك] (¬4)، فكيف نصلي؟ ". # عاشرها: قوله: "فكيف نصلي عليك؟ "، قال القاضي عياض (¬5): حكم من خوطب ~~بأمر محتمل لوجهين أو مجمل لا يفهم PageV03P451 # مراده أو عام يحتمل الخصوص أن يسأل أو يبحث إذا أمكنه ذلك، واتسع [له] ~~(¬1) الوقت للسؤال إذ لفظ الصلاة الواردة في القرآن يحتمل لأقسام معاني لفظ ~~الصلاة من الرحمة والدعاء والثناء. # وقد قيل: صلاة الله عليه: ثناؤه عليه عند الملائكة. ومن الملائكة دعاء (¬2). # وقيل: هي من الله: رحمة. # ومن الملائكة: رقة ودعاء بالرحمة. # وقيل: هي من الله لغير النبي: رحمة. وللنبي تشريف وزيادة تكرمة. # وقيل: هي من الله وملائكته: تبريك. # ومعنى يصلون: يبركون (¬3) فيحتمل أن الصحابة سألوا عن PageV03P452 # المراد بالصلاة لاشتراك هذه اللفظة. وإلى هذا ذهب بعض المشائخ في معنى ~~سؤالهم في هذا الحديث. # وقد اختلف [الأصوليون] (¬1) في الألفاظ المشتركة إذا وردت مطلقة. فقيل: ms0644 ~~يحمل على عموم مقتضاها من جميع معانيها ما لم يمنع مانع. # وقيل: يحمل على الحقيقة دون ما تجوز به وإليه نحا القاضي أبو بكر. # وذهب بعض المشائخ: إلى أن سؤالهم عن صفة الصلاة لا عن جنسها لأنهم لم ~~يؤمروا بالرحمة ولا هي لهم، وأن ظاهر أمرهم بالدعاء وإليه نحا الباجي. قال ~~القاضي (¬2): وهو أظهر في اللفظ، وإن كانت الصلاة كما قدمنا مشتركة اللفظ، ~~والخلاف في معنى (¬3) PageV03P453 # الصلاة من الله -تعالى- والملائكة موجود، ويعضده السؤال بكيف التي تقتضي ~~الصفة لا الجنس الذي يسأل عنه بما، وسؤالهم هنا عن الصلاة يحتمل أن يراد به ~~الصلاة في غير الصلاة أو في الصلاة وهو الأظهر. # قلت: وسيأتي ما يؤيده (¬1). # الحادي عشر: اختلف في الآل على أقوال ذكرتها في شرح الخطبة فراجعها منه. ~~ومذهب الشافعي أنهم بنو هاشم وبنو المطلب. # واختار المحققون: أنهم جميع الأمة (¬2). PageV03P454 # وأما آل إبراهيم فقال في (الكشاف): هم إسماعيل وإسحاق [ويعقوب] (¬1) ~~وأولادهما. # الثاني عشرة: اختلف في أصل الآل أيضا كما أوضحته هناك PageV03P455 # فراجعه منه أيضا، والصحيح: أن أصله أهل [لا أول] (¬1) بدليل رجوع الهاء ~~في تصغيره قالوا: أهيل (¬2)، وخص آل بالتعظيم دون أهل، لأن الألف ممدودة ~~[والهاء مهموسة] (¬3) فناسب ذلك، نبه عليه الفاكهي، وأورد آل فرعون فإنه رذيل. # وأجاب: بأنه جاء على ما عهدوا من تعظيمه، أو أنه على طريقة التهكم. # الثالث عشر: صيغة الأمر في قوله - عليه الصلاة والسلام -: "قولوا" ظاهره ~~[في] (¬4) الوجوب، وقد اتفق العلماء على وجوب الصلاة عليه - صلى الله عليه ~~وسلم - لكن اختلفوا، فالأكثر على وجوبها في العمر مرة: كالشهادتين. PageV03P456 # واختار الطحاوي، والحليمي: وجوب الصلاة عليه كلما ذكر. # وقال الشافعي وأحمد: هي [واجبة] (¬1) في التشهد الأخير عقبه قبل السلام. ~~وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله - رضي الله عنهما -. وهو [قول] ~~(¬2) الشعبي، وقد نسب الشافعي جماعة في وجوبها في التشهد الأخير إلى مخالفة ~~الإجماع منهم # الخطابي (¬3) والبغوي (¬4). # وقال ابن الصلاح: هو كالمنفرد بذلك، وهو غير صحيح. فإن الشعبي تابعي ~~صغير، وهو من الفقهاء المعتد بقولهم، وخلافه ms0645 ليس # معه إجماع، كيف وهو منقول عن عمر وابنه. # قال البيهقي: [وروي] (¬5) معناه عن الحجاج بن أرطأة عن أبي جعفر محمد بن ~~علي بن الحسين. # [وقال إسحاق: إن تركها عمدا بطلت أو سهوا فلا] (¬6)، وجعل من نسب الشافعي ~~إلى مخالفة الإجماع في ذلك أن قول أحمد # وإسحاق في الوجوب على سبيل التبعية والتقليد للشافعي لا استقلالا، لكن ~~الظاهر أن الشعبي تقدمهما بذلك، وقد حكاه PageV03P457 # القاضي عياض في "إكماله" عن بعض أصحاب مالك البغداديين. # نعم مشهور مذهب مالك أنه يتأكد استحبابها في التشهد الأخير. # وحكي عن الكرخي أنه قال بالوجوب في صلاة واحدة. # وحكى صاحب (الحاوي) عنه أنه قال: بالوجوب في غير الصلاة، ووقع في كلام ~~صاحب "الإقليد" أنه لا قائل بالوجوب في صلاة واحدة. وقد علمت قائله. # الرابع عشر: ليس في الحديث تنصيص على أن هذا الأمر مخصوص بالصلاة، وقد ~~استدل الفقهاء كثيرا على وجوبها في الصلاة بأنها واجبة بالإجماع ولا تجب في ~~غيرها بالإجماع، فتعين وجوبها فيها وهو ضعيف جدا، كما قال الشيخ تقي الدين ~~(¬1): لأن # قولهم لا تجب في غير الصلاة بالإجماع إن أرادوا به عينا فهو صحيح، لكنه ~~لا يلزم منه أن يجب في الصلاة عينا لجواز أن يكون # الواجب مطلق الصلاة، فلا يجب واحد من [المعنيين] (¬2)، أعني خارج الصلاة ~~وداخلها، وإن أرادوا أعم من ذلك، وهو الوجوب # المطلق فممنوع. # قلت: وهي تجب أيضا في خطبة الجمعة، فقولهم: لا تجب من غير الصلاة ~~بالإجماع ممنوع، والأمر أيضا لا يفيد التكرار، نعم PageV03P458 # [استدل] (¬1) على وجوبها في الصلاة برواية صحيحة من حديث أبي مسعود ~~الأنصاري قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن عنده، فقال: يا رسول الله! أما ~~السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ ~~قال: قولوا: "اللهم صل على محمد" الحديث، رواه ابن حبان والحاكم في ~~صحيحيهما واحتجا بها على الوجوب، وهو في صحيح مسلم (¬2) بدون: "إذا نحن ~~صلينا عليك في صلاتنا" [قال: "قولوا: اللهم ms0646 صل على محمد"، الحديث رواه ابن ~~حبان (¬3) والحاكم (¬4)] (¬5). قال الحاكم: وهي زيادة صحيحة (¬6) واحتجا ~~أيضا في صحيحيهما بحديث فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - رأى رجلا يصلي لم يحمد الله، ولم يمجده، ولم يصل على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "عجل هذا" ثم دعاه فقال: "إذا صلى ~~أحدكم فليبدأ بحمد ربه PageV03P459 # والثناء عليه، وليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وليدع بعد بما ~~شاء". قال الحاكم: صحيح (¬1) الإسناد على شرط [الشيخين] (¬2) وهذان ~~الحديثان وإن اشتملا على ما لا يجب بالإجماع: كالصلاة على الآل والذرية ~~والدعاء فلا يمتنع الاحتجاج بهما، فإن الأمر للوجوب، فإذا خرج بعض ما ~~تناوله الأمر عن الوجوب بدليل بقي الباقي على الوجوب. # الخامس عشر: كل لفظ أمرنا بالإتيان به على صيغة من الشارع يجب في العمل ~~به مراعاة لفظه (¬3)، ولا يجوز الإتيان بمعناه (¬4)، PageV03P460 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P461 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P462 # فالصلاة من الله -تعالى- معناها: الرحمة، كما سلف مع الخلاف فيه، فإذا ~~قلنا: اللهم صل على محمد. فكأنا سألنا الله -تعالى- # الرحمة لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا يسقط الأمر بقولنا: اللهم ارحم ~~محمدا، أو اللهم ترحم على محمد دون الصلاة ولا بقولنا: اللهم صل على أحمد. ~~كما صححه النووي في (التحقيق). # وقد وردت الرحمة مع الصلاة والتبريك في بعض الأحاديث الغريبة (¬1)، كما ~~قال القاضي: PageV03P463 # واختلف علماء المالكية في قول ذلك. # فقال بعضهم: لا يقال وهو اختيار ابن عبد البر وأجازه بعضهم وهو مذهب محمد ~~بن أبي زيد وصححه القرطبي (¬1)، قال: فقد # [جاء] (¬2) ذلك في أحاديث كثيرة. # وقال النووي في "شرح مسلم" (¬3): المختار أنه لا يذكر الرحمة لأنه - عليه ~~الصلاة والسلام - علمهم الصلاة عليه بدونها وإن كان معناها الدعاء له ~~بالرحمة فلا يفرد بالذكر. # قلت: وقول القاضي عياض: أن ذكر الرحمة وردت في بعض الأحاديث الغريبة ~~عجيب. وقد أقره النووي وغيره عليه، وقد صح # في حديث كما ذكرته في تخريجي لأحاديث الرافعي فراجعه منه. ووقع في ~~(الأذكار) (¬4) للنووي أيضا: أن هذا بدعة لا أصل لها أعني قوله: وارحم ms0647 ~~محمدا وآل محمد، قال: وقد بالغ ابن العربي في (شرح الترمذي) في إنكار ذلك ~~وتخطئة ابن أبي زيد وتجهيل فاعله. # قلت: ومع صحة الحديث به زال هذا. # السادس عشرة: الصلاة على الآل سنة، وعندنا وجه: أنها واجبة. وهو شاذ، لكن ~~قد يتمسك له بلفظ الأمر في الحديث لكنه PageV03P464 # محجوج بإجماع من قبله في عدم الوجوب. ولذلك حكيت الوجوب قريبا ولم أعبأ بهذا. # السابع عشر: في إبراهيم (¬1) خمس لغات: "إبراهيم"، ف"إبراهام"، و"إبراهم" ~~(¬2) -بضم الهاء وفتحها وكسرها من غير ياء- وجمعه براهم وإبارة، ويجوز ~~الواو والنون لاجتماع الشروط [فيه] (¬3)، قالوا: ومعناه أب رحيم. # قال الجواليقي (¬4) وغيره: أسماء الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ~~كلها أعجمية إلا محمدا وصالحا وشعيبا وآدم. # قال ابن قتيبة (¬5): وتحذف الألف من الأسماء الأعجمية: كإبراهيم، ~~وإسماعيل، وإسحاق، وإسرائيل، استثقالا كما ترك صرفها، وكذا سليمان، وهارون، ~~فأما ما لا يكثر استعماله منها كهارون، وماروت، وقارون، وطالوت، وجالوت، ~~فلا تحذف الألف في شيء [منها] (¬6)، ولا يحذف من (داود) وإن كان مشهورا ~~لأنه حذف إحدى الواوين فلو حذفت الألف أجحف به. # وأما ما كان على وزن فاعل: كصالح، ومالك، وخالد، PageV03P465 # فيجوز إثبات ألفه وحذفها بشرط كثرة استعماله، فإن قل، كسالم، وحامد، ~~وجابر، وحاتم، لم يجز حذف الألف، وما كثر استعماله # ودخلت الألف واللام تحذف ألفه معها وإثباتها مع حذفهما تقول: قال الحارث ~~لئلا تشتبه بحرث، ولا تحذف من عمران، ويجوز # حذفها وإثباتها في عثمان وسفيان ونحوهما بشرط كثرة استعمالهما. # الثامن عشر: شرعت الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - هنا توطئة للصلاة ~~على آله، ولذلك لم [تفرد] (¬1) الصلاة عليهم في رواية من الروايات، وليقرب ~~نجاحنا في المطلوب بعد التشهد في الصلاة عليه، لأن العرب كانت تستفتح في ~~خطاب المطالب التي يجتمعون لها بذكر تقديم ذكر المعبودات والأكابر، فجاءت ~~الشريعة بتقديم التوحيد ثم الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم -. قاله صاحب ~~الإقليد، وقد يقال: إنما شرعت ها هنا وإن كان غنيا بما [أعطاه] (¬2) الله، ~~لأنه قد أحسن إلينا فوجب علينا مكافأته [بصلاتنا] (¬3) عليه جزاء لإحسانه ms0648 ~~[إلينا] (¬4) والمحسن تجب الزيادة في الإحسان إليه وإن كان غنيا. # التاسع عشر: قوله: "إنك حميد مجيد" قال أهل اللغة والمعاني والمفسرون: ~~الحميد: بمعنى المحمود، وهو الذي تحمد أفعاله، والمستحق لأنواع المحامد. PageV03P466 # والمجيد: الماجد وهو من كمل في الشرف والكرم والصفات المحمودة، فحميد: ~~صيغة مبالغة بمعنى المحمود. ومجيد مبالغة من ماجد. # يقال: مجد الرجل، ومجد -بالضم والفتح- يمجد -بالضم- فيهما مجدا ومجادة، ~~فيكون مجيد: كالتعليل لاستحقاق الحمد بجميع المحامد. # قال الشيخ تقي الدين: ويحتمل أن يكون حميد مبالغة من حامد، ويكون ذلك ~~كالتعليل للصلاة المطلوبة، فإن الحمد والشكر يتقاربان، فحميد قريب من معنى ~~شكور، وذلك مناسب لزيادة الإفضال والإعطاء لما يراد من الأمور العظام، ~~وكذلك المجد والشرف مناسبة لهذا المعنى ظاهرة (¬1). # العشرون: البركة هنا: الزيادة والنماء من الخير والكرامة. وقيل: الثبات ~~على ذلك، من قولهم: بركت الإبل، أي: ثبتت على الأرض، ومنه بركة الماء. # وقيل: هي بمعنى التطهير من العيوب كلها، والتزكية عن PageV03P467 # المعائب، وهو أحد التأويلات في قولهم: تبارك الله (¬1). PageV03P468 # الحادي والعشرون: اختلف أرباب المعاني في فائدة قوله: "كما صليت على ~~إبراهيم وآل إبراهيم" وإن كان المصنف لم يذكر في # روايته إبراهيم على تأويلات كثيرة. # أظهرها: كما قال القاضي (¬1) والقرطبي (¬2): أن نبينا PageV03P469 # [محمدا] (¬1) - صلى الله عليه وسلم - سأل ذلك لنفسه وأهل بيته ليتم ~~النعمة عليهم والبركة كما أتمها على إبراهيم وآله. # ثانيها: أنه سأل ذلك لأمته ليثابوا على ذلك. # ثالثها: أنه سأل ذلك ليبقى له ذلك إلى يوم [القيامة] (¬2) ويجعل لديه ~~لسان صدق في الآخرين كما فعله لإبراهيم. # رابعها: أنه سأل ذلك له ولأمته. # خامسها: أن ذلك كان قبل أن يعرف [] (¬3) - عليه الصلاة والسلام - بأنه ~~أفضل الخلق، ويطلع على علو منزلته. # سادسها: أنه سأل أن يصلي عليه صلاة يتخذه بها خليلا كما اتخذ إبراهيم ~~خليلا، وقد جاء في الصحيح آخر أمره: "ولكن صاحبكم خليل الرحمن" (¬4). وقد ~~جاء أنه حبيب الرحمن. وقال PageV03P470 # أيضا: "أنا حبيب الله ولا فخر" (¬1). ذكره الترمذي فهو الخليل والحبيب. # وقد اختلف العلماء: أيهما أشرف أو هما سواء بمعنى وفضل ms0649 أكثرهم: رتبة ~~المحبة وإبراهيم وغيره من الأنبياء تحت لوائه يوم القيامة. # فإن قلت: فلم خص التشبيه بإبراهيم دون غيره من الرسل والجواب من أوجه: # أحدها: لأنه سأل الله أن يجعل له لسان صدق في الآخرين. # ثانيها: لأنه سمانا مسلمين من قبل، فله علينا منة عظيمة فجازيناه بأن ~~خصينا التشبيه به. # ثالثها: لأن نبينا دعوة إبراهيم في قوله تعالى: {ربنا وابعث فيهم رسولا ~~منهم} (¬2) الآية فخصص به. # الثاني والعشرون: لم يزل الناس يوردون في هذا الحديث السؤال المشهور، وهو ~~أن المشبه به أعلا من المشبه (¬3)، ونبينا PageV03P471 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P472 # محمد - صلى الله عليه وسلم - أفضل الأنبياء والمرسلين إجماعا، فكيف تكون ~~الصلاة عليه مشبهة بالصلاة على إبراهيم، وقد اختلف الناس، فيه على أجوبة. # أحدها: أن التشبيه إنما وقع في [أصل] (¬1) الصلاة، لا في قدرها، كقوله ~~-تعالى-: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} (¬2)، فالتشبيه ~~إنما وقع في أصل الصيام لا في PageV03P473 # عينه ووقته [ولقوله] (¬1) -تعالى-: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح} ~~(¬2) الآية، ومن المعلوم أن التشبيه إنما [وقع] (¬3) في أصل الإيحاء لا في ~~الشيء الموحى، لأنه غيره قطعا، وكقوله -تعالى-: {ويتم نعمته عليك وعلى آل ~~يعقوب كما أتمها على أبويك} (¬4) الآية. إنما أراد النبوة ولم يرد تعيين ~~النعمة التي أنعم بها عليهم، وهذا الوجه لعله أقوى من كل ما سيأتي. وإن كان ~~الشيخ تقي الدين قال: إنه ليس بالقوي. # ثانيها: أن التشبيه إنما وقع في الصلاة على الآل فيكون الكلام تم عند ~~قولهم: اللهم صل على محمد، ويكون منقطعا عن التشبيه # ويكون قوله: "وعلى آل محمد" متصل بما بعده فيكون المسؤول لهم مثل ما ~~لإبراهيم وآله، حكاه بعض أصحاب الشافعي عنه، وفيه من الإشكال أن غير ~~الأنبياء لا يمكن أن يساويهم، فكيف يطلب ما لا يمكن وقوعه. # ثالثها: أن التشبيه إنما وقع في الصلاة مقابلة للمجموع من النبي وآله ~~بالمجموع من إبراهيم وآله، ومعظم الأنبياء هم آل إبراهيم، فكأنه سأل مقابلة ~~الجملة بالجملة، لا المقدار بالمقدار، لأنه إذا تعذر أن يكون لآل ms0650 الرسول ~~مثل ما لآل إبراهيم الذي هم PageV03P474 # [الأتباع] (¬1) من الأنبياء وغيرهم كان ما يوفر من ذلك [حاصلا] (¬2) ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فيكون زائدا على الحاصل لإبراهيم، والذي ~~يحصل من ذلك هو آثار الرحمة والرضوان، ومن كانت في حقه أكثر فهو أفضل، ذكره ~~الشيخ عز الدين. # وقال المحب الطبري في "أحكامه" قوله: إنه يتعذر أن يكون لآل الرسول مثل ~~ما لآل إبراهيم ممنوع، وما المانع بأن يحصل لهم من الرحمة مثل ما حصل لهم ~~ببركة الدعاء. # رابعها: أن الأمر بالصلاة علة للتكرار بالنسبة إلى كل صلاة في حق كل مصل، ~~فإذا اقتضت في حق كل مصل حصول صلاة مساوية للصلاة على إبراهيم كان الحاصل ~~لنبينا - عليه أفضل الصلاة والسلام - بالنسبة إلى مجموع الصلوات أضعافا ~~مضاعفة لا ينتهي إليها العد والإحصاء. # وإن قيل: التشبيه حاصل بالنسبة إلى أصل هذه الصلاة والفرد منها، فالإشكال حاصل. # والجواب ما قاله الشيخ تقي الدين: إن الأمر هنا للتكرار بالاتفاق، وحينئذ ~~فالمطلوب من المجموع حصول مقدار لا يحصى من الصلوات بالنسبة إلى المقدار ~~الحاصل لإبراهيم عليه الصلاة والسلام. # خامسها: ذكره ابن الصلاح، وقرره الشيخ تقي الدين: أنه PageV03P475 # لا يلزم من مجرد السؤال لصلاة مساوية لإبراهيم المساواة أو عدم الرجحان ~~عند السؤال، وإنما يلزم ذلك إذا لم يكن ثابتا لنبينا # [محمد] (¬1) صلاة مساوية للصلاة على إبراهيم أو زائدة عليها، فأما إذا ~~كان ذلك له، فالمسؤول إنما هو صلاة زائدة على ما أعطيه مضافا إليه، ويكون ~~ذلك الزائد مشتبه بالصلاة على إبراهيم، وليس [بمستنكر] (¬2) أن يسأل الفاضل ~~أن يمنح فضيلة أعطيها المفضول ليساويه في تلك الفضيلة، منضما إلى ما له من ~~الفضائل التي ليست لذاك. # مثال هذا: [ما إذا] (¬3) أعطى الملك رجلا أربعة آلاف، وأعطى آخر [ألفين] ~~(¬4)، فسئل أن يعطي صاحب الأربعة أيضا ألفين كما # أعطى الآخر فإذا حصلت له انضمت إلى الأربعة المتقدمة، فيصير المجموع: ستة ~~آلاف، فيحصل الرجحان (¬5). # الثالث والعشرون: احتج بهذا الحديث من أجاز الصلاة على غير الأنبياء، فإن ~~أراد بالجواز على سبيل التبعية لهم ms0651 فمسلم، وإن أراد على سبيل الاستقلال ~~فممنوع، مع أن الصلاة والتسليم PageV03P476 # [لم يؤمر] (¬1) بهما على سبيل الجمع في القرآن، إلا عليه - صلى الله عليه ~~وسلم - ولم يخبر الله -تعالى-[عن] (¬2) نفسه الكريمة وعن ملائكته بالصلاة ~~فقط [إلا على نبيه - عليه أفضل الصلاة والتسليم - وأما السلام فقط] (¬3)، ~~فقد سلم الله -تعالى- في سورة والصافات: على المرسلين، دون الصلاة. وقد أمر ~~الله -تعالى- نبيه محمدا بالسلام على المؤمنين بالآيات إذا جاءه فقال: ~~{وإذا جاءك} (¬4) الآية. وقد أجمع العلماء على الصلاة على نبينا محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -، وكذلك أجمع من # يعتد به على جوازها واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالا. ~~وما حكي [عن] (¬5) مالك من أنه لا يصلي على أحد من # الأنبياء سوى محمد - صلى الله عليه وسلم - فشاذ، كما قاله القرطبي (¬6)، ~~وهي مأولة عليه بأنا لم نتعبد بالصلاة على غيره. # وأما غير الأنبياء من مؤمني الآدميين من هذه الأمة [] (¬7). # فذهب مالك والشافعي والأكثرون: إلى أنه لا يصلى عليهم استقلالا، فلا ~~يقال: اللهم صل على أبي بكر مثلا، ولكن يصلى PageV03P477 # عليه تبعا، والحديث يدل على ذلك خصوصا على مذهب المحققين في أن الآل كل ~~المؤمنين. # واختلف أصحابنا في هذا المنع على أوجه: # أصحها: أنه للتنزيه لا للتحريم، لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن ~~شعارهم، ولأن الصلاة في لسان السلف صارت مخصوصة بالأنبياء استقلالا، كما أن ~~قولنا: -عز وجل- مخصوص بالله -تعالى- فكما لا يقال: محمد عز وجل وإن كان ~~عزيزا جليلا لا يقال أبو بكر أو علي صلى الله عليه وإن كان معناه صحيحا. # وذهب الإمام أحمد وجماعة: إلى جواز الصلاة على كل واحد من المؤمنين ~~استقلالا. # واحتجوا: بقوله تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} (¬1)، وبقوله - ~~عليه السلام -: "اللهم صل على آل أبي أوفى" فإنه - عليه الصلاة والسلام - ~~كان إذا أتاه قوم بصدقتهم صلى عليهم" (¬2). PageV03P478 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P479 # وأجاب الأكثرون: بأن هذا النوع من الصلاة مأخوذ من التوقيف وعمل السلف، ~~ولم ينقل استعمالهم ذلك، بل خصوا به الأنبياء كما ذكرنا. # وأجابوا عن الآية الكريمة والحديث المذكورين وغيره من الأحاديث ms0652 أنه من ~~الله ورسوله دعاء وترحم، وليس فيه معنى التعظيم والتوقير الذي يكون من ~~غيرهما. # واتفق العلماء على جواز جعل غير الأنبياء من الأتباع والذرية والأزواج ~~تبعا لهم في الصلاة للأحاديث الصحيحة في ذلك وفي الأمر به في أحاديث التشهد ~~والصلاة عليه. وفي السلام عليه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يزل السلف على ~~العمل به خارج الصلاة أيضا. # وأما السلام فقال الشيخ أبو محمد الجويني: إنه في معنى الصلاة، فإن الله ~~-تعالى- قرن بينهما فلا يفرد به غائب غير الأنبياء، ولا بأس به، أي بل هو ~~سنة للأحياء والأموات من المؤمنين: فيقال: سلام عليكم (¬1). PageV03P480 # [الرابع والعشرون] (¬1): إذا قلنا بجواز الصلاة على غير الأنبياء تبعا ~~لهم، فهل تكون التبعية للصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو ~~تكون متابعة للصلاة على كل نبي، الأمر في ذلك محتمل. # [الخامس والعشرون] (¬2): في الحديث تنزيل مراتب الأنبياء وغيرهم ويقيس ~~الإنسان مراتبهم، فلا يقدم أخيرا على أول. # السادس والعشرون: إن تقديم [ذكر] (¬3) الشيء في كتاب الله لا يوجب العمل ~~تقديمه، فإن الله -تعالى؛؛ قدم الأمر بالصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - ~~على السلام، والسلام مقدم في الحديث (¬4)، وهذا يدلك أن الواو تقتضي مطلق ~~الجمع لا الترتيب. PageV03P481 # السابع والعشرون: فيه فضل النبي - صلى الله عليه وسلم - وفضل الصلاة عليه ~~والتسليم، وقد روينا في فضلهما والترغيب فيهما وما يترتب عليهما من: رفع ~~الدرجات، وتكفير السيئات، وتكثير الحسنات، وقضاء الحاجات، ورفع الحجب، ~~واستجابة الدعوات: أحاديث كثيرات. # واعلم أن ابن العطار -رحمه الله- قال: يؤخذ من هذا الحديث أيضا أنه يستحب ~~للإنسان أن يبدأ بنفسه في الدعاء حيث قال: السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين. هذا لفظه، وهذا عجيب، فإن هذا لم يذكر في هذا الحديث، نعم يؤخذ ~~هذا من الحديث الذي قبله فاعلمه (¬1). PageV03P482 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P483 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P484 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 123/ 3/ 22 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب النار ~~ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح ms0653 الدجال" (¬1). # وفي لفظ لمسلم: "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني ~~أعوذ بك من عذاب جهنم" (¬2). PageV03P485 # ثم ذكر نحوه. # الكلام عليه من أربعة عشر وجها: # الأول: لفظ مسلم هذا هو من أفراده، كما شهد له بذلك أيضا عبد الحق وغيره. ~~وأما النووي في "شرح المهذب" و"الأذكار" (¬1) # فعزاه إلى البخاري أيضا، وكأنه أراد أصل الحديث، فإن البخاري أخرجه ~~باللفظ الأول في باب الجنائز من صحيحه في باب التعوذ من عذاب القبر. # الثاني: قد تكرر أن: "كان" هذه تدل على المداومة والتكرار. # الثالث: ظاهر الرواية الأولى عموم الدعاء بذلك، أعني في الصلاة وغيرها ~~بخلاف رواية مسلم الثانية، فإنها دالة على استحباب هذا الدعاء آخر الصلاة ~~قبل السلام، وفي "صحيح (¬2) مسلم" أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يعلمهم ~~هذا الدعاء كما يعلمهم # السورة من القرآن، وأن طاوسا -رحمه الله- أمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم ~~يدع به فيها، وهذا كله دليل على تأكيد هذا الدعاء والتعوذ والحث الشديد ~~عليه، وظاهر كلام طاوس أنه حمل الأمر به على الوجوب فأوجب الإعادة بفواته ~~(¬3). وإليه ذهب أهل الظاهر والجمهور على خلافه، ولعله أراد تأديب ابنه ~~وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه. PageV03P486 # الرابع: دعاؤه - عليه الصلاة والسلام - واستعاذته من هذه الأمور التي ~~عوفي منها وعصم، إنما فعله ليلزم خوف الله وإعظامه # والافتقار إليه؛ لتقتدي أمته به، وليبين لهم صفة (¬1) الدعاء والمهم منه. # فأجاب بعضهم عن استعاذته من الدجال: بأنه يحتمل أن ذلك قبل أن يعلم أنه ~~لا يدركه، ويحمل التعوذ من فتنة تشبه فتنته. # والجواب القوي ما قدمناه أولا (¬2). # الخامس: القبر واحد القبور والمقبرة مثلثة الباء [واحدة المقابر] (¬3) ~~وقد جاء في الشعر المقبر: # قال لكل قوم مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد # وقبرت الميت أقبره بضم الباء وكسرها قبرا، أي دفنته وأقبرته. أمرت بأن ~~يقبر. PageV03P487 # وقال ابن السكيت: أقبرته: صيرت له قبرا يدفن فيه. وقوله تعالى: {ثم أماته ~~فأقبره (21)} (¬1): أي جعله ممن يقبر ولم يجعله ملقى للكلاب وكأن القبر مما ~~أكرم به بنو آدم. ms0654 # السادس: الحديث مصرح بإثبات عذاب القبر وفتنته، وهو مذهب أهل السنة ~~والحق، والإيمان به واجب، وهو متكرر مستفيض # في الأحاديث، وقد سلف الكلام في ذلك في الحديث السادس من باب الاستطابة ~~واضحا ومن خالف فيه. # السابع: فيه الإيمان بالنار، وأنها مخلوقة موجودة، وقد ثبتت الاستعاذة ~~منها في غير حديث. # الثامن: الفتنة قال أهل اللغة: هي الامتحان والاختبار. # قال القاضي عياض: لكن عرفها في اختبار كشف ما يكره. # يقال: فتنت الذهب إذا أدخلته النار ليختبر، وينظر ما جودته، ودينار ~~مفتون. قال -تعالى-: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} (¬2). # ويسمى الصائغ: الفتان. وكذلك الشيطان. وقال الخليل: الفتن: الإحراق. قال ~~-تعالى-: {يوم هم على النار يفتنون (13)} (¬3) ويقال: افتتن الرجل وفتن فهو ~~مفتون، إذا أصابته فتنة فذهب ماله أو عقله، وكذلك إذا اختبر قال -تعالى-: ~~{وفتناك فتونا} (¬4) والفتون: أيضا الافتتان فيتعدى ولا يتعدى. وأنكر PageV03P488 # الأصمعي (¬1)، أفتنت بالألف. وقال الفراء (¬2): أهل الحجاز يقولون: ما ~~أنتم عليه بفاتنين. وأهل نجد يقولون: بمفتنين من أفتنت. # التاسع: فتنة المحيا والممات، أي الحياة والموت. فتنة المحيا ما يتعرض له ~~الإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا، والشهوات والجهالات وأشدها وأعظمها ~~والعياذ بالله منه أمر الخاتمة عند الموت. وفتنة الممات قيل المراد فتنة ~~القبر. وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - الاستعاذة من عذاب القبر وفتنة ~~القبر: كمثل أو أعظم من فتنة الدجال، ولا يكون من هذا الوجه متكررا مع ~~قوله: "من عذاب القبر" لأن العذاب مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب. ولا ~~يقال: إن المقصود زوال عذاب القبر، وإن الفتنة نفسها أمر عظيم وهو شديد ~~يستعاذ بالله من شره. # ويجوز أن يراد بفتنة الممات: الفتنة عند الموت، وأضيفت إلى الموت لقربها ~~منه عند الاحتضار، وقبله بقليل، وتكون فتنة المحيا على هذا ما يقع قبل ذلك ~~في مدة الحياة للإنسان، ويصرفه في الدنيا، فإن ما قارب الشيء يعطى حكمه، ~~فحالة الموت تشبه بالموت، فلا تعد من الدنيا فعلى هذا يكون الجمع بين فتنة ~~المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال من باب ذكر الخاص ms0655 بعد العام # ونظائره [كثيرة] (¬3)، وخصت فتنة المسيح بالذكر لأجل الاهتمام. PageV03P489 # ويحتمل أن يراد بفتنة المحيا والممات: حالة الاحتضار وحالة المسائلة في ~~القبر، فكأنه استعاذ من [فتنة] (¬1) هذين المقامين، # وسأل التثبيت فيهما كما قال الله -تعالى-: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت} (¬2) الآية. # تنبيه: ذكر في الحديث التعوذ من أربع، وعند المحيا والممات واحدا، وهي في ~~الحقيقة خمسة. # وأجاب بعضهم: بأنه لو عدها خمسا لكانت وترا، والغالب في الوتر في الشريعة ~~أنه لا يذكر إلا في شيء محبوب، وهذه الأربعة مكاره، لكن [روى] (¬3) عبد بن ~~حميد (¬4) في مسنده من حديث أبي هريرة: "استعيذوا بالله من خمس" فذكرهن. # العاشر: ظهرت العناية بالدعاء بهذه الأمور حيث أمرنا بها في كل صلاة، وهي ~~حقيقة بذلك لعظم الأمر فيها، وشدة البلاء في وقوعها، ولأن أكثرها أمور ~~إيمانية غيبية، فيكررها على الأنفس بجعلها ملكة لها. # الحادي عشر: الرواية الثانية في الكتاب فيها زيادة كون الدعاء PageV03P490 # مأمورا به بعد التشهد، والمراد [به] (¬1) الأخير، كما جاء في الحديث ~~الآخر في مسلم (¬2) أيضا، "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله ~~من أربع"، وهو ظاهر لبناء الأول على التخفيف. وأما الشيخ تقي الدين فقال: ~~هذا الحديث عام في التشهد الأول والأخير، وقد اشتهر بين الفقهاء استحباب ~~التخفيف في التشهد الأول، وعدم استحباب الدعاء بعده، حتى سامح بعضهم في ~~الصلاة على الآل فيه، وقد يكون إذا ورد تخصيمة بالأخير متمسكا لهم من باب ~~حمل المطلق على المقيد أو من باب حمل [الخاص على العام] (¬3) وفيه بحث. ~~قال: والعموم الذي ذكرناه يقتضي الطلب لهذا الدعاء فمن خصه، فلا بد له من ~~دليل راجح وإن كان نصا فلا بد له من صحته، هذا كلامه وقد علمت أيها الناظر ~~ورود النص المخصص لذلك وصحته والحمد لله. # [الثاني عشر: [الأول] (¬4) امتثال الأمر بقول ما أمر به الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - وإن كان يمكن التعبير بغير هذا اللفظ وهو جائز لحصول ~~المقصود به، فإن معنى أعوذ: أعتصم. # الثالث عشر: في الحديث الرد على أبي ms0656 حنيفة حيث منع في الصلاة إلا بألفاظ ~~القرآن العظيم] (¬5). PageV03P491 # [الرابع عشر] (¬1): المسيح الدجال هو عدو الله الكذاب. سمي دجالا لتمويهه ~~وتغطيته الحق. وحكي [عن] (¬2) ثعلب: أن الدجال: الكذاب (¬3). # وذكر القرطبي في تفسير (¬4) قوله -تعالى-: {إن الذين يجادلون في آيات ~~الله بغير سلطان} (¬5) أن اسم الدجال: صاف، ويكنى أبا يوسف. قال: وهو يهودي. # وجمعه: دجالون (¬6). # والمسيح -بفتح الميم وتخفيف السين- على المشهور. # وقيل: -بكسر الميم وتخفيف السين وتشديدها-. # وقيل: كذلك لكن بالحاء المعجمة. # وسمي بذلك: [لكونه] (¬7) ممسوح العين. # وقيل: لأنه أعور. # وقيل: لمسحه الأرض عند خروجه. فعيل بمعنى فاعل، فمسحه الأرض بمحنه، وعيسى ~~- عليه السلام - يمسحها منحة. PageV03P492 # قال أبو عبيد: وأصل المسيح بالعبرانية بالشين فعرب كما عرب موشى بموسى ~~(¬1) وفي صحيح مسلم (¬2) من حديث أنس: " [ليس] (¬3) من بلد إلا سيطأه ~~الدجال الا مكة والمدينة" وفي حديث ابن عمرو إلا: "الكعبة وبيت المقدس" ~~(¬4) ذكره [الطبري] (¬5)، وزاد الطحاوي من حديث جنادة بن أبي أمية عن بعض ~~الصحابة "ومسجد الطور" (¬6) وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة: وأنه سيظهر على ~~الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس (¬7) PageV03P493 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P494 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P495 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P496 # وأنه يحصر المؤمنين [في] (¬1) بيت المقدس وأخباره شهيرة أعاذنا الله منه. PageV03P497 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 124/ 4/ 22 - عن عبد الله [بن] (¬1) عمرو بن العاص، عن [أبي بكر] (¬2) ~~الصديق - رضي الله عنهما - أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ~~ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فأغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور ~~الرحيم" (¬3). PageV03P498 # الكلام عليه من وجوه: # وهو من أحسن الأدعية، فإن فيه الاعتراف بالذنب الذي هو: كالمانع من ~~الإنعام، فإن ظلم النفس ذنب، والاعتراف به أقرب إلى # المحو، كما سيأتي. # الوجه الأول: في التعريف بعبد الله بن عمرو وقد سلف في الطهارة. # الثاني: في التعريف بالصديق واسمه عبد الله بن عثمان القرشي التيمي، ~~وقيل: عتيق. # وأمه: أم الخير سلمى (¬1). أسلم أبواه. روى عنه ولده عبد الرحمن وعائشة، ~~وعمر، وعلي، وخلق، وروي له مائة حديث واثنان ms0657 وأربعون حديثا. اتففا منها على ~~ستة وانفرد البخاري بأحد عشر [ومسلم] (¬2) بواحد. وكان أول الناس إسلاما من ~~الرجال. هاجر # وشهد المشاهد، ومناقبه أفردت بالتصنيف، وترجمته في "تاريخ دمشق" في مجلد ~~ونصف. ولي الخلافة ستة وعشرين شهرا، ومات # سنة ثلاث عشرة عن ثلاث وستين سنة. ودفن بالحجرة النبوية، وترجمته أبسط من ~~هذا فيما [أفردناه] (¬3) في الكلام على رجال هذا الكتاب فراجعه منه. وفي ~~سنن أبي داود (¬4) من حديث أبي خالد PageV03P499 # الدالاني عن أبي خالد مولى الجعدة عن أبي هريرة مرفوعا: "أن أبا بكر أول ~~من يدخل الجنة من هذه الأمة". # فائدة: مات والد الصديق في المحرم سنة أربع عشرة وهو ابن سبع وتسعين سنة. ~~[ومات] (¬1) الصديق قبله، فورث منه السدس، ورده على ولد أبي بكر. وذكر أبو ~~قتادة: أن أبا قحافة أول مخضوب في الإسلام، ولم ينل الخلافة رجل أبوه حي ~~إلا اثنان: أبو بكر، والطائع من ولد العباسي، ذكر ذلك كله الحافظ محب الدين ~~الطبري في أحكامه في الكلام على الاستخلاف. PageV03P500 # الثالث: تقدم الكلام على لفظ: "اللهم" في الباب الذي بعد كتاب الطهارة. # وقوله: "ظلمت نفسي" أي بملابسة ما يوجب عقوبتها أو بما ينقص حظها. # والظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه ومنه قولهم: "من أشبه أباه فما ~~ظلم" أي لم يضع الشبه في غير موضعه. # ومنه المظلومة: الجلد، وهي الأرض التي لم يأتها المطر في وقته. والظلم في ~~أحكام الشرع على مراتب، أعلاه الشرك، ثم ظلم # المعاصي [وهي] (¬1) على مراتب. # الرابع: النفس تذكر وتؤنث، قال -تعالى-: {أن تقول نفس} (¬2)، وقال ~~-تعالى-: {بلى قد جاءتك آياتي} (¬3). والنفس قيل هي الروح، والخلاف في ذلك ~~أعني في أن النفس هي الروح أم [لا] (¬4) حتى قيل: إن فيها ألف قول للعلماء ~~(¬5). والظاهر أن المراد هنا بالنفس الذات أي ظلمتها [فوضعت] (¬6) المعاصي ~~موضع الطاعات. PageV03P501 # الخامس: [الغفر] (¬1): الستر كما أسلفته في شرح خطبة الكتاب. # السادس: "الذنوب" جمع ذنب، وهو الجرم، مثل فليس وفلوس، فهو [اسم] (¬2)، ~~والمصدر: أذناب، ولا يكاد يستعمل. # السابع: في الحديث دليل ms0658 على شرعية طلب تعلم العلم من العلماء خصوصا في ~~الدعوات المتعلقة بالصلوات وإجابة العالم للمتعلم سؤاله خصوصا إذا كان ~~المسؤول علما عمليا وافتقارا وتوحيدا أو تنزيها. # الثامن: [فيه دليل] (¬3) على أن الإنسان لا يعرى من ذنب وتقصير كما قال - ~~عليه الصلاة والسلام -: "استقيموا، ولن تحصوا" (¬4). وقال: "كل ابن آدم ~~خطاء، وخير الخطائين PageV03P502 # التوابون" (¬1). ولو كان ثم حالة يعرى عن الظلم والتقصير لما طابق هذا ~~الإخبار الواقع، ولم يؤمر به، فيؤخذ منه الاعتراف بظلم النفس وتقصيرها في ~~كل حالة، ثم إن التقصير في طلب معالي الأمور والتوسل بطاعة الله وتقواه إلى ~~رفيع الدرجات عند الله -تعالى- لا يبعد أن يصدق عليه اسم الظلم بالنسبة لما ~~يقابله من المبالغة والتشمير في ذلك. # التاسع: قوله: "كثيرا" هو بالثاء المثلثة في أكثر الروايات وفي بعض ~~روايات مسلم بالباء الموحدة فينبغي أن يجمع بينهما كما قاله # النووي في كتبه (¬2) للاحتياط على التعبد بلفظه والمحافظة عليه. # العاشرة: قوله: "لا يغفر الذنوب إلا أنت" هو إقراره بالوحدانية واستجلاب ~~للمغفرة، كما قال تعالى: "علم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب" (¬3). ~~وهو كقوله -تعالى-: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} (¬4) الآية. ~~فأثنى على المستغفرين PageV03P503 # من ذنوبهم، وفي ضمن ثنائه عليهم بالاستغفار أمر به، فالأمر في الآية ~~بالتلويح، وفي الحديث بالتصريح، لأنه قد قيل: إن كل شيء أثنى الله على ~~فاعله فهو آمر به من جهة المعنى، وكل شيء ذم الله تعالى فاعله فهو ناه عنه ~~من جهة المعنى. # تنبيه: ما أحسن هذا الترتيب، فإنه قدم أولا اعترافه بالذنب، ثم ~~بالوحدانية، ثم سأل المغفرة بعد ذلك، لأن الاعتراف أقرب إلى العفو، والثناء ~~على السيد بما هو أهله [أوحي] (¬1) لقبول مسألته، وقد جعل تقديم الثناء بين ~~يدي الدعاء: كتقديم هدية الشفيع بين يدي مسألته، فإنه أقرب إلى القبول. # فائدة (¬2): رجح بعضهم قول القائل: اللهم اغفر لي على قوله: PageV03P504 # أستغفرك وأتوب إليك. لأنه إذا قال ذلك ولم يكن متصفا به كان كاذبا وهو ~~ضعيف في هذا الموضع وأمثاله، بل الأولى امتثال ms0659 الأمر # الوارد في ذلك. # ومثله ما نقل عن بعضهم أنه توقف عن قوله في الدعاء في صلاة الجنازة: وقد ~~جئناك راغبين إليك شفعاء له استصغارا لنفسه أن # تتأهل للشفاعة ثم رجع عنه امتثالا للأمر. PageV03P505 # ومثله أن بعضهم توقف عن أن يجعل ذكره لا إله إلا الله خشية من اخترام ~~المنية بين النفي والإثبات، وجعل ذكره: الله، الله. وكل هذا بعيد والخير ~~كله في اتباع السنة، بل في شرع ذلك للعبد لبشرى بتأهيله له، فلله الحمد. # الحادي عشر: قوله: "مغفرة من عندك" المغفرة لا تكون إلا من عنده، ففي هذا وجهان: # الأول: أن تكون إشارة إلى التوحيد المذكور: كأنه قال: لا يفعل هذا إلا ~~أنت، فافعله أنت. # الثاني: وهو الأحسن كما قال الشيخ تقي الدين (¬1): أن يكون إشارة إلى طلب ~~مغفرة يتفضل بها من عند الله -تعالى- لا يقتضيها # سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره، فهي رحمة من عنده بهذا التفسير ليس ~~[للعبد فيها سبب] (¬2) وهذا تبرأ من الأسباب (¬3) والإدلال PageV03P506 # بالأعمال والاعتقاد [في كونها موجبة للثواب وجوبا عقليا (¬1). # وقال ابن الجوزي: المعنى هب ليس المغفرة تفضلا] (¬2) وإن لم أكن أهلا لها ~~بعملي وهو قريب مما قبله أو هو هو. # الثاني عشر: [قوله: "وارحمني" الرحمة من الله -تعالى- عند المنزهين من ~~الأصوليين عن التشبيه] (¬3) (¬4)، إما نفس الأفعال التي يوصلها الله ~~-تعالى- من الإنعام والإفضال إلى العبد، وأما إرادة إيصال تلك الأفعال إلى ~~العبد، فعلى الأول هي من صفات # الفعل، وعلى الثاني هي من صفات الذات. # تنبيهان: # الأول: المراد بالرحمة هنا زيادة الإحسان على الغفران دفعا PageV03P507 # للتكرار، فإن نفس المغفرة: رحمة، ولذلك جاءت الرحمة مكان [المغفرة] (¬1) ~~في قوله -تعالى -: {ورحمتي وسعت كل شيء} (¬2). # الثاني: أخذ من قوله -تعالى-: {يوصيكم الله في أولادكم} (¬3) الآية. أن ~~الله تعالى أرحم بالعبد من أمه وأبيه. وبيانه أن العادة: أن الإنسان يوصي ~~على ولده غيره، والله -تعالى- قد أوصى أبانا علينا، وأما أخذ ذلك من قوله ~~-تعالى-: {وهو أرحم الراحمين (64)} فظاهر فإن الوالدين من الراحمين. # الثالث عشر: قوله: "إنك أنت ms0660 الغفور الرحيم". "إن" هنا للتعليل، و"أنت" ~~يجوز أن تكون توكيدا للكاف، ويجوز أن تكون فصلا. والصفتان للمبالغة وقعتا ~~حتما للكلام على جهة المقابلة لما قبلها، فالغفور: مقابل لقوله: اغفر لي، ~~والرحيم: مقابل لقوله: وارحمني، وقد وقعت المقابلة هنا للأول بالأول، ~~والثاني بالثاني، وقد تقع على خلاف ذلك مراعاة للقرب فيجعل الأول للأخير ~~وذلك على حسب اختلاف المقاصد وطلب التفنن في الكلام، وهو أن يذكر شيئا ثم ~~يقصد تخصيصه، فيعيده مع ذلك المخصص [مثل] (¬4) قوله -تعالى-: {فمنهم شقي ~~وسعيد (105)} ثم قال: {فأما الذين شقوا} (¬5)، فبدأ بالأول لتصدره، وقال ~~تعالى: {يوم تبيض وجوه PageV03P508 # وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم} (¬1) الآية. فبدأ بالثاني قبل الأول ~~ومما يحتاج إليه في علم التفسير مناسبة مقاطع الآي لما قبلها. # الرابع عشر: هذا الحديث يقتضي الأمر بهذا الدعاء في الصلاة من غير تعيين ~~لمحله، ولو فعل فيها حيث لا يكره الدعاء [في أي مكان] (¬2) جاز. قال الشيخ ~~تقي الدين (¬3): ولعل الأولى أن يكون في أحد موضعين: إما السجود، وإما بعد ~~التشهد أي الأخير فإنهما الموضعان اللذان أمر فيهما بالدعاء (¬4). قال - ~~عليه الصلاة والسلام -: "وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء" (¬5). وقال ~~في PageV03P509 # التشهد: "فليتخير من المسألة ما شاء" (¬1). قال: ولعله يترجح كونه فيما ~~بعد التشهد لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا # المحل. وقال الفاكهي في هذا الترجيح نظر، والأولى الجمع بينهما في ~~[المحلين] (¬2) المذكورين. # قلت: ويؤيد [هذا] (¬3) ما قاله الشيخ تقي الدين أن البخاري في صحيحه (¬4) ~~والنسائي (¬5) والبيهقي (¬6) وغيرهم من الأئمة احتجوا بهذا الحديث للدعاء ~~في آخر الصلاة. وقال النووي: هو استدلال صحيح، فإن قوله: في صلاتي تعم ~~جميعها، ومن مظان الدعاء في الصلاة هذا الموطن، وكذا قال ابن الجوزي في ~~(كشف المشكل): إن أولى المواضع به بعد التشهد. # قلت: ورجح بعضهم السجود عليه لشرفه عليه وبالإجماع على ركنتيه بخلافه، ~~فإنه مختلف فيه. PageV03P510 # الخامس عشر: فيه دليل على الثناء على الله بما وصف به نفسه. # تنبيهان: نختم بهما الكلام على الحديث الأول. قال صاحب القبس (¬1): أذن ~~الله ms0661 -تعالى- في الدعاء لعباده، وعلمه في كتابه وعلى لسان نبيه لأمته، ~~فاجتمع فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة، ~~فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه. وقد احتال (¬2) الشيطان للناس في هذا ~~المقام، فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء ~~بالشارع (¬3)، وأشر (¬4) ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء، فيقولون: ~~دعاء آدم، ودعاء نوح، ودعاء يونس، [فاقتدوا] (¬5) بنبيكم، واشتغلوا بالصحيح ~~مما جاء عنه، ويجوز للعالم بالله أن يدعو بغير المأثور بشرط أن لا يخرج عن ~~التوحيد، والأفضل له التيمن بما صح عنه، والتبرك بألفاظه الفصيحة المباركة. # قال القرافي: والأصل في هذا من الكتاب العزيز، قوله -تعالى- حكايته عن ~~نوح: {إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم} (¬6)، وهو دال على أن الأصل ~~في الدعاء التحريم إلا ما دل الدليل على جوازه. PageV03P511 # ثانيهما: اختلف شيوخ الصوفية، كما قال صاحب القبس (¬1): هل الدعاء أفضل ~~أم الذكر المجرد؟ فمنهم من رجح الثاني، لقوله - عليه الصلاة والسلام - ~~حاكيا عن الله: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" ~~(¬2)، وقيل في كرم المخلوقين: # أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحيا # وعلمك بالحقوق [فانت] (¬3) قرم ... لك الحسب الهذب والسنا PageV03P512 # كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الكريم ولا مسا # تنادي الريح مكرمة وجودا ... إذا ما الضب أحجره الشتا # وأرضك أرض مكرمة تبنها ... بنو تيم وأنت لها سما # إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثنا # وهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان التيمي. فإذا كان ~~الثناء كاف في المخلوقين فما ظنك برب العالمين، ولأن في الدعاء تحكما ~~لقوله: اللهم افعل. ومنهم من رجح الأول لقوله: {ادعوني أستجب لكم} (¬1)، ~~وفي الصحيح: "هل من داع فأستجيب له" (¬2). وفي الحديث: "الدعاء مخ ~~العبادة"، وأن الدعاء المأثور، أفضل من الذكر المأثور وأجاب عن الحديث ~~السالف أن معناه أن العبد ليس في كل حاله يدعو، بل هو تارة يدعو، وتارة ~~يذكر. فإذا دعا استجيب له وإذا ذكر ms0662 أعطاه أكثر ما سأله، فهو الكريم في ~~الحالين، وما أحسن قول الشاعر: # [الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب] (¬3) # وأجاب عن قولهم: إن في الدعاء تحكما، بأنه إنما يكون ذلك لو كان أمرا، ~~وإنما هو طلب وتضرع وإظهار لذل العبودية وعز الربوبية. PageV03P513 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 125/ 5/ 22 - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "ما صلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صلاة بعد أن أنزلت عليه {إذا جاء نصر الله والفتح (1)} ~~إلا يقول فيها: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي". # وفي لفظ: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه وسجوده: ~~"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" (¬1). PageV03P514 # الكلام عليه من وجوه: # الأول: "إذا" منصوب بسبح، وهو لما يستقبل، ولا يدخل إلا على ما تحقق ~~وقوعه بخلاف "إن"، فإنها تدخل على المشكوك في # وقوعه، ولهذا لو قال: "إذا دخلت الدار فأنت طالق" لم يكن حلفا بخلاف "إن ~~دخلت الدار فأنت طالق"، لكنه إذا وجد المعلق عليه فيهما وقع الطلاق لوجود ~~الصفة، وفي "إذا" وجه أنه لا يقع لأنه لا يسمى حلفا عرفا. # الثاني: الإعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوة، روي أن هذه السورة نزلت ~~أيام التشريق في حجة الوداع (¬1). # الثالث: الفرق بين النصر والفتح أن: # الأول: إعانة وإظهار على العدو، ومنه نصر الله الأرض: أغاثها. # الثاني: فتح البلاد: والمعنى نصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~العرب أو على قريش، وفتح مكة. PageV03P515 # الرابع: قد تقدم في باب الجنابة الكلام على لفظ: "سبحان الله" وأنه من ~~المصادر اللازمة للنصب، وأنه منصوب بإضمار فعل # لا يظهر. # الخامس: في الحديث مبادرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -[إلى] (¬1) ~~امتثال ما أمره الله به، وملازمته [لذلك] (¬2) فكان يقول هذا الكلام البديع ~~في الجزالة المستوفي ما أمر به في الآية، وكان يأتي به في ركوعه وسجوده، ~~لأن حالة الصلاة أفضل من غيرها، فكان يختارها لأداء هذا الواجب الذي أمر به ~~ليكون أكمل. # السادس: الباء في "بحمدك" متعلق بمحذوف، أي ms0663 وبحمدك سبحت، وهذا يحتمل أن ~~يكون أيضا فيه حذف، أي وبسبب حمد الله # سبحت، ويكون المراد بالسبب هنا التوفيق والإعانة على التسبيح. # السابع: قوله: "اللهم اغفر لي" فيه امتثال لقوله: "واستغفره" بعد امتثال ~~قوله: "فسبح بحمد ربك" وسؤاله المغفرة هنا مع أنه مغفور له هو من باب ~~العبودية والإذعان والافتقار. # الثامن: ظاهر اللفظ الثاني يقتضي جواز الدعاء في الركوع، ولا تعارض بينه ~~وبين الحديث الآخر: "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه ~~[في] (¬3) الدعاء" فإنه دال على PageV03P516 # الأولوية وهي لا تخالف الجواز كيف، ولم ينه عنه فيه، بل فعله - عليه ~~الصلاة والسلام - فيه وأمر بالاجتهاد في السجود من الدعاء من غير منع من ~~التسبيح، بل أمر به [في حديث] (¬1) آخر فيقتضي ذلك جميعه أن يكون السجود، ~~قد أمر فيه بتكثير الدعاء لإشارة قوله: "فاجتهدوا" والذي وقع في الركوع من ~~قوله: "اغفر لي" ليس بكثير فلا تعارض إذا، كذا قرره الشيخ تقي الدين (¬2). # واعترض الفاكهي فقال: هذا تعسف منه. قال: وهذا عندي كلام من لم يعتد بقول ~~الفقهاء: بالكراهة في الركوع، حيث اعتقد جوازه من هذا الحديث من غير كراهة ~~(¬3) إذ لا يجوز أن يريد الجواز مع الكراهة، لكونه - عليه الصلاة والسلام - ~~بريء من فعل PageV03P517 # المكروه، فهذا ليس بجيد، ثم لا نسلم كونه بكثير مع التعبير عنه بكان الذي ~~تدل على المداومة، بل قد صرحت عائشة بالكثير بقولها: كان يكثر أن يقول في ~~ركوعه وسجوده الحديث، فهذا وهم ظاهر، هذا كلامه فليتأمل (¬1) ويبعد أن يقال ~~يرجع قوله: "سبحانك اللهم وبحمدك" إلى الركوع، وقوله: "اللهم اغفر لي" إلى ~~السجود. # التاسع: في لفظ عائشة الأول سؤال، وهو أن لفظة "إذا" تقتضي الاستقبال ~~وعدم حصول الشرط حينئذ. # وقولها: "ما صلى صلاة بعد أن أنزلت عليه" تقتضي تعجيل هذا القول لقرب ~~الصلاة الأولى التي [هي] (¬2) عقب نزول الآية من النزول للفتح، أي: [] (¬3) ~~فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا، وذلك يحتاج إلى مدة أوسع من الوقت ~~الذي بين نزول # الآية، والصلاة الأولى ms0664 بعده، فقول عائشة في بعض الروايات يتأول القرآن قد ~~يشعر بأنه يفعل ما أمر به فيه، فإن كان الفتح ودخول الناس في دين الله حاصل ~~عند نزول الآية، فلم يقل فيه إذا جاء وإن لم يكن PageV03P518 # حاصلا، فكيف يكون القول امتثالا للأمر الوارد بذلك، ولم يوجد # شرط الأمر. # وجوابه: كما قال الشيخ تقي الدين: أن يختار أنه لم يكن # حاصلا (¬1) على مقتضى اللفظ، ويكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بادر ~~إلى فعل # المأمور به قبل وقوع الزمن الذي يتعلق به الأمر فيه، إذ ذاك عبادة PageV03P519 # وطاعة لا تختص بوقت معين، فإذا وقع الشرط كان الواقع من هذا القول بعد ~~وقوعه واقعا على حسب الامتثال. وقبل وقوع الشرط # واقعا على حسب التبرع، وليس في قول عائشة: "يتأول القرآن" ما يقتضي ولا ~~بد أن يكون جميع قوله - عليه الصلاة والسلام - # واقعا على جهة الامتثال للمأمور حتى يكون دالا على وقوع الشرط، بل مقتضاه ~~أنه يفعل تأويل القرآن، وما دل لفظه فقط وجاز أن يكون بعض هذا القول فعلا ~~لطاعة مبتدأة، وبعضه امتثالا للأمر (¬1). PageV03P520 ### || AUTO 23 - باب الوتر # هو بفتح الواو وكسرها، ذكر فيه رحمه الله ثلاثة أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 126/ 1/ 23 - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: سأل رجل النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر: ما ترى في صلاة الليل قال: "مثنى ~~مثنى، فإذا خشى الصبح صلى واحدة، فأوترت له ما [قد] (¬1) صلى"، وأنه كان ~~يقول: "اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا" (¬2). PageV03P521 # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا السائل بحثت عن اسمه فلم أر أحد ذكره. # الثاني: "المنبر" مأخوذ من المنبر وهو الارتفاع، وفي صانعه أقوال، ذكرتها ~~في (تخريجي لأحاديث الرافعي)، فراجعه منه (¬1). # الثالث: "مثنى مثنى" غير مصروف للعدل والوصف. # فإن قلت: القاعدة فيما عدل عن أسماء الأعداد، أنه لا يكرر أعني أنك تقول ~~جاء في القوم مثنى ليس إلا من غير تكرير يريد اثنين اثنين، وكذا ثلاث ورباع ~~ونحوها. قال -تعالى-: {مثنى وثلاث ورباع} (¬2). # فكيف ms0665 جاء هذا الحديث [وما الحكمة] (¬3) في ذلك؟ # والجواب: ما ذكره ابن الحاجب في (شرح المفصل) حيث قال: مثنى في الخبر ~~[المبالغة] (¬4) في التوكيد، وكأنه قال: صلاة الليل: اثنتان اثنتان، فكرر ~~أربع مرات، لأن مثنى بمنزلة اثنين مرتين، فإذا كررت اثنين اثنين، فالتكرار ~~معنوي فلو كان لفظيا لكان سقوطه وثبوته واحدا، وجاز تكرير مثنى، وإن تبح ~~تكرير اثنين أربع مرات، PageV03P522 # لأن مثنى أخصر؛ لأنه مفرد، وإن [كان] (¬1) للمبالغة فلا يبقى ما ذكرنا من ~~أنه معدول عن المكرر. # الرابع: قوله: "وهو على المنبر" مقتضاه جواز كلام الإمام وهو على المنبر ~~شرع في الخطبة وإن لم يشرع، وأن السائل عن العلم والحالة هذه غير لاغ. # الخامس: فيه الاعتناء بقيام الليل والمحافظة عليه وعظم ثوابه، وقد صح في ~~ذلك عدة أحاديث. # السادس: قوله - عليه الصلاة والسلام -: (مثنى مثنى) تمسك به مالك -رحمه ~~الله- في أنه لا يزاد في صلاة النفل على ركعتين سواء كان بالليل أو ~~بالنهار، وبه قال الشافعي وأحمد، ومسلم أبو حنيفة في صلاة الليل. وقال في ~~نفل النهار: رباع من حيث أن صلاة النهار، وهي الظهر والعصر رباعيتان، فنفله ~~كفرضه، وأما الليل فصلاته فرضا ثلاثية ورباعية. وقد نص الشارع على أن نفله ~~مثنى فلا يتعدى. # وأجاب الأولون والجمهور: بأنه صح في رواية أخرى من حديث ابن عمر أيضا: ~~"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" رواه [أصحاب السنن الأربعة (¬2) وصححه PageV03P523 # البخاري (¬1)، وابن حبان (¬2) والحاكم (¬3) ................ PageV03P524 # والبيهقي] (¬1)، وهذه الرواية رافعة لحصر [رواية] (¬2) الصحيحين [وتحمل ~~على أنها جواب لمن خص الليل بالذكر] (¬3)، وحديث عائشة الآتي يدل على عدم ~~انحصار صلاة الليل في ذلك. # السابع: هذا الحديث عند الشافعي محمول على الأفضل، فلو جمع ركعات بتسليمة ~~واحدة جاز، وكذا إذا تطوع بركعة واحدة، # وخالف مالك فيهما وأبو حنيفة في الثاني عملا بظاهر هذا الحديث، وهذا أولى ~~من الاستدلال بأنه لو كانت الركعة الفردة صلاة لما امتنع قصر صلاة الصبح ~~والمغرب، فإنه ضعيف. # وذكر بعض أصحاب الشافعي على ما حكاه الشيخ تقي الدين أنه لو تطوع بأزيد ~~من ركعتين ms0666 شفعا أو وترا فلا يزيد على تشهدين، PageV03P525 # ثم إن كان المتنفل به شفعا فلا يزيد بين التشهدين على ركعتين وإن كان ~~وترا فلا يزيد بينهما على ركعة، فعلى هذا إذا تنفل بعشر # ركعات مثلا جلس بعد الثامنة ولا يجلس بعد السابعة ولا ما قبلها لأنه قد ~~يكون زاد على ركعتين بين التشهدين وإن تنفل بتسع أو بسبع مثلا فلا يزيد بين ~~التشهدين على ركعة فيجلس بعد الثامنة في التسع وبعد السادسة في السبع، ثم ~~يصلي الركعة، ثم يجلس. ولو اقتصر على جلوس واحد في ذلك كله جاز، وإنما حمله ~~على ما ذكر أن النوافل تبع للفرائض، وهي شبهها والفريضة الوتر للنهار (¬1) ~~هي المغرب، وليس بين التشهدين فيها إلا ركعة واحدة والفرائض الشفع ليس بين ~~التشهدين فيها أكثر من ركعتين. # الثامن: الحديث يقتضي تقديم الشفع على الوتر، فلو أوتر بعد صلاة العشاء ~~من غير شفع لم يكن آتيا بالسنة، وهل يشترط في الإيتار سبق نفل بعد العشاء ~~فيه وجهان عندنا أصحهما لا وهو يوتر ما قبله فرضا كان أو سنة. # وظاهر مذهب مالك أنه لا يوتر بركعة، فردة هكذا من غير حاجة، كذا حكاه ~~الشيخ تقي الدين. # ونقل [المازري] (¬2) ذلك في الكراهة فقط قال: وإنما اختلف في المسافر ففي ~~المدونة لا يوتر بها. وروى سحنون: نعم. ورأى # سحنون أن المرض كالسفر. PageV03P526 # وقال أبو حنيفة: لا يجوز الوتر بأقل من ثلاث ركعات (¬1). لنا أحاديث ~~صحيحة ذكرتها في "شرح المنهاج" منها: ما أخرجه ابن حبان في صحيحه (¬2) من ~~حديث ابن عباس: "أنه - عليه الصلاة والسلام - أوتر بواحدة"، وحديث النهي عن ~~البتر لا يصح كما بين ضعفه عبد الحق (¬3)، وحديث وتر الليل ثلاث كوتر ~~النهار صلاة المغرب (¬4) ضعيف أيضا. PageV03P527 # التاسع: يفهم من الحديث انتهاء وقت الوتر بطلوع الفجر من قوله: "فإذا خشي ~~الصبح"، وهو قول الجمهور والصحيح عند الشافعية، وفي قول له: يمتد وقته حتى ~~يصلي الصبح. # وقيل: يمتد إلى طلوع الشمس، حكاه النووي في (شرح مسلم) (¬1). # قال أبو الطاهر المالكي: والأول هو المشهور ms0667 عندنا. قال: فلو لم يصله حتى ~~أحرم بصلاة الصبح ففي القطع والتمادي قولان: # وفي قول عندهم أنه يمتد وقته إلى الإسفار. # العاشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "اجعلوا آخر صلاتكم من الليل ~~وترا" مقتضاه أن يكون آخر صلاة الليل، ولم يقل أحد بوجوب ذلك فيما أعلم. بل ~~ذهب أبو حنيفة وحده دون صاحبيه إلى وجوب أصل الوتر، وقد يستدل بصيغة الأمر ~~له، وهو ما فهمه # المحب الطبري في (أحكامه)، ولا دلالة فيه، فإن أراد الاستدلال بأن تحمل ~~الصيغة على الندب فلا تستقيم أيضا لما يلزم منه من الجمع بين الحقيقة ~~والمجاز، وهذا الذاهب يمنعه ثم جعل الوتر آخر PageV03P528 # [صلاة] (¬1) الليل هو الأفضل، لأنه الغالب من فعل الشارع. # وقوله: فإن كان له تهجد آخره إلى أن يتهجد وإلا قدمه. كذا أطلقه النووي ~~في (الروضة) (¬2) تبعا للرافعي عن العراقيين. # وقال في (شرح المهذب) (¬3): إن لم يكن له تهجد، ولكن وثق باستيقاظ آخر ~~الليل يستحب تأخيره. # قلت: دليله قوله - عليه الصلاة والسلام -: "من خاف أن لا يقوم آخر الليل ~~فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر # الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل" رواه مسلم (¬4)، ومعناه: ~~تشهدها ملائكة الرحمة، ودليل ما إذا لم يشق بذلك حديث أبي هريرة وغيره في ~~الصحيح (¬5) "أوصاني خليلي - عليه الصلاة PageV03P529 # والسلام- أن لا أنام إلا على وتر". # الحادي عشر: من أوتر ثم تهجد لم يعده على الصحيح عندنا والمشهور عند ~~المالكية. وهذا الحديث ظاهره يقتضي الإعادة، لكنه # يتوقف على أن لا يكون قبله وتر لما جاء في الأحاديث "لا وتران في ليلة"، ~~حسنه الترمذي (¬1) مع الغرابة وصححه ابن حبان (¬2) وابن خزيمة (¬3)، وابن ~~السكن فلزم من الأمر يجعله آخر الصلاة ومن قوله: "لا وتران في ليلة"، شفع ~~الوتر الأول، فإنه إن لم يشفعه وأعاده لزم إعادتهما في ليلة، وإن لم يعد ~~الوتر لم يكن آخر صلاة الليل وترا ومن قال: [لا يشفع] (¬4) ولا يعيد الوتر ~~منع أن ينعطف حكم صلاة على أخرى بعد السلام، والحديث وطول الفصل إن ms0668 وقع ذلك ~~فإذا لم يجتمعا والحقيقة أنهما وتران، ولا وتران في ليلة، فامتنع الشفع، PageV03P530 # وامتنع إعادة الوتر أخيرا، ولم يبق إلا مخالفة ظاهر "اجعلوا آخر صلاتكم ~~من الليل وترا" (¬1)، وهو محمول على الاستحباب كما أن الأمر بأصل الوتر ~~كذلك وترك المستحب أولى من ارتكاب المكروه، ومن قال: بإعادة الوتر فهو أيضا ~~مانع من شفع الوتر الأول محافظة على الحديث المذكور، ويحتاج إلى الاعتذار ~~عن قوله: "لا وتران في ليلة" (¬2)، وقد ينبني الكلام في ذلك على مسألة، ~~وهي: أن التنفل بركعة فردة هل يشرع في غير المنصوص عليه وقد سلف الخلاف ~~فيه؟ وقد رتب الشافعي على هذا المعنى ما إذا نذر صلاة هل يلزمه ركعتان، نظر ~~إلى واجب الشرع أو ركعة نظر إلى جائزه، فيه قولان: والأصح الأول (¬3). PageV03P531 # الثاني عشر. يؤخذ من قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فإذا خشي الصبح" أن ~~ما بين طلوع الفجر والشمس من النهار، وهو قول # الجمهور وأبعد من قال: إنه من الليل، ومن قال: إنه منفرد بنفسه. وعزي إلي ~~الشعبي (¬1). PageV03P532 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 127/ 2/ 23 - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "من كل الليل أوتر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من أول الليل وأوسطه، وآخره فانتهى وتره إلى ~~السحر" (¬1). # [الكلام عليه من وجوه، واللفظ المذكور لمسلم دون البخاري، ولفظ البخاري: ~~"من كل الليل أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانتهى PageV03P533 # وتره إلى السحر"] (¬1) (¬2)، ولفظ أبي داود "لكن انتهى وتره حين مات إلى ~~السحر". # الأول: "السحر" وهو قبيل الصبح، وضبطه ابن أبي الصيف اليمنى بالسدس ~~الأخير، وحكاه الماوردي في تفسيره (¬3) عن ابن [أبي] (¬4) زيد. # الثاني: "الليل" اسم لما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، وقد قدمت ~~الخلاف قريبا، فيما بين طلوع الفجر الثاني وطلوع الشمس، فظاهر هذا الحديث ~~يدل على أنه ليس من الليل، لأنه جعل كل الليل وقتا للوتر، وجعل نهاية الوتر ~~الذي كل الليل وقته السحر أو الفجر، فدل على أن ما بعده ليس من الليل ولا ~~شك أن أول وقت الوتر لا يدخل ms0669 ما بين غروب الشمس ووقت العشاء # اتفاقا مع أنه داخل في قولها: "من كل الليل أوتر من أوله". # والصحيح عندنا: أنه (¬5) لا يدخل وقته إلا بفعل الفرض. # وقيل: يدخل وقته قبل فعل العشاء [وخصه بعضهم بمن ظن أنه فعل العشاء] (¬6) ~~فصله، ثم بان أنه لم يفعلها، وتقدم في الكلام PageV03P534 # على الحديث الذي قبله انتهاء وقته مع الخلاف فيه، وأن الصحيح امتداده إلى ~~طلوع الفجر الثاني. والأحاديث تدل له، [ويدل] (¬1) أيضا لقول [من] (¬2) ~~يقول: إنه يمتد إلى صلاة الصبح، فأنه - عليه الصلاة والسلام - كان يصلي ~~الصبح عقب طلوع الفجر الثاني بيسير، فعبر في بعض الأحاديث [بفعل الصبح عن ~~طلوع الفجر لقربه منه، واتفق العلماء على جواز فعله في جميع] (¬3) ما بين ~~أول وقته وآخره. # لكنهم اختلفوا في أن الأفضل تقديمه في أول الليل أو تأخيره إلى آخره على ~~وجهين: حكاهما مطلقا الشيخ تقي الدين (¬4)، ثم حكى مقالة فارقة بين من يرجو ~~أن يقوم في آخر الليل، وبين من يخاف أن لا يقوم، وهذا أسلفته في الحديث ~~الذي قبله، وإذا نظرنا # إلى آخر الليل من حيث هو [فإنه أفضل من أوله وأوسطه، وكان فعل الوتر فيه ~~أفضل، فإذا عارضه] (¬5) احتمال تفويته، قدمناه على ذوات هذه الفضيلة. وهذه ~~قاعدة عامة يدخل تحتها أفراد منها: إذا رجا الماء آخر الوقت الأظهر عندنا ~~أن تقديم الصلاة أول الوقت بالتيمم أفضل، إحرازا للفضيلة المحققة على ~~الموهومة. والمشهور من مذهب مالك أن التأخير أفضل (¬6). PageV03P535 # الثالث: "أوتر - صلى الله عليه وسلم - أول الليل وأوسطه وآخره" توسعة على ~~أمته، وأقر الصديق على فعله أوله، والفاروق على فعله آخره، وقال: حذر هذا، ~~وقوي هذا، بعد سؤاله لكل منهما متى يوتر (¬1). وليس للوتر وقت لا يجوز فيه ~~ولا يكره. # تنبيه: قال ابن العطار -رحمه الله- في "شرحه": هنا وقت PageV03P536 # التراويح: كالوتر لا أعلم في ذلك خلافا قال: وأما ما يفعله كثير من أئمة ~~المساجد بالديار المصرية في حضرها وريفها من صلاتهم لها بين المغرب والعشاء ~~والوتر [بعدها] (¬1) قبل فعل العشاء فلا يجوز، ms0670 ذلك ولا يحصل لهم فضيلة قيام ~~رمضان ووتره، وهل تحصل لهم [فضيلة] (¬2) نفل مطلق، فيه نظر إذا أتوا بذلك ~~على الوجه المأمور به فيه. فإذا ما ذكره. فأما ما قاله في الوتر فلا شك فيه ~~وأما ما قاله في التراويح فليس كذلك، فلنا وجه أنه يدخل وقتها بالغروب. ~~حكاه الروياني وجزم به القاضي مجلي، وتبعه العراقي شارح "المهذب"، وقد ~~أوضحت ذلك في "شرح المنهاج" بزيادة مقالة غريبة للحليمي في وقت التراويح ~~فراجع ذلك منه (¬3). PageV03P537 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P538 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 128/ 23/ 3 - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك - بخمس، لا ~~يجلس في شيء إلا في آخرها" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: المختار أن: "كان" من حيث وضعها لا يلزم منها دوام ولا تكرار، فإن ~~دل دليل على ذلك عمل به، ومما استعمل فيه "كان" PageV03P539 # للمرة الواحدة حديث عائشة: "كنت أطيب النبي - صلى الله عليه وسلم - لحرمه ~~قبل أن يحرم، ولعله قبل أن يطوف بالبيت" (¬1). ومعلوم أن عائشة لم تحج معه ~~إلا حجة الوداع، ولا يقال: لعلها طيبته لحله قبل أن يطوف بالبيت في العمرة ~~أيضا، فاقتضت التكرار، لأن المعتمر لا يحل له الطيب قبل الطواف بالإجماع. # إذا تقرر هذا فقولها: "كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة" مع ما ثبت في ~~الصحيح عنها: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم بتسع ركعات" (¬2). ~~"وكان يقوم بإحدى عشرة منهن الوتر [يسلم] (¬3) من كل ركعتين، وكان يركع ~~ركعتي الفجر إذا جاء المؤذن" (¬4)، وعنها: "كان PageV03P540 # يقوم بثلاث عشرة بركعتي الفجر" وعنها "كان [لا] (¬1) يزيد في رمضان ولا ~~غيره على إحدى عشرة ركعة: أربعا، أربعا، وثلاثا" (¬2) وعنها: "كان يصلي ~~ثلاث عشرة: ثمانيا، ثم يوتر، [ثم يصلي ركعتين وهو جالس] (¬3) ثم يصلي ركعتي ~~الفجر" (¬4) وقد فسرتهما في الحديث PageV03P541 # الآخر: "منها ركعتي الفجر" وعنها في البخاري: "أن صلاته بالليل سبع أو ~~تسع" يقتضي كل ذلك عدم التكرار والدوام. وفي الصحيحين (¬1) من حديث ابن ~~عباس: "أن ms0671 صلاته بالليل ثلاث عشرة [ركعة] (¬2) وركعتين بعد الفجر"، سنة ~~الفجر. وفي حديث زيد بن خالد: أنه - عليه الصلاة والسلام - "صلى ركعتين ~~خفيفتين، ثم طويلتين" وذكر الحديث. وقال في آخره: [فتلك ثلاث] (¬3) عشرة" ~~(¬4). PageV03P542 # قال العلماء: كما نقله القاضي عياض (¬1) عنهم في هذه الأحاديث أخبر كل ~~واحد من عائشة وابن عباس وزيد بما شاهد. # واختلف في أحاديث عائشة واختلافها. # فقيل: هو منها. # وقيل: من الرواة عنها (¬2)، فيحتمل أن إخبارها بإحدى عشرة PageV03P543 # هو الأغلب وباقي رواياتها بما كان يقع نادرا في بعض الأوقات، فأكثره خمس ~~عشرة، بركعتي الفجر، وأقله [تسع] (¬1)، وذلك بحسب ما كان يحصل من اتساع ~~الوقت أو ضيقه [بطول] (¬2) قراءة كما جاء في حديث حذيفة (¬3)، وابن مسعود ~~(¬4) أو لنوم أو لعذر من مرض PageV03P544 # أوغيره أو عند كبر السن، كما قالت عائشة: فلما أسن صلى [سبع] (¬1) ركعات ~~(¬2). أو تارة بعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام # الليل كما رواها زيد بن خالد (¬3). وروتها عائشة في صحيح مسلم بعد ركعتي ~~الفجر تارة وبحذفهما أخرى، وقد يكون عدت راتبة العشاء مع ذلك تارة وحذفتها ~~أخرى. قال: ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن ~~صلاة الليل من الطاعات التي كلما زيدت زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعله - ~~عليه الصلاة والسلام - وما اختاره لنفسه (¬4). # الثاني: قد تقدم في الحديث الأول: أن هذا الحديث معارض له، أعني حديث: ~~صلاة الليل مثنى مثنى، وهو من باب تعارض القول والفعل، ودلالة الفعل على ~~الجواز قوية (¬5)، ويبعد معها PageV03P545 # احتمال التخصيص، لأنه [لا يصار] (¬1) إليه إلا بدليل، وتقدم أيضا أن فيه ~~متمسكا للشافعي في الزيادة على [ركعتين في النوافل، وتأوله بعض المالكية ~~بتأويل لا يتبادر إلى الذهن، وهو أن حمل ذلك] (¬2) على أن الجلوس في محل ~~القيام لم يكن إلا في آخر ركعة: كأن الأربع كانت الصلاة فيها قياما، ~~والأخيرة كانت جلوسا في محل القيام، وربما دل لفظة على تأويل أحاديث قدمها ~~هذا منها بأن السلام وقع بين كل ركعتين. قال الشيخ تقي الدين: وهذا ms0672 [يخالف ~~اللفظ] (¬3) فإنه لا يقع السلام بين كل ركعتين إلا بعد الجلوس، وذلك ~~ينافيه. # قولها: "لا يجلس في شيء إلا في آخرها". قال الفاكهي: وأيضا لو كان الأمر ~~على ما قال لم يكن لتخصيص الخمس. فائدة، وكان وجه الكلام أن يقال يوتر ~~بثلاث عشرة ركعة لا يجلس في شيء إلا في آخرها ركعة الوتر. # الثالث: اختلف أصحابنا في أكثر الوتر. والأصح أنه إحدى عشرة. وقيل: ثلاث ~~عشرة، وأقله ركعة (¬4). PageV03P546 # الرابع: لما ذكر عبد الحق هذا الحديث في جمعه باللفظ المذكور. قال عقبه: ~~إن البخاري لم يخرج هذا اللفظ، وأما الحميدي فعزاه إليه فاعلم ذلك (¬1). # ... # انتهى الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع وأوله باب الذكر عقب الصلاة PageV03P547 # الإعلام بفوائد عمدة الأحكام PageV04P001 # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة الأولى # 1417 ه -1997 م # دار العاصمة # المملكة العربية السعودية # الرياض - ص ب 42507 - الرمز البريدي 11551 # هاتف 4915154 - 4933318 - فاكس 4915154 PageV04P002 # الإعلام بفوائد عمدة الأحكام # للإمام الحافظ العلامة # أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي # المعروف بابن الملقن # (723 - 804) ه # تقديم # فضيلة الشيخ # صالح بن فوزان الفوزان # عضو هيئة كبار العلماء # وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # فضيلة الشيخ # بكر بن عبد الله أبو زيد # عضو هيئة كبار العلماء # وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه # عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح # غفر الله ولوالديه ولجميع المسلمين # الجزء الرابع # تابع كتاب الصلاة إلي نهاية كتاب الجنائز # (129 - 170) حديث # دار العاصمة # للنشر والتوزيع PageV04P003 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV04P004 ### || CHECK 24 - باب الذكر [عقب] الصلاة # 24 - باب الذكر [عقب] (¬1) الصلاة # عقب: بحذف الياء المثناه تحت هو الفصيح، وشذ إثباتها. # ومعناها: بعد الشيء غير متراخ عنه. # قال ثعلب في فصيحه (¬2): جئت في [عقب] (¬3) الشهر. إذا جئت بعد ما [مضى] ~~(¬4) وجئت في عقبه. إذا جئت وقد بقيت منه بقية. # وقال ابن سيده: في عقب الشهر بالفتح وعقبه وعقبه أي [لأيام] (¬5) بقيت ~~منه عشرة، أو أقل، وجئتك في عقب الشهر بالضم # وعلى عقبه ms0673 وعقبه. # وحكى اللحياني [جئت] (¬6) عقب رمضان أي آخره، وجئت PageV04P005 # فلانا على عقبه الشهر ممره وعقب وعقيبه وعقبه وعقبانه أي بعد مروره. # ذكر فيه -رحمه الله- أربعة أحاديث: PageV04P006 ### ||| CHECK [الحديث] الأول # [الحديث] (¬1) الأول # 129/ 1/ 24 - عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: إن رفع الصوت ~~بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على # عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # قال ابن عباس: "كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته" (¬2). # وفي لفظ: "ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ~~بالتكبير". # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث بلفظيه مرفوع في الحكم لتقريره - عليه PageV04P007 # الصلاة والسلام - للذكر يرفع الصوت من غير نكير منه، لأن هذه الحالة تدل ~~على [علمه] (¬1) بها، فيدل ذلك على شرعيته واستحبابه، وتأكيد التكبير من ~~الذكر. وقد قال ابن حبيب (¬2) في "الواضحة": كانوا يستحبون التكبير في ~~العساكر والبعوث إثر صلاة الصبح والعشاء تكبيرا عاليا، ثلاث مرات، وهو قديم ~~من شأن الناس. # وعن مالك (¬3) أنه محدث، وقد استحبه جماعة من السلف، واستحبه من ~~المتأخرين ابن حزم (¬4) الظاهري وغيره. # وعن المدونة: وجائز التكبير في الرباط والحرس ورفع الصوت به بالليل ~~والنهار وأكره التطريب. # وفي الموطأ (¬5): أن عمر كان إذا رمى الجمار كبر، وكبر الناس معه، حتى ~~يتصل التكبير ويبلغ البيت. # قال: والتكبير أيضا مشروع في الأعياد. # قال الطبري (¬6): في هذا الحديث الإبانة عن صحة فعل من كان يفعل ذلك من ~~الأمراء يكبر بعد صلاته ويكبر من خلفه. PageV04P008 # ونقل ابن بطال (¬1) وآخرون: أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على ~~عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير قال: وحمل الشافعي (¬2) هذا الحديث ~~على أنه جهر وقتا يسيرا، حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا دائما. انتهى. # ويرد هذا التأويل قول ابن عباس: كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لما تقرر [من] (¬3) أن "كان" هذه تعطى [المداومة] (¬4) أو الأكثرية ~~على ما مر. # وقوله أيضا: "كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك". # وقوله: "ما كنا نعرف انقضاء صلاته إلا بالتكبير" كله ms0674 ظاهره التكرار ~~والمداومة على ذلك. # وحمله بعض متأخري المالكية على تكبير أيام التشريق: وما أبعده. # وذكر بعض المصنفين في كتاب "ما العوام عليه موافقون للسنة والصواب دون ~~الفقهاء" وذكر مسائل: منها رفع الصوت بالذكر عقب الصلوات. والحديث الذي نحن ~~فيه يدل على صحة قوله. PageV04P009 # الثاني: قوله (¬1): "كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته" ظاهره: أنه لم ~~يكن يحضر الصلاة في الجماعة في بعض الأوقات لصغره. قاله النووي في "شرحه" ~~(¬2). قال القرطبي (¬3): أو لعذر آخر. # الثالث: قوله: "ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إلا بالتكبير" قد يؤخذ منه تأخير الصبيان في الموقف، لأنه لو كان متقدما ~~في الصف الأول لعلم انقضاءها بسماع التسليم. # الرابع: قد يؤخذ منه أيضا أنه لم يكن ثم مسمع [جهير] (¬4) الصوت يبلغ ~~السلام بجهارة صوته. قاله الشيخ تقي (¬5) الدين. واعترض الفاكهي فقال: ~~يحتمل أن لا يؤخذ منه لجواز أن يكون المسمع قريبا من الإمام، ولا يلزم أن ~~يكون في آخر الصفوف بخلاف التكبير. والحالة هذه، فإنه لا يختص بصف من ~~الصفوف، فلذلك علم الانصراف بالتكبير والذكر دون التسليم. # الخامس: ادعى بعضهم أنه يؤخذ من قول ابن عباس: "كنت أعلم إذا انصرفوا ~~بذلك"، أنه أمر قد ترك في زمنه، وإلا لم يكن لقوله "كنت" فائدة. PageV04P010 # خاتمة: قال القرافي: كره مالك وجماعة الدعاء لأئمة المساجد. # وقال صاحب "الإقليد": لم يجيء في الأحاديث المشهورة ذكر الدعاء أثر ~~الصلاة وإنما ورد الذكر والتهليل. فيجوز أن يكون ذلك دعاء كما جاء: "أفضل ~~الدعاء: دعاء يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له" (¬1)، ولذلك ~~اقتصر في المذهب على الذكر بعد # الفراغ من الصلاة، ولم يذكر الدعاء. والدعاء أثر المكتوبة مرجو الإجابة. # ذكر عبد الحق من حديث أبي إمامة؛ أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"أي الدعاء أسمع؟ قال: شطر الليل الآخر، وإدبار الصلوات المكتوبات" (¬2). PageV04P011 # قلت: أخرجه الترمذي وحسنه. # ونقل النووي في "شرح المهذب" (¬1): الاتفاق على استحباب الدعاء بعد ~~السلام أيضا. قال وما اعتاده الناس أو ms0675 كثير منهم من تخصيص دعاء الإمام ~~بصلاتي الصبح والعصر فلا أصل له. وإن كان الماوردي (¬2) أشار إليه (¬3). PageV04P012 # قلت: وقول صاحب "الإقليد": إنه لم يجيء في الأحاديث المشهورة ذكر [الدعاء ~~عقب] (¬1) الصلاة فيه نظر. ففي "صحيح # مسلم" من حديث علي - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا سلم من الصلاة قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت ~~وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت والمؤخر لا إله ~~إلا أنت" (¬2). # وفي رواية له: أنه كان يقول هذا بين التشهد والتسليم (¬3). # وروى أبو داود والنسائي بإسناد صحيح (¬4) عن معاذ - رضي PageV04P013 # الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده وقال: "يا ~~معاذ! والله إني لأحبك. أوصيك يا معاذ! لا تدعن دبر [كل] (¬1) صلاة تقول ~~اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". PageV04P014 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 130/ 2/ 24 - عن وراد مولى المغيرة بن شعبة قال: أملى علي المغيرة ابن ~~شعبة - رضي الله عنه - في كتاب إلى معاوية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يقول دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي ~~لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"، ثم وفدت بعد على معاوية فسمعته يأمر ~~الناس بذلك. # وفي لفظ: "كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال. وكان ينهى ~~عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات" (¬1). # الكلام عليه من ثلاثين وجها: PageV04P015 # الأول: "المغيرة" تقدم التعريف به في (باب المسح على الخفين) وأنه بضم ~~الميم. وحكي كسرها اتباعا للغين، كما جاء ذلك # أيضا في رغيف اتباعا للغين. ومثله أيضا منن بكسر الميم للاتباع أيضا، لأن ~~[مفعل] (¬1) ليس من الأبنية ولم يعتد بالنون لسكونها # والساكن عندهم حاجز غير حصين. # الثاني: "وراد" بفتح أوله وتشديد ثانيه وبالدال المهملة مولى المغيرة ~~[كما ذكره المصنف وكاتبه أيضا] (¬2) وهو ثقفي كوفي كنيته # أبو ms0676 سعيد. ويقال: أبو الورد تابعي ثقة (¬3). روى عنه جماعة من صغار ~~التابعين. # الثالث: "معاوية" - رضي الله عنه - ترجمته مستوفاة فيما أفردته في الكلام ~~على رجال هذا الكتاب فراجعه منه. وكانت وفاته بدمشق سنة ستين عن ثمان ~~وسبعين سنة. # وقيل: ابن ست وثمانين. وأخفي قبره. وصلى عليه ابنه يزيد. # وقيل: الضحاك بن قيس لغيبة يزيد. وكان أميرا بالشام نحو عشرين سنة. ~~وخليفة مثل ذلك. وكان في خلافة عمر نحو أربعة # أعوام. وخلافة عثمان كلها اثنتي عشرة سنة. وبايع له أهل الشام خاصة ~~بالخلافة سنة ثمان أو تسع وثلاثين. واجتمع الناس عليه حين بايع له الحسن بن ~~علي وجماعة سنة إحدى وأربعين فسمي عام PageV04P016 # الجماعة. ورزقه عمر بن الخطاب على عمله بالشام عشرة آلاف دينار كل سنة. # الرابع: "يقال" أملى يملي وأمل يمل قال تعالى: {وليملل الذي عليه الحق} ~~(¬1). ففيه دليل على استحباب إملاء العالم العلم على # أصحابه ليقيدوه ويكتبوه، وعلى المبادرة إلى امتثال السنن وإشاعتها. # الخامس: فيه دليل على جواز العمل بالمكاتبة بالأحاديث وإجرائها مجرى ~~المسموع [والكتابة نوعان: مقرونة بالإجازة، ومجردة عنها، والصحيح عند ~~المحدثين إجازة الثاني أيضا] (¬2). # السادس: فيه العمل بالخط في مثل ذلك إذا وثق بأنه [خط] (¬3) [الكاتب] ~~(¬4) وهو دليل لمالك -رحمه الله- في قبول الشهادة على الخط وجعل خط الشاهد كشخصه. # السابع: فيه قبول خبر الواحد، وهذا فرد من أفراد ما لا يحصى. # الثامن: "دبر" بضم الدال والباء على المعروف المشهور في الروايات واللغة، ~~ويجوز التخفيف كعتق. PageV04P017 # وقال ابن الأعرابي: "دبر" الشيء و"دبره" بالضم والفتح آخر أوقاته. ~~والصحيح الضم. ولم يذكر الجوهري (¬1) وآخرون غيره. # وقال أبو عمر المطرز في كتابه "اليواقيت" (¬2): دبر كل شيء بفتح الدال ~~آخر أوقاته من الصلاة وغيرها. قال: هذا هو المعروف # في اللغة، وأما الجارحة فبالضم. # والمراد به في الحديث عقب السلام منها، سواء كان آخر أوقاتها أو أوسطه أو ~~أوله، إلا أن يكون مراد أهل اللغة بآخر أوقات # الشيء الفراغ [منه] (¬3) فيتطابق تفسيرهم ومراد الحديث. # التاسع: فيه دليل على استحباب هذا الذكر المخصوص عقب ms0677 الصلاة المكتوبة ~~وذلك لما اشتمل عليه من معاني التوحيد ونسبة # الأفعال إلى الله -تعالى- والمنع والإعطاء وتمام القدرة. # والثواب المرتب على الأذكار يرد كثيرا مع خفة اللسان بالأذكار وقلتها، ~~وإنما كان ذلك اعتبارا بمدلولاتها لأنها كلها راجعة إلى الإيمان الذي هو ~~أشرف الأشياء. # واعلم أن الذكر مطلوب محثوث عليه من الشرع وهو مطلق ومقيد. فالمطلق: لا ~~يكره في وقت من الأوقات ولا حالة من [الأحوال] (¬4) إلا في حالة قضاء حاجة ~~الإنسان من البول والغائط والجماع. PageV04P018 # واختلف العلماء في كراهته في الحمام [والمواضع] (¬1) النجسة: وقراءة ~~القرآن أفضل من المطلق منه. # والمقيد: منه هو الذي ورد فيه نص بزمان أو مكان أو حال وهو أفضل من تلاوة ~~القرآن، هكذا نص عليه العلماء. # فائدة: من الناس من يزيد في هذا الدعاء "ولا راد لما قضيت"، ورأيت من ~~ينكر هذه اللفظة وهو عجيب، فقد أخرجها عبد بن حميد في "مسنده" (¬2)، عن عبد ~~الررزاق، عن معمر، عن وراد قال: كتب معاوية إلى المغيرة أن اكتب لي بشيء من ~~حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فكتب إليه إني سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يتعوذ من ثلاثة: من عقوق الأمهات و (¬3) وأد البنات ~~و (¬4) منع وهات، وسمعته ينهى عن ثلاث: عن قيل وقال. وإضاعة المال. وكثرة ~~السؤال. # وسمعته يقول: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا راد لما قضيت، ولا ينفع ذا ~~الجد منك الجد" فاستفد ذلك. PageV04P019 # فائدة ثانية: روى النسائي (¬1) هذا الحديث إلى قوله: "على كل شيء قدير" ~~وزاد ثلاث مرات. # العاشر: قوله: "وحده لا شريك له" هو على طريق التوكيد مع التكثير لحسنات ~~الذاكر، وإلا فالحصر الذي قبله يقيده. # قال ابن العربي (¬2): وهو إشارة إلى نفي الإعانة لما كانت العرب تقول: ~~"لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك". # الحادي عشر: قوله: "له الملك" قال أبو الحسن (¬3) الأخفش: يقال: ملك بين ~~الملك، -بضم الميم-. ومالك بين الملك والملك -بفتح الميم وكسرها-. وزعموا ~~أن [ضم الميم] (¬4) لغة في هذا المعنى. روي ms0678 [عن] (¬5) بعض البغداديين [ما] ~~(¬6) في هذا الوادي ملك وملك [وملك] (¬7) بمعنى واحد. # الثاني عشر: "الحمد" تقدم الكلام عليه في "شرح الخطبة" فراجعه من ثم. PageV04P020 # الثالث عشر: قوله: "وهو على كل شيء قدير". قال الفاكهي: الظاهر أن هذا ~~العموم غير مخصوص، [قال: وذهب بعضهم إلى أنه مخصوص] (¬1) من [حيث] (¬2) إن ~~القدرة لا تتعلق [إلا] (¬3) بالممكنات دون المستحيلات. والتقدير: وهو على ~~كل شيء (¬4) ممكن قدير (¬5)، وهذا غلط لأنه وقع الخلاف في الممكن المعدوم. ~~هل يطلق عليه حقيقة أم لا فما ظنك بالمستحيل؟ فالمستحيلات غير داخلة في هذا ~~العموم. # فائدة: قيل: إن عمومات القرآن كلها مخصوصة إلا أربع آيات: # الأولى: قوله- تعالى -: {كل نفس ذائقة الموت} (¬6). # الثانية: قوله -تعالى-: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} (¬7). PageV04P021 # الثالثة: قوله -تعالى-: {والله بكل شيء عليم (176)} (¬1). # الرابعة: قوله -تعالى -: {والله على كل شيء قدير (284)} (¬2). # الرابع عشر: في هذا دلالة على التفويض إلى الله -تعالى- واعتقاد أنه ~~-سبحانه وتعالى-[مالك الملك وأن له الحمد ملكا واستحقاقا وأن قدرته سبحانه ~~وتعالى] (¬3) تعلقت بكل شيء من الموجودات: خيرها وشرها نفعها وضرها. # الخامس عشر: قوله: "اللهم لا مانع لما أعطيت" إلى آخره فيه أن العطاء ~~والمنع بيده. # السادس عشر: "الجد" بفتح الجيم على المشهور الذي عليه الجمهور، ومعناه لا ~~ينفع ذا الغنى والحظ منك غناه. وضبطه جماعة # بكسر الجيم فيهما (¬4). # والجد: هنا وإن كان مطلقا فهو محمول على حظوظ الدنيا، يعني إنما ينفعه ~~العمل [الصالح] (¬5) والنافع في الحقيقة هو الله PageV04P022 # -تعالى- بالتوفيق للعمل الصالح والإخلاص فيه وقبوله. # السابع عشر: في هذا دليل على أن الأسباب إنما تنفع بإذنه، وأنه متصرف ~~فيها كسائر المخلوقات، لا تأثير لها في شيء من # الأشياء إلا بتقديره [وإذنه] (¬1). # الثامن عشر: فيه أيضا دلالة على أن العمل لا أثر له إلا مع سبق العناية (¬2). # قال القاضي عياض: وقد ترجم البخاري على هذا الحديث وأدخله في كتاب ~~"القدر" (¬3)، وكذا مالك أدخل هذه الكلمة في جامع # ما جاء في القدر (¬4) [فذكر] (¬5) أن معاوية كان يقول على المنبر: أيها ~~الناس! إنه ms0679 لا مانع لما أعطى الله [ولا معطي لما منع الله] (¬6) ولا ينفع ~~ذا الجد [منه] (¬7) الجد، من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. ثم قال: ~~سمعت هذه الكلمة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذه الأعواد. ~~وبهذا يستدل على أن هذا الحديث ليس جميعه مما تحمله معاوية بالمكاتبة، بل ~~سمع بعضه منه - صلى الله عليه وسلم - (¬8). PageV04P023 # التاسع عشر: قوله: ["منك" هو] (¬1) متعلق "بينفع"، "وينفع" متضمن معنى ~~"يمنع". أو ما يقاربه، ولا يعود "منك" إلى "الجد" فإن # ذلك نافع نبه عليه الشيخ تقي الدين، وهو حسن (¬2). # العشرون: قوله: "وكان ينهى عن قيل وقال". قال الجوهري هما اسمان، يقال: ~~كثر القيل والقال. # والأشهر فيه كما قال الشيخ تقي الدين (¬3). قيل -بفتح اللام- على سبيل ~~الحكاية. وهو الذي يقتضيه المعنى لأن القيل، والقال إذا كانا اسمين بمعنى ~~واحد كالقول ألم يكن من عطف أحدهما على الآخر] (¬4). # فائدة: وهذا النهي لا بد فيه من [تقييده] (¬5) بالكثرة التي PageV04P024 # [لا يؤمن] (¬1) معها وقوع الخطل (¬2) والخطأ (¬3) والتسبب إلى وقوع ~~المفاسد (¬4) من غير يقين والإخبار [بالأمور] (¬5) الباطلة، وقد ثبت عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما ~~سمع" (¬6). # وقال بعض السلف: لا يكون إماما من حدث بكل ما سمع. # وقد أسلفنا في أوائل الصلاة في الوجه العاشر في الكلام على الحديث الرابع ~~منه شيئا يتعلق بما نحن فيه فراجعه منه. # تنبيه: في الحديث دليل على الامتناع من اللغط وفضول الكلام وما لا فائدة فيه. # الحادي والعشرون: إنما جمع بين "قيل، وقال" للتنبيه على منع [ذلك] (¬7) ~~سواء عين القائل الذي يخبر عنه بقوله: قال، أو لم # يعينه بقوله: قيل كذا. والنهي عن الأول أشد من الثاني. PageV04P025 # وقال المحب الطبري في "أحكامه": في قيل [وقال] (¬1) أوجه: # [أحدها] (¬2): أنهما مصدران للقول، تقول [قلت] (¬3): قال: قولا وقيلا ~~وقالا [وقولا] (¬4). وفي قراءة ابن مسعود "ذلك عيسى ابن مريم قال الحق الذي ~~فيه تمترون" (¬5). والمراد -والله أعلم- كثرة الكلام لأنها تؤول إلى الخطأ ~~والتكرار للمبالغة. # ثانيها: ms0680 إرادة حكايته [أقاويل] (¬6) الناس والبحث عنها [ليخبر عنها] ~~(¬7). فيقول: قال فلان كذا. وقيل له: كذا مما يكره حكايته # عنه. # ثالثها: أن ذلك في أمر الدين، وذكر مواضع الاختلاف. يقول: قال فلان كذا. ~~وقال فلان كذا من غير تثبت ولا بد. ولكن [يقلد] (¬8) فيما سمعه ولا يحتاط ~~لموضع الاختيار من الأقاويل. # فائدة حديثية: قال ابن منده في "مستخرجه": حديث النهي عن PageV04P026 # قيل وقال، رواه مع المغيرة: أبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، ~~وعمار بن ياسر، وسبرة، والحجاج بن عامر الثمالي. # الثاني والعشرون: "إضاعة المال" ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعا، ~~سواء كانت دينية أو دنيوية وهو ممنوع منه لأن الله -تعالى- جعل الأموال ~~قياما لمصالح العباد. وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح المأذون فيها، إما في ~~حق مضيعها أو في حق غيره. أما بذله وإنفاقه كثيرا في تحصيل مصالح الآخرة ~~فهو مطلوب محثوث عليه، شرط أن لا يبطل حقا أخرويا أهم منه. وقد قال السلف: ~~لا سرف في الخير، كما لا خير في السرف. وبذل المترفين من أهل الدنيا ~~وإنفاقهم غالبا إنما هو فيما لم يأذن فيه الشرع فيقدمون حظوظ نفوسهم في ~~الأموال على حقوق الله تعالى. فيقع الهلاك بعد الإمهال من غير إهمال، لأن ~~فعلهم عين الإضاعة. وأما إنفاق المال في مصالح الدنيا وملاذ النفس على وجه ~~لا يليق بحال المنفق وقدر ماله فإن [كان] (¬1) لضرورة مداواة أو دفع مفسدة ~~يترتب عليه فليس بإسراف، وإلا ففي كونه إسرافا خلاف. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): والمشهور أنه إسراف. # وقال بعض الشافعية: ليس بإسراف لأنه تقوم به مصالح البدن وملاذه، وهو غرض ~~صحيح. وظاهر القرآن يمنع من ذلك. # قال: والمشهور في مثل هذا أنه مباح، أعني إذا كان الإنفاق في غير معصية، ~~ونوزع فيه. PageV04P027 # قلت: قال القاضي حسين في كتاب "قسم الصدقات" [أنه حرام] (¬1) وتابعه عليه ~~الغزالي. وجزم به الرافعي في الكلام على الغارم. وظاهر القرآن يقويه ففي ~~غير آية أنه إسراف. وأما الإمام [فقال] (¬2) إنه ليس بحرام وإن لم يكن ms0681 ~~محمودا، أي لأنه وإن كان يقوم به مصالح البدن وملاذه وهو غرض صحيح، لكنه ~~يؤدي به الحال غالبا إلى ارتكاب المحذور والذل. وما أدى إلى المحذور فهو # محذور. وصحح الرافعي في "الشرح" في (باب الحجر) والمحرر أنه ليس بتبذير. ~~وتبعه النووي (¬3). # أحدها: يدخل في إضاعة المال الإنفاق على البناء. ومجاوزة حد الاقتصاد ~~فيه. وتمويه الأواني والسقوف بالذهب والفضة. وسوء القيام على ما يملكه من ~~الرقيق والبهائم حتى يهلك. وقسمة ما [لا] (¬4) ينتفع به الشريك كالجوهرة ~~ونحوها واحتمال الغبن الفاحش في البياعات. ودفع مال من لم يؤنس منه الرشد إليه. # الثاني: التقلل من شهوات الدنيا خير من الإكثار منها. وهو حال الأنبياء ~~وتابعيهم. وقد صح عنه أنه - عليه الصلاة والسلام -. # كان يشد على بطنه الحجر (¬5) من الجوع، ولم يشبع من خبز البر ثلاثا PageV04P028 # متواليات، حتى قبض (¬1) - صلى الله عليه وسلم -. وقد أوتي مفاتيح كنوز الأرض. # وقال: "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه" (¬2) الحديث. فحق للمتدين أن يكون ~~له أسوة بنبيه - صلى الله عليه وسلم -. # الثالث: الأصح عند الشافعية أنه لا يكره [أن] (¬3) يتصدق بجميع ماله ~~الفاضل عن الحاجة، إن كان يصبر على الضيق والإضاقة # وإلا فيكره. وبذلك يجمع بين أخبار الباب. # وقال الباجي من المالكية: استيعاب جميع المال بالصدقة ممنوع منه. وقال ~~مرة يكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا، ولا بأس بذلك في النادر لضيف أو ~~وليمة أو عيد ونحو ذلك وإنما يكره من ذلك الخروج إلى حد السرف. وأقبح ما ~~يكون ذلك عند الحاجة [للناس] (¬4). # الثالث والعشرون: قوله: "وكثرة السؤال" [يستثنى من كثرة السؤال ما أذن ~~الشرع] (¬5) فيه وجهان: PageV04P029 # أحدهما: أنه راجع إلى الأمور العلمية. وقد كانوا يكرهون تكلف المسائل ~~التي لا تدعو الحاجة إليها. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أعظم الناس جرما ~~عند الله من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته" (¬1). # وفي حديث اللعان، لما سئل عن الرجل يجد مع امرأته رجلا فكره رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها (¬2). وفي حديث ms0682 معاوية (¬3) نهى عن ~~الأغلوطات: وهي شداد المسائل وصعابها. وإنما كان ذلك PageV04P030 # مكروها لما يتضمن كثير منه من التكلف في الدين والتنطع والرجم بالظن من ~~غير ضرورة تدعو إليه مع عدم الأمن من العثار، وخطأ # الظن. والأصل المنع من الحكم بالظن إلا حيث تدعو الضرورة إليه، ومما دعت ~~الضرورة إليه من ذلك جواز الاجتهاد في المياه والأخذ بما غلب على الظن ~~طهارته مع وجود الماء المتيقن طهارته. # وكذلك الأخذ بالأصل في طهارتها. وإن شك في نجاستها. وكذلك إلحاق الولد ~~بالفراش لتعذر اليقين فيه. وكذلك عدم الحكم # بالعلم والعمل بالبينة استبراء للعرض المحثوث عليه شرعا. وأما قول ~~الشافعي - رضي الله عنه -. لولا قضاة السوء لقلت بجواز # الحكم بالعلم فإنما كان ذلك لما يقع الاشتباه بالقاضي المحق والمبطل، ولا ~~يقع النقاد من العلماء في كل عصر، ولو وقع قد # تضعف نفوسهم عن إظهار الزيف، ولو أظهروا الحق قد لا يجدوا من يعينهم على ~~إظهاره والعمل به، فمنع القول بجوازه سدا للتهمة # في الدين والعرض عملا بتخصيص الشرع على ذلك حيث قال: "فمن اتقى الشبهات ~~استبرأ لدينه وعرضه" (¬1) وأمره - صلى الله عليه وسلم - بالحكم بالظاهر ~~وقطعه - عليه الصلاة والسلام - قطعة من النار (¬2) لمن حكم له بالظاهر الذي ~~يخالف الباطن. PageV04P031 # الثاني: أن يكون [ذلك] (¬1) راجعا إلى سؤال المال وهو مناسب لقوله قبله ~~وإضاعة المال. وقد وردت أحاديث في تعظيم تقبيح مسألة الناس، ومدح الله -عز ~~وجل- تارك السؤال الكثير بقوله: {لا يسألون الناس إلحافا} (¬2) أي إلحاحا. ~~فمفهومه ذم السائلين إلحافا. وفي الحديث: "لا تزال المسألة بالعبد حتى يلقى ~~الله وليس في وجهه مزعة لحم" (¬3) لا سيما من سأل من غير ضرورة تدعو إلى ~~السؤال. ولا شك أن لفظ الحديث يدل على النهي عن كثرة السؤال لا على السؤال ~~مطلقا. وهو عام في سؤال الله -تعالى- والناس. خرج سؤال الله -تعالى- بالأمر ~~به والحث عليه في قوله- تعالى-: {واسألوا الله من فضله} (¬4)، وقوله - عليه ~~الصلاة والسلام - لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله" (¬5)، وهو مطلق كثيره ~~وقليله. بقي القليل من سؤال ms0683 الناس لبعضهم. وفي حديث رواه أبو داود أنه - ~~عليه الصلاة والسلام - قال لبعض من PageV04P032 # سأله عن المسألة مرارا [في] (¬1) الثالثة: "فإن كنت لابد سائلا فاسئل ~~الصالحين" (¬2) وإذا ثبت بعض سؤال بعض الناس فلا شك أن بعضه ممنوع من حيث ~~أن يكون السائل [غنيا] (¬3) لا حاجة به إلى ما سأل [و] (¬4) يظهر الحاجة ~~وهو في الباطن بخلافها أو يخبر السائل عن أمر هو فيه كاذب. وفي السنة ما ~~يشهد باعتبار ظاهر الحال في هذا وهو ما ثبت "أن رجلا من أهل الصفة مات وترك ~~دينارين فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كيتان" (¬5)، وإنما كان ذلك ~~-والله أعلم- لأنهم كانوا فقراء مجردين يتصدق عليهم ويأخذون بناء على الفقر ~~والعدم وظهر معه هذان الديناران على خلاف ظاهر حاله. # قال الشيخ تقي الدين (¬6): والمنقول عن مذهب الشافعي جواز السؤال. # قلت: وكذا قال الشيخ عز الدين في "أماليه": إنه الصحيح من مذهب الشافعي. ~~وبه قال كثيرون لأنه طلب مباح فوجب أن يجوز PageV04P033 # قياسا على طلب العارية وغيرها. والذم الوارد في الأخبار يحمل على من سأل ~~من الزكاة الواجبة وليس هو من الأصناف الثمانية. # وقال النووي في "شرح مسلم": اتفق العلماء على النهي عن السؤال إذا لم يكن ضرورة. # واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين: # أصحهما: أنه حرام لظاهر الأحاديث. # والثاني: أنه حلال مع الكراهة [بثلاثة] (¬1) شروط، وهي: أن لا يلح في ~~السؤال، ولا يذل نفسه ذلا زائدا على ذل نفس السؤال، # ولا يؤذي المسؤول. فإن فقد أحد هذه الشروط فهي حرام. # ثم ينظر في السؤال إن كان في سورة لا يحرم من العلم أو المال. فإن [كان] ~~(¬2) في صورة تقتضي المنع منه تنزيها. فينبغي الامتناع من قليله وكثيره. ~~وإن لم يقتض المنع منه حمل النهي على الكثير من السؤال المباح دون قليله، ~~لأن كراهتها في الكثير أشد وليس في الحديث ما يدل إلا على الكثرة فقط، أو ~~يحمل الحديث على الوجه [الأول] (¬3) عن كثرة السؤال عن المسائل المتعلقة ~~بالدين الحاملة على التنطع والتدقيق ms0684 والتضييق فيه. # قال الشيخ تاج الدين الفاكهي: والعجب من القائل بكراهة PageV04P034 # السؤال مطلقا حيث لا يحرم مع كون السؤال كانوا في زمنه - صلى الله عليه ~~وسلم -. وفي زمن الصحابة والتابعين إلى هلم جرا. وقد علمت ما جاء في تفسير ~~قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه ....} (¬1) الآية. وقال تعالى: {وفي ~~أموالهم حق للسائل والمحروم (19)} (¬2). وفي الحديث "ردوا السائل ولو بشق ~~تمرة" (¬3). والشارع لا يقر على مكروه، بل لا يبعد عندي [أنه] (¬4) يجب ~~السؤال في وقت الضرورة. ولا أظن أحدا ينازع في ذلك. # وقال بعضهم: المراد بكثرة السؤال في الحديث سؤال الناس عن أموالهم وما في ~~أيديهم. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك. # وقال بعضهم: المراد به كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث PageV04P035 # الزمان وما لا يعني الإنسان، فإن هذا قد [عرف] (¬1) من النهي عن قيل وقال. # وقال بعضهم: المراد به كثرة سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره فيدخل ذلك ~~في سؤاله عما لا يعنيه ويتضمن ذلك حصول [الحرج] (¬2) في حق المسؤل فإنه قد ~~لا يؤثر بإخباره بأحواله فإن أخبره سبق عليه. وإن كذبه في الأخبار أو تكلف ~~التعرض لحقته # مشقة. وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب. # فائدة: [مراد الحديث] (¬3) كثرة السؤال لنفسه. فهل يكون السؤال لغيره ~~[حكمه] (¬4) حكم نفسه في الكثرة والقلة، أو يمنع منه # مطلقا أو يؤذن فيه مطلقا. الظاهر أنه يختلف ذلك باختلاف المقاصد والنيات ~~وحال السائل والمسؤول. # الرابع والعشرون: قوله: "وكان ينهي عن عقوق الأمهات" (¬5). العقوق عدم ~~البر والإحسان إلى الوالدين. يقال: عق والده يعق [عقا] (¬6) وعقوقا ومعقة. ~~فهو عاقق وعقق [بضم العين والقاف] (¬7) مثل عامر وعمير. والجمع: عققة مثل ~~كفرة. PageV04P036 # وتوقف الشيخ عز الدين: في ضابط العقوق: وأقرب ما فيه أنه كل فعل يتأذى به ~~الوالد ونحوه تأذيا ليس بالهين. وقد صنف العلماء في "بر الوالدين" (¬1) ~~كالطرطوشي وغيره ما يتعين من ذلك وما يندب. # وما أحسن قول ابن عطية في "تفسيره" (¬2): جملة هذا الباب: أن طاعة ~~الوالدين لا تراعى في ركوب كبيرة. ولا في ترك فريضة ms0685 على الأعيان. وتلزم ~~طاعتهما في المباحات ويستحسن في ترك الطاعات الندبية. ومنه [أمر] (¬3) جهاد ~~الكفاية. والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان [إعادتها] (¬4) على أن هذا أقوى ~~من الندب، لكن يعلل بخوف هلاكها عليه ونحوه. مما يحيى قطع الصلاة فلا يكون ~~أقوى من الندب. # وخالف الحسن (¬5) في هذا الفضل. فقال: إن منعته أمه من شهود العشاء ~~الآخرة شفقة عليه فلا يطعها. # وأغرب داود الظاهري فقال في قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} (¬6). قال: لا ~~تقل لهما هذا اللفظ. وقل ما سواه واضربهما. وهو قياس فاسد. وقد تظاهرت ~~الأحاديث الصحيحة على عد العقوق من الكبائر وهو إجماع. PageV04P037 # الخامس والعشرون: "أمهات" جمع أمهة. والفرق بين "أمهة" و "أم" أن [أمهة] ~~(¬1) إنما تقع غالبا على من يعقل بخلاف أم. # السادس والعشرون: إنما خص الأمهات بذلك دون الآباء وإن كان العقوق محرما ~~في حق الجميع لأجل كثرة [عقوقهن] (¬2) وشدتها ورجحان الأمر ببرهن وتكريره ~~مرات دون الآباء، ولأن أكثر العقوق يقع للأمهات، ويطمع الأولاد فيهن، ونظير ~~تكراره في حقهن دونه. قوله -تعالى-: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه ~~وهنا على وهن وفصاله في عامين} (¬3). شرك الله -تعالى- الأم والوالد في ~~رتبة الوصية. وخص الأم بذكر درجة الحمل وبالرضاع فحصل لها ثلاث مراتب وللأب ~~واحدة. وفي الحديث الآخر: "أمك أمك ثم أباك" (¬4). # واستدل به بعضهم على أن لها [ثلثي] (¬5) البر. # تنببه: ذكر الأمهات في هذا الحديث من باب تخصيص الشيء بالذكر إظهارا ~~لعظيم موقعه في الأمر إن كان مأمورا [به] (¬6). وفي PageV04P038 # النهي إن كان منهيا عنه. وقد يراعى في موضع آخر. التنبيه بذكر الأدنى على ~~الأعلى فيخص الأدنى بالذكر [وذلك] (¬1) [بحسب] (¬2) اختلاف المقصود. وقد ~~يقع التنبيه بالأعلى [على] (¬3) الأدنى. # السابع والعشرون: قوله: "ووأد البنات" هو بالهمز. وهو عبارة عن دفنهن ~~بالحياة كما كانت الجاهلية تفعله. وإليه الإشارة. بقوله تعالى: {وإذا ~~الموءودة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9)} (¬4). يقال: وأد بنته يئدها وأدا فهي ~~"موءودة". وكانت كندة تئد البنات. وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد. وبه ~~افتخر الفرزدق في قوله: # [ومنا] ms0686 (¬5) الذي منع الوائدات ... [وأحيا] (¬6) الوليد فلم يؤد # وكان صفة وأدهم أن الرجل إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها ألبسها جبة ~~صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية. وإن أراد قتلها تركها حتى إذا ~~كانت سداسية فيقول لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها. وقد ~~حفر لها بئرا في الصحراء # فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها فيدفعها من خلفها ويهيل عليها ~~التراب حتى يستوي البئر بالأرض ... PageV04P039 # وقيل: كانت الحامل إذا اقتربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت ~~بنتا رمت بها في الحفرة. وإذا ولدت ابنا # حبسته. # وكان الحامل لهم على ذلك الخوف من لحوق العار بهم من أجلهن أو الخوف من ~~الإملاق وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله فألحقوا البنات به فهو أحق بهن ~~-تعالى- الله عن ذلك. # ومن كلام بعضهم في الجاهلية: كنا نقتل أولادنا يعني الإناث ونربي كلابنا. # واعلم إنما خصت البنات بالذكر دون الأبناء لأنه كان هو الواقع، فتوجه ~~النهي إليه لا لأن الحكم مخصوص بالبنات. # والوأد: من الكبائر الموبقات لأنه قتل نفس بغير حق. ويتضمن أيضا قطيعة الرحم. # الثامن والعشرون: فيه دليل على تحريم قتل النفس بغير حق شرعي. # التاسع والعشرون: قوله: "ومنع وهات" منع مصدر منع، وهات فعل أبو من تهاتى ~~مثل يراني. يقال: هات يا رجل -بكسر التاء- أي اعطني. # قال الخليل: هات من [ائت] (¬1) يؤتى فقلبت الألف هاء فهات على هذا في ~~الحكاية كما تقدم في قيل بالفتح. PageV04P040 # الثلاثون: هذا النهي راجع إلى السؤال الصحيح وغير الصحيح بالمنع والإعطاء ~~وحينئذ يحتمل وجهين: # أحدهما: النهي عن المنع حيث يؤمر بالإعطاء. وعن السؤال حيث منع منه فيكون ~~كل واحد منهما مخصوصا بصورة غير سورة الآخر. # الثاني: أن يجتمعا في سورة واحدة فلا تعارض بينهما فتكون وظيفة الطالب ~~ووظيفة المعطي أن لا يمنع إن وقع السؤال وهذا لا بد # أن يستثني منه ما إذا كان المطلوب محرما على الطالب فإنه يمتنع على ~~المعطي إعطاؤه لكونه معينا على الإثم. ويحتمل أن يكون ذلك محمولا ms0687 على ~~الكثرة من السؤال. والعبارة الواضحة في ذلك النهي عن منع ما أمر بإعطائه. ~~وطلب ما لا يستحق أخذه. وترجم عليه النووي في "شرح مسلم" (¬1): النهي عن ~~كثرة المسائل من غير حاجة. والنهي عن منع وهات. وهو الامتناع من أداء حق ~~لزمه، أو طلب ما لا يستحقه. PageV04P041 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 131/ 3/ 24 - عن سمي -مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام-، ~~عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن فقراء المهاجرين ~~أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا رسول الله، قد ذهب أهل ~~الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، فقال: "وما ذاك"؟ فقالوا: يصلون ~~كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق. ويعتقون ولا نعتق. فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، ~~وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم"؟ ~~قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: "تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة، ~~ثلاثا وثلاثين مرة". قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين (¬1)، فقالوا: سمع ~~إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، PageV04P042 # ففعلوا مثله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء". # قال سمي: فحدثت [بعض] (¬1) أهلي بهذا الحديث، فقال: وهمت، إنما قال [لك] ~~(¬2) تسبح ثلاثا وثلاثين، وتحمد ثلاثا وثلاثين، وتكبر ثلاثا وثلاثين، فرجعت ~~إلى أبي صالح، فقلت له ذلك. فقال: قل: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ~~حتى يبلغ من جميعهن ثلاثا وثلاثين" (¬3). PageV04P043 # الكلام عليه من سبعة وعشرين وجها. # الأول: "سمي" بضم أوله، قرشي مخزومي، مولاهم مدني تابعي ثقة، وكان جميلا، ~~قتله الخوارج يوم قديد (¬1) سنة ثلاثين ومائة (¬2). # قال ابن الأثير: ويقال سنة إحدى وثلاثين وجزم بهذا ابن العطار في "شرحه". # الثاني: "أبو بكر" هذا هو أحد الفقهاء السبعة، في اسمه أقوال. والصحيح أن ~~اسمه كنيته، مات سنة أربع وتسعين (¬3). # الثالث: أبو صالح هذا اسمه ذكوان مدني مولى جويرية الغطفانية. يقال له ~~السمان والزيات. لجلبه [لهما] (¬4) إلى الكوفة، ms0688 شهد الدار زمن عثمان، وروى ~~عن عائشة وخلق، وعنه بنوه: سهيل، وعبد الله، وصالح. وخلق. وكان من علماء ~~التابعين وثقاتهم. قال: ما كنت أتمنى من الدنيا إلا ثوبين أبيضين أجالس ~~فيهما أبا هريرة، مات بالمدينة سنة إحدى ومائة. وترجمته والذي قبله ~~أوضحتهما فيما أفردته من الكلام على أسماء رجال هذا الكتاب PageV04P044 # فراجع ذلك منه (¬1). # الرابع: قوله: "فقراء المهاجرين" هو من باب مسجد الجامع، وصلاة الأولى. ~~مما أضيف فيه الموصوف إلى صفته. وكان الأصل الفقراء المهاجرين، كما أن ~~الأصل المسجد الجامع، والصلاة الأولى، ووقع في شرح الشيخ تقي الدين (¬2) ~~"المسلمين" بدل # "المهاجرين"، وتبعه ابن العطار في "شرحه"، والموجود في النسخ ما قدمته ~~وهو محفوظ. # الخامس: "الدثور" بضم الدال: الأموال الكثيرة واحدها "دثر" وهو المال ~~الكثير -بفتح الدال- مثل فلس وفلوس. # قال القرطبي (¬3)، وكذا الدبر -بكسر الدال وبالباء الموحدة-، ووقع في ~~السيرة (¬4) في خبر النجاشي دبر من ذهب -بفتح الدال-. PageV04P045 # قال ابن هشام: ويقال: دبرا قال: وهو الجبل بلغة الحبشة. # قال الهروي: يقال: مال دثر، [ومالان دثر] (¬1)، وأموال دثر. # وحكى أبو عمرو المطرز: أن الدثر -بالثاء- يثنى ويجمع، قال ابن [قرقول] ~~(¬2)، ووقع في رواية المروزي "أهل الدور" وهو تصحيف، وعند الخطابي (¬3) ~~"الدور" والصواب: "الدثور". # السادس: "الدرجات" يجوز أن تكون حسية على ظاهرها من درج الجنات، ويجوز أن ~~تكون معنوية أي علا قدرهم عند الله وارتفعت درجاتهم عنده من قولهم: ارتفعت ~~درجة فلان عند الملك ونحو ذلك. # السابع: "النعيم" ما يتنعم به من [ملبس ومطعم] (¬4) أو منكح أو منظر أو ~~من علوم ومعارف أو غير ذلك. PageV04P046 # والمقيم: [الدائم] (¬1) الذي لا ينقطع أبدا، جعلنا الله من أهله بمنه. # الثامن: في الحديث السؤال عن الأعمال المحصلة للدرجات العالية والنعيم ~~الدائم والتوسعة في الغبطة وهو تمني أن يكون له مثل # ما لزيد مع بقاء نعمته عليه فإن تمنى زوالها إليه [فهو] (¬2) الحسد. # التاسع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "تدركون به من سبقكم" السبقية هنا ~~يحتمل أن تكون في الغنى وهو السبق في الفضيلة. # وقوله: "من بعدكم" أي من بعدكم ms0689 في الفضيلة على من لا يعمل هذا العمل، ~~ويحتمل أن يراد القبلية الزمانية، والبعدية الزمانية. # قال الشيخ تقي الدين (¬3): والأول أقرب إلى السياق، فإن سؤالهم [كان] ~~(¬4) عن أمر الفضيلة، وتقدم الأغنياء. # قلت: لعل مراده بالقبلية والبعدية من كان في زمنهم، وإلا ففضيلة هذه ~~الأمة ثابتة على من سبقهم، وإن لم يقولوا هذا الذكر. # العاشر: قوله: "ولا يكون أحد أفضل منكم" يدل على ترجيح هذه الأذكار على ~~فضيلة المال، وعلى أن تلك الفضيلة للأغنياء PageV04P047 # مشروطة بأن لا يفعل هذا الفعل الذي أمر به الفقراء، وأن من نقص شيئا مما ~~ذكر كان مفضولا بالنسبة إلى من أتى به. # الحادي عشر: قوله: "تسبحون إلى آخره" فيه دلالة على تعليم كيفية هذا ~~الذكر ولا شك أن جمعه والإتيان بكل كلمة منه على حده # فرادى جائز لكن جمعه راجح، لأن العدد في الجملة يحصل في كل فرد من العدد ~~كيف وهو ظاهر الحديث. # وحكى أبو عمران الزناتي المالكي: أن العلماء اختلفوا في جمعها وتفريقها ~~أيهما أفضل، ورجح بعض من صنف، الجمع بالإتيان بواو العطف كنظيره من التشهد. # الثاني عشر: قوله: "دبر كل صلاة" أي إثر فراغها وهو -بضم الدال- على ~~المشهور كما سلف في الحديث قبله. # وقال بعضهم: يقال جعل كلامه دبر أذنه -بالفتح- أي خلفها إذا لم يلتفت ~~إليه، قال: والدبر: -بالضم والإسكان- نقيض القبل (¬1) من كل شيء. يقال: ~~أعتق عبده عن دبر إذا أعتقه بعد موته (¬2). # الثالث عشر: قوله: "كل صلاة" ظاهره استواء الفرض والنقل PageV04P048 # في ذلك، وعليه حمله بعض العلماء لكن في حديث كعب بن عجرة مرفوعا: "معقبات ~~لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحه وثلاث ~~وثلاثون تحميده وأربع وثلاثون تكبيره (¬1) " وقد يحمل الحديث الذي نحن فيه ~~عليه، لأن المثلية إنما تتحقق إذا كان عقب صلوات معلومة. PageV04P049 # الرابع عشر: نقل القاضي عياض: عن بعضهم أن الفضائل التي جاءت من الأذكار ~~أنها إنما هي لأهل الشرف في الدين والطهارة من # الكبائر دون المصرين وغيرهم، قال: وفيما قاله نظر، والأحاديث عامة. # الخامس ms0690 عشر: قوله: "فرجع فقراء المهاجرين" (¬1) إلى آخره فيه المسابقة ~~إلى الأعمال المحصلة للدرجات العالية والنعيم الدائم. السادس عشر: قوله: ~~"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" فيه فضل من جمع الله له بين خيري الدنيا ~~والآخرة: من الصلاة، والصوم، والصدقة، والعتق، والذكر، وذكر بعضهم: أن ثواب ~~الذكر الذي حصل للأغنياء إنما هو بسبب مسألة الفقراء فحصل للفقراء ثواب ~~الذكر وزيادة كونهم سنوا هذه السنة الحسنة، فقال لهم ذلك فضل الله أي ~~الأجران الحاصلان يؤتيهما من شاء ففي هذا تفضيل الفقير على الغني وسيأتي ما ~~فيه (¬2). # السابع عشر: قوله: "فحدثت بعض أهلي هذا الحديث" لم أر تعيين هذا البعض في ~~رواية بعد الكشف عنه. # الثامن عشر: قوله: "وهمت" هو بكسر الهاء، وحكى ابن الأعرابي في "نوادره" ~~أوهم في الحساب ووهم ووهم إذا أسقط وكذا في الكلام والكتاب. PageV04P050 # التاسع عشر: قوله: "فرجعت إلى أبي صالح فقال: الله أكبر" إلى آخره، ~~ظاهره: أنه يقول: الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ثلاثا # وثلاثين مرة. وظاهر الحديث أنه يسبح ثلاثا وثلاثين مستقلة ثم يحمد كذلك ~~ثم يكبر كذلك وهو ظاهر جميع روايات الحديث. # قال القاضي عياض (¬1): وهو أولى من تأويل أبي صالح. # العشرون: قوله: "ثلاثا وثلاثين مرة" لا يعارضه رواية [سهيل] (¬2) إحدى ~~عشرة، إحدى عشرة، لأنها رواية الأكثرين ومعهم زيادة فيجب قبولها. # وروى البخاري في الدعوات من صحيحه رواية ثالثة وهي "تسبحون دبر كل صلاة ~~عشرا وتحمدون عشرا وتكبرون عشرا" ويحتمل أن يكون صدر هذا القول في مجالس ~~أولها عشرا عشرا ثم إحدى عشرة ثم ثلاثا وثلاثين (¬3). # الحادي والعشرون: جاء في رواية لمسلم (¬4) "تمام المائة لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء PageV04P051 # قدير" وفي رواية (¬1): "إن التكبير أربع وثلاثون"، فيجمع بين الكل ففي ~~تمام الحديث من قال ذلك "غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"، وفي سنن أبي ~~داود، والترمذي، والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو (¬2) عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "خصلتان أو خلتان ms0691 لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل ~~الجنة، هما يسير، ومن يعمل بهما قليل: تسبح الله في دبر كل صلاة عشرا ~~[وتحمد عشرا] (¬3) وتكبر عشرا، فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في ~~الميزان ويكبر أربعا وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويحمد ثلاثا وثلاثين، PageV04P052 # ويسبح ثلاثا وثلاثين فذلك مائة باللسان وألف من الميزان" الحديث. # الثاني والعشرون: قال [القرافي] (¬1): في "قواعده": من البدع المكروهة ~~الزيادة في المندوبات المحدودة شرعا، كما ورد في # التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين عقب الفرائض، فيفعل أكثر من ذلك ~~لأن شأن العظماء إذا حدوا شيئا أن يوقف ويعد الخارج عنه مسيئا للأدب (¬2). # [قلت: روى النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعا: من سبح في دبر كل صلاة ~~مكتوبة مائة، وكبر مائة، وهلل مائة، وحمد مائة، غفر له ذنوبه وإن كانت أكثر ~~من زبد البحر" (¬3)، فهذا زائد على ذلك المقدار فاتسع الباب] (¬4). PageV04P053 # الثالث والعشرون: من فوائد الحديث أن الإنسان قد يدرك بالعمل اليسير في ~~الصورة، العظيم في المعنى من سبقه، ولا يدركه من بعده في الفضل ممن لا يعلم ~~به، فإن سياق الحديث يدل على ذلك كما [سلف] (¬1). # الرابع والعشرون: فيه أيضا فضل الذكر أدبار الصلوات. # الخامس والعشرون: فيه [أن] (¬2) أدبار الصلوات أوقات فاضلة يرتجى فيها ~~إجابة الدعوات وقبول الطاعات ويصل بها متعاطيها إلى الدرجات العالية ~~والمنازل الغالية. # السادس والعشرون: فيه تعلق المسألة المشهورة وهي التفضيل بين الغني ~~الشاكر والفقير الصابر وفيها خلاف شهير يجمعه خمسة # أقوال حكاها القرطبي (¬3) في "شرحه". # أحدها: تفضيل الغني لهذا الحديث وغيره وهو قول الأكثرين وأطنب الغزالي في ~~الاستدلال له في "الأحياء". # قال الشافعي - رضي الله عنه - فيما نقله ابن شاكر القطان (¬4) في ~~"فضائله": المال رحمة من الله تعالى يعين العبد على طاعته ويتقرب إلى الله ~~به. PageV04P054 # والثاني: تفضيل الفقير لاستعاذته - صلى الله عليه وسلم - من الغنى خصوصا ~~إذا كان مطغيا، وهو قول جمهور الصوفية كما سيأتي. # والثالث: تفضيل الكفاف لسؤاله - صلى الله عليه وسلم - إياه. # والرابع: أن التفضيل باعتبار حال الناس في الغنى والفقر بالنسبة ms0692 إلى ~~صلاحهم في أنفسهم وأديانهم. # الخامس: التوقف عن تفضيل واحد منهما على الآخر والمسألة لها [عوز] (¬1) ~~وفيها أحاديث متعارضة، وقد صنف العلماء فيها كتبا عديدة. # قال القرطبي (¬2): والذي يظهر لي في الحال أن الأفضل من ذلك ما اختاره ~~الله لنبيه ولجمهور صحابته وهو الفقر غير المدقع، ويكفيك دليلا "أن فقراء ~~المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام وأصحاب الأموال محبوسون ~~على قنطرة بين الجنة والنار يسألون عن فضول أموالهم"، [كما ثبت في الصحيح و ~~(¬3)] (¬4) على هذا فيتعين PageV04P055 # تأويل قوله: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} (¬1) وقد تأوله بعضهم بأن قال: ~~إن الإشارة في قوله: "ذلك" راجعة إلى الثواب المترتب على الأعمال، الذي به ~~يحصل التفضيل عند الله فكأنه قال ذلك الثواب الذي أخبرتكم به، لا يستحقه ~~الإنسان بحسب الأذكار، ولا بحسب إعطاء الأموال وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء. # وقال الشيخ تقي الدين (¬2): ظاهر الحديث تفضيل الأغنياء بزيادة القربات ~~المالية، قال: قال وبعض الناس تأول قوله: "ذلك # فضل الله يوتيه من يشاء" بتأويل مستكره يخرجه عن الظاهر والذي يقتضيه ~~الأصل تساويهما -وحصول الرجحان بالعبادات المالية- # فيكون الغنى أفضل، وذلك غير مشكوك فيه. والذي يقع النظر فيه إذا تساويا ~~في أداء الواجب فقط وانفرد كل واحد بمصلحة ما هو فيه، من الصبر أو الشكر ~~فإن كلا منهما متعبد به وإذا تقابلت المصالح ففي ذلك نظر، ترجع إلى تفسير ~~الأفضل. فإن فسر بزيادة الثواب، فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من ~~القاصرة، وإن فسر بالأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل للنفس من ~~التطهير للأخلاق، والرياضة لسوء الطباع [بسبب] (¬3) الفقر أشرف. فيترجح ~~الفقر. قال: ولهذا المعنى ذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر، ~~لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها. وذلك مع الفقر أكثر منه مع ~~الغنى، فكان أفضل بمعنى PageV04P056 # [أشرف] (¬1). # قلت: وذهب قوم إلى أن الفقر المستعاذ منه فقر النفس (¬2). # قال ابن الجوزي: والصواب أن يقال الفقر مصيبة من مصائب الدنيا والغنى ~~نعمة من نعمها، ووزانهما المرض والعافية ففي المرض ms0693 # ثواب وفضل لا يمنع ذلك من الاستعاذة منه وسؤال العافية فكذلك الفقر ~~والغنى. # تنبيه: لا شك أن نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام كان غنيا بالله -تعالى- ~~شاكرا له، فقيرا إليه، صابرا على جميع أحواله، وآخر أحواله جيئت إليه خزائن ~~الأرض، وهادتة الملوك، وفتحت الفتوح، وكذا صحابته الذين أدركوا الفتوحات، ~~فكان المال الكثير في اليد لا في القلب، فهم بهذا الاعتبار أغنياء لا ~~فقراء، وكان - صلى الله عليه وسلم - يعطي عطاء من لا يخاف الفقر (¬3). PageV04P057 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P058 # تتمة: لما مضى قد أسلفنا أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم ~~بخمسمائة عام وهذا لفظ الترمذي (¬1)، ولفظ ابن ماجه "فقراء المؤمنين" وفي ~~رواية لهما "يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام"، قال الترمذي: ~~حسن صحيح. # وفي مسلم (¬2) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا "إن فقراء ~~المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة PageV04P059 # بأربعين خريفا" وجمع المنذري بينهما بأن فقراء المهاجرين يسبقون فقراء ~~المسلمين إلى الجنة بهذه المدة لما لهم من فضل الهجرة وترك أموالهم بمكة ~~رغبة إلى ما عند الله. # واعترض عليه المحب في "أحكامه" فقال: فيما ذكره نظر والوجه حمل الأغنياء ~~فيه على أغنياء المهاجرين ومن غيرهم قيل الأغنياء من غير المهاجرين ~~بخمسمائة عام، قال: وأما حديث ابن ماجه والترمذي: "إن فقراء المهاجرين ~~يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام" (¬1)، وحديث الترمذي: "يدخل فقراء ~~المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا" (¬2) فغير ثابتين كما قال ~~المنذري ولو ثبتا أمكن الجمع بينهما بأن يحمل ذلك على اختلاف مراتب الغنى ~~والشكر والفقر والصبر عليه فيدخل بعض فقراء المهاجرين قبل أغنيائهم ~~بأربعين، وقبل [بعضهم] (¬3) بخمسمائة وكذلك فقراء المسلمين مع أغنيائهم ولا ~~يخفى تنزيل ذلك على الأحوال. PageV04P060 # السابع والعشرون: قال الشيخ عز الدين: في هذا الحديث رد على من يقول إن ~~العمل المتعدي أفضل من القاصر. وأطلق القول بذلك لأنه - عليه الصلاة ~~والسلام - قدم هذا الذكر على الصدقة بالأموال وجعل لهم المزية بقوله: "ولا ~~يكون أحد أفضل منكم" إلى آخره وقد قدمنا كلام الشيخ تقي الدين في ذلك ms0694 ~~قريبا. PageV04P061 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 132/ 4/ 24 - " عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة. فلما انصرف قال: ~~"اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي [جهم] (¬1) وائتوني بأنبجانية أبي [جهم] (¬2) ~~فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي" (¬3). # "الخميصة" كساء مربع له أعلام. # و"الأنبجانية" كساء غليظ. # الكلام عليه من تسعة عشر وجها: PageV04P062 # الأول: هذا الحديث لا يظهر له مناسبة في هذا الباب الذي ترجمه المصنف ~~بالذكر عقب الصلاة (¬1). # الثاني: "أبو جهيم" هذا اسمه عامر. # وقيل: عبيد بن حذيفة القرشي العدوي. # أسلم يوم الفتح وكان مقدما في قريش معظما. وكان عالما بالنسب. ومن ~~المعمرين من قريش، بني الكعبة مرتين، مرة في الجاهلية حين بنتها قريش، ومرة ~~حين بناها ابن الزبير. وهو أحد الجماعة الذين دفنوا عثمان، مات في آخر ~~خلافة معاوية وادعى بعض الحفاظ أنه لا رواية له (¬2). # قلت: وهو غير أبي [جهيم] (¬3) بضم أوله وزيادة ياء المذكور في باب المرور ~~كما سبق. # الثالث: "الخميصة" بفتح الخاء المعجمة كساء مربع له أعلام كما قاله ~~المصنف. # قال المازري: مصبوغ علمه حرير. PageV04P063 # وقال الباجي (¬1): هي كساء من صوف رقيق يكون له في الأغلب علم، وكانت ~~(¬2) من أشرف لباس العرب. # ونقل المحب الطبري في "أحكامه": عن الأصمعي أنها ثوب خز أو صوف بعلم ~~أسود. وعن أبي أنها كساء مربع له علمان. قال: وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن ~~تكون سوداء معلمة. وجمعها خمائص. # وقيل: هي كساء رقيق أصفر أو أحمر أو أسود. # وسميت [خميصة] (¬3): للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت. # الرابع: "الأنبجانية" بفتح الهمزة وكسرها وبفتح الباء الموحدة وكسرها ~~وبتشديد الياء المثناة تحت وتخفيفها. # قال ابن قتيبة: إنما هي منبجاني (¬4) ولا يقال: أنبجاني منسوب PageV04P064 # إلى منبج، وفتحت الباء في النسب لأنه خرج مخرج مخبراني. وهو قول الأصمعي: ~~وما قاله ليس بظاهر، فإن النسبة إلى منبج منبجي إلا أن يحمل على تغيير النسب. # وقال بعضهم: [إنها تعمل بحلب وتجلب إلى جسر منبج] (¬1). # وقيل: إنه نسبة إلى موضع يقال له أنبجان ms0695 وهو أشبه، لأن الأول فيه تعسف ~~ذكره الحافظ أبو موسى (¬2). # وقوله: "وائتوني بأنبجانية أبي جهم"، روي بتشديد الياء المثناة تحت ~~والتأنيث على الإضافة وعلى التذكير كما في الرواية الأخرى "كساء له ~~أنبجانية". # قال الباجى (¬3): ويقال أنبجانية وأنبجاني إن أردت الثوب والكساء ذكرت. ~~وان أردت الرقعة أنثت. PageV04P065 # قال المصنف: وهو كساء غليظ. # زاد غيره: لا علم له فإن كان له علم فهو الخميصة. # وقال ثعلب: هو كل ما كتف. # وقال الداودي: هو كساء غليظ بين الكساء والعباءة. # وقال المازري: هو كساء سداه قطن أو كتان ولحمته صوف (¬1). # الخامس: معنى قوله - عليه الصلاة والسلام -: "ألهتني آنفا عن صلاتي"، ~~أنها شغلت قلبي عن كمال الحضور في الصلاة وتدبر # أذكارها وتلاوتها ومقاصدها من الانقياد والخضوع. نعم في الموطأ (¬2) "إني ~~نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد يفتتني". PageV04P066 # قال الباجي (¬1): ولم تقع الفتنة منه وكانت [صلاته] (¬2) كاملة. # ومعنى قوله: "آنفا" الساعة. # السادس: بعثه - عليه الصلاة والسلام - بالخميصة إلى أبي جهم وطلب ~~أنبجانيته من باب الإدلال عليه لعلمه بأنه [يؤثر] (¬3) ذلك ويفرح به، ولا ~~يلزم من بعثها إليه أن أبا جهم يصلي فيها. فإن حلة عطارد بعث بها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى عمر وقال: "لم أبعث بها إليك لتلبسها" (¬4). وفي ~~لفظ "لم أكسكها لتلبسها"، على أن بعضهم نقل أن أبا جهم كان أعمى فالإلهاء ~~مفقود عنده، وبهذا يجاب أيضا عما PageV04P067 # أورده بعضهم من أنها إذا ألهت سيد الخلق مع عصمته فكيف لا تلهي أبا جهم. # السابع: في الحديث دليل على جواز لبس الثوب ذي العلم. # الثامن: فيه أيضا أن اشتغال المنكر يسيرا في الصلاة غير قادح فيها وأنها ~~صحيحة. وهذا إجماع الفقهاء. وحكى بعض السلف # والزهاد ما لا يصح عن من يعتد به في الإجماع. # التاسع: فيه طلب الخشوع في الصلاة، والإقبال عليها، ونفي كل ما يشغل ~~القلب ويلهي عن ذلك. ولهذا قال أصحابنا: يستحب # له أن ينظر إلى موضع سجوده ولا يتجاوزه. # العاشر: فيه المبادرة إلى ترك كل ما يلهي ويشغل القلب عن الطاعات ms0696 وإلى ~~الإعراض عن زينة الدنيا والفتنة بها. # الحادي عشر: فيه منع النظر وجمعه عما لا حاجة بالشخص إليه في الصلاة ~~وغيرها، وقد كان السلف لا يخطئ أحدهم موضع قدمه إذا مشى. # الثاني عشر: فيه ما استنبطه الفقهاء منه وهو كراهة تزويق حيطان المساجد ~~ومحاريبها بالأصباغ والنقوش وزخرفتها بالصنائع المستظرفة. فإن الحكم يعم ~~بعموم علته. والعلة الاشتغال عن الصلاة. # وزاد بعض المالكية: في هذا كراهة غرس الأشجار في المسجد. وقاله من ~~الشافعية الصيمري وصاحب البيان: ونشره أصحاب مالك التزاويق والكتب في ~~القبلة أيضا ودخول الصبي PageV04P068 # الذي لا يعقل الصلاة. وفي الموطأ (¬1) "أن أبا طلحة صلى في حديقته فنظر ~~إلى نخلها فأعجبه ذلك فلم يدر كم صلى فتصدق بحديقته". # [الثالث عشر] (¬2): فيه قبول الهدية من الأصحاب والإرسال بها إليهم ~~والطلب لها بمن يظن به السرور به والمسامحة. # الرابع عشر: فيه سد الذرائع قاله القرطبي (¬3). # الخامس عشر: جاء في الموطأ (¬4) في هذا الحديث أن الخميصة كانت شامية، ~~فاستدل بذلك على صحة الصلاة فيما نسجه # المشركون. # قال الباجي (¬5): وذلك يحتمل وجهين: # الأول: أن الصوف والشعر لا ينجس بالموت. # والثاني: أن ذبائح أهل الكتاب حلال لنا وهم كانوا بالشام PageV04P069 # حينئذ. فيحمل ما ورد من جهنم، على الذكاة لما علم أن ذلك كان عملهم. # السادس عشر: في الموطأ (¬1) أيضا أن أبا جهم أهدى لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - تلك الخميصة. ففيه دليل كما قال الباجي (¬2) على أن للإنسان أن ~~يشتري ما أهدى لغيره من المهدي إليه وغيره (¬3) بخلاف ما تصدق به فإنه يكره ~~أن يشتريه للنهي عنه. # السابع عشر: احتج بعضهم بهذا الحديث على انعقاد البيع بالمعاطاة لانتفاء ~~الصيغة منهما. # الثامن عشر: استدل بعضهم به على هجر كل ما يصد عن الله كهجران أبي لبابة ~~دار قومه التي أصحاب فيها الذنب (¬4) وارتحاله عليه الصلاة والسلام من ~~الوادي الذي نام فيه عن الصلاة. # واستنبط المحب الطبري في "أحكامه": منه أن النظر بالعين غير مكروه ما لم ~~يكن معه التفات. وترجم عليه ذكر اللمح بالعين. PageV04P070 ### || AUTO 25 ms0697 - باب الجمع بين الصلاتين بالسفر # 133/ 1/ 25 - ذكر فيه -رحمه الله- حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنه ~~- قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين صلاة الظهر والعصر، ~~إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء" (¬1). # وهذا اللفظ المذكور هو لفظ البخاري دون مسلم كما نبه عليه الشيخ تقي ~~الدين أيضا، وأطلق المصنف إخراجه عنهما، نظرا إلى # أصل الحديث على عادة المحدثين (¬2)، فإن مسلما أخرجه بألفاظ نحو رواية ~~البخاري فإذا أرادوا التحقيق فيه قالوا أخرجاه [بلفظه] (¬3) إن كان أو ~~بمعناه إن كان. # ثم اعلم. أن الفقهاء لم يختلفوا في جواز الجمع في الجملة، PageV04P071 # لكن أبا حنيفة -رحمه الله- يخصه بالجمع بعرفة ومزدلفة، ويقول: العلة في ~~جوازه النسك لا السفر، والأكثرون لم يخصوه. # ونقل القاضي عياض: كراهته عن الحسن وابن سيرين، وروي مثله عن مالك. # قال (¬1): وروي عنه كراهته للرجال دون النساء. والحنفية يؤولون أحاديث ~~الجحع بعذر السفر على أن المراد بها تأخير الصلاة # الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية في أول وقتها (¬2). # وجعل بعض الفقهاء الجمع المطلق نوعين: جمع مقارنة، وجمع مواصلة. PageV04P072 # فجمع المقارنة: كون الشيئين في وقت واحد كالأكل والقيام مثلا فإنهما ~~يقعان في وقت واحد. # وجمع المواصلة: أن يقع أحدهما عقب [الآخر] (¬1) وقصد [بذلك] (¬2) إبطال ~~[تأويل] (¬3) [أصحاب أبي حنيفة (¬4) لما ذكرناه. لأن جمع المقارنة لا يمكن ~~في الصلاتبن إذ لا يقعان في حالة واخدة وأبطل جمع المواصلة (¬5) أيضا] (¬6) ~~وقصد بذلك إبطال التأويل المذكور [إذ] (¬7) لم يتنزل على شيء من النوعين ~~لكن الروايات PageV04P073 # الصحيحة كحديث أنس (¬1) وابن عمر (¬2) وابن عباس (¬3) هذا يدل على جواز ~~الجمع بعذر السفر ويبطل تأويلهم ولولا ذلك لكان الدليل يقتضي امتناع الجمع، ~~لأن الأصل عدم جوازه، ووقوع إيقاع الصلاة في وقتها المحدود، لكن هذا الحديث ~~دل على جواز الجمع على ظهر سير في الظهر والعصر، وكذلك المغرب والعشاء، وهو ~~رخصة، وجملة ما ذكروه من التأويل يقتضي الحصر، والزيادة في المشقة على ~~المسافر، وقد صح الجمع أيضا في حال [النزول] (¬4) PageV04P074 # فالعمل به دليل آخر ms0698 على الجواز في غير سورة السير وقيام دليلهم يدل على ~~إلغاء اعتبار هذا الوصف، ولا يمكن معارضة دليل الوصف بالمفهوم من هذا ~~الحديث لأن المنطوق أرجح. # وقوله: "ويجمع بين المغرب والعشاء" ظاهره اعتبار الوصف فيهما، وهو كونه ~~على ظهر سير، والإجماع قائم على امتناع الجمع # بين الصبح وغيرها، وبين العصر والمغرب، كما هو قائم على الجواز في الظهر ~~مع العصر بعرفة، وفي المغرب والعشاء بمزدلفة، # ومن هنا ينشأ نظير القياسين في مسألة الجمع، فأصحاب أبي حنيفة يقيسون ~~الجمع المختلف على الجمع الممتنع إيقافا يحتاجون إلى إلغاء الوصف الفارق ~~بين محل النزاع ومحل الإجماع، وهو الاشتراك الواقع بين الظهر والعصر، وبين ~~المغرب والعشاء، إما مطلقا أو حالة العذر، وغيرهم يقيس الجواز في محل ~~النزاع على الجواز في [موضع] (¬1) الإجماع، ويحتاج إلى إلغاء الوصف الجامع وهو # النسك. # ثم اعلم أن جمع التقديم بعرفة، والتأخير بمزدلفة عندنا، بسبب السفر على ~~الأصح، لا النسك (¬2) فلا يجوز للمكي والعرفي PageV04P075 # والمزدلفي، ويجمع الأفاقي (¬1). PageV04P076 # تنبيه: قوله "إذا كان على ظهر سير" فيه دليل على جواز الجمع بمجرد السفر، ~~وإن لم يجد به، ولا خاف فوات أمر. # [قال القاضي: واختلف عن مالك على القول بالجمع، هل يجوز بمجرد السفر] ~~(¬1)، أو حتى يجد به السير، أو حتى يخاف فوات أمر، قال: وباشتراط جد السير ~~قاله الليث، والثوري، وباشتراط الضرر، قاله الأوزاعي، وبمجرد السفر، قاله ~~الجمهور من [الخلف] (¬2). # تنبيه: هذا الجمع يختص بالسفر الطويل وهو مرحلتان سير الأثقال على الأصح ~~(¬3). PageV04P077 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P078 # وقيل: لا. وبه قال داود [وأهل الظاهر] (¬1). # تنبيهات: # أحدها: الجمع بالتقديم له شروط محل الخوض فيها كتب الفقه، وقد بسطتها في ~~"شرح المنهاج"، و"التنبيه"، و"الحاوي"، # وغيرها، وكذلك الجمع بالتأخير له شروط مختلف فيها مبسوطة في هذه الكتب ~~فراجعها (¬2). PageV04P079 # الثاني: اختلف العلماء في جواز الجمع بعذر المطر، فجوزه الشافعي والجمهور ~~في الصلوات التي يجوز الجمع فيها بشروط ذكرتها كتب الفروع، وخصه مالك ~~بالمغرب والعشاء فقط (¬1). # الثالث: اختلفوا أيضا في الجمع بعذر المرض، فمنعه الشافعي والأكثرون، ~~وجوزه عطاء، والحسن، وأحمد، والقاضي حسين، ms0699 # والخطابي، والمتولي، والروياني، وهو قوي لأن المشقة في المرض [أشد] (¬2) ~~من المطر (¬3). PageV04P080 # وقال الترمذي (¬1) في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك ~~العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع في # المدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة. # قلت: أما الحديث الأول فقد عمل به ابن عباس، وقال لمن استعجله في صلاة ~~المغرب، وقد بدرت النجوم: أتعلمني بالسنة # لا أم لك، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر ~~والمغرب والعشاء، قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا ~~هريرة فسألته، فصدق مقالته، فهذا يدل على أنه معمول به غير منسوخ (¬2). PageV04P081 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P082 # وأما الحديث الثاني: فحكى ابن حزم (¬1) [عن] (¬2) عبد الله بن عمرو بن ~~العاص أنه عمل به. # قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أنه لا يقتل إلا شاذا من الناس ~~لا نعلمه خلافا (¬3). PageV04P083 # الرابع: اختلف في الجمع للحاجة في الحضر من غير اتخاذه عادة فجوزه ابن ~~سيرين، وأشهب من أصحاب مالك (¬1). # والقفال الشاشي (¬2) الكبير من الشافعية، وحكاه الخطابي (¬3) عنه عن أبي ~~إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث، # واختاره ابن المنذر، وهو ظاهر قول ابن عباس -وقد قيل له: لم جمع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بالمدينة من غير خوف ولا سفر؟ -: أراد أن لا يحرج أمته. # ولم يعلله بمرض ولا غيره. # وقولي: "من غير اتخاذه عادة" كذا قيده النووي في "شرح [مسلم] " (¬4) ~~وأشار به إلى ما يفعله طائفة من المبتدعة ببعض البلدان # من غير حاجة، فهو خرق إجماع منهم (¬5). PageV04P084 ### || AUTO 26 - باب قصر الصلاة في السفر # القصر: رد الرباعية إلى ركعتين. # ويقال: قصر الصلاة مخففا وقصرها مثقلا. # وحكى الواحدي في وسيطه: أقصرها. # فهذه ثلاث لغات، وبالتخفيف جاء القرآن، قال تعالى: {فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة} (¬1). والمصدر منها: القصر، # والتقصير، والقياس من الثالثة: الإقصار. # واعلم: أن الصلاة كانت فرضيتها ركعتين ركعتين [مدة] (¬2) شهر من قدومه - ~~عليه الصلاة والسلام - المدينة، ms0700 وكانوا يتنفلون # فرآهم - عليه الصلاة والسلام - فقال: "يا أيها الناس اقبلوا فريضة الله ~~فأقرت صلاة المسافر وزيد في صلاة المقيم" لاثنتي عشرة ليلة [في] (¬3) ربيع ~~الآخر بعد قدومه، قاله ابن جرير، قال: وزعم الواحدي: أنه لا خلاف بين أهل ~~الحجاز فيه. PageV04P085 # وقال الماوردي: كان ذلك في السنة الثانية. # وفي صحيح ابن حبان (¬1) عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "فرضت صلاة ~~السفر والحضر ركعتين، فلما أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ~~زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة ~~المغرب لأنها وتر النهار"، وفي مسلم (¬2) عن عائشة - رضي الله عنها -: " ~~فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين" وفيه مخالفة لفعلها، فإنها كانت تتم في ~~السفر [ومخالف] (¬3) لما قاله غيرها من الصحابة كعمر (¬4) وابن عباس وجبير ~~ابن مطعم فانهم قالوا: "إن الصلاة فرضت في الحضر أربعا: وفي السفر ركعتين" ~~كما رواه مسلم (¬5) عن ابن عباس ويخالفه أيضا ظاهر PageV04P086 # الكتاب في قوله: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} (¬1)، مع ~~قوله - عليه الصلاة والسلام -: وقد سئل عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها ~~عليكم فاقبلوا صدقته" (¬2)، وقد رام بعض المتأخرين الجمع بين حديث عائشة ~~وابن عباس، فحمل الأول على أول الأمر، والثاني على الذي استقر عليه الفرضان ~~وهو تحكم كما قاله القرطبي (¬3)، مع أنه بقي عليه العذر عن مخالفتها هي وعن ~~معارضة ظاهر الكتاب، قال: ثم يقول إنه لو كان الأمر على ما ذكرته عائشة ~~لاستحال عادة أن تنفرد بنقله دون غيرها، فإنه حكم عام ولم يسمع ذلك قط من ~~غيرها من الصحابة، فلا معول عليه (¬4). # قلت: وحكى البيهقي (¬5) عن الحسن البصري: إن أول ما فرضت فرضت أربعا، ~~ومنهم من أول قولها "فزيد في صلاة الحضر" أي في عددها وعدد ركعاتها. # وقولها: "أولا فرضت ركعتين" أي قبل الإسراء، لأنها كانت PageV04P087 # كذلك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وهذا قول ابن عباس وطائفة، ومنهم من ~~قال: لا يصح فرض الصلاة قبل الإسراء وإنما [كان] (¬1) ليلة الإسراء (¬2)، ~~ثم زيد ms0701 بعد الهجرة PageV04P088 # بسنة (¬1)، ويؤيده رواية ابن حبان السالفة. # فائدة صوفية: قال ابن الجوزي: للإنسان ستة أسفار لا بد له من قطعها: سفره ~~من سلالة الطين إلى الصلب، [ثم منه إلى الرحم] (¬2)، ثم منه إلى الدنيا، ثم ~~إلى القبر، ثم إلى الموقف، ثم إلى منزل الثواب أو العذاب، فإذا علم الإنسان ~~حكم سفر الدنيا فينبغي # أن ينظر في المهم وهو ما بقي من أسفاره. # ذكر المصنف رحمه الله: في الباب حديثا واحدا وهو حديث: PageV04P089 # 134/ 1/ 26 - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: "صحبت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، ~~وعمر، وعثمان، كذلك" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا اللفظ هو رواية البخاري، ولفظ رواية مسلم أطول وأبسط وأزيد، ~~نبه عليه الشيخ تقي الدين (¬2). PageV04P090 # الثاني: مذهب ابن عمر - رضي الله عنهما - عدم التنفل [الراتب] (¬1) في ~~السفر حتى قال: "لو كنت متنفلا لأتممت"، فقوله: # "فكان لا يزيد في السفر على ركعتين" يحتمل أن يكون ذكره دليلا على عدم ~~التنفل وقصر الصلاة فلا يزيد على ركعتين في الرباعية، ولا يتنفل قبلها ولا ~~بعدها، ويحتمل أنه أراد عدم التنفل فقط، ويكون ذكر قصر الصلاة لازما لذلك، ~~وقد وردت أحاديث يدل سياقها على أنه أراد ذلك، والظاهر الذي يفهم منه أنه ~~أراد عدم زيادة في الفرض على ركعتين، وترك الإتمام حيث أتم جماعة من ~~الصحابة # - رضي الله عنهم - الصلاة في السفر، فذكر ذلك دليلا عليهم، وذكر [أبا] ~~(¬2) بكر، وعمر، وعثمان في ذلك مع أن الحجة قائمة بفعل الشارع ليبين أن ذلك ~~كان معمولا به عند الأئمة لم [يتطرق إليه] (¬3) نسخ ولا معارضة راجحة، وقد ~~فعل ذلك جماعة من الأئمة في استدلالهم كمالك وغيره، يبدأون بالحديث، ثم ~~بعمل الصحابة، فمن بعدهم. # الثالث: القصر في السفر الطويل والإتمام جائزان إجماعا. # واختلف في الأفضل منهما: PageV04P091 # فذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والأكثرون كما نقله القاضي والقرطبي (¬1) ~~والنووي في "شرح مسلم" (¬2) والبغوي (¬3) أيضا: إلى أن القصر أفضل (¬4). # وللشافعي قول: إن الإتمام ms0702 أفضل قياسا على قوله: "إن الصوم في السفر أفضل" ~~ولأصحابه وجه إنهما سواء. # وقال أبو حنيفة وكثيرون: القصر واجب، ولا يجوز له الإتمام، وهو رواية ~~أشهب عن مالك (¬5). PageV04P092 # وقال القاضي في "إكماله": إنه مشهور مذهب مالك وأكثر أصحابه. # وخالف القرطبي فقال: مشهور مذهبه وجل [أصحابه] (¬1) [هو الأول] (¬2). # احتج من قال بالفرضية بهذا الحديث فإن أكثر فعله - عليه الصلاة والسلام - ~~وأصحابه كان القصر، والحجة عليهم ما ثبت في # الصحيح (¬3): أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فمنهم PageV04P093 # القاصر، ومنهم المتم، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على ~~بعض، وبأن عثمان كان أمير المؤمنين كان يتم، وكذلك عائشة، فلو كان القصر ~~واجبا لما أقر الشارع من أتم من الصحابة معه في السفر عليه، وهو ظاهر قوله ~~تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة}، فهذا يقتضي رفع الجناح ~~والإباحة. # وأما حديث: "فرضت الصلاة ركعتين"، أي لمن أراد الاقتصار، عليها فزيد في ~~صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار، ~~وثبتت دلائل جواز الإتمام فتعين المصير إليه جمعا بين الأدلة، وفعل عثمان ~~(¬1) وعائشة أخذ # بأحد الجائزين، وترك للأفضل، لمعان اقتضت ذلك في اجتهادهم، لا أنهم تركوا ~~الواجب، وما أقر الشارع الصحابة في حياته عليه، # والحجة على أن القصر أفضل مواظبته عليه، - عليه الصلاة والسلام - في ~~السفر. PageV04P094 # وقال بعضهم: بوجوبه فيه كما سلف، بخلاف الصوم فإنه - عليه الصلاة والسلام ~~- لم يواظب عليه في السفر، ولم يقل أحد بوجوبه فيه، ولأنه إذا أفطر فيه خرج ~~به عن وقته، ووجب قضاؤه. والقصر لا يخرج الصلاة عن وقتها، بل يأتي بالصلاة ~~في وقتها # المشروع إما منفردة أو جمعا. # تنبيه: قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض} الآية المراد بالقصر فيها قصر ~~العدد كما جزمنا به. # وقيل: قصر الصفة أي عند اشتداد الخوف. # الرابع: قال الشافعي ومالك وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب ~~الحديث وغيرهم: لا يجوز القصر إلا في مسيرة مرحلتين قاصدتين وهي ثمانية ~~وأربعون ميلا هاشمية. # والميل: ستة آلاف ms0703 ذراع. # والذراع: أربعة وعشرون أصبعا [معترضة معتدلة] (¬1). # والأصبع: ست شعيرات معترضات معتدلات (¬2). # وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يقصر في أقل من ثلاث مراحل. وروي عن عثمان، ~~وابن مسعود، وحذيفة. # وقال الحسن وابن شهاب: يقصر في مسيرة يومين. PageV04P095 # وقال (¬1) داود وأهل الظاهر: يجوز في القصر أيضا حتى في ثلاثة أميال. # الخامس: مذهب الأئمة الأربعة والجمهور (¬2): أنه يجوز القصر في كل سفر ~~مباح وشرط بعض السلف كونه سفر خوف. # وبعضهم كونه سفر حج، أو عمرة، أو غزو، وهو قول داود الظاهري. وروي ذلك عن ~~ابن مسعود. # وروي عن أحمد: أنه لا يقصر إلا في حج أو عمرة. # وقال عطاء: لا يقصر إلا في سبيل من سبل الله. # وشرط بعضهم كون السفر طاعة، وجوزه أبو حنيفة والثوري في سفر المعصية، ~~ومنعه الأئمة الثلاثة والأكثرون. # وروي عن مالك رواية شاذة، كما قال القرطبي (¬3) كمذهب أبي حنيفة. # قال أصحابنا: والعاصي بسفره لا يترخص بخلاف العاصي فيه. # السادس: لا تجوز صلاة الفرض في حال من الأحوال ركعة PageV04P096 # واحدة، وجوزه في الخوف جابر، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن البصري، ~~والضحاك، وإسحاق بن راهويه، وقتادة، والحكم، وحماد، وحكاه العبادي (¬1) في ~~"طبقاته": عن محمد بن نصر المروزي من أصحابنا فقال: يجوز قصر الصبح في ~~الخوف إلى # ركعة كمذهب ابن عباس، وفي صحيح مسلم عنه (¬2): "فرض الله الصلاة على لسان ~~نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة". # وخالف ذلك الشافعي، ومالك، والجمهور، وقالوا: صلاة الخوف كصلاة الأمن في ~~عدد الركعات. # وتأولوا حديث ابن عباس هذا: على أن المراد ركعة أخرى يأتي بها منفردا كما ~~جاءت الأحاديث الصحيحة في صلاته - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه في الخوف ~~جمعا بين الأدلة، واعلم أن المغرب أيضا لا تقصر بالإجماع لعدم تنصفها إذ ~~ليس في الشريعة # نصف ركعة. # فإن قلت: إذا تعذر التنصيف فليكن ركعتين كما قيل في طلاق العبد، وحيض ~~الأمة، وفيما إذا طلق نصف طلقة. PageV04P097 # وأجيب: بأنه لو فعل ذلك لذهب مقصود الشرع من كون عدد ركعات الفرض في ~~اليوم والليلة ms0704 وترا، وللشرع قصد في الوتر، ولذلك شرع الوتر في آخر نافلة ~~الليل، ولذلك لا تعاد المغرب على رأي، والتحليل الذي قدمناه عن الشارع في ~~أول الباب كاف في ذلك. # تنبيه: ينعطف على ما مضى من الغرائب ما ذهب إليه بعض العلماء أنه إذا ~~[عزم] (¬1) ولم يضرب في الأرض ولم يخرج من منزله # يقصر، روي ذلك عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا فصلي [بهم] (¬2) ~~ركعتين في منزله وفيهم الأسود بن يزيد وغير ذلك من # أصحاب عبد الله، نقله صاحب "البيان والتقريب" من المالكية. قال: وحكي عن ~~عطاء (¬3) أنه قال: إذا خرج الرجل حاجا فلم يخرج من بيوت القرية حتى قضيت ~~الصلاة، فإن شاء قصر، وإن شاء أوفى قياسا على المسافر إذا نوى الإقامة يتم، ~~فكذا يقصر هذا، وهو ضعيف. # والفرق: أن الأصل الإقامة، بخلاف السفر فإنه طارئ. # وحكي عن مجاهد أنه قال: لا يقصر في يوم خروجه حتى يدخل الليل (¬4)، وعن ~~............................ PageV04P098 # مالك (¬1) رواية ضعيفة أنه لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال. # وهذه الروايات كلها منابذة للسنة وإجماع السلف والخلف. # تنبيه ثان: ينعطف على ما مضى من كثرة النوافل الراتبة في السفر احتج ~~بأنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى. # وجوابه أن الفريضة متحتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها بخلاف النافلة. # السابع: يؤخذ من ذكر ابن عمر عثمان بعد الخليفتين - رضي الله عنهم - ~~تأخيره عنهما في الفضيلة، وهو إجماع، نعم وقع الخلاف بينه وبين علي ~~والجمهور على تقديم عثمان عليه. # الثامن: ظاهر هذا الحديث: أن عثمان لم يزل يقصر في مدة خلافته، ويؤيده ~~رواية مسلم: "فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله"، لكن يعارضه رواية ابن عمر ~~الأخرى (¬2): "ومع عثمان صدرا من خلافته ثم أتمها"، وفي رواية: "ثمان سنين ~~أو ست سنين". # قال القاضي عياض: بعد سبع سنين من خلافته. PageV04P099 # وقال النووي (¬1): المشهور بعد ست، فلعل ابن عمر أراد أنه قصر في سائر ~~أسفاره في غير مني وأتم في مني، وقد ورد مصرحا أن # إتمامه كان في مني، وقد تقدم ms0705 وجه إتمامه، وأنه أخذ بأحد الجائزين. PageV04P100 ### || AUTO 27 - باب الجمعة # هي -بضم الميم وفتحها وإسكانها (¬1) - حكاهن الواحدي. وقرىء بها في ~~الشواذ كما قاله الزمخشري (¬2). وعن معاني الزجاج # أنه قرئ بكسرها أيضا، والمشهور الضم، وبه قرئ في السبعة، والإسكان تخفيف ~~[منه] (¬3)، ووجهوا الفتح [وهي] (¬4) لغة بني عقيل بأن الجمعة تجمع الناس، ~~كما يقال: هزأة وضحكة وضحكة [للكثير] (¬5) من ذلك. # وجمع الجمعة (¬6): جمعات، وجمع. PageV04P101 # سميت بذلك: لاجتماع الناس لها. # وقيل: لما جمع فيها من الخير (¬1). # وكان يوم الجمعة: يسمى في الجاهلية العروبة وقد جمع بعضهم أسماء الأسبوع ~~في بيتين فقال (¬2): # أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأول أو [بأهون] (¬3) أو جبار # أو الثاني دبار فإن افته ... فمؤنس أو عروبة أو شبار (¬4) # قال السهيلي (¬5): وأول من سمى العروبة الجمعة كعب بن PageV04P102 # لؤي (¬1) فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم، ويذكرهم بمبعث ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويعلمهم بأنه من ولده، ويأمرهم باتباعه، ~~والإيمان به. # أحدها: في "صحيح مسلم" (¬2) من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل ~~الجنة، وفيه أخرى منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة". # وزاد مالك في "الموطأ" وأبو داود، والنسائي (¬3) بأسانيد على شرط ~~الشيخين: " [وفيه] (¬4) تيب عليه، وفيه مات، وما من دابة إلا # وهي مصيخة (¬5) يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة ~~إلا الجن والإنس". PageV04P103 # قال القاضي عياض (¬1): الظاهر أن هذه المذكورات المعدودة ليست لذكر ~~فضيلته، لأن إخراج آدم من الجنة وقيام الساعة لا يعد # فضيلة، وإنما هو بيان لما وقع فيه من الأمور العظام، وما سيقع، ليتأهب ~~العبد فيه بالأعمال الصالحة لنيل رحمة الله [ودفع] (¬2) نقمته. # وقال ابن العربي في "الأحوذي" (¬3): الجميع من الفضائل وخروج آدم من ~~الجنة هو سبب وجود الذرية وهذا النسل العظيم ووجود الرسل والأنبياء ~~والصالحين، ولم يخرج منها طردا بل لقضاء أوطار، ثم يعود إليها، وأما قيام ~~الساعة فسبب تعجيل خير الأنبياء والصديقين والأولياء ms0706 وغيرهم، وإظهار ~~كرامتهم وشرفهم. # وفي "صحيح الحاكم" (¬4) من حديث أبي هريرة مرفوعا: "سيد الأيام يوم ~~الجمعة" وصححه. # وروي في حديث آخر: "الجمعة حج الفقراء وعيد PageV04P104 # المساكين" (¬1). # وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: "أتيت بمرءاة فيها نكتة سوداء" ~~وفي رواية أخرى: "فيها نكتة بيضاء فقلت يا جبريل ما # هذه المرءاة؟ قال: هذه يوم الجمعة، قلت: ما هذه النكتة؟ قال: هذه الساعة ~~التي [في] (¬2) يوم الجمعة" (¬3). # قال بعض [الفقهاء (¬4)] (¬5): السر في البياض: شرفها من حيث إن البياض ~~أحسن الألوان. # وفي السواد انبهامها والتباس عنها. # ثانيها: في الصحيحين (¬6) من حديث أبي هريرة أيضا مرفوعا PageV04P105 # "نحن الآخرون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من ~~بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له فهم لنا ~~فيه تبع، فاليهود غدا، والنصارى بعد غد". # معنى "بيد": غير. و"من": أجل، أو على (¬1) (¬2) وفيها لغة بالميم. # [وعظمت اليهود: السبت لما كان تمام الخلق فيه، فظنت أن ذلك موجب لفضيلته] ~~(¬3)، وعظمت النصارى: الأحد لما كان ابتداء الخلق فيه وكل ذلك بحكم عقولهم. ~~وهدى الله هذه الأمة المحمدية بشرف الإتباع فعظمت ما عظم الله، فكان يومهم ~~هو عروس الأسبوع، كما أن البيت الحرام الذين يحجون إليه عروس الفلك الأرضي ~~في الأمكنة المقابل للبيت المعمور. # وقد قيل: إن موسى - عليه الصلاة والسلام - أمر قومه بالجمعة وفضلها ~~فناظروه في ذلك وأن السبت أفضل- فقيل له: دعهم (¬4). # قال القاضي: والظاهر أنه فرض عليهم يوم في الجمعة PageV04P106 # فاختاروا السبت، وبينه إلى هذه الأمة ولم يكله إلى اجتهادهم، ففازوا ~~بتفضيله. # ثالثها: كان يوم الجمعة من الأيام العظيمة في الجاهلية أيضا، وهو أفضل ~~أيام الأسبوع. ويوم عرفة أفضل منه على الأصح عندنا، فهو أفضل أيام السنة. # رابعها: ادعى الشيخ أبو حامد في "تعليقه": أن الجمعة فرضت بمكة قبل ~~الهجرة. وفيه نظر (¬1). # خامسها: أول جمعة جمعت بعد قدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~المدينة في بني سالم بن عوف بأربعة أيام، فإنه - عليه الصلاة والسلام - لما ~~قدم المدينة يوم الاثنين نزل في دار ms0707 بني عمرو بن عوف وهي قباء، ثم ارتحل من ~~قباء وهو راكب ناقته القصواء، وذلك يوم الجمعة، أدركه وقت الزوال وهو في ~~دار بني معالم بن عوف، فصلى بالمسلمين الجمعة هنالك في واد يقال له: وادي ~~رانوناء (¬2). PageV04P107 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P108 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P109 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P110 # فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، أو مطلقا. # سادسها: اعلم أن الزمن من حيث (¬1) [كونه] (¬2) زمنا لا يفضل بعضه بعضا، ~~وكذلك لا يفضل شيء بذاته بل بالتفضيل، ولله -سبحانه وتعالى- أن يفضل من شاء ~~بما شاء، وأن يخص من شاء بما شاء. وقد نص الرسول - عليه الصلاة والسلام - ~~على تفضيل بعض الأزمنة، ونبه على رجحان العمل فيها، وكأن المقصود من ذلك حث ~~الخلق على الاجتهاد والطاعات فيها، منها يوم عرفة (¬3). وعشر ذي الحجة ~~ورمضان عموما، وليلة القدر منه خصوصا، وشعبان عموما، وليلة نصفه خصوصا، ~~ويوم الجمعة عموما، # والساعة التي فيها خصوصا ويوم عاشوراء، والساعة التي في الليل PageV04P111 # وخصوصا نصفه الأخير. وخصوصا السحر، وهما وقتا المناجاة والرحمة. # وقيل: في قول يعقوب: {قال سوف أستغفر لكم ربي} (¬1) إنه أخر الاستغفار ~~إلى السحر. # وقيل: وعدهم أن يستغفر لهم ليلة الجمعة. # وقيل: بل أخر الاستغفار حتى يجتمع بيوسف بمصر، ليكون أجمع للدعاء، وأطيب ~~للنفس. وكل هذا التخصيص لأسرار علمها # الله، وأطلع من شاء عليها، واستأثر بما شاء منها، نبه عليه ابن بزيزة. # ثم بعد هذه التنبيهات المهمة نرجع إلى ما نحن بصدده فنقول: ذكر المصنف ~~-رحمه الله- في [هذا] (¬2) الباب ثمانية أحاديث: PageV04P112 ### ||| AUTO الحديث الأول # 135/ 1/ 27 - عن سهل بن [سعد] (¬1) الساعدي - رضي الله عنه -، أن نفرا ~~تماروا في المنبر من أي عود هو؟ فقال سهل بن سعد: من طرفاء الغابة، ولقد ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام عليه، فكبر، وكبر الناس وراءه، ~~وهو على المنبر، ثم رفع، فنزل القهقرى، حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى ~~فرغ من [آخر] (¬2) صلاته (¬3)، ثم أقبل على الناس، فقال: "يا أيها الناس ~~إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي". # وفي لفظ: "صلى عليها، ثم كبر عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم ms0708 نزل القهقرى" (¬4). # هذا الحديث كذا هو في محفوظنا. وكذا أورده الفاكهي في PageV04P113 # "شرحه"، وأورده الشيخ تقي الدين، وتبعه ابن العطار، بلفظ عن سهل بن سعد ~~قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام على المنبر ... " الحديث ~~ولم يذكراه كما أسلفناه وتوبعا على ذلك: # ثم الكلام عليه بعد ذلك من وجوه زائدة على العشرين: # الأول: كان المناسب للمصنف -رحمه الله- ذكر هذا الحديث في باب الإمامة، ~~ووجه دخوله في هذا الباب من وجهين: # الأول: ذكر شأن المنبر فيه. # الثاني: أن فعله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة على الوجه المذكور ~~وتعليله إنما كان ليأتموا به، وليتعلموا صلاته، وهذا المقصود في الجمعة ~~أبلغ منه في غيرها من الصلوات، إذ لا فرق في الحكم. # الثاني: في التعريف براويه وهو صحابي ابن صحابي وساعدي: نسبة إلى [ساعدة] ~~(¬1) بن كعب من الخزرج، ولم يذكر هذه النسبة السمعاني (¬2): كان اسمه حزنا ~~(¬3)، فسماه النبي - صلى الله عليه وسلم -[سهلا وأحصن سبعين امرأة. قال - ~~رضي الله عنه -: توفي النبي - صلى الله عليه وسلم -] (¬4) وأنا ابن خمس ~~عشرة سنة. روي له مائة حديث وثمانية PageV04P114 # وثمانون حديثا. اتفق البخاري ومسلم على ثمانية وعشرين. وانفرد البخاري ~~بأحد عشر. وهو آخر صحابي [مات] (¬1) بالمدينة سنة ثمان وثمانين. # وقيل: سنة إحدى وتسعين، وهو ابن بضع وتسعين سنة، وجزم بهذا الشيخ تقي ~~الدين (¬2). وقال: ابن مائة سنة. وفيه نظر لأن [عمره] (¬3) كان قبل الهجرة ~~خمس سنين فيقتضى أن يكون يوم موته ابن ست وتسعين، إلا على ما روي أن عمره ~~يوم المتلاعنين كان خمس عشرة، فيصح ذلك. # فائدة: في الرواة سهل بن سعد ثلاثة، وقد ذكرتهم فيما أفردته في رجال هذا ~~الكتاب فراجعه منه. # الثالث: "النفر" بفتح النون والفاء عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة وكذلك ~~النفير والنفر والنفرة بإسكان الفاء. # قال الفراء: نفرة الرجل ونفره: رهطه (¬4). # الرابع: "تماروا" أي اختلفوا وتنازعوا، وهو مأخوذ من المماراة، وهي في ~~اللغة الاستخراج، مأخوذ من، مريت الناقة: إذا مسحت ضرعها ليدر. PageV04P115 # ومريت الفرس: استخرجت ما عنده من الجري ms0709 بصوت وغيره (¬1). # وقال ابن الأنباري: يقال: أمرى [فلان] (¬2) فلانا إذا استخرج ما عنده من ~~الكلام. انتهى. فكأن كل واحد من المتماريين وهما # المتجادلان يمري ما عند صاحبه أي يستخرجه، ويقال: مريته حقه إذا جحدته. # ويقال: المرا: جحود الحق بعد ظهوره (¬3). # الخامس: "المنبر" بكسر الميم مأخوذ من المنبر وهو الارتفاع كما تقدم في ~~باب الوتر. وتقدم هناك الإشارة إلى الاختلاف في من عمله (¬4)، وكان منبره - ~~صلى الله عليه وسلم - ثلاث درجات كما أخرجه مسلم (¬5) في صحيحه، إحداها ~~المقام وهو الذي [قام عليه] (¬6) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الصلاة. PageV04P116 # السادس: يؤخذ [منه] (¬1) استحباب اتخاذ المنبر، وهو إجماع إذا كان الخطيب ~~هو الخليفة. وأما غيره من الخطباء فهو بالخيار # إن شاء خطب على المنبر، وإن شاء خطب على الأرض. # [قال ابن بزيزة: واختلفوا إذا خطب على الأرض] (¬2) أين يقف، فمنهم من ~~استحب أن يقف [على] (¬3) يسار المنبر، واستحب # بعضهم أن يقف عن يمينه. قال مالك: وكل ذلك واسع. # فائدة: أسلفت في أوائل الكتاب من حديث: "الفطرة خمس". أن إبراهيم - صلى ~~الله عليه وسلم -[أول من خطب على المنابر. # وروى معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] (¬4): "إن ~~أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم. وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي ~~إبراهيم" ذكره القرطبي في تفسيره (¬5). PageV04P117 # السابع: فيه أيضا استحباب كون الخطيب ومن في معناه على مرتفع من الأرض: ~~كمنبر وكرسي ونحوهما. وفائدته الإبلاغ والإسماع. # الثامن: "طرفاء الغابة" ممدود وفي رواية البخاري وغيره من أثل الغابة ~~والأثل بفتح الهمزة الطرف. # التاسع: "الغابة" وضع معروف من عوالي المدينة. # العاشر: [قوله] (¬1): "ثم رفع" هو بالفاء أي رفع رأسه من الركوع. # وقوله: "فنزل" أصل [موضع] (¬2) الفاء للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، ~~والمراد النزول بعد رفعه من الركوع كما جاء في الرواية الأخرى، ووقع في شرح ~~الشيخ تقي الدين، وتبعه الفاكهي، أن الرواية الأخيرة قد توهم أنه [نزل] ~~(¬3) في الركوع لكن الرواية الأولى تبين أن النزول كان بعده، قال: والمصير ~~إليها أوجب ms0710 لأنها نص ودلالة "الفاء" على التعقيب ظاهرة، وصوابه: أن الرواية ~~الأولى قد توهم ذلك بخلاف الأخيرة عكس ما ذكره فإن الأولى هي بالفاء. ~~والثانية بثم. وهذا من سبق [القلم] (¬4) فتنبه له. PageV04P118 # الحادي عشر: "القهقرى" المشي إلى خلف، وأصلها أن تكون مصدر قهقر، وهي من ~~المصادر الملاقية للفعل في المعنى دون # الاشتقاق، فإنهم قالوا رجع القهقرى. وفي هذا الحديث نزل القهقرى كما ~~قالوا: قتلته صبرا وحبسته منعا. واختلف النحاة في # نصبها على ثلاثة مذاهب: # فقيل: إنها منصوبة يفعل مقدر من لفظها والتقدير: رجع قهقر القهقرى. # وقيل: إنها صفة لموصوف محذوف أي رجع الرجعة القهقري. # والثالث: ما تقدم من أنها من المصادر الملاقية في المعنى دون الاشتقاق. ~~ومثله قعد القرفصاء واشتمل الصماء. الخلاف في # الكل واحد. # الثاني عشر: إنما نزل - عليه الصلاة والسلام - القهقرى لئلا يستدبر ~~القبلة. # الثالث عشر: قوله: "حتى سجد في أصل المنبر" أي على الأرض التي جنب الدرجة ~~السفلى. # الرابع عشر: قوله: "لتعلموا صلاتي" هو بفتح العين واللام المشددة أي ~~لتتعلموا. بين - صلى الله عليه وسلم - أن صعوده المنبر وصلاته عليه إنما ~~كان للتعليم [ليرى] (¬1) جميعهم أفعاله بخلاف ما إذا كان على الأرض فإنه لا ~~يراه إلا بعضهم ممن قرب منه. PageV04P119 # الخامس عشر: قوله: " [صلى] (¬1) عليها ثم كبر عليها ثم ركع وهو عليها". ~~الضمير في هذه المواضع عائد إلى الدرجة الثالثة وهي # أعلى المنبر وإن لم يكن لها ذكر لدلالة المعنى عليها. # السادس [عشر] (¬2): فيه جواز الفعل القليل في الصلاة. # قال الشيخ تقي الدين (¬3): وفيه إشكال على من حدد الكثير بثلاث خطوات فإن ~~الصلاة كانت على الدرجة العالية، ومن ضرورة # ذلك أن يقع ما أوقعه من الفعل على الأرض بعد ثلاث خطوات فأكثر، وأقله ~~ثلاث، والذي يعتذر به عن هذا أن يدعى عدم التوالي # بين الخطوات، فإن التوالي شرط في الإبطال، أو ينازع في كون قيام هذه ~~الصلاة على الدرجة العليا، وفي هذا الاعتذار الذي ذكره الشيخ نظر (¬4). # وقال المازري (¬5): اغتفر هذا الكثير لأجل الصلاة. قال: وقد أجازوا أكثر ms0711 ~~من ذلك للراعف في صلاته. # السابع عشر: فيه أن الخطوتين لا تبطل الصلاة، ولكن الأولى تركها، وكذا ~~غيرهما من الأفعال إلا لحاجة، فإن كان فلا كراهة، # كما فعل - صلى الله عليه وسلم -. PageV04P120 # الثامن عشر: فيه أيضا أن الأفعال الكثيرة إذا تفرقت لا تبطل الصلاة كما ~~سلف، لأن النزول [عن] (¬1) المنبر [والصعود] (¬2) تكرر فجملته كثيرة ~~وأفراده متفرقة كل واحد منها [قليل] (¬3). # التاسع عشر: فيه أيضا جواز صلاة الإمام على موضع أعلى من وضع المأمومين ~~لقصد التعليم بلا كراهة، بل هو مستحب. وكذلك # حكم ارتفاع المأموم على الإمام لا لقصد إعلام المأمومين بصلاة الإمام، ~~وإن لم يقصد شيئا من ذلك فهو مكروه، وزاد [أصحاب # مالك إن قصد بذلك [التكبر] (¬4) تبطل صلاته، وأجازوا الارتفاع اليسير ~~كعظم] (¬5) الذراع ونحوه. # [و] (¬6) قال الشيخ تقي الدين (¬7): من أراد أن يجيز الارتفاع من غير قصد ~~التعليم فاللفظ لا يتناوله، والقياس لا يستقيم لانفراد # الأصل بوصف معتبر [تقتضى] (¬8) المناسبة اعتباره. # وقال القرطبي (¬9): استدل أحمد بهذا الحديث على الجواز، PageV04P121 # ومالك يمنع ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير، وعلل المنع بخوف الكبر ~~على الإمام، واعتذر بعض أصحابه عن الحديث بعصمته عن الكبر ومنهم من علله ~~بأن ارتفاعه كان يسيرا. # قلت: والأشبه ما علل [به] (¬1) في الحديث أنه إنما فعله لتعليم الصلاة. # العشرون: فيه أيضا أنه ينبغي للكبير أو الإمام أو العالم إذا فعل شيئا ~~يخالف المعتاد أن يبين حكمه لأصحابه ليزيل الريبة منهم ولأنه أبلغ في فهمه. # الحادي والعشرون: فيه أيضا استحباب قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة، ~~فإن ذلك لا يقتضي القدح والتشريك في العبادة، بل # هو كرفع صوته بالتكبير ليسمعهم، وكذلك حكم إقامة الصلاة أو الجماعة لقصد ~~التعليم. PageV04P122 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 136/ 2/ 27 - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # وهو حديث عظيم رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير ابن عمر أربعة ~~وعشرون صحابيا (¬2) كما أفاده ابن منده في مستخرجه، ms0712 وأوضح طرقه في أوراق. PageV04P123 # الأول: المراد بالمجيء: إرادته، بدليل رواية مسلم (¬1) "إذا أراد أحدكم ~~أن يأتي الجمعة". وفي معنى: إرادة المجيء: قصد الشروع فيه. # الثاني: "الفاء" في قوله - عليه السلام -: "فليغتسل" للتعقيب واشترط مالك ~~(¬2) اتصال الغسل بالرواح لتعلقه بالأمر بالمجيء إلى الجمعة، لكنه قد بين ~~أن المراد إرادته أو قصده. # وأبعد داود الظاهري إبعادا مجزوما ببطلانه حيث جعل الغسل متعلقا باليوم ~~فقط، حتى لو اغتسل قبل غروب الشمس يوم الجمعة حصلت مشروعية الغسل، مستدلا ~~بقوله - عليه الصلاة والسلام - في الصحيح (¬3) "لو اغتسلتم ليومكم"، وقوله ~~"غسل يوم الجمعة (¬4) " [وقوله "لو اغتسلتم يوم الجمعة (¬5)] (¬6) "، فعلقه ~~وأضافه PageV04P124 # إلى اليوم، وهو من طلوع الفجر [الثاني] (¬1) إلى الغروب، فدل على أنه ~~مشروع لليوم، لا لتعيين المجيء، لكنه قد بين المقصود من الغسل، وبيان سبب ~~شرعيته في الأحاديث الصحيحة (¬2): وهو إزالة الروائح الكريهة والوسخ، لعدم ~~إيذاء الناس والملائكة، ولذلك أبعد من قدم جوازه على يوم الجمعة بحيث لا ~~يحصل المقصود من إزالة ما ذكر. # والمعنى: إذا كان معلوما [في] (¬3) الشرع بالقطع كالنص أو بالظن الراجح ~~المقارب للنص فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من # اتباع مجرد اللفظ، وإذا كان أصل المعنى معقولا وتفاصيله تحتمل التعبد فلا ~~شك أنه محل [النظر] (¬4) ومما يبطل مذهب الظاهري [أن] (¬5) الأحاديث التي ~~علق فيها الأمر بالإتيان أو المجيء قد دلت على توجه الأمر إلى هذه ~~الأحاديث، وهي طلب النظافة، والأحاديث التي تدل على تعليقه باليوم لا ~~تتناول تعليقه بها، فهو إذا تمسك بتلك أبطل دلالة هذه الأحاديث التي تدل ~~على تعليق الأمر بهذه الحالة، وليس له ذلك ونحن إذا قلنا بتعليقه بهذه ~~الحالة لم يبطل ما استدل [به]، وعملنا بمجموع الأحاديث. PageV04P125 # الثالث: اللام في قوله "فليغتسل" للأمر، لكن الجمهور من السلف والخلف على ~~أنها للندب. # قال ابن عبد البر في "تمهيده" (¬1): ولا أعلم خلافا بين العلماء. # قال القاضي عياض: وهو المشهور من مذهب مالك وأصحابه، وإن كان ظاهر الأمر ~~للوجوب، وقد ثبت التصريح به في قوله - عليه الصلاة والسلام -: "غسل الجمعة ~~واجب ms0713 على كل محتلم" (¬2) وهو الذي حمل طائفة من السلف [و] (¬3) بعض الصحابة ~~وبعض التابعين ومالك في رواية عنه وأهل الظاهر (¬4) إلى القول بوجوبه عملا ~~بظواهر الأمر، والأحاديث المروية فيه. # واحتج الجمهور الذين قالوا بالندب بأحاديث صحيحة: منها PageV04P126 # ما رواه مسلم في صحيحه (¬1) أن رجلا دخل وعمر يخطب وهو عثمان بن عفان وقد ~~ترك الغسل وأقره عمر والصحابة على ذلك وهم أهل الحل والعقد مع أن ترك عثمان ~~حجة في عدم الوجوب بمجرده، فلو كان واجبا لألزموه به، ولما تركه. # ومنها حديث (¬2) "من توضأ [فبها] (¬3) ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل". قال ~~الشيخ تقي الدين (¬4): ولا يقاوم سنده سند هذه الأحاديث وإن [كان] (¬5) ~~المشهور من سنده صحيحا على مذهب PageV04P127 # بعض أصحاب الحديث، أي وهو من احتج برواية الحسن عن سمرة (¬1) فإنه من طريقه. # وقال النووي في "شرح مسلم" (¬2): إنه حديث صحيح مشهور. وفيه دليلان: ~~الندب، وعدم الوجوب. PageV04P128 # ومنها: قوله - عليه الصلاة والسلام -[في صحيح مسلم (¬1)] (¬2) "لو ~~اغتسلتم يوم الجمعة" وهذا اللفظ يقتضى أنه ليس بواجب، لأن التقدير لو ~~اغتسلتم لكان [أفضل] (¬3) وأكمل، وتأولوا: صيغة الأمر على الندب. وصيغة ~~الوجوب على التأكيد، وضعف هذا التأويل، لكن المراد بالمحتلم البالغ كما أن ~~المراد بالحائض في قوله - عليه الصلاة والسلام -: "لا يقبل الله صلاة حائض ~~إلا بخمار" (¬4) من بلغت من الحيض [لا] (¬5) وجوده. # والوجوب شرعا: المنع من الترك، وحمله على الندب أو التأكيد خلاف الظاهر ~~إذا لم يعارضه دليل آخر فحينئذ يكون الجمع # بين الأدلة التي ظاهرها الاختلاف وإعمالها أولى من إلغائها، خصوصا إذا ~~أمكن الجمع [بوجه سائغ] (¬6). # قال الخطابي (¬7): ولم تختلف الأمة أن صلاة من لم يغتسل للجمعة جائزة. PageV04P129 # وأول القدوري الحنفي: الوجوب هنا على السقوط، كما نقله عنه ابن دحية في ~~مصنفه في غسل الجمعة قال عنه: فيحتمل أن يسقط سقوط الفرائض، ويحتمل أن يسقط ~~سقوط السنن، وأخذ ذلك من طريق اللغة، فإن "الوجوب" فيها بمعنى السقوط، ~~و"على"، في الحديث بمعنى "عن". وفي هذا التأويل بعد. # [ثم رأيت بعد ذلك [نصا] (¬1) للشافعي -رحمه ms0714 الله- بالوجوب وأنه شرط للصحة ~~فقال في كتاب "الرسالة" (¬2) و [هي] (¬3) من رواية الربيع، لما ذكر حديث ~~ابن عمر هذا، وحديث غسل يوم الجمعة واجب [على كل محتلم، فكان قول رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في غسل يوم الجمعة واجب] (¬4)، وأمره بالغسل. يحتمل ~~معنيين: الظاهر منهما أنه واجب، فلا تجزئ الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، ~~كما لا يجزىء في طهارة الجنب غير الغسل، ويحتمل أنه واجب في الاختيار ~~[وكرم] (¬5) الأخلاق والنظافة. ثم استدل لهذا الاحتمال بقصة عثمان السالفة، ~~هذا لفظه، ذكره قبيل: باب النهي عن معنى دل عليه PageV04P130 # معنى [في] (¬1) حديث غيره، وهو نصف الكتاب. وهو نص غريب عزيز الوجود، وفي ~~"شرح غنية ابن سريج" لأحد تلامذة القفال لم يتحرر ليس مصنفه: حكايته قولين ~~فيه وأن القديم هو الوجوب (¬2). ذكره قيل التيمم] (¬3). PageV04P131 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 137/ 3/ 27 - عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: "صلبت يا ~~فلان"، قال: لا، قال: "قم فاركع ركعتين". # وفي رواية "فصل ركعتين" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الرجل هو سليك الغطفاني بضم السين المهملة كما جاء في صحيح ~~مسلم. وقيل: النعمان بن [قوقل (¬2)] بقافين. # والأول: هو المشهور. # والثاني: "فلان" وكذا "فلانة" من الأسماء التي لا تثنى ولا PageV04P132 # تجمع لأنها لم تستعمل نكرة، إذ هي كناية عن الأعلام والاسم لا يثنى ولا ~~يجمع حتى ينكر. # الثالث: "الكناية" عن الرجل المذكور "بفلان" يحتمل أن يكون من قوله - ~~عليه الصلاة والسلام -، ويحتمل أن يكون من قول جابر # وليبحث عن [الحكمة] (¬1) في ذلك. # الرابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "صليت" أي تحية المسجد، ويحتمل ~~سنة الجمعة أيضا، ويؤيده رواية ابن ماجه (¬2): "أصليت قبل أن تجيء". # الخامس: في قوله: "صليت" جواز" إسقاط [همزة] (¬3) الاستفهام من الفعل ~~المستفهم عنه، إذ الأصل "أصليت"، وقد حمل عليه قوله تعالى: {ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} (¬4) " قال بعضهم: التقدير فمن ~~نفسك وهو كثير، وسببه كثرة ms0715 الاستعمال حتى قيل: إن الاستفهام أكثر من الخبر، ~~وقالوا: إن الاستفهام دهليز العلم. # السادس: قوله - عليه السلام - "قم فاركع ركعتين" ظاهر في جواز تحية ~~المسجد للداخل والإمام يخطب وهو مذهب الشافعي PageV04P133 # وأحمد وإسحاق وفقهاء الحديث، وقال به [الحسن] (¬1) البصري وغيره من ~~المتقدمين، وغير هذا الحديث أصرح في الدلالة منه # [وهو] (¬2) قوله - عليه الصلاة والسلام -: بعد أمره لسليك بركعتين ~~والتجوز فيهما "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين ~~وليتجوز فيهما" رواه مسلم (¬3). # [و] (¬4) قال مالك والليث، وأبو حنيفة، والثوري. وجماعة كثيرة من الصحابة ~~والتابعين، وهو مروي عن عمر. وعثمان، وعلي لا يصليهما لوجوب الاشتغال ~~بالإنصات للخطبة بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "إذا قلت لصاحبك والإمام ~~يخطب أنصت فقد لغوت (¬5) ". # قالوا: فإذا منع من الكلمة وهي أنصت مع كونها أمرا بمعروف ونهيا عن منكر ~~في زمن يسير فلأن يمنع من الركعتين مع كونهما مسنونتين في زمن طويل من باب أولى. # وقد يفرق بينهما: بأن هذه الكلمة قد تؤدي إلى الخصام، ورفع الصوت. بخلاف ~~الركعتين (¬6). PageV04P134 # ثم اعتذروا عن حديث سليك بأنه مخصوص (¬1) به، لأنه كان فقيرا فأريد قيامه ~~لتستشرف فيه العيون، وتتصدق عليه، وأيدوا ذلك # بأمره - عليه الصلاة والسلام - بالقيام لهما بعد جلوسه لأن ركعتي التحية ~~تفوت بالجلوس وقد تم، وبأن الحديث المذكور خبر واحد، والمالكية تقدم عمل ~~أهل المدينة عليه، ويرون العمل به أولى من خبر الواحد (¬2)، والحنفية ترده ~~فيما تعم [به] (¬3) البلوى. # والجواب عن ذلك: أن التخصيص خلاف الأصل، ثم يبعد الحمل عليه مع صيغة ~~العموم [في] (¬4) قوله "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب" (¬5) فإنه ~~تعميم يزيل توهم التخصيص بهذا الرجل، والأمر بهما للداخل مستثنى من عموم ~~الأمر بالإنصات للخطبة، ومذهب المالكية والحنفية في رد خبر الواحد بما سلف ~~محل الخوض فيه كتب الأصول، وقد تأولوا هذا العموم أيضا بتأويل PageV04P135 # مستنكر (¬1)، وأقوى من هذا العذر: [ما ورد أنه] (¬2) - عليه الصلاة ~~والسلام - "مكث حتى فرغ من الركعتين" (¬3)، فحينئذ يكون المانع من عدم ~~الركوع يعني الركعتين منتفيا فثبت الركوع، وعلى هذا ms0716 أيضا ترد الصيغة التي ~~فيها العموم، على أن الدارقطني وهم هذه الراوية. وقال: الصواب إرسالها (¬4). # وذهب بعض المتأخرين من أصحاب الحديث كما نقله القرطبي في "المفهم" (¬5): ~~إلى الجمع بين الأمرين، فخير بين الركوع وتركه، وهو قول من تعارض عنده ~~الخبر والعمل. # ونقل [عن] (¬6) الأوزاعي أنه إنما يركعهما من لم يركعهما في بيته، وكأن ~~[الأوزاعي] (¬7) حمل الركعتين على سنة الجمعة [لا على # التحية] (¬8) وإلا فلا يستقيم قوله (¬9). PageV04P136 # السابع: في الحديث أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس في حق الجاهل حكمها، ~~وقد أطلق أصحابنا فواتها به، وهو محمول # على من طال جلوسه ذاكرا عالما بأنها سنة، كما قاله النووي في "شرح مسلم" (¬1). # وقال المحب الطبري في "أحكامه": يحتمل أن يقال إنه - عليه الصلاة والسلام ~~- أمر بقضائهما والسنن تقضى على الأصح. # ويحتمل أن يقال: وقتها قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز. # قلت: هذا بعيد، والأول أبعد منه، فإن أصحابنا نصوا على أن تحية المسجد لا ~~مدخل للقضاء فيها، وما ذكره من الخلاف في قضاء # السنن هو في غيرها. # الثامن: فيه أيضا جواز تأخير المجيء إلى الجمعة والإمام يخطب على المنبر. # التاسع: فيه أيضا جواز الكلام للخطيب في الخطبة لحاجة التعليم ونحوه. # العاشر: فيه أيضا جواز جوابه للمستمع وغيره. # الحادي عشر: فيه أيضا الأمر بالمعروف، والإرشاد إلى المصالح في كل حال وموطن. # الثاني عشر: فيه أيضا أن تحية المسجد ونوافل النهار ركعتان. PageV04P137 # الثالث عشر. قد يستنبط منه أن تحية المسجد وغيرها من الصلوات ذوات ~~الأسباب المباحة لا تكره في وقت من الأوقات وكذلك كل [ذات] (¬1) سبب واجب، ~~كقضاء فائتة ونحوه، لأنها لو سقطت في حال من الأحوال لكان حال استماع ~~الخطبة أولى بالسقوط، فلما لم تترك في حال هو واجب وتركه محرم على ما فيه ~~من الخلاف، وقطعت الخطبة من أجله وأمره بالفعل بعد أن قعد # لجهله بالحكم، دل على تأكدها وأنها لا تترك بحال، ولا في وقت من الأوقات، ~~وباقي الصلوات ذوات الأسباب تقاس عليها. # خاتمة: روى ابن حبان (¬2) في صحيحه: أن ms0717 هذا الداخل قال له النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - صل ركعتين في الجمعة الثانية والثالثة أيضا فليتأمل ذلك. PageV04P138 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 138/ 4/ 27 - عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يخطب خطبتين، وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث في محفوظنا قيل الحديث الذي قبله وكذا ذكره الفاكهي، ~~وذكره بعده الشيخ تقي الدين، وتبعه ابن العطار وغيره، لكنه ذكره [من] (¬2) ~~وجه [آخر] (¬3) كما سننبه عليه، والأمر في ذلك قريب. # الثاني: [ذكر] (¬4) هذا الحديث بعض من علق على هذا الكتاب تعليقا من ~~رواية جابر، وقال: إنه جابر بن عبد الله، وذكره أيضا PageV04P139 # كذلك ابن العطار في "شرحه" من رواية جابر ثم قال إنه جابر ابن سمرة كما ~~هو مبين في "صحيح مسلم"، ثم ساق ترجمته، وهو # عجيب وعلى تقدير وجوده في نسخ الكتاب فحديث جابر بن سمرة منه أفراد مسلم ~~فقط، وليس هو بهذا اللفظ بل بمعناه، فيبقى على المصنف اعتراض من وجه آخر ~~وما أدري كيف وقع هذا منه فاجتنبه. # الثالث: لما ذكر الشيخ تقي الدين (¬1) هذا الحديث من طريق ابن عمر قال: ~~لم أقف عليه بهذا اللفظ في الصحيحين فمن أراد # تصحيحه فعليه إبرازه، وكأن هذا -والله أعلم- هو وقوع ابن العطار فيما ذكر ~~فغير الراوي وذكره من طريق جابر بن سمرة (¬2). # قلت: ولفظ رواية الصحيحين (¬3) من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ~~قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة قائما ثم يجلس ~~ثم يقوم كما يفعلون اليوم" (¬4)، وفي لفظ: "كان PageV04P140 # النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب خطبتين يقعد بينهما"، ولم يذكر ~~الحميدي في "جمعه بين الصحيحين" غير ذلك، نعم لفظ النسائي: "كان يخطب ~~الخطبتين قائما، وكان يفصل بينهما بجلوس"، وهو قريب من لفظ المصنف، ورواه ~~الدارقطني (¬1) بلفظ المصنف [سواء] (¬2). # الرابع: الخطبة بضم الخاء: الكلام المؤلف المتضمن وعظا وإبلاغا. # يقال: خطب -بضم الطاء- خطابة -بكسر- الخاء (¬3). # الخامس: في الحديث دليل على ثلاث مسائل في الخطبة. # الأولى: ms0718 اشتراط الخطبتين لصحة صلاة الجمعة، وهو مذهب الشافعي والأكثرين. # قال القاضي عياض: وإليه ذهب عامة العلماء. # وقال الحسن البصري وأهل الظاهر وابن الماجشون. عن مالك: أنها تصح بلا خطبة. # وقال أبو حنيفة: تجزئ واحدة (¬4) فإن PageV04P141 # [استدل] (¬1) الأكثرون بفعل الرسول له مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ~~(¬2)، ففي ذلك نظر، كما قال الشيخ تقي الدين (¬3) [يتوقف على أن تكون إقامة ~~الخطبتين داخلا تحت كيفية الصلاة، فإنه إذا لم يكن كذلك كان استدلالا بمجرد ~~الفعل] (¬4). # قلت: ويكفي في الاستدلال [بانه] (¬5) بيان لمجمل القرآن مع أنه لم ينقل ~~أنه صلاها بلا خطبة. # الثانية: اشتراط القيام فيهما، ولا يصح من القاعد. # قال ابن عبد البر (¬6): أجمع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا PageV04P142 # قائما لمن أطاقه. # وقال أبو حنيفة: تصح قاعدا والقيام ليس بواجب. # وقال مالك: هو واجب [لو] (¬1) تركه أساء وصحت الجمعة. # والذي ذهب إليه الشافعي اشتراطه وفي دليله من النظر ما ذكرنا في المسألة ~~الأولى (¬2). # الثالثة: اشتراط الجلوس بينهما وأنه فرض من فروضها. # قال الطحاوي: لم يقل هذا غير الشافعي. # وقال مالك: وأبو حنيفة، والجمهور: الجلوس بينهما سنة ليس بواجب ولا شرط. # قال القاضي عياض: وعن مالك رواية أن الجلوس بينهما شرط، وفي دليل ~~الاشتراط والفرضية من النظر ما سلف (¬3). PageV04P143 # خاتمة: قال أبو حنيفة وأبو يوسف (¬1) ومالك: في رواية عنه يكفي في الخطبة ~~تسبيحة أو تحميدة أو تهليلة، وهو ضعيف لأنه لا يسمى خطبة ولا يحصل به ~~[مقصودها] (¬2) مع مخالفة ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV04P144 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 139/ 5/ 27 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: معنى "أنصت": اسكت، وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة أيضا: "من ~~توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة، ~~وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا" (¬2)، فجعلهما شيئين، ولا شك أن ~~الاستماع PageV04P145 # الإصغاء، ms0719 والإنصات السكوت، ولهذا قال تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا ~~له وأنصتوا} (¬1). # ويقال: أنصت، ونصت، وانتصت، ثلاث لغات حكاهن الأزهري في "شرح ألفاظ ~~المختصر" (¬2). # ثانيها: قوله "فقد لغوت" يقال: لغا، يلغو، كغدا، يغدو، ولغي يلغي كعمي ~~يعمي، وبالواو والياء في المضارع. وظاهر القرآن يقتضي لغة الياء. في قوله ~~تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} (¬3)، وهذا من ~~لغا يلغى، ولو كان من الأول لقال: والغوا بضم الغين. قاله ابن السكيت (¬4) وغيره: # ومصدر الأول اللغى. والثاني اللغا. ويقال لغوت: ولغيت. وهما روايتان في ~~"صحيح مسلم". والثانية لغة أبي هريرة (¬5). # واللغو واللغا. رديء الكلام وما لا خير فيه. وقد يطلق على الخيبة أيضا. # وقيل: معناه ملت عن الصواب. # وقيل: تكلمت بما لا ينبغي، وقد قالوا ألغى الرجل يلغوا إذا تكلم بلغته ~~فلا يكون من هذا الباب. PageV04P146 # ثالثها: معنى الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة ونبه بهذا ~~على ما سواه [لأنه] (¬1) إذا قال: "أنصت" وهو في # الأصل أمر بمعروف، وسماه لغوا فغيره من الكلام أولى، وطريقه إذا أراد نهي ~~غيره عن الكلام أن يشير إليه بالسكوت إن فهمه، فإن تعذر فهمه فلينهه بكلام ~~مختصر ولا يزيد على أقل ممكن، ولا شك أن الحديث دليل على طلب الإنصات في ~~الخطبة والناس في ذلك على قسمين: # أحدهما: من يسمعها وهؤلاء ضربان ضرب لا تصح الجمعة إلا بهم وهو أربعون، ~~أو أقل أو أكثر، على قدر الخلاف فيهم، فهؤلاء يجب عليهم الاستماع بلا شك. # وضرب تصح الجمعة بدونهم وهم يسمعون [فيها] (¬2) فهؤلاء تجب عليهم أيضا ~~عند مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه في الجديد، وأحمد في المشهور ~~عنه، وعامة العلماء مع اتفاقهم (¬3) على كراهة الكلام لهم كراهة تنزيه، ~~والذي يقتضيه الدليل التحريم (¬4). # وحكي عن النخعي والشعبي (¬5)، وبعض السلف أنه لا تجب إلا إذا تلى الخطيب ~~فيها القرآن (¬6). وما ذكرته في هذين الضربين من PageV04P147 # الجزم بالوجوب في الأولى وحكاية (¬1) الخلاف في الثانية هو ما اختاره ~~الشيخ تقي الدين (¬2) فإنه قال: # الشافعي يرى ms0720 وجوبه في حق الأربعين وفيمن عداهم قولان هذه الطريقة ~~المختارة عندنا. وتبع الشيخ فيها الغزالي فإنه قال: هل يحرم الكلام على من ~~عدا الأربعين فيه قولان؟ وأنكر ذلك عليهم الرافعي، وقال إنه بعيد في نفسه ~~مخالف لما نقله الأصحاب وقد أوضحته في "شرح المنهاج" [مع] (¬3) الاعتذار عن ~~الغزالي فليراجع منه. # القسم الثاني: من لا يسمع الخطبة أصلا. # قال القاضي عياض وغيره: اختلف العلماء فيه هل يجب عليه السكوت كما لو كان يسمع؟ # قال الجمهور: نعم لأنه إذا تكلم يهوش على السامعين ويشغلهم عن الاستماع. # وقال النخعي وأحمد والشافعي في أحد قوليه: لا يلزمه. ولكن يستحب له (¬4). PageV04P148 # قلت: وهذا الحديث يدل للأول فإنه علقه يكون الإمام يخطب وهو عام بالنسبة ~~إلى سماعه، وعدم سماعه وأما الإنصات بين خروج # الإمام والخطبة فقال به أبو حنيفة. وأن الإنصاف يجب بخروجه. # وقال مالك والشافعي والجمهور: لا يجب تمسكا بقوله: "والإمام يخطب". # فرع: لو لغى الإمام هل يلزم الإنصات أم لا؟ قولان لأهل العلم ولمالك، ~~حكاهما القرطبي (¬1). # رابعها: استدل بهذا الحديث المالكية على عدم تحية المسجد من حيث إن الأمر ~~بالإنصات أمر بمعروف، وأصله الوجوب فإذا منع منه مع قلة زمانه وقلة اشتغاله ~~فلأن يمنع الركعتان مع كونهما سنه وطول الاشتغال والزمان بهما أولى، وقد ~~تقدم ذلك في الحديث الثالث. # خامسها: هذا الحديث دال على بطلان حديث ابن عباس (¬2) PageV04P149 # المرفوع "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارا والذي ~~يقول له أنصت ليس [له] (¬1) جمعة"، قال الجوزقاني (¬2) في موضوعاته: حديث ~~منكر، وجه الدلالة أنه لم يقل فيه: "فلا جمعة له" وإنما قال: "فقد لغوت". PageV04P150 ### ||| AUTO الحديث السادس # 140/ 6/ 27 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب ~~بدنة، ومن راح الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة ~~فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة. ومن ~~راح في الساعة الخامسة ms0721 فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة ~~يستمعون الذكر" (¬1). # الكلام عليه من وجوه كثيرة يحضرنا منها ثمانية عشر وجها ويحتمل إفراده ~~بالتصنيف: PageV04P151 # أولها: فيه الحث على الغسل يوم الجمعة وقد تقدم الخلاف في وجوبه ~~واستحبابه في الحديث الثاني، لكن في هذا الحديث عموم أكثر من ذلك، فإن ~~عمومه بالمجيء والأمر بالغسل مقيد به، وهنا عمومه من حيث الحث عليه، وعلى ~~التبكير إلى الجمعة سواء # كان رجلا [أم] (¬1) امرأة، وسواء كان صبيا أم جارية، لأن القربات تصح من ~~هؤلاء كلهم فيشرع لكل مريد للجمعة مطلقا، وتتأكد في حق الذكور البالغين ~~أكثر من غيرهم من النساء والصبيان المميزين، فإنه في حق النساء قريب من ~~التطيب ولا يكره في حقهن فإنه تنظف محض، وهو مطلوب للجمعة وغيرها وهذه ~~المسألة عندنا فيها أوجه، وأصحها ما ذكرناه. # وثانيها: لا يسن إلا لمن هو من أهل فرضها. # وثالثها: يسن لكل [أحد] (¬2) كغسل العيد ثم المراد بالغسل المذكور في ~~الحديث المتقدم على الرواح لأجل الجمعة من غير مواقعة لزوجة أو جارية، ~~واستحبه بعض أصحابنا ليكون أغض لبصره وأسكن لنفسه، مستدلا برواية مسلم (¬3) ~~["من اغتسل [يوم الجمعة] (¬4) غسل (¬5) الجنابة". قال النووي: وهو استدلال ~~ضعيف لأن معنى PageV04P152 # الحديث] (¬1) من اغتسل غسلا كغسل الجنابة في الصفات، لا في الموجبات له، ~~من جماع أو احتلام (¬2). # قلت: ويؤيد هذه المقالة قوله - عليه الصلاة والسلام - "من غسل واغتسل" ~~(¬3) الحديث فإنه من جملة ما قيل فيه أن المعنى جامع. # ثانيها: "الرواح " ظاهر كلام الصحاح أنه لا يكون إلا بعد الزوال. # وقال القرطبي (¬4): إنه الأصل في اللغة. # وأنكر ذلك الأزهري (¬5)، وغلط قائله فقال في "شرح ألفاظ المختصر": PageV04P153 # معنى "راح" مضى إلى المسجد ويتوهم كثير من الناس أن الرواح لا يكون إلا ~~في آخر النهار، وليس ذلك بشيء، لأن الرواح والغدو مستعملان في السير أي وقت ~~كان من ليل أو نهار، يقال: راح في أول النهار وآخره يروح وغدا بمعناه. هذا ~~لفظ الأزهري (¬1) وذكر غيره نحوه أيضا. # والمراد به في الحديث: الذهاب أول النهار، وادعى ms0722 مالك والقاضي حسين، ~~وإمام الحرمين، أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، وقالوا: هذا معناه في ~~اللغة بناء على أن الساعات المذكورة في (¬2) الحديث عندهم لحظات لطيفة إلا ~~الساعات التي هي من طلوع الفجر أو طلوع الشمس ورجحه من المتأخرين ابن ~~[الفركاح] (¬3) في "الإقليد". # وقال ابنه الشيخ برهان الدين: إنه الصحيح من [حيث] (¬4) الدليل. PageV04P154 # وحكى الثعلبي عن المفسرين في قوله تعالى: {غدوها شهر ورواحها شهر} (¬1)، ~~إنها كانت تسير به إلى انتصاف النهار مسيرة شهر، وكان [مسيرها] (¬2) من ~~انتصاف النهار إلى الليل مقدار شهر. # وقال الخطابي (¬3): معنى "راح" قصد الجمعة، وتوجه إليها مبكرا قبل ~~الزوال، قال: وإنما تأولناه بهذا لأنه لا يبقى بعد الزوال خمس ساعات في وقت ~~الجمعة، وهذا شائع في الكلام تقول: راح فلان بمعنى "قصد" وإن كان حقيقة ~~الرواح بعد الزوال، وهذا [الاستشكال] (¬4) إنما يأتي إذا حملنا الساعات على ~~الأجزاء الزمانية، دون ما إذا حملناها على ترتيب منازل السابقين، وفيه بعد. # وقد اختلف [العلماء] (¬5) في ذلك: والصحيح عند العلماء: إن أولها من طلوع ~~الفجر، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: "يوم الجمعة اثنا عشر ساعة"، رواه ~~أبو داود والنسائي من حديث جابر (¬6) بإسناد على شرط مسلم، فجعل الساعات ~~عبارة عن جميع اليوم، لا عن اللحظات اللطيفة، مع أن لفظة راح محتملة لمجرد PageV04P155 # السير أي وقت كان، كما قدمناه عن الأزهري كما أول قوله تعالى: {فاسعوا} ~~(¬1)، على مجرد السير لا على مجرد السرعة (¬2). # وقيل: إن أولها من طلوع الشمس (¬3) وصححه الماوردي (¬4)، وجزم به صاحب ~~"التنبيه" مع أنه صحيح في "المهذب" (¬5) الأول، وقال في هذا: إنه ليس بشيء. # وقيل إنها لحظات لطيفة (¬6) بعد الزوال لتوجه الأمر حينئذ ثم PageV04P156 # إن أول من جاء في أول [ساعة] (¬1) من هذه الساعات ومن جاء في آخرها ~~مشتركان في تحصيل ثواب أصل البدنة أو البقرة أو الكبش، ولكن ثواب بدنة ~~الأول كمل من ثواب بدنة الآخر والمتوسط، وثواب بدنة المتوسط بينهما، كما إن ~~صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، ومعلوم أن الجماعة ~~تطلق ms0723 على اثنين وعلى ألوف، فمن صلى في جماعة هم عشرة [آلاف مثلا درجاته ~~أكمل] (¬2) من درجات من صلى مع اثنين وأشباه هذا كثير، وقال [الغزالي في ~~"الإحياء": الساعة] (¬3) الأولى من [طلوع] (¬4) الفجر [إلى] (¬5) طلوع ~~الشمس، والثانية: إلى ارتفاعها، [والثالثة: إلى انبساطها حين] (¬6) ترمض ~~الأقدام، والرابعة، والخامسة: بعد PageV04P157 # الضحى، الأعلى إلى الزوال، ولا فضيلة في وقت الزوال (¬1). # ثالثها: فيه استحباب التبكير إلى الجمعة أو التهجير كما ورد في بعض ~~الأحاديث الصحيحة (¬2)، ومذهب الشافعي (¬3) وجماهير # أصحابه وابن حبيب (¬4) المالكي وجمهور العلماء استحباب التبكير إليها أول ~~النهار، والساعات عندهم أول النهار، والرواح أوله وآخره كما تقدم، واختار ~~مالك التهجير واستدل عليه بأوجه. PageV04P158 # أحدها: أن التهجير: والمهجر إنما يكون في الهاجرة. # قال الجوهري (¬1): وهي نصف النهار عند اشتداد الحر، ومن خرج من بيته عند ~~طلوع الشمس مثلا أو بعد طلوع الفجر لا يقال له # مهجر. # وأجيب عن ذلك: بأن التهجير مشتق من الهجر: وهو ترك المنزل أي وقت كيف كان. # وقال الشيخ تقي الدين: إنه بعيد (¬2). # قلت: فيه نظر، فقد قال الخليل بن أحمد: وغيره من أهل PageV04P159 # اللغة كما نقله النووي (¬1). # التهجير: التبكير ومنه الحديث: "لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه" ~~(¬2) أي التبكير إلى كل صلاة. # وقال الفراء وغيره: التهجير السير في الهاجرة. # [و] (¬3) قال النووي (¬4): في "شرحه"، والصحيح [عندنا] (¬5) أن التهجير ~~التبكير. # ثانيها: أن المراد بالساعات اللحظات، وقد سلف بطلانه واستدلوا على ما ~~قالوه بأن العرف واستعمال الشرع لا يدلان على استعمال الساعات بحساب والآت، ~~وإن دل فالمراد بها الظرفية التي يقع فيها المراتب في الذهاب، وقد بينا ~~تسمية الشارع لها حيث قال: "يوم الجمعة ائنا عشر ساعة". # فإن قلت: لم لا تحمل الساعة هنا على اللغوية وهي القطعة من الزمان غير ~~محدودة بمقدار -قال تعالى-: {ما لبثوا غير ساعة} (¬6). PageV04P160 # قلت: حمله على الساعات التي هي اثني عشر أولى [لظهورها] (¬1) ويؤيده ~~الحديث السالف. # ثالثها: أن الساعة السادسة لم تذكر في هذا الحديث. # والجواب: أن في النسائي (¬2) "بعد الكبش، بطة، ثم دجاجة، ثم ms0724 بيضة". وفي ~~رواية (¬3) له بعد الكبش: "دجاجة، ثم عصفور، ثم بيضة". وإسنادهما صحيح، ~~فزال الإشكال، ودل [على أنه لا شيء] PageV04P161 # من الهدى والفضيلة لمن جاء بعد الزوال وأن ذكر الساعات إنما كان الحث على ~~التبكير إليها والترغيب في فضيلة السبق، وتحصيل الصف الأول، وانتظار الصلاة ~~وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال، ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال، لأن ~~النداء [يكون] (¬1) حينئذ، ويحرم التخلف بعده. # رابعها: أن الرواح إنما يكون بعد الزوال فحافظوا على حقيقة "راح" وتجوزوا ~~في لفظ "الساعة" وقد سلف ما قيل في الرواح والساعة. # خامسها: الحديث يقتضي أن يتساوى مراتب الناس: في كل ساعة، فكل من أتى في ~~الأولى كان كالمقرب بدنة، وكل من أتى في # الثانية كان كالمقرب بقرة، مع أن الدليل يقتضي أن السابق لا يساويه ~~اللاحق، وقد جاء في الحديث ثم الذي يليه. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): ويمكن أن يقال في هذا: إن التفاوت يرجع إلى ~~الصفات. # قلت: وهو كما قال كما سلف، لكن روى أبو قرة في حديث أبي هريرة (¬3) هذا ~~النبي كل ساعة من هذه الساعات الخمس وأول الساعة وآخرها سواء" والظاهر أنه ~~يؤول على ذلك. # فائدة: يستثنى الإمام من التبكير اتباعا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وقد نبه PageV04P162 # على ذلك الماوردي من أصحابنا (¬1). # الوجه الرابع: من الكلام على الحديث فيه بيان لمراتب الناس في الفضائل في ~~الجمعة وغيرها بحسب أعمالهم وذلك يعرف أيضا من قوله تعالى: {إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم} (¬2). # الخامس: معنى "قرب" تصدق و"البدنة" عند جمهور أهل اللغة وجماعة من ~~الفقهاء كما نقله النووي عنهم في "شرح مسلم" يقع على الواحد من الإبل ~~والبقر والغنم. # سميت بذلك: لعظم بدنها لكن الفيل يشترك معها في ذلك ولا يسمى بدنة. # وخصها جماعة: بالإبل وهو المراد بالحديث اتفاقا، لأنها (¬3) قوبلت فيه ~~بالبقر والكبش، وحيث أطلقت البدنة [في الحديث] (¬4) # المراد بها ما يجزئ في الأضحية. # وقال الماوردي: في تفسير قوله تعالى: {والبدن} (¬5). PageV04P163 # قال الجمهور: [هي] (¬1) الإبل. # وقيل: الإبل والبقر. # وقيل: هما والغنم ms0725 وهو شاذ، [ووقع] (¬2) في "التحرير" للنووي -رحمه الله- ~~عن الأزهري أنه قال: البدنة: "تكون من الإبل [والبقر] (¬3) والغنم"، وعزاه ~~في "تهذيبه" (¬4) إلى شرح "المختصر" له، والذي فيه ما نصه "والبدنة لا تكون ~~إلا من الإبل، وأما الهدي: فيكون من الإبل والبقر والغنم"، انتهى. فسقط من ~~قوله "لا تكون" إلى قوله "يكون" إما لغلط في النسخة أو لانتقال نظره من أحد ~~الموضعين إلى الآخر فتنبه لذلك، وقد وقع في هذا الوهم الحافظ محب الدين ~~الطبري في "أحكامه" في كتاب الحج والظاهر أنه تبع فيه النووي. # وادعى بعض الشافعية: أن استعمال [البدنة] (¬5) في الإبل أغلب وبنى على ~~ذلك أنه [لو] (¬6) قال: لله علي أن أضحي ببدنة [و] (¬7) لم يقيد بالإبل ~~لفظا ولا نية. والإبل موجودة هل يتعين فيه وجهان PageV04P164 # أحدهما نعم لما قلناه (¬1). # والثاني: أنه يقوم مقامها بقرة أو سبع من لغنم حملا على ما علم من الشرع ~~من إقامتها مقامها، والأول أقرب، كما قال الشيخ # تقي الدين (¬2)، قال: فإن لم توجد الإبل فوجهان: # أحدهما: يصبر إلى أن توجد. # والثاني: تقوم مقامها البقرة (¬3). PageV04P165 # واعلم: أن "البدنة" تطلق على الذكر والأنثى بالاتفاق والهاء فيها للواحدة ~~كقمحة وشعيرة من نحوهما من أفراد الجنس وفي "شرح البخاري لابن التين"، تعجب ~~مالك ممن قال لا تكون البدنة من الإناث. # وجمع البدنة: بدن بإسكان الدال وضمها لغتان حكاهما الجوهري (¬1)، ~~بالإسكان. جاء القرآن، وقرأ بالضم ابن [أبي] (¬2) إسحاق. # السادس: "البقرة" تطلق على الذكر والأنثى والهاء فيها للواحدة أيضا. # سميت بذلك: لأنها تبقر الأرض، أي تشقها بالحراثة. PageV04P166 # والبقر: الشق. # ومنه قولهم: بقر بطنه أي شقه. # ومنه سمي محمد الباقر: لأنه بقر العلم ودخل فيه مدخلا بليغا، ووصل منه ~~غاية مرضية، وأهل اليمن يسمون البقرة باقورة، وفي الحديث (¬1) "في ثلاثين ~~باقورة بقرة"، وفي ذكر البقرة بعد البدنة دلالة لمن يقول إن البدنة لا تكون ~~إلا من الإبل، لكنا أسلفنا أن المراد هنا بالبدنة الإبل. # السابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "كبشا أقرن" وصفه بالأقرن لكماله ~~به. وحسن صورته، ولأنه ينتفع به، فهو ms0726 أفضل من الأجم، وفي "صحيح ابن خزيمة" ~~(¬2) "شاة" بدل "الكبش الأقرن"، و "طائر" بدل "الدجاجة". # الثامن: "الدجاجة" بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان. # قال أبو المعاني في "المنتهى": والفتح أفصح. # وحكى الليث عن ابن طلحة: الضم أيضا (¬3)، وهذا لفظه PageV04P167 # يقال: دجاجة ودجاجة ودجاجة باللغات الثلاث، وكذلك في الجمع الدجاج الدجاج ~~الدجاج، ولم يذكر النووي في كتبه الضم فاستفده. # سميت بذلك: لإقبالها وإدبارها يقع [على] (¬1) الذكر والأنثي. # وجمعها: دجاج، ودجاجات ذكره ابن سيده (¬2). # ودخلت الهاء في الدجاجة لأنه واحد من جنس مثل حمامة وبطة وحية ونحوها. # التاسع: "البيضة" جمعها بيض ويجمع البيض على بيوض قاله ابن سيده. # العاشرة فيه أن القربان والهدي والصدقة تقع على القليل والكثير من غير ~~الإبل والبقر والغنم، وقد قال به بعض أصحابنا، وهي أقرب إلى الرواية التي ~~فيها لفظ كالمهدي بدنة. # الحادي عشر: فيه أن الأضحية بالإبل أفضل من البقر، لأنه - عليه الصلاة ~~والسلام - جعل الإبل في الدرجة الأولى، والبقر في الثانية. # وقد أجمع العلماء: على أن الإبل أفضل من البقر في الهدايا. واختلفوا في ~~الأضحية. # فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والجمهور: أن الإبل أفضل من البقر، ثم الغنم، ~~كما في الهدايا. PageV04P168 # ومذهب مالك: أن أفضل الأضحية الغنم ثم البقر، ثم الإبل. # ومنهم من قدم الإبل على البقر، قالوا: لأنه - عليه الصلاة والسلام - ضحى ~~بكبشين، ولأن لحم الغنم أطيب، فكان أفضل، لكن حديث الباب يخالف هذا، وهو ~~حجة الجمهور مع القياس على الهدايا، وتضحيته - عليه الصلاة والسلام - ~~بكبشين لا يدل على الأفضلية، بل يفيد الجواز، وطيب اللحم من الغنم معارض ~~بكثرته من الإبل والبقر، ولعله - عليه الصلاة والسلام - لما ضحى [بهما لم ~~يجد غيرهما في ذلك الوقت، كما ثبت في الصحيح (¬1) أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - ضحى] (¬2) عن نسائه بالبقر وفرقوا بين الهدايا والضحايا بأن ~~الغرض في الضحايا استطابة اللحم، وفي الهدي كثرته، وقد يمنع هذا الفرق ~~واستدلوا أيضا بقوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم (107)} (¬3). PageV04P169 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P170 # الثاني عشر: ظاهر هذا الحديث أو نصه يقتضي أن هذا التقريب المذكور لا ~~يحصل إلا ms0727 لمن اغتسل ثم راح، لتصدير الشرط به وهو كلمة "من" وعطف الرواح ~~عليه ب "ثم" المرتبة نعم من راح في الساعة الأولى مثلا من غير اغتسال كان ~~له فضل على من راح بعده، ولكن لا يحصل له أجر التقريب المذكور المشروط ~~بالاغتسال. # الثالث عشر: في رواية لمسلم "أهدى دجاجة وأهدى بيضة" وليس هذان مما يطلق ~~عليهما اسم هدي، واعتذر عن ذلك بأنه لما عطفه على ما قبله من الهدايا لزمه ~~حكمه في اللفظ كقوله: "متقلدا سيفا ورمحا" أي وحاملا رمحا، وكذلك هنا لأنه ~~كالمتقرب # بالصدقة بدجاجة وبيضة، وأطلق على ذلك اسم الهدي لتقدمه وتحسين الكلام به. # وأما رواية: "قرب" فاعتذر عنها أيضا بأنه ضرب من التمثيل للأجور ~~ومقاديرها لا أنه يكون أجر هذا كأجر هذا وتكون الدجاجة في التمثيل والبيضة ~~بقدر إحداهما من أجر البدنة لو كان هذا مما يهدى. # قال ابن بطال: وبعض العلماء يقول ليست الغنم بهدي، والأكثرون على خلافه. # قال القاضي عياض: وفائدة الخلاف فيمن قال: على هدي هل تجزئه شاة أم لا؟ ~~وأجاز ذلك مرة مالك، ومرة لم يجزها إلا لمن PageV04P171 # قصر النفقة (¬1). # الرابع عشر: ادعى بعض المعلقين أنه قد يتمسك بهذا الحديث لمذهب الإمام ~~[أحمد] (¬2) في فعلها قبل الزوال لقوله بعد الخامسة "فإذا خرج الإمام" ~~"والفاء" للتعقيب وهو عجيب، فهو ذهول عن رواية النسائي السالفة التي فيها ~~ست ساعات، ثم هذا إنما يمشي إذا اعتبر الساعات الزمانية، وقد تقدم الخلاف فيه. # الخامس عشر: "حضر" -بفتح- الضاد أفصح من كسرها وبه جاء القرآن، قال ~~تعالى: {وإذا حضر القسمة} (¬3). PageV04P172 # وقوله - عليه الصلاة والسلام -: "فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون ~~الذكر"، ومقتضاه خروج الإمام بعد الساعة الخامسة، وتطوي الملائكة الصحف ~~لاستماع الذكر، وخروج الإمام إنما يكون بعد الساعة السادسة [ويبين] (¬1) ~~ذلك رواية النسائي السالفة، وهذا إنما يأتي إذا قلنا إن المراد بالساعات ~~الزمانية التي يومها اثني عشر ساعة، وهو الصحيح كما سلف، فأما إذا جعلنا ~~المراد بها اللحظات بعد الزوال، أو جعلنا ذلك عبارة عن ترتيب منازل ~~[السابقين] (¬2) فلا ms0728 إشكال (¬3). # السادس عشر: المراد بهؤلاء الملائكة غير الحفظة ووظيفتهم كتابة حاضري ~~الجمعة، واستماعهم [للذكر] (¬4) الذي هو الوعظ # والتذكير تشريفا له ولسامعه وتعظيما لقدر الجمعة، وشهادة لهم بذلك جميعه. # السابع عشر: جاء في رواية لمسلم: "فإذا جلس الإمام طووا الصحف"، ولا ~~تعارض بينها وبين رواية الكتاب، بل ظاهرها أنه [بخروج] (¬5) الإمام يحضرون ~~فلا يطوون الصحف، فإذا جلس PageV04P173 # طووها. قاله النووي في "شرحه" (¬1) لكن روى ابن أبي شيبة (¬2) من حديث ~~علي بن زيد عن أوس بن [خلف] (¬3) عن عبد الله بن عمر مرفوعا "إن الملائكة ~~على أبواب المسجد يكتبون الناس على منازلهم جاء فلان من ساعة كذا وكذا، جاء ~~فلان من ساعة كذا، جاء فلان والإمام يخطب، جاء فلان ولم يدرك الخطبة" وهذا ~~يدل على أن كتبهم لا ينقطع بجلوس الإمام على المنبر، وقال ابن بزيزة: [طي] ~~(¬4) الصحف عبارة على أنهم لا يكتبون، فهل هو تنبيه على فضيلة البكور بحيث ~~إنه إن لم يبكر لا يكتب له مثل ما يكتب للمبكر [أو نفي للكتب] (¬5) مطلقا ~~في حق غير المبكر، وهو ظاهر اللفظ. # فائدة: روى ابن خزيمة (¬6) من حديث عبد الله بن عمرو: "فإذا خرج الإمام ~~رفعت الأقلام، فتقول الملائكة بعضهم لبعض، ما حبس فلانا، فتقول الملائكة: ~~اللهم إن كان ضالا فاهده، وإن كان مريضا فاشفه، وإن كان عائلا فأغنه". # الثامن عشر: في الحديث أن حضور هؤلاء الملائكة لازم PageV04P174 # بخروج الإمام للخطبة المشتملة على ذكر الله -تعالى- والوعظ والتذكير، ~~واستماع ذلك، كما سلف [لا] (¬1) لاستماع ما أحدث فيها من البدع وغيرها، فإن ~~ذلك تكتبه الحفظة على فاعله والراضي به بلسانه وأما الراضي به بقلبه فإن ~~الله -تعالى- مطلع عليه دون # الحفظة من الملائكة. PageV04P175 ### ||| AUTO الحديث السابع # 141/ 7/ 27 - عن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - وكان من أصحاب الشجرة، ~~قال: "كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الجمعة، ثم ننصرف وليس ~~للحيطان ظل يستظل به". # وفي لفظ: "كنا [نجمع] (¬1) مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا زالت ~~الشمس، ثم نرجع فنتتبع الفيء" (¬2). # الكلام عليه من ms0729 وجوه: # الأول: في التعريف براويه، وهو نسبة إلى جده، وهو سلمة ابن عمرو بن ~~الأكوع. # واسم الأكوع: سنان. PageV04P176 # وكنية سلمة: إياس بابنه إياس وهو الأكثر. # وقيل: أبو مسلم، ورجحه جماعة. # وقيل: غير ذلك. # وسلمة: مدني حجازي أحد من بايع تحت الشجرة بايعه [ثلاثا] (¬1) وبايعه ~~يومئذ على الموت، وغزا عدة غزوات [قال: غزوت معه سبعا ولي البعث سبعا. ~~ويقال: إنه شهد غزوة مؤتة] (¬2). # واستوطن الربذة بعد قتل عثمان. # مات بالمدينة سنة أربع وسبعين، وعمر طويلا عاش ثمانين سنة. # وكان شجاعا، راميا، حبرا، فاضلا، يسبق الفرس سدا، وكلمه الذئب في القصة ~~المشهورة، وقد كلم الذئب رافع بن عميرة الصحابي (¬3) أيضا. # وقال ابنه إياس: ما كذب أبي قط. وقال - عليه الصلاة والسلام -: "خير ~~رجالتنا سلمة ابن الأكوع"، وكان يصفر لحيته ورأسه. وكان يرتجز بين يدي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في أسفاره، روى عنه PageV04P177 # ابنه إياس ومولاه يزيد بن أبي عبيد وهو آخر من حدث عنه وغيرهما، له ~~أحاديث جملتها سبعة وسبعون اتفقا منها على ستة عشر، وانفرد [البخاري] (¬1) ~~بخمسة، [ومسلم] (¬2) بتسعة. # الثاني: في ألفاظه. # الأول: "الظل" أصله الستر، ومنه أنا في ظل فلان، وظل الجنة وظل شجرها، ~~وظل الليل سواده لأنه يستر كل شيء. # "والفيء" لا يكون إلا بعد الزوال، ولا يقال لما قبل الزوال: "فيء" وإنما ~~يسمى بعد الزوال فيئا، لأنه ظل فاء من جانب إلى جانب، أي رجع. # والفيء: الرجوع، قاله كله ابن قتيبة (¬3) في أول "أدب الكاتب". وقال: ~~يذهبون يعني العوام أن الظل والفيء بمعنى، وليس كذلك بل الظل يكون غدوة ~~وعشية، ومن [أول] (¬4) النهار وآخره، # وما ذكره هو الصواب. وفيه أقوال أخر ذكرتها [الإشارات إلى ما وقع في ~~المنهاج من الأسماء والمعاني واللغات] (¬5) فراجعها منه إن شئت. PageV04P178 # الثاني: قوله "وليس للحيطان ظل نستظل به" لبس نفيا لأصل الظل، بل نفى ظلا ~~يستظلون به مع أن جدرانهم كانت قصيرة، ولا # يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، مع أن أهل الحساب قالوا إن عرض المدينة ~~خمسة وعشرون درجة فإذا ms0730 غاية الارتفاع [بسبعة] (¬1) # وثمانون، فلا تسامت الشمس الرؤوس، وإذا لم تسامت الرؤوس لم يكن ظل القائم ~~تحته حقيقة، بل لا بد من ظل فامتنع أن يكون المراد نفي أصل الظل، فيكون ~~المراد ظلا يكفي أبدانهم للاستظلال، ولا يلزم من ذلك وقوع الصلاة ولا شيء ~~من خطبتها ولو طالت القراءة فيما قبل الزوال. # الثالث: قوله "نجمع" -بضم النون وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة- أي ~~نقيم الجمعة. # الرابع: قوله "نتتبع الفيء" إنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر حيطانهم، ~~لكنه كان فيء يسير. # الوجه الثالث: في أحكامه: # فيه دلالة على أن وقت الجمعة وقت الظهر لا يجوز إلا بعد الزوال، وبه قال ~~مالك وأبو حنيفة والشافعي، وجماعة العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ~~ولم يخالف في ذلك إلا أحمد وإسحاق فقالا: بجوازها قيل الزوال. # قال الخرقي: في السادسة (¬2) تمسكا بهذا الحديث من حيث PageV04P179 # إنه يقع بعد الزوال الخطبتان والصلاة مع ما ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يقرأ فيها بالجمعة والمنافقون وذلك يتقضي زمانا يمتد فيه الظل بحيث ~~كانوا ينصرفون منها وليس للحيطان "فيء" يستظلون به ربما اقتضى ذلك أن تكون ~~واقعة قبل الزوال وخطبتاها أو بعضها، لكن الرواية الثانية تبين منه وقوع ~~جميعه بعد الزوال، ولا يلزم من قراءته الجمعة و [المنافقون] (¬1) الدوام، ~~وما [تمسكنا] (¬2) به من الرواية الأولى فهو وهم لما بيناه. # قال القاضي عياض: وروي في هذا [شيء] (¬3) عن الصحابة لا يصح شيء منها إلا ~~ما عليه الجمهور، وحملوا الحديث على المبالغة في تعجيلها، وكذا حديث سهل في ~~الصحيحين (¬4) "ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة"، وإنهم كانوا يؤخرون الغداء # والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة لأنهم ندبوا إلى التبكير ~~إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها. PageV04P180 # و [قد] (¬1) روي عن مجاهد: "أنها صلاة عيد" (¬2). # قال القرطبي (¬3): ويلزم عليه أن لا تنوب عن ظهر يوم الجمعة، كظهر يوم ~~العيد. PageV04P181 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 142/ 8/ 27 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ms0731 "كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ألم تنزيل السجدة، وهل أتى على ~~الإنسان" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: قوله: "صلاة الفجر" يعني صلاة الصبح، وقد تقدم أسماؤها في باب ~~المواقيت في الحديث الرابع منه. # الثاني: "تنزيل" بضم اللام على الحكاية. # الثالث: اختلف في الحروف المقطعة في أوائل السور على قولين: # أحدهما: أنها من المتشابه الذي انفرد الله [بعلمها] (¬2) ولا يجب أن ~~يتكلم فيها، ولكن نؤمن بها، وتمر كما جاءت. # وأصحها وهو قول الجمهور: يجب أن يتكلم فيها وتلتمس الفوائد التي تحتها ~~والمعاني التي يتخرج عليها، وفي ذلك أقوال PageV04P182 # عديدة، ومحل [الخوض] (¬1) منها ما لخصته من تفسير القرطبي، فإن شئت ~~فراجعها منه. # وموضع "ألم" من الإعراب وقع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه ابتداء ~~أو نصب بإضمار فعل، أو خفض بالقسم، قال ابن # خطيب زملكا (¬2) في "برهانه": وفواتح السور منحصرة في نصف حروف المعجم، ~~لأنها أربعة عشر حرفا، وهي الألف واللام والميم والصاد والواو والكاف ~~والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف، والنون. وهذا واضح على ~~من عد حروف [الهجاء] (¬3) ثمانية وعشرين حرفا. # وقال: "لا" مركبة من اللام والألف وإن كان بعيدا أي مع أنه هو المشهور في ~~التهجي. # والصحيح أنها تسعة وعشرين والنطق بلا في التهجي كالنطق بلا في لا رجل في ~~الدار. وذلك أن الواضع جعل كل حرف من حروف التهجي صدر اسمه إلا الألف فإنه ~~لما لم يمكن أن يبدأ به لكونه مطبوعا على السكون ولا يقبل الحركة أصلا فوصل ~~إليه باللام لأنه تناسبه في الامتداد والانتصاب (¬4)، ولذلك يكتب على سورة ~~الألف. PageV04P183 # قال: [وفي] (¬1) إعجازها: مجيئها في تسع وعشرين سورة بعدد الحروف. # قال: وكما روعي تنصيفها باعتبار هجائها روعي بتنصيفها باعتبار أجناسها. # يريد أن كل جنس من أجناس الحروف كالمهموسة والرخوة والشديدة وغير ذلك من ~~أجناسها قد نصفت فاستعمل نصفها في القرآن. # وأهمل النصف الآخر، ثم إن النصف المستعمل هو الأخف، وأكثر استعمالا من ~~المهمل. # الرابع: في الحديث دليل على ms0732 أنه يجوز أن يقول قرأت الفاتحة، وقرأت ~~البقرة، من غير ذكر السورة، إذ لم يقل كان يقرأ سورة ألم، ولا سورة هل أتى، ~~وفيه أيضا دليل على إبطال قول من قال لا يقال سورة كذا، وإنما يقال السورة ~~التي [يذكر] (¬2) فيها كذا. # الخاص: فيه دليل أيضا على استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الصبح ~~يوم الجمعة، والسجود عند قراءة آية السجدة وغيرها من الفرائض، وهو مذهب ~~الشافعي - رضي الله عنه - ومن وافقه. # وقال ابن بطال: ذهب أكثر العلماء إلى [أن] (¬3) القول بهذا PageV04P184 # الحديث روي عن علي وابن عباس، وأجازوا أن تقرأ السورة فيها سجدة في الفجر ~~يوم الجمعة، واستحبه النخعي وابن سيرين. # قال: وهو قول الكوفيين والشافعي وأحمد، وقالوا: هو سنة، قال: واختلف قول ~~مالك في ذلك، فروى ابن وهب عنه لا بأس أن # يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة. # وروى أشهب عنه: أنه كره للإمام ذلك إلا أن يكون من خلفه قليل لا يخاف أن ~~تختلط [عليهم] (¬1). # قلت: والكراهة هو ما في المدونة، وسببها خشية التخليط على المأمومين، ~~وعلل أيضا بخوف زيادة سجدة في الفرض، وهو تعليل فاسد كما قال القرطبي (¬2) ~~بشهادة هذا الحديث. # وبحديث ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع، فرأينا أنه قرأ بتنزيل السجدة" رواه أبو ~~داود في سننه، والحاكم في مستدركه على الصحيحين (¬3) ثم قال هذا حديث صحيح ~~على شرط الشيخين. PageV04P185 # قال وهو سنة صحيحة غريبة أن الإمام يسجد فيما يسر بالقراءة مثل سجوده ~~فيما يعلن، ومن العجب تخصيص بعض أصحاب مالك # الكراهة بصلاة السر، وهذا الحديث الصحيح يرده. # قالوا: وفي المحافظة على قراءتها دائما أمر آخر، وهو أنه ربما أدى ذلك ~~بالجهال إلى اعتقاد أن ذلك فرض في هذه الصلاة، ومن مذهب مالك حسم مادة ~~الذرائع. # قال الشيخ تقي الدين (¬1): فالذي ينبغي أن يقال أما القول بالكراهة مطلقا ~~فيأباه الحديث، وإذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة فينبغي أن يترك في ~~بعض الأوقات ms0733 دفعا لهذه المفسدة، وليس في الحديث ما يقتضي مثل ذلك دائما ~~اقتضاء قويا على كل حال فهو مستحب، والمستحب قد يترك لدفع المفسدة ~~المتوقعة، وهذا المقصود يحصل بالترك، في بعض الأوقات لا سيما إذا كان يحضره ~~الجهال، ومن يخاف منه وقوع هذا الاعتقاد الفاسد. # قلت: قد أخرج الطبراني (¬2) في أصغر معاجمه الحديث PageV04P186 # المذكور من رواية ابن مسعود بزيادة "ويديم ذلك"، رواه عن محمد ابن بشر، ~~دحيم، الوليد بن مسلم، ثور بن يزيد، عن عمرو بن قيس عن أبي إسحاق عن أبي ~~الأحوص عن عبد الله به ثم قال: لم يروه عن عمرو إلا ثور، ولا ثور إلا ~~الوليد، تفرد به دحيم، ولا كتبناه إلا عن أبي بشر. # قلت: ورجال إسناده كلهم ثقات كما ترى، فهذا فيه صراحة بديمومة ذلك، ولم ~~يطلع على هذه الرواية الشيخ تقي الدين رحمه الله، ولو اطلع عليها لم يذكر ~~ما قدمناه عنه [وهي] (¬1) تساوي رحلة فاستفده. # قال الشيخ تاج الدين الفاكهي: وقد بلغني أن هذا الاعتقاد يعني السالف وقع ~~أن بعض العلماء. صلى الصبح يوم الجمعة إماما فلم يقرأ فيها بالسجدة، فأنكر ~~عليه العوام إنكارا شديدا وأظن أن ذلك كان بالقاهرة، وأن الإمام التارك ~~للسجدة كان قاضي قضاة الشافعية حينئذ، فرحم الله مالكا ما كان أشد تيقظه ~~لمثل هذا. قال: وهذا كما كره صوم الستة أيام من شوال خوف اعتقاد الجهال # فرضيتها. # قال: ومثله أيضا كراهته البسملة في الفاتحة اعتقاد كونها من الفاتحة. # قلت: وبعد دوام النبي - صلى الله عليه وسلم - على قراءة هاتين السورتين ~~في اليوم المذكور طاح الاعتقاد المذكور، ولا عبرة باعتقاد الجاهل ما PageV04P187 # يخالف الشرع، وأما [صوم] (¬1) الستة المذكورة فصحت به الأحاديث من طرق ~~كما أوضحته في تخريج "أحاديث المهذب"، فلا معدل عنه وقد صح أيضا أن البسملة ~~إحدى آيات الفاتحة، وقد صنف في ذلك من المالكية ابن عبد البر (¬2)، والحق ~~أحق بالاتباع. # وأما ابن العربي فأغرب وتحامل فقال في "الأحوذي" (¬3): خرج البخاري قراءة ~~الصبح يوم الجمعة عن سعد بن إبرهيم، عن ms0734 عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة ~~قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ فذكر الحديث بلفظ "كان" ~~المقتضية للمداومة، وهو مضعف عند مالك وغيره، وقد جاءت الرواية أيضا من غير ~~طريقه ولكنه أمر لم يعمل بالمدينة- فالله أعلم من قطعه كما قطع [غيره] (¬4) ~~فينبغي أن يفعل ذلك في الأغلب للقدرة ويقطع أحيانا لئلا يظنه العامة من السنة. # هذا كلامه وفيه نظر في مواضع. # الأول: أن "كان" لا تقتضي المداومة على رأي الأكثرين. # الثاني: قد أسلفنا لفظ المداومة التي لا تحتمل التأويل بسند صحيح. PageV04P188 # الثالث: سعد هذا أخرى له الستة في كتبهم، وهو ثبت ثقة جليل، ومالك [(¬1)] ~~ترك الرواية عنه فقط لقصة استعملها ولم يتكلم فيه هو ولا غيره. # قال علي بن المديني: كان سعد لا يحدث بالمدينة فلذلك لم يكتب عنه أهلها، ~~ومالك لم يكتب عنه. # وقال الأثرم: سمعت أحمد يقول سعد بن إبراهيم ثقة، فقيل له: إن مالكا لا ~~يحدث عنه فقال: ومن يلتفت إلى قول مالك في سعد، وسعد رجل صالح ثقة. # وقال الساجي: ثقة أجمع على صدقه والرواية عنه إلا مالك بن أنس فإنه كان ~~يتكلم فيه، وقد روى مالك عن عبد الله ابن إدريس عن شعبة، عن سعد، فصح ~~باتفاقهم عليه أنه حجة في الأحكام والفروج. # فيقال: إن سعدا رأى مالكا يوما فوعظه، فغضب مالك من ذلك، وإنما ترك ~~الرواية عنه فإما أن يكون تكلم فيه فلا أحفظه، وسعد القائل: لا يحدث عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا الثقات. ثم روى بإسناده، قال: سمعت ~~المعيطي يقول ليحيى بن معين: كان مالك يتكلم في سعد، وسعد سيد من سادات ~~قريش. [وروى] (¬2) عن ثور [وداود] (¬3) بن الحصين خارجيين خبيثين. PageV04P189 # قال الساجي: وقد روى عنه الثقات والأئمة وكان دينا عفيفا. # وفي كتاب "المنجيلي" سئل أحمد لم لم يرو عنه مالك فقال: كان له مع سعد ~~قصة ثم قال: ولا يبالي سعدا إذا لم يرو عنه مالك. # وقال البرقي: سألت يحيى عن قول بعض الناس في ms0735 سعد أنه كان يرى القدر وترك ~~مالك الرواية عنه [فقال: لم يكن يرى القدر وإنما ترك مالك الرواية عنه] ~~(¬1) لأنه تكلم في نسب مالك فكان لا يروي عنه. وهو ثبت لا شك [فيه] (¬2). # وقال الباجي: في الجرح والتعديل الظاهر أن أهل المدينة إنما اتفقوا على ~~ترك الأخذ عنه لأنه طعن في نسب مالك طعنا يستحق به # الترك عندهم، وعندي أنه ليس بالحافظ، وقد أغرب بما لا تحتمله عندي حاله ~~مع قلة حديثه، ولعل ذلك كان من قبل حفظه، وإن # كان البخاري قد أخرج عنه فذكر الحديث المذكور قال: وهو حديث انفرد به ~~[ولم يتابع عليه من طريق صحيح فترك الناس العمل به] (¬3) ولا سيما أهل ~~المدينة ولو كان مما يحتج لتلقى بالعمل به من جميع أهل المدينة أو بعضهم إذ ~~هو من حديثهم ولا أقول إن سعدا يبلغ عندي مبلغ الترك ولكني أهاب من حديثه ~~مثل ما ذكرته ولا يحتمل عندي الانفراد. PageV04P190 # قلت: انفراد الثقة بالحديث لا يضر ولا سيما إذا صح من غير طريقه أيضا، ~~كما تقدم من حديث ابن مسعود، وصح أيضا من طريق # ابن عباس في مسلم (¬1). # فرع: محل السجود في هذه السورة عند قوله تعالى: {وهم لا يستكبرون (15)} ~~(¬2)، وعند المالكية حكايته خلاف في أنه هل يكمل الآية التي السجدة فيها أو ~~يسجد قبل أن يكملها وهو غريب. PageV04P191 ### || CHECK 28 - باب [صلاة] العيدين # 28 - باب [صلاة] (¬1) العيدين # هو مشتق من العود و [هو] (¬2) الرجوع لتكرره [بتكرر] (¬3) السنين. # وقيل: لعود السرور بعوده. # وقيل: لكثرة عوائد الله تعالى على عباده في ذلك اليوم. # وقيل: سمي بذلك تفاؤلا بعوده على من أدركه، كما سميت القافلة حين خروجها ~~تفاؤلا بقفولها سالمة وهو رجوعها وحقيقتها الراجعة. # وقال ابن العربي (¬4): سمي عيدا من وقته لكونه يعود على قوم بالسرور، ~~وعلى قوم بالحزن. # وقال ابن سيده: العيد كل يوم فيه جمع، واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا ~~إليه. PageV04P192 # وقيل: من العادة لأنهم اعتادوه. # قلت: وهو من ذوات الواو. # وكان أصله عود بكسر العين، فقلبت ms0736 الواو ياء كالميقات والميزان من الوقت ~~والوزن، وجمعه أعياد. # قال الجوهري: وإنما جمع بالياء وأصله الواو للزومها في الواحد قال: ويقال ~~للفرق بينه وبين أعواد الخشب. # ونفتتح الباب بمقدمات. # الأولى: أول عيد صلاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيد الفطر من ~~السنة الثانية من الهجرة. # الثانية: صلاة العيد من الشعائر الإسلامية المطلوبة شرعا والنقل بها ~~متواتر يغني [عن] (¬1) خبر الآحاد، وأحاديث الباب من آحاد ما يدل (¬2) ~~عليها، وقد كان للجاهلية يومان معدان للعب. فأبدل الله تعالى للمسلمين ~~منهما بهذين اليومين اللذين يظهر فيهما تكبير الله تعالى وتحميده [وتمجيده] ~~(¬3) ظهورا شائعا يغيظ المشركين وجعلهما شكرا على ما أنعم [الله] (¬4) به ~~من آداء العبادات التي في يومهما وقبلهما، كإتمام الصوم في عيد الفطر، وما ~~يقع فيه من العبادات القاصرة والمتعدية، وكالعبادات الواقعة في عشر ذي ~~الحجة، وأعظمها إقامة وظيفة الحج. PageV04P193 # الثالثة: اختلف العلماء في صلاة العيد، فذهب الشافعي إلى أنها سنة مؤكدة، ~~وبه قال جماهير أصحابه ومالك وجمهور العلماء. # وقال الأصطخري (¬1): هي فرض كفاية، وهو مذهب أحمد، وعنه رواية [أخرى ~~كالأولى. # وقال أبو حنيفة: هي واجبة على الأعيان كالجمع وعنه رواية أنها سنة] (¬2). # وقال بعض أصحابه: إنها فرض كفاية. # وقال الأصمعي: إنها فرض، كذا نقله القرطبي (¬3) عنه، وأراد أنها فرض ~~كفاية ولعله التبس عليه بالأصطخري. # دليل الجمهور: [حديث] (¬4) "خمس صلوات كتبهن الله على عباده" (¬5) ~~الحديث. # ويستثنى مما ذكرناه الحاج بمنى فلا يخاطب بالعيد، كما PageV04P194 # ذكرته في "شرح المنهاج" فراجعه منه [إن شئت] (¬1). # وإذا قلنا برأي الأصطخري: فامتنع أهل موضع منها قوتلوا عليها كسائر فروض ~~الكفاية، وإذا قلنا بالأصح، إنها سنة فالأصح: أنهم لا يقاتلون كسنة الظهر ~~وغيرها من السنن. # وقيل: نعم لأنها شعار ظاهر. # ثم ذكر المصنف رحمه الله في الباب خمسة أحاديث: PageV04P195 ### ||| AUTO الحديث الأول # 143/ 1/ 28 - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: "كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر، يصلون العيدين قبل الخطبة" (¬1). # معنى قوله: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ms0737 وعمر" إلى ~~آخره، أن فعل صلاة العيد قبل الخطبة سنة ثابتة إلى الآن لم تنسخ لأن فعله - ~~عليه الصلاة والسلام - حجة بمجرده، وفعل الشيخين حجة، وإجماع أيضا على قول ~~بعضهم، عملا بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي ~~بكر وعمر" (¬2) خصوصا PageV04P196 # إذا وقع الإجماع على فعلهما من غير مخالفة لهما، فصار فعل الصلاة قبل ~~الخطبة ثابتا بالسنه والإجماع عليه، فهذا معنى إضافة # فعلهما إلى فعله - صلى الله عليه وسلم -. # وقد قدمت الخطبة على الصلاة في صلاة العيدين في زمن بني أمية. # قيل: سببه أنهم أحدثوا في الخطبة لعن من لا يجوز لعنه، فكان الناس إذا ~~كملت الصلاة انصرفوا وتركوهم، فقدموا الخطبتين لذلك، حكاه القاضي عياض. # وقيل: فعلوا ذلك في كل صلاة لها خطبة، والصلاة مقدمة عليها إلا الجمعة ~~وخطبة عرفة فإنهم أقروهما على ما هما عليه، وإنما قدموا الخطبة على الصلاة ~~نظرا إلى عدم تفويت الناس الصلاة، فأثروا تقديم الخطبة للمحافظة على الصلاة ~~لمن يتأخر. # واختلفوا في أول من فعل ذلك: # فقيل: عثمان - رضي الله عنه - في شطر خلافته الآخر، وروي مثله عن عمر ~~وليس بصحيح عنه (¬1). # وقيل: معاوية (¬2). PageV04P197 # وقيل: مروان بالمدينة في خلافة معاوية (¬1). # وقيل: زياد بالبصرة في خلافة معاوية (¬2). # وقيل: فعله ابن الزبير في آخر أيامه (¬3). PageV04P198 # ثم وقع الإجماع على خلاف ذلك والرجوع إلى فعله - عليه الصلاة والسلام - ~~وصاحبيه. # وقد فرق العلماء بين صلاة العيد والجمعة بفروق. # أحدها: أن خطبة الجمعة شرط لصحة الصلاة، وشأن الشرط أن يقدم. # ثانيها: أن الجمعة فريضة، فأخرت ليدركها المتأخر، لا سيما ولا تقضى على ~~وجهها بخلاف العيد. # ثالثها: للتمييز بين الفرض والنفل. PageV04P199 # فإن قلت: لم قدمت خطبة عرفة دون غيرها من الخطب المسنونة؟ # فالجواب: أن الجمع في عرفة آكد منه في غيرها فبدأ بها ليدركه الناس بخلاف غيرها. # فائدة: الخطبة هنا بالضم وأما خطبة المرأة فبالكسر. PageV04P200 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 144/ 2/ 28 - عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - قال: خطبنا النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال: "من ms0738 صلى صلاتنا، ونسك ~~نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له"، فقال أبو بردة بن ~~نيار خال البراء بن عازب: يا رسول الله إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن ~~اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي، فذبحت شاتي، ~~وتغديت قبل أن آتي الصلاة، قال: "شاتك شاة لحم"، قال: يا رسول الله فإن ~~عندنا عناقا (¬1) هي أحب إلي من شاتين، أفتجزىء عني؟ قال: "نعم ولن تجزي عن ~~أحد بعدك" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: PageV04P201 # أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في باب الإمامة، ورواه عنه جماعة من ~~الصحابة والتابعين منهم ابن عباس، وأبو جحيفة، وعبد الله بن يزيد الخطمي، ~~وأبو بضرة الغفاري، ومن التابعين الشعبي وأبو إسحاق السبيعي وغيرهما. # ورواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن عمر وجابر بن عبد الله ~~وغيرهما، كما أفاد كل ذلك ابن منده في مستخرجه. # ثانيها: خاله أبو بردة اسمه هانئ، وبه جزم المصنف في حد الخمر، وقيل: ~~الحارث، وقيل: مالك. # وروى ابن طاهر في "إيضاح الإشكال" (¬1) عن الشعبي عن البراء قال: "كان ~~اسم خالي قليلا فسماه النبي - صلى الله عليه وسلم -[كثيرا] (¬2)، وقال [يا ~~كثير] (¬3) إنما نسكنا بعد صلاتنا" (¬4). ثم ذكر هذا الحديث بطوله، ثم قال ~~في باب الخال قد تقدم في باب العم خال البراء بن عازب واسمه سويد بن (حجير) ~~عن خاله، كذا رأيته فيه فتأمله (¬5). PageV04P202 # وأما والد أبي بردة: فالمشهور أنه نيار -[بكسر النون-. # والنير: يطلق على ما وضح من الطريق وعلى لحمة الثوب المقابلة للسدا] (¬1). # وقيل: عمرو، وقيل هبيرة وهو عقبي بدري شهد العقبة الثانية مع السبعين في ~~قول جماعة من أهل السير. # وأمه: أم سعد بنت ساعدة بن جشم [بن] (¬2) حارثة. روى أحاديث واتفقا منها ~~على واحد، ومات ولا عقب له بعد الأربعين. # ثالثها: "الأضحى" يذكر ويؤنث سمي بذلك لوقوع الأضحية فيه. # رابعها: فيه دلالة على الخطبة لعيد الأضحى ولا خلاف فيه. # خامسها: فيه دلالة أيضا على تقديم الصلاة عليها، ms0739 وقد قدمنا الكلام على ~~ذلك في الحديث قبله. # سادسها. أصل "النسك" في اللغة من النسيكة وهي البقرة المذابة المصفاة من ~~كل خلط (¬3). PageV04P203 # والمراد بها هنا: الذبيحة أضحية وقد استعمل فيها كثيرا واستعمله بعض ~~الفقهاء في نوع خاص من الدماء المراقة في الحج، وقد يستعمل فيما هو أعم من ~~ذلك من نوع العبادات، ومنه يقال: فلان ناسك أي متعبد، ومعناه: مخلص عبادته ~~لله تعالى. # وقال ابن يونس: في أول الحج من "شرح التنبيه": النسك: بضم السين [اسم] ~~(¬1) للذبيح والمنسك [به] (¬2) موضع الذبح أي # -بفتح السين وكسرها- كما قرئ بهما (¬3)، وقد يراد به موضع العبادة، وهو ~~بإسكان السين اسم لكل عبادة. # سابعها: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "من صلى صلاتنا" أي مثل صلاتنا. # وقوله: "ونسك" ... (¬4) نسكنا" أي مثل نسكنا. # وقوله: "فقد أصاب النسك" أي فقد أصاب مشروعية النسك أو ما قارب ذلك. # ثامنها: قوله: "ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له" معناها لا يقع مجزيا في ~~الأضحية وظاهر اللفظ [أن] (¬5) المراد منه قبل فعل الصلاة. PageV04P204 # ولم يتعرض لذكر الخطبتين وهما معتبران عند الشافعي لكونهما مقصودتين مع ~~الصلاة، فإن وقت الأضحية لا يدخل إلا بمقدار الصلاة [والخطبتين عنده، ومذهب ~~غيره اعتبار فعل ذلك، وهو ظاهر اللفظ، فإن إطلاق لفظ الصلاة] (¬1) وإرادة ~~وقتها خلاف # الظاهر. # قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الأضحية لا تجوز قبل طلوع الفجر، واختلفوا ~~فيما بعد ذلك (¬2): # فقال الشافعي وداود: يدخل وقتها إذا طلعت الشمس، ومضى قدر صلاة العيد ~~وخطبتين، أي خفيفات، فإذا ذبح بعد هذا الوقت # أجزأه، سواء صلى الإمام أم لا، وسواء صلى المضحي أم لا، وسواء كان من أهل ~~الأمصار أو من أهل القرى أو البوادي أو المسافرين، وسواء ذبح الإمام أضحيته ~~أم لا ووافقهما ابن المنذر. # وقال عطاء وأبوحنيفة: يدخل وقتها في حق أهل القرى والبوادي إذا طلع الفجر ~~الثاني، ولا تدخل في حق أهل الأمصار حتى يصلي الإمام، ويخطب، فإن ذبح قبل ~~ذلك لم تجزئه. # وقال مالك: لا يجوز إلا بعد صلاة الإمام وخطبته وذبحه. # وقال أحمد: ms0740 لا تجوز قبل صلاة الإمام وتجوز بعدها قبل ذبح PageV04P205 # الإمام وسواء عنده أهل القرى والأمصار، ونحوه عن الحسن والأوزاعي وإسحاق ~~بن راهويه. # وقال الثوري: تجوز بعد صلاة الإمام وقبل خطبته وفي أثنائها. # وقال ربيعة: فيمن [لا إمام له] (¬1) إن ذبح قبل طلوع الشمس لا تجزئه، ~~وبعد طلوعها يجزئه. # وقال أهل الرأي: يجزيهم بعد الفجر، وهو قول ابن المبارك لإضافة الفجر إلى اليوم. # فهذه سبعة مذاهب، وظاهر هذا حجة على من خالفه بالنسبة إلى الصلاة ولما ~~كانت الخطبتان مقصودتين في هذه العبادة اعتبرهما # الشافعي ومن وافقه. # فرع: قد عرفت المذاهب في ابتداء وقت النحر وأما انتهاؤه ففيه أوجه (¬2): # أحدها: إلى غروب آخر التشريق، وهو قول الحسن وعطاء والشافعي والأوزاعي. # ثانيها: إلى غروب ثاني التشريق، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والثوري وأحمد، ~~وروي عن أبي هريرة وأنس وغيرهما. # ثالثها: لا يجوز إلا في يوم النحر خاصة، قاله ابن سيرين. PageV04P206 # رابعها: يجوز لأهل الأمصار يوم النحر خاصة، ولأهل القرى يوم النحر وأيام ~~التشريق. # [خامسها] (¬1): يجوز في جميع ذي الحجة حكاه القاضي عياض (¬2). # سادسها: يوم النحر وستة أيام بعده. قاله قتادة. # واختلفوا: في جواز التضحية في ليالي أيام الذبح. # فقال الشافعي: يجوز مع الكراهة وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور ~~والجمهور. # وقال مالك في المشهور عنه وعامة أصحابه ورواية عن أحمد: لا يجزئه في ~~الليل بل تكون شاة لحم، وحكي عن أصحاب الرأي أيضا. # وقال أشهب: يجوز الهدي دون الأضحية. # تاسعها: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "شاتك شاة لحم" أي ليست أضحية، ~~ولا ثواب فيها، بل هو لحم ينتفع به، كما جاء في رواية أخرى "إنما هو لحم ~~قدمته لأهلك" فيستنبط من هذا أن من ذبح قبل الصلاة لم [يكن] (¬3) ناسكا، ~~وأن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر لم يكن الجهل عذرا فيها، وهو: PageV04P207 # الوجه العاشر: وقد فرق بين المأمورات والمنهيات في ذلك فيعذر في المنهيات ~~بالنسيان والجهل كما في حديث معاوية ابن الحكم حين تكلم في الصلاة، ولا ~~يعذر في المأمورات ms0741 لأن المقصود فيها إقامة مصالحها، ولا يحصل ذلك إلا ~~بفعلها، بخلاف المنهيات # فإنها مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانا للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما ~~يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب النهي، ~~فعذر بالجهل فيه (¬1). # تنبيه: الإضافة قسمان: معنوية، ولفظية: # الأولى: ثلاثة أقسام: # مقدرة بمن: كخاتم حديد، أو باللام كغلام زيد. # أو بفي كضرب اليوم أي ضرب في اليوم، ولا يصح شيء من ذلك في قوله عليه ~~الصلاة والسلام: "شاة لحم". # وأما اللفظية: فحقيقتها أن تكون صفة مضافة إلى معمولها كضارب زيد، وحسن ~~الوجه، و"شاة لحم" ليست كذلك أيضا. # قال الفاكهي: والذي يظهر ليس في ذلك أنه لما اعتقد أبو بردة أن شاته نسك ~~أوقع - عليه الصلاة والسلام - قوله: "شاة لحم" # موقع قوله: شاة غير نسك أو شاة غير أضحية. فهو كلام محمول على المعنى. # الحادي عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "ولن تجزي PageV04P208 # عن أحد بعدك" هو بفتح التاء المثناة فوق غير مهموز ومعناه لن تقضي يقال: ~~جزى عني كذا أي قضى. أي أن الذي فعله من الذبح قبل الصلاة لم يقع نسكا ~~فالذي يقع بعده لا يكون قضاء [عنه] (¬1) وهذا الذي ضبطناه [في] (¬2) تجزي ~~-بفتح التاء- هو في جميع الطرق والروايات. # وذكر الجوهري (¬3): أن فيه لغة أخرى أجزأت [عنك] (¬4) وعلى هذا يجوز ~~الضم، وقال الشيخ تقي الدين (¬5) في -الفتح-: إنه الذي اختير فيه، وكذا قال ~~البغوي (¬6): إنه بغير همز مع -فتح أوله- قال تعالى: {لا تجزي نفس عن نفس ~~شيئا} (¬7)، أي لا يقضي عنها، فإن كان بمعنى الكفاية؟ # قلت: جزاء عني، وإجزاء بالهمز. # وقال ابن بري: الفقهاء [(¬8)] يقولون لا تجزىء عنك أي لا تقضي، بضم التاء ~~مع ترك الهمزة. # والصواب: -فتح التاء- مع ترك الهمزة أيضا ويجوز PageV04P209 # -الضم- مع الهمزة لأنه يقال أجزأت عنك شاة تجزئ لغة في قولهم جزت عنك تجزي. # الثاني عشر: "العناق" بفتح العين: الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له ~~سنة [فإذا] (¬1) قوي ورعى وأتى عليه حول قيل للذكر منه: عتود. # وقال بعضهم: هي الصغير من ms0742 أولاد المعز ما دامت ترضع ولهذا قال في بعض ~~روايات الحديث في مسلم عندي "عناق لبن" أي صغيرة قريبة مما ترضع. # وجمع العناق: أعنق وعنوق. # وعبارة القاضي عياض (¬2) العناق: جذع المعز. # وقوله: "هي أحب إلي من شاتين"، وفي مسلم: "عندي عناق لبن هي خير من شاتي ~~لحم". ومعناه أطيب لحما وأنفع لسمنها ونفاستها، وفي رواية لمسلم: "ليس عندي ~~إلا جذعة وهي خير من مسنة"، وفي رواية (¬3): "أن عندي داجنا جذعة من ~~المعز"، وفي ذلك إشارة إلى أن المقصود في الضحايا طيب اللحم لا كثرته، وهذا ~~بخلاف العتق فإن كثرة العدد فيه أفضل. # الثالث عشرة صرح في الحديث بتخصيص أبي بردة بإجزائها في هذا الحكم عما ~~سبق ذبحه فامتنع قياس غيره عليه لكن قد وقع PageV04P210 # ذلك أيضا لعقبة بن عامر. وزيد بن خالد رضي الله عنهما ففي الصحيحين أنه ~~عليه الصلاة والسلام أعطى عقبة بن عامر عتودا وقال: "ضح به أنت"، وفي ~~البيهقي بإسناده الصحيح عن عقبة: "أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~غنما أقسمها ضحايا بين أصحابي فبقي عتود منها فقال ضح بها أنت ولا رخصة ~~لأحد فيها بعدك" (¬1). # قال البيهقي: وإذا كانت هذه الزيادة محفوظة كان هذا رخصة له كما رخص لأبي بردة. # وعلى هذا يحمل ما روي عن زيد بن خالد أنه عليه الصلاة والسلام: "أعطاه ~~عتودا جذعا فقال ضح به فقلت إنه جذع من المعز أضحي به قال: نعم ضح به فضحيت ~~به"، ورواه أحمد وابن حبان (¬2) كذلك. ورواه أبو داود أيضا وليس في روايته ~~"من المعز" لكنه معلوم من قوله "عتود" فإن العتود من أولاد المعز خاصة وهو ~~ما رعى وقوي. # قال الجوهري وغيره: هو ما بلغ سنه وجمعه اعتده [وعدان] (¬3) بإدغام التاء ~~في الدال. PageV04P211 # ومعلوم أنه لا يجزئ في الأضحية وإنما يجزئ الجذع من الضأن (¬1). # وأجاب بعضهم: بنسخ حديث عقبة بحديث أبي بردة لقوله: "ولن تجزئ عن أحد ~~بعدك" وفيه نظر، كما قال الشيخ زكي الدين (¬2) فإن في حديثه أيضا: "ولا ~~رخصة لأحد فيها ms0743 بعدك" وأيضا فإنه لا يعرف المتقدم منهما من المتأخر وقد ~~أشار البيهقي (¬3) إلى أن الرخصة أيضا لعقبة وزيد بن خالد كما كانت لأبي بردة. # فائدة: قال الفاكهي: انظر الحكمة في اختصاص أبي بردة بهذا الحكم واطلب ~~السر فيه. # قلت: قد أفاده الماوردي (¬4) حيث قال في اختصاص الأجزاء بأبي بردة وجهان: # أحدهما: لأنه كان قبل استقرار الشرع فاستثناه. # والثاني: أنه علم من طاعته وخلوص نيته ما ميزه عمن سواه. # قال: واختلفوا هل كان ذلك بوحي أو اجتهاد على قولين. # تنبيه: أبعد الأوزاعي حيث جوز الأضحية بجذع المعز وحكي عن عطاء (¬5)، وبه ~~قال بعض الشافعية أيضا: وهو مصادم للنص. PageV04P212 # الرابع عشر: يؤخذ من الحديث إن لله تعالى أن يخص ببعض الأحكام التي منع ~~الناس منها من شاء على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - بعذر وغيره ويؤخذ ~~منه أيضا وهو الوجه. # الخامس عشر: أن المرجع في الأحكام إليه - صلى الله عليه وسلم - دون غيره. # ومن رجعت إليه من أمته فإنما هو بإذنه - صلى الله عليه وسلم -. # السادس عشر: يؤخذ منه أيضا أن يوم الأضحى يوم أكل وشرب يحرم الصوم فيه ~~حيث وصفه بالأكل والشرب. PageV04P213 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 145/ 3/ 28 - عن جندب بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - قال: صلى بنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح، وقال: "من ~~ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح [باسم الله] " (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: "جندب" بضم أوله وثالثه بينهما نون ساكنة. ويقال: بفتح ثالثه. وعن ~~المنذري الحافظ، كسر أوله، وفتح ثالثه. وكأنه قاله لغة من واحد الجنادب ~~الذي هو طائر، لا وضعا في هذا الاسم المعين. PageV04P214 # قال الجوهري (¬1): الجندب، والجندب ضرب من الجراد، واسم رجل. قال سيبويه: ~~نونها زائدة. وقال أبو زيد: يقال: وقع القوم في [أم] (¬2) جندب، إذا ~~أظلموا، فإنها اسم من أسماء الإساءة- والظلم والداهية. # وهو جندب بن عبد الله بن سفيان. ويقال: فيه ابن سفيان وكأنه نسبة إلى ~~(¬3) جده أبي عبد الله ms0744 البجلي -بفتح الجيم- كما سيأتي العلقي -بفتح أوله ~~وثانيه وكسر ثالثه-. وعلقة (¬4): حي من بجيلة. # له صحبة. ويقال له جندب الخير (¬5) نزل الكوفة ثم تحول إلى البصرة فحديثه ~~عند البصريين جميعا، روى عنه الحسن وجماعة. روي له عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ثلاثة وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على سبعة، ~~وانفرد مسلم بخمسة، مات سنة أربع وستين. # فائدة: في الرواة جندب بن عبد الله أربعة ذكرتهم فيما أفردته PageV04P215 # في الكلام (¬1) على رجال هذا الكتاب فاستفدها منه. # الثاني: "البجلي" بفتح الباء الموحدة والجيم، ثم ياء النسب نسبة إلى ~~قبيلة بجيلة، وهو ابن أنمار بن إراش (¬2)، ويشتبه "بالبجلي" # بإسكان الجيم وهم جماعة، منهم عمرو بن عبسة السلمي الصحابي و"بالنحلي"، ~~و"بالبجكي"، و"بالبخلي" (¬3)، وقد ذكرتهم في "إيضاح مشتبه الأسماء ~~والأنساب" فليراجع منه. # الثالث: معنى هذا الحديث معنى الذي قبله من حيث إن الأضحية لا يدخل وقتها ~~إلا بعد الصلاة والخطبة، وهو الأظهر في اعتبار فعل الصلاة من الذي قبله، ~~فإن الأول اقتضى تعليق الحكم بلفظ الصلاة وهذا لم يعلق فيه الحكم بلفظ فيه ~~الألف واللام، إلا أنه # إن أجريناه على ظاهره اقتضى أنه لا تجزئ الأضحية في حق من لم يصل صلاة ~~العيد أصلا. # قال الشيخ تقي الدين (¬4): فإن ذهب إليه أحد فهو أسعد الناس PageV04P216 # بظاهر هذا الحديث، وإلا فالواجب الخروج عن الظاهر في هذه الصورة، ويبقى ~~ما عداها بعد الخروج عن الظاهر في محل البحث. # قلت: هذا إذا قرئ قوله: "قبل أن يصلي" بالياء وهو محفوظنا، فإن قرئ ~~"بالنون" زال هذا الإشكال، وفي رواية أخرى لمسلم: "قبل أن يصلي، أو نصلي". # قال النووي (¬1) في شرحه الأول بالياء والثاني بالنون، والظاهر أنه شك من ~~الراوي، وفي وجه ضعيف عندنا أنه يعتبر مضي زمن # الصلاة فقط بغير خطبة، وضعفه إمام الحرمين. # الرابع: قد يستدل بصيغة الأمر في قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فليذبح ~~أخرى" إحدى طائفتين إما أن يرى أن الأضحية واجبة، وأما من يرى أنها تتعين ~~بالشراء بنية الأضحية، أو بغير ذلك، من غير ms0745 اعتبار لفظ في التعيين، نبه ~~عليه الشيخ تقي الدين (¬2): قال: وإنما قلت ذلك لأن اللفظ المعين للأضحية ~~من صيغة النذر أو غيرها قليل نادر، وصيغة "من" في قوله: "من ذبح" صيغة عموم ~~واستغراق في حق كل من ذبح قبل أن يصلي، وقد ذكرت لتأسيس قاعدة وتمهيد أصل، ~~وتنزيل صيغ العموم التي ترد لتأسيس القواعد على الصورة النادرة أمر مستكره، ~~على ما قرر في قواعد التأويل في فن الأصول. PageV04P217 # [فإذا] (¬1) تقرر هذا -وهو استبعاد حمله على الأضحية المعينة بالنذر، أو ~~غيره من الألفاظ- فيبقى التردد في أن الأولى حمله على من سبق له أضحية ~~معينة بغير اللفظ، أو حمله على إبتداء الأضحية من غير سبق تعيين. # قلت: والقائل بوجوب الأضحية هو أبو حنيفة والأوزاعي والليث وآخرون. # والمشهور من مذهب مالك: أنها سنة على كل مسلم قادر عليها من أهل الأمصار ~~والقرى والمسافرين، إلا الحاج بمنى فإنه لا أضحية عليهم. # وقال الشافعي وأحمد: هى مستحبة إلا أن أحمد قال: لا يستحب تركها مع ~~القدرة عليها (¬2). # والقائل بأن الأضحية تتعين بنفس الشراء بنية الأضحية هو المعروف من مذهب ~~مالك كالتقليد والإشعار في الهدي، فهي تتعين عندهم بثلاثة أمور: # بالتزام اللسان. # أو بنية الشراء. # أو بالذبح. # الخامس: قد يستدل بهذا الحديث من اعتبر ذبح الإمام بعد صلاته وخطبته، لأن ~~فعله - عليه الصلاة والسلام - مورد لبيان PageV04P218 # الأحكام وقوله - عليه الصلاة والسلام -: "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح ~~أخرى" مكانها إنما كان بعد ذبحه، فكأنه قال: من ذبح قبل فعلي هذا من الصلاة ~~والخطبة والذبح. فليذبح أخرى مكانها، أي فلا يعتد بما ذبحه أولا أضحية، ~~وهذا الاستدلال غير مستقيم لمخالفته التقييد بلفظ الصلاة، والتعقيب بالفاء ~~من غير مهلة، والخطبة إنما اعتبرناها في وقت عدم جواز الأضحية تبعا للصلاة، ~~وأما الذبح فلا يصلح اعتباره لمنع دخول وقتها، بل هو دليل لنا على جواز ~~الذبح لما قررناه من أن فعله - عليه الصلاة والسلام - حجة للأمة ما لم يرد ~~دليل لتخصيصه به. # السادس: قوله - عليه الصلاة والسلام - "فليذبح باسم الله" ms0746 قال الكتاب من ~~أهل العربية: إذا قيل: باسم الله، تعين كتبه بالألف، # وإنما تحذف الألف، إذا كتبت: بسم الله الرحمن الرحيم بكمالها (¬1). # ومعناه: فليذبح قائلا باسم الله، أو مسميا، أو متبركا، فالمجرور متعلق ~~بمحذوف حال من الضمير في "يذبح"، هذا هو الصحيح في معناه. PageV04P219 # وقال القاضي يحتمل أربعة أوجه: # أحدها: [أن يكون معناه فليذبح لله، والباء بمعنى اللام، والاسم هو المسمى (¬1). # وثانيها: معناه] (¬2) فليذبح بسنة الله، وحذف اختصارا. # وثالثها: بتسمية الله تعالى على ذبيحته إظهارا للإسلام ومخالفة لمن ذبح ~~لغيره، وقمعا للشيطان. # ورابعها: تبركا باسمه وتيمنا بذكره، كما تقول: سر على بركة الله، وكره ~~بعض العلماء أن يقال افعل كذا على اسم الله، قال: لأن اسمه تعالى على كل ~~شيء. وهذا ليس بشيء، وهذا الحديث يرد عليه (¬3). # السابع: التسمية على الذبيحة سنة عند الشافعي، وهو رواية عند مالك وأحمد ~~[وجمهور العلماء] (¬4). وواجبة عند بعضهم. PageV04P220 # قال ابن سيرين والشعبي: إذا ذبح المسلم من غير تسمية حرمت، سواء تركها ~~عمدا أو سهوا، وهو الصحيح عن أحمد في صيد الجوارح. # وقال الثوري وأبو حنيفة وجماعة: إن تركها عامدا لم تحل، وإن تركها ناسيا ~~تحل، وهو الصحيح في مذهب مالك (¬1). # وحجة الجمهور حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري (¬2) قالت: إن قوما ~~قالوا: يا رسول الله إن [(¬3)] قوما حديثي عهد بجاهلية يأتونا بلحمان لا ~~ندري أذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا، أنأكل منها أم لا؟ فقال: "اذكروا ~~اسم الله وكلوا"، فلو كانت التسمية شرطا للإباحة لكان الشك في وجودها مانعا ~~من أكلها كالشك في الذبح. PageV04P221 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 146/ 4/ 28 - عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: شهدت مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - (¬1) يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا آذان ~~ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله تعالى، وحث على طاعته، ~~ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن، وقال: "تصدقن ~~فإنكن أكثر حطب جهنم"، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم ~~يا رسول ms0747 الله؟، قال: "لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير"، [قال] (¬2) ~~فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتيمهن (¬3). # الكلام عليه من ثلاثة وأربعين وجها، والتعريف براويه سلف في آخر باب ~~الجنابة. PageV04P222 # الأول: قوله: "شهدت" معناه: حصرت. والمفعول محذوف، أي شهدت الصلاة يوم ~~العيد، فيوم العيد ظرف لا مفعول به، ويستنبط من ذلك شهود صلاة العيد مع ~~الإمام. # الثاني: قوله "بدأ" هو بالهمز لأنه بمعنى ابتدأ، وأما بدا بمعنى ظهر فغير ~~مهموز ويستنبط من هذا البدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقد # سلف ذلك واضحا في الحديث الأول، فلو خطب قبل الصلاة أساء، وفي احتسابها ~~احتمال لإمام الحرمين. # الثالث: فيه أيضا عدم [الأذان] (¬1)، والإقامة لصلاة العيد وهو إجماع ~~اليوم، وهو المعروف من فعل الشارع وخلفائه الراشدين، # ونقل عن بعض السلف فيه شيء خلاف إجماع من قبله ومن بعده [فروي] (¬2) عن ~~معاوية إنه أحدث الأذان لها. # وقيل: زياد وهو الأشبه، كما قال القرطبي (¬3)، وهذا PageV04P223 # الحديث وغيره يرد على من أخذ بذلك. # [و] (¬1) من غرائب الجيلي (¬2) حكايته، [وجه] (¬3) أنه يؤذن لها، ووجه ~~آخر أنه يكره فقط. # وكأن سبب تخصيص الفرائض بالأذان، تمييزها به عن النوافل إظهارا لشرفها. # وأشار بعضهم إلى معنى آخر: وهو أنه لو دعى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إليها لوجبت الإجابة، وذلك مناف لعدم وجوبها، وهذا حسن كما قال الشيخ (¬4) ~~تقي الدين بالنسبة إلى من يرى أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان. # قال العلماء (¬5): ويستحب أن يقال فيها: الصلاة جامعة PageV04P224 # بنصبهما الأول على الإغراء، والثاني على الحال، لما روى الشافعي (¬1) عن ~~الزهري أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يأمر أن ينادى للعيد والاستسقاء: ~~"الصلاة جامعة" (¬2). # وقال القاضي حسين من أصحابنا: يقول: الصلاة، الصلاة، فقط. # فلو قال: حي على الصلاة، قال في العدة: هو مندوب. # وقال الدارمي (¬3) وسليم: مكروه. # وقال أبو الطيب وغيره: لا بأس به. PageV04P225 # وقال النووي في "شرح المهذب" (¬1): الصواب: أنه خلاف الأولى، ولا بأس: ~~بهلموا إلى الصلاة، كما قال في "الروضة" (¬2). # ونقل ابن الرفعة كراهتها أيضا عن النص، ولو أذن ms0748 وأقام كره على النص. # الرابع: قوله: "ثم قام متوكئا على بلال"، التوكؤ: التحامل، والمراد هنا: ~~الميل في قيامه متحاملا على بلال، فيؤخذ منه القيام في الخطبة، والتوكؤ على ~~شيء، ولو على آدمي، ولا يتعين القوس والعصا، كما قاله الفقهاء، وجواز ~~استعانة العالم بمن هو في خدمته. # الخامس: قوله: "فأمر بتقوى الله" إلى آخره، أما التقوى فأصلها وقوي، ~~لأنها من وقى يقي، فأبدلت الواو تاء كما أبدلت في تراب ولخمة، والأصل وراب، ~~ووخمة فكأن المتقي يجعل بينه وبين النار وقاية، قالوا: وهي عبارة عن امتثال ~~أمر الله واجتناب نهيه. # قال الغزالي: وكأن الخير كله جمع وجعل تحت هذه الخصلة التي هي التقوى. # وقد قال بعض المريدين لشيخه: أوصني، فقال: أوصيك بما أوصى الله به ~~الأولين والآخرين، وهو قوله تعالى: {ولقد وصينا الذين # أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} (¬3)، ولبعضهم: PageV04P226 # ليس زاد سوى [التقى] (¬1) ... فخذي منه أو دعي # [فأما] (¬2) الحث فمعناه: حرض، وحرص. # وأما الطاعة: فهي الانقياد للأمر، وأصلها طوعة، لأنها من طاع يطوع إذا ~~انقاد، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهي اسم للمصدر، ~~والمصدر: الطاعة والحث على الطاعة يكون بأمرين: # الأول: بالترغيب في الجزاء عليها. # والثاني: بالترهيب من تركها بفوات ثوابها، وترتب العقاب عليه. # وأما الوعظ: فهو الأمر ومنه قوله تعالى: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} ~~(¬3)، أي تأمرون، وقوله تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة} (¬4)، أي آمركم، وهو ~~النصح أيضا، والتذكير بالعواقب وعظته وعظا وعظة واتعظ، أي قبل الموعظة، ~~يقال: السعيد من وعظ بغيره، والشقي من اتعظ به غيره. # وأما التذكير: فيكون بالنعم، ودفع النقم، واستحقاق الله سبحانه الطاعة ~~والتنزيه والتحميد والتوحيد والشكر على ذلك كله، وعلى التوفيق له وهذه ~~المذكورات الأربع هي مقاصد الخطبة، ولا PageV04P227 # شك أن الوصية بالتقوى واجبة في الخطبة الواجبة، لكن لا يتعين لفظها على ~~الصحيح عندنا مع الاتفاق على أن الأولى الإتيان بلفظها، وما كان واجبا في ~~ما هو واجب، هل يكون واجبا في ما هو مسنون، فيه أوجه لأصحابنا، أصحها. نعم ~~[فيما] ms0749 (¬1) يتأدى به الواجب في الخطبة الواجبة يتأدى به السنة في الخطبة ~~المسنونة، ولم يذكر [الراوي] (¬2) في هذا الحديث ذكر الحمد، لأن ذلك معلوم ~~من خطبته - صلى الله عليه وسلم -. # السادس: قوله: "ثم مضى حتى أتى النساء [فوعظهن وذكرهن، وقال تصدقن" هذا ~~المعنى إلى النساء] (¬3) صريح في أنه كان بعد الفراغ من الخطبة، ووقع في ~~رواية لمسلم (¬4) ما يوهم أنه - عليه الصلاة والسلام - "نزل من المنبر في ~~أثناء الخطبة، فأتى النساء فوعظهن"، لا بعد الفراغ منها، وقطع القاضي عياض ~~(¬5) به، وقال: كان ذلك [في أول الإسلام، وهو خاص به دون غيره وليس كما ~~قال، وقد وقع في مسلم] (¬6) أيضا من حديث جابر (¬7) هذا أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - "صلى ثم خطب الناس، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن". PageV04P228 # السابع: فيه تخصيص النساء بالوعظ والتذكير في مجلس غير مجلس الرجال، إذا ~~لم يترتب عليه مفسدة، وهو حق على الإمام أن يفعله، كما قاله عطاء، وهو ~~السنة، وإن أنكره عليه القاضي. # الثامن: فيه أيضا حضور النساء في صلاة العيد، وكان هذا في زمنه - صلى ~~الله عليه وسلم -، حضورهن أيضا مطلقا سواء المخبآت وغيرهن، وأما اليوم فلا ~~تخرج الشابة ذات الهيئة، ويخرج غيرها ممن لا هيئة لها، ولهذا قالت عائشة ~~-رضي الله عنها-: لو رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ما أحدث النساء ~~بعده لمنعهن المساجد كما منعت نساء نبي إسرائيل" (¬1). # واختلف العلماء من السلف في خروجهن للعيد، فرأى ذلك جماعة حقا عليهن، ~~منهم أبو بكر وعلي وابن عمر وغيرهم. # ومنهم من منعهن ذلك، منهم عروة والقاسم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك ~~وأبو يوسف، وأجازه أبو حنيفة مرة، ومنعه أخرى. # ومنع بعضهم في الشابة دون غيرها، وهو مذهب مالك وأبي يوسف. # قال الطحاوي: [و] (¬2) كان الأمر بخروجهن أول الإسلام لتكثير PageV04P229 # المسلمين في أعين العدو، ونازعه غيره [وقال] (¬1) هذا يحتاج إلى تاريخ ~~أيضا فليس النساء مما يرهب بهن العدو (¬2). PageV04P230 # التاسع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "تصدقن" فيه الأمر بالصدقة لأهل ~~المعاصي والمخالفات. # العاشرة: فيه التبيه على ms0750 أن الصدقة من دوافع عذاب جهنم. # الحادي عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فإنكن أكثر حطب جهنم"، جهنم ~~اسم من أسماء النار أعاذنا الله منها، وقد تقدم # الكلام عليها في الحديث الثالث من باب جامع: # وحطبها: وقودها. # والحصب: في لغة أهل اليمن والحبشة، الحطب، وإنما كن كذلك لعدم طاعة الله ~~تعالى في أنفسهن وأزواجهن وشكرهن لله تعالى على نعمه. # الثاني عشر: فيه إشارة إلى الإغلاظ في النصح بالعلة التي تبعث على إزالة ~~العيب أو الذنب الذي يتصف بهما الإنسان. # الثالث عشر: فيه أيضا لعناية بذكر ما تشتد الحاجة إليه للمخاطبين. PageV04P231 # [الرابع عشر، فيه أيضا بذل النصيحة لمن يحتاج إليها والسعي فيها إليه] (¬1). # [الخامس عشر (¬2)]: قوله: "فقامت امرأة من سطة النساء" (¬3) هذه المرأة ~~لا أعلم من سماها بعد البحث عنها. # والسطة: بكسر السين المهملة، وفتح الطاء المخففة وأصل هذه اللفظة من ~~الوسط الذي هو الخيار (¬4). # ووقع في بعض نسخ مسلم (¬5) "من واسطة النساء"، يقال: فلان (¬6) من أوساط ~~قومه، وواسطة قومه ووسط قومه، وقد PageV04P232 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P233 # وسط [(¬1)] وساطة وسطة، ويقال وسطت القوم أسطهم وسطا [وسطة] (¬2)، أي ~~توسطتهم. # قال القاضي عياض (¬3): معنى هذه اللفظة: الخيار، أي من خيار النساء. # والوسط: العدل، والخيار، قال: وزعم بعض الفضلاء الحذاق: أن الرواية فيها ~~تصحيف وتغيير من بعض رواة صحيح مسلم، وأن الأصل في الرواية: "من سفلة ~~النساء"، فاختلطت الفاء باللام فصارت طاء، ويؤيد ذلك رواية ابن أبي شيبة ~~والنسائي (¬4) "من سفلة النساء". # وفي رواية لابن أبي شيبة (¬5): "فقامت امرأة ليست من علية النساء"، وهذا ~~ضد التفسير الأول ويعضده قوله: "بعده [سفعاء] (¬6) PageV04P234 # الخدين" وأقره على ذلك القرطبي (¬1). # وقال الفاكهي: الأظهر عندي ما قاله القاضي. # وأما النووي (¬2): فقال هذا الذي ادعوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي ~~صحيحة، وليس المراد بها خيار النساء كما فسره # القاضي، بل المراد: امرأة في [وسط] (¬3) النساء جالسة في وسطهن. # قال الجوهري (¬4) وغيره من أهل اللغة: يقال: [وسط] (¬5) القوم أسطهم وسطا ~~[وسطة] (¬6)، أي توسطتهم. وقد أسلفت ذلك. # فالحاصل من تفسير هذه اللفظة ثلاثة أشياء: # خيار ms0751 النساء. PageV04P235 # وسفلة النساء. # وجالسة في وسطهن. # السادس عشر: قوله: "سفعاء الخدين" هو -بضم السين وفتحها- حكاهما صاحب ~~المطالع، قال: وهو شحوب وسواد في الوجه. # وفي البارع والصحاح: هو سواد الخدين من المرأة الشاحبة. # وقال الأصمعي: هو حمرة يعلوها سواد. # وقال الشيخ تقي الدين (¬1) الأسفع، والسفعاء: من أصاب خده لون يخالف لونه ~~الأصلي، من سواد أو حمرة أو غيره (¬2). # السابع عشر: "الشكاة" -بفتح الشين- الشكوى، وألفها منقلبة عن واو، ~~كالصلاة والزكاة، والشكاة والشكاية كله بمعنى واحد، أي يكتمن الإحسان، ~~ويظهرن الشكوى، ولا شك أن الشكاية جائزة إذا اضطرت إليها، فإذا أكثرت منها ~~دل ذلك على عدم الرضا # بقضاء الله تعالى، فاقتضى دخول النار. PageV04P236 # قال الشيخ تقي الدين (¬1): وهذا السبب في الشكاية: يجوز [أن يكون راجعا ~~إلى ما يتعلق بالزوج، وجحد حقه. # ويجوز أن يكون راجعا] (¬2) إلى ما يتعلق بالله تعالى من عدم شكره، ~~والاستكانة لقضائه. # قال الفاكهي: والأول أظهر، لأن الشكاية لله غير مختصة بالنساء. # الثامن عشر: "العشير"، قال أهل اللغة: هو المعاشر والمخالط. ومعناه هنا: ~~عند الأكثرين: الزوج، وهو معدول عن اسم الفاعل للمبالغة. # وقيل: هو كل مخالط، وقد أحسن الحريري -رحمه الله-، حيث قال: وأفي (¬3) ~~العشير وإن لم يواف بالعشير. # أراد بالأول المعاشر، وبالثاني العشر، فإنه يقال عشر وعشير و [معشار] ~~(¬4) بمعنى. PageV04P237 # وقال الخليل: هو العشير [والشعير] (¬1) على القلب. # التاسع عشر: معنى "الكفر" هنا: جحد الإحسان لضعف عقلهن، وقلة معرفتهن، ~~فإن الزوج قوام على المرأة بالنفقة والكسوة والسكنى، وغض بصرها عن المحارم، ~~وقيام حرمتها به وسترها، وقد بين [الله] (¬2) ذلك، في كتابه، فقال تعالى: ~~{الرجال قوامون على النساء ...} (¬3) الآية. # واعلم أن الكفر عند الإطلاق لا يطلق إلا على الكفر المنافي للإسلام، وقد ~~يطلق على الكفر المنافي لكماله، لقصد التنبيه على عظم قبحه شرعا وعادة، لا ~~للخروج من الإسلام. # العشرون: في الحديث سؤال الواعظ والمذكر حال وعظه وتذكيره عما يلبس عليه ~~من العلم وما لا يعلمه. # الحادي والعشرون: فيه أيضا مباشرة المرأة المفتي بالسؤال خصوصا بحضرة ~~النساء. # الثاني والعشرون: فيه أيضا سؤال ms0752 المستفتين للعالم عن العلم للنساء ~~وغيرهم. # [الثالث والعشرون: فيه أيضا جواز كشف المرأة وجهها إذا كانت غير جميلة ~~للاستفتاء بحضرة الرجال والنساء، وقد جوز الفقهاء PageV04P238 # كشف وجه المرأة مطلقا للشهادة عليها (¬1)] (¬2). PageV04P239 # الرابع والعشرون: فيه شكر الإحسان وأهله. # الخامس والعشرون: فيه الصبر، وعدم الشكاية إلى المخلوقين، وقد أمر الله ~~(¬1) تعالى بالصبر في غير آية، وحث عليه، وأن يكون جميلا، وهو الذي لا شكوى ~~فيه ولا جزع، وقد حث الشرع على إنزال الحوائج بالله دون غيره، وأن إنزالها ~~بالله سبب لحصولها وأن إنزالها بالمخلوقين سبب لفواتها. # السادس والعشرون: فيه أيضا تحريم كفران النعم، سواء كانت من مفضول أو ~~فاضل، لأنه جعل سببا لدخول النار، وقد صح أنه # - عليه الصلاة والسلام - قال: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" (¬2). # السابع والعشرون: فيه التنبيه على شكر الله، والثناء عليه، فإنه تعالى ~~خلق الأسباب والمسببات، والهادي لأحسنها، والصارف لسيئها ولا شك أن ذكر ~~النعم والتحدث بها شكرها بالنسبة إليه سبحانه وتعالى، وأما بالنسبة إلى ~~الآدميين فبالمكافأة عليها إن قدر، # وإلا فالثناء على صاحبها والدعاء له، وأما التحدث بها فإن علم أن صاحبها ~~يؤثر التحدث بها وذكرها أمسك عنها. وإن علم أنه يكره ذلك فعلها، وينبغي أن ~~يكون مع ذلك مقصود شرعي من التنبيه على PageV04P240 # مثل فعل المنعم، والاقتداء به في الإحسان، وحكم المكافأة في الثناء عليه ~~والذكر. # الثامن والعشرون: فيه التنبيه على الأعلى بالأدنى، فإنه إذا كان بالشكاية ~~وكفر الإحسان فاعلهما من أهل النار، فكيف بمن ترك الصلاة، وقذف [المحصنات] ~~(¬1)، ورماهم بالكفر والبهتان. # التاسع والعشرون: "الحلي": جمع، والمفرد حلي، وهو بضم الماء المهملة ~~وكسرها، والضم أشهر وأكثر. وقد قرئ بهما في السبع، وأكثر القراء على الضم، ~~والسلام مكسور، والياء مشددة فيهما. # الثلاثون: "الأقرطة": جمع قرط، قال ابن دريد: كل ما علق [في] (¬2) شحمة ~~الأذن فهو قرط، سواء كان من شهبة أو حرز (¬3). # وأما الخرص: فهو الحلقة الصغيرة من الحلى (¬4). # قال القاضي (¬5): قيل: الصواب "قرطهن" بحذف الألف وهو PageV04P241 # المعروف في جمع قرط كجرح وجرحه، ويقال: في ms0753 جمعه قراط كرمح ورماح، وقيل: ~~في جمع قرط قروط، حكاه القرطبي (¬1). # قال القاضي: ولا يبعد صحة أقرطة، ويكون جمع الجمع أي يكون أقرطة جمع ~~قراط، لا سيما وقد صح في الحديث. # الحادي والثلاثون: قد يستأنس بما ذكرناه من تفسير القرط لمسألة مهمة، وهي ~~تنقيب الأذان، وفيها اختلاف للعلماء. # قال الغزالي: هو حرام لأنه جرح لم تدع الحاجة إليه، وبالغ فيه مبالغة ~~شديدة. قال إلا أن يثبت فيه من جهة النقل رخصة، ولم يبلغنا. لكنه قال في ~~"بسيطه"، في زكاة النقدين: وأما ما يختص بالنساء، فالتحلي للأزواج جائز لهن ~~في [المعاصم] (¬2) والمخانق والأذان، وما يعتاد فيه من السوار، والخلخال، وغيره. # فقوله: والأذان فيه مخالفة لما ذكره في "الإحياء". # وقال صاحب "الرعاية" (¬3) الحنبلي: يجوز ثقب أذن الصبية للزينة، ويكره ~~ثقب أذن الصبي. # وقال قاضي خان الحنفي في "فتاويه": لا بأس بتثقيب أذن الصبية، لأنهم ~~كانوا يفعلونه في الجاهلية، ولم ينكر عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. PageV04P242 # الثاني والثلاثون: "الخواتيم"، جمع خاتم وفيه ست لغات: فتح التاء وكسرها ~~وخاتام وخيتام وختام وختم والخاتم (¬1). # والقرط: من أنواع الحلى مأخوذ من الحلية وهي الزينة، وفي رواية في ~~الصحيح: "فجعلن يلقين الفتخ والخواتم". # والفتخ: -بفتح الفاء والتاء المثناة فوق وبالخاء المعجمة- واحدها فتخة. # واختلف في تفسيرها: ففي البخاري عن عبد الرزاق، قال: هي الخواتيم العظام، ~~وقال الأصمعي: هي خواتيم لا فصوص لها. # وقال ابن السكيت (¬2): خواتيم تلبس في أصابع اليد. # قال ثعلب (¬3): وقد تكون في أصابع الواحد من الرجل. # قال ابن دريد: وقد يكون لها فصوص، وتجمع أيضا فتخات وأفتاخ. # الثالث والثلاثون: في الحديث جواز طلب الصدقة للفقراء من الأغنياء عند ~~الحاجة كما استنبطه الصوفية. PageV04P243 # قال الشيخ تقي الدين (¬1): وهو حسن بالشرط المذكور. # الرابع والثلاثون: فيه أيضا جواز تصرف المرأة في مالها وحليها بالصدقة ~~وغيرها بغير إذن زوجها، وقد منعه مالك فيما زاد على الثلث إلا برضى زوجها، ~~والجمهور على جوازه، لأنه - عليه الصلاة والسلام - حث النساء عليها وفعلنها ~~من غير تقييد بإذن زوج، فدل على ms0754 الجواز. # وأجاب بعض المالكية عن ذلك: بأنهن تصدقن بحضرة أزواجهن فإنه الغالب، ~~ولعله لم يفعلن ذلك فيما زاد على الثلث، وهو ضعيف أو باطل، لأن فعلهن ذلك ~~كان في غيبة أزواجهن وهن معتزلات عنهن في حضرته - عليه الصلاة والسلام -. # وقال الشيخ تقي الدين (¬2): من أجاز الصدقة مطلقا من غير تقييد بمقدار ~~معين، فلا بد له من أمر زائد على هذا يقرر به العموم في جواز الصدقة، وكذا ~~من خصص بمقدار معين، فإن الحديث دال على [الجواز] (¬3) من حيث الجملة. # الخامس والثلاثون: فيه أيضا أنه ينبغي للإمام إذا لم يكن في بيت المال ~~شيء من مال أو متاع أو عقار أن يطلب الصدقة للمحتاجين، ويقيم من يتطوع ~~بجمعها لهم، وكذلك كبير القوم يفعل إذا دعت إلى ذلك حاجة أو ضرورة. PageV04P244 # السادس والثلاثون: فيه أيضا المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إليها. # السابع والثلاثون: فيه أيضا الصدقة بجميع أنواع المال وإن كان المتصدق ~~محتاجا إلى ما يتصدق به. # الثامن والثلاثون: فيه أيضا منقبة ظاهرة للنساء المتصدقات ورفع مقامهن في ~~الدين، وامتثال أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أنهن ضعيفات عن ~~التكسب غالبا، وتحصيل الأموال والشح فيهن أغلب من الرجال. # التاسع والثلاثون: فيه أيضا أن النساء إذا حضرن صلاة الرجال أو مجامعهن ~~يكن بمعزل عنهم خوفا من فتنة أو نظرة أو فكر ونحوه، # وهذا كان ينبغي تقديمه قبل الوجه التاسع. # الأربعون: فيه أيضا أن صدقة التطوع لا تحتاج إلى إيجاب وقبول، بل يكفي ~~فيها المعاطاة، لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير [كلام منهن] (¬1)، ~~ولا من بلال، ولا [من] (¬2) غيره، وهذا هو الصحيح عندنا، وبه جزم المحققون، ~~وقال: أكثر أصحابنا العراقيون كما حكاه النووي عنهم في "شرح مسلم" (¬3)، ~~يفتقر إلى إيجاب وقبول باللفظ كالهبة. PageV04P245 # الحادي و [الثاني] (¬1) والأربعون: قيل فيه وجوب الصدقة في الحلي، وجواز ~~تقديم الزكاة إذ لم يسئلهن عن حلولها، وفيه نظر الظاهر أنها صدقة تطوع، ~~ولذلك قال بعضهم: فيه حجة أنه لا زكاة فيه، لقوله في رواية: "ولو من ms0755 ~~حليكن"، ولا يقال هذا في الواجب. # الثالث والأربعون: فيه حجة لمن يرى جواز فعل البكر وفيه نظر، إذ لم يأت ~~فيه عن بكر أنها تصدقت معهن، ولا حضرت ذلك المشهد، نعم في الحديث الآتي ما ~~يشعر بحضورهن كما ستعلمه. PageV04P246 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 147/ 5/ 28 - عن أم عطية نسيبة الأنصارية - رضي الله عنها - قالت: "أمرنا ~~- تعني النبي - صلى الله عليه وسلم -- أن نخرج في العيدين العواتق وذوات ~~الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين". # وفي لفظ: "كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من خدرها، وحتى ~~تخرج الحيض [فيكن خلف الناس] (¬1) فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم، يرجون ~~بركة ذلك اليوم وطهرته" (¬2) (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه "نسيبة" -بضم النون وفتحها، وفتح السين، ثم ياء ~~مثناة تحت، ثم باء موحدة، ثم هاء- وقيل: "نبيشة" -بنون وباء وشين معجمة، ~~حكاه الشيخ تقي الدين (¬4). وفي PageV04P247 # [التلقيح] (¬1) لابن الجوزي: [لسينة] (¬2) بلام ونون، وبخط الصريفيني ~~"لسيبة" بنت كعب، ذكرها الأصفهانيان. # وفي "صحيح أبي عوانة" (¬3) في كتاب الزكاة "لتيبه" بلام، ثم تاء [ثم] ~~(¬4) مثناة تحت، ثم باء ثم هاء، كذا رأيته بالخط. # وفي "تاريخ ابن أبي حاتم" اسم أم عطية "حقة" (¬5) أيضا. # فهذه ستة أقوال، وهي بنت كعب. PageV04P248 # ويقال: بنت الحارث. # قال أبو عمر: نسيبة بنت كعب فيه نظر ليست أم عطية، وإنما هي أم عمارة. # وقال ابن ماكولا (¬1): وابن حبان (¬2): نسيبة -بضم النون- أم عطية. ~~و-بالفتح- أم عمارة. # وذكر ابن سعد أن أم عطية غزت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - سبع غزوات، ~~وشهدت خيبر وكان علي يقيل عندها. وكانت تنتف إبطه بورسه (¬3)، روى (¬4) ~~عنها محمد بن سيرين وغيره. # قال أبو عمر: تعد من أهل البصرة كانت من كبار نساء الصحابة، وكانت تغزو ~~كثيرا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمرض المرضى وتداوي الجرحى، ~~وشهدت غسل ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحكت ذلك فاتقنت، وحديثها ~~أصل في غسل الميت سيأتي في بابه حيث ذكره المصنف إن شاء الله، وكان جماعة ~~من الصحابة وعلماء ms0756 التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت، روت أربعين ~~حديثا اتفقا على ستة، # وقيل: سبعة، وللبخاري حديث، ولمسلم آخر، ولم أر من أرخ وفاتها. PageV04P249 # الثاني: "العواتق": جمع عاتق، وهي الجارية البالغة، وعتقت أي بلغت، # وقيل: التي قاربت البلوغ، # وقيل: هي ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس ما لم تتزوج. # والتعنيس: طول المقام في بيت أبيها بلا زواج حتى تطعن في السن. # سميت: عاتقا لأنها عتقت من [امتهانها (¬1)] في الخدمة والخروج في ~~الحوائج، # وقيل: لأنها قاربت أن تتزوج فتعتق من قهر أبويها وأهلها، وتشتغل في بيت زوجها. # الثالث: "الخدور": جمع خدر وهي البيوت، # وقيل: الخدر ستر في ناحية البيت، وقيل: السرير الذي عليه قبة، حكاه ~~القاضي (¬2)، وجاء في رواية و"المخبأة" وهي مثلها، # قال الفاكهي: والأليق عندي بهذا الحديث القول الثاني وما في معناه من ذكر ~~الخدر، فإنا لو فسرناه هنا بالبيت لم يكن فيه اختصاص أصلا، إذ البيت يجمع ~~البكر و [غيرها] (¬3)، ولا يعنون بذوات الخدور إلا الأبكار. PageV04P250 # الرابع: قولها: "وأمر الحيض" أمر -بفتح الهمزة والميم- أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # الخامس: المقصود بالأمر بإخراجهن جميعهن المبالغة في الاجتماع، وإظهار ~~الشعار، وكان المسلمون إذ ذاك في غاية القلة فاحتيج إلى [المبالغة] (¬1) ~~بإخراج العواتق وذوات الخدور الحيض منهن والطاهرات لذلك". # السادس: في الحديث إشارة إلى أن البروز إلى المصلى هو سنة العيد، سواء ~~فيه الرجال والنساء والجواري، والصبيان، لما فيه من إظهار الشعار، لكن ~~السنة إذا خرج النساء مع الرجال أن يكن في حافات الطريق لا في وسطها، ولا ~~بد من عدم التبرج في حقهن، وأن لا يفتن، ولا يفتتن بهن، وقد تقدم اختلاف ~~الصحابة ومن بعدهم في خروجهن في الحديث قبله، # قال أصحابنا: يستحب إخراج النساء غير ذوات الهيئات والمستحسنات في ~~العيدين دون غيرهن، وأجابوا عن إخراج ذوات الخدور والمخبئات بأن المفسدة في ~~ذلك الزمن كانت مأمونة بخلاف اليوم كما قدمناه في الحديث قبله، [أيضا] (¬2). # السابع: فيه أيضا إشارة إلى أن السنة الخروج لصلاتها إليها وأنه أفضل من ~~فعلها في المسجد ms0757 [من الزمن الأول] (¬3) وعلى هذا PageV04P251 # عمل الناس في معظم الأمصار (¬1)، وأما أهل مكة فلا يصلونها إلا في المسجد ~~من الزمن الأول (¬2). وألحق الصيدلاني والبندنيجي والغزالي في "الخلاصة" ~~والروياني بمسجد مكة المسجد الأقصى، ولم يتعرض له الجمهور كما قاله النووي ~~في "شرح المهذب" (¬3)، وظاهر إطلاقهم أن بيت المقدس كغيره، # واختلف أصحابنا: في الأفضل في حق غيرها هل هو المسجد أو الصحراء على وجهين. # أحدهما: الصحراء أفضل لهذا الحديث وغيره، # وأصحهما: المسجد أفضل إلا أن يضيق على الناس، لأن صلاة أهل مكة في المسجد ~~لسعته، وخروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى PageV04P252 # لضيق المسجد (¬1)، فدل على أن المسجد إذا اتسع أفضل، وبهذا [يقوي] (¬2) ~~ما ذكرناه عن جماعة في بيت المقدس. # الثامن: "أمر الحيض باعتزال مصلى المسلمين" ليس لتحريم حضورهن فيه إذا لم ~~يكن مسجدا، بل إما مبالغة في التنزيه لمحل العبادة في وقتها على سبيل ~~الاستحسان، أو لكراهة جلوس من لا يصلي مع المصلين في محل واحد [في حال ~~إقامة الصلاة، كما # جاء أنه - عليه الصلاة والسلام - قال لرجل: "ما منعك أن تصلي] (¬3) مع ~~الناس ألست برجل مسلم" (¬4)، أو للاحتراز من # مقاربتهن للرجال من غير حاجة ولا صلاة ولصيانتهن، # واختلف أصحابنا في تحريم مكث الحائض في المصلى على وجهين: # أصحهما: المنع لأنه ليس مسجدا. # وقيل: نعم لأنه موضع الصلاة فأشبه المسجد. # التاسع: لا يصح أن يستدل بالأمر بإخراجهن على وجوب صلاة العيدين والخروج ~~إليها، لأن هذا الأمر إنما يوجه لمن ليس بمكلف بالصلاة باتفاق كالحيض، ~~وإنما مقصود هذا الأمر تدريب PageV04P253 # الأصاغر على الصلاة، وشهود دعوة المسلمين ومشاركتهم في الثواب، وإظهار ~~كمال الدين، نبه عليه القرطبي (¬1) في "شرحه". # العاشر: قولها: "فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم ~~وطهرته" فيه إشعار بتعليل خروجهن لأجل ما ذكر ويستثنى خروج الشابة التي ~~يخاف من خروجها الفتنة، كما سلف. # واعلم: أن التكبير للعيدين يشرع في أربعة مواطن. # في السعي إلى الصلاة إلى حين يخرج الإمام (¬2). # وفي أول الصلاة (¬3). # وفي أول الخطبة (¬4). PageV04P254 # وبعد الصلاة كما سيأتي ms0758 بيان تفصيله. # الحادي عشر: فيه جواز ذكر الله للحائض من غير كراهة وكذلك الجنب. # الثاني عشر: فيه أيضا حضور مجالس الذكر والخير لكل أحد من الحائض والجنب ~~ومن في معناهما إلا في المسجد. # الثالث عشر: فيه شرعية التكبير في العيدين لكل أحد، وفي كل موطن (¬1) خلا ~~موضع نهى الشرع عنه وهو إجماع، ويستحب إحياء ليلتي العيد (¬2)، وتقدم مواطن ~~التكبير في العيد ويتأكد استحبابه حال الخروج إلى الصلاة (¬3)، وبه قال ~~جماعة من الصحابة وسلف PageV04P255 # الأمة، وكانوا يكبرون إذا خرجوا حتى يبلغوا المصلي يرفعون أصواتهم، قاله ~~الأوزاعي ومالك والشافعي، قالا (¬1) يكبر إلى أن يخرج الإمام. # وروي عن ابن عباس إنكار التكبير في الطرق وهو مردود (¬2). # وقال أبو حنيفة: [يكبر] (¬3) للخروج في الأضحى دون الفطر (¬4) [وخالفه] ~~(¬5) أصحابه [وقالوا] (¬6): بقول الجمهور. # وقالت المالكية: إن سعى بعد طلوع الشمس وهو المشروع (¬7) PageV04P256 # في ذلك في حق من يمكنه إدراك [(¬1)] الصلاة كبر قطعا وإن [كان] (¬2) سعيه ~~قبل طلوعها فثلاثة أقوال عندهم. # ثالثها: يكبر إن أسفر وإلا فلا. # وأما التكبير: بتكبير الإمام في الخطبة فمالك يراه، وغيره يأباه (¬3). # وأما التكبير في أول صلاة العيد سوى تكبيرة [الإحرام في] (¬4) الأولى ~~وتكبيرة القيام إلى الثانية فهو متفق عليه بين العلماء للإمام # والمأموم والمنفرد (¬5). # لكن اختلفوا في عدده. # فقال الشافعي: سبع في الأولى وخمس في الثانية لحديث عمرو بن شعيب (¬6) ~~وعمرو بن ...................... PageV04P257 # عوف (¬1) صححهما البخاري وابن عباس (¬2) أيضا، وقال مالك وأحمد وأبو ثور: ~~ست في الأولى وخمس في الثانية. # وقال الثوري (¬3) وأبو حنيفة (¬4): فيما حكاه عنهما ابن المنذر (¬5) يكبر ~~أربع تكبيرات قبل القراءة ثم يقوم في الركعة الثانية فيقرأ ثم يكبر PageV04P258 # أربع تكبيرات ثم يركع بالتكبيرة الرابعة. قال: وبهذا القول قال أصحاب ~~الرأي وممن قال به من الصحابة ابن مسعود (¬1) وحذيفة # وأبو موسى الأشعري وعقبة بن عامر (¬2)، # واعلم أن جمهور العلماء: كما نقله النووي (¬3) في "شرحه" عنهم يرى هذه ~~التكبيرات متوالية متصلة، # وقال عطاء والشافعي وأحمد: يستحب بين كل تكبيرتين ذكر الله تعالى، وروى ~~هذا عن ابن مسعود أيضا (¬4)، # وأما التكبير ms0759 بعد الصلوات وغيرها: ففي عيد الفطر لا يسن PageV04P259 # عقب صلوات ليلته على الأصح (¬1)، # وفي عيد الأضحى اختلف علماء السلف ومن بعدهم في ابتدائه وانتهائه على نحو ~~عشرة أقوال كما ذكره النووي في "شرحه" (¬2). # هل ابتداؤه من صبح يوم عرفة، أو ظهره، أو صبح يوم النحر، أو ظهره؟ # وهل انتهاؤه ظهر يوم النحر، أو ظهر أول أيام النفر، أو في صبح آخر أيام ~~التشريق، أو ظهره، أو عصره؟ # واختار مالك والشافعي وجماعة ابتداءه من ظهر يوم النحر وانتهاءه بصبح آخر ~~أيام التشريق، # وللشافعي قول إلى العصر من آخر أيام التشريق. # [وقول آخر أنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق] (¬3) وهو ~~الراجح عند جماعة من أصحابنا وعليه العمل في الأمصار. # واختار بعض أصحاب مالك قطعه بعد صلاة الظهر آخر أيام PageV04P260 # التشريق (¬1). PageV04P261 # فرع: مذهب مالك والشافعي وجماعة من أهل العلم استحباب هذا التكبير ~~للمنفرد والجماعة والرجال والنساء والمقيم والمسافر. # وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد: إنما يلزم جماعات الرجال (¬1). # فرع: اختلفوا في التكبير عقب النوافل فالأصح عند الشافعية أنه يكبر. # [وقال مالك: في المشهور عنه لا يكبر] (¬2)، وهو قول [الثوري] (¬3) وأحمد ~~وإسحاق. # فرع: اختلفوا في صفة التكبير- فمشهور مذهب مالك [أنه] (¬4) ثلاث، وله قول ~~آخر أنه لا حد فيه وهو قول الكوفيين وفقهاء الحديث. # فرع: اختلفوا في التكبير في تلك الأيام في غير أدبار الصلوات PageV04P262 # أم يختص بأدبارها، فالمروي عن جماعة السلف الأول. وذكر مالك أنه أدرك ~~الناس يفعلون الوجهين، وأجاز كلا لمن فعله، لكن الذي فعله من يقتدي به، ~~واختار هو التكبير دبر الصلوات فقط، # قال الفاكهي: واختار بعض شيوخنا الأول [للتشبيه] (¬1) بأهل مني. # الرابع عشر: فيه جواز بروز الأبكار للطاعات بالشرط السالف في الوجه ~~السادس. # الخامس عشر: فيه أنه ينبغي لأولياء الجواري والصبيان تمرينهم على ~~العبودية لله تعالى بالدعاء له وتكبيره، ويعرفوهم بركة ذلك اليوم وما يترتب ~~عليه من الثواب والجزاء والغفران، ولذلك يجب عليهم تعليم ما يجب عليهم و ~~[ما] (¬2) يحرم، حتى قال الواحدي: يجب عليهم تعليم أسماء الأنبياء، ms0760 ونقل ~~الاتفاق عليه. # السادس عشر: ينبغي مراعاة يومي العيد لبركتهما بمزيد الخيرات وتطهير ~~السيئات، وعدم ارتكاب المخالفات وفضلهما في ذاتهما، وشرف زمنهما على غيره، ~~فإن الشرف [(¬3)] يكون بالعطاء ويكون بالمنع من البلاء، وهذان حاصلان فيهما ~~مما جعله الله فيهما فينبغي مراقبتهما بما ذكرنا. PageV04P263 ### || AUTO 29 - باب صلاة الكسوف # نفتتحه بمقدمات: # الأولى: "الكسوف" التغير إلى سواد، يقال: كسفت حاله إذا تغيرت وكسف وجهه ~~إذا تغير. # والخسوف: النقصان. قاله الأصمعي. # والخسف: أيضا الذل [فالخسوف والكسوف] (¬1) التغير ونقصان الضوء. والأشهر ~~من ألسنة الفقهاء تخصيص الكسوف بالشمس والخسرف بالقمر. # وادعى الجوهري (¬2)، أنه أفصح ويشهد له [قوله تعالى: {فإذا برق البصر (7) ~~وخسف القمر (8)} (¬3). # وقيل: عكسه وهو ضعيف. # وقيل: هما فيهما ويشهد له] (¬4) اختلاف الألفاظ في PageV04P264 # الأحاديث الصحيحة فأطلق فيها الكسوف والخسوف معا في محل واحد، وستقف على ~~بعضها في الباب. # وقيل: الكسوف أوله والخسوف آخره إذا اشتد وذهب الضوء. # وقيل: الكسوف ذهاب النور بالكلية. والخسوف: تغير اللون (¬1). PageV04P265 # الثانية: قال أرباب علم الهيئة (¬1): كسوف الشمس لا حقيقة له، فإنها لا ~~تتغير في نفسها. وإنما القمر يحول بيننا وبينها، ونورها # باق. # وأما خسوف القمر فحقيقة، فإن ضوءه من ضوء الشمس، وكسوفه بحيلولة ظل الأرض ~~بين الشمس وبينه بنقطة التقاطع فلا يبقى # فيه ضوء البتة، ورد هذا عليهم ابن العربي (¬2) في الأحوذي [وكذبهم] (¬3) ~~من أوجه: # منها: قد قلتم إن الشمس أضعاف القمر في الجرمية فكيف يحجب الصغير الكبير ~~إذا قابله. وحكمة كسوفهما أنهما لما كانا من # الآيات الباهرة وعبدا من دون الله واعتقد بعضهم تأثيرها في العالم PageV04P266 # أرسل الله عليهما النقص والتغير، وأزال نورهما الذي عظما به في النفوس. # ونقل المحب الطبري في "أحكامه" عن بعضهم أن في الكسوف سبع فوائد: # الأولى: ظهور التصرف في الشمس والقمر وهما خلقان عظيمان. # الثانية: أن يتبين بتغيرهما تغير شأن ما بعدهما. # الثالثة: إزعاج القلوب الساكنة بالغفلة وإيقاظها. # الرابعة: ليرى الناس أنموذج ماسيجري في القيامة قال تعالى: {وخسف القمر ~~(8) وجمع الشمس والقمر (9)} (¬1). # الخامسة: أنهما موجودان في حال الكمال، ويكسفان ثم يلطف بهما، ms0761 ويعادان ~~إلى ما كانا عليه، تنبيها على خوف المكر، ورجاء العفو. # السادسة: إعلام بأنه قد يؤخذ من لا ذنب له ليحذر من له ذنب. # السابعة: أن الناس قد أنسوا بالصلوات المفروضت فيأتونها من غير انزعاج ~~ولا خوف فأتى بهذه الآية سببا لهذه الصلاة ليفعلوها بانزعاج [وخوف] (¬2) ~~ولعل تركه يصير عادة لهم في المفروضات. PageV04P267 # والثالثة: ذكر ابن حبان في [أول] (¬1) كتابه الثقات أن الشمس كسفت على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السنة السادسة من الهجرة فصلى ~~صلاة الكسوف وقال: "إن الشمس والقمر [لا ينكسفان] (¬2) لموت أحد ولا لحياته ~~فإذا رأيتموهما فصلوا" (¬3). ثم كسفت أيضا في السنة العاشرة يوم مات ~~إبراهيم - رضي الله عنه -، وهل كان موته في ربيع الأول أو عاشر من رمضان ~~قولان، وعلى الأول (¬4) أقوال: # أحدها: أن موته كان يوم الثلاثاء لعشر خلون منه PageV04P268 # قاله [(¬1)، الزبير بن بكار والواقدي (¬2). # ثانيها: لأربع خلون منه قاله أبو نعيم. # ثالثها: لثلاث عشرة. # رابعها: لأربع عشرة واستشكل كل ذلك، فإن إبراهيم ولد في ذي الحجة سنة ~~ثمان من الهجرة، وعاش سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا كما ثبت في صحيح ~~البخاري (¬3) أو ستة عشر شهرا كما ذكره ابن حبان (¬4) أو ولد سنة ثمان وعاش ~~سنة وعشرة # أشهر وثمانية أيام كما قاله القضاعي، وعلى كل من الأقوال لا يصح موته في ~~ربيع الأول ولا عاشره إلا على قول من قال: إنه ولد في رمضان مع قول من قال: ~~إنه عاش ثمانية عشر شهرا فتأمله، ولا يصح أيضا في اصطلاح أرباب تسيير ~~الكواكب إنه مات يوم العاشر، فإنهم يقولون إن الكسوف لا يكون إلا في الثامن ~~والعشرين إن كان الشهر ناقصا أو التاسع والعشرين إن كان تاما (¬5) - نعم ~~روى PageV04P269 # البيهقي (¬1) إن الشمس كسفت يوم قتل الحسين بن علي وكان قتل يوم عاشوراء. ~~ففيه رد عليهم، ووقع في شرح هذا الكتاب لابن # العطار أن إبراهيم توفي يوم عاشوراء، والظاهر أنه التبس عليه بالحسين (¬2). # الرابع: كسف القمر في السنة الخامسة من الهجرة في ms0762 جمادى الآخرة كما ذكره ~~ابن حبان (¬3) أيضا قال: فجعلت اليهود يرمونه PageV04P270 # بالشهب ويضربون [بالطساس] (¬1) ويقولون: سحر القمر، فصلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صلاة [الخسوف] (¬2) انتهى. فيستفاد من هذا أن الضرب على ~~الطساس ونحوها عند [خسوف] (¬3) القمر من فعل اليهود فينبغي اجتنابه لعموم ~~نهيه - عليه الصلاة والسلام - عن التشبه بالكفار. # إذا عرفت هذه المقدمات المهمة فلنرجع إلى المقصود فنقول: # ذكر المصنف -رحمه الله- في الباب أربعة أحاديث، وأفاد ابن العربي (¬4) أن ~~الكسوف رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعة عشر رجلا، وتبعه ~~المنذري: PageV04P271 ### ||| AUTO الحديث الأول # / # 148/ 1/ 29 - عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: خسفت الشمس على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعث منادي ينادي: "الصلاة جامعة، فاجتمعوا، ~~وتقدم فكبر، وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات" (¬1). # الكلام عليه من [اثنى عشر] (¬2) وجها: # والتعريف براويه [تقدم] (¬3) في الطهارة. # الأول: قولها: "خسفت" هو بفتح أوله وثانيه- ويقال -بضم الخاء- على ما لم ~~يسم فاعله، حكاه الشيخ تقي الدين (¬4). PageV04P272 # وقال النووي (¬1): في "شرح مسلم" يقال: كسفت الشمس والقمر وكسفا وانكسفا ~~وخسفا وخسفا وانخسفا، ست لغات. # الثانية: "الصلاة جامعة" هما منصوبان الأول على الإغراء والثاني على ~~الحال، ويجوز رفعهما أيضا، أي الصلاة جامعة فاحضروها، قاله النووي في دقائق ~~الروضة (¬2). # الثالث: يؤخذ من الحديث أنه لا يؤذن لها ولا يقام، وهو اتفاق، [وأنه] ~~(¬3) ينادي لها "الصلاة جامعة" وهو حجة لمن استحبه. # الرابع: يؤخذ منه أيضا المبادرة إلى الصلاة عند كسوف الشمس، والسعي في ~~أسبابها بالنداء لها، والاجتماع واهتمام الإمام بها، والتحريض عليها، ~~والمبادرة إلى الاجتماع من غير تأخير. # الخامس: صلاة كسوف الشمس سنة مؤكدة بالاتفاق، ودليله فعل الرسول لها، ~~وجمعه الناس مظهرا لذلك، وهذه أمارات التأكد # والاعتناء، كذا استنبطه الشيخ تقي الدين، ولك أن تقول قد يستدل بذلك على ~~أنها فرض كفاية كما هو وجه عندنا، حكاه الماوردي (¬4) في باب صلاة التطوع، ~~لكن غيره حكى الإجماع على أنها سنة. PageV04P273 # وأما كسوف القمر فالجمهور ألحقوه بها. # وتردد مالك في الصلاة له، ولم يلحقها بكسوف الشمس ms0763 في قول، وسيأتي بيان ~~ذلك في الحديث الثاني أيضا. # [السادس] (¬1): فيه أن السنة أن تصلى جماعة، وهو مذهب مالك والشافعي ~~وأحمد والجمهور. # وقال العراقيون: فرادى. وهذا الحديث وغيره حجة عليهم. # وعندنا أوجه: أن الجماعة فيها شرط كالجمعة، حكاه الإمام عن الصيدلاني. # قال الرافعي: ولم أجده في كتابه هكذا لكن قال: خرج أصحابنا وجهين في أنها ~~هل تصلى في كل مسجد، أو لا تكون إلا في جماعة واحدة، كالقولين في العيد. # السابع: السنة في كيفيتها أن تصلى ركعتين في كل ركعة قيامان وركوعان ~~وسجودان وهو مذهب الشافعي (¬2) ومالك (¬3) والليث وأحمد (¬4) وأبو ثور ~~وجمهور علماء الحجاز. # وقال الكوفيون (¬5): هما ركعتان كسائر النوافل، وهذا الحديث PageV04P274 # مع حديث جابر (¬1) وابن عباس (¬2) وابن عمرو بن العاص (¬3) حجة عليهم، مع ~~أنه قد صح غيره وهو ثلاث ركعات (¬4). وأربع ركعات (¬5) PageV04P275 # في "صحيح مسلم". # وروى أحمد وأبو داود والحاكم خمسة (¬1). # لكن قال ابن عبد البر (¬2): أحاديث قول الجمهور أصح ما في الباب وباقي ~~الروايات المخالفة معللة ضعيفة، وحديث جابر بن سمرة (¬3) وأبي ~~.......................... PageV04P276 # بكرة (¬1) أنه - عليه الصلاة والسلام - صلى في الكسوف ركعتين الذي احتج ~~به الكوفيون مطلق والروايات الصحيحة تبين المراد به، وبتقدير صحته ~~فالروايات الكثيرة أصح، ورواتها أحفظ وأضبط (¬2). PageV04P277 # ومن العلماء من اعتذر عنه فإنه - عليه الصلاة والسلام - كان يرفع رأسه ~~ليختبر حال الشمس هل انجلت أم لا، فإذا لم يرها انجلت ركع (¬1) وفي هذا ~~التأويل ضعف، كما قال الشيخ تقي الدين (¬2): إذا قلنا إن سنتها ركعتان ~~كسائر النوافل. # وقال بعض العلماء: اختلاف الروايات بحسب [حال اختلاف] (¬3) الكسوف ففي ~~بعض الأوقات تأخر الانجلاء فزاد عدد الركوع، وفي بعضها أسرع الانجلاء ~~فاقتصر، وفي بعضها توسط بينهما فتوسط في [عدده] (¬4). # واعترض الأولون: على هذا بإن [تأخر] (¬5) الانجلاء لا يعلم في أول الحال ~~ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن PageV04P278 # عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه منوي من ~~أول الحال، وكأن العلماء الذين جعلوا اختلاف الروايات بحسب الانجلاء جعلوا ~~ذلك سنة صلاة الكسوف، ms0764 لا أن تكون سنتها، أن تكون هيئتها منوية من أولها ~~فيكون الفعل مبينا لسنة هذه الصلاة. # وعلى مذهب من جعلها ركعتين كأنهم أرادوا أن [يخرجوا] (¬1) فعل الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - في العبادة عن المشروعية مع مخالفتهم (¬2) للقياس في ~~زيادة ما ليس من الأفعال المشروعة في الصلاة (¬3). # وقال ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وغيرهم من العلماء: جرت صلاة ~~الكسوف في أوقات، واختلاف صفاتها محمول على # بيان جواز جميعها، فيجوز صلاتها على كل واحد من الأنواع الثابتة، وهو قوي (¬4). # واعلم أن النووي في "شرح المهذب" (¬5): نقل عن مقتضى كلام أصحابنا أنه لو ~~صلى الكسوف ركعتين كسائر النوافل صحت، # وكان تاركا للأفضل. # قلت: وبه صرح الجرجاني في "تحريره"، لكن حكى صاحب PageV04P279 # "الذخائر" (¬1) عن القاضي حسين عدم الصحة، [وأفهمه] (¬2) كلام البندنيجي. # الثامن: أطلق في الحديث لفظ الركعات على الركوع. # التاسع: فيه تقدم الإمام على المأمومين. # العاشر: أن [إحرام] (¬3) الإمام وتكبيره يكون عقب كونه في مصلاه. # الحادي عشر: فيه استحباب بعث الإمام من ينادي بصلاة الكسوف، وكذلك ينبغي ~~أن يفعل في كل صلاة شرعت لها الجماعة. # الثاني عشر: فيه نقل فعله - عليه الصلاة والسلام - عند تغير الأحوال ~~والأزمنة إلى أمته للاقتداء والعمل. PageV04P280 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 149/ 2/ 29 - عن أبي مسعود -عقبة بن عمرو- الأنصاري البدري - رضي الله ~~عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشمس والقمر آيتان ~~من آيات الله، يخوف الله بهما عباده، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس، ~~فإذا رأيتم منها شيئا فصلوا، وادعوا، حتى ينكشف ما بكم" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: والتعريف براويه سلف في باب الإمامة. # والآية: العلامة. # والخوف: غم على ما سيكون. # والحزن: غم على ما مضى (¬2). # الوجه الأول: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "إن الشمس PageV04P281 # والقمر آيتان من آيات الله" معناه إنهما علامتان كما قدمناه دالتان على ~~عظم قدرة الله وقهره، وكمال إلاهيته، وإنما خصهما بالذكر لما وقع للجاهلية ~~من أنهما لا يخسفان إلا لموت عظيم، أو ضرر أو نقص ونحوها، لأن بعضهم كان ~~يعظمهما وهذا ms0765 لا يصدر إلا ممن لا علم له ضعيف العقل، مختل الفهم، فرد - ~~عليه الصلاة والسلام - جهالتهم، وبين أنهما مخلوقان لا صنع لهما كسائر ~~المخلوقات، يطرأ عليهما النقص والتغيير كغيرهما، وتضمن ذلك الرد على من قال ~~بتأثيرات النجوم، ثم أخبر بالمعنى الذي لأجله يكسفان، فقال: "يخوف الله ~~بهما عباده" أي أنه ينبغي للعباد الخوف عند وقوع التغيرات العلوية قال ~~تعالى: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59)} (¬1). # فإن قيل: وأي تخويف من ذلك والكسوف أمر عادي، بحسب تقابل هذه النيرات ~~وحجب بعضها لبعض، وذلك يجري مجرى # حجب الجسم الكثيف نور الشمس عما تقابله من الأرض وذلك لا يحصل به تخويف (¬2). # فالجواب: ما ذكره القرطبي (¬3) وغيره: أنا لا نسلم أن سبب PageV04P282 # الكسوف ما ادعوه، ومن أين عرفوا ذلك، أبالعقل أو بالنقل؟ وكل واحد منهما ~~إما بواسطة نظر أو بغير واسطة، ودعوى شيء من ذلك ممنوعة، وغايتهم أن ~~يقولوا. ذلك مبني على أمور هندسية ورصدية تفضي بسالكها إلى القطع، ونحن ~~نمنع أيضا ما ذكروه إلى القطع وهو أول المسألة، ولئن سلمنا ذلك جدلا لكنا ~~نقول يحصل بهما تخويف العقلاء من وجوه متعددة، # أوضحها: أن ذلك مذكر بالكسوفات التي تقع بين يدي الساعة، ويمكن أن [يكون] ~~(¬1) ذلك الكسوف منها، ولذلك قام - عليه الصلاة والسلام - فزعا يخشى أن ~~تقوم الساعة، وكيف لا؟ وقد قال تعالى: {فإذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) ~~وجمع الشمس والقمر (9)} (¬2) قال أهل التفسير: جمع بينهما في إذهاب نورهما. ~~وقيل: غير ذلك وأيضا فإن كل ما في العالم علويه وسفليه دليل على تفرد قدرة ~~الله وتمام قهره باستغنائه، وعدم مبالاته، وذلك كله يوجب عند العلماء بالله ~~خوفه وخشيته، كما قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (¬3). ~~فاصحاب المراقبة له ولأفعاله الذين عقدوا أبصار قلوبهم بوحدانيته وعظيم ~~قدرته على خرق العادة واقتطاع المسببات عن اسبابها إذا وقع عندهم شيء غريب ~~حدث عندهم الخوف لقوة اعتقادهم في فعل الله تعالى على ما يشاء، وذلك لا ~~يمتنع أن يكون ثم أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء ms0766 الله PageV04P283 # خرقها (¬1). ولهذا كان - عليه الصلاة والسلام - عند اشتداد هبوب الريح ~~يتغير، ويدخل ويخرج خشية أن تكون كريح عاد (¬2) وإن كان PageV04P284 # هبوب الريح موجودا في العادة، فيكون لله تعالى أفعال خارجة عن كل ~~الأسباب، وأفعال جارية على الأسباب، وقدرته سبحانه وتعالى حاكمة على كل ~~سبب، فيقطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وخص خسوفهما ~~بالتخويف، لأنهما أمران علويان نادران طارئان [عظيمان، والنادر العظيم مخيف ~~موجع، بخلاف ما يكثر وقوعه فإنه] (¬1) لا يحصل منه ذلك غالبا، وأيضا [لما] ~~(¬2) وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدهما ولما وقع للجهال ~~من المنجمين وغيرهم من اعتقاد تأثيرها حتى قالوا: كسفت لموت إبراهيم فقال - ~~عليه الصلاة والسلام -: هذا الكلام ردا عليهم. # الثاني: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فإذا رأيتم منها شيئا" الضمير في ~~"منها" عائد على الآيات في قوله: "من آيات الله". # ومعنى "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم" بادروا بالصلاة والدعاء، وأسرعوا ~~إليهما حتى يزول عنكم هذا العارض، الذي يخاف كونه مقدمة عذاب أو وجود عذاب، ~~ولا شك أن الله -تعالى- امتن على البشر بالشمس والقمر ونورهما، ووصف القمر ~~بالنور، والشمس بالسراج. فإذا زال ذلك أو تغير فهو عذاب حاضر، سواء عاد ~~نورهما أو لم يعد، لكن عدم عودهما أشد عذابا لما يدل # على قرب الساعة وأهوالها. فالإسراع إلى الصلاة والدعاء سبب رفع البلاء ~~غالبا. PageV04P285 # الثالث: في أمره - عليه الصلاة والسلام - بالصلاة والدعاء جميعا ما يدل ~~على أن المراد بالصلاة: الصلاة الشرعية للكسوف، لجمعه في الأمر بينهما، فلو ~~كان المراد بالصلاة الدعاء الذي به سميت الصلاة لما حسن [ذلك] (¬1)، فدل ~~على ما ذكرنا، وإذا كان كذلك فيقتضي الأمر بهما أن يكون غاية فعلهما إلى ~~الانجلاء. # [وقال] (¬2) الفقهاء: إذا صليت صلاة الكسوف على الوجه المشروع، ولم يقع ~~[الانجلاء] (¬3) أنها لا تصلى ثانيا، بخلاف صلاة # الاستسقاء فانهم إذا لم يسقوا صلوا ثانيا وثالثا. # قال الشيخ تقي الدين (¬4): وليس في الحديث ما يدل على خلاف ما ذكره ~~الفقهاء من عدم إعادة صلاة الكسوف إذا صليت ms0767 ولم # تنجل لوجهين. # أحدهما: أنه أمر بمطلق الصلاة، لا بالصلاة على هذا الوجه المخصوص. ومطلق ~~الصلاة سائغ إلى حين الانجلاء. # الثاني: لو سلمنا أن المراد الصلاة الموصوفة بالوصف المذكور لكان لنا أن ~~نجعل هذه الغاية لمجموع الأمرين (¬5) أعني PageV04P286 # الصلاة والدعاء، ولا يلزم من كونها غاية لمجموع الأمرين أن تكون غاية لكل ~~واحد منهما على انفراده، فجاز أن يكون الدعاء ممتدا إلى غاية الانجلاء بعد ~~الصلاة على الوجه المخصوص مرة واحدة [ويكون] (¬1) غاية [للمجموع] (¬2). # الرابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فإذا رأيتم منها شيئا" إلى آخره ~~فيه دليل للشافعي وأحمد وجميع فقهاء أصحاب الحديث في استحباب الصلاة لكسوف ~~القمر على هيئة صلاة كسوف الشمس. وروي ذلك عن جماعة من الصحابة وغيرهم. # وقال مالك وأبو حنيفة: لا يسن لكسوف القمر هكذا، وإنما يسن ركعتان كسائر ~~الصلوات فرادى (¬3). # وقال أشهب من المالكية: بجواز الجمع لها وكرهه بعضهم إذ لم يستمر العمل عليه. # وقال عبد العزيز (¬4) بن أبي [سلمة] (¬5) يصلي على هيئة كسوف الشمس. PageV04P287 # [وقد اختلف عندهم في أقوال عبد العزيز هل تضاف إلى المذهب أم لا؟] (¬1). # واختلف قول مالك في الخروج لصلاة [خسوف] (¬2) القمر إلى المسجد والمعروف ~~عندهم كما قال الفاكهي: سقوط ذلك للمشقة، وعلله غيره بأنه لم يثبت أنه - ~~عليه الصلاة والسلام - جمع له، وهو عجيب، ففي "صحيح ابن حبان" (¬3) من حديث ~~عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الشمس والقمر ~~آيتان من آيات الله فإذا انكسف أحدهما فافزعوا إلى المساجد". # الخامس: فيه استحباب المبادرة إلى الخير وأعمال البر والتضرع إذا حدثت ~~آية، وروت أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - قالت لقد أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - "بالعتاقة في كسوف الشمس". رواه البخاري (¬4). قال ~~الحاكم: وهو على شرط مسلم أيضا. وروى ابن PageV04P288 # عباس مرفوعا "إذا رأيتم آية فاسجدوا". رواه أبو (¬1) داود وهذا يشمل ~~الكسوف وغيره كالزلزلة ونحوها، وبمقتضاه قال راويه وابن مسعود وأحمد وإسحاق ~~وأبو ثور وغيرهم. وكذلك الصلاة عند الصواعق والرياح الشديدة، والظلمة ~~المنتشرة في ms0768 الأفق نهارا (¬2). ونص الشافعي ومالك على استحباب الصلاة فرادى ~~لغير الكسوفين (¬3). وروي عن علي أنه صلى في زلزلة جماعة (¬4). قال الشافعي ~~(¬5) إن صح قلت به فمن أصحابنا من قال هذا قول آخر له في PageV04P289 # الزلزلة وحدها، ومنهم من عممه في جميع الآيات، ولم يصح ذلك عن علي، [ولو ~~ثبت] (¬1) فهو محمول على الصلاة منفردا، وكذا كل ما جاء عن غير علي من نحو هذا. # السادس: فيه أيضا دليل على التنبيه بالاعتبار بآيات الله وحدوث ظهورها، ~~وعلى عظيم قدرته وإلهيته -سبحانه وتعالى- وعلى أن الكواكب لا فعل لها ولا ~~تأثير، كما سلف، وإنما هي علامات، وعلى الرجوع إلى الله -تعالى- عند ~~الحوادث المخالفة للعادة بالصلاة والدعاء كما سلف، خصوصا إذا خشي زوال نعم ~~الله فيها، وعلى شرعية صلاة الكسوف كما سلف، والتوجه إلى الله -تعالى- ~~عنده، وعلى وجوب البيان للأمور خصوصا إذا اعتقد خلاف الصواب فيها، وعلى ~~الاجتهاد في السؤال لله -تعالى-، والعبادة حال وجود الحوادث حتى تزول. PageV04P290 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 150/ 3/ 29 - عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: خسفت الشمس (¬1) على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالناس، فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام، ~~وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ~~فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الركعة الأولى، ثم ~~انصرف وقد تجلت الشمس، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الشمس ~~والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك ~~فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا". # ثم قال: "يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو ~~تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ~~كثيرا" (¬2). PageV04P291 # وفي لفظ: "فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات". # الكلام عليه من سبعة وعشرين وجها: # الأول: فيه دليل على جواز استعمال الخسوف في الشمس وهي لغة ثابتة كما ms0769 تقدم. # الثاني: فيه المبادرة بالصلاة عند الكسوف لقولها "فصلى" بالفاء ~~التعقيبية، وشرعية صلاة الكسوف جماعة وهو مذهب الجمهور، كما أسلفته في ~~الحديث الأول. # الثالث: فيه شرعية طول القيام فيها، ولم يذكر في الحديث حد لطوله، لكن ~~قال أصحابنا وغيرهم: يطول القيام الأول نحوا من سورة البقرة، لحديث ابن ~~عباس في الصحيح (¬1) فإن فيه تقدير [القيام بنحو قدر سورة البقرة، وأن ~~الثاني دونه، وأن] (¬2) القيام الأول من الركعة الثانية نحو القيام الأول ~~وكذا الباقي. PageV04P292 # وفي الدارقطني من حديث عائشة (¬1) قراءته في الأولى بالعنكبوت أو الروم، ~~وفي الثانية ب"يس"، لم يضعفه عبد الحق. # وادعى الفاكهي: أنه ورد في حديث أنه قرأ في [القيام] (¬2) الأول بنحو ~~سورة البقرة، وفي الثاني بنحو سورة آل عمران، وفي الثالث بنحو سورة النساء، ~~وفي الرابع بنحو سورة المائدة، وشرع يستشكل تقدير الثالث بالنساء، لأن ~~المختار كون القيام الثالث أقصر # من الثاني والنساء أطول من آل عمران [فليحرر] (¬3) ذلك. # الرابع: فيه تطويل الركوع الأول ولم يذكر أيضا في الحديث له حد، وذكر ~~أصحابنا: أنه يطوله بقدر مائة آية من البقرة، واختار غيرهم أنه لا يطوله ~~[(¬4)] إلا بما لا يضر بمن خلفه. # الخامس: أن القيام الثاني يكون دون القيام الأول [وهو سنة هذه الصلاة وهو ~~مناسب لحكم الركعة الثانية في غيرها من الصلوات] (¬5) عند المحققين لأنها ~~تكون أقصر من الأولى كما تقدم في باب وجوب القراءة في الصلاة [في] (¬6) ~~الحديث [الثاني منه] (¬7). PageV04P293 # السادس: اتفق الفقهاء على القراءة: في هذا القيام الثاني أعني الذين ~~قالوا به، وجمهورهم على قراءة الفاتحة، وقالوا لا تصح الصلاة إلا بقراءتها فيه. # وقال محمد بن سلمة المالكي: لا تقرأ الفاتحة في القيام الثاني. وكأنه ~~رآها ركعة واحدة زيد فيها ركوع والركعة الواحدة لا تثنى فيها الفاتحة، فهذا ~~يمكن أن يؤخذ من الحديث كما سيأتي في قول [عائشة] (¬1) إستكمل أربع ركعات ~~[و] (¬2) أربع سجدات، ومنصوص مذهب مالك أنه يقرأ. # واعلم أني لم أر في الأحاديث قراءة الفاتحة في كل قيام، وإنما فيها أنه ~~قرأ فيهما. # وفي ms0770 البخاري (¬3) من حديث عائشة أنه قرأ سورة طويلة ثم ركع فأطال، ثم رفع ~~رأسه فاستفتح سورة أخرى، ثم ركع. # وفي مسلم (¬4) من حديث جابر بن سمرة "أنه قرأ سورتين وصلى ركعتين"، وكان ~~من أوجبها في القيام الثاني ألحقه بالركعة الكاملة. PageV04P294 # السابع: الاعتدال بعد الركوع الأخير لم يذكر في هذا الحديث، ولا في حديث ~~ابن عباس في صحيح أبي عوانة (¬1)، وهو ثابت من حديث جابر في صحيح (¬2) مسلم ~~وغيره من الأحاديث الصحيحة. # الثامن: اتفق العلماء على أن القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة ~~الأولى أقصر من القيام الأول والركوع، وكذا القيام الثاني والركوع الثاني ~~من الركعة الثانية يكون أقصر من الأول منهما. واختلفوا في القيام الأول، ~~والركوع الأول [من] (¬3) الثانية هل هما PageV04P295 # أقصر [من القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى أم هما سواء فمن ~~قال يكون أقصر] (¬1) في ذلك كله يجعل قوله - عليه الصلاة والسلام (¬2) -: ~~"وهو دون القيام الأول ودون الركوع الأول" عائدا إلى مجموع الصلاة وهو بعيد ~~من لفظ الحديث فإنها قالت: "ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الركعة ~~الأولى" وهو يقتضي التسوية بينها وبين الأولى من غير تقصير عنها، والعلماء ~~متفقون على شرعية إطالة القراءة والركوع فيها كما وردت به الأحاديث، فلو ~~اقتصر على الفاتحة في كل قيام، وأدنى طمأنينة في كل ركوع، صحت صلاته، وفاته ~~الفضيلة. # تنبيه: قيل إن السبب في تقصير القيام الثاني في الكسوف وسائر الصلوات أن ~~النشاط يكون في الركعة الأولى أكثر فيناسب التخفيف في الثانية خشية الملل، ~~وقد أسلفت هذا في الحديث الثاني من باب وجوب القراءة في الصلاة مع زيادة ~~فوائد متعلقة به فراجعه من هناك. # التاسع: فيه استحباب إطالة السجود فيها. # قال الشيخ تقي الدين: وظاهر مذهب مالك والشافعي أنه لا يطوله، بل يقتصر ~~على قدره في سائر الصلوات، وبه قال جمهور الشافعية وابن القاسم من ~~المالكية، وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عن ابن سريج أنه يطيل السجود، كما ~~يطيل الركوع، ثم PageV04P296 # قال: وليس بشيء، لأن الشافعي لم ms0771 يقل ذلك، ولا نقل في خبر. ولو كان قد ~~أطال لنقل، كما نقل في القراءة والركوع. # واعترض الشيخ تقي الدين (¬1) عليه فقال: بل نقل ذلك في أخبار، منها حديث ~~عائشة هذا. وفي حديث آخر إنها قالت: "ما # سجدت سجودا أطول منه" وكذلك نقل تطويله في حديث أبي موسى (¬2)، وجابر بن ~~عبد الله (¬3). # قلت: حديث أبي موسى أخرجه البخاري ومسلم، وحديث جابر أخرجه مسلم، وأخرجه ~~الشيخان أيضا من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاصي (¬4)، وأخرجه البخاري من ~~حديث أسماء (¬5) وأبو داود، والحاكم من حديث سمرة بن جندب (¬6)، وفي رواية PageV04P297 # للحاكم (¬1) من حديث عائشة "ثم سجد حتى إن رجالا يومئذ ليغشى عليهم مما ~~قام بهم حتى [إن سجال] (¬2) الماء ليصب عليهم" ثم قال: صحيح على شرط ~~الشيخين. # والشيخ تقي الدين (¬3) أقر الشيخ أبا إسحاق الشيرازي على أن الشافعي لم ~~يقل ذلك وهو عجيب، فقد نص الشافعي في البويطي في موضعين منه على تطويله، ~~حيث قال: يسجد سجدتين ثانيتين طويلتين يقيم في كل سجدة نحوا مما قام في ~~ركوعه، هذا لفظه ومنه نقلته (¬4). # وقال الشافعي في جمع الجوامع (¬5): يقيم في كل سجدة نحوا مما قام في ركوعه. # ونقل الترمذي (¬6) عن الشافعي: تطويل السجود. PageV04P298 # وقال الخطابي (¬1): مذهب الشافعي تطويل السجود كالركوع. # وقال البغوي (¬2): أحد القولين يطيل السجود في السجود الأول كالركوع، ~~والسجود الثاني كالركوع الثاني. فالمسألة منصوصة كما # قد علمت، والأحاديث صحت أيضا فلا محيد عنها، لا جرم صححه المحققون، وعجيب ~~من الشيخ أبي إسحاق مع جلالته كيف وقع له مثل هذا، وقد أوضحت الرد عليه في ~~كتابي المسمى ب"المحرر المذهب في تخريج أحاديث المهذب". # العاشر: لم يذكر في هذا الحديث تطويل الجلوس بين السجدتين، لا جرم نقل ~~الغزالي والرافعي الاتفاق على أنه لا يطوله لكن حديث عبد الله بن عمرو بن ~~العاص يقتضي إطالته [وأيداه] (¬3) في "الذخائر" عن بعض الأصحاب احتمالا، ~~وجاء في صحيح مسلم من حديث جابر أنه طول الاعتدال الذي يلي السجود، وحكاه ~~في "الذخائر" احتمالا أيضا، لكن قال النووي ms0772 في "شرح مسلم": إنها رواية شاذة ~~مخالفة لرواية الأكثرين فلا يعمل بها (¬4). # الحادي عشر: فيه شرعية الخطبة بعد صلاة الكسوف لقولها "فخطب فحمد الله ~~وأثنى عليه"، وهو ظاهر الدلالة في أن لصلاة الكسوف خطبة، وبه قال الشافعي، ~~وابن جرير، وفقهاء أصحاب PageV04P299 # الحديث قالوا: يستحب بعدها خطبتان، ولم ير ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد ~~ووافقنا أحمد في رواية، والحديث رواه مالك وخالفه لأنه لم يشتهر، وقال بعض ~~أتباعه: لا خطبة لها ولكن يتقبلهم ويذكرهم، وهذا خلاف الظاهر من الحديث ~~لأنه ابتداء بما يبتدىء به الخطيب من الحمد لله والثناء عليه، وما ذكر من ~~أن المقصود الإخبار بأنهما آيتان من آيات الله إلى آخره ردا على من قال: ~~إنهما ينكسفان لموت عظيم، وقد قالوه عند موت إبراهيم كما مضى، والإخبار عن ~~الجنة والنار حيث رآهما، وذلك يخصه - عليه الصلاة والسلام - دون غيره، كله ~~ضعيف. فإن الخطب لا تنحصر مقاصدها بما يخص الخطيب، بل ما ذكر مطلوب للخطيب ~~وغيره، فإن الحمد والثناء والموعظة شامل لذكر الجنة والنار، وكونهما آيتين ~~من آيات الله وذلك بعض مقاصد الخطبة لا كل المقصود لو سلم خصوصيته - عليه ~~الصلاة والسلام - بذلك (¬1). PageV04P300 # الثاني عشر: فيه أن خطبة الكسوف لا تفوت بالانجلاء بخلاف الصلاة. # الثالث عشر: فيه أن الخطبة يكون استفتاحها بالحمد لله -تعالى- والثناء ~~عليه، دون شيء آخر من الذكر والبسملة وغيرهما. ومذهب الشافعي وأحمد أن ~~[لفظة] (¬1) الحمد لله متعينة، فلو قال معناها لم تصح خطبته. PageV04P301 # الرابع عشر: شرعية صلاتها لكسوف الشمس في جماعة، وقد سلف ذلك في الحديث ~~الذي قبله أيضا مع ما فيه من الخلاف وجه # الدلالة أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: "فإذا رأيتم ذلك فصلوا" [من] ~~(¬1) بعد ذكرهما من غير تفصيل في جماعة أو فرادى، وقد فعلها - عليه الصلاة ~~والسلام - في جماعة في كسوف الشمس، فدل على أن كسوف القمر كذلك، وقد روى ~~الشافعي عن الحسن البصري قال: خسف القمر وابن عباس أمير بالبصرة فصلى بنا ~~ركعتين في كل ركعة ركعتان. فلما فرغ ركب وخطبنا، وقال: صليت ms0773 بكم كما رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بنا (¬2) وتقدم في أول الباب أنه - ~~عليه الصلاة والسلام - صلى له أيضا. # الخامس عشر: فيه جواز فعلها وقت الكراهة وغيرها عند رؤية الكسوف أي وقت ~~كان، فإنه - عليه الصلاة والسلام - أمر بهما إذا # رأوا كسوفهما وهو عام في كل وقت، وهو مذهب الشافعي (¬3) وغيره. # واختلف مذهب مالك (¬4) في ذلك، فظاهر مذهبه: أنها لا تفعل إلا بعد جواز ~~النافلة إلى الزوال: كالعيدين والاستسقاء على المشهور فيه عندهم. # وعن مالك أيضا أنها تصلى للغروب. PageV04P302 # وعنه رواية ثالثة أنها إلى صلاة العصر كالنافلة، ومنطوق الحديث بعمومه ~~يرد ذلك. # السادس عشر: فيه استحباب الصدقة عند رؤية الكسوف، وكذلك يستحب عند كل ~~المخاوف [لاستدفاع البلاء والمحاذر. # السابع عشر: فيه استحباب الدعاء والتوجه إلى الله -تعالى- واللجوء إليه ~~عند المخاوف] (¬1) والشدائد وقد أمر الله بالدعاء في كتابه في غير ما موضع ~~كما أمر بالصلاة وغيرها من العبادات فقال -تعالى-: {وإذا سألك عبادي عني ~~...} (¬2) الآية، وقال -تعالى-: {ادعوني أستجب لكم} (¬3)، وقال- تعالى-: ~~{ادعوا ربكم تضرعا وخفية} (¬4)، وغير ذلك من الآي، وقد تقدم بسط ذلك، وما ~~عارضه في الحديث الرابع من باب التشهد، ولا شك أن الدعاء في الرجاء مطلوب ~~لكونه سببا لدفع البلاء والشدائد، فإنه ثبت في الصحيح (¬5) مرفوعا "تعرف ~~إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" وفي PageV04P303 # الترمذي (¬1) من حديث أبي هريرة مرفوعا "من سره أن يستجيب الله له دعاءه ~~عند الشدائد والكرب فليكثر من الدعاء في الرخاء". # الثامن عشر: فيه أنه ينبغي أن لا يفخم الإنسان نفسه ولا يعظمها بالوصف ~~المتصف به، بل يذكر نفسه باسمه الموضوع له، فإنه # - عليه الصلاة والسلام -، قال في الخطبة "يا أمة محمد" وكرره من غير أن ~~يصفهم إلى نبوته ولا رسالته كل ذلك تواضعا وأدبا (¬2). # [التاسع عشر] (¬3): قوله - عليه الصلاة والسلام -: "ما من أحد أغير من ~~الله" "من" زائدة تقديره: ما أحد، وثبت في صحيح مسلم (¬4): "إن من أحد" وهي ~~نافية بمعنى "ما" فعلى هذا يجوز في "أغير" النصب خبر إن ms0774 النافية فإنها تعمل ~~عمل "ما" عند الحجازيين، وعلى اللغة التميمية هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ ~~الذي هو أحد، PageV04P304 # قاله القرطبي (¬1) في "شرحه"، والوجهان جائزان في رواية الكتاب في "أغير" ~~فيقرأ بالنصب والرفع. # العشرون: "الغيرة" في حقنا راجعة إلى تغير وانزعاج وهيجان يلحق الغيران ~~عندما ينال شيء من حريمه أو محبوباته يحمل على صيانتهم ومنعتهم، وهذا ~~التغير على الله -تعالى- محال (¬2) إذ هو منزه عن كل تغير ونقص (¬3) لكن ~~لما كانت ثمرة المغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر المقاصد إليهم أطلق ذلك على ~~الله -تعالى- إذ قد زجر وذم ونصب الحدود وتوعد بالعقاب الشديد من تعرض لشيء PageV04P305 # من محارمه، وهذا من التجوز، ومن باب تسمية الشيء باسم ما يترتب عليه، ~~[قاله] (¬1) كله القرطبي (¬2) في "شرحه". # وقال النووي (¬3) في "شرحه": قالوا معناه ليس أحدا أمنع من المعاصي من ~~الله ولا أشد كراهة لها منه -سبحانه وتعالى-. # وقال الشيخ تقي الدين (¬4): المنزهون لله -تعالى- عن سمات الحدث ومشابهة ~~المخلوقين بين رجلين: إما ساكت عن التأويل، # وإما مؤول، على أن يراد شدة المنع والحماية من الشيء. فإن الغائر على ~~الشيء مانع له وحام له. فالمنع والحماية من لوازم الغيرة، # فأطلق لفظ الغيرة عليها من مجاز الملازمة، أو غير ذلك من الوجوه الشائعة ~~في لسان العرب، والأمر في التأويل وعدمه في هذا قريب عند من يسلم التنزيه، ~~فإنه حكم شرعي. أعني الجواز وعدمه، فيؤخذ كما يؤخذ سائر الأحكام، إلا أن ~~يدعي مدع أن هذا الحكم ثبت بالتواتر عن صاحب الشرع، أعني المنع من التأويل ~~ثبوتا قطعيا فخصمه يقابله حينئذ بالمنع الصريح، وقد يتعدى بعض خصومه إلى ~~التكذيب القبيح. # الحادي والعشرون: فيه جواز الحلف من غير استحلاف وهو متكرر في الأحاديث، ~~ولا كراهة أيضا فيه، لأن الحاجة تدعو إليه PageV04P306 # للتأكيد وتعظيم الأمر. والقاعدة أن اليمين مكروهة إلا في هذا أو في ~~الطاعة، وفي اليمين الصادقة في الدعوى. # الثاني والعشرون: فيه الحث على اجتناب الزنا والمعاصي وتفخيم العقوبة ~~عليها، وقبحها عند الله، ولا شك أن الزنا من الكبائر، لا يكفر ms0775 بفعله كفرا ~~يخرجه عن الإسلام، إلا أن يعتقد حله فيكفر إجماعا، وينبغي اجتناب المعاصي ~~كلها كبيرها وصغيرها، فإنه ثبت أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: "لا يحقرن ~~أحدكم صغير الذنب فربما به دخل النار"، وكذلك لا ينبغي أن يحقر من الخير ~~شيئا، فإنه ثبت أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: "لا تحقرن من المعروف ~~شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق" (¬1)، والجامع لذلك كله قوله -تعالى-: ~~{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7)} (¬2) الآية، وقوله: {إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة} (¬3) الآية. # الثالث والعشرون: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "لو تعلمون ما أعلم" إلى ~~آخره معناه لو تعلمون من عظم انتقام الله -تعالى- من أهل الجرائم، وشدة ~~عقابه، وأهوال القيامة وما بعدها كما علمت، وترون النار كما رأيت في مقامي ~~هذا وفي غيره لبكيتم كثيرا ولقل ضحككم لفكركم فيما علمتموه. # وقيل: معناه لو دام علمكم كما يدوم علمي به لبكيتم لأن علوم الأنبياء ~~متواصلة لا يلحقها سهو، وعلومنا يدخل عليها PageV04P307 # الغفلات والجهالات بالانهماك في الشهوات، فتركن النفوس إلى البطالة حتى ~~تصدأ فلا يصقلها إلا الذكر. # وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يكون المعنى أنكم لو علمتم من رحمة الله ~~-تعالى- وحلمه، وعفوه عن ذنوب خلقه ومعاني كرمه ما أعلم لبكيتم كثيرا ~~ولضحكتم قليلا فبكاؤكم إذ لم تفهموا من ذلك ما فهمت ولم تعلموا منه ما ~~علمت. وينشأ هذا عن مطالعة جمال الله -تعالى- ونعوت أفضاله ومشاهدة النعم ~~الواسعة التي لا تقصر عن شيء. # فائدة: قال ابن منده في مستخرجه قوله: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ~~ولبكيتم كثيرا" رواه مع عائشة عشرة من الصحابة. # الرابع والعشرون: في قوله "لو تعلمون ما أعلم" إلى آخره دليل على علة ~~مقتضى الخوف وترجيح الخوف في الموعظة على الإشاعة # بالرخص لما في ذلك من التسبب إلى تسامح النفوس لما جبلت عليه من الإخلاد ~~إلى الشهوات، وذلك مرضها الخطر. والطبيب الحاذق يقابل العلة بضدها لا بما ~~يزيدها. فإن العلل المزمنة إن لم يبادر إليها يقطع مادة الداء بالدواء ~~النافع القاطع لها وإلا استحكمت ms0776 العلة. # الخامس والعشرون: فيه الحث على قلة الضحك وكثرة البكاء والتحقيق بما ~~الإنسان صائر إليه وما هو فيه، ولا شك أن كثرة الضحك وقلة البكاء مذمومان ~~شرعا، فإنهما يدلان على قسوة القلب وكثرة البطر. ومن الضحك ما هو محمود وهو ~~ما إذا اقترن به مقصود شرعي من تعجب بنعم الله -تعالى- أو فرح للمسلمين أو ~~تجلد PageV04P308 # على الكافرين والمنافقين ونحو ذلك. ومن البكاء ما هو مذموم كالبكاء ~~لإظهار الجزع أو للرياء أو لإضعاف المؤمنين أو تحزنا على # المنافقين أو ما شاكل ذلك. فأما ما كان منه من خشية الله -تعالى- وخوفا ~~فهو شعار عباده العارفين، وهو جلاء للقلوب، وتطهير # للذنوب، وتقريب من علام الغيوب. وقد يغلب على الفاجر البكاء، كما ورد في ~~بعض الأحاديث مرفوعا وموقوفا: "إذا كمل فجور الرجل ملك عينيه، فإذا أراد أن ~~يبكي بكى"، وقد يقع البكاء على أمر نفساني فيوهم أنه من خشية الله -تعالى- ~~فليتفطن لذلك ليقطع ويجتنب. # السادس والعشرون: قولها "فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات" أطلقت الركعات ~~على عدد الركوع. وتقدم في الحديث الأول في ركعتين وهو متمسك بعض المالكية ~~في أنه لا يقرأ الفاتحة في الركوع الثاني من حيث إنه أطلق على الصلاة ~~ركعتين، وقد سلف ذلك في الوجه السادس. # السابع والعشرون: وكان ينبغي تقديم قوله - عليه الصلاة والسلام -: "لا ~~يخسفان" قال ابن الصلاح (¬1) في مشكل الوسيط هو بفتح الياء، وقال: وقد ~~منعوا من أن يقال بالضم. PageV04P309 ### ||| AUTO الحديث [الرابع] # (¬1) # 151/ 4/ 29 - عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: خسفت الشمس في ~~زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقام فزعا [يخشى] (¬2) أن تكون ~~الساعة، حتى أتى المسجد، فقام فصلى بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته يفعله ~~في صلاة قط، ثم قال: "إن هذه الآيات التي يرسلها الله لا تكون لموت أحد ولا ~~لحياته، ولكن الله -عز وجل- يرسلها يخوف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئا ~~فافزعوا إلى ذكر الله، ودعائه، واستغفاره" (¬3). # الكلام عليه من أحد عشر وجها. # الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب السواك. ms0777 # الثاني: فيه دليل على جواز استعمال الخسوف في الشمس، وقد سلف ذلك في ~~الحديث الذي قبله أيضا. PageV04P310 # الثالث: قوله: "فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة". # أما "فزع" فهو من أبنية المبالغة كحذر. # "والساعة" بضم التاء على تمام كان أي يخشى أن تحضر الساعة الآن، ويجوز أن ~~تكون كان ناقصة. # والساعة اسمها، والخبر محذوف، أي تكون الساعة قد حضرت، ويجوز فتحها على ~~أن تكون كان ناقصة، ويكون اسمها مضمرا فيها والساعة خبرها، والتقدير أن ~~تكون هذه الآية الساعة أي علامتها وحضورها. # واعلم أن قوله "يخشى أن تكون الساعة" مما يستشكل من حيث إن للساعة مقدمات ~~كثيرة لا بد من وقوعها ولم تقع كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، ~~والدجال، وقتال الترك وأشياء كثيرة لا بد من وقوعها قبل الساعة كفتوح الشام ~~والعراق ومصر وغيرها، وإنفاق كنوز كسرى في سبيل الله، وقتال الخوارج، وغير ~~ذلك من الأمور المشهورة في الأحاديث، وجوابه من أوجه. # أحدها: لعل هذا الكسوف قبل إعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه ~~الأمور (¬1). PageV04P311 # ثانيها: لعله خشي أن يكون ذلك بعض مقدماتها (¬1) وقد جاء على ما نقله ~~القاضي: "أن القيامة تقوم ومعها كسوفان". # ثالثها: أن قيامه - عليه الصلاة والسلام - فزعا خاشيا أن تكون الساعة ~~إنما هو ظن من الراوي (¬2) لما رآه خرج إلى الصلاة مستعجلا مبادرا إليها، ~~لا أنه - عليه الصلاة والسلام - خشي ذلك حقيقة. ولعله - عليه الصلاة ~~والسلام - خاف أن يكون الكسوف نوع عقوبة كخوفه عند هبوب الريح أن يكون ~~عذابا. فظن الراوي خلاف ذلك ولا اعتبار بظنه. وذلك دليل على دوام مراقبته - ~~عليه الصلاة والسلام - لفعل الله -تعالى- وتجريد الأسباب العادية عن ~~إيجادها لمسبباتها. # الرابع: فيه أن السنة فعلها في المسجد وهو المشهور من مذاهب العلماء. # قال أصحابنا: وإنما لم يخرج إلى المصلى خوفا من فواتها بالانجلاء فإن ~~السنه المبادرة إليها، وخير بعض أصحاب مالك بين المسجد والصحراء، وهو خلاف ~~الصواب، والمشهور. إنتهاء فعل PageV04P312 # الصلاة بالانجلاء وهو مقتضى لأن يعتني بمعرفته [ومراقبته] (¬1) حال ~~الشمس، [فلولا أن المسجد أرجح لكانت ms0778 الصحراء أولى، لأنها أقرب إلى إدراك ~~حال الشمس] (¬2) في الانجلاء وعدمه وأيضا فإنه يخاف من (¬3) اجتماع الناس ~~في المصلى ذوات إقامتها، كما ذكره أصحابنا. # الخامس: فيه جواز الإخبار بما يوجب الظن من شاهد الحال وإن لم يكن في نفس ~~الأمر كذلك، فإن إخباره أنه قام فزعا خاشيا أن # تكون الساعة محتمل له ولغيره كما سلف. # السادس: فيه الدوام على مراقبة الله -تعالى- وطاعته، والخوف منه بحيث لا ~~يخرجه الخوف إلى اليأس من رحمته. # قال الفاكهي: وفيه دلالة على المحافظة على طهارة الوضوء. # قلت: قد يتوقف في أخذه منه فتأمله (¬4). PageV04P313 # السابع: فيه تطويل الركوع والسجود وقد تقدم الكلام عليه في الحديث قبله. # الثامن: فيه شرعية صلاة الكسوف للنساء والمسافرين وكل واحد. فإنه وإن كان ~~الخطاب للذكور لقوله: "فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره". وفي الحديث ~~الثاني "فصلوا وادعوا" فالنساء مدرجات فيه، كما في قوله -تعالى-: {إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا} (¬1) {كتب عليكم الصيام} (¬2) وغير ذلك من خطاب التعبد ~~العام، فإنهن داخلات فيها باتفاق، وكونها مشروعة للنساء وغيرهن هو مذهب ~~الشافعي، ومشهور مذهب مالك، وروي عن مالك أيضا [أن] (¬3) المخاطب بها من ~~يخاطب بالجمعة، فيخرج النساء والمسافرون ونحوهم. # وذهب الكوفيون: إلى أنهن يصلين أفرادا لا جماعة، وقد صح حضورهن لها معه - ~~صلى الله عليه وسلم -، وذلك يدل على أنهن مخاطبات بها في جماعة (¬4). PageV04P314 # التاسع: فيه شرعية الدعاء والذكر والاستغفار عند الكسوف، ولا شك أن كل ~~واحد من المذكورات عبادة مستقلة مطلوبة في جميع الحالات، سواء كان مخوفا أم ~~لا، لكنه آكد في المخوف. # العاشر: في قوله: "فافزعوا" إلى المبادرة إلى ما أمر به، وتنبيه [على] ~~(¬1) الالتجاء إلى الله -تعالى- عند المخاوف بالدعاء والاستغفار، وإشارة ~~إلى أن الذنوب سبب البلايا والعقوبات العاجلة أيضا، وأن التوبة والاستغفار ~~سببان للمحو يرجى. بهما زوال المخاوف. # الحادي عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "لا تكون لموت أحد ولا ~~لحياته" قد تقدم الكلام عليه في الحديث الثاني، وأنه رد على من اعتقد ذلك. # خاتمة: يسن الجهر في كسوف القمر، وفي كسوف ms0779 الشمس مذاهب. # أحدها: كذلك وهو مذهب أبي يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق، وقال ابن ~~بزيزة: ورواه ابن معين وغيره عن مالك. PageV04P315 # وثانيها: الإسرار وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والليث وأصحاب الرأي، وهو ~~المشهور عن مالك، وقول جمهور العلماء. # ثالثها: أنه [يخير] (¬1) بينهما، قاله الطبري وغيره من فحول العلماء جمعا ~~بين الأحاديث، ومنهم من أول أحاديث الجهر على كسوف القمر. PageV04P316 ### || AUTO 30 - باب صلاة الاستسقاء # الاستسقاء: طلب [السقيا] (¬1) كالاستصحاء طلب الصحو. وهو "استفعال" من ~~[أسقيت] (¬2) يقال: سقاه وأسقاه بمعنى. # وقيل: سقاه ناوله ليشرب. وأسقاه: جعل له سقيا. # وقيل: سقيته من سقى [السقه] (¬3) وأسقيته: دللته على الماء. # حكاه صاحب "المحكم". # واعلم: أن الاستسقاء أنواع: # الأول: الدعاء بلا صلاة، ولا خلف صلاة. # وأوسطها: الدعاء خلف الصلوات، وفي خطبة الجمعة. # والاستسقاء: بركعتين وخطبتين. # والثاني: أفضل من الأول. # والثالث: أكمل الكل. وخالف [فيه] (¬4) أبو حنيفة كما سيأتي. # وقد ذكر المصنف في الباب النوع الثالث والثاني الذي في الجمعة، وذكر في ~~الباب حديثين: PageV04P317 ### ||| AUTO الحديث الأول # 152/ 1/ 30 - عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني - رضي الله عنه - قال: ~~"خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي (¬1) [فتوجه] (¬2) إلى القبلة ~~(¬3) وحول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة". # "وفي لفظ: إلى المصلى" (¬4). # الكلام عليه من ثلاثة عشر وجها: # الأول: في التعريف براويه وقد سلف في كتاب الطهارة. PageV04P318 # الثاني: قوله: "خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي" أي يطلب السقي ~~بتضرعه ودعائه، فيستنبط منه أن الخروج إلى المصلى لصلاة الاستسقاء سنة. # وقال أصحابنا: يخرجون إلى الصحراء لأنه أبلغ في الافتقار والتواضع، ~~ولأنها أوسع للناس لأنه يحضرها الناس كلهم فلا يسعهم المصلى ولا المسجد ~~الجامع. # ورأيت في كتاب "الخصال" للخفاف من قدماء أصحابنا: استثناء مكة من ذلك، ~~ولم أر من تعرض له سواه. وسيأتي في الحديث الثاني استسقاؤه في المسجد ~~بالدعاء. # الثالث: خروجه - صلى الله عليه وسلم - "إلى المصلى للاستسقاء" المذكور ~~كان في أول شهر رمضان سنة ست من الهجرة لما جدب الناس جدبا شديدا، قاله ابن ~~حبان ms0780 (¬1). # الرابع: استقباله القبلة هنا لأنها حالة دعاء وتضرع لطلب السقيا، فناسب ~~استقبالها بخلاف الخطبة والموعظة فإنها حالة إنذار وتذكير فيناسب استقبال ~~الناس، واستدبار القبلة، وهي السنة، بخلاف سائر العبادات، كالطهارة، ~~والقراءة، والأذكار، والأذان، وأما حديث "خير المجالس ما استقبل به القبلة" ~~(¬2) PageV04P319 # فهو خارج عن هذا حيث [لا تعلق لأحد به] (¬1) من موعظة أو تعلم أو مخاطبة. # الخاص: تحويله الرداء هو من باب التفاؤل وانقلاب الحال من الشدة إلى السعة. # قال أصحابنا: ويكون التحويل في نحو ثلث الخطبة الثانية حين يستقبل القبلة ~~فيها، وجمهور العلماء على أن تحويله سنة. # وأنكره أبو حنيفة وصعصعة بن سلام: من قدماء العلماء بالأندلس، كما حكاه ~~القرطبي (¬2) عنه. وهذا الحديث وغيره حجة عليهم. # قال أصحابنا: ويفعل الناس مثل الإمام. وبه قال مالك وغيره (¬3). # وخالف فيه جماعة من العلعاء ونقله القرطبي (¬4) عن الجمهور. # ثم الذين قالوا بالتحويل اختلفوا فمنهم من قال: إنه يرد ما PageV04P320 # على يمينه على شماله (¬1). ولا ينكسه. وحكاه القرطبي (¬2) عن الجمهور. # وقال الشافعي في الجديد: ينكسه فيجعل ما يلي رأسه أسفل (¬3). # وسبب هذا الاختلاف اختلافهم في مفهوم رواية الإمام أحمد من "حول" و"قلب" ~~هل هما بمعنى. أو بينهما فرقان. # ولا خلاف في تحويل الإمام وهو قائم. # [والذين قالوا بتحويل الناس قالوا: يفعلونه وهم جلوس. PageV04P321 # وكذلك نص الشافعي في مختصر البويطي على أن الإمام يدعو وهو قائم، وأن ~~الناس لا يقومون بل يكونون جلوسا] (¬1). # والذين قالوا بعدم التحويل: استدل لهم بأن التحويل إنما فعله - عليه ~~الصلاة والسلام - ليكون أثبت على عاتقه عند رفع اليدين في الدعاء، أو عرف ~~بطريق الوحي تغير الحال عند تغير ردائه وهو بعيد. فإن الأصل عدم نزول الوحي ~~بتغيير الحال عند تحويل الرداء، وفعله - عليه الصلاة والسلام - التحويل ~~لمعنى مناسب أولى من حمله على مجرد ثبوت الرداء على عاتقه أو غيره، واتباع ~~الرسول في فعله أولى [(¬2)] من تركه لمجرد احتمال الخصوص مع ما عرف في ~~الشرع من محبته التفاؤل (¬3). # وقد روى الدارقطني (¬4) من حديث حفص بن غياث عن PageV04P322 # جعفر بن محمد، ms0781 عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استسقى وحول ~~رداءه ليتحول القحط". # فرع: اختلف العلماء في وقت التحويل، فقيل: بين الخطبتين. وقيل: في أثناء ~~الثانية. وقيل: بعد انقضائها. وكل ذلك واقع في مذهب مالك. وفي بعض الأحاديث ~~أنه كان يحول إزاره إذا استقبل القبلة (¬1). وروي عن مالك أنه يحول قبل ~~الاستقبال. وروى # عنه بعده. # فائدة: ذكر أهل الآثار أن رداءه - عليه الصلاة والسلام -، كان طوله أربعة ~~أذرع وشبر. في عرض ذراعين وشبر. وكان يلبسه في العيدين والجمعة ثم يطويان (¬2). # السادس: فيه تقديم الدعاء على الصلاة عملا. بقوله: "ثم صلى ركعتين". وإن ~~كانت "ثم" استعملت لغير الترتيب في عطف الجمل بعضها على بعض. وإن كان ما ~~بعدها متقدما على المذكور في قوله -تعالى-: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~...} (¬3) الآية إلى قوله: {ثم آتينا موسى الكتاب ...} الآية. وقد قال ~~بتقديم PageV04P323 # الخطبة فيها على الصلاة الليث ومالك (¬1). لكن مالكا (¬2) رجع عنه. وقال: ~~بتقديم الصلاة على الخطبة. وهو مذهب الشافعي (¬3) وجمهور العلماء. ~~والأحاديث بعضها يقتضي بتقديم الصلاة على الخطبة. وبعضها يقتضي عكسه. ~~واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة - رضي الله عنهم -. وصرح المتولي وغيره ~~من أصحابنا بجواز ذلك. ونقله الشيخ أبو حامد عن الأصحاب بل أشار ابن المنذر ~~(¬4) إلى استحباب ذلك. وصح فيه حديث عائشة في سنن أبي داود (¬5). # فرع: انفرد الإمام أحمد فقال: لا خطبة في الاستسقاء بل يكثر الاستغفار ~~ويدعو. وقد أخرج هو في مسنده من حديث أبي هريرة # أنه - عليه الصلاة والسلام - خطب لها (¬6). قال البيهقي: ورواته كلهم ~~ثقات. PageV04P324 # ووقع في "شرح الفاكهي" دعوى الإجماع على أنه يخطب لها. # [فرع: ويخطب خطبتين كالعيد كما قاله مالك (¬1)، والشافعي (¬2). # وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن (¬3) بن مهدي: يخطب واحدة لا ~~جلوس فيها. وخيره الطبري (¬4). # وقال البندنيجي: من أصحابنا أيضا يكفي واحدة] (¬5). # السابع: فيه استقبال القبلة عند تحويل الرداء والدعاء في الاستسقاء (¬6). # الثامن: فيه استقبالها عند الدعاء مطلقا قياسا عليها. # التاسع: فيه الرد على من أنكر صلاة الاستسقاء. # العاشر: فيه ms0782 أنها ركعتان وهو كذلك بإجماع المثبتين لها. # الحادي عشر: لم يذكر في صلاة الاستسقاء في هذا الحديث التكبيرات الزوائد ~~كما في صلاة العيد. وقد قال به PageV04P325 # الشافعي (¬1). وابن جرير. وروي عن ابن المسيب (¬2). وعمر بن عبد العزيز. ~~ومكحول. # وقال الجمهور كما نقله عنهم النووي في "شرحه" (¬3): لا يكبر. # واختلفت الرواية في ذلك عن أحمد. وخيره داود بين التكبير وتركه (¬4). # واحتج الشافعي ومن وافقه بحديث ابن عباس (¬5) أنه - عليه الصلاة والسلام ~~- صلاها ركعتين، كما يصلي العيد. رواه أصحاب السنن الأربعة. وقال الترمذي: ~~حسن صحيح. PageV04P326 # وأما ابن أبي حاتم (¬1): فرمى راويه عن ابن عباس بالإرسال عنه. # وأجاب الجمهور: عنه بأن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر بالقراءة، ~~وكونها قبل الخطبة. فإن التشبيه بالشيء يصدق من # بعض الوجوه. لكن أخرجه الدارقطني (¬2) وفيه عدد التكبير في الأولى. ~~والثانية وقراءة سبح في الأولى والغاشية في الثانية. وأعله # عبد الحق بمحمد بن عبد العزيز بن عمر بن عوف المذكور في إسناده. وقال: ~~إنه ضعيف. # قلت: ووالده مجهول، كما قال ابن القطان. لكن أخرج الحاكم (¬3) في ~~"مستدركه" هذه الرواية. وقال بدل محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عوف. محمد ~~بن عبد العزيز بن عبد الملك عن أبيه. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، فالله أعلم. # فرع: اختلف مذهب مالك هل يكبر الإمام والناس إذا خرجوا إلى المصلى قياسا ~~على العيدين أم لا لعدم وروده هنا. PageV04P327 # قال الفاكهي: وهو المشهور، قال: وبالتكبير، قال: ابن المسيب. وعمر بن عبد ~~العزيز. ومكحول. والشافعي. [والطبري] (¬1). # قلت: هو غريب عن الشافعي، لا أعلمه في كتبه ولا كتب أصحابه، ولا من حكاه ~~عنهم من المذهبين، ولعله التبس عليه بالتكبير في أول الصلاة فإنه يحكي عن ~~هؤلاء كما قدمته عنهم فابحث عنه (¬2). # الثاني عشر: فيه الجهر بالقراءة في هذه الصلاة، وهو إجماع، وقوله في ~~الحديث: "جهر فيهما بالقراءة" هو من أفراد البخاري كما # نبه عليه النووي في "شرحه لمسلم"، فكان ينبغي للمصنف أذن أن ينبه (¬3). # الثالث عشر: فيه أن السنة في صلاة الاستسقاء ms0783 أن تكون جماعة. # وقال أبو حنيفة: لا تشرع له صلاة فضلا عن الجماعة. ولكن يستسقى بالدعاء. # وقال سائر العلماء من السلف والخلف من الصحابة والتابعين PageV04P328 # ومن بعدهم حتى أصحاب أبي حنيفة كلهم: يصلى للاستسقاء ركعتين بجماعة. # واستدل لأبي حنيفة باستسقاثه - صلى الله عليه وسلم - على المنبر يوم ~~الجمعة من غير صلاة (¬1). # قالوا: ولو كانت سنة لما تركها. # وأجاب الجمهور: عن هذا [بأنه كان في خطبة الجمعة. ويتعقبه الصلاة لها ~~فاكتفى بها بيانا لجواز مثل هذا] (¬2). # وقد أجمع أهل العلم على أن الاستسقاء سنة. لكنه مشروع على ثلاثة أنواع ~~بيناها مقدمة لهذا الباب. # قال أصحابنا: ويتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة، وإقبال على الخير ومجانبة ~~الشر، ونحو ذلك من الطاعات (¬3). PageV04P329 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 153/ 2/ 30 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن رجلا دخل المسجد [يوم ~~الجمعة] (¬1) من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قائم يخطب، فاستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما، ثم قال: يا ~~رسول الله (¬2) هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه، ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم ~~أغثنا، اللهم أغثنا"، قال أنس: فلا والله، ما نرى في السماء من سحاب ولا ~~قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل ~~الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، قال: فلا والله، ما رأينا ~~الشمس سبتا، قال: ثم دخل PageV04P330 # رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قائم يخطب، فاستقبله قائما، [فقال] (¬1): يا رسول الله، هلكت الأموال، ~~وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يديه، ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب، ~~وبطون الأودية، ومنابت الشجر"، قال: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس (¬2). # قال شريك: فسألت أنس بن مالك، أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري. # قال المصنف: "الضراب" الجبال الصغار. # ["والآكام" جمع أكمة، وهي أعلى من ms0784 الرابية، ودون الهضبة. # "ودار القضاء" دار عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. # سميت بذلك: لأنها بيعت في قضاء دينه] (¬3). # هذا حديث عظيم مشتمل على أعلام نبوة نبينا - صلى الله عليه وسلم - وعلى ~~أحكام مهمة، فيحصر الكلام عليه في ثلاثة أطراف: # الأول: في فن الأسماء: # أما راويه: فتقدم التعريف به في باب الاستطابة. # وأما شريك: فهو ابن عبد الله بن أبي نمر المدني أبو عبد الله PageV04P331 # القرشي، روى عن أنس، وابن المسيب وغيرهما، وعنه مالك وغيره. # قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث. # وقال ابن معين: إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته. # (¬1) قال النسائي وغيره: ليس بالقوي. # وقال ابن حبان (¬2) في "ثقاته": في التابعين منهم ربما أخطأ. قال: وجده ~~شهد بدرا. # مات بعد سنة أربعين ومائة. # وأما الرجل الداخل: فرأيت من ادعى أنه العباس بن عبد المطلب ويبعد أن في ~~بعض طرق البخاري "فقام أعرابي" وفي بعض طرقه "رجل من أهل البدو" (¬3)، ~~ويبعد تعدد القصة على أن في بعض طرق البخاري (¬4) "فقام الناس فصاحوا ~~فقالوا: يا رسول الله قحط المطر" الحديث، وهو ظاهر في التعدد. وقد يمكن ~~الجمع بأن الرجل هو الذي ابتدأ بالسؤال أولا، ثم تابعوه، فالله أعلم. # وقول شريك: "سألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري" ثبت في ~~صحيح البخاري (¬5) وغيره في بعض طرق هذا الحديث "أنه الرجل الأول"، من ~~رواية شريك أيضا، ومن رواية PageV04P332 # يحيى بن سعيد عن أنس، فلعل أنسا تذكره بعد أو نسي بعد ذكره، كما نبه عليه ~~ابن التين شارح "البخاري". # وروى في صحيحه أيضا من حديث قتادة عن أنس "فقام ذلك الرجل أو غيره" وروى ~~من حديث ثابت عن أنس "فقام ذلك الرجل # أو غيره" وروى من حديث ثابت عن أنس "فقام الناس فصاحوا وقالوا: يا رسول ~~الله! قحط المطر، واحمرت الشجر، وهلكت البهائهم، فادع الله أن يسقنا. فقال: ~~اللهم اسقنا مرتين" الحديث، وفي آخره "فلما قام - عليه الصلاة والسلام - ~~يخطب صاحوا إليه: تهدمت البيوت" الحديث. # قال ابن التين: في "شرح ms0785 البخاري" قوله: "فقام الناس" إن كان هذا محفوظا ~~فقد تكلم الرجل ثم صاحوا. ويحتمل أنه يعني بالناس الرجل، لأنه يتكلم عنهم ~~وهم حضور، أو لعلهم صاحوا وتكلم عنهم (¬1). # الطرف الثاني: في ألفاظه ومعانيه، وفيه مواضع: # الأول: "دار القضاء" هي دار بيعت في دين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~الذي كتبه على نفسه لبيت مال المسلمين، وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ~~ماله، فإن عجز ماله استعان ببني عدي ثم بقريش. فباع ابنه داره هذه لمعاوية، ~~وباع ماله بالغابة وقضى دينه، وكان دينه ستا وثمانين ألفا فيما رواه ~~البخاري في صحيحه، وغيره من أهل الحديث والسير والتواريخ وغيرهم. PageV04P333 # وقال القاضي عياض (¬1): كان ثمانية وعشرين ألفا، وهو غلط غريب، كما قاله ~~النووي (¬2) # قلت: وأغرب منه قول القرطبي (¬3): كان عشرين ألفا [فكان] (¬4) يقال لها ~~دار قضاء دين عمر. ثم اختصروا، فقالوا: دار القضاء، وهي دار مروان. # وقال بعضهم: هي دار الإمارة. وغلط لأنه بلغه أنها دار مروان، فظن أن ~~المراد بالقضاء الإمارة، والصواب ما ذكرنا (¬5). PageV04P334 # الثاني: في كلام هذا الداخل للنبي - صلى الله عليه وسلم - دلالة على جواز ~~كلام الداخل مع الخطيب في حال خطبته، ويحتمل أن يكون إنما كلمه في حال سكتة ~~كانت من النبي - صلى الله عليه وسلم -، إما لاستراحة في النطق، وإما في حال ~~الجلوس. # الثالث: "الأموال" جمع مال، وألفه منقلبة عن واو بدليل ظهورها في الجمع، ~~وليس [له] (¬1) جمع كثرة، وجمع وإن كان جنسا # لاختلاف أنواعه. # وهو كل ما يتملك وينتفع به. # والمراد هنا: مال مخصوص، وهو الأموال الحيوانية والنباتية [لأنها] (¬2) ~~التي يؤثر فيها انقطاع الغيث من المطر وغيره، بخلاف الأموال الصامتة. PageV04P335 # والسبل: جمع سبيل وهو هنا الطريق، يذكر ويؤنث، فمن التذكير قوله -تعالى-: ~~{وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا} ~~(¬1)، ومن التأنيث قوله -تعالى-: {قل هذه سبيلي} (¬2)، وانقطاعها إما بعدم ~~المياه التي يعتاد المسافرون ورودها، وإما باشتغال الناس بشدة القحط عن ~~الضرب في الأرض. # وقوله: "وانقطعت"، روي بدله: "وتقطعت"، ms0786 قال ابن التين شارح "البخاري": ~~والأول أشبه. # الرابع: قوله: "فادع الله يغيثنا"، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ~~"اللهم أغثنا"، كذا هو في الصحيح يغيثنا بضم الياء، وأغثنا بالألف من أغاث ~~يغيث رباعي. # والمشهور في اللغة: أنه يقال [في المطر] (¬3) غاث الله الناس والأرض ~~يغيثهم بفتح الياء ثلاثي أي أنزل المطر والذي في هذا الحديث وغيره من ~~روايته "أغثنا" بالألف و"يغيثنا" بضم الياء من "أغاث" "يغيث" رباعي كما ~~قدمته، لكن الهمزة فيه للتعدية، ومعناه: هب لنا غيثا. # وقال بعضهم: المذكور في الحديث من الإغاثة بمعنى: المغوثة، وليس من طلب ~~الغيث إنما يقال في طلب الغيث: "اللهم غثنا وارزقنا غيثا". PageV04P336 # قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون من طلب الغيث أي هب لنا غيثا أو ارزقنا" ~~غيثا [كما] (¬1) يقال: سقاه الله وأسقاه أي جعل # له سقيا على لغة من فرق بينهما (¬2). # والصواب: أن الهمزة فيه للتعدية كما ذكرنا. # فائدة: يجوز في "يغيثنا" الرفع والجزم والرفع على الاستئناف. # الخامس: قوله: "فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة". # المراد بالسماء: هنا الفضاء المرتفع بين السماء والأرض. # والسحاب: معروف وهو جنس واحده سحابة وهي الغيم. # ويجمع: أيضا على سحب وسحائب. # والقزعة (¬3): بفتح القاف والزاي وهي القطعة من السحاب وجماعتها قزع ~~كقصبة وقصب. # قال أبو عبيد (¬4): وأكثر ما يكون في الخريف، ومنه أخذ القزع في الرأس ~~وهو حلق بعض الرأس وترك بعضه. # السادس: قوله: "وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار" هو تأكيد لقوله: "ما ~~نرى في السماء من سحاب ولا قزعة" لأنه أخبر أن PageV04P337 # السحابة طلعت من وراء سلع، فلو كان [بينهم] (¬1) وبينه دار لأمكن أن تكون ~~السحابة والقزعة موجودة، حال بينهم وبينها ما بينهم وبين سلع من دار لو كانت. # وقال القاضي (¬2): يحتمل والله أعلم، أن ذلك لحمل الناس عن تلك الجهة ~~لشدة الجدب وحزونة الموضع وطلب الكلأ والخصب. # وقوله: "بيت كذا" هو في الصحيحين ووقع في مسند السراج، بدله: "نقب". # وسلع: -بفتح السين المهملة وسكون اللام- وهو جبل بقرب المدينة من غربها، ms0787 ~~وقال البخاري: هو الجبل الذي بالسوق. # قال ابن قرقول: وقع عند ابن سهل: -بفتح اللام وسكونها- وذكر أن بعضهم ~~رواه بغين معجمة وكله خطأ. # وقال صاحب "المحكم": سلع موضع. # وقيل: جبل (¬3). # وزعم الهروي: أن سلعا معرفة لا يجوز إدخال الألف واللام عليه، وليس كما ~~ذكر، ففي "دلائل النبوة للبيهقي" وكتاب أبي نعيم الأصبهاني "فطلعت سحابة من ~~وراء السلع" (¬4). PageV04P338 # قلت: والمقصود بقوله: "وما بيننا وبين سلع" إلى آخره الإخبار عن معجزة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعظيم كرامته على الله -تعالى- بإنزال ~~المطر سبعة أيام متوالية من غير تقدم سحاب ولا قزع ولا سبب آخر، لا ظاهر ~~ولا باطن، سوى سؤال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي نحن مشاهدون له - ~~صلى الله عليه وسلم - ولسلع والسماء، وليس هناك سبب للمطر أصلا. # السابع: قوله: "مثل الترس"، قال القاضي عياض: قال ثابت: ولم يرد -والله ~~أعلم- في قدره، ولكن في استدارته، وهو أحمد السحاب عند العرب، وقوله: "ثم ~~أمطرت" يقال: مطرت وأمطرت في المطر. وهذا الحديث دليل لجواز أمطر بالألف ~~وهو المختار عند المحققين والأكثرين من أهل اللغة. # وقال بعضهم: لا يقال أمطرت بالألف إلا في العذاب. # لقوله -تعالى-: {وأمطرنا عليهم حجارة} (¬1)، والمشهور الأول ولفطه أمطرت ~~يطلق [على] (¬2) الخير والشر ويعرف بالقرينة قال تعالى-: {هذا عارض ممطرنا} ~~وهذا من أمطر، والمراد به المطر في الخير لأنهم ظنوه خيرا فقال -تعالى- ~~(¬3): {بل هو ما # استعجلتم به} (¬4). PageV04P339 # الثامن: قوله: "ما رأينا الشمس سبتا" هو بسين ثم باء موحدة ثم مثناة فوق، ~~أي جمعة، وقد بين في رواية أخرى المراد به سبعة أيام: أولها بعض يوم الجمعة ~~ويوم السبت، وآخرها يوم الخميس وبعض يوم الجمعة. وهو في اللغة القطع، وبه ~~سمي يوم السبت. # وقال ثابت: في تفسير قوله: "سبتا" أي قطعة من الزمان يقال: سبت من الدهر ~~أي قطعة منه، وسبته قطعته، وقد رواه الداوودي (¬1) "ستا" وفسره ستة أيام من ~~الدهر. وهو تصحيف، كما قال القرطبي (¬2). # والصحيح من حيث الرواية الأول، وإن كان الثاني يصح من حيث المعنى، ms0788 فإنهم ~~ما رأوها سبعة أيام كوامل، بل ستا كوامل، وبعض يومي جمعة، وذلك لا يطلق ~~عليه يوم كامل. # فائدة: "السبت" من الألفاظ المشتركة (¬3). # فالسبت: الدهر، والراحة، وحلق الرأس، وإرسال الشعر عن العقص، وضرب من سير الإبل. # قال أبو عمرو: وهو العنق. PageV04P340 # والسبت: القطع. # وسبت: [علا وبه سبتا إذا ضرب عنقه] (¬1). # وقيل: ومنه يوم السبت لانقطاع الأيام عنده، قال -تعالى-: {ويوم لا ~~يسبتون} (¬2)، [والسبت: قيام اليهود بأمر سبتها. # وقيل: لأن الله -تعالى- أمر بني إسرائيل بقطع الأعمال] (¬3). # والجمع: أسبت وسبوت. # فائدة ثانية: نحوية كل ظرف وقع خبرا عن أسماء أيام الأسبوع فإنه يكون ~~مرفوعا إلا الجمعة والسبت تقول: الأحد اليوم والاثنان اليوم برفع اليوم. # وتقول: الجمعة اليوم والسبت اليوم بالنصب فيهما. # قالوا: وعلة ذلك أن الجمعة والسبت مصدران فيهما معنى الاجتماع والقطع، ~~فإما يقال الاجتماع اليوم والقطع اليوم بالنصب لأن الثاني غير الأول، فكذلك ~~الجمعة والسبت، وليست كذلك في باقي الأيام لأنها ليست بمصادر نابت مناب ~~الأول والثاني والثالث والرابع والخامس. # التاسع: قوله في الخطبة الثانية: "هلكت الأموال وانقطعت السبل" أي بكثرة ~~المطر فإن إمساك المطر وكثرته مضر [به] (¬4). PageV04P341 # وقوله: "فادع الله يمسكها عنا" في "يمسكها" ما في "يغيثنا" من الرفع ~~والجزم على ما قدمناه. # العاشر: قوله: "اللهم حوالينا [ولا علينا] (¬1) " (¬2) هو ظرف متعلق ~~محذوف تقديره "اللهم أنزل حوالينا ولا تنزل علينا"، ويقال: "حولنا" ~~و"حوالينا"، وهما روايتان صحيحتان. # فإن قلت: إذا أمطرت حوالي المدينة فالطرق ممتنعة فلم يزل شكواهم. # فالجواب: أنه أراد بحوالينا الآكام والظراب وشبههما. # الحادي عشر [(¬3)]: قوله: "اللهم على الآكام" إلى آخره سأل - صلى الله ~~عليه وسلم - ربه -سبحانه وتعالى- ذلك أدبا معه حيث لم يسأل رفعه من أصله، ~~بل سأل رفع ضرر المطر وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق، بحيث لا يتضرر به ~~ساكن ولا ابن سبيل، وسأل بقاءه في مواضع الحاجة بحيث يبقى نفعه وخصبه، وهو ~~بطون الأودية وغيرها من المواضع المذكورة (¬4). # الثاني عشر: "الآكام" -بكسر الهمزة- ويقال -بفتحها- مع المد فيها جمع ~~أكمة، ويقال: جمع أكم بفتح الهمزة والكاف وكم بضمها. ms0789 PageV04P342 # [فيقتضي أن يكون جمع الآكام مثل كتاب وكتب. وقد يكون ذلك جمع آكم ~~بفتحهما] (¬1). # مثل جبال وجبل، وهو التل المرتفع من الأرض دون الجبل وأعلى من الرابية، ~~وقيل دون الرابية (¬2). # الثالث عشر: "الظراب" -بكسر الظاء المعجمة- جمع: ظرب -بفتحها وكسر الراء- ~~وهي الروابي الصغار كما فسرها القرطبي والنووي (¬3). # وقال المصنف: هي الجبال الصغار، وتبعه الشيخ تقي الدين (¬4). # قال الأزهري (¬5): وإنما خصها بالطلب لأنه أرفق للراعية من شواهق الجبال. # الرابع عشر: "بطون الأودية" ما استفل منها. ومنابت الشجر أصولها. # الخامس عشر: "الأودية" جمع واد، وليس في كلام العرب جمع فاعل على أفعلة ~~إلا في هذه الكلمة خاصة فهي من النوادر. # السادس عشر: قوله: "فأقلعت" هكذا هو في أكثر نسخ PageV04P343 # صحيح [مسلم] (¬1) وفي بعض [النسخ] (¬2) المعتمدة ["فانقلعت"] (¬3) وهما ~~بمعنى واحد. # السابع عشر: قوله: "لا أدر"، قال الفاكهي: وهو بحذف الياء تخفيفا لكثرة ~~الاستعمال كما قالوا: لم يك. فحذفوا النون أيضا لكثرة الاستعمال على ما هو ~~مقرر في كتب العربية. # الطرف الثالث في فوائده: وأحكامه وهي سبعة عشر: # الأولى: استجابة دعائه - صلى الله عليه وسلم - في الاستسقاء والاستصحاء ~~وعظيم قدره وحرمته عند ربه -سبحانه وتعالى- حتى أمطرت في الاستسقاء عقب ~~دعائه أومعه وحتى أمسكت في الاستصحاء حتى خرجوا يمشون في الشمس. # الثانية: أدبه - صلى الله عليه وسلم - مع ربه -تعالى- حيث لم يسأل رفعه ~~بل سأل دوامه حيث ينتفع به كما سلف. # الثالثة: استحباب سؤال الإمام الاستسقاء والاستصحاء. # الرابعة: استحباب ذلك في خطبة الجمعة وهو أحد الأنواع فيه كما تقدم ذكره. # الخامسة: جواز الاستسقاء منفردا عن الصلاة المخصوصة له واغترت به الحنفية ~~وقالوا: هذا هو الاستسقاء المشروع لا غير. وجعلوا الاستسقاء بالبروز إلى ~~الصحراء والصلاة بدعة، وهو PageV04P344 # عجيب، بل هو سنة ثابتة عنه - صلى الله عليه وسلم -، كما سلف في الحديث ~~الأول وغيره من الأحاديث الصحيحة. وقد ذكرنا أنه ثلاثة أنواع، وفيما قالوه ~~إبطال نوع ثابت. # السادسة: استحباب تكرير الدعاء ثلاثا، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه كان إذا دعا بدعوة دعا ثلائا وورد "أن ms0790 الله يحب الملحين في الدعاء" ~~(¬1) كما أورده الماوردي (¬2) حديثا. # السابعة: استحباب طلب انقطاع المطر عن المنازل والمرافق إذا كثر وتضرروا ~~به وهو الاستصحاء، ولكن لا يشرع له صلاة ولا اجتماع في الصحراء، كما قاله ~~النووي في "شرح مسلم" (¬3). # الثامنة: إجابة الإمام الرعية إذا سألوه في مصالحهم الدنيوية والأخروية ~~خصوصا إذا كانت مصلحة عامة. # التاسعة: الرجوع إلى الله -تعالى- بالسؤال والتضرع في جميع حالات العبد ~~وما ينزل به. # العاشر: الاستعانة في ذلك بالصالحين وأهل الخير في المجامع والمساجد ~~والأماكن الشريفة (¬4). PageV04P345 # الحادية عشرة: الدعاء قائما للإمام ومن في معناه. # الثانية عشرة: رفع اليدين فيه، فمن الناس من عداه إلى كل دعاء، وقالوا ~~السنة رفع اليدين في الدعاء مطلقا، ومنهم من لم يعده مستدلا بحديث أنس ~~الثابت في الصحيحين (¬1) وغيرهما أنه - عليه الصلاة والسلام -: "كان لا ~~يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، حتى يرى بياض إبطيه" ولا شك ~~أن هذا مؤول على عدم الرفع البليغ بحيث يرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء أو ~~أن المراد: لم أره رفع. فيقدم المثبتون في مواضع كثيرة وهم جماعات على واحد ~~لم يحضر ذلك، وقد ورد في حديث آخر أنه استثنى ثلاثة مواضع، الاستسقاء: ~~والاستنصار (¬2)، وعشية عرفة (¬3)، وفي رواية وعند رؤية البيت (¬4)، وقد ~~روى رفع اليدين في الدعاء جماعات من الصحابة، وقد روى أنس حديثا يعارض ~~حديثه هذا، وهو حديث القراء الذين بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وكان فيهم خاله حرام، وفيه فقال أنس: لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كل ما صلى الغداة رفع يديه يدعو PageV04P346 # عليهم (¬1)، وقد صنف الحافظ المنذري في ذلك جزءا (¬2)، وجمع النووي في ~~"شرح المهذب" نحوا من ثلاثين حديثا من الصحيحين أو أحدهما في رفع اليدين في ~~الدعاء مطلقا في باب صفة الصلاة منه (¬3). # فرع: قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاء لرفع بلاء كالقحط ~~ونحوه: أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى الماء. وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله ~~جعل بطن كفيه إلى السماء، ms0791 وقد ثبت في صحيح مسلم (¬4): من حديث أنس أنه - ~~عليه الصلاة والسلام - استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء. # الثالثة عشرة: الدعاء في الخطبة وقطعها للأمر يحدث. # الرابعة عشرة: الاعتبار بعظيم قدرة الله (¬5) وما يجريه على أيدي أنبيائه ~~ورسله من المعجزات وعلى يدي أوليائه من الكرامات. # الخامسة عشرة: الاقتداء بهم في جميع ذلك، كما فعل الصحابة وأتباعهم، وهلم ~~جرا وفقنا الله لذلك. # السادسة عشرة: فيه القيام في الخطبة وقد تقدم ما فيه في بابه. PageV04P347 # السابعة عشرة: احتج بعض السلف بهذا الحديث على أن الخروج إلى الاستسقاء ~~يكون بعد الزوال. إذ كان دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحال ~~يوم الجمعة (¬1). # قال القاضي عياض: والناس كلهم على خلافه وأنها بكرة كصلاة العيدين (¬2) ~~وهذا غريب منه، ففي كتاب ابن شعبان منهم: لا بأس أن يستسقى بعد الصبح وبعد ~~العصر والمغرب. PageV04P348 ### || AUTO 31 - باب صلاة الخوف # قد قدمنا في الحديث الثاني من صلاة الكسوف أن الخوف غم على ما سيكون؛ ~~والحزن: غم على ما مضى. وليس المراد [في] (¬1) هذه الترجمة أن صلاة الخوف ~~تقتضي صلاة مستقلة كقولنا: صلاة العيد، ولا أنه يؤثر في تغيير قدر الصلاة ~~أو وقتها كقولنا صلاة السفر، وحديث ابن عباس في صحيح مسلم (¬2) "إن الله ~~فرض الصلاة في الخوف ركعة". المراد للمأموم مع الإمام جمعا بين الأحاديث ~~كما قدمته في باب قصر الصلاة في السفر [وإنما] (¬3) المراد أنه يؤثر في ~~كيفية إقامة الفرائض واحتمال أمور فيها كانت لا تحتمل في غيرها، ثم هي في ~~الأكثر لا تؤثر في كيفية إقامة الفرائض، بل في إقامتها بالجماعة ونفتتح هذا ~~الباب بمقدمات: PageV04P349 # الأولى: أن صلاة الخوف باقية اليوم خلافا لأبي يوسف، فإنه قال: إنها ~~مختصة به - صلى الله عليه وسلم - وبمن يصلي معه وذهبت بوفاته. # واستدل بقوله -تعالى-: {وإذا كنت فيهم} (¬1) الآية. وهو قول مكحول والحسن ~~اللؤلؤي. ومحمد بن الحسن. والأوزاعي أيضا. والجواب: أن الصحابة لم يزالوا ~~[على فعلها] (¬2) بعده. ومنهم علي وأبو هريرة. وأبو موسى. وليس المراد ~~بالآية خصوصيته. وقد ms0792 قال -تعالى-: {خذ من أموالهم صدقة} (¬3) وقال: {فإن ~~كنت في شك مما أنزلنا إليك} (¬4) وقال: {يا أيها النبي حسبك الله} (¬5). ~~ونحوه كثير وثبت قوله - صلى الله عليه وسلم - "صلوا كما رأيتموني أصلي" ~~(¬6). فالآية خطاب مواجهة، لأنه المبلغ عن الله، لا خطاب تخصيص بالحكم. # وادعى المزني: نسخ صلاة الخوف، فإنها لم تفعل يوم الخندق. # والجواب: أنها لم تشرع إذ ذاك، بل بعد. # والجمهور: على أنها باقية، وأن للخوف تأثيرا في تغيير PageV04P350 # الصلاة المعهودة عن أصل مشروعيتها المعروفة. وانفرد مالك فقال لا يجوز ~~فعلها في الحضر. # قلت: وذكر القرطبي (¬1) في "شرح مختصر مسلم" عن بعضهم أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - صلاها ببطن نخل على باب المدينة. ومن العلماء من رأى أن الصلاة ~~تؤخر إلى وقت الأمن، ولا تصلى في حالة الخوف، كما فعل - عليه الصلاة ~~والسلام - يوم الخندق. # والجواب: أن فعله - عليه الصلاة والسلام - كان قبل نزول صلاة الخوف ~~بالإجماع. # الثانية: جاءت صلاة الخوف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الله عليه ~~وسلم - على ستة عشر نوعا وهي مفصلة في "صحيح مسلم" بعضها، وبعضها في سنن ~~أبي داود. # واختار الشافعي منها ثلاثة أنواع: بطن نخل، وذات الرقاع، وعسفان. # وذكر الحاكم في "مستدركه" (¬2) منها ثمانية أنواع. # وذى ابن حبان (¬3) في "صحيحه" منها تسعة. # وصحح [ابن حزم] (¬4) في صفتها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة ~~عشر PageV04P351 # وجها (¬1). # وذكر ابن القصار المالكي عشرة. # وذكر القرطبي (¬2) في "شرح مختصر مسلم" عشرة أحاديث منها، وتكلم عليها. # وقال الفاكهي: صحيح المحدثون منها سبع هيئات لشهرتها وثبوتها. # وقال الإمام أحمد: ما أعلم في هذا الباب إلا حديثا صحيحا، واختار حديث ~~سهل بن أبي حثمة. # وقال داود: جميع ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف ~~جائز، لا نرجح بعضه على بعض. # وقال الخطابي (¬3): صلاة الخوف أنواع، صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في أيام مختلفة وأشكال متباينة، يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ ~~في الحراسة، فهن على اختلاف [صورها] (¬4) متفقة المعنى. # الثالثة: ms0793 قال أهل الحديث والسير على ما نقله النووى في "شرح المهذب" ~~(¬5): أول صلاة صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - للخوف صلاته PageV04P352 # بذات الرقاع [وقال في "شرح مسلم" (¬1): شرعت صلاة الخوف في غزوة ذات ~~الرقاع. # وقيل: في غزوة بني النضير] (¬2). # قال ابن حبان (¬3) في أوائل "ثقاته": وكانت ذات الرقاع في المحرم سنة خمس. # وقال المنذري (¬4) في "مختصر السنن": كانت سنة أربع. # قال: وذكر البخاري أنها بعد خيبر؛ لأن أبا موسى الأشعري جاء بعد خيبر. # قال ابن حبان (¬5): وصلاها أيضا بذي قرد سنة ست. # وقال ابن العطار في "شرحه": صلاة الخوف كانت في عسفان سنة ست بعد رمضان، ~~وبها نزلت آيتها التي في النساء. وكان سبب # نزولها أنه - عليه الصلاة والسلام - صلى بأصحابه الظهر، فندم المشركون ~~على عدم اغتيالهم بالقتل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. ~~فعزموا على ذلك في الصلاة الآتية، فنزل جبريل، وتلا عليه {وإذا كنت فيهم ~~فأقمت لهم الصلاة} (¬6) الآية، فعلمه صلاة الخوف، ثم صلاها بعد على أوجه في ~~أماكن. PageV04P353 # وقال بعد ذلك في الحديث الثاني: أن ذات الرقاع شرعت صلاة الخوف فيها. # وقيل: في غزوة بني النضير كما حكيناه عن النووي. وفيه مخالفة لما جزم به ~~أولا فتأمله. # قال ابن بزيزة: واتفق أهل العلم بالآثار على أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يكن يصل صلاة الخوف قبل نزول قوله -تعالى-: {وإذا كنت فيهم ~~...} الآية. فلما نزلت صلاها. # واختلفوا في أين نزلت: # فقيل: بعسفان. # وفي حديث ابن أبي حثمة وجابر وأبي هريرة أنه صلاها في غزاة ذات الرقاع ~~سنة خمس. # وفي حديث جابر أيضا أنه صلاها في غزوة جهينة. # وقيل: في غزوة بني محارب ببطن نخل على قرب المدينة. # وقيل: في غزوة نجد وغطفان. قاله غير واحد من الرواة. إذا تقررت هذه ~~المقدمات فلنرجع إلى الكلام على أحاديث الباب، فنقول: ذكر المصنف -رحمه ~~الله- ثلاثة أحاديث: PageV04P354 ### ||| AUTO الحديث الأول # 154/ 1/ 31 - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - قال: "صلى ~~بنا رسول الله - صلى الله ms0794 عليه وسلم - صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت ~~طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا، وجاء ~~الآخرون فصلى بهم ركعة، وقضت الطائفتان ركعة ركعة" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب الاستطابة. # الثاني: "الإزاء" المقابل. # والعدو: يقع على الواحد، والاثنين، والجماعة، والمؤنث، والمذكر بلفظ واحد ~~قال -تعالى-: {فإنهم عدو لي} (¬2) وهو ضد PageV04P355 # الولي، ومثله ضعيف وصديق، ويقال: أيضا أعداء، وعدوه، عدى وعدى. # قال الجوهري (¬1): والعدا بكسر العين الأعداء وهو جمع لا نظير له. قال ~~ابن السكيت: ولم يأت فعول في النعوت إلا حرف واحد يقال هؤلاء قوم عدى أي ~~غرباء. وقوم عدى أي أعداء. كذا ادعى وقد جاء (¬2) فعل منه في سبعة ألفاظ ~~فكان سوى قوم عدى ملامة ثنى أي ثنيت مرتين ومنه قوله -تعالى-: {سبعا من ~~المثاني} (¬3) في قول من جعلها الفاتحة، لأنها تثنى في كل ركعة وما روي ~~ولحم زيم. وواد طوى فمن كسر الطاء جعله صفة. # وقال ثعلب (¬4): يقال: قوم أعداء وعدى بكسر العين. فإن أدخلت الهاء قلت ~~عداة بالضم والعادي العدو قالت امرأة من العرب: اشمت عاديك أي عدوك. # الثالث: هذا الحديث أخذ به الأوزاعي وأشهب المالكي وهو جائز عند الشافعي. PageV04P356 # ثم قيل: إن الطائفتين قضوا ركعتهم الباقية معا. # وقيل: متفرقين وهو الصحيح. ورجح أبو حنيفة الأخذ بهذا الحديث أيضا إلا ~~أنه قال بعد سلام الإمام: تأتي الطائفة الأولى إلى موضع الإمام فتقضي ثم ~~تذهب، ثم تأتي الثانية إلى موضع الإمام فتقضي ثم تذهب. وقد أنكرت عليه هذه ~~الزيادة. وقيل: إنها لم ترد في حديث (¬1). # واختار الشافعي: رواية صالح بن خوات الآتية في الحديث الثاني. # واختلف أصحابه: لو صلى على رواية ابن عمر هل تصح أم لا؟ والأصح نعم لصحة ~~الرواية، وترجيح رواية صالح من باب الأولى. # واختار مالك: ترجيح الصفة التي ذكرها سهل ابن أبي حثمة، التي رواها هو ~~عنه في الموطأ موقوفة. # وهي تخالف الرواية المذكورة في الكتاب [من] (¬2) سلام الإمام: فإن فيها ~~"أن الإمام ms0795 يسلم وتقضي الطائفة الثانية بعد سلامه" (¬3). PageV04P357 # ولما رجح الفقهاء (¬1) بعض الروايات على بعض احتاجوا إلى ذكر سبب ~~الترجيح: # فتارة يرجحون موافقة ظاهر القرآن. # وتارة بكثرة الرواة. # وتارة يكون بعضها موصولا وبعضها موقوفا. # وتارة بالموافقة للأصول في غير هذه الصلاة. # وتارة بالمعاني، وهذه الرواية التي اختارها أبو حنيفة توافق الأصول في أن ~~قضاء الطائفتين بعد سلام الإمام (¬2). # وأما ما اختاره الشافعي ففيه قضاؤهما معا قبل سلامه (¬3). PageV04P358 # وأما ما اختاره مالك: ففيه قضاء إحداهما فقط قبل سلامه. PageV04P359 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 155/ 2/ 31 - عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات بن جبير عمن صلى مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة ذات الرقاع صلاة الخوف: "أن طائفة صفت ~~[معه] (¬1)، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا ~~لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ~~الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم" (¬2). PageV04P360 # [الذي] (¬1) صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - هو "سهل بن أبي حثمة". # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في فن الأسماء: # أما يزيد بن رومان: فهو أبو روح الأسدي القرشي مولى آل الزبير المدني ~~القاري تابعي. وثقه النسائي وغيره. وكان عالما كثير الحديث. روى عنه نافع ~~القاري وآخرون. توفي سنة ثلاثين ومائة. # وقيل: سنة تسع وعشرين ومائة. وهو من كبار شيوخ نافع في القراءة. # ورومان -بضم الراء-. وحكى في اسم رومان فتح الراء مطلقا وهو شاذ. # وأما صالح بن خوات: فهو أنصاري مدني تابعي ثقة غزير الحديث. # وأما والده: خوات فهو بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو ثم ألف ثم مثناة ~~فوق. وهو صحابي. وكان أحد فرسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وهو أنصاري مدني شهد بدرا. # كنيته: أبو عبد الله. # وقيل: أبو صالح من بني ثعلبة ابن عمرو بن عوف. مات سنة أربعين. وهو ابن ~~أربع وسبعين. وله عقب بالمدينة. PageV04P361 # واعلم: أن "خوات" يشتبه "بجواب" بالجيم [والباء] (¬1) وهم جماعة عددهم ~~ابن ماكولا و"بجوان" بضم الجيم وآخره نون وهم جماعة ms0796 أيضا. ذكرت كل ذلك في ~~كتابي "مشتبه النسبة" (¬2). # وأما سهل بن أبي حثمة: فهو أنصاري، خزرجي. مدني. كنيته: أبو عبد الرحمن. # وحثمة: بحاء مهملة مفتوحة ثم ثاء مثلثة ثم ميم ثم هاء. # واسم أبي حثمة: عبد الله. # وقيل: عامر. له صحبة. # وأمه: أم الربيع بنت أسلم بن خريس. روى عنه صالح بن خوات بن جبير وغيره. # قال أبو حاتم: بايع تحت الشجرة. وكان دليل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى أحد ولم يشهد بدرا. وأما الواقدي فقال: مات النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وعمره ثمان سنين. وقال: حفظ عنه وجزم به ابن حبان في "ثقاته". وقال ابن ~~الأثير: إنه أصح. قال وتوفي في أول أيام معاوية. قال أبو عمرو: وما أظن ابن ~~شهاب سمع منه. روي له خمسة وعشرون حديثا. اتفقا على ثلاثة منها. # الثاني: قوله: "الرجل الذي صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو سهل ~~بن أبي حثمة" كذا نص عليه عبد الحق أيضا. PageV04P362 # [وأما ابن القطان فتوقف في ذلك لأن ذات الرقاع كانت بعد بني النضير] (¬1) ~~في صدر السنة الرابعة من الهجرة. وسهل توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو ابن ثمان سنين قاله جماعات. وقول أبي حاتم: إنه بايع تحت الشجرة، ~~وشهد المشاهد كلها إلا بدرا. وكان دليل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يصح إنما كان الدليل أبوه عامر بن ساعدة. وهو الذي بعثه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خارصا. وأبو بكر وعمر بعده. وتوفي في خلافة معاوية. فسهل ~~كان سنه في زمن ذات الرقاع سنتين أو نحوهما ثم أوضح ذلك بأدلته (¬2). PageV04P363 # الوجه الثالث: "ذات الرقاع" قدمنا أنها سنة خمس وهي بأرض غطفان من نجد. # سميت بذلك: لأن أقدام المسلمين نقبت من الحفاء، فلفوا عليها الخرق، كذا ~~ثبت في الصحيح (¬1) عن أبي موسى الأشعري. وفيه أقوال أخر، ذكرتها في تخريجي ~~لأحاديث الرافعي فراجعها منه. # الرابع: "الطائفة" الفرقة والقطعة من الشيء، تقع [على] (¬2) القليل ~~والكثير. ومنه قوله -تعالى-: {وليشهد عذابهما طائفة من # المؤمنين (2)} (¬3). قال ms0797 ابن عباس: الواحد فما فوقه. # وقيل: إن الطائفة تقع على أربعة. # وقيل: على أربعين. وعن ابن عباس في تفسيرها: أربعة إلى أربعين رجلا. # وعن الحسن: عشرة. # وعن قتادة: ثلاثة فصاعدا. # وعن عكرمة: رجلان فصاعدا. PageV04P364 # وعن مجاهد: الواحد فما فوقه. وهو أبعد الأقوال. # قال الشافعي: وأكره أن تكون الطائفة في صلاة الخوف أقل من ثلاثة. فينبغي ~~أن تكون الطائفة التي تكون مع الإمام ثلاثة فأكثر. والذين في وجه العدو ~~كذلك. واستدل بقوله -تعالى-: {وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا. . .} (¬1) ~~الآية. فأعاد على كل طائفة # ضمير الجمع، وأقله ثلاثة على المشهور. # الخاص: قوله: "صفت معه" كذا هو في أكثر نسخ مسلم وفي بعضها "صلت معه" ~~وهما صحيحان. # السادس: "وجاه العدو" -بكسر الواو وضمها- يقال: وجاهه ووجاهه وتجاهه أي ~~قبالته. ولو أبدلت الواو فيه همزة لم تبعد كما في وشاح ووسادة حيث قالوا ~~أشاح وإسادة استثقالا للكسرة تحت الواو. # السابع: هذا الحديث مختار الشافعي، ومالك، وأبي ثور وغيرهم في صلاة ~~الخوف، إذا كان العدو في غير جهة القبلة. ومقتضاه أن الإمام ينتظر الطائفة ~~الثانية قائما في الثانية، وهذا في الصلاة الثنائية، مقصورة كانت أو بأصل الشرع. # فأما الرباعية فهل ينتظرها قائما في الثالثة، أو قبل قيامه؟ فيه اختلاف ~~لأصحابنا وللمالكية أيضا. وإذا قيل بأنه ينتظرها قبل قيامه، فهل تفارقه ~~الطائفة الأولى قبل تشهده عند رفع رأسه من السجود، أو بعد التشهد؟ PageV04P365 # واختلف الفقهاء فيه: وليس في الحديث دلالة على أحد المذهبين. وإنما يؤخذ ~~بطريق الاستنباط منه. # وإذا قلنا: إنه ينتظرها قائما فلا يصح عندنا أنه يقرأ. وعند المالكية ~~أربعة أقوال: # - يقرأ. # - يسبح. # - يسكت. # - التخيير. # وقال بعض متأخريهم: إن كانت القراءة بالفاتحة خاصة سبح ولم يقرأ، لأنه لو ~~قرأ لم تدرك الطائفة الأخرى قراءته وإلا قرأ. قال الشيخ تقي الدين (¬1): ~~ومقتضى الحديث أيضا أن الطائفة الأولى تتم لأنفسها، مع بقاء صلاة الإمام. ~~وفيه مخالفة للأصول في غير هذه الصلاة. لكن فيها [ترجيح] (¬2) من جهة ~~المعنى، لأنها إذا قضت وتوجهت إلى نحو العدو، وتوجهت فارغة من الشغل ~~بالصلاة، ms0798 وتوفر مقصود صلاة الخوف وهو الحراسة. # وعلى الصفة التي اختارها أبو حنيفة تتوجه الطائفة للحراسة مع كونها في ~~الصلاة، فلا يتوفر المقصود من الحراسة. وربما أدى إلى أن يقع في الصلاة ~~الضرب والطعن وغير ذلك من منافيات الصلاة، ولو وقع في هذه الصورة لكان خارج ~~الصلاة، وليس بمحذور. PageV04P366 # ومقتضى الحديث أيضا أن الطائفة الثانية تتم لنفسها قبل فراغ الإمام. وفيه ~~ما في الأول. # ومقتضاه أيضا أنه يثبت حتى تتم لنفسها ويسلم بهم. وهذا اختيار الشافعي ~~وقول في مذهب مالك، ثم ظاهر مذهب مالك أن الإمام يسلم، وتقضي الثانية بعد ~~سلامه، وربما ادعى بعضهم أن ظاهر القرآن يدل على أن الإمام ينتظرهم ليسلم ~~بهم، بناء على أنه فهم من قوله: {فليصلوا معك} (¬1). أي بقية الصلاة التي ~~بقيت للإمام، فإذا سلم الإمام بهم فقد صلوا معه [البقية] (¬2)، وإذا سلم ~~قبلهم فلم يصلوا معه البقية، لأن السلام من البقية، وليس بالقوي الظهور. ~~وقد يتعلق بلفظ الراوي من يرى أن السلام ليس من الصلاة (¬3)، من حيث إنه ~~قال: "فصلى بهم الركعة التي بقيت" فجعلهم مصلين معه، فيما يسمى ركعة. ثم ~~أتى بلفظة. "ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم"، فجعل لفظ (¬4) ~~"السلام" متراخيا عن مسمى "الركعة" إلا أنه ظاهر ضعيف (¬5). وأقوى منه في ~~الدلالة ما دل على أن السلام من الصلاة. والعمل بأقوى الدليلين متعين. PageV04P367 # فروع: متفرقة من مذهب مالك - رضي الله عنه - أحببت ذكرها هنا: اختلف في ~~المسبوق في صلاة الخوف هل يبدأ بالبناء. وهو قول ابن القاسم. أو بالقضاء ~~وهو قول سحنون؟ وإذا صلى ركعة ثم أحدث قبل قيامه إلى [الصلاة] (¬1) الثانية ~~أو بعدها فلا، لأن من معه خرج عن متابعته ولو أحدث بعد ركعة من المغرب ~~استخلف. # وقال بعض متأخريهم: مقتضى النظر الاستخلاف فإن حكم الطائفتين واحد من حيث ~~أنهما صلاة واحدة، فالإمامة ثابتة له على الطائفتين حكما. # واختلفوا إذا انهزم العدو. # فهل يكملون على الهيئة الأصلية أو الخوفية؟ قولان. # وقال بعض متأخريهم: إن تحقق عدم عودهم كملوا على حكم ms0799 الأمن وإلا فعلى ~~الخوف. PageV04P368 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 150/ 3/ 31 - عن جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه - قال: "شهدت ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف فصففنا صفين [صف] (¬1) خلف ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعدو بيننا وبين القبلة. فكبر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من ~~الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر ~~في نحر العدو. فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود وقام الصف ~~الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر ~~الصف المقدم ثم ركع النبي - صلى الله عليه وسلم - وركعنا جميعا ثم رفع رأسه ~~من الركوع فرفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا ~~في الركعة الأولى. وقام الصف المؤخر في نحو العدو. فلما قضى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود ~~فسجدوا، ثم سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلمنا جميعا" (¬2). PageV04P369 # قال جابر: كما [يفعل] (¬1) حرسكم هؤلاء بأمرائهم. ذكره مسلم بتمامه. # وذكر البخاري طرفا منه، وأنه صلى صلاة الخوف مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في الغزوة السابعة، غزوة ذات الرقاع. # الكلام عليه من وجوه: # والتعريف براويه قد سلف في آخر باب الجنابة. # الأول: معنى "شهدت" حضرت واسم الفاعل منه شاهد. وقوم شهود أي حضور. وهو ~~في الأصل مصدر [شهد] (¬2) أيضا مثل راكع وركع. وامرأة مشهد إذا حضر زوجها ~~بلا هاء. وامرأة مغيبة إذا غاب زوجها عنها. وهذا بالهاء. وأشهدني إملاكه أي ~~أحضرني [والمشهد] (¬3) محضر الناس. ومن [هذا] (¬4) قوله -تعالى-: {وبنين ~~شهودا (13)} (¬5) أي حضورا عنده لا سالم لمفارقتهم. # الوجه الثاني: هذه كيفية الصلاة إذا كان العدو في وجه القبلة. # وبها قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف. PageV04P370 # ويجوز عند الشافعي: تقدم الصف الثاني وتأخر الأول كما في هذا الحديث. # ويجوز بقاؤهما على حاله. وقد رواه مسلم في حديث (¬1) آخر. # الثالث: "الحراسة" يتأتى للكل مع الإمام ms0800 في الصلاة ويتأتى فيها التأخير ~~عن الإمام لأجل العدو. وموضع الحراسة في السجود. # وأما في الركوع: فالأصح المنع، لأنه لا يمنع من إدراك العدو بالبصر. ~~فالحراسة ممكنة معه بخلاف السجود. وفي وجه للشافعية يحرس في الركوع أيضا. # الرابع: المراد بالسجود الذي سجده النبي - صلى الله عليه وسلم - وسجد معه ~~الصف الذي يليه هو السجدتان جميعا. # وقوله: "في نحر العدو" أي مقابلته، ونحر كل شيء أوله. # الخامس: الحديث يدل على أن الصف الذي يلي الإمام يسجد معه في الركعة ~~الأولى، ويحرس الصف الثاني فيهما. # ونص الشافعي على خلافه، وهو أن الصف الأول يحرس في الركعة الأولى. # فقال بعض أصحابه: لعله سها أو لم يبلغه الحديث. # وجماعة من العراقيين وافقوا الصحيح في مذهبه، ولم يذكر بعضهم سوى ما دل ~~عليه الحديث، كأبي إسحاق الشيرازي [رضي الله عنه] (¬2). PageV04P371 # وبعضهم قال بذلك: بناء على المشهور عن الشافعي أو الحديث إذا صح يؤخذ به، ~~ويترك قوله. # أما الخراسانيون: فإن بعضهم تبع نص الشافعي، كالغزالي في "وسيطه". # ومنهم من ادعى: أن في الحديث رواية كذلك. ورجح ما ذهب إليه الشافعي بأن ~~الصف الأول يكون جنة لمن خلفه. ويكون ساترا له عن أعين المشركين. وبأنه ~~أقرب إلى الحراسة وهؤلاء مطالبون بإبراز تلك الرواية. والترجيح إنما يكون بعدها. # السادس: الحديث يدل على أن الحراسة يتناوبها الطائفتان في الركعتين، فلو ~~حرست طائفة واحدة في الركعتين معا، فالأصح عندنا الصحة، لأنه قد لا يتأهل ~~للحراسة إلا معتنون. # السابع: روى مسلم (¬1) من حديث جابر هذا أنه - عليه الصلاة والسلام -: ~~"صلى بكل طائفة ركعتين" ورواه أبو داود (¬2) من رواية PageV04P372 # أبي بكرة أيضا. وبه قال الشافعي والحسن البصري. # وادعى الطحاوي أنه منسوخ فقال: هذا كان في أول الإسلام إذ كان يجوز أن ~~تصلى الفريضة مرتين ثم نسخ [ذلك] (¬1) وهذه دعوى منه. وأين الدليل على النسخ. # خاتمة: من أنواع صلاة الخوف صلاة المسايفة وهو إذا التحم القتال [أو] ~~(¬2) يشتد الخوف. فيصلي كيف أمكن راكبا. وماشيا ويعذر في ترك القبلة ~~والأعمال الكثيرة لحاجة. وهو قول ms0801 ابن عمر وبه أخذ مالك والثوري، والأوزاعي، ~~والشافعي، وعامة العلماء. ويشهد له قوله -تعالى-: {فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا} (¬3). # قال بعض العلماء: بحسب ما يتمكن منه. # وقال جماعة من الصحابة والسلف: يصلي في الخوف ركعة يومئ بها إيماء. # وقال الضحاك: فإن لم يقدر على ركعة فتكبيرتين حيث كان وجهه. # وقال إسحاق: إن لم يقدر على ركعة إيماء صلى سجدة. فإن لم يقدر فتكبيرة. PageV04P373 # وقال الأوزاعي نحوه: إذا تهيأ الفتح لكن إن لم يقدر على ركعة ولا على ~~سجدة لم يجزئه التكبير وأخرها حتى يأمنوا ويشهد لهذه المذاهب قوله -تعالى-: ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} (¬1). [وقول رسوله - عليه أفضل الصلاة والسلام -: ~~"وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (¬2)] (¬3) وهو مأمور بالصلاة على ~~صفة من قيام وركوع وسجود وتكبير وتلاوة. فإذا تعذر بعضها أتى بالباقي ~~محافظة على امتثال الأمر. # ومنع مكحول وبعض أهل الشام: من صلاة الخائف جملة إلى التمكن استدلالا ~~بتأخيره - عليه الصلاة والسلام - يوم الخندق. # وهو عجيب لأن صلاة الخوف إنما شرعت بعد ذلك. # وانفرد أبو حنيفة وأبو ليلى فقالا: لا يصلي الخائف إلا إلى القبلة. وعامة ~~العلماء على خلافه (¬4). # واختلف الذين قالوا بالجواز للمطلوب في جواز ذلك للطالب. # فمالك وجماعة من أصحابه على التسوية بينهما. # وقال الشافعي والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث وابن عبد الحكم: لا يصلي ~~الطالب إلا بالأرض. PageV04P374 # ونقل عن الأوزاعي: أيضا أنه إن كان الطالب قرب المطلوب صلى إيماء وإلا لم ~~يجز له الإيماء. # ونقل ابن بزيزة في "شرح الأحكام ": عن الشافعي أيضا أنه إن خاف الطالب ~~انقطاعه عن أصحابه وكثرة المطلوبين واجتماعهم عليه صلى إيماء وإلا فلا. PageV04P375 ### | AUTO كتاب الجنائز PageV04P377 ### || AUTO 32 - باب الجنائز # الجنائز: -بفتح الجيم- لا غير جمع جنازة -بالفتح والكسر- لغتان.-والكسر- ~~أفصح كما قاله القيسي. # وقيل: -بالفتح- للميت.-وبالكسر- للنعش وعليه الميت. # وقيل: عكسه. # وقال الجوهري (¬1): الجنازة -بالكسر- واحدة الجنائز. والعامة تقول ~~الجنازة بالفتح: وهو عبارة عن الميت على السرير فإذا لم يكن عليه الميت فهو ~~سرير ونعش. # وحكى الثعالبي في فقه اللغة (¬2): أن النعش [ما] (¬3) كان عليه ميت وإلا ~~فهو ms0802 سرير فقط. # قلت: وتظهر فائدة [هذا] (¬4) الخلاف اللغوي فيما إذا قال أصلي على ~~[الجنائز] (¬5) فتنبه له. PageV04P379 # واشتقاقها: من جنز يجنز، إذا سترته، قاله ابن فارس (¬1) وغيره. # وذكر المصنف هذا الباب هنا وإن كان من حقه أن يذكر بين الوصايا والفرائض ~~لأن الأهم من هذه الثلاثة ما يفعل بالميت فإنه مقدم على ما يفعل في ماله ~~وأهم ما يفعل به الصلاة عليه؛ إذ فائدتها أخروية وهي الدعاء له والشفاعة ~~ليتخلص من العذاب. وأما الباقي فأمور دنيوية إذ فائدة الغسل النظافة ~~والتكفين والدفن الستر، ومجموع ما ذكر المصنف -رحمه الله- في الباب أربعة ~~عشر حديثا: PageV04P380 ### ||| AUTO الحديث الأول # 157/ 1/ 32 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "نعى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم ~~وكبر أربعا" (¬1). # الكلام عليه من أحد عشر وجها: والتعريف براويه سلف في الطهارة. # الأول: "النجاشي" -بفتح النون وبالشين المعجمة وتشديد الياء-. # قال صاحب "مجمع البحرين": وتخفيفها أعلا وأفصح (¬2) قال وكان ثعلب يختار ~~كسر النون فيه. PageV04P381 # قال الجوهري (¬1): هو اسم ملك الحبشة. # قال الصاغاني: هذا تحريف. وإنما اسمه أصحمة أي بفتح الهمزة وإسكان الصاد ~~وفتح الحاء المهملتين. # وقد قال ابن دريد: فأما النجاشي فكلمة حبشية يقال للملك منهم نجاشي كما ~~يقال كسرى وقيصر. # وقال صاحب "المطالع": النجاشي اسما كان أو كنية. # وقال المطرزي في "المغرب" (¬2): تشديد جيمه خطأ. واسمه أصحمة، والسين تصحيف. # قلت: وقيل اسمه أصمحة بتقديم الميم على الحاء. حكاه الرافعي في "شرح مسند ~~الشافعي". # وحكى القاضي عياض (¬3): صحمه بحذف الألف. # وفي "المستدرك" (¬4) للحاكم [أن] (¬5) ابن إسحاق قال اسمه مصمحة. # قال: ولم يتابع عليه (¬6). PageV04P382 # والذي نقله القاضي عياض: عن ابن إسحاق أصحمة فاعلمه. # وقال ابن أبي شيبة (¬1) في "مسنده" [(¬2)]: صمحة بتقديم الميم على الحاء ~~بلا ألف وهو شاذ كما قاله النووي (¬3). # فحصل في اسمه خمسة أقوال: # وفي لفظ "النجاشي" أربع لغات وهذا مهم عزيز الوجود. PageV04P383 # ومعنى "أصحمة" بالعربية "عطية". # قال ابن دحية في التنوير: قال أهل السير: وتوفي في ms0803 رجب سنة تسع من ~~الهجرة. # وقال ابن الأثير: [أسلم] (¬1) قبل الفتح. ومات قبله أيضا وصلى عليه النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -[با] (¬2) لمدينة. # قال الرافعي: وكان بينه وبين النجاشي مسيرة شهر. وكبر عليه أربعا كما ~~ساقه المصنف وروى الطبراني بإسناد (¬3) واه أنه كبر عليه خمسا. # وكان المسلمون قد هاجروا إليه فأحسن إليهم. وآمن برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة. وجهز إليه جعفرا. # وروى أبو داود (¬4) عن عائشة قالت: "لما مات النجاشي كانوا يتحدثون أنهم ~~لا يزالوا يرون النور على قبره". # وجاريته أبرهة أسلمت وأرسلت السلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مع أم حبيبة فقال: "وعليها السلام ورحمة الله وبركاته". PageV04P384 # قال عبد الله بن أبي بكر بن حزم: وكان ذلك سنة سبع، ذكره ابن الجوزي في ~~"تنويره" وذكره العسكري في كتاب "الصحابة" فيمن # ولد في أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يرو عنه شيئا، وقال: إنه ~~أول ملك أسلم وصح إسلامه عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستغفر له ~~ثلاثا. وصلى عليه. # واعلم أن النجاشي تابعي كما ذكرناه آنفا لأنه آمن ورأى الصحابة ولم ير ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن ذكره ابن منده في الصحابة توسعا. وهذه ~~المسألة تلقى في المعاياه، فيقال: شخص صلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-[وأصحابه] (¬1) وهو تابعي، فيقال: هو النجاشي. # ومن الغرائب التي نظيرها نادرا أيضا إسلام صحابي طويل الصحبة كثير ~~الرواية على يد تابعي وهو عمرو بن العاص فإنه أسلم على يد النجاشي فاستفد ذلك. # فائدة: "النجاشي" لقب لكل من ملك الحبشة. ويقال: لكل من ملك المسلمين ~~أمير المؤمنين، ولمن ملك الروم قيصر وهرقل، والفرس كسرى والترك خاقان، ~~والقبط فرعون، ومصر العزيز، واليمن تبع، وحمير القيل -بفتح القاف- وقيل: ~~القيل أقل درجة من الملك، ودهمي ويعبورا لمن ملك الهند، و [عاند] (¬2) لمن ~~ملك الزنج، ومالح، وقيل: الفطيون لمن ملك اليهود، والنمروذ لمن # ملك الصابئة، وجالوت لمن ملك البربر. # تنبيه: ذكر المحب الطبري ms0804 في "أحكامه": أن النجاشي من PageV04P385 # النجش: وهو الإثارة، ومنه قيل: لمن يزيد في السلعة: ناجش ونجاشي. # الثاني: "النعي" خبر الموت يقال "نعاه، ينعاه، نعيا" و"نعيانا" بالفتح ~~والضم، وكذلك "النعي" على فعيل، يقال: جاء نعي فلان والنعي (¬1) أيضا ~~الداعي وهو الذي يأتي بخبر الموت. قاله الجوهري (¬2). # وقال الهروي: النعي: بسكون العين الفعل والنعي يريد بالكسر الميت. ويجوز ~~أن يجمع على نعايا كصفى وصفايا. # وقال الجوهري قال الأصمعي: كانت العرب إذا مات منها ميت له قدر ركب راكب ~~فرسا، وجعل يسير في الناس، ويقول: نعاء فلانا أي أنعه وأظهر خبر وفاته. ~~ونعا مبنية على الكسر مثل دراك. # وفي الحديث (¬3) " [يا نعايا] (¬4) العرب" أي أنعهم. # قلت: والنعي على ضربين: # أحدهما: مجرد إعلام لقصد ديني كطلب كثرة الجماعة PageV04P386 # تحصيلا للدعاء للميت وتتميما للعدد الذي وعد بقبول شفاعتهم له كالأربعين ~~(¬1) والمائة (¬2) مثلا أو لتشييعه وقضاء حقه في ذلك. وقد ثبت في معنى ذلك ~~قوله - عليه الصلاة والسلام -: "هلا أذنتموني به" (¬3) ونعيه - عليه الصلاة ~~والسلام - أهل مؤتة جعفرا وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة (¬4). # الثاني: فيه أمر محرم مثل نعي الجاهلية المشتمل على ذكر مفاخر الميت ~~ومآثره وإظهار التفجع عليه وإعظام حال موته فالأول: مستحب PageV04P387 # والثاني: محرم، وعليه يحمل نهيه - عليه الصلاة والسلام - عن النعي كما ~~أخرجه الترمذي وصححه (¬1)، وهذا التفصيل هو الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة. ~~وبعض أصحابنا، قال: يستحب الإيذان وإشاعة موته في الناس بالنداء عليه ~~والإعلام للقريب دون غيره، وبه قال ابن عمر - رضي الله عنه -. # وجزم البغوي (¬2) وغيره من أصحابنا: بكراهة النعي والنداء عليه للصلاة ~~وغيرها. # ونقل ابن الصباغ عن الأصحاب: أنه يكره النداء عليه، وأنه لا بأس أن يعرف ~~أصدقاءه، وبه قال الإمام أحمد. # وقال أبو حنيفة: لا بأس به، ونقله العبدري عن مالك أيضا. # وفي "الحلية" للروياني من أصحابنا: الاختيار بالنداء عليه ليكثر المصلون، ~~ودليله حديث الكتاب وغيره. # وكره مالك الإنذار بذلك على أبواب المساجد والأسواق، ورآه من النعي. # الثالث: في الحديث الإعلام بالميت للمقصد المديني كما قررناه. # الرابع: فيه ms0805 إثبات الصلاة على الميت المسلم، وأجمعوا على أنها فرض كفاية. ~~وما حكى عن بعض المالكية أنها سنه مؤكدة فمردود. PageV04P388 # واختلفوا: في [العدد] (¬1) الذي تسقط به. فالصحيح من الأوجه الأربعة ~~عندنا أنها تسقط بصلاة واحد. # وقيل: اثنان. وقيل: ثلاثة. وقيل: أربعة. # الخامس: صلاته - عليه الصلاة والسلام - على النجاشي كانت متعينة حيث مات ~~بأرض لم يقم بها فريضة الصلاة عليه، فتعين الإعلام بموته لذلك، وإن كان معه ~~من تابعه على الإسلام إلا أنه لا يقدر على إظهاره أو يجهل حكم هذه الصلاة. ~~وهكذا الحكم في كل مسلم مات ولم يصل عليه، فإنه يتعين على كل من علم بموته ~~الصلاة عليه (¬2). # السادس: فيه معجزة ظاهرة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - لإعلامه بموته ~~وهو في الحبشة في اليوم الذي مات فيه. # السابع: فيه شرعية الصلاة على الميت الغائب عن البلد وهو مذهب الشافعي. ~~وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة وغيرهما. والحديث حجة عليهم، [ولهم] (¬3) ~~اعتذارات: # منها: ما أسلفنا من أن الصلاة عليه كانت متعينة. PageV04P389 # ومنها: ما قيل إنه - عليه الصلاة والسلام - رآه فيكون حين صلاته عليه ~~كميت رآه الإمام ولم يره المأمومون (¬1). # قال الشيخ تقي الدين (¬2): وهذا يحتاج إلى نقل يثبته، فمثله لا يثبت ~~بالاحتمال. # ومنها: أن ذلك مخصوص بالنجاشي. # قلت: والعجب أن ابن عبد البر المحقق الحافظ اعتذر بهذا أيضا فقال (¬3): # دلائل الخصوص في هذه المسألة واضحة، لا يجوز أن يشرك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فيها غيره؛ لأنه -والله أعلم- أحضر روح النجاشي بين يديه، حيث ~~شاهدها، وصلى عليها، أو رفعت له جنازته (¬4)، PageV04P390 # كما كشف (¬1) [له عن بيت المقدس حين سألته قريش عن PageV04P391 # صفته (¬1). # وقد روي أن جبريل أتاه بروح، (¬2) جعفر وجنازته وقال: "قم فصل عليه" (¬3) ~~ومثل هذا كله يدل على أنه مخصوص به لا يشاركه فيه غيره. # قال: وعلى هذا أكثر العلماء في الصلاة على الغائب. # وقد كفانا مؤنة الرد عليه ابن دحية الحافظ. فقال في كتابه "التنوير": بعد ~~أن ساق كلامه: هذا كله دعوى لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، ms0806 إلا ما كان من ~~قصة رفع بيت المقدس، فهو في الصحيحين. # وأما إحضار روح النجاشي أو رفع جنازته: فلا يصح من طريق عند أهل العلم ~~بالنقل. # فإن قلت: فقد طويت الأرض له في موت معاوية بن PageV04P392 # معاوية (¬1). # قلت: لا يصح كما شهد بذلك العقيلي والبيهقي وغيرهما. # ولقد أنصف القرطبي (¬2) -رحمه الله- فقال: في الاعتذار الثاني والثالث ~~نظر وأن الأول أقربهما. # واستحسن الروياني من أصحابنا ما ذهب إليه الخطابي (¬3): أنه لا يصلي ~~عليه، إلا إذا لم يصل عليه أحد [وكذا] (¬4) كانت قضية PageV04P393 # النجاشي (¬1). # وقال ابن حبان (¬2): من أصحابنا: إنما تجوز الصلاة عليه إذا كان في جهة ~~القبلة فقط إما إذا كان وراءه بحيث إذا استقبلها استدبره. وإذا استقبله ~~استدبرها لم تصح الصلاة عليه. # قال المحب الطبري في "أحكامه": ولم أقف على هذا (¬3) لغيره واحترزت بقولي ~~أولا [الغائب] (¬4) عن البلد عما إذا كان في البلد غائبا عن موضع الصلاة ~~فإنه لا يجوز أن يصلى عليه على الأصح حتى يحضر عنده، لأنه - عليه الصلاة ~~والسلام - لم يصل على حاضر في البلد إلا بحضرته، ولأنه لا مشقة فيه بخلاف ~~الغائب. PageV04P394 # فرع: لو صلى على الأموات الذين ماتوا في يومه وغسلوا ولا يعرف عددهم جاز. # الثامن: فيه الخروج إلى المصلى للميت الغائب من غير كراهة. # التاسع: تمسك به الحنفية والمالكية في منع الصلاة على الميت في المسجد، ~~وبجعل الكراهة في الصلاة على الميت في المسجد مطلقة، ولا يتم لهم ذلك إلا ~~أن تخص الكراهة بكون الميت في المسجد، فإنه - عليه الصلاة والسلام - صلى ~~على سهيل بن بيضاء [وأخيه] (¬1) في المسجد، كما أخرجه مسلم (¬2) من حديث ~~عائشة ومعلوم أن موته كان خارج المسجد وحمل إلى المسجد للصلاة عليه فيه. ~~والخروج إلى المصلي للصلاة على النجاشي أبلغ في إظهار أمره المشتمل على هذه ~~المعجزة الباهرة ولإكثار المصلين عليه، وجمهور العلماء، كما نقله عنهم ~~النووي في "شرح مسلم" (¬3) على جواز الصلاة على الميت في المسجد، بل نص ~~أصحابنا على استحبابه، وقد أوضحت الجواب عما عارض حديث سهل من خمسة ms0807 أوجه في ~~"شرح المنهاج"، فراجعه منه، على أن لا يتم PageV04P395 # الاستدلال للحنفية من هذا الحديث على الكراهة في الصلاة عليه فيه أصلا، ~~لأن الممتنع عندهم إنما هو إدخاله المسجد، لا مجرد الصلاة عليه فيه (¬1). # العاشر: أن سنة تكبيرات الجنازة أربع وهو مذهب الشافعي وجمهور العلماء، ~~كما نقله عنهم النووي في "شرحه" (¬2). وفي رواية # باطلة أنه كبر عليه خمسا نبه على بطلانها الجوزقاني (¬3) في موضوعاته. # قال القاضي عياض (¬4): وكان - عليه الصلاة والسلام - يكبر أربعا وخمسا ~~وسبعا وثمانيا، حتى مات النجاشي فكبر عليه أربعا وثبت [على] (¬5) أربع حتى ~~توفي (¬6). PageV04P396 # قال: واختلف السلف من الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع. وروي عن ~~علي - رضي الله عنه -: "أنه كان يكبر على أهل بدر ستا وعلى سائر الصحابة ~~خمسا. وعلى غيرهم أربعا" (¬1). # قال ابن عبد البر: وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع، PageV04P397 # واتفق الفقهاء: أهل الفتوى بالأمصار على أنها أربع، لا زيادة عليها، على ~~ما جاء في الأحاديث الصحاح، وما سوى ذلك عندهم مردود، لا يلتفت إليه. قال ~~ولا نعلم أحدا قال من فقهاء الأمصار بخمس إلا ابن أبي ليلى (¬1). # قلت: ولا أعلم له سلفا من ذلك، إلا زيد بن أرقم (¬2) وقد اختلف عنه في ~~ذلك وحذيفة (¬3)، وفي الإسناد عنهما من لا يحتج به. # وذكر الحازمي (¬4) أنه قول ابن مسعود وعيسى مولى حذيفة، وأصحاب معاذ بن ~~جبل، وهو مذهب الشيعة (¬5). # وعزاه الفاكهي إلى الفقهاء السبعة، ولعله التبس عليه. # وروي أيضا مرفوعا لكنه واه كما قدمته، وبتقدير ثبوته فالتكبير أربعا ~~متأخر عنها. PageV04P398 # وروي فيه حديث عن ابن عباس (¬1). # وروي عن بعض المتقدمين أنه يكبر على الجنازة ثلاثا وعزاه الحازمي (¬2) ~~إلى ابن سيرين وأبي الشعثاء، وابن عباس، وأنس، وهذا الحديث يرده، ويتلخص في ~~هذه المسألة ستة أقوال: # أصحها: أربع تكبيرات. # ثانيها: ثلاث. # ثالثها: خمس. # رابعها: عن ابن مسعود [أنه] (¬3) قال: كبر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - تسعا وسبعا وخمسا وأربعا فكبروا ما كبر الإمام (¬4)، فأشار إلى أن ~~ذلك كله جائز، وأن المصلي مخير في ms0808 ذلك. # خامسها: يكبر ما كبر الإمام، ولا يزيد على سبع. قاله إسحاق. PageV04P399 # سادسها: ما أسلفنا عن علي (¬1). # الحادي عشر: فيه استحباب الصفوف والأمر بها في صلاة الجنازة، لقوله: "فصف ~~بهم" وقد ثبت من حديث مرثد بالثاء المثلثة بن عبد الله قال: كان مالك بن ~~هبيرة - رضي الله عنه - إذا صلى على جنازة فاستقل الناس جزاءهم ثلاثة ~~أجزاء، ثم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من صلى عليه ثلاثة ~~صفوف فقد أوجب" رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي وقال: حسن، والحاكم ~~وقال: صحيح على شرط مسلم [في هذا الحديث] (¬2). ورواه أحمد بلفظ "فقد غفر ~~له" ولفظ الحاكم بهما (¬3). PageV04P400 # خاتمة: لم أر في هذا الحديث ذكر السلام. نعم روى أبو أمامة (¬1) أنه ~~السنة، كما رواه النسائي بإسناد على شرط الصحيح وهو إجماع، وإن كان وقع في ~~"العتبية"، أنه يستحب. وقال به محمد بن أبي صفرة. # والصحيح عند الشافعية: أنه يسلم تسليمتين كغيرها، وبه قال الثوري، وأبو ~~حنيفة وجماعة من السلف. # وقيل: واحدة لبنائها على التخفيف. # قال النووي في "شرح المهذب" (¬2): وبه قال أكثر العلماء منهم مالك، ويسر ~~بالسلام عند الشافعي، كما نقله النووي في "شرحه لمسلم" (¬3). وكذا القرطبي ~~(¬4) ويعلم تمامها بالانصراف. PageV04P401 # وفي مستدرك (¬1) الحاكم أنه السنة ويجهر عند أبي حنيفة وهو المشهور من ~~قول مالك. # ولم يذكر فيه أيضا ما يقرأ في صلاة الجنازة. وقد اختلف العلماء في قراءة ~~الفاتحة (¬2) فيها. # فذهب مالك في المشهور عنه وأبو حنيفة والثوري إلى عدم قراءتها لأن ~~مقصودها الدعاء (¬3). # وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن مسلمة وأشهب من أصحاب مالك وداود إلى ~~أنه يقرأ فيها بالفاتحة لعموم الأول (¬4) وخصوصها أيضا كما أوضحته في "شرح ~~المنهاج" وغيره. PageV04P402 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 158/ 2/ 32 - عن جابر - رضي الله عنه -: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- صلى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: فيه استحباب كون الصفوف في الصلاة على الميت أكثر من واحد وهو بعض ~~من الحديث الأول، وثبت عن بعض ms0809 العلماء من الصحابة: أنه كان إذا حضر الناس ~~للصلاة صفهم صفوفا، كما سلف طلبا للغفران، للحديث الذي أسلفناه، وحديث جابر ~~هذا لعله من هذا القبيل. فإن الصلاة كانت في الصحراء، ولعلها لا تضيق من صف ~~واحد، ويمكن أن يكون لغير ذلك، وادعى الفاكهي أن المراد من قوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: "ثلاث صفوف" الكثرة PageV04P403 # (¬1) لا مجرد الصفوف حتى لو اجتمع في صف مائة نفس مثلا وكان في ثلاثة ~~صفوف ثلاثون لكان ما يتحصل من بركة أهل الصف الواحد وشفاعتهم للميت أكثر ~~مما يتحصل من الصفوف الثلاثة، لقلة عددهم بالنسبة إلى الصف الواحد المشتمل ~~على مائة نفى هذا حيث لا ينازع فيه. # قلت: وراوي الحديث فهم [أن] (¬2) المراد بعدد الصفوف كما قدمته لك هناك ~~فراجعه. # الثاني: فيه التثبت فيما يقوله الإنسان ويحكيه خصوصا إن كان لتبيين حكم ~~أو تعليم أدب. فإن جابرا لما ذكر أن صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم - على ~~النجاشي كانت بصفوف وراءه، وأنه كان في الصف الثاني والثالث حكى الحال على ~~ما هو في ذهنه من غير زيادة ولا نقص، والظاهر أنه شك منه لا من الراوي عنه. # الثالث: فيه الصلاة على الغائب خصوصا إذا علم عدم الصلاة عليه [(¬3)] ~~(¬4). PageV04P404 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 159/ 3/ 32 - عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: "أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى على قبر بعدما دفن، فكبر عليه أربعا" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # والتعريف براويه سلف في باب الاستطابة. # وقد روى هذا الحديث أعني في الصلاة على القبر من الصحابة أيضا غير ابن ~~عباس أنس (¬2)، وبريدة (¬3)، وزيد بن ثابت (¬4)، PageV04P405 # وأبو هريرة (¬1)، وعامر بن ربيعة (¬2)، وأبو قتادة (¬3)، وسهل بن حنيف ~~(¬4)، كما أفاده الترمذي (¬5) في جامعه: قال ابن مندة في # مستخرجه: ورواه أيضا جابر بن عبد الله (¬6)، وأبو أمامة بن ثعلبة (¬7)، ~~وحصين بن [وحوح] (¬8). PageV04P406 # الوجه الأول: هذا القبر يحتمل أن يكون قبر سوداء التي كانت تقم المسجد، ~~ويحتمل أن يكون غيره. # الثاني: قوله "على قبر" أي على صاحب قبر، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه ms0810 ~~مقامه، وهو قياس سماعي. # وقوله: "بعد ما دفن" أي بعد ما دفن صاحبه، ففي دفن ضمير يعود على المضاف ~~المقدر، إذ لا يجوز أن يقدر ظاهرا؛ لأن المفعول القائم مقام الفاعل كالفاعل ~~في أنه لا يحذف. # الثالث: "القبر" واحد القبور والمقبرة مثلثة الباء، حكاه ابن مالك. # ويقال: قبرت الميت أقبره وأقبره -بضم الباء وكسرها- قبرا أي دفنته ~~وأقبرته أمرت بأن يقبر وقوله -تعالى-: {ثم أماته فأقبره} (¬1) أي جعله ممن ~~يقبر، ولم يجعله ملقى للكلاب، وقد تقدم الكلام على هذه المادة في باب ~~الاستطابة في الحديث السادس منه واضحا، وكأن القبر مما أكرم الله -تعالى- ~~بني آدم، قال -تعالى-: {ألم نجعل الأرض كفاتا*أحياء وأمواتا} (¬2)، أي ~~أوعية واحدها كفت. # ويقال: كفاتا مضما تكفت أهلها أي تضمهم أحياء على ظهرها وأمواتا في ~~بطنها، وكانوا يسمون بقيع الغرقد كفته لا مقبرة، لضم الموتى. PageV04P407 # الرابع: في الحديث دليل على جواز الصلاة على القبر بعد دفن الميت، وهو ~~مذهب الشافعي وأصحابه وموافقيه كالأوزاعي، # وأحمد، وإسحاق، وسواء كان صلي عليه أم لا. # ومنع الصلاة عليه أصحاب مالك. # والمشهور عندهم كما قال القرطبي (¬1) المنع فيمن صلى عليه، والجواز فيمن ~~لم يصل عليه. # واحتج من منع بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة ~~على أهلها، وإن الله -تعالى- ينورها بصلاتي عليهم" (¬2) فقد علم النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- ذلك وغيره لا يعلمه فصار مخصوصا به، وهذا ليس بشيء، كما ~~قال القرطبي (¬3) من وجوه: # أحدها: أنا وإن لم نعلم ذلك لكنا نظنه ونرجو فضل الله -سبحانه- ودعاء ~~المسلمين لمن صلوا عليه. # الثاني: أنا لا نسلم أن المراد بصلاته عليهم الصلاة المعهودة وإن كان ~~سياق الحديث يدل على إرادته، بل المراد مجرد الدعاء. فيكون دعاؤه بخصوصيته ~~مجردا عن الصلاة هو الذي يحصل تنويرها به لتحقق استجابته، لا مطلق الصلاة ~~الذي هو المجموع، لكن يقال استجابة دعائه - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ~~أبلغ منها في غيرها. # الثالث: أنه - عليه الصلاة والسلام - قد قال: "من صلى عليه PageV04P408 # مائة (¬1)، وفي رواية: "أربعون من المسلمين كلهم يشفعون ms0811 له إلا شفعوا ~~فيه" (¬2) رواهما مسلم في صحيحه، فقد أعلمنا أن ذلك يكون من غيره. # الرابع: أنه كان يلزم منه أن لا يصلي على ميت بعده لإمكان الخصوصية فيمن ~~صلى عليه وهو باطل. # فإن قيل: الخصوصية في جواز صلاته على القبر [إنما كانت لكونه ولي ~~المؤمنين. وواليهم فيختص جواز الصلاة على القبر] (¬3) # بالوالي والولي إذا لم يصليا على الميت، وهو مذهب أبي حنيفة في [الولي] (¬4). # فالجواب: أن هذا المذكور خارج عن محل الخلاف كيف وقد صلى عليه - عليه ~~الصلاة والسلام - هو وعدد من أصحابه على القبر ولم ينكر عليهم، لكن هذا ~~يحتاج إلى نقل من حديث آخر، إذ ليس في هذا الحديث ذكر له. # وقال المازري المالكي (¬5): من منع الصلاة على القبر فوجهه أنه - عليه ~~الصلاة والسلام - لم يصل على قبره. # قلت: ذاك من خصائصه كما ستعلمه في الحديث الحادي عشر PageV04P409 # من هذا الباب، قال: ووجه الإجازة صلاته - عليه الصلاة والسلام - على قبر ~~السوداء التي كانت تقم المسجد، قال: وقد انفصل عنه بوجوه: # أحدها: أنه إنما فعل ذلك لأنه كان وعدها أن يصلي عليها، فصار ذلك كالنذر ~~عليه، وهذا ضعيف، لأن النذر إنما يوفى به إذا كان جائزا، فلو لم تكن الصلاة ~~على القبر جائزة لما فعلها. # ثانيها: أنه فعل ذلك لأنه أمرهم أن يعلموه، وهو الإمام الذي إليه الصلاة، ~~فلما صلوا دون علمه كان ذلك بمنزلة من دفن بغير صلاة (¬1). قال: وهذا ~~التأويل يسعده القولة الشاذة، التي لمالك، فيمن دفن بغير صلاة. # قلت: بل هي المشهورة كما قدمناه عنهم. # قال: ويحتمل عندي أن يكون وجه ذلك أنه - عليه الصلاة والسلام - لما صلى ~~على القبر قال عند ذلك: "إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة" (¬2) ~~الحديث. وهذا خاص به، إذ لا يقطع على وجود ذلك في غيره، وهذا قد أسلفناه ~~وأبطلناه. # وأجمل النووي -رحمه الله- في "شرحه" (¬3) القول في إبطال PageV04P410 # هذه الأوجه فقال: تأول أصحاب مالك الحديث بتأويلات باطلة، لا فائدة في ~~ذكرها لظهور فسادها (¬1). # وروى النسائي (¬2) من حديث أبي أمامة ms0812 بن سهل بن حنيف أنه - عليه الصلاة ~~والسلام -: "صلى على قبر تلك المسكينة وأنهم أعادوا الصلاة خلفه". # فرع: إلى متى يصلى على القبر عندنا فيه أوجه سبعة: # أحدها: إلى ثلاثة أيام فقط، وهو مذهب أبي حنيفة. # ثانيها: إلى شهر، وبه قال أحمد. # ثالثها: ما دام يبقى منه [شيء في القبر. # رابعها: أبدا، وباقيها ذكرته في "شرح المنهاج" مع بيان PageV04P411 # الراجح منها] (¬1)، وبيان الاضطراب فيه فراجعه منه. ومذهب إسحاق كمذهب ~~أحمد في الغائب وكمذهب أبي حنيفة في الحاضر. # وقال أبو عمر (¬2): أجمع من قال بالصلاة على القبر أنه لا يصلى عليه إلا ~~بالقرب، وأكثر ما قيل في ذلك شهر. # قلت: قد حكينا وجها أنه يصلى عليه أبدا وحديث البخاري (¬3) أنه - صلى ~~الله عليه وسلم -: "صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء ~~والأموات". فالمراد أنه دعاء لهم، لأنه عندنا أنه لا يصلى على الشهيد. # وعند أبي حنيفة: لا يصلي على القبر بعد ثلاثة أيام، فوجب تأويل الحديث. # واختلفت المالكية (¬4) حيث قالوا: تفوت الصلاة عليه فيما يقع به الفوت. # فقيل: بإهالة التراب وتسويته، قاله أشهب، وعيسى، وابن وهب. PageV04P412 # وقيل: بخوف تغيره، قاله ابن القاسم وابن حبيب وسحنون. # وقيل: بالطول فيمن لم يصل عليه، وقد تقدم الاختلاف في حده. # الوجه الخامس: فيه دليل على [أن] (¬1) التكبير في الصلاة على الميت أربع، ~~وقد تقدم ما فيه في الحديث الأول. # السادس: فيه [أبيان] (¬2) ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~التواضع والرفق بأمته وتفقد أحوالهم والقيام بحقوقهم في الحياة والموت ~~والاهتمام بمصالح آخرتهم ودنياهم. PageV04P413 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 160/ 4/ 32 - عن عائشة - رضي الله عنها -: "أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كفن في ثلاثة أثواب يمانية [بيض] (¬1)، لبس فيها قميص ولا عمامة" (¬2). # الكلام عليه من عشرة أوجه: والتعريف براويه سلف في الطهارة. # الأول: "الثوب" معروف، وقد تقدم الكلام عليه في الحديث السادس من باب ~~جامع وكانت هذه الأثواب من قطن، كما سيأتي. PageV04P414 # الثاني: قولها "يمانية"، هو بتخفيف الياء على اللغة الفصيحة المشهورة، ~~والأصل: ms0813 يمنية بتشديد الياء [لكنهم]، (¬1) عوضوا عن الياء الألف فلا ~~يجتمعان، وحكى سيبويه، والجوهري (¬2) لغة في تشديدها، وفي الصحيحين (¬3) ~~أنها "سحولية" أيضا بفتح السين على الأكثر. # قال ابن الأعرابي (¬4) وغيره: هي ثياب بيض نقية، لا تكون إلا من القطن. # وقال ابن وهب: من قطن ليس [بجيد] (¬5). # وقال ابن قتيبة: هي ثياب بيض، ولم يخصها بالقطن. # وقيل: السحوليه: المقصورة، كأنها نسبت إلى السحول، وهو القصار، لأنه ~~يسحلها، أي: يغسلها. # وقال الأزهري (¬6): هي بالفتح مدينة في ناحية اليمن يحمل منها ثياب يقال ~~لها: سحولية. # وأما السحولية: -بالضم- (¬7)، فهي الثياب البيض. PageV04P415 # وقيل: القرية بالضم أيضا حكاه ابن الأثير في نهايته (¬1) في هذا الحديث. # الثالث: "بيض" وزنه في الأصل فعل بضم الفاء مثل حمر، ولكن أبدل من ضمة ~~الياء كسرة كراهة [انقلاب] (¬2) الياء واو. # فائدة: قيل: إن أصول الألوان أربعة، الإبيضاض، والإحمرار، والإصفرار، ~~والإسوداد، وما عدا ذلك من الألوان يتشعب منها. # الرابع: قولها: "ليس فيها قميص ولا عمامة" حمله الشافعي والجمهور على أنه ~~ليس في الكفن موجود، فلا [يستحب] (¬3) ذلك. # وحمله، مالك وأبو حنيفة: على أنه ليس [معدود] (¬4)، بل يحتمل أن يكون ~~ثلاثة أثواب زيادة على القميص والعمامة ومثله قوله -تعالى-: {رفع السماوات ~~بغير عمد ترونها} (¬5)، فإنه يدل على أن ثم عمدا إلا أنها غير مرئية، ~~والتقدير بغير عمد مرئية لكم، ويحتمل أن PageV04P416 # يتناول الصفة والموصوف جميعا وهو حمل ضعيف لعدم ثبوته في الحديث، بل ~~يتضمن أن القميص الذي غسل فيه - صلى الله عليه وسلم -[(¬1)] نزع عنه عند ~~تكفينه، ولا يتجه غير ذلك؛ لأنه لو كفن فيه مع رطوبته لأفسد الأكفان. # وأما حديث ابن عباس في مسند أحمد، وسنن أبي داود، وابن ماجه أنه - عليه ~~الصلاة والسلام -: "كفن في ثلاثة أثواب الحلة ثوبان وقميصه الذي مات فيه ~~(¬2) فهو حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، لأن يزيد بن أبي زياد أحد رواته ~~تفرد به، ولا يحتج به لضعفه، لا سيما وقد خالف رواية الثقات. # واحتجت المالكية: بإعطائه - عليه الصلاة والسلام - القميص لابن أبي ابن ~~سلول وانفصلوا عن ms0814 هذا الحديث بأنه قد قيل إنما PageV04P417 # أعطاه ذلك عوضا عن القميص الذي كساه للعباس، لأن العباس كان بالمدينة ~~فطلب له الأنصار ثوبا يكسونه إياه، فلم يجدوا قميصا يصلح عليه إلا قميص عبد ~~الله بن أبي فكسوه إياه، كما ذكره الخطابي في معالمه (¬1). # وقيل: أعطاه [لتطيب] (¬2) قلب ابنه، وهو استدلال عجيب، فإنه لا نزاع في ~~الجواز، بل لا يكره تكفينهما فيه عند الشافعية، خلافا لأبي إسحاق الشيرازي ~~في "نكته"، فإنه قال بها. # وحكى ابن القصار المالكي: أن القميص والعمامة غير مستحب عند مالك ونحوه ~~عن ابن القاسم كقول الشافعي. # قال القاضي عياض (¬3): وهذا خلاف ما حكاه مقدمو أصحابنا: PageV04P418 # ابن القاسم وغيره عن مالك من أنه يعمم ويقمص ويدرج في ثلاثة أثواب فيكون ~~خمسة [على ما] (¬1) قاله بعض شيوخنا، وقد جاء عنه أيضا لا بأس بالقميص في ~~الكفن، ويكفن معه بثوبين فوقه، فهذا على قوله ثلاثة أثواب. # قال اللخمي المالكي: ولا يجاوز في الكفن سبعة فإنه سرف، والاثنان خير من ~~الواحد لأنه أستر، والثلاثة خير من الأربعة، والخمسة خير من الستة، قال: ~~فإن كانت السبعة مدارج من غير قميص، ولا عمامة فحسن. # وعند الشافعية: أن الزيادة على الخمسة مكروهة. # قالت المالكية (¬2): وعمامة الميت على حسب عمامة الحي. # رواه مطرف عن مالك: يجعل منها تحت لحيته ويترك منها قدر الذراع ذؤابة ~~تطرح على وجهه، وكذلك من خمار [المرأة] (¬3)، لأنه بمنزلة العمامة للرجل. # الخامس: يؤخذ من الحديث استحباب التكفين في ثلاثة أثواب [وقد] (¬4) ثبت ~~في الصحاح أنها كانت سوابغ. # قال العلماء: وأقل الواجب فيه ثوب واحد وما زاد مستحب. # وفي وجه عندنا: أن أقله ثلاثة، والأصح أن أقله ثوب ساتر للعورة فقط. PageV04P419 # وقيل: يعم جميع البدن. # وقال القرطبي في "شرحه": الوتر مستحب عند عامة العلماء، وكلهم مجمعون على ~~أنه ليس فيه حد واجب، وفي هذا التعبير الأخير نظر. # السادس: فيه أيضا إيجاب التكفين وهو إجماع، ومحله أصل التركة فإن لم يكن، ~~ففي بيت المال أو على جماعة المسلمين. # السابع: فيه أيضا كما قال الشيخ ms0815 تقي الدين: أن الورثة لا يضايق بعضهم ~~بعضا في الزائد على الواحد الساتر لجميع البدن، ولا يتبع رأي من منع [من ~~الورثة منه] (¬1). # الثامن: فيه كراهة القميص (¬2) والعمامة في الأكفان وقد تقدم ما فيه. # التاسع: فيه الاقتداء بآثاره - صلى الله عليه وسلم - في حياته وموته. # العاشر: فيه استحباب التكفين في الأبيض وهو إجماع، وقد أمر به - صلى الله ~~عليه وسلم - في حديث صحيح في جامع الترمذي (¬3) وغيره، والتكفين PageV04P420 # في غيره جائز، ومن أطلق عليه أنه مكروه فمعناه أنه خلاف الأولى، ولو كانت ~~كلها حبرة لم يكره، لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان يلبسها يوم الجمع ~~والعيد. # ويكره المصبغات وغيرها من ثياب الزينة. # ويحرم تكفين الرجل في الحرير بخلاف المرأة، فإنه يكره لها فقط. ذكره مالك ~~وعامة العلماء: التكفين في الحرير مطلقا. # قال ابن المنذر (¬1): ولا أحفظ خلافه. # خاتمة: ثبت في صحيح مسلم (¬2) عن عائشة بعد روايتها لهذا الحديث: "أما ~~الحلة فإنما يشبه على الناس فيها أنها اشتريت له ليكفن فيها، فتركت وكفن في ~~ثلاثة أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي بكر فقال: لأحبسها حتى ~~أكفن فيها نفسي، ثم قال: والله لو رضيها الله -عز وجل- لنبيه - صلى الله ~~عليه وسلم - لكفنه فيها، فباعها وتصدق بثمنها"، وفي رواية له: "أدرج رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في حلة يمانية كانت لعبد الله بن أبي بكر ثم ~~نزعت عنه وكفن في ثلاثة أثواب سحولية يمانية ليس فيها عمامة ولا قميص". PageV04P421 # وفي كفنه - عليه الصلاة والسلام - روايات أخر ذكرتها في تخريجي لأحاديث ~~الرافعي (¬1)، ولما ذكر الترمذي (¬2) حديث عائشة الذي ذكره المصنف، وقال ~~فيه: حسن صحيح، قال: وقد روي في كفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~روايات مختلفة وحديث عائشة أصح الأحاديث التي رويت في كفن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - (¬3). PageV04P422 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 160/ 5/ 32 - عن أم عطية الأنصارية - رضي الله عنها -، قالت: دخل علينا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين توفيت ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثا، ~~أو خمسا، أو أكثر من ms0816 ذلك -إن رأيتن ذلك- بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة ~~كافورا -أو شيئا من كافور- فإذا فرغتن فآذنني". فلما فرغنا آذناه فأعطانا ~~حقوه فقال: "أشعرنها به)، يعني إزاره. # وفي رواية: "أو سبعا". وقال: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها". وأن ~~أم عطية قالت: "وجعلنا رأسها ثلاثة قرون" (¬1). # الكلام عليه من ثلاثة وثلاثين وجها فأكثر. # الأول: أم عطية: سلف التعريف بها في باب صلاة العيدين. PageV04P423 # الثاني: يقال: "توفي الإنسان" و"هلك" و"مات" و"قضى" و"درج". # ويقال: في غير الآدمي "نفق الحمار" "طفس البرذون" تنبل البعير (¬1) "همدت ~~النار" (¬2) "قرت الجرح" إذا مات الدم فيه. # الثالث: ابنته - صلى الله عليه وسلم - هذه هي زينب، هذا هو المشهور الذي ~~رواه مسلم (¬3) في "صحيحه" وذكر القاضي عياض عن بعض أهل السير أنها أم كلثوم. # قال النووي (¬4): والصواب الأول وهو قول الجمهور. # وقال المنذري: في القول الثاني نظر، لأنها توفيت ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ببدر، وفي هذا النظر الذي ذكره نظر، بل هذه رقية أما أم كلثوم ~~فتوفيت سنة تسع، كما جزم به أبو عمر [وغيره (¬5) PageV04P424 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P425 # ] (¬1). قال: وشهدت أم عطية غسلها، أي كما أخرجه أبو داود من حديث ليلى ~~بنت قانف بنون. # قلت: وأم عطية كانت غاسلة للميتات، كما أسلفناه في ترجمتها، فلعلها غسلت الكل. # وقال ابن دحية في المولد: وهم ابن فارس حيث قال: إن زواج أم كلثوم بعد رقية. # فائدة: له - صلى الله عليه وسلم - ثمانية من الولد أربعة ذكرر القاسم وبه ~~كان يكنى - صلى الله عليه وسلم - عاش سنتين ومات قبل الوحي، والطيب، ويقال: ~~له عبد الله ولد بعد الوحي، والطاهر: ولد بعد الوحي، وقيل: إنه الطيب، ~~وإبراهيم من مارية ولد سنة ثمان، ومات سنة [عشر] (¬2)، [وأربع بنات: زينب ~~هذه، ولدت سنة ثلاثين من الفيل، وماتت سنة ثمان] (¬3) ورقية ولدت سنة ثلاث ~~وثلاثين من الفيل بعد زينب وماتت بالمدينة والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في غزوة بدر، ولأجل ذلك تخلف عثمان عن بدر، وأم كلثوم قيل: ولدت قبل رقية، ~~وقبل فاطمة، وماتت سنة تسع، وفاطمة ولدت وقريش ms0817 تبني البيت قبل النبوة بخمس ~~سنين [سنة إحدى وأربعين من الفيل] (¬4)، PageV04P426 # وهي أصغر بناته، وماتت بعده لستة أشهر، وقيل: غير ذلك، وكلهم من خديجة ~~إلا إبراهيم، فإنه من مارية التي أهداها له المقوقس من حفن كورة أنصنا (¬1) ~~وأكبر بنيه القاسم، ثم الطيب والطاهر. قاله ابن هشام، قال: وأكبر بناته ~~رقية ثم زينب ثم أم كلثوم ثم فاطمة. # قلت: وقيل أكبر بناته أم كلثوم، وقيل: زينب كما أسلفته، والقاسم والطيب ~~والطاهر ماتوا قديما. وأما بناته فهاجرن معه - صلى الله عليه وسلم. # الرابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "اغسلنها ثلاثا أو خمسا" معناه ~~وترا وليكن ثلاثا فإن احتجتن إلى زيادة الإنقاء فليكن خمسا. # الخامس والسادس: استدل بقوله: "اغسلنها" على وجوب الغسل. # وبقوله: "ثلاثا أو خمسا" على أن الإيتار مطلوب في غسل الميت، فإن حصل ~~تعميمه وإنقاؤه بواحدة كانت الثلاث مأمورا بها ندبا وإن [لم] (¬2) يحصل ذلك ~~بواحدة وحصل بالثلاث كانت الثلاث PageV04P427 # واجبة وندب الخمس. # وقد اختلف أصحاب الأصول في جواز إرادة المعنيين المختلفين بصيغة واحدة ~~فقوله: "اغسلنها" صيغة أمر بالغسل، وقوله: "ثلاثا" غير مستقل بنفسه، فإذا ~~حصل المقصود بواحدة كان وقوله: "ثلاثا أو خمسا" غير داخل في صيغة الأمر ~~بأصل الغسل، فيكون المراد به الاستحباب، فالوجوب مراد بالنسبة إلى أصل ~~الغسل والاستحباب بالنسبة إلى الإيتار عند عدم الحاجة إلى الزيادة على ~~الواحدة أو الثلاث وقد رواه البخاري بلفظ آخر "اغسلنها، وترا ثلاثا أو خمسا ~~أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأتين ذلك" ولم يذكر الواحدة لخروج الحديث على ~~الغالب في الإنقاء والتعميم، لا على التحديد بعدد، ولهذا جعله - صلى الله ~~عليه وسلم - مفوضا إليهن على حسب الحاجة الشرعية، لا مجردة بحسب التشهي، ~~فإن الأمر الوارد من الشرع يصان عن التشهي خصوصا إذا كان موصوفا بصفة لوجود ~~الإسراف في التشهي، فهو من قبيل الإسراف في ماء الطهارة. # ووقع لبعض الشراح من المالكية: أنه إذا زيد على ذلك فالانتهاء إلى السبع ~~إذ لا يحتاج إلى الزيادة عليها في الأغلب، وهذا ذهول منه على الرواية ms0818 التي ~~أوردناها "أو سبعا أو أكثر من ذلك". # ووقع للشيخ تقي الدين (¬1) نحوه، فإنه قال وإنهاؤه الزيادة إلى سبعة -في ~~بعض الروايات- لأن الغالب أنه لا يحتاج إلى الزيادة # عليها فاستفد ما ذكرته لك. PageV04P428 # وقال ابن عبد البر (¬1): لا نعلم أحدا من العلماء قال بمجاوزة سبع غسلات. # السابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "أو أكثر من ذلك" إلى آخره هو ~~بكسر الكاف من ذلك لأن الخطاب لمؤنث وإن كان المشار إليه مذكر إذ: # القاعدة العربية: أن يجعل أول كلام لمن يسأل عنه وآخره لمن يخاطبه، ~~فيقول: كيف ذلك الرجل يا امرأة، وكيف تلك المرأة يا رجل، وأتى - عليه ~~الصلاة والسلام - بالنون الثقيلة لجميع النساء من حيث إن الغسل لا يتعاطاه ~~إلا جماعة منهن لكن نظرا للمصلحة الشرعية قد يكون لواحدة منهن فحسن جمعهن ~~في الرواية وإفراد أم عطية في الخطاب. # الثامن: معنى قوله - عليه الصلاة والسلام -: "إن رأيتن ذلك"، أي إن رأيتن ~~الزيادة في العدد وعند [(¬2)]، الاحتياج وليس معناه التخيير والتفويض إلى ~~شهوتهن كما سلف. # وقيل: معناه إن رأيتن الغسل، وما أبعده وبنى المالكية على ذلك منهم ~~المازري (¬3) الخلاف عندهم في وجوب الغسل فمن قال # بالثاني قال: إن غسله سنة، ومن قال بالأول قال: إنه واجب وهذا مبني على ~~الخلاف في أن التقييد والاستثناء والشرط إذا تعقب جملا هل يعود إلى جميعها ~~إلا ما أخرجه الدليل أو إلى أقربهما. PageV04P429 # وتعجب بعضهم من النووي (¬1) في [نقله] (¬2) الإجماع على أن غسل الميت فرض ~~كفاية. فإن الخلاف فيه عندهم حكاه المازري (¬3) وغيره، وقال القرطبي (¬4): ~~الأولى أنه سنة. # فرع: ليس عند مالك وبعض أصحابه في غسل الميت تحديد بعدد معين، ولكن ينقى ~~الميت ولا يقتصر مع ذلك على دون الثلاث، # فإن احتيج إلى الزيادة استحب الوتر، وليس لذلك عنده حد. # قال القاضي عياض (¬5): وإلى هذا يرجع قول الشافعي وغيره من العلماء وكذا ~~إذا احتاج الغاسل إلى أكثر من ذلك لقوله: "إن رأيتن ذلك"، ونحا أحمد وإسحاق ~~إلى أن لا يزاد على سبع، والرواية التي أسلفناها ترد ms0819 ذلك. # التاسع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "بماء وسدر" قد يوهم هذا اللفظ أن ~~الماء المختلط بالسدر يجوز التطهير به من غير ماء مطلق، وليس هو ظاهر في ~~امتزاج السدر بالماء حال التطهير، بل يحتمل اجتماعهما في الغسل من غير مزج، ~~ويكون أحدهما واردا # على الآخر، فيزول توهم جواز ذلك .. (¬6) وقد احتج به ابن شعبان ومن يجيز ~~غسله بماء الورد وبالماء المضاف. PageV04P430 # وقال ابن [الفرضي (¬1)] (¬2): وإنما يكره غسل الميت بماء الورد ونحوه من ~~ناحية السرف، وإلا فهو جائز، إذ لا يغسل للتطهر، بل هو إكرام للقاء ~~الملكين. # والجمهور: على أن غسله بذلك لا يجوز وإن ذلك لا يفهم من الحديث. # قال القاضي عياض (¬3): ليس قولهم: "بماء وسدر"، أن يلقي ورقات من السدر ~~في الماء عند كافتهم، بل أنكروه ونسبوا فعله للعامة. # وقد ذكر الداوودي نحوا منه قال: يسحق السدر ويرمى في الماء ولكنه عند ~~جمهورهم أن يغسل أولا بالماء القراح فتتم الطهارة، # ثم الثانية بالماء والسدر للتنظيف، ثم الثالثة بالماء والكافور للتطيب ~~والتخفيف، وهذا حقيقة مذهب مالك (¬4)، وحكاه ابن حبيب، وقال: يبدأ بالماء ~~والسدر ليقع التنظيف أولا، ثم بالماء القراح ثانيا. # وقال أبو قلابة مثله لكنه قال: ويحسب هذا غسلة واحدة، وهذا جار على ~~قياسات الطهارة. PageV04P431 # [وذهب] (¬1) أحمد (¬2): إلى أن الغسلات كلها تكون بالسدر على ظاهر ~~الحديث. وفي حديث (¬3) آخر "كلهن بالماء والسدر"، وقد يكون قولهم غسله ~~بالماء والسدر ليس بأن يلقي السدر فيه كما قالوا، ولكنه يخضخض السدر بالماء ~~حتى تخرج رغوته للغسل ثم يغسل به الميت ويصب الماء من فوق ذلك للتطهير وأظن ~~هذا مراد الداوودي كسائر ما يزال من النجاسات والأقذار اللزجة بالغاسول فلا ~~يكون غسلا مضافا. # قلت: والأصح عند الشافعية أن غسلة السدر لا تحسب من الثلاث، لأنه يزيل ~~طهورية الماء بتفاحشه، ولا يحسب ما بعدها أيضا، لأن الماء إذا أصاب المحل ~~اختلط بما عليه من السدر، فالمحسوب ما يصب عليه من الماء القراح بعد زوال ~~السدر، فيغسل بعد زوال السدر ثلاثا بالقراح (¬4). # تنبيه: يقوم مقام السدر ms0820 الخطمي [أو غيره مما يقوم مقامه كالغاسول عند ~~كافة العلماء، كما حكاه القرطبي (¬5). # قال: وروي عن عائشة (¬6) في غسل رأس الميت بالحظمي PageV04P432 # نهي] (¬1). قال الماوردي (¬2) من أصحابنا: إن السدر أولى لأنه أمسك للبدن. # العاشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "واجعلن في الأخيرة كافورا" أي ~~[في] (¬3) المرة الأخيرة والحكمة في الكافور لشدة تبريده وتجفيفه جسد الحيت ~~وحفظه له عن سرعة التغير والفساد ولتطيب رائحته للمصلين ومن يحضره [من] ~~(¬4) الملائكة، ولعل ذلك السبب في جعله في الأخيرة فإنه لو جعل في غيرها من ~~الغسلات قبلها لأذهبه، فلا يحصل المقصود من ذلك، مع ما فيه من إكرام الميت ~~وغيره مما أسلفناه. # الحادي عشر: انفرد أبو حنيفة (¬5) فقال: لا يستحب استعمال الكافور. ~~وخالفه الثلاثة والجمهور. وهذا الحديث حجة عليه. # وروي عن النخعي (¬6): إنما ذلك في الحنوط لا في الغسل. PageV04P433 # وعزاه القرطبي (¬1) إلى الأوزاعي. ويمكن أن يتأول من قال هذا في الأخيرة، ~~أي بعد تمامها والظاهر بخلافه. # الثاني عشر: فيه دلالة على استحباب الطيب وخصوصا الكافور، كما قدمناه، ~~فإن لم يجده قام غيره من الطيب قامه. # الثالث عشر: نص أصحابنا على أنه يجعل في كل غسلة قليل من كافور. وفي ~~الأخيرة آكد، واستدلوا بهذا الحديث، وخصه في المهذب بالثالثة والجرجاني ~~بالثانية وهما غريبان. # فرعان: # الأول: يستثنى من استعمال الكافور في غسله المحرم للحديث الآتي بعده. # الثاني: ليكن الكافور قدرا لا يسلب الطهورية فإن كان صلبا وتفاحش التغير ~~به فالأظهر عندنا أنه لا يؤثر في طهورية غير الميت. # وأما فيه فقد نص عليه وتابعوه. # وقال القاضي أبو الطيب: ويغير الكافور تغير مجاورة لا مخالطة. # وقال السرخسي في "الأمالي" من الأصحاب. من قال لا يحسب إذا تغير ~~بالكافور، وتأول الحديث، وكلام الشافعي على كافور يسير لا يفحش تغيره. # ومنهم من حمله: على ما إذا جعل الكافور في البدن، ثم صب الماء القراح ~~عليه. PageV04P434 # ومنهم من قال: هو على إطلاقه، ولا يحسب ذلك عن الفرض. # ومنهم من قال: يحسب عنه في غسل الميت خاصة، لأن مقصوده التنظيف. # الرابع عشر: ms0821 قوله: "كافورا أو شيئا من كافور"، الظاهر أن هذا شك من ~~الراوي: هل قال - عليه الصلاة والسلام - هذا أو هذا؟ فتأمله. # الخامس عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فإذا فرغتن فآذنني" أي ~~أعلمنني، ويؤخذ منه أنه ينبغي للعالم إذا علم أمرا يتعلق # بالمأمورية لا يمكن الائتمار به إلا بالفعل على صورة أن يقيد الأمر ~~والتعليم بغاية لتوضع موضعه، ويؤخذ منه أيضا وهو الوجه. # السادس عشر: أنه ينبغي للمأمور التقيد بالأمر [فورا، (¬1) وغاية. # السابع عشر: "الحقو" -بكسر الحاء وفتحها- لغتان، والمعروف من كلام العرب ~~الثاني، وقالته هذيل بالأول، كما أفاده القرطبي (¬2)، وهو الإزار والأصل ~~فيه الخصر معقد الأزار. # وسعي الإزار: مجازا لملازمته إياه، وهو من باب تسمية الشيء بما يلازمه، ~~كما قالوا للمزادة راوية، والراوية: اسم للجمل الحامل لها. PageV04P435 # وجمعه: أحق مثل دلو. # وتجمع أيضا: على أحقاء كأدلاء. # وفي الكثير: حقي [كدلي] (¬1). # وأصله: حقوو فأداه التصريف إلى حقي. # الثامن عشر: معنى "أشعرنها" اجعلنه شعارا لها. # والشعار: ما يلي الجسد، والدثار: ما فوقه، سمى شعارا لأنه يلي شعر الجسد. # التاسع عشر: الحكمة في إشعارها تبريكها بآثاره - عليه الصلاة والسلام - ~~ففيه التبرك بآثار الصالحين، ولباسهم (¬2). # العشرون: فيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل. # الحادي والعشرون: اختلف في صفة إشعارها إياه، كما قال القاضي (¬3). # فقيل: يجعل لها مئزارا وهو قول ابن وهب (¬4). PageV04P436 # وقيل: لا تؤزر ولكن تلف فيه، وهو قول ابن القاسم وجماعة من العلماء. # قال ابن سيرين (¬1): المرأة لا تشعر ولا تؤزر. # وقال ابن جريج (¬2): أشعرنها ألففنها. # وقال النخعي (¬3): الحقو: فوق الدرع. # وقال ابن علية (¬4): الحقو: النطاق سبتية طويلة يجمع بها فخذاها تحصينا ~~لها ثم يلف على عجزها (¬5). # الثاني والعشرون: "الميامن" جمع ميمنة وأمره - صلى الله عليه وسلم - ~~بالبدأة بها على الأصل في استحباب البدأة بالميامن في الطهارة وغيرها من ~~العبادات تيمنا بلفظ اليمين، وتفاؤلا بأن يكون من أصحاب اليمين. # الثالث والعشرون: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "ومواضع الوضوء منها" ~~هذا أمر بإكرام مواضع الطهارة من بدنه أيضا كما أمر # بإكرام الميامن، والمعنى فيه شرفها على ms0822 البدن، فإن البدأة بالشيء يقتضي ~~الاهتمام به، لكن إذا فعل ذلك هل هو وضوء حقيقة أو هو جزء من الغسل خصت به ~~المذكورات من الميامن ومواضع الوضوء تشريفا؟ فيه كل ذلك محتمل. PageV04P437 # ووضوء الميت مستحب عند الشافعي ومالك والجمهور خلافا لأبي حنيفة، وهو عند ~~الشافعية في أول الغسل كما في وضوء الجنب. # واختلفت المالكية: متى يوضأ؟ # فقيل: عند المرة الأولى. # وقيل: عند الثانية. # وقيل: فيهما حكاهن القرطبي. # الرابع والعشرون: استدل بعضهم بهذا الحديث على أن النساء أحق بغسل الميتة ~~من زوجها، وأنه لا يغسلها إلا عند عدمهن، وهو مذهب الحسن (¬1). وقد يمنع من ~~ذلك حتى يتحقق أن زوج زينب كان حاضرا إذ ذاك، لا مانع له من غسلها، وأنه لم ~~يفوض الأمر إلى النسوة. # وجمهور العلماء: على خلافه وأنه أحق. # وذهب الشعبي والثوري وأبو حنيفة: إلى أنه لا يغسلها جملة (¬2). PageV04P438 # وقال سحنون: الأولياء أحق (¬1). # واختلف أصحابنا في أن النساء أحق بغسل الميتة من زوجها على وجهين. # أصحهما: نعم لأنهن أليق. # وأجمع العلماء (¬2): على أن [لها] (¬3) غسل زوجها، وإن كان فيه رواية عن ~~أحمد، والأصح أنها تغسله أبدا، ومحل الخوض في ذلك كتب الفقه، وقد بسطناه ~~فيها ولله الحمد. # الخامس والعشرون: استدل بعضهم بهذا الحديث على أنه لا يجب الغسل من غسل ~~الميت من حيث إنه موضع تعليم (¬4)، فلو # وجب لذكره، وعدم الوجوب هو الصحيح من مذهب الشافعي (¬5) ورواية المدنيين ~~عن مالك (¬6) وهو قول أبي حنيفة (¬7) وأحمد PageV04P439 # والجمهور. لكن قال الخطابي (¬1): لا أعلم أحدا قال بوجوبه. # وأوجب أحمد إسحاق: الوضوء منه. # والجمهور: على استحبابه. والحديث المروي فيه من طريق أبي هريرة (¬2): "من ~~غسل ميتا فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ"، PageV04P440 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P441 # ضعيف بالاتفاق، كذا قاله النووي (¬1) في "شرح مسلم"، وتبعه بعض شراح هذا ~~الكتاب، وليس بجيد، فقد حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان وابن السكن. # وقال البخاري: الأشبه وقفه على أبي هريرة، ويحمل على الاستحباب بدليل ~~حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ليس عليكم في ~~غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه ms0823 فإن ميتكم ليس بنجس" رواه الحاكم (¬2) في ~~مستدركه، وقال: صحيح على شرط البخاري، ثم قال: وفيه رد لحديث أبي هريرة ~~الذي أسلفناه، وليس كما قال، بل يعمل بهما، فيستحب الغسل. فإذا قلنا ~~بالوجوب. # فقيل: هو تعبد. # وقيل: محمول على نجاسة بدن الآدمي بالموت وهو قول بعضهم. PageV04P442 # وقيل: المعنى فيه حرمة الميت حكاه الماوردي. # السادس والعشرون: [قولها] (¬1) "واجعلن رأسها ثلاثة قرون" أي ثلاث ضفائر ~~ضفيرتين وناصيتها، كما جاء مبينا في رواية أخرى (¬2) وتضمن ذلك التسريح ~~والضفر بناء على أن الغالب في أن الضفر بعد التسريح وإن كان هذا اللفظ لا ~~يشعر به صريحا، وقد جاء في رواية في الصحيح (¬3): "فمشطناها ثلاثة قرون" ~~وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وابن حبيب المالكي. # وقال الأوزاعي والكوفيون: لا يستحب المشط ولا الضفر بل يرسل الشعر على ~~جانبيها مفرقا. # ونقل القرطبي (¬4): عن الأوزاعي أنه لا يجب المشط وما نقلناه عن الأوزاعي ~~(¬5) تبعنا فيه النووي (¬6) -رحمه الله-[وقال الأوزاعي ولم يعرف [ابن] (¬7) ~~القاسم الضفر] (¬8) وقال: يلف. # وقال بعض الشافعية: فيما حكاه الشيخ (¬9) تقي الدين: تجعل PageV04P443 # الثلاث خلف ظهرها، قال: وروي في ذلك حديثا أثبت استحبابه به، وهو ثابت من ~~فعل من غسل بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي ك ما أخرجه البخاري من ~~حديث عائشة (¬1). # وقال ابن الجوزي: إنه السنة. قال القاضي عياض: ومن حجة من منع الاستحباب ~~إنه ليس في الحديث معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعل أم عطية فيجعل ~~سنة وحجة. PageV04P444 # قال النووي (¬1): [الظاهر اطلاعه عليه واستبيانه فيه كما في غيرها. ~~واعترض عليه الفاكهي فقال: هذا] (¬2) الظاهر عنده غير ظاهر. # قلت: عجيب منه ومن القاضي عياض ففي صحيح ابن حبان (¬3) أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر بذلك ولفظ روايته: "واجعلن لها ثلاثة قرون" وترجم عليه ذكر ~~البيان بأن أم عطية إنما مشطت قرونها بأمر المصطفى لا من تلقاء نفسها، ~~فاستفد ذلك، ولم يطلع القرطبي أيضا على هذه الرواية فادعى أن ذلك لم يرد ~~مرفوعا. # السابع والعشرون: من فوائد الحديث أن العالم [لا] (¬4) يجب ms0824 عليه الابتداء ~~بتعليم العلم إذا علم أن العامل يجهل ذلك العلم أو يقصر في العمل به. # الثامن والعشرون: ومنها شرعية الإيتار في غسل الميت على حسب الحاجة كما سلف. # التاسع والعشرون: ومنها تفويض الحاجة في ذلك إلى العامل على حسب المصلحة ~~الشرعية من غير إسراف كما سلف أيضا. # الثلاثون: ومنها استحباب السدر في غسل الميت كما سلف وهو متفق على ~~استحبابه ويكون في المرة الواجبة، وقيل: يجوز فيهما. PageV04P445 # الحادي والثلاثون: منها استحباب شيء من الكافور في الغسلة الأخيرة كما ~~سلف، وأن الحديث حجة على من خالف. # الثاني والثلاثون: منها تبريك الرجل الصالح أقاربه وأصحابه شيء من آثاره ~~خصوصا في الموت وأسبابه وقبول ذلك منه وهذا قدمته (¬1). # الثالث والثلاثون: استحباب مشط رأس الميت وضفره، وقد علمت ما فيه وغير ~~ذلك ومما سلف ومما لم أسلفه أن فيه دلالة على أن غسل الميت للتعبد لا ~~للنجاسة إذ لو كان للنجاسة لما زاد الغسل إلا نجاسة إذ الذات [النجسة] (¬2) ~~لا يطهرها الماء على القول الضعيف بنجاستها (¬3). PageV04P446 ### ||| AUTO الحديث السادس # 162/ 6/ 32 - عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: بينما رجل ~~واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال: # فأوقصته، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اغسلوه بماء وسدر ~~وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" (¬1). # وفي رواية: "لا تخمروا وجهه ولا رأسه". # قال [رضي الله عنه] (¬2): الوقص: كسر العنق. # الكلام عليه من زيادة على عشرين وجها: PageV04P447 # الأول: هذا الرجل لا أعلمه ورد سمى ولم أر من ذكره أيضا في كتب المبهمات ~~بعد البحث عنه (¬1)، وكان وقوعه عنها عند # الصخرات موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قاله ابن حزم (¬2). # الثاني: فيه إطلاق لفظ الواقف على الراكب. # الثالث: "عرفة" موضع الوقوف شرفه الله وفي سبب تسميته بذلك أقوال ستعرفها ~~في الحج إن شاء الله ذلك وقدره. # الرابع: "الراحلة" الناقة التي تصلح للرجل، ويقال: إنها كل ما يركب من ~~الإبل، ذكرا كان أو أنثى: كالشاة بالنسة ms0825 إلى الغنم. حكاه الجوهري (¬3) وجزم ~~به الفاكهي. # الخامس: "الوقص" قد فسره المصنف (¬4). # ويقال أيضا: وقصت به راحلته فهو كقولك: خذ الخطام وخذ بالخطام، ووقص فهو ~~موقوص على بناء ما لم يسم فاعله. # وقوله: "فوقصته"، أو قال: "فأوقصته" الظاهر أنه شك من PageV04P448 # الراوي عن ابن عباس، وقال القاضي (¬1) عياض: روي "فوقصته" وروي: ~~"فأوقصته" وهما صحيحان. # قال القرطبي: وهما لغتان. قال: والثاني أفصح. # قال القاضي وروي: [فقصعته] (¬2)، ومعناه: قتلته لحينه، ومنه قعاص الغنم ~~(¬3): وهو موتها بداء يأخذها فلا يلبثها، ويروى [فأقصته] (¬4) رباعيا ووجهه ~~فقصعته [ثلاثيا] (¬5) ومعناه: شدخته. # السادس: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "لا تحنطوه" هو بالحاء المهملة أي ~~لا تمسوه حنوطا. # والحنوط: بفتح الحاء، ويقال له: الحناط بكسرها، وهو أخلاط من طيب يجمع ~~للميت خاصة لا يستعمل في غيره، وقد يعني به الرجل، وحنط الميت تحنيطا. # السابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "ولا تخمروا رأسه" أي: لا تغطوه. # والتخمير: التغطية. # الثامن: قوله: فإنه "يبعث يوم القيامة" [ملبيا] " معناه: على هيئته PageV04P449 # التي مات عليها، ليكون ذلك علامة وحجة ودلالة على فضيلته، كما يجيء ~~الشهيد يوم القيامة] (¬1)، وأوداجه تشخب دما (¬2)، وفي رواية: في الصحيح ~~"ملبدا" (¬3) بدل "ملبيا"، أي: على هيئته كما قلناه. # التاسع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "وكفنوه في [ثوبه] (¬4) ". جاء في ~~رواية أخرى في الصحيح (¬5): في ثوبين. # قال القاضي عياض: والأولى أكثر الروايات. # قال القرطبي: فعلى الرواية الأولى يحتج به الشافعي على بقاء PageV04P450 # حكم إحرامه عليه كما سيأتي، لأنه أمر أن يكفن في ثيابه التي كانت عليه. # والرواية الثانية: يحتمل أن تحمل على الأولى، ويحتمل أن يريد. زيدوا على ~~ثوبه الذي أحرم فيه ثوبين ليكون كفنه وترا، والأول أولى لأن أحد الروايتين ~~مفسرة للأخرى. # وقال المحب الطبري في "أحكامه": إنما لم يزده ثالثا تكرمة له كما في ~~الشهيد لم يزد على ثيابه. # العاشر: الرواية الثانية التي ذكرها المصنف هي من أفراد مسلم، وكان ينبغي ~~للمصنف التنبيه على ذلك. # قال البيهقي: وذكر الوجه وهم من بعض رواته في الإسناد، والمتن الصحيح "لا ~~تغطوا رأسه"، كذا ms0826 أخرجه البخاري، وذكر "الوجه" فيه غريب (¬1). PageV04P451 # الحادي عشر: ظاهر الحديث بقاء حكم الإحرام بعد الموت، وبه قال الشافعي ~~وأحمد وإسحاق: فيحرم شر رأسه وتطبيبه ولم يقل به مالك ولا أبو حنيفة وهو ~~مذهب الحسن والأوزاعي، أيضا كما [حكاه] (¬1) القرطبي عنهما، وهو مقتضى ~~القياس لأنه بالموت انقطع التكليف. # ولكن الشافعي قدم ظاهر الحديث على القياس. # واعتذر من خالف عن الحديث بتعليله - عليه الصلاة والسلام -: هذا الحكم في ~~هذا المحرم بعلة، لا يقطع بوجودها في غيره، ولا يعلم إلا من جهته، وهو أنه ~~يبعث يوم القيامة ملبيا، والحكم إنما يعمم بحموم علته فهو خاص به، ولا ~~يتعدى إلى غيره إلا بدليل، وأيد ذلك بعض من أدركناه من أئمة الحنفية بأنه ~~لو بقي إحرامه لطيف به، وكملت مناسكه. # قال: ولأنه أمر بغسله بماء وسدر، والمحرم لا يغتسل PageV04P452 # بالسدر، والخطمي، عند الشافعي كما حكاه ابن المنذر في الإشراف. # قال ابن القصار: ويدل على أن الحديث خاص بذلك الرجل، قوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: "فإنه يبعث ملبيا" ولم يقل: فإن المحرم كما قال: "فإن الشهيد ~~يبعث يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك" (¬1). # قلت: وللشافعي له أن يقول: العلة الإحرام وهي عامة في كل محرم، والأصل أن ~~ما ثبت لشخص في زمنه - عليه الصلاة والسلام - ثابت لغيره حتى يدل الدليل ~~على خلافه، ولم يثبت خلافه كيف، وقد ثبت أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: ~~"يبعث المرء على ما مات عليه (¬2)، وهذا عام في كل صورة ومعنى. فاقتضى ذلك ~~تعلق هذا الحكم لأجل الإحرام حيث مات محرما، فيعم كل محرم كيف والتلبية من ~~لوازم الإحرام، والعمل بالحديث مقدم على القياس وهو متعين، وما حكاه عن ~~الشافعي: من أن المحرم لا يغتسل بالسدر، وقد رأيته في إشرافه. وحكاه ~~القرطبي عن الشافعي أيضا، وهو غريب، ولعل مرادهما [الكراهة] (¬3) فقط، كما ~~حكى عنه في القديم. PageV04P453 # الثاني عشر: نص الشافعي (¬1) وأصحابه، ومن وافقهم: على أنه يباح ستر وجهه ~~ولا يحرم، وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة فقالا: إن إحرام الرجل في ms0827 وجهه أيضا. # والجواب عن رواية الكتاب من وجهين: # الأول: الطعن فيها بوهم الراوي كما أسلفته عن البيهقي. # الثاني: أن يتأول على أن النهي عن تغطيته ليس مقصودا لذاته، بل لكونه ~~لازما لتغطية الرأس غالبا، ولا بد من تأويله، لأن المخالف يقول: لا يمنع من ~~ستر رأسه ووجهه كما سلف، والشافعي ومن وافقه يقول: يباح ستر وجهه فقط ~~فيتعين تأويل الحديث. # الثالث عشر: يستفاد من الحديث بقاء حكم الإحرام في الميت المحرم، وهو ~~مذهبنا ومذهب أحمد كما قررته لك. # واختلف أصحابنا في [أن] (¬2) الموت هل يبطل الصوم؟ # فقيل: لا، كالإحرام لأنه - عليه الصلاة والسلام - قال لعثمان: "أنت تفطر ~~عندنا الليلة"، رواه ابن حبان (¬3) في "صحيحه" والحاكم في مستدركه، وقال: ~~صحيح الإسناد. PageV04P454 # وأصحهما: نعم كالصلاة. # فرع: اختلف أصحابنا أن المعتدة المحدة هل تطيب على وجهين؟ # أصحهما: نعم، لأن منعها كان تفجعا أو لئلا تدعوها نفسها إلى الرجال أو ~~أنفسهم إليها وقد زال الجميع بالموت. # وقيل: لا، كالمحرم. # الرابع عشر: فيه أيضا أن الميت المحرم يجب غسله وتكفينه. # الخامس عشر: جواز التكفين في الثياب الملبوسة وهو إجماع. # السادس عشر: جوازه في ثوبين لكن الأفضل ثلاثة كما مر في حديث عائشة في ~~الباب وفيه: الاحتمال السالف في الوجه التاسع. # السابع عشر: أن الكفن مقدم على الدين وغيره حيث لم يسأل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن دين مستغرق ولا غيره، وترك الاستفصال في حكاية الحال مع ~~قيام الاحتمال [ينزل] (¬1) منزلة العموم في المقال. # الثامن عشر: أن الكفن للميت واجب، وهو إجماع، وكذا غسله والصلاة عليه ودفنه. # التاسع عشر: استحباب دوام التلبية في الإحرام. # العشرون: فيه التنبيه والتحريض على لقاء الله -تعالى- بحالة تناسب ~~العبودية لتكون شاهدا لصاحبها يوم القيامة. PageV04P455 # الحادي والعشرون: فيه دلالة على استحباب السدر في غسل الميت المحرم وهذا ~~مذهبنا وبه قال طاوس وعطاء ومجاهد وابن المنذر وآخرون. # ومنعه أبو حنيفة ومالك وآخرون. # قال ابن المنذر: كره جابر بن عبد الله ومالك، غسل المحرم رأسه بالخطمي. # قال مالك: وعليه الفدية، وبه قال أبو ms0828 حنيفة (¬1). # وقال صاحباه: عليه صدقة. # قال ابن المنذر: وهو مباح لهذا الحديث (¬2). # الثاني والعشرون: لم يذكر في الحديث الصلاة عليه. # وحكى القرطبي في ذلك خلافا. # فنقل عن مالك وأبي حنيفة: أنه يصلى عليه كغيره من الموتى. # ونقل عن الشافعي: أنه يغسل ولا يصلى عليه. كذا نقله عنه ولا أعرفه عندنا. # الثالث والعشرون: استنبط الإمام الشافعي [وتبعه المزني في هذا الحديث ~~جواز قطع شجر السدر. # قال أبو ثور: سألت أبا عبد الله الشافعي] (¬3) عن قطع السدر، PageV04P456 # فقال: لا بأس به، قد قال - عليه الصلاة والسلام - "اغسلوه بماء وسدر". # وحكى أبو سليمان (¬1): عن المزني أنه أخبر بذلك، وقال: لو كان حراما لم ~~يحل الانتفاع به كما سوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما حرم قطعه ~~من شجر الحرم بين الورق وغيره. # وأما حديث: "من قطع شجر سدر صوب الله رأسه في النار" (¬2) فإنه روي ~~موصولا ومرسلا وأسانيده مضطربة معلولة، وفي بعضها # "إلا من زرع" ومدار أكثرها على عروة بن الزبير (¬3)، وقد روي عن أبيه: ~~"أنه كان يقطعها بأرضه". # وقيل: النهي عن سدر مكة لأنها حرم. PageV04P457 # وقيل: عن سدر المدينة نهى عن قطعه ليكون أنسا وظلا لمن هاجر إليها. # وقيل: أراد به سدر الفلاة يستظل به أبناء السبيل (¬1). # خاتمة: نقل أبو داود عن أحمد بن حنبل أنه سمعه يقول: في هذا الحديث خمس ~~سنن: تكفين الميت في ثوبين، وأن الكفن من أصل المال ولو أتى على جميعه، ~~وغسل الميت بالسدر في الغسلات كلها، وأن لا يخمر رأسه، ولا يقرب طيب. # قال المحب الطبري في "أحكامه": ويستبط منه سادسة وهي: استحباب التلبيد ~~للمحرم. # قلت: ويستنبط منه غير ذلك كما قررته لك. PageV04P458 ### ||| AUTO الحديث السابع # 163/ 7/ 32 - عن أم عطية - رضي الله عنها - قالت: "نهينا عن اتباع ~~الجنائز، ولم يعزم علينا" (¬1). # الكلام عليه من وجوه أربعة: والتعريف براويه سلف في العيدين. # الأول: هذا الحديث حكمه حكم المرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لأن النهي لا يجوز أن يضاف إلى غير النبي - صلى الله ms0829 عليه وسلم - عند ~~الإطلاق PageV04P459 # واعلم: أن الصحابي إذا قال: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، أو من السنة كذا، ~~وما أشبه ذلك كله مرفوع على الصحيح، كما قدمته في الحديث الأول من باب ~~الأذان عند قول أنس - رضي الله عنه -: "أمر بلال أن يشفع الأذان"، ولا فرق ~~بين أن يقول ذلك في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو بعده إن كان ~~يحتمل إذا قاله بعده أن يكون الآمر والناهي من أدركه من الخلفاء، لكن ~~احتمال إرادته النبي - صلى الله عليه وسلم - أظهر، وقد قال الشافعي في الأم ~~(¬1) في باب: ما عدد كفن الميت؟ بعد ذكر ابن عباس والضحاك. ما نصه: وابن ~~عباس والضحاك بن قيس رجلان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يقولان: السنة إلا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. لكن نقل الن داود ~~من أصحابنا في شرحه ل"المختصر" في كتاب "الجنايات" في (باب أسنان الإبل) عن ~~الشافعي، أنه كان يرى في القديم أن ذلك مرفوع، إذا صدر من الصحابي أو ~~التابعي، ثم رجع عنه، لأنهم قد يطلقونه ويريدون به سنة البلد، وهذا نقل ~~غريب عن الشافعي فتنبه له. # الثاني: "العزم" في اللغة: القصد المؤكد، ومنه: عزمت على فعل الشيء. # قال الجوهري (¬2): عزمت على كذا عزما وعزما بالضم وعزيمة وعزيما إذا أردت ~~فعله وقطعت عليه، قال -تعالى-: {فنسى ولم PageV04P460 # نجد له عزما} (¬1) أي جزما. # [(¬2)]: فقولها: "ولم يعزم علينا"، أي: لم يؤكد علينا في المنع من اتباع ~~الجنائز ما اؤكد علينا في غيره، فلم نؤمر فيه بعزيمة، والعزيمة دالة على ~~التأكيد كما قررناه، فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم. # وهذا يخالف ما حدبه الإمام فخر الدين العزيمة في "المحصول" (¬3) من قوله: ~~العزيمة هي جواز الإقدام مع عدم المانع بخلاف الرخصة، فيدخل فيه أكل ~~الطيبات ولبس الناعمات وليس [من العزائم وفيها جواز الإقدام مع عدم المانع. ~~وهذا القول مخالف # للحديث، ولما دل عليه الاستعمال اللغوي من إشعار العزم بالتأكيد كما ~~أسلفناه. # وحدها القرافي: بطلب ms0830 الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي. # قال: ولا يمكن أن يكون المباح من العزائم] (¬4)، فإن العزم هو الطلب ~~المؤكد فيه. # قال الفاكهي: وهذا الحد يدخل فيه الواجبات وليس PageV04P461 # [يحتمل] (¬1) فيما يظهر، ومن الأصوليين من خص العزيمة بالواجب وبه جزم ~~الغزالي في "المستصفى" (¬2) والآمدي في "الأحكام" (¬3)، و"منتهى السول" ~~(¬4)، وابن الحاجب في"مختصره الكبير". # فقالوا: العزيمة بما لزم العباد بإيجاب الله -تعالى-، وكأنهم احترزوا ~~بايجاب الله -تعالى- عن النذر. # الثالث: وردت أحاديث في التشديد في اتباع النساء أو بعضهن الجنائز أكثر ~~مما يدل عليه هذا الحديث، كالذي جاء عن فاطمة - رضي الله عنها -. رواه أبو ~~داود (¬5)، والنسائي (¬6)، وضعفه PageV04P462 # عبد الحق والنووي (¬1)، وحسنه ابن القطان، وصححه ابن حبان (¬2)، فإما أن ~~يكون لعلو منصبها، وحديث أم عطية هذا في عموم النساء أو يكون الحديثان ~~محمولين على اختلاف حالات النساء وهذه المسألة فيها مذاهب: فأجاز مالك (¬3) ~~لهن اتباع الجنائز وكرهه للشابة [مع] (¬4) الأمر المستنكر، وخالفه غيره من ~~أصحابه فكرهه مطلقا لظاهر النهي. # وعندنا: أنه مكروه وليس بحرام لهذا الحديث، ونقله النووي في "شرح المهذب" ~~(¬5) عن جماهير العلماء فإن اقترن باتباعهن لها # محرم، أو جر [إلى] (¬6) مفسدة، فينبغي الجزم بأنه حرام شديد التحريم، ~~وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول الشيخ نصر المقدسي. لا يجوز للنساء اتباع ~~الجنائز، أو يكون المراد بذلك كراهة التنزيه وإلا فهو شاذ، وعادتهن بمصر ~~يجتمعن ولا يصلين على الجنازة، بل # يتبعنها لا لمعنى شرعي أصلا، بل ربما ينحن ويبكين، فالوجه PageV04P463 # منعهن. [ونقل العبدري عن مالك أنه يكره إلا أن يكون الميت ولدها أو ~~والدها أو زوجها أو كانت ممن يخرج مثلها لمثله] (¬1). # ونقل القاضي عياض عن جمهور العلماء: أنهم قالوا بمنعهن من اتباعها وأجازه ~~علماء المدينة. # ونقل الفاكهي أيضا: أن مذهبه اتباع المرأة جنازة ولدها ووالدها وزوجها ~~وأخيها، إذا كان ذلك مما يعرف أنه يخرج مثلها على مثله وإن كانت شابة، ~~وكراهة الخروج على غيرها، ولا ممن لا ينكر عليها الخروج عليهم من قرابتها. # قال ابن حبيب: ويكره خروج النساء في الجنائز وإن ms0831 كن غير نوائح ولا بواكي ~~في جنائز أهل الخاصة من ذوي القرابة، وغيرهم قالوا: وينبغي للإمام أن ~~يمنعهن من ذلك فقد "أمر - صلى الله عليه وسلم - بطرد امرأة رآها في جنازة ~~فطردت حتى لم يرها" (¬2)، وقال لنساء رآهن ينتظرن جنازة: أتغسلنه؟. قلن: ~~لا. قال: أتحملنه فيمن يحمله؟ قلن: لا. قال: فتدخلن قبره فيمن يدخله؟ قلن: ~~لا. قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات (¬3). PageV04P464 # قلت: هذا الحديث رواه ابن ماجه من حديث علي بإسناد ضعيف لأجل إسماعيل بن ~~سلمان الأزرق الذي في إسناده. # قال ابن حبيب: وكان الحسن (¬1) يطردهن، فإذا لم يرجعن لم يرجع ويقول لا ~~ندع حقا لباطل. # وكان مسروق: يحثي في وجوههن التراب ويطردهن، فإن رجعن وإلا رجع (¬2). # وقال النخعي: كانوا إذا خرجوا بالجنائز أغلقوا الأبواب على النساء (¬3). # وقال ابن عمر (¬4): ليس للنساء في الجنائز نصيب. # وقال بعض متأخري المالكية: الصواب اليوم الأخذ بقول ابن حبيب لأن خروجهن ~~يؤدي إلى فتنة وفساد كبير فينبغي للإمام أن يمنعهن من ذلك (¬5). PageV04P465 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P466 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P467 # الرابع: يستفاد من الحديث التفرقة بين نهي التنزيه والتحريم لقولها: ~~"نهينا ولم يعزم علينا" وذلك في عرف الصحابة بالنسبة إلى العلم. # وأما بالنسبة إلى العمل: فلم يفرقوا فيه بل قالوا: يجتنبون المكروه ~~تنزيها وتحريما مطلقا إلا لضرورة بيان من اعتقاد أو إلجاء إلى ارتكاب محرم ~~فيفعلون المكروه تنزيها خلوصا من المحرم. ومن استقرى فعلهم وقولهم، وقواعد ~~الشرع وجد الأمر كذلك. # وقال المحب الطبري في "أحكامه": يحتمل أن يكون معنى الحديث ولم يعزم ~~علينا في اتباعها كما عزم على الرجال فيكون النهي نهي تحريم وبه استدل كثير ~~على ذلك (¬1). # ... PageV04P468 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 164/ 8/ 32 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة، فخير تقدمونها إليه، وإن تك ~~سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" (¬1). # الكلام عليه من أحد عشر وجها: # الأول: من قال الجنازة بالفتح للميت وبالكسر للنعش كما قدمنا أول الباب ~~يتعين عنده هنا قراءة قوله "أسرعوا بالجنازة" بالفتح لأن المقصود الإسراع ~~(¬2) بالميت لا ms0832 النعش ويدل على ذلك آخر الحديث. PageV04P469 # الثاني: المراد بالإسراع هنا الإسراع بالميت كما قلناه فيتضمن الأمر ~~بحمله إلى قبره وهو فرض كفاية. # وقيل: المراد به الإسراع بتجهيزه بعد موته لئلا يتغير والأول أظهر وعليه ~~الجمهور. # قال النووي (¬1): والثاني باطل مردود بقوله -عليه الصلاة والسلام- فشر ~~تضعونه عن رقابكم. # وقال القرطبي: لا يبعد أن يكون كل واحد منها مطلوبا إذ # مقتضاه مطلق الإسراع فإنه -عليه الصلاة والسلام- لم يقيده بقيد. # وقال الفاكهي: ما رده النووي جمود على ظاهر لفظ الحديث وإلا فيحتمل حمله ~~على المعنى فإنه قد يعبر بالحمل على الظهر أو العنق عن المعاني دون الذوات ~~فيقال: حمل فلان على ظهره أو على عنقه ذنبا أو نحو ذلك ليكون المعنى في ~~قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فشر تضعونه عن رقابكم" إنكم تستريحون من نظر ~~من لا خير فيه أو من مجالسته ونحو ذلك فلا يكون في الحديث دليل على رد قول ~~هذا القائل ويقوى هذا الاحتمال أن كل حاضري الميت لا يحملونه، إنما يحمله ~~القليل منهم لا سيما اليوم، فإنما يحمله في الغالب من لا تعلق له به. # الثالث: الخطاب بالإسراع للرجال فإن النساء يضعفن عن الحمل، وربما انكشف ~~منهن بعض أبدانهن. PageV04P470 # الرابع: الإسراع بالميت مطلوب لكن بشرط أن لا يكون على هيئة مزرية ولا ~~يؤدي إلى انفجاره أو سقوطه ونحو ذلك وقد بين -عليه الصلاة والسلام- الحكمة ~~من الإسراع بقوله: "فإن تك صالحة" إلى آخره وكره بعضهم الإسراع بها وهو ~~محمول على الإسراع المحذور. # فرع: لا تؤخر لزيادة مصلين ولا لانتظار أحد غير الولي فينتظر لأجله إن لم ~~يخف تغيرها. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإن تك" هو في الموضعين بحذف النون ~~الخفيفة لكثرة الاستعمال، والأصل: تكون فدخل الجازم فأسكن النون فاجتمع ~~ساكنان الواو والنون فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، ثم حذفت النون لما ~~ذكرناه من كثرة الاستعمال كما قالوا: لا أدر فحذفوا الياء كذلك كما تقدم في ~~باب صلاة الاستسقاء. # السادس: "خير" و"شر": فيه إعرابان. # الأول: أن يكونا مبتدأين والخبر محذوف أي فلها ms0833 خير ولها شر. وساغ هنا ~~الابتداء بالنكرة لكون فاء الجزاء وليتهما، فهما من باب قولهم: إن مضى عير ~~فعير في الرباط. # الثاني: أن يكونا خبرين محذوفي [المبتداء] (¬1) والتقدير: فهي، وهي أي ~~ذات خير وذات شر، وأما الجملتان اللتان بعدهما وهما "تقدمونها" و"تضعونه" ~~فصفة لهما. PageV04P471 # السابع: فيه إكرام أهل الخير والصلاح إذا ماتوا بالمبادرة إلى الوصول إلى ~~جزاء ما قدموه من الأعمال الصالحة وجزاؤها من فضل الله ورحمته (¬1). # الثامن: فيه تقليل مصاحبة أهل الشر إلا فيما شرع بسببهم من بعد موتهم ~~لبعدهم عن رحمة الله، فلا مصلحة في مصاحبتهم، وكذا ينبغي اجتناب مصاحبة أهل ~~البطالة وغير الصالحين (¬2). # التاسع: معنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فخير تقدمونها إليه" أي ما ~~أعد الله لها من النعيم المقيم وقوله "فشر تضعونه عن رقابكم" معناه أنها ~~بعيدة من الرحمة فلا مصلحة لكم في مصاحبتها وملابستها. # العاشر: استدل به الأصبهاني على أن حكم القبر من أحكام الآخرة، ولا يوصل ~~إلى معرفة ذلك إلا بالخبر، ليس للعقل فيه مدخل. # الحادي عشر: عورض هذا الحديث بحديث آخر فيه النهي عن الإسراع ويجمع ~~بينهما على تقدير صحته بحمل النهي على الإسراع المحذور (¬3). # ... PageV04P472 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 165/ 9/ 32 - عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قال: # "صليت وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - على امرأة ماتت في نفاسها فقام ~~وسطها" (¬1). # الكلام عليه من تسعة أوجه: # أولها: في التعريف براويه هو سمرة بن جندب -بفتح الدال وضمها- ابن هلال ~~الفزاري حليف الأنصار، ووقع في نسبه في [تهذيب] (¬2) الكمال ثلاثة أوهام، ~~نبهت عليها فيما أفردته من الكلام على رجال هذا الكتاب فراجعها منه، وهو من ~~بني ذبيان، كنيته: PageV04P473 # أبو سعيد، وقيل: أبو سليمان، وقيل: غير ذلك، نزل البصرة وسكنها ثم انتقل ~~إلى الكوفة، واشترى بها دارا في بني أسد، له صحبة ورواية، وكان من الحفاظ ~~المكثرين، روى عنه ابنه سعيد وسليمان وغيرهما واستخلف على البصرة وعلى ~~الكوفة، وكان شديدا على الحرورية، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين في آخر ~~خلافة معاوية، وقيل: تسع. وقيل: ستين سقط في ms0834 قدر مملوءة ماء حارا كان ~~يتعالج بالقعود عليها من شيء به، فسقط فيها فمات، فكان ذلك تصديقا لقوله ~~-عليه الصلاة والسلام- له ولأبي هريرة وثالث معهما: "آخركم موتا في النار" ~~(¬1) وقال -رضي الله عنه-: "كنت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~غلاما فكنت أحفظ عنه وما يمنعني من القول إلا أن ها هنا رجالا هم أسن مني"، ~~روى له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثا، ~~اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بأربعة. # ثانيها: لفظة: "وراء" من الأضداد (¬2) فإنها قد تكون بمعنى قدام، ومنه ~~قوله -تعالى-: {وكان وراءهم ملك} (¬3) الآية، أي أمامهم وهو مشترك أيضا. ~~فإن الوراء أيضا ولد الولد (¬4)، فإن قطع PageV04P474 # عن الأضافة بني كسائر الظروف. # قال الأخفش: يقال: لقيته من وراء فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف ~~وتجعله اسما وهو غير متمكن كقولك من قبل ومن بعد وأنشد: # إذا أنا لم أؤمن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلا من وراء وراء # قال: ووراء مؤنث وكذلك قدام ولم يؤنث من الظروف غيرهما قالوا: في تصغيرها ~~وريئة، وقديدمة وإنما أدخلت الهاء في تصغيرها وإن كان تصغير ما زاد على ~~ثلاثة أحرف لا تلحقه التاء للفصل بين PageV04P475 # المذكر والمؤنث إذ لو تركت التاء لالتبس بالمذكر وعكسهما أسماء ثلاثية ~~[(¬1)]، لم يلحق تصغيرها الهاء نحو حرب ودرع وعرب وهي أحد عشر اسما فتقول ~~حريب ودريع وعريب وكذلك بقيتها. # ثالثها: هذه المرأة المبهمة في هذا الحديث هي أم كعب، كما رواه مسلم (¬2) ~~في صحيحه، وأغرب بعض الشراح فعزى ذلك إلى رواية النسائي (¬3) في سننه وهو ~~قصور منه. # رابعها: "النفاس" بكسر النون هو الدم الخارج بعد الولد، مأخوذ من النفس ~~وهو الدم أو من التنفس وهو التشقق والانصداع، وأنه يخرج عقب النفس، وليس ~~هذا مرادا بقوله: "ماتت في نفاسها" بل المراد: ماتت قبل خروج الولد في ~~نفاسها، وعلى هذا تأوله بعض من منع القيام على جنازة المرأة في وسطها، ~~وقال: إنما قام -عليه الصلاة والسلام- وسط هذه المرأة من ms0835 أجل جنينها حتى ~~يكون أمامه، وقد أوضحت الكلام على مادة: نفس في لغات المنهاج من باب الغسل، ~~فراجع ذلك منه. # خامسها: قوله: "فقام وسطها" هو بسكون السين، هكذا الرواية فيه وكذا قيده ~~الحفاظ، وقيده بعضهم بالفتح أيضا، وعلى الإسكان اقتصر النووي في "شرح مسلم" ~~(¬4). PageV04P476 # قال القرطبي (¬1): وهو الصواب فإن الساكن ظرف، والمفتوح اسم، فإذا قلت: ~~حفرت وسط الدار [بئرا كان معناه حفرت في الجزء المتوسط منها، ولا تقول حفرت ~~وسط الدار] (¬2) بالفتح إلا أن تعم الدار بالحفر. # وأما القاضي عياض (¬3): فقال: ضبط بالسكون والوجه عندي الفتح، وهو مقتضى ~~ما قاله أهل اللغة فإنهم قالوا: جلست وسط القوم بالإسكان أي بينهم، وجلست ~~وسط الدار بالفتح، فكل موضع صلح فيه بين فهو وسط بالإسكان وإن لم يصلح فيه ~~بين فهو وسط بالفتح. # قال الجوهري (¬4): وربما سكن وليس بالوجه، ويستحيل تقدير بين في الحديث ~~لأن بين لا تضاف إلا إلى شيئين فصاعدا، تقول: المال بين زيد وعمرو. ولا يصح ~~بين زيد، وأما قوله -تعالى-: {عوان بين ذلك} (¬5) فإنما أضيف إلى ذلك وإن ~~كان مفردا لوقوع الإشارة به إلى شيئين وهما الفروضة والبكارة، وأما قوله ~~-تعالى-: {لا نفرق بين أحد من رسله} (¬6)، فلما في "أحد" من معنى العموم ~~[ويدل على أن فيها معنى العموم] (¬7) قوله -تعالى-: PageV04P477 # {فما منكم من أحد عنه حاجزين (47)} (¬1) فنعت أحد حاجزين، وغلط من ادعى ~~أن التقدير بين أحد [واحد] (¬2) وأن الثاني حذف لدلالة الأول عليها. # سادسها: كون هذه المرأة ماتت في نفاسها، هو وصف غير معتبر بالاتفاق، ~~وإنما هو حكاية أمر وقع، وهذا مما يدل على تحري الصحابة وشدة تحرزهم فيما ~~ينقلونه -رضي الله عنهم-. # وأما وصف كونها امرأة: فهل هو معتبر أم لا؟ من الفقهاء من ألغاه، وقال: ~~يقام عند وسط الجنازة مطلقا، ذكرا كان أو أنثى. # ومنهم من خص ذلك بالمرأة كي يسترها عن الناس (¬3). # وقيل: كان قبل إيجاد الأنعشة والقباب. # وأما الرجل: فعند رأسه لئلا ينظر إلى فرجه وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبي يوسف. # وقال ابن مسعود: ms0836 بعكس هذا. # وذكر عن الحسن (¬4): التوسعة في ذلك، وبها قال أشهب وابن شعبان من أصحاب ~~مالك. PageV04P478 # وقال أصحاب الرأي: يقوم فيها حذاء الصدر (¬1). # وعند المالكية: قول أنه يقف عند منكبها (¬2) وعند وسطه، وقول ثان عكسه، ~~حكاه صاحب الإكمال. # وروى ابن غانم (¬3) عن مالك: نحو مذهب الشافعي في المرأة، وسكت عن الرجل. ~~وروى صاحب "الجواهر" قولا آخر عنه: أنه يقف فيهما جميعا [وسطهما. وحكى غيره ~~قولا آخر أنه يقف فيهما جميعا عند] (¬4) صدرهما. # وقال الزناتي "شارح الرسالة": لا فرق في ذلك كله بين أن يكون نعشهما ~~مستورا أم لا. # وقال بعضهم: الخلاف إذا لم يكن مستورا. فإن كان وقف حيث شاء. PageV04P479 # قلت: وقد روى أبو داود (¬1) والترمذي (¬2) وابن ماجه (¬3) ما يرفع الخلاف ~~عن أنس "أنه صلى على رجل فقام عند رأسه، وعلى امرأة، وعليها نعش أخضر فقام ~~عند عجيزتها" فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة! هكذا كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يصلي على الجنازة؟ قال نعم. # قال الترمذي: حديث حسن. # وما حكاه الصيدلاني من أصحابنا: أن أنسا وقف عند صدره غلط صريح فاجتنبه. # وقول بعض أصحابنا: بمقتضاه شاذ، لا يعرج عليه، ولا يلتفت إليه، وهذا ~~الحديث الذي أوردناه يدل على أن مشروعية مقام الإمام كذلك، وهو يبطل ~~التأويل السالف مقامه -عليه الصلاة والسلام- وسط هذه الجنازة، إنما كان من ~~أجل جنينها، حتى يكون أمامه، بل كان ذلك لأنه حكم بمشروعية ذلك. PageV04P480 # فرع. الخنثى كالمرأة. # فرع آخر: أجمع العلماء على أنه لا يقوم ملاصقا للجنازة، وأنه لا بد من ~~فرجة بينهما. # سابعها: في هذا الحديث إثبات الصلاة على النفساء وإن كانت شهيدة. # وعن الحسن: أنه لا يصلى على النفساء تموت من زنا ولا ولدها، قاله قتادة ~~في ولدها. # ثامنها: فيه أيضا أن السنة أن يقف الإمام عند عجيزة المرأة كما أسلفناه. # تاسعها: فيه أن موقف المأموم في صلاة الجنازة وراء الإمام. # *** PageV04P481 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 166/ 10/ 32 - عن أبي موسى عبد الله بن قيس -رضي الله عنه- أن رسول الله ~~- صلى الله ms0837 عليه وسلم -: "بريء من الصالقة والحالقة والشاقة" (¬1). # قال المصنف -رحمه الله-: # الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة. # الكلام عليه من سبعة أوجه: # أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في باب السواك. # ثانيها: يقال: برئت منك ومن الذنوب والعيوب برأة بكسر الراء إبرأ بفتحها، ~~وبرئت من المرض برءا بضم الباء. # قال الجوهري (¬2): وأهل الحجاز: يقولون: برأت من المرض. بالفتح. PageV04P482 # ثالثها: كأن براءته -عليه الصلاة والسلام- من هؤلاء من باب قوله: "من ~~غشنا فليس منا" (¬1) ونحوه أي: ليس من أهل سنتنا ولا من المهتدين بهدينا. # فالمراد: المبالغة في الزجر، وليس المراد به الخروج من الدين، كما في ~~قوله -تعالى-: {أن الله بريء من المشركين} (¬2) فإن الشرك كفر. والمعاصي ~~سواه، ليست بكفر عند أهل السنة. PageV04P483 # قال النووي: ويجوز أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعل هذه الأمور، ~~ولا يقدر فيه حذف، وأصل البراءة الانفصال. # رابعها: هذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - دليل على تحريم هذه ~~الأفعال لإشعارها بالسخط لقضاء الله -تعالى- وقدره. وذلك كبيرة من كبائر ~~الذنوب، حيث اقتضى فعل هذه الأشياء التبرىء من فاعلها ولعنه وخروجه من ~~طريقة المصطفي - صلى الله عليه وسلم - وإن اعتقد معتقد حل فعلها كان كافرا. # خامسها: "الصالقة" (¬1) فسرها "المصنف" لكن تقييده برفع الصوت بالمصيبة ~~صحيح في أنه المراد بهذا الحديث لا مطلقا، فإن الصلق شدة رفع الصوت. قال ~~لبيد (¬2): # فصلقنا في مراد صلقة ... وصدآء ألحقتهم بالثلل # أي رفعنا أصواتنا بالدعاء إلى قتال بني مراد. # وأصلق: لغة في صلق. # ويقال: التسليق بالسين أيضا وهو الأصل، ويقرب منه قوله -تعالى-: {سلقوكم ~~بألسنة حداد} (¬3) والصاد تبدل من السين. # وحكى القاضي عياض: عن ابن الأعرابي: أن الصلق ضرب الوجه وهو غريب، ~~والمشهور المعروف ما أسلفناه. PageV04P484 # قلت: ومن الصلق النوح. # سادسها: الحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة، وفي معناه قده من غير حلق. # سابعها: "الشاقة" التي تشق ثوبها عند المصيبة، ومنه حديث ابن مسعود الآتي ~~في الباب (¬1) وشق الجيوب وهذه الأفعال في الرجال أشد تحريما، ويحرم تعاطي ~~الأسباب الحاملة على ذلك، وصرف ms0838 الأموال فيه: كصرفه إلى النواحات والمنوحين، ~~سواء كان ذلك بقراءة أو إنشاد أو وعظ ونحو ذلك. خصوصا إن ترتب محرمات أخر ~~من: تمطيط قراءة، أو تهييج على صراخ، وشق، وحلق، أو تعديد محامد الميت من ~~غير قصد تحريض اقتداء بفعله. ولم يكن الميت متصفا بها، أو جعل المقابح محاسن. # ومن الأفعال المحرمة عند مصائب الموت. # إدارة ذاوئب العمامة إلى قدام يديه فإن ذلك فعل اليهود وقد نهينا عن ~~التشبه بهم وأمرنا بمخالفتهم. # ومنها ما يفعل من نشر الشعور، ولبس جلال الدواب، وقلب سروج الخيل، وتنكيس ~~الرايات، وبذر التبن علي الأبواب، وذبح البهائم لموت الميت، وعقر الحيوان، ~~وإعلاء الأصوات بالبكاء، والندب، والمرآت بذلك. # ... PageV04P485 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # 167/ 11/ 32 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لما اشتكى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ذكر بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة، يقال لها: ~~مارية، وكانت أم سلمة، وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة -فذكرتا من حسنها وتصاوير ~~فيها- فرفع رأسه فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره ~~مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (¬1). # الكلام عليه من سبعة عشر وجها: # أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في الطهارة. # وأم سلمة: تقدمت ترجمتها في باب الجنابة، وأن اسمها هند. وقيل رملة. # وأم حبيبة: سيأتي التعريف بها في كتاب النكاح إن شاء الله، واسمها رملة ~~على المشهور. PageV04P486 # وقولها: "ذكر بعض نسائه" المراد به أم حبيبة وأم سلمة كما بينته بعد. # ثانيها: "اشتكى" افتعل من الشكوى، ومعناه مرض وهو لفظ يستعمل في المرض ~~على اختلاف أنواعه يقال: اشتكى عينه، واشتكى رأسه، واشتكى بطنه. ومنه ~~الحديث (¬1) الآتي في بابه "أن ابنتي اشتكت عينها أفنكحلها". # ثالثها: هذا المرض، والله أعلم [مرض] (¬2) موته الذي مات فيه، كما جاء ~~مفسرا في الحديث الذي بعده وهو قولها: "في مرضه الذي لم يقم منه" (¬3)، وفي ~~صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "ألا! ms0839 فلا تتخذوا القبور ~~مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" (¬4). # رابعها: الكنيسة بفتح الكاف وكسر النون متعبد النصارى، وجمعها كنائس ~~كصحيفة وصحائف. # وأما البيع: فقيل: كنائس النصارى. PageV04P487 # وقيل: اليهود واحدتها بيعة بكسر الباء (¬1). # وأما الصوامع (¬2): فهي مواضع العبادة كانت قبل الإسلام مختصة برهبان ~~النصارى وعباد الصابئين. قاله قتادة، ثم استعمل في مأذنة المسلمين (¬3). # وأما الصلوات: فقيل إنها مشتركة لكل ملة (¬4). # قال ابن عطية (¬5): وذهبت طائفة إلى أن الصلوات اسم لشرائع PageV04P488 # اليهود وأن اللفظة عربت صلاة. # وقال أبو العالية: إنها مساجد الصابئين كالمساجد للمسلمين. قال ابن عطية ~~(¬1): وهذه الأسماء تشترك الأمم في مسمياتها إلا البيعة، فإنها مختصة ~~بالنصارى في عرف لغة العرب، والمساجد للمسلمين. # خامسها: "مارية" بكسر الراء وفتح الياء المثناة تحت مخففة الكنيسة ~~المذكورة، وممن نص على تخفيف الياء صاحب المشارق (¬2). # قال ابن العطار في "شرحه": "مارية": -بكسر الراء وفتح المثناة- تحت، ~~الخفيفة الكسر والفتح فيهما. # سادسها: في الحديث دليل على تحريم تصوير الحيوان خصوصا الآدمي الصالح، ~~سواء كان التصوير في حائط أو ثوب أو ورق أو مجسدا قائما بذاته. والأحاديث ~~في الصحيح تدل لما ذكرناه: منها "لعن الله المصورين" (¬3)، ومنها "أشد ~~الناس عذابا يوم PageV04P489 # القيامة المصورون" (¬1)، وفي الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعا "يخرج عنق ~~من النار يوم القيامة له عينان يبصران، وأذنان يسمعان، ولسان ينطق، يقول: ~~إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين" ~~(¬2). قال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح (¬3). وقال -تعالى-: {ما كان لكم أن ~~تنبتوا شجرها} (¬4). ولقد غلط من حمل التحريم على المسجد القائم بذاته حيث ~~إنه شبهت الأصنام، وأبعد من ذلك حمل الأحاديث على كراهة التنزيه (¬5) وأن ~~التشديد الوارد في التصوير إنما PageV04P490 # كان في ذلك لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان. وهذا الزمان انتشر الإسلام ~~وتمهدت قواعده فلا تساويه في المعنى ولا في التشديد في التحريم (¬1) وكل من ~~القولين باطل حيث أخبر الشارع بعذاب المصورين يوم القيامة: "وأنهم يقال ~~لهم: أحيوا ما خلقتم" (¬2) وذلك مخالفا لمقالتهم، كيف وقد صرح بذلك في قوله ~~-عليه ms0840 الصلاة والسلام- في وصف المصورين: إنهم لمشبوهون لخلق الله. وهذه علة ~~عامة مستقلة [شاملة] (¬3) مناسبة لا تخص زمنا دون زمن، وليس لنا التصرف في ~~النصوص المتظاهرة المتضافرة الصريحة بمعنى خيالي يمكن أن لا يكون مرادا مع ~~اقتضاء اللفظ التعليل بغيره وهو التشبيه بخلق الله، وقد يؤخذ من قوله -عليه ~~الصلاة والسلام- والمشبهون بخلق الله: تحريم تصوير غير الحيوان مطلقا، إذ ~~الكل PageV04P491 # خلق الله -تعالى- (¬1). PageV04P492 # ولنبين الحكم في مسألة التصوير فنقول: # مذهب مالك: إن الصور إن كانت تماثيل على صفة الإنسان أو غيره من الحيوان ~~فلا يحل فعلها ولا استعمالها في شيء أصلا، وإن كانت رسما في حائط أو رقما ~~في ثوب (¬1) ينشر ويبسط أو وسائد PageV04P493 # يرتفق بها للاتكاء عليها فهي مكروهة. # وقيل: محرمة. # قال القاضي أبو بكر: وقد قيل: إن الذي يمتهن من الصور يجوز وما لا يمتهن ~~لا يجوز، لأن الجاهلية كانت تعظم الصور فما يبقى فيه جزء من التعظيم ~~والارتفاع يمنع، وما يمتهن فهو مباح، لأنه ليس مما كانوا فيه (¬1). # وحكى القرطبي عن بعضهم تفصيلا: إن التصوير على صفة غير الحيوان جائز: ~~كالأشجار ونحوها، وعلى صفته حرام إن كان له ظل بشروط أربعة: أن يكون قائما ~~بنفسه، وأن يكون على صفة ما يحيي، وأن يكون كامل الخلقة، وأن يكون مما يسرع ~~إليه الفساد. PageV04P494 # وقال أصبغ: يجوز مثل الحلوى ونحوها. # قال ابن رشد: وهو بعيد عن القياس والنظر فإن كان له ظل فثلاثة أقوال: ~~ثالثها إباحة ما عدا المرسوم منها في الجدر. # وقيل: في الجدر والستور. # ومذهب الشافعي -رضي الله عنه-: أنه يحرم تصوير حيوان على حائط وبيت، ولا ~~أجرة لفاعله. وكذا في ثياب على الأصح، وطرد المتولي الخلاف في الأرض ~~ونحوها. وقد بسطت المسألة بفروعها والخلاف فيها في شرحي "المنهاج والتنبيه" ~~فليراجع منهما. # قال القرطبي: وقد استثنى من هذا الباب لعب البنات لقصة عائشة (¬1) في ~~الصحيح. PageV04P495 # قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك، والتدريب على تربية الأولاد، ثم إنه ~~[لا بقاء] (¬1) لذلك قال: وكذلك ما يصنع من الحلوى والعجين لا بقاء له ms0841 فرخص ~~في ذلك. # قال القرطبي: ولم يختلفوا في أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة غير ~~محرمة، وكذا ما كان خرطا أو نقشا في البناء، واستثنى ما كان رقما في ثوب، ~~كما جاء في الحديث. # قلت: وحمل على ثوب عليه صورة غير ذات روح جمعا بين الأحاديث. # وقال ابن العربي: خص الرقم من جملة التصوير بالحديث المذكور. ثم ثبتت ~~الكراهة فيه بقوله لعائشة: "أخريه عني" فقطعته PageV04P496 # وسادتين حتى تغيرت الصور، وخرجت عن هيئتها. فتبين جواز ذلك إذا لم تكن ~~الصورة فيه متصلة الهيئة، وتبين بحديث الصلاة إلى الصور أن ذلك جائز في ~~الرقم في الثوب، ثم نسخه المنع منه، وهكذا استقر الأمر فيه. # خاتمة: قال القرطبي في تفسير (¬1) قوله -تعالى-: {يعملون له ما يشاء من ~~محاريب وتماثيل} أن التماثيل جمع تمثال وحكى فيها أقوالا. # أحدها: أنها كانت من زجاج ونحاس ورخام تماثيل أشياء ليست بحيوان وهو كل ~~ما صور على مثل صورة غيره من حيوان أو غيره، وذكر أنها صور الأنبياء ~~والعلماء وكانت تصور في المساجد ليراها الناس ليزدادوا عبادة واجتهادا. ~~ومنه الحديث الذي نحن فيه: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره ~~مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصور" أي ليذكروا عبادتهم فيجتهدوا. # قلت: فلما جاء من بعدهم لم يفهموا أغراضهم فعبدوها. فهذا أصل عبادة ~~الأصنام كما نبه عليه القاضي وما أسلفناه يدل على أن التصوير كان مباحا في ~~ذلك الزمان، وبه صرح أبو العالية، ونسخ ذلك بشرعنا (¬2). PageV04P497 # ثانيها: أنها طلسمات كانت تعمل ويحرم على كل مصور أن يتجاوزها، فيعمل ~~تمثالا للذباب والبعوض [والتماسيح] (¬1) في مكان ويأمرهم أن لا يتجاوزه ~~[فلا يتجاوزه] (¬2) أبدا ما دام ذلك التمثال قائما. # ثالثها: أنها رجال اتخذوهم من نحاس، وسأل ربه أن ينفخ فيها الروح ~~ليقاتلوا في سبيل الله فلا يحتك فيهم السلاح، ويقال: إن اسفنديار كان منهم. ~~وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد ~~بسط الأسدان إليه ذراعيهما وإذا قعد ظلله النسران بأجنحتهما. PageV04P498 # وحكى مكي في ms0842 الهداية: أن فرقة تجوز الصور، وتحتج بهذه الآية، وقد تقدم ~~وهن ذلك. # الوجه السابع: في الحديث دليل أيضا على منع بناء المساجد على القبور، وهو ~~منع يقتضي التحريم، كيف وقد ثبت في الحديث الآتي (¬1) "لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد" (¬2)، وقد استجاب الله دعاءه فله الحمد والمنة. # وأما الشافعي والأصحاب فصرحوا بالكراهة قال البندنيجي: والمراد أن يسوي ~~القبر مسجدا فيصلى فوقه وقال: إنه يكره أن يبنى عنده مسجدا فيصلي فيه إلى ~~القبر، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا ~~إليها" (¬3). رواه مسلم في صحيحه. PageV04P499 # وخالف أبو حنيفة فقال: يباح البناء على القبور وتجصيصها. وقيل لمحمد بن ~~عبد الحكم: في الرجل يوصي أن يبنى على قبره فقال: لا، ولا كرامة. # قال [(¬1)] القاسم في العتبية: كره مالك أن يرصص على القبور بالحجارة ~~والطين، وأن يبنى عليها بطوب أو أحجار. قال: وكره المساجد المتخذة على ~~القبور (¬2). PageV04P500 # وأما مقبرة داثرة: يبنى فيها مسجد يصلى فيه فلم أر به بأسا (¬1). # وكره ابن القاسم: أن يجعل على القبر بلاطة ويكتب فيها ولم ير بالحجر ~~والعود بأسا يعرف به الرجل قبر وليه ما لم يكتب فيه (¬2). # الثامن: فيه دليل أيضا على جواز حكاية الإنسان ما رآه من البناء ~~والتصاوير وأنه لا حرج في ذلك. # التاسع: فيه دليل أيضا على وجوب البيان عند حكاية ما PageV04P501 # يقتضي مخالفة الشرع، وأن المرض ليس عذرا من البيان والإنكار. # العاشر: فيه دليل أيضا على تحريم التعظيم بما لا يحل فعله وقوله. # الحادي عشر: فيه دليل أيضا على وصف فاعل المحرمات المضاهية لخلق الله ~~-تعالى- والآمر بها ومرتضيها بأقبح وصف فإنه -عليه الصلاة والسلام- وصفهم ~~بشرار الخلق عند الله. # الثاني عشر: فيه دليل أيضا على أن الاعتبار في الأحكام والأوصاف وغيرها ~~إنما هو بما عند الله لا بما عند الخلق. # الثالث عشر: فيه دليل أيضا على جواز الكلام عند المريض والشاكي. # الرابع عشر: فيه أيضا أن الكلام عنده إنما يكون بما يناسب ms0843 حال الشاكي ~~ومقامه حيث ذكرتا أماكن العبادة وتعظيم النصارى لها بما ذكرتا فبين - صلى ~~الله عليه وسلم - ذلك ودليل جميعه. # الخامس عشر: فيه دليل أيضا على كراهة الصلاة في القبور، وعلل الشافعي ذلك ~~بأنها مدفن النجاسات ودل كلام القاضي أن الكراهة لحرمة الموتى، ولا فرق في ~~الكراهة في المقبرة بين أن يصلى على القبر أو بجانبه أو إليه (¬1). PageV04P502 # السادس عشر: بناء غير المساجد على القبور إن كان لمعنى مقصود شرعي فهو ~~جائز إجماعا، بشرط أن لا يكون في بقعة محرمة من غصب أو تسبيل على المسلمين. ~~وقد نص الشافعي وأصحابه على تحريم البناء في المقبرة المسبلة للمسلمين ~~(¬1). PageV04P503 # قال الشافعي: ورأيت الولاة عندنا بمكة يأمرون بهدم ما بني منها، ولم أر ~~الفقهاء يعيبون ذلك عليهم. # قلت: ومن ذلك القرافة ببلدنا مصر -حماها الله وصانها وسائر بلاد الإسلام ~~وأهله- فإنها مسبلة على المسلمين لدفنهم خاصة، وقد جرى فيها بسبب البناء ~~أمور منكرة شنيعة. # وقد ذكر ابن الرفعة (¬1) -رحمه الله- عن شيخه الظهير التزمنتي (¬2)، عن ~~الشيخ بهاء الدين بن الجميزي (¬3) قال: جهدت مع الملك الصالح في هدم ما ~~أحدث بقرافة مصر من البناء فقال: أمر PageV04P504 # فعله والدي لا [أزيله] (¬1). قال: ودخل الظهير التزمنتي إلى صورة مسجد ~~بناه بعض الناس بقرافة مصر الصغرى، فجلس فيه من غير أن يصلي له تحية، فقال ~~له: [الباني] (¬2) لم لا صليت التحية؟ قال: لأنه غير مسجد، فإن المسجد هو ~~الأرض، والأرض مسبلة لدفن المسلمين. أو كما قال. # ومن المقصود الشرعي فعل الصحابة -رصي الله عنهم- بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وصاحبيه حيث دفنوا في بيت عائشة وأخفيت قبورهم بالبناء كي لا تتخذ ~~مسجدا كما ذكرته عائشة في الحديث الآتي. أما البناء على القبر في ملكه فهو ~~مكروه، وعموم النهي [عنه] (¬3) في الأحاديث الصحيحة تقتضي التحريم. # قال القاضي الماوردي في "حاويه": البناء على القبور كالبيوت والقباب إن ~~كان في غير ملكه لم يجز للنهي والتضييق على الناس، وإن كان في ملكه فإن لم ~~يكن محظورا لم يكن [مختارا] (¬4). # فرع: المظلة ونحوها ملحقة ms0844 بالبناء عليه في الكراهة. قاله البغوي من ~~الشافعية وغيره. # وقال ابن حبيب: ضرب الفسطاط على قبر المرأة أفضل من ضربه على قبر الرجل ~~لما يستر منها عند إقبارها، وقد ضربه عمر على قبر زينب بنت جحش. PageV04P505 # وكره ابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن المسيب: ضربه على قبر الرجل. # وضربته عائشة: على قبر أخيها عبد الرحمن. # وضربه محمد ابن الحنفية: على قبر ابن عباس، وروى أنه بات على قبره شهرا. # وروى البخاري: أنه لما مات الحسن بن الحسين بن علي ضربت امرأته القبة على ~~قبره سنة، ثم رجعت فسمعوا صائحا يقول: الأهل وجدوا ما فقدوا. فأجابه آخر: ~~بل يئسوا فانقلبوا (¬1). # قال ابن حبيب: وأراه واسعا في اليومين والثلاثة وإنما كرهه من كرهه لمن ~~ضربه على وجه السمعة والمباهاة. # فرع: عقد القبر بالحجر ونحوه الذي يظهر أنه في معنى البناء لما فيه من ~~الزينة بخلاف التطيين. # وقال الحضرمي في "شرح المهذب": كأن المراد بقولهم: لا تبنى القبور أن لا ~~تبنى القبور في نفسها بأجر ولبن. # ... PageV04P506 ### ||| AUTO الحديث الثاني عشر # 268/ 12/ 32 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد (¬1) " (¬2). قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي ~~أن يتخذ مسجدا. # الكلام عليه من أربعة عشر وجها: # أحدها: قولها أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "في مرضه PageV04P507 # الذي لم يقم منه" فيه تنبيه على كانت الصحابة تعتمده من الأخذ [بالآخر] ~~(¬1) من قوله وفعله، فنبهت على أن ذلك ليس من أمره المتقدم، بل هو من ~~المتأخر عند موته، وكذا حديث جندب الذي قدمناه في الحديث قبله. # ثانيها: "اللعن" هو الطرد والإبعاد. # فاللعنة: من العباد الطرد ومن الله العذاب والإبعاد من الرحمة (¬2). # ثالثها: فيه: لعن اليهود والنصارى غير المعينين وهو إجماع سواء أكان لهم ~~ذمة أم لم يكن لجحودهم الحق وعداوتهم الدين وأهله. واختلف في لعن المعين ~~منهم (¬3) والجمهور على المنع لأن PageV04P508 # حاله عند الوفاة لا تعلم، وقد ms0845 شرط الله في ذلك الوفاة على الكفر بقوله: ~~{إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار} (¬1)، وأما ما روي أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- لعن قوما بأعيانهم من الكفار إنما كان ذلك لعلمه بمآلهم. # قال ابن العربي: والصحيح عندي الجواز، لظاهر حاله ولجواز قتله وقتاله. ~~قال: وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اللهم إن عمرو بن العاص ~~هجاني وقد علم أني لست بشاعر فالعنه واهجه عدد ما هجاني" (¬2) فلعنه وإن ~~كان الإيمان والإسلام مآله، وأنصف بقوله: عدد ما هجاني ولم يزد ليعلم العدل ~~والإنصاف، وأضاف [الهجو] (¬3) إلى الله -تعالى- في باب الجزاء (¬4) دون ~~الابتداء بالوصف بذلك، كما يضاف إليه المكر والاستهزاء والخديعة -سبحانه- ~~عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # ويباح لعن كل من جاهر بالمعاصي كشراب الخمر وأكلة الربا PageV04P509 # والظلمة والسراق والمصورين والزناة، ومن يتشبه من النساء بالرجال وعكسه ~~إلى غير ذلك مما ورد في الحديث لعنه. # قال بعض المتأخرين من المالكية: وليس لعن الكافر بطريق الزجر له عن ~~الكفر، بل هو جزاء على [الكفر] (¬1) وإظهار قبح كفره، سواء كان الكافر ميتا ~~أو مجنونا. # وقال قوم من السلف: لا فائدة في لعن من جن أو مات منهم لا بطريق الجزاء ~~ولا بطريق الزجر، فإنه لا يتأثر به. # وأما لعن العاصي المعين فادعى ابن العربي: أنه لا يجوز لعنه اتفاقا ~~للحديث الصحيح أنه -عليه الصلاة والسلام- أتي بشارب مرارا فقال بعض من حضر: ~~"لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به. فقال -عليه الصلاة والسلام-: لا تكونوا ~~عونا للشيطان على أخيكم" (¬2) فجعل له حرمة الأخوة، وهذا يوجب الشفقة. # وأما القرطبي: فحكى خلافا فيه في "جامعه" (¬3) قال: وإنما قال -عليه ~~الصلاة والسلام-: "لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم" في حق النعيمان بعد ~~إقامة الحد عليه، ومن أقيم عليه حد الله PageV04P510 # فلا ينبغي لعنه، ومن لم يقم عليه فلعنه جائز، سواء سمي أو عين أم لا، ~~لأنه -عليه الصلاة والسلام- لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك ~~الحالة الموجبة للعنة، وإذا تاب منها وأقلع وطهره الحد ms0846 فلا لعنة تتوجه ~~عليه، ومن هذا قوله -عليه الصلاة والسلام-: " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ~~الحد ولا يثرب" (¬1)، فدل هذا الحديث مع صحته على أن التثريب واللعن إنما ~~يكونا قبل أخذ الحد وقبل التوبة. # قال ابن العربي: وأما لعن العاصي أي غير المعين فيجوز إجماعا، لأنه -عليه ~~الصلاة والسلام- قال: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع [فيها] (¬2) يده" (¬3). # فائدة: حكى أبو جعفر النحاس عن بعض العلماء أنه قال: إذا لعن الإنسان من ~~لا يستحق اللعن، فليبادر بقوله إلا أن يكون لا يستحق. # رابعها: "اليهود" أصله: اليهوديون ولكنهم حذفوا ياء الإضافة كما قالوا: ~~زنجي وزنج. PageV04P511 # قال الجوهري: وإنما أعرب على هذا الحد فجمع على قياس شعيرة وشعير ثم عرف ~~الجمع بالألف واللام، ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام، لأنه معرفة مؤنث ~~يجري مجرى القبيلة، ولم يجعل كالحي. # وأما النصراني: فجمع: نصران [ونصرانية] (¬1) مثل الندامى جمع ندمان، ~~وندمانة، ولكن لم يستعمل نصران إلا بياء النسب لأنهم قالوا: رجل نصراني ~~وامرأة نصرانية (¬2). # خامسها: "اتخذ" افتعل من تخذ وهو تارة يتعدى إلى مفعول واحد كقوله: اتخذت ~~دارا. وتارة إلى مفعولين كما في هذا الحديث ومنه قوله -تعالى-: {واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا (125)} (¬3). # سادسها: في الحديث دليل على امتناع اتخاذ قبر الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - مسجدا، فلا يجوز أن يصلى على قبره بعد دفنه، لأنه لم ينقل فعلها عن ~~أحد من السلف والخلف (¬4). PageV04P512 # وقال أبو الوليد النيسابوري من الشافعية: يجوز الصلاة على قبره فرادى لا ~~جماعة. وحمل النهي على الصلاة جماعة، وكان أبو الوليد (¬1) يقول: أنا اليوم ~~أصلي على PageV04P513 # [قبور] (¬1) الأنبياء والصالحين. وقطع بهذا الوجه القاضي أبو الطيب ~~والمحاملي، ورجحه الشيخ أبو حامد، وحكاه الإمام عن الشيخ أبي علي قال: وهذا ~~القائل يحمل المنع من اتخاذ القبر مسجدا على إقامة الجماعة، وينزل القبر في ~~ذلك منزلة المساجد المهيأة للجماعة. # وعبارة الشيخ تقي الدين (¬2) في حكاية هذا الوجه: أجاز بعض الناس الصلاة ~~على قبره كجوازها على غيره عنده، وهو ضعيف لتطابق المسلمين على خلافه، ~~ولإشعار الحديث ms0847 بالمنع منه، فإن كان ما حكاه الشيخ تقي الدين هو قول أبي ~~علي وأبي الوليد والظاهر أنه هو فلا كلام [وإلا] (¬3) فهو رأي ثالث، لأنه ~~أطلق حكايته ولم يخصه بجماعة ولا غيرها، وفهم بعض شراح هذا الكتاب أن ذلك ~~وجها في المذهب، فصرح به وفيه إطلاق فاعلمه. # وعبارة ابن الرفعة: فيما أظن أن من قال بالجواز: هل يجوزه جماعة أو ~~فرادى؟ سكت الجمهور عن ذلك، ثم ذكر مقالة أبي علي وأبي الوليد (¬4). PageV04P514 # [سابعها] (¬1): أما الدعاء عند قبره فلم يزل السلف والخلف يفعلونه ~~ويتوسلون إلى الله -تعالى- بالدعاء هناك وبه - صلى الله عليه وسلم - عند ~~قبره PageV04P515 # وغير من البقاع من غير منع (¬1). # [ثامنها] (¬2): لا خلاف في أن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~غسل وكفن واختلف في الصلاة عليه على قولين: # أحدهما: أنه لم يصل عليه أحد أصلا، وإنما كان الناس يدخلون أرسالا فيدعون ~~وينصرفون. # واختلف هؤلاء في علة ذلك على قولين: # أحدهما: لفضيلته فهو غني عن الصلاة عليه كالشهيد وهذا ينكسر بغسله. # ثانيهما: أنه لم يكن هناك إمام وهو غلط فإن إمامة الفرائض لم تتعطل، ولأن ~~بيعة الصديق كانت قبل دفنه، وكان إمام الناس قبل الدفن. # وأصحهما وهو قول الجمهور: أنهم صلوا عليه أفرادا فكان يدخل قوم يصلون ~~فرادى، ثم يخرجون ثم يدخل قوم آخر فيصلون كذلك، ثم النساء ثم الصبيان ثم ~~العبيد (¬3)، ليأخذ كل واحد نصيبه من بركة الصلاة، وإنما أخروا دفنه -عليه ~~الصلاة والسلام- من يوم الاثنين إلى ليلة الأربعاء أو آخر نهار الثلاثاء ~~للاشتغال بأمر البيعة ليكون لهم إمام يرجعون إلى قوله إن اختلفوا في شيء من ~~أمور تجهيزه ودفنه وينقادون لأمره لئلا يؤدي إلى النزاع واختلاف الكلمة. PageV04P516 # وكان هذا أهم الأمور [عندهم] (¬1). # وادعى ابن دحية: أن عدد المصلين عليه ثلاثون ألفا. وجاء بعض الآثار أنه ~~[صلي عليه] (¬2) بصلاة جبريل (¬3). PageV04P517 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P518 # [سابعها] (¬1): استدل بعض الفقهاء بعدم الصلاة على قبره -عليه الصلاة ~~والسلام- على عدم الصلاة على القبر جملة وهو عجيب، فإن قبره -عليه الصلاة ~~والسلام- مخصوص عن هذا بما فهم من ms0848 الحديث من النهي عن اتخاذ قبره مسجدا. # ثامنها: تحرم الصلاة إلى قبره والسجود له لما حرض ومنع منه من الصلاة إلى ~~قبر غيره من الإنبياء صلى الله وسلم عليهم ومنع من السجود له في حياته فبعد ~~موته أولى، ولما علم الصحابة والتابعون ذلك لم يبنوا الحجرة النبوية -على ~~ساكنها أفضل الصلاة والسلام- مربعة، بل بنوها من جهة شمالها مثلثة على صفة ~~(¬2) السنبوسك لئلا يصلى هناك ويسجد، وهذا كله تعريف لمقام الربوبية فإنه ~~المتفرد بالعبادة، وكلما أوهم تعظيما كان فعله حراما إلا ما قرره الشرع من ~~التوقير والتعظيم للأشياء المضافة إليه -سبحانه وتعالى-: ككتاب الله ~~-تعالى- وبيته والحجر الأسود ومساجده وأنبيائه وأوليائه وأحبابه والعلماء ~~به وبأحكامه ونحو ذلك PageV04P519 # من غير مجازفة ومجاوزة لحد في ذلك. وأما التعظيم المطلق فهو لله -تعالى- ~~لا يشركه فيه غيره. # تاسعها: قولها: "ولولا ذلك لأبرز قبره" أي ولولا تحذيره من اتخاذ القبور ~~مساجد لأبرز قبره، أي: أظهر للناس، ولكن تركوا ذلك خشية ما ذكر. لا سيما مع ~~تقادم الزمان وتغير الأحوال. # وقولها: "خشي": قال "النووي" (¬1) ضبطناه في مسلم بضم الخاء وفتحها وهما ~~صحيحان. # [عاشرها] (¬2): يؤخذ من الحديث جواز ذكر سبب اللعن للتحذير منه. # الحادي عشر: يؤخذ منه أيضا تحريم بناء المسجد على القبور مطلقا، لأنه إذا ~~منع من بنائها على قبور الأنبياء وهم أرفع البشر درجة فمن دونهم أولى، وقد ~~تقدم في الحديث قبله. # الثاني عشر: يؤخذ منه أيضا تعظيم الربوبية كما أسلفناه، وتحريم تعاطي ~~الأسباب المؤدية إلى المشاركة لها في ذلك، بل إن اعتقد جواز ذلك فهو كفر. # الثالث عشر: فيه أيضا وجوب البيان وتحقيقه بالعلل والحكم. # الرابع عشر: فيه تحريم الصلاة إلى القبور وإن لم يقصد PageV04P520 # تعظيمها وأما الشافعية فجزموا بالكراهة. والحديث الصحيح السالف "لا تصلوا ~~إليها" ظاهر في التحريم، وكذا هذا أيضا وغيره من الأحاديث (¬1). # ... PageV04P521 ### ||| AUTO الحديث الثالث عشر # 169/ 13/ 32 - عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" (¬1). # الكلام عليه ms0849 من اثني عشر وجها: والتعريف براويه سلف في باب المواقيت. # الأول: معنى قوله: "ليس منا" ليس من أهل سنتنا ولا من المهتدين بهدينا، ~~وليس المراد به الخروج من الدين جملة؛ إذ المعاصي لا يكفر بها عند أهل ~~السنة كما أسلفنا ذلك في الحديث العاشر، اللهم إلا أن يعتقد حل ذلك فإنه يكفر. # وأما سفيان الثوري فقال: بإجرائه على ظاهره من غير تأويل؛ لأن إجراءه ~~كذلك أبلغ في [الانزجار] (¬2) عما يذكر في الأحاديث التي PageV04P522 # صيغتها "ليس منا" أو "فعل كذا". # الثاني: خص "الخدود بالضرب" دون سائر الأعضاء لأنه الواقع منهن عند ~~المصيبة، ولأن أشرف ما في الإنسان الوجه، فلا يجوز امتهانه وإهانته بضرب ~~ولا تشويه ولا غير ذلك مما يشينه، وقد أمر الضارب باتقاء الوجه (¬1). # الثالث: "الخدود" جمع خد، وليس للإنسان إلا خدان، وهذا -والله أعلم- من ~~باب قوله -تعالى-: {وأطراف النهار} (¬2). # وقالت العرب: شابت مفارقه، وليس له إلا مفرق واحد، فكأنهم سموا كل موضع ~~من المفرق مفرقا، ومثله شق الجيوب. # الرابع: لما تضمن ضرب الخدود وعدم الرضا بالقضاء والقدر، ووجود الجزع، ~~وعدم الصبر، وضرب الوجه، الذي نهي عن ضربه من غير اقتران مصيبة كان فعله ~~حراما مؤكدا للتحريم كما أسلفناه. # الخامس: "الجيوب" جمع جيب وهو ما يشق من الثوب ليدخل فيه الرأس نازلا به ~~إلى العنق والرقبة أو يقطع، ومنه قوله -تعالى-: {وثمود الذين جابوا الصخر ~~بالواد (9)} (¬3) أي قطعوا. PageV04P523 # وشق الجيوب: قطعها وإفسادها به في غير محله، وحرم ذلك لما فيه من إظهار ~~السخط، كما قدمناه مع ما فيه من إضاعة المال والرياء بذلك وقد برىء - صلى ~~الله عليه وسلم - من الشاقة في الحديث السالف. # السادس: "الجاهلية" ما قبل الإسلام، وكل فعل خالف فعل الإسلام وما قرره ~~الشرع هو جاهلي، وفاعله من الجاهلية حيث خالف الإسلام فيه. # السابع: دعوى الجاهلية تطلق على أمرين. # الأول: ما كانت العرب تفعله عند القتال من الدعوى. # الثاني: وهو المراد هنا ما كانت تفعله عند موت الميت برفع الصوت وغيره: ~~واجبلاه واسنداه واسيداه وامرمل النسوان ومؤتم ms0850 الولدان ومخرب العمران. ~~ويدخل ذلك تحت لفظ الصالقة في الحديث السالف، وما كانت تدعو الناس إلى ~~المآتم والنعي وما أشبه ذلك. فالمراد بها إذن النياحة والندب، وهو ذكر ~~صفاته وشمائله ومحاسنه في زعمهم، وهي في الشرع قبائح ورفع الصوت بها نياحة ~~وبدون رفعه ندب. وفي الحديث الآخر: إن النياحة من أفعال الجاهلية (¬1) وفي ~~سنن أبي داود بإسناد ضعيف "لعن الله النائحة PageV04P524 # والمستمعة" (¬1). # ومذهب العلماء كافة أنها حرام. # وخالف بعض المالكية، فقال: ليست بحرام، وإنما الحرام ما كان معه شيء من ~~أفعال الجاهلية: كشق الجيب ونحوه مستدلا بحديث أم عطية أنه -عليه الصلاة ~~والسلام-: "لما أخذ البيعة عليهن أن لا ينحن قالت: يا رسول الله! إلا آل ~~فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم. فقال "إلا ~~آل فلان" (¬2). # فالجواب عنه من أوجه: # أحدها: أنه خاص بها جزم به النووي (¬3) ولم يرتضه القرطبي. # ثانيا: أنه كان قبل تحريم النياحة وهو فاسد. # ثالثها: أن يكون قوله "إلا آل فلان" إعادة لكلامها على وجه الإنكار ~~والتوبيخ، كما قال للمستأذن حين قال: أنا، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ~~"أنا، أنا" منكرا عليه، ويؤيد هذا رواية النسائي PageV04P525 # في حديث بمعنى حديث أم عطية: "لا إسعاد في الإسلام" (¬1) وحديث قصة نساء ~~جعفر (¬2) جوابه الوجه الثاني من هذه الأوجه. # الثامن: في هذا الحديث تحريم هذه المذكورات والسكون إلى أوامر الله ~~-تعالى- ورسوله -عليه أفضل الصلاة والسلام- في جميع الحالات. # [التاسع] (¬3): فيه تحريم ضرب الوجه، لأنه إذا حرم البعض فالكل بطريق ~~الأولى، مع أن في الوجه ما هو أفضل من الخد. # العاشر: فيه تحريم إفساد المال أو تنقيصه خصوصا عند السخط والجزع. # الحادي عشر: فيه تحريم ما كانت الجاهلية تفعله، لأنه إذا حرم مثل ما ذكر ~~عند المصائب مع أن فاعل ذلك كالمكره عليه طبعا فغيره من الأمور الاختياريات ~~من فعلهم الذي قرر الشرع عدم فعلها أولى بالتحريم. # الثاني عشر: في رواية لمسلم في كتاب الإيمان "أو شق الجيوب أو دعا بدعوى ~~الجاهلية" بلفظ "أو" وروايته هنا ms0851 كما في الكتاب فتحمل رواية "الواو" على ~~رواية "أو". PageV04P526 ### ||| AUTO الحديث الرابع عشر # 170/ 14/ 32 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها، فله قيراط، ومن شهدها ~~حتى تدفن، فله قيراطان". قيل: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين" ~~(¬1). ولمسلم: "أصغرهما مثل أحد" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: معنى: "شهد": حضر، كما قدمت مثله في باب صلاة العيدين. PageV04P527 # [الثاني] (¬1): "القيراط" اسم لمقدار معلوم في العرف وهو جزء من أربعة ~~وعشرين جزءا وهو في أصل اللغة نصف دانق. # والدانق: سدس درهم، وذلك ثمان حبات وثلث حبة، وثلث خمس حبة. # وأصله: قراط بالتشديد لأن جمعه قراريط فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء مثل ~~دينار أصله دنار بالتشديد أيضا (¬2). # قال القرطبي: وقد يراد بالقيراط الجزء مطلقا ويكون عبارة عن الحظ والنصيب ~~ألا ترى أنه قال أصغرهما مثل أحد. # قلت: وبه صرح القاضي حسين من الشافعية فقال: القيراط مقدار من الثواب يقع ~~على القليل والكثير. فبين في هذا الحديث أنه مثل أحد فيكون تمثيلا بجزء من ~~الأجر ومقدار منه وهو من مجاز التشبيه، تشبيها للمعنى العظيم بالجسم العظيم ~~ونحوه. قوله -عليه الصلاة والسلام-: "اللهم لك الحمد ملء السموات وملء ~~الأرض" (¬3) الحديث. ثم لا يلزم أن يكون هذا القيراط هو المذكور في حديث ~~"من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط" ~~(¬4). وفي رواية "قيراطان" بل ذلك قدر معلوم PageV04P528 # يجوز أن يكون مثل هذا أو أقل أو أكثر. [بل ينبغي أن يكون القيراط في ~~الأجر أعظم منه في نقصه لأنه من قبيل المطلوب تركه والأول من قبيل المطلوب ~~فعله وهو الصلاة و"حضور الدفن وعادة" الشارع تعظيم الحسنات وتخفيف مقابلها ~~كرما منه] (¬1). # ثالثها: قوله: "أصغرهما مثل أحد" هل الصغر راجع إلى الأول أم الثاني ~~-الله أعلم بذلك- ولا يرجح قيراط الصلاة بكونها فرض كفاية لكون الدفن كذلك. ~~ورواية البخاري الآتية دافعة لذلك، فإنها فيها جعل القيراطين على السواء، ~~نعم قد يرجح ms0852 بأن [أفضل] (¬2) عبادات [البدن] (¬3) الصلاة. # وفي رواية لمسلم أيضا "كل قيراط مثل أحد" (¬4). # وفي رواية للترمذي "أحدهما أو أصغرهما مثل أحد" (¬5) ثم قال: حسن صحيح. # وفي رواية للبخاري: "من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معه حتى ~~يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر PageV04P529 # بقيراطين كل قيراط مثل أحد ومن صلى عليها ثم يرجع قبل أن تدفن فإنه يرجع ~~بقيراط" (¬1) تفرد البخاري بقوله: "إيمانا واحتسابا". # وفي رواية للحاكم في مستدركه في فضائل أبي هريرة عنه مرفوعا: "من تبع ~~جنازة فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان القيراط أعظم من أحد" (¬2). ثم ~~قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. # وفي مسند الإمام أحمد من حديث الحجاج بن أرطأة عن عدي بن ثابت، عن زر بن ~~حبيش، عن أبي بن كعب مرفوعا: "والذي نفس محمد بيده لهو في الميزان أثقل من ~~أحد" (¬3). PageV04P530 # ورأيت في السنن الصحاح لابن السكن الحافظ [من حديث] (¬1) أبي هريرة ~~مرفوعا: "من أوذن بجنازة فأتى أهلها فعزاهم كتب الله له قيراطين فإن شيعها ~~كتب الله له قيراطين. فإن صلى عليها كتب الله له ثلاثة قراريط، فإن شهد ~~دفنها كتب الله له أربعة قراريط. القيراط مثل أحد" (¬2). # رابعها: مقصود الحديث أن من صلى على جنازة كان له مقدار عظيم من الثواب ~~والأجر فإن اتبعها بعد أن صلى عليها حتى تدفن كان له حظان عظيمان من ذلك، ~~إذ قد عمل عملين. الصلاة وكونه معها حتى تدفن. # فإن قيل: فظاهر قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومن شهدها حتى تدفن فله ~~قيراطان" ما يقتضي أن القيراطين يحصلان بشهودها وهو اتباعها ودفنها، فيكون ~~حينئذ له بالصلاة والاتباع والدفن ثلاثة قراريط. PageV04P531 # فالجواب: أن هذا مردود برواية البخاري السالفة التي أوردناها، فإنها ~~صريحة في أن المجموع بالصلاة والاتباع وحضور الدفن قيراطان. وبه صرح جماعة ~~من العلماء منهم: أبو الحسن علي بن عمر القزويني، وابن الصباغ من الشافعية. ~~ومثل هذا ما جاء في الصحيح: "من صلى العشاء الآخرة في جماعة فكأنما قام نصف ~~الليل، ومن صلى ms0853 الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله" (¬1). وقيل: في هذا ~~حصول قيام كل الليل بالصبح خاصة، وهو المتبادر إلى الذهن. # وأجاب: ابن الصباغ عن الرواية الأولى بأن معناها: ومن تبعها فله قيراطان ~~بالمجموع. قال ونظيره قول الله -تعالى-: {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض ~~في يومين} إلى قوله: {في أربعة أيام} أي تمام أربعة ثم قال: {فقضاهن سبع ~~سماوات في يومين} (¬2). # فائدة: في الصحيحين: عن نافع أن ابن عمر حين بلغه حديث أبي هريرة بعث إلى ~~عائشة فسألها فصدقته. قال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة (¬3). PageV04P532 # خامسها: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "حتى تدفن" وفي لفظ في الصحيحين ~~"حتى يفرغ من دفنها" فيه دليل على أن القيراط الثاني لا يحصل إلا لمن دام ~~معها من حين صلى إلى أن فرغ من دفنها. وهذا أصح الأوجه عندنا. # وثانيها: يحصل إذا ستر الميت في القبر باللبن وإن لم يلق عليه التراب. # وثالثها: أنه يحصل بمجرد الوضع في اللحد وإن لم يلق عليه التراب، حكاه ~~السرخسي في "أماليه". وقال: إنه أضعفها. ويحتج له برواية مسلم: "حتى توضع ~~في اللحد" وفي أخرى: "في القبر". # ويتأول بالفراغ من دفنها جمعا بين الروايات. # سادسها: في قوله -عليه الصلاة والسلام -: "من شهد الجنازة حتى يصلى ~~عليها" ما يؤذن بما ورد في بعض الروايات وهو اتباعها من عند أهلها، وأنه ~~المراد بشهودها حتى يصلى عليها ولا شك أن من صلى عليها مجردا حصل له قيراط، ~~لكن قيراط من شهدها [من] (¬1) عند أهلها حتى صلى عليها أكمل، وكذلك قيراط ~~من تبعها حتى يفرغ من دفنها أكمل ممن حضر الدفن والفراغ منه دون الاتباع. ~~لكن قال النووي في القطعة التي له على صحيح البخاري في رواية البخاري يعني ~~التي أسلفناها. PageV04P533 # تنبيه: على أن القيراط الثاني مقيد بمن اتبعها وكان معها في جميع الطريق ~~حتى تدفن، فلو صلى وذهب إلى القبر وحده، ومكث حتى جاءت الجنازة بعد ذلك، ~~وحضر الدفن لم يحصل له القيراط وكذا لو حضر الدفن، ولم يصل، أو ms0854 تبعها ولم ~~يصل فليس في الحديث حصول القيراط له، لأنه إنما جعل القيراط لمن تبعها بعد ~~الصلاة، ولكن له أجر في الجملة. وأما إذا كان مع الجنازة جمع كثير تقدم ~~إنسان أو جماعة في أول الناس أو تأخروا فإن كانوا بحيث ينسبون إلى الجنازة ~~ويعدون من مشيعيها حصل لهم القيراط الثاني وإلا فلا هذا كلامه. # وكذا قال في "شرح المهذب": إن الفضل لمن هو معها لا لمن شيعها إلى ~~المقبرة، فإن ذلك لا يكون له ثواب متبعها لأنه ليس معها ثم استدل برواية ~~البخاري السالفة. # وكره أشهب اتباعها والرجرع قبل الصلاة إلا لحاجة. # تنبيهات: # أحدها: قال في "الروضة" (¬1): تبعا للرافعي لا يتقدم الجنازة إلى المقبرة ~~فإن تقدم لم يكره. # وفي "الرعاية" (¬2) في مذهب أحمد: أنه يكره المتقدم إلى موضع الصلاة دون ~~المقبرة. PageV04P534 # قال الرافعي: بعد أن ذكر أنه لا يكره أن يتقدمها إلى المقبرة وهو بالخيار ~~إن شاء قام منتظرا لها وإن شاء قعد وتبعه في الروضة. # وقال في "شرح المهذب" (¬1): ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- أمر بالقيام لمن مرت به جنازة حتى تخلفه أو توضع (¬2) وأمر من ~~معها أن لا يقعد عند القبر حتى توضع. # قال الشافعي وجمهور الأصحاب: هذان القيامان منسوخان. # وقال جماعة من أصحابنا: يكره القيام لها إذا لم يرد المشي معها، وخالف ~~صاحب "التتمة"، فقال: إنهما مستحبان، واختاره النووي، لأنه صح الأمر ~~بالقيام ولم يثبت في القعود إلا حديث علي (¬3) -رضي الله عنه- ولا نسخ فيه، ~~لأنه يحتمل القعود لبيان الجواز. # ثانيها: الانصراف عن الجنازة أربعة أقسام. # أحدها: أن ينصرف عقب الصلاة فله قيراط. # ثانيها: أن يتبعها حتى توارى ويرجع قبل إهالة التراب. # ثالثها: أن يقف إلى الفراغ من القبر وينصرف. PageV04P535 # رابعها: أن يقف بعده عند القبر ويستغفر للميت ويدعو له بالتثبيت وهذا ~~أقصى الدرجات في الفضيلة وحيازة القيراط الثاني تحصل للثالث ولا تحصل ~~للثاني على الأصح، كما أسلفنا واختار الإمام الحصول. # وقال أشهب في "المجموعة": له الانصراف قبل أن تقبر إذا بقي معها حتى ms0855 من ~~يلي ذلك. وهو ظاهر، لأنه لا إثم عليه والحالة هذه، لكن فاته القيراط ~~الثاني. # ثالثها: قال بعض العلماء: إذا حضر الدفن وبينه وبين القبر حائل يمنع ~~المشاهدة فإن عد حاضرا حصل له القيراط الثاني. وإلا فلا. # الوجه السابع: في إطلاق هذا الحديث وغيره إشارة إلى أنه لا يحتاج المنصرف ~~من اتباع الجنازة بعد دفنها إلى استئذان وهو مذهب جماهير العلماء من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو المشهور عن مالك [لأن الإذن لمن له ~~الإمساك وليس لهم الإمساك] (¬1). وحكى ابن عبد الحكم عنه أنه لا ينصرف إلا ~~بإذن وهو قول جماعة (¬2). PageV04P536 # الثامن: قد يستدل بلفظ الاتباع في رواية البخاري التي أسلفناها من يقول: ~~المشي وراء الجنازة أفضل من أمامها، وهو مذهب الأوزاعي وأبي حنيفة وقول علي ~~بن أبي طالب. # وقال جمهور الصحابة والتابعين ومالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء: ~~المشي أمامها أفضل. # وقال الثوري وطائفة: هما سواء. # ولا فرق عند الشافعية بين الراكب والماشي. به صرح الرافعي في [شرحيه] (¬1). # وقال في "شرح المسند": الأفضل للراكب أن يكون خلفها بلا خلاف، وكأنه قلد ~~الخطابي (¬2) فإنه كذا ادعى، وفيه حديث صححه الحاكم على شرط البخاري من ~~حديث المغيرة بن شعبة (¬3) وهو رأي الثوري. # التاسع: رواية البخاري المذكورة دالة على أن الثواب PageV04P537 # المذكور، إنما يحصل لمن تبعها إيمانا واحتسابا فإن حضورها على ثلاثة ~~أقسام: احتساب. ومكافأة. ومخافة. # فالأول: هو الذي يجازى عليه الأجر ويحط الوزر كما هو ظاهر هذا الحديث. # الثاني: لا يبعد ذلك في حقه. # والثالث: الله أعلم بما فيه. # العاشر: إن قلت: لم كان الجزاء على الجنازة قيراط دون غيره. # فالجواب: من وجهين: # الأول: أن ذلك جرى مجرى العادة بتقليل الأجر على القليل من العمل، إذ لا ~~كبير مشقة على الإنسان في الصلاة على أخيه ودفنه. # الثاني: أنه أقل ما يقع به الإجارة في ذلك الوقت على الأعمال لكثرة ~~المستأجرين وقلة الأعمال لزهد الناس في عمل الدنيا وقلة رغبتهم فيها. # وجواب ثالث: أنه أكثر ما يحتاج إليه الإنسان في ذلك الوقت وبه ms0856 تقع ~~الكفاية. # الحادي عشر: "أحد" هو الجبل المعروف الذي بجنب المدينة -زادها الله شرفا ~~وفضلا-. # فإن قلت: ما خصوصية التمثيل به دون غيره. PageV04P538 # فالجواب: من وجهين محتملين: # أحدهما: أنه أعظم جبال المدينة إن كان الواقع كذلك. # ثانيها: لتعلق بركته - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "أحد جبل يحبنا ~~ونحبه" (¬1). # الثاني عشر: في الحديث استحباب شهود الميت من حين غسله وتكفينه واتباعه ~~بالصلاة عليه إلى حين يفرغ من دفنه، ولا شك أن النفوس لما كانت لاهية ~~بالحياة الدنيا وزينتها شرع لها ما يلهيها عن ذلك لشهود الجنائز ورغبت في ~~ذلك بالأجور [والثواب ليكون أتقى لها وأزكى وأبعد لها عما اشتغلت به، ~~فينبغي أن يستعمل في ذلك] (¬2) كله الآداب الشرعية من السكينة والوقار وعدم ~~الجبرية والاستكبار والحديث فيما يلهي عن ذلك من المحظور والمباح شرعا في ~~ظاهره وباطنه، ولا يغفل عما يجب عليه في ذلك كله. # الثالث عشر: فيه وجوب الصلاة على الميت ودفنه وفيه التخصيص على الاجتماع ~~لهما والتنبيه على عظيم ثوابهما، وهي مما خص الله -تعالى- بها هذه الأمة، ~~كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "إن الله أعطاكم شيئين لم يكونا لأحد من ~~الأمم قبلكم: صلاة المؤمنين عليكم ... " الحديث. PageV04P539 # الرابع عشر: فيه التنبيه على عظيم فضل الله -تعالى- فيما شرعه للنفوس، ~~وما رتبه من الأجور على ما شرعه لها لمصلحتها الدنيوية والأخروية. # الخامس عشر: فيه آداء حقوق الموتى بالصلاة والتشييع وحضور الدفن. # السادس عشر: فيه التنبيه على ما الإنسان صائر إليه ومشاهدته، ليعلم أنه ~~راجع إلى الله -تعالى- ومتصرف فيه، لا يملك لنفسه شيئا فيستيقظ: "فالكيس من ~~دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله (¬1). # خاتمة: قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبد المجيد بن أبي رواد عن مروان ~~بن سالم عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - "إن أول ما يجازى به العبد المؤمن بعد الموت ~~أن يغفر لجميع من تبع جنازته" (¬2) [قال] (¬3) PageV04P540 # عبد المجيد ms0857 وعبد الملك من رجال مسلم، ومروان: الظاهر أنه الجزري، تكلم ~~فيه أحمد وغيره. وأحاديث الفضائل يتسامح فيها، والله الموفق. # ... # انتهى الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس وأوله كتاب الزكاة PageV04P541 # الإعلام بفوائد عمدة الأحكام # للإمام الحافظ العلامة # أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي # المعروف بابن الملقن # (723 - 804) ه # تقديم # فضيلة الشيخ # صالح بن فوزان الفوزان # عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # فضيلة الشيخ # بكر بن عبدالله أبو زيد # عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه عبد العزيز ~~بن أحمد بن محمد المشيقح # غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين # الجزء الخامس # من أول كتاب الزكاة إلى نهاية كتاب الصوم (171 - 210) حديث # دار العاصمة للنشر والتوزيع PageV05P001 # بسم الله الرحمن الرحيم # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة الأولى # 1417ه - 1997م # دار العاصمة # المملكة العربية السعودية # الرياض - ص ب 42507 - الرمز البريدى 11551 # هاتف 4915154 - 4933318 - فاكس 4915154 PageV05P002 ### | AUTO كتاب الزكاة PageV05P005 ### || AUTO 33 - باب الزكاة # هي في اللغة: النماء والتطهير. # فمن الأول: قولهم: زكى الزرع، أي نما. فالمال ينمو بإخراج الزكاة من حيث ~~لا يرى. وإن كان في الظاهر يحس بالنقصان. وقد صح أنه -عليه الصلاة والسلام- ~~قال: "ما نقص مال من صدقة" (¬1) وقد وقع ذلك لبعض الصالحين، فوجد وزن ما ~~عنده كما كان قبل الصدقة. # وقيل: يزكو عند الله أجرها كما صح أن الله -تعالى- يربي الصدقة حتى تكون ~~كالجبل. # وقيل: لأن متعلقها الأموال ذات النماء فسميت بالنماء لتعلقها به. # ومن الثاني: قوله -تعالى-: {وتزكيهم بها} (¬2)، وقوله: PageV05P007 # [{قد أفلح من زكاها (9)} (¬1)، أي طهرها من دنس المعاصي والمخالفات ~~دليله] (¬2)، قوله - تعالى-: {وقد خاب من دساها (10)} (¬3) أي أخملها ~~بالمعاصي. فالزكاة تطهر النفس من رذيلة البخل وغيره. وقد قيل: من أدى زكاة ~~ماله لم يسم بخيلا. وتطهر أيضا من الذنوب، وتطهر المال أيضا من الخبث. # وقيل: سميت زكاة، لأنها تزكي صاحبها، وتشهد بصحة إيمانه؛ ولهذا قال -عليه ~~الصلاة والسلام-: "والصدقة برهان" (¬4). # وقد قيل: في قوله ms0858 -تعالى-: {لا يؤتون الزكاة} (¬5) لا يشهدون أن لا إله ~~إلا الله. # وتسمى أيضا: صدقة؛ كما نص عليه القرآن والسنة، لأنها دليل لتصديق صاحبها ~~وصحة إيمانه ظاهرا وباطنا. # وتسمى أيضا: حقا: قال -تعالى-: {وآتوا حقه يوم حصاده} (¬6) PageV05P008 # ونفقة: قال -تعالي-: {ولا ينفقونها في سبيل الله} (¬1). # وعفوا: قال -تعالى-: {خذ العفو} (¬2)، فهذه خمسة أسماء. # وقوله -تعالى-: {أقتلت نفسا زكية} (¬3)، وقوله: {غلاما زكيا} (¬4) أي طاهرا. # وقوله: {قد أفلح من تزكى (14)} (¬5)، وقوله: {الذي يؤتي ماله يتزكى (18)} ~~(¬6)، أي يتقرب. # وقيل: يعمل صالحا. # وجاء في القرآن بمعنى الإسلام: قال -تعالى-: {وما عليك ألا يزكى (7)} (¬7). # وبمعنى الحلال: قال -تعالى-: {أزكى طعاما} (¬8). PageV05P009 # ومن العجب العجاب إنكار داود الظاهري: وجود الزكاة لغة وقال: إنما عرفت ~~بالشرع. # وهي في الشرع: اسم لما يخرج من المال طهارة له. # وشرعت لمصلحة الدافع طهرة له وتضعيفا لأجره، ولمصلحة الآخذ سدا لخلته. # وأفهم الشرع أنها وجبت للمساواة, وأنها لا تكون إلا في مال له بال وهو ~~النصاب. ثم جعلها في الأموال النامية وهي العين والزرع والماشية. وأجمعوا ~~على [(¬1)] (¬2) وجوب الزكاة في هذه الأنواع. # واختلفوا فيما سواها كالعروض. والجمهور: على الوجوب فيها خلافا لداود ~~مستدلا بالحديث الآتي: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (¬3). PageV05P010 # وحمله الجمهور على ما كان للقنية كما ستعلمه في الباب وحدد الشرع نصاب كل ~~جنس بما يحتمل المواساة. # فنصاب الفضة خمس أواق: وهي مائتا درهم بنص الحديث والإجماع. # وأما الذهب: فعشرون مثقالا بنص الحديث والإجماع أيضا، وإن كان فيه خلاف شاذ. # وأما الزرع والثمار والماشية: فنصبها معلومة. # ورتب الشرع مقدار الواجب بحسب المؤنة والتعب في المال، فأعلاها وأقلها ~~تعبا الركاز وفيه الخمس لعدم التعب فيه، ويليه الزرع والثمر فإن سقي بماء ~~السماء ونحوه ففيه العشر وإلا فنصفه، لأن في الأول التعب من طرفين والثاني ~~من طرفين، ويليه الذهب والفضة والتجارة ففيها ربع العشر، لأنه يحتاج إلى ~~العمل فيه جميع السنة، ويليه الماشية فإنه يدخلها الأوقاص بخلاف الأنواع ~~السابقة فالمأخوذ إذن: الخمس، ونصفه، وربعه، وثمنه. وهذا من حسن ترتيب ~~الشريعة وهو ms0859 التدريج في المأخوذ: # إذا عرفت هذه المقدمة فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول ذكر المصنف -رحمه ~~الله- في الباب ستة أحاديث: PageV05P011 ### ||| AUTO الحديث الأول # 171/ 1/ 33 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل، حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوما ~~أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم: أن الله ~~قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم: ~~أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم ~~أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها ~~وبين الله حجاب" (¬1). # الكلام عليه من ثلاثين وجها: # وهو حديث عظيم جامع لمعظم دعائم الإسلام، وليس فيه ذكر PageV05P012 # الصوم والحج وهو [تقصير] (¬1) من الراوي، كما قال ابن الصلاح: لأن بعثه ~~-عليه الصلاة والسلام- معاذا كان قبل وفاته بقليل، ويبعد حيئنذ القول: بأن ~~ذلك كان قبل فرض الحج والصوم؛ لأن الصوم فرض في السنة الثانية من الهجرة، ~~والحج فرض في السنة السادسة على المشهور. وبدأ المصنف بهذا الحديث لأنه دال ~~على فرضية الزكاة، وهو أمر مقطوع به، ومن جحده كفر. # الوجه الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب الاستطابة. ومعاذ -رضي ~~الله عنه- قد أحلنا على ترجمته في الحديث الخامس من باب جامع (¬2). PageV05P013 # "واليمن": إقليم معروف. # [الثاني] (¬1): قوله عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لمعاذ" هذا يقتضي أن يكون الحديث من مسند ابن عباس وكذا رواية ~~مسلم عن ابن عباس أنه -عليه الصلاة والسلام- بعث معاذا. نعم في رواية له عن ~~ابن عباس عن معاذ، وفي أخري: أن معاذ بعثه. ويجمع بينهما بأن يكون سمع ابن ~~عباس الحديث مرة من معاذ فرواه متصلا وأرسله تارة، ومرسله حجة على المشهور، ~~كيف وقد عرف من أرسل عنه، ويحتمل أن ابن عباس ms0860 سمعه من معاذ وحضر القصة ~~فرواه تارة بلا واسطة وتارة بها: إما لنسيانه الحضور، وإما لمعنى آخر. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنك ستأتي قوما PageV05P014 # أهل كتاب" هو كالتوطئة والتمهيد بالوصية، لاستجماع همته على الدعاء لهم. ~~إلى ما ذكر في الحديث، لأن أهل الكتاب أهل علم، ومخاطبتهم لا تكون كمخاطبة ~~جهال المشركين وعبدة الأوثان في العناية بها. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإذا جئتهم فادعهم" إلى آخره، وقعت ~~البدأة بدعائهم إلى الشهادتين ومطالبتهم بهما، لأنها أصل الدين الذي لا يصح ~~شيء من فروعه إلا بهما، فمن كان منهم غير موحد على التحقيق: كالنصارى ~~فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين عينا. ومن كان موحدا: ~~كاليهود فالمطالبة له بالجمع بين ما أقر به من التوحيد وبين الإقرار ~~بالرسالة. وإن كان هؤلاء اليهود الذين كانوا في اليمن عندهم ما يقتضي ~~الإشراك ولو باللزوم تكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم. وقد ~~ذكر الفقهاء: أن من كان كافرا بشيء وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإسلام إلا ~~بالإيمان بما كفر به. كذا نقله الشيخ تقي الدين عنهم، وليس على إطلاقه. # بل قال أصحابنا العراقيون: لا يدخل في الإسلام إلا بالتلفظ بالشهادتين، ~~وهو الصحيح. # وقال الخراسانيون منهم القاضي حسين: كل من أقر بما هو معروف من دين ~~الإسلام أنه حق صار به مسلما، وإن لم يتلفظ بالشهادتين، لأنه لو جحد ذلك ~~كان كافرا، فإذا اعترف به يكون مؤمنا. PageV05P015 # الخامس: يؤخذ من هذا الحديث أنه لا يكفي الاقتصار في الإسلام على شهادة ~~أن لا إله إلا الله، وهو مذهب الجمهور، ولقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" (¬1). # ومن أصحابنا من قال: يصير مسلما، ويطالب بالشهادة الأخرى. فإن أبى حكم ~~بارتداده. واحتج بقوله -عليه الصلاة والسلام- في بعض الروايات: "أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وجاء في رواية لمسلم في حديث ابن ~~عباس [هذا] (¬2): "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن ms0861 لا إله إلا الله، ~~فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم". # والجواب: أنه -عليه الصلاة والسلام- رمز بقوله: "لا إله إلا الله" إلى ~~الإتيان بالشهادتين وغيرهما مما هو من لازمها. # سادسها: يؤخذ أيضا أنه لا يشترط التبرىء من كل دين يخالف دين الإسلام، ~~وهو الصحيح عندنا، وهو ظاهر حديث: "أمرت أن أقاتل الناس" أيضا. PageV05P016 # سابعها. قوله: "فإن هم أطاعوا لك بذلك" أي تلفظوا بالشهادتين ولا بد، هذا ~~معنى طاعتهم فلا يكفي غير التلفظ من إشارة أو قرينة ما دالة على الأعيان، ~~بل لا بد من النطق بهما جميعا كما أسلفنا. # واعلم أن ظاهر الرواية التي أوردناها عن مسلم: "فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم" ~~أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وهو مذهب حذاق المتكلمين فيهم، وإن كانوا ~~يعبدونه ويظهرون معرفته لدلالة السمع عندهم على هذا، وإن كان العقل عندهم ~~لا يمنع أن يعرف الله من كذب رسوله. # قال القاضي عياض ما عرف الله -تعالى- من شبهه وجسمه من اليهود، وأجاز ~~عليه اليد (¬1) أو أضاف إليه الولد (¬2) منهم أو أضاف PageV05P017 # إليه الصاحبة والولد وأجاز [الحلول] (¬1) عليه والانتقال والامتزاج من ~~النصارى أو وصفه بما لا يليق به أو أضاف إليه الشريك والمعاند في خلقه من ~~المجوس والثنوية، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله وإن سموه به، إذ ليس ~~موصوفا بصفات الإله الواجبة، فإذا. ما عرفوا الله -سبحانه- فتحقق هذه ~~النكتة واعتمد عليها. قال: وقد رأيت معناها لمتقدمي أشياخنا وبها قطع ~~الكلام أبو عمران [الفاسي] (¬2) بين عامة أهل القيروان عند تنازعهم في هذه ~~المسألة (¬3). PageV05P018 # ثامنها: قد يتعلق بالحديث من يقول: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، ~~حيث دعوا أولا إلى الإيمان فقط، ودعوا إلى الفروع بعد إجابتهم إلى الإيمان. # وضعف هذا: بأن الترتيب في الدعاء لا يلزم منه [ولا بدء] (¬1) الترتيب في ~~الوجوب، بدليل أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قدمت في ~~الذكر، وأخرت الزكاة مع تساويهما في خطاب الوجوب في الدنيا, ولا تتعلق ~~المطالبة به في الدنيا إلا بعد الإسلام، وليس المراد أن لا يزاد عذابهم ~~بسببهما في ms0862 الآخرة، كيف وهو - صلى الله عليه وسلم - رتب ذلك في الدعاء إلى ~~الإسلام، وبدأ بالأهم فالأهم. # وقد اختلف العلماء في أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة: # المأمور بها والمنهي عنها على ثلاثة أقوال: # أصحها: نعم. فيهما. # وثانيها: لا. فيهما. # وثالثها: أنهم مخاطبون بالمنهي دون المأمور (¬2). # تاسعها: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن ~~الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" قد قدمنا أن طاعتهم بالإيمان ~~بالنطق بالشهادتين، وأما طاعتهم في الصلاة فتحتمل أمرين. PageV05P019 # أحدهما: إقرارهم بوجوبها واعتقاد فرضيتها والتزامهم بها. # والثاني: طاعتهم بالفعل وأدائها، ويحتمل أن المراد مجموع ذلك وهو الظاهر، ~~لكن رجح الأول بأمر معاذ بإخبارهم بالفرضية، فتعود الإشارة إليها. # ورجح الثاني بأنهم لو بادروا إلى الامتثال بالفعل كفى، ولم يشترط تلفظهم ~~بالإقرار بالوجوب. وكذلك في الزكاة: لو بادروا بأدائها من غير تلفظ ~~بالإقرار كفى. فالشرط عدم الإنكار للوجوب، لا التلفظ بالإقرار (¬1). وإنما ~~كان ذلك لأن المبادرة إلى الفعل تتضمن الامتثال فهو أبلغ في ذلك جميعه، لا ~~أنه المطلوب فقط ظاهرا بل مطلوب الشرع وجود الامتثال للأمر بسوابقه ~~ولواحقه، لكن هل يستفاد ذلك من صيغة الأمر بالمطلوب أم من كلام خارج فيه ~~كلام أصولي. # عاشرها: فيه دلالة على أن الوتر ليس بواجب، وكذا ركعتا الفجر، فإن بعث ~~معاذ إلى اليمن قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بقليل بعد الأمر ~~بالوتر وركعتي الفجر. # وقد قال بوجوب الوتر أبو حنيفة: دون صاحبيه. # وبوجوب ركعتي الفجر [الحسن البصري] (¬2) كما سلف ذلك في باب صلاة ~~الجماعة، وباب الوتر. PageV05P020 # الحادي عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم ~~أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" الضمير في ~~"فقرائهم" و"أغنيائهم" يعود إلى المسلمين أم إلى كل ناحية منهم. فإن نظرنا ~~إلى عموم الحكم جعلنا الضمير عائدا إلى جميع المسلمين، وإن نظرنا إلى ~~خصوصية المبعوث إليهم أهل اليمن رددناه إلى الناحية، فيختص الحكم بهم، لكن ~~أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع ms0863 الكلية لا تعتبر. [ولولا] (¬1) ~~المناسبة الموجودة في باب الزكاة لقطعنا بعدم اعتبار خصوصية الناحية، كما ~~هي غير معتبرة في الصلاة قطعا في الحكم. # وتظهر فائدة هذا الكلام وهو عود الضمير إلى ما زاد في جواز نقل الزكاة ~~وعدمه عن بلد المال [(¬2)] وفيه خلاف: # فعند أبي حنيفة: يجوز. # وقد استدل به الخطابي (¬3) وغيره من الشافعية: على المنع وهو الأصح عند ~~جمهورهم وهو مذهب مالك وأحمد. # قال الشيخ تقي الدين (¬4): وفيه عندي ضعف، لأن الأقرب أن المراد: وتؤخذ ~~من أغنيائهم من حيث إنهم مسلمون، لا من حيث إنهم من أهل اليمن، وكذلك الرد ~~على فقرائهم، وإن لم يكن هذا هو الأظهر فهو محتمل قويا. PageV05P021 # قلت: ولا دلالة فيه أيضا على منع النقل، لأن من منع النقل استثنى منه ~~الإمام والساعي كما هو ظاهر الأحاديث. وقد نقلها معاذ إلى عمر كما سيأتي. ~~قال النووي في "شرح المهذب" (¬1): وهو الراجح ويستثنى مسألة ثالثة ذكرتها ~~في "شرح المنهاج" فليراجع منه. # فرع: لو خالف ونقل فالأصح عندنا أنه لا يجزيه. # والأصح عند المالكية: الإجزاء خلافا لسحنون، وعندهم لو بلغ الإمام أن ~~ببعض البلاد حاجة شديدة جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة بغيره إليه. وهل ~~العبرة مكان المال وقت تمام الحول، فيفرق الصدقة عنده إذ هو سبب [الوجود] ~~(¬2) أو مكان المالك إذ هو المخاطب بذلك؛ فيخرجها في ذلك لأصحابهم قولان: # الأول: هو مذهب الشافعي. # وأما صدقة الفطر: فإنما ينظر فيها إلى موضع المالك فقط على المذهبين. # فرع: يجوز عندنا نقل الكفارة والنذر والوصية على المذهب، لأن الأطماع لا ~~تمتد إليها امتدادها إلى الزكاة والأوقاف الجارية على الفقراء المساكين أو ~~من يعرض لحكمها في ذلك، وهي رتبة بين رتبتين لأن الأطماع تمتد إليها ~~كالزكاة، ولكنها غير متعلقة بمال كالوصية ونحوها, ولا يبعد تصحيح جواز ~~النقل إلا أن يكون الواقف قد نص على بلد فلا يتجاوز. PageV05P022 # فائدة: كان معاذ على اليمن من حين بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، إلى زمان عمر، فبعث إليه بثلث صدقة الناس، فأنكر ms0864 ذلك عمر، وقال: لم ~~أبعثك جابيا ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على ~~فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد [(¬1)] [آخذا] (¬2) فلما ~~كان العام القابل بعث إليه [بالنصف] (¬3) فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان ~~[(¬4)] الثالث بعث إليه [بكلها] (¬5)، وقال ما وجدت أحدا يأخذ مني شيئا. # الثاني عشر: في الحديث دلالة على تحريم دفع الزكاة إلى كافر. # الثالث عشر: فيه أيضا أنها لا تدفع إلى غني من نصيب الفقراء. # ومقتضى مذهب الشافعي: أن الغني والفقير من ذلك معتبر برتبة الشخص. # وقد اختلف العلماء في الغني الذي يحرم عليه أخذ الزكاة. PageV05P023 # فقيل: هو من ملك نصابا، وهو مذهب أبي حنيفة (¬1) وبعض أصحاب مالك، من حيث ~~إنه -عليه الصلاة والسلام- جعله في الحديث غنيا وقابله بالفقير، ومن ملك ~~نصابا فالزكاة مأخوذة منه فهو غني بهذا الاعتبار. والغني لا يعطى من الزكاة ~~إلا في المواضع الخمسة المستثناة، وليس بالشديد القوة (¬2)، كما قاله الشيخ ~~تقي الدين (¬3). # وعند أحمد (¬4): إذا ملك خمسين درهما لم يعط شيئا من الزكاة، لحديث ابن ~~مسعود مرفوعا: "من سأل وله ما يغنيه، جاءت يوم القيامة، خدوشا، أو كدوجا، ~~في وجهه" قالوا: يا رسول الله! وما غناه؟ قال: "خمسون درهما, أو حسابها من ~~الذهب" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه (¬5) ولكن ضعفه ابن الجوزي في ~~تحقيقه PageV05P024 # بحكيم بن جبير وغيره. # ولا اعتبار عند الشافعية: بالنصاب، لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ~~تحل المسألة إلا لثلاثة فذكر رجلا أصابته جائحة [اجتاحت] (¬1) ماله فحلت له ~~المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش" (¬2) رواه مسلم في ~~صحيحه, مطولا ومن لم يجد ما يكفيه وهو المعتبر عندهم لم يجد قواما أو سدادا ~~من عيش. # الرابع عشر: [ظاهره] (¬3) قد يستدل به من يرى إخراج الزكاة لصنف واحد إذ ~~لم يذكر في الحديث إلا الفقراء، وهو مذهب مالك PageV05P025 # ومن وافقه (¬1)، قال الشيخ تقي الدين (¬2): وفيه بحث. # الخامس عشر: فيه اهتمام الإمام بأمر الفقراء في الزكاة. # السادس عشر: فيه [أيضا] ms0865 (¬3) أن الإمام أو نائبه هو الذي يتولى قبض ~~الزكاة لوصفه إياها بكونها مأخوذة من الأغنياء، وكل ما اقتضى خلاف هذه ~~الصفة فالحديث ينفيه [والأظهر] (¬4) عند الشافعية أن الأفضل الصرف إليه إلا ~~أن يكون جائزا. # السابع عشر: فيه أيضا أن صاحب المال إذا امتنع من دفعها أخذت منه بغير ~~اختياره، حيث قال: "تؤخذ من أموالهم" وهذا الحكم لا خلاف فيه، لكن هل تبرأ ~~ذمته ويجزيه في الباطن، فيه خلاف وتفصيل لأصحابنا، ذكرته في "شرح المنهاج". # الثامن عشر: قوله -عليه أفضل الصلاة والسلام-: " فإن هم أطاعوا لك بذلك ~~فإياك وكرائم أموالهم" إياك: منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره، والتقدير: ~~باعد واتق وكرائم أموالهم. وهو من باب إياك والأسد وأهلك والليل وإشباه ~~ذلك. PageV05P026 # قال ابن قتيبة: "ولا يجوز: إياك كرائم" بحذف الواو. # والكرائم جمع كريمة وهي جامعة الكمال [(¬1)] الممكن في حقها من غزارة لبن ~~وكمال صورة أو كثرة لحم أو صوف وهي النفائس، التي تتعلق بها نفس مالكها، أو ~~يختصها لنفسه، ويؤثرها كالأكوله. # والربا: هي التي تربي ولدها أو الحديثة العهد بالنتاج. # والماخض: هي الحامل. وفحل الغنم. # وحزرات المال: -بتقديم الزاي- وقيل: بتأخيرها (¬2) وهي التي تحرز بالعين، ~~وترمق لشرفها عند أهلها. # التاسع عشر: الحكمة في منع الساعي ذلك أن الزكاة وجبت مواساة للفقراء في ~~مال الأغنياء فلا يناسب ذلك الإجحاف بأرباب الأموال فسامحهم الشرع بما ~~يظنون به، ونهى الساعي عن أخذه فيحرم عليه أخذها، بل يأخذ الوسط، ويحرم على ~~رب المال إخراج شر المال، نعم لو رضي المالك بإخراج الكريمة قبلت منه. PageV05P027 # وعندنا وجه: أن الربا (¬1) لا تؤخذ لأنها لقرب عهدها بالولادة مهزولة، ~~والهزال عيب. # ووجه آخر: أنه لا تقبل الكريمة إذا تبرع المالك بها للنهي المذكور، وهما ~~فاسدان، كما أوضحت ذلك في شرح المنهاج مع فروع متعلقة بذلك فراجعها منه. # العشرون: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "واتق دعوة المظلوم! فإنه ليس ~~بينها وبين الله حجاب" هذا تنبيه على الامتناع من جميع أنواع الظلم، وذكر ~~ذلك عقب أخذ الكرائم، حيث إن أخذها ظلم، وعلل إنفاذ ms0866 دعوة المظلوم [بعدم ~~الحجاب بينها وبين الله -تعالى- تأكيدا لتحريم الظلم وتنبيها على سرعة ~~عقوبة فاعله، ودعوة المظلوم] (¬2) مسموعة لا ترد، وهو معنى عدم الحجاب ~~بينها وبين الله -تعالى-. # الحادي والعشرون: الحجاب يقتضي الاستقرار في المكان (¬3) والباري -تعالى- ~~منزه عن ذلك، إلا أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخاطب العرب بما تفهم. # والمراد: أنها مقبولة على كل حال لا أن للباري -جل وتعالى- حجابا بحجبه ~~عن الناس. ويحتمل كما قال الفاكهي: أن PageV05P028 # يراد بالحجاب هنا المعنوي دون الحسي (¬1). # والمعنى: أن المظلوم دعوته مقبولة وإن كان عاصيا مخلطا، ولا يكون عصيانه ~~وتخليطه حاجبا لدعائه. ومما يؤيد هذا الاحتمال ما جاء في الصحيح (¬2): "أنى ~~يستجاب له ومطعمه حرام ومشربه حرام"، الحديث، فعلم أن المطعم الحرام ~~والمشرب الحرام ونحو ذلك مما يمنع الإجابة، فأراد - صلى الله عليه وسلم - ~~أن دعوة المظلوم لا يمنعها شيء كما منع المطعم والمشرب الحرام من استجابة ~~الدعاء في حق غير المظلوم. # الثاني والعشرون: يؤخذ من الحديث أن السنة أن الكفار يدعون إلى التوحيد ~~قبل القتال. # الثالث والعشرون: يؤخذ منه أيضا وجوب الزكاة كما سلف. # الرابع والعشرون: يؤخذ منه أيضا أن الإمام يبعث سعاة عدولا أمناء ثقات ~~علماء يأخذون الزكاة نيابة عن الفقراء. # الخامس والعشرون: يؤخذ منه أيضا بوصية الإمام نوابه بما يحتاجون إليه من ~~علمهم من العمل بالأحكام أمرها ونهيها خصوصا بما يأمر الرعية. # السادس والعشرون: يؤخذ منه أيضا وجوب بيان تحريم الظلم على الإمام وغيره ~~من العلماء والأمر باجتنابه وبتقوى الله -تعالى- والمبالغة في ذلك وتعريف ~~قبح عاقبته. PageV05P029 # السابع والعشرون: يؤخذ منه أيضا تحريم جميع أنواع الظلم كما أسلفناه. # الثامن والعشرون: فيه أيضا استجابة دعاء المظلوم. # التاسع والعشرون: يؤخذ منه أيضا جواز الدعاء على الظالم بما يسوغ شرعا. # الثلاثون: يؤخذ منه أيضا قبول خبر الواحد ووجوب العمل به. # قال القاضي عياض (¬1): وفيه دليل على إيجاب الزكاة على الصبي والمجنون ~~لعموم قوله: "من أغنيائهم وضعف بأنهما ليسا أهلا للطاعة. فالحديت حجة ~~للمخالف (¬2). # واتفقوا: على وجوب العشر فيما أخرجته أرضه (¬3). ووجوب صدقة الفطر ms0867 عليه. # قال البغوي: وفيه دلالة أيضا على أن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء ~~سقطت الزكاة، لأنه أضاف الصدقة إلى الأموال، PageV05P030 # وفيه نظر: لأنها لم تقيد بالوجود (¬1). # ... PageV05P031 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 172/ 2/ 33 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة وليس فيما دون خمس أواق صدقة ~~ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة " (¬1). # الكلام عليه من أحد عشر وجها: # الأول: التعريف براويه وقد سلف في باب المواقيت. # الثاني: "الأواق" (¬2) جمع أوقية -بتشديد الياء-، ويقال في PageV05P032 # كل جمع إذا كان مفرده مشددا -بتشديد الياء وتخفيفها- كالأواقي والبخاتي ~~والكراسي وما أشبه ذلك. قال ذلك ابن السكيت (¬1) والجوهري (¬2): وقد ثبت في ~~هذا الحديث في الجمع حذف الياء فيصير في الجمع للأوقية ثلاث لغات: التشديد ~~والتخفيف والحذف. والأوقية بضم الهمزة. # وأنكر جمهور أهل اللغة: حذف الهمزة. # وحكى اللحياني: جواز فتح الواو وتشديد الياء، وجمعها "وقايا" كضحية ~~وضحايا. # وفي "مجمع الغرائب" وزنها: أفعولة والهمزة زائدة، ولكنها لما لزمت في ~~الواحد والجمع صارت كالأصل، وحقها أن تذكر في فصل الواو والقاف. # وقيل: اشتقاقها من الأوقة وهو موضع منهبط، يجتمع فيه الماء. # وقيل: هو من باب وقي يقي. # وأجمع العلماء من المحدثين والفقهاء واللغويين: على أن المراد بالأوقية ~~الشرعية: أربعون درهما، وهي أوقية الحجاز. PageV05P033 # قال القاضي عياض (¬1): ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمنه ~~- صلى الله عليه وسلم - وهو يوجب الزكاة في أعداد منها ويقع بها البياعات ~~والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. قال: وهذا يبين أن قول من زعم أن ~~الدراهم لم تكن معلومة إلى زمان عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها برأي ~~العلماء، وجعل كل عشرة سبعة مثاقيل وزن الدرهم ستة دوانيق قول باطل. وإنما ~~معنى ما نقل في ذلك: أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام، وعلى صفة لا ~~تختلف، بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم، وصغارا وكبارا، وقطع فضة غير ~~مضروبة ولا منقوشة ويمنية ومغربية، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ms0868 ونقشه ~~وتصييرها وزنا واحدا، لا يختلف وأعيانا يستغنى فيها عن الموازين، فجمعوا ~~أكبرها وأصغرها، وضربوه على وزنهم. # قال القاضي: ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة، وإلا فكيف [كان] (¬2) ~~يتعلق بها حقوق الله -تعالى- من الزكاة وغيرها وحقوق العباد. ولهذا كانت ~~الأوقية معلومة. # وقال أصحابنا: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف، وهو ~~أن الدراهم ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. ولم يتغير المثقال في ~~الجاهلية ولا الإسلام. # واعلم: أن الدراهم كانت في الجاهلية على نوعين مختلفين: PageV05P034 # بغلية وطبرية، نوع عليه نقش فارس، والآخر نقش الروم. # فالبغلية نسبة إلى ملك يقال له رأس البغل (¬1) وهي السود كل درهم منها ~~ثمانية دوانيق. # والطبرية: نسبة إلى طبرية الشام وزن كل درهم منها أربعة دوانيق. وهي ~~العتق، فقدر الشرع في الإسلام الدرهم ستة دوانيق جمعا بينهما، ووقع الإجماع ~~عليه من غير ضرب، وكانوا يتعاملون بهذا التقدير الشطر من هذه والشطر من هذه ~~عند الإطلاق، ما لم يعينوا بالنص أحد النوعين. وكذلك كانوا يؤدون الزكاة في ~~أول الإسلام باعتبار مائة من هذه ومائة من هذه في النصاب، هكذا قاله أبو ~~عبيد وغيره (¬2) وهي الخمسة الأواقي المذكورة في الحديث، ولم يخالف في ذلك ~~أحد إلا ابن حبيب الأندلسي، فإنه زعم أن كل بلد يتعاملون بعرفهم في ~~الدراهم، وهو خلاف قول الجمهور، ويعضد قولهم ما ثبت أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "الوزن وزن مكة" (¬3) وهذا المقدار هو PageV05P035 # الذي كان أهل مكة يتعاملون به في عصره -عليه الصلاة والسلام- فلما تمكن ~~الإسلام واتسع ضربت الدراهم على ضرب الإسلام تحرجا من تلك النقوش وتحريا ~~لمعاملتهم الإطلاقية، فنسب التقدير إلى من [ضربت] (¬1) في زمنه ابتداء، ~~وليس كذلك، بل كان ذلك إظهارا للضرب لا ابتداء تقدير. # واختلف في زمن من ابتدأ إظهار ذلك. # فقيل: في زمن عمر بن الخطاب. # وقيل: في زمن بني أمية. # الثالث: "الصدقة" واحد الصدقات بفتح -الصاد والدال-. # وأما ما هو اسم من أسماء الصداق: ففيه سبع لغات، ذكرتها في "شرح السنن" (¬2). # الرابع: المراد بالأواقي ms0869 الخمسة المذكورة الخالصة من الغش, ولا يشترط ~~كونها دراهم منقوشة، بل السبائك وغيرها حكمها كذلك، فلو كانت مغشوشة أو ~~بعضها لم يجب فيها شيء حتى يبلغ من الخالص نصابا، هذا مذهبنا وهو المشهور ~~من مذهب مالك. # وقيل: يعتبر أكثر فيكون الأقل تبعا. PageV05P036 # قال القاضي عبد الوهاب: إلا أن يكون ما لا حكم له كما يقول أهل الصنعة ~~أنه لا يتأتى الضرب إلا به كالدانق في العشرة وما أشبهه. # قال الفاكهي: فلو تصور أن يكون جوده أو سكة تجبر ما نقصه الغش لم يعتبر ~~باتفاق. # وانفرد السرخسي: من الشافعية بحكاية وجه أنها إذا بلغت قدرا لو ضمت إليه ~~قيمة الغش من النحاس أو غيره لبلغ نصابا فإن الزكاة تجب فيه (¬1). # الخامس: فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه على عدم الوجوب فيما إذا نقص ~~عن النصاب ولو بحبة ونحوها، فإنه يصدق أنها دون خمس أواق، وفيه رد على ~~المالكية، حيث أوجبوا الزكاة في ذلك، وسامحوا بالنقص اليسير جدا الذي تروج ~~معه الدراهم والدنانير رواج الكامل، هذا نص مالك. # واختلف أصحابه: في مقداره. # فقيل: ما لا يتشاحح فيه في العادة. # وقيل: بأنه المقدار الذي يختلف فيه في الموازين بشرط جوازها بجواز ~~الموازنة، فإن كثر النقص وجرى مجرى الموازنة، ففي وجوب الزكاة فيه قولان ~~عندهم فمن اتبع مقتضى اللفظ أسقطها، ومن اتبع المعنى في الانتفاع بها ~~كالوازنة أوجبها. PageV05P037 # وحكي عن عمر بن عبد العزيز (¬1): نقص ثلاثة دراهم وثلث دينار من نصابهما ~~[لا يسقطها] (¬2). # وحكى الغزالي: عن مالك وجوب الزكاة على من معه مائة وخمسون، تساوي مائتين ~~قراضة، ونقد البلد قراضة وأنكر ذلك عليه بأن أصحابه لا يعرفونه، ولا نقله ~~أحد منهم عنه، بل صرح المتأخرون منهم بنفيه، وقالوا: إنما رأوا في الموطأ ~~أنها إذا نقصت وكانت تجوز بجواز الوازنة وجبت الزكاة (¬3). فظنوا النقص في ~~المقدار والجواز في الفضة، لأنها بارتفاع ثمنها تلحق بالوازنة، وهذا ظن ~~باطل والمراد أنها ناقصة نقصا لا يتشاحح الناس في مثله في العادة [كما سلف] (¬4). # فرع: لو نقص النصاب حبة أو ms0870 نحوها في بعض الموازين وكان تاما في بعضها، ~~فالأصح عند الشافعية لا وجوب للشك في النصاب. # تنبيه: خالف المعري وبشر المريسي الإجماع فاعتبرا العدد دون الوزن. # السادس: لم يذكر في الحديث الذهب لأن غالب تصرفهم كان PageV05P038 # بالورق. وقد ذكر الذهب في غير هذا الحديث في "صحيح ابن حبان" و"الحاكم" ~~وغيرهما وفي "صحيح البخاري" من حديث أنس "وفي الرقة ربع العشر" (¬1) وهي الفضة. # وقيل: يشمل الذهب أيضا وقام الإجماع على وجوب الزكاة في عشرين مثقالا منه. # وادعى النووي (¬2) أن الاستدلال به كاف، وأن الأحاديث الواردة بتحديد ذلك ~~ضعاف. وفي الثاني: نظر لما ذكرته لك. # والمثقال: أربعة وعشرون قيراطا. # والقيراط: ثلاث حبات من وسط الشعير مجموعه اثنان وسبعون حبة بالإجماع. # وحكي عن الحسن البصري والزهري أنهما قالا: لا تجب في أقل من أربعين ~~مثقالا، لكن الأشهر عندهما الوجوب في عشرين، كقول العلماء. PageV05P039 # وحكى القاضي عياض: عن بعض السلف وجوب الزكاة في الذهب إذا بلغت قيمتة ~~مائتين درهم، وإن كان دون عشرين مثقالا. قال هذا القائل ولا زكاة في ~~العشرين حتى تكون قيمتها مائتي درهم (¬1). # فرع: اختلف العلماء فيما إذا ملك بعض نصاب من الذهب وبعض نصاب من الفضة ~~هل يضم بعضه إلى بعض بالقيمة (¬2). # فقال مالك والجمهور كما نقله القرطبي عنهم: يضمان في إكمال النصاب على ~~اختلاف بينهم. # فمالك وجماعة: يراعون الوزن والضم على الأجزاء لا على القيم، وينزلون كل ~~دينار منزلة عشرة دراهم على الصرف القديم (¬3). # وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري: يرون ضمها على القيمة في وقت الزكاة. # وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود: لا يضم مطلقا. # وذهب آخرون: إلى أنه إنما يضم إذا كمل من أحدهما PageV05P040 # نصاب، فيضم الآخر ويزكى الجميع، حكاه القرطبي (¬1). # السابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا فيما دون خمس ذود صدقة" ~~الرواية المشهورة إضافة خمس إلى ذود وروي بتنوين خمس [(¬2)] ويكون ذود بدلا ~~منها والمعروف الأول. ونقله ابن عبد البر (¬3) والقاضي (¬4) عن الجمهور. # والذود أصله كما قال القرطبي: من ذاد يذود إذا دفع شيئا فهو مصدر، فكأن ~~من ms0871 كان عنده دفع عن نفسه معرة الفقر وشدة الفاقة والحاجة. # وهو عند أهل اللغة: من الثلاثة إلى العشرة من الإبل لا واحد له من لفظه. # قالوا: ويقال في الواحد بعير. # قالوا: وكذلك النفر والرهط والقوم والنساء وأشباه هذه الألفاظ لا واحد ~~لها من لفظها. # قالوا: وقولهم خمس ذود كقولهم خمسة أبعرة وخمسة جمال وخمس نوق وخمس نسوة. # وقال سيبويه: تقول ثلاث ذود، لأن الذود مؤنث، وليس باسم كسر عليه مذكر. PageV05P041 # وقال أبو عبيد: الذود ما بين اثنين إلى تسع، وقوله مخالف جمهور أهل ~~اللغة. قال: وهو مختص بالإناث (¬1). # وقال الأصمعي: لما ذكر أن الذود: من الثلاث، إلى العشرة الصبه. خمس، أو ~~ست (¬2)، والصرمة: ما بين العشر، إلى العشرين (¬3) والعكرة: ما بين ~~العشرين، إلى الثلاثين (¬4) والهجمة: ما PageV05P042 # بين الستين، إلى السبعين (¬1) والهنيد: مائة (¬2) , والخطر: نحو ~~المائتين، والعرج: من خمس مائة إلى الف (¬3). # وقال أبو عبيد وغيره: الصرمة: من العشر إلى الأربعين. وقال غير الأصمعي: ~~وهند: غير مصغر مائتان وأمامة: ثلاثمائة. # وأنكر ابن قتيبة (¬4): أن يراد بالذود الواحد. وقال: لا يصح أن يقال: خمس ~~ذود، كما لا يقال خمس ثوب. وغلطه العلماء، بل هذا اللفظ شائع مسموع من ~~العرب معروف في كتب اللغة، وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة وليس جمعا لمفرد، ~~بل بخلاف الأثواب. PageV05P043 # قال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمس ذود [من ~~الإبل وثلاث ذود، لثلاث من الإبل، وأربع ذود وعشر ذود] (¬1) على غير قياس، ~~كما قالوا: ثلاثمائة وأربعمائة. والقياس مئتين ومئات، ولا يكادون يقولونه. # وقال القرطبي: وهذا صريح بأن الذود واحد في لفظه: الأشهر ما قاله ~~المتقدمون أنه لا يقال على الواحد. # ثم اعلم أن رواية الجمهور: "خمس ذود" ورواية بعضهم "خمسة ذود" [وكلاهما ~~لرواية] (¬2) مسلم، ولكن الأول أشهر، وهما صحيحان في اللغة، فإثبات الهاء ~~لإطلاقه على [المذكر] (¬3) والمؤنث ومن حذفها قال: أراد أن الواحدة منه فريضة. # الثامن: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة" ~~[معنى "دون" في مواضع هذا الحديث "أقل" أي ليس ms0872 في أقل من خمس صدقة] (¬4) لا ~~أنه نفى عن غير الخمس الصدقة كما زعم بعضهم في قوله "ليس فيما دون خمسة ~~أوسق صدقة" أنها بمعنى "غير" ولقد أبعد غاية الإبعاد، فإنه يلزم أن لا تجب ~~الزكاة فيما زاد، على الخمسة وهو باطل كما سيأتي. PageV05P044 # التاسع: "الأوسق" (¬1) جمع وسق بفتح الواو وكسرها، حكاهما صاحب المحكم ~~وغيره، والأشهر فتح الواو، وهو جمع قلة، ويقال في الجمع أيضا [على الأول] ~~(¬2) أوسق كفلس وأفلس، وعلى الثاني: أوساق كجمل وأجمال. وأصله في اللغة الحمل. # واختلفوا في اشتقاقه: فقال شمر (¬3): كل شيء حملته فقد وسقته، يقال ما ~~أفعل كذا ما وسقت عيني الماء أي حملت. # وقال غيره: الوسق ضمك الشيء إلى الشيء، ومنه قوله -تعالى-: {والليل وما ~~وسق (17)} (¬4) أي جمع وضم، وذلك أن الليل يضم كل شيء إلى مأواه، واستوسق ~~الشيء إذا اجتمع [وكمل] (¬5). # وقيل: معنى "وسق" علا، وذلك أن الليل يعلو كل شيء ويجلله، ولا يمتنع منه ~~شيء. ويقال: للذي يجمع الإبل: واسق. وللإبل نفسها: وسقت، وقد وسقتها ~~فاستوسقت، أي اجتمعت وانضمت (¬6). # وقال الخطابي (¬7): PageV05P045 # الوسق تمام حمل الدواب النقالة، وهو ستون صاعا. # قال غيره: # والصاع: أربعة أمداد. # والمد: رطل وثلث بالبغدادي. # والرطل: البغدادي هنا اثني عشر أوقية. # والأوقية: هنا هي زنة عشرة دراهم وثلثي درهم من دراهم عبد الملك بن مروان ~~[فبلغ] (¬1) زنة الرطل من ذلك مائة درهم وثمانية وعشرون درهما، كذا [قدره] ~~(¬2) القرطبي وهو أحد الأوجه عندنا، والأصح عند الإمام الرافعي أنه مائة ~~وثلاثون. # والأصح عند النووي (¬3): أنه مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع ~~درهم. PageV05P046 # فالأوسق الخمسة: ألف وستمائة رطل بالبغدادي، وهل هذا التقدير بالأرطال ~~تقريب أم تحديد. وجهان لأصحابنا: # أصحهما: أنه تحديد كسائر النصب، وهو ظاهر الحديث. # وقيل: تقريب. # ووقع في شرح مسلم للنووي (¬1) تصحيحه وتبعه على ذلك الفاكهي وابن العطار، ~~ورجحه الشيخ تقي الدين (¬2) أيضا فقال: الأظهر أن النقصان اليسير جدا لا ~~يمنع إطلاق الاسم في العرف ولا يعبأ به أهل العرف، أنه يغتفر. # العاشر: الحديث دال على الوجوب في هذه المحدودات ms0873 من الدراهم والإبل ~~والحبوب، وعلى عدم الزكاة فيما دون المحدود ولا خلاف بين العلماء في ذلك، ~~إلا ما قاله أبو حنيفة وبعض السلف أنه تجب الزكاة في قليل الحب وكثيرة. # واستدل له بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فيما سقت السماء العشر، وما سقى ~~بنضح أو داليه وما سقي بالنضح نصف العشر" (¬3) وهذا عام في القليل والكثير. PageV05P047 # والجواب: عنه بأن المقصود من الحديث بيان قدر المخرج لا قدر المخرج منه ~~وكأنها -والله أعلم- نزعه ظاهرة. # وحكى القاضي عياض (¬1): عن داود أن كل ما تداخله الكيل يراعي فيه خمسة ~~أوسق، وما عداه لا يوسق ففي قليله وكثيره الزكاة. # ولما ذكر الشيخ تقي الدين (¬2) الجواب السالف قال: هذا فيه قاعدة أصولية ~~وهي أن الألفاظ العامة ترد بوضع اللغة على ثلاث مراتب. # أحدها: ما يظهر فيها قصد التعميم [بأن يرد مستنده على سبب] (¬3) لقصد ~~تأسيس القواعد. # ثانيها: [ما يظهر فيها قصد التخصيص، كهذا الحديث] (¬4). # [ثالثها] (¬5): ما لم تظهر فيه قرينة [بقصد التعميم ولا عدمه ولا يحتاج ~~ذلك] (¬6) إلى دليل [وإن طلبه بعض المتأخرين، بل يعرف PageV05P048 # ذلك من السياق ودلالة السياق لا يقام عليها دليل، وكذلك لو فهم المقصود ~~من الكلام وطولب بالدليل لعسر إقامته. لكن الناظر يرجع إلى ذوقه، ودينه ~~وإنصافه] (¬1). # الحادي عشر: لم يتعرض في الحديث في القدر الزائد على المحدود من ~~المذكورات فيه، وقد أجمع العلماء على وجوب الزكاة فيما زاد على خمسة أوسق ~~من الحب والتمر بحسابه، وأنه لا أوقاص (¬2) فيها. # واختلفوا فيما زاد على نصاب الذهب والفضة قليلا كان أو كثيرا، هل فيه ربع ~~العشر ولا وقص فيه: فقال مالك والليث والثوري والشافعي (¬3) وابن أبي ليلى ~~وأبو يوسف ومحمد وأكثر PageV05P049 # أصحاب أبي حنيفة وجملة أصحاب الحديث لا وقص فيه وفيه ربع العشر، وهو مروي ~~عن علي وابن عمر. # وقال أبو حنيفة (1) وبعض السلف: لا شيء فيما زاد على مائتي درهم حتى يبلغ ~~أربعين درهما، ولا فيما زاد على عشرين دينارا حتى يبلغ أربعة دنانير، فإن ~~زادت ففي كل أربعين درهما درهم، وفي ms0874 كل أربعة دنانير درهم. فجعل لها وقصا ~~كالماشية. واحتج الجمهور بالحديث الذي أسلفناه في الرقة ربع العشر وهو عام ~~في النصاب فما فوقه. وبالقياس على الحبوب، ولأبي حنيفة في المسألة حديث ~~ضعيف (2)، لا يصح الاحتجاج به، كما قاله النووي. وقال PageV05P050 # القرطبي: إنه حديث ضعيف، لا أصل له. # خاتمة: أجمع العلماء على اشتراط الحول في الماشية والذهب والفضة دون ~~المعشرات (1) وحديث علي -رضي الله عنه- في سنن PageV05P051 # أبي داود (¬1) دال على اشتراط الحول في النقدين، وهو حديث صحيح، كما قرره ~~القرطبي. PageV05P052 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 173/ 3 / 33 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (¬1). # وفي لفظ: "إلا زكاة الفطر في الرقيق" (¬2). # الكلام عليه من خمسة أوجه: # الأول: الرواية الثانية من أفراد مسلم: فكان ينبغي للمصنف أن ينبه عليها (¬3). # وقوله: "إلا زكاة". الأولى: في قراءته رفعه على البدل من صدقة، ويجوز ~~[نصبه] (¬4) على الاستثناء، ولا يصح جره. # الثاني: هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا تجب زكاتها، PageV05P053 # لكن قال العلماء: لا يصير المال للقنية إلا بالنية، ولا يصير للتجارة ~~أيضا إلا بالنية، وزكاته متعلقة بقيمته لا بعينه، فعند عدم النية لهما وعدم ~~النص بعدم وجوبها يقتضي أن تجب الزكاة فيه أو يكون مسكوتا عنه. # [الثالث] (¬1): الحديث دال بصريحه على عدم وجوبها في عين الخيل والرقيق، ~~وهو مذهب العلماء كافة من السلف والخلف، إلا أبا حنيفة وشيخه حماد بن أبي ~~سليمان وزفر، فإنهم أوجبوها في الخيل إذا كانت ذكورا وإناثا قولا واحدا، ~~وإن انفردت الذكور والإناث فعن أبي حنيفة في ذلك روايتان، من حيث إن النماء ~~بالنسل لا يحصل إلا باجتماع الذكور والإناث, وإذا وجبت الزكاة فهو مخير بين ~~أن يخرج عن كل فرس دينارا، أو يقوم ويخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم ~~(¬2)، فحينئذ وقع الإجماع على عدم وجوبها PageV05P054 # في عينها بل بسببها، فيخرج من غيرها. # واحترزنا أولا بقولنا في "عين الخيل والرقيق" عن وجوبها في قيمتها إذا ~~كانت ms0875 للتجارة، وهذا الحديث صريح في الرد عليهم، فإنه يقتضي عدم وجوبها في ~~فرس المسلم مطلقا، وفي عين العبد. # الرابع: استدل بهذا الحديث الظاهرية على عدم وجوب زكاة [التجارة (¬1). PageV05P055 # وقيل: إنه قول قديم للشافعي، من حيث إن الحديث يقتضي عدم وجوب الزكاة] ~~(¬1) في الخيل والعبيد مطلقا. # وأجاب الجمهور عن استدلالهم بوجهين: # الأول: القول بالموجب، فإن زكاة التجارة متعلقها القيمة لا العين، ~~والحديث يدل على عدم تعلقها بالعين، فإنها لو تعلقت بالعين منهما لبقيت ما ~~بقيت العين، وليس كذلك فإنه لو نوى القنية [انتفت] (¬2) الزكاة، والعين ~~باقية، وإنما متعلق الزكاة فيها القيمة بشرط نية التجارة، وغيرها من الشروط ~~المقررة في الفروع. # فشروط وجوب الزكاة في عروض التجارة: بلوغ النصاب، وتمام الحول، ونية ~~التجارة حال الشراء، وأن تكون الأموال صالحة لنية التجارة. # الثاني: أن الحديث عام في عدم وجوبها في الخيل والعبيد، فإذا أقاموا ~~الدليل على وجوب زكاة التجارة، كان هذا الدليل أخص من ذلك العام، فيقدم ~~عليه، نعم يحتاج إلى تحقيق (¬3) إقامة الدليل PageV05P056 # على وجوب زكاة التجارة. والمقصود ههنا بيان كيفية النظر بالنسبة إلى هذا ~~الحديث. ثم إن الظاهرية مسبوقون بالإجماع. # قال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة. # الخامس: الرواية الثانية صريحة في وجوب صدقة الفطر على السيد عن عبيده، ~~سواء كانوا للقنية أو للتجارة، وهو مذهب الشافعي والجمهور، وأشهر الروايتين ~~عن مالك. # وقال أهل الكوفة: لا تجب في عبيد التجارة. # وحكي عن داود: أنها لا تجب على السيد، بل تجب على العبد، ويلزم السيد ~~تمكينه من الكسب ليؤديها. وحكاه القاضي عياض عن أبي ثور أيضا، واستدل بحديث ~~ابن عمر في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فرض زكاة الفطر ~~من رمضان على PageV05P057 # الناس صاعا من تمر، أوصاعا من شعير على كل حر وعبد ذكر وأنثى من ~~المسلمين" (¬1)، وسيأتي في بابه. # وأجاب الجمهور: بأن "على" بمعنى "عن" (¬2). # السادس: قد يستدل به لمن قال من أصحابنا: إن فطرة المكاتب كتابة صحيحة ~~تجب على سيده، بدليل قوله -عليه ms0876 الصلاة والسلام-: "المكاتب عبد ما بقي عليه ~~درهم" (¬3)، وبه قال عطاء PageV05P058 # ومالك وأبو ثور. # والأصح عندنا: أنها لا تجب عليه ولا على سيده، وبه قال جمهور العلماء. # وعندنا وجه ثالث: أنها تجب على المكاتب لأنه كالحر في كثير من الأحكام (¬1). # ... PageV05P059 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 174/ 4/ 33 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" (¬1). # الجبار: الهدر الذي لا شيء فيه. # العجماء: الدابة. # الكلام عليه من أربعة عشر وجها: # الأول: "العجماء" البهيمة، كما قال المصنف. PageV05P060 # ووقع في شرح الشيخ تقي الدين (¬1): أن العجماء الحيوان البهيم عن تفسير ~~المصنف، وتبعه ابن العطار وغيره. والذي نحفظه أنه قال: العجماء: الدابة. # قال الجوهري (¬2): وسميت عجماء لأنها لا تتكلم, فكل من لا يقدر على ~~الكلام أصلا فهو "أعجم" و"مستعجم". # والأعجم: أيضا الذي لا يفصح ولا يبين كلامه، وإن كان من العرب. والمرأة ~~عجماء، ومنه زياد الأعجم الشاعر. # والأعجم: أيضا الذي في لسانه [عجمه] (¬3) وإن أفصح بالعجمية، ورجلان ~~"أعجمان" [و] (¬4) رجال "أعجمون" و"أعاجم", قال -تعالى-: {ولو نزلناه على ~~بعض الأعجمين (198)} (¬5). # الثاني: "الجبار": قد فسره المصنف وأصل التسمية به أن العرب تسمي السيل ~~جبارا للمعنى الذي ذكره المصنف، أي: لا طلب فيه ولا قود ولا دية. # الثالث: فيه أن الحيوان إذا أتلف شيئا من الأبدان أو الأموال فهو غير ~~مضمون، وهو محمول على ما إذا أتلف شيئا بالنهار أو # [انفلت] (¬6) بالليل من غير تفريط من مالكه، وأتلف ولم يكن معه PageV05P061 # أحد، لكن الحديث محتمل لإرادة الجناية على الأبدان فقط، وهو أقرب إلى ~~حقيقة الجرح، فإنه قد ثبت في بعض طرقه في صحيح مسلم (¬1) وغيره "العجماء ~~جرحها جبار" ومعلوم أن الجرح لا يكون إلا على الأبدان, وعلى كل تقدير فلم ~~يقولوا بالعموم في إهدار كل متلف من بدن أو مال. # والمراد: بجرح العجماء إتلافها سواء كان بجرح أو بغيره. # قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن جناية البهائم [بالنهار] (¬2) لا ~~ضمان فيها إذا لم يكن ms0877 معها أحد فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد فجمهور ~~العلماء على ضمان ما أتلفت. # وقال داود (¬3) وأهل الظاهر: لا ضمان بكل حال إلا أن يحملها الذي هو معها ~~على ذلك أو يقصده. # قال أصحابنا: وسواء كان إتلافها بيدها أو رجلها أو فمها ونحوه فإنه يجب ~~ضمانه في مال الذي هو معها، سواء كان مالكها PageV05P062 # أو مستأجرا أو مستعيرا أو غاصبا أو مودعا أو وكيلا أو غيره, إلا أن تتلف ~~آدميا فتجب ديته على عاقلة الذي معها والكفارة في ماله. # وقال مالك (¬1) والليث والأوزاعي: لا ضمان فيما إذا أصابته بيدها أو ~~رجلها، أما إذا أتلفت بالنهار وكانت معروفة بالإفساد ولم يكن معها أحد، فإن ~~مالكها يضمن، لأن عليه ربطها والحالة هذه. # وأما جنايتها بالليل فقال مالك: يضمن صاحبها ما أتلفته. # وقال الشافعي وأصحابه: إن فرط في حفظها ضمن وإلا فلا. # وقال أبو حنيفة: لا ضمان فيما رعته نهارا. # وقال الليث وسحنون: يضمن [وإلا فلا (¬2)] (¬3). وقد ورد حديث مرفوع (¬4) ~~في إتلافها بالليل دون النهار في المزارع, وأنه يضمن كما قاله مالك. PageV05P063 # الرابع: "البتر" مؤنثة مشتقة من بارت إذا حفرت، والبؤرة الحفرة (¬1) وهو ~~مهموز أصلا، ولا يهمز تسهيلا، وجمعه بئار جمع كثرة وأبآر، وآبار، وأبؤر، ~~جمع قلة. # والمراد به: ما حفره الإنسان حيث يجوز له، فما هلك فيها فهو هدر، سواء ~~كان آدميا أو غيره مستأجرا كان أو غيره فإن حفرها في طريق المسلمين أو في ~~ملك غيره بغير إذنه فتلف بها إنسان وجب ضمانه على عاقلة حافرها، والكفارة ~~في مال الحافر. وإن تلف بها غير الآدمي وجب ضمانه في مال الحافر. # وعند المالكية (¬2): أنه إذا حفرها فيما يجوز له فإن قصد ضررا أو سارق ~~ضمن الدية دون القود، لأنه فعل في ملكه وإلا فلا ضمان عليه. # وقيل: المراد بالبئر هنا: البئر القديمة (¬3). # الخامس: "المعدن" بكسر الدال ما عدن فيه شيء من جواهر الأرض. PageV05P064 # قال الأزهري (¬1): سمي معدنا لعدون ما أنبته الله فيه أي لإقامته. # وقال الجوهري (¬2): سمي معدنا لإقامة الناس ms0878 فيه. # قلت: ومنه جنة عدن، أي إقامة. ومنه أعدنت البلد، وعدنت الإبل بمكان كذا. ~~ومركز كل شيء معدنه (¬3). # والعادن: الناقة المقيمة في المرعى. # وقال في "التتمة": سمي معدنا لطول بقائه في الأرض، وبذلك سميت عدنا: ~~لأنها كانت حيا لتبع، قال ذلك. # بل إن قرر إن المعدن اسم للعروق في الأرض كذهب وفضة ونحوهما. # وجمع المعدن: معادن. ومعادن الأرض أصولها وبيوتها. # ومعدن الشيء أصله، ومنه معادن الذهب وغيره (¬4). # السادس: معنى كونه جبارا: أي إن حفر معدنا في ملكه أو موات ومر به مار أو ~~استأجر أجيرا يعمل فيه، فوقع عليه فمات # [فلا] (¬5) شيء عليه. PageV05P065 # السابع: "الركاز" بكسر الراء هو المركوز، كالكتاب بمعنى المكتوب. # ومعناه في اللغة: الثبوت. # فسمي بذلك لأنه ركز في الأرض، أي أقر، ومنه ركز رمحه إذا غرزه وأثبته. ~~ومركز الدابة وسطها، ومركز الرجل موضعه. # وقال المتولى: سمي به لاختفائه ومنه "أو تسمع لهم ركزا" (¬1). # وهو في الشرع: الموجود الجاهلي عند جمهور العلماء (¬2). # الثامن: "الخمس" بضم الميم وإسكانها، ويقال فيه الخميس ثلاث لغات ومنه ~~سمي الجيش خميسا، لأنه ينقسم على خمسة أقسام: مقدمة وساقة وميمنة وميسرة ~~وقلب. وكذلك في النصف إلى العشر يقال: بالضم والإسكان، ووزن فعيل ثلاث ~~لغات، إلا الثلث فإنه لم يسمع فيه الثلث فمن تكلم فيه فقد أخطأ. # التاسع: يؤخذ من الحديث أن الركاز غير المعدن، فإنه -عليه الصلاة ~~والسلام- فرق بينهما في اللفظ والحكم، وعطف أحدهما على الآخر، وذلك يقتضي ~~المغايرة دون الترادف، وهو مذهب أهل الحجاز. ومذهب أهل العراق أن الركاز هو ~~المعدن، والحديث يرد PageV05P066 # عليهم (¬1). # العاشر: فيه وجوب الخمس في الركاز، وبه قال جميع العلماء. # قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدا خالف فيه إلا الحسن البصري، فقال: إن وجد ~~في أرض الحرب ففيه الخمس وإن وجد في أرض العرب ففيه الزكاة (¬2). # فرع: هذا الخمس يصرف مصرف الزكاة على المشهور عندنا. # وقيل: إلى أهل الخمس (¬3). # الحادي عشر: فيه أن الركاز لا يختص بالذهب والفضة لعموم الحديث، وهو أحد ~~قولي الشافعي، ونقله ابن المنذر عن جمهور ms0879 العلماء، قال: وبه أقول، وأصحهما ~~اختصاصه بالنقد، لأنه مال مستفاد من الأرض، فاختص به كالمعدن: والخلاف محكي ~~في مذهب مالك أيضا (¬4). PageV05P067 # الثاني عشر: فيه أنه لا فرق في الركاز بين القليل والكثير في وجوب الخمس ~~لعموم الحديث فيه، وهو أحد قوليه أيضا. # قال ابن المنذر: وبه قال جل أهل العلم وهو أولى، وأصحهما عنده اختصاصه ~~بالنصاب، والأصح عند المالكية الأول (¬1). # الثالث عشر: فيه عدم اعتبار الحول في إخراج زكاة الركاز، وهو إجماع، كما ~~نقله الماوردي، ويخالف المعدن على رأي للمشقة فيه (¬2). # الرابع عشر: فيه إطلاق اعتبار الخمس في الركاز من غير اعتبار الأراضي، ~~لكن الفقهاء جعلوا الحكم [يختلف] (¬3) باختلافها، فإن أرادوا اعتبار ~~الأراضي في بعض الصور فهو قريب من الحديث. # فعند أصحابنا: أن الأرض إن كانت مملوكة لمالك محترم مسلم أو ذمي فليس ~~بركاز. فإن ادعاه فهو له، وإن نازعه منازع فالقول قوله. وإن لم يدعه لنفسه ~~عرض على البائع، ثم على بائع البائع حتى ينتهي الأمر إلى من أحيا الموضع. ~~فإن لم يعرف فظاهر المذهب أن يجعل لقطة. PageV05P068 # وقيل: لا بل هو مال ضائع، يسلم إلى الإمام، فيجعله في بيت المال أو يحفظه ~~الواجد [وإن] (¬1) وجد الركاز في أرض عامرة لحربي فهو كسائر أموال الحربي ~~إذا حصلت في أيدي المسلمين. وإن وجد في موات دار الحرب فهو كموات دار ~~الإسلام، وأربعة أخماسه للواجد، سواء أكانوا يذبون عنه أم لا. وفصل الفاكهي ~~المالكي المسألة فقال: له أحوال أربعة: # الأول (¬2): أرض الحرب فما وجد فيه فهو للجيش الذي وصل وأخذه بهم. # ثانيها: أرض العنوة فما وجد فيها فهو لمن افتتحها أو لورثتهم إن وجدوا. # قال سحنون: فإن لم يوجدوا أو انقطع نسلهم كان كاللقطة وتفرق في المساكين. # وقال أشهب: إن عرف أنه لأهل العنوة فهو لمن افتتح والا فهو لعامة ~~المسلمين، وخمسه في وجوه الخمس. # ثالثها: أرض الصلح فما وجد منها فهو لأهل الصلح دون واجده. # قال القاضي أبو الوليد: وهذا إذا كان واجده من غير أهل PageV05P069 # الصلح فإن كان منهم ms0880 فقد قال ابن القاسم: هو له. وقال غيره: بل هو لجملة ~~أهل الصلح. # وقال أشهب: إن علم أنه من أموال أهل الصلح كان لهم، وكان حكمه حكم ~~اللقطة، يفرق، فمن ادعاها منهم أقسم على ذلك في كنيسته، وسلمت إليه اللقطة، ~~وإن علم أنها ليست من أموالهم ولا من أموال من ورثوه، فهو لمن وجده يخرج خمسه. # رابعها: فيافي المسلمين وما وجد في فيافي العرب والصحارى، التي لم تفتح ~~عنوة ولا أسلم أهلها عليها، فهو لمن وجده ويخرج خمسه. # وقال مطرف وابن الماجشون وابن نافع وأصبغ: ما وجد من الركاز فهو لواجده ~~وعليه الخمس، كان في أرض العرب أو أرض عنوة أو أرض صلح (¬1). # ... PageV05P070 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 175/ 5/ 33 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: بعث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس ~~عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا، فأغناه الله [تعالى] (¬1)، وأما خالد: ~~فإنكم تظلمون خالدا، وقد احتبس ادراعه واعتاده في سبيل الله، وأما العباس: ~~فهي علي ومثلها، ثم قال: يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه" (¬2). # الكلام عليه من وجوه زائدة على العشرين، وفي مواضع منه إشكالات ستتضح إن ~~شاء الله -تعالى-: # الأول: في التعريف براويه وبالأسماء الواقعة فيه. أما أبو هريرة فتقدمت ~~ترجمته في [كتاب] (¬3) الطهارة, وكذا عمر -رضي الله عنه-. PageV05P071 # وأما ابن جميل: فهو -بفتح الجيم وكسر الميم ثم ياء مثناة ثم لام-. # قال ابن مسنده: لا يعرف اسمه، وتبعه بعض الشراح فجزم به. # وذكره ابن الجوزي (¬1): مع جماعة لا يعرفون إلا بالنسبة إلى آبائهم فقط. # ووقع في "تعليق" القاضي حسين و"بحر" الروياني في متن الحديث [(¬2)]، عبد ~~الله بن جميل. # ووقع في "غريب" أبي عبيد: منع أبو جهم ولم يذكر أباه. # وقال ابن بزيزة: اسمه حميد فاستفد ذلك (¬3)، فإنه من المهمات. # وذكر القاضي حسين في "تعليقه": أن ابن جميل هذا هو ms0881 PageV05P072 # الذي نزل فيه قوله -تعالى-: {ومنهم من عاهد الله} (¬1) , وذكر غيره: ~~"أنها نزلت في ثعلبة". # [قال] (¬2) المهلب: كان منافقا أولا فمنع الزكاة فأنزل الله -تعالى-: ~~{وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} (¬3)، قال: فاستثانه الله ~~فتاب [وصلحت] (¬4) حاله. # وأما خالد: فسيأتي التعريف به في كتاب الأطعمة إن قدر الله الوصول إليه ~~وشاء، وخذ لك هنا عجالة وهي: أنه سيف الله، أسلم في صفر شيبة ثمان، وبادر ~~فشهد غزوة مؤتة، وكان النصر على يده، ومات شيبة إحدى وعشرين بحمص. # وأما العباس فهو ابن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف أبو الفضل الهاشمي: ~~عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان أسن من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بسنتين أو ثلاث، ومات سنة اثنين وثلاثين بالمدينة، وصلى عليه عثمان ~~-رضي الله عنه-، وعاش ثمانيا وثمانين سنة، وقد أفرد ترجمته بالتصنيف ابن ~~أبي الدنيا، وغيره. # قال ابن دحية في كتابه "مرج البحرين": وكان العباس طويلا يقل من الأرض ~~فيما زعموا الجمل إذا برك بحمله. PageV05P073 # الوجه الثاني: قوله: "بعث" معناه أرسل، وكذا ابتعث. # وقولهم: "كنت في بعث فلان" أي في الجيش الذي بعث معه. # والبعوث: الجيوش. # الثالث: فيه بعث الإمام العمال لجباية الزكوات. # الرابع: فيه أيضا أن يكونوا أمناء. فقهاء. ثقات عارفين حيث بعث عليها عمر. # الخامس: قوله: "على الصدمه". أي الزكاة المفروضة، هذا هو الصحيح المشهور، ~~نقله القرطبي عن الجمهور. # وقيل: المراد صدقة التطوع، وبه قال ابن القصار (¬1): حكاه PageV05P074 # القاضي قال: ويؤيده أن عبد الرزاق (¬1) روى هذا الحديث، وذكر في روايته ~~أنه -عليه الصلاة والسلام- ندب الناس إلى الصدقة، وذكر تمام الحديث. # قلت: أغربت في العزو فهذا في البخاري (¬2)، ولفظه عن أبي هريرة قال: أمر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصدقة، فقيل: منع ابن جميل، ثم ساق ~~الحديث إلى آخره، وظاهر غيره من الأحاديث أنها في الزكاة، ويبعد أن يراد ~~بها صدقة التطوع لوجوه: # أحدها: أن المتبادر إلى الذهن خلافه. # ثانيها: أنه -عليه الصلاة والسلام- إنما كان يبعث في الزكاة المفروضة ms0882 على ~~ما نقل. # ثالثها: قوله: "وأما العباس فهي علي"، [وعلي] (¬3) من ألفاظ الوجوب. # رابعها: أن ابن جميل تاب لما نزلت فيه الآية السالفة [ثم] (¬4)، والتوبة ~~لا تكون [(¬5)] من ترك المندوبات. # السادس: قوله: "فقيل: منع ابن جميل"، أي منع الزكاة وامتنع من أدائها، ~~وكأن هذا الامتناع على وجه التأويل، فتأول خالد PageV05P075 # بأن يحتسب له بها، والعباس بأنه -عليه الصلاة والسلام- يحملها عنه، أو ~~بغير ذلك من التأويلات المسوغة كما سيأتي، ولم يكن فيهم أبعد تأويلا من ابن ~~جميل ولذلك عتب [عليه] (¬1) - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: "فقيل: منع" إلى آخره، لم أقف على تعيين قائله، وظاهر قوله في ~~أثناء الحديث: "فإنكم تظلمون خالدا"، إنهم جماعة، وسياق آخر الحديث قد يشعر ~~بأن قائل ذلك، هو عمر -رضي الله عنه-، فالله أعلم. # ويؤخذ من ذلك تعريف الإمام بمانعيها, ليعينهم على أخذها منهم، أو يبين ~~لهم وجوه أعذارهم في منعها. # السابع: قوله: "ما ينقم ابن جميل"، هو بكسر [القاف] (¬2) والماضي منه ~~بفتحها، كضرب يضرب وهي [لغة] (¬3) القرآن، قال -تعالى-: {وما نقموا إلا أن ~~أغناهم الله ورسوله من فضله} (¬4)، وقال: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا ~~بالله العزيز الحميد (8)} (¬5)، وقال الشاعر: # وما نقم الناس من أمية ... إلا أنهم يحلمون إن غضبوا # وأنهم سادة الملوك ... ولا تصلح إلا عليهم العرب # ويقال: بفتحها في المضارع وكسرها في الماضي كعلم، PageV05P076 # يعلم، وقد استعمل هذه اللغة الحريري، واختلف في معناه على أقوال: # أحدها: ينكر. # وثانيها: يكره. # وثالثها: يعيب وقد فسر قوله -تعالى-: {هل تنقمون منا} (¬1) الآية. ~~[يتكرهون] (¬2) [وينكرون] (¬3)، فإن فسرناه، بينكر فإن معناه: أنه لا عذر ~~له في المنع إذا لم يكن موجبه، إلا أن كان فقيرا فأغناه الله، وجاء في ~~البخاري: "فأغناه الله ورسوله" (¬4)، وذلك ليس بموجب له فلا موجب البتة، ~~وهذا من وادي قوله: # ولاعيب فيهم، غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # فيقصدون النفي على سبيل المبالغة في الإثبات، إذ المعنى أنه لم يكن لهم ~~عيب إلا هذا، وهذا ليس بعيب فلا عيب فيهم البتة، وكذلك ms0883 المعنى هنا إذا لم ~~ينكر ابن جميل إلا كون الله أغناه بعد PageV05P077 # فقره، فلم ينكر منكرا أصلا، فلا عذر له في المنع، وكذلك إن فسرناه بيكره ~~أي ما يكره إخراج الزكاة على ما تقدم. # ويقال: نقم الإنسان إذا جعله مؤديا إلى كفر النعمة. فالمعنى: أن غناه ~~أداه إلى كفر نعمة الله -تعالى- بالمنع، فما ينقم أي ما يكره إلا أن يكفر ~~النعمة، وأما تفسيره "بيعيب" ففيه بعد. # الثامن: فيه تعريف الفقير بنعمة الله -تعالى- عليه في الغنى، ليقوم بحق ~~الله -تعالى- فيه في الواجب والمندوب. # التاسع: فيه أيضا عتب الإمام على من منع الخير، وإن كان منعه مندوبا في ~~غيبته وحضوره إذا قلنا: إن المراد بالصدقة: صدقة التطوع. # العاشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإنكم تظلمون خالدا" (¬1)، هو خطاب ~~للعمال على الصدقة [حيث] (¬2) لم يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الجتد ~~والعدة، لأنهم طلبوا منه زكاة اعتاده ظنا منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة ~~فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم علي. فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إن خالدا منع الزكاة، فقال: إنكم تظلمون خالدا"، لأنه حبسها ووقفها في ~~سبيل الله قبل الحول عليها، ولا زكاة فيها. قاله النووي (¬3) في شرحه. قال: ~~ويحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه زكاة [لأعطاها ولم يشح بها لأنه قد وقف PageV05P078 # أمواله لله -تعالى- متبرعا. فكيف يشح بواجب عليه] (¬1) ويحتمل أنه لم ~~يقفها، بل رفع يده عنها، وخلى بينها وبين الناس في سبيل الله، لا أنه ~~احتبسها وقفا على التأبيد. # لأنه صرفها مصرفها حيث تعينت للجهاد، وقد جعل الله للجهاد حظا من الزكاة، ~~فرأى صرفها فيه، فاشترى بها ما يصلح له، كما يفعله الإمام، فلما تحقق النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ذلك قال: "إنكم تظلمون خالدا" فإنه قد صرفها مصرفها ~~وأجاز له ذلك، وبه جزم القرطبي في شرحه، وقيل: يجوز أن يكون -عليه الصلاة ~~والسلام- أجاز لخالد أن يحتسب ما حبسه من ذلك فيما يجب عليه من الزكاة، ~~لأنه في سبيل الله. حكاه القاضي عياض (¬2). # قال: فهو حجة لمالك ms0884 في جواز دفعها لصنف واحد، وهو قول العلماء كافة، ~~خلافا للشافعي في وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية (¬3). # قال: وعلى هذا يجوز إخراج القيمة في الزكاة، وقد أدخل البخاري (¬4) هذا ~~الحديث في باب: أخذ العرض في الزكاة. فيدل على أنه ذهب إلى هذا التأويل. # ومذهب مالك والشافعي: منع إخراج القيمة في الزكاة. # وأبو حنيفة: يجيز ذلك، وحكاه البغداديون عن مذهب مالك، PageV05P079 # قال الشيخ تقي الدين (¬1): وهذا التأويل لا يزيل الإشكال لأن ما حبس على ~~[جهة] (¬2) معينة تعين صرفه [إليها] (¬3)، واستحقه أهل تلك الصفة مضافا إلى ~~جهة الحبس، فإن كان قد طلب من خالد زكاة ما حبسه، فكيف يمكن ذلك مع تعين ما ~~حبسه لمصرفه! وإن كان [قد] (¬4) طلب منه زكاة المال الذي لم يحبسه -من ~~العين والحرث، والماشية- فكيف يحاسب بما وجب عليه في ذلك، وقد تعين صرف ذلك ~~المحبس إلى جهته؟ # قال: وأما الاستدلال بذلك على أن صرف الزكاة [على] (¬5) صنف من الثمانية ~~جائز، وأن أخذ [القيمة] (¬6) جائز، فضعيف جدا، لأنه لو أمكن توجيه ما قيل ~~في ذلك لكان الإجزاء في المسألتين مأخوذا على تقدير ذلك التأويل. وما ثبت ~~[على تقدير لا يلزم أن يكون واقعا إلا إذا ثبت وقوع ذلك التقدير. و [لم] ~~(¬7) يثبت] (¬8) ذلك بوجه، ولم [يتبين] (¬9) بهذه المقالة إلا مجرد الجواز، ~~والجواز PageV05P080 # لا يدل على الوقوع [إلا أن يريد القاضي أنه حجة لمالك وأبي حنيفة على ~~التقدير، فقريب. إلا أنه يجب التنبيه لأنه لا يفيد الحكم في نفس الأمر ~~(¬1)] (¬2). قال: وأنا أقول: يحتمل أن يكون تحبيس خالد لأدراعه وأعتاده في ~~سبيل الله إرصاده إياها لذلك، وعدم تصرفه بها في غير ذلك. وهذا النوع حبيس، ~~وإن لم يكن تحبيسا، ولا يبعد أن يراد مثل ذلك بهذا اللفظ، ويكون قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "إنكم تظلمون خالدا"، مصروفا إلى قولهم: "منع خالد" أي ~~تظلمونه في نسبته إلى منع الواجب، مع كونه صرف ماله [إلى] (¬3) سبيل الله، ~~ويكون المعنى: [إنه] (¬4) لم يقصد منع الواجب، ويحمل منعه على غير ذلك. # قلت: وهو عين ms0885 ما أسلفناه عن القرطبي فهذه تأويلات. تأويل النووي (¬5). ~~الأول: وهو ظنهم أنها عروض للتجارة. # وتأويل القرطبي والشيخ تقي الدين الثاني. PageV05P081 # والتأويل الثالث: الذي حكاه القاضي عياض (¬1)، وتأويله هو أنه أخرج ~~العروض قيمة عما وجب في ماله، وأنه صرفها في أحد مصارف الزكاة، وهو سبيل الله. # واعترض الفاكهي على الثاني فقال: إن قصد الشيخ تقي الدين أنها صارت حبسا ~~بغير لفظ الحبس فالإشكال الذي قرره أولا يعود، وإن أراد إرصاده كما صرح به ~~فالزكاة باقية في الذمة، ولم يعلم ما جرى فيها ورجح تأويل القاضي عياض. ثم ~~هذا كله إذا قلنا: إن الصدقة هي الزكاة، وهو الظاهر على ما تقدم. # فإن قلنا: إنها صدقة التطوع ارتفع الإشكال من أصله، ويكون المعنى: أنه ~~-عليه الصلاة والسلام- اكتفى بما حبسه [خالد] (¬2) [في سبيل الله] (¬3) عن ~~أخذ شيء آخر من صدقة التطوع [حتى يكون الطالب منه شيئا آخر بعد تحبيسه ماله ~~ظالما على طريق المبالغة والتوسع] (¬4). # الحادي عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل ~~الله" معنى احتبس (¬5): وقف ويحتمل أن PageV05P082 # يكون [معناه] (¬1) إبانة اليد عن الملك لله -تعالى- كما يفعل المهدي لبيت ~~الله -تعالى- فيها بالتخلية بينها وبين مستحقيها. وقد سبق كل ذلك. # قال الأصبهاني: واحتبس: لغة في حبس. # والأدراع: جمع درع ويكون من الحديد وغيره. # وأعتاد: هذه اللفظة رويت على أوجه. # أحدها: "أعتاده" كما ذكره المصنف، وأنكره بعضهم، وهي ثابتة في صحيح مسلم (¬2). # ثانيها: "أعتده" بالتاء المثناة فوق. # وحكى الدارقطني: أن أحمد بن حنبل قال: أخطأ علي بن حفص في هذا وصحف، ~~وإنما هو "وأعبده" (¬3) يعني بالباء الموحدة، كما سيأتي. # وقال عبد الحق في "الجمع بين الصحيحين": وقع في رواية PageV05P083 # للبخاري "وأعبده" [بالباء] (¬1)، والصحيح "وأعتده" بالتاء المثناة فوق. # قلت: وهي الأعتاد جمع قلة لعتد بفتح العين، والتاء وهو الفرس الصلب. # وقيل: المعد للركوب. # وقيل: السريع الوثب. # وقال الهروي والخطابي (¬2): هو ما أعده الرجل من سلاح وآلة ومركوب ~~للجهاد. وبه جزم الشيخ تقي الدين، وعزاه النووي (¬3) إلى أهل اللغة ولم ~~يذكر غيره، وما قدمناه ms0886 أولا من أنه الفرس، ثم حكينا الخلاف بعده، هو ما ~~ذكره القرطبي. # ثالثها: "عتاده" ويجمع على "أعتده" بكسر التاء وضمها. # رابعها: "أعبده" بالباء الموحدة جمع قلة للعبد وهو الحيوان العاقل، هذا ~~هو [الظاهر] (¬4). # وقيل: إنه جمع صفة من قولهم: "فرس [عتد] (¬5) " أي PageV05P084 # صلب (¬1). # وقيل: معد للركوب. # وقيل: سريع الوثب. حكى هذه الأوجه الشيخ تقي الدين (¬2) على هذه الرواية, ~~ثم رجح بعضهم هذا بأن العادة لم تجر بتحبيس العبيد في سبيل الله، بخلاف الخيل. # وأما القاضي فقال: هذا جائز غير ممتنع، بل قد وجد في العرب بزمن المسمى ~~بصوفة (¬3) وبالربيط وذلك أن أمه ربطت رأسه PageV05P085 # بصوفه وجعلته ربيط الكعبة فخدمها. # وقيل: مثله في ابن الأخرم (¬1). # وروي: "فقد احتبس رقيقه ودوابه"، وروى "عقاره" (¬2) بالقاف والراء وهو ~~الأرض والضياع والنخل ومتاع البيت. # الثاني عشر: فيه دلالة على صحة الوقف إذا قلنا: إنه وقفها حقيقة، وصحة ~~وقف المنقول، وبه قالت الأمة بأسرها إلا أبا حنيفة وبعض الكوفيين، وأنه لا ~~زكاة في الوقف. # الثالث عشر: أخذ بعضهم من الحديث وجوب زكاة التجارة، وأن خالد طولب ~~بأثمان الأدراع والأعتد قالوا: ولا [(¬3)] زكاة في هذه الأشياء إلا أن تكون ~~للتجارة. وفيه نظر من حيث إنه استدلال بأمر محتمل غير متعين لما أدعي (¬4). # الرابع عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وأما العباس فهي علي ومثلها". ~~فيه جواز التصريح باسم القريب ولفظ رواية البخاري: "وأما العباس بن عبد ~~المطلب عم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهي عليه صدقة ومثلها معها"، ~~والسر في التصريح باسم القريب: أن اسم PageV05P086 # العلم إذا جيء به على أصل وصفه كأنه ذكر معه ما اشتمل عليه من جميع صفاته ~~المعروفة منه، وإلى ذلك أشار سيبويه بقوله: الأعلام مختصرات الصفات. ودخلت ~~الألف واللام على عباس وإن كان علما لمحا لصفته قبل التسمية. # الخامس عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فهي علي ومثلها" في الصحيحين ~~زيادة بعد "ومثلها معها"، وفي معناه أقوال: # أحدها: أني تسلفت منه صدقة عامين فصار دينا علي وصوبه النووي في شرحه ~~(¬1)، PageV05P087 # ثانيها: أن معناه: أنا ms0887 أؤديها عنه، والذي قال: بهذا لا يجوز تعجيل زكاة عامين. # [وقد جاء] (¬1) في الدارقطني: "إنا تعجلنا منه صدقة عامين" (¬2)، وأوله ~~بعض المالكية بأن معناه أوجبناها عليه وضمناها له وتركناها عليه دينا. # وقيل: بل كان تسلف منه النبي - صلى الله عليه وسلم - مالا لما احتاج إليه ~~في السبيل، فقاصه بها عند الحول، وهذا مما لا يختلف في جوازه، وحينئذ لا ~~يكون حجة على جواز التقديم. # قلت: وهذه الرواية أعني رواية الدارقطني فيها انفطاع أيضا كما نبه عليها ~~البيهقي (¬3). PageV05P088 # ثالثها: أنه -عليه الصلاة والسلام- قبض منه صدقة العام الذي شكاه فيه ~~العامل وتعجيل صدقة عام ثان، فقال: "هي علي ومثلها معها" (¬1). # رابعها: أنه -عليه الصلاة والسلام- تحمل الصدقة وأداها عنه السنتين، ~~ولذلك قال: "إن عم الرجل صنو أبيه" (¬2). # خامسها: يحتمل أنه تبرع بزيادة على ما وجب على العباس إكراما له، ويعضده ~~آخر الحديث. وأما رواية البخاري السالفة: "هي عليه صدقة ومثلها معها"، فقال ~~البيهقي (¬3): يبعد أن تكون محفوظة لأن العباس كان من جملة بني هاشم الذين ~~تحرم عليهم الصدقة. # وقال غيره: لعل ذلك قبل تحريمها على آله - صلى الله عليه وسلم -، ورأى ~~-عليه الصلاة والسلام- إسقاط الزكاة عامين لوجه رآه. # وقال القرطبي: هي نص في أنه تركها له ومثلها، وذلك لأنه PageV05P089 # قد فدا نفسه وعقيلا فكأنه كان غريما، وإليه يرد قوله أي في الرواية ~~الآتية: "فهي له ومثلها". # وفي البخاري عن ابن إسحاق عن أبي الزناد: "هي عليه ومثلها معها" (¬1)، ~~وقال ابن جريج (¬2): حدثت عن الأعرج مثله. فيحتمل أن يحمل على هذه الرواية. # ويحتمل أن يكون -عليه الصلاة والسلام- أخرها عنه عامين لحاجة كانت ~~بالعباس (¬3) إليها, وللإمام تأخير ذلك إذا أداه اجتهاده إليه كما فعل عمر ~~بن الخطاب عام الرمادة إلى أن حي الناس من العام المقبل، فأخذ منهم زكاة ~~عامين (¬4). # ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "ومثلها معها"، أن عليه صدقة عام آخر قبله ~~وأخرهما ليجد رفقا به، حكاه الأصفهاني. PageV05P090 # وحكى معه قولا آخر بعيدا [أنبه] (¬1) [عليه] (¬2) لئلا يعتد به وهذا لفظه ~~في حكايته قيل: فيه ms0888 دليل على أن للإمام أن يأخذ الصدقة ومن منعها فله أن ~~يعزره على حسب ما يؤدي إليه اجتهاده أضعف الصدقة عليه على ضرب من التعزير، ~~وهذا لا يحل ذكره عندي إلا على وجه [التنبيه على وهنه فإن آخر الحديث يرده (¬3). # وفي رواية موسى بن عقبة: "هي له] (¬4) ومثلها معها" [وعنها] (¬5) جوابان: # أحدهما: وإليه يميل أبو حاتم بن حبان أن "له" بمعنى "عليه"، قال -تعالى-: ~~{لهم اللعنة} (¬6)، وقال -تعالى-: {وإن أسأتم فلها} (¬7) وأشبههما (¬8)، ~~احتماله -عليه الصلاة والسلام- لها على PageV05P091 # ما تقدم ويعضده [رواية] (¬1): "فهي له وصدقة عليها"، لا أنه أحل له ~~الصدقة، ولكنه تركها له فأخرج الصدقة عنه من مال نفسه (¬2). PageV05P092 # السادس عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن عم الرجل صنو أبيه"، أي ~~يرجع مع أبيه إلى أصل واحد فيتعين إكرامه كما يتعين إكرام الأب، ومنه قوله ~~-تعالى-: {صنوان وغير صنوان} (¬1)، وأصله في النخلتين والثلاث والأربع التي ~~ترجع إلى أصل واحد، فكل واحدة منهن صنو، والاثنان صنوان، والثلاث صنوان ~~برفع النون. # فالصنوان: جمع صنو كقنوان وقنو ويجمع أصناء كأسماء، فإذا كثرت قلت الصنى ~~والصني، وعن ابن الأعرابي: أن الصنو المثل أي مثل أبيه، وذكر ذلك - صلى ~~الله عليه وسلم - لعمر تعظيما لحق العم وهو مقتض ومناسب لأن يحمل قوله: "هي ~~علي" أنه يحملها، [عنه احتراما له ومبرة وإكراما حتى لا يتعرض له بطلبها ~~أحد إذا تحملها] (¬2) عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # السابع عشر: في الحديث البيان للعمال ما يظلمون فيه من غيره. # الثامن عشر: فيه أيضا تحمل الإمام عن بعض رعيته وأتباعه وأقاربه ما وجب ~~عليه أو ندب إليه. # التاسع عشر: فيه أيضا بيان فضل العباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- PageV05P093 # والتنبيه على فضل العم وأنه يرفق به ويخص بمزيد إكرام، وقد نبه -عليه ~~الصلاة والسلام- في حديث آخر على فضل الخالة فقال: "الخالة بمنزلة الأم" (¬1). # العشرون: فيه أيضا أنه يجوز للإمام ويستحب له أن يتأول لمن شكي إليه من ~~رعيته في منع الحق التأويلات المحتملة وإن كانت خلاف ms0889 الظاهر. # الحادي والعشرون: فيه أيضا جواز تعجيل الزكاة قبل وقت وجوبها على ما مر ~~من التأويل، وهو مذهب أبي حنيفة والأوزاعي والشافعي وفقهاء المحدثين، ومن ~~هؤلاء من جوز تقديم زكاة عامين أخذا بهذا الحديث، ومنع ذلك مالك والليث، ~~وهو قول عائشة وابن سيرين وقالوا: لا يجوز تقديمها على وقت وجوبها كالصلاة، ~~وعن مالك خلاف فيما قرب، وتحديد القرب مذكور في كتبهم, وكأن هؤلاء لم ~~يرتضوا بذلك التأويل أو يجعلوه خاصا بالعباس. # ... PageV05P094 ### ||| AUTO الحديث السادس # 176/ 6/ 33 - عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على [رسوله] ~~(¬1) - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، قسم في الناس، وفي المؤلفة قلوبهم، ~~ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا في أنفسهم، إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، ~~فخطبهم، فقال: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم ~~متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ "، كلما قال شيئا، قالوا: ~~الله ورسوله أمن، قال: "ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؟ "، [قال: كلما قال شيئا] (¬2) قالوا: الله ورسوله أمن، قال: "لو ~~شئتم لقلتم: جئتنا كذا وكذا، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، ~~وتذهبون [بالنبي - صلى الله عليه وسلم -] (¬3) إلى رحالكم؟ لولا الهجرة ~~لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار ~~وشعبها، الأنصار شعار، والناس دثار، إنكم ستلقون من بعدي أثرة، فاصبروا حتى ~~تلقوني على PageV05P095 # الحوض" (¬1). # الكلام عليه من أربعين وجها: # الأول: في التعريف براويه وقد سلف في الطهارة. # الثاني: هذا الحديث لا مدخل له في الزكاة إلا أن يقاس إعطاء المؤلفة منها ~~على إعطائهم من الفيء والخمس. # والثالث: قوله "لما أفاء" أي رد ورجع، وهو أفعل من الفيء، يتعدى إلى ~~مفعولين [أحدهما] (¬2) بنفسه والآخر بحرف الجر، يقول أفاء الله على ~~المسلمين مال الكفار، يفي إفاءة، واستفدت هذا المال PageV05P096 # أخذته فيئا. والأصل في أفاء أفيا، فنقلت فتحة الياء [إلى] (¬1) الفاء ~~فتحركت الياء في الأصل وانفتح ما قبلها فقلبت الفاء فصار أفاء (¬2). # وأصل الفيء في اللغة: ms0890 الرد والرجوع كما سلف ومنه سمي الظل بعد الزوال ~~فيئا، لأنه رجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق، وكأن الأموال التي بأيدي ~~الكفار كانت [بالأصالة] (¬3) للمؤمنين، إذ الإيمان هو الأصل والكفر طارىء ~~عليه، فغلب الكفار على تلك الأموال فإذا غنم المسلمون منها شيئا رجعت إلى ~~نوع من كان يملك أصلها. # الرابع: حنين: اسم واد قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا. # قال عروة: إلى جنب ذي المجاز (¬4). # وقال ابن حبان (¬5): هو واد أجوف، وكانت غزوته بعد فتح مكة [سنة ثمان من ~~الهجرة وهي من غنائم هوازن، وكان فتح مكة] (¬6) في العشرين من شهر رمضان، ~~وكانت حنين بعد فتح مكة، وإقامته PageV05P097 # فيها [خمس عشرة] (¬1) ليلة، فقصر الصلاة فيها، كما قاله ابن حبان في ~~ثقاته في العشر الأول من شوال. # و"حنين" مذكر ولذلك صرف. # الخامس: قوله "قسم في الناس" أي قسم الأموال في الناس فمفعول قسم محذوف. # السادس: "المؤلفة" من التأليف، وهو جمع القلوب، واختلف في المؤلفة قلوبهم من هم. # فقيل: كفار يعطون ترغيبا في الإسلام. # وقيل: مسلمون ليتمكن إسلامهم. # وقيل: مسلمون لهم أتباع كفار ليتألفوهم (¬2). # وقسمهم أصحابنا أقساما ومحل الخوض فيها كتب الفروع وقد بسطتها في "شرح ~~المنهاج" وغيره، ولله الحمد. # والصحيح [من] (¬3) مذهب مالك: أعطاؤهم اليوم من الزكاة إن PageV05P098 # احتيج إليهم (¬1). PageV05P099 # قال العلماء: المشركون أصناف. # منهم: من رجع إلى الإسلام بالمعجزة وظهور البرهان. # ومنهم: من رجع بالقهر والسنان. # ومنهم: من رجع بالعطاء والإحسان، وهم المؤلفة قلوبهم. وعدهم ابن طاهر في ~~كتابه (¬1) "إيضاح الإشكال"، سبعة عشر: أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، ~~وعيينة بن حصن (¬2)، وسهيل بن عمرو [الجهني] (¬3) [الحارث بن هشام، وحويطب ~~بن عبد العزى] (¬4) وأبو السنابل بن بعك، وحكيم بن حزام، ومالك بن عوف ~~النصري (¬5)، وصفوان بن أمية، وعبد الرحمن بن يربوع، وجد بن قيس (¬6)، ~~وعمرو جد PageV05P100 # مروان (¬1) [وعمرو بن مرداس] (¬2) ,وعمرو بن الأهتم (¬3) , وعباس بن ~~مرداس، والعلاء بن [حارثة] (¬4). PageV05P101 # [السابع] (¬1): اختلف في هذا العطاء للمؤلفة: هل كان من الخمس أو من صلب ~~الغنيمة على قولين، ms0891 حكاهما القرطبي في "مفهمه": قال: والإجراء على أصول ~~الشريعة أن يكون من الخمس، ومنه كان أكثر عطاياه - صلى الله عليه وسلم - ~~وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: [مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، ~~والخمس مردود فيكم" (¬2) PageV05P102 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P103 # والظاهر من مراجعة الأنصار، وقوله -عليه الصلاة والسلام-] (¬1) "ألا ~~ترضون" إلى آخره أنه كان من صلب الغنيمة، وأن ذلك إنما كان لما يعلم من رضا ~~أصحابه بذلك، ولطيب قلوبهم به. ويكون هذا مخصوصا بتلك الواقعة، وله أن يفعل ~~ما يشاء في الأموال والرقاب، والأصل التمسك بقواعد الشريعة على ما تقررت. # الثامن: الأنصار: جمع ومفرده نصير: كشريف وأشراف. # وقيل: ناصر كصاحب وأصحاب. وقد أسلفت ذلك في الكلام على حديث أبي أيوب في ~~باب الاستطابة مع بيان نسب الأنصار وغيره فراجعه منه (¬2). # قال الفاكهي: وجمع ناصر نصر: كصاحب وصحب. قال: PageV05P104 # وعندي أنه يجمع على أنصار: كشاهد وأشهاد، صاحب وأصحاب, وإن كان جمع فاعل ~~على أفعال ليس بالكثير. # التاسع: "وجد" من الألفاظ المشتركة يقال وجد مطلوبه يجده وجودا ويجده ~~أيضا بالضم لغة عامر. # قال أهل اللغة (¬1): لا نظير لها في باب المثال، ووجد ضالته وجدانا ~~بالكسر، ووجد عليه في الغضب موجدة ووجدانا بالكسر أيضا ووجد في الحزن وجدا ~~بالفتح ووجد في المال وجدا ووجدا وجدة أي استغنى (¬2). # وقوله: "فكأنهم وجدوا في أنفسهم" هو تعبير حسن كسي حلة الأدب في الدلالة ~~على ما كان في أنفسهم. PageV05P105 # العاشر: "معشر" مفرد معاشر، وهي جماعات الناس، قال أهل اللغة: المعشر: ~~الطائفة. # الحادي عشر: "الضلال" جمع: ضال. والضلال والضلالة (¬1) ضد الرشاد والهدى، ~~وهو هنا ضلال الشرك والكفر. # والهداية: هداية الإيمان, ولا شك أن نعمة الإيمان أعظم النعم، فإنه لا ~~يوازيها شيء من أمر الدنيا. فلذلك بدأ بها، ثم ثنى بنعمة الألفة، وهي أعظم ~~من نعمة المال، إذ الأموال تبذل في تحصيلها، وهيهات أن تحصل. قال -تعالى-: ~~{لو أنفقت ما في الأرض جميعا} (¬2) الآية. وكانت الأنصار في غاية التباعد ~~والتنافر، وجرت بينهم حروب قبل المبعث، منها يوم بغاث (¬3) بالغين المعجمة ~~والمهملة، وأخره ثاء ms0892 مثلثة: موضع من المدينة على PageV05P106 # [ليلتين] (¬1)، ثم ثلث بنعمة الغنى والمال. وقد استعمل - صلى الله عليه ~~وسلم - في ذلك [جميع] (¬2) ما يجب من الأدب مع القرآن العزيز وإتباعه في ~~إضافة الهداية والألفة والإغناء إلى الله -تعالى- فإن ذلك جميعه خاص به ~~-سبحانه- لا يشركه فيه أحد، قال -تعالى- {ليس عليك هداهم} (¬3) الآية، ~~وقال: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (¬4) وفي إضافة ~~الهداية إلى الأسباب حيث] (¬5) أضافها الله -تعالى- إليها في قوله: {وإنك ~~لتهدي إلى صراط مستقيم (52)} (¬6) PageV05P107 # فلهذا قال - صلى الله عليه وسلم - "فهداكم الله بي" وكذلك الألفة حيث ~~قال: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم} (¬1) وكذلك ~~الإغناء، فإنه -سبحانه وتعالى- المغني، وأمتن به في قوله -تعالى- لقوم نوح ~~-عليه الصلاة والسلام- على لسانه {ويمددكم بأموال وبنين} (¬2). # الثاني عشر: يؤخذ من الحديث إقامة الحجة على الخصم وإفحامه بالحق عند ~~الحاجة إليها. وأحسن الصحابة -رضي الله عنهم- الأدب في جوابهم، وحسن خطابهم ~~مع اعترافهم بالحق وترك المماراة لا جرم أعقبهم الله -عز وجل- من حسن أدبهم ~~شكر رسوله لهم وثناءه عليهم، فسبحان من اجتباهم! وأمتن عليهم بصحبته ~~ونصرته. والأمر كما ذكروا، فالمنة في ذلك لله ولرسوله، PageV05P108 # قال الله -تعالى-: {بل الله يمن عليكم} (¬1). # الثالث عشر: "العالة" الفقراء، الذين لا مال لهم. # والعيلة: الفقر (¬2). # الرابع عشر: ما كنى عنه بكذا أو كذا. قد جاء مصرحا به في رواية أخرى (¬3) ~~فتأدب الراوي بالكناية دون التصريح (¬4). # الخامس عشر: قوله: "لو شئتم لقلتم جئتنا كذا" هو منه -عليه الصلاة ~~والسلام- على طريق التواضع ولين الجانب، وإلا ففي الحقيقة الحجة البالغة ~~والمنة الظاهرة في جميع ذلك لله ولرسوله عليهم وعلى غيرهم فإنه -تعالى- هو ~~الذي أهلهم لمحبته، PageV05P109 # وأعانهم على نصرة رسوله، وسماهم أنصارا، وناهيك نعمة وافتخارا. # السادس عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ألا ترضون" إلى آخره، فيه ~~تنبيه على ما غفلوا عنه، من عظيم ما حصل لهم بالنسبة إلى ما أصاب غيرهم من ~~عرض الدنيا؛ وإنه لا شيء بالنسبة لما حصل لهم. # السابع عشر: "الشاة" الواحدة من الغنم، تقع على الذكر والأنثى ms0893 من الضأن ~~والمعز، وأصلها شوهة (¬1)، ولهذا إذا صغرت عادت الهاء فقيل: شويهة، والجمع ~~شياه بالهاء في الوقف والدرج. # والبعير: يقع في اللغة على الذكر والأنثى، وجمعه أبعرة وأباعر وبعران، ~~سمي به لأنه يبعر، يقال: بعر، يبعر بفتح العين فيهما، بعرا، كذبح، يذبح، ذبحا. # الثامن عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لولا الهجرة لكنت امرءا من ~~الأنصار" (¬2) معناه أتسمى باسمهم، وأنسب إليهم، PageV05P110 # كما كانوا يتناسبون بالحلف لكن خصوصية الهجرة ومرتبتها سبقت وعلقت فهي ~~أعلا وأشرف، فلا تتبدل بغيرها, ولا ينتفى منها من حصلت له، قاله القرطبي ~~ففيه إشارة عظيمة إلى فضيلة الأنصار. # وقيل: معناه لكنت منهم في الأحكام والعداد وبه جزم الشيخ تقي الدين (¬1). # وقال بعضهم: يجوز أن يكون المراد لولا ثواب الهجرة لكنت أختار أن يكون ~~ثوابي ثواب الأنصار فيما أحرزوه بالنصرة، ولا يجوز أن يكون المراد النسب قطعا. # وقال ابن الجوزي في "كشف مشكل الصحيحين": إن قال قائل: كيف يتصور أن يكون ~~-عليه الصلاة والسلام- من الأنصار وكيف أراد هذا ونسبه أفضل؟! # فالجواب: أنه لم يرد تغيير النسب، ولا محو الهجرة، إذ كلاهما ممنوع من ~~تغييره. وإنما أراد النسبة إلى المدينة والنصرة للدين. فالتقدير: لولا أن ~~النسبة إلى الهجرة نسبة دينية لا يسع تركها لانتسبت إلى داركم، قال: ثم إن ~~لفظة لولا تراد لتعظيم الأمر وإن لم يقع، كقوله -تعالى-: {لولا كتاب من ~~الله سبق} (¬2) وهذا إنما صدر منه بيانا لفضيلتهم وحبه إياهم. # التاسع عشر: "الوادي" (¬3) اسم للحفيرة. وقيل: للماء، PageV05P111 # والأول أشهر، وجمعه أودية، ولا نظير له في كلامهم، كما أسلفته في باب ~~صلاة الاستسقاء. # العشرون: "الشعب" (¬1) بالكسر اسم لما انقدح بين الجبلين. # وقيل: هو الطريق في الجبل، وبالفتح: القبيلة العظيمة، وهو أبو القبائل ~~الذين ينسبون إليه، أي يجمعهم ويضمهم. # والشعب: أيضا ما تشعب من قبائل العرب على العجم، وقصد - صلى الله عليه ~~وسلم - بقوله: "لسلكت وادي الأنصار وشعبها" جبرهم والتنبيه على ما حصل لهم ~~من الإيمان والنصرة والقناعة بالله ورسوله؛ لأن PageV05P112 # من كان هذا وصفه فهو حقيق بأن يسلك طريقه، ms0894 ويتبع حاله لما فيها من الراحة ~~الدنيوية والأخروية والسلامة فيها. # وفيه أيضا التنبيه على فضيلة نصرة الحق وعلى تعظيم من نصره وأعان عليه ~~وأقام منار الدين وسعى في إظهار الحق. # الحادي والعشرون: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "الأنصار شعار والناس ~~دثار" الشعار: الثوب الذي يلي الجلد من الجسد. والدثار: الثوب الذي فوقه، ~~وهذا من أحسن التشبيه، فإنه استعارة لفرط قربهم، وكأنه جعلهم بطانته ~~وخاصته، وأنهم ألصق به وأقرب إليه من غيرهم. # وذكر الماوردي في "حاويه" (¬1) في كتاب السير: أنه دعا لهم بعد ذلك: ~~"اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار [وأبناء أبناء الأنصار] (¬2) وأن القوم ~~بكوا إذ ذاك حتى اخضلت لحاهم، وقالوا "رضينا بالله ورسوله قسما وحظا" (¬3). # الثاني والعشرون: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنكم ستلقون بعدي أثرة" ~~وفي مسلم "أثرة شديدة". # والأثرة: بفتح الهمزة والثاء على الأفصح الأشهر واللغة الثانية ضم الهمزة ~~وسكون الثاء. PageV05P113 # والأثرة: الاستئثار بالمشترك أي يستأئر عليكم ويفضل عليكم غيركم بغير حق. ~~قاله النووي (¬1). # وقال القرطبي: روايتنا هي الأولى. # قال أبو عبيد: أي يستأثر عليكم فيفضل [(¬2)] غيركم نفسه عليكم في الفيء. # والأثرة: اسم من أثر يؤثر إيثارا. # وقال الأزهري: الأثرة الإيثار والاسم: الأثر. # قال القرطبي: ورواه بعضهم بالثاني وأصل [الأثرة] (¬3) الفضل. # قال أبو عبيد: يقال: له علي أثرة أي فضل، ومعناها قريب من الأولى. # قلت: وفيه لغة ثالثة بكسر الهمز وإسكان الثاء، وهي قليلة (¬4)، قال أبو ~~علي القالي: ومعناها الشدة [وكان] (¬5) يتأول الحديث، ولكن التفسير السالف ~~أظهر، وعليه الأكثر. وسياق الحديث وسببه يشهد له وهو إيثارهم المهاجرين على ~~أنفسهم، كما PageV05P114 # جاء فأثر الأنصار المهاجرين أن فضلوهم فأجابهم -عليه الصلاة والسلام- بهذا. # الثالث والعشرون: هذا الحديث علم من أعلام نبوته، فإنه إخبار بما سيقع، ~~وقد وقع على وفق ما أخبر به من الاستئثار عليهم بالدنيا، فلم ينالوا رتبة ~~من رتب ولياتها. # الرابع والعشرون: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فاصبروا حتى تلقوني على ~~الحوض" أصل الصبر في اللغة الحبس، ومعناه حبس النفس عن حظوظها الدنيوية ~~رجاء للحظوظ الأخروية. فأمرهم -عليه الصلاة والسلام- بذلك لرضاه لهم ms0895 ~~بالأخرى على الأولى لعلمه وتحققه أنها خير من الأولى، كما أخبر الله ~~-تعالى- في كتابه العزيز (¬1) عن صحف إبراهيم وموسى - صلى الله عليه وسلم - ~~ولا شك أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد. والجميل منه الذي لا شكوى ~~فيه ولا جزع. ومن لم يتعاطاه ويوصي به ويقبل الوصية فهو في خسر، كما أخبر ~~-تعالى- به من سورة العصر. # الخامس والعشرون: في الحديث أن للإمام صرف بعض الخمس على ما يراه من ~~تفضيل الناس فيه، وأن يعطي الواحد منه الكثير وأنه يصرفه في مصالح ~~المسلمين، وله أن يعطي الغني منه لمصلحة. PageV05P115 # السادس والعشرون: فيه أيضا إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام منه. # السابع والعشرون: [فيه أيضا إقامة الحجة عند الحاجة إليها على الخصم كما سلف. # الثامن والعشرون] (¬1): فيه أيضا أن المؤمن إذا وجد [في] (¬2) نفسه شيئا ~~من فوات الدنيا وتحدث به لا ينقصه ولا يبطل ثوابه. # التاسع والعشرون: فيه استحباب الخطبة للإمام عند الأمر يحدث، سواء كان ~~الأمر خاصا بقوم أو عاما بالناس. # وذكر الماوردي في "حاويه" (¬3) في كتاب السير: أن سعد بن عبادة "دخل على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من ~~الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء فأعطيت غيرهم ~~وحرمتهم. قال: "فأين سعد من ذلك" قال: يا رسول الله! ما أنا إلا من قومي. ~~قال: "فأجمع لي قومك فلما اجتمعوا خطبهم" (¬4) الحديث. # الثلاثون: فيه تخصيص المخاطب بالنداء في الخطبة. # الحادي والثلاثون: فيه أيضا تذكير العاتب على فوات الدنيا بنعم الله عليه ~~الظاهرة والباطنة، ومن جرت على يديه أو بسببه. PageV05P116 # الثاني والثلاثون: فيه أيضا الأدب مع الله في الألفاظ وتنزيلها منازلها. # الثالث والثلاثون: فيه أيضا التخصيص على طلب الهداية والألفة والغنى. # الرابع والثلاثون: فيه أيضا أن المنة لله ورسوله على الإطلاق. # الخامس والثلاثون: فيه أيضا استعطاف العاتب وتبين الحجة لرد عتبه. # السادس والثلاثون: فيه أيضا وجوب مراعاة جانب الله -تعالى- ورسوله -عليه ~~أفضل الصلاة والسلام- وولاة الأمور العادلين وتقديمها على مصلحة نفس ms0896 ~~الإنسان لما فيها من مصالح الدنيا والدين. # السابع والثلاثون: فيه أيضا بيان فضل الأنصار ومزيتهم على غيرهم من الناس ~~كما سلف. # الثامن والثلاثون: فيه أيضا اتباع آثار أهل الفضل والإحسان والتحضيض عليه. # التاسع والثلاثون: فيه أيضا تقديم جانب الآخرة على جانب الدنيا. # الأربعون: فيه أيضا الأمر بالصبر عن حظوظ الدنيا وحطامها، وما استؤثر به ~~منها، وادخار ثواب ذلك للدار الآخرة التي لا تفنى. # *** PageV05P117 ### || AUTO 34 - باب صدقة الفطر # يقال: صدقة الفطر وزكاة الفطر وكلاهما نطق به الحديث الصحيح. # ويقال: للمخرج فطرة بكسر الفاء لا غير، وهي لفظة مولدة وكأنها من الفطرة ~~التي هي الخلقة، أي زكاة الخلقة، وشرعت تطهيرا للنفس وتنمية لعملها. # وقال وكيع بن الجراح: زكاة الفطر لشهر رمضان: كسجدتي السهو للصلاة، تجبر ~~نقصان الصوم، كما يجبر السجود نقصان الصلاة. # قلت: وكالهدي ليس الحج والعمرة، وكأنه أخذه من حديث ابن عباس أنه -عليه ~~الصلاة والسلام-: "فرض صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة ~~للمساكين"، رواه أبو داود بإسناد (¬1) PageV05P118 # حسن وصححه الحاكم على شرط البخاري. # فإن قلت: فقد وجبت على من لا إثم عليه ولا ذنب [كالصغير] (¬1)، والصالح ~~المحقق الصلاح، والكافر الذي أسلم قبل غروب الشمس بلحظة. # قلنا: التعليل بالتطهير لغالب الناس، كما أن القصر في السفر جوز للمشقة ~~فلو وجد من لا مشقة عليه فله القصر. # وقد قيل: إن الصيام يبقى موقوفا لا يرتفع إلى الله -عز وجل- على معنى ~~الرضا والقبول، إلا بعد إخراجها. # ولها حكمة أخرى وهي إغناء الفقراء عن السؤال يوم العيد، كما سلف في ~~الحديث الذي قدمناه، وذكر المصنف في الباب حديثين: # ... PageV05P119 ### ||| AUTO الحديث الأول # 177/ 1/ 34 - عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: فرض النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - صدقة الفطر -أو قال رمضان- على الذكر والأنثي والحر والمملوك: ~~صاعا من تمر، أو صاعا من شعير: قال: "فعدل الناس به نصف صاع من بر، على ~~الصغير والكبير" (¬1). # وفي لفظ: "أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" (¬2). PageV05P120 # الكلام عليه من سبعة عشر وجها: # الأول: في التعريف براويه وقد ms0897 سلف في باب الاستطابة. # الثاني: اختلف في معنى "فرض" على قولين. # أصحهما: عند الجمهور أوجب وألزم. # ثانيهما: بمعنى قدر، وهو أصله في اللغة [لكنه] (¬1) نقل في عرف الاستعمال ~~إلى الوجوب. فالحمل عليه أولى، لأن ما اشتهر في الاستعمال فالقصد إليه هو ~~الغالب (¬2) لمن قال بالأول قال: صدقة الفطر واجبة، وهو المشهور من مذاهب ~~العلماء [لأن] (¬3) الفرض يغلب استعماله شرعا في هذا المعنى، وهي داخلة ~~أيضا في عموم قوله -تعالي-: {وآتوا الزكاة} (¬4). # ونقل إسحاق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي الإجماع في ذلك (¬5). PageV05P121 # ومن قال بالثاني قال: إنها سنة (¬1)، وبه قال بعض أهل العراق وداود (¬2) ~~في آخر أمره، وابن اللبان من الشافعية، والقولان لمالك، والمشهور منهما ~~الأول، وإن كان بعض شيوخه المتأخرين كان يعتقد أن مشهور مذهبه الثاني، كما ~~نبه عليه الفاكهي. PageV05P122 # وقال أبو حنفية: هي واجبة لا فرض (¬1) على قاعدته في التفرقة بينهما. # وأغرب بعضهم فقال: إنها منسوخة بالزكاة (¬2) وهو غلط صريح. # ثم اختلفوا هل وجبت بعموم آي الزكاة أو بغيرها؟ وذلك الغير هل هو الكتاب ~~وهو قوله -تعالى-: {قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى (15)} (¬3)، أي ~~-صلاة العيد- أو السنة. فيه خلاف لأصحابنا حكاه الماوردي (¬4). # والمشهور أنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة عام فرض رمضان، وفي "سنن ~~النسائي" و"ابن ماجه" و"صحيح الحاكم" عن قيس بن سعد بن عبادة قال: "أمرنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما ~~نزلت: "لم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله" (¬5). # قال الحاكم: [حديث] (¬6) صحيح على شرط الشيخين، وهو دال على وجوبها ~~بالسنة، ولا دلالة فيه على إسقاطها, لأنه سبق الأمر به، والأصل بقاؤه. PageV05P123 # الوجه الثالث: اختلف العلماء في وقت وجوبها على أربعة أقوال. # أصحها: عندنا وعند المالكية تجب بغروب الشمس ليلة عيد الفطر، وهو مذهب ~~أحمد أيضا (¬1). PageV05P124 # وثانيها: تجب بطلوع الفجر ليلة العيد، وبه قال أبو (¬1) حنيفة. # وثالثها: تجب بمجموع الوقتين، وهذا القول خرجه صاحب "التلخيص"، وأنكره ~~الأصحاب. # ورابعها: تجب بطلوع شمس يوم العيد، وهو محكي في مذهب مالك، ms0898 حكاه القرطبي ~~وغيره، ولم يطلع عليه ابن العطار في شرحه، فقال: لا أعلم أحدا قال بوجوبها ~~بالطلوع، وعندهم أيضا قول آخر أنها تجب وجوبا موسعا من الغروب إلى الطلوع. ~~وحكى عندهم الأول والثاني أيضا، فهذه أربعة أقوال عندهم، وعندنا الثلاثة ~~الأول فقط. PageV05P125 # وتظهر فائدة هذا الخلاف فيما إذا ولد له ولد أو تزوج امرأة أو ملك عبدا ~~أو باعه أو أسلم عبده الكافر أو مات فيما بين هذه الأزمان ولا يخفى عليك ~~تفريعه وارتداد الزوج والرقيق وطلاقها البائن كالموت، وسبب هذا الخلاف أن ~~الشرع قد أضاف هذه الزكاة للفطر، وهل هو الفطر المعتاد في سائر الشهر فيكون ~~الوجوب من وقت الغروب أو الفطر المعتاد في كل يوم فيكون من طلوع الشمس أو ~~المراد أول الفطر المأمور به يوم الفطر، فيكون من طلوع الفجر. # وقال ابن قتيبة: معنى صدقة الفطر أي صدقة النفوس. والفطرة أصل الخلقة، ~~وهذا بعيد بل مردود (¬1)، كما قال القرطبي بقوله في رواية لمسلم: "صدقة ~~الفطر من رمضان". # وقال الشيخ تقي الدين (¬2): قوله "صدقة الفطر" أو قال: "رمضان" وفي رواية ~~أخرى "من رمضان" قد يتعلق به من يرى أن وقت الوجوب غروب الشمس من ليلة ~~العيد، وقد يتعلق به من يرى أن وقت الوجوب طلوع [شمسه] (¬3) من يوم العيد ~~وكلاهما ضعيف. لأن إضافتها إلى الفطر من رمضان (¬4) [لا يستلزم أنه وقت ~~الوجوب، PageV05P126 # بل يقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر في رمضان] (¬1)، فيقال حينئذ: ~~[بالوجوب] (¬2) بظاهر لفظة: "فرض" ويؤخذ وقت الوجوب من أمر آخر. # الرابع: قوله: "على الذكر والأنثى والحر والمملوك" (¬3) [يقتضي] (¬4) هذا ~~اللفظ وجوب إخراج الفطرة عن هؤلاء المذكورين وإن كانت لفظة "على" [يقتضي] ~~(¬5) الوجوب عليهم أنفسهم ظاهرا. # وقد اختلف الفقهاء في الذي يخرج عنهم هل باشرهم الوجوب أو لا؟ والمخرج ~~عنهم يتحمله أو الوجوب يلاقي المخرج أو لا؟ PageV05P127 # وهما وجهان عندنا وقيل: قولان مستنبطان أصحهما أولهما فمن قال به أخذ ~~بظاهر الحديث حملا للفظة "علي" على مقتضاها. ومن قال بالثاني تأول لفظة ~~"على" بمعنى "عن" وهذا الخلاف ms0899 له فوائد فروعية ذكرتها في "شرح المنهاج" وغيره. # الخامس: قوله: "على الذكر والأنثى". تقتضي أيضا الإخراج عن كل غني أو ~~فقير ممن تعلق الوجوب به وهو كونه: "من المسلمين" (¬1) كما قيد في الصحيح ~~خلافا لأبي حنيفة وأصحابه، حيث قالوا: لا تلزم من يحل له أخذها. # السادس: مقتضاه أيضا الإخراج عن الصغير وبه صرح في آخره، ولا خلاف عند من ~~يقول: إنها تخرج بسببه أن وليه هو الذي يخاطب بإخراجها إذ الصبي لم يجر ~~عليه بعد قلم التكليف. # قال ابن بزيزة: وهو قول جمهور العلماء. قال: وجمهورهم على أنها غير واجبة ~~على الجنين في بطن أمه. # ومن شواذ الأقوال إخراجها عنه، قال: وروينا عن عثمان وسليمان بن يسار ~~أنهما كانا [يخرجانها] (¬2) عنه (¬3). PageV05P128 # ونقل عن قوم من السلف أنه إذا كمل الجنين في بطن أمه أربعة أشهر قبل ~~الفجر وجب الإخراج عنه، وإنما خص الأربعة أشهر بذلك للاعتماد على حديث ابن ~~مسعود (¬1) أن الخلق يجمع في بطن أمه أربعين يوما. # [الوجه] (¬2) السابع: مقتضاه أيضا الإخراج عن البادي كالحاضر وهو مذهب ~~الجمهور وخالف الليث وربيعة والزهري وعطاء، فقالوا PageV05P129 # وجوبها خاص بأهل الحاضرة والقرى دون أهل العموم والخصوص (¬1). # الثامن: ذهب الجمهور إلى وجوب إخراجها على الزوج، وخالف الكوفيون فقالوا: ~~إنما يجب عليها وهو مقتضى الحديث. # وأجاب الجمهور عنه: بأن "على" بمعنى "عن" أو أنها وجبت عليها ثم تحملها الزوج. # التاسع: قوله "والحر والمملوك" ذهب الجمهور إلى أن المملوك ليس مخاطبا ~~بها, لأنه لا شيء له ولو كان له مال فسيده قادر على انتزاعه. وخالف داود ~~(¬2) فأوجبها عليه تمسكا بهذا الحديث. وقال: على سيده أن يتركه لاكتسابها ~~كما لا يمنعه من صلاة الفرض. # وأجاب الجمهور: بما تقدم في فطرة الزوجة. # وإذا قلنا بقولهم: فهل يخاطب السيد بإخراجها عنه أم لا؟ # جمهورهم أيضا على أنه يجب عليه ذلك، لأنه يلزمه نفقته ومؤنته، وهذه من ~~جملة المؤن، فإن المخاطب بإخراجها مكلف الواجد لها حين الوجوب عن نفسه وعن ~~من تلزمه نفقته (¬3). PageV05P130 # فرع: لو كان لعبده عبد. # قال ms0900 ابن بريزة: اختلف الفقهاء في لزوم إخراجها عنه، والصحيح نعم، لأن ~~الكل ملكه (¬1). # فرع: لو انقطع خبر عبده فالأصح عندنا وجوب إخراج فطرته في الحال. # ومذهب مالك الوجوب، وإن كانت الغيبة قريبة مرجوة. # وقال قوم: تجب مطلقا لبقاء الملك. # ونقل الفاكهي عن الشافعي أنها لا تؤدى عنه مطلقا، لما يتطرق إليه من ~~الإغرار واحتمال الحياة والموت قال وهو أصله في منع بيع الغائب على الصفة، ~~وهذا عجيب، فهذا قول ضعيف عنده. والصحيح من مذهبه ما قدمناه. # العاشر: "الصاع": مكيال معروف. وقد تقدم ذكره [وضبطه] (¬2) في آخر باب ~~الجنابة. وأن الأصح أنه خمسة أرطال وثلث، وخالف أبو حنيفة فجعله ثمانية ~~أرطال. واستدل مالك بنقل الخلف عن السلف بالمدينة، وهو استدلال قوي صحيح في ~~مثل هذا, ولما ناظر أبا يوسف بحضرة الرشيد في هذه المسألة رجع أبو يوسف إلى ~~قوله لما استدل بذلك (¬3). PageV05P131 # فرع: الصواب اعتماد الكيل في الصاع، وأبعد من اعتمد فيه الوزن. # الحادي عشر: قوله: "صاعا من تمر أو صاعا من شعير" "من" فيه لبيان الجنس ~~المخرج. # قال القاضي عياض: واختلف في النوع المخرج، فأجمعوا على أنه يجوز البر ~~والزبيب والتمر والشعير، إلا خلافا في البر لا يعتد به، وخلافا في الزبيب ~~لبعض المتأخرين، وكلاهما مسبوق بالإجماع، مردود قوله به. وأما الإقط فأجازه ~~مالك والجمهور (¬1). # ومنعه الحسن: وهو قول للشافعي. # وقال أشهب: لا يخرج إلا هذه الخمسة. # وقاس مالك (¬2) على هذه الخمسة كل ما هو عيش أهل بلد من PageV05P132 # القطاني وغيرها، وعن مالك قول آخر أنه لا يجزىء غير المنصوص في الحديث. ~~وما في معناه ولم يجز عامة العلماء إخراج الزكاة في القيمة وأجازه أبو ~~حنيفة (¬1). PageV05P133 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P134 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P135 # وقال أصحابنا: جنس الفطرة فكل حب معشر، وكذا الإقط على الأظهر كما تقدم، ~~وأصح الأوجه أنه يتعين غالب قوت بلده. # وقيل: قوته. # وقيل: يخير بين الأقوات لظاهر "أو" المذكورة. # وأجاب الأولون: عن ذلك لأنها للتنويع كما في قوله -تعالى-: {أن يقتلوا أو ~~يصلبوا ...} الآية (¬1) ويجزىء [الأعلى عن الأدنى] (¬2) ولا عكس، والاعتبار ~~بزيادة الاقتيات [لا ms0901 القيمة في الأصح] (¬3). # الثاني عشر: قوله: "فعدل الناس به نصف صاع من بر" الضمير من "به" عائد ~~على التمر، وهو مذهب أبي حنيفة، وجماعة (¬4) من السلف في البر، وأنه يخرج ~~نصف صاع. # قال القرطبي: واحتجوا بأحاديث لم يصح عند أهل الحديث شيء منها، وكذا قال ~~النووي (¬5) وأن ضعفها بين. # وخالفهم الجمهور، فقالوا: الواجب من ذلك صاع أيضا, PageV05P136 # لحديث أبي سعيد الآتي (¬1) لأن فيه: "صاعا من طعام" وهو البر كما سيأتي، ~~ولأنه ذكر أشياء قيمتها مختلفة، وأوجب في كل نوع منها صاعا. فدل على أن ~~المعتبر صاع ولا نظر إلى قيمته. # وقوله: "فعدل الناس به" هو معاوية كما ستعلمه في الحديث الآتي. # قال القاضي عياض: ولم يقل بذلك معاوية في كل بر، وإنما قاله في سمراء ~~الشام (¬2) [وخالفهم الجمهور، فقالوا: الواجب من ذلك صاع أيضا، لحديث أبي ~~سعيد الآتي، لأن فيه صاعا من طعام، وهو البر كما سيأتي، ولأنه ذكر أشياء ~~فيها] (¬3). # الثالث عشر: قوله في لفظ "أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" يعني إلى ~~صلاة عيد الفطر. وبهذا قال جمهور العلماء واستحبوه، وليستغني بها المساكين ~~عن السؤال في ذلك اليوم، ويتفرغ قلبهم لما هم بصدده من العبادات، وهو سر ~~الحديث المرفوع: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" (¬4) وكرهوا تأخيرها عن PageV05P137 # يوم الفطر، ورخص بعضهم في تأخيرها، وقاله مالك وأحمد. # قال القرطبي: ومشهور مذهب مالك أن آخر يوم الفطر آخر وقت أدائها (¬1)، ~~وما بعد الفطر وقت قضائها. # ومذهب الشافعي والجمهور: أنه يحرم (¬2). تأخيرها عن يومه، PageV05P138 # فلو أخرها بالنية وعينها لمستحقيها ولم يتفق له قبضها جاز، لأنه لم يؤخر ~~عن يوم العيد في المعنى، نص على ذلك أصحابنا كما نقله عنهم ابن العطار في ~~شرحه، ولا يحضرني من نقله ذلك عنهم غيره. # فرع: يجوز عندنا تعجيل الفطرة من أول رمضان ويمتنع قبله (¬1). # وعند المالكية: حكاية قولين في جواز تقديمها بيوم أو يومين أو ثلاثة. وفي ~~الموطأ عن ابن عمر: أنه كان يؤديها قبل الفطر بيومين PageV05P139 # أو ثلاثة (¬1). # الرابع عشر: يؤخذ من ms0902 الحديث جواز قول "رمضان" من غير إضافة إلى شهر من ~~غير كراهة. # واختلف السلف في كراهته. # والأصح: لا كراهة، سواء كان هناك قرينة أو لم يكن. # وقيل: يكره وفيه حديث لكنه ضعيف (¬2). PageV05P140 # وقيل: إن كان هناك قرينة تدل على الشهر لم يكره وإلا كره. # الخامس عشر: فيه أيضا وجوب إخراج الصاع من كل نوع يخرج كما سلف بالخلاف فيه. # السادس عشر: فيه أيضا أنه لا يجوز تأخير الفطرة عن يوم العيد كما سلف. ~~وأن الأفضل إخراجها قبل الخروج إلى المصلى وتأخيرها عن الخروج مكروه عند ~~أبي الطيب. # وقال البندنيجي: يكون تاركا للأفضل. # السابع عشر: فيه أيضا أن الاجتهاد والعمل به لا ينعقد مع وجود النص أو ~~الظاهر المعمول به. فإنه ترك اجتهاد معاوية في تعديل البر، وعمل بالنص أو ~~الظاهر الموصوف، كما سيأتي في الحديث بعده. # [الثامن عشر] (¬1): قال [المازري] (¬2) قوله في رواية مسلم: فرض رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "زكاة الفطر من رمضان"، إلى آخره فيه دلالة ~~لمن يقول لا تجب إلا على من صام رمضان، ولو يوما واحدا، لأنها طهرة للصائم ~~من اللغو والرفث. PageV05P141 # خاتمتان [الأولى] (¬1): لا تخرج الفطرة إلا عن مسلم، فلا يلزم المسلم ~~فطرة العبد والقريب والزوجة الكفار، وبه قال مالك والشافعي والجمهور. # وقال الكوفيون وبعض السلف: يجب على العبد الكافر. # قال النووي في "شرح المهذب" (¬2): ولا خلاف في ذلك عندنا (¬3). # قلت: قد حكى القاضي حسين وجها: أن المسلم يخرج الفطرة عن العبد الكافر ~~(¬4) بناء على أن الوجوب يلاقي السيد أولا PageV05P142 # وهو من أهله وطرده في "التتمة" في الزوجة والقريب، حكاه عنهما ابن الرفعة ~~في "كفايته". # وتأول الطحاوي قوله: "من المسلمين" في الحديث الصحيح: على أن المراد به ~~السادة دون العبيد، وهو مردود بظواهر الأحاديث (¬1). # الثانية: لا تجب (¬2) الفطرة عند الشافعي والجمهور إلا على من ملك فاضلا ~~عن قوته وقوت عياله يوم العيد. واعتبر أبو حنيفة النصاب. PageV05P143 # وقال سفيان: من له خمسون درهما وجبت عليه. # وقال بعضهم: من له أربعون، ومشهور مذهب مالك وجوبها على ms0903 من عنده قوت يومه معها. # وقيل: إنما تجب على من لا يجحف به إخراجها (¬1). # ... PageV05P144 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 178/ 2/ 34 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "كنا نعطيها في زمن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من ~~شعير أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب، فلما جاء معاوية وجاءت السمراء، ~~قال: أرى مدا من هذا يعدل مدين. # قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه" (¬1). # الكلام عليه من أحد عشر وجها، وهو حديث ملحق بالمسند عند المحققين من ~~الأصوليين لأن مثل هذا لا يأمر به غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ~~يخفي مثله عنه، ولا يذكره الصحابي في معرض الاحتجاج إلا وهو مرفوع إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: PageV05P145 # الوجه الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في باب المواقيت. # الثاني: قوله: "صاعا "هو منصوب: إما على البدل من الهاء والألف في نعطها ~~إذ هما ضمير الصدقة، وإما على الحال، ويكون صاعا بمعنى مكيلا. # الثالث: المراد بالطعام: هنا البر (¬1) بدليل ذكر الشعير بعده، PageV05P146 # وهو عرف أهل الحجاز في ذلك. # وقد ورد في رواية أبي داود (¬1): "أوصاعا من حنطة" لكنه قال: وليس ~~بمحفوظ. # الرابع: "الأقط": بفتح الهمزة وكسر القاف ويجوز إسكان القاف مع فتح ~~الهمزة وكسرها كنظائره. PageV05P147 # وقال ابن سيده: الأقط مثلث بهمزة مع سكون القاف، والأقط: بفتح الهمزة ~~وكسر القاف، وهو شيء يعمل من ألبان المخيض. # وقال ابن الأعرابي: يعمل من ألبان الإبل خاصة. # وقال الشيخ زكي الدين المنذري: في باب أكل الضب: هو جبن اللبن المستخرج. # وقال النووي: في "تحريره" هو لبن يابس غير منزوع الزبد. # الخامس: "السمراء": الحنطة الشامية وهي خلاف حمولة وهي البيضاء. # السادس: تقدم الكلام على هذا الحديث [في الحديث] (¬1) قبله واضحا، وهل ~~تعين هذه لأنها كانت أقواتا في ذلك الوقت أو لتعلق الحكم بها مطلقا. # السابع: فيه دلالة صريحة على إجزاء الأقط، وإبطال لقول من منعه، وطعن ابن ~~حزم (¬2) في الحديث لا يقبل، ms0904 كما أوضحته في "تخريج أحاديث الوسيط"، فراجعه منه. # وشرط أصحابنا في أجزائه أن لا يكون مملحا أفسد كثرة الملح جوهره لأنه ~~عيب، فإن كان الملح ظاهرا عليه فالملح غير محشو به، والشرط أن يخرج قدر ما ~~يكون محض الأقط منه صاعا، والرجوع في ذلك إلى أهله كما ذكره العجلي. PageV05P148 # وقال الماوردي (¬1): والخلاف في إجزاء الأقط إنما هو في أهل البادية، ~~وأما الحاضرة فلا يجزيهم قولا واحدا. ذكره في باب كفارة الظهار، ورد عليه ~~النووي في "شرح المهذب" (¬2). # فقال: الصحيح الذي قطع به الجمهور أنه لا فرق بين الحاضرة والبادية، ~~وحديث أبي سعيد يعني هذا صريح في إبطاله، وإن كان قد تأوله على أنه كان من ~~أهل البادية، وهو تأويل باطل. # الثامن: قول معاوية: "أرى مدا من هذا يعدل مدين"، قاله على المنبر، كما ~~أخرجه مسلم وهو الذي اعتمده أبو حنيفة، ومن وافقه في جواز نصف صاع حنطة، ~~وقدموه على خبر الواحد، وخالفه الجمهور في ذلك كما قدمته في الحديث قبله. # والجمهور يجيبون عنه بأنه: قول صحابي قد خالفه أبو سعيد، وغيره ممن هو ~~أطول صحبة منه، وأعلم بأحوال الشارع، وإذا اختلفت الصحابة لم يكن بعضهم ~~أولى من بعض، فيرجع إلى دليل آخر، وظاهر الأحاديث والقياس متفقة على اشتراط ~~الصاع من الحنطة كغيرها، فوجب اعتماده، وقد صرح معاوية بأنه رأي رآه، لا ~~أنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان عند أحد من حاضرى مجلسه ~~مع كثرتهم تلك اللحظة علم في موافقة معاوية عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لذكره كما جرى في غير هذه القصة. وما أسلفناه من خلاف أبي سعيد لمعاوية ~~هو الظاهر، وإن كان يحتمل أن يكون أخبر أنه لا ينقص شيئا مما كان يخرجه، ~~وأنه فعل ذلك تورعا واحتياطا لكن فيه بعد. PageV05P149 # تنبيه: أجرى أبو حنيفة ومن وافقه قوله السالف في الحنطة في الزبيب، وقال: ~~إنه يجزي نصف صاع منه. نقله النووي في "شرح مسلم" (1) ورأيت في شرح هذا ~~الكتاب للصعبي إلحاق التمر بالزبيب وكأنه ms0905 غلط. # التاسع: فيه دلالة على أن فعل الشيء في حياته - صلى الله عليه وسلم - حجة ~~في فعله وتقريره، لأن الظاهر علمه -عليه الصلاة والسلام- به، كيف والوحي ~~كان ينزل، فلو لم يجز لنزل الوحي بمنعه، كيف وما يتعلق بشرع عام دائم. # العاشر: فيه دلالة أيضا على أنه لا يجوز لمن علم النص أن يرجع إلى اجتهاد ~~المجتهد من العلماء، بل يجب على المجتهد الإقرار بالرأي والتسليم للنص، كما ~~ثبت عن معاوية في هذه المسألة لما بلغه حديث أبي سعيد هذا قال: إنه رأي رآه ~~لا أنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الحادي عشر: فيه الثبوت على السنة والعمل بها وعدم الرجوع إلى قول من رأى ~~خلافها وإن طالت المدة، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: "عضوا عليها ~~بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! ". # ... PageV05P150 ### | AUTO كتاب الصيام PageV05P151 ### || AUTO 35 - باب الصيام # نفتتحه بمقدمات: # الأولى: في حقيقة الصيام لغة وشرعا: وهو في اللغة: الإمساك. # وفي الشرع: إمساك مخصوص، من شخص مخصوص، عن شيء مخصوص، في زمن مخصوص. # [الثانية] (¬1): كان فرض رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة فصام ~~-عليه الصلاة والسلام- تسع رمضانات، وأكثرها تسع وعشرون يوما، كما جاء في ~~[رواية] (¬2) أبي داود (¬3) من حديث ابن مسعود. # الثالثة: اختلف في اشتقاق رمضان. # فقيل: إنه كان يوافق زمن الحر والقيظ مشتق من الرمضاء وهي PageV05P153 # الحجارة الحارة، لأن الجاهلية كانت تلبس في كل ثلاث سنين شهر، فيجعلون ~~المحرم صفرا حتى لا تختلف شهورها في الحر والبرد، وذلك هو النسيء الذي حرم ~~الله -تعالى- (¬1) وكذا ربيع في زمان الربيع، وجمادى في جمود الماء، فلما ~~حرم النسيء اختلفت المشهور في ذلك. # [وقيل: لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وفيه حديث مرفوع عن أنس (¬2). # وقيل: غير ذلك] (¬3) وله عدة أسماء. وفي البزار (¬4) "سيد PageV05P154 # المشهور شهر رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة". # [الرابع] (¬1): اختلف في ابتداء فرض الصيام على ثلاثة أقوال: # أحدها: عاشوراء (¬2) قال البيهقي في كتابه فضائل الأوقات (¬3): والأصح ~~أنه لم يجب قط. # وثانيها: أيام البيض (¬4) لقوله -تعالى-: {أياما PageV05P155 # معدودات} ثم نسخ ms0906 بقوله -تعالي-: {شهر رمضان} إلى قوله: {فليصمه} والأصح ~~أن المراد بالمعدودات: أيام شهر رمضان لما في قوله -تعالى-: {أياما ~~معدودات} من الإطلاق والإبهام فتخصص وتبين بقوله: {شهر رمضان} فتكون الآية ~~على هذا منسوخة. # وقيل: أول ما فرض الصوم كان المطيق مخيرا بين أن يصوم أو يهدي، والصوم ~~أفضل، وذلك في قوله -تعالى-: {وعلى الذين يطيقونه فدية} (¬1)، ثم نسخ ~~التخيير بقوله -تعالى-: PageV05P156 # {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} إذا تقررت هذه المقدمات فلنرجع إلى ما نحن ~~بصدده فنقول: ذكر المصنف -رحمه الله- في الباب ثمانية أحاديث: # ... PageV05P157 ### ||| AUTO الحديث الأول # 179/ 1 /35 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين (¬1)، إلا رجلا كان ~~يصوم صوما فليصمه" (¬2). # الكلام عليه من عشرة أوجه: # الأول: قوله: "لا تقدموا [رمضان] (¬3) "أصله لا تتقدموا بتائين فحذفت ~~إحداهما تخفيفا ومه قوله -تعالى-: {ولا تيمموا PageV05P158 # الخبيث} (¬1)، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا تقاطعوا ولا تدابروا" ~~الحديث ومثل ذلك. # واعلم أن شرط جواز الحذف في مثل هذا تماثل الحركتين، كما هو ههنا، فإن ~~اختلفتا لم يجز الحذف لو قلت تتغافر الذنوب وتتعلم الحكمة ونحو ذلك لم يجز ~~الحذف لاختلاف الحركتين. # الثاني: فيه دلالة على أنه يقال: رمضان من غير ذكر الشهر، بلا كراهة، وهو ~~الصحيح، سواء كان هناك قرينة أو لم تكن. # وقيل: يكره إلا أن يقول شهر رمضان، وفيه حديث لكنه ضعيف (¬2). # وقيل: إن كان هناك قرينة تدل على الشهر لم يكره وإلا كره وقد [تقدم] (¬3) ~~ذلك أيضا في الحديث الأول من باب زكاة الفطر. # الثالث: فيه التصريح بالنهي عن إنشاء الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين ~~تطوعا من غير عادة وذلك على طريق الاحتياط لرمضان ومقتضاه أنه يجوز بأكثر ~~وهو مقتضى كلام البندنيجي وابن الصباغ من أصحابنا. وحاصل الخلاف عندنا في ~~المسألة أربعة أوجه. # أحدها: هذا. # وثانيها: أنه إذا انتصف شعبان يحرم الصوم، وبه قطع PageV05P159 # المحققون من أصحابنا، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إذا انتصف شعبان فلا ~~تصوموا" (¬1)، رواه ms0907 أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي هريرة، وصححه الترمذي ~~وابن حبان. والقائل بهذا يجيب عن حديث أبي هريرة الذي في الكتاب بأن قوله ~~"بيوم ولا يومين" ليس للتخيير وإنما هو لتبيين المنع من التقديم عليه ~~بالصوم، لأنه الغالب في الواقع ممن يقصد استقبال الشهر وأمد المنع فيه نصف ~~شعبان كما هو مبين في حديث أبي هريرة الآخر (¬2). # والوجه الثالث: أنه يجوز ولا يكره، وبه قطع المتولي، وقال في الحديث الذي ~~أوردناه: إنه غير ثابت عند أهله (¬3). PageV05P160 # والرابع: يكره كراهة تنزيه واختار الروياني. # الرابع: ذكر بعضهم في النهي عن [تقدم] (¬1) رمضان بالصوم إنما كان لأجل ~~التقوى على صيام رمضان وهو بعيد، فإن ذلك إذا PageV05P161 # أضعف عن رمضان [كان] (¬1) شعبان كله أولى بأن يضعف، وقد قام الإجماع على ~~جواز صومه كله، بل على استحبابه. وقد روى أصحاب السنن الأربعة عن أم سلمة ~~أنه -عليه الصلاة والسلام-: "لم يكن يصم من السنة شهرا تاما إلا شعبان يصله ~~برمضان" (¬2) وقال الترمذي: حسن. # وحمل المازري (¬3): النهي على من صام تعظيما للشهر واستقبالا له بذلك -أي ~~لئلا يزاد في العبادة ما ليس فيها- فأما إن صام يوم الشك على جهة التطوع ~~ففيه خلاف، سيأتي. # وترجم النسائي (¬4) على هذا الحديث: التسهيل في صيام يوم الشك، وفيه نظر. # الخامس: ذكر بعضهم: أن ظاهر حديث أبي هريرة هذا معارض بقوله -عليه الصلاة ~~والسلام- لرجل: "هل صمت من سرر شعبان شيئا؟ ". قال: لا. قال: "فإذا أفطرت ~~فصم يوما" (¬5)، PageV05P162 # وفي رواية "يومين" رواه الشيخان من حديث عمران بن الحصين. # والمراد: بسرر شعبان آخره، لأن الهلال يستسر ليلة أو ليلتين وجمع بينهما ~~بأن الرجل كان [قد] (¬1) أوجب على نفسه صيام آخر الشهر [(¬2)] بنذر فأمره - ~~صلى الله عليه وسلم - بالوفاء به أو كان [الصوم] (¬3) آخر الشهر عادة له، ~~فتركه لاستقبال رمضان لأجل النهي عن تقدمه، واستحب له النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يقضيه لكونه عادة له. # وقال بعضهم: بل قوله: "هل صمت من سرر شعبان" سؤال زجر وإنكار لأنه قد نهى ~~عن تقدم رمضان ms0908 بيوم أو يومين، فلا يكون بينهما معارضة. وإن أريد بسرر شعبان ~~أوله على ما ذكره بعضهم: أن سرر الشهر أوله، فلا معارضة إذن (¬4). # السادس: فيه الرد على الروافض الذين يرون تقدم الصوم على الرؤية فإن ~~رمضان اسم لما بين الهلالين فإذا صام قبله يوما فقد تقدم عليه (¬5). PageV05P163 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P164 # السابع: فيه تبيين لمعنى الحديث الذي فيه "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته". ~~فإن اللام في قوله "لرؤيته" للتأقيت، لا للتعليل، كما زعمت الروافض، ولو ~~كانت للتعليل لم يلزم تقديم الصوم على الرؤية أيضا، كما تقول: أكرم زيدا ~~لدخوله. فلا يقتضي تقديم الإكرام على الدخول، ونظائره كثيرة. وحمله على ~~التأقيت لا بد فيه من احتمال تجوز، خروج عن الحقيقة. لأن وقت الرؤية -وهو ~~الليل- لا يكون محلا للصوم (¬1). كذا قال الشيخ تقي الدين. # وأجاب الفاكهي: بأنا إذا حملنا "صوموا" على "انووا الصيام" PageV05P165 # لم يكن فيه تجوز البتة، إذ الليل كله ظرف لإيقاع نية الصوم فيه (¬1). # الثامن: فيه عدم النهي عن تقديم يوم أو يومين لرمضان بالصوم لمن له عادة ~~في غير شعبان أن يصوم أواخره، وسواء كانت عادته بنذر أو تطوع، فإنه داخل ~~تحت إطلاق الحديث ومن صور النذر: لله علي أن أصوم يوم قدوم فلان. فوافق ذلك ~~ما قبل رمضان بذلك القدر. # التاسع: يدخل تحت النهي صوم يوم الشك، وهو عبارة عن اليوم الذي يتحدث ~~الناس برؤيته أعني الهلال، أو يشهد بها صبيان أو عبيد أو فسقة. وقد اختلف ~~السلف فيمن صامه تطوعا بغير سبب. # والأصح عندنا: منعه. # وعند المالكية: في صومه تطوعا ثلاثة أقوال: # ثالثها: يصومه من عادته سرد الصوم دون غيره. وعندهم أنه يصومه أيضا من نذره. # وأوجب صومه عن رمضان أحمد وجماعة، بشرط أن يكون هناك غيم. PageV05P166 # العاشر: قال ابن العربي (¬1): كما لا يجوز استقبال رمضان لا يجوز تشييعه ~~قال: ومن أجله قلنا في قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من صام رمضان وأتبعه ~~ستا من شوال كان كصيام الدهر" (¬2) [أنه] (¬3) لا يحل صلتها بيوم الفطر لكن ~~يصومها متى كان، لأن المقصود: أن من ms0909 صام رمضان فقد حصل له أجر عشرة أشهر PageV05P167 # ومن صام ستة أيام فقد حصل أجر شهرين وذلك الدهر، وأفضلها أن يكون في عشر ~~ذي الحجة، إذ الصوم فيه أفضل منه في شوال، فإن قال: لعلي أموت؟ قيل له: ~~صمها في شعبان. هذا كلامه وهو عجيب. فأين المتابعة بصوم ست من شوال؟ وحمل ~~القاضي على ذلك التعصب لمذهبه والحق أحق بالاتباع في استحباب صومها، فقد ~~صحت فيه عدة أحاديث كما أوضحته في "تخريج أحاديث المهذب" فراجعها منه تجد ~~ما يشفي الغليل (¬1). PageV05P168 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P169 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # ... PageV05P170 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 180/ 1/ 35 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، ~~فإن غم عليكم فاقدروا له" (¬1). # الكلام من عشرة أوجه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إذا رأيتموه" هو من الضمير الذي ~~يفسره سياق الكلام، كقوله -تعالى-: {إنا أنزلناه في PageV05P171 # ليلة القدر (1)} (¬1)، وقوله: {فأثرن به نقعا (4)} (¬2)، أي إذا رأيتموا ~~الهلال، وقد جاء في بعض روايات مسلم (¬3): "لا تصوموا حتى تروا الهلال". # قال أهل اللغة (¬4): يقال: هلال من أول ليلة، إلى الثالثة ثم يقال: قمر ~~بعد ذلك. # الثاني: قوله: "فصوموا" أي انووا الصيام، لأن الليل ليس محلا للصوم كما تقدم. # الثالث: قوله: "فإن غم عليكم" معناه: حال بينكم وبينه غيم يقال: غم وأغمي ~~وغمي بتشديد الميم وتخفيفها، والغين مضمومة فيهما ويقال: "غبي" (¬5): بفتح ~~الغين وكسر الباء وكلها لغات صحيحة، وقد غامت السماء [وغيمت] (¬6)، وأغامت ~~وتغيمت وغيمت كلها بمعنى. # وقيل: معنى هذه الألفاظ مأخوذة من أغما (¬7) المريض، يقال: PageV05P172 # غمى وأغمى عليه, والرباعي أفصح. # قال القاضي عياض (¬1): وقد يصح أن ترجع إلى إغماء السماء والسحاب، وقد ~~يكون [أيضا] (¬2) من التغطية، ومنه قولهم: غممت الشيء إذا سترته، والغمى ~~مقصور ما سقفت به البيت من شيء، وروي "عمي" بالعين المهملة والميم المخففة. ~~حكاه القاضي أيضا ومعناه: خفي يقال: عمي علي الخير أي خفي. # وقيل: هو مأخوذ من العماء، وهو السحاب الرقيق. # وقيل: المرتفع أي دخل في العماء أو يكون من العمى ms0910 المقصود وهو عدم ~~الرؤية. # الرابع: قوله: "فاقدروا له". قال أهل اللغة: [قد] (¬3) (¬4) قدرت الشيء ~~أقدره، وأقدره، وقدرته، وأقدرته بمعنى واحد وهو من التقدير، ومنه قوله ~~-تعالى-: {فقدرنا فنعم القادرون (23)} (¬5). # واختلف العلماء في معناه في الحديث: # فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور السلف والخلف: PageV05P173 # معناه قدروا له تمام العدد ثلاثين يوما، ويؤيده روايات مسلم (¬1): "فعدوا ~~ثلاثين"، "فاقدروا ثلاثين"، "فصوموا ثلاثين"، "فأكملوا العدد"، ورواية ~~البخاري (¬2): "فأكملوا عدة شعبان [ثلاثين] (¬3) ". # وقال أحمد بن حنبل وطائفة: معناه: ضيقوا له (¬4) -أي قدروه PageV05P174 # تحت السحاب- ولهذا أوجب صوم ليلة الغيم عن رمضان، لكن قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "فصوموا ثلاثين"، "وأكملوا عدة شعبان ثلاثين" لا يدلان على عدم ~~التقدير لشعبان دون رمضان، ولا عكسه بل لهما، فالتخصيص بأحدهما من غير مخصص خلف. # وقال مطرف بن عبد الله وابن سريج وابن قتيبة وآخرون من PageV05P175 # المالكية وغيرهم: معناه قدروه بحساب المنازل الذي يراه المنجمون، وهو ~~ضعيف جدا (¬1) لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم PageV05P176 # فإن ذلك لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما تعرف إليهم بما يعرفه جماهيرهم، ~~وأيضا فإن الأقاليم على رأيهم مختلفة، يصح أن يرى في إقليم دون إقليم فيؤدي ~~ذلك إلى اختلاف الصوم عند أهلها، مع كون الصائمين منهم لا يعولون غالبا على ~~طريق مقطوع [به] (¬1)، ولا يلزم قوما ما يثبت عند قوم. وأيضا لو كان معتبرا ~~لبينه الشارع للناس كما بين أوقات الصلاة وغيرها، وأما قوله -تعالى-: ~~{وبالنجم هم يهتدون (16)} (¬2)، فالمراد: الاهتداء في طريق البر والبحر. PageV05P177 # قال الشيخ تقي الدين: والحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم، لمفارقة ~~القمر للشمس، على ما يراه المنجمون من [تقدم] (¬1) الشهر بالحساب على الشهر ~~بالرؤية يوم أو يومين، فإن ذلك إحداث لسبب لم يشرعه الله -تعالى-، وأما إذا ~~دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى، لولا وجود المانع ~~-كالغيم مثلا- فهذا يقتضي الوجوب، لوجود السبب الشرعي. وليس حقيقة الرؤية ~~بشرط في اللزوم، فإن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم أن اليوم ~~من رمضان، بطريقة ms0911 يجب (¬2) عليه PageV05P178 # الصوم، وإن لم ير الهلال، ولا أخبره من رآه. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إذا رأيتموه" علق الحكم بالرؤية ~~ولا يراد بها رؤية كل فرد من الأفراد بل مطلق الرؤية ويكفي فيها رؤية عدل ~~لجميع الناس على أظهر القولين عند الشافعي، ونص عليه في القديم ومعظم ~~الجديد، وبه قال أحمد: على أصح الروايتين عنه، ونقله البغوي (¬1) في "شرح ~~السنة" [عن] (¬2) الأكثرين، وفي قول في البويطي: عدلان. # وقال البغوي في "شرح السنة" (¬3): أنه أظهر قولي الشافعي قاله بعد أن حكى ~~الأول قولا عنه، ورأيت في "الأم" (¬4). ما يقتضيه: فإنه لما قال أولا، فإن ~~لم تر العامة هلال رمضان ورآه رجل عدل رأيت أن أقبله للأثر والاحتياط (¬5). PageV05P179 # قال الشافعي: بعد لا يجوز على حلول رمضان إلا شاهدان (1). # قال: وقد قال بعض أصحابنا: لا أقبل عليه إلا شاهدين، في هذا القياس على ~~كل مغيب استدل عليه (2)، هذا لفظه ومن الأم نقلته فاستفده، فإنه من المهمات ~~الجليلة التي لم يقع للرافعي، ولا لمن بعده، بل لم أرها في شيء من كتب ~~أصحابنا، واقتصر جامع مسند الشافعي على القول الثاني، ولم يحك الأول وأساء. # ومذهب مالك (3): أنه لا بد من عدلين أيضا إن كان ثم معنيون بالشريعة، ~~وإلا كفى الخبر. # وانفرد أبو حنيفة (4) فقال: إن كانت السماء مغيمة ثبت بعدل ولو عبدا أو امرأة. # وإن كانت مصحية فلا يثبت بواحد ولا باثنين بل بعدد الاستفاضة. # وفي "بحر" الروياني عنه: أنه لا يقبل إلا قول خمسين كعدد القسامة. # وأما في الفطر: فلا بد من رؤية عدلين عند جميع العلماء خلافا لأبي ثور ~~فإنه جوزه برؤية عدل. PageV05P180 # السادس: في الحديث دلالة على وجوب الصوم والفطر على منفرد رأى الهلال في ~~رمضان أو شوال، وهو مذهب الجمهور (1). # وذهب عطاء وإسحاق إلى أنه لا يلزمه حكم شيء من ذلك إذا انفرد بالرؤية، ~~حكاه القرطبي عنهما. وهذا الحديث يرد عليهما، لكن قال العلماء: يفطر في ~~الثاني سرا لئلا يساء الظن به (2). # ويجب عليه عند المالكية: رفع شهادته إلى ms0912 الحاكم إن كان ممن تقبل شهادته ~~رجاء أن ينضاف إليه غيره فيثبت الحكم. # وقيل: يرفع وإن كان لا يرجى قبول شهادته لجواز حصول الاستفاضة. # السابع: فيه أيضا أن حكم الرؤية ببلد لا يتعدى إلى بلد آخر لأنه إذا فرض ~~أنه رؤي الهلال ببلد في ليلة ولم ير في تلك الليلة بآخر PageV05P181 # فيكمل ثلاثين يوما بالرؤية الأولى، ولم ير بالآخر فهل يفطرون أم لا؟ فمن ~~قال: يتعدى الحكم على أحد الوجهين في المسألة وهو مذهب مالك، ولم يجز لهم ~~الإفطار، وقد وقعت المسألة في زمن ابن عباس، وقال: لا نزال نصوم حتى نكمل ~~ثلاثين أو يراه، وقال: هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1)، ~~ويمكن أنه أراد بذلك هذا الحديث العام وهو قوله: "أفطروا لرؤيته" (¬2)، لا ~~حديثا خاصا بهذه المسألة أو لأنه شهادة واحد. # وعند المالكية رواية: أنه إن ثبت بأمر شائع تعدى الحكم أو بالشهادة عند ~~الحاكم لم يلزم من خرج عن ولايته، إلا أن يكون أمير المؤمنين، فيلزم أيضا ~~جماعتهم. # قال المازري (¬3): والفرق بين الخليفة وغيره أن سائر البلدان لما كانت ~~بحكمه فهي كبلد واحد. # الثامن: فيه أيضا أنه لا يجوز صوم الشك ولا صوم الثلاثين من شعبان عن ~~رمضان إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم وقد روى أبو داود بإسناد على شرط ~~الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم PageV05P182 # يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام"، وقال الدارقطني: ~~إسناده صحيح (¬1). # وحكى القاضي عياض: صومه عن عائشة (¬2) وأسماء (¬3) وابن عمر (¬4) وطاوس. # وقال الأوزاعي والكوفيون (¬5): إن صامه وتبين أنه من رمضان أجزأه. ~~وجمهورهم أنه لا يصومه ولا يجزئه إن صامه. PageV05P183 # وكان بعض الصحابة (¬1) يأمر بالفصل ما بين رمضان وشعبان بفطر يوم أو يومين. # وكره محمد بن مسلمة تحري ذلك آخر يوم، كما يكره تحري صومه. # وصح عن جماعة النهي عن صيام يوم الشك (¬2). وفي الترمذي (¬3) عن عمار: من ~~صامه فقد ms0913 عصى أبا القاسم. # التاسع: استدل به أيضا لمن قال بالعمل بالحساب في الصوم بقوله: "فاقدروا ~~له" من حيث إنه أمر بمقتضى التقدير، وتأوله الجمهور على إرادة إكمال العدد ~~كما قدمناه. PageV05P184 # العاشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "صوموا لرؤيته" ظاهره وجوب الصوم ~~متى رأى قبل الزوال أو بعده، وهو المشهور من مذهب مالك. # وقيل: إنه قبله للماضية ويفطرون ساعة رؤيته إن كان هلال شوال. # وقال بعض أهل الظاهر: أما في الصوم فتجعل للماضية، وأما في الفطر: فيجعل ~~لمستقبله وهو أخذ بالاحتياط منهم، ولكن الحديث حجة عليهم (¬1). # ... PageV05P185 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 181/ 3/ 35 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "تسحروا، فإن في السحور بركة" (¬1). # الكلام عليه من ثلاثة أوجه: # الأول: "السحور": بفتح السين ما يتسحر به: كالبرود وهو ما يتبرد به، ~~والسنون وهو ما يستن به، والرقو وهو [ما يرقأ] (¬2) به الدم والسحور: بضم ~~السين الفعل ورووه هنا بالوجهين؛ قاله النووي (¬3). # وقال الشيخ تقي الدين (¬4): هو بالفتح ما يتسحر به، وبالضم الفعل، هذا هو ~~الأشهر. PageV05P186 # قلت: واختار بعضهم أن يكون اسم الفعل بالوجهين، وكأن السحور سمي باسم ~~زمنه، لأنه يفعل في السحر قبيل الفجر، ويدخل وقته بنصف الليل، ذكره النووي ~~في "شرح المهذب" هنا، والرافعي في أواخر كتاب الإيمان. # الثاني: "البركة": النماء والزيادة، وهذه البركة المعلل بها السحور، يجوز ~~أن تكون أخروية، لأن فيه متابعة السنة، وهي موجبة للثواب وزيادته وثمرته، ~~وقد يحصل له بسببه ذكر ودعاء ووضوء وصلاة واستغفار في وقت شريف، تنزل فيه ~~الرحمة، ويستجاب الدعاء، وقد يدوم ذلك حتى يطلع الفجر، وكل ذلك سبب لمزيد ~~الأجور. # ويجوز أن تكون دنيوية كقوة البدن على الصيام، والنشاط له، ويحصل له بسببه ~~الرغبة في الازدياد من الصوم لخفة المشقة على فاعله، فيجوز أن تضاف إلى كل ~~واحد من الفعل، والمتسحر به معا، وعلى هذا الأكثر فتح السين من السحور، كما ~~قاله الشيخ (¬1) تقي الدين (¬2). # ويجوز أن تكون البركة بمجموع الأمرين: وحاصل البركة في السحور يتنوع ~~أنواعا: ms0914 # أولها: اتباع السنة والاقتداء. # ثانيها: مخالفة أهل الكتاب في الزيادة في الأكل على الإفطار كما ستعلمه ~~بعد. PageV05P187 # ثالثها: النقوي به والنشاط للصوم سيما الصبيان. # رابعها: التسبب للصدقة على من يسأل إذ ذاك. # خامسها: التسبب لذكر الله والدعاء وللرحمة فإنه وقت الإجابة. # سادسها: التسبب في حسن الخلق، فإنه إذا جاع ربما ساء خلقه. # سابعها: تجديد نية الصوم فيخرج من خلاف من أوجب تجديدها إذا نام ثم تنبه (¬1). # الثالث: أجمع العلماء على استحباب السحور، وأنه ليس بواجب، وإنما الأمر ~~به أمر إرشاد، وهو من خصائص هذه الأمة. # قال -عليه الصلاة والسلام-: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة ~~السحور" (¬2) رواه مسلم من حديث عمرو بن العاص وكان [الأمر] (¬3) في أول ~~الإسلام إذا وقع النوم بعد الإفطار لم يحل معاودة الطعام والشراب, ثم رخص ~~في ذلك إلى الفجر. # فائدة: هذا الحديث رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنس أبو PageV05P188 # هريرة (¬1)، وأبو سعيد الخدري (¬2)، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، ~~وعائشة (¬3) وعمرو بن العاص، وحذيفة، والعرباض بن سارية (¬4) وأبو ليلى، ~~وطلق والد قيس بن طلق، كما أفاد ذلك ابن منده في مستخرجه (¬5). # ... PageV05P189 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 182/ 4/ 35 - " عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت -رضي الله عنهما-، قال: ~~"تسحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قام إلى الصلاة، قال أنس: ~~قلت لزيد: كم [كان] (¬1) بين الآذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه. # أما أنس: فتقدم في باب الاستطابة. # وأما زيد بن ثابت: فهو أبو خارجة أو أبو سعيد المدني الفرضي، وكاتب ~~الوحي، وأحد نجباء الأنصار، وهو أخو يزيد بن ثابت لأبويه. # وأمه: النوار بنت مالك. # روى عنه أنس وخلق. PageV05P190 # قتل أبوه في الجاهلية يوم بعاث، ولزيد عدة أولاد، قتل منهم يوم الحرة سبعة. # قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -[المدينة] (¬1)، ولزيد إحدى عشرة سنة، ~~فأتي به إليه فقيل: هذا غلام من بني النجار قد قرأ مما أنزل عليك: سبع عشرة ~~سورة، فقرأها ms0915 عليه فأعجبه، وقال: "يا زيد تعلم في كتاب يهود فإني ما آمنهم ~~على كتابي". قال: فتعلمته فما مضي نصف شهر حتى حذقته. # شهد أحدا وما بعدها من المشاهد. # وفي الحديث من طريق أنس "أفرضكم زيد"، وفي رواية: "أفرض أمتي". # وكان من أصحاب الفتوى، وأخذ القرآن عرضا من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وعرض عليه ابن عباس وغيره. وندبه الصديق لجمع القرآن فجمعه، ثم لما جمع ~~عثمان الناس على هذا المصحف كان أحد من قام بأعباء ذلك أيضا. # وكان عمر إذا حج يستخلفه على المدينة. استخلفه على [المدينة] (¬2) ثلاث ~~مرات: مرتين في حجتين، ومرة في خروجه إلى الشام. # وكان كاتبه أيضا. # وكان عثمان يستخلفه أيضا. PageV05P191 # وهو الذي تولى قسمة غنائم اليرموك. # واستعمله عمر على قضاء المدينة، وفرض له رزقا. # روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من اثنان وتسعون حديثا اتفقا ~~منها على خمسة، وانفرد البخاري بأربع، ومسلم بحديث. # مات بالمدينة سنة إحدى وخمسين على أحد الأقوال الثمانية فيه، ابن ست ~~وخمسين. # وقيل: ابن أربع. # وصلى عليه مروان، وله بالمدينة عقب. قال أبو هريرة: لما مات مات خير ~~الأمة, لعل الله أن يجعل في ابن عباس فيه خلفا، وترجمته مبسوطة فيما أفردته ~~في "كتاب العدة في معرفة رجال العمدة"، وذكرت هناك: أن ابن عباس أخذ ~~بركابه. فقال له: تنح يا ابن عم رسول الله، قال: إنا هكذا أمرنا أن نفعل ~~بعلمائنا وكبرائنا. # ثانيها: في الحديث دليل على استحباب السحور وتأخيره إلى قبل طلوع الفجر ~~الثاني. فإن الظاهر أن المراد بالأذان هنا الآذان الثاني، إذ لو فرض الأول ~~لما كان بينهما زمن طويل، كما تقدم في باب الأذان من حديث ابن عمر مرفوعا: ~~"إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم (¬1)، وثبت [في] ~~(¬2) PageV05P192 # الصحيح (¬1) أنه لم يكن بين أذانيهما في الصوم إلا أن ينزل هذا ويصعد ~~هذا، ومعلوم أن الصعود والنزول زمنه يسير. # ثالثها: إنما أخر السحور لأنه أقرب إلى حصول المقصود من التقوى، وأبلغ في ~~مخالفة أهل ms0916 الكتاب. # وادعى بعض الصوفية: أن معنى الصوم وحكمه: إنما هو كسر شهوة البطن والفرج، ~~فمن لم تتغير عليه عادته في مقدار أكله لا يحصل له بالسحور المقصود من ~~الصوم، وهو كسر الشهوتين فلا يفعل، وهذا غلط ظاهر. # والصواب: اختلاف ذلك باختلاف أحوال الناس ومقاصدهم، ومقدار ما يستعملوه ~~من السحور، فما زاد في المقدار على مقصود الشرع وحكمته كعادة [المترفهين] ~~(¬2) في المآكل فلا يستحب، بل ربما يؤدي إلى تخمة وجشا منتن وكسل، وما لا ~~يزيد فيه عليهما فهو مستحب. # رابعها: فيه حسن الأدب في العبادة، وذلك قوله مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فإنه يعطي التبعية، والكون معه بخلاف لو قال: تسحرنا نحن ورسول ~~الله ونحوه. # خامسها: فيه أيضا الحرص على طلب العلم، وتحرير المسائل وتتبع السنن, ~~ومعرفة أوقاتها، والمحافظة عليها, لقول أنس: "كم PageV05P193 # كان بين السحور والأذان"؟ وقول زيد: "قدر خمسين آية", أي قدر قراءتها (¬1). # سادسها: فيه أيضا استحباب الاجتماع على السحور, فإن فعله -عليه الصلاة ~~والسلام- سنن عامة كأقواله, وقد تختلف باختلاف الحال. # ... PageV05P194 ### ||| AUTO الحديث الخامس والسادس # 182، 183/ 5، 6/ 35 - عن عائشة، وأم سلمة -رضي الله عنهما-، "أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ~~ويصوم" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه: أما التعريف بعائشة: فسلف في الطهارة. # وأما التعريف بأم سلمة: فسلف في باب الجنابة. # [الوجه] (¬2) الثاني: أجمع العلماء على صحة صوم من أصبح جنبا من احتلام، ~~كما نقله الماوردي (¬3). PageV05P195 # لكن في النسائي (¬1) من حديث الزهري قال: أخبرني [عبد الله بن] (¬2) عبد ~~الله بن عمر "أنه احتلم ليلا في رمضان، فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر، ثم نام ~~قبل أن يغتسل فلم يستيقظ حتى أصبح، فلقى أبا هريرة فاستفتاه في ذلك, فقال: ~~أفطر. فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بالفطر إذا أصبح ~~الرجل جنبا. قال عبد الله بن عبد الله بن عمر: فجئت عبد الله بن عمر فذكرت ~~له الذي أفتاني به أبو هريرة، فقال: أقسم بالله! لإن ms0917 أفطرت لأوجعن متنيك، ~~صم، فإن بدا لك أن تصوم يوما آخر فافعل". # واختلفوا فيمن أصبح جنبا من جماع: # فالجمهور من الصحابة والتابعين: على صحة صومه. لهذا الحديث الذي ذكره ~~المصنف، ولقوله -تعالى-: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} (¬3)، ~~فإنه يقتضي جواز الوطء ما دام الليل إلى آخر جزء منه، ومن ضرورة من وطأ إلى ~~آخر جزء منه أن يصبح جنبا (¬4). # وفيه قول ثان: أنه لا يصح صومه، وإليه ذهب أبو هريرة، PageV05P196 # ورواه عن الفضل ابن عباس، وأسامة بن زيد مرفوعا: "من أدركه الفجر جنبا ~~فلا يصم"، والأول أخرجه مسلم (¬1)، والثاني النسائي (¬2)، وفي رواية مالك ~~(¬3) "أفطر"، وفي النسائي (¬4) عن أبي هريرة أنه قال: "لا ورب هذا البيت! ~~ما أنا قلت: من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصوم، محمد ورب الكعبة! قاله"، لكن ~~لما بلغه حديث عائشة وأم سلمة رجع إليه، وترك حديث الفضل وأسامة (¬5)، ورآه ~~منسوخا، لأنه كان في أول الأمر حين كان الجماع محرما في الليل بعد النوم، ~~كما كان الطعام والشراب محرما، كما جاء في البخاري (¬6) من حديث البراء بن ~~عازب، في قصة قيس بن صرمة، ثم نسخ ذلك ولم يعلمه أبو هريرة فكان يفتي بما ~~علمه حتى بلغه الناسخ فرجع إليه، وهذا أحسن ما قيل فيه. # وكذلك ما يقال جوابا عمن قال به بعده: أنه بلغهم ورجعوا، PageV05P197 # وأبعد من قال بعدم رجوع أبي هريرة عن ذلك، ففي صحيح مسلم (¬1) رجوعه عنه صريحا. # وعنه جواب ثان: وهو حمله على من طلع الفجر وهو مجامع فاستدام، وفيه بعد ~~من حيث تسمية المجامع حال جماعه عرفا جنبا. # وجواب ثالث: أنه إرشاد إلى الأفضل، وهو الاغتسال قبل الفجر، وتركه -عليه ~~الصلاة والسلام- هذا الأفضل في حديث عائشة وأم سلمة لبيان الجواز، مع أن ~~فعله -عليه الصلاة والسلام-[الشيء] (¬2) بيانا لجوازه أفضل في حقه من حيث ~~إنه مأمور، كما توضأ مرة مرة، وطاف على البعير مع أن الوضوء ثلاثا والطواف ~~ماشيا أفضل، لأنه المتكرر من فعله، ونظائر ذلك كثيرة. # وهذا الكلام يرجع إلى مسألة ms0918 أصولية [وهو] (¬3) أن الوجوب إذا نسخ هل يبقى ~~الاستحباب؟ والصحيح بقاؤه، فالاغتسال قبل الفجر في الصوم للجنب كان واجبا، ~~فلما نسخ بقي استحبابه. # وفي المسألة قول ثالث: أنه إن علم بجنابته لم يصح، وإلا فيصح (¬4). قاله ~~طاوس وعروة والنخعي، وحكي عن أبي هريرة أيضا. PageV05P198 # وقول رابع: أنه يحرم في صوم التطوع دون الفرض، قاله الحسن البصري، وحكي ~~عن النخعي أيضا (¬1). # وقول خامس: أنه يصومه ويقضيه (¬2) حكي عن سالم بن عبد الله، والحسن ~~البصري، وحكي عن الحسن البصري كقول أبي هريرة، ثم ارتفع الخلاف، ووقع ~~الإجماع بعد هؤلاء على صحة صومه. # وفي صحة الإجماع بعد الخلاف خلاف مشهور لأهل الأصول، وحديث عائشة وأم ~~سلمة حجة على كل مخالف. # وصح أيضا أنه -عليه الصلاة والسلام- أخبر بذلك عن نفسه (¬3). # ووقع في شرح الفاكهي حكاية عن عروة والحسن وطاوس PageV05P199 # وعطاء وسالم: أن صوم الجنب باطل، وأنه إذا علم بجنابته ثم لم يغتسل حتى ~~أصبح وجب عليه صوم ذلك اليوم، وقضاء يوم مكانه، ثم حكي عن النخعي صحة صوم ~~التطوع من غير قضاء، ويتم الفرض ويقضيه إلا إذا كان غير متعمد فلا قضاء ~~عليه، وفيه مخالفة لما أسلفناه عنهم، والذي قدمنا حكايته هو ما ذكره النووي ~~في شرحه لمسلم (¬1). # فرع: [في معنى هذه المسألة] (¬2) الحائض يدركها الفجر قبل الغسل ثم تتركه ~~حتى تصبح. والجمهور على أنه لا قضاء عليها، سواء تركته عمدا أو سهوا (¬3). # وشذ محمد بن مسلمة فقال: لا يجزئها، وعليها الكفارة والقضاء، وهذا في ~~المفرطة والمتوانية، فأما التي رأت الطهر فبادرت وطلع الفجر قبل تمامه، فقد ~~قال مالك: هي كمن طلع عليها وهي حائض، يومها يوم فطر. وقاله عبد الملك. # قال القرطبي في "مفهمه": وقد ذكر بعضهم قول عبد الملك هذا في المتوانية ~~وهو [أبعد] (¬4) من قول ابن مسلمة. # قلت: وعليه اقتصر الفاكهي في حكايته عنه. PageV05P200 # وعبارة الشيخ تقي الدين في شرحه (¬1): إذا طهرت وطلع عليها الفجر قبل أن ~~تغتسل، ففي مذهب مالك في وجوب القضاء قولان. # وقال النووي (¬2): مذهبنا ومذهب العلماء كافة ms0919 أنه إذا انقطع دم الحائض ~~والنفساء ليلا ثم طلع الفجر قبل اغتسالهما صح صومهما، ووجب عليهما إتمامه، ~~سواء تركت الغسل عمدا أو سهوا بعذر أم بغير عذر: كالجنب إلا ما حكي عن بعض ~~السلف مما لا يعلم صح عنه أم لا. # الوجه الثالث: قولها: "من أهله" أي جماع أهله، فحذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه. وفي رواية: "من جماع غير احتلام"، وفيه دلالة لمن يقول بجواز ~~الاحتلام على الأنبياء، وفيه خلاف، والأشهر امتناعه لأنه من تلاعب الشيطان، ~~وهم منزهون [عن ذلك] (¬3)، ويتأولون هذا الحديث على أن المراد يصبح جنبا من ~~جماع، ولا يجنب من احتلام لامتناعه منه، ويكون قريبا من معنى قوله -تعالى-: ~~{ويقتلون النبيين بغير الحق} (¬4) ومعلوم أن قتلهم لا يكون بحق. # ... PageV05P201 ### ||| AUTO الحديث السابع # 184/ 7/ 35 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: الواو [في] (¬2) "وهو صائم" واو الحال أي نسي في حال صومه فأكل أو شرب. # وقوله: "فأكل أو شرب" عند البخاري إسقاط الألف في أو شرب والمراد ~~الإثبات. # الثاني: خص الأكل والشرب من بين سائر المفطرات لأنهما PageV05P202 # أغلبها وقوعا، وإنهما لا يستغنى عنهما بخلاف غيرهما, ولكن نسيان الجماع ~~نادر بالنسبة إلى ذلك. والتخصيص بالغالب لا يقتضي مفهوما فلا يدل ذلك على ~~نفي الحكم عما عداه، أو لأنه من باب تعليق الحكم باللقب، ولم يقل به إلا ~~الدقاق (¬1). # الثالث: ظاهر الحديث عدم القضاء على من أكل ناسيا في صومه، وهو صريح ~~رواية ابن حبان في صحيحه والدارقطني في سننه، وقال: إسنادها صحيح، وكلهم ~~ثقات "إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا ~~قضاء عليه" وفي رواية لهما وللحاكم في مستدركه على الصحيحين: "من أفطر في ~~شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" (¬2). # قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم. # وقال الدارقطني: تفرد به محمد بن مرزوق وهو ثقة ms0920 عن الأنصاري. # قلت: قد تابعه أبو حاتم محمد بن إدريس، كما رواه البيهقي (¬3). PageV05P203 # وبعدم وجوب القضاء قال به جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم ~~منهم: الشافعي وأبو حنيفة وداود و [نقله] (¬1) النووي في شرح مسلم (¬2) عن ~~الأكثرين، سواء كان [الصوم] (¬3) فرضا أو تطوعا، وسواء كان الفطر بأكل أو ~~شرب أو جماع، وعمدتهم الروايات المذكورة، وسمي الذي يتمه صوما، وظاهره حمله ~~على الحقيقة الشرعية، دون [اللغوية] (¬4) وهي صورة الصوم. والحمل على الأول ~~أولى، إلا أن يكون ثم دليل خارج يقوي به اللغوي، فبعمل به ويتعين هنا حمله ~~على الشرعي لصريح ما أسلفناه وإذا حمل عليه وقع مجزيا، ويلزم من ذلك عدم ~~وجوب القضاء، وهو صريح الروايتين السالفتين. # وقوله: "فإنما أطعمه الله وسقاه" ظاهره إقامة عذر الناس لإضافته إلى ~~الله، وأنه فعله، ولهذا قال في الرواية السالفة: "فإنما هو رزف ساقه الله ~~إليه". إذ الإفساد يناسبه إضافة الفعل إلى المكلف، وذهب ربيعة ومالك إلى ~~أنه لا بد من القضاء في الصوم المفروض. # قال الشيخ تقي الدين (¬5): وهو القياس، فإن الصوم قد فات ركنه -يعني به ~~الإمساك- وهو من باب المأمورات، والقاعدة تقتضي أن النسيان لا يؤثر فيها. PageV05P204 # قلت: وهذا القياس هدمه النص السالف الصريح الصحيح في أنه لا قضاء عليه. # قال الفاكهي: وكأن أصحابنا حملوا الإضافة في قوله: "فإنما أطعمه الله ~~وسقاه" على الإخبار بعدم المؤاخذة لعلة النسيان، لا أنه يدل على صحة ~~الصيام. # قلت: هذا حمل بعيد، ويرده أيضا ما أسلفناه، ولما ذكر القرطبي في "مفهمه" ~~رواية "ولا قضاء عليه" ونقل عن الدارقطني أن إسنادها، صحيح ورجاله كلهم ~~ثقات. وذكر الرواية الثانية التي فيها عدم القضاء والكفارة أيضا، قال: هي ~~صحيحة أيضا، قال: وهذه نصوص لا تقبل احتمال سقوط المؤاخذة فقط، قال: والشأن ~~في صحتها، فان صحت وجب الأخذ وحكم بسقوط القضاء، وهذا عجيب منه، فإنه نقل ~~عن الدارقطني أنه قال في الأولى: إسنادها صحيح، ثم قال في الرواية الثانية: ~~هي صحيحة أيضا، فكيف يقول بعد ذلك: الشأن في صحتها (¬1)!!. # الرابع: اتفق ms0921 أصحابنا على أن الأكل والشرب القليل ناسيا لا يفطر، ~~واختلفوا في الكثير على وجهين: # أصحها: عند الأكثرين منهم لا يفطر؛ لإطلاق الحديث. وصحح الرافعي أنه ~~يفطر، كما في كلام الناسي في الصلاة إذا كثر، لأن النسيان في الكثير نادر. ~~والأول: فرق بينهما بأن الصلاة ينقطع نظمها بذلك بخلاف الصوم. PageV05P205 # الخامس: الجماع في الصوم ناسيا: كالأكل فيه ناسيا، على ما سلف، وهو ما ~~صححه أصحابنا، ويدل له الرواية السالفة "من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا ~~قضاء عليه ولا كفارة". # فإن قلنا: بصحة صومه فلا كفارة عليه. # وكذا إن قلنا: بعدم صحته على الأصح، لأنها تتبع الإثم. # وقال عطاء والأوزاعي والليث (¬1): يجب القضاء في الجماع دون الأكل. # وقال أحمد (¬2): يجب في الجماع القضاء (¬3) [دون] (¬4) الأكل والشرب. # ومدار الكل على قصور حالة المجامع ناسيا عن حالة الأكل ناسيا، فيما يتعلق ~~بالعذر والنسيان ومن أراد إلحاق الجماع بالمنصوص عليه فإنما طريقه القياس، ~~[والقياس] (¬5) مع الفارق متعذر، إلا إذا بين القائس أن الوصف الفارق ملغى، ~~كذا قال الشيخ (¬6) تقي الدين. # ولك أن تقول: لا نأخذه من القياس، بل من قوله: "من أفطر PageV05P206 # في شهر رمضان" (¬1) الحديث الذي أسلفناه عن رواية الدارقطني والحاكم. # فائدة: [الحدث] (¬2) يستوي عمده وسهوه في النقض، بخلاف الأكل في الصوم. ~~وفرق القفال بينهما بأوجه، ومن "فتاويه" نقلت. # أحدها: [الحدث] (¬3) من ضرورات الإنسان. والأصول مبناها على أن الضرورات ~~تلحق بالنسيان، والنسيان لا يبطل بخلافه. # ثانيها: أن الطهر ينتقض بالغلبة من نوم أو إغماء بخلافه. # [ثالثها: أن الوضوء أغلظ بدليل بطلانه بخروج الريح بخلافه] (¬4). # رابعها: أن الحدث ليس بمنهي عنه، بخلاف الأكل، فلهذا فرق فيه، وهذا أصحها. # ... PageV05P207 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 185/ 8/ 35 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: بينما نحن جلوس عند رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: ~~"مالك؟ " قال: وقعت على امرأتي، وأنا صائم -وفي رواية: أصبت أهلي في رمضان- ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هل تجد رقبة تعتقها؟ " قال: لا، ~~قال: فهل ms0922 تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: "فهل تجد إطعام ~~ستين مسكينا؟ " قال: لا، قال: فمكث النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبينا ~~نحن على ذلك أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه تمر، والعرق: ~~المكتل- فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أين السائل؟ " قال: أنا، قال: ~~"خذ هذا، فتصدق به"، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين ~~لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، حتى بدت أنيابه، ثم قال: "أطعمه أهلك" (¬1). PageV05P208 # قال المصنف: "الحرة" أرض تركبها حجارة سود. # الكلام عليه من خمسة وثلاثين وجها، وبعضهم أفرده بالتصنيف في مجلد ضخم (¬1): # الأول: قوله: "بينما" اعلم أن بينما تتلقى تارة "بإذ" وتارة "بإذا" ~~اللتين للمفاجأة (¬2)، قال الشاعر: # فبينما العسر إذ دارت مياسير # وقوله: # بينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس يعلوه الأعاصير # وأما بينا (¬3): فلا تتلقا بواحدة منهما، بل وجه الكلام أن يقال: PageV05P209 # "بينا زيد قائم جاء عمرو" ونحو ذلك، لأن المعنى فيه بين أثناء الزمان ~~"جاء عمرو" وقد جاءتا أعني "بينما" و"بينا" في هذا الحديث على هذه القاعدة ~~قال: "فبينا نحن جلوس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل" ~~فتلقى بينما بإذ، وقال: "فبينا نحن على ذلك أتي النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ولم يقل: إذ أتي. # الثاني: هذا الرجل هو سلمة. # ويقال: سلمان بن صخر البياضي. # وسلمة: أصح وأشهر (¬1). PageV05P210 # وقال أبو عمر (¬1): سلمان وهم وليس في الصحابة سلمان إلا سلمان الفارسي، ~~وسلمان بن عامر الضبي، قال: وقيل: إن سلمة بن صخر، يقال له: سلمان. # قلت: وسلمة هذا هو المظاهر من امرأته أنه لا يطأها في رمضان حتى ينسلخ ~~فواطئها فيه، ذكره عبد الغني بن سعيد الحافظ، والظاهر اختلاف الواقعتين إن ~~كانتا لسلمة بن صخر، لأن في حديث الوقاع في الصحيح: إن ذلك كان نهارا. وفي ~~الظهار كان ليلا في الترمذي (¬2) وغيره. وقد يجمع بينهما بأنه وطأ ليلا إلى ~~أن أصبح، لأنه كان امرأ يصيب ms0923 من النساء ما لا يصيب غيره. فلما دخل رمضان ~~خاف إن أصاب منها شيئا يتابع به حتى الصباح، فظاهر منها حتى PageV05P211 # ينسلخ رمضان، فبينما هي تخدمه ذات ليلة إذ تكشف له منها شيء، فما لبث أن ~~نزا عليها، فلما أصبح غدا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، ~~الحديث بطوله خرجه أبو داود (¬1) وغيره. # الثالث: معنى: "هلكت" وقعت في الإثم بفعل ما حرم علي فعله في الصوم، وهو ~~الجماع فيه. وفي رواية لمسلم من حديث عائشة (¬2) "احترقت" قال: "ولم؟ ". ~~قال: وطأت أهلي في رمضان نهارا". # وفي رواية مرسلة في الموطأ (¬3) "جاء أعرابي يضرب فخذه وينتف شعره يقول: ~~هلك الأبعد". # وفي رواية "هلكت وأهلكت" (¬4). PageV05P212 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P213 # واستدل بها بعضهم: على مشاركة المرأة إياه في [الجناية] (¬1) وهي زيادة ~~قال فيها الدارقطني (¬2): تفرد بها أبو ثور، عن معلي بن منصور، عن ابن ~~عيينة، وكلهم ثقات. # وأما البيهقي (¬3) فقال: هذه زيادة لا يرضاها أصحاب الحديث. # وضعفها الحاكم: وحملها على أنها أدخلت على محمد بن المسيب الأرغياني. فقد ~~رواه جماعات بدونها. # الرابع: قوله: "وقعت على أهلي وأنا صائم" أي في رمضان، كما جاء في ~~الرواية الثانية. # وقوله: "ما لك" جاء في الصحيح "ما أهلكك"، وفي رواية "ويحك"، وفي أخرى ~~"ويلك" (¬4). # الخامس والسادس: فيه وجوب السؤال عن علم ما يفعله PageV05P214 # الإنسان مخالفا للشريعة، والخوف من سوء عاقبته. # السابع: فيه جواز إظهار المعصية لمن يرجو منه تخليصه من إثمها وعاقبتها. # الثامن: فيه عدم تعزيره عليه مع وجوب الكفارة عليها إذا فعلها جاهلا، ~~وكانت لا حد فيها خصوصا إذا جاء مستفتيا، فإنه -عليه الصلاة والسلام- لم ~~يعاقبه مع اعترافه بالمعصية، لكنه باعترافه بها يقتضي أن يكون فعله إياها ~~كان وهو عالم بأنها معصية، لا جاهل. فإن مجيئه مستفتيا معترفا بالهلاك ~~يقتضي العلم: والندم، والتوبة، والتعزير استصلاح، ولا استصلاح مع الصلاح. ~~فإنا لو عزرنا كل من جاء يستفتي عن مخالفة أدى ذلك إلى ترك الاستفتاء من ~~الناس عند وقوعهم في المخالفات والخروج منها. وذلك مفسدة عظيمة، يجب دفعها، ~~كيف والمفتي ms0924 في زمننا لم يكن إليه إقامة التعزيرات، مع أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- كان هو الحاكم والإمام والمفتي والمشرع، ولم يقم عليه التعزير ~~بقول ولا فعل (¬1). # لكن نقل البغوي في "شرح السنة" (¬2): في باب: كفارة الجماع في نهار ~~رمضان: إجماع الأمة على أن من جامع متعمدا في نهار رمضان يفسد صومه وعليه ~~القضاء، ويعزر على سوء صنيعه، قال: والحديث يدل على أن من ارتكب ما يوجب ~~تعزيرا يجوز تركه للإمام، لأنه -عليه الصلاة والسلام- لم يأمر بتعزير ~~الأعرابي. PageV05P215 # وجزم ابن يونس (¬1) في "شرح التعجيز": بأنه يعزر أيضا. # ونقل ابن العطار (¬2) في "شرحه": عن بعض أصحابنا أن من جامع امرأته حائضا ~~وقلنا يكفر عزر بلا خلاف. # قال: وذكر بعض أصحابنا فيما يجب التعزير فيه مع وجوب الكفارة في المجامع ~~في رمضان وفي الظهار والقتل وجهان: # أحدهما: لا يجب لما ذكرنا. # وأرجحهما: عندهم الوجوب. # قالوا: لأن الكفارة إنما وجبت لانتهاك حرمة الوقت ولقول الزور، وفوات ~~الروح، والتعزير يجب لحق الله -تعالى- في الزجر والمخالفة. # وأجرى اللخمي من المالكية: الخلاف في إيجاب العقوبة PageV05P216 # على المجامع على الخلاف في شاهد الزور يجيء ثانيا، وفي عقوبته قولان، وقد ~~يفرق بينهما بأن شاهد الزور أعظم جناية لتعلق حق الغير بها، بخلاف جناية ~~المجامع، فإنه قد لا يتعلق، كما إذا كان الغير مفطرا أو معذورا. # التاسع: فيه استعمال الكنايات فيما يستقبح ظهوره بصريح لفظه: كالمواقعة ~~والإصابة ونحوهما عن النكاح ونحوه. # العاشر (¬1): فيه وجوب الكفارة بإفطار المجامع عامدا، وهو مذهب جميع ~~العلماء، سوى من شذ منهم، وقال: لا تجب وهو محكي عن الشعبي وآخرين، وقاسوه ~~على الصلاة؛ فإنه لا كفارة بإفسادها. وهذا قياس مع وجود النص، والفرق لائح، ~~فإنه لا مدخل للمال في جبرانها، بخلاف الصوم بدليل الشيخ الهم وغيره. # واحتج له أيضا: بأنها لو وجبت لما سقطت بالإعسار، وهو عجيب، فإن السقوط ~~بالإعسار، يقتضي تقدم وجوب، حتى يقتضي السقوط، وإلا لما صح السقوط الذي هو ~~بمعنى الخروج، كيف والأصل والقياس الوجوب، والمسبب لا يبطل السبب. فإن ~~الإعسار مسبب، والوطء في رمضان ms0925 سبب، والوجوب إنما يسقط للاستحالة أو ~~للمثسقة، ولا استحالة ولا مشقة، فإن المطالبة بالكفارة إنما تكون عند ~~القدرة، ومع الإعسار لا قدرة فحينئذ لا يرفع الإعسار الوجوب من غير معارض ~~سائغ. PageV05P217 # فإن قيل: يرفع بمقارنة الإعسار لأنها [لو] (¬1) لم [ترد] (¬2). ولا أعلم ~~الشارع ببقائها في الذمة، فإنها لو بقيت لأعلم به، كيف والبيان واجب عليه. # فالجواب: أن الحديث دل على استقرار الكفارة بدليل إخبار السائل بالعجز عن ~~العتق والصيام والإطعام. ومجيء العرق وإعطاؤه إياه، ليخرجه كفارة، فلو لم ~~تجب لما أمره بإخراجها, ولو سقطت بالعجز لم يكن عليه شيء، فدل على ثبوتها ~~في ذمته، وإذنه له بإطعام عياله للاضطرار، وإزالته يجب على الفور. والكفارة ~~لا تجب على الفور، بل على التراخي، كما جزم به النووي في شرح مسلم (¬3)، ~~خصوصا في هذا الحال، وهي صدقة، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: "خير الصدقة ~~ما كان عن ظهر غنى" (¬4) فلم يكن له أن يتصدق على غيره (¬5)، وتأخير البيان ~~إلى وقت الحاجة جائز عند جماهير الأصوليين. # واعلم: أنه وقع في "شرح هذا الكتاب لابن العطار" لما PageV05P218 # حكى القول الشاذ: أنه لا كفارة. قال: إنه قول ضعيف للشافعي وهو غريب لا ~~نعرفه للشافعي إلا في حالة العجز عن جميع الخصال. # الحادي عشر (¬1): لو جامع ناسيا هل يفطر وتجب عليه الكفارة أم لا يجبان ~~أو يجب القضاء دونها؟ فيه ثلاثة مذاهب، أسلفناها في الحديث قبله. # والصحيح عندنا (¬2): أنهما لا تجبان كما سلف، ومشهور مذهب مالك (¬3): أنه ~~لا كفارة عليه، وهو قول أكثر أصحابه. # وذهب أحمد وبعض الظاهرية والمالكية (¬4): على إيجابها عليه. # وروي ذلك (¬5) عن عطاء ومالك. # واحتج من قال بالوجوب: بأنه حكم ورد على جواب سؤال من غير استفصال عن عمد ~~أو نسيان، فنزل منزلة العموم، لأن الحكم من الشارع إذا ورد عقب ذكر واقعة ~~محتملة لأحوال مختلفة الحكم، كان حمله على العموم أولى حملا على الفوائد ~~المتكثرة. PageV05P219 # والجواب: عن ذلك بأن حالة النسيان في حق هذا السائل بعيدة جدا بالنسبة ~~إلى الجماع، ومحاولة مقدماته، وطول ms0926 زمانه، وعدم اعتياده في كل وقت، فلم ~~يحتج إلى الاستفصال بناء على الظاهر, كيف وقد قال: "هلكت" فإنه يشعر بتعمده ~~ظاهرا ومعرفته بالتحريم. # الثاني عشر: فيه جريان وجوب العتق ثم الصوم ثم الإطعام مرتبا لا مخيرا. ~~وهو قول جميع العلماء، خلافا لما في المدونة؛ فإن فيها [لا يعرف مالك] (¬1) ~~غير الطعام، لا يأخذ مالك بالعتق ولا بالصيام. # قال الشيخ تقي الدين: وعدم جريان العتق والصوم في ذلك -معضلة رباء ذات ~~وبر. لا يهتدي إلى توجيهها، مع مصادمتها الحديث، [غير] (¬2) أن بعض ~~المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ، وتأوله على الاستحباب في تقديم الطعام ~~على غيره من الخصال. وذكروا وجوها في ترجيح الطعام على غيره. # منها: أن الله -تعالى- ذكره في القرآن رخصة للقادر، يعني في قوله ~~-تعالى-: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} ونسخ هذا الحكم لا يلزم منه ~~نسخ الفضيلة بالذكر والتعيين للإطعام، لاختيار الله -تعالى- له في حق ~~المفطر للعذر، كالكبر والحمل والإرضاع. PageV05P220 # ومنها: جريان حكمه في حق من [أخره] (¬1) قضاء رمضان، حتى دخل رمضان ثان (¬2). # ومنها: مناسبة إيجاب الإطعام لجبر فوات الصوم، الذي هو إمساك عن الطعام ~~والشراب. # ومنها: شمول نفعه في المساكين. # وهذه الوجوه لا تقاوم ما دل عليه الحديث من البدأة بالعتق، ثم بالصوم، ثم ~~بالإطعام، فإن هذه البدأة إن لم تقتض وجوب الترتيب فلا أقل من أن تقتضي ~~استحبابه، وقد وافق بعض أصحاب مالك على استحباب الترتيب على ما جاء في ~~الحديث، وبعضهم قال: إن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات ففي وقت الشدائد ~~يكون بالإطعام [وبعضهم فرق بين الإفطار بالجماع، والإفطار بغيره فجعل ~~الإفطار] (¬3) بغيره يكفر بالإطعام لا غير، وهذا أقرب في مخالفة PageV05P221 # النص من الأول. # قلت: والحديث رواه مالك في "موطئه" (¬1) من طريقين: # الأول: من حديث أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين ~~مسكينا. فقال: لا أجد. ثم ذكر باقي الحديث، فهذه حجة عليه، حيث لا يعرف غير ms0927 ~~الإطعام. قال ابن حبان (¬2) في صحيحه بعد PageV05P222 # أن أخرج الحديث من هذا الوجه: لم يقل أحد في هذا الخبر عن الزهري "أو صوم ~~شهرين أو إطعام ستين مسكينا" إلا مالك وابن جريح. # الطريق الثاني (¬1): من حديث عطاء بن عبد الله الخراساني عن PageV05P223 # سعيد بن المسيب مرسلا، وفيه ذكر العتق "ثم أهد بدنة". وسيأتي الكلام على ~~هذه الرواية" نعم ......................... PageV05P224 # [قد] (¬1) يستدل له برواية الصحيحين من حديث عائشة (¬2): أنه -عليه ~~الصلاة والسلام- قال له: "تصدق" فتصدق ولم يذكر فيه غير ذلك، ويجاب بأنها ~~رواية مختصرة. # أما ترتيب هذه الخصال والتخيير فيها فقد اختلف فيه مالك والشافعي. # فقال مالك في المشهور من (¬3) مذهبه: هي على التخيير. # وقال الشافعي (¬4)، هي على الترتيب، وبه قال أصحاب مالك: واستدل على ~~الترتيب في الوجوب بالترتيب في السؤال، وقوله أولا: "هل تجد رقبة تعتقها؟ " ~~ثم رتب الصوم بعد العتق ثم الإطعام بعده PageV05P225 # [وعطف الجمل بالفاء المرتبة المعقبة] (¬1). # ونازع القاضي عياض في ظهور دلالة الترتيب في السؤال على ذلك، وقال: مثل ~~هذا قد يستعمل في التخيير (¬2) أي كما في حديث كعب بن عجرة. وقوله -عليه ~~الصلاة والسلام- له: "أتجد شاة؟ قال: لا. قال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة ~~مساكين" (¬3)، ولا ترتيب بين الشاة والصوم والإطعام، والتخيير في الفدية ~~ثابت بنص القرآن قال: فيدل في الأولوية مع التخيير وهو غير مسلم. فإن ذكر ~~هذه الأشياء الثلاث مرتبة في معرض البيان والسؤال بمنزلة الشرط للحكم، ~~ومقتضى ذلك الترتيب لا التخيير. ورواية مسلم (¬4): "أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- أمر رجلا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو ~~يطعم ستين مسكينا" "فأو" هنا [للتقسيم] (¬5) لا للتخيير، تقديره يعتق أو ~~يصوم إن عجز عن العتق أو يطعم إن عجز عنهما، ويبينه باقي الروايات ودعوى ~~القرطبي PageV05P226 # أن هذه قضية أخرى بعيدة ثم [حمله] (¬1) "أو" على التخيير: ليس يجيد لما ~~قدمناه. # الثالث عشر: قوله: "هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا" في أبي داود (¬2) في ~~قصة سلمة البياضي أنه قال: "والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة ms0928 غيرها. وضرب ~~صفحة عنقه" يستدل به على جواز إعتاق الرقبة الكافرة، في الكفارة، وهو قول ~~أبي حنيفة وغيره. # وقال الشافعي: لا يجوز إلا رقبة مؤمنة، حملا للمطلق على المقيد في كفارة ~~القتل. وأبو حنيفة: يحمل المقيد على المطلق، وهذا مبني على أن السبب إذا ~~اختلف واتحد الحكم، هل يقيد المطلق أم لا؟ وإذا قيد، فهل هو بالقياس أم لا؟ ~~والمسألة مشهورة في أصول الفقه. # قال الشيخ تقي الدين: والأقرب أنه إن قيد فبالقياس (¬3). # قلت: ويقوي مذهب الشافعي بقوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث السوداء: ~~"أعتقها فإنها مؤمنة" (¬4). PageV05P227 # فائدة: شرط الرقبة [أيضا] (¬1) أن تكون سليمة من العيوب، خلافا لداود، ~~وضابط العيب في الكفارة ما أضر بالعمل إضرارا بينا وبيان ذلك محله كتب ~~الفروع. # الرابع عشر: فيه أيضا دلالة على أنه لا يجب في الجماع على الرجل والمرأة ~~إلا كفارة واحدة، إذ لم يذكر له ما على المرأة وهو الأصح عند الشافعي (¬2) ~~ومذهب داود وأهل الظاهر. # وذهب مالك (¬3) وأبو ثور وأصحاب الرأي (¬4) وأحمد في أصح الروايتين ~~والشافعي في أحد قوليه: إلى وجوبها على المرأة إن طاوعته. PageV05P228 # ويتأولون هذا الحديث: على أن المرأة لعلها كانت مكرهة أو ناسية لصومها أو ~~ممن يباح لها الفطر ذلك اليوم لعذر السفر أو المرض أو الطهر عن الحيض. # وسوى الأوزاعي (¬1): بين المكرهة والطائعة على مذهبه. # وقال مالك في مشهور مذهبه في المكرهة: إن مكرهها يكفر عنها بغير الصوم، ~~لأنه هتك صومين بالنسبة إليها وإليه [فكأنه] (¬2) هتك يومين. # وقال سحنون: لا شيء عليه لها ولا عليها. وبهذا قال أبو ثور، وابن المنذر. # وقال الفاكهي: ولم يختلف مذهب مالك في قضاء المكرهة والنائمة، إلا ما ذكر ~~ابن القصار عن القاضي إسماعيل عن مالك أنه لا غسل على الموطوءة نائمة، ولا ~~مكرهة، ولا شيء عليها [إلا] (¬3) إن تلتذ. # قال ابن القصار: فتبين من هذا أنها غير مفطرة، فظاهره أنه لا قضاء على ~~المكرهة إلا أن تلتذ، ولا على النائمة لأنها كالمحتلمة، وهو قول أبي ثور في ~~النائمة والمكرهة. PageV05P229 # واختلف في وجوب ms0929 الكفارة على [المكرهة] (¬1) على الوطء لغيره على هذا. # وحكى ابن القصار عن أبي حنيفة: أنه لا يلزم المكره كفارة عن نفسه ولا من أكره. # الخامس عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين ~~متتابعين" معنى: تستطيع تقدر وتطيق وتقوى. يقال: استطاع يستطيع، واستتاع ~~يستتيع، واسطاع [يسطيع] (¬2). وقد ضمنوا حروف المضارعة من هذا الأخير، وإن ~~كان زائدا على أربعة أحرف، ومثله: إهراق يهريق. # واعتذر عنهما سيبويه: بأن السين في استطاع والهاء في إهراق زائدتان للعوض. # واعترض عنهما: بأنه لم يحذف منهما شيء فيحتاجا إلى عوض. # وأجاب السيرافي: عن ذلك بأن قال: العوض إنما هو من نقل الحركة، إذ الأصل ~~في اسطاع أطوع، وفي إهراق أروق. فلما نقلت فتحة الواو إلى ما قبلها في ~~الموضعين قلبت ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن فكانت الزيادة ~~عوضا من ذلك (¬3). PageV05P230 # السادس عشر: التتابع التوالي وهو حجة للجمهور على ابن أبي ليلى إذ لم ~~يشترطه (¬1). # السابع عشر: فيه الانتقال من الصوم إلى الإطعام عند عدم استطاعته وفي بعض ~~الروايات في قصة سلمة في الظهار "وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام" ~~ومقتضاها عدم استطاعته لشدة الشبق، وعدم الصبر في الصوم عن الوقاع، فنشأ ~~لأصحابنا -رحمهم الله- في أن هذا هل يكون عذرا مرخصا في الانتقال إلى ~~الإطعام في حق من هو كذلك -أعني شديد الشبق- فقال به بعضهم (¬2): كذا قال ~~الشيخ تقي الدين؟ # قلت: بل هو الأصح عندهم. PageV05P231 # الثامن عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فهل تجد إطعام ستين مسكينا" هو ~~صريح في الدلالة على استيعاب هذا العدد، وبه قال عامة الفقهاء (¬1)، خلافا ~~لما روي عن الحسن: أنه يطعم أربعين مسكينا عشرين صاعا. وصريح أيضا في الرد ~~على من قال: يطعم عشرين مسكينا ثلاثة أيام. وصريح أيضا في الرد على أبي ~~حنيفة حيث جوز إطعام ذلك لمسكين واحد، كما نقله القرطبي عنه حجة الجمهور من وجهين. # أحدهما: أنه أضاف "الإطعام" الذي هو مصدر "أطعم" إلى ستين، ولا يكون ذلك ~~موجودا في حق من أطعم عشرين ms0930 مسكينا ثلاثة أيام. # الثاني: أن القول بإجزاء ذلك عمل بعلة مستنبطة تعود على ظاهر النص ~~بالبطلان. وقد علم ما في ذلك في الأصول (¬2). # التاسع عشر: جمهور المشترطين ستين. قالوا: لكل مسكين مد، وهو ربع صاع. ~~وقال أبو حنيفة (¬3) والثوري: لكل مسكين نصف صاع. # العشرون: قوله: "فمكث" هو بفتح الكاف وضمها، كما تقدم واضحا في الحديث ~~الثامن من باب صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -, وجاء في الصحيح أنه ~~-عليه الصلاة والسلام- قال للأعرابي: "اجلس" وسببه انتظار الوحي فيه، أو ~~ليجتهد في خلاصه مما وقع فيه. PageV05P232 # الحادي والعشرون: "العرق" بفتح العين والراء على المشهور في الرواية ~~واللغة، وحكاه القاضي عياض (¬1) عن الجمهور. # وروي بإسكان الراء والصواب: الأول. # فإن العرق (¬2): بإسكان الراء العظم الذي [فيه] (¬3) اللحم والفرق: ~~-بتحريك الفاء وتحريك الراء وإسكانها- ستة عشر رطلا. # وقد فسر العرق: بالمكتل بكسر الميم وفتح المثناة فوق وهو من الخوص، وفسر ~~مرة أخرى: بأنه المكتل الضخم. # ويقال: للعرق: أيضا الزبيل بفتح الزاي من غير نون كالرغيف والزنبيل بكسر ~~الزاي وزيادة نون كالقنديل، كذا في "شرح مسلم" (¬4) للنووي. # وقال القرطبي: هو الزنبيل بكسر الزاي على رواية الطبري وبفتح الزاي ~~لغيره، وهما صحيحان، وسمي بذلك لأنه تحمل فيه الزبل، ذكره ابن دريد (¬5). # وسمي عرقا: لأنه جمع عرقة وهي الضفيرة من الخوص ومن سماه عرق فلأنه منها. PageV05P233 # ويجمع أيضا: على عرقات. # ومن أسمائه أيضا: القفة، -والسفيفه- بفتح السين المهملة وبالفائين. ~~والعرق: عند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعا، وذلك ستون مدا لكل مسكين مد، ~~لأن الصاع أربعة أمداد، وإذا ضربناها في خمسة عشر [كانت ستين وجاء في رواية ~~لأبي داود "فأتي بعرق فيه عشرون] (¬1) صاعا" قال البيهقي وروايته الأخرى: ~~"أنه أتي بعرق فيه تمر قدر خمسة [عشر] (¬2) صاعا" أصح وفي رواية لمسلم ~~"فجاء، عرقان فيهما طعام فأمره أن يتصدق به"، ويجاب عنها بأن العرق قد يصغر ~~وقد يكبر، وبذلك يجمع بين الروايات (¬3). PageV05P234 # الثاني والعشرون: "اللابتان" الحرتان. والمدينة بين [الحرتين] (¬1): ~~شرقية وغربية. # قال ابن حبيب: ولها حرتان آخرتان: حرة بالقبلة وحرة بالجرف ms0931 ويرجع كلتاهما ~~إلى الشرقية والغربية لاتصالهما بهما. # والحرة: أرض تركبها حجارة سود، كما سبق من كلام المصنف. # وعبارة الشيخ تقي الدين (¬2): الحرة: حجارة سود. # وعبارة النووي (¬3): الحرة: الأرض الملبسة حجارة سود -زاد غيره: إذا كانت ~~بين جبلين-. # ويقال: لابه ولوبة ونوبة بالنون، حكاهن أبو عبيد والجوهري (¬4) وخلائق. # ومنه قيل: للأسود لوبى ونوبى باللام والنون وقالوا: وجمع اللابة لوب ولاب ~~[ولابات وهي غير مهموزة] (¬5). PageV05P235 # الثالث والعشرون: قوله: "على أفقر مني" أي ومن يتصدق عليه أفقر مني هكذا ~~وقع في نسخ هذا الكتاب وهو رواية البخاري وفي إحدى روايتي مسلم "على أفقر ~~منا" كما ذكره القرطبي قال: وهو محذوف همزة الاستفهام تقديره: أعلى أفقر ~~منا. والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: أنتصدق به على أحد أفقر منا. والرواية ~~الأخرى: "أفقر منا" بحذف "على" والرواية فيه حينئذ بالنصب على إضمار الفعل ~~تقديره: "أتجد أففر منا" وقد يجوز رفعه على خبر المبتدأ أي "أحدا أفقر منا" ~~ورواية مالك: "ما أجد أحدا [أفقر] (¬1) مني". # الرابع والعشرون: قوله: "أهل بيت أفقر من أهل بيتي" مرفوع لأهل بيت. # الخامس والعشرون: قوله: "فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت ~~أنيابه" سبب ضحكه -عليه الصلاة والسلام- يحتمل التعجب من حال السائل ~~وتباينه حيث كان أولا محترقا هالكا متلهفا حاكما على نفسه بذلك، ثم انتقل ~~إلى طلب الطعام لنفسه وعياله. # ويحتمل أنه من رحمته -عليه الصلاة والسلام- به وشفقته عليه وإطعامه هذا ~~الطعام بعد أن أمره بإخراجه وإحلاله. # السادس والعشرون: "الأنياب" (¬2) جمع ناب، وهي الأسنان الملاصقة للثنايا، ~~وهي أربعة أنياب، وأربعة ضواحك، واثني عشر PageV05P236 # [رحا] (¬1) ثلاثة في كل شق، وأربعة نواجذ، وهي أقصاها، ويلي الثنايا أربع ~~رباعيات، فذلك اثنان وثلاثون، قاله أبو زيد فيما نقله ابن قتيبة عنه. # وقال الأصمعي: مثله إلا أنه قال: الأرحا ثمانية فينقص أربعة. # وجاء في رواية: "حتى بدت نواجذه" وهي الأنياب هنا جمعا بين الروايتين، ~~وجاء في حديث آخر في قصة أخرى: "فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت ~~نواجذه". # وأجاب بعضهم: أنه حيث ضحك [متبسما] (¬2) إنما ms0932 كان لأمر يتعلق بالدنيا ~~وحيث ضحك حتى بدت نواجذه إنما كان لأمر يتعلق بالآخرة، ويعكر على هذا ~~رواية: "حتى بدت نواجذه" هنا. # السابع والعشرون: فيه جواز الضحك وهو [غير] (¬3) التبسم، كما جاء من أنه ~~-عليه الصلاة والسلام- كان ضحكه تبسما، فيجوز أن يكون الغالب من ضحكه، لا ~~كله. وأما قوله -تعالى-: {فتبسم ضاحكا من قولها} (¬4) فضاحكا حال مقدرة أي ~~تبسم بقدر الضحك، لأن الضحك يستغرق التبسم. # قال الفاكهي: هذا هو الصحيح عندي وقد جعله ابن PageV05P237 # عصفور (¬1): حالة مؤكدة، وهو بعيد أو وهم. فقد علمت بذلك أن التبسم غير ~~الضحك، ويقال منه: ضحك يضحك ضحكا (¬2) وضحكا (¬3) [وضحكا] (¬4) لغات ~~والضحكة المرة الواحدة (¬5). # الثامن والعشرون: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "اذهب فأطعمه أهلك" فيه ~~أقوال (¬6). # أحدها: أن هذا خاص بهذا الرجل وحده، قاله الزهري (¬7) يعني أنه يجزيه أن ~~يأكل من صدقة نفسه لسقوط الكفارة عنه، فسوغها له النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد روي: "كله وأطعمه أهلك". PageV05P238 # ثانيها: أنه منسوخ وهما ضعيفان (¬1). # ثالثها: يحتمل أنه أعطاه إياه لكفارته، وأنه يجزيه عن من لا تلزمه نفقته ~~من أهله. # رابعها: أنه لما كان عاجزا عن نفقة أهله جاز له إعطاء الكفارة عن نفسه ~~لهم وقد جوز ذلك بعض أصحابنا حكاه الشيخ تقي الدين. # خامسها: لما ملكها، وهو محتاج جاز له أكلها هو وأهله لحاجتهم. # قال بعضهم: ولأن في أكله منها إذا كان محتاجا. إجبار معه، فجاز له، وفيه نظر. # سادسها: وهو أقربها، كما قال الشيخ تقي الدين: أنه أطعمه لفقره، وأبقى ~~الكفارة عليه متى أيسر. وهذا هو الصحيح عندنا. وهو مذهب مالك. # وذهب الأوزاعي (¬2) [وأحمد (¬3)] (¬4) إلى أن حكم من لم يجد الكفارة ممن ~~(¬5) لزمته من سائر الناس سقوطها عنه مثل هذا الرجل وهو قول عندنا كزكاة ~~الفطر. PageV05P239 # ووجه عدم السقوط القياس على سائر الديون والحقوق والمؤاخذات كجزاء الصيد ~~وغيره، وليس في الحديث سقوطها بل قوله -عليه الصلاة والسلام- لما أتى ~~بالعرق له: "خذ هذا فتصدق به" دليل على بقائها, وإنما أذن له في صرفه ~~لعياله لحاجته كما سيأتي ms0933 (¬1)، فإن الكفارة تجب على التراخي لا على الفور، ~~كما سلف PageV05P240 # في الوجه العاشر. وجاء في رواية غريبة من حديث علي في الدارقطني (¬1) أنه ~~-عليه الصلاة والسلام-: "قال له انطلق فكله أنت وعيالك. فقد كفر الله عنك". ~~وفي إسنادها ابن عقدة وقد ضعفوه. # ومن تراجم البخاري على هذا الحديث "إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء ~~فتصدق عليه فليكفر" (¬2). # وترجم عليه [أيضا المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا ~~محاويج] (¬3) "؟ # وترجم عليه في باب (¬4): "النفقات" نفقة المعسر على أهله! # التاسع والعشرون: "الأهل": هو كل من تلزمه نفقته ذكره الرافعي في كتاب ~~الحج. PageV05P241 # وقال الفاكهي: ظاهر الحديث دخول ذوي القربى والزوجة فيه، يقال: أهل ~~الزوجة، وأهل الدار، وكذلك الأهلات وأهلات بإسكان الهاء وفتحها وأهال زادوا ~~فيه التاء على غير قياس، كما جمعوا ليلا على ليال وقد جاء في [الشعر] (¬1)، ~~آهال مثل فرح وأفراح ووتد وأوتاد (¬2). # الثلاثون: جمهور الأمة على وجوب القضاء على مفسد الصوم بالجماع، وهو ~~الأصح عندنا، إذ الصوم المطلوب منه لم يفعله، وهو باق عليه كالصلوات وغيرها ~~إذا لم تفعل بشروطها. # وقيل: لا يجب, وبه قالت طائفة من أهل العلم، لأن الخلل الحاصل قد انجبر ~~بالكفارة، ولسكوته -عليه الصلاة والسلام- عنه في الصحيح. # وفي وجه ثالث: إن كفر بالصوم دخل فيه القضاء وإلا فلا، لاختلاف الجنس، ~~وبه قال الأوزاعي (¬3). # والصحيح عندنا الأول: وقد روى أبو داود والدارقطني (¬4) أنه PageV05P242 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P243 # -عليه الصلاة والسلام- أمره بالقضاء وأعلها ابن حزم (¬1)، بمن PageV05P244 # احتج به في الصحيح كعادته في التعنت. # ووقع في الوسيط للغزالي أنه -عليه الصلاة والسلام- لم يأمر الأعرابي ~~بالقضاء، وليس بجيد منه، وهذا الخلاف في حق الرجل. # أما المرأة فيجب عليها القضاء قطعا إذا لم تلزمها الكفارة، ولا يتحمل ~~الزوج فإن الكفارة إذا [(¬1)] كانت صوما لم يتحمل، فما ظنك بالقضاء. # قال الفاكهي: ولا أعلم خلافا في وجوب القضاء عليهما عندنا إلا ما تقدم من ~~احتمال كلام ابن القصار مكرهة كانت أو طائعة. # الحادى والثلاثون: اختلفوا في وجوب الكفارة على المرأة إذا مكنت ms0934 طائعة ~~فوطأها الزوج كما سلف في [الوجه] (¬2) الرابع عشر، ومشهور مذهب مالك أنها ~~إن كانت طائعة يجب عليها كفارة أخرى عن نفسها مع القضاء، وإن كانت [مكرهة] ~~(¬3) فالقضاء عليها وعلى زوجها كفارة عنها فيكون عنه كفارتان. عنه وعنها ~~كذا فصل الفاكهي. # وقال القرطبي: مذهب مالك والجمهور أن الكفارة على الجاني وحده. PageV05P245 # ومذهب الشافعي وأهل الظاهر أنها عنه وعن موطوئته. # قلت: هذا قول عنه فإن عنه أقوال: # [أصحها] (¬1): يجب كفارة واحدة على الزوج. # ثانيها: عنه وعنها. # ثالثها: [عليها] (¬2) كفارة أخرى. # وحكى الدارمي وغيره وجها أنه يجب على الزوج في ماله كفارتان: كفارة عنه، ~~وكفارة عنها، وهو مصادم للحديث. والكلام على هذه الأقوال وما يتعلق بها ~~محله كتب الفروع. # ثم قال القرطبي: ومشهور مذهب مالك في المكرهة أن مكرهها يكفر عنها. # قلت: وبالأول من أقوال الشافعي قال داود وأهل الظاهر. # وبقول مالك: قال أبو ثور: وأهل الرأي أعني وجوب الكفارة على المرأة إن ~~طاوعت كما أسلفناه في الوجه الرابع عشر ونقله البغوي في شرح السنة (¬3) عن ~~أكثر العلماء. # واحتج لعدم الوجوب عليها: أنه -عليه الصلاة والسلام- لم يعلم المرأة ~~بوجوب الكفارة عليها مع الحاجة إلى الإعلام ولا يجوز تأخير البيان عن وقت ~~الحاجة. وقد أمر -عليه الصلاة PageV05P246 # والسلام- أنيسا أن يغدر على امرأة العسيف، فإن اعترفت رجمها، فلو وجبت ~~عليها لأعلمها بذلك، كما في حديث أنيس. # ومن أوجبها عليها أجاب بوجوه (¬1): # أحدها: أنا لا نسلم الحاجة إلى إعلامها، فإنها لم تعترف بسبب الكفارة، ~~وإقرار الرجل عليها لا يوجب عليها حكما وإنما تمس الحاجة إلى إعلامها إذا ~~ثبت الوجوب في حقها, ولم يثبت على ما بيناه. # ثانيها: أنها قضية حال، يتطرق إليها الاحتمال، ولا عموم لها، وهذه المرأة ~~يجوز أن لا تكون ممن يجب عليها الكفارة بهذا الوطء: إما لصغرها، أو جنونها، ~~أو كفرها، أو حيضها، أو طهارتها من الحيض في أثناء النهار. # واعترض على هذا بأن علمه -عليه الصلاة والسلام- بحيضها وعدمه عسر ولو كان ~~علمه ولم يخبره به الأعرابي ولم يسأله النبي - صلى الله ms0935 عليه وسلم - كان ~~مستحيلا. وأما باقي الأعذار المذكورة من الصغر والجنون وغيرها (¬2) فكلها ~~أعذار تنافي التحريم على المرأة، وينافيها قوله في الرواية السالفة: "هلكت ~~وأهلكت" (¬3) وجودة هذا الاعتراض PageV05P247 # موقوفة على صحة هذه الرواية (¬1). وقد علمت ما فيها فيما مضى. # وثالثها: أنا لا نسلم عدم بيان الحكم، فإن بيانه في حق الرجل بيان له في ~~حق المرأة، لاستوائهما في تحريم الفطر، وانتهاك PageV05P248 # الحرمة، مع العلم بأن إيجاب الكفارة هو ذاك، والتنصيص على الحكم في حق ~~بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين، وهذا كما أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- لم يذكر إيجاب الكفارة على سائر الناس غير الأعرابي، لعلمه ~~بالاستواء في الحكم وهذا وجه قوي كما قال الشيخ تقي الدين: # وإنما حاولوا التعليل عليه بأن بينوا في المرأة معنى يمكن أن يظن به ~~اختلاف [حكمها مع حكم الرجل، بخلاف غير الأعرابي من الناس، فإنه لا معنى ~~يوجب اختلاف] (¬1) حكمهم مع حكمه وذلك المعنى الذي أبدوه في حق المرأة هو ~~أن مؤن النكاح لازمة على الزوج كالمهر وثمن ماء الغسل عن جماعه، فيمكن أن ~~يكون [هذا] (¬2) منه. # وأيضا: فجعلوا الزوج في باب الوطء هو الفاعل المنسوب إليه الفعل، والمرأة ~~محل، فيمكن أن يقال: الحكم مضاف إلى من [نسب] (¬3) إليه الفعل، فيقال واطء ~~ومواقع. ولا يقال للمرأة ذلك، قال الشيخ: وليس [هذا بقوي] (¬4)، فإن المرأة ~~يحرم عليها التمكين. [وهي آثمة به مرتكبة كبيرة، كا] (¬5) لرجل. وقد أضيف ~~اسم الزنا إليهما في كتاب الله -تعالى-. ومدار الوجوب على هذا PageV05P249 # المعنى (¬1). # الثاني والثلاثون: دل الحديث (¬2) [دلالة ظاهرة] (¬3) على أنه لا مدخل ~~لغير الخصال الثلاثة في الكفارة (¬4) ونقل عن الحسن البصري وعطاء أن المكفر ~~إن لم يجد رقبة أهدى بدنة إلى مكة قال عطاء: أو بقرة. حكاه القرطبي ورواه ~~مالك في الموطأ من مراسيل سعيد بن المسيب من رواية عطاء بن عبد الله ~~الخراساني عنه، أنه -عليه الصلاة والسلام- قال له: "فهل تستطيع أن تهدي ~~بدنة" (¬5). PageV05P250 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P251 # قلت: وقد اختلف في عطاء هذا على قولين: # أحدهما: أنه ابن عبد ms0936 الله. # الثاني: أنه ابن ميسرة مولى المهلب ابن أبي صفرة، وأدخله البخاري في ~~الضعفاء والمتروكين لتكذيب ابن المسيب له حين سئل عنه أنه حدثه بحديث ~~الأعرابي كذب ما حدثته. # قال القاضي عياض: أنكر سعيد على عطاء روايته عنه البدنة. # وقال ابن طاهر: في تذكرته (¬1) قوله: "اهد بدنة" باطل. # (¬2) قال ابن بزيزة: ووهم البخاري في إدخال عطاء في الضعفاء فإنه كان ~~عالما فاضلا مجيدا للقرآن ولعلم القرآن من التفسير وغيره وروي عنه مالك ~~ومعمر والأوزاعي (¬3). PageV05P252 # الثالث والثلاثون: يستنبط من الحديث أن من ادعى عذرا يسقط عنه شيئا أو ~~يفتح له أخذ شيء يقبل قوله ولا يكلف إقامة البينة على ذلك. فإن هذا الرجل ~~ادعى الفقر وادعى أنه ما أصيب إلا من الصوم [كما مضى. # الرابع والثلاثون: قوله له] (¬1) "خذ هذا فتصدق به" يلزم منه أن [يكون ~~ملكه إياه ليتصدق به عن كفارته ويكون] (¬2) هذا كقول القائل أعتقت عبدي عن ~~فلان فإنه يتضمن سبقيه الملك عند قوم. # قال القرطبي: وأباه أصحابنا مع الاتفاق على أن الولاء للمعتق عنه، وأن ~~الكفارة تسقط بذلك. # الخامس والثلاثون: جاء في رواية في الصحيح "أن رجلا أفطر في رمضان فأمره ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكفر بعتق رقبة" وذكر الحديث ويتمسك بهذه ~~الرواية لمذهب مالك وجماعة أن من هتك صوم رمضان بأي وجه كان من أكل أو شرب ~~أو غيرهما تجب عليه الكفارة لكن للمخالف أن يحمل الإفطار على الموافقة جمعا ~~بين الروايات ويبعد كل البعد تعدد الواقعة. PageV05P253 # وإن ادعى القرطبي: أن التعدد هو الظاهر لأجل مذهبه في ذلك (¬1). # السادس والثلاثون: ترجم البخاري على هذا الحديث في كتاب الهبة (¬2) من ~~صحيحه باب إذا وهب هبة فقبضها الآخر ولم يقل: قبلت. # وترجم عليه في النفقات: باب نفقة المعسر على أهله (¬3). كما تقدم. # ... PageV05P254 ### || AUTO 36 - باب الصوم في السفر [وغيره] # (¬1) # ذكر فيه -رحمه الله- أحد عشر حديثا: ### ||| AUTO الحديث الأول # 186/ 1/ 36 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أن حمزه بن عمرو الأسلمي قال ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أأصوم في ms0937 السفر؟ -وكان كثير الصيام- فقال ~~(¬2): "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: حمزة هذا مدني كنيته أبو صالح (¬4). PageV05P255 # ويقال: أبو محمد. # وكان البشير بوقعة أجنادين إلى أبي بكر. # وقيل: هو الذي بشر كعب بن مالك بتوبته فكساه ثوبيه. # وروى البخاري [في تاريخه] (¬1) عنه قال: "كنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في سفر فتفرقنا في ليلة ظلماء دحمسة فأضاءت أصابعي حتى حملوا ~~عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعي لتنير". # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسعة أحاديث روى له مسلم ~~حديثا واحدا من حديث أبي [مراوح] (¬2) عنه وقد أخرجا ذكره في هذا الحديث. # مات سنة إحدى وستين. # قال ابن حبان في "ثقاته" (¬3): في ولاية يزيد بن معاوية وهو ابن إحدى ~~وسبعين سنة. # فائدة: في الصحابة أيضا حمزة غير هذا: حمزة بن عبد المطلب، وحمزة بن ~~الحمير حليف لبني عبيد بن عدي الأنصاري (¬4). PageV05P256 # ثانيها: الأسلمي -بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح اللام وكسر ~~الميم- نسبة إلى أسلم بن أفصى -بالفاء- ويشتبه هذا بالأسلمي بضم اللام نسبة ~~إلى أسلم بن الجاف بن [بضاعة] (¬1). # ثالثها: في الحديث دليل على التخيير بين الصوم والفطر في السفر، وليس فيه ~~تصريح بأنه صوم رمضان، وربما استدل به من يجيز صوم رمضان في السفر، فمنعوا ~~الدلالة من حيث ما ذكرناه، من عدم الدلالة على كونه صوم رمضان. كذا قاله ~~الشيخ تقي الدين (¬2) وكأنه استند في ذلك إلى قول ابن حزم (¬3)، إنما سأله ~~عن التطوع وهو عجيب ففي سنن أبي داود (¬4) من حديث حمزة بن محمد بن حمزة ~~الأسلمي عن أبيه عن جده ما هو صريح، أنه سأله عن شهر رمضان، لكن ابن حزم ~~اختصرها (¬5) وأعلها بضعف حمزة (¬6) وأبيه. فأما حمزة: فمجهول، وأما أبوه: ~~فعنه جماعة، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (¬7)، وقد روى الحديث الحاكم (¬8) ~~في مستدركه عليه. PageV05P257 # ووهم ابن العطار في"شرحه" فعزاه باللفظ الذي سقناه إلى مسلم فاجتنبه. ~~ويؤيد هذه الرواية التي ذكرناها قوله -عليه الصلاة والسلام- لحمزة بن عمرو ~~في رواية ms0938 أخرى لمسلم (¬1): "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن ~~يصوم فلا جناح عليه" ولا يقال في التطوع مثل هذا، فظهر بهذا أن المراد ~~بقوله: "أأصوم في السفر" أنه صوم رمضان لا صوم التطوع. وكذا قوله في ~~الصحيح: "إني أسرد الصوم" [فالمراد سرد] (¬2) رمضان لا سرد صوم التطوع جمعا ~~بين الروايات وإن كان ظاهر هذه [الرواية] (¬3) [أنه] (¬4) التطوع وقوله ~~أيضا "كان كثير الصيام" يشعر به وعلى هذا الظاهر جرى النووي في "شرح مسلم" ~~(¬5)، حيث [قال] (¬6): فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن صوم الدهر ~~وسرده غير مكروه لمن لا يخاف منه ضررا، ولا يفوت به حقا بشرط فطر يومي ~~العيد وأيام التشريق، قال: لأنه أخبر، بسرده، ولم ينكر عليه، بل أقره عليه، ~~وأذن له فيه في السفر، ففي الحضر أولى، قال: وهذا محمول على أن حمزة كان ~~يطيق السرد بلا ضرر ولا تفويت حق، كما قال في PageV05P258 # الرواية الأخرى "أجد بي قوة على الصيام" ثم شرع يجمع بين حديث حمزة هذا ~~وحديث (¬1) عمرو بن العاص في النهي عنه. # ثم اعلم بعد ذلك أن جمهور العلماء على أن المسافر سفرا طويلا مباحا إن ~~صام في سفره، أجزأه. # وذهبت الشيعة: إلى أنه لا يصح وعليه القضاء. # واختلف أصحاب داود الظاهري (¬2): فذهب بعضهم: إلى أنه ينعقد صومه. # وذهب بعضهم: إلى أنه لا يجزئه ولا ينعقد، وعليه القضاء. # وحكي عن ابن عمر أنه قال: من صام في السفر قضى في الحضر (¬3). # وحكي عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" ~~(¬4) قال البيهقي: وهو موقوف منقطع. قال: وروي مرفوعا وإسناده ضعيف. PageV05P259 # وحكى أصحابنا بطلانه عن أبي هريرة (¬1)، وحكى أنه مذهب عمر (¬2)، ومتمسك ~~هؤلاء قوله -تعالى-: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~(¬3) أي فعليه عدة، أو فالواجب عدة، والحديث الآتي "ليس من البر الصوم في ~~السفر" (¬4) والحديث الآخر "أولئك العصاة" (¬5) وتأول الجمهور أن في الآية ~~حذف التقدير "فأفطروا". # واستدلوا على صحته بالأحاديث الصحيحة في ms0939 صومه -عليه الصلاة والسلام- فيه ~~(¬6)، وتخييره بينه وبين الإفطار (¬7) فدل ذلك PageV05P260 # على أن المعنى على ما قدروه من الحذف، وأن القضاء على من أفطر فقط. ويقوي ~~قولهم أيضا الرواية السالفة: "هي رخصة من الله" ثم اختلفوا في الأفضل على أقوال. # أحدها: أن الصوم أفضل لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر. فإن تضرر به ~~فالفطر أفضل، وبه قال أنس (¬1) بن مالك، ومالك في المشهور عنه، كما قال ~~القرطبي (¬2) وأبو حنيفة (¬3) وحكاه الخطابي (¬4) عن عمر بن عبد العزيز ~~وقتادة ومجاهد، وحكاه النووي في "شرح مسلم" (¬5) عن الأكثرين مبادرة إلى ~~تخليص الذمم ومسابقة إلى الخيرات، ولأنه -عليه الصلاة والسلام- وعبد الله ~~بن رواحة صاموا كما سيأتي، وقد قال -تعالى-: {وأن تصوموا خير لكم} (¬6). # ثانيها: أن الفطر أفضل، وإليه ذهب ابن عباس، فقال: "عسر ويسر خذ يسر ~~الله" (¬7) وابن عمر وكان يقول "رخصة ربي أحب إلي" PageV05P261 # مع أنه كان من أهل التشديد على نفسه والأخذ بالأشد، وقال: "أرأيت لو ~~تصدقت بصدقة فردت عليك ألا تغضب" (¬1) وذهب إليه أيضا سعيد بن المسيب (¬2)، ~~والأوزاعي (¬3) وأحمد وإسحاق وغيرهم، وحكاه بعض (¬4) أصحابنا قولا للشافعي. # واحتجوا بما سلف لأهل الظاهر وبحديث "هي رخصة من الله" السالف وظاهره ~~ترجيح الفطر، وبالحديث الآتي: "ليس من البر الصيام في السفر" (¬5). # وأجاب الأكثرون: بأن هذا كله فيمن يخاف ضررا أو يجد PageV05P262 # مشقة، كما هو صريح في الأحاديث، واعتمدوا حديث أبي سعيد الخدري الثابت في ~~الصحيح (¬1): "كنا نغزوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان، ~~فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على ~~الصائم" يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن. ويرون أن من وجد ضعفا فافطر ~~فإن ذلك حسن. وهذا صريح في ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه ~~بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة (¬2). PageV05P263 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P264 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P265 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P266 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P267 # ثالثها: أن الصوم والفطر سواء، لتعادل الأحاديث، قال القرطبي: وعليه جل ~~أهل المذهب، ثم ادعى أن الأحاديث دالة له، وليس كما قال، بل هي دالة للأول. # رابعها: إن من لا يتضرر ms0940 بالصوم في الحال ولكن يخاف الضعف لو صام وكان سفر ~~حج أو غزوة (¬1) فالفطر أولى. حكاه الرافعي في كتاب الصوم عن "التتمة" وحكى ~~الجيلي وجهان: أن من خاف ضررا لا يصح صومه وهو غريب. # الرابع: في الحديث دليل على السؤال عن العلم في كل ما يعرض للإنسان من ~~جوازه وأفضليته. # الخامس: فيه دليل أيضا على [أن] (¬2) المستفتي يذكر للمفتي حاله وما يعرض ~~له ولا يكتمه شيئا مما يتعلق بسؤاله. # [السادس] (¬3): جمهور العلماء على أنه يشترط في جواز الفطر كون السفر ~~طويلا، كما جزمت به فيما مضى، وهو عند [أهل] (¬4) العراق ثلاثة أيام. PageV05P268 # وعند أكثر أهل الحجاز يوم وليلة، [وقد كان ابن عمر وابن عباس لا يريان ~~القصر والإفطار في أقل من أربعة برد]. # وادعى ابن بزيزة أن الصحيح: أنه -عليه الصلاة والسلام- لم يخص سفرا من ~~سفر، وأنه ظاهر الآية (¬1). PageV05P269 # وقال قوم: يجوز في كل سفر وإن قصر، قال الخطابي (¬1): وأظنه مذهب داود ~~وأهل الظاهر. # قلت: ولا بد أيضا من اشتراط كونه حلالا. فالعاصي بسفره لا يفطر. # ... PageV05P270 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 187/ 2/ 36 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "كنا نسافر مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: ظاهر هذا الحديث أن هذا كان في صوم رمضان لقرينة عدم العيب، إذ ~~الصوم المرسل لا يعاب. # فإن قلت: بل ظاهره أنه كان في غير رمضان، لقول أنس: "كنا" و"كان" تقتضي ~~الدوام، ولم يكن أسفاره -عليه الصلاة والسلام- الغالبة في رمضان. # فالجواب: أن "كان" بوضعها لا تقتضي الدوام، وإنما تقتضي الوقوع مرة، ~~اللهم إلا أن يدل عليه دليل. وقد استعملت عائشة -رضي الله عنها- كان في ~~المرة الواحدة، فقالت: "كنت أطيب PageV05P271 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف ~~بالبيت"، ومعلوم أن عائشة لم تحج معه إلا حجة الوداع، ولا يقال: إن ذلك كان ~~في العمرة، فإن العمرة لا يجوز فيها الطيب قبل الطواف. # ثانيها: هذا الحديث مرفوع ms0941 من غير شك، وهو راد على من منع الصوم في السفر، ~~وعلى من زعم أنه إذا أنشأ السفر في رمضان لم يجز له أن يفطر (¬1). # ثالثها: فيه دلالة على أن الأشياء من الأحكام وغيرها لم تتغير عن وضعها ~~بنظر ولا اجتهاد. وأن من اختص بحال في نفسه لا يلزم في أحكام الشرع عموم الناس. # رابعها: قد يستدل به من يقول: الصوم والفطر سواء، لانقسام ذلك بين ~~الصحابة من غير نكير. # ... PageV05P272 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 188/ 3/ 36 - عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: "خرجنا مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، في شهر رمضان، في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع ~~يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وعبد الله بن رواحة" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه واسمه عويمر، وقيل: عامر، أنصاري خزرجي، تأخر ~~إسلامه قليلا، فأسلم يوم بدر، وكان آخر أهل داره إسلاما، وحسن إسلامه وآخا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين سلمان، وكان فقيها عاقلا حكيما، ~~وهو أحد من جمع القرآن، شهد ما بعد أحد من المشاهد، واختلف في شهوده أحدا، ~~وولي قضاء دمشق في خلافة عثمان، وهو أول من قضاها، وكان القاضي خليفة ~~الأمير إذا غاب. روي له مائة حديث وتسعة وسبعون حديثا اتفقا منها على ~~ثمانية، وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بثمانية، روى عنه: ابنه بلال القاضي ~~وزوجته أم الدرداء وخلق. مات بالشام سنة إحدى وثلاثين، PageV05P273 # قاله جماعة. وقبره وقبر زوجته بدمشق، وترجمته مبسوطة فيما أفردته في ~~أسماء الرجال الواقعة في هذا الكتاب، فراجعه منه تجد ما يشفي العليل (¬1). # فائدة: جماعة من الرواة اشتركوا مع عويمر هذا في الاسم ذكرتهم في الكتاب ~~المشار إليه. # فائدة ثانية: أبو الدرداء (¬2) ممن [وافقت] (¬3) كنيته كنية زوجته وهم ~~جماعة أفردهم [بعض] (¬4) الحفاظ في جزء. # ثانيها: عبد الله بن رواحة المذكور في المتن أوضحت ترجمته في الكتاب ~~المشار إليه أيضا، وهو أنصاري خزرجي، أحد النقباء ليلة العقبة، وقتل بمؤتة ~~سنة ثمان، ms0942 وهو أحد الشعراء المحسنين، الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. # ثالثها: هذا الصوم الظاهر أنه كان في غزوة بدر، لأن أسفاره -عليه الصلاة ~~والسلام- فيما بين بدر ومؤتة لم يكن شيء منها في رمضان غير بدر (¬5)، فإنه ~~-عليه الصلاة والسلام- لم يسافر إلا في PageV05P274 # غزو أو حج بعد هجرته إلى المدينة. # رابعها: قوله: "حتى إن" "إن" هذه مخففة من الثقيلة عند البصريين، والأصل ~~عندهم: أنه كان أحدنا ليضع. # وهي عند الكوفيين بمعنى ["ما" و"اللام" بمعنى] (¬1) "إلا" والتقدير ما ~~كان أحدنا إلا ليضع (¬2). # خامسها: في الحديث رد على من قال: إن الصوم لا ينعقد في السفر، كما تقدم. ~~فإن الحديث مصرح بأن هذا الصوم وقع في رمضان في السفر، وأنه صحيح جائز. # سادسها: فيه دلالة على الاقتداء به -عليه أفضل الصلاة والسلام- في ~~[أفعاله وأحواله] (¬3). # سابعها: فيه دلالة أيضا على شرعية حكاية الحال. # ... PageV05P275 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 189/ 4/ 36 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: "ما ~~هذا؟ " قالوا: صائم، قال: "ليس من البر الصوم في السفر (¬1) " (¬2). # ولمسلم: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم" (¬3). PageV05P276 # الكلام عليه من وجوه: # الأول: [هذا] (¬1) الرجل المبهم الذي ظلل عليه لم أره بعد التتبع فليبحث ~~عنه. وهذه [السفرة] (¬2) كانت في غزوة تبوك، وهذه PageV05P277 # الواقعة كانت بعدما أضحى النهار، كما رواه الشافعي (¬1). # الثاني: قوله: "ليس من البر" روي في بعض الروايات بإسقاط "من" و"من" هذه ~~هي الزائدة المزادة لتأكيد النفي. # قال القرطبي: وقد ذهب بعض الناس إلى أنها مبعضة هنا وليس بشيء. قال: وروى ~~أهل الأدب: "ليس من أم بر أم صيام في أم سفر"، فأبدلوا من اللام ميما، وهي ~~لغة قوم من العرب وهي قليلة. # قلت: رواه بهذا اللفظ أحمد (¬2) في مسنده من حديث [(¬3)]. # [الثالث] (¬4): في الحديث تفقد الإمام أحوال رعاياه، وعدم إهمالهم وسؤاله ~~عن حقيقة الأمر والسبب المقتضي لتغير الحال المعهودة. # [الرابع] (¬5): أخذ من هذا الحديث أن كراهة ms0943 الصوم في السفر PageV05P278 # لمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم ويشق عليه، أو يؤدي به إلى ترك ~~ما هو أولى من القربات، ويكون قوله: "ليس من البر الصوم في السفر" منزلا ~~على مثل هذه الحالة. # لكن المانعون من الصوم في السفر يقولون: اللفظ عام، والعبرة بعموم اللفظ ~~لا بخصوص السبب. # ويرد عليهم فعله -عليه الصلاة والسلام- فيه ولا عذر لهم عنه ولا تأويل. # قال الشيخ (¬1) تقي الدين: ويجب أن تتنبه للفرق بين دلالة السياق ~~والقرائن الدالة على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم, وبين مجرد ورود العام ~~على سبب [ولا تجرهما] (¬2) مجرى واحدا، فإن مجرد ورود العام على السبب لا ~~يقتضي التخصيص كقوله -تعالى-: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} (¬3)، ~~فإنها نزلت بسبب سرقة رداء صفوان [و] (¬4) لا يقتضي التخصيص به بالضرورة ~~والإجماع [و] (¬5)، أما السياق والقرائن فإنها الدالة على مراد المتكلم من ~~كلامه. وهي المرشدة إلى بيان المجملات، وتعيين المحتملات، فاضبط هذه ~~القاعدة، فإنها مفيدة في مواضع PageV05P279 # لا تحصى، وانظر في قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ليس من البر الصوم في ~~السفر"، مع حكاية حال الرجل المظلل عليه من أي [القبيلين] (¬1) هو؟ فنزله عليه. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم"، ~~فيه دلالة على استحباب التمسك بالرخصة والعمل بها إذا دعت الحاجة إليها, ~~ولا تترك على وجه التشديد على النفس والتنطع، والتعمق وقد جاء: "هلك ~~المتنطعون" (¬2)، وجاء أيضا: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن ~~المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" (¬3)، وجاء أيضا: "من يشاد هذا الدين ~~يغلبه" (¬4)، وفي صحيح ابن حبان من حديث ابن PageV05P280 # عباس (¬1) وابن عمر (¬2) مرفوعا: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن ~~تؤتى عزائمه". # ... PageV05P281 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 190/ 5/ 36 - " عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في سفر: فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلا ~~في يوم حار، وأكثرنا ظلا صاحب الكساء، فمنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط ~~الصوام، وقام المفطرون، فضربوا ms0944 الأبنية، وسقوا الركاب. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: "الأبنية" جمع بناء، وهي البيوت التي يسكنها العرب في الصحراء: ~~كالخباء والقبة والمضرب وقد تكرر ذكره مفردا أو مجموعا. # الثاني: "الركاب" الإبل وجمعه ركائب. # الثالث: قوله: "وأكثرنا ظلا صاحب الكساء" يعني أنه لم يكن فساطيط ولا ~~أخبية، وأن أكثرهم ظلا من له كساء يلقيه على رأسه PageV05P282 # اتقاء لحر الشمس، ففيه دلالة على عدم احتفالهم بآلات السفر كالخيم، ~~ونحوها، بل كان جل احتفالهم بآلة الحرب، بخلاف حال الزمان اليوم. ومعنى: ~~"يتقي الشمس بيده" يستتر بها. # الرابع: فيه رد على من يقول: بعدم جواز الصوم في السفر، وانعقاده فيه ~~لتقرير الصائمين على صومهم، ودلالة على ترجيح الفطر فيه. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر"، أي ~~بأجر يزيد على أجر الصائمين، فإن عملهم كان متعديا، وعمل الصائمين كان ~~قاصرا، ويحتمل كما قاله الشيخ تقي الدين (¬1): أن يكون أجرهم قد بلغ في ~~الكثرة بالنسبة إلى أجر الصائمين مبلغا ينغمر فيه أجر الصوم، فتحصل ~~المبالغة بسبب ذلك، ويجعل كأن الأجر كله للمفطر، ويقرب من هذا قول بعضهم في ~~إحباط الأعمال الصالحة ببعض الكبائر، وأن ثواب ذلك العمل يكون مغمورا جدا ~~بالنسبة إلى ما يحصل من عقاب الكبيرة، فكأنه كالمعدوم المحبط، وإن كان ~~الصوم هنا ليس من المحبطات، لكن المقصود المبالغة في أن الثواب وإن قل جدا ~~قد يجعل كالمعدوم مبالغة، وهذا قد يوجد مثله في التصرفات الوجودية، وأعمال ~~الناس في مقابلتهم حسنات من يفعل منهم منها شيئا بسيئاته، فإنهم يجعلون ~~اليسير جدا كالمعدوم بالنسبة إلى الإحسان والإساءة، كحجامة الأب لولده، ~~وإيجار الأم لولدها الوجور الكريه لدفع الأمر الأعظم عنه PageV05P283 # كالمرض وغيره، فإن كلا منهما يعد محسنا مطلقا، ولا يعد مسيئا بالنسبة إلى ~~الإيلام بالحجامة، والمرارة ليسارة ذلك الألم بالنسبة إلى دفع الأمر الشديد ~~من المرض وغيره. # السادس: في الحديث دلالة على أنه إذا تعارضت المصالح قدم أولاها وأقواها، ~~فإن الصوم مصلحة، والفطر أيضا، ms0945 والحالة هذه مصلحة، ولكن مصلحة الفطر حينئذ ~~أولى لتعديها، وقصور مصلحة الصيام كما تقدم. # السابع: فيه دلالة أيضا على ما كانت الصحابة عليه من الزهادة في الدنيا ~~والصبر على المؤلمات في طاعة الله تعالى. # الثامن: منه أيضا جواز حكاية مثل ذلك للقدوة والتأسي. # التاسع: فيه أيضا جواز اتخاذ الأبنية ونحوها للاستظلال. # العاشر: فيه أيضا جواز اتقاء الشمس وحرها عن البصر والبدن باليد ونحوها. # الحادي عشر: فيه أيضا القيام بمصالح الدواب من الإبل وغيرها بالسقي وغيره ~~وهو واجب. # الثاني عشر: فيه أيضا أن اطلاعه -عليه الصلاة والسلام- على الشيء وتقريره ~~إياه من غير نكير شرع، فإنه أقرهم على الصوم والفطر. # *** PageV05P284 ### ||| AUTO الحديث السادس # 191/ 6/ 36 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان يكون علي الصوم من ~~رمضان، فما أستطيع أن [أقضي] (¬1) إلا في شعبان" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # [الأول] (¬3): سبب تأخيرها -رضي الله عنها- الصوم من رمضان إلى شعبان ~~الشغل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما رواه مسلم (¬4) عنها، ففيه ~~دلالة على شدة احتفالها بأمره، وإرصاد نفسها لاستمتاعه، ولم تستأذنه في ~~الصوم مخافة أن يأذن، ويكون له حاجة فيها فتفوتها عليه، وهذا من الأدب. PageV05P285 # [الثاني] (¬1): من الحديث [دليل] (¬2) على جواز تأخير قضاء رمضان في ~~الجملة، وأنه موسع الوقت، وانفرد داود فأوجب المبادرة في ثاني شوال، وإن لم ~~يفعل ذلك فهو آثم، وهذا الحديث يرد عليه، وكذا قوله -تعالى-: {فعدة من أيام ~~أخر} (¬3) حيث لم يعينها ولا قيدها بقيد فمن عينها فقد تحكم بغير دليل. ~~وحديث عائشة، وإن لم تصرح برفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فإنه يعلم أنه لا يخفى مثله عنه، ولا أن أزواجه ينفردن بأرائهن في مثل هذا ~~الأمر المهم الضروري، فالظاهر أن ذلك عن إذن منه - صلى الله عليه وسلم - ~~وتسويغه لهن ذلك. # واعلم أن بعضهم ادعى أن ذكر [(¬4)] الشغل في الرواية التي أسلفناها إنما ~~هو من قول يحيى بن سعيد لا من قول عائشة: وقد أسنده البخاري في صحيحه (¬5) ~~إليه، فذهب هذا القائل إلى أن عائشة PageV05P286 # إنما أخرته ms0946 للرخصة لا للشغل، لأنه لو كان للشغل لم يؤخذ منه التأخير لغير عذر. # وتنبه إلى رواية مسلم الأخرى: إن كانت إحدانا لتفطر في رمضان (¬1) فما ~~تقدر على أن تقضيه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يأتي شعبان. ~~فإنها صريحة لا تحتمل التأويل. # ثالثها: قد يؤخذ من الحديث أنه لا يؤخر عن شعبان حتى يدخل رمضان ثان، وهو ~~قول الأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف القائلين بأن القضاء على التراخي، ~~وأنه لا يشترط المبادرة به في أول الإمكان، لأنه يؤخره حينئذ إلى زمن لا ~~يقبله وهو رمضان الآتي، فصار كمن أخره إلى الموت، فإن أخره عنه فعليه مد ~~عند الشافعي ومالك [] (¬2)، خلافا لأبي حنيفة وداود. # رابعها: إنما كانت تصومه في شعبان، لأنه -عليه الصلاة والسلام- كان يصوم ~~معظمه فلا حاجة له في النساء. في النهار، ولأنه في شعبان [يتضيق] (¬3) قضاء ~~رمضان فإنه لا يجوز تأخيره عنه. PageV05P287 # فإن قلت: كيف لا تستطيع على الصوم لحقه فيها وقد كان له تسع نسوة, وكان ~~يقسم بينهن فلا تصل النوبة لأحداهن إلا بعد ثمان، فكان يمكنها أن تصوم في ~~هذه الأيام التي يكون فيها عند غيرها. # فالجواب: أن القسم لم يكن عليه واجبا [(¬1)]، وإنما كان يفعله تطييبا ~~لقلوبهن، ودفعا لما يتوقع من فساد قلوبهن، ألا ترى قوله -تعالى-: {ترجي من ~~تشاء منهن} (¬2) الآية. فلما علم نساؤه هذا أو من سألته منهم كن يتهيأن له ~~دائما ويتوقعن حاجته إليهن في أكثر الأوقات، كذا أجاب بهذا القرطبي (¬3)، ~~وتبعه ابن العطار في شرحه. # لكن الأصح عند الشافعية: وجوب القسم عليه - صلى الله عليه وسلم -. # خامسها: يستفاد من هذا الحديث أن المرأة لا تصوم القضاء، وزوجها شاهد إلا ~~بإذنه إلا أن تخاف الفوات فيتعين، [وترتفع] (¬4) التوسعة، وهو مذهب الشافعي ~~-رضي الله عنه- أنه يمنعها من القضاء الذي لا يتضيق دون غيره، فإن حق الزوج ~~على الفور. # قال القرطبي: وقال بعض شيوخنا [لها] (¬5) أن تصومه بغير PageV05P288 # إذنه، لأنه واجب، والحديث الوارد بنهيها محمول على التطوع (¬1). # تنبيهات: # أحدها: اتفق العلماء على أن ms0947 المرأة لا يحل لها صوم التطوع وزوجها حاضر ~~إلا بإذنه للحديث الصحيح في ذلك عن أبي هريرة، كذا ادعى الاتفاق النووي في ~~"شرح مسلم" (¬2) وتبعه الفاكهي وابن العطار في شرحيهما، وهو غريب منه، فقد ~~قال: هو في "شرحه للمهذب" (¬3): إن جماعة من أصحابنا قالوا بالكراهة. # ثانيها: من أفطر بغير عذر وجب عليه القضاء على الفور لا محالة، ومن أفطر ~~بعذر سفر أو مرض، أو حيض فيه الخلاف الذي قدمناه، والجمهور على استحباب ~~المبادرة للاحتياط فيه، فإن أخره. فالصحيح عند المحققين من الفقهاء ~~والأصوليين أنه يجب العزم على فعله، وكذلك القول في كل واجب موسع، إنما ~~يجوز تأخيره بشرط العزم على فعله حتى لو أخره بلا عزم عصى. # ثالثها: أجمع العلماء على أنه لو مات قبل خروج شعبان لزمه الفدية في ~~تركته عن كل يوم مد من طعام، وهذا إذا تمكن من PageV05P289 # القضاء، فلم يقض، فأما من أفطر بعذر، ثم اتصل عجزه فلم يتمكن من الصوم ~~حتى مات فلا صوم عليه ولا يطعم عنه، ولا يصام عنه، وفيه وجه بعيد أنه يطعم ~~عنه، حكاه القاضي حسين ووهاه. # رابعها: قضاء رمضان يندب ترتيبه وموالاته، فإن خالف جاز عند الشافعي ~~والجمهور، لأن اسم الصوم يقع على الجميع. # وقال جماعة من الصحابة والتابعين وأهل الظاهر: يجب متابعته ليحكي القضاء ~~الأداء، ولا حجة في قراءة عبد الله "متتابعات" إذ ليست متواترة ولا مرفوعة، ~~فلا يعمل بها، وهي محمولة على أنها من تفسير ابن مسعود لرأي (¬1) رأه. # الوجه السادس: في الحديث دلالة على ما قدمناه في الباب قبله من أنه يقال: ~~رمضان من غير ذكر الشهر مع القرينة، وقد سلف الخلاف فيه. # ... PageV05P290 ### ||| AUTO الحديث السابع # 192/ 7/ 36 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (¬1)، وأخرجه أبو داود وقال: ~~هذا في النذر، وهو قول أحمد بن حنبل. # الكلام عليه من وجوه: # [الأول] (¬2): وقع في شرح الشيخ تقي الدين (¬3) أمر غريب لا يليق بجلالته ~~وهو أنه ms0948 قال: ليس هذا الحديث مما اتفق الشيخان على إخراجه (¬4)، وتبعه على ~~ذلك الفاكهي فقال: هذا الحديث ليس من شرط المصنف، إذ لم يتفق الشيخان على ~~إخراجه، وإنما أخرجه مسلم، وأوقعه في ذلك كلام الشيخ المتقدم. والعجب أن ~~البخاري PageV05P291 # أخرجه في الباب المذكور باللفظ، وترجم عليه "باب من مات وعليه صيام" ~~(¬1)، والظاهر أن هذا الوهم من الناقل عن الشيخ [فقد قال: هو في إلمامه، ~~وقد أخرجه بلفظ: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه"، متفق عليه, واللفظ ~~للبخاري. والذي رأيته في البخاري "صيام" بدل "صوم"] (¬2). # الثاني: الولي: أصله من الولي بسكون اللام وهو القرب والمختار أن المراد ~~به هنا كل قريب. # وقيل: الوارث. # قال الرافعي: وهو الأشبه. # وقيل: العاصب ويبطله الحديث الآتي: "صومي عن أمك" (¬3) وهو يبطل احتمال ~~ولاية المال أيضا. # الثالث: أخذ بظاهر هذا الحديث جماعة منهم إسحاق، وأبو ثور (¬4)، وأهل ~~الظاهر (¬5)، وحكي عن الحسن وطاوس والزهري وقتادة أيضا، وهو أحد [قولي] ~~(¬6) ............ PageV05P292 # الشافعي (¬1)، وحمله على النذر أحمد (¬2)، والليث، وأبو عبيد وإسحاق في ~~رواية عنه، والمشهور من قولي الشافعي، وإليه ذهب الجمهور كما حكاه القاضي ~~وغيره أنه لا [يصام] (¬3) عن ميت لا نذر ولا غيره وهو الجديد من مذهبه، ~~وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر, وابن عباس وعائشة ورواية عن الحسن والزهري، ~~وبه قال مالك وأبو حنيفة (¬4). PageV05P293 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P294 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P295 # وأجاب: المانعون عن الحديث بأوجه: # أحدها: أن مالكا لم يجد عمل المدينة عليه، وهذا خاص بقاعدة مالك في ذلك. # ثانيها: أنه اختلف في إسناده واضطرب. قاله القرطبي والقاضي عياض: (¬1) ~~إنما قاله في حديث ابن عباس الآتي وهو عذر PageV05P296 # باطل، كما سيأتي في الحديث بعده، وليس في الحديث اضطراب، وإنما فيه ~~اختلاف يجمع بينه كما سيأتي. # ثالثها: أن البزار (¬1) رواه، وقال في آخره: "لمن شاء"، وهذا يدفع الوجوب ~~الذي قالوا. قاله القرطبي: وقد نقل البغوي (¬2) والجويني من أصحابنا ~~الاتفاق على عدم الوجوب، وإنما الخلاف في الجواز. # قال الشيخ تقي الدين (¬3): وفي هذا بحث، وهو أن الصيغة صيغة [خبر] (¬4)، ~~أعني "صام" فيمتنع الحمل على ظاهره، فينصرف ms0949 إلى الأمر، ويبقى النظر في أن ~~الوجوب متوقف على صيغة الأمر المعينة، وهي: "أفعل" مثلا، أو يعمها مع ما ~~يقوم مقامها، واعترض الفاكهي على القرطبي أيضا فقال: إنما يعد هذا عذرا ~~لمالك لو كان يجيز ذلك أعني الصوم عن الغير، وهو لا يصح عنده فلا ينبغي عده. # رابعها: أنه معارض قوله -تعالى-: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى} (¬5)، وبقوله -تعالى-: {وأن ليس PageV05P297 # للإنسان إلا ما سعى (39)} (¬1) وفي هذه الآية أقوال من جملتها أنها ~~منسوخة. # وخامسها: أنه معارض لحديث النسائي (¬2) عن ابن عباس مرفوعا: "لا يصل أحد ~~عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة"، ~~وينظر في صحته. # وسادسها: أنه معارض للقياس الجلي، وهو أنه عبادة بدنية لا مدخل للمال ~~فيها فلا يفعل عن من [وجب] (¬3) عليه كالصلاة، ولا ينقض هذا بالحج لأن ~~للمال فيه مدخلا. PageV05P298 # وسابعها: أنه مؤول على معنى إطعام الحي عن وليه إذا مات, وقد فرط في ~~[الصوم، فيكون الإطعام قائما مقام الصيام، وهذا تأويل الماوردي (¬1) من ~~أصحابنا] (¬2) أن المراد "بالصيام" "الإطعام"، وقد جاء مثل ذلك في قوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "الصعيد الطيب وضوء المسلم" (¬3)، فسمي التراب وهو ~~بدل باسم مبدله وهو الوضوء، ولا يخفى ما في ذلك، والأحاديث مصرحة بصيام ~~الولي عنه, والحديث الوارد بالإطعام عنه ضعيف (¬4)، فتعين القول بالصيام ~~عنه (¬5)، PageV05P299 # وقد قال الشافعي: إن صح الحديث بالصوم قلت به، وقد صح كما بسطه البيهقي ~~ولله الحمد، فلا محيد عنه. وهي لا تقتضي التخصيص بالنذر، كما قاله أحمد ~~وغيره، بل هي عامة في كل صوم قضاء وأداء ونذرا، وقد ورد في بعض الروايات ما ~~يقتضي الأذن عن من مات وعليه نذر يصوم، وليس ذلك بمقتضى للتخصيص بصورة ~~النذر، وعلى تقدير ثبوت الإطعام عنه فلا تنافي بينه وبين الأمر بالصوم، لأن ~~من يقول به يجوز الآخر. فالولي مخير بينهما. # الرابع: قد يؤخذ من الحديث أنه لا يصوم عنه الأجنبي، إما لأجل التخصيص في ~~مناسبة الولاية ms0950 لذلك أو لأن أصل عدم جواز النيابة في الصوم لكونه عبادة ~~بدنية لا يدخلها النيابة في الحياة، فلا يدخلها بعد الموت كالصلاة، وإذا ~~كان الأصل عدم [جواز] (¬1) النيابة وجب أن يقتصر فيه على ما ورد في الحديث، ~~ويجري في الباقي على العباس، وقد قال أصحاب الشافعي: لو أمر الولي أجنبيا ~~بأن يصوم عنه بأجرة أو بغيرها جاز، كما في الحج فلو استقل به الأجنبي ~~فالأصح المنع (¬2). # خاتمة: نقل القاضي عياض وغيره الإجماع على أنه لا يصلى PageV05P300 # [عن] (¬1) الميت، وأنه لا يصام عن الحي، وإنما الخلاف في الميت (¬2). # قلت: وفي الصلاة وجه غريب حكاه الجيلي، نعم في البخاري (¬3): "من مات ~~وعليه نذر": "أن ابن عمر أمر من ماتت أمها وعليها صلاة أن تصلي [عنها] (¬4) ~~" (¬5). PageV05P301 # وقال ابن أبي عصرون (¬1): ليس في الحديث ما يدل على أن ثوابها لا يصل ~~إليه، ولا في القياس ما يمنع منه. وروي في الصلاة عن الوالدين أخبار لم تشتهر. # ... PageV05P302 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 193/ 8/ 36 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: جاء رجل إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم ~~شهر، أفأقضيه عنها؟! فقال: "لو كان على أمك دين أكنت قاضيه [عنها؟] (¬1) "، ~~قال: نعم. قال: "فدين الله أحق أن يقضى (¬2) ". # وفي رواية جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا ~~رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: "أرأيت لو كان ~~على أمك دين فقضيتيه، أكان ذلك يؤدي عنها"؟ قالت: نعم، قال: "فصومي عن أمك" ~~(¬3). PageV05P303 # الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه سلف في باب الاستطابة: # الأول: الرجل المذكور وأمه وكذا أم المرأة لا أعلم أسماءهم بعد البحث ~~الشديد عن ذلك. # وأما المرأة فقال ابن طاهر في إيضاحه: [هي] (¬1) غايثة أو غاثية (¬2) ~~يعني بتقديم المثناة أو المثلثة. # وقال ابن منده في مستخرجه: سهل بن عبادة كان مستفتيا ورجل وامرأة كانا ~~مستفتيين. # الثاني: مقتضى الرواية الأولى عدم تخصيص جواز النيابة بصوم النذر. فإن ~~فيه إطلاق ms0951 القول بموت أمه وعليها صوم شهر من غير تقييد بنذر، وهو أحد ~~[قولي] (¬3) الشافعي كما سلف في الحديث قبله، خلافا لما قاله أحمد من الصوم ~~عنه في النذر والإطعام عنه في قضاء رمضان، ووجه الدلالة من وجهين. # أحدهما: أنه -عليه الصلاة والسلام- ذكر الحكم غير مقيد بعد سؤال السائل ~~مطلقا عن واقعة يحتمل أن يكون وجوب الصوم فيها عن نذر, ويحتمل أن تكون عن ~~غيره فيرجع ذلك إلى القاعدة الأصولية وهي أنه -عليه الصلاة والسلام- إذا ~~أجاب بلفظ غير مقيد PageV05P304 # عن سؤال وقع، عن صورة محتملة أن يكون الحكم فيها مختلفا، أنه يكون الحكم ~~فيها شاملا للصور كلها، وهو الذي قال فيه الشافعي وغيره ترك الاستفصال [في] ~~(¬1) قضايا الأحوال مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال. وقد ~~استدل الشافعي بمثل هذا، وجعله كالعموم. # الثاني: أنه -عليه الصلاة والسلام- علل قضاء الصوم بعلة عامة للنذر وغيره ~~وبينه بالقياس على الدين، وذلك لا يختص بالنذر في كونه حقا واجبا. والحكم ~~يعم بعموم علته. وقد استدل القائلون بالقياس في الشريعة بهذا الحديث من حيث ~~إنه -عليه الصلاة والسلام- قاس وجوب أداء حق الله -تعالى- على وجوب أداء حق ~~العباد. وجعله من طريق الأحق, فيجوز لغيره القياس، لقوله -تعالى-: ~~{فاتبعوه} (¬2) لا سيما وقوله -عليه الصلاة والسلام- "أرأيت" إرشاد وتنبيه ~~على العلة التي هي كشيء مستقر في نفس المخاطب. # وأما الرواية الثانية: ففيها ما في الأولى من دخول النيابة في الصوم، ~~والقياس على حقوق الآدميين، إلا أنه ورد التخصيص فيها بالنذر. # وقد يتمسك بها من يرى التخصيص بصوم النذر. إما بأن يدل دليل على أن ~~الحديث واحد فيتبين من بعض الروايات أن الواقعة المسؤول عنها واقعة واحدة، ~~وهي النذر فيسقط الوجه الأول PageV05P305 # السالف: وهو الاستدلال بعدم الاستفصال، إذا تبين عين الواقعة، إلا أنه قد ~~يبعد هذا التباين بين الروايتين. فإن في إحداهما: أن السائل رجل، وفي ~~الثانية امرأة. وقد تقرر في علم الحديث أنه يعرف كون الحديث واحدا باتحاد ~~سنده ومخرجه وتقارب ألفاظه. وعلى كل حال فيبقي الوجه الثاني: وهو ms0952 الاستدلال ~~بعموم العلة على عموم الحكم، كيف ومعنا عموم آخر، وهو الحديث السالف: "من ~~مات وعليه صيام صام عنه وليه" فيكون التنصيص على مسألة صوم النذر مع ذلك ~~العموم راجعة إلى مسألة أصولية. وهي: أن التنصيص على بعض صور العام لا ~~يقتضي التخصيص، وهو المختار في علم الأصول. # الثالث: [شبه] (¬1) بعض الشافعية المتأخرين بأن نقيس الاعتكاف والصلاة ~~على الصوم في النيابة. وحكاه بعضهم وجها في الصلاة، كما أسلفناه في الحديث ~~قبله. فإن صح ذلك فقد يستدل بعموم التعليل. # الرابع: في الحديث قضاء الدين عن الميت، وهو إجماع، ولا فرق بين أن يقضيه ~~عنه وارثه أو غيره، فيبرأ به قطعا قال القرطبي والحديث مشعر بأن القضاء على ~~الندب لمن طاعت به نفسه، لأنه لا يجب على ولي الميت أن يؤدي [من] (¬2) ماله ~~عن الميت دينا بالاتفاق، لكن من تبرع به انتفع به الميت وبرئت ذمته. قال: ~~ويمكن أن يقال: إن مقصود الشرع إن ولي الميت إذا عمل العمل PageV05P306 # بنفسه من صوم أو حج أو غيره فصيره للميت انتفع به الميت، ووصل إليه ثوابه ~~ويعتقد ذلك بشبهة قضاء الصوم عنه بقضاء الدين. والدين إنما يقضيه الإنسان ~~عن غيره مما [حصله] (¬1) لنفسه، ثم بعد ذلك يقضيه عن غيره أو يهبه له. # الخامس: فيه أيضا تقديم دين الله -تعالى- على دين الآدمي إذا تزاحما: ~~كدين الزكاة ودين الآدمي، ولم يمكن الجمع بينهما، لضيق التركة عن الوفاء ~~لكل منهما. وقد يستدل لتقديم الزكاة بقوله: "فدين الله أحق أن يقضى" وفي ~~هذه المسألة ثلاثة أقوال للشافعي. # أصحها: تقديم دين الله -تعالى-. # والثاني: تقديم دين الآدمي، لأنه مبني على الشح والمضايقة. # والثالث: هما سواء فيقسم بينهما. # السادس: فيه أيضا جواز سماع كلام الأجنبية في الاستفتاء ونحوه من مواضع ~~الحاجة. # السابع: فيه أيضا صحة القياس وقد أسلفناه. # الثامن: فيه أيضا جواز صوم القريب عن الميت، وقد أسلفناه، واعتذر القاضي ~~عياض عن مخالفة مذهبهم لهذه الأحاديث في الصوم عن الميت والحج بأنها ~~مضطرية، حيث روي تارة أن السائل رجل وتارة ms0953 امرأة، وتارة صوم شهر وتارة صوم ~~شهرين. وهذا عذر باطل، كما قاله النووي في "شرح مسلم". قال: وليس في الحديث ~~اضطراب، بل يحمل على أن السائل تارة رجل وتارة امرأة، وتارة PageV05P307 # عن شهر وتارة عن شهرين. قال: ويكفينا في صحته احتجاج مسلم به في صحيحه. # قلت: وكذا البخاري أيضا [وإن كان النووي أقر القاضي على هذه المقالة في ~~كتاب النذر] (¬1) وروي رواية أخرى أن عليها صوم خمسة عشر يوما. # التاسع: فيه أيضا أنه يستحب للمفتي أن ينبه على وجه الدليل إذا كان ~~مختصرا واضحا وبالسائل إليه حاجة أو يترتب عليه مصلحة لأنه -عليه الصلاة ~~والسلام- قاس على دين الآدمي تنبيها على وجه الدليل، وهو أشرح لصدر ~~المستفتي، وأطيب لنفسه، وأدعى لإذعانه للأحكام من غير وجود حرج في نفسه. # العاشر: فيه أيضا الجواب بنعم إذا كان حقا. # الحادي عشر: فيه تقريب العلم إلى أذهان السائلين بعبارة مفهومة عندهم، ~~ليكون أقرب إلى سرعة فهمهم للمسؤول عنه. # ... PageV05P308 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 194/ 9/ 36 - عن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه-، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم- قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" (¬1). # الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه سلف في الجمعة: # الأول: تعجيل الفطر والحض عليه لأمور. # أحدها: منصوص عليه، وهو ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي ~~هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يزال الدين ~~ظاهرا ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون" (¬2). قال الحاكم ~~(¬3): صحيح على شرط مسلم، وصححه PageV05P309 # ابن حبان (¬1) أيضا، فجعل - صلى الله عليه وسلم - العلة في التعجيل ~~مخالفة أهل الكتاب في التأخير. # ثانيها: مستنبط، وهو أنه -عليه الصلاة والسلام-، إنما حض على التعجيل ~~للفطر لئلا يزاد في النهار من الليل، فيكون زيادة في الفرض. # ثالثها: أن ذلك أرفق للصائم. # الثاني: كون الناس تفعله بخير، وأن الدين لم يزل ظاهرا بتعجيله في ~~الرواية التي ذكرناها لما فيه من إظهار السنة، فإن الخير كله في متابعتها، ~~والشر كله في مخالفتها، وكانت ms0954 الصحابة -رضي الله عنهم- إذا خذلوا في أمر ~~فتشوا على ما تركوا من السنة، فإذا وجدوه علموا أن الخذلان إنما وقع بترك ~~تلك السنة، فلا يزال أمر الأمة منتظما وهم بخير ما حافظوا على سنة تعجيل ~~الفطر، وإذا أخروه كان علامة على فساد يقعون فيه. # الثالث: "ما" من قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ما عجلوا الفطر" مصدرية ~~ظرفية والتقدير مدة تعجيلهم الفطر. # الرابع: في الحديث دلالة واضحة على استحباب تعجيل الفطر بعد تحقق الغروب، ~~وقد اتفق العلماء عليه، وفيه الرد على الشيعة الذين يؤخرون الفطر إلى ظهور ~~النجم، ولعل المراد بالحديث الرد عليهم، ويؤيده أن في صحيحي الحاكم وابن ~~حبان من حديث سهل بن سعد أيضا مرفوعا: "لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر PageV05P310 # بفطرها النجوم" (¬1). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، والمراد: بتعجيل ~~الفطر تناول المأكول والمشروب، وإلا فهو قد أفطر بالغروب. # قال القاضي أبو الطيب: الفطر يحصل بالغروب أكل أو لم يأكل. # قال الشافعي: في الأم (¬2)، ولو أخر بعد الغروب فإن كان يرى الفضل من ذلك ~~كرهت ذلك له لمخالفة الأحاديث، وإلا فلا بأس، لأن الصوم لا يصلح في الليل. # الخامس: يؤخذ من الحديث كراهة الوصال، وسيأتي قريبا ما فيه. # السادس: يؤخذ منه أيضا تقديم الفطر على الصلاة، لأنه أبلغ في التعجيل (¬3). # السابع: فيه أيضا الحث على اتباع السنه وترك مخالفتها وأن فساد الأمور ~~[بتركها] (¬4). PageV05P311 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 195/ 10/ 36 - عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا فقد ~~أفطر الصائم" (¬1). # الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه [سلف] (¬2) في أول الكتاب: # الأول: الإشارة في الأول إلى جهة المشرق وفي الآخر إلى جهة المغرب، وهما ~~متلازمان في الوجود: إذ لا يقبل الليل إلا إذا أدبر النهار، وقد ينفكان في ~~الحس في بعض المواضع، بأن يكون في جهة المغرب ما يستر البصر عن الغروب، ~~ويكون المشرق بارزا بأن يكون في واد بحيث لا يشاهد الغروب. ms0955 فيعتمد إقبال ~~الظلام وإدبار PageV05P312 # الضياء، وجاء في رواية في هذا الحديث [وغابت الشمس] (¬1) وهي ملازمة ~~للإقبال والإدبار، لكنها تخرجه [عما] (¬2) ذكرنا فيهما. # الثاني: "اللام" في " [الصائم] (¬3) " للجنس قطعا، وهذا يرد قول من يقول: ~~إن الاسم المشتق لا يكون جنسا عاما. # الثالث: الإفطار هنا يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون المعنى فقد حل له الإفطار حينئذ بعد أن كان حراما، وصار ~~في حكم المفطر، وإن لم يأكل ويؤيده أنه جاء في صحيح أبي عوانة: "فقد حل ~~الفطر". والغروب على هذا علم على حل الإفطار. # الثاني: أنه بالغروب صار مفطرا حكما لاحسا: كالعيد والتشريق. # [وعبارة] (¬4) الراغب في "مفرداته" (¬5): الفطر: ترك الصوم. فالمعنى دخل ~~في الفطر كما يقال: أصبح إذا دخل [(¬6)] وقت الصبح وأمسى وأظهر كذلك. وتكون ~~الفائدة فيه أن الليل غير قابل للصوم، وأنه بنفس دخوله خرج الصائم من ~~الصوم، ويكون فيه بيان امتناع PageV05P313 # الوصال بمعنى الصوم الشرعي، فلا يكون من أمسك حسا صائم شرعا، بل [هو] ~~(¬1) مفطر شرعا، وفي ضمن ذلك إبطال فائدة الوصال شرعا، إذ لا يحصل به ثواب ~~الصوم، بل قال بعضهم: لا يجوز الإمساك بعد الغروب , وهو كإمساك يوم الفطر ~~ويوم النحر. # وقال بعضهم: هو جائز، وله أجر الصائم، واحتجوا بأن الأحاديث الواردة في ~~الوصال فيها ما يدل على أن النهي عن الوصال تخفيف ورفق، وفي بعضها: نهاهم ~~عن الوصال رحمة لهم، كما سيأتي. # فروع: تتعلق بما نحن فيه: وقع ببغداد أن رجلا قال لامرأته: أنت طالق، إن ~~أفطرت على حار أو بارد. فاستفتى فيها [ابن الصباغ فقال: يحنث لأنه لا بد له ~~من فطره على أحدهما واستفتى] (¬2) فيها الشيخ أبو إسحاق فقال: لا يحنث لأنه ~~يصير مفطرا بدخول الليل للحديث المذكور. # قال ابن العربي في "القبس" (¬3): وهذا صريح مذهب الشافعي، لأنه يعلق ~~الأيمان بالألفاظ دون المقاصد، والأول مقتضى مذهب مالك، لأنه يعلقها ~~بالمقاصد. PageV05P314 # وقال ابن أبي جمرة: في "أقليد التقليد": والقولان قائمان من المدونة. # والثاني: وهو اعتبار المقاصد عليه أكثر مسائلها، وفي الرافعي في الطلاق ~~[أنه] (¬1) لو قال ms0956 لامرأته: أنت طالق إن أفطرت بالكوفة. وكان يوم الفطر بها ~~لكنه لم يأكل في يومه، ولم يشرب، فقياس قولنا: إنه لا يحنث، لأن الإفطار ~~عبارة عن تناول المأكول والمشروب، وأنه ممسك عنه. وإنه لو حلف لا يعيد ~~بالكوفة، فأقام بها يوم العيد، ولم يخرج إلى العيد يحنث، ويحتمل أن لا يحنث. # وفي "فتاوى الغزالي": أنه لو حلف لا يفطر، فمطلق هذا [ينطلق] (¬2) إلى ~~الأكل والوقاع ونحوها, ولا يحنث بالردة والجنون والحيض ودخول الليل. # وفي "شرح العجلي" أنه رأى في بعض التصانيف: لو حلف بالطلاق أن يصوم يوم ~~النحر لم يصح، وطلقت المرأة ولزم الحنث إن أمسك، وفي وقته وجهان: # أحدهما: إلى أن يمضي اليوم كله. # والثاني: في الحال. # الرابع: يستفاد من الحديث بيان وقت الصوم، وتحديده، والرد على أهل الكتاب ~~وغيرهم من الشيعة الذين قالوا: لا يفطر PageV05P315 # حتى تظهر النجوم، وأن الأمر الشرعي أبلغ من الحسي، وأن العقل لا يقضي على ~~الشرع، بل هو قاض عليه حيث جعل دخول الليل فطرا شرعا، والبيان يذكر اللازم ~~والملزوم جميعا. فإن اللازم يلزم منه وجود الملزوم، ولا ينعكس فإنه -عليه ~~الصلاة والسلام- ذكر إقبال الليل وهو لازم، وإدبار النهار وهو ملزوم الفطر ~~للإيضاح والبيان. # *** PageV05P316 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # 196/ 11/ 36 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: "إني لست مثلكم، ~~إني أطعم وأسقى" (¬1). # رواه أبو هريرة (¬2) وعائشة (¬3) وأنس (¬4) ولمسلم عن أبي سعيد PageV05P317 # الخدري (¬1): "فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر". # الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه ومن ذكر بعده سلف معرفا: # فالأول: في باب الاستطابة، والرابم فيها أيضا، والثاني، والثالت في ~~الطهارة، والخامس في الصلاة، وحديث أبي هريرة وعائشة وأنس. اتفق الشيخان ~~على إخراج حديثهم، ولعله ذكر رواية هؤلاء بعد حديث ابن عمر لتقرير النهي ~~وتأكيده حيث إن كلا منهم متأخر التحمل عنه - صلى الله عليه وسلم - ~~والرواية, وذلك دليل على استقرار حكم النهي وعمومه، وأما عزوه الزيادة ~~الأخيرة إلى رواية ms0957 مسلم فهو سبق قلم، فإني لم أرها فيه، وعبد الحق عزاها ~~إلى أفراد البخاري، وكذا صاحب "المنتقى" في أحكامه (¬2)، وكذا المصنف في ~~عمدته الكبرى عزاها إلى البخاري فقط (¬3). # الوجه الأول: حقيقة الوصال أن يتصل صوم اليوم الأول باليوم الثاني من غير ~~فطر بينهما، فلا يتناول ذلك الفطر وقت PageV05P318 # السحر، ولا يكون ذلك وصالا، لكنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "فأيكم أراد ~~أن يواصل فليواصل إلى السحر"، وذلك يقتضي تسميته وصالا، فيكون صورة لا ~~معنى، فيحمل على مواصلة ترك الفطر وعدم تعجيله لا على من مواصلة الصوم ~~المنهى عنه، فإن الليل غير قابل للصوم إجماعا، وهذه الإباحة مشروطة بأن لا ~~يفوت بها حقا ولا واجبا. # قال ابن الصلاح: ويزول الوصال بما يزيل به [صور] (¬1) الصوم من ماء ~~وغيره، هذا هو المعروف، ولا يتوقف على الأكل كما وقع في الوسيط. # الثاني: الحكمة في النهي عنه الملل [المترتب] (¬2) عليه والتعرض للتقصير ~~في بعض وظائف الدين من إتمام الصلاة، ووظائفها وغيرها من وظائف العبادات ~~المشروعة في ليله ونهاره، أو ترك الصوم بالكلية أو إبطاله، ولهذا المعنى ~~نهى في الصوم عن الفصد والحجامة، ومنع من القبلة ونحوها فيه، من حيث إن ذلك ~~يؤدي إلى إبطاله وإفساده، وما أدى إلى الفساد فهو فاسد، وإبطال العبادة: ~~إما ممنوع على مذهب بعض الفقهاء وهو من يوجب إتمام المندوب. وإما مكروه، ~~وكيف ما كان [فعلة] (¬3) الكراهة موجودة إلا أنه تختلف رتبها، فإن أجزنا ~~الإفطار كان رتبة هذه الكراهة أخف من رتبة الكراهة في الصوم الواجب [قطعا، ~~وإن منعناه فيحتمل PageV05P319 # استواؤهما] (¬1) في الكراهة لاستوائهما في الوجوب، ويحتمل افتراقهما ~~لاختلافهما في الإيجاب بأصل الشرع، وبإيجاب الشخص دون الشرع، ويؤيده صحة ~~النهي عن النذر مع وجوب الوفاء بالمنذور، فلو كان مطلق الوجوب مما يقتضي ~~مساواة المنذور بغيره من الواجبات، لكان فعل الطاعة بعد النذر أفضل من ~~فعلها قبله، لأنه حينئذ يدخل تحت قوله -تعالى- فيما صح عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فيما رواه عن ربه -تعالى (¬2) -: "وما تقرب عبدي إلي بمثل ~~أداء ما ms0958 افترضته عليه"، ويحمل (¬3) على أداء ما افترض بأصل الشرع، لأنه لو ~~حمل على العموم لكان النذر وسيلة إلى تحصيل الأفضل، فكان يجب أن يكون ~~مستحبا، وهذا على إجراء النهي عن النذر على عمومه. # قال ابن العطار في شرحه: ولم يقل أحد باستحباب النذر، بل اتفقوا على ~~كراهته، وهو عجيب. فقد جزم القاضي حسين والمتولي والغزالي والرافعي: بأنه قربة. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إني لست كهيئتكم" أي مثلكم، كما ~~جاء مفسرا في الرواية الأخرى "إني لست مثلكم". # ويقال: فلان حسن الهيئة بفتح الهاء وكسرها. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إني أطعم وأسقى"، فيه أقوال: PageV05P320 # أصحها: إني أعطى قوة الطاعم والشارب، لأنه لو كان حقيقة لم يكن مواصلا، ~~ويؤيده قوله في حديث أنس: "إني أظل يطعمني ربي ويسقيني"، ولا يقال: ظل، إلا ~~في النهار، فدل على أن المراد الكناية عن القوة الحاصلة له. [نعم] (¬1) في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة: "إني أبيت" بدل أظل، ويقال: بات يفعل كذا، إذا ~~فعله ليلا (¬2). # ثانيها: أنه يطعم ويسقى حقيقة من طعام الجنة وشرابها كرامة له، لا تشاركه ~~في ذلك الأمة (¬3). # ثالثها: أن معناه أن محبة الله -تعالى- تشغنلي عن الطعام والشراب، والحب ~~البالغ يشغل عنهما. # واستبعد القرطبي قول من قال: إنه -تعالى- يخلق فيه شبعا وريا ما يخلقه ~~فيمن أكل وشرب. فقال: هذا القول يبعده النظر إلى حاله -عليه الصلاة ~~والسلام-، فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع، ويربط على بطنه الحجارة من الجوع، ~~وكان يقول: "الجوع حرفتي" على ما روي عنه. PageV05P321 # ويبعده أيضا النظر إلى المعنى، وذلك أنه لو خلق فيه الشبع والري لما وجد ~~لعبادة الصوم روحها الذي هو الجوع والمشقة، وحينئذ كان يكون ترك الوصال ~~أولى (¬1). # وقال ابن حبان في صحيحه: في هذا الخبر دليل على أن الأخبار التي فيها ذكر ~~وضع النبي - صلى الله عليه وسلم - الحجر على بطنه كلها بواطيل، وإنما ~~معناها الحجر: وهو طرف الإزار لا الحجر، إذ الله -جل وعلا- كان يطعم رسوله ~~ويسقيه إذا واصل، فكيف يتركه جائعا مع عدم ms0959 الوصال حتى يحتاج إلى شد حجر على ~~بطنه، وما يغني الحجر من الجوع (¬2). # قلت: قد أخرج هو في صحيحه من حديث ابن عباس (¬3) خرج أبو بكر بالهاجرة ~~إلى المسجد فسمع بذلك عمر، فقال: يا أبا بكر ما أخرجك هذه الساعة؟ قال: ما ~~أخرجني إلا ما أجد من الجوع, قال: وأنا والله ما أخرجني غيره. فبينما هما ~~كذلك إذ خرج عليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما أخرجكما ~~هذه الساعة؟ " قالا: والله ما أخرجنا إلا ما نجد في بطوننا من الجوع، قال: ~~"وأنا والذي نفسي PageV05P322 # بيده ما أخرجني غيره فقوموا فانطلقوا (¬1) حتى أتوا باب أبي أيوب، ذكر ~~الخبر بطوله. وهو في مسلم بنحوه من حديث أبي هريرة (¬2). # وفي "صحيح البخاري" من حديث جابر (¬3) قال: إنا يوم الخندق نحفر. فذكر ~~الحديث إلى أن قال: "ثم قام يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبطنه ~~معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا" الحديث بطوله. # وفي "صحيح مسلم" من حديث أنس (¬4) جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV05P323 # يوما فوجدته جالسا مع أصحابه يحدثهم، وقد عصب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بطنه بعصابة -قال أسامة: وأنا أشك- على حجر فقلت: لبعض أصحابه لم ~~عصب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطنه؟ فقالوا: من الجوع، ثم ذكر ~~الحديث. # وفي "جامع الترمذي" (¬1) بإسناد صحيح عن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: ~~"شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن ~~حجر حجر. ورفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حجرين". قال الترمذي: ~~هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، فهذه أحاديث رادة على ما ادعاه ~~ابن حبان. # الخامس: في الحديث المنع من [الوصال] (¬2) لغيره - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو PageV05P324 # مباح في حقه [وقال إمام الحرمين (¬1): بل قربة] (¬2) خص بذلك من بين ~~أمته، إكراما وتخفيفا في حقه، لا تشديدا عليه. # وقد اختلف السلف من الصحابة فمن بعدهم فيه على أقوال. # أحدها: أنه لا حرج فيه للقادر ms0960 عليه، لحديث عائشة قالت: "نهاهم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن الوصال رحمة لهم. قالوا: إنك تواصل". الحديث متفق ~~عليه, وهذا لا يمنع النهي عنه، وكونه مرجوحا فعله من حيث إن الشرع سد [باب] ~~(¬3) الذرائع، ولما كان الوصال يؤدي غالبا إلى المشقة، وترك الواجب منع منه ~~لئلا يتكلفوا ما يشق عليهم، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "إني لست ~~مثلكم"، وبهذا جزم أبو عوانة في "صحيحه" (¬4) حيث قال: إنه مباح لمن أطاقه ~~والنهي عنه للرفق. # وقال الفارقي (¬5) من أصحابنا أيضا حيث قال: هو حرام إن خشي الضعف، وإلا ~~فلا قال، وهذا لأن الصحابة كانوا قليلي العيش والطعام، فنهاهم لذلك (¬6). PageV05P325 # ثانيها: جوازه، وقد فعله من الصحابة عن عبد الله بن الزبير [وابنه عامر ~~بن عبد الله] (¬1) حتى روي أن عبد الله بن الزبير كان يواصل سبعة أيام حتى ~~تتبين أمعاؤه، فإذا كان اليوم السابع أتى بصبر وسمن فتحساه حتى [تلين] (¬2) ~~الأمعاء مخافة أن تنشق بدخول الطعام فجأة فيها (¬3). # ونقل ابن يونس في "شرح التعجيز": أنه فعله سبعة عشر يوما ثم أفطر بسمن ~~ولبن وصبر. # قال الماوردي (¬4): وتأول في السمن أنه يلين الأمعاء، وفي اللبن أنه ألطف ~~غذاء، وفي الصبر أنه يقوي الأعضاء. # وقال أبو عمر (¬5): قال مالك: كان عامر بن عبد الله بن الزبير يواصل في ~~شهر رمضان ثلاثا قيل له ثلاثة أيام. قال: لا ومن يقوى يواصل ثلاثة أيام ~~يومين وليلة. # ثالثها: حرمته وهو قول الجمهور، ونص عليه الشافعي وأصحابه، ولهم في المنع وجهان: # أحدهما: منع كراهة رفقا بهم ورحمة لهم كما سلف. ولهذا لما أبوا أن ينتهوا ~~عن الوصال واصل بهم يوما ثم يومان. ثم رأوا PageV05P326 # الهلال فقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم: كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا" ~~متفق عليه (¬1) من حديث أبي هريرة. وفي رواية للبخاري: "كالمنكر لهم" ~~بالراء بدل اللام، وفي رواية لهما من حديث أنس: "لو تمادى في الشهر لواصلت ~~وصالا يدع المتعمقون تعمقهم" (¬2). # وأصحهما: عندهم منع تحريم، لأنه لا معنى للنهي إلا التحريم مع قوله -عليه ms0961 ~~الصلاة والسلام-: "إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد ~~أفطر الصائم". فأي وصال بقي. # رابعها: أنه يواصل إلى السحر، وبه قال ابن وهب وأحمد وإسحاق (¬3)، ~~واختاره اللخمي من المالكية لأن أكلة السحر يؤمن معها الضعف والمشقة التي ~~لأجلها كره الوصال. وتمسك هؤلاء بالرواية السالفة، وقد تقدم الكلام عليها، ~~والمراد منها. # وقال المتولي (¬4) والروياني (¬5) في "الحلية"، وابن يونس في PageV05P327 # "شرح التعجيز" من الشافعية: إن قصد بالإمساك الوصال حرم، وإلا فلا. # قال الروياني: وعلى كلا الوجهين في أن الكراهة للتحريم أو للتنزيه لو ~~خالف، وفعل لم يكن صائما، بل يكون مفطرا ممسكا, لأن الفطر يحصل بدخول الليل ~~نوى الإفطار أو لم ينوه (¬1). # تنبيه: لا يفسد الصوم بالوصال قطعا، لأن النهي لا يعود إلى الصوم. # [الخامس] (¬2): قولهم: "إنك تواصل" فيه معارضة المفتي إذا أفتى بخلاف ~~حاله، ولم يعلم المستفتي بسر المخالفة، فيؤخذ منه أن الأتباع إذا رأوا من ~~متبوعهم شيئا مخالفا لما أمرهم به أو نهاهم عنه سألوه عنها، وأن المتبوع ~~يبينه لهم، ويذكر لهم علته. # سادسها: في الحديث ما خص الله -تعالى- به نبيه -عليه أفضل الصلاة ~~والسلام- من الأحكام دون غيره تكريما له، وتشريفا ولطفا وتعريفا لقدره ~~وتبينا لعظيم رتبته عند ربه -تعالى- فإن الوصال من خصائصه كما أسلفناه، ولا ~~خلاف فيه في حقه. # سابعها: فيه أيضا بيان قدرة الله على اتخاذ المسببات العاديات من غير سبب ~~ظاهر للخلق، وإن كان له سبب خفي لا يعلمه إلا الخواص؛ لأنه لو كان السبب في ~~وصاله -عليه الصلاة والسلام- ظاهرا لما سألوه [عنه] (¬3) ولما احتاج إلى ~~البيان لهم. PageV05P328 ### || AUTO 37 - باب فضل الصيام وغيره # ذكر فيه -رحمه الله- ثمانية أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 197/ 1/ 37 - عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: "أخبر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني أقول: والله لأصومن النهار، ولأقومن ~~الليل، ما عشت. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنت الذي [تقول] ~~(¬1) ذلك؟ " فقلت له: قد قلته، بأبي أنت وأمي [(¬2)]، قال: "فإنك لا تستطيع ~~ذلك، ms0962 فصم وأفطر، ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر ~~أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر". قلت: [إني] (¬3) [أطيق] (¬4) أفضل من ذلك، ~~قال: "فصم يوما وأفطر يومين"، قلت: [إني] (¬5) [أطيق] (¬6) أفضل من ذلك، PageV05P329 # قال: "فصم يوما وأفطر يوما، فذلك صيام داود، [- صلى الله عليه وسلم -] ~~(¬1) وهو أفضل الصيام"، قلت: إني [أطيق] (¬2) أفضل من ذلك، [فقال: "لا أفضل ~~من ذلك (¬3) "] (¬4)، وفي رواية: [قال] "لا صوم فوق صوم [أخي] (¬5) داود ~~عليه السلام (¬6) -شطر الدهر- صم يوما وأفطر يوما" (¬7). # الكلام عليه من عشرين وجها، والتعريف براويه سلف في الطهارة: # الأول: فيه [الإخبار] (¬8) بمحاسن الأعمال إذا لم يقصد بذلك التسميع ~~والرياء. وربما كان ذلك داعية لغيره إلى مثله اقتداء به فيه. # الثاني: فيه جواز الحلف من غير استحلاف. # الثالث: فيه الحلف على فعل الطاعات وهو سائغ إجماعا. # الرابع: فيه أن الكبير العالم إذا بلغه عن بعض أصحابه أمرا يخالف الأولى ~~في حقه أو مطلقا أن [ينبهه] (¬9) ويبينه له. PageV05P330 # الخامس: [فيه] (¬1) إن التزام الطاعة الشاقة التي لا يستطيع القيام بها ~~[و] (¬2) الدوام عليها غير لازمة. نعم يثاب على نية ذلك. # السادس: فيه أن الإنسان إذا سئل عما نقل [عنه] (¬3) يجيب بالواقع، ولا ~~يوري خصوصا فيما تعلق بالعبادات. # السابع: فيه التفدية بالأباء والأمهات لكبار العلماء وصدقهم وجوابهم ~~بأحسن العبارات. # الثامن: "ما" من قوله "ما عشت" مصدرية ظرفية أي مدة حياتي. # التاسع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإنك لا تستطيع ذلك" عدم الاستطاعة ~~يطلق تارة على المتعذر أصلا (¬4)، وتارة على ما يشق فعله، وإن لم يكن ~~متعذرا (¬5) والحديث محمول على الثاني وحمل بعضهم على الأول، قوله -تعالى-: ~~{ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} (¬6) وأخذ منه جواز تكليف المحال، وحمله ~~بعضهم على الثاني، وهو الأقرب. قال الشيخ تقي الدين (¬7): [ويمكن] (¬8) أن PageV05P331 # يحمل الحديث على الممتنع: إما على تقدير أن يبلغ من العمر ما يتعذر من ~~ذلك، وعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بطريق [الرفق] (¬1) وإما لاستحقاق ~~الزمن الذي التزم فيه ما التزمه أمورا يتعذر فعل ذلك فيها من ms0963 حيث إنه -عليه ~~الصلاة والسلام- علم أنه لا يستطيع ذلك مع القيام ببقية المصالح المرعية شرعا. # العاشر: فيه جواز صوم الدهر غير الأيام الخمسة المنهي عنها، وهو مذهب ~~الجمهور. وقد سرد الصوم عمر بن الخطاب قبل موته بسنتين (¬2) وسرده أبو ~~الدرداء وأبو أمامة الباهلي وعبد الله ابن عمرو (¬3)، وحمزة بن عمرو، ~~وعائشة (¬4)، وأم سلمة، وأسماء بنت الصديق وجماعة من التابعين. # وقال الشافعي: إن قوي فحسن. # ومنع أهل الظاهر منه لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا صام من صام الأبد" ~~أو "ما صام ولا أفطر" (¬5) وغير ذلك من الأحاديث. PageV05P332 # [وتأولها الجمهور] (¬1) على من صام الدهر، [(¬2)] بالأيام المنهى [عنها] (¬3). # وممن أجاب به عائشة -رضي الله عنها-: وهو حقيقة صوم الأبد، فإن من صام ~~هذه الأيام مع غيرها [فهو صائم الأبد، ومن أفطرها] (¬4) لم يصم الأبد، إلا ~~أن في هذا خروجا عن الحقيقة الشرعية في مدلول لفظة "صام" [من حيث أنها] ~~(¬5) غير قابلة للصوم شرعا، [(¬6)] فإن وقعت المحافظة على حقيقة [(¬7)] ~~"الأبد" فقد وقع الإخلال بحقيقة لفظة "صام" "الأبد" شرعا، فيجب أن يحمل ذلك ~~على الصوم اللغوي [وإذا دار اللفظ بين حمله على] (¬8) مدلول اللغة [(¬9)] ~~والشرع في [ألفاظ] (¬10) صاحب PageV05P333 # [الشرع] (¬1) حمل على [الشرع مع] (¬2) أن تعليق الحكم بصوم الأبد يقتضي ~~ظاهره أن "الأبد" متعلق الحكم من حيث هو "أبد" وإذا وقع الصوم في هذه ~~الأيام، فعلته [وقوعه] (¬3) في الوقت المنهي عنه، وعليه ترتب الحكم. ويبقى ~~ترتيبه على مسمى "الأبد" غير واقع، فإنه إذا صام هذه الأيام تعلق به ~~[النهي] (¬4) سواء صام غيرها أو أفطر، فلا يبقى متعلق [النهي] (¬5) [وعلته] ~~(¬6) صوم الأبد، بل [هو] (¬7) صوم هذه الأيام، إلا أنه لما كان صوم الأبد ~~يلزم منه صوم هذه الأيام تعلق به [النهي] (¬8) [لكونه ملزوما] (¬9) للمنهي ~~عنه. فمن هنا نظر المتأولون [لهذا] (¬10) التأويل [وتركوا] (¬11) التعليل ~~بخصوص صوم الأبد، أثار ذلك كله الشيخ تقي الدين [رحمه الله] (¬12). # ومنهم من أول النهي على من تضرر به أو فوت حقا. PageV05P334 # قال [المازري] (¬1) والقاضي عياض: وهو الأشبه ألا ترى أنه قال له في ms0964 ~~رواية لمسلم: "فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين" أي غارت "ونهكت [نفسك"] ~~(¬2) أي ضعفت، وبلغ بك الجهد منتهاه. # ومنهم من أول قوله (¬3) "لا صام من صام الأبد" بأن معناه أنه لا يجد من ~~مشقته ما يجدها غيره ممن صام وأفطر، فيكون من صام الأبد خبرا لا دعاء فيكون ~~[معنى] (¬4) "لا" بمعنى "لم" كقوله -تعالى-: {فلا صدق ولا صلى (31)} (¬5) ~~مع أن نهي عبد الله بن عمرو وخطابه بذلك كان لعلمه -عليه الصلاة والسلام- ~~بعجزه آخر عمره كما سلف. وقد وقع ذلك فعجز وندم على كونه لم يقبل الرخصة، ~~بخلاف حال حمزة بن عمرو، فإنه أقره عليه لعلمه بقدرته بلا ضرر (¬6). # الحادي عشر: اختلف الفقهاء في الأفضل من صوم يوم وإفطار يوم، ومن صوم ~~الدهر غير الأيام المنهى عنها، مع اتفاقهم على جواز الأمرين، إذا لم يتضرر ~~بواحد منهما, ولم يفوت به حقا. # فاستدل من قال بأفضلية الأول بهذا الحديث، والحديث الثاني PageV05P335 # في الكتاب وهو قوي في ذلك، وهو ما صرح به المتولي من أصحابنا. # ونقله صاحب "البحر" عن بعض الأصحاب. # وخالف الغزالي فقال في "الإحياء": بعد أن قرر استحباب صوم الدهر ودونه ~~مرتبة أخرى، وهي صوم نصفه بأن يصوم يوما، ويفطر يوما وهو أشد على النفس. # واستدل من قال بأفضلية صوم الدهر بالشرط السالف: بأن العمل كلما كان أكثر ~~كان الأجر أوفر، وهذا هو الأصل، فيحتاج فيه إلى تأويل أنه أفضل الصيام. # فقيل: إنه أفضل بالنسبة إلى حال من حاله مثل عبد الله بن عمرو ممن يتعذر ~~عليه الجمع بين الصوم الأكثر وبين القيام بالحقوق. # وقال الشيخ تقي الدين: والأقرب عندي أن يجري على ظاهر الحديث من تفضيل ~~صيام داود -عليه السلام- والسبب فيه أن الأفعال متعارضة المصالح والمفاسد. ~~وليس كل ذلك معلوما لنا [ولا منحصرا] (¬1) وإذا تعارضت المصالح والمفاسد، ~~فمقدار كل واحد منهما في الحث [و] (¬2) المنع غير محقق لنا، فالطريق حينئذ ~~أن نفوض الحكم [إلى] (¬3) صاحب الشرع، ويجري ما دل عليه ظاهر PageV05P336 # اللفظ مع قوة الظاهر [هنا] (¬1)، وأما زيادة العمل ms0965 واقتضاء القاعدة ~~لزيادة الأجر بسببه، فيعارضه اقتضاء العادة والجبلة للتقصير في حقوق ~~يعارضها الصوم الدائم، ومقادير ذلك الفائت مع مقادير الحاصل من الصوم غير ~~معلوم لنا. # وقوله "لا صوم فوق صوم داود" (¬2) يحمل على أنه لا فوق في الفضيلة ~~المسؤول عنها (¬3). # واعترض عليه ابن العطار، فقال: الذي تقتضيه الأدلة كلها وفعل الصحابة ~~وغيرهم وتقرير حمزة وغيره. وأمره -عليه الصلاة والسلام- بإكثار الصوم لمن ~~لا يستطيع التزوج وسرده -عليه الصلاة والسلام - الصوم في بعض الشهور، ~~والإفطار في بعضها، وتخفيف المشقة في الصوم سردا والمشقة في تفريقه يوما ~~يوما [(¬4)] أن الأفضلية تختلف باختلاف الأشخاص على حسب حاجتهم إليه ~~والقيام بحقوق الله -تعالى- وفي غيره لا يتقدر بصوم يوم ويوم، ولا بالسرد ~~جمعا بين الأدلة والثواب وكثرته وقلته، راجع إلى ما ذكرته، لا إلى كثرة ~~العمل وقلته، بل إلى الإخلاص فيه والمقاصد، PageV05P337 # فرب عمل قليل أفضل من كثير، والذي ذكر من الترجيحات إنما هو بالنسبة إلى ~~الظاهر. # الثاني عشر: فيه استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقد اختلف العلماء ~~في تعيينها اختلافا كثيرا كما سيأتي في الحديث الثالث، وهو اختلاف في تعيين ~~الأحسن والأفضل لا غير، وليس في هذا الحديث ما يدل على تعيين شيء منها، بل ~~فيه تعليله بأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها، وقد كان -عليه الصلاة والسلام- ~~يصوم ثلاثة أيام من كل شهر [ولا] (¬1) يبالي من أي الشهر كان يصوم، وقد أمر ~~-عليه الصلاة والسلام- بالصوم من سرة الشهر ومن سرره، ولا شك أن سرة الشهر ~~وسطه فيكون المراد بالثلاثة الأيام البيض، وهي الثالث عشر وتالياه على ~~الأصح. وجاءت مبينة في حديث في النسائي من حديث أبي ذر (¬2) -رضي الله عنه- ~~ولعلمه -عليه [السلام] (¬3) - نبه بسرة الشهر، وبحديث أبي ذر هذا على ~~أفضليتها لا على كونها ثلاثا من كل شهر، كما نبه على صوم الاثنين PageV05P338 # والخميس (¬1) وسرر الشهر أوله. # وقيل: آخره، وقيل: وسطه. وقد وقع الأمر بصوم الثلاث أول الشهر (¬2) ووقع ~~آخره (¬3). # وكل ذلك يبين أنه لا حرج في ذلك، وأن الاختلاف إنما هو في ms0966 الأفضل الأحسن. # الثاث عشر قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإن الحسنة بعشر أمثالها" كأن ~~المراد بالحسنة الفعلة الحسنة شرعا، فأقيمت الصفة مقام الموصوف، وحذفت ~~التاء هنا، وفي الآية (¬4) وإن كانت القاعدة إثبات التاء من الثلاثة إلى ~~العشرة في عدد المذكر، وحذفها مع المؤنث، "والمثل" مذكر لأن التقدير فله ~~عشر حسنات أمثالها PageV05P339 # فحذفت لأن الأمثال في المعنى مؤنثة، لأن مثل الحسنة حسنة. # وجواب ثان: أنه أنث لإضافته إلى مؤنث، وهو الهاء والألف التي هي ضمير ~~مؤنث، فكان من باب سقطت بعض أصابعه وشبهه. # فائدة: نبه القرافي -رحمه الله- على أن تضعيف الحسنات من خصائص هذه ~~الأمة. فقال في قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من صام رمضان ثم اتبعه ستا من ~~شوال فكان كصيام الدهر" (¬1) وهو تشبيه بصائم رمضان وست من شوال من هذه ~~الأمة بصيام الدهر من غيرها, لأن تضعيف الحسنات من خصائصها. # الرابع عشر: فيه كراهة قيام كل الليل دائما، لرده -عليه الصلاة والسلام- ~~ذلك عليه، ولما يتعلق بفعله من الإجحاف بوظائف من الدين وغيره عديدة. وقد ~~صرح بالكراهة جماعة [وفرق أصحابنا] (¬2) بينه وبين صوم الدهر في حق من لا ~~يتضرر به، ولا يفوت حقا بأن صلاة الليل كله لا بد فيها من الإضرار بنفسه ~~وتفويت بعض الحقوق، لأنه إن لم ينم بالنهار فهو ضرر ظاهر، وإن نامه فوت بعض ~~الحقوق بخلاف من يصلي بعض الليل. فإنه يستغني بنوم باقيه، وإن نام معه شيئا ~~في النهار كان يسيرا لا يفوت به حق، وكذا من قام ليلة كاملة كليلة العيدين ~~أو غيرهما فإنه لا كراهة في ذلك، لانتفاء الضرر فيه، وتأول جماعة من ~~المتعبدين من السلف وغيرهم رده -عليه الصلاة والسلام- قيام كل الليل، ~~والنهي عنه PageV05P340 # على الرفق بالمكلف فقط، لا على الكراهة الشرعية. ثم الاستدلال على ~~الكراهة بالرد المذكور، عليه سؤال، وهو أن يقال: إن الرد لمجموع الأمرين ~~وهو صيام النهار، وقيام الليل، فلا يلزم ترتبه على أحدهما. نبه عليه الشيخ ~~تقي الدين (¬1). # الخامس عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وذلك مثل صيام الدهر" قيل: إنه ms0967 ~~مؤول عندهم على أنه مثل أصل صيام الدهر من غير تضعيف [(¬2)] فإن [(¬3)] ~~التضعيف مرتب على الفعل الحسي الواقع [في] (¬4) الخارج، والحامل على هذا ~~التأويل أن القواعد تقتضي أن المقدر لا يكون كالمحقق، وأن الأجور تتفاوت ~~[(¬5)] [بتفاوت] (¬6) المصالح، أو المشقة في [الفعل] (¬7) فكيف يستوي من PageV05P341 # فعل الشيء بمن قدر فعله له، فلأجل ذلك قيل: إن المراد أصل الفعل في ~~التقدير، لا الفعل المرتب عليه التضعيف في التحقيق، وهذا البحث يأتي في ~~مواضع، ولا يختص بهذا [الفعل] (¬1)، ومن هنا يمكن أن يجاب عن الاستدلال ~~بهذا اللفظ، وشبهه على جواز صوم الدهر (¬2)، من حيث إنه ذكر الترغيب في فعل ~~هذا الصوم، ووجه الترغيب أنه مثل بصوم الدهر، ولا يجوز أن تكون جهة الترغيب ~~عن جهة [النهي] (¬3). # قال الشيخ تقي الدين (¬4): وسبيل الجواب أن [النهي] (¬5) -عند من قال به- ~~متعلق بالفعل الحقيقي [وجهة] (¬6) الترغيب هنا حصول الثواب على الوجه ~~التقديري، فاختلفت جهة الترغيب وجهة PageV05P342 # [النهي] (¬1). وإن كان هذا الاستنباط الذي ذكر لا بأس به، ولكن [الدليل ~~الدال] (¬2) على كراهة صوم الدهر أقوى منه دلالة، والعمل [بالأقوى] (¬3) ~~واجب، والذين أجازوا صومه حملوا النهي على [من عجز عنه أو اقترن به] (¬4) ~~لزوم تعطيل مصالح راجحة [عليه] (¬5) أو متعلقة بحق الغير كالزوجة مثلا. # السادس عشر: يؤخذ من الحديث أن الشخص لا يعمل إلا ما يستطيع الدوام عليه، ~~ويراعي في ذلك حق الله -تعالى- وحق نفسه وحق غيره، ويؤخذ منه أيضا بذل ~~الوسع في الاجتهاد في العبادات على حسب الطاقة، وأداء غيرها من الحقوق ~~ومراعاة تحصيل الحسنات. # السابع عشر: يوخذ منه استدراج الشيخ المربي أتباعه في عبادات الصوم ~~والصلاة وغيرها من الأخف إلى الأثقل، ولتتمرن نفوسهم عليها، من غير كراهة ~~ولا ملل يؤدي إلى الترك بالكلية، وهذه سنة الله -عز وجل- في وحيه ورسوله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # الثامن عشر: يؤخذ منه مراعاته للأنبياء -عليه وعليهم أفضل الصلاة ~~والسلام- في الاتباع حيث ذكرهم الله -تعالى- في كتابه PageV05P343 # وأمره بالاقتداء بهم في قوله: {فبهداهم اقتده} (¬1) الذين من جملتهم في ~~الذكر داود - صلى الله عليه ms0968 وسلم - وفي رواية مسلم: "فصم صوم داود نبي ~~الله، فإنه كان أعبد الناس" وفي رواية له "كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا ~~يفر إذا لاقى". # التاسع عشر: فيه بيان كرم الله تعالى في تضعيف الحسنة بعشر أمثالها. وأما ~~السيئات فلا تضاعف، بل جزاء السيئة مثلها إن لم يقترن بفعلها انتهاك حرمة ~~شخص أو مكان أو زمان، فإن اقترن بفعلها شيء من ذلك كانت مضاعفة: كالمعاصي ~~من أقارب الأولياء والعلماء أو فيهم وفي الأشهر الحرم وفي الأزمنة الفاضلة ~~والمواضع الشريفة وبجوار الأولياء والصالحين. # العشرون: فيه الشفقة على الأتباع والتخفيف عنهم، وأمرهم بإعطاء النفس ~~حقها من الراحة، وغيرها الأكل والنوم خصوصا إذا نوى بذلك امتثال الأمر، فإن ~~جميعه يكون طاعة وعبادة من الآمر والمأمور. # ... PageV05P344 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 198/ 2/ 37 - وعنه أيضا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن ~~أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام ~~نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما، ويفطر يوما" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أولها: معنى أحب إلى الله أكثره ثوابا، وأعظمه أجرا وتقديره بما ذكر ~~(¬2). PageV05P345 # ثانيها: تقدم الكلام على الصوم في الحديث قبله واضحا فأغنى عن إعادته. # ثالثها: تقدم الكلام على قيام كل الليل أيضا فيه، وأما قيام بعضه فسنة ~~ثابتة، وأفضل قيامه في النصف الأخير، وأي وقت قام منه كان آتيا بالسنة، ~~وكان فاعله ممن يجافي جنبه عن المضاجع، حتى ورد ذلك في حق من قام بين ~~المغرب والعشاء لكن القيام بين المغرب والعشاء لا يسمى تهجدا، بل التهجد في ~~عرف الشرع من قام بين فعل العشاء ونومه وطلوع الفجر. ووسط الليل أفضل من ~~الأول والأخير، وإن كانت الصلاة آخر الليل مشهودة، لأن الغفلة فيه أكثر ~~وأفضل من هذا السدس. # الرابع الخامس: كما كان داود - صلى الله عليه وسلم - يفعله، ومن أطلق من ~~أصحابنا أن الثلث الأوسط أفضل، فمراده هذا الثلث ووجه كونه أفضل ما في نومه ~~من السدس الأخير من مصلحة الإبقاء على النفس واستقبال ms0969 صلاة الصبح وأذكار ~~النهار بنشاط، والذي تقدم في الصوم من المعارض وارد هنا من أن زيادة العمل ~~تقتضي زيادة الفضيلة، والكلام فيه كالكلام في الصوم من تفويض مقابلة ~~المصالح والمفاسد إلى صاحب الشرع، ومن مصالح القيام على ما في هذا الحديث ~~أنه أقرب إلى عدم الرياء في العمل، فإن من نام السدس الأخير فإن نفسه تكون ~~مجموعة غير منهوكة القوى، لا يظهر عليها أثر العمل عند من يراه، وقد قيل: ~~إن عدم النوم في السحر يصفر PageV05P346 # الوجه، ومن يخالف هذا يجعل قوله -عليه الصلاة والسلام- مخصوصا بحالة أو فاعل. # واعلم أن بعض من تكلم [على] (¬1) هذا [الحديث] (¬2) ادعى أن قوله: "وكان ~~ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه". يحتمل وجهين بناء على أن "الواو" ~~لا ترتب أن ينام النصف الأول، ثم يقوم السدس الرابع والخامس. ثم ينام ~~الأخير، وأن يكون العكس، ثم نقل الأول عن مذهب الفاروق، والثاني عن مذهب ~~الصديق، ولا نسلم له ذلك، والاحتمال الأول متعين، والثاني هفوة. # ... PageV05P347 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 199/ 3/ 37 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أوصاني خليلي - صلى الله ~~عليه وسلم - بثلات: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر ~~قبل أن أنام" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: قوله صيام هو مخفوض، وكذا ما بعده على البدل من ثلاث، ويجوز الرفع ~~على إضمار المبتدأ، والأول أولى. # ثانيها: قوله: "أوصاني خليلي" هو إضافة تشريف، وقد سلف الكلام عليها في ~~آخر كتاب الطهارة فراجعه. # ثالثها: فيه الحث على هذه الخصال الثلاث لقرينة الإيصاء PageV05P348 # بها، وفي البخاري: "لا أدعهن"، ووصى -عليه الصلاة والسلام-[بها] (¬1) ~~أيضا أبا الدرداء، كما أخرجه مسلم (¬2)، وأبا ذر، كما أخرجه النسائي (¬3)، ~~وفي المحافظة عليها التمرين للنفس على النوافل المعينة من الصوم والصلاة، ~~لكي يدخل في الواجب [منها] (¬4) بانشراح واسترواح، ولينجبر بها ما يقع فيه ~~من نقص. وفيه أيضا إذهاب السيئات، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وتضعيف ~~الحسنات كما نبه عليه في الحديث السابق. فكأن صومها يعدل صيام [الدهر] ~~(¬5)، ولعل الحكمة فيه تحصيل العلم بالفرق بين ms0970 أن يصوم الشهر تقديرا ~~وتحقيقا. # رابعها: اختلف في تعيين هذه الأيام الثلاثة، ففسره جماعة من الصحابة ~~والتابعين بأيام البيض، منهم عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأبو ذر، وبه قال ~~أصحاب الشافعي، كما حكاه عنهم النووي في "شرح مسلم" (¬6). # لكن قال الروياني في "البحر": وإن صام ثلاثة غير أيام البيض فمستحب أيضا، ~~وهو كما قال. # واختار النخعي: آخر الشهر. PageV05P349 # واختار آخرون: ثلاثة أيام من أوله منهم الحسن، و [اختارت] (¬1) عائشة ~~وآخرون: صيام السبت والأحد والأثنين من شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء، ~~والخميس من الشهر الذي بعده. # واختار آخرون: الاثنين والخميس وفي حديث رفعه ابن عمر أول اثنين في الشهر ~~وخميسان [بعده] (¬2)، وعن أم سلمة أول خميس، والاثنان بعده ثم الاثنان. # وقيل: أول يوم من الشهر والعاشر والعشرون, وبه عمل أبو داود، وروي أنه ~~صيام مالك بن أنس. # وروي عنه: كراهة صوم أيام البيض. # وقال ابن شعبان: أول يوم من الشهر والحادي عشر والحادي والعشرون. # خامسها: قوله "وركعتي الضحى" (¬3) فيه دلالة على استحبابها، PageV05P350 # وهو إجماع، وإنما نقل التوقف فيها عن ابن مسعود (¬1)، وابن عمر (¬2)، وقد ~~جاء في الحث عليها أحاديث كثيرة قد أفردها PageV05P351 # بالتصنيف الحاكم أبو عبد الله الحافظ، وقد قيل: إنها الصلاة الوسطى، كما ~~ذكرته في الحديث الخامس من باب المواقيت، وروى ابن أبي شيبة (¬1) في هذا ~~الحديث: "وأن أصلي الضحى فإنها صلاة الأوابين"، وقد [ذكرت] (¬2) حديثين في ~~تعيين ما يقرأ فيها من الشرح الصغير لمنهاج النووي فراجعه منه (¬3). PageV05P352 # وصح أنهما أعني ركعتي الضحى تجزىء عن الصدقات التي تصبح في كل يوم على ~~مفاصل ابن آدم، وهو ثلاثمائة مفصل وستون كما أخرجه مسلم (¬1)، ولا شك أن ~~عدد ركعات صلاة الضحى له أكثر؟ وأقل وأوسط وأكثره ثمان، وقيل: اثني عشر ~~ركعة (¬2) , وبه جزم في "المنهاج" تبعا "للمحرر"، وهذا الحديث بيان لأقلها، ~~وهو ركعتان والوسط ما بينهما, وله [درجات] (¬3) منها أربع. # ولا شك في سنية صلاة الضحى كما قررناه، وعدم مواظبته -عليه الصلاة ~~والسلام- لا يدل على عدم استحبابها، فإن الاستحباب بقوم بدلالة القول، وليس ms0971 ~~من شرط الحكم أن تتضافر عليه الأدلة، بل ما واظب - صلى الله عليه وسلم - ~~عليه تترجح مرتبته على هذا وعلى ما لم يواظب عليه ظاهر. # نعم قال الماوردي من الشافعية (¬4): أنه لما صلاها يوم الفتح ثمان ركعات ~~أنه آخر [مما] (¬5) روي عنه من فعلها، وأنه واظب على PageV05P353 # ذلك إلى أن مات، وفيما قاله نظر، لأن أبا داود (¬1) روى عن PageV05P354 # عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - صلى الضحى غير أم هانىء، فإنها أخبرت بها يوم فتح مكة، ولم يره ~~أحد صلاهن بعد. # سادسها: النوم على الوتر تقدم الكلام عليه في الحديث الثاني من باب ~~الوتر، [وهل] (¬1) يقدمه أو يؤخره؟ وقد صح من حديث جابر الفرق بين من يثق ~~من نفسه القيام آخر الليل فيؤخره وبين من لم يثق فيقدمه، كما أخرجه مسلم في ~~صحيحه، فعلى هذا تكون وصيته -عليه الصلاة والسلام- هذه مخصوصة بمن حاله ~~كحال PageV05P355 # أبي هريرة ومن وافقه. # سابعها: يؤخذ من الحديث استحباب وصية العالم أصحابه بالمندوبات وفعلها. # ثامنها: فيه شرعية الوتر، وقد سلف في بابه الخلاف في وجوبه، والكلام عليه واضحا. # *** PageV05P356 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 200/ 4/ 37 - عن محمد بن عباد بن جعفر قال: سألت جابر بن عبد الله -رضي ~~الله عنهما-: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الجمعة؟ ~~قال: نعم" (¬1). # زاد مسلم: "ورب الكعبة". # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب الجنابة، والراوي عنه هو: محمد ~~بن عباد تابعي قرشي مخزومي مكي ثقة قليل الحديث. # وقوله: زاد مسلم (¬2) "ورب الكعبة" الذي في مسلم "ورب هذا البيت" فكأنه ~~نقله بالمعنى. PageV05P357 # الثاني: المراد بالنهي إفراده بالصوم كما سيأتي في الحديث الذي بعده ~~مبينا، وفي رواية للبخاري "يعني أن ينفرد بصومه" وبه قال من الصحابة أبو ~~هريرة وسلمان، وهو الصحيح من مذهب الشافعي وأصحابه، وروى المزني في جامعه ~~الكبير عنه قولا أنه لا يكره إلا لمن [(¬1)] إذا صامه منعه عن الصلاة التي ~~لو كان ms0972 مفطرا لفعلها. # وقال ابن الصباغ (¬2): حمل الشافعي أحاديث النهي على من كان الصوم يضعفه ~~ويمنعه من الطاعة. # وقال الماوردي (¬3): مذهب الشافعي أن معنى نهي الصوم فيه أنه يضعف عن ~~حضور الجمعة والدعاء فيها، فكل من أضعفه الصوم عن حضورها كان مكروها، وإلا ~~فلا بأس. وقد داوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صوم شعبان، ومعلوم ~~أن فيه جمعات كان يصومها، وكذلك رمضان. قال: فعلم أن معنى نهي الصوم فيه ما ~~ذكرناه. # وقال الغزالي في "الأحياء": يستحب الصوم في الأيام الفاضلة الأسبوع ثم ~~ذكر الاثنين والخميس والجمعة. ولعله أراد الجمعة مع الخميس. PageV05P358 # وقال مالك (¬1): لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه، ومن يقتدي به ينهي عن ~~صومه، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم [بصومه] (¬2) وأراه كان يتحراه. # وقد قيل: إن الذي [كان] (¬3) يتحرى صومه محمد بن المنكدر، وقيل: صفوان بن ~~سليم، حكاها أبو عمرو (¬4). # وهذا رأي من مالك خالفه فيه غيره، والسنة قاضية على من خالفها -والنهي ~~ثابت من غير نسخ له، فتعين القول به-. # قال الداودي من أصحابهم: ولم يبلغ مالك هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه. ~~أي فإنه يقول: كل مأخوذ من قوله ومتروك، إلا صاحب هذا القبر. يشير إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وأما الفاكهي منهم فقال: في هذا العذر عندي بعد شهرة هذا الحديث ~~وانتشاره. # وقال القاضي عياض: أخذ بظاهر هذا الحديث الشافعي ولعل قول مالك إليه ~~يرجع، لأنه إنما قال: وصومه حسن. ومذهبه معلوم في كراهة تخصيص يوم بالصوم. ~~وهذا محتمل من معنى [ما] (¬5) جاء في الحديث الآخر: لا تخصوه بصيام. عند PageV05P359 # بعضهم [وإنما] (¬1) حكى مالك عن من حكى صومه، وظن أنه كان يتحراه، ولم ~~يقل مالك: إني أرى هذا, ولا أحبه، أعني تحريه. فيحمل أنه مذهبه. وهذا تأويل ~~بعيد. وقد انصف الفاكهي منهم فقال: إنه قريب من التعسف. وظاهر قول مالك أو ~~نصه وقوة سياقه يقتضي عدم كراهة صومه منفردا بلا إشكال. و [قد] (¬2) أشار ~~الباجي منهم إلى أن مذهب مالك يحتمل ms0973 قولة أخرى له في صيام يوم الجمعة. ~~فوافق الحديث. وهذا ليس ببعيد، كما قال الفاكهي. # وقال الداودي في كتاب "النصيحة" ما معناه: إن النهي إنما هو عن تحريه ~~واختصاصه دون غيره. # وأنه متى صام معه يوما آخر [وقد] (¬3) خرج عن النهي. وقد يرجح ما قاله ~~قوله في الحديث السالف: "لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ولا ليلة ~~الجمعة بقيام من بين الليالي" (¬4). # وقد اختلف العلماء في علة النهي على أقوال: # أحدها: [أنه يوم عيد] (¬5) فلا ينبغي صيامه. وروى الحاكم في PageV05P360 # مستدركه من حديث أبي هريرة مرفوعا "يوم الجمعة عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم ~~يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده" (¬1) ثم قال: هذا حديث صحيح ~~الإسناد إلا أن أبا بشر الذي في إسناده لم أقف على اسمه. # ثانيها: [أنه] (¬2) يوم دعاء وذكر وعبادة من الغسل والتبكير إلى الصلاة ~~وانتظارها واستماع الخطبة وإكثار الذكر بعدها لقوله -تعالى-: {واذكروا الله ~~كثيرا} (¬3) وغير ذلك من العبادات في PageV05P361 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P362 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P363 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P364 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P365 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P366 # يومها، فاستحب الفطر فيه ليكون أعون له على هذه الوظائف، وأدائها بنشاط ~~وانشراح لها، والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة. وهو نظير صوم [يوم] (¬1) ~~عرفة للحاج. فإن السنة فيه الفطر، لهذه الحكمة، وإن كانت دعوة الصائم لا ~~ترد. فاعتنى في هذا اليوم بالصلاة دون الصوم، كما جاء في ذكر الساعة التي ~~هي فيه: أنه لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه. # فإن قلت: لو كان الأمر على ما ذكرتم من العلة والحكمة [لم] (¬2) يزل ~~النهي والكراهة بصوم يوم قبله أو بعده لبقاء المعنى. # فالجواب: ما ذكره النووي في "شرح مسلم" (¬3): أنه يحصل له بفضيلة الصوم ~~الذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير في وظائف يوم ~~الجمعة بسبب صومه. قال: وهذا هو المعتمد في النهي عن إفراده. # وقال الفاكهي: هذا تعليل يتبادر إلى الذهن جودته. وإذا تؤمل ضعف لزوال ~~الكراهة بصوم [يوم] (¬4) قبله أو بعده. # قال: والجواب المذكور ضعيف أيضا لأن الجابر ms0974 كذلك أعم من كونه ذكرا أو ~~صوما أو صدقة أو غير ذلك. فلم حصرته في الصيام دون غيره؟ قال: ثم نقول لهذا ~~القائل: ما تقول لو أعتق PageV05P367 # المكلف رقبة أو تصدق بمال كثير ونحو ذلك، ثم أفرد يوم الجمعة بصيام هل ~~تبقى الكراهة والحالة هذه، ويكون ذلك جابرا كما قلت. # فإن قال بزوالها فقد خرق الإجماع فيما علمت، وإن قال: لا أنتقض التعليل. # قلت: وإذا عللنا بأنه يجبر ما يحصل من الفترة فقط، فهو ظاهر فيما إذا قدم ~~عليه يوما دون ما إذا أخر. # ثالثها: إن سبب النهي خوف المبالغة في تعظيمه بحيث يفتتن به كما افتتن ~~بيوم السبت. وهذا منتقض بصلاة الجمعة وغيرها مما هو مشهور، من وظائفها ~~وتعظيمه. # رابعها: إن سبب النهي خوف اعتقاد وجوبه، وهو منقوض أيضا بصوم الأيام التي ~~حض الشرع على صيامها، فإنها مشروعة للصيام والمواظبة عليها من غير كراهة ~~ولم تترك لخوف اعتقاد وجوبها، كي ولم يبين -عليه الصلاة والسلام- هذا ~~المعنى هنا كما بينه في قيام رمضان. # خامسها: خشية أن تعظم بالصوم كما عظمت اليهود والنصارى السبت والأحد من ~~ترك العمل، وهو باطل. فإن تعظيم يوم الجمعة ثابت مبين في الكتاب والسنة ~~بأمور كثيرة، ولا يلزم من تعظيمه بالصوم لو كان مشروعا التشبه بالسبتية ~~والأحدية. فإنهم لا يعظمونه بذلك، ولو عظموه بذلك [بل] (¬1) لم يكن نهيه عن ~~صومه ملزوما للتشبه بهم ولا لازما. بل لأمر اطلع عليه الشارع كيف وهم ~~يعظمون PageV05P368 # سبتهم وأحدهم بالأكل والشرب. وقد روى النسائي وابن حبان والحاكم في ~~صحيحهما (¬1) من حديث أم سلمة -رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "كان أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت والأحد، وكان يقول: ~~أنهما يوما عيد للمشركين فأحببت أن أخالفهم" ومعلوم أن يوم العيد يوم أكل ~~وشرب، ويترك العمل والسعي في مصالحهم. وقد كانوا أمروا بيوم الجمعة كما ~~أمرنا به فخالفوا وبدلوا، فجعل عليهم غضبا وتغليظا، وتعظيم يوم الجمعة ~~معروف عندهم، لكنهم غيروا وبدلوا، والذي يقع [التشبه] بهم [فيه] (¬2) ترك ms0975 ~~العمل (¬3). PageV05P369 # سادسها: أنه يوم يجب صومه على النصارى ففي صومه تشبه بهم. نقله القاضي ~~نجم الدين القمولي عن بعض فضلاء العصر. # تتمتان: # الأولى: لو أراد اعتكاف يوم الجمعة فهل يستحب له صومه ليصح اعتكافه ~~بالإجماع أو يكره لكونه أفرده بالصوم. فيه نظر. # واحتمال الثانية لا يكره إفراد يوم الجمعة فيما إذا وافق عادة له، بأن ~~نذر [صوم] (1) يوم شفاء مريضه أو قدوم زيد أبدا، فوافق الجمعة، صرح به ~~النووي في "شرح المهذب". # الوجه الثالث: قوله: "ورب الكعبة" فيه الحلف من غير استحلاف لتحقيق الأمر. # الرابع: فيه إضافة الربوبية إلى المخلوقات المعظمة تشريفا لها وتفخيما. # الخامس: فيه السؤال عن العلم للعلماء. # السادس: فيه جواب المفتي بنعم. # ... PageV05P370 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 201/ 5/ 37 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعه، إلا أن يصوم يوما قبله أو ~~يوما بعده" (1). # الكلام عليه قد تقدم في الحديث قبله وهو مبين المطلق فيه أيضا وقدمنا أن ~~الحكمة في زوال الكراهة بصوم يوم قبله أو بعده بأنه خبر لما قد يحصل فيه من ~~فتور ونحوه. # وذكر بعضهم: أن الحكمة في زوالها بصوم يوم قبله تمرنه به فيخفف عليه ~~مشقته لو كان مفردا، وهذا لا يأتي في صوم يوم بعده. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده" لا ~~يقتضي لغة اتباعهما ليوم الجمعة وإن اقتضاه عرفا. PageV05P371 # فإن القبلية والبعدية تصدق وإن لم يكونا تباعا له، خصوصا على الحكمة في ~~كونهما جبرا لما وقع من التقصير. أما من علل بتخفيف المشقة فلا يتأتى له ذلك. # فرع: يكره له إفراد السبت أيضا لحديث صحيح (¬1) فيه وادعى أبو داود نسخه، ~~ولعل نسخه عنده بالحديث السالف في صوم [يوم] (¬2) السبت والأحد, لكونهما ~~عيدين للمشركين والمدعى إفراده بالصوم، فإذا صامهما زالت الكراهة فيهما. PageV05P372 ### ||| AUTO الحديث السادس # 202/ 6/ 37 - عن أبي عبيد مولى ابن أزهر -واسمه- سعد بن عبيد، قال: "شهدت ~~العيد مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فقال: هذان يومان ms0976 نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر ~~تأكلون فيه من نسككم" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدهما: أبو عبيد هذا تابعي مدني ثقة مات بالمدينة سنة، ثمان وتسعين، ~~وابن أزهر هو عبد الرحمن بن أزهر بن عبد عوف ويقال لأبي عبيد هذا مولى عبد ~~الرحمن بن عوف أيضا، وهو ابن عمه، فإن أزهر وعوفا أخوان، وهما ابنا عبد عوف ~~(¬2). PageV05P373 # ثانيها: قوله: "هذان يومان" [هو] (¬1) من باب تغليب الحاضر على الغائب، ~~كما يقال: هذان الرجلان، وأحدهما غائب. # ثالثها: قوله: "يوم فطركم" هو مرفوع إما على أنه بدل من يومان، وإما على ~~أنه خبر مبتدأ تقديره أحدهما. # [رابعها] (¬2): وصفهما بالفطر والنسك ليبين العلة لفطرهما، وهو الفصل من ~~الصوم واشتهار تمامه وحده بفطر ما بعده. والآخر لأجل النسك المتقرب به فيه، ~~ليؤكل منه، ولو كان يوم صوم لم يؤكل منه ذلك اليوم، ولم يكن لنحره فيه ~~معنى. وفيه إجابة دعوة الله التي دعا عباده إليها من تضييفه وإكرامه لأهل ~~منى وغيرهم، بما شرع لهم من ذبح النسك، والأكل منها، [فمن] (¬3) صام هذا ~~اليوم فكأنه رد هذه الكرامة. وعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك، ولم ~~يعبر بأنه يوم النحر، لأنه يستلزمه، ويزيد فائدة التنبيه على التعليل. # وقيل: إن فطرهما شرع غير معلل. ونقله القرطبي عن الجمهور، وأشار أبو ~~حنيفة (¬4) بأنه معلل بما سبق. # والنسك: هنا عبارة عن الذبيحة المتقرب بها إلى الله -تعالى-. PageV05P374 # تنبيه: قد يستنبط من علة النهي عن صوم [يوم] (¬1) الفطر وجوب السلام من ~~[الصلاة] (¬2)، لأنه بيان لتمام العبادة، وفصل بين حالة يحرم فيها الكلام ~~وحالة لا يحرم، فتأمله. # الخامس: في الحديث دليل على تحريم صوم يومي العيد بكل حال، سواء صامهما ~~عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك من قضاء فرض أو تمتع، وهذا كله إجماع. # ولو نذر صوم يوم بعينه فوافق ذلك يوم فطر أو أضحى فلا يصومهما إجماعا. ~~وهل يلزمه قضاؤهما؟ # فيه قولان للعلماء أصحهما: المنع لأن النهي يقتضي ms0977 التحريم، والتحريم ~~العائد على الوصف للشيء وذاته يقتضي الفساد، وإذا اقتضى ذلك لم يقتض القضاء ~~إذ القضاء؛ لا يجب إلا بأمر جديد على الراجح في الأصول. # وقال الأوزاعي (¬3): مرة يقضي إلا أن ينوي عدمه. # وحكاه أبو عمر (¬4): عن مالك وحكى عنه رواية أخرى أنه لا يقضي إلا إذا ~~نوى القضاء. واستحبها ابن القاسم. # قال أبو عمر (¬5): لأن ........................ PageV05P375 # [من] (¬1) قصد إدخالهما نذره باطل، لأنه معصية، وإن لم يدخلهما في نذره ~~فذلك أبعد من أن يجب عليه قضاؤهما. # وقال الليث (¬2): من نذر صيام سنة صام ثلاثة عشر شهرا ويومين. شهرا لمكان ~~رمضان، ويومين لمكان العيدين، ويصوم أيام التشريق، وتقضي المرأة حيضها. # أما إذا نذر صومهما متعمدا لعينهما، فقال الشافعي والجمهور: لا ينعقد ~~نذره ولا قضاء عليه (¬3). # وانفرد أبو حنيفة (¬4) فقال: ينعقد ويلزمه قضاؤهما، قال: فإن صامهما ~~أجزأه، وأيام التشريق عنده كذلك، ووافق أنه لا يصح صومها عن نذر مطلق. # وحكى ابن الجوزي عن [أحمد في كشف المشكل] (¬5) ثلاث روايات. # إحداها: ينعقد، فإن صامه صح صومه. # ثانيها: ينعقد، ولا يصح صومه، ويقضي، ويكفر كفارة يمين. # ثالثها: يقضي، ولا يكفر. # وحجة الحنفية: أن الصوم له جهة عموم وجهة خصوص، فهو PageV05P376 # من [حيث] (¬1) إنه صوم يقع الامتثال به، ومن حيث إنه صوم عيد يتعلق به ~~النهي والخروج عن [العهدة] (¬2) يحصل بجهة كونه صوما، والذي يدعى من ~~الجهتين بينهما تلازم ها هنا. ولا انفكاك. فيتمكن النهي [من] (¬3) هذا ~~الصوم. فلا يصح أن يكون قربة، فلا يصح، نذره: [فيتعلق] (¬4) النهي [عن صومه ~~بيوم] (¬5) العيد، [فلا يصح مطلقا] (¬6) وهذا: بخلاف الصلاة في الدار ~~المغصوبة، عند من يقول بصحتها، [فإن إيقاعها في مكان مغصوب ليس مأمورا به ~~في الشريعة. والأمر فيها وجه إلى مطلق الصلاة] (¬7) والنهي إلى مطلق الغصب، ~~وتلازمهما واجتماعهما إنما هو في فعل المكلف، [المتعلق بالأمر والنهي ~~الشرعي] (¬8) فلم يتعلق النهي شرعا، [بخصوص الصلاة فيها] (¬9) بخلاف صوم ~~العيد فإن النهي ورد عن PageV05P377 # خصوصه، فتلازمت [فيه] (¬1) جهة العموم (¬2) والخصوص في الشريعة، وتعلق ~~النهي بعين ما وقع به النذر، ms0978 فلا يكون قربة، وتكلم الأصوليون في قاعدة ~~تقتضي النظر في هذه المسألة، [وهي] (¬3): أن النهي عند الأكثرين لا يدل على ~~صحة المنهي عنه، وقد نقل عن محمد بن الحسن أنه يدل عليه، لأن النهي لا بد ~~فيه من إمكان المنهي عنه، إذ لا يقال للأعمى لا تبصر (¬4) فإذا هذا المنهي ~~عنه -أعني صوم يوم العيد- ممكن، وإذا أمكن ثبتت الصحة، وهو ضعيف، لأن الصحة ~~[المعتبر فيها التصور الشرعي وهو ممتنع لا التصور العقلي والعادي] (¬5) ~~وكأن محمد بن الحسن يصرف اللفظ في المنهي عنه إلى المعنى الشرعي. # سادسها: فيه دلالة أيضا على أن الخطيب يذكر في خطبته [ما يتعلق بوقته من ~~الأحكام. فإن عمر -رضي الله عنه- ذكر في خطبته] (¬6) نهي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن صوم يومي العيد لمسيس حاجة الناس إلى ذلك. # سابعها: فيه أيضا الإيماء والتنبيه على علل الأحكام: إما PageV05P378 # بالتسمية اللازمة للوصف الشرعي وإما بما يلازمه من فعل أو حال. # ثامنها: فيه دلالة أيضا على جواز الأكل من النسك. وقد فرق بعض الفقهاء ~~بين الهدي والنسك. وأجاز الأكل إلا من فدية [الأذى] (¬1) ونذر المساكين ~~وهدي التطوع إذا عطب قبل محله، وجعل الهدي جزاء الصيد وما وجب لنقص في حج ~~أو عمرة. # تاسعها: فيه دلالة أيضا على أن من سمع علما يجوز له روايته. وإن لم يأذن ~~له المسموع منه في ذلك. # خاتمة: لم يذكر في هذا الحديث أيام التشريق، فاستدل به بعضهم، كما قال ~~القاضي (¬2) على عدم تحريم صومها. وأصح القولين عند الشافعية: تحريم صومها ~~للمتمتع وغيره. وبه قال أبو حنيفة وأحمد وفي قول قديم: أنه يجوز صومها ~~لعادم الهدي، بدلا عن الثلاثة الواجبة في الحج، وهو من مذهب مالك، وهو أقوى دليلا. # وقال الفاكهي: في أوائل الصيام يحرم اليومان بعد العيد على المشهور، ~~والرابع مكروه. # فرع: لو حلف ليصومن العيد حنث، ولو أمسك فيه، قاله أصحابنا، وعن القفال: ~~إنه لا بد أن يأتي بمناف للصوم في الأوقات المنهى عنها. قال الإمام: وما ~~أظن الأصحاب يوافقون عليه. PageV05P379 ### ||| AUTO ms0979 الحديث السابع # 203/ 7/ 37 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن صوم يومين: الفطر، والنحر، وعن [اشتمال] (¬1) ~~الصماء، وأن يحتبي الرجل في [ثوب واحد] (¬2)، وعن الصلاة بعد الصبح والعصر" (¬3). # أخرجه مسلم بتمامه. وأخرج البخاري الصوم فقط. # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: قول المصنف: وأخرج البخاري الصوم فقط، غريب منه، فقد أخرجه ~~البخاري بهذه السياقة كلها في هذا الباب من صحيحه وترجم عليه "باب صوم ~~[يوم] (¬4) الفطر"، ثم قال عقبه: PageV05P380 # "باب [الصوم] (¬1) يوم النحر"، وذكر أيضا لكن بدون "الصماء"، و ~~"الاحتباء"، وأخرجه أيضا في "باب ستر العورة" من كتاب الصلاة مختصرا بدون ~~"الصوم" و"الصلاة" ولفظه: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اشتمال ~~الصماء، وأن يحتبى الرجل في ثوب، ليس على فرجه منه شيء" (¬2). فاستفد ذلك، ~~ومن العجائب أن الشيخ تقي الدين فمن بعده من الشراح لم ينبهوا على ذلك (¬3). # [الثاني] (¬4): في الحديث دلالة على تحريم صوم يوم الفطر والأضحى، وقد ~~بسطنا الكلام على ذلك في الحديث قبله. # الثالث: قوله: "وعن الصماء" هو ممدود. والمراد به اشتمال الصماء على حذف ~~مضاف، كما ثبت في رواية أخرى وهو الالتفاف في ثوب واحد من رأسه إلى قدميه، ~~يخلل به جسده، وتسمى الشملة الصماء أيضا. # سميت بذلك: لشدها وضمها جميع الجسد كالصخرة الصماء، ليس فيها خرق ولا ~~صدع، ومنه صمام القارورة. PageV05P381 # وقال صاحب المطالع (¬1): هذا قول أهل اللغة، فأما مالك وجماعة من الفقهاء ~~فهو عندهم الإلتحاف بثوب واحد، ويرفع جانبه على كتفه، وهو بغير إزار فيفضي ~~ذلك إلى كشف عورته، ونقله الفارسي في مجمعه عن تفسير الفقهاء، ثم قال: وهذا ~~التفسير لا يشعر به لفظ الصماء، واللفظ مطابق للأول. # وجاء في رواية أبي داود (¬2) من حديث ابن عمر: "ولا يشتمل اشتمال ~~اليهود"، وفسره الخطابي: بأن يجلل بدنه بالثوب، ويسيله من غير أن [يرفع] ~~(¬3) طرفه [(¬4)] قال: فإن رفع طرفه على عاتقه PageV05P382 # الأيسر كان اشتمال الصماء. # قال البغوي (¬1): وإلى هذا ذهب الفقهاء قال: وقد روي أنه -عليه الصلاة ms0980 ~~والسلام- نهى عن الصماء: [الصماء] (¬2)، اشتمال اليهود، فجعلهما شيئا واحدا. # قال صاحب المطالع: ونهى عن اشتمال الصماء لأنه إذا أتاه ما يتوقاه، لم ~~يمكنه إخراج يده بسرعة، ولأنه إذا أخرج يده انكشفت عورته. # وقال الشيخ تقي الدين (¬3): النهي يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه يخاف منه أن يدفع إلى حالة سادة لمتنفسه، فيهلك غما تحته، ~~إذا لم تكن فيه فرجة. PageV05P383 # والآخر: أنه [(¬1)] إن أصابه شيء أو نابه مؤذ [(¬2)] لا يمكنه أن يتقيه ~~بيديه، لإدخالهما إياه تحت الثوب الذي اشتمل به. وهذا هو المعنى الأول الذي ~~أبداه صاحب المطالع. # رابعها: قوله: "وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد"، الاحتباء بالحاء المهملة ~~هو أن يقعد الإنسان على إليتيه، وينصب ساقيه، ويحتوي عليهما بثوب أو نحوه ~~أو بيده، ونهى عنه لأنه إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد ربما تحرك أو زال ~~الثوب فتبدوا عورته، ومنه: "الاحتباء حيطان العرب" (¬3)، أي ليس في البوادي ~~حيطان فإذا أرادوا أن يستندوا احتبوا، لأن الاحتباء يمنعهم من السقوط ويصير ~~لهم كالجدار (¬4). # ويقال: [احتباء] (¬5)، يحتبي احتباء. # والأسم: الحبوة [والحبوة] (¬6)، والحبية، بالواو والياء وتضم الحاء وتكسر ~~والجمع [حبا وحبا] (¬7). PageV05P384 # خامسها: في الحديث كراهة اشتمال الصماء، وقد أسلفناه. # سادسها: فيه أيضا كراهة الاحتباء في ثوب واحد، كما قررناه أيضا، وأما ~~الاحتباء بنصب الساقين وانضمامهما بالإليتين ووضع يده اليمنى على اليسرى ~~عوضا عن الثوب المشدود، فهو جائز بل مستحب، وقد كان -عليه الصلاة والسلام- ~~يجلس محتبيا (¬1)، وأما الجلوس كذلك، ووضح اليدين على الأرض فهو منهي عنه ~~لما فيه من التشبه بالكلاب (¬2)، وأما نهيه -عليه الصلاة والسلام- عن PageV05P385 # الاحتباء يوم الجمعة، والإمام يخطب: فلأن الاحتباء يجلب النوم فلا يسمع ~~الخطبة (¬1)، ويعرض طهارته للانتقاض. # سابعها: قوله: "وعن الصلاة بعد الصبح والعصر"، المراد صلاة لا سبب لها ~~كما تقدم بسط الكلام عليه في باب المواقيت. # ... PageV05P386 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 204/ 8/ 37 - عن أبي سعيد الخدري أيضا -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار ~~سبعين خريفا" (¬1). # الكلام عليه من ms0981 وجوه: # أحدها: "سبيل الله" الأكثر في [الشرع] (¬2) [والعرف] (¬3) استعماله في ~~الجهاد، فإذا حمل عليه كانت الفضيلة فيه لاجتماع العبادتين -أعني [فضيلة] ~~(¬4) الصوم والجهاد- ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت، ويعبر بذلك ~~عن صحة القصد والنية فيه وبه جزم القرطبي. PageV05P387 # قال الشيخ تقي الدين: والأول أقرب إلى العرف، وإن كان ورد في بعض ~~الأحاديث جعل الحج وسفره من سبيل الله وفي الكتاب العزيز: {ومن يهاجر في ~~سبيل الله} (¬1)، فهو استعمال وضعي. # ثانيها: قوله: "يوما" [إن] (¬2) أريد به واحد الأيام كان دليلا على ~~استحباب صومه سواء أردنا سبيل الله الجهاد أو الطاعة، حيث لا يحصل به ضعف ~~المجاهد عن جهاده ولا طاعته، وإن أريد به جنس الصوم، وإنه لا يتقيد بعدد ~~فينبغي أن يكون بحيث لا يضعف به عن مقصود عمله جهاد أو طاعة. # ثالثها: يؤخذ منه الحث على الصوم المطلق في كل موطن حتى في الجهاد وغيره، ~~على ما بيناه بشرط عدم التضرر به، وتفويت حق، وعدم اختلال أمر قتاله وغيره ~~من مهمات غزوه. # رابعها: فيه أيضا الحث على اجتماع الفضل في الطاعات، وأنه إذا أمكن الجمع ~~فيها كان أفضل تكثيرا للأجور. # خامسها: معنى المباعدة من النار المعافاة منها، فلا يحس بها ولا يجد ألما ~~-عافانا الله منها-. # والمراد بالوجه: جملة الشخص. # وعبر به عنها: لأنه أشرف ما فيه، فيؤخذ منه التعبير عن الكل بالجزء إذا ~~كان له وجه فضيلة وشرف. # سادسها: معنى سبعين خريفا سبعون عاما أي مسيرة سبعين PageV05P388 # عاما، قاله النووي وغيره، وهو مبالغة في البعد عنها, والمعافاة منها. # قال القرطبي: وكثيرا ما يجيء السبعون عبارة عن التكثير. كما قال -تعالي-: ~~{إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} (¬1). # قلت: وفي النسائي (¬2) من حديث عقبة [بن عامر] (¬3): "مسيرة مائة عام. # قال الشيخ تقي الدين: وإنما عبر "بالخريف" عن السنة: من جهة أن السنة لا ~~يكون فيها إلا خريف واحد، فإذا مر الخريف [مرت] (¬4) السنة كلها، وكذلك لو ~~عبر بسائر الفصول عن العام، كان سائغا لهذا المعنى إذ ms0982 ليس في السنة إلا ~~ربيع [واحد] (¬5) [ومصيف] (¬6)، واحد. PageV05P389 # قال بعضهم: ولكن الخريف أولى بذلك، لأنه الفصل الذي يحصل به نهاية ما بدأ ~~من سائر الفصول، لأن الأزهار تبدو في الربيع والثمار [تتكمل] (¬1) صورها في ~~[الصيف] (¬2)، وفيه يبدوا نضجها، ووقت الانتفاع بها أكلا وتحصيلا وادخارا ~~في الخريف، وهو المقصود منها، فكان فصل الخريف أولى بأن يعبر به عن السنة ~~من غيره، أي وإن كان الأصل التعبير بالشيء لا بملازمة. # وأبدى الفاكهي سرا آخر، وهو: أن السامع إذا سمع الخريف تصور أن في كل سنة ~~فصولا أربعة، ولا كذلك إذا عبر بالسنة، إذ ربما ذهل عن تصور ذلك، والحديث ~~إنما أتى به في سياق الترغيب فكان ذكر الخريف أنسب لذلك، قال: ويجوز أيضا ~~أن يكون -عليه الصلاة والسلام- عبر بذلك لما كان الخريف نصفه الأول فيه ~~الحر، إذ هو معاقب لفصل الصيف، ونصفه الآخر فيه البرد إذ كان يلي فصل ~~الشتاء فيتذكر العبد بذلك حر النار وزمهريرها. # فائدة: الخريف [فعيل] (¬3) بمعنى مفتعل أي مخترف، وهو الزمان الذي تخترف ~~فيه الثمار. # ... PageV05P390 ### || AUTO 38 - باب ليلة القدر # ذكر فيه -رحمه الله- ثلاثة أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 205/ 1/ 38 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رجالا من أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع ~~الأواخر، فمن كان [منكم] متحريها فليتحرها في السبع الأواخر" (¬1). # الكلام عليه من وجوه عشر: # الأول: اختلف العلماء لم سميت ليلة القدر؟ على قولين: # أحدهما: لعظم قدرها وشرفها لنزول القرآن جملة فيها إلى PageV05P391 # سماء الدنيا، وهي ليلة مباركة، كما نطق به القرآن العظيم أيضا. # الثاني: لأنها ليلة يكتب الله -تعالى- فيها للملائكة من الأقدار والأرزاق ~~والآجال لمن تكون في تلك السنة. قال تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم (4)} (¬1). # وقيل: المراد بهذه الآية ليلة النصف من شعبان (¬2)، والصحيح الأول. وقال ~~-تعالي-: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4)} (¬3) ومعناه ~~يظهر للملائكة ما سيكون ms0983 فيها ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم. وكل ذلك مما ~~سبق علم الله -تعالى- به. وتقديره له. # وفيه قول ثالث: أنها سميت بذلك، لأنه [ينزل] (¬4) فيها من فضل الله ~~وخزائن مننه ما لا يقدر قدره. # وعبارة بعضهم: سميت بذلك: لأن للطاعات فيها قدرا جزيلا، أو لأن من لم يكن ~~له قدر وخطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها، أو لأن الله أنزل فيها ~~كتابا ذا قدر، على رسول ذي قدر على أمة ذات قدر. أو لأنه ينزل فيها ملائكة ~~ذو قدر وخطر ولأن الله PageV05P392 # -تعالى- قدر فيها الرحمة على المؤمنين، أو لأن الأرض تضيق بالملائكة، ~~لقوله: "ومن قدر عليه رزقه" أي ضيق. # الثاني: نطق القرآن العظيم بأن هذه [الليلة] (¬1) خير من الف شهر. فاختلف ~~في سر تخصيصها بهذه المدة. # فقيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر رجلا من بني إسرائيل حمل ~~السلاح في سبيل الله ألف شهر فعجب المؤمنون من ذلك، وتقاصرت إليه أعمالهم. ~~فأعطوا الليلة هي خير من مدة ذلك المغازي (¬2). # وقيل: إن الرجل كان فيما مضى ما كان يقال له: عابد. حتى يعبد الله ألف ~~شهر، فأعطوا ليلة إن أحيوها كانوا أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد. # وروى مالك في موطئه أنه -عليه الصلاة والسلام-: أري [أعمار] (¬3) الناس ~~قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل ~~مثل الذي بلغ غيرهم من طول العمر. فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من الف شهر ~~(¬4)، وهذا أحد الأحاديث PageV05P393 # الأربعة الواقعة في الموطأ. والمطعون فيها، كما قدمنا ذلك عن ابن بزيزة ~~في باب سجود السهو. # وروى الترمذي (¬1) في جامعه من حديث الحسن بن علي أنه PageV05P394 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P395 # -عليه الصلاة والسلام- أري بني أمية على منبره فساءه فنزلت: {إنا أعطيناك ~~الكوثر (1)} يا محمد يعني نهرا في الجنة ونزلت: {إنا أنزلناه في ليلة القدر ~~(1)} إلى قوله: {ليلة القدر خير من ألف شهر (3)} يملكها بعدك بنو أمية. # قال القاسم بن الفضل أحد رواته: فعددناها فإذا هي ألف شهر لا ms0984 تزيد يوما ~~ولا تنقص [يوما] (¬1). # قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا ن هذا الوجه، ويوسف بن سعد الذي ~~في إسناده: مجهول. # وقال ابن العربي (¬2) في القبس: حديث لا يصح. قال وما رواه مالك أصح وأولى. # فائدة: عظم الله -تعالى- القرآن فيها بقوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر ~~(1)} من ثلاثة أوجه نبه عليها الزمخشري (¬3). # أحدها: إنه أحال تنزيله إليه تعالى خصوصا. # ثانيها: أنه أتى به مضمرا لا مظهرا، تنبيها على أنه أنبه وقدره أعظم من ~~أن يقتصر إلى إظهاره. PageV05P396 # ثالثها: أنه [رفع] (¬1) من مقداره الوقت الذي أنزل فيه بسبب كونه ظرفا ~~لنزوله. # الوجه الثالث: أجمع من يعتد به من العلماء على دوام ليلة القدر ووجودها ~~إلى آخر الدهر وشذ قوم فقالوا: كانت خاصة برسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ثم رفعت. وعزاه الفاكهي إلى أبي حنيفة، وهو غريب، وإنما هو معزى إلى ~~الروافض واستدلوا بقوله -عليه الصلاة والسلام- حين تلاحى الرجلان "فرفعت" ~~وهو غلط، فإن آخر الحديث يرد عليهم فإنه قال -عليه الصلاة والسلام- بعد ~~قوله: "فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم التمسوها في السبع والتسع والخمس" (¬2) ~~كذا هو في أوائل صحيح PageV05P397 # البخاري (¬1) في باب: خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر، ورواه هنا ~~أيضا إلا أن لفظة "فالتمسوها" في التاسعة والسابعة والخامسة وهو صريح في أن ~~المراد برفعها بيان علم عينها. ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر ~~بالتماسها، وقريب من هذا قول بعضهم أنها مخصوصة برمضان بعينه. كان ذلك ~~الزمن، حكاه الفاكهي ثم قال: هو باطل لا أصل له. # ثم اختلف العلماء بعد ذلك في انتقالها على قولين: # أحدهما: أنها تعم فتكون في سنة في ليلة، وفي أخرى، في ليلة أخرى، وهكذا ~~أبدا. قالوا: فإنما ينتقل في شهر رمضان وجمهورهم قالوا: إنها تنتقل من ~~العشر الأخير خاصة. وبهذا يجمع بين الأحاديث. ويقال في كل حديث أنه جاء في ~~أحد أوقاتها ولا تعارض فيها. # وفيه أيضا الحث على إحياء جميع تلك الليالي، وهذا نحو قول مالك والثوري ~~وأحمد وإسحاق وأبي ms0985 ثور وغيرهم. وقال به أيضا المزني وابن خزيمة: وهو قوي. # والثاني: أنها معينة لا تنتقل أبدا، بل هي ليلة معينة في جميع السنين، لا ~~تفارقها، وهو مشهور مذهب الشافعي -رحمه الله-. PageV05P398 # ثم اختلف هؤلاء على أقوال كثيرة: # أحدها: أنها في السنة كلها. وممن قال به ابن مسعود (¬1) وأبو حنيفة ~~وصاحباه. وقريب منه: أنها ليلة النصف من شعبان، حكاه القرطبي. # ثانيها: أنها من شهر رمضان كله. وهو قول ابن عمر وجماعة من الصحابة وروي ~~مرفوعا أيضا. قال -تعالى-: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (¬2) فجعله ~~[محلا عاما في لياليه وأيامه لنزول القرآن، ثم قال -تعالي-: {إنا أنزلناه ~~في ليلة القدر (1)} (¬3) فجعله خاصا بليلة القدر منه. # ثالثها: أنها في العشر الوسط والأواخر. PageV05P399 # رابعها: أنها في العشر الأواخر. وادعى الماوردي الاتفاق عليه (¬1). # خامسها: أنها خاصة بأوتاره. # سادسها: أنها في أشفاعه (¬2) وادعت ذلك الأنصار في تفسير قوله -عليه ~~الصلاة والسلام- "من تاسعة تبقى" قالوا هي ليلة عشرين قالوا: "ونحن أعلم ~~بالعدد منكم". # سابعها: أنها في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين. وهو قول ابن عباس (¬3). # ثامنها: أنها تطلب ليلة سبعة عشرة (¬4) أو إحدى وعشرين PageV05P400 # أو ثلاث وعشرين، وحكي عن علي وابن مسعود وروي مرفوعا. # تاسعها: أنها ليلة ثلاث وعشرين وهو قول كثير من الصحابة وغيرهم. # عاشرها: أنها ليلة أربع وعشرين، وهو محكي عن بلال وابن عباس والحسن ~~وقتادة (¬1). # الحادي عشر: أنها ليلة سبع وعشرين وهو قول جماعة من الصحابة منهم أبي ~~(¬2) وقال: أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بآية: أن الشمس تطلع ~~من صبيحتها بيضاء لا شعاع لها كأن الأنوار المفاضة في الخلق PageV05P401 # تلك الليلة تغلبها. وكان ابن عباس (¬1) يحلف أنها ليلة سبع وعشرين، وينزع ~~في ذلك بإشارة عليها بني الصوفية عقدهم في كثير من الأدلة، فنقول: إذا عددت ~~حروف {إنا أنزلناه} فقولك: "هي" هو الحرف السابع والعشرون (¬2)، ووافقه على ~~هذا الاستنباط أبي بن كعب PageV05P402 # أيضا. وزاد بأن لفظة ليلة القدر تكررت في السورة ثلاث مرات وهي تسعة ~~أحرف. وتسعة في ثلاثة: سبعة وعشرون. وروي ms0986 هذا أيضا عن ابن عباس، وحكى هذا ~~القول الروياني في الحلية عن أكثر العلماء. # الثاني عشر: أنها ليلة سبع عشرة وهو محكي عن زيد بن أرقم وابن مسعود (¬1) ~~أيضا ورواه مرفوعا. وقاله ابن الزبير (¬2) أيضا وإلى ذلك إشارة من كتاب ~~الله -تعالى- وهو قوله -تعالى-: {وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم ~~التقى الجمعان} وذلك ليلة سبع عشرة من رمضان. قاله ابن العربي (¬3). # الثالث عشر: أنها ليلة تسع عشرة. وحكي [عن] (¬4) ابن مسعود وعلي أيضا (¬5). # الرابع عشر: أنها آخر ليلة من الشهر (¬6). PageV05P403 # الخامس عشر: أنها ليلة النصف (¬1). # السادس عشر: أنها معينة عند الله، غير معينة عندنا، حكاهما القرطبي. ~~ورأيت من نقل عن ابن عباس أنه قال: لا تكون إلا في ليلة جمعة في وتر. وسمعت ~~من يعزي إلى بعض الصلحاء أنها تكون فيه أرجى. وأرجاها عند الشافعي ليلة ~~الحادي والعشرين لحديث أبي سعيد الآتي. أو الثالث والعشرين لحديث عبد الله ~~بن أنيس في PageV05P404 # صحيح مسلم، وقال الشافعي في القديم: إحدى أو ثلاث وعشرين ثم سبع وعشرين. ~~وقال القاضي: ما في ليلة من ليالي العشر إلا وقد روي أنها هي، لكن ليالي ~~الوتر أرجاها. # تتمات: # الأولى: المعروف أن هذه الليلة ترى حقيقة. وقول المهلب بن أبي صفرة من ~~المالكية أنه لا يمكن [رؤيتها] (¬1) حقيقة غلط. # الثانية: روى البيهقي (¬2) في كتابه فضائل الأوقات عن الأوزاعي عن عبدة ~~بن أبي لبابة قال: "ذقت ماء البحر ليلة سبع وعشرين من رمضان، فإذا هو عذب". # وذكر ابن عبد البر (¬3) أن زهرة بن معبد قال: أصابني احتلام في أرض العدو ~~وأنا في البحر ليلة ثلاث وعشرين من رمضان، فذهبت، فسقطت في الماء، فإذا هو ~~عذب. فأعلمت أصحابي أني في ماء عذب. # وحكى أهل الزهد أيضا أن جماعة منهم سافروا في البحر [في رمضان فلما كانت ~~ليلة ثلاث وعشرين سقط أحدهم من السفينة في البحر] (¬4) فجرجر الماء في ~~حلقه. فإذا به حلو. وكأن ما ينزل من السماء في تلك الليلة من البركة ~~والرحمة يقلب الإجاج الملح عذبا، فما ms0987 ظنك بها إذا وجدت ذنبا. PageV05P405 # الثالثة: قال البيهقي في الكتاب (¬1) المذكور: روي في حديثين ضعيفين صفة ~~الهواء ليلة القدر في أحدهما أنها ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح ~~شمسها ضعيفة حمراء. وفي الحديث الآخر معناه. # وقال ابن عبد البر (¬2): قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " [إن] ~~(¬3) أمارة ليلة القدر أنها صافية [بلجة] (¬4) كأن فيها قمرا ساطعا، ساكنة ~~[ساجية] (¬5)، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل كوكب أن يرمى به فيها PageV05P406 # حتى يصبح، وأن أمارة الشمس أن تخرج صبيحتها مستوية ليس لها شعاع، مثل ~~القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يطلع معها يومئذ". قال أبو عمر: وهو ~~حديث حسن غريب. # الرابعة: الحكمة في إخفاء هذه الليلة أن يجتهد الناس في طلبها رجاء ~~إصابتها، فهي كالساعة في يوم الجمعة، وكالساعة في الليل، وكالصلاة الوسطى، ~~وكالاسم الأعظم على القول بذلك. وكما أخفى تعالى رضاه في طاعته وغضبه في ~~معصيته ووليه في خلقه كما في الحديث. # الخامسة: هذه الليلة أفضل ليالي السنة (¬1)، وهي مختصة بهذه PageV05P407 # الأمة. ولم تكن لمن [قبلنا] (¬1). # قال صاحب "العدة": من أصحابنا وهو الاصح فأشعر بحكاية خلاف في الاختصاص ~~(¬2). PageV05P408 # السادسة: قال الشافعي في القديم: ويجتهد في يومها كليلتها. # قال الماوردي (¬1): ويسن لمن رآها كتمها. # السابعة: قال مالك بلغني أن سعيد بن المسيب كان يقول: "من شهد العشاء من ~~ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها" قال ابن عبد البر: وهذا من سعيد لا يكون إلا ~~توقيفا. ومراسيل سعيد أصح المراسيل (¬2). # الثامنة: يستحب أن يكثر فيها من قول: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" ~~للحديث الصحيح (¬3) فيه، قال PageV05P409 # البيهقي (¬1) في كتابه السالف: طلب العفو من الله -تعالى- مستحب في جميع ~~الأوقات، وخاصة في هذه الليلة، ثم روي بإسناده إلى ابن عمرو بن أبي جعفر ~~(¬2) قال: سمعت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل (¬3) كثيرا يقول في مجلسه وفي ~~غير المجلس: عفوك، ثم يقول: عفوك يا عفو، عفوك في المحيا، عفوك في [الممات، ~~وفي القبور عفوك، وعند النشور عفوك، وعند تطاير الصحف ms0988 عفوك] (¬4)، وفي ~~القيامة عفوك وفي مناقشة الحساب عفوك، [وعند ممر الصراط عفوك، وعند الميزان ~~عفوك، وفي جميع الأحوال عفوك، يا عفو عفوك] (¬5)، قال أبو عمرو: فرأى أبا ~~عثمان PageV05P410 # في المنام بعد وفاته بأيام، قيل له: بماذا انتفعت من أعمالك [في الدنيا؟] ~~(¬1)، فقال: بقولي، عفوك عفوك. # الوجه الرابع: معنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: "تواطأت"، توافقت وهو ~~مهموز. قال -تعالى-: {ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم ~~سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين (37)} (¬2) وينبغي كتابة تواطأت ~~بألف بين الطاء والتاء صورة للهمزة، وإن كان في كل النسخ بحذفها، نبه عليه ~~النووي في "شرح مسلم" (¬3). # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فمن كان متحريها فليتحرها في السبع ~~الأواخر"، "التحري" الاجتهاد، ومعناه فليجتهد في طلبها حينها وزمانها. # السادس: في الحديث دلالة على عظم الرؤيا والاستناد إليها في الاستدلال ~~على الأمور الوجوديات، وعلى ما لا يخالف القواعد الكلية من غيرها، فلو رأى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، وأمره بأمر هل يلزمه ذلك؟ # فقيل: إما أن يكون مخالفا لما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من الأحكام ~~في اليقظة أو لا، فإن كان مخالفا عمل بما ثبت في اليقظة، لأنا -وإن PageV05P411 # قلنا بأن من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - على الوجه المنقول من صفته ~~فرؤياه حق- فهذا من باب تعارض الدليلين، والعمل بأرجحهما. وما ثبت من ~~اليقظة فهو أرجح، وإن كان غير مخالف لما ثبت في اليقظة ففيه خلاف، نقل ذلك ~~كله الشيخ تقي الدين عن الفقهاء (¬1). # واعترض الفاكهي على ما ذكره من كون هذا من باب تعارض الدليلين. # فقال لقائل، أن يقول ليس هذا منه إذ النسخ لا يتصور بعده -عليه الصلاة ~~والسلام- في منام ولا يقظة، وإنما يقال: تعارض الدليلان إذا تساويا في ~~الأصل، ولا مساواة ها هنا لما ذكرناه، قال: وحكاية الخلاف في الثاني لا ~~أدري كيف يتصوره مع عدم المخالفة ألا ترى أنه لو قال له -عليه الصلاة ~~والسلام- في منامه حافظ على الصلوات، وأداء الزكاة ونحو ذلك ms0989 مما تقرر في ~~الشريعة هل يتصور الخلاف فيه أو يعقل إلا أن يراد أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- أمره بشيء لم يتقرر له حكم في الشرع، فهذا محتمل. # قال الشيخ تقي الدين: والاستناد إلى الرؤيا هنا أمر ثبت استحبابه مطلقا، ~~في طلب ليلة القدر، وإنما ترجح السبع الأواخر بسبب المرائي الدالة على ~~كونها في السبع الأواخر، وهو استدلال على أمر وجودي لزمه استحباب أمر شرعي ~~مخصوص بالتأكيد، بالنسبة إلى هذه الليالي، مع كونه غير مناف للقاعدة الكلية ~~الثابتة، من استحباب طلب ليلة القدر، وقالوا: يستحب في جميع الشهر. PageV05P412 # السابع: في الحديث دلالة على أن "ليلة القدر" في شهر رمضان، وهو مذهب ~~الجمهور. # وقيل: إنها في جميع السنة، كما تقدم ويلزمه أنه لو قال في رمضان لزوجته: ~~أنت طالق ليلة القدر لم تطلق، حتى يأتي عليها سنة، لأن كونها مخصوصة برمضان ~~مظنون، وصحة النكاح معلومة، فلا تزال إلا بيقين، وهو مضي سنة. قال الشيخ ~~تقي الدين: وفي هذا نظر، لأنه إذا دلت الأحاديث على اختصاصها بالعشر ~~الأواخر، كان إزالة النكاح بناء على مستند شرعي، وهو الأحاديث الدالة على ~~ذلك، والأحكام المقتضية لموضوع الطلاق يجوز أن تبنى على أخبار الآحاد، ~~ويرفع بها النكاح، ولا يشترط في رفع النكاح أو أحكامه أن يكون مستندا إلى ~~خبر متواتر، أو أمر مقطوع به اتفاقا. نعم، ينبغي أن ينظر إلى دلالة ألفاظ ~~الأحاديث الدالة على اختصاصها بالعشر الأواخر، ومرتبتها في الظهور ~~والاحتمال، فإن ضعفت دلالتها، فلما قيل وجه. # قلت: وتحرير مذهبنا في هذه المسألة وهي ما إذا قال لها: أنت طالق ليلة ~~القدر أنه إن قاله قبل مضي أول ليالي العشر الأخير يقع بمضيها، وإن قاله: ~~بعد مضي أول ليلة من ليالي العشر الأخير فيقع بمضي سنة هذا هو الصواب، وإن ~~وقع في الحاوي الصغير وغيره ما يخالفه. # الثامن: فيه أيضا لمن رجح في ليلة القدر غير ليلة الحادي والعشرين، ~~والثالث والعشرين وفي رواية PageV05P413 # لمسلم (¬1)، قال: رأى رجل أن ليلة القدر سبع وعشرين. فقال -عليه الصلاة ~~والسلام-: "أرى ms0990 رؤياكم [قد تواطأت]، في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها". # التاسع: فيه أيضا دلالة على العمل بقول الأكثر، والكثير في الرؤيا وغيرها ~~من الأحكام بشرط أن لا يخالف نصا ولا إجماعا، ولا قياسا جليا. # العاشر: أيضا الأمر بطلب الأحرى والصواب لمن أراده. # ... PageV05P414 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 206/ 2/ 38 - عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول (¬2): فيه دلالة على طلب ليلة القدر من ليالي الوتر من PageV05P415 # العشر الأواخر مع دلالته على ترجيح انحصارها فيه. # [الثاني] (¬1): فيه أيضا الأمر بالاجتهاد في طلبها. # الثالث: فيه أيضا الإرشاد من غير استرشاد. # والرابع: فيه أيضا عدم اختصاص ليلة القدر بالسبع الأواخر. # ... PageV05P416 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 207/ 3/ 38 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما، حتى إذا كانت ~~ليلة إحدى وعشرين -وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه (¬1) - قال: ~~"من اعتكف معي فليعتكف PageV05P417 # العشر الأواخر، فقد رأيت هذه الليلة، ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء ~~وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر". فمطرت ~~السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فأبصرت عيناي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى ~~وعشرين (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: قوله: "كان يعتكف العشر الأوسط" قال الشيخ تقي الدين: الأقوى فيه ~~أن يقال: "الوسط" والوسط بضم السين أو فتحها، وأما "الأوسط" فكأنه تسمية ~~لمجموع تلك الليالي والأيام، وإنما رجح الأول لأن "العشر" اسم الليالي ~~فيكون وضعها الصحيح جمعا لائقا بها. # وقال الفاكهي: يقال: العشر "الأوسط" "والوسط" بضم الواو. وكذا رأيته بخط ~~ابن عصفور أعني "الوسط" قال: ووجهه أن "العشر اسم مجموع الليالي العشر، فهو ~~كالآخر في جمع أخرى، ووجه PageV05P418 # "الأوسط" إرادة انقسام الشهر إلى ثلاثة أعشار. وقال: الأول كأنه الأصل. # وقال النووي في "شرح مسلم" (¬1): [كذا هو] (¬2) في ms0991 جميع النسخ "العشر ~~الأوسط"، والمشهور في الاستعمال تأنيث "العشر"؛ كما قال في أكثر الأحاديث ~~"العشر الأواخر". وتذكيره أيضا لغة صحيحة باعتبار الأيام أو الوقت والزمان، ~~ويكفي في صحتها ثبوت استعمالها في الأحاديث الصحيحة. # الثاني: قوله "من رمضان" فيه استعمال رمضان من غير ذكر الشهر [وهو الأصح] ~~(¬3) كما سبق في أول الصيام. # الثالث: سميت السنة عاما لأنه مصدر عام، إذا سبح يعوم عوما وعاما. ~~فالإنسان يعوم في دنياه على الأرض طول حياته حتى يأتيه الموت فيغرق فيه. ~~وكأن استعمال العام أولى من السنة. فإن السنة عندهم قد تكون علما [على] ~~(¬4) الجدوبة والقحط يقال: سنت القوم إذا أصابتهم الجدوبة يقلبون الواو ياء. # الرابع: قوله "أريت هذه الليلة" يحتمل أن يكون بمعنى علمتها وبمعنى أبصرت ~~علامتها. قاله الباجي (¬5). PageV05P419 # وعند البخاري (¬1) من حديث أبي سعيد: "أن جبريل أخبره بأنها في العشر ~~الأواخر". وقوله "ثم أنسيتها" فيه دلالة على أن الأولى إذا كان ذاكرا للشيء ~~ثم نسيه أن يقول: أنسيته. ولا يقول: نسيته. وجاء في رواية مسلم (¬2) وإني ~~"نسيتها" أو "أنسيتها". # الخامس: قوله: "فمطرت السماء" يقال: "مطرت" و"أمطرت" لغتان صحيحتان كما ~~تقدم بسطه في باب الاستسقاء. # السادس: "العريش" سقف البيت وكذلك عرشه، وكل ما يستظل به. والمراد: كان ~~سقف [المسجد] (¬3)، عريشا يستظل به، لا يمسك ماء المطر. ويكون تقدير ~~الحديث: وكان سقف [المسجد] (¬4) على عريش. على حذف المضاف. # وقال المحب الطبري في "أحكامه": لعله يريد أنه كان على مثل العريش. # [قلت] (¬5): وفي رواية لمسلم "فمطرنا حتى سال سقف المسجد وكان من جريد ~~النخل" وفي رواية للبخاري: "وكان سقف [المسجد] (¬6) جريد النخل، ما نرى في ~~السماء شيئا، فجاءت قزعة فأمطرنا" وفي رواية له "وكان سقف المسجد عريشا". PageV05P420 # [السابع] (¬1): العريش يطلق على أمور: # أحدها: ما يستظل به كما في هذا الحديث. # ثانيها: عريش الكرم. # ثالثها: شبه الهودج وليس به يتخذ ذلك للمرأة تقعد فيه على بعيرها. # رابعها: خيمة من خشب وثمام. وقد قدمت أنه كل ما يستظل به. والجمع: عريش ~~مثل قليب. # قال الجوهري (¬2): ومنه قيل لبيوت ms0992 مكة العرش، لأنها عيدان تنصب ويظلل ~~عليها، وفي الحديث (¬3) "تمتعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفلان ~~كافر بالعرش". # ومن قال: عروش. فواحدها: عرش. مثل فلس وفلوس، ومنه الحديث كان (¬4) ابن ~~عمر "يقطع التلبية إذا نظر عروش مكة". # وأما عرش: -بضم العين- فهو أحد عروشي العنق، وهما لحمتان مستطيلتان من ~~ناحيتي العنق. # الثامن: قوله: "فوكف المسجد" أي قطر ماء المطر من سقفه يقال: وكف البيت، ~~يكف، وكفا، ووكوفا، إذا قطر. ووكف الدمع وكيفا ووكفانا بمعنى قطر. PageV05P421 # [الثامن] (¬1): في الحديث دلالة على استحباب الاعتكاف في رمضان، وأن ~~العشر الأوسط منه للاعتكاف فيه أفضل من الأول وفي الآخر أفضل من الأوسط. # التاسع: فيه دلالة أيضا لمن رجح ليلة إحدى وعشرين في طلب ليلة القدر. ومن ~~ذهب إلى انتقالها فله أن يقول: كانت في تلك السنة هذه الليلة. ولا يلزم من ~~ذلك أن تترجح هذه الليلة مطلقا. وقد ورد في بعض الروايات ما يدل على أن ~~اعتكافه -عليه الصلاة والسلام- في العشر الأوسط كان لطلب ليلة القدر قبل أن ~~يعلم أنها في العشر الأواخر. # العاشر: فيه دلالة أيضا على أن الليلة أخلقت. قد يراد بها الماضية التي ~~اليوم بعدها. وقد يراد بها الآتية. فإذا أريد أحدهما قيد كما فعل الراوي في ~~قوله: "وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه" لكن المشهور في ~~استعمال الشرع واللغة إنما تستعمل عند الإطلاق من الماضية. واستعملها بعض ~~الظاهرية في الآتية [وإن ليلة اليوم متأخرة عنه لا سابقة عليه] [واختاره ~~ابن دحية وأطنب فيه] (¬2) وقد حكى الخلاف في المسألة من الشافعية المحب ~~الطبري في "شرحه للتنبيه" من أوائل الحيض منه. # فائدة: يقال: فعلنا الليلة كذا، من طلوع الفجر ما لم تزل الشمس. فإذا ~~زالت قيل: فعلنا البارحة. PageV05P422 # الحادي عشر: فيه دلالة أيضا على أن السنة للمصلي أن لا يمسح جبهته في ~~الصلاة، وهو محل اتفاق. # الثاني عشر: قد يستدل به بعض الحنفية على أن مباشرة الجبهة بالمصلى في ~~السجود غير واجب، حتى لو سجد على كور العمامة كالطاقة ms0993 والطاقتين صح، وهو ~~مذهب مالك، وإن كان مكروها عندهم. # ووجه الاستدلال: أنه إذا سجد في الماء والطين ففي السجود الأول تعلق ~~الطين بالجبهة، فإذا سجد السجود الثاني كان الطين الذي تعلق بالجبهة من ~~السجود الأول حائلا في السجود الثاني عن مباشرة الجبهة بالأرض. وجواب هذا ~~من وجهين: # أحدهما: أنه يحتمل أن يكون مسح ما تعلق بالجبهة أولا قبل السجود الثاني ~~لو كان. كيف ولفظ الحديث: "فأبصرت عيناي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وعلى جبهته أثر الماء والطين" وأثر الشيء غيره , وهذا احتمال ليس ببعيد، ~~وإن استبعده الفاكهي لأجل مذهبه السالف. # الثاني: أنه محمول لو سلم أنه طين على شيء يسير، لا يمنع مباشرة الجبهة ~~الأرض. والرواية الثابتة في صحيح مسلم "وجبينه ممتلئا طينا" ربما لا يخالف ~~ما تأولناه فإن الجبين غير الجبهة فالجبينان يكتفان الجبهة. ولا يلزم من ~~امتلأ الجبين امتلأ الجبهة، كذا أجاب به النووي في "شرح مسلم" (¬1). # يقال بالالتزام: فإنها أمس للأرض منهما. PageV05P423 # ومذهب الشافعي وموافقيه: منع السجود على حائل متصل بالجبهة من غير عذر. # الثالث عشر: قال الباجي من المالكية: في أن الصلاة في الطين جائزة. وقد ~~اختلف قول مالك في ذلك، فقال مرة: لا يجزيه حتى ينزل بالأرض ويسجد عليها. ~~وقال مرة: بحرية الإيماء. ولعل اختلاف قوله لأجل اختلاف الأحوال وكثرة ~~الطين وقلته، هذا كلامه ومحل الخلاف الذي حكاه عن مالك في الطين الجصاص ~~الذي يضر بالمصلي ويفسد ثيابه، فأما مسجده -عليه أفضل الصلاة والسلام- ~~فمحصب فيحصل منه أثار الطين، فلا يختلف في هذا. # الرابع عشر: فيه دلالة أيضا على أن العالم الذي له أتباع إذا اطلع على ~~علم وعمل به وأراد موافقة أتباعه له أن يرشدهم إليه بصيغة عموم، وأمر عام ~~لا خاص، وخصوصه لمعين، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "من اعتكف معي فليعتكف ~~العشر الأواخر". # الخامس عشر: فيه دلالة أيضا على أن العالم إذا كان عنده علم من شيء ثم ~~نسيه أن يعرف أصحابه بنسيانه ويقر به. # السادس عشر: معنى "أنسيتها" أنسيت تعيينها في تلك ms0994 السنة. ومثل هذا ~~النسيان جائز عليه - صلى الله عليه وسلم - إذ ليس بتبليغ حكم يجب العمل به. ~~ولعل عدم تعيينها أبلغ في الحكمة، وأكمل من تحصيل المصلحة كما جاء في رواية ~~للبخاري (¬1): "وعسى أن يكون خيرا لكم" ووجه PageV05P424 # ذلك أنها إذا لم تعين حرص الناس على طلبها، كما أسلفناه في الحديث الأول. # واختلفت الأحاديث في سبب النسيان ففي صحيح مسلم (¬1) من حديث أبي هريرة ~~أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "أيقظني بعض أهلي فنسيتها" وفيه أيضا (¬2) ~~"فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان فنسيتها" معنى "يحتقان" يدعي كل واحد ~~منهما حقا، وتؤيده الرواية الأخرى: "يختصمان" ووقع عند بعضهم "يحنقان" بكسر ~~النون، ولا وجه له صفا وفي صحيح البخاري من حديث عبادة "فتلاحى فلان وفلان ~~فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" ~~فيحتمل أن يكون هذا في أوقات، والله أعلم. # وأفاد ابن دحية في كتابه "العلم المشهور": تسمية هذين الرجلين. وقال: هما ~~-كعب بن مالك- وعبد الله بن أبي حدرد. # السابع عشر: جاء من رواية في الصحيحين في هذا الحديث: "حتى رأيت أثر ~~الطين والماء على جبهته وأرنبته، تصديق رؤياه" هذا لفظ البخاري، ولمسلم ~~نحوه، ترجم عليها البخاري (¬3) من كتاب الصلاة باب السجود على الأنف في الطين. # فائدة: قال ابن منده في مستخرجه: روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- PageV05P425 # في ليلة القدر عبادة بن الصامت ومعاذ بن جبل وأنس وعمر بن الخطاب وابنه ~~والفلتان بن عاصم وعبد الله بن عباس وجابر وأبي بن وهب. وحبيش والد زر بن ~~حبيش وبلال. وجابر بن سمرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو هريرة وعبد الله بن ~~أنيس وعبد الله بن عمرو، وعائشة وأبو سعيد الخدري. وقد ذكر المصنف حديث ~~هؤلاء الثلاثة، [والله أعلم] (¬1). # ... PageV05P426 ### || AUTO 39 - باب الاعتكاف # هو في اللغة: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه، خيرا كان أو شرا، قال ~~-تعالى-: {فأتوا على قوم يعكفون} (¬1) الآية. وقال: {والهدي معكوفا} (¬2)، ~~أي محبوسا ملزوما. وقال: {وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا} (¬3)، أي ~~مقيما ملازما، وقال: ms0995 {وأنتم عاكفون في المساجد} (¬4)، أي ثابتون ملازمون. # وفي الشرع: إقامة مخصوص ويسمى جوارا أيضا كما هو ثابت في الأحاديث ~~الصحيحة, ومنها قول عائشة: "كان يصغي إلي رأسه وهو مجاور في المسجد, فأرجله ~~وأنا حائض" (¬5). والكلام فيه كالكلام في سائر الأسماء الشرعية، والاعتكاف ~~من الشرائع القديمة، قال -تعالى-: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا ~~بيتي للطائفين والعاكفين} (¬6)، ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث: PageV05P427 ### ||| AUTO الحديث الأول # 208/ 1/ 39 - عن عائشة -رضي الله عنها-: "أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله -عز وجل- ثم ~~اعتكف أزواجه من بعده" (¬1). # وفي لفظ: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في كل رمضان، فإذا ~~صلى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: فيه استحباب الاعتكاف وتأكده حيث واظب عليه حتى توفي - صلى الله ~~عليه وسلم -، والإجماع قائم على استحبابه، وأنه غير واجب، وأنه متأكد في ~~العشر الأواخر من رمضان، لأنه خاتمة الصيام، ولعله PageV05P428 # يصادف ليلة القدر، وقد أشعر تأكدا استحبابه بقولها: "ثم اعتكف أزواجه، ~~بعده"، وبقولها في: "كل رمضان". # الثاني: فيه استواء الرجل والمرأة في شرعية الاعتكاف، نعم إن كانت مزوجة ~~فلا يجوز إلا بإذن الزوج بالإجماع، فلو أذن لها ثم منعها. # فقال الشافعي وأحمد وداود: له ذلك في زوجته وأمته في اعتكاف التطوع ~~وإخراجهما منه. ومنعها مالك إذا دخلا فيه، وجوزه أبو حنيفة في الأمة دون ~~الزوجة. # [الثالث] (¬1): فيه أن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد، وأن كونه فيه شرط ~~لصحته حيث اعتكف -عليه الصلاة والسلام- وأزواجه فيه مع المشقة في ملازمته، ~~ومخالفة العادة في الاختلاط بالناس لا سيما النساء، فلو جاز الاعتكاف في ~~البيوت لما خولف المقتضى لعدم الاختلاط بالناس في المسجد، وتحمل المشقة في ~~الخروج لعوارض الخلقة، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وداود والجمهور. # وقال أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الموضع المهيىء ~~للصلاة دون الرجل. وهو قول قديم للشافعي، ونقله البندينجي عن الجديد، وجوزه ~~بعض أصحاب ms0996 مالك وأصحاب الشافعي للرجل أيضا، الاعتكاف تطوع، وتطوعه في البيت ~~أفضل، والآية الآتية رادة لذلك. PageV05P429 # ونقل أبو عمر: عن أبي حنيفة أن لها أن تعتكف مع زوجها في المسجد كما ~~تسافر معه. # وقال ابن علية: لا يجوز اعتكافها في المسجد لقوله -عليه الصلاة والسلام- ~~لأزواجه لما أردن الاعتكاف فيه: "آلبر تردن" أي ليس هذا ببر [ثم] (¬1) ~~اختلف المشترطون للمسجد العام. # فقال مالك والشافعي وجمهورهم: يصح الاعتكاف في كل مسجد لظاهر قوله ~~-تعالى-: {وأنتم عاكفون في المساجد} (¬2). # وقال أحمد: يختص بالمسجد الذي تقام فيه الجماعة الراتبة. # وقال أبو حنيفة: يختص بمسجد تصلي فيه الصلوات كلها. # وقال الزهري: يختص بالجامع الذي تقام فيه الجمعة، وأومأ الشافعي في ~~القديم إلى اشتراطه. # وشذ سعيد بن المسيب فقال: لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد المدينة. # وقال حذيفة بن اليمان الصحابي: لا تصح إلا في المساجد الثلاثة: المسجد ~~الحرام، ومسجد المدينة، والأقصى. # الرابع: فيه أن الاعتكاف لا يكره في وقت من الأوقات، وأجمع العلماء على ~~أن لا حد لأكثره [نعم قال القاضى: استحب أن يكون أكثره عشرة أيام اقتداء به ~~- صلى الله عليه وسلم -. PageV05P430 # قلت] (¬1) [...] (¬2)، واختلفوا في أقله. # فقال الشافعي وجمهور أصحابه وموافقوهم: أقله لبث قدر يسمى عكوفا في ~~المسجد، وهو زائد على الطمأنينة في أركان الصلاة، ولأصحابنا أوجه أخر في ~~قدره، وقد أوضحتها في شرح المنهاج وغيره، فإنه محله. # وفي"تهذيب المالكية" قال ابن القاسم: بلغني أن مالكا قال: أقل الاعتكاف ~~يوم وليلة، فسألته فقال: أقله عشرة أيام، وذلك رأي لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم ينقص من هذا. # وقال مالك: في "العتبية" في اعتكاف يومين ما أعرف [هذا] (¬3)، من اعتكاف الناس. # قال ابن القاسم: وسئل عنه قبل ذلك فلم ير به بأسا [وأنا لست أرى به بأسا] ~~(¬4)، لأن الحديث جاء أقل الاعتكاف يوم وليلة (¬5). # قلت: هذا الحديث لا يعرف. # قال أبو عمر، وروى ابن وهب عن مالك أن أقله ثلاثة أيام. # وقال القاضي عن مالك: في أقله روايتان يوم وليلة وعشرة أيام، وذلك فيمن ~~نذر ms0997 اعتكافا مبهما. PageV05P431 # الخامس: فيه أن ينبغي أن يكون الاعتكاف بصوم واشترطه مالك وأبو حنيفة ~~والأكثرون كما حكاه القاضي ثم النووي عنهم، وقالوا: لا يصح الاعتكاف بفطر، ~~ونقله في الموطأ (¬1) عن عمل أهل المدينة، وهو قول قديم للشافعي، والأصح ~~عنده أنه لا يشترط. # واحتج من اشترطه بهذا الحديث. # واحتج الشافعي باعتكافه -عليه الصلاة والسلام- في العشر الأول من شوال ~~لما ترك اعتكاف العشر الأخير من رمضان بسبب ضرب زوجاته أخبيتهن في المسجد ~~لأجل الاعتكاف. رواه البخاري ومسلم (¬2)، واللفظ له، ولفظ البخاري: "عشرا ~~من شوال"، والمراد به الأول كما في رواية مسلم، وهذا يتناول يوم العيد، ~~ويلزم من صحته أن الصوم ليس بشرط، وفي رواية للبخاري: "فلم يعتكف في رمضان ~~حتى اعتكف في آخر العشرين من شوال"، وفي نسخة منه "العشر". ولفظ أبي داود ~~(¬3): "ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول" -يعني من شوال-، قال أبو داود: ~~ورواه مالك عن يحيى بن سعيد قال: "اعتكف عشرين من شوال". # واحتج أيضا بحديث عمر أنه نذر في الجاهلية اعتكاف ليلة في المسجد الحرام، ~~فقال -عليه الصلاة والسلام-: "أوف بنذرك"، PageV05P432 # رواه مسلم والبخاري، وسيأتي أيضا في الباب، ومعلوم أن الليل ليس محلا ~~للصوم، فدل على أنه ليس بشرط في صحة الاعتكاف، وقد ترجم عليه البخاري باب: ~~الاعتكاف ليلا (¬1)، وباب: من لم ير على المعتكف صوما (¬2). # نعم، ورد من رواية لمسلم أنه نذر اعتكاف يوم فقال -عليه السلام-: "فاذهب ~~فاعتكف يوما". # فأجاب عنها ابن حبان في "صحيحه" بأن قال: "ألفاظ هذا الحديث مصرحة بأنه ~~نذر اعتكاف ليلة إلا هذه الرواية، فإن صحت فيشبه أن يكون أراد باليوم مع ~~ليلته وبالليلة مع اليوم حتى لا يكون بين الخبرين تضاد (¬3). # وقال النووي (¬4) في "شرحه" يحتمل أنه سأله عن اعتكاف يوم قال: ويؤيده ~~رواية نافع عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، فسأل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "فأوف بنذرك" فاعتكف عمر ليلة. ~~رواه الدارقطني وقال: إسناده ثابت (¬5). PageV05P433 # قلت: وهذه الرواية رواها البخاري في ms0998 هذا الباب من "صحيحه" وترجم عليه، من ~~لم ير على المعتكف صوما، فكان عزوه إليها أولى] (1). # السادس: فيه إطلاق لفظ الغداة على الصبح، وقد سلف في الحديث الرابع من ~~باب المواقيت الخلاف في كراهية إطلاق ذلك عليها. # السابع: فيه أن السنة إذا كان معتكفا وصلى الصبح في مكان من المسجد غير ~~محل معتكفه لا يجلس في مصلاه إلى طلوع الشمس، بل يرجع بعد فراغه منها إليه ~~لقولها: "فإذا صلى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه". # الثامن: استدل به الأوزاعي والثوري والليث في أحد قوليه: على ابتداء ~~الاعتكاف والدخول فيه [في] (2) أول النهار، وليس فيه دلالة عليه، فإن ~~اعتكافه -عليه الصلاة والسلام- يحتمل أن يكون قبل ذلك، ومجيئه إلى مكانه ~~بعد صلاة الغداة للانفراد عن الناس بعد الاجتماع بهم في الصلاة، لا أنه ~~ابتدأ دخول المعتكف، ويكون PageV05P434 # المراد بمكانه الذي اعتكف فيه الموضع الذي خصه بالاعتكاف من المسجد وأعده ~~له، كيف ولفظه يشعر بذلك. # وقولها: اعكتف فيه بصيغة الماضي، وكما جاء في الحديث الآخر أن أزواجه ~~ضربن أخبية، وهذا ظاهر فيما قلناه وهو قول الأئمة، ونقله الشيخ تقي الدين ~~عن الجمهور أنه يدخل فيه قبل غروب الشمس من [أول ليلة منه] (1) إذا أراد ~~اعتكاف شهرا وعشرا، وتأولوا الحديث على ما ذكرناه، وقال أبو ثور: يدخل من ~~أول النهار، من نذر عشرة أيام فإن أراد عشر ليال فقبل غروب الشمس من ~~الليلة. ووافق أبو ثور في الشهر. # واختلفوا في الأيام. # فقال الشافعي: يدخل فيها قبل الفجر، وبه قال القاضي عبد الوهاب في ~~الأيام، وفي الشهر. # وقال عبد الملك: لا يعتد بذلك اليوم. وسبب هذا الاختلاف دخول أول ليلة ~~فيه أم لا، فالليل تابع والمقصود اليوم قولان لهم، وبالثاني قال مالك ~~وربيعة. # التاسع: فيه أيضا استحباب الانفراد عن الناس والأهل، وغيرهم في الاعتكاف ~~إلا فيما لا بد منه من اجتماع على صلاة أو ضرورة. # ... PageV05P435 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 209/ 2/ 39 - عن عائشة -رضي الله عنها- "أنها كانت ترجل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وهي حائض، وهو معتكف ms0999 في المسجد، وهي في حجرتها يناولها رأسه". # وفي رواية: "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" (¬1). # وفي رواية: أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "إن كنت لأدخل البيت للحاجة ~~والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة". # [الترجيل: تسريح الشعر] (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: الترجيل: تسريح الشعر، قال ابن السكيت: شعر PageV05P436 # رجل ورجل إذا لم يكن شديد الجعودة ولا سبطا, يقول منه رجل الشعر ترجيلا. # ثانيها: الحجرة معروفة وجمعها: حجر مثل غرف وحجرات، [قال ابن فارس: ~~وحجرات] (¬1) بالفتح أي بفتح الجيم. # وأما حجرة القوم: بفتح الحاء فناحية دارهم. # والجمع: حجرات كحجرات ويجوز حجر كحجر. # ثالثها: قولها: "يناولها رأسه كأنه من مجاز التشبيه إذ المناولة نقل ~~الشيء من شخص إلى غيره، يقال: ناولته الشيء فتناوله إذا أعطيته. # رابعها: "الرأس" مذكر، قال الفاكهي: ولا أعلم فيه خلافا، وما أكثر تأنيث ~~العامة له من المتفقهة وغيرهم. # قلت: وهو مهموز، ويجوز تركه، وله أسماء أخر ذكرتها في لغات المنهاج ~~فليراجع منها. # خامسها: حاجة الإنسان هنا: البول، والغائط. # سادسها: في الحديث دلالة على طهارة بدن الحائض، والجنب أولى منها. # سابعها: فيه أيضا أن خروج رأس المعتكف من المسجد لا يبطل اعتكافه. # ثامنها: فيه أيضا أن خروج بعض البدن من المكان الذي حلف أنه لا يخرج منه ~~لا يوجب حنثه، وكذلك دخول بعض بدنه إذا PageV05P437 # حلف، أن لا يدخله من حيث إن امتناع الخروج من المسجد يوازيه تعلق الحنث ~~بالخروج، لأن الحكمة في كل واحد تعلق بعدم الخروج، فخروج بعض البدن إن ~~اقتضى مخالفة ما علق عليه من أحد الموضعين اقتضى مخالفته في الآخر، وحيث لم ~~يقتض في أحدهما، لم يقتض من الآخر لاتحاد المأخذ فيهما، وكذلك تنتقل هذه ~~المادة في الدخول أيضا بأن يقول: لو كان دخول البعض مقتضيا للحكم المعلق ~~بدخول الكل لكان خروج البعض مقتضيا للحكم بخروج الجملة، لكنه لا يقتضيه، ~~ثم، فلا يقتضيه هنا، وشأن الملازمة أن الحكم في الموضعين متعلق بالجملة، ~~فإما أن يكون بالبعض موجبا لتركيب الحكم أو لا إلى ms1000 أخره. # تاسعها: فيه أيضا جواز ترجيل المعتكف رأسه، وأنه -عليه الصلاة والسلام- ~~كان يتعاهد شعره بالترجيل، ولم يحلق شعره إلا في حج أو عمرة، وفي معنى ~~ترجيل المعتكف رأسه حلقه وتقليم أظفاره، وتنظيف بدنه من الشعث. # عاشرها: فيه أيضا جواز ملامسة الحائض للمعتكف وغيره، وعند مالك أن ~~الاعتكاف يبطل بالمباشرة. # [وقال ابن لبابة وغيره منهم: تحرم المباشرة في المسجد دون غيره. # وقال بعض أهل الظاهر: تبطل بالمباشرة] (¬1) إلا في ترجيل الشعر لهذا ~~الحديث. PageV05P438 # الحادي عشر: فيه أيضا أن الخروج من المعتكف للحاجة الضرورية التي لا يمكن ~~فعلها في المسجد جائز، وهذا الحديث بعمومه يدل على ذلك، وأنه ممنوع من ~~الخروج لغير الحاجة الضرورية من حيث أن الضرورة دعت إليه، والمسجد مانع ~~منه، وكل ما ذكره الفقهاء من الجواز في ذلك، واختلفوا فيه فهذا الحديث يدل ~~على عدم الخروج له كما ذكرنا, ولا بد أن يضم إلى الحاجة المجوزة للخروج ~~قيام الداعي الشرعي في بعضه كعيادة المريض وصلاة الجنازة وشبهه، وهذا كله ~~إنما نقول به على سبيل الاستحباب وتأكده، إذ الاعتكاف سنة مؤكدة، ومعلوم أن ~~من دخل في تطوع لا يلزمه إتمامه خلافا لأبي حنيفة، ومالك. في منع الخروج من ~~صلاة التطوع وصيامه فعندهما أن الخروج لغير حاجة حرام إذن. # الثاني عشر: قد أسلفنا أن حاجة الإنسان [هنا] (¬1) كناية عن الخبث، ~~وظاهره حصر الخروج في ذلك وإن كان المعتكف يخرج لغيره كما هو مقرر في كتب ~~الفروع، وكأنها أخبرت بصورة الواقع منه - صلى الله عليه وسلم - فلا يدل ذلك ~~على عدم الخروج لغيره وسيأتي في الحديث الرابع خروجه -عليه الصلاة والسلام- ~~ليقلب صفية -رضي الله عنها- وهو معتكف. # الثالث عشر: قولها في المريض: "فلا أسأل عنه إلا وأنا مارة" فيه دليل على ~~جواز عيادة المريض على وجه المرور من غير تعريج، وفيه إشارة إلى المنع من ~~العيادة على غير هذه الحالة. PageV05P439 # الرابع عشر: في الحديث أيضا استقرار المرأة في بيت الزوج، وإن لم يكن له ~~حاجة في الدخول إليها أوله مانع ضروري شرعي أو ms1001 غيره من دخوله لسفر واعتكاف. # الخامس عشر: فيه أن الكون في المسجد لو لم يكن شرطا لما فعل ذلك، لأن في ~~إخراج رأسه دون بقية جسده مشقة، فكل من رآه فعل ذلك يتبادر إلى فهمه أن ~~لولا شرطية ذلك في الاعتكاف لما تحمل هذه المشقة. # *** PageV05P440 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 209/ 3/ 39 - عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قلت: "يا رسول الله! ~~إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة". وفي رواية: "يوما في المسجد ~~الحرام". قال: "فأوف بنذرك" (¬1)، ولم يذكر بعض الرواة يوما ولا ليلة. # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: رواية اعتكاف يوم قد قدمنا عزوها إلى مسلم، وكلام ابن حبان عليها ~~ومعنى لم يذكر بعض الرواة يوما وليلة أن عمر قال: نذرت أن أعتكف في ~~الجاهلية فقال: "أوف بنذرك". # ثانيها: قوله: "نذرت" وهو بفتح الذال. ويقال فيه: نذر بكسر الذال وضمها. # ثالثها: "الجاهلية" ما قبل الإسلام، سموا بذلك لكثرة PageV05P441 # جهالاتهم، وتطلق الجاهلية على كل فعل ما يخالف الإسلام والشرع. # رابعها: كان المسجد الحرام فناء حول الكعبة وفضاء للطائفين، ولم يكن في ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر جدار يحيط به، وكانت الدور ~~محدقة به وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية منها فلما استخلف عمر ~~-رضي الله عنه- وكثر الناس وسع المسجد، واشترى دورا فهدمها وزاد فيه، واتخذ ~~للمسجد جدارا قصيرا دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه وكان عمر أول من ~~اتخذ الجدار للمسجد الحرام، ثم تتابع الناس على عمارته وتوسيعه: كعثمان ~~وابن الزبير -رضي الله عنهما- ثم عبد الملك بن مروان، ثم ابنه الوليد، ثم ~~المنصور، ثم المهدي. # قال النووي في "الروضة" (¬1) وغيرها: وعليه استقر بناؤه إلى وقتنا. وقال ~~غيره: زاد فيه المأمون وأتقن بنيانه بعد المهدي باثنين وأربعين سنة. # قال السهيلي (¬2): وهو على حاله إلى الآن، وأسقط النووي ذكر عبد الملك بن ~~مروان وذكر ابن الزبير والوليد. وأثبته ابن العطار في "شرحه"، ولو وسع شيئا ~~آخر جاز الطواف والاعتكاف في جميعه. # واعلم أن المسجد الحرام يطلق ms1002 ويراد به هذا المسجد وهذا هو الغالب، وقد ~~يراد به الحرم، وقد يراد به مكة. PageV05P442 # وقيل: في قوله -تعالى-: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} (¬1). ~~قال الماوردي: كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم، إلا ~~قوله -تعالى-: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} فإن المراد به الكعبة. # قلت: وإلا قوله -تعالى-: {وعمارة المسجد الحرام} (¬2) أيضا، وأما قوله ~~-تعالي-: {فلا يقربوا المسجد الحرام ...} (¬3) الآية فالمراد به مكة مع ~~الحرم وما حولها، وقوله -تعالى-: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام} (¬4) فنقل النووي في "تهذيبه" (¬5) عن المفسرين أن المراد به مكة. # وحكى أبو شامة في مصنفه "نور المسرى في تفسير آية الإسراء" فيه أربعة ~~أقوال: هذا أحدها: # وثانيها: أن المراد نفس الكعبة. # وثالثها: أن المراد نفس المسجد الذي فيه الكعبة. # رابعها: أن المراد به جميع الحرم، وأما قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا ~~تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" (¬6)، إلى آخره PageV05P443 # فالمراد المسجد وما حوله. # خامسها: في الحديث لزوم النذر للقربة، وقد يستدل بعمومه للزوم الوفاء بكل منذور. # سادسها: فيه أيضا صحة النذر من الكافر وهو وجه في مذهب الشافعي [ورأي ~~البخاري وابن جرير و] (¬1) المشهور. أنه لا يصح وهو مذهب الجمهور، لأن ~~النذر قربة. والكافر ليس من أهلها. والحديث مؤول على أنه أمر أن يأتي ~~باعتكاف يوم شبيه بما نذر لئلا يخل بعبادة نوى فعلها، فأطلق عليه أنه منذور ~~لشبهه به وقيامه مقامه في فعل ما نواه من الطاعة. وعلى هذا يكون قوله: "أوف ~~بنذرك" من مجاز الحذف أو من مجاز التشبيه، لكن ظاهر الحديث خلافه. فإن دل ~~أقوى من هذا الظاهر على أنه لا يصح اعتكاف الكافر احتيج إلى هذا التأويل ~~وإلا فلا. # وأجابوا أيضا: إنه يحمل الأمر على الاستحباب، لكن ظاهر الأمر الوجوب، كيف ~~ونص الشافعي على كراهة الابتداء بالنذر، لصحة النهي عنه، مع وجوب الوفاء به ~~قطعا، ولا يصح بالنية PageV05P444 # وحدها، بل لا بد فيه من القول معها، وبهذا يرد على قول ابن العربي ms1003 في ~~قبسه (¬1): لما كان عمر (¬2)، نذره في الجاهلية فأسلم أراد أن يكفر ذلك ~~بمثله في الإسلام، فلما [أراده] (¬3) ونواه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- (¬4)، فاعلمه أنه لزمه، قال: وكل عبادة أو عمل ينفرد به العبد عن غيره ~~(¬5) بمجرد النية [العازمة] (¬6) الدائمة كالنذر في العبادات، والطلاق في ~~الأحكام وإن لم يتلفظ بشيء من ذلك. هذا لفظه، وليس بظاهر [أيضا] (¬7) بل ~~الظاهر من كلام عمر -رضي الله عنه- مجرد الإخبار بما وقع في الجاهلية مع ~~الاستخبار عن لزومه [وعدم لزومه] (¬8) وليس فيه ما يدل على نية في الإسلام ~~ولا إرادة تنزلنا أنه نواه. # فجواب: ما سلف وقد قال ابن بشير من المالكية: لم يختلف أن العبادات لا ~~تلزم إلا بالقول أو بالنية والدخول فيها وهو الشروع. # قلت: وتأول بعضهم قوله: "في الجاهلية" أي ونحن بمكة قبل فتحها، وأهلها ~~جاهلية فلا يكون ناذرا في الكفر وهو بعيد أيضا. PageV05P445 # سابعها: فيه أيضا عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف، كما قررناه في الحديث ~~الأول مع الجواب عن رواية نذر اعتكاف اليوم، والمشترط للصوم أول قوله: ليلة ~~بيوم، فإن الليلة تغلب في لسان العرب، على اليوم يقولون: صمنا خمسا. والخمس ~~تنطلق على الليالي، ولو انطلق على الأيام لقيل: خمسة. فأطلقت الليالي وأراد ~~الأيام، أو يقال: المراد ليلة بيومها. # ثامنها: فيه أيضا سؤال العلماء عما يجهل من العلم. # تاسعها: فيه أيضا سؤالهم عما كان من السائل في حال كفره. # عاشرها: فيه وجوب البيان على من سئل عن علم وعدم كتمانه. # خاتمة: روى أبو داود (¬1) أنه -عليه الصلاة والسلام- قال PageV05P446 # لعمر: "اعتكف وصم" لكن تفرد بها عبد الله بن بديل، كما قاله ابن عدي ~~والدارقطني وضعفاه، ووهم ابن حزم، فادعى جهالته، وهو غريب، فهو معروف العين ~~والحال. وقد أخرج له البخاري تعليقا، ووثقه ابن معين وابن شاهين وابن حبان، ~~ثم وهم أخرى أفظع من هذه، فقال: لا يعرف هذا الخبر من مسند عمرو بن دينار ~~[أصلا وما يعرف لعمرو بن دينار] (¬1) عن ابن عمر حديثا مسندا، إلا ثلاثة ~~ليس هذا ms1004 منها. قال: فسقط الخبر لبطلان سنده. # قلت: لعمرو بن دينار في الصحيح عن ابن عمر نحو عشرة أحاديث، فما هذا ~~الكلام؟! # ... PageV05P447 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 210/ 4/ 39 - عن صفية -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - معتكفا، فأتيته أزوره ليلا، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ~~ليقلبني -وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد-، فمر رجلان من الأنصار، فلما ~~رأيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسرعا، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله! يا رسول ~~الله! فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في ~~قلوبكما شرا -أو قال شيئا-" (¬1). # وفي رواية: أنها جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من ~~رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة .. ثم ذكره ~~بمعناه. PageV05P448 # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: صفية هي أم المؤمنين أم يحيى بنت حيي -بضم الحاء- وحكي كسرها ابن ~~أخطب بن سعية -بفتح السين وإسكان العين المهملتين ثم مثناة تحت ثم هاء- ~~وصحفه الصعبي في رجال هذا الكتاب فقال: سفينة: كذا رأيته بخطه، وتبعه ~~الفاكهي في شرحه، فإنه قرأه على مصنفه، وهي من بني إسرائيل من بنات هارون ~~بن عمران أخي موسي -عليهما الصلاة والسلام-، وهما من سبط لاوى بن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن. # وأمها برة بنت سموأل، وهي أخت رفاعة بن سموأل. # سباها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر في شهر رمضان سنة سبع ~~من الهجرة، ثم أعتقها وتزوجها, ولم تبلغ خمس عشرة، وجعل عتقها صداقها، وذلك ~~من خصائصه. # قال أبو عمر: عند أكثر الفقهاء. # قال أبو عبيدة: وتزوجها في شوال أي بني بها، وكانت قبله عند سلام بتخفيف ~~اللام، كما ضبطه الشيخ تقي الدين -ابن مشكم شاعر ففارقها، فتزوجها كنانة بن ~~الربيع بن أبي الحقيق، وهو شاعر فقتل يوم خيبر. # قال الجاحظ: ms1005 في كتاب "الموالي" ولد صفية بنت حيي مائة نبي ومائة ملك، ثم ~~صيرها الله -تعالى- أمة لنبيه - صلى الله عليه وسلم -. # قال ابن عبد البر: وكانت فاضلة عاقلة حليمة، روت عن PageV05P449 # النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرة أحاديث، اتفقا منها على هذا الحديث، ~~ولم يذكر الحميدي في جمعه لها غيره، روى عنها ابن أخيها وجماعة. ورأى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بوجهها أثر خضرة قريبا من عنقها، فسألها، فقالت: ~~رأيت في المنام قمرا أقبل من يثرب حتى وقع في حجري. فذكرت ذلك لزوجي كنانة. ~~فقال: أتحبين أن تكوني تحت هذا الملك الذي يأتي من المدينة. وضرب وجهي هذه ~~الضربة، وفي رواية قالت صفية لأهلها: رأيت كأني وهذا الذي يزعم أن الله ~~أرسله وملك يسترنا بجناحه. فردوا عليها رؤياها، وقالوا لها في ذلك قولا ~~شديدا، وقد أوضحت ترجمتها في رجال هذا الكتاب أكثر من هذا، وذكرت فيه خمسة ~~أقوال في وفاتها. # أحدها: سنة خمسين في خلافة معاوية في رمضان. # ثانيها: سنة ست وثلاثين في خلافة علي، وضعفه النووي. # ثالثا: سنة اثنين وخمسين. # رابعها: سنة عشرين. # خامسها: سنة إحدى وعشرين ودفنت بالبقيع -رضي الله عنها-. # الثاني: الرجلان المبهمان في هذا الحديث لم أر من تعرض لبيانهما إلا ابن ~~العطار في شرحه، فإنه قال: قيل إنهما أسيد بن حضير، وعباد بشر صاحبا ~~المصباحين. # الثالث: قولها: "ليقلبني" هو بفتح أوله أي يصرفني إلى منزلي، يقال: قلبه ~~يقلبه، وانقلب إذا انصرف، قال -تعالى-: PageV05P450 # {وإليه تقلبون (21)} (¬1) وكان أبو هريرة يقول لمعلم الصبيان: اقلبهم أي ~~اصرفهم إلى منازلهم. # الرابع: قوله: "على رسلكما" هو بفتح الراء وكسرها، فقيل هما بمعنى من ~~التؤدة وترك العجلة أي اثبتا ولا تعجلا. # وقيل: بالكسر التؤدة، وبالفتح اللين والرفق والمعنى متقارب، وجزم الفاكهي ~~بالكسر أي على هيئتكما حتى أخبركما ومنه الحديث (¬2): "إلا من أعطى في ~~نجدتها ورسلها". # قال الجوهري (¬3): يريد الشدة والرخاء. والرسل أيضا: اللبن. # وأما الرسل -بفتح الراء والسين- فالقطيع من الإبل والغنم. # الخامس: [وقولهما] (¬4): "سبحان الله! " هو تنزيه لله ومعناه هنا استعظام ~~الأمر ms1006 وتهويله. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "يجري من ابن آدم مجرى الدم"، فيه قولان: # أحدها: أنه على ظاهره، وأن الله -تعالى- جعل له قوة وقدرة في الجري في ~~باطن الإنسان مجاري دمه. # والثاني: [أنه على الاستعارة لكثرة أعوانه ووسوسته، فكأنه لا يفارق ~~الإنسان كما لا يفارقه دمه. PageV05P451 # السابع] (¬1): أم سلمة -رضي الله عنها-: تقدم الكلام على ترجمتها في باب ~~الجنابة مستوفى فراجعه منه. وأسامة بن زيد يأتي التعريف به في باب دخول مكة. # الثامن: في الحديث دلالة على أحكام يحضرنا منها اثني عشر حكما. # أحدها: جواز خروج المرأة ليلا. # ثانيها: جواز زيارتها المعتكف. # ثالثها: جواز التحدث معه. # رابعها: جواز اشتغال المعتكف بالأمر يعرض له، سواء كان مندوبا أو مباحا، ~~وعند المالكية حكاية قولين فيما إذا قل الاشتغال بالعبادة وصلاة الجنازة ~~وأداء الشهادة والحكم، فإن كثر فلا يفعله بالاتفاق، كما نقله الباجي منهم. # خامسها: تأنيس الزائر بالمشي معه، ويتأكد ذلك في المضيف عند خروجه لا ~~سيما إذا دعت الحاجة إلى ذلك كالليل. # سادسها: جواز خروج المعتكف من المسجد فيما لا [غاية به] (¬2)، كذا استدل ~~به بعضهم، وهو عجيب. فالرواية الثانية تثبت PageV05P452 # الغاية في مشيه معها إلى باب المسجد فقط، وإن كان الخروج من المسجد ~~للمعتكف للحاجة الشرعية جائز قطعا. # قال الفاكهي: فعلى هذا يكون مرور الرجلين في المسجد دون الطريق. # قلت: لا يلزم ذلك. وقد ترجم البخاري على هذا الحديث بما قلناه فقال: "باب ~~هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد" (¬1) ثم ذكره. # سابعها: التحرز مما يقع في الوهم من نسبة الإنسان إليه مما لا ينبغي، وأن ~~لا يؤئم الناس بسببه فإنه -عليه الصلاة والسلام- أكرم الخلق على الله, ومع ~~هذا خشي على الرجلين وسوسة الشيطان، يقذف شيئا في قلوبهما، فيكون مؤديا إلى ~~الكفر أو هو كفر. # وقد نقل الشيخ تقي الدين (¬2): عن بعض العلماء أن لو وقع ببالهما شيء ~~لكفرا، ولكن أراد تعليم أمته، وهو كما قال إذا اعتقداه أو ظناه. قال ~~-تعالى-: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ms1007 (36)} وإلا ~~لمجرد خطوره بالبال من غير استقرار، ففيه وقفة، لأنه أمر غير مقدور على ~~دفعه، اللهم إلا أن يخص ذلك بهذا الجناب الشريف. PageV05P453 # وما نقله الشيخ تقي الدين عن بعض العلماء أراد به الشافعي -رضي الله عنه- ~~فإن سفيان بن عيينة. قال للشافعي: ما فقه هذا الحديث؟ فقال: إن كان القوم ~~اتهموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا بتهمتهم إياه كفارا، لكن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أدب من بعده من أمته فقال: إذا كنتم هكذا، ~~فافعلوا هكذا لئلا يظن بكم ظن السوء. فقال سفيان بن عيينة: جزاك الله خيرا ~~ما يجيئنا منك إلا ما نحب. هذا كلامه (¬1). # قال الشيخ تقي الدين: وهذ متأكد في حق العلماء. ومن يقتدى به، فلا يجوز ~~لهم أن يفعلوا فعلا يوجب ظن السوء بهم، وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب ~~إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، وقد قال العلماء: ينبغي للحاكم أن يبين وجه ~~الحكم للمحكوم عليه إذا خفي، وذلك من باب نفي التهمة بالنسبة إلى الجور في الحكم. # قلت: أو من باب وجوب البيان وإزالة اللبس. # ثامنها: فيه أيضا دلالة على هجوم خواطر الشيطان على النفس، وما كان من ~~ذلك غير مقدور على دفعه، لا يؤاخذ به لقوله -تعالى-: {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها} (¬2)، وقوله -عليه الصلاة والسلام- في الوسوسة التي يتعاظم ~~الإنسان أن يتكلم بها: PageV05P454 # "ذلك محض الإيمان" (¬1)، وقد فسروه بأن التعاظم لذلك محض الإيمان لا نفس ~~الوسوسة. # قال الشيخ تقي الدين: وكيف ما كان ففيه دلالة على أن تلك الوسوسة لا ~~يؤاخذ بها، نعم. في الفرق بين الوسوسة التي لا يؤاخذ بها، وبين ما يقع شكا ~~إشكال (¬2) انتهى. PageV05P455 # وقد أخطأ من جعل الوسوسة نفسها دليلا على خير الإنسان والعناية به، وإنما ~~الخير والعناية يقع بدفعها. # تاسعها: فيه أيضا كمال شفقته بأمته -عليه الصلاة والسلام- من حيث إنه لما ~~خشي عليهما شر الشيطان بادر إلى دفعه عنهما باليقين وقد وصفه الله -تعالى- ~~في كتابه بكونه رحيما فقال: {وكان بالمؤمنين رحيما (43)} (¬1)، وقال: ~~{بالمؤمنين رءوف رحيم ms1008 (128)}. # عاشرها. فيه جواز التعجب: بسبحان الله! والتعجب بها [يقع] (¬2) على أوجه: # أحدها: لتعظيم الأمر وتهويله كما سلف. # ثانيها: للحياء من ذكره. # ثالثها: كون المحل ليس قابلا للأمر، ومن تتبع الأحاديث النبوية وجد ذلك. # الحادي عشر: فيه أيضا الأمر بالتؤدة وترك العجلة في الأمور إذا لم تدع ~~إليه الضرورة. # الثاني عشر: فيه أيضا جواز خطاب الرجال الأجانب إذا كان مع المخاطب زوجة ~~أو أحد من محارمه خصوصا إذا دعت إلى المخاطب حاجة شرعية من بيان حكم أو دفع ~~شر ونحوهما. وإن كان ذلك لا يكون نقصا للمروءة، ومن أحكامه أيضا: الاستعداد ~~للتحفظ من الشيطان ومكائده، فإنه يتمكن منه كما وصفه الشارع، PageV05P456 # ومن كانت هذه حاله، فليس له خلاص منه إلا بالالتجاء إلى المعبود حمانا ~~الله منه بمنه وكرمه (¬1). # ... PageV05P457 # انتهى الجزء الخامس ويليه الجزء السادس وأوله كتاب الحج ويتبعه بقية ~~الأجزاء PageV05P458 # الإعلام بفوائد عمدة الأحكام PageV06P001 # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة الاولى # 1421ه - 2000م # دار العاصمة # المملكة العربية السعودية # الرياض - ص ب 42507 - الرمز البريدي 11551 # هاتف 4915154 - 4933318 - فاكس 4915154 PageV06P002 # الإعلام بفوائد عمدة الأحكام # للإمام الحافظ العلامة # أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي # المعروف بابن الملقن # (723 - 804) ه # تقديم # فضيلة الشيخ # صالح بن فوزان الفوزان # عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # فضيلة الشيخ # بكر بن عبد الله أبو زيد # عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه # عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح # غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين # الجزء السادس # كتاب الحج # (211 - 270) حديث # دار العاصمة # للنشر والتوزيع PageV06P003 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV06P004 ### | AUTO كتاب الحج PageV06P005 ### || CHECK 40 - [كتاب] الحج # 40 - [كتاب] (¬1) الحج # الحج: بفتح الحاء وكسرها فقيل [هما] (¬2) لغتان. # وقيل: بالفتح المصدر وبالكسر الاسم. # وقيل: عكسه. # وقال القاضي (¬3) عياض، والنووي (¬4): هو بالفتح المصدر وبالكسر وبالفتح ~~جميعا الاسم منه زاد القاضي وبالكسر أيضا الحجاج وأهله القصد. # وقال الخطابي: قصد فيه تكرار، ومنه قول الشاعر: PageV06P007 # وأشهد من ms1009 عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان [المزعفرا] (¬1) # يريد أنهم [يقصدونه] (¬2) في أمورهم ويختلفون إليه في حاجاتهم مرة بعد ~~أخرى قال: وقد استدلوا بهذا المعنى على إيجاب العمرة [وقالوا: إذا كان الحج ~~قصد فيه تكرار، فإن معناه لا يتحقق إلا بوجوب العمرة] (¬3)، لأن القصد في ~~الحج إنما هو مرة واحدة لا يتكرر انتهى (¬4). # هذا الاستدلال مردود فإنه لا يلزم من تكرار الحج وجوبه قال تعالى: {وإذ ~~جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} (¬5) أي يرجعون إليه ويتقربون في كل عام ~~ولأن الحاج يكون وروده على البيت عند القدوم وعند [الإفاضة] (¬6) وعند ~~الوداع وذلك غير ما يشتغل به [من] (¬7) الطواف فالتكرار حاصل بلا إشكال. # قال القاضي عياض: والحج أيضا العمل. PageV06P008 # وقال الهروي وغيره. إنه الإتيان مرة، بعد أخرى. # وقال الخليل: [هو] (¬1) كثرة القصد إلى من تعظم. # قلت: وهو في الشرع قصد مخصوص من شخص مخصوص إلى محل مخصوص في زمن مخصوص ~~على وجه مخصوص. # إذا ثبت ذلك فالإجماع قائم على أن الحج أحد أركان الإسلام الخمسة الذي من ~~جحده فقد كفر. # ومذهب الشافعي: أنه على التراخي عند الاستطاعة إلا أن ينتهي إلى [حال] ~~(¬2) يظن فواته لو أخره عنها، ووافقه أبو يوسف وطائفة وهو مذهب المغاربة. # ومذهب أبي حنيفة وأحمد: أنه على الفور وهو مذهب [العراقيين] (¬3) من ~~المالكية. # والصحيح عند الشافعية: أن العمرة واجبة وهو مذهب الإمام أحمد. # ومذهب المالكية والحنفية: أنها سنة. # ... PageV06P009 ### || AUTO 41 - باب المواقيت # المواقيت: جمع ميقات كميعاد ومواعيد كما سلف واضحا في أول كتاب الصلاة. # ومعناه لغة: الحد وذكر المصنف في الباب حديث [ابن عباس وحديث ابن عمر] (¬1): ### ||| AUTO الحديث الأول # 211/ 1/ 41 - عن عبد الله بن عباس [رضي الله عنهما] (¬2) "أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل المدينة، ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة, ~~ولأهل نجد، قرن المنازل، ولأهل اليمن، يلملم، [...] (¬3): هن لهن ولمن أتى ~~عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج أو العمرة, ومن كان دون ذلك: فمن حيث ~~أنشأ، حتى أهل مكة من مكة" (¬4). PageV06P010 # الكلام عليه من وجوه: ms1010 # [الأول] (¬1): التوقيت ذكر الوقت في الأصل ثم استعمل في تعليق الحكم ~~بالوقت فيصير التحديد من لوازم التوقيت فينطلق عليه [توقيت] (¬2). # فقوله هنا: "وقت" يحتمل أن يراد به التحديد أي حد المواضع للإحرام. # ويحتمل أن يراد [به] (¬3) تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن ~~بشرط إرادة الحج أو العمرة. # ومعنى توقيت هذه الأماكن [للإحرام أنه لا يجوز مجاوزتها] (¬4) لمريد الحج ~~أو العمرة إلا محرما [وإن لم يكن في لفظة "وقت" من حيث هي هي تصريح ~~بالوجوب] (¬5) فالحديث الثاني في الباب لفظه [يهل أهل المدينة] (¬6) وهي ~~صيغة خبر يراد به الأمر وثبت في PageV06P011 # "صحيح مسلم" أيضا لفظ الأمر (¬1). # قال الخطابي (¬2): وقد أجمعوا على أنه لو أحرم دونها حتى يوافي الميقات ~~محرما أجزأه وليس كتحديد مواقيت الصلاة فإنها إنما ضربت حدا لئلا تقدم ~~الصلاة عليها. # قلت: [...] (¬3) وأطلق جماعة من الشافعية الكراهة على تقديم الإحرام على ~~الميقات. # واختلف آخرون منهم في أفضليته: والأصح عند الأكثرين منهم أنه أفضل. # ومذهب مالك: أيضا كراهة تقديم الإحرام على الميقات زمانا ومكانا ويلزم إن ~~فعل (¬4). # ثانيها: في ضبط الأماكن الواقعة في هذا الحديث. # الأول: "المدينة": زادها الله شرفا لها اثنان وعشرون اسما (¬5) أوضحتها ~~في "لغات المنهاج" فراجعها منه. وذكر ابن النجار في PageV06P012 # "تاريخ المدينة" (¬1) عن عبد العزيز بن محمد بن موسى بن عقبة قال: بلغني ~~أن لها في التوراة أربعين اسما وقد قدمنا في باب الجنابة (¬2) في الحديث ~~الثاني منه الاختلاف في اشتقاقها فراجعها من ثم. # الثاني: "ذو الحليفة": بالحاء المهملة المضمومة وفتح اللام: [لبني جشم ~~بينهم وبين خفاجة] (¬3) على ستة أميال، وقيل: سبعة من المدينة [وذكره] (¬4) ~~القاضي عياض (¬5) والقرطبي (¬6): وقيل: أربع، [ووقع في الرافعي] (¬7) أن ~~بينها وبين المدينة ميل وهو غريب لكنه لم ينفرد به فهو كذلك في "الشامل" ~~و"البحر" وهو [من مكة] (¬8) عشر مراحل أو تسع فهو أبعد المواقيت منها. # وأما ذو الحليفة [الذي في] (¬9) حديث رافع بن خديج فهو PageV06P013 # موضع من تهامة نحو ذات عرق فليس بالمهل. # الثالث: "الشأم" بالهمز والقصر على الأفصح ويذكر [ويؤنث] ms1011 (¬1) وقد قدمنا ~~ذلك في باب الاستطابة (¬2) مع سبب تسميته وحده طولا وعرضا فراجعه من ثم. # الرابع: "الجحفة": -بضم الجيم ثم حاء مهملة ساكنة- قرية جامعة تمتد على ~~طريق المدينة من مكة على سبعة مراحل أو ثمان من المدينة وثلاث من مكة قاله ~~النووي (¬3)، وقال المحب الطبري: أربعة، وقال الرافعي: هي على خمسين فرسخا. # وقال ابن الحاج المالكي: على ثلاثة أيام. # سميت بذلك: لأن العمالق أخرجوا إخوة عاد من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء سيل ~~فاجحفهم فسميت الجحفة. # والإجحاف: الاستئصال. # ويقال لها: مهيعة بفتح الميم وسكون الهاء. # وحكى القاضي عن بعضهم (¬4): كسرها كجميلة وهي على ستة أميال من البحر. PageV06P014 # وذكر قاسم بن ثابت (¬1): أن مهيعة قريبة من الجحفة حكاه القاضي وهو غريب ~~فقد فسرت في الحديث بأنها الجحفة وهي ميقات أهل مصر و [كذلك، (¬2) المغرب ~~وكذا الشام إن لم يمروا بميقات المدينة وهذا علم من أعلام نبوته أعني ~~توقيته لأهل الشام الجحفة قبل أن يفتح الشام وكذا توقيته لأهل مصر أيضا كما ~~أخرجه النسائي (¬3) من حديث عائشة وتوقيته الجحفة لأهل المغرب رواه الشافعي ~~مرسلا (¬4) ويعضده الإجماع على مقتضاه. # الخامس: "نجد" بفتح النون وهو ما بين جرش إلى سواد الكوفة، وحده من ~~المغرب الحجاز. # والنجد: اسم للمكان المرتفع ويسمى المنخفض غورا. # قال صاحب المطالع: ونجد كلها من عمل اليمامة. # السادس: "قرن المنازل": وهو بفتح القاف وسكون الراء، ويقال: له قرن ~~الثعالب (¬5) وروى في الصحيح غير مضاف وهو PageV06P015 # موضع تلقاء مكة على يوم وليلة منها (¬1) من أقرب المواقيت إليها وفتح ~~بعضهم راءه وهو خطأ كما قال القاضي (¬2). # وقال القرطبي: الإسكان أعرف قالا وقال [الفاسي] (¬3): من قاله بالإسكان ~~أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن فتح أراد الطريق (¬4) [تفرق منه فإنه ~~موضع فيه طرق مختلفة] (¬5). # وقال النووي (¬6): لا خلاف في إسكان الراء بين أهل العلم من أهل الحديث ~~واللغة والتاريخ والأسماء وغيرهم، [وغلط] (¬7) الجوهري في "صحاحه" فيه ~~غلطين فاحشين فقال القرن: موضع وهو ميقات أهل نجد، ومنه أويس القرني بفتح ~~راءه وزعم أن أويسا منسوب إليه، والصواب ms1012 إسكان الراء فإن أويسا منسوب إلى ~~قبيلة معروفة يقال لهم بنو قرن [لبطن] (¬8) من مراد أي كما بين في الحديث PageV06P016 # الذي فيه ذكر طلب عمر [له] (¬1). # قلت: فتلخص أن الصواب في المكان الإسكان ولا خلاف في أن القبيلة التي ~~ينسب إليها أويس القرني بالفتح كما نبه الحفاظ كالدارقطني (¬2) والسمعاني ~~(¬3) وابن حبيب (¬4) وغيرهم ومنهم الصاغاني (¬5)، حيث قال: الصواب في ~~الميقات سكون الراء فأما أويس فهو منسوب إلى قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد. # السابع: "اليمن" هو الإقليم المعروف سمى يمنا لأنه عن يمين الحجر الأسود ~~والشام عن شماله والحجر الأسود مستقبل مطلع الشمس. # قال صاحب المطالع: اليمن كلما كان عن يمين الكعبة من بلاد الغور ~~واليمامة: مدينة اليمن على يومين من الطائف، وعلى أربعة من مكة ولها عمائر ~~قاعدتها حجر اليمامة وهي من عداد أرض نجد، وتسمى العروض بفتح العين وقال ~~السمعاني: في "أنسابه" (¬6) اليمني نسبة إلى اليمن وبلاد اليمن بلاد عريضة ~~كبيرة وقد ورد في فضائلها أحاديث عديدة قد ذكرتها في "النزاع إلى الأوطان" ~~وإنما PageV06P017 # قيل لها اليمن لأنها يمين الأرض كما أن الشمال شمال الأرض وينسب إلى ~~اليمن أيضا يماني. # الثامن: "يلملم" بفتح الياء المثناة تحت واللامين والميم ساكنة منها ~~ويقال: فيه ألملم بهمزة بدل الياء وهو الأصل فإن الياء بدل منها وهو جبل من ~~جبال تهامة على مرحلتين من مكة قاله الرافعي وغيره، وقال البكري: على ~~ليلتين. # وحكى ابن السيد أنه يقال: فيه يرمرم (¬1) برآين. # قال صاحب "الذخيرة": ويلملم أيضا ميقات بعض أهل المغرب. # واعلم: أن المراد بأن يلملم ميقات أهل اليمن أنها ميقات تهامة خاصة فإن ~~نجد اليمن ميقاتهم ميقات نجد الحجاز. # التاسع: "مكة" شرفها الله تعالى لها اثنان وعشرون اسما ذكرتها موضحة في ~~"لغات المنهاج" فراجعها منه. # الوجه الثالث: من الكلام على الحديث هذا التوقيت متفق عليه لأرباب هذه ~~الأماكن والجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة على وجوب الدم على مجاوزها (¬2) ~~خلافا لعطاء، والنخعي فإنهما قالا لا شيء على تاركها ووقع في "شرح الفاكهي" ~~بدل "النخعي" "الأصمعي" ms1013 كذا رأيته في نسختين منه والذي في "شرح القاضي (¬3) ~~عياض" PageV06P018 # و"النووي" (¬1) و"أحكام المحب الطبري": النخعي ليس إلا. # وقال سعيد بن جبير: لا يصح حجه. # ودليل الجمهور مأخوذ من غير هذا الحديث إذ ليس في لفظه ما يشعر به. # وقول سعيد ابن جبير له إلمام بهذا الحديث من وجه وكان يحتاج إلى مقدمة ~~أخرى من حديث آخر أو غيره، وقد روى مالك في "الموطأ" عن ابن عباس "من نسي ~~من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما" (¬2). # فرع: لو أحرم ثم عاد إلى الميقات فالأصح عند الشافعية أنه إن كان قبل ~~تلبسه بنسك فلا دم وإلا فيجب وبه قال الأوزاعي وأبو يوسف. # وقال مالك وأبو حنيفة: لا ينفعه رجوعه وعليه دم. # وقال زفر: عليه دم رجع أو لم يرجع (¬3). # فرع: من بلغ ميقاتا غير مريد نسكا ثم أراده فميقاته، [موضعه ولا يكلف ~~الرجوع إلى الميقات على قول الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة] (¬4) خلافا ~~لأحمد وإسحاق (¬5). PageV06P019 # الوجه الرابع: قوله: "هن" يريد المواقيت. # وقوله: "لهن" يريد الأماكن المذكورة، وإن كان المراد أهلها فهو من واوي ~~قوله تعالى: {واسأل القرية} (¬1) وكان الأصل أن يقول: هن لهم لأن المراد ~~الأهل وقد جاء ذلك في بعض روايات البخاري ومسلم وكذا رواه أبو داود وغيره. # قال القاضي (¬2): وهو الوجه لأنه ضمير أهل هذه المواضع المذكورة وكذا ~~ذكره مسلم في رواية ابن أبي شيبة قال: ووجه الرواية المشهورة [أن الضمير في ~~"لهن" عائد على الأماكن المذكورة أي المواقيت لأهلها] (¬3) فحذف المضاف ~~وأقام المضاف إليه مقامه [قلنا هذه القاعدة من النفائس] (¬4). # الخامس: "هن" ضمير جماعة المؤنث العاقل في الأصل وقد يعاد على ما لا يعقل ~~وأكثر ما يستعمله العرب فيما دون العشرة وما جاوزها استعملته بالهاء والألف ~~قال تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السماوات والأرض منها أربعة حرم} (¬5) أي من الاثني ثم قال: {فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم} أي في هذه الأربعة وقيل: في الجميع حكاه القاضي وهو شاذ. PageV06P020 # السادس (¬1): قوله "ولمن أتى ms1014 عليهن من غير أهلهن" مقتضاه أنه إذا مر بهن ~~من ليس هن ميقاته أن يحرم منهن ولا يجاوزهن غير محرم كالشامي يمر بميقات ~~المدني فيلزمه الإحرام منه ولا يتجاوزه إلى الجحفة التي هي ميقاته وكذا ~~الباقي وهذا لا خلاف فيه عند الشافعية. # وأما المالكية: فإنهم نصوا على أن له مجاوزته إلى الجحفة وحكاه ابن ~~المنذر عن أبي ثور ومن أطلق من مصنفي الشافعية أنه لا خلاف فيه فمراده ~~مذهبه حكى بعضهم أن ابن الرفعة حكاه وجها عن الفوراني فليحرر [نبه عليه ~~الشيخ تقي الدين وكأنه أراد ببعض المصنفين النووي (¬2) فإنه نقله غير واحد ~~عنه] (¬3) ولا شك أن قوله: "ولمن أتى عليهن" عام فيمن أتى عليهن سواء كان ~~ميقات بلده أو غيره كأهل الشام والجحفة إذا مروا بين يدي هذه المواقيت ومن ~~لم يمر بين يديها. # وقوله: "ولأهل الشام الجحفة" عام بالنسبة إلى من يمر بميقات آخر أيضا فإن ~~قلنا بالعموم الأول دخل تحته هذا الشامي الذي مر بذي الحليفة فيلزمه أن ~~يحرم منها وإذا عملنا بالعموم الثاني وهو أن لأهل الشام الجحفة دخل تحته ~~هذا المار أيضا بذي الحليفة فيكون له التجاوز إليها فلكل واحد منها عموم من ~~وجه فكما يحتمل PageV06P021 # أن يقال: [لمن أتى عليهن من غير أهلهن مخصوص بمن ليس ميقاته بين يديه] ~~(¬1) ولأهل الشام الجحفة مخصوص بمن لم يمر بشيء من هذه المواقيت. # فرع: يستثني الأجير يحرم من ميقات مستأجره لا ما مر به حكاه ابن الرفعة ~~عن الفوراني بزيادة إنه يحرم أيضا مما [بإزائه] (¬2) الأبعد من مكة وأقره عليه. # السابع: قوله "ممن أراد الحج والعمرة" مقتضاه تخصيص هذا الحكم بالمريد ~~لأحدهما أولهما وأنه إذا لم يرد واحد منهما لا يلزمه الإحرام وله التجاوز ~~غير محرم فيستدل به على أنه لا يلزمه الإحرام لمجرد دخول مكة وهو الصحيح من ~~قولي الشافعي فيمن قصد مكة لا لنسك لكن هذا الاستدلال أولا يتعلق بأن ~~المفهوم له عموم من حيث أن مفهومه أن لا يريد حجا ولا عمرة ولا دخول ms1015 مكة ~~وأن لا يريدهما [وقد] (¬3) يريد الدخول وفي عموم المفهوم نظر (¬4) في ~~الأصول وعلى تقدير أن يكون له عموم فإذا دل الدليل على وجوب الإحرام ~~لدخولها وكان ظاهر الدلالة لفظا قدم على هذا المفهوم لأن PageV06P022 # المقصود بالكلام حكم الإحرام بالنسبة إلى هذه الأماكن ولم يقصد به بيان ~~حكم الداخل إلى مكة والعموم إذا لم يقصد فدلالته ليست بتلك القوية إذا ظهر ~~من السياق المقصود من اللفظ. # الثامن: قوله: "ممن أراد الحج والعمرة" استنبط منه بعضهم أن الحج على ~~التراخي لقوله: "ممن أراد" لأن من مر بهذه المواقيت لا يريد حجا ولا عمرة ~~يدخل تحته من لم يحج فيقتضي اللفظ أنه لا يلزمه الإحرام من حيث المفهوم ولو ~~وجب على الفور للزمه أراد الحج أو لم يرده وفيه من الكلام ما سلف في الوجه ~~السابع، وقد قدمنا الخلاف في وجوبه على الفور أو التراخي أول الباب. # ومن قال بالفورية قال: معنى الإرادة هنا النية لا التخيير وأنها [قد ~~تأتي] (¬1) للوجوب. # واستدل من قال بالتراخي: بأن فريضة الحج كانت سنة خمس أو ست أو ثمان من ~~الهجرة على أقوال في ذلك ولم يحج - صلى الله عليه وسلم - إلا في سنة عشر ~~فلو كان واجبا على الفور لم يؤخره وأبعد من قال إنه فرض سنة عشر حكاه ~~القرطبي وحكى قولا آخر: أنه فرض سنة سبع ونقل أن قوله تعالى: {ولله على ~~الناس حج البيت} (¬2) نزلت سنة ثلاث عام أحد وقوله تعالى: {وأذن في الناس ~~بالحج} (¬3) مكية. # التاسع: قوله: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ" مقتضاه PageV06P023 # أن من منزله ببن مكة والميقات إذا أنشأ السفر للحج أو للعمرة فميقاته ~~منزله ولا يلزمه المسير إلى الميقات المنصوص عليه من هذه المواقيت. # ونقل القاضي [عياض] (¬1) عن مجاهد أن ميقاته مكة قال والجمهور: على أن ~~ميقاته موضعه فإن لم يحرم منه كتارك ميقاته. # العاشر: قوله: "حتى أهل مكة من مكة" مقتضاه أن أهل مكة يحرمون منها وهو ~~مخصوص بالإحرام بالحج وميقاته نفس مكة على الصحيح عند ms1016 الشافعية. # وقيل: كل الحرم وظاهر الحديث يخالفه والأفضل أن يحرم من باب داره. # وقيل: من المسجد تحت الميزاب. # وعبارة ابن الحاجب من المالكية: في تعيين المسجد الحرام قولان. # قال بعض شيوخ المالكية: ممن [أدركناه] (¬2) وأظن هذا على الأولوية لا على ~~الوجوب إذ لا دليل عليه. # أما الإحرام بالعمرة فإنه من أدنى الحل كما فعل -عليه الصلاة والسلام- ~~بعائشة -رضي الله عنها- ليلة النفر فإنه بعثها مع أخيها PageV06P024 # عبد الرحمن ليحرما من التنعيم ويدخل في أهل مكة من بمكة ممن ليس من أهلها. # الحادي عشر: في الحديث دلالة على فضيلة مكة والحرم والحج والعمرة من حيث ~~شرعت هذه المواقيت والإحرام: لمن أراد دخولها تشريفا وتعظيما أو تلبس بهما ~~أو بأحدهما. # الثاني عشر: لم يذكر في هذا الحديث ميقات أهل المشرق وميقاتهم ذات عرق ~~كما رواه النسائي (¬1) من حديث عائشة، ورواه مسلم (¬2) من حديث أبي الزبير ~~عن جابر لكنه لم يجزم برفعه وتضعيف الدارقطني (¬3) له بأن العراق لم تكن ~~فتحت في زمنه -عليه الصلاة والسلام- عجيب منتقض بتوقيته -عليه الصلاة ~~والسلام- لأهل الشام الجحفة ولم تكن فتحت بل حكى ابن بزيزة إجماع النقلة ~~على أنها كانت دار كفر وكذا مصر لم تكن فتحت كما أسلفنا وأن هذا من أعلام ~~نبوته -عليه أفضل الصلاة والسلام- وأخبر - صلى الله عليه وسلم - بفتحها. # نعم اختلف العلماء هل هذا الميقات بنص منه - صلى الله عليه وسلم - أو ~~باجتهاد عمر (¬4) كما بينه البخاري في صحيحه (¬5) كذا نقله عن تصحيح PageV06P025 # أصحابنا وعن نص الشافعي "الأم" (¬1) والنووي في "شرح مسلم" (¬2) وخالف في ~~"الروضة" تبعا للرافعي أن ميل الأكثرين إلى أنه منصوص عليه كالمواقيت ~~الأربعة. # وقال الرافعي في "الشرح الصغير" إنه الأرجح نعم خالف في "شرح المسند" ~~فقال: إن مذهب الشافعي أنه باجتهاد عمر ولم يحك فيه خلافا. # فرع: الأفضل لأهل المشرق أن يهلوا من العقيق وهو واد وراء ذات عرق مما ~~يلي المشرق بالقرب منها وقد ورد في حديث أنه ميقاتهم في حديث فيه مقال (¬3) ~~ولو صح لوجب فالجمع بينهما للاحتياط أولى لأن من ms1017 أحرم منه كان محرما منها ~~ولا عكس وروى PageV06P026 # عن بعض السلف أنهم يهلوا من الربذة [حكاه القرطبي] (¬1). # الثالث عشر: في الحديث دلالة أيضا على جواز إطلاق الميقات على الأمكنة ~~وإن كان أصله في الأزمنة ولهذا قال الفقهاء: للحج والعمرة ميقاتان زماني ~~ومكاني وبينوا كل واحد منهما. # الرابع عشر: نقل القاضي عن [بعض] (¬2) علمائهم أن في المواقيت حجة لنا أن ~~أقل ما يقصر فيه الصلاة ويسمى سفرا مسافة يوم وليلة لأنه أقل مقادير ~~المواقيت [لأهل الآفاق المسافرين حتى يمر لهم سفر وهم محرمون لأن قرن أقرب ~~المواقيت] (¬3) من مكة وهو على يوم وليلة منها. # الخامس عشر: قال أيضا في الحديث رفق النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمته ~~لأنه جعل المواقيت لأهل الآفاق بالقرب ولأهل المدينة أبعد منهم لما كانوا ~~أقرب من أهل الآفاق إلى مكة. فلا تلحقهم من مشقة [طول] (¬4) السفر ما يلحق ~~غيرهم فلهذا بعدها وقرب تلك. # وقال ابن حزم: إنما جعل ذلك لتعظيم أجره -عليه الصلاة والسلام-. # ... PageV06P027 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 212/ 2/ 41 - عن عبد الله بن عمر [رضي الله عنهما] (¬1)، أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من ~~الجحفة، وأهل نجد من قرن" (¬2). # قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ويهل ~~أهل اليمن من يلملم". # قد قدمنا الكلام على هذا الحديث في الحديث الذي قبله وأن قوله: "يهل" إلى ~~آخره صيغة خبر يراد بها الأمر وهو أبلغ إذ الخبر من حيث موضوعه لا يتصور ~~فيه الخلف بخلاف الأمر [فذكره له بصيغة الخبر توكيد] (¬3). PageV06P028 # وقدم المصنف حديث ابن عباس [عليه] (¬1) لأن فيه التصريح بميقات أهل اليمن ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف حديث ابن عمر فإنه لم يحفظه بل ~~بلغه بلاغا وإن كان ابن عمر أحفظ وأضبط لأحاديث المواقيت والمناسك فإنه حج ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وضبط أماكن نزوله وصلاته [فيها] (¬2) ~~وتتبعها بعده وصلى فيها اقتداء وتبركا (¬3). # ووقع في "شرح الشيخ تقي الدين" ms1018 (¬4) أن ابن عباس ذكر سماعه لميقات اليمن ~~من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتبعه الفاكهي وغيره، وليس في الحديث ~~دلالة على ذلك فتأمله، بل أحاديثه التي صرح فيها بالسماع قليلة كما ذكرت ~~عدها في باب الاستطابة (¬5). # فروع: قال بعض المتأخرين من المالكية: اختلف العلماء في الرجل يجاوز ~~ميقاته إلى ميقات آخر أقرب إلى مكة. # فالمنصوص عن مالك وجوب الدم (¬6). PageV06P029 # ولأصحابه: قولان: # وبالوجوب قال الشافعي (¬1): # وبالسقوط قال أبو حنيفة (¬2): # والصحيح عندهم في المريض يكون من أهل المدينة أنه يجوز لأن يؤخر إحرامه ~~إلى الجحفة لأنها أقرب إلى مكة وقد قدمنا عنهم أن الشامي إذا مر بالمدينة ~~أن يترك الإحرام من ذي الحليفة إلى الجحفة وعلله القرطبي في "مفهمه" (¬3) ~~بأن الجحفة ميقات منصوب نصبا عاما لا يتبدل. # واختلف العلماء فيمن أفسد حجه من أين يقضيه؟ # فعند الحسن بن حي والثوري: من الميقات. # وعند أبي حنيفة وأصحابه: أنه مخير. # وعند الشافعية تفصيل ذكرته في كتب الفروع (¬4). # خاتمه: لا يشترط أعيان هذه المواقيت بل ما يحاذيها في معناها والأفضل في ~~كل ميقات أن يحرم في طرفه الأبعد من مكة، ولو أحرم من طرفه الآخر جاز. # فائدة: ما الحكمة في كون المواقيت المذكورة بعضها أقرب من بعض. PageV06P030 # فالجواب ما ذكره القرافي أنه يروي أن الحجر الأسود كان له نور يصل آخره ~~إلى هذه [المواقيت] (¬1) فمنع الشرع من مجاوزتها لمن أراد النسك تعظيما ~~لتلك" [الآيات] (¬2) لكن الذي ذكره أصحابنا أن نور الحجر حيث انتهى كان حدا ~~للحرم لا للميقات، فإنه لما أهبط إلى الأرض أضاء نوره شرقا وغربا ويمينا ~~وشمالا، فكان حد الحرم حيث انتهى نوره. # وسبب تقارب الحرم من البيت وبعده أن آدم -عليه الصلاة والسلام- لما أهبط ~~إلى الأرض خاف الشيطان فأنزل الله تعالى ملائكة تحرسه، فحيث وقفت من كل ~~جانب كان ذلك حده منه. # وقيل: أنزلت خيمة من الجنة فضربها ووقفت الملائكة من ورائها تحرسه فالحرم ~~موقف الملائكة (¬3). # ... PageV06P031 ### || CHECK 42 - باب ما يلبس [المحرم] من الثياب ### ||| CHECK [الحديث] الأول # 42 - باب ما يلبس [المحرم] ms1019 (¬1) من الثياب # أي وصفة التلبية، ومنع سفر المرأة إلا بزوج أو محرم كما ذكره في آخره، ~~ومجموع ما ذكره فيه أربعة أحاديث: # [الحديث] (¬2) الأول # 213/ 1/ 42 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رجلا قال: "يا رسول ~~الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا ~~السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين، ~~وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس ~~(¬3). PageV06P032 # وللبخاري "ولا تنتقب [المرأة]، ولا تلبس القفازين" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا [السائل] (¬2) لم أقف على اسمه بعد البحث عنه وفي رواية لأحمد ~~(¬3) "أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول على هذا المنبر"، وذكر ~~معناه. وفي رواية للدارقطني (¬4): "أن رجلا نادى في المسجد ما يترك المحرم ~~من الثياب". # الثاني: في ألفاظه: # الأول: "الثياب"، وقد قدمنا في باب جامع (¬5) أن الثوب لغة غير المخيط ~~كالرداء والإزار وأنه يطلق على المخيط كالقميص وغيره. # [الثاني] (¬6): "القمص": جمع قميص وهو معروف، يقال: تقمصت القميص إذا ~~لبسته وتقمصت الأمر استعارة إذا دخلت فيه. PageV06P033 # [الثالث] (¬1): "العمائم": جمع عمامة وهو ما يلف به الرأس، سميت: بذلك ~~لأنها تعم جميع الرأس بالتغطية. # الرابع "السراويلات": جميع سراويل وهي مؤنثة عند الجمهور، وقيل: مذكر ~~والجمهور على أنها أعجمية معربة (¬2). # وقيل: عربية والجمهور على أنها مفردة وجمعها سراويلات. # وقيل: سراويل جمع سروالة. ويقال: [فيها] (¬3) سراوين بالنون وبعض الأعراب ~~تقول شروال بالشين المعجمة، ويقال: سرولته مسترول أي ألبسته السراويل ~~والأكثرون على أنه لا ينصرف إذا كان نكرة، وقيل: ينصرف. # الخامس: "البرانس": جمع برنس بضم الباء والنون وهو كل ثوب رأسه ملتصق به ~~دراعة أو جبة أو غيرهما. # وقال [ابن زيد] (¬4)، البرنس: بضم الباء نوع من الطيالسة يلبسه العباد ~~وأهل الخير حكاه صاحب "المطالع"، وقال الجوهري (¬5): هو قلنسوة طويلة كان ~~النساك يلبسونها في صدر الإسلام وهو من [البرنس] (¬6) بضم الباء وهو القطن ~~والنون زائدة، وقيل: إنه غير عربي. PageV06P034 # السادس: "الخفاف" جمع: خف وتجمع على أخفاف أيضا ms1020 ذكره صاحب "المطالع" وهو معروف. # السابع: "الزعفران": نبت يكون باليمن وورد في الحديث ذكره كثير. # الثامن: "الورس": نبت أصفر تصبغ به الثياب معروف، الحديث "ثياب ورسية"، ~~و"ملحفة ورسية" (¬1) أي مصبوغة به. # وقال ابن العربي: الورس نبات يزرع في اليمن زرعا ولا يكون بغيره ولا يكون ~~قويا نباته مثل السمسم [فإذا جف] (¬2) تفتقت خرائطه [فينفض] (¬3) فينتفض ~~منه الورس أحمر يزرع سنة فيقيم بالأرض عشر سنين ينبت وينمو وأجوده حديثه ~~يقال: أورس فهو وارس وتورس لغة ضعيفة. # وقال أبو حنيفة الدينوري: لا ينبت الورس إلا باليمن، وكذا نقله السهيلي عنه. # وقال ابن البيطار: في "جامعه" (¬4) يؤتى بالورس من الصين، واليمن، والهند ~~وليس هو بنبات يزرع كما زعم من زعم قال: وهو يشبه زهر العصفر ومنه شيء يشبه ~~نشارة البابونج، ومنه شيء يشبه البنفسج، ويقال: إن الكركم عروقه. PageV06P035 # ووقع في "الجيلي" أن الورس هو العصفر وهو غلط فإنه غيره. # وعبارة البغوي والرافعي: هو شجر يخرج شيئا كالزعفران. # التاسع: "القفاز": بضم القاف وتشديد الفاء تلبسه نساء العرب في أيديهن ~~تغطي الأصابع والكف والساعد من البرد محشي بقطن ويكون له أزرار تزر على ~~الساعدين، وهما قفازان. # وقيل: هو ضرب من الحلى تتخذه المرأة ليديها. # العاشر: معنى: "لا تنتقب المرأة" أي لا تستر وجهها لأجل إحرامها. # والنقاب: شد الخمار على الأنف. # وقيل: على المحجر. # الوجه الثالث: في أحكامه وفوائده: # الأول: الأصل في الجواب المطابقة والزيادة المقيدة عليها حسنة ومن ذلك ~~قوله تعالى: {وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش ~~بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (18)} (¬1) فهذا هو الجواب المطلق، ثم ~~زاد: {وأهش بها على غنمي} الآية. ومن ذلك قوله تعالى: {قال فرعون وما رب ~~العالمين (23) قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (24)} ~~(¬2). فقوله: {إن كنتم موقنين} جاء بعد المطابقة أي إن كنتم موقنين بشيء قط ~~فهذا PageV06P036 # أولى ما توقنون به لظهوره وإثارة دليله وهذا السائل سأل عما يلبس فأجابه ~~-عليه الصلاة والسلام- بما لا يلبس وهو من بديع الكلام وجزله ms1021 فإن المسؤول ~~عنه غير منحصر إذ الأصل الإباحة، فأجاب بالمنحصر الذي كان من حق السؤال أن ~~يقع به على أن سفيان رواه مرة عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: سأل رجل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يترك المحرم من الثياب، فقال: الحديث ~~كما رواه الإمام أحمد (¬1) في مسنده [وأبو داود والدارقطني في سننه] فجاء ~~على الأصل. # الثاني: الألف واللام في "المحرم" للجنس، ولذلك جمع -عليه الصلاة ~~والسلام- القمص وما بعدها, ولو أريد المحرم الواحد لقيل: ولا يلبس قميصا ~~ولا عمامة، ونحو ذلك بالإفراد وإن كان في بعض الروايات إفراد القميص. # الثالث: الإجماع قائم على أن ما ذكر لا يلبسه المحرم وعداه القياسيون إلى ~~ما وراه في معناه وأنه -عليه الصلاة والسلام-[نبه] (¬2) بكل واحد من ~~المذكورات على ما في معناه، فنبه بالقميص والسراويل على كل مخيط أو مخيطة ~~معمول على قدر البدن أو عضو منه كالجوشن والتبان وغيرهما، ونبه بالعمائم ~~والبرانس على كل ساتر الرأس مخيطا [كان] (¬3) أو غيره حتى العصابة فإنها ~~حرام، فإن PageV06P037 # احتاج إليها لصداع أو شجة ونحوها شدها ولزمته الفدية، ونبه بالخفاف على ~~كل ساتر من مداس وجورب وغيرهما ونبه بالزعفران والورس على كل طيب فيحرم على ~~كل محرم رجلا كان أو امرأة جميع أنواع الطيب الذي يقصد له [أما] (¬1) ما لا ~~يقصد له كالأترج والتفاح وأزهار البراري كالقيصوم ونحوه فليس بحرام لأنه لا ~~يقصد للطيب. # أما المرأة: فإنه يباح لها ستر جميع البدن بكل ساتر إلا وجهها وكفيها ~~بغير القفازين وكذا بها في أظهر القولين عن الشافعي لرواية البخاري ~~المذكورة. # وعن أبي حنيفة: جوازه بهما لأن سعد بن أبي وقاص كان يأمر بناته بلبسهما ~~في الإحرام. # الرابع: السر في تحريم هذه المذكورات على المحرم ما فيها من الترفه ~~والتزين ليتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت، فيكون أقرب ~~إلى كثرة أذكاره، وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته وامتناعه من ارتكاب ~~المحظورات، وليتذكر به الموت والأكفان والبعث حفاة عراة مهطعين إلى الداعي. # الخامس: لفظ: ms1022 "المحرم" يتناول من أحرم بالحج والعمرة معا أو بأحدهما، ~~والإحرام الدخول في أحد النسكين والتشاغل بأعمالهما، قال الشيخ تقي [الدين] ~~(¬2): وقد كان شيخنا العلامة PageV06P038 # أبو محمد بن عبد السلام -رحمه الله- يستشكل معرفة حقيقة الإحرام (¬1) جدا ~~ولبحث فيه كثيرا، وإذا قيل له أنه النية اعترض عليه بأن النية شرط الحج ~~الذي الإحرام ركنه وشرط الشيء غيره ويعترض عليه أنه التلبية بأنها ليست ~~بركن والإحرام ركن هذا أو قريب منه، وكأنه [يحرم] (¬2) على [تعيين] (¬3) ~~فعل تتعلق به النية في الابتداء. # السادس: في الحديث تنبيه على عظم عبادة الحج والعمرة باعتبار مشروعية ما ~~فيهما من الشرائط والأركان والواجبات والسنن والآداب والخروج عن العادة ~~المألوفة. # السابع: فيه أيضا جميع ما يلبس فيهما لمقاصد الآخرة، والأعراض عن مقاصد ~~الدنيا وملاذها وترفهها. # الثامن: فيه أيضا اعتقاد ما منع الشرع من إتلافه بسببهما وهو قطع الخف ~~أسفل من الكعبين إذا لم يجد نعلين مع نهيه -عليه الصلاة والسلام- عن إضاعة المال. # وجوزت الحنابلة جواز لبسه له من غير قطعه لأن حديث ابن عباس الآتي لم ~~يذكر فيه قطعه [وكذا حديث جابر في مسلم كأنهم يزعمون نسخ حديث ابن عمر هذا ~~وأن قطعه إضاعة مال وخالفهم الإئمة الثلاثة في ذلك. PageV06P039 # وجمهور العلماء قالوا: لا يجوز لبسه إلا بعد قطعه أسفل من الكعبين] (¬1)، ~~والنسخ لا يصار إليه إلا بتعيين تاريخ متأخر، كيف وحديث ابن عباس وجابر ~~مطلق وحديث ابن عمر مقيد، والمطلق يحمل على المقيد والزيادة من الثقة ~~مقبولة. # وقولهم: إنه إضاعة مال لا يقبل فإن الإضاعة إنما تكون فيما نهى عنه لا ~~فيما أذن فيه، بل هو حق يجب الإذعان إليه. # قال الخطابي (¬2): والعجب من أحمد في هذا فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، ~~وقلت سنة لم تبلغه، ويشبه أن يكون إنما ذهب إلى حديث ابن عباس، وليست هذه ~~الزيادة فيه، وإنما رواها ابن عمر إلا أن الزيادات مقبولة، قال: وقول عطاء ~~أن قطعها فساد يشتبه أن يكون لم يبلغه حديث ابن عمر، وإنما الفساد أن يفعل ~~ما نهت ms1023 عنه الشريعة، فأما [ما أذن فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فليس ~~بفساد] (¬3). # وأعل ابن الجوزي في "تحقيقه" (¬4) حديث ابن عمر بالوقف فقال: احتجوا بهذا ~~الحديث، والجواب: أن رواته اختلفوا، قال: PageV06P040 # أبو داود رواه موسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، ومالك، وأيوب [موقوفا] ~~(¬1)، على ابن عمر، والجواب: عن هذا أن الرافع معه زيادة علم فقدمت روايته. ~~وقد أجاب هو في غير ما موضع بهذا، وإنما فعل هذا هنا نصرة لمذهبه وصرح صاحب ~~"المنتقى" (¬2) منهم بالنسخ، فقال: لما روى حديث ابن عباس الآتي، وفي ~~رواية، عن عمرو بن دينار: أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس -رضي الله ~~عنهما- أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من لم يجد أزارا ووجد ~~سراويل فليلبسهما، ومن لم يجد نعلين ووجد خفين فليلبسهما"، قلت: ولم يقل ~~ليقطعهما؟ قال: لا. رواه أحمد (¬3)، وهذا بظاهره ناسخ لحديث ابن PageV06P041 # عمر بقطع الخفين لأنه قال بعرفات في وقت الحاجة: وحديث ابن عمر كان ~~بالمدينة كما سبق هذا لفظه وجوابه ما سلف، ثم إنما يتم له استدلاله أيضا ~~أنه لو كان السؤال بالمدينة قبل وقوفه -عليه الصلاة والسلام- بعرفات من ~~الجائز كون السؤال بعد ذلك. # وقال القرطبي (¬1): حديث ابن عمر راد، وقال القاضي: الزيادة التي حفظها ~~ابن عمر تحكم على حديث ابن عباس وجائز على من قال: إنه إضاعة مال، قال: ~~وهذا من هذا القائل حكم بالعموم على الخصوص وهو عكس ما يجب إذ هو إعمال ~~المرجوح وإسقاط الراجح، وهو فاسد بالإجماع. # فرع: إذا وجد النعلين غاليين فله لبس الخفين المقطوعين صرح به من ~~المالكية ابن الجلاب (¬2)، وهو ظاهر كما في نظيره من التيمم. # فرع: إذ لبس الخف المقطوع لضرر بقدميه مع وجود النعل افتدى كما قاله ابن ~~القاسم المالكي معللا بأن لباسه كالدواء. # التاسع: لابس الخفين لعدم النعلين يجب عليه الفدية عند أبي حنيفة وأصحابه ~~كما إذا احتاج إلى الحلق يحلق ويفتدي. # وقال مالك والشافعي ومن وافقهما: لا شيء عليه لأنه PageV06P042 # لو وجبت فدية لبينها - صلى الله عليه ms1024 وسلم -.كذا فرض الخلاف النووي في ~~"شرح مسلم" (¬1) ولم يتعرض للقطع، وحكاه القاضي في حالة القطع، وكذا ~~القرطبي (¬2) قال: [وقول مالك، أولى ولو لزمته لبينها للسائل حين سأله إذ ~~ذلك محل البيان ووقته ولا يجوز تأخير البيان عند وقت الحاجة بالإجماع. قال: ~~وأيضا فحينئذ يكون الخف لا معنى له إذ الفدية لازمة بلباسه غير مقطوع] ~~(¬3)، وجزم الفاكهي بوجوب الفدية في حالة القطع، وفيه مخالفة لما حكاه ~~القاضي والقرطبي عن مالك. # العاشر: لو لبس الخفين المقطوعين مع وجود النعال لزمته الفدية بلبسهما، ~~فإن الشارع إنما أباح له لبسهما مقطوعين بشرط عدم النعلين فلبسهما كذلك غير ~~جائز، هذا قول مالك والليث: # واختلف فيه قول الشافعي كما حكاه عنه القاضي والقرطبي والذي نعرفه أن ~~الشافعي نص على التحريم ولأصحابه فيه وجه بالجواز. # ونقل القاضي عن أبي حنيفة أنه لا فدية وهو غريب منه، حيث يقول: بعدم ~~الفدية في هذه الحالة وبوجوبها عند عدم النعلين. # وقال ابن حبيب: إنما رخص في قطع الخفين لقلة النعال وقد كثرت فلا رخصة ~~ومن فعل افتدى. PageV06P043 # وقال ابن الماجشون: الصواب أن لا فدية على من لم يجد نعلين، وقول ابن ~~حبيب، خلاف مالك. # الحادي عشر: اللبس هنا محمول عند الفقهاء على اللبس المعتاد في كل شيء ~~مما ذكر فلو ارتدى بالقميص لم يمنع منه لأنه غير المعتاد في القميص. # واختلف في القباء إذا لبس من غير إدخال اليدين في الكمين. # فمذهب مالك: وجوب الفدية، والحالة هذه وإن لم يزره لأن ذلك [من] (¬1) ~~المعتاد فيه أحيانا. # وقال بعضهم: لا فدية عليه، وحكى ابن القاسم عن مالك: كراهة إدخال المحرم ~~منكبيه في القباء إن لم يدخل يديه في كميه، ونقل أبو عمر (¬2) عن أبي ~~حنيفة، وأبي ثور: أنه لا بأس بذلك. # والأصح عند الشافعية: وجوب الفدية إذا لبسه من غير إدخال اليدين في ~~الكمين، وسواء في ذلك جميع الأقبية [وقد] (¬3) حكاه الماوردي (¬4) وغيره ~~أنه إن كان من أقبية خراسان ضيق الأكمام قصير الذيل وجبت الفدية، وإن لم ~~يدخل يده في ms1025 كمه، وإن كان من أقبية العراق واسع الكم طويل الذيل لم يجب حتى ~~يدخل يديه [في] (¬5) كميه، وهذا الوجه غريب ضعيف. PageV06P044 # ولو القى على بدنه قباء أو فرجيه وهو مضطجع. # قال إمام الحرمين: إن صار على بدنه بحيث لو قام عد لابسه لزمته الفدية، ~~وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلا بمزيد أمر فلا فدية، وروى ~~عن مالك كراهة الارتداء بالسراويل، ولعله لقبحه، قال أبو عمر: وكره ابن عمر ~~أن يلقي عليه برنس أو ثوب مخيط وهو مريض محرم وهو ورع منه (¬1). # الثاني عشر: المنع من الزعفران والورس دليل على المنع من أنوع الطيب ~~والحكمة في تحريمه أنه داعية إلى الجماع وأنه ينافي حال المحرم فإنه أشعث ~~أغبر وسواء في تحريم ذلك الرجل والمرأة، وما اختلفوا في استعماله فاختلافهم ~~بناء على أنه من الطيب أم لا فلو تطيب ناسيا فلا فدية عليه عند [الثوري ~~والشافعي] (¬2) وأحمد وإسحاق، وخالف أبو حنيفة ومالك. # ولا يحرم على المحرم لبس المعصفر عند الشافعي ومالك. # وخالف الثوري وأبو حنيفة: وجعلاه طيبا كالمزعفر وأوجبا فيه الفدية. # قلت: ويكره عندنا للمحرم لبس الثياب المصبوغة بغير طيب ولا يحرم، وكره ~~مالك (¬3) المفدم منه أي المشبع بالحمرة كما قاله الجوهري. PageV06P045 # قال القاضي (¬1): واختلف عنه هل على لابسه فدية؟ واختلف أصحابه فيه أيضا، ~~قال: وأجاز مالك سائر الثياب المصبغة بغير هذا، وكرهها بعضهم لمن يقتدى به، ~~فيظن به جواز لباس كل مصبوغ. # وقال الباجي (¬2): المعصفر على ضربين: مفدم ومورد. # فأما المفدم: ممنوع للرجال والنساء لأنه لا يتخذ غالبا إلا للتجمل، ولأنه ~~يتعلق منه بالجسد ما يشبه ردع (¬3) الزعفران. # وأما المورد: والمصبوغ بالمغرة. # قال ابن المواز: والأصفر بغير ورس ولا زعفران فليس بممنوع لأنه لا يفعل ~~غالبا إلا إبقاء على الثوب، ويكره لمن يقتدى به، رواه محمد بن أشهب (¬4)، ~~وروى ابن حبيب: عن مالك لا بأس أن تلبس المحرمة المعصفر المفدم ما لم ينتفض ~~(¬5) عليها شيء [منه] (¬6)، وروى ابن عبدوس عن أشهب كراهة المعصفر لمن ~~يقتدى به، ms1026 وإن كان لا ينتفض، فإن غسل المزعفر حتى ذهب ريحه فلا بأس به عند PageV06P046 # جميعهم وروى ابن القاسم عن مالك كراهته ما بقي لونه شيء فإن لم يجد غيره ~~صبغه بالممشق وهو المدر. # الثالث عشر: قال الخطابي: المحرم منهى عن الطيب في بدنه وفي لباسه، وفي ~~معناه الطيب في طعامه، لأن بغية الناس في تطييب الطعام، كبغيتهم في تطييب ~~اللباس (¬1). # قلت: ولا يحرم عندنا إذا ظهر لونه وحده على الأظهر، ويحرم إذا ظهرت ~~الرائحة وحدها، وكذا الطعم وحده على الأظهر. # وعند المالكية: أنه لا شيء عليه في أكل الخبيص المزعفر. # وقيل: إن صبغ الفم ففيه الفدية وما خلط بالطيب من غير طبخ، ففي إيجاب ~~الفدية به روايتان لهم، قالوا: ولو بطلت رائحة الطيب (¬2) لم يبح استعماله. # الرابع عشر: في الحديث دلالة على تحريم لباس السراويل على المحرم مطلقا، ~~وبه قال مالك: وجوزه الشافعي وأحمد والجمهور إذا لم يجد إزارا من غير قطعه ~~لحديثي ابن عباس، وجابر في إباحته عند عدم الأزار، وكونه لم يذكر في حديث ~~ابن عمر هذا، لأنه ذكر حالة وجود الأزار، فلا منافاة بين الحديثين حينئذ، ~~وهذا أولى من فعل ابن الجوزي في "تحقيقه" حيث أعمل حديث ابن عمر بالوقف كما ~~سلف. PageV06P047 # فرع: إذا لبس السراويل عند عدم الأزار ثم وجد الأزار وجب نزعه عند من جوز ~~لبسه فإن (أصرعصى) (¬1)، ووجبت الفدية. # الخامس عشر: فيه دلالة أيضا على تحريم لبس القفازين [على المحرمة وهو ~~الصحيح] (¬2) من قولي الشافعي كما سبق، والخلاف ثابت، والمعروف عندهم ~~التحريم ووجوب الفدية لأن إحرام المرأة في وجهها وكفيها كما هو مفهوم من ~~هذا الحديث، ولا خلاف عندنا، وعندهم في تحريمه على الرجل. نعم، لو اتخذ ~~الرجل لساعده، أو لعضو آخر شيئا مخيطا فهو ملحق بالقفازين على الأصح عند ~~الشافعية، ويحرم عليها أيضا النقاب. قال الفاكهي: وكذا اللثام فإن فعلت من ~~ذلك شيئا افتدت. # السادس عشر: فيه رجوع الناس إلى علمائهم عند الحوادث، وقد سئل عليه - صلى ~~الله عليه وسلم - في الحج أسئلة ms1027 كثيرة متفرقة في الأحاديث. # ... PageV06P048 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 214/ 2/ 42 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يخطب بعرفات: "من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن ~~لم يجد إزارا فليلبس السراويل (¬1) للمحرم". # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: "عرفات" (¬2): هو موضع الوقوف، ولماذا سميت بذلك؟ فيه أقوال: # أحدها: لأن آدم عليه [السلام] (¬3) عرف حواء هناك لأن آدم أهبط بالهند، ~~وحواء بجدة فتعارفا في الموقف. # ثانيها: لأن جبريل عرف إبراهيم [عليهما السلام] (¬4) المناسك هناك. PageV06P049 # ثالثها: للجبال التي فيها والجبال هي الأعراف وكل عال نات فهو عرف ومنه ~~عرف الديك. # رابعها: لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم ويسألون غفرانها فتغفر، والمشهور ~~ترك صرف عرفات، قال الجوهري (¬1) وعرفات موضع بمنى كذا قال: ومراده بقرب ~~مني، قال: وهو اسم في لفظ الجمع فلا يجمع، وهو منون، وإن كان فيه العلمية ~~والتأنيث لأن التنوين فيه تنوين مقابلة يجمع المذكر السالم لا تنوين حرف ~~العلتين المذكورتين قال الفراء: ولا واحد له بصحة، وقول الناس: نزلنا عرفة ~~شبيه بمولد فليس بعربي [...] (¬2) وهو معرفة، وإن كان جمعا لأن الأماكن لا ~~تزول فصار كالشيء الواحد، فخالف الزيديين، ومثله أذرعات (¬3) وعامات (¬4) ~~وعريتنات (¬5). # [ثانيها] (¬6): "الإزار": معروف يذكر ويؤنث، ويقال: أيضا إزاره كوساد ~~ووساده وجمع القلة: أزره، والكثرة: أزر كحمار، وأحمرة، وحمر. # وقد يعبر عن المرأة بالإزار والمئزر والإزار وهو كقولهم: لحاف، وملحف، ~~وقدام، ومقدم. # والإزره: بالكسر هيئة الاتزار كالجلسة والركبة. PageV06P050 # [ثالثها] (¬1): السراويل تقدم الكلام عليه في الحديث قبله. # [رابعها]: قد أسلفنا الكلام في الحديث قبله أن حديث ابن عباس هذا استدل ~~به من لم يشترط قطع الخف عند فقد النعل وجمعنا بينه وبين حديث ابن عمر ~~السالف، والقاعدة: أن مهما أمكن إعمال الحديثين ولو من وجوه كان أولى من ~~إلغاء أحدهما أو نسخه عند عدم تحقق النسخ وهذا الحديث مطلق بالنسبة إلى ~~القطع وعدمه وحديث ابن عمر السالف مقيد فحمل المطلق على المقيد أولى كيف ~~وحديث ابن عمر فيه صيغة الأمر وهو أمر زائد على الصيغة المطلقة ms1028 فإن لم يعمل ~~بها وأخرنا مطلق الخفين تركنا ما دل عليه الأمر بالقطع وهو غير سائغ وهذا ~~بخلاف ما لو كان المطلق والمقيد في جانب الإباحة فإن إباحة المطلق حينئذ ~~تقتضي بزيادة ما دل عليه إباحة المقيد فإذا أخذ بالزائد كان أولى إذ لا ~~تعارض بين إباحة المقيد وإباحة ما زاد عليه قال الشيخ تقي الدين: وكذا نقول ~~في جانب النهي لا يحمل المطلق فيه على المقيد لما ذكرنا من أن المطلق دال ~~على النهي فيما زاد على صورة المقيد من غير تعارض فيه وهذا يتوجه إذا كان ~~الحديثان [مثلا] (¬2) مختلفين باختلاف مخرجهما، أما إذا كان المخرج للحديث ~~واحدا ووقع اختلاف على أن من انتهت إليه الروايات فههنا نقول أن الآتي ~~[بالمقيد] (¬3) حفظ ما لم يحفظ المطلق من ذلك الشيخ، فكأن الشيخ لم ينطق به ~~إلا مقيدا، فيتقيد من هذا PageV06P051 # الوجه، قال: وهذا الذي ذكرناه في الإطلاق والتقييد مبني على ما يقوله بعض ~~المتأخرين، من أن العام في الذوات مطلق في الأحوال لا يقتضي العموم، وأما ~~على ما يختاره في مثل هذا من العموم في الأحوال، تبعا لعموم الذوات فهو من ~~باب العام والخاص. # خامسها: لبس السراويل إذا لم يجد إزار يدل هذا الحديث على جوازه من غير ~~قطع وهو مذهب الجمهور كما أسلفناه في الحديث قبله قال الشيخ تقي الدين: وهو ~~قوي ههنا، أي دون ما قاله أحمد في الخفين إذ لم يرد بقطعه ما ورد في ~~الخفين. # قال المازوي (¬1): وإنما لم يأخذ مالك بهذا لسقوطه من رواية ابن عمر ~~واعترض عليه القاضي (¬2) بأن مسلما ذكره من رواية جابر أيضا. # وقال مالك: في "الموطأ" (¬3) لم أسمع بهذا ولا أرى أن يلبس المحرم ~~السراويل واحتج بأنه -عليه الصلاة السلام- منع لبسه ولم يستثن فيه كما ~~استثنى في الخفين, وظاهر هذا الكلام يدل على أن هذه الزيادة لم تبلغ مالكا ~~أو لم يبلغه لبسها على حالها، وكذلك قوله: "ولا أرى أن يلبسهما المحرم إلا ~~على الوجه المعتاد" كما قال الشافعي وأحمد: أو ms1029 لا يلبسهما دون فدية، فأما ~~مالك وأبو حنيفة فيريان في لبسهما الفدية قال: أما لو فتقت السراويل وجعل ~~منها شبه PageV06P052 # الإزار جاز كما جاز لبس الخف إذا قطع أي من غير فدية والأصح عند ~~الشافعية: أنه لا يكلف في ذلك لإطلاق الخبر. # فرعان: لو تأتي الائتزار بالسراويل على هيئته فلا يجوز له لبسه قاله ~~النووي في "شرح المهذب" (¬1)، ولو قدر على بيع السراويل وشراء الإزار قال ~~القاضي أبو الطيب: إن كان مع فعل ذلك لا تبدو عورته وجب وإلا فلا، وأطلق ~~الدارمي في الوجوب، قال في "شرح المهذب" (¬2) والصواب الأول. # ... PageV06P053 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 215/ 3/ 42 - عن عبد الله بن عمر [رضي الله عنهما] (¬1) أن تلبية رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن ~~الحمد والنعمة لك والملك لا شريك له (¬2). وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: ~~لبيك لبيك، وسعديك، قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك، لبيك ~~وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل (¬3). PageV06P054 # الكلام عليه من وجوه: # الأول: قوله: "وكان عبد الله" إلى آخره هذه الزيادة لم أرها في البخاري ~~[بل في مسلم] (¬1) خاصة وأسقط المصنف منها لبيك بعد قوله: "والخير بيديك" ~~كذا هو في مسلم من طريقين في إحدى روايتيه قالوا يعني سالما وحمزة [ابني] ~~(¬2) عبد الله بن عمر، ونافعا مولى ابن عمر "كان عبد الله يزيد مع هذا ~~"لبيك لبيك وسعديك" إلى آخره. # وقوله: في رواية المصنف قال: "وكان عبد الله" هذا القائل هو نافع مولى ~~ابن عمر وفي رواية له "وكان عبد الله بن عمر يقول كان عمر بن الخطاب يهل ~~بإهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هؤلاء الكلمات [ويقول] (¬3) ~~لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل" ~~فتلخص [أن لفظة لبيك] (¬4) بعد [قوله] (¬5) والخير في يديك" في "صحيح مسلم" ~~من ثلاث طرق مرتين من طريق عبد الله بن عمر ومرة ثالثة من طريق والده وقد ~~نص على أن هذه الزيادة أعني ms1030 قوله: "وكان عبد الله يزيد فيها إلى آخره PageV06P055 # من أفراد" [مسلم] (¬1) قاله عبد الحق في "جمعه بين الصحيحين" فقال: هذه ~~الزيادة لم يذكرها البخاري وأما النووي في "شرح [المهذب] " (¬2) [فادعى أنه ~~رواها] (¬3) ثم ذكرها وعزاها إليه. # الثاني: التلبية مصدر، "لبى" ثني للتكثير والمبالغة [ومعناها] (¬4) إجابة ~~بعد إجابة ولزوما لطاعتك لأنه يقال ألب بالمكان ولب كما سيأتي إذا لزمه ~~وأقام به فثنى تأكيدا لا حقيقة كقوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} (¬5) أي ~~نعمتاه على تأويل اليد هنا بالنعمة ونعم الله تعالى لا تحصى. # واختلف أهل اللغة في أن لفظة التلبية مثنى أو مفرد فقال يونس بن حبيب ~~البصري: إنها مفرد وألفه إنما انقلبت ياء لأتصالها بالضمير على حد لدى وعلى. # وقال سيبويه: مثنى بدليل قلب ألفه ياء مع المظهر قال الشاعر: PageV06P056 # دعوت لما نابني، مسورا ... فلبى فلبي يدي مسور (¬1) # وعلى هذا القول أكثر الناس. # قال ابن الأنباري: بنوا "لبيك" كما بنوا حنانيك أي تحننا بعد تحنن واصل: ~~لبيك، لب بك [لبب بك] (¬2)، فاستقلوا الجمع بين ثلاث باءات، فابدلوا من ~~[الثالثة] (¬3) ياء، كما قالوا: [تظنيت، من الظن] (¬4) [ومن القص قصيت ~~المغازي] (¬5) والأصل [تظنيت] (¬6) و [قصيت] (¬7). # ثم اختلفوا في معنى لبيك، واشتقاقها. PageV06P057 # كما اختلفوا في صيغتها. # فقيل: معنى لبيك: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك، أي: ~~تواجهها. # وقيل: معناها: محبتي لك [من قولهم امرأة لبة: أي محبة لولدها، عاطفة عليه. # وقيل: معناها إخلاصي لك] (¬1) من قولهم: [خشب] (¬2) [الباب] (¬3) إذا كان ~~خالصا محضا ومنه: لب الطعام ولبابه. # وقيل: [من قولهم: لب العقل] (¬4) من قولهم: رجل لبيب (¬5) أي [أنا] (¬6) ~~منصرف إليك، وقلبي مقبل عليك، حكاه الماوردي. # وقيل: معناه، أنا مقيم على طاعتك وإجابتك مأخوذ من قولهم: [...] (¬7) لب ~~الرجل بالمكان، وألب: إذا أقام فيه. ولزمه. # قال ابن الأنباري: وإلى هذا المعنى كان يذهب الخليل والأحمر. PageV06P058 # وقال الحربي في معنى: لبيك أي قربا منك وطاعة، والألباب: القرب. # وقيل: معناه أنا ملب بين يديك أي مخضع، وهذه الإجابة لقوله تعالى ~~لإبراهيم - صلى الله عليه وسلم -: {وأذن ms1031 في الناس بالحج} (¬1) حكاه القاضي ~~عياض (¬2) ونقله أبو عمر (¬3) عن جماعة من العلماء. # قال ابن عباس: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له أذن في الناس قال ~~[رب] (¬4) وما يبلغ الصوت قال: أذن وعلي البلاع. فنادى إبراهيم: أيها ~~الناس: كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، قال: فسمعه ما بين السماء والأرض ~~أفلا ترون الناس يجيئون من أقطار الأرض يلبون (¬5). # وقال مجاهد: قام إبراهيم على مقامه فقال: أيها الناس: أجيبوا ربكم، ~~فقالوا: لبيك اللهم لبيك، فمن حج اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم يومئذ (¬6)، ~~ويروي أنه كان النداء على أبي قيس. # وقال القرطبي: في "مفهمه" (¬7) على عرفه. PageV06P059 # قال ابن عطية (¬1): واختلفت الروايات في ألفاظه -عليه الصلاة والسلام- ~~واللازم أن يكون فيها ذكر البيت والحج، وروى أنه يوم نادى اسمع من يحج إلى ~~يوم القيامة في أصلاب الرجال وأجابه كل شيء في ذلك الوقت من جماد وغيره ~~"لبيك اللهم لبيك" فجرت التلبية على ذلك، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~وحكى ابن الخطيب في "تفسيره" عن الحسن أن المأمور بالنداء في قوله تعالى: ~~{وأذن في الناس بالحج} (¬2) النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه المخاطب ~~بالقرآن قال: والمعنى أمره أن يعلمهم الحج. # [وقال] (¬3) الجبائي: هو أن يحج فيحجوا معه قال: # وقيل: هو ابتداء فرض الحج. # وقال عطاء وعكرمة وطاوس: وغيرهم في قوله تعالى. {فمن فرض فيهن الحج} ~~(¬4). الفرض: التلبية. # وقال ابن عباس. الفرض الإهلال، والإهلال: التلبية. # وقال [ابن] (¬5) مسعود وابن الزبير: الفرض الإحرام. PageV06P060 # قال ابن عبد البر: [وهو] (¬1) كله بمعنى واحد. # الثالث: قوله: "إن الحمد" يروي بكسر الهمزة وفتحها (¬2) , قال الجمهور: ~~الكسر أجود. # قال الخطابي (¬3): والفتح رواية العامة. # وقال ثعلب (¬4): الاختيار الكسر وهو أجود معنى من الفتح لأن الذي يكسر ~~يذهب إلى أن المعنى "إن الحمد والنعمة لك" على كل حال والذي يفتح يذهب إلى ~~أن المعنى "لبيك" بهذا لهذا السبب. # قال القرطبي (¬5): معنى إن لبيك عمل فيها بواسطة لام الجر السببية ثم حذف ~~حرف الجر لدلالة الكلام، قال ثعلب (¬6): فمن فتح خص ومن ms1032 كسر عم. وأبدى ~~الفاكهي ذلك من عنده ثم قال: وليس كذلك إذا أعطى التأمل حقه. # الرابع: قوله: "والنعمة" الأشهر فيها النصب عطفا على الحمد PageV06P061 # ويجوز الرفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره "إن الحمد لك والنعمة لك". # قال ابن الأنباري. وإن نصبت جعلت خبر "إن" محذوفا تقديره "إن الحمد لك ~~والنعمة مستقرة لك" (¬1). # [الرابع] (¬2): قوله: "وسعديك" إعرابها وتثنيتها كلبيك. # ومعناها: مساعدة لطاعتك بعد مساعدة، قاله القاضي (¬3) ولم يحك النووي ~~(¬4) سواه، وقال أبو عمر (¬5): معناه أسعدنا سعادة بعد سعادة، وإسعادا بعد ~~إسعاد قال: وقيل: سعادة لك. # السادس: "الخير بيديك" أي ابتداؤه وانتهاؤه والتوفيق له من فضلك [وهو] ~~(¬6) من باب إصلاح المخاطبة كما في قوله تعالى: {وإذا مرضت فهو يشفين (80)} (¬7). # السابع: قوله: "بيديك" قد تقدم تأويل اليد بالنعمة (¬8)، وقال PageV06P062 # ابن فورك (¬1): في "مقدماته" ما وصف الله تعالى به نفسه من أن له يدين ~~[كقوله] (¬2): {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} (¬3) فهما صفتان له، طريق ~~إثباتهما الخبر ولا يجوز أن يقال هما بعضان أوعضوان أو غيران كما يوصف بذلك ~~غيرها من الأيدي وليس هما بمعنى الملك والقدرة ولا بمعنى النعمة والصلة بل ~~هما بمعنى الصفة والدليل على ذلك قوله تعالى مخبرا عن اليهود: {وقالت ~~اليهود يد الله مغلولة} (¬4) فكذبهم، وقال: {بل يداه مبسوطتان} فأثبت اليد ~~لنفسه ونفى الغل عنها كما ادعته اليهود. وتواترت الأخبار عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده وخلق ~~آدم بيده" (¬5) وقال أيضا: "كلتا يدي الرحمن يمين" (¬6) فوجب PageV06P063 # قبول ذلك والتسليم له ونفى التشبيه عنه ثم قال: # فإن قيل: كيف يعقل يد ليست بجارحة ولا نعمة ولا قدرة ولا ملك؟ # قيل: ليس القول في إثبات الحقائق على معقول الشاهد ولو كان كذلك لبطل ~~التوحيد من جهة أن الموجد إذا لم يكن جسما أو عرضا ولا جوهرا غير معقول في ~~الشاهد والحي إذا لم يكن حساسا وجاثيا يتحرك ويسكن غير معقول في الشاهد ~~والمتكلم إذا لم يكن ذا لسان وشفتين ولهاة. وأسنان ms1033 ومخارج غير معقول ومع ~~ذلك لم يمتنع إثبات حي متكلم على خلاف معقول الشاهد من جهة إيجاب الدليل ~~لذلك [كذلك] (¬1) ورد خبر الصادق الذي خبره حجة توجب إثبات اليدين على ~~الوجه الذي قلنا (¬2). # الثامن: قوله: "والرغباء إليك" يروى بضم الراء مع القصر وبفتحها مع المد ~~كالنعما، والنعماء، والعلياء، والعليا، وحكى أبو علي القالي: الفتح مع ~~القصر مثل سكرى. # ومعناه: هنا الطلب والمسألة إلى من بيده الخير وهو المقصود بالعمل الحقيق ~~بالعبادة. # وقوله: "والعمل" فيه محذوف تقديره: والعمل إليك أي إليك PageV06P064 # المقصد به والانتهاء إليك لتجازي عليه ويحتمل أن يقدر والعمل لك نبه عليه ~~الشيخ تقي [الدين] (¬1). # التاسع: التلبية مشروعة إجماعا. # واختلف العلماء هل هي سنة أم واجبة أم شرط لصحة الحج (¬2)؟ # فقال الشافعي: وآخرون هي سنة لو تركها صح حجه ولا دم عليه وفاتته ~~الفضيلة. # وقال مالك: ليست بواجبة لكن لو تركها [لزمه دم] (¬3) وصح حجه. # وقال بعض أصحاب الشافعي: هي واجبة تجبر بالدم ويصح الحج دونها. # وقال بعضهم: هي شرط لصحة الإحرام فلا يصح الإحرام ولا الحج إلا بها كذا ~~حكاه النووي في "شرح مسلم" (¬4) وحكاه في "روضته" (¬5) قولا وأنه يقوم ~~مقامها سوق الهدي، وتقليده، والتوجه معه. # وجزم القاضي عياض: بأن من أهل بما في معناها من التسبيح PageV06P065 # والتهليل لا دم عليه لكن [ظاهر إيراد] (¬1) "المدونة" لزومه وهو ظاهر ~~كلام ابن حبيب أيضا. # ثم اعلم بعد ذلك أن الحج ينعقد بالنية بالقلب من غير لفظ كما ينعقد الصوم ~~بها فقط عند مالك والشافعي. # وقال أبو حنيفة (¬2): لا ينعقد إلا بانضمام التلبية أو سوق الهدى إلى ~~النية ويجزىء غيره عن التلبية ما في معناها من التسبيح والتهليل وسائر ~~الأذكار كما قال إن التسبيح وغيره يجزىء في الإحرام بالصلاة عن التكبير وما ~~أسلفناه عن مالك في انعقاد الحج بالنية من غير لفظ هو ما حكاه [المازري] ~~(¬3) ثم ابن عبد البر ثم القاضي (¬4) ثم النووي (¬5) عنه وفي كلام غيرهما ~~ما يدل على أنه لا بد معها من قول أو فعل من أفعال ms1034 الحج وعزى إلى أكثرهم. # وقال ابن شاهين: هو المنصوص، قال: [ورأى] (¬6) اللخمي إجراء الخلاف فيه ~~من الخلاف في انعقاد اليمين بمجرد النية. # وأنكره الشيخ أبو الطاهر، وقال: لم يختلف المذهب أن العبادات لا تلزم إلا ~~بالقول أو بالنية والشروع فيها. PageV06P066 # العاشر: قوله: "أن تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" ظاهره كما ~~قال القاضي أنها التي كان يواظب عليها فلهذا استحب العلماء المجيء بها ~~بلفظها، قال: والاستحباب عند أكثر العلماء ما لبى به النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، قال مالك: إن اقتصر عليها فحسن وإن زاد فحسن. # وقالت الشافعية: يستحب ألا يزيد عليها. # وأغرب بعضهم, فقال: تكره الزيادة كما حكاه صاحب "البيان" وهو غلط فقد صح ~~من حديث أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في تلبيته: "لبيك إله ~~الحق لبيك" (¬1)، رواه أحمد وابن ماجه والنسائي وصححه ابن حبان، ونص ~~الشافعي في "الأم" (¬2) على استحبابها مع ما سلف، وحكاه القاضي عياض عن ~~الشافعي أيضا، فقال: قال الشافعي: الاقتصار عليها أفضل إلا أن يزيد ألفاظا ~~رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[مثل قوله] (¬3): " [النعمة ~~والملك لا شريك لك] (¬4) لبيك إله الحق"، ونحوه. # وروى أحمد (¬5) وأبو داود (¬6)، ولمسلم (¬7) معناه عن جابر قال: PageV06P067 # أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر التلبية بمثل حديث ابن عمر ~~[شيئا] (¬1) قال: والناس يزيدون "ذا المعارج" ونحوه من الكلام والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يسمع فلا يقول لهم شيئا. # وقد زاد ابن عمر [رضي الله عنه] (¬2) في هذه التلبية وهو شديد الأتباع ~~للآثار وقد أسلفنا أن والده كان يلبي بها أيضا. # ورأيت في كتاب "الخصال" لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا أن داود -عليه ~~الصلاة والسلام- كان يقول في تلبيته: "لبيك وسعديك والخير بيديك" فلعل ابن ~~عمر ووالده لحظا ذلك. # ونقل الأصبهاني عن قوم من أهل العلم أنه لا بأس بالزيادة على ما ورد من ~~الذكر، وعن آخرين أنه لا يزاد على ما علمه الشارع. وسمع سعد: رجلا يلبي ~~يقول: "لبيك ذا المعارج لبيك" فقال ms1035 سعد: "ما هكذا" (¬3) كنا نلبي على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (¬4) وقال شراحيل بن القعقاع: سمعت عمرو ~~بن معدى كرب يقول: لقد رأيتنا منذ قريب ونحن إذا حججنا نقول لبيك تعظيما ~~إليك عدل. هذه زبيد قداتتك قرا. تعدوا مضمرات شزرا. يقطعن حينا وجبالا ~~وعرا. قد خلفوا الأنداد خلوا صفرا. PageV06P068 # وحكى بعض قضاة الحنفية: في "منسكه" عن بعض المتأخرين أنه كان يزيد في ~~التلبية إلهنا ما أعد لك. الحول والقوة لك. ما خاب عبدا أملك. أنت له حيث ~~سلك. لولا أنت يا رب هلك. لبيك إن الحمد لك. والنعمة والملك لا شريك لك. # [وحكى القاضي عياض: أنه روى عن عمر أنه كان يزيد لبيك ذا النعما والفضل ~~الحسن لبيك مرهوبا منك ومرغوبا إليك حقا حقا تعبدا ورقا] (¬1). # فروع: تتعلق بالتلبية يستحب أن يكررها في كل مرة ثلاث مرات فأكثر ~~ويواليها ولا يقطعها بكلام فإن سلم عليه رد باللفظ، ويكره السلام عليه في ~~هذا الحال، ويشرع لكل أحد حتى للحائض لقوله -عليه الصلاة والسلام- لعائشة: ~~"اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" (¬2). وفروع التلبية كثيرة ~~مشهورة محل الخوض فيها كتب الفروع ولم يزد الشيخ تقي الدين في هذا الحديث ~~على أن تكلم على ألفاظه فقط. # خاتمة: في كتاب "أسرار الحج" أن تلبية يونس -عليه PageV06P069 # السلام- لبيك فراج [الكرب] (¬1) لبيك. # وتلبية عيسى -عليه الصلاة والسلام-[لبيك أنا عبدك ابن أمتك بنت عبديك ~~لبيك] (¬2). # [وتلبية موسى -عليه السلام-: لبيك أنا عبدك لديك لبيك] (¬3). # وعلم إبليس الناس التلبية "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو ~~لك تملكه وما ملك". فلم يزالوا عليها حتى جاء الإسلام. # وفي "صحيح مسلم" من حديث ابن عباس قال: "كان المشركون يقولون لبيك لا ~~شريك لك، قال: فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويلكم قد قد إلا ~~شريكا هو لك تملكه وما لك يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت" (¬4). قوله:"قد ~~قد" هو بكسر الدال مع التنوين وسكونها أي كفاكم هذا ثم رجع الراوي إلى ~~حكاية كلام الكفار ms1036 في قولهم: "إلا شريكا إلى آخره". # وفي كتاب "الخصال" لأبي بكر الخفاف: من قدماء [أصحابنا] (¬5) أنه كان من ~~تلبية موسى -عليه الصلاة والسلام-: PageV06P070 # "لبيك عدد التراب لبيك لبيك مرغوب ومرهوب إليك لبيك". وذكر تلبية داود ~~السالفة ثم قال: وكل ذلك حسن. # وحكى الروياني عن الأصحاب عن بعض صلحاء السلف أنه كان يقول: "لبيك أنت ~~مليك من ملك ما خاب عبد أملك" ثم قال الروياني: وهو حسن وقد أسلفنا عن بعض ~~المتأخرين ما يقرب من هذا. # *** PageV06P071 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 216/ 4/ 42 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم ~~وليلة إلا ومعها حرمة" (¬1). # وفي لفظ للبخاري: "لا تسافر مسيرة يوم [وليلة] (¬2) إلا مع ذي محرم" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: الجملة التي هي "تؤمن بالله واليوم الآخر" في موضع خفض صفة ~~"لامرأة" قالوا: ويسمى يوم القيامة [باليوم الآخر] (¬4) لأنه لا ليل بعده، ~~ولا يقال يوم إلا لما تقدمه ليل ولا يتوهم عدم خطاب الكفار (¬5) بالفروع ~~لأن مثل هذا يأتي في كلام الشارع على أن المعنى PageV06P072 # أن المؤمن هو الذي ينقاد لأحكامنا وينزجر عن محرمات شرعنا ويستثمر أحكامه ~~أو يكون ذلك من باب التهييج والإلهاب وأن مقتضاه أن استحلال هذا المنهى عنه ~~لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر، بل ينافيه حتى لو قيل لا يحل لأحد ~~مطلقا لم يحصل هذا المعنى، وخطاب التهييج معلوم عند علماء البيان ومنه قوله ~~تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23)} (¬1). # ونبه أيضا - صلى الله عليه وسلم - بوصف الإيمان بذلك على العمل بأحكام ~~الشرع والوقوف مع حدوده ظاهرا وباطنا، وأن الحامل على ذلك إنما هو، الإيمان ~~لا غير فإن من علم أن له ربا يجازي ويعاتب حمله، ذلك على التعبد بفعل ~~المأمور وترك المنهي، وذلك هو المطلوب. # الثاني: هذا اللفظ الذي عزاه المصنف إلى البخاري وحده هو في "صحيح مسلم" ~~أيضا، وهذا لفظه: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر تسافر مسيرة ms1037 يوم ~~إلا مع ذي محرم". فعزوه هذا اللفظ إلى البخاري وحده يوهم انفراده بذلك، ~~وليس كذلك لما علمته فلو حذف العزو واقتصر على قوله. وفي لفظ كان أولى ~~(¬2). PageV06P073 # ثم أعلم بعد ذلك أن هذا الحديث [روي] (¬1) في الصحيح على أوجه: # منها ما في الكتاب. # ومنها: "مسيرة ليلة" (¬2) # ومنها: "مسيرة ثلاثة أيام" (¬3). # ومنها: "فوق ثلاث" (¬4). # ومنها: "ثلاث ليال" (¬5). # ومنها: "يومين" (¬6). PageV06P074 # ومنها: إطلاق ذكر السفر (¬1)، وكل هذه الروايات في "صحيح مسلم". # وفي رواية لأبي داود (¬2)، وابن حبان (¬3) , والحاكم (¬4) على شرط مسلم ~~"لا تسافر بريدا" والبريد: نصف يوم. # قال العلماء (¬5): اختلاف هذه الالفاظ لاختلاف السائلين، واختلاف ~~المواطن, وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم أو الليلة أو ~~البريد. # وقال البيهقي (¬6): كأنه - صلى الله عليه وسلم -[سئل] (¬7) عن المرأة ~~تسافر ثلاثا بغير محرم، فقال: لا. وسئل عن سفرها يومين بغير محرم، فقال: ~~لا. وسئل عن يوم، فقال: لا، وكذلك البريد. فأدى كل منهم ما سمعه، وما جاء ~~منها مختلفا عن راو واحد، فسمعه في مواطن فروى تارة هذا وتارة هذا، وكله ~~صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد -عليه ~~الصلاة PageV06P075 # والسلام- أقل [تحديد] ما يسمى (¬1)، سفرا فالحاصل أن كل ما يسمى سفرا ~~تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوما أو ~~ليلة أو بريدا، أو غير ذلك، والرواية المطلقة تتناول جميع ما يسمى سفرا. # الثالث: المحرم من النساء التي لا يحرم النظر إليها، والخلوة بها ~~والمسافرة معها, ولا ينتقض الوضوء بمسها كل من حرم نكاحها على التأبيد بسبب ~~مباح لحرمتها فخرج "بالتأبيد" أخت المرأة وعمتها وخالتها ونحوهن، ~~وب"المباح" أم الموطؤة بشبهة وبنتها فإنهما محرمان على التأبيد، وليسا ~~محرمين لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة لأنه ليس بفعل مكلف، والمراد شبهة ~~الفاعل لا شبهة المحل فإنه حرام، [وكذا الطريق] (¬2) كالوطء بالنكاح، ~~والشراء الفاسدين، فإنه حرام، ولو تزوج الموطوءة بشبهة، ودخل بها فالذي ~~يظهر الحكم على أمها وبناتها بالمحرمية، وحينئذ فيرد على ms1038 الضابط لأن سبب ~~العقد والدخول لم يحرمهن لأنهن حرمن قبل ذلك ويستحيل تحصيل الحاصل، وخرج ~~بحرمتها الملاعنة، فإنها محرمة على التأبيد بسبب مباح، وليست محرما لأن ~~تحريمها ليس لحرمتها بل عقوبة وتغليظا، وهذا الضابط للشافعية. PageV06P076 # قال الفاكهي: ولا أعلم للمالكية ما يخالفه ونقله الشيخ تقي [الدين] (¬1) ~~عن بعض أصحاب الشافعي، وأقره وهو منتقض طردا بأمهات المؤمنين فإن الحد صادق ~~عليهن، ولسن بمحارم كما اقتضاه كلام الرافعي في الظهار، وصرح به غيره. # وقد يجاب: بأن التحريم لحرمته لا لحرمتهن. وعكسا بالموطؤة في الحيض ~~والنفاس والإحرام والصوم الواجب وبأم الزوجة، إذا عقد على ابنتها عقدا ~~حراما بأن وقع بعد خطبة الغير ونحو ذلك، وينتقض أيضا بالعبد [فإنه] (¬2) ~~ليس محرم لها ونكاحها حراما على التأبيد. # الرابع: ذكر المحرم عام في محرم النسب والرضاع والمصاهرة كأبي زوجها وابن ~~زوجها واستثنى بعضهم (¬3): ابن زوجها فكره السفر معه لغلبة الفساد في الناس ~~بعد العصر الأول، ولأن كثيرا من الناس لا ينزل زوجة الأب في النفرة عنها ~~منزلة محارم النسب والمرأة فتنة، إلا فيما جبل الله النفوس عليه في النفرة ~~عن محارم النسب والحديث عام. # فإن كانت هذه الكراهة للتحريم مع محرمية ابن الزوج، فهو بعيد مخالف لظاهر ~~الحديث، وإن كان للتنزيه للمعنى المذكور فهو أقرب تشوفا إليه، ويقويه ~~استثناء السفر مع المحرم فيصير التقدير إلا مع ذي محرم فيحل. PageV06P077 # قال الشيخ تقي الدين (¬1): ويبقى النظر في قولنا "يحل" هل يتناول المكروه ~~أم لا؟ بناء على أن لفظ "يحل" تقتضي الإباحة المستوية الطرفين، فإن قلنا: ~~لا يتناول المكروه، فالأمر قريب مما قاله، إلا أنه تخصيص يحتاج إلى دليل ~~شرعي عليه، وإن قلنا: يتناوله، فهو أقرب، لأن ما قاله لا يكون حينئذ منافيا ~~لما دل عليه اللفظ. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا يحل لامرأة" هو عام في كل امرأة ~~سواء الشابة والعجوز، وحكى القاضي عياض (¬2) عن الباجي (¬3): أنه خصه ~~بالشابة فأما الكبيرة فتسافر حيث شاءت كل الأسفار بلا زوج ولا محرم"، قال ~~النووي (¬4). ولا نوافق عليه لأن ms1039 المرأة مظنة الطمع فيها والشهوة ولو كانت ~~كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة. ويجتمع في الأسفار من سفهاء [الناس] ~~(¬5) وسقطهم، ما لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينه ~~ومرؤته وكثرة خيانته، ونحو ذلك. # قال الشيخ تقي الدين (¬6): بعد أن نقل هذا الاعتراض عن بعض المتأخرين من ~~الشافعية، والظاهر أنه أراد به النووي الذي قاله الباجي PageV06P078 # تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى، قال: وقد اختار هذا الشافعي (¬1) أن ~~المرأة تسافر في الأمن ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها في جملة القافلة ~~وتكون آمنة. وهذا مخالف لظاهر الحديث. # قلت: وهذا وجه في المذهب حكاه الماوردي (¬2) وقيده بما إذا أمنت خلوة ~~الرجال بها, وحكاه غيره قولا واختاره جماعة، ولم يجيزه النووي (¬3) إن كانت ~~الإشارة بقول الشيخ تقي الدين. إن هذا اختاره الشافعي له. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أن تسافر" هو مطلق في كل سفر طويلا ~~كان أو قصيرا، كما أسلفناه، وهل هو عام في [كل سفر] (¬4) طاعة أو مخصص؟ # أما سفر الهجرة من دار الحرب إلى دار [الإسلام] (¬5) فاتفق العلماء على ~~وجوبه وإن لم يكن معها أحد من محارمها. # وأما سفر الحج والعمرة فإن كانا واجبين وهي [تستطيعه] (¬6)، كالرجل ~~فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها، ~~وبه قال عطاء وسعيد بن جبير، وابن سيرين، ومالك والأوزاعي. PageV06P079 # قال أصحاب الشافعي: ويحصل الأمن: بزوج، أو محرم، أو نسوة ثقات ولا يلزمها ~~الحج إلا بأحد هذه الأشياء وللشافعي قول إن المرأة الواحدة كافية. # واشترط أبو حنيفة: المحرم لوجوب الحج عليها إلا أن يكون بينها وبين مكة ~~دون ثلاثة مراحل ووافقه جماعة من أصحاب الحديث والرأي. # وحكي أيضا عن الحسن البصري [والنخعي] (¬1)، والشعبي والحسن بن حي [...] (¬2). # قال ابن بزيزة: بعد أن حكى [هذا] (¬3) عنهم وقد وقع لمالك أنها إذا لم ~~تجد سبيلا إلا في البحر، فلا يلزمها جملة من غير تفصيل، قال: لأنها عورة. # وقال ابن القاسم: إذا لم تجد ما تركب وقدرت على المشي لم يلزمها ms1040 الحج إلا ~~أن يكون الموضع قريبا جدا كأهل مكة [ومن في عملهم] (¬4)، وقد قيل: إن الحج ~~لازم لها إذا قدرت على المشي، أو على ركوب البحر مع أمان غالب. # وقال كثير من أهل [العلم] (¬5): إن كان لها زوج ففرض عليه PageV06P080 # أن يحج معها فإن لم يفعل عصى وعليها الحج دونه وليس له منعها من الفرض ~~دون التطوع. وأما من لا زوج لها ولا ذو محرم فالحج واجب عليها. # وقال سفيان: إن كانت من مكة على أقل من ثلاث ليال فلها أن تحج مع غير ذي ~~محرم، أو زوج وإن كانت على ثلاث فصاعدا، فلا. قال: والذي عليه جمهور أهل ~~العلم أن الرفقة المأمونة من [المسلمين] (¬1) تنزل منزلة الزوج أو ذي ~~المحرم، وذكر عن عائشة -رضي الله عنها- أن المرأة لا تسافر إلا مع ذي محرم، ~~وقالت: ليس كل النساء تجد محرما. # هذا كله في سفر الحج والعمرة الواجبين، فإن كانا تطوعين أو سفر زيارة أو ~~تجارة، ونحوها من الأسفار التي ليست واجبة. # فقال الجمهور: لا تجوز إلا مع زوج أو محرم. # وقال بعضهم: يجوز لها الخروج مع نسوة ثقات لحجة الإسلام. # وفي مذهب مالك ثلاثة أقوال عند عدم الولي. # أحدها: أنها تسافر مع الرفقة المأمونة تقديما لفريضة الحج. # ثانيها: لا. # ثالثها: نعم في الفرض دون التطوع. # وفرق سفيان بين المسافة البعيدة والقريبة، فلا تسافر في PageV06P081 # الأولى إلا مع زوج أو محرم، وفي الثانية: مع الرفقة، قال ابن بزيزة: ~~والصحيح عندنا أن فريضة الله لازمة والمؤمنون إخوة، وطاعة الله واجبة، وقد ~~قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، والمسجد ~~الحرام أجل المساجد فكان داخلا تحت مقتضى هذا الخبر. # قال القاضي عياض: واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج ~~والعمرة إلا مع ذي محرم إلا الهجرة من دار الحرب، قال: والفرق أن إقامتها ~~في دار الحرب حرام، إذا لم تستطع إظهار الدين وتخشى على دينها ونفسها وليس ~~كذلك التأخر عن الحج كيف وهو مختلف في أنه ms1041 على الفور أم التراخي؟ # وأعلم أن الذين اشترطوا المحرم للوجوب، واستدلوا بهذا الحديث، فإن سفرها ~~للحج من جملة الأسفار الداخلة تحته فيمنع إلا مع المحرم، والذين لم يشترطوه ~~قالوا: المشترط الأمن على نفسها مع رفقة مأمونين رجالا أو نساء كما تقدم. # قال الشيخ تقي الدين: وهذه المسألة تتعلق بالعامين إذا تعارضا (¬1)، وكان ~~كل واحد منها عاما من وجه، خاصا من وجه، PageV06P082 # بيانه أن قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} ~~(¬1). يدخل تحته الرجال والنساء فيقتضي ذلك أنه إذا وجدت الاستطاعة المتفق ~~عليها أنه يجب عليها الحج، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا يحل لامرأة" ~~الحديث خاص بالنساء، عام في الأسفار. # فإذا قيل به: وأخرج عنه سفر الحج، بقوله تعالى: {ولله على الناس حج ~~البيت}. # قال المخالف: بل نعمل بقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} فتدخل ~~المرأة، ويخرج سفر الحج عن النهي، فيقوم في كل واحد من النصين عموم وخصوص، ~~ويحتاج إلى الترجيح من خارج. وذكر بعض أهل الظاهر أنه يذهب إلى دليل من ~~خارج، وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا تمنعوا إيماء الله مساجد الله" ~~(¬2). ولا يتجه ذلك لكونه عاما في المساجد، فيمكن أن يخرج عنه المسجد الذي ~~يحتاج إلى السفر في الخروج إليه بحديث النهي. # السابع: لم يتعرض المصنف في هاتين الروايتين للزوج، وهو موجود في رواية ~~أخرى في الصحيح، ولا بد من إلحاقه في الحكم بالمحرم في جواز السفر معه ~~اللهم [إلا] (¬3) أن يستعملوا لفظة الحرمة في إحدى الروايتين في معنى غير ~~المحرمية استعمالا لغويا فيما PageV06P083 # يقتضي الإحرام فيدخل فيه الزوج لفظا، ويكون ذلك وجه العدول في إحدى ~~الروايتين عن قوله: "ذي محرم" إلى قوله: "ومعها حرمة"، لعموم هذه وخصوص تلك. # خاتمة: قام الإجماع على تحريم خلوة الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما، ~~ومع وجوده إذا كان ممن لا يستحى منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك، وكذا ~~على اجتماع رجال بأجنبية بخلاف اجتماع رجل بنسوة أجانب فإن الصحيح جوازه ~~لضعف التهمة هنا بخلاف ms1042 الأول. # والمختار تحريم الخلوة بالأمرد والأجنبي الحسن، ولا فرق في تحريم الخلوة ~~بين أن يكون في الصلاة وغيرها قاله أصحابنا وتستثنى مواضع الضرورة بأن يجد ~~امرأة أجنبية منقطعة في الطريق أو نحو ذلك فيباح له استصحابها بل يلزمه إذا ~~خاف عليها لو تركها وشاهد ذلك حديث عائشة -رضي الله عنها- في قصة الأفك (¬1). # ... PageV06P084 ### || CHECK 43 - باب الفدية # 43 - باب (¬1) الفدية # قال الجوهري (¬2): الفدية: والفدى والفداء كله بمعنى واحد انتهى. وكأنها ~~بمعنى البدل عن ما نقص من المناسك. # وذكر المصنف في الباب حديثا واحدا وهو: # 217/ 1/ 43 - حديث عبد الله بن معقل، قال: جلست إلى كعب بن عجرة فسألته ~~عن الفدية؟ فقال: نزلت في خاصة، وهي لكم عامة! حملت إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - والقمل يتناثر على وجهي، فقال: "ما كنت أرى الوجع بلغ بك ~~ما أرى -أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى- أتجد شاة؟ " فقلت: لا، قال: ~~"فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع". # وفي رواية: فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أن يطعم فرقا بين ~~ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام" (¬3). PageV06P085 # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف بما وقع فيه من الأسماء. # أما عبد الله بن معقل: فهو تابعي كوفي ثقة من خيار التابعين وأغرب ابن ~~فيحون فذكر في جملة الصحابة، كنيته: أبو الوليد وهو أخو عبد الرحمن بن معقل ~~مات عبد الله سنة ثلاث وثمانين، قاله ابن قانع. # وقال ابن حبان: في "ثقاته" مات سنة بضع وثمانين بالبصرة، ثم روى عن أبي ~~إسحاق أن عبد الله بن معقل صلى بالناس في شهر رمضان، فلما كان يوم الفطر ~~أرسل إليه عبيد الله بن زياد بحلة وخمس مائة درهم فردها عليه، وقال: إنا لا ~~نأخذ على القرآن أجرا. # واعلم أن عبد الله بن معقل هذا يشاركه في اسمه واسم أبيه عبد الله بن ~~معقل المحاربي الكوفي يروي عن عائشة وعن أشعب بن سليم نبه على ذلك الحافظ ~~عبد القادر ms1043 الرهاوي في "أربعينه" (¬1). PageV06P086 # وأما والده: معقل فهو -بفتح الميم ثم عين مهملة ساكنة ثم قاف مكسورة- له ~~صحبة، وجده مقرن -بضم أوله وقع ثانيه وكسر ثالثه مشددا-، ثم تنبه لأمور. # أحدها: وهم بعض من علق على هذا الكتاب فظن أن عبد الله بن معقل هذا هو ~~السالف في الطهارة، فقال فيما رأيته بخطه: عبد الله بن معقل: تقدمت ترجمته ~~في أول الكتاب في حديث ولوغ الكلب وهذا مغفل فذاك بالعين المعجمة والفاء ~~وهذا بالمهملة والقاف وذاك صحابي، وذا تابعي فتصحف عليه. # ثانيها: ادعى الحافظ عبد القادر الرهاوي في "أربعينه" أنه ليس لعبد الله ~~بن معقل هذا في الصحيحين غير حديث "اتقوا النار ولو بشق تمرة" (¬1) وهو ~~عجيب منه فحديث الباب الذي ذكره المصنف هو في الصحيحين أيضا، وقد سبق [في ~~الاعتراض] (¬2) عليه النووي، فقال هذه الدعوى غلط، ففي"صحيح البخاري" في ~~كتاب الحج (¬3): في باب إطعام المحصر في الفدية بنصف صاع عن عبد الله بن ~~معقل المزني هذا عن كعب بن عجرة حديث، وهو كما قال لكنه في مسلم أيضا وبه ~~يتم الرد على الحافظ عبد القادر. PageV06P087 # ثالثها: وقع في "شرح الفاكهي" تخليط في ترجمة عبد الله بن معقل بترجمة ~~كعب بن عجرة فإنه ذكر في آخرها مات سنة ثلاث وخمسين بالمدينة عن خمس وسبعين ~~سنة كذا رايته [في نسختين منه] (¬1) وهذا ليس تاريخ وفاة عبد الله بن معقل ~~وإنما هو تاريخ وفاة كعب بن عجرة، كذا ذكره الشيخ تقي الدين في "شرحه" ~~(¬2)، لكنه قال: سنة "اثنين وخمسين" بدل "ثلاث"، ولعل السبب الموقع له في ~~ذلك أن الشيخ تقي الدين لم يفرد ترجمة عبد الله وحدها بعقد وترجمة كعب ~~وحدها بآخر، بل ذكرهما في عقد واحد فظنهما واحدا والله أعلم. # رابعها: "معقل" هذا يشتبه بثلاثة أشياء أسلفتها في كتاب الطهارة فراجعها ~~من ثم (¬3). # وأما كعب بن عجرة: فقد سلف التعريف به في الحديث الثاني من باب التشهد (¬4). # الوجه الثاني: فيما يتعلق بألفاظه من ضبط وإعراب قوله: "نزلت في" يعني ~~آية الفدية وهي ms1044 قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا ...} (¬5) الآية. # وقوله "خاصة" أي اختصاص بسبب النزول بي، فإن لفظ الآية PageV06P088 # عام، وهذه الآية نزلت عام الحديبية كما ثبت في الصحيح (¬1). # وقوله: "والقمل يتناثر على وجهي" هي جملة حالية من التاء في "حملت"، وفي ~~صحيح مسلم "قمل رأسه ولحيته" (¬2). # و"أرى" الأولى، والثالثة، بضم الهمزة أي أظن، والثانية, والرابعة بفتحها ~~أي أشاهد ببصري فهو من رؤية العين وحذف مفعوله للدلالة عليه أي أراه. # وقوله "الوجع أو الجهد" هو شك من الراوي هل قال: الأول أو الثاني. # "والجهد" بفتح الجيم المشقة وبضمها الطاقة قاله صاحب "العين"، وغيره ولا ~~معنى للطاقة هنا، بل المعنى على المشقة اللاحقة بسبب الوجع. # قال الشيخ تقي الدين: إلا أن تكون الصيغتان يعني الفتح والضم بمعنى واحد. # قلت: لما حكى القاضي عياض في "إكماله" عن صاحب "العين" أن الجهد بالضم ~~الطاقة وبالفتح المشقة نقل عن الشعبي أنه بالضم في العيش وبالفتح في العمل ~~ثم قال: # وقال ابن دريد: هما لغتان صحيحتان بلغ جهده وجهده، وقال PageV06P089 # النووي: في "تحريره" (¬1) في كلامه على الجهد في دعاء الاستسقاء أنه بفتح ~~الجيم، وقيل: يجوز ضمها وهو المشقة وسوء الحال. # قلت: فظهر بهذا أنه يجوز قراءة الجهد هنا بالضم أيضا وأنه لغة. # وقوله: "أتجد شاة" هو الصواب ووقع في رواية ابن ماهان "أتجد شيئا" وهو وهم. # والصاع: تقدم الكلام عليه في الحديث الثامن من باب الجنابة. # والفرق بفتح الراء، وقد تسكن وهو ستة عشر رطلا كما قاله الخطابي (¬2): ~~وهو ثلاثة آصع كما [فسر] (¬3) في الروايتين بقوله في الأولى "لكل مسكين نصف صاع". # وبقوله: "في هذه بين ستة" ووقع في رواية العدوي "لكل مسكين صاع" وهو وهم ~~وجوابه رواية غيره "لكل مسكينين" على التثنية (¬4). PageV06P090 # وقوله: "أو يهدي" أي يهدى هو -بفتح الياء وضمها- لأنه يقال: هدى الهدي ~~وأهدى الهدي نقلهما صاحب "المطالع"، لكن عبارته: يقال من أهدى هديت الهدى ~~وهديت المرأة إلى زوجها، وقيل: أهديت. # الوجه الثالث: في فوائده وأحكامه. # الأولى: فيه الجلوس لمذاكرة العلم ومدارسته. # الثانية: فيه أيضا ms1045 الاعتناء بسبب النزول وما يترتب عليه من الحكم وأن ~~التفسير المتعلق بسبب النزول من الصحابي مرفوع إذا لم يضفه إليه لقوله: ~~"نزلت في خاصة وهي لكم عامة". # الثالثة: فيه دلالة على تحريم الحلق من غير ضرر للمحرم. # الرابعة: فيه أيضا دلالة على جوازه لأذى القمل وقاسوا عليه ما في معناه ~~من الضرر كالمرض. # [الخامس] (¬1): فيه أيضا دلالة على أنه إذا حلق لغير عذر أن الفدية تلزمه ~~من باب التنبيه لأنه إذا وجبت في الضرر فالترفه أولى نعم يفترقان في الاسم. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أتجد شاة؟ قال: لا. وفي الثانية ~~"أو يهدي شاة" (¬2)، قال: لا"، فأمره بالصوم، PageV06P091 # أو الإطعام أن كل واحد منهما لا يجزىء إلا عند عدم الهدي، بل هو محمول ~~على أن سؤاله عن وجدانه، فإن وجده أخبره -عليه الصلاة والسلام- بأنه مخير ~~بينه وبين الصيام والإطعام وإن عدمه فهو مخير بين الصيام والإطعام ولا شك ~~أن لفظ الآية والحديث معا يقتضي التخيير بين الخصال الثلاث المذكورة لأن ~~"أو" هنا للتخيير لكنها مجملة في الآية مبينة في الحديث كما قدمناه، ~~فالصيام مبين بثلاثة أيام وأبعد من قال من المتقدمين أنه عشرة أيام فإنه ~~مخالف للحديث، والصدقة بثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع، وأبعد من قال من ~~المتقدمين أنه يطعم عشرة مساكين لمخالفة الحديث وعزاه القاضي (¬1) فيهما ~~إلى الحسن البصري وبعض السلف وكأنهم قاسوه على كفارة اليمين ولعل الحديث لم ~~يبلغهم. # والنسك: في الآية واحدته نسيكة وهي الذبيحة وأعلاها بدنة وأوسطها بقرة ~~وأدناها شاة بصفة الأضحية أي ما شاء ذبح فهذه الفدية مخيرة مقدرة. # فرع: كل هدي أو إطعام يلزم المحرم يكون بمكة ويتصدق به على مساكين الحرم ~~إلا الهدي يلزم المحصر فإنه يذبحه حيث أحصر. # وأما الصوم: فإنه يصوم حيث شاء. # وعند المالكية: أن له أن يذبح حيث شاء من البلاد إلا إن شاء أن يجعلها ~~هديا فيوقفها بعرفة وينحرها بمنحره فذلك له لا عليه، PageV06P092 # وكذلك كل شاة تجب عن إلقاء التفث وإزالة الشعر وطلب الرفاهية بالترخص في ms1046 ~~فعل ما يمنع المحرم منه. # واختلف قول أبي حنيفة فقال: مرة بقول الشافعي وهو الاختصاص، وقال: مرة ~~إنما ذلك في الدم دون الإطعام وهو قول أصحابه وقول عطاء. # السابع: اتفق العلماء على القول بظاهر هذا الحديث لكن وقع الخلاف في ~~الإطعام هل يتعين من الحنطة مقدارا وعينا؟ يحكى عن أبي حنيفة والثوري أن ~~نصف الصاع لكل مسكين إنما هو في الحنطة فأما التمر وغيره فيجب صاع لكل ~~مسكين وهذا خلاف نصه لرواية مسلم ثلاثة آصع من تمر، وذكر مثله في الزبيب في ~~كتاب أبي داود (¬1). # وعن أحمد رواية: "لكل مسكين مد حنطة أو نصف صاع من غيرها". # وللشافعية وجه: أنه لا يتقدر ما يعطى لكل مسكين. # [فرع] (¬2) ينعطف على ما مضى الحالق لغير عذر يتخير في الفدية أيضا خلافا ~~لمن قال عليه الدم فقط حكاه المازري (¬3) وحكاه الخطابي في "معالمه" (¬4) ~~عن أبي حنيفة والشافعي وهذا لا يحضرني PageV06P093 # عن الشافعي وقد صرح النووي في "شرح المهذب" (¬1) بأن مذهبنا أنه لا فرق ~~بين الحلق للأذى أو لغيره ونقل هذا عن أبي حنيفة [وحده وحكاه القاضي عن أبي ~~حنيفة] (¬2) وأبي ثور، [وقال:] (¬3)، قال القاضي (¬4): ومعظم العلماء على ~~وجوب الدم على الناسي. # وقال الشافعي: في أحد قوليه وإسحق وداود لا دم عليه، قال: وحكم الطيب ~~واللباس في هذا سواء عندهم على ما تقدم من التخيير والخلاف في وجوبه. # الثامنة: يؤخذ من الحديث أنه يشرع لكبير القوم أو عالمهم إذا رأى ببعض ~~أتباعه ضررا أن يسأله عنه وأن يرشده إلى المخرج منه إن كان عنده مخرج. # التاسعة: ورد في رواية في "صحيح مسلم": "أحلق رأسك ثم اذبح نسكا"، وهو ~~حجة لما عليه جماعة من العلماء من أن الفدية إنما تكون بعد فعل موجبها حكاه ~~القاضي عنهم. # العاشرة: جاء في رواية في "صحيح مسلم" ما يدل على أن نزول هذه الآية قبل ~~الحكم، ورواية أخرى فيه تدل على أن نزولها بعده، فيحتمل كما قال القاضي ~~عياض أنه -عليه الصلاة والسلام- قضى فيها بوحي ثم نزل فيها قرآن ms1047 يتلى. PageV06P094 # خاتمة: رأيت في "صحيح أبي حاتم ابن حبان" أنه -عليه الصلاة والسلام-: ~~"أمره بصيام أو صدقة أو نسك أو ما تيسر" (¬1) وهذا غريب وصوابه، والله ~~أعلم، "أو نسك ما تيسر"، وقد أخرجه مسلم في صحيحه كذلك في بعض رواياته. # استدراك: هل الفدية المذكورة مرتبة، على قتل القمل فقط أو على إزالة ~~الشعر؟ فيه خلاف للمالكية، قال بعض البغداديين: منهم بالثاني، وقال عبد ~~الحق: بالأول, قالوا: وهو الأظهر لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أيؤذيك ~~هوام رأسك؟ قلت: نعم، قال فاحلق ... " الحديث، قالوا: وفائدة الخلاف تظهر ~~في المحرم إذا حلق رأس حلال ولم يقتل فيه قملا. # قال ابن القاسم: ليس عليه فدية، ويتصدق بشيء من طعام. # وقال مالك: عليه الفدية كاملة. # وعند الشافعية (¬2): أنه يكره للمحرم أن يفلي رأسه ولحيته فإن فعل فأخرج ~~قملة فقتلها فنص الشافعي على أنه يتصدق ولو بلقمة فقال بعض أصحابه: بوجوب ~~ذلك لما فيه من إزالة الأذى، وقال جمهورهم: باستحبابه. # ... PageV06P095 ### || AUTO 44 - باب حرمة مكة # ذكر فيه [رحمة الله] (¬1) حديث أبي شريح الخزاعي، وحديث ابن عباس: ### ||| AUTO الحديث الأول # 218/ 1/ 44 - عن أبي شريح -خويلد بن عمرو- الخزاعي [العدوى] (¬2) -رضي ~~الله عنه-: أنه قال لعمرو بن سعيد بن العاص -وهو يبعث البعوث إلى مكة- ائذن ~~لي، أيها الأمير، أن أحدثك قولا قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الغد من يوم الفتح، فسمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حيث تكلم به: ~~أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن مكة حرمها الله تعالى، ولم يحرمها ~~الناس، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد ~~بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[فيها] (¬3) ~~فقولوا: إن الله [قد] (¬4) أذن لرسوله [- صلى الله عليه وسلم -] (¬5) ولم ~~يأذن لكم، وإنما PageV06P096 # أذن [لي] (¬1) ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ~~فليبلغ الشاهد الغائب، فقيل لأبي شريح: ما قال لك (¬2)؟ قال: أنا أعلم بذلك ~~منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا، ms1048 ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة (¬3). # "الخربة" بالخاء [المعجمة] (¬4) والراء المهملة: # قيل: [هي] (¬5) [الخيانة] (¬6). # وقيل: البلية. # وقيل: [التهمة] (¬7)، وأصلها في سرقة الإبل، قال الشاعر: # [وتلك قربى مثل أن تناسبا ... أن تشبه الضرائب الضرائبا] (¬8) # والخارب اللص يحب الخاربا (¬9) PageV06P097 # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: أبو شريح بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الياء وبالحاء ~~المهملة صحابي مشهور، وهو خزاعي عدوي كما ذكره كعبي أيضا. # وفي اسمه أقوال: # أحدها: خويلد بن عمرو كما ذكره المصنف وكذا سماه البخاري ومسلم. # ثانيها: عكسه. # ثالثها: هاني بن عمرو. # رابعها: عبد الرحمن بن عمرو بن صخر بن عبد العزى ابن معاوية. # خامسها: كعب. # سادسها: مطر حكاه العسكري. # ونقل القرطبي في "مفهمه" (¬1) عن ابن سعد (¬2) أنه خويلد بن صخر بن عبد ~~العزى أسلم قبل الفتح، قاله ابن سعد، وأبو عمر. PageV06P098 # وقال المزني: أسلم يوم الفتح أو قبله. # وقيل: إنه حمل لواء من ألوية بني كعب يومئذ. # روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرين حديثا اتفقا على حديثين، ~~وللبخاري حديث، روى عنه نافع بن جبير وغيره. # مات بالمدينة سنة ثمان وستين وبه جزم النووي في "شرح مسلم" والشيخ تقي ~~الدين ومن تابعهما. # وقيل: سنة ثمان وخمسين حكاه العسكري. # قال الواقدي: وكان من عقلاء أهل المدينة. # فائدة: في الصحابة من يشترك معه في كنيته اثنان: أبو شريح (¬1)، هانىء بن ~~يزيد الحارثي. # وأبو شريح راوي حديث، "إن أعتى [الناس على] الله رجل" الحديث (¬2). ~~قالوا: هو الخزاعي وقالوا: غيره. PageV06P099 # ومن الرواة أيضا أبو شريح المعافري (¬1)، وآخر أخرج له ابن ماجه (¬2). # الثاني: "الخزاعي" -بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي ثم ألف، ثم عين مهملة ~~ثم ياء النسب- نسبة إلى خزاعة. # والعدوي: -بفتح العين والدال المهملتين، ثم واو، ثم ياء النسب- نسبة إلى ~~بطن من خزاعة وهي نسبة إلى قبائل خمسة. أحدها: هذه، وعمر بن الخطاب ينتسب ~~إلى عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر (¬3). # الثالث: عمرو بن سعيد بن العاص [أبو عبيد] (¬4) الأموي الملقب بالأشدق ~~لقب به لعظم شدقيه، ms1049 وقيل: لقبه به معاوية لكلام جرى [بينه وبينه] (¬5)، وهو ~~مشهور، وزعم المرزباني (¬6): عن المدائني عن عوانة [أنه] (¬7) سمي الأشدق ~~لأنه صعد فبالغ في شتم علي فأصابته لقوة وأنشد له في "المعجم"، وفي كتاب ~~"المنحرفين" أشعارا، وفي "بارع" الهيثم كان أفقم، وأبوه سعيد PageV06P100 # صحابي كنيته أبو عثمان، ويقال. أبو عبد الرحمن، وقيل: إن لعمرو رواية ولم ~~يثبت، قال أبو حاتم: ليست له صحبة وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل ~~المدينة، نعم، روى مرسلا أرسل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وروى عن ~~عمر وعائشة وغيرها وعنه بنوه أمية، وسعيد، وموسى، وغيرهم، وليس المدينة ~~لمعاوية وابنه ثم طلب الخلافة بعد، وزعم أن مروان جعله ولي عهد بعد عبد ~~الملك بن مروان، وغلب على دمشق سنة تسع وستين، ثم لاطفه عبد الملك وأمنه ثم ~~قتله غدرا، بعث إليه يوما خاليا فعاتبه على أشياء قد عفاها عنه، ثم وثب ~~عليه فقتله، ويقال: ذبحه بيده وهو ابن أخت مروان، وزعم المسعودي: أن أبا ~~الزعيزعة (¬1) هو الذي قتله، وقيل: كان يسمى لطيم الشيطان، وفي "كامل" ~~المبرد أن عبد الله بن الزبير هو الذي لقبه بذلك، وكان جبارا شديد البأس, ~~وقد ذكرت نبذة من أخباره فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب، ~~فراجعها منه. # في وفاته قولان: أحدها. سنة تسع وستين [والثاني: سنة سبعين] (¬2) وفي ~~"تاريخ ابن قانع" سنة سبع وستين [والراجح سنة سبعين] (¬3). # تنبيه: وهم بعض من علق على هذا الكتاب فأبدل عمرا هذا بعمرو بن سعيد بن ~~العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف PageV06P101 # القرشي الأموي، ونقل عن ابن عبد البر أنه هاجر الهجرتين هو وأخوه خالد، ~~وقدما على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسلم خالد قبل إسلام أخيه عمرو، ~~وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وقدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو بخيبر سنة سبع وشهد عمرو مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الفتح وحنينا ~~وتبوك فلما خرج المسلمون [إلى] (¬1) الشام [خرج] (¬2) فقتل يوم أجنادين ~~شهيدا، ولما قدم على ms1050 النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى حلفة في يده فقال: ~~ما هذه الحلقة التي بيدك؟ فقال: هذه حلقة أهديها لك يا رسول الله. قال: فما ~~نقشها. قال محمد رسول الله. فقال: أرنيه [فتختم به ونهى أن ينقش] (¬3) أحد ~~[عليه] (¬4)، ومات وهو في يده ثم أخذه الصديق ثم الفاروق ثم عثمان [وسقط ~~منه في بئر أريس] (¬5) , واستعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن ~~سعيد على قرى عرينة منها تبوك، وخيبر، وفدك، وقتل عمرو بن سعيد مع أخيه ~~أبان بن سعيد بأجنادين سنة ثلاث عشرة، وقيل: يوم اليرموك، وقيل: يوم مرج ~~الصفر، وهو أيضا سنة ثلاث عشرة هذا آخر ما نقله عن ابن عبد البر وهو عجيب ~~من هذا الشارح، فعمرو هذا عم والد عمرو الأشدق فانتقل ذهنه من ترجمة إلى ~~ترجمة فتنبه له. # الوجه الرابع: "البعوث": جمع بعث بمعنى البعوث وهو من باب تسمية المفعول ~~بالمصدر. PageV06P102 # والمراد: بالبعوث القوم المرسلون للقتال ونحوه، ويعني بها الجيوش التي ~~وجهها يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزبير، وذاك أنه لما توفي معاوية ~~وجه يزيد إلى عبد الله يستدعي منه بيعته فخرج إلى مكة ممتنعا من بيعته فغضب ~~يزيد وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم بأخذ بيعة عبد الله فبايعه ~~وأرسل إلى يزيد ببيعته فقال: لا أقبل حتى يؤتى به في وثاق فأبى ابن الزبير، ~~وقال: أنا عائذ بالبيت. فأبى يزيد وكتب إلى عمرو بن [سعيد] (¬1) أن يوجه ~~إليه جندا فبعث هذه البعوث. # الخامس (¬2): "مكة" شرفها الله تعالى تقدمت الإشارة إلى أسمائها في ~~الحديث الأول من باب المواقيت. # واختلف في سبب تسميتها بذلك على أقوال: # أحدها: لقلة مائها من قولهم: أمتك الفصيل ضرع أمه إذا امتصه. # ثانيها: لأنها تمك الذنوب أي تذهب بها وتمك الظالم أن تهلكه. # ثالثها: لأنها بين جبلين مرتفعين عليها وهي بينهما منهبطة بمنزلة المكوك. # رابعها: لاجتذابها الناس إليها كما يمتك الفصيل ضرع أمه أي يجذبه. PageV06P103 # ومن أسمائها أيضا: بكة [بالباء] (¬1)، قال جماعات: هما لغتان [بمعنى] (¬2). # وقال البكري ms1051 في "معجمه" (¬3): إن عليه أهل اللغة لأن الباء والميم ~~يتعاقبان يقال: سمك رأسه وسبكه، وضرب لازم [و] (¬4) لازب، وقال آخرون: هما ~~بمعنيين. # واختلفوا في هذا على أقوال: # أحدها "إن مكة الحرم كله، وبكة بالباء المسجد خاصة. # وثانيها: أن مكة اسم البلد، وبكة اسم البيت ويرده قوله تعالى: {إن أول ~~بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} (¬5)، فإنه يدل على أن مكة مشتملة عليه. # ثالثها: إن مكة البلد، وبكة البيت وموضع الطواف فحينئذ مكة أعم من بكة ~~لكونها اسما للحرم كله أو للبلد كله، ومكة إما البيت فقط أو مع المطاف، ~~وإما لجميع المسجد. # ولماذا سميت بكة؟ قولان: # أحدهما: لازدحام الناس بها يبك بعضهم بعضا أي يدفع في زحمة الطواف. PageV06P104 # وثانيها: لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها والبك الدق. # ثم مكة أفضل البقاع عند الشافعي والجمهور. # وعند مالك وطائفة: المدينة أفضل، وحكى القاضي عياض: إجماع العلماء على أن ~~موضع قبره -عليه أفضل الصلاة والسلام- أفضل بقاع الأرض، وأن الخلاف فيما سواه. # وجعل ابن حزم: الفضل الثابت لمكة ثابتا لجميع الحرم، [ولعرفة] (¬1) وإن ~~كان من الحل. # الوجه السادس: أصل "ائذن" أأذن بهمزتين الأولى همزة الأصل والثانية فاء ~~الكلمة فقلبت الثانية ياء لسكون وانكسار ما قبلها فبقيت ائذن. # وقوله: "أيها الأمير" الأصل: يا أيها فحذف حرف النداء [قاله أهل العربية] (¬2). # الوجه السابع: قوله: "أيها الأمير ائذن لي أن أحدثك" إنما استأذنه في ~~تحديثه ليكون أدعى إلى قبول حديثه وتحصيل الغرض منه، ففيه حسن الأدب في ~~مخاطبة الأكابر لا سيما الملوك، لا سيما فيما يخالف مقصودهم، لأنه أدعى إلى ~~القبول لا سيما في حق من يعرف منه ارتكاب غرضه فإن الغلظة عليه قد تكون ~~سببا لإثارة نفسه ومعاندة من يخاطبه. PageV06P105 # وفيه أيضا النصيحة لولاة الأمور وعدم الغش لهم والإغلاظ عليهم. # [الثامن] (¬1): قوله: "أن أحدثك قولا قام به رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الغد من يوم [الفتح] (¬2) فسمعته أذناي" إلى آخره، إنما قال ذلك ~~تحقيقا لما يريد أن يخبره به. # وقوله: "سمعته أذناي" نفى لتوهم أن ms1052 يكون رواه عن غيره. # وقوله: "ووعاه قلبي"، تحقيقا لفهمه والتثبت في تعقل معناه. # وقوله: "وأبصرته عيناي حين تكلم به أنه حمد الله وأثنى عليه" زيادة في ~~تحقيق السماع والفهم عنه بالقرب منه، والرؤية، وأن سماعه منه ليس هو اعتماد ~~على الصوت دون حجاب بل بالرؤية والمشاهدة ففيه التنبيه على أن شرط الشهادة ~~المشاهدة، ولا يكفي سماع الصوت، وهو المشهور من مذهب الشافعي. # وفيه أيضا التنبيه على قبول علم الإنسان وتحفظه ووعيه ومعاينته ممن أخذ ~~عنه ليكون أدعى إلى قبوله والتمسك محققا. # [التاسع] (¬3): "يوم الفتح" المراد فتح مكة، وكان في عشرين رمضان في ~~السنة الثامنة من الهجرة. # [التاسع]: يؤخذ من قوله "ووعاه قلبي"، أن العقل محله PageV06P106 # القلب لا الدماغ، وهو قول الجمهور لأنه لو كان محله الدماغ لقال: ووعاه ~~رأسي، وفي المسألة قول ثالث: أنه مشترك بينهما. # العاشر: قوله: "حمد الله وأثنى عليه" يؤخذ منه استحباب الحمد والثناء بين ~~يدي تعليم العلم لتبيين الأحكام، وقد يؤخذ منه وجوب الحمد والثناء على الله ~~تعالى في الخطبة. # الحادي عشر: يؤخذ منه أيضا الخطبة للأمور المهمة والأحكام العامة. # الثاني عشر: قوله: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس"، معناه تفهيم ~~المخاطبين بعظيم قدر مكة بتحريم الله تعالى إياها ونفي ما تعتقده الجاهلية ~~وغيرهم من أنهم يحرموا أو يحللوا كما حرموا الأشياء من قبل أنفسهم وإذا كان ~~الأمر كذلك فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما لأن من ~~آمن بالله تلزمه طاعته ومن آمن [بالله] (¬1) واليوم الآخر لزمه القيام بما ~~وجب عليه واجتناب ما نهى عنه مخلصا خوف الحساب عليه. # فيؤخذ من الحديث أن التحريم وكذا التحليل [من عند الله تعالى وأن الناس ~~ليس لهم فيه دخل] (¬2) وأن الرجوع في كل حالة دنيوية وأخروية إلى الشرع وأن ~~ذلك لا يعرف إلا منه فعلا وقولا وتقريرا. # ويؤخذ منه أيضا عظم قدر مكة وشرفها زادها الله شرفا. PageV06P107 # الرابع عشر: قدمنا في الكلام على حديث "إنما الأعمال بالنيات" أنه يقال ~~امرؤ ومرء. وقدمنا أيضا ms1053 في الحديث الرابع من كتاب الحج الكلام على قوله: ~~"اليوم الآخر". # الخامس عشر: قوله "أن يسفك بها دما" هو بكسر الفاء وحكي ضمها يقال: سفك ~~ويسفك، وبالكسر قراءة السبعة والضم قراءة شاذة في قوله تعالى: {ويسفك ~~الدماء} (¬1)، والسفك: لغة صب الدم قال: المهدوي ولا يستعمل السفك إلا في ~~الدم، وقد يستعمل في نشر الكلام إذا نشره. # السادس عشر: سياق الحديث ولفظه يدلان على تحريم القتال لأهل مكة وبه قال ~~القفال: في "شرح التلخيص" (¬2) في أول كتاب النكاح في ذكر الخصائص، قال: ~~حتى لو تحصن، جماعة من الكفار بمكة لم يجز لنا قتالهم فيها. # قلت: وهو أحد القولين في قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} (¬3) من ~~الغارات، وهو ظاهر قوله تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم} (¬4) وهو منقول من عادة العرب في احترامهم مكة وقال ~~الماوردي (¬5) في "أحكامه": من خصائص (¬6) مكة PageV06P108 # أن لا يحارب أهله فلو بغى أهله على أهل العدل، فإن أمكن ردهم عن البغى ~~بغير قتال لم يجز قتالهم، وإن لم يمكن ردهم عنه إلا به. # فقال جمهور الفقهاء: يقاتلون لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا ~~يجوز إضاعتها فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها. # وقال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم ويضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، ~~ويدخلوا في أحكام أهل العدل، قال النووي: -رحمه الله- في "شرح الأول" (¬1) ~~والأول هو الصواب، وقد نص عليه الشافعي في "اختلاف الحديث من كتاب "الأم" ~~ونص عليه أيضا في آخر الكتاب المسمى ب"سير الواقدي" من كتاب الأم قال: وقول ~~القفال غلط نبهت عليه لئلا يغتر به (¬2). # وأجاب الشافعي: في "سير الواقدي" عن الأحاديث بأن معناها تحريم نصب ~~القتال عليهم [وقتالهم] (¬3) بما يعم كالمنجنيق وغيره إذا أمكن إصلاح الحال ~~بدون ذلك بخلاف إذا تحصن الكفار ببلد آخر فإنه يجوز قتالهم على كل وجه وبكل ~~شيء، وأكد الشيخ تقي الدين (¬4): في "شرحه" هذا الجواب والنص بلفظ الحكاية، ~~وكأنه أراد النووي ثم قال وأقوال هذا التأويل على خلاف الظاهر القوي ms1054 الذي ~~دل عليه عموم النكرة في سياق النفي في قوله: "فلا يحل لامرىء يؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن يسفك بها دما" وأيضا فإنه -عليه PageV06P109 # الصلاة والسلام- بين خصوصية إحلالها له ساعة من نهار، وقال: "فإن أحد ~~ترخص بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: إن الله أذن لرسوله ~~ولم يأذن لكم" فأبان بهذا اللفظ أن المأذون للرسول فيه لم يؤذن فيه لغيره ~~والذي أذن للرسول فيه إنما هو مطلق القتال، ولم يكن قتال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لأهل مكة بمنجنيق وغيره مما يعم كما حصل عليه الحديث في هذا ~~التأويل، وأيضا فالحديث وسياقه يدل على أن هذا التحريم لإظهار حرمة البقعة ~~بتحريم مطلق القتال فيها، وسفك الدم، وذلك لا يختص بما يستأصل وأيضا ~~[فتخصيص الحديث بما يستأصل] (¬1) ليس لنا دليل على تعيين هذا الوجه بعينه ~~لأنه يحمل عليه هذا الحديث فلو أن قائلا أبدى معنى آخر وخص في الحديث لم ~~يكن بأولى من هذا. وقال القرطبي في "مفهمه": الحديث نص على الخصوصية ~~واعتذار منه مما أبيح له من ذلك مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقين للقتال ~~والقتل بصدهم عنه وإخراجهم أهله منه وكفرهم بالله وبرسوله، وهذا هو الذي ~~فهمه أبو شريح من هذا الحديث، وقد قال: بذلك غير واحد من أهل العلم. # السابع عشر: ربما استدل به أبو حنيفة على أن الملتجىء إلى الحرم إذا وجب ~~عليه قتل لا يقتل به لأن قوله: "لا يحل لامرىء أن يسفك بها دما" عام يدخل ~~فيه صورة النزاع. # قال أبو حنيفة: بل يلجأ إلى أن يخرج من الحرم ليقتل خارجه وذلك بالتضييق. ~~ونقل هذا عن ابن عباس، فقال: من أصاب حدا ثم PageV06P110 # دخل الحرم لم يجالس ولم يبايع حتى يضطر إلى الخروج من الحرم، فإذا خرج ~~أقيم عليه الحد. قال ابن بزيزة: وهو قول عمر بن الخطاب وسعيد بن جبير، ~~والحكم بن عتبة، وابن جريج وابن الزبير، قال: وقال ابن عمر لو وجدت فيه ~~قاتل [أبي ما تعرضت له وفي ms1055 لفظ آخر: ما ندهته، وروي مثله عن عائشة، وقال: ~~ابن عباس أيضا: لو وجدت فيه] (¬1)، قاتل أبي ما عرضت له. # وقال أبو يوسف ومالك وجماعة من العلماء: يخرج فيقام عليه الحد، وروى مثله ~~عن عائشة، وحكاه القاضي عن الحسن ومجاهد، وابن الزبير وحماد لقوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "اقتلوه ولو تعلقوا بأستار الكعبة" (¬2)، أي وإن كان ~~لقائل أن يقول إن ذلك كان خاصا به كما سلف. ولم يخالف أبو حنيفة في إقامة ~~الحدود بالحرم غير حد القتل خاصة، وقد أخرج ابن الزبير قوما في الحرم إلى ~~الحل فصلبهم (¬3). # وقال حماد بن أبي سليمان: من قتل ثم لجأ إلى الحرم يخرج منه فيقتل، وأما ~~من تعدى عليه في الحرم فليدفع عن نفسه. قال تعالي: {ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} (¬4) الآية. # وقال ابن الجوزي: انعقد الإجماع على أن من جنا في الحرم يقاد منه فيه ولا ~~بؤمن لأنه هتك حرمة الحرم ورد الأمان. PageV06P111 # واختلف فيمن ارتكب جناية خارج الحرم، ثم لجأ إليه فروي عن أبي حنيفة ~~وأحمد أنه لا يقام عليه الحد فيه، ويلجأ إلى الخروج إلى الحل، ويمنع ~~المعاملة والمبايعة حتى يضطر إلى الخروج فيخرج إلى الحل فيقام عليه الحد ~~فيه، ونقل هذا عن ابن الجوزي القرطبي في "مفهمه" (¬1) وأقره. # ومذهب [مالك] (¬2) والشافعي وغيرهما جوازه. # ونقل ابن حزم في "محلاه" عن عمر وابنه عبد الله، وابن عباس وابن الزبير، ~~وأبو شريح المنع، ثم قال: ولا مخالف لهم من الصحابة ثم نقل عن عطاء ومجاهد ~~وسعيد بن جبير والزهري وغيرهم من التابعين موافقتهم، قال: وقد خالف مالك ~~والشافعي في هذا هؤلاء الصحابة والكتاب والسنة، وسيأتي لنا عود إلى هذه ~~المسألة في الباب الآتي إن شاء الله ذلك وقدره (¬3). # [السابع عشر] (¬4): قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا يعضد بها شجرة" أي ~~يقطع بالعضد وهو سيف يمتهن في قطع الشجر، ويقال: المعضاد أيضا يقال: [فيه] ~~(¬5) عضد بالفتح يعضد بالكسر كضرب يضرب، ويعضد بالضم، إذا أعاد، والمعاضدة: ~~المعاونة فقوله: "ولا يعضد" هو بكسر الضاد ms1056 فقط (¬6)، وعليه اقتصر PageV06P112 # الشيخ تقي الدين ومن تابعه. # والشجر: ما كان على ساق. # [الثامن عشر] (¬1): فيه دلالة على تحريم قطع شجر الحرم وهو إجماع فيما لا ~~يستنبته الآدميون في العادة وسواء الكلأ وغيره وسواء كان له شوك يؤذي أم لا. # وقال جمهور أصحاب الشافعي: لا يحرم قطع الشوك لأنه مؤذ فأشبه الفواسق ~~الخمس، ويخصون الحديث بالقياس وصحح المتولي منهم التحريم مطلقا وهو القوي ~~دليلا لقوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الثاني: "لا يعضد شوكه"، ولأن ~~غالب شجر الحرم ذو شوك والقياس المذكور ضعيف لقيام الفارق، وهو أن الفواسق ~~الخمس تقصد الأذى بخلاف الشجر، أما ما يستنبته الآدميون فالأصح عند ~~الشافعية إلحاقه بما لا يستنبت. # قال الخطابي (¬2): وسمعت أصحاب أبي حنيفة يجعلون النهي مصروفا إلى ما ~~ينبته الله عز وجل دون غيره. قال الفاكهي: وهو مذهب مالك. # [فروع] (¬3): لو قطع ما يحرم قطعه هل يضمنه؟ # قال مالك: لا ويأثم. PageV06P113 # وقال الشافعي وأبو حنيفة: نعم. # ثم اختلفا فقال الشافعي: في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة كما ~~جاء عن ابن عباس وابن الزبير وبه قال أحمد، وهو راد على قول الفاكهي ناصرا ~~لمذهبه لم يرد [شرع] (¬1) بذلك. # وقال أبو حنيفة: الواجب في الجميع القيمة. # قال الشافعي: ويضمن الخلا بالقيمة. # فرع: يجوز عند الشافعي ومن وافقه رعى البهائم في كلأ الشجر. # وقال أبو حنيفة، وأحمد، ومحمد: لا يجوز. # [التاسع عشر] (¬2): قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فلا يحل لامرىء يؤمن ~~بالله واليوم الآخر"، قد يتوهم منه أن فيه دلالة على أن الكفار ليسوا ~~بمخاطبين بفروع الشريعة والصحيح عند [أكثر] (¬3) الأصوليين أنهم مخاطبون. # وأجاب بعضهم: عن هذا التوهم بأن المؤمن هو الذي ينقاد لأحكامنا وينزجر عن ~~محرمات شرعنا ويستثمر أحكامه فجعل الكلام فيه، وليس فيه أن غير المؤمن لا ~~يكون مخاطبا بالفروع، وقد جاء مثل هذا في الأحاديث كثيرا لقوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره"، PageV06P114 # وكقوله في الحديث السابق: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~تسافر" الحديث. # قال ms1057 الشيخ تقي الدين: والذي أراه أن هذا الكلام من باب خطاب التهييج فإن ~~مقتضاه أن استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر بل ~~ينافيه فهذا هو المقتضى لذكر هذا الوصف ولو قيل لا يحل لأحد مطلقا لم يحصل ~~به هذا الغرض. وخطاب التهييج معلوم عند علماء البيان، ومنه قوله تعالى: ~~{وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} (¬1)، إلى غير ذلك مما يناسبه من الآي. # [الحادي والعشرون] (¬2): "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -" أحد فاعل بفعل مضمر يفسره ما بعده أي فإن ترخص أحد ترخص. # وفيه دلالة على أن مكة [شرفها الله تعالى] (¬3) فتحت عنوة وهو قول ~~الأكثرين. # وقال الشافعي وغيره: فتحت صلحا وتأولوا الحديث على أن الفتال كان جائزا ~~له -عليه الصلاة والسلام- فيها, ولو احتاج إليه لفعله ولكن ما احتاج إليه. # قال الشيخ تقي الدين: وهذا التأويل يضعف قوله: "فإن أحد ترخص بقتال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -" فإنه يقتضي وجود قتال منه ظاهرا PageV06P115 # وأيضا السير التي دلت على وقوع القتال، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "من ~~دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (¬1)، إلى غيره من الأمان المعلق على أشياء ~~مخصوصة، تبعد هذا التأويل أيضا. # وتوسط الماوردي (¬2) في المسألة فقال: عندي أن أسفلها دخله خالد بن ~~الوليد عنوة، وأعلاها دخله الزبير بن العوام صلحا، ودخلها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من جهته، فصار حكم جهته الأغلب، ولم يغتنم أسفل مكة لأن القتال ~~كان على جبالها ولم يكن بها. # قال الخطابي (¬3): وتأول [بعضهم] (¬4) قوله -عليه الصلاة والسلام- في ~~رواية أخرى: "إنما أحلت لي ساعة من نهار" (¬5)، معنى دخوله إياها من غير ~~إحرام، لأنه -عليه الصلاة والسلام- دخلها، وعليه عمامة سوداء (¬6). PageV06P116 # وقيل: إنما أحلت له في تلك الساعة إراقة الدم دون الصيد، وقطع الشجر ~~وسائر ما حرم على الناس منه. # [الحادي والعشرون] (¬1): قوله: "فليبلغ الشاهد الغائب" فيه تصريح بنقل ~~العلم وإشاعة السنن والأحكام وهو إجماع، وكل من حضر شيئا وعاينه فقد شهده، ~~وقيل: له شاهد. والغائب: من ms1058 غاب عنه وهذا اللفظ جاءت به أحاديث كثيرا، وقد ~~أمر الله تعالى نبيه -عليه أفضل الصلاة والسلام- في كتابه بالتبليغ وحث ~~عليه في غير آية من النصيحة لله ولرسوله وإقامة الكتاب. قال تعالى: {يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من} (¬2)، وقال تعالى: {إذا نصحوا لله ~~ورسوله} (¬3). وقال تعالى: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليهم من ربهم} (¬4). ومن جملة ذلك كله البلاغ. # [الثاني والعشرون] (¬5): قول عمرو لأبي شريح: "أنا أعلم بذلك منك"، إلى ~~آخره، هو كلامه ولم يسنده إلى رواية، وقد شنع عليه ابن حزم [في ذلك] (¬6) ~~في "محلاه" في كتاب الجنايات (¬7)، فقال: لا كرامة للطيم الشيطان، الشرطي ~~الفاسق، يريد أن يكون PageV06P117 # أعلم من صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: وهذا الفاسق هو ~~العاصي لله ولرسوله، ومن ولاه أو قلده وما حامل الحرمة في الدنيا والآخرة ~~إلا هو ومن أمره وأيده وصوب قوله. # وقال القرطبي (¬1) أيضا: قول عمرو ليس بصحيح للذي تمسك به أبو شريح، ولما ~~في حديث ابن عباس يعني الآتي، وحاصل كلام عمرو: أنه تأويل غير معضود بدليل. # [الثالث والعشرون] (¬2): معنى: "لا يعيذ عاصيا" لا يعصمه والاستعاذة: ~~الاستجارة بالشيء والاعتصام به، يقال: منه عاذ يعوذ ومعاذا وعياذا وأعاذه ~~غيره يعيذه، وقد تقدم الكلام على هذه المادة أيضا في أول باب (¬3) ~~الاستطابة. # [الرابع والعشرون] (¬4): الفار: الهارب. # والخربة: بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء على المشهور (¬5)، ويقال: بضم ~~الخاء (¬6) ورواه بعضهم كما ذكره ابن بزيزة بخرية بالياء المثناة، وأصلها ~~سرقة الإبل كما ذكرها المصنف وتطلق على كل جناية سواء كانت في الإبل أو ~~غيرها. PageV06P118 # وفي "صحيح البخاري" (¬1): أنها البلية. # وقال الخليل: هي الفساد في الدين من الخارب وهو اللص المفسد في الأرض. # وقيل: هو العيب. # [الخامس والعشرون] (¬2): في الحديث دلالة واضحة على تحريم مكة. # واختلف العلماء في ابتداء تحريمها فالأكثرون: على أنها لم تزل محرمة من ~~يوم خلق السموات والأرض. # وقيل: إن إبراهيم أول من حرمها. # استدل الجمهور: بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن هذا البلد حرمه الله ~~يوم ms1059 خلق السموات والأرض". # واستدل القائل بالثاني: بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن إبراهيم حرم مكة". # وأجاب الجمهور عنه: بأن تحريمها كان ثابتا يوم خلق السموات والأرض، ثم ~~خفى تحريمها ثم أظهره إبراهيم وأشاعه، لا أنه ابتدؤه. # وأجاب القائل بالثاني: بأن معناه أن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ أو ~~غيره يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة بأمر الله تعالى أي ~~ويكون ذكر إبراهيم لتبؤه بنيانه لأنه بناه وطهره، للطائفين والعاكفين ~~والركع والسجود. PageV06P119 # وقال القرطبي (¬1): قوله في هذا الحديث: "إن الله حرم مكة ولم يحرمها"، ~~يعني أنه حرمها ابتداء من غير سبب يعزي إلى أحد ولا [تقدمه] (¬2)، ولا لأحد ~~فيه مدخل، لا نبي ولا عالم، ولا مجتهد، وأكد ذلك المعنى بقوله: "ولم يحرمها ~~الناس"، لا يقال: فهذا يعارضه الحديث الآخر: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة ~~وإني حرمت المدينة"، لأنا نقول: إنما نسب الحكم هنا لإبراهيم لأنه [بلغ] ~~(¬3)، وكذلك نسبته لنبينا -عليه الصلاة والسلام-. كما قد ينسب الحكم للقاضي ~~لأنه منفذه، والحكم لله العلي الكبير بحكم الأصالة والحقيقة. وما أحسن ما ~~ذكره وأعلاه، وبه يزول التعارض ولله الحمد. # [السادس والعشرون] (¬4): أيضا ما أكرم الله به رسوله -عليه أفضل الصلاة ~~والسلام- من تحليل القتال له بمكة ساعة من نهار، وأنه استمر تحريمها إلى ~~يوم القيامة. # [السابع والعشرون] (¬5): فيه أيضا أن الاعتصام إنما هو بالشرع وأتباعه ~~وأن الأماكن الشريفة ونحوها من الأنساب والخلفاء لا تمنع من حق أوجبه الله ~~تعالى ولا يعيذ من حدوده وعقابه. # ... PageV06P120 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 219/ 2/ 44 - عن ابن عباس -رضي الله عنهما-[قال] (¬1): قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -[يوم فتح مكة] (¬2) -: "لا هجرة [بعد الفتح] (¬3) ولكن ~~جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا"، وقال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه ~~الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه ~~لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم تحل ليس إلا ساعة من نهار (¬4) فهو حرام ~~بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط ms1060 لقطته ~~إلا من عرفها ولا يختلا خلاه". فقال العباس: يا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: "إلا الإذخر" (¬5). PageV06P121 # [القين: الحداد] (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: "يوم الفتح" هو فتح مكة وقد سلف في الحديث قبله تاريخه. # الثاني: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة وفي ~~تأويل هذا الحديث قولان: # أحدها: "لا هجرة بعد الفتح" من مكة لأنها صارت دار إسلام وإنما تكون ~~الهجرة من دار الحرب وهذا يتضمن معجزة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بأنها تبقى دار إسلام لا يتصور منها الهجرة بخلاف ما كانت أولا وبهذا جزم ~~الشيخ تقي الدين في "شرحه" (¬2) قال: وإن لم يكن النفي من هذه الجهة فيكون ~~حكما ورد لرفع وجوب هجرة أخرى بغير هذا السبب. # [الثاني] (¬3): معناه "لا هجرة بعد الفتح" فضلها كفضلها قبله كما قال ~~تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} (¬4). وقد أسلفنا في ~~حديث: "إنما الأعمال بالنيات"، وأقسام الهجرة فراجعها منه وكذا اشتقاقها. PageV06P122 # الثالث: قوله: "ولكن جهاد ونية" فيه احتمالان ذكرهما الشيخ تقي الدين: # أحدها: أن يريد أن معناه ولكن جهاد ونية خالصة أن جهاده لتكون كلمة الله ~~هي العليا لا لسمعة واكتساب حطام إذ العمل مع غير النية الخالصة كالعدم. # ثانيهما: أن يريد ولكن جهادا بالفعل أو نية الجهاد لمن لم يفعل. كما قال ~~-عليه الصلاة والسلام-: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة ~~من النفاق" (¬1). # وقال النووي في "شرح مسلم" (¬2): معناه ولكن لكم طريق إلى تحصيل الفضائل ~~التي في معنى الهجرة وذلك بالجهاد ونية الخير في كل شيء. # الرابع: قوله: "إذا استنفرتم فانفروا" أي إذا طلبتم للجهاد فأجيبوا ولا ~~شك أنه قد تتعين الإجابة والمبادرة إلى الجهاد في بعض الصور فأما إذا عين ~~الإمام بعض الناس إلى فرض الكفاية فهل يتعين عليه؟ اختلفوا فيه. كما حكاه ~~الشيخ تقي الدين (¬3)، قال: ولعله يؤخذ من لفظ الحديث الوجوب في حق من عين ~~للجهاد، ms1061 ويؤخذ غيره بالقياس. PageV06P123 # وعند المالكية وغيرهم حكاية قولين: في أن الجهاد هل يسقط فرضه على الجملة ~~إلا أن تقدح قادحة أو يطرق عدوا قوما وهو باق؟ # والأصح عند الشافعية: أنه كان في عهده -عليه الصلاة والسلام- فرض كفاية ~~وأما بعده فقد يكون فرض عين وقد يكون كفاية ومحل بسط ذلك كتب الفروع. # قال القرطبي (¬1): الحديث دال على بقاء فرض الجهاد وتأبيده خلافا لمن ~~أنكر فرضيته. # الخامس: قوله: "إن هذا البلد حرمه [الله] (¬2) " قد قدمت الكلام عليه مع ~~ما قد يعارضه فراجعه. # ومعنى: "حرمه الله" أي حرم على المحرم وغيره الاصطياد فيه وعلى غير ~~المحرم دخوله إلا أن يحرم ويجري هذا مجرى قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} ~~(¬3) أي وطئهن، و {حرمت عليكم الميتة} (¬4) أي أكلها فعرف [الاستعمال]، ~~(¬5) دال على تعيين المحذوف وقد دل على صحة هذا المعنى اعتذاره -عليه ~~السلام- عن دخول مكة غير محرم معللا أنه لم تحل له إلا ساعة من نهار PageV06P124 # الحديث، وبهذا أخذ مالك والشافعي في [أحد] (¬1) قوليهما. # وكثير من أصحابهما، قالوا: لا يجوز لأحد أن يدخل مكة إلا محرما إلا أن ~~يتكرر دخوله كحطاب وصياد وقد أجاز دخولها بغير إحرام ابن شهاب والحسن ~~والقاسم، وروى عن مالك والشافعي [والليث] (¬2) وقال بذلك أبو حنيفة: إلا ~~لمن منزله وراء المواقيت ولا يدخلها إلا بإحرام. # واتفق الكل على أن من أراد الحج والعمرة أنه لا يدخلها إلا محرما. # ثم اختلف أهل القول الأول في من دخلها غير محرم. # فقال مالك والشافعي وأبو ثور: أنه لا دم عليه. # وقال الثوري وعطاء والحسن بن حي: يلزمه حج أو عمرة ونحوه. # قال أبو حنيفة: فيمن منزله وراء الميقات. # قال القاضي عياض: ولم يختلف في دخوله -عليه السلام- أنه كان حلالا لدخوله ~~والمغفر على رأسه ولأنه دخلها محاربا حاملا للسلاح هو وأصحابه ولم يختلفوا ~~في تخصيصه به. # وكذلك لم يختلفوا في أن من دخلها لحرب أو بغى أنه لا يحل له أن يدخلها ~~حلالا PageV06P125 # قلت: لا. ففيه قول للشافعي أن الخائف من القتال لا يجب عليه ms1062 الإحرام وهو ~~الأصح عند أصحابه أيضا. # السادس: قوله: "فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال ~~فيه لأحد بعدي" يشتمل على تحريم القتال وعلى أنه ثابت لا ينسخ وقد تقدم ما ~~في تحريم القتال وإباحته في الحديث الذي قبله. وفي رواية لمسلم "القتل" بدل ~~(¬1) "القتال"، والضمير في "أنه" ضمير الأمر: الشأن. # السابع: قوله: "لا يعضد شوكه" قد تقدم ما فيه في الحديث قبله (¬2). وكأنه ~~من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى لأنه إذا منع من قطع الشوك المؤذى فأحرى ~~أن يمنع من قطع ما ينتفع به وهو يقارب قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} (¬3). # الثامن: قوله: "ولا ينفر صيده" أي لا يزعج عن مكانه ولا يعرض له. # قال عكرمة: هو أن ينحيه من الظل ينزل مكانه رواه البخاري عنه (¬4). # قال العلماء: ونبه بالنهي عن الإزعاج من مكانه وتنحيته عنه على الإتلاف ~~وسائر أنواع الأذى، تنبيها بالأدنى على الأعلى فإنه إذا حرم الإزعاج ~~والتنحية فغيره أولى إذ المراد بالصيد هنا المصيد. PageV06P126 # وانفرد داود فقال: إن صيد الحلال في الحرم لا يوجب الجزاء. # واختلفوا: في الحلال إذا صاد صيدا في الحل ثم أتى به الحرم وأراد ذبحه به ~~فأجاز ذلك مالك لأن ما كان تحت اليد والقهر لا يسمى مصيدا فلم يكن داخلا في ~~قوله: "ولا ينفر صيده". # ومنعه أبو حنيفة، [وقال: يرسله] (¬1) ووافقه أحمد. # وقال المازري (¬2): واختلفوا فيمن صاد في الحرم هل يدخل في جزائه الصيام؟ ~~فأثبته مالك ونفاه أبو حنيفة، ولمالك عموم الآية (¬3)، وفيها الصيام. # قال القاضي (¬4): ولا خلاف أنه إذا نفره فسلم أنه لا جزاء عليه إلا أن ~~يهلك لكن عليه الإثم لمخالفة نهيه -عليه الصلاة والسلام-، إلا شيء، روى عن ~~عطاء أنه يطعم. # التاسع: "ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها" اللقطة: الشي الملقوط وهو بفتح ~~القاف على [المسموع] (¬5) من العرب وعليه أجمع أهل اللغة، ويقال: بإسكانها ~~نقله الأزهري (¬6) عن الخليل، وقاله الأصمعي والفراء وابن الأعرابي. PageV06P127 # وحكى ابن مالك (¬1) أيضا: لقاطة [بضم اللام] (¬2) ولقطة [بفتحها وفتح ~~القاف ms1063 بلا هاء] (¬3) ونضمها في بيت فقال: # لقاطة ولقطة [ولقطة] (¬4) ... ولقط ما لاقط قد لقطه # ومعنى الحديث: لا تحل لقطة حرم مكة إلا لمن يريد أن يعرفها أبدا من غير ~~توقيت سنة ثم يتملكها كغيرها من البلاد، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره "لا ~~تحل لقطتها إلا لمنشد" وهو المعرف مطلقا، وكذا ذكره المصنف في باب القصاص ~~(¬5) "ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد". # وأما ناشدها فهو طالبها وأصل النشيد والإنشاد: رفع الصوت. # وذهب مالك وبعض الشافعية (¬6): إلى أنها كغيرها في التعريف والتملك. # وحمل المازري (¬7) الحديث على المبالغة في التعريف لأن PageV06P128 # الحاج يرجع إلى بلده وهو لا يعود إلا بعد أعوام فتدعوا الضرورة لإطالة ~~التعريف بها بخلاف غير مكة. # وذهب إلى الأول الشافعي وابن مهدي وأبو عبيد والداودي والباجي (¬1) وابن ~~العربي. # قال القرطبي: في "مفهمه" (¬2) وهو أظهر. # وقال النووي (¬3): من خالف الحديث أوله بتأويلات ضعيفة. # العاشر: "الخلى" (¬4) بالقصر وفتح الخاء الرطب من الكلأ، الواحدة خلاوة. ~~واختلاؤه قطعه. قال أهل اللغة: الكلى والعشب اسم للرطب منه، والحشيش ~~والهشيم: اسم لليابس منه، والكلأ: مهموز مقصور يقع على الرطب واليابس. # وقال ابن مكي (¬5) وغيره: من أهل اللغة ما يلحن العوام فيه إطلاقهم ~~الحشيش على الرطب وهو مختص باليابس. # قلت: قد حكى البطليوسي في "شرح أدب الكاتب" (¬6) عن PageV06P129 # أبي حاتم أنه سأل أبا عبيدة عن الحشيش، فقال: يكون للرطب واليابس. # وحكى الأزهري (¬1) أيضا عن بعضهم: إطلاقه على الرطب أيضا فإذا تقرر ذلك ~~فالرطب يحرم قطعه وقلعه واليابس لا يحرم إلا قلعه [خاصة] (¬2). # الحادي عشر: "العباس": هو عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ذكرت نبذة ~~من أخباره في الحديث الخامس من كتاب الزكاة. # الثاني عشر: "الإذخر": بكسر الهمزة والذال والخاء المعجمتين نبت معروف ~~طيب الرائحة يشبه الحلفاء. # "والقين" الحداد كما ذكره المصنف وإنما ذكر القين لأنه يحتاج إليه في عمل ~~النار، وفي معناه الصائغ وورد أيضا كذلك في رواية للبخاري (¬3) "فإنه ~~لصائغينا وقبورنا". # ومعنى كونه "لقبورهم" أن يسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات. # ومعنى كونه "لبيوتهم" ms1064 لأجل تسقيفها من فوق الخشب، ولو قطع للحاجة التي ~~يقطع الإذخر كتسقيف البيوت ونحوه ففيه الخلاف في قطعه للدواء، وصححوا فيه ~~الجواز، لا جرم جوز "الحاوي الصغير" القطع للحاجة مطلقا ولم يخصه بالدواء ~~[فيدخل فيه قطع PageV06P130 # الأشجار النابتة في الحوائط لما فيه من إصلاح الثمار بذلك وبه صرح بعض ~~الفقهاء، وقال: يجوز أيضا قطع ثمر المقل ما لم يدرك وهو النهس وقطع الشجر ~~للبناء] (¬1). # الثالث عشر: إجابته -عليه الصلاة والسلام- للعباس بذلك على الفور يحتمل ~~أنه باجتهاد منه أو بتفويض الحكم إليه من الله -تعالى- وهو قول بعض ~~الأصوليين ومن منع ذلك منهم، قال: يجوز أن يكون موحي إليه في زمن يسير فإن ~~الوحي القاء في خفية [بواسطة الملك وهو خاص بالأنبياء والذي بالألهام يقع ~~للأولياء ومنه الحديث "إن من متى ملهمين وإنك منهم يا عمر" (¬2)] (¬3) وقد ~~يظهر وقد لا يظهر وقد يورد على هذا أن يقال إذا كانت مكة مما حرمها الله ~~تعالى ولم يحرمها الناس فكيف لأحد أن يحكم بحلية شيء منها وقد حرمها الله. # والجواب: كما قال القرطبي (¬4) أن الذي حرمه الله هو ما عدا المستثنى ~~[منه] (¬5)، لأنه لما جعل لنبيه التخصيص مع علمه بأنه يخصص كذا، فالمحكوم ~~به لله تعالى هو ما عدا ذلك المخصص. # الرابع عشر: في الحديث أحكام: # أحدها: رفع وجوب الهجرة [لغير الصحابة وغيرهم من مكة إلى المدينة بعد ~~الفتح كما سلف. PageV06P131 # ثانيها] (¬1): أن حكم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام باق إلى يوم ~~القيامة وجوبا أو ندبا. # ثالثها: أن الجهاد بقصد الإخلاص لله -تعالى- والطاعة له مطلوبان إلى يوم ~~القيامة. # رابعها: وجوب [النفر] (¬2) مع كل إمام برا أو فاجرا. # خامسها: تحريم مكة وحرمها بتحريم الله تعالى إلى يوم القيامة. # سادسها: تحريم القتال فيه. # سابعها: [أن التحريم والتحليل لا يعلمان إلا بالشرع] (¬3). # [ثامنها: تحريم قطع شجر الحرم] (¬4). # [ثامنها] (¬5): تحريم تنفير صيده وتنحيته من موضعه. # [تاسعها]: تحريم لقطته إلا بقصد التعريف دائما على ما سلف. # [عاشرها]: تحريم قطع الرطب من الخلى وقلعه. # [الحادي عشر]: الإذخر من ms1065 الخلى. PageV06P132 # [الثاني عشر]: جواز تخصيص العام. # [الثالث عشر]: جواز تعليل الحكم من السائل ليقع الجواب على تقدير الحكم ~~والعلة. # [الرابع عشر]: الجواب على الفور إذا كان عالما به من غير تأن. خصوصا إذا ~~اقتضته المصلحة. # [الخامس عشر]: مراعاة المصالح العامة والتنبيه عليها من الأئمة والكبار. # [السادس عشر]: المبادرة إليها خصوصا في المجامع والمشاهد وابتداء الأمر. # [السابع عشر]: أن تحريم الله تعالى وتحليله يطلقان بما في اللوح المحفوظ ~~وبمعنى الظهور وأن الإطلاق جائز لمن علمه على ما سبق في الكلام على تحريم ~~مكة في الحديث الذي قبله. # *** PageV06P133 ### || AUTO 45 - باب ما يجوز قتله # 220/ 1 /45 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، ~~والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" (¬1). # ولمسلم: "يقتل خمس فواسق في الحل والحرم" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: اللفظ الأول (¬3) الذي أورده هو لفظ البخاري ولفظ مسلم كذلك إلا ~~أنه قال: "فواسق" بدل "فاسق". PageV06P134 # واللفظ الثاني: الذي عزاه إلى مسلم ليس هو فيه وإنما لفظه: "خمس فواسق ~~يقتلن في الحل والحرم". # وفي رواية "في الحرم" نعم، في رواية له عنها قالت: "أمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بقتل خمس فواسق في الحل والحرم". وحينئذ فاللفظ المذكور ~~ليس لفظه - صلى الله عليه وسلم - بل لفظ [كلام] (¬1) الراوي، فعلى المصنف ~~في [إيراده] (¬2) من هذا الوجه مؤاخذة فتأملها. # ثم اعلم بعد ذلك أن مسلما زاد في بعض (¬3) رواياته "الحية" وأسقط ~~"العقرب" وفي رواية له تقييد "الغراب بالأبقع" وهو الذي في ظهره [وبطنه] ~~(¬4) بياض. # والصحيح عند الشافعية: تحريم أكل الغراب الأسود وحل غراب الزرع وفي ~~الغراب الصغير وجهان ظاهر ما في الرافعي حله وصريح أصل "الروضة" (¬5) ~~تحريمه. # قال القاضي (¬6): وذكر في غير مسلم "الأفعى" فجاءت سبعة. # قلت: لا. فإن "الحية" تناولت "الأفعى" وغيرها من جنسها وإنما هو خلاف ~~لفظي وقد نبه على ذلك PageV06P135 # القرطبي (¬1). PageV06P136 # ثانيها: "الدواب": جمع دابة وأصلها داببة كقائمة فأدغمت الباء الأولى في ~~الثانية، وكل ماش ms1066 على الأرض فهو دابة. # ثالثها: أصل الفسق في كلام العرب الخروج من قولهم فسقت الرطبة إذا خرجت ~~عن قشرها، وفسق عن أمر ربه أي خرج عنه. # يفسق ويفسق بالكسر والضم فسقا وفسوقا. # قال ابن الأعرابي: ولم يسمع في كلام الجاهلية ولا في شعرهم فاسق [قال] ~~(¬1) وهذا عجيب، والفسيق: الدائم الفسق. # ووصفت هذه الدواب بالفسق لخروجها بالإيذاء والإفساد عن طريق معظم الدواب، ~~قاله النووي (¬2)، قال: وقيل لخروجها عن حكم الحيوان في تحريم قتله في ~~الحرم، والإحرام، والصلاة. وجزم بهذا القرطبي (¬3)، ثم قال: ويحتمل أن ~~يقال: سميت بذلك لخروجهن من جحرهن لا ضرار بني آدم. # وقال القاضي (¬4): في القول الثاني [هو] (¬5) أولى من قول الفراء، سميت ~~الفأرة بذلك لخروجها عن جحرها واغتيالها الناس في أموالهم. PageV06P137 # وقول ابن قتيبة: سمي الغراب بذلك لتخلفه عن نوح -عليه الصلاة والسلام- إذ ~~لا يسمى كل متخلف وكل خارج فاسقا عرفا. وكذلك قول من قال سميت بذلك من ~~التحريم لقوله تعالى بعد ذكر المحرمات {ذلكم فسق} (¬1)، ولقوله: {أو فسقا ~~[أهل لغير الله به} (¬2)] (¬3)، إذ ليس المراد هنا بالفسق مجرد الأكل بل ~~الأفعال المنهي عنها. # قلت: وأكد فسقهن بقوله: "كلهن فاسق". # خامسها: المراد بالحرم: ما أطاف بمكة شرفها الله تعالى وأحاط بها من ~~جوانبها جعل الله عز وجل له حكمها في الحرمة تشريفا له وهو محدود معروف ~~عليه علامات من جوانبه كلها ومنصوب عليه أنصاب. # وذكر الأزرقي في "تاريخ مكة" بأسانيده وغيره أن إبراهيم الخليل عملها ~~وجبريل يريه مواضعها ثم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه بتجديدها ثم ~~عمر ثم عثمان ثم معاوية -رضي الله عنهم- وهي إلى الآن سنة ولله الحمد. # والمراد بالحل: ما عدا ذلك وقد ثبت في إباحة قتلهن في الإحرام أيضا حديث ~~ابن عمر في صحيح مسلم (¬4) ولفظه "خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم ~~والإحرام" فذكرهن. PageV06P138 # واختلف في ضبط الحرم في هذه الرواية, فضبطه جماعة من المحققين بفتح الحاء ~~والراء أي الحرم المشهور وهو حرم مكة. # وقيل: -بضم الحاء والراء- ولم يذكر القاضي عياض ms1067 في "مشارقه" وشرحه غيره، ~~قال: وهو جمع حرم كما قال تعالى: {وأنتم حرم} (¬1). قال: المراد من المواضع ~~المحرمة. # قال النووي (¬2): والفتح أظهر ووهم الصعبي في "شرحه" فنقل هذا الخلاف في ~~رواية المصنف وكذا بعض من علق على هذا الكتاب، والمحكي فيه الخلاف إنما هو ~~في رواية ابن عمر لا في رواية عائشة التي في الكتاب كما صرح به النووي في ~~"شرحه". # ثم إن الصعبي وقع له وهم آخر في هذا الوهم فقال: ضبطه جماعة من المحققين. ~~بفتح الحاء والراء ولم يذكر القاضي في "مشارقه" (¬3) غيره هذا لفظه ومن خطه ~~نقلته وسقط منه. وقيل: بضم الحاء والراء فإنه الذي لم يذكر القاضي غيره، ~~وكأنه انتقال نظري من الراء إلى الراء أو سقط من نسخته فتنبه له. # خامسها: "الغراب" معروف وجمعه في القلة: أغربة، وفي الكثرة: غربان. وقد ~~نظم ابن مالك جموعه [في بيت] (¬4) فقال: # بالغرب اجمع غرابا ثم أغربة ... وأغرب وغرابين وغربان PageV06P139 # سادسها "الحدأة": بكسر الحاء المهملة وفتح الدال كما ضبطه المصنف في بعض ~~النسخ مقصورة وبالهاء وجمعها حدأ كذلك بغير "هاء" كعنبة وعنب قاله ثعلب (¬1). # قال القاضي عياض: وقد يكون مفردا يراد به الذكر. # قال صاحب العين: وهي طائر يأكل الجرذان. # وقال ابن قتيبة: جمعها حداء وحدآن. # قال ابن سيده (¬2): والحدأ: أيضا بالكسر وبالمد جمع: الحدأة وهو نادر. # قال ابن درستويه: من العرب من يقول الحدو. # وقال الأزهري (¬3): كأنها لغة فيها. # قال ابن عديس: وهو الحدي. أيضا مثل القرى. # وأهل الحجاز: يقولون حديه، والجمع: حدادي. # وقال أبو حاتم: أهل الحجاز يخطئون فيقولون الحديا. # وحكى ابن الأعرابي حداية وحدا. # وحكى ابن الأنباري في "مقصوره" الحدأ جمع حدأة وربما فتحوا الحاء فقالوا ~~حدأة وحدأ والكسر أفصح. # وجاء في رواية لمسلم (¬4) "الحديا" بضم الحاء مقصور ومشدد الياء. PageV06P140 # قال ثابت: وصوابه الهمز على معنى التذكير وإلا فحقيقته "الحديثة" (¬1) ~~وكذا قيده الأصلي في صحيح البخاري (¬2) في موضع (¬3) "الحدية" على التسهيل ~~والإدغام. # سابعها: "العقرب" مؤنثة، ويقال: أيضا عقربة وعقرباء بالمد غير مصروف ~~وللذكر عقربان بضم العين ms1068 والراء. # ثامنها: "الفأرة" مهموز ويجوز تسهيلها معروفة. # تاسعها: "الكلب العقور" معروف وحمله زفر على الذئب وحده، وعداه الجمهور ~~إلى كل عاد مفترس غالبا. وروى سعيد بن منصور عن أبي هريرة "أنه الأسد". # ومعنى العقور: العاقر الجارح. # عاشرها: في رواية مسلم التي ذكرناها "خمس فواسق يقتلن" هو بتنوين "خمس"، ~~وقول عائشة الذي نبهنا عليه "بقتل خمس فواسق" هو بإضافة "خمس" لا بتنوينه ~~كما ضبطه النووي في "شرح مسلم" (¬4). # وقال الشيخ تقي الدين (¬5): المشهور في الرواية "خمس" بالتنوين أي ~~"وفواسق" صفة له، ويجوز: "خمس فواسق" بالإضافة PageV06P141 # من غير تنوين، قال: و [في] (¬1) رواية المصنف يعني الأولى يدل على صحة ~~المشهور، فإنه أخبر عن "خمس" بقوله: "كلهن فاسق" [وذلك] (¬2) يقتضي أن ينون ~~"خمس" وتكون "فواسق" خبرا، وبين التنوين والإضافة في هذا فرق دقيق في ~~[المعنى] (¬3)، وذلك أن الإضافة تقتضي الحكم على خمس من الفواسق بالقتل، ~~وربما أشعر التخصيص بخلاف الحكم في غيرها بطريق المفهوم .. [وأما] (¬4) مع ~~التنوين [فإنه] (¬5) يقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى وقد يشعر بأن ~~الحكم المرتب على ذلك -وهو القتل- معلل بما جعل وصفا، وهو الفسق. فيقتضي ~~ذلك التعميم لكل فاسق من الدواب وهو ضد ما اقتضاه الأول من المفهوم، وهو ~~التخصيص. # حادي عشر: [لا] (¬6) خلاف في استعمال هذا الحديث والأخذ به في جواز قتل ~~الست المذكورة في الحل والحرم إلا شذوذا، روى عن علي ومجاهد أنه لا يقتل ~~الغراب ولكن يرمي ولا يصح عن علي، وروى في ذلك حديث فيما يقتل المحرم ~~"ويرمي الغراب ولا يقتله" (¬7). أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه. PageV06P142 # وقالت طائفة: لا يقتل [من] (¬1) الغربان إلا الأبقع للرواية السالفة التي ~~أسلفناها. # وحكى الباجي (¬2): عن النخعي أنه لا تقتل الفأرة وإن قتلها فداها وهو ~~خلاف النص. PageV06P143 # وحكى الخطابي (¬1): عن مالك أنه لا يقتل الغراب الصغير وتأوله على نوع من ~~الغربان يأكل الجيف. # قال القاضي (¬2): هو عندي تحريف على مالك من قوله في قتل صغارها -يعني ~~فراخها- فإن مالكا وكثيرا من أصحابه يقولون: لا يقتلها المحرم حتى تكبر ms1069 ~~وتؤذى، [ولم يرد بذلك جنسا من الغربان صغارا]. # واختلف العلماء في معنى جواز قتلهن مع اتفاقهم على أنه يجوز للمحرم أن ~~يقتل ما في معناهن. # فقال الشافعي: المعنى فيه كونهن غير مأكولات فكل ما لا يؤكل ولا هو متولد ~~من مأكول وغيره فقتله جائز للمحرم ولا فدية عليه. # وقال مالك: المعنى فيهن كونهن مؤذيات فكل مؤذ يجوز للمحرم قتله وما لا فلا. # قال الشيخ تقي الدين (¬3): وهذا عندي فيه نظر فإن جواز القتل غير جواز ~~الاصطياد وإنما يرى الشافعي جواز الاصطياد وعدم وجوب الجزاء بالقتل لغير ~~المأكول، وأما جواز الإقدام على قتل كل مأكول ما ليس فيه ضرر فغير هذا. وفي ~~كتب الحنفية الاقتصار على ما في الحديث وعدم التعدية، ونقل غير واحد من ~~المصنفين المخالفين PageV06P144 # لأبي حنيفة عنه أنه ألحق الذئب بها وعدوا ذلك من مناقضاته. # قلت: لا تناقض إن أرادوا المنصوص في الحديث مطلقا دون ما في حديث عائشة ~~هذا ونحوه. وقد روى أبو داود (¬1) في "مراسيله" عن سعيد بن المسيب رفعه ~~يقتل المحرم الذئب، ورواه الدارقطني (¬2) مرفوعا من رواية ابن عمر وفيه ~~الحجاج بن أرطأة. # نعم بمقتضى مذهب أبي حنيفة الذي حكيناه. أنه لا يجوز اصطياد الأسد والنمر ~~وما في معناها من بقية السباع العادية وأصحاب الشافعي يردون هذا بظهور ~~المعنى في المنصوص عليه في الحديث وهو الأذى الطبيعي والعدوان المركب في ~~هذه الحيوانات، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه عداه القائسون إلى كل ما ~~وجد فيه معنى ذلك الحكم كما في الأشياء الستة الموقوفات. وقد وافق أبو ~~حنيفة على التعدية فيها، وإن اختلف هو والشافعي في المعنى الذي تعدى به. # قال الشيخ تقي الدين (¬3): وأقول: المذكور ثم وهو تعليق PageV06P145 # الحكم بالألقاب، وهو لا يقتضي مفهوما عند الجمهور، فالتعدية لا تنافي ~~مقتضى اللفظ، والمذكور ههنا مفهوم عدد، وقد قال به جماعة، فيكون اللفظ ~~مقتضيا للتخصيص، وإلا بطلت فائدة التخصيص بالعدد، وعلى هذا المعنى [يقول] ~~(¬1) بعض مصنفي الحنفية في التخصيص بالمنصوص عليه في الحديث -أعني مفهوم ~~العدد- وذكر [غير] ms1070 (¬2) ذلك مع هذا أيضا. قال: واعلم أن التعدية بمعنى ~~الأذى إلى كل مؤذ قوي، بالإضافة إلى تصرف القائسين، فإنه ظاهر من جهة ~~الإيماء بالتعليل بالفسق، وهو الخروج عن الحد، وأما التعليل بحرمة الأكل ~~ففيه إبطال ما دل عليه إيماء النص من التعليل بالفسق لأن مقتضى [العلة] ~~(¬3) أن يتقيد الحكم بها وجودا وعدما فإن لم يتقيد وثبت الحكم حيث تقدم بطل ~~تأثيرها بخصوصها في الحكم حيث ثبت الحكم مع انتفائها وذلك بخلاف ما دل عليه ~~النص من التعليل بها. # قلت: وأما القاضي عياض (¬4) فنقل عن ظاهر كلام الجمهور أن المراد أعيان ~~ما ورد في الحديث لأمور اختصت بها، قال: وهو ظاهر قول مالك وأبي حنيفة ولذلك. # قال مالك (¬5): لا يقتل المحرم الوزغ وإن قتله فداه ولا خنزيرا PageV06P146 # ولا قردا مما لا ينطلق عليه اسم كلب إذ جعل الكلب صفة لا اسما، قال: وهو ~~قول العلماء كافة أنه لا يختص بالكلب نفسه، ولا من الطير ذوات المخالب سوى ~~ما ذكر، ورأى أن لفظ الكلب لا يختص بالإنسي وأنه ينطلق على كل عاد مفترس ~~غالبا كالسباع والنمور، والفهد والذئب ووافقه أكثر العلماء على أنه لم يرد ~~بالكلب المسمى به عرفا بل كل ما ينطلق هذا الاسم من السباع العادية ~~[المفترسة] (¬1) وهو قول الثوري وأحمد وابن عيينة وزيد بن أسلم، وإليه نحا ~~الشافعي ثم نقل عن أبي حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح والأوزاعي أنه يقصر ~~اسم الكلب على العرفي، وقالوا: الذئب مثله، وحمل زفر الكلب على الذئب وحده ~~كما سلف. قال: ونحا ابن القصار في تفسير المذهب إلى أن المراد بتعيين هذه ~~الفواسق التنبيه على ما شابهها في الأذى، وقاسوا على الكلب العقور سائر [ما ~~يتعدى] (¬2) للافتراس من السباع، وعلى الحدأة والغراب ما في معناهما وإنما ~~خصا لقربهما من الناس ولو وجد ذلك من الرخم والسنور لكانت مثلها، وبالفأرة ~~ما ضرره مثلها وأشد منها كالوزغ، وبالعقرب على الزنبور، وبالحية والأفعى ~~على ما أشبههما من ذوات السموم المهلكات. # ثم قال: وذهب الشافعي إلى أن التنبيه ms1071 بذكر ما ذكر على تحريم أكلهن وجعله ~~علة في كل ما يقتله المحرم فيقتل عنده كل سبع وكل ذي مخلب من الطير كالنسر ~~والرخم والبازي وكل ما ليس بصيد PageV06P147 # ويقتل صغار كل ذلك عنده وكباره ولا يقتل عنده الضبع والثعلب والهر لجواز ~~أكلها عنده. # قلت: الأصح عنده في الشهر المنع ولا يقتل السبع عنده ولا عند مالك لأنه ~~ليس مفترسا غالبا ولا مما سمى كلبا ولا عند أبي حنيفة لأنه ليس مما نص عليه. # واتفقوا على أنه إذا صال عليه فقتله لا فدية عليه سواء ما يباح قتله وما ~~لا يباح قتله، ابتداء فداه وإن صال عليه. قال: ووقع لبعض أصحابنا في سباع ~~الطير غير الغراب والحدأة أن على المحرم في قتلها الفدية وإن ابتدأ به ~~والمعروف خلافه. # وروى عن مالك في الغراب والحدأة لا يقتلها إلا أن يفديه، والمشهور ~~والظاهر من مذهبه خلافه. # وروى عنه أن الذئب لا يقتله ابتداء وكأنه ضعف عنده أمر افتراسه غالبا ولم ~~يختلف في قتل الحية والعقرب ولا في قتل الحلال الوزغ في الحرم. # قال مالك: ولو تركت لكثرت (¬1). وقد صرح مسلم بالأمر بقتلها في آخر صحيحه. # ولما حكى المازري، عن مالك أن المعنى في قتل هذه الفواسق كونها مضرة، قال ~~فذكر الكلب العقور [تنبيها على ما يضر PageV06P148 # بالأجسام على جهة الاختلاس] (¬1) (¬2) والحدأة والغراب للتنبيه على ما ~~يضر بالأموال مجاهرة، [وبالفأرة على ما يضر بها خفية] (¬3). # وقال الشيخ تقي الدين (¬4): من علل بالأذى عند من قال بالتعدية، قال نبه ~~بالحية والعقرب على ما يشاركهما في الأذى باللسع كالبرغوث مثلا عند بعضهم، ~~وبالفأرة على ما تؤذي بالنقب والقرض كابن عرس. # قلت: الأصح عند الشافعية حله. # ومذهب أبي حنيفة وأحمد: حرمته -وبالغراب والحدأة على ما يؤدي بالاختطاف ~~كالصقر والباز، وبالكلب العقور على كل عاد بطبعه كالأسد والفهد والنمر ~~وتكون الدلالة على المذكورات من باب التنبيه على أنواع الأذى وهو مختلف، ~~ومن قال بالتعدية إلى كل ما لا يؤكل في حال التخصيص في الذكر بهذه لما نص ms1072 ~~عليه على الغالب، فإنها الملابسات للناس والمخالطات في الدور، بحيث يعم ~~أذاها، فكان ذلك سببا للتخصيص، والتخصيص لأجل الغلبة [ليس له] (¬5) مفهوم ~~على ما عرف في الأصول، إلا أن خصومهم جعلوا هذا PageV06P149 # المعنى معترضا عليهم في تعدية الحكم إلى بقية السباع المؤذية وتقريره: أن ~~إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق قياسا شرطه مساواة الفرع للأصل أو رجحانه، أما ~~إذا انفرد الأصل بزيادة يمكن أن تعتبر، فلا إلحاق، ولما كانت هذه الأشياء ~~عادة الأذى -كما ذكرتم-[أمكن] (¬1) أن يكون ذلك سببا لإباحة قتلها لعموم ~~ضررها، وهذا المعنى معدوم فيما لا يعم ضرره مما لا يخالط في المنازل. فلا ~~تدعوا الحاجة إلى إباحة قتلها، كما دعت إلى إباحة قتل ما يخالط من ~~المؤذيات، فلا يلحق به. # وأجاب الأولون عن هذا بوجهين: # أحدهما: أن الكلب العقور أذاه نادر وقد أبيح قتله. # وثانيها: معارضة [الندور] (¬2) في غير هذه الأشياء بزيادة قوة الضرر. ألا ~~ترى أن تأثير [الفساد] (¬3) بالفأرة [بالنقب] (¬4) -مثلا- والحدأة تخطف ~~شيئا يسير لا يساوي ما في الأسد والفهد من إتلاف الأنفس؟ فكان بإباحة القتل أولى. # فرع: قالت الشافعية يكره للمحرم تنقية القمل من بدنه وثيابه ولا كراهة. # ويكره له أن يفلي رأسه ولحيته فإن فعل فاخرج منها قملة PageV06P150 # وقتلها تصدق ولو بلقمة استحبابا على الأصح كما أسلفته في باب الفدية (¬1) ~~وكأن القائل بالوجوب يحتج إلى منع التفدية في جواز قتل ما سوى المنصوص عليه ~~في الحديث. # الوجه الثاني عشر: اختلف العلماء في المراد بالكلب العقور. فقيل: هو ~~الإنسي المتخذ. # وقيل: كل عاد مفترس كما تقدم، والجمهور على الثاني، ويدل له بأنه -عليه ~~الصلاة والسلام- لما دعا على عتبة بن أبي لهب بأن يسلط عليه كلبا من كلابه ~~(¬2) افترسه سبع فدل على تسميته بالكلب. # ورجح من قال بالأول: بأن إطلاق اسم الكلب على غيره خلاف العرف، وإذا نقل ~~اللفظ من المعنى اللغوي إلى العرف كان حمله عليه أولى وهذا إذا لم يكن ثم ~~[قرينة تقوي] (¬3) أحدها فإن كانت مما اقترنت به أولى سواء اقترنت باللغوي ~~أو العرفي. # الثالث ms1073 عشر: اختلفوا في صغار هذه الأشياء، وعموم الحديث شاهد للجواز وهي ~~عند المالكية منقسمة فأما صغار الغراب والحدأة ففي قتلها قولان لهم ~~وأشهرهما القتل كما قاله ابن شاس والشيخ تقي الدين (¬4)، ودليلهم عموم ~~الحديث ومن منع اعتبر الصفة التي PageV06P151 # علل القتل بها، وهي "الفسق" على ما شهد به إيماء اللفظ. وهو معدوم في ~~الصغار حقيقة. والحكم يزول بزوال علته. # وأما صغار الكلاب ففيها لهم قولان أيضا: وعدم القتل فيه أولى لأنه أبيح ~~قتله [في حالة تقييد و] (¬1) الإباحة بها وهي كونه عقورا، وهي مفقودة في ~~الصغير غير معلومة الوجود في حالة الكبر على تقدير البقاء بخلاف غيره من ~~المذكورات فإنه ينتهي بطبعه عند الكبر إلى الأذى طبعا. # وأما صغار باقي المذكورات: فتقتل وهو ما حكاه ابن يونس عن ابن المواز ~~وظاهر اللفظ والإطلاق يقتضيه. # قال القاضي عبد الوهاب: ولا يكره قتلها. قال: وكذا الزنبور. # وحكى [العبدي] (¬2) منهم خلافا فيه وأطلق المازري حكاية قولين في صغار ما ~~يجوز قتله قال: وعلى أنها لا تقتل ففي الجزاء فيها إن قتلت قولان. # الرابع عشر: يقاس على قتل هؤلاء الفواسق في الحرم كل من يجب قتله فيه ~~وإقامة الحدود به ممن اجترحها فيه أو في غيره ثم لجأ إليه وهو قول مالك ~~والشافعي وغيرهما كما قدمناه في الباب قبله (¬3). PageV06P152 # ونقل القاضي (¬1) عن أبي حنيفة وأصحابه: أن ما ارتكبه من ذلك في الحرم ~~يقام عليه، وما فعله خارجه ثم لجأ إليه إن كان إتلاف نفس لم يقم عليه في ~~الحرم بل يضيق عليه ولا يكلم ولا يجالس ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج منه ~~خارجه فيقام عليه وما كان دون النفس يقام عليه، وحكاه النووي في "شرحه" ~~(¬2) عن أبي حنيفة وطائفة، قال القاضي (¬3): وروى عن ابن عباس وعطاء ~~والشعبي والحكم نحوه، ولم يفرقوا إلا أنهم لم يفرقوا بين النفس ودونها. ~~وحجتهم قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} (¬4). # والحجة عليهم: أن من ضيق عليه هذا التضييق فليس بآمن. وهذه الأحاديث أيضا ~~لمشاركة فاعل الجناية لهذه المذكورات ms1074 في اسم الفسق بل فسقه أفحش لكونه ~~مكلفا بخلاف المذكورات فإن فسقها طبيعي ولا تكليف عليها. والمكلف المرتكب ~~للفسق هاتك حرمة نفسه فهو أولى، ومعنى الآية عند أكثر المفسرين أنه إخبار ~~عما كان قبل الإسلام وعطف على ما قبله من الآيات. # وقيل: آمن من النار. # وقيل: الآية منسوخة بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (¬5). PageV06P153 # وقيل: ظاهر الآية على البيت لا الحرم، والاتفاق على أنه لا يقام الحد في ~~البيت ولا في المسجد ويخرج فيقام عليه خارجا منه. # ولما ذكر الشيخ تقي الدين (¬1): المعنى السالف في أن الجاني الملتجىء إلى ~~الحرم أولى بإقامة مقتضى الفسق، قال: هنا عندي ليس بالهين وفيه غور فليتنبه له. # فرع: لو التجأ إلى المسجد الحرام قال إمام الحرمين: أو غيره من المساجد ~~اخرج منه وقتل لأنه تأخير يسير. وفيه صيانة للمسجد الحرام وفي وجه ضعيف أنه ~~تبسط الأنطاع ويقتل في المسجد تعجيلا لتوفية الحق وإقامة الهيبة. # قال في الروضة: ولو التجأ إلى الكعبة أو إلى ملك إنسان أخرج قطعا. # ... PageV06P154 ### || AUTO 46 - باب دخول مكة وغيرها # ذكر فيه -رحمه الله- ثمانية أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 221/ 1/ 46 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل ~~فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: اقتلوه (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: ابن خطل هذا اسمه عبد العزى، وقال الكلبي: غالب بن عبد الله، وقال ~~ابن إسحاق، وجماعة: عبد الله، وكذا أخرجه PageV06P155 # أبو داود (¬1) والنسائي (¬2) في سننهما. # وقيل: هلال (¬3). ووقع في "صحيح ابن السكن" سمي بذلك في حديث آخر، وظاهر ~~إيراد القرطبي في "مفهمه" (¬4) ترجيحه، ثم نقل عن الزبير بن بكار أنه هلال ~~بن عبد الله، وأن عبد الله هو الذي يقال له خطل، ولأخيه عبد العزى بن عبد ~~مناف أيضا، خطل هما جميعا الخطلان، قاله أبو عمر (¬5). # وقيل: اسمه سعيد بن حريث كذا رأيته في "شرح ابن القطان"، ولعله من ~~الناسخ، فإن هذا هو الذي ms1075 قتله كما ستعلمه كان قد أسلم وهاجر واستكتبه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ثم [كفر] (¬6)، ولحق بمكة PageV06P156 # فقال -عليه الصلاة والسلام-: "من قتله فهو في الجنة" (¬1) فقتله أبو برزة ~~الأسلمي وشاركه فيه سعيد بن حريث، وقيل: إن الذي قتله هانىء بن دينار رواه ~~الإمام أحمد. # ووقع في رجال هذا الكتاب للصعبي، كما رأيته بخطه ما نصه: قتله أبو برزة ~~الأسلمي (¬2). قال واسمه: هاني بن نيار رواه الإمام أحمد، وهذا ليس اسما ~~لأبي برزة الأسلمي، وإنما هو أحد الأقوال في اسم أبي بردة بالدال سلف في ~~باب صلاة العيدين (¬3). PageV06P157 # وقال البغوي (¬1): سبب قتله أنه -عليه الصلاة والسلام- بعثه مصدقا وكان ~~له مولى يخدمه، وكان مسلما فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح ويصنع طعاما ~~فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه وقتله، ثم ارتد مشركا، وكانت له قينتان ~~تغنيان بهجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بقتلهما معه فقتلت ~~إحداهما وهربت الأخرى. # وفي "شرح السنة" (¬2) للبغوي [أيضا] (¬3) إنما أمر بقتله، لأنه كان بعثه ~~في وجه مع رجل من الأنصار، وأمر الأنصاري عليه فلما كان ببعض الطريق وثب ~~على الأنصاري، فقتله، وذهب بماله. # ونقل النووي: في "شرح مسلم" (¬4) عن أهل السير أن الذي قتله هو سعيد بن ~~حريث، وفي "سنن أبي داود" (¬5) و"النسائي" (¬6) من حديث [سعد] (¬7) بن أبي ~~وقاص أنه استبق إليه سعيد بن حريث، PageV06P158 # وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله. وفي "معرفة ~~الصحابة لأبي موسى" سعيد بن ذؤيب بن حريث (¬1)، وفي "سنن البيهقي" (¬2) من ~~حديث عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد المخزومي عن جده عن أبيه، أن ~~الزبير بن العوام قتله. وذكر ابن هشام أن سعيد بن حريث قتله مع أبي برزة ~~الأسلمي، اشتركا في دمه، وجزم أبو نعيم في "المعرفة" بأن قاتله الثاني أعني ~~الأسلمي (¬3). PageV06P159 # فتحصلنا في اسم ابن خطل على أربعة أقوال: عبد العزى، وبه جزم الشيخ تقي ~~الدين (¬1). عبد الله. هلال. غالب: والخامس السالف وهم. # وفي اسم قاتله على خسمة أقوال: الأسلمي، ms1076 هانىء. سعيد بن حريث. سعيد بن ~~ذؤيب. الزبير، فاستفد ذلك فإنه من المهمات. PageV06P160 # الوجه الثاني: هذا الرجل لا أعلمه ولا مسمى في رواية. وقال الفاكهي: في ~~"شرحه" هو أبو برزة الأسلمي -رضي الله عنه- ولم يذكر له سلفا في ذلك وكأنه ~~أخذه من أحد الأقوال في اسم قاتله (¬1). # الثالث: "المغفر" بكسر الميم ما يلبس على الرأس من درع الحديد وأصله من ~~الغفر وهو الستر. # وأستار الكعبة: ما تكساه من القباطي وغيرها. # قال ابن جريج (¬2): أول من كساها كسوة كاملة تبع أرى في المنام أن يكسوها ~~فكساها الأنطاع، ثم أرى أن يكسوها الوصايل وهي ثياب حبرة من عصب اليمن ثم ~~كساها الناس بعده في الجاهلية، وكساها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ومعاوية، وابن الزبير الديباج (¬3)، وكانت تكسا ~~يوم عاشوراء ثم كساها معاوية في السنة مرتين ثم كان المأمون يكسوها ثلاث ~~مرات فيكسوها الديباج الأحمر يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة، والقباطي ~~يوم هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان. وهذا الأبيض ~~ابتدأه المأمون سنة ستا وثمانين حين قالوا: له الديباج الأحمر يتخرق قبل ~~الكسوة الثانية فسأل عن أحسن ما تكون فيه الكعبة، فقيل: الديباج الأبيض ~~ففعله (¬4). PageV06P161 # الرابع: قد سلف في الحديث الأول في باب حرمة مكة "تاريخ دخول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مكة، يوم الفتح، وثبت عن ابن شهاب أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- لم يكن محرما ذلك اليوم (¬1). # وفي صحيح ابن حبان (¬2) لم يدخل مكة بغير إحرام إلا هذا اليوم. # وحكى النووي (¬3): في باب فتح مكة الإجماع عليه. وظاهر كون المغفر على ~~رأسه يقتضي ذلك، ولكنه يحتمل أن يكون لعذر وأخذ من هذا أن المزيد لدخول مكة ~~إذا كان محاربا يباح له دخولها بغير إحرام لحاجة المحارب إلى الستر بما ~~يقيه وقع السلاح. # قال النووي (¬4): في الباب السالف، وأما قول القاضي عياض: أجمع العلماء ~~على تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ولم يختلفوا في أن من دخلها ~~بعده لحرب أو ms1077 بغى أنه لا يحل له دخولها حلالا فليس كما [قال] (¬5) بل مذهب ~~الشافعي وأصحابه وآخرين أنه [يجوز] (¬6) دخولها PageV06P162 # حلالا للمحارب بلا خلاف وكذا [من] (¬1) يخاف من ظالم لو ظهر للطواف وغيره. # وأما من لا عذر له أصلا فاللشافعي فيه قولان مشهوران: # وأصحهما: أنه يجوز له دخولها بغير إحرام، لكن يستحب له الإحرام. # قلت: قد حكى النووي (¬2): في "شرحه" في باب جواز دخول مكة بغير إحرام: عن ~~القاضي عياض: أنه نقل عن أكثر العلماء منع دخولها بغير إحرام إن كانت حاجته ~~لا تتكرر إلا أن يكون مقاتلا، أو خائفا من قتال أو ظالم (¬3). # الخامس: إنما أمر -عليه الصلاة والسلام- بقتل ابن خطل لعظم ذنبه كما ~~أسلفناه وهو أحد السنة الذين أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلهم ~~ولو تعلقوا بأستار الكعبة وكان منهم أمرأتان كما رواه أبو داود والنسائي (¬4). # وقال الواقدي: كان فيهم أربعة نسوة. # فإن قلت: ففي الحديث الآخر "من دخل المسجد فهو آمن" فكيف قتله وهو متعلق ~~بالأستار. PageV06P163 # فالجواب: أنه لم يدخل في الأمان بل استثنى مع من ذكرنا وأمر بقتلهم وإن ~~تعلقوا بأستار الكعبة. # وقيل: إنما قتله لأنه لم يترك القتال ولم يف بالشرط بل قاتل بعد ذلك (¬1). # السادس: قد يتمسك به في إباحة قتل الملتجىء إلى الحرم. # قال الشيخ تقي الدين: ويجاب عنه بأن ذلك محمول على الخصوصية التي دل عليه ~~قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنما أحلت ليس ساعة من نهار". # قلت: أجاب أصحاب الشافعي [عن هذا بأنها ما أبيحت] (¬2) إلا ساعة الدخول ~~حتى استولى عليها وأذعن أهلها [وإنما قتل ابن خطل بعد ذلك] (¬3) نقله ~~النووي في "شرحه" عنهم (¬4). # السابع: يتمسك به أيضا من [منع] (¬5) إقامة الحدود [في الحرم] (¬6) [وقد] ~~(¬7) سلف ما فيه. # الثامن: فيه أيضا جواز لبس المغفر ونحوه من السلاح حال الخوف من العدو ~~وإرهابا لهم، وأنه لا ينافي التوكل. PageV06P164 # التاسع: فيه أيضا رفع أخبار المرتدين والمنافقين إلى ولاة الأمور، وليس ~~ذلك من الرفع المنهى عنه. # العاشر: أخذ منه أيضا تحتم قتل من سب رسول ms1078 الله - صلى الله عليه وسلم - ~~من غير قبول توبته واستعاذته وتعلقه بأستار الكعبة ونحوها أو غيرها من ~~المخلوقين (¬1). # الحادي عشر: جاء في رواية لمسلم من حديث جابر أن -عليه الصلاة والسلام-: ~~"دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء" (¬2) وجمع بينهما. وبين رواية ~~الكتاب وعلى رأسه المغفر بوجهين: # الأول: أنه يمكن أن تكون العمامة تحت المغفر [وقاية] (¬3) من صدأ الحديد ~~وتشعيثه. # الثاني: أن يكون نزع المغفر عند انقياد أهل مكة ولبس العمامة بدليل قوله: ~~"خطب الناس". لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام الفتح (¬4). # [الحادي عشر] (¬5): يستدل به أيضا من يقول أن الفتح كان عنوة لا صلحا وقد ~~تقدم ما فيه (¬6). # ... PageV06P165 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 222/ 2/ 46 - عن عبد الله بن عمر [رضي الله عنهما] (¬1) "أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - دخل مكة من كداء، من الثنية العليا التي بالبطحاء، ~~وخرج من الثنية السفلى" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: "كداء" بفتح الكاف وبالمد مصروفا هكذا ضبطه الجمهور وضبطه بعضهم ~~غير مصروف [دلالة] (¬3) على البقعة، وبعضهم بفتح الكاف والقصر وكذا بالضم ~~والقصر بأسفل مكة هي الثنية السفلى ونقل الرافعي عن الأكثرين فيها الضم والمد. # وأما كدي -بضم الكاف وتشديد الياء- فهي في طريق الخارج إلى اليمن وليس من ~~هذين الطريقين في شيء. PageV06P166 # والثنية: هي الطريق بين الجبلين وتنحدر من العليا إلى مقابر مكة. # والبطحاء: بالمد ويقال له: الأبطح وهو بجنب المحصب. # ثانيها. إنما فعل - صلى الله عليه وسلم - هذه المخالفة داخلا وخارجا ~~تفاؤلا بتغير الحال إلى أكمل منه كما في العيد، ويشهد له الطريقان ولتبرك ~~أهلها، قاله النووي (¬1) في "شرح مسلم" والقاضي عياض (¬2) حكى فيه أقوالا. # أحدها: كما في العيد لتبرك به من يمر به ويدعوا له ويجيبه عما يسأله عنه ~~ويعم بدعائه ولا يخص قوما. # ثانيها: ليغيظ المنافقين ومن في قلبه مرض بإظهار أمر الإسلام. # ثالثها: لتكثر خطاه ونوافله. # رابعها: أنه فعل ذلك في الخروج لأنه أسمح لخروجه أي أسهل كما جاء في ~~الحديث. قال: ونقل ابن أبي صفرة أنه إنما ms1079 دخلها مرة من أعلاها ومرة من ~~أسفلها ليرى الناس السعة في ذلك بفعل ما تيسر وأهمل التنصيص على معاني أخر. # [أحدها] (¬3): أن كل مقصود في سبيله أنه يؤتى من وجهه لا من ظهره ومن أتى ~~من غير هذه الجهة لم يأت من قبالة الباب. PageV06P167 # ثانيها: أن الداخل يقصد موضعا عالي المقدار فناسب الدخول من العليا ~~والخارج عكسه مناسب السفلى. # ثالثها: أبداه السهيلي (¬1) وهو ما روي عن ابن عباس أن إبراهيم -عليه ~~الصلاة والسلام- حين قال: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} (¬2) كان على ~~كدا الممدود وهذا حسن. # الوجه [الثالث] (¬3): في الحديث دلالة ظاهرة على استحباب دخول مكة من ~~الثنية العليا سواء كانت على طريق الداخل أو لم تكن كالشامي والمدني ~~والعراقي واليمني وهو ما صححه النووي في كتبه وإن كان كلامه في "المنهاج" ~~تبعا "للمحرر" يقتضي اختصاص الاستحباب بالداخل من طريق المدينة. # ونقل الرافعي عن الأصحاب أنهم عللوه بالمشقة قالوا: وإنما دخل -عليه ~~الصلاة والسلام- منها لكونها في طريقه وهو ممنوع، فإنها ليست على طريقه بل ~~عدل عنها، وأغرب الصيدلاني من الشافعية فقال: الدخول منها لا يتعلق به ~~استحبابا للآتي من طريق المدينة ولا من غيره بناء على ما أسلفه الأصحاب من ~~أن دخوله منها كان اتفاقا لا قصدا، وقد سلف الرد عليهم. # [الوجه] (¬4) الرابع: فيه دلالة أيضا على استحباب الخروج من PageV06P168 # مكة من الثنية السفلى إلى بلده وكذا يستحب للخارج من بلده والداخل إليه ~~أن يخرج من طريق ويرجع من آخر، قاله النووي في "شرحه" (¬1) وترجم في ~~"رياضه" (¬2) على أن سائر العبادات كذلك يستحب الذهاب إليها من طريق ~~والرجوع من آخر، وفيه اقتفاء الآثار خصوصا في المناسك فإنه أمر به فقال: ~~"خذو عني مناسككم" (¬3). # ... PageV06P169 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 223/ 3/ 46 - عن عبد الله بن عمر [رضي الله عنهما] (¬1) قال: "دخل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - البيت، وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، ~~فأغلقوا عليهم الباب. فلما فتحوا كنت أول من ولج. فلقيت بلالا، فسألته: هل ~~صلى فيه رسول الله - صلى الله ms1080 عليه وسلم -؟ قال: نعم، بين العمودين ~~اليمانيين" (¬2). # الكلام عليه وجوه: # أحدها: في التعريف بما وقع فيه من الأسماء: # أما ابن عمر -رضي الله عنه-: فتقدمت ترجمته في باب الاستطابة. # وأما أسامة: فهو الحب ابن الحب وكان نقش خاتمه: حب PageV06P170 # رسول الله، وكان مولى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وابن حاضنته ومولاته ~~أم أمين أمره -عليه الصلاة والسلام- على جيش فيهم أبو بكر وعمر ولم يعد حتى ~~مات بوادي القرى سنة أربع وخسمين على الأصح. # [فائدة: # أسامة هذا أردفه النبي - صلى الله عليه وسلم - راجعا من عرفات، وقد أردف ~~-عليه الصلاة والسلام- جماعات أوردهم الحافظ أبي زكريا يحيى بن عبد الوهاب ~~بن مندة في جزء فبلغهم زيادة على ثلاثين نفسا، أسامة بن زيد، والصديق في ~~الهجرة، وعثمان بن عفان عند قدومه -عليه الصلاة والسلام- من بدر، وعلي بن ~~أبي طالب في حجة الوداع، وعبد الله بن جعفر بين يديه، وأخذ النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فاطمة خلفه، وفي رواية: "حملني أنا وغلامين من بني هاشم"، ~~وفي أخرى: "حملني قدامه وقثم خلفه وعبد الله بن عباس، وأخوه عبيد الله ~~وأخوهما الفضل في حجة الوداع" والحسن والحسين هذا قدامه وهذا خلفه، ومعاوية ~~بن صخر، ومعاذ بن جبل مرة على حمار يقال له: عفير ليس بينه وبينه إلا مؤخرة ~~الرحل، وأبو ذر الغفاري على حمار، وزيد بن حارثة، وثابت بن الضحاك، والشريد ~~بن سويد الثقفي، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن سهل، وأبو طلحة الأنصاري، وسهيل ~~بن بيضاء، وعلي بن أبي العاص بن الربيع يوم الفتح وعبد الله بن الزبير، ~~وغلام من بني عبد المطلب، وأسامة بن عمير، وصفية بنت حيي أم المؤمنين، لما ~~قدم المدينة، ورجل من الصحابة لم يسمى، وجابر بن عبد الله، وصدى بن عجلان ~~أبو أمامة آخر من مات بالشام، وأبو الدرداء، وأمية بنت أبي الصلت الغفارية، PageV06P171 # وأبو إياس، وأبو هريرة، وقيس بن سعد بن عبادة، وخوات بن جبير، فاستفد ذلك ~~فإنه مهم] (¬1). # وأما بلال: فقد سلف في باب الأذان (¬2). # وأما عثمان بن طلحة: ms1081 فجده أبو طلحة عبد الله بن عبد العزي الحجبي له ~~صحبة، ورواية -أعني عثمان- أسلم مع عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد في هدنة ~~الحديبية وشهد فتح مكة ودفع إليه -عليه الصلاة والسلام- مفتاح الكعبة ~~[وإلى] (¬3) شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وحبسها عليهم ومات بمكة سنة اثنين ~~وأربعين في أول خلافة معاوية. # وقيل: إنه قتل بإجنادين بفتح الدال وكسرها في أوائل خلافة عمر -رضي الله عنه-. # ثانيها: إنما أغلقوا الباب عليهم ليكون أسكن لقلوبهم وأجمع لخشوعهم ولئلا ~~يجتمع الناس ويدخلوه أو يزدحموا فينالهم ضرر [ويتهوش] (¬4) عليهم الحال ~~لسبب لغطهم. وجاء في رواية لمسلم (¬5) أنه -عليه الصلاة والسلام- أمر ~~بالإغلاق وفائدته ما ذكرناه. PageV06P172 # ونقل القرطبي (¬1): عن الشافعي أن فائدة أمره بإغلاقها وجوب الصلاة إلى ~~جدار من جدرانها، وأنه لو صلى إلى الباب وهو مفتوح، لم يجزه لأنه لم يستقبل ~~شيئا منها، قال: وألزم من مذهبه إبطال هذا، لأنه يجيز الصلاة في أرضها [لو ~~تهدمت الجدر] (¬2)، لاستقباله أرضها. # قلت: ليتأمل هذا المعزى إلى الشافعي وما ألزم به [] (¬3) قال: إنما أمر ~~بذلك لئلا يصلي بصلاته، فتتخذ الصلاة فيها سنة، [وكذا قول من قال] (¬4): ~~فعل ذلك لئلا يستدبر شيئا من البيت، كما وقع في زيادة البخاري عن بعض ~~الرواة، لأن الباب إذا أغلق، صار كأنه جدار البيت. # ثالثها: قوله: "فكنت أول من ولج" أي دخل والولوج الدخول، يقال: ولج بفتح ~~اللام. يلج بكسرها وأولج غيره وإنما كان ابن عمر أول من ولج لحرصه على ~~اقتفاء آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المناسك وغيرها ليعمل ~~وليبلغها وذلك هو مقصود العلم لا غير. # رابعها: قوله: "قال: نعم بين العمودين اليمانيين" يعني قال: بلال ذلك ~~جوابا لابن عمر، وفيه زيادة على السؤال أيضا لأنه مهم. وجاء في رواية ~~لمسلم: "فقلت أين صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: هنا". وظاهرها ~~أن ابن عمر سأل بلالا وأسامة وعثمان جميعهم. قال PageV06P173 # القاضي (¬1): ووهى أهل الحديث هذه الرواية. # فقال الدارقطني (¬2): وهم ابن عون [فيه] (¬3) وخالفه غيره فأسندوه عن ~~بلال وحده. ms1082 قال [القاضي] (¬4): وهذا هو الذي ذكره مسلم في باقي الطرق فسألت ~~بلالا (¬5)، إلا أنه وقع في رواية حرملة عن ابن وهب فأخبرني بلال أو عثمان ~~بن طلحة أنه -عليه الصلاة والسلام- صلى في جوف الكعبة هكذا هو عند عامة ~~شيوخنا، وفي [بعضها] (¬6) وعثمان بن طلحة (¬7) وهذا يعضد رواية ابن عون ~~والمشهور انفراد بلال برواية ذلك. # خامسها: أثبت بلال [رضي الله عنه] (¬8) صلاته -عليه أفضل الصلاة والسلام- ~~في الكعبة وأسامة وابن عباس نفياها وأجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال ~~لأنه مثبت ومعه زيادة علم فوجب ترجيحه. # وأجاب بعضهم: عن حديث أسامة وابن عباس بأن المراد هي الرؤية فقط كما ~~سيأتي لا النفي المطلق، وعاب ابن حبان هذا في PageV06P174 # صحيحه (¬1)، ثم قال: والأشبه عندي في الفصل بين الخبرين بأن يجعلا في ~~[وقتين] (¬2) متباينين، فيقال: إن المصطفى -عليه أفضل الصلاة والسلام- لما ~~فتح مكة دخل الكعبة فصلى فيها على [رواية] (¬3) أصحاب ابن عمر عن بلال ~~وأسامة بن زيد، وكان ذلك يوم الفتح، قاله حسان بن عطية عن نافع عن ابن عمر، ~~ويجعل نفي ابن عباس صلاة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة في حجته ~~التي حج فيها، حتى [يكونان] (¬4) فعلان في [حالين متباينين] (¬5) لأن ابن ~~عباس [نفاها] (¬6) وزعم أن أسامة (¬7) أخبره بذلك، وأخبر أبو الشعثاء عن ~~عمر [أنه عليه الصلاة والسلام] (¬8) صلى [فيه] (¬9) وزعم أن أسامة أخبره ~~بذلك، فإذا حمل الخبران على ما وصفنا في الموضعين المتباينين بطل التضاد ~~بينهما وصح استعمال كل واحد منهما هذا آخر كلامه، وهو جمع مبين: [لكن روى ~~الأزرقي عن جده قال: سمعت سفيان يقول: سمعت غير واحد من أهل العلم يذكرون ~~أن PageV06P175 # النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح ثم حج ~~فلم يدخلها] (¬1) قال النووي في "شرح مسلم": لا خلاف أن دخوله -عليه الصلاة ~~والسلام- وصلاته فيها كان يوم الفتح لا في حجة الوداع [وأحسن ما جمعه أن ~~ذلك في يومين في عام واحد ما ثبت مبينا، قال أحمد في مسنده (¬2): ثنا هشيم ~~أنبأنا ms1083 عبد الملك عن عطاء قال: قال أسامة بن زيد: دخلت مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - البيت فجلس فحمد الله وأثنى عليه وكبر وهلل وخرج، ولم يصل ~~ثم دخلت معه في اليوم الثاني فقام ودعا ثم صلى ركعتين ثم خرج فصلى ركعتين ~~خارجا من البيت مستقبل وجه الكعبة ثم انصرف فقال: هذه القبلة هذه القبلة"، ~~ورواه كذلك الدارقطني وغيره وهو كاف شاف في الجمع بين الأحاديث] (¬3). # وقال القرطبي (¬4): يمكن أن يجمع بينهما على مقتضى مذهب مالك فيقال: إن ~~قول بلال إنه صلى فيها يعني به التطوع وقول أسامة: إنه لم يصل فيها يعني به ~~الفرض، قال: وقد جمع بينهما PageV06P176 # بعض [أئمتنا] (¬1) بوجه آخر فقال: إن أسامة تغيب في الحين الذي صلى فيه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يشاهده فاستصحب النفي لسرعة رجعته فأخبر ~~عنه وشاهد بلال أخبر [عما] (¬2) شاهد، وعضد هذا بما رواه ابن المنذر، عن ~~أسامة، قال: رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - صورا في الكعبة فكنت آتيه ~~بماء في الدلو يضرب به تلك الصور (¬3). فيحمل أن تكون صلاته في حال مضى ~~أسامة في طلب الماء. # السادس: المراد بالصلاة ذات الركوع والسجود المعهودة لا مجرد الدعاء ~~ولهذا قال ابن عمر في بعض الروايات: "ونسيت أن سأله كم صلى؟ " وجاء في سنن ~~أبي داود (¬4) بإسناد فيه ضعف عن عبد الرحمن بن صفوان قال: قلت لعمر كيف ~~[صنع] (¬5) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دخل الكعبة؟. قال: "صلى ~~ركعتين". # وأما نفي أسامة: الصلاة وإثباته الدعاء فلأنهم لما دخلوا أغلقوا الباب ~~واشتغل كل بالدعاء في نواحي من نواحي البيت والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فرآه ~~بلال لقربه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله وكانت صلاته خفيفة PageV06P177 # فلم يرها أسامة لإغلاق الباب مع بعده واشتغاله بالدعاء وأجاز له نفيها ~~مرة عملا بظنه، وأما بلال فتحققها فأخبر بها مع أن صلاته كانت بين العمودين ~~فقد يكون أسامة في ناحية ms1084 من البيت حجبه عن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-[و] (¬1) العمود بينه وبينه والظلمة الحاصلة بغلق الباب بخلاف بلال فإنه ~~كان قريبا منه - صلى الله عليه وسلم -، وفي نحو سنه، وأسامة كان عمره إذ ~~ذاك دون العشرين أو أن تكون صلاته في حال بعثه أسامة ليأتي بالماء لمحو ~~الصور كما سلف (¬2). # السابع: إعلم أن البيت شرفه الله على أعمدة في داخله ففي رواية المصنف ~~"أنه صلى بين العمودين اليمانيين" (¬3)، وفي رواية لمسلم (¬4): "جعل عمودين ~~عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة ~~أعمدة"، وفي رواية للبخاري (¬5) أيضا "عمودا" (¬6) عن يمينه وعمودا عن ~~"يساره" (¬7). PageV06P178 # قال القرطبي (¬1) ويمكن أن يقال: إنه -عليه الصلاة والسلام- تكررت صلاته ~~في تلك المواضع، وإن كانت القضية واحدة، فإنه -عليه الصلاة- مكث في الكعبة طويلا. # وأجاب بعض الشراح: بأنه يمكن أنه انتقل في الركعتين من مكان إلى مكان ~~بحيث لا تبطل صلاته به وهو بعيد. # قلت: يمكن أن يجمع بوجه آخر وهو الأظهر أنه -عليه الصلاة والسلام-[صلى ~~قريبا من العمود الوسط فتأمله وطبق عليه الروايات] (¬2). # الثامن: كان دخوله -عليه الصلاة والسلام- البيت عام الفتح كما سلف، ولم ~~يكن إذ ذاك محرما فلا يستدل به على أن دخوله نسك في الحج والعمرة كما ذهب ~~إليه بعضهم على ما حكاه القرطبي (¬3) قال: وأما أحاديث حجة الوداع فليس في ~~شيء منها تحقق أنه -عليه الصلاة والسلام- دخل أم لا. غير أن أبا داود (¬4) PageV06P179 # روى من حديث عائشة أنه -عليه الصلاة والسلام- خرج من عندها مسرورا، ثم ~~رجع إليها وهو كئيب، فقال: "إني دخلت الكعبة، ولو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت ما دخلتها، إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي". وظاهره: أن ذلك ~~كان في حجة الوداع، غير أن هذا الحديث في إسناده: إسماعيل بن عبد الملك ابن ~~أبي الصفيراء وهو ضعيف، وقد رواه البزار بإسناد آخر (¬1)، لا يثبت أيضا. # قلت: وأما الترمذي فإنه أخرجه من طريق أبي داود، ثم قال: حسن صحيح. وفي ~~ذلك نظر فإني لم أرى ms1085 أحدا وثق إسماعيل هذا (¬2). # [التاسع] (¬3): في الحديث أحكام وفوائد. PageV06P180 # الأول: استحباب دخول [الكعبة] (¬1) والصلاة فيها وقد ترجم عليه النووي ~~بذلك في "شرح مسلم". # الثاني: جواز الاستئثار بذلك إذا أمكن. # الثالث: اختصاص السابق للبقعة المشتركة ومنعها ممن يخاف تشويشها عليه. # الرابع: منقبة ظاهرة لابن عمر -رضي الله عنه- وحرصه على تعلم المناسك ~~واقتفاء آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل موطن وحالة. # الخامس: السؤال عن العلم. # السادس: جواب المسؤول في الفتيا وغيرها بنعم. # السابع: جواز سؤال المفضول مع وجود الفاضل. # الثامن: الحرص على طلب العلم وجواز ذكر الحرص للمصلحة من الاقتداء ~~والوثوق بما يوجد من علم الحريص. # التاسع: [العمل] (¬2) بخبر الواحد. # العاشر: اختصاص المتبوع بعض أتباعه ببعض الأمور المخصوصة بالعبادات. # الحادي عشر: جواز صلاة النفل المطلق فيها وأبعد ابن جرير وأصبغ المالكي ~~وبعض الظاهرية حيث قالوا: لا تصح صلاة فيها أبدا. وحكى عن ابن عباس. PageV06P181 # وتوسط الإمام مالك فقال: يصح فيها النفل المطلق دون الفرض والسنن كالوتر ~~وركعتي الفجر وركعتي الطواف. # قال اللخمي: وأجازه أشهب في "مدونته" في الفرض من غير إعادة عليه. وإن ~~كان لا يستحب له أن يفعل ذلك ابتداء فعلى المشهور عندهم لو صلى الفرض فيها، ~~قال: في الكتاب يعيد في الوقت. وحمل على الناسي لقوله: كمن صلى لغير ~~القبلة. # وقال ابن حبيب: يعيد أبدا في العمد والجهل وكأنه راجع إلى الأول، وحكاه ~~القرطبي (¬1) عن أصبغ. # وقال المازري (¬2): المشهور منع الصلاة داخلها ووجوب الإعادة أبدا. # وعن ابن عبد الحكم: الإجزاء. # وقال الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد والجمهور: تصح فيها صلاة النفل ~~والفرض ودليلهم في النفل الحديث المذكور، وإذا صحت النافلة صحت الفريضة ~~لأنهما في الموضع سواء في الاستقبال خارجها فكذلك داخلها، وإنما يختلفان ~~فيه حال السير في السفر. # وترجم الحافظ محب الدين الطبري في "أحكامه" ذكر حجة من أجاز الفرض في جوف ~~الكعبة، ثم روى عن عبد الله بن السائب [رضي الله عنه] (¬3) قال: حضرت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح وصلى في PageV06P182 # الكعبة: فخلع ms1086 نعليه فوضعهما عن يساره ثم افتتح سورة المؤمنين فلما بلغ ~~ذكر موسى وعيسى أخذته سعلة فركع. ثم عزاه إلى صحيح ابن حبان (¬1). وقال: ~~كانت هذه الصلاة والله أعلم صلاة الصبح يدل على حديثه عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - صلاة الصبح بمكة فاستفتح بسورة المؤمنين الحديث. وإن احتمل أن تكون ~~هذه الصلاة غير تلك فالظاهر ما ذكرنا وأن القصة واحدة، والتكرار خلاف الأصل. # فرع: الحجر مثل الكعبة لكن لو استقبله وحده لم تصح صلاته عند الشافعية ~~على الأصح. # والصلاة عند أكثر المالكية على ظهر الكعبة أشد. # وقيل: مثلها. # وقيل: إن أقام فإنما يقصده فمثلها وإلا لم يجز للنهي عنه. # وقال أشهب: إن كان بين يديه قطعة من سطحها بناء على أن الأمر ببنائها أو ~~بهوائها. # فرع: مذهب الشافعي -رضي الله عنه- أن النفل في الكعبة PageV06P183 # أفضل منه خارجها، وكذا الفرض إن لم يرج جماعة فإن رجاها فخارجها أفضل ~~نقله في "الروضة" (¬1) من زوائده عن الأصحاب وأقرهم (¬2). # [الثاني] (¬3) عشر: إجزاء إستقبال جزء من الكعبة. لمن صلى داخلها ولا ~~يشترط استقبال جميعها، وكذا لو استقبل بابها وهو مردود أو عتبت بابها وهو ~~قدر ثلث ذراع. # الثالث عشر: جواز الصلاة بين الأساطين والأعمدة وإن كان يحتمل أن يكون ~~صلى في الجهة التي بينهما وإن لم يكن في مسامتتهما حقيقة وقد وردت في ذلك ~~كراهة (¬4). PageV06P184 # قال الشيخ تقي الدين: فإن لم يصح سندها قدم هذا الحديث وعمل بحقيقة قوله: ~~"بين العمودين"، وإن صح سندها أول ما ذكرناه: أنه صلى في سمت ما بينهما، ~~وإن كانت آثارا فقط قدم المسند عليها هذا كلامه. # وعللت كراهة الصلاة بين الأساطين بأشياء منها: أنها توقع خللا في الصف. PageV06P185 # ومنها: أنها موضع الأقدام، ولا تخلوا عن نجاسة غالبا (¬1). # ومنها: أنها محال الشياطين على ما قيل. # الرابع عشر: ترجم البخاري (¬2) على هذا الحديث باب الأبواب والعلق للكعبة ~~والمساجد. # فائدة: قال أصحابنا: يستحب دخول البيت حافيا ويصلى فيه، والأفضل أن يقصد ~~مصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا دخل من الباب مشى ms1087 حتى يكون ~~بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريب من ثلاثة أذرع، فيصلي فيه ثبت ذلك في ~~صحيح البخاري (¬3) ويدعو في جوانبه، وهذا بحيث لا يؤذي أحدا ولا يتأذى هو، ~~فإن تأذى أو أذى لم يدخل لا كما يفعله كثير من الناس فإنه يترتب عليه مفاسد ~~لا تخفى. وحديث عائشة الذي أسلفناه عن أبي داود والترمذي لا دلالة فيه على ~~كراهة دخوله لأنه -عليه الصلاة والسلام- قد يترك الأفضل خشية ما يترتب ~~عليه، وقد روى تمام الدارمي في "فوائده" (¬4) من PageV06P186 # حديث عطاء عن ابن عباس: "من دخل البيت دخل إلى حسنه، وخرج من سيئته ~~مغفورا له". ثم قال: حديث حسن غريب. # وفي "صحيح ابن حبان" (¬1) من حديث ابن عمر: "استمتعوا من هذا البيت فإنه ~~قد هدم مرتين ويرفع في الثالثة"، ورواه الحاكم أيضا، وقال صحيح على شرط ~~الشيخين، ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا دخل البيت يقول: "اللهم ~~إنك وعدت الأمان PageV06P187 # داخل بيتك وأنت خير منزول به، اللهم فاجعل أماني أن تكفيني مؤنة الدنيا، ~~وكل هول دون الجنة حتى أبلغها برحمتك". # واعلم أن النووي نقل في "شرح المهذب" (¬1) عن العلماء أنهم ذكروا أن ~~الكعبة الكريمة بنيت خمس مرات. # أحدها: بنتها الملائكة قبل آدم وحجها آدم فمن بعده من الأنبياء -صلوات ~~الله عليهم-. # الثانية: بناها إبراهيم الخليل بنص القرآن. # الثالثة: بنتها قريش في [الجاهلية] (¬2)، وحضره النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قبل النبوة. ثبت ذلك في الصحيحين (¬3)، وكان سنة حينئذ خمس وعشرون، ~~وقيل: خمس وثلاثون. # الرابعة: بناها ابن الزبير ثبت ذلك في الصحيح (¬4). # [الخامسة: بناها الحجاج بن يوسف في خلافة عبد الملك بن مروان ثبت ذلك في ~~الصحيح] (¬5)، وعليه استقر بناؤها إلى اليوم، PageV06P188 # قال العلماء: ويستحب تركها على ما هي عليه لئلا تذهب حرمتها، وممن نص على ~~ذلك مالك وإمامنا -رضي الله عنهما-[قاله النووي] (¬1). # وقيل: إنها بنيت مرتين اخريين [قبل بناء قريش. # قلت:] (¬2) إنها بنيت مرتين اخريين أيضا فتجتمع تسعة أقوال: بناء ~~الملائكة على قول من قال أنه وضع قبل ms1088 آدم، ثم بناء آدم. # قال القرطبي (¬3): في قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} ~~(¬4) , وأول من بناها بالطين والحجارة شيث، ثم إبراهيم الخليل، ثم ~~العمالقة، ثم جرهم، ثم قريش، ثم ابن الزبير، ثم الحجاج. وظاهر الحديث الذي ~~أسلفناه أنها هدمت مرتين فقط إلا أن يؤول على أن المراد بقوله: "هدم مرتين" ~~إنها ستهدم مرتين وكذا وقع بعده - صلى الله عليه وسلم -. وبنيت الكعبة من ~~جبال خمسة: طور سيناء بإيلياء، وطور زيتا بالبيت المقدس، والجودي بقرب ~~الموصل، ولبنان [جبل] (¬5) بالشام، وحراء بمكة. # ويقال: أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر: الجودي شرح، طور سيناء بموسى، ~~وحراء بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. # ... PageV06P189 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 224/ 4/ 46 - عن (¬1) عمر -رضي الله عنهما-: "أنه جاء إلى الحجر الأسود ~~فقبله، وقال: إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الحديث أصل أصيل وقاعدة عظيمة في اتباع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - واقتفاء أثره وإن لم يعلم العلة وترك ما كانت عليه الجاهلية من ~~تعظيم الأصنام والأحجار ويبين أن النفع والضر بيد الله تعالى وهو حاصل هنا ~~بالامتثال فقط، وأنه سبحانه هو النافع والضار PageV06P190 # وأن الأحجار لا تنفع من حيث [هي هي] (¬1) كما كانت الجاهلية تعتقده في ~~الأصنام وأراد عمر [رضي الله عنه] (¬2) بذلك إزالة الوهم الذي يقع في أذهان ~~الناس من ذلك جميعه [وقد توهم بعض الباطنية أن للحجر الأسود خاصية يرجع إلى ~~ذاته قاتلهم الله. # ثانيها: فيه دلالة على استحباب تقبيل الحجر الأسود] (¬3) ويستحب أن ~~يستلمه أولا، ثم يقبله، ثم يضع جبهته، عليه هذا مذهب الجمهور. # وانفرد مالك فقال: السجود عليه بدعة واعترف القاضي (¬4) عياض بشذوذ مالك ~~عن العلماء في ذلك. # فرع: يستحب أن تخفف القبلة بحيث لا يظهر لها صوت ولا يستحب ذلك للنساء ~~إلا عند خلو المطاف. # قال القاضي أبو الطيب: ويستلم ويقبل الركن الذي فيه الحجر أيضا وظاهر ~~كلام الجمهور الاقتصار على فعل ms1089 ذلك في الحجر. # فائدة: روى الأئمة أحمد والدارمي وابن ماجه والترمذي من PageV06P191 # حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يأتي هذا ~~الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق" ~~(¬1) حسنه الترمذي وصححه ابن حبان فإنه أخرجه في صحيحه بلفظ: "إن لهذا ~~الحجر لسانا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق" (¬2)، وفي رواية ~~له: "ليبعثن الله الركن يوم القيامة" (¬3)، وأخرجه الحاكم (¬4) في ~~"مستدركه" باللفظ الأول الذي لابن حبان ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم ~~يخرجاه، قال: وله شاهد صحيح فذكره (¬5). # قال الخطابي (¬6): وقد فضل الله بعض الأحجار على بعض، PageV06P192 # كما فضل بعض البقاع والبلدان وكما فضل بعض الليالي والأيام والشهور وباب ~~هذا كله التسليم وهو أمر سائغ في العقول جائز فيها غير ممتنع ولا مستنكر ~~وقد روى في بعض الأحاديث "إن الحجر الأسود يمين الله في الأرض"، والمعنى أن ~~من صافحه في الأرض كان له عند الله عهد فكان كالعهد يعقده الملك بالمصافحة ~~لمن يريد موالاته [والاختصاص (¬1) به] وكما يصفق على أيدي الملوك للبيعة، PageV06P193 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV06P194 # وكذلك تقبيل الخدم أيدي السادة والكبراء، فهذا كالتمثيل بذلك والتشبيه به (¬1). # فائدة أخرى: روى سعيد بن منصور عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "الحجر ~~الأسود من الجنة لولا ما تعلق به من أيدي الفجرة ما مسه أكمه ولا أبرص ولا ~~ذو داء إلا بريء" (¬2)، اعترض PageV06P195 # بعض الملاحدة وقال: ما سودته خطايا أهل الشرك ينبغي أن تبيضه يد أهل ~~التوحيد، وعنه جوابان: # أحدهما: قاله ابن قتيبة (¬1): أنه لو شاء الله لكان ذلك فيه وإنما هو ~~سبحانه أجرى العادة بأن السواد يصبغ ولا يصبغ، والبياض ينصبغ ولا يصبغ، ~~فقال: فيه المعترض إن الشيب أيضا مثل السواد يصبغ. # والثاني: قاله المحب الطبري: وهو الأشبه أن بقاءه أسود فيه عبرة لمن له ~~بصيرة فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر بالسواد فتأثيرها في القلوب أشد ~~وأعظم، قال: وأشد من هذا الجواب ما تضمنه حديث ابن عباس مرفوعا: "نزل الحجر ms1090 ~~الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم" (¬2) رواه ~~الترمذي والنسائي، PageV06P196 # فقد أجرى الله تعالى العادة أن من يرى ما كان في الجنة فيحرم على النار ~~ولكن ستر الله زينته من الظلمة فجعل السواد كالمانع من رؤية الزينة. # قلت: وقد روى الأزرقي ذلك في حديث عن ابن عباس (¬1) مطولا، وروى أبو عمر ~~(¬2) عن غير واحد أن الحجر الأسود من الجنة ثم قال: إنه أولى من قول من ~~قال: إنه من حجارة الوادي، وروى عن السدي قال: "أهبط آدم بالهند، وأنزل معه ~~الحجر الأسود, وقبضة من ورق الجنة فنثرها بالهند فأنبتت شجرة الطيب. # ثالثها: ما روى الحاكم في "مستدركه" مستشهدا به لا محتجا من حديث أبي ~~سعيد الخدري أن علي بن أبي طالب، قال: لعمر لما قال، ما قال: بلى، يا أمير ~~المؤمنين! إنه يضر وينفع، قال: بم؟ قلت: قال: بكتاب الله تبارك وتعالى، ~~قال: وأين ذلك من كتاب الله تعالى؟ قال: قال الله تعالى: {وإذ أخذ ربك من ~~بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} (¬3)، ~~خلق الله آدم، ومسح على ظهره، فقررهم بأنه الرب، وأنهم العبيد، وأخذ عهودهم ~~ومواثيقهم، وكتب ذلك في رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان، PageV06P197 # فقال له: افتح فاك قال: ففتح فاه، فألقمه ذلك الرق، وقال: إشهد لمن وافاك ~~بالموافاة يوم القيامة وإني أشهد لسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود، وله لسان ذلق، يشهد لمن يستلمه ~~بالتوحيد" فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع، فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش ~~في قوم لست فيهم يا أبا الحسن (¬1). # رابعها: في الحديث دلالة على أنه ينبغي للعالم أن يبين للناس السنن بقوله وفعله. # خامسها: فيه أيضا دلالة على أن المرجع في ذلك إلى الشارع دون غيره. # سادسها: فيه أيضا دلالة على أن الإمام العالم المقتدى به إذا خاف على ~~الناس فعل محذورا واعتقاده أو انجرار المشروع إلى ذلك أن يبينه ويوضحه ~~للناس في المجامع ms1091 والمواسم [وفسره] (¬2) بالإيضاح والبيان ليكون بينا. # سابعها: لا يشرع التقبيل إلا للحجر الأسود وللمصحف (¬3) PageV06P198 # ولأيدي الصالحين (¬1) من العلماء وغيرهم وللقادمين من السفر بشرط أن لا ~~يكون أمرد ولا امرأة محرمة ولوجوه [الموتى] (¬2) والصالحين ومن نطق بعلم ~~أوحكمة ينتفع بها وكل ذلك ثابت من الأحاديث الصحيحة وفعل السلف. PageV06P199 # فأما تقبيل الأحجار والقبور والجدران والستور (¬1) وأيدي الظلمة والفسقة ~~(¬2) واستلام ذلك جميع فلا يجوز، ولو كانت أحجار الكعبة أو القبر المشرف أو ~~جدار حجرته أو ستورهما أو صخرة بيت المقدس، فإن التقبيل والاستلام ونحوهما ~~تعظيم، والتعظيم خاص بالله فلا يجوز إلا فيما أذن فيه، نعم في "شرح المهذب" ~~لابن درباس (¬3) عن الشافعي [رضي الله عنه] أنه قال: وأي البيت قبل، فحسن، ~~غير أنا نؤمر بالاتباع. # ... PageV06P200 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 225/ 5/ 46 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: "قدم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مكة، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم، قوم ~~قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا ~~الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط ~~كلها: إلا الإبقاء عليهم" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا القدوم كان في عمرة القضاء سنة سبع قبل الهجرة ووقع في كلام ~~القاضي (¬2) أن ذلك كان في عمرة الحديبية وهو وهم فإنه صد فيها عن مكة إلا ~~أن تأول [الأمر] (¬3) على إرادة العمرة التي PageV06P201 # قاضي عليها بالحديبية فاعلمه. وكان في المسلمين ضعف في أبدانهم [وإنما] ~~(¬1) رملوا إظهارا للقوة واحتاجوا إلى ذلك في غيرها بين الركنين اليمانيين ~~لأن المشركين كانوا جلوسا في الحجر لا يرونهم بين هذين الركنين ويرونهم ~~فيما سوى ذلك فلما حج -عليه الصلاة والسلام- حجة الوداع في العاشرة رمل من ~~الحجر إلى الحجر وذلك متأخر فوجب الأخذ به ونسخ ترك الرمل وتبين بذلك أن ~~المشي بين الركنين اليمانيين في الأشواط الثلاثة منسوخ. # الثاني: معنى: "وهنتهم" بتخفيف الهاء أضعفتهم وهو ثلاثي وقد يقال: ~~رباعيا. # قال [الفراء] (¬2): وغيره يقال: وهنه الله وأوهنه، ويقال: وهن الإنسان ~~ووهنه غيره ms1092 (¬3) يتعدى ولا يتعدى، ويقال: أيضا وهن بالكسر. # الثالث: "يثرب": اسم المدينة في الجاهلية واستجد لها في الإسلام عدة ~~أسماء سلفت الإشارة إليها منها: المدينة، وطابة، وطيبة، وكره - صلى الله ~~عليه وسلم - تسميتها يثرب في حديث رواه الإمام أحمد في "مسنده" (¬4) وفي ~~"صحيح مسلم" "يقولون يثرب وهي المدينة" يعني PageV06P202 # أن بعض المنافقين وغيرهم يسميها يثرب وفي هذا الحديث تسمية المشركين لها ~~بذلك. قال عيسى بن دينار: من سماها بذلك كتبت عليه خطيئة. # [وسبب الكراهة: أن يثرب مأخوذ من التثريب وهو التوبيخ والملامة] (¬1). # وسميت: طابة، وطيبة من الطيب لحسن لفظها، وكان -عليه الصلاة والسلام-: ~~يحب الاسم الحسن ويكره القبيح. # وتسميتها في القرآن بيثرب: حكاية عن قول المنافقين والذين في قلوبهم مرض. # وقيل: سميت يثرب بأرض هناك. المدينة ناحية منها (¬2). # وقال البكري في "معجمه": سميت بيثرب بن PageV06P203 # قانية (1) من بني آدم بن سام بن نوح لأنه أول من نزلها. # قلت: ووقع في البخاري (2) تسميتها يثرب فروى عن أبي موسى أراه عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض ~~بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي يثرب" وفي "دلائل ~~النبوة" (3) للبيهقي أن جبريل سماها بذلك PageV06P204 # أيضا، وروى من حديث شداد بن أوس قلنا: يا رسول الله كيف أسرى بك؟ الحديث. ~~وفيه أن جبريل [عليه الصلاة والسلام] (1) أتدري أين صليت؟ قال: قلت: الله ~~أعلم. قال: صليت بيثرب صليت بطيبة. قال البيهقي: إسناده صحيح. # [فرع] (2): "الرمل": هو إسراع المشي مع تقارب الخطا ولا معنى "الرمل" يثب ~~وثوبا، يقال: رمل يرمل بضم الميم رملا بفتح الراء وسكون الميم ورملانا. # ثم اعلم. أن الرمل من الألفاظ المشتركة أيضا يقع على جنس من العروض (3) ~~وهو القصير منها، وعلى القليل من المطر، وعلى خطوط تكون في قوائم البقر ~~الوحشية يخالف سائر لونها. # الخامس: "الأشواط" هي الطوافات راملا وأصل الشوط في الأصل الطلق، يقال: ~~عدا شوطا أي طلقا بفتح اللام، والمراد به هنا: الطواف بالبيت من الحجر إلى ms1093 ~~الحجر ويسمى الطواف كله والطوفة الواحدة دورا وفيه ما سيأتي. # وقوله: "وأن يمشوا ما بين الركنين [إلى اليمانيين] (4) وسببه PageV06P205 # عدم رؤية المشركين للمسلمين إذ ذاك إذ العلة إنما كانت إظهار الجلد ~~وإنكار المشركين فيما أدعوه من ضعفهم. # السادس: قوله: "إلا الإبقاء" قال: النووي في "شرح مسلم" (¬1) هو بكسر ~~الهمزة وسكون الباء الموحدة وبالمد أي الرفق بهم. ولم يزد على ذلك. # وقال القرطبي (¬2): رواية "الإبقاء" بالرفع على أنه فاعل "يمنعهم" ويجوز ~~نصبه على أن يكون مفعولا من أجله، ويكون في "يمنعهم" ضمير عائد على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - هو فاعله فتأمله. # السابع: اعلم أن الرمل شرع لحكمة إظهار قوة المؤمنين إرغاما للمشركين ~~لإظهار التوحيد للرب جل وعز في امتثال أمره بحضرتهم وقد زالت الحكمة التي ~~شرع لأجلها وحكمه باق إلى يوم القيامة عند الأمن إلا ابن عباس (¬3) فإنه ~~قال إن استحبابه كان ذلك الوقت لإظهار القوة للكفار وزال بزوال علته. وليس ~~كما قال فنفعله الآن تأسيا واقتداء بالشارع كما وقع التأسي بكثير من أفعال ~~الحج تعبدا كالسعي ورمي الجمار فإن السعي سبب التعبد به قصة هاجر مع ابنها ~~إسماعيل وتركها إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- في ذلك PageV06P206 # المكان الموحش منفردين منقطعي أسباب الحياة بالكلية مع ما أظهر الله ~~تعالى من الكرامة والآية في إخراج الماء لها حين سعى هاجر بين الصفا ~~والمروة لئلا ترى الألم بإسماعيل عند موضع زمزم وتركها له هناك وكذلك سبب ~~التعبد برمي الجمار أن إبليس رمى بها في هذه المواضع عند إرادة الخليل ذبح ~~ولده امتثالا لأمر الله تعالى في شرعية ذلك جميعه من الفوائد الكثيرة ما ~~يزيد المتبصر بذكره. # فمنها: تذكر وقائع السلف الكرام للمتأخرين إذ في طي تذكرها مصالح دينية ~~في أشياء كثيرة. # ومنها: ما كانوا عليه من امتثال الأمر والمبادرة إليه وبذل الأنفس في ذلك ~~جميعه وبهذه النكتة يظهر لك أن كثيرا من الأعمال الواقعة في الحج يقال فيها ~~أنها تعبد وليس كذلك. # ومنها: تعظيمهم باحتمال مشاق امتثال الأوامر والصبر عليه ووجود عدم ~~المعين عليها ms1094 والمفند عنها فإن ذلك جميعه باعث لنا على التأسي والتعظيم وكل ~~ما ذكرناه معنى معقول يبين في أشياء كثيرة. # الثامن: في الحديث دلالة على استحباب الرمل وهو سنة ثابتة مطلوبة على ~~تكرار السنين وهو مذهب جميع [العلماء] (¬1) من الصحابة والتابعين فمن ~~بعدهم. وخالف ابن عباس كما سلف وقد بينا الحكمة والسر فيه ثم أجمع من قال ~~باستحبابه على أنه سنة في الطوافات الثلاث الأول من السبع إلا عبد الله بن ~~الزبير فإنه قال: يسن في السبع فإن تركه ففد ترك سنة وفاتته الفضيلة ويصح ~~طوافه ولا دم عليه. PageV06P207 # وقال الحسن البصري والثوري وابن الماجشون: إذا ترك الرمل لزمه دم. وكان ~~مالك يقول به. # قال الأبهري: لأنه ترك شيئا مستحبا وذلك أحوط. ثم رجع عنه (¬1)، قال ~~الأبهري: أيضا لأن ذلك هيئة للعمل فصار كما لو ترك رفع اليدين في الصلاة. # ثم لا يسن الرمل إلا في طواف العمرة وفي طواف واحد في الحج ولا يستحب إلا ~~في طواف يعقبه سعي ولا يختص بطواف القدوم على الأظهر عند الشافعي وبه قال ~~جماعة من العلماء وفي قول يختص به وإن لم يسعى بعده، ولا يتصور الرمل في ~~طواف الوداع ولو ترك الرمل في الثلاث الأول من السبع لم يأت به في الأربع ~~الأواخر لأن السنة فيها المشي على العادة فلا يغيره فلو لم يمكنه الرمل ~~لزحمة أشار في هيئة مشيه إلى صفة الرامل ولو فات الرمل بالقرب لزحمة فالرمل ~~مع بعد أولى لأن فضيلة الرمل هيئة للعبادة في نفسها والقرب من الكعبة هيئة ~~في موضع العبادة لا في نفسها فكان تقديم ما يتعلق بنفسها أولى وهذا إذا كان ~~لا يرجوا فرجة أو وقف فإن رجاها وقف ليرمل فيها ولو خاف صدم النساء بأن كن ~~في حاشية المطاف فالقرب بلا رمل أولى تجوزا عن مصادمتهن وملامستهن. PageV06P208 # واتفق العلماء: على أن الرمل لا يشرع للنساء كما لا يشرع لهن شدة السعي ~~بين الصفا والمروة كذا نقله النووي في "شرح مسلم" (¬1) وسبقه إليه ابن ~~المنذر. # نعم ms1095 لو كانت ليلا في خلوة لم يمنع استحباب الرمل لها كما قيل بمثله في ~~السعي وإن لم يصرحوا به. # فرع: يخاطب بالرمل المكي أيضا خلافا لابن عمر وعند الشافعي فيه تفصيل ~~محله كتب الفروع. # التاسع: فيه أيضا أن الرمل لا يشرع بين [الركن] (¬2) اليماني والأسود ~~وإنما يشرع المشي وهو قول الشافعي وقد أسلفنا أن ذلك منسوخ واستقرار ~~استحبابه حول البيت والحجر وهو أشهر قولي الشافعي (¬3). # العاشر: فيه أيضا إظهار قوة الدين والإسلام [بحضرة أعدائه] (¬4) وإن كان ~~الضعف حاصلا. # الحادي عشر: فيه أيضا أن ما شرع لمعنى تستحب المداومة على فعله تذكرا ~~لنعم الله تعالى وتأسيا كذا استنبط منه وليس بظاهر. PageV06P209 # الثاني عشر: فيه أيضا جواز تسمية الطواف شوطا ونقل عن مجاهد والشافعي ~~كراهته وكراهة تسميته دورا وإنما يسمى طوفة. # قال القاضي حسين: وسببها أن الشوط هو الهلاك والصحيح أنه لا كراهة فيه ~~لهذا الحديث لأنها لا تثبت إلا بالشرع ولم يثبت، ويمنع أن الشوط هو الهلاك ~~بل هو الطلق كما تقدم (¬1). # الثالث عشر: فيه أيضا رفق الإمام بالناس فيما يأمرهم به من الطاعات ~~للمصالح العامة وأن لا يتجاوز بما يأمرهم به من ذلك إلى حد المشقة عليهم. # ... PageV06P210 ### ||| AUTO الحديث السادس # 246/ 6/ 46 - عن [عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-] (¬1) قال "رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود -أول ما ~~يطوف يخب ثلاثة أشواط" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: الخب والرمل: بمعنى. # ومعنى: "استلم" مسح يده [فيه] (¬3) مأخوذ من السلام وهو التحية أو السلام ~~بكسر السين وهي الحجارة. # الثاني: فيه دلالة على استلام الركن والحكمة فيه كونه على قواعد إبراهيم ~~وفيه الحجر أيضا، وقد قدمت في الحديث الرابع عن القاضي أبي الطيب (¬4) أنه ~~انفرد بقوله: يستلم الركن الذي فيه الحجر أيضا، وعزاه الشيخ تقي الدين (¬5) ~~إلى بعض مصنفي الشافعية PageV06P211 # المتأخرين وكأنه أراده [قال] (¬1) وله متمسك بهذا الحديث وإن كان يحتمل ~~أن معنى قوله: "استلم الركن" استلم الحجر، وعبر عن الحجر بالركن فإنه بعضه ~~كما ms1096 أنه إذا قال: استلم الركن إنما يريد بعضه، وبهذا جزم النووي في "شرح ~~مسلم" (¬2) حيث قال: فيه استحباب استلام الحجر الأسود في ابتداء الطواف، ثم ~~ذكر أن القاضي أبا الطيب استدل به على استلام الركن أيضا ثم قال: واقتصر ~~[جمهور أصحابنا] (¬3) على أنه يستلم الحجر. # [الثالث] (¬4): فيه دلالة أيضا على البدأة بطواف القدوم عند وصوله إلى مكة. # [الرابع]: فيه أيضا استحباب الرمل فيه. # [الخامس]: فيه أيضا أن استحبابه إنما هو في الطوافات الثلاث الأول وفي ~~جميعها أعني الثلاث. # السادس: فيه أيضا جواز تسميتها أشواطا وقد سلف ما فيه (¬5). # ... PageV06P212 ### ||| AUTO الحديث السابع # 247/ 7/ 46 - عن عبد الله بن عباس [رضي الله عنهما] (¬1) [قال طاف النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، (¬2) في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن (¬3). # المحجن: عصا محنية [الرأس] (¬4). # الكلام عليه من وجوه: # يقدم عليها أن ابن طاهر قال: أنكر على البخاري ومسلم إخراجهما لهذا ~~الحديث من حديث ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، ~~عن ابن عباس لأن الليث بن سعد PageV06P213 # وأسامة بن زيد وزمعة خالفوا ابن وهب، ورووه عن ابن شهاب بلغه عن ابن ~~عباس، ورواه ابن أخي ابن وهب عن عمه كذلك، قال: والاحتياط يقضي لمن أرسله ~~مع أن بعض الحفاظ حكم بإرساله [...] (¬1) هذا كلامه، وقد علم ما في تعارض ~~الوصل والإرسال وأن الواصل معه زيادة فقدمت. # الوجه الأول: حجة الوداع كانت سنة عشر من الهجرة. # سميت ذلك: لأنه -عليه الصلاة والسلام- ودع الناس فيها, ولم يحج بعد ~~الهجرة غيرها، وحج قبلها حجة واحدة فيما ذكره ابن إسحاق، وفي حديث آخر ~~حجتان (¬2). وكره بعض العلماء PageV06P214 # أن يقال لها حجة الوداع، وهو غلط، والصواب جوازه لهذا الحديث وغيره من ~~الأحاديث (¬1). ولم يزل السلف والخلف على جوازه واستعماله. # الثاني: "المحجن" بكسر الميم، وسكون الحاء وفتح الجيم، وقد فسره المصنف ~~زاد النووي في "شرح مسلم" (¬2) يتناول بها الراكب ما يسقط منه، ويحرك بها ~~بعيرة للمشي. # الثالث: العلة في طوافه -عليه الصلاة والسلام- راكبا لكي يراه الناس ms1097 ~~مشرفا فيسألوه ويتعلموا أفعاله ليقتدوا بها كما صرحت به الأحاديث منها حديث ~~جابر في مسلم (¬3)، وفيه عن عائشة قالت: "طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في حجة الوداع حول الكعبة على بعير يستلم الركن كراهة أن يضرب عنه الناس". ~~على أنه يحتمل أن يكون الضمير في "عنه" يرجع إلى الركن. وروى أبو داود (¬4) ~~في "سننه" من حديث ابن PageV06P215 # عباس أيضا أنه -عليه الصلاة والسلام-: "إنما طاف راكبا لشكوى عرضت له". ~~وإلى هذا أشار البخاري (¬1) في صحيحه وترجم عليه في "باب: المريض يطوف ~~راكبا". وذكره من حديث عكرمة عن ابن عباس أنه -عليه الصلاة والسلام-: "طاف ~~بالبيت وهو على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر". لكن ~~حديث ابن عباس الذي أخرجه أبو داود ضعيف لأنه من رواية يزيد بن أبي زياد ~~وهو ضعيف. # قال البيهقي (¬2): وهذه الرواية تفرد بها يزيد هذا. # قلت: وقال الإمام الشافعي (¬3) -رضي الله عنه-: لا أعلمه في تلك الحجة اشتكى. # وقيل: إنما طاف راكبا لبيان الجواز. # قال النووي: ويحتمل أنه طاف راكبا لهذه الأمور كلها. # قلت: احتمال كونه ضعيفا فيه بعد لما بيناه. قال أبو عمر (¬4): لم يقل أن ~~طوافه لعذر من يوثق بنقله. # الرابع: هذا الطواف يحتمل أن يكون طواف الوداع، وأن يكون طواف القدوم لكن ~~في مسلم من حديث جابر أنه -عليه الصلاة والسلام- طاف راجلا فليحمل على ~~القدوم. وحديث ابن عباس PageV06P216 # على طواف الوداع (¬1)، روى ابن حبان (¬2)، في "صحيحه" من حديث ابن عمر: ~~طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته القصواء يوم الفتح واستلم ~~الركن بمحجنه"، فهذه واقعة أخرى وروى الشافعي في "الأم" أنه -عليه الصلاة ~~والسلام-: "طاف طواف القدوم على عقبيه" وهذا يقوى ما أسلفناه. # الخامس: اعترض ابن القطان في كتاب "الوهم والإيهام" (¬3) على عبد الحق في ~~"أحكامه"، فقال: ذكر "البعير" وقع في "أبي داود" دون "مسلم"، وهذا عجيب فهو ~~في "صحيح مسلم" كما عزاه إليه عبد الحق وفي "صحيح البخاري" أيضا. # السادس: في الحديث دلالة على ms1098 جواز الطواف راكبا وهو إجماع. قال مالك: في ~~المريض يطاف به محمولا ثم يفيق أحب إلى أن يعيد. نقله أبو عمر (¬4) عنه. # وهل يكره لغير عذر؟ # ونقل ابن الرفعة عن الماوردي (¬5) وغيره نعم. PageV06P217 # ونقل الرافعي عن الأصحاب عدمها ثم قال: وقال الإمام في القلب من إدخال ~~البهيمة المسجد ولا يؤمن تلويثها شيء فإن أمكن الاستياق فذاك، وإلا فإدخال ~~البهائم المسجد مكروه، ومقتضى ما ذكره في الشهادات التحريم عند غلبة ~~التنجيس والكراهة عند عدمها. # وقال [القرطبي] (¬1): أجار قوم طواف من لا عذر له، منهم ابن المنذر أخذا ~~بطوافه -عليه الصلاة والسلام- راكبا، والجمهور على كراهة ذلك ومنعه، ~~متمسكين بظاهر قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق (29)} (¬2)، وهذا طيف ~~به، ولم يطف، وبأن الصحابة اعتذروا عن طوافه -عليه الصلاة والسلام- راكبا، ~~وبينوا عذره في ذلك، فكان دليلا: على أن مشروعية الطواف عندهم أن لا يكون راكبا. # ثم اختلفوا بعد ذلك فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يعيد ما دام قريبا من ~~ذلك فإن بعد إلى مثل الكوفة ففيه دم (¬3)، ولم ير الشافعي فيه شيئا. # ونقل الباجي (¬4): عن القاضي عبد الوهاب (¬5) الكراهة في غير المعذور ~~فقط. PageV06P218 # وقال الماوردي (¬1): الإجماع على جواز الطواف راكبا بغير عذر، لكن أبو ~~حنيفة ومالك يوجب الدم والحالة هذه. # ولم يزد الشيخ تقي الدين (¬2) في "شرحه" على قوله، وقيل: إن الأفضل المشي ~~وإنما طاف -عليه الصلاة والسلام- راكبا لتظهر أفعاله فيقتدى بها، قال: وهذا ~~يؤخذ منه أصل كبير، وهو أن المشي قد يكون راجحا بالنظر إلى محله من حيث ~~[هو] (¬3) فإذا عارضه أمر [خارج] (¬4) أرجح منه قدم على الأول من غير أن ~~تزول تلك الفضيلة الأولى حتى إذا زال ذلك العارض الراجح عاد [ترجح] (¬5) ~~الأول من حيث هو هو، وهذا إنما يقوي إذا قام الدليل على أن ترك الأول إنما ~~هو لأجل المعارض الراجح، وقد يؤخذ ذلك بقرائن ومناسبات وقد يضعف، وقد يقوى ~~بحسب اختلاف المواضع، وههنا يصطدم أهل الظاهر مع المتتبعين للمعاني. # فرع: قال الماوردي (¬6): لو طاف محمولا على أكتاف الرجال من غير ms1099 عذر فهو ~~مكروه، قال: وركوب الإبل أيسر حالا من ركوب البغال والحمير. PageV06P219 # السابع: فيه أيضا جواز استلام الحجر بعود ونحوه إذا عجز عن استلامه بيده ~~وليس في الحديث تعرض لتقبيله وعدمه، وفي صحيح مسلم (¬1) من حديث أبي الطفيل ~~أنه -عليه الصلاة والسلام- قبله. # قال القاضي عياض (¬2): وانفرد مالك عن الجمهور، فقال: في أحد قوليه لا ~~يقبل، ونقل عن أحمد أيضا، وعن أبي حنيفة أنه لا يستلم. # وأصح الأوجه عند الشافعية أن التقبيل بعد الاستلام. # وثانيها: قبله وكأنه ينقل القبلة إليه حكاه في "الكفاية". # وثالثها: يتخير. # الثامن: فيه أيضا طهارة البعير ونجوه وعرقه وهو إجماع. # التاسع: فيه أيضا جواز إدخاله المسجد للحاجة إلى ذلك وقد أسلفت ما فيه. # العاشر: استدل به من قال: بطهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه، وهو مذهب مالك ~~وأحمد لأنه لا يؤمن البول والروث منه، ولو كان نجسا لما عرض المسجد ~~للنجاسة، وقد منع لتعظيم المساجد ما هو أخف من هذا. # وأجاب القائل بالنجاسة، وهو أبو حنيفة والشافعي: بأنه PageV06P220 # لا يلزم من دخوله أن يبول أو يورث في حال الطواف، وإنما هو محتمل، وعلى ~~تقدير حصوله ينظف المسجد منه، وقد أقر -عليه الصلاة والسلام- دخول الصبيان ~~ونحوهم المساجد ومعلوم أنه لا يؤمن من بولهم وغائطهم فيها بل قد يوجد ذلك، ~~ولو كان ذلك محققا لنزه المسجد من دخولهم إليه، سواء كان ما يؤذي به المسجد ~~من الأقذار طاهرا أو نجسا. # *** PageV06P221 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 248/ 8/ 46 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: "لم أر [رسول] ~~(¬1) الله - صلى الله عليه وسلم - يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: "الركنان اليمانيان" هما الركن الأسود الذي فيه الحجر والثاني ~~الذي يليه من نحو دور بني جمح وكلاهما من جهة اليمن، فلذلك نسبا إليه، كذا ~~قاله القرطبي (¬3). # وخالف النووي فقال: قيل لهما اليمانيان [للتغليب] (¬4) PageV06P222 # كالعمرين ونظائره، وتوبع [على ذلك] (¬1). # وأجاب بعضهم: على هذا بأنه يحتمل أن يكون تغليب اليماني من باب استحباب ~~لفظ اليمن الذي هو التبرك. # [الثاني] (¬2): "اليمانيان": ms1100 بتحفيف الياء على اللغة الفصيحة المشهورة، ~~وحكى سيبويه وغيره لغة أخرى بالتشديد، فمن خفف فلأنها نسبة إلى اليمن، ~~فالألف عوض من إحدى ياءي النسب ولو شدد لكان جمعا بين العوض والمعوض منه ~~وذلك ممتنع، ومن شدد جعل الألف زائدة وأصله اليمني كما زادوا الألف في ~~صنعاني ورقباني ونظائرهما. # ثالثها: للبيت أربعة أركان، الركن الأسود واليماني ويقال: لهما ~~اليمانيان، وأما الآخران فيقال لهما: الشاميان لأنهما لجهة الشام، ويقال: ~~الغربيان. # فالأسود: يستلم ويقبل لاختصاصه بفضيلتي الحجر وكونه على قواعد إبراهيم ~~كما سلف في الحديث السادس. # واليماني: يستلم ولا يقبل لاختصاصه بفضيلة واحدة وهي كونه على قواعد ~~إبراهيم فقط. # والآخران: لا يستلمان ولا يقبلان لانتفاء هذين الفضيلتين فيهما. PageV06P223 # قال القاضي عياض (¬1): فلو بني اليوم على ما بناه ابن الزبير لاستلمتها ~~كلها كما فعل ابن الزبير -رضي الله عنه-، والإجماع قائم على استحباب إستلام ~~اليمانيين. # ونقل القاضي أبو الطيب: إجماع أئمة الأمصار والفقهاء على أن الشاميين لا ~~يستلمان، ونقل غيره ذلك عن جمهور العلماء، قال: واستحبه بعض السلف، وممن ~~كان يقول باستلامهما الحسن والحسين ابنا علي (¬2) وابن الزبير وجابر بن عبد ~~الله (¬3) وأنس بن مالك (¬4) وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد ~~-رضي الله عنهم-، قال القاضي أبو الطيب: كان فيه خلاف لبعض السلف من ~~الصحابة والتابعين وانقرض الخلاف ثم أجمعوا على عدم إستلامهما فإن [الغالب] ~~(¬5) على العبادات الاتباع لا سيما إذا وقع التخصيص مع توهم الاشتراك في ~~العلة فإن التوهم أمر زائد وإظهار معنى التخصيص غير موجود فيما ترك فيه ~~الاستلام، ونقل القاضي (¬6) عن بعض أهل PageV06P224 # العلم أن لمس الركنين اليمانيين إنما يكون في وتر الطواف لا في شفعه، ثم ~~نقل عن الشافعي أن هذا كله أعني تقبيل الحجر ولمس اليمانيين في أول شوط ولا ~~يلزم في بقيته إلا أن يشاء، ولما نقل القرطبي الأول عن بعضهم، قال: وبه قال ~~الشافعي ولعل مراده بذلك أن الشافعي يقول أنه آكد من الإشفاع لا مطلقا (¬1). # ... PageV06P225 ### || AUTO 47 - باب التمتع # ذكر فيه -رحمه الله- أربعة أحاديث: ms1101 ### ||| AUTO الحديث الأول # 249/ 1/ 47 - عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي قال: سألت ابن عباس -رضي ~~الله عنهما- عن المتعة؟ فأمرني بها. وسألته عن الهدي، فقال: فيها جزور، أو ~~بقرة، أو شاة، أو شرك في دم, قال: وكأن ناس كرهوها [فنمت] (¬1) فرأيت في ~~المنام كأن إنسانا ينادي: حج مبرور، [وعمرة] (¬2) متقبلة، فأتيت ابن عباس ~~فحدثته، فقال: "الله أكبر، سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: أبو جمرة بالجيم والراء، قال الحاكم أبو أحمد: في "كناه": وهو من ~~الأفراد. قلت: وفي الأسماء جماعة يقال فيهم PageV06P226 # جمرة أيضا ذكرتهم في "مشتبه النسبة" وذكرت فيه حمزة، وحمزة بالحاء ~~والزاي، وحمرة بضم الحاء المهملة، وحمرة بتشديد الميم المفتوحة، وخمرة بفتح ~~الخاء المعجمة فراجع ذلك منه (¬1). # قال المنذري: وجميع ما في مسلم عن ابن عباس، فهو أبو جمرة بالجيم سوى ~~حديث "ادع لي معاوية" فإنه أبو حمزة بالحاء المهملة والزاي عمران بن أبي ~~عطاء القصاب. # وأما "صحيح البخاري" فجميع ما فيه عن ابن عباس فهو أبو جمرة بجيم وراء. # واعلم: أن شعبة روى عن سبعة كلهم أبو حمزة بحاء وزاي عن ابن عباس إلا نصر ~~بن عمران هذا فبجيم وراء ويدرك الفرق بينهم بأن شعبة إذا قال: عن ابن عباس ~~وأطلق فهو نصر بن عمران، وإذا روى عن غيره فإنه يذكر اسمه أو نسبه. # واسم أبي جمرة: نصر بالصاد المهملة بن عمران، كما ذكره المصنف ابن عصام ~~أو عاصم بن واسع ووالد نصر اختلف في صحبته كما حكاه ابن مسنده وأبو نعيم ~~وابن عبد البر (¬2) وكان قاضيا على البصرة وولده نصر صاحب الترجمة تابعي ~~بصري متفق على توثيقه، والرواية له في الصحيحين والسنن والمسانيد روى عن ~~ابن عباس وجماعة وعنه الحمادان، وخلق كان مقيما بنيسابور ثم خرج إلى مرو ~~وإلى سرخس فمات بها سنة ثمان وعشرين ومائة. PageV06P227 # الثاني: "الضبعي" بالضاد المعجمة المضمومة ثم باء موحدة مفتوحة، ثم عين ~~مهملة ثم ياء السبب نسبة إلى ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة ms1102 بن صعب بن علي ~~بن بكر بن وائل نزلوا البصرة منهم أبو جمرة، هذا وتشتبه هذه النسبة بالصبغي ~~والصنعي، وقد أوضحتهما في "مشتبه النسبة" (¬1). # الثالث: الإحرام المعين يقع على ثلاثة أوجه: إلى إفراد، وقران، وتمتع، ~~والإجماع قائم على صحة الحج بكل واحد منها إلا أن أبا حنيفة (¬2) استثنى ~~المكي، فقال: لا يصح في حقه تمتع ولا قران ويكره له فعلهما فإن فعل لزمه ~~دم، وأما النهى الوارد عن عمر (¬3) وعثمان (¬4) -رضي الله عنهما- في التمتع ~~فيحمل على أن مرادهما [نهي] (¬5) أولوية لا تحريم وكراهة، للترغيب في ~~الإفراد لكونه أفضل، وكذا كراهة: بعضهم القرآن، وقد انعقد الإجماع بعد على ~~جوازه، وإنما اختلفوا في الأفضل. فأظهر [أقوال] (¬6)، الشافعي PageV06P228 # -رضي الله عنه-: أن أفضلها الإفراد، ثم التمتع، ثم القران، وهو مذهب مالك. # وقال أبو حنيفة: أفضلها القران، ثم التمتع، ثم الإفراد [للأفاقي. # وقال أحمد: التمتع، ثم الإفراد] (¬1)، ثم القرآن. ومحل الخوض في بيانها ~~وشروطها والترجيح كتب الفروع (¬2)، فإنه أليق به. # وسبب هذا الاختلاف اختلاف الصحابة في حجه - صلى الله عليه وسلم - هل كان ~~إفرادا أو تمتعا أو قرانا؟ وقد [ذكر] (¬3) البخاري ومسلم رواياتهم، والصحيح ~~أنه -عليه الصلاة والسلام- كان أولا مفردا (¬4)، ثم أحرم بالعمرة في وادي ~~العقيق بأمر جبريل وأدخلها على الحج فصار قارنا (¬5) فمن روى الإفراد فهو ~~الأصل، ومن روى القران اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي ~~وهو PageV06P229 # الارتفاق والانتفاع، وقد ارتفق بالقران كارتفاق التمتع (¬1)، وزيادة، وهي ~~الاقتصار على فعل واحد أو المراد أنه أمر به أو تمتع بفعل العمرة في أشهر ~~الحج، وفعلها مع الحج، وهذا يرجع إلى الأول، وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث، ~~وبه يزول ما اعترض به بعض الملاحدة وطعن في الشريعة بهذا الاختلاف، وقد بلغ ~~الطحاوي الكلام على هذه الأحاديث زيادة على ألف ورقة، وأولى (¬2) ما يقال ~~فيها ما قررناه. # وقيل: إنه -عليه الصلاة والسلام- أحرم مطلقا ثم أمر بالحج ثم بالعمرة في ~~وادي العقيق والأول أحسن (¬3). # الرابع: قوله: "سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها" فيه دلالة على ms1103 ~~جوازها عنده من غير كراهة. # ثم أعلم أن المتعة تطلق في الشرع بمعان: # أحدها: الإحرام بالعمرة في أشهر الحج ثم الحج من عامه والظاهر أنها ~~المرادة هنا. PageV06P230 # وسمى متمتعا: لاستمتاعه بمحظورات الإحرام من التحليلين أو لتمكنه من ~~الاستمتاع لحصول التحلل ولتمتعه بسقوط العود إلى الميقات للحج ولا خلاف بين ~~العلماء أنها المرادة أيضا بقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي} (¬1)، وكذا قال ابن عبد البر: لا خلاف في ذلك بين ~~العلماء. # وقال ابن الزبير وعلقمة وإبراهيم وسعيد بن جبير: معنى التمتع في الآية ~~المحصر يفوته الحج فيتحلل بعمل عمرة ثم يحج في العام المقبل فيكون متمتعا ~~بما بينهما في العامين. # ثانيها: نكاح المرأة إلى أجل وليس مرادا هنا بالاتفاق وكانت مباحة ثم ~~حرمت، يوم خيبر ثم أبيحت يوم الفتح، ثم حرمت واستمر التحريم إلى يوم ~~القيامة، وقد كان فيها خلاف في العصر الأول ثم ارتفع وأجمعوا على التحريم. # ثالثها: فسخ الحج إلى العمرة [كما سيأتي] (¬2) لتمتعه بإسقاط بقية العمل (¬3). # رابعها: تمتع المحصر كما مضى لتمتعه بالإحلال منه (¬4). # خامسها: القران لتمتعه بإسقاط أحد العملين كما مضى (¬5). PageV06P231 # الخامس: قوله، "وسألته عن الهدى فقال فيها جزور"، إلى آخره أخذه من قوله ~~تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} (¬1)، قال ابن ~~عطية (¬2): وما استيسر من الهدى عند [الجمهور] (¬3): شاة، وقال [عمر] (¬4)، ~~وعروة [بن الزبير] (¬5): جمل دون جمل وبقرة دون بقرة، قال: الحسن أعلى ~~الهدى بدنه وأوسطه بقرة وأخسه شاة. # قلت: وأصل الهدى ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره لكن المراد في الآية ~~والحديث ما يجزىء في الأضحية من الإبل والبقرة والغنم. # السادس: "الجزور" من الجزر وهو القطع لفظها مؤنث تقول هذه الجزور، ~~والمراد بها: البعير ذكرا كان أو أنثى وجمعها جزر وجزار، قال العسكري في ~~"تلخيصه" (¬6): البدنة: ما جعل للنحر في الأضحى أو للنذر وأشباه ذلك فإذا ~~كانت للنحر على كل حال. [فهي جزور] (¬7)، والبقرة: تقدم الكلام عليها في ~~الحديث السادس من باب الجمعة، والشاة: الواحدة ms1104 من الغنم تقع على الذكر ~~والأنثى من PageV06P232 # الضأن والمعز، وأصلها شوهة، ولهذا إذا صغرت عادت الهاء، فقيل: شويهة، ~~والجمع: شياه بالألف، وقفا [ودرجا] (¬1). # وقوله: "أو شرك في دم" أي ما يجزىء، ذبحه في الأضحية عن سبعة كالبدنة ~~ونحوها. # السابع: قوله: "فيها جزور" إلى آخره الضمير عائد إلى المتعة أي الواجب ~~على من تمتع بالتحلل بين العمرة والحج بما كان محرما عليه في إحرامه، أما ~~في عام أو عامين دم صفته ما ذكر. # وأعلم: أن لوجوب الدم للتمتع عند جمهور العلماء أربع شرائط. # أحدها: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج. # وثانيها: أن يحج بعد الفراغ منها في [عامه] (¬2). # وثالثها: أن لا يعود لإحرام الحج إلى الميقات. # رابعها: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، وثم شروط أخرى مختلف فيها: ~~كنية التمتع، ووقوع النسكين عن شخص واحد، ووقوعها في شهر واحد، وبقائه حيا ~~إلى آخر الحج، والأصح في الكل عدم الاشتراط فمن وجدت فيه شروط التمتع فعليه ~~ما استيسر من الهدى وهو دم شاة ونحوه يذبحه يوم النحر فلو ذبحه قبله بعد ما ~~أحرم بالحج أجزأه عند الشافعية خلافا للائمة الثلاثة فإنهم، PageV06P233 # قالوا: لا يجزىء إلا في [يوم] (¬1) أضحية النحر كالأضحية، ولو ذبحه بعد ~~التحلل من العمرة، وقبل الإحرام بالحج، فالأظهر عند الشافعي الأجزاء. # الثامن: قوله: "وكان ناس كرهوها" يعني بالناس عمر وعثمان كما تقدم، وقد ~~قام عمر بذلك، فقال: إن الله تعالى يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن ~~قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله [تعالى] (¬2) واتقوا ~~نكاح هذه النساء، فلن أتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة. # قال المازري (¬3): وقد اختلف في العمرة التي نهى عنها عمر في الحج، فقيل: ~~هي فسخ الحج [إلى] (¬4) العمرة، وقيل (¬5): هي العمرة في أشهر الحج، ثم ~~الحج [من عامه] (¬6)، [وعلى هذا إنما نهى عنها ترغيبا للإفراد الذي هو أفضل ~~[لا أنه] (¬7) يعتقد بطلانها أو تحريمها] (¬8). PageV06P234 # قال القاضي عياض: والظاهر أن المتعة المكروهة إنما هي فسخ الحج إلى ~~العمرة، ms1105 ولهذا كان عمر يضرب الناس عليها ولا يضربهم على مجرد التمتع في ~~أشهر الحج، وإنما كان يضربهم على ما أعتقده هو وسائر الصحابة أن فسخ الحج ~~إلى العمرة كان مخصوصا في تلك السنة للحكمة التي اقتضته (¬1). # التاسع: الحج المبرور: هو الذي لا يخالطه إثم. # العاشر: قوله "رأيت في المنام كأن إنسانا" إلى آخره فيه الاستئناس ~~بالرؤيا فيما يقوم عليه الدليل الشرعي وهو من باب التنبيه على عظم قدرها، ~~فإنه قد صح أنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وهذا الاستئناس ~~والترجيح ليس منافيا للأصول وتكبير ابن عباس، وقوله: "سنة أبي القاسم" يدل ~~على أنه تأيد بالرؤيا واستبشر بها، وفي ذلك دلالة على ما قلناه، وزاد ~~البخاري (¬2) أنه قال له: "أقم عندي واجعل لك سهما من مالي: فقلت: لم؟ ~~فقال: للرؤيا التي رأيت". # الحادي عشر: [المراد: بالسنة هنا الطريقة، وأبو القاسم: أحد كناه - صلى ~~الله عليه وسلم - كنى بابنه القاسم وهو أول ولده من خديجة مات صغيرا قبل ~~المبعث. # الثاني عشر] (¬3): في الحديث دلالة على أحكام. PageV06P235 # إحداها: السؤال عن العلم. # ثانيها: جواز المتعة كما أسلفناه. # ثالثها: وجوب الدم فيها بالشروط التي أسلفناها. # رابعها: عرض الرؤيا على الكبار والعلماء. # خامسها: التكبير عند استعظام الأمر والاستبشار به. # سادسها: التنبيه على عظم قدر الرؤيا. # سابعها: التنبيه على الخلاف في العلم ليجتنب ويعمل بالوفاق. # ثامنها: العمل بالأدلة الظاهرة والباطنة في الأحكام. # تاسعها: أن المقصود من العبادة موافقة العلم والإخلاص والصبر وطلب ~~القبول. # *** PageV06P236 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 250/ 2/ 47 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: "تمتع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه ~~الهدي من ذي الحليفة. وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[فأهل] (¬1) ~~بالعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~(¬2) بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى، فساق الهدي من ذي الحليفة، ~~ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال للناس من كان ~~منكم ms1106 [أهدى] (¬3)، فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن ~~أهدى فليطف بالبيت وبالصفا وبالمروة وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد، ~~فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. فطاف ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم مكة، وأستلم الركن أول شيء، ثم ~~خب ثلاثة أطوات من السبع، ومشى أربعة، وركع حين قضى طوافه بالبيت عند ~~المقام ركعين، ثم سلم ثم انصرف فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة ~~أطواف، ثم لم PageV06P237 # يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف ~~بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من أهدى وساق الهدي من الناس (¬1). # الكلام عليه من جوه: # الأول: قوله: "تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو محمول على ~~التمتع اللغوي وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها كما سلف ~~في الكلام على الحديث الذي قبله أو أنه أمر به لأن ابن عمر روى أنه أحرم ~~أولا مفردا (¬2) فتعين تأويل قوله: "أنه تمتع" على القران وأدخل العمرة على ~~الحج لأجل سوق الهدي [معه] (¬3) فإن من ساق الهدى لا يتحلل حتى يبلغ الهدي ~~محله لقوله تعالى: {ولا تحلقوا PageV06P238 # رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} (¬1) وإنما لم يفسخ الحج إلى العمرة كما أمر ~~غيره لأجل ما كانت الجاهلية تعتقده من عدم جواز العمرة في أشهر الحج فأراد ~~إبطال ما كانوا عليه بفعله وقوله [وترفه] (¬2) باتحاد الميقات فأدخل العمرة ~~على الحج والفعل وهذا التأويل الذي أولنا به قول ابن عمر "تمتع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -" أولى من قول القرطبي (¬3) إنه لا يعول عليه لاضطراب ~~روايته فإنه روى مرة أنه أفرد ولأنه ذكر أثناء رواية "تمتع" ما يدل على أنه ~~سمى الأرداف تمتعا. # الثاني: تقدم الكلام على حجة الوداع في الحديث السابع (¬4) ووجه تسميتها ~~بذلك وتغليط من كرة تسميتها به. # الثالث: قوله: "تمتع رسول الله ms1107 - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع ~~بالعمرة بالحج" أي بإدخال العمرة على الحج وإنما قال في حجة الوداع لنفي ~~تمتع الإحصار وليدل بتعيين ذلك فيها على استقرار حكم إدخال العمرة على الحج ~~من حيث أنه الأخر من فعله. # الرابع: قوله: "وأهدى وساق معه الهدي من ذي الحليفة" هو بيان [للمكان] ~~(¬5) الذي ابتدأ سوق الهدى منه وهو ميقات المدني كما سلف ففيه دلالة على ~~سوق الهدايا وإن بعد مكانها [وهو] (¬6) سنة مؤكدة ينبغي فعلها. PageV06P239 # الخامس: قوله: "وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهل بالعمرة ثم ~~أهل بالحج" هو بيان وتفسير لقوله: "تمتع" وهو محمول على التلبية في أثناء ~~الإحرام ويكون قدم فيها لفظ الإحرام بالعمرة على لفظه بالحج، فقال: "لبيك ~~بعمرة وبحجة" وهذا المستحب عند مالك في القران أن يقدم لفظ العمرة وهذا حجة ~~له وليس المراد أنه أحرم أول أمره بعمرة ثم أحرم بحج وإن كان بعضهم ادعاه ~~كما سيأتي لأنه يؤدي إلى مخالفة أحاديث الإفراد ويؤيد هذا التأويل قوله: ~~"فتمتع الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "بالعمرة إلى الحج" ~~ومعلوم أن كثيرا منهم أو أكثرهم أحرموا بالحج أولا مفردا وإنما فسخوه إلى ~~العمرة أخيرا فصاروا متمتعين فقوله: "فتمتع الناس" يعني في آخر الأمر. # السادس: قوله عليه الصلاة والسلام ومنهم من لم يهد فيه دلالة على أن سوق ~~الهدي ليس محتم بل هو سنة من شاء فعله ومن لم يفعله لم يأثم. # السابع: قوله "عليه الصلاة والسلام من كان منكم أهدى" إلى آخره فيه دلالة ~~على أن فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يسق الهدي جائز لبيان مخالفة الجاهلية ~~في منعهم العمرة في أشهر الحج. # واختلف العلماء هل كان ذلك خاصا للصحابة تلك السنة خاصة أم هو باق لهم ~~ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ # فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: بالثاني فيجوز لكل من أحرم بالحج وليس ~~معه هدى أن يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها. PageV06P240 # وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختص ms1108 ~~بهم في تلك السنة لمخالفة الجاهلية في تحريم العمرة في أشهر الحج. # ودليلهم في ذلك: ما رواه مسلم (¬1) من حديث أبي ذر قال: "كانت المتعة في ~~الحج لأصحاب محمد خاصة" -يعني فسخ الحج إلى العمرة- وما رواه أحمد والنسائي ~~وأبو داود وابن ماجه من حديث الحارث بن بلال (¬2) عن أبيه قال: قلت: يا ~~رسول الله فسخ PageV06P241 # الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: "بل لنا خاصة". وأما حديث سراقة بن ~~مالك بن جعشم في الصحيح يا رسول الله: "ألعامنا هذا [أم للأبد] " (¬1) ~~فمعناه جواز الاعتمار في أشهر الحج أو القران فالعمرة في أشهر الحج جائزة ~~إلى يوم القيامة وكذلك القران وفسخ الحج إلى العمرة مختص بتلك السنة. # وأجاب الأولون: عن ذلك. أما حديث الحارث بن بلال عن أبيه، فقال: ~~الدارقطني تفرد به ربيع ابن أبي عبد الرحمن عن الحارث، عن أبيه وتفرد به ~~عبد العزيز بن محمد الداروردي عنه، وقال أحمد: لا يثبت ولا يرويه غير ~~الداروردي ولا يصح حديث في الفسخ "كان لهم خاصة"، وقال: مرة حديث بلال لا ~~أقول به لا يعرف هذا الرجل ولم يروه إلا الداروردي [واحد] (¬2) وعشرون ~~صحابيا PageV06P242 # يرون عنه في الفسخ فأين يقع بلال بن الحارث منهم (¬1). # وأجاب النووي (¬2) عن هذا، فقال: لا معارضة [بينه] (¬3) وبينهم حتى ~~يقدموا عليه لأنهم أثبتوا الفسخ للصحابة ولم [يثبتوه لغيرهم] (¬4) وقد ~~وافقهم الحارث بن بلال في إثبات الفسخ للصحابة وزاد زيادة لا تخالفهم وهي ~~اختصاص الفسخ بهم. # وأما حديث أبي ذر فقال أحمد: يرويه رجل من أهل الكوفة ولم يلق أبا ذر ~~(¬5)، وهذا الحديث أخرجه هو ومسلم من حديث PageV06P243 # إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر، وأما حديث سراقة: فقال: معناه أن حكم ~~الفسخ باق إلى الآن (¬1). # وأبعد ابن الجوزي فقال في "تحقيقه" (¬2): يجمع بين الأحاديث بأنه -عليه ~~الصلاة والسلام- كان قد اعتمر وتحلل [منها] (¬3) ثم أحرم بالحج وساق الهدي، ~~ثم أمر أصحابه بالفسخ، [ففعلوا] (¬4) مثل فعله (¬5) ومنعه من [الفسخ إليها ~~سوق] (¬6) الهدي ثم قال: فلو قيل إنما علل بسوق ms1109 الهدي لا بفعل عمرة متقدمة. # وأجاب: بأنه ذكر إحدى العلتين ثم قال: وقولهم إنما أمرهم PageV06P244 # بالفسخ لمخالفة الجاهلية جوابه: أنه لو كان كذلك لم يفرق بين من ساق ~~الهدي ومن لم يسق ثم إنه -عليه الصلاة والسلام- قد اعتمر في أشهر الحج ففي ~~الصحيحين من حديث أنس "أنه اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع ~~حجته" (¬1) ففعله هذا كاف. # قلت: والجمع المتين هو ما أسلفناه في الحديث قبله. # الثامن: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من كان منكم أهدى" هو كقوله تعالى: ~~{ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} وهو محل اتفاق نعم اختلفوا في ~~المعتمر كما سيأتي في الحديث بعده. # التاسع: قوله: "ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر ~~وليحلل ثم ليهل بالحج" فيه دلالة على أن من لم يسق الهدي يجوز له إدخال ~~العمرة على الحج قبل الطواف ويتحلل منها وأن أفعال العمرة هي الطواف والسعي ~~والتقصير أو الحلق. # العاشر: قوله: "فليطف بالبيت" فيه دلالة على طلب هذا الطواف في الابتداء. # الحادي عشر: قوله: "وليقصر" أي من شعره وهو التقصير في العمرة عند التحلل منها. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): قيل: وإنما لم يأمره بالحلق حتى PageV06P245 # يبقى على الرأس ما يحلقه في الحج فإن الحلاق في الحج أفضل من الحلاق في ~~العمرة كما ذكر بعضهم. # قلت: كأنه عني به النووي فإنه كذا قال في "شرح (¬1) مسلم" في " [باب] ~~(¬2) وجوب الدم على المتمتع" وقال، في "باب: تقصير المعتمر من شعره" (¬3) ~~يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج ليقع الحلق في أكمل ~~العبادتين لكنه أطلق ذلك. # وفصل الشافعي في "الإملاء"، فقال: إن أمكن أن يسود شعره يوم النحر حلق ~~وإلا [قصر] (¬4) فاستفده. # الثاني عشر: قال الشيخ تقي الدين (¬5): استدل بالأمر في قوله: "فليحلق" ~~على أن الحلاق نسك وتبعه الفاكهي وزاد أنه مذهبنا ومذهب الجمهور خلافا لمن ~~قال: إنه استباحة محظور وهذه اللفظة ليست في الحديث فاعلم ذلك وإنما فيه ~~بدلها و"ليحلل" باللام وهذه الدلالة تؤخذ من قوله: ms1110 "وليقصر" فلعل القلم سبق ~~منه إلى الحلق. # الثالث عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وليحلل" هو أمر معناه الخبر أي ~~قد صار حلالا فله فعل كلما كان محظورا عليه في الإحرام. PageV06P246 # وقال الشيخ تقي الدين: # قيل: إن المراد به يصير حلالا إذ لا يحتاج -بعد فعل أفعال العمرة والحلاق ~~فيها- إلى تجديد فعل آخر، قال: ويحتمل عندي أن يكون المراد الأمر بالإحلال ~~وهو فعل ما كان عليه في حال الإحرام من جهة الإحرام، ويكون الأمر للإباحة. # الرابع عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ثم ليهل بالحج" معناه: يحرم في ~~وقت الخروج إلى عرفات [لا أن] (¬1) يهل عقب تحلل العمرة بالحج بدليل أنه ~~-عليه الصلاة والسلام- أتى بثم التي هي للمهلة والتراخي. # الخامس عشر: قوله: "وليهد" المراد: به هدي التمتع وهو واجب بشروطه ~~السالفة في الحديث قبله (¬2). # السادس عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فمن لم يجد هديا" أي لم يجده ~~هناك إما لعدمه، أو عدم ثمنه [أو وجد أن ثمنه واحتياجه] (¬3) إليه، وإما ~~لكونه يباع بأكثر من ثمن المثل، وإما لامتناع صاحبه من بيعه ففي كل هذه ~~الصور يكون عادما للهدي فينتقل إلى الصوم سواء كان واجدا لثمنه في بلده أم ~~لا بخلاف كفارة اليمين لأن الهدي يختص ذبحه بالحرم والكفارة لا تختص. # قال الشيخ تقي الدين (¬4): ولأن صيامه ثلاثة أيام في الحج PageV06P247 # وأيام الحج محصورة، فلا يمكن أن يصومها فيه إلا إذا كان قادرا على الصوم ~~في الحال، عاجزا عن الهدي في الحال. # السابع عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا ~~رجع إلى أهله" هو موافق لنص كتاب الله تعالى. # وقوله: "في الحج" أي بعد الإحرام بالحج فلا يجوز تقديمها على الإحرام لا ~~من حيث المفهوم فقط بل من حيث تعلق الأمر بالصوم الموصوف بكونه في الحج ~~وهذا بخلاف الدم فإنه يجوز تقديمه على الأظهر كما سبق لأن الصوم عبادة ~~بدنية فلا يجوز تقديمها على وقتها [كالصلاة] (¬1) بخلاف الدم فإنه عبادة ~~مالية فجاز تقديمه [كالزكاة] (¬2) وللشافعية وجه أنه يجوز الدم قبل ms1111 التحلل ~~من العمرة أيضا واستبعده الشيخ تقي الدين (¬3) لكنه لم يعزه للشافعية وإنما ~~قال: بعد أن حكى بعض الأصحاب منع الدم قبل الدخول في الحج والمشهور من ~~مذهبهم الجواز وأبعد من هذا من أجاز الهدى قبل التحلل من العمرة من العلماء ~~وهذا [قولهم] (¬4) إنه ليس وجها عند الشافعية وقد علمت حكايته عندهم، وقال ~~النووي في "شرح مسلم" (¬5) الأفضل أن لا يصومها حتى يحرم بالحج بعد في ~~فراغه من العمرة فإن صامها بعد فراغه منها أجزأه على الصحيح عندنا وإن PageV06P248 # صامها بعد الإحرام بالعمرة وقبل فراغها لم يجزه على الصحيح. # قلت: وبه قال مالك. وجوزه الثوري وأبو حنيفة ونقل القاضي عياض (¬1) عن ~~الشافعي ومالك أن صوم الثلاثة تتوقف على الإحرام بالحج وهو مقتضى الآية ~~والحديث. # الثامن عشر: هذه الأيام الثلاثة يستحب أن يصومها قبل يوم عرفة لأن الأحب ~~عندنا للحاج فطره فيحرم بالحج قبل السادس ولا يجوز صومها في يوم النحر وكذا ~~التشريق في الأظهر عند الشافعي كما سلف في بابه ولا يجب عليه تقديم الإحرام ~~بزمن يمكنه صوم الثلاثة فيه قبل يوم العيد على الأصح عند الشافعية وإذا ~~فاته صوم الثلاثة في الحج لزمه قضاؤها ولا دم عليه [وللشافعي] (¬2) قول ~~مخرج إنه يسقط الصوم ويستقر الهدي في ذمته وهو قول أبي حنيفة (¬3) ولو تأخر ~~التحلل عن أيام التشريق وصامها بعد ذلك قبل أن يتحلل أثم وصارت قضاء، وإن ~~صدق عليه أنه في [حج] (¬4) لأن تأخيره نادر فلا يكون مرادا من الآية وفيه ~~وجه آخر حكاه البغوي (¬5). # قال إمام الحرمين: وإنما يلزمه صوم الثلاثة في الحج PageV06P249 # [...] (¬1) إذا لم يكن مسافرا فإن كان فلا كصوم رمضان. # قال الرافعي: وهذا غير متضح لأن النص دال على الوجوب عليه. # وقال النووي: في "شرح المهذب" (¬2) إنه ضعيف. وعند المالكية (¬3) أنه إذا ~~أخرها إلى يوم النحر صام أيام التشريق وقيل ما بعدها، وقال مالك: في ~~"المدونة" (¬4) فيما إذا جهل أو نسي صوم ثلاثة أيام في الحج أو مرض فلا ~~يصومها حتى يقدم بلده ليهد إن وجد ms1112 هديا وإلا فليصم ثلاثة أيام في أهله ~~وسبعة [إذا رجع] (¬5) بعد ذلك، قال الباجي (¬6): يريد الفصل بين الثلاثة ~~والسبعة والتقديم لها قال ابن المعدل: الليل فاصل بينهما فلم يبق إلا ~~الرتبة في النية، [وقال أشهب: ذلك بينهما] (¬7) في صحتها وفي قول مالك ما ~~يدل [على] (¬8) أن الترتيب سقط وجوبه. # التاسع عشر: قد يستدل بقوله في "الحج" من يجيز للمتمتع PageV06P250 # صوم أيام التشريق (¬1) بعد إثبات مقدمة وهي أن تلك الأيام من أيام الحج ~~أو تلك الأفعال الباقية ينطلق عليها أنها من الحج. # [العشرون] (¬2): المراد بالرجوع انتهاؤه وهو وصوله إلى وطنه. # وقيل: ابتداؤه وهو فراغه من الحج بمنى ورجوعه إلى مكة وغيرها من مني وهما ~~قولان للشافعي ومالك والأظهر من قولي الشافعي الأول. # وعند المالكية الثاني وبه قال أبو حنيفة وأحمد وفي البخاري (¬3) من حديث ~~ابن عباس تعليقا بصيغة الخبر فيه "وسبعة إذا رجعتم" إلى أمصاركم وهو حجة ~~الشافعي -رضي الله عنه- قال الروياني في "البحر": فلو أراد الإقامة بمكة ~~صامها بها. # [فرع] (¬4): حذف تتابع الثلاثة وكذا السبعة وفي قولا مخرجا من كفارة ~~اليمين وجوب التتابع والأصح عند الشافعية الأول وهو مشهور مذهب مالك أيضا. PageV06P251 # [العشرون] (¬1): لو فاتته الثلاثة في الحج فأظهر قولي الشافعي أنه يلزمه ~~أن يفرق في قضائها بينها وبين السبعة كما في الأداء وهل يكفي مطلق التفريق ~~أو لا بد من التفريق كما في الأداء وهو التفريق بأربعة أيام ومدة إمكان ~~السير إلى الوطن فيه قولان للشافعي أصحها الثاني ومذهب مالك أن التفريق لا يجب. # الحادي والعشرون: قوله: "فطاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم ~~مكة" هذا طواف القدوم وهو سنة وهو تحية البيت ويستحب البدأة به أول قدومه ~~قبل فعل كل شيء. # الثاني والعشرون: قوله: "واستلم الركن" أول شيء أي اليماني فيستدل به على ~~ابتداء الطواف بذلك وقد سلف ذلك في الباب قبله والسر فيه أنه يمين الله في ~~الأرض كما سلف في الباب قبله بتأويله. # الثالث والعشرون: قوله "ثم خب ثلاثة أطواف من السبع أي رمل ms1113 كما سلف بيانه (¬2). # وقوله: "ثلاثة أطواف" يدل على تعميمها بالخبب على خلاف ما تقدم من حديث ~~ابن عباس وقد سلف ما فيه (¬3). # وقوله: "ومشى" يعني الباقية من السبع فلو قال: الرمل في الثلاثة الأولى ~~لم يرمل في الأربع الأخرى لأن السنة فيها المشي كما سلف في الباب قبله ~~(¬4). PageV06P252 # الرابع والعشرون: قوله: "وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام [ركعتين ~~ثم سلم" فيه دلالة على استحباب فعل ركعتي الطواف] (¬1) عند المقام أي خلفه ~~فيجعله بينه وبين الكعبة فلو لم يصلهما خلفه لزحمة أو غيرها صلاها في الحجر ~~فإن لم يفعل ففي المسجد فإن لم يفعل فحيث شاء من [الحرم] (¬2) وغيره ولا ~~يتعين لهما زمان ولا مكان بل يجوز أن يصليهما بعد رجوعه إلى وطنه وفي غيره ~~ولا يفوتان ما دام حيا ويتعلق بهاتين الركعتين فروع محل الخوض فيها كتب ~~الفقه وقد أوضحناها فيها ولله الحمد. # والأصح عند الشافعية: عدم وجوبهما وهو مذهب أبي حنيفة أيضا وتمتاز هذه ~~الصلاة عن غيرها بأن الأجير إذا صلاها وقعت عن المستأجر على الأصح لا عن ~~الأجير. # الخامس والعشرون: قوله: " [فانصرف إلى] (¬3) الصفا فطاف بالصفا والمروة ~~سبعة أطواف" فيه دلالة على مشروعية السعي عقب طواف القدوم وركعتيه ويجب أن ~~يكون السعي بعد طواف ركن أو قدوم بحيث لا يتخلل بينهما الوقوف بعرفة ولا ~~يتصور وقوعه بعد طواف الوداع لأنه يؤتى به بعد فراغ (¬4) المناسك فإذا بقي ~~السعي استحال أن يكون طواف وداع واشترط فيه بعض الفقهاء كما نقله PageV06P253 # الشيخ تقي الدين (¬1) أن يكون عقب طواف واجب قال: وهذا القائل يرى أن ~~طواف القدوم واجبا وإن لم يكن ركنا قال ابن العطار في "شرحه": لا شك أن هذا ~~الطواف وقع واجبا لأنه -عليه الصلاة والسلام- كان أولا مفردا ثم [إنه حل] ~~(¬2) فصار متمتعا قارنا لأجل سوق الهدي ولتبيين جواز العمرة في أشهر الحج ~~ثم قال: ومن العلماء من لم يجعله واجبا بل [هو] (¬3) طواف قدوم لمفرد الحج ~~وهو مستحب. # قلت: وهذا هو الصواب وإن كان مذهب أبي حنيفة ms1114 أن القارن يلزمه طوافان. # وحكى ابن المنذر: عن طاووس وبعض أهل الحديث أنه لو قدم السعي على الطواف ~~صح وحكاه أصحابنا عن داود ونقله إمام الحرمين في "أساليبه" عن بعض أئمتنا ~~وهو شاذ. # السادس والعشرون: قوله: "فانصرف فأتى الصفا" بفاء التعقيب في الانصراف ~~وإتيان الصفا عقب قوله: "ثم سلم من ركعتي الطواف" يقتضي ألا يكون بين ذلك ~~فعل شيء آخر من حيث أن التعقيب بالفاء يقتضي عدم المهلة لكن صح في مسلم ~~(¬4) من حديث جابر الطويل رجوعه -عليه الصلاة والسلام- بعد سلامه إلى الحجر PageV06P254 # الأسود فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا". وقال المارودي (¬1): بعد أن ~~يستلم يقف في الملتزم ويدعوا ويدخل الحجر ويدعوا تحت الميزاب. # وفي "الإحياء" (¬2) للغزالي: أنه يأتي الملتزم قبل الصلاة، وقال ابن ~~جرير: يقدم الملتزم على الاستلام والكل شاذ. # السابع والعشرون: البدأة بالصفا في السعي واجبة في المرة الأولى من السبع ~~وبالمروة في المرة الثانية [منه ويختم السبع بالمروة صحت به الأحاديث ~~والذهاب من الصفا إلى المروة مرة] (¬3) والعود منها إليه أخرى على الصحيح ~~عند الشافعية. # ثم السعي بين الصفا والمروة ركن عند الجمهور وخالف بعض الخلف فقال: هو ~~تطوع وهو رواية عن أحمد. # وقال أبو حنيفة: إن تركه عمدا أو سهوا لزمه دم وحكاه الدارمي قولا ~~للشافعي وهو غريب. # الثامن والعشرون: قوله: "ثم لم يحل من شيء حرم عليه" إلى آخره إنما لم ~~يحل من عمرته من أجل سوق الهدي لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله} وفي ذلك دليل على أن ذلك حكم القارن، قال ابن عطية: ومحل الهدى ~~حيث يحل نحره، وذلك لمن لم يحصر بمنى ولمن أحصر (¬4) حيث أحصر إذا لم يمكن ~~إرساله، PageV06P255 # وأما المريض فإن كان له هدى فيرسله إلى محله (¬1). # وقوله: "ثم حل من كل شيء حرم منه" هو إجماع وانفرد ابن عباس (¬2) عن ~~الأمة، فقال: إن الحاج يتحلل لمجرد طواف القدوم. # التاسع والعشرون: في قوله: "وفعل مثل ما فعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من أهدى" بيان ms1115 عدم خصوصيته -عليه الصلاة والسلام- بحكم سوق الهدي ~~وعدم تحلله بسببه وأنه عام له ولغيره ممن ساقه وفي حديث آخر: "بأن لا يحل ~~حتى يحل منهما جميعا" رواه مسلم (¬3) من حديث عائشة -رضي الله عنها-. # [الثلاثون] (¬4): في هذا الحديث جمل من أحكام مناسك [الحج] (¬5) فخذها ~~مختصرة. # أولها: جواز إدخال العمرة على الحج وهذا قول قديم للشافعي صححه إمام ~~الحرمين لكن مذهبه الجديد المنع وجعله خاصا به لضرورة الاعتمار حينئذ في ~~أشهر الحج. PageV06P256 # ثانيها: استحباب سوق الهدي من الميقات. # ثالثها: أن من تركه لا إثم عليه لكن فاته الفضل. # رابعها: أن من ساقه لا يتحلل من عمرته ومن لم يسقه يتحلل منها ويتمتع ~~فيما [بينها] (¬1) وبين إحرامه بالحج من مكة. # خامسها: وجوب الهدى على المتمتع بشروطه السالفة. # سادسها: وجوب الصوم لمن لم يجد الهدي. # سابعها: أن الصوم عشرة أيام. # ثامنها: طواف القدوم للقارن وانفرد ابن عباس من بين الأمة، فقال: إن طواف ~~القدوم ليس بسنة ولا بد من تأويله وإلا فهو ممن روى أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- بدأ بالطواف عند القدوم وأغرب بعض أصحابنا فقال بوجوبه وأنه يجبر ~~بدم وأقامه بعض المالكية مقام طواف الإفاضة فيما إذا طاف القدوم وسعى ورجع ~~إلى بلده قبل طواف الإفاضة جاهلا أو ناسيا. # تاسعها: استحباب استلام الحجر الأسود أول قدومه قبل طوافه. # العاشر: [استحبابه الرمل فيه بشرط استعقابه السعي] (¬2). # الحادي عشر: استحباب مشي الأربعة الباقية. # الثاني عشر: استحباب ركعتي الطواف خلف المقام. PageV06P257 # الثالث عشر: شرعية السعي بعد فعل الركعتين. # الرابع عشر: وجوب البدأة بالصفا في السعي وختمه بالمروة. # الخامس عشر: جواز تسمية السعي طوافا. # السادس عشر: أن محل الدم للهدايا والجبرانات المتعلقة بالحج قرانا كان ~~[أو] (¬1) تمتعا ونحرها يوم النحر بمنى. # السابع عشر: فيه طواف الإفاضة وأنه يستحب فعله يوم النحر. # الثامن عشر: أنه يتحلل من كل شيء حرم عليه بالإحرام بطواف الإفاضة وليس ~~في الحديث أنه حلق وقد علم ما فيه من الخلاف. # التاسع عشر: فيه الاقتداء به -عليه الصلاة والسلام- في مناسك الحج فعلا ~~وقولا وتقريرا. ms1116 # ... PageV06P258 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 251/ 3/ 47 - عن حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: [يا ~~رسول الله] (¬1) ما شأن الناس حلوا من العمرة، ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: ~~إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر" (¬2). # الكلام [على هذا الحديث] (¬3) من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في باب فضل الجماعة ووجوبها. # [ثانيها: الشأن] (¬4) هنا الأمر والحال. PageV06P259 # وقوله: "ولم تحل أنت من عمرتك"، معناه: العمرة المضمومة إلى الحج، وإحلال ~~الناس كان بالفسخ بأمره -عليه الصلاة والسلام-[كما سلف (¬1) في الحديث قبله ~~ولم يحل هو لسوق الهدى فيكون قارنا] (¬2) كما سلف (¬3) وهو المذهب الصحيح ~~المختار، ومن قال: كان مفردا قال إن "من" بمعنى الباء أي لم تحل بعمرتك أي ~~العمرة التي تحلل بها الناس فإنهم فسخوا حجهم إلى العمرة وضعفه الشيخ تقي ~~الدين (¬4): بوجهين: # أحدها: كون "من" بمعنى الباء، قال الفاكهي: وهو ضعيف جدا أو باطل لأنه لا ~~يعلم في لسان العرب استعمال "من" بمعنى الباء، وقد حصر النحويون معاني "من" ~~في سبعة أقسام ليس فيها أن تكون بمعنى الباء فإن شذ عن ذلك شيء لم يلتفت إليه. # قلت: سيأتي أنه وقع في القرآن العظيم "من" بمعنى "الباء". # الثاني: [إن] (¬5) قولها: "من عمرتك" يقتضي الإضافة فيه تقرر عمرة له ~~تضاف إليه، والعمرة التي يقع بها التحلل لم تكن [متقررة] (¬6) ولا موجودة، ~~وقيل: أرادت بالعمرة الزيارة لاشتراكها هي والحج في الموضع اللغوي وهو ~~الزيارة، فمعنى "من عمرتك" PageV06P260 # من حجتك, وضعفه الشيخ تقي الدين [أيضا]، (¬1) لأن الاسم [إذا انتقل] (¬2) ~~إلى حقيقة عرفية كانت اللغوية [مهجورة] (¬3) في الاستعمال. [وقريب] (¬4) من ~~الوجه [من قال أنها أرادت بها الإحرام] (¬5) وضعف (¬6) النووي في شرحه (¬7) ~~هذين التأويلين أيضا، فقال: تأول من يقول بالإفراد تأويلات ضعيفة، فذكرهما ~~وذكر تأويلها وهو أنها ظنت أنه اعتمر أي فسخ كما فخسوا، وكذا قال القرطبي ~~(¬8): إنها تأويلات بعيدة، قال: وأقربها كون "من" بمعنى "الباء" كما قال ~~تعالى: {يحفظونه من أمر الله} (¬9) أي بأمر الله، وكقوله: {من كل أمر (4)} ~~(¬10)، أي بكل أمر، ms1117 فكأنها قالت: ما يمنعك أن تهل بعمرة فأخبرها بسبب ~~المنع، وقال محمد بن أبي صفرة: مالك يقول في هذا الحديث: "من عمرتك" وغيره ~~يقول: "من حجك" حكاه القاضي ثم PageV06P261 # القرطبي (¬1). # ثالثها: إذا تقرر أنه كان قارنا فيستدل به إذن على أن القارن لا يتحلل ~~حتى يقضي أفعال الحج كالمنفرد. # رابعها: "التلبيد": أن يجعل في الشعر ما يسكنه ويمنعه من الانتعاش كالصبر ~~أو الصبغ أو ما أشبههما. # والتقليد: أن تقلد الهدى قلادة في عنقه من خيوط ونحوها وتعلق فيه نعل أو ~~قرن أو جلد، ونحو ذلك عراها ليكون ذلك علامة على أنه هدى لله تعالى فيجتنب ~~عما يجتنب (¬2) غيره من الأذى وغيره، وإن ضل رد، وإن اختلط بغيره يتميز ~~ولما فيه من إظهار الشعار، وتنبيه الغير على [فعل] (¬3) مثل هذا جميعه، ولا ~~يرجع فيها مهديها، وتجتنب سرقتها ويتبعها المساكين عند مشاهدتها. # فرع: قال الماوردي (¬4) وتستحب استقبال القبلة عند الإشعار والتقليد. # خامسها: قوله "فلا أحل حتى أنحر" هو اتباع لقوله تعالى: {حتى يبلغ الهدي ~~محله} (¬5)، فمن ساق الهدى لا يحل التحلل من عمرته PageV06P262 # حتى ينحر يوم النحر بمنى، واستدل أبو حنيفة، وأحمد بهذا الحديث على أن ~~المتمتع إذا فرغ من [أفعال] (¬1) العمرة، وكان قد أهدى لم يجز أن يتحلل بل ~~يقيم على إحرامه حتى يحرم بالحج ويتحلل منهما جميعا بخلاف ما إذا لم يهد ~~فإنه يتحلل. # ومذهب الشافعي ومالك: أنه إذا فرغ من أعمال العمرة صار حلالا وحل له جميع ~~المحظورات سواء كان ساق الهدى أم لا. # واحتجوا: بأنه متمتع [أكمل] (¬2) أفعال عمرته فيتحلل كما إذا لم يكن معه ~~هدى، وحديث حفصة هذا لا حجة فيه لأنه -عليه الصلاة والسلام- كان مفردا أو ~~قارنا كما سلف (¬3) ولهذا قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت ~~الهدى، ولجعلتها عمرة". وأما حديث عائشة: "من أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ~~ينحر هديه". # فجوابه: أنها رواية مختصرة من روايتين ذكرهما قبلها، وبعدها قالت: "فيها ~~من كان معه هدى فليهلل [بالحج والعمرة] (¬4)، ثم لا يحل حتى ms1118 يحل منهما ~~جميعا" فهذه الرواية مفسرة للأولى وتقديرها من أحرم بعمرة وأهدى فليهل ~~بالحج ولا يحل حتى ينحر [هديه] (¬5) ويتعين هذا التأويل لأن القصة واحدة ~~والراوي واحد. PageV06P263 # سادسها: في الحديث أحكام: # أحدها: جواز سؤال المرأة زوجها [الكبير] (¬1) المقتدى به عما وقع من ~~مخالفة الناس له فيما فعله. # ثانيها: الجواب بذكر السبب في مخالفتهم له. # ثالثها: جواز تسمية القارن متمتعا وإن لم يحل من عمرته. # رابعها: تلبيد شعر المحرم عند إحرامه وهو سنة بالاتفاق. # خامسها: أن من لبد رأسه لم يكفه إلا الحلق يوم النحر، وهو قول قديم ~~للشافعي، والجديد من مذهبه أنه لا يتعين وهما كالقولين: في أن التلبيد ~~والإشعار هل ينزل منزلة قوله: "جعلتها أضحية". # سادسها: أن من ساق الهدى لم يحل حتى ينحر. # سابعها: أن القارن لا يتحلل حتى يقضي جميع أفعال الحج كالمفرد ما ~~أسلفناه. # ثامنها: أن سوق الهدى سنة مؤكدة. # [تاسعها: أن تقليده أيضا سنة مؤكدة] (¬2) وهو اتفاق في الإبل والبقر، ~~وأما في الغنم فاستحبه الجمهور ومنعه مالك وأبو حنيفة والسنة قاضية عليه، ~~قال القاضي عياض: لم يبلغ مالكا الحديث. # قلت: ووافق ابن حبيب منهم الجمهور. PageV06P264 # [خاتمة] (¬1): ترجم البخاري (¬2) على هذا الحديث: القلائد للبدن والبقر" ~~وسيأتي في الباب بعده أن الهدي يكون من الإبل والبقر والغنم فأخذ البخاري ~~البدن والبقر من لفظ الهدى، واعترض ابن المنير (¬3)، فقال: [ليس في الحديث ~~ذكر البقر] (¬4) لكن قد صح أنه -عليه الصلاة والسلام- أهداهما, ولا يرد هذا ~~على البخاري فاعلمه. ثم ساق البخاري عقب هذا حديث عائشة الآتي في أول الباب ~~الآتي على الأثر. # ... PageV06P265 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 252/ 4/ 47 - عن عمران بن حصين -رضي الله عنهما- قال: "نزلت آية المتعة ~~في كتاب الله تعالى، ففعلناها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[ولم ~~ينزل قرآن يحرمها] (¬1)، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل: "برأيه ما شاء". # قال البخاري "يقال: إنه عمر". # ولمسلم: "نزلت آية المتعة -يعني متعة الحج- وأمرنا بها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ms1119 ولم ينه عنها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مات" (¬2) ولهما بمعناه. # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في باب التيمم وذكرنا PageV06P266 # هناك أن الملائكة كانت تسلم عليه، فلما اكتوى تركته فلما تركه عاد سلامهم ~~عليه، وذلك أنه كانت به بواسير فكان يصبر على المها فاكتوى لذلك ولم يخبر ~~-رضي الله عنه- بذلك إلا في مرض موته وأمر بكتمانه عنه في حياته خوف الفتنة ~~[والمبهم في هذه الرواية قد فسره المصنف نقلا عن البخاري: أنه عمر -رضي ~~الله عنه-، وقد قدمنا عن عثمان أنه نهى عنها أيضا] (¬1). # الثاني: المراد بآية المتعة: قوله تعالى: "فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدى"، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في الباب (¬2)، وعلى صفة ~~المتعة وشروط الدم فيها، والمتعة: المنهي عنها ليست متعة النساء، ولا متعة ~~فسخ الحج إلى العمرة، لأن شيئا منها لم ينزل القرآن بجوازه، بل هي متعة ~~الحج، وقد سلف تأويل النهي عنها، وبهذا يظهر بطلان مقالة من حمل نهي [عمر] ~~(¬3) -رضي الله عنهما- على إحدى هاتين المتعتين، وقد فسرها الراوي بقوله: ~~-يعني متعة الحج- وهو أعلم بذلك من غيره وتفسيره مقدم على تفسير غيره. # الثالث: في الحديث إشارة إلى جواز نسخ القرآن بالسنة: إذ لو لم يكن كذلك ~~لما كان لقوله: "ولم ينه عنها". فائدة من حيث أن النهي يقتضي رفع الحكم ~~الثابت بالقرآن فلو لم يكن الرفع ممكنا لما احتاج إلى قوله "ولم ينه عنها" ~~إذ لا طريق لرفعه إلا جواز نسخه PageV06P267 # [وورود السنة بالنهي ونسخ الكتاب بالسنة هو قول أكثر أهل الأصول بشرط أن ~~تكون السنة] (¬1) متواترة ونص الشافعي في الرسالة على المنع (¬2). # الرابع: قد يؤخذ منه أن الإجماع لا ينسخ به وهو المختار عند الأصوليين إذ ~~لو نسخ به لقال ولم يتفق على المنع منها لأن الاتفاق حينئذ يكون سببا لرفع ~~الحكم وكان يحتاج إلى نفيه كما نفى نزول القرآن بالنسخ وورود السنة بالنهي (¬3). # الخامس: يؤخذ منه [جواز نسخ القرآن بالقرآن] (¬4) وهو إجماع. ms1120 # السادس: فيه وقوع الاجتهاد من الصحابة، وإنكار بعضهم على بعض [بالنص] (¬5). # ... PageV06P268 ### || AUTO 48 - باب الهدي # المراد به ما يهدى إلى الحرم تقربا إلى الله تعالى من الإبل أو البقر، أو ~~الغنم (¬1) المجزىء في الأضحية، ويقال: هدى بإسكان الدال، وتخفيف الياء، ~~وبكسرها وتشديد الياء ذكرها الأزهري (¬2) وغيره والأول أشهر وقرىء بهما ~~قوله تعالى: {حتى يبلغ الهدي محله}، قال الأزهري: وأصله التشديد والواحدة ~~هدية وهدية، ويقال: منه هديت الهدى، قال ابن عطية (¬3): ويحتمل أن يكون ~~"الهدى" مصدرا سمي به [كالمرض] (¬4)، ونحوه فيقع [على الإفراد والجمع] ~~(¬5)، وقال أبو عمرو بن العلاء: "لا أعرف لهذه اللفظة نظيرا". ثم ذكر ~~المصنف في الباب خمسة أحاديث: # ... PageV06P269 ### ||| AUTO الحديث الأول # 253/ 1/ 48 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "فتلت قلائد هدى [رسول] ~~(¬1) الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أشعرها وقلدها (¬2)، ثم بعث بها إلى ~~البيت وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حلا" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: "القلائد": حبال ونحوها تكون في حلق البعير أو البقرة أو الغنم ~~كما سلف في الباب (¬4) قبله. وجاء في رواية لمسلم أن تلك الفلائد "من عهن" ~~وهو الصوف مطلقا. # وقيل: الصوف المصبوغ ألوانا، كذا حكاه النووي في PageV06P270 # "شرحه" (¬1) هنا، وعبارته في إيراده في باب صوم عاشوراء (¬2). # وقيل: الصوف المصبوغ، ولم يذكر بعده شيئا، وجزم القرطبي في "مفهمه" (¬3) ~~في صيام عاشوراء بأنه الصوف الأحمر، ثم حكى الخلاف السالف هنا, وتقلد الإبل ~~والبقر: بالنعال التي تلبس في حال الإحرام، والغنم بخرب القرب أي عراها ~~ونحوها من الخيوط المفتولة لضعفها عنها. # ويستحب أن تكون لها قيمة ويتصدق بها إذا ذبح الهدى، وكره بعض المالكية ~~التقليد بالنعال، [والأوتار] (¬4)، وأجاز مالك أن يكون نعلا واحدا، قال: ~~والنعلان أحب إلينا (¬5). # الثاني: "الإشعار": شق صفحة السنام بحديده، ونحوها طولا، وسلت الدم عنه ~~واصله من الإعلام والعلامة، فالإشعار للهدى علامة له، وتكون باركة مستقبلة ~~(¬6) القبلة. # واختلف الفقهاء. هل يكون الإشعار في الصفحة اليمنى PageV06P271 # أو اليسرى؟ فذهب الشافعي (¬1): إلى الأول وهو قول جمهور الخلف والسلف. # وذهب مالك: إلى الثاني، قال: ms1121 ولا بأس بالأيمن والسنة قاضية عليه (¬2). # فرع: قال: أكثر الأصحاب الأفضل تقديم الإشعار على التقليد [وظاهر] (¬3) ~~حديث ابن عباس في "صحيح مسلم" (¬4)، لكن المنصوص عكسه وصح ذلك من فعل ابن عمر. # فرع: يسمى الله عند الإشعار، قالت المالكية: ويكبر، ورواه مالك في الموطأ ~~(¬5) عن ابن عمر. # ثالثها: الظاهر أن هذا البعث كان في السنة التاسعة ويؤيده رواية البخاري ~~ومسلم (¬6) عن عائشة، "ثم بعث بها مع أبي". # رابعها: في الحديث استحباب فتل القلائد للهدى. PageV06P272 # خامسها: فيه أيضا استحباب التقليد، وقد تقدم في الحديث الثالث من الباب ~~قبله أنه سنة مؤكدة في الإبل والبقر، وكذا في الغنم عند الجمهور خلافا ~~لمالك وأبي حنيفة. # سادسها: فيه أيضا استحساب الإشعار وهو قول جمهور الخلف والسلف. # وقال أبو حنيفة: إنه بدعة لأنه مثلة (¬1) وهو مخالف للأحاديث الصحيحة, ~~وليس هو مثلة, بل هو كالفصد والحجامة والختان والوشم، وهذا مخصوص بالنهي عن ~~المثلة. # وأجاب الشيخ أبو حامد: بأنها منسوخة. وفيه نظر، وهذا في الإبل والبقر. # واتفقوا على أن الغنم لا يشعر لضعفها عن الجرح، ولأنه يستتر بالصفوف ~~(¬2). PageV06P273 # سابعها: فيه أيضا إستحباب بعث الهدى من البلاد، وإن لم يكن معه صاحبه. # ثامنها: فيه أيضا استحباب إشعاره عند بعثه بخلاف ما إذا سافر صاحبه معه، ~~فإنه لا يستحب إشعاره إلا عند الإحرام. # تاسعها: فيه أيضا أنه لا يحرم على من بعث الهدى شيء من محظورات الإحرام، ~~وهو قول الجمهور، ونقل فيه خلاف عن بعض المتقدمين وهو مشهور عن ابن عباس ~~-رضي الله عنهما-، وروى أيضا عن ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير (¬1)، ~~وحكاه الخطابي (¬2) عن أهل الرأي أيضا: أنه إذا فعله لزمه اجتناب ما يجتنبه ~~المحرم، ولا يصير محرما من غير نية الإحرام. # عاشرها: فيه أيضا إعانة أهل الطاعات بما أمكن من المعونات، وإعانة الزوجة ~~زوجها والاستعانة بالغير على العبادة. PageV06P274 # وأعلم أنه وقع في شرح الشيخ تقي الدين (¬1) في إيراد هذا الحديث "ثم ~~أشعرتها"، والصواب "ثم أشعرها" كما أورده، وكذا هو في الصحيحين، وذكر الشيخ ~~أيضا في إيراده ms1122 للحديث "وقلدها" "أو قلدتها"، وتبعه الشراح وهو بلفظ رواية ~~البخاري ولعله من الراوي وهو عائشة -رضي الله عنها-، لكنها صرحت في باقي ~~روايات البخاري وروايات مسلم كلها أنه -عليه الصلاة والسلام- هو الذي قلدها. # فرع: يتعلق بما سبق من كون الإشعار في الصفحة اليمنى لو أهدى بعيرين ~~مقرونين في حبل. # قال البندنبجي والروياني: يشعر أحدهما في الصفحة اليمنى والآخر في اليسرى ~~ليشاهدا. # ... PageV06P275 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 354/ 2/ 48 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أهدى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مرة غنما" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: "الغنم": اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث وعليهما ~~جميعا، وتصغيرها غنيمة. # ثانيها: في الحديث، والذي قبله دلالة على استحباب الهدى إلى البيت المكرم ~~وهو إجماع. # ثالثها: فيه أيضا دلالة على إهداء الغنم وهو جائز اتفاقا، وأبعد أهل ~~العراق فيما [حكاه] (¬2) الخطابي في "شرح ألفاظ المختصر" على ما نقله المحب ~~الطبري في "أحكامه" في قولهم إن الغنم PageV06P276 # لا يسمى هديا (¬1)، وقد مضى استحباب [تقليدها] (¬2) وعدم إشعارها بخلاف ~~الإبل والبقر فإنه يجمع بينهما في كل منهما. ولم يذكر المصنف في هذه ~~الرواية تقليد الغنم وهو ثابت في رواية مسلم (¬3)، وهذا لفظه عن عائشة -رضي ~~الله عنها-، قالت: "أهدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرة غنما إلى ~~البيت فقلدها"، ورواية المصنف هي رواية البخاري (¬4)، وقصر الصعبي في ~~"شرحه" فعزاها إلى رواية أبي داود، وليس بجيد فعزوها إلى "صحيح مسلم" أولى. # ووقع في "شرحه" أيضا أن البقر لا يشعر وكأنه اغتر [بعبارة] (¬5) صاحب ~~"التنبيه"، وقد نبه النووي في "تصحيحه" (¬6) على أن ذلك من الأغلاط حيث ~~قال: والصواب أنه يسن إشعار البقر كالبدن. # وفصلت المالكية، فقالوا: إن كان لها سنام أشعرت وإلا فلا وحكوا خلافا في ~~الإشعار في الإبل إذا لم تكن مسنمة. # ... PageV06P277 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 255/ 3/ 48 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "أن نبي الله - صلى الله عليه ~~وسلم - رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها. ~~فرأيته راكبها، يساير النبي - صلى الله عليه ms1123 وسلم -". # وفي لفظ قال: في الثانية أو الثالثة "اركبها ويلك -أو- ويحك" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الرجل المبهم لا يحضرني تسميته بعد الفحص الشديد عنه. # ثانيها: "البدنة": تقدم الكلام عليها في الحديث السادس من باب الجمعة ~~(¬2)، وأنها تقع على الواحد من الإبل والبقر والغنم عند PageV06P278 # جمهور أهل اللغة، وجماعات من الفقهاء والمراد بها هنا: الإبل لقرينة ~~الركوب إذ البقر لا يركب غالبا، ولا عادة. # وقوله: "إنها بدنة"، فقد كان حالها غير خاف على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فإنها كانت مقلدة كما رواه مسلم ورواية البخاري (¬1) لفظ "فلقد ~~رأيته راكبها يساير النبي - صلى الله عليه وسلم - والنعل في عنقها"، فلعله ~~ظن أن الهدى لا يركب على ما كان معلوما عندهم في الجاهلية في أمر السائبة ~~(¬2) على ما سيأتي. # ثالثها: قوله: "فرأيته راكبها" هو منصوب على الحال، وجاز ذلك، وإن كان ~~اسم الفاعل إذا كان بمعنى المضي. معرفة فإنه من باب قوله تعالى: {وكلبهم ~~باسط ذراعيه بالوصيد} (¬3)، [فاعل] (¬4)، وإن كان بمعنى المضي لما كان ~~حكاية حال، وكذا هنا في انتصابه على الحال نبه عليه الفاكهي. # رابعها: تقدم الكلام على لفظة "ويل" مستوعبا في كتاب الطهارة (¬5) في ~~حديث "ويل للأعقاب من النار". # قال الجوهري: "الويل" [كلمة] (¬6) عذاب وهو منصوب بفعل مضمر. PageV06P279 # وقال الحسن البصري: "ويح" كلمه رحمة. # وقال ابن الجوزي (¬1): "ويح" كلمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها يرثي ~~له، وكذا ويحك. # [وتستعمل ويلك [المخاطبة] (¬2) للتغليظ على المخاطب واستحق المخاطبة به] ~~(¬3)، لتأخره عن امتثال الأمر حتى روجع مرة أو مرتين، وقد يخاطب بها من غير ~~قصد إلى معناها وموضوعها في عادة العرب في ذلك كقولهم: ويحه، وويله، وفي ~~الحديث "تربت يداك" (¬4)، "وأفلح [وأبيه] (¬5) " وغير ذلك، قال القاضي عياض ~~(¬6): PageV06P280 # وعلى رواية تقديم "ويلك" يريد رواية [مسلم] (¬1) "ويلك اركبها"، "ويلك ~~اركبها" لا يكون من باب الإغلاظ لأجل التأديب وهو لفظ يستعمل لمن وقع في ~~هلكة، وهذا يدل على ما جاء في الحديث "أن رآه [قد] (¬2) جهد" قال: وقد قيل ~~إن ويلك هذا ms1124 يكون إغراء بما أمره به من ركوبها إذ رآه قد يتحرج منه. # وقوله: "ويلك أو ويحك" هو شك من الراوي، هل قال: ويحك أو ويلك. # خامسها: إنما أمره -عليه الصلاة والسلام- بركوبها مخالفة لسير الجاهلية ~~في مجانبة الانتفاع بالسائبة والوصيلة والحام وإهمالها بلا انتفاع بها حتى ~~أوجب بعض العلماء ركوبها لهذا المعنى، ولمطلق الأمر، ويجوز أن يكون أمره ~~بذلك لجهده ويؤيده الرواية السالفة. # سادسها: في الحديث دلالة على جواز ركوب البدنة المهداة، وقد اختلف ~~العلماء فيه على مذاهب مع الاتفاق على تحريم الإضرار بها. # أحدها: يجوز للحاجة فقط، ولا يجوز من غير حاجة وهو قول الشافعي وابن ~~المنذر، وجماعة ورواية عن مالك لقوله -عليه الصلاة والسلام- في صحيح مسلم ~~(¬3) من حديث جابر: "اركبها PageV06P281 # بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا"، فيرد [الخلاف] (¬1) حديث أبي ~~هريرة إلى هذا التقييد. # ثانيها: يجوز من غير حاجة وهو قول عروة ابن الزبير، ورواية عن مالك، وقول ~~أحمد وإسحاق وأهل الظاهر، وبه قال بعض الشافعية: أخذا بظاهر حديث أبي هريرة ~~في الباب ولقوله تعالى: {والبدن جعلناها} (¬2) الآية. # ثالثها: لا يركبها إلا أن لا يجد منه بدا قاله أبو حنيفة. # رابعها: وجوب الركوب كما قدمته لمطلق الأمر به، ولقوله تعالى: {لكم فيها ~~منافع} (¬3) الآية. دليل الجمهور أنه -عليه الصلاة والسلام- أهدي، ولم يركب ~~هديه. وحكى الصعبي في "شرحه" أن بعض الشافعية قال: يجوز ركوب الهدي المتطوع ~~به، وفي الواجب وجهان، ولم أر من حكاه غيره (¬4). # فرع: إذا احتاج وركب فاستراح ففي النزول قولان عن مالك وحجة عدم النزول، ~~وهو ما ذكره ابن القاسم: إباحة الشارع له الركوب فجاز له استصحابه. PageV06P282 # وصوب القاضي إسماعيل منهم: النزول. # فرع: يجوز الحمل عليها دون الإجارة، وعند المالكية خلاف في جواز حمل ~~الزاد عليها، فقال اللخمي: بالمنع، وقال ابن القاسم: بالجواز فماذا وجد ~~غيرها نقله. # فرع: لو نقصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك النقصان، ويتصدق [كما قاله] ~~(¬1) أبو حنيفة والشافعي كما حكاه القرطبي (¬2). # الوجه السابع: يؤخذ من الحديث أن الكبير إذا رأى مصلحة تتعلق ms1125 ببعض اتباعه ~~أن يأمره بها. # الثامن: يؤخذ منه أيضا المبادرة إلى قبول الأمر. # التاسع: يؤخذ منه أيضا إذا لم يبادر إلى قبوله زجر بالكلام الغليظ بعد ~~تنبيهه على الأمر ثانيا وثالثا، وفي مسلم (¬3) من حديث أنس أنه -عليه ~~الصلاة والسلام- قال له: "اركبها مرتين أو ثلاثا"، وفي رواية للبخاري (¬4) ~~ثلاثا وفي رواية لمسلم قال: "إنها بدنة أو هدية"، فقال: "وإن" أي وإن كانت ~~بدنة أو هدية. # [العاشر] (¬5): يؤخذ منه أيضا جواز مسايرة الكبار في الركوب PageV06P283 # في السفر ونحوه. # ومن تراجم البخاري (¬1)، على هذا الحديث "باب: هل ينتفع الواقف بوقفه"؟، ~~وذكره بلفظ فقال: "اركبها" قال: يا رسول الله إنها بدنة قال: "اركبها، ويلك ~~في الثانية أو الثالثة"، وذكره من حديث أنس (¬2) أيضا بلفظ "فقال في ~~الثالثة أو الرابعة اركبها ويلك أو ويحك". # ... PageV06P284 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 256/ 4/ 48 - عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: أمرني النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وأن ~~لا أعطي الجزار منها شيئا، وقال: "نحن نعطيه من عندنا" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: قوله: "على بدنه" هو بضم الباء وإسكان الدال ويجوز ضمها وهو جمع بدنة. # ثانيها: معنى القيام عليها إصلاح شأنها في علفها ورعيها وسقيها وسوقها ~~وإزالة الضرر عنها والعمل فيها بما يجب ويشرع ويحدد. PageV06P285 # ثالثها: "الأجلة": جمع جلال ما يتخذ من الثياب يشق على الأسنمة إذا كانت ~~قليلة الثمن لئلا يسقط وليظهر الشعار ولا تستتر تحتها وتعقد أطراف الجلال ~~على أقتابها ويكون ذاك بعد إشعارها لئلا تتلطخ بالدم. # رابعها: "الجزار": معروف وهو الذي يتولى السلخ والقطع وعمالته تسمى جزارة بالضم. # خامسها: في الحديث جواز الاستنابة في القيام على الهدى وذبحه والتصدق به. # سادسها: فيه أيضا التصدق بالجميع ولا شك أنه أفضل وواجب في بعض الدماء. # سابعها: فيه أيضا أن الجلود تجري مجرى اللحم في التصدق لأنها من جملة ما ~~يتصدق به فحكمها حكمه. # ثامنها: فيه أيضا أستحباب تجليل الهدايا وهو سنة ثابتة مختص بالإبل وهو ~~مما اشتهر فعله ms1126 من عمل السلف (¬1) ورواه مالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق. # قال العلماء: ويستحب أن تكون فيه الجلال ونفاسته بحسب حال المهدي، وكان ~~بعض السلف: يجلل [بالوشي] (¬2) وبعضهم: بالحبرة. وبعضهم: بالقباطي والملاحف ~~والأزر. PageV06P286 # قال مالك: ويشق على الأسنمة إن كانت قليلة الثمن لئلا يسقط، وقد سبق له ~~فائدة أخرى، قال: وما علمت من ترك ذلك إلا ابن عمر استبقاء للثياب لأنه كان ~~يجلل الأجلال المرتفع (¬1)، من الأنماط والبرود والحبر، قال: وكان لا يجلل ~~حتى يغدو من منى إلى عرفات وروى عنه أنه كان يجلل من ذي الحليفة وكان يعقد ~~أطراف الجلال على أذنابها، فإذا مشى ليلة نزعها [فإذا كان يوم عرفة جللها، ~~فإذا كان عند النحر نزعها] (¬2) لئلا يصيبها الدم، قال مالك: أما الجلال ~~فتنزع ليلا لئلا يخرقها الشوك، قال: واستحب إن كانت الجلال مرتفعة أن يترك ~~شقها وأن لا يجللها حتى يغدو إلى عرفات، فإن كان بثمن يسير فمن حين يحرم ~~يشق ويجلل، قال: وكان ابن عمر أولا يكسو الجلال الكعبة فلما كسيت تصدق بها ~~على الفقراء. # قلت: لا زالت الكعبة تكسى من لدن تبع إلى الآن [كما تقدم] (¬3)، فلينظر ~~في هذه الرواية (¬4). # تاسعها: فيه أيضا عدم إعطاء الجزار منها شيئا مطلقا بكل وجه كما هو ظاهر ~~[الحديث بال] (¬5) لفظ [الذي] (¬6) أورده المصنف PageV06P287 # وترجم [عليه البخاري] (¬1) بأن "لا يعطى الجزار من الهدى شيئا"، ولا شك ~~في امتناعه إذا كان عطاؤه أجرة الذبح لأنه معاوضة ببعض الهدى وهي في الأجرة ~~كالبيع وهو لا يجوز، وأما إذا أعطاه منها خارجا عن الأجرة زائد عليها ~~فالقياس الجواز لكن الشارع قال: "نحن نعطيه من عندنا" فأطلق المنع من غير ~~تقييد بالأجرة والذي يخشى من إعطائه منها بأن تقع مسامحته في الأجرة لأجل ~~ما يأخذه الجزار من اللحم فتعود إلى المعاوضة في نفس الأمر ممن يميل إلى سد ~~الذرائع يتمسك بهذا الحديث خشية من مثل هذا. # قلت: لكن رواية مسلم (¬2) الأخرى في صحيحه تزيل هذا الإشكال فإن فيها ~~"ولا يعطى في جزارتها منها شيئا"، وما أحسن ms1127 هذه الرواية ولفظ رواية البخاري ~~(¬3) "ولا أعطى عليها شيئا في جزارتها"، وفي لفظ آخر (¬4) له "ولا يعطى في ~~جزارتها شيئا"، وأطلق النووي في "شرحه لمسلم" (¬5) أنه يؤخذ من الحديث أن ~~الجزار لا يعطى منها [مفيدا] (¬6) أن عطيته عوض عن عمله فيكون في معنى بيع ~~جزء منها وذلك لا يجوز، وكذا قال القرطبي في PageV06P288 # "مفهمه" (¬1): الحديث دال على أنه لا تجوز المعاوضة على شيء منها لأن ~~الجزار إذا عمل عمله استحق الأجرة على عمله فإذا دفع له منها شيئا كان ذلك ~~عوضا على فعله وهو بيع ذلك الجزء منها بالمنفعة التي عملها وهي الجزر، قال ~~والجمهور: على أنه لا يعطى [الجازر] (¬2) منها شيئا تمسكا بهذا الحديث ~~وخالف الحسن البصري، وعبد الله [ابن عبيد] (¬3) بن عمير فجوزا إعطاء الجلد، ~~قال: وقوله: "نحن نعطيه من عندنا" مبالغة في سد الذريعة وتحقيق للجهة التي ~~يجب عليها أجرة [الجازر] (¬4) لأنه لما كان الهدي منفعة له، تعينت أجرة ~~التي تتم به تلك المنفعة عليه. # العاشر: فيه أيضا جواز الاستئجار على النحر ونحوه. # الحادي عشر: فيه أيضا تحريم بيع جلد الهدي ومثله الأضحية وسائر أجزائهما ~~بعوض من الأعواض سواء كان بما ينتفع به في البيت وغيره أم لا، وسواء كانا ~~تطوعين أو واجبين، لكن إن كانا تطوعا فله الانتفاع بالجلد ونحوه باللبس ~~وغيره وبه قال عطاء والنخعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: # وحكى ابن المنذر عن ابن عمر وأحمد وإسحق أنه لا بأس ببيع جلد هديه ويتصدق ~~بثمنه، قال: ورخص في بيعه أبو ثور. PageV06P289 # وقال النخعي والأوزاعي: لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس ~~والميزان ونحوها. # وللشافعي قول غريب أنه يجوز بيع الجلد ويصرف ثمنه مصرف الأضحية. # ولأصحابه وجه: أنه لا يجوز أن يفرد بالانتفاع بالجلد، بل يجب التشريك فيه ~~كاللحم. # خاتمة (¬1): ذهب مالك إلى أنه يؤكل من الهدايا كلها إلا أربع: جزاء ~~الصيد، ونسك الأذى، ونذر المساكين، وهدي التطوع، إذا عطب قبل محله. # وعنه قول آخر: أنه لا يأكل من دم الفساد. # وعنه أنه قال: في ms1128 "المبسوط" في الجزاء [والفدية] (¬2) ينبغي أن لا يأكل، ~~فإن أكل فلا شيء عليه. # ومذهب الشافعي كما ذكره النووي في "شرح المهذب" (¬3) في فرع مذاهب ~~العلماء أنه لا يجوز الأكل من الأضحية والهدي الواجبين، سواء كان جبرانا أو ~~منذورا وكذا نقله الخطابي (¬4) عن مذهب الشافعي أيضا أنه يأكل من التطوع ~~كالضحايا والهدايا دون الواجب كدم التمتع والقران والنذر ونحوها. PageV06P290 # وقال الرافعي: يشبه أن يقال: يجوز الأكل إذا كانت معينة ابتداء ويمتنع ~~إذا كانت معينة عن شيء في الذمة لأنه يشبه دم الجبران. # قلت: وقال داود أيضا: لا يجوز الأكل من الواجب. # وقال أحمد وإسحاق: لا يأكل من النذور ولا من جزاء الصيد ويأكل مما سوى ~~ذلك، وروى ذلك عن عمر -رضي الله عنه-، وقال أصحاب الرأي: يأكل من دم التمتع ~~والقران والتطوع ولا يأكل مما سواها [وبناه] (¬1) على مذهبه أن دم القران ~~والتمتع دم نسك لا جبران ونقله النووي في "شرح المهذب" (¬2) عن أحمد أيضا ~~وما نقلناه أولا عن أحمد هو ما نقله الخطابي عنه (¬3). # وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري، أنه لا بأس أن يأكل من جزاء الصيد وغيره. # ... PageV06P291 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 257/ 5/ 48 - عن زياد بن جبير قال: "رأيت ابن عمر (¬1) أتى على رجل قد ~~أناخ بدنته، فنحرها، فقال: ابعثها قياما مقيدة سنة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه عن ابن عمر وهو زياد بن جبير -بجيم ثم باء ثم ~~مثناة تحت ثم راء- ابن حية بمثناة تحت، وزياد ثقفي تابعي ثقة ووالده تابعي ~~جليل، ووقع في رجال هذا الكتاب للصعبي فضبط [جبير] (¬3) والد زياد بحاء ~~مهملة ثم نون ثم ياء مثناة تحت ثم نون كذا رأيته بخطه مضبوطا وهو وهم ~~فاجتنبه ثم رأيت في PageV06P292 # شرحه لهذا الكتاب بخطه أيضا على الصواب ثم إن جبير يشتبه بثمانية أشياء (¬1). # وحية يشبه بأشياء (¬2) ذكرتهم في "مختصري مشتبه الشبة". # الثاني: هذا الرجل المبهم الذي قال له ابن عمر، "ابعثها" لم أعثر على ~~تعيينه بعد البحث عنه. # الثالث: ms1129 في ألفاظه، ومعانيه. # قال الجوهري: "بعثت الناقة" أثرتها. # ومعنى "مقيدة" معقولة اليد اليسرى [وهو قيدها] (¬3)، أي انحرها قائمة ~~معقولة. # وفي "سنن أبي (¬4) داود" بإسناد جيد صححه ابن السكن والشيخ تقي الدين في ~~"شرحه" (¬5)، والنووي في "شرح مسلم" (¬6)، قال: إن إسناده على شرط مسلم عن ~~جابر بن [عبد الرحمن] (¬7) بن PageV06P293 # سابط (¬1) "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا ينحرون البدنة ~~معقولة [اليد] (¬2) اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها"، والمراد هنا ~~بالبدنة البعير ونحوه من الإبل، فأما البقر والغنم، فليس هذا حكمها بل ~~يستحب ذبحها مضجعة لجنبها الأيسر، وتبرك رجلها اليمنى. # ووقع في "كفاية" ابن الرفعة اليسرى، ولعله من سبق القلم ويسند باقي ~~القوائم، وهذا الذي قاله ابن عمر لهذا الرجل أصله في كتاب الله وهو قوله: ~~{فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها ...} (¬3) الآية، وصواف: ~~جمع صافة أي مصطفة في قيامها، وقرأ ابن مسعود وغيره "صوافن" (¬4) بالنون ~~جمع صافنة وهي التي رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب. # والصافن من الخيل: الرافع إحدى يديه لفراهته، وقيل: إحدى رجليه (¬5)، ~~ومنه قوله تعالى: {الصافنات الجياد (31)} (¬6). PageV06P294 # قال ابن عباس: في معنى "صواف" قياما على ثلاث قوائم معقولة، استدركه ~~الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين (¬1)، وكذا قال مجاهد: الصواف إذا عقلت ~~رجلها اليسرى وكانت على ثلاث قوائم وحديث جابر السالف (¬2) صريح في أن اليد ~~اليسرى هي المعقولة، قال بعض الشراح: والقراءة الشاذة السالفة يساعدها أنه ~~ورد في "صحيح مسلم" ما يدل على أنها تكون معقولة حالة نحرها كذا عزاه إلى ~~"صحيح مسلم" ولا يحضرني الآن. # وظاهر القرآن يشعر بكونها قائمة لقوله: {فإذا وجبت جنوبها} (¬3)، أي سقطت ~~بعد النحر فوقعت جنوبها على الأرض (¬4) واصل الوجوب: الوقوع ومنه: وجبت الشمس. # الرابع: في أحكامه. # الأول: استحباب نحر الإبل معقولة من قيام على الصفة المذكورة وهو مذهب ~~الأئمة الثلاثة. مالك، والشافعي، وأحمد والجمهور. # وقال أبو حنيفة والثوري: يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة. PageV06P295 # وحكى القاضي عياض (¬1) عن عطاء أن نحرها باركة أفضل وإتباع السنة أولى، ~~وحجة عطاء ms1130 أن ابن عمر فعل ذلك كما رواه: سعيد بن منصور. # وجوابه: أنه إن صح عنه فهو محمول على عذر من نفار ونحوه توفيقا بينه وبين ~~ما سلف عنه. # [الثاني] (¬2) والثالث: تعلم الجاهل وعدم السكوت على مخالفة السنة وفيه ~~أيضا ما كانت الصحابة عليه من التقييد بالسنة قولا وعملا واعتقادا (¬3). # ... PageV06P296 # (¬1) بسم الله الرحمن الرحيم # {ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا (10)} ### || AUTO 49 - باب الغسل للمحرم # ذكر فيه حديث واحد، وهو: # 258/ 1/ 49 - عن عبد الله بن حنين، أن عبد الله بن عباس، والمسور بن ~~مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا ~~يغسل المحرم رأسه، [قال] (¬2): فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري ~~فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستر بثوب، فسلمت عليه. فقال: من هذا؟ قلت: ~~أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك ابن عباس [يسأل كيف] (¬3) كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب، ~~فطأطأ، حتى بدأ لي رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه الماء: أصبب فصب. على ~~رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيته - صلى الله ~~عليه وسلم - يفعل. PageV06P297 # وفي رواية: "فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدا" (¬1). # القرنان: العمودان اللذان تشد فيهما الخشبة التي تعلق عليها البكرة (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف: بما وقع فيه من الأسماء (¬3). # عبد الله بن حنين فهو قرشي هاشمي مولى ابن عباس، وقيل: مولى علي تابعي ~~ثقة، قليل الحديث: قال أسامة: دخلت عليه ليالي استخلف يزيد بن عبد الملك ~~ومات قريبا من ذلك. # وأما أبوه حنين: -فهو بحاء مهملة مضمومة ثم نون ثم [ياء] (¬4) مثناة تحت ~~ثم نون-. # وأما [عبد الله (¬5) بن عباس وأبو أيوب فتقدما في باب الاستطابة. # وأما المسور: فهو بكسر الميم ثم سين مهملة ساكنة، ثم واو PageV06P298 # مخففة مفتوحة، ثم راء، "ابن مخرمة": بميمين مفتوحتين بينهما خاء معجمة ~~[ساكنة ثم راء مفتوحة] (¬1) وآخره تاء تأنيث ابن نوفل ms1131 بن أهيب بن عبد مناف ~~ابن زهرة أبو عثمان، وقال ابن حبان: أبو عبد الرحمن [القرشي] (¬2) الزهري ~~بن الشفاء، ويقال: عاتكة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف، ولد بمكة بعد ~~الهجرة بسنتين، وقدم به المدينة في عقب ذي الحجة سنة ثمان عام الفتح، وهو ~~ابن ست سنين. توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وله ثمان سنين، وسمع من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصح سماعه منه، وفي سنة مولده ولد مروان بن ~~الحكم روى عشرين حديثا، وزاد بعضهم آخرين، اتفقا على حديثين، وانفرد ~~البخاري بأربعة ومسلم بحديث، وروى أيضا عن أبيه وخالد وغيرهما. وعنه أبو ~~[أمامة سعد] (¬3) بن سهل بن حنيف، وعروة بن الزبير وغيره. أصابه حجر ~~المنجنيق في حصار الشاميين لابن الزبير وهو في الحجر يصلي فمكث خمسة أيام، ~~ومات في ربيع الآخر سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة اثنين، وقيل: سنة ثلاث ابن ~~سبعين سنة ذكره ابن حبان، وقال: قد قيل: أقل من هذا وصلى عليه ابن الزبير ~~ودفن بالحجون، ثم قتل ابن الزبير بعده يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من ~~جمادي الأولى وقيل: الآخرة. قال ابن طاهر وهو أكبر من المسور بأربعة أشهر ~~قال (¬4): وكما ماتا في عام واحد [ولدا PageV06P299 # في] (¬1) عام واحد المسور بمكة وابن الزبير بالمدينة. # وأما أبوه مخرمة: فكنيته أبو صفوان، وقيل: أبو المسور وهو ابن عم سعد بن ~~أبي وقاص بن أهيب أحد العشرة، وكان من مسلمي الفتح: ومن المؤلفة قلوبهم، ~~وحسن إسلامه وشهد حنينا مسلما، وكان له سر وعلم بأيام الناس وبقريش خاصة، ~~وكان يؤخذ عنه النسب، مات بالمدينة سنة أربع وخمسين وعمره مائة سنة وخمس ~~عشرة سنة، وعمي في آخر عمره وهو أحد من أقام أنصاب الحرم في خلافة الفاروق ~~أرسله هو وأزهر (¬2) بن عبد عوف وسعيد بن يربوع. وحويطب بن عبد العزي ~~فجددوها. # وأما اسم الذي صب على أبي أيوب فلا أعرفه بعد البحث عنه. # فائدة: "مسور" والد مخرمة يشتبه بمسور بضم الميم، وفتح السين المهملة ~~وتشديد الواو المفتوحة وهو ms1132 مسور بن يزيد الصحابي، ومسور بن عبد الملك ~~اليربوعي عنه معن القزاز. # ومخرمة: يشتبه بمخرفة بالفاء العبدي الصحابي. وقيل: إنه بالميم أيضا وهو وهم. # الوجه الثاني: في ألفاظه: "الأبواء" بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة، ~~وفتح الواو ومد الألف [بعدها] (¬3) وهو اسم قرية من عمل PageV06P300 # الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثمانية وعشرون ميلا. ~~قال صاحب "المطالع": قال بعضهم: سميت [بذلك] (¬1) لما فيها من الوباء. ولو ~~كان كما [قال] (¬2) لقيل الأوباء أو يكون مقلوبا منه والصحيح أنها سميت ~~بذلك لتبوأ السيول بها [قال ابن دحية في "تنويره": وقيل: هو جمع بوء وهو ~~جلد الحوار المحشو بالتبن، قال: وقيدته بالهمزة على السهيلي (¬3). وتعتبر ~~همزه، قال سيبويه: لأنه أدخله في مضاعف الواو كالحوة] (¬4) وبه (¬5) توفيت ~~أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # والقرنان: تثنية قرن وقد فسرهما المؤلف ولا ينحصر تفسيرها بعمودين بل لو ~~كان عوضهما بناء سميا قرنين كما صرح به صاحب "المطالع" وغيره (¬6). # وقال الهروي: قال القتيبي: القرنان: قرنا البئر، وهما PageV06P301 # منارتان تبنيان من حجارة أو مدر على رأس البئر من جانبيها فإن كانتا من ~~خشب فهما زرنوقان، ويقال: للزرنوق أيضا القامة والنعامة. # وقال الجوهري (¬1): "القامة" البكرة بأداتها [وقال] (¬2) أيضا: "النعامة" ~~الخشبة المعترضة على الزرنوقين. # ومعنى: "لا أماريك أبدا" لا أجادلك ولا أخاصمك. # وأصل المراء في اللغة: الاستخراج مأخوذ من مريت الناقة إذا ضربت ضرعها ~~ليدر ومريت الفرس إذا استخرجت ما عنده من الجري بصوت أو غيره. # وقال ابن الأنباري (¬3): يقال أمري فلان فلانا إذا استخرج ما عنده من ~~الكلام فكان كل واحد من المتمارين. وهما المتجادلان يمري ما عند صاحبه أي ~~يستخرجه ويقال مريت حظه إذا حجبته واللائق بالمراء في الحديث حمله على ~~المراء الجنائز الذي قصد به استخراج الحق وظهوره لا قصد المبالغة وجحود ~~الحق بعد ظهوره، فإن ذلك هو اللائق بحال الصحابة فإن المراء يكون بحق أو ~~بغير حق، ومنه قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من ترك المراء وهو محق" (¬4) ~~الحديث. PageV06P302 # ثم اعلم أن اختلاف ابن ms1133 عباس لم يكن في جواز أصل غسل الرأس لأنه من ~~المعلوم عندهما أنه يغتسل من الجنابة إن أصابته ولدخول مكة وللوقوف بعرفة، ~~وإنما كان الاختلاف بينهما في كيفيته، هل يدلكه أم لا؟ لأنه يخاف منه قتل ~~الهوام، وانتاف الشعر فمنع المسور من ذلك. وخالفه ابن عباس لأنه إذا ترفق ~~أمن من ذلك، وقد كان ابن عباس علم ذلك من حديث أبي أيوب، ولذلك أحال عليه ~~وأرسل إليه. # والبكرة: في كلام المصنف يجوز أن تكون بفتح الكاف وإسكانها، وهما لغتان. # الوجه الثالث: في أحكامه. # الأول: جواز التناظر في مسائل الاجتهاد والاختلاف فيها إذا غلب على ظن كل ~~واحد من المتناظرين فيها على حكم. # الثاني: الرجوع إلى من يظن أن عنده علما فيما اختلف فيه. # الثالث: قبول خبر الواحد، وأن العمل به سائغ بين الصحابة لأن ابن عباس ~~أرسل إلى أبي أيوب عند اختلافه هو، والمسور ليستعلم منه حكم المسألة برسول ~~واحد، وهو ابن حنين، ومن ضرورته قبول خبره عن أبي أيوب فيما أرسل فيه. PageV06P303 # الرابع: أخذ الصحابي عن الصحابي بواسطة التابعي. # الخامس: الرجوع إلى النص عند الاجتهاد والاختلاف. # السادس: ترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص وهو إجماع. # السابع: التستر عند الغسل. # الثامن: جواز الاستعانة للمتطهر بمن يستره أو يصب عليه، وقد ثبتت ~~الاستعانة بأحاديث صحيحة، وما ورد في تركها لا يقابلها في الصحة. # التاسع: جواز الكلام في حال الطهارة. # العاشر: جواز السلام على المتطهر في الوضوء والغسل للحاجة بخلاف الجالس ~~على الحدث ونحوه. # الحادي عشر: جواز تحريك اليد على الرأس حال الغسل للمحرم إذا لم يؤد إلى ~~نتف الشعر. # الثاني عشر: أن الإنسان إذا كان عنده علم من الشيء ووقع فيه اختلاف لا ~~بأس أن يراجع غيره فيه ممن عنده علم به لأن سؤال ابن عباس عن كيفية غسل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يشعر بأنه كان عنده علم به إذ لا يحسن السؤال ~~عن كيفية الشيء إلا بعد العلم بأصله، وكأن غسل البدن عنده متقرر الجواز في ~~الإحرام كما مضى ms1134 إذ لم يسأل عنه، وإنما سأل عن كيفية [غسل] (¬1) الرأس ~~(¬2). PageV06P304 # ويحتمل أن يكون خص الرأس بالسؤال لأنها موضع الإشكال في المسألة إذ الشعر ~~عليها وتحريك اليد عليها يخاف منه نتف الشعر بخلاف البدن. # الثالث عشر: جوار اغتسال المحرم في [رأسه وجسده] (¬1)، وهو مجمع عليه إذا ~~كان الغسل واجبا من جنابة أو حيض ونحوهما. # وأما إذا كان لمجرد التبرد فمذهب الشافعي والجمهور: جوازه من غير كراهة. # وجوز أصحاب الشافعي (¬2) الغسل بالسدر والخطمي بحيث لا ينتف شعرا ولا ~~فدية عليه لأن ذلك لإزالة الأوساخ بخلاف الدهن ذاته، نعم الأولى أن لا ~~يفعل. بل حكى [الحناطي] (¬3) كراهته عن القديم. # وقال مالك وأبو حنيفة (¬4): هو حرام -أعني غسل رأسه بالخطمي وما في ~~معناه-، وعليه فدية لأنه ترفه إلا أن يكون له وفرة PageV06P305 # فالأمر فيه خفيف، كما قالت المالكية فإن استدل بالحديث على هذا المختلف ~~فيه، فلا يقوي كما قاله الشيخ تقي الدين (¬1) لأن المذكور حكاية حال لا ~~عموم فيه وحكاية الحال تحتمل المختلف فيه ويحتمل غيره، ومع الاحتمال لا ~~تقوم الحجة. # فروع: من مذهب مالك. # قال مالك (¬2): لا يغمس رأسه في الماء خشية قتل الدواب، يريد من كانت له ~~وفرة فإن لم تكن وعلم أنه لا شيء برأسه فلا بأس. # وقال أيضا في كتاب ابن المواز: لا يدخل الحمام (¬3)، فإن فعل فليفتد إذا ~~أنقى وسخه وتدلك فإن لم يبالغ في ذلك فلا شيء عليه. # قال اللخمي: وأرى أن يفتدى وإن لم يتدلك لأن الشأن فيمن دخل الحمام ثم ~~اغتسل أن يزول الشعث عنه وإن لم يتدلك. # قال الأبهري: وإنما كره للمحرم دخول الحمام خيفة أن يقتل الدواب من رأسه ~~أو جسده وهو ممنوع من ذلك لأنه لا يجوز له أن يميط الأذى عنه حتى يرمي جمرة ~~العقبة فمتى فعل ذلك كانت عليه الفدية، وأما الواجب فلا يلزمه إلا فيما ~~تيقن. PageV06P306 # الرابع عشر: قوله: "ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر" يدل لابن عباس ~~على صحة ما ذهب إليه من أن المحرم يغتسل ويغسل رأسه ms1135 ويدلكه، وعليه الجمهور ~~كما سلف. # الخامس عشر: قال القرطبي (¬1): فيه دلالة لمالك على اشتراط التدلك في ~~الغسل لأنه لو جاز الغسل بدون تدلك لكان المحرم أحق بأن يجاز له تركه، قال: ~~وفيه دليل على أن حقيقة الغسل لغة لا يكفي فيها صب الماء فقط بل لا بد من ~~التدلك وما ينزل منزلته. # قلت: ممنوع أعني أن الصب لا يسمى غسلا وكذا الأول فإن الدلك [هنا] (¬2) ~~سيق لبيان محل المختلف فيه. # السادس عشر: أنه لا يكره أن يقول "أنا" إذا أضاف إليه الاسم بخلاف ما إذا ~~أفرد "أنا". # ... PageV06P307 ### ||| CHECK [الحديث] الأول ### || AUTO 50 - باب فسخ الحج إلى العمرة # ذكر فيه غير ذلك من الأحكام ككيفية الدفع وتقديم بعض أعمال يوم النحر على ~~بعض وكيفية رمي جمرة العقبة، وأن الحلق أفضل من التقصير ونفر الحائض بلا ~~وداع وتخفيف المبيت عن أهل السقاية والجمع بمزدلفة فلو قال باب فسخ الحج ~~إلى العمرة وغيره. كان أولى ثم ذكر في باب أحد عشر حديثا: # [الحديث] (¬1) الأول # 259/ 1/ 50 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: أهل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هدى، غير النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وطلحة، وقدم على من اليمن، فقال: أهللت بما أهل به النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن ~~يجعلوها عمرة. فيطوفوا، ثم يقصروا [وأن] (¬2) يحلوا، إلا من كان معه الهدى، ~~فقالوا: ننطلق إلى منى، وذكر أحدنا يقطر [منيا] (¬3). فبلغ ذلك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقال: PageV06P308 # "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت" ~~وحاضت عائشة، فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت ~~بالبيت، قالت: يا رسول الله، تنطلقون بحجة وعمرة وانطلق بحج؟ فأمر عبد ~~الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد (¬1) الحج" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: وهو حديث عظيم يشتمل على فوائد جمة. # الأولى: في التعريف براويه وقد سلف في باب الجنابة ms1136 واضحا. وأما ما وقع ~~فيه من الأسماء فعائشة سلف التعريف بها في الطهارة. وعبد الرحمن في باب ~~السواك. وعلي في باب المذي. # وطلحة: أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى ~~الإسلام وأحد الستة [أصحاب] (¬3) الشورى. والخمسة الذين أسلموا على يد ~~الصديق قال -عليه الصلاة والسلام- في حقه قبل أن يقتل " [طلحة] (¬4) ممن ~~قضى نحبه. وما بدلوا تبديلا" أتاه سهم يوم الجمل لا يدري من رماه فكان أول ~~قتيل. اتهم به مروان بن PageV06P309 # الحكم أصاب حلقه. فقال: وكان أمر الله قدرا مقدورا. وقيل: أصاب رجله فقطع ~~[عرق] (¬1) النسا فنزف دمه فمات سنة ست وثلاثين ودفن بالبصرة وهو ابن أربع ~~وستين وقيل: غير ذلك وقد بسطت ترجمته فيما أفردته في الكلام على رجال هذا ~~الكتاب فراجعها. # الثاني: أصل الإهلال رفع الصوت ثم استعمل في التلبية استعمالا شائعا ~~ويعبر به عن الإحرام [إلا] (¬2) أن رفع الصوت بالتلبية مختصة بالرجال دون ~~النساء فإن رفعت صوتها فالصحيح عند الشافعية لا يحرم. # الثالث: اختلف فيمن يطلق عليه صاحب أو صحابي على أقوال سلفت الإشارة ~~إليها في ديباجة الكتاب. # الرابع: قوله "بالحج" ظاهره يدل على الإحرام وهي رواية جابر. قال القاضي ~~عياض: وهذا ما يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج حيث أحرم به -عليه الصلاة ~~والسلام- وأصحابه مفردا ويؤيده توقفهم عن التحلل بالعمرة ما لم يتحلل حتى ~~أغضبوه واعتذر إليهم بسبب سوق الهدي. # الخامس: قوله: "وليس مع أحد منهم هدى غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وطلحة" هذا الكلام كالمقدمة لما أمروا به من فسخ الحج إلى العمرة إذا لم ~~يكن هدى وتقدم الكلام على الهدي في بابه واضحا. # السادس: قولها: "وقدم علي من اليمن" جاء في رواية لمسلم PageV06P310 # "أنه قدم من سعايته" والسعاية: بكسر السين تستعمل في مطلق الولاية ليس ~~كما قال القاضي أنها تختص بالعمل على الصدقة حتى يرد استعماله بني هاشم على ~~الصدقات. # السابع: علق أبو موسى -رضي الله عنه- إحرامه أيضا بمثل إحرام النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كما أخرجه الشيخان في صحيحهما ms1137 (¬1) من حديثه وهذا النوع ~~هو أحد وجوه الإحرام الجائزة وهي خمسة: الإفراد، والتمتع، والقران، ~~والإطلاق، والتعليق. فينعقد كإحرامه. # واختلف أصحابنا فيما إذا علق على إحرام غيره في المستقبل أو على طلوع ~~الشمس على وجهين، وميل الرافعي إلى الجواز. # قال القاضي عياض: أخذ الشافعي بظاهر الحديث وجوز الإهلال بالنية ~~[المبهمة] (¬2)، قال: ثم له بعد أن ينقلها إلى ما شاء من حج أو عمرة، وله ~~عنده أن ينتقل من نسك إلى نسك وخالفه سائر العلماء والأئمة لقوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "إنما الأعمال بالنيات" (¬3). ولقوله: {وأتموا الحج ~~والعمرة لله} (¬4) ولقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم (33)} (¬5). ولأن هذا ~~كان لهؤلاء خصوصا إذ كان شرع الحج بعد، وما يفعله الشارع لم يستقر ولم يكمل ~~بعد، فلم يمكنها الإقدام PageV06P311 # على أمر بغير تحقيق. قال القرطبي (¬1): ولا تتم حجة الشافعي لهذين ~~الحديثين حتى يتبين أنهما حيث ابتدأ الإحرام لم يعلما عين ما أحرم به - صلى ~~الله عليه وسلم - إذ يجوز علمهما به فنقله إليهما ولفظهما محتمل. # قلت: الظاهر عدم علمهما به. # وفي كتاب "الذخيرة" في مذهبهم في كتاب الصلاة لو قال أحرمت بما أحرم به ~~الإمام، فقال أشهب: يجزئه، قال: وللشافعي قولان, قال: ويعتمد الجواز حديث ~~علي، قال: وهو مشكل فإن الحج لا يفتقر إلى تعيين عند الإطلاق لأنه منصرف ~~إلى حجة الإسلام إجماعا بخلاف الصلاة. # وقال الشيخ تقي الدين (¬2): من الناس من عدى هذا إلى صورة أخرى أجاز فيها ~~التعليق، ومنعه غيره، قال: ومن أبى ذلك يقول الحج مخصوص بأحكام ليست في ~~غيره. ويجعل محل النص منها. # [السابع] (¬3): أمر - صلى الله عليه وسلم - عليا بالبقاء على إحرامه لأنه ~~ساق الهدى كما ساقه -عليه الصلاة والسلام- بخلاف أبي موسى فإنه -عليه ~~الصلاة والسلام- أمره بالتحلل في الحديث الذي أسلفناه لأنه لم يسق الهدي ~~وصار له حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - لو لم يكن معه هدي بقوله: "لولا ~~أن معي الهدي لأحللت" فلهذا اختلف أمر إحرامهما فاعتمده ولا تلتفت إلى غيره ~~مما أول. PageV06P312 # [الثامن] (¬1): قوله: "فأمر النبي - صلى الله عليه ms1138 وسلم - أصحابه أن ~~يجعلوها عمرة" فيه عموم لجميع الصحابة وهو مخصوص بأصحابه الذين لم يكن معهم ~~هدي وهو مبين في حديث أخر كما سبق في الحديث الثاني من باب التمتع (¬2) ~~وتقدم هناك اختلاف العلماء هل كان [ذلك] (¬3) خاصا للصحابة تلك السنة أم هو ~~باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فراجعه من ثم، والمراد بجعلها عمرة أن ~~يعملوا أعمالها من غير استئناف إحرام ولهذا عقبها بالفاء في قوله: ~~"فيطوفوا" وهذا الأمر ظاهر الروايات أنه أمر متحتم [و] (¬4) علقه في بعضها ~~"بالمحبة" والجمع بينهما بأنه خيرهم أولا بين الفسخ وعدمه ملاطفة لهم ~~وإيناسا بالعمرة في أشهر الحج لأنهم كانوا يرونها من أفجر الفجور ثم حتم ~~عليهم بعد ذلك الفسخ. # العاشر: قوله: "فيطوفوا" يريد واسعوا لما علم أنه لا بد من السعي في ~~العمرة وإنما ترك ذلك للعلم به ويحتمل أن يكون عبر بالطواف عن مجموع الطواف ~~والسعي فإن السعي يسمى طوافا قال تعالى: {إن الصفا والمروة} إلى قوله: {أن ~~يطوف بهما}. # وقوله: "ثم يقصروا" لعل والله أعلم إنما أمرهم به دون الحلق لتأخيره إلى ~~الحج كما سلف التنبيه عليه في الحديث الثاني من باب التمتع (¬5). PageV06P313 # الحادي عشر: "منى" الأجود صرفها وتذكيرها كما سبق في الحديث الثالث من ~~باب المرور بين يدي المصلى مع سبب تسميتها بذلك. # الثاني عشر: قوله: "فقالوا ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر" فيه دلالة على ~~استعمال المبالغة في الكلام فان المراد هنا لا حقيقة الإمناء أو الإنزال ~~لأنهم إذا حلوا من العمرة وواقعوا النساء كان ذلك قريبا من إحرامهم بالحج ~~لقرب الزمان من الإحرام والمواقعة والإنزال، فقيل: مبالغة "وذكر أحدنا ~~يقطر" إشارة إلى اعتبار المعنى في الحج وهو الشعث وترك الترفه وطوله من ~~الإحرام يحصل هذا المقصود وقصره [يضعفه] (¬1) بعدم الشعث ووجود الترفه ~~وكأنهم استنكروا زوال المقصود وضعفه لقرب إحرامهم من تحللهم. # الثالث عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ~~ما أهديت" فيه جواز قول "لو" وإن كان ورد النهي عنها في الصحيح في ms1139 قوله: ~~"إن لو تفتح عمل الشيطان" (¬2) وقد PageV06P314 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV06P315 # جمع بينهما بأن قيل إن كراهة استعمالها مخصوص بالتلهف على أمور الدنيا ~~إما طلبا، كما يقال: لو فعلت كذا لحصل لي كذا وهذا كقولك لو كان كذا وكذا ~~لما وقع كذا وكذا، لما في ذلك من صورة عدم التوكل ونسبة الأفعال إلى القضاء ~~والقدر فقط أما إذا استعملت في معنى القربات كما في هذا الحديث فلا كراهة ~~ويلزم من ذلك أن يكون ما تمناه -عليه الصلاة والسلام- أفضل وهو التمتع لو ~~وقع وهو الوجه الثالث عشر: والجواب: أن الشيء قد يكون أفضل لذاته وقد يكون ~~أفضل لما يقترن به من مصلحة لا لذاته فالتمتع مقصود للترفه ويجبره بالدم ~~ولكنه لما اقترن به قصد موافقة الصحابة في فسخ الحج إلى العمرة لما شق ذلك ~~عليهم وهذا أمر زائد على مجرد التمتع، اقتضى ذلك أفضليته من هذا الوجه خاصة ~~لا من حيث هو [هو] (¬1) ولا يلزم من ذلك أن يكون التمتع بمجرده أفضل فاقتضى ~~ترجيحه لذلك لا لذاته. # واعلم أن الشيخ تقي الدين (¬2) نقل هذا الاستدلال وهو أن التمتع أفضل عند ~~بعضهم وقرره كما [سقناه] (¬3) وفيه نظر لأن هذا غير PageV06P316 # [المتمتع] (¬1) المذكور بإزاء الإفراد والقران فإنه فسخ الحج إلى العمرة ~~ولا قائل بأفضليته بل الخلاف الآن في أصل جوازه كما سلف. # الرابع عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لولا أن معي الهدي لأحللت". ~~هذا معلل بقوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} (¬2) فإن ~~فسخ الحج إلى العمرة يقتضي التحلل بالحلق عند الفراغ من العمرة ولو تحلل به ~~عند فراغه بها لحصل الحلق قبل بلوغ الهدى محله وفي معنى الحلق التقصير ~~فيمتنع كما يمتنع الحلق قبل بلوغ الهدى محله وحينئذ يؤخذ من هذا التمسك ~~بالقياس كما نبه عليه الشيخ تقي الدين مع أن النص لم يرد إلا في الحلق. فلو ~~وجب الاقتصار على النص لم يمكن التحلل من العمرة بالتقصير ويبقى النص ~~معمولا به في [منع] (¬3) الحلق حتى يبلغ الهدى محله فحيث حكم بامتناع ~~التحلل من ms1140 العمرة وعلل بهذه العلة دل ذلك على أنه أجرى التقصير [مجرى] (¬4) ~~الحلق في امتناعه قبل بلوغ الهدى محله، مع أن النص لم يدل عليه بلفظه، ~~وإنما ألحق به بالمعنى. # خامس عشر: وقوله: "وحاضت عائشة -رضي الله عنها-" كان ابتداء حيضها يوم ~~السبت لثلاث خلون من ذي الحجة سنة عشر PageV06P317 # عام حجة الوداع وطهرها كان يوم السبت في يوم النحر ذكره ابن حزم في كتابه ~~"حجة الوداع" (¬1). PageV06P318 # السادس عشر: قوله: "فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت" فيه ~~دلالة على امتناع الحائض من الطواف إما لذاته أو لملازمته دخول المسجد. ~~بخلاف سائر أعمال الحج وأنه لا تشترط الطهارة في بقية أعماله. # السابع عشر (¬1): قوله: "غير أنها لم تطف بالبيت" يريد ولم تسع وتبين ذلك ~~برواية أخرى صحيحة ذكر فيها "أنها بعد أن طهرت طافت وسعت" ويؤخذ من هذا أن ~~السعي لا يصح إلا بعد طواف صحيح فإنه لو صح لما لزم من تأخير الطواف بالبيت ~~تأخير السعي، لأنها قد فعلت المناسك كلها غير الطواف [بالبيت] (¬2)، فلولا ~~اشتراط تقدم الطواف على السعي لفعلت في السعي ما فعلت في غيره. من المناسك. ~~وهذا الحكم متفق عليه بين أصحاب الشافعي ومالك. # وزاد المالكية قولا آخر: أن السعي لا بد أن يكون بعد طواف واجب. وإنما ~~صححوه بعد طواف القدوم. لأنه عند القائل بصحة السعي بعده واجب لا مندوب ~~[يخالف] (¬3) في أمر "من" الشرطية المذكورة، ووجوب طواف القدوم. # ووقع في "الأساليب" (¬4) لإمام الحرمين أن بعض أئمتنا، قال: PageV06P319 # لو قدم السعي على الطواف اعتد به وهو غلط. # [السابع عشر] (¬1): قولها: "ينطلقون بحجة وعمرة" فهذه العمرة التي فسخوا ~~الحج إليها والحج الذي أنشاؤه من مكة. # وقولها: "وانطلق بحج" هذا يشعر بأنها لم تحصل لها العمرة إما لأنها لم ~~تحلل بفسخ حجها الأول إلى العمرة، وإما لأنها فسخته ثم حاضت فيتعذر عليها ~~إتمام العمرة والتحلل منها وإدراك الحج فأحرمت به فصارت قارنه والأول ظاهر ~~قولها: "وانطلق بحج" لكنه لما ثبت في روايات أخر صحيحة اقتضت أن عائشة ms1141 ~~اعتمرت حيث أمرها -عليه الصلاة والسلام- بترك عمرتها ونقض راسها وامتشاطها، ~~وبالإهلال بالحج لما حاضت لامتناع التحلل من العمرة بوجوه منها: الحيض، ~~ومنها: مزاحمة وقت الحج، ومنها: إتمام أعمال العمرة وهو الطواف، ودخول ~~المسجد، وحمل أمره بترك العمرة على ترك المضي في أعمالها لا على رفضها ~~بالخروج منها. ولم [يمكن] (¬2) رفض العمرة وأهلت بالحج مع بقاء العمرة ~~فصارت قارنة فأشكل قولها: "ينطلقون بحجة وعمرة وانطلق بحج" إذ هي على ~~التقدير التالي قد حصل لها حج وعمرة فهي قارنة فاحتاج العلماء إلى تأويل ~~ذلك فقالوا: المراد ينطلقون بحج مفرد عن عمرة وعمرة مفردة عن حجه وانطلق ~~بحج غير مفرد عن عمرة فأمرها -عليه الصلاة والسلام- بالعمرة ليحصل لها ~~قصدها في عمرة PageV06P320 # مفردة عن حج، وحج مفرد عن عمرة، والجمع بين الروايات ألجأهم إلى ذلك وإن ~~كان الظاهر خلافها، بالنسبة إلى هذا الحديث وفي جميعه دلالة على الرد [على] ~~(¬1) من يقول إن القران أفضل. # [الثامن عشر] (¬2): قوله: "فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر" يعني أخا عائشة ~~لأبويها وكان أكبر أولاد الصديق -رضي الله عنه- أن يخرج معها إلى التنعيم ~~فاعتمرت بعد الحج وكان إحرامها بها ليلة الرابع عشر من ذي الحجة. # والتنعيم: مكان عند طرف الحرم من جهة المدينة على ثلاثة أميال، وقيل: ~~أربعة من مكة وهو عند مسجد عائشة، قال الفاكهي: هناك مسجدان يزعم بعض ~~المكيين أن الأدنى إلى مكة مهل عائشة وبعضهم زعم أنه الأقصى. # قال المطرزي في المعرب (¬3): والتنعيم: مصدر نعمة إذا ترفه، قال: ومنه ~~سمى التنعيم وهو موضع قريب من مكة، قال: والتركيب دال على اللين والطيب. # وقال غيره: سمى بذلك لأنه عن يمينه جبلا، يقال له: نعيم وعن شماله جبل، ~~يقال له: ناعم، والوادي نعمان، والعلة في الإحرام بالعمرة من الحل قصد ~~الجمع بين الحل والحرم فيها كما وقع في الحج من الجمع بينهما فإن عرفة من ~~الحل والوقوف بها ركن PageV06P321 # فإن لم يخرج إليه وأحرم بها من مكة أو من الحرم وأتى بأفعالها أجزأه في ~~أظهر القولين للشافعي فإن ms1142 خرج إلى الحل بعد إحرامه بها وقبل الطواف والسعي ~~سقط الدم على أظهر الطريقين لأصحابه. # وقال مالك: لا يصح. # وشذ بعضهم: فشرط الخروج إلى التنعيم بعينه ولم يكتف بالخروج إلى مطلق ~~الحل وليس بشيء بل المفهوم منه الخروج إلى مطلق الحل. وإنما أمر عائشة ~~بالخروج مع أخيها للعمرة إلى التنعيم لقربه من الحرم فإنه أقرب جهات الحل ~~من الحرم لا لعينه. # [التاسع عشر] (¬1): في أحكام الحديث ملخصة على وجه الاختصار. # الأول: استحباب التلبية، ورفع الصوت بها. # الثاني: وجوب الإحرام على من أراد الحج والعمرة أو هما. # الثالث: أن السنة سوق الهدي من الميقات. # الرابع: أن الأفضل الإحرام بالحج مفردا. # الخامس: جواز إدخال العمرة على الحج ويصير قارنا وقد سلف ما فيه من ~~الخلاف. # السادس: أن من ساق الهدي لا يجوز له التحلل من العمرة. # السابع: مخالفة الجاهلية في جواز الاعتمار في أشهر الحج. PageV06P322 # الثامن: أن العالم إذا حاول إحياء شرع أو سنة أن يتلطف في ذلك بالاستدراج ~~دون البغتة. # التاسع: جواز ترك الأفضل لمصلحة أهم منه وهي مراعاة موافقة الأصحاب إذا ~~لم يكن محذور. # العاشر: استعمال المبالغة للمقاصد الشرعية. # الحادي عشر: جواز ذكر العلل في الأحكام. # الثاني عشر: أن الحكم الخاص بزمن أو بشخص لعلة يصير عاما وإن لم توجد ~~العلة على قول من قال بأن النسخ ليس خاصا بأولئك على ما تقدم. # الثالث عشر: الاعتذار لمخالفة العادة. # الرابع عشر: جواز تسمية السعي طوافا. # الخامس عشر: أن من عقل شيئا من معاني الأحكام أن يذكرها للعلماء بها ~~ليقروه عليها أو يردوه عنها. # السادس عشر: جواز تمني الأمور الأخروية. # السابع عشر: جواز استعمال "لو" فيها من غير كراهة ولا يكون تركا للتوكل ~~ولا مخالفة للقضاء والقدر. # الثامن عشر: أن الحائض يصح منها جميع أفعال الحج غير الطواف بالبيت ومذهب ~~الجمهور (¬1) أنه لا يجوز طواف المحدث PageV06P323 # وصححه أبو حنيفة (¬1) وأحمد (¬2) في أحد قوليه ورأيا عليه الدم واعتذروا ~~عن هذا الحديث بأنها إنما لم تطف بالبيت لأجل المسجد وهو عجيب (¬3). PageV06P324 # التاسع عشر: أن ms1143 المحرم لا يحل له الحلق أو التقصير حتى يشرع في أسباب ~~التحلل بمحله. # العشرون: تحريم المسجد على الحائض والطواف وغيره من الصلاة والاعتكاف ~~وسواء خافت تلويثه أم لا. نعم يجوز لها العبور إن أمنت التلويث. # الحادي والعشرون: جواز الخلوة بالمحارم. # الثاني والعشرون: أنه لا يجوز سفر المرأة إلا مع محرم وإن PageV06P325 # قصر السفر وتقييد السفر بيوم أو ليلة أو بهما في بعض الأحاديث خرج على ~~الغالب. # الثالث والعشرون: الجمع بين الحل والحرم في الإحرام بالعمرة. # الرابع والعشرون: أن الأفضل أن يحرم بها من الحل. # الخامس والعشرون: أن من جهات الحل للإحرام بها التنعيم وليس في الحديث ~~دلالة على أنه أفضل الجهات للإحرام بها وإن وقع في "التنبيه" أن الأفضل أن ~~يحرم بها منه فقد غلطوه فيه وإنما الأفضل الجعرانة، ثم التنعيم، ثم ~~الحديبية وإنما أمرها -عليه الصلاة والسلام- بالإحرام من التنعيم لقربه من ~~الحرم وكان الركب على رحيل. # السادس والعشرون: أن العمرة المستقلة لمن أفرد الحج وأراد فعلها لا تجوز ~~إلا بعد الفراغ من الحج. # واختلف العلماء في جواز فعلها في أيام التشريق لمن تعجل في يومين فحرمه ~~مالك وطائفة. # وجوزه [الإمام] (¬1) الشافعي وطائفة: [مع] (¬2) الكراهة إما للخروج من ~~خلاف العلماء وإما بخصوصية أيام التشريق وجواز الذبح والتضحية بها. PageV06P326 # السابع والعشرون: أن تعيين الإحرام أفضل من إطلاقه وهو الأصح عند الشافعي ~~ووجه أخذه من الحديث قولها: "أهل بالحج". # الثامن والعشرون: مشروعية حج الرجل بامرأته وهو إجماع وأجمعوا على أن له ~~منعها من حج التطوع. # وأما حج الفرض فقال الجمهور: ليس له منعها وهو أحد قولي الشافعي وأصحهما ~~عنده له المنع لأن حقه على الفور والحج على التراخي. # *** PageV06P327 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 260/ 2/ 50 - عن جابر [رضي الله عنه] (¬1) قال: قدمنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فجعلناها عمرة (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: قوله: "ونحن نقول: لبيك بالحج"، أي بعضنا جمعا بينه وبين الحديث ~~الآخر من رواية عائشة [رضي الله عنها] ms1144 (¬3) "فمنا من أهل بحج وما من أهل ~~بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة" فإن أراد الراوي بقوله: "نحن" نفسه وبالنون ~~في "قدمنا" نون العظمة فلا إشكال إذن. PageV06P328 # [الثاني] (¬1): هذا الحديث دال على فسخ الحج إلى العمرة، وقد تقدم ما فيه ~~في باب التمتع (¬2)، وإنما أمرهم -عليه الصلاة والسلام-[بذلك] (¬3) لبيان ~~مخالفة الجاهلية في منعهم العمرة في أشهر الحج كما سبق هناك وكونه يفسخ ~~الحج إليها أبلغ في تقرير جوازها فيه. # الثالث: قد يستدل بهذا الحديث على ذكر ما أحرم به في تلبيته والأصح عند ~~الشافعية لأنه لا يستحب لأن إخفاء العبادة أفضل. ووجه من قال: باستحبابه ~~لأنه أبعد عن النسيان، ومحل الخلاف عندهم فيما عدا التلبية [المقرونة] (¬4) ~~بالإحرام، فأما تلك فيستحب أن يذكر فيها ما أحرم به كما قاله الجويني وأقره ~~عليه النووي في "منسكه" (¬5) و"مجموعه" (¬6) وجزم به في "الأذكار" (¬7). # [تنبيه] (¬8): فيه دلالة على وجوب الرجوع في بيان الأحكام إطلاقا وتقييدا ~~وعزيمة ورخصة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى المبادرة إليه في ذلك ~~جميعه لقوله: فجعلناها عمرة. PageV06P329 # [الرابع] (¬1): وهم الصعبي في "شرحه" لهذا الكتاب فذكر الحديث المذكور من ~~رواية عائشة ثم عقبه بالاختلاف في كيفية إحرامها فاجتنب ذلك، فإن الحديث ~~[الذي ذكره المصنف إنما هو] (¬2) من رواية جابر، وكذا ذكره الشيخ تقي الدين ~~ومن تبعه. # ... PageV06P330 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 261/ 3/ 50 - عن عبد الله بن عباس [رضي الله عنهما] (¬1) قال: قدم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبيحة رابعة، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، ~~فقالوا: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أي الحل؟ قال: "الحل كله" (¬2). # الكلام عليه وجوه: # أحدها: هذا الحديث دال أيضا على فسخ الحج إلى العمرة وبزيد أن المتحلل ~~[بالعمرة] (¬3) تحلل كامل بالنسبة إلى جميع محظورات الإحرام لقوله: "الحل ~~كله"، وكأن سبب سؤالهم عن [ذلك] (¬4) استبعادهم بعض أنواع الحل وهو الجماع ~~المفسد للإحرام، فأزال -عليه الصلاة والسلام- استبعادهم ذلك بقوله: "الحل ~~كله"، وقريب من هذا الاستبعاد قولهم في الحديث السالف: "ننطلق إلى منى وذكر ~~أحدنا يقطر". PageV06P331 # [الثاني] (¬1): يؤخذ منه أن ms1145 التابع إذا وقع في ذهنه التخصيص في لوازم ~~المأمور به أن يسأل عنه مجملا. # الثالث: فيه البيان بالعموم من غير ذكر المراد في قوله: "صبيحة رابعة" أي ~~من ذي الحجة وهو يوم الأحد فإنه -عليه الصلاة والسلام- قدم مكة يوم الأحد، ~~وخرج منها يوم الخميس فوقف [الجمعة] (¬2). # ... PageV06P332 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 262/ 4/ 50 - عن عروة بن الزبير قال: سئل أسامة بن زيد، وأنا جالس: كيف ~~كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير حين دفع؟ قال: كان يسير العنق. ~~فإذا وجد فجوة نص (¬1). # العمق: انبساط السير، والنص: فوق ذلك. # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه. # أما أسامة بن زيد: فسلف التعريف به في باب دخول مكة. # وأما عروة بن الزبير: فهو أبو عبد الله القرشي الأسدي أحد الفقهاء السبعة ~~الحافظ الثبت التابعي الجليل البحر الذي لا تكدره الدلأ الصائم الدهر، وقد ~~جمع الشرف من [وجوه] (¬2) فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - صهره، والصديق ~~جده، والزبير بن العوام والده، وأسماء أمه، PageV06P333 # وعائشة خالته، ومنها تفقه [وخديجة عمة أبيه] (¬1) روى عنه أولاده: عثمان، ~~وهشام، وعبد الله، وغيرهم، وروى عن أبي هريرة وأبي أيوب الأنصاري وغيرهما، ~~قال ابن طاهر: وانفرد البخاري بإخراج حديثه عن أبيه الزبير وأنكر ذلك عليه، ~~وقيل: إنه لم يسمع من أبيه شيئا، وقعت الآكلة برجله فنشرت فصبر واحتسب وما ~~ترك حزبه [من القرأة] (¬2) تلك الليلة، ولد في خلافة: عثمان، وقيل: في آخر ~~خلافة عمر، ومات وهو صائم سنة أربع وتسعين سنة الفقهاء ووقع في " [شرح] ~~(¬3) الفاكهي" تبعا للصعبي أن الكلاباذي [في] (¬4) "رجال البخاري" نقل عن ~~البخاري عن [الفروي] (¬5) أنه مات سنة تسع وتسعين ومئة، أو مئة، أو إحدى ~~ومئة، وهذا وهم فالذي في الكلاباذي عن الفروي مات سنة تسع وتسعين، ويقال: ~~سنة مئة، ويقال: سنة إحدى ومئة فأسقط بعد قوله سنة تسع وتسعين لفظة، ~~"ويقال": فاجتنبه. # ثانيها: هذا السائل لا يحضرني اسمه بعد البحث عنه. # ثالثها: هذا الحديث أجنبي عن الباب لا تعلق له بفسخ الحج إلى العمرة كما ~~نبهنا ms1146 عليه أول الباب، وإنما يتعلق بصفة سيره -عليه الصلاة والسلام- عند ~~دفعه من عرفة لا غير، وقد ترجم PageV06P334 # البخاري (¬1) عليه بذلك فقال: باب السير إذا دفع من عرفة. # رابعها: "العنق" بفتح العين المهملة، ثم نون، ثم قاف، وقد فسره المصنف ~~بأنه انبساط السير. # وعبارة الجوهري (¬2) فيه: ضرب من [سير] (¬3) الدابة والإبل وهو سير ~~[مسبطر] (¬4) أي ممتد، وقد أعنق الفرس، وفرس معناق، أي جيد، العنق -يريد ~~بفتح العين أيضا-. # وعبارة القرطبي في "مفهمه" (¬5): العنق سير فيه رفق. # وعبارة صاحب "المطالع" أنه سير سهل في سرعة ليس بالشديد. # "والنص": بفتح النون والصاد المهملة المشددة، وقد فسره المصنف وهو تفسير ~~هشام بن عروة كما أخرجه البخاري ومسلم عنه إثر الحديث. # وعبارة الأصمعي: أنه السير الشديد حتى يستخرج أقصى ما عند الناقة، ومنه: ~~نصنصت الشيء رفعته، ومنه أيضا: منصة العروس ونصنصت الحديث إلى فلان أي ~~رفعته إليه، وسير نص ونصيص، ونص كل شيء منتهاه [وكذا] (¬6) قال صاحب ~~"المطالع": معنى نص PageV06P335 # رفع في سيره وأسرع قال: وقد جاء في الحديث مفسرا وكأنه أراد ما قدمناه عن ~~هشام بن عروة. قال: والنص منتهى الغاية في كل شيء. # وقال أبو عبيدة: النص التحريك. # وقال القرطبي: النص أرفع السير. # وقال النووي: هو والعنق نوعان من [أنواع] (1) السير، وفي العنق نوع من ~~الرفق، وتبعه الشيخ تقي الدين (2) فقال: هما ضربان من السير والنص أرفعهما. # وعدد الثعالبي في "فقه اللغة" (3) أنواع السير، فقال: نقلا عن الأصمعي ~~[العنق] (4) من السير [المسبطر] (7) فإذا ارتفع عنه قليلا فهو [التزيد] ~~(6)، فإذا ارتفع عن ذلك فهو [الذميل] (7) فإذا ارتفع عن ذلك فهو الرسيم، ~~فإذا أدرك المشي، وفيه قرمطة فهو الحفد، فإذا ارتفع عن ذلك وضرب بقوائمه ~~كلها فذلك [الارتباع] (8) والالتباط، فإذا لم يدع جهدا فذلك [الإدرنفاف] ~~(9). PageV06P336 # وحكى (1) قبله (2) قوله عن النضر بن شميل أول السير الدبيب، ثم التزيد، ~~ثم [الزميل] (3) ثم الرسيم، ثم الوخذ، ثم [العسيج] (4) [ثم] (5) [الوسيج] ~~(6) ثم الوجيف، ثم الرتكان، ثم [الإجمار] (7) ثم الإرقال. # وقال العسكري في "تلخيصه" (8): العنق [الفسيح] (9). # [والمسبطر] (10) أوسع منه. والتزيد ms1147 [فوقه] (11) والذميل (12) فوق التزيد ~~[والرتك: تقارب الخطو] (13) ومداركة النقال والرسيف: تقارب الخطو، [والحفد] ~~(14) مشي فيه قرمطة، والهملجة معروفة، PageV06P337 # فإذا زادت عليها فهو المرفوع، فإذا ارتفع عن ذلك قيل دأدأ يدأدي دأدأة، ~~والاسم: الدئداء، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الالتباط، فإذا لم يدع جهدا قيل: ~~تشفر تشفرا فإذا [رقق] (¬1) قيل: مشى مشيا [رقاقا] (¬2) فإذا مر مرا خفيفا ~~قيل ملع يملع ملعا ثم بسط باقي أنواع السير. # خامسها: "الفجوة" المكان المتسع ورواه بعض رواة الموطأ "فرجة" بضم الفاء ~~وفتحها بمعنى الفجوة. # ووقع في "شرح الصعبي" أن بعض الرواة رواه "فوجة" بتقديم الواو وبفتح ~~الفاء وضمها [وأنه] (¬3) بمعنى الفرجة، والظاهر وهمه في ذلك وصوابه ما ~~أسلفناه ومشى ابن العطار في "شرحه" على الصواب، فقال: وفي بعض نسخ "الموطأ" ~~(¬4) "فرجة" بضم الفاء وفتحها، وبالراء قبل الجيم وهو بمعنى الفجوة. # سادسها: فقه الحديث. # استحباب الرفق في السير في حال الزحام والإسراع عند وجود الفرجة مع ~~اقتصاد لما جاء في حديث الفضل في "صحيح مسلم" (¬5) "عليكم بالسكينة"، وذلك ~~ليبادر إلى المناسك ويتسع له الوقت، PageV06P338 # وهذا بدل [على أن] (¬1) أصل المشروعية في ذلك الموضع الإسراع لكن رفق ~~[به] (¬2) في حال الزحام. # وفيه من الفقه أيضا: الحرص على السؤال عن حاله -عليه الصلاة والسلام- في ~~حجته وأموره الواقع فيه منه في حركاته وسكناته ليقتدى به فيه وليمثل قوله ~~تعالى [في حقه] (¬3) {فاتبعوني يحببكم الله} (¬4). # وفيه أيضا: جواز الرواية والتحمل لمن سمع شيئا وإن لم يسئل عنه ولا قصد ~~المجيب بروايته إياه. # فائدة: السنة في الانصراف من عرفة إلى مزدلفة أن يكون على طريق المأزمين ~~وهو بين العلمين اللذين هما حد الحرم من تلك الناحية. # والمأزم: الطريق بين الجيلين، قال عطاء: وهي طريق موسى أيضا - صلى الله ~~عليه وسلم - وعلى جميع النبيين والمرسلين. # ... PageV06P339 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 263/ 5/ 50 - عن عبد الله بن عمرو [رضي الله عنهما] (¬1) أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال: [رجل] (¬2) ~~لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: "اذبح، ولا حرج"، ms1148 وجاء آخر فقال: لم أشعر ~~فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم، ولا حرج" فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا آخر ~~إلا قال: "افعل، ولا حرج" (¬3). PageV06P340 # الكلام عليه عن جوه: # الأول: هذا الحديث ثابت في الصحيحين من هذا الوجه [أعني] (¬1) من طريق ~~عبد الله بن عمرو بن العاص، واللفظ للبخاري. وذكره الشيخ تقي الدين في ~~"شرحه" (¬2) من طريق عبد الله بن عمر، وتبعه ابن العطار والفاكهي وغيرهما. ~~وهو غلط وصوابه ما أسلفناه، ولم يذكره الحميدي في "جمعه بين الصحيحين"، ولا ~~عبد الحق في "جمعه" أيضا [من] (¬3) هذا الوجه (¬4). # الثاني: لم يذكر المصنف في روايته موضع وقوفه -عليه الصلاة والسلام- ~~وسؤال الناس إياه فيه، ولم يعينه البخاري في روايته لحديث ابن عمر وعينه في ~~حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه في حال خطبته بمنى ذكره في كتاب العلم ~~من صحيحه وفي رواية [له هنا أنه] (¬5) يوم النحر، وكانت بمنى كما ذكره من ~~حديث ابن عباس، وفي رواية له أنه كان واقفا على ناقته. PageV06P341 # ورواه مسلم -أعني- حديث عبد الله بن عمر [(¬1)] بألفاظ. # أحدها: " [أن النبي - صلى الله عليه وسلم -] (¬2) بينما هو يخطب يوم ~~النحر فقام إليه رجل". # ثانيها: "وقف [رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] (¬3) في حجة الوداع، ~~بمنى، للناس يسألونه". # ثالثها: "وقف [رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] (¬4) على راحلته. فطفق ~~ناس يسألونه". # رابعها: "وهو واقف عند الجمرة". وجمع بعضهم بين هذه الروايات بأنه موقف ~~واحد عند الجمرة. # والصواب: ما أبداه القاضي عياض (¬5) احتمالا أن ذلك في موضعين: # أحدهما: أنه وقف على راحلته عند الجمرة، ولم يقل في هذا خطب وإنما فيه ~~"وقف" و"سئل". # والثاني: بعد صلاة الظهر يوم النحر وقف للخطبة فخطب وهي PageV06P342 # إحدى خطب الحج الأربع المشهورة يعلمهم فيها ما بين أيديهم من المناسك (¬1). # قلت: [ورواية] (¬2) ابن عباس في الصحيحين (¬3) "رميت بعد ما أمسيت، قال ~~لا حرج"، يدل على أن السؤال وقع ليلا أو في يوم القر وهو أول أيام التشريق. # الثالث: لم أر بعد البحث تعيين السائل ms1149 في هذا الحديث فليتتبع. # الرابع: معنى "لم أشعر" لم أفطن. # قال الجوهري (¬4): [شعرت] (¬5) بالشيء بالفتح [أشعرته] (¬6) شعرا (¬7) أي ~~[فطنت] (¬8) له. PageV06P343 # ومنه قولهم: ليت شعري، أي ليتني علمته. # قال سيبويه: أصله شعره ولكنهم حذفوا الهاء. # وقال الشيخ تقي الدين (¬1): الشعور العلم. وأصله: من المشاعر، وهي ~~الحواس. فكأنه يستند إلى الحواس. أي في عدم العلم. # الخامس: "النحر" ما يكون في اللبة. # "والذبح": ما يكون في الحلق. # "والحرج": [معناه] (¬2) الإثم، وهو من الألفاظ المشتركة فإنه الضيق أيضا ~~والناقة الضامرة، ويقال: الطويلة على الأرض. # قال الجوهري: والحرج: خشب يشد بعضه إلى بعض يحمل فيه الموتى وربما وضع ~~فوق نعش النساء. # والحرج: أيضا جمع حرجة وهي الجماعة من الإبل، والحرجة: أيضا مجمع شجر. ~~والجمع: حرج، وحرجات، وحراج. # السادس: وظائف يوم النحر أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي، ~~والأضحية، أو ذبحها، ثم حلق، أو تقصير، ثم طواف الإفاضة هذا هو الترتيب ~~[المشروع] (¬3) فيها ولم يختلفوا في PageV06P344 # [كيفية] (¬1) هذا الترتيب وجوازه على هذا الوجه إلا أن ابن الجهم (¬2) ~~المالكي يرى أن القارن لا يجوز له الحلق قبل الطواف، وكأنه رأى أن القارن ~~حجه وعمرته قد تداخلا والعمرة قائمة في حقه ولا يجوز فيها الحلق قبل الطواف ~~وقد يشهد لهذا قوله -عليه الصلاة والسلام- في القارن "حتى يحل منهما جميعا" ~~فإنه يقتضي [أن] (¬3) الإحلال منهما يكون في وقت واحد فإذا حلق قبل الطواف ~~فالعمرة قائمة بهذا الحديث فيقع الحلق فيها قبل الطواف، وفي هذا الاستشهاد ~~نظر، ورد عليه النووي (¬4) بنصوص الأحاديث والإجماع المتقدم عليه [وعزاه] ~~(¬5) الشيخ تقي الدين إلى بعض المتأخرين وعني [به] (¬6) إياه، ثم قال: ~~وكأنه يريد بالنصوص ما ثبت عنده أنه -عليه الصلاة والسلام- كان قارنا في ~~آخر الأمر، وأنه حلق قبل الطواف، وهذا إنما ثبت بأمر استدلالي لا نصي عند ~~الجمهور، أو كثيرا، أعني كونه -عليه الصلاة والسلام- قارنا، وابن الجهم بني ~~على مذهب مالك والشافعي. ومن قال بأنه -عليه الصلاة والسلام- كان مفردا ~~(¬7)، وأما الإجماع فبعيد الثبوت، إن أراد به الإجماع النقلي القولي، وإن ~~أراد السكوتي: ms1150 ففيه نظر، وقد ينازع فيه أيضا. PageV06P345 # ونقل اللخمي المالكي أن ابن الجهم إنما يقول ذلك في القارن المراهق الذي ~~أخر الطواف والسعي وفرق بينه وبين غير المراهق بأنه قد طاف لعمرته وسعى ولم ~~يبق عليه من عملها شيء، وكل ما يفعله بعد الطواف والسعي الأولين [فإنما] ~~(¬1) هو من عمل الحج خاصة والعمرة قد انقطعت فيحلق كما يحلق الحاج. # وإذا ثبت أن الوظائف أربع في هذا اليوم. # فقد اختلفوا فيما إذا قدم بعضها على بعض فاختار الشافعي جواز التقديم ~~وجعل الترتيب مستحبا (¬2). # ومالك وأبو حنيفة (¬3): يمنعان تقديم الحلق على الرمي لأنه حينئذ يكون ~~حلقا قبل وجود أحد التحللين، وللشافعي قول مثله كذا حكاه الشيخ تقي الدين ~~وهو وجه لأصحابه أنه يمتنع تقديم الحلق على الرمي والطواف نصا، وحكاه ~~النووي كذلك في "شرحه" (¬4) قولا، وقد بنى الخلاف على أن الحلق نسك أو ~~استباحة محظور. # فان قلنا بالأول: جاز تقديمه على الرمي لأنه يكون من أسباب التحلل. # وإن قلنا بالثاني: فلا لما تقدم قاله صاحب "البيان" من الشافعية، وكذا ~~النووي في "شرحه لمسلم" (¬5). PageV06P346 # قال الشيخ تقي الدين: وفي البناء نظر، لأنه لا يلزم من كون الشيء نسكا أن ~~يكون [سببا] (¬1) من أسباب التحلل، ومالك يرى أن الحلق نسك، ويرى -مع ذلك- ~~أنه لا يقدم على الرمي، إذ معنى كون الشيء نسكا أنه مطلوب يثاب عليه، ولا ~~يلزم من ذلك أن يكون سببا للتحلل. # ونقل عن الإمام أحمد: أنه إن قدم بعض هذه الأشياء على بعض فلا شيء عليه ~~إن كان جاهلا، وإن كان عالما ففي وجوب الدم روايتان، وهذا القول في سقوط ~~الدم عن الجاهل والناسي دون العامد قوي، كما قال الشيخ تقي الدين: من جهة ~~أن الدليل دل على وجوب اتباع أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج ~~بقوله: "خذوا عني مناسككم". وهذه الأحاديث المرخصة في التقديم لما وقع ~~السؤال عنه، وإنما [قويت] (¬2) بقول السائل "لم أشعر" فتخصيص الحكم بهذه ~~الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب اتباع الرسول في أعمال الحج ms1151 ويتأيد ~~ذلك برواية مسلم. "فما سمعته يومئذ سئل عن أمر مما ينسى المرء ويجهل من ~~تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال [رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -] (¬3) أفعلوا ذلك ولا حرج". # ومن قال بوجوب الدم في العمد والنسيان: عند تقديم الحلق على الرمي فإنه ~~يحمل قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا حرج" على نفي الإثم في التقديم مع ~~النسيان، ولا يلزم من نفي الإثم نفي PageV06P347 # وجوب الفدية. قاله المازري (¬1) المالكي، وحمله المخالف على نفي الإثم ~~والفدية جميعا، قال النووي في "شرح مسلم" (¬2): وهو الظاهر، واعترض [عليه] ~~(¬3) الشيخ تقي الدين (¬4) فقال: كذا ادعاه بعض الشارحين عني به إياه، ~~وفيما ادعاه من الظهور نظر، وقد ينازعه خصومه فيه بالنسبة إلى الاستعمال ~~العرفي، فإنه قد استعمل "لا حرج" كثيرا في نفي الإثم، وإن كان من حيث الوضع ~~اللغوي يقتضي نفي الضيق. قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (¬5) ~~[أي من ضيق] (¬6) وهذا البحث كله إنما يحتاج إليه بالنسبة إلى الرواية التي ~~جاء فيها السؤال عن تقديم الحلق على الرمي. # وأما على الرواية التي ذكرها المصنف فلا تعم من أوجب الدم وحمل نفى الحرج ~~على نفي الإثم، فيشكل عليه تأخير بيان وجوب الدم، فإن الحاجة تدعو إلى ~~[بيان] (¬7) هذا الحكم، فلا يؤخر عنها بيانه، قال: ويمكن أن يقال: [إن] ~~(¬8) ترك ذكره في الرواية لا يلزم منه ترك ذكره في نفس الأمر وأما من أسقط ~~الدم، وجعل ذلك PageV06P348 # مخصوصا بحالة عدم الشعور فإنه يحمل "لا حرج" على نفي الإثم والدم معا، ~~فلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، ومشى أيضا على القاعدة في أن الحكم ~~إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرا لم يجز إطراحه وإلحاق غيره مما لا ~~يساويه به، ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم التكليف والمؤاخذة. والحكم ~~علق به، فلا يمكن إطراحه بإلحاق العمد به، إذ لا يساويه. فإن تمسك بقول ~~الراوي "فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل، ولا حرج"، فإنه قد ms1152 يشعر ~~بأن الرتيب مطلقا غير مراعيا في الوجوب. # فجوابه: أن الراوي لم يحك لفظا عاما عن الشارع يقتضي جواز التقديم ~~والتأخير مطلقا. وإنما أخبر بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا حرج" بالنسبة ~~إلى كل ما سئل عنه من التقديم والتأخير حينئذ، وهذا الإخبار من الراوي ~~[(¬1)] إنما تعلق بما وقع السؤال عنه. وذلك مطلق بالنسبة إلى حال السؤال ~~وكونه وقع عن العمد أو عدمه. والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه. فلا ~~يبقى حجة في حال العمد. # السابع: مشهور مذهب مالك أنه لا فدية على من حلق قبل الذبح لظاهر هذا ~~الحديث، ويحمل قوله تعالى: {حتى يبلغ الهدي محله} أي وصوله إلى منى. # وخالف ابن الماجشون فقال: يجب عليه وحمل قوله -عليه PageV06P349 # الصلاة والسلام-: [لا حرج] (¬1) على نفي الإثم لا الفدية كما سلف، وقد ~~عرفت ما فيه. # واختلف قول مالك (¬2) إذا قدم طواف الإفاضة على الرمي فقيل يجزيه، وعليه ~~الهدى وتؤيده رواية مسلم: "أفضت إلى البيت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج"، ~~وقيل: لا يجزيه وهو كمن لم يفيض. # وقيل: يعيده بعد الرمي والنحر، وكذلك إذا رمى ثم أفاض قبل الحلق، فقال: ~~مرة يجزيه، وقال: مرة يعيد الإفاضة بعد الحلق، وقال في "الموطأ": أحب إلى ~~أن يهريق دما، وإن قدمها على الذبح وقد أنصف القاضي عياض [المالكي] (¬3) ~~فقال: إن ظاهر الحديث مع الشافعي وفقهاء أصحاب الحديث في جماعة من السلف في ~~أنه لا شيء عليه في الجميع قدم منها ما قدم وأخر منها ما أخر، وتبعه ~~القرطبي (¬4) على ذلك، فقال: الظاهر من الأحاديث مذهب الشافعي وأصحاب ~~الحديث. وهو كما قالا لكنه ظاهر في الجاهل والناسي دون العامد، وقد أسلفنا ~~عن أبي حنيفة (¬5) وجوب الدم على من حلق قبل الرمي، وكذا نقل عنه في حق من ~~حلق قبل الذبح وخالفاه صاحباه, وقال: إن كان قارنا فحلق [قبل] (¬6) يوم ~~النحر فدمان PageV06P350 # وخالفه (¬1) زفر، فقال: عليه ثلاثة وفي رواية شاذة (¬2) عن ابن عباس وجوب ~~الدم على من قدم شيئا من النسك أو أخره، ونحوه ms1153 عن ابن جبير وقتادة (¬3) ~~والحسن والنخعي ولم يختلفوا فيمن نحر قبل الرمي أنه لا شيء عليه. # الثامن: معنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إرم ولا حرج" افعل ما بقي ~~عليك وقد أجزاك ما فعلته ولا حرج عليك في التقديم [أو] (¬4) التأخير لا أنه ~~أمر بالإعادة كأنه قال افعل ذلك كما فعلته أو متى شئت، ولا حرج عليك لأن ~~السؤال إنما كان عما مضى وتم. # وقوله: "فما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن شيء قدم ولا أخر" ~~يعني من هذه الأربعة. # التاسع: ترجم البخاري على هذا الحديث: "باب الفتيا، وهو واقف على الدابة ~~[و] (¬5) غيرها" (¬6) ثم ترجم فقال: " [باب] (¬7) من أجاب الفتيا بإشارة ~~اليد والرأس" (¬8)، ثم روى من حديث ابن عباس PageV06P351 # أنه -عليه الصلاة والسلام- سئل في حجته. فقال: ذبحت قبل أن أرمي، فأومأ ~~بيده [قال] (¬1) ولا حرج. وقال: حلقت قبل أن أذبح، فأومأ بيده: "ولا حرج"، ~~وفي رواية له من حديث ابن عباس أيضا "زرت قبل أن أرمي، قال: لا حرج [قال] ~~(¬2): رميت بعد ما أمسيت قال: لا حرج". # العاشر: يؤخذ من الحديث وجوب اتباع أفعاله -عليه الصلاة والسلام- فإنهم ~~لما خالفوا ترتيبه سألوا عنه ووجوب البيان على المسؤول إذا علم الحكم في ~~المسؤول عنه. # خاتمة: روى الهروي (¬3) في "صحيحه المستدرك على الصحيحين" (¬4) على ما ~~عزاه إليه المحب [الطبري] (¬5) في "أحكامه"، والدارقطني (¬6) أيضا عن أسامة ~~بن شريك، قال: خرجت مع PageV06P352 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجا فكان الناس يأتونه، فمن قائل يا ~~رسول الله سعيت قبل أن أطوف بالبيت، أو أخرت شيئا، أو قدمت شيئا. فكان يقول ~~[لهم] (¬1) لا حرج [...] (¬2) إلا [رجل] (¬3) اقترض عرض مسلم وهو [ظالم] ~~(¬4) [فذاك] (¬5) الذي حرج وهلك". # وقوله: "سعيت قبل أن أطوف بالبيت"، يحمل على تقديمه مع طواف القدوم وشذ ~~عطاء فأخذ بظاهره فاعتد بالسعي قبل الطواف، وهو من أفراده. # وقوله: "اقترض" روى بالقاف والضاد من القرض أي نال منه وعابه، وبالفاء ~~والصاد المهملة وهو القطع أيضا والمعراض الحديدة التي يقطع بها الفضة. # ... PageV06P353 ### ||| AUTO الحديث السادس # 264/ 6/ 50 ms1154 - عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، أنه حج مع ابن مسعود، فرآه ~~يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم ~~قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه [سورة] (¬1) البقرة - صلى الله عليه وسلم -" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها (¬3): في التعريف براويه. # وأما ابن مسعود: فتقدم [الكلام عليه] (¬4) في باب المواقيت. # وأما عبد الرحمن: هذا فهو كوفي تابعي ثقة وهو أخو الأسود سمع عثمان وابن ~~مسعود وغيرهما، وعنه ابنه محمد وأبو إسحاق الهمداني وغيرهما، في وفاته ~~قولان: PageV06P354 # أحدهما: سنة ثلاث وسبعين، قاله يحيى بن بكير. # والثاني: سنة ثلاث وثمانين في الجماجم، قاله الفلاس. # والنخعي: -بفتح النون والخاء، ثم عين مهملة- نسبة إلى النخع وهي قبيلة ~~كبيرة من مذحج. # اسم النخع: جسر بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد، وقيل له النخع، ~~لأنه انتخع من قومه أي بعد عنهم، نزل بيشة ونزلوا في الإسلام الكوفة. ينسب ~~إليهم من العلماء الجم الغفير، منهم عبد الرحمن هذا وأخوه علقمة وإبراهيم. # الثاني: المراد "بالجمرة الكبرى": جمرة العقبة، وليست من منى، بل هي حد ~~منى من الجانب الغربي جهة مكة وهي التي بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الأنصار عندها على الإسلام والهجرة. # والجمرة: اسم لمجتمع الحصى، لا ما سال منه، ولماذا سميت [جمرة] (¬1) فيه أقوال: # أحدها: لاجتماع الناس بها يقال: تجمر بنو فلان إذا اجتمعوا ومنه نهيه ~~-عليه الصلاة والسلام- عن التجمر أي اجتماع الرجال والنساء في الغزوات (¬2). # ثانيها: أن إبراهيم، وقيل: آدم لما عرض له إبليس هناك PageV06P355 # فحصبه جمر بين يديه -أي أسرع (¬1). # ثالثها: [لأنها تجمر] (¬2) بالحصى والعرب تسمى الحصى الصغار جمارا فيكون ~~من باب تسمية الشيء بلازمه كالغائط، والراوية. # رابعها: في الحديث إثبات رمي جمرة العقبة، وقد أجمعوا على أن الحاج ~~يرميها يوم النحر، وهو واجب يجبر بدم وسماه المالكية سنة مؤكدة. # وقال عبد الملك منهم: إنه ركن، فإن تركه بطل حجه كسائر الأركان. # وحكى ابن جرير: عن بعض الناس أن رمي الجمار إنما شرع حفظا للتكبير، فإن ms1155 ~~تركه وكبر أجزأه، ونحوه عن عائشة وهو خلاف شاذ. # تنبيهات: # أحدها: رمي جمرة العقبة أحد أسباب التحلل وهي ثلاثة: # أحدها: رميها يوم النحر. # ثانيها: طواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى. # ثالثها: الحلق إذا قلنا أنه نسك وهو الصحيح عندنا. # ثانيها: يدخل وقت رمي جمرة العقبة بنصف الليل ويبقى إلى PageV06P356 # آخر يوم النحر وفي امتداده تلك الليلة وجهان أصحهما في الرافعي و"الروضة" ~~(¬1) لا لعدم وروده. # والثاني: نعم تشبيها بالوقوف، وصححه النووي في "مناسكه الكبرى" في الكلام ~~على رمي أيام التشريق. # ووقع في الرافعي: نقلا عن الأئمة أن وقته إلى الزوال، وينبغي أن يحمل على ~~الفضيلة وبه صرح الماوردي (¬2). ولو تركه ففي تداركه في أيام التشريق. # [طريقان أصحهما: نعم ولو تركه حتى فاتت أيام التشريق] (¬3) فعليه دم. # واتفقوا (¬4): على أنه بخروج أيام التشريق يفوت الرمي. إلا ما قاله أبو ~~مصعب أنه يرمي متى ما ذكر كمن نسي صلاة يصليها متى ذكرها. # وقال مالك وأبو حنيفة: لا يدخل وقت الرمي إلا بطلوع الفجر ووافقهما أحمد. # ثالثها: جمرة العقبة تمتاز عن غيرها بأربعة أشياء: # [الأول] (¬5): ترمي قبل زوال الضحى. PageV06P357 # الثاني: أنها ترمى من أسفلها استحبابا ويجزىء من أعلاها وأوسطها وما ~~عداها فمن أعلاها. # الثالث: أنه لا يرمي يوم النحر غيرها. # الرابع: أنه لا يوقف عندها للدعاء. # الوجه الرابع: من الكلام على الحديث فيه أيضا أن الرمي بسبع حصيات, وهو ~~إجماع، فإن رماها بأقل وفاته جبر ذلك وكان عليه دم عند مالك والأوزاعي، ~~وعزى إلى الجمهور أيضا. # وذهب الشافعي وأبو ثور: إلى أن على تارك حصاة مد من طعام، وفي اثنين ~~مدين، وفي ثلاثة فأكثر دم. # وقال أبو حنيفة [وصاحباه] (¬1): إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث، ففي ~~كل حصاة نصف صاع وإن كان أكثر من نصفها فعليه دم. # وقال مالك: إن نسي جمرة [العقبة] (¬2) تامة أو الجمار كلها فعليه بدنة ~~فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة. # وقال البصريون: على ناسي الجمرة والجمرتين دم. # وقال عطاء: فيمن رمى خمس، ومجاهد فيمن ms1156 رمى بست لا شيء عليه (¬3). PageV06P358 # [فرع: يجزىء الرمي بكل ما يسمى حجرا فلا يجزىء اللؤلؤ وما ليس بحجر من ~~طبقات الأرض كالنورة والزرنيخ ونحوهما] (¬1). # فرع: السنة أن يكبر مع كل حصاة رافعا صوته بالتكبير وهو مذكور في ~~الصحيحين (¬2) في حديث ابن مسعود هذا وبه أخذ مالك والشافعي وعمل الأئمة ~~كما نقله القاضي عياض، قال: وأجمعوا على أن من لم يكبر لا شيء عليه. # الخامس: "منى" سلف الكلام عليها في الباب وغيره وهي بين جبلين [أحدها] ~~(¬3) ثبير. والآخر: الصائغ. # وليست جمرة العقبة منها كما تقدم ولا الوادي أيضا، وذرع ما بين الجمرة ~~والوادي سبعة آلاف ذراع ومئتا ذراع وعرضها من مؤخر المسجد الذي يلي الجبال ~~إلى الجبل الذي بحذائه ألف ذراع وئلاثمائة ذراع ومن جمرة العقبة إلى الوسطى ~~إلى الجمرة التي تلي المسجد ثلاثمائة ذراع وخمسة أذرع، قاله القاضي نجم ~~الدين القمولي، في "البحر المحيط" (¬4). PageV06P359 # قال النووي في "منسكه": حد منى ما بين وادي محسر وجمرة العقبة ومنى شعب ~~طوله ميلين وعرضه يسير والجبال المحيطة ما أقبل منها عليه فهو من منى وما ~~أدبر فليس من منى وجمرة العقبة في آخرها. # السادس: في الحديث أيضا استحباب كون الرمي من بطن الوادي فيقف تحتها في ~~بطن الوادي ويجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبل الجمرة ويرمي، وهذا ~~أصح الأوجه عند الشافعية كما نقله النووي (¬1) عنهم وعزاه إلى جمهور ~~العلماء أيضا. # والوجه الثاني: أنه يستقبل الجمرة ويستدبر الكعبة، وبه جزم الرافعي. # والثالث: يستقبل الكعبة ويجعل الجمرة عن يمينه. # وأجمعوا: على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو ~~يساره أو رماها من فوقها أو أسفلها أو وقف في وسطها ورماها، فأما رمي باقي ~~الجمرات فيستحب من فوقها. # السابع: قوله: "مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة"، أي مكان قيامه -عليه ~~الصلاة والسلام- فهو اسم المصدر الذي هو للقيام، والسورة تقدم الكلام عليها ~~في الحديث الثاني من باب وجوب القراءة في الصلاة (¬2). PageV06P360 # الثامن: في الحديث دلالة على جواز قوله سورة كذا، ms1157 وخالف الحجاج بن يوسف ~~في ذلك كما نقله عنه البخاري ومسلم في صحيحهما (¬1)، وقال: قال الأعمش: ~~فلقيت إبراهيم فأخبرته بقول الحجاج فسبه ورد عليه بهذا الحديث، وقد تقدم ~~الرد على من قال بهذا أيضا في الحديث الثالث من باب وجوب القراءة في الصلاة (¬2). # التاسع: إنما خص سورة البقرة لأن معظم أحكام الحج فيها مذكور فكأنه قال ~~هذا مقام الذي أنزلت عليه المناسك وأخذت عنه الأحكام [فاعتمدوه] (¬3) أراد ~~بذلك التنبيه على أن أفعال الحج توقيفية ليس للاجتهاد فيها مدخل فلا يفعل ~~أحد شيئا من المناسك برأيه. # وقيل: خصها بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما تحتويه من الأحكام، وقد خصها ~~- صلى الله عليه وسلم - بعجز البطلة عن حفظها (¬4)، وقوله للعباس في يوم ~~حنين: نادي أصحاب السمرة أصحاب البقرة (¬5)، يمكن أن يكون خصها بالذكر حين ~~فرارهم لأن فيها: {كم من فئة قليلة PageV06P361 # غلبت فئة كثيرة (¬1)، وفيها {فهزموهم بإذن الله} (¬2)، أو لأن فيها ~~{وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} (¬3)، وفيها {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء ~~مرضات الله} (¬4). # العاشر: في الحديث أيضا دلالة على مراعاة كل شيء في هيئة الحج التي وقعت ~~من الرسول - صلى الله عليه وسلم -, حيث قال ابن مسعود: هذا مقام الذي أنزلت ~~عليه سورة البقرة قاصدا بذلك الإعلام [به] (¬5) ليفعل. # الحادي عشر: فيه أيضا التعلم بالرؤية من غير قول (¬6) وتبليغه. # خاتمة: قيل إن مشروعية الرمي أن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- حين هرب ~~منه الكبش المفدى به الذبيح -عليه الصلاة والسلام- عند الجمرة رماه بسبع ~~حصيات حتى أخذه. # [وروى] (¬7) أنه رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند ذبح ولده. # وروى أنه لما ذبحه قال جبريل: الله أكبر الله أكبر، فقال PageV06P362 # الذبيح لا إله إلا الله والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، ~~فبقي ذلك سنة (¬1). # ... PageV06P363 ### ||| AUTO الحديث السابع # 265/ 7/ 50 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "اللهم ارحم المحلقين" [قالوا: يا رسول الله ~~والمقصرين؟] (¬1) قال: "اللهم ارحم المحلقين" [قالوا يا رسول الله] (¬2) ~~والمقصرين؟ قال: "والمقصرين" ms1158 (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا اللفظ الذي ساقه المصنف هو لفظ رواية الصحيحين، قال البخاري: ~~وقال الليث حدثني نافع: "رحم الله المحلقين مرة أو مرتين" [قال] (¬4) وقال: ~~عبيد الله حدثني نافع "وقال في الرابعة والمقصرين". PageV06P364 # وأخرج مسلم هذه الرواية من هذا الوجه وكذا التي قبلها فعلى رواية المصنف ~~يكون للمحلقين ثلثا الرحمة وللمقصرين الثلث وعلى رواية عبيد الله يكون لهم ~~ثلاثة أرباع الرحمة وللمقصرين الربع. # ونظير هذا "من أحق الناس بصحبتي؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ~~ثم من؟ قال: "أبوك" (¬1) وفي رواية (¬2) أنه قال ذلك ثلاثا في الأم، فعلى ~~الرواية الأولى يكون للأم ثلثا البر وعلى الثانية يكون لها ثلاثة أرباعه. # الثاني: هذا الدعاء كان منه - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع على ~~الصحيح المشهور كما قاله النووي في "شرح مسلم" (¬3). # وقيل: إنه كان يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق [فما] (¬4) فعله أحد لطمعهم ~~[دخول] (¬5) مكة في ذلك الوقت. # وحكى عن ابن عباس قال حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - (¬6): اللهم ارحم المحلقين ثلاثا قيل: PageV06P365 # يا رسول الله ما بال المقصرين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: لأنهم لم يشكوا" (¬1). # قال القرطبي (¬2): وحاصله أنه أمرهم يوم الحديبية بالحلاق، فما قام منهم ~~أحد، لما وقع في أنفسهم من أمر الصلح، فلما حلق - صلى الله عليه وسلم - ~~ودعا للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين واحدة، تبادروا إلى ذلك. # قال ابن عبد البر (¬3): وكونه في الحديبية [هو] (¬4) المحفوظ. # قلت: وبه جزم من العلماء إمام الحرمين فذكره كذلك في "نهايته"، ونازع ~~القاضي (¬5) ابن عبد البر في ذلك فقال: قد ذكر مسلم في الباب خلاف ما قالوه ~~وإن كانت أحاديثه مجملة غير مفسرة موطن، ذلك لأنه ذكر من رواية أم الحصين ~~أنها سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا ~~وللمقصرين مرة. وروى مسلم (¬6) قبل هذا عنها أنها قالت حججنا مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع وقد جاء الأمر في حديثها مفسرا ms1159 أنه في ~~حجة الوداع فلا يبعد أنه -عليه الصلاة والسلام- قاله في الموضعين. PageV06P366 # قال الشيخ تقي الدين (¬1): وهو الأقرب وقد كان في كلا الوقتين توقف من ~~الصحابة في الحلق أما في الحديبية فلأنهم عظم عليهم الرجوع قبل تمام ~~مقصودهم من الدخول إلى مكة وكمال نسكهم، وأما في الحج فلأنه شق عليهم فسخ ~~الحج إلى العمرة وكان من قصر منهم شعره اعتقد أنه أخف من الحلق إذ هو يدل ~~على الكراهة للشيء أي أو أنه أقرب شبها منه - صلى الله عليه وسلم - من حيث ~~أنه لم يحل فكرر -عليه الصلاة والسلام- الدعاء للمحلقين لأنهم بادروا إلى ~~امتثال الأمر وأتموا فعل ما أمروا من الحلق وقد ورد التصريح بهذه العلة في ~~الرواية السالفة حيث قال لأنهم لم يشكوا ورواه ابن ماجه (¬2) بسند جيد عن ~~ابن عباس قيل: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ظاهرت للمحلقين ~~ثلاثا وللمقصرين مرة؟ قال: لأنهم لم يشكوا". # الثالث: هذا الحديث مصرح بجواز الاقتصار على أحد الأمرين أما الحلق وإما ~~التقصير ومصرح أيضا بتفضيل الحلق وقد أجمع العلماء على أن الحلق أفضل من ~~التقصير في حق الرجال وعلى أن التقصير يجزي إلا ما حكاه ابن المنذر عن ~~الحسن البصري: أنه كان يقول يلزمه الحلق في أول حجة ولا يجزئه التقصير وهذا ~~إن صح عنه مردود بالنص وإجماع من قبله (¬3) وإنما كان الحلق أفضل لأمور: PageV06P367 # أحدها: أنه أقرب إلى التواضع والخضوع بين يدي ذي الجلال وأبلغ في العبادة ~~وأدل على صدق النية في التذلل لله تعالى. # الثانى: أن الشعر زينة والمحرم مأمور بتركها فإنه أشعث أغبر. # الثالث: أن المقصود من الإحرام التجرد مطلقا وفي حلق جميع الرأس ما يكمل ~~هذا المقصود ولهذا ذهب بعض العلماء إلى استحباب حلق الرأس عند التوبة وما ~~ذاك إلا لطلب تغيير الحالة التي كان قبلها (1). # الرابع: الحديث دال أيضا على أن الحلق أو التقصير نسك يثاب فاعله وهو ~~مذهب الشافعي في المشهور عنه وبه قال العلماء كافة. # وللشافعي قول ضعيف: إنه استباحة محظور كالطيب ms1160 واللباس وليس بنسك وبه قال ~~أبو ثور وأبو يوسف لأنه ورد بعد الحظر فحمل على الإباحة كاللباس والطيب ~~والحديث يرد عليهم من وجهين: # الأول: أنه متضمن ثواب كل واحد من الحلق أو التقصير ولو كان مباحا لاستوى ~~فعله وتركه. # الثاني: تفضيل الحلق على التقصير ولو كانا مباحين لما كان لأحدهما مزية ~~على الآخر في نظر الشرع. PageV06P368 # قال المازري المالكي (1): وقد استقر في الشرع تحريم السلام في أثناء ~~الصلاة المفروضة، وأمر به في آخرها ولم يكن ذلك على أوجه، (2) الإباحة بل ~~حمل على الوجوب. # الخامس: يؤخذ من الحديث الدعاء بالرحمة لمن فعل ما شرع له وتكرار ~~[الدعاء] (3) لمن فعل الراجح من الفعلين الجائزين والتنبيه بالتكرار على ~~ترجيح الراجح وسؤال الدعاء لمن فعل الجائز المرجوح. # خاتمة: ثبت في الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة (4) الدعاء للمحلقين ~~بالمغفرة ثلاثا، وللمقصرين مرة، مناسبة ذلك كل واحد من الحلق أو التقصير ~~إزالة الشعث في الصورة وهما سببان لغفر الذنب بإزالته أو ستره. # فروع تتعلق بالحلق: # الأول: أقل ما يجزىء من الحلق أو التقصير عند الشافعي ثلاث شعرات. # وعند أبي حنيفة: ربع الرأس. # وعند أبي يوسف: نصفها. # وعند مالك وأحمد: أكثرها. PageV06P369 # وعن مالك: رواية أنه كلها واقتصر عليها الفاكهي. # وأجمعوا: على أن الأفضل حلق جميعه. # ويستحب ألا ينقص في التقصير عن قدر الأنملة من أطراف الشعر فإن قصر دونها ~~جاز لحصول اسم التقصير. # ومذهب مالك: أنه يفتقر إلى الأخذ من جميع الشعر كما يأخذ في الحلق جميعه. # الثاني: قد يتعين الحلق فيما إذا نذره وكذا فيما إذا لبد رأسه بالإحرام ~~على قول قديم للشافعي وهو مذهب مالك والجديد المنع. # وقال الفاكهي المالكي: إنه يتعين في كل موضع لا يمكن الإتيان بالتقصير ~~على وجهه وذلك في صور: # منها: من لبد رأسه. # ومنها: فيمن لا شعر على رأسه فإنه يمر الموسى عليها. # ومنها: فيمن له شعر لطيف لا يمكن تقصيره. # ومنها: ما إذا عقصه أو ظفره. # ونقل القرطبي في "مفهمه" (¬1) عن جمهور العلماء لزوم الحلق في ذلك أعني ms1161 ~~فيما إذا عقصه أو ظفره وفيما إذا لبد رأسه وادعى أن المخالف في ذلك أصحاب ~~الشورى. PageV06P370 # الثالث: استحب مالك إذا حلق أن يأخذ من لحيته (¬1) وشاربه وأظفاره وأن ~~ابن عمر كان يفعله وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر قال: وثبت أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- قلم أظفاره إذ ذاك. # الرابع: المشروع في حق النساء التقصير ويكره لها الحلق وقال القاضيان ~~حسين وأبو الطيب يحرم عليهن. # قال الشافعي: واجب أن تجمع ضفائرها وتأخذ من أطرافهما قدر أنملة. # قال الماوردي (¬2): إلا الذوائب فإنه يشينها. # وقال مالك: تأخذ قدر الأنملة، أو فوقه بقليل، أو دونه بقليل. # وقال: في الرجل ليس تقصيره أن يأخذ من أطراف شعره ولكن يجز ذلك جزا وليس ~~مثل المرأة فإن لم يجزه وأخذه فقد أخطأ ويجزيه. # قال القاضي أبو الوليد (¬3): يبلغ به الحد الذي يقرب من أصول الشعر. PageV06P371 # الخامس: يقوم مقام الحلق والتقصير النتف والإحراق والقص وغير ذلك من ~~أنواع إزالة الشعر. # السادس: اتفق العلماء على أن الأفضل في الحلق والتقصير أن يكون بعد رمي ~~جمرة العقبة، وبعد ذبح الهدى إن كان معه، وقبل طواف الإفاضة وسواء كان ~~قارنا أو مفردا وخالف ابن الجهم في القارن وقد تقدم الرد عليه في الباب في ~~الحديث الخامس (¬1). # السابع: استحب بعض أصحابنا أن يمسك المحلوق ناصيته بيده ويكبر ثلاثا ثم ~~يقول: اللهم هذه ناصيتي فتقبل مني واغفر لي ذنوبي، اللهم اكتب لي بكل شعرة ~~حسنة وامح عني بها سيئة وارفع لي بها درجة واغفر لي وللمحلقين والمقصرين يا ~~واسع المغفرة أمين. # واستحب بعض الحنفية أن يقول عند الحلق: اللهم هذه ناصيتي بيدك فاجعل لي ~~بكل شعرة نورا يوم القيامة اللهم بارك لي في نفسي واغفر [لي] (¬2) ذنبي ~~وتقبل مني عملي برحمتك يا أرحم الراحمين. # واستحب بعض العلماء: إذا فرغ من الحلق أن يكبر ويقول الحمد لله الذي ~~أعاننا على قضاء نسكنا، اللهم زدنا إيمانا، ويقينا، وتوفيقا، وعونا، واغفر ~~لنا, ولآبائنا، وأمهاتنا، والمسلمين أجمعين (¬3). [في حاشية الأصل. قد ~~يتمسك بدعائه للمحلقين ثلاثا، PageV06P372 # وللمقصرين مرة بقول ms1162 إيثار أهل الصلاح على غيرهم في إعطاء المال وهو رأي ~~الفاروق منهم. وقال: لا اجعل من قاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كمن ~~قاتل معه ورأى الصديق التسوية بينهم ويقول إنما عملوا لله فاجرهم على الله ~~وهذا المال عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر وليس ثمنا لأعماله] (¬1). # وقد ذكرت في "شرح المنهاج" فروعا أخر تتعلق بكيفية الحلق وآدابه فراجعها منه. # الثامن: المحصر في الحلق والتقصير كغيره في كون ذلك نسكا له. # وقال أبو حنيفة (¬2) وصاحباه: ليس على المحصر شيء من ذلك ويرده فعله ~~-عليه الصلاة والسلام- ذلك يوم الحديبية. # ... PageV06P373 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 266/ 8/ 50 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: حججنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله إنها حائض، ~~فقال: "أحابستنا هي"؟ قالوا: يا رسول الله، [إنها قد] (¬1) فاضت يوم النحر، ~~قال: "أخرجوا". # وفي لفظ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عقرى، حلقى، [أفاضت] (¬2) ~~يوم النحر؟ قيل: نعم. قال: "فانفري" (¬3). PageV06P374 # الكلام عليه من وجوه والتعريف براويه سلف: في الطهارة وممن وقع في ~~الاعتكاف. # الأول: كان حيض صفية -رضي الله عنها- ليلة النفر كما ثبت في بعض طرق ~~البخاري. # وقوله: "فأفضنا يوم النحر" أي طفنا طواف الإفاضة وله أسماء طواف: ~~الإفاضة، والزيارة، والفرض، والركن، والصدر، والأشهر أن طواف الصدر طواف ~~الوداع وكره مالك أن يقال للطواف الزيارة وفي الصحيح "قالوا: يا رسول الله ~~إنها قد زارت يوم النحر، قال: فلتنفر معكم"، وهو حجة للشافعي وأبي حنيفة ~~وأهل العراق على عدم الكراهة. # الثاني: في الحديث دلالة على أن طواف الإفاضة لا بد منه وهو إجماع. # الثالث: فيه أيضا دلالة على فعله في يوم النحر وهو السنة كما أسلفته في ~~الحديث الثاني من باب التمتع ويدخل وقته من نصف ليلة النحر، ولا آخر لوقته ~~كما هو موضح في كتب الفروع وإذا أخره لا شيء عليه بالتأخير عند جمهور ~~العلماء. # وقال مالك، وأبو حنيفة: ms1163 إذا تطاول الزمان لزمه دم. # الرابع: فيه أيضا إباحة الجماع للأهل بعد الإتيان بأسباب التحلل في الحج ~~لكن قال الرافعي وغيره: إن المستحب إذا تحلل PageV06P375 # التحلل الثاني أن لا يطأ حتى يرمي أيام التشريق، وفيه نظر إذ لا معنى ~~لتركه لا سيما وأيام التشريق "أيام أكل وشرب وبعال" (¬1)، كما ورد في ~~الحديث وقد بعث - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة لتطوف قبل النحر، وكان ~~يومها فأحب - صلى الله عليه وسلم - أن توافيه، وفيه إشعار بمواقعتها فيه، ~~وعليه، بوب سعيد بن منصور في "سننه" فقال، باب: الرجل يزور البيت ثم يواقع ~~أهله قبل أن يرجع إلى منى"، ثم ذكر الحديث. # الخامس: فيه أيضا الإخبار بالأعذار المانعة من الإجابة إلى ما يجب ~~المبادرة إلى فعله ممن توجه الوجوب إليه ومن غيره. # السادس: فيه أيضا أن الحائض لا تدخل المسجد ولا تطوف نعم يجوز لها المرور ~~إن أمنت التلويث. # السابع: فيه أيضا سقوط طواف الوداع عن الحائض لقوله: "فانفري" نعم لو ~~طهرت قبل مفارقة محطة مكة لزمها العود والطواف، وإن طهرت بعد بلوغها مسافة ~~القصر، فلا وإن لم تبلغ فالصحيح من مذهب الشافعي أنه لا يلزمها العود. # فرع: النفساء في هذا كالحائض. # الثامن: فيه أيضا عدم سقوط طواف الإفاضة عنها لقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "أحابستنا هي، فقيل: إنها فاضت" إلى آخره. # التاسع: فيه أيضا عدم وجوب الدم بترك طواف الوداع من PageV06P376 # الحائض لأمره -عليه الصلاة والسلام- لها لما ذكر إنها فاضت يوم النحر ~~بالنفر من غير ذكر دم ولا غيره، وهو قول كافة العلماء وحكى القاضي عياض عن ~~بعض السلف وجوب دم وهو شاذ مردود. # العاشر (¬1): أخذ القاضي عياض (¬2) من حبسها لأجل الطواف أن الكري يحبس ~~لها إذا لم تطف طواف الإفاضة كما قال مالك، حتى تطهير أو تمضي أيامها بأقصى ~~ما يمسك النساء الدم والاستطهار على اختلاف قوله في هذا الأصل خلافا ~~للشافعي فإنه قال لا يحبس كري، ولتكر جملها، أو تحمل مكانها غيرها. واستدل ~~أصحاب الشافعي بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ms1164 ضرر ولا ضرار" هذا كله في ~~الأمن, ووجود ذي المحرم. وأما مع الخوف أو عدم ذي المحرم، فلا يحبس باتفاق، ~~إذ لا يمكن أن يسير بها وحده، وتفسخ الكراء، ولا تحبس عليها الرفقة إلا أن ~~يبقى لطهرها كاليوم (¬3). واليومين قاله مالك -رحمه الله-. # وفي الحبس لأجل النفاس قولان له، ووجه المنع تكرر الحيض بخلاف الحمل. # الحادي عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام (¬4) -. # الثاني عشر: "عقرى حلقى" بفتح أولهما وإسكان ثانيها, PageV06P377 # وأخرهما ألف تأنيث مقصور تكتب بالياء من غير تنوين، وهو رواية المحدثين ~~جميعهم، ونقله جماعة من أئمة اللغة وغيرهم وهو صحيح فصيح، وبعضهم نونها ~~لأنه يشعر أن الموضع موضع دعاء فأجراهما مجرى سعيا ورعيا وجدعا وما أشبه ~~ذلك من المصادر التي يدعى بها، وهو ظاهر فإن الموضع موضع دعاء كما قلناه ~~حتى صوبه أبو عبيد (¬1) قال: لأن معناها عقرها الله عقرا، ومن رواه مقصورا ~~رأى أن ألف التأنيث فيها نعت لادعاء، وفي معنى عقرى أقوال: # أحدها: عقرها الله أي جرحها. # ثانيها: عقر يومها. # ثالثها: جعلها عاقرا لا تلد. # وفي معنى حلقي أيضا أقوال: حلق شعرها. # ثانيها: أن يصيبها وجع في حلقها. # ثالثها: أن يحلق يومها لشؤمها. # رابعها: أنها كلمة تقولها اليهود للحائض. حكاه القرطبي (¬2) وعلى كل قول ~~فهي كلمة كان أصلها ما ذكرناه، ثم اتسعت العرب فيها فصارت تطلقها, ولا تريد ~~حقيقة ما وضعت أولا، ونظيره تربت يداه، وقاتله الله ما أشجعه وما أشعره ~~وشبه ذلك. وقد سلى -عليه الصلاة والسلام- عائشة بقوله: "هذا شيء PageV06P378 # كتبه الله على بنات آدم"، وفيه دلالة على ميله لها وحنوه عليها، قال ~~القرطبي: وكم بين من يؤنس ويسترضي، ومن يقال له عقرى حلقى (¬1). # ... PageV06P379 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 267/ 9/ 50 - عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: أمر الناس أن يكون أخر ~~عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: الحديث حكمه حكم المرفوع على الصحيح عند المحدثين والأصوليين كما ~~بينته في باب الآذان (¬2). # الثاني: الحديث دال على وجوب طواف الوداع لظاهر الأمر، وهو ms1165 الصحيح من ~~مذهب الشافعي وخالف في ذلك مالك وابن المنذر ومجاهد في إحدى الروايتين عنه، ~~ونقله القرطبي (¬3) عن الجمهور PageV06P380 # واستدل لذلك, وكذا المازري (¬1) بحديث صفية حيث رخص لها في تركه لما حاضت ~~قالا: ففهم منه أنه ليس على جهة الوجوب وهو عجيب منهما لأن عدم الوجوب في ~~حقها خرج بالنص المذكور، ونقله ذلك عن الجمهور يعارضه أن النووي في "شرح ~~مسلم" (¬2) نقل وجوبه عن أكثر العلماء منهم الحسن البصري وحماد والحكم ~~والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور. # وخالف مالك أيضا في لزوم الدم. قال القرطبي (¬3): الصحيح. ثم استدل بحديث ~~صفية السالف، وقد علمت استناد ذلك في حقها فإنه لا وجوب عليها فلا دم. # الثالث: الحديث دال أيضا على سقوطه عن الحائض وهو مذهب الشافعي ومالك ~~وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة. وحكى ابن المنذر عن عمر وابنه، وزيد بن ~~ثابت -رضي الله عنهم- وجوبه من حديث إنهم أمروها بالمقام له (¬4)، قال ~~القرطبي: وهو خلاف شاذ، وهذا الحديث مع حديث صفية السالف حجة عليهم وهو ~~مقتضى التخفيف عنها وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس رخص للحائض أن تنفر إذا ~~فاضت. قال: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر ثم سمعته بعد يقول إنه -عليه ~~الصلاة والسلام- أرخص لهن (¬5). PageV06P381 # فائدة: حائض بحذف الهاء أفصح من حائضه بإثباتها. # الرابع: إنما يعتد بطواف الوداع إذا أراد الخروج بعد قضاء نسكه وجميع ~~أشغاله. نعم لو تشاغل بعده بأسباب الخروج كشراء زاد ونحوه لم يحتاج إلى ~~إعادته في الأصح، ولو أقيمت الصلاة فصلاها لم يعده. # فرع: الخارج إلى التنعيم لأجل العمرة لا وداع عليه عند الشافعي ومالك ~~خلافا للثوري، قال الفاكهي: وكذا الخارج إلى الجعرانة لأجلها فيه هذا ~~الخلاف. # فائدة: الأقرب في الرافعي أن طواف الوداع ليس من المناسك، وإنما يؤمر به ~~من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر، وكذا دونها على الأصح في "شرح المهذب" ~~(¬1) للنووي مكيا كان أو أفاقيا تعظيما للحرم ويستثنى من ذلك ما ذكرنا آنفا ~~في الخارج للتنعيم للعمرة، وكذا للجعرانة لها، وكذا من ms1166 أحرم من مكة، ثم غدا ~~إلى الموقف فإنه مستحب في حقه كما نص عليه في البويطي وتابعه الأصحاب. # ... PageV06P382 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 268/ 10/ 50 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: "استأذن العباس ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقاية ~~العباس، فأذن له" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: الاستئذان طلب الأذن كما سلف في الحديث الرابع من باب فضل الجماعة ~~ووجوبها والتعريف بحال العباس سبق مختصرا في الحديث الخامس من كتاب الزكاة (¬2). # الثاني: كانت السقاية للعباس -رضي الله عنه- في الجاهلية، وكانت قبله في ~~يد قصي بن كلاب، ثم ورثها ابنه عبد مناف، ثم ورثها ابنه عبد المطلب، ثم ~~ورثها ابنه العباس فأقره - صلى الله عليه وسلم - عليها وهي له ولعقبه إلى ~~يوم القيامة. PageV06P383 # قال بعضهم: وفي ذلك إشارة إلى أن الخلافة تكون في ولده. # والسقايه: إعداد الماء للشاربين بمكة يذهب أهلها القائمون بها ليلا ~~يستقوا الماء من زمزم ويجعلوه في الحياض مسبلا للشاربين وغيرهم. # قال الطبري: ويجعلون فيه سويقا والمشهور أنهم ينبذون فيه التمر كما ثبت ~~في الصحيح (¬1) ومشروعية هذه السقاية من باب إكرام الضيف واصطناع المعروف، ~~قال أصحابنا: والشرب منها مستحب. # الأول: فيما يستنبط منه من الأحكام. # الثاني (¬2): استئذان الكبار والعلماء فيما يطرأ من المصالح والأحكام ~~وبدار الكبير أو العالم إلى الأذن عند ظهور المصلحة من غير توقف. # الثالث: أن المبيت ليالي منى نسك من مناسك الحج، وواجباته حيث أذن - صلى ~~الله عليه وسلم - في ترك المبيت للعباس من أجل سقايته فاقتضى ذلك الأذن ~~لهذه العلة المخصوصة وأن الإذن لم يتعد إلى غيرها نعم رعاة الإبل كذلك كما سيأتي. # وقد اختلف العلماء في وجوب مبيت ليالي منى وللشافعي قولان: PageV06P384 # أحدها: أنه واجب، وبه قال مالك وأحمد، وصححه النووي (¬1) للاتباع. # والثاني: أنه سنة وبه قال ابن عباس والحسن وأبو حنيفة ومال إليه الرافعي ~~فقال يشبه ترجيحه ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الخلاف ولا يحصل المبيت ~~إلا بمعظم الليل على أظهر قولي الشافعي ms1167 وله قول آخر أنه يحصل بساعة حكاه ~~النووي في "شرح (¬2) مسلم", وحكى في أصل "الروضة" (¬3) بدله أن الاعتبار ~~بوقت طلوع الفجر. # الثالث: ترك المبيت لأجل السقاية ولا يختص ذلك بالسقاية الموجودة إذ ذاك ~~بل لو أحدثت أخرى كان للقائم بشأنها ترك المبيت، وهذا هو الصحيح. # وقال بعض الشافعية: تختص بسقاية العباس وهو جمود على الظاهر، وجمود عن ~~المعنى. # الرابع: اختصاص السقاية بالعباس واتفق العلماء على أن الحكم لا يختص به. # واختلفوا في اختصاصها بآله بعده والأصح: عدم الاختصاص بل كل من تولى ~~السقاية كان له هذا. PageV06P385 # وقيل: تختص ببني هاشم من آل العباس وغيرهم. # الخامس: يلحق بأهل السقاية رعاة الإبل كما صح في حديث آخر خارج الصحيح ~~(¬1) وألحق أصحابنا بها من له مال يخاف ضياعه (¬2)، أو أمر يخاف فوته أو ~~مريض يحتاج أن يتعهده. # وعند المالكية من خاف على ماله الضيعة أو نحوه يلزمه هدي. # ... PageV06P386 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # 268/ 11/ 50 - وعنه قال: جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المغرب ~~والعشاء بجمع، [لكل] (¬1) واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا (¬2) ~~إثر واحدة منهما" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا اللفظ الذي ذكره المصنف هو للبخاري بزيادة وإسقاط، أما ~~الزيادة فهي لفظة "كل" بعد قول [إثر]. (¬4). # وأما الإسقاط: فهو اللام في "لكل واحدة منهما". PageV06P387 # ومسلم ذكره بألفاظ: # أحدها: أنه -عليه الصلاة والسلام- صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا (¬1). # ثانيها: جمع بين المغرب والعشاء بجمع [ليس] (¬2) بينهما سجدة والمراد بها ~~الركعة. # ثالثها: أنه صلاها بإقامة بجمع. # رابعها: جمع بين المغرب والعشاء بجمع وإقامة واحدة. # الثاني: "جمع" بإسكان الميم اسم للمزدلفة، ولماذا سميت بذلك فيه أقوال: # أحدها: لاجتماع الناس بها. # ثانيها: لاجتماع آدم وحواء قاله الطبري (¬3). # ثالثها: للجمع فيها بين المغرب والعشاء قاله الوقدي وجزم به صاحب ~~المطالع. # الثالث: "معنى لم يسبح بينهما" لم يصل. نافلة ومنه الحديث PageV06P388 # "واجعلوا صلاتكم معهم سبحة" (¬1). أي نافلة وسميت الصلاة سبحة وتسبيحا ~~لما فيها من تعظيم الله تعالى وقد تقدم الكلام على هذه المادة في الحديث ~~الأول من باب ms1168 استقبال القبلة (¬2). # الرابع: في أحكام الحديث وفوائده: # الأول: جواز جمع التأخير بمزدلفة وهي "جمع" لأنه -عليه الصلاة والسلام- ~~كان وقت المغرب بعرفة: [فلم يجمع بينهما بالمزدلفة] (¬3) إلا وقد أخر ~~المغرب. وهذا الجمع مجمع عليه لكن اختلفوا: في سببه هل هو النسك أو السفر، ~~وفائدة الخلاف تظهر في أن من ليس مسافرا سفرا يجمع فيه، هل يجمع بين هاتين ~~الصلاتين أم لا؟ # فذهب أبو حنيفة إلى الأول، ومن وافقه من أصحاب الشافعي والصحيح من مذهب ~~الشافعي ولم ينقل صريحا أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يجمع بين الصلاتين ~~في طول سفره ذلك، فإن كان لم يجمع في نفس الأمر فيقوي أن الجمع للنسك. لأن ~~الحكم المتجدد عند تجدد أمر يقتضي إضافة ذلك الحكم إلى ذلك الأمر، وإن كان ~~قد جمع: إما بأن يرد في ذلك نقل خاص، أو يؤخذ من حديث ابن عمر أنه -عليه ~~الصلاة والسلام-: "كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء"، فقد تعارض ~~في هذا الجمع سببان السفر، PageV06P389 # والنسك فيبقى النظر في ترجيح الإضافة إلى أحدهما، على أن في الاستدلال ~~بحديث ابن عمر على هذا الجمع نظر، من حيث إن السير لم يكن مجدا في ابتداء ~~هذه الحركة، لأنه -عليه الصلاة- كان نازلا عند دخول وقت صلاة المغرب، وأنشأ ~~الحركة بعد ذلك, فالجد إنما يكون بعد الحركة، أما في الابتداء فلا، وقد كان ~~يمكن أن تقام المغرب بعرفة. ولا يحصل جد السير بالنسبة إليها, ولا يتناول ~~الحديث ما إذا كان الجد والسير موجودا عند دخول وقتها فهذا أمر محتمل. # واختلف العلماء أيضا فيما إذا أراد الجمع بغير مزدلفة, كما لو جمع في ~~الطريق أو بعرفة جمع تقديم، والأحاديث الصحيحة تدل صريحا على جوازه بعرفة ~~والخلاف فيه هو بسبب النسك أو السفر والذين عللوا الجمع بالسفر يجيزون ~~الجمع مطلقا. # والذين يعللونه بالنسك قالوا: لا يجمع إلا بالمكان الذي جمع فيه الشارع ~~إقامة لوظيفة النسك على الوجه الذي فعله، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره من ~~الكوفيين، وذهب ابن حزم أيضا. # وقال مالك: ms1169 لا يجوز أن يصليها قبل المزدلفة إلا من به أو بدابته عذر، فله ~~أن يصليها قبلها بشرط كونه بعد مغيب الشفق وبعدم الوجوب [] (¬1) جماعات من ~~الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعي والشافعي وأبو يوسف وأشهب و [] (¬2) ~~أصحاب الحديث. PageV06P390 # فرع: قال الشافعي والأصحاب يصلي حط الرحل بأن [] (¬1) كما فعل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. # تنبيه: أطلق أكثر الأصحاب القول بتأخير هاتين الصلاتين إلى المزدلفة، ~~وقال: جماعات يؤخرها ما لم يخف وقت الاختيار للعشاء، فإن خيف لم تؤخر بل ~~يجمع بالناس في الطريق، ونقله صاحب "الشامل" وغيره عن نص الشافعي في ~~"الإملاء". قال النووي في "شرح المهذب": ولعل إطلاق الأكثرين يحمل على هذه ~~موافقة لنص الشافعي. # الثاني: شرعية الإقامة لكل واحدة من صلاتي الجمع، ولم يتعرض للآذان لها ~~وثبت في صحيح من حديث جابر (¬2) الطويل "إنه صلاها بأذان واحد وإقامتين"، ~~وفي رواية له من حديث ابن عمر: "بإقامة واحدة" وقد أسلفناها، والأولى مقدمة ~~عليها لأن مع راويه زيادة علم، ولأنه أعني بنقل حجته -عليه الصلاة والسلام- ~~وضبطها أكثر من غيره، فكانت أولى بالاعتماد والقبول. # وتحمل الرواية الثانية على أن المراد أن كل صلاة لها إقامة جمعا بين ~~الروايات. # ومذهب الشافعي الصحيح أنه يؤذن للأولى منهما، ويقيم لكل واحدة، وبه قال ~~أحمد بن حنبل وأبو ثور وعبد الملك بن الماجشون والطحاوي. PageV06P391 # وقال مالك يؤذن للثانية أيضا وهو محكي عن عمر وابن مسعود. # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: أذان وإقامة واحدة. # وقال القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر: يصلي كل واحدة بإقامة بلا أذان. # وقال النووي: يصليها جميعا بإقامة واحدة، وحكى أيضا عن ابن عمر. # الثالث: عدم التنفل بين الصلاتين المجموعتين، ويعبر عن ذلك بوجوب ~~الموالاة بينهما وهو مستحب في جمع التأخير، واجب في جمع التقديم عند ~~الشافعية، وقال ابن حبيب المالكي: له أن يتنفل بينهما، فمن أراد أن يستدل ~~بالحديث على عموم جواز التنفل بين صلاتي الجمع فلمخالفه أن يقول: هو فعل ~~والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب، ويحتاج إلى ضميمة أمر ms1170 آخر إليه، ومما ~~يؤكده -أعني كلام المخالف أنه عليه الصلاة والسلام- لم يتنفل بعدهما، كما ~~في الحديث، مع أنه لا خلاف في جواز ذلك، فيشعر ذلك بأن ترك التنفل لم يكن ~~لما ذكر من وجوب الموالاة، وقد صح في الصحيح أنه فصل بين هاتين الصلاتين ~~بإناخة كل إنسان بعيره في منزله، وهو يحتاج إلى مسافة من الوقت، ويدل على ~~جواز التأخير. في جمع التأخير وهو الصحيح من مذهب الشافعي. # الرابع: عدم صلاة النفل في السفر وهو المشهور من مذهب مالك لكنها دلالة ~~بعدم الفعل، وهي بمجردها لا تدل على عدم الاستحباب بل يدل على تأخير فعل ~~النفل في ذلك الوقت. PageV06P392 # ومذهب الشافعي استحباب السنن الراتبة فيه. # الخامس: ثبت في "صحيح مسلم" في حديث جابر الطويل أنه لما جمع بين المغرب ~~والعشاء بمزدلفة "ولم يسبح بينهما شيئا اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر، ~~حين تبين له الصبح"، وهذا الحديث نص في عدم إحياء تلك الليلة بالصلاة، وكذا ~~رواية المصنف، "ولم يسبح بينهما, ولا على إثر واحدة منهما" لكن استحبه ابن ~~حبيب المالكي والسرى في "منسكه". # *** PageV06P393 ### || AUTO 51 - باب المحرم يأكل من صيد الحلال # ذكر فيه -رحمه الله- حديث أبي قتادة، والصعب بن جثامة -رضي الله عنهما-: ### ||| AUTO الحديث الأول # 269/ 1/ 51 - عن أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خرج حاجا، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم, فيهم أبو قتادة ~~وقال: "خذوا ساحل البحر، حتى نلتقي" فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا ~~أحرموا كلهم، إلا أبا قتادة، لم يحرم، فبينما هم يسيرون، إذ رأوا حمر وحش، ~~فحمل أبو قتادة على الحمر, فعقر منها أتانا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم ~~قلنا: أنأكل لحم صيد، ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها فأدركنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألناه عن ذلك؟ قال: "منكم أحد أمره أن يحمل ~~عليها، أو أشار إليها؟ " قالوا: لا. قال: "فكلوا ما بقي من لحمها" (¬1). PageV06P394 # وفي رواية: "هل معكم منه شيء"؟ فقلت: نعم. فناولته العضد. فأكلها (¬1). # الكلام عليه ms1171 من وجوه: # الأول: التعريف براويه وقد سلف في باب الاستطابة. # الثاني: في ألفاظه: # "الطائفة": تقدم الكلام عليها في باب صلاة الخوف. # "الساحل": شاطىء البحر قال ابن دريد (¬2): وهو مقلوب وإنما الماء سحله. # "والبحر": يجمع على أبحر، وبحار، وبحور، وهو الماء الكثير ملحا كان أو ~~عذبا فممن نص على ذلك ابن سيده في "المحكم" (¬3). قال: وقد غلب على الملح ~~حتى قل في العذب وصرفوه على معنى الملوحة. # وقال القزاز: إذا اجتمع الملح والعذب سموا باسم الملح أي بحرين ومنه قوله ~~تعالى: {مرج البحرين يلتقيان (19)} (¬4). قال: ويسمى PageV06P395 # بذلك لسعته من قولهم تبحر الرجل في العلم أي اتسع، قال: قال أهل اللغة: ~~وكيف تقلبت حروف (ب ح ر) دلت على الاتساع كبحر ورحب وحبر ونحو ذلك. # وقال الأزهري (1): سميت الأنهار بحارا لأنها مشقوقة في الأرض شقا ومنه ~~سميت البحيرة. # وقوله: "فأحرموا كلهم إلا أبا قتادة" جاء في رواية لمسلم: "فأهلوا بعمرة غيري". # وقوله: "إذ رأوا حمر وحش" كذا هو ثابت في الصحيحين وفيهما أيضا: "وإذا ~~أنا بحمار وحشي فحملت عليه". # وقوله: "فعقر منها أتانا" أي جرح. و"الأتان": هي الأنثى من الحمر. # و"العضد" الساعد، قال الجوهري (2): وهو من المرفق إلى الكتف وفيه لغات: ~~عضد -بضم الضاد وكسرها- وعضد بفتح العين وكسرها مع سكون الضاد وبضمها حكاه ~~ابن السيد في "مثلثه" (3) وزاد بن عديس عن ابن سيده عضد بفتح الضاد على وزن PageV06P396 # حمل حكى ذلك اللبلي. # فائدة: في الصحيح أيضا "الرجل" بدل "العضد" وفي رواية "الذراع" رواها ~~سعيد ويجمع بينهما بتعدد الواقعة (1). # الثالث: إن قيل كيف ترك أبو قتادة الأحرام مع كونه خرج للنسك ومر ~~بالميقات وقد تقرر بأنه لا يجوز لمن أراد الحج والعمرة أن يجاوز الميقات ~~غير محرم؟ وأجيب بوجوه. # أولاها: ما أشار إليه أول الحديث من أنه أرسل إلى جهة أخرى لكشف عدو لهم ~~بجهة الساحل سيعلمه فكان الالتقاء معه بعد مضي مكان الميقات (2). # وفي صحيح ابن حبان (3) "أنه بعثه على الصدقة" كما سيأتي. # وأضعفها: أنه لم يكن مريدا للحج ولا للعمرة. # وأبعدها: ms1172 أن المواقيت لم تكن وقتت بعد. # يليه في البعد أن أهل المدينة أرسلوه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ليعلمه أن بعض العرب عزم على غزو المدينة فإن في PageV06P397 # الصحيح (1): "أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان ~~ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم فرأى حمارا" الحديث ~~(2). PageV06P398 # الرابع: هذا الخروج كان عام الحديبية (1) كما ثبت في الصحيحين وفي الصحيح ~~أيضا: "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجا وأحرمنا PageV06P399 # معه" ومراده بالحج العمرة كما جاء في روايته الأخرى: "فأهلوا بعمرة غيري" ~~(¬1) وفي الصحيح (¬2) أيضا: "أنه -عليه الصلاة والسلام- حدث أن عدوا بغيقة ~~(¬3) فتوجهنا نحوهم" وهو موضع من بلاد بني غفار بين مكة والمدينة، وقيل: هو ~~قليب ماء (¬4) لبني ثعلبة، وفيه أن أبا قتادة لحق برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بقرب تعهن (¬5) وهو قائل (¬6) PageV06P400 # السقيا (¬1) وهو عين ماء على ميل من السقيا بالقاف وهو وادي العباديد على ~~ثلاث مراحل من المدينة [قائل] (¬2) اسم فاعل من القول [أو من القائلة] (¬3) ~~أيضا والأول هو المراد هنا. # والسقيا: اسم مفعول بفعل مضمر كأنه قال اقصدوا السقيا كذا قال القرطبي ~~(¬4) وقال: إنه من القيلولة أي وفي عزمه أنه يقيل بالسقيا، والسقيا: قرية ~~جامعة بين مكة والمدينة بينها وبين الفرع (¬5) مما يلي الجحفة سبعة عشر ~~ميلا. وفي الصحيح (¬6) أيضا: "خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حتى إذا كنا بالقاحة فمنا المحرم ومنا غير المحرم إذا بصوت بأصحابي يتراؤن ~~شيئا فنظرت فإذا حمار وحشي" الحديث. # والقاحة (¬7) بالقاف على الصواب ووهم من قالها بالفاء وهو واد على نحو ~~ميل من السقيا وعلى ثلاث مراحل من المدينة، وفي هذه PageV06P401 # الرواية بيان موضع الاصطياد. فاستفده. وفي "صحيح أبي حاتم ابن حبان" (1) ~~من حديث أبي سعيد الخدري. أنه -عليه الصلاة والسلام- بعث أبا قتادة ~~الأنصاري على الصدقة وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه محرمون ~~حتى نزلوا بعسفان ثثية الغزال. فإذا هم بحمر وحش ... الحديث. # (الخامس): في الحديث أحكام: # الأول: ms1173 أن الإمام وأصحابه إذا خرجوا في طاعة من حج أو غيره وعرض لهم أمر ~~يقتضي تفريقهم فرقهم طلبا للمصلحة فإن السنة عدم تفرق الرفقة في السفر. # الثاني: جواز اصطياد الحلال الصيد المباح وهو إجماع. # الثالث: أن عقر الصيد ذكاته. # الرابع: عدم الإقدام على الشيء حتى يعرف حكمه. # الخامس: جواز الاجتهاد في زمنه - صلى الله عليه وسلم - حيث أكلوا بعضه ~~باجتهاد وفي "صحيح مسلم" (2): "فأكل منه بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأبى بعضهم" الحديث. # السادس: الرجوع إلى النصوص عند تعارض الأدلة بالاشتباه أو الاحتمال. PageV06P402 # السابع: أنه إذا كان للمحرم سبب في اصطياد الصيد بإشارة أو إعانة يمنع من ~~أكله وإلا فلا. # الثامن: جواز هدية الحلال للمحرم من لحم الصيد. # التاسع: تحريم لحم الصيد على المحرم إذا صاده هو أو كان له في اصطياده ~~أثر من دلالة عليه أو إعانة، وأجمع العلماء على تحريم الاصطياد عليه. # قال الشافعي وآخرون: ويحرم عليه تملك الصيد بالبيع والهبة وغيرهما وفي ~~إرثه إياه بالإرث خلاف والأصح عند الشافعية أنه يملك ويلزمه إرساله وفي ~~"الحاوي الصغير" أنه يزول ملكه عقبه والصحيح في "شرح المهذب" (1) للنووي ~~أنه لا يزول ملكه بل يلزمه إرساله حتى لو لم يفعل وباع صح بيعه. # وأما اصطياد الحلال. لنفسه من غير إعانة المحرم ولم يقصد المحرم. # فجمهور العلماء: على حل أكله للمحرم بالهدية وهو قول الشافعي ومالك وأحمد ~~وداود فإن قصده فحرام سواء صاده بإذنه أو بغير إذنه. # وقال أبو حنيفة (2): لا يحرم عليه لحم ما صيد له بغير إعانة منه. PageV06P403 # وقالت طائفة: لا يحل له لحم الصيد أصلا بل هو حرام عليه مطلقا وهو محكي ~~عن [عمر] (¬1) وعلي وابن عباس وجماعة من السلف منهم الثوري وإسحاق وذكر ~~نحوه عن مالك أيضا والليث لقوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} ~~(¬2) قالوا: والمراد بالصيد المصيد ولرده -عليه الصلاة والسلام- لحم الصيد ~~في حديث الصعب بن جثامة الآتي عليه، وعلله بأنه محرم دون شيء آخر من قصده - ~~صلى الله عليه وسلم - به ms1174 ولا غيره وحديث أبي قتادة هذا يرد هذا القول فإنه ~~أكله وأمر بأكله وفي رواية لمسلم (¬3): "إنما هي طعمة أطعمكموها الله" وفي ~~"سنن أبي داود" (¬4) و"الترمذي" (¬5) و"النسائي" (¬6) وصحيحي ابن حبان (¬7) ~~والحاكم (¬8) عن جابر مرفوعا: PageV06P404 # "صيد البر لكم حلالا ما لم تصيدوه أو يصاد لكم". قال الحاكم: صحيح على ~~شرط الشيخين، وقال الشافعي: هو أحسن شيء روى في الباب وأقيس. # قلت: فيجب إذن الجمع بين الأحاديث وحديث جابر هذا صريح في الفرق وهو ظاهر ~~في الدلالة للجمهور وراد للمذهبين الآخرين ويحمل حديث أبي قتادة على أنه لم ~~يقصدهم باصطياده وحديث صعب الآتي على قصدهم به. # وتحمل الآية الكريمة: على الاصطياد وعلى لحم ما صيد للمحرم للأحاديث ~~المبينة للمراد من الآية. # وأما قولهم في حديث الصعب: علل بأنه محرم فلا يمنع كونه صيد له لأنه إنما ~~يحرم الصيد على الإنسان إذا صيد بشرط أنه محرم فبين في حديث الصعب الشرط ~~الذي يحرم به. # فرع (¬1): لو خالف المحرم فأكل ما حرم عليه فهل يلزمه الجزاء PageV06P405 # وهو القيمة بقدر ما أكل فيه قولان للشافعي الجديد منهما عدم اللزوم. # وقال أبو حنيفة: يلزمه جزاء آخر في صيد الإحرام ووافقنا في صيد الحرم. # وروى عن ابن القاسم: أنه إن كان عالما أنه صيد من أجله أو من أجل محرم ~~سواه فالجزاء عليه وإن لم يعلم فلا شيء عليه. # وروى عن مالك في "المختصر" و"كتاب ابن المواز" و"العتبية" أنه لا جزاء ~~على من لم يصد من أجله من المحرمين. # وقال أصبغ: لا جزاء عليه وإن صيد من أجله وإن علم كمن أكل ميتة محرمة ~~وغير هذا خطأ (1). # العاشر: تبسط الإنسان إلى صاحبه بطلب ما يؤكل. # الحادي عشر: تطييب قلوب الاتباع بأكل ما شكوا في حله PageV06P406 # أو كان عندهم وفيه إذا كان عنده علم من جوازه وحله وموافقتهم في الأكل ~~وقد تقدم مثل هذا في قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت ما أهديت" (1) إشارة إلى موافقتهم في الحلق وتطييب قلوبهم. # الثاني عشر: المبالغة في ms1175 بيان الأحكام حيث قال: "هل معكم منه شيء؟ وأكل ~~منه"، واستدل بعض المالكية على أن المدني يجوز له تأخير الإحرام إلى الجحفة ~~إذا كان مريدا للحج أو للعمرة. # وحكى ابن عبد البر (2) خلافا عن أصحاب مالك في وجوب الدم لمجاوزته. # واستدل به بعضهم أيضا: على أن الآمر بقتل الصيد كالقاتل نفسه وأن الدال ~~على الخير والشر كفاعله. # قال بعض المالكية: وانظر لو دل أحد على مال رجل أو على قتله فأخذ أو قتل ~~بجرم الدال يقاد منه كما قال أشهب في المحرم الدال على قتل الصيد. # قلت: وهذه المسألة اختلف الناس فيها. # فقال مالك والشافعي وأبو ثور: لا شيء على المحرم الدال للحلال. # وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين: عليه الجزاء. PageV06P407 # وكذلك اختلفوا في المحرم إذا دل محرما آخر. # فذهب الكوفيون وأشهب إلى أن على كل واحد منهم جزاء. # وقال مالك والشافعي وأبو ثور: الجزاء على المحرم القاتل. # وكذلك الخلاف فيما لو أعانه بالرمح أو بالسوط وبأي مؤنة كانت. # قال القرطبي وقال بعض شيوخنا: ولو أشار إليه ليصيد لكان دالا ويجري فيه ~~الخلاف المذكور. # فائدة: روى الدارقطني (1) والبيهقي (2) بإسناد صحيح في هذا الحديث أن أبا ~~قتادة ذكر شأنه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه إنما اصطاده له ~~قال: "فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فأكلوا، ولم يأكل [منه] ~~(3) حين أخبرته أني اصطدته [له] (4) ". قال الدارقطني: قال أبو بكر ~~النيسابوري (5): قوله: "إنما اصطدته لك"، وقولهم: "لم يأكل منه" لا أعلم ~~أحدا ذكره في هذا الحديث غير معمر قال البيهقي: وهذه الرواية غريبة والذي ~~في الصحيحين أنه -عليه الصلاة والسلام- أكل منه، قال: وإن كان سندها صحيح. PageV06P408 # قال النووي في "شرح المهذب" (1): ويحتمل أنه جرى لأبي قتادة في تلك ~~السفرة قضيتان للجمع بين الروايتين. # خاتمة: ترجم البخاري على هذا الحديث جزاء الصيد ونحوه (2) وإذا رأى ~~المحرمون صيدا فضحكوا ففطن الحلال (3) وساق الحديث وفيه: "فبصر أصحابي ~~بحمار وحشي، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فنظرت فرأيته، فحملت عليه" الحديث، ~~وترجم عليه ms1176 أيضا لا يعين المحرم الحلال في قتل الصيد (4)، ولا يشير المحرم ~~إلى الصيد لكي يصطاده الحلال (5). # ... PageV06P409 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 270/ 2/ 51 - عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حمارا وحشيا، وهو بالأبواء -أو بودان- (¬1) فلما رأى ما في ~~وجهه، قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" (¬2). # وفي لفظ لمسلم: رجل حمار (¬3). # وفي لفظ: شق حمار (¬4). # وفي لفظ: عجز حمار (¬5). # قال المصنف: وجه هذا الحديث أنه ظن أنه صيد لأجله، والمحرم لا يأكل ما ~~صيد لأجله. PageV06P410 # الكلام عليه من وجوه: # الأول: التعريف براويه هو الصعب بفتح الصاد وسكون العين المهملتين ثم باء ~~موحدة بن جثامة بفتح الجيم وتشديد الثاء المثلثة ثم ألف ثم ميم مخففة ~~مفتوحة، ثم هاء تأنيث ابن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر وهو الشداخ ~~(¬1) لأنه شدخ الدماء بين بني أسد وخزاعة أي أهدرها ابن عود بن كعب بن عامر ~~بن الليث ابن بكر الحجازي المدني الليثي أخو محلم بن جثامة. # هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعداده في أهل الطائف روى عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة عشر حديثا اتفق البخاري ومسلم على حديث ~~واحد وهو هذا، روى عنه ابن عباس وغيره وكان ينزل بودان من أرض الحجاز مات ~~بالكوفة في خلافة الصديق (¬2)، وقال ابن حبان في "ثقاته" (¬3): مات في آخر ~~خلافة عمر والمشهور الأول. # واسم أمه: فاختة. # الثاني: في نسبه "الليثي" -بفتح اللام المشددة والياء المثناة PageV06P411 # تحت ثم الثاء المثلثة ثم ياء النسب -نسبة إلى ليث جد من أجداده كما ~~أسلفناه والليثي أيضا نسبة إلى ليث بن كنانة كذا ذكره السمعاني (¬1)، ~~واعترض عليه ابن الأثير (¬2)، فقال: هو يرجع إلى الأول فإن ليث كنانة هو ~~ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. # قلت: والليثي يشتبه بالليني -بكسر اللام وسكون الجاء ثم نون ثم ياء ~~النسب- نسبة إلى قرية اللين منها محمد بن نصر بن الحسين بن عثمان المروزي ~~العابد الصالح ms1177 روى عن وكيع وغيره مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، قال ~~السمعاني (¬3): كذا ذكره ابن ماكولا ولا أعرفه، قال: وظني أنها قرية آللين ~~بالألف الممدودة. # قلت: ويشتبه أيضا بأربعة أشياء أخر ذكرتهم في مشتبه النسبة (¬4). # الثالث: في ضبط. ما وقع فيه من الأمكنة: # أما الأبواء: فهو بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة والمد قرية جامعة من ~~عمل الفرع بضم الفاء وإسكان الراء المهملة من المدينة بينها وبين الجحفة ~~مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا سميت بذلك PageV06P412 # لتبوء السيول بها، وقيل غيره، وبها توفيت آمنة أم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ودفنت (¬1). # وأما ودان: فهو بفتح أوله ثم دال مهملة مشددة ثم ألف ثم نون غير منونة ~~قرية جامعة من عمل الفرع بينها وبين هرشي نحو من ستة أميال، وبينها وبين ~~الأبواء نحو من ثمانية أميال قريبة من الجحفة، وهي والأبواء بين مكة ~~والمدينة (¬2)، وروى البيهقي (¬3) عن عمرو بن أمية الضمري أن الصعب أهدى ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - عجز حمار وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم ~~وإسنادها صحيح (¬4) كما سيأتي مع PageV06P413 # الجواب عنها. # الرابع: فيما يتعلق به من لغة وإعراب. # الأصل أن "أهدي" تتعدى بإلى كما في رواية المصنف، وفي رواية لمسلم تعديه ~~ب "اللام فتكون بمعنى "إلى" ويحتمل على ضعف أن تكون بمعنى أجل. وحقيقة ~~الهدية: ما نقل إلى مكان الموهوب له على سبيل الإكرام. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنا لم نرده عليك إلا أنا" همزة الأولى ~~مكسورة لكونها ابتدائية، وهمزة "أن" الثانية مفتوحة لكونها تعليلية وحذفت ~~لام التعليل منها والتقدير: لأنا حرم أو لأجل أنا حرم، و"الدال" في قوله: ~~"نرده عليك" مفتوحة (¬1) عند الأكثرين، وهو المشهور عند المحدثين، وهو ~~مخالف لمذهب المحققين من النحاة كسيبويه وغيره، فإن عندهم أنها مضمومة وذلك ~~في كل مضاعف مجزوم، اتصل به هاء ضمير المذكر نحو "رده" ولم "يرده" أو "صبه" ~~و"لم يصبه", وأشباه ذلك وهو متصل عندهم بأن الهاء حرف خفي، فكأن الواو التي ~~كان حقها أن تثبت خطا بعد الهاء، أثبتت الألف ms1178 بعد الهاء في "ردها"، وليت ~~الدال وما قبل هذا بالواو لا يكون إلا مضموما. # وعبر بعضهم. أن الضم لاتباع ضم ما قبله وهذا إنما هو فيما إذا لم يتصل به ~~ضمير المذكر. PageV06P414 # ووجه المشهور عند المحدثين مقابلة التثقيل بعذوبة الفتحة. # وفيه لغة ثالثة: كسر الدال على أصل التقاء الساكنين وأشهد، وأعلمها: # قال أبو ليلى لحبلى مده: # حتى إذا مددته فشده ... إن أبا ليلي نسيج وحده # وأنشدوا على الفتح: # إذا أنت لم تنفع فضر فإنما ... يراد الفتى كيما يضر وينفع # كذا رواه يونس بضم الراء في قوله "فضر" حكاه محمد بن سلام عنه وحكى ثعلب ~~(¬1) في "فصيحه" زر القميص وزره الحركات الثلاث، قال النووي (¬2): والأصح ~~وجوب الضم في "رده" ونحوه للمذكر (¬3) والكسر ضعيف وأضعفها [] (¬4)، وغلطوا ~~صاحب "الفصيح" فيه لكونه أوهم فصاحته ولم ينبه على ضعفه. PageV06P415 # واحترزنا بضمير المذكر عن ضمير المؤنث، فإنه يتعين الفتح ليس إلا نحو ~~"ردها ولم يردها" لما تقدم من أن الهاء حرف خفي فكأن الألف أيضا، وليت ~~الدال والألف لا يكون قبلها غير مفتوح. # وقوله: "حرم" هو -بضم الحاء والراء- أي محرمون وهو جمع حرام، وقيل: إنه ~~"كرضى" يقع على الواحد والجمع والحرام الذي يدخل الإحرام أو الحرم، ويقال: ~~أيضا للمذكر والمؤنث. # وقوله: قبل هذا "فلما رأى ما في وجهه" أي من الكراهة لرد هديته. وصرح ~~بذلك في بعض الروايات "فلما رأى ما في وجهي من الكراهة". # الخامس: في فقه الحديث وقد تقدم الكلام عليه في الحديث الذي قبله وجمعنا ~~بينهما. # وما ذكره المصنف من قوله: "وجه هذا الحديث" إلى آخره، هو ما نقله الترمذي ~~عن الشافعي كما عزاه، هو إليه في "عمدته الكبرى" واختصره هنا، والشافعي ~~قاله احتمالا كما ستعلمه. # السادس: قوله: "حمارا وحشيا" ظاهره أنه أهداه بجملته حيا وعليه بوب ~~البخاري باب إذا أهدى المحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل. وكذا البيهقي (1): ~~حيث قال: باب لا يقبل المحرم ما يهدى له من الصيد حيا. وقيل: إنه تأويل ~~مالك -رحمه الله-، وهو ما فهمه أصحابنا فإنهم احتجوا ms1179 به في هدية الصيد ~~الحي، وجعلوه حمارا حيا، وعلى مقتضاه: يستدل به على منع وضع المحرم يده على PageV06P416 # الصيد بطريق التملك بالهدية، ويقاس عليها ما في معناها من البيع والهبة، ~~وهذا ترده الروايات المذكورة في الكتاب عن مسلم من قوله: "عجز" أو "شق"، أو ~~"رجل حمار" فإنها مصرحة بالبعض دون الجملة وبكونه مذبوحا لا سيما رواية ~~مسلم "عجز حمار وحش يقطر دما"، وليت المصنف ذكرها على هذا الوجه، فإنها ~~كذلك فيه وروايته الأخرى "من لحم حمار وحش"، فيحمل قوله "حمارا وحشيا" على ~~المجاز من باب تسمية البعض باسم الكل، أو على حذف مضاف، ولا تبقى فيه دلالة ~~على منع تملك الصيد بالهبة بل فيه دلالة على منعه من وجه آخر لأنه إذا منع ~~ملك بعض الصيد بالهبة، فلأن يحرم ملك كله من باب أولى. # ويحتمل أن الصعب ظن أنه إنما رد الحمار عليه لمعنى يخصه بجملته، فذكاه ثم ~~جاء بجزء منه فأعلمه بامتناعه بأنه "حرم"، وأن حكم الجزء حكم الكل. # وأعلم أن البيهقي طرق حديث الصعب، وأوضحها، قال: وابن عيينة خالف أصحاب ~~الزهري حيث قال "لحم حمار" وهم قالوا: "حمار وحش"، قال الحميدي: وكان سفيان ~~فيما خلا ربما قال: هذا ثم صار إلى "لحم" حتى مات، قال البيهقي (¬1): ~~وانفرد الحكم بذكر اللحم وما في معناه، ثم نقل عن الشافعي أنه قال: إن كان ~~الصعب أهداه حيا فليس لمحرم ذبح حمار وحش حي، وإن كان أهدى الحمار فيحتمل ~~أنه علم أنه صيد له فرده عليه [وأيضا PageV06P417 # جاء] (¬1) في حديث جابر بن عبد الله يعني "صيد البر لكم حلال ما لم ~~تصيدوه أو يصاد لكم". قال الشافعي: وحديث مالك "إن الصعب أهدى حمارا" أثبت ~~من حديث من حدث أنه أهدى له "من لحم حمار"، قال البيهقي: وقد روى في حديث ~~الصعب أنه أكل منه، قال: وإسناده صحيح، قال: وإن كان محفوظا، وكأنه رد ~~الحمار وقبل اللحم. # السابع (¬2): تعليله -عليه الصلاة والسلام- بقوله: "إنا حرم" يقتضي منع ~~أكل المحرم الصيد مطلقا. حيث علل به ms1180 محرما، والذين أباحوا أكله لا يكون ~~مجرد الإحرام علة عندهم بل العلة عندهم كونه صيد لأجله جمعا بينه، وبين ~~حديث أبي قتادة كما أسلفناه، ويقوى هذا أنه -عليه الصلاة والسلام- قبل حمار ~~البهزي (¬3) وقسمه بين الرفاق، قال الأصيلي: وإنما قبله لأنه كان مكتسبا ~~بالصيد فحمله على عادته ورد بإجابة الصعب لظنه أنه صاده من أجله. # ولمسألة أكل المحرم تعلق بقوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم ~~حرما} (¬4)، وهل المراد بالصيد نفس الاصطياد، أو المصيد؟ PageV06P418 # فيه ما أسلفناه في الحديث قبله, ولكن تعليله -عليه الصلاة والسلام- بأنه ~~حرم قد يكون إشارة إليه (¬1). # الثامن: يؤخذ من الحديث أحكام. # الأول: جواز الهدية وقبولها إذا لم يكن مانع يقتضي ردها، والهدية مباحة ~~له - صلى الله عليه وسلم - بخلاف الصدقة. # الثاني: منع وضع اليد على الصيد المحرم بطريق التملك كما أسلفناه. # الثالث: الاعتذار إلى المهدي إذا لم تقبل هديته فيطيب قلبه بتعيين العذر، ~~قال أبو علي (¬2) النيسابوري: هذا أصح حديث في الاعتذار. # الرابع: جواز الاصطياد لغير المحرم. PageV06P419 # الخامس: حل أكل حمار الوحش لغير المحرم وحله للمحرم إذا صاده الحلال، ولم ~~يكن للمحرم في صيده إعانة ولا سبب. # السادس: مراعاة جانب الشرع، وتقديمه على جانب الخلق وحظوظ النفس. # السابع: تعيين الأحكام الشرعية، وإيضاحها. # الثامن: تحريم أجزاء الصيد على المحرم: رجله، وشقه، وجانبه، وعجزه، ~~وغيرهما والحمد - صلى الله عليه وسلم - رب العالمين. # اننهى الجزء السادس ويليه الجزء السابع # كتاب البيوع # *** PageV06P420 # الإعلام بفوائد عمدة الأحكام # للإمام الحافظ العلامة # أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي # المعروف بابن الملقن # (723 - 804) ه # تقديم # فضيلة الشيخ # صالح بن فوزان الفوزان # عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # فضيلة الشيخ # بكر بن عبد الله أبو زيد # عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه # عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح # غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين # الجزء السابع # كتاب البيوع # (271 - 311) حديث # دار العاصمة # للنشر والتوزيع PageV07P001 ### | AUTO كتاب ms1181 البيوع PageV07P005 ### || AUTO 52 - باب البيوع # (¬1) # هو جمع بيع، وجمع لاختلاف أنواعه، ويستعمل بمعنى الشراء أيضا، وشريت أيضا ~~يستعمل لمعنيين، وكل واحد مبيع وبائع، لأن الثمن والمثمن كل واحد منهما مبيع. # ويقال: بعته وأبتعته فهو مبيع ومبيوع (¬2)، والمحذوف من مبيع الواو ~~لزيادتها، إذ عين الكلمة [فالأول] (¬3) للخليل (¬4)، والثاني: للأخفش (¬5). PageV07P007 # قال المازني (¬1): كلاهما حسن، والثاني, أقيس. # وبيع الشيء: بالكسر والضم بالإشمام وبوع لغة فيه، وكذا القول في كيل (¬2). # وحكى الزجاج عن أبي عبيدة: أباع بمعنى باع وهو غريب شاذ. # والبيع في اللغة: مقابلة شيء بشيء. # وفي الشرع: مقابلة مال بمال ونحوه مقابلة ملك بعوض وهو والنكاح عقدان ~~يتعلق بهما قوام عالم الإنسي لاحتياجه إلى الغذاء والغشيان. # وذكر المصنف -رحمه الله- في الباب حديث ابن عمر، وحديث حكيم بن حزام: # ... PageV07P008 ### ||| AUTO الحديث الأول # 271/ 1/ 52 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عهما- عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما ~~لم يتفرقا وكانا جميعا. أو يخير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب ~~البيع" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث أخرجه البخاري (¬2) بهذا اللفظ بزيادة بعد: "فقد وجب ~~البيع"، "وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب ~~البيع". وقد ذكره بهذه الزيادة المصنف في "عمدته الكبرى"، وترجم عليه ~~البخاري (¬3)، "باب: إذا خير أحدهما PageV07P009 # صاجه بعد البيع فقد وجب البيع". وفي رواية له (¬1): "البيعان بالخيار ما ~~لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه اختر"، وربما قال: "أو يكون بيع خيار"، ~~وترجم عليها "باب: إذا لم يوقت في الخيار هل يجوز البيع أم لا". وذكره ~~بألفاظ أخر وترجم عليه أبوابا. # ورواه مسلم: بألفاظ منها لفظ المصنف بزيادة بعد قوله (¬2): "أو يخير ~~أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر" إلى آخره بالزيادة إلى ذكرها من عند ~~البخاري أيضا ومنها (¬3): # "إذا تبايع المتبايعان بالبيع فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم ~~يتفرقا، أو قال: يكون بيعهما عن خيار. فإذا كان بيعهما عن خيار، فقد وجب ~~البيع". ms1182 # الثاني: معنى قوله: "أو يخير أحدهما الآخر" أن يقول له اختر إمضاء البيع، ~~فإذا اختار امضاءه وجب البيع -أي لزم، وانبرم- فإن خير أحدهما الآخر فسكت ~~لم ينقطع خيار الساكت وفي انقطاع خيار القائل وجهان لأصحابنا. # أصحهما: الانقطاع لظاهر الحديث. # الثالث: الحديث دال على ثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين بعد ~~انعقاد البيع حتى يتفرقا من ذلك المجلس بأبدانهما، وبه قال جماهير العلماء ~~من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من PageV07P010 # الفقهاء والمحدثين وغيرهم، وهو قول البخاري (¬1) والشافعي وأحمد وابن ~~حبيب من المالكية. # ونفاه مالك (¬2) وأبو حنيفة (¬3) ................... PageV07P011 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P012 # وربيعة (¬1). وحكى عن النخعي (¬2) وهو رواية عن الثوري (¬3) والأحاديث ~~الصحيحة ترد عليهم وليس لهم عنها جواب صحيح. # فمن اعتذاراتهم: أنه حديث خالفه راويه فإن مالكا رواه ولم يقل به. وروى ~~البيهقي (¬4) عن ابن عيينة أنه حدث الكوفيين بحديث ابن عمر هذا فحدثوا به ~~أبا حنيفة، فقال أبو حنيفة: ليس هذا بشيء، PageV07P013 # أرأيت إن كانا في سفينة. قال ابن المديني: إن الله سائله عما قال (¬1). # ومنها: أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى. # ومنها: أنه يخالف القياس الجلي والأصول القياسية المقطوع بها. # ومنها: أنه معارض لإجماع أهل المدينة وعملهم. # ومنها: أنه حديث منسوخ. # ومنها: أنه محمول على خيار الشرط أو صار إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن. PageV07P014 # ومنها: حمل المتبايعين على المتساومين وكل هذه اعتذارات عجيبة، وقد قررها ~~الشيخ تقي (¬1) الدين في "شرحه"، وذكر الجواب عنها. # وقد أغلظ ابن أبي ذئب على مالك لما بلغه مخالفة الحديث بعبارات مشهورة ~~حتى قال: يستتاب مالك (¬2) من ذلك فأين إجماع أهل المدينة؟ وقد قال به أيضا ~~من أهل المدينة سعيد بن المسيب والزهري. وهذا عبد الله بن عمر رأس المفتين ~~في وقته بالمدينة كان يرى به أيضا، "وكان إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه" ~~ورواية البيهقي (¬3) من حديث عبد الله بن عمر، كما رواه عنه نافع آخر PageV07P015 # الحديث (¬1)، وتفسير الراوي مقدم على تفسير غيره، ويعضده "حتى يتفرقا من ~~مكانهما" (¬2)، وهي صريحة في أن المراد بالتفرق هو التفرق من المكان لا ~~التفرق ms1183 بالأقوال، وهو لفظ البيع وفي "سنن أبي داود" (¬3)، و"جامع الترمذي" ~~(¬4)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا ~~يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله"، قال الترمذي: حديث حسن. # قال المصنف: في "عمدته الكبرى" فلو كانت الفرقة بالكلام ولم يكن خيار بعد ~~البيع لم يكن لهذا الحديث معنى حيث قال: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن ~~يستقيله"، وكذا جعل الترمذي في "جامعه" (¬5) هذا الحديث دليلا لإثبات خيار ~~المجلس، واحتج به على المخالف لأن معناه أن يختار الفسخ فعبر بالإقالة عن ~~الفسخ. لأنها فسخ وما سلف عن أبي حنيفة من قوله: "أرأيت إن كانا في سفينة" PageV07P016 # عجبت منه، فنحن نقول به فإن خيارهما باق ما داما مجتمعين فيها ولو بقيا ~~سنة وأكثر. # ومن جملة اعتذاراتهم عن الحديث: استحالة العمل بظاهره، لأنه أثبت الخيار ~~لكل واحد من المتبايعين على صاحبه فلا يخلوا، إما أن يتفقا على الاختيار أو ~~يختلفا، فإن اتفقا لم يثبت لواحد منهما على صاحبه خيار، وإن اختلفا فإن ~~اختار أحدهما الفسخ والآخر الإمضاء فقد استحال أن يثبت لكل واحد منهما على ~~صاحبه الخيار، أو الجمع بين الفسخ والإمضاء مستحيل فيلزم تأويل الحديث ولا ~~يحتاج إليه ويكفينا صدكم عن الاستدلال بالظاهر. # وأجيب: عن هذا بأنه -عليه الصلاة والسلام- لم يثبت مطلق الخيار، بل أثبت ~~الخيار، وسكت عما فيه الخيار، فنحن نحمله على خيار الفسخ، فيثبت لكل واحد ~~منهما خيار الفسخ، على صاحبه. # الرابع: الحديث دال أيضا على أن خيار المجلس ينقطع بالتخاير منهما أو من ~~أحدهما. # الخامس: الحديث دال أيضا على أنهما إذا تبايعا بشرط الخيار ووقع التبايع ~~عليه أن البيع لازم من غير خيار المجلس، هذا ظاهر لفظ الحديث حيث علق ~~التخيير بالتبايع وجعله أمرا موجبا للبيع، ولا معنى لوجوبه إلا عدم ثبوت ~~خيار المجلس، لكن الفقهاء قد فسروا انقطاع خيار المجلس بالتخاير، إما ~~لإمضاء البيع أو فسخه، ms1184 ولم يذكروا أنه إذا شرطه أنه يكون مسقطا لخيار ~~المجلس، بل قالوا: PageV07P017 # خيار المجلس ثابت بأصل البيوع لا يسقطه شيء، وحكوا خلافا فيما إذا تبايعا ~~وشرطا عدم الخيار مطلقا. # والأصح عند الشافعية: عدم صحة البيع. # وقيل: يصح، وفي ثبوت الشرط على هذا وجهان. # *** PageV07P018 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 272/ 2/ 52 - عن حكيم بن حزام -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا -أو قال: حتى يتفرقا- فإن ~~صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا، محقت بركة بيعهما" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الوجه الأول: هذا الحديث باللفظ المذكور هو للبخاري (¬2) في، "باب: إذا ~~بين البيعان ولم يكتما ونصحا". # رواه مسلم (¬3) في صحيحه بدون قوله: "أو قال حتى يتفرقا" وقال: "وإن كذبا ~~وكتما محقت بركة بيعهما"، ثم قال مسلم: ولد حكيم بن حزام في جوف الكعبة ~~وعاش مائة وعشرون سنة. وفي PageV07P019 # رواية للبخاري (¬1): "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"، قال: همام -أحد ~~رواته- وجدت في كتابي: "يختار ثلاث مرارا -فإن صدقا وبينا بورك لهما في ~~بيعهما، وإن كذبا وكتما فعسى أن يربحا ربحا ويمحقا بركة بيعهما". وقال أبو ~~داود: في "سننه" (¬2): أما همام فقال: "حتى يتفرقا أو يختارا ثلاث مرار". # الوجه الثاني: في التعريف براويه هو حكيم -بفتح الحاء المهملة وكسر ~~الكاف- بن حزام -بكسر الحاء المهملة ثم زاي مفتوحة- بن خويلد بن أسد بن عبد ~~العزى بن قصي بن كلاب، أبو خالد الأسدي المكي، ابن أخي خديجة -رضي الله ~~عنهما- أسلم عام الفتح هو وبنوه: عبد الله، وخالد، ويحيى، وهشام، وشهد بدرا ~~مشركا، وكان إذا اجتهد في يمينه يقول: والذي نجاني أن أكون قتيلا يوم بدر. ~~وروي عنه أنه قال: ولدت قبل قدوم أصحاب الفيل بثلاث عشرة سنة، وأعقل حين ~~أراد عبد المطلب أن يذبح ابنه عبد الله حين وقع فدى قبل أن يولد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بخمس سنين، وولد حكيم في جوف الكعبة كما سلف، ولا ~~نعرف من ولد بها غيره وأما ما روي أن عليا ولد ms1185 في جوفها فلا يصح. وعاش مائة ~~وعشرين سنة؛ ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، قاله إبراهيم بن المنذر، ~~واستشكله فإنه من مسلمة الفتح، وأول على أن المراد بالإسلام من حين ظهوره ~~لا من حين إسلامه، فإنه مات بالمدينة سنة أربع وخمسين في قول جماعة، وقال ~~البخاري: سنة ستين، وقيل: سنة PageV07P020 # خمسين حكاه ابن حبان في "ثقاته"، قال ابن الصلاح في "علوم الحديث": وعاش ~~أيضا حسان بن ثابت كحزام، قال: ولا يعرف لهما ثالث. # قلت: هذا عجيب، فلهم ثالث ورابع وخامس وسادس وسابع وثامن وتاسع وقد ~~ذكرتهم في "المقنع في علوم الحديث" فاستفدهم منه (¬1). # أعتق حكيم في الجاهلية مائة رقبة، وأعتق في الإسلام مثلها، وساق في ~~الجاهلية مائة بدنة، وساق في الإسلام مثلها، وقال -عليه الصلاة والسلام- ~~له: "أسلمت على ما سلف لك من خير" وحج ومعه مائة بدنة، قد جللها بالحبرة ~~وكفها عن أعجازها وأهداها، ووقف بمائة وصيف بعرفة في أعناقهم أطواق الفضة ~~منقوش بها عتقاء لله عن حكيم بن حزام، وأهدى ألف شاة. # وكان سيدا فاضلا غنيا، وكان ممن حسن إسلامه من المؤلفة. روى له عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أربعون حديثا اتفق البخاري ومسلم على أربعة منها، ~~وروى عنه ابنه حزام (¬2) وسعيد بن المسيب وجماعة، وترجمته PageV07P021 # موضحة فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب فراجعها منه (¬1). # فائدة: حكيم -بفتح الحاء- يشتبه بحكيم -بضمها- وهم جماعة، وبحليم ~~-وباللام بدل الكاف- منهم الحليمي الإمام فإنه نسبة إلى جده حليم. # وحزام: -بالحاء والزاي- يشتبه بأربعة أشياء أخر محل الخوض فيها كتب ~~المؤتلف والمختلف (¬2)، وقد ذكرتهم في مختصري في ذلك. PageV07P022 # الوجه الثالث: تقدم في الحديث قبله الكلام على توقيت خيار المجلس وما ~~يتعلق به. # وقوله: "ما لم يتفرقا، أو قال -حتى يفترقا-" هو شك من الراوي. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما". أي ~~بين كل واحد منهما لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيب ونحوه في السلعة ~~والثمن وصدق في ذلك وفي الإخبار بالثمن وما يتعلق بالعوضين، فالصدق يهدي ~~إلى ms1186 البر، والبر يهدي إلى الجنة (¬1). # ومعنى البركة في بيعهما: حصول النماء والزيادة. # وقوله: "وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" أي ذهبت بركته PageV07P023 # وهي الزيادة والنماء، وقد روى الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا (التاجر ~~الصدوق مع النبيين والصديقيين والشهداء) قال الترمذي (¬1): حديث حسن. # وحقيقة الصدق: النهي عن مطالعة النفس بحيث لا يحصل لها إعجاب بالعمل ~~وأقله استواء السر والعلانية، كما قاله القشيري، وقال سهل: لا يشم رائحة ~~الصدق عبد واهن نفسه أو غيره، ودرجات الصدق غير منحصرة وبعد ذلك كله ~~فالسائل مسؤول عن صدقه، قال تعالى: {ليسأل الصادقين عن صدقهم} (¬2). # الوجه الرابع: يؤخذ من الحديث ستة أحكام. # أولها: ثبوت خيار المجلس كما علمته. # ثانيها: وجوب الصدق في البيع بذكر مقدار أصل الثمن في الإخبار، وما في ~~الثمن أو السلعة من عيب وغيره. # ثالثها: تحريم الكذب في ذلك. PageV07P024 # رابعها: الحث على تعاطي الصدق، وعلى منع تعاطي الكذب. # خامسها: أن الصدق سبب البركة، والكذب سبب محقها. # سادسها: ذكر الصدق وإن ضر ظاهرا، وترك الكذب وإن زاد ظاهرا، فإنه يضر ~~باطنا وظاهرا. # فائدة: سئل ثعلب (¬1): هل بين "يفترقان" أو "يتفرقان" فرق؟ # فقال: نعم، أخبرنا ابن الأعرابي (¬2) عن المفضل (¬3)، قال: يفترقان ~~بالكلام، ويتفرقان بالأبدان. # ... PageV07P025 ### || AUTO 53 - باب ما نهى عنه من البيوع # ذكر فيه -رحمه الله- عشرة أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 273/ 1/ 53 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "نهى عن المنابذة"، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل ~~قبل أن ينظر إليه، أو يقلبه، "ونهى عن الملامسة"، والملامسة: لمس (¬1) ~~الثوب لا ينظر إليه (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها (¬3): المنابذة: -بالذال المعجمة- مفاعلة من نبذ PageV07P026 # الشيء نبذه إذا طرحه، وقد فسرها في الحديث بعدم تقليبه ورؤيته، وفيه ~~تأويلات أخرى. # أحدها: أن يجعلا نفس النبذ بيعا قائما مقام الصيغة، وهذا تأويل الشافعي ~~-رضي الله عنه- ووجه النهي: فقدان الصيغة، نعم يجيء فيه الخلاف في ~~المعاطاة، فإن المنابذة مع قرينة البيع هي نفس المعاطاة. # ثانيها: أن يقول: بعتك على أني إذا نبذته ms1187 إليك لزم البيع. # ثالثها: أن المراد به نبذ الحصى فيجعل ما وقعت عليه مبيعا، أو غاية ~~لمساحة ما وقعت عليه من الأرض المبيعة أو تعليق مدة الخيار المشروط على ~~نبذها (¬1). # وفي "صحيح مسلم" (¬2) في هذا الحديث أن المنابذة:- "أن ينبذ الرجل إلى ~~الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه. ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض"، ~~يعني أنه يجب البيع بنفس النبذ، ولا يبقى لواحد منهما خيرة في حله، وبهذا ~~تحصل المفسدة العظيمة، إذ لا يدري أحدهما ما حصل له، فيعم الخطر، ويكثر ~~القمار والضرر. # الوجه الثاني: الملامسة (¬3): مفاعلة، وأصلها: لا تكون إلا بين PageV07P027 # اثنين، وأصلها: من لمس يلمس -بضم الميم وكسرها- إذا أجرى يده على الشيء، ~~وقد فسرها في الحديث "بلمس الثوب لا ينظر إليه" وفيه تأويلات أخرى: # أحدها: جعل نفس اللمس بيعا بأن يقول: إذا لمست ثوبي فهو مبيع منك بكذا. # ووجه النهي: التعليق والعدول عن الصيغة الموضوعة للبيع شرعا. وقال ~~المتولي من الشافعية: له حكم المعاطاة. # وثانيها. أن يبيعه على أنه إذا لمس الثوب فقد وجب البيع، وانقطع الخيار. # ووجه النهي: وجود الشرط الفاسد. # ثالثها: وهو تفسير الشافعي -رضي الله عنه- أن يلمس ثوبا مطوي أو في ظلمة، ~~ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه (¬1). وفي "صحيح مسلم" (¬2): ~~"والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار، ولا يقلبه إلا ~~بذلك"، وفيه من رواية أبي هريرة (¬3): "أما PageV07P028 # الملامسة: فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل". # ووجه النهي: فيه أنه بيع غائب ومن يصحح بيع الغائب يبطله أيضا، فإن فيه ~~إقامة اللمس مقام النظر، وهل يخرج على صحة نفي خيار الرؤية؟ (¬1). # الوجه الثالث: هذان البيعان فاسدان على جميع التأويلات وهما من بياعات ~~الجاهلية، ورواية المصنف تقتضي أن يكون الفساد من جهة عدم النظر والتقليب، ~~فإن كان هذا التفسير من جهة الشارع - صلى الله عليه وسلم - فيتعين المصير ~~إليه دون غيره، وكذا إن كان من الصحابي (¬2)، فإنه يترجح على غيره من تفسير ~~التابعي وغيره، وحينئذ يستدل على منع ms1188 بيع الأعيان الغائبة عملا بالعلة، ومن ~~يشترط PageV07P029 # الصفة فيه لا يكون الحديث دليلا عليه لأنه لم يذكر فيه وصفا، ثم في كلا ~~الموضعين يحتاج إلى الفرق بين المعاطاة وبين هاتين الصورتين، فإذا علل بعدم ~~الرؤية المشروطة: فالفرق ظاهر، وإذا فسر بأمر لا يعود إلى ذلك: احتيج حينئذ ~~إلى الفرق بينه وبين مسألة المعاطاة (¬1) عند من يجيزها. # تنبيه: وقع في "شرح الفاكهي" أن تفسير المنابذة والملامسة من عند المصنف ~~وهو من الأعاجيب، فإنه ثابت في نفس الحديث، وقد تقدم أنه يحتمل أن يكون ~~مرفوعا وموقوفا على الصحابي. # خاتمة: استدل بعض المالكية بهذا الحديث على بيع المعاطاة، فإنه علل النهي ~~بعدم الرؤية، فعند وجودها يلزم البيع. # قال: وفيه دلالة أيضا على جواز بيع الأعمى وشرائه، لأنه علل بعدم النظر ~~إليه، وفيها ثلاثة أقوال عند المالكية، ثالثها: الفرق بين ما يدرك باللمس ~~أو الشم دون غيره، واستحسنه اللخمي، والأصح عند الشافعية أنه لا يصح مطلقا ~~إلا إذا رأى شيئا قبل العمى مما لا يتغير وصفه، وصححنا ذلك من البصير. # ... PageV07P030 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 274/ 2/ 53 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا, ~~ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين، بعد أن ~~يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر" (¬1). # وفي لفظ: "فهو بالخيار ثلاثا" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: أصل "لا تلقوا" لا تتلقوا، فحذفت إحدى التائين تخفيفا، وشرط الحذف ~~مثل هذا تجانس الحركتين. # الثاني: الركبان: جمع راكب وهم راكبوا الإبل في السفر، العشرة فما فوقها، ~~قاله ابن السكيت وغيره، والجمع اركب، والركبة PageV07P031 # -بالتحريك- أقل من الركب، والاركوب -بالضم- أكثر من الركب، والركبان: ~~الجماعة منهم، وقال بعضهم: يطلق على ركبان الدواب، والمراد هنا القادمون من ~~السفر وإن كانوا مشاة. # فائدة: الفارس راكب الفرس، كما يقال لراكب البعير راكب، واختلف أهل ~~اللغة: في راكب الحمار هل يقال له فارس على حمار؟ أو لا ms1189 يقال إلا حمار (¬1). # الثالث: صورة التلقي أن يتلقى طائفة يحملون متاعا فيشتريه منهم قبل ~~قدومهم البلد ومعرفتهم بالسعر، وهو من البيوع المنهي عنها للتحريم. # قال الجمهور: وهذا النهي لمراعاة أهل البادية. # وقيل: لمراعاة أهل البلد خشية أن يحبسه المشتري فيضيق بالحال عنهم. # ثم اعلم أن إمام الحرمين والغزالي: ذكرا في صورة المسألة أن يكذب في سعر ~~البلد ويشتري منهم بأقل من ثمن المثل. # وذكر صاحب "التنبيه" فيها أن يخبرهم بكساد ما معهم ليغبنهم، وكذا قال ~~المتولى، قال: أو يخبرهم بكثرة المؤنة عليهم في الدخول. ولم يتعرض الرافعي ~~والنووي لشيء من ذلك. # فرع: لو لم يقصد التلقي بل خرج لشغل آخر فرآهم فاشترى منهم فخلاف عند ~~الشافعية والمالكية، وجه عدم العصيان عند التلقي. PageV07P032 # ووجه مقابله وهو الأصح عند الأكثرين من الشافعية شمول المعنى فعلى الأول ~~لا خيار لهم، وإن كانوا مغبونين. # وقيل: إن أخبروا بالسعر كاذبا فلهم الخيار. # فرع: لو تلقاهم فباعهم ما يقصدون شراءه فهل هو كالمتلقي للشراء؟ فيه ~~وجهان للشافعية: ولم يرجحوا شيئا منهما فيما علمت. # فرع: شرط تحريم التلقي أن يكون المتلقى عالما بالتحريم، فإن لم يعلمه فلا ~~إثم، اللهم إلا أن يمكنه التعلم فينبغي تأثيمه فيما يظهر. # تنبيهات: # قد يلوح من الحديث إثبات الخيار للمغبون لأجل الغبن. # أحدها: خالف أبو حنيفة في هذا فلم يأخذ بهذا الحديث كما نقله القاضي عياض ~~(¬1) عنه، وأجاز التلقي إلا أن يضر بالناس فكرهه (¬2). # وقال الأوزاعي (¬3): مثله. PageV07P033 # واختلف فيه إذا وقع، فعن مالك وبعض أصحابه: أنه ينهى ولا ينتزع منه (¬1) ~~ورأى بعض أصحابه فسخه (¬2). # وأحمد أثبت له الخيار: كما جاء في الحديث (¬3)، وكذا الشافعي (¬4)، على ~~ما سيأتي، ومال إليه بعض أصحاب مالك. # والمشهور عن مالك وأكثر أصحابه أن يعرض على أهل السوق (¬5)، فإن لم يكن ~~سوق فأهل المصر ليشترك فيها من شاء منهم (¬6). PageV07P034 # ومستند الخلاف في صحة البيع وفساده ينبني على مسألة أصولية، وهي أن النهي ~~يدل على الفساد أم لا (¬1)، ومستند من صححه أن النهي لأجل الأضرار بالركبان ~~وذلك لا يقدح ms1190 في نفس البيع. # واعلم: أن نهي التحريم ثلاثة أقسام (¬2): # أحدها: ما يقتضي تحريم عين المنهي عنه كنهيه -عليه الصلاة والسلام- عن ~~الميتة، فذلك يقتضي تحريم الغبن وفساد العقد عليها. # ثانيها: ما يقتضي تحريم وصف في المنهى وأصل في ذات المنهى عنه كنهيه عليه ~~الصلاة والسلام عن الزنا، فذلك يقتضي تحريم العقد وفساده ولا يقتضي تحريم ~~المعقود عليه بل يرجع كل واحد من المتعاقدين إلى أصل ماله. # ثالثها: ما يقتضي تحريم وصف في المنهى عنه، إما لأجل البائع، أو المشتري ~~ونحوها، وإما لأجل وصف في الآلة المستعملة كآنية الذهب والفضة، والحرير لمن ~~لا يحل له لبسه، وكبيع الركبان وما شاكله من العقود فهو محل الخلاف. PageV07P035 # فمنهم: من صححه ويكون التحريم بمعنى الأثم. # ومنهم: من أفسده. # ومنهم: من فصل، فقال: إن كان الوصف لأمر خارج عن المنهى عنه كبيع الركبان ~~وقت النداء اقتضى التحريم وصحة العقد، وإن كان لأجل ذات المنهى عنه كالذهب ~~والفضة والحرير اقتضى التحريم وفساد الفعل لأن التحريم فيها للسرف ~~والخيلاء، وما فيها من تغيير الحكمة في الذهب والفضة عما وضعت له، وهو ~~كونها نقدا قيما للأشياء، ومن تغيير الحكمة في الحرير جعله للإناث دون ~~غيرهن، من حيث أن لبسه للترفه والخنوثة والكسل، وجميعه مناف لوصف الرجولية، ~~وهذا المذهب حكاه الآمدي (¬1) عن أكثر أصحاب الشافعي، واختاره ونقله ابن ~~برهان (¬2) في "الوجيز" عن الشافعي نفسه. # الوجه الثالث: إذا قلنا بصحة البيع في التلقي فلهم الخيار إذا عرفوا ~~الغبن سواء أخبرهم بسعر البلد كاذبا أو لم يخبرهم، وما وقع في لفظ بعض ~~المصنفين من أنه يخبرهم بالسعر كاذبا ليس بشرط في إثبات الخيار، وأصح ~~الوجهين أن الخيار على الفور. PageV07P036 # وقيل: يمتد ثلاثة أيام (¬1)، ولو كان الشراء بسعر البلد أو أكثر فالأصح ~~أنه لا خيار لهم نظرا لانتفاء الضرر، ووجه مقابله عموم قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار" رواه مسلم (¬2) من طريق أبي ~~هريرة أيضا، ولا خيار أيضا إذا كان الشراء بدون سعر البلد مع علمهم، أو ~~ابتدأ القادمون ms1191 والتمسوا منه الشراء وهم عالمون بسعر البلد أو غير عالمين ~~ولا خيار لهم قبل أن يقدموا ويعرفوا السعر، قاله البغوي (¬3) وغيره. # ولو غبنوا ولم يطلعوا على الغبن حتى رخص السعر وعاد إلى ما أخبروا به، هل ~~يستمر خيارهم فيه وجهان؟ حكاهما الماوردي (¬4) وغيره. # الرابع: قال القاضي عياض: اختلف عندنا في حد التلقي الممنوع، فعن مالك ~~كراهة ذلك على مسيرة يومين (¬5)، وعن مالك تخفيفه وإباحته على ستة أميال ~~(¬6)، ولا خلاف في منعه إذا كان فوق PageV07P037 # المصر وأطرافه (¬1). وقال بعض المتأخرين: ولذلك يجوز تلقيها في أول السوق ~~لا في خارجه (¬2)، وكذلك لو لم يكن للسلعة سوق فشراؤها إذا دخلت البلد جائز ~~وإن لم يبلغ أسواقه. # الوجه الرابع من الكلام على الحديث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا ~~يبع بعضكم على بيع بعض" (¬3)، هو مفسر عند PageV07P038 # الشافعية بأن يقول لمن اشترى في مدة الخيار افسخ هذا البيع وأنا أبيعك ~~مثله بأرخص من ثمنه، أو أجود منه بثمنه، ونحو ذلك، وهو حرام لأنه يوغر ~~الصدور ويورث الشحناء، وكذلك الشراء على الشراء. # وقد فسر بعضهم الحديث به، فقال: معنى: "لا يبع" هنا لا يشتري، وأما بيعه ~~سلعته على بيع أخيه فهو غير منهى عنه، أن يقول البائع قبل لزومه: افسخ ~~البيع وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن، ونحو ذلك، إما لعدم لزوم العقد ~~فالبيع قد انبرم وإما قبله فالفعل حرام والعقد صحيح عند من يرى، أن النهي ~~الخارج عن ذات الشيء لا يقتضي فساده، وخصص ابن كج (¬1)، هذا بما إذا لم يكن ~~في البيع غبن فاحش، أما إذا كان المشتري مغبونا غبنا فاحشا فله أن يعرفه ~~ويبيع على بيعه لأنه ضرب من النصيحة وهذا معدود من أفراده، وفي معناه ما ~~إذا كان البائع مغبونا فيدعوه إلى] (¬2) الفسخ # فيشتريه منه بأكثر. PageV07P039 # ومن الفقهاء من فسر البيع [على البيع] (¬1) بالسوم على السوم (¬2)، وهو ~~أن يتفق مالك السلعة والراغب فيها على البيع ولم يعقداه، أو يكون المبيع ~~[في العرف] (¬3) عند المشتري فيقول آخر أنا أشتريه منك بأزيد مما ms1192 أعطيت ~~فيها أو يأتي إلى المشتري فيعرض عليه مثلها أو أجود منها بأنقص من ذلك ~~الثمن، وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن وحصول التراضي صريحا كما هو مقرر ~~في الفروع. قال هذا القائل: ويدل على أن المراد بالبيع على البيع السوم على ~~السوم ما في النسائي (¬4) من حديث ابن عمر رفعه: "لا يبع الرجل على بيع ~~أخيه حتى يبتاع أو يذر" فقوله: "حتى يبتاع أو يذر" دال على أن البيع لم يقع ~~وأن النهي إنما هو في السوم، وهذا عجيب منه، ووقع في ذلك صاحب "القبس" (¬5) ~~أيضا فقال: معنى "لا يبع" لا يسم على سومه، لأن البيع إذا وقع لا يتصور ~~بعده بيع، [وكأنهما] (¬6) غفلا أن صورة ذلك وقوعه في زمن الخيار كما ~~أسلفناه. PageV07P040 # تنبيهات: # أحدها: [ظاهر] (¬1) الحديث يقتضي النهي مطلقا وإن كان في غنيمة أو ميراث، ~~وفي الدارقطني (¬2): "إلا الغنائم والميراث". # وجمهور أهل العلم على إباحة البيع والشراء فيمن يزيد (¬3)، وبه قال ~~الشافعي وكرهه بعض السلف، قال المازري (¬4): وكره بعض أهل العلم بيع ~~المزايدة في الحلق خوفا من الوقوع في المحذور، وهو الضرر، قال: وإن قلنا ~~إنما منع من ذلك مع التراكن للبيع خرج بيع الحلق من ذلك. # [تنبيه] (¬5): اختلف فيما إذا وقع السوم على السوم أو الخطبة على الخطبة ~~بعد التراكن هل يفسخ العقد أم لا؟ PageV07P041 # فذهب الشافعي والكوفيون وجماعة من العلماء: إلى إمضاء العقد وأن النهي ~~ليس على الوجوب. # وقال داود: هو على الوجوب، ولمالك قولان كالمذهبين وفي النكاح قول ثالث ~~يفسخ قبل البناء [والمضي] (¬1) بعده. # الثالث: ظاهر قوله "بعضكم" جواز البيع على بيع الذمى والأكثرون على المنع ~~فيه أيضا. # [تنبيه آخر] (¬2) مما يشبه ما نحن فيه الزيادة على الساكن وأولى بالتحريم ~~لشدة الضرر، وقد ذكر الصعبي في "شرحه" أنه نقل عن بعض علماء السلف ~~المتورعين من الشافعية الإفتاء بالمنع وهو ظاهر لا شك فيه. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا تناجشوا" هو كما تقدم في ~~"تلقوا" من حذف إحدى التائين وهو تفاعلوا من النجش -بفتح النون ms1193 وإسكان ~~الجيم- وأصله من الاستثارة ومنه نجشت الصيد أنجشه -بضم الجيم- نجشا إذا ~~استثرته. # وسمي الناجش في السلعة ناجشا: لأنه يثير الرغبة فيها ويرفع ثمنها. قال ~~ابن الصلاح: وهذا هو الصحيح لا كما قال الغزالي أنه الرفع. # وقال ابن قتيبة (¬3): أصل النجش الختل وهو الخداع، ومنه قيل PageV07P042 # للصائد ناجش لأنه يختل الصيد ويحتال له، وكل من استثار شيئا فهو ناجش. # وقال الهروي: قال أبو بكر: النجش المدح والإطراء. قال ابن الأثير (¬1): ~~إنه الصحيح، فعلى هذا معنى الحديث: لا يبيع أحدكم السلعة ويزيد في ثمنها ~~بلا رغبة. # وحقيقة النجش عند الفقهاء: أن يزيد في ثمن السلعة لا لرغبة فيها بل ليخدع ~~غيره ويغره ليزيد ويشتريها، وهو من المنهيات للضرر، والناجش آثم لأجل خدعته ~~وحكى [القزويني] (¬2) عن مالك أن بيع النجش مفسوخ (¬3) واعتل [لأنه] (¬4) ~~منهى عنه، قال: [وبهذا] (¬5) اعتل ابن الجهم لما [رد] (¬6) على الشافعي ~~فقال: الناجش عاص فكيف يكون من عصى الله تعالى يتم بيعه، ولو صح هذا بعد ~~[العقد] (¬7) في الإحرام والعدة (¬8). PageV07P043 # قلت: لا يرد لأن النهي لأمر خارج عن العقد كما سلف. # تنبيهات: # أحدها: قيد الفقيه ابن الرفعة -[رحمه الله تعالى] (¬1) - الزيادة في ~~الثمن بالزيادة على ما تساويه العين، وفيه إشعار بعدم التحريم فيما إذا زاد ~~عند نقص القيمة ولا رغبة له وفيه نظر (¬2). # ثانيها. هل للمشتري الخيار أم لا؟ فيه وجهان لأصحابنا: # أحدهما: نعم للتدليس، كالتصرية. # وأصحهما: لا وهو ظاهر النص لتفريطه حيث لم يتأمل ولم يراجع أهل الخبرة، ~~ومحل الخلاف إذا كان بمواطأة من البائع فإن لم يكن فلا خيار كما جزم به ~~الرافعي في "شرح المهذب" المسمى "بالوافي" أنه يشترط فيه أيضا أن يكون ~~الناجش من أهل الخبرة بالقيمة وإلا فلا خيار، وتعرض له الإمام في صورة ~~المسألة أيضا (¬3). PageV07P044 # ووقع في "شرح ابن العطار" الجزم بثبوت الخيار عند المواطأة، وهو أحد ~~الوجهين في المسألة وكأنه تبع في ذلك مفهوم كلام الشيخ تقي الدين (¬1) في ~~الشرح فإنه يقتضيه. وجزم الفاكهي في "شرحه" بثبوت الخيار إذا علم أن الناجش ~~من ms1194 قبل البائع. # فرع: لو قال أعطيت بهذه السلعة كذا [كذبا] (¬2) ليغر المشتري ففي ثبوت ~~الخيار الخلاف المذكور. # التنبيه الثالث: نص الشافعي في "اختلاف الحديث" (¬3): على أن الناجش إنما ~~يعصي إذا كان عالما بالنهي ونقله أيضا عنه البيهقي (¬4) في "سننه" والمتولي ~~(¬5) في "تتمته"، وقال به القاضي أبو الطيب (¬6) والرافعي (¬7) لم يطلع ~~عليه بل أبداه بحثا. PageV07P045 # الوجه السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا يبع حاضر لباد"، الحاضر: ~~المقيم بالبلد. # والبادي: المقيم بالبادية، وفي معناه: القروي، وهو المقيم بالقرى المضافة ~~إلى البلاد. # وصورة بيع الحاضر للبادي المنهي عنه (¬1)، أن يقدم البدوي أو القروي ~~بمتاع تعم الحاجة إليه ليبعه بسعر يومه، فيقول البلدي: اتركه لأبيعه على ~~التدريج بأغلى. وذلك إضرارا بالبلد وحرام إن علم بالنهي، وتصرف أصحابنا في ~~ذلك وقيدوا التحريم بما ذكرناه (¬2) PageV07P046 # [فاحترزوا "بالمتاع" التي تعم الحاجة إليه عما إذا كان الاحتياج إليه ~~نادرا فإنه لا يحرم] (¬1). # واحترزوا بقولهم: "فيقول البلدي" عما إذا التمس البدوي منه بيعه تدريجا ~~فإنه لا يحرم، وهل يشترط أن يظهر بيع ذلك المتاع بيعه في البلد حتى لو لم ~~يظهر لقلته أو لكبر البلد أو لعموم وجوده ورخص السعر لا يحرم، فيه وجهان ~~أوفقهما: # لإطلاق الخبر كما قال الرافعي أنه لا يشترط بل يحرم. # ووجه مقابله انتفاء المعنى وهو الإضرار وتفويت الربح أو الرزق على الناس، ~~وهذا النهي لمراعاة أهل البلد، واحتمل فيه غبن [البادي] (¬2) ومنع من تلقيه ~~نظرا للمصلحة العامة. # فائدة: اعلم أن أكثر هذه الأحكام تدور بين اتباع اللفظ واعتبار PageV07P047 # المعنى؛ قال الشيخ تقي الدين (¬1): وينبغي أن ينظر في المعنى إلى ظهوره ~~وخفائه، فإن ظهر ظهورا كثيرا فلا بأس باتباعه، وتخصيص الحديث به، أو تعميمه ~~على قواعد القياسيين. وإن خفي ولم يظهر ظهورا قويا. فاتباع اللفظ أولى. # فأما ما ذكر من اشتراط: "أن يلتمس [البدوي] (¬2) ذلك": فلا يقوى لعدم ~~دلالة اللفظ عليه، وعدم ظهور المعنى فيه. فإن الضرر المذكور الذي علل به ~~النهي لا يفترق الحال فيه بين سؤال البلدي وعدمه ظاهرا. # وأما اشتراط: "دعاء الحاجة ms1195 إلى الطعام" فمتوسط في الظهور وعدمه. لاحتمال ~~أن يراعى مجرد ربح الناس في هذا الحكم على ما أشعر به التعليل من قوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" (¬3). # وأما اشتراط: "أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعة في البلد"، فكذلك أيضا، ~~هو متوسط في الظهور، لما ذكرناه من احتمال أن يكون المقصود مجرد تفويت ~~الربح أو الرزق على أهل البلد. # وهذه الشروط منها: ما يقوم الدليل الشرعي عليه، كشرطنا العلم بالنهي. ولا ~~إشكال فيه. PageV07P048 # ومنها: ما يوجد باستنباط المعنى. فيخرج على قاعدة أصولية: وهي أن النص ~~[إذا] (¬1) استنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص، هل يصح أم لا؟ ويظهر لك ~~هذا باعتبار ما ذكرناه من الشروط. # تنبيهات: # أحدها: هذا النهي محمول عند مالك على أهل العمود ممن لا يعرف الأسعار، ~~ولفظ "البادي" صريح فيه، وأما من يقرب من المدينة ويعرف السعر فلا يدخل في ~~ذلك (¬2). # وعندهم قول آخر: أنه عام في كل بدوي طار على [كل] (¬3) بلد وإن كان من ~~أهل الحضر، حكاه القاضي، وقال: إنه قول أصبغ، وكأنه تأول التنبيه بالبدوي ~~على الطارىء والجاهل، ومفهوم العلة في الحديث تقوية قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". # وعمم ابن المواز المالكي النهي أيضا، وقال: لا يبع مدني لمصري، ولا عكسه. # وحمله المازري (¬4)، على المدني الجاهل بالأسعار الذي يمكن غبنه وينفع ~~أهل المدينة بوروده عليهم مع كونه غالبا يربح فيما أتى به. PageV07P049 # ثانيها: قال المازري (¬1): # اختلف عندنا في الشراء هل يمتنع كما امتنع البيع له؟ فقيل: هو بخلاف ~~البيع لأنه إذا صار الثمن في يديه أشبه أهل الحضر فيما يشترونه فيجوز أن ~~يشتري له الحاضر، فإن وقع البيع على الصفة التي نهى عنها، ففي فسخه خلاف. # قلت: وهذه المسألة لا نقل فيها عندنا وتردد فيها ابن الرفعة في "مطلبه"، ~~نعم اختار البخاري (¬2) في "صحيحه" المنع، وقال: "باب: لا يشتري حاضر لباد ~~بالسمسرة" قال: وكرهه ابن سيرين وإبراهيم للبائع والمشتري، قال: وقال ~~إبراهيم: [إن] (¬3) العرب تقول: ms1196 بع لي ثوبا، وهي تعني الشراء (¬4) ثم روى ~~الحديث مختصرا. # ثالثها: ذهب أبو حنيفة وعطاء ومن قال بقولهم كما حكاه القاضي عنهم إلى أن ~~الحديث معمول به [] (¬5) وأن ذلك مباح. # ثم اختلفوا في تأويل الحديث وعلة رده. # فخصه بعضهم: بزمنه -عليه الصلاة والسلام- بخلاف اليوم، PageV07P050 # وظاهر قول هؤلاء: أنه منسوخ (¬1). # ورده بعضهم: بحديث النصيحة (¬2) لكل مسلم وإليه أشار البخاري (¬3) حيث ~~قال: "باب: هل يبيع حاضر لباد بغير أجر؟ هل يعينه أو ينصحه؟ وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "إذا استنصح أحدكم أخاه [فلينصح له] (¬4) قال: ورخص ~~فيه عطاء ثم ذكر فيه حديث جرير والنصح لكل مسلم ثم ذكر الحديث من طريق ابن ~~عباس مرفوعا: "لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد" قال ابن عباس: "لا ~~يكون له سمسارا". # وقيل: كان هذا النهي عن تربص الحاضر بسلعة البادي والزيادة في السوق لا ~~أن يبيعوه بسعر يومه لأن البادي غير مقيم فيبيع بسعر يومه فيرتفق بذلك ~~الناس فإذا قال الحضري: أنا أتربص لك بها وأبيعها لك حرم الناس ذلك الرفق. # وقيل: إنما ذلك في البلاد الضيقة التي يستبين فيها PageV07P051 # [الضرر] (¬1) وغلاء السعر إذا لم يبيع الجالب متاعه فأما البلاد الواسعة ~~التي لا يظهر الضرر فيها فلا بأس. # وقيل: ذلك على الندب ليس على الوجوب وهو دعوى وكذا ما سلف. # ثم اختلف من أوجب إذا وقع فعند الشافعي وابن وهب وسحنون: [عصى] (¬2). # وعند ابن القاسم: يفسخ ما لم يفت. # رابعها: إذا استشار البدوي البلدي في ادخاره وبيعه على التدريج فهل ~~يرشده؟ وجهان لأصحابنا قال أبو الطيب ابن سلمة (¬3)، وأبو إسحق (¬4)، نعم. ~~بذلا للنصيحة (¬5). PageV07P052 # وقال أبو حفص بن الوكيل (¬1): لا. توسيعا على الناس. # [الوجه الرابع] (¬2): قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا تصروا الغنم" هو ~~-بضم التاء وفتح الصاد المهملة ومد الراء بواو وألف- على مثال "لا تزكوا" ~~ونصب لفظ "الغنم" هذا هو الصحيح تقييدا ولغة وروى في غير مسلم "بفتح التاء ~~وضم الصاد" من الصر ورواه بعضهم: "بضم التاء من غير واو الجمع بعد الراء ~~ورفع الغنم" ms1197 على ما لم يسم فاعله من الصر أيضا وهذا لا يصح رفعه مع اتصال ~~ضمير الفاعل وإنما يصح مع إفراد الفعل (¬3)، كما قال الشيخ تقي الدين (¬4)، ~~قال: ولا نعلم رواية حذف فيها الضمير. # والتصرية: مأخوذة من الجمع تقول صريت الماء في الحوض إذا جمعته فالمعنى: ~~لا تجمعوا اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها حتى يعظم ضرعها فيظن المشتري أن ~~كثرة لبنها عادة مستمرة. # وعبارة الشافعي (¬5): التصرية ربط أخلافها اليومين والثلاثة لجمع لبنها. PageV07P053 # وقال أبو عبيدة (¬1). هو من صري اللبن في ضرعها إذا حبسه وأصلها حبس ~~الماء، قال: ولو كانت من الربط لكانت مصرورة أو مصررة. # قال الخطابي (¬2). وقول أبي عبيدة حسن، وقول الشافعي صحيح. والعرب تصر ~~الحلوبات، ويسمى ذلك الرباط: صرارا. واستشهد بقول العرب: [العبد] (¬3) لا ~~يحسن الكر، وإنما يحسن الحلب والصر، قال: ويحتمل أن تكون المصراة، أصلها: ~~مصرورة فأبدل من إحدى الراءين [ألفا] (¬4) كقوله تعالى: {وقد خاب من دساها ~~(10)} (¬5) أي دسها كرهو [اجتماع] (¬6) ثلاثة أحرف وإن كانت في الصورة ~~[حرفين] (¬7) لكون الحرف المشدد عندهم بحرفين في اللفظ. إذا تقرر ذلك ~~فيتعلق بالتصرية مسائل: # الأولى: لا خلاف أن التصرية حرام لأجل الغش والخديعة التي فيها للمشتري، ~~والنهي يدل عليه مع علم تحريم الخديعة قطعا من الشرع، قال المتولي: وهي ~~حرام وإن لم يقصد البيع لأنه يضر بالحيوان. قال المازري (¬8): والتصرية أصل ~~في تحريم الغش وفي PageV07P054 # الرد بالعيب وقد كان شيخنا أبو محمد بن عبد الحميد يجعلها أصلا في [أن] ~~(¬1) النهي إذا كان لحق الخلق لا يوجب فساد البيع، لأن الأمة أجمعت على ~~تحريم الغش في البيع، ووقع النهي عنه هنا ثم خيره (¬2) بعد ذلك بين الرد ~~والإمساك، والفاسد لا يصح التماسك به. # الثانية: النهي ورد عن فعل المكلف، وهو ما يصدر باختياره وتعمده، ورتب ~~عليه الحكم المذكور. فلو تحفلت بنفسها، أو نسيها المالك بعد أن صراها, لا ~~لأجل الخديعة، هل يثبت ذلك الحكم؟ # فيه خلاف للشافعي. فمن نظر إلى العيب أثبته، لأن العيب مثبت للخيار، ولا ~~يشترط فيه تدليس البائع. ms1198 # ومن نظر إلى أن الحكم المذكور خارج عن القياس خصه بمورده، وهو حالة العمد ~~فإن النهي إنما يتناولها فقط. وصحح البغوي في "تهذيبه" (¬3) فيما إذا تحفلت ~~بنفسها ثبوت الخيار وقطع الغزالي بعدمه وتبعه "صاحب الحاوي الصغير" لحصول ~~التدليس، والمسألة الثانية لم نرها إلا في كلام الشيخ تقي الدين (¬4). ووقع ~~لابن الرفعة في إيرادها عنه نكتة لطيفة ذكرتها في "شرح الحاوي" فراجعها PageV07P055 # منه، وحكى الفاكهي الخلاف المذكور عن الشافعية فيما إذا كان الضرع مملوءا ~~لحما وظنه المشتري لبنا، ولم أقف على ذلك عندنا ونقل عن مذهبهم عدم ثبوت ~~الخيار [به] (¬1). # الثالثة: رواية المصنف ذكر فيها "الغنم" [فقط] (¬2) وفي الصحيحين (¬3) ~~"الإبل، والبقر" ملحقة بهما، لأن في "سنن أبي داود" (¬4) "من ابتاع محفلة" ~~وهل يتعدى الحكم إلى غير هذه الثلاثة، فيه وجهان لأصحابنا: # أحدهما: لا. جمودا على ما ذكر في الحديث , ولأن لبن غيرها لا يقصد إلا نادرا. # وأصحهما: نعم. فيعم كل مأكول والجارية والأتان نظرا إلى المعنى ولرواية ~~أبي داود المذكورة ولأن كثرة اللبن في الأم مقصود PageV07P056 # لتربية الولد، ولا يرد مع الجارية والأتان شيء على الأصح؛ أما في الجارية ~~فلأن لبنها لا يعتاض عنه غالبا، وأما في الأتان فلنجاسته. # قال الشيخ تقي الدين: ومن هذا يتبين لك أن الأتان لا يقاس على المنصوص ~~عليه في الحديث، لأن شرط القياس: اتحاد الحكم فينبغي أن يكون إثبات الخيار ~~فيها من القياس على قاعدة أخرى وكذا الجارية. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "بعد أن يحلبها" هو مطلق في الحلبات ~~لكن [قد] (¬1) تقيد في الرواية الأخرى في الكتاب "يختار ثلاثة أيام" سواء ~~حلبها مرة أو مرات. # واتفقت المالكية: على أنه إذا حلبها مرة ثانية أن له الرد، إن أراده. # واختلفوا في حلبها الثالثة: هل يكون رضي يمنع الرد أم لا يمنع الرد؟ # ورجحوا أنه لا يمنع لإطلاق الحديث، ولأن التصرية لا تتحقق إلا بثلاث ~~حلبات. لجواز أن يكون نقص الحلبة الثانية لاختلاف المرعى، أو لأمر غير ~~التصرية ولا يتحقق إلا بعد الحلبة الثالثة، وإذا كانت ms1199 لفظة "حلبها" مطلقة ~~فلا دلالة لها على الثانية والثالثة. وإنما يؤخذ ذلك من حديث آخر. # الخامس: إن قلت كيف خص -عليه الصلاة والسلام- الخيار بعد الحلب وهو ثابت ~~قبله إذا علمت التصرية؟ PageV07P057 # فالجواب: أنه خرج على الغالب كما ستعلمه. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وإن سخطها ردها" يقتضي إثبات ~~الخيار بعد التصرية. # واختلف أصحاب الشافعي هل هو على الفور أم يمتد ثلاثة أيام؟ على وجهين: # أصحهما: عندهم الأول قياسا على خيار الرد بالعيب، ويتأولون الحديث بأنه ~~محمول على الغالب إذ التصرية لا تظهر فيما دون الثلاث غالبا لاحتمال إحالة ~~النقصان على اختلاف العلف كما سبق، أو تأذى الحيوان أو غيرهما. # وصحح الثاني: جماعة كثيرة منهم اتباعا للنص وهو الحق، وقد نص [على] (¬1) ~~الشافعي في "الإملاء" كما أفاده الروياني. وفي "اختلاف العراقيين" كما ~~أفاده القاضي أبو الطيب. # قال الشيخ تقي الدين: وهو الصواب لوجهين: # أحدهما: تقديمه على القياس. # ثانيهما. أنه خولف القياس في أصل الحكم، لأجل النص. فيطرد ذلك، ويتبع في ~~جميع موارده. # تنبيه: "الواو" في قوله: "أو صاعا من تمر" يجوز أن تكون عاطفة للصاع على ~~الضمير في ردها، PageV07P058 # ويجوز أن تكون "واو" "مع" قاله الفاكهي وبنى على أن الأول لا يقتضي فورية ~~الصالح مع الرد بخلاف الثاني. # السابع (¬1): يقتضي الحديث رد شيء معها عندما يختار ردها، وهو صاع، -وقد ~~تقدم بيانه في كتاب الزكاة- وفي كلام بعض المالكية: ما يدل على خلافه، من ~~حيث أن الخراج ب "الضمان"، ومعناه: أن الغلة لمن استوفاها بعقد أو شبهته، ~~تكون له بضمانه، فاللبن المحلوب إذا فات غلة. فلتكن للمشتري. ولا يرد له بدلا. # والصواب: الرد، للحديث إذ هو خاص لمعنى أن اللبن يعطى المبيع وليس من ~~الغلة الحاصلة، في يد المشتري، بل كان موجودا عند البائع وفي حال العقد ~~ووقع العقد عليه وعلى الشاة جميعا، فهما مبيعان بثمن واحد، وتعذر رد اللبن ~~لاختلاطه بما حدث في ملك المشتري فوجب رد عوضه، ثم لو سلم أن اللبن غلة ~~لكان الخراج بالضمان عاما والخاص يقضي عليه. ms1200 # الثامن (¬2): الحديث يقتضي رد الصاع مع الشاة بصريحه. ويلزم منه عدم رد ~~اللبن. سواء كان باقيا أو تالفا، والشافعية قالوا: إن كان اللبن باقيا ولم ~~يتغير فأراد رده على البائع هل يلزمه قبوله؟ # وجهان: # أحدهما: نعم؛ لأنه أقرب إلى مستحقه. # وأصحها: لا؛ لذهاب طراوته، واتباع الحديث أولى في تعيين PageV07P059 # الرد [فيما] (¬1) نص عليه. وزادت المالكية على هذا فقالوا: لو رضى البائع ~~باللبن هل يجوز له ذلك؟ فيه قولان. # ووجهوا المنع: بأنه بيع للطعام قبل قبضه من حيث أنه وجب له الصاع بمقتضى ~~الحديث، وكأنه باعه باللبن قبل قبضه وهو ممتنع. ووجهوا الجواز: بأنه بدل ~~ليس بيعا بناء على عادتهم في اتباع المعاني، دون اعتبار الألفاظ. # [التاسع] (¬2): الحديث يقتضي تعيين جنس المردود في الثمن فمنهم من ذهب ~~إلى ذلك وهو الصواب للنص عليه، وقد قال -عليه الصلاة والسلام- أيضا: "وصاعا ~~من تمر لا سمراء" وهي البر. رواه مسلم (¬3). # ومنهم من عداه: إلى غالب قوت البلد والحديث راد عليهم خصوصا إن كانت ~~السمراء غالب قوت أهل المدينة. # وأغرب من هذا أن بعض الشافعية قال: لا يتعين القوت بل يقوم غيره مقامه ~~حتى لو عدل إلى مثل اللبن أو قيمته عند إعواز المثل [اجبر] (¬4) البائع على ~~قبوله كسائر المتلفات. # فرع: حلب غير المصراة ثم اطلع على عيب بها فمنصوص الشافعي -رضي الله عنه- ~~جواز الرد مجانا لأنه قليل غير معتنى بجمعه بخلاف المصراة. PageV07P060 # [وقيل: يرد بدل اللبن، كالمصراة] (¬1)، قال ابن الرفعة. وهو أظهر. # قال الماوردي (¬2): قيمته. # وقال البغوي (¬3): يرد صاعا من تمر، وجزم ابن أبي عصرون (¬4) بأنه لا ~~يردها لتلف بعض المبيع، والمسألة مبسوطة في الفروع. # واختلفت المالكية فيما إذا رضى بعيب التصرية ثم رد بعيب آخر غيرها. # فقال محمد: لا يرد عوض [ما حلب] (¬5) ورأى [قصر] (¬6) الحديث على ما ورد، ~~وذكر عن أشهب: أنه يرد الصاع، ومال إليه بعض المتأخرين منهم. # [العاشرة] (¬7): الحديث دال على تعيين المقدار في الصاع PageV07P061 # مطلقا سواء قل اللبن أو كثر , وهو الأصح عند الشافعي. # ومنهم من قال: إنه [يتقدر] ms1201 (¬1) بقدر اللبن اتباعا لقياس الغرامات وهو ~~ضعيف، وحديث أبي داود (¬2) "مثله أو مثلي لبنها قمحا" ليس إسناده [بذلك] ~~(¬3)، وإن لم يضعفه هو. # واختلف المالكية: إذا كانت الغنم التي صرت كثيرة هل يرد بجميعها صاعا ~~واحدا أو لكل شاة صاعا. # قال المازري (¬4): [والأصوب] (¬5) أن يكون حكم الكثير منها غير الواحد إذ ~~من المستبشع في القول أن يغرم متلف [لبن] (¬6) ألف شاة كما يغرم متلف لبن ~~شاة واحدة. # فإن احتج بأنه -عليه الصلاة والسلام- ساوى بين لبن الشاة و [لبن] (¬7) ~~الناقة مع أن الناقة أكثر. # قلنا: قد قال بعض أهل العلم إنما ذلك لأنه -عليه الصلاة والسلام- أراد أن ~~يكون ذلك حدا يرجع إليه ليرتفع الخصام، واعترض PageV07P062 # الفاكهي: بأنه لم لا يكون جودة لبن الشاة وإن قل مقابلا لكثرة لبن الناقة ~~فيكونان كالمتساويين من حيث المعنى. # وأجاب: بأنه يعارضه اختلاف الإبل أنفسها بكثرة الحلب وقلته. # الحادية عشرة: لم يقل أبو حنيفة بهذا الحديث وروى عن مالك قول أيضا بعدم ~~القول به، والذي أوجب ذلك: أن قيل إنه حديث مخالف لقياس الأصول المعلومة. ~~وما كان كذلك لم يلزم العمل به. # أما الأول: وهو أنه مخالف لقياس الأصول المعلومة فمن وجوه: # الأول: أن المعلوم من الأصول: أن ضمان [المثليات] (¬1) بالمثل. وضمان ~~المتقومات بالقيمة من النقدين. وههنا إن كان اللبن مثليا كان ينبغي ضمانه ~~بمثله لبنا، وإن كان متقوما ضمن بمثله من النقدين، وقد وقع ههنا مضمونا ~~بالتمر. فهو خارج عن [الأصليين] (¬2) جميعا. # الثاني: أن القواعد الكلية تقتضي تقدير ضمان المضمون بقدر التالف. # والمضمون هنا مختلف بقدر الضمان بمقدار واحد. وهو PageV07P063 # الصاع مطلقا. فخرج عن القياس الكلي من اختلاف ضمان المتلفات باختلاف ~~قدرها وصفتها. # الثالث: أن اللبن التالف إن كان موجودا عند العقد فقد ذهب جزء من المعقود ~~عليه من أصل الخلقة، وذلك مانع من الرد، كما لو ذهب بعض أعضاء المبيع، ثم ~~ظهر على عيب، فإنه يمتنع الرد، وإن كان حادثا بعد الشراء فقد حدث على ملك ~~المشتري. فلا يضمنه، وإن كان مختلطا بما كان منه ms1202 موجودا عند العقد منع ~~الرد، وما كان حادثا بعده لم يجب [ضمانه] (¬1). # الرابع: إثبات الخيار ثلاثا من غير شرط مخالف للأصول فإن الخيار الثابت ~~بأصل الشرع لا يتقدر بالثلاث، كخيار العيب، وخيار الرؤية عند من يثبته، ~~وخيار المجلس عند من يقول به. # الخامس: يلزم من القول بظاهره الجمع بين الثمن والمثمن للبائع في بعض ~~الصور، وهو ما إذا كانت قيمة الشاة صاعا من تمر، فإنها ترجع إليه مع الصاع ~~الذي هو مقدار ثمنها. # السادس: أنه مخالف لقاعدة الربا في بعض الصور، [و] (¬2) هو ما إذا اشترى ~~شاة بصاع فإذا استرد معها صاع تمر، فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن، [فيكون ~~قد باع شاة مع صاع بصاع] (¬3) وذلك خلاف قاعدة الربا عندكم [فإنكم] (¬4) ~~تمنعون مثل ذلك. PageV07P064 # السابع: إذا كان اللبن باقيا لم يكلف رده عندكم فإذا أمسكه فالحكم كما لو ~~تلف فيرد الصاع، وفي ذلك ضمان الأعيان مع بقائها والأعيان لا تضمن بالبدل ~~إلا مع فواتها كالمغصوب وسائر المضمونات. # الثامن: قال بعضهم: إنه أثبت الرد من غير عيب ولا شرط. فإن نقصان اللبن ~~لو كان عيبا لثبت به الرد من غير تصرية، ولا يثبت الرد في الشرع إلا بعيب ~~أو شرط. # وأما المقام الثاني: -وهو أن ما كان من أخبار الآحاد مخالفا لقياس الأصول ~~المعلومة: لم يجب العمل به- فلأن الأصول المعلومة مقطوع بها من الشرع, وخبر ~~الواحد مظنون، والمظنون لا يعارض المعلوم. # أجاب القائلون: بظاهر الحديث: بالطعن في المقامين جميعا، أعني أنه مخالف ~~للأصول، وأنه إذا خالف الأصول لم يجب العمل به. # أما [(¬1)] الأول: -وهو أنه مخالف للأصول- فقد فرق بعضهم بين مخالفة ~~الأصول، ومخالفة قياس الأصول. وخص الرد بخبر الواحد بالمخالفة في الأصول، ~~لا بمخالفة قياس الأصول. وهذا الخبر إنما يخالف قياس الأصول (¬2). وفي هذا ~~نظر. وسلك PageV07P065 # آخرون [تخريج] (¬1) جميع هذه الاعتراضات والجواب عنها. # أما الاعتراض الأول: فلا نسلم أن جميع الأصول تقتضي الضمان بأحد الأمرين ~~على ما ذكرتموه فإن الحر يضمن بالإبل، وليست بمثل له ولا قيمة، والجنين ~~يضمن بالغرة ms1203 وليست بمثل له ولا قيمة، وأيضا فقد يضمن المثل بالقيمة إذا ~~تعذرت [المماثلة] (¬2) وهنا تعذرت. # أما الأول: فمن أتلف شاة لبونا كان عليه قيمتها مع اللبن. ولا يجعل بإزاء ~~لبنها لبنا آخر، لتعذر المماثلة. # وأما الثاني: -وهو أنه تعذرت المماثلة ههنا- فلأن ما يرده مع اللبن عوضا ~~عن اللبن التالف لا تتحقق مماثلته له في المقدار لجواز أن يكون حال رده ~~وعند العقد أكثر من اللبن الموجود أو أقل. # وأما الاعتراض الثاني فقيل في جوابه: أن بعض الأصول لا تتقدر بما ~~ذكرتموه، كالموضحة فإن أرشها مقدر، مع اختلافها PageV07P066 # بالكبر والصغر، والجنين مقدر أرشه ولا يختلف بالذكورة والأنوثة واختلاف ~~الصفات، والحر ديته مقدرة وإن اختلف في الكبر والصغر وسائر الصفات، والحكمة ~~فيه أن ما يقع فيه التنازع والتشاجر بقصد قطع النزاع فيه بتقدير شيء معين. ~~وتقدم هذه المصلحة في مثل هذا المكان على تلك القاعدة. # وأما الاعتراض الثالث، فجوابه أن يقال: متى يمتنع الرد بالنقص؟ إذا كان ~~لاستعلام العيب؛ [و] (¬1) إذا لم يكن الأول ممنوع، والثاني مسلم. وهذا ~~النقص لاستعلام العيب، فلا يمنع الرد. # وأما الاعتراض الرابع: فإنما يكون الشيء مخالفا لغيره إذا كان مماثلا له ~~وخولف في حكمه. # وهذه الصورة هنا انفردت عن غيرها، [لأن] (¬2) الغالب أن هذه المدة [هي ~~التي يتبين بها أن اللبن المجتمع بأصل الخلقة جبلة] (¬3) واللبن المجتمع ~~بالتدليس. [فهي] (¬4) مدة يتوقف [علم] (¬5) العيب عليها غالبا، بخلاف خيار ~~الرؤية والعيب فإنه يحصل المقصود من غير هذه المدة فيها، وخيار المجلس ليس ~~[للاستعلام] (¬6). PageV07P067 # وأما الخامس فقد قيل فيه: أن الخبر وارد على العادة، والعادة أن لا تباع ~~شاة بصاع. وفيه ضعف. # وقيل: إن صاع التمر بدل عن اللبن لا عن الشاة: فلا يلزم الجمع بين العوض ~~والمعوض. # وأما السادس فقد قيل في الجواب عنه: إن الربا إنما يعتبر في العقود لا في ~~الفسوخ بدليل أنهما لو تبايعا ذهبا بفضة لم يجز أن يفترقا قبل القبض ولو ~~تقابلا في هذا العقد لجاز أن يفترقا قبل القبض. # وأما السابع فقيل في ms1204 جوابه: أن اللبن الذي كان في الضرع حال العقد يتعذر ~~رده لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد، وأحدهما للبائع، والآخر للمشتري. # وتعذر الرد لا يمنع من الضمان مع بقاء العين كما لو غصب عبدا فأبق، فإنه ~~يضمن قيمته مع بقاء عينه، لتعذر الرد. # وأما الثامن فقيل فيه: إن الخيار يثبت بالتدليس كما لو باع رحا دائرة ~~بماء قد جمعه لها ولم يعلم به المشتري بل قد يقال أن ها هنا شرطا معنويا ~~وهو أن المشتري رأى ضرعا مملوءا فظن أن ذلك عادتها فكانه اشترط له ذلك من ~~حيث المعنى فجاء الأمر بخلافه فوجب الرد لفقدان الشرط المعنوي فإنه كاللفظ. # وأما المقام الثاني: -وهو النزاع في تقديم قياس الأصول على خبر الواحد- ~~فقيل فيه: إن خبر الواحد أصل بنفسه، يجب اعتباره لأن الذي أوجب اعتبار ~~الأصول نص صاحب الشرع عليها، وهو PageV07P068 # موجود في خبر الواحد، فيجب اعتباره. وأما تقديم القياس على الأصول ~~باعتبار القطع، وكون خبر الواحد مظنونا، فتناول الأصل لمحل خبر الواحد غير ~~[المقطوع] (¬1) به، لجواز استثناء محل الخبر [عن] (¬2) ذلك الأصل. # قال الشيخ تقي الدين (¬3): وعندي أن التمسك بهذا الكلام أقوى من التمسك ~~بالاعتذارت، ومن الناس من سلك طريقة أخرى في الاعتذار عن هذا الحديث، وهي ~~ادعاء النسخ وأنه يجوز أن يكون ذلك حيث كانت العقوبة بالمال جائزة (¬4)، ~~وهو ضعيف، فإنه إثبات نسخ بالاحتمال والتقدير، وهو غير سائغ. PageV07P069 # ومنهم من قال: يحمل الحديث على ما إذا اشترى شاة بشرط أنها تحلب خمسة ~~أرطال مثلا وشرط الخيار، فالشرط فاسد، فإن اتفقا على إسقاطه في مدة الخيار ~~صح العقد، وإلا بطل وأما رد الصاع، فلأنه كان قيمة اللبن في ذلك الوقت. # وأجيب عنه: بأن الحديث يقتضي تعليق الحكم بالتصرية، وما ذكر يقتضى تعليقه ~~بفساد الشرط، سواء [وجدت] (¬1) التصرية أم لا. # ثم اعلم بعد ذلك أن الصحيح الذي قال به فقهاء المحدثين العمل بالحديث وهو ~~الموافق للسنة وممن قال به الشافعي والليث وابن أبي ليلى وأبو ثور وأبو ~~يوسف صاحب أبي حنيفة والسنة إذا ms1205 وردت لا يعترض عليها بالمعقول. ومن ~~الحكايات الصحيحة (¬2) في هذا الباب ما أنبأنا به عن أبي الفضل أحمد بن ~~عساكر عن أبي المظفر عبد الرحيم السمعاني عن والده الحافظ عبد الكريم عن ~~أبي المعمر المبارك الأزجي عن أبي القاسم [يوسف] (¬3) بن علي الزنجاني عن ~~الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، قال سمعت القاضي أبي الطيب الطبري قال: كنا في ~~حلقة الذكر بجامع المنصور فجاء شاب خراساني فسأل عن مسألة المصراة فطالب ~~بالدليل فاحتج المستدل بحدبث أبي هريرة الوارد فيها، فقال الشاب: وكان ~~حنفيا أبو هريرة غير مقبول الحديث، قال القاضي: فما إن استتم كلامه حتى ~~سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع فوثب الناس من PageV07P070 # أجلها وهرب الشاب من يديها وهي تتبعه فقيل له تب تب، فقال: تبت فغابت ~~الحية فلم ير لها أثرا وهذا إسناد جليل صحيح رواته كلهم ثقات. # الوجه الثامن: من الكلام على الحديث يستنبط منه تحريم التدليس وأنه موجب ~~للخيار، وإن كان بتحسين المبيع الذي يؤدي إلى الخدع والغرر وإقامة الفعل ~~مقام النطق في مثل هذا كما إذا سود شعر الجارية [الشابة] (¬1) أو جعد شعر ~~السبطة ونحو ذلك. # والأصح عند الشافعية أنه إذا لطخ ثوب العبد بالمداد ليخيل به كتابته أنه ~~لا خيار به لتقصير المشتري بعدم الامتحان والسؤال. # وقيل: نعم للتلبيس والتدليس، وهو محكى عن المالكية. # الوجه التاسع: في أحكام الحديث ملخصة. # الأول: تحريم تلقي الركبان وقد سلف شرطه. # الثاني: تحريم البيع على بيع أخيه وقد سلف شرطه أيضا. # الثالث: تحريم النجش. # الرابع: تحريم (¬2) الحاضر للبادي وقد تقدم شرطه أيضا. # الخامس: تحريم التصرية. # السادس: ثبوت الخيار بها. # السابع: ثبوت الرد بها بعد حلبها إن اختاره المشتري. PageV07P071 # الثامن: أن البدل عن اللبن مقدر من الشرع بصاع تمر مطلقا كما سلف. # التاسع: امتداد خيار الرد بالتصرية ثلاثة أيام وقد سلف ما فيه. # العاشر: رواية الخيار ثلاثا جعلها أبو حنيفة والشافعي أصلا في ضرب أجل ~~الخيار وأنه لا زيادة فيه على هذه المدة. # وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد ms1206 بن الحسن: قليل الخيار وكثيره جائز. # ومالك لا يرى للخيار أصلا محدود لا يتعدى بل قدر ما يتخير فيه المشتري؛ ~~ويختلف ذلك باختلافه؛ فليس اختيار الثوب كاختيار العبد وسكنى الدار. # وبيع الخيار عند المالكية [جائز] (¬1) ضرب له أجلا أم لا، ويضرب الحاكم ~~للبيع من الأجل قدر ما يتخير فيه مثلا، خلافا لأبي حنيفة والشافعي في ~~إبطاله إذا لم يضرب له أجل وهو رخصة خارجة عن الأصل للضرورة الداعية للبحث ~~عن المشتري ويقضي معرفته وأخذ رأي من [يريد] (¬2) مشورته فيه. # الحادي عشر: فيه أيضا أن العقد المنهى عنه المحرم إذا كان لأجل الآدمي لم ~~يدل على الفساد ولا يفسخ العقد ألا ترى أن التصرية غش محرم ثم إنه -عليه ~~الصلاة والسلام- لم يفسخ العقد ولكن جعل الخيار للمشتري. PageV07P072 # الثاني عشر: فيه أيضا أن بيع الخيار موضوع لتمام البيع واستقراره لا ~~للفسخ، وهو أحد القولين، [عند المالكية] (¬1). # وقيل: إنه موضوع للفسخ. # قال القرطبي في "مفهمه" (¬2): والأول أولى لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"إن رضيها أمسكها"، والإمساك: إنما هو استدامة التمسك لما قد ثبت وجوده كما ~~قال -عليه الصلاة والسلام- لغيلان: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" (¬3) أي ~~[استدم] (¬4) حكم العقود السابقة. # ... PageV07P073 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 275/ 3/ 53 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "نهى عن بيع حبل الحبلة" وكان بيعا يتبايعه أهل ~~الجاهلية، وكان الرجل يبتاع الجزور إلى أن ننتج الناقة ثم تنتج [الذي] (¬1) ~~في بطنها (¬2). PageV07P074 # قيل: إنه كان يبيع الشارف -وهي الكبيرة المسنة- بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته. # الكلام عليه من وجوه: # الأول: حبل الحبلة: -بفتح الباء فيهما- وروى بعضهم حبل بإسكانها وهو غلط. # والحبلة: هنا جمع حابل، كظالم وظلمة، قال الأخفش: يقال حبلت المرأة فهي ~~حابل والجمع نسوة حبلة، وقال [ابن] (¬1) الأنباري (¬2): الهاء في الحبلة ~~للمبالغة ووافقه بعضهم. # واتفق أهل اللغة: على أن الحبل مختص بالآدميات، ويقال: في غيرهن الحمل، ~~يقال: حملت المرأة ولدا وحبلت بولد، وحملت الشاة بسخلة، ولا يقال حبلت، قال ~~أبو عبيد (¬3): لا يقال لشيء من الحيوان ms1207 حبلى إلا ما جاء في هذا الحديث. PageV07P075 # الثاني: [اختلف العلماء] (¬1) في المراد بالنهي عن بيع حبل الحبلة، فقال ~~جماعة: هو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ويلد ولدها، وهذا التفسير ~~ثابت في الصحيحين عن ابن عمر وبه قال مالك والشافعي ومن تابعهم. # وقال آخرون: هو بيع ولد ولد الناقة الحابل في الحال، وهو تفسير أبي عبيدة ~~معمر بن المثنى وصاحبه [أبي] (¬2) عبيد القاسم بن سلام (¬3) وآخرين من أهل ~~اللغة، وبه قال أحمد وإسحق وهو أقرب إلى اللغة (¬4) لكن تفسير الراوي مقدم ~~على تفسير غيره عند الشافعي ومحققي الأصوليين إذا لم يخالف الظاهر لأنه ~~أعرف (¬5)، وفيه قول ثالث حكاه القاضي (¬6) ثم القرطبي (¬7) عن المبرد أنه ~~قال: حبل الحبلة عندي حمل الكرمة قبل أن تبلغ، والحبلة: الكرمة (¬8) بسكون PageV07P076 # الباء وفتحها ولم يذكر القرطبي التفسير الذي قبله بل اقتصر على هذا وعلى ~~الأول وما قاله المبرد هو عين نهيه -عليه الصلاة والسلام- عن بيع الثمار ~~حتى يبدوا صلاحها وسيأتي. # واعلم أن في الصحيح في تفسير ابن عمر بحبل الحبلة "ثم تنتج الذي في ~~بطنها" كما ذكره المصنف ورأيت في نسخة صحيحة من البخاري "التي" (¬1) بدل ~~"الذي" وفيه عنه أيضا "ثم تحمل الذي نتجت". # الثالث: هذا البيع كانت الجاهلية تبتاعه -كما ذكره في الحديث- فأبطله ~~الشارع للمفسدة المتعلقة به لأنه بيع إلى أجل مجهول على التفسير الأول (¬2) ~~ولانتفاء الملك وغيره من شروط البيع على التفسير الثاني (¬3)، وكذا على ~~التفسير الذي ذكره المصنف، وكان السر فيه أنه يفضي إلى أكل المال بالباطل، ~~والتشاجر والتنازع المنافي للمصلحة الكلية. PageV07P077 # الرابع: على التفسير الأول يصير هذا أصلا في النهي عن البيع بثمن إلى أجل ~~مجهول كالبيع إلى عطاء السلطان حقوق المرتزقة لأنه يتقدم أو يتأخر. نعم إن ~~كان وقته معلوما جاز. # قال المازري (¬1): واختلف في المذهب عندنا في البيع إلى العطاء فمن أجازه ~~رآه معلوما في العادة، ومن أباه رآه يختلف في العادة. # الخامس: الجزور: -بفتح الجيم- من الإبل يقع على الذكر والأنثى، وهي ~~مؤنثة، والجمع الجزر قاله الجوهري، وقد ms1208 سلف الكلام عليها أيضا في الحديث ~~الأول من باب التمتع. # والنتاج: الولادة، يقال: نتجت الناقة على ما لم يسم فاعله تنتج نتاجا، ~~وقد نتجها أهلها نتجا، وأنتجت الفرس إذا حان نتاجها، وقال يعقوب: إذا ~~استبان حملها وكذلك الناقة فهي نتوج، ولا يقال منتج، وأتت الناقة على ~~منتجها أي الوقت الذي تنتج فيه، وهو مفعل -بكسر العين-، ويقال: للشاتين إذا ~~كانتا بسنا واحدة نتيجة، وغنم فلان نتائج أي في سن واحدة، قاله الجوهري (¬2). # ... PageV07P078 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 276/ 4/ 53 - وعنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن بيع ~~الثمرة حتى يبدو صلاحها، [نهي] (¬1) البائع والمشتري" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: معنى: "يبدو" يظهر، وهو بفتح الواو غير مهموز، ويقال: بدا إذا ظهر ~~-من غير همز- وبدأ في الشيء إذا شرع فيه -بالهمزة-، قال النووي (¬3): ومما ~~ينبغي أن تتنبه له أنه يقع في كثير من كتب المحدثين وغيرهم: "حتى يبدوا" ~~-بالألف في الخط- وهو خطأ، والصواب: حذفها في مثل هذا للناصب. وإنما ~~اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصب، مثل: زيد يبدوا، والاختيار PageV07P079 # حذفها أيضا , ويقع مثله: "حتى يزهو" وصوابه: حذف الألف كما ذكرنا. واعترض ~~الفاكهي، فقال: تخصيصه "يبدوا" أو "تزهوا" [بمفردهما] (¬1) عجيب، فإن ذلك ~~يقع كثيرا في غيرهما في كتب المحدثين وغيرهم نحو يغزو، ويلهو، وأشباههما. # قلت: لا عجيب مما ذكره فتأمله، قال: وقوله: "والصواب حذفها للناصب" أعجب ~~(¬2) من الذي قبله، إذ ليس في العربية ألف يحذفها الناصب، وإنما يحذف ~~الناصب النون من الأمثلة الخمسة لا غير، قال: ثم إن قوله: "والصواب حذفها ~~للناصب" ليشعر بأنها كانت موجودة قبل دخول الناصب، وليس الأمر كذلك قطعا. # وقوله: "إن إثباتها في ذلك خطأ" ليس متفقا عليه، بل اختيار الكسائي لحاق ~~هذه الألف في حال النصب فرقا بين الاتصال والانفصال، قال ابن عصفور: فيكتب ~~عنده أن يغزوا زيد عمر -بالألف بعد الواو- ولن يغزوك -بغير ألف- لانفصال ~~الفعل من الظاهر في المسألة الأولى، واتصاله بالضمير في الثانية، كما ~~كتبوا: ضربوا زيدا -بالألف بعد الواو- ولم يثبتوا الألف في ضربوك، ms1209 فكان ~~اللائق به أن يقول لا يجوز إثباتها عند الجمهور ونحو ذلك. # وقوله: "وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصب" ليس كذلك كما تقدم ~~آنفا من كلام الكسائي ومن قال بقوله، قال: "فكان عدم هذا التنبيه خيرا من ~~وجوده هذا كلامه ولا يخلوا من تحامل". PageV07P080 # الثاني: قوله: "حتى يبدو صلاحها" فسيأتي تفسيره في الحديث الخامس (¬1): ~~"حتى يحمر" وفي رواية، "قيل: وما تزهوا؟ قال: تحمار أو تصفار" وضبط بعض ~~أصحابنا: بدو الصلاح: بظهور مبادىء النضج والحلاوة فيما لا يتلون، وفي غيره ~~بأن يأخذ في الحمرة والسواد، وهو حد بدخوله كما بينته في كتب الفروع فإنه محله. # الثالث: قوله: "نهى البائع والمشتري" هو تأكيد للمنع وإيذانا بأن المنع ~~وإن كان احتياطا لحق الإنسان فليس له تركه مع ارتكاب النهي فيقول: أسقطت ~~حقي من الاحتياط ليس فإن الاحتياط هنا لمصلحة مشتري الثمار، وهي قبل بدو ~~الصلاح معرضة للآفات والعاهات فإذا حصل عليها شيء منها أجحف به ولهذا ورد ~~في الحديث الآتي: "أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم [مال] (¬2) ~~أخيه؟ "، فلذلك وقع المنع منه للبائع والمشتري لأجل منع الشرع وكأنه لقطع ~~النزاع والتخاصم. # وعبارة النووي في شرحه (¬3): "أما البائع فلأنه يريد أكل المال بالباطل، ~~وأما المشتري فلأنه يوافقه على حرام، ولأنه يضيع ماله وقد نهينا عن إضاعة ~~المال". # الرابع: أكثر الأمة على أن النهي المذكور للتحريم وحمله أبو حنيفة على ~~التنزيه، وبناه على أصله في رد أخبار الآحاد PageV07P081 # بالقياس. وأخرج الفقهاء من عمومه بيعا بشرط [القطع] (¬1) اعتبارا للمعنى ~~الذي لأجله نهى عن بيعها قبل بدو الصلاح، فإنها قبله معرضة للآفات ~~والعاهات، فإذا بدأ صلاحها أمنت العاهة فيها غالبا وقل غررها وكثر الانتفاع ~~بها لأكل الناس إياها رطبا فلا يقصدون بشرائها الغرر، فإذا اشتريت على ~~القطع لم يكن بذلك بأس لزوال الغرر بالقطع، وهذا إجماع إلا ما شذ مما روي ~~عن ابن أبي ليلى والثوري على ما حكاه القرطبي (¬2) عنهما. # قال أصحابنا: ولو شرط [القطع] (¬3) أو [ثم] (¬4) لم يقطع فالبيع صحيح ~~ويلزمه ms1210 البائع بالقطع فإن تراضيا على إبقائه جاز وإن باعها بشرط التبقية ~~فالبيع باطل بالإجماع، لأنه ربما تلفت قبل إدراكها كما أسلفناه فيكون ~~البائع قد أكل مال أخيه بالباطل. # واختلف العلماء في بيعها مطلقا من غير شرط قطع ولا إبقاء. # فذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء: إلى المنع منه استدلالا بعموم هذا ~~الحديث وإطلاقه [فإنه] (¬5) إذا خرج [من] (¬6) العموم بيعها بشرط القطع دخل ~~باقي الصور التي من جملتها الإطلاق. PageV07P082 # وقال ابن القاسم: إن جذها مكانه فالبيع جائز. # وقال ابن القصار: البيع فاسد حتى يشترط الجذاذ، وبه قال القاضي عبد ~~الوهاب والأبهري، قال اللخمي: وقول ابن القاسم أحسن عند عدم العادة لأن محل ~~البياعات على التقابض في الثمن والمثمن. # قال ابن الجلاب: فإن شرط قطعها فبقاها مشتريها ضمن مكيلتا [] (¬1) إن ~~كانت معلومة أو قيمتها إن كانت مجهولة. # قال [الفاكهي] (¬2): وإنما قال ذلك لأنهما ينهيان أن يكونا دخل على ~~التبقية، ومالك ينظر إلى فعلهما لا إلى قولهما، -وعندهم حكاية قولين: ~~الجواز، وعدمه فيما إذا اشترطا وقف البيع حتى ينظر هل تسلم الثمرة فيمضي ~~البيع أو لا؟ (¬3). # [الرابع] (¬4): مفهوم الحديث أنه إذا بدأ صلاحها صح بيعها وهو كذلك فيجوز ~~بيعها مطلقا، وبشرط القطع وبشرط الإبقاء ثم إذا بيعت بشرط الإبقاء ومطلقا ~~لزم البائع تبقيتها إلى أوان الجذاذ لأن ذلك هو العادة فيها، وبه قال مالك ~~والشافعي. # وقال أبو حنيفة: يجب شرط القطع، وشذ ابن حبيب فقال: هي على الجد حتى ~~يشترط البقاء. PageV07P083 # فرع: ذهب مالك والكوفيون وأكثر العلماء إلى جواز بيع السنبل المشتد. # وفصلت الشافعية فقالوا: إن كان السنبل شعيرا أو ذرة أو ما في معناهما مما ~~يرى حباته [جاز بيعه. # وإن كان حنطة ونحوها: مما يستتر] (¬1) حباته بالقشور التي تزال في الدارس ~~فقولان: أصحهما، وهو الجديد: لا يصح. # وأما قبل الاشتداد: فلا يصح بيع الزرع إلا بشرط القطع، وإذا باعه قبل ~~اشتداده مع الأرض بلا شرط جاز تبعا للأرض وكذا التمر قبل الصلاح إذا بيع مع ~~الشجر بلا شرط تبعا. # [وكذا] (¬2) حكم البقول في ms1211 الأرض: لا يجوز بيعها في الأرض، إلا بشرط القطع. # وكذا لا يصح بيع البطيخ ونحوه: قبل بدو صلاحه. # ... PageV07P084 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 277/ 5/ 53 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "نهى عن بيع الثمار حتى تزهى"، قيل: وما تزهى؟ قال (¬1): ~~"تحمر"، قال: "أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ " (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث رواه البخاري بهذا اللفظ إلا أنه قال: "يأخذ" بدل ~~"يستحل" وترجم عليه، "باب: إذا باع الثمار قبل بدو الصلاح ثم أصابته عاهة ~~فهو من البائع" (¬3)، وفي رواية له: "نهى أن PageV07P085 # تباع ثمرة النخل حتى تزهو" يعني حتى تحمر، وترجم عليها: "بيع الثمار قبل ~~أن يبدو صلاحها" (¬1)، وفي رواية له: "نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها"، ~~وفي رواية له: "وعن النخل حتى يزهو قيل: وما تزهو؟ قال: يحمار أو يصفار"، ~~وترجم عليها: "بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها" (¬2)، وفي رواية له: "نهى عن ~~بيع ثمر التمر حتى يزهو". فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر. أرأيت إن ~~منع [الله] (¬3) الثمرة بم تستحل مال أخيك؟ " (¬4) ذكرها في "باب: بيع ~~المخاطرة" (¬5). # ورواه مسلم بألفاظ: أحدها: نهى عن بيع ثمر النخل حتى تزهو. فقلنا لأنس: ~~وما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر. أرأيت إن منع الله الثمرة بم تستحل مال أخيك؟ (¬6). # ثانيها: نهى عن بيع الثمرة حتى تزهى، قالوا: وما تزهى؟ قال: تحمر. فقال: ~~إذا منع الله الثمرة بم تستحل مال [أخيك"؟ (¬7)] (¬8). PageV07P086 # ثالثها: "إن لم يثمرها الله فبم يستحل أحدكم مال أخيه" (¬1). # الثاني: قوله: "أرأيت" إلى آخره قال عبد الحق في "جمعه بين الصحيحين" ليس ~~بموصول عنه في كل طريق. # قلت: هذا أمر اختلف فيه قديما، فالصواب: كما قاله الدارقطني وغيره أنه من ~~قول أنس كما ذكره عبد الحق، قال أبو زرعة: الداروردي، ومالك بن أنس ~~[يرويانه] (¬2) مرفوعا والناس يروونه موقوفا من كلام أنس. ووقع في كلام ~~الشيخ تقي الدين الجزم برفعه وتبعه ابن العطار وليس بجيد (¬3). PageV07P087 # الثالث: قوله: "حتى ms1212 تزهى"، قال ابن الأعرابي (¬1): يقال زها النخل يزهوا ~~إذا ظهرت ثمرته، وأزها يزهى إذا احمر أو اصفر، وقال الأصمعي (¬2): لا يقال ~~في النخل أزهى، إنما يقال يزهى. وحكاهما أبو زيد لغتين، وقال الخليل: أزهى ~~النخل بدأ صلاحه. # وقال الخطابي (¬3): يروى "حتى تزهو"، والصواب: في العربية حتى "تزهى" بضم ~~التاء لا غير أي لأن الأصل حتى تزهو لأنه PageV07P088 # من الزهو فكان لقلب الواو ياء موجبان: وقوعها رابعة وكسر ما قبلها، فهو ~~كبدعي ويعزى وأشباهها إذا عديت بهمزة النقل، فلما قلبت الواو ياء صار تزهى. # قلت: وما صوبه الخطابي فهو مروي أيضا في الحديث، وعليه اقتصر المصنف وعلى ~~أن بعضهم أنكر ما صوبه. # قال ابن الأثير: منهم من أنكر يزهى كما أن منهم من أنكر تزهو (¬1). # والصواب: تخريج الروايتين على اللغتين، زهت تزهو، وأزهت تزهي، فمن نقل ~~حجة على من لم ينقل إذا كان ثقة. # قال الخطابي (¬2): والإزهاء في [الثمر] (¬3) أن يحمر أو يصفر، وذلك علامة ~~الصلاح فيها، ودليل خلاصها من الآفة. # وقال الجوهري (¬4): "الزهو" -بفتح الزاي وأهل الحجاز يقولون بضمها- وهو ~~البسر الملون. يقال: إذا ظهرت الحمرة أو الصفرة في النخل فقد ظهر فيه ~~"الزهو"، وقد "زها" النخل "زهوا"، وأزهى لغة. وقال الشيخ تقي الدين (¬5): ~~"الإزهاء" تغير لون الثمرة [إلى] (¬6) حالة الطيب، ولم يذكر في هذه اللفظة ~~غير ذلك. PageV07P089 # الرابع: قوله "حتى تحمر" (¬1) كذا اقتصر [عليه] (¬2) المصنف وقد أسلفت لك ~~في رواية أخرى "وتصفر"، وفي أخرى: "تحمار أو تصفار"، ونقل القاضي عن ~~الخطابي (¬3): أنه لم يرد بقوله: "يحمار ويصفار" اللون الخالص [وإنما أراد ~~لون خالص] (¬4) في كمودة، ولذلك قال: "تحمار وتصفار"، ولو أراد اللون ~~الخالص لقال: "تحمر وتصفر". # قلت: قد قاله في الرواية الأخرى. # الخامس: قوله: "بم" تكتب هكذا بغير ألف فإن "ما" الاستفهامية إذا كانت ~~مخصوصة بالإضافة كقولهم: "تجيء وجيت" ومثل: "هأنت" أو بحرف الجر كقوله ~~تعالى: {فبم تبشرون} (¬5)، و {عم يتساءلون} (¬6)، حذفت ألفها وهذا بخلاف ~~"ما" الخبرية (¬7) كقولك: "رغبت فيما رغبت فيه"، و"جئت لما جئت إليه" [] ~~(¬8). فإنها لا تحذف. # والفرق: ms1213 أن ما كثر استعماله التمس تخفيفه، و"ما" الاستفهامية أكثر من ~~الخبرية. PageV07P090 # وأيضا: "فما" الاستفهامية اسم تام [غير] (¬1) مفتقر إلى صلة ولا صفة. # و"ما" الخبرية موصولة، والموصول والصلة كالشيء الواحد، فلو حذفت ألف ~~الخبرية لوقع الجر فيه حشو الكلمة، ومحل الحذف إنما هو الظرف وليس كذلك ~~التامة إذ لا صلة لها فوقع الحذف فيها طرفا لا حشوا. # السادس: في هذه الرواية إشارة إلى ما تقدم من كون الثمار قبل بدو صلاحها ~~عرضة للآفات والعاهات وهي قوله: " [أرأيت] (¬2) إن منع الله [الثمرة] (¬3) ~~" إلى آخره. ووقع في شرح الشيخ تقي الدين (¬4): عند ذكر حديث أنس هذا سبق ~~قلم عن الكاتب فإن فيه: "مثل هذا في المعنى حديث أنس الذي بعده", وصوابه: ~~"مثل هذا في المعنى حديث ابن عمر الذي قبله، فتنبه له". # السابع: فيه أيضا دلالة على منع بيع الثمرة قبل الإزهاء وقد تقدم الكلام ~~عليه واضحا في الحديث قبله (¬5). # الثامن: فيه أيضا دلالة على أنه يكتفي بمسمى الإزهاء PageV07P091 # وابتدائه، من غير اشتراط [تكماله] (¬1)، لأنه جعل مسمى الإزهاء غاية ~~للنهي، وبأوله يحصل المسمى، ويحتمل أن يستدل به على العكس، لأن الثمرة ~~المبيعة قبل الإزهاء -أعني ما لم يزه من الحائط- إذا دخل تحت اسم الثمرة، ~~فيمتنع بيعه قبل الإزهاء. ذكره الشيخ تقي الدين (¬2) وقال: إن قال بهذا ~~قائل فله أن يستدل بذلك. انتهى، وإنما يقول بذلك إن قاله ظاهري محض لا ~~يراعى المعنى الذي سنذكره على الأثر. # التاسع: فيه أيضا دلالة على أن زهو [بعض] (¬3) الثمرة كاف في جواز البيع ~~من حيث ينطلق عليها أنها أزهت بإزهاء بعضها مع حصول المعنى، من الأمن من ~~العاهة غالبا، ولولا وجود المعنى كان تسميتها "مزهية" بإزهاء بعضها قد لا ~~يكتفي به لكونه مجازا (¬4)، وأيضا لو قيل بإزهاء الجميع لأدى إلى فساد ~~الحائط أو أكثره، والله تعالى أمتن علينا فجعل الثمار لا تطيب دفعة وإحدة ~~إطالة لزمن التفكه. # وعند المالكية (¬5) أنه لو كان الذي أزهى باكورة لم يجز بيع متأخره معه، ~~بل تباع الباكورة وحدها، قالوا: وإنما منع ms1214 أن تباع معه لاستقبال المتأخر ~~بعدم الإزهاء فهو داخل تحت النهي، قال: الأبهري منهم، ولأنه لا يؤمن فيه ~~الجائحة إذا بيع في هذا الوقت، PageV07P092 # فيكون بيعه غررا وقد تهى عنه، وكذا لو كان في الحائط نوعان من النخل صيفي ~~وشتوي، لم يبع أحدها بطيب الآخر كما لا يجوز بيع ثمرة السنة الثانية مع ~~الأولى. # واختلفوا فيما إذا لم يزه الحائط ويزهى ما حوله من الحوائط، فقال مالك: ~~يجوز بيعه. # وقال ابن القاسم: أحب إلي أن لا يبيعه حتى يزهى. # قال ابن يونس: والأول أقيس لأنه لو ملك ما حوله من الحوائط جاز بيع بعضها ~~بإزهاء بعض. # قال القاضي عبد الوهاب: ولأن الزمان الذي تؤمن فيه العاهة غالبا قد حصل. # والأصح عند الشافعية: أنه إذا اختلف الحائط لا يتبع أحدهما الآخر. # العاشر: فيه دلالة أيضا كما قال القاضي: على أن المعتبر بدو صلاحها سواء ~~كان في الوقت الذي جرت العادة بطيبها فيه. أم لا وأنه لا يعتبر الوقت الذي ~~جرت العادة بطيبها فيه، قال: وذهب بعض العلماء إلى اعتبار الوقت فلو بكرت ~~لم تعتبر الباكورة، قال: وإنما يعتبر الوقت في غير الباكورة أما هي فيجوز ~~بيعها وإن بكرت عن الوقت، وهذا قد قدمناه عن المالكية. # الحادي عشر: يؤخذ من قوله: "أرأيت" إلى آخره أن مال الغير لا يحل ولا ~~يستحل إلا بالوجوه الشرعية لا بالحيل ولا ببعض شروط الحل دون بعض. PageV07P093 # الثاني عشر: قد يؤخذ منه أيضا وضع الجوائح، وفيه حديث في "صحيح مسلم" ~~(¬1) من حديث جابر أنه -عليه الصلاة والسلام-: "أمر بوضع الجوائح" وهو مذهب ~~الإمام أحمد. # ومذهب الشافعي وأبي حنيفة والليث وآخرين المنع. # وقال مالك (¬2): إن كانت دون الثلث، لم يجب وضعها وإن كانت الثلث، فأكثر ~~وجب والمسألة مبسوطة في الفروع والخلافيات. # الثالث عشر: فيه أيضا السؤال عن معنى اللفظ الغريب والجواب عنه وبيان حكمته. # ... PageV07P094 ### ||| AUTO الحديث السادس # 278/ 6/ 53 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: "نهى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أن تتلقى الركبان، وأن ms1215 يبيع حاضر لباد"، قال: فقلت ~~لابن عباس: ما قوله "حاضر لباد؟، قال: لا يكون له سمسارا" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: "السمسار" الدلال وأصله القيم بالأمر الحافظ له ثم استعمل في ~~متولى البيوع، والشراء لغيره وكأنها لفظة أعجمية (¬2)، PageV07P095 # ويقال لجماعة السمسار: السماسرة وسماهم -عليه الصلاة والسلام- تجارا (¬1). # [و] (¬2) السمسرة: [البيع] (¬3) والشراء. # الثاني: تقدم الكلام على فقه الحديث في الحديث الثاني من الباب واضحا ~~فليراجع منه. # الثالث: فيه أيضا دلالة على تحريم تعاطي أسباب الشيء المنهى عنه لأن ~~الدلال لما كان سببا لتعاطي هذا البيع المحرم حرم عليه الكلام والدخول فيه ~~وكما حرم عليه السمسرة فيه كذلك يحرم عليه أن يكون وكيلا في بيعه تبعا. # الرابع: فيه السؤال عما يجهله الإنسان والجواب عنه بمقتضى ما يعلمه ~~المجيب. # ... PageV07P096 ### ||| AUTO الحديث السابع # 279/ 7/ 53 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: "نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة: [(¬1)] أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا ~~بتمر كيلا، وإن كرما: أن يبيعه بزبيب كيلا، أو كان زرعا: أن يبيعه بكيل ~~طعام. نهى عن ذلك كله" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: "المزابنة" مأخوذة من الزبن وهو الدفع، ومنه الزبانية، لأن الغبن ~~فيها يكثر غالبا لبنائها على التخمين فيزيد المغبون رفعه والغابن إمضائه ~~فيتدافعان. # الثاني: ذكر في الحديث أمثلة لها وحاصلها يرجع إلى بيع معلوم بمجهول من ~~جنسه، ووجه النهي فيها أنه بيع مال الربا بجنسه PageV07P097 # من غير تحقق المساواة في المعيار الشرعي -وهو الكيل- فنهى عنه لما يقع ~~فيه من الغبن والجهالة. # الثالث: قوله "ثمر حائطه" هو بالثاء المثلثة. # وقوله: "بتمر كيلا" هو بالمثناة فوق لأنه اليابس، والأول الرطب، وإن كان ~~حكم الرطب في الأرض والتمر على رؤوس النخل بعكسه، ولو باع الرطب على رؤوس ~~النخل والبسر على الأرض فهو كبيعه بالرطب، ولو باعه بالطلع ففيه ثلاثة أوجه ~~في الماوردي. # ثالثها: يجوز بطلع الذكر دون طلع الإناث. # والحائط: البستان. # [الرابع] (¬1): في الحديث دلالة على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير ~~العرايا على ما سيأتي في ms1216 الباب (¬2) بعده. # واتفقوا: على أنه ربا. # وأجمعوا: على تحريم بيع العنب بزبيب إلا في العرايا. # وأجمعوا أيضا: على تحريم بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية وهي المحاقلة ~~مأخوذة من الحقل وهو الحرث ومواضع الزرع وسواء عند جمهورهم كان الرطب ~~والعنب على الشجر أو مقطوعا. # وقال أبو حنيفة: إن كان مقطوعا جاز بيعه بمثله من اليابس لكنه داخل تحت ~~نهيه -عليه الصلاة والسلام- عن بيع الرطب بالتمر. PageV07P098 # الخامس: صح النهي (¬1) عن تسمية العنب كرما فإن الكرم الرجل المسلم، قيل: ~~سمى كرما من الكرم -بفتح الراء- لأن الخمرة المتخذة منه تحمل عليه (¬2)، ~~فكره أن يسمى به وجعل المؤمن أحق ما يستحق من الكرم، ويقال: لرجل كرم ~~-بإسكان الراء وفتحها- أي كريم، وقال الزمخشري: أراد أن يقرر ما في قوله ~~تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (¬3) بطريقة أنيقة ومسلك لطيف (¬4)، ~~وليس الغرض حقيقة النهي عن تسمية العنب كرما، ولكن الإشارة إلى أن المسلم ~~التقي جدير بأن لا يشارك فيما [سماه] (¬5) الله [(¬6)] به. # وقوله: "إنما الكرم الرجل المسلم" أي المستحق للاسم المشتق من الكرم: ~~الرجل المسلم، وهذا [الذي] (¬7) قاله حسن PageV07P099 # [لكنه] (¬1) يمتنع أن يراد المعنيان؛ النهي بدلالة النص والمعنى الآخر ~~بإشارته، إذا تقرر ذلك. فقوله هنا "وإن كان كرما" إن كان من كلامه - صلى ~~الله عليه وسلم - فتحتاج إلى الجمع بين قوله ونهيه، فتأمله ولا تخفى على ~~الفطن (¬2). # ... PageV07P100 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 280/ 8/ 53 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "نهى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن المخابرة والمحاقلة والمزابنة، وعن بيع الثمرة حتى ~~يبدو صلاحها، وأن لا تباع إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا" (¬1). # المحاقلة: بيع الحنطة في سنبلها بصافية. # الكلام عليه من وجوه: # وينبغي أن نعلم قبل الخوض فيها أن هذا الحديث ليس في نسخ شرح الشيخ تقي ~~الدين رأسا (¬2). PageV07P101 # الأول: "المحاقلة" قد فسرها المصنف، وهي مأخوذة من الحقل وهي المساحات ~~التي تزرع كما أسلفته في الحديث قبله فسميت محاقلة لتعلقها بزرع في حقل. # وقال الماوردي (¬1): الحقل هو السنبل وهو في لسان العرب الموضع الذي يكون ms1217 ~~فيه الشيء كالمعدن. # وذكر النسائي في "سننه" أن المحاقلة والمخابرة: بيع الكرم بكذا كذا صاعا. ~~قال المحب في "أحكامه": وهو تفسير غريب غير مشهور. # ووجه النهي عن هذا العقد أنه بيع [مقصود] (¬2) مستتر بما ليس من صلاحه، ~~وبيع حنطة وتبن بحنطة، فإن الصافية الخالصة من التبن] (¬3) وحينئذ فهو من ~~باب قاعدة: مد عجوة. لعدم العلم بالمماثلة أيضا، ولو باع شعيرا في سنبله ~~بحنطة صافية وتقابضا في المجلس، أو باع زرعا قبل ظهور الحب بحب من جنسه جاز ~~لأن الحشيش غير ربوي. PageV07P102 # الثاني: "المزابنة" تقدم الكلام عليها في الحديث قبله، الثمرة حتى يبدو ~~صلاحها تقدم أيضا في الحديث الرابع. # الثالث: "المخابرة" من الخبير وهو الأكار -أي الفلاح- أو من الخبار، وهي ~~الأرض الرخوة، أو من الخبر وهو شرب [الماء] (¬1) أو الزرع أو من الخبرة، ~~-بضم الخاء- وهي النصيب، أو من خيبر لأنه -عليه الصلاة والسلام- عامل أهل ~~خيبر عليها. أقوال (¬2) الجمهور على الأول. # وحقيقتها: عمل الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل وهي قريبة في ~~المعنى من المزارعة إلا أن البذر فيها من المالك كذا فرق بينهما جمهور ~~الشافعية وهي ظاهر نص الشافعي. # وقيل: هما بمعنى ونقله صاحب "البيان" عن أكثر الأصحاب ولا يوافق عليه. ~~نعم جزم به الجوهري في"صحاحه" (¬3). وكذا ابن الأثير في "جامعه" (¬4). # وقال البندنيجي: إنه لا يعرف في اللغة فرق بينهما، وأشار الشافعي إلى أن ~~القياس التسوية بينهما وبين المساقاة، لكن السنة فرقت [بينهما] (¬5)، ~~والمعنى أن تحصيل منفعة الأرض ممكنة PageV07P103 # بالإجارة, فلم يجز الحمل عليها ببعض ما يخرج منها كالمواشي بخلاف الشجر. # وقال ابن سريج: بجواز المزارعة، وهو مذهب أحمد ووافق الشافعي أبو حنيفة. # [وقال مالك: لا تجوز؛ لا منفردا ولا تبعا إلا ما كان من الأرض بين ~~الشجر.] (¬1). # وقال: بجواز المزارعة والمخابرة ثلاثة من كبار [] (¬2) الشافعية ابن ~~خزيمة وصنف فيه، وابن المنذر، والخطابي. وقال (¬3): ضعف الإمام أحمد حديث ~~النهي. وقال: إنه مضطرب، كثير الألوان. قال: ومن أبطلها لم يقف على علته. ~~وقال النووي في "الروضة" (¬4): المختار جوازهما وتأويل الأحاديث ms1218 على ما إذا ~~شرط الواحد زرع قطعة ولآخر أخرى. PageV07P104 # قلت: أو تحمل أحاديث النهي عن المزارعة على شيء مجهول يدل عليه حديث رافع ~~بن خديج الآتي في باب الرهن (¬1) وغيره إن شاء الله [أو على أن النهي على ~~التنزيه والإرشاد إلى عمارتها كالنهي عن بيع (¬2) الهر فإنه محمول على ~~التنزيه من [حيث] (¬3) أن الناس يتواهبون وهذا التأويل نقل معناه عن ابن ~~عباس وأشار إليه البخاري (¬4) وغيره] (¬5). # فرع: من أجاز المزارعة والمخابرة هل يشترط فيها ما يشترط في المساقاة من ~~اللزوم والتأقيت مقتضى مذهبنا الاشتراط وبه صرح الحنفية، وعمل الناس على خلافه. # فرع: جوز الشافعي وأبو حنيفة وكثيرون إجارة الأرض بالذهب والفضة والطعام ~~والنبات وسائر الأشياء سواء كان بجنس ما يزرع فيها أم غيره، ويستثنى ~~إجارتها بجزء ما يخرج منها كالثلث والربع كما سلف. # وقال ربيعة: يجوز بالنقدين فقط. # وقال مالك: يجوز بهما وبغيرهما إلا الطعام. # وقال المازري (¬6): مشهور مذهب مالك النهي عن كرائها بما تنبته وإن لم ~~يكن طعاما. PageV07P105 # وقال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وجماعة من المالكية وآخرون: تجوز ~~إجارتها بالنقدين وتجوز المزارعة بالثلث والربع وغيرها. # وقال طاووس والحسن: لا يجوز مطلقا سواء أكراها بطعام أو نقدا وبجزء من ~~زرعها لإطلاق النهي عن كراء الأرض إلا أن يمنحها أخاه وجوابه ما سلف. # الرابع: في الحديث دلالة أيضا على منع بيع الثمرة بجنسها يابسا إلا في ~~العرايا وسيأتي في الباب بعده وعلى جواز بيعها بعد بدو صلاحها بالذهب ~~والفضة مطلقا. # وقوله: "إلا العرايا" استثناء من المزابنة للرخصة في ذلك على ما سيأتي في ~~(¬1) بابها وهي مستثناة أيضا من الغرر ومن ربا التفاضل والنسآ والذي سوغها ~~ما فيها من المعروف والرفق وإزالة الضرر. وهي جمع عرية وسيأتي في بابها سبب ~~تسميتها (¬2) بذلك وقد سمت العرب عطايا خاصة بأسماء خاصة كالمنيحة: لشاة ~~اللبن، والإفقار: لما [يركب] (¬3) فقارة وغيرهما. # ... PageV07P106 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 281/ 9/ 53 - عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، ms1219 وحلوان الكاهن" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # والتعريف براويه سبق في الحديث السابع من باب الإمامة. الأول: مقتضى ~~النهي عن ثمن الكلب تحريم بيعه والعموم في كل كلب سواء المعلم وغيره وسواء ~~ما يجوز اقتناؤه وغيره. وهو صريح في أنه لا يحل ثمنه ويلزم من ذلك أنه لا ~~قيمة على متلفه وبهذا، قال جمهور العلماء: منهم أبو هريرة والحسن البصري ~~وربيعة والأوزاعي والحكم وحماد والشافعي وأحمد وداود وابن المنذر وغيرهم. PageV07P107 # وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي فيها منفعة وتجب القيمة على ~~متلفيها. # وحكى ابن المنذر عن عطاء وجابر والنخعي جواز بيع كلب الصيد دون غيره. # وعن مالك روايات (¬1): # أحدها: لا يجوز بيعه لكن تجب القيمة على متلفه. # ثانيها: يصح بيعه وتجب القيمة. # وثالثها: لا. فيهما، ونقل الفاكهي عن بعضهم: أنه حكى عن مالك جواز بيع ~~الكلب في ثلاثة مواضع في الشركة، وفي التفليس، وفي المغنم. # وقال ابن القاسم: يكره للبائع، ويجوز للمشتري للضرورة. حكاه القرطبي في ~~"مفهمه" (¬2). # وقال المازري (¬3) منهم: سبب اختلاف أصحابنا في بيع كلب الصيد أن من لم ~~يبلغه النهي فيه عدد منافع الكلب ونظر هل جميعها يحرم فيمنع البيع أو محلل ~~فيجيزه أو مختلفة فينظر هل المقصود المحرم أو المحلل ويجعل الحكم للغالب أو ~~يكون فيه منفعة واحدة محرمة خاصة وهي مقصودة فيمتنع أو يلتبس كونها مقصودة ~~فيقف أو يقول بالكراهة؟ PageV07P108 # قال: ومن كره البيع، قال: ليس إباحة المنفعة تجيز البيع كأم الولد ينتفع ~~بها ولا تباع، قال: ومن أجازه حمل الحديث على ما لا يحل اقتناؤه واتخاذه أو ~~على أنه كان حين أمر بقتل الكلاب (¬1) فلما وقعت الرخصة في كلب [الزرع] ~~(¬2) وما ذكر معه وأجيز اقتناؤه وقعت الرخصة. # واختلف أيضا قول مالك في ما أبيح منها: [فقيل] (¬3) بالإجازة وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه، وقيل: بالمنع. # قلت: وحجة الجمهور هذا الحديث والذي بعده وغيرها من الأحاديث الصحيحة ~~كحديث ابن عباس -رضي الله عنه- قال [نهى] (¬4) رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن ثمن الكلب، وقال: "إن جاء يطلب ms1220 ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا"، رواه ~~أبو داود بإسناد صحيح (¬5). وكحديث PageV07P109 # أبي هريرة رفعه: "لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي". ~~رواه أبو داود بإسناد حسن (¬1) وصح من حديث ابن عباس أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- قال: "إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" رواه أبو ~~داود بإسناد صحيح (¬2). # قال ابن المنذر: لا معنى لقول من جوز بيع الكلب لأنه مخالف للثابت عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, قال: ونهيه -عليه الصلاة والسلام- PageV07P110 # عام يدخل فيه جميع الكلاب، قال: ولا يعلم خبرا عارض الأخبار الثابتة، ~~يعني: صحيحا. # وقال البيهقي (¬1): الاستثناء المذكور في كلب الصيد [ليس] (¬2) ثابتا في ~~الأحاديث الصحيحة. # قلت: وأما الأحاديث الواردة في النهي عن ثمن الكلب إلا [كلب] (¬3) صيد ~~فرواية: "ثلاث كلهن سحت فذكر كسب الحجام ومهر البغي وثمن الكلب إلا كلبا ~~ضاريا" (¬4)، وعن عثمان -رضي الله عنه- أغرم إنسانا ثمن كلب قتله عشرين ~~بعيرا" (¬5). وعن ابن عمرو بن العاص التغريم في إتلافه فقضي في كلب صيد ~~قتله رجل بأربعين درهما، وفي كلب ماشية بكبش (¬6)، وكلها ضعيفة باتفاق أئمة ~~الحديث كما نقله عنهم النووي في شرح مسلم (¬7). PageV07P111 # وقال الشيخ تقي الدين (¬1): ورد في بيع المعلم منه حديث في ثبوته بحث ~~يحال على علم الحديث. # واحتج من جوز البيع من القياس بأنه حيوان يجوز الانتفاع به فأشبه الفهد ~~ولأنه يجوز الانتفاع به والوصية به فأشبه الحمار. # والجواب: عن الأول [أنه] (¬2) لا يسلم القياس المذكور، فإنه ظاهر بخلاف ~~الكلب. وعن الثاني: بأن الوصية تحتمل ما لا يحتمل غيرها بدليل جوازها ~~بالمجهول والمعدوم والآبق والعلة في منع ثمنه عند الشافعي نجاسته مطلقا وهي ~~قائمة في المعلم وغيره. # ومن يرى طهارته اختلف قوله في المعلم منه وعلة المنع غير عامة عنده. # وقال القرطبي (¬3): جل مذهب مالك ومشهوره على جواز الاتخاذ، وكراهة ~~البيع, ولا يفسخ إن وقع، قال: وكأنه لما لم يكن الكلب عنده نجسا، وكاد ~~مأذونا في اتخاذه لمنافعه الجائزة، كان حكمه حكم جميع المبيعات، لكن الشرع ~~نهى ms1221 عن بيعه تنزيها، لأنه ليس من مكارم الأخلاق، وهذا انتصارا منه لمذهبه. ~~ثم قال: فإن قيل: فقد سوى -عليه الصلاة والسلام- بين ثمنه، وبين مهر البغي، PageV07P112 # وحلوان الكاهن، والمهر، والحلوان، محرمان بالإجماع، فليكن ثمن الكلب كذلك. # الجواب: أنا كذلك نقول لكنه محمول على الكلب الغير مأذون فيه [قال] (¬1) ~~[لئن] (¬2) سلمنا: أنه [مساو] (¬3) للكل، [لكان] (¬4) هذا النهي هنا قصد به ~~القدر المشترك الذي بين التحريم والكراهة إذ كل واحد منهما منهي عنه. ثم ~~تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر، كما اتفق ها هنا فإنا إنما علمنا ~~تحريم مهر البغي، وحلوان الكاهن بالإجماع، لا بمجرد النهي سلمنا ذلك، لكنا ~~لا نسلم: أنه يلزم من الاشتراك في مجرد العطف الاشتراك في جميع الوجوه، إذ ~~قد يعطف الأمر على النهي، والإيجاب و [القبول] (¬5) على النفي. وإنما ذلك ~~في محل مخصوص كما هو مبين في الأصول. # تنبيه: وقع في "جواهر" القاضي نجم الدين القمولي -رحمه الله- حكاية وجه ~~في مذهب الشافعي في بيع الكلب الذي يجوز اقتناؤه وهو وهم منه [وقد] (¬6) ~~حكاه هو في "البحر" أصل "الجواهر" (¬7) عن بعض أصحاب مالك فاجتنب ذلك. PageV07P113 # فرع: اختلف أصحابنا في صحة إجارة الكلب للصيد والحراسة على وجهين: # أحدهما: يصح لأنها منافع تستحق بالإعارة، فاستحقت بالإجارة كسائر ~~المنافع. # وأصحها: لا. لأنه لا قيمة لعينه فكذا منفعته. # فرع: تصح الوصية بالكلب المعلم كما سبق لثبوت الاختصاص فيه وانتقاله من ~~يد إلى يد بالإرث. # قاعدة: منافع الأعيان المقصودة للمكلفين إما أن تكون كلها مباحة، أو ~~محرمة، أو بعضها حراما، وبعضها مباحا. # فالأول: كالعروض. # والثاني: كالخمر والخنزير فيجوز بيع الأول إجماعا دون الثاني. # أما الثالث: فإن كان الأغلب هو المقصود فالحكم له كالدابة تركب ولا تؤكل ~~ولا يشرب لبنها وإن كان كلاهما مقصود غلب التحريم. # الوجه الثاني: "مهر البغي" هو ما تأخده الزانية على الزنا وسماه مهرا ~~مجازا أما مجاز التشبيه به صورة، إن لم يكن "المهر" في الوضع ما يقابل به ~~النكاح. وإما المجاز اللغوي: إن كان وضعه فيها ذلك والإجماع ms1222 قائم على تحريم ~~ذلك لما فيه من مقابلة الزنا بعوض. # الثالث: "البغي" -بفتح الباء وكسر الغين- الزانية، ووزن بغي فعول بمعنى ~~فاعله. PageV07P114 # وقيل: فعيل بمعنى فاعل ورد بأنه لو كان فعيلا لزمه التاء كرجيمه بمعنى ~~راجمة وأجيب، عن عدم لحاقه التاء بوجهين: # أحدهما: أنه للمبالغة. # ثانيهما: أنه على النسب كطالق وطامث. # وجمع البغي: بغايا، والبغا في قوله تعالى: {على البغاء} (¬1) ممدود وهو ~~الزنى والفجور، يقال: بغت المرأة تبغي بغا -بكسر الياء والمد- وامرأة بغي، ~~ومنه قوله تعالى: {ولم أك بغيا} (¬2). # وأصل البغي: الطلب غير أنه أكثر ما يستعمل في طلب الفساد وفي الزنا كما ~~قاله القرطبي (¬3). # وحديث أبي هريرة أنه -عليه الصلاة والسلام-: "نهى عن كسب الإماء" رواه ~~البخاري (¬4) والمراد به كسبهن بالزنا أيضا وشبهه لا بالغزل والخياطة ~~ونحوها بدليل رواية أبي داود (¬5) من حديث PageV07P115 # رفاعة بن رافع: "إلا ما عملت يدها" هكذا بإصبعه نحو الخبز والغزل والنفش، ~~قال الخطابي (¬1): والنفش: نتف الصوف أو ندفه. وفي حديث آخر (¬2): "نهى عن ~~كسب الأمة، حتى يعلم من أين هو". # فرع: لو أكرهت على الزنا فليست ببغي ولها المهر إن كانت حرة ولا حد ~~عليها. ولو طاوعت. وهي أمة فقيل: يجب المهر للسيد إذ لا يملك إسقاطه وإلا ~~صح المنع لهذا الحديث. # الرابع: "حلوان الكاهن" ما يعطى على كهانته وهو حرام بالإجماع لما فيه من ~~أخذ العوض على أمر باطل وفي معنى ذلك: حل ما يمنع منه الشرع من الرجم ~~بالغيب كالتنجيم. # والحلوان: مصدر حلوته حلوانا إذا أعطيته. قال الهروي وغيره: أصله من ~~الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث أن مأخذه سهلا بلا كلفة ولا في مقابلة ~~مشقة، يقال: حلوته إذا أطعمته الحلو كأعسلته إذا أطعمته العسل. PageV07P116 # قال أبو عبيد (¬1): ويطلق الحلوان أيضا على غير هذا وهو أن يأخذ الرجل ~~مهر ابنته لنفسه وذلك عيب عند النساء قالت امرأة: تمدح زوجها. # لا يأخذ الحلوان عن بناتنا (¬2). # والحلوان: أيضا الرشوة. # ونقل الخطابي (¬3) عن ابن الأعرابي: أنه يقال: لحلوان الكاهن النشغ، ~~والصهميم، ونقل البغوي (¬4) والقاضي عياض: إجماع ms1223 المسلمين علي تحريم حلوان ~~الكاهن لأنه عوض عن محرم ولأنه أكل المال بالباطل وكذلك أجمعوا على تحريم ~~أجرة المغنية بالغناء والنائحة بالنوح، قال الخطابي (¬5): وحلوان العراف ~~أيضا حرام. PageV07P117 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P118 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P119 # والفرق بين الكاهن والعراف: # أن الكاهن: إنما يتعاطى الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي ~~معرفة الأسرار. # والعراف: هو الذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوها من ~~الأمور، وقال في موضع آخر الكاهن هو الذي يدعي مطالعة الغيب ويخبر الناس عن ~~الكوائن، قال: وكان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرا من الأمور فمنهم ~~من كان يزعم أن له رئيا من الجن وتابع يلقي إليه الأخبار ومنهم من كان يدعي ~~أنه يستدرك الأمور بفهمه الذي أعطيه، وكان منهم من يسمى عرافا وهو الذي ~~يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقفها كالشيء يسرق ~~فيعرف المظنون به السرقة، ومتهم المرأة بالريبة فيعرف من صاحبها ونحو ذلك ~~من الأمور، ومنهم من كان يسمى المنجم كاهنا، قال: وحديث النهي عن إتيان ~~الكاهن (¬1) يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كلهم وعن النهي عن تصديقهم ~~والرجوع إلى قولهم. PageV07P120 # ومنهم من كان يدعو الطبيب كاهنا وربما دعوه عرافا فهذا غير داخل في جعلة ~~النهي وإنما هو مغالطة في الأسماء وقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الطب وأباح العلاج والتداوي هذا آخر كلامه (¬1). # قال الماوردي في آخر "أحكامه السلطانية" (¬2): ويمنع المحتسب من يكتسب ~~بالكهانة واللهو ويؤدب عليه الآخذ والمعطي. # ... PageV07P121 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 282/ 10/ 53 - عن رافع بن خديج -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الحديث معدود في أفراد مسلم كما نبه عليه عبد الحق وغيره فإن ~~ينبغي للمصنف أن ينبه عليه لئلا يوهم أنه من المتفق عليه ولم ينبه على ذلك ~~أحد من الشراح فتنبه له وأغرب الحميدي فلم يذكره رأسا في "جمعه بين ~~الصحيحين" في ترجمة رافع مع أن مسلما كرره في البيوع من ms1224 صحيحه وفي بعض ~~ألفاظه "شر الكسب مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام". # الثاني: في التعريف براويه وهو أبو عبد الله، ويقال: أبو رافع، ويقال: ~~أبو خديج رافع بن خديج بفتح الخاء المعجمة ثم قال مهملة مكسورة ثم مثناة ~~تحت ثم جيم بن رافع بن عدي بن يزيد بالمثناة فوق ثم زاي ثم مثناة تحت ثم ~~دال مهملة الأنصاري الحارثي PageV07P122 # من بني حارثة المديني شهد أحد وما بعدها له أحاديث مجموعها ثمانية وسبعون ~~حديثا اتفقا على خمسة منها وانفرد مسلم بثلاثة كذا قالوا وهذه الأحاديث قد ~~عدها الحميدي في "جمعه" فلم يذكر هذا الحديث [قلت] (¬1): فيكون مسلم انفرد ~~إذن بأربعة كان يخضب بالصفرة ويحفي شاربه وكان يعد من الرماة أصيب بسهم يوم ~~أحد في ترقوته، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "إن شئت نزعت السهم وتركت ~~القطيفة وشهدت لك يوم القيامة أنك شهيدا" (¬2) فتركها لا يحس منها شيئا ~~[دهرا] (¬3) وكان إذا ضحك فاستغرق بدأ ذلك السهم وانتقضت جراحته في زمن عبد ~~الملك ابن مروان ومات يالمدينة قبل ابن عمر بيسير سنة أربع وسبعين أو في ~~أول سنة ثلاث وسبعين وهو ابن ست وثمانين سنة (¬4). روى له الشيخان وأصحاب ~~السنن والمسانيد، PageV07P123 # وروى عنه ابنه رفاعة وخلق وعنه ابن عمر والسائب بن يزيد من الصحابة ~~[وغيرهما] (¬1) من التابعين. # فائدة: # خديج يشتبه بخديج -بضم الخاء المهملة ثم دال مفتوحة ثم ياء مثناة تحت ثم ~~جيم- وهم جماعة منهم معاوية بن خديج الصحابي. PageV07P124 # الوجه الثالث: "الخبيث" الردي من كل شيء وقد تقدم الكلام على ثمن الكلب ~~(¬1) ومهر البغى (¬2) في الحديث قبله وإطلاق الخبيث على ثمن الكلب يقتضى ~~التعميم في كل كلب ولم يثبت تخصيص شيء منه كما سبق فيجب إجراؤه على ظاهره ~~والخبيث من حيث هو لا يدل على الحرمة صريحا وكذلك جاء في كسب الحجام أيضا ~~ولم يحمل على التحريم عند جمهور العلماء غير أن ذلك بدليل خارج وهو أنه ~~-عليه الصلاة والسلام- "احتجم وأعطى الحجام أجرة" أخرجه الشيخان (¬3) في ~~صحيحهما "ولو كان حراما لم يعطه" (¬4) فإن ثبت ms1225 أن PageV07P125 # لفظة الخبيث ظاهرة في التحريم بخروجها عن ذلك في كسب الحجام بدليل، لا ~~يلزم منه خروجها في غيره بغير دليل. # قال الشيخ تقي الدين (¬1): "وأما الكلب": فإذا قيل بثبوت الحديث الذي يدل ~~على جواز بيع كلب الصيد. كان ذلك دليلا على طهارته وليس يدل النهي عن بيعه ~~على نجاسته لأن علة منع البيع متعددة لا تنحصر في النجاسة. # قلت: قد قدمنا في الحديث قبله نقل اتفاق الحفاظ على ضعفه فالحديث باق على ~~عمومه إذن (¬2). PageV07P126 # الوجه الرابع: قد نقلنا عن الجمهور أنه لا يحرم كسب الحجام فهو مكروه ~~كراهة تنزيه سواء فيه الحر والعبد وبه قال أحمد في المشهور عنه، وقال: في ~~رواية أخرى وبها قال (فقهاء المحدثين يحرم على الحر دون العبد احتجاجا ~~بالحديث الذي أسلفناه (¬1) فإن الذي حجمه أبو طيبة وأمر - صلى الله عليه ~~وسلم -[أهله] (¬2) أن يخففوا عنه من خراجه (¬3). # وحمل الجمهور الأحاديث الواردة فيه على منع التنزيه والارتفاع عن دنىء ~~الأكساب ولو كان حراما لم يفرق فيه بين الحر والعبد فإنه لا يجوز للرجل ~~يطعم عبده ما لا يحل (¬4). # قال القاضي عياض (¬5): وجعلوا إباحته هذه ناسخة لقوله: "إنه خبيث" قال: ~~والخبيث الحرام، قال: ولأنه آخر الأمر من نهي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، قال: وقد قيل إن النهي عنه قد يحتمل أن يكون ببيع PageV07P127 # ما يقصده من الحيوانات لمن يستجيز أكلها من الكفرة أو لاستعمالها في بعض ~~الأشياء. # واحتج لذلك: برواية: "نهى عن ثمن الدم" (¬1) قال PageV07P128 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P129 # [وقد] (¬1) قيل إنما كره ذلك لأنه لم يشترط أجرة معلومة قبل العمل وإنما ~~يعمل غالبا بأجر مجهول، قال: وهذا لا تعلق فيه وقد أجاز العلماء مثل هذا ~~على ما استمرت به العادة في المكارمة وإن كان لابن حبيب ما ظاهره المنع في ~~كل إجارة حتى تسمى الأجر. PageV07P130 # خاتمة: # جاء في "صحيح مسلم" (¬1) النهي عن ثمن السنور أيضا فأخذ بظاهره أبو هريرة ~~وطاووس ومجاهد وجابر بن زيد فقالوا لا يجوز بيعه وعامة العلماء على خلافه ~~وحملوا النهي على ما لا ms1226 ينتفع به أو على أنه نهي تنزيه ليعتاد الناس هبته ~~وإعارته كما هو الغالب (¬2) وتضعيف الخطابي (¬3) وابن عبد البر (¬4) النهي ~~لا يقبل بل الجواب PageV07P131 # عنه ما ذكرناه. # ... PageV07P132 ### || CHECK 54 - باب العرايا وغير ذلك # 54 - باب (¬1) العرايا وغير ذلك # أي من بيع النخل المزبن، والعبد بما معه، والقبض في البيع، وحكم بيع ~~الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام، وذكر في الباب ستة أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 283/ 1/ 54 - عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، "أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها" (¬2). # ولمسلم: "بخرصها تمرا، يأكلونها رطبا". PageV07P133 # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه وقد سلف في كتاب الصيام في الحديث الرابع منه. # الثاني "العرية" مشددة الياء مشتقة من التعري وهو التجرد [وهي النخلة] ~~(¬1) يعريها صاحبها غيره ليجعل له ثمرتها عامة فيعروها أي يأتيها ويتردد ~~إليها فهي عرية بمعنى مفعولة كما قاله الهروي والجوهري (¬2) وغيرهما. # أو بمعنى فاعلة كما قاله الأزهري (¬3) والجمهور لأنها عريت من حكم ما في ~~البستان فخلى مالكها عنها من بين نخله. # قال الجوهري (¬4): إنما دخلت فيها الهاء لأنها أفردت وصارت في عداد ~~الأسماء مثل النطيحة، والأكيلة ولو جئت بها مع النخلة لقلت نخلة عري. # وقيل: سميت عرية لأنها عريت من جملة التحريم وعلة المزابنة. # [الثالث:] (¬5) [اختلف] (¬6) العلماء في تفسير العرايا على أقوال: PageV07P134 # أحدها: أنها بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خرصا فيما دون ~~خمسة أوسق قاله الشافعي وأحمد وآخرون فيخرص الخارص ما على النخلة أو ~~النخلات من الرطب إذا يبس فيقول هذا الرطب الذي عليها إذا يبس يجيء منه ~~أربعة أوسق من التمر مثلا فيبيعه صاحبه بمثلها تمرا ويتقابضان في المجلس. # الثاني: هي أن يعرى الرجل أي يهب ثمرة نخلة أو نخلات ثم يتضرر بمداخلة ~~الموهوب له فيشتريها منه بخرصها تمرا ولا يجوز ذلك لغير رب البستان قاله مالك. # قال القرطبي (¬1): وحاصل مذهبه أنها عطية ثمرة نخلة، أو نخلات من حائط، ~~فيجوز لمن أعطيها أن يبيعها إذا بدأ صلاحها من ms1227 كل أحد بالعين والعروض ومن ~~يعطيها خاصة بخرصها تمرا وذلك بشروط. # أحدها: أن يكون أقل من خمسة أوسق وفي الخمسة خلاف. # ثانيها: أن يكون بخرصها من نوعها وما فيها نخلا وعنبا وفي غيرهما مما ~~يوسق ويدخر للقوت [خلاف] (¬2). # ثالثها: أن يقوم بالخرص عند الجذاذ. # رابعها: أن يكون المشتري جملتها لا بعضها. # خامسها: أن يكون بيعها عند طيبها، فلو باعها من المعرى قبل ذلك على شرط ~~القطع لم يجز، لتعدى محل الرخصة، ووافقه PageV07P135 # أحمد في تفسير العرية كما نقله القاضي عنه قال: إلا أنه خالفه في جواز ~~بيعها من ربها وغيره وهو قول الأوزاعي لظاهر إطلاق الحديث وعموم بيعها. # ثالثها: هي أن يهب رجل ثمر نخلة أو نخلات ولم يقبضها الموهوب له فيريد ~~الواهب أن يعطي الموهوب له تمرا ويتمسك بالثمرة قاله أبو حنيفة وأبو يوسف ~~وإنما جاز له ذلك لأنه ليس من باب البيع بل من باب الرجوع في الهبة التي لم ~~تجب بناء على أن الهبة لا تجب إلا بالقبض وظواهر الأحاديث ترد هذا التفسير. # قال القرطبي (¬1): وهذا المذهب فيه إبطال لحديث العرية [من أصله فيجب ~~إطراحه. وذلك: أن حديث العرية] (¬2) تضمن بأنه بيع مرخص فيه في مقدار ~~مخصوص. وأبو حنيفة: يلغي هذه القيود الشرعية. وادعى هو قبل ذلك أن الحاصل ~~من نقل أهل اللغة أنها عطية لا بيع وقوى بذلك مذهبه وقواه الشيخ تقي الدين ~~لشهرة تفسيرها بذلك من أهل المدينة وتداوله عندهم وبأن قوله في الحديث "رخص ~~لصاحب [العرية] (¬3) " يشعر باختصاصه بصفة يتميز بها عن غيره وهي الهبة ~~الواقعة وانشدوا في تفسير العرايا قول الشاعر وهو سويد بن [الصامت] (¬4) ~~كما ذكره القرطبي: PageV07P136 # ليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح # ونقل النووي في "شرحه" (¬1): عن أحمد أن مذهبه في العرايا كمذهب الشافعي ~~وهو مخالف لما أسلفناه عن حكاية القاضي عنه، قال: وظواهر الأحاديث ترد ~~تأويل مالك وأبي حنيفة. # ونقل القرطبي (¬2): عن أحمد مثل ما نقله القاضي عياض عنه ولم يذكر عنه ~~مخالفته في جواز بيعها من ms1228 ربها وغيره ونقل عن إسحاق أيضا بموافقتها ~~كالأوزاعي ثم قال: وأما الشافعي: فلم يعرج في تفسيرها على اللغة المعروفة فيها. # قلت: قوله حجة في اللغة، قال: وكأنه اعتمد في مذهبه على تفسير يحيى بن ~~سعيد -راوي الحديث- فإنه فسرها بما ذكره. # قال: وهذا لا ينبغي أن يعول عليه، لأن يحيى بن سعيد ليس صحابيا، فيقال: ~~فهمه عن الشارع، ولا رفعه إليه، ولا ثبت به عرف غالبا شرعي حتى يرجحه على ~~اللغة. وغايته أن يكون رأيا ليحيى، لا رواية له. # قلت: [يبعد] (¬3) رجوع هذا إلى الرأي وقد وافق الشافعي (¬4) PageV07P137 # الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيدة وحكاه البغوي في شرح السنة" (¬1) عن ~~أكثر الفقهاء. # قال القرطبي: ثم يعارضه تفسير ابن إسحاق (¬2)، فإنه فسرها بأن يهب الرجل ~~الرجل النخلات، فيشق عليه أن يقوم عليها، فيبيعها بمثل خرصها، قال: ثم هو ~~عين المزابنة المنهى عنها [ووضع رخصة في موضع] (¬3) لا ترهق إليها حاجة ~~أكيدة، ولا تندفع بها مفسدة، فإن المشترى لها بالتمر متمكن من بيع ثمره ~~بعين [أو عروض، ويشتري بذلك رطبا] (¬4). # قلت: قد يفسر ذلك وهذه رخصة من المزابنة فينبغي الأخذ بها: "فإن الله يحب ~~أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" (¬5). PageV07P138 # الرابع: قوله: "بخرصها" أي بحرزها، قال الجوهري (¬1): "الخرص" حرز ما على ~~النخل من الرطب والاسم الخرص بالكسر، تقول كم خرص أرضك؟ وقال النووي (¬2): ~~روى بخرصها بكسر الخاء وفتحها والفتح أشهر ومعناه: بقدر ما فيها إذا صار ~~تمرا فمن فتح قال هو مصدر أي اسم [للفعل] (¬3) ومن كسر قال [هو] (¬4) اسم ~~[للشيء] (¬5) المخروص (¬6)، وقال القرطبي (¬7): الرواية هنا بالكسر. # وقوله: "تمرا" هو منصوب على التمييز. # وقوله: "رطبا" هو منصوب على الحال. PageV07P139 # الخامس: قد أسلفنا في الباب (¬1) قبله تحريم بيع المزابنة وتفسيرها وأن ~~العرايا مستثناة منها ومن غيرها رخصة للحاجة إليها ولما كان التمر والزبيب ~~مضبوطتين بالكيل والرطب والعنب بالخرص قريبتين إلى الضبط وعدم الخطأ في ~~مقداره غالبا رخص فيه لضرورة الناس إليه وألحق الماوردي (¬2) البسر بالرطب ~~وقياسه إلحاق الحصرم بالعنب. # السادس: يؤخذ من الحديث ms1229 الرخصة في الرطب وإلحاق العنب به قياسا، وقال ~~المحاملي (¬3) وابن الصباغ (¬4): نصا وقد أسلفنا آنفا عن الماوردي البسر ~~أيضا، [وهل يتعدى إلى غيرهما من الثمار فيه قولان للشافعي: أصحهما: المنع، ~~والثانى: نعم للحاجة كما جوز في العنب القياس] (¬5). # السابع: يؤخذ منه أيضا أن الرخصة عامة بجميع الناس الأغنياء والفقراء حيث ~~أطلق الرخصة من غير تقييد بأحد وهو أصح قولي PageV07P140 # الشافعي. والثاني: أنها تختص بالفقراء لأنهم سبب الرخصة كما ذكره الشافعي ~~في "الأم" (¬1) لكن بغير إسناد وحكاه الشيخ تقي الدين وجها (¬2) وتبع ~~الفوراني (¬3) في ذلك ومثار الخلاف أن اللفظ العام إذا ورد على سبب خاص هل ~~يخصصه أو هو على عمومه وفيه خلاف أصولي (¬4). PageV07P141 # الثامن: يؤخذ من إطلاق الرواية الأولى: جواز بيع الرطب على رؤوس النخل ~~برطب على رؤوس النخل خرصا فيهما أو برطب على وجه الأرض كيلا، لكن الرواية ~~الثانية: مقيدة بجواز بيع خرصها تمرا يأكلونها رطبا فيؤخذ منها عدم بيع ~~العرية بالرطب على الشجر وبالرطب على الأرض. # وقد اختلف أصحابنا فيما إذا باع رطبا بمثله على أوجه: # أصحها: المنع لأنه ليس في معنى الرخصة. # وثانيها: يجوز لأنه قد يشتهي ما عند غيره وفي "الصحيح" (¬1) من حديث زيد ~~بن ثابت أنه -عليه الصلاة والسلام- (رخص في بيع العرية بالرطب أو بالتمر) ~~ولم يرخص في غير ذلك وهو دال لهذا الوجه ويتأوله. الأول: بأن "أو" هنا للشك ~~لا للتخيير والإباحة بل معناها رخص في بيعها بأحد النوعين وشك فيه الراوي ~~فيحمل على أن المراد التمر كما صرح به في سائر الروايات. # وثالثها: إن اختلف النوع جاز وإلا فلا. # ورابعها: إن كان أحدهما على الأرض لم يجز وإن كانا على النخل، فإن اختلف ~~النوع جاز وإلا فلا, ولو باع الرطب على الأرض، بالرطب على الأرض، لم يجز ~~وجها واحدا. لأن أحد PageV07P142 # المعاني في الرخصة أكل الرطب على التدريج طريا وذلك لا يحصل بما على وجه ~~الأرض كذا قطع به الشيخ تقي الدين (¬1) وتبعه ابن العطار عليه وليس كما ~~قطعا به فقد قال القفال: ms1230 إنه على الخلاف لأنه إذا جاز البيع وهما على النخل ~~واحتملت جهالة الخرص فالجواز مع تحقق المساواة بالكيل أولى. # قلت: وليس ببعيد. # فرع: لو باع رطبا مقطوعا مخروصا تمرا بتمر فوجهان بناء على أن الخرص أجل ~~أم لا حكاه إمام الحرمين، وقال المحاملي: لا خلاف في بطلانه. # التاسع: يؤخذ من الحديث أيضا نظر الإمام لرعيته وفكره في مصالحهم وما ~~يحتاجون إليه من أمور دنياهم على وجه الشرع. # ... PageV07P143 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 284/ 2/ 54 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق" (¬1). # هذا الحديث فيه بيان مقدار ما يرخص فيه في العرية من بيع المزابنة ولا شك ~~في جوازه فيما دون خمسة أوسق وفي عدم جوازه فيما زاد على خمسة أوسق ومن حكى ~~الجواز فيه فهو غالط ففي جوازه في خمسة أوسق قولان: # أظهرهما: المنع لأن الأصل التحريم وهي رخصة وشككنا في هذا المقدار فوجب ~~الأخذ باليقين والخلاف راجع إلى أن النهي عن بيع المزابنة ورد أولا ثم رخص ~~في العرايا أو لم يرد إلا مقرونا بالرخصة فيها فعلى الأول لا يجوز في ~~الخمسة للشك في رفع PageV07P144 # التحريم، وعلى الثاني يجوز للشك في قدر التحريم وهو مشهور مذهب مالك ~~اتباعا لما وجد عليه العمل عندهم بالمدينة. # تنببهات: # أحدها: هذا الشك من داود بن الحصين الراوي عن أبي سفيان مولى ابن أبي ~~أحمد عن أبي هريرة فاعلمه. # ثانيها: لفظة "دون" المفهوم منها مطلق الدونية وإن قل وبهذا يرد على ما ~~احتج به عبد الحق في "نكته" لمشهور مذهبه أن الراوي لما لم يحد ما دونها ~~فلو أجزنا أربعة أوسق أو أقل أمكن أن يكون دون ذلك فمراعات ذلك يؤدي إلى ~~طرح القول بالعرية فوجب إذن الاقتصار على الخمسة التي هي حد في الزكاة ~~وقياسه العرية على الزكاة غريب أيضا. # ونقل المازري (¬1): عن بعضهم [أنه لما] (¬2) شك الراوي فلا وجه [للتعلق] ~~(¬3) بروايته في تحديد مقدار ما دون [خمسة] (¬4) [الأوسق] ms1231 (¬5) ولكن وقع في ~~بعض الروايات أربعة أوسق فوجب الانتهاء إلى هذا المتيقن وإسقاط ما زاد عليه ~~وإلى هذا المذهب ذهب ابن المنذر وألزم المزني الشافعي أن يقول به. انتهى. ~~وهذه الرواية PageV07P145 # رواها الإمام أحمد من حديث حابر قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول حين أذن لأهل العرايا أن يبتاعوها بخرصها يقول "الوسق والوسقين ~~والثلاثة والأربع" (¬1). PageV07P146 # وأما أصحابنا فصرحوا بأنه يكفي أن ينقص عنها ما يتعلق عليه الاسم حتى قال ~~القاضي الماوردي (¬1) يكفي نقصان ربع مد. PageV07P147 # ثالثها: "الوسق" ستون صاعا كما تقدم بيانه واضحا في الحديث الثاني من ~~كتاب الزكاة (¬1). # رابعها: لو زاد على ما دون خمسة أوسق في صفقتين كل منها دون خمسة أوسق ~~جاز عندنا قياسا على الصفقة الأولى خلافا لأحمد ثم الصفقة هنا متعددة بتعدد ~~المشترى والعقد (¬2) وكذا البائع (¬3) في الأصح لأن تعددها بتعدد البائع ~~أظهر من تعددها بتعدد المشتري وفيه وجه آخر أنه لا يجوز الزيادة على خمسة ~~أوسق في هذه الصورة نظرا إلى الربويات فلا ينبغي أن يدخل في ملكه فوق القدر ~~المجوز دفعة واحدة والظاهر من الحديث أنه محمول على صفقة واحدة من غير تعدد ~~بائع ومشتر جريا على العادة والغالب. # خامسها: إذا زاد في صفقة على خمسة أوسق بطل في الجميع لأنه بالزيادة صار ~~مزابنة وخرجه الجوري (¬4) -بضم الجيم- ثم واو ثم راء من الشافعية في الجائز ~~على قولي تفريق الصفقة. # سادسها: قال القاضي عياض (¬5): الحديث دال على اختصاصها بما يوسق ويكال ~~ويحتج به لأحد القولين لاختصاص ذلك بالتمر والزبيب وما في معناه مما ييبس ~~ويدخر ومآخذه الكيل. PageV07P148 # سابعها: أدخل البخاري (¬1) هذا الحديث في "باب: الرجل يكون له ممر أو شرب ~~في حائط أو [في] (¬2) نخل". وكذا أدخل فيه الحديث الآتي بعده وكذا حديث زيد ~~السالف أول الباب وكذا حديث جابر السالف في الباب قبله. # ... PageV07P149 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 285/ 3/ 54 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "من باع نخلا قد أبرت، فثمرها للبائع، إلا ms1232 أن يشترطه ~~المبتاع". # ولمسلم: "ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: قوله: ولمسلم: إلى آخره ظاهر إيراده أنها من أفراده وليس كذلك فقد ~~أخرجها البخاري (¬2) أيضا في "باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو ~~نخل ولفظه "من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر PageV07P150 # فثمرتها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع [ومن ابتاع عبد وله مال فما له ~~للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع] (¬1) وكأن المصنف اغتر بكون البخاري لم ~~يذكره في صحيحه في "باب: من باع نخلا قد أبرت" (¬2) وفي "باب: بيع النخل ~~بأصله" (¬3) بهذه الزيادة وإنما اقتصر على القطعة الأولى فظن أن الثانية من ~~أفراد مسلم فاجتنب ذلك وهذا الموضع الذي أخرجنا هذه الزيادة منه هو بعد هذا ~~بكراريس فاستفد ذلك. # وقد وقع للمصنف أيضا مثل ذلك في "عمدته الكبرى" وكأنه أخذه منها ثم رأيت ~~بعد ذلك ابن العطار اعتذر عن المصنف بشيء غلط فيه، فقال: في "شرحه" هذه ~~الزيادة التي أضافها المصنف إلي مسلم رواها الشيخان أيضا في صحيحيهما لكن ~~من رواية سالم عن أبيه أن عمر فجعلاها من مسند عمر لا من مسند ابنه ولم تقع ~~هذه الزيادة في حديث نافع عن ابن عمر ولا يضر ذلك لأن سالما ثقة وهو أجل من ~~نافع فزيادته مقبولة وقد أشار النسائي والدارقطني إلى ترجيح رواية نافع وهي ~~إشارة مردودة، قال: فحينئذ المصنف معذور من حيث أنه روى الحديث عن عبد الله ~~بن عمر، والزيادة عنه أيضا، والذي خرجاه في صحيحيهما روايتهما لها عن عبد ~~الله بن عمر عن عمر مرفوعا فجعلاها من مسند عمر لا من مسند ابنه هذا كلامه ~~وهو اعتذار عجيب ووهم فاحش فإن هذا الحديث لم يروه الشيخان PageV07P151 # من حديث ابن عمر عن أبيه أصلا (¬1)، ولم يذكره (¬2) الحميدي أيضا في ~~"جمعه بين الصحيحين" من روايته، والحديث ثابت فيهما، من حديث سالم عن أبيه، ~~وهو ابن عمر مرفوعا بلفظ المصنف جميعه، ذكره مسلم هنا والبخاري في الباب ~~السالف ms1233 الذي عزيناه إليه، ثم رأيت في بعض نسخ البخاري عقب ذكره الحديث ~~المذكور بكماله، وعن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر "في العبد" (¬3) ~~انتهى، وقد ساقه [هو] (¬4) قبل [ذلك] (¬5) ومسلم الحديث عن مالك، عن نافع، ~~عن ابن عمر مرفوعا "في النخل" فقط فالله أعلم بحال هذه الزيادة (¬6) ولئن ~~ثبت فلا يضرنا فإن الحديث قد أخرجاه من طريق ابن عمر كما أسلفناه فالاعتراض ~~باق على المصنف، وكأن ابن العطار توهم هذا بما ذكره شيخه النووي في "شرح ~~مسلم" (¬7)، فإنه قال قوله PageV07P152 # -عليه الصلاة والسلام-: "ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترطه ~~المبتاع" هكذا روى هذا الكلام البخاري ومسلم من رواية سالم، عن أبيه، ابن ~~عمر (¬1)، ولم تقع هذه الزيادة في حديث نافع، عن ابن عمر، ولا يضر ذلك، ~~وسالم ثقة بل هو أجل من نافع فزيادته مقبولة، وقد أشار النسائي (¬2) ~~والدارقطني إلى ترجيح رواية نافع، PageV07P153 # وهذه إشارة مردودة (¬1) هذا كلامه وهو كلام صحيح [لا إعتراض] (¬2) عليه ~~وليس به ذكر عمر أصلا. # الوجه الثاني: "النخل" اسم جنس والنخيل جمع وليس بجنس والنخل يذكر ويؤنث ~~قال تعالى: {أعجاز نخل منقعر (20)} (¬3) وقال: {أعجاز نخل خاوية (7)} (¬4) ~~وقد تسمى النخلة شجرة وفي الحديث: (ما شجرة لا يسقط ورقها) (¬5) ثم فسرت ~~بالنخلة وأما النخل في قول الشاعر: # رأيت بها قضيبا فوق دعص (¬6) ... عليه النخل أينع والكروم (¬7) PageV07P154 # فقالوا: هو ضرب من الحلى والكروم القلائد. # [الوجه] (¬1) الثالث: معنى "أبرت" تشققت، والتأبير: التلقيح وهو تشقيق ~~الكمام عنه، ويقال: له الأبار سواء تشقق بحط شيء من ذكر طلع النخل فيها أم ~~بنفسها لكن يسمى وضع الذكر فيها تلقيحا قال أهل اللغة: أبرت النخل بتخفيف ~~الباء الموحدة أبره بضمها أبرا كأكلته أكلا وأبرته بالتشديد أوبره تأبيرا ~~كعلمته أعلمه تعليما. ويقال: المخفف نخلة مأبورة ومن المشدد مؤبرة. # والأبار: في غير النخل عقد ثمره وثبات ما يثبت وسقوط ما يسقط من نوره (¬2). # واختلف أصحاب مالك في الزرع هل أباره الظهور من الأرض أو الأفراك. # تذنيب: جميع النخل لا يؤبر، بل ms1234 يؤبر بعضه، ويتشقق بإتيان ريح الفحول ~~إليه، الذي يحصل به تشقيق الطلع. # الرابع: دل الحديث (¬3) بمنطوقه على أنه إذا باع الشجرة بعد التأبير ~~فالثمرة للبائع ومفهومه وهو مفهوم الشرط أن ما لم يؤبر للمشترى ودل ~~الاستثناء أنها تكون للمشتري عند اشتراطها له وإن تأبرت بأن يقول اشتريت ~~النخلة بثمرتها هذه. PageV07P155 # وخالف أبو حنيفة فقال: تبقى الثمار للبائع أبرت أو لم تؤبر وبالأول قال ~~الشافعي ومالك والليث والأكثرون. # وقال الشافعي: والأكثرون أيضا إذا باعها قبل التأبير وشرط ثمرتها لنفسه جاز. # وخالف مالك في هذا، وقال: في أشهر قوليه يالمنع ومقابل قول أبي حنيفة قول ~~ابن أبي ليلى أنها للمشترى قبل التأبير وبعده فأما الأكثرون فأخذوا في ~~المؤبرة بمنطوق الحديث وفي غيرها بمفهومه وهو دليل الخطاب وهو حجة عندهم. # وأما أبو حنيفة: فأخذ بمنطوقه في المؤبرة وهو لا يقول بدليل الخطاب فألحق ~~غير المؤبرة بالمؤبرة. # واعترض عليه: بأن الظاهر يخالف المستتر في حكم التبعية كما أن الجنين ~~يتبع الأم في البيع ولا يتبعها الولد المنفصل. # وأما ابن أبي ليلى: فقوله مخالف لصريح السنة ولعله لم يبلغه الحديث. # قال القرطبي (¬1): والقول بدليل الخطاب (¬2) في مثل هذا ظاهر PageV07P156 # لأنه لو كان غير المؤبر حكم المؤبر لكان تقييده بالشرط لغوا لا فائدة له ~~ثم قال: # فإن قلت: فائدته التنبيه بالأعلى على الأدنى قيل له [ليس] (¬1) هذا بصحيح ~~لغة ولا عرفا ومن جعل هذا بمنزلة قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} (¬2) تعين ~~أن يقال لفهمه أف، وتف. # فرع: لو اشترى النخل وبقي الثمر للبائع جاز لمشترى الأصل شراء الثمرة قبل ~~طيبها على مشهور مذهب مالك. ويرى لها حكم التبعية وبداية جمهور الشافعية ~~والنووي وأهل الظاهر وفقهاء الحديث لإطلاق النهي عن بيع الثمرة قبل بدو ~~صلاحها. # الخامس: يؤخذ من الحديث جواز أبار النخل وكذا غيره من الثمار وهو إجماع ~~لأنه في معناه. # السادس: حقيقة التأبير إنما هو للكل وقد أجرى تأبير البعض مجرى تأبير ~~الجميع إذا كان في بستان واحد واتحد النوع وباعها صفقة واحدة وجعل ذلك ms1235 ~~كالنخلة الواحدة فلو اختلف النوع فوجهان لأصحابنا. PageV07P157 # أصحها: أن الثمر يبقى للبائع دفعا للضرر وسوء المشاركة. # وقال: ابن خيران (¬1) غير المؤبر للمشترى والمؤبر للبائع. # وعند المالكية: أنه إذا أبر البعض دون البعض فإن كانا متساويين فلكل واحد ~~منهم حكم نفسه وإن كان أحدهما أكثر من الآخر فقيل الحكم كذلك وقيل: [الأقل] ~~(¬2) يتبع الأكثر حكاه المازري (¬3) قال: ولو كان المبيع أرضا يزرعها ولم ~~يظهر فقولان. # أحدهما: للمشتري كالتمر إذا لم يؤبر. # والثاني: للبائع لأنه من الجنس الذي لا يتأبر ولا يتكرر فأشبه ما دفن في ~~الأرض. ولما حكى القاضي ما قدمناه عن المازري في أن الأقل هل يتبع الأكثر ~~أم لا؟ قال: هذا، إذا كان الأبار مميزا فإن كان مختلطا لا يتميز فأقوال: # أحدها: لا يجوز البيع حتى تكون كلها للمشتري. # وثانيها: لا يجوز حتى تكون كلها للبائع. # وثالثها: أنه يفسخ البيع، قال: والحديث إنما يدل على بيعها إلا إذا أبرت ~~كلها فلا يلحق به غيره إلا بدليل. # السابع: قد يؤخذ من الحديث أنه إذا باع ما لم يؤبر مفردا PageV07P158 # بالعقد بعد تأبير غيره من البستان أنه يكون للمشترى لأنه ليس في المبيع ~~شيء مؤبر فيقتضي مفهوم الحديث أنه ليس للبائع وهو أصح الوجهين عندنا لأنه ~~بإفراده بالبيع انقطع عن حكم التبعية. # الثامن: أدخل من هذه الصورة في الحديث ما إذا كان التأبير وعدمه في ~~بستانين مختلفين والأصح ههنا إفراد كل بستان بحكمه لأن لاختلاف البقاع أثرا ~~في وقت التأبير، ولأنه لا يلزم منه ما لم يلزم في البستان الواحد من سوء ~~المشاركة. # التاسع: يؤخذ من الحديث أيضا أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد جائز. # العاشر: يؤخذ منه أيضا جواز بيع النخيل المؤبر بعد التأبير وقبله وهل ~~تدخل الثمرة فيها عند الإطلاق من غير تعرض للثمرة بنفي ولا إثبات فيه ما ~~قدمناه من المذاهب. # الحادي عشر: يؤخذ منه [أيضا]، (¬1) جواز بيع العبد وما في معناه. # الثاني عشر: يؤخذ منه أيضا أن العبد إذا ملكه السيد مالا ملكه وهو قول ~~[مالك ms1236 والشافعي] (¬2) في القديم لإضافة المال إليه باللام وهي ظاهرة في ~~الملك لكنه إذا باعه بعد ذلك كان ماله للبائع إلا أن يشترطه المشترى بظاهر ~~الحديث. PageV07P159 # وقال الشافعي: في الجديد وأبو حنيفة لا يملك العبد شيئا أصلا قال الله ~~تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} (¬1) وكما لا يملك ~~بالإرث ولأنه مملوك فأشبه البهيمة وتأولا الحديث على أن يكون في يد العبد ~~شيء من مال السيد فأضيف ذلك المال إلى العبد للاختصاص والانتفاع لا للملك ~~كما يقال "جل الدابة" "وسرج الفرس" قالا فإذا باع السيد العبد فذلك المال ~~للبائع إلا أن يشترطه المبتاع فيصح لأنه يكون باع شيئين العبد والمال الذي ~~في يده بثمن واحد وذلك جائز، قالا: ويشترط الاحتراز من الربا. # قال الشافعي: فإن كان المال دراهم لم يجز بيع العبد وملك الدراهم بدراهم ~~وكذا إن كان دنانير. # وقال مالك: يجوز أن يشترطه المشترى وإن كان دراهم والثمن دراهم وكذا في ~~جميع الصور لإطلاق الحديث، وكأنه لا حصة للمال من الثمن. # وقال الباجي (¬2): من المالكية لا يجوز اشتراط مال العبد إلا بثلاث شروط: ~~أن يشترط جميعه في نفس العقد للعبد، لا لنفسه، فإن شرط بعضه، أو كله بعد ~~العقد, أو شرطه لنفسه، فقولان: في كل مسئلة. # وقال المازري (¬3): زوال ملك السيد عن عبده على أربعة أوجه: PageV07P160 # أحدها: بعقد معاوضة كالبيع , والنكاح، والمال في ذلك للسيد إلا أن ~~[يشترطه المبتاع] (¬1) خلافا للحسن البصري والزهري في قولهما (¬2): يتبع ~~المال العبد في البيع والحديث يرد عليهما. # الثاني: أن يزول بالعتق وما في معناه من العقود التي يقتضي العتق سقوط ~~النفقة كالكتابة، فالمال للعبد إلا أن يشرطه السيد، خلافا لأبي حنيفة ~~والشافعي في قولهما إنه للسيد في العتق (¬3). # ثالثها (¬4): أن يزول ملكه بالصدقة والهبة، وفيهما قولان: عندهم، لأن ~~فيها شبها من العتق الذي يتبع فيه المال ومن البيع الذي لا يتبع، قال ~~القرطبي في "مفهمه" (¬5): والأرجح إلحاقها بالبيع، وقطعها عن العتق، ~~لاختصاصه بمعنى لا يوجد في غيره، واختلف قول مالك في ms1237 الوصية به. PageV07P161 # رابعها (¬1): إذا سلمه في الجناية هل يسلمه بماله قولان عندهم لأن المال ~~يتبع الرقبة وينتقل بانتقالها. # فائدة: نحوية أسلفنا آنفا أن اللام، للملك، وللأختصاص، والملك: قد يكون ~~حقيقة نحو "الدار لزيد" ومجازا نحوا "أبا لك" وفرق القرافي بين الملك ~~والاستحقاق والاختصاص. # فقال: المال [إن] (¬2) أضيف إلى من يعقل كانت اللام للملك وإلا فإن شهدت ~~العادة له به فللاستحقاق كالسرج للدابة وإن لم تشهد به بل كانت ثبتت بشهادة ~~العادة وغيرها فهو للاختصاص بالملك، والاختصاص بالملك، أخص من الاستحقاق، ~~والاستحقاق أخص من الاختصاص. # قلت: وللام معان أخر (¬3). # أحدها: التخصيص نحو: هذا ابن لزيد. # ثانيها: التعليل نحو: شربت لأروى، قال تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} (¬4). # ثالثها: التوكيد نحو "لزيد قائم". PageV07P162 # رابعها: للعاقبة قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} ~~(¬1)، وقال: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} (¬2). وقال الشاعر: # له ملك ينادي كل يوم ... لدو للموت وابنوا للخراب (¬3) # خامسها: للقسم نحو قولك: "لله لا تبقى أحد". # سادسها: زائدة ولا تزاد إلا مع مفعول به متعد إلى واحد وزيادتها ضربان. # قياسيه: وهي أن تزاد مقوية لعامل ضعف بالتأخير نحو: {كنتم للرؤيا تعبرون} ~~(¬4) أو بالفرعية نحو: {فعال لما يريد} (¬5). # وغير قياسيه: وهي في غير ذلك نحو: {ردف لكم} (¬6)، وقد أول على التضمين ~~قالوا: وتأتي اللام أيضا بمعنى عن قال تعالى: {وقال الذين كفروا للذين ~~آمنوا لو كان خيرا ...} (¬7) الآية، -أي عن الذين آمنوا-. PageV07P163 # الوجه الثالث عشر: يؤخذ من الحديث أيضا أنه إذا باع عبدا أو جارية وعليها ~~ثياب لا تدخل في البيع مطلقا بل تكون للبائع إلا أن يشترطها المبتاع لأنه ~~مال في الجملة وهو أصح الأوجه للشافعية. # والوجه الثاني: دخولها عملا بالعرف، قال الرافعي: في "المحرر" وهو الأشبه ~~وفي المسألة وجه ثالث: أنه يدخل ساتر العورة فقط لأن ستر العورة واجب [فما ~~سترها] (¬1) تابع له. # ... PageV07P164 ### ||| AUTO الحديث الرابع والخامس # 286 - 287/ 4 - 5/ 54 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ابتاع ms1238 طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" (¬1). # وفي لفظ: "حتى يقبضه" (¬2) # وعن ابن عباس: مثله (¬3). PageV07P165 # الكلام عليهما من وجوه: # الأول: هذا الحديث من طريقيه ترجم عليه البخاري (¬1) "بيع الطعام قبل أن ~~يقبض وبيع ما ليس عندك" ثم ذكر حديث ابن عمر باللفظين المذكورين وذكر قبله ~~حديث ابن عباس بلفظ أما الذي نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو ~~الطعام أن يباع [حتى] (¬2) يقبضه، قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله. # وذكر مسلم (¬3) حديث ابن عمر أيضا باللفظين المذكورين وبلفظ ثالث "حتى ~~يستوفيه ويقبضه" وبغير ذلك من الألفاظ وفي أخرى "حتى تكتاله". # [وذكر حديث ابن عباس بلفظ "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" قال ابن ~~عباس: أحسب كل شيء مثله. وفي رواية "فلا يبعه حتى يقبضه"] (¬4) وفي أخرى ~~"حتى تكتاله". PageV07P166 # الثاني: "الطعام" أصله في اللغة ما يؤكل، قاله الجوهري (¬1)، قال: وربما ~~خص بالبر كما في حديث أبي سعيد في الفطرة (¬2) أي السالف في بابه. # الثالث: في فقه الحديث هو نص في منع بيع الطعام قبل قبضه بأن يشتريه من ~~رجل ولم يقبضه ويبيعه، الآخر وخالف فيه، عثمان البتي (¬3) فقال: يجوز في كل مبيع. # وقال أبو حنيفة: [لا] (¬4) يجوز في كل شيء إلا العقار وما لا ينقل لتعذر ~~الاستيفاء فيه ولم يذكر النووي والقشيري وما لا ينقل، ونقله عنه القرطبي ~~(¬5) وغيره. PageV07P167 # وقال مالك (¬1): لا يجوز في الطعام، ويجوز فيما عداه وحمل الطعام على ~~عمومه ربويا كان أو غير ربوي في مشهور الروايتين عنه وألحق بالشراء جميع ~~المعاوضات ووافقه كثيرون. # وروى ابن وهب عن مالك: تخصيصه بما فيه الربا من الأطعمة. # وقال آخرون (¬2): لا يجوز في المكيل والموزون ويجوز فيما سواه. # وقال الشافعي (¬3): لا يصح مطلقا طعاما كان أو عقارا أو منقولا أو نقدا ~~أو غير ذلك ووافقه ابن حبيب وسحنون فيما فيه حتى يستوفيه. # ومذهب عثمان حكاه المازري (¬4) والقاضي ولم يحكه الأكثرون بل نقلوا ~~الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه. PageV07P168 # قالوا: إنما الخلاف فيما سواه وهو شاذ ms1239 متروك ويعتذر عنه بأن هذه الأحاديث ~~لم تبلغه. # وحجة الشافعي الأحاديث الصحيحة فيه وقول ابن عباس السالف "وأحسب كل شيء ~~فيه مثله" وصح أنه -عليه الصلاة والسلام- نهى "عن ربح ما لم يضمن" (¬1) وهو ~~عام في الطعام وغيره وخص الطعام في هذا الحديث لكثرة وقوع البيع فيه عندهم ~~ولعموم الحاجة إليه. # وفي "صحيح ابن حبان" (¬2)، أن حكيم بن حزام، قال: يا رسول الله إني رجل ~~أشتري المتاع، فما الذي يحل لي منها وما يحرم علي، فقال: "يا ابن أخي إذا ~~ابتعت بيعا، فلا تبعه حتى تقبضه". # وفي "صحيح الحاكم" (¬3) من حديث ابن عمر نهى PageV07P169 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها ~~التجار إلى رحالهم". # وحجة مالك: للمشهور عنه الوقوف مع ظاهر الأحاديث وعضده بما ذكره في ~~"موطئه" (¬1) من أنه مجمع عليه بالمدينة وأنه لا خلاف عندهم في منعه وقصره ~~على ما بيع بكيل أو وزن من الطعام تمسكا بدليل خطاب الأحاديث السالفة. # ثم اختلف أصحابه هل هذا المنع شرع غير معلل أو معلل بالعينه؟ وإليه أشار ~~في "الموطأ" حيث أدخل هذا الحديث في بابها وهو الذي عنى ابن عباس حيث قال ~~في الصحيح (¬2) "يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ" أي مؤخرا، وكأنهم قصدوا إلى ~~أن يدفعوا PageV07P170 # ذهبا في أكثر منه، والطعام محلل، وفي البخاري عنه "دراهم بدراهم والطعام ~~مرجأ" (¬1). # قال المازري (¬2): وقد [تردد] (¬3) بعض أصحابنا في الطعام إذا أمن فيه من ~~العينه التي هي سبب للمنع على ما قال ابن عباس: هل يمنع بيعه قبل قبضه ~~لظاهر الخبر أو يسهل فيه؟ قال: ورأيته يميل للتسهيل في مقتضى كلامه إذا وقع ~~البيع فيه بالنقد، وما أظن عثمان البتي سلك في مقالته السالفة إلا هذه ~~الطريقة. # الرابع: ظاهر الحديث ونصه يقتضي اختصاص المنع بأن يكون الطعام مملوكا ~~بالبيع دون الهبة والصدقة والقرض ونحو ذلك. # والأصح عند الشافعية: أن الإجارة والرهن والهبة كالبيع. # واستثنوا من ذلك: الإعتاق والتزويج والاستيلاد والوقف دون الكتابة على ~~الأصح وفي الصدقة اضطراب لمتأخريهم. # واستثنوا أيضا: ms1240 ما إذا ملكه بإرث وكان الموروث يملك التصرف فيه أو وصية ~~أو عاد إليه بفسخ عقد وغير ذلك من المسائل التي محلها كتب الفروع. وفي ~~"اللطيف" لابن خيران (¬4) جواز قضاء الدين به أيضا. # وعند المالكية: أن الإجارة كالبيع لأنها بيع منافع في الحقيقة PageV07P171 # وكذا النكاح لأن المرأة مبتاعة له بمنافع بضعها وكذا من ملك طعاما بإرش ~~جناية أو مصالحة عن دم أو قضاء دين فإنه لا يجوز له بيعه قبل قبضه لأن ~~حقيقة البيع انتقال الملك بعوض بخلاف القرض فإنه يجوز عندهم بيعه قبل قبضه ~~لأن حقيقة البيع انتقال الملك بعوض بخلاف القرض ليس بيعا وكذا من وهب له ~~طعام أو تصدق به عليه. # ولا يجوز عند الشافعية: التولية، والشركة، قبل القبض وأجازهما مالك: مع ~~الإقالة، لأنها عقود المقصود بها المعروف والرفق فأشبهت القرض عنده ولا شك ~~أن التولية والشركة بيع فيدخلان تحت الحديث وفي كون الإقالة بيعا خلاف فمن ~~لا يراها بيعا لا يدرجها تحت الحديث. # واستثنى مالك: ذلك على خلاف القياس لما تقدم وقد ذكر أصحابه في ذلك حديثا ~~يقتضي الرخصة فيها كذا ذكره الشيخ تقي الدين (¬1) عن أصحابه ولم يبين ~~الحديث وهو حديث مرسل عن سعيد بن المسيب من حديث ذكره كأنه عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: " لا بأس بالتولية والإقالة والشركة في الطعام قبل أن ~~يستوفى" ذكره أبو داود (¬2) وقال: هذا قول أهل المدينة وآخر مثله عن عبد ~~الرزاق، عن ابن خديج، قال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حديثا مستفاضا بالمدينة قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه ~~حتى يقبضه ويستوفيه إلا أن يشرك فيه، أو يوليه، أو يقيله" (¬3). PageV07P172 # وألزم القرطبي (¬1) الشافعي وأبا حنيفة القول بهما , وقال: هما مرسلان ~~صحيحان مشهوران وقد نص الشافعي على أنه يعمل بمراسيل سعيد بن المسيب وأبو ~~حنيفة على العمل بالمرسل مطلقا، قال: وقد خالفا في التولية والشركة ووافقا ~~في الإقالة. # فرع: اختلف العلماء في الورقة التي تخرج من ولي الأمر بالرزق لمستحقه بأن ms1241 ~~يكتب فيها لإنسان كذا وكذا من الطعام أو غيره فيبيع ذلك لإنسان قبل أن ~~يقبضه ويسمى بيع الصك قبل قبضه ولا يصح عند أصحابنا (¬2). وغيرهم: الجواز. # والثاني: المنع لنهي أبي هريرة عنها في "صحيح مسلم" (¬3). # والأول: أوله على أن المشتري ممن خرج له الصك باعه لثالث قبل أن يقبضه ~~المشتري فكأن النهي عن البيع الثاني لا عن الأول لأن الأول مالك وليس بمشتر ~~فأشبه بيع ما ورثه قبل قبضه. # خاتمة: حكم الجزاف حكم المقدر من الطعام في المنع من بيعه قبل قبضه وقبضه ~~نقله وبه قال الكوفيون والشافعي وأبو ثور وأحمد وداود والأحاديث شاهدة لهم ~~به. PageV07P173 # وخالف مالك: فحملها على الأولى وأنه لو باع الجزاف قبل نقله جاز لأنه ~~بنفس تمام العقد والتخلية بينه وبين المشتري صار في ضمانه وإليه صار سعيد ~~بن المسيب والحسن وجماعة. # تنبيه: منع بيع المبيع قبل قبضه، قيل: معلل بضعف الملك بدليل انفساخه ~~بالتلف فلا يستفيد به ولاية التصرف. # وقيل: معلل بتوالي ضمانين على شيء واحد يعني اجتماعهما عليه وإستبعد ~~الرافعي التعليلين وجعل الاعتماد على الأخبار. # تذنيب: القبض ورد في الحديث مطلقا وهو محمول على العرف فقبض كل شيء بحسبه ~~كما بيناه في كتب الفروع وهذا كما في الإحياء، والحرز. فإنهما محمولان على ~~العرف أيضا. # *** PageV07P174 ### ||| AUTO الحديث السادس # 288/ 6/ 54 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: عام الفتح: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، ~~والميتة، والخنزير، والأصنام، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه ~~يطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا هو حرام" ~~ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عند ذلك (قاتل الله اليهود إن ~~الله تعالى لما حرم عليهم شحومها، جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه" (¬1) ~~جملوه: [أي] (¬2) أذابوه. # (¬3) [الكلام عليه من وجوه: # الأول: "العام" اسم للسنة سميت بذلك لأن الشمس والقمر PageV07P175 # والليل والنهار يعوم فيها في الفلك ومنه قوله تعالى: {وكل في فلك يسبحون ~~(40)} (¬1) وهو مصدر عام يعوم ms1242 عوما وعاما وعاومت النخلة إذا حملت سنة ولم ~~تحمل أخرى (¬2). # "والفتح" هو فتح مكة وكان في عشرين رمضان في السنة الثانية من الهجرة كما ~~سلف في باب حرمة مكة وإنما قيده "بعام الفتح" تنبيها على ما كانوا يعتمدونه ~~في الأحكام من الأخذ بالآخر فلآخر منها. # الثاني: قوله "إن الله ورسوله حرم" كذا الرواية "حرم" مسند إلى ضمير ~~الواحد. وكأن أصله: حرما. لأنه تقدم اثنان، لكن تأدب - صلى الله عليه وسلم ~~-، فلم يجمع بينه وبين اسم الله تعالى في ضمير الاثنين، لأن هذا من نوع ~~[مارد] (¬3) على الخطيب الذي قال: "ومن يعصهما فقد غوى. فقال له: بئس ~~الخطيب أنت. قل: ومن يعص الله ورسوله" (¬4) PageV07P176 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P177 # وصار هذا مثل قوله تعالى: {أن الله بريء من المشركين ورسوله} (¬1) نبه ~~عليه القرطبي في "مفهمه" (¬2) وقال غيره هو من وادي قوله تعالى: {والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه} (¬3) ومذهب سيبويه فيه وهو المختار أن الجملة الأولى ~~حذفت لدلالة الثانية عليها تقديره عنده والله أحق أن ترضوه ورسوله أحق أن ~~ترضوه فالهاء في ترضوه تعود على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقال ~~المبرد: لا حذف في الكلام ولكن فيه تقديم وتأخير تقديره: والله أحق أن ~~ترضوه ورسوله، فالهاء على هذا تعود PageV07P178 # على الله تعالى جل ذكره، وقال الفراء (¬1): المعنى: ورسوله أحق أن ترضوه ~~والله افتتاح كلام وهو بعيد وألزم المبرد أن يجيز ما شاء الله وشئت بالواو ~~ولأنه يجعل الكلام ملة واحدة وقد نهى عن ذلك [الأثيم] (¬2) ولا يلزم ذلك ~~سيبويه لجعله الكلام جملتين. # وقيل: أحق أن ترضوه خبر عن الاسمين لأن الرسول تابع لأمر الله {إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله} (¬3) {من يطع الرسول فقد أطاع} (¬4) وقيل: ~~"إفراد الضمير وهو في موضع التثنية". # الثالث: "الخمر" هو الشراب المعروف وهي مؤنثة على اللغة الفصحى المشهورة ~~وذكر أبو حاتم السجستاني (¬5) في كتابه " [المذكر] (¬6) والمؤنث" في موضعين ~~منه أن قوما فصحاء يذكرونها PageV07P179 # قال سمعت ذلك ممن أثق به وذكرها ابن قتيبة في "أدب الكاتب" (¬1) ما جاء ~~فيه لغتان التذكير والتأنيث ms1243 ولا يقال خمره بالهاء في اللغة الفصيحة وقد ~~تكرر استعمالها بالهاء في "الوسيط" وهي لغة قليلة فلا إنكار عليه وفي ~~"المقدمات" أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (الشيطان يحب الخمرة) وكذا هو ~~في الرواية بالهاء وكذا ذكر هذه اللغة الجوهري (¬2) وغيره، قال الجوهري ~~خمرة، وخمر، وخمور، كتمرة وتمر، وتمور، وقال ابن مالك (¬3): في مثلث الخمرة ~~الخمر، ولماذا سميت بذلك؟ أقوال: # أحدها: لسترها العقل وأصل هذا الحرف التغطية. # ثانيها: لأنها تغطى حتى يدرك. # ثالثها: لأنها تخامر العقل أي تخالطه قاله ابن الأنباري (¬4) ومنه سمي ~~الخمار لأنه يغطي الرأس. PageV07P180 # رابعها: لأنها تركت فاختمرت واختمارها تغيرها قاله ابن الأعرابي. # ولها عدة أسماء ذكر ابن بري (¬1): منها نحو المائة، وابن المعتز مائة ~~وعشرة. وزاد عليه أبو القاسم علي بن جعفر اللغوي مائتين وأربعين اسما وتوسط ~~ابن دحية فبلغها في كتابه "تنبيه البصائر في أسماء أم الكبائر" إلى مائة ~~وتسعين وقد ذكرتها ملخصة في "لغات المنهاج" فمن أراده راجعه منها. # الرابع: "الميتة" بفتح الميم ما زالت عنه الحياة لا بذكاة شرعية وبالكسر ~~الهيئة يقال: مات فلان ميوتة حسنة والأصل في موته المفتوحة الميم موتة فلما ~~اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في ~~الياء فبقيت ميتة بالتشديد ثم خففت بحذف إحدى اليائين كما فعلوا ذلك في هبن ~~ولبن وشبههما فهي تكتب سواء ووصل ابن درستويه أسماء الموت إلى مائة وعشرة ~~اسما وزاد عليه أبو القاسم علي بن جعفر اللغوي ثلاثمائة وخمسين اسما. # الخامس: "لخنزير" بكسر الخاء معروف، قال ابن الأثير في كتابه "المرصع في ~~الآباء والأمهات" هو أبو جهيم، وأبو زرعة، وأبو دلف، وأبو عقبة، وأبو علبة، ~~وأبو قادم. PageV07P181 # قال أبو البقاء في "إعرابه" (¬1) النون: في خنزير أصل وهو على مثال ~~غربيب، قال: وقيل زائدة. # قلت: ولم يذكر الجوهري غيره وقال اللبلي: وزنه فعليل ويحتمل أن تكون ~~النون زائدة لأنها قد يزاد ما فيه فيكون وزنه فعليلا، قال عبد الحق: ~~واشتقاقه من الخزر وهو النظر بمؤخر العين وكل خنزير أخزر. # السادس: "الأصنام" جمع ms1244 صنم وهو الوثن أيضا كما قاله الجوهري (¬2). # وقال غيره: الوثن: ما كان غير مصور. # وقيل: ما كان له جثة من خشب، أو حجر، أو فضة، أو جوهر، أو غيره سواء ~~المصور أو غيره. # والصنم: صورة بلا جثة (¬3). # "والسفن": واحدها سفينة، قال ابن دريد: هي فعلية بمعنى فاعلة لأنها تسفن ~~الماء أي تقشره (¬4). # السابع: الحديث دال على تحريم بيع الخمر وهو إجماع كما PageV07P182 # نقله ابن المنذر وغيره وذلك إما لنجاستها كما سيأتي وإما أنه ليس فيها ~~منفعة مباحة مقصودة أو للمبالغة في التنفير عنها وقول بعض أصحابنا في ~~الخمرة المحترمة إنها طاهرة ويجوز بيعها شاذ، وأقوى في الشذوذ منه القول ~~بجواز بيعها مع نجاستها حكاه ابن الرفعة وكذا قول بعضهم بجواز بيع العنقود ~~المستحيل باطنه خمرا كل ذلك لا يلتفت مع هذا الإجماع. # وفيه دلالة على تحريم شربها وهو إجماع أيضا وقد لعن - صلى الله عليه وسلم ~~- عشرة بسببها (¬1) وقال: (من شربها لم تقبل له صلاة أربعين PageV07P183 # صباحا) (¬1) "ومن شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة" (¬2) "ومن شربها ~~في الدنيا ولم يتب منها سقاه الله من طينة الخبال وهي صديد PageV07P184 # أهل النار وعصارتهم" وورد "أن مد منها كعابد وثن" (¬1). # فرع: انفرد أبو حنيفة فقال: يجوز أن يوكل المسلم ذميا في بيع الخمر ~~وشرائه حكاه النووي في "شرح المهذب" ثم قال: وهو فاسد منابذ للأحاديث ~~الصحيحة في النهي عن بيعها وانفرد أيضا بقوله: إنه لا يحرم على أهل الذمة ~~بيعها والمسئلة مبنية على خطاب الكافر بالفروع. # الثامن: الحديث دال أيضا على تحريم بيع الميتة وهو إجماع أيضا كما نقله ~~ابن المنذر وغيره وأخذ من تحريم بيعها نجاستها وكذا أخذ من تحريم بيع الخمر ~~والخنزير نجاستهما وعدو العلة فيها بالنجاسة إلى تحريم بيع كل نجس فإن ~~الانتفاع بها لم يعدم. # أما الميتة: فإنه ينتفع بها في إطعام الجوارح، وأكل المضطرين إذا أشرفوا ~~على الهلاك. PageV07P185 # وأما الخمر: فينتفع بها وجوبا في الغاص بلقمة، إذا لم يجد غيرها. وغير ذلك. # وقد نقل ابن المنذر الإجماع ms1245 على نجاسة الخنزير لكن مذهب مالك طهارته وحكى ~~الماوردي عن داود طهارة شحمه لأن الله تعالى إنما حرم لحمه اقتصارا على ~~النص وهو عجيب (¬1) فإن الشحم مع اللحم. # وانفرد مالك بطهارة الكلب وأنه يغسل من ولوغه تعبدا كما أسلفناه عنه في ~~كتاب الطهارة مع حكاية الخلاف عنه أيضا فيه. # فرع: اختلف في الانتفاع بشعر الخنزير فمنعه ابن سيرين والحاكم وحماد ~~والشافعي وأحمد وإسحاق ورخص فيه الحسن البصري والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة ~~وأبو يوسف حكاه كله ابن المنذر. # التاسع: جميع أجزاء الميتة يحرم بيعها (¬2) كما قررناه حتى PageV07P186 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P187 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P188 # قرنها وعظمها، قال القرطبي (¬1): ويستثنى عندنا ما لا تحله الحياة ~~كالشعر، والصوف، والوبر، فإنه طاهر منها، وهو قول أبي حنيفة أيضا، وزاد أبو ~~حنيفة وابن وهب من المالكية: عظم الفيل وغيره، والسن، والقرن، والظلف، فلا ~~تنجس بالموت لأن الحياة لا تحلها (¬2). PageV07P189 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P190 # قال: والجمهور على خلافهما في العظم، وما ذكر معه، فإنها تحلها الحياة. ~~وهو الصحيح. فإن العظم والسن يألم، وتحس به الحرارة والبرودة، بخلاف الشعر، ~~وهذا معلوم بالضرورة. # قال: وأما أطراف القرون، والأظلاف، وأنياب الفيل: فاختلف فيها. هل حكمها ~~حكم أصولها فتنجس؟ أو حكمها حكم الشعر؟ على قولين. # قالوا: أما الريش: فالشعري منه شعر، وأسفله عظم، ومتوسطه، هل يلحق بأصله ~~أم بأطرافه قولان؟ # قال: وقد قال بنجاسة الشعور الحسن، والليث، والأوزاعي، لكنها تطهر بالغسل ~~عندهم , وكأنها عندهم نجسة بما يتعلق بها من رطوبات الميتة. وإلى نحو من ~~هذا ذهب ابن القاسم في أنياب الفيل. # فقال: تطهر، إن سلقت بالماء. والأصح عند الشافعية نجاسة شعر الميتة إلا ~~الآدمي. # وأما جلد الميتة: فلا تباع قبل الدباغ، ولا ينتفع به، لأنه كلحم الميتة. # نعم يجوز استعماله في اليابسات. PageV07P191 # وانفرد أبو حنيفة بجواز بيعه وهو مذهب جماعة من أهل العلم فلا يجوز بيعها ~~ولا الصلاة عليها ولا بها ولا ينتفع بها إلا في اليابسات دون المائعات إلا ~~في الماء وحده. # وذهب الجمهور سلفا وخلفا: إلى طهارتها طهارة مطلقة (¬1) PageV07P192 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P193 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P194 # وإليه ذهب الشافعي ومالك في رواية ابن وهب. # قال القرطبي: ms1246 وهو الصحيح لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما إهاب دبغ ~~فقد طهر" (¬1)، وقوله: "دباغ الأديم ذكاته" (¬2). # فرع: ما لا يجوز بيعه لأنه ميتة جسد الكافر، وقد أعطي - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم الخندق في جسد نوفل بن عبد الله المخزومي عشرة آلاف درهم فلم ~~يأخذها ودفعها إليهم وقال: "لا حاجة لنا بجسده ولا ثمنه"، وذكر الترمذي ~~حديثا نحوه (¬3). PageV07P195 # فرع: يستثنى من الميتة السمك والجراد وقد نص الشارع في حديث آخر على حل ~~أكلهما (¬1) فيحل بيعها ويستثنى من الخنزير خنزير البحر على القول بحل أكله ~~لكن لا يعرف العرب في البحر خنزيرا وسئل مالك عن خنزير البحر فقال اسم ~~يسمونه خنزيرا أي PageV07P196 # لا تسميه العرب بذلك وأبقاه مالك مرة أخرى من جهة الورع (¬1) والأصح عند ~~الشافعية حل أكله (¬2). # العاشر: الحديث دال أيضا على تحريم بيع الأصنام والعلة فيه كونها ليس ~~فيها منفعة مباحة وقد يكون منع بيعها مبالغة في التنفير عنها وفي بيع ~~الأصنام والصور عند الشافعية ثلاثة أوجه: # أصحها: المنع لما قلناه. # وثانيها: الصحة للانتفاع بكسرها، وتأول الحديث على ما لا ينتفع بمنفصله ~~أو على كراهة التنزيه. # ثالثها: واختاره الإمام والغزالي أنه إن اتخذ من جوهر نفيس صح بيعها ~~فإنها مقصودة في نفسها، وإن اتخذت من خشب ونحوه فلا. # وقال القاضي مجلى: إن كانت من جوهر نفيس يقصد رضاضه صح، ومن أصحابنا من ~~منع وإن لم يقصد ولكنه متمول فالظاهر أنه لا يصح، ومن أصحابنا من قال يصح، ~~وصحح المتولى الصحة فيما إذا كانت محلولة تصلح لمنفعة مباحة وإلا فلا وبه ~~جزم الماوردي لكنه قال يكره البيع إذا صلحت لمنفعة مباحة. # فرع: الصور التي على الأباريق والأسرة ونحوها مما المقصود غيرهما لا يفسد ~~البيع لأنها تبع. نعم: يكره اتخاذها ويلزم تغييرها قاله القاضي عياض. PageV07P197 # فرع: الصليب الذي يظهر فيه إلحاقه بالأصنام. # فرع: يلتحق ببيع الأصنام نحتها وتصويرها وكذا جميع ما كان على صور ~~الحيوانات على سقف أو جدار أو وسادة منصوبة أو ستر أو ثوب ملبوس ويجوز ما ~~على الأرض ms1247 وبساط ومخدة ومقطوع الرأس وصور شجر. # الحادي عشر: "فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة؟ " إنما جمعه لاختلاف ~~أنواعه فإنه إسم جنس وحقه الإفراد. # الثاني عشر: يؤخذ مما ذكره في الشحوم أن ما لا يحل أكله والانتفاع به لا ~~يجوز بيعه ولا يحل أكل ثمنه. # واعترض بعض اليهود والملاحدة: بأن الابن إذا ورث من أبيه جارية كان وطئها ~~الأب فإنها تحرم عل الابن ويحل له بيعها بالإجماع ويأكل ثمنها وهذا تمويه ~~منهم على من لا حاصل عنده لأن جارية الأب لم يحرم على الابن غير الاستمتاع ~~دون غيره من الناس ويحل لهذا الولد الانتفاع بها في جميع الأشياء سوى ~~الاستمتاع وغيره بخلاف الشحوم فإنها محرمة المقصود منها وهو الأكل منها على ~~جميع اليهود وكذلك شحوم الميتة محرمة الأكل على كل أحد فكان ما عدا الأكل ~~تابعا له بخلاف موطوؤة الأب (¬1). # الثالث عشر: الصحيح من مذهب الشافعي جواز الانتفاع بشحوم الميتة في طلي ~~السفن والاستصباح بها وغير ذلك ما لم تؤكل PageV07P198 # أو تستعمل في بدن آدمي وبه قال عطاء وابن جرير (¬1). # وقال الجمهور كما حكاه النووي في "شرح مسلم" (¬2): عنهم لا يجوز الانتفاع ~~به في شيء أصلا لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة إلا ما خص بدليل وهو ~~الانتفاع بجلدها المدبوغ. # وأما الزيت والسمن ونحوهما من الأدهان: التي أصابتها نجاسة فهل يجوز ~~استعمالها بالاستصباح وغيره في غير الأكل وغير البدن أو يجعل الزيت النجس ~~في صابون أو يطعم العسل المتنجس للنحل أو يطعم الميتة لكلابه أو يطعم ~~الطعام النجس لدوابه كل ذلك فيه خلاف بين السلف. # والصحيح من مذهبنا: جواز جميع ذلك (¬3) ونقله القاضي عياض عن مالك وكثير ~~من أصحابه والشافعي والثوري وأبي حنيفة والليث. # قال: وروى نحوه، عن علي، وابن عمر، وأبي موسى PageV07P199 # والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وقال البغوي في "شرح السنة" ~~(¬1): جواز الاستصباح به قول أكثر أهل العلم. # قال القاضي: وأجاز أبو حنيفة وأصحابه والليث وغيرهم بيع الزيت النجس إذا بينه. # وقال عبد الملك: والإمام ms1248 أحمد (¬2) وأحمد بن صالح لا يجوز الانتفاع بشيء ~~من ذلك كله في شيء من الأشياء، وقد فرق بعضهم بين شحوم الميتة وبين ما تنجس ~~بعارض، فقال: ينتفع بهذا دون الأول حكاه القرطبي (¬3) ووهاه ونقل الفاكهي ~~أن مذهبهم جواز الاستصباح بالدهن النجس في غير المساجد وعمله في الصابون ~~وإن أوجبنا تطهير الثوب منه بعد غسله، قال: والمشهور عندنا منع بيعه وأنه ~~لا يطهر إذا غسل. # واعلم أنه قد استدل بقوله -عليه الصلاة والسلام- "لا هو حرام" (¬4) PageV07P200 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P201 # على منع طلي السفن ودهن الجلود والاستصباح بها وفيه نظر لأن PageV07P202 # الضمير في هو يعود في البيع لا على الانتفاع "لا تبيعوا الشحوم فإن بيعها ~~حرام"، فكأنه -عليه الصلاة والسلام- أعاد تحريم البيع بعد ما بين القائل له ~~أن فيه منفعة إهدارا لتلك المنافع التي ذكرت وبهذا يقوى مذهب الشافعي في ~~جواز الانتفاع بها. # وادعى بعضهم: أنه جاء في رواية لما قيل إنه يدهن بها السفن، فقال: "لا ~~تنتفعوا من الميتة بشيء" فيحمل على الكراهة ويحترز من النجاسة أن تمسه. # قلت: وفي الباب حديث صريح في الاستصباح بالدهن النجس وهو حديث أبي هريرة ~~-رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن فأرة وقعت في ~~السمن فقال: "إن كان جامدا فخذوها وما حولها فألقوه وإن كان ذائبا أو مائعا ~~فاستصبحوا أو فانتفعوا به" رواه الطحاوي في "بيان المشكل" (¬1)، وقال: عبد ~~الواحد بن زياد المذكور PageV07P203 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P204 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P205 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P206 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P207 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P208 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P209 # فيه ثقة: إذا انفرد بحديث قبل حديثه وكذلك إذا انفرد بزيادة قبلت زيادته، ~~وانفرد داود فقال بجواز بيع الزيت النجس دون السمن (¬1). # الرابع عشر: [قوله] (¬2) -عليه الصلاة والسلام-: "قاتل الله اليهود" أي: ~~قتلهم. كقوله تعالى: {قاتلهم الله أنى يؤفكون} قاله الهروي، قال: وسبيل ~~(فاعل) أن يكون من اثنين، وربما يكون من واحد، كقولك: سافرت وطارقت النعل. # وقال ابن عباس: لعنهم. وقد جاء مصرحا به في رواية أخرى (¬3)، وقال غيره: ~~عاداهم. # الخامس عشر: قوله: "قاتل الله اليهود" إلى آخره فيه تنبيه على تعليل ~~تحريم بيع هذه الأشياء وأن العلة تحريما فقط فإنه ms1249 -عليه الصلاة والسلام- ~~وجه اللوم على اليهود في تحريم أكل الثمن بتحريم أكل الشحوم. # السادس عشر: استدلت المالكية بهذا على سد الذرائع من حيث أن اليهود توجه ~~عليهم اللوم بتحريم أكل الثمن من جهة تحريم أكل الأصل وأكل الثمن ليس هو ~~أكل الأصل بعينه لكن لما كان مسببا إلى أصل الأصل بطريق المعنى استحقوا ~~اللوم به. PageV07P210 # السابع عشر: يؤخذ منه جواز الدعاء على من فعل المحرم أو إستباحه أو تحيل ~~على فعله أما من تحيل على الخلاص من فعله والخروج منه فليس داخلا في جواز ~~الدعاء عليه وذمه وقد أمر الله تعالى أيوب بالضرب بشمراخ النخل وهو الضغث ~~لما حلف على الضرب بمائة سوط (¬1). PageV07P211 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P212 # وأمر به -عليه الصلاة والسلام- في ذاك الزاني الذي أفتى أن يضربوه بها ~~ضربة واحدة (¬1). PageV07P213 # وأمر أيضا بوضع اليد على الأنف عند الخروج من الصلاة بالحدث إيهاما ~~للرعاف (¬1) وبهذا يرد على ما أطلقه القاضي من قوله PageV07P214 # في الحديث دلالة على إبطال الحيل والحجة على من قال بها في إسقاط حدود ~~الشرع من الكوفيين فالتفصيل الذي ذكرناه هو الصواب. # الثامن عشر: يؤخذ منه أيضا أن المحرم إذا أحرم، حرم عليه جميع ما يتعلق ~~به ما هو سبب إلى تحليله فإنه -عليه الصلاة والسلام- دعا على اليهود حيث ~~أذابوا الشحوم وباعوها وأكلوا أثمانها لأن تحريمها لذاتها لا لوصفها فإن ~~التحريم للوصف يزول بزواله ألا ترى إلى قوله في حديث بريدة الآتي في كتاب ~~الفرائض (¬1) في ذلك اللحم الذي تصدق بها "هو عليها صدقة ولنا هدية" فلما ~~تغير الوصف من الصدقة إلى الهدية صار حلالا بخلاف المحرم لعينه. # التاسع عشر: قد فسر المصنف معنى "جملوه" يقال: أجمل الشحم. وجاء رباعي ~~وثلاثي، والجميل: الشحم المذاب. وفي رواية "اجتملوها"، قال أبو عبيد (¬2): ~~يقال: جملت، وأجملت، واجتملت. PageV07P215 # العشرون: روى أبو داود (¬1) بإسناد صحيح عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا عند الركن فرفع بصره إلى ~~السماء فضحك فقال: لعن الله اليهود ثلاثا وفي لفظ قاتل الله اليهود إن ms1250 الله ~~حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وأن الله إذا حرم على قوم أكل شيء ~~حرم عليهم ثمنه" وهذا محمول على ما المقصود منه الأكل بخلاف ما المقصود منه ~~غيره كالعبد، والبغل، والحمار الأهلي فإن أكلها حرام ويجوز بيعها بالإجماع. # ... PageV07P216 ### || AUTO 55 - باب السلم # السلم: والسلف: بمعنى سمي سلما لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفا ~~لتقديمه. # قال الماوردي (¬1): # والسلف: لغة عراقية، والسلم: لغة حجازية. # قلت: وقد أخرج مسلم في صحيحه الحديث باللفظين. # وفي "غريب الحديث للخطابي" (¬2): أن في حديث ابن عمر PageV07P217 # أنه كان يكره أن يقال السلم بمعنى السلف، وكان يقول الإسلام لله ضن ~~بالاسم الذي هو موضوع للطاعة أن يمتهن في غيرها وصيانة من أن يستذل فيما سواها. # وأخرجه البيهقي (¬1) في "سننه" أيضا: موقوفا على ابن عمر. # وفي حد السلم عبارات لأصحابنا: أحسنها أنه بيع موصوف في الذمة ببدل يعطي ~~آجلا بلفظ السلم، فإن أورد بلفظ البيع انعقد بيعا على الأصح لا سلما. # 289/ 1/ 55 - وذكر المصنف في الباب حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ~~"قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وهم يسلفون في الثمار: ~~السنتين والثلاث. فقال: "من أسلف في شيء فليسلف في كل معلوم، ووزن معلوم، ~~إلى أجل معلوم" (¬2). # والكلام عليه من وجوه: # الأول: فيه دلالة على جواز السلم في الجملة، وهو إجماع من PageV07P218 # الأمة؛ وحكى الماوردي (¬1) وجهين في أنه عقد غرر جوز للحاجة أم لا. # الثاني: فيه أيضا دلالة على جواز السلم إلى السنتين والثلاث. # الثالث: فيه دلالة أيضا على جواز السلم فيما ينقطع في أثناء المدة إذا ~~كان موجودا عند المحل، فإنه إذا سلم في الثمرة السنتين والثلاث، فلا محالة ~~ينقطع في أثناء المدة إذا حملت الثمار على الرطب. # فرع: لو غلب على الظن وجوده، لكن لا يحصله إلا بمشقة عظيمة كالعدد الكثير ~~من الباكورة فأقرب الوجهين عندنا البطلان. # الرابع: "الواو" في قوله "ووزن" بمعنى "و" التقدير: فليسلم في كيل معلوم ~~إذا كان المسلم فيه مكيلا أو وزن معلوم إذا كان موزونا، لأنا لو ms1251 أخذناها ~~على ظاهرها من معنى الجمع لزم أن يجمع في الشيء الواحد بين السلم فيه كيلا ~~ووزنا، وذلك يفضي إلى عزة الوجود. وهو مانع من صحة السلم. # فتعين حملها على ما ذكرناه من التفصيل. # فرع: العد والزرع في معنى الكيل والوزن، وخص الكيل والوزن على الذكر ~~لأنها الغالب، وحاصل ذلك أن العلم بقدر المسلم فيه لا بد منه إما كيلا أو ~~وزنا أو عدا أو ذرعا. # تنبيه: أجمعوا على اشتراط وصفه بما يضبط به, وإنما لم يذكر PageV07P219 # في الحديث لأنهم كانوا يعملون به، فاستغنى عنه، واعتنى بذكر ما كانوا ~~يحلون به من المقدار والأجل. # فرع: لو عين كيلا فسد إن لم يكن معتادا، وإلا فلا في الأصح، وكذا لو عين ~~ميزانا معتادا. # الخامس: يصح السلم في المكيل وزنا، وعكسه على الأصح عند الشافعية، لأن ~~المقصود معرفة المقدار بخلاف الربويات على المشهور للتعبد. # وقيل: لا يجوز في الموزون كيلا وحمل أمام الحرمين إطلاق الأصحاب جواز قيل ~~الموزون على ما يعد الكيل في مثله ضابطا حتى لو أسلم في فتات المسك والعنبر ~~ونحوهما كيلا لم يصح. # وقال الرافعي: يجوز السلم في اللآلىء الصغار إذا عم وجودها كيلا ووزنا ~~فكأنه اختار إطلاق الأصحاب. # الخامس: استدل بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلى أجل معلوم" من منع ~~السلم في الحال، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وهؤلاء يوجهون الأمر في ~~قوله: "فليسلف" إلى الأجل والعلم معا. # والشافعي ومن وافقه: في جوازه حالا يوجهون الأمر في العلم فقط، ويكون ~~التقدير: إن أسلم إلى أجل فليسلم الثمن لأجل معلوم لا إلى أجل مجهول كما ~~تقدم في الكيل والوزن، ولأنه إذا جاز مع الأجل المعلوم وفيه الغرر البين، ~~فمع الحال أولى لأنه أبعد من الغرر. PageV07P220 # فرع: لو أطلق السلم حمل على الحلول عندنا على الأصح. # وقيل: لا ينعقد. وبناهما الماوردي (¬1) على الخلاف في أن الأصل في السلم ~~التأجيل والحلول رخصة، أم بالعكس أو هما أصل فالأول على الأول والثاني على ~~الثاني. # السادس: لا بد من العلم بالأجل كما دل ms1252 عليه الحديث، فلا يجوز تأقيته ~~بالحصاد والجذاذ وقدوم الحاج، وبه قال الشافعي خلافا لمالك وإحدى الروايتين ~~عن أحمد وجوز ابن خزيمة (¬2) تأقيته PageV07P221 # بالميسرة لحديث مختلف فيه. # السابع: يصح السلم في الحيوان خلافا لأبي حنيفة، وقد يستدل له بقوله: "من ~~أسلم في شيء" على الصحة، لكن المراد به هنا التمر لقوله في رواية أخرى: "من ~~أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم" إلى آخره. # خاتمة: لصحة السلم شروط عندنا، بسطناها في كتب الفروع. # ومن شروطه عند المالكية: أن لا يكون أكثر منه، لأنه سلف جر منفعة. # وليس من شرطه أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه خلافا لبعض السلف. # ولا أن يكون موجودا عند العقد خلافا لأبي حنيفة. # وأقل الأجل في السلم عند ابن القاسم خمسة عشر يوما، وهو المشهور عندهم، ~~وقال غيره: ثلاثة أيام، ولم يحدها ابن عبد الحكم في روايته عن مالك، بل قال ~~أياما يسيرة، حكاه القرطبي عنه (¬1) قال: وهذا في البلد الواحد، وأما ~~البلدين فيغنى ما بينهما من المسافة عن اشتراط الأجل إذا كانت معلومة وتعين ~~وقت الخروج. PageV07P222 # فرع: رؤية مال السلم يكفي عن معرفة قدره على الأظهر عند الشافعي خلافا ~~لمالك وأحمد. # فرع: يجوز عند المالكية (¬1) أن يتأخر رأس السلم ثلاثة أيام بشرط ودونه، ~~ولا يجوز الزيادة على ذلك بالشرط، فإن وقع بطل. # وعند الشافعية وأهل الكوفة لا بد من تسليمه في المجلس. # ... PageV07P223 ### ||| CHECK الحديث الأول ### || AUTO 56 - باب الشروط في البيع # ذكر فيه ثلاثة أحاديث: # الأول # 290/ 1/ 56 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت ~~أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني. فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها ~~لهم، [ويكون] (¬1) ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم، فأبوا ~~عليها. فجاءت من عندهم، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس، فقالت: ~~إني عرضت ذلك عليهم، فأبو إلا أن يكون لهم الولاء (¬2)، فأخبرت عائشة -رضي ~~الله عنها- النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (خذيها، واشترطي لهم ~~الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق)، ففعلت عائشة، ms1253 ثم قام النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: ما بال ~~رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله: PageV07P224 # فهو باطل وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق, [وشرطه] (¬1) أوثق, [فإنما] ~~(¬2) الولاء لمن أعتق) (¬3). # هذا حديث عظيم كثير الأحكام، والقواعد والفوائد والفرائد، وقد اعتنى ~~الأئمة بتعداد فوائده وآدابه وعنوا به ونكته وبلغوها عددا جما كابن جرير ~~الطبري وابن خزيمة إمام الأئمة وغيرها ونحن نذكر مهم ذلك فنقول: # الكلام عليه من وجوه: # الأول: بريرة -بفتح الباء الموحدة ثم راء مهملة ثم مثناة تحت ثم راء ~~مهملة ثم هاء- على وزن فعلية مأخوذة من البرير وهو ثمر الأراك. # ويجوز كما قال القرطبي (¬4): أن تكون من البر وأن تكون بمعنى: مفعولة. ~~أي: مبرورة كأكيلة السبع بمعنى مأكولة. # ويجوز أن تكون بمعنى: فاعلة. كرحيمة بمعنى: راحمة. # كانت لعتبة بن أبي لهب. PageV07P225 # وقال ابن عبد البر (¬1): كانت مولاة لأبي أحمد بن جحش. # وقيل: لأناس من الأنصار وزعم النووي في "تهذيبه" (¬2): أنها بريرة بنت ~~صفوان ولم ير له سلفا. # ذكرها: بقي بن مخلد فيمن روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا ~~واحدا (¬3). # وفي النسائي (¬4) من حديث يزيد بن رومان عن عروة عن بريرة كان في ثلاث ~~سنن قال: وحديث يزيد بن رومان خطأ وروى عبد الملك (¬5) عنها حديث: "إن ~~الرجل يدفع عن باب الجنة بعد أن PageV07P226 # ينظر إليها بملء محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق" ورواية عبد الملك ~~عنها تدل على تأخيرها إلى بعد الأربعين. # وذكر العسكري: أن أمها لها صحبة. # الثاني: لفظ "بريرة" اسم جليل في الأصل غير صفة وهي واحدة البربر كما سلف ~~فليس من الصفة في شيء فلذلك لم يغير -عليه الصلاة-. اسمها وإنما غير "برة" ~~إلى "جويرية" و"برة بنت أبي سلمة" وبنت جحش إلى "زينب"، وقال: "لا تزكوا ~~أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم" (¬1) لأنه صفة. # وقول القرطبي (¬2) السالف: أنه يجوز أن تكون فعلية من ms1254 البر ليس بجيد. PageV07P227 # قولها "كاتبت" قيل: إنها أول كتابة كانت في الإسلام وأول مكاتب في ~~الإسلام سلمان (¬1). # وقيل: أول من كوتب عبد لعمر بن الخطاب يكنى أبا أمية (¬2). # قال الروياني: والكتابة إسلامية لا تعرف في الجاهلية (¬3). # الرابع: "كاتبت" فاعلت من الكتابة التي هي العقد وإما من معنى الإلزام ~~كما في قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103)} ~~(¬4). كأن السيد ألزم نفسه عتق العبد عند الأداء PageV07P228 # والعبد ألزم نفسه المال الذي كاتب عليه. # الخامس: "الأهل" (¬1) هنا السادة والملاك وقد أسلفنا في شرح الخطبة أن ~~ظاهر نص الشافعي أن الأهل كالآل وأنه وجه عندنا في الوصايا الأشبه دخول ~~الزوجة أيضا. # وحكى المتولي عن ثعلب: أنهم نسل الآباء: كالإخوة، والأخوات، والأعمام، ~~والعمات، وأولادهم دون الأولاد، قال: فيحمل عليه وهذا كله في أهل بيت الرجل. # وفي "أهله" دون لفظ "البيت" وجوه عندنا أرجحها في "الروضة" (¬2) أنه كل ~~من تلزمه نفقته والمسئلة مبسوطة في "شرحي للمنهاج" في باب الوقف والوصايا ~~فمن أراد الإمعان في ذلك وقف عليه. PageV07P229 # وأغرب بعضهم: فاستنبط من قولها: "إن أحب أهلك" ومن قولها "فأبوا" إن ~~بريرة كانت مشتركة. # السادس: "الأواق" (¬1) جمع أوقية كما سلف بيانه واضحا في الحديث الثاني ~~من كتاب الزكاة وذكرنا هناك مقدارها ووقع في بعض نسخ مسلم "وقية" (¬2) بغير ~~ألف وهي لغة كما أسلفناها هناك وأن الجمهور على إثبات الألف كما وقع في ~~الكتاب. # السابع: قولها: "على تسع أواق، في كل عام أوقية" هذا هو الصواب وفي رواية ~~معلقة للبخاري (¬3): "أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمس ~~أواق نجمت عليها في خمس سنين" ورجح القرطبي (¬4) الأولى على هذه فإنها من ~~رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وهذه من رواية يونس عن ابن شهاب أثبت ~~في حديث أبيه [وجدته] (¬5) من غيره، قال: ويحتمل أن تكون هذه الخمس الأواقي ~~هي التي استحقت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة. PageV07P230 # وقال غيره: لولا ما روى أنها لم تكن أدت من كتابتها شيئا لجمع بينهما ms1255 بأن ~~تكون أصل الكتابة تسعا والباقي وقت السؤال خمسا (¬1). PageV07P231 # الثامن: اختلف العلماء في جواز بيع المكاتب على ثلاثة مذاهب. (¬1) PageV07P232 # أحدها: جوازه وهو قول عطاء والنخعي وأحمد ومالك في رواية الشافعي في أحد ~~قوليه استدلالا بهذا الحديث وعليه بوب البخاري بيع المكاتبة إذا رضي ~~المكاتب فإن بريرة كانت مكاتبة وباعتها الموالي واشترتها عائشة وأمر - صلى ~~الله عليه وسلم - ببيعها وعليه بوب البخاري (¬1) "بيع المكاتب إذا رضي ~~[المكاتب] ". # وثانيها: منعها وهو قول ابن مسعود وتبعه أبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه ~~وبعض المالكية ومالك في رواية عنه وحملوا الحديث على أن بريرة عجزت نفسها ~~وفسخوا الكتابة بعجزها وضعفها عن الأداء والكسب بدليل سعيها بين عائشة ~~وأهلها وهو دليل على رضاها ورضاهم بإبطالها ومتى رضى السيد والعبد بإبطالها ~~بطلت (¬2). PageV07P233 # ومنهم من حمله: على أن عائشة اشترت الكتابة لا الرقبة، مستدلا على ذلك ~~بقول عائشة في الصحيح: "فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك" وذلك يشعر بأن ~~المشترى: هو الكتابة، لا الرقبة، وقد أجاز مالك بيع كتابته خاصة ويؤدي ~~للمشتري فإن عجز رق له (¬1). # والثالث: جوازه للعتق (¬2) دون الاستخدام وهو ظاهر الحديث وفي جواز بيعه ~~إذا كان ظاهر المال ورضى بالعجز قولان للمالكية وكذا لهم خلاف فيما إذا لم ~~يتبين له مال ظاهر ولكنه قادر على التكسب وتحصيل النجوم. # التاسع: اختلف العلماء أيضا في بيع العبد بشرط العتق على قولين. # أحدهما: أنه باطل، كما لو باعه بشرط أن لا يبيعه [أو] (¬3) لا يهبه. PageV07P234 # والثاني: [وهو أصح قولي الشافعي إنه صحيح والحديث دال عليه] (¬1) [وهو ~~مذهب مالك أيضا والأول قول أبي حنيفة لكنه قال إن وقع البيع مضى بالثمن ~~وخالفه صاحباه فقالا يمضي بالقيمة] (¬2) [ومن منع البيع منع أن تكون] (¬3) ~~عائشة مشترية للرقبة ويحمل [الحديث] (¬4) على قضاء الكتابة عن بريرة، أو ~~على شراء الكتابة، والأول ضعيف، مخالف [لقوله -عليه الصلاة والسلام- في ~~الصحيح لعائشة "ابتاعي"] (¬5). # وأما الثاني (¬6): فهو [يحتاج] (¬7) فيه إلى أن يكون قد قيل بمنع PageV07P235 # البيع بشرط العتق، مع جواز البيع [المكاتب] (¬1)، ويكون [قد] (¬2) ذهب ~~إلى ms1256 الجمع بين هذين ذاهب واحد معين، [وهذا] (¬3) يستمد من (¬4) إحداث القول ~~الثالث (¬5). # العاشر: إذا قلنا بصحة البيع بشرط العتق، فهل يصح الشرط، أو يفسد؟ # فيه قولان للشافعي: أصحهما [الأول] (¬6) لأنه -عليه الصلاة والسلام- لم ~~ينكر إلا اشتراط الولاء. والعقد تضمن أمرين: # اشتراط العتق. # واشتراط الولاء. # [ولم ينكر إلا الثاني فيبقى] (¬7) الأول مقررا عليه، ويؤخذ من PageV07P236 # لفظ الحديث، فإن (¬1) من ضرورة [اشتراط الولاء] (¬2) اشتراط العتق (¬3) ~~فيكون من لوازم اللفظ، لا من مجرد التقدير، ومعنى صحة الشرط أنه يلزم ~~الوفاء به من جهة المشتري، فإن امتنع (¬4)، فالأصح عند الشافعية إجباره عليه. # الحادي عشر: [ظاهر الحديث صحة] (¬5) اشترط الولاء للبائع [حيث قال] (¬6): ~~واشتراطي لهم الولاء. ولا يأذن (¬7) في عقد باطل، PageV07P237 # [وإذا صح العقد فالشرط باطل لظاهر الحديث أيضا ولأن] (¬1) القياس يقتضي ~~أن الأثر يختص بمن صدر منه السبب، والولاء من آثار العتق (¬2)، فمختص بمن ~~صدر منه العتق [وهو المشتري المعتق] (¬3) وهذا التمسك والتوجيه في صحة ~~البيع والشرط يتعلق بالكلام على معنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: "واشترطي ~~لهم الولاء" وسيأتي (¬4) على الأثر وأبدى الإمام فيه بحثا أثبته الرافعي ~~وجها وأنكره عليه لأنه -عليه الصلاة والسلام- لا يأذن في باطل. # الثاني عشر: وهو أشكل ما في الحديث وأصعبه أنه -عليه الصلاة والسلام- كيف ~~أذن في البيع على شرط فاسد؟ # وكيف يأذن لهم في وقوع البيع، على هذا الشرط ويدخل البائع عليه ثم يبطل ~~اشتراطه؟ وفي ذلك نوع خداع من عائشة لهم في ذلك. # فاختلف الناس في الكلام على هذا الإشكال، العظيم PageV07P238 # فمنهم من صعب عليه، فأنكر هذه اللفظة. أعني قوله: "اشترطي لهم الولاء" ~~وقد نقل ذلك المازري (¬1) عن يحيى بن أكثم وقد وقع في كثير من الروايات ~~سقوطها وهذا ما شجع يحيى على إنكارها. PageV07P239 # قال الشيخ تقي الدين (¬1): وبلغني عن الشافعي (¬2) قريب منه، وأنه قال ~~هذه اللفظة تفرد بها هشام بن عروة عن أبيه دون غيره من الثقات الأثبات ~~والأكثرون على إثبات هذه اللفظة للثقة برواتها، واختلفوا في التأويل ~~والتخريج على وجوه: # أحدها: أن "لهم" بمعنى "عليهم" لقوله ms1257 تعالى: {لهم اللعنة} (¬3) بمعنى ~~عليهم، وقوله: {وإن أسأتم فلها} (¬4)، أي: فعليها وهذا منقول عن الشافعي ~~(¬5) وغيره. # قال النووي (¬6): وهو ضعيف لأنه -عليه الصلاة والسلام- أنكر الاشتراط ولو ~~كان كما قاله صاحب هذا التأويل لم ينكره. PageV07P240 # وقد يجاب عن هذا: بأن -عليه الصلاة والسلام- ما أنكر إلا ما أرادوا ~~اشتراطه في أول الأمر. # وقال الشيخ تقي الدين (¬1): أيضا فيه ضعف. # أما أولا: سياق الحديث (¬2) وكثيرا من ألفاظه ينفيه. # وأما ثانيا: فلأن "اللام" لا تدل بوضعها على الاختصاص النافع، بل على ~~مطلق الاختصاص، فقد يكون في اللفظ ما يدل على الاختصاص النافع، وقد لا يكون. # ثانيها (¬3): أن يكون الاشتراط المذكور بمعنى ترك المخالفة PageV07P241 # لما شرطه البائعون، وعدم إظهار النزاع فيما دعوا إليه، مراعاة لمصلحة ~~الشرع في العتق وقد يعبر عن التخلية والترك بصيغة تدل على الفعل، ألا ترى ~~أنه قد أطلق لفظ الأذن من الله تعالى على التمكين من الفعل والتخلية بين ~~العبد وبينه -سبحانه وتعالى-، وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي الإباحة والتجويز؟ ~~وذلك موجود في كلام الله تعالى على ما قاله المفسرون في قوله تعالى: {وما ~~هم بضارين به من أحد إلا بإذن} (¬1)، وليس المراد بالإذن: إباحة الله تعالى ~~الأضرار بالسحر، ولكنه لما خلى بينهم وبين ذلك الإضرار أطلق عليه لفظ ~~"الإذن" مجازا. # قال الشيخ تقي الدين، وهذا وإن كان محتملا -إلا أنه خارج عن الحقيقة من ~~غير دلالة ظاهرة على المجاز من حيث اللفظ-. # ثالثها: أن لفظة: "لاشتراط" (¬2) و"الشرط" وما تصرف منها PageV07P242 # يدل على الإعلام والإظهار. ومنه: أشراط الساعة، والشرط اللغوي، والشرعي. ~~ومنه قول أوس بن حجر -بفتح الحاء والجيم-. # فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكلا # أي: اعلمها وأظهرها، وإذا كان كذلك حمل "اشترطي" على معنى: أظهري حكم ~~الولاء وبينيه واعلمي أنه لمن أعتق، على عكس ما أورده السائل وفهم من ~~الحديث. # ويؤيد هذا ما نقله الطحاوي عن الشافعي أنه روى هذه اللفظة عن مالك عن ~~هشام بن عروة بإسناده ولفظه وقال فيها: "واشرطي لهم الولاء" بغير تاء. PageV07P243 # لكن ms1258 قال القرطبي (¬1): هذه الرواية حيث مما انفرد بها الشافعي عن مالك ~~والجمهور من الأئمة الحفاظ على ما تقدم. # الرابع: أنه -عليه الصلاة والسلام- كان قد أخبرهم أن "الولاء لمن أعتق" ~~ثم أقدموا على اشتراط ما يخالف هذا الحكم الذي علموه، فورد هذا اللفظ على ~~سبيل الزجر والتوبيخ (¬2)، لمخالفتهم الحكم الشرعي، وغاية ما في الباب ~~إخراج لفظة الأمر عن ظاهرها وقد وردت خارجة عن مواضعها (¬3) في غير موضع ~~يمتنع إجراؤها فيها على ظاهرها كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} (¬4) {فمن ~~شاء} (¬5) ومعلوم أنه ليس المراد إطلاق المشيئة منهم في عملهم وكفرهم، وعلى ~~هذا الوجه لا يبقى غرور (¬6). PageV07P244 # الخامس: أن يكون إبطال هذا الشرط عقوبة لمخالفتهم حكم الشرع، فإن إبطال ~~الشرط يقتضي تغريم ما قوبل به الشرط من المالية المسامح بها لأجل الشرط، ~~ويكون هذا من باب العقوبة بالمال، كحرمان القاتل الميراث. # السادس: أن ذلك خاصا بهذه القضية لا عام في سائر الصور، وسبب التخصيص ~~بإبطال هذا الشرط للمبالغة في الرجوع عنه المخالفة للشرع، كما أن فسخ الحج ~~إلى العمرة كان خاصا بتلك الواقعة، مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع ~~العمرة في أشهر الحج، وهذا قاله أصحابنا في كتب الفقه. # قال النووي (¬1): وهو أصح التأويلات. PageV07P245 # وقول الشيخ تقي الدين (¬1): إن هذا الوجه جعله بعض متأخري الشافعية إلا ~~صح في تأويل الحديث أراد به النووي وقوى بعضهم الوجه الرابع وقال إنه ~~أظهرها برواية البخاري (¬2) "اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاءوا" -فاشترتها ~~وأعتقتها واشترط أهلها الولاء- ومال إليه الأصيلي أيضا. # الثالث عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنما الولاء لمن أعتق" دال على ~~"إن" كلمة "أن" للحصر لأنها لو لم تكن للحصر لما لزم من إثبات الولاء لمن ~~أعتق نفيه عن من لم يعتق، فدل على أن مقتضاها الحصر. وقد قررنا ذلك في حديث ~~"إنما الأعمال بالنيات" كما سلف لك، وقد أثبت العلماء الولاء في صور بغير ~~العتق لكنها في معناه، كما إذا باعه أو أعتقه على مال، أو كاتبه أو ~~استولدها، وعتقت بموته. ويثبت الولاء للمسلم ms1259 على الكافر وعكسه، وإن كانا لا ~~يتوارثان في الحال لعموم الحديث. # واختلفوا: فيمن أعتق وشرط أن لا ولاء له وهو المسمى "بالسائبة" (¬3). PageV07P246 # ومدهب الشافعي ومن وافقه: إلى ثبوت الولاء، وأن الشرط لاغ، لأنه ثابت ~~بالشرع، فلا يحذف بالشرط. # ولا ولاء بالحلف، ولا بالموالاة، ولا بالإسلام -وهو أن يسلم الرجل على يد ~~الرجل- ولا بالتقاطه اللقيط، كما هو ظاهر الحديث في حصره الولاء للمعتق وهو ~~مذهب مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأحمد وداود والجمهور (¬1). # وقال ربيعة والليث وأبو حنيفة وأصحابه: من أسلم على يديه رجل فولاؤه له (¬2). # وقال إسحاق: يثبت للملتقط الولاء (¬3). # وقال أبو حنيفة: يثبت الولاء بالحلف ويتوارثان به والحديث PageV07P247 # دال للجمهور (¬1). # الرابع عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام- "ما بال أقوام" إلى قوله: "وإن ~~كان مائة شرط" مقتضاه أن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة ~~شرط مبالغة في إبطال جميع الشروط التي ليست في كتاب الله تعالى وكأنه من ~~باب قوله تعالى: {إن تستغفر لهم سبعين مرة} (¬2) ولا شك أن من الشروط ما هو ~~صحيح كاشتراط الرهن والكفيل والخيار ونحو ذلك. ومنها ماهو باطل كما هو مقرر ~~في الفروع ومعلوم أن الأول جميعه ليس في كتاب الله وظاهر الحديث يقتضي ~~بطلانه ولا بد من تأويله على أن المراد بكتاب الله تعالى حكم الله، وهو أعم ~~أن يكون في كتاب الله أو مستنبطا منه. وأن المراد به ما بينه الشارع في ~~سنته واستنبطه العلماء منها، فيكون المراد بالحديث نفي كونها في كتاب الله PageV07P248 # بواسطة أو بغيرها من حيث إن كلها في كتاب الله فالذي في كتاب الله تعالى ~~هو المنصوص عليه فيه من الأحكام بغير واسطة والذي هو بواسطة كقوله تعالى: ~~{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (¬1). وقوله: {أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول} (¬2)، وقوله: {وإذا جاءهم أمر ...} (¬3) الآية. # الخامس عشر: "الولاء" (¬4) بفتح الواو والمد وأصله من الولي وهو القرب، ~~وهو سبب يورث به ولا يورث وسيأتى الكلام على لفظ العتق في بابه آخر الكتاب ~~إن قدر الله الوصول ms1260 إليه. # السادس عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: (ما بال رجال)، أي: أخالهم ~~و"البال" من الألفاظ المشتركة. # السابع عشر: في المراد بكتاب الله وشرطه أقوال: # أحدها: حكمه كما قدمته ونسبة هذا قوله في حديث العسيف: "لأقضين بينكما ~~بكتاب الله" (¬5) وليس التغريب والرجم في نص الكتاب. # ثانيها: القرآن، قال الداودي: وكأنه إشارة إلى قوله تعالى: PageV07P249 # {فإخوانكم في الدين ومواليكم} (¬1)، وقوله: {وإذ تقول للذي أنعم الله ~~عليه وأنعمت عليه} (¬2). وقوله: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن ~~امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ~~فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر ~~مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم (176)} (¬3). ~~وقوله: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (¬4). # ثالثها: قال القاضي (¬5) عياض: وعندي أنه الأظهر أنه ما أعلم به -عليه ~~الصلاة والسلام- من قوله: "إنما الولاء لمن أعتق" (¬6) و"مولى القوم منهم" ~~(¬7) و"الولاء لحمة كلحمة النسب" (¬8). PageV07P250 # الثامن عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: (قضاء الله أحق وشرطه أوثق)، ~~أي: أحق بالاتباع من الشروط المخالفة لحكم الشرع. وشرطه أوثق باتباع حدوده ~~التي حدها. # التاسع عشر: ظاهر هذا عدم اشتراط المشاركة بين المفضل والمفضل عليه إذ ما ~~شرطوه من ثبوت الولاء لهم باطل، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا مشاركة ~~بين الحق والباطل) (¬1) إلا أن يقال إن ذلك جاء على ما اعتقده أو على إن ~~صيغة أفضل ليس على بابها ويكون كقول تعالى: {وهو أهون عليه} (¬2)، أي: ~~يقين، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: (اسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر) (¬3) ~~فإن أعظم بمعنى عظيم كما سلف في باب المواقيت. # العشرون: في فوائده على وجه الاختصار: # الأولى: جواز الكتابة بالسنة تقريرا لحكم الكتاب (¬4). # الثانية: جواز كتابة الأنثى للتقرير لأن الآية ليست نصا فيها إذ الدين ~~ظاهر في الذكر فقديتوهم اختصاصها به لعجز النساء وضعفهن PageV07P251 # عن التكسب غالبا فبين الحديث دخولها أيضا. # الثالثة: جواز كتابة الأمة المزوجة لأنها كانت مزوجة. # الرابعة: جواز ms1261 كتابتها دون إذن زوجها ورضاه. لأنه لم يذكر في الحديث (¬1). # الخامسة: إنه ليس لزوجها منعها من الكتابة وإذا أدى ذلك إلى فراقها ~~باختيارها إن كان عبدا على قول الجمهور أو كيف كان على القول الآخر لترك ~~الاستفصال في الحديث (¬2). # السادسة: أن الزوج لا يدخل في كتابتها فيجوز كتابة أحد الزوجين دون الآخر ~~ولا يدخل ولدها أيضا فإن ولد بريرة لم يلحقها في ذلك (¬3). PageV07P252 # السابعة: جواز كتابة من لا مال له ولا حرفة لترك الاستفصال (¬1) وهو ظاهر ~~سؤالها لعائشة أيضا وهو مذهب مالك والشافعي والثوري وجماعة غيرهم (¬2). # واختلف عن مالك في كتابة من لا حرفة له (¬3). وكرهها الأوزاعي وأحمد ~~وإسحاق وروى مثله عن عمر (¬4) خلافا لمن تأول من السلف أن المراد بالخير في ~~الآية المال وهو عند أكثرهم الدين والأمانة والقوة على الكسب عند بعضهم ~~(¬5). PageV07P253 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P254 # الثامنة: إنه ليس له منعها من السعي. # التاسعة: أنه لا حق له في خدمتها، إذ لو كان كذلك لمنعها (¬1). # العاشرة: جواز الاستعانة على نجوم الكتابة بأهل الخير والفضل وقوله -عليه ~~الصلاة والسلام- لحكيم بن حزام "لا تسئل أحدا" (¬2) يحمل على الأولى. # الحادية عشرة: إعانة المكاتب في كتابته ولا خلاف في ذلك فيما إذا كانت ~~الإعانة من التطوع واختلف في معونته من الفرض حكاه المالكية (¬3). PageV07P255 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P256 # الثانية عشرة: جواز سؤال ذلك قبل الحلول لأنه روى أنها لم تكن قضت شيئا ~~من كتابتها. # الثالثة عشرة: أن سؤال ذلك لا يوجب تعجيزه. # الرابعة عشرة: اكتسابه في الحال له لا لسيده إلا إذا عجز لقولها ~~"أعينيني" لأن مقصود الكتابة لا يتم إلا به. # الخامسة عشرة: جواز حكاية ما يقع من ذلك خصوصا إذا قصد به تعريف الأحكام. # السادسة عشرة: جواز تصرف المرأة في مالها بالشراء والإعتاق وغيرهما إذا ~~كانت رشيدة من غير إذن زوجها وإرسالها إلى من تعامله بغير إذنه أيضا. # السابعة عشرة: جواز الاستعانة بالمرأة المزوجة بغير إذن زوجها PageV07P257 # لقولها: "أعينيني" ولم ينكر عليها وهو راجع إلى ما قبله (¬1). # الثامنة عشرة: جواز شراء السلعة بأكثر من ثمن مثلها، لأن عائشة بذلت ms1262 بعد ~~ما سموه نسيئة في تسعة أعوام والأجل مقابلة قسط من الثمن. # التاسعة عشرة: جواز سؤال الأمة من يشتريها ويعتقها، وإن كان قد يضر ~~بالسيد لفك الرقبة من ربقة الرق. # العشرون: جواز الاستدانة لمن ليس له مال عند حاجته إليه خلافا لمن منعه، ~~لأن كتابة بريرة مع مواليها سببه الاستدانة ممن لا شيء له. # الحادية والعشرون: المبادرة إلى إجابة السائل، وعرض ما # يفعل من الخير معه عليه، وعلى من يتعلق به إمضاء ذلك الخير. # الثانية والعشرون: أن الكتابة تكون على، نجوم لأنها كوتبت على تسع أواق، ~~في كل عام أوقية. # ومذهب الشافعي وغيره: أنها لا تجوز على نجم واحد بل على نجمين فصاعدا. # وقال مالك والجمهور: تجوز على نجم وعلى نجمين. # وحكى عن بعضهم: أنه لا تجوز إلا على ثلاثة. # وعند مالك أنه إذا لم يسم أجلا، ولا نقد النجم، [أنجمت عنده] (¬2) بقدر ~~سعايته وقوته وإن كره السيد. ومنعها الشافعي جملة. # وقال: ليست بكتابة. PageV07P258 # الثالثة والعشرون: بجواز فسخ الكتابة إذا أعجز المكاتب نفسه. وإن كان فيه ~~إبطال حرية، لتقدم بريرة على سعيها من عائشة وأهلها في فسخ كتابتها. إذ لو ~~لم يكن فسخا لأمر بشرائها وإعتاقها، وأخبر أن الولاء لها. # وهل يتوقف التعجيز على إذن الحاكم (¬1)؟ فيه خلاف للمالكية. # وكذا لهم خلاف في رضاه بتعجيز نفسه، وإن كان له مال. # فقال ابن شهاب وربيعة وأبو الزناد: إذا رضي بالبيع فهو عجز، وجاز بيعه. # وقال مالك: لا يجوز ذلك إلا بعجزه عن الأداء، ولا يكون له مال وتأول ~~بعضهم عجز بريرة ولذلك استعانت بعائشة. # الرابعة والعشرون: جواز بيع المكاتب وقد علمت المذاهب فيه. # الخامسة والعشرون: جواز بيع المكاتب بشرط العتق عند من قال به كما سلف. # السادسة والعشرون: جواز بيع الرقيق بشرط العتق كما سلف أيضا. # السابعة والعشرون: المكاتب غير عتيق بنفس الكتابة، وأنه عبد ما بقي عليه ~~درهم، كما صرح به الحديث المشهور في سنن أبي داود وغيره، وهو قول عامة ~~العلماء وفقهاء الأمصار. # وحكي عن بعض السلف: أنه حر ms1263 بنفس الكتابة، وهو غريم بالكتابة، ولا يرجع ~~إلى الرق أبدا (¬2). PageV07P259 # وحكى عن بعضهم: أنه إذا عجز أعتق فيه بقدر ما أدى. روي عن علي -رضي الله ~~عنه- (¬1). # وحكى عن بعضهم: أنه إذا أدى الشطر من كتابته فهو حر، وهو غريم بالباقي ~~(¬2)، وحكي عن عمر بن الخطاب (¬3). PageV07P260 # وعن ابن مسعود وشريح مثل هذا، إذا أدى الثلث (¬1)، وعن عطاء مثله إذا أدى ~~ثلاثة أرباع المال (¬2). # السابعة والعشرون: جواز إعطاء الصدقات لموالي قريش خلافا لمن منع ذلك، ~~لأن بريرة مولاة لهم، ولم ينكر -عليه الصلاة والسلام- الصدقة عليها، فإن ~~كانت هذه الصدقة واجبة كان دليلا لمن جوز إعطائها لمواليهم، وهو أحد ~~الوجهين عند الشافعية، والصحيح المنع. # الثامن والعشرون: ثبوت الولاء للمعتق، وهو إجماع، سواء كان عبدا أو أمة ~~إذا أعتقه عن نفسه. # واختلفوا فيها إذا أعتقه عن رجل بعينه أو عن جماعة المسلمين. # فمذهب مالك (¬3): أن الولاء للمعتق عنه، سواء كان رجلا بعينه أو جماعة ~~المسلمين. وحمل الحديث على أن المراد به من أعتق عن نفسه، بدليل ما إذا ~~أعتق الوكيل عن غيره بإذنه. # قلت: الوكيل يخرج بقوله - صلى الله عليه وسلم - "صحيح البخاري" (¬4): "إن ~~الولاء لمن أعطى الورق وولى النعمة". # وقال باقي الأئمة الأربعة فيما حكاه ابن هبيرة: إن الولاء لمن PageV07P261 # أعتق قال: وزاد أبو حنيفة فقال: إنه للمعتق ولو كان المعتق عنه أذن في أن ~~يعتق عنه (¬1). # وقال ابن نافع المالكي في المعتق [عن] (¬2) جماعة المسلمين: إن الولاء له ~~دونهم، وألزمه بعضهم أن يقول بمذهب المخالف بذلك في المعين. # قلت: وقد يفرق بينهما. # وقال جماعة من السلف: يتولى من شاء، فإن مات قبل ذلك فولاؤه للمسلمين. # وقيل: يشتري بتركته رقاب فيعتقن حكاها القاضي. # واختلف في ولاء المكاتب والعبد يشتري نفسه من سيده. # فقيل: ولاؤه لسيده، وهو قول مالك وأكثر العلماء. # وقيل: لا ولاء عليه. # قال المازري (¬3): وكان بعض شيوخنا يخالف في قوله: أنت حر عن المسلمين ~~ويرى أن بقوله: أنت حر، استقر الولاء له، واستئنافه بعد ذلك جملة ثانية هي ~~قوله: "لا ولاء ms1264 لي عليك" لا يغير حكم الأولى، لأنه إخبار عن أن حكم الجملة ~~الأولى المستقرة بالشرع PageV07P262 # على خلاف ما حكم الله به , فيكون إخباره كذبا، فلا يلتفت إليه. # التاسعة والعشرون: أنه لا ولاء بغير العتق، وقد تقدم ما فيه. # الثلاثون: ثبوت الولاء للمسلم على الكافر (¬1) وعكسه لعموم الحديث كما سلف. # الحادية والثلاثون: الأدب في الخطبة بالتعريض دون التصريح لمن بلغه عن ~~رجل أو جماعة ما يكره لقوله "ما بال رجال" ولم يسمهم ولم يواجههم بالخطاب، ~~لأن المقصود يحصل من غير شناعة عليهم. وهو حسن بالغ. # قال الفاكهي (¬2): ولا أبعد أن يكون هذا المعنى أصله في كتاب الله تعالى، ~~قال تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله ...} (¬3) الآية. # وما كان مثل هذا، وقال تعالى في سورة التوبة "ومنهم" و"منهم". # الثانية والثلاثون: شرعية الخطبة للأئمة الكبار لأمر يحدث من وقوع بدعة ~~أو مخالفة للشرع، ليبين ذلك للناس، ليعرف الخطأ من الصواب، منكرا على من ~~يخالف الشرع. # الثالثة والثلاثون: بدأة الخطيب بحمد الله والثناء عليه. # الرابعة والثلاثون: شرعية قول "أما بعد" في الخطب بعد حمد الله والثناء ~~عليه والصلاة على رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، وذلك سنة ثابتة عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في عدة أحاديث، وقد أهملها PageV07P263 # الخطباء، فينبغي لهم التفطن لها. # الخامسة والثلاثون: التغليظ في إزالة المنكر والمبالغة في تقبيحه. # السادسة والثلاثون: جواز السجع في الكلام إذا لم يكن بتكلف لقوله -عليه ~~الصلاة والسلام- "كتاب الله أحق" إلى آخره، وإنما نهى -عليه الصلاة ~~والسلام- عن سجع الكهان وما أشبهه بما فيه تكلف، وإقسام على علم غيب وإبطال ~~حق (¬1). # السابعة والثلاثون: أن بيع الأمة المزوجة ليس بطلاق، ولا ينفسخ به ~~النكاح، وبه قال جماهير العلماء (¬2). PageV07P264 # وقال سعيد بن المسيب: هو طلاق. # وعن ابن عباس: أنه فسخ للنكاح، وهذا الحديث يردهما، فإنها خيرت في بقائها ~~معه، كما ستعلمه في حديثها الآتي في آخر كتاب الفرائض إن شاء الله. # الثامنة والثلاثون: جواز بيع أحد الزوجين دون الآخر. # التاسعة والثلاثون: جواز شراء العبد نفسه من مولاه ms1265 لأنه حقيقة الكتابة، ~~وكذا مساومته، لأنها ساومت مواليها في حق نفسها. # الأربعون: صحة اشتراط الولاء للبائع وفيه ما سلف. # الحادية والأربعون: منعه لإنكاره -عليه الصلاة والسلام-. # الثانية والأربعون: أن المكاتب إذا أدى النجوم من الصدقة أو من غيرها وجب ~~عليه القبول أو الإبراء، وليس له الرد. PageV07P265 # الثالثة والأربعون: إذا عجل نجومه قل محلها وجب قبولها إذا لم يكن ضرر ~~لقول عائشة: "أعدها لهم" ولم ينكر عليها. # الرابع والأربعون: أنه يعتق بأداء النجوم قبل محلها خلافا لمن منعه (¬1). # الخامسة والأربعون: أن غير المكاتب إذا أدى عنه مال الكتابة عتق بذلك، ~~ويكون كأدائه عن نفسه لقولها "أعدها لهم". # السادسة والأربعون: قبول خبر الواحد إذا كان مصدقا، لأنه -عليه الصلاة ~~والسلام- وعائشة قبلا خبر بريرة عن أهلها وبنيا عليه. # السابع والأربعون: قبول خبر الأمة المصدقة، وكذا العبد، وإن ردت ~~شهادتهما. # الثامنة والأربعون: جواز تزويج المرأة الحسناء بالرجل الذميم ومنعه قوم. # التاسعة والأربعون: أن التأجيل في المعاملات والحقوق إنما يكون بالسنة ~~العربية القمرية، لقولها: "في كل عام أوقية" والعام إنما هو بالعربية. # الخمسون: أن مال الكتابة لا حد فيه، لأنه -عليه الصلاة والسلام- لم ~~يستفصل عن ذلك، وهو وقت بيانه، وفيه غير ذلك من الفوائد فمن أراد استيفاءها ~~والإحاطة بطرق حديثها نظرها من التأليف التي أشرنا إليها، وهذا عيونها ~~ومهماتها وسنذكر قطعة أخرى منها في حديثها الآخر الذي ذكره المصنف آخر ~~الفرائص إن شاء الله الوصول إليه وقدره. # ... PageV07P266 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 291/ 2/ 56 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-، أنه كان يسير على ~~[جمل فأعيا] (¬1)، فأراد أن يسيبه (¬2)، فلحقني النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فدعا لي وضربه، فسار سيرا لم يسر مثله (¬3) قال: "بعنيه بأوقية". قلت: ~~لا، ثم قال: "بعنيه"، فبعته بأوقية، واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما بلغت ~~أتيته بالجمل فنقدني ثمنه، ثم رجعت، فأرسل في أثري، فقال: "أتراني ماكستك ~~لأخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك فهو لك" (¬4). # هذا حديث عظيم مشتمل على فوائد جمة. # والكلام عليه من وجوه: PageV07P267 # الأول: معنى "أعي" كل. يقال: أعيا الرجل ms1266 في الشيء فهو معيي، ولا يقال ~~عيان، وأعياه الله. وأعيا عليه الأمر، وتعايا ويعيا بمعنى (¬1). # وقوله: "فأراد أن يسيبه"، أي يطلقه متجرد منه لا أن يجعله سائبة لا يركبه ~~أحد، كما كانت الجاهلية تفعله. # الثاني: "الوقية" بحذف الألف لغة، كما أسلفته في الحديث قبله، والأشهر ~~إثباتها. # الثالث: وقع هنا أنه باعه "بأوقية". قاله وهب وزيد بن أسلم أيضا (¬2). # وفي رواية "بأربعة دنانير" قال عطاء (¬3): وهو سواء على حساب الدينار ~~عشرة دراهم؛ وهذا وقع في كتاب الشروط للبخاري في قوله: "بأربعة دنانير" هذا ~~يكون أوقية على حساب الدينار بعشرة، PageV07P268 # وفي الصحيح (¬1) أيضا "بأوقية ذهب"، وفي البخاري (¬2)، وقال: داود بن قيس ~~عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر "اشتراه بطريق تبوك، أحسبه قال: بأربعة ~~أواق"، "وقال أبو إسحاق عن سالم، عن جابر بمائتي درهم"، وقال أبو نضرة عن ~~جابر: "اشتراه بعشرين دينارا". # قال البخاري: قول الشعبي "بوقية" أكثر. # وعزا النووي في شرحه (¬3) إلى البخاري، أنه رواه بثمانمائة درهم، ولم ~~أرها فيه. ولعله بمائتي درهم كما أسلفته، لكن ذكرها ابن التين أيضا. # وجمع الداودي بين هذه الروايات فقال: ليس لأوقية الذهب وزن معلوم. وأوقية ~~الفضة أربعون درهما. قال: وسبب الاختلاف أنهم رووه بالمعنى. فالمراد وقية ~~ذهب، كما سبق، ويحمل عليها من قال: "أوقية" وأطلق، ومن قال: "خمس أواق"، ~~فالمراد: خمس أواق من الفضة، وهي بقدر قيمة أوقية من ذهب في ذلك الوقت، ~~فيكون الإخبار بأوقية الذهب عما وقع عليه العقد وبأواقي الفضة عما حصل به ~~الإيفاء، ويحتمل أن هذا كله زيادة على الأوقية كما قال في رواية "فما زال ~~يزيدني" ورواية "أربعة دنانير" موافقة، أو يحتمل أن أوقية الذهب إذ ذاك وزن ~~أربعة دنانير. ورواية "أوقيتين" يحتمل أن PageV07P269 # أحدهما وقع بها البيع، والأخرى زيادة، كما قال في رواية "وزادني أوقية" ~~ورواية "درهم أو درهم" موافقة لرواية "وزادني قيراطا" ورواية "عشرين ~~دينارا" محمولة على دنانير صغار كانت لهم، ورواية "أربعة أواق" شك فيها ~~الراوي، فلا اعتبار بها، وفي هذا الجمع نظر، وكيف يعمل في ms1267 رواية الثمانمائة ~~درهم، ورواية الطحاوي "سبع أواق" أو "تسع أواق" لا جرم. قال القرطبي (¬1): ~~إنه تكلف بين وتقدير أمر لم يصح نقلا، ولا استقام ضبطه مع أنه لا يتعلق ~~بتحقيق ذلك حكم، والحاصل أن البيع وقع بثمن معلوم لهما، وزاده عند القضاء ~~زيادة محققة ولا يضرنا جهلنا بمقدار ذلك (¬2). # وعند ابن إسحاق (¬3): أنه أعطاه فيه درهما، فقال اغبن يا رسول الله. # قال السهيلي (¬4): وروى من وجه صحيح أنه كان يقول له كلما زاده درهما قد ~~أخذته بكذا والله. يغفر لك. فكأنه أراد بإعطائه إياه درهما درهما أن يكثر ~~استغفاره له. # وما ذكرناه عن الداودي من أنه ليس لأوقية الذهب وزن معلوم، يخالفه قول ~~الخليل: إنها سبعة مثاقيل. PageV07P270 # وقال غيره: بسبعة ونصف حكاها صاحب "المغيث" (¬1). # وقال ابن سيده (¬2): الأوقية: زنة سبعة مثاقيل، وزنه أربعين درهما. # الرابع: هذا الشراء منه - صلى الله عليه وسلم - كان بطريق تبوك، كما ~~قدمناه عن رواية البخاري. # وفي "طبقات ابن سعد" (¬3): إن ذلك كان من رجوعه من غزوة ذات الرقاع. وكذا ~~ذكره ابن إسحاق (¬4)، وفي البخاري (¬5): في "باب: من ضرب دابة غيره في ~~الغزو"، عن جابر قال: سافرت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره ~~-قال أبو عقيل: أحد رواته لا أدري غزوة أم عمرة- وساق الحديث. # وفي رواية له في "باب: استئذان الرجل الإمام" [في الجهاد (¬6)] (¬7) ~~"غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم -" وساق الحديث. # وكذا ذكره (¬8) في "باب: طلب الولد" من كتاب النكاح. PageV07P271 # وفي رواية له (¬1): "فأعطاني ثمن الجمل والجمل وسهمي مع القوم". # وفي رواية الطحاوي (¬2): أن بيعه الجمل كان حين أقبلوا من مكة إلى ~~المدينة. # الخامس: "واستثنيت حملانة" هو بضم الحاء وسكون الميم، أي الحمل عليه، ~~والمفعول محذوف، أي حملانه إياي أو متاعي أو نحو ذلك، فالمصدر فيه مضاف إلى ~~الفاعل. # وقوله: "فأرسل في إثري" هو بكسر الهمزة وسكون الثاء وبفتحها، وفي رواية ~~لمسلم (¬3): "فلما وليت قال: "ادعوا لي جابرا"، قلت: الآن يرد علي الجمل، ~~ولم يكن شيء أبغض إلي منه، فقال: "خذ ms1268 جملك، ولك ثمنه". PageV07P272 # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أتراني ماكستك؟ ". قال أهل اللغة: ~~المماكسة: المكالمة في النقص من الثمن، وأصلها النقص، ومنه مكس الظالم وهو ~~ما يأخذه وينتقصه من أموال الناس. # قال ابن الأثير (¬1): وذكر الزمخشري في "فائقه" (¬2) أنه روى "ماكستك" من ~~المكاس، ومعناه ظاهر، وروى: "أنما كستك" وهو من كايسته فكسته، أي كنت أكيس منه. # وقوله: "لأخذ جملك"، قال القرطبي (¬3): هو بكسر لام كي، ونصب الفعل ~~المضارع. كذا جميع الرواة، قال: وقد قيد على أبي بحر "لا. خذ جملك" على ~~"لا" النافية "وخذ" على الأمر، قال: والمعنيان واضحان. # قلت: والأول أوضح لأن في الثاني نوع تأكيد فيه "خذ جملك" مرة أخرى. # السابع: استدل بهذا الحديث الإمام أحمد ومن وافقه على جواز بيع الدابة، ~~ويشترط البائع لنفسه ركوبها؛ وبه قال ابن شبرمة وجماعة، وجوزه مالك إذا ~~كانت مسافة الركوب قريبة، وحمل الحديث على هذا. # ومذهبنا ومذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز ذلك مطلقا، سواء قلت المسافة أو ~~كثرت. ولا ينعقد احتجاجا بالنهي عن بيع وشرط. PageV07P273 # قال القرطبي (¬1): وزاد أن هذا أولى من حديث جابر إما لأنه ناسخ له، أو ~~مرجح عليه. # وأجابوا عن هذا الحديث: بأنها واقعة عين تطرق إليها احتمالات. # قالوا: ولأنه -عليه الصلاة والسلام-: أراد أن يعطيه الثمن، ولم يرد حقيقة البيع. # قالوا: ويحتمل أن الشرط لم يكن في نفس العقد، ولعله كان نسأها، فلم يؤثر ~~ثم تبرع -عليه الصلاة والسلام- بذلك. # قلت: وهو صريح رواية النسائي الآتية: "أخذته بكذا وكذا، وقد أعرتك ظهره ~~إلى المدينة". وظاهر إحدى روايات الصحيح "فبعته منه بخمس أواق، قال: قلت: ~~علي أن لي ظهره إلى المدينة. # قال: ولك ظهره إلى المدينة. فلما قدمت المدينة أتيته به فزادني وقية ثم ~~وهبه لي"، فهذا شاهد كون الاشتراط وقع بعد العقد، وأيد القاضي أبو الطيب ~~هذا بأنه جاء في بعض ألفاظ الخبر "فلما نقدني الثمن شرطت حملاني إلى ~~المدينة". وهذه الرواية إن ثبتت كان معنى "نقدني الثمن" قرره لي، إذ صريح ~~الروايات أنه إنما وفاه الثمن ms1269 بالمدينة، وظاهر رواية الكتاب تدل على أنه ~~وقع الشرط في العقد. وجاء ذلك لأنه لم يكن بيعا مقصودا وإنما منفعته لا ~~مبايعته. وكذا رواية البخاري على "أن لي فقار ظهره" و"شرط ظهره إلى ~~المدينة"، PageV07P274 # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لك ظهره" و"تبلغ عليه إلى أهلك" (¬1). PageV07P275 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P276 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P277 # قال البخاري (¬1): "والاشتراط أكثر وأصح عندي". # وقال المغيرة (¬2): هذا في قضائنا حسن، لا نرى به بأسا. # وعند الطحاوي (¬3): "يا جابر أتبيعني ناضحك هذا إذا قدمنا المدينة ~~بدينار؟ والله يغفر لك"، قلت: يا رسول الله إذا قدمنا المدينة فهو لك، قال: ~~فبعنيه بدينارين والله يغفر لك" الحديث. وهي مخالفة لما سلف. # واعلم: أن بعضهم أشار إلى اختلاف الرواة في ألفاظ الحديث PageV07P278 # مما يمنع الاحتجاج به على هذا المطلب، فإن بعض الألفاظ صريح في الاشتراط، ~~وبعضها ليس بصريح. # قال الشيخ تقي الدين: وإذا اختلفت الروايات وكانت الحجة ببعضها دون بعض ~~توقف الاحتجاج. قال: وهذا صحيح بشرط تكافؤ الروايات، أو تقاربها. # أما إذا كان الترجيح واقعا لبعضها -إما لأن رواته أكثر، أو أحفظ- فينبغي ~~العمل بها. إذ الأضعف لا يكون مانعا من العمل بالأقوى، والمرجوح لا يمنع ~~التمسك بالراجح. فتمسك بهذا الأصل. فإنه نافع في مواضع عديدة. # منها: أن المحدثين يعللون الحديث بالاضطراب، ويجمعون الروايات العديدة. ~~فيقوم في الذهن منها صورة توجب التضعيف. والواجب أن ينظر إلى تلك الطرق، ~~فما كان منها ضعيفا أسقط عن درجة الاعتبار، ولم يجعل مانعا من التمسك ~~بالصحيح القوي. # قال: ومذهب مالك، وإن [قال بظاهر] (¬1) الحديث فهو يخصصه باستثناء الزمن ~~اليسير (¬2). # وربما قيل إنه ورد ما يقتضي ذلك (¬3). PageV07P279 # قلت: لعله أشار إلى رواية البخاري "أنه كان بطريق تبوك". # تنبيه: اختلف الناس في بيع وشرط: # فصححهما ابن شبرمة لهذا الحديث (¬1). وأبطلهما أبو حنيفة: لحديث النهي عن ~~بيع وشرط (¬2). PageV07P280 # وصحح ابن أبي ليلى البيع وأبطل الشرط تمسكا بحديث بريرة السالف (¬1)، وفي ~~ذلك حكاية مشهورة (¬2). PageV07P281 # الثامن: قد يؤخذ من الحديث جواز بيع الدار المستأجرة بأن يجعل هذا ~~الاستثناء المذكور في الحديث أصلا، ويجعل بيع الدار المستأجرة مساويا له ms1270 في ~~المعنى، فيثبت الحكم. # قال الشيخ تقي الدين (¬1): إلا أن في كون مثل هذا معدودا فيما يؤخذ من ~~الحديث وفائدة من فوائده نظر. # التاسع: في الحديث علم من أعلام النبوة ومعجزة من معجزاته - صلى الله ~~عليه وسلم - في ابتعاث جمل جابر وإسراعه بعد إعيائه. # وفي رواية في "الصحيح" (¬2): أنه عليل فزجره ودعا له، فما زال بين يدي ~~الإبل قدامها يسير، فقال لي: كيف ترى بعيرك؟ قلت: بخير، قد أصابته بركتك. ~~قال: أفتبيعنيه؟، فاستحييت، ولم يكن لنا PageV07P282 # ناضح غيره. قال: فقلت: نعم فسبقته إلى المدينة ولا مني خالي على بيعه". # وفي رواية أخرى في الصحيح (¬1): "فنخسه فوثب، فكنت بعد ذلك أحبس خطامه ~~لأسمع حديثه فما أقدر عليه". # وفي رواية أخرى فيه (¬2) "فنخسه ثم قال لي: اركب بسم الله فما زال يزيدني ~~ويقول والله يغفر لك". # وفي رواية "أنه ضربه بقضيب"، وفي النسائي (¬3): "فأخذ بذنبه ثم زجره". # وعند ابن إسحاق (¬4): "فجعل يواهق النبي - صلى الله عليه وسلم -" (¬5). # فائدة استطرادية: هذا الخال الذي لامه في بيع الجمل ذكر ابن نقطة أنه كان ~~منافقا قال: واسمه الجد بن قيس السلمي، وهو ابن عم البراء [بن مالك] (¬6)، ~~وقيل: إنه تاب وحسنت توبته، وتوفي في خلافة عثمان (¬7). PageV07P283 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P284 # العاشر: فيه جواز ضرب الدابة حثا على السير. # الحادي عشر: قال الفاكهي: انظر هل فيه رواية الحديث بالمعنى لقوله: "فدعا ~~لي" ولم يصرح باللفظ المدعو به؟ # قلت: قد أسلفنا أنه: "دعا له بالمغفرة"، لكن الظاهر أنه كان بعد ذلك. PageV07P285 # وفي "جامع الترمذي" (¬1): "استغفر لي رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ~~ليلة البعير خمسا وعشرين مرة"، ثم قال حسن غريب. # وفي رواية النسائي (¬2): "تبيعنيه يا جابر؟ قلت: بل هو لك، قال: اللهم ~~اغفر له، وارحمه، قد أخذته بكذا وكذا، وقد أعرتك ظهره إلى المدينة". وفيه ~~رواية في الصحيح أنه للجمل أيضا. # الثاني عشرة: فيه تفقد الأمير والكبير والعالم أحوال أصحابه وسؤاله عن ~~أحوالهم وإعانتهم عليها بما تيسر من حال أو مال في السفر والحضر. # الثالث عشر: فيه استعمال مكارم الأخلاق، ms1271 وذلك بأن يجعل ما يفعله من ~~الإعانة على سبيل المعاوضة، لتطيب خاطر من يفعل ذلك به، ويكون قصده بذلك ~~ثواب الآخرة. # الرابع عشر: فيه جواز طلب البيع وثمنه، والمناقصة حال المساومة، وأما بعد ~~العقد واستقرار الثمن ممن لم يعرض سلعته للبيع. # الخامس عشر: فيه أنه لا بأس بمحاورة الأكابر بكلمة "لا"، وأنه لا تقتضي ~~التأثيم. # السادس عشر: فيه التعبير بصيغة الأمر عن غير الأمر، وهو قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "بعنيه". PageV07P286 # السابع عشر: فيه المبادرة إلى تسليم المبيع إلى البائع وقت تسليمه، ونقد ~~المشتري الثمن عقب تسليمه. # الثامن عشر: فيه أن لفظة "خذ" صريح في الهبة. # التاسع عشرة: فيه أن الهبة لا تقع إلا على الأعيان بعد قبضها وتسليمها. # العشرون: قد يؤخذ منه أن الهبة لا تحتاج إلى قبول إذ لم يذكر في الحديث، ~~وهو مذهب مالك، فتصح عنده. بدون إيجاب وقبول خلافا للشافعية. # الحادي والعشرون: فيه إضافة الجمل والدراهم إلى جابر إضافة إحسان وتكريم ~~بدليل بدليل قوله: "فهو لك"، وذلك يحتمل إما للإخبار عما كان في ضميره، ~~وإما إنشاء التمليك له. # الثاني والعشرون: ترجم عليه ابن حبان (¬1) في صحيحه وقوع البيع بالمراضاة ~~من غير إيجاب وقبول. # خاتمة: هذا الحديث ذكره مسلم في صحيحه من طرق إلى جابر. # وأما البخاري: فإنه ذكره في [ستة عشر] (¬2) موضعا من صحيحه فيما حضرني، ~~وفي بعضها التعرض للشرط، وفي بعضها السكوت عنه وذكر غيره. PageV07P287 # الأول: في كتاب الوكالة (¬1) في باب إذا وكل [رجل] (¬2) رجلا أن يعطي ~~شيئا ولم يبين كم يعطي، فأعطى على ما يتعارفه الناس. ولم يذكر فيه اشتراط ~~الركوب، وفيه أنه باعه بوقية بأربعة دنانير وزاده في المدينة قيراطا، فلم ~~يكن القيراط يفارق جراب جابر: وفي رواية لمسلم "فأخذه أهل الشام يوم الحرة" (¬3). # الثاني: في باب (¬4): الاستقراض في باب: من اشترى بالدين وليس عنده ثمنه، ~~أو ليس بحضرته. PageV07P288 # الثالث: فيه أيضا في باب: حسن القضاء (¬1). # الرابع: في باب: الشفاعة في وضع الدين (¬2). ووصله بقصة. # الخامس: في كتاب: الهبة. في باب: الهبة المقبوضة وغير ms1272 المقبوضة (¬3). # السادس: في كتاب الشروط: في باب: إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان ~~مسمى جاز (¬4). # السابع: في كتاب الجهاد (¬5): في باب: من ضرب دابة غيره في الغزو، وفيه: ~~"اتبيع الجمل؟ قلت: نعم. فلما دخلنا المدينة ودخل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - المسجد في طوائف أصحابه، فدخلت عليه وعقلت الجمل في ناحية البلاط. ~~فقلت له: هذا جملك، فخرج فجعل يطيف بالجمل ويقول: الجمل جملنا. فبعث النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أواق من ذهب، فقال: أعطوها جابرا. ثم قال: استوفيت ~~الثمن؟ قلت: نعم قال: الثمن والجمل لك". # الثامن: في باب: استئذان الرجل الإمام (¬6). # التاسع: في باب: الصلاة إذا قدم من سفر (¬7). PageV07P289 # العاشر: فيه في باب: الطعام عند القدوم (¬1). # الحادي عشر: في كتاب: الصلاة إذا قدم من سفر (¬2). # الثاني عشر: في كتاب النكاح (¬3): في باب: تزويج الثيبات، وذكر فيه قصة ~~تزويجه أيضا. # الثالث عشر: فيه في باب: طلب الولد (¬4). # الرابع عشر: فيه عقب هذا في باب: تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة (¬5). # الخامس عشر: في كتاب النفقات: في باب: عون المرأة زوجها (¬6) في ولده. ~~ولم يذكر فيه قضية البيع، بل قضية التزويج فقط. # السادس عشر: كتاب الدعوات (¬7) في باب: الدعاء PageV07P290 # للمتزوج، وهذه عادة البخاري تكرار الحديث الواحدة في عدة أبواب، كما كرر ~~حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (¬1) في سبعة مواضع كما سلفت لك أول الباب ~~وحديث أبي سفيان وهرقل في عشرة مواضع (¬2). # وحديث الألف دينار التي رميت في البحر في سبعة مواضع (¬3)، ونعمت العادة ~~رضي الله عنه وعنا به (¬4). # فائدة: جليلة أبداها السهيلي -رحمه الله (¬5) - حيث قال: في الحكمة في ~~اشترائه الجمل وإعطائه ثمنه لطيفة جدا، لأنه كان يمكنه أن يعطيه ذلك العطاء ~~دون مساومة الجمل، ولا شراء ولا شرط PageV07P291 # توصيل، وذلك أنه سأله: هل تزوجت؟ فذكر له مقتل أبيه وما خلف من البنات. ~~وقد كان الرسول أخبر جابرا أن الله تعالى قد أحيا أباه ورد عليه روحه، ~~وقال: ما تشتهي فأزيدك. فأكد الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا الخبر بما ~~يشتبهه، فاشترى منه الجمل، ms1273 وهو مطيته، كما اشترى الله تعالى من المؤمنين ~~والشهداء أنفسهم بثمن هو الجنة، ونفس الإنسان مطيته، كما قال عمر بن عبد ~~العزيز: "إن نفسي مطيتي"، ثم زادهم زيادة فقال: "للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة" (¬1)، ثم رد عليهم أنفسهم التي اشتريت منهم، فقال: {ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} (¬2)، فأشار - صلى الله عليه وسلم - ~~باشتراء الجمل من جابر وأعطائه الثمن وزيادة، ثم رد الجمل المشترى عليه، ~~أشار بذلك كله إلى تأكيد الخبر الذي أخبر به عن فعل الله تعالى بأبيه فشاكل ~~الفعل مع الخبر كما تراه، وحاشى لأفعاله -عليه الصلاة والسلام- أن تخلوا من ~~حكمة بل كلها ناظرة إلى القرآن العظيم ومنتزعة منه. # ... PageV07P292 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 292/ 2/ 56 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (نهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا, ولا يبع الرجل على بيع ~~أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها [لتكفأ ما في ~~إنائها] (¬1)) (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث لم يظهر لي وجه مناسبة ايراده في هذا الباب فإنه معقود ~~للشروط في البيع ولم يذكره المصنف في "عمدته الكبرى" في هذا الباب وإنما ~~ذكره في باب النجش وغير ذلك ثم PageV07P293 # رأيت بعد ذلك البخاري (¬1) ترجم على القطعة الأخيرة بباب: الشروط التي لا ~~تحل في النكاح. وذكرها بلفظ: "لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها, لتستفرغ ~~صفحتها، فإنما لها ما قدر لها" ونقل عن ابن مسعود أول الباب (¬2) أنه قال: ~~لا تشترط المرأة طلاق أختها. # ثم اعلم أن اللفظ الذي أورده المصنف هو لفظ رواية البخاري (¬3)، وترجم ~~عليه باب: لا يبع على بيع أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه، حتى يأذن له أو ~~يترك. ولم يذكر في هذا الباب غير هذا الحديث، وحديث ابن عمر (¬4): "لا يبع ~~بعضكم على بيع بعض" وأما مسلم فرواه بألفاظ نحو رواية البخاري. # الثاني: سلف الكلام في الحديث الثاني (¬5) فيما نهى عنه من البيوع على ~~بيع الحاضر للبادي والنجش والبيع على بيع أخيه فأغنى ms1274 عن إعادته. # وقوله: "ولا تناجشوا" كأنه على تقدير القول أي وقال: ولا تناجشوا. PageV07P294 # الثالث: الخطبة هنا بكسر الخاء بخلاف خطبة العقد والعيد ونحوهما فإنها بالضم. # والخطبة على الخطبة حرام إذا صرح بإجابته بالإجماع لما فيه من إيغار ~~الصدور، فإن لم يجب ولم يرد ولم يحرم على الأظهر من قولي الشافعي إذا ليس ~~فيه إبطال شيء مقرر بينهما فلو أذن الخاطب ارتفع التحريم لقوله -عليه ~~الصلاة والسلام- "إلا بأذنه" (¬1). # متفق عليه من حديث ابن عمر والترك كالإذن كما جاء في رواية البخاري، ~~ويشترط في التحريم أن يكون عالما بالنهي، كما نبه عليه القاضي حسين في ~~"تعليقه"، فلو خالف وخطب وتزوجها عصى، وصح العقد عند الشافعي وجمهور ~~العلماء (¬2)، لأن المحرم الخطبة لا العقد, لأنه إنما حرم لأجل إيغار ~~الصدور، وذلك لا يعود على أركان العقد بالاختلال ومثل هذا لا يقتضي فساد العقد. # وعن مالك (¬3) حكاية قولين في فسخ العقد إذا وقعت الخطبة على الخطبة بهذا ~~التراكن. وفي قول ثالث: يفسخ قبل البناء لا بعده. # واختلف عندهم هل هو تسمية الصداق أو الرضا بالزوج. # وقال داود الظاهري (¬4): بالفسخ أيضا. PageV07P295 # وحديث فاطمة بنت قيس الآتي في كتاب الطلاق (¬1) في خطبة أبي جهم ومعاوية ~~لها: لعل الثاني لم يعلم بخطبة الأول. # فلذلك لم ينكر -عليه الصلاة والسلام- خطبة بعضهم على بعض. وقوله -عليه ~~الصلاة السلام- بعد ذلك: "أنكحي أسامة" هو أشارة منه لا خطبة لها ولئن كان ~~خطبة فهي لم تنعم للأولين. # وذكر الطبرى عن بعضهم أنه جعل حديث فاطمة هذا ناسخا للنهي وهو عجيب (¬2). PageV07P296 # رابعها: تمسك الخطابي (¬1): بظاهر قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا يخطب ~~على خطبة أخيه" وقال: لا يحرم إذا كان كافرا. وهو قول الأوزاعي (¬2) أيضا. # ووجه عنه الشافعية (¬3). # وقال الجمهور: لا فرق. والتقييد بأخيه خرج على الغالب فلا مفهوم له، كما ~~في قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} و {وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم} ونظائره (¬4). PageV07P297 # خامسها: يقتضي هذا الحديث وغيره أنه لا فرق بين الخاطب الفاسق وغيره. ~~وخالف ابن القاسم المالكي فقال (¬1): تجوز الخطبة على ms1275 الخطبة، ونقله الشيخ ~~تقي الدين (¬2) عن المالكية وقال: إنه من تصرفهم قال: وكون الخطبة لا تحرم ~~إلا بعد التراكن من تصرف الفقهاء أيضا نظرا إلى المعنى وهو وقوع العداوة ~~وإيحاش النفوس وتعدى نظرهم بعد ذلك فيما به يحصل تحريم الخطبة. وذكروا ~~أمورا لا تستنبط من الحديث. # سادسها: معنى "لتكفأ ما في إنائها" تقلبه. # قال أهل اللغة يقال: كفأت الإناء إذا قلبته وفرغته، فلم يبقى فيه شيء. # قال الهروي (¬3): "تكفي ما في أنائها" من كفأت القدر إذا كببتها لتفرغ ما ~~فيها. وهذا مثال لإمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها. وقال ~~الكسائي: كفأت الأناء كببته، وأكفأته أملته. وقد أسلفت ذلك عنه في كتاب ~~الطهارة وغيرها، وأن غيره قال إنه يستعمل ثلاثيا ورباعيا بمعنى واحد. PageV07P298 # وقيل: هو هنا كناية عن الجماع والرغبة في كثرة الولد والأول أظهر. # وقال النووي (¬1): في "شرحه" معنى الحديث نهى المرأة الأجنبية أن تسأل ~~طلاق زوجته وأن ينكحها ويصير لها من نفقته معروفه ومعاشرته ونحوها ما كان ~~للمطلقة، فعبر عن ذلك بإكفأ ما في الإناء مجازا ثم ذكر مقالة الكسائي ~~السالفة، واقتصر عليها. # قال: والمراد بأختها غيرها، سواء كانت في النسب أو في الإسلام أو كافرة. # قلت: ويؤيده رواية مسلم (¬2): "ولا تسأل المرأة طلاق الأخرى لتكتفىء ما ~~في إنائها" والمحب الطبري قال في "أحكامه": المراد "أختها" في الدين فإنها ~~في النسب لا تجتمع معها، وذكر في موضع آخر رواية عن ابن حبان (¬3) "لا تسأل ~~المرأة طلاق أختها، فإن المسلمة أخت المسلمة". # وقال الشيخ تقي الدين (¬4): استعمل في هذا المجاز، حيث جعل طلاق المرأة ~~بعد عقد النكاح بمثابة تفريغ الصحفة بعد امتلائها. وفيه معنى آخر، وهو ~~الإشارة إلى الرزق لما يوجبه النكاح من النفقة، وغيرها فإن الصحفة وملأها ~~من باب الأرزاق، وأكفاؤها قلبها. PageV07P299 # قلت: وذكره "الصحفة" ليس في رواية المصنف، وهو ساقها أولا بلفظ "الأناء"، ~~لا بلفظ "الصحفة"، وكأنه تبع في ذلك النووي في "شرحه" (¬1) فإنه ذكره بلفظ ~~"الصحفة"، وكثيرا ما يتبعه ويشير إليه كما بينته في مواضع ms1276 من هذا الشرح، ~~إنما ذكر ذلك لأنه في رواية لمسلم (¬2): "لتكتفيء ما في إنائها أو ما في ~~صحفتها" على الشك. # وقال أبو عبيد (¬3): لم يرد الصحفة خاصة إنما جعلها مثلا لحظها منه، ~~كأنها إذا طلقها أمالت نصيبها منه إلى نفسها. # قال الفاكهي: قريب منه يسمى عند علماء البيان: التمثيل والتتخييل عند ~~التعبير بالذوات عن المعاني ومنه قولهم: ما زال يفتل في الذروة والعازب حتى ~~بلغ منه مراده. والمعنى: أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقا يشبه حاله فيه حال ~~الرجل يجيء إلى البعير الصعب فيحكه ويفتل الشعر في ذروته وعازبه حتى ~~يستأنس. فالصحفة: هنا كالذروة والعازب. # سابعها: يجوز في "تسأل" الرفع والكسر كما نبه عليه النووي في "شرح مسلم" ~~فالأول: على الخبر الذي يراد به النهي وهو المناسب لقوله قبله "ولا يخطب ~~ولا يبع". # والثاني: على النهي الحقيقي. # وقوله: "لتكفأ" كذا هو في "صحيح البخاري". وفي "صحيح مسلم "لتكتفىء" ~~كماسبق. PageV07P300 # قال القاضي في "مشارقه" (¬1): وروى أيضا: "لتستكفىء إنائها" تفتعل ~~وتستفعل من ذلك أي تكبه وتقلبه من جبر زوجها بطلاقه إياها قال: وقد تسهل ~~الهمزة في هذا كله. # ثامنها: في الحديث أحكام غير ما سلف. # منها: تحريم السعي في التفريق بين المرأة وزوجها بالطلاق وغيره مما في ~~معناه أو أشد منه، إذا كان المقصود دنيوي، سواء كان الساعي رجلا أو امرأة، ~~ويخرج بالدنيوي الديني فإنه مشروع. # ومنها: الإشارة إلى تحريم الحسد للناس، والنظر إلى ما في أيديهم ~~للإستئثار به عنهم، وزواله مطلقا. # ومنها: الإشارة إلى الرضا بالمقسوم وإليه الإشارة برواية البخاري السالفة ~~"فإن لها ما قدر لها" وإذا ابتلى بالطلب لما يجوز طلبه وعدم الرضا فيسأل ~~الله دون غيره. فإن المفاتيح بيده وإن كان لا بد سائلا فليسأل الصالحين. # ومنها: الإشارة إلى النظر إلى من هو دونك في الدنيا. وقد أمر به -عليه ~~الصلاة والسلام- في الحديث المشهور (¬2). # واستنبط بعضهم منه عدم وجوب نفقة البائن في عدتها من PageV07P301 # حيث إنه جعل الطلاق سببا لتفريغ إنائها وانقطاع حظها منه به، وفيه بعد، ~~واحترز بالبائن ms1277 عن الرجعي وألزم هذا المستنبط الأوزاعي ومن وافقه بأن ~~يقولوا: لا يحرم على المسلمة أن تسأل طلاق الذمية، لأنها ليست أختها, ولهم ~~أن ينفصلوا عن هذا بالرواية السالفة عن مسلم "لا تسأل المرأة طلاق الأخرى ~~لتكتفىء ما في إنائها" والله الموفق. # *** PageV07P302 ### || AUTO 57 - باب الربا والصرف # وفيه ثلاث لغات: # أحدها: القصر ويكتب بالألف وبالواو والياء. # ثانيها: الرما بالميم بدل الباء وبالمد. # ثالثها: الربا بفتح الراء وبالمد حكيت عن القلعي (¬1). # وحده في الشرع: أنه اسم لمقابلة عوض بعوض مخصوص، غير معلوم التماثل في ~~معيار الشرع حالة العقد، أو مع ما خير في البدلين، أو أحدهما فإذا باع ~~ربويا بمثله، واتفق الجنس فلا بد من الحلول والمماثلة [والتفرق قبل ~~التقابض] (¬2). # وإن اختلف وكان من نوعه كذهب وفضة وحنطة شعير جاز التفاضل. PageV07P303 ### ||| CHECK الحديث الأول # فأما الصرف: مصدر صرف يصرف صرفا إذا دفع ذهبا وأخذ فضة أو عكسه فإن باع ~~ذهبا بمثله أو فضة بمثلها سميت مراطلة. # وهل الصرف مشتق من التقلب، ومنه صرف الدرهم أو من الصريف وهو الصوت ~~المتولد عن تحريك أحد النقدين؟ أو من الوزن ومنه: "لا يقبل الله منه صرفا ~~ولا عدلا" أقوال وصحح النووي في "شرحه لمسلم" (¬1): أنه سمى صرفا لصرفه عن ~~مقتضى المبايعات من جواز التفاضل وعدم التفرق قبل التقابض والتأجيل. وإنما ~~خص المصنف الصرف بالذكر وإن كان داخلا في الربا لأن الربا فيه أضيق من غيره ~~وذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث: # الأول # 293/ 1/ 57 - عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا ~~هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء هاء" (¬2). (¬3) PageV07P304 # والكلام عليه من وجهين: وننبه قبل الخوض فيها إلى أن في الصحيحين في آخر ~~الحديث "والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء" وكان الأولى للمصنف أن لا يحذف ~~هذه الزيادة فإنها مهمة. # الأول: في ألفاظه. # الأول: الذهب: مذكر وربما أنث. # فقيل: ذهبة والجمع: أذهاب، وذهوب. # وذكر الثعلبي في تفسير سورة براءة: ms1278 عن نفطويه قال: سمى الذهب ذهبا لأنه ~~يذهب ولا يبقى. # وسميت الفضة: فضة. لأنها تنفض ولا تبقى. # ويقال: للذهب خلاص بكسر الخاء. # قال الحريري في "درة الغواص" (¬1): هذه اللفظة مما يهمون فيها فيقولون: ~~للذهب خلاص بكسر الخاء والاختيار كسرها، واشتقاقه من أخلصته النار بالسبك. # قلت: وللذهب أسماء نظمها ابن مالك -رحمه الله (¬2) - في PageV07P305 # بيتين فقال: # نضر نضير نضار زبرج سيرا ... وزخرف عسجد عقيان الذهب # والتبر ما لم يذب وأشركوا ذهبا ... وفضة في نسك هكذا الغرب # الثاني: "الورق" بفتح الواو وكسر الراء ويجوز إسكانها مع فتح الواو ~~وكسرها حكاهن الفراء (¬1) وغيره. # وحكى الصاغاني (¬2) في كتابه "شوارد اللغات": لغة رابعة وهي: فتح الواو ~~والراء قال: وقرأ أبو عبيدة "فأبعثوا أحدكم بورقكم". # قال أكثر أهل اللغة: وهو مختص بالدراهم المضروبة (¬3). # وقال جماعة منهم يطلق على كل الفضة وإن لم تكن مضروبة. # وفي "تفسير القرطبي" (¬4): في أثناء سورة الفاتحة أن الورق بكسر الراء ~~الدراهم وبفتحها المال. # والمراد بالورق هنا: جميع صنوفها وإن قل. PageV07P306 # الثالث: "البر" اسم من أسماء القمح ومن أسمائه الحنطة والسمراء. # و"الشعير" -بفتح الشين- على المشهور ويجوز كسرها. # وقال ابن مكي الصقلي (¬1): كل ما كان في وسطه حرف حلق مكسورا يجوز كسر ما ~~قبله وهي لغة تميم قال: وزعم الليث أن قوما من العرب يقولون في كل ما كان ~~على فعيل، فعيل بكسر أوله وإن لم يكن في أوله حرف حلق فيقال: كبير، كثير، ~~وجليل، وكريم وما أشبهه. # الرابع: "هاء وهاء" ممدود مفتوح الهمزة على الفصيح الأشهر، وأصله هاك، ~~فأبدلت المدة من الكاف ومعناه: "خذ هذا" ويقول صاحبه مثله عن غير تراخ، كما ~~جاء في الحديث: "يدا بيد" فكأنها اسم من أسماء الأفعال، كما يقول "هاؤم" ~~(¬2) وأنشد بعض PageV07P307 # أهل اللغة في ذلك: PageV07P308 # لما رأت في قامتي انحناء ... والمشي بعد قعس (¬1) إجناء (¬2) # أجلت وكان حبها إجلاء (¬3) ... وجعلت نصف غبوقي (¬4) ماء # تمزج لي من بغضها السقاء ... ثم تقول من بعيد هاء (¬5) # دحرجة، إن شئت، أو إلقاء (¬6) ... ثم تمنى أن يكون داء # لا يجعل الله له ms1279 شفاء # ولا يجوز أن تكون ضرورة إذ لا يجوز في الشعر مد المقصور. وإنما يجوز قصر ~~الممدود رجوعا إلى الأصل، إذ القصر الأصل نبه عليه الفاكهي، وفيه على هذا لغتان: # الأول: أنها تقال للمذكر والمؤنث، والواحد والاثنين، والجمع بلفظ واحد من ~~غير زيادة، كأنهم جعلوها صوتا، مثل صه ومه. PageV07P309 # والثانية: تلحق بها العلامات المفرقة. فتقول للمذكر: هآء، وللمؤنث: هائي، ~~وللأثنين هاءا, وللجميع هاؤوا، كالحال في هاؤم وهلم. # وفي "هاء" لغة ثانية وهي القصر وإسكان الهمزة، فتقول "هاء" كما تقول: خذ ~~وفيها اللغتان المقدمتان، حكاهما ثابت وغيره من أهل اللغة وفي "هآ" أيضا ~~لغة ثالثة "هاء" بالمد وكسر الهمزة وهي للواحد والأثنين والجمع بلفظ واحد، ~~غير أنهم زادوا التاء مع المؤنث فقالوا هائي. # ولغة رابعة: ها بالقصر وترك الهمزة حكاها بعض اللغويين وأنكرها أكثرهم (¬1). # وخطأ الخطابي وغيره (¬2) من رواها من المحدثين كذلك. قال النووي (¬3): ~~وليست بخطأ بل صحيحة وإن كانت قليلة أي لأن الهمزة سهلت فيها. PageV07P310 # وفي "ها" أيضا لغة خامسة أو أنها "هاءك" بمدة، وهمزة مفتوحة، وكاف خطاب ~~مكسورة للمؤنث، حكاها القاضي (¬1) ولا يبعد كما قال القرطبي (¬2): إن "هاء" ~~هذه هي اللغة الأولى، وإنما زادوا عليها كافا لخطاب المؤنث خاصة فلا تكون ~~خامسة. أو أنها للأصل كما قدمناه. وأبدلت المدة من الكاف. وقولى: إنها ~~الأصل كذا قاله النووي في "شرحه" والمازري (¬3) قبله ولا يتوهم منه أن ~~الكاف من نفس الكلمة في الأصل كالدال من زيد. وأما المراد أن ذلك أصلها ~~إستعمالا ثابتا وهي حرف خطاب كالكاف في ذلك وأولئك لا حظ لها في الاسمية ~~يدل على ذلك استعمال الهمزة موضعها، كما في هذا الحديث واللفظة موضوعة ~~للتقابض كما أسلفناه. # الوجه الثاني: في أحكامه وتقدم عليه أن الإجماع قائم على تحريم الربا في ~~الجملة، وهو نص الكتاب والسنة الشهيرة، وهو من الكبائر، وقيل: إنه ما أحل ~~في شريعة قط. وبينت السنة المجمل الذي يجري فيه الربا، فذكر في هذا الحديث ~~خمسة أشياء الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، كما زدنا هذه وإن ms1280 كان ~~المصنف أسقطها من روايته وفي "صحيح مسلم" (¬4) من حديث عبادة بن PageV07P311 # الصامت وغيره ذكر الملح فهذه ستة أشياء منصوص عليها فحمل أهل الظاهر ~~عليها وقالوا: لا يحرم الربا فيما سواها بناء على أصلهم الفاسد في نفي ~~القياس، وجميع العلماء سواهم عدوه إلى ما في معناها، وهو ما يشاركها في ~~العلة، ثم اختلفوا في العلة. # فعند الشافعي: العلة في النقدين كونهما قيم الأشياء غالبا، فلا يتعدى ~~الربا منهما إلى غيرها من الموزونات وغيرها, لعدم المشاركة، والعلة في ~~الأربعة الباقية كونها مطعومة، فيتعدى الربا منها إلى كل مطعوم (¬1). PageV07P312 # وقال مالك: في الذهب والفضة كقول الشافعي (¬1) وخالف في الأربعة. # وقال: العلة فيها كونها تدخر للقوت وتصلح له فعداه إلى الترتيب لأنه ~~كالتمر وإلى القطنية لأنها في معنى البر والشعير (¬2). # وخالفهما أبو حنيفة في الجميع فقال: العلة في النقدين الوزن وفي الأربعة ~~الكيل فيتعدى إلى كل موزون من نحاس وحديد وغيرهما، وإلى كل مكيل كالجص ~~والأشنان وغيرهما. # وقال سعيد ابن المسيب وأحمد والشافعي في القديم: العلة في الأربعة كونها ~~مطعومة وموزونة أو مكيلة فعلى هذا لا ربا في PageV07P313 # البطيخ والسفرجل ونحوهما مما لا يكال ولا يوزن (¬1). # وقال ابن هبيرة هي رواية عن أحمد: وأظهر الروايات عنه وهي اختيار الخرقي ~~(¬2) وشيوخ أصحابه، ونقله عن أبي حنيفة أيضا أن العلة في الأربعة: الجنس مع ~~الكيل لحنطة وشعير، وجص وأشنان وشبه ذلك. # وعن أحمد (¬3) رواية ثالثة: أن العلة فيها كونه مأكول جنس، فيدخل سائر ~~المأكولات، ويخرج ما عداها، والمسألة مبسوطة في الخلافيات، وقد ذكر البيهقي ~~في "خلافياته" بأسانيده عدة أحاديث دالة للصحيح من مذهب الشافعي أن العلة ~~في الأربعة الطعم، ورد بها على أبي حنيفة أن العلة كونها مكيلة. # منها حديث مسلم (¬4) عن معمر بن عبد الله رفعه "الطعام بالطعام مثلا بمثل". # ونقل القرطبي (¬5) أنه تابع أهل الظاهر على نفي تعليل هذا PageV07P314 # الحكم بعض من قال بالقياس بناء على أنه لم يجد دليلا عليه أو على أنه لم ~~يجد لعلة ذلك فرعا يلحقه بها، فتكون العلة ms1281 قاصرة، ولا يعلل بها، قال: وهو ~~مذهب أبي حنيفة. # وجمع القرافي عشرة أقوال في العلة بماذا. # أحدها: الجنسية. # والثاني: كونه ربويا. # والثالث: كونه مكيلا أو موزونا. # والرابع: كونه مطعوما. # والخامس: كونه مقتاتا. # والسادس: كونه مدخرا مع اتحاد الجنسية. # والسابع: كونه متمولا. # والثامن: كونه مقتاتا. مدخرا مع الغلبة. # والتاسع: كونه مقتاتا مدخرا. # والعاشر: أن العلة مختلفة في الجميع فعلة البر القوت غالبا، والشعير ~~القوت نادرا، والتمر بالتفكة غالبا، والملح كونه مصلحا للأقوات، والنقدين ~~كونها رأس الأموال، وقيم المتلفات. # تتمات: الأولى: الإجماع قائم على جواز بيع الربوي بالربوي الذي لا يشاركه ~~متفاضلا ومؤجلا كبيع الذهب بالحنطة والفضة بالشعير وغيره من المكيل. # وعلى المنع من بيع الربوي بجنسه وأحدهما مؤجل وعلى أنه لا يجوز التفرق ~~قبل التقابض إذا باعه بجنسه حالا كالذهب بالذهب. PageV07P315 # وعلى أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما ~~يشاركه في العلة كالذهب بالفضة والحنطة بالشعير (¬1). # وعلى أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس (¬2) إذا كان يدا بيد كصاع حنطة ~~بصاعي شعير. وما يروى عن ابن عباس وابن عمر من تخصيص الربا بالنسيئة قد ~~رجعا عنه، حين بلغهما حديث أبي سعيد "نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~بيع صاع بصاعين" كما ذكره مسلم عنهما في صحيحه (¬3). PageV07P316 # الثانية: الحديث دال على تحريم الربا في الجملة على ما ذكرنا. # ودال أيضا: على اشتراط التقابض في بيع الربوي إذا اتفقا في علة الربا، ~~سواء اتفق جنسهما كذهب بذهب أم اختلف كذهب بفضة، فإنه -عليه الصلاة ~~والسلام- نبه في هذا الحديث بمتفق الجنس على مختلفه، حيث قال: "الذهب ~~بالورق ربا"، واستدلت المالكية بذلك على اشتراط التقابض عقب العقد، حتى لو ~~أخره عن العقد وقبض في المجلس لا يصح عندهم. # قال القرطبي (¬1): وبالغ مالك في هذا حتى منع المواعدة على الصرف ~~والحوالة والوكالة على عقد الصرف دون القبض. ومنع أن يعقد الصرف، ويقوم إلى ~~مقر دكانه ثم يفتح صندوقه، ويخرج ذهبه. PageV07P317 # قلت: وأعتبر الشافعي التقابض في المجلس، وإن طال الزمان يوما ms1282 أو أياما، ~~ما لم يتفرقا، وبه قال أبو حنيفة وآخرون. # قال الشيخ تقي الدين (¬1): وهذا أدخل في المجاز، والأول أقرب إلى حقيقة ~~اللفظ. وقد جمع في الحديث مختلف الجنس ومتفرقه فاقتضى ذلك تحريم النساء، ~~لكنه لا يسمى نساء إلا إذا افترقا عن المجلس من غير قبض. # وأما النووي فقال في "شرحه" (¬2): لا حجة لأصحاب مالك في هذا الحديث. # الثالث: هذا الحديث ذكره عمر -رضي الله عنه- على سبب، وهو أن مالك بن أوس ~~بن الحدثان قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم؟ فقال: طلحة بن عبيد الله: ~~وهو عند عمر بن الخطاب: أرنا ذهبك، ثم ائتنا، إذا جاء خادمنا يعطك ورقك، ~~فقال: عمر بن الخطاب: "كلا، والله! لتعطينه ورقه، أو لتردن إليه ذهبه، فإن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فذكر الحديث (¬3) الذي ساقه المصنف ~~وبالزيادة التي أسقطها كما نبهنا عليها، وإنما قاله طلحة بن عبيد الله لأنه ~~ظن جوازه كسائر البياعات، وما كان بلغه حكم المسألة فأبلغه إياه عمر -رضي ~~الله عنه- فترك المصارفة. # الرابعة: يؤخذ من الحديث (¬4): أن البر والشعير صنفان، وبه PageV07P318 # قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وفقهاء المحدثين وآخرون. # وقال مالك، والليث، والأوزاعي ومعظم علماء المدينة والشام من المتقدمين: ~~أنها صنف واحد. وهو محكى عن عمر وسعد وغيرهما من السلف. # واتفقوا على أن الدخن صنف، وأن الذرة صنف، والأرز صنف، إلا الليث بن سعد، ~~وابن وهب المالكي فقالوا: إن هذه الثلاثة صنف واحد. # خاتمة: في تقسيم (¬1) حسن فقهي: وهو أن التبايع يقع تارة بالثمن، وتارة ~~بالعين، وتارة بهما، وكل إما بالحلول أو بالأجل أو بهما فإن فقدا جميعا كان ~~بيعا بنقد. # وإن باع عينا بعين مثلها كالذهب به سمى مراطلة. # وإن بيع بعين خلافه كالذهب بالورق سمى صرفا كما سلف. # وإن باع عرضا بعين فالثمن العين، والمثمن ما يقابله. وهذا PageV07P319 # أصح الأوجه عندنا: أن الثمن النقد والمثمن بما يقابله، فإن لم يكن نقدا ~~وكانا نقدين فالثمن ما اتصلت به الباء، وإن كانا مؤخرين جميعا، فذلك الدين ~~بالدين، وهو منهى ms1283 عنه (¬1). # والحوالة: أصح الأوجه عندنا أنها بيع دين بدين (¬2) استثنى PageV07P320 # للحاجة، وإن نقد أحدهما وأخر الآخر، فإن كان المؤخر هو الدين, والمقدم هو ~~العرض، فذلك البيع إلى أجل وإن كان العكس فذلك السلم. # ... PageV07P321 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 294/ 2/ 57 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل. ولا تشفوا بعضها ~~على بعض. ولا تبيعوا الورق إلا مثلا بمثل. ولا تشفوا بعضها على بعض. ولا ~~تبيعوا منها غائبا بناجز". # وفي لفظ: "إلا يدا بيد"، وفي لفظ: "إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: ذكر الوزن في الحديث من أفراد مسلم، كما نبه عليه عبد الحق في ~~"جمعه بين الصحيحين"، ولم أرها أنا أيضا في البخاري، فإن البخاري ذكره هنا ~~مطولا ومختصرا، فلفظه في المطول كرواية المصنف سواء، إلى قوله: "بناجز"، ~~ولفظه في PageV07P322 # المختصر: "الذهب بالذهب مثلا بمثل والورق بالورق مثلا بمثل"، وذكره مسلم: ~~من طرق مطولا كرواية البخاري، ومطولا بلفظ: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا ~~الورق بالورق، إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا شيئا ~~غائبا منه بناجز إلا يدا بيد"، ومختصرا بلفظ: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا ~~الورق بالورق، إلا وزنا بوزن، مثلا بمثل، سواء بسواء". # واعلم أن جماعة من الشراح أسقطوا قطعة من هذا الحديث، فذكره الفاكهي فيما ~~رأيته في نسختين منه بلفظ: "لا تبيعوا الذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا ~~بعضها, ولا تبيعوا منها غائبا بناجز"، فأسقط لفظة "بالذهب" وأسقط ذكر ~~"الفضة" رأسا. # وذكره الصعبي فيما رأيته بخطه: "لا تبيعوا الذهب بالذهب" إلى آخره، وأسقط ~~ذكر "الفضة" بكمالها، وكذا أورده بعضهم فيما رأيته بخطه. # وكذا أورده ابن العطار وقال: "لا تبايعوا" بدل: "لا تبيعوا"، وذكره الشيخ ~~تقي الدين في "شرحه" على الصواب كما بدأت به، فتنبه لذلك. # الثاني: في التعريف براويه، وقد سلف في كتاب الصلاة، وهذه عادتتا لا نعيد ~~شيئا سلف فاعلمه. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا ms1284 تشفوا"، بضم التاء وكسر الشين ~~وتشديد الفاء، رباعي من أشف، أي: لا تفضلوا يقال: أشففت بعض ولدي على بعض، ~~أي: فضلتهم. PageV07P323 # والشف: بكسر الشين: الزيادة. ويطلق أيضا على النقصان، فهو من الأضداد. ~~يقال: شف الدرهم بفتح الشين، شف بكسرها إذا زاد وإذا نقص. وأشفه غيره يشفه (¬1). # الرابع: المؤجل (¬2): [أو] (¬3) الغائب عن المجلس. # والناجز: الحاضر، ومعناه: لا تبيعوا مؤجلا بحاضر من الذهب بالذهب، ولا من ~~الذهب والفضة. وقد أجمع العلماء على تحريم ذلك، وكذلك حكم الحنطة بالحنطة، ~~والشعير بالشعير. وكذا كل شيئين اشتركا في علة الربا: أما إذا باع دينارا ~~بدينار كلاهما في الذمة، ثم أخرج كل واحد الدينار أو بعث من أحضر له دينارا ~~من بيته وتقابضا في المجلس، فيجوز عند الشافعية وآخرين، بلا خلاف، لأن ~~الشرط عندهم أن لا يتفرقا حتى يتقابضا، كما سلف في الحديث قبله، وقد حصل، ~~وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: "ولا تبيعوا شيئا غائبا منه بناجز إلا يدا ~~بيدا" كما سلف. # وادعى القاضي عياض (¬4): اتفاق العلماء على أنه لا يجوز بيع أحدهما مؤجلا ~~أو غائبا عن المجلس، وليس كما قال لما علمته. # الخامس: قوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب" إلى آخره، هو PageV07P324 # متناول لجميع أنواع الذهب والورق من جيد ورديء، وصحيح ومكسور، وحلى وتبر، ~~وغير ذلك، وسواء الخالص والمخلوط بغيره. وهذا كله مجمع عليه كما نقله عنهم ~~النووي في "شرح مسلم" (¬1). # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلا وزنا بوزن" إلى آخره، يحتمل ~~الجمع بينهما للتوكيد والمبالغة للإيضاح، واقتصر عليه النووي في "شرح مسلم" (¬2). # وقال الشيخ تقي الدين (¬3): اعتبار التساوي، ويوجب أن يكون التساوي في ~~هذا بالوزن لا بالكيل، والفقهاء قرروا أنه يجب التمائل بمعيار الشرع، فما ~~كان موزونا فبالوزن، وما كان مكيلا فبالكيل، أي: وما كان معدودا أو مذروعا فبه. # وقال القاضي عياض: يحتمل أن تكون هذه الألفاظ تأكيدا، ويحتمل أن يزيد ~~المثلية في الصفة والوزن في المقدار، و"سواء بسواء". راجع لهما معا. # وقد اختلف في المراطلة عندهم: هل يشترط استواء الوزن مماثلة العين أم لا؟ ms1285 ~~(¬4). PageV07P325 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P326 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P327 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P328 # السابع: في الحديث أحكام: # الأول: تحريم بيع جميع أنواع الذهب بعضها ببعض متفاضلا، وكذا الفضة ~~بالفضة. # الثاني: تحريم بيع الغائب فيها بالحاضر إذا تفرقا من غير قبض. # الثالث: اشتراط القبض في المجلس، وتقدم ما فيه، وجوز ابن علية التفرق عند ~~اختلاف الجنس، وهو محجوج بالأحاديث والإجماع، ولعلها لم تبلغه (¬1). # والرابع: الحث على التساوي في الربويات بكل ما يمكن من الوزن والكيل، وإن ~~قلت الزيادة, لأن لفظة الشفوف تقتضي الزيادة PageV07P329 # غير المكسرة، ومنه: شفافة الإناء، وهي البقية القليلة فيه من الماء وإن ~~حمل الحديث على التأكيد والمبالغة، فتكون الدلالة على غير الموزون من باب أولى. # *** PageV07P330 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 295/ 3/ 57 - وعنه قال جاء بلال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمر ~~برني. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من أين هذا"؟ قال بلال: كان ~~عندنا تمر رديء، فبعت منه صاعين بصاع ليطعم النبي - صلى الله عليه وسلم -. # فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: عند ذلك: "أوه (¬1)، عين الربا، لا ~~تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # وبلال: تقدمت الإشارة إلى ترجمته في أول الأذان. # الأول: هذا الحديث أخرجه مسلم كذلك إلا أنه قال: "ولكن إذا أردت أن تشتري ~~التمر فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به"، وقال: "لمطعم" بدل "لتطعم". PageV07P331 # وأخرجه البخاري (¬1) في باب: إذا باع الوكيل شيئا فاسدا فبيعه مردود: ~~بلفظ المصنف سواء إلا أنه قال: "أوه، أوه، عين الربا لا تفعل" مرتين. # ووقع في شرح الشيخ تقي الدين وغيره: تكرار "عين الربا" دون "أوه" (¬2) ~~وكذا هو في "العمدة الكبرى" للمصنف. # الثاني: في ألفاظه: # الأول: "البرني" بالفتح ضرب من التمر أصفر مدور، واحدته برنية، وهو أجود ~~التمر، كما قاله صاحب "المحكم" (¬3). # وقال أبو حنيفة الدينوري (¬4): أصله فارسي معرب ودعوى صاحب "التنبيه" أن ~~المعقلي أجود منه ليس كما قاله وقد تبدل من يائه جيم قال الراجز: # المطعان اللحم بالعشج ... وبالغداة [قلق] (¬5) البرنج PageV07P332 # يريد بالعشى وقلق البرني. # قال الجويني في "فروقه" (¬1): في الزكاة ms1286 كنت بالمدينة فدخلا أصدقائي، ~~فقال: كنا عند الأمير فتذاكروا أنواع تمر المدينة، فبلغت أنواع الأسود ستين ~~نوعا، ثم قالوا: وأنواع الأحمر؟ فبلغت هذا المبلغ. # فائدة: رأيت أن أذكرها هنا: وقع في شرح "ألفاظ المختصر" للأزهري (¬2) أن ~~العجوة جنس من التمر معروف، وأنها ألوان، وأن الصيحاني الذي يحمل من ~~المدينة منها. وكلام "الموطأ" صريح في تغايرها. PageV07P333 # لا جرم قال المحب الطبري في "أحكامه": في أول الجنائز لم أر ذلك لغيره، ~~والمشهور عند أهل المدينة المغايرة بين العجوة والصيحاني. # الثاني: "الرديء" مهموز. # الثالث: "يطعم" بفتح العين أي يأكل، والماضي مكسور العين. # الرابع: "أوه" كلمة توجع وتحزن، كما قاله أهل اللغة وهي مشددة الواو، ~~ويقال: بالمد والقصر. # وقال القاضي (¬1): وقد قيل أيضا أووه بضم الواو ومدها. # وقد قيل في قوله تعالى: {أواه منيب (75)}، أي: كثير التأوه خوفا وشفقة، ~~وهو من هذا. PageV07P334 # وقال النووي في "شرحه" (¬1): بعد أن نقل أهل اللغة أن "أوه" كلمة تحزن ~~وتوجع في هذه الكلمات لغات، الصحيحية المشهورة في الروايات "أوه" بهمزة ~~مفتوحة، ثم واو مفتوحة مشددة، وهاء ساكنة. # ويقال: بنصب الهاء منونة. # ويقال: "أوه" بإسكان الواو وبكسر الهاء منونة وغير منونة بلا هاء. # ويقال: "أو" بتشديد الواو منونة بلا هاء. # ويقال: "اآه" بمد الهمزة وتنوين الهاء مكسورة من غير واو. # الخامس: معنى "عين الربا" حقيقة الربا وآكده وفي رواية البخاري بالتكرار. # السادس: "بيع التمر ببيع آخر" الألف واللام في التمر للعهد في الرديء لا للجيد. # وقوله: "ثم اشتر به" يعني به الصاع الجيد، ويكون المعنى بعه على صفقة ~~أخرى، أو على معنى زيادة "الباء" كأنه قال: بعه بيعا آخر. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): يحتمل هذا، ويحتمل أيضا أن يريد PageV07P335 # به بمبيع -أي أقام المفعول- كما قالوا: أنت رجائي بمعنى مرجوي، ويراد به ~~الثمن ويقويه قوله: "ثم اشتر به" وبأن زيادة الباء في مثل هذا ليس بقياس ~~وجزم غيره من الشراح بالأول، وقال عود المعنيين إلى محلين أولى من عودهما ~~إلى محل خصوصا إذا استقام المعنى به. # الوجه الثالث: في أحكامه: ms1287 # فيه أن للإنسان أن يبحث عما يستريب فيه حتى يكشف له حاله، كذا استنبطه ~~منه القرطبي (¬1) وعبارة غيره: فيه أن للإنسان أن يستخبر عن الطعام الذي لا ~~يعلم أصله، وإن كان ظاهر الآتي به حسنا ليس في ذي ظالم ونحوه، أو الآتي به ~~معروفا عند الذي آتى به إليه، وهو خلاف ما ذكره الغزالي في بعض كتبه. # الرابع: النص على تحريم ربا الفضل في التمر، وهو إجماع إلا من خصص الربا ~~بالنسيئة، وقد رجع عنه، كما أسلفت في الحديث الأول. # الخامس: اهتمام التابع بمتبوعه في أكله وجميع أموره، وإطعامه الجيد الطيب ~~دون الرديء، وإعلامه بذلك. # السادس: السؤال عن تصرف المتبوع له عن كيفيته وهو راجع إلى الأول. # السابع: تعليم العلم وتقبيح المحرم بتجنبه، وتعلم غيره. قال القاضي: ~~وإنما يؤدبه على ما فعل, لأنه كان في أوائل تحريم الربا. PageV07P336 # الثامن: ما احتج به الشافعي ومن وافقهم على استعمال الحيل في البياعات في ~~مسألة العينة (¬1)، كما يفعله بعض الناس، توصلا إلى مقصود الربا، بأن يريد ~~أن يعطيه مائة بمائتين، فيبيعه ثوبا بمائتين، ثم يشتريه منه بمائة، وموضع ~~الدلالة من الحديث أنه -عليه الصلاة والسلام- قال له "بعه واشتره ببيع آخر" ~~ولم يقصد بذلك سوى الخلاص من القدر الممنوع منه شرعا، وهو عدم التماثل في ~~الربويات [لا كثرة ولا غيرها] (¬2)، ولم يفصل بين أن يشتري من المشترى أو ~~من غيره، فدل على أنه لا فرق وبهذا قال أبو حنيفة أيضا: كما نقله عنه ~~القاضي. # وخالف مالك وأحمد وغيرهما فقالوا: إنه حرام. # ويجيبوا: بأن الحديث مطلق لا عام، فيحمل على بيعه من غير البائع، أو على ~~غير صورة المنع. فإن المطلق يكتفي في العمل به بصورة واحدة. وفي هذا الجواب ~~نظر، كما أبداه الشيخ PageV07P337 # تقي الدين (¬1): لأنا تفرق بين العمل بالمطلق فعلا، كما إذا قال لامرأته: ~~إن دخلت الدار فأنت طالق، فإنه يصدق بالدخول مرة واحدة، وبين العمل بالمطلق ~~حملا على المقيد، فإنه يخرج اللفظ من الإطلاق إلى التقييد. # التاسع: عدم سد الذرائع، كما قررناه ms1288 في الوجه الذي قبله (¬2). # العاشر: أن التفاضل في الصفات لا اعتبار به في تجويز الزيادة. # الحادي عشر: لم يأمر -عليه الصلاة والسلام- بلالا برده (¬3)، وإنما نهاه ~~عن فعله وأمره أن يبيع التمر ببيع آخر، ثم يشتريه PageV07P338 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P339 # والمأخوذ بالعقد الفاسد يجب رده على بائعه وإذا رده استرد الثمن. وقد ثبت ~~في "صحيح مسلم" (¬1) من حديث أبي سعيد أيضا أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: ~~"لمن اشترى صاعا بصاعين هذا الربا، رده، ثم بيعوا تمرنا فاشتروا لنا من هذا". # وجمع بينهما بوجهين: على تقدير اتحاد القصة وهو الظاهر: # الأول: أن بعض الرواة حفظ ذلك، وبعضهم لم يحفظه، فقدمت رواية من حفظ, ~~لأنها زيادة من ثقة، وهي مقبولة. PageV07P340 # الثاني: أن في قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أوه عين الربا" ما يفهم ~~الرد، ويؤيده قوله بعده: "لا تفعل" ثم أرشده إلى ما يفعل. # وفيه وجه ثالث: وهو أنا أسلمنا بتعدد الواقعة، فتحمل رواية الكتاب على ~~أنه جهل بائعه، ولا يمكن معرفته، فصار مالا ضائعا لمن عليه دين بقيمته، وهو ~~التمر الذي قبله عوضا عنه (¬1). # العاشر: في قوله: "لا تفعل" وفي رواية مسلم "رده" دلالة كما قال القرطبي ~~على وجوب فسخ صفقة الربا، وأنها لا تصحح بوجه، قال: وهو حجة للجمهور على ~~أبي حنيفة حيث يقول: إن بيع الربا جائز بأصله، من حيث إنه بيع ممنوع بوصفه، ~~من حيث هو ربا فيسقط الربا، ويصح البيع، ولو كان على ما ذكر ما فسخ النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - هذه الصفقة، ولأمره برد الزيادة على الصاع، ولصحح ~~الصفقة في مقابلة الصاع (¬2). PageV07P341 # الحادي عشر: فيه جواز الوكالة أيضا كما سلف عن البخاري (¬1). # ... PageV07P342 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 296/ 4/ 57 - عن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب، وزيد بن أرقم عن ~~الصرف فكل واحد منهما يقول: هذا خير مني, وكلاهما يقول: نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن بيع الذهب بالورق دينا (¬1). # الكلام عليه من وجوه: PageV07P343 # الأول: في التعريف برجاله. # أما أبو المنهال: فهو سيار بن سلامة، وقد سلف في الحديث الرابع من كتاب ms1289 ~~الصلاة (¬1). وكذا البراء بن عازب سلف في باب الأمامة. # وأما زيد بن أرقم: فسلف في باب جامع (¬2). # الثاني: في أحكامه: # الأول: السؤال عن العلم من أهله والتورع عن الفتيا إذا وجد من يقوم بها، ~~وقد جاء أن المسألة كانت تعرض على عشرين ومائة من الصحابة فيتراجعونها بينهم. # الثاني: الاعتراف لأهل الفضل بفضلهم، والتواضع لهم، إنما يعترف بالفضل ~~لأهل الفضل أولو الفضل، والاعتراف والتواضع من النعم الجليلة، ويكفي في ~~التواضع أنه ضد الكبر. وقد قال -عليه الصلاة والسلام- حكاية عن الله تعالى: ~~"العظمة إزارى والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته" (¬3). # الثالث: موافقة أهل الحق ومقاصدهم. # الرابع: تحريم ربا النساء في النقدين لاجتماعهما في علة واحدة. PageV07P344 # وقوله: "دينا"، أي: مؤجلا. أما إذا باعه في الذمة حالا فإنه يجوز عند ~~جماعة كشرط التقابض في المجلس كما سلف في الحديث الثاني. # خاتمة: ترجم البخاري (¬1) على هذا. الحديث بيع الورق بالذهب نسيئة، ثم ~~أخرجه باللفظ المذكور. # وأما مسلم (¬2)، فأخرجه بقصة، وهي أن شريك أبا المنهال باع ورقا نسيئة ~~إلى الموسم أو إلى الحج، فجاء إليه، فأخبره، فقال أبو المنهال: هذا أمر لا ~~يصلح، قال: قد بعته في السوق، فلم ينكر ذلك علي أحد، فأتيت البراء فسألته، ~~فقال: قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة، ونحن نبيع هذا البيع. ~~فقال: "ما كان يدا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا، وأئت زيد بن ~~أرقم، فإنه أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته، فقال: مثل ذلك". # وفي رواية عن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب عن الصرف، فقال: سل ~~زيد بن أرقم، فهو أعلم فسألت زيدا. فقال سل البراء فإنه أعلم ثم قالا: "نهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الورق بالذهب دينا" # ... PageV07P345 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 297/ 5/ 57 - عن أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: (نهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلا سواء بسواء، وأمرنا أن ~~نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا، قال: فسأله ~~رجل، فقال: يدا بيد؟ ms1290 فقال: هكذا سمعت) (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا اللفظ هو لمسلم، ولم يذكر البخاري قوله: "فسأله رجل" إلى ~~آخره، ولفظه بعد قوله: "سواء بسواء، وأمرنا أن نبتاع الذهب بالفضة، كيف ~~شئنا، أو الفضة بالذهب كيف شئنا" وترجم عليه قبل هذا باب: بيع الذهب بالذهب ~~(¬2) وذكره بلفظ: PageV07P346 # "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء، والفضة بالفضة إلا سواء بسواء، ~~وبيعوا الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، كيف شئتم". # الثاني: في التعريف براويه واسمه نقيع بن الحارث بن كلدة وقيل: ابن مسروح ~~الثقفي نزل البصرة، ثم تحول إلى الكوفة، وكان صالحا ورعا، وقيل له: أبو ~~بكرة لأنه تدلى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ببكرة من حصن الطائف، ~~فأسلم وهو ابن ثمان عشرة وأعتقه - صلى الله عليه وسلم - ولم يمت حتى رأى من ~~صلبه مائة ولد ذكر، وأعقب منهم سبعة روى له مائة حديث واثنان وثلاثون حديثا ~~اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بواحد، روى عنه أولاده: ~~عبيد الله، ومسلم، ورواد، وعبد العزيز والحسن، وجماعة، واعتزل يوم الجمل، ~~ولم يقاتل مع أحد، ولم ينزل البصرة أحد أفضل منه ومن عمران بن حصين، كما ~~قاله الحسن البصري. مات بالبصرة سنة خمسين أو إحدى أو اثنين أو ثلاث وخمسين ~~أقوال (¬1). # الثالث: في فن المبهمات: هذا الرجل السائل هو ثابت ابن حميد، وكما جاء ~~مصرحا به في "مسند الإمام أحمد" (¬2)، وفي رواية: ثابت بن عبد الله، فاستفد ~~ذلك فلم أر أحدا من الشراح نبه عليه. # الثالث: في فقهه، وفيه أحكام: PageV07P347 # الأول: المراد هنا بالأمر الإذن والإباحة. # الثاني: جواز التساوي في الربويات إذا كانت من جنس واحد، ولا بد من ~~الحلول والتقابض في المجلس. # الثالث: جواز التفاضل إذا اختلف الجنس بشرط القبض في المجلس. # وقوله: "كيف شئنا"، أي. بالنسبة إلى التفاضل والتساوي، لا بالنسبة إلى ~~الحلول والتأجيل. # وقد ثبت في "صحيح مسلم" (¬1) من حديث عبادة: "إذا اختلفت هذه الأصناف، ~~فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد". # الرابع: أن الفتيا في التوقيفيات كالربويات ونحوها موقوفة على السماع. ms1291 # خاتمة: يؤخذ من اشتراط المساواة في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مع ~~المسألة المشهورة بقاعدة: مدعجوة، وهو مذهب عمر بن الخطاب وابنه جماعة من ~~السلف، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، ابن عبد الحكم ودليلهم حديث القلادة، ~~التي فيها خرز وذهب، وابتيعت بالذهب، فإنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "لا ~~تباع حتى تفصل" كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (¬2). PageV07P348 # وذهب أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح (¬1): إلى جواز PageV07P349 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P350 # البيع بأكثر مما فيه من الذهب، ولا يجوز بمثله ولا دونه. قالوا: والقلادة ~~كان فيها اثني عشر دينارا واشترى باثني عشر وحجة الأولين إطلاق قوله: "حتى ~~يفصل"، روواية أبي داود إنما: "أردت الحجارة، فقال: لا حتى تميز بينهما". # وذهب مالك وأصحابه وآخرون (¬1): إلى جواز بيع السيف PageV07P351 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P352 # المحلى بذهب وغيره مما هو في معناه مما فيه ذهب، فيجوز بالذهب إذا كان ~~المبيع فيه تابعا لغيره، وقدروه بأن يكون الثلث فما دونه. وحكاه القرطبي ~~(¬1) عن كافة العلماء. # وذهب حماد بن أبي سليمان (¬2) إلى جواز بيعه بالذهب مطلقا، سواء باعه ~~بمثله من الذهب أو أقل أو أكثر, وهو غلط مخالف لصريح الحديث المذكور. # ... PageV07P353 ### ||| CHECK الحديث الأول ### || AUTO 58 - باب الرهن وغيره # أي: من الحوالة، والتفليس، والشفعة، والوقف، والهبة، والعمرى، والمساقاة، ~~والمؤاجرة، والأخبار على وضع الجذوع، والغصب، وذكر فيه ثلاثة عشر حديثا: # الأول # 298/ 1/ 58 - عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: (اشترى من يهودي طعاما، ورهنه درعا من حديد) (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في المبهمات: هذا اليهودي يعرف بأبي الشحم كما رواه الشافعي ~~والبيهقي (¬2) في الحديث وقالا هو رجل من بني ظفر، وضبطه بعض العصريين ~~بهمزة ممدودة قال: واختلف في تسميته بذلك. # فقيل: لأنه كان يأكل الشحم. PageV07P354 # وقيل: لأنه لا يأكل ما ذبح على الأصنام وليت شعري من أين له ذلك وكأنه ~~التبس عليه بأآبي اللحم (¬1). # ووقع في "نهاية" (¬2) إمام الحرمين: تسميته بأبي شحمة. # الثاني: هذا الطعام كان ثلاثين صاعا من شعير، كما ذكره البخاري في بعض ~~طرقه، كما ستعلمه في الوجه السابع. # وفي الترمذي ms1292 (¬3): من حديث ابن عباس "بعشرين صاعا" ثم قال: حسن صحيح، ~~ورواها النسائي أيضا. # قال الشيخ تقي الدين: في آخر "الاقتراح" (¬4): وهو على شرط البخاري. # قال ابن الطلاع: وفي "مصنف ابن السكن": "بوسق شعير PageV07P355 # أخذ لأهله" (¬1). # وفي "المدونة": إنه قضى بذلك دينا كان عليه. # قال: وفي غير البخاري أنه كان لضيف طرقه ثم فداها أبو بكر (¬2). # الثالث: هذه الدرع هي: ذات الفضول (¬3)، قاله أبو عبد الله محمد بن أبي ~~بكر التلمساني في كتابه "الجوهرة". # الرابع: هذا الحديث ترجم عليه البخاري (¬4) باب: الكفيل في السلم ثم رواه ~~بلفظ: "اشترى طعاما من يهودي بنسيئة، ورهنه درعا له من حديد". # ثم ترجم عليه عقب هذا باب: الرهن في السلم (¬5). ثم رواه بلفظ "اشترى من ~~يهودي طعاما إلى أجل معلوم، وارتهن منه درعا من حديد". PageV07P356 # وترجم عليه في باب. من رهن درعه (¬1) ثم رواه بلفظ "اشترى من يهودي طعاما ~~إلى أجل ورهنه درعه". # ثم ترجم عليه الرهن عند اليهود وغيرهم (¬2)، ثم رواه بلفظ: "اشترى من ~~يهودي، ورهنه درعه". # ورواه في الرهن من حديث أنس بلفظ: "رهن درعه بشعير" وترجم عليه الرهن في ~~الحضر (¬3). # ورواه في البيوع من حديث عائشة بلفظ: "اشترى طعاما من يهودي إلى أجل، ~~ورهنه درعه" (¬4) وترجم عليه شراء الطعام إلى أجل. PageV07P357 # رواه مسلم بألفاظ. # أحدها. اشترى طعاما من يهودي بنسيئة، فأعطاه درعا له رهنا" # ثانيها: "اشترى من يهودي طعاما، ورهنه درعا من حديد" وهذا ما أورده ~~المصنف. # ثالثها: "أشترى من يهودي طعاما إلى أجل، ورهنه درعا له من حديد"، وفي ~~رواية إسقاط قوله "من حديد". # الخامس: الرهن في اللغة: الثبوت والدوام، ومنه الحالة الراهنة. # وقال الماوردي (¬1): هو الاحتباس ومنه "كل نفس بما كسبت رهينة". # ورهنته أفصح من أرهنته. # وفي الشرع: جعل عين مال وثيقة بدين، يستوفي منها عند تعذر استيفائه ممن ~~هو عليه، ويطلق أيضا على نفس العين. # السادس: والدرع بكسر الدال مؤنثة. # وحكى الجوهري (¬2) وغيره: تأنيثها. # وجمعها: أدرع وأدراع. # وجمع الكثرة: دروع وتصغيرها دريع بلا هاء. PageV07P358 # وأما درع المرأة: فمذكر بالاتفاق ms1293 وجمعه أدراع: "ودرعت المرأة" لبته ~~ودرعتها إياه. # السابع: اختلف هل فك - صلى الله عليه وسلم - هذا الدرع قبل موته أم لا؟ # قيل: نعم لحديث "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه" رواه ابن حبان في ~~صحيحه (¬1)، وهو منزه عن ذلك. # وقيل: لا, لأن في "صحيح البخاري" في أواخر كتاب المغازي (¬2) من حديث ~~عائشة قالت: "توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودرعه PageV07P359 # مرهونة عند يهودي بثلاثين يعني صاعا من شعير". # ورواه في أثناء الجهاد (¬1) في باب ما قيل: في درعه - صلى الله عليه وسلم ~~- باللفظ المذكور، وقال: "عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير" وفي "مسند أحمد" ~~(¬2) من حديث أنس "ما وجد ما يفتكها حتى مات". # قال الماوردي: وهو الأصح، والحديث محمول على من لم يخلف وفاء. # الثامن: اختلف في عدوله -عليه الصلاة والسلام- عن معاملة مياسير الصحابة ~~كعثمان، وابن عوف، إلى اليهودي على أقوال. # أحدها: أنه لبيان الجواز. # ثانيها: لأنه لم يكن عند أحدهم طعام فاضل عن حاجته لغيرهم. ثالثها: كراهة ~~أن يرده منه بغير رضاه، وأيضا فإنهم لا يأخذون رهنه (¬3). # التاسع: في أحكامه: # الأول: جواز الرهن في الحضر، وقد وقع التصريح به في بعض روايات الحديث ~~واتفق العلماء على جوازه في السفر عند عدم الكاتب. وخصه مجاهد وداود بهذه ~~الصورة لظاهر الآية. PageV07P360 # وقالا: لا يجوز الرهن إلا فيها. # وجوزه الباقون حضرا وسفرا، وقالوا: الآية خرج الكلام فيها الأغلب، لا على ~~سبيل الشرط (¬1). PageV07P361 # الثاني: جواز معاملات الكفار، وعدم اعتبار الفساد في معاملتهم، والإجماع ~~قائم على جواز معاملتهم، إذا لم يتحقق تحريم ما معهم إلا ما استثتى من بيع ~~المسلم منهم السلاح والمصحف والعبد المسلم ونحو ذلك. # ومنع ابن حبيب المالكي: بيع الحرير والكتان والبسط من أهل الحرب, لأنهم ~~يتجملون به في حروبهم وأعيادهم وبيع الطعام أيضا، لعلهم أن يضعفوا ورهن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الدرع عند اليهودي, لأنه لم يكن من أهل حرب ~~والأمر ههنا ممن يخشى منه التقوى بها كبيعها. # الثالث: جواز رهن السلاح عند الذمي، كما قررنا ومثله ms1294 # المعاهد. # الرابع: ثبوت أملاك أهل الذمة على ما في أيديهم. # الخامس: جواز الشراء بالثمن المؤجل المؤخر قبضه, لأن الرهن إنما يحتاج ~~إليه حيث يكون الثمن مؤجلا أو حيث لا يتأتي PageV07P362 # إقباضه في الحال غالبا، وعليه ترجم البخاري (¬1) فقال باب: من اشترى ~~بالدين وليس عنده ثمنه، أو ليس بحضرته. ثم ذكره بلفظ: "اشترى طعاما من ~~يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد". # السادس: اتخاذ الدرع والعدد للأعداء والتحصن منهم، وأنه غير قادح في ~~التوكل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} (¬2). # السابع: فيه أيضا ما كان - صلى الله عليه وسلم - من الفقر والحاجة ~~والتقلل من الدنيا والزهد فيها مع تمكنه منها وعرضها عليه وإعراضه عنها ~~(¬3). PageV07P363 # الثامن: فيه أيضا جواز الاستيثاق بالرهن والكفالة في الدين والسلم، وذلك ~~لعموم قوله تعالى: {إذا تداينتم بدين ...} الآية ولهذا ترجم البخاري على ~~هذا الحديث بباب الكفيل (¬1). والرهن (¬2) في السلم وقد منع الرهن في السلم ~~كما أسلفناه عنه، وما ذكرناه من المنع عن زفر والأوزاعي هو ما نقله القرطبي ~~(¬3) عنهما. # وأما القاضي (¬4) عياض. فإنه حكى الكراهة عنهما فقط، وحكاها عن أحمد أيضا ~~قال: ومذهب مالك وكافة السلف الجواز فيهما. # ... PageV07P364 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 299/ 2/ 58 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # [الثاني] (¬2): هذا الحديث أخرجه البخاري هنا بلفظين. # أحدهما: هذا وترجم عليه باب: الحوالة، وهل يرجع [في الحوالة] (¬3). # الثاني: "مطل الغني ظلم، ومن اتبع على مليء فليتبع"، PageV07P365 # وترجم عليه إذا أحال على مليء فليس له رد (¬1)، وذكره في أداء الديون ~~بلفظ: "مطل الغني ظلم" فقط. # وأخرجه مسلم (¬2) بلفظ المصنف، إلا أنه قال "وإذا" بدل "فإذا". # ورواه الإمام أحمد (¬3) في "مسنده". "وإذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل". # الثالث: "المطل" مصدر مطله يمطله، بضم الطاء، مطلا وماطله مماطلة، فهو ~~ماطل، وهو مشتق من مطلت الحديد إذا ضربتها ومددتها لتطول، وكل ممدود ممطول، ~~فأصله إذن لغة: المد، فمعنى مطله ms1295 بحقه مد له في الأصل زيادة على ما اتفقا عليه. # وعبارة بعضهم: المطل: المدافعة. # وعبارة الأزهري. المطل (¬4): إطالة المدافعة. # وهو في الشرع كما قال القاضي (¬5) عياض وغيره: منع قضاء ما استحق أداؤه. # والغني عند الفقهاء: من لا تحل له الزكاة. PageV07P366 # واختلفوا فيه على أقوال: محل الخوض فيها كتب الخلافيات. # والغنى الحقيقي: هو غنى النفس لا كثرة العرض، كما قاله -عليه أفضل الصلاة ~~والسلام- (¬1). # الرابع: "الظلم" وضع الشيء في غير موضعه وهو مجاوزة الحد. # وقيل: التصرف في غير ملك، وكل منهما مستحيل في حق الله تعالى. # الخامس: "المليء" بالهمز، الغنى الكبير. قاله: القلعي (¬2) في ~~"المستغرب"، والأزهري (¬3) قال: إنه الغني ويؤيده أن في رواية سليم (¬4) ~~.................................... PageV07P367 # والبندنيجي (¬1) من كبار فقهاء الشافعية: "غنى" بدل "مليء"، وكذا عنى به ~~صاحب "المستغرب على المهذب" أنه الغني. قال: وأصله الواسع الطويل (¬2). # الثامن: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وإذا اتبع أحدكم على ملي فليتبع"، ~~هو بإسكان التاء المثناة فوق فيهما، أعني -في "أتبع"، وفي "فليتبع". وهذا ~~هو الصواب المشهور في الروايات، والمعروف في اللغة والغريب. # ونقل القاضي (¬3): عن بعض المحدثين في الكلمة الثانية أنه بتشديدها, وليس بصواب. # قال الخطابي (¬4): الصواب الأول. وأصحاب الحديث يروونه PageV07P368 # بالتشديد، وهو غلط. والمعنى: إذا أحيل أحدكم بالدين الذي له على موسر، ~~يقال فيه: تبعت الرجل بحقي، أتبعه تباعة: فأنا له تبيع إذا طلبته. قال ~~تعالى: {ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (69)} (¬1). # وكذا حكى القرطبي في "مفهمه" (¬2) الخلاف في تشديد التاء وتخفيفها في ~~الثانية فقط، فإنه قال: "أتبع" -بضم الهمزة وتخفيف التاء وكسر الباء- على ~~ما لم يسم فاعله عند الجميع. # فأما "فليتبع" فبعضهم قيده بتشديد التاء، وكذا قيدته على من يوثق به. وقد ~~روي بتخفيفها وهو الأجود، لأن العرب تقول: تبعت الرجل بحقي، ثم ذكر ما ~~أسلفناه. # واقتصر الشيخ تقي الدين في "شرحه" (¬3): على التخفيف فيهما, ولم يحك ~~سواه، وقال: إنه مأخوذ من قولنا: أتبعت فلانا إذا جعلته تابعا للغير، ~~والمراد هنا: تبعته في طلب الحق بالحوالة. # وحكى الروياني (¬4) من كبار الشافعية أنه قيل: -بالتشديد- في ms1296 الأولى ~~أيضا، فقال في كتاب "البحر": من أصحابنا أصحاب الحديث يقولون: اتبع ~~-بالتشديد- وهو غلط، وصوابه: بألف مضمومة وتاء مخففة. # وحكى الوجهين الفاكهي من غير عزو ولا حد، فقال الصواب: PageV07P369 # في التأين السكون، وبعض المحدثين والرواة يقولونه بتشديدهما، يقال: تبعت ~~فلانا بحقي، فأنا أتبعه ساكنة التاء والراء، يقال: ولا يقال اتبعه بتشديدها ~~إلا من المشي خلفه، واتباع أثره في أمر. # السادس: ادعى الرافعي (¬1) -رحمه الله وإيانا- في "شرحه للوجيز"، أن ~~الأشهر في الرواية: "وإذا أحيل" بالواو دون "الفاء" ثم قال: فعلى التقدير ~~الأول هو مع قوله: "مطل الغني ظلم"، جملتان لا تعلق للثانية بالأولى، كقوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "العارية مردودة والزعيم غارم". # وعلى الثاني: يجوز أن يكون المعنى في الترتيب أنه إذا كان المطل ظلما من ~~الغني، فليقبل من يحتل بدينه عليه، فإن الظاهر أنه يحترز عن الظلم ولا يمطل. # قال الشيخ نجم الدين ابن الرفعة (¬2) في "مطلبه": وهذا إذا كان الوصف ~~بالغنى يعود إلى من عليه الدين، وقد قيل: إنه يعود إلى من له الدين، وعلى ~~هذا لا يحتاج أن يذكر في التقدير من الغني. # السابع: "اتبع" يتعدى بنفسه، وعدى هنا "بعلى" تضمينا له معنى أحيل. # الثامن: هذا الأمر في قوله: "فليتبع"، وفي قوله: "فليحتل" في رواية ~~الإمام أحمد للاستحباب وعند الشافعية والجمهور (¬3). PageV07P370 # وقال الماوردي: هو للإباحة لوروده بعد الحظر، وهو نهيه -عليه الصلاة ~~والسلام- عن بيع الدين بالدين، كما في قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} ~~(¬1). وهذا حمل منه، ويحتاج إلى التاريخ في ذلك، وأنه وارد بعده، ولم أر ذلك. # وقال أبو ثور (¬2) وابن جرير وداود: إنه للوجوب لظاهر الخبر. # وادعى الجوري (¬3) -بضم الجيم- من أصحابنا الإجماع على الأول لما فيه من ~~الإحسان إلى المحيل بتحويل الحق عنه، وبترك تكليفه التحصيل بلا طلب. # التاسع: في الحديث إشعار بأن الأمر بقبول الحوالة على PageV07P371 # المليء معلل بكون مطل الغني ظلما (¬1). # قال الشيخ تقي الدين (¬2): ولعل السبب فيه أنه إذا [تبين] (¬3) كونه ظلما ~~-والظاهر من حال المسلم الاحتراز عنه- فيكون ذلك سببا للأمر بقبول الحوالة ~~عليه، لحصول ms1297 المقصود من غير [مطل] (¬4). ويحتمل أن يكون ذلك، لأن المليء لا ~~يتعذر استيفاء الحق منه عند الامتناع، بل يأخذه الحاكم قهرا (¬5) ويوفيه. ~~ففي قبول PageV07P372 # الحوالة تحصيل الغرض من غير مفسدة تأخير الحق، قال: والمعنى الأول أرجح ~~لما فيه من بقاء معنى التعليل يكون المطل ظلما. وعلى هذا المعنى الثاني ~~تكون العلة عدم تأخير الحق لا الظلم. # العاشر: في أحكامه: # الأول: تحريم المطل بالحق ولا خلاف فيه مع القدرة بعد الطلب، واختلف ~~أصحابنا في وجوب الأداء مع القدرة من غير طلب صاحب الحق على وجهين حكاهما ~~الشيخ تقي الدين (¬1). # وقال الروياني في "البحر" في آخر كتاب الغصب: يحتمل أن يقال إن كان وجوبه ~~برضى المالك فهو على التراخي، ويتعين بالمطالبة وبالخوف على ضياع المال، ~~وإن كان بغير رضاه فهو على الفور، وإلا فإن وجب بتعد كان على الفور، وإلا ~~كان على التراخي. # وقال إمام الحرمين في كتاب القاضي إلى القاضي: قد يقول الفقيه من عليه ~~دين حال يلزمه أداؤه، وإن لم يطلبه صاحبه وإنما سقط وجوبه برضى المستحق ~~بتأخيره. # وقال في الزكاة: من عليه دين وهو غير ممتنع من أدائه ومستحقه غير مطالب ~~به لا يتعين أداؤه إلا بمطالبته. # قلت: ويؤيده هذا الحديث، فإنه -عليه الصلاة والسلام- PageV07P373 # أناط الظلم بالمطل والغنى, ولا يتبين الظلم مع الفقر، فلا يثبت مع عدم ~~المطل، والمطل إنما يكون مع الطلب. # وكذا قال الشيخ تقي الدين: أنه لا ينبغي أن يؤخذ الوجوب من هذا الحديث, ~~لأن لفظة: "المطل" تشعر بتقديم الطلب. # قلت: ولا يخفى جواز التأخير بعذر كغيبة مال ونحوها, ولا يطلق عليه مطل ~~محرم. والحالة هذه. # الثاني: عدم تحريم المطل من غير الغنى كما أفهمه، الحديث وهو ظاهر, لأنه ~~معذور، ولا يحل له حبسه، ولا ملازمته ولا مطالبته في الحال، بل يمهل حتى ~~يوسر، لقوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} (¬1). # الثالث: يدخل في مطل الغني كل من عليه حق، وكذا هو قادر على القيام به ~~كالزوجين فيما يتعلق بكل منهما من الحق الذي ms1298 عليه، وكذا الأصول والفروع ~~والسادة والمماليك والحاكم والناظر وغير ذلك. # الرابع: فيه جواز الحوالة (¬2)، وهو إجماع، والأصح عند PageV07P374 # الشافعية أنها بيع دين بدين، واستثنى للحاجة إليها, ولها شروط (¬1) محل ~~الخوض فيها كتب الفروع. # الخامس: فيه أيضا ستحباب قبولها إذا أحيل على مليء، وهو قول الجمهور كما ~~سلف (¬2). # السادس: فيه أيضا ترك الأسباب القاطعة لاجتماع القلوب وتعاطي ما يقضي ~~لاجتماعها. # السابع: استنبط منه القاضي عياض، ثم القرطبي (¬3) أنه لا تجوز الحوالة ~~إلا من دين حال, لأن المطل والظلم إنما صح فيما حل لا فيما لم يحل. PageV07P375 # الثامن: استنبط القاضي إسقاط شهادته لتسميته ظالما (¬1)، وهو ما ذهب إليه ~~سحنون (¬2) وغيره. واعتبر غيره في إسقاطها أن يصير المطل له عادة. ويقتضي ~~مذهبنا اشتراط التكرار كما قاله النووي في "شرح مسلم" (¬3)، وكأن من لم ~~يشترط التكرار رآه كبيرة لأجل ظلمه بذلك. # التاسع: استنبط منه بعضهم أن المعسر لا يحل حبسه (¬4) PageV07P376 # وملازمته، ولا مطالبته حتى يوسر، كما أسلفته، وهو مذهب مالك والشافعي ~~والجمهور. # قال الشافعي: لم يجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مطل المديون ظلما إلا ~~بالغنى، فلو كان يؤاخذ لكان ظالما بترك المؤاخذة. # وحكى عن شريح حبسه حتى يقضي الدين، وإن كان قد ثبت إعساره (¬1). PageV07P377 # وعن أبي حنيفة (¬1) ملازمته. # وأبعد من قال ببيعه في دينه، وحكاه ابن حزم الظاهري عن الشافعي، فقال في ~~"محلاه" (¬2) في كلامه على بيع الحر أن زرارة ابن أوفى، قاضي البصرة، من ~~التابعين، باع حرا في دين، ثم قال: PageV07P378 # وقد روينا هذا القول عن الشافعي، وهي قول غريبة لا يعرفها من أصحابه إلا ~~من تبحر في الحديث والآثار، وقال: هذا قضاء عمر وعلي بحضرة [الصحابة رضوان ~~الله عليهم] (¬1)، ولا يعترضهم في ذلك منهم معترض. قال: وقديما أثر بأن ~~الحر كان يباع في الدين في صدر الإسلام إلى أن أنزل الله: {فنظرة إلى ~~ميسرة} (¬2). # العاشر: استنبط أصحابنا منه أن الحوالة إذا صحت وتعذر الأخذ بفلس، وجحد ~~وحلف ونحوهما: كموت البينة، وامتناعه لا يرجع على المحيل. # وجه الدلالة: أنه لو كان له ms1299 الرجوع لما كان لاشتراط الملاءة. # فائدة, لأنه إن لم يصل إلى حقه رجع به، فلما شرطها علم أنه انتقل انتقالا ~~لا رجوع به فاشترطت الملاءة حراسة لحقه. # وخالف أبو حنيفة فقال: يرجع عليه عند التعذر (¬3). PageV07P379 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P380 # الحادي عشر: فيه دلالة لمسألة أصولية، وهي أن تعليق الحكم بصفة من صفات ~~الذات يدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء تلك الصفة. ووجهه أن المتبادر ~~إلى الفهم عرفا ولغة من قوله -عليه الصلاة والسلام-: "مطل الغني عندهم ~~ظلم"، أن مطل الفقير ليس بظلم، وهذا مذهب الشافعي والأشعري. اللهم إلا أن ~~يظهر أن للتخصيص بتلك الصفة، فائدة أخرى، فلا تدل على PageV07P381 # نفيه، وخالف أبو حنيفة وابن سريج (¬1) والغزالي (¬2) وغيرهم، فقالوا: إنه ~~ليس بحجة. # واختاره الآمدي (¬3)، والإمام (¬4) في "محصوله" (¬5) و"منتخبه", وقال في ~~"معالمه": إنه يدل عرفا لا لغة. PageV07P382 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 300/ 3/ 58 - وعنه قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -أو قال: سمعت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول-: (من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان ~~قد أفلس فهو أحق به من غيره) (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث أخرجه البخاري كذلك إلا أنه قال: بدل "سمعت النبي"، ~~"سمعت الرسول - صلى الله عليه وسلم -"، وترجم عليه باب (¬2): إذا وجد ماله ~~عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحق به. # وأخرجه مسلم كذلك، وقال: "سمعت النبي -صلي الله عليه وسلم -" بعد قوله: ~~"عند رجل قد أفلس". PageV07P383 # وفي رواية له: "أيما امرئ فلس". # وفي رواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "في الرجل الذي يعدم إذا وجد ~~عنده المتاع ولم يفرقه أنه لصاحبه الذي باعه". # وفي رواية له: "عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أفلس الرجل فوجد ~~الرجل متاعه بعينه فهو أحق به". # وفي رواية له: "فهو أحق به من الغرماء". # وفي رواية له: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال إذا أفلس الرجل ~~فوجد الرجل عنده سلعته بعينها فهو أحق بها". # الوجه الثانى: هذا التردد في قوله: "قال رسول الله - صلى ms1300 الله عليه وسلم ~~- أو قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو من الراوي عن أبي هريرة/ ~~وهو أبو بكر بن عبد الرحمن الحارث بن هشام (¬1) وقد قال: مرة أخرى عنه عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قدمناه عن رواية مسلم. # ورواية عراك بن مالك عن أبي هريرة بلفظ: "أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال" كما أسلفنا عن رواية مسلم أيضا. # ورواه بشير بن نهيك عن أبي هريرة بلفظ: "عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-" كما أسلفناه أيضا، وقد قدمت لك أن رواية مسلم الأولى كرواية PageV07P384 # المصنف: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، أو "قال: سمعت النبي"، ~~وأن رواية البخاري "قال رسول الله"، أو قال: "سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -" ويتعلق برواية مسلم المسألة السالفة في الكلام على حديث: ~~"إنما الأعمال بالنيات" من كتاب الطهارة (¬1) أنه هل يجوز تغيير قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى قال الرسول أو عكسه؟ وقد ذكرت هناك ما فيها من ~~الخلاف وهو الوجه الرابع عشر من الكلام على ذلك الحديث فلما وقع الخلاف في ~~ذلك ساغ للراوي التحري في أي اللفظين سمع ليرويه به وقد أسلفت هناك في ~~الوجه الثالث عشر عن الخطيب البغدادي أن أرفع العبارات "سمعت" ثم "حدثنا ~~وحدثني" فلما اختلفت رتبتهما تحري الراوي هل قال: قال، أو سمعت؟ # الثالث: قوله: "عند رجل" أو "إنسان" الظاهر أنه شك من الراوي أيضا. # الرابع: معنى "أفلس" (¬2): صار مفلسا، أي: صارت دراهمه PageV07P385 # فلوسا كما وصف الرجل صارت دابته قطوفا، ويجوز كما قال الجوهري (¬1): أن ~~يراد به أنه صار إلى حال، يقال فيها: ليس معه فلس. # كما يقال: أقهر الرجل إذا صار في حالة يذل فيها. # وهو في الشرع: حجر الحاكم على المديون. # والمفلس: المحجور عليه بالديون. # الخامس: في الحديث أحكام. # أولها: رجوع البائع إلى عين، ما له عند تعذر الثمن بالفلس، وهو مذهب ~~الشافعي ومالك والأكثرون، وألحقوا الموت به. # وخالف مالك: فقال: يكون فيه أسوة الغرماء. # وخالف أبو حنيفة ms1301 فقال: لا يرجع فيهما، بل يضارب مع الغرماء. # حجة الأكثرين في الفلس: هذا الحديث ودلالته ظاهرة. # قال الاصطخري (¬2): لو حكم الحاكم بخلافه نقض حكمه. PageV07P386 # وفي "الموت" حديث في "سنن أبي داود" و"ابن ماجه" (¬1) من حديث أبي هريرة ~~أيضا وقال الحاكم (¬2): إنه صحيح الإسناد ولفظه: (أيما رجل مات أو أفلس ~~فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه). # وحمل أبو حنيفة (¬3) الحديث على الغصب والوديعة. لأنه لم PageV07P387 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P388 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P389 # يذكر البيع فيه أو على ما قبل القبض وهما ضعيفان كما قال الشيخ تقي الدين (¬1): # والأول: ضعيف جدا لأنه يبطل. فائدة: تعليق الحكم بالفلس. # قلت: ورواية مسلم السالفة أنه لصاحبه الذي باعه يرده ردا صريحا. # والثاني: يضعفه قوله: "أدرك ماله" أو "وجد متاعه" (¬2) فإن ذلك يقتضي ~~إمكان العقد. وذلك بعد خروج السلعة من يده. PageV07P390 # ورده القاضي (¬1) عياض بأوجه: # أحدها: أنه نص في الحديث على الموت والفلس دون غيرهما. # ثانيها: رواية مالك في "الموطأ" أيما رجل باع مالا" وهذا مقيد بالبيع ~~فحمل المطلق عليه. # ثالثها: أن لفظة "أحق" تقتضي الاشتراك ولا اشتراك فيما ذكره. # رابعها: أن الأحقية هنا منتفية فيما إذا تغيرت الصفة بخلاف المودع ~~والمغصوب والمقترض، فإنها أموالهم على كل حال. # وأجمل النووي القول في الرد عليه فقال (¬2): تأوله أبو حنيفة بتأويلات ~~ضعيفة مردودة وتعلق بشيء يروي عن علي (¬3)، وابن مسعود وليس بثابت عنهما. PageV07P391 # وكذا القرطبي فقال في "مفهمه" (¬1) تعسف بعض الحنفية في تأويل أحاديث ~~الإفلاس تأويلات لا تقوم على أساس، ولا تتمشى على لغة ولا قياس فلنضرب عن ~~ذكرها لوضوح فسادها. # وحجة مالك ما رواه في "موطئه": عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ~~ابتاعه ولم يقتضي من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به، فإن مات الذي ~~ابتاعه فصاحب المتاع أسوة الغرماء)، قال القرطبي (¬2): وهذا مرسل صحيح وقد ~~أسنده أبو داود (¬3) PageV07P392 # حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وهو طريق PageV07P393 # صحيح، قال: ومذهب مالك أولى ms1302 لأن حديثه أصح من حديث الشافعي, لأن في ~~إسناده مجهول على ما ذكره أبو داود. وللفرق بين المفلس والميت فإن ذمة ~~الميت قد خربت بخلافه هذا كلامه وليته لما نقل عن أبي داود أنه أسنده عقبه ~~بقوله: "حديث مالك أصح" يعني المرسل -فإن أبا داود ذكره عقبه، وكذا نص عليه ~~الحفاظ. # وقال: إمامنا الشافعي (¬1) حديث أبي هريرة المتقدم أولى من هذا وحديث ابن ~~شهاب منقطع. # وقال أبو حاتم: إن رواية الوصل خطأ. # وقال البيهقي (¬2): لا يصح. فحينئذ حديث الشافعي أصح كما شهد له إمامنا. PageV07P394 # وقول القرطبي (¬1): إن في إسناده مجهول، تبع فيه أبا داود وقد ثبت في ~~"تخريجي الأحاديث الرافعي" (¬2) وغيره أنه معروف ثقة، فظهر رجحان مذهب ~~الشافعي في ذلك، وإذا ثبت النص طاح الفرق وبالله التوفيق. # وحمل المازري (¬3): رواية الشافعي على الوديعة والغصب. وقد علمت جوابه، ~~وأنه تعسف. # الثاني: رجوعه أيضا ولو قبض بعض الثمن لإطلاق الحديث، وهو الجديد من قولي ~~الشافعي وخالف في القديم (¬4). PageV07P395 # فقال: يضارب بباقي الثمن فقط: وعليه اقتصر القرطبي (¬1) في حكايته عنه ~~وليس بجيد منه. # وفيه حديث في الدارقطني (¬2) وهو مرسل ولا يصح مسندا فعلى الجديد إذا ~~باعه وتلف أحدهما وقبض نصف الثمن مثلا أخذ الباقي، بباقي الثمن، ويكون ما ~~قبضه في مقابلة التالف، وفي قول: مخرج يأخذ نصفه بنصف باقي الثمن PageV07P396 # ويضارب بنصف الباقي وهو الربع (¬1). PageV07P397 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P398 # الثالث: رجوع المقرض إلى عين ماله إذا كان باقيا بعينه وأفلس بعد قبضه، ~~كما ترجم عليه البخاري فيما سلف، ووجهه أن لفظ الحديث أعم من أن يكون المال ~~أو المتاع لبائع أو لمقرض والفقهاء قاسوه عليه بجامع أنه مملوك يقدر [علي] ~~(¬1) تحصيله فأشبه البيع ولا حاجة إليه لاندراجه تحته وبهذا قال الشافعي ~~وأبو محمد الأصيلي (¬2) من المالكية. PageV07P399 # وخالفه غيره فقال: لا يكون القرض كالبيع. # الرابع: الحجر على المفلس وخالف فيه أبو حنيفة (¬1). PageV07P400 # ولابد في الحديث (¬1) من إضمار (¬2) أمور يحمل عليها، مثل: كون السلعة ~~مقبوضة موجودة عند المشتري دون غيره، والثمن غير مقبوض، ومال المفلس لا يفي ~~بالديون، أو ms1303 كان مساويا وقلنا، يحجر عليه في صورة (¬3) التساوي، فلو مات أو ~~كاتب العبد فلا رجوع، ولو زال من يد المشتري وعاد إليه فأظهر الوجهين في ~~"الشرح الصغير للرافعي": أنه يجوز الرجوع. # وصحح النووي في "الروضة" (¬4) من زياداته مقابله. PageV07P401 # وحكى الشيخ تقي الدين (¬1): هذا الخلاف، ولم يرجح شيئا، لكنه فرضه فيما ~~إذا خرج عنه، ثم رجع إليه بغير عوض. ثم قال: وهذا تصرف في اللفظ (¬2) ~~بالتخصيص، بسبب معنى مفهوم منه، وهو الرجوع إلى العين، لتعذر العوض من تلك ~~الجهة، أو تخصيص بالمعنى (¬3) وإن سلم باقتضاء اللفظ له. # تنبيه: للرجوع شروط آخر عند الشافعية (¬4): # أن يكون الثمن حالا. # وأن لا يتعلق بالمبيع حق ثالث كالجناية والرهن والشفعة فإن زال التعلق ~~رجع في الأصح. # وأن لا يقوم بالبائع مانع من الملك كما لو أحرم وكان المبيع صيدا، وكما ~~لو كان البائع كافرا، والمبيع مثله، وأسلم في يد المشتري. PageV07P402 # الخامس: المؤجر كالبائع عند المالكية وهو الصحيح عند الشافعية فيرجع ~~مكترى الدابة والدار إلى عين دابته وداره، وإن كانت أرضا فصاحبها أحق ~~بالزرع من الغرماء في الفلس دون الموت عند المالكية. # وقال ابن القاسم: أحق فيهما وإدراج الإجارة تحت لفظ الحديث يتوقف على أن ~~المنافع ينطلق عيها اسم "المتاع" أو "المال" وانطلاق اسم "المال" عليها ~~أقوى (¬1)، وقد علل منع الرجوع بأن [المنازل تنزل] (¬2) منزلة الأعيان ~~القائمة إذ ليس لها وجود مستقر وإن نوزع في الإطلاق. فالطريق أن يقال: كما ~~نبه عليه الشيخ تقي الدين (¬3): اقتضى الحديث أن يكون أحق بالعين ومن لوازم ~~ذلك الرجوع في المنافع -فيثبت بطريق اللازم، لا بطريق الأصالة. فإن المنافع ~~هي المعقود عليها لا العين. # قلت: لكن الأصح عند الأصحاب أن المعقود عليه العين لاستيفاء المنافع. # فرع: لو ألزم (¬4) ذمته نقل متاع من مكان إلى مكان بطريق PageV07P403 # الإجارة، ثم أفلس والأجرة في يده، فإنه يثبت حق الفسخ والرجوع إلى الأجرة ~~واندراج هذا الفرع ظاهر، تحت لفظ الحديث إن أخذنا باللفظ، ولم نخصصه ~~بالبائع. فإن خصصناه به فلحكم ثابت قياسا، لا نصا. ms1304 # السادس: قد يمكن أن يستدل بالحديث على حلول الدين المؤجل بالحجر. من حيث ~~أن صاحب الدين كأنه أدرك متاعه، فيكون أحق به. ومن لوازم ذلك أن يحل، إذ لا ~~مطالبة بالمؤجل قبل الحلول (¬1). وهو أحد قولي الشافعي وبه قالت المالكية ~~(¬2) وحكاه PageV07P404 # القرطبي (¬1) عن الجمهور والأظهر من قولي الشافعي عدم الحلول به، لأن ~~الأجل حق مقصود له، فلا يفوت، والأول قاسه على الموت، لكن الفرق أن ذمة ~~الميت خربت بخلافه. PageV07P405 # ومن الغريب ما حكاه القرطبي عن الحسن أنها لا تحل بالموت أيضا (¬1). # السابع (¬2): ظاهر الحديث يدل على الاستبداد بالأخذ وإن لم يحكم به حاكم ~~وفيه خلاف بين العلماء. والأصح عند أصحابنا الاستبداد به كخيار العتق. # الثامن (¬3): يمكن أن يستدل على أن الغرماء إذا قالوا للبائع لا تفسخ ~~ونقدمك بالثمن أنه لا يسقط حقه من الرجوع لاندراجه تحت لفظ الحديث. وهو ~~الأصح عند الشافعية وعللوه بالمنة، وربما ظهر كريم آخر فيزاحمه فيما أخذ، ~~وفيه وجه عندهم أنه يسقط وعزى إلى مالك. PageV07P406 # التاسع: لو امتنع من دفع الثمن بعد يساره أو هرب أو امتناع الوارث من ~~التسليم بعد موته فلا فسخ في الأصح عند الشافعية عملا بمفهوم الحديث، ووجه ~~مقابلة القياس عليه بجامع تعذر الوصول إليه حالا مع توقعه. # (¬1) [العاشر: هذا الأمر في قوله: "فليتبع": وفي قوله: "فليحتل"، في ~~رواية الإمام أحمد للاستحباب وعند الشافعية والجمهور. # وقال الماوردي: هو للإباحة لوروده بعد الحظر وهو: "نهيه - عليه الصلاة ~~والسلام - عن بيع الدين بالدين"، كما في قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} ~~(¬2) وهذا حمل منه ويحتاج إلى التاريخ في ذلك وأنه وارد بعده، ولم أر ذلك. # وقال أبو ثور وابن جرير وداود (¬3): إنه للوجوب لظاهر الخبر. # وادعى الجوري -بضم الجيم- من أصحابنا الأجماع على الأول لما فيه من ~~"الإحسان إلى المحيل بتحويل الحق عنه، وبترك تكليفه التحصيل بالطلب]. # [الحادي عشر] (¬4): في الحديث إشعار بأن الأمر بقبول الحوالة PageV07P407 # على الملىء معلل يكون "مطل الغني ظلم". # قال الشيخ تقي الدين (¬1): ولعل السبب فيه أنه إذا تبين كونه ظلما، ~~والظاهر ms1305 من حال المسلم الاحتراز عنه. فيكون ذلك سببا للأمر بقبول الحواله ~~عليه, لحصول المقصود من غير مطل. ويحتمل أن يكون ذلك لأن الملىء لا يتعذر ~~استيفاء الحق منه عند الامتناع، بل يأخذه الحاكم قهرا ويوفيه. # ففي قبول الحوالة عليه تحصيل الغرض من غير مفسدة تأخير الحق، قال: ~~والمعنى الأول أرجح. لما فيه من بقاء معنى التعليل بكون المطل ظلما. وعلى ~~هذا المعنى الثاني تكون العلة عدم تأخير الحق لا الظلم. # [الثاني عشر] (¬2): في أحكامه: # [الأول] (¬3): تحريم المطل بالحق ولا خلاف فيه مع القدرة بعد الطلب ~~واختلف أصحابنا في وجوب الأداء مع أنه لا رجوع مع هلاك العين كما سلف وهو ~~ظاهر في الهلاك الحسي، وقد نزل الفقهاء تصرفات شرعية منزلته كالبيع، ~~والهبة، والوقف، والعتق، ولم ينقضوا هذه التصرفات، بخلاف تصرفات المشتري في ~~حق الشفيع بها فإنهم فصلوا فيها تفصيلا كما هو معروف في كتب الفروع. PageV07P408 # [الحادي عشر] (¬1): إذا باع عبدين -مثلا- وتلف أحدهما، ثم أفلس أخذ ~~الباقي وضارب بحصة التالف. وفي قول بعيد أنه إذا رجع أخذ الباقي بكل الثمن. ~~ولا يضارب بشيء. فأما رجوعه في الباقي فقد يندرج تحت قوله: "فوجد متاعه" أو ~~"ماله" وأما كيفية الرجوع فلا تعلق للفظ به. # الثاني عشر: لو تغيرت صفة المبيع كأن حدث به عيب فأثبت الشافعي الرجوع إن ~~شاء البائع ناقصا وإن شاء ضارب بالثمن كما في تعييب المبيع في يد البائع، ~~وهذا يمكن دخوله تحت اللفظ فإنه وجده بعينه. والتغيير حدث في الصفة لا في ~~العين، وفي وجه، أو قول يأخذ المبيع ويضارب بما نقص وهو غريب (¬2). PageV07P409 # الثالث عشر: الحديث يقضي الرجوع، ومفهومه أنه لا يرجع في غيره. والزوائد ~~المنفصلة حادثة على ملك المشتري ليست بمتاع البائع، فلا رجوع له فيها (¬1). # الرابع عشر (¬2): لا يثبت الرجوع إلا إذا تقدم سبب لزوم الثمن على الفلس. ~~ويؤخذ ذلك من الحديث الذي في لفظه بترتيب الأحقية على الفلس، بصيغة الشرط، ~~فإن المشروط مع الشرط، أو عقبه. ومن ضرورة ذلك تقدم سبب اللزوم على الفلس. PageV07P410 ### ||| AUTO ms1306 الحديث الرابع # 301/ 4/ 58 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: (جعل -وفي لفظ: ~~قضى- النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل ما لم يقسم. فإذا وقعت ~~الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة) (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ~~جابر بهذين اللفظين: "جعل الشفعة" إلى آخره. و "قضى بالشفعة" إلى آخره، ~~ذكره هنا بلفظ: "قضى" إلى آخره، وذكره في كتاب الشركة كذلك، وترجم عليه باب ~~(¬2): إذا قسم الشركاء الدور أو غيرها، فليس لهم رجوع. # وذكره في البيوع (¬3) أيضا باللفظ المذكور، وترجم عليه بيع الأرض والدور ~~والعروض مشاعا غير مقسوم. وفي لفظ: له في هذا PageV07P411 # الباب في "كل ما لم يقسم". وذكره باللفظ الأول قبل هذا الباب، لكنه قال: ~~"في كل مال لم يقسم" بدل "في كل ما لم يقسم" وترجم عليه بيع الشريك من ~~شريكه (¬1). وكذا ذكره بهذا اللفظ الشيخ تقي الدين (¬2): "في شرحه". # وذكره البخاري في الشركة (¬3) بلفظ ثالث: "إنما جعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -الشفعة" لفظ المصنف سواء. # وأخرجه مسلم (¬4) من حديث أبي الزبير، عن جابر بألفاظ أقربها إلى رواية ~~المصنف: "قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل شركة لم تقسم ~~ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وان شاء ~~ترك. فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به". # وله في لفظ آخر: "الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط"، والثاني بنحوه. # واعلم أن ابن الجوزي لما أخرج الحديث في "تحقيقه" (¬5): من طريق أبي ~~سلمة، عن جابر قال: انفرد بإخراجه البخاري. ولما PageV07P412 # أخرجه من طريق أبي الزبير عن جابر، وقال: انفرد [به] (¬1) مسلم. وهذا هو ~~التحقيق في العزو، وكان المصنف أراد: أن أصله في الصحيحين من حديث جابر، ~~وإن اختلفت الطريق إليه، فيتنبه لذلك. # الثاني: الشفعة: بضم الشين وإسكان الفاء، والفقهاء يضمون الفاء، وهو خلاف ~~الصواب، كما نبه عليه صاحب "تثقيف اللسان" (¬2). # واختلف في اشتقاقها ms1307 في اللغة: هل هي من الضم، أو الزيادة، أو التقوية، أو ~~الإعانة، أو الشفاعة على (¬3) أقوال. # وهي في الشرع: حق تملك قهري، يثبت للشريك القديم على الشريك الحادث بسبب ~~الشركة بالعوض، الذي يملك به لدفع الضرر (¬4). -وهو ضرر مؤونة القسمة ~~واستحداث المرافق وغيرها PageV07P413 # لا ضرر سوى المشاركة على الأصح. # الثالث: هذا الحديث أصل في ثبوت الشفعة، وقد تضمن أحكاما: # الأول: ثبوتها للشريك في العقار ما لم يقسم، وهو إجماع، ويعني بالعقار ~~الأرض والضياع والنخل على ما فسره أهل اللغة وخصت بالعقار: لأنه أكثر ~~الأنواع ضررا. # وشذ بعضهم فأثبتها في العروض، وهي رواية عن عطاء، قال: يثبت في كل شيء ~~حتى في الثوب. حكى ذلك عنه ابن المنذر (¬1). PageV07P414 # وعن أحمد رواية أنها تثبت في الحيوان والبناء المنفرد. # وحكى الصعبي في "شرحه" عن مالك ثلاث روايات: # الأول: ثبوتها في كل منقول. # ثانيها: في السفن خاصة (¬1). PageV07P415 # ثالثها: إن بيعت وحدها فلا شفعة، وإن بيعت مع الأرض ففيها الشفعة، لئلا ~~تتفرق على المشتري (¬1). # قلت: حديث ابن عباس: "الشفعة في كل شيء" (¬2) ضعف الترمذي والبيهقي وصله. # وقيل: إن أبا حمزة السكري وهم فيه. قال الترمذي: هو ثقة، يمكن أن يكون ~~الخطأ منه. # قلت: فيه نظر, لأنه من رجال الصحيحين، ومن يقول بالمرسل يلزمه القول به. PageV07P416 # وروى الطحاوي عن محمد بن خزيمة بسند صحيح إلى جابر: "قضى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالشفعة في كل شيء" (¬1)، لكن محمد هذا إن لم يكن ابن ~~خزيمة الإمام فلا أعرفه. # وأما ابن المنذر فقال: ليس في هذا الباب حديث صحيح يجب القول به. # وأعلم أن صدر هذا الحديث يدل على من يقول بثبوتها في المنقولات، لكن آخره ~~وسياقه يشعر بأن المراد به العقار، وبما فيه الحدود وصرف الطرق (¬2). # الثاني: سقوطها بمجرد الجوار (¬3)، لأنه بعد القسمة جار، وهو مذهب مالك، ~~والشافعي، وأحمد، والجمهور؛ وقال من الصحابة عمر، وعثمان؛ ومن التابعين ~~سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ويحيى ~~الأنصاري، وأبو الزناد، ومن غيرهم ربيعة، والأوزاعي، ms1308 والمغيرة بن عبد ~~الرحمن، PageV07P417 # وإسحاق، وأبي ثور (¬1). # وقال أبو حنيفة والثوري: تثبت بالجوار (¬2). # قال القرطبي (¬3): وقدم أبو حنيفة أولا الشريك في الملك، ثم الشريك في ~~الطريق، ثم الجار الملاصق، ولا حق للجار الذي بينهما الطريق. PageV07P418 # وعن ابن سريج قول للشافعي أنها تثبت للجار الملاصق دون المقابل، واختاره ~~الروياني قال: ورأيت بعض أصحابنا يفتي به. # وفي بعض تعاليق ابن الصلاح: أن صاحب "التقريب" خرجه. # وفي "النهاية" عن صاحب "التقريب": أنه حكى عن ابن سريج الميل إليه. # وحكى بعضهم عن الحسن بن حي: أن الشفعة لكل جار. # وعن أبي قلابة والحسن: كذلك غير أن أبا قلابة قيد بأربعين دارا والحسن ~~قيده كذلك من كل جانب (¬1). # وكتب عمر إلى شريح: أقضى بالشفعة للجار، والملاصق (¬2). # وجاءت أحاديث تدل ظاهرا على ثبوت الشفعة للجار. # أحدها: حديث جابر، وفيه: (الجار احق بشفعته ينتظر بها إن كان غائبا، إذا ~~كانت طريقهما واحدا). رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: حديث ~~غريب (¬3). PageV07P419 # قلت: في سنده عبد الملك بن أبي سليمان (¬1)، وقد تكلم فيه شعبة من أجل ~~هذا الحديث. # وقال أحمد (¬2) في حديثه: هذا حديث منكر. # وقال يحيى: لم يروه غير عبد الملك. وقد أنكروه عليه. أما الترمذي فقال: ~~إنه ثقة مأمون، لا نعلم أحدا تكلم فيه غير شعبة، من أجل هذا الحديث. # الحديث الثاني: حديث أبي رافع، رفعه: "الجار أحق بصقبه". رواه البخاري ~~(¬3)، وهو من أفرادهم، ووهم ابن الجوزي فعزاه في "تحقيقه" (¬4) إلى مسلم أيضا. # والسقب: بالسين والصاد القرب، وأول أصحابنا هذا الحديث على أنه أحق ~~بالإحسان والبر، أو على أن المراد الجار الشريك المخالط (¬5). قال الأعشى: PageV07P420 # أجارتنا، بيني، فإنك طالقة (¬1) # فسمى الزوج: جاره لمخالطتها له. # وقال الشافعي (¬2): يحتمل معنيين لا ثالث لهما: # أن يكون أراد الشفعة لكل جار أو أراد بعض الجيران. قال: وقد ثبت عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا شفعة إلا فيما قسم"، فدل على أن الشفعة ~~للجار الذي لم يقاسم دون الجار المقاسم. # وذكر البيهقي (¬3): أن المراد بالحديث أنه أحق بأن يعرض ms1309 عليه PageV07P421 # قبل البيع، واستأنس بأن أبا رافع طلب من سعد أن يبتاع منه بيتين، فقال: ~~له والله لا أزيدك على أربعمائة دينار: إما مقطعة وإما منجمة. فقال أبو ~~رافع: سبحان الله! والله لقد منعتها من خمسمائة نقدا، فلولا أني سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الجار أحق بصقبه، ما بعتك"، وهذا يضعف ~~قول الأصحاب الحديث على البر والإحسان. # الحديث الثالث: حديث الحسن عن سمرة مرفوعا: (جار الدار أحق بالدار) (¬1) ~~رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وصححه وأعله PageV07P422 # غيره بأن الحسن لم يسمع من سمرة، وبأنه روى مرفوعا عن الحسن. # الحديث الرابع: عن أنس (¬1) مثله. رواه الترمذي، وقال: لا نعرفه إلا من ~~حديث عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عنه. ورواه النسائي ~~أيضا وصححه ابن حبان. # وروى النسائي (¬2) بإسناد صحيح من حديث جابر: (قضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالشفعة بالجوار)، وقد يحمل على أن المراد الشريك أو أن ~~الأحاديث محمولة على الندب، أو أن الأحاديث الأول أصح وأشهر. # وقال الشيخ تقي الدين (¬3): استدل بحديث الكتاب على سقوط الشفعة للجار من ~~وجهين. PageV07P423 # أحدهما: المفهوم، فإن قوله: "جعل الشفعة في كل ما لم يقسم" يقتضي أن لا ~~شفعة فيما قسم. وقد ورد في بعض الروايات: "إنما الشفعة" وهو أقوى في ~~الدلالة. لاسيما إذا جعلنا: "إنما" دالة على الحصر بالوضع, دون المفهوم. # الثاني: قوله: "فإذا وقعت الحدود" إلى آخره، وهو يقتضي ترتب الحكم على ~~مجموع أمرين: وقوع الحدود، وصرف الطرق. وقد يقول من يثبتها للجار -إن ~~المرتب على أمرين لا يلزم منه ترتبه على أحدهما. وتبقى دلالة المفهوم الأول ~~مطلقة-، وهو قوله: "إنما الشفعة في ما لم يقسم"، فمن قال بعدم ثبوتها تمسك ~~بها، ومن خالفها يحتاج إلى إضمار قيد آخر، يقتضي اشتراط أمر زائد، وهو صرف ~~الطرق مثلا، وهذا الحديث يستدل به، ويجعل مفهومه مخالفة الحكم عند انتفاء ~~الأمرين معا [أعني] (¬1) وقوع الحدود وصرف الطرق. # وقال القاضي (¬2) عياض: لو اقتصر على القطعة الأولى من الحديث، وهي ms1310 ما ~~إذا وقعت الحدود لكان فيه حجة على عدم شفعة الجوار، لأن الجار بينه وبين ~~جاره حدود، ولكنه لما أضاف إليه و"صرفت الطرق" تضمن أنها تنتفي بشرطين: ضرب ~~الحدود، وصرف الطرق، التي كانت قبل القسمة، ولمن أثبتها أن يقول المراد به ~~صرف الطرق التي يشترك فيها الجاران. PageV07P424 # الوجه الثالث: عدم ثبوتها فيما لا يقبل القسمة، لاسيما رواية البخاري ~~السالفة الدالة على الحصر فيما يقسم، وهذا هو الأصح من قولي الشافعي، ووجه ~~استنباط ذلك من الحديث، أن هذه الصيغة في النفي تشعر بالقبول، فيقال ~~للبصير: لم يبصر كذا. ويقال للأكمه: لا يبصر كذا (¬1)، وإن استعمل أحد ~~الأمرين في الآخر، فذلك للاحتمال. فعلى هذا: يكون في قوله: "فيما لم يقسم" ~~إشعار بأنه قابل للقسمة. وإذا دخلت "إنما" المقتضية للحصر: اقتضت انحصار ~~الشفعة في القابل. كذا قرره الشيخ تقي الدين. # واعترض الفاكهي: فقال قولهم إن المستحيل لا ينفى "بلم"، وإنما ينفى ~~"بلا"، وإنما ينفى "بلم" الممكن دون المستحيل فيه نظر، والذي يظهر لي أنه ~~غير مطرد، فإنه قد جاء نفي المستحيل عقلا وشرعا "بلم" في أفصح كلام. قال ~~تعالى: {لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4)} (¬2). # الرابع: ثبوت الشفعة بشرطها لكل أحد من مسلم وذمي ومقيم PageV07P425 # وحضري وغائب وبدوي، ووجه ذلك إطلاق الحديث وعدم بيان من ينسب له. # وانفرد الشعبي والحسن وأحمد (¬1)، فقالوا: لا شفعة لذمي على مسلم لحديث ~~أنس رفعه: "لا شفعة لنصراني". # قال أبو حاتم (¬2): حديث باطل. # وقال الخطيب (¬3): الصحيح وقفه على الحسن. PageV07P426 # وقال الدارقطني والبيهقي (¬1): إنه الصواب. لا جرم قاله باقي الأئمة ~~الأربعة بثبوت الشفعة له كعكسه. # وانفرد الشعبي (¬2) أيضا بقوله: لا شفعة لمن لا يسكن المصر. PageV07P427 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 302/ 5/ 58 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أصاب عمر أرضا ~~بخيبر، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستأمره فيها، فقال يا رسول ~~الله، إني أصبن أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني ~~به؟ قال: "إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها"، قال: ms1311 فتصدق بها، غير أنه لا ~~يباع أصلها, ولا يورث، ولا يوهب، قال: فتصدق بها عمر في الفقراء، وفي ~~القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من ~~وليها: "أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا، غير متمول فيه" (¬1). # وفي لفظ: "غير متأثل". PageV07P428 # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في تحرير لفظه هذا الحديث بلفظيه رواه البخاري كذلك إلا أنه قال: ~~"فما تأمر به" (¬1) بدل "تأمرني به"، وقال: "فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا ~~يوهب ولا يورث وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله ~~وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير ~~متمول" وقال ابن سيرين: "غير متأثل مالا" ذكره في آخر كتاب الشروط. وترجم ~~عليه الشروط في الوقف. # وذكره في إيتاء الوصايا في باب (¬2): ما للوصي أن يعمل في مال اليتيم وما ~~يأكل منه بقدر عمالته. ولفظه: "أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وكان يقال له ثمغ، وكان نخلا -فقال عمر: يا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إني استفدت مالا وهو عندي نفيس فأردت أن أتصدق به، ~~فقال - صلى الله عليه وسلم -: تصدق بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ~~ينفق ثمره، فتصدق به عمر، فصدقته تلك في سبيل الله وفي الرقاب والمساكين ~~والضيف وابن السبيل ولذي القربى، ولا جناح على من وليه أن يأكل منه ~~بالمعروف، أو يوكل صديقه غير متمول به" # وذكره في باب (¬3): الوقف كيف يكتب؟ بلفظ: أصاب عمر PageV07P429 # بخيبر أرضا، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أصبت أرضا لم أصب ~~مالا قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق ~~عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث في الفقراء" إلى آخره. # وذكره في الوقف (¬1) للغني والفقير والضيف مختصرا. # وكذا في باب (¬2): نفقة القيم للوقف. # ورواه مسلم بلفظ المصنف سواء، وقال: "فتصدق بها عمر أنه لا يباع ms1312 أصلها" ~~إلى آخره، وقال: "لا جناح" (¬3) بدل "ولا جناح" وهي نسخة في الكتاب أيضا ~~وقال: "متأثل مالا"، ساقه البخاري أيضا وفي لفظ له: "لم أصب مالا أحب إلي ~~ولا أنفس عندي منها". # الثاني: في ألفاظه: # الأول: معنى "أنفس" أجود والنفيس الجيد وقد نفس -بضم الفاء- نفاسة. # الثاني: قال الأزهري (¬4): حبست الأرض: أكثر استعمالا من وقفتها. # قال الشافعي -رضي الله عنه -: لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته دارا ولا ~~أرضا تبررا وإنما حبس أهل الإسلام. PageV07P430 # قلت: وأوقفت لغة رديئة (¬1) في وقفت وحقيقة الوقف تحبيس مال يمكن ~~الانتفاع به مع بقاء عينه يقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته يصرف في جهة خير ~~تقربا إلى الله تعالى. PageV07P431 # الثالث: قوله: "وتصدقت بها" فيه احتمالان أبداهما الشيخ تقي الدين: # الأول: أن يكون راجعا إلى الأصل المحبس. وهو ظاهر اللفظ، ويتعلق بذلك ما ~~تكلم به الفقهاء من ألفاظ التحبيس، الذي منها: "الصدقة" (¬1) ومن قال منهم ~~بأنه لابد من لفظ يقترن بها، ويدل على معنى الوقف والتحبيس، كالتحبيس في ~~الحديث، وكقولنا "مؤبدة" "محرمة" أو "لا تباع ولا توهب". # الثاني: أن يكون قوله: "وتصدقت بها" راجعا إلى الثمرة (¬2) على حذف ~~المضاف -أي: وتصدقت بثمرتها أو ريعها- ويبقى لفظ: "الصدقة" على إطلاقه ~~(¬3). وبه جزم القرطبي (¬4). # الرابع: قوله: "فتصدق فيها" إلى آخره هو محمول -عند PageV07P432 # الشافعي- وجماعة على أن ذلك حكم شرعي ثابت للوقف، من حيث -هو وقف (¬1)، ~~ويحتمل- كما قال الشيخ تقي الدين (¬2): أن يكون ذلك إرشادا إلى شرط هذا ~~الأمر في هذا الوقف، فيكون ثبوته بالشرط، لا بالشرع (¬3). # الخامس: المصارف المذكورة مصارف خير وقربة، وهي جهة الأوقاف فلا يوقف على ~~ما ليس بقربة من الجهات العامة. # واختلف أصحابنا فيما إذا وقف على جهة لا يظهر فيها القربة كالأغنياء. # والأصح: عندهم الصحة، كما هو مقرر في الفروع مع ما فيه من البحث. # السادس: المراد بالقربى هنا قربى عمر - رضي الله عنه - ظاهرا ويحتمل على ~~بعد أن المراد بها من ذكر في الآية. # وبالفقراء: ما هو المقرر في الزكاة. # وبالرقاب: ما هو مقرر أيضا ms1313 فيها، وهو أما الكتابة كما ذهب إليه الشافعي. ~~وإما العتق، كما ذهب إليه مالك. PageV07P433 # وقال الزهري: إن سهم الرقاب يقسم بينهما، قال ابن حبيب: ويفدي منه ~~الأساري وخالفه غيره. ولابد أن يكون معناها معلوما عند إطلاق هذا اللفظ ~~وإلا فإن المصرف مجهولا بالنسبة إليها. # والمراد بسبيل الله: الجهاد عند الأكثرين، ومنهم من عداه إلى الحج. # وبابن السبيل: المسافر سمي بذلك لملازمته السبيل، والقرينة تقضي اشتراط حاجته. # وبالضيف: من نزل بقوم. والمراد: قراه ولا تقتضي القرينة تخصيصه بالفقر. # وبالصديق: صديق الوالي عليها والعامل فيها، ويحتمل صديقا للمحبس وفيه بعد ~~كما قاله القرطبي. # السابع: قوله: "غير متأثل"، أي: متخذ أصل مال وجامعه يقال: تأثلت المال ~~اتخذته أصلا قال الشاعر: # ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # أي: المجد القديم المؤصل. # (¬1) الوجه الثالث: قد أسلفنا في رواية البخاري (¬2) أن اسم هذه PageV07P434 # الأرض التي وقفها عمر "ثمغ" وهي بفتح الثاء المثلثة ثم ميم ساكنة كما ~~قيده النووي في "شرح مسلم" (¬1). # وفي المفهم (¬2) للقرطبي: ضبط الكاتب -فتحها- أيضا، ثم غين معجمة وفيه ~~أنه كان نخلا (¬3)، وكذا هو في "صحيح ابن حبان" (¬4) أيضا و"سنن الدارقطني" ~~والبيهقي. # وفي رواية للنسائي (¬5) إنها مائة سهم بخيبر، وأنه -عليه الصلاة والسلام- ~~قال له: "احبس أصلها , وسبل ثمرتها" وهذه الرواية ترجح أحد الاحتمالين ~~السالفين في قوله: "وتصدقت بها" وفي رواية له (¬6): "إنه اشتراها بمائة رأس ~~كانت له". # وقيل: إنها أول صدقة تصدق بها في الإسلام. حكاه الماوردي (¬7) من ~~الشافعية. PageV07P435 # وقيل: وقف - صلى الله عليه وسلم - أموال مخيريق التي أوصى بها له، وقاتل ~~معه، وهو يهودي مات في السنة الثالثة من الهجرة (¬1). # وفي كتاب "الوقف" للخبازي (¬2) الحنفي: شيء كثير من ذلك أكثره عن ~~الواقدي. # الرابع في أحكامه: # [الأول] (¬3): صحة أصل الوقف وهو إجماع وما يروى عن بعض الأئمة (¬4) فيه ~~ردوه إلى أن الوقف بمجرده لا يلزم، وقد خالفه أبو يوسف لما بلغه الحديث ~~ووافقه محمد، لكنه يقول من شرط لزومه القبض. # وكان إسماعيل بن اليسع (¬5) [في مصر] (¬6) قاضيا يرى فيه بالرأي المروى ms1314 ~~عن بعض الأئمة، فأرسل الليث إلى هارون الرشيد إنا لم ننقم عليه دينارا ولا ~~درهما، ولكن أحكاما لا نعرفها يعني قوله: PageV07P436 # بعدم صحته، فأرسل هارون كتابا فعزله ولا شك في شهرة الوقف على جهة ~~القربات، وتداوله خلفا عن سلف. # وحديث: "لا حبس بعد سورة النساء" (¬1) وهو بفتح الحاء لا بضمها. # والمراد به: حبس الزانية بالبيوت [لا هذا] (¬2). # الثاني: التقرب إلى الله تعالى بأنفس الأموال وأطيبها وعليه عمل أكابر ~~الصالحين سلفا وخلفا كعمر وغيره قال الله تعالى: {لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون}، وحديث أبي طلحة في بيرحا شهير في ذلك في الصحيح (¬3). PageV07P437 # الثالث: أن خيبر فتحت عنوة، وأن الغانمين ملكوها واقتسموها واستقرت ~~أملاكهم على حصصهم ونفذ تصرفاتهم فيها وسيأتي الخلاف في ذلك الباب (¬1). # الرابع: استشارة الأكابر وأخذ رأيهم، والائتمار بأمرهم فيما يعرض للشخص ~~من المقاصد الصالحة، وذكر ذلك ليس من باب إظهار العمل للرياء والسمعة، وقد ~~أرشده -عليه الصلاة والسلام- إلى الأصلح في الصدقة، وهو التحبيس من حيث أنه ~~صدقة جارية في الحياة وبعد الموت. # الخامس: أن التحبيس صريح في الوقف [وفيه وجه آخر للشافعية (¬2) [أنه ~~كناية] لأنه لم تشتهر اشتهار الوقف] (¬3) وأن لفظة الصدقة لابد فيها من ~~قرينة دالة على الوقف، والأصح عند الشافعية أن قوله: تصدقت. فقط ليس بصريح، ~~وإن نوى إلا أن يضيفه إلى جهة عامة أو يقول: تصدقت. بكذا صدقة محرمة، أو ~~موقوفة، أو لا تباع ولا توهب (¬4). # السادس: أن أصل الوقف ينتقل إلى الله تعالى قربة بحيث يمتنع بيعه وإرثه ~~وهبته، إذا كان في الصحة وجواز التصدق. PageV07P438 # السابع: أنه لا يناقل به أيضا لأنه بيع. # ونقل الجوري -بضم الجيم- من الشافعية عن أبي يوسف وغيره أنه لو اشترط أن ~~له بيع الوقف إذا عطب أو خرب أو تعطلت منافعه أو إن يصرف ثمنه في أرض غيره، ~~فيكون موقوفا على ما سمى في وقفه الأول، أو شرط البيع إذا رأى الحظ في نقله ~~إلى موضع آخر إن جميع ذلك جائز. قال: وهو قوي بدليل أن المراد من ms1315 الوقف وقف ~~الأصل عن البيع والإتلاف، فإذا آل إلى الخراب، وعطب لم يكن لاحتباسه وجه، ~~فكان كمن حبس فرسا في سبيل الله، فهرم حتى لا يبقى فيه موضع للركوب، ~~فيستبدل به وكعبد قطعت يده أو رجله أو عمى وكإجذاع دار موقوفة إذا انكسرت، ~~وشجر تحطم، فلابد من استبداله، فإذا جاز بيع ذلك والاستبدال به بلا شرط ~~لأنه بيعه أحظ للوقف فكذا بيعه بالشرط أجوز وهذا الذي قواه غريب عند ~~الشافعية، وما اشتهر عن أبي [يوسف] (¬1) من الاستبدال بالوقف إذا كان فيه ~~الحظ رواية منكرة. # ومذهب أحمد (¬2) أنه لا تجوز المناقلة به كما حكاه أبو داود والأثرم عنه، ~~وكذا هو في كتب أصحابه ما لم يتعطل الوقف، فإذا تعطل وخرب بيع عندهم. # ونقل الجوري أيضا -بضم الجيم- عن ابن مسعود أن عمر PageV07P439 # أمر بنقل مسجد (¬1) وعزاه إلى المسعودي وهو ثقة إلا أنه تغير بأخره. ~~ورواه القاسم مرسل. # الثامن: أن الوقف مخالف لسوائب الجاهلية من حيث أن المقصود منه التبرر، ~~فلو قصد به مضارة أحد أو منع حق لا يثاب باطنا. # التاسع: صحة شرط الواقف المطابق للكتاب والسنة واتباعه. # العاشر: فضيلة الوقف على من ذكر من الأصناف وما شاكله من الأمور العامة. # الحادي عشر: جواز الوقف على الأغنياء من حيث أن بعض المذكورين في الحديث ~~غير مقيد بالفقر، بل مطلق كذوي القربى والضيف، وهو الأصح عند أصحابنا كما سلف. # الثاني عشر: المسامحة في بعض الشروط حيث علق الأكل على المعروف وهو غير منضبط. # الثالث عشر: تحريم أخذ العمال وغيرهم ممن يليها أكثر مما يستحقه شرعا، ~~ويأخذ على القيام بمصالح الوقف بالمعروف والتقدير فيه إلى الحاكم. PageV07P440 # الرابع عشر: جواز أكل الضيفان منها بالمعروف، وهو أن لا يتعطل مقصود شرط ~~الواقف. # الخامس عشر: كراهة التكثر والتأثل من مال الأوقاف، بل يأكل ما يعتاد شرعا ~~من غير تجاوز. # [السادس عشر] (¬1): فضيلة صلة الأرحام وغيرهم من المحتاجين والوقف عليهم، ~~فإن المراد بالقربى هنا قربى عمر كما سلف. # السابع عشر: فيه فضيلة ومنقبة ظاهره لعمر -رضي الله عنه ms1316 -. # الثامن عشر: فيه قبول ما أشير به عليه والمبادرة إليه. # التاسع عشر: المبادرة إلى فعل الخير المتعدى. # العشرون: وفيه أيضا جواز ذكر الوالد باسمه من غير كنية وقد تقدم [سره] ~~(¬2) في الوجه الرابع عشر في الكلام على الحديث الخامس من كتاب الزكاة (¬3). # الحادي والعشرون: فيه أيضا جواز وقف المشاع, لأن هذه المائة سهم من حيث ~~كانت مشاعة، كما رده الشافعي ولا يسرى إلى الباقي, لأنها من خواص العتق ~~[ولم ينقل] (¬4) أن الوقف سرى من PageV07P441 # حصة عمر إلى غيرها من باقي الأرض ولا خلاف عندنا في هذا، وفي "شرح هذا ~~الكتاب للصعبي": أن بعض متأخري الشافعية حكى السراية وربما حكم به بعض ~~متأخري زمنه واختاره ثم قال: وهذا ليس بمشهور وهو كما قاله، قال: ويجمع بين ~~هذا وبين تسمية الأرض بثمغ فإن الظاهر أنها قد أفرزت، فإنها كانت مشاعة ~~أولا ثم أفرزت بعد الوقف، ولا [يخفى] (¬1) هذا الجمع من نظر. # وقال القرطبي في "مفهمه" (¬2): هذه الأرض صارت له بالقسمة، فإنه - عليه ~~الصلاة والسلام - قسم أرض خيبر لما افتتحها عنوة، ورواية النسائي أنه ~~اشتراها بمائة، وليس له مخالف. # الثاني والعشرون: روى الدارقطني أنه -عليه الصلاة والسلام- قال له: "احبس ~~أصلها" واجعل ثمرها صدقة، قال فكتب" إلى آخره، كذا ذكره بفاء التعقيب، وهو ~~دال على أن الوقف كان حينئذ، لا كما ادعاه بعضهم أنه وقف في المرض مضافا ~~إلى ما بعد الموت وأنه - عليه الصلاة والسلام - أشار به. # الثالث والعشرون: فيه أن من وقف وقفا ولم يعين له ناظرا يجوز، لأنه قال: ~~لا جناح على من وليها، أن يأكل منها بالمعروف. ولم يعين أحدا. # الرابع والعشرون: فيه أيضا أن الواقف إذا صار بصفة الموقوف عليه ينتفع ~~بالوقف, لأنه أباح لمن وليه، وقد يليه الواقف، وقد قال PageV07P442 # - عليه الصلاة والسلام - للذي أهدى البدنة "اركبها". # الخامس والعشرون: استدل أحمد بقوله: "لا جناح على من وليها بالمعروف" على ~~أنه إذا شرط لنفسه عند الوقف نفعه مدة حياته صح لأن عمر هو الذي وليها، ~~وخالفه مالك وغيره، لأنه ms1317 في معنى الواقف على نفسه، وهو لم يرد نفسه وإنما ~~ذكر صفة عامة فإذا اتصف بها دخل. PageV07P443 ### ||| AUTO الحديث السادس # 303/ 6/ 58 - عن عمر - رضي الله عنه - قال: (حملت على فرس في سبيل الله؛ ~~فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، فظننت أنه يبيعه برخص. فسألت النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: "لا تشتره ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه ~~بدرهم، فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه"). # وفي لفظ: "فإن الذي يعود في صدقته، كالكلب يعود في قيئه" (¬1). # والكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث ترجم [البخاري عليه] (¬2) على حديث ابن عباس الآتي باب ~~لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته. ثم PageV07P444 # ذكره (¬1) بلفظ: "بائعه" بدل: "يبيعه"، والباقي مثله. إلا أنه لم يذكر: ~~"ولا تعد في صدقتك"، وقال: "في صدقته" بدل في: "هبته". [وقال] (¬2): بعد ~~قوله: "بدرهم واحد". # ثم ترجم (¬3) عليه بعد ذلك. إذا حمل رجلا على فرس فهو كالعمرى والصدقة. # وقال بعض الناس: له أن يرجع فيها، وذكره مختصرا بلفظ: (حملت على فرس في ~~سبيل الله، فرأيته يباع، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "لا ~~تشتره ولا تعد في صدقتك"). # وذكره في الجهاد (¬4)، باب: الجعائل والحملان في [سبيل الله] بنحوه. # وذكره في باب (¬5): إذا حمل على فرس فرآها تباع، كذلك وفي لفظ: "لا تشتره ~~وإن بدرهم، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه". # وفي بعض طرق البخاري (¬6) أن عمر حمل على فرس له في PageV07P445 # سبيل الله، أعطاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له فحمل عليها رجلا. ~~. . . الحديث. # ورواه مسلم بألفاظ، منها: (حملت على فرس عتيق في سبيل الله، فأضاعه ~~صاحبه، فظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~ذلك فقال: "لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته: كالكلب يعود ~~في قيئه"). # ومنها: "لا تبتعه [ولا تعد في صدقتك] " (¬1). # ومنها: أنه حمل على فرس في سبيل الله، فوجده عند صاحبه، وقد أضاعه، وكان ~~قليل المال، فأراد أن يشتريه، ms1318 فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ~~ذلك له، فقال: "لا تشتره وإن أعطيته بدرهم، فإن مثل العائد في صدقته: كمثل ~~الكلب يعود في قيئه". # وفي رواية للشافعي في "سننه" (¬2): "لا تشتره، ولا شيئا من نتاجه". # ورواه المزني عن الشافعي بلفظ: "دعها حتى يوافيك وأولادها جميعا". # الثاني: اسم هذا الفرس "الورد" (¬3) أهداه لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - تميم الداري، فأعطاه عمر، ذكره ابن سعد، وقد أسلفنا عن إحدى روايات ~~البخاري أنه - عليه الصلاة والسلام - أعطاه عمر ليحمل عليه، فحمل عليها ~~رجلا. PageV07P446 # الثالث: أن (¬1) هذا الحمل حمل تمليك، ليجاهد عليه، لا حبسا عليه وإن كان ~~محتملا لكنه مرجوح، لأن الذي أعطيه أراد بيعه، ولم ينكر عليه ذلك، ولو كان ~~حبسا لم يبع، إلا أن يحمل على أنه انتهى إلى حالة عدم الانتفاع به فيما حبس ~~عليه، وليس في اللفظ ما يشعر به، ولو ثبت أنه حمل تحبيس لكان في ذلك متعلق ~~في مسألة وقف الحيوان، ويدل على أنه حمل تمليك، قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "ولا تعد في صدقتك"، وقوله: "فإن العائد في صدقته"، وفي لفظ: "في ~~هبته كالكلب، يعود في قيئه"، ولو كان حبسا لعلله به، دون الهبة ونحوها. # الرابع: معنى "أضاعه" لم يحسن القيام عليه وقصر في مؤنته، ويحتمل أن يكون ~~أضاعه بكونه استعمله في غير ما جعل له. # الخامس: سمي شراءه برخص عودا في الصدقة من حيث الغرض فيها ثواب الآخرة، ~~فإذا اشتراها برخص فكأنه اختار عوض الدنيا على الآخرة، مع أن العادة تقتضي ~~بيع مثل ذلك برخص لغير المتصدق، فكيف بالمتصدق أو المملك بسبب تقدم إحسانه ~~بذلك، فيصير راجعا في ذلك المقدار الذي سومح فيه (¬2). # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا تشتره ولا تعد في صدقتك حمل هذا ~~النهي أكثر العلماء على التنزيه، وحمله بعضهم. على التحريم. قال القرطبي: ~~وهو الظاهر من سياق الحديث. PageV07P447 # السابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "أعطاكه بدرهم" هو مبالغة في رخصه ~~الحامل على شراه، وفي البخاري كما أسلفناه: "بدرهم واحد"، فلا تضيع ms1319 الثواب ~~العظيم بشيء من الحقير: قل أو كثر. # الثامن: ذكر -عليه الصلاة والسلام- الكلب وعوده في القيء ليكون ذلك ~~مبالغة في التنفير في العود في الهبة والصدقة، ولا شك في شدة كراهة ذلك، ~~وهي من وجهين: # الأول: وقوع تشبيه الراجع بالكلب. # والثاني: وقوع تشبيه المرجوع فيه بالقيء (¬1)، وكل منهما قذر محرم، ~~و"القيء" مهموز. والعامة تثقله (¬2) [ولا تهمزه]. # (¬3) [التاسع]: في أحكام الحديث: # الأول: الإعانة على الغزو بكل شيء حتى بتمليك فرس. # الثاني: إن أخذه يملكه. # الثالث: أن لأخذه بيعه والانتفاع بثمنه. # الرابع: منع من تصدق بشيء أو أخرجه في كفارة أو نذر، ونحو ذلك من القربات ~~أن يشتريه ممن تصدق به عليه أو يتهبه أو يتملكه باختيار منه، فلو ورثه منه ~~فلا منع منه ولا كراهة فيه، PageV07P448 # وأبعد من قال يجب عليه أن يتصدق به (¬1). PageV07P449 # وكذا لو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق، ولا كراهة. وهذا مذهب ~~الشافعي والجمهور أن المنع للتنزيه. # وقال جماعة: للتحريم، قال صاحب "الإكمال" (¬1) وهو ظاهر الموازية. # الخامس: تحريم الرجوع في الهبة والصدقة، وإنما يحرم بعد الإقباض فيها، ~~والحديث عام في كل هبة، وبه قال طاوس وأحمد، كما حكاه عنهما القرطبي (¬2)، ~~وحكى غيره عن أحمد موافقتنا، وهو أنه خص بجواز رجوع هبة الوالد لولده، وإن ~~سفل لحديث النعمان بن بشير الآتي بحديث ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهما- ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو ~~يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم ~~يرجع فيها كمثل الكلب يأكل حتى إذا شبع قاء، ثم عاد فيه" (¬3). رواه أصحاب ~~السنن الأربعة، وصححه الترمذي PageV07P450 # وابن حبان والحاكم وغيرهم. ولا رجوع في هبة الأخوة والأعمام من ذوي ~~الأرحام؛ وكل هذا ذهب مالك والأوزاعي أيضا (¬1). # وقال أبو حنيفة (¬2) وآخرون: يرجع كل واهب في هبة الأجنبي إلا الوالد، ~~وكل ذي رحم محرم. # واعتذروا عن هذا الحديث: بأن رجوع الكلب في قيئه PageV07P451 # لا يوصف بالحرمة، لأنه غير مكلف، والتشبيه وقع ms1320 بأمر مكروه في الطبيعة، ~~لتثبت به الكراهة في الشريعة، وفيه نظر. # واتفقوا: على كراهة الرجوع مطلقا تنزيها لا تحريما. # وعن مالك: أنه إن رغب راغب في مواصلة الولد بسبب المال الموهوب لم يكن له ~~الرجوع. PageV07P452 ### ||| AUTO الحديث السابع # 304/ 7/ 58 - عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "العائد في هبته، كالعائد في قيئه" (¬1). # الكلام عليه سلف [في الكلام] (¬2) على الحديث قبله، ولم أرى هذا الحديث ~~في شرح الشيخ تقي الدين (¬3) ولا الفاكهي، وترجم البخاري (¬4) عليه وعلى ~~الذي قبله، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته -كما أسلفناه- وذكره ~~بلفظين: # أحدهما: هذا. PageV07P453 # والثاني: ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته: كالكلب يرجع في قيئه. # وذكره أيضا في باب (¬1): هبة الرجل لامرأته، والمرأة لزوجها، بلفظ: ~~"العائد في هبته، كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه". # وذكره معلقا (¬2) بدون: "واو"، بلفظ: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه". # ورواه مسلم بألفاظ، # منها: لفظ الكتاب قاله ابن منده في "مستخرجه"، وروى هذا الحديث أيضا مع ~~ابن عباس ابن عمر (¬3) ووالده (¬4). وجابر بن عبد الله وأبي هريرة (¬5) ~~والصديق وعبد الله بن عمرو (¬6). # فرع: حكم الرجوع في الهدية حكم الرجوع في الهبة، وفي الصدقة اضطراب عندنا ~~كما ستعلمه في الحديث الآتي، وفي إلحاق الأم والجد والجدات بالأب خلاف ~~عندنا، والأصح الإلحاق خلافا لأحمد. PageV07P454 # وللرجوع شروط أيضا محلها كتب الفقه، فلذلك أضربنا عن الكلام فيه (¬1). # وعند المالكية خلاف في إلحاق المنافع بالرقاب، فسوى بينهما عبد الملك ~~ويأباه ابن المواز. PageV07P455 ### ||| AUTO الحديث الثامن # (¬1) # 305/ 8/ 58 - عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: تصدق علي أبي ~~ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضي حتى تشهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فانطلق أبي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليشهده ~~على صدقتي، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أفعلت هذا بولدك ~~كلهم؟ ". # قال: لا. قال: "اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم"، فرجع أبي، فرد تلك ~~الصدقة. # وفي لفظ، قال: "فلا ms1321 تشهدني إذا، فإني لا أشهد على جور"، وفي لفظ: "فأشهد ~~على هذا غيري" (¬2). PageV07P456 # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث ترجم عليه البخاري (¬1) باب: الإشهاد في الهبة، ثم ~~ساقه من حديث الشعبي: سمعت النعمان بن بشير وهو على المنبر يقول أعطاني أبي ~~عطية فقالت عمرة بنت رواحة (¬2) لا أرضى حتى تشهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إني أعطيت ابني ~~من عمرة بنت رواحة" عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله قال: (أعطيت ساير ~~ولدك مثل هذا؟ قال: لا. قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، قال فرجع ~~فرد عطيته. # وترجم عليه مثل ذلك الهبة للولد (¬3)، ثم ساقه مختصرا من حديث ابن شهاب، ~~عن حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال إني نحلت ابني هذا غلاما، فقال: أكل ولدك ~~نحلت مثله؟ قال: لا، قال: فأرجعه (¬4). # ورواه مسلم من طرق. منها: هذه الطريق بهذا اللفظ أيضا (¬5). # بلفظ "فرده". PageV07P457 # ومنها: الطريق الأول بلفظ المصنف الأول ولم يقل سمعت النعمان، وإنما قال: ~~عن النعمان ثم رواه باللفظ الثاني الذي ذكره المصنف، ثم باللفظ الثالث، ~~وقال في آخره: "أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى. قال: "فلا ~~إذا، وكلاهما أيضا من طريق الشعبي. # قال عبد الحق: ولم يذكر البخاري هذا, ولم يقل من هذه الألفاظ إلا قوله: ~~"فلا تشهدني على جور" وهو عنده على الشك ثم قال: وقال أبو جرير عن الشعبي: ~~"لا أشهد على جور" ليس عنده إلا هذا. # ورواه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر أيضا وفيه: "فليس يصلح هذا، وإني ~~لا أشهد إلا على حق". # الثاني: وقع في "بسيط" الغزالي "ووسيطه" أن الواهب هو النعمان بن بشير، ~~وغلطوه في [ذلك وإنما هو الموهوب له لكنه لم ينفرد بذلك، فقد رواه المزني ~~عن الشافعي كذلك] (¬1). # ونبه عليه البيهقي (¬2): أن الصواب خلافه. # الثالث: [قوله] (¬3): "ببعض ماله" قد عرفت من ms1322 رواية الصحيحين أنه كان ~~غلاما، وفي رواية لمسلم: "إني قد نحلت النعمان، كذا وكذا من مالي". # الرابع: سلف التعريف براوي الحديث في باب الصفوف. PageV07P458 # وأما [أمه] (¬1): فهي أخت عبد الله بن رواحة، وزوج [بشير] (¬2) بن سعد ~~الأنصاري، لما ولدت النعمان حملت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فدعا بتمرة، فمضغها، ثم ألقاها في فيه، فحنكه بها. فقالت: يا رسول الله ادع ~~الله أن يكثر ماله وولده، فقال: "أما ترضين أن يعيش كما عاش خاله حميدا، ~~وقتل شهيدا، ودخل الجنة، ومن حديثها "وجب الخروج -يعني في الجهاد- على كل ~~ذات نطاق" (¬3). # [الخامس] (¬4): "الجور" لغة الميل عن السواء والاعتدال، فكلما خرج عن ذلك ~~فهو جور، سواء [كان حراما أو مكروها، وقد يكون تارة لهذا، وتارة لهذا وقد ~~استعمل فيه بمعنى الضلال] (¬5) وبمعنى الظلم وكلاهما محرمان. # السادس: في أحكام الحديث: # الأول: [(¬6)] في جواز تسمية الهبة صدقة. # الثاني: شرعية الإشهاد عليها، كما أسلفناه عن ترجمة البخاري والاحتياط في ~~العقود، بشهادة الأفضل والأكبر. PageV07P459 # الثالث: أن للأم كلاما في مصلحة الولد وماله وأنه مسموع. # الرابع: أن المفتى والشاهد لا يفتي ولا يشهد إلا بما يسوغ شرعا. # الخامس: الرجوع في المعاملات ونحوها إلى العلماء. # السادس: سؤال المفتي والشاهد عن شرط الحكم وما يسوغ فعله، سواء كان الشرط ~~واجبا أو مندوبا. # السابع: أمر مخالف ذلك بتقوى الله، والعدل بين البقية. # الثامن: المبادرة إلى قبول قول الحق، من غير تأخير ولا حرج في النفس. # التاسع: التسوية بين الأولاد في العطية من غير تفضيل. وقد نبه على الحكمة ~~في ذلك، وهي محبة الوالد أن يكون برهم له على السواء، فكذلك عطيته لهم، فإن ~~التفضيل يؤدي إلى الانحباس والتباغض، وهل ذلك على الإيجاب [أو] (¬1) الندب؟ ~~فيه قولان للعلماء. # قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: بالثاني، وحكاه القرطبي (¬2) عن الجمهور ~~وأن التفضيل مكروه فقط، والهبة صحيحة (¬3). PageV07P460 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P461 # وقال الغزالي: ليس مكروها، بل تاركا للأحب وهو ظاهر نصه. # وقال طاووس وعروة ومجاهد والثوري وأحمد وإسحاق وداوود: بالأول وأن ~~التفضيل حرام مردود، واحتجوا برواية "لا أشهد ms1323 على جور"، ونحوها. # واستدل الأولون بالرواية الأخرى: "فأشهد على هذا غيري". # قالوا: ولو كان حراما أو باطلا لما قال هذا الكلام، وامتناعه عليه الصلاة ~~والسلام من الشهادة على وجه التنزيه. # وأجابوا: عن رواية: "لا أشهد على جور" بما أسلفناه من أن الجور في اللغة, ~~هو الميل عن الاستواء والاعتدال، سواء كان حراما أو مكروها، فتأول هنا على ~~المكروه جمعا بين الروايتين. # وللأولين أن يقولوا: قوله: "فأشهد على هذا غيري" جاء على طريق التهديد ~~والتنفير الشديد، مع ما انضاف إلى ذلك من امتناعه - عليه الصلاة والسلام - ~~عن المباشرة لهذه الشهادة معللا بأنها جور، والمتبادر إلى الذهن عند إطلاق ~~الجور التحريم لا الكراهة، فتخرج الصيغة عن ظاهر الأذن لهذه القرائن، ويقوى ~~ذلك أيضا: "فاتقوا الله" فإن ذلك يؤذن بأن التقوى هنا التسوية، وأن التفضيل ~~ليس بتقوى. # وأجاب النووي (¬1) عن هذا بأن قال: الأصل في كلام الشارع PageV07P462 # غير التهديد، ويحتمل عند إطلاقه صيغة أفعل على الوجوب أو الندب، فإن تعذر ~~ذلك فعلى الإباحة. # ومما يستدل به على الجواز: أن الصديق نحل عائشة جذاذ عشرين وسقا (¬1). # وفضل عمر عاصما بشيء، وفضل ابن عوف ابنته أم كلثوم. # وقطع ابن عمر ثلاثة أرؤس أو أربعة لبعض ولده دون بعض، وفضل القاسم بن ~~محمد بعض ولده (¬2). PageV07P463 # العاشر: اختلف أصحابنا في صفة هذه التسوية. # فقيل: كقسمة الأرث والأصح أن يجعل الأنثى كالذكر، وهو ظاهر الحديث (¬1) ~~وأبعد بعضهم فحكى وجها أن الأنثى تفضل عليه، حكيته في "شرح المنهاج" وهو غريب. # وبالأول قال ابن شعبان من المالكية وحكاه القرطبي (¬2) عن عطاء، والثوري، ~~ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق. PageV07P464 # وبالثاني: قال ابن العطار منهم. # واختلف أصحاب مالك فيمن أخرج الإناث من تحبيسه: هل ينفذ الحبس أم لا؟ # فقيل: يفسخ مطلقا. # وقيل: ما لم يمت ولم يجز عنه، قال الإمام منهم. قال: بعض الشيوخ إن هذه ~~الأقوال تجري في هبة بعض البنين دون بعض. # الحادي عشر: جواز رجوع الوالد في هبته لولده على من يقول بصحة التفضيل، ~~ووقع في كلام الشيخ تقي الدين ms1324 (¬1) أنه لا يجوز رجوعه في الصدقة على ولده، ~~وتبعه ابن العطار، والأصح المنصوص خلافه, لأنها هبة، وصححه الرافعي هنا، ~~نعم جزم في أوائل العارية بالمنع، وصححه في "الشرح الصغير" هنا, لأن قصد ~~المتصدق الثواب في الآخرة، وهو موعود به فتنبه لذلك. # الثاني عشر: أن قبض الأب لابنه الصغير ما وهبه له جائز، فإن النعمان كان ~~صغيرا إذ ذاك. # قال القاضي (¬2) عياض: ولا خلاف في هذا بين العلماء فيما يعرف بعينه. # واختلف المذهب فيما لا يعرف بعينه كالمكيل والموزون، وكالدراهم. هل يجزي ~~تعيينه والإشهاد عليه والختم عليه عن القبض PageV07P465 # أم لا، حتى يخرجها من يده إلى غيره، وأجاز ذلك أبو حنيفة وإن لم يخرجه من يده. # خاتمه: ذهب الإمام أبو حاتم بن حبان (¬1) من أصحابنا إلى أنه لا يجوز ~~التفضيل بين الأولاد وبسطه في "صحيحه" بسطا حسنا، فأردت أن أذكره لك ملخصا ~~لكثرة فوائده، فإنه ذكره من طرق، وجمع بين ما قد يفهم تعارضه فقال ذكر ~~الأمر الذي ورد بلفظ الرد والإرجاع مراده نفي جواز ذلك الفعل دون إجازته ~~وإمضائه، ثم روى الحديث من طريق ابن شهاب السالفة، وفيه هذا "العبد" بدل ~~"غلاما" وفي آخره، قال: "فأردده"، ثم قال: ذكر الأمر بالتسوية بين الأولاد ~~في النحل إذ تركه حيف. ثم ذكر الحديث بلفظ "سوو بينهم"، وبلفظ: "فأرجعه"، ~~ثم قال: ذكر البيان، بأن قوله: "فأرجعه"، أراد به لأنه غير الحق، ثم رواه ~~من حديث جابر باللفظ [المذكور] (¬2)، ثم رواه من حديث النعمان، وفيه "لا ~~تشهدني على جور"، وترجم [عليه] (¬3) نفي جواز الإيثار في النحل بين ~~الأولاد. ثم قال: ذكر خبر آخر يصرح بأن الإيثار بين الأولاد في النحل حيف ~~غير جائز استعماله. وروى حديث النعمان وفيه "فإني لا أشهد على هذا. هذا ~~جور، أشهد على هذا غيري، أعدلوا بين أولادكم في النحل كما تحبون أن يعدلوا ~~بينكم في البر واللطف" ثم قال قوله: "أشهد على هذا غيري"، أراد به الإعلام ~~بنفي جواز استعمال الفعل المأمور به PageV07P466 # ولو فعله، فزجر عن الشيء بلفظ ms1325 الأمر بضده، كما قال لعائشة "اشترطي لهم ~~الولاء فإنما الولاء، لمن أعتق"، ثم روى من حديث النعمان أن أباه أتى به ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن عمرة بنت رواحة ~~نفست بغلام، وإني سميته: نعمان، وإنها أبت أن تربيه وحتى جعلت له حديقة، في ~~أفضل مالي هو، وأنها قالت: أشهد النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك. ~~فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هل لك ولد غيره"؟ قال: نعم، قال: ~~"لا تشهدني إلا على عدل، وإني لا أشهد على جور". # قال أبو حاتم بن حبان: (¬1) [لا تضاد بين ما ذكرناه من هذه القصة] , لأن ~~النحل من بشير لابنه كان في موضعين متباينين، وذلك أن أول ما ولد النعمان ~~أبت عمرة أن تربيه حتى يجعل له بشير حديقة، ففعل ذلك، وأراد الإشهاد على ~~ذلك، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تشهدني إلا على عدل، فإني ~~لا أشهد على جور"، [(¬2)] هذا [تصريح] (¬3) بأن الحيف في النحل [بين ~~الأولاد] (¬4) غير جائز، فلما أتى على الصبي مدة، قالت عمرة. لبشير: أنحل ~~ابني هذا، فالتوى عليها مدة سنة أو سنتين [(¬5)]، فنحله غلاما، فلما جاء ~~المصطفى - صلى الله عليه وسلم - PageV07P467 # ليشهده قال: "لا تشهدني على جور"، قال ويشبه أن يكون [النعمان] (¬1) قد ~~نسي الحكم الأول، أو توهم أنه قد نسخ، وقوله - عليه الصلاة والسلام -[في ~~الكرة الثانية "لا تشهدني على جور"] (¬2)، زيادة تأكيد في نفي جوازه, [وما ~~يدل على الثاني] (¬3) أنه - عليه الصلاة والسلام - قال له: "ما هذا ~~الغلام"؟ قال: [(¬4)] أعطانيه أبي، [والنحل الأول كان عند امتناع عمرة من ~~تربيته عند ولادته] (¬5) هذا آخر كلامه (¬6). وهو نفيس [وروى الخطابي خبر PageV07P468 # النعمان هذا جابر السالف، وقال إنه أولى منه لأن جابرا احفظ له وأضبط, ~~لأن النعمان كان صغيرا وفي حديث جابر أنه شاوره -عليه الصلاة والسلام- قبل ~~الهبة فدله على ما هو الأولى به] (¬1). # قال القرطبي (¬2): حديث النعمان كثرت طرقه باختلاف ألفاظه حتى قال بعض ~~الناس: إنه مضطرب، وليس كذلك، ms1326 لأنه ليس في ألفاظه تناقض، والجمع ممكن. قال: ~~ومن أبعد التأويلات أن النهي إنما يتناول من وهب ماله كله لبعض ولده، كما ~~ذهب إليه سحنون، PageV07P469 # وكأنه لم يسمع في الحديث نفسه: أن الموهوب كان غلاما، فإنه إنما وهبه له ~~لما سألته أمه بعض الموهبة من ماله، وهذا يعلم منه على القطع أنه كان له ~~مال غيره. # تتمات: # أحدها: الكراهة والتحريم ظاهر فيما إذا استوى على أولاده في الحاجة ~~وقدرها أو عدمها، فإن تفاوتوا فليس في التفضيل والتخصيص المحذور [السالف] ~~(¬1) فتنبه له. # ثانيها: الأم في ذلك كالأب كما صرح به النووي في الروضة (¬2). قال: وكذا ~~الجد والجدة، وكذا الولد إذا وهب لوالديه، قال الدارمي (¬3): فإن فضل ~~فليفضل الأم. # وافهم كلام الغزالي وغيره أن الأقارب كالأخوة لا يجري فيهم الحكم ~~المذكور، ولا يبعد طرده فيهم، لما فيه من الإيحاش، نعم المحذور في الأولاد ~~عدم البر بخلاف هذا، كما نبه عليه صاحب "المطلب" (¬4) قال: وعلى الجملة لا ~~شك أن التسوية بينهم مطلوبة، PageV07P470 # لكنها دون طلب التسوية بين الأولاد. # ثالثها: إذا خالف فخص أو فضل، فالأولى أن يعطي للثاني ما يحصل به العدل، ~~وإلا استحب له أن يرجع. # ... PageV07P471 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 306/ 9/ 58 - عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث ترجم عليه البخاري، باب: إذا لم يشترط السنين في ~~المزارعة (¬2) ثم ذكره بعد بنحوه. # وترجم عليه المزارعة مع اليهود (¬3). PageV07P472 # الثاني: "خيبر" (¬1) اسم لحصون ومزارع ونخل كانت لليهود بينها وبين ~~المدينة بنحو أربع مراحل. وقال الحازمي: بينهما مسيرة أيام والسلوك إليها ~~من وراء أحد غزاها - صلى الله عليه وسلم - في أواخر المحرم سنة سبع من ~~الهجرة، وقال ابن دحية (¬2) في "تنويره": خرج إليها في صفر سنة سبع لأنه ~~قدم من الحديبية في ذي الحجة تمام سنة ست (¬3). # ويقال: خرج لهلال ربيع الأول وفيها عشرة آلاف مقاتل. # ونقل ابن الطلاع (¬4): عن ابن هشام أنه قال: ms1327 كانت في صفر PageV07P473 # سنة ست، وقد أسلفت هذا عنه في الحديث الثاني من كتاب الطهارة في ترجمة ~~أبي هريرة، وذكرت هنا [ك أن الشيخ تقي الدين جزم به في "شرحه" (¬1) ثم رأيت ~~بعد ذلك] (¬2) [أن] (¬3) الشيخ تقي الدين ابن الصلاح جزم [به] (¬4) في ~~"مشكله" أيضا. # ولما غزاها - صلى الله عليه وسلم - فتح الله تعالى عليهم [من] (¬5) ~~حصونهم عدة منها: حصن ناعم، والكتيبة (¬6)، فحاز أموالهم واشتد الحصار على ~~حصنين، وهما الوطيح (¬7) والسلالم (¬8) حتى أيقنوا بالهلكة، فسألوا أن ~~يسيرهم ويحقن دمائهم، ويخلوا له الأموال، ففعل ثم سألوا أن يعاملهم في ~~الأموال على النصف، فعاملهم على ذلك على أنه متى PageV07P474 # شاء أخرجهم، ولما بلغ ذلك أهل فدك أرسلوا يسألونه في ذلك , وكانت هذه ~~الحصون فيئا للمسلمين، وكانت فدك خالصة، واستمر اليهود على هذه المعاملة ~~إلى أن مضى صدر من خلافة عمر، فبلغه ما قاله - صلى الله عليه وسلم - في ~~وجعه: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان" (¬1) فأجلاهم عنها. # قال الحازمي: ويقال: أراضي خيبر الخيابر: وسميت خيبر باسم رجل من بين ~~العماليق (¬2) اسمه خيبر. PageV07P475 # وقيل: بمعاملتهم - عليه الصلاة والسلام - إياهم على الجزء (¬1) من ~~ثمارها. # قال المحب في "أحكامه": والأول أظهر. # واختلفوا كما قال القاضي عياض: هل فتحت صلحا أو عنوة أو بجلا أهلها عنها ~~بغير قتال أو بعضها صلحا، وبعضها عنوة [وبعضها جلا عنها أهله أو بعضها صلحا ~~وبعضها عنوة] (¬2)، وقال: وهذا أصح الأقوال وهي رواية مالك (¬3) ومن تبعه ~~وبه قال ابن عيينة PageV07P476 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P477 # قال: وفي كل قول أثر مروى. # وفي رواية لمسلم (¬1) أنه - عليه الصلاة والسلام -: "لما ظهر على خيبر ~~أرادا إخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله ~~وللمسلمين"، وهذا دليل لمن قال عنوة إذ حق المسلمين إنما هو في العنوة، ~~وظاهر قول من قال صلحا أنهم صولحوا على كون الأرض للمسلمين. # الثالث: "الشطر" هنا النصف ويطلق أيضا على النحو والمقصد ومنه قوله ~~تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم} (¬2) [أي نحوه] (¬3). # الرابع: حمل بعضهم معاملته -عليه الصلاة والسلام- لهم على أنها كانت ms1328 ~~مساقاة على النخيل وأن البياض المتخلل بين النخيل كان يسيرا، فتقع المزارعة ~~تبعا للمساقاة (¬4). PageV07P478 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P479 # وذهب بعضهم: إلى أن صورة هذه صورة مساقاة، وليست حقيقة، وأن الأرض كانت ~~قد ملكت بالاغتنام والقوم صاروا عبيدا فالأموال كلها له - صلى الله عليه ~~وسلم -، والذي جعل لهم منها بعض ماله، لينتفعوا به لا أنه حقيقة المعاملة، ~~وهذا كما قال الشيخ تقي الدين: يتوقف على أن خيبر استرقوا. فإنه ليس مجرد ~~الاستيلاء يحصل الاسترقاق للبالغين. # الخامس: في الحديث دلالة على جواز المساقاة في الجملة، وأنكرها أبو حنيفة ~~لأجل ما فيها من الغرر وبيع الثمر قبل بدو الزهو وأول هذا الحديث على أنهم ~~كانوا عبيدا (¬1) له وقد سلف ما فيه وقد PageV07P480 # وافقه من أصحابه زفر وخالفه صاحباه (¬1). # ثم اختلف المجوزون لها فيما يجوز عليه من الأشجار (¬2). PageV07P481 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P482 # فقصرها داود على النخل فقط، وكأنه رأى أن المساقاة رخصة فلم يعدها إلى ~~غير المنصوص عليه، وألحق الشافعي العنب بالنخل، لأنه كالنخل في معظم ~~الأبواب. # وحكى الروياني عن الشافعي: أن النص ورد فيه أيضا وهو ظاهر لفظه في ~~"المختصر". # وقال مالك: سبب الجواز الحاجة والمصلحة، فعداه إلى جميع الأشجار، وهو قول ~~الشافعي في القديم. # وحكى عن الأمام أحمد أيضا وهو المختار. # ثم للمساقاة شروط (¬1) محل الخوض فيها كتب الفروع، وقد أوضحناها فيها ~~ولله الحمد. # [قال الفاكهي: ومشهور مذهب مالك منعها في الزرع إلا إذا عجز عنه صاحبه] ~~(¬2). PageV07P483 # السادس: فيه دلالة أيضا على وجوب بيان الجزء المساقى عليه من نصف أو ربع ~~(¬1) أو غيرها من الأجر المعلومة فلا يجوز على مجهول، كقوله: على أن لك بعض ~~الثمرة فإنه -عليه الصلاة والسلام- عاملهم على الشطر وهو النصف كما تقدم ~~فيما يظهر. # السابع: فيه دلالة أيضا على جواز المزارعة تبعا للمساقاة، وهو مذهب ~~الشافعي والأكثرين، لقوله: "من ثمر أو زرع" فليساقيه على النخيل ومزارعة ~~الأرض. أما المزارعة: وحدها فقد سلف الكلام فيها مع المخابرة في الحديث ~~الثامن في باب ما نهى عنه من البيوع (¬2). # قال القرطبي (¬3): و "أو" هنا للتنويع أو بمعنى "الواو" كما ms1329 جاء في رواية ~~أخرى. PageV07P484 ### ||| AUTO الحديث العاشر # (¬1) # 307/ 10/ 58 - عن رافع بن خديج - رضي الله عنه - قال: "كنا أكثر الأنصار ~~حقلا، وكنا نكرى الأرض، على أن لنا هذه، ولهم هذه: "فربما أخرجت هذه، ولم ~~تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما بالورق: فلم ينهنا" (¬2). # ولمسلم: عن حنظلة بن قيس قال: "سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب ~~والورق؟ فقال: لا بأس به. إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بما على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، ~~فيهلك هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر ~~عنه، فأما شيء معلوم PageV07P485 # مضمون فلا بأس به" (¬1). # "الماذيانات" الأنهار الكبار، و"الجداول" النهر الصغير. # الكلام عليه من وجوه: # الأول: ترجم البخاري على هذا الحديث بما يكره من الشروط في المزارعة ~~(¬2): ثم ذكره بنحوه اللفظ الأول. # وذكره (¬3) قبل ذلك بنحو اللفظ الذي عزاه المصنف إلى مسلم. وقال في آخره: ~~"فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ"، وسياق المصنف الحديث من طريقيه هو لفظ ~~مسلم إلا أنه قال: "فلم يكن" بدل "ولم يكن" وقال: "كنا نكرى" بدل "فكنا"، ~~وقال: "وأما الورق" بإسقاط "الباء". # الثاني: في التعريف براويه وهو رافع بن خديج، وقد سلف في الحديث العاشر ~~في باب ما نهى عنه من البيوع (¬4). # وأما الراوي عنه فهو: حنظلة بن قيس، فهو زرقي أنصاري مدني تابعي فقيه ~~قليل الحديث، روى عن عثمان وغيره، وعنه جماعة منهم الزهري وقال: ما رأيت ~~رجلا أحزم ولا أجود رأيا منه , كأنه رجل قرشي. # الثالث: في الكلام على ألفاظه. PageV07P486 # الأول: "الحقل" -بفتح الحاء- الأرض التي تزرع وجمع الحقل: محاقل، وواحدها ~~محقلة من الحقل، وهو الزرع وسلف تفسير المحاقلة في باب ما نهى عنه من ~~البيوع (¬1). # الثاني: "الكراء" ممدود وهو الإجارة. # الثالث: "الماذيانات" بدال معجمة مكسورة ثم مثناة تحت ثم ألف ثم نون ثم ~~ألف ثم مثناة فوق. # وحكى القاضي (¬2) عن بعض الرواة في غير مسلم: فتح الدال وهو غريب وهذه ~~اللفظة معربة ليست عربية (¬3). # وفي ms1330 معناها قولان: # أحدهما: أنها مسايل المياه. # ثانيهما: ما نبت على حافتي سيل المياه، وفيها قول. # ثالث: وهو أنها ما نبت حول السواقي، وقد فسرها المصنف بالأنهار الكبار. # وقال القرطبي (¬4): [هي] (¬5) مسايل الماء المراد بها PageV07P487 # [هنا] (¬1) ما نبت على شطوط الجداول، ومسايل الماء، وهو من باب تسمية ~~الشيء باسم غيره، إذا كان مجاورا له، أو كان منه بسبب. # الرابع: "أقبال" -بفتح الهمزة- ثم قاف. # والجداول: جمع جدول أي أوائلها، ورؤسها. وقد فسره المصنف بالنهر الصغير, ~~وهو كالساقية الكبيرة. # وقال القرطبي (¬2): الجداول، السواقي، ويسمى [الجدول] (¬3) [الربع] (¬4)، ~~[والجمع: [ربعان] (¬5)، وقال الخليل: الأربعاء الجداول جميع ربيع. # وجزم النووي (¬6) في "شرحه": بأن الربيع:] (¬7) الساقية الصغيرة، وقال: ~~في الجداول إنه النهر الصغير كالساقية. ومعنى هذه الألفاظ أنهم كانوا ~~يدفعون الأرض إلى من يزرعها ببذر من عنده على أن يكون لمالك الأرض ما ينبت ~~على الماذيانات، وأقبال الجداول وهذه القطعة والباقي للعامل فنهوا عن ذلك ~~لما فيه من الغرر فربما هلل هذا دون ذلك وعكسه. PageV07P488 # الوجه الرابع: في أحكامه. # الأول: فيه دلالة على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، ورد على من منعه ~~مطلقا. والأحاديث المطلقة بالنهي عن كرائها مؤولة وقد أسلفنا المسألة ~~باختلاف العلماء فيها والجواب عما عارضها في الحديث الثامن من باب ما نهى ~~عنه من البيوع. # الثاني: فيه دلالة أيضا على أنه لا يجوز أن تكون الأجرة مجهولة. # الثالث: فيه دلالة أيضا على جواز كرائها بشيء معلوم [مضمون] (¬1) في ~~الذمة من الطعام لقول رافع: "فأما بشيء معلوم مضمون فلا بأس به" وخالف مالك ~~في الطعام، كما أسلفناه عنه هناك. # الرابع: فيه قبول خبر الواحد وأنه حجة. PageV07P489 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # 308/ 11/ 58 - عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -[قال] (¬1): "قضى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرى لمن وهبت له" (¬2). # وفي لفظ: "من أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها. لا ترجع إلى الذي ~~أعطاها. لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث" (¬3). # وقال جابر: "إنما العمرى التي أجازها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~أن يقول: ms1331 هي لك ولعقبك. فأما إذا قال: هي لك ما عشت: فإنها ترجع إلى ~~صاحبها" (¬4). PageV07P490 # وفي لفظ لمسلم: "أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمري ~~فهي للذي أعمرها: حيا، وميتا ولعقبه" (¬1). # والكلام عليه من وجوه: # الأول: ترجم البخاري على هذا الحديث ما قيل في العمرى والرقبي (¬2)، ~~وذكره باللفظ الأول بزيادة: "أنها قيل لمن وهبت له". # قال عبد الحق في "جمعه بين الصحيحين"، ولم يخرج البخاري عن جابر في ~~العمرى غيره، ولم يذكر في هذه الترجمة حديثا في الرقبى. # ولفظ مسلم: "أيما رجل أعمر رجلا عمرى"، بدل "من أعمر رجلا عمرى". # وله في لفظ آخر: "من أعمر رجلا عمرى له ولعقبه فقد قطع قوله: "حقه فيها. ~~وهي لمن أعمر ولعقبه". # وذكره بلفظ جابر أيضا المذكور في الكتاب وعجيب منه كونه عزى الأخير إلى ~~مسلم فإن ظاهره إن ما عداه في البخاري أيضا، وقد علمت كلام عبد الحق فيه ~~ولفظ مسلم في الأول: "العمرى لمن وهبت له". # والثاني: "العمرى" (¬3) فعلى من العمر [فيه لغة ثالثة فتح العين PageV07P491 # وإسكان الميم] (¬1)، وهي هبة المنافع مدة العمر، وهي على وجوه: # أحدها: أن يصرح بها للمعمر ولورثته من بعده فهذه هبة محققه يأخذها الوارث ~~بعد موته، فإن لم يكن فبيت المال. # [الثاني] (¬2): أن يعمر ويشترط الرجوع إليه بعد موت المعمر، وفي صحة هذه ~~العمرى خلاف لما فيها من تغيير وضع الهبة والأصح عند الشافعية الصحة، ~~وكأنهم عدلوا به عن قياس سائر الشروط الفاسدة. # [الثالث] (¬3): أن يقتصر على أنها للمعمر مدة حياته، ولا يتعرض لما بعد ~~الموت فأشهر أقوال الشافعي في القديم بطلانها لقول جابر السالف. # والجديد من مذهبه: الصحة وله حكم الهبة لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~(العمرى ميراث لأهلها) متفق عليه (¬4). من حديث أبي هريرة، والخلاف في هذه ~~مرتب على التي قبلها، وأولى بالصحة لعدم اشتراط شرط يخالف مقتضى العقد. PageV07P492 # وقول جابر: (قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرى لمن وهبت له) ~~يحتمل حمله على الصورة الثالثة وهو أقرب إذ ليس في اللفظ تقييد، ms1332 ويحتمل أن ~~يحمل على الثانية، وهو مبين بالكلام بعده في الرواية الأخرى، ويحتمل أن ~~يحمل على جميع الصور إذا قلنا إن مثل هذه الصيغة من الراوي تقتضي العموم، ~~وفي ذلك خلاف بين الأصوليين. # الثالث: في ألفاظه: # أعمر: -بضم أوله- على ما لم يسم فاعله أجود من الفتح كما نبه عليه ابن ~~الصلاح في "مشكل الوسيط". # والعقب: -بفتح أوله وكسر ثالثه وإسكانه أيضا مع فتح العين وإسكانها- كما ~~في نظائره، أولاد الإنسان ما تناسلوا. # وقوله: "لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث" يريد أنها التي شرط فيها له ~~ولعقبه، ويحتمل أن يريد يكون المراد صورة الإطلاق، ويؤخذ كونه وقعت فيه ~~المواريث من دليل آخر، ونص الحديث يبعده. # ومعنى قول جابر: "أجازها" أمضاها، وجعلها للعقب لا تعود. وقد نص على أنه ~~إذا قيدها بحياته تعود. وهو تأويل منه. ويجوز أن يكون رواه، أعني كقوله: ~~"إنما العمرى" إلى آخره، فإن كان مرويا فلا إشكال في العمل به، وإلا فيرجع ~~إلى أن تأويل الصحابي الراوي، هل يكون مقدما من حيث إنه [قد] (¬1) تقع له ~~قرائن تورثه العلم بالمراد، ولا يتفق تعبيره عنها. PageV07P493 # وقوله: "أمسكوا عليكم أموالكم" إلى آخره، المراد به إعلامهم أن العمري ~~هبة صحيحة ماضية، فإنهم كانوا يتوهمون أنها كالعارية يرجع فيها. # الرابع: في الحديث أحكام: # الأول: صحه العمري، وحكى الماوردي عن داود وأهل الظاهر وطائفة من أهل ~~الحديث (¬1) ذهبوا إلى بطلانها استدلالا بعموم النهى كذا نقله عنهم (¬2)، ~~وابن حزم (¬3) من الظاهرية قد قال بالصحة. # ثم أجاب الماوردي: بأن النهى متوجه إلى الحكم أو إلى اللفظ الجاهلي ~~والحكم المنسوخ. # وقال أحمد (¬4): تصح العمرى المطلقة PageV07P494 # [دون] (¬1) المؤقتة. # تنبيه: الرقبى كالعمرى، وقد نص ابن حزم من الظاهرية على صحتها أيضا (¬2). # الثاني: أن الموهوب له يملكها ملكا تاما، يتصرف فيها بالبيع وغيره من ~~التصرفات، وبه قال الشافعي والملك عنده، وعند PageV07P495 # الجمهور متوجه إلى الرقبة (¬1). # وقيل: إلى المنفعة فقط وهو مشهور مذهب مالك (¬2). # وقيل: في العمرى إلى الرقبة وفي الرقبى إلى المنفعة، وهو قول أبي حنيفة ~~ومحمد (¬3) ويحكى عنهما البطلان ms1333 فيهما. PageV07P496 # ودليل الجمهور الأحاديث الصحيحة في ذلك ولو قيل بتحريمها النهي وصحتها ~~للحديث لم يبعد كطلاق [الحائض] (¬1) لكنه غريب [في] (¬2) العقود. # الثالث: الأمر بإصلاح الأموال باتباع الشرع في التصرف فيها والنهي عن ~~إفسادها بمخالفته والتنبيه على التثبت فيما يخرجه حتى يتروى ويتدبر العاقبة ~~خوفا من الندم على ما فعل فيبطل أجره أو يقل. # الرابع: أن الهبة يملكها الموهوب له مدة حياته، وتورث بعده ولا يرجع فيها ~~الواهب في حياته، ولا بعد من وهبت له. # الخامس: [أن] (¬3) الموت والأرث، يقطعان جميع الأملاك. # السادس: أن الحيل المحرمة والمكروهة مفسدة للأموال. PageV07P497 ### ||| AUTO الحديث الثاني عشر # 309/ 12/ 58 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: (لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره. ثم يقول أبو ~~هريرة: مالي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم) (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث ذكره البخاري (¬2) في كتاب المظالم من "صحيحه" باللفظ ~~المذكور [إلا أنه قال: "لا يمنع"، بدل "لا يمنعن"، وقال: "لأرمينها"، بدل ~~"لأرمين بها"، وفي نسخة منه: "لأرمين بها". # ورواه مسلم بلفظ:] (¬3) "لا يمنع أحدكم جاره" إلى آخره. PageV07P498 # الثاني: اختلف أصحابنا فيما إذا أوصى لجيرانه على أوجه كثيرة أوضحتها في ~~"شرح المنهاج" والأصح عندهم أنه [تصرف] (¬1) إلى أربعين دارا من كل جانب، ~~وهو قول الأوزاعي، فإنه قال أربعون دارا من كل ناحية جار. # وقال قوم: من سمع الإقامة فهو جار المسجد ويقرر ذلك في الدور. # وقال آخرون: من سمع الأذان. # وقال آخرون: من ساكن رجلا في محلة أو مدينة فهو جاره، ومنه قوله تعالي: ~~{لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60)} (¬2). # واختلف المفسرون في قوله تعالى: {والجار ذي القربى والجار الجنب} (¬3) ~~على أقوال: # أحدها: أن الأول الجار القريب النسيب. # والثاني: الجار الذي لا قرابة بينك وبينه، قاله ابن عباس وطائفة. # ثانيها: أن الأول المسلم. # والثاني: الذمي. # ثالثها: أن الأول القريب المسكن منك. # والثاني: البعيد. PageV07P499 # قال ابن عطية (¬1): وهذا منتزع من حديث عائشة يا رسول الله إن لي جارين ms1334 ~~فإلى أيهما أهدى؟ قال: إلى أقربهما منك بابا" (¬2). # وقيل: إن الثاني: الزوجة، وقال بعض الأعراب: هو الذي يجيء فيحل حيث تقع ~~عينك عليه. # قلت: وكأن الجار من الألفاظ المشترك فيقع على المخالطة ومنه قول الأعشى ~~(¬3): أجارتنا بيني فإنك طالقة. # وعلى من بينه وبينه أربعون دارا من كل جانب. # الثالث: روى خشبه بالأفراد والجمع. # قال القاضي عياض: رويناه في "صحيح مسلم" وغيره من الأصول والمصنفات بهما. # وقال الطحاوي (¬4): عن روح بن الفرج سألت أبا زيد، والحارث بن مسكين، ~~ويونس بن عبد الأعلى فقالوا: كلهم بالتنوين على الأفراد. قال عبد الغنى بن ~~سعيد: كل الناس يقولونه بالجمع إلا الطحاوي (¬5). PageV07P500 # قال القرطبي (¬1): وإنما اعتنى هؤلاء الأئمة بتحقيق الرواية في هذا ~~الحرف, لأن أمر الخشبة الواحدة يخف على الجار المسامحة (¬2) بخلاف الجمع. # الرابع: الجدار، والجدر: الحائط قال الجوهري (¬3): الجدار: جدر، وجمع ~~الجدر [جدران] (¬4). PageV07P501 # الخامس: الضمير في "بها" وبعده في "عنها" عائد إلى غير مذكور لفظا بل ~~معنى وهي السنة، أي: فوالله لأرمين، بهذه السنة، وألزمكم العمل بها. # وقال القاضي حسين والإمام من أصحابنا: قيل: أراد لأكلفنكم ذلك، ولأضعن ~~جذوع الجار بين أكتافكم قصده به المبالغة، وقالا: إن ذلك جرى منه حين ولي ~~مكة أو المدينة. وجاء في سنن أبي داود (¬1): "فنكسوا رؤوسهم، فقال: ما لي ~~أراكم قد أعرضتم؟. . ." الحديث. # السادس: "أكتافكم" هو بالمثناة فوق، أي: بينكم، ورواه بعض رواة الموطأ ~~(¬2): "بالنون"، ومعناه أيضا بينكم. # والكتف: الجانب ومعنى الأول، أي: أصرح بينكم وأوجعكم بالتقريع بها كما ~~يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه. # وفي رواية في بعض نسخ مسلم، وعليها شرح القرطبي (¬3): "بين أظهركم" وفي ~~رواية لأبي عمر (¬4): "بين أعينكم وإن كرهتم". # السابع: في أحكام الحديث: # الأول: مراعاة حق الجار في كل شيء، حتى في دخول الضرر في ملكه. PageV07P502 # الثاني: تقديم حق الشرع على حظ النفس في الأملاك. # الثالث: قبول الشرع وإن كرهته النفس والانشراح له من غير إعراض عنه. # الرابع: عدم منع الجار من وضع خشبة على حائط جاره عارية إذا كانت خفيفة ~~لا تضر. # واختلف ms1335 العلماء في هذا المنع هل هو للتحريم أو للكراهة؟ وفيه قولان ~~للشافعي. # أحدهما: وهو نصه في القديم، وفي البويطي أيضا، وهو من الجديد أنه للتحريم (¬1). # وثانيهما: أنه للتنزيه (¬2)، وحمل الحديث -إذا كان بصيغة PageV07P503 # النهي -على التنزيه- وإذا كان بصيغة الأمر -على الاستحباب، وهذا القول هو ~~الصحيح من مذهب مالك أيضا، وبه قال: "أبو حنيفة (¬1) والكوفيون وعزى إلى ~~الأكثرين. وبالأول قال أحمد PageV07P504 # وأبو ثور وأصحاب الحديث (¬1): لظاهر قول أبي هريرة وإشعاره PageV07P505 # بالوجوب. # وقوله: (ما لي أراكم عنها معرضين) إلى آخره يقتضي التشديد، ولحوق المشقة ~~فيه، والكراهة لهم, لأنهم فهموا من الحديث الندب دون الإيجاب , فرده عليهم ~~, وبعض من انتصر للثاني أعاد الضمير في جداره إلى الجار، أي إذا وضع خشبة ~~على جدار نفسه، ليس لجاره منعه وإن تضرر بمنع الضوء ونحوه فيكون (¬1) ~~موافقا للأصول، ورجح بأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور. # واختار الروياني: التفصيل من أن يظهر بعيب فاعله أم لا، وإنما يجبر على ~~القول بشروط محل الخوض فيها كتب الفروع فإنه أليق بها، وقد ذكرتها في "شرح ~~المنهاج" وغيره ولله الحمد. # الخامس: تبليغ العلم لمن [لم] (¬2) يرده ولا استدعاه إذا كان من الأمور ~~المهمة وإقامة الحجة على المخالف ليرجع. PageV07P506 ### ||| AUTO الحديث الثالث عشر # 310/ 13/ 58 - عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض: طوقه [. .] (¬1) من سبع أرضين) (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في ألفاظه: "الظلم" [لغة] (¬3) وضع الشيء في غير موضعه. # (وقيد): بكسر القاف وإسكان الياء، أي قدر شبر يقال: قيد، وقاد وقيس، ~~وقاس، بمعنى واحد. # [وقيده] (¬4) بالشبر للمبالغة والتنبيه على ما زاد عليه فإنه أولى PageV07P507 # منه، ونظيره قوله - عليه الصلاة والسلام - في حديث آخر: "وإن كان قضيبا ~~من أراك". # وفي معنى: "طوقه", قولان: # أحدهما: جعل له الطوق في عنقه كالغل كما قال تعالى: {ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا ~~به} (¬1) وبه جزم الشيخ تقي الدين (¬2) وصححه البغوي ms1336 (¬3). # الثاني: أنه يطوق إثم ذلك، ويلزمه كلزوم الطوق في العنق، وفيه قول ثالث: ~~أنه يحمل مثله في سبع أرضين، قال تعالى: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} ~~(¬4) ويكلف إطاقة ذلك، ويطول الله عنقه كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ~~ضرسه (¬5). # وفيه قول رابع: أن يخسف به في مثل الطوق بها، ويؤيده رواية البخاري (¬6) ~~من حديث ابن عمر: "خسف به يوم القيامة إلى PageV07P508 # سبع أرضين". # وفيه قول خامس: أنه يجمع كل ذلك عليه. # قال القرطبي (¬1): وقد دل على ذلك ما رواه [الطبراني] (¬2) في هذا الحديث ~~[وقال] (¬3) كلفه [الله] (¬4) حمله حتى يبلغ سبع أرضين ثم يطوقه يوم ~~القيامة حتى يقضي بين [. .] (¬5) الناس". # و"الأرضون": بفتح الراء والإسكان قليل شاذ حكاه PageV07P509 # الجوهري (¬1) وغيره وجمعت بالواو والنون وإن فقدت الشروط جبرا لها لما ~~نقصها من ظهور علامة التأنيث إذ لم يقولوا أرضه كما جمعوا سنين بالواو ~~والنون عوضا من حذف لامها. # الثاني: هذا الحديث مصرح بأن الأرضين [سبع] (¬2) طباق وهو موافق لقوله ~~تعالى: {سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} (¬3). وأما تأويل المثلية على الهيئة ~~والشكل فخلاف الظاهر، وكذا قول من قال المراد بالحديث سبع أراضين من سبع ~~أقاليم لا إن الأرضين سبع طباق، وهو بعيد كما ذكرته في شرح الخطبة. # وأبطلوه بأنه لو كان كذلك لم يطوق الظالم الشبر من هذا الأقليم شيئا من ~~أقليم آخر، أي لأن الأصل في العقوبات المساواة بخلاف طبقات الأرض، فإنها ~~تابعة لهذا الشبر في الملك، فمن ملك شيئا من هذه الأرض ملكه وما تحته من ~~الطباق نعم عندنا خلاف في أن المعدن الباطن وهو ما لا يخرج إلا بعلاج كذهب ~~وفضة: هل يملك بالحفر والعمل في الموات بقصد التملك والأظهر من قولي ~~الشافعي المنع. # والثاني: تملك إلى القرار ولا خلاف عندنا أنه لو أحيا مواتا فظهر فيه ~~معدن ملكه لأنه من أجزاء الأرض بخلاف الركاز، فإنه مودع فيها. PageV07P510 # قال القاضي عياض: وقد جاء في غلظ الأرضين وطباقهن وما بينهن حديث ليس بثابت. # الثالث: في أحكامه: # الأول: تحريم الظلم ms1337 والغصب وتغليظ عقوبته. # الثاني: إمكان غصب الأرض وهو مذهب الشافعي والجمهور. # وقال أبو حنيفة: لا يتصور غصبها. # الثالث: أن بعض العقوبات يكون من جنس المعاصي في الصورة أو أزيد للتنفير ~~عن المعصية ولا يخفى أن هذه العقوبة مقيدة بعدم التوبة من هذه المعصية فأما ~~من تاب منها بشروطها فلا تطوق عليه. # الرابع: فيه أيضا التنبيه على أن من ملك أرضا ملكها إلى قرارها كما يملك ~~الهواء تبعا للملك وقد أسلفنا ذلك [. .] (¬1)، والخلاف ثابت عند المالكية ~~أيضا فيما إذا ملك أرضا هل يملك ما فيها من معدن أو كنز حكاه القرطبي (¬2). # فقيل: نعم. # وقيل: هو للمسلمين. # الخامس: استدل بهذا الحديث الداودي على أن السبع PageV07P511 # الأراضين لم يفتق بعضها من بعض قال: لأنه لو فتق بعضها من بعض لم يطوق ~~منه ما ينتفع به غيره (¬1). وفيما ذكره نظر، لأن لفظ السبع عدد وهو مقتضي ~~الانفصال المعدود بعضه من بعض. PageV07P512 ### || AUTO 59 - باب اللقطة # هي بفتح القاف على المشهور، كما أسلفته في الحديث الثاني من باب حرمة مكة ~~مع باقي اللغات الأربع فيها فراجعه من ثم. وذكر المصنف في الباب (¬1) حديثا ~~واحدا وهو: # 311/ 1/ 59 - عن زيد بن خالد الجهيني - رضي الله عنه - قال: "سئل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن [لقطة] (¬2) الذهب، والورق؟ فقال: اعرف ~~وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإنه لم تعرف، فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، ~~فإن جاء صاحبها يوما من الدهر فأداها إليه، وسأله عن ضالة الإبل؟، فقال: ~~مالك ولها؟ دعها. فإن معها حذاءها [وسقاءها] (¬3) ترد الماء، وتأكل الشجر، ~~حتى يجدها ربها، وسأله عن الشاة؟ فقال: خذها. فإنما هي لك، أو لأخيك، أو ~~للذئب" (¬4). PageV07P513 # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث بوب عليه البخاري أبوابا (ضالة الإبل) (¬1)، (ضالة ~~الغنم) (¬2) (إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة، فهي لمن وجدها) (¬3) [إذا ~~[جاء] (¬4) بعدها] (¬5) [من عرفها ولم يدفعها إلى السلطان] (¬6). # والسياق الذي ذكره المصنف هو لمسلم. # وقال عن "اللقطة الذهب والورق"، بدل من: "لقطة الذهب والورق"، وكذا هو في ~~بعض النسخ وبعض ms1338 الشروح وروايات البخاري بمعناه، ولم يذكر "الذهب والورق". PageV07P514 # وذكر عن يحيى بن سعيد أحد رواة الحديث الشك في رفع قوله: "ولتكن وديعة ~~عندك"، وفي رواية لمسلم: "فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءه فأعطها ~~إياه، وإلا فهي لك"، وفي رواية له: "عرفها سنة فإن لم تعرف فاعرف عفاصها ~~ووكاءها، ثم فكها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه" (¬1). PageV07P515 # الثاني: في التعريف براويه، وهو زيد بن خالد الجهيني -بضم الجيم- من ~~جهينة (¬1) وهي قبيلة من قضاعة، واسمه: زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف ~~بن قضاعة نزلوا الكوفة والبصرة. ينسب إليها خلق كثير من الصحابة والتابعين ~~ومن بعدهم، وقولي: اسمه زيد بن ليث، قاله السمعاني (¬2) لكن اعترض ابن ~~الأثير عليه وقال: جهينة هو ابن زيد. # وزيد هذا أعنى بن خالد مدني صحابي مشهور وكنيته أبو عبد الرحمن، ويقال: ~~أبو طلحة، ويقال: أبو محمد. وروى أيضا عن عثمان وغيره وعنه ابنه خالد ~~ومولاه أبو عميرة وسعيد بن المسيب وغيرهم، له أحاديث عدتها أحد وثمانون ~~حديثا اتفقا على خمسة وانفرد مسلم بثلاثة. # مات بالمدينة، وقيل: بالكوفة وقيل: بمصر سنة ثمان وسبعين. # وقيل: سنة ثمان وسبعين عن خمس وثمانين سنة وكان معه لواء جهينة يوم الفتح ~~(¬3). PageV07P516 # الثالث: هذا السائل قال الصعبي: في كلامه على رجال هذا الكتاب فيما رأيته ~~بخطه أنه بلال بن رباح المؤذن ولم أر من تعرض له سواه [ثم رأيته بعد في ~~كتاب بن بشكوال (¬1) PageV07P517 # ] (¬1). # وفي صحيح البخاري: "أن أعرابيا سأل". # الرابع: في ألفاظه. # قوله: "سئل عن اللقطة الذهب والورق" هو بالألف واللام في "اللقطة" غير ~~مضافة والذهب والورق بدل منها كما قدمته عن رواية مسلم. # قال الأزهري (¬2): وأجمع الرواة على تحريك "اللقطة" هنا وإن كان القياس ~~التسكين. PageV07P518 # و"العفاص"، و"الوكاء": بكسر أولهما وبعد العين فاء، ثم صاد مهملة، وهو ~~الوعاء من جلد وغيره (¬1). # والوكاء: ممدود. الخيط الذي تشد به. # قال القاضي عياض: ووهم بعضهم فقصره والصواب: # الأول: عند أهل اللغة، وإنما أمر بمعرفتها ليعرف صدق واصفها من كذبه، ~~ولئلا تختلط بماله ويستحب ms1339 تقييدها بالكتابة خوف النسيان. # وعن ابن داود من الشافعية: إن معرفتهما قبل حضور المالك مستحب. وقال ~~المتولي: يجب معرفتهما عند الالتقاط (¬2). # فرع: يعرف أيضا الجنس والقدر وكيل المكيال وطول الثوب وعرضه ودقته ~~وصفاقته. PageV07P519 # وقوله: "ثم عرفها سنة"، إتيان "ثم" (¬1) هنا يدل على المبالغة وشدة ~~التثبت في معرفة العفاص، والوكاء إذ كان وضعها للتراخي والمهلة فكأنه عبارة ~~عن قوله: لا تعجل وتثبت في عرفان ذلك نبه عليه الفاكهي. # وقوله: "فإن لم تعرف فاستنفقها" الأمر باستنفاقها أمر إباحة PageV07P520 # لا وجوب (¬1). # وقوله: "فلتكن وديعة عندك"، قال الشيخ تقي الدين (¬2): PageV07P521 # يحتمل أن يراد بذلك بعد الاستنفاق. ويكون قوله: "وديعة عندك" فيه مجاز في ~~لفظ: "الوديعة" فإنها تدل على الأعيان وإذا استنفق اللقطة لم تكن عينا. ~~فتجوز بلفظ: "الوديعة" (¬1) عن كون الشيء بحيث يرد إذا جاء ربه -أي فإنه ~~يجب عليه رده إليه كسائر الأمانات [ويحتمل أن تكون "الواو"، في قوله: ~~"ولتكن" [بمعنى "أو"] (¬2) فيكون حكمها حكم الودائع والأمانات] (¬3) إذا لم ~~يتملكها فإنه تكون أمانة عنده كالوديعة. # قوله: "فإن جاء صاحبها يوما من الدهر فأدها إليه" بمعنى إذا تحقق صدق ~~واصفها إما بوصفه لها بأمارة وإما ببينة (¬4) على PageV07P522 # اختلاف بين الفقهاء في ذلك فإنه يجب ردها إليه بعد تعريف الملتقط إياها. # وقوله: " [وسأله] (¬1) عن ضالة الإبل"، فالضالة: لا تقع إلا على الحيوان، ~~يقال: ضل البعير والإنسان وغيرهما من الحيوان وهي الضوال وأما الأمتعة وما ~~سوى الحيوان فيقال: فيه لقطة ولا يقال: ضال [قال الأزهري: [وغيره] (¬2) ~~يقال، (¬3) [للضوال: الهوامي (¬4) والهوافي، واحدتها: هامية، وهافية، [وهي ~~الهوامل، وقد] (¬5) وهمت وهفت، وهملت: إذا [ذهبت] (¬6) على وجهها بلا راع ~~(¬7) [ولا. . . . . . . . . . PageV07P523 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P524 # سائق] (¬1). # وقوله: "فإن معها حذاءها"، أي خفيها. # "وسقاؤها"، أي: جوفها. # وقال الماوردي: أعناقها. # وقال الشيخ تقي الدين: لما كانت مستغنية عن الحافظ [والمتعهد] (¬2) ~~والنفقة عليه بما ركب في طبعها من الجلادة على العطش، والحفاء، عبر عنها ~~"بالحذاء والسقاء" مجازان. كأنها استغنت بقوتها عن الماء والحذاء، أي فلا ~~حاجة إلى التقاطها لعدم الخوف عليها. # وقوله: "وسأله عن الشاة"، إلى آخره يريد ms1340 أنه لما كانت الشاة الضالة عاجزة ~~عن القيام بنفسها بغير حافظ ومتعهد وخيف عليها الضياع، إن لم يلتقطها أحد. ~~وفي ذلك إتلاف لماليتها على مالكها اقتضى الأذن في التقاطها لأنه لابد منه ~~إما لهذا الواجد أو لغيره. # الوجه الخامس: في أحكامه. # الأول: جواز أخذ اللقطة وهل هو مستحب أو واجب, فيه خلاف وتفصيل محله كتب ~~الفروع، والأصح عدم الوجوب (¬3). PageV07P525 # الثاني: وجوب التعريف سنة. # قال القاضي عياض: وهو إجماع قال: ولم يشترط أحد تعريف ثلاث سنين إلا ما ~~روى عن عمر بن الخطاب ولعله لم يثبت عنده (¬1) [وحكى المحب في "أحكامه" عن ~~أحمد أنه يعرفها شهرا PageV07P526 # وعن آخرين ثلاثة أيام وحكاه عن الشافعي] (¬1). # قلت: والتعريف على العادة كما أوضحناه في كتب الفروع ثم هذا إذا أراد ~~تملكها فإن أراد حفظها على صاحبها فقط فالأكثرون من أصحابنا على أنه لا يجب ~~عليه التعريف والحالة هذه والأقوى الوجوب (¬2). # الثالث: ظاهر الحديث أنه لا فرق بين الكثير والقليل في وجوب التعريف، وفي مدته. # والأصح عند الشافعية: أنه لا يجب تعريف القليل سنة بل زمنا يظن أن فاقده ~~يعرض عنه غالبا. # واختلفوا في ضابط الحقير على خمسة أوجه: PageV07P527 # أصحها: أنه ما يقل أسف فاقده عليه غالبا. وباقيها ذكرتها في "شرح ~~المنهاج" وغيره (¬1). # الرابع: إباحة استنفاقها بعد تملكها. PageV07P528 # الخامس: أن الملتقط أولى بذلك من غيره. # السادس: وجوب ردها إلى صاحبها بعينها أو ما يقوم مقامه بعد تعريفها ~~واستنفاقها أو تملكها (¬1) إذا تحقق صدقه. # وأغرب الكرابيسي من الشافعية فقال: لا يلزمه ردها ولا رد بدلها. وهو قول ~~داود في البدل، وقول مالك في الشاة. # واختلف الفقهاء هل يتوقف وجوب الرد على إقامة البينة أو يكتفي بوصفه ~~لأماراتها التي عرفها الملتقط (¬2) أولا؟ # ومشهور مذهب مالك اعتبار وفي العدد في النقدين ومنشأ الخلاف ذكره في حديث ~~أبي بن كعب وعدم ذكره في حديث زيد بن خالد. # واختلفوا: إذا أتى ببعض العلامات المغلبة على الظن صدقه هل يعطاها أو ~~لابد من جميع العلامات على قولين PageV07P529 # عندهم (¬1). # قالوا: ولو عرف العفاص ms1341 دون الوكاء أو بالعكس استبرىء بها ثم دفعت إليها ~~ولو عرف العفاص، أو الوكاء، وحده وعرف آخر عدد الدنانير ووزنها كانت لمن ~~عرف العفاص أو الوكاء. # وقيل: يقسم بينهما بعد التحالف. # السابع: امتناع التقاط ضالة الإبل إذا استغنت بقوتها عن حفظها، وخالف أبو ~~حنيفة، فقال: يجوز مطلقا. # وعند الشافعية: يجوز التقاطها للحفظ دون التملك، اللهم إلا أن توجد بقرية ~~أو بلد فيجوز التملك على الأصح، ويلتحق بالإبل، كل ما امتنع بقوته عن صغار ~~السباع كالفرس والأرنب والظبي. # وعند المالكية ثلاثة أقوال في [التقاط الإبل، ثالثها: يجوز في القرى دون ~~الصحراء وعندهم ثلاثة أقوال أيضا] (¬2) في إلحاق البقر والخيل والحمير ~~بالإبل، ثالثها: لابن القاسم يلحق البقر دون غيره PageV07P530 # [إذا كانت بمكان لا يخاف عليها فيه من السباع واحترزت بقولي في الإبل إذا ~~استغنت بقوتها عن حفظها أما إذا كانت] (¬1) مهزولة لا تنبعث فإنها كالغنم ~~كما شرح به الخطابي (¬2) وعن الفصيل (¬3) منها [فإنه] (¬4) كالشاة. # الثامن: التقاط ضالة الشاة إذا خيف إتلاف ماليتها على مالكها (¬5). PageV07P531 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P532 # التاسع: أن الضالة لا تزول ملك صاحبها عنها بضلالها وأنه متى وجدها أخذها. # العاشر: جواز قول: رب المال. ورب المتاع. ورب الماشية بمعنى صاحبها، وهذا ~~قول جمهور أهل العلم: # ومنهم من كره إضافته إلى ماله روح: دون الدار، والمال، ونحوه وهو غلط ~~(¬1). PageV07P533 # الحادي عشر: في معنى الشاة كل ما يسرع إليه الفساد من الأطعمة فيأكله ~~ويضمنه وفيه ما سلف. PageV07P534 # فروع: إذا عرفها سنة لم يملكها حتى يختاره بلفظ على أصح الأوجه عندنا. # وقيل: تكفي النية. # وقيل: تملك بمضي السنة وإن لم يرضى بالتملك إذا قصد عند الأخذ التملك بعد ~~التعريف, لأنه جاء في رواية لمسلم: "فإن جاء صاحبها فاعطها إياه وإلا فهي ~~لك" (¬1) [وقيل] (¬2): غير ذلك. # ولا يفتقد التقاط اللقطة وتملكها إلى حكم حاكم ولا إلى إذن السلطان ~~بالإجماع، ولا فرق عندنا وعند الجمهور بين الغني والفقير (¬3) وفروع الباب ~~كثيرة مفسرة ومحل الخوض فيها كتب PageV07P535 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV07P536 # الفروع وقد أوضحتها فيها, ولله الحمد. # ... # انتهى الجزء السابع ويليه الجزء الثامن وأوله ms1342 كتاب الوصايا PageV07P537 # الإعلام بفوائد عمدة الأحكام # للإمام الحافظ العلامة # أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي # المعروف بابن الملقن # (723 - 804) ه # تقديم # فضيلة الشيخ # صالح بن فوزان الفوزان # عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # فضيلة الشيخ # بكر بن عبد الله أبو زيد # عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه # عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح # غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين # الجزء الثامن # كتاب الوصايا - كتاب اللعان # (312 - 348) حديث # دار العاصمة # للنشر والتوزيع PageV08P001 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV08P002 ### | AUTO كتاب الوصايا PageV08P005 ### || CHECK 60 - [كتاب] الوصايا # 60 - [كتاب] (¬1) الوصايا # وهي جمع وصية، مأخوذة من وصيت الشيء أصيه: إذا وصلته، فالموصي وصل ما كان ~~له في حياته بما بعد موته، ويقال: أوصيت لفلان بكذا، أو أوصيت إليه: إذا ~~جعلته وصيا [والاسم: الوصية والوصاية] (¬2). # وهي في الشرع: تفويض خاص بما بعد الموت. # وذكر فيه -رحمه الله-[ثلاثة] (¬3) أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 312/ 1/ 60 - عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # قال: "ما حق امريء مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة ~~عنده" (¬4). PageV08P007 # زاد مسلم: قال ابن عمر: "وما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول ذلك، إلا وعندي وصيتي". # الكلام عليه من وجوه: # الأول: فيه دلالة على الحث على الوصية لمن له شيء يوصي فيه (¬1). # أما من عليه حقوق مالية وله مال، ولم يبق له وقت في الحياة ما يسع وفاءه ~~بنفسه ولا بغيره؛ فإن الوصية بذلك واجبة حتما متعينة، ولا يدخل ذلك في لفظ ~~الحديث، إلا أن يأول "فيه" بمعنى "عليه" وفيه بمعنى "به"، والإجماع قائم ~~على الأمر بالوصية، لكنه عند الجمهور منهم الشافعي أمر ندب. # وخالف داود وغيره من أهل الظاهر فقالوا: إنه أمر إيجاب؛ لهذا الحديث، ولا ~~دلالة فيه لهم؛ لعدم التصريح به، وإنما هو دال PageV08P008 # على تأكيدها والحث عليها والحق الثابت، ولا ms1343 يلزم منه الوجوب. # قال الشافعي: يحتمل، أن يكون معناه: [ما الحزم] (¬1) والاحتياط للمسلم ~~إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده، فيستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحته ويشهد ~~عليها، ويكتب فيها ما يحتاج إليه؛ لأنه قد يفجأه الموت، وما ينبغي أن يغفل ~~المؤمن عن الموت والاستعداد له. # ويحتمل أن يكون معناه: ما المعروف في مكارم الأخلاق إلا هذا (¬2)، وهو ~~مثل ما روي أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "حق على كل مسلم أن يغتسل في ~~الأسبوع مرة" (¬3). PageV08P009 # قال الشيخ زكي الدين (¬1): ويؤيد الأول أنه جاء في رواية: "لا يحل لامرىء ~~مسلم له مال. . . ." الحديث، لكن هذه اللفظة شاذة. # قلت: رواها ابن عون عن نافع، عن ابن عمر، ولم يتابع عليها، وفي رواية ~~لابن عبد البر: "لا ينبغي لأحد عنده مال يوصي فيه أن يأتي عليه ليلتان إلا ~~وعنده وصيته"، قال أبو عمر: وقول من قال: "مال" أولى من [قول من] (¬2) قال: ~~"شيء"، لأن الشيء يقع على الكثير والقليل، وقد أجمع العلماء على أن من لم ~~يكن عنده إلا اليسير التافه من المال أنه لا يندب له الوصية (¬3). # تنبيه: لو فرغ من وصيته ثم تجدد له أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقه. # قال العلماء: ولا يكلف [أن يكتب] (¬4) كل يوم محتقرات المعاملات، وجزئيات ~~الأمور المتكررة، كالشيء الذي جرت العادة باستدانته ورده على قرب للمشقة، ~~ولا خلاف في استحباب الوصية بالقربة، ورخص في الليلتين وكذا الثلاث، كما ~~جاء في رواية لمسلم رفعا للحرج والعسر فيها، ومن الغرائب حمل هذا الحديث ~~على أنه PageV08P010 # ورد في الوقت الذي كتب عليهم فيه الوصية. # الثاني: فيه أيضا دلالة على أنها لا تشرع لمن ليس له شيء يوصي فيه ولا به. # الثالث: جواز العمل بالكتابة فيها، وبه قال الإمام محمد [بن] (¬1) نصر ~~المروزي من أصحابنا، وقال: إنها كافية فيها من غير إشهاد؛ لظاهر الحديث، ~~وخالف إمامه والجمهور، فإنهم قالوا: لابد من الإشهاد. # وعند مالك: أنه إذا لم يشهد لا يعمل بخطه إلا فيما يكون فيها من إقرار ~~الحق لمن لا يتهم ms1344 عليه. # الرابع: [فيه] (¬2) منقبة ظاهرة لابن عمر - رضي الله عنه - لمبادرته إلى ~~امتثال الأمر ومواظبته عليه، وقد كان - رضي الله عنه - شديد الاتباع [له] (¬3). # الخامس: فيه الحث على تهيؤ الإنسان للموت ويبادر بما عساه أن لا يدركه ~~فإنه لا يدري [متي] (¬4) القدوم. # السادس: لعل التقييد بالمسلم خرج على الغالب، فإن الكافر مكلف بالفروع ~~أيضا على الصحيح. PageV08P011 # خاتمة: أسلفنا أن الوصية قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وعزاها بعضهم ~~إلى باقي الأحكام الخمسة وأنه إن رجا من تركها كثرة الأجر فمكروه، وإن رجا ~~من فعلها كثرته فمستحبة، وإن تقاربا فمباحة، والمحرمة فيما إذا أوصى ~~بمعصية. PageV08P012 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 313/ 2/ 60 - عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: "جاءني رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: يا ~~رسول الله قد [بلغني من] (¬1) الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ~~ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا، ~~قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن ~~تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت ~~عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك: قال: قلت يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟ ~~قال: إنك لن تخلف فتعمل عملا تبنغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ~~ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، اللهم امض لأصحابي ~~هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أن مات بمكة" (¬2). PageV08P013 # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه، وهو أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص، واسمه مالك بن ~~وهيب [قال] (¬1) العسكري: وابن إسحاق يقول: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن ~~كلاب بن مرة القرشي الزهري، أحد العشرة وآخرهم موتا، وأول من رمى بسهم في ~~سبيل الله، وفارس الإسلام وحارس النبي في مغازيه وسابع سبعة [فيه] (¬2)، ~~أسلم ms1345 قديما وهو ابن سبع عشرة، وقيل: خمس عشرة. وروي عنه أنه قال: أسلمت قبل ~~أن تفرض الصلوات. # أمه: حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، روى عنه بنوه ~~إبراهيم ومحمد وعمر وعامر ومصعب وعائشة وغيرهم، شهد بدرا والمشاهد، وكان ~~أحد الستة أولي الشورى، وقال عمر: إن وليها [سعد] (¬3) فذاك، وإلا فليستعن ~~به الوالي، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة. # وكان مجاب الدعوة مشهورا بذلك، دعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"اللهم سدد رميته وأجب دعوته"، وهو الذي كوف الكوفة، وطرد الأعاجم، وتولى ~~قتال فارس، أمره عمر على ذلك، وفتح الله على يديه أكثر فارس، وفتح القادسية ~~وغيرها PageV08P014 # [ولي] (¬1) الكوفة لعمر مرتين، ثم ولاه عثمان، ثم عزله بالوليد بن عقبة. # ثم كان ممن لزم بيته في الفتنة، وأمر أهله أن لا يخبروه من أخبار الناس ~~بشيء حتى تجتمع الأمة على إمام، ورامه ابنه عمر أن يدعو إلى نفسه بعد قتل ~~عثمان فأبى، ومناقبه جمة. # روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مئتا [. .] (¬2) وسبعون حديثا، ~~اتفقا منها على خمسة، وانفرد البخاري بخمسة [. .] (¬3)، ومسلم بثمانية عشر، ~~مات بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل على الرقاب إلى البقيع، ~~فدفن بها سنة خمس وخمسين على الأصح، وقيل: سنة ثمان، وهو أشهر وأكثر عن ~~ثلاث وسبعين سنة، وقيل: أربع، وقيل: عن اثنتين وثمانين، وقيل: ثلاث. # فائدة: في الصحابة من اسمه سعد بن مالك غير هذا: أبو سعيد الخدري: سعد بن ~~مالك، وسعد بن مالك العذري، قدم في وفد عذرة على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وأما سعد بن خولة: الواقع في أثناء المتن، فهو من بني عامر بن لؤي كما ~~نقله البخاري في صحيحه عن سفيان، وهو من أنفسهم، وقيل: من حلفائهم، وقال ~~ابن حبان في ثقاته: إنه مولى حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود، وذكره ~~موسى بن عقبة PageV08P015 # في البدريين في بني عامر بن لؤي، وكان من مهاجرة الحبشة الثانية، ويقال ~~فيه: ms1346 ابن خولي بدل من خولة، وغاير العسكري في [الصحابة بينهما] (¬1)، وذكر ~~البخاري أنه هاجر وشهد بدرا وغيرها، قالوا: وتوفي بالكوفة سنة عشرة، وانفرد ~~ابن جرير فقال: سنة سبع. # وهو زوج سبيعة الأسلمية الآتية في باب العدة. # وقال ابن عبد البر في الكنى: زوجها هو أبو البيداح بن عاصم بن عدي ~~الأنصاري. # الوجه الثاني: في بيان المبهم الواقع فيه، وهو قوله: " (¬2) لا يرثني إلا ~~ابنة" وهذه الابنة اسمها [عائشة] (¬3) كما جاء في البخاري، ثم عوفي سعد بعد ~~ذلك، وجاءه عدة أولاد سلف اسمهم في ترجمة أبيهم، قال علي بن المديني (¬4): ~~بنو سعد بن أبي وقاص سبعة: مصعب، وعامر، ومحمد، وإبراهيم , وعمر، ويحيى، ~~وعائشة، وزاد أبو زرعة ثامنا، وهو إسحاق. # الوجه الثالث: هذا الحديث ذكره البخاري في مواضع: وضع اليد على المريض ~~(¬5)، من رواية عائشة ابنته أن أباها قال: تشكيت بمكة شكوى شديدة، فجاءني ~~النبي يعودني، فقلت: يا نبي الله، إني أترك مالا، وإني لم أترك إلا بنتا ~~واحدة، أفأوصي بثلثي مالي PageV08P016 # وأترك الثلث؟ قال: لا، قلت: أفأوصي بالنصف وأترك النصف؟ قال: لا، قلت: ~~أفأوصي بالثلث وأترك لها الثلثين؟ قال: الثلث، والثلث كثير، ثم وضع يده على ~~جبهته، ثم مسح يده على وجهي وبطني، ثم قال: "اللهم اشف سعدا، وأتمم له ~~هجرته"، فما زلت أجد برده على كبدي فيما يخال إلي حتى الساعة. # وذكره في باب قول المريض: إني وجع (¬1)، من حديث عامر بن سعد، عن أبيه ~~قال: جاءنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني من وجع اشتد بي زمن ~~حجة الوداع، فذكره بنحوه إلى [قوله] (¬2) "امرأتك". # وذكره في الوصايا (¬3)، من هذا الوجه أيضا بلفظ: "جاء النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، ~~قال: "يرحم الله ابن عفراء"، قلت: يا ر سول الله، أوصي بمالي كله؟ " فذكره ~~بنحوه، وزاد بعد قوله: "في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس ويضر ~~بك آخرون، ولم يكن له يومئذ إلا ابنة". # قوله: "ابن عفراء" ms1347 (¬4)، قيل: إنه وهم ولعله من سعد بن PageV08P017 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P018 # إبراهيم، وفي رواية للنسائي: "يرحم الله سعد بن عفراء، مرتين". # ثم ذكره -أعني البخاري- بعد من هذا الوجه (¬1) بلفظ: "فقلت: يا رسول ~~الله، ادع الله أن لا يردني على عقبي، قال: "لعل الله أن يرفعك، وينفع بك ~~ناسا" , قلت: أريد أن أوصي، وإنما لي ابنة، أفأوصي بالنصف؟ قال: "النصف ~~كثير"، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير". # قال: فأوصي الناس بالثلث، وجاز ذلك لهم. # وذكره في الفرائض (¬2) في ميراث البنات بنحو سياقة أفراد المصنف، ولم يقل ~~فيه: "اللهم امض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم" هذه طرق روايات ~~البخاري (¬3). PageV08P019 # قال عبد الحق في "جمعه": وفي بعض طرقه: "كثيرا" و "كثير" وفي بعضها ~~"كبير" بالباء الموحدة، قال: وليس في كتابه "وكان يكره أن يموت بالأرض التي ~~هاجر منها"، أي: وإنما هي من أفراد مسلم، وهو عجيب، فهو فيه في الوصايا ~~(¬1) كما سقته لك، لكنه قال: وهو "يكره" بدل "وكان". # وأخرجه مسلم (¬2) بألفاظ منها: "عادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله! بلغ بي ما ~~ترى من الوجع". إلى آخر رواية المصنف، وفيه بعض التفاوت. PageV08P020 # ومنها: أنه -عليه الصلاة والسلام-[دخل] (¬1) على سعد يعوده بمكة فبكى، ~~قال: "ما يبكيك؟ " فقال: قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات ~~سعد بن خولة، فقال -عليه الصلاة والسلام- "اللهم اشف سعدا، ثلاث، [ثم ذكر ~~قصة الوصية بنحوها. # الوجه] (¬2) الرابع: في ألفاظه: # الأول: معنى "عادني": زارني، ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض، فأما ~~الزيارة فأكثرها للصحيح، وقد تقال: للمريض. # وأما قوله -تعالى- {حتى زرتم المقابر (2)} (¬3) فكناية عن الموت، ~~[والوجع: اسم لكل مرض، قاله الحربي] (¬4). # وقوله: "اشتد بي" قد جاء في الرواية الأخرى التي أسلفناها: "أشفيت منه ~~على الموت" ومعنى: "أشفيت": [قاربت] (¬5)، يقال: أشفى [على كذا] (¬6) ~~وأشافه عليه: [إذا قاربه] (¬7)، قالوا: ولا يقال: أشفى إلا في الشر، بخلاف ~~أشرف، وقارب، ونحو ذلك. PageV08P021 # وروى أبو نعيم في كتاب "الطب" (¬1): أنه -عليه الصلاة ms1348 والسلام- لما عاد ~~سعدا بمكة قال: ادعوا له طبيبا، فدعي له الحارث بن كلدة فنظر إليه فقال: ~~ليس عليك بأس، ثم وصف له عجوة وحلبة يطحنان ويحسوهما فيبرأ. # وفي رواية له: "إن سعدا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة ~~الوداع فعاده فقال يا رسول الله ما أراني إلا لما بي، فقال: إني لأرجو أن ~~يشفيك الله حتى يضر بك قوما، وينفع بك آخرين، ثم قال للحارث بن كلدة: عالج ~~سعدا مما به، فقال: والله إني لأرجو أن يكون شفاؤه مما معه في رحله، ثم ~~قال: هل معكم من [هذه الثمرة] (¬2) العجوة شيء؟ قال: نعم، قال: فصنعه له ~~بحلبة ثم أوسعها سمنا، وحساها، فكأنما نشط من عقال. # وقوله: "عام حجة الوداع" هو الصحيح، قال البيهقي (¬3): PageV08P022 # خالف سفيان الجماعة فقال: عام الفتح، والصحيح: في حجة الوداع. # الثاني: قوله: "ولا يرثني إلا ابنة" أي من الولد وخواص الورثة، وإلا فقد ~~كان له عصبة، فيؤخذ صحة ميراث ذي السهم مع [العصبة] (¬1) ولا خلاف فيه. # وفيه قول ثان: إن معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض سواها. # وقال القاضي: معناه لا يرثني من الولد ممن يعز علي تركه عالة، وإلا فقد ~~كان [له عصبة] (¬2) ورثه (¬3). PageV08P023 # وقيل: يحتمل [أنه لا يرثه من النساء غيرها] (¬1)، وقيل: يحتمل أنه ~~[استكثر بها] (¬2) نصف تركته، أو ظن أنها تنفرد بجميع المال، أو على عادة ~~العرب من أنها لا تعد المال للنساء، إنما كانت تعده للرجال (¬3). # الثالث: قوله: "أفأتصدق بثلثي مالي؟ " يحتمل أنه يريد: منجزا PageV08P024 # أو معلقا بما بعد الموت، وحمله أصحابنا على الثاني لأجل رواية البخاري ~~السالفة: "أفأوصي بثلثي مالي" والشطر ها: النصف؛ بدليل رواية البخاري ~~السالفة: فأوصي بالنصف. # الرابع: قوله: "الثلث والثلث كثير"، يجوز في الثلث الأول نصبه ورفعه، كما ~~قال القاضي (¬1)، فالنصب على الإغراء: أي دونك PageV08P025 # الثلث، أو على تقدير فعل، أي: أعط الثلث، أو أخرجه، ونحو ذلك، وقدم ~~القرطبي (¬1) الأول على هذا، والرفع على أنه فاعل بفعل مقدر، أي: يكفيك ~~الثلث، أو على أنه مبتدأ حذف ms1349 خبره، أي: الثلث كاف، أو خبر حذف مبتدأه: أي ~~المشروع الثلث، ونحو ذلك، وضعف الأول القرطبي بأنه لا يكون [ذلك] (¬2) إلا ~~بعد أن يكون في صدر الكلام ما يدل على الفعل دلالة واضحة، كقوله -تعالى-: ~~{وإن أحد من المشركين استجارك} (¬3) على خلاف بين الكوفيين والبصريين، ~~فالبصريون [يرفعونه] (¬4) بالفعل، والكوفيون بالابتداء. # وقوله: "كثير" هو بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة [كما سلف] (¬5) وكلاهما صحيح. # وقوله: "والثلث كثير" يجوز أن يكون مسوقا لبيان الجواز بالثلث وأن الأولى ~~أن ينقص عنه، وهو [ما يبتدره] (¬6) الفهم، ويجوز أن يكون لبيان أن التصدق ~~بالثلث هو الأكمل، ويكون تقديره: والثلث كثير، أو كبير أجره. PageV08P026 # وعبارة الشافعي (¬1): أنه يحتمل أن يكون معناه: كبير، أي غير قليل، وهذا ~~أولى معانيه (¬2)، كما قال. # الخامس: قوله: "إن تذر ورثتك أغنياء"، روي بفتح الهمزة وكسرها، فالفتح ~~على تقدير: إنك وتركك ورثتك أغنياء، والكسر على الشرط، قاله القاضي (¬3) ~~ونقله النووي في "شرحه" (¬4) عنه، وأن كلاهما صحيح، وقال القرطبي (¬5): ~~روايتنا بالفتح وأن مع الفعل بتأويل المصدر في موضع رفع بالابتداء، وخبره ~~"خير" المذكور بعده، والمبتدأ وخبره خبر "إنك" تقدير: إنك تركك ورثتك ~~أغنياء خير من تركهم فقراء. # وقد وهم من كسرها وجعلها شرطا، إذ لا جواب له، ويبقى "خير" لا رافع له. # [قال] (¬6) غيره: إلا أن يحمل على حذف الفاء الجوابية مع المبتدأ، وجعل ~~خير خبرا للمبتدأ المحذوف ويكون التقدير: إنك أن تذر ورثتك أغنياء فهو خير ~~من أن تذرهم عالة. لكنه بعيد وبأنه [خاص] (¬7) بالشعر فلا يليق PageV08P027 # حمل الحديث عليه (¬1). # وقوله: "ورثتك" إنما قاله بعد أن أخبره بأنه إنما يرثه إلا ابنة اطلاعا ~~منه - عليه الصلاة والسلام - على ما سيأتي (¬2). PageV08P028 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P029 # قال الفاكهي: قيل: إنه ولد له بعد ذلك أربعة بنين، ولا أعرف أسماءهم، ~~ولعل الله أن يفتح بمعرفتهم فألحقهم. # قلت: قد قدمنا أن له سبعة أولاد غير هذه الابنة بأسمائهم، فاستفده أنت. # وقال القرطبي: فاق من مرضه، وكان له ثلاثة من الولد ذكور، أحدهم اسمه عامر. # قلت: فاستفد أنت الأربعة الزائدة عليهم. # السادس: "العالة" ms1350 الفقراء، والفعل منه: عال، يعيل: إذا افتقر. # ومعنى: "يتكففون الناس" يسألون الصدقة بأكفهم، وهو من الألفاظ [الوجيزة] ~~(¬1) وحكى صاحب (التنقيب) (¬2) على المهذب، فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يمدون ويأخذون ما يعطون بأكفهم، (¬3) يسألون الناس ما في أكفهم. PageV08P030 # ثالثها: يسألون كفافا، وفي رواية لمسلم: "يتكففون الناس، [وقال] (¬1) ~~بيده" وهو يؤيد القول الأول والثاني. # وقوله: "حتى ما تجعله في في امرأتك" [صدقة] (¬2) فخصها بالذكر، لأن ~~نفقتها دائمة، تعود منفعتها إلى المنفق، فإنما يخرجها في بدنها ولباسها ~~وغير ذلك، بخلاف النفقة على غيرها. # السابع: قوله: "قلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟ " إلى آخره، أي: أخلف ~~بمكة بعد أصحابي، كأنه أشفق من موته بمكة بعد أن هاجر منها وتركها لله، ~~فخشي أن يقدح ذلك بهجرته أو في ثوابه، عليها، أو خشية بقائه بمكة بعد ~~انصراف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة وتخلفه عنهم بسبب ~~المرض، [فإنهم كانوا] (¬3) يكرهون الرجوع فيما تركوه لله -تعالى-، وقد جاء ~~في رواية أخرى: "أخلف عن هجرتي" أو أنه [سأله] (¬4) عن طول عمره وبقائه بعد ~~أصحابه. # قال القاضي عياض: قيل: أن حكم الهجرة باق بعد الفتح لهذا الحديث، وقيل: ~~إنما ذلك لمن هاجر قبل الفتح فأما من هاجر بعده فلا. # قال: واختلفوا في أن تخلف المهاجر بمكة: هل يحبط عمله PageV08P031 # إذا مات بها، إذا كان باختياره أم مطلقا؟ على قولين، قال: وقيل: لم تفرض ~~الهجرة إلا على أهل مكة خاصة (¬1). # الثامن: قوله: "ولعلك أن تخلف" إلى آخره، المراد بتخلفه: طول عمره وبقائه ~~بعد جماعات من أصحابه، وكان كذلك فعاش بعد ذلك نيفا على أربعين سنة، وفتح ~~العراق وغيره، وانتفع به أقوام في دينهم ودنياهم، وتضرر به الكفار في دينهم ~~ودنياهم، فإنهم قتلوا وحكم لهم بالنار وسبيت نساؤهم وأولادهم وغنمت أموالهم ~~وديارهم، فانتفع به المسلمون، وولي العراق فاهتدى على يديه خلائق [وتضرر به ~~خلائق] (¬2) ممن استحق بإقامة الحق فيهم، وهذا من أعلام نبوته - صلى الله ~~عليه وسلم -. # قال بعض العلماء من أهل المعرفة: "لعل" معناها الترجي، إلا إذا وردت ms1351 عن ~~الله [ورسله] (¬3) وأوليائه، فإن معناها التحقيق، حكاه ابن العطار كذلك. # التاسع: معنى "إمضاء هجرتهم" إتمامها لهم من غير إبطال. # ومعنى: "لا تردهم على أعقابهم" أي بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم ~~المرضية فيخيب قصدهم، ويسوء حالهم، تقول العرب: رجع فلان على عقبه إذا رجع ~~خائبا، واستدل بهذا قوم على أن بقاء المهاجر بمكة قادح فيه كيف كان، ولا ~~دليل فيه كما قال القاضي، لأنه يحتمل أنه دعا لهم دعاء عاما. PageV08P032 # العاشر: "البائس" الذي [عليه أثر] (¬1) البؤس. # [الحادي عشر] (¬2): قوله: "يرثي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~مات PageV08P033 # بمكة"، هذا من كلام الراوي، والمرفوع منه إلى قوله: سعد بن خولة، وقال ~~الراوي ذلك؛ تفسيرا لبؤسه وتوجعه له وترفيقه عليه. # واختلف في قائل هذا الكلام: فقيل: سعد بن أبي وقاص، وقد جاء مفسرا في بعض ~~الروايات، قال القاضي عياض: وأكثر ما جاء أنه من كلام الزهري. # ويحتمل أن يكون قوله: "أن مات بمكة" مرفوعا، ويرثي له من كلام غيره ~~تفسيرا لمعنى البائس، إذ روي في رواية: "لكن سعد بن خولة البائس قد مات في ~~الأرض التي قد هاجر منها". # واختلف في قصة سعد بن خولة: # فقيل: لم يهاجر من مكة حتى مات فيها، قاله عيسى بن دينار وغيره، وذكر ~~البخاري (¬1) أنه هاجر وشهد بدرا، ثم انصرف إلى مكة ومات بها. # وقال ابن هشام (¬2): إنه هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وشهد PageV08P034 # بدرا وغيرها، وتوفي بمكة في حجة الوداع سنة عشر. # وقيل: توفي بها سنة سبع في الهدنة، خرج مختارا من المدينة إلى مكة، وقد ~~أسلفنا ذلك في ترجمته، فعلى هذا وعلى قول عيسى، سبب بؤسه سقوط هجرته، ~~لرجوعه مختارا وموته بها، وعلى قول الآخرين: سببها موته بمكة على أي حال ~~وإن لم يكن باختياره؛ لما فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار ~~هجرته والغربة عن وطنه الذي هجره لله -تعالى- (¬1). # وفي (معجم الطبراني الكبير) (¬2) أنه - عليه الصلاة والسلام - PageV08P035 # أمر إن مات سعد بن أبي وقاص من مرضه هذا أن يخرج ms1352 من مكة وأن يدفن في طريق ~~المدينة، وفي (مسند أحمد) (¬1) أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "يا عمرو ~~القاري، إن مات سعد بعدي فههنا فادفنه، نحو طريق المدينة"، وأشار بيده ~~هكذا. وقد أسلفنا عن رواية الصحيحين "أنه كان يكره أن يموت بالأرض التي ~~هاجر منها"، وعن رواية مسلم: "قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما ~~مات سعد بن خولة". # وترجم المحب الطبري في (أحكامه): كراهة دفن المرء الميت في الأرض التي ~~هاجر منها، ثم ذكر هذا الحديث قال: وفي "عوالي ابن عيينة" من حديث أبي ~~بردة: "قلت لرسول الله: أتكره للرجل أن يموت في الأرض التي هاجر منها؟ قال: ~~نعم" (¬2). PageV08P036 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P037 # الوجه الخامس: في أحكامه: # الأول: استحباب عيادة المريض؛ وعيادة الإمام أصحابه؛ وأنها مستحبة في ~~السفر كالحضر وأولى. # الثاني: جواز ذكر المريض ما يجده من شدة المرض لا في معرض التسخط ~~والشكوى، بل لمداواة أو دعاء صالح أو وصية أو استفتاء عن حالة، ولا يكون ~~ذلك قادحا في خيره وأجر مرضه. # الثالث: إباحة جمع المال؛ لقوله: "وأنا ذو مال"، لأن هذه الصيغة لا ~~تستعمل عرفا إلا لمال كثير (¬1)، ومنه: ذو علم، وذو شجاعة، وشبههما، وقد ~~جاء ذلك مبينا في رواية لمسلم "إن لي مالا كثيرا". # الرابع: استحباب الصدقة لذوي الأموال. # الخامس: مراعاة الوارث في الوصية. # السادس: تخصيص جواز الوصية بالثلث، وخالف أهل الظاهر فقالوا: للمريض مرض ~~الموت أن يتصدق بكل ماله، ويتبرع به كالصحيح. ويرده ظاهر الحديث مع حديث ~~الذي أعتق في مرضه ستة أعبد [لا يملك] (¬2) سواهم فأعتق - عليه الصلاة ~~والسلام - PageV08P038 # اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا. . . . رواه مسلم. # وزعم بعض أهل العلم فيما حكاه الخطابي (¬1): أن الثلث إنما هو لمن ليس له ~~وارث يستوفي تركته. # وزعم قوم: أنه إذا لم يكن له ورثة يضع جميع ماله [حيث] (¬2) شاء. وإليه ~~ذهب إسحاق بن راهويه (¬3)، وقد روي عن ابن مسعود (¬4). # وذهب بعضهم: إلى أن في قوله -عليه الصلاة والسلام- "والثلث كثير" منعا من ~~الوصية بالثلث، وأن الواجب أن يقتصر عنه، وأن ms1353 لا يبلغ بوصيته تمامه. # وروي عن ابن عباس أنه قال: "الثلث جنف (¬5)، والربع جنف". PageV08P039 # وعن الحسن البصري (¬1) أنه قال: "يوصي بالسدس، أو بالخمس، أو بالربع". # وقال إسحاق (¬2): السنة في الربع، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: ~~"الثلث كثير"، إلا أن يكون الرجل يعرف في ماله شبهات فله استغراق الثلث. # وقال الشافعي: إذا ترك ورثته أغنياء لم يكره له أن يستوعب الثلث، [وإذا] ~~(¬3) لم يدعهم أغنياء اخترت له أن لا يستوعبه (¬4). # ونقل النووي في (شرح مسلم) (¬5): عن العلماء من أصحابنا وغيرهم أن ورثته ~~إن كانوا أغنياء استحب أن يوصي بالثلث تبرعا وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص ~~منه، ونقله بعد ذلك عن مذهبنا، والذي جزم به في (الروضة) (¬6) تبعا للرافعي ~~أن الأحسن: النقص عن الثلث مطلقا. # السابع: أن الثلث في باب الوصية في حد الكثرة، وقد [اختلف] (¬7) المالكية ~~في مسائل: ففي بعضها جعلوه داخلا في حد الكثرة بالوصية؛ لقوله - عليه ~~الصلاة والسلام - "والثلث كثير" PageV08P040 # وهذا كما قال الشيخ تقي الدين (¬1) يحتاج إلى أمرين: # الأول: أن لا يعتبر السياق الذي يقتضي تخصيص كثرة الثلث بالوصية، بل يؤخذ ~~لفظا عاما. # الثاني: أن يدل دليل على اعتبار مسمى الكثرة في ذلك الحكم فحينئذ يحصل ~~المقصود بأن يقال: الكثرة معتبرة في هذا الحكم، والثلث كثير، فهو معتبر، ~~ومتى لم تلمح كل واحدة من هاتين المقدمتين لم يحصل المقصود [ومثل ذلك] (¬2) ~~[ما] (¬3) ذهب إليه بعض المالكية. أنه إذا مسح ثلث رأسه في الوضوء أجزأه؛ ~~لأنه كثير؛ للحديث، فيقال له: لم قلت إن مسمى الكثرة معتبر في المسح؟ فإذا ~~أثبته، قيل له: لم قلت إن مطلق الثلث كثير، وإن كل ثلث فهو كثير بالنسبة ~~إلى كل حكم؟ وعلى هذا فقس جميع المسائل واطلب تصحيح كل واحدة من هاتين ~~المقدمتين. # وقد أجمع العلماء (¬4) في الأعصار المتأخرة على أن من له وارث لا تنفذ ~~وصيته بما زاد على الثلث إلا بإجازته، وشذ بعض السلف في ذلك، وأجمعوا على ~~نفوذ الزيادة في باقي المال بإجازته. # وأما من لا وارث له: فمذهب ms1354 الشافعي والجمهور أنه لا تصح وصيته فيما زاد ~~على الثلث، وجوزه أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق PageV08P041 # وأحمد في إحدى الروايتين، وروي عن بعض سلف الكوفيين وعن علي وابن مسعود (¬1). # الثامن: أن طلب الغنى للورثة راجح على تركهم عالة، وحديث (¬2) "ثلاث ~~كيات" للذي خلف ثلاثة دنانير، لابد من تأويله، وأوله أبو حاتم ابن حبان ~~(¬3) بأنه كان يسأل الناس إلحافا وتكثرا، ومن هذا أخذ بعضهم ترجيح الغني ~~على الفقير وإستحباب النقص من الثلث. # وقال السرخسي من الشافعية: من قل ماله وكثر عياله؛ يستحب أن لا يفوته ~~عليهم بالوصية. # وقال القاضي أبو الطيب: إن كان ورثته لا يفضل ماله عن غناهم؛ فالأفضل أن ~~لا يوصي. # التاسع: الحث على صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب. # العاشر: أن صلة القريب الأقرب والإحسان إليه أفضل من الأبعد. # الحادي عشر: أن الثواب في الإنفاق مشروط بصحة النية في ابتغاء وجه الله ~~-تعالى-؛ فإن الأعمال بالنيات، وما أعز ذلك إذا عارضه مقتضى الطبع ~~والشهوة!!. PageV08P042 # الثاني عشر: استحباب الإنفاق في وجوه الخير. # الثالث عشر: أن المباح بالنية يصير طاعة يثاب عليه، فإن زوجة الإنسان هي ~~من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذه المباحة، وإذا وضع اللقمة في فيها ~~فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح، فهذه ~~الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع هذا أخبر -عليه الصلاة ~~والسلام- أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله -تعالى-؛ حصل له الأجر بذلك، ~~فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا أراد به وجه الله -تعالى-، ومثله ~~الأكل بنية التقوي على العبادة، والنوم لينشط للتهجد ودرس العلم ونحو ذلك، ~~والاستمتاع بزوجته أو جاريته للإعفاف وطلب الولد الصالح، وهذا معنى قوله ~~-عليه الصلاة والسلام- "وفي بضع أحدكم صدقة" (¬1). # الرابع عشر: أن الأعمال الواجبة أو المندوبة يزداد الأجر في فعلها بقصد ~~الطاعة، فإن قوله: "حتى ما تجعل في في امرأتك" يقتضي المبالغة في تحصيل ~~الأجر، لا تخصيص غير الواجب، كما يقال: جاء الحاج حتى المشاة، ومات الناس ~~حتى الأنبياء. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): فيمكن أن يقال: ms1355 سبب هذا ما أشرنا إليه من توهم ~~أن أداء الواجب قد يشعر بأنه لا يقتضي غيره، PageV08P043 # و [أن] (¬1) لا يزيد على براءة الذمة، ويحتمل أن يكون ذلك دفعا لما عساه ~~يتوهم من أن إنفاق الزوج على الزوجة، وإطعامه إياها، واجبا أو غير واجب، لا ~~يعارض تحصيل الثواب إذا ابتغى بذلك وجه الله، كما جاء في حديث زينب ~~الثقفية، لما أرادت الإنفاق على من عندها وقالت: "لست بتاركتهم" (¬2) ~~وتوهمت أن ذلك مما يمنع الصدقة عليهم، فرفع ذلك عنها، وأزيل الوهم. نعم في ~~مثل هذا يحتاج إلى نية خاصة في الجزئيات أم نية عامة، وقد أسلفنا في حديث ~~"إنما الأعمال بالنيات" (¬3) عن الحارث بن أسد المحاسبي أن أكثر السلف على ~~الثاني، وقد دل الشرع على الاكتفاء بأصل النية وعمومها في باب الجهاد، حيث ~~قال: "لو مر بنهر ولا يريد أن يستقي به دوابه فشربت كان له أجر" (¬4) أو ~~كما قال. فيمكن أن يتعدى هذا إلى سائر الأشياء، ويكتفى بنية مجملة أو عامة، ~~ولا يحتاج في الجزئيات إلى ذلك. # الخامس عشر: تسلية من كره حالة يخالف ظاهرها الشرع، ولا سبب له فيها، فإن ~~سعدا خاف فوت مقام الهجرة وموته بالأرض PageV08P044 # التي هاجر منها بسبب المرض الذي وقع به. # السادس عشر: أن الإنسان قد يكون له مقاصد دينية فيقع في مكاره تمنعه منها ~~فيرجو الله خلاصه منها، وذلك مأخوذ من قوله: "ولعلك أن تخلف" إلى آخره. # [السابع عشر: سؤال الله إتمام العمل على وجه لا يدخله نفص؛ لقوله: "اللهم ~~امض" إلى آخره] (¬1). # الثامن عشر: فضيلة طول العمر للازدياد من العمل الصالح، وقد نهي عن تمني ~~الموت لضر نزل به (¬2) إلا لفتنة دين ونحو ذلك. # واختلف حال السلف في ذلك: فمنهم من اختار النقلة إلى الله -تعالى-، ومنهم ~~من اختار الحياة وطولها، ومنهم من أسقط اختياره، وأحوالهم في ذلك منزلة على ~~خوفهم على دينهم ورجائهم فضل الله في طول الحياة لكثرة الطاعة، والتفويض ~~إليه من غير اختيار. # التاسع عشر: الحث على إرادة وجه الله بالأعمال. ms1356 PageV08P045 # العشرون: [جواز] (¬1) تخصيص عموم الوصية المذكورة في القرآن والسنة وهو ~~قول جمهور أهل الأصول، وهو الصحيح، وفيه أيضا معجزات كثيرة لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في قوله لسعد، من طول عمره وفتح البلاد وانتفاع أقوام ~~به، وتضرر آخرين بحياته. # وفيه أيضا: منقبة ظاهرة لسعد وفضائل عديدة، منها مبادرته إلى الخيرات. # وفيه أيضا: كمال شفقته - صلى الله عليه وسلم - على جميع خلق الله أحياء ~~وأمواتا على حسب مراتبهم. وتقييدها بالشرع. # وفيه أيضا: تعظيم [أمر] (¬2) الهجرة وأن ترك إتمامها مما يدخل تحت قوله: ~~"ولا تردهم على أعقابهم". # وفيه أيضا: أن كسب المال وصرفه في الوجوه المذكورة أفضل من ترك الكسب أو ~~من الخروج عنه جملة واحدة، وهذا في كسب الحلال الخلي عن الشبهة [وأين هو؟] ~~(¬3). PageV08P046 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 314/ 3/ 60 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- # قال: "لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: الثلث، والثلث كثير" (¬1). # معنى: "غضوا" بالغين والضاد المعجمتين: نقصوا [وأصله] (¬2) من غض البصر. # و"لو" هنا: حرف تمني, بمعني: ليت. # وفيه من الأحكام: استحباب النقص عن الثلث، وبه قال جمهور العلماء مطلقا، ~~وقد سلف ما فيه في الحديث قبله. وعن الصديق أنه أوصى بالخمس (¬3)، وعن علي ~~نحوه، وعن ابن عمر PageV08P047 # بالربع (¬1)، وهو ظاهر قول ابن عباس (¬2)، وبه قال إسحاق (¬3)، [وعن ~~آخرين: بالسدس] (¬4)، وعن آخرين: بدونه، وعن آخرين: بالعشر؛ لما روي في ~~حديث معاذ أنه قال: "العشر" (¬5). # وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الوصية بمثل نصيب أحد الورثة. وروي عن ~~علي وابن عباس وعائشة وغيرهم أنه يستحب لمن له ورثة وماله قليل ترك الوصية؛ ~~لظاهر الحديث الذي قبله (¬6). # وما حكيته أولا عن الجمهور في استحباب النقص من الثلث PageV08P048 # هو ما حكاه النووي (¬1) عنهم وإيراد القرطبي (¬2) في حكايته عنهم يخالفه، ~~فإنه قال: اختلف في المستحب من الوصية، فالجمهور على أنه الثلث. هذا لفظه. # جاء في رواية في الصحيح: "كثير -أو: كبير-" وهو شك من الراوي، والمعنى ~~واحد. PageV08P049 # باب الفرائض PageV08P051 ### || AUTO 61 - باب ms1357 الفرائض # [هو] (¬1) جمع: فريضة فعيلة من الفرض، وهو التقدير، ومنه قوله تعالى: ~~{فنصف ما فرضتم} (¬2). # أو الحز (¬3): ومنه: {نصيبا مفروضا (7)} (¬4)، PageV08P053 # [أي] (¬1): منقطعا محدودا. # أو الوجوب، والإلزام، أقوال: ويقال للعالم بها: فرضي, وفارض، وفريض، ~~كعالم، وعليم، حكاه المبرد (¬2). # وذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث: PageV08P054 ### ||| AUTO الحديث الأول # 315/ 1/ 61 - عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر". # وفي رواية: "أقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت ~~الفرائض فلأولى رجل ذكر" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # [وهذه الرواية الثانية من أفراد مسلم كما نبه عليه عبد الحق في جمعه] (¬2). # الأول: معنى "ألحقوا الفرائض بأهلها": أعطوا كل ذي فرض فرضه المسمى له في ~~الكتاب أو السنة أو بإجماع الأمة، وكأن استعمال الأهل هنا مجاز. PageV08P055 # الثاني: معنى "أولى" هنا: أقرب مأخوذ من الولي بإسكان اللام، وهو القرب، ~~وليس المراد هنا: أحق، كما في قولهم: الرجل أولى بماله. لئلا يخلو الكلام ~~عن الفائدة [لأنا] (¬1) لا ندري من هو الأحق. # ووقع عند ابن الحذاء، عن ابن ماهان: "فلأدنى" (¬2) بدل "فلأولى" وهو ~~تفسير "لأولى"، أي: أقرب إلى الميت. # الثالث: إن قلت: ما فائدة وصف الرجل بالذكورة وهو لا يكون إلا ذكرا، وقد ~~أسقطه أبو داود في روايته وقال: "فلأولى ذكر؟ " فالجواب عنه من أوجه: # أحدها: أنه احتراز عن الخنثى، واستضعف. # ثانيها: وعليه اقتصر النووي في شرحه (¬3): أنه ذكر للتنبيه على سبب ~~الاستحقاق بالعصوبة، وسبب الترجيح في الإرث، ولهذا جعل للذكر مثل حظ ~~الأنثيين، وحكمته: أن الرجال [تلحقهم] (¬4) مؤن كثيرة بالقيام بالعيال ~~والضيفان، وإرفاد القاصدين، ومواساة السائلين، وتحمل الغرامات، وغير ذلك. # فإن قلت: الحديث دال على اشتراط الذكورة في العصبة لاستحقاق باقي التركة، ~~وقد تقرر أن الأخوات مع البنات عصبة؟ PageV08P056 # فالجواب: ما ذكره [(¬1)] الشيخ تقي الدين (¬2): إن هذا من طريق المفهوم، ~~وأقصى درجاته أن يكون له عموم، فيخص بالحديث الدال على الحكم المذكور، من ~~كون "الأخوات" مع "البنات" عصبة. # ثالثها: أنه ms1358 ذكر لبيان ترتب الحكم على الذكورية دون الرجولية؛ ليدخل فيه ~~الصبي فإنه ذكر ولا يسمى رجل، فعلى هذا يكون قوله "ذكر" "بدلا" لا "صفة" ~~وكأنه قال: "فلأولى رجل" وذكر أن الحكم ليس منوطا بالرجولية، بل بالذكورة ~~التي هي أعم، فقال: "ذكر" فكأنه قال أولا: "فلأولى ذكر" فاستشكل هذا بأن ~~الصفة تابعة للموصوف، والموصوف رجل، فمقتضاه اختصاص الميراث بالبالغ. # وأما السهيلي -رحمه الله-: فإنه أبدع في كلامه عليه بما لم يسبق إليه، ~~فقال: هذا الحديث أصل في الفرائض، وفيه إشكال، وتلقاه الناس أو أكثرهم على ~~وجه لا يصح إضافته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه -عليه الصلاة ~~والسلام- أوتي جوامع [الكلم] (¬3) واختصر له الكلام اختصارا، والذي تأوله ~~الناس أن قوله: "ذكر" نعتا "لرجل" ولا يصح من ثلاثة أوجه: # أحدها: عدم الفائدة في وصف "رجل" بذكر، فإنه لا يتصور PageV08P057 # أن يكون "الرجل" إلا "ذكرا" ويجل كلامه -عليه الصلاة والسلام- عما هو ~~حشوا لا فائدة فيه، ولا تحته فقه، ولا يتعلق به حكم. # الثاني: أنه لو كان كما تأولوه؛ لنقص فقه الحديث، ولم يكن فيه بيان حكم ~~الطفل الذي ليس برجل، وقد علم أن الميراث يجب له، وإن كان ابن ساعة، ولا ~~يقال في اللغة "رجل" إلا للبالغ فما فائدة تخصيصه بالبالغ دون الصغير؟ # الثالث: أن الحديث إنما ورد لبيان من يستحق الميراث من القرابة بعد أصحاب ~~السهام، ولو كان كما تأولوه لم يكن فيه بيان لقرابة الأم، والتفرقة بينهم ~~وبين قرابة الأب فبقي الحديث مجملا لا يفيد بيانا، وإنما بعث - عليه الصلاة ~~والسلام - ليبين للناس ما نزل إليهم، فإذا ثبت هذا؛ فلنذكر معنى الحديث ~~وننعطف على موضع الإشكال منه، ومنشأ الغلط فيه بعون الله تعالى فنقول: # قوله - عليه الصلاة والسلام -: "أولى رجل ذكر" يريد القريب في النسب الذي ~~قرابته من قبل رجل وصلب، لا من قبل بطن ورحم، فالأولى هنا: ولي الميت، فهو ~~مضاف إليه في المعنى دون اللفظ إضافة النسب، وهو في اللفظ مضاف إلى النسب، ~~وهو الصلب وعبر عن الصلب بقوله: ms1359 "أولى رجل"؛ لأن الصلب لا يكون والدا ولا ~~نسبا، حتى يكون رجلا. # فأفاد بقوله: "لأولى رجل ذكر" نفي الميراث عن الأولى الذي هو من قبل ~~الأم، كالخال؛ لأن الخال أولى للميت ولاية بطن، لا ولاية صلب، فأفاد بقوله: ~~"ذكر" نفي الميراث [عن PageV08P058 # النساء] (¬1) وإن كن من الأولين إلى الميت من قبل صلب؛ [لأنهن إناث] (¬2) ~~ف "ذكر" نعت "لأولى" ولما كان مخفوضا في اللفظ ظن أنه نعتا "لرجل". # ولو قلت: من يرث هذا الميت بعد ذوي السهام؟ لوجب أن يقال لك: يرثه أولى ~~رجل ذكر بالرفع؛ لأنه نعت [لفاعل] (¬3). [ولو قلت: من يعطى المال؟ لقيل: ~~أعطه أولى رجل "ذكرا" بالنصب؛ لأنه نعت "لأولى"] (¬4)، فمن هنا دخل ~~الإشكال. # ومن وجه آخر: وهو أن "أولى" على وزن أفعل، وهذا المثال إذا أريد به ~~التفضيل كان بعض ما يضاف إليه. # فإذا قلت: هو أحسن رجل، فمعناه: أحسن الرجال، وكذلك إذا قلت: أعلم إنسان، ~~فمعناه: أعلم الناس. فيتوهم أن قوله: "أولى رجل" أولى الرجال، وليس كذلك، ~~وإنما هو أولى الميت بإضافة النسب، وأولى صلب بإضافته، كما تقول: هو أخوك ~~أخو الرخاء لا أخو البلاء، وهم أقاربك أقارب الطمع، لا أقارب [الضرر] (¬5)، ~~والناس يقولون: هم إخواني، ولكن إخوان الضحك. وكذلك يقول: مولاي مولى عتق. PageV08P059 # "فالأولى" في الحديث كالولي، ثم قال: # فإن قيل: كيف يضاف إلى الواحد وليس بجزء منه؟ # قلنا: إذا كان معناه الأقرب في النسب، جازت إضافته، وإن لم يكن جزءا منه، ~~قال -عليه الصلاة والسلام-: "أمك ثم أمك [ثم أمك]، ثم أباك ثم أدناك ~~فأدناك" (¬1)، ولو أراد دنو المكان؛ لم يجز أن يقول: [أدناك] (¬2)، كما لم ~~يجز أن يقول: هو أفهمك وأعلمك، فهذا جائز في الأدنى والأولى والأقرب إذا ~~أردت به معنى النسب والقرابة، قال تعالى: {من الذين استحق عليهم الأوليان} ~~(¬3)، ولولا الألف واللام؛ لأضاف وقال: أوليانا، وإنما جاز هذا لمراعاة ~~المعنى، إذ معنى: أولاك وأدناك، كمعنى قريبك ونسيبك وأخيك، ثم إذا أردت أن ~~تبين كيف هو نسيبك أو قريبك، قلت: قرابة صلب لا ms1360 قرابة بطن، وكذلك تقول: هو ~~أولاك، وأولى المرأة المتوفاة أولى رجل، وهذه المرأة هي أولياؤه، وجمعها ~~أوليات. والأولى فإن شئت النسب قلت: هي أولى الميت، ولاية رجل أو ولاية ~~صلب، وإن شئت، قلت: هي أولاه، كما تقول: هو أولاه، ثم تبين النسب فتقول: هي ~~أولى نسبا، أي. قرابتها من قبل رجل، ولولا قوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"ذكر" لورثته هذه المرأة بهذه الولاية، ولولا قوله: "أولى رجل" لورث الخال؛ ~~لأنه أولى بهذا التفسير، والشواهد عليه وما يقتضيه لفظ الرسول -عليه الصلاة ~~والسلام-، PageV08P060 # إذا تأمل، من المتانة والإيجاز مع كثرة المعاني على هذا يقتضي أن غيره من ~~التأويل ساقط. # لأنه يخرج لفظه -عليه الصلاة والسلام- عن البلاغة ويجعله من اللفظ ~~المسترذل وحاشى لله من ذلك، والحمد لله الذي وفق لهذه الفائدة وأعان عليها ~~بعد قرع طويل لبابها. انتهى كلامه. # وهو جليل حفيل، لكن جاء في رواية للدارقطني (¬1): "فلأولى رحم ذكر" وهو ~~وارد على ما قرره، إلا أن يردها إلى رواية "رجل". # الوجه الرابع في أحكامه: # الأول: البداءة بأهل السهام قبل العصبة، والحكمة فيه أنه لو ابتدىء ~~بالعصبة لاستغرقوا المال، وسقط أصحاب الفروض. # الثاني: إرث العاصب ما بقي عنهم. # الثالث: تقديم الأقرب فالأقرب منهم، فلا يرث عاصب بعيد مع وجود قريب، ~~ومحل الخوض في ترتيبهم كتب الفقه، فإنه أليق به، وكذا الخوض في بيان العصبة ~~بنفسه، وبغيره، ومع غيره. # الرابع: الرجوع في قسمة الفرائض وأنصبائها إلى كتاب الله تعالى، وقد أكد ~~تعالى [. .] (¬2)، ذلك بقوله: {فريضة من الله}، كما أكد قسم الصدقات، وفي ~~تولي الباري تعالى قسمة ذلك بنفسه، وكذا قسمته الغنيمة والفيء إشارة إلى ~~شدة تعظيم الأموال وحرمتها، وقطع المنازعة بسببها. PageV08P061 # الخامس: فيه دلالة لمذهب ابن عباس في إسقاط الأخت الشقيقة بالأخ للأب مع ~~البنت؛ لأنه لم يبق "ذكر" بعد "البنت" غيره، وجمهور العلماء على إسقاطه، ~~فإن الله تعالى فرض للأخت النصف كما فرضه للبنت فلم يبق بعد إلحاق الفرائض ~~بأهلها شيء فلم يكن له شيء. # [السادس] (¬1): أورد إمام الحرمين والغزالي، هذا الحديث بلفظ: ms1361 "عصبة" بدل ~~"رجل" ولم أقف عليها في رواية بعد الفحص التام عنها، وادعى الرافعي شهرتها. # وقال ابن الجوزي (¬2): لا يحفظ. # وقال ابن الصلاح (¬3): فيها نظر وبعد عن الصحة من حيث الرواية [ومن حيث ~~اللغة] (¬4)، فإن العصبة في اللغة اسم للجمع، وإطلاقها على الواحد من كلام ~~العامة وأشباههم من الخاصة. # وفي حد العاصب: اضطراب ذكرته في "شرح المنهاج" فراجعه منه. PageV08P062 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 316/ 2/ 61 - عن أسامة بن زيد قال: "قلت: يا رسول الله أتنزل غدا في دارك ~~بمكة؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ ثم قال: لا يرث الكافر المسلم، ولا ~~المسلم الكافر" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # ومن [الغريب] (¬2) أن الصعبي حذفه [من] (¬3) شرحه. # الأول: هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في مواضع مفرقا ومجموعا، أولها ~~"الحج" (¬4)، وترجم عليه: توريث دور مكة PageV08P063 # وبيعها وشرائها، وأن الناس في المسجد الحرام سواء، خاصة لقوله -تعالى-: ~~{سواء العاكف فيه والباد} (¬1)، ثم ذكره بلفظ أنه قال: "يا رسول الله أين ~~تنزل في دارك بمكة؟ قال وهل ترك عقيل من رباع أو دور؟ ". # وكان عقيل ورث أبا طالب، هو وطالب، ولم يرثه جعفر ولا علي -رضي الله ~~عنهما- شيئا؛ لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين، فكان عمر بن ~~الخطاب يقول: "لا يرث المؤمن الكافر"، قال ابن شهاب: وكانوا يتأولون قوله ~~-تعالى-: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} (¬2). # ثانيها: الجهاد، وترجم عليه: إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون، ~~فهي لهم (¬3). ثم ذكره بلفظ: "قلت: يا رسول الله: أين تنزل غدا؟ -في حجته- ~~قال: وهل ترك عقيل لنا منزلا؟ "، ثم ذكر فيه شيئا آخر لا تعلق له بما أورده ~~المصنف. # [ثالثها] (¬4): في المغازي (¬5) في باب: أين ركز النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الراية يوم الفتح؟ بلفظ: أن أسامة قال زمن الفتح: يا رسول الله، أين ~~تنزل PageV08P064 # غدا؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: "وهل ترك عقيل من منزل"؟ ثم قال: "لا ~~يرث الكافر المؤمن، ولا ms1362 يرث المؤمن الكافر". # قيل للزهري: من ورث أبا طالب؟ قال: ورثه عقيل وطالب. وقال معمر عن ~~الزهري: "أين ننزل غدا؟ في حجته"، ولم يقل يونس: "حجته"، و"لا زمن الفتح". # [رابعها] (¬1): في الفرائض (¬2)، مقتصر على القطعة الأخيرة منه، وهذا ~~لفظه عن أسامة بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يرث المسلم ~~الكافر ولا الكافر المسلم"، وترجم عليه بهذه الترجمة، وزاد: [وإذا] (¬3) ~~أسلم قبل أن يقسم الميراث فلا ميراث له. # وأخرج مسلم القطعة الأولى في الحج (¬4) بألفاظ: # أحدها: "يا رسول الله! أتنزل في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من ~~رباع أو دور؟ "، ثم [. .] (¬5) ذكره بلفظ البخاري الأولى إلى قوله: كافرين. # ثانيها: "يا رسول الله! أين تنزل غدا؟ وذلك في حجته، حين دنونا من مكة، ~~فقال: وهل ترك لنا عقيل منزلا". PageV08P065 # ثالثها: "يا رسول الله! أين تنزل غدا، إن شاء الله؟ وذلك زمن الفتح، قال: ~~"وهل [ترك] (¬1) لنا عقيل من منزل؟ "، وأخرج القطعة الثانية أول الفرائض ~~(¬2)، ولفظه عن أسامة بن زيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ~~يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" إذا عرفت ذلك فلفظ المصنف بسياقه ليس ~~واحد منها، وأقربها إلى روايته سياقة البخاري له في باب المغازي، ثم تنبه ~~بعد ذلك لما وقع في أحكام (¬3) المجد ابن تيمية فإنه ادعى أن القطعة ~~الثانية وهي: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم"، لم يروها مسلم، ~~وهو من الأعاجيب، فهي في أول كتاب الفرائض من صحيحه، ووهم أيضا بعده وهما ~~آخر، فقال: إن النسائي لم يخرجه أيضا، وليس كذلك، فقد أخرجه في سننه (¬4) ~~وتكلم عليه، إنما ذكرت هذا وإن لم يكن ما نحن [فيه] (¬5) لئلا يعترض به على ~~المصنف ويقال: إنه من أفراد البخاري فليتنبه لذلك. # الوجه الثاني: قد وضح لك اضطراب الروايات في أنه -عليه الصلاة والسلام- ~~قال ذلك عام الفتح، أوعام حجة الوداع، وأنه جاء في مسلم أنه قال حين دنا من ~~مكة [(¬6)]، فتطلب PageV08P066 # الترجيح (¬1). # [الثالث] (¬2): في التعريف براويه، وقد سلف في ms1363 الحديث [الثالث] (¬3) من ~~باب دخول مكة نبذة منه. # [الرابع] (¬4): عقيل بفتح أوله، هو ابن أبي طالب ابن عم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، كنيته أبو عيسى. وقيل غير ذلك، شهد بدرا مع المشركين، وأسر ~~يومئذ مكره، ثم أسلم قبل الحديبية، وشهد غزوة مؤتة، وكان أسن من جعفر بعشر ~~سنين، وطالب الذي مات كافرا أسن منه بعشر سنين، وكان جعفر أسن من علي بعشر ~~سنين، قيل: كان عقيل من أنسب قريش وأعلمهم بآبائها, ولكنه كان مبغضا إليهم، ~~لأنه كان يعد مساويهم، قدم البصرة ثم الكوفة ثم الشام، وله PageV08P067 # دار بالمدينة، وكانت له طنفسة تطرح في مسجد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي عليها، ويجتمع إليه في علم النسب وأيام العرب، وكان أسرع الناس ~~جوابا، وله أحاديث روى عنه ابنه محمد وغيره، قال ابن سعد وغيره: قالوا: مات ~~في خلافة معاوية بعدما عمي, وقيل: إنه -عليه الصلاة والسلام- أطعمه بخيبر ~~كل سنة مائة وأربعين وسقا. ويروى مرفوعا (¬1): "أعطيت أربعة عشر رفقاء ~~نجباء. . . ."، فذكر منهم عقيلا. قال حميد بن هلال: سأل عقيل [عليا] (¬2) ~~وقال: إني محتاج، قال: اصبر حتى يخرج عطائي، فألح عليه، فقال لرجل: خذ بيده ~~فانطلق به إلى الحوانيت فدقدق الأقفال، وخذ ما فيها. قال: يريد أن يتخذني ~~سارقا، قال: وأنت تريد أن تتخذني سارقا؟ فأتي معاوية فأعطاه مائة ألف، ثم ~~قال له: اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك علي وما أوليتك. فصعد وحمد الله ثم ~~قال: أيها الناس إني أخبركم إني أردت عليا على دينه فاختار دينه [علي] (¬3) ~~, وأردت معاوية على دينه فاختارني على دينه، فقال معاوية: أهذا الذي تزعم ~~قريش أنه أحمق؟ # الوجه [الخامس] (¬4) في ألفاظه ومعانيه: # قوله - عليه الصلاة والسلام -: "وهل ترك لنا عقيل من PageV08P068 # رباع؟ " سببه ما أسلفناه في طرق الحديث من كونه ورث أبا طالب مع طالب دون ~~علي وجعفر. # و"الرباع" جمع ربع، وهو المنزل الذي كان يرتعون فيه ويقيمون به، وربع ~~القوم: محلتهم. # ومعنى: "هل" هنا: النفي، أي: ما ترك لنا عقيل من دار، وأصل ms1364 وضعها ~~للاستفهام. # وتأتي أيضا: بمعنى النهي، نحو قوله -تعالى-: {فهل أنتم منتهون (91)} ~~(¬1)، أي: انتهوا. # أو بمعنى قد: نحو قوله - تعالى-: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} (¬2). # وفي إضافة الدار [إليه] (¬3) احتمالان للقاضي: # أحدها: إضافة سكنى لا ملك، فإن أصلها كان لأبي طالب؛ لأنه الذي كفله حين ~~كان أكبر ولد عبد المطلب، فاحتوى عليها وعلى غيرها من أملاك عبد المطلب، ~~وحازها وحده لسنه على عادة الجاهلية (¬4). # ثانيها: أنه -عليه الصلاة والسلام- كان له فيها نصيب، فأخرجها عقيل عن ~~أملاك بني عبد المطلب، كما فعل أبو سفيان PageV08P069 # وغيره بدور من هاجر من المؤمنين، وقد قال الداودي: باع عقيل ما كان للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ولمن هاجر من بني عبد المطلب. # وقيل: إنما لم ينزل - عليه الصلاة والسلام - بها؛ لأنه لما هاجر تركها ~~لله، فكره أن يرجع فيما تركه له (¬1). # وقيل: لأنه [قد] (¬2) انصرف عنها بالكلية فصارت بمنزلة سائر دور مكة، ~~حكاهما القاضي، قال: وبالثاني استدل ابن أبي صفرة لمالك والليث على من خرج ~~من دار الكفر مسلما وبقي أهله وأولاده بدار الكفر ثم غزاها مع المسلمين، ~~فإنه لا يكون أحق بها، [وهي] (¬3) على حكم البلد لا ملك له فيها. # قال القاضي: ويرده أنه لو كانت العلة هذه؛ لعلل بها, ولم يعلل بقوله: ~~"وهل ترك لنا عقيل من رباع". # وأما الإرث: فقال المبرد: أصله العاقبة، ومعناه: الانتقال من واحد إلى واحد. # الوجه السادس: في أحكامه: # الأول: جواز سؤال الكبار والعلماء عن نزولهم أين يكون، إذا قدموا بلدا أو ~~غيره، فإنه - عليه الصلاة والسلام - أقر أسامة على ذلك، ولم ينكر عليه. PageV08P070 # الثاني: الجواب بأمر يلزم منه الامتناع عما سئل عنه. # الثالث: أن مكة فتحت صلحا، ودورها ورباعها مملوكة لأهلها لها حكم سائر ~~البلدان في ذلك، فتورث عنهم، ويجوز لهم بيعها وإجارتها ورهنها وهبتها ~~والوصية بها وغير ذلك من التصرفات، وبه قال الشافعي وجماعات. # وذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعي وآخرون: إلى أنها فتحت عنوة، فلا يجوز ~~شيء من هذه التصرفات. # قال القاضي: وأجاب القائلون ms1365 بهذا بأنه -عليه الصلاة والسلام- سوغ لأهلها ~~أموالهم ودورهم منا منه عليهم، ولم يجعلها فيئا تقسم. # ومناظرة الشافعي (¬1) مع إسحاق بن راهويه في إجارة دور مكة مشهورة. PageV08P071 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P072 # الرابع: أن الكافر لا يرث المسلم، وهو إجماع. # الخامس: أن المسلم لا يرث الكافر، وهو قول جمهور العلماء من الصحابة ~~والتابعين فمن بعدهم. # وقال طائفة: يرثه، منهم معاذ بن جبل ومعاوية وابن المسيب ومسروق، وروي عن ~~إسحاق بن راهويه، واختلف فيه عن أبي الدرداء والشعبي والزهري، والصحيح عن ~~هؤلاء كقول الجمهور، وروى ابن حزم في "محلاه" (¬1) في كتاب الجهاد عن ~~سليمان بن موسى -وهو فقيه أهل الشام- أنه قال: إذا مات للنصراني ولد صغير ~~وله أخ من [أم] (¬2) [مسلم] (¬3) أو أخت مسلمة؛ PageV08P073 # ورثه [إخوة، أو أخته] (¬1) كتاب الله، [ثم كان ما] (¬2) بقي للمسلمين, ~~رواه ابن جريج عنه. # واحتج من قال بإرثه منه: بحديث "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" (¬3). ومن ~~علوه إرث المسلم من الكافر دون عكسه، وبحديث: "الإسلام يزيد ولا ينقص" ~~(¬4). وكأنهم قاسوه أيضا على النكاح. PageV08P074 # وتأول الجمهور الحديث: على مجرد فضل الإسلام على غيره من الأديان، دون ~~غيره من الأحكام، كإرث وغيره؛ جمعا بين الحديثين. ولعل قائله لم يبلغه هذا ~~الحديث، فإنه صريح فيه، ودين الإسلام لم يزل يزيد إلى أن كمل في الحين الذي ~~أنزل الله فيه: {اليوم أكملت لكم دينكم} (¬1)، ولم ينقص من أحكامه ولا ~~شرائعه التي شاء الله بقاءها شيء، وقد أعلاه الله -تعالى- وأظهره على الدين ~~كله، كما وعدنا، والقياس لا يعارض النص، وأين الجامع بينهما أولا، وحديث: ~~"الإسلام يزيد ولا ينقص" في إسناده جهالة. # قال القرطبي (¬2): لا يصح، وقال الجوزقاني: [باطل] (¬3)، ثم رأيت بعد ذلك ~~تخريج الحاكم له في مستدركه (¬4) وصحح إسناده. # وأجاب القرطبي (¬5): عن حديث "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" بأنه لا يصح، ~~ثم قال: هو كلام يحكى ولا يروى. هو عجيب منه (¬6) مع ما فيه من المناقضة، ~~فإن البخاري (¬7) أخرجه موقوفا من قول ابن عباس: "الإسلام يعلو ولا يعلى ~~عليه". نعم لا يصح PageV08P075 # رفعه (¬1)، ووجه عدم إرثه من ms1366 جهة المعنى: أن الكافر قطع ما بينه وبين ~~الله -تعالى-، وقطع ما بينه وبين أوليائه وهم المؤمنون، ولانتفاء المناصرة ~~بينهم، وهي قاعدة الإرث. # وهذا الذي ذكرناه في الكافر الأصلي (¬2). PageV08P076 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P077 # أما المرتد (¬1): فلا يرث المسلم إجماعا، وهل يرثه المسلم؟ PageV08P078 # قولان للعلماء: # أحدهما: لا؛ لعموم الحديث، وبه قال الشافعي وربيعة ومالك وابن أبي ليلى ~~وغيرهم، بل يكون ماله فيئا للمسلمين. # وثانيهما: يرثه ورثته من المسلمين، وبه قال أبو حنيفة والكوفيون ~~والأوزاعي وإسحاق، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وجماعة من السلف، لكن قال ~~الثوري وأبو حنيفة: ما كسبه في ردته [فهو للمسلمين فيء] (¬1)، وقال ~~الكوفيون: الجميع لورثته المسلمين، وعن أحمد روايات حكاها ابن هبيرة في ~~كتابه "إجماع الأربعة" عنه. # أظهرها: كقول الشافعي ومن وافقه. # ثانيها: كالثاني: # ثالثها: أن ميراثه يكون لورثته من أهل [ذمته] (¬2) الذين اختارهم إذا لم ~~يكونوا مرتدين، ووقع في كلام القاضي عياض (¬3) في PageV08P079 # حكايته عن الشافعي أن ميراث المرتد لجماعة المسلمين، ومراده بالإرث: ~~الفيء، وسياق كلامه يرشد إليه. # السادس: [الحديث] (¬1) دال بإطلاقه على أن اختلاف الدين مانع من الإرث، ~~وإن كان بالولاء، وعن الإمام أحمد: أنه لا يمنع به (¬2)، وحكاه إمام ~~الحرمين عن علي، وقال: هو غريب ولا أصل له. # قلت: [بل] (¬3) له أصل، وهو حديث جابر - رضي الله عنه -: أن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته" ~~(¬4). رواه النسائي وصححه الحاكم، وأعله PageV08P080 # ابن حزم (¬1) وابن القطان بما فيه نظر، ومن الغرائب أن القاضي عبد الوهاب ~~المالكي (¬2) نقل عن الشافعي كمقالة أحمد، فقال: لو أعتق المسلم عبدا كافرا ~~ومات ورثه عند الشافعي، خلافا [لمالك] (¬3)، ذكره في كتاب "الإشراف في ~~الخلاف بينه وبين مالك"، لكن رأيت في "الأم" (¬4) للإمام الشافعي ما نصه: ~~"أنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي حكيم أن عمر بن عبد ~~العزيز أعتق عبدا له نصرانيا فتوفي العبد بعدما أعتقه، قال إسماعيل: فأمرني ~~عمر بن عبد العزبز أن آخذ ماله فأجعله في بيت ms1367 مال المسلمين"، ثم قال ~~الشافعي: وبهذا كله نأخذ. # وفي "الإشراف" لابن المنذر: إذا أعتق المسلم العبد النصراني فالولاء له؛ ~~لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "الولاء لمن أعتق" فإن PageV08P081 # مات المعتق النصراني لم يكن للمعتق من ميراثه شيء؛ لقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم". فإذا أسلم المعتق ثم ~~مات ورثه مولاه المعتق، وهذا قول الشافعي وأهل العراق، ثم روى عن عمر بن ~~عبد العزيز ما أسلفناه عن رواية الشافعي، ثم قال: وبه قال الأوزاعي. # وفي "شرح الرافعي" في أوائل باب الولاء مثله، حيث قال: لو أعتق المسلم ~~عبدا كافرا، والكافر مسلما؛ ثبت الولاء وإن لم يتوارثا، كما ثبت علقة ~~النكاح والنسب بين الكافر والمسلم وإن لم يتوارثا، وقال القاضي حسين في ~~الباب المذكور: لو أعتق الكافر عبدا مسلما وله ابن مسلم فمات العبد في حياة ~~معتقه؛ لا يرثه ابن معتقه المسلم، بل يكون لبيت المال. وما ذكره خلاف ما نص ~~عليه إمامنا [فإن] (¬1) ابن المنذر نقل عنه: أنه يرثه أقرب الناس من عصبة ~~مولاه، ويكون وجود سيده كموته، ونقله عن أهل العراق أيضا: وكان مالك بن أنس ~~يفرق بين المسلم يعتق العبد النصراني، وعكسه، فالأول يرثه مولاه دون ~~الثاني. # وفي الرافعي في أثناء باب (الولاء): لو أعتق [مسلم] (¬2) عبدا كافرا ومات ~~عن ابنين مسلم وكافر، ثم مات العتيق، فميراثه للابن الكافر؛ لأنه الذي يرث ~~المعتق بصفة الكفر. # ولو أسلم العتيق ثم مات فميراثه للابن المسلم، ولو أسلم PageV08P082 # الابن الكافر ثم مات العتيق مسلما فميراثه بينهما، واستدل أصحابنا على ~~أحمد في تفرقته بين الإرث بالنسب والولاء: بأن الولاء فرع النسب، والكفر ~~مانع من الإرث [بالنسب] (¬1)، فأولى أن يمنع في الولاء، وفرقوا بين النكاح ~~والإرث: بأن التوارث مبني على الموالاة والمناصرة، وهما منتفيان بين المسلم ~~والكافر. # وأما النكاح فمن نوع الاستخدام وقضاء الإرث؛ ولأن الإرث لو كان ملحقا ~~بالنكاح لورث الذمي الحربي، كما يجوز أن يتزوج المسلم الحربية، وحيث لم ~~يجز؛ دل على افتراقهما. # فرع: مات كافر عن زوجة ms1368 حامل ووقفنا الميراث للحمل فأسلمت، ثم ولدت، ورثه ~~الولد وإن كان محكوما بإسلامه؛ لأنه كان محكوما بكفره يوم الموت، ذكره ~~الرافعي في الكلام على إرث الجنين، ولو قيل: بأنه [لا يرثه] (¬2) لم يبعد؛ ~~لأن العبرة في إرث الحمل بانفصاله حيا، وهذا حين انفصاله كان مسلما. # وفي كتب الحنابلة: أنه إذا مات أحد أبوي الولد الكافرين صار الولد مسلما ~~بموته، وقسم له الميراث؛ لأن إسلامه إنما ثبت بموت أبيه الذي استحق به ~~الميراث، فهو سبب لهما، فلم يتقدم [الإسلام] (¬3): مانع من الميراث على ~~استحقاقه. PageV08P083 # فروع: نختم بها الكلام على الحديث: # الأول: الأصح عند الشافعي أن الكافر يرث الكافر وإن اختلفت ملتهما، وبه ~~قال أبو حنيفة وداود وآخرون. # ونقل مقابله: عن مالك، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وأنه لا توارث بين ~~حربي وذمي، ونقل عن علي أيضا، وحكاه القاضي قولا قديما، والرافعي حكاه وجها ~~مخرجا من تخريج ابن خيران وغيره، وأنه اختيار الأستاذ أبي منصور. # ووقع في "تعليق" القاضي حسين و"الإبانة" نسبة ذلك إلى ابن سريج -وصوابه ~~شريح كما ذكره غيرهما-، وأصل هذا الخلاف: أن الكفر ملل، أو ملة واحدة، وفيه قولان: # أصحهما عند الشافعي الثاني، وبه قال عمر بن الخطاب وأبو حنيفة وصاحباه. # و [حكى] (¬1) مقابله: عن علي بن أبي طالب ومالك. # ونقل ابن اللبان في "فرائضه" عن شريح وابن أبي ليلى والحسن وشريك والحسن ~~بن صالح وإحدى الروايتين عن إبراهيم والثوري أنهم قالوا: الكفر ثلاث ملل: ~~ملة اليهودية، وملة النصرانية، وملة الكفر من المجوسيين والصابئين وغيرهم، ~~لأنهم لا كتاب لهم، فلا يرث ملة من هؤلاء من ملة أخرى، قال ابن اللبان: وعن ~~عطاء والليث ومغيرة والضحاك والزهري وربيعة نحوه، قال: وذهبت طائفة من أهل ~~المدينة والبصرة إلى أن كل PageV08P084 # فريق من الكفار ملة، ولم يورثوا المجوسي من عبدة الأوثان أيضا. # الفرع الثاني: يهودي ذمي مات عن ابن مسلم وأربعة إخوة: نصراني ومجوسي ~~ويهودي وصابئي؛ المال للإخوة الأربعة عدنا، وعند معاذ: المال للمسلم، وعند ~~شريح: للأخ اليهودي، وفي "شرح مختصر المزني" ms1369 للجودي: لو جاز توريث المرتد ~~من مثله، لجاز توريث المعطل من مثله، والوثني من مثله. ونقل الإجماع على أن ~~الموارثة خلاف المناكحة، وأن من لم يورث المسلم من الكافر سوى بين كل كافر ~~كتابيا كان أو وثنيا، ومن ورث المسلم من الكافر سوى بين كل كافر أيضا، ~~فورثهم من كل كافر. # الفرع الثالث: لا فرق بين أن يكون الحربيان متفقي الدار أو مختلفيها. # وقال أبو حنيفة: إن كان مختلفي الدار: فإن اختلفت الملوك، ورأى بعضهم قتل ~~بعض، كالروم والهند، لم يتوارثا، وإن اختلفت ملتهما. # وعبارة الماوردي (¬1): إذا ثبت أن الكفر ملة واحدة فقد اختلف الناس في ~~كيفية توارثهم، ومذهب الشافعي: أن أهل الذمة يتوارثون هم وأهل العهد، بعضهم ~~من بعض [على] (¬2) اختلاف [أديانهم] (¬3)، وأهل الحرب يتوارثون بعضهم من ~~بعض وإن اختلفت ديارهم، ولا PageV08P085 # توارث بينهم وبين أهل الذمة، وأهل الحرب يتوارثون ما لم تختلف بهم الدار، ~~واختلاف دارهم يكون باختلاف ملوكهم، ومعاداة [بعضهم] (¬1) لبعض في الدين، ~~كالترك والروم، فلا يورث بعضهم من بعض. # وعبارة الرافعي: اختلف الشافعي وأبو حنيفة في ميراث أهل الحرب بعضهم من ~~بعض، فقال الشافعي: يرث بعضهم بعضا سواء كانوا من أهل دار واحدة، أو اختلفت ~~دارهما. # وقال أبو حنيفة: أهل الحرب إنما يرث بعض من بعض إذا كانوا من أهل دار واحدة. # ووقع في "شرح مسلم" (¬2) للنووي عن الأصحاب ما يخالف ذلك، فإنه قال: قال ~~الشافعي: لا يرث حربي من ذمي، ولا ذمي من حربي، ثم قال: [قال] (¬3) ~~[الأصحاب] (¬4): وكذا لو كان حربيين في بلدين [متجاورين] (¬5) لم يتوارثا، ~~نعم في نسخة حذف لفظ "حربيين". # وقال في كلامه على "التنبيه": قوله: (ولا يرث حربي من ذمي، ولا ذمي من ~~حربي)، كان ينبغي له أن يقول أيضا: ولا حربي من حربي في دار أخرى وبينهما ~~حرب، فإن أهل الحرب إذا PageV08P086 # كانوا متجاورين لا يرثوا أهل بلد من بلد [آخر] (¬1) يحاربونهم. # الفرع الرابع: لا فرق عندنا بين أن يسلم الكافر قبل قسمة ميراث قريبه ~~المسلم، أو يستمر على كفره، ms1370 خلافا لأحمد، حيث قال: إن أسلم بعدها أو بعد ~~حرز الوارث الواحد فلا يتغير الحكم، وإن أسلم قبلها ورث في المشهور عنه، ~~وإن أسلم بعد قسمة بعض التركة، ورث مما بقي؛ لحديث ابن عباس مرفوعا: "كل ~~قسم في الجاهلية فهو على قسمة الجاهلية، وإن ما أدرك الإسلام فهو على قسم ~~الإسلام". رواه أبو داود (¬2)، وفي إسناده محمد بن مسلم الطائفي، وقد ضعف، ~~ممن ضعفه أحمد، وعلى تقدير صحته تأوله الخطابي (¬3) على أن أحكام الأموال ~~والأنساب والأنكحة التي PageV08P087 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P088 # كانت في الجاهلية ماضية لا يرد منها شيء في الإسلام، [أما] (¬1) ما حدث ~~في الإسلام فيستأنف فيه حكم الإسلام. # الفرع الخامس: للفرق المختلفة في الدين الواحد من الكفار، مثل اليعقوبية ~~(¬2). . . . . PageV08P089 # والنسطورية (¬1) من النصارى، يتوارثون عندنا وعند عامة العلماء, وعن ~~الأوزاعي: لا يتوارثون, لوقوع العداوة بينهم، نقله المعافي الموصلي، وكأنه ~~أخذه من "الإبانة" فإن فيها قريبا منه. # الفرع السادس: إذا ورث الكافر الكافر [فإنه] (¬2) يرثه على حكم الإسلام، ~~وإذا ترافعوا إلينا لم يحكم بينهم إلا به، وحيث لا يكون وارث أو يفضل عن ~~ذوي الفروض ولا عصبة، يكون لبيت المال، كما يفعل في مواريث المسلمين، كذا ~~قرره بعض شيوخنا، قال: وليس عندنا في ذلك خلاف، وإنما في بعض كلام المالكية ~~والحنفية شيء يخالف في ذلك، وقد غلط في ذلك بعض المفتين من الشافعية. # الفرع السابع: إذا مات كافر ولا وارث له؛ فماله في أهل PageV08P090 # الفيء، وعن النخعي ومالك: أنه لأهل دينه، وعن عمر: أنه كتب أنه يعطى ~~للذين يؤدون جزيته. # الفرع الثامن: روي عن الإمام الحارث بن أسد المحاسبي أنه ورث من أبيه ~~سبعين ألف درهم، فلم يأخذ منها شيئا؛ لأن أباه كان يقول بالقدر، وقال: صح ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" ~~(¬1)، وهو يحتاج إلى درهم، ولعله ترك الأخذ تورعا؛ لأنه في محل الخلاف، إذ ~~في تكفير القدرية خلاف، وفي نفي التوارث بناء على التكفير أيضا خلاف، حكاه ~~ابن الصلاح في طبقاته (¬2) عن الأستاذ أبي ms1371 منصور، أما ابن الصلاح فجزم بأن ~~هذا [منه] (¬3) بناء على التكفير, ولم يذكر الاحتمال السالف أنه تركه تورعا. # نعم قال ابن خيران من أصحابنا: رأيته متعلقا بأبيه والناس قد اجتمعوا ~~عليه، يقول: أمي طلقها، فإنك على دين وهي على دين غيره (¬4)، وهذا ظاهر في ~~أنه كان يرى تكفيره. PageV08P091 # [الفرع التاسع] (¬1): يتعلق بما سبق، لخص الماوردي الكلام في أن المرتد ~~يورث، وقال: فيه ستة مذاهب: # الأول: مذهبنا [لا] (¬2) سوى الزنديق وغيره، وبه قال أحمد. # ثانيها: وهو مذهب مالك: أنه يكون فيئا إلا الزنديق، فإنه لورثة المسلمين، ~~أو يقصد بردته حرمان ورثته في مرض موته، فيكون ميراثا لهم. # ثالثها: مذهب أبي يوسف ومحمد: أن جميع ماله موروث لورثته المسلمين، سواء ~~ما كسبه في الردة أو قبلها. # رابعها: مذهب [أبي] (¬3) حنيفة: أن ما كسبه قبل ردته يكون لورثته ~~المسلمين، وربما قال أصحابه: ينتقل إليهم في آخر جزء من زمان إسلامه قبل ~~الردة، وليس بطريق الميراث، وما كسبه بعد ردته يكون لبيت المال، إلا أن ~~يكون المرتد امرأة فيكون جميعه معدوما. # خامسها: مذهب داود: أن ماله لورثته الذين ارتد إليهم، دون ورثته من ~~المسلمين. # سادسها: مذهب علقمة وقتادة وابن أبي عروبة: أنه ينتقل إلى أهل الدين الذي ~~ارتد إليه. PageV08P092 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 317/ 3/ 61 - عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: "أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى [عن] (¬1) بيع الولاء وهبته" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # ومن الغرائب أن الفاكهي أسقطه من شرحه، كذا رأيته محذوفا منه في نسختين. # الأول: الولاء: بفتح الواو وبالمد، وأصله من الولي، وهو القرب كما أسلفته ~~في باب الشروط في البيع، وحقيقته: حق ثبت بوصف هو الإعتاق، فلا يقبل النقل ~~إلى الغير بوجه من الوجوه؛ لأن ما ثبت [بوصف] (¬3) يدوم بدوامه، ولا يستحقه ~~إلا من قام بذلك PageV08P093 # الوصف، وقد شبه [رسول الله] (¬1) - صلى الله عليه وسلم - الولاء بالنسب ~~في كونه لا يقبل النقل بالبيع والهبة أيضا، حيث قال: "الولاء لحمة كلحمة ~~النسب، لا يباع ولا يوهب" (¬2)، رواه ابن خزيمة وابن ms1372 حبان في صحيحيهما من ~~حديث ابن عمر، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد. # فكما أن الأبوة والجدودة لا تنتقل، كذلك الولاء. # الثاني: الحديث دال على تحريم بيع الولاء وهبته، وفي معناهما كل تصرف ~~يقبل النقل، فلو خالف لم يصح ولم ينتقل عن مستحقه، وبه قال الجمهور سلفا ~~وخلفا، وأجاز بعض السلف نقله، ولعله لم يبلغهم الحديث، أو يريدوا به الجر. # وقال بعض الفقهاء: شراء الولاء يمتنع في صحة [المعتق] (¬3) جائزة بعد ~~موته إذا سلم من الغرر والجهل في الثمن والمثمن وفي حال المرض قولان: ~~أشهرهما عند المالكية المنع، قالوا: وكذا القول في هبته. # الثالث: إنما نهى [(¬4)]- صلى الله عليه وسلم - عن ذلك لأن أهل الجاهلية ~~كانوا يبيعون ولاء مواليهم فهو مما ورد على سبب، وأنشدوا في ذلك: # فباعوه مملوكا وباعوه معتقا ... فليس له حتى الممات خلاص PageV08P094 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 318/ 4/ 61 - عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها قالت: كان في بريرة ثلاث ~~سنن: خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدى لها لحم فدخل علي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - والبرمة على النار، [فدعا بطعام، فأتي بخبز وأدم من أدم ~~البيت، فقال: "ألم أر البرمة على النار] (¬1) فيها لحم؟ "، قالوا: بلى يا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ذلك لحم تصدق به على بريرة، فكرهنا أن ~~نطعمك منه، فقال: "هو عليها صدقة، وهو [منها لنا] (¬2) هدية". وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -[فيها] (¬3): "إنما الولاء لمن أعتق" (¬4). PageV08P095 # حديث بريرة هذا بمجموع طرقه [قد] (¬1) استنبط الحفاظ منه أحكاما كثيرة ~~وألفوا فيه غير ما تأليف، كلما نبهنا على ذلك في باب الشروط في البيع، وقد ~~أشرنا هناك إلى مهمات ذلك، ووعدنا بذكر طرق أخر منها إن قدر الله الوصول ~~إلى هنا، وقد فعل، ولله الحمد، فنقول: # الكلام عليه من وجوه: # الأول: قولها: "كان في بريرة ثلاث سنن"، إن قلت فيها أكثر من ذلك كما ~~أسلفته في الباب المشار إليه، فالجواب من أوجه: # أحدها: إن هذه الثلاث أظهر ما في حديثها من القضايا والسنن. # ثانيها: ms1373 أنها خصت بالذكر لكونها أصولا لما عداها مما تضمنه الحديث. # ثالثها: أنها أهم والحاجة إليها أمس. # رابعها: أن قولها هذا لا يقتضي حصرا، وإنما معناه أنه سن وشرع بسبب قصتها ~~أو عند وقوع قصتها كذا. # الثاني: زوج بريرة اسمه: مغيث (¬2) -بضم الميم وكسر الغين PageV08P096 # المعجمة ثم مثناة تحت ثم مثلثة-. # وقيل: بالعين المهملة المفتوحة بدل المعجمة، ثم ياء مثناة مكسورة ثم باء ~~موحدة [حكاهما] (¬1) العسكري في "كتاب الصحابة" في ترجمته، وقال: هو مولى ~~بني مخزوم. # قلت: والمعروف في رواية الثقات أنه كان عبدا. # قال الحفاظ: ورواية من روى أنه كان حرا غلظ (¬2) شاذة مردودة لمخالفتها ~~المعروف في رواية الثقات ويزيد الأول قول عائشة في "صحيح مسلم": "وكان عبدا ~~و [لو] (¬3) كان حرا لم يخيرها" (¬4) وهو معظم الروايات عنها، وأجمعوا عليه ~~من طريق ابن PageV08P097 # عباس (¬1)، وكان يحبها ويسألها ويستشفع فلا ترجع. # فائدة: هذا اللحم المذكور في الحديث: "كان لحم بقر"، كما جاء في رواية، ~~وفيه رد على من كره ذبح البقر للحاجة إليها في الحرث. # وقال القرطبي (¬2): اضطربت ألفاظ الرواة لهذا الحديث. # فقال بعضهم: "أهدى لها لحم". # وقال بعضهم: "تصدق عليها بلحم بقر". # [وقال بعضهم: قالت عائشة: "تصدق على مولاتي بشاة من الصدقة". # وقال بعضهم] (¬3): قالت عائشة: "بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بشاة ~~من الصدقة إلى بريرة". # قال القرطبي (¬4): وهذان اللفظان أنص ما في الباب, فليعتمد عليها. # الثالث: في الحديث دلالة على أن من عتقت تحت عبد يثبت لها الخيار في فسخ ~~النكاح وهو إجماع، واختلفوا: فيما [لو] (¬5) عتقت تحت حر فأثبته لها أبو ~~حنيفة أيضا، ونفاه مالك والشافعي PageV08P098 # والجمهور لانتفاء الضرر [إذن] (¬1)، وقد علمت منشأ الخلاف في ذلك، وهو هل ~~كان زوجها حرا أو عبدا؟ # الرابع: فيه أيضا [دلالة] (¬2) على جواز إعطاء [الصدقات] (¬3) [على موالي ~~قريش، خلافا لمن منع ذلك] (¬4)، [لأن] (¬5) بريرة مولاة لهم، ولم ينكر - ~~عليه الصلاة والسلام - الصدقة عليها. # قال القاضي عياض (¬6): فإن كانت هذه الصدقة تطوعا فقد يحتج به من يرى ~~صدقة التطوع جائزة لموالي قريش ms1374 أو جميعهم، وإن كانت واجبة فيحتج به من لا ~~يرى تحريمها على مواليهم، واستثنى غيره بأنه كيف يكون اللحم عن زكاة واجبة. # الخامس: فيه أيضا دلالة على جواز الأكل مما تصدق به على الفقير ومثله ما ~~إذا أهدى إليه، سواء في ذلك أزواجه - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم. # السادس [: فيه أيضا دلالة على قبول الغني هدية الفقير بما تصدق به عليه ~~لقبول عائشة لحمها، ولم ينكر عليها. # السابع:] (¬7) فيه أيضا دلالة على الفرق بين الهدية والصدقة في الحكم، ~~وأن من حلف لا يأكل من أحدهما لم يحنث بالآخر، فإن PageV08P099 # الصدقة ما قصد به ثواب الآخرة والهدية ما قصد به إكرام الموهوب له مع ~~نقله إلى مكانه. # الثامن: فيه أيضا دلالة على من أهدى إلى أهله شيء في غيبته ينبغي إعلامهم ~~به، لإعلام عائشة بحال اللحم. # التاسع: فيه أيضا دلالة على وجوب نصح أهل الرجل له، وأن يجنبوه ما يكرهه، ~~كما أخبرت عائشة بحال اللحم لعلمها بأنه لا يأكل الصدقة. # العاشر: فيه أيضا دلالة على أن كسب المرأة الحرة لها دون زوجها تتصرف فيه ~~بالهدية وغيرها خلافا لمن خالف فيه. # الحادي عشر: فيه أيضا دلالة على أنه يجوز لمن أهدى لأهله أو لأحد من ~~إلزامه شيئا أن يشرك نفسه معهم في الإخبار عن ذلك لقوله "وهو لنا هدية". # (¬1) [الثاني عشر]: فيه أيضا دلالة على أنه يجوز للمرأة أن تدخل في بيت ~~زوجها ما لا يملكه بغير علمه، وإن كان فيه شغل ملكه إذا لم تظن كراهيته ~~لذلك لإدخال عائشة لحم بريرة البيت. # (¬2) الثالث عشر: فيه أيضا دلالة على استحباب السؤال عما يستفاد به علم ~~أو آداب أو بيان حكم أو رفع شبهة، وقد يجب ذلك في بعض المحال، كما سأل ~~-عليه الصلاة والسلام- عما في البرمة، ليعلم حاله ويبين حله. PageV08P100 # الرابع عشر: فيه أيضا دلالة على جواز سؤال الرجل عما لم يعهده في بيته، ~~ولا يرد على هذا حديث أم زرع "ولا يسأل عما عهد" أن معناه: لا يسئل عن شيء ~~عهده ms1375 وفات فلا يسئل أين ذهب؟ وأما هنا وكانت البرمة واللحم فيها موجودين ~~حاضرين، فسألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عما رآه ليبين لهم حكمه، لأنه ~~يعلم أنهم لا يتركون إحضاره له شحا عليه، بل لتوهم تحريمه عليه فأراد بيان ~~ذلك لهم. # وعبارة الشيخ تقي الدين (¬1): في إيراد هذا الوجه فيه دلالة على تبسط ~~الإنسان في السؤال عن أحوال منزله وما عهده فيه لطلبه من أهله مثل ذلك، وفي ~~ذكره نظر، بل الظاهر أنه سؤال عما لم يعهده. # الرابع عشر: فيه أيضا دلالة على أن هدية الأدنى للأعلى لا توجب ثوابا ولا ~~تقتضيه شرعا، لأنه لم ينقل أن عائشة أثابت بريرة على اللحم. # الخامس عشر: فيه أيضا دلالة على أن الهدية تملك بوضعها في بيت المهدي له، ~~ولا يحتاج إلى قبول، وهو الصحيح عندنا؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- لم يسأل ~~عائشة عن قبولها, ولا أنكر قبولها له. # السادس عشر: فيه أيضا دلالة على جواز الصدقة على من يمونه غيره: إما ~~وجوبا كزوجة ورقيق أو ندبا كقريب لا تجب نفقته؛ لأن عائشة كانت تمون بريرة، ~~ولم ينكر قبولها الصدقة. PageV08P101 # السابع عشر: فيه أيضا دلالة على أنه يجوز لمن تصدق عليه بصدقة أن يتصرف ~~فيها بما شاء من الصدقات. # الثامن عشر: فيه أيضا دلالة على جواز أكل اللحم وإن لم يعلم حال من ذبحه ~~إذا لم يظن أنه ممن تحرم ذبيحته، لعدم سؤاله -عليه الصلاة والسلام- عنه. # التاسع عشر: فيه أيضا دلالة على أنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل ~~إليه بطريق مشروع إذا لم يظن تحريمه، أو تظهر شبهة فيه، لأنه -عليه الصلاة ~~والسلام- لم يسأل عن المتصدق ولا عن حاله، والأيدي ظاهرة في الملك. # العشرون: فيه أيضا دلالة على أنه يستحب للكبير إذا أهدي إليه القليل أن ~~يقبله ولا يستقله لقبول هدية اللحم من بريرة مع علو مقدارهم ونزارة مقدار اللحم. # الحادي بعد العشرين: فيه أيضا دلالة على أن من تصدق عليه بقليل ينبغي أن ~~يقبله ولا يستقله، لتقرير بريرة على قبول اللحم. ms1376 # الثاني بعد العشرين: فيه دلالة أيضا على حصر الولاء للمعتق. # الثالث بعد العشرين: فيه دلالة أيضا على جواز نكاح العبد الحرة إذا رضيت ~~هي وأولياؤها لتخيير بريرة بعد العتق، وكان زوجها عبدا على قول الجمهور كما مر. # الرابع بعد العشرين: عدم اعتبار الكفاءة إذا رضي الولي والزوجة. PageV08P102 # الخامس بعد العشرين: فيه دلالة أيضا على اعتبارها في الأزواج، لأن ~~تخييرها إنما كان لارتفاعها بالحرية عن نقصه بالرق. وإذا اعتبر ذلك دواما ~~فابتدء أولى. # السادس بعد العشرين: فيه دلالة أيضا على أن المغرور بحرية الزوج أو ~~الزوجة له الخيار إذا علم بالحال بعد ذلك، لأن خيرت مع العلم، فما بالك مع ~~التغرير؟! # السابع بعد العشرين: فيه دلالة أيضا على تسمية الأحكام سننا. # الثامن بعد العشرين: فيه دلالة أيضا على أن المرأة إذا فوتت بضعها على ~~زوجها بعد الدخول بفسخ بحرية لم ترجع بمهرها, لأن بريرة فوتت ذلك على زوجها ~~بكتابتها وحريتها واختيارها ولم يقض له بالرجوع [عليها] (¬1). # ومذهب الشافعي: أنه إن كان الفسخ بعتق بعد الدخول وجب المسمى، وإلا فمهر ~~المثل على الأظهر، وإن كان الفسخ قبل الدخول فلا شيء. # التاسع بعد العشرين: فيه دلالة أيضا على أن الشيء المحرم لوصف يزول ~~تحريمه بزوال وصفه. # الثلاثون: فيه دلالة أيضا على جواز الحيل المباحة أو المستحبة بطريقة ~~الشرع، وفيه أيضا حسن الجواب بالصدق. PageV08P103 # واستعمال الورع الذي لا يؤدي إلى مخالفة الشرع من الزوجة للزوج، ومثله كل ~~متبوع مع تابعه، وأنه إذا رأى العالم أن بتابعه حاجة إلى تعليم علم أو ~~معرفة حكم أن يذكره له مبتدئا من غير سؤال، واختيار أطيب الإدام ليتقوى به ~~على طاعة ربه، خلاف ما ذهب إليه بعضهم، وغير ذلك. PageV08P104 # باب النكاح PageV08P105 ### || AUTO 62 - باب النكاح # أصله في كلام العرب الوطء وسمي به العقد لأنه سببه، والأصح أنه حقيقة في ~~العقد، مجاز في الوطء. وعكس أبو حنيفة. # وقيل: إنه حقيقة بينهما بالاشتراك (¬1)، وذكر المصنف في الباب ثلاثة عشر ~~حديثا. PageV08P107 ### ||| AUTO الحديث الأول # 319/ 1/ 62 - عن عبد الله بن مسعود - رضي ms1377 الله عنه - قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ~~فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في ### ||| AUTO الحديث الأول # من كتاب الصلاة. # قال ابن منده في "مستخرجه": ورواه مع ابن مسعود، عائشة وجابر بن عبد ~~الله، وأنس. PageV08P108 # الثاني: في ألفاظه. # الأول: قال أهل اللغة: المعشر: الطائفة الذين يشملهم وصف. فالشباب: معشر، ~~والشيوخ: معشر، والأنبياء: معشر، والنساء: معشر، وكذا ما أشبه ذلك. # الثاني: "الشباب" جمع شاب، ويجمع على شبان وشببة. # قال الأزهري: ولا يجمع فاعل على فعال غيره. # قال "صاحب الجامع": وأصل الشباب الحركة والنشاط، لأن الإنسان أول عمره ~~أكثر حركة، ونشاطا منه في آخر عمره، والشباب عند الشافعية من بلغ ولم يجاوز ~~ثلاثين سنة، كما نقله النووي في "شرحه لمسلم" (¬1) عنهم. # وقال الزمخشري: حده من لدن البلوغ إلى اثنتين وثلاثين سنة، وقال ابن شاس ~~(¬2) من المالكية: الشبان والأحداث لمن بلغ حتى يكمل أربعين سنة. # وحكى القرطبي عن أهل اللغة: أنه يقال له حدث إلى ست عشرة سنة، ثم شاب إلى ~~اثنتين وثلاثين، ثم كهل في ثلاثة وثلاثين. PageV08P109 # وقد أسلفت في الكلام على الحديث الرابع من باب الاستطابة عن أبي جعفر ~~النحوي أسماء الإنسان من حين يخلق في بطن أمه إلى أن يهرم، فراجعه منه، وخص ~~في الحديث الشباب بذلك لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح بخلاف ~~الشيوخ. والمعنى معتبر إذا وجد في الكهول والشيوخ أيضا. # الثالث: "الباءة" أصلها في اللغة الجماع، وهي مشتقة من المباءة، وهي ~~المنزل، ومنه مباءة الأرض وهو موطنها، ثم قيل لعقد النكاح باءة لأن من تزوج ~~امرأة فقد بوأها منزلا، فهو من مجاز الملازمة. # وفي "الباءة" (¬1) أربع لغات: أفصحها وأشهرها الباءه بالمد والهاء. # وثانيها: بدون مد. # وثالثها: بالمد بلا هاء. # ورابعها: الباهه بهاءين بلا مد، وفي بعض "شروح التنبيه" أنها بالمد: ~~القدرة على مؤن النكاح. وبالقصر: الوطء والنكاح. ms1378 # واختلف في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد: PageV08P110 # أصحهما: أن المراد معناه اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم ~~الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه ~~عن مؤنه فعليه بالصوم؛ ليدفع شهوته، ويقطع شر منيه، كما يقطعه الوجاء. ووقع ~~الخطاب للشباب لكونهم مظنة الشهوة كما سلف. # والثاني: أن المراد بالباءة هنا مؤن النكاح، [و] (¬1) سميت [باسم] (¬2) ~~ما يلازمها، فالتقدير: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطعها ~~فليصم، ليدفع شهوته، والذي حمل القائلين بهذا على هذا أنهم قالوا: قوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم"، قالوا: والعاجز عن ~~الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة على المؤن. # وأجاب الأولون: بما قدمناه في القول الأول، وهو أن تقديره: ومن لم يستطع ~~الجماع لعجزه عن مؤونة وهو محتاج إلى الجماع، فعليه بالصوم (¬3). # الرابع: معنى "أغض" أمنع. # و"أحصن" مأخوذ من الحصين الذي يمنع به من العدو. # و"الوجاء": بكسر الواو وبالمد رض الخصيتين، وقال القاضي (¬4): أصله ~~الغمز، يقال: وجىء في عنق فلان إذا غمز عنقه PageV08P111 # ودفع، ومنه: وجأه بالخنجر وشبهه، وجاء ساكن الجيم إذا نخسه به وطعنه، ~~والوجأ المصدر ساكن الجيم وهو أيضا اللزق، ومنه الوجيئة: تمر يحل باللبن أو ~~السمن ويرض حتى يلتزق بعضه ببعض، ومنه أخذ الوجاء وهو غمز الأنثيين أو ~~رضهما بحجر أو نحوه. # قال أبو عبيد: وقد قال بعض أهل العلم وجأ بفتح الواو ومقصور [من] (¬1) ~~الحفاء، وقال: والأول أجود في المعنى، وقال أبو زيد: لا يقولون وجاء إلا ~~فيما لم يبرأ وكان قريب عهده. وفي "صحيح ابن حبان" (¬2) بعد قوله: "فإنه له ~~وجاء، وهو الإخصاء"، ولا أدري هذه الزيادة ممن. # والمراد على الرواية المشهورة: وهي رواية المد: أن الصوم يقطع الشهوة وشر ~~المني، كما يفعل الوجاء كما سلف، وهو من مجاز المشابهه. # وعلى رواية القصر: يكون شبه الصوم في باب النكاح بالنعت في باب المثنى. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإنه أغض للبصر PageV08P112 # وأحصن ms1379 للفرج" يحتمل كما قال الشيخ تقي الدين (¬1): أن تكون "أفعل" فيه ~~لغير المبالغة، بل إخبار عن الواقع، ويحتمل أن تكون على بابها، [فإن التقوى ~~بالتزوج سبب لها]، وهو أبلغ من غضه وتحصينه بمجرد الصوم. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فعليه بالصوم" (¬2) PageV08P113 # ليس إغراء الغائب، لأن الهاء في "عليه" لمن خصه من الحاضرين بعدم ~~الاستطاعة، لتعذر خطابه بكاف الخطاب، كما نبه عليه القاضي عياض وأوضحه، ورد ~~به على من قال: إن في الحديث دلالة على الإغراء بالغائب، وأن النحاة منعوه. # الوجه الثالث: من الكلام على الحديث في أحكامه. # الأول: الأمر بالنكاح لمن استطاع وتاقت نفسه وهو إجماع، لكنه عند الجمهور ~~أمر ندب لا إيجاب فلا يلزم التزوج ولا التسري سواء خاف العنت أم لا؟ # وقال داود ومن وافقه من أهل الظاهر: يجب أحدهما على الخائف من العنت مرة ~~واحدة في العمر. وهي رواية عن أحمد، ولم PageV08P114 # يحك ابن هبيرة عن أحمد [سواها] (¬1)، وهو مذهب مالك أيضا، كما حكاه ~~[المازري] (¬2) ووجه عندنا ولم يشترط [ذلك] (¬3) بعضهم خوف العنت والواجب ~~عندهم العقد لا الدخول لمجرد الأمر بالتزويج في هذا الحديث وغيره، فإنه ~~ظاهر في الوجوب مع قوله -تعالى-: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} (¬4)، ~~وغير ذلك من الآيات. # وقال المازري (¬5): هذه الآية حجة للجمهور لأنه -سبحانه وتعالى- خيره في ~~آخر الآية بين النكاح والتسري، [قال: ولا يجب التسري بالاتفاق، فلو كان ~~النكاح واجبا لما خيره بينه وبين التسري] (¬6)، لأنه لا يصح عند الأصوليين ~~التخيير بين [واجب] (¬7) وغيره، لأنه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب، وأن ~~تاركه لا يكون آثما، كذا قرره وفيه نظر، لأنهم يقولون بوجوب النكاح أو ~~التسري، فدعواه الاتفاق على عدم وجوب التسري ليس بجيد، وقرره صاحب "البيان" ~~وغيره من أصحابنا بوجه آخر، وهو أنه -تعالى- علقه بالاستطاعة، والواجب ليس ~~كذلك، وفيه نظر أيضا. # واستدل بعضهم على عدم الوجوب: بقوله -تعالى- PageV08P115 # {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (30)} (¬1)، فإنه ~~لا يقال في الواجب أنت غير ملوم إن فعلته. # وإيجاب الظاهرية: العقد دون ms1380 الوطء، لا يحصل معه ما ذكر في الحديث من ~~تحصين الفرج وغض البصر (¬2). # وقسم أصحابنا الناس في [النكاح] (¬3) أربعة أقسام: # أحدها: تائق إليه وآخذ أهبته فهو مستحب في حقه. # ثانيها: عكسه فهو مكروه في حقه. # ثالثها: لا يتوق ويجد الأهبة فترك النكاح والتخلي للعبادة أفضل على ~~الأصح، ولا يقال فعله مكروه. # وقال أبو حنيفة وبعض الشافعية والمالكية: النكاح له أفضل. # رابعها: عكسه فيكره له ويؤمر بالصوم لتوقانه إليه. # وعند المالكية: أن النكاح يختلف باختلاف حال الشخص، فيجب في حق من لا ~~ينكف عن الزنا إلا به، ويحرم إذا كان يخل بحق الزوجة في وطء أو إنفاق، ~~ويكره في حق من لا يكون مشتهيا له، وينقطع بسببه عن فعل الخير. # وقيل: يكره إذا كان حاله في العزبة أجمع منه في التزويج، وهو يرجع إلى ~~الأول. PageV08P116 # وأما من لا يشتهيه ولا ينقطع بسببه عن فعل الخير: فقد يختلف فيه، فيقال: ~~بالندب للظواهر الواردة في الترغيب فيه، وقد يكون في حقه مباحا. # قال القاضي: وهو مندوب في [حق] (¬1) كل من يرجى منه النسل ممن لا يخشى ~~العنت وإن لم يكن له في الوطء شهوة، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإني ~~مكاثر بكم" (¬2)، ولظواهر الحض على النكاح والأمر به، قال: وكذلك في حق من ~~له رغبة في نوع الاستمتاع بالنساء، وإن كان ممنوعا عن الوطء, لكن النكاح ~~يغض بصره. # وأما في حق من لم ينسل ولا أرب له في النساء جملة ولا مذهب له في ~~الاستمتاع بشيء منهن، فهذا الذي يقال في حقه إنه مباح إذا علمت المرأة ~~بحاله، وقد يقال حتى الآن إنه مندوب لعموم الأوامر بالتزويج، ولقوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "لا رهبانية في الإسلام" (¬3). PageV08P117 # وقسم بعض الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة: وجعل الوجوب فيما إذا خاف ~~العنت وقدر على النكاح إلا أنه لا يتعين واجبا، بل إما هو، وإما التسري، ~~فإن تعذر التسري تعين النكاح حينئذ للوجود، لا لأصل الشرعية. # قلت: ويجب أيضا في صورة ثانية على أحد الوجهين، وهي ما إذا نذره ms1381 حيث كان ~~مستحبا، كذا ذكرها ابن الرفعة في "مطلبه" في أثناء باب القسم قبيل الفصل ~~الخامس في المسافرة، ثم قال بعضهم: استثنى حالة خوف العنت إذا لم يقدر على ~~التسري، ولم يذكر زيادة على ذلك. # تنبيه: [(¬1)] وقع في كلام النووي في "شرح مسلم" (¬2) عن العلماء كافة ~~عدم وجوب النكاح أو التسري وإن خشي العنت غير الظاهرية ورواية عن أحمد، وقد ~~علمت أنه مذهب مالك أيضا ووقع في كلام القاضي أنه إن صح ذلك عن الظاهرية ~~فهو غير مخالف للكافة. انتهى، وهو غير جيد فإن الكافة لا يوجبونه كما سلف الحكم. # الثاني: الأمر بالصوم للعاجز عن القيام بمأمورات النكاح وإنما أحاله على ~~الصوم لما فيه من كسر الشهوة، فإن شهوة النكاح تابعة لشهوة الأكل، تقوى ~~بقوتها، وتضعف لضعفها. PageV08P118 # الثالث: تنصيصه على الصوم ومخرج للكافور ونحوه فإنه نوع من الخصي في "شرح ~~السنة" (¬1) للبغوي أن هذا الحديث فيه دلالة على أن من لا يجد أهبة النكاح ~~يجوز له المعالجة لقطع الباءة بالأدوية، فإن لم ينقطع شدة توقانه بالصوم ~~لشدة غلمته. وحكاه القاضي (¬2) عن الخطابي (¬3) أيضا، حيث قال: حكاية عنه ~~فيه دلالة على جواز معاناة قطع الباءة بالأدوية، وينبغي أن يحمل على دواء ~~يسكن الشهوة دون ما يقطعها أصالة: {فإن مع العسر يسرا (5)} (¬4). # الرابع: يؤخذ منه أن مقصود النكاح الوطء، ووجوب الخيار في العنت، وبه صرح ~~الخطابي (¬5) أيضا. # الخامس: قد يؤخذ منه أيضا أن النكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادات، وهو ~~مذهب أبي حنيفة وأصحابه. # السادس: يؤخذ منه أيضا الحث على غض البصر، وقد أمر الله -تعالى- به ~~ورسوله. # السابع: يؤخذ منه أيضا الحث على تحصين الفرج بكل طريق أمر الشرع به. # الثامن: يؤخذ منه أيضا عدم التكليف بغير المستطاع. PageV08P119 # التاسع: يؤخذ منه أيضا مراعاة الشهوات وحظوظ النفوس بحيث لا تقدم على ~~أحكام الشرع، بل دائرة معه. # العاشر: يؤخذ منه أيضا شرعية تعليل الحكم، فإنه -عليه الصلاة والسلام- ~~علل الحكمة في الأمر بالصوم له بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإنه له ~~وجاء"، أي قاطع لمشقة المكابدة ms1382 لشهوة النكاح. # الحادي عشر: استنبط القرافي من قوله "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" أن ~~التشريك في العبادات لا يقدح بخلاف الرياء، فإنه [عليه الصلاة والسلام أمر] ~~(¬1) بالصوم الذي هو طاعة وقربة [يحصل] (¬2) به غض البصر وكف الفرج عن ~~الوقوع في المحرم، وليس ذلك بقادح، وفيما ذكره من كونه تشريكا نظر. # الثاني عشر: يؤخذ من تنصيصه -عليه الصلاة والسلام- تحريم الاستمناء، وهو ~~المشهور. # وسئل (¬3) مالك عنه [و] (¬4) عن المرأة تجعل في نفسها تستعف به، فتلا ~~قوله -تعالى- {والذين هم لفروجهم حافظون (29)} (¬5) إلى قوله: {فأولئك هم ~~العادون (31)}، حكاه الزناتي عنه في "شرح الرسالة". PageV08P120 # قال: وسئل الشافعي (¬1) فكرهها من غير تحريم، وما نقله عنه خلاف مشهور مذهبه. # قال: وسئل عنها ابن حنبل (¬2) فقال: لا بأس بها. # وقال ابن حزم في "مراتب الإجماع" (¬3): اتفقوا على أن [(¬4)] سحاق المرأة ~~للمرأة حرام. # واختلف في الاستمناء أحرام هو أم مكروه أم مباح" (¬5)؟ [والله PageV08P121 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P122 # أعلم] (¬1). PageV08P123 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 320/ 2/ 62 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن نفرا من أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - سألوا أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، ~~وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال أقوام ~~قالوا كذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي ~~فليس مني (¬1). # الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه سلف في باب الاستطابة. # الأول: هؤلاء النفر (¬2) قيل هم أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن PageV08P124 # مسعود، وابن عمر، وابن عمرو، وأبو ذر، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد، ~~وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرن، اتفقوا على هذا في بيت عثمان بن مظعون، وقد ~~أسلفنا في الحديث الأول من باب الجمعة أن "النفر" [لغة] (¬1): عدة رجال من ~~ثلاثة إلى عشرة ولفظ رواية البخاري في صحيحه (¬2) لهذا الحديث عن أنس قال: ~~"جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن ~~عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما أخبروا كأنهم ms1383 تقالوها، فقالوا: ~~وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر، قال أحدهم: "أما أنا فإني أصلي الليل أبدا"، وقال آخر: "أنا أصوم ~~الدهر ولا أفطر"، وقال آخر: "وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -[(¬3)]، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما ~~والله إني PageV08P125 # لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، ~~فمن رغب عن سنتي فليس مني"، رواه عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن جعفر، عن ~~حميد الطويل، عن أنس. # وأما مسلم فأخرجه من طريق آخر إلى أنس رواه عن أبي بكر [بن] (¬1) نافع ~~العبدي، عن بهز، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بلفظ المصنف سواء، وزاد ~~بعد قوله: "قالوا كذا" لفظة "وكذا" فحينئذ لفظ رواية المصنف هو لمسلم خاصة، ~~فتنبه له، ثم رأيت بعد ذلك المصنف نبه على ذلك في "عمدته الكبرى"، فقال بعد ~~أن ساقه: متفق عليه، واللفظ لمسلم، وللبخاري معناه. # ثم اعلم: بعد ذلك أنه وقع في بعض نسخ الكتاب قبل قوله "فحمد الله" "فبلغ ~~ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -" وهي ثابتة في شرح الشيخ تقي الدين (¬2) ~~دون غيره من الشيوخ. # قال ابن منده في "مستخرجه": وروى أيضا قوله: من رغب عن سنتي فليس مني" ~~ابن عمر، وعثمان بن مظعون، وعائشة. # الوجه الثاني: معنى قوله -عليه الصلاة السلام-: "فمن رغب عن سنتي فليس ~~مني" تركها إعراضا عنها، غير معتقد لها على ما هي عليه، أما من ترك النكاح ~~على الصفة التي يستحب له تركها كما سبق، أو ترك النوم على الفراش لعجزه عنه ~~أو لاشتغاله بعبادة مأذون فيها ونحو ذلك فلا يتناوله هذا الذم، وكان جماعة ~~من السلف PageV08P126 # يمسكون عن تأويل هذا وأمثاله، لأنه أبلغ في الردع عن مخالفة السنة. # الوجه الثالث في أحكامه: # الأول: يستدل به من رجح النكاح على التخلي لنوافل العبادات، فإن هؤلاء ~~القوم قصدوا هذا المقصد فرده -عليه الصلاة ms1384 والسلام- عليهم، وأكد ذلك بأن ~~خلافه رغبة عن السنة، قال الشيخ تقي الدين (¬1): ويحتمل أن تكون هذه ~~الكراهة للتنطع والغلو في الدين، وقد يختلف ذلك باختلاف المقاصد: فإن من ~~ترك أكل اللحم -مثلا- يختلف حكمه بالنسبة إلى مقصوده، فإن كان من باب الغلو ~~والتنطع، والدخول في الرهبانية فهو ممنوع، مخالف للشرع، وإن كان لغير ذلك ~~من المقاصد المحمودة كمن تركه تورعا لقيام شبهة في ذلك الوقت في اللحوم، أو ~~عجزا أو لمقصود صحيح غير ما تقدم، لم يكن ممنوعا، وظاهر الحديث ما ذكرناه ~~من تقديم النكاح، كما يقوله أبو حنيفة، ومن وافقه قال: ولا شك أن الترجيح ~~يتبع المصالح، ومقاديرها مختلفة، وصاحب الشرع أعلم بتلك المقادير، فإذا لم ~~يعلم المكلف حقيقة تلك المصالح، ولم يستحضر أعدادها فالأولى اتباع اللفظ ~~الوارد في الشرع. # وقال القاضي عياض: لا حجة في هذا الحديث لمن يوجب النكاح لأنه ذكر معه ~~غيره فرد الكلام إلى النكاح وحده دون قرينة لا يلتفت إليه. PageV08P127 # الثاني: فيه تتبع آثاره - صلى الله عليه وسلم - فإنهم لما تتبعوا أحواله ~~الجهرية بحثوا عن السرية، ثم ظنوا أنما عزموا عليه من آثاره فرد عليهم أحسن ~~رد، ولم يعين قائل ذلك لحصول المقصود بدونه من غير شناعة عليه، وقد سلف مثل ~~ذلك في حديث بريرة في البيع، وهذه عادته - صلى الله عليه وسلم - في خطبه، ~~وهو من جزيل مكارم أخلاقه. # الثالث: فيه أيضا التوصل إلى العلم من النساء إذا تعذر أخذه من أصل محله. # الرابع: فيه أيضا أنه ينبغي للإنسان أن يذكر ما عزم عليه من الأعمال ~~الشاقة التي يظن أنها طاعة ليتبين أمرها، ويرجع عنها إلى السنة فيها. # الخامس: فيه استحباب الخطبة لأمور المسلمين الحادثة العامة النفع، ~~والثناء على الله فيها، وبيان الأحكام ليتبعوها، وتحذير مخالفيها. # السادس: فيه أيضا أن ملاذ النفس والبدن إذا فعلت لامتثال الشرع فيما امتن ~~به وأباحه تصير طاعات مثابا عليها، وإذا تركت لغير مقصود شرعي عنادا تصير كفرا. # السابع: فيه تنبيه على قاعدة أصولية وهي: أن الدوام وعدم الزوال ms1385 ثابت لله ~~-تعالى-، والتغيير وعدم الديمومة ثابت لما سواه. وشاهد ذلك تنقل المخلوقات ~~من حال إلى حال، فلهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "لكني أصلي وأنام" ~~الحديث. # الثامن: استدل به بعض الشراح على قبول خبر الواحد لأنه ما PageV08P128 # عدا المتواتر. قال: ولم يثبت في الحديث أن النفر السائلين وأزواج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - المسؤولات بلغوا حد التواتر، ثم شرع يتكلم في التواتر ~~واختلاف الناس في حده، وفيه نظر. # التاسع: قال الطبري: فيه رد على من منع من استعمال الحلال والمباحات من ~~الأطعمة الطيبة والملابس اللينة وآثر عليها غليظ الطعام وخشن الثياب من ~~الصوف وغيره، وأن صرف فضلها في وجوه البر والقربات، فإن حياطة جسم الإنسان ~~وصيانة صحته بذلك آكد وأولى، واحتج بقوله -تعالى-: {قل من حرم زينة الله} ~~(¬1) الآية، وقوله -تعالى-: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} (¬2)، قال ~~القاضي: وهذا الباب مما اختلف فيه السلف كثيرا، فمنهم من آثر ما قاله ~~الطبري، ومنهم من آثر ما أنكره، واحتج هؤلاء بقوله -تعالى- في ذم أقوام: ~~{أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} (¬3)، PageV08P129 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P130 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P131 # وقد احتج عمر بن الخطاب بذلك وحجة [الآخر] (¬1) عليهم أن الآية نزلت في ~~الكفار بدليل أول الآية وآخرها والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخذ ~~بالأمرين وشارك في الوجهين فلبس مرة الصوف والشملة الحسنة، ومرة البرد ~~والرداء الحضرمي، وتارة أكل القثاء بالرطب وطيب الطعام إذا وجد، ومرة لزم ~~أكل الحواري ومختلف الطعام، كل ذلك ليدل على الرخصة بالجواز مرة، والزهد في ~~الدنيا وملاذها أخرى. وكان يحب الحلوى والعسل ويقول: "حبب إلي من دنياكم ~~ثلاث، الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة" (¬2). PageV08P132 # تنبيه: قال القرافي: اختلف العلماء في أول الدهر الذي أدركته هل يدخل ~~الورع والزهد في المباحات أم لا؟ فادعى ذلك بعضهم ومنعه بعضهم، وصنف بعضهم ~~على بعض فيه، وممن قال: إنه لا ورع في المباح الأنباري في كتاب "الورع" له، ~~وممن قال: بمقابله بهاء الدين الحميدي (¬1)، وهذا الحديث يشهد للأول. # قال القرافي: والجمع بين القولين أن يقال: الاستكثار ms1386 من المباحات يقع ~~الورع فيه فإنه يجر إلى كثرة الاكتساب والوقوع في المتشابهات. وأما المباح ~~من حيث هو مباح فلا ورع في تركه. PageV08P133 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 321/ 3/ 62 - عن سعيد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: "رد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في الحديث الثاني من الوصايا. # وأما عثمان هذا فهو: ابن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمع بن عمر بن ~~هصيص القرشي الجمحي يكنى أبو السائب، أخو قدامة بن مظعون، أمهما سخيلة بنت ~~العنبس بن أهبان بن حذافة بن جمح، كان عثمان من فضلاء الصحابة وساداتهم ~~وعبادهم ومتهجديهم، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا، هاجر هجرتين، وشهد بدرا، وكان ~~أول رجل مات في المدينة من PageV08P134 # المهاجرين بعدما رجع من بدر، [وأول من تبعه إبراهيم بن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ثم زينب] (¬1)، وكان هو وعلي وأبو ذر هموا أن يختصوا ~~فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ,ونزلت فيهم: {ليس على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جناح} (¬2) الآية، وكان أحد من ذم الخمر في ~~الجاهلية، توفي سنة اثنتين من الهجرة، وقيل: في الثالثة بعد شهوده بدر، ~~وكان أول من دفن بالبقيع في قول مصعب الزبيري، ولما مات أكب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عليه، وقبله، وجرت دموعه، وقال: "اذهب أبا السائب فقد ~~خرجت منها (يعني الدنيا) ولم تلتبس منها بشيء". # ولما مات قالت له امرأته: هنيئا لك الجنة، فنظر إليها -عليه الصلاة ~~والسلام- نظرة غضب وقال: "ما يدريك؟! " قالت: يا رسول الله فارسك وصاحبك!! ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني رسول الله، وما أدري ما يفعل ~~بي" فأشفق الناس على عثمان، فلما ماتت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألحقي بسلفنا الخير: عثمان ~~بن مظعون". فبكى النساء، فجعل عمر يسكتهن، فقال - صلى الله عليه وسلم ms1387 -: ~~"مهلا يا عمر"، ثم قال: "إياكن ونعيق الشيطان ومهما كان من العين فمن الله ~~ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان" (¬3). PageV08P135 # الوجه الثاني: ترجم البخاري (¬1) على هذا الحديث باب: ما يكره من التبتل ~~والخصاء، ثم روى معناه من حديث ابن مسعود (¬2) وأبي هريرة (¬3)، وكذا ترجم ~~عليه الترمذي (¬4) أيضا باب: ما جاء في النهي عن التبتل [ثم ساق من حديث ~~الحسن بن سمرة، أنه -عليه الصلاة والسلام-: "نهى عن التبتل"] (¬5)، وقرأ ~~قتادة: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} (¬6)، ثم قال: ~~هذا حديث حسن غريب، وروي عن عائشة (¬7) مرفوعا نحوه قال: ويقال: كلا ~~الحديثين صحيح، ثم روى حديث سعد السالف قال: وفي الباب أيضا عن أنس (¬8) ~~وابن عباس (¬9) قلت: PageV08P136 # وابن مسعود (¬1) وأبى هريرة (¬2) كما ذكره البخاري. # وفي "شرح السنة" (¬3) للبغوي من حديث عبد الله بن عمرو أن رجلا جاء إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله أتأذن لي أن أختصي؟ ~~فقال -عليه الصلاة والسلام-: "خصاء أمتي الصيام والقيام" (¬4). # وفي "أحكام" المحب الطبري أن البغوي روى بسنده عن PageV08P137 # عتبة بن مسعود أن عثمان بن مظعون أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~ائذن لنا في الاختصاء؟ فقال: "ليس منا من خصى أو اختصى، إن خصاء أمتي ~~الصيام"، وقال: يا رسول الله ائذن لنا في السياحة؟ فقال: "إن سياحة أمتي ~~الجهاد" فقال: يا رسول الله ائذن لنا في الترهب؟ قال: "إن ترهب أمتي الجلوس ~~في المساجد لانتظار الصلاة" ولم أر ما عزاه إلى البغوي في "شرح السنة" هنا ~~والذي فيها ما أسلفته أولا، وإنما استأذنه [في الخصاء] (¬1) لمشقة العزوبة ~~في المغازي، وروي أنه قال: "لا، ولكن عليك بالصيام، فإنه مجفر" (¬2) وروي ~~"مجفرة"، قال البغوي في "شرحه" (¬3): وفي بعض الأحاديث: "صوموا ووفروا ~~أشعاركم فإنها مجفرة" (¬4) يعني: مقطعة للنكاح، ونقص للماء، يقال للبعير ~~إذا أكثر الضراب حتى ينقطع: قد جفر يجفر جفورا، فهو جافر. # وفي كتاب "الطب" لأبي نعيم من حديث شداد بن عبد الله أن نفرا ms1388 من أسلم ~~استأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخصاء فقال: "عليكم بالصوم، ~~فإنه محشمة للعروق [ومذهب للأسر] (¬5) ". PageV08P138 # الوجه الثالث: "التبتل": ترك النكاح انقطاعا [لعبادة] (¬1) الله. # وأصل التبتل: القطع، ومنه: قيل لمريم: البتول، ولفاطمة: البتول لانقطاعها ~~عن نساء زمانهما دينا وفضلا ورغبة في الآخرة، ومنه: صدقة بتلة أي منقطعة عن ~~تصرف مالكيها. # وقال الطبري (¬2): التبتل ترك لذات الدنيا وشهوتها، والانقطاع إلى الله ~~-تعالى- بالتفرغ لعبادته قال: ومنه قيل لمريم: البتول لانقطاعها إلى الله ~~-تعالى- بالخدمة. # وقال القرافي: سميت فاطمة لانقطاعها عن الأزواج إلا عن علي [رضي الله ~~عنه] (¬3). # وقال الليث: البتول كل امرأة منقطعة عن الرجال، لا شهوة لها فيهم. # وقال البغوي في "شرح السنة" (¬4)، المراد به في الحديث الانقطاع عن ~~النساء، ثم يستعمل في الانقطاع إلى الله -تعالى- ومنه: "وتبتل إليه تبتيلا" ~~(¬5)، أي: انفرد له في الطاعة، أي فالتبتل في الآية غير التبتل في الحديث، ~~فإنه في الآية الانقطاع إلى الله -تعالى-، ورفض الدنيا والتماس ما عنده، ~~ولم يقصد مع ذلك PageV08P139 # ترك [(¬1)] النكاح ولا أمر به، بل كان موجودا مع هذا الأمر كله. وأما ~~الذي في الحديث فهو قصد الانقطاع إلى العبادة بالكلية مما هو داخل في باب ~~التنطع والتشديد على النفس والإجحاف بها والتشبه بالرهبان. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): ويؤخذ من هذا منع ما هو في هذا الباب وشبيهه، ~~مما قد فعله جماعة من المتزهدين. # الرابع: معنى "رد عليه التبتل" نهاه عنه ليكثر النسل، ويدوم الجهاد، وقد ~~كان خير هذه الأمة أكثرهم نساء (¬3) ومات عن تسع، ومات الصديق عن ثلاث، ~~وعمر عن أربع، وعثمان عن اثنتين وعلي عن عدة ما بين حرائر وسراري، والزبير ~~عن أربع، وكذا عبد الرحمن إلا أنه طلق واحدة في مرضه. وعليه كان السلف. ~~والتبتل [من] (¬4) شريعة النصارى كما ذكره البغوي في "شرحه" (¬5)، وهذا ~~الذي عند أصحابنا محمول على من تاقت نفسه إلى النكاح، ووجد أهبته، كما سلف ~~وعلى من أضر به التبتل بالعبادات الكثيرة الشاقة أما الإعراض عن الشهوات ~~واللذات من غير إضرار بنفسه ولا ms1389 تفويت حق لزوجة ولا غيرها ففضيلة لا منع ~~فيها، بل مأمور بها. ونقل القاضي PageV08P140 # عياض (¬1) عن بعضهم أن التبتل حرام، ثم قال: أي عن النساء، ومن الناس من ~~يكون أصلح لدينه. # الخامس: قوله: "ولو أذن له لاختصينا"، أي لو أذن له في الانقطاع عن ~~النساء وغيرهن من ملاذ الدنيا لاختصينا، لدفع شهوة النساء ليمكننا التبتل ~~وهذا محمول على أنهم كانوا يظنون جواز الاختصاء باجتهادهم , ولم يكن ظنهم ~~هذا موافقا، فإن الاختصاء في الآدمي حرام صغيرا كان أو كبيرا، ويحتمل أن ~~المراد [به] (¬2) لامتنعنا عن النكاح، فإنه بمثابة الخصي، وهذا هو الظاهر، ~~فإنه لا يخفى عليهم أنه يقطع النسل. قال البغوي: وكذا يحرم خصاء كل حيوان ~~لا يؤكل، وأما المأكول فيجوز في صغره، ويحرم في كبيره. وقال مالك: يكره في ~~الخيل ولا بأس به في البغال والحمير والفرس إذا أكلت وفي الأنعام لأنه يصلح ~~لحومها، وكذا قال القاضي عبد الوهاب: يكره خصاء الخيل، ويجوز خصاء البهائم ~~سواها, ولم يفصل بين صغير وكبير، قال الفاكهي: والظاهر أن الكراهة هنا ~~للتنزيه لا للتحريم، وكره عمر الخصاء، وقال: فيه تمام الخلق أي في بقائه. # السادس: فيه من الأحكام أيضا عدم الإقدام على ما تحدثه النفوس من غير ~~سؤال العلماء عنه، وترك التنطع، وتعاطي الأمور الشاقة على النفس، والتسهيل ~~في الأمر، وترك المشقة وعدم المنع PageV08P141 # من الملاذ خصوصا إذا قصد بها تذكر نعم الله -تعالى- على عبده، أو تعرف ~~لذة ما وعد [الله] (¬1)، أو تعرف افتقار النفس وحاجتها إلى غيرها، أو ~~امتثال أوامر الشرع وغير ذلك. PageV08P142 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 322/ 4/ 62 - عن أم حبيبة بنت أبي سفيان أنها قالت: "يا رسول الله انكح ~~أختي ابنة أبي سفيان، فقال: أو تحبين ذلك؟ فقلت: نعم لست لك بمخلية، وأحب ~~من شاركني في خير أختي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن ذلك لا يحل ~~لي، قالت: إنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، قال: بنت أم سلمة؟ قلت: ~~نعم، قال: إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري، ms1390 ما حلت لي، إنها لابنة أخي من ~~الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن، قال ~~عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فلما مات أبو لهب رآه بعض أهله بشر حيبة، قال له: ماذا لقيت؟ ~~قال له أبو لهب: لم ألق بعدكم خيرا غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة" (¬1). # الحيبة: الحالة بكسر الحاء. PageV08P143 # الكلام عليه من وجوه، واعلم قبلها أن قوله: وقال عروة: إلى آخره ليس في ~~مسلم وإنما هو في البخاري، خاصة، وقد نبه على ذلك عبد الحق أيضا في "جمعه": # أحدها: في التعريف براويه، وقد أسلفت في الجنائز أن اسم أم حبيبة رملة ~~على المشهور، وقيل: هند. # واسم أبيها: صخر بن حرب بن أمية، وهي إحدى أمهات المؤمنين والسابقين إلى ~~الإسلام، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر هناك ومات ~~نصرانيا، فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي هناك سنة ست، وقيل: ~~سنة سبع، وكانت شقيقة حنظلة بن أبي سفيان الذي قتله علي - رضي الله عنه - ~~يوم بدر كافرا وأميمة بنت أبي سفيان، أمهم صفية بنت أبي العاص عمة عثمان بن عفان. # روي لها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسة وستون [حديثا] (¬1) اتفقا ~~على حديثين، ولمسلم مثلهما، روى عنها أخواها: معاوية، وعنبسة، وابن أخيها ~~عبد الله بن عنبسة بن أبي سفيان، وجماعة كثيرة من التابعين منهم ذكوان ~~السمان وغيره، وذكر ابن سعد أنه لما تنصر زوجها عبيد الله، قالت أم حبيبة. ~~رأيت في النوم كأن آتيا يقول: يا أم المؤمنين، ففزعت فأولتها أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يتزوجني. فتزوجها سنة سبع، ولما قدم بها المدينة ~~كانت بنت بضع وثلاثين سنة. # واختلف في الذي زوجها منه - صلى الله عليه وسلم - على ثلاثة أقوال: PageV08P144 # أحدها: عثمان. ثانيها: خالد بن سعيد بن العاصي. ثالثها: النجاشي، ولعل ~~أحدهما [(¬1)] أوجب، والآخر: قبل عنه - صلى الله عليه وسلم -. # واختلف في الصداق الذي أصدقها ms1391 النجاشي على أقوال: أحدها: أنه كان أربعة ~~آلاف. ثانيها: أربعمائة. ثالثها: مائتان. رابعها: أربعون أوقية، حكاه ~~الصيرفيني. # واختلف في موضع العقد على قولين أصحهما: بأرض الحبشة. ثانيهما: بالمدينة ~~بعد رجوعها من الحبشة، ووقع في "صحيح مسلم" (¬2) من حديث النضر بن محمد عن ~~عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى ~~أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا نبي الله ~~ثلاث أعطنيهن، قال: نعم، قال: عندي أحسن نساء العرب وأجملهن أم حبيبة بنت ~~أبي سفيان أزوجكها؟ قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال: ~~نعم، قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم". ~~وهو حديث مشهور بالإشكال معروف بالإعضال، ووجه الإشكال أن أبا سفيان إنما ~~أسلم يوم فتح مكة، وكان الفتح سنة ثمان قطعا، وكان - صلى الله عليه وسلم - ~~تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمن طويل، قال خليفة والجمهور: تزوجها سنة ست، ودخل ~~بها سنة سبع. وقيل تزوجها سنة سبع كما قدمناه وقيل: سنة خمس ومن عظم هذا ~~الإشكال طعن جماعة في هذا الحديث فتوسط القاضي PageV08P145 # عياض فقال في "إكماله" (¬1) تزويج أبي سفيان لها في مسلم غريب جدا وخبرها ~~مع أبي سفيان حين ورد بالمدينة في حال كفره مشهور (¬2)، وأفصح ابن حزم ~~الظاهري فقال: هذا حديث موضوع لا شك في وضعه، قال: والآفة فيه من عكرمة ~~(¬3)، قال: ولا يختلف اثنان من أهل المعرفة بالأخبار في أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- لم يتزوج أم حبيبة إلا قبل الفتح بدهر، وهي بأرض الحبشة (¬4)، PageV08P146 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P147 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P148 # وأبوها أبو سفيان يومئذ كافر، قال: ومثل هذا لا يكون خطأ أصلا، ولا يكون ~~إلا قصدا نعوذ بالله من البلاء. هذا لفظه برمته. # وتبعه على ذلك ابن دحية، فقال في كتابه "التنوير في مولد السراج المنير"، ~~هذا حديث موضوع دس في مسلم وركب له إسناد من الموضوعات على الثقات، وكذا ~~ابن الجوزي فقال في "جامع المسانيد" (¬1)، انفرد مسلم إخراج هذا الحديث، ~~وهو وهم من بعض الرواة بلا ms1392 شك، [وقد اتهموا]، (¬2) بذلك الوهم عكرمة، وقد ~~ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد (¬3)، وقال: ليست بصحاح. وكذا أحمد (¬4) حيث قال: ~~هي ضعاف، ولذلك لم يخرج عنه البخاري وإنما أخرج عنه مسلم، لأن يحيى بن معين ~~قال هو ثقة، قال؛ وإنما قلنا هذا وهم لأن الرواة أجمعوا على أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بعث إلى النجاشي ليخطب له أم حبيبة، وكانت قد هاجرت ~~إلى الحبشة وذلك في سنة سبع، وتزوجها وبعثت إليه وأسلم أبو سفيان شيبة ثمان ~~وأنكر الأئمة على ابن حزم ما قاله صونا للصحيح عن ذلك ورميه عكرمة بالوضع ~~من أفراده، وقد أسلفنا احتجاج مسلم به، وقد استشهد به البخاري أيضا وروى ~~عنه من الأئمة: شعبة وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح ~~وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم، وهم الأئمة المقتدى بهم، وقال يحيى بن معين: ~~ثقة كما أسلفناه عنه، PageV08P149 # وفي رواية: ثبت، وفي رواية: صدوق ليس به بأس، وفي رواية: كان أمينا ~~حافظا، وقال علي بن المديني: كان عند أصحابنا ثقة ثلاثا، وقال الدارقطني: ~~هو ثقة، وقال علي بن عاصم: هو مستجاب الدعوة ولا شك في كون الرجوع إلى قول ~~هؤلاء الأئمة الأثبات في تعديله أولى من الرجوع إلى خرقها. # قال الحافظ أبو الفضل ابن طاهر المقدسي: هذا كلام رجل مجازف هتك فيه حرمة ~~كتاب مسلم، ونسبه إلى الغفلة عما اطلع هو عليه قال: ثم إن هذا الرجل لم يزل ~~به وثوبه على الأئمة المتقدمين مثل مالك بن أنس، ومن بعده من أئمة الحديث ~~حتى مات مهجورا من سائر الفرق بعد الموات العظيم والحبس الشديد، وأنكر أيضا ~~الشيخ تقي الدين بن الصلاح هذا على ابن حزم، وتابع في الشناعة عليه، قال: ~~وهذا القول من جسارته فإنه كان هجوما على تخطئة الأئمة الكبار، وإطلاق ~~اللسان فيهم، قال: ولا نعلم أحدا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع ~~الحديث، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما، وكان مستجاب الدعوة، وكذا ~~قال المنذري: عكرمة وإن تكلم ms1393 فيه كثير واحد فلم ينسبه أحد فيما علمناه إلى الوضع. # قلت: وهذه عادة ابن حزم في عكرمة، قال أيضا في حقه في باب الغسل من محلاه ~~(¬1) في حديث ذكره عن عائشة: عكرمة هذا ساقط، وقد وجدنا عنه حديثا موضوعا ~~في نكاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV08P150 # لأم حبيبة بعد فتح مكة، وما أحسن قول ابن مفوز [الحافظ] (¬1) في جزئه ~~الذي ذكر فيه مواضع من كلامه وأبان فيه عن عواره مثله كالمتطبب بلا طب، ~~المتكلف بلا علم، المتسلط بلا فهم، الهاجم بلا [درية] (¬2) المستحب بلا ~~تجربة، المصنف بغير هداية، المتهور بلا دلالة، ليس له عقل ينظر به في عاقبة ~~ولا دين يفكر من أجله في معاد، فصوابه خطأ، وعلمه جهل، واجتهاده وبال، ~~واهتداؤه ضلال، فكم من نفس قتل، وعضو خبل، فهو ضامن لما جنى، مأخوذ بما ~~أتى، ظلوم على ما يكلف، مذموم كيف تصرف، فهل يستويان مثلا أو يتقاربان مثلا. # قلت: ولم ينفرد عكرمة بذلك بل توبع عليه فانتفى أن تكون الآفة منه كما ~~ادعاه، قال الطبراني في "معجمه" (¬3): ثنا محمد بن محعد الجذعي (¬4)، ثنا ~~العباس بن عبد العظيم (¬5)، ثنا النضر بن PageV08P151 # محمد، ثنا عكرمة بن عمار (¬1)، ثنا أبو زميل (¬2)، حدثني ابن عباس الحديث ~~ثم قال: ثنا علي بن سعيد الرازي (¬3)، ثنا عمرو بن حليف (¬4) بن إسحاق بن ~~مرسال الخثعمي، قال حدثني عمي PageV08P152 # إسماعيل بن مرسال عن أبي زميل الحنفي، قال: حدثني ابن عباس قال: كان ~~المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يفاتحونه، فقال: يا رسول الله! ثلاث ~~أعطنيهن. . . ." الحديث، فهذا إسماعيل بن مرسال تابع عكرمة (¬1)، وقد أخرج ~~الدارقطني (¬2) بهذا السند حديث جابر: تكلف لك أخوك، وصنع، ثم تقول: إني ~~صائم. كل وصم يوما مكانه. ولم يتكلم عليه بشيء، أفاد هذه المتابعة شيخنا ~~الحافظ عبد الكريم الحلبي في كلامه على أحاديث المحلى، لكن عمرو بن حليف ~~مجروح متهم بالوضع، قال ابن عدي: يروي الموضوعات, هو المتهم بوضعها. فهذه ~~المتابعة لا يرويها علي بن حزم. نعم أجاب العلماء عن الإشكال ms1394 المذكور ~~بأجوبة: # أولها: أن أبا سفيان لما أسلم عام الفتح أراد بهذا القول تجديد النكاح، ~~لأنه إذ ذاك كان مشركا، فلما أسلم ظن أن النكاح PageV08P153 # يتجدد بإسلام الولي، وخفي ذلك عليه، وقد خفي على أمير المؤمنين علي الحكم ~~في المذي مع تقدم صحبته وفقهه وعلمه حتى أرسل وسأل عنه، وخفي على ابن عمر ~~الحكم في طلاق الحائض. ولهذا نظائر لا تخفى على أهل النقل. قاله ابن طاهر ~~وابن الصلاح (¬1) والمنذري. # ثانيها: لعله -عليه الصلاة والسلام- أراد بقوله "نعم" إن مقصودك يحصل وإن ~~لم يمكن تحقيقه بعقد، ويوضح هذا أنه ليس في الحديث أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- جدد العقد، ولا أنه قال لأبي سفيان إنه يحتاج إلى تجديده. قاله ~~النووي (¬2) في شرحه. # ثالثها: إنه يحتمل أن تكون مسألته الأولى إياه في تزويج أم حبيبة وقعت في ~~بعض خرجاته إلى المدينة وهو كافر حين سمع نعي زوج أم حبيبة بأرض الحبشة، ~~والمسألة الثانية والثالثة وقعتا بعد إسلامه. فجمع الراوي بين المسائل ~~الثلاث ذكره البيهقي ثم المنذري (¬3). PageV08P154 # رابعها: ذكره شيخ شيوخنا الحافظ شرف الدين الدمياطي، فقال: القول في كتاب ~~مسلم حديث موضوع فيه نظر وتأويل "أزوجكها" أرضى بزواجك بها. فإنه كان على ~~رغم مني ودون اختياري، وإن كان زواجك صحيحا، لكن هذا أجمل وأحسن وأكمل لما ~~فيه من تأليف القلوب. قال: أو يقول إن إجابته -عليه الصلاة والسلام- "بنعم" ~~كانت تأنيسا له، ثم أخبر بصحة العقد بأنه لا يشترط رضاك، ولا ولاية لك ~~عليها لاختلاف دينكما حالة العقد، PageV08P155 # قال: وهذا مما لا يمكن رفع احتماله (¬1). PageV08P156 # خامسها: ذكر البيهقي أن أبا سفيان كان يخرج إلى المدينة، فيحتمل أن يكون ~~جاءها وهو كافر أو بعد إسلامه حين كان -عليه الصلاة والسلام- آلى من نسائه ~~شهرا واعتزلهن، فتوهم أن ذلك طلاق، كما توهم عمر بن الخطاب. فقال أبو سفيان ~~هذا القول، ووصف ابنته بما وصفها متعرضا ومتلطفا لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأجابه - صلى الله عليه وسلم - بنعم على تقدير إن وقع طلاق ولم ~~يقع شيء من ذلك. قاله ms1395 شيخنا قطب الدين عبد الكريم الحلبي - رحمه الله (¬1) -. # سادسها: أن الحديث على ظاهره، وأنه -عليه الصلاة PageV08P157 # والسلام- تزوجها بمسألة أبيها لما أسلم ويقدم على تزويجها بأرض الحبشة، ~~فإن تزويجها بأرض الحبشة جاء من رواية محمد بن إسحاق صاحب "المغازي" مرسلا ~~والناس مختلفون في الاحتجاج بمسانيده فكيف بمراسيله ومن رواية معلى بن ~~منصور، وقد رمي بالكذب وفي هذا الجواب انظر. # كما قال المنذري: فإن تزويجه -عليه الصلاة والسلام- لم يختلف أهل المغازي ~~أنه كان قبل رجوع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة، ورجوعهم كان زمن خيبر، ~~وإسلام أبي سفيان كان زمن الفتح بعد نكاحها بسنتين أو ثلاث فكيف يصح أن ~~يكون تزويجها بمسألته. # قال المنذري: وقول ابن حزم لم يختلف اثنان من أهل المعرفة بالأخبار في ~~أنه -عليه الصلاة والسلام- لم يتزوج أم حبيبة إلا قبل الفتح بدهر، وهي بأرض ~~الحبشة، وهم ظاهر فقد ذكر بعضهم أنه -عليه الصلاة والسلام- تزوج بها بعد ~~قدومها من الحبشة على أن المشهور هو الأول، وكذا نقله القاضي في "إكماله" ~~عن بعضهم، ثم قال: وقال الجمهور: بأرض الحبشة واعترض علماء الحديث ~~المعاصرين على ما نقله شيخنا قطب الدين على هذا الحديث بأمر آخر فقال: قال ~~أبو حاتم: عكرمة هذا صدوق، وربما وهم، وربما دلس. فقال: لعله دلس عن رجل ~~ضعيف. قال: والنضر بن محمد وإن كان ثقة من رجال الصحيحين، فقد ذكر ابن حبان ~~أنه ربما انفرد ثم ذكر أن الظاهر أن أبا سفيان أراد أن يزوج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ابنته الأخرى وهي عزة أخت أم حبيبة وأنه يشهد لهذا حديث ~~أم حبيبة أنها قالت: PageV08P158 # يا رسول الله انكح أختي ابنة أبي سفيان فقال: "أو تحبين ذلك؟! فقالت: ~~نعم، أحب من شركني في خير أختي، وفي بعض طرق مسلم "أختي عزة" وكان أبا ~~سفيان اعتقد حل ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لأختها أم ~~حبيبة لتساعده على ذلك (¬1). # وأجاب شيخنا عن هذا فقال: أما ما ذكر من التدلس فإنه ينتفي بما تقدم من ~~رواية الطبراني من ms1396 قول عكرمة ثنا أبو زميل فأتى بتصريح التحديث. وأما ~~انفراد النضر مع ثقته فهذا انفراد بجملة الحديث، ولم يأت له مخالف بمنعه ~~ورده، وقد انفرد جماعة دون النضر بأحاديث فلم ترد وقبلت منهم. وقد نقل ~~الخطيب إجماع العلماء على قبول تفرد الثقة بجملة الحديث. # وأما ما ذكر: من أن الظاهر قلب اسم "عزة" إلى "أم حبيبة" فهو حسن، لكن ~~الأصل عدمه، فهذا موضع وعر أوضحناه وأزلنا إشكاله، فلا تسأم من طوله، فإنه ~~من المهمات التي يرحل إليها (¬2)، PageV08P159 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P160 # وفي وفاة أم حبيبة أربعة أقوال: # أحدها: سنة أربع وأربعين وادعى أبو عمر الاتفاق عليه، وفي هذه السنة ادعى ~~معاوية زيادا. # ثانيها: قبل معاوية بسنة ومعاوية توفي سنة ستين. # ثالثها: سنة اثنتين وأربعين، قاله ابن حبان وغيره. # رابعها: سنة ستين في رجب حكاه ابن عساكر قال: وقبرها بدمشق، والصحيح أنه ~~بالمدينة. # الوجه الثاني: فيما فيه من المبهمات قولها: "انكح أختي ابنة أبي سفيان" ~~هي عزة بفتح العين وتشديد الزاي، كذا جاءت مسماة في رواية لمسلم، قال ~~القاضي (¬1): ولا نعلم هذه في بنات أبي سفيان إلا من هذا الحديث، وقيل: ~~إنها حمنة، وقيل: درة حكاه المنذري (¬2). # وقولها: "فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة" هي PageV08P161 # درة بالدال المهملة المضمومة، ووهم من جعلها معجمة مفتوحة وهي درة بنت ~~أبي سلمة بن عبد الأسد القرشية المخزومية ربيبة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بنت امرأته أم سلمة أم المؤمنين وهي معروفة بالسنن والحديث، وأبوها أخو ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة، وذكر بعضهم في كلامه على رجال ~~هذا الكتاب أنها زينب بنت أبي سلمة التي كان اسمها برة فغيره النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى زينب (¬1) وهو وهم، نعم هي أختها، وقول: عروة (¬2) ~~"أريه بعض أهله"، قال السهيلي (¬3): في غير البخاري أن الذي رآه من أهله هو ~~أخوه العباس، قال: مكثت حولا بعد أبي لهب لا أراه في نوم، ثم رأيته في شر ~~حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة إلا أن العذاب يخفف عني ms1397 كل يوم اثنين، ويقال ~~إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولد يوم الاثنين، وكانت ثويبة قد ~~بشرته بمولده، فقالت له: أشعرت أن آمنة ولدت غلاما لأخيك عبد الله؟ فقال: ~~اذهبي، فأنت حرة، فنفعه ذلك وهو في النار كما نفع أخاه أبا طالب ذبه عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو أهون أهل النار عذابا. # قلت: ومذهب المحققين أن الكافر لا يخفف عنه العذاب بسبب حسناته في ~~الدنيا، بل يوسع عليه فيها، في دنياه، وهذا التخفيف خاص بهذا وبمن ورد النص ~~فيه أيضا (¬4). PageV08P162 # وقوله: "غير أني سقيت في هذه"، أي في النقير التي بين الإبهام والتي ~~تليها من الأصابع، كذا رواه البيهقي في "دلائله" (¬1)، وقال في آخره: رواه ~~البخاري في الصحيح، وكذا قال البغوي (¬2) في "شرح السنة"، قيل: أراد الوقبة ~~التي بين الإبهام والسبابة، وكذا ذكره المحب الطبري في "أحكامه"، وقال ~~القرطبي في "مفهمه" (¬3): سقي أبو لهب قطعة من ماء في جهنم لإرضاع ثويبة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: وذلك أنه جاء في الصحيح أنه رؤي في ~~النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: سقيت في مثل هذه وأشار إلى [ظفر] ~~(¬4) إبهامه. # الوجه الثالث فيما وقع فيه من الأسماء: # فأما أبو سلمة، فاسمه عبد الله بن عبد الأسد بن هلال PageV08P163 # المخزومي أحد السابقين، قال ابن إسحاق (¬1): أسلم بعد عشرة أنفس، أمه برة ~~(¬2) بنت عند المطلب وهو ابن عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخوه من ~~الرضاعة أرضعتهما ثويبة أرضعت النبي - صلى الله عليه وسلم - أياما قبل أن ~~تأخذه حليمة السعدية من ابن لها يقال له مسروح، قيل: أرضعته ثلاثة أيام ~~وأرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب وأرضعت بعده أبا سلمة هذا. هاجر الهجرتين ~~وشهد بدرا ثم توفي بعدها قال العسكري في "معرفة الصحابة": مات بالمدينة في ~~السنة الرابعة من الهجرة ومنصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحد انتقض ~~به جرح كان أصابه بأحد فمات منه وأغمضه - صلى الله عليه وسلم -. وفي "أنساب ~~القرشيين" (¬3) لابن قدامة أنه ms1398 جرح يوم أحد جرحا اندمل، ثم انتقض، فمات منه ~~لثلاث مضين من جمادى الآخرة سنة ثلاث، وفي "تهذيب" النووي نقلا عن ابن سعد ~~أنه روى عن عمر بن أبي سلمة قال: جرح يوم أحد فرماه أبو [أسامة] (¬4) ~~الجشمي في عضده بسهم، فمكث شهرا يداوي جرحه، ثم برأ جرحه، ثم بعثه، فغاب ~~تسعة وعشرين، ثم رجع فدخل المدينة لثلاث خلون من صفر سنة أربع، والجرح ~~منتقض فمات منه لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة أربع، ووقع في "شرح ابن ~~العطار" أنه جرح يوم بدر بدل أحد وهو غريب. قال PageV08P164 # مصعب: وهو أول من هاجر إلى أرض الحبشة، وفيه نزلت: {فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه} (¬1)، وفي أخيه الأسود نزلت: {وأما من أوتي كتابه بشماله}. # وأما أم سلمة: فتقدم التعريف بها في باب الجنابة وأن اسمها هند، وقيل: رملة. # وأما ثويبه: بثاء مثلثة ثم واو ثم مثناة تحت ثم باء موحدة ثم هاء تصغير ~~ثوبه، وهي المرة الواحدة من ثاب إذا رجع، وثويبه: هذه. مولاة أبي لهب كما ~~سلف، وكان -عليه الصلاة والسلام- يكرمها، وكانت تدخل عليه بعد أن تزوج ~~خديجة ويصلها من المدينة حتى ماتت بعد فتح خيبر، وكانت خديجة تكرمها، قال ~~أبو نعيم: ولا أعلم أحدا أثبت إسلامها غير ابن منده. # وأما عروة: فتقدم التعريف به في باب فسخ الحج إلى العمرة. # وأما أبو لهب: فاسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم، أدرك الإسلام ولم ~~يسلم كني بأبي لهب لحسنه وإشراق وجهه، ويقال: لهب بفتح الهاء وإسكانها وهما ~~قراءتان في السبعة، واتفقوا على أن "ذات لهب" بالفتح لوفاق الفواصل أنزل ~~الله فيه وفي امرأته سورة تبت، وسبب نزولها مشهور في الصحيح (¬2)، مات بعد ~~غزوة بدر بسبعة أيام ميتة شنعة بداء يقال له: العدسة. PageV08P165 # الواجه الرابع في ضبط ألفاظه ومعانيه: # سبب الاستفهام في قوله "أو تحبين ذلك؟! " التعجب من حيث إن العادة قاضية ~~بكراهة النساء لذلك، فلما فهمت عنه ذلك ذكرت السبب وهو قولها: "لست لك ~~بمخلية"، أي لست أخلى بلا ضرة. ms1399 # و"مخلية" بضم الميم وسكون الخاء وكسر اللام، ثم مثناة تحت، ثم هاء، اسم ~~فاعل من أخلى يخلي، أي لست بمنفردة بك، ولا خالية من ضرة، يقال: خلوت به ~~إذا انفردت به، وليس هو من قولهم: امرأة مخلية إذا تخلت من الزوج. # وقولها: "وأحب من شاركني" هو لفظ البخاري. ولفظ مسلم "شركني" بفتح الشين ~~المعجمة وكسر الراء أي شاركني في صحبتك والانتفاع بك في مصالح الدين ~~والدنيا، وهذا هو المراد بالخير هنا وأي خير أعظم منه، وإنما عرضت ذلك عليه ~~لاحتمال اعتقادها بخصوصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذلك. وقد قال به ~~بعض أصحابنا في حقه -عليه الصلاة والسلام- كما سيأتي، ولهذا اعترضت بنكاح ~~درة بنت أبي سلمة، فكأنها تقول كما جاز نكاح درة مع تناول الآية لها فليجز ~~الجمع بين الأختين مع تناول الآية لها للإجماع في الخصوصية. [أما] (¬1) إذا ~~لم تكن عالمة بمقتضى الآية فلا يلزم من كونه أخبر بتحريم نكاح الأخت على ~~الأخت أن يرد على ذلك تجويز نكاح الربيبة لزوما ظاهرا لأنهما إنما يشتركان ~~حينئذ في أمر أعم. PageV08P166 # أما إذا كانت عالمة بمقتضاها فيكون اشتراكهما في أمر خاص، وهو التحريم ~~العام واعتقاد التحليل الخاص. # وقوله: "إن ذلك لا يحل لي" أي على وجه الجمع بينك وبينها. # وقولها "فإنا نحدث" هو بضم النون وفتح الحاء والدال على ما لم يسم فاعله. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "بنت أم سلمة؟ " استثبات ونفي إرادة غيرها، ~~قاله النووي في "شرحه لمسلم" (¬1). # وقال الشيخ تقي الدين (¬2): يحتمل أيضا أن يكون لإظهار جهة الإنكار ~~عليها، أو على من قال ذلك. # [و] (¬3) "الربيبة" بنت الزوجة من غيره، والذكر: ربيب مشتق من "الرب" وهو ~~الإصلاح لأنه يربها، ويقوم بأمورها وإصلاح حالها، ومن ظن من الفقهاء أنه ~~مشتق من التربية، فهو غلط، لأن من شرط الاشتقاق الاتفاق في الحروف الأصلية ~~والاشتراك، فإن آخر "رب" باء موحدة وآخر "ربى" ياء مثناة تحت (¬4). # وعبارة ابن عطية (¬5) سميت: ربيبة لأنه يربيها في حجره، فهي فعيلة بمعنى ~~مفعولة. PageV08P167 # و"الحجر" بفتح الحاء أفصح ms1400 من كسرها، وقد أسلفت في باب في المذي وغيره ~~حكاية اللغتين أيضا، وزدت هنا أن الفتح أفصح، وهو مقدم ثوب الإنسان وما بين ~~يديه عنه في حال اللبس، ثم استعملت اللفظة في الحفظ والستر، قال ابن عطية ~~(¬1): لأن اللابس إنما يحفظ طفلا أو ما أشبهه بذلك الموضع من الثوب. # ومعنى قوله: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي" إلى آخره: أنها ~~حرام عليه بسببين: كونها ربيبة، وكونها بنت أخ، فلو فقد أحد من السببين ~~حرمت بالآخر. # وقوله: "فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن" هذا إشارة إلى أم حبيبة ~~وأختها وبنت أم سلمة، زاد ابن حبان (¬2): "ولا عماتكن ولا خالاتكن ولا ~~أمهاتكن". # وأتى بلفظ الجمع وإن كانتا اثنتين ردعا وزجرا أن تعود له بمثل ذلك. # وقوله: "بشرحيبة"، قد فسرها المصنف بالحالة وأن الحاء مكسورة، وزاد ~~الفاكهي في إيراد عبارة الشيخ أنها مهملة أيضا، وكذا نقله عنه ابن العطار ~~في شرحه حيث قال: قد ضبطها المصنف بكسر الحاء المهملة وفسرها بالحالة فكأنه ~~قال بشر حال والحيبة والحوبة: الهم والحزن والحيبة: الحاجة والمسكنة (¬3). PageV08P168 # وقال البغوي في "شرح السنة" (¬1)، قوله: "بشرحيبة" بالحاء أي بشر حال، ~~يقال: فلان بشر حيبة أي: بحال سوء، بفتح الباء، قال: والحيبة اسم الهم ~~والحاجة بكسرها، ثم رأيت في "المطالع" لابن قرقول أنه للمستملي والحموي ~~(¬2) "بشرحيبة"، ومعناه سوء الحال قال: ويقال فيه أيضا الحوبة، قال ~~ولغيرهما "بشرخيبة" (¬3). # الوجه الخامس في أحكامه: # الأول: تحريم الجمع بين الأختين (¬4)، سواء كانتا في عقد واحد أو عقدين، ~~وهو إجماع، وحكمته أنه يفضي إلى قطع الرحم بينهما، وأما بملك اليمين فهو ~~كذلك عند علماء الأمصار، وعن بعض الناس فيه خلاف، ووقع الاتفاق بعده على ~~خلاف ذلك من أهل السنة، غير أن تحريم الجمع بينهما إنما هو في وطئهما لا في PageV08P169 # ملكهما غير [ممتنع] (¬1) اتفاقا، وإن نقل عن داود أنه خالف فيه. # وقيل: إنه رواية عن ابن عباس (¬2)، قال الماوردي (¬3): وربما أضيف إلى ~~عثمان (¬4)، قال أصحابنا: فلو وطئ إحداهما لم يطأ الأخرى حتى ms1401 تحرم الأولى ~~ببيع أو نكاح أو كتابة أو عتق، لئلا يكون مستبيحا لفرجيهما معا لا حيض ~~وإحرام وردة وعدة شبهة، لأنها أسباب عارضة لم تزل الملك ولا الاستحقاق، وفي ~~الرهن وجهان أصحهما عدم الاكتفاء به. # وأغرب بعض أصحابنا: فجوز للنبي - صلى الله عليه وسلم - الجمع بين نكاح ~~الأختين وبين الأم والبنت بناء على أن المخاطب لا يدخل في عموم خطابه (¬5)، ~~وهو منابذ. . . . . . . . . . PageV08P170 # [للنص] (¬1). # الثاني: تحريم نكاح الربيبة، وهو منصوص عليها في كتاب الله -تعالى- أيضا، ~~ويحتمل أن تكون أم حبيبة لم يبلغها هذا الحكم فإن لفظ الرسول يشعر بتقدم ~~نزول الآية بقوله: "لو لم تكن ربيبتي في حجري [ما حلت لي"، وقد يحتج بقوله ~~في حجري] (¬2) من يرى اختصاص تحريم الربيبة بكونها في الحجر، وهو داود ~~الظاهري (¬3) قال: فإن لم تكن في حجره فهي حلال له، وجمهور العلماء على ~~التحريم مطلقا، وحملوا التخصيص على أنه خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، إذن ~~فلا يقصر الحكم عليه كما في قوله -تعالى-: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} ~~(¬4)، ومعلوم أنه يحرم قتلهم مطلقا، لكنه قيد بالإملاق لأنه الغالب، ومثله ~~قوله: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} (¬5) وغير ذلك. # قال الشيخ تقي الدين (¬6): وعندي نظر في أن هذا الجواب PageV08P171 # المذكور في الآية أعني الجواب عن مفهومها أنه خرج مخرج الغالب: هل [يأتي] ~~(¬1) في الحديث أم لا؟ انتهى. والظاهر إتيانه، ولعله - صلى الله عليه وسلم ~~- تبرك بلفظ القرآن كما في غير هذا الموضع. # وقال الزمخشري (¬2): فائدة التعليل للتحريم وأنهن لاحتضانكم لهن، ولكونهن ~~بصدد احتضانكم وفي حكم التقلب في حجوركم إذا دخلتم بأمهاتهن وتمكن بدخولكم ~~حكم الزواج، وثبتت الخلطة والألفة، وجعل الله بينكم المودة والرحمة، وكانت ~~الحال خليقة بأن تجروا أولادهن مجرى أولادكم كأنكم في العقد على بناتهن ~~عاقدون على بناتكم. # قال ابن المنذر: و [قد] (¬3) أجمع كل من ذكرنا وكل من لم نذكره من علماء ~~الأمصار على خلاف قول داود، وقد احتج [بعضهم] (¬4) على عدم اشتراط الحجر ~~بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فلا تعرضن علي ms1402 بناتكن ولا أخواتكن" ولم يقل ~~اللاتي في حجري. # الثالث: تحريم الرضاع وهو منصوص [عليه] (¬5) في كتاب الله -تعالى- أيضا. PageV08P172 # الرابع: أن لبن الفحل يحرم، وهو مذهب الجمهور من الصحابة وغيرها (¬1). ~~قال القاضي عياض: ولم يقل أحد إنه لا يحرم إلا أهل الظاهر وابن علية. # قلت: قد قال به أيضا ابن عمر وعائشة وغيرهما، كما حكاه المازري (¬2)، ~~وحكاه البغوي في "شرح السنة" (¬3) عن عروة بن الزبير PageV08P173 # وعبد الله بن الزبير وبعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ~~ويروى أيضا عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار PageV08P174 # وإبراهيم وسيكون لنا عودة إلى هذا في الرضاع إن شاء الله ذلك وقدره. # الخامس: فيه تنبيه على جواز تعليل الحكم بعلتين، فإنه علل تحريمها بأنها ~~ربيبة وابنة أخ، والصحيح عند أهل الأصول جوز ذلك لهذا الحديث وغيره (¬1). # السادس: فيه أيضا أن للزوجة [و] (¬2) غيرها من الألزام الفكر في مصلحة ~~أقاربها ومراجعة ما فكرت فيه للعلماء وعرضه عليهم وتنبيه على المسؤول، ~~والجواب بأنه لا يحل لي أو لك. # السابع: في هذه الروايات دلالة على اختلاف أحوال المعذبين في النار من ~~الكفار. # خاتمة: ترجم البخاري على هذا الحديث عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل ~~الخير (¬3)، وترجم عليه أيضا يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (¬4)، وذكره ~~أيضا في باب ما يحل من PageV08P175 # النساء وما يحرم (¬1)، وذكره أيضا في باب المراضع من المواليات وغيرهن ~~(¬2). PageV08P176 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 323/ 5/ 62 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا يجمع المرأة وعمتها, ولا بين المرأة وخالتها" (¬1). # هذا الحديث دليل للعلماء كافة على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين ~~خالتها، سواء كانت عمة [و] (¬2) خالة حقيقية وهي أخت الأب وأخت الأم، أو ~~مجازية وهي أخت أب الأب أو أب الجد وإن علا أو أخت أم الأم وأم الجدة من ~~جهتي الأم والأب وإن علت فكله بالإجماع يحرم الجمع بينهن، وأشار إلى ذلك ~~الشافعي في "الأم" (¬3) أعني إلى الإجماع، حيث ms1403 قال: لا خلاف فيه. # وقالت طائفة من الخوارج والشيعة وعثمان البتي يجوز واحتجوا بقوله ~~-تعالى-: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} (¬4)، وهم محجوجون بهذا الخبر وغيره من ~~الأخبار الصحيحة، بل لا يعتد PageV08P177 # بخلافهم والآية خصت بهذه الأخبار، والصحيح [الذي عليه جمهور] (¬1) ~~الأصوليين جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، لأنه -عليه الصلاة والسلام- ~~يبين للناس ما نزل إليهم من كتاب الله، وادعى بعضهم أن هذه الأخبار متواترة (¬2). # تنبيهات: # أحدها: ظاهر الحديث يقتضي أنه لا فرق بين نكاحهما معا أو مرتبا، وقد جاء ~~في الترمذي وأبي داود ما يصرح بالترتيب فإن فيهما بعد النهي عن الجمع ~~بينهما لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى، قال الترمذي: هذا حديث ~~حسن صحيح (¬3)، فإن جمع بينهما بعقد بطل عملا بمقتضى النهي أو مرتبا، ~~فالثاني لأن مسمى الجمع حصل به. # ثانيهما: العلة في النهي عنه ما يقع بسبب المضارة من التباغض والتنافر ~~فيؤدي ذلك إلى قطيعة الرحم. # قال الشيخ تقي الدين (¬4): وقد ورد الإشعار بهذا التعليل. PageV08P178 # قلت: بل صح مصرحا به، روى ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس قال: نهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تزوج المرأة على العمة والخالة، وقال: ~~"إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن" (¬1). # ثالثها: الجمع بينهما في الوطء بملك اليمين حرام أيضا عند العلماء كافة، ~~وخالفت الشيعة في ذلك ولا التفات إليهم. # رابعها: الجمع بين باقي الأقارب كبنتي العم أو بنتي الخالة أو نحوهما ~~جوزه العلماء كافة، وشذ بعض السلف في ذلك، وكأنه نظر إلى المعنى في المنع ~~من الجمع بين الأختين من إفضائه إلى قطيعة الرحم، ويجوز الجمع بين زوجة ~~الرجل وبنته من غيرها عند الجمهور، ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة، وخالف ~~الحسن وعكرمة وابن أبي ليلى فيه ويرده قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} (¬2). # خاتمة: الرواية في قوله: "لا يجمع" برفع العين على الخبر، وهو متضمن ~~النهي أيضا (¬3). PageV08P179 ### ||| AUTO الحديث السادس # 324/ 6/ 62 - عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه ms1404 وسلم -: "إن أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # واعلم قبل الخوض فيها أن لفظ البخاري "أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا ~~به ما استحللتم به الفروج"، كذا ذكره هنا، وترجم عليه الشروط في النكاح (¬2). # ولفظ مسلم: "إن أحق الشروط"، وفي رواية: "أحق الشروط أن يوفى به ما ~~استحللتم به الفروج". # أحدها: في التعريف براويه وهو أبو حماد على الأشهر PageV08P180 # عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن عمرو بن رفاعة بن مودوعة بن عدي ~~بن غنم بن الربعة بن [رشدان] (¬1) بن قيس بن جهينة الجهني، وجهينة هو ابن ~~زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحافي بن قضاعة روى عنه خلق منهم كثير بن ~~مرة وجبير بن نفير ولي إمرة مصر لمعاوية شيبة أربع وأربعين ثم صرفه بمسلمة ~~بن مخلد وولي غزوة البحر سنة أربع وأربعين، وكان له بدمشق دار مشهورة ~~بناحية باب توما، وله بمصر دار أخرى، وقيل: حضر صفين مع معاوية، روي له عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسة وخمسون حديثا اتفقا على سبعة، وللبخاري ~~حديث، ولمسلم تسعة، وكان من الرماة، وكان يخضب بالسواد ويقول: نسود أعلاها ~~وتأبى أصولها، وكان عالما بكتاب الله تعالى وبالفرائض، فصيحا شاعرا مفوها ~~له هجرة وسابقة، وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن، مات بمصر ودفن بالمقطم ~~سنة ثمان وخمسين، وقبره مشهور هناك، زرته غير مرة (¬2). # وقيل: قتل يوم النهروان شهيدا سنة ثمان وثلاثين وهو غلط. ونقل الكلاباذي ~~عن الهيثم بن عدي، أنه توفي بالشام في آخر خلافة معاوية، وفي كتاب ~~"الزيادات" لعلي بن أبي بكر الهروي، أن قبره بالقرافة، وأن الصحيح أن قبره ~~بالبصرة (¬3). PageV08P181 # الوجه الثاني: هذا الحديث حمله الشافعي وأكثر العلماء على شروط لا تنافي ~~مقتضى النكاح، بل يكون من مقتضياته ومقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف ~~والإنفاق عليها، وكسوتها وسكناها بالمعروف، وأنه لا [تقصير] (¬1) في شيء من ~~حقها، ويقسم لها كغيرها، و [أنها] (¬2) لا تخرج من بيته إلا بإذنه، ولا ~~تنشز عليه، ms1405 ولا تصوم تطوعا بغير إذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه، ولا ~~تتصرف في متاعه إلا برضاه، ويجوز ذلك. # فإما شرط ينافي مقتضاه كشرط أن لا يقسم [لها] (¬3) ولا يتسرى عليها, ولا ~~ينفق عليها ونحو ذلك، فلا يجب الوفاء به، بل يلغوا الشرط، ويصح النكاح بمهر ~~المثل، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" ~~(¬4) وللشافعي قول: إن النكاح يبطل. ولأصحابه وجه أن الشرط لا يؤثر في ~~النكاح. # وقال أبو حنيفة: ولها إن لم يف الأكثر في التسمية ومهر المثل. # وقال أحمد وجماعة: يجب الوفاء بالشرط مطلقا لهذا الحديث، وحملوا "أحق" ~~على الوجوب. والأولون حملوه على PageV08P182 # الأخذ به واستضعف الشيخ تقي الدين (¬1): الأول، فقال: في حمل الحديث على ~~ما هو من مقتضيات العقد ضعيف؛ لأنها أمور لا تؤثر الشروط في إيجابها، فلا ~~تشتد الحاجة إلى تعليق الحكم بالاشتراط فيها. ومقتضى الحديث: أن لفظة "أحق ~~الشروط" تقتضي أن يكون بعض الشروط يقتضي الوفاء، وبعضها أشد اقتضاء له. ~~والشروط التي هي مقتضى العقود مستوية في وجوب الوفاء، ويترجح عليها الشروط ~~المتعلقة بالنكاح من جهة حرمة الأبضاع وتأكيد استحلالها. # الوجه الثالث: ترجم المحب الطبري في "أحكامه"، على هذا الحديث: استحباب ~~تقدمة شيء من المهر قبل الدخول (¬2) فقال: وبالعقد يستحل الفرج. وكان ~~الشافعي يقول في القديم: إن لم يسم لها مهرا كرهت أن يطأها قبل أن يسمه أو ~~يعطيها شيئا. وقال الثوري قريبا من هذا، ورخص في ذلك جماعة: [(¬3)] ابن ~~المسيب والنخعي وأحمد وإسحاق. # خاتمة: قد عرفت مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في [الشرط في] (¬4) ~~النكاح. وفصل أبو عبد الله بن زرقون المالكي الشروط فيه على ثلاثة أضرب: PageV08P183 # الأول: ما يكره ابتداؤه كأن لا يخرجها من بلدها, ولا يتسرى ولا يتزوج ~~عليها بغير يمين (¬1)، فإن النكاح يجوز، ويبطل الشرط عند مالك، ويستحب له ~~الوفاء وألزمه ابن شهاب والأوزاعي وعمر بن عبد العزيز عملا بهذا الحديث. # الثاني: أن يشرطه باليمين فكرهه مالك وابن القاسم وفسخ به سحنون قبل ~~البناء، وأثبت بعده ms1406 المسمى [فإن كان تفويضا لم يفسخ قطعا، وله أيضا إجارته ~~ابتداء. قال عبد الملك: وكذا إذا شرط أنه إن أبق كان أمرها بيدها لزمه، ~~وهذا كله فيما فعله أو تركه بيد الزوج. # الثالث: أن يكون الشرط ليس سببه بيد الزوج، ومثله قول السيد لعبده: إن ~~بعتك أو بعتها. أو يكون سببه بيد الزوج ويشترط تصديقها فيه مثل أن يصدقها ~~في الضرر ففيه أربعة أقوال: # أحدها: الأصح جائز بلا كراهة. # ثانيها: لا يجوز ويفسخ به قبل البناء، ويثبت بعده، وهو قول محمد وأحد ~~أقوال سحنون. # ثالثها: يكره. # رابعها: أنه من قبيل عقود الشروط فإن قلنا بالثالث، فقيل مضى شرط بالعقد ~~قاله مالك، وقيل: يفسخ قبل البناء ويثبت بعده. وقيل: يثبت الشرط وهو قول ~~سحنون. وله أيضا إبطال الشرط وإن قلنا بالرابع فقيل: يثبت العقد ويبطل ~~الشرط قبل البناء وبعده وهو PageV08P184 # قول عبد الملك، وعن مالك في مثل هذا أن المشترط يخير قبل البناء وبعده، ~~فإن أسقطه جاز وإلا فسخ النكاح، وعنه أيضا يخير قبل البناء ويسقط الشرط ~~بعده] (¬1). PageV08P185 # (¬1) ### ||| AUTO [الحديث السابع # 325/ 7/ 62 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن الشغار، والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن ~~يزوجه ابنته، وليس بينهما صداق" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث رواه الشيخان من حديث مالك عن نافع، عن ابن عمر باللفظ ~~المذكور، وفي مسلم أن عبيد الله رواه عن نافع عن ابن عمر بمثله، غير أن في ~~حديثه قلت لنافع: ما الشغار؟ # وقال الخطيب في كتابه "المدرج" (¬3): تفسير الشغار ليس من PageV08P186 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P187 # كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو قول مالك، وصل بالمتن ~~المرفوع. وقد بين ذلك القعنبي وغيره، ففصلوا كلامه من كلام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، قال: وكذلك روى عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ~~أنه -عليه الصلاة والسلام- "نهى عن الشغار"، ثم قال عبيد الله: قلت لنافع: ~~ما الشغار؟ فقال: مثل قول مالك. # وحكى البيهقي (¬1) عن ms1407 الشافعي أنه قال: التفسير في خبر ابن عمر لا أدري ~~هو من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من ابن عمر أو من نافع أو من مالك. ~~وذكر البيهقي (¬2) ما ينفيه عن مالك ويثبته لنافع، وقال الباجي (¬3): ~~الظاهر أنه من جملة الحديث وعليه يحمل حتى يتبين PageV08P188 # أنه من قول الراوي، وقال القرطبي في "مفهمه" (¬1)، جاء تفسير الشغار في ~~حديث ابن عمر من قول نافع، وجاء في حديث أبي هريرة من كلام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وفي مساقه وظاهره الرفع إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ويحتمل أن يكون من تفسير أبي هريرة أو غيره من الرواة أعني في حديث ~~أبي هريرة، وكيف ما كان فهو تفسير صحيح موافق لما حكاه أهل اللسان، فإن كان ~~من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو المقصود، وإن كان من قول ~~صحابي فمقبول، لأنهم أعلم بالمقال واقعد بالحال، وكذا قال الشافعى نقلا عن ~~الأئمة إن هذا التفسير يجوز أن يكون مرفوعا وأن يكون من ابن عمر. # الوجه الثاني: الحديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة (¬2) وجابر بن عبد ~~الله (¬3) أيضا، وهما من أفراده كما نبه عليه عبد الحق، ورواه الترمذي من ~~حديث عمران بن حصين (¬4) وصححه، ثم قال: وفي الباب عن أنس (¬5)، وأبي ~~ريحانة، ومعاوية (¬6) ووائل بن PageV08P189 # حجر (¬1)، ثم ذكر جابرا وابن عمر وأبا هريرة، وزاد ابن منده في "مستخرجه" ~~عبد الله بن عمرو (¬2) وعمرو بن عوف. # الوجه الثالث: الشغار، -بكسر الشين وبالغين المعجمة- مصدر شاغر، يشاغر، ~~شغارا، وهو مفاعلة ولا يكون إلا بين اثنين غالبا، واختلف أهل اللغة في أصله ~~على أقوال: # أقربها: أنه مأخوذ من شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول قاله ثعلب، وكأن كل ~~واحد منهما يقول لا ترفع رجل ابنتي ما لم أرفع رجل ابنتك، أو لأن المرأة ~~ترفع رجلها عند الجماع. # وقال ابن قتيبة: كل واحد منهما يشغر عند الجماع، وأصله للكلب إذا رفع ~~رجله ليبول. # وحكى الجاحظ (¬3): أن شغور الكلب علامة بلوغه وأنه يبلغ بعد ms1408 ستة أشهر من عمره. # ثانيها: أنه من شغر البلد عن السلطان إذا خلى، لخلوه عن المهر. PageV08P190 # ثالثها: أنه من البعد ومنه قولهم: بلد شاغر إذا كان بعيدا من الناصر ~~والسلطان، فكأنه بعد عن طريق الحق، قاله الفراء. # وقال أبو زيد: أشغر الأمر به أي اتسع وعظم. وقال غيره: يقال بلدة شاغرة، ~~أي مفتتنة لا تمتنع من الغارة (¬1). # الوجه الرابع: كان الشغار من نكاح الجاهلية يقول: شاغرنى وليتي بوليتك أي ~~عاوضني جماعا بجماع، وصورته: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك، ويضع كل واحد ~~منهما صداق الأخرى، فيقول: قبلت. وأجمع العلماء على أنه منهي عنه، لكن ~~اختلفوا هل هو نهي يقتضي إبطال النكاح أو لا؟ فعند الشافعي نعم، وحكاه ~~الخطابي (¬2) عن أحمد وإسحاق وأبي عبيد، وذكر أصحاب الشافعي في بطلانه من ~~جهة المعنى شيئين: # أحدهما: أن فيه تشريكا في البضع، لأن كل واحد منهما جعل بضع موليته موردا ~~للنكاح وصداقا للأخرى، فأشبه ما لو زوج امرأة من رجلين لا يصح النكاح. # والثاني: عن القفال أن سبب الفساد التعليق كأنه يقول: لا ينعقد لك نكاح ~~ابنتي حتى ينعقد لي نكاح ابنتك. وكان للعرب PageV08P191 # أنفة وحمية جاهلية فلا يرضون بأن يزوجوا حتى يزوجوا، وبنوا على ذلك ما لو ~~لم يجعلا البضع صداقا بأن قال: زوجني ابنتك على أن [أزوجك ابنتي] (¬1)، ~~وصححوا الصحة لعدم التشريك في البضع، وما لو سميا مالا مع جعل البضع صداقا، ~~والأصح البطلان لقيام معنى التشريك. وقال مالك (¬2): يفسخ قبل الدخول ~~وبعده، والفسخ يقتضي صحته، وفي رواية عنه قبله ولا بعده. واختلفت المالكية ~~إذا فسخ هل هو طلاق أو بغيره، والذي رجع إليه ابن القاسم الأول، وعند مالك ~~أنه إذا سمى صداقا يكون من باب الشغار لا من صريحه. # وقال] (¬3) جماعة: يصح بمهر المثل، وهو مذهب أبي حنيفة (¬4)، وحكي عن ~~عطاء والزهري والليث، وهو رواية عن أحمد وإسحاق، وبه قال أبو ثور وابن ~~جرير، وحكى [القاضي] (¬5) عن أحمد أنه إذا سمى صداقا فليس بشغار قال: وهو ~~قول الكوفيين قالوا: ولها ما ms1409 سمى، وهو قول بعض المالكية أيضا، وفرقت ~~المالكية أيضا بين صريح الشغار ووجه الشغار. والثاني: كزوجني ابنتك بمائة ~~على أن أزوجك ابنتي بمائة أو بخمسين. فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده ويكون ~~لها مهر المثل إلا أن تكون أقل من المسمى فلا ينتقص منه شيء فإن كانت ~~إحداهما بصداق مسمى والأخرى بغير PageV08P192 # صداق كان حكم المسمى لها حكم وجه الشغار والأخرى لها حكم صريحه. # الوجه الخامس: أجمعوا على أن الحكم لا يختص بمن ذكر في الحديث بل غير ~~البنات من الأخوات وبنات الأخ والعمات وبنات الأعمام والإماء كالبنات، وقد ~~ذكر مسلم الأختين في حديث أبي هريرة (¬1). # السادس: قوله: "وليس بينهما صداق" فيه إشعار بأن جهة الفساد ذلك، وإن كان ~~يحتمل أن يكون ذكر ذلك لملازمته لجهة الفساد نبه عليه الشيخ تقي الدين ~~(¬2)، ثم قال: وعلى الجملة ففيه إشعار بأن عدم الصداق له مدخل في النهي. ~~وعدمه مفسد عند مالك. # [السابع] (¬3): اقتصر البغوي في "شرح السنة" (¬4) في الحكاية عن مالك على ~~البطلان قال: وشبهه أبو علي بن أبي هريرة برجل زوج ابنته، واستثنى عضوا من ~~أعضائها, لأن كل واحد زوج وليته، واستثنى بضعها، حيث جعله صداقا لصاحبتها، ~~ثم حكي عن الشافعي أنه لو سمي لهما أو لأحدهما صداق، فليس بالشغار المنهي ~~عنه، والنكاح ثابت والمهر فاسد، ولكل واحد منهما مهر مثلها، PageV08P193 # وهذا وجه عندنا وهو ظاهر نصه في "المختصر" (¬1)، وصحح الرافعى البطلان ~~أيضا وهو ما قدمناه وهو ما نص عليه في "الأم" (¬2)، واقتصر عليه الترمذي ~~(¬3) في حكايته عنه حيث قال: وقال بعض أهل العلم: نكاح الشغار منسوخ ولا ~~يحل، وإن جعل لهما صداقا، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. PageV08P194 ### ||| AUTO [الحديث الثامن] # (¬1) # 326/ 8/ 62 - عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: "خيبر" ناحية مشهورة بينها وبين المدينة نحو أربع مراحل، وهي ~~تشتمل على حصون ومزارع ونخل كثير، ويقال لأراضي خيبر: الخيابر. وكانت ms1410 ~~غزوتها في صفر سنة سبع، لأنه -عليه الصلاة والسلام- قدم من الحديبية في ذي ~~الحجة سنة ست، ويقال: خرج لهلال ربيع الأول، وفيها عشرة آلاف مقاتل نص عليه ~~ابن دحية في "تنويره"، ونقل ابن الطلاع (¬3) عن ابن هشام أنه قال: إنها ~~كانت في صفر سنة ست. PageV08P195 # [الوجه] (¬1) الثاني: أصل المتعة في اللغة: الانتفاع. # والمراد بها هنا تزويج المرأة إلى أجل مسمى بذلك، لانتفاعها بما يعطيها، ~~وانتفاعه بها بقضاء شهوته دون قصد التوالد وسائر أعراض النكاح, ورأيت في ~~"اللطيف" لابن خيران (¬2) من قدماء أصحابنا أن صفة نكاح المتعة أن يتزوج ~~الرجل المرأة بولي وشهود على صداق معلوم إلى وقت معلوم قال: إذا انقضت ~~المدة فلا سبيل له عليها، وليس هناك طلاق ولا ظهار ولا إيلاء ولا لعان ولا ~~ميراث ولا عدة. # الثالث: اضطربت الروايات في وقت تحريمها، ففي الصحيحين أنه كان يوم خيبر ~~كما في الكتاب، وفي صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد أنها حرمت عام الفتح ~~(¬3) [و] (¬4) روي في غير الصحيح رواية شاذة أنها حرمت عام تبوك (¬5)، ~~وغلطوا هذه الرواية PageV08P196 # فإن راويها إسحاق بن راشد تفرد بذلك عن الزهري ومالك وغيره, رووه عن ~~الزهري وفيه "يوم خيبر" وهو الصحيح. # وروى أبو داود تحريمها من حديث سبرة في "حجة الوداع" (¬1)، [ثم قال: إنه ~~أصح ما روي في ذلك. # وقد روي عن سبرة أيضا إباحتها في حجة الوداع] (¬2)، ثم حرمت حينئذ إلى ~~[يوم القيامة] (¬3). PageV08P197 # وروي عن الحسن البصري: أنها ما حلت قط إلا في عمرة القضاء (¬1)، وروي هذا ~~عن سبرة أيضا، ولم يذكر مسلم في روايات حديث سبرة تعيين وقت إلا في رواية ~~محمد بن سعيد الدارمي وإسحاق بن إبراهيم ويحيى بن يحيى فإنه ذكر فيها يوم ~~فتح مكة، [فقالوا:] (¬2) وذكر الرواية بإباحتها يوم حجة الوداع خطأ، لأنه ~~لم يكن يومئذ ضرورة ولا عزوبة، بل أكثرهم حجوا بنسائهم، والصحيح أن الذي ~~جرى في تجمعهم في حجة الوداع مجرد النهي، PageV08P198 # كما جاء في غير رواية, ويكون ذلك تجديدا له ليبلغ عنه لكثرة الاجتماع ms1411 إذن ~~كما قرر غير شيء وبين الحلال والحرام يومئذ، [وثبت] (¬1) تحريم النكاح ~~يومئذ بقوله: "إلى يوم القيامة". # الرابع: كان نكاح المتعة جائزا في أول الإسلام من غير شك في ذلك ولا ~~مرية، وقد روى [إباحته] (¬2) إذ ذاك من الصحابة ابن مسعود (¬3) وابن عباس ~~وجابر (¬4) وسلمة بن الأكوع (¬5) وسبرة بن معبد الجهني (¬6) كما أخرج ~~حديثهم في الصحيح، وليس في هذه الأحاديث كلها أنها كانت في الحضر، وإنما ~~كانت في أسفارهم في الغزو عند ضرورتهم وعدم النساء مع أن بلادهم حارة ~~وصبرهم عنهن قليل، وقد ذكر مسلم في حديث ابن عمر أنها كانت رخصة في أول ~~الإسلام لمن اضطر إليه كالميتة، وعن ابن عباس نحوه. وذكر مسلم من حديث سلمة ~~بن الأكوع (¬7) إباحتها يوم أوطاس، ومن حديث سبرة إباحتها يوم الفتح، وهما ~~واحد (¬8) ثم حرمت يومئذ، وقد سلف PageV08P199 # تحريمها يوم خيبر، وهو قبل الفتح، وجمع القاضي عياض بين روايات الإباحة ~~والتحريم فقال: يحمل ما جاء من التحريم يوم خيبر وعمرة القضاء ويوم الفتح ~~ويوم أوطاس أنه جدد النهي عنها في هذه المواطن، لأن حديث تحريمها يوم خيبر ~~صحيح لا مطعن فيه، بل هو ثابت من رواية الثقات الأثبات لكن في رواية سفيان ~~بن عيينة النهي عنها وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. # وروى الحميدي (¬1) فيما حكاه البيهقي (¬2) عنه أن سفيان ذهب PageV08P200 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P201 # إلى أن هذا التاريخ يرجع إلى لحوم الحمر الأهلية خاصة والمعنى: أنه حرم ~~المتعة ولم يتبين متى تحريمها، ثم قال: ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر فيكون ~~يوم خيبر لتحريم لحوم الحمر خاصة ولم يتبين وقت تحريم المتعة ليجمع بين ~~الروايات قبل، وهذا هو الأشبه أن تحريم المتعة كان بمكة. # وأما تحريم لحوم الحمر: فبخيبر بلا شك قال القاضي: وهذا حسن لو ساعده ~~سائر الروايات عن غير سفيان، قال: والأولى ما قلناه إنه كرر التحريم، لكن ~~يبقى بعد هذا ما جاء من ذكر إباحته في عمرة القضاء ويوم [الفتح] (¬1) ويوم ~~أوطاس. فيحتمل أنه -عليه الصلاة والسلام- أباحها لهم للضرورة بعد التحريم، ~~ثم حرمها ms1412 تحريما مؤبدا، وسقط رواية إباحتها يوم حجة الوداع، لأنها مروية عن ~~سبرة الجهني وإنما روى الثقات الأثبات عنه الإباحة يوم فتح مكة والذي في ~~حجة الوداع إنما هو التحريم فيؤخذ من حديثه ما اتفق عليه جمهور الرواة ~~ووافقه عليه غيره من الصحابة من النهي عنها يوم PageV08P202 # الفتح، ويكون تحريمها يوم حجة الوداع تأكيدا وإشاعة له كما سبق. # وأما قول الحسن: "إنها كانت في عمرة القضاء لا قبلها ولا بعدها" فترده ~~الأحاديث الصحيحة في تحريمها يوم خيبر وهي قبل عمرة القضاء وما جاء في ~~إباحتها يوم فتح مكة ويوم أوطاس مع أن الرواية بهذا إنما جاءت عن سبرة وهو ~~راوي الروايات الأخرى، وهي أصح فيترك ما خالف الصحيح، وقد قال بعضهم هذا ~~مما تداوله التحريم والإباحة والنسخ مرتين أي كما في شأن القبلة، فإنها ~~نسخت مرتين، وكذا في تحريم لحوم الحمر الأهلية, قال: هذا القائل ولا أحفظ ~~لذلك رابعا: # واختار النووي (¬1) -رحمه الله- في الجمع وجها آخر، فقال: الصواب ~~والمختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين، فكانت حلالا قبل خيبر، ثم حرمت ~~يوم خيبر، ثم أبيحت يوم الفتح، وهو يوم أوطاس لاتصالها، ثم حرمت يومئذ بعد ~~ثلاثة أيام تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة، ولا يجوز أن يقال: الإباحة مختصة ~~بما قبل خيبر، والتحريم يوم خيبر للتأبيد وأن الذي كان يوم الفتح مجرد ~~توكيد التحريم من غير تقدم إباحة يوم الفتح، لما اختاره المازري (¬2) ~~والقاضي (¬3) لأن الروايات التي ذكرها مسلم في الإباحة صريحة في PageV08P203 # ذلك فلا يجوز إسقاطها ولا مانع يمنع من تكرير الإباحة (¬1). PageV08P204 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P205 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P206 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P207 # تتمات تتعلق بنكاح المتعة: # قال القاضي عياض (¬1): اتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت نكاحا إلى ~~أجل لا ميراث فيه، وفراقها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق ووقع الإجماع ~~بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء إلا الروافض، وكان ابن عباس يقول ~~بإباحتها وروي عنه أنه رجع عنه، وجزم به الترمذي في "جامعه" (¬2) في حكايته ~~عنه، ثم روي عنه أنها PageV08P208 # نسخت بقوله -تعالى-: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} ms1413 (¬1)، وقال: ~~فكل فرج سوى هذين فهو حرام. # قال المازري (¬2): وتعلقت طائفة من المبتدعة بالأحاديث الواردة بإباحتها، ~~وقد أسلفنا نسخها [و] (¬3) بقوله -تعالى-: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن}، وفي قراءة ابن مسعود (¬4) "وإلى أجل" قال: وهي شاذة لا يحتج بها ~~قرآنا ولا خبرا، ولا يلزم العمل بها. # قال القاضي (¬5): وأجمعوا على أنه متى وقع نكاح المتعة الآن حكم ببطلانه، ~~سواء كان قبل الدخول أو بعده إلا ما حكي عن زفر (¬6) من قوله "من نكح نكاح ~~متعة تأبد نكاحه"، وكأنه جعل ذكر التأجيل من باب الشروط الفاسدة في النكاح ~~فإنها تلغى ويفسخ النكاح، قال: ويرده قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فمن كان ~~عنده شيء منهن فليخل سبيلها" (¬7). PageV08P209 # وقال الشيخ تقي الدين (¬1): وما حكاه بعض الحنفية عن مالك من الجواز فهو ~~خطأ قطعا، وقال أكثر الفقهاء على الاقتصار في التحريم على العقد المؤقت، ~~وعداه مالك بالمعنى إلى توقيت الحل، وإن لم يكن في عقد كما إذا علق طلاق ~~امرأته بوقت لابد من مجيئه وقع عليه الطلاق الآن، وعلله أصحابه بأن ذلك ~~تأقيت للحل، وجعلوه في معنى نكاح المتعة. # واختلف أصحاب مالك هل يحد الواطىء في نكاح المتعة، ولكن يعزر ويعاقب (¬2). # ومذهب الشافعي: أنه لا يحد لشبهة العقد [و] (¬3) الخلاف فيه ومأخذ الخلاف ~~اختلاف الأصوليين (¬4) في أن الإجماع هل يرفع الخلاف وتصير المسألة مجمعا ~~عليها، والأصح عند أصحابنا كما PageV08P210 # نقله عنهم النووي في "شرحه لمسلم" (¬1) أنه لا يرفعه، بل يدوم الخلاف ولا ~~تصير المسألة بعد ذلك مجمعا عليها أبدا، قال: وبه قال القاضي أبو بكر ~~الباقلاني. # قلت: وهو مذهب الصيرفي (¬2) أيضا، واختار ابن الحاجب أنه يرفعه ويحتج به، ~~ونقله في "البرهان" عن معظم الأصوليين. # وحكى القرطبي (¬3): خلافا عن المالكية في لحوق هذا الولد أيضا. # قال القاضي (¬4): وأجمعوا على أن من نكح نكاحا مطلقا ونيته أن لا يمكث ~~معها إلا مدة نواها فنكاحه صحيح وحلال وليس نكاح متعة وإنما نكاح المتعة ما ~~وقع بالشرط المذكور، ولكن قال مالك: ليس هذا من أخلاق الناس. # وشذ الأوزاعي ms1414 (¬5) فقال: هو نكاح متعة ولا خير فيه. # ولو تزوجها على أن لا يأتيها نهارا أو لا يأتيها ليلا، فروى محمد عن ابن ~~القاسم عن مالك أنه مكروه ولا أحرمه, PageV08P211 # قال ابن القاسم: ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده (¬1) [صداق] (¬2) [المثل] ~~(¬3)، وقال ابن الجلاب: يفسخ بعده ويجب فيه المسمى، وبه قال محمد [منهم] (¬4). # فرع: لو قال نكحتها متعة فوجهان لأصحابنا وجه الصحة أن المصحح وهو لفظ ~~النكاح قد وجد، وقوله: "متعة"، يحتمل أنه يريد به هذه المتعة المعنى اللغوي ~~وهو الاستمتاع الذي هو [قصد] (¬5) العقد فنزل الإطلاق عليه. # تنبيه: قول جابر في "صحيح مسلم" (¬6): "استمتعنا على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر" محمول على أنه لم يبلغه النسخ. # وقوله فيه: "حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث" يعني حين بلغه النسخ. # [الوجه الرابع] (¬7): من الكلام على الحديث فيه أيضا تحريم لحم الحمر ~~الأهلية وهو مذهب الشافعي والعلماء كافة إلا طائفة يسيرة PageV08P212 # من السلف، فعن ابن عباس وعائشة وبعض السلف: الإباحة والتحريم. # وروي عن مالك: الكراهة والتحريم والأظهر أنها مغلظة الكراهة جدا، ~~والثاني: أنها محرمة بالسنة، أي بهذا الحديث وغيره. # ووقع بين الصحابة اضطراب في علة التحريم، هل حرمت لعينها، أو لأنها لم ~~تخمس، أو لأنها ظهر فكره أن تذهب حمولة الناس، [أو لأنها محرمة بالسنة -أي ~~بهذا الحديث وغيره- أو لإنها] (¬1) جوالة بالقرية، أي تأكل الجلة -بفتح ~~الجيم- فهذا منشأ الخلاف المذكور لأرباب هذه [العلل] (¬2)، مذهب التحريم ~~وما عدا التعليل الأول ذكره البخاري في صحيحه (¬3) في باب غزوة خيبر فذكر ~~عقب حديث ابن أبي أوفى: "لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا"، قال ابن أبي أوفى: ~~فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس ثم قال: وقال بعضهم: نهى عنها ~~البتة لأنها كانت تأكل العذرة ثم ذكر بعده بأسطر عن ابن عباس مسندا "لا ~~أدري أنهى عنه من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم" (¬4). PageV08P213 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P214 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P215 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P216 # وحكى الماوردي (¬1): من أصحابنا وجهين في أنها حرمت بالنص أو باستخباث ~~العرب ms1415 لها، وأما حديث "أطعم أهلك من سمين حمرك" أخرجه أبو داود (¬2) فاتفق ~~الحفاظ على تضعيفه كما قاله النووي في "شرح (¬3) المهذب"، ثم لو صح يحمل ~~على حال PageV08P217 # الاضطرار. # وتقييد الحديث "بالأهلية" وفي رواية "بالإنسية" يخرج الوحشية فإنها من ~~الطيبات ولا خلاف في حلها. PageV08P218 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 327/ 9/ 62 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، ~~قالوا: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # وهو حديث عظيم أصل من أصول الأحكام: # أحدها: المراد [(¬2)] "بالأيم" [هنا] (¬3) الثيب خاصة، فإنها جعلت مقابلة ~~للبكر وجمع الأيم أيامى، وأصله أيائم فنقلت (¬4) PageV08P219 # والأيمة في اللغة: العزوبة ورجل: أيم، وامرأة: أيم، وحكى أبو عبيدة: ~~أيمة، وأيم في الرجال، كالمستعار من النساء فإنه أكثر ما يكون فيهن، و ~~[أمت] (¬1) المرأة من زوجها تئميم أيما وأيمة وأيوما (¬2)، وقد أمت هي وأمت ~~أنا، وفي الحديث: "كان يتعوذ من الأيمة" -وهي طول العزوبة-، و"العيمة" -وهي ~~شدة الشهوة للبن-، و"الغيمة" -وهي شدة العطش (¬3) -، ومن كلامهم "الغزو ~~مأيمة" أي بقتل الرجال فتصير النساء أيامى، وللأيم معان أخر: منها بتشديد ~~الياء وتخفيفها الحية (¬4). # ونقل القاضي عياض (¬5): اتفاق أهل اللغة على أنه يطلق على كل امرأة لا ~~زوج لها صغيرة كانت أو كبيرة بكرا أو ثيبا، ونقله عن إبراهيم الحربي ~~وإسماعيل القاضي وغيرهما (¬6). PageV08P220 # وحكى الماوردي (¬1) قولين لأهل اللغة في الأيم: أحدهما: هذا، وثانيهما: ~~أنه لا يقال أيم إلا إذا نكحت ثم حلت بموت أو طلاق بكرا كانت أو ثيبا. # ثم اختلف الفقهاء في المراد بها هنا على قولين: # أحدهما: أنها الثيب، قاله علماء الحجاز والفقهاء [كافة] (¬2) وهو أكثر ~~استعمالها في اللغة أيضا (¬3). # وثانيهما: أنها كل امرأة لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا، قاله الكوفيون ~~وزفر، قالوا: فكل امرأة بلغت فهي أحق بنفسها من وليها، وعقدها النكاح على ~~نفسها صحيح، وبه قال الشعبي والزهري: قالوا: وليس الولي من أركان صحة ms1416 ~~النكاح وإنما هو من تمامه. # وقال الأوزاعي و [(¬4)] أبو يوسف ومحمد بن الحسن: يتوقف صحة النكاح على ~~إجازة الولي. # الوجه الثاني: أصل الاستئمار طلب الأمر. وأصل الاستئذان طلب الإذن، فمعنى ~~"حتى تستأمر" يطلب الأمر منها "وحتى تستأذن" يطلب الإذن منها. PageV08P221 # وقوله: "وكيف إذنها؟ " راجع إلى البكر، وفيه تعليم كيفية استئذان البكر، ~~وإنما سألوا عن الإذن دون الأمر لتردد الإذن بين القول والسكوت بخلاف ~~الأمر، فإنه صريح في القول، وإنما جعل السكوت إذنا في حقها لأنها قد تستحي ~~أن تفصح به، فتظهر رغبتها في النكاح وأبدى بعض المالكية لاستئذان الأب ~~لابنته البكر فائدة، وهي تطييب قلبها واستعلام حالها فقد تكون موصوفة بما ~~يخفى على الأب مما يمنع النكاح فإذا استأذنها أعلمته. # قال القاضي عياض (¬1): وحمل مالك البكر في هذا الحديث على اليتيمة، لأنها ~~التي تستأذن في نفسها، وحمله غيره على ظاهره على الندب في ذات الأب، وعلى ~~الوجوب في اليتيمة. # الوجه الثالث: الحديث دال على أن إذن البكر سكوتها، وهو عام بالنسبة إلى ~~لفظ البكر ولفظ النهي في قوله: "لا تنكح" إن حمل على الكراهة دون التحريم ~~كان دليلا على استحباب الاستئذان، وهو خاص عند الشافعي بالبكر البالغة إذا ~~كان الولي أبا أو جدا، فإن كان غيرهما فلابد من إذنها، ويكفي السكوت على ~~الأصح كما سيأتي، ووافقه ابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق وغيرهم. # وقال الأوزاعي وأبو حنيفة وغيره من الكوفيين: يجب الاستئذان في كل بكر ~~بالغة وإن حمل على التحريم تعين أحد الأمرين إما أن يكون المراد بها من عدا ~~الصغيرة فعلى هذا لا تخبر البكر البالغ وهو مذهب أبي حنيفة، وحكاه الترمذي ~~في PageV08P222 # "جامعه" (¬1) عن أكثر أهل العلم وتمسكه بالحديث قوي، كما قاله الشيخ تقي ~~الدين (¬2) لأنه أقرب إلى العموم في لفظ: "البكر"، وربما يزاد على ذلك بأن ~~يقال: الاستئذان إنما يكون في حق من له إذن، ولا إذن للصغيرة، فلا تكون ~~داخلة تحت الإرادة، ويختص الحديث بالبوالغ، فيكون أقرب إلى التأويل، وقد ~~ترجم البخاري (¬3) على هذا الحديث باب لا ms1417 ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا ~~برضاهما. # وإما أن يكون المراد اليتيمة، وقد اختلف قول أصحاب الشافعي فيها هل يكتفى ~~فيها بالسكوت أم لا؟ والحديث يقتضي الاكتفاء [منه] (¬4) وهو الأصح، وقد ورد ~~مصرحا في حديث آخر صحيح "ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تستأمر وصمتها ~~إقرارها"، رواه أبو داود (¬5) [والنسائي] (¬6) من حديث ابن عباس، وقال ~~البيهقي في "خلافياته": رواته ثقات. # وفي الترمذي [و] (¬7) قال: [حديث] (¬8) [حسن، من حديث PageV08P223 # أبي هريرة] (¬1): "اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن صمتت فهو إذنها، وإن ~~أبت، فلا جواز عليها" (¬2)، يعني إذا أدركت فردت، وجعل الشيخ تقي الدين في ~~الشرح (¬3) هذا الخلاف للشافعي نفسه لا لأصحابه، وقال: مال إلى ترجيح ~~[الاكتفاء به] (¬4) من يميل إلى الحديث من أصحابه، وغيرهم من أهل الفقه ~~يرجح الآخر. # ونقل ابن عبد البر (¬5) عن مالك: أن سكوت البكر اليتيمة قبل إذنها ~~وتفويضها لا يكون رضى منها بخلاف ما إذا كان تفويضها إلى وليها. # وفرق بعض الشافعية بين الأب والجد وغيرهما، فالنفي بالسكوت بالنسبة إلى ~~الأب والجد دون غيرهما لأنها تستحي منهما أكثر من غيرهما، والصحيح الذي ~~عليه الجمهور أن السكوت كاف في جميع الأولياء لعموم الحديث. # فرع: مذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يشترط إعلام البكر بأن PageV08P224 # سكوتها كاف، [وشرطه] (¬1) بعض المالكية (¬2)، واتفق أصحاب مالك على ~~استحبابه، وقال ابن شعبان منهم: يقال لها ذلك ثلاث مرات إن رضيت فاصمتي وإن ~~كرهت فانطقي، قال عبد الملك: ويطال المقام عندها لئلا تخجل فيمنعها ذلك من ~~المسارعة إلى الإنكار، وروى محمد عن مالك أن إنكارها بالقول لا بالصمت، ~~وقال ابن الجلاب: إن نفرت أو بكت أو قامت أو ظهر منها ما يدل على [الكراهة ~~لم] (¬3) تنكح [(¬4)]. # وعند الشافعية: يحصل الغرض ضحكت أو بكت إلا إذا بكت مع الصياح وضرب الخد ~~فإنه لا يكون رضا. # الوجه الرابع: الحديث دال أيضا على اشتراط استئمار الثيب في نكاحها وهو ~~بالنطق، وعن الحسن (¬5) أن للأب إجبارها وهو شاذ فإن كانت صغيرة لم تزوج ~~عند الشافعية لأن عبارتها ملغاة خلافا للحنفية. ms1418 # وعند المالكية ثلاثة أقوال في افتقار أبيها إلى إذنها. ثالثها: يفتقر ما ~~لم تبلغ فتسقط، وسواء زالت البكارة بوطىء حلال أو حرام أو شبهة ولا أثر ~~لزوالها بلا وطء لسقطة أو أصبع أو طول PageV08P225 # تعنيس -وهو الكبر- على الأصح عندهم وفيه نظر [لأنها لم تمارس الرجال وهي ~~على بكارتها وحيائها وكذا في الوطىء في الدبر] (¬1). # الخامس: الحديث دال أيضا على اشتراط الولي في النكاح وفي المسألة مذاهب: # أحدها: يشترط وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وهو قول جماعة من الصحابة ~~والتابعين، وعن مالك أنها إن كانت دنيئة زوجت نفسها وإن كانت شريفة فلابد ~~من الولي. # ثانيها: لا، مطلقا بل لها أن تزوج نفسها بغير إذنه وهو قول أبي حنيفة. # ثالثها: يجوز أن تزوج نفسها بإذن وليها ولا يجوز بغير إذنه، قاله أبو ثور. # رابعها: أنه يتوقف صحته على إجازته، قاله الأوزاعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن. # خامسها: يشترط في تزويج البكر دون الثيب، احتج الأولون بقوله تعالى: {فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} (¬2)، قال الشافعي (¬3): وهي أصرح دليل على ~~اعتباره وإلا لما كان لعضله معنى، والحديث PageV08P226 # الصحيح المشهور: "لا نكاح إلا بولي" (¬1)، حسنه الترمذي وصححه البخاري ~~وابن المديني وهو مقتض لنفي الصحة وبالحديث الآخر الصحيح. "أيما امرأة نكحت ~~بغير إذن وليها فنكاحها باطل" ثلاث مرات (¬2)، حسنه الترمذي وصححه ابن حبان ~~(¬3) والحاكم (¬4)، وقال: على شرط الشيخين، وقال ابن معين: إنه أصح ما في الباب. # قلت: وهو حديث كثير الفوائد استنبط الشافعي منه خمسة وثلاثين حكما ذكرها ~~أصحابنا عنه في تعاليقهم. # واحتج داود: بحديث ابن عباس الثابت في "صحيح مسلم" أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها ~~سكوتها" (¬5). PageV08P227 # وأجاب أصحابنا [عنه] (¬1): بأنها "أحق" أي شريكة في الحق بمعنى أنها لا ~~تجبر وهي أيضا "أحق" في تعيين الزوج، وناقض أيضا مذهبه في تفرقته المذكورة ~~فإنه إحداث قول ثالث في مسألة مختلف فيها لم يسبق إليه ومذهبه أنه لا يجوز ~~إحداث مثل هذا (¬2). PageV08P228 # واحتج أبو حنيفة بالقياس على البيع وغيره ms1419 فإنها تستقل فيه بلا ولي (¬1)، PageV08P229 # وحمل الأحاديث المذكورة في اشتراط الولي على الصغيرة، وخص عمومها بهذا ~~القياس وتخصيص العموم بالقياس جائز عند كثير من أهل الأصول (¬1). PageV08P230 # واحتج أبو ثور (¬1) بالحديث السالف: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل"، ولأن الولي إنما يراد به ليختار كفؤا ولدفع العار، وذلك ~~يحصل بإذنه. # ورد مذهبه: بأن إذن الولي لا يصح إلا لمن ينوب عنه، والمرأة لا يصح أن ~~تكون نائبة عنه، لأن الحق عليها كالوكيل لا يجوز أن يبيع من نفسه. PageV08P231 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 328/ 10/ 62 - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "جاءت امرأة رفاعة ~~القرظي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: كنت عند رفاعة القرظي ~~فطلقني، فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة ~~الثوب، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "أتريدين أن ترجعي ~~إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك"، قالت: وأبو بكر عنده، ~~وخالد بن سعيد بالباب ينتظر أن يؤذن له، فنادى: "يا أبا بكر، ألا تسمع ~~[إلى] (¬1) هذه ما تجهر به عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2). # الكلام عليه من وجوه: PageV08P232 # أحدها: امرأة رفاعة هذه صحابية وتحصل في اسمها خمسة أقوال: # أحدها: أميمة بنت الحارث. # ثانيها: تميمة -بفتح التاء وضمها- بنت وهب بن عبيد القرظية. # ثالثها: سهيمة. # رابعها: عائشة. # خامسها: نعيمة (¬1) بنت وهب، وقد ذكرتها معزوة إلى قائليها فيما أفردناه ~~في الكلام على رجال هذا الكتاب في الباب السابع منه في المبهمات، قال ~~الحافظ أبو موسى: اختلف في اسمها فقيل: تميمة، وقيل: سهيمة، وقيل: أميمة، ~~والرميصاء، والغميصاء، قال أبو عمر: لا أعلم لها غير قصتها مع رفاعة ولم ~~يذكر الفاكهي في شرحه غير أنها تميمة -بفتح التاء من غير زيادة, فاستفد ما ~~ذكرناه لك. # فائدة: لما ذكر الترمذي في "جامعه" هذا الحديث من طريق عائشة قال: وفي ~~الباب عن ابن عمر (¬2) PageV08P233 # وأنس (¬1) وأبي هريرة والرميصاء [أو] (¬2) الغميصاء (¬3) وهو دال على أن ~~الرميصاء والغميصاء غير امرأة رفاعة المذكورة في حديث عائشة خلاف ms1420 ما ~~أسلفناه عن الحافظ أبي موسى. # ثانيها: في الأسماء الواقعة فيه. # أما رفاعة: فهو ابن شموال -بفتح الشين وكسرها-، وفي "ثقات ابن حبان" (¬4) ~~سموال، وقيل: ابن رفاعة القرظي الأنصاري من PageV08P234 # بني قريظة، وهو خال صفية بنت حيي، روى عنه قال: نزلت هذه الآية: {ولقد ~~وصلنا لهم القول} الآية في، وفي عشرة من أصحابي. # و"القرظي" -بضم القاف وفتح الراء ثم ظاء معجمة ثم ياء النسب- نسبة إلى ~~قريظة، وهو اسم رجل نزل أولاده حصنا بقرب المدينة فنسب إليهم، و"قريظة" ~~و"النضر" أخوان من أولاد هارون - عليه السلام -. # وأما عبد الرحمن بن الزبير: فهو صحابي وأبوه الزبير -بفتح الزاي وكسر ~~الباء- بلا خلاف قتله الزبير بن العوام يوم بني قريظة كافرا [ووالد الزبير] ~~(¬1) باطا بلا مد ولا همز، و [(¬2)] يقال: باطيا (¬3)، حكاه صاحب ~~"المطالع"، ولعبد الرحمن ولد يقال له الزبير أيضا بضم الزاء عند البخاري ~~وغيره وبعضهم فتحه (¬4)، وزعم ابن منده وأبو نعيم في كتابيهما "معرفة ~~الصحابة" (¬5) أن الذي تزوج امرأة PageV08P235 # رفاعة إنما هو عبد الرحمن بن الزبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن ~~عوف بن عمرو بن عوف بن مالك الأوس بن الخزرج والذي ذكره أبو عمر والمحققون ~~ما أسلفناه من أنه عبد الرحمن بن الزبير بن باطا. قال النووي (¬1): وهو ~~الصواب. # وأما خالد بن سعيد بن العاص: فهو أبو سعيد خالد بن سعيد بن العاص بن أمية ~~بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي، أمه أم خالد بنت حيان بن عبد ~~ياليل من خزاعة أسلم قديما لرؤيا رآها، قيل: إنه أسلم قبل الصديق حكاه "ابن ~~حبان" (¬2) وهو من مهاجري الحبشة قدم في السفينة من الحبشة عام خيبر ~~وترجمته مبسوطة في الكتاب السالف الذكر الذي أشرنا إلى إفراده بالأسماء ~~الواقعة في هذا الكتاب، قتل بمرج الصفر، وقيل: بأجنادين، قال ابن زبر (¬3): ~~استشهد بها هو وأخواه أبان وعمرو سنة ثلاث عشرة، قال ابن حبان: واستعمله ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على صدقات بني زبيد وهو أول من كتب بسم ms1421 الله ~~الرحمن الرحيم. # الوجه الثالث: في ألفاظه: # الأول: معنى "بت طلاقي"، أي طلقني ثلاثا، وعلى هذا اقتصر النووي في "شرح ~~مسلم" (¬4)، وقال الشيخ تقي الدين (¬5): PageV08P236 # تطليقه إياها بالبتات من حيث اللفظ، يحتمل أن يكون بإرسال الطلقات ~~الثلاث، ويحتمل أن يكون بإيقاع آخر طلقة، ويحتمل أن يكون بإحدى الكنايات ~~التي تحمل على البينونة عند جماعة من الفقهاء، وليس في اللفظ عموم , ولا ~~إشعار بأحد هذه المعاني، وإنما يؤخذ ذلك من أحاديث أخر تبين المراد، ومن ~~احتج على شيء من هذه الاحتمالات بالحديث فلم يصب لأنه إنما دل على مطلق ~~البت، والدال على المطلق لا يدل على أحد قيديه بعينه. # قلت: قد جاء في رواية لمسلم: "أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات" فيترجح ~~الاحتمال الثاني، وفي الموطأ: "إنه طلقها ثلاثا"، وهو يؤيد الاحتمال الأول، ~~وأدخل [هذا الحديث] (¬1) في باب من أجاز طلاق الثلاث (¬2)، وادعى القرطبي ~~في "مفهمه" (¬3) أن ظاهر قولها "بت طلاقي" قال لها: أنت طالق البتة، وأن ~~فيه حجة لمالك على أن البتة محمولة على الثلاث: في المدخول بها, وليس بجيد منه. # الثاني: "الهدبة" -بضم الهاء وإسكان الدال-، قال الجوهري في "صحاحه": وضم ~~الدال لغة وهو طرفه الذي ينسج وجاء في رواية لمسلم: "لما قالت ذلك أخذت ~~بهدبة من جلبابها"، شبهوها بهدبة العين وهو شعر جفنها، فيحتمل أن يكون ~~شبهته لصغره أو لاسترخائه، وعدم انتشاره، وهو الظاهر، وبه جزم ابن PageV08P237 # الجوزي في "غريبه" (¬1)، لأنه يبعد أن يبلغ من الصغر إلى حد لا تغيب منه ~~الحشفة أو مقدارها الذي يحصل به التعليل، وفي رواية للبخاري (¬2): "وكانت ~~معه مثل هدبة الثوب فلم يصل منه إلى شيء يريده"، وفيه: "ولم تكن معه إلا ~~مثل الهدبة، فلم يقربني إلا هنة واحدة، ولم يصل مني إلى شيء" (¬3). # وفي رواية له في كتاب اللباس في باب الثياب الخضر (¬4)، "فجاء ومعه ابنان ~~له من غيرها، قالت: والله ما لي إليه من ذنب إلا أن ما معه ليس بأغنى غني ~~من هذه -وأخذت هدبة من ثوبها- PageV08P238 # فقال: كذبت يا رسول الله، ms1422 إني لأنفضها نفض الأديم ولكنها ناشز، تريد ~~رفاعة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: فإن كان ذلك لم تحلين له أو لم تصلحين ~~له حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"، قال: فأبصر معه ابنين فقال: أبنوك ~~هؤلاء؟ قال: نعم، قال: هذا الذي تزعمين ما تزعمين؟ فوالله لهم أشبه به من ~~الغراب بالغراب". # الثالث: تبسمه -عليه الصلاة والسلام- تعجب من جهرها وتصريحها بأمر تستحي ~~النساء من ذكره عادة أو لرغبتها في زوجها الأول وكراهة الثاني. # ومعنى قوله: "تريدين أن ترجعي إلى رفاعة" لأنه إن كان الأمر كما ذكرت من ~~الكناية المذكورة فلا ترجعي إلى رفاعة حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك؛ فإنه ~~-عليه الصلاة والسلام- فهم عنها إرادة فراقه والرجوع إلى رفاعة. # و"العسيلة": -بضم العين وفتح السين- تصغير عسلة، وهو كناية عن الجماع ~~تشبيه لذته بلذة العسل وحلاوته، وقال الماوردي (¬1): اختلف في العسيلة فذهب ~~أبو عبيد القاسم بن سلام إلى أنها لذة الجماع، أي لأن العرب يسمون كل شيء ~~يستحلونه عسلا. # وذهب آخرون: إلى أنها الإنزال. # وذهب الشافعي وأكثر الفقهاء: إلى أنها الجماع، لأن اللذة PageV08P239 # زيادة [و] (¬1) الإنزال [غاية] (¬2)، وقد روى عبد الله بن أبي مليكة عن ~~عائشة مرفوعا أن "العسيلة (¬3) هي الجماع". # فإن قلت: لم أنثه فقال عسيلة؟ # قلت: عنه أربعة أجوبة (¬4): # أحدها: أن العسل يذكر ويؤنث فمن أنثه، قال: في تصغيره عسيلة. # ثانيها: أنثه على معنى النطفة وهو ضعيف، لأن الإنزال لا يشترط. # ثالثها: على نية اللذة. # رابعها: أنه أراد قطعة من العسل. واستعمال لفظ العسيلة في كل ذلك مجاز: ~~إما [من] (¬5) اللذة كما سلف، وإما من مظنتها وهو الإيلاج على مذهب جمهور ~~الفقهاء الذين يكتفون بتغييب الحشفة، قال بعضهم: وفي تصغير العسيلة دلالة ~~على أن الوطأة الواحدة كافية في إباحتها لمطلقها. PageV08P240 # [خامسها] (¬1): معنى "ترفع" تجهر برفع صوتها. وفي غير "صحيح مسلم" " ~~[تهجر] (¬2) " من الهجر وهو الفحش من القول. # الوجه الرابع في أحكامه: # الأول: تحريم المبتوتة بالطلاق الثلاث على مطلقها حتى تنكح زوجا غيره، ~~وهو صريح القرآن أيضا. # الثاني: أن المراد بنكاح الثاني عقده ووطئه، ms1423 وهو قول جميع العلماء من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وانفرد سعيد بن المسيب فلم يشترط الوطء ~~واكتفى بالعقد، لقوله -تعالى-: {حتى تنكح زوجا غيره} (¬3)، والنكاح: حقيقة ~~في العقد على الصحيح. # وأجاب الجمهور: بأن هذا الحديث مخصص لعموم الآية ومبين للمراد بهذا, ولعل ~~سعيد لم يبلغه الحديث، ولم يقل أحد من العلماء بقوله إلا طائفة من الخوارج، ~~كذا قال، وعزا بعضهم إلى "شرح الرسالة" للقاضي عبد الوهاب؛ أن سعيد بن جبير ~~وطائفة من السلف قالوا به أيضا. # واتفق العلماء: على أن تغييب الحشفة في قبلها كاف في ذلك من غير إنزال المني. # وشذ الحسن البصري: فشرط الإنزال، وجعله حقيقة العسيلة. # وأجاب الجمهور: بأن إدخال الحشفة يحصل اللذة PageV08P241 # والعسيلة (¬1). # الثالث: اشتراط الانتشار في التحليل من حيث إنه يرجع حمل قولها: "إنما ~~معه مثل هدبة الثوب" على الاسترخاء وعدم الانتشار PageV08P242 # لاستبعاد أن يكون الصغر قد بلغ إلى حد لا تغيب فيه الحشفة أو مقدارها ~~الذي يحصل به التحليل، كما أسلفته. # والمشهور عند الشافعية: أنه إذا لم يكن انتشار أصلا لتعنن أو شلل أو ~~غيرهما لا يحصل التعليل خلافا للجويني والغزالي فإنهما قالا بحصوله لحصول ~~صورة الوطء وأحكامه. # والأصح عندهم أيضا: أنه لابد من صحة النكاح وفي كونه ممن يمكن جماعه لا ~~طفلا (¬1) لا يتأتى منه ولا يخفى أنه لابد من حلها, للأول من انقضاء عدتها ~~من الثاني وأنه لا يحل للثاني نكاحها حتى تنقضي عدتها من الأول وكان ابن ~~المنذر (¬2) يقول: في الحديث دلالة على أن الزوج الثاني لو واقعها وهي ~~نائمة، أو مغمى عليها لا تحس باللذة أنها لا تحل للأول، لأن الذواق أن تحس ~~بها، كذا نقله البغوي عنه في "شرح السنة" (¬3)، ثم قال: وعامة أهل العلم ~~على أنها (¬4) تحل، وقال القرطبي في "مفهمه" (¬5): إنه حجة لأحد القولين PageV08P243 # عندهم في أنه لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم تحل، وعند ابن القاسم إن ~~وطئ المجنون يحلها، [وخالفه أشهب وعندهما وعند ابن وهب وابن عبد الحكم ~~وأصبغ إن وطئها حائضا لا يحلها] ms1424 (¬1)، وخالف ابن الماجشون وعند المالكية ~~خلاف فيما إذا وطئها بعد أن رأت القصة البيضاء ولم تغتسل، وكذا فيما إذا ~~وطئها وهي صائمة. ومحل الخوض في ذلك كتب الفروع فإنه أليق به (¬2). # الرابع: استنبط القاضي عياض (¬3) من شكواها وأن الذي معه كالهدبة على ~~التطليق لعدم الجماع، وانه من حقوق الزوجة قال: وهو قول كافة العلماء بعد ~~ضرب الأجل سنة للاختبار إذا رجىء زوال ما به. أما المجبوب والخصي فإنه يطلق ~~عليه ولا يؤجل. # وقال بعض السلف: يؤجل عشرة أشهر. # وخالف داود: الكافة، ورأى أنه لا يطلق بالعنة، ولم يقل به أحد من السلف ~~إلا ابن علية والحكم والإجماع يرد قولهم. # وحجتهم: ظاهر الحديث أنه -عليه الصلاة والسلام- لم يطلق عليه ولم يؤجله، ~~وليس لهما فيه حجة، بل عليهما لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أتريدين أن ~~ترجعي إلى رفاعة"، فإن دليل شكواها يوجب الفراق، ولأنه قد ناكرها، وفي ~~الموطأ (¬4) "أنه PageV08P244 # طلقها"، وذلك إخبار عن مآل الحال بعد هذا المجلس. # الخامس: استنبط ابن عبد البر (¬1) من قوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ " أن إرادة المرأة الرجوع إلى [الأول] (¬2) ~~لا يضر وذلك لأن الطلاق ليس بيدها، وقصد المطلق أحرى أن لا يراعى. # وأما نية المحلل فقال داود: لا أبعد أن يكون مأجورا عليه إذا لم يشترط ~~عليه، لأنه قصد إرفاق أخيه وإدخال السرور عليه، وهو قول ربيعة ويحيى بن ~~سعيد أنه مأجور، وقاله سالم والقاسم إذا لم يعلم الزوجان. # قال ابن عبد البر (¬3): لا معنى لعلمهما فلم يبق إلا إرادة الناكح، فإن ~~كان ذلك بالشرط دخل تحت اللعنة في الأحاديث الواردة فيه، وكان حكمه حكم ~~نكاح المتعة، كما قال الشافعي: وفسد نكاحه وإن كان بالنية فقولان (¬4) ~~عنده: القديم كذلك، كما هو مذهب مالك والجديد الصحة، وهو قول داود عن ابن ~~أبي ليلى إبطال الشرط وصحة العقد. # وقال أبو حنيفة: هو جائز، وله أن يقيم عليه، قال مرة: ولا يحلها له، وقال ~~مرة: يحلها. PageV08P245 # وقال زفر: إذا شرط عليه تحليلها فالنكاح جائز، والشرط باطل. ms1425 # وقال أبو يوسف: يفسد بالشرط، ولها مهر المثل (¬1). # السادس: يؤخذ من [هذا] (¬2) الحديث أن مثل هذا الواقع من هذه الصحابية ~~[إذا صدر] (¬3) من مدعيته لا ينكر عليها ولا يوبخ بسببه، فإنه في معرض ~~المطالبة بالحقوق، ويدل على ذلك أيضا عدم إنكار الصديق وإن كان خالد قد ~~حركه للإنكار، وحضه عليه. # ويؤخذ منه إظهار ما في النفس ليعرف حكمه. والتبسم أيضا تعجبا، والأدب عند ~~العلماء والحكام بعدم رفع الصوت بين أيديهم، وعند سؤالهم خصوصا من النساء ~~فإن رفع صوتهن أقبح من رفع صوت الرجال. PageV08P246 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # 329/ 11/ 62 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "من السنة، إذا تزوج ~~البكر أقام عندها سبعا، [و] (¬1) قسم. وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا، ~~ثم قسم" (¬2). # قال أبو قلابة: "ولو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -". # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا اللفظ هو للبخاري، وترجم عليه. "باب: تزوج الثيب على البكر ~~(¬3). ثم ساقه من حديث أيوب وخالد عن أبي قلابة عن أنس قال: "من السنة إذا ~~تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعا وقسم. وإذا تزوج الثيب أقام ~~عندها ثلاثا إلى آخرها، كما ذكره المصنف، ثم قال: وقال: عبد الرزاق أخبرنا PageV08P247 # سفيان عن أيوب وخالد [قال خالد] (¬1): ولو شئت [لقلت:] (¬2) رفعه إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وترجم عليه قبل ذلك العدل بين النساء (¬3)، ~~وأخرجه فيه من حديث خالد عن أبي قلابة عن أنس، ولو شئت أن أقول: قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، ولكن قال "السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا، ~~وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا". # وأما مسلم: فرواه من حديث خالد عن أبي قلابة، عن أنس قال: إذا تزوج البكر ~~أقام عندها سبعا. وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثا، قال خالد: ~~-يعني الحذاء-، ولو قلت: إنه رفعه لصدقت، ولكنه قال: السنة كذلك. # ثم رواه من حديث أيوب وخالد عن أبي قلابة، عن أنس قال: "من السنة أن يقيم ~~عند ms1426 البكر سبعا، قال خالد: ولو شئت قلت: رفعه إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # [ورواه أبو] (¬4) حاتم بن حبان في "صحيحه" مرفوعا مجزوما به من حديث ~~سفيان، حدثنا أيوب عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "سبع للبكر، وثلاث للثيب". ثم روى بإسناده عن PageV08P248 # سفيان أيضا، قال: حفظناه من حميد، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بمثله رواهما جميعا عن شيخه ابن خزيمة، عن عبد الجبار، عن سفيان وقال ~~الترمذي في "جامعه" (¬1): [و] (¬2) رفعه محمد بن إسحاق عن أيوب، عن أبي ~~قلابة، عن أنس (¬3). [ولم يرفعه بعضهم. # ورواه الدارقطني مرفوعا من حديث محمد بن إسحاق عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ~~أنس] (¬4) سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: للبكر سبعة أيام، ~~وللثيب ثلاث، ثم يعود إلى نسائه. # قال ابن عبد البر في "استذكاره" (¬5) ولم يرفع حديث خالد الحذاء، عن أبي ~~قلابة، عن أنس في هذا غير أبي عاصم فيما زعموا وأخطأ فيه. انتهى. وقد ~~أسلفنا رفعه من غير حديث خالد. # الوجه الثاني: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة. # وأما أبو قلابة: فسلف في باب صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الثالث: إذا قال الصحابي: "من السنة كذا". كان كالمرفوع إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو الأصح عند الأصوليين والفقهاء والمحدثين، لأن ~~الظاهر أنه ينصرف إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كان يحتمل ~~أن PageV08P249 # ذلك بناء على اجتهاد رآه ولكن الأظهر خلافه ويؤيده الرواية السالفة التي ~~أسلفنا فيها الجزم برفعها. # وأما قول أبي قلابة: "ولو شئت لقلت إن أنسا رفعه"، معناه أن هذه اللفظة ~~وهي قوله: "من السنة"، كذا صريحة في رفعه، فلو شئت أن أقوله بناء على ~~الرواية بالمعنى لقلته، ولو قلته كنت صادقا، كذا قرره النووي [رحمه الله] ~~(¬1) في "شرح مسلم" (¬2)، وقد قاله في الرواية التي أسلفناها، وقد أسلفنا ~~مثل قول أبي [قلابة خالد الحذاء] (¬3)، وأسلفنا من رواية البخاري من رواية ~~أبي ms1427 قلابة عن أنس، ولو شئت أن أقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~ولكن قال السنة فذكره، وفي الترمذي من حديث أبي قلابة عن أنس قال: لو شئت ~~أن أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ولكنه قال: "السنة"، فذكره. # وقال الشيخ تقي الدين (¬4): قول أبي قلابة يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون ظن [رفعه] (¬5) من أنس لفظا فتحرز [عنه] (¬6) تورعا. # والثاني: أن يكون رأى أن قول أنس "من السنة" في حكم المرفوع، فلو شاء ~~لعبر عنه بأنه مرفوع، على حسب اعتقاده؛ أنه في PageV08P250 # حكم المرفوع، قال والأول أقرب، لأن قوله: "من السنة" يقتضي أن يكون ~~مرفوعا بطريق اجتهادي محتمل، وقوله: "إنه رفعه" نص في رفعه، وليس للراوي أن ~~ينقل ما هو ظاهر محتمل إلى ما هو نص غير محتمل. # قلت: قوله: "من السنة" نص في رفعه أيضا بمنزلة قوله، قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على الأصح كما سلف فتعادلا إذا. # فائدة: المرفوع في الاصطلاح هو ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خاصة لا يقع مطلقه على غيره متصلا كان أو منقطعا أو مرسلا. # وقال الخطيب: هو ما أخبر به الصحابي عن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أو قوله فخصه بالصحابة فيخرج مرسل التابعي. # فائدة ثانية: السنة: أصلها في اللغة الطريقة، ومنه سنن الطريق الذي يمشي ~~فيه غير أنها في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته -عليه الصلاة والسلام- ~~في الشريعة. # وهي في الاصطلاح: ما حمد فاعله ولم يذم تاركه. ويسمى مندوبا ونافلة ويخرج ذلك. # الوجه الرابع: الحديث يقتضي أن هذا الحق في البكر والثيب إنما هو إذا ~~كانا متجددتين على نكاح امرأة قبلها، ولا يقتضي أنه ثابت لكل متجددة وإن لم ~~يكن قبلها غيرها، وقد استمر عمل الناس على هذا وإن لم يكن قبلها امرأة في ~~النكاح، والحديث لا يقتضيه. # وقد اختلف العلماء في هذا الحق للجديدة هل هو للزوج أو للمرأة أو لهما؟ PageV08P251 # فذهب الشافعي والجمهور: إلى أنه حق للمرأة على زوجها لإيناسها [وإزالة] ~~(¬1) [الحشمة] ms1428 (¬2) عنها لتجددها. # وقال بعض المالكية: هو حق للزوج على جميع نسائه. # وقال ابن عبد البر (¬3): جمهور العلماء على أنه حق لها بسبب الزفاف، سواء ~~كانت عنده زوجة أم لا لعموم الحديث السالف عن رواية مسلم ["إذا تزوج البكر ~~أقام عندها سبعا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا"] (¬4) ولم يخص من له زوجة. # وحكى ابن القصار من المالكية: أنه حق لهما جميعا (¬5). # وقالت طائفة: الحديث إنما هو فيمن له زوجة أو زوجات غير هذه، لأن من لا ~~زوجة له هو مقيم عندها كل دهره، مؤنس لها، يتمتع بها، مستمتعة به بلا قاطع ~~بخلاف من له زوجات، فإن جعلت هذه الأيام للجديدة تأنيسا لها متصلا لتستقر ~~عشرتها وتذهب حشمتها منه ووحشتها، ويقضي كل واحد منهما لذته من صاحبه، ولا ~~ينقطع بالدوران على غيرها. وقد يفهم ذلك من قوله: "ثم قسم" إذ القسمة لا ~~تكون في زوجة واحدة، وجزم به من أصحابنا البغوي في "فتاويه" فقال: هذا الحق ~~إنما يثبت للجديدة إذا كان في نكاحه أخرى، فإن PageV08P252 # لم يكن أو كانت ولا يبيت عندها لم يثبت للجديدة حق الزفاف، كما لا يلزمه ~~أن يبيت عند زوجته أو زوجاته ابتداء قال النووي في "شرح مسلم" (¬1) ~~والمختار الأقوى الأول، لعموم الحديث. # قلت: وبه قال من المالكية (¬2) ابن عبد الحكم فيما رواه أبو الفرج عنه، ~~وقال ابن حبيب: بالثاني. # ثم اختلف العلماء في هذا المقام عند البكر والثيب إذا كان له زوجة أخرى ~~هل [هو] (¬3) واجب أو مستحب؟ فمذهب الشافعي وأصحابه وموافقيهم أنه واجب، ~~وهي رواية ابن القاسم (¬4) عن مالك. # وروى عنه ابن عبد الحكم: أنه على الاستحباب، وهو قول الشافعي أيضا (¬5). # تتمات: # الأولى: نقل الخطابي (¬6) عن أصحاب الرأي أن البكر والثيب في القسم سواء، ~~وهو قول الحكم وحماد، وعن الأوزاعي إذا تزوج البكر على الثيب مكث ثلاثا ~~وإذا عكس أقام يومين. وحكاه PageV08P253 # الترمذي (¬1) عن بعض أهل العلم، وهما مصادمان للأحاديث "الصحيحة" وأما ~~حديث عائشة رفعته: "للبكر إذا نكحها وله نساء ثلاث ليال، وللثيب ليلتان"، ~~فضعيف ms1429 رواه الدارقطني (¬2)، وفي سنده أم سليم ومحمد بن ضمرة، وهما مجهولان، ~~كما قال ابن القطان والواقدي، وحالته معلومة، وإنما خصت البكر بالزيادة لأن ~~حياءها أكثر. # الثانية: تجب الموالاة في الثلاث، وفي السبع حتى لو فرقها لا يحسب على ~~الأصح، لأن الحشمة لا تزول [به] (¬3). # الثالثة: إذا وفى الثلاث أو السبع لم يقض للباقيات، نعم، يستحب تخيير ~~الثيب عن ثلاث بلا قضاء وسبع بقضاء فإن اختارت السبع فأجابها قضى السبع ~~للباقيات، وإن أقام بغير اختيارها لم يقض إلا الأربع الزائدة على الأصح، ~~هذا مذهب الشافعي وموافقيه، وممن قال به مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن ~~جرير والجمهور. # وقال أبو حنيفة والحكم وحماد: يجب قضاء الجميع في الثيب والبكر، واستدل ~~بالظواهر الواردة بالعدل بين الزوجات. # وحجة الجمهور: الأحاديث الصحيحة فيه وهي مخصصة للظواهر العامة. PageV08P254 # ونقل أبو عمر (¬1) عن مالك وأصحابه أنهم لا يقولون بتخيير الثيب وتركوا ~~حديث أم سلمة بحديث أنس. # الرابعة: الحرة والأمة في ذلك سواء على الأصح عندنا، وبه صرح ابن القصار ~~من المالكية (¬2)، لأن المراد زوال الوحشة. والأمة كالحرة فيه. # وقيل: هي على النصف من الحرة، ويكمل المنكسر. # وقيل: لا. # الخامسة: إذا قلنا: إن الحق السالف للزوجة فهل يقضي به أم لا؟ فيه خلاف ~~عند المالكية، قال محمد بن عبد الحكم: نعم، وقال محمد عن أصبغ لا كالمتعة (¬3). # السادسة: قال الشافعي في "المختصر" (¬4): لا أحب أي لمن زفت له امرأة أن ~~لا يتخلف عن صلاة ولا شهود جنازة ولا بر كان يفعله ولا إجابة دعوة. ونص على ~~نحوه في "الأم" (¬5)، قال الرافعي: هذا في النهار. أما الليل فقد قال ~~الأصحاب: لا يخرج لأن هذه مندوبات والمقام عندها واجب وقالوا في دوام القسم ~~ينبغي أن يسوي بينهن في الخروج إلى الجماعات وأعمال البر وأن يخرج في PageV08P255 # ليلة الجميع أو لا يخرج أصلا، فلو خرج في ليلة بعضهن فقط فحرام. # قال الماوردي (¬1): وإذا كانت عادته التطوع في هذه الأيام بالصوم فالأولى ~~به الفطر؛ لأنها أيام بعال، كما قال -عليه الصلاة والسلام- في ms1430 أيام ~~التشريق، وقال ابن القاسم عن مالك: لا يتخلف عن الجماعة والجمعة. # قال سحنون (¬2): قال بعض الناس: لا يخرج وذلك لها بالسنة. # وقال الشيخ تقي الدين (¬3): أفرط بعض الفقهاء من المالكية فجعل مقامه ~~عندها عذرا في إسقاط الجمعة إذا جاءت في أثناء المدة [وهو] (¬4) ساقط، مناف ~~للقواعد، فإن مثل هذا من الآداب [و] (¬5) السنن لا يترك له الواجب، ولما ~~شعر بهذا بعض المتأخرين، وأنه لا يصلح أن يكون عذرا توهم أن قائله يرى [أن] ~~(¬6) الجمعة فرض كفاية، وهو فاسد جدا، لأن قول هذا القائل متردد، محتمل أن ~~يكون جعله عذرا [أو] (¬7) أخطأ في ذلك، وتخطئته في هذا أولى من تخطئته فيما ~~دلت عليه النصوص وعمل الأمة من وجوب الجمعة على الأعيان. PageV08P256 # قلت: هذه المقالة التي ضعفها الشيخ هي قياس من يقول [بوجوب] (¬1) المقام ~~معها، ويقوى بأنه حق آدمي وهو أضيق والجمعة لها بدل، ويجعل هذا من الأعذار ~~المسقطة، [السابعة] (¬2): قال ابن المواز من المالكية (¬3): ويبدأ بعد فراغ ~~هذه المدة بأيهما أحب، وأحب أن يبدأ بالقديمة. # خاتمة: في الحديث أحكام: منها العدل بين الزوجات، ومنها أن حق الزفاف ~~بالإقامة عند المزفوفة ثابت، وأنها تقدم به على غيرها. ومنها التفرقة بين ~~البكر والثيب فيه. PageV08P257 ### ||| AUTO الحديث الثاني عشر # 330/ 12/ 62 - عن ابن عباس-[رضي الله عنهما] (¬1) - قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "لو أن [أحدهم] (¬2) إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم ~~الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ~~ولد في ذلك: لم يضره الشيطان أبدا" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث رواه البخاري هنا بلفظ: "أما لو أن أحدهم يقول حين ~~يأتي أهله: باسم الله، اللهم جنبني الشيطان PageV08P258 # وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم قدر بينهما في ذلك أو قضي ولد؛ لم يضره شيطان ~~أبدا" (¬1). ورواه في باب صفة إبليس (¬2) وجنوده من كتاب بدء الخلق: "أما ~~إن أحدكم إذا أتى أهله وقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ~~ما رزقتنا، فرزق ولدا لم يضره الشيطان". ms1431 ثم رواه بعد بورقة بلفظ: "لو أن ~~أحدكم قال إذا أتى أهله قال: اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني، ~~فإن كان بينهما ولد لم يضره الشيطان ولم يسلط عليه" (¬3). [ورواه في ~~الطهارة في باب التسمية (¬4) على كل حال، وعند الوقاع. بلفظ: "لو أن أحدكم ~~إذا أتى أهله قال: [بسم الله] (¬5) اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما ~~رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره] (¬6) (¬7). # ورواه مسلم هنا بلفظ المصنف سواء إلا أنه قال: "أحدكم" بدل "أحدهم"، ~~وترجم عليه الترمذي في "جامعه" (¬8) ما يقول إذا PageV08P259 # دخل على أهله. # الوجه الثاني: قال القاضي (¬1): لم يحمل أحد الحديث في نفي ضرره على ~~العموم في نفي جميعه من الوسوسة والإغواء، بل قيل إن المراد لم يصرعه، ~~وقيل: لم يطعن فيه عند ولادته بخلاف غيره. انتهى. ويبعد هذا التأويل لفظة ~~"أبدا". # وقال القرطبي (¬2): قصره على الصرع وحده ليس بشيء، لأنه تحكم بغير دليل ~~مع صلاحية اللفظ له ولغيره. وأما القول الثاني ففاسد بدليل قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "كل مولود يطعن الشيطان في خاصرته إلا ابن مريم. فإنه جاء ~~[يريد] (¬3) أن يطعن فطعن في الحجاب" (¬4). هذا يدل على أن الناجي من هذا ~~الطعن إنما هو عيسى وحده، وذلك لخصوص دعوة أم مريم حيث قالت: {وإني أعيذها ~~بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36)} (¬5)، ثم إن طعنه ليس بضرر، ألا ترى ~~أنه قد طعن كثيرا من الأولياء والأنبياء ولم يضرهم ذلك، ومقصود هذا الحديث، ~~والله أعلم أن الولد الذي يقال له ذلك يحفظ من إضلال الشيطان وإغوائه، ولا ~~يكون للشيطان عليه سلطان، PageV08P260 # لأنه يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله -تعالى-: {إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان} (¬1)، وذلك ببركة نية الأبوين الصالحين وبركة ~~اسم الله -تعالى- والتعوذ والالتجاء إليه. وكأن هذا [اشرب] (¬2) من قول أم ~~مريم: "وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم". ولا يفهم من هذا نفي ~~وسوسته، وتشيعثه، وصرعه، فقد يكون كل ذلك، ويحفظ الله -تعالى- الولد من ~~ضرره في قلبه ودينه وعاقبة أمره. # وقال الشيخ تقي الدين (¬3): [نفي ms1432 الضرر] (¬4) يحتمل أن يؤخذ عاما يدخل ~~تحته الضرر الديني. ويحتمل أن يؤخذ خاصا، بالنسبة إلى الضرر البدني، بمعنى ~~أن الشيطان لا يتخبطه، ولا يداخله بما يضر عقله أو بدنه. وهذا أقرب، وإن ~~كان التخصيص على خلاف الأصل. لأن إذا حملناه على العموم اقتضى ذلك أن يكون ~~الولد معصوصا عن المعاصي كلها، وقد لا يتفق ذلك، أو يعز وجوده، ولابد من ~~وقوع ما أخبر عنه - صلى الله عليه وسلم -. أما إذا حملناه على أمر الضرر في ~~العقل أو البدن فلا يمتنع ذلك، ولا يدل دليل على وجود [خلافه] (¬5). PageV08P261 # الوجه الثالث: في أحكامه. # الأول: استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الجماع وإليه الإشارة ~~لقوله: "إذا أراد أن يأتى أهله"، واستحب الغزالي في "الإحياء" (¬1) أن يقول ~~قبل هذا الدعاء باسم الله، ويقرأ قل هو الله أحد، ويكبر، ويهلل، ويقول: ~~باسم الله العلي العظيم، اللهم اجعلها ذرية طيبة، إن كنت قدرت ولدا يخرج من ~~صلبي، وإذا قربت الإنزال فقل في نفسك ولا تحرك به شفتيك: {وهو الذي خلق من ~~الماء بشرا. . . .} الآية. # الثاني: الاعتصام بذكر الله -تعالى- ودعائه من الشيطان. # الثالث: الحث على المحافظة على تسميته [ودعائه] (¬2) في كل حال لم ينه ~~الشرع عنه حتى في حال ملاذ الإنسان. وفيه أيضا إشارة إلى ملازمة الشيطان ~~لابن آدم من حين خروجه من ظهر أبيه إلى رحم أمه إلى حين موته، أعاذنا الله منه. # فروع متعلقة بالجماع لا بأس أن نعرفها: لا يكره الجماع مستقبل القبلة ولا ~~مستدبرها لا في البنيان ولا في الصحراء، قاله النووي في "الروضة من زوائده" ~~(¬3). وقال الغزالي في PageV08P262 # "الإحياء" (¬1): لا يستقبل القبلة إكراما لها, وليتغطيا بثوب، قال: ~~وينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة، وأن يزيد وينقص بحسب حاجتها في ~~التحصين فإن تحصينها واجب، وإن لم تثبت المطالبة بالوطء، قال: ويكره الجماع ~~في الليلة الأولى من الشهر والأخيرة منه وليلة نصفه، يقال: إن الشيطان يحضر ~~الجماع في هذه الليالي (¬2). # ويقال: إنه يجامع قال: وإذا قضى وطره فليمهل عليها حتى تقضي وطرها. ms1433 PageV08P263 ### ||| AUTO الحديث الثالث عشر # 331/ 13/ 62 - عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: يا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت (¬1). # ولمسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "الحمو" أخو الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج، ابن العم ونحوه. # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث ترجم عليه البخاري: الدخول على المغيبة، والترمذي: ~~أيضا كراهة الدخول أيضا على المغيبات، ثم قال: وفي الباب عن عمر (¬2). . . ~~. . . . . . PageV08P264 # وجابر (¬1) وعمرو بن العاص (¬2). # الثاني: في التعريف براويه والأسماء الواقعة فيه. # أما راويه فقد سلف التعريف به في الحديث السادس من هذا الباب. # وأما أبو الطاهر: فاسمه أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح ~~الأموي مولاهم البصري. روى عن ابن عيينة والشافعي وخلق وعنه [م د س ق] ~~(¬3)، وجماعة وثقه النسائي. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن يونس: كان ~~فقيها من PageV08P265 # الصالحين الأثبات توفي في ذي القعدة سنة خمسين ومائتين عن ثمانين سنة، ~~حكاه ابن طاهر، وصلى عليه بكار بن قتيبة القاضي. # وأما ابن وهب: فاسمه عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي الفهري مولاهم ~~المصري أبو محمد أحد الأئمة الأعلام، ولد سنة خمس وعشرين ومائة وطلب العلم ~~وله سبع عشرة سنة، وجمع بين الفقه والحديث والعبادة، وصنف موطأ. روى عنه ~~شيخه الليث وجماعة، قال بعضهم: عن نحو من أربعمائة رجل، وكان ثقة [حجة] ~~(¬1) حافظا مجتهدا، لا يقلد أحدا [إذا تعبد وتزهد] (¬2) وحدث بمائة ألف ~~حديث، وعرض عليه [القضاء] (¬3) فحبس نفسه ولزم بيته، وكان قسم دهره أثلاثا: ~~ثلثا في الرباط، وثلثا يعلم الناس، وثلثا في الحج، قيل: حج ستا وثلاثين ~~حجة، وكان مالك يكتب إليه: أبي عبد الله مفتي مصر، ولم يفعل هذا مع غيره، ~~ويقال أيضا: إنه كتب له كتابا وعنونه بالفقيه، ولم يكتب بذلك لغيره، وهو في ~~طبقة مالك في ms1434 الفقه، مات بمصر سنة سبع وتسعين ومائة. # وأما الليث: فهو ابن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم الأصبهاني الأصل ~~الإمام الحافظ شيخ الديار المصرية وعالمها ومفتيها ورئيسها، روى عن عطاء بن ~~أبي رباح وخلق، وعنه أمم لا يحصون منهم عبد الله بن صالح كاتبه ولد ~~بقلقشنده قرية على PageV08P266 # فراسخ من مصر سنة ثلاث أو أربع وتسعين، وحج سنة ثلاث عشرة ومائة، وكان ~~كبير الديار المصرية وعالمها الأصيل حتى إن نائب مصر وقاضيها من تحت أوامره ~~وإذا رابه من أحد منهم أمر كاتب فيه الخليفة [فيعزله] (¬1)، وطلب منه ~~المنصور أن يعمل نيابة الملك فامتنع، وكان يعد من الأبدال، وكان الشافعي ~~يتأسف على فراقه، وكان يقول: هو أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به. # وفي لفظ: إلا أنه ضيعه أصحابه، وقال أيضا: كان أتبع للأثر من مالك، وقال ~~يحيى بن بكير: كان أفقه من مالك إلا أن الحظوة كانت لمالك. # قال محمد بن رمح: كان دخله في السنة ثمانين ألف دينار فما أوجب الله عليه ~~زكاة قط. انتهى. وبعث إلى مالك بألف دينار وأهدى إلى مالك مرة أحمال عصفر، ~~وكان يصله في سنة بمائة دينار، وأعطى ابن لهيعة لما احترق منزله ألف دينار، ~~ووصل منصور الواعظ بألف دينار وجاءته امرأة بسكرجة تطلب عسلا فأعطاها ظرف ~~عسل، ومناقبه عديدة وهو إمام حجة كتب التصانيف، مات سنة خمس وسبعين ومائة ~~نصف شعبان، وقيل غير ذلك عن إحدى وثمانين سنة. # فائدة: في الرواة الليث بن سعد أربعة: # أحدهم: هذا. # والثاني: مصري أيضا حدث عن عبد الرزاق الإدريسي. PageV08P267 # والثالث: روى عن ابن وهب. # والرابع: ثقيفي حدث عن بكر بن سهل. # الوجه الثالث: فيما فيه من المبهم وهو هذا الرجل من الأنصار ولم أره مسمى ~~بعد البحث عنه. # الوجه الرابع: معنى: "إياكم والدخول على النساء" باعدوا واتقوا الدخول ~~[عليهن] (¬1) وهو [من] (¬2) باب إياك والأسد! وإياك والشر! أي اتق ذلك ~~واحذره. والمنصوبان مفعولان بفعلين مقدرين يدل عليهما المعنى. # و"الحمو" فسره الليث بن سعد، ولما كان الحمو ms1435 يستعمل عند الناس في أبي ~~الزوج وهو محرم من المرأة ولا يمتنع دخوله عليها، فسره الليث بما يزيل هذا ~~الإشكال، وحمله على من ليس بمحرم، فإنه لا يجوز له الخلوة بالمرأة. # واتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة: كأبيه وعمه وأخيه وابن ~~أخيه وابن عمه ونحوهم. # والأختان: أقارب زوجة الرجل. # والأصهار: يقع على النوعين. # قال القرطبي (¬3): وقد جاء الحمو في هذا الحديث مهموزا، PageV08P268 # والهمز أحد لغاته، ويقال فيه: هو بواو مضمومة كدلو، وحما مقصور كعصا، ~~والأشهر فيه أنه من الأسماء الستة المعتلة المضافة التي تعرب في حال ~~إضافتها إلى غير ياء المتكلم بالواو رفعا، وبالألف نصبا، وبالياء خفضا، ~~فتقول: جاءني حموك، ورأيت حماك، ومررت بحميك، وحماة المرأة أم زوجها [لغة ~~في] (¬1) غير هذه. # وقوله: "الحمو الموت" فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى فليمت ولا يفعلن ذلك، قاله أبو عبيد. # والثاني: أن لقاء هذا مثل الموت، قاله ابن الأعرابي، حكاها ابن الجوزي في ~~"غريبه" (¬2)، ثم قال والمراد بالحديث النهي عن الخلوة ولو بالحمو. وقال ~~النووي في "شرح مسلم" (¬3) معناه أن الخوف منه أكثر من غيره، والشر يتوقع ~~منه، والفتنة أكبر لتمكنه من الوصول بالمرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه ~~بخلاف الأجنبي. قال: والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه. ~~فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون ~~بالموت، وإنما المراد الأخ [وابن الأخ والعم] (¬4) وابن العم ونحوهم ممن ~~ليس بمحرم، وعادة الناس المساهلة فيه، ويخلو بامرأة أخيه، فهذا هو الموت، ~~وهو أولى بالمنع من الأجنبي لما ذكرناه، فهذا PageV08P269 # صواب معنى الحديث. وأما ما ذكره [المازري و] (¬1) حكاه أن المراد بالحمو ~~أبو الزوج. وقال: إذا نهى عن أبي الزوج وهو محرم فكيف بالغريب فهو كلام ~~فاسد مردود، ولا يجوز حمل الحديث عليه، وكذا ما نقله القاضي (¬2) عن أبي ~~عبيد أن معنى "الحمو الموت" فليمت ولا يفعل [ذلك] (¬3) هو كلام فاسد، ~~والصواب [ما سلف] (¬4)، ثم نقل عن ابن الأعرابي: أنها كلمة تقولها العرب ~~كما تقول: الأسد الموت ms1436 أي -لقاؤه مثل الموت-. # قال القاضي (¬5): معناه الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة والهلاك في ~~الدين، فجعله كهلاك الموت، فورد الكلام مورد التغليظ، ونقل المحب في ~~"أحكامه" عن ابن الأثير (¬6) أنه قال: إنما كان [خلوة الحم] (¬7) أشد من ~~خلوة غيره، [من البعداء] (¬8)، لأنه ربما حسن لها أشياء، وحملها على أمور ~~تثقل على الزوج، من التماس ما PageV08P270 # ليس في وسعه، أو سوء عشرة أو غير ذلك [فلهذا قال: هو الموت] (¬1)، ولأن ~~الزوج [قد] (¬2) لا يؤثر أن يطلع [الحم] (¬3) على باطن حاله. ثم قال: -أعني ~~المحب- ويحتمل أن الكراهة إنما كانت لمكان إدلاله على الزوج، فربما تبسط في ~~بيته بما يكره من أخذه ما لا يسهل عليه أخذه ونحو ذلك مما يعز عليه، ولا ~~ينبغي أن يحمل على أمر مكروه، فإن الأجنبي أقرب إلى ذلك منه. وقال البغوي ~~في "شرح السنة" (¬4) معناه: احذروا الحمو كما تحذروا الموت، وقال الشيخ تقي ~~الدين القشيري (¬5): إن تأويله بحسب اختلاف الحمو، فإن حمل على محرم ~~المرأة، -كأبي زوجها- فيحتمل أن يكون المعنى أنه لابد من إباحة دخوله، كما ~~أنه لابد من الموت، وإن حمل على من ليس بمحرم فيحتمل أن يكون هذا الكلام ~~خرج مخرج التغليظ والدعاء، لأنه فهم من قائله طلب الترخيص بدخول هؤلاء ~~الذين ليسوا بمحارم. فغلظ عليه لأجل هذا القصد المذموم، بأن جعل دخول الموت ~~عوضا [من] (¬6) دخوله، زجرا عن هذا الترخيص، على سبيل التفاؤل، أو الدعاء، ~~كأنه يقال: من قصد ذلك فليكن الموت في دخوله عوضا PageV08P271 # [من] (¬1) دخول الحمو الذي قصد دخوله، قال: ويجوز أن يكون شبهه بالموت، ~~باعتبار كراهته لدخوله، وشبه ذلك بكراهة دخول الموت. # الوجه الخامس: الحديث دال على تحريم الخلوة بالأجانب وقوله: "وإياكم ~~والدخول على النساء" مخصوص بغير المحارم، وعام بالنسبة إلى غيرهن، ولابد من ~~اعتبار أمر آخر، وهو أن يكون الدخول مقتضيا للخلوة، أما إذا لم تقتضيه فلا ~~يمتنع (¬2)، كالدخول للتعليم ونحوه (¬3) وعموم النساء يدخل تحته الشابة ~~والعجوز، وذكر البيهقي (¬4) عن ابن عباس أنه -تعالى- استثنى [من ذلك وال] ~~(¬5) قواعد [من النساء] ms1437 (¬6) [اللاتي لا يرجون نكاحا] (¬7) أن يضعن ثيابهن ~~الجلباب، و"أن يستعففن" بلبس جلابيبهن "خير لهن"، وذهب أنس مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى أم أيمن وبعده انطلق إليها الصديق (¬8)، ولعل من هذا ~~دخول سفيان على رابعة - رضي الله عنها -. PageV08P272 # وفي معنى الخلوة بالنساء الخلوة بالأمرد الحسن الذي يفتتن به, بل الخلوة ~~به أشد. # الوجه السادس: يؤخذ من الحديث السؤال عما يلزم أن يكون داخلا في العموم ~~فإن قوله: "إياكم والدخول على النساء" يعم الحمو وغيره، فسأل عنه. ويؤخذ ~~منه أيضا الجواب بأمر يلزم فيه التغليظ في النهي والتحذير من ارتكابه. PageV08P273 ### || AUTO 63 - باب الصداق # هو -بفتح الصاد وكسرها- وأصله من الصدق لإشعاره بصدق رغبة الزوج في ~~الزوجة، ويقال: صدق -بفتح الصاد وضم الدال، وبضم الصاد وإسكان الدال، ~~وبفتحها وبضمها، وبالفتح وسكون الدال-، فهذه سبع لغات، وله ثمانية أسماء ~~مجموعة في بيت: # صداق ومهر نحلة وفريضة ... حباء وأجر ثم عقر علائق # وزاد بعضهم: النكاح مستدلا بقوله -تعالى-: {لا يجدون نكاحا} (¬1)، والطول ~~مستدلا بقوله -تعالى-: {ومن لم يستطع منكم طولا} (¬2)، والنفقة والرصاص وهو ~~اسم للمال الواجب للمرأة على الرجل بالنكاح [و] (¬3) بالوطء، وذكر المصنف ~~في الباب ثلاثة أحاديث: PageV08P274 ### ||| AUTO الحديث الأول # 322/ 1/ 63 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة، ونبهنا عليه لطول العهد. # وصفية: تقدمت في باب الاعتكاف. # الأول: اختلف أصحابنا في معنى هذا الحديث على أربعة أوجه: # أحدها: أنه أعتقها بشرط أن ينكحها فلزمها الوفاء بخلاف غيره، وهذا يقتضي ~~إنشاء عقد بعد ذلك. PageV08P275 # ثانيها: أنه جعل نفس العتق صداقا، وجاز له ذلك بخلاف غيره، وهذا ما أورده ~~الماوردي (¬1). # ثالثها: أنه أعتقها بلا عوض، وتزوجها بلا مهر، لا في الحال ولا في المآل. ~~وهذا أقرب إلى الحديث، قال النووي في "الروضة" (¬2): وهذا أصحها وسبقه إلى ~~ذلك ابن الصلاح، فقال في "مشكله" إنه أصح وأقرب إلى الحديث، وحكى عن ms1438 أبي ~~إسحاق وقطع به البيهقي (¬3) فقال: أعتقها مطلقا، قال ابن الصلاح: فيكون ~~معنى قوله: "وجعل عتقها صداقها" أنه لم يجعل لها شيئا غير العتق، فحل محل ~~الصداق، وإن لم يكن صداقا، وهو من قبيل قولهم: الجوع زاد من لا زاد له. # رابعها: أنه أعتقها على شرط أن يتزوجها, فوجب له عليها قيمتها فتزوجها ~~به، وهي مجهولة، وليس لغيره أن يتزوج بصداق مجهول. حكاه الغزالي في "وسيطه" ~~نعم لنا وجه في صحة إصداق قيمة الأمة المعتقة المجهولة إذا أعتقها عليه ~~بالنسبة إلينا، وهو يرد على قول الغزالي في "وسيطه" فيه خاصة بالاتفاق إلا ~~أن يكون القائل بالصحة في حق غيره غير القائل بالصحة هنا. # وقال أبو محمد بن حزم (¬4): ما وقع في الحديث سنة جائزة PageV08P276 # صحيحة لكل من أراد أن يفعل مثل ذلك إلى يوم القيامة، وكذا قال الترمذي ~~(¬1): فإنه لما أخرج الحديث السالف قال: حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض ~~أهل العلم من الصحابة وغيرهم، قال: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وكره بعض ~~أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها، حتى يجعل لها مهرا سوى العتق. قال: والقول ~~الأول أصح. # وترجم البخاري (¬2) على الحديث، باب: من جعل عتق الأمة صداقا، وقال أبو ~~حاتم بن حبان من أصحابنا في صحيحه (¬3). # النوع السادس: فعل فعله -عليه الصلاة والسلام- لم تقم PageV08P277 # الدلالة على أنه خص باستعماله دون أمته مباح لهم استعمال ذلك الفعل لعدم ~~وجود تخصيصه فيه، ثم ساق الحديث المذكور، وجمهور العلماء على أنه إذا أعتق ~~أمته على أن يتزوج بها يكون عتقها صداقها, لا يلزمها أن تتزوج به، ولا يصح ~~هذا الشرط، وممن قاله مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر. ~~قال الشافعي: فإن أعتقها على هذا الشرط فقبلت عتقت ولا يلزمها أن تتزوج به، ~~بل له عليها قيمتها, لأنه لم يرض بعتقها مجانا، وصار ذلك كسائر الشروط ~~الباطلة، فإن رضيت وتزوجها على مهر يتفقان عليه كان لها ذلك المسمى، وعليها ~~له قيمتها، وإن تزوجها على قيمتها، فإن كانت معلومة ms1439 له أو لها صح الصداق ~~ولا يبقى له عليها قيمة ولا لها عليه صداق، وإن كانت مجهولة فوجهان ~~لأصحابنا: # أحدهما: يصح الصداق كما لو كانت معلومة، لأن هذا العقد فيه ضرب من ~~المسامحة والتخفيف وأصحهما، وبه قال الجمهور، منهم: أنه لا يصح الصداق، بل ~~يصح النكاح ويجب لها مهر المثل، وما حكاه الترمذي فيما سلف عن أحمد وإسحاق، ~~قاله سعيد بن المسيب أيضا والحسن والنخعي [والزهري] (¬1) والثوري والأوزاعي ~~وأبو يوسف وظاهر الحديث معهم، لكن الجمهور يؤولونه كما سلف: إن عتقها قام ~~مقام الصداق وإنه سماه باسمه. PageV08P278 # قال الشيخ تقي الدين القشيري (¬1): والظاهر مع أحمد ومن وافقه إلا أن ~~القياس مع الآخرين، فيتردد الحال من ظن نشأ من قياس، وظن نشأ من ظاهر ~~الحديث، مع احتمال الواقعة الخصوصية، وهي وإن كانت على خلاف الأصل إلا أنه ~~يتأنس في ذلك بكثرة خصائص الرسول -عليه أفضل الصلاة والسلام- في النكاح ~~لاسيما هذه الخصوصية لقوله -تعالى-: {وامرأة مؤمنة. . . .} (¬2) الآية. # تنبيه: في البخاري (¬3) في باب اتخاذ السراري، ومن أعتق جارية ثم تزوجها ~~من حديث أبي موسى أنه -عليه الصلاة والسلام-: "أعتقها ثم أصدقها"، وذلك يدل ~~على تجديد العقد بصداق غير العتق. # وقال البيهقي (¬4): روي من حديث ضعيف أنه أمهرها ثم ذكره، وفي رواية من ~~حديث ابن عمر أن جويرية وقع لها مثل ذلك، لكن أعلها ابن حزم (¬5) بيعقوب بن ~~حميد بن كاسب وهو مختلف فيه PageV08P279 # لا كما جزم بضعفه. # تنبيه [آخر] (¬1): جعل القاضي عياض قوله: "وجعل عتقها صداقها" من قول أنس ~~لم يسنده. قال: ولعله تأويل منه إذا لم يسم لها صداقا، وبما قاله نظر لا ~~يخفى، فإنه أخبر بما حضره وعلمه وأي إسناد أكثر من هذا (¬2). PageV08P280 # الثالث: قد يؤخذ من الحديث استحباب عتق الأمة وتزوجها، وقد صح التصريح به ~~والحث عليه من حديث آخر في الصحيح من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في الذي يعتق جاريته ثم يتزوجها له أجران (¬1). PageV08P281 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 333/ 2/ 63 - عن سهل بن سعد الساعدي ms1440 - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - جاءته امرأة فقالت: إني وهبت نفسي لك، فقامت طويلا، فقال ~~رجل: يا رسول الله، زوجنيها وإن لم يكن لك بها حاجة، فقال: هل عندك من شيء ~~تصدقها؟ فقال: ما عندي إلا إزاري [هذا] (¬1)، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: إزارك إن أعطيتها جلست ولا إزار لك، فالتمس شيئا، فقال: ما ~~أجد، قال: التمس ولو خاتما من حديد، فالتمس، فلم يجد شيئا، فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: [هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم، فقال رسول الله ~~صلى الله] (¬2) عليه وسلم: زوجتكها بما معك من القرآن (¬3). PageV08P282 # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث ذكره البخاري في مواضع من صحيحه (¬1) منها: تزويج ~~المعسر بلفظ: جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا ~~رسول الله جئت أهب لك نفسي، قال: فنظر إليها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فصعد النظر [فيها] (¬2) وصوبه، ثم طأطأ [رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -] (¬3) رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست، فقام رجل ~~من أصحابه فقال: يا رسول الله، الحديث بمعنى رواية المصنف وفيه فجلس الرجل ~~حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موليا فأمر ~~به فدعي، فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا ~~-عددها- فقال: تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد ملكتكها بما ~~معك من القرآن". باب: عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح (¬4) مختصرا، ~~وفيه: "أمكناكها بما معك من القرآن"، وذكره في باب التزويج على القرآن ~~وبغير صداق (¬5) فذكره مختصرا "إنها وهبت نفسها" لرسول الله ثلاث مرات تعيد ~~القول عليه، وتقول , "إنها وهبت نفسها لك، فر فيها رأيك"، وفيه: فقال: اذهب ~~فقد أنكحتها بما معك من القرآن"، وذكره مختصرا في فضائل القرآن في باب: ~~خيركم من تعلم القرآن PageV08P283 # وعلمه (¬1) بلفظ: "إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله فقال: ما لي في النساء ~~من حاجة، فقال ms1441 رجل: زوجنيها، فقال: اعطها ثوبا، قال: لا أجد، قال: [أعطها] ~~(¬2) ولو خاتم من حديد، فاعتل له، فقال: ما معك من القرآن؟ قال: كذا وكذا، ~~قال: فقد زوجتكها بما معك من القرآن"، وذكره أيضا في باب إذا كان الولي هو ~~الخاطب (¬3)، مختصرا. وفي باب السلطان ولي (¬4) مختصرا أيضا، وفي باب إذا ~~قال: الخاطب [للولي] (¬5) زوجني فلانة، فقال: زوجتك بكذا وكذا، جاز النكاح ~~وإن لم يقل للزوج أرضيت أو قبلت (¬6) مختصرا أيضا. # وذكره مسلم كما ساقه البخاري أولا، وفي رواية له: "انطلق فقد زوجتكها ~~فعلمها من القرآن"، ولم يذكر هذه البخاري، ومقصودي بإيرادي الحديث من ~~الصحيحين أن سياق المصنف له PageV08P284 # باللفظ المذكور لم أجدها فيهما ولا في أحدهما. # الوجه الثاني: في التعريف براويه، وقد سلف واضحا في أول باب الجمعة. # الوجه الثالث: في بيان المبهم الواقع فيه: # أما الواهبة نفسها: فاختلف في اسمها على أربعة أقوال: # أحدها: خولة بنت حكيم بن أمية، ويشهد له ما في الصحيحين عن عائشة كانت ~~خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهن" (¬1) الحديث. # ثانيها: أم شريك وهو الأشهر وقول الأكثرين كما حكاه النووي عنهم ويشهد له ~~رواية النسائي (¬2) عن أم شريك: "أنها كانت ممن وهبت نفسها للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، واسمها غزية بنت جابر بن حكيم. وقيل بنت دودان: ابن عوف، ~~وقيل: عزيلة (¬3). # ثالثها: ميمونة بنت الحارث، قاله ابن عباس (¬4). # رابعها: زينب بنت خزيمة الأنصارية قاله الشعبي، حكاهما الماوردي (¬5)، ~~وحكى الذي قبله [ابن] (¬6) PageV08P285 # بشكوال (¬1) عن إسماعيل القاضي. # وأما الرجل الذي سأل تزويجها، فلم أره بعد البحث عنه. PageV08P286 # وأما القرآن الذي كان يحفظ: ففي سنن أبي داود (¬1) من حديث أبي هريرة أنه ~~-عليه الصلاة والسلام- قال له: "ما تحفظ من القرآن؟ قال: سورة البقرة أو ~~التي تليها، قال: "فقم فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك"، وفي إسنادها عسل بن ~~سفيان، ضعفه يحيى وأبو حاتم ولينه أحمد، فقال: ليس هو عندي قوي الحديث (¬2). # الوجه الرابع: في ألفاظه: # معنى "وهبت نفسي لك"، أي أمر نفسي أو شأن نفسي. # و"طويلا" يجوز أن ms1442 يكون نعت لمصدر محذوف أي قياما طويلا، كما ورد ذلك في ~~رواية وأن يكون نعت لظرف محذوف أي قامت زمنا طويلا، وإنما سأل الرجل ~~تزويجها لما علم من زهده -عليه الصلاة والسلام- فيها بقرينة الحال. # و"إزارك" بضم الراء مرفوع على الابتداء والجملة الشرطية بعده خبره، ~~والمفعول الثاني لأعطى محذوف التقدير أعطيتها إياه، والإزار: يذكر ويؤنث ما ~~يشد على الوسط. # والخاتم: بكسر التاء وفتحها وخيتام وخاتام وختام وختم ست لغات، والجمع ~~خواتيم، ومحمد خاتم النبيين، بالفتح كالطابع لهم، وبالكسر أي أنه آخرهم، ~~وقد قرىء بهما، قوله -تعالى-، و "خاتم النبيين". PageV08P287 # وقوله: "ولو خاتما من حديد"، أي: لو كان الملتمس خاتما من حديد. # ويروى بالرفع على تقدير: ولو حضر خاتم من حديد، و "لو" هنا للتقليل، قال ~~القاضي عياض: وهو على المبالغة لا التحديد، قال: وقيل: لعله إنما طلب منه ~~ما يقدمه لا أن يكون جميع مهره خاتم حديد، قال: وهذا يضعف استحباب مالك ~~تقديم ربع دينار (¬1) لا أقل. # و"الباء" في قوله: "بما معك"، قيل: إنها الباء المقتضية للمقابلة في ~~العقود كزوجتك بكذا، وبعت كذا بكذا. # وقيل: إنها باء السببية أي بسبب ما معك من القرآن، إما بأن يخلي النكاح ~~عن العوض على سبيل التخصيص لهذا الحكم بهذه الواقعة، وإما بأن يخلي عن ذكره ~~فقط، ويثبت فيه حكم الشرع في أمر الصداق، وجزم المازري (¬2) بالأول فقال: ~~إنها "باء" التعويض، قال: ولم يرد أنه ملكه إياها بحفظه القرآن إكراما ~~للقرآن، لأنها تصير بمعنى الموهوبة، وذلك خاص به -عليه الصلاة والسلام-. # وقال القاضي (¬3): الأظهر أنه جعل صداقها أن يعلمها بما معه من القرآن أو ~~مقدار منه بدليل رواية مسلم "فعلمها من القرآن". # الوجه الخامس: اختلفت الروايات في لفظه "زوجتكها" فالذي PageV08P288 # رواه الأكثرون منهم البخاري ومسلم "زوجتكها" وعليها اقتصر المصنف. # قال القاضي عياض: قال الدارقطني: وهو الصواب [وهو] (¬1) أكثر وأحفظ، ~~ورويت في "صحيح مسلم": "ملكتها" -بضم الميم وكسر اللام المشددة- على ما لم ~~يسم فاعله، وكذا هي في معظم النسخ منه، ونقلها القاضي عن رواية الأكثرين ~~لمسلم، ms1443 قال: وفي بعض النسخ: "ملكتكها" بكافين، وكذا رويت في البخاري. قال: ~~وقال الدارقطني: رواية من روى "ملكتها" وهم، وجمع النووي (¬2) -رحمه الله- ~~بين الروايتين، فقال: يحتمل صحة اللفظين، ويكون جرى لفظ التزويج أولا ~~"فملكها"، ثم قال له: اذهب فقد "ملكتكها" بالتزويج السابق، ونقل الشيخ تقي ~~الدين: هذا عن بعض المتأخرين -وعنى به النووي- ثم قال: [و] (¬3) هذا أولا ~~بعيد، فإن سياق الحديث يقتضي تعيين موضع هذه اللفظة التي اختلف فيها، وأنها ~~التي انعقد بها النكاح، وما ذكره يقتضي وقوع أمر آخر انعقد به النكاح، ~~واختلاف [موضع] (¬4) كل واحد من اللفظين، وهو بعيد جدا، وأيضا: فإن لخصمه ~~أن يعكس الأمر، ويقول: كان انعقاد النكاح بلفظ التمليك، وقوله: "زوجتكها" ~~إخبار عما مضي بمعناه، فإن ذلك التمليك هو تمليك نكاح. PageV08P289 # وأيضا فإن رواية من روى ["ملكتها"] (¬1) التي [لم] (¬2) يتعرض لتأويلها ~~يبعد فيها ما قال، إلا على سبيل الإخبار عن الماضي بمعناه، ولخصمه أن ~~يعكسه، وإنما الصواب في [مثل] (¬3) هذا أن ينظر إلى الترجيح [بأحد وجوهه] ~~(¬4). ثم نقل كلام الدارقطني السالف فإن هذه لفظة واحدة في حديث واحد اختلف ~~فيها، والظاهر القوي أن الواقع منها أحد الألفاظ، لا كلها. # قلت: وسلك طريق الترجيح من المتأخرين ابن الجوزي أيضا فقال: في "تحقيقه" ~~(¬5)، هذا الحديث رواه مالك والثوري وابن عيينة وحماد بن زيد وزايدة ووهيب ~~والدراوردي وفضيل بن سليمان فكلهم قال: "زوجتكها"، ورواه أبو غسان فقال: ~~"أنكحناكها"، وروى ثلاثة أنفس "ملكتكها" معمر، وكان كثير الغلط، وعبد ~~العزيز بن أبي حازم، ويعقوب الإسكندراني وليسا بحافظين، والأخذ برواية ~~الحفاظ الفقهاء مع كثرتهم أولى. # قلت: وقد أسلفنا رواية رابعة "ملكتها". وخامسة "أمكناكها". # الوجه السادس: في أحكامه وفوائده. PageV08P290 # الأولى: عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح الذي يرجى بركته وحصول ~~السعادة بزواجه وصحبته. # الثانية: جواز هبة المرأة نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - ونكاحها له ~~كما في الآية الكريمة في قوله: {وامرأة مؤمنة} (¬1) الآية. فإذا تزوجها على ~~ذلك صح النكاح من غير صداق، لا في الحال ولا في المآل -أعني لا بالدخول ولا ms1444 ~~بالوفاة- ولا بغيرهما، وهذا هو موضع الخصوصية له - صلى الله عليه وسلم - من ~~الآية والحديث، بخلاف غيره فإنه لابد من المهر في نكاحه إما مسمى وإما مهر ~~المثل، ولما علم الرجل الخصوصية قال: "زوجنيها"، ولم يقل: هبنيها. # الثالثة: استدل به بعض الشافعية على أنه ينعقد نكاحه -عليه الصلاة ~~والسلام- بلفظ الهبة من جهة والأرجح عند الشيخ أبي حامد، وهو الأصح في أصل ~~"الروضة" (¬2) للنووي منعه، ولابد من لفظ الإنكاح أو التزويج كغيره - صلى ~~الله عليه وسلم - وإنما يكتفى بلفظ الهبة من الراغبة فقط، وتحمل الآية ~~والحديث إذن على أن المراد بالهبة من جهته أنه لا مهر لأجل العقد يلفظ وما ~~ذكرته من أن غيره لا ينعقد نكاحه إلا بأحد هذين اللفظين، هو قول الشافعي ~~والثوري وأبو ثور وكثير من أصحاب مالك وغيرهم ومالك في إحدى الروايتين عنه. # وقال أبو حنيفة: ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد، وعن مالك في ~~الرواية الأخرى عنه أنه ينعقد بلفظ الهبة والصدقة PageV08P291 # والبيع إذا قصد به النكاح، سواء ذكر الصداق أم لا, ولا يصح بلفظ الرهن ~~والإجارة والوصية ومن أصحاب مالك من صححه بلفظ الإحلال والإباحة حكاه ~~القاضي عياض (¬1). وقال البغوي في "شرح السنة" (¬2) لا حجة في الحديث لمن ~~أجازه بلفظ التمليك لأن العقد كان واحدا فلم يكن إلا بلفظ واحد، واختلفت ~~الرواية فيه، والظاهر أنه كان بلفظ التزويج على وفاق قول الخاطب زوجنيها، ~~إذ هو الغالب في أمر العقود أنه قل ما يختلف فيه لفظ المتعاقدين ومن نقل ~~غير لفظ التزويج لم يقصد مراعاة اللفظ الذي انعقد به العقد، وإنما قصده ~~الخبر عن جريان العقد على تعليم القرآن بدليل أن بعضهم روى بلفظ الإمكان، ~~واتفقوا على أن العقد بهذا اللفظ لا يجوز، قلت: وقد سلف البحث في هذا ~~المقام في الوجه الخامس واضحا، وبيان الترجيح فيه، ورجح بعضهم رواية ~~"زوجتكها" بأنها موافقة لقوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح "بما ~~استحللتم من فروجهن بكلمة الله"، والوارد في القرآن التزويج والإنكاح دون ~~التمليك. # الرابع: وفيه جواز طلب ms1445 الصداق في النكاح، وتسميته فيه وتعجيله، قال ~~أصحابنا: يستحب فيه وإن كان المسمى لا يلزم كما إذا زوج السيد عبده من ~~أمته, وسواء قلنا: إنه يجب ويسقط أو لا يجب أصلا، كما هو الصحيح إظهارا ~~لشعار النكاح، ليتميز به عن السفاح. PageV08P292 # الخامسة: استحباب أن لا يخلى العقد من ذكر الصداق، لأنه أقطع للنزاع، ~~وأنفع للمرأة، فإنه لو حصل طلاق قبل الدخول وجب لها نصف المسمى، فلو لم يكن ~~تسمية لم يجب صداق، فلو عقد من غير ذكر صداق صح عند الشافعي لقوله -تعالى-: ~~{لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} (¬1)، ~~فهذا تصريح بصحة النكاح والطلاق من غير مهر، ثم يجب لها المهر، وهل يجب ~~بالعقد أو بالدخول؟ فيه خلاف مشهور وهما قولان للشافعي: أصحهما بالدخول ~~لظاهر الآية (¬2). # السادسة: إرشاد كبير القوم رعيته إلى المصالح والرفق بهم والبدأة بأمر ~~أنفسهم، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إزارك هذا إن أعطيتها جلست ولا إزار ~~لك"، قال سهل الراوي: ولم يكن له رداء. # السابعة: جواز النكاح المرأة من غير أن تسأل هل هي في عدة أم لا حملا على ~~ظاهر الحال، قال الخطابي (¬3): وعادة الحكام يبحثون عن ذلك احتياطا، قال ~~الشافعي: لا يزوج القاضي من جاءته بطلب الزواج حتى يشهد عدلان أنه ليس لها ~~ولي حاضر، وليست في زوجية ولا غيره، فمن أصحابه من قال: هذا شرط واجب، ~~والأصح عندهم أنه استحباب واحتياط وليس بشرط. PageV08P293 # الثامنة: جواز الصداق قل أو كثر مما يتمول إذا تراضيا به الزوجان، وكان ~~ممن يجوز تصرفهما، فإن خاتم الحديد في نهاية من القلة، وهذا مذهب الشافعي ~~وجماهير السلف والخلف منهم: ربيعة وأبو الزناد وابن أبي ذئب ويحيى بن سعيد ~~والليث والنووي والأوزاعي ومسلم بن خالد الزنجي وابن أبي ليلى وداود وفقهاء ~~أهل الحديث وابن وهب من أصحاب مالك، وهو مذهب العلماء كافة من الحجازيين ~~والبصريين والكوفيين والشاميين وغيرهم. قالوا: يجوز ما تراضى به الزوجان من ~~قليل وكثير: كالسوط والنعل وخاتم الحديد ونحوه، وقال مالك: ms1446 أقله ربع دينار ~~أو ثلاثة دراهم أو قيمتها كنصاب السرقة (¬1). وقال القاضي عياض (¬2): وهذا ~~من أفراده. # وقال أبو عمر (¬3): لا أعلم أحدا قال ذلك بالمدينة قبله. # وقال أبو حنيفة وأصحابه (¬4): أقله عشرة دراهم. # وقال ابن شبرمة (¬5): أقله خمسة دراهم اعتبارا بنصاب السرقة عندهما. PageV08P294 # وكره النخعي (¬1): أن يتروج بأقل من أربعين درهما، وقال PageV08P295 # مرة: عشرة. وكان ابن حبيب يستحب أن يكون خمسين حكاه أبو عمر، وهذا الحديث ~~الصحيح الصريح حجة على هذه المذاهب. # التاسعة: جواز اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف في الإجازة والمنع ~~حكاه القاضي، والأصح عند الشافعية أنه لا يكره، والحديث في النهي عنه ضعيف، ~~ومنهم من كرهه لكون الحديد من لباس أهل النار، وكان القائل بهذا يجوز ~~اتخاذه ويكره لبسه (¬1). PageV08P296 # العاشرة: جواز [كون] (¬1) تعليم القرآن صداقا، ويلزم منه جواز الاستئجار ~~لتعليمه، وبجوازه قال الشافعي (¬2) وعطاء والحسن بن صالح ومالك وإسحاق ~~وغيرهم. # وبمنعه قال الزهري وأبو حنيفة وجماعة (¬3)، وهذا الحديث مع PageV08P297 # حديث الرقية (¬1) الذي في الصحيح، والحديث الآخر الصحيح "إن PageV08P298 # أحق ما أخدتم عليه أجرا كتاب الله" (¬1)، يقوي الأول. # وقال القاضي عياض (¬2): إن منع الاسئتجار لتعليمه من أفراد أبي حنيفة. # فرع: يقدر التعليم بمدة كشهر ونحوه على الأصح، وتتعين السور والآيات، فإن ~~أحل بأحدهما لم يصح على الأصح لتفاوتهما في سهولة الحفظ وصعوبته، وظاهر ~~رواية أبي داود التي أسلفناها في الوجه الثالث يخالفه ولا يشترط تعيين ~~القراءة كقراءة أبي عمرو أو نافع على الأصح إذ الأمر فيها قريب، ولو عين ~~قراءة تعينت فإن [أقرأه] (¬3) غيرها فهل يستحق أجرة المثل أم لا يستحق؟ ~~وفيه وجهان، حكاهما الشافعي في كتاب الصداق. # الحادية عشرة: فيه جواز كون الصداق منفعة [حر] (¬4) وخالف PageV08P299 # أصحاب الرأي فيه، قال القاضي: وبجواز كون المنافع صداقا على الإطلاق، قال ~~الشافعي: وإسحاق والحسن بن حي. # وبكراهته، قال أحمد. # وعن مالك وأصحابه: قولان الجواز ابتداء ومطلقا، والفسخ ما لم يدخل. # الثانية عشرة: صحة النكاح بالإيجاب والاستحباب، وقد ترجم PageV08P300 # البخاري (¬1) عليه في بعض تراجمه بذلك كما سلف. # الثالثة عشرة: استنبط بعضهم ms1447 من قوله: "فقامت طويلا", أنه يستحب لمن طلبت ~~منه حاجة لا يمكن قضاؤها أن يسكت سكوتا يفهم منه السائل ذلك ولا يخجله ~~بالمنع (¬2). # قلت: لكن يخدش هذا رواية البخاري (¬3) السالفة، "فقال: ما لي في النساء ~~من حاجة". قال بعض الشراح: ويستنبط منه أيضا حسن أدبها إذ لم تلح عليه. # قلت: رواية البخاري (¬4) السالفة تخدش هذا أنها أعادت عليه ذلك ثلاثا ~~(¬5). PageV08P301 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P302 # الرابعة عشرة: فيه جواز تزويج المعسر، وقد أسلفنا أن البخاري (¬1) ترجم ~~عليه بذلك، وهو مقتضى قول الله -تعالى- أيضا: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله ~~من فضله} (¬2). # الخامسة عشرة: استدل به بعضهم على أن الهبة لا تدخل في ملك الموهوب إلا ~~بالقبول فإنها وهبت نفسها ولم تصر زوجة بذلك. # السادسة عشرة: قال القاضي عياض (¬3): وفي قول الرجل: زوجنيها دلالة على ~~جواز الخطبة على الخطبة إذا لم يتراكنا لما رأى من زهده -عليه الصلاة ~~والسلام- فيها، قال الباجي (¬4): فيه جواز ذلك باستئذانه لأنه حقه ثم ضعف ~~القاضي (¬5) وجه الاستدلال بذلك، لأنه لم يكن هناك خطبة إلا من المرأة، ~~والرجل لم يخطبها قبله أحد، وهو كما قال. # السابعة عشر: قال: وفي قوله "ما عندي إلا إزاري"، وقوله: "إزارك إن ~~أعطيتها جلست ولا إزار لك"، دلالة على أن إصداق المال يخرجه من يد مالكه، ~~وأن من أصدق جارية حرمت عليه وأن البيعات لا تصح إلا بصحة تسلمها أو إمكان ~~ذلك، ومتى لم يكن ذلك لم ينعقد فيه بيع ولا به، سواء امتنع ذلك حسا كالطير ~~في الهواء أو شرعا كالمرهون، ومثل هذا الذي لو زال إزاره انكشف. PageV08P303 # الثامنة عشرة: قال: قيل فيه دليل أيضا على أنه سكوت من عقد عليه عقد في ~~جماعة يلزمه إذا لم يمنعه من الإنكار خوف أو حياء أو آفة سمع أو فهم. # التاسعة عشرة: قال: واستدل على أن الإمام أولى بنكاح المرأة إذا ولته ~~أمرها من الولي ولا حجة فيه لأنه -عليه الصلاة والسلام- في هذا بخلاف غيره، ~~لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ولأنه ليس في الحديث بيان أن لها وليا. # العشرون: ms1448 فيه إشارة إلى الحض على تعليم القرآن وعظيم شأن حامله، ذكره ~~البخاري (¬1) في باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، من أبواب فضائل القرآن ~~كما سلفت. # تنبيهات: # أحدها: نقل أبو عمر (¬2): الإجماع على أنه لا يجوز لأحد بعد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يطأ فرجا وهب له دون [الرقبة] (¬3) وأنه لا يجوز [له] ~~(¬4) وطء في نكاح بغير صداق مسمى [نقدا، أو دينا] (¬5) وأن المفوض إليه لا ~~يدخل حتى يسمي [فإن دخل قبل التسمية لزم مهر المثل] (¬6)، PageV08P304 # والقياس (¬1) أن كل ما يجوز بيعه ومعاوضته يجوز هبته إلا أن الله -تعالى- ~~خص النساء بالمهور المعلومات ثمنا لأبضاعهن، بقوله -تعالى-: {وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة} (¬2). # وقال القاضي (¬3): اختلف قول مالك في الواهبة نفسها باسم PageV08P305 # النكاح بغير صداق، هل يفسخ قبل الدخول أم لا؟ ولا يختلف أنه يفسخ قبله ~~على المعروف دون الشاذ، وأنه كنكاح التفويض. وقال ابن حبيب: إن عني بالهبة ~~غير النكاح ولم يعن به هبة الصداق فيفسخ قبل الدخول وثبت بعده بمهر المثل ~~وإن أراد نكاحها بغير PageV08P306 # صداق لم يجز فإن أصدقها ربع دينار فأكثر لزم. # قال القاضي (¬1): ووهمه بعض شيوخنا لأن الواهبة نفسها بغير معنى النكاح ~~سفاح يثبت فيه الحد وإنما الخلاف فيما أريد به النكاح. # ثانيها: كره مالك تأجيل الصداق، فإن وقع جاز، وظاهر قوله في الحديث ~~"التمس" عدم كونه دينا، وجوزه أصحابنا وعند المالكية خلاف منتشر في قدر ~~الأجل، فقيل: إلى العشر، وقيل: أكثر، وقال سحنون: من الناس من كره قرب أجله ~~كما كره بعده (¬2). # ثالثها: قال ابن الطلاع (¬3) في "أحكامه": هذا الحديث منسوخ عند ابن ~~حبيب، وقال غيره: هو من خواص النبي - صلى الله عليه وسلم -, ولم يأخذ به ~~أحد من أصحابه ولا التابعين ولا الفقهاء غير الشافعي. # قلت: هذا قاله الطحاوي والأبهري والليث ومكحول -أعني PageV08P307 # الخصوصية به -قال الأبهري: وهو خاص بذلك الرجل أيضا. # وقال الطحاوي: لما كانت الموهوبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - جائزة له ~~في النكاح جاز له أن يهبها أيضا في النكاح ويصحح ذلك أنه ms1449 ملكها له ولم ~~يشاورها، قال القاضي عياض (¬1): وهذا يحتاج إلى دليل، وتكون الباء على هذا ~~بمعنى اللام، أي لما حفظت من القرآن وصرت لها كفوا في الدين. وقد يكون مع ~~هذا التقدير أيضا: أنه يريد أن ينكحها إياه لما معه من القرآن إذا رضيته ~~لها ويبقى ذكر المهر مسكوتا عنه إما لأنه أصدق عنه كما كفر عن الواطىء في ~~رمضان وودي المقتول بخيبر أو أنكحه تفويضا والصداق في الذمة. وأشار الداودي ~~(¬2): إلى أنه أنكحها بلا مشورتها ,لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ونقل ~~المنذري (¬3) عن بعضهم نسخ هذا الحديث أيضا، وقوله: "لا نكاح إلا بولي" وهو ~~من الغرائب. # رابعها: لم يذكر في الحديث معرفة الزوج لحفظ المرأة وسرعة قبولها لما ~~تتعلمه. # قال المازري (¬4): ويحمل ذلك على أن أفهام [النساء] متقاربة ومبلغها ~~معروف أو في حكم المعروف. PageV08P308 # قلت: لكن ظاهر مذهبهم أنه لابد من اختبار حفظ المتعلم. # وقال إمام الحرمين من الشافعية: أود لو اشترط ومذهبهم خلافه. # قال الغزالي: ولا يشترط رؤية المتعلم أيضا. PageV08P309 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 334/ 3/ 63 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - رأى عبد الرحمن بن عوف، وعليه ردع زعفران، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: مهيم؟ فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة، فقال: ما ~~أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب، قال: فبارك الله لك، أو لم ولو بشاة" (¬1). # " [الردع] (¬2) " (¬3)، براء ودال وعين مهملات [أثر الزعفران] (¬4). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: "مهيم": تفسيره ما أمرك. PageV08P310 # والنواة: خمسة دراهم. # الثاني: في التعريف براويه، وقد أسلفنا في الباب أنه سبق التعريف به في ~~باب الاستطابة. # وعبد الرحمن بن عوف فيه ترجمته مبسوطة فيما أفردنا في الكلام على رجال ~~الكتاب وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد ~~الذين مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض، وكان إسلامه قبل ~~أن يدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم وآخى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بينه وبين سعد بن ms1450 الربيع، وذكر ابن أبي خيثمة من حديث ابن ~~أبي أوفى أنه -عليه الصلاة والسلام- آخى بينه وبين عثمان، وهذا الإخاء كان ~~بمكة، والأول كان بالمدينة، وكان تاجرا، وكان له ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ~~ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحا، وكان يدخر من ~~ذلك قوت أهله منه , وكان يدعو وهو يطوف بالبيت: اللهم [قني شح نفسي] (¬1)، ~~وروي عنه أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا. ولما حضرته الوفاة بكى بكاء ~~شديدا فسئل عن بكائه؟ فقال: مات مصعب بن عمير على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وكان خيرا مني ولم يكن له ما يكفن فيه، وإن حمزة بن عبد المطلب ~~كان خيرا مني ولم يجد له كفنا وإني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في ~~حياته الدنيا، وأخشى أن أحبس عن أصحابي بكثرة مالي. مات سنة إحدى أو اثنتين ~~أو ثلاث وثلاثين، وقد جاوز السبعين. PageV08P311 # الثالث: هذه المرأة التي تزوجها عبد الرحمن، قال أبو عمر (¬1): هي بنت ~~أنيس بن رافع من الأوس، وولدت له القاسم وأبا عثمان، قيل: اسمه عبد الله، ~~كما قيل في اسم ولده: أبي سلمة، يقال لأحدهما عبد الله الأكبر، وللآخر عبد ~~الله الأصغر، وسبقه إليه الزبير فقال: إنها ابنة أنيس [بن أنس] (¬2) بن ~~رافع بن امرئ القيس. # الوجه الرابع: في ألفاظه: # الأول: "الردع" (¬3) قد ضبطه المصنف براء ودال وعين مهملات وفسره بالأثر، ~~وهذه اللفظة أعني الردع لم أرها في الصحيحين وإنما رواه البخاري في أول ~~البيوع (¬4) بلفظ: "وعليه وضر صفرة"، وكذا رواه في باب كيف آخى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بين أصحابه (¬5)، وذكر في أولهما أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- آخى بينه وبين سعد بن الربيع، ورواه في النكاح (¬6) في باب الصفرة ~~للمتزوج، وفي باب كيف يدعا (¬7) له بلفظ: "أثر صفرة"، وكذا رواه مسلم، قال ~~النووي PageV08P312 # في "شرح مسلم" (¬1): "أثر صفرة"، وفي [رواية في] (¬2) غير كتاب مسلم: ~~"رأى عليه صفرة"، وفي رواية: "ردع من زعفران"، قال: والردع أثر الطيب. # قلت: وكذا الوضر، ms1451 أيضا، قال ابن الجوزي في "غريبه" (¬3): ويكون الوضر من ~~الصفرة والحمرة والطيب. # الثاني: "مهيم" بفتح أوله وإسكان ثانيه وفتح ثالثه، وقد فسرها المصنف ~~بقوله: ما أمرك؟ وهي كلمة يمانية (¬4). PageV08P313 # قال بعضهم: ويشبه أن تكون مركبة واستبعد بأنه لا يكاد يوجد اسم مركب على ~~أربعة أحرف. # وقال إمام الحرمين: إنها كلمة تستعمل في التهاني، رآها البصريون من ~~الأصول: كصه، ومه. # وقال الكوفيون: معناه ما هذه؟ فإنه يستعمل في السؤال. # الثالث: قوله: "وزن نواة" فيه قولان: # أحدهما: أن المراد نواة من نوى التمر وهو مرجوح، ولا يتحرر الوزن فيه ~~لاختلاف نوى التمر في المقدار. # والثاني: أنه عبارة عن مقدار معلوم عندهم، وهو وزن خمسة دراهم، وبه جزم ~~المصنف كما سلف عنه، ثم في المعنى وجهان: # أحدهما: أن يكون المصدق ذهبا وزنه خمسة دراهم. # والثاني: أن يكون المصدق دراهم وزن نواة من ذهب، وعلى الأول يتعلق قوله: ~~"من ذهب"، بلفظ: "وزن"، وعلى الثاني يتعلق "بنواة"، ذكره كله الشيخ تقي ~~الدين (¬1)، وقال ابن الجوزي في "غريبه" (¬2) في المراد بالنواة هنا قولان: PageV08P314 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P315 # أحدهما: إنها وزن خمسة دراهم. # والثاني: أن قيمتها خمسة دراهم، وعزاهما إلى ابن قتيبة وأن الأزهري (¬1) ~~اختار الثاني. # وقال الخطابي (¬2): النواة اسم لمقدار معروف فسروها بخمسة دراهم من ذهب، ~~ونقله القاضي عياض (¬3) عن تفسير أكثر العلماء، وكذا قال صاحب الاستذكار ~~(¬4) أن أكثر أهل العلم يقولون: وزنها خمسة دراهم، ويؤيده أن في بعض طرق ~~الحديث وزن نواة من ذهب قومت خمسة دراهم، [رواها] (¬5) البيهقي (¬6) وليس ~~في سندها غير PageV08P316 # سعيد بن بشير صاحب قتادة وهو صدوق، وثقه شعبة وغيره، وقال البخاري: ~~يتكلمون في حفظه، وأما ابن حبان فقال: إنه فاحش الخطأ وفيها قول آخر: إنها ~~ثلاثة دراهم وثلث. قاله الإمام أحمد: ويؤيده رواية البيهقي (¬1) عن حجاج، ~~عن قتادة، عن أنس قال: قومت -يعني النواة- ثلاثة دراهم وثلث (¬2)، وحجاج هو ~~ابن أرطأة: ضعيف (¬3)، وقتادة مدلس وقد عنعن لا جرم، قال ابن عبد البر ~~(¬4): هذا حديث لا تقوم به الحجة لضعف إسناده، وفيها أقوال أخر: أنها ثلاثة ~~دراهم ms1452 وربع، وقيل: ونصف، وقيل: ثلاثة، وقيل: خمسة ونصف. # وقال بعض المالكية: إنها ربع دينار عند أهل المدينة، وظاهر كلام أبي ~~عبيد، كما نقله عنه القاضي (¬5) ثم النووي (¬6)، بل هو نص كلامه أنه دفع ~~خمسة دراهم، قال: ولم يكن [هناك] (¬7) ذهب إنما هي خمسة دراهم تسمى نواة، ~~كما تسمى الأربعون أوقية. وضعف البغوي في "شرح السنة" (¬8) قول من قال: إن ~~النواة من الذهب قيمتها PageV08P317 # خمسة دراهم، فقال: إنه ليس بصحيح لكن الرواية التي أسلفناها من عند ~~البيهقي تشهد له، [قال] (¬1) البغوي: [فقال الشافعي] (¬2): إنها ربع النش، ~~والنش نصف الأوقية، قال: وهو كما قال: فهو اسم معروف لمقدار معلوم، فهي ~~كالأوقية: اسم لأربعين [درهما] (¬3) والنش لعشرين درهما. # الرابع: "الوليمة" مشتقة من الولم وهو الجمع لأن الزوجين يجتمعان، قاله ~~الأزهري (¬4) وغيره. # قال ابن الأعرابي: أصلها تمام الشيء واجتماعه والفعل منها أو لم وهي ~~الطعام المتخذ للعرس وهو من المطلوب شرعا ومن فوائده مع مكارم الأخلاق ~~اشتهار النكاح به، وسنذكر آخر الكلام على الحديث أنواع الضيافات إن شاء الله. # الخامس: قوله: "ولو بشاة" الواو للتعليل وليست "لو" الذي تقتضي امتناع ~~الشيء لوجود غيره، وقال بعضهم: هي التي تقتضي معنى التمني. # [السادس: معنى قوله "أولم": اصنع الوليمة. # والبركة: زيادة الخير] (¬5). PageV08P318 # الوجه [السابع] (¬1): في فوائده وأحكامه: # الأولى: أنه يستحب للإمام والفاضل تفقد أصحابه والسؤال عما يختلف من ~~أحوالهم، وليس ذلك من كثرة السؤال المنهي عنه (¬2). # الثانية: اختلف العلماء في عدم إنكاره -عليه الصلاة والسلام-[التزعفر] ~~(¬3) على عبد الرحمن بن عوف على أقوال: # أصحها: وهو ما اختاره القاضي (¬4) والمحققون أنه تعلق به من طيب العروس ~~ولم يقصده ولا تعمد التزعفر [فقد] (¬5) ثبت في الصحيح النهي عن [التزعفر] ~~(¬6) للرجال، وكذا نهى الرجال عن الخلوق (¬7)، لأنه شعار النساء، PageV08P319 # وقد نهوا عن التشبه [بهن] (¬1). # وثانيها: أنه يرخص فيه للرجل العروس وقد جاء ذلك في أثر، ذكره أبو عبيد ~~أنهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه. # ثالثها: أنه لعله كان يسيرا فلم ينكر، ويؤيده تفسيره بالأثر. # رابعها: كان في أول الإسلام ms1453 من تزوج لبس ثوبا مصبوغا علامة لسروره ~~وزواجه، قال القاضي (¬2): وهذا غير معروف على أن PageV08P320 # بعضهم جعله أولى ما قيل في هذا. # خامسها (¬1): أنه يحتمل أنه كان في ثيابه دون بدنه ومذهب مالك وأصحابه ~~جواز لبس الثياب المزعفرة، وحكاه مالك عن علماء المدينة (¬2)، وهو مذهب ابن ~~عمر (¬3) وغيره. # وقال الشافعي وأبو حنيفة (¬4): لا يجوز ذلك للرجل لا في الثوب ولا في ~~اللحية، وحكى ابن شعبان المالكي (¬5) عن أصحابهم كراهته في اللحية (¬6)، ~~قال الباجي (¬7): وروى الداروردي أن ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى ~~تمتلىء ثيابه منها، [وقال: إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبغ ~~بها ولم يكن شيء أحب إليه PageV08P321 # منها] (¬1)، وأنه كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى العمامة. قال الباجي: وهذا ~~في الزعفران وأما بغيره مما ليس بطيب ولا ينتقض على الجسد كالصفرة [وغيره] ~~(¬2) فلا خلاف في جوازه. # قال أبو عمر (¬3): ووجه كراهة الزعفران نهيه -عليه الصلاة والسلام- عنه ~~وأمره يعلي بن مرة بغسله (¬4)، وقوله: "لا تقرب الملائكة جنازة كافر ولا ~~جنبا ولا متضمخا بخلوق" (¬5)، قال القرطبي (¬6): ويحتمل أن عبد الرحمن قصد ~~استعماله لاحتياجه إلى التطيب لأجل العرس واستباح القليل منه، لأجل عدم ~~غيره كما قال -عليه الصلاة والسلام- في يوم الجمعة: "ويمس من الطيب ما قدر ~~عليه"، وفي لفظ: "ولو من طيب المرأة" (¬7). # الثالث: فيه استحباب تسمية الصداق إما قبل العقد أو في نفسه فإنه -عليه ~~الصلاة والسلام- سأله عما أصدقها بما دون (هل؟). # الرابع: فيه ما كانت الصحابة عليه من عدم التغالي في صدقات النساء مع أن ~~عبد الرحمن بن عوف كان من مياسير الصحابة وأغنيائهم وعمل بالسنة في قلة ~~المهر، ولهذا قال -عليه الصلاة PageV08P322 # والسلام-: "خير النكاح أيسره" (¬1)، فلو وقعت المغالاة فلا كراهة خلافا ~~للغزالي في (الإحياء). # وقال القرطبي (¬2): يكره لما فيه من السرف والمباهاة. # الخامس: استحباب الدعاء للمتزوج بقوله: "بارك الله لك" (¬3) PageV08P323 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P324 # أو نحوه ويكره أن يقال له: بالرفاء والبنين. # السادس: مشروعية الوليمة للعرس. # واختلف العلماء، هل الأمر بها للوجوب أو الندب. # والأصح عند الشافعية: الثاني، ms1454 وحملوا الأمر عليه، وهو قول مالك وغيره. # وأوجبها: داود، وغيره. # واختلف في وقت فعلها عند المالكية: قال القاضي (¬1): والأصح عند مالك ~~وغيره استحبابها بعد الدخول. # وعند جماعة منهم: عند العقد. # وعن ابن حبيب: عنده، وعند الدخول، قال: واستحبها بعض شيوخنا قبل البناء ~~فيكون الدخول بها. # ولم أر عند الشافعية نقلا عن ذلك، نعم البيهقي ترجم في "سننه" (¬2)، باب: ~~وقت الوليمة، وذكر فيه بإسناده إلى أنس - رضي الله عنه - أنه قال: "بنى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بامرأة فأرسلني فدعوت رجالا إلى الطعام" ~~(¬3)، ولم يذكر فيه غيره وظاهره أنها بعد الدخول، لأن البناء عبارة عن ~~الدخول، وذكر الوليمة بعده بفاء التعقيب، لقوله "فأرسلني". PageV08P325 # السابع: أنه يستحب للموسر أن لا يولم بأقل من شاة، ونقل القاضي عياض ~~(¬1): الإجماع على أنه لا حد لقدرها المجزى، بل بأي شيء أولم من الطعام ~~حصلت الوليمة، وقد أولم على صفية بسويق وتمر (¬2)، وعلى زينب بخبز ولحم ~~(¬3)، وهذا كله جائز تحصل الوليمة به، لكن يستحب أن يكون على قدر حال الزوج. # فرع: اختلف السلف في تكرارها أكثر من يومين: فكرهه طائفة ولم تكرهه أخرى ~~واستحب أصحاب مالك أن يكون أسبوعا للموسر. قال بعضهم: وذلك إذا دعا في كل ~~حال من لم يدع قبله، ولم يكرر عليهم وكرهوا فيها المباهاة والسمعة (¬4) ~~وأولم ابن سيرين ثمانية أيام (¬5). PageV08P326 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P327 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P328 # تنبيه: ترجم المحب الطبري في "إحكامه"، الوليمة على الأخوة، ثم روى عن ~~أنس قال: قدم علينا عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بينه وبين سعد بن الربيع، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أولم ولو ~~بشاة"، ثم قال: رواه البخاري، قال: وسياق لفظ الحديث يدل على الترجمة، قال: ~~وإضمار ما تقدم في أمثاله محتمل وتكون الوليمة للعرس المضمر لا للإخاء. # قلت: بل رواية البخاري مصرحة بذلك فإن فيها ذكر الزواج بعد الإخاء وأنه ~~-عليه الصلاة والسلام- قال له: "بارك الله لك أولم ولو بشاة" (¬1). # فائدة: الضيافات زائدة على العشرة، الوليمة للعرس، والخرس -بضم الخاء ~~المعجمة وبالسين المهملة، ويقال ms1455 بالصاد PageV08P329 # للولادة-، وقال العراقي (¬1) شارح [المهذب] (¬2): يقال له الخرسة، وقال ~~صاحب المستعذب (¬3): والخرسة ما تطعمه النفساء، قال في الفائق (¬4): كأنه ~~سمى خرسا، لأنها تصنع عند وضعها وانقطاع صرختها، وفي أمثالهم: تخرس لا ~~مخرسة لك، أي اصنعي لك، فإنه لا صانع لك، ويقال: التمر خرسة "مريم" -عليها ~~السلام-، لقوله -تعالي-: {تساقط عليك رطبا جنيا (25)} (¬5). # والإعذار: -بكسر الهمزة اسم عين مهملة ثم ذال معجمة- للختان، ويقال: ~~العزبرة أيضا (¬6). # والوكيرة: للبناء. # والنقيعة: لقدوم المسافر مأخوذة من النقع وهو الغبار، ثم قيل إن المسافر ~~يصنعه كما نقله الأزهري (¬7) عن الفراء. PageV08P330 # وقيل: يصنعه غير له، وقال أبو زيد (¬1): النقيعة: طعام الأملاك، وقال ابن ~~العربي في "شرح الترمذي"، التحفة: طعام القادم. والعقيقة: يوم سابع ~~الولادة. # والوضيمة: -بفتح الواو وكسر [الضاد] (¬2) المعجمة- الطعام عند المصيبة، ~~نقله الجوهري (¬3) عن الفراء. # والمأدبة" -بضم الدال وفتحها- الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب، كذا قاله ~~القاضي والرافعي، وقال الأزهري (¬4): كل طعام يصنع لدعوة فهو مأدبة، ولعل ~~مراد الأولين أنه لا اسم غير المأدبة. # الحذاق -بحاء مهملة مكسورة ثم ذال معجمة ثم ألف ثم قاف-: طعام حذق الصبي، ~~ذكره صاحب "الشامل" من أصحابنا، قال ابن الرفعة في "مطلبه": وأشار به والله ~~أعلم إلى الطعام المتخذ عند ختم الصبي. # قلت: وروي عن الإمام أحمد أن بعض أولاده حذق أي حفظ جملة من القرآن ~~والعلم فقسم على الصبيان الجوز. PageV08P331 # والشندخي -بضم الشين المعجمة ثم نون ساكنة ثم دال معجمة مهملة مفتوحة ~~ومضمومة ثم خاء معجمة -بعدها ياء- كذا قيده ابن الرفعة في "كفايته" ~~و"مطلبه": طعام الأملاك، مشتق من قولهم: فرس شندخ، وهو الذي يتقدم الخيل ~~سمي بذلك، لأنه يتقدم العرس ويقال: لهذا الطعام ملاك وإملاك، قال ابن داود: ~~من أصحابنا وسمي باسم وقته. # وزاد صاحب "الرونق" العتيرة، قال: وهي ذبيحة تذبحها العرب أول يوم من ~~رجب، و"النقرى"، قال: وهي التي تخص قوم دون قوم، والجفلى قال: وهي التي يعم ~~بدعوته سائر الناس (¬1). # خاتمة: قال البيهقي (¬2): قال الشافعي: لم أعلمه أمر بذلك قال: أظنه قال: ~~أحدا غيره يعني غير عبد ms1456 الرحمن بن عوف قال: ولا أعلم أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- ترك الوليمة على عرس ولم أعلمه أولم على غيره. # تنبيه: أنكر القاضي عياض (¬3) على من احتج بتفسير النواة بثلاثة دراهم ~~وربع على أنه أقل المهر لأنه قال: من ذهب وذلك يزيد على دينارين، بل هو حجة ~~على من يقول إنه لا يكون أقل من عشرة دراهم. PageV08P332 # كتاب الطلاق PageV08P333 ### || AUTO 64 - باب الطلاق # هو في اللغة: حل القيد والإطلاق، ومنه ناقة طالق. # وفي الشرع: اسم لحل عقد النكاح فقط. # "وطلقت": بفتح اللام أصح من ضمها، قاله "صاحب المطالع" "وطلقت": بضم ~~الطاء وكسر اللام مخففة من الولادة طلقا و"طالقة" لغة في طالق. # وذكر المصنف في الباب حديث ابن عمر، وحديث فاطمة بنت قيس. ### ||| AUTO الحديث الأول # 335/ 1/ 64 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ "أنه طلق امرأته وهي ~~حائض؛ فذكر ذلك عمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتغيظ منه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ثم قال: "ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم ~~تحيض فتطهر. فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها فتلك العدة، كما ~~أمر الله عز وجل". PageV08P335 # وفي لفظ: "حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها [بها] (¬1) ". # [وفي لفظ: "فيها"] (¬2)، وفي لفظ: "فحسبت من طلاقها، وراجعها عبد الله، ~~كما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة ووالده سلف في أول ~~الكتاب. # الثاني: هذه المرأة المطلقة اسمها آمنة بنت غفار، قاله "ابن باطيش" (¬4). # الثالث: في أحكامه: # الأول: تحريم الطلاق في الحيض، وهو إجماع الأمة إذا طلقها بغير رضاها. PageV08P336 # واختلف في علته، فقيل: لتطويل العدة، فإن بقية الحيض لا تحسب من العدة، ~~وفي ذلك إضرار بها، وفي الحديث دلالة عليه إذ قال عليه الصلاة والسلام: ~~"فتلك العدة، كما أمر الله عز وجل". # وقيل: العلة وجود الحيض فقط وصورته، وينبني عليها طلاق الحامل إذا طلقها ~~في الحيض، وقلنا: "إنها تحيض، فمن علل بالأول لم يحرم، وهو ms1457 الأصح عند ~~الشافعية، وبه قال أكثر العلماء، كما حكاه عنهم ابن المنذر، منهم: مالك ~~وأحمد، لأن انقضاءها هنا بوضع الحمل على كل حال، ومن علل بالثاني حرمه، وهو ~~الظاهر من إطلاق الحديث من حيث إنه عليه الصلاة والسلام أمر بالمراجعة من ~~غير استفصال ولا سؤال عن حال المرأة في الحمل والحبال. وترك الاستفصال في ~~مثل هذا تنزل منزلة العموم في المقال عند جمع من أرباب الأصول، إلا أنه قد ~~يضعف هاهنا هذا المأخذ، والاحتمال أن يكون ترك الاستفصال لندرة الحيض في ~~الحمل، وينبني عليهما أيضا إذا سألت المرأة الطلاق في الحيض. فإن عللنا ~~بالتطويل فلا يحرم هنا لرضاها به. فإن عللنا بالثاني حرم وهو الأصح عند ~~الشافعية أيضا. والعمل بظاهر الحديث في ذلك أولى. وقد يقال في هذا ما قيل ~~في [الأول] (¬1) من ترك الاستفصال. # وقد يجاب عنه فيهما: بأنه مبني على الأصل، فإن الأصل عدم سؤال الطلاق ~~وعدم الحمل. وبنى على ذلك الفاكهي من المالكية أيضا غير الممسوسة. وعند ~~الشافعية: أنه لا بدعة في طلاقها ولا PageV08P337 # سنة، وهو ما حكاه غيره من المالكية إذا لم تكن حائضا. ونقل اتفاقهم عليه. ~~ونقل خلافا فيما إذا كانت حائضا وأن المشهور كذلك أيضا. وأن أشهب كرهه، ~~وضعف قوله. وعن مالك: في طلاق [الحاكم] (¬1) على المولى روايتان. وعند ~~الشافعية: أنه ليس بحرام وفيه بحث للرافعي، لأنه أحوجها بالإيذاء إلى ~~الطلب، وهو غير ملجأ إلى الطلاق لتمكنه من الفيئة. # [الحكم] (¬2) الثاني: أنه إذا طلق فيه وقع، وحسب من طلاقها مع الإثم. وشذ ~~بعض أهل الظاهر وابن علية ومن لا يعتد به من الخوارج والروافض فيه، لأنه ~~غير مأذون له فيه، فأشبه طلاق الأجنبية، وذلك باطل للأمر بمراجعتها, لأنه ~~لو لم يقع لم تكن رجعة، لا يقال: إن الرجعة هنا الرجعة اللغوية وهي الرد ~~إلى حالها الأول من غير احتساب طلقة، لأن الحقيقة الشرعية مقدمة عليها. وأن ~~ابن عمر قد صرح بأنها حسبت من طلاقها كما سلف، وراجعها كما أمر الشارع، ~~وكأنهم تمسكوا برواية أبي ms1458 الزبير عن ابن عمر: "فردها علي، ولم يرها شيئا" ~~(¬3) ولكن قال PageV08P338 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P339 # أبو داود (¬1): الأحاديث كلها بخلاف حديث أبي الزبير. وقال أهل الحديث: ~~لم يرو لأبي الزبير أنكر من هذا. # الثالث: الأمر بمراجعتها: وهل هو على وجه الندب أو الوجوب؟ قولان ~~للعلماء: وبالندب: قال الشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد ~~وفقهاء المحدثين وآخرون (¬2). # وبالوجوب: قال مالك وأصحابه. ويجبر الزوج عليها. # قال إمام الحرمين من الشافعية: والمراجعة وإن كانت مستحبة فلا نقول: ~~تركها مكروه. وما ذكره لا يخلو عن نظر؛ فإن الشارع قد أمر بها، وفيها دفع ~~الإيذاء. ثم ما ذكره الإمام من عدم الكراهة يخالف ما أشعر به كلامه في موضع ~~آخر من أن المكروه ترك ما ورد فيه أثر يخصه. # فرع: اختلف المالكية فيما إذا لم يراجعها حتى جاء الطهر الذي أبيح له ~~الطلاق فيه: هل يجبر على الرجعة، لأنه حق واجب فلا يزول بزوال وقته أ [م] ~~(¬3)، لأنه قادر على الطلاق في الحال، فلا معنى للارتجاع [. .] (¬4) قال ~~ابن عبد البر (¬5): ودم النفاس كالحيض. PageV08P340 # وقال داود (¬1): يجبر في الحيض دون النفاس. كذا نقله عن داود، ونقل ~~الباجي (¬2) عن داود: أنه يقع في الحيض، وقد أسلفنا نقله عن بعض أهل الظاهر أيضا. # الرابع. أن الطلاق [في] (¬3) غير زمن الحيض لا إثم فيه، وكذلك في الطهر ~~الذي لم يجامعها فيه؛ بخلاف الطهر الذي جامعها [فيه،] (¬4) نعم يكره أن ~~تطلق من غير سبب لحديث ابن عمر أيضا في أبي داود وابن ماجه (¬5): "أبغض ~~الحلال إلى الله الطلاق"، فيكون PageV08P341 # حديثه هذا لبيان كراهة التنزيه. وحديثه في الصحيح لبيان عدم التحريم. # واعلم أن الطلاق: قد يكون مكروها كما قد عرفته آنفا، وقد يكون محرما كما ~~سلف. وحاصل صور الحرام ثلاث: أن يطلقها في الحيض بلا سبب منها، أو في طهر ~~جامعها فيه قبل بيان الحمل، أو أن يكون عنده زوجات فقسم لهن، وطلق واحدة ~~منهن قبل أن يوفيها حقها. # وقد يكون واجبا، كما في طلاق الحكم والمولى. # وقد يكون مندوبا، كما إذا كانت غير ms1459 عفيفة، أو يخافا أو أحدهما أن لا ~~يقيما حدود الله، ونحو ذلك. # ولا يكون مباحا مستوى الطرفين، ولا بدعة عند الشافعي في جميع الطلقات ~~الثلاث، وبه قال أبو ثور وأحمد. # وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة والليث: هو بدعة. قال أبو حنيفة: ويجعل ~~في الحامل بين الطلقتين شهرا، وبه قال أبو يوسف. # وقال مالك وزفر ومحمد بن الحسن: لا يوقع عليها أكثر من واحدة حتى تضع. PageV08P342 # الخامس: أن الرجعة لا تفتقر إلى رضا المرأة ولا وليها ولا تجديد عقد. ~~وهذا الوجه استنبطه الخطابي (¬1)، ونقله القاضي عنه. ثم قال: وليس بينا، ~~ولم يظهر لي وجه توقفه فيه. # السادس: أن الأقراء في العدة هي الأطهار وإليه الإشارة بقوله: "فتلك ~~العدة، كما أمر الله" أي كما أذن فلا يتعدى، ولا يتجاوز، ولا يصح عود ~~الضمير في "فتلك" إلى الحيض لأن الطلاق في الحيض غير مأمور به، بل محرم، ~~وقد أجمع الفقهاء والأصوليون واللغويون على أن القرء في اللغة يطلق على ~~الحيض وعلى الطهر. # ثم اختلفوا في الأقراء المذكورة في آية الطلاق، وفيما تنقضي به العدة، ~~فقال مالك والشافعي وآخرون: هي الأطهار (¬2). # وقال الأوزاعي وأبو حنيفة وآخرون: هي الحيض. وهو مروي عن عمر وعلي وابن ~~مسعود، وبه قال الثوري وزفر وإسحاق وآخرون من السلف، وهو أصح الروايتين عن أحمد. # قالوا: لأن من قال بالأطهار يجعلها قرءين وبعض الثالث. وظاهر القرآن أنها ثلاثة. # والقائل بالحيض شرط ثلاث حيضات كوامل، فيكون أقرب إلى موافقة القرآن. # ولهذا الاعتراض مال ابن شهاب الزهري إلى أن الأقراء هي الأطهار. قال: ~~ولكن لا تنقضي العدة إلا بثلاثة كاملة، وهو مذهب PageV08P343 # تفرد به القائلون بالأطهار اتفقوا على انقضائها بقرءين وبعض الثالث. # وأجابوا عن الاعتراض: بأن الشهر وبعض الثالث يطلق عليه اسم الجمع. قال ~~تعالى: {أشهر معلومات} (¬1)، ومعلوم أنها شهران وبعض الثالث، وكذا قوله ~~تعالى: {فمن تعجل في يومين} (¬2)، [المراد في يوم وبعض] (¬3) الثاني. # واختلف القائلون بالأطهار متى تنقضي عدتها؟. # فالأظهر عند الشافعية أنه بمجرد رؤية الدم بعد الطهر الثالث. وفي قول لا ms1460 ~~تنقضي حتى يمضي يوم وليلة. والخلاف المذكور ثابت عند المالكية أيضا. # واختلف القائلون بالحيض أيضا فقال أبو حنيفة وأصحابه حتى تغتسل من الحيضة ~~الثالثة أو يذهب وقت صلاة (¬4). # وقال عمرو وعلي وابن مسعود والثوري وزفر وإسحاق وأبو عبيد: حتى تغتسل من ~~الثالثة. # وقال الأوزاعي وآخرون: ينقضي بنفس انقطاع الدم. وعن إسحاق رواية أنه إذا ~~انقطع الدم انقطعت الرجعة، ولكن لا تحل للأزواج حتى تغتسل احتياطا وخروجا ~~من الخلاف (¬5). PageV08P344 # السابع: الأمر بإمساك المرأة المراجعة حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا ~~له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها. # واختلف في السر في أمره بالرجعة، ثم تأخير الطلاق إلى طهر بعد طهر يلي ~~هذا الحيض على أوجه: # أحدها: لئلا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فوجب أن يمسكها زمنا كان يحل له ~~فيه طلاقها، وإنما أمسكها لتظهر فائدة الرجعة، وهذا جواب أصحابنا، وهو ~~الأصح. أعني أنه لا يستحب الطلاق في الطهر الثاني لتلك الحيضة، لأن الصيغة ~~"حتى" للغاية. # ثم اختلفوا: هل يندب الوطء في الطهر الأول؟ على وجهين: # أحدهما: نعم ليظهر مقصود الرجعة. # وأصحها: لا، اكتفاء بإمكان الاستمتاع. # ثانيها: أنه عقوبة له, وتوبة من معصيته، واستدراك جنايته. قال المازري ~~(¬1): وهذا معترض لأن ابن عمر لم يعلم الحكم وإنما يغلظ على المعتمد ونوقش ~~فيه، فإنه عليه الصلاة والسلام تغيظ فيه كما في الحديث ولم يعذره. إما لأن ~~الأمر من الظهور بحيث لا يكاد يخفى، فكانت الحال تقتضي التثبت، أو مشاورته ~~عليه الصلاة والسلام في ذلك واستفتائه. # ثالثها: أن الطهر الأول مع الذي يليه، وهو الذي طلق فيه: كقرء واحد، فلو ~~طلقها في أول طهر لكان كمن طلق في الحيض. PageV08P345 # رابعها: أنه نهى عن طلاقها في الطهر ليطول مقامه معها، فلعله يجامعها، ~~فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقه، وادعى القرطبي (¬1) أن هذا أشبهها وأحسنها. # فرع: يكره له عند المالكية أن يطلقها ثلاث طلقات، فيفرقه في ثلاثة أطهار، ~~وأجاز ذلك أبو حنيفة في أحد قوليه. وقاله ابن مسعود وبه قال أشهب مرة، ~~وأجاز أيضا رجعتها، ثم ms1461 طلاقها، ثم رجعتها، ثم طلاقها، فتتم الثلاث. # الثامن: أن الأمر المطلق على شرط يعدم عند عدمه فإن عليه الصلاة والسلام ~~أذن في الطلاق قبل مسيسها، أي وطئها، وقيده به، وفي ذلك دلالة على امتناعه ~~في الطهر الذي مسها فيه لأنه شرط في الأذن عدم المسيس بها. وقد أسلفنا أن ~~الطلاق في طهر مسها فيه حرام، ومذهب مالك: أنه مكروه. وأنصف الفاكهي فقال: ~~الأظهر عندي أنه حرام. ونقل الفاكهي عن بعضهم أنه لا يعتد بهذا الطهر، ~~ويستأنف ثلاثة أطهار، وهو شاذ، وإنما كان الطلاق في الطهر الذي طلقها فيه ~~بدعيا حراما لخوف الندم، فإن المسيس سبب الحمل، وذلك سبب الندامة على ~~الطلاق بخلاف ما إذا تبين الحمل وطلقها بعد ذلك، فإن يكون من أمره على ~~بصيرة فلا ندم فلا يحرم. # التاسع: مراجعة الشارع في الأمور المهمة، وتغيظه عند وقوع حادث، ومراعاة ~~كتاب الله تعالى، وامتثال ما أمر به رسوله، وغير ذلك من الفوائد، وذكر عمر ~~طلاق ابنه، قال الشيخ تقي PageV08P346 # الدين (¬1): لعله يعرفه الحكم، قال: وتغيظه عليه الصلاة والسلام إما ~~لكونه فعل ما يقتضي المنع ظاهرا من غير تثبت أو لتركه المشاورة له عليه ~~الصلاة والسلام في فعله ذلك إذا عزم عليه. قال (¬2): ويتعلق بالحديث مسألة ~~أصولية، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو أمر بذلك الشيء أم لا؟ فإنه ~~عليه الصلاة والسلام قال: أي في الصحيح لعمر: "مره فليراجعها" فأمره بأمره، ~~وعلى كل حال فلا ينبغي أن يتردد في اقتضاء ذلك الطلب، وإنما ينبغي أن ينظر ~~في أن لوازم صيغة الأمر: هل هي أوامر كصيغة الأمر بالأمر، بمعنى أنهما: هل ~~يستويان في الدلالة على الطلب من وجه واحد أم لا؟ # خاتمة: الصحيح أن ابن عمر - رضي الله عنه - طلق واحدة، ووهم من روى ~~ثلاثا، كما بينه مسلم عن ابن سيرين. # فرع: الطلاق في النفاس كالطلاق في الحيض. # تنبيه: قال أبو عمر (¬3): روى جماعة: "فليراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق ~~بعد، وإن شاء أمسك"، ولم يقولوا: "ثم تحيض ثم تطهر"، ms1462 فأخذ بها أبو حنيفة ~~والمزني وأكثر العراقيين، وزاد بعض الرواة: "ثم إن شاء طلقها طاهرا قبل أن ~~يمس، أو حاملا". # وأخذ برواية: "ثم تحيض ثم تطهر" فقهاء الحجاز منهم مالك والشافعي. قال: ~~قال وروى قاسم بن أصبغ؛ أنه عليه الصلاة PageV08P347 # والسلام "أمره أن يراجعها فإذا طهرت مسها، ثم إذا طهرت أخرى فإن شاء طلق، ~~وإن شاء أمسك". وهذه الرواية تؤيد الوجه السالف القائل باستحباب الوطء في ~~الطهر الأول، لكنها معلولة، كما بين ذلك عبد الحق. PageV08P348 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 336/ 2/ 64 - عن فاطمة بنت قيس "أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب". # وفي رواية: طلقها ثلاثا، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ~~ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك له، ~~فقال: "ليس لك عليه نفقة"، وفي لفظ: "ولا سكنى" فأمرها أن تعتد في بيت أم ~~شريك، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل ~~أعمى، تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني". قالت: فلما حللت ذكرت ذلك له أن ~~معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك، لا مال له .. ~~انكحي أسامة بن زيد، فكرهته. ثم قال "انكحي أسامة بن زيد"، فنكحته، فجعل ~~الله فيه خيرا، واغتبطت به (¬1). PageV08P349 # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الحديث بهذه السياقه من أفراد مسلم، والبخاري ذكر منه قصة ~~انتقالها فقط (¬1). وفي رواية له (¬2) عن عائشة: "ما لفاطمة ألا تتقي الله؟ ~~" يعني في قولها: "لا سكنى لها ولا نفقة" وفي رواية عنها (¬3): "إن فاطمة ~~كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -". # الثاني: في التعريف براويه وبالأسماء الواقعة فيه. # أما راويه: ففاطمة بنت قيس هي أخت الضحاك بن قيس بن خالد الأكبر بن وهب ~~بن ثعلبة بن واثلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر ms1463 بن ~~كنانة القرشية الفهرية، وكانت أكبر من أخيها الضحاك بعشر سنين، قدمت عليه ~~الكوفة، وكان أميرا. لها صحبة ورواية، وكانت من المهاجرات الأول، وذات عقل ~~وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل PageV08P350 # عمر بن الخطاب، وخطبوا خطبتهم المأثورة، قال الزبير: وكانت امرأة نجودا، ~~أي نبيلة. # روي لها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعة وثلاثون حديثا اتفقا على ~~حديث في مسند عائشة، ولمسلم ثلاثة روى عنها عروة والقاسم وأبو سلمة بن عبد ~~الرحمن وسليمان بن يسار وعبيد الله بن (¬1) عبد الله ابن عتبة والشعبي، وكل ~~هؤلاء فقهاء. # وأما زوجها أبو عمرو بن حفص: فهو ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن ~~مخزوم القرشي المخزومي ابن عم خالد بن الوليد وقيل: إنه أبو حفص ابن عمر، ~~وقيل: إنه (¬2) أبو حفص ابن المغيرة. قال النووي في "مختصر المبهمات" (¬3) ~~وهو ما رواه مسلم في معظم الروايات. وقال في "شرحه لمسلم" (¬4) الجمهور على ~~الأول، وكذا قال الشيخ تقي الدين (¬5): إن من قاله أكثر. # وفي اسمه أقوال: # أحدها: عبد الحميد: وصححه القاضي عياض، ونقله النووي (¬6) في "شرحه" عن ~~الأكثرين. PageV08P351 # ثانيها: أحمد، قاله النسائي (¬1)، ولا يعرف في الصحابة من اسمه أحمد غيره ~~على هذا القول. # ثالثها: أن اسمه كنيته، وذكره البخاري (¬2) ممن لا يعرف اسمه. # أمه: درة بنت خزاعي الثقفية. وكان قد طلق امرأته فاطمة هذه وهو غائب ~~بالشام (¬3)، فأرسل إليها وكيله، وفي "الصحابة" للعسكري و "التهذيب" أنه ~~طلقها باليمن (¬4). نعم أسلم وخرج مع علي إلى اليمن فمات هناك. وحديثه في ~~النسائي يدل على أنه بقي إلى أيام عمر، وأنه قال لعمر لما نزع خالد بن ~~الوليد، واعتذر يوم الجابية بأنه أمره بحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين ~~فأعطاه ذا البأس وذا اليسار وذا الشرف، وأثبت أبا عبيدة: والله لقد نزعت ~~عاملا استعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[. .] (¬5) وأغمدت سيفا ~~سله، ووضعت لواء نصبه، ولقد قطعت الرحم وحسدت [ابن] (¬6) العم. فقال عمر: ~~أما إنك قريب القرابة، حديث السن، تغضب لابن عمك. # تنبيه: وقع ms1464 في "مبهمات" (¬7) الخطيب حافظ المشرق حكاية PageV08P352 # قول إن الذي طلق فاطمة هذه عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وقدمه على غيره، ~~فقال: قيل: اسمه عياش بن أبي ربيعة. وقيل: أبو حفص بن المغيرة، وفي بعض ~~طرقه عمرو بن حفص، وتابعه على ذلك أبو الفرج بن الجوزي في "تلقيحه" (¬1) ~~وهو عجيب منهما، فإن هذا وكيل زوجها, لا زوجها , لا جرم ضعفه النووي في ~~"اختصاره للمبهمات" (¬2)، فقال: هذا الذي قاله الخطيب فاحش، فإن عياش بن ~~أبي ربيعة ليس زوجها قطعا، إنما هو رسول زوجها، أرسله إليها يخبرها ~~بالطلاق، ويعطيها نفقة من شعير، هكذا جاء مصرحا به في "صحيح مسلم". وأما ~~زوجها فقد أسلفنا ما فيه. # وأما أم شريك: فهي قرشية عامرية وقيل: أنصارية. وقد ذكره مسلم في آخر ~~"صحيحه" (¬3) في حديث الجساسة. وفي اسمها ثلاثة أقوال: أسلفناها في الحديث ~~الثاني من باب الصداق. وقيل: إنها الواهبة نفسها. وقيل غيرها، وذكرها بعضهم ~~في أزواجه، ولا يصح. ومن عدها منهم قال: كان ذلك بمكة. روى لها الشيخان ~~حديثا واحدا، ومسلم آخر. # وأما ابن أم مكتوم: فسلف التعريف به في باب الأذان. # وأما معاوية: فسلف في باب الذكر عقب الصلاة نبذة من حاله، وغلط من قال: ~~إن معاوية هذا آخر فرواية المصنف مصرحة PageV08P353 # بأنه ابن أبي سفيان، قال: النووي في "تهذيبه" (¬1): هذه القولة غلط صريحة ~~لا شك فيها. # وأما أسامة: فسلف في باب دخول مكة. # وأما أبو الجهم: فهو صاحب الإنبجانية المذكورة في باب الذكر عقب الصلاة، ~~وهو غير أبي الجهيم المصغر المذكور في باب المرور، قال القاضي عياض (¬2): ~~وغلط يحيى بن يحيى أحد رواة الموطأ فنسبه فقال: أبو جهم بن هشام، ولم ينسبه ~~في الرواية غيره، وهو غلط ولا يعرف في الصحابة أحد يقال له: أبو جهم بن ~~هشام. قال: ولم يوافق يحيى على ذلك من رواة الموطأ ولا غيرهم، وكذا قال ابن ~~الطلاع (¬3) أيضا إنه غلط، وأنه ليس في جميع الصحابة أحد يقال له أبو جهم ~~بن هشام، وإنما هو أبو جهم بن صخر ms1465 بن عدي قرشي، ويقال: أبو جهم بن حذيفة. # قلت: [ورواه] (¬4) عبد بن حميد في "مسنده" (¬5) مصرحا بالأول، وهذا لفظه: ~~"فخطبها معاوية وأبو جهم بن [صخر] " (¬6)، ووقع في بعض روايات مسلم مصغرا، ~~والمشهور إنه مكبر، وهو المعروف في باقي الروايات وفي كتب الأسماء وغيرها. PageV08P354 # الوجه الثالث: في تبيين المبهم الواقع فيه وهو الوكيل، وقد أسلفنا أنه ~~عياش بن أبي ربيعة المخزومي، واسم أبي ربيعة عمرو. # الوجه الرابع: في تبيين ألفاظه ومعانيه: # فقولها: "طلقها"، هو الصحيح الذي رواه الحفاظ، واتفق على روايته الثقات ~~على اختلاف ألفاظهم: "أنه طلقها ثلاثا" أو "البتة" أو "آخر ثلاث طلقات"، ~~وجاء في آخر "صحيح مسلم" في حديث الجساسة ما يوهم أنه مات عنها، فإنه روى ~~بإسناده عن فاطمة بنت قيس، فقالت: نكحت ابن المغيرة وهو من خيار شباب قريش ~~يومئذ، فأصيب في الجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما تأيمت ~~خطبني"، الحديث. قال العلماء: ليست هذه الرواية على ظاهرها، بل هي وهم أو ~~مؤولة على أن معناها أصيب بجراحة أو في ماله أو نحو ذلك، لا أنه مات في ~~الجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل إنما تأيمت بطلاقه البائن، ~~كما ذكره مسلم هنا وهناك، وكذا ذكره المصنفون في جميع كتبهم. # وقد اختلفوا في وقت وفاة زوجها. فقيل: مع على عقب طلاقها باليمن، حكاه ~~ابن عبد البر، وقيل: بل عاش إلى خلافة عمر، حكاه البخاري في "تاريخه" (¬1). # وقولها: "طلقها البتة"، وفي لفظ: "ثلاثا"، فيه رواية ثالثة: "أنه طلقها ~~آخر ثلاث تطليقات"، ورابعة: "أنه طلقها طلقة كانت PageV08P355 # بقيت من طلاقها". وخامسة: "أنه طلقها"، ولم يذكر عددا ولا غيره، والكل في ~~"صحيح مسلم". # والجمع بينهما: أنه كان طلقها قبل هذا طلقتين، ثم طلقها هذه المرة الطلقة ~~الثالثة. فمن روى أنه طلقها مطلقا، أو واحدة، أو "آخر ثلاث تطليقات"، فهو ~~ظاهر ومن روى "البتة" فمراده طلقها طلاقا صارت مبتوتة بالثلاث، أو عبر بها ~~عن الثلاث على من يجعل لفظ "البتة" للثلاث، ومن روى "ثلاثا" أراد تمام ms1466 ~~الثلاث. # وقولها: "وهو غائب"، قد أسلفنا الخلاف في موضع طلاقها. و "وكيله" منصوب ~~على المفعول، ويجوز رفعه، وجزم بهذا النووي في شرحه (¬1) فقال: الوكيل ~~مرفوع وهو المرسل، وقال الشيخ تقي الدين (¬2): يحتمل النصب، ويكون الوكيل ~~هو المرسل، ويحتمل الرفع، ويكون الوكيل هو المرسل. قال: وقد عينه بعضهم ~~للرواية, ولعله عني فيه النووي حيث جزم به في شرحه، والضمير في وكيله يعود ~~على أبي عمرو بن حفص. واعلم أنه جاء في "صحيح مسلم" وكيله كما ذكره المصنف، ~~وجاء في رواية له: أنهما الحارث بن هشام وعباس بن أبي ربيعة بنفقة. فقال ~~القرطبي (¬3) قوله: "وكيله" فإن صوابه أن يقول: وكيليه عملا بالرواية ~~الأخرى وفيما ذكره نظر. # ومعنى "سخطته" كرهته ولم ترض به. PageV08P356 # وقوله: "والله ما لك علينا من شيء" إنما قال لقيامه مقام موكله في ذلك، ~~وكأنه أيضا مدعى عليه. قال القرطبي: وكأن إرساله بهذا الشعير كان منه متعة، ~~فحسبته هي نفقة واجبة عليه، فلذلك سخطته، ورأت أنها تستحق عليه أكثر من ذلك ~~وأطيب، فأجيبت إذ ذاك بالحكم، فلم تقبل ذلك حتى أخبرها الشارع به. # وقوله: "تلك [امرأة] (¬1) يغشاها أصحابي" معناه أنهم كانوا يزورون أم ~~شريك، ويكثرون التردد إليها لصلاحها فرأى عليه السلام أن على فاطمة من ~~الاعتداد عندها حرجا من حيث إنه يلزمها التحفظ من نظرهم إليها ونظرها ~~إليهم، وانكشاف شيء منها، وفي التحفظ في هذا مع كثرة دخولهم وترددهم مشقة ~~ظاهرة فأمرها بالاعتداد في بيت ابن أم مكتوم لأنه لا يبصرها ولا يتردد إلى ~~[بيته] (¬2) من يتردد إلى بيت أم شريك، ولا يلزم من إذنه -عليه الصلاة ~~والسلام- بالاعتداد [في بيته] (¬3) الإذن لها في النظر إليه، بل فيه أنها ~~تأمن عنده من نظر غيره إليها، وهي مأمورة بغض بصرها، فيمكنها التحرز عن ~~النظر بلا مشقة بخلاف مكثها في بيت أم شريك. وفي هذا بحث سيأتي. # ومعنى "آذنيني" أعلميني، وهو بهمزة ممدودة. # والعاتق: ما بين العنق والمنكب. # وفي معنى لا يضع عصاه عن عاتقه: تأويلات. PageV08P357 # أظهرها: أنه كثير الضرب للنساء، كما جاء ms1467 مصرحا به في رواية لمسلم "إنه ~~ضراب للنساء". # ثانيها: أنه كثير الأسفار، وقد جاء في غير مسلم ما يدل له، حكاه القرطبي (¬1). # ثالثها: أنه كناية عن كثرة الجماع، حكاه صاحب "البيان" والرافعي، ~~والمنذري، واستبعد لأنه -عليه الصلاة والسلام- يبعد منه الاطلاع على هذه ~~الحالة من غيره، ثم يبعد ذكره من خلفه وإذنه، ثم إن المرأة لا ترغب عن ~~الخاطب بذلك لا جرم، لما حكاه صاحب "البيان" قال: إنه غلط، لأنه ليس في ~~الكلام ما يدل على أنه أراد هذا، ثم قال: [. .] (¬2) قال الصيمري: لو قيل: ~~إنه أراد بقوله هذا كثرة الجماع، أي أنه كثير التزويج لكان أشبه. # رابعها: أنه شديد على أهله، خشن الجانب في معاشرتهن، مستقص عليهن في باب ~~المغيرة، قاله الأزهري في "زاهره" (¬3) ثم حكى القول الثاني والأول، وقال ~~أبو عبيد (¬4): في قوله -عليه الصلاة والسلام- "أنفق على أهلك [من طولك] ~~(¬5)، ولا ترفع عصاك [عنهم] (¬6) لم يرد العصا التي يضرب بها ولا أمر أحدا ~~بذلك، وإنما PageV08P358 # أراد منعها من الفساد [. .] (¬1) يقال: للرجل إذا كان رفيقا حسن السياسة ~~(¬2) [لين] (¬3) العصا. # وقوله: "وأما معاوية فصعلوك" بضم الصاد أي فقير يعجز عن القيام بحقوق ~~الزوجية. # وفي رواية لمسلم "إنه ترب لا مال له" والترب: بفتح التاء وكسر الراء ~~الفقير، وأكده بأنه لا مال له، لأن الفقير قد يطلق على من له شيء يسير لا ~~يقع موقعا من كفايته ثم صار بعد معاوية إلى ما صار، فسبحان من بيده الغنى ~~والفقر. # [. .] (¬4) قولها: "واغتبطت"، هو بفتح التاء والياء من غير بناء للمفعول، ~~ووقع في بعض روايات مسلم زيادة "به" ولم يقع في أكثرها. # والغبطة: تمني مثل حال المغبوط من غير إرادة زوالها عنه، وليس هو بحسد، ~~تقول غبطته [بما نال أغبطه بكسر الباء غبطا وغبطة فاغتبط هو. # ومعنى] (¬5) "اغتبطت به" أنها لما امتثلت أمر الشارع في نكاح أسامة حصل ~~لها الغبطة وقرت عينها. وأما إشارته -عليه الصلاة PageV08P359 # والسلام- بنكاح أسامة فلما علمه من دينه وفضله وحسن سيره، فنصحها، ~~فكرهته، لكونه مولى، وكونه أسود جدا. فكرر عليها ms1468 الحث على زواجه لما علم من ~~مصلحتها في ذلك، فكان كذلك و [لهذا] (¬1) لما قالت بيدها هكذا: أسامة، ~~أسامة، فقال لها -عليه الصلاة السلام-: طاعة الله، وطاعة رسوله خير لك" ~~رواه مسلم. # وقال القاضي حسين إنما كرهته لمعنيين: # أحدهما: أن أسامة ليس بكفء لها، لأنها [قرشية، وهو من الموالي. ويرشد إلى ~~هذا الرواية التي] (¬2) أسلفناها أيضا. # [وثانيهما] (¬3): أنها طمعت في أن يتزوج بها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - , لأنه قال لها من قبل ما قال: قبل انقضاء العدة. # [الوجه] (¬4) الخامس: في فوائده: # الأولى: جواز إيقاع الطلاق الثلاث دفعة لعدم إنكاره -عليه الصلاة ~~والسلام- في رواية "طلقها ثلاثا"، وفيه احتمال من كونه أنه أوقع عليها طلقة ~~تتم بها الثلاث، كما تقدم في تلك الرواية. # الثانية: أنه لا نفقة للمطلقة البائن غير الحامل ولا سكنى، وفيه ثلاثة ~~مذاهب: PageV08P360 # أحدها: هذا وبه قال ابن عباس وأحمد عملا بهذا الحديث، وهو قول الأكثرين ~~في السكنى، كما حكاه البغوي في "شرح السنة" (¬1) وفي النفقة كما حكاه عنهم ~~الشيخ تقي الدين (¬2). # ثانيها: يجبان، [وبه قال عمر بن الخطاب وأبو حنيفة (¬3). # ثالثها: تجب السكنى دون النفقة] (¬4)، وبه قال مالك والشافعي وآخرون، ~~لقوله تعالي: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} (¬5). # والجواب عن حديث فاطمة [هذا] (¬6): أن أكثر الرواة لم يذكروا فيه "ولا ~~سكنى"، على أنها مرسلة على ما قاله PageV08P361 # [أبو] (¬1) مسعود (¬2)، [فإنها] (¬3) من رواية أبي حازم عن أبي سلمة، ومن ~~رواية الشعبي عن فاطمة، وهي التي أنكرها عليها الأسود، ذكره القرطبي (¬4) ~~في "شرحه". # وأجاب القاضي (¬5): بأنه خبر واحد [فقد] (¬6) لا يخص به العموم قال: هو ~~والقرطبي: ويجوز أن يكون قد [استمر] (¬7) [العمل] (¬8) بالسكنى على مقتضى ~~العموم، فلا يقبل حينئذ خبر الواحد على نسخه اتفاقا. # وأما سقوط النفقة فأخذوه من مفهوم قوله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن} (¬9) فإنه يفهم عدمها عند عدمه، وقد تورعوا في تناول آية السكنى ~~للبائن، قال الخطيب في "المدرج" (¬10) وأدرج مجالد وحده في هذا الحديث ~~"إنما السكنى والنفقة لمن تملك الرجعة". # ويحتاج من ms1469 قال: بالسكنى إلى الاعتذار عن حديث فاطمة هذا، PageV08P362 # فمنهم من اعتذر بما رواه الشافعي (¬1) بسنده عن سعيد بن المسيب وغيره: ~~"أنها كانت امرأة لسنة، واستطالت على أحمائها، فأمرها بالانفصال"، وذكر بعض ~~المفسرين أن قوله تعالى: {إلا أن يأتين بفاحشة} (¬2): أنها نزلت فيها، لأنه ~~كان فيها بذاذة لسان وأذى للأحماء. # ومنهم من قال: لأنها خافت في ذلك المنزل، ويؤيده ما رواه مسلم من قولها ~~"أخاف أن يقتحم علي"، قال البيهقي (¬3): وقد تكون العلة لكلاهما. # واستبعد القرطبي (¬4) الأول، فإن هذه الصفة لا تليق بمن اختارها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لحبه ابن حبه، [وتواردت رغبات الصحابة عليها ~~حين انقضت عدتها] (¬5)، قال: ولم يثبت بذلك نقل [بمسند صحيح] (5)، وقال ~~الشيخ تقي الدين (¬6): سياق الحديث على خلاف هذين [التأويلين] (¬7) فإنه ~~يقتضي أن السبب اختلافها مع الوكيل بسبب سخطها الشعير، وأنه ذكر أنه لا ~~نفقة لها. فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأجابها بما أجاب فالتعليل ~~هو الاختلاف في النفقة لا ما ذكر، فإن قام دليل أقوى من هذا الظاهر عمل به. PageV08P363 # وأما عمر - رضي الله عنه - فقال: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول ~~امرأة جهلت أو نسيت" (¬1). # قال العلماء: الذي هو في كتاب ربنا: إنما هو إثبات السكنى. قال الدارقطني ~~(¬2): [وقوله] (¬3): وسنة نبينا. زيادة غير محفوظة، لم يذكرها جماعة من ~~الثقات. واحترزنا بالحايل: عن الحامل فإن النفقة تجب لها، وكذا السكنى، ~~وبالبائن: عن الرجعية، فإنهما يجبان لها بالإجماع، وبالمطلقة المتوفى عنها، ~~فإنه لا نفقة لها بالإجماع، والأصح عند الشافعية: وجوب السكنى لها، وقال ~~مالك: لا سكنى لها إلا أن تكون قيمة الدار ومنفعتها ملكا للميت، وقال أبو ~~حنيفة: لا سكنى لها مطلقا. روي أيضا عن مالك، حكاها القرطبي (¬4) ووصفها ~~بالشذوذ. فلو كانت حاملا فالمشهور عند الشافعية، أنه لا نفقة لها، وقيل: ~~يجب وهو غلط. # الثالثة: وقوع الطلاق في غيبة المرأة، وهو إجماع. # الرابعة: جواز الوكالة في أداء الحقوق، وهو إجماع أيضا. # الخامسة: جواز زيارة الرجال المرأة الصالحة إذا لم تؤد إلى فتنتهم ms1470 ~~وفتنتها, ولا يحصل به خلوة محرمة، ومن ذلك أيضا الحديث الصحيح (¬5) في ~~المرأة التي كانت تصنع لهم أصول السلق والشعير، PageV08P364 # فتقدمه للصحابة عند انصرافهم عن صلاة الجمعة، فيأكلونه عند زيارتهم لها. # السادسة: تحريم نظر المرأة الأجنبية إلى الرجل الأجنبي وتحريم نظره ~~إليها، وقد احتج بحديث فاطمة هذا على جواز نظرها إلى الأجنبي بخلاف نظرها ~~إليه، قال النووي في "شرح مسلم" (¬1): وهذا قول ضعيف، والذي عليه جمهور ~~العلماء وأكثر [أصحابنا] (¬2) أنه يحرم [عليها أيضا النظر إليه كعكسه] (¬3) ~~لقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} {وقل للمؤمنات يغضضن من ~~أبصارهن} (¬4) ولأن الفتنة مشتركة، قال: ويدل عليه من السنة الحديث الحسن ~~في سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة، أنها ~~كانت هي وميمونة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخل ابن أم مكتوم، فقال ~~-عليه الصلاة والسلام-: "احتجبا منه" فقلنا: إنه أعمى لا يبصرنا! فقال ~~-عليه الصلاة والسلام-: أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟ " (¬5)؟ PageV08P365 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P366 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P367 # قال الترمذي: حديث حسن، ولا يلتفت إلى قدح من قدح فيه بغير حجة معتمدة. # وأما حديث فاطمة هذا مع ابن أم مكتوم فليس فيه إذن لها في النظر إليه، بل ~~فيه أنها تأمن عنده من نظر غيره إليها كما سلف، واعترض الشيخ تقي الدين ~~فقال: اختار بعض المتأخرين -وعنى به النووي- تحريم نظر المرأة إلى الأجنبي، ~~واستدل بالآية السالفة وفيه نظر، لأن لفظة "من" فيها للتبعيض ولا خلاف أنها ~~إذا خافت الفتنة حرم عليها النظر. [فإن] (¬1) هذه حالة يجب فيها الغض. ~~[فيمكن حمل الآية عليها فلا تدل الآية حينئذ على وجوب الغض مطلقا] (¬2)، أو ~~في غير هذه الحالة، وهذا [و] (¬3) إن لم يكن ظاهر اللفظ فهو محتمل له ~~احتمالا جيدا، يتوقف معه الاستدلال على محل الخلاف، ثم قال: وقال هذا ~~المتأخر. # وأما حديث فاطمة: فذكر ما أسلفناه، ثم قال: وهذا الذي قاله إعراض عن ~~التعليل [بعماه] (¬4) وكان يقوى لو تجرد الأمر بالاعتداد عنده عن التعليل ~~بعماه، وما ذكره من المشقة موجود في نظرها إليه، مع مخالطتها ms1471 له في البيت، ~~ويمكن أن يقال: [إنه] (¬5) إنما علل PageV08P368 # بالعمى [كونها] (¬1) تضع ثيابها من غير رؤيته لها، فحينئذ يخرج التعليل ~~عن الحكم باعتدادها عنده. # وأجاب القاضي (¬2)، والقرطبي (¬3): عن حديث أم سلمة السالف بوجهين: # أحدهما: أنه لا يصح عند أهل النقل، لأن نبهان مولاها ممن لا يحتج بحديثه. ~~وذكره ابن عبد البر (¬4) أيضا [. .] (¬5) قال: ومن قال بحديث فاطمة احتج ~~بصحته، وأنه لا مطعن لأحد فيه، وأن نبهان ليس ممن يحتج بحديثه، وزعم أنه لم ~~يرو إلا حديثين منكرين: هذا والآخر في أداء المكاتب (¬6). وقال البيهقي في ~~"سننه" (¬7) في أبواب المكاتب: صاحبا الصحيح لم يخرجاه عنه، وكأنه لم تثبت ~~عدالته عندهما، [و] (¬8) لم يخرج من الجهالة برواية عدل عنه. PageV08P369 # قلت: [قد] (¬1) روى عنه الزهري، ومحمد بن عبد الرحمن مولى [آل طلحة] ~~(¬2)، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (¬3). # الجواب الثاني: إن ذلك من باب التغليظ على أزواجه لحرمتهن، كما غلظ عليهن ~~أمر الحجاب، وإلى هذا أشار أبو داود (¬4) PageV08P370 # وغيره من [الأئمة] (¬1). # [السابعة] (¬2): جواز التعريض بخطبة البائن، وهو الأظهر عند الشافعية، ~~واستبعد القاضي (¬3) استنباط هذا الحديث إذ ليس في قوله "آذنيني" أو "لا ~~تسبقيني بنفسك" على الرواية الأخرى التي في مسلم: غير أمرها بالتربص، ولم ~~يسم لها زوجا، قال: وإنما يكون التعريض من الزوج أو ممن يتوسط له بعد ~~تعيينه ومعرفته. وأما في مجهول فلا يصح فيه التعريض، إذ لا يصح مواعدته، ~~قال: لكن في الحديث ما يدل على منع التعريض والمواعدة في العدة، إذ لم يذكر ~~لها -عليه الصلاة والسلام- مراده ولا واعدها عليه ولا خطبها لأسامة. هذا ~~آخر كلامه، وفيه نظر، إذ لا يلزم من الترك المنع مع أن القرآن مصرح بجواز ~~التعريض. PageV08P371 # الثامنة: مساكنة من ليس بمحرم، وفي "صحيح مسلم" هنا، وفي حديث الجساسة ~~آخر الكتاب، أنه -عليه الصلاة والسلام- قال لها: "انتقلي إلى ابن عمك ابن ~~أم مكتوم، وهو رجل من بني فهر قريش، وهو من البطن الذي هي منه"، هكذا هو في ~~كل نسخة. فاعترض القاضي (¬1) [بأن] (¬2) المعروف أنه ليس [ابن] (¬3) عمها, ms1472 ~~ولا من البطن الذي هي منه، بل هي من [بني] (¬4) محارب بن فهر، وهو من بني ~~عامر بن لؤي. # وأجاب النووي (¬5) فقال: الصواب أن ما جاءت به الرواية صحيح، والمراد ~~بالبطن هنا القبيلة لا البطن الذي هو أخص منها، والمراد أنه ابن عمها ~~مجازا, لكنه من قبيلتها، فإنهما يجتمعان في فهر. # [التاسعة: جواز خروج المعتدة من بيت زوجها للحاجة، ولا يجوز لغيرها. ومن ~~الحاجة خروجها للاستفتاء] (¬6). # [العاشرة] (¬7): جواز الخطبة على الخطبة من لم يجب ولم يرد، أو لا تعلم ~~إجابته ولا رده، أو من أخرت الإجابة حتى شاور، PageV08P372 # لأنه -عليه الصلاة والسلام- ذكر لها أسامة قبل إجابتها لهما, ولم ينكر ~~أيضا وقوع خطبتهما، فإذن لا تضاد بين هذا الحديث وحديث النهي عن الخطبة على ~~الخطبة، لأن حديث النهي محمول على ما إذا صرح للخاطب الأول بالإجابة. وأيضا ~~فحديث فاطمة محمول على رعاية المصلحة وأنها لا تحرم عند المصلحة، ويكون ~~-عليه الصلاة والسلام- قد علم بخطبتها ومصلحتها في خلافهما. # الحادي عشرة: جواز ذكر الإنسان بما فيه عند النصيحة، ولا يكون من الغيبة ~~المحرمة، وهو أحد المواضع الستة التي يباح الغيبة فيها، لأجل المصلحة (¬1). # الثاني عشرة: جواز استعمال المجاز للمبالغة، وجواز إطلاق هذه العبارة، ~~فإن أبا جهم لابد أن يضع عصاه حالة نومه أو أكله، وكذلك معاوية لابد أن ~~يكون له ثوب يلبسه مثلا، لكن اعتبر حال PageV08P373 # الغلبة وهجر النادر اليسير. والمجاز في أبي جهم أظهر منه في معاوية، لأن ~~لنا أن نقول إن لفظة المال انتقلت في العرف عن موضوعها الأصلي إلى ما له ~~قدر من المملوكات، ذلك مجاز شائع ينزل منزلة النقل، فلا يتناول الشيء ~~اليسير جدا بخلاف ما قيل في أبي جهم، نبه عليه الشيخ تقي الدين (¬1). # الثالثة عشرة: أن النادر ملحق بالغالب. # الرابعة عشرة: تزويج القرشية بغير قرشي. # الخامسة عشرة: قد يستدل به على أنه إذا لم يكن للمرأة ولي خاص وزوجها ~~السلطان بغير كفؤ أنه يصح، وهو ما صححه الغزالي وإمامه إمام الحرمين، لأن ~~الظاهر أن فاطمة هذه لم ms1473 يكن لها ولي خاص -أعني مستحقا للولاية- لأن أخاها ~~الضحاك إنما كان صغيرا أو لم يسلم، وهي قرشية، وهو كلبي غير قرشي، وقد ~~زوجها -عليه الصلاة والسلام-، إلا أن يدعى أن هذا من خصائص أسامة، خصه ~~الشارع به، وقد يستدل به لمذهب مالك أن الكفاءة في الدين لا النسب. # السادسة عشرة: نصيحة الكبار أتباعهم، وتكريرها عليهم، وإرشادهم إلى ~~مصلحتهم، ورجوع الأتباع إلى قولهم، وتركهم حظوظهم، وأن عاقبة ذلك محمودة، ~~وشاهد ذلك نصا قوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} (¬2)، وقوله: ~~{فعسى أن تكرهوا PageV08P374 # شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19)} (¬1). # السابعة عشرة: جواز سماع كلام الأجنبية في الاستفتاء ونحوه. # الثامنة عشرة: الحرص على مصاحبة أهل [العرض] (¬2) وإن دنت أنسابهم. # التاسعة عشرة: قال القاضي (¬3): فيه مراعاة المال في النكاح، لاسيما في ~~حق الأزواج، إذ به تقوم حقوق المرأة. # العشرون: قال: فيه أيضا حجة لإخراج كل مؤذ لجيرانه عنهم من منزله، لإخراج ~~فاطمة هذه من حقها في السكنى، وقد قال مالك وأصحابه في مثله إن المنزل يباع ~~عليه أو يكرى. # الحادية والعشرون: استنبط البغوي في "شرح السنة" (¬4) منه أيضا من قوله ~~"وأما معاوية فصعلوك لا مال له" إن الرجل إذا لم يجد نفقة أهله وطلبت ~~فراقه، فرق بينهما. PageV08P375 ### || AUTO 65 - باب العدة # هي اسم لمدة معدودة تتربص فيها المرأة لتعرف براءة رحمها، وذلك يحصل ~~بالولادة أو الأقراء أو الأشهر، وذكر المصنف في آخر الباب الإحداد لتعلقه ~~بها، وذكر فيه أربعة أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 337/ 1/ 65 - عن سبيعة الأسلمية: "أنها كانت تحت سعد ابن خولة -وهو من ~~بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرا- فتوفي في حجة الوداع، وهي حامل فلم ~~تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل ~~عليها أبو السنابل بن بعكك -رجل من بني عبد الدار- فقال لها: ما لي أراك ~~متجملة؟ لعلك ترجين النكاح، والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر ~~وعشر. قالت سبيعة: فلما قال ليس ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت، ms1474 فأتيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأني قد حللت حين ~~وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي" (¬1). PageV08P376 # قال ابن شهاب: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت, وإن كانت في دمها، غير ~~أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # وهو بهذه السياقة لمسلم، وزاد بعد "توفي" لفظة "عنها"، وقبل [لفظة] (¬2) ~~"والله" لفظة "إنك". # وفي بعض طرق البخاري (¬3) "إنها وضعت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة" ولم ~~يذكر قول ابن شهاب السالف، وفي رواية له (¬4) "فمكثت قريبا من عشر ليال، ثم ~~جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال انكحي". # الأول: في التعريف براويه: هي سبيعة -بضم السين المهملة ثم باء موحدة ~~مفتوحة، ثم ياء مثناة تحت ساكنة، ثم عين مهملة، ثم هاء- بنت الحارث ~~الأسلمية، لها صحبة ورواية، روت اثنا عشر حديثا روى عنها زفر بن أوس بن ~~الحدثان وجماعة قال أبو عمر: روى عنها فقهاء أهل المدينة وفقهاء أهل الكوفة ~~من التابعين حديثها PageV08P377 # هذا، وروى عنها ابن عمر حديث: "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت ~~فإنه لا يموت بها أحد إلا كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة" (¬1). قال: ~~وزعم العقيلي أن التي روى عنها ابن عمر غير الأولى، ولا يصح ذلك عندي (¬2). # [فائدة: سبيعة -تصغير سبعة- وهي اللبوة أي أنثى الأسد. قاله الجوهري] (¬3). # [الوجه] (¬4) الثاني: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه: أما سعد بن خولة: ~~فقد سلف واضحا في باب الوصية. # وقوله: "وهو في بني عامر بن لؤي"، كذا هو في النسخ "في بني عامر" وهو ~~صحيح ومعناه نسبته فيهم أي هو منهم. PageV08P378 # وأما أبو السنابل (¬1): فهو -بفتح السين- جمع سنبلة ابن PageV08P379 # بعكك -بفتح الكاف- مصروف بن الحارث القرشي العبدري من مسلمة الفتح، في ~~اسمه تسعة أقوال: # أحدها: عمرو. ثانيها: لبيد ربه. ثالثها: حبة -بالباء-. رابعها: حنة ~~-بالنون-. خامسها: بعكك. سادسها: عامر. سابعها: أصرم. ثامنها: أن اسمه ~~كنية. تاسعها: بغيض، سكن الكوفة، وهو شاعر إسلامي. قال البخاري (¬1): لا ~~أعرفه أنه عاش بعد النبي - صلى الله عليه وسلم ms1475 -. وقال ابن سعد: بقي بعده ~~زمنا. قال: وأمه عمرة بنت أوس ابن أبي عمرو، من بني عذرة. # وقال خليفة: أقام بمكة حتى مات. قال ابن إسحاق وهو من المؤلفة قلوبهم. # قلت: وله ولد اسمه سنابل قال ابن دريد في PageV08P380 # "الاشتقاق" (¬1) وله أخ يكنى أبا سنبلة. # فائدة: في قريش آخر يسمى أبا السنابل وهو [ابن] (¬2) عبد الله بن عامر بن ~~كريز كانت تحته خديجة بنت علي بن أبي طالب، وربما أشكل بهذا. قال البرقي: ~~ولد مسلما أمه أم البنين. # وأما ابن شهاب: فهو منسوب إلى جد جده، وهو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد ~~الله بن عبد الله [. .] (¬3) بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب ~~القرشي الزهري المدني ثم الشامي الإمام، اعلم الحفاظ، أخذ عن الفقهاء ~~السبعة في جمع كثير من التابعين، وسمع أنسا وسهل بن سعد وأبا الطفيل وغيرهم ~~من الصحابة [قال ابن طاهر يقال إنه رأى عشرة من الصحابة] (¬4). قال أبو ~~داود: حديثه ألفان ومائتان، النصف منها مسند، ومن حفظ الزهري أنه حفظ ~~القرآن في ثمانين ليلة. وقال: ما استودعت قلبي علما فنسيته. قال مالك: بقي ~~ابن شهاب وما له في الدنيا نظير. وقال غيره: كانت الدراهم والدنانير عنده ~~بمنزلة البعر، وكان يخضب بالحناء والكتم، أدى هشام عنه سبعة آلاف دينار ~~دينا، وكان يؤدب ولده، ويجالسه، [ووفد] (¬5) على عبد الملك أيضا فأعجبه ~~ووصله وقضى دينه، أملى على بعض ولد هشام بن عبد الملك أربعمائة حديث ثم خرج ~~فأملاها PageV08P381 # على أصحاب الحديث، ثم إن هشاما قال له بعد شهر أو نحوه: ضاع الكتاب ~~فأملاها وقوبل بالأول فما غادر حرفا. قال عراك بن مالك: أعلمهم جميعا يعني ~~ابن المسيب وعروة وعبيد الله بن عبد الله وأعلمهم جميعا عندي محمد بن شهاب، ~~لأنه جمع علمهم إلى علمه مات سنة أربع وعشرين ومائة، ليلة الثلاثاء لسبع ~~عشرة ليلة خلت من رمضان، وقيل: سنة ثلاث في ناحية الشام، وقد جاوز السبعين، ~~وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق بضيعة يقال لها ms1476 "شغب بدا" بفتح السين وسكون ~~العين المعجمتين وبباء موحدة ثم دال مهملة قيل: إنها ضيعته. # الوجه الثالث: لم يذكر المصنف مدة وضع الحمل بعد وفاة زوجها. وقد ~~أسلفناها أيضا "فمكثت قريبا من عشر ليال، ثم جاءت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقال: انكحي". وفي رواية لأحمد من حديث ابن مسعود "أنها وضعت بعد ~~وفاته بخمس عشرة ليلة. وفي رواية [له] (¬1) من حديث بن الأسود عن أبي ~~السنابل "بثلاث وعشرين ليلة". وفي رواية للنسائي "قريبا من عشرين ليلة". ~~وفي رواية له: "لأدنى من أربعة أشهر وفي رواية للنسائي والترمذي "بثلاث ~~وعشرين يوما أو خمسة وعشرين". وفي الطبراني "فمكثت بعده شهرين ثم وضعت" وفي ~~رواية له "ثمان أو سبع" وفي رواية له "ببضع وعشرين ليلة". # الوجه الرابع: كان الخاطب لها كهلا هو أبو السنابل وشابا PageV08P382 # وهو أبو اليسر قاله ابن العطار في "شرحه" (¬1). # الوجه الخامس: في ألفاظه. # معنى "لم تنشب" لم تمكث. # ومعنى "تعلت من نفاسه": طهرت منه، وحكى الأصبهاني فيه لغة أخرى: تعالت ~~[قال القرطبي (¬2): ويحتمل أن يكون المراد "تعلت" هنا: الاستقلال من ~~أوجاعها] (¬3). [وخطبة أبي السنابل لها ثابتة في "صحيح البخاري" من رواية ~~أبي سلمة بن عبد الرحمن ولفظه وكان أبو السنابل فيمن خطبها وفي "مسند أحمد" ~~(¬4) من حديث ابن مسعود "أنها لما أخبرته بقول أبي السنابل، قال -عليه ~~الصلاة والسلام- "كذب أبو السنابل إذا أتاك أحد ترضيه فأنبئني [به] (¬5) أو ~~قال: فأنبئني، فأخبرها أن عدتها قد انقضت"] (¬6). # ومعنى "تجملت": أي تزينت. PageV08P383 # ومعنى قوله -عليه الصلاة والسلام- في رواية أحمد "كذب" أي أخطأ وقيل: ~~سماه كاذبا، لأنه كان عالما ثم أفتى بخلافه، حكاه ابن داود من أصحابنا، ~~وفيه بعد، فإنه حلف بالله على ما أفتاها به وقيل: إنما قال لها أبو السنابل ~~ما قال لتتربص حتى يأتي أولياؤها إذ كانوا غيبا فيتزوجها هو إذ كان له فيها ~~غرض، وكان رجلا كبيرا، فمالت إلى نكاح غيره كما جاء في حديث مالك، حكاه ~~القاضي (¬1) قال: ويحتمل أنه حمل الآية على العموم، كما حملها غيره. ms1477 # وقول ابن شهاب: "غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر"، معناها أن زواجها ~~بعد الوضع صحيح، وأن وطئها حال النفاس حرام كغيرها، وهو مجمع عليه. # الوجه السادس: في فوائده: # الأولى: إن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بوضعه ولو كان بلحظة قبل غسله، ~~وبه قال الأئمة الأربعة والعلماء كافة إلا رواية عن علي وابن عباس وسحنون ~~المالكي، أن عدتها بأقصى الأجلين، فإن تقدم وضع الحمل على تمام أربعة أشهر ~~وعشرا انتظرت تمامها، وإن تقدمت الأربعة أشهر والعشر على وضع الحمل انتظرت ~~وضع الحمل، وروي عن ابن عباس الرجوع عنه، ويصحح ذلك أن أكابر أصحابه كعطاء ~~وعكرمة وجابر بن زيد يقولون بما أسلفناه عن العلماء. PageV08P384 # وسبب هذا الخلاف: تعارض عموم قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم. . . .} ~~(¬1) الآية، مع قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} (¬2)، ~~فإن كل واحد من الاثنين عام من وجه خاص من وجه، فعموم الأولى [و] (¬3) هي ~~المتوفى عنها، سواء كانت حاملا أم لا؟ والثانية وهي وأولات الأحمال، سواء ~~كانت المرأة متوفى عنها زوجها أم لا؟ فلعل هذا التعارض هو السبب لاختيار من ~~اختار أقصى الأجلين لعدم ترجيح أحدهما على الآخر عنده، وذلك يوجب [أن] (¬4) ~~لا يرفع تحريم العدة السابقة إلا بيقين الحل, وذلك بأقصى الأجلين لكن فقهاء ~~الأمصار اعتمدوا على هذا الحديث فإنه يخصص عموم آية الوفاة، وهو أيضا آخر ~~الأمر فإنه بعد حجة الوداع مع ظهور المعنى في حصول البراءة بوضع الحمل. ~~وكان علي - رضي الله عنه - يرى أن آية البقرة آخر الآيتين نزولا، وخالفه ~~ابن مسعود وقال: من شاء لاعنته أن آية الطلاق نزلت بعدها، فهي مخصصة ~~بعمومها، أو ناسخة له على من يرى أن التخصيص نسخ. # الثانية: أن المعتدة تنقضي عدتها بوضع الحمل وإن لم تطهر من النفاس، كما ~~صرح به الزهري، وهو مقتضى قولها "فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي"، ~~وقال الشعبي والحسن وحماد والنخعي فيما روي عنهم: لا يصح زواجها حتى تطهر ~~من نفاسها PageV08P385 # متعلقين بقوله: "فلما تعلت من نفاسها"، أي طهرت ms1478 , قال لها: "قد حللت ~~فانكحي من شئت" رتب الحل على التعلي، فيكون علة له، وهو ضعيف لتصريح ~~الرواية بأنه أفتاها بالحل بوضع الحمل، وهو أصرح من ذلك الترتيب المذكور ~~نبه على ذلك الشيخ تقي الدين (¬1) ولم أر من خرج هذه الرواية بهذا اللفظ، ~~والذي ذكره النووي في "شرحه لمسلم" (¬2) إنهم احتجوا بقوله: "فلما تعلت من ~~نفاسها". ثم أجاب بأن هذا إخبار عن وقت سؤالها ولا حجة فيه، وإنما الحجة في ~~قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنها حلت حين وضعت"، ولم يعلل بالطهر من ~~النفاس. # الثالثة: انقضاؤها بوضعه على أي وجه كان من مضغة أو علقة أو استبان فيه ~~الخلق أم لا؟ فإنه -عليه الصلاة والسلام- رتب الحل على وضعه من غير ~~استفصال، وهو دال على العموم، وضعفه الشيخ تقي الدين (¬3) بأن الغالب هو ~~الحمل التام المتخلق، ووضع المضغة والعلقة نادر، وحمل الجواب على الغالب ~~ظاهر، وإنما تقوي تلك القاعدة حيث لا يترجح بعض الاحتمالات على بعض ويختلف ~~الحكم باختلافها. هذا كلامه، وقد يترجح هنا الأول بالمعنى وهو أن وضع ~~العلقة والمضغة دالة على براءة الرحم، وهو الأحوط هنا وللشافعي قول مخرج أن ~~العدة لا تنقضي بوضع قطعة لحم، ليس فيها صورة بينة ولا خفية، وقالت ~~القوابل: هي أصل آدمي، PageV08P386 # والصحيح الانقضاء بها. # الرابعة: جواز تجمل المرأة للخطاب بشرط أن لا يكون فيه زور في ملبس أو ~~خلق من وصل شعر أو تحمير وجه أو كثرة مال وغير ذلك مما يرغب في نكاحها ~~عادة، فإنه كذب وغش. # الخامسة: أن النكاح لا يجب على المرأة لأمره -عليه الصلاة والسلام- لها ~~به "إن بدا لها"، فلو كان محتما من جهة الشرع لم يقيده باختيارها. # السادسة: التوقف عن الأمر حتى يراجع الشرع. # السابعة: الفتيا في العلم وخروج المرأة لها ليلا. PageV08P387 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 338/ 2/ 65 - عن زينب بنت أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: توفي حميم لأم ~~حبيبة فدعت بصفرة فمسحته بذراعيها، وقالت: إنما أصنع هذا لأني سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يحل لامرأة ms1479 تؤمن بالله واليوم الآخر ~~أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" (¬1). # الحميم: القرابة. # الكلام عليه من وجوه: وننبه قبلها أن السياق المذكور لمسلم. # الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في كتاب النكاح. # وأما زينب فهي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله ~~بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية ربيبة PageV08P388 # النبي - صلى الله عليه وسلم -، وابنة أخيه من الرضاعة، لأن أباها رضع معه ~~من ثويبة كما سلف، وهي أخت عمر بن أبي سلمة أيضا، أمهما أم سلمة أم ~~المؤمنين، ولدت بأرض الحبشة، وكان اسمها برة، فسماها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - زينب، روى لها البخاري حديثا، ومسلم آخر، وروى عنها الشعبي ~~وغيره. وقال العجلي إنها مدنية تابعية ثقة. وقال ابن القطان: هي معدودة من ~~[التابعيات] (¬1) ماتت في ولاية طارق (¬2) على المدينة سنة ثلاث وسبعين، ~~وحضر ابن عمر جنازتها، وقيل: قبل السبعين قاله البخاري. قال ابن سعد: ~~تزوجها عبد الله بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب فولدت له أولادا، وقد ~~كانت أسماء بنت أبي بكر أرضعتها فهي أخت أولادها من الرضاعة. قال أبو عمر: ~~ويروي أنها دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يغتسل فنضح في ~~وجهها. قالوا فلم يزل الشباب في وجهها حتى كبرت وعجزت، وكانت من أفقه نساء ~~زمانها. # الوجه الثاني: بيان المبهم الواقع فيه، وهو "حميم أم حبيبة"، وقد قال ابن ~~العطار: في "شرحه" لا أعرفه مسمى في المبهم ولا غيره. # قلت: في الصحيحين (¬3) عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت أم حبيبة زوج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت بطيب ~~فيه صفرة، ثم ذكرت الحديث فاستفده. PageV08P389 # الثالث: في ألفاظه ومعانيه. # الحميم: في الأصل الماء الحار. ويقال: لخاصة الإنسان، ومن يقرب منه حميم ~~أيضا، وكأنه لما كان القرب من الخمس حاملا على حرارة الحمية والشفقة عليه ~~سمي حميما لمشابهة الماء الحار في المعنى، ووقع في رواية العدوي لمسلم ms1480 ~~"حميمة" بدل "حميم"، ووقع في نسخة ابن الحذاء "لأم سلمة" بدل "أم حبيبة". ~~والصواب: "حميم" و"أم حبيبة". # و"الصفرة" بضم الصاد خلوق بفتح الحاء: طيب مخلوط، وإنما دعت به لتدفع ~~صورة الإحداد ومسحها به بذراعيها، وفي الصحيحين "بعارضيها" ولعلها مسحتها. ~~لكون ذلك أظهر ما في بدن الإنسان، ليكون أبلغ في ظهور العمل بالشرع في ترك ~~الإحداد على الميت غير الزوج. # "والذراعان" عظما المرفقين إلى الرسغ من اليدين. # "والعارضان" جانبا الوجه فوق الذقن إلى ما وراء الأذن. # وقوله: "تحد" هو بالحاء المهملة مضمومة مكسورة. قال الخطابي (¬1) في ~~كتابه "تصاحيف الرواة": يروى "تحد" بالجيم والحاء وهو أجود، وبمعنى لا يختلف. # وقال غيره: رواية الجيم ليست بشيء، لأن الوجد لا يكون إلى اختيار الآدمي. ~~وقال الترمذي في "شرح الفصيح" (¬2): روايته بالحاء PageV08P390 # أشهر، ورواية الجيم مأخوذة من جذذت الشيء إذا قطعته، فكأنها أيضا قد ~~انقطعت عن الزينة، وما كانت عليه قبل ذلك. # قال أهل اللغة: والحداد والإحداد: مشتق من الحد، وهو المنع، لأنها تمنع ~~من الزينة والطيب، يقال: أحدت المرأة تحد إحدادا رباعيا، وحدت تحد بضم ~~الحاء وكسرها حدا بكسرها، كذا قاله الجمهور أنه يقال: أحدت وحدت رباعيا ~~وثلاثيا (¬1). # وقال الأصمعي: لا يقال إلا رباعيا، ويقال: امرأة حادا ولا يقال: حادة ~~(¬2)، وكل ما يصاغ من (ح، د) كيف ما تصرف فهو راجع إلى معنى المنع. ومنه: ~~الحداد للبواب. # والإحداد في الشرع: ترك الطيب والزينة، ومحل الخوض في تفصيله كتب الفروع. # وفاعل "لا يحل" المصدر الذي (¬3) يمكن صياغته من يحد مع أن. فكأنه قال: ~~الإحداد. # "وأربعة" منصوب على الظرف. والعامل فيه يحد. "وعشرا" معطوف، وأنثها لأنه ~~أراد به مدة العشر، قاله المبرد، وقيل: لأنه أراد به الأيام بلياليها، ~~وإليه ذهب العلماء كافة، كما سيأتي. PageV08P391 # الوجه الثالث في فوائده: # الأولى: وجوب الإحداد على المعتدة من وفاة زوجها, ولا خلاف فيه في ~~الجملة، وإن اختلفوا في التفصيل. # الثانية: وجوبه على كل زوج، سواء كان عند الدخول أو قبله لإطلاق قوله: ~~"إلا [على] (¬1) زوج". # الثالثة: وجوبه على كل امرأة، ms1481 سواء كانت صغيرة أو كبيرة، حرة أو أمة، ~~مسلمة أو كافرة، لعموم قوله: "لامرأة" (¬2) وهذا مذهب PageV08P392 # الشافعي والجمهور، ولكن في دخول الصغيرة تحت لفظ المرأة نظر، فإن وجب من ~~غير دخوله تحته فبدليل آخر. # وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين وأبو ثور وبعض المالكية: لا يجب على ~~الزوجة الكتابية لوصفها بالحديث في الإيمان. # وأجاب الأولون: بأن هذا ليس لتقييد الحكم به، بل لتأكيده مثل قوله تعالى: ~~{وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23)} وتقول العرب: أطعني إن كنت ابني. ~~وأجاب النووي في "شرحه" (¬1) أن PageV08P393 # [المؤمن هو الذي ينقاد لأحكام الشرع فلذلك] (¬1) قيد به، ونقل الشيخ تقي ~~الدين في "شرحه" (¬2) هذا عن بعض المتأخرين، وعنى به النووي، ثم قال: وغير ~~هذا أقوى منه، وهو أن يكون ذكر [هذا الوصف] (¬3) لتأكيد [التحريم] (¬4). # وخالف أبو حنيفة في الصغيرة والزوجة الأمة [فقال] (¬5): لا إحداد عليهما ~~وقام الإجماع على أنه لا إحداد على أم الولد ولا على الأمة إذا توفي عنهما ~~سيدهما، وقد يؤخذ ذلك من الحديث من حيث إنهما ليستا بزوجتين، والحكم متعلق ~~بالزوجية، وقام أيضا على أنه لا إحداد على الرجعية لبقاء أحكام النكاح فيها. # واختلفوا في المطلقة ثلاثا على قولين (¬6): PageV08P394 # أحدهما: لا إحداد عليها لظاهر الحديث, فإن قوله "إلا على زوج" إيجاب بعد ~~نفي فيقتضي حصر الإحداد على المتوفى عنها زوجها، فلا تدخل المطلقة فيه من ~~جهة لفظه بوجه. وبه قال عطاء وربيعة ومالك والليث وابن المنذر، وهو أصح ~~قولي الشافعي. # وثانيهما: نعم وبه قال الحكم وأبو حنيفة والكوفيون وأبو ثور وأبو عبيدة ~~قياسا على المتوفى عنها. # وحكى القاضي عياض (¬1) قولا شاذا غريبا عن الحسن البصري (¬2) أنه لا يجب ~~الإحداد على المطلقة، ولا على المتوفى PageV08P395 # عنها. قال القاضي واستفيد وجوب الإحداد على المتوفى عنها من اتفاق ~~العلماء على حمل هذا الحديث على ذلك، مع أنه ليس في لفظه ما يدل على الوجوب ~~أي فإن قوله: "على زوج" مستثنى من قوله: "لا يحل" وظاهره لا يقتضي إلا ~~الجواز، ولكن اتفقوا على حمله على الوجوب ms1482 عليه قوله -عليه الصلاة والسلام- ~~في حديث أم عطية (¬1) وأم سلمة (¬2) في الكحل والطيب واللباس، ومنعها منه ~~أي وأنه استثنى الواجب من الحرام. # فرع: امرأة المفقود تحد عند مالك خلافا لابن الماجشون، حكاه ابن عبد البر. # ولا إحداد على من تبين بعد الموت فساد نكاحها، كما قاله PageV08P396 # ابن القاسم في "المدونة". # تنبيه: ادعى الشافعى رحمه الله أن عموم "لا يحل لامرأة" دال على تحريم ~~الإحداد على الأمة والموطوءة بشبهة، وفيه نظر بالنسبة إلى الموطوءة بشبهة، ~~فإن الموت لا يؤثر في [عدتها] (¬1). # وقد يجاب: بأن [ترضى] (¬2) [المسلمة] (¬3) في عدتها عن مستفرشها بشبهة ~~إذا مات (¬4). # فائدة: الحكمة في شرعية الإحداد في عدة الوفاة دون الطلاق: أن الزينة ~~والطيب يدعوان إلى النكاح ويوقعان فيه، فنهيت عنه، ليكون الامتناع من ذلك ~~زاجرا عن النكاح، لكون الزوج ميتا لا يمنع معتدته عن النكاح، ولا يراعيه ~~ناكحها، ولا يخاف منه بخلاف المطلق الحي، فإنه يستغنى بوجوده، عن زاجر آخر، ~~ولهذه العلة وجبت العدة على كل متوفى عنها، وإن لم يكن مدخولا بها بخلاف ~~الطلاق فاستظهر للميت بوجوب العدة، وجعلت أربعة أشهر وعشرا، لأن الأربعة ~~أشهر فيها تنفخ الروح في الولد إن كان والعشر احتياط، وفي هذه المدة يتحرك ~~الولد في البطن ولم يوكل ذلك إلى أمانة النساء، ويجعل بالأقراء كالطلاق كما ~~ذكرناه من الاحتياط للميت، وهذا سر لطيف ولما كانت الصغيرة من الزوجات ~~نادرة ألحقت PageV08P397 # بالغالب في حكم وجوب العدة والإحداد حسما [للباب] (¬1). # الرابعة: أن مدة عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها، ~~وبهذا قال العلماء كافة، وحكي عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي أنها أربعة ~~أشهر وعشرة ليال، وأنها تحل في اليوم العاشر. # وعند الجمهور حتى تدخل ليلة الحادي عشر. ثم التقييد بالمدة المذكورة خرج ~~على غالب المعتدات أنهن يعتددن بالأشهر. # أما الحامل: فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد في جميع العدة حتى تضع، قصرت ~~المدة أو طالت. # وعن بعضهم: أنه لا إحداد عليها بعد أربعة أشهر وعشرة، وإن لم تضع الحمل. # الخامسة: جواز الإحداد على ms1483 غير الزوج ثلاثة فما دونها، ومنعه فيما زاد، ~~وادعى ابن العطار أن التقييد بما فوق الثلاث ليس فيه الإذن في الثلاث وما ~~دونها، وإنما هو تقييد خرج مخرج العادة للنفوس، وعليه طبعها كما جعل في ~~الهجرة بين المسلمين (¬2) فوق ثلاث، لكن مفهومه الإباحة في الثلاث، لأجل حظ ~~النفس ومراعاتها , ولهذا دعت أم حبيبة بالخلوق، وتمسحت به، لعلمها بأن PageV08P398 # الشارع لم يأذن في الإحداد على غير الزوج مطلقا، من غير أن تفعل ذلك بعد ~~الثلاث، حيث علمت أن التقييد بالثلاث. إنما هو مراعاة للعادة في حظ [النفس] ~~(¬1) لا لأجل الأذن في الثلاث وفيما ذكره نظر لا يخفى، وادعى أيضا القرطبي ~~في "شرحه" (¬2) أنه يستفاد من قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فوق ثلاث" أن ~~المرأة إذا مات حميمها، فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة، تبدأ ~~بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها فإن مات حميمها في بقية يوم ~~أو ليلة ألغتها، وحسبت من الليلة المستأنفة. قال: فإنه -عليه الصلاة ~~والسلام- عني بقوله: "فوق ثلاث" الليالي، ولذلك أنث العدد. PageV08P399 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 339/ 3/ 65 - عن أم عطية رضي الله عنها: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر ~~وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل، ولا تمس طيبا، إلا إذا ~~طهرت نبذة من قسط أو أظفار" (¬1). # "العصب": ثياب من اليمن فيها بياض وسواد. # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في باب صلاة العيدين. # الثاني: في ألفاظه ومعانيه: تقدم الكلام في الحديث الذي قبله على ~~الإحداد، وحكمه، وحكمته، والمراد بالمصبوغ ما صبغ للزينة. # والعصب: بفتح العين وسكون الصاد المهملتين، وقد فسره المصنف (¬2)، وهو ~~كما قال: فإنه نوع من برود اليمن يعصب غزلها: ثم يصبغ معصوبا، ثم ينسج ~~فيأتي موشى لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ, ووقع في "روض الأنف" ~~للسهيلي: أنه نبت، فإنه قال: PageV08P400 # العصب لا ينبت إلا باليمن ثم عزاه إلى أبي ms1484 حنيفة. يعني الدينوري ولم يوجد ~~ذلك في "كتابه"، وذكر أبو المعالي (¬1) في "المنتهى": أن عصب اليمن هو ~~المفتول من برودها، قال: والعصب الخيار: قال أبو موسى المديني (¬2): ذكر ~~بعض أهل اليمن: أنه من دابة بحرية تسمى فرس فرعون يتخذ منها الخرز وغيره، ~~ويكون أبيض. قال صاحب "المستعذب في ألفاظ المهذب" (¬3) [وأن العصب] (¬4) ~~للسدي دون اللحمة. وإنما رخص فيه لأنه أكثر لباسهم، قاله السهروردي (¬5) في ~~"شرح ألفاظ المصابيح" (¬6) وأغرب الداودي، فقال: ثوب [عصب] (¬7) يعني ~~الخضرة، وهي الحبرة، وليس قوله "الخضرة" بصواب. PageV08P401 # والنبذة بضم النون: القطعة والشيء اليسير فعله من نبذ أي طرح ورمى [وأدخل ~~فيه الهاء لأرادة القطعة] (¬1). # والقسط: بضم القاف ويقال: بالكاف كما ورد في بعض روايات البخاري، وبتاء ~~بدل من الطاء، فهذه ثلاث لغات (¬2)، وقد صرح بهذا هكذا المفضل بن سلمة في ~~"كتاب الطيب" قال: وهو من طيب الأعراب. # والأظفار: نوع أيضا من البخور وليس هو، والقسط من مقصود الطيب، ورخص ~~فيهما لقطع الرائحة الكريهة. قال القاضي (¬3) والقرطبي (¬4): وأكثر ما ~~[يستعملان] (¬5) مع غيرهما فيما يتبخر به لا بمجردهما قالا، ووقع في كتاب ~~البخاري "قسط [الأظفاري] (¬6) " وهو خطأ إذ لا يضاف أحدهما للآخر، لأنه لا ~~نسبة بينهما، وعند بعضهم، "قسط ظفار" وهذا له وجه، فإن "ظفار": مدينة ~~باليمن نسب إليها القسط، وعلى هذا فينبغي أن لا يصرف للتعريف والتأنيث، ~~ويكون كحزام وقطام، أو يكون مبنيا على الكسرة في أحد القولين فيها. PageV08P402 # وفي قوله: "أو أظفار" محتملة للشك وللتخيير. # وفي رواية للبخاري غير متصلة "قسط وأظفار". # الوجه [الثالث] (¬1): في أحكامه. # الأول: نهي المحادة عن المصبوغ للزينة، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على ~~أنه لا يجوز للمحادة لبس الثياب المعصفرة [والمصبغة] (¬2) إلا ما صبغ بسواد ~~فرخص فيه أعني في المصبوغ بالسواد عروة بن الزبير ومالك والشافعي وكرهه ~~الزهري أي لكونه مصبوغا ومن أجازه أجاب بأنه غير مراد للزينة. # الثاني: استثناء [ثوب] (¬3) العصب منها، وهو مذهب الزهري، وكرهه عروة ~~والشافعي، وأجاز مالك غليظه، وكأنه حمل الحديث على ذلك لما كان المراد تجنب ~~الزينة. ms1485 # والأصح عند أصحابنا تحريمه مطلقا، والحديث حجة عليهم. # وأجاب أصحابنا: بحعله على ما يجوز لبسه من المصبوغ، فإن في حديث أم سلمة ~~في "سنن أبي داود" و"النسائي" بإسناد حسن أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: ~~"المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة" أي المصبوغة ~~بالمشق (¬4).وهو المغرة، فأطلق من غير تفصيل. PageV08P403 # وأجيب أيضا: بأنه قد جاء في رواية "ولا ثوبا مصبوغا ولا ثوب عصب" فتعارضا ~~وسقطت الدلالة، وهو جواب غير مرضي، فإنها زيادة غير محفوظة، ولا تعارض ~~الزيادة الثانية، الصحيحة، والحق أحق بالاتباع مع قاعدة الشافعي في العمل ~~بالحديث الصحيح. # قال ابن المنذر: ورخص جميع العلماء في الثياب البيض. وقد يؤخذ من مفهوم ~~الحديث. # ومنع بعض متأخري المالكية: جيد النبيض والسواد الذي يتزين به. # قال أصحابنا: ويجوز لها لبس ما صبغ ولا يقصد منه الزينة، وكذا الأمر يسم ~~في الأصح واختار الغزالي وجماعة التحريم فيه، لأنه إنما حل لها للزينة، ~~فالتحقت في حال الإحداد بالرجال، وفي حلى الذهب والفضة تفصيل وفي الآلىء ~~[خلاف ذكرته في كتب الفقه] (¬1). # الثالث: تحريم الاكتحال عليها، وفي حديث أم سلمة في "الموطأ" (¬2) الإذن ~~فيه ليلا ومسحه نهارا، وحمله العلماء على أنها كانت محتاجة إليه، فأذن لها ~~فيه ليلا، ومنعه نهارا، بيانا لجوازه عند الحاجة ليلا مع أن الأولى تركه. ~~فإن فعلته مسحته نهارا [لحديث] (¬3) الإذن فيه لبيان أنه غير حرام ليلا ~~للحاجة، وحديث النهي محمول على عدمها. PageV08P404 # وأما حديث: التي اشتكت [عينها] (¬1) فنهاها عنه، وسيأتي على الأثر فحمل ~~على أنه نهي تنزيه أو أنه -عليه الصلاة والسلام- لم يتحقق الخوف على عينها ~~أو أنه يحصل لها البرء بدونه كالتضميد بالصبر وغيره لكن في رواية لقاسم بن ~~أصبغ من حديث زينب بنت أبي سلمة "أفأكحلها؟ قال: لا، قالت: إني أخشى أن ~~تنفقىء عينها. قال: لا. وإن انفقأت" (¬2). # وقد اختلف العلماء في اكتحال المحدة فقال سالم بن عبد الله وسليمان بن ~~يسار ومالك في رواية عنه يجوز إذا خافت على عينها تكتحل بكحل لا طيب فيه. ~~وجوزه ms1486 بعضهم عند الحاجة وإن كان فيه طيب (¬3) ومذهبنا جوازه ليلا عند ~~الحاجة بماء لا طيب فيه، فإن دعت ضرورة إلى الاستعمال نهارا أيضا جاز، ~~والكحل الأصفر عندنا كالإثمد وأما الأبيض كالتوتياء (¬4) ونحوه فلا يحرم إذ ~~لا زينة فيه. وقيل: يحرم على البيضاء حيث تتزين به. # الرابع: جواز تطييب محل الحيض لها عند انقطاع الدم بما ذكر لإزالة ~~الرائحة الكريهة، لا لقصد التطيب، وهو من باب الرخص. قال القاضي عياض (¬5): ~~وظاهر الحديث أنها [تتبخر] (¬6) بذلك، وقال PageV08P405 # الداودي (¬1): تسحق القسط وتلقيه في الماء آخر غسلها، لتذهب رائحة الحيض، ~~كما قال -عليه الصلاة والسلام- في حديث الحيض "خذي فرصة من مسك" (¬2) ~~الحديث والأول أظهر، لأن القسط والأظفار لا يحصل منهما شيء إلا من بخورهما. PageV08P406 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 340/ 4/ 65 - عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: جاءت امرأة إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها ~~زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ~~"لا" -مرتين، أو ثلاثا-[كل ذلك يقول: لا] (¬1)، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر ~~وعشر. وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على الحول. فقالت زينب: ~~كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا، ولبست شر ثيابها ,ولم تمس طيبا ~~ولا شيئا حتى تمر [عليها] (¬2) سنة، ثم تؤتى بدابة -حمار [أو شاة أو طير] ~~(¬3) - فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات. ثم تخرج فتعطى بعره، فترمي بها. ~~ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره" (¬4). PageV08P407 # "الحفش": البيت الصغير (¬1). # و"تفتض": تدلك به جسدها (¬2). PageV08P408 # الكلام عليه من وجوه: # ولم يقل البخاري فيه "ولا شيئا" إنما هو لمسلم، وقال: "أو طائر" بدل "أو ~~طير"، وقال: سئل مالك: ما تفتض؟ قال: تمسح به جلدها. # الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الجنابة. # وزينب: هي بنتها روت الحديث عن أمها، وقد سلف التعريف بها في الباب. # الثاني: هذه السائلة عاتكة بنت نعيم أخت عبد الله بن نعيم العدوي (¬1). ~~وزوجها هو المغيرة المخزومي، كذا رأيته ms1487 في "موطأ عبد الله بن وهب". رواه عن ~~ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن أنه PageV08P409 # سمع القاسم بن محمد يخبر عن زينب بنت أبي سلمة، أن أمها أم سلمة: أخبرتها ~~أن ابنة نعيم بنت عبد الله العدوي أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها، وكانت تحت المغيرة المخزومي. ثم ساقت ~~الحديث. وأما البنت: فلم أقف إلى الآن على اسمها. # وقوله: "فقالت: زينب" قائل ذلك هو حميد بن نافع الراوي عن زينب. # الثالث: في بيان ألفاظه ومعانيه. # قولها: "اشتكت عينها" يجوز رفعها على الفاعلية على أن تكون العين هي ~~المشتكية، وهو ما اقتصر عليه النووي في "شرحه لمسلم" (¬1) ونصبه على أن ~~يكون في اشتكت ضمير الفاعل، وهي ابنة المرأة حكاه الشيخ تقي الدين (¬2)، ~~وقال: قد رجح. ونقل غيره عن الحافظ المنذري (¬3) أنه رجحه، لكن يرجح الأول ~~رواية مسلم "عيناها". # وقوله: "أفنكحلها" هو بضم الحاء وهو مما جاء مضموما وإن كان عينه حرف حلق. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا" فيه تأويلان أسلفتهما في الحديث قبله، ~~مع بيان اختلاف العلماء في المسألة. PageV08P410 # وقوله: "إنما هي أربعة أشهر وعشر" هو تقليل للمدة وتهوين للصبر عما منعت ~~منه، وهو الاكتحال في العدة بعد أن كانت المدة سنة. # وقوله: "وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة" قد فسرته زينب. # [و] (¬1) اختلف العلماء في الإشارة به إلى ماذا على قولين: # أحدهما: بأنه إشارة إلى العدة فإنها رمته بها بعد انقضائها: [كرميها] ~~(¬2) بالبعرة المذكورة وانفصالها منها. # وثانيهما: أنه إشارة إلى أن الذي فعلته من دخولها الحفش ولبسها شر ثيابها ~~وصبرها على ذلك وترك الطيب هين بالنسبة إلى حق الزوج وما يستحقه من ~~المراعاة، كما يهون الرمي بالبعرة. وهل كانت ترميها أمامها أو خلفها؟ ~~روايتان حكاهما الباجي (¬3). وفي رواية لمسلم: "فإذا مر كلب رمت ببعرة". ~~قال القاضي: يريد -والله أعلم- إذا مر فافتضت به. # والحفش: بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء والشين المعجمة: وهو البيت ~~الصغير الحقير القريب السمك. وجمعه أحفاش، والتحفش: الانضمام والانجماع. ms1488 PageV08P411 # وعبارة الإمام الشافعي: فيه أنه البيت الذليل (¬1) الشعث (¬2) البناء ~~القريب السمك. # وعبارة الإمام مالك (¬3): أنه الصغير الخرب، وقيل: إنه شبه القفة يصنع من ~~خوص تجمع فيه المرأة غزلها وسقطها: كالدرج، فشبه به البيت الصغير. # وقيل: هو الخوص، قال بعضهم: والتفسير الأول أليق بمعنى الحديث، ويليه من ~~فسره بالحصى ومن قال: إنه مثل القفة من الخوص، تجمع فيه المرأة غزلها ~~وأشيائها، فهي بعيدة عن معنى الحديث جدا. # قلت: في هذا الإبعاد نظر، فإن هذا أصله ثم استعير للبيت الصغير. # وقولها: "ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير" [هو] (¬4) بدل من دابة، ~~وسميت كل هذه دواب، لأنها تدب، أي تمشي، وهذه تسمية لغوية. # وقولها: "فتفتض به" فيه روايتان. PageV08P412 # الأولى: بالفاء والضاد المعجمة. قال القرطبي (¬1): وهي الصحيحة. [قال ~~القتبي] (¬2): [سألت] (¬3) الحجازيين عن الافتضاض، فذكروا: أن المعتدة كانت ~~لا تغتسل، ولا تمس ماء، ولا تقلم ظفرا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم ~~تفتض، أي تكسر ما هي من العدة بطائر، تمسح به قبلها وتنبذه، فلا يكاد يعيش. # وقال غيره: فتموت لقبح ريحها وقذارتها. # وقال مالك (¬4): تمسح به جلدها كالنشرة. وهذا أسلفناه عنه، وقال ابن وهب ~~(¬5): نمسح بيدها عليه أو على ظهره. # وقيل: معناه تمسح به ثم تفتض -أي تغتسل- بالماء حتى تصير كالفضة. ~~والافتضاض: الاغتسال بالماء العذب للإنقاء. # وقيل: تفتض تفارق ما كانت عليه، والفض: التفرق، ومنه: {لانفضوا من حولك} ~~(¬6) ,و {انفضوا إليها} (¬7). PageV08P413 # وقيل: معناه تعدو مسرعة نحو منزل أبويها لأنها كالمستحية من قبح منظرها. # الرواية الثانية: بالقاف، ثم باء موحدة، ثم صاد مهملة. قال الأزهري (¬1): ~~رواه الشافعي كذلك مأخوذ من القبص، وهو الأخذ بأطراف الأصابع. قال: وقرأ ~~الحسن (¬2): {فقبصت قبصة من أثر الرسول} (¬3). قال الشيخ تقي الدين (¬4): ~~والمعروف الرواية الأولى. # الوجه الرابع: في فوائده (¬5). # الأولى: نسخ الاعتداد بسنة إلى أربعة أشهر وعشر، وهو إجماع، فقوله تعالى: ~~{متاعا إلى الحول} (¬6)،نسخه قوله: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} ~~(¬7)، وكان في أول الإسلام تجلس PageV08P414 # المتوفى عنها زوجها [في بيته] (¬1) حولا، ولا يخرجها الوارث منه وينفق ms1489 ~~عليها من ماله ما لم تخرج عن المنزل، فإن خرجت منه لم يكن على الورثة جناح ~~في قطع النفقة عنها. ثم نسخ الحول بأربعة أشهر وعشر [أو الأرث] (¬2) بالربع ~~أو الثمن (¬3). # [الثانية] (¬4): هذا الموضع مما تأخر فيه المنسوخ في التلاوة، وتقدم ~~الناسخ في سورة واحدة. # قال القاضي (¬5): ولم يقع في القرآن إلا في هذه القصة وحدها. قال: وأما ~~تقديم ذلك وتأخيره من سورتين فموجود. # الثالثة: المنع من الاكتحال للحادة مطلقا، وقد سلف ما فيه في الحديث قبله. # الرابعة: جواز استفتاء المرأة وسماع المفتي كلامها، وتكرار الجواب في ~~الفتوى ثلاثا، تأكيدا للمنع. وتخفيف العمل على السائل والمسؤول له بذكر ما ~~كلف في الجاهلية من المشقة، [و] (¬6) يتمسك بقوله: "إنما هي أربعة أشهر ~~[وعشرا] (¬7) للدلالة على الحصر من يرى PageV08P415 # أن الإحداد لا يزيد فيه على المدة المذكورة. وقد تقدم، وفيه أيضا حصر عدة ~~الوفاة في أربعة أشهر وعشرا لغير الحامل، فإن الحمل لم يذكر في السؤال، ~~وأطلق الجواب بالحصر بإنما، فلو كانت حاملا قيدها [بالوضع] (¬1) كما في ~~حديث سبيعة السالف. PageV08P416 # كتاب اللعان PageV08P417 ### || AUTO 66 - باب اللعان # (¬1) # وهو الملاعنة والتلاعن: ملاعنة الرجل امرأته. يقال: تلاعنا، [و] (¬2) ~~التعنا, ولاعن القاضي بينهما. # وسمى لعانا لقول الزوج: و [على] (¬3) لعنة الله إن كنت من الكاذبين. ~~وإنما اختير لفظ اللعن علي الغضب، وإن كانا موجودين في الآية الكريمة، وفي ~~صورة اللعان لتقدمه في الآية عليه، ولأن جانب الرجل فيه أقوى من جانبها ~~لأنه قادر على الابتداء باللعان دونها ولأنه قد ينفك لعانه عن لعانها, ولا ينعكس. # وخصت بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها على تقدير وقوعه لما فيه من ~~تلويث الفراش والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به، وذلك أمر عظيم، يترتب ~~عليه مفاسد كثيرة: كانتشار المحرمية، وثبوت الولاية على الإناث، واستحقاق ~~الأموال بالتوارث. فاختصت به لأنه أشد من اللعنة. PageV08P419 # وقيل: سمي لعانا من اللعن، وهو الطرد والإبعاد، ولأن كلا منهما يبعد عن ~~صاحبه، ويحرم النكاح بينهما على التأبيد، بخلاف المطلق وغيره. # واللعان: عند جمهور أصحابنا يمين. ms1490 # وقيل: شهادة. # وقيل: يمين [فيها] (¬1) ثبوت شهادة. وقيل: عكسه (¬2). PageV08P420 # قال العلماء: وليس من الأيمان شيء متعدد إلا اللعان والقسامة، ولا يمين ~~في جانب المدعي إلا فيهما. # والحكمة في مشروعيته: حفظ الأنساب، ودفع المعرفة عن الأزواج. وأجمع ~~العلماء على صحته في الجملة. # وذكر المصنف في الباب ثمانية أحاديث، وذكر في آخره اللحوق بالنسب، ~~والإلحاق به، والقيافة، وحكم العزل لتعلقه به. PageV08P421 ### ||| AUTO الحديث الأول # 341/ 1/ 66 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما "أن فلان ابن فلان قال: ~~يا رسول الله أرأيت [أن] (¬1) لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن ~~تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. قال: فسكت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فلم يجبه. فلما كان ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ~~ابتليت به. فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات في سورة النور (6 - 9): {والذين ~~يرمون أزواجهم} فتلاهن عليه، ووعظه، وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من ~~عذاب الآخرة. فقال: لا والذي بعثك بالحق، ما كذبت عليها. ثم دعاها، فوعظها، ~~وأخبرها: أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: لا والذي بعثك بالحق ~~إنه لكاذب. فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله: إنه لمن الصادقين، ~~والخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم ثنى بالمرأة، فشهدت ~~أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين، والخامسة: أن غضب الله عليها إن كان ~~من الصادقين. ثم فرق بيهما. ثم قال: [إن] (¬2) الله يعلم أن PageV08P422 # أحد [كما] (¬1) كاذب، فهل منكما تائب؟ ثلاثا. # وفي لفظ: "لا سبيل لك عليها. قال: يا رسول الله، مالي؟ قال: لا مال لك. ~~إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد ~~لك منها" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث بهذه السياقة [لمسلم] (¬3)، وللبخاري فيه اللفظ ~~الأخير، وكذا لمسلم أيضا، وللبخاري: قوله: "ثلاثا"، وله في رواية أخرى مرتين. # الثاني: قال الخطيب في "مبهماته" (¬4) الملاعن لهذه المرأة هو هلال بن ~~أمية بن عامر بن قيس بن عبد ms1491 الأعلى شهد بدرا. # والرجل الذي رميت به: شريك بن السحماء. والسحماء (¬5): PageV08P423 # أمه، وهي أيضا أم البراء بن مالك. وأما هو: فشريك بن عبدة بن مغيث (¬1) ~~بن الجد بن عجلان شهد أبوه عبدة بدرا. [قال] (¬2) وقد روينا لعويمر ~~العجلاني قريبا من هذه القصة في اللعان، وإسناد كل واحدة من القصتين صحيح، ~~فلعلهما اتفقا معا في وقت واحد أو متقاربين. ونزلت آية اللعان في تلك ~~الحال، لاسيما وفي حديث عويمر كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~المسائل، وهو يدل على أنه كان [قد] (¬3) PageV08P424 # سبق بالمسألة، وأنه -عليه الصلاة والسلام- سئل عن ذلك غير مرة، وهذا يصحح ~~القصتين معا مع ما روينا عن جابر، قال: ما نزلت آية اللعان إلا لكثرة ~~السؤال. # قلت: واسم المرأة خولة بنت قيس (¬1). # الثالث: كانت قصة اللعان في شعبان سنة تسع من الهجرة منصرف النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من تبوك إلى المدينة حكاه القاضي (¬2) عن ابن PageV08P425 # جرير الطبري، وذكره أبو حاتم ابن حبان (¬1) أيضا حيث قال: سنة PageV08P426 # تسع. ثم قال: ثم لاعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين عويمر بن ~~الحارث بن عجلان -وهو الذي يقال له عاصم- وبين امرأته بعد العصر في مسجده ~~في شعبان. قال: وذلك أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا ~~رسول الله! لو أن أحدنا. . . . وساق الحديث بكماله. # وقوله: "وهو الذي يقال له: عاصم" رد عليه وإنما هو ابن عمه، وهو عاصم بن ~~عدي وشريك وخولة وعويمر، كلهم ابن [عم] (¬1) عاصم. # الرابع: اختلف العلماء في نزول آية اللعان (¬2): PageV08P427 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P428 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P429 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P430 # هل هو بسب عويمر العجلاني أم بسبب هلال بن أمية؟ على قولين، وكل منهما ~~ثابت في الصحيح، كما أوضحته في "تخريجي لأحاديث وسيط الغزالي". لكن الجمهور ~~على الثاني، وقد ثبت في صحيح مسلم بأنه أول من لاعن في الإسلام، وأول ابن ~~الصباغ من أصحابنا قوله -عليه الصلاة والسلام- لعويمر: "إن الله قد أنزل ~~فيك وفي صاحبتك" بأن معناه: ما نزل في قصة هلال، لأن ذلك حكم لجميع الناس، ~~وخالف أبو عبد الله ms1492 أخو المهلب ابن أبي صفرة، فقال: الصحيح أن القاذف ~~لزوجته هو عويمر. وهلال بن أمية خطأ، ونحوا منه قال: الطبري، وقال: إنما. . ~~. . هو عويمر. # وجمع النووي (¬1) بين القولين فقال: يحتمل أنها نزلت فيهما PageV08P431 # جميعا، فلعلهما سألا في وقتين متقاربين، فنزلت الآية فيهما، وسبق هلال ~~باللعان، فيصدق أنها نزلت في ذا وفي ذاك، وأن هلالا أول من لاعن، وسبقه إلى ~~ذلك الخطيب، كما سلف، والقاضي فقال: قيل لهما قصتان. قال: ويحتمل أنهما ~~متقاربتان فنزل القرآن. والسهيلي أيضا، فقال في "التعريف والإعلام" (¬1) ~~الحديث في كل واحد منها صحيح، فيحتمل أن تكونا قصتين، نزل القرآن في ~~إحداهما، وحكم في الأخرى بما حكم في الأولى. # ثم ذكر مقالة أخي ابن أبي صفرة السالفة، ويحتمل كما قال القرطبي (¬2): إن ~~الآية تكرر نزولها، كما قيل في الفاتحة، وهذان الاحتمالان وإن بعدا فهما ~~أولى من أن يتطرق الوهم للرواة الأئمة الحفاظ. # الخامس: في ألفاظه ومعانيه: # ف "فلان": كناية عن الأعلام، كما سلف في الحديث الأول من باب التيمم، وقد ~~أسلفنا لك تسميته. # و"الفاحشة": هنا الزنا. # قال القرطبي: كل فحشاء في القرآن زنا، إلا قوله تعالى: {ويأمركم ~~بالفحشاء} (¬3)، فالمراد به البخل ومنع الزكاة. PageV08P432 # وأما سؤاله فيحتمل أن يكون عن أمر لم يقع، ويحتمل أنه وقع، لكن أراد ~~إبهامه استحياء من إظهاره، فعلى الأول: قوله: "إن الذي سألتك عنه قد ابتليت ~~به" ظاهر لإخفائه (¬1). # وعلى الثاني: يحتمل أن الحكم المسؤول عنه إنما تأخر جوابه -عليه الصلاة ~~والسلام- عنه لتبين ضرورة السائل إلى معرفة الحكم عند PageV08P433 # وقوعه، فإن البيان إنما يجب عند الحاجة. # ويحتمل أنه تأخر لأنه لم يكن عنده علم منه، فلما نزل القرآن به تلاه عليه ~~وعرفه الحكم والعمل بمقتضاه، ويكون قوله: "قد ابتليت به" إخبارا عما كان ~~وقع وقت سؤاله أولا. # ويحتمل أنه كان قد رفع له أمارات، فسأل عن حكمه، ثم تحققه بعد وعلمه. # وقوله: "فأنزل الله تعالى هذه الآيات" مقتضاه أن سؤاله سبب نزولها، وقد ~~أسلفنا من نزلت فيه (¬1). # والوعظ: هو النصح والتذكير بالعواقب، كما قاله ms1493 الجوهري (¬2) [فقوله] (¬3) ~~"وذكره" هو [ذكر] (¬4) لبعض أفرادها ويسن للقاضي وعظها، ويبالغ عند ~~الخامسة. # وقال الشيخ تقي الدين (¬5): ذكر الفقهاء استحبابها عندما تريد PageV08P434 # المرأة أن تتلفظ بالغضب. قال: [وظاهر] (¬1) هذه الرواية أنه لا يختص ~~بالمرأة، فإنه ذكره فيها وفي الرجل، قال: فلعل هذه الموعظة عامة. # قلت: قد صرح أصحابنا بأنه يسن وعظهما، وأنه يبالغ عند الخامسة، كما قدمته. # و"بدأ" مهموز، لأنه بمعنى شرع، بخلاف ما إذا كان بمعنى ظهر، فإنه لا ~~يهمز. وبدأ به -عليه الصلاة والسلام- للتأسي بالقرآن، قال تعالى: {ويدرأ ~~عنها العذاب} (¬2)، والدرء يقتضي [وجود] (¬3) سبب العذاب عليها، وذلك بلعان الزوج. # وقوله: "إن أحدكما كاذب" هو مما غلب فيه المذكر على المؤنث. قال القاضي ~~(¬4): وفيه رد على من قال من النحاة إلى أن أحدا لا تستعمل إلا في النفي، ~~وعلى من قال: منهم لا تستعمل إلا في الوصف, وأنها لا توضع موضع واجب، ولا ~~توقع موقع واحد، وأجاز هذا المبرد، وقد جاء في هذا الحديث في غير وصف ولا ~~نفي، وبمعنى واحد، وقد قال تعالى: {فشهادة أحدهم} (¬5)، وأقره النووي (¬6) ~~على ذلك، ورده الفاكهي، وقال: إنه من أغرب PageV08P435 # وأعجب ما يسمع من القاضي مع براعته وحذقه، فإن الذي قاله النحاة في "أحد" ~~التي للعموم، نحو: ما في الدار من أحد. وما جاءني من أحد، ونحوهما. أما ~~"أحد" بمعنى "واحد"، فلا خلاف في استعمالها في الإيجاب، نحو قوله: {قل هو ~~الله أحد (1)} (¬1)، و {فشهادة أحدهم} (¬2)، وهذا الحديث. وقد جمع الشاعر ~~بين "أحد" التي للعموم والأخرى فقال: # لقد ظهرت فلا تخفى على أحد ... إلا على أحد لا يعرف القمر # فاستعمل الأولى لعمومها في النفي، والثانية: التي هي بمعنى "واحد" في ~~الإيجاب. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فهل منكما تائب؟ "، يحتمل أنه إرشاد إلى ~~التوبة بينهما وبين الله تعالى، فإنه لم يحصل اعتراف منهما أو من أحدهما. # ويحتمل أنه إرشاد للزوج، فإنه لو راجع وأكذب نفسه كان توبة. قال القاضي ~~(¬3): وظاهر الحديث أنه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان. والمراد ~~بيان أنه يلزم الكاذب ms1494 التوبة. [قال] (¬4): وقال الداودي: أنه قال قبل ~~اللعان تحذيرا لهما منه. قال: والأول أظهر وأولى [بسياق] (¬5) الكلام. PageV08P436 # وقوله: "لا سبيل لك عليها" يحتمل [رجوعه] (¬1) إلى [التفريق] (¬2) بعد ~~اللعان، لعموم دخوله في عدم السبيل، ويحتمل رجوعه إلى المال. # الوجه السادس: في فوائده: # الأولى (¬3): الاستعداد للوقائع بعلم أحكامها قبل وقوعها إذا قلنا إن ~~سؤاله عن أمر لم يقع، وعليه استمر عمل الفقهاء فيما فرعوه وقرروه من ~~النوازل قبل وقوعها، وقد كان في السلف من يكره الحديث في الشيء قبل أن يقع، ~~ويراه من باب التكلف. وفي الصحيح (¬4) من حديث سهل بن سعد أنه -عليه الصلاة ~~والسلام-: "كره المسائل وعابها"، والمراد المسائل التي لا تحتاج إليها, ~~لاسيما ما كان فيه هتك ستر مسلم أو مسلمة أو إشاعة فاحشة أو شناعة. قال ~~العلماء: إذا كانت المسألة مما يحتاج إليها في أمور الدين، وقد وقعت فلا ~~كراهة فيها , وليس هو المراد في هذا الحديث. وقد كان المسلمون يسألون رسول ~~الله عن الأحكام الواقعة فيجيبهم، ولا يكرهها، وإنما كره المسائل هنا ~~وعابها لأنها لم تقع بعد، ولم يحتج إليها، وفيها شناعة على المسلمين ~~والمسلمات وتسليط اليهود والمنافقين ونحوهم على الكلام في أعراض المسلمين ~~وفي الإسلام، ولأن من المسائل ما يقتضي جوابه تضييقا. وفي الحديث الآخر: PageV08P437 # "أعظم الناس جرما من سأل عما لم يحرم فحرم من أجل مسألته" (¬1). # الثانية: الرجوع إلى الله ورسوله فيما نزل بالشخص والتثبت في أحكام الشرع. # الثالثة: وعظ المستفتي والمدعي، وذكر الدليل له، وتذكيره بالله تعالى ~~وبالآخرة وعذابها، وتفخيم أمر الآخرة، وكذلك المستفتى عليه والمدعى عليه. # الرابعة: أجراء الأحكام على الظاهر، والله يتولى السرائر. # الخامسة: عرض التوبة على المذنبين. # السادسة: أن الزوج إذا أكذب نفسه كانت توبة. # السابعة: البداءة في الزوج في اللعان. ونقل القاضي (¬2) عياض وغيره فيه ~~الإجماع، فلو لاعنت قبله لم يصح لعانها، وصححه أبو حنيفة وطائفة، ونقله ~~الفاكهي عن مشهور مذهبهم. # الثامنة: أن ألفاظ اللعان هي التي ذكرها الله ورسوله وهو إجماع. # واختلف أصحابنا فيما إذا أبدل لفظ الشهادة بالحلف ms1495 (¬3) ونحوه PageV08P438 # أو الغضب باللعن وعكسه، والأصح عدم الصحة فيه. وفي "شرح الشيخ تقي الدين" ~~(¬1) أن محل الخلاف في إبدال الغضب باللعنة في جانب الرجل. أما جانبها فلا ~~يكتفى به، وهذه طريقة "صاحب التنبيه"، والأصح جريان الخلاف في جانبها أيضا ~~كما أطلقت أولا. # التاسعة: أن الخصمين المتكاذبين لا يعاقب واحد منهما حدا ولا تعزيرا وإن ~~علمنا كذب أحدهما على الإبهام. # العاشرة: أن اللعان يكون بحضرة الإمام أو القاضي، وأنه يلاعن بينهما. # الحادية عشرة: وقوع الفرقة بينهما بعد لعانهما. # الثانية عشرة (¬2): أن التفريق بينهما لا يقع بنفس التلاعن، بل PageV08P439 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P440 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P441 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P442 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P443 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P444 # لابد من تفريق الحاكم بينهما، لقوله: "ثم فرق بينهما"، وبه قال أبو حنيفة. # وقال مالك والشافعي والجمهور: تقع الفرقة بينهما بنفس اللعان، وتحرم على ~~التأبيد، لكن قال الشافعي وبعض المالكية: تحصل الفرقة بلعان الزوج وحده، ~~ولا يتوقف على لعانها. # وقال بعض المالكية: [لا تحصل الفرقة بلعان الزوج، وهذا لا] (¬1) يتوقف ~~على لعانها، قالوا: ولا يفتقر إلى قضاء القاضي، لقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "لا سبيل لك عليها"، وفي رواية لمسلم من حديث سهل بن سعد: ~~"ففارقها عند النبي - صلى الله عليه وسلم -"، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ~~"ذلكم التفريق بين كل متلاعنين". # وقال عثمان: لا أثر للعان في الفرقة، ولا يقع به فراق أصلا. وحكاه الطبري ~~عن جابر بن زيد، وهو مردود بالنصوص، ومثل هذا في الشذوذ من ادعى أنه ثلاث. # ثم اختلف القائلون بتأبيد التحريم فيما إذا كذب نفسه بعد ذلك. PageV08P445 # فقال أبو حنيفة: يحل له لزوال المعنى المحرم. # وقال مالك والشافعي: لا تحل له أبدا، لعموم قوله: "لا سبيل لك عليها". # الثالثة عشرة: أن الفرقة لا تقع بلعانهما إلا بالإتيان بجميع ألفاظه ~~المذكورة في الحديث، فلو أتى ببعضها لا يتعلق به حكم اللعان، وهو مذهب ~~العلماء كافة، واعتبر أبو حنيفة الأكثر. # الرابعة عشرة (¬1): أن اللعان لا يجوز إلا بين [حرين PageV08P446 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P447 # مسلمين] (¬1) غير محدودين، فإن الواقعة كانت كذلك، فلو كان الزوجان أو ~~أحدهما رقيقا أو ذميا أو محدودا في قذف فلا لعان بينهما. وبه ms1496 قال الزهري ~~والأوزاعي، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. # نعم ظاهر القرآن حجة للجمهور، منهم: سعيد بن المسيب، وسلمان بن يسار، ~~والحسن [و] ربيعة (¬2)، ومالك، والشافعي في صحة اللعان بين الأحرار والعبيد ~~والمسلمين وأهل الذمة وجريانه بينهم، فإنه تعالى أطلق الأزواج ولم يفصل. # الخامسة عشرة (¬3): ثبوت مهر الملاعنة المدخول بها، PageV08P448 # واستقرار جميعه لها، وهو إجماع، واختلف في غيرها على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن لها نصفه كغيرها، قاله فقهاء الأمصار. # ثانيها: لا شيء لها أصلا، لأنه فسخ، قاله الزهري وحكي عن مالك. # ثالثها: لها جميعه إذ ليس بطلاق، قاله الحكم وحماد وأبو الزناد، وهو بعيد جدا. # السادسة عشرة: أن الملاعنة لو أكذبت نفسها لم يسقط شيء من مهرها لوجود ~~العلة، وهي أنه مقابل لما استحل من فرجها. PageV08P449 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 342/ 2/ 66 - عن ابن عمر أيضا أن رجلا رمى امرأته، وانتفى من ولدها في ~~زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[فأمرهما] (¬1) رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -] (¬2) فتلاعنا، كما قال [الله عز وجل] (¬3) ثم قضى بالولد ~~للمرأة، وفرق بين المتلاعنين (¬4). # هذا الحديث أخرجه الشيخان بمعناه، ولم أره هنا بلفظه، وفيه زيادة أحكام ~~على الذي قبله. # منها: نفي الولد، وأنه يلحق بالمرأة ويرثها بإرث البنوة منها، وتثبت ~~أحكام البنوة بالنسبة إليها. # واختلفوا فيما لو كانت بنتا هل يحل الملاعن نكاحها؟ والأصح: عند أصحابنا ~~تحريمه. # ومنها: انقطاع النسب عن الأب مطلقا لمفهوم إلحاقه بالمرأة اللهم إلا أن ~~يكذب نفسه. PageV08P450 # ومنها: أنه إذا لاعن ونفى عنه نسب الولد انتفى عنه، ووجه أخذ ذلك أنه قال ~~فتلاعنا، كما قال تعالى، وكتاب الله تعالى يقتضي أن يشهد أنه لمن الصادقين، ~~وذلك راجع إلى ما ادعاه، ودعواه قد اشتملت على نفي الولد. # ومنها: أن اللعان موجب للفرقة ظاهرا وقد سلف ما فيه في الحديث قبله. # فائدة: ما أسلفته من جريان التوارث بينه وبين أمه، هو إجماع الأمة، وكذا ~~بينه وبين أصحاب الفروض من جهة أمه، وهو إخوته وإخوانه من أمه وجداته من ~~أمه ثم إذا دفع إلى أمه ms1497 فرضها وهو الثلث في حالة والسدس في أخرى على ما ~~تقرر في علم الفرائض أو إلى أصحاب الفروض، وبقي شيء فهو لموالي أمه إن كان ~~عليها ولاء، ولم يكن هو عليه ولاء بمباشرة إعتاقه. فإن لم يكن لها موال فهو ~~لبيت المال هذا تفصيل مذهبنا، وبه قال الزهري ومالك وأبو ثور، وقال الحكم ~~وحماد: يرثه ورثة أمه. # وقال آخرون عصبته عصبة أمه، روي هذا عن علي وابن مسعود وعطاء وأحمد بن حنبل. # وقال أحمد: إن انفردت الأم أخذت جميع ماله بالعصوبة. # وقال أبو حنيفة: إن انفردت أخذت الجميع لكن الثلث بالفرض والباقي بالرد ~~على قاعدة مذهبه في إثبات الرد. PageV08P451 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 343/ 3 / 66 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "جاء رجل من بني فزارة ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود! فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال فما ألوانها؟ ~~قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقا. قال: فأنى أتاها ذلك؟ ~~قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: اسم هذا الرجل ضمضم بن قتادة، ذكره عبد الغني في "غوامضه" (¬2) ~~وقال: فيه ولد مولود أسود من امرأة من بني عجل، وفيه أيضا: فقدم عجائز بني ~~عجل فأخبرن أنه كان للمرأة جدة سوداء. # قلت: وأما اسم المرأة وابنها فلم أره بعد البحث عنه. PageV08P452 # الثاني: "الأورق" هو الذي فيه سواد وليس بصاف، قاله النووي في "شرحه" (¬1). # وعبارة المازري (¬2): هو الأسمر. وزاد القرطبي (¬3): الذي يميل إلى ~~الغبرة. # وقال الأصمعي (¬4): هو من الإبل الذي في لونه بياض إلى سواد، وهو أطيب ~~الإبل لحما وليس بمحمود عند العرب في عمله وسيره. ومنه قيل للرماد أورق ~~وللحمامة ورقاء وجمعه ورق بضم الواو وإسكان الراء كأحمر وحمر. وقال أبو ~~زيد: هو الذي يضرب لونه إلى خضرة. # وقال ابن الأعرابي: وغيره هو لون بين السواد والغبرة رمادي، وهو ما قاله ~~النووي ms1498 أولا. # والمراد بالعرق هنا: الأصل من النسب تشبيها بعرق الثمرة، ومنه: فلان معرق ~~في الحسب والنسب واللؤم والكرم. # ومعنى: "نزعه عرق" أشبهه، واجتذبه إليه، وأظهر لونه عليه، وأصل النزع ~~الجذب، فكأنه جذبه بشبهه له. يقال: منه نزع الولد لأبيه وإلى أبيه، ونزعه ~~أبوه ونزعه إليه. PageV08P453 # الثالث: في فوائده: # الأولى: حسن [تأنى] (¬1) المستفتي وتثبته وعدم تصريحه، فإنه عرض بنفي ~~الولد، وفي الصحيح: "هو حينئذ يعرض بأن ينفيه"، وفيه: "أن امرأتي ولدت ~~غلاما أسود، وإني أنكرته"، ومعناها استغربت أنه مني لا أنه نفاه عن نفسه. # الثانية: أن التعريض بنفيه في محل الاستفتاء والضرورة لا يوجب حدا ولا ~~تعزيرا (¬2). PageV08P454 # [الثالثة] (¬1): أن الولد ملحق بأبيه وإن خالف لونه لونه، سواء كانت ~~المخالفة من سواد إلى بياض أو عكسه في الزوجين أو أحدهما، لعموم احتمال أنه ~~نزعه عرق من أسلافه، وخالف في ذلك بعض أصحابنا عند وجود الريبة وهو غلط، ~~وفي الصحيح: "فلم يرخص له في الانتفاء منه". # الرابعة: الاحتياط للأنساب وإلحاقها بمجرد الإمكان والاحتمال. # الخامسة: إثبات القياس والاعتبار بالأشباه، وضرب الأمثال تقريبا للأفهام، ~~وعرض الغامض المشكل على الظاهر البين، فيرجع الخصم إليه، فإنه -عليه الصلاة ~~والسلام- شبه ولد هذا المخالف للونه بولد الإبل المخالفة لألوانها، والعلة ~~الجامعة هي نزع العرق، إلا أنه تشبيهه في أمر وجودي، والذي حصلت المنازعة ~~فيه هو التشبيه في الأحكام الشرعية، لكن الحجة في كونه -عليه الصلاة ~~والسلام- أقر العمل به في الشرعيات، ومن تراجم البخاري (¬2) على هذا الحديث PageV08P455 # باب: من شبه أصلا معلوما بأصل مبين, قد بين [النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-] (¬1) حكمهما ليفهم السائل. وذكر معه حديث: "أرأيت لو كان على أمك دين" (¬2). # السادسة: أن التعريض بنفي الولد ليس نفيا، وأن التعريض بالقذف ليس قذفا، ~~وهو مذهب الشافعي وموافقيه (¬3). قاله النووي في "شرحه" (¬4). واعترض الشيخ ~~تقي الدين (¬5) [فقال] (¬6): [كما] (¬7) قيل وأشار به إليه، وفيه نظر؛ لأنه ~~جاء على سبيل الاستفتاء، والضرورة داعية إلى ذكره وإلى عدم ترتيب الحد أو ~~التعزير على المستفتين. وسبقه إلى ذلك القرطبي، فقال في "مفهمه" (¬8) في ms1499 ~~الحديث أن التعريض اللطيف إذا لم يقصد به العيب، وكان على جهة الشكوى أو ~~الاستفتاء لم يكن فيه حد، قال: وقد استدل به من لا يرى الحد في التعريض، ~~وهو الشافعي، ولا حجة فيه، لما ذكرنا. # وقال الخطابي (¬9): فيه دلالة على نفي الحد على من قال: هذا الولد ليس ~~مني. PageV08P456 # قال القاضي (¬1) ولا حجة فيه له إذ ليس فيه إلا إنكاره لون ولده لا إنكار ~~الولد. ونفيه. # قلت: هو يرجع إليه. # السادسة: فيه كما قال القرطبي (¬2): تنبيه على استحالة التسلسل العقلي، ~~وأن الحوادث لابد أن تستند إلى أول ليس بحادث كما يعرف في الأصول الكلامية. PageV08P457 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 344/ 4/ 66 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "اختصم سعد بن أبي وقاص ~~وعبد بن زمعة في غلام. فقال سعد: يا رسول الله هذا ابن أخي عتبة بن أبي ~~وقاص، عهد إلى أنه ابنه، انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول ~~الله، ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر. واحتجبي منه يا سودة. فلم ير سودة قط" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه. # أما سعد بن أبي وقاص: فسلف في الحديث الثاني من الوصايا. PageV08P458 # وأما عبد بن زمعة فهو قرشي عامري. وزمعة -بفتح الميم وإسكانها- وهو ~~الأكثر. # واسم أم عبد: عاتكة بنت الأخيف بن علقمة، وكان عبد شريفا سيدا من سادات ~~الصحابة، وهو أخو سودة أم المؤمنين لأبيها وأخوه لأبيه عبد الرحمن بن زمعة ~~المبهم في هذا الحديث، وأخوه لأمه قرظة بن عمر بن نوفل بن عبد مناف، وقال ~~ابن حبان: من زعم أنها أخت عبد الله بن زمعة فقد وهم. # وأما عتبة بن أبي وقاص: فذكره العسكري في الصحابة، [و] (¬1) قال: كان ~~أصاب دما في قريش فانتقل إلى المدينة قبل الهجرة ومات في الإسلام. وكذا ~~قاله أبو عمر: قال النووي: لم يذكره الجمهور ms1500 في الصحابة. وذكره ابن منده ~~فيهم، واحتج بوصيته إلى أخيه سعد بابن وليدة زمعة، وأنكر أبو نعيم على ابن ~~منده ذكره في الصحابة. قال أبو نعيم: وعتبة هو الذي شج وجه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وكسر رباعيته يوم أحد. قال: وما علمت [له] (¬2) إسلاما، ~~ولم يذكره أحد من المتقدمين في الصحابة. قيل: إنه مات كافرا. وعتبة هذا أخو ~~سعد لأبيه، وكذلك خالدة أخت سعد لأبيه وإخوته لأبيه وأمه عمر وعامر أمهم ~~حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وأمه: بنت وهب بن الحارث بن ~~زهرة وابناه: هشام ونافع رويا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. PageV08P459 # وأما سودة: فهي أم المؤمنين، وهي بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود ~~بن نصر بن مالك بن حسد بن عامر بن لؤي بن غالب القرشية العامرية. # يقال: كنيتها أم الأسود. # وأمها: الشموس بنت قيس بن [زيد بن عمرو] (¬1) بن لبيد بن خداش بن عامر بن ~~غنم بن عدي بن النجار. # تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موت خديجة وقبل [العقد] (¬2) ~~على عائشة. # وقيل: بعد عائشة. وكانت قبله عبد ابن عمها السكران بن عمرو، أخي سهيل بن ~~عمرو. روت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسة أحاديث. قال النووي في ~~"تهذيبه" (¬3): روى لها (خ) حديثين. وقال ابن الجوزي: أخرج لها في الصحيح ~~حديث واحد. قال الحميدي: وهو البخاري وحده. قال: وذكرها ابن أبي الفوارس ~~فيمن اتفق عليهن. # قلت: لها في (خ، س) حديث الدباغ، وفي (د) حديث الأساري. وروى عنها ابن ~~عباس وغيره، وكانت امرأة ثقيلة ثبطة وأسنت عند رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فهم بطلاقها فوهبت نوبتها لعائشة فأمسكها، وفيها نزلت: {وإن امرأة ~~خافت من بعلها نشوزا} (¬4) الآية. PageV08P460 # وقيل: طلقها ثم راجعها. أسلمت قديما وبايعت وأسلم زوجها السكران أيضا، ~~وخرجا مهاجرين إلى الحبشة في الهجرة الثانية، وتزوجها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في رمضان سنة عشر من النبوة، وظل بها بمكة وهاجر ms1501 بها إلى ~~المدينة. ماتت في سنة خمس وخمسين، قاله ابن حبان. وفي كتاب ابن عمر عن أحمد ~~بن وهب: أنها ماتت في آخر زمن عمر بن الخطاب، ولم يحك غيره، وجزم به ~~الكلاباذي أيضا. فقال: ماتت في آخر خلافة عمر بن الخطاب، وكان آخر خلافته ~~منصرم سنة ثلاث وعشرين من الهجرة. # قلت: وفيه نظر فلعله في آخر خلافة معاوية، فإن ابن سعد روى عن الواقدي عن ~~محمد بن عبد الله بن مسلم [عن أبيه] (¬1)، قال: توفيت سودة بالمدينة في ~~شوال سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية بن أبي سفيان. قال الواقدي: وهذا ~~أثبت عندنا. # الوجه الثاني: في بيان المبهم فيه، وهو الغلام المتنازع فيه، واسمه عبد ~~الرحمن -كما سلف-. قال عبد الحق في "أحكامه": وأمه امرأة يمانيه، وله عقب ~~بالمدينة. وهذه المخاصمة كانت عام الفتح كما أخرجه البخاري في الفرائض. # الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه: # "الوليدة" الجارية، وجمعها: ولائد. قال ابن داود من أصحابنا: وهو اسم ~~لغير أم الولد. PageV08P461 # وقال الجوهري (¬1): الوليدة: الصبية والأمة، والجمع: الولائد. # وقوله: "هو لك يا عبد بن زمعة"، يجوز في "ابن" رفعه على النعت ونصبه على ~~الموضع [لأن الصفة إذا كانت لاسم علم منادى جاز فيها ذلك] (¬2)، ويجوز في ~~"عبد" ضم داله على الأصل وفتحها اتباعا لنون "ابن"، و"زمعة" بإسكان الميم ~~على الأكثر كما مضى. # واختلف في معنى قوله: "هو لك يا عبد" على قولين: # أحدهما: معناه هو أخوك قضى فيه -عليه الصلاة والسلام- بعلمه لا باستلحاق ~~عبد له، لأن زمعة كان صهره، [وسودة ابنته كانت زوجا له -عليه الصلاة ~~والسلام- فيمكن أن يكون] (¬3) -عليه الصلاة والسلام- علم أن زمعة كان يمسها. # والثاني معناه: لك يا عبد ملكا، لأنه ابن وليدة أبيك، وكل أمة تلد من غير ~~سيدها فولدها عبد [، ولم يقر زمعة] (¬4) ولا شهد (¬5) عليه (¬6). والأصول ~~تدفع قول ابنه (¬7) [فلم يبق إلا أنه عبد تبعا PageV08P462 # لأمه] (¬1). قاله ابن جرير. # وقال الطحاوي (¬2): معنى "هو لك": أي هو بيدك لا ملك لك، لكنك تمنع منه ~~غيرك، كما قال [في ms1502 اللقطة للملتقط] (¬3) "هي لك"، أي بيدك تدفع عنها غيرك ~~حتى يأتي صاحبها, لا أنها ملك لك قال: ولا يجوز أن يضاف إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يجعله ابنا لزمعة، ويأمر أخته (¬4) أن تحتجب منه، لكن ~~لما كان لعبد شريك فيما ادعاه، وهو سودة، ولم يعلم منها تصديقه ألزم -عليه ~~الصلاة والسلام- عبدا بما أقر به، ولم يجعله حجة على سودة، ولم يجعله ~~أخاها، وأمرها أن تحتجب (¬5) PageV08P463 # [منه] (¬1). # قلت: في هذا نظر لا يخفى وسيأتي الجواب على احتجابها منه ولا يجوز أن ~~يجعله -عليه الصلاة والسلام- ابنا لزمعة [ثم يأمر PageV08P464 # أخته أن تحتجب منه هذا محال لا يجوز أن يضاف إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -] (¬1). # قلت: ليس بمحال، بل له وجه ستعلمه. ويزيد الأول رواية البخاري في ~~المغازي: "هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة"، لكن في "مسند أحمد" و"سنن ~~النسائي" (¬2): "ليس لك بأخ"، واختلف في تصحيحها فأعلها البيهقي (¬3). وقال PageV08P465 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P466 # المنذري (¬1): إنها زيادة غير ثابتة. # وقال المازري (¬2): لا تعرف في هذا الحديث، وهي باطلة مردودة. ورواها ~~الحاكم في "مستدركه"، وصحح إسنادها وقال بعضهم: الرواية فيه: "هو لك عبد" ~~بإسقاط حرف النداء الذي هو ياء، أي هو وارثه فيرث هذا الولد وأمه. قال ~~المازري والمنذري: وهذه الرواية غير صحيحة. قال: ولو صحت جمع بينها وبين ~~الرواية المشهورة، بأن يكون المراد: يا عبد. فحذف حرف النداء، كما قال ~~تعالى: {يوسف أعرض عن هذا} (¬3). # واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يقتنون الولائد، ويضربون عليهن الضرائب، ~~فيكتسبن بالفجور، وكان من سيرتهم إلحاق النسب بالزناة إذا ادعوا الولد كما ~~في النكاح، فكانت لزمعة أمة، وكان يلم بها، وكان له عليها ضريبة فظهر بها ~~حمل كان يظن أنه من عتبة بن أبي وقاص، فهلك عتبة كافرا لم يسلم، فعهد إلى ~~سعد أخيه أن يستلحق الحمل الذي بأمة زمعة، وكان لزمعة ابن يقال له: عبد، ~~فخاصم سعد عبد بن زمعة في الغلام الذي ولدته الأمة، فقال سعد: هو ابن أخي ~~على ما كان عليه الأمر في ms1503 الجاهلية. فقال عبد بن زمعة: بل هو أخي ولد على ~~فراش أبي على ما استقر عليه PageV08P467 # الحكم في الإسلام، فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - به لعبد بن زمعة، ~~وأبطل دعواه في الجاهلية. نبه على ذلك الخطابي (¬1). # وكذا قال القاضي (¬2) عياض أيضا: إنه كان من عادة الجاهلية إلحاق النسب ~~بالزنا، وكانوا يستأجرون الإماء له، فمتى اعترفت الأمة أنه له ألحقوه به، ~~فجاء الإسلام بإبطال ذلك، وإلحاق الولد بالفراش الشرعي. فلما تخاصم عبد ~~وسعد، وقام سعد بما عهد إليه أخوه عتبة من سيرة الجاهلية إذ مات مشركا ولم ~~يعلم سعد بطلان ذلك في الإسلام، ولم يكن حصل إلحاقه في الجاهلية: إما لعدم ~~الدعوى، وإما لكون الأم لم تعترف به لعتبة. واحتج ابن زمعة بأنه ولد على ~~فراش أبيه، فحكم له به النبي - صلى الله عليه وسلم -. # قال ابن عبد البر (¬3): وفي الحديث إشكال: فإن الأمة مجتمعة على أن أحدا ~~لا يدعي عن أحد دعوى إلا بتوكيل (¬4)، ولم يذكر في هذا الحديث توكيل عتبة ~~لأخيه سعد على ما ادعى به عنه، ومن ذلك ادعا عبد بن زمعة عن أبيه ولد ~~بقوله: "أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه" ولم يثبت إقرار أبيه بذلك، ولا ~~تقبل دعوى أحد عن غيره. قال تعالى: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} (¬5)، ثم ~~ذكر أبو عمر بعد ذلك أن عتبة انتقل إلى المدينة قبل الهجرة، واتخذ بها PageV08P468 # منزلا ومالا، وتوفي في الإسلام، وأوصى إلى أخيه سعد. وفي "الموطأ": "عهد ~~إلى أخيه سعد أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك". وكذا في البخاري في ~~المغازي: "أنه عهد إليه أن يقبض ابن وليدة زمعة". وفي هذا ما يزيل الإشكال ~~المذكور، فإنه إذا كان وصى لأخيه، فهو أحق بكفالة ابن أخيه وحفظ نسبه، وتصح ~~دعواه بذلك، والحالة هذه، وكذا تصح دعوى عبد بن زمعة المخاصمة في أخيه، ~~بأنه كافله وعاصبه إن كان حرا ومالكه إن كان عبدا. # ووقع في كلام الباجي (¬1) التوقف في ادعاء عتبة هذا الولد، حيث قال: فإن ms1504 ~~ثبت أن عتبة ادعى هذا الولد وإلا لم تصح دعوى سعد فيه، [لأن] (¬2) استلحاق ~~العم لا يصح وهو عجيب، فالحديث مصرح باعتراف عتبة به، ودعواه وعهده إلى ~~أخيه [سعد] (¬3) بقبضه كما سلف. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "الولد للفراش" أي لصاحب الفراش، أي تابع ~~له أو محكوم به له، كما قال تعالى: {وسئل القرية}، أي أهلها. # وكذا أخرجه البخاري في كتاب الفرائض (¬4) من صحيحه من PageV08P469 # حديث أبي هريرة: "الولد لصاحب الفراش"، وترجم عليه (¬1) وعلى حديث عائشة: ~~"الولد للفراش حرة كانت أو أمة". # قال الأزهري: والعرب تكنى عن المرأة بالفراش. # وقال القاضي (¬2): أصحاب أبي حنيفة حملوه على صاحب الفراش، ولذلك لم ~~يشترطوا إمكان الوطء في الحرة، والأظهر أن المراد به هنا حالة الافتراش، ~~فيفهم منه إمكان الوطء، قال: ووطء زمعة وليدته وافتراشها كان معلوما. وقد ~~قيل: لا تعلم في اللغة إيقاع الفراش على الزوج. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "وللعاهر الحجر" قال العلماء: العاهر: ~~الزاني، وعهر: زنى، وعهرت: زنت. # ومعنى "له الحجر" أي له الخيبة، ولا حق له في الولد (¬3). وعادة العرب أن ~~تقول: له الحجر، وبفيه الأثلب وهو التراب، ويريدون: ليس له إلا الخيبة، ~~ومنه الحديث: "وإذا جاءك يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا" (¬4) تعبيرا بذلك ~~عن خيبته وعدم استحقاقه لثمن الكلب، وفي "الكنى" للحاكم أبي أحمد من حديث ~~زيد بن أرقم، أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "الولد للفراش وفي فم العاهر PageV08P470 # الحجر" (¬1)، وفي "صحيح ابن حبان" (¬2) من حديث ابن عمر رفعه: "الولد ~~للفراش وبفي العاهر الأثلب"، فقال رجل: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: ما الأثلب؟ قال: "الحجر". ورواه الإمام أحمد (¬3) كذلك، لكن من حديث عبد ~~الله بن عمرو، وكذا ابن الجوزي في "جامع المسانيد" وأبعد بعضهم فقال: معناه ~~للزاني الرجم بالحجر (¬4)، ووجه بعده أن هذا في حق بعض الزناة، وهو المحصن، ~~فلا يجري لفظ العاهر على عمومه بخلاف ما إذا حملناه على الخيبة، فإنه حينئذ ~~على عمومه في حق كل زان، والأصل العمل بالعموم فيما تقتضيه صيغته، كيف ~~والحديث إنما ms1505 ورد في نفي الولد عنه لا في رجمه. # الوجه الرابع في فوائده: # الأولى: إلحاق الولد بالفراش، سواء أكان بطريق الزوجية أو الملكية بشرط ~~إمكان كونه منه، ومدة الإمكان ستة أشهر من حين PageV08P471 # إمكان الاجتماع. والإجماع قائم على مصير [الزوجة] (¬1) فراشا بالعقد، ~~واختلفوا في اشتراط الإمكان فيها. والجمهور على اشتراطه حتى لو نكح مغربي ~~مشرقية ولم يفارق [واحد] (¬2) منهما وطنه. ثم أتت بولد لستة أشهر أو أكثر ~~لم يلحقه، لعدم إمكان كونه منه. وخالف أبو حنيفة فاكتفى بمجرد العقد، قال: ~~حتى لو طلق عقبه من غير إمكان وطء، فولدت لستة أشهر من العقد لحقه، واستضعف ~~ذلك، ونسب [إلى] (¬3) الفساد. والحديث خرج على الغالب وهو حصول الإمكان عند ~~العقد. هذا حكم الزوجة (¬4). PageV08P472 # وأما الأمة (¬1): فلا تصير فراشا إلا بالوطء، وأما الملك فلا أثر له حتى ~~لو بقيت في ملكه سنين، وأتت بأولاد ولم يطأها, ولم يقر بوطئها لا يلحقه أحد ~~منهم. فإذا وطئها صارت فراشا، فإذا أتت بعد الوطء بولد أو أولاد لمدة ~~الإمكان لحقوه، وبهذا قال مالك والشافعي، وخالف أبو حنيفة، فقال: لا تصير ~~فراشا إلا إذا ولدت ولدا واستلحقه فما تأتي بعد ذلك يلحقه إلا أن ينفيه، ~~قال: لأنها لو صارت فراشا بالوطء لصارت بعقد الملك كالزوجة. # قال أصحاب الشافعي: والفرق بين الزوجة والأمة: أن الزوجة تراد للوطء ~~خاصة، فجعل الشرع العقد عليها كالوطء لما كان هو المقصود بخلاف الأمة، ~~فإنها تراد لملك الرقبة وأنواع المنافع غير الوطء، ولهذا يجوز أن يملك ~~أختين وأما وبنتها، ولا يجوز جمعهما PageV08P473 # بعقد النكاح فلم تصر الأمة بنفس عقد الملك فراشا. فإذا حصل الوطء صارت ~~كالحرة، فصارت فراشا. # واعلم أن حديث عبد بن زمعة هنا محمول على ثبوت مصير أمة أبيه فراشا ~~لزمعة. فلهذا ألحق - صلى الله عليه وسلم - به الولد. # وثبوت فراشه: إما ببينة على إقراره بذلك في حياته، وإما بعلمه -عليه ~~الصلاة والسلام- بذلك. وقد أسلفنا من كلام القاضي أن افتراشها له كان ~~معلوما (¬1). وفي هذا دلالة للشافعي ومالك على أبي حنيفة [فإن] ms1506 (¬2) لم يكن ~~لزمعة ولد من هذه الأمة قبل هذا [فدل] (¬3) على (¬4) أنه ليس بشرط خلاف ما ~~قال أبو حنيفة. # الثانية: فيه أيضا دلالة للشافعي وموافقيه على مالك وموافقيه. في استلحاق ~~النسب، لأن الشافعي يقول: يجوز أن يستلحق الوارث نسبا لمورثه بشرط أن يكون ~~حائزا للإرث, أو يستلحقه كل الورثة، [ويشترط] (¬5) أن يمكن كون المستلحق ~~ولدا للميت، وبشرط أن لا يكون معروف السبب من غيره, وبشرط أن يصدقه ~~المستلحق إن كان بالغا عاقلا. وهذه الشروط كلها موجودة في هذا الولد الذي ~~ألحقه -عليه الصلاة والسلام- بزمعة حين استلحقه عبد بن زمعة، ويتأول ~~أصحابنا هذا تأويلين: PageV08P474 # أحدهما: أن سودة بنت زمعة أخت عبد استلحقته معه ووافقته في ذلك حتى يكون ~~كل الورثة مستلحقين. # وثانيهما: أن زمعة مات كافرا فلم ترث سودة لكونها مسلمة وورثه عبد بن زمعة. # وقال البويطي: لا يجوز إقرار الأخ بأخيه عندي. قال: وإنما ألحق -عليه ~~الصلاة والسلام- ابن زمعة [به] (¬1) لمعرفته بفراشه. وادعى أبو عمر أن هذا ~~مشهور مذهب الشافعي حيث قال: اختلف قول الشافعي في أن الأخ هل يستلحق؟ فروي ~~عنه المنع، كقول مالك، وهو قول الكوفيون وجمهور الفقهاء، وإليه ذهب المزني ~~والبويطي، وروي عنه أنه يقبل إذا كان جائزا؛ وهو قول النخعي، والأول [هو] ~~(¬2) مشهور مذهبه. وقد قال في غير موضع في كتبه. لو قبل استلحاق غير الأب ~~كان فيه إثبات حقوق [على] (¬3) الأب بغير بينة تشهد عليه ولا إقراره، هذا ~~كلامه. والذي نعرفه من مذهبنا قبوله إذا كان جائزا بالشروط السالفة (¬4). # فرع: لا يصح استلحاق الجد (¬5) عند مالك خلافا لأشهب. # الثالثة: فيه أيضا استعمال الورع في الأمر الثابت في ظاهر الشرع والأمر ~~للاحتياط، فإنه -عليه الصلاة والسلام- أمرها بالاحتجاب PageV08P475 # من ولد أبيها الذي حكم بإلحاقه به لما رأى الشبه البين بعتبة، وخشي أن ~~يكون من مائه ويكون أجنبيا منها باطنا، فحكم بظاهر الشرع في إلحاق النسب ~~وبالورع في الاحتجاب ومن تراجم البخاري (¬1) عليه باب: تفسير المشبهات. # قال الخطابي (¬2): وقد كان [جائزا] (¬3) أن لا يراها لو كان أخا [لها] ms1507 ~~(¬4) ثابت السبب، [ولأمهات المؤمنين] (¬5) في هذا الباب ما ليس لغيرهن [من ~~النساء] (¬6)، قال تعالى {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} (¬7) الآية. # وزعم بعض الحنفية أنه إنما أمرها بالاحتجاب منه، لأنه جاء في رواية: ~~"واحتجبي، فإنه ليس لك بأخ"، وقد أسلفنا من ضعفها، وأنه جاء في "صحيح ~~البخاري" في المغازي: "هو أخوك يا عبد"، وقال الطبري: إنما أمرها بذلك، ~~لأنها لا تملك منه إلا شقصاء. # قلت: قد أسلفنا أن سودة لم ترث زمعة لكونه مات كافرا. # وقيل: إنما أمرها به لأنه يجوز أن يمنع الزوج زوجته من رؤية أخيها. PageV08P476 # وقيل: لأنه غير أخيها في الباطن، لأنه من الزنا، حكاهما أبو عمر (¬1)، ~~وعزى الأول إلى أصحاب الشافعي، والثاني إلى الكوفيين. وقال في الثاني: إنه ~~قول فاسد لا يعقل، ورجح قول المزني، وهو أنه يحتمل أن يكون -عليه الصلاة ~~والسلام- أجابهم عن المسألة وأعلمهم أن حكمها كذلك يكون إذا تداعى الولد ~~صاحب الفراش وصاحب الزنا لا على أنه يلزم عتبة دعوى أخيه سعد، ويلزم زمعة ~~دعوى ابنه عبد، ويبين ذلك قوله لسودة: "واحتجبي منه" وإلى هذا ذهب الباجي ~~(¬2)، وقال: إنه أصح الأقوال، وقال: إن قوله: "هو لك يا عبد"، أي ملكا إذ ~~لم يثبت إعتراف زمعة به. قال: ولو استلحقه بزمعة لم ينه عنه سودة، ولم ~~يأمرها بقطع رحمه، وقد حض أزواجه على مداخلة الأخ والعم من الرضاعة. # قلت: قد أسلفنا أن استفراشه لها كان معلوما ونهيه لسودة سلف تأويله. # الرابعة: فيه أيضا أن الشبه وحكم القافة إنما يعتمد إذا لم يكن هناك أقوى ~~منه كالفراش كما لم يحكم بالشبه في قصة المتلاعنين مع أنه جاء على الشبه ~~المكروه. # الخامسة: فيه أيضا أن حكم الحاكم بالظاهر لا يحل الأمر بالباطن عما هو ~~عليه، فإذا حكم بشهادة شاهدين زور أو نحو ذلك لم يجل المحكوم به للمحكوم ~~له، وموضع الدلالة أنه -عليه الصلاة PageV08P477 # والسلام- حكم به لعبد بن زمعة وأنه أخ [له ولسودة] (¬1)، واحتمل بسبب ~~الشبه أن يكون من عتبة. فلو كان الحكم يحل الباطن ms1508 لما أمرها بالاحتجاب. # السادسة: احتج [به] (¬2) بعض الحنفية ومن وافقهم على أن الوطء بالزنا له ~~حكم الوطء بالنكاح في حرمة المصاهرة، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري ~~وأحمد، وقال مالك والشافعي وأبو ثور وغيرهم: لا أثر لوطء الزنا، بل للزاني ~~أن يتزوج أم المزني بها وبنتها، بل زاد الشافعي فجوز نكاح البنت المتولدة ~~من مائه بالزنا. قال: ووجه الاحتجاج أن سودة أمرت بالاحتجاب، وهذا احتجاج ~~عجيب، كما نبه عليه النووي (¬3)، فإنه على تقدير كونه من الزنا يكون أجنبيا ~~من سودة لا يحل الظهور له، سواء ألحق بالزاني أم لا، فلا تعلق له بالمسألة ~~المذكورة. PageV08P478 # السابعة: استدل به بعض المالكية على قاعدة من قواعدهم، وأصل من أصول ~~مذهبهم، وهو الحكم بين حكمين، وذلك أن يكون فرع قد أخذ مشابهة من أصول ~~متعددة، فيعطى أحكاما مختلفة، ولا يمحض لأحد الأصول. وبيانه من الحديث أن ~~الفراش مقتض لإلحاق الولد بزمعة والشبه البين مقتض لإلحاقه بعتبة، فأعطى ~~النسب بمقتضى الفراش، وألحق بزمعة. وروعي أمر الشبه أمر سودة بالاحتجاب ~~منه، فأعطى الفرع حكما بين حكمين، ولم يمحض أمر الفراش فتثبت المحرمية بينه ~~وبين سودة، ولم يراع أمر الشبه مطلقا فيلحق بعتبة، قالوا: وهذا أولى ~~التقديرات، فإن الفرع إذا دار بين أصلين، فألحق [بأحدهما] (¬1) مطلقا، فقد ~~أبطل شبهه بالثاني من كل وجه. وكذلك إذا فعل بالثاني، ومحض إلحاقه به كان ~~إبطالا لحكم شبهه بالأول، فإذا ألحق بكل واحد منهما من وجه كان أولى من ~~إلغاء أحدهما من كل وجه. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): ويعترض على هذا بأن صورة النزاع ما إذا دار ~~الفرع بين أصلين شرعيين، يقتضي الشرع إلحاقه بكل واحد منهما من حيث النظر ~~إليه. وهاهنا لا يقتضي الشرع إلا إلحاق هذا الولد بالفراش. والشبه هاهنا ~~غير مقتض للإلحاق شرعا، فيحمل قوله: "احتجبي منه يا سودة" على سبيل ~~الاحتياط. والإرشاد لمصلحة وجودية، لا على سبيل بيان وجوب حكم شرعي. ويؤكده PageV08P479 # أنا لو وجدنا شبها في ولد لغير صاحب الفراش لم يثبت لذلك حكما. وليس في ms1509 ~~الاحتجاب هنا إلا ترك أمر مباح على تقدير ثبوت المحرمية وهو قريب. # الثامن: احتج الشعبي ومن قال: بقوله بعموم قوله: "الولد للفراش"، أن ~~الولد لا ينتفي باللعان ولا غيره، وهو شذوذ، كما قال القاضي. وقد حكي عن ~~بعض المدنيين، ولا حجة فيه، لأنه -عليه الصلاة والسلام- إنما قال: هذا في ~~ولد الأمة المدعي فيه غير سيدها، وقد حكم -عليه الصلاة والسلام- في ولد ~~الزوجات بخلاف ذلك ولاعن وألحق الولد بأمه دون الزوج كما سلف. PageV08P480 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 345/ 5/ 66 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - دخل علي مسرورا، تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مجززا ~~[المدلجي] (¬1) نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن بعض هذه ~~الأقدام لمن بعض" (¬2). # وفي لفظ: "كما مجززا قائفا". # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه وبالأسماء الواقعة فيه. # أما مجززا: فبميم مضمومة ثم جيم مفتوحة ثم زاي مكسورة مشددة، وحكي فتحها، ~~ثم زاي أخرى. # وقيل إنه بالحاء [والراء] (¬3) المهملة ثم زاي -وهو مجزز بن PageV08P481 # الأعور بن جعدة بن معاذ بن عيوارة بن عمرو بن مدلج الكناني المدلجي ~~القائف. وسمي مجززا: لأنه يجز نواصي أسارى الحرب. # وقيل. لأنه كان إذا أخذ أسيرا جز لحيته. وقيل: ناصيته وكان من بني مدلج ~~كما سلف، وكانت القيافة فيهم وفي بني أسد تعترف لهم العرب بذلك، وكانت ~~الجاهلية تقدح في نسب أسامة لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبيض، كما ~~قاله أحمد بن صالح فيما نقله أبو داود عنه، ونقل عبد الحق عن أبي داود، أن ~~زيدا كان شديد البياض، وكذا قال البندنيجي في "الذخيرة" والقاضي حسين من ~~أصحابنا، ونقل المازري (¬1) والبغوي (¬2) عنه أنه كان أبيض من القطن، وقال ~~إبراهيم بن سعد: كان أسامة أسود مثل الليل، وزيد أبيض [أصفر] (¬3). # وقال الماوردي: إن زيدا كان أخضر اللون. # وقال غيره: أزهر اللون، حكاه القاضي عياض. # وقال الرافعى: كان أسامة طويلا أقنى الأنف أسود، وكان زيد قصيرا أخنس ~~الأنف بين السواد والبياض. فاتفق ms1510 أنهما ناما في المسجد، كما قاله أبو عمر ~~وغطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فمر عليهما مجزز فقال: "إن هذه الأقدام بعضها ~~من بعض". فسر بذلك - صلى الله عليه وسلم - وأعجبه. وكانت العرب تصغي إلى ~~قول القافة، وكان يقال من علوم العرب ثلاثة: PageV08P482 # السياقة (¬1): وهي شم تراب الأرض فيعلم بها الاستقامة على الطريق أو ~~الخروج منها. # والعيافة (¬2): وهي زجر الطير والتفاؤل بها، وما قارب ذلك. وأما السانح ~~والبارح: ففي الوحش، وكانوا يتطيرون بالبارح، ويتفاءلون بالسانح أن يرمونه. ~~يقال: برح الطير بفتح الراء بروحا إذا ولاك مياسره يمر من ميامنك إلى ~~مياسرك ويتفاءلون بالسانح. قال الجوهري (¬3): لأنه لا يمكنك أن ترمه حتى ~~تنحرف. PageV08P483 # وفي الحديث: "العيافة والطرق من الجبت" (¬1)، والطرق (¬2): هو الرمي ~~بالحصى. # أما القيافة: فهي ما نحن فيه، وهي اعتبار الأشباه لإلحاق الأنساب. # وأما أسامة: فسلف التعريف به في باب دخول مكة. # وأمه أم أيمن واسمها بركة، وكانت حبشية سوداء، وهي بركة بنت محصن بن ~~ثعلبة بن [عمرو] (¬3) بن حضين بن مالك بن سلمة بن PageV08P484 # عمرو بن النعمان، قال القاضي (¬1): ولم أر لأحد أنها سوداء إلا أحمد بن ~~سعيد الصيرفي ذكر في "تاريخه" من رواية عبد الرزاق عن ابن سيرين أنها كانت ~~سوداء، فإن كان هذا، فلهذا خرج أسامة أسود، لكن لو صح هذا لم ينكر لون ~~أسامة إذ لا ينكر أن يلد الأبيض أسود من سوداء. # وأما والده زيد بن حارثة: فهو مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - سبي، ~~فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فوهبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فتبناه، وكان يدعى زيد بن محمد حتى نزلت: {ادعوهم لآبائهم} (¬2)، فقيل: زيد ~~بن حارثة، وهو أول من أسلم من الموالي، وشهد بدرا والمشاهد، وكان من ~~الأمراء الشهداء ومن الرماة المذكورين، له حديثان ومناقبه جمة منها: إن ~~الله ذكره في القرآن. استشهد يوم مؤتة سنة ثمان من الهجرة عن نيف وخمسين ~~سنة. وترجمته مبسوطة فيها أفردناه في الكلام على رجال هذا الكتاب فسارع إليه. # الوجه الثاني في ألفاظه ومعانيه. # السرور: خلاف ms1511 الحزن، وسبب سروره -عليه الصلاة والسلام- ما تقدم من طعنهم ~~في نسب أسامة، وقصد بعض المنافقين بالطعن مغايظة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، لأنهما كانا حبيبيه. فلما قال المدلجي ذلك: وهو لا يرى إلا ~~أقدامهما سره ذلك. # وقد ترك المصنف من الحديث: "تغطية رؤوسهما وبدو PageV08P485 # أقدامهما"، وهي زيادة مفيدة لما فيها من الدلالة على صدق القيافة. # وتبرق -بفتح أوله وضم ثالثه-: أي يضيء ويستنير من السرور والفرح، فإن ~~المسرور ينطلق وجهه ويجري ماء البشر بخلاف المقطب، أي المجمع والحزين، فإن ~~الحزن والغضب جمعه وقبضه. # والأسارير: هي الخطوط التي في الجبهة [و] (¬1) الوجه مثل التكسير. ويقال ~~فيها أيضا: [الأسر] (¬2)، وهي جمع قلة. والغضون واحدها سرر (¬3) وسرر، ~~وجمعه: أسرار، وجمع الجمع أسارير. وقال الأصمعي: الخطوط التي تكون في الكف ~~مثلها السرر بفتح السين والراء، والسر بكسر السين وعبارة الصحاح (¬4): ~~السرر واحد أسرار الكف والجبهة، وهي خطوطها. # ومعنى آنفا: قريبا. وقال القاضي (¬5): معناه قبل، وقيل: أول وقت نحن فيه ~~قريب، وهو بمد الهمزة على المشهور، ويجوز قصرهما وقرىء بهما في السبع. # والقائف: متبع الآثار والأشباه، وقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس PageV08P486 # لك به علم} (¬1)، أي لا تتبع، والجمع: قافة كبائع وباعة. # الوجه الثالث في أحكامه: فيه العمل بالقيافة بقول القائف بالشبه في إلحاق ~~الولد بأحد الرجلين، ولا يكون ذلك إلا فيما أشكل من وطئين محترمين: ~~كالمشتري والبائع يطأآن الجارية المبيعة في طهر قبل الاستبراء من الأول، ~~فتأتي بولد لستة أشهر فصاعدا من وطء [الثاني] (¬2)، ولدون أربع سنين من وطء ~~الأول. وأثبت العمل بها الشافعي وفقهاء الحجاز وجماهير العلماء، ونفاه أبو ~~حنيفة وأصحابه والثوري وإسحاق. # وفي المسألة قول ثالث: وهو إثباته في حق الإماء دون الحرائر، وهو مشهور ~~مذهب مالك، وعنه رواية كالأول. # وجه الدلالة للأول: أنه -عليه الصلاة والسلام- سر بذلك، ويكون في أمته من ~~يميز الأنساب عند الاشتباه ولا يسر بباطل. # واعتذر الباقون عنه: بأنه لم يقع فيه إلحاق متنازع فيه ولا هو [وارد] ~~(¬3) في محل النزاع، فان أسامة كان لاحقا بفراش زيد ms1512 من غير منازع له فيه، ~~وإنما كان الكفار يطعنون في نسبه للتباين السالف بين لونيهما، فلما ألحقه ~~مجزز به كان فيه إبطالا لطعن الكفار بسب اعترافهم بحكم القيافة وإبطال ~~طعنهم حق، فلم يسر إلا لحق. # والأول: يجيبون بأنه وإن كان ذلك واردا في صورة خاطئة إلا PageV08P487 # أن له جهة عامة، وهي دلالة الأشباه على الأنساب فيأخذ هذه الجهة من ~~الحديث ويعمل بها. # واحتج من فرق بين الحرة والأمة: بأن الحرة لها فراش ثابت يرجع إليه، فلم ~~يلتفت إلى تطلب معنى آخر سواه أخفض منه رتبة، والأمة: لا فراش لها، فافتقر ~~فيها إلى مراعاة الشبه. # واتفق القائلون بالعمل بالقائف على اشتراط عدالته، والأصح عند الشافعية ~~أنه لا يشترط فيه العدد بل يكفي الواحد بناء على أنه حكم لا شهادة، وبه قال ~~ابن القاسم من المالكية، وقال مالك: لابد من اثنين وهو أحد الوجهين عند ~~الشافعية، وحكاه القاضي عياض قولا عن الشافعي (¬1)، وحكى الباجي (¬2) عن ~~مالك أنه يجزئ الواحد إن لم يوجد غيره قال: وعليه جماعة أصحابنا إلا ما روى ~~أشهب عن مالك أنه لا يجزئ إلا اثنان، وبه قال عيسى بن دينار وقال أبو عمر ~~المشهور عن مالك وعليه أكثر أصحابه قبول الواحد، والاثنان أحوط عندي. # والأصح عند الشافعية أيضا أن القيافة لا تختص ببني مدلج، لأن المعتبر في ~~ذلك الأشباه، وهو غير خاص بهم، ووجه مقابله أن لبني مدلج في ذلك قوة ليست ~~لغيرهم، ومحل النص إذا اختص بوصف يمكن اعتباره لم يمكن إلغاؤه لاحتمال أن ~~يكون مقصودا للشارع. PageV08P488 # واتفق القائلون بها على أنه يشترط أن يكون خبيرا بها مجربا، ثم إذا رجع ~~إليه فإن ألحقه بأحدهما لحق به، وإن أشكل عليه أو نفاه عنهما ترك الولد حتى ~~يبلغ فينتسب إلى من يميل إليه منهما، وهو مذهب عمر بن الخطاب (¬1). # وفي المسألة قول ثان: [إنه] (¬2) يكون ابنا لهما، قاله أبو ثور وسحنون. # وقول ثالث: أنه يلحق بأكثرهما [له] (¬3) شبها، [قاله عبد الملك بن ~~الماجشون] (¬4) ومحمد بن مسلمة المالكيان. قال ابن ms1513 مسلمة: إلا أن يعلم ~~الأول فيلحق به. # واختلف النافون في الولد المتنازع فيه على أقوال: # أحدها: أنه يلحق بهما رجلين كانا أو امرأتين، قاله أبو حنيفة. # وثانيهما: يلحق بالرجلين ولا يلحق بامرأتين، قاله أبو يوسف، وقال محمد بن ~~الحسن نحوه يلحق بالآباء وإن كثروا، ولا يلحق إلا بامرأة واحدة. # ثالثها: إنه يقرع بينهما، قاله إسحاق والشافعي في القديم على PageV08P489 # ما حكاه القاضي عياض (¬1)، ثم القرطبي (¬2)، والبغوي في "شرح السنة" (¬3) ~~[وحكم علي - رضي الله عنه - باليمن بالإقراع في جماعة وقعوا على أمة في طهر ~~في اليمن] (¬4)، وأخذ به جماعة من أهل الحديث. # تنبيهان: # الأول: لا حجة لمن نفى القافة في قصة اللعان السالفة في كونه -عليه ~~الصلاة والسلام- لاعن عليه ولم يؤخره حتى تضع ويرى الشبه فيه لأنه عارض ~~الشبه هنا الفراش وهو أقوى، كما أسلفناه في الحديث قبله أيضا. # الثاني: قال ابن حزم في "كتاب الاستقصاء فيما خالف فيه PageV08P490 # مالك الموطأ" (¬1). ومما احتجوا بالحديث في مكان لم يرد فيه وتركوه حيث ~~ورد حديث مجزز، فإنه إنما ورد في حديث ابن حرة لأن أم أيمن أعتقها -عليه ~~الصلاة والسلام- وزوجها زيدا، فولدت له أسامة وهم إنما يقضون بالقافة في ~~ابن الأمة وقالوا: الفراش في الحرة وإنما تكون الأمة فراشا إذا أقر السيد ~~بالوطء ولم يدعى استبراء فإن ادعاه فليست فراشا، وحديث "الولد للفراش"، ~~إنما جاء في ابن أمة زمعة، فوضعوا كلا من الحديثين في غير موضعه، وكذا تعجب ~~القرطبي من ذلك، فقال في "مفهمه" (¬2): العجب إن هذا الحديث الذي هو أصل ~~الباب إنما وقع في الحرائر، فكيف يلغى السبب الذي خرج عليه دليل الحكم وهو ~~الباعث عليه، هذا ما لا يجوز عند الأصوليين، قال: والأولى رواية ابن وهب عن ~~مالك أن لا يقصر ذلك على ولد الأمة لأن تفرقته بينهما بأن الواطىء في ~~الاستبراء يستند [وطؤه] (¬3) لعقد صحيح، فله شبهة الملك، فيصح إلحاق الولد ~~به، إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من وطئه؛ بخلاف الوطء في العدة إذ لا عقد ~~(¬4) يصح، [وعلى ms1514 هذا ف] (¬5) يلزم منها أن من نكح في العدة أن يحد، ولا ~~يلحق به الولد، إذ لا شبهة له وليس مشهور مذهبه. PageV08P491 ### ||| AUTO الحديث السادس # 346/ 6/ 66 - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "ذكر العزل لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ولم يفعل ذلك أحدكم؟ ولم يقل: فلا يفعل ~~ذلك أحدكم، فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # واعرف قبلها أن البخاري لم يصل سنده به كما نبه عليه عبد الحق في "جمعه". # الأول: "العزل" هو أن يجامع فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج، ~~وتتأذى المرأة فيه، وهو طريق إلى قطع النسل، وسماه الشارع "الوأد الخفي" في ~~الصحيح (¬2) لأنه قطع طريق الولادة كما يقتل المولود بالوأد. PageV08P492 # ومعنى قوله: "فإنه ليست نفس منفوسة إلا الله خالقها" أن ترك العزل ليس ~~فيه ضرر عليهم، فإن الله [تعالى] (¬1) قدر خلقه سواء عزلتم أو لا، فلا ~~فائدة في عزلكم فإنه إن كان الله قدر خلقها سبقكم الماء فلا ينفعكم حرصكم ~~في منع الخلق وقد أتت القدرة بخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وبخلق حواء منه ~~وبخلق عيسى بن مريم من غير ذكر. وفي "مسند أحمد" و "صحيح ابن حبان" من حديث ~~رجل جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل عن العزل فقال: "لو أن ~~الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها أو يخرج الله ~~منها ولدا، وليخلقن الله نفسا هو خالقها" (¬2). # الثاني: "العزل" مكروه عندنا أو خلاف الأولى في كل حال وكل امرأة وإن ~~رضيت لما أسلفناه. # وأما التحريم فقال أصحابنا لا يحرم في مملوكته ولا في زوجته الأمة، سواء ~~رضيت أم لا، لأن عليه ضررا في مملوكته بمصيرها أم ولد وامتناع بيعها وعليه ~~ضرر في زوجته الرقيقة بمصير ولدها رقيقا تبعا لأمه. # وأما زوجته الحرة: فإن أذنت فيه لم يحرم، لأنه إذا PageV08P493 # [جاز] (¬1) ترك أصل وطئها بغير رضاها فلأن يجوز العزل برضاها أولى وإلا ~~فوجهان: أصحهما لا يحرم أيضا ms1515 لهذا لحديث، قال أصحابنا: ولأن حقها في الوطء ~~لا في الإنزال بدليل انقطاع طلبها في الإيلاء والعنة بتغييب الحشفة. # قالوا: فعلى هذا هل يكره؟ فيه وجهان [و] (¬2) في "مسند أحمد" (¬3) و"سنن ~~ابن ماجه" (¬4) من حديث عمر أنه -عليه الصلاة والسلام- "نهى عن الحرة إلا ~~بإذنها" وفي سنده ابن لهيعة، وقد سئل عنه الدارقطني فاعله، ولهم وجه آخر، ~~أنه لا يجوز وإن رضيت، لأنه "الوأد الخفي" كما سلف. # ونقل ابن عبد البر (¬5): الرخصة في العزل عن جماعة من الصحابة، وقال: إنه ~~قول جمهور الفقهاء، وعن جمع منهم الكراهة وكان ابن عمر يضرب بعض ولده إذا فعل. # واختلف فيه بحضرة عمر. وقال علي: إنها لا تكون موؤدة حتى تمر عليها ~~التارات السبع {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12). . . .} الآية، ~~[فقال] (¬6) عمر: صدقت، وأطال الله بقاءك PageV08P494 # قيل: أول من قال هذه اللفظة في الإسلام عمر لعلي. وروى ابن المسيب عن ~~عمر، وعثمان الكراهة. قال: ولا خلاف أن الحرة لا يعزل عنها زوجها إلا ~~بإذنها. # قلت: قد أسلفنا الخلاف فيه عندنا ثم نقل عن أبي حنيفة ومالك إلحاق الزوجة ~~الأمة بالحرة، وعن الشافعي أنه يعزل عنها دون إذن مولاها وإذنها قال: وقيل ~~لا يعزل عنها إلا بإذنها. # قال الباجي (¬1): وعندي أن هذا صحيح، لأن لها بالعقد حقا في الوطء، فلا ~~يجوز أن يعزل عنها إلا بإذنها وإذن مولاها لحقه في طلب الولد. # ونقل الشيخ تقي الدين (¬2): عن المالكية أن مذهبهم الكراهة في الحرة إلا ~~بإذنها، وفي الزوجة الأمة إلا بإذن السيد لحقهما في الولد دون السراري. # وأغرب ابن هبيرة فنقل الإجماع على جواز العزل عن الأمة، وعلى أنه ليس له ~~العزل عن الحرة إلا بإذنها. [وقال] (¬3) القاضي عياض في الأخير: إنه قول ~~أصحاب الشافعي ومالك وتبعه الفاكهي، وهو وجه مرجوح عندنا، كما علمته. # وحاصل الخلاف عندنا في الحرة والأمة أربعة أوجه. # أصحها: الجواز المطلق. PageV08P495 # ثانيها: المنع المطلق وصححه القاضي حسين. # ثالثها: الجواز في الأمة. # رابعها: تخصيصه في الحرة بالرضى، وادعى المتولي أنه المذهب، ولا ms1516 خلاف على ~~المشهور في جوازه في الأمة، كما جزمت به أولا، والأولى تركه. # وأما المستولدة: ففيها خلاف مرتب على المنكوحة وأولى بالجواز، لأنها غير ~~راسخة في الفراش، ولهذا لا يقسم لها. قال إمام الحرمين: وحيث حرمنا فذلك ~~إذا نزع بقصد أن يقع الإنزال خارجا تحرزا عن الولد، فأما إذا عن له أن ينزع ~~لا على هذا القصد فيجب القطع بأنه لا يحرم. ووقع في "شرح ابن العطار" أن ~~التحريم لم يقل به أحد إلا في صورة على وجه لبعض أصحاب الشافعي، وهو العزل ~~عن الحرة بغير إذنها، وقد علمت أنه قيل به في الأمة والمستولدة. # الثالث: فيه إشارة إلى إلحاق الولد، وإن وقع العزل، وهو قول أكثر ~~الفقهاء. # الرابع: فيه إرشاد إلى الإيمان بالقدر وسكون النفس إليه. # خاتمة: في الصحيحين من حديث أبي سعيد أيضا من أن السائل عن العزل [هو] ~~(¬1) وغيره، وأن السؤال وقع في غزوة بني المصطلق لا في غزوة أوطاس، كما ~~ادعاه موسى بن عقبة لما سبوا كرائم العرب، وطالت عليهم العزوبة، ورغبوا في ~~الفداء فتنبه لذلك. PageV08P496 ### ||| AUTO الحديث السابع # 347/ 7/ 66 - عن جابر - رضي الله عنه - قال: "كنا نعزل والقرآن ينزل ولو ~~كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن" (¬1). PageV08P497 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV08P498 # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث رواه مسلم بلفظين. # أحدهما: من حديث عطاء عن جابر: "كنا نعزل على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فبلغ ذلك نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينهنا". # الثاني: عن أبي الزبير عن جابر "كنا نعزل والقرآن ينزل". زاد إسحاق ابن ~~إبراهيم أحد رواته، قال سفيان: فلو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن". # ورواه البخاري من حديث عطاء عن جابر بلفظ: "كنا نعزل على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -", وفي لفظ: "والقرآن ينزل" وفي لفظ: "كنا نعزل ~~والقرآن ينزل". # الثاني: قد أسلفنا الكلام على حكم العزل في الحديث قبله، والخلاف فيه ~~عندنا وعند السلف، وهذا الحديث دال على جوازه مطلقا، وما عارضه محمول على ~~كراهة التنزيه والأحاديث ms1517 الواردة بالإذن دالة على عدم التحريم لا على نفي ~~الكراهة. واستدل جابر - رضي الله عنه - بالتقرير من الله تعالى على الجواز. # قال الشيخ تقي الدين: وهو استدلال غريب (¬1)، وكان يحتمل PageV08P499 # أن يكون الاستدلال بتقرير الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكنه مشروط ~~بعلمه بذلك، ولفظ الحديث لا يقتضي إلا الاستدلال بتقرير الله تعالى. # قلت: الرواية الأولى التي نقلناها عن مسلم دالة على أنه -عليه الصلاة ~~والسلام-[. .] (¬1) اطلع عليه وقرره ولعله خص القرآن بالذكر في الرواية ~~الأخرى لشرفه. # الثالث: في الحديث أيضا دلالة لما كانت الصحابة -رضوان الله عليهم- من ~~التمسك بالكتاب في كل شيء حتى في العزل عن النساء. PageV08P500 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 348/ 8/ 66 - عن أبي ذر - رضي الله عنه -، أنه سمع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر، ومن ~~ادعى ما ليس له: فليس منا وليتبوأ مقعده من النار. ومن دعا رجلا بالكفر أو ~~قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه (¬1). # كذا عند مسلم، وللبخاري نحوه. # الكلام عليه من وجوه: # الأول: قوله: وللبخاري نحوه: هو كما قال، فإنه أخرجه في أواخر بدء الخلق ~~(¬2) بلفظ: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر بالله، ومن ادعى ~~قوما ليس فيهم، فليتبوأ مقعده من النار"، وأخرجه في "الأدب" (¬3) بلفظ آخر: ~~وهو لا يرمي رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم ~~يكن صاحبه كذلك". PageV08P501 # الثاني: في التعريف براويه هو أبو ذر جندب بن جنادة على أصح الأقوال ~~الكثيرة فيه الغفاري أحد النجباء والخدام والأرداف، ويقال فيه أيضا: أبو ~~الذر روى عنه ابن عباس وغيره. روى له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مائتا حديث وثمانون حديثا، اتفقا على اثني عشر، انفرد البخاري بحديثين، ~~ومسلم بتسعة عشر. قال -عليه الصلاة والسلام- في حقه: "ما أظلت الخضراء ولا ~~أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر"، وقال أيضا: "أمرت بحب أربعة من ~~أصحابي وأخبرني الله أنه يحبهم علي، وأبو ذر، وسلمان، ms1518 والمقداد". وقال "أبو ~~ذر في أمتي علي زهد عيسى بن مريم" وهو أول من حيا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بتحية الإسلام ولا عقب له وكان قوالا بالحق وكان يتأله في الجاهلية ~~ويقول: لا إله إلا الله ولا يعبد الأصنام وهو رابع أربعة أو خامس خمسة في ~~الإسلام، مات بالربذة سنة اثنين وثلاثين، وأبعد من قال سنة أربع وعشرين، ~~وصلى عليه ابن مسعود، وقيل: جرير، ومناقبه جمة، وقد بسطت ترجمته فيما ~~أفردناه في الكلام على رجال هذا الكتاب، فليراجع منه. # الثالث: في ألفاظه ومعانيه. # "من" في قوله: "ليس من رجل" زائدة في المعنى. # "والدعاء" الانتساب. والتقييد بالرجل خرج مخرج الغالب وإلا فالمرأة كذلك. # و"الكفر" هنا متروك الظاهر عند الجمهور، لأن أهل السنة لا تكفر بالمعاصي ~~وفي تأويله أوجه: PageV08P502 # أحدها: كفر الإحسان والنعمة وحق الله تعالى وحق أبيه. # ثانيها: أنه قارب الكفر لعظم الذنب فيه بتسميته للشيء باسم ما قاربه. وقد ~~جاء: "المعاصي بريد الكفر"، ونحو هذا أنه يشبه فعله فعلهم. # ثالثها: محله على فاعل ذلك مستحلا له. # وأصل الكفر في اللغة: الستر والتغطية. # ومعنى قوله: "فليس منا": أي [ليس] (¬1) مثلنا أو ليس مهتديا بهدينا ولا ~~متبعا لسنتنا. ومن العلماء من قال إبهام معناه أولى من تأويله، لأنه أبلغ ~~من الزجر والوعيد هنا أخف من الوعيد إلى الادعاء إلى غير أبيه، لأنه أخف في ~~المفسدة منه إذا كانت الدعوى بالمال مثلا وليس في اللفظ ما يقتضي الزيادة ~~على الدعوى بأخذ المال المدعى به مثلا. # وقوله: "فليتبوأ مقعده من النار"، أي ينزل منزلة منها، أو فليتخذ منزلا بها. # قال الخطابي (¬2): وأصله من [مباءة] (¬3) الإبل، وهي أعطانها. ثم قيل: ~~إنه دعاء بلفظ الأمر أي بوأه الله ذلك. # وقيل: هو خبر وهو أبلغ في الزجر، والمعنى هذا جزاؤه، فقد يجازى، وقد يعفى ~~عنه، وقد يوفق للتوبة ويسقط عنه ذلك. PageV08P503 # وقوله: "أو قال: عدو الله"، أي أو قال: يا عدو الله، فهو منصوب على ~~النداء، ويجوز رفعه على أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي قال ms1519 له: أنت عدو الله ~~[ونحو ذلك] (¬1). # وقول: "إلا حار عليه" في "إلا" وجهان: # أحدهما: أنها واقعة على المعنى أي ما يدعوه أحد إلا حار عليه. # والثاني: [على اللفظ في قوله: "ليس من رجل"] (¬2). # وحار -بالحاء المهملة-: أي رجع عليه الكفر. قال تعالى: {إنه ظن أن لن ~~يحور (14)} (¬3)، أي يرجع حيا، وفي تأويله أوجه (¬4): # أحدها: حمله على المستحل لذلك. # وثانيها: حمله على الخوارج المكفرين للمؤمنين. قاله مالك ابن أنس، ولعله ~~مبني على القول بتكفيرهم، وهو خلاف ما عليه الأكثر. # وثالثها: أن المعنى رجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره إياه. # رابعها: أنه يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي "بريد PageV08P504 # الكفر" -كما سبق-، ويخاف على المكثر منها أن تكون عاقبة شؤمها المصير إلى ~~الكفر، ويؤيد هذا رواية أبي عوانة في مستخرجه (¬1) على "صحيح مسلم": ~~"والإباء بالكفر"، وفي رواية: "إذا قال لأخيه: يا كافر، وجب الكفر على ~~أحدهما". # خامسها: المعنى فقد رجع عليه تكفيره فليس الراجع عليه حقيقة الكفر، بل ~~التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافرا، فكأنه كفر نفسه إما لأنه كفر من هو ~~مثله، وإما لأنه كفر من لا يكفر إلا كافر، يعتقد بطلان دين الإسلام. # الرابع: في فوائده: # الأولى: تحريم الانتفاء من النسب المعروف، والاعتزاء إلى نسب غيره، ولا ~~شك أن ذلك كبيرة لما يتعلق به من المفاسد العظيمة. وقد سلف بعضها في أول ~~اللعان، والتبني كان في أول الإسلام ثم نسخ. وشرط -عليه الصلاة والسلام- ~~العلم لأن الأنساب قد تتراخى فيها مدد الآباء والأجداد، ويتعذر العلم ~~بحقيقتها، وقد يقع اختلال في النسب في الباطن من جهة النساء فلا يشعر به ~~(¬2). فشرط العلم بذلك من حيث إن الإثم إنما يكون في حق العالم بالشيء. # الثانية: أنه لا يأثم بالانتساب المذكور إلا إذا كان عالما بخلاف ما ~~ادعاه دون الجاهل كما قررناه وعليه التعلق. # الثالثة: جواز إطلاق الكفر على أصحاب المعاصي والبدع PageV08P505 # لقصد الزجر، لا لأنه كفر حقيقي، إلا أن يعلم اعتقاد تحليل المحرم أو عكسه ~~فيكون حقيقيا. # الرابعة: تحريم دعوى ما ليس ms1520 له في كل شيء، سواء تعلق به حق لغيره أم لا، ~~ويدخل فيه الدعاوى الباطلة كلها مالا وعلما وتعلما ونسبا وحالا وصلاحا ~~ونعمة وولاء .. ويخرج ذلك من الأوصاف خصوصا إذا ترتب عليها مفاسد وإليه ~~تفسير الحديث الآخر في الصحيح: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" (¬1)، ~~وقد جعل الوعيد هنا بالنار، وهو مقتض لدخولها, لأن التمييز في الأوصاف فقط ~~يشعر بثبوت الأصل. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): وأقول إنه يدخل فيه أيضا ما ذكره بعض الفقهاء ~~في الدعاوى، من نصب مسخر يدعى في بعض الصور، حفظا لرسم الدعوى والجواب، ~~وهذا المسخر يدعي ما يعلم أنه ليس له، والقاضي الذي يقيمه عالم بذلك أيضا، ~~وليس حفظ هذه القوانين من المنصوصات في الشرع، حتى يختص بها هذا العموم، ~~والمقصود الأكبر في القضاء إيصال الحق إلى مستحقه. فانخرام هذه [المراسيم] ~~(¬3) الحكمية -مع تحصيل مقصود القضاء، وعدم تنصيص صاحب الشرع على وجوبها- ~~أولى من مخالفة هذا الحديث، والدخول تحت الوعيد العظيم الذي دل عليه. وهذه ~~طريقة PageV08P506 # أصحاب مالك، أعني عدم التشديد في هذه المراسيم. # الخامسة: أنه لا يحل له أن يأخذ ما حكم له به الحاكم إذا كان لا يستحقه. # السادسة: الوعيد العظيم على من كفر أحدا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة ~~عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنة وأهل ~~الحديث، لما اختلفوا في العقائد، فغلطوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم وخرق ~~حجاب الهيبة في ذلك جماعة من الحشوية، وهذا الوعيد لاحق بهم إذا لم يكن ~~خصومهم كذلك، وقد اختلف الناس في التكفير وسببه، حتى أفرد بالتصنيف. # قال الشيخ تقي الدين: والذي يرجع إليه النظر في هذا أن مآل المذاهب: هل ~~هو مذهب أم لا؟ أي والأكثرون على الأول، فمن أكثر المبتدعة قال: إن مآل ~~المذهب مذهب. فنقول: المجسمة كفار، لأنهم عبدوا جسما، وهو غير الله تعالى، ~~فهم عابدون لغير الله، فمتى عبد غير الله كفر. وتقول: المعتزلة كفار، لأنهم ~~وإن اعترفوا بأحكام الصفات فقد أنكروا الصفات. ويلزم من إنكارها إنكار ~~أحكامها، ms1521 ومن أنكر أحكامها فهو كافر. وكذلك المعتزلة تنسب الكفر إلى غيرها ~~بطريق المآل. # قال الشيخ تقي الدين (¬1): والحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا ~~بإنكار متواتر من الشريعة عن صاحبها، فإنه يكون حينئذ PageV08P507 # مكذبا للشرع، وليس مخالفة القواطع مأخذا للتكفير، وإنما مأخذه مخالفة ~~القواعد السمعية القطعية طريقا ودلالة، وعبر بعض أصحاب الأصول عن هذا بما ~~معناه: أن من أنكر طريق إثبات الشرع لم يكفر كمن أنكر الإجماع، ومن أنكر ~~الشرع بعد الاعتراف بطريقه كفر، لأنه مكذب له. وقد نقل عن بعض المتكلمين ~~أنه قال: لا أكفر إلا من كفرني، وربما خفي سبب هذا اللفظ على بعض الناس، ~~وحمله على غير محمل الصحيح، والذي ينبغي أن يحمل عليه أنه قد لمح هذا ~~الحديث الذي يقتصي أن من دعا رجلا بالكفر -وليس كذلك- رجع عليه الكفر، ~~وكذلك قال -عليه الصلاة والسلام-: "من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها ~~أحدهما" وكأن هذا المتكلم يقول: الحديث دل على أنه يحصل الكفر لأحد ~~الشخصين: إما المكفر، وإما المكفر. فإذا كفرني بعض الناس فالكفر واقع ~~بأحدنا، وأنا قاطع بأني لست بكافر، فالكفر راجع إليه. هذا آخر كلام الشيخ، ~~وهو من النفائس. # السابع: تحريم دعاء المسلم بالكفر وظاهر الحديث يقتضي أنه لا يكفر إلا ~~بشرط أن لا يكون الكفر كما دعاه به، فيرجع ما دعاه به إليه، وبه صرح ~~المتولي من الشافعية فقال: لو قال مسلم لمسلم: يا كافر، بلا تأويل، كفر، ~~لأنه سمى الإسلام كفرا. # قلت: وفي صحيح ابن حبان (¬1) من حديث أبي سعيد أنه -عليه الصلاة والسلام- ~~قال: "ما أكفر رجل رجلا قط إلا باء أحدهما بها إن PageV08P508 # كان كافرا وإلا كفر بتكفيره"، وهو مؤيد للوجه الآخر أنه يكفر بالدعاء ~~بالكفر (¬1). PageV08P509 # الإعلام بفوائد عمدة الأحكام # للإمام الحافظ العلامة # أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي # المعروف بابن الملقن # (723 - 804) ه # تقديم # فضيلة الشيخ # صالح بن فوزان الفوزان # عضو هيئة كبار العلماء # وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # فضيلة الشيخ # بكر بن عبد الله أبو ms1522 زيد # عضو هيئة كبار العلماء # وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه # عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح # غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين # الجزء التاسع # كتاب الرضاع - كتاب الأيمان والنذور # (349 - 386) حديث # دار العاصمة # للنشر والتوزيع PageV09P001 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV09P002 ### | AUTO كتاب الرضاع PageV09P005 # بسم الله الرحمن الرحيم # اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ### || AUTO 67 - كتاب الرضاع # هو بفتح الراء، وكسرها قليل، وكذا الرضاعة. وقرأ أبو حيوة وغيره بالكسر، ~~وقد رضع الصبي أمه -بكسر الضاد- يرضع -بفتحها- رضاعا. وأهل نجد يعكسون ~~ويجعلون المصدر رضعا. وأرضعته أمه (¬1) , وامرأة رضع، أي لها ولد ترضعه، ~~فإن وصفتها بإرضاعه، قلت: مرضعة. # وذكر المصنف -[رحمه الله]- (¬2) في الباب ستة أحاديث، والسادس في ~~الحضانة. PageV09P007 ### ||| AUTO الحديث الأول # 349/ 1/ 67 - عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بنت حمزة: "لا تحل لي؛ يحرم من ~~الرضاع ما يحرم من النسب، وهي ابنة أخي من الرضاعة" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في اسم ابنة حمزة هذه، قال ابن العطار في "شرحه": لا يحضرني اسمها ~~ولا رأيته في أسماء المبهمات. # قلت: تحصل لي في اسمها ستة أقوال فاستفدها: # أحدها: أمامة. # ثانيها: أمة الله. # ثالثها: سلمى. # رابعها: أم الفضل، وفي هذا تجوز كنية لا اسما. حكاهن PageV09P008 # الحافظ جمال الدين المزي في "أطرافه". # خامسها: عمارة، قاله ابن بشكوال (¬1) وصرح بأن أم الفضل كنية لها. # سادسها: فاطمة، قاله أبو نعيم (¬2) وابن طاهر (¬3). # قال المحب الطبري في أثناء النكاح: الظاهر أن فاطمة درجت صغيرة، وأن هذه أمامة. # الثاني: هذا الحديث مما ورد على سبب، فإنه -عليه الصلاة والسلام- أريد ~~على ابنة حمزة -كما ثبت في الصحيحين في هذا الحديث- فأجاب بأنها لا تحل له, ~~لأن أباها حمزة -وإن كان عمه من النسب- فقد ارتضع معه من ثويبة -كما سلف في ~~النكاح-، فصار أخاه من الرضاعة أيضا. وسيأتي في الحديث السادس أن عليا - ~~رضي الله عنه - هو الذي سأل ذلك عقب الفراغ من ms1523 عمرة القضاء. # الثالث: الحديث دال على حرمة بنت الأخ من الرضاعة، وأن ما حرم بالنسب حرم ~~بالرضاع، ونص القرآن دال على حرمة سبع PageV09P009 # بالنسب؛ قال تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} إلى قوله: {وبنات الأخت} (¬1). # وهذه السنة الصريحة دالة على تحريمهن بالرضاع. # وقد استثنى جماعة صورا من هذا العموم يحرمن في النسب ولا يحرمن في ~~الرضاعة (¬2). والمحققون على عدم استثنائها, لأنها PageV09P010 # ليست داخلة فيه، وقد أوضحت ذلك كله في كتب الفروع فإنه أمس به؛ وكذا شروط ~~الحرمة (¬1)، فراجعه منها. PageV09P011 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 350/ 2/ 67 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة" (¬1). # هذا الحديث في معنى الحديث الذي قبله، وهما دالان أيضا على أن لبن الفحل ~~يحرم بالنسبة إليه أيضا، وهو قول أكثر [أهل] (¬2) العلم. # وشذ أهل الظاهر، وابن علية، وابن بنت الشافعي، فقالوا: لا تثبت الحرمة ~~بين الرجل والرضيع. ونقله المازري (¬3) عن ابن عمر وعائشة، واحتجوا بقوله ~~تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} (¬4)؛ ولم يذكر ~~البنت والعمة كما ذكرهما في النسب. PageV09P012 # واحتج الجمهور: بالأحاديث الصحيحة في ذلك؛ منها حديث عائشة الآتي في ~~عمها، وفي الصحيحين مثله في عم حفصة أيضا (¬1)، وقوله -عليه الصلاة ~~والسلام- مع إذنه فيه إنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة. # وأما الآية فالجواب عنها: أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم ~~عما عداه لو لم [يعارضه] (¬2) دليل آخر، كيف وقد جاءت هذه الأحاديث الصحيحة ~~وما سلف عن عائشة بعيد، فإنها راوية التحريم فكيف تخالفه؟! # لا جرم أن بعضهم قال لم يصح ذلك عنها. نعم قال الشافعي (¬3): [و] (¬4) ~~نشر الحرمة إلى الفحل خارج عن القياس، فإن اللبن ليس ينفصل منه وإنما ينفصل منها. # ثم اعلم أن الأمة مجمعة على أنه لا يترتب على الرضاع أحكام الأمومة من كل ~~وجه؛ فلا توارث، ولا نفقة، ولا عتق بالملك، ولا عقل، ولا ترد شهادته له، ~~ولا يسقط عنها القصاص بقتله، وإنما تترتب عليه الحرمة والمحرمية فقط. PageV09P013 ### ||| AUTO الحديث ms1524 الثالث # 351/ 3/ 67 - وعنها: أن أفلح -أخا أبي القعيس- استأذن علي، بعدما أنزل ~~الحجاب، فقلت: والله لا آذن له، حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل ~~علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسول الله وإن الرجل ليس ~~هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، فقال: "ائذني له، فإنه عمك تربت يمينك" (¬1). # قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب. # وفي لفظ: استأذن علي أفلح فلم آذن له، فقال: أتحتجبين مني وأنا عمك؟ ~~فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، قالت: فسألت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: "صدق أفلح، ائذني له PageV09P014 # تربت يمينك"، أي افتقرت والعرب تدعو على الرجل ولا تريد وقوع الأمر به. # الكلام عليه من وجوه: # ولم يتكلم عليه الشيخ تقي الدين في شرحه وإنما أورده فقط، وهذا اللفظ ~~الأخير خرجه البخاري في باب الشهادة على الأنساب والرضاع. # الأول: أفلح: بالفاء وكنيته أبو الجعد الأشعري، واسمه وائل بن أفلح كما ~~قاله الدارقطني وأبو عمر. وقال صاحب "التنقيب" على "المهذب": اسمه وائل بن ~~حجر، كذا رأيته فيه، وهو أخو أبي القعيس بقاف مضمومة ثم عين مهملة مفتوحة ~~ثم مثناة تحت ثم سين مهملة [وقيل اسمه الجعد] (¬1) أيضا حكاه أبو عمر قال: ~~وأفلح بن أبي القعيس، ويقال أخو أبي القعيس لا أعلم له خبرا ولا ذكرا إلا ~~في حديث عائشة في الرضاع، وقد اختلف فيه فقيل: أبو القعيس، وقيل: أخو أبي ~~القعيس. # قلت: وفي رواية لمسلم أفلح بن قعيس قال: وأصحها ثانيها، ونص في ~~"استيعابه" على أنهما من الصحابة أعني: أفلح، وأخا أبي القعيس. # الثاني (¬2): قولها: "استأذن علي بعدما أنزل الحجاب" إلى آخره، نص في أن ~~سؤالها كان وهو حي، ووقع في الصحيحين (¬3) PageV09P015 # عنها: "أنه لو كان فلان حيا لعمها من الرضاعة دخل علي"، فقيل: إنهما ~~عمان، أحدهما: أخو أبيها أبي بكر، من الرضاع، أرضعتهم امرأة واحدة؛ ~~والثاني: أخو ms1525 أبيها أبي القعيس من الرضاعة. وقيل: هما واحد، و [غلطه] (¬1) ~~النووي (¬2) لما أسلفناه من كون عمها حيا في الأولى، وأنه استأذن عليها؛ ~~وميتا في الثانية، قاله تبعا للقاضي عياض، والأشبه الأول، أي فكان سؤالها ~~مرتين في وقتين، إما لأنها نسيت القصة الأولى [فاستجدت] (¬3) سؤالا آخر، ~~وإما لأنها جوزت تبدل الحكم فسألت مرة أخرى أو لأنه يحتمل أن أحدهما كان ~~عما من أحد الأبوين والآخر منهما أو عما أدنى، ونحو ذلك من الاختلاف، فخافت ~~أن تكون الإباحة مختصة بصاحب الوصف المسؤول عنه أولا. # الثالث: [وقع] (¬4) في رواية الباجي (¬5) أن أبا القعيس أخو عائشة، وهو ~~وهم، والصواب ما سلف من كونه أبا لها [وقال ابن الأثير في "معرفة الصحابة" ~~(¬6) هو عمها. وقيل: أبوها. ثم ذكر سنده عنها قالت: جاءني أبو القعيس، فلم ~~أذن له، قال ليدخل عليك، الحديث. وفي آخره وكان أبو القعيس أخا ظئر عائشة] ~~(¬7). وادعى PageV09P016 # بعض الشراح أن ظاهر أول الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة أن أفلح وأبا ~~القعيس عمين لعائشة، وظاهر آخره يخالفه من أن أفلح عمها بخلاف أبي القعيس، ~~فإنه أبوها، وما ذكره في الأول ليس كما قال بل هو موافق للآخر فتأمله. # الرابع: نزل الحجاب آخر سنة خمس من الهجرة. # الخامس: قد فسر المصنف معنى: "تربت يمينك"، وحكى ابن العربي في "الأحوذي" ~~أقوالا في معناها: # أحدها: استغنت وهو ضعيف، لأن المعروف ترب إذا افتقر، وأترب إذا استغنى. ~~وذكر بعضهم وجها، وهو أن الغنى تراب، لأنه وجميع الدنيا إلى التراب. # ثانيها: ضعف عقلك، أي لقولك هذا للدعاء عليها. # ثالثها: تربت من العلم. # رابعها: تربت يمينك إن لم تفعلي قال: وهذا أصحها. # خامسها: أنه حث على العلم كقولهم إلخ ثكلتك أمك، ولا يريد أن يثكل. # سادسها: أصابها التراب. # سابعها: خابت. # ثامنها: ثربت بمثلثة في أوله، وهو تصحيف. # تاسعها: أنه دعاء خفيف. ثم إن دعاءه - صلى الله عليه وسلم - مغاير ~~لدعائنا فإنه قد سأل الله تعالى أن يجعل كل من دعا عليه بشيء وليس أهلا أن PageV09P017 # يكون له زكاة ورحمة، ms1526 كما صح في الحديث (¬1). # السادس في أحكامه: # الأول: ثبوت حرمة الرضاع بين الرضيع وبين الرجل المنسوب إليه اللبن، وقد ~~سلف ما فيه في الحديث قبله. # الثاني: أن من ادعى رضاعا وصدقه الرضيع ثبت حكم الرضاع بينهما ولا يحتاج ~~إلى إقامة بينة، فإن أفلح ادعاه وصدقته عائشة واذن له الشارع بمجرد ذلك. # الثالث: قال القاضي: قيل فيه دلالة على أن قليل الرضاع يحرم إذ لم يقع ~~سؤال عن عدد بل اكتفى بأنه عم من الرضاعة. # قلت: لعله -عليه الصلاة والسلام- لم يستفصلها لأنها راوية لحديث: "كان ~~فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن، بخمس معلومات" (¬2) ~~الحديث في "صحيح مسلم"، وهذا PageV09P018 # مذهبها، وإن كان جمهور العلماء على أن التحريم يثبت برضعة واحدة. # الرابع: [أن] (¬1) من شك في حكم من أحكام الشرع توقف عن العمل به حتى ~~يراجع العلماء فيه. # الخامس: أن العالم إذا سئل عن مسئلة قال فيها بعض أصحابه ما هو الصواب أن ~~يصدقه ويقر قوله. # السادس: جواز قول: تربت يمينك لا بقصد الدعاء. # السابع: وجوب احتجاب المرأة من الرجال الأجانب [وأنه] (¬2) كان مباحا أول ~~الإسلام. # الثامن: استئذان الرجال المحارم على محارمهم وأن المرأة لا تأذن لأحد في ~~الدخول عليها إلا بإذن الزوج، أو بأن يكون محرما لها. # التاسع: أن من اشتبه عليه شيء ينبغي أن يطالب خصمه ببيانه والدليل عليه ~~ليظهر له وينظر فيه. # العاشر: جواز التسمية بأفلح، والنهي الثابت (¬3) PageV09P019 # فيه للكراهة لا للتحريم. # الحادي عشر: ابتدار المستفتي المفتي بالتعليل قبل سماع الفتوى. # وفي قوله -عليه الصلاة والسلام-: "تربت" تنبيه لها على ذلك، فإن من حقها ~~أن تسأل عن الحكم [فقط] (¬1). PageV09P020 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 352/ 4/ 67 - وعنها [قالت] (¬1): دخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وعندي رجل، فقال: يا عائشة، من هذا؟ [قلت: أخي] (¬2) من الرضاعة. فقال: يا ~~عائشة. انظرن من إخوانكن؟ فإنما الرضاعة من المجاعة (¬3). # الكلام عليه من وجوه، والغريب أن الصعبي حذفه من "شرحه" ولم يذكره. # الأول: هذا الحديث بهذه السياقة للبخاري في كتاب الشهادات، لكنه قال: ms1527 ~~"فإنما" بدل "إنما"، ورواه في باب ما يحرم من نكاح قليل الرضاع (¬4) وكثيره ~~بلفظ: أنه -عليه الصلاة والسلام- PageV09P021 # دخل عليها وعندها رجل فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي، ~~فقال: "انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة". # ورواه مسلم بزيادة بعد قولها: "وعندي رجل قاعد فاشتد عليه ذلك، ورأيت ~~الغضب في وجهه. قالت: فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، فقال: "انظرن ~~من إخوانكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة عن المجاعة"، وفي لفظ: "من المجاعة". # الوجه الثاني: هذا المبهم، وهو أخو عائشة من الرضاعة، لا يحضرني اسمه بعد ~~البحث عنه في كتب المبهمات فليتتبع. # الثالث: معنى هذا الحديث أن الرضاعة التي تقع بها الحرمة هي ما كان في ~~زمن الصغر والرضيع طفل يقويه اللبن ويشد جوعه. أما ما كان منه بعد ذلك في ~~الحال التي لا يحصل له فيها ذلك ولا يشبعه إلا الخبز واللحم وما في معناهما ~~فلا حرمة له. # ولهذا قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت ~~اللحم" (¬1). رواه أبو داود، ثم رواه مرفوعا بمعناه، وقال: "أنشز العظم". # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "انظرن من إخوانكن"، تنبيه على الزمن الذي ~~يثبت للمرضع فيه حكم الرضاع وتترتب أحكامه عليه خشية أن تكون رضاعة ذلك ~~الشخص وقعت في حالة الكبر ولا يترتب عليه أحكامه. PageV09P022 # الوجه الرابع في فوائده: # الأولى: جواز دخول من اعترفت المرأة بالرضاع معه عليها، وأنه يصير أخا لها. # الثانية: أن الزوج يسأل زوجته عن موجب الخلوة مع الرجل. # الثالثة: الأمر بالاحتياط في ذلك والنظر فيه، وفيما يبيح عدم الاحتجاب. # الرابعة: قبول قول المرأة فيمن اعترفت برضاعه مجردا والإرشاد إلى ~~الاحتياط لذلك. # الخامسة: أن الرضاع المحرم هو ما كان بلبن المرأة في زمن يستقل الرضيع به ~~دون غيره من الأغذية، وهو حولان فما دونها عند الجمهور. # وقال أبو حنيفة: هو حولان ونصف. # وقال زفر: ثلاثة أحوال. # وعن مالك: رواية زيادة أيام بعد حولين. # ورواية شهر وشهرين وهي ما في "المدونة". # ورواية ثلاثة ms1528 أشهر حكاها ابن شاس. # وقالت عائشة وداود: تثبت الحرة برضاع البالغ كالطفل. # وحجة الجمهور قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة} (¬1). PageV09P023 # وهذا الحديث وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة، وروى الدارقطني من حديث ابن ~~عباس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا رضاع ~~إلا ما كان في الحولين" (¬1)؛ ثم قال: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن ~~جميل، وهو ثقة حافظ. وخالف ابن القطان، فأعله بالراوي عن الهيثم، وهو [أبو ~~الوليد بن برد] (¬2) الأنطاكي، وقال: لا يعرف، وهو غريب منه؛ فقد روى عن ~~جماعة، وعنه جماعة. وقال النسائي في "كناه": صالح. # وفي "جامع الترمذي": من حديث فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة قالت: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في ~~الثدي، وكان قبل الفطام" (¬3). ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وعزاه ابن حزم ~~(¬4) إلى النسائي أيضا، ثم قال: خبر منقطع، وفاطمة هذه لم تسمع من أم سلمة. # قلت: إدراكها ممكن لا جرم، خرجه ابن حبان في صحيحه (¬5) إلى قوله: ~~الأمعاء، ومن شرطه الاتصال. PageV09P024 # وأما قصة سهلة بنت سهيل في "صحيح مسلم" (¬1) في رضاعها سالما، وهو رجل، ~~وقوله -عليه الصلاة والسلام- لها: "أرضعيه تحرمي عليه"، فهي محمولة إلى ~~أنها مختصة بها وبسالم. وقد روى مسلم في صحيحه (¬2) عن أم سلمة وسائر أزواج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهن خالفن عائشة [رضي الله عنها] (¬3) في هذا. # قال القاضي عياض: ولعل سهلة حلبت لبنها من غير أن يمص ثديها, ولا التقت ~~بشرتاهما. قال النووي (¬4): وهو حسن، ويحتمل أنه عفى عن مسه للحاجة كما رخص ~~بالرضاعة مع الكبر. # السادس: أن كلمة "إنما" للحصر، لأن المقصود حصر الرضاعة المحرمة لا مجرد ~~إثبات الرضاعة في زمن المجاعة. # السابع: استعمال لفظة إخوان في غير الأصدقاء، وهو أكثر ما يستعمل فيهم ~~عند أهل اللغة والإخوة في الولادة، فكأنه حمل على الأصدقاء. # الثامن: فيه رد على قولة داود: إنه لا يحرم ms1529 الرضاع حتى يلتقم PageV09P025 # الثدي كما حكاه المازري، ورأى أن قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم}، ~~إنما يطلق على ملتقم الثدي، وقد نبه -عليه الصلاة والسلام- على ما فتق ~~الأمعاء، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف صبا في الحلق [أو] (¬1) ~~التقاما للثدي. PageV09P026 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 353/ 5/ 67 - عن عقبة بن الحارث - رضي الله عنه - (¬1) [قال: تزوجت] (¬2) ~~أم يحيى بنت أبي أهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. فذكرت ذلك ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فأعرض عني (¬3)، فتنحيت، فذكرت ذلك له، ~~[قال] (¬4) [وكيف] (¬5) وقد زعمت أن قد أرضعتكما" (¬6). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الحديث لم يخرجه مسلم (¬7) في صحيحه، بل لم PageV09P027 # يخرج في صحيحه عن عقبة بن الحارث شيئا، وإنما هو من أفراد البخاري (¬1)، ~~خرجه في باب شهادة المرضعة من كتاب النكاح بلفظ: تزوجت امرأة، فجاءتنا ~~امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: ~~تزوجت فلانة بنت فلان فجاءتنا امرأة سوداء، فقالت لي: إني قد أرضعتكما، وهي ~~كاذبة. فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه. قلت: إنها كاذبة. قال: كيف بها وقد ~~زعمت أنها أرضعتكما، دعها عنك، وأشار إسماعيل [بن إبراهيم أحد رواته] (¬2) ~~بأصبعيه السبابة والوسطى يحكي أيوب أحد رواته، وخرجه من باب تفسير ~~المشتبهات، من كتاب البيوع (¬3)، بلفظ عن عقبة بن الحارث، أن امرأة سوداء ~~جاءت فزعمت أنها أرضعتهما، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأعرض ~~عنه وتبسم النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كيف وقد قيل؟ وقد كانت تحته ~~ابنة أبي أهاب التميمي. # وخرجه أيضا (¬4) في باب ما إذا شهد شاهد أو شهود بشيء، وقال آخرون: ما ~~علمنا بذلك يحكم بقول من شهده بلفظه: عن عقبة بن الحارث أنه تزوج بنتا لأبي ~~أهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: قد أرضعت عقبة والتي تزوج. فقال لها ~~عقبة: ما أعلم، أنك أرضعتيني، ولا أخبرتني. فأرسل إلى آل أبي أهاب يسألهم، ~~فقالوا: ما علمناه أرضعت صاحبتنا، فركب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالمدينة PageV09P028 # فسأله، فقال رسول الله - صلى الله عليه ms1530 وسلم -: كيف وقد قيل؟ ففارقها ~~ونكحت زوجا غيره، هذا ما حضرنا من المواضع التي خرج البخاري هذا الحديث في ~~صحيحه وفي سياقه المصنف له زيادة عليه، ولم ينبه على ذلك أحد من الشراح وهو ~~مما يتعين معرفته على طالب الكتاب (¬1). # ثانيها في التعريف براويه: وهو عقبة بن الحارث بن عامر بن عدي بن نوفل بن ~~عبد مناف، أبو سروعة، بكسر السين المهملة، النوفلي المكي من مسلمة الفتح , ~~وكان أبوه أحد المطعمين يوم بدر مع المشركين، وهو قاتل خبيب بن عدي، وأمه ~~خزاعية (¬2). [قال ابن حبان: واسمها درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب] (¬3) ~~قال الزبير بن بكار: وأهل النسب يقولون: عقب هذا [هو] (¬4) وأبو سروعة ~~أسلما معا يوم الفتح، والأصح أنه أبو سروعة، وهو قول أهل الحديث. PageV09P029 # وقال ابن الأثير: الأول أصح. # روى له البخاري ثلاثة أحاديث كما عدها الحميدي في "جمعه"، وتبعه عبد ~~الغني، وذكره بقي بن مخلد فيمن روى سبعة أحاديث. وقال أبو عمر: له حديث ~~واحد ما حفظ له غيره في شهادة امرأة على الرضاع، روى عنه عبيد بن أبي مريم، ~~وابن أبي مليكة. وقيل: ابن أبي مليكة لم يسمع منه وأن بينهما عبيد بن أبي مريم. # الثالث: أم يحيى بنت أبي أهاب اسمها غنية، بفتح الغين المعجمة، ثم نون، ~~ثم مثناة تحت، ثم هاء بنت أبي أهاب بن عزيز بن قيس بن سويد بن ربيعة بن زيد ~~بن عبد الله بن دارم. قاله الزبير بن بكار فيما حكاه عنه ابن بشكوال (¬1) ~~الحافظ. وهي امرأة جبير بن مطعم، وأم ولده نافع ومحمد. # الرابع: هذه المرأة السوداء لا أعلم اسمها بعد البحث عنه، فليتبع. # الخامس في فوائده: # الأولى: ذكر السبب المفضي لرفع النكاح والتنبيه عليه. # الثانية: تكرار السؤال على من سكت وأعرض عن الجواب أول مرة إذا رجا جوابه ~~ثانيا، وإعراضه -عليه الصلاة والسلام- عن الجواب أولا يجوز أن يكون لإنكار ~~ما وقع، فلما ألح عليه أجابه بالورع والاحتياط. PageV09P030 # الثالثة: أن للمفتي الإعراض عن المستفتي أول وهلة لعله يكف ms1531 عما سأل. # [الرابعة] (¬1): اختلف العلماء في شهادة المرضعة وحدها بالرضاع، فقبلها ~~ابن عباس، والحسن وإسحاق وأحمد وتحلف مع ذلك. # ولم يقبلها الشافعي وحدها، بل مع ثلاث نسوة أخر، وقبلها مالك مع أخرى، ~~ولم يقبل أبو حنيفة فيه شهادة النساء المتمحضات من غير ذكر. # وقال الإصطخري من الشافعية: إنما يثبت بالنساء المتمحضات، فمن قبلها ~~وحدها أخذ بظاهر الحديث. # قال الشيخ تقي الدين (¬2): ولابد فيه -مع ذلك أيضا، إذا أجريناه على ~~ظاهره- من قبول شهادة الأمة. # قلت: هذا على رواية المصنف، وقد سقناه عن البخاري من وجهين بلفظ: "امرأة" ~~(¬3)؛ ومن وجه ثالث، فجاءتنا [امرأة] (¬4) سوداء ولا يلزم من ذلك أن تكون ~~أمة (¬5)، ومن لم يقبلها وحدها حمل الحديث على ورع دون التحريم، ويشعر به ~~قوله -عليه الصلاة والسلام-: "كيف وقد قيل؟ " والورع في هذا متأكد. PageV09P031 # أما حديث ابن عمر أنه -عليه الصلاة والسلام-: "سئل ما الذي يجوز من ~~الشهود في الرضاع؟ فقال: رجل أو امرأة"، فرواه أحمد (¬1) في مسنده بإسناد ~~فيه جهالة وضعف. # [الرابعة] (¬2): فيه شهادة المرضعة على فعل نفسها. # وقال أصحابنا: إنها لا تقبل. وكذا إن ذكرت أجرة على الأصح للتهمة. # وقيل: يقبل في ثبوت المحرمية دون الأجرة، فإن لم تذكر أجرة، فالأصح قبول ~~شهادتها، فإنها لم تجر لنفسها نفعا ولم تدفع ضررا. # وقيل: لا تقبل أيضا كما لو قالت: أشهد أني قد ولدته. PageV09P032 ### ||| AUTO الحديث السادس # 354/ 6/ 67 - عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: خرج رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -يعني من مكة-، فتبعتهم ابنة حمزة، تنادي: يا عم [يا ~~عم] (¬1)، فتناولها علي، فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، ~~فاحتملتها، فاختصم فيها علي [وزيد وجعفر] (¬2). فقال علي: أنا أحق بها، وهي ~~ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي، فقضى ~~بها [النبي - صلى الله عليه وسلم -] (¬3) لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة ~~الأم. وقال لعلي: أنت مني، وأنا منك. وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي. وقال ~~لزيد: أنت أخونا ومولانا (¬4). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث ms1532 بهذه السياقة للبخاري فقط، وكذا عزاه PageV09P033 # إليه غير واحد. ومنهم البيهقي (¬1) الحافظ، ومن المتأخرين عبد الحق في ~~"جمعه". والمزي في "أطرافه" (¬2)، ووقع لصاحب "المنتقى" (¬3) , ولابن ~~الأثير في "جامعه" (¬4)، أنه من المتفق عليه، ومرادهما قصة صلح الحديبية ~~منه، والمصنف اختصره، والبخاري ذكره في موضعين (¬5) من صحيحه مطولا (¬6). ~~ومن روايته فيهما: "يا عم، يا عم" مرتين، وقال: "احمليها" بدل "فاحتملتها"، ~~وزاد في آخره في باب عمرة القضاء من المغازي، بعد قوله: "ومولانا. قال على: ~~ألا تتزوج ابنة حمزة؟! قال: إنها ابنة أخي من الرضاعة". # الثاني: في التعريف براويه وبالأسماء الواقعة فيه، أما راويه فسلف في ~~الصلاة، وابنة حمزة تقدم في الباب الاختلاف في اسمها. # وعلي: تقدمت ترجمته في باب المذي وغيره. # وفاطمة: هي بنت سيد البشر، وقد أوضحت ترجمتها فيما أفردته من الكلام على ~~رجال هذا الحديث يتعين عليك مراجعته منه. وكذا ترجمة جعفر بن أبي طالب ~~موضحة فيه أيضا. PageV09P034 # وأما زيد. فسلف التعريف به في الباب قبله (¬1). # الثالث: اسم هذه الخالة أسماء بنت عميس أخت سلمى بنت عميس، ثم تزوجها بعد ~~جعفر، الصديق، ثم علي [رضي الله عنه] (¬2)، ولها تسع أخوات. وقيل: عشر لأم، ~~منهن ميمونة إحدى أمهات المؤمنين، وست لأب ولأم. قاله أبو عمر، قال: وأختها ~~سلمى كانت تحت حمزة بن عبد المطلب قال: وقد قيل إن التي كانت تحت حمزة ~~أسماء، ثم خلف بعد عليها شداد، ثم بعده جعفر؛ والأصح عندي أن أسماء كانت ~~تحت جعفر، وسلمى أختها تحت حمزة. # الرابع: قوله: "يعني من مكة" قد علمت أنه كان بعد عمرة القضاء ولم يظفر ~~بعض الشراح بهذا، بل قال: يحتمل أن ابنة حمزة هذه عرضت عليه، وقال: إنها لا ~~تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ولهذا نادته "بيا: عم"، وخروجه من مكة ~~بعد موت أبيها واستشهاده في غزوة أحد، إما في عام الحديبية وإما في عمرة ~~القضاء، وقد علمت ما أوردته لك أنه كان بعد عمرة القضاء. # وقول زيد: "هي ابنة أخي" سببه أنه -عليه الصلاة والسلام- PageV09P035 # آخى بينه ms1533 وبين أبيها حمزة. # ومعنى: "أنت مني وأنا منك"، أي لما بيننا من القرابة والصهارة والصحبة ~~والمحبة. # وقوله: "ومولانا" قد أسلفنا في الباب قبله أنه أعتقه، فهو مولاه حقيقة، ~~وقد صح أن "مولى القوم منهم". # الخامس: هذا الحديث أصل في باب الحضانة، وهي القيام بحفظ من لا يستقل ~~وتربيته بما يصلحه، وهي نوع ولاية وسلطنة، لكنها بالإناث أليق لأنهن أشفق ~~وأهدى إلى التربية وأصبر على القيام بها وأشد ملازمة وتربيتهم مقرر في كتب ~~الفروع ليس هذا موضعه. # ومعنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: "الخالة بمنزلة الأم"، أي في الحضانة، ~~لأن سياق الحديث دال عليه. وفي رواية لأحمد (¬1) وأبي داود (¬2) والبيهقي ~~(¬3) من حديث علي -رضي الله عنه-، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "أما ~~الجارية فأقضي بها لجعفر، فإن خالتها عنده، وإنما الخالة أم"؛ لكن قال ~~البيهقي: الحديث الأول أصح من هذا. # وقال الحافظ أبو بكر البزار (¬4): لا يروى عن علي إلا من الطريق ~~المذكورة. وأما أبو محمد بن حزم (¬5) الظاهري، PageV09P036 # فوهاه (¬1) في إسناده. وقال: إسرائيل ضعيف، وهانىء وهبيرة مجهولان، ووهم ~~في ذلك؛ فإسرائيل احتج به الشيخان ووثق. وهانىء قال النسائي: ليس به بأس. ~~وهبيرة: هو ابن مريم، روى عن جماعة، وعنه اثنان. وقال أحمد: لا بأس به. # السادس: في فوائده: # الأولى: صلة الأرحام وإكرامها. # الثانية: الاختصام في طلب صلتها والقيام بها إلى الحكام وأهل الفتوى. # الثالثة: القضاء بالحق وتبيين الحكم للخصوم، لأنه أبعد عن الشحناء بينهم، ~~ودوام العداوة ولا التفات إلى من منع ذلك، وقال: ينبغي الجزم بالحكم من غير ~~تعليل لئلا يؤدي ذلك إلى استبدال الحكم والطمع فيه، فإن ترك ذلك يؤدي إلى ~~ما ذكرنا. # الرابعة: إدلاء كل واحد من المستفتين والخصوم للمفتي والحاكم بحجته لينظر ~~في الصواب منها. # الخامسة: أن للخالة حقا في الحضانة، وأنها مقدمة على بنت العم. # السادسة: أنها إذا كانت متزوجة من له حق في الحضانة لا تسقط حضانتها لبنت ~~العم عند عصبتها، فإن لهم حقا في الحضانة إذا لم يكن محظور شرعي من خلوة ~~ونحوها تسقطها. وكذا حكم ms1534 كل مستحقة للحضانة إذا نكحت من له حق في الحضانة، ~~أو كانت في نكاح مثله. PageV09P037 # السابعة: قد يستدل بإطلاقه من يرى توريث الخالة عند عدم الوارثين، وأنها ~~بمنزلة الأم في الإرث، وهم أصحاب التنزيل، إلا أن السياق يقتضي أنها ~~بمنزلتها في الحضانة، وهو طريق إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات وتنزيل ~~للكلام على المقصود منه، وفهم ذلك، أعني قاعدة كبيرة من قواعد أصول الفقه ~~تعرض لها بعض المتأخرين وقررها. # قال الشيخ تقي الدين (¬1): وهي قاعدة متعينة على الناظر وإن كانت ذات شغب ~~على المناظر. # الثامنة: استعمال مكارم الأخلاق للحاكم والمفتي ونحوهما وتطييب قلب ~~المستفتين والمتحاكمين، فإنه -عليه الصلاة والسلام- قال لكل واحد من علي ~~وزيد وجعفر ما تطيب قلبه من الكلام، فإنه جبر عليا وزيدا وطيب قلوبهما مما ~~قاله لهما حيث حرما مرادهما. # وأما جعفر، فجبره بما قال له، لأنه جعل الحضانة لخالتها دونهما, ولأنه لو ~~جبرهما بذلك دونه لحصل عنده ألم لا يفي بكون الصبية عند خالتها وهي عنده. # التاسعة: يؤخذ منه إثبات التسوية بين الخصوم في الحكم والإقبال على كل ~~منهم بمثل ما يقبل على الآخر. PageV09P038 ### | AUTO كتاب القصاص PageV09P039 ### || AUTO 68 - كتاب القصاص # هو بكسر القاف المماثلة مأخوذ من القص، وهو القطع كما قاله الأزهري (¬1). ~~ومن اقتصاص الأثر وهو تتبعه كما قاله الواحدي وغيره من المحققين، لأن ~~المقتص يتبع جناية الجاني فيأخذ مثلها. يقال: اقتص من غريمه، واقتص السلطان ~~فلانا من فلان أي أخذ له قصاصه. ويقال: اقتص فلان فلانا، طلب منه قصاصه. # وذكر المصنف في الباب تسعة أحاديث: والثالث منهن في القسامة، والسادس فيه ~~الدية أيضا. والسادس والسابع فيه الغرة، والثامن فيه الصائل، والتاسع من ~~قتل نفسه. PageV09P041 ### ||| AUTO الحديث الأول # 355/ 1/ 68 - عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني ~~رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه ~~المفارق للجماعة" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أولها: هذا الحديث رواه ms1535 مسلم أيضا من رواية عائشة (¬2)، لكنه من أفراده. ~~وفي رواية له من حديث ابن مسعود: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال: "والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ~~وأني رسول الله إلا ثلاثة نفر: التارك للإسلام. . . ." وذكر الحديث. وفي ~~رواية للبخاري: "والمارق من PageV09P042 # الدين التارك للجماعة". وفي رواية للنسائي: "وإن محصن"، وفيه: "لا يحل ~~قتل مسلم إلا من إحدى ثلاث خصال: رجل يقتل مسلما متعمدا، ورجل يخرج من ~~الإسلام فيحارب الله ورسوله فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض". # ثانيها: في التعريف براويه وقد سلف في باب المواقيت. # ثالثها: في ألفاظه ومعانيه. # قوله: "لا يحل دم امرئ مسلم" هو كناية عن قتله، أي لا يحل إلا بإحدى هذه ~~الأمور. # وقوله: "دم امرئ" فيه حذف مضاف، أي أجزاء دمه. والدم مخفف الميم على ~~المشهور، وأصله دمى كيد ولامهما محذوفة حتى من التثنية، وجرى الدميان شاذ، ~~وكذا يديان بيضاوان عندهم محكم لا يقاس عليه. # وامرىء: يقال فيه مر كما سلف في حديث: "إنما الأعمال بالنيات". # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" ~~هو كالتفسير لقوله: " [مسلم] (¬1) "، وكذا: "المفارق للجماعة"، كالتفسير ~~لقوله: "التارك لدينه". والجماعة جماعة المسلمين، وفراقهم بالردة إما ~~بالتكفير بكلمة الكفر أو بالاعتقاد أو بالفعل، ومن خرج عنهم ببدعة أو بغى ~~وكان الخوارج تقاتل حتى يرجع إليهم، وليس بكافر. PageV09P043 # و"الثيب" المراد به المحصن، كما في رواية النسائي السالفة. وهو من وطئ في ~~نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل. # و"الإحصان": أصله المنع، وله معان. هذا، وهو الموجب رجم الزاني ولا ذكر ~~له في القرآن إلا في قوله تعالى: {محصنين غير مسافحين} (¬1)، أي محصنين ~~بالنكاح لا بالزنا وبمعنى: العفة، والحرية، والتزوج، والإسلام، وكلها ~~مذكورة في القرآن. والجامع لأنواع الإحصان المنع، فكل واحد ممن ذكرنا يمنع ~~ما ينافيه، وقد أوضحت ذلك في كتابي المسمى ب: "الإشارات إلى ما وقع في ~~المنهاج من الأسماء والمعاني واللغات". # و"الثيب": اسم ms1536 جنس يدخل فيه الذكر والأنثى. قاله أهل اللغة. # قال ابن السكيت: وذلك إذا كانت المرأة قد دخل بها، أو كان الرجل قد دخل ~~بامرأته. # وقوله: "الزاني" قال النووي في "شرح مسلم" (¬2): هو في نسخ "صحيح مسلم" ~~بغير ياء، وهي لغة صحيحة قرىء بها في السبع من قوله تعالى: {الكبير المتعال ~~(9)} (¬3). قال: والأشهر في اللغة إثبات الياء. PageV09P044 # و"النفس": تذكر وتؤنث. قال تعالى: {أن تقول نفس يا حسرتا} (¬1)، وقال: ~~"بلى قد جاءتك آياتي، [فإن كان مجردا من الألف واللام فالأكثر الحذف لا] (¬2). # رابعها: في فوائده: # الأولى: أن المسلم لا يصير مسلما إلا بالتلفظ بالشهادتين، فإنه -عليه ~~الصلاة والسلام- جعلهما كالتفسير والوصف للمسلم، وذلك لا يعرف إلا بالتلفظ ~~والاتصاف. ومن الشافعية من قال: إن كان ينكر إحداهما وأقر بها حكم بإسلامه ~~وألزم الإقرار بالأخرى، فإن أبى، فمرتد. وكذا لو أقر بما ينكره مما هو خاص ~~بشريعتنا، والأصح عند جمهورهم أنه لابد منها، اللهم إلا أن يعجز عن النطق ~~لخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه كمعالجة المنية أو لغير ذلك. # وهل يحتاج معها إلى الإقرار بعموم الرسالة أو البراءة من كل دين يخالف ~~الإسلام؟ فيه أوجه: # أصحها: إن كان ينكر عمومها ويخصها بالعرب، فلابد من الإقرار أو التبرئة، ~~وإلا فلا, ولو كان كفره بجحود فرض أو استباحة محرم لم يصح إسلامه حتى يأتي ~~بالشهادتين ويرجع عما اعتقده. # الثانية: عصمة دم المسلم إلا فيما ذكر النووي (¬3)، وهذا الحديث عام، خص ~~منه الصائل ونحوه، فإنه يباح قتله في الدفع. PageV09P045 # وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة، ويكون المراد لا يحل تعمد ~~قتله قصدا إلا في هؤلاء الثلاث. # الثالثة: إباحة دم الزاني المحصن بصفته المعروفة في الأحاديث الصحيحة, ~~وهو الرجم بالحجارة. # الرابعة: وجوب القصاص في النفس بشرطه. # الخامسة: أن المسلم يقتل بالذمي والحربي والعبد، لعموم قوله: {النفس ~~بالنفس} (¬1)؛ وكما في الآية أيضا قاله أصحاب أبي حنيفة والجمهور على ~~خلافه، ومنهم باقي الأربعة والليث وأنه عموم أريد به الخصوص في المتماثلين، ~~وقد وافقوا على تخصيص هذا ms1537 العموم في صور: # منها: ما إذا قتل السيد عبده عمدا. # ومنها: ما إذا قتل الأب ابنه، ولا حجة لهم في حديث: "لا يقتل مؤمن بكافر ~~ولا ذو عهد في عهده" (¬2) [حيث قالوا: التقدير بالمال ولا ذو عهد في عهده] ~~(¬3) بكافر حربي، فالذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف ~~والمعطوف عليه لأوجه. # إحداها: [لا نسلم] (¬4) أن الواو هنا عاطفة، بل استثنائية، فلا يلزم ~~الاشتراك. PageV09P046 # ثانيها: سلمنا لكن العطف يقتضي الاشتراك في الأصل دون توابعه كما في ~~قولك: مررت بزيد قائم وعمرو. فإنه لا يلزم منه المرور بعمرو قائما أيضا، بل ~~الاشتراك في أصل المرور لا غير، فيقتضي العطف هنا أنه لا يقتل به المسلم. ~~أما تعيين من يقتل به الآخر، فلا؛ لأن الذي يقتل به بعض توابع الحكم. # ثالثها: لا نسلم أن معناه بحربي، بل معناه التنبيه على التشبيه، فإن "في" ~~تكون للتشبيه، فيصير معنى الكلام: ولا يقتل ذو عهد بسبب المعاهدة فيفيدنا ~~ذلك أن المعاهدة سبب يوجب العصمة، وليس المراد به أنه يقتص منه ولا غير ذلك. # رابعها: أن معناه نفي الوهم عمن يعتقد أن عقد المعاهدين كعقد الذمة يدوم، ~~فنبه -عليه الصلاة والسلام- على أن أمر ذلك العهد إنما هو في ذلك الزمن ~~خاصة لا يتعداه، وتكون "في" على هذا للظرفية. # [خامسها] (¬1): إباحة دم المرتد بشرطه وهو إجماع في الرجل والجمهور على ~~إلحاق المرأة به. # وقال أبو حنيفة (¬2): لا تقتل. وقد أوضح البيهقي المسألة في "خلافياته" ~~(¬3)، وضعف حديث ابن عباس بأنها لا تقتل (¬4). PageV09P047 # [سادسها] (¬1): إن مخالف الإجماع يكفر فيقتل، وقد نسب ذلك إلى بعض الناس ~~[. . .] (¬2)، وقد قدمنا الطريق في التكفير، فالمسائل الإجماعية تارة ~~يصحبها [التواتر] (¬3) بالنقل عن صاحب الشرع، كوجوب الصلاة مثلا. وقد لا ~~يصحبها، [ف] (¬4) الأول يكفر جاحده، لمخالفته [التواتر] (¬5)، لا لمخالفته ~~الإجماع. [و] (¬6) الثاني: لا يكفر به. # قال الشيخ تقي الدين: وقد وقع في هذا المكان من يدعي الحذق في المعقولات، ~~ويميل إلى الفلسفة، فظن أن المخالفة في حدوث العالم من قبيل مخالفة ~~الإجماع، وأخذ ms1538 من قول من قال: "إنه لا يكفر مخالف الإجماع، أن لا يكفر هذا ~~المخالف في هذه المسألة. وهذا كلام ساقط بالمرة، إما عن عمى في البصيرة، أو ~~[عن] (¬7) تعام؛ [لأن] (¬8) حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع ~~والتواتر بالنقل عن صاحب الشريعة، فيكفر المخالف بسبب مخالفته النقل ~~المتواتر، لا بسبب مخالفة الإجماع. PageV09P048 # [سابعها] (¬1): أن تارك الصلاة كسلا لا يقتل, لأنه -عليه الصلاة والسلام- ~~حصر دم المرء المسلم في هذه الثلاثة بلفظ النفي العام، والاستثناء منه لهذه ~~الثلاثة، وهو قول المزني من أصحاب الشافعي قال: يضرب ويحبس حتى يصلي، وهو ~~مشهور مذهب أبي حنيفة، واختاره الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي ~~المالكي في قصيدة له مشهورة، أنبأنا بها غير واحد عن شيخ الإسلام تقي الدين ~~القشيري، عن الفقيه المفتي أبي موسى هارون بن عبد الله المهراني، عنه. # خسر الذي ترك الصلاة وخابا ... وأبى معاذا صالحا ومآبا # إن كان يجحدها، فحسبك أنه ... أمسى بربك كافرا مرتابا # أو كان يتركها لنوع تكاسل ... [غطى] (¬2) على وجه الصواب حجابا # فالشافعي ومالك رأيا له ... إن لم يتب: حد الحسام عقابا # وأبو حنيفة قال يترك مرة ... هملا، ويحبس مرة إيجابا # والظاهر المشهور من أقواله ... تعزيره زجرا له وعقابا # [. . .] (¬3). # والرأي عندي: أن يؤدبه الإمام ... بكل تأديب يراه صوابا PageV09P049 # ويكف عنه القتل طول حياته ... حتى يلاقي في المآب حسابا # فالأصل عصمته إلى أن يمتطي ... إحدى الثلاث إلى الهلاك ركابا # الكفر أو قتل المكافي عامدا ... أو محصن طلب الزنا فأصابا # واستشكل إمام الحرمين قتله وقوى بعض المتأخرين إزالة الإشكال في عدم قتله ~~بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة". فوقف العصمة على ~~مجموع ما ذكر والمرتب على أشياء لا تحصل بحصول مجموعها، وينتفي بانتفاء بعضها. # قال الشيخ تقي الدين (¬1): وهذا إن قصد به الاستدلال بالمنطوق (¬2) وهو ~~الأمر بالقتال إلى هذه الغاية، فقد [ذهل] (¬3) وسهى؛ لأنه فرق بين المقاتلة ~~على الشيء والقتل عليه، فإن "المقاتلة" مفاعلة ms1539 تقتضي الحصول من الجانبين. # ولا يلزم من إباحة المقاتلة على الصلاة إباحة القتل عليها (¬4) من ~~الممتنع من فعلها إذا لم يقاتل، ولا إشكال بأن قوما لو تركوا الصلاة ~~[وقاتلوا عليها قوتلوا] (¬5)، [أي بدليل مناظرة عمر الصديق في PageV09P050 # قتال مانعي زكاة المال] (¬1) النظر والخلاف فيما إذا تركها إنسان من غير ~~نصب قتال: [هل يقال يقتل أم لا؟] (¬2) فتأمل الفرق بين المقاتلة على الصلاة ~~[والقتل] (¬3) عليها وأنه لا يلزم من إباحة المقاتلة عليها [إباحة القتل ~~عليها] (¬4) وإن كان أخذ هذا من لفظ آخر الحديث، وهو ترتب العصمة على فعل ~~ذلك، فإنه يدل بمفهومه على أنها لا تترتب على فعل بعضها، [دون المجموع] ~~(¬5) هان الخطب لأنها دلالة مفهوم، والخلاف فيها معروف مشهور، وبعض من ~~ينازعه في هذه المسألة لا يقول بدلالة المفهوم، ولو قال بها فقد يرجح عليها ~~دلالة المنطوق في هذا الحديث. # واعلم أن قتل تارك الصلاة كسلا وعدمه مبني على تكفيره وقد اختلف أصحابنا ~~فيه على وجهين: # أحدهما: أنه يكفر بذلك، وهو المشهور عن أحمد، وقول المحدثين وبعض ~~المالكية، وحكاه العبدري (¬6) عن منصور الفقيه من PageV09P051 # أصحابنا، والشيح أبي إسحاق في "خلافياته" عن أبي الطيب بن سلمة (¬1)، ~~ونسبه القاضي حسين في باب قتل المرتد إلى أبي جعفر الترمذي (¬2)، وابن ~~خربويه (¬3)، ووجهه قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن بين الرجل وبين الشرك ~~والكفر ترك الصلاة" (¬4)، رواه مسلم من حديث جابر. وقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (¬5). رواه ~~الترمذي من حديث بريدة، وصححه؛ وكذا ابن حبان. وقال PageV09P052 # الحاكم: صحيح الإسناد ولا نعرف له علة. # قال: وله شاهد على شرطهما، فذكره عن شقيق، عن أبي هريرة قال: "كان أصحاب ~~رسول الله - صلي الله عليه وسلم - لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفرا غير ~~الصلاة" (¬1). وروى هذا الترمذي عن شقيق بإسناد صحيح. # وفي صحيح ابن حبان (¬2) من حديث ابن عمرو عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: أنه ذكر الصلاة يوما، فقال: "من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ~~ونجاة ms1540 يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها, لم يكن له برهان ولا نور ولا نجاة، ~~وكان يوم القيامة مع قارون، وهامان، وفرعون". وأصح الوجهين عندهم أنه لا ~~يكفر بذلك، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "خمس صلوات كتبهن الله على ~~العباد، فمن جاء بهن فلم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله ~~عهدا أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه ~~وإن شاء أدخله الجنة" (¬3)، رواه مالك في الموطأ وأبو داود واللفظ له، ~~والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان وابن السكن وابن عبد البر. # وجه الدلالة: أنه لو كفر لم يدخل تحت المشيئة، وللأحاديث الصحيحة الثابتة ~~بحديث: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل PageV09P053 # الجنة" (¬1) وشبهه، ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويرثون عنه، ولو ~~كان كافرا لم يغفر له ولم يورث ولم يرث. نعم يقتل حدا وحديث جابر السالف، ~~وكذا حديث بريدة أيضا يحملان على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه، وهو وجوب ~~القتل، كحديث: "قتال المسلم كفر"، أو على جاحد الوجوب، أو على كفر النعمة، ~~ولأنه عموم دخله التخصيص بحديث عبادة السالف. # وإذا قلنا يقتل، فمتى يقتل؟ # اختلف أصحابنا فيه على أوجه محل الخوض فيها كتب الفروع [وقد أوضحناها ~~فيه، ولله الحمد] (¬2). PageV09P054 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 356/ 2/ 68 - عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: فيه تعظيم أمر الدماء، فإن البداءة إنما تكون بالأهم فالأهم، وهي ~~حقيقة بذلك، فإن الذنوب تعظم بحسب المفسدة الواقعة بها، أو بحسب فوات ~~المصالح المتعلقة بعدمها. [وهدم] (¬2) البنية الإنسانية من أعظم المفاسد، ~~فإن الله خلقها في أحسن تقويم، وسخر لها ما في السموات وما في الأرض، بل هو ~~أكبر الكبائر بعد الشرك كما نص عليه الشافعي [-رضي الله عنه-] (¬3)، وهذا ~~إذا PageV09P055 # تجرد عن اعتقاد حله في غير محله. # الثاني: في سنن أبي داود ms1541 (¬1) والنسائي وجامع الترمذي، وقال: حسن من حديث ~~أبي هريرة مرفوعا: "إن أول ما يحاسب به يوم القيامة من عمله صلاته، فإن ~~صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيئا، ~~قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ~~ثم تكون سائر أعماله على هذا". # ويجمع بين هذا وبين حديث ابن مسعود السالف بأنه فيما بين العبد وبين ربه ~~تعالى، وحديث ابن مسعود فيما بينه وبين العباد. # الثالث: فيه القضاء بين: الناس يوم القيامة، وعلمه -عليه الصلاة والسلام- ~~بأحكام الآخرة واطلاعه عليه كما هو عالم بأحكام الدنيا. PageV09P056 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 357/ 3/ 68 - عن سهل بن أبي حثمة قال: "انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن ~~مسعود إلى خيبر، وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل ~~-وهو يتشحط في دمه قتيلا- فدفنه، ثم [أتى] (¬1) المدينة، فانطلق عبد الرحمن ~~بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي - صلي الله عليه وسلم -، فذهب ~~عبد الرحمن يتكلم، فقال (¬2) كبر، كبر -وهو أحدث القوم- فسكت. فتكلما، ~~فقال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلف، ولم نشهد، ~~ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا [فقالوا] (¬3): كيف نأخذ بأيمان ~~قوم كفار؟ فعقله النبي - صلي الله عليه وسلم - من عنده" (¬4). PageV09P057 # وفي حديث حماد بن زيد: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يقسم ~~خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته، قالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: ~~فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم؟ قالوا: يا رسول الله، قوم كفار. # وفي حديث سعيد بن عبيد: "فكره رسول الله أن يبطل دمه, فوداه بمائة من إبل ~~الصدقة". # الكلام عليه من وجوه: # وهو قاعدة عظيمة من قواعد الأحكام، وأصل في القسامة وأحكامها، وهي بفتح ~~القاف وتخفيف السين مشتقة من القسم أو الإقسام، وهي اليمين التي يحلف بها ~~المدعي للدم عند اللوث. قاله أصحابنا وابن فارس (¬1) والجوهري (¬2). # وقال الأزهري (¬3): هي اسم للأولياء الذين يحلفون على استحقاق دم ~~المقتول. # نقل الرافعي عن ms1542 (¬4) الأئمة أن القسامة في اللغة: اسم للأولياء، وفي لسان ~~الفقهاء: اسم للأيمان. وهذا النقل عن أهل اللغة ليس قولهم كلهم بل بعضهم ~~كما ذكرنا. والصحيح أنها اسم للأيمان. # ثم موضع جريان القسامة أن يوجد قتيل لا يوجد قاتله، ولا PageV09P058 # تقوم عليه بينة، ويدعي أهل القتيل قتله على واحد أو جماعة، مع قرينة تشعر ~~بصدق الولي، ويقال له اللوث، فيحلف على ما يدعيه كما سيأتي. # الوجه الأول: في التعريف براويه وبالأسماء الواقعة فيه. # أما سهل: فسلف التعريف به في باب صلاة الخوف واضحا. # وأما عبد الله بن سهل: فهو أنصاري حارثي، كنيته أبو ليلى، وهو أخو عبد ~~الرحمن -الآتي- قتيل اليهود بخيبر، خرج إليها يمتار تمرا بعد العصر، فوجد ~~مقتولا قبل الليل. قيل: إنه وجد في عين قد كسرت عنقه مطروحا فيها. # وفي الصحيح: "أنه طرح في فقير أو عين". والفقير: البئر القريبة القعر، ~~الواسعة الفم. وقيل: الحفيرة: التي تكون حول النخل. # وأما محيصة: فهو بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الياء المثناة تحت ~~مشددة على المشهور، ويجوز إسكانها في لغة. وظاهر كلام الشيخ تقي الدين في ~~"شرحه" (¬1) أنها راجحة. وقال النووي في "شرحه" (¬2): اللغتان مشهورتان، ~~وأشهرهما التشديد، وخالف القرطبي فقال في "مفهمه" (¬3) المشهور التخفيف، ~~وهو ابن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن كعب بن مجدعة بن PageV09P059 # حارثة بن الحارث بن الخزرج، أنصاري، حارثي، يعد من أهل المدينة، وكنيته ~~أبو سعيد. له صحبة وغزوات وأحاديث، أسلم قبل الهجرة قبل أخيه حويصة، وكان ~~حويصة أسن منه، وكان محيصة أنجب وأفضل. وأسلم حويصة على يد أخيه محيصة، ~~وبعث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - محيصة إلى فدك يدعوهم إلى الإسلام. # وأما حويصة: فهو بضم الحاء المهملة وفتح الواو وفي الياء التشديد ~~والتخفيف -كما سلف بما فيه-، وكنيته أبو سعيد أيضا, وهو شقيق محيصة، وكان ~~سبب إسلامه ما ذكره ابن إسحاق في "مغازيه" عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن ~~عباس في قصة كعب بن الأشرف اليهودي الذي كان يؤذي رسول الله ms1543 - صلى الله ~~عليه وسلم - بشعره ويتبعه ويحرض عليه العرب، وهو رجل من بني نبهان من طيء، ~~فلما قتل كعب قال -عليه الصلاة والسلام-: "من ظفرتم به من رجال يهود ~~فاقتلوه"، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سيينة -رجل من تجار يهود كان ~~يلابسهم ويبايعهم- فقتله، وكان حويصة أخوه إذ ذاك لم يسلم، وكان أسن من ~~محيصة، فلما قتله جعل حويصة يضربه، ويقول: أي عدو الله، أقتلته؟ أما والله ~~لرب شحم في بطنك من ماله. قال محيصة: فقلت له: أما والله لقد أمرني بقتله ~~من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك، قال: والله لو أمرك بقتلي لقتلتني، قال: ~~نعم، والله لو أمرني بقتلك لقتلتك، قال: والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب، ~~فأسلم حويصة -وكان ذلك أول إسلامه-، فقال محيصة: PageV09P060 # يلوم ابن أمي لو أمرت بقتله ... لطبقت ذفراه بأبيض قاضب # حسام كلون الملح [أخلص] (¬1) صقله ... متى ما أصوبه فليس بكاذب # وما سرني أني قتلتك طائعا ... وأن لنا ما بين بصرى ومأرب # شهد أحدا والخندق وسائر المشاهد مع النبي - صلي الله عليه وسلم -. # وأما عبد الرحمن بن سهل: فهو عبد الرحمن بن عمرو بن سهل الأنصاري، ثم ~~الخطمي المدني؛ وهو من بني حارثة. شهد أحدا وما بعدها. روى عن عثمان وغيره، ~~وعنه ابنه عمرو وغيره. له حديثان. قال أبو عمر: يقال إنه شهد بدرا، وكان له ~~فهم وعلم، وهو القائل لأبي بكر لما أعطى الجدة أم الأم دون أم الأب: يا ~~خليفة رسول الله أعطيت الذي لو ماتت لم يرثها وتركت الذي لو ماتت ورثها، ~~فجعله أبو بكر بينهما. # قلت: واستعمله عمر على البصرة حين مات عتبة بن غزوان. # وأما حماد بن زيد فهو عالم أهل البصرة في زمنه أبو إسماعيل حماد بن زيد ~~بن درهم الأزدي، البصري، الأزرق، الضرير، الحمصي، مولى جرير بن حازم. سمع ~~خلقا من التابعين وغيرهم، PageV09P061 # وعنه خلائق من الأئمة والعلماء. قال ابن مهدي: أئمة الناس في زمانهم ~~أربعة: الثوري، ومالك، والأوزاعي، وحماد بن زيد. وقال أحمد: هو أحب إلي ms1544 من ~~حماد بن سلمة. وقال أبو زرعة: هو أثبت منه بكثير وأصح حديثا وأتقن. ولد سنة ~~ثمان وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، بعد موت مالك بأشهر، وهو ابن إحدى ~~وثمانين سنة، وصلى عليه والي البصرة إسحاق بن سليمان بن علي الهاشمي. # وأما سعيد بن عبيد: فهو الطائي الكوفي أبو الهذيل. روى عن بشير بن يسار ~~وسعيد بن جبير وجماعة، وعنه وكيع وجماعة. وثقه أحمد وابن معين والنسائي. # وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. # واعلم أنه وقع في شرح الشيخ تقي الدين (¬1): سعد بن عبيد، بدل: سعيد، وهو ~~من النساخ، وصوابه سعيد -كما ذكرت-. ووقع في "شرح الفاكهي" على الخطأ أيضا. ~~ولما رأى بعض الشراح ذلك ترجمه سعيد بن عبيد الزهري -السالف- في باب أفضل ~~الصيام وغيره، فاجتنبه. ووقع في بعض نسخ الكتاب: سعيد بن عبيد، بدل: سعيد ~~بن زيد. فعقد له بعض من تكلم على رجاله ترجمة، وهذا وهم آخر فاحذره، ووهم ~~الصعبي شارح هذا الكتاب وهما آخر، فكتب فيما شاهدته من خطه: سعد بن عبيد، ~~ثم ضرب على عبيد وكتب: ابن زيد، فاجتنب ذلك [كله] (¬2). PageV09P062 # الوجه الثاني: في بيان ما فيه من الأمكنة والألفاظ: # أما خيبر: فتقدم ذكرها في الحديث الخامس من باب الرهن وغيره. # وقوله: "فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: كبر, كبر" كذا في الصحيح. وفيه ~~أيضا: "فذهب محيصة ليتكلم فقال: كبر، كبر" يريد السن، فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة. # ومعنى "كبر كبر" ليتكلم الأكبر، وأكده بالتكرير تنبيها على شرف السن. وقد ~~روعي في الإمامة وولاية النكاح ندبا أيضا، والمراد بكبر السن: القدم في ~~الإسلام والسبق إليه والعلم به وممارسة أعماله وأحواله والفقه فيه. ولو كان ~~الشيخ عريا عن ذلك واتصف الشاب به قدم عليه. # وقد قدم وفد على عمر بن عبد العزيز، فتقدم شاب للكلام، فقال له عمر: كبر، ~~كبر؛ فقال: يا أمير المؤمنين لو كان الأمر بالسن لكان هنا من هو أولى ~~بالخلافة منك. فقال: تكلم، فتكلم، فأبلغ وأوجز. # وكلام عبد الرحمن على رواية الكتاب لم يكن ms1545 حقيقة دعوى يترتب عليها الحكم، ~~إذ لو كان دعوى لما قدم حويصة ومحيصة عليه لأنه أخوه، وهما ابنا عمه لا حق ~~لهما في المطالبة به مع وجوده، وإنما هو بيان وشرح للواقعة والأكبر أفقه ~~وأعلم بذلك خصوصا في مخاطبة الكفار (¬1)، فإذا أراد حقيقة الدعوى تكلم ~~صاحبها. قاله النووي في "شرحه" (¬2) قال: ويحتمل أن عبد الرحمن وكلهما في ~~الدعوى PageV09P063 # ومساعدته أو أمر بتوكيله حيث أمر بالتفويض في المطالبة إلى الأكبر، ~~واستبعد غيره ممن أدركناه هذا الاحتمال، وقال: لو كان ثم توكيل لنقل، ~~والأحسن أنه -عليه الصلاة والسلام- لم يعلم أن عبد الرحمن أخص منهما ~~بالكلام، وأن أخاه هو المقتول، وأنهم أتوا بسبب ذلك، وإنما لما جاؤوه ~~مجتمعين فهم من حالهم أنهم أتوه في أمر يشملهم ولم يعلم السبب الذي جاء ~~بهم. فلما رأى أصغر الأخوين بدأ بالكلام نبه على أن الأكبر أولى بذلك. # وقول النووي (¬1): إنه لم يكن المراد بالكلام حقيقة الدعوى. # قد يرده قوله -عليه الصلاة والسلام- بعد ذلك بنحو صفحة أن فيه جواز ~~الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم (¬2). إلا أن يقال أن الظاهر وقوع دعوى ~~بعد هذا، فلا يرد ذلك عليه. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أتحلفون وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم" إن ~~قلت: كيف عرضت اليمين على الثلاثة, وإنما اليمين للوارث خاصة وهو عبد ~~الرحمن دونهما؟ فالجواب كما قاله النووي في "شرحه" (¬3) أنه كان معلوما ~~عندهم أن اليمين تختص بالوارث، فأطلق الخطاب لهم؛ والمراد من يختص به ~~اليمين، واحتمل ذلك لكونه معلوما عند المخاطبين؛ كما سمع كلام الجميع في ~~قتله وكيفية ما جرى له، وإن كانت حقيقة الدعوى وقت الحاجة مختصة بالوارث. PageV09P064 # قلت: [و] (¬1) هو جواب حسن، لكن ظاهر قوله -عليه الصلاة والسلام-: "يقسم ~~خمسون منكم على رجل منهم" يخدشه، نعم هو مؤول كما سيأتي، [ولم] (¬2) تأوله ~~المالكية، بل قالوا به، وأنه إذا كان ولي الدم وأحد يستعين بعصبته في ~~الأيمان فيحلفون معه وإن لم يكن لهم ولاية. # ومعنى "تستحقون قاتلكم، أو صاحبكم": يثبت حقكم على من حلفتم عليه، وهل ms1546 ~~ذلك الحق قصاص أو دية فيه خلاف بين العلماء -كما سيأتي-. # وقوله: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم" لابد من تأويله, لأن اليمين إنما ~~تجب على الوارث خاصة لا على غيره من القبيلة وتأويله عند أصحابنا أن معناه ~~يؤخذ منكم خمسين يمينا، والحالف لها هو الوارث. # وقوله: "فتبرئكم يهود" هو مرفوع لا يصرف، لأنه اسم للقبيلة والطائفة، ~~ففيه التأنيث والعلمية. # ومعنى "تبرئكم يهود بخمسين يمينا": أي تبرأ إليكم من دعواكم بذلك. وقيل: ~~معناه يخلصونكم من اليمين بأن يحلفوا، فإذا حلفوا انتهت الخصومة ولم يثبت ~~عليهم شيء وخلصتم أنتم من اليمين. # "الرمة" بضم الراء وتشديد الميم المفتوحة، أصلها: الحبل الذي يكون في عنق ~~البعير أو الأسير ليسلم به من يقوده به، شبه به PageV09P065 # القاتل لتسليمه إلى ولي المقتول للقتل، والجمع: رمم ورمام. # وأما الرمة بالكسر: فالعظم البالي. يقال: رمم العظم وأرم: إذا بلي. ~~والرميم: الشيء التالف المتفتت كالورق المهشم؛ ومنه قوله تعالى: {ما تذر من ~~شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم (42)} (¬1). # وقولهم: "كيف نأخذ بأيمان قوم كفار" هو استبعاد لصدقهم وتقريب لإقدامهم ~~على الكذب وجرأتهم على الأيمان الفاجرة. # ومعنى "عقله": [أعطى] (¬2) عقله، أي ديته: وسميت الدية عقلا لأن الإبل ~~كانت تعقل بفناء المستحقين. # "ووداه" بتخفيف الدال: أي دفع ديته. # ومعنى "كره أن يبطل دمه"، أي يجعله هدرا. # الوجه الثاني: في أحكامه: # الأول: إثبات القسامة، وهو كما قال القاضي عياض: أصل من أصول الشرع ~~وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ العلماء ~~كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين والشاميين ~~والكوفيين وغيرهم، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به. وروي عن جماعة إبطال ~~القسامة، وأنه لا حكم لها ولا عمل بها، منهم: سالم بن عبد الله، والحكم بن ~~عتبة، وقتادة، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وابن علية، والبخاري. . . . ~~وغيرهم. PageV09P066 # وعن عمر بن عبد العزيز روايتان كالمذهبين، وكذا عن سلمان بن يسار، ~~والصحيح عنه العمل به كما قال القرطبي (¬1). # واختلف قول مالك في جواز القسامة في القتل ms1547 خطأ، كذا حكاه القاضي عياض، ~~ونوقش في ذلك، وأنه إنما اختلف في قوله في قتل الخطأ مع قول الميت: فلان ~~قتلني، لا فيما إذا كان اللوث غير ذلك. # واختلف القائلون بها فيما إذا كان القتل عمدا هل يجب القصاص بها؟ # فقال معظم الحجازيين: يجب، وهو قول الزهري، وربيعة، وأبي الزناد، ومالك ~~وأصحابه، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود. وهو قول ~~الشافعي في القديم. # وروي عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز. قال أبو الزناد: قتلنا بها ~~وأصحاب رسول الله - صلي الله عليه وسلم - متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل ~~فما اختلف منهم اثنان. والذي قال بهذا جعل له شرطين: # أحدهما: ما يقتضي القصاص في الدعوى. # والثاني: المكافأة في القتل، وشبهوا القتل بها باليمين المراودة في ~~استحقاق ما ادعى به. # وقال الكوفيون والشافعي في أصح قوليه: لا يجب بها القصاص، وإنما تجب ~~الدية. PageV09P067 # وروي عن الصديق، والفاروق، وابن عباس، ومعاوية، والحسن البصري، والشعبي، ~~والنخعي، وعثمان البتي، والحسن بن صالح، وإسحاق؛ واستدل لذلك بقوله -عليه ~~الصلاة والسلام- في الصحيح: "إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب" ~~فإنه يدل على أن المستحق دية لا قود، ولأنه لم يتعرض للقصاص؛ لكن الاستدلال ~~بقوله -عليه الصلاة والسلام- فيما مضى فيدفع "برمته" أقوى من الاستدلال ~~بقوله: "وتستحقون دم صاحبكم", لأن قولنا "يدفع برمته" [مستعمل] (¬1) في دفع ~~القاتل للأولياء للقتل، و [لو] (¬2) أن الواجب الدية لبعد استعمال هذا ~~اللفظ [فيها] (¬3)، وهو [في] (¬4) استعماله في تسليم القاتل أظهر، ~~والاستدلال بقوله: "دم صاحبكم" كما ثبت في الصحيح من رواية الكتاب: ~~"تستحقون قاتلكم، أو صاحبكم" لأن هذا اللفظ الأخير لابد فيه من إضمار، ~~فيحتمل أن يضمر: "دية صاحبكم". [إضمارا] (¬5) ظاهرا، وإنما بعد التصريح ~~بالدم، فيحتاج إلى تأويل اللفظ، بإضمار بدل "دم صاحبكم"، والإضمار على خلاف ~~الأصل، ولو احتيج إلى الإضمار لكان حمله على ما يقتضي إراقة الدم أقرب، ~~والمسألة مستشنعة عند المخالفين لهذا المذهب، PageV09P068 # أو بعضهم، فربما أشار بعضهم إلى احتمال أن يكون المراد بقوله: "دم ~~صاحبكم" هو القتيل لا ms1548 القاتل، ويرده قوله: "دم صاحبكم أو قاتلكم". # ثم اختلفوا فيمن يحلف في القسامة، فقال مالك والشافعي والجمهور: يحلف ~~الورثة ويجب الحق بحلفهم خمسين يمينا، واحتجوا بهذا الحديث الصحيح، وفيه ~~التصريح بالابتداء بالمدعى وهو ثابت من طرق كثيرة صحاح لا يندفع، وقال ~~مالك: الذي أجمعت عليه الأمة قديما وحديثا أن المدعين يبدؤون في القسامة، ~~ولأن جنبة المدعي صارت قوية باللوث. قال القاضي (¬1): وضعف هؤلاء رواية من ~~روى الابتداء بيمين المدعى عليهم. # قال أهل الحديث: هذه الرواية وهم من الراوي، لأنه أسقط الابتداء بيمين ~~المدعى عليهم، ولم يذكر رد اليمين، ولأن من روى الابتداء بالمدعين معه ~~زيادة علم ورواياتها صحاح من طرق كثيرة مشهورة توجب العمل بها ولا يعارضها ~~رواية من نسي. قال: وكل من لم يوجب القصاص واقتصر على الدية بدأ بيمين ~~المدعى عليهم إلا الشافعي وأحمد، فقالا بقول الجمهور، وأنه يبدأ بيمين ~~المدعي، فإن نكل ردت على المدعى عليه. # وأجمع العلماء: على أنه لا يجب قصاص ولا دية بمجرد الدعوى حتى يقترن بها ~~شبهة يغلب الظن بالحكم بها. # واختلفوا في هذه الشبهة المعتبرة الموجبة للقسامة؛ لها سبع صور: PageV09P069 # الأولى: أن يقول المقتول في حياته دمي عند فلان. وهو قتلني أو ضربني وإن ~~لم يكن به أثرا وفعل بي هذا من إنفاذ مقاتلي أو جرحني، ويذكر العمد، فهذا ~~موجب للقسامة عند مالك والليث، وادعى مالك: أنه مما أجمع عليه الأئمة ~~[حديثا وقديما] (¬1). قال القاضي (¬2): ولم يقل بهذا من فقهاء الأمصار ~~غيرهما ولا روي عن غيرهما، وخالفا في ذلك العلماء كافة، فلم ير أحد غيرهما ~~في هذا قسامة، واشترط بعض المالكية وجود الأثر والجرح في كونه قسامة. واحتج ~~مالك في ذلك بقصة بني إسرائيل، وقوله تعالى: {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي ~~الله الموتى} (¬3)، قالوا: فحي الرجل وأخبر بقاتله. # واحتج أصحابه: بأن تلك حالة تطلب فيها غفلة الناس، فلو شرطنا الشهادة ~~وأبطلنا قول المجروح أدى ذلك إلى إبطال الدماء غالبا. قالوا: ولأنها حالة ~~يتحرى فيها المجروح الصدق، ويتجنب الكذب والمعاصي، ويتزود البر والتقوى، ms1549 ~~فوجب قبول قوله. # وقال الباجي (¬4): إن قيل ذلك -أعني ما سلف من قصة بني إسرائيل- أنه قيل: ~~إنما الآية في إحيائه، وإذا صار حيا لم يكن كلامه آية؛ وهذا مبني على أن ~~شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما ثبت نسخه. PageV09P070 # قال أبو عمر (¬1): هذه غفلة شديدة, لأن هذه الآية لا تصح إلا لنبي، أو ~~بحضرة نبي، وقتيل بني إسرائيل لم يقسم عليه أحد بيمين واحدة ولا خمسين، وقد ~~أجمعوا أن شرعة المسلمين وسنتهم في الدماء والأموال لا يقضى فيها بالدعاوى ~~المجردة، وأن المقتول لو قال عند موته: دمي عند فلان، ولي على فلان درهم ~~فما فوقه لم يقبل قوله في الدرهم. # واختلفت المالكية: في أنه هل يكتفى في الشهادة على قوله بشاهد أم لابد من ~~اثنين؟ حكاه القاضي عنهم، ونقل غيره أن المشهور الثاني. # واختلفوا أيضا إذا لم يقم على الضرب أو الجرح إلا شاهد واحد. # فقال ابن القاسم: يقسم معه. وقال غيره: لا يقسم حتى يثبت أصل الجرح أو الضرب. # الثانية: اللوث من غير بينة على معاينة القتل، وبهذا قال مالك والليث ~~والشافعي: ومن اللوث شهادة العدل وحده. وكذا قال جماعة ليسوا عدولا، وفي ~~الواحد غير العدل خلاف عن مالك، وجعل الليث وربيعة ويحيى بن سعيد شهادة ~~العبيد والصبيان والذميين لوثا. # وقال بعض المالكية: شهادة الصبيان والنساء لوث وأباه أكثرهم. PageV09P071 # الثالثة: إذا شهد عدلان بالجرح فعاش بعده أياما ثم مات قبل أن يفيق منه، ~~قال مالك والليث: هو لوث، أي إذا لم ينفذ مقاتله عند مالك. # وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا قسامة هنا، بل يجب القصاص بشهادة [العدلين] (¬1). # [الرابعة] (¬2): يوجد المتهم عند المقتول، أو قريبا منه، أو آت من جهته ~~ومعه آلة القتل، وعليه أثر من لطخ دم وغيره، وليس هناك سبع ولا غيره. مما ~~يمكن إحالة القتل عليه أو تفرق جماعة عن قتيل، فهذا لوث موجب للقسامة عند ~~مالك والشافعي. # [الخامسة] (¬3): أن تقتتل طائفتان فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند ~~مالك والشافعي. وعن مالك رواية: أنه لا قسامة، ms1550 بل فيه دية على الطائفة ~~الأخرى إن كان من الطائفتين، وإن كان من غيرهما فعلى الطائفتين ديته. # وقال أحمد وإسحاق: ديته على الفئة المنازعة، فإن عينوا رجلا ففيه ~~القسامة. # [السادسة] (¬4): أن يوجد الميت في زحمة الناس. قال الشافعي: تثبت فيه ~~القسامة وتجب بها الدية. PageV09P072 # وقال مالك: هو هدر. # وقال الثوري وإسحاق: تجب ديته في بيت المال. وروى مثله عن عمر وعلي. # [السابعة] (¬1): أن يوجد في محلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم. # فقال مالك والليث والشافعي وأحمد وداود وغيرهم: لا تثبت بمجرد هذا قسامة، ~~بل القتيل هدر، لأنه [لا] (¬2) يقتل الرجل الرجل ويلقيه في محلة طائفة ليست ~~لهم ليلطخهم به. # قال الشافعي: إلا أن يكون في محلة أو قرية صغيرة. # [لا عداية] (¬3) لا يساكنهم غيرهم فيكون كالقصة التي جرت بخيبر، فحكم ~~-عليه الصلاة والسلام- بالقسامة لورثة القتيل لما كان بين الأنصار وبين ~~اليهود من العداوة، ولم يكن هناك سواهم. # وعن أحمد نحو قول الشافعي، وتأوله بعضهم على مذهب مالك. # وقال أبو حنيفة والثوري ومعظم الكوفيين: وجود القتيل في المحلة والقرية ~~يوجب القسامة، ولا تثبت القسامة عندهم في شيء من الصور السبعة إلا بهذا، ~~لأنها عندهم في الصورة التي حكم بها النبي - صلي الله عليه وسلم - فيها ~~بالقسامة، ولا قسامة عندهم إلا إذا وجد القتيل وبه أثر. PageV09P073 # قالوا: فإن وجد القتيل في مسجد حلف أهل المحلة ووجبت الدية في بيت المال، ~~وذلك إذا ادعوا على أهل المحلة. # وقال الأوزاعي: وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة، وإن لم يكن عليه ~~أثر، ونحوه عن داود، وقال: لا أقضي بالقسامة في شيء إلا في الدعوى في العمد ~~دون الخطأ على أهل القرية الكبيرة أو المدينة وهم أعداء المقتول. # الثاني: من أحكام الحديث اشتراط وجود الدم في إيجاب القسامة صريحا، ~~والجراحة ظاهرا لوجود عبد الله بن سهل يتخبط في دمه قتيلا، وحكمه -عليه ~~الصلاة والسلام- بالقسامة بسببه وقد قدمنا في الصورة الأولى عن بعض ~~المالكية اشتراط الأثر والجرح. # وقال أصحابنا: لا يشترط وجود دم ولا جراحة، فإن القتل ms1551 قد يحصل بالخنق، ~~وعصر الخصية، والقبض على مجرى النفس؛ فيقوم أثرهما مقام الجراحة. # وقال أبو حنيفة: إن لم تكن جراحة ولا دم فلا قسامة، وإن وجدت الجراحة ~~ثبتت القسامة، وإن وجد الدم دونها؛ فإن خرج من أنفه فلا قسامة، وإن خرج من ~~أذنه أو فمه ثبتت. # قال الرافعي: وهو وإن شرط الجراحة أو الدم في القسامة فلا يجعل الخلو ~~عنها مبطلا للوث، واللوث غير معتبر عنده، وليست القسامة عنده كهي عندنا. # الثالث: فضيلة السنن عند التساوي في الفضائل، وقد سلف واضحا. PageV09P074 # الرابع: البداءة في القسامة بيمين المدعي، وهو مذهب أهل الحجاز، ونقل عن ~~أبي حنيفة خلافه. وهو مخالف لما اقتضاه الحديث، وقدم المدعي هاهنا باليمين ~~على -خلاف قياس الخصومات- بما انضاف إلى دعواه من شهادة اللوث، مع عظم قدر ~~الدماء، ولينبه على أنه ليس كل واحد من هذين المعنيين بعلة مستقلة، بل كل ~~واحد جزء علة. # الخامس: تعدد الأيمان في القسامة، وأنها خمسون، والحكمة في تعددها أن ~~تصديق المدعي على خلاف الظاهر، فأكد بالعدد لتعظيم شأن الدم، فلو كانت ~~الدعوى في غير محل اللوث وتوجهت اليمين على المدعى عليه، ففي تعددها خمسين، ~~قولان للشافعي أظهرها نعم لتعظيم شأن الدم. ونقل مقابله عن أبي حنيفة لأنها ~~يمين في جانب المدعى عليه لقطع الخصومة، فلا تغلظ بالعدد كسائر الدعاوى. # السادس: أن المدعي في محل القسامة إذا نكل غلظت اليمين، فالتعداد على ~~المدعى عليه. وهو أصح الطريقين عند الشافعية، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"فتبرئكم يهود بخمسين يمينا" جعل أيمان المدعى عليهم بعد أيمان المدعين. # والطريق الثاني: طرد القولين المذكورين في المسألة قبلها لأن نكوله يبطل ~~اللوث، فكأنه لا لوث. # السابع: صحة يمين الكافر، والفاسق أولى بالصحة منه. # ومشهور مذهب مالك أن الكافر إنما يحلف بالله الذي لا إله إلا هو سواء كان ~~يهوديا، أو نصرانيا، أو غيرهما من الأديان كما يحلف PageV09P075 # المسلم، وعنه أن اليهودي يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ~~والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، ويحلف في المواضع التي يعتقد ms1552 ~~[تحريمها] (¬1) الناس أن القسامة يجب بها القصاص، وقد سلف ما فيه. # التاسع: أن القسامة إنما تكون على واحد، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"يقسم خمسون منكم على رجل منهم". وبه قال مالك وأحمد, لأنه لو قتل أكثر من ~~واحد، لم يتعين أن يقسم على واحد منهم، وخالف فيه المغيرة بن عبد الرحمن من ~~أصحاب مالك. # وقال أشهب وغيره: يحلف الأولياء على ما شاؤوا, ولا يقتلون إلا واحدا. # وقال الشافعي: إن ادعوا على جماعة حلفوا عليهم [وثبتت عليهم الدية على ~~الصحيح عند الشافعي، وعلى قول يجب القصاص عليهم] (¬2)، وإن حلفوا على واحد ~~استحقوا عليه وحده. # العاشر: أنه لو تعدد المدعون في محل القسامة، حلف كل واحد منهم خمسين ~~يمينا، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم"، ~~ومعناه: يقسم كل واحد من الخمسين القسم المشروع في ذلك، وهو خمسون يمينا، ~~وهو أحد قولي الشافعي، PageV09P076 # وأصحهما: أنها توزع عليهم بحسب الإرث، ويوزع الكسر، فلو كان الوارث ثلاثة ~~مثلا حلف كل واحد سبعة عشر، ثم الحالفون هم ورثة الدم، فلا يحلف غيرهم من ~~الأقارب، وسواء كان الوارث ذكرا أم أنثى، وسواء كان القتل عمدا أم خطأ؛ ~~وهذا مذهب الشافعي، وبه قال أبو ثور وابن المنذر، ووافق مالك فيما إذا كان ~~القتل خطأ، # أما إذا كان عمدا فقال: يحلف الأقارب خمسين يمينا ولا يحلف النساء ولا ~~الصبيان، ووافقه ربيعة والليث والأوزاعي وأحمد وداود وأهل الظاهر، # واحتج الشافعي بقوله: "أتحلفون وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم"، فجعل الحالف ~~هو المستحق للدية أو القصاص، ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق شيئا فدل على ~~أن المراد حلف من يستحق الدية. # الحادي عشر: قد يؤخذ من قوله: "يقسم خمسون منكم" ما إذا كانوا أكثر من ~~خمسين أنه لا يحلف منهم إلا القدر المذكور. # وقد اختلف عن مالك في ذلك هل يحلف كلهم يمينا [. . .] (¬1) أو يقتصر منهم ~~على خمسين. # قال القرطبي (¬2): هذا هو الأولى، لأن "من" للتبعيض والخطاب لجميع ~~الأولياء، فأفاد ذلك أنه إذا حلف منهم خمسون أجزأ. PageV09P077 # الثاني عشر: ms1553 جريان القسامة في قتل الحر، فإن الحديث ورد به، وفي إلحاق ~~العبد به قولان للشافعي مأخذهما شرف الحرية أو الدماء، والأصح نعم، ونقل عن ~~أبي حنيفة أيضا. # الثالث عشر: جريانها في النفس الكاملة، وهل يجري فيما دون النفس من ~~الأطراف والجراحات؟ مذهب مالك: لا. # وفي مذهب الشافعي قولان كما حكاه الشيخ تقي الدين (¬1)، والذي نعرفه من ~~مذهبه الجزم في الطرف والجراحات كمذهب مالك. وحكى الروياني وجها في ~~الأطراف، وغلط قائله ومنشأ الخلاف أن وصف كونها نفسا له أثر أم لا، وكون ~~هذا الحكم على خلاف القياس يقوي الاقتصار على مورده. # الرابع عشر: جواز الحكم على الغائب وسماع الدعوى في الدماء من غير حضور ~~الخصم، وقد سلف ما فيه. # الخامس عشر: جواز اليمين بالظن الراجح وإن لم يوجد القطع، وإنما عرض ~~-عليه الصلاة والسلام- اليمين إن وجد فيهم هذا الشرط؛ ولهذا قالوا: كيف ~~نحلف ولم نشهد ولم نر؟. # السادس عشر: إن الحكم بين المسلم والكافر يكون بحكم الإسلام في الاحتساب ~~بيمينه، والاكتفاء بها، وأن يمين المشرك مسموعة على المسلمين، كيمين المسلم ~~عليه. قال الشيخ تقي الدين (¬2): ومن نقل من الناس عن مالك أن أيمانهم لا ~~تسمع على PageV09P078 # المسلمين كشهادتهم، فقد أخطأ قطعا في هذا الإطلاق، بل هو خلاف الإجماع ~~الذي لا يعرف غيره؛ لأنه في الخصومات إذا اقتضت توجيه اليمين على المدعى ~~عليه حلف، وإن كان كافرا. # السابع عشر: نظر الإمام في المصالح العامة والاهتمام بإصلاح ذات البين. # الثامن عشر: جواز دفع الدية إلى أولياء المقتول من بيت المال، ويجعل قول ~~الراوي: "فوداه من عنده"، أي من بيت المال المعد للمصالح مع احتمال أنها من ~~خالص ماله -عليه الصلاة والسلام-. # واستدل به الإمام أبو إسحاق المروزي -من أصحابنا- على جواز صرفها من إبل ~~الزكاة، أي ويجوز صرفها في مثل هذا لأنه من المصالح العامة، وجعل بعضهم ذكر ~~إبل الصدقة غلطا من الرواة لأنها مستحقة لأصناف الزكاة. وحمله الجمهور من ~~أصحابنا وغيرهم على أنه اشتراها من أهل الصدقات بعد أن ملكوها ثم دفعها إلى ms1554 ~~أهل القتيل تبرعا وهو المختار، وقريب منه أنه تسلفها من مال الصدقة ليؤديها ~~من مال الفيء. # وحكى القاضي: عن بعض العلماء أنه يجوز صرف الزكاة في المصالح العامة، ~~وتأول هذا الحديث وتأوله بعضهم على أن أولياء المقتول كانوا محتاجين ممن ~~تباح لهم الزكاة، وأبطلها النووي في "شرحه لمسلم" (¬1) بأن قال: هذا قدر ~~كبير لا يدفع PageV09P079 # إلى الواحد الخامل من الزكاة بخلاف أشراف القبائل، ولأنه سماه دية. # وتأوله بعضهم على أنه دفعه من سهم المؤلفة من الزكاة ائتلافا لليهود، ~~ولعلهم يسلمون، وضعفه النووي أيضا بأن الزكاة لا يجوز صرفها إلى كافر، ~~ويحتمل أن يكون أولياء القتيل مستحقين للصدقات، فأعطاها إياهم في صورة ~~الدية تسكينا لنفرتهم وجبرا لهم مع أنهم يستحقون لها. ذكره القرطبي (¬1). # ورأيت من يجيب بجوابين آخرين، # أحدهما: لعله أراد بالصدقة الفيء لأنه مرصد للمصالح. # ثانيها: لعل ذلك كان قبل نزول بيان مصارف الصدقة في سورة براءة، لأنها من ~~آخر ما نزل من القرآن. # التاسع عشر: أن الدية من الإبل. # العشرون: أن من وجبت عليه يمين في دعوى فنكل أن المدعي لا يستحق شيئا حتى ~~يرد عليه؛ وهو قول مالك والشافعي. ويروى عن عمر وعثمان وجماعة من السلف، ~~لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا". وقال الكوفيون ~~وأحمد: ويقضى بالنكول دون رد اليمين. وقال ابن أبي ليلى: يؤخذ باليمين. PageV09P080 # خاتمة: أول من قضى بالقسامة -على ما حكاه ابن قتيبة في "معارفه"- الوليد ~~بن المغيرة في الجاهلية، فأقرها -عليه الصلاة والسلام- في الإسلام. وفي ~~"مصنف عبد الرزاق" (¬1) أن أول من كانت فيه القسامة في الإسلام عبد الله بن ~~سهل، وذكر ابن زبالة أنه -عليه الصلاة والسلام- قضى بذلك في مسجد بني حارثة ~~من الأوس. PageV09P081 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 358/ 4/ 68 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: "أن جارية وجد رأسها ~~مرضوضا بين حجرين، فقيل: من فعل هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكر يهودي، فأومأت ~~برأسها، فأخذ اليهودي فاعترف، فأمر النبي - صلي الله عليه وسلم - أن يرض ~~رأسه بين حجرين". # ولمسلم والنسائي عن أنس: "أن ms1555 يهوديا قتل جارية على أوضاح، فأقاده رسول ~~الله - صلي الله عليه وسلم -" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذه الرواية التي عزاها لمسلم ليست فيه بهذا اللفظ، وإنما لفظه: ~~"فقتله رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بين حجرين"، وهي بهذا اللفظ في ~~البخاري أيضا. وترجم على الحديث: "إذا قتل بحجر أو PageV09P082 # بعصى (¬1). ومن أقاد بالحجر (¬2). وقتل الرجل بالمرأة (¬3). وإذا أقر ~~بالقتل مرة قتل به (¬4). والإشارة في الطلاق والأمور" (¬5). رواه فيه ~~معلقا، وفيه أنه -عليه الصلاة والسلام- قال لها: "من قتلك؟ فلان؟ -لغير ~~الذي قتلها- فأشارت برأسها أن لا. قال: فقال لرجل آخر -غير الذي قتلها- ~~فأشارت أن لا. فقال: ففلان؟ -لقاتلها- فأشارت أن نعم، فأمر به رسول الله - ~~صلي الله عليه وسلم - فرضخ رأسه بين حجرين". # نعم هو في النسائي باللفظ الذي عزاه إليه. # الثاني: هذه الجارية وقاتلها لا أعرف اسمها بعد الفحص عنه، وفي الصحيح أن ~~الجارية من الأنصار، والظاهر من قتلها كان غيلة، لأنه أخذ حليها. # الثالث: الأوضاح بالضاد المعجمة: حلي من فضة يتحلى به. وقد ذكر في الصحيح ~~أيضا: مكانها "الحلي" سميت بذلك لبياضها. واحدها: وضح. وقيل: إنه حلي من ~~حجارة. حكاه القاضي. # و"الرض": الكسر غير المبان، PageV09P083 # ومعنى "بين حجرين": أنه وضع رأسها على حجر ورمى بآخر، وفعل به مثل ذلك. ~~وفي الصحيح: "أنه رضخ رأسه بين حجرين"، وفيه: "أنه رجمه بالحجارة"، والمعنى ~~واحد لأنه إذا وضع رأسه على حجر ورض بآخر فقد رجم، ورض، ورضخ، وقد يكون ~~رجمه نوعا مما فعل بها؛ فإن في الصحيح: "أنه ألقاها في القليب"، وهي البير ~~غير المطوية "ورضخ رأسها بالحجارة". وهذا رجم لا شك فيه، وهذا أولى من ~~ادعاء تعدد الواقعة. # الرابع في أحكامه: # الأولى: قتل الرجل بالمرأة، وهو إجماع من يعتد به. وعن علي أنه إذا قتل ~~بها أخذ نصف الدية إن شاءوا وإلا أخذوا الدية. قال ابن عبد البر (¬1): ولا ~~يصح، وروي ذلك عن الحسن، واختلف فيه عن عطاء، وبه قال البتي. # الثاني: قتل الذمي والمعاهد والمستأمن بالمسلم. # الثالث: جواز سؤال الجريح من ms1556 جرحك؟ لفائدة تعرف الجارح من بين المتهمين ~~ليطالب، فإن أقر ثبت عليه القتل كما جرى لليهودي من أخذه واعترافه، فلو ~~أنكر فالقول قوله مع يمينه ولا يلزمه بمجرد قول المجروح شيء، وهو قول جمهور ~~العلماء. # وقال مالك: يثبت القتل بمجرد قول المجروح على المتهم تعلقا بهذا الحديث ~~وهو غريب، فإن اليهودي لم يقتل إلا باعترافه لا بمجرد قول المجروح. لا جرم ~~قال النووي (¬2): إنه تعلق باطل. PageV09P084 # ورأيت من المالكية من يشنع هذا على النووي ويقول: ليس هذا مذهب مالك ~~وإنما مذهبه أنه لوث وغفل هذا المعترض المتحايل عن مذهبه أن اللوث موجب ~~القصاص. وذكر القاضي (¬1) أبو عبد الله بن المرابط أنه كان في أول الإسلام ~~قبول [قول] (¬2) القتيل، وأن هذا معنى الحديث؛ وأن ما جاء من اعترافه إنما ~~جاء من رواية قتادة ولم يقلده غيره، وهذا مما عد عليه، وفيما ذكره نظر لا يخفى. # الرابع: التوصل إلى معرفة القاتل بتعديد الأشخاص عليه لقصد معرفة الحق ~~ودفع الريبة فيه. # الخامس: أن الإشارة بالرأس ونحوه في ذلك قائمة مقام النطق [فإنها نزلت ~~منزلة دعواها. قال القرطبي (¬3): ومن قال من الرواة: إنها قالت: نعم، فإنما ~~عبر عما فهم عنها من الإشارة بالقول] (¬4). # السادس: وجوب القصاص بالمثقل عمدا وهو ظاهر من الحديث وقوي في المعنى ~~أيضا، فإن صيانة الدماء من الإهدار مطلوب، والقتل بالمثقل كالمحدد في إزهاق ~~الأرواح؛ فلو لم يجب القصاص بالقتل بالمثقل لأدى ذلك إلى أن يتخذ ذريعة إلى ~~إهدار القصاص، وهو خلاف المقصود من حفظ الدماء. وبهذا قال مالك والشافعي ~~وأحمد وجمهور العلماء. PageV09P085 # وقال أبو حنيفة: لا قصاص إلا في القتل المحدد من حديد أو حجر أو خشب أو ~~كان معروفا بقتل الناس كالمنجنيق والإلقاء في النار. # واختلف عنه في مثقل الحديد كالدبوس، واعتذر الحنفيون عن الحديد بأعذار ضعيفة: # منها: أن قتل اليهودي إنما كان سياسة لا قصاصا. قالوا: فإنه كان ساعيا في ~~الأرض بالفساد، وكان من عادته قتل الصغار بذلك الطريق، وهذا كله مردود ~~برواية النسائي التي فيها لفظ الإقادة، ms1557 فإنه لا يقال في القتل سياسة. فإن ~~كانت الجناية شبه عمد فإن قتل بما لا يقصد به القتل غالبا فتعمد القتل به، ~~كالعصا والسوط واللطمة والقضيب والبندقة .. ونحو ذلك، فقال جماهير العلماء ~~من الصحابة والتابعين فعن بعدهم من أئمة المذاهب وغيرهم، كالشافعي وأبي ~~حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور: لا قصاص فيه. # وقال مالك والليث: يجب فيه القود. # السابع: اعتبار المماثلة في استيفاء القصاص بالقتل بالمثقل، فيقتل على ~~الصفة التي قتل، فإن قتل بالسيف قتل به، وإن قتل بخشب أو حجر أو نحوهما قتل ~~بمثله؛ لأن اليهودي رضخها فرضخ هو. وهذا مذهب الشافعي ومالك؛ فإن اختار ~~الولي العدول إلى السيف، فله ذلك. # وقال أبو حنيفة: لا قود إلا بالسيف. PageV09P086 # [قال ابن رشد في "مقدماته" في القسامة: يقتل بالسيف، وإن كان بالإقرار أو ~~بالبينة، ففيه خلاف] (¬1) وهو قول مخرج عندنا والحديث حجة عليه، وحديث: "لا ~~قود إلا بالسيف"، و"لا قود إلا بحديدة" (¬2) قد بين البيهقي في "خلافياته" ~~(¬3) ضعفهما. # والنهي عن المثلة: محمول على من وجب عليه القتل لا على طريق المكافأة. # نعم يستثنى من هذا ما إذا كان الطريق الذي حصل به القتل محرما كالسحر، ~~فإنه لا يقتل به. # واختلف أصحابنا فيما لو قتل باللواط [أو] (¬4) بإيجار الخمر، فالأصح أن ~~المماثلة تسقط، فإنها محرمة كالسحر، # ومنهم من قال: يدس فيه خشبة مثل الذكر، ويوجر مائعا، ومحل القول في ذلك ~~وأمثاله كتب الفروع. وقد أوضحناها فيها ولله الحمد. # وعندنا أن إذا حرقه بالنار يحرق بها، وخالف ابن الماجشون بحديث: "لا يعذب ~~بالنار إلا ربها" (¬5). PageV09P087 # وقد يجاب بأن المراد: لا يعذب أدبا وتعزيرا؛ وقد قال تعالي: {وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم} (¬1) الآية. # وأما قولنا: إن للولي أن يعدل إلى السيف إذا اختار، فقد استثنى بعضهم منه ~~ما إذا قتله بالخنق. قال: لا يعدل إلى السيف وادعى أنه عدول إلى الأشد، فإن ~~الخنق يغيب العقل فيكون أسهل، وأشار إمام الحرمين من أصحابنا إلى حكايته وجها. # الثامن: هذه الجارية المذكورة يحتمل أن تكون ms1558 أمة، وأن تكون حرة؛ إلا أن ~~الجارية لا تطلق على الحرة حقيقة إلا قبل البلوغ، فقد يؤخذ منه على هذا ~~التقدير جواز القسامة مع قول الصبي الذي لم يبلغ وإن كانت لم تقع؛ كما رواه ~~مطرف عن مالك أن الصبي إذا راهق وعرف أقسم على قوله. وقاله ابن الماجشون ~~خلافا لابن القاسم، وعلى التقدير الأول: يكون في العبد القسامة؛ وهو قول ~~أبي حنيفة خلافا لمالك (¬2). وقال أبو يوسف: مرة هو هدر لا قسامة فيه ولا ~~قيمة، ومرة تعقله العاقلة بالقسامة. # وقال الشافعي: لسيد العبد القسامة فيه. # وقال القرطبي (¬3): فيه دلالة على قتل الكبير بالصغير, لأن الجارية اسم ~~لمن لم يبلغ من النساء كالغلام في الرجال، وهذا لا يختلف فيه. PageV09P088 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 359/ 5/ 68 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "لما فتح الله [تعالى] ~~(¬1) على رسوله - صلى الله عليه وسلم - مكة، قتلت هذيل رجلا من بني ليث ~~بقتيل كان لهم في الجاهلية. فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إن ~~الله [تعالى] (¬2) قد حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها ~~لم تحل لأحد [كان] (¬3) قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة [من] ~~(¬4) نهار وإنها ساعتي هذه [حرام] (¬5) لا يعضد شجرها, ولا يختلى خلاها, ~~ولا يعضد شوكها , ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد. ومن قتل له قتيل فهو بخير ~~النظرين: إما أن يقتل، وإما أن [يفدي] (¬6)، فقام رجل من أهل اليمن يقال له ~~أبو شاه فقال: يا رسول الله، اكتبوا لي. فقال رسول الله - صلي الله عليه ~~وسلم -: اكتبوا لأبي شاه. ثم قام العباس فقال: يا رسول الله، إلا الإذخر، ~~فإنا نجعله في بيوتنا PageV09P089 # وقبورنا, فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: إلا الإذخر" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه، وقد سلف التعريف بأبي هريرة في ~~أوائل الكتاب وبالعباس في الزكاة. # وأبو شاه لا يعرف اسمه، وإنما هو معروف بكنيته، وهو بالهاء درجا ووقفا، ~~ولا يعرف اسمه. وعن ابن دحية أنه بالياء منصوبة. وقال ms1559 النووي (¬2): هو بهاء ~~في آخره تكون هاء في الدرج كما تكون في الوقف. قال: وهذا لا خلاف فيه ولا ~~يغتر بكثرة من يصحفه ممن لا يأخذ العلم على وجهه، ومن مظانه. ومثله شاه ~~الكرماني الصوفي الزاهد: هو بالهاء وقفا ودرجا. # [فائدة: روى ابن إسحاق (¬3) أن خراش بن أمية من خزاعة قتل ابن الأدلع ~~الهذلي وهو مشرك بقتيل قتل في الجاهلية يقال له أحمر، فقال -عليه الصلاة ~~والسلام-: "يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل" (¬4) PageV09P090 # وذكر الحديث، ففي هذا بيان المبهم الواقع في الحديث فاستفده] (¬1). # الثاني: هذيل بفتح الذال المعجمة: قبيلة كبيرة، والنسب إليها هذلي بضم ~~الهاء وفتح الذال، وهي هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن ~~عدنان، وأكثر أهل وادي نخلة بقرب مكة على ستة فراسخ من هذيل. # وبنو ليث: هم بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة. # الثالث: في ألفاظه ومعانيه، # فقوله: "حبس عن مكة الفيل" هو بالفاء ثم مثناة تحت، وشذ بعض الرواة فقال: ~~"الفيل أو القتل" بالقاف ثم مثناة فوق. وجزم القرطبي في "شرحه" (¬2) ~~بالأول. # و"حبسه": حبس أهله الذي جاؤوا للقتال في الحرم، وذلك أن أبرهة الأشرم ~~الحبشي قصد خراب الكعبة، فلما وصل إلى ذي المجاز -سوق العرب قريب من مكة- ~~عيا فيله، وجهزه إلى مكة، فلما استقبل الفيل مكة رزم، أبي: أقام وثبت، ~~فاحتالوا عليه بكل حيلة فلم يقدروا عليه، فاستقبلوا به جهة مكة فامتنع فلم ~~يزالوا به هكذا حتى رماهم الله بالحجارة التي أرسل الطير بها على ما هو ~~مذكور في السير والتفاسير. # و"عام الفيل": هو عام ولد نبينا -عليه الصلاة والسلام-، وقال مقاتل: كان ~~قبل مولده بأربعين سنة. وقال الكلبي بثلاث وعشرين، والأكثرون على الأول. PageV09P091 # وقوله: "ولا يعضد شجرها"، أي لا يقطع بالمعضد، وقد سلف ذلك في باب حرمة ~~مكة، وكذا سلف فيه الكلام على "لا يختلا خلاها"، وعلى: "لا يعضد شوكها"، ~~وعلى: "إلا لمنشد"، و"الإذخر"، فراجعه منه. وكذا سلف هناك تاريخ فتح مكة أيضا. # [ومعنى] (¬1) [يدي] (¬2): تؤخذ ديته. # وقوله: ms1560 "اكتبوا لي" أراه خطبة النبي - صلي الله عليه وسلم - يوم الفتح ~~بمكة. قاله الأوزاعي: كما حكاه عنه الوليد بن مسلم في الصحيح. # الرابع: في أحكامه سوى ما سلف في باب محرمات الإحرام، فإنه تقدم هناك ~~معظم ما يتعلق بالحديث من الألفاظ والمعاني والأحكام: # الأول: تذكير الناس في المجامع والفتوح بما من الله تعالى به، وفي "صحيح ~~مسلم" أنه خطب به على راحلته. # الثاني: أن مكة فتحت عنوة، فإن التسليط الذي وقع لرسول الله والمؤمنين ~~مقابل بالحبس الذي وقع للفيل، وهو الحبس عن القتال، وقد سلف هناك ما فيه. # الثالث: حرمة مكة زادها الله شرفا، وقد سلف هناك الخلاف في القتال فيها. # الرابع: أن ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وأن PageV09P092 # له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء، وبه قال سعيد بن المسيب وابن سيرين ~~والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور. # وقال مالك: ليس له إلا القتل أو العفو وليس له الدية إلا برضا الجاني، ~~وهو خلاف نص الحديث. # الخامس: أن القاتل عمدا يجب عليه أحد الأمرين من القصاص أو الدية، وهو ~~أحد قولي الشافعي وأصحهما عنده: أن الواجب القصاص أو الدية بدل عند سقوطه، ~~وهو مشهور مذهب مالك أيضا، وعلى القولين [للولي] (¬1) العفو على الدية ولا ~~يحتاج إلى رضا الجاني، ولو مات أو سقط الطرف المستحق وجبت الدية، وبه قال أحمد. # وعن أبي حنيفة ومالك: أنه لا يعدل إلى المال إلا برضا الجاني، وأنه لو ~~مات الجاني سقطت الدية، وهو قول قديم للشافعي. # ووقع في شرح الشيخ تقي الدين (¬2) ترجيح هذا القول، فإنه لما حكى القولين ~~المذكورين أولا وعزاهما إلى الشافعي قال: ومن فوائد هذا الخلاف أن من قال: ~~الواجب القصاص قال: ليس للولي حق أخذ الدية بغير رضي القاتل، [قال: وقيل ~~على هذا للولي حق إسقاط القصاص، وأخذ الدية بغير رضا القاتل] (¬3). PageV09P093 # قال: وثمرة هذا القول على هذا تظهر في عفو الولي، وموت القاتل، فعلى قول ~~التخيير يأخذ المال في الموت لا في العفو، وعلى قول التعيين ms1561 يأخذ المال ~~بالعفو عن الدية لا في الموت. # وهذا الحديث ظاهر الدلالة لمن قال: الواجب أحد الأمرين، وللقائل الآخر، ~~أوله بأنه المراد إن شاء أخذ الدية برضى الجاني، إلا أنه لم يذكر الرضى ~~لثبوته عادة، وقيل: إنه كقوله -عليه الصلاة والسلام- فيما ذكر: "خذ سلمك أو ~~رأس مالك" يعني: رأس مالك برضا المسلم إليه لثبوته عادة, لأن السلم بيع ~~بأبخس الأثمان، فالظاهر أنه يرضى بأخذ رأس المال. قال: وهذا الحديث ~~المستشهد به يحتاج إلى إثباته. وتبعه في ذلك ابن العطار، وزاد فجزم به، ثم ~~قال: وأنه إذا عفى عن القصاص وقلنا على التخيير يسقط القصاص وتثبت الدية، ~~وإن قلنا على قول التعيين لم يجب قصاص ولا دية، وتبع فيه النووي، فإنه ذكره ~~كذلك في "شرحه لمسلم" (¬1) وليتأمل مع ما ذكره الشيخ تقي الدين. # سادسها: الإذن في كتابة العلم غير القرآن، وقد ثبت في الصحيح حديث علي - ~~رضي الله عنه -: "ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة" (¬2)، وحديث أبي هريرة: ~~"كان عبد الله بن عمرو يكتب PageV09P094 # ولا أكتب (¬1) " (¬2)، وجاءت أحاديث في النهي عن كتابة غير القرآن عمل ~~بها بعض السلف، منها حديث: "لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، ومن كتب علي ~~شيئا غير القرآن فليمحه" (¬3). رواه مسلم وأكثرهم على جوازها. ثم وقع بعد ~~ذلك إجماع الأمة على استحبابها، وأجابوا عن النهى بجوابين: # أحدهما: أنها منسوخة لأن النهي كان خوفا من اختلاط غير القرآن به، فلما ~~اشتهر وأمنت مفسدة الاختلاط وقع الإذن فيها. # ثانيهما: أنه نهي تنزيه لمن يثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة، فأما من ~~[لم] (¬4) يثق بحفظه، فإنها مستحبة في حقه، والإذن محمول عليه، وقد عد ~~تدوين العلم وكتابته من البدع الواجبة، وادعى القرافي الإجماع عليه وعلله ~~بأن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعا ولا يتوصل إليه إلا بالكتب ~~لسوء الحفظ وقلة الضبط، وما لا يتوصل إلى الواجب الآن فهو واجب (¬5). PageV09P095 ### ||| AUTO الحديث السادس # 360/ 6/ 68 - عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "أنه استشار الناس في ~~إملاص المرأة، فقال المغيرة ms1562 [بن شعبة] (¬1): شهدت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى فيه بغرة -عبد، أو أمة-، فقال (¬2): لتأتين بمن يشهد معك، فشهد ~~[معه] (¬3) [محمد] (¬4) بن مسلمة". ["إملاص المرأة": أن تلقى جنينها ميتا] (¬5). # الكلام عليه من وجوه: وهو أصل في إثبات الغرة: # أحدها: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه. # أما عمر بن الخطاب: فسلف أول الكتاب. PageV09P096 # وأما المغيرة: فسلف في باب مسح الخف. # وأما محمد بن مسلمة: فهو حارثي أنصاري أوسي، كنيته أبو عبد الله، ويقال ~~أبو عبد الرحمن: ويقال أبو سعيد، وهو حليف بني عبد الأشهل، واسم جده سلمة ~~بن مالك بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن عمرو، وهو النبيت بن خالد ~~بن الأوس، شهد محمد بدرا والمشاهد كلها, وله أحاديث، روى عنه ابنه محمود ~~وجابر وجماعة. وكان على مقدمة عمر في مسيره إلى الجابية، وكان شديد السمرة ~~طويلا أصلع ذا جثة، وكان من فضلاء الصحابة، وهو أحد الذين قتلوا كعب بن ~~الأشرف، واستخلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - على المدينة مرة، وقد اعتزل ~~الفتنة واتخذ سيفا من خشب وأقام بالربذة, وكان له من الولد عشر ذكور وست ~~بنات. وأمه: اسمها جليلة. مات سنة ثلاث وأربعين، وقيل: سبع، وقيل: ست من ~~صفر عن سبع وسبعين سنة، وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ أمير بالمدينة. # الثاني: وقع في "المستصفى" للغزالي أن حمل بن النابغة شهد عند عمر بذلك ~~ولم يذكر محمد بن مسلمة، وهو غريب. # تنبيه: هذا الحديث رواه مسلم من رواية وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه، عن ~~المسور بن مخرمة قال: "استشار عمر الناس" فذكره بلفظ المصنف؛ إلا أنه قال: ~~"ائتني" بدل: "لتأتيني". # ورواه البخاري من حديث هشام عن أبيه، عن المغيرة، عن عمر نحوه؛ ومن حديث ~~هشام عن أبيه: "أن عمر نشد الناس" فذكره PageV09P097 # بنحوه، وفي بعض طرقه: "أن عمر قال للمغيرة: لا تبرح حتى تجيء بالمخرج مما ~~قلت، فشهد معه محمد بن مسلمة". # واعترض الدارقطني (¬1) على رواية مسلم، فقال: وهم وكيع في هذا الحديث، ~~وخالفه ms1563 أصحاب هشام، فلم يذكروا فيه المسور، وهو الصواب، ولم يذكر مسلم غير ~~حديث وكيع، وذكره البخاري حديث من خالفه، وهو الصواب، واعترض النووي في ~~"شرح مسلم" (¬2)، فقال: إنما رواه البخاري عن هشام، عن أبيه، عن المغيرة: ~~"أن عمر سأل عن إملاص المرأة"، ولابد من ذكر المسور أو عروة، وهو ابن ~~المغيرة ليتصل الحديث، فإن عروة لم يدرك عمر. # الثالث: "الإملاص" بكسر الهمزة: وهو جنين المرأة. يقال: أملصت به، وأزلقت ~~به. وأسهلت به وحطات به بمعنى كما نص عليه أهل اللغة، وهو إذا وضعته قبل ~~أوانه، وكل ما زلق من اليد فقد ملص بفتح الميم وكسر اللام ملصا بفتحهما، ~~وأملص أيضا لغتان، وأملصته أنا. ورواية مسلم. "ملاص المرأة" بحذف الألف وهو ~~صحيح على لغة ملص مثل لزم لزاما. يقال: ملص الشيء إذا قلت، لكن المعروف في ~~اللغة: إملاص بالهمز، وهو ما ذكره الحميدي في "جمعه"، وفي بعض نسخ هذا ~~الكتاب تفسير الإملاص من كلام المصنف (¬3). قال: "إملاص المرأة" [مصدر ~~أملصت]، وهو أن تلقي جنينها ميتا، وإنما سمي بذلك لأنها تزلقه. PageV09P098 # رابعها: أصل الغرة في الوجه. ولهذا قال أبو عمرو (¬1). المراد بالغرة ~~الأبيض منهما خاصة ولا يجزي الأسود. قال: ولولا أنه -عليه الصلاة والسلام- ~~أراد بالغرة معنى زائدا على [محض] (¬2) العبد والأمة لما ذكرها ولاقتصر على ~~قوله: "عبد أو أمة". # قال النووي (¬3): هذا قول [أبي] (¬4) عمرو، وهو خلاف ما اتفق عليه ~~الفقهاء أنه يجزي فيها البيضاء والسوداء، ولا تتعين البيضاء. # قال أهل اللغة: الغرة عند العرب أنفس الشيء، وأطلقت هنا على الإنسان لأن ~~الله خلقه في أحسن تقويم، فهو من أنفس المخلوقات. قال تعالى: {ولقد كرمنا ~~بني آدم} الآية. # قال الجوهري (¬5): وكأنه عبر بالغرة عن الجسم كله كما قالوا: أعتق رقبة. # واعلم أن الفاكهي نقل مقالة أبي عمرو هذا عن ابن عبد البر، والظاهر عندي ~~وهمه في ذلك وسببه أن القاضي ثم النووي (¬6) حكياه عن ابن عمرو بالواو، وهو ~~ابن العلا فظنه [أبا عمر] (¬7) بن عبد البر فصرح به نسبة له. PageV09P099 # خامسها: قوله ms1564 "بغرة" هو منون و"عبد أو أمة" بدل منه هكذا الرواية كما ~~قاله القاضي وغيره، ويؤيده رواية البخاري: "قضى بالغرة عبد أو أمة" ورواه ~~بعضهم؛ بالإضافة، والأول أوجه وأقيس وأصوب، لأن الإضافة تكون من باب إضافة ~~الشيء إلى نفسه، وهي قليلة. # و"أو" في قوله: "أو أمة" للتقسيم لا للشك، وجاء في بعض الروايات زيادة: ~~"أو فرس أو بغل" (¬1)، وهي زيادة غير محفوظة، وإن أخذ بها بعض السلف. قاله ~~البيهقي. وقال ابن القطان (¬2): بل زيادة صحيحة، لضعف الاعتلال. # قلت: وأوردها ابن حبان في صحيحه (¬3) من حديث محمد بن عمرو، عن ابن سلمة، ~~عن أبي هريرة. # وأما النووي: فقال [في "شرح] (¬4) مسلم" إنها زيادة باطلة، وكأنه فهم ذلك ~~من قوله البيهقي السالفة. # سادسها: في أحكامه: # الأول: استشارة الإمام في الأحكام إذا لم يعلمها. # الثاني: أن العلم الخاص قد يخفى عن الأكابر، فيتعلمونه ممن دونهم ~~"فالحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها [التقطها] (¬5) ". PageV09P100 # الثالث: الرد على من يغلو من المقلدين في أنه إذا استدل عليه بحديث، ~~فيقال: لو كان صحيحا لعلمه فلان مثلا. فإن ذلك إذا خفي على أكابر الصحابة، ~~وجاز عليهم فهو على غيرهم أجوز. # الرابع: أن دية الجنين غرة عبد أو أمة، وهو إذا ألقته ميتا بسبب الجناية ~~-وهو إجماع-.واعتبر الفقهاء أن يكون قيمتها عشر دية الأم أو نصف عشر دية الأب. # وقيل: لا يشترط ذلك لإطلاق الخبر، ولا يشترط فيها أن تكون بيضاء -كما ~~سلف- بل تجزي السوداء أيضا. # قال مالك: والحمر أحب إلي من السود، فإن غلب ممن أوسط السودان. وقال ~~الفاسي: فإن قلت الحمر بذلك البلد أخذ من السود ولا يجزي غير العبد والأمة ~~من الحيوانات. # وشذ طاووس وعطاء ومجاهد: فقالوا لإجزاء الفرس، وشذ داود فقال بإجزاء كل ~~ما وقع عليه اسم الغرة، وصريح الحديث يردهما وزيادة "أو فرس أو بغل" قد ~~أسلفنا الكلام على حالها. وقال ابن سيرين: يجزئ مائة شاة. حكاه القرطبي ~~(¬1) قال: وفي بعض طرق أبي داود: "خمس مائة شاة"، وهو وهم، وصوابه: "مائة ~~شاة". وفي "مسند الحارث بن ms1565 أبي أسامة" (¬2) من حديث حمل بن PageV09P101 # مالك: "أو عشر من الإبل" قال: وشذت شرذمة، فقالوا: لا شيء في الجنين، وهي ~~محجوجة بهذه النصوص وبإجماع الصحابة. # تنبيهات: # أحدها: شرط الغرة التمييز, لأن من لا يميز لا استقلال له، والسلامة من ~~عيب المبيع، لأن المعيب ليس من الخيار اللهم إلا أن يرضى به ويقبل كبير لم ~~يعجز بهرم في الأصح, لأنه إذا لم ينته إلى الهرم هو من الخيار. وقيل: لا ~~يقبل بعد عشرين سنة. وقيل: هذا في الجارية، أما الغلام، فلا يقبل بعد خمس ~~عشرة لأنه لا يدخل على النساء بعد ذلك، وهذا كله من تصرف الفقهاء. # الثاني: اتفقوا على أن دية الجنين ما ذكر، سواء كان الجنين ذكرا أو أنثى، ~~وإنما كان كذلك لأنه قد يخفى فيكثر فيه النزاع، فضبطه الشارع بضابط يقطعه، ~~وسواء كان كامل الأعضاء أم ناقصها، أو كان مضغة تصور فيها خلق آدمي، ففي كل ~~ذلك الغرة بالإجماع. # الثالث: الغرة تكون لورثة الجنين على مواريثهم الشرعية، وهذا شخص يورث ~~ولا يرث. # قال النووي في "شرح مسلم" (¬1): ولا يعرف له نظير إلا من بعضه حر وبعضه ~~رقيق، فإنه لا يرث عندنا وهل يورث فيه قولان: أصحهما يورث. # قلت: ولا يخفى أن المعتق يورث ولا يرث، وشذ فقال: إن الجنين كعضو من ~~أعضاء الأم، فتكون ديته لها خاصة. حكاه القاضي PageV09P102 # عياض (¬1)، وقيل: يشاركها فيها الأب. وعن مالك أنها للأبوين أثلاثا، فإن ~~انفرد أحدهما فله وما أسلفناه هو مذهبنا ومذهب الجمهور. # رابعها: هذا كله إذا انفصل الجنين ميتا كما أسلفته، فإن انفصل حيا ثم مات ~~وجب فيه كمال الدية، فإن كان ذكرا وجب فيه مائة بعير، وإن كان أنثى فخمسون. ~~وهذا مجمع عليه وسواء في هذا الخطأ والعمد. # وعند المالكية خلاف في إثبات القسامة فيه. # وقال أشهب: إن مات حين استهل فلا قسامة فيه، وإن خرج حيا ثم مات ففيه ~~القسامة. حكاه الباجي (¬2) عنه [ومشهور مذهب] (¬3) مالك أنه لا قود فيه وإن ~~كان عمدا. # [خامسها] (¬4): تعرف حياته بالحركة والعطاس والرضاع ms1566 وغير ذلك مما يستيقن ~~به حياته عند الشافعي وأبي حنيفة والثوري وأكثر الفقهاء كما حكاه عنهم ابن ~~عبد البر (¬5) قال: ومذهب مالك أن الاستهلال الصياح والبكاء دون الحركة ~~والعطاس. وقال قتادة: لو مكثت الروح فيه ثلاثا ما ورثته. PageV09P103 # وحكى الباجي (¬1) خلافا في العطاس والحدث, لأن الحدث من استرخاء ~~[المواسك] (¬2). # [سادسها] (¬3): متى وجبت الغرة فهي على العاقلة لا على الجاني، وهذا مذهب ~~الشافعي وأبي حنيفة وسائر الكوفيين. # وقال مالك والبصريون: تجب على الجاني، وهو قول قديم للشافعي. # وقال بعض المالكية: إن تعمد فعلى الجاني وإلا فعلى العاقلة. # سابعها: يلزم الجاني الكفارة أيضا عند الشافعي وآخرين خلافا لمالك وأبي حنيفة. # ثامنها: يشترط انفصال الجنين ميتا في حياتها أو موتها، وكذا إن ظهر بلا ~~انفصال في الأصح عندنا. # ويتفرع: على الوجهين صور محل الخوض فيهما كتب الفروع، ولو ماتت الأم ثم ~~خرج الجنين ميتا فعندنا يجب فيه الغرة. وقال مالك وجمهور أصحابه: لا شيء ~~فيه. ولو ماتت الأم ولم ينفصل الولد ولم يظهر فلا غرة، لأنا لا نتيقن وجود ~~الجنين، فلا يوجب شيئا بالشك. # تاسعها: لو فقدت الغرة فخمسة أبعرة، وقيل: القيمة. PageV09P104 # قال القاضي: ومقتضى مذهب مالك أنه يتخير بين إعطاء غرة أو عشر دية الأم. # عاشرها: هذا كله في جنين الحرة، وأما الرقيقة ففي جنينها عشر قيمة أمه ~~يوم الجناية. # وقيل: يوم الإجهاض وتكون الغرة لسيدها ومحل الخوض في ذلك كتب الفروع، ~~فإنه أليق به. # الوجه الخامس: من أحكام الحديث تمسك بقول عمر - رضي الله عنه -: "لتأتين ~~بمن يشهد معك" بعض من اعتبر العدد في الرواية. وهو مذهب غير صحيح، فإنه قد ~~ثبت قبول خبر الواحد، العدل وهو قاطع بعدم اعتبار العدد فيها. وقد قبل عمر ~~خبر الضحاك وغيره من غير استظهار (¬1). وأما طلب العدد في حديث جزئي فلا ~~يدل على اعتباره كليا، لجواز أن يحال ذلك على مانع خاص بتلك الصورة، أو ~~قيام سبب يقتضي التثبت، وزيادة الاستظهار؛ لاسيما إذا قامت قرينة، مثل عدم ~~علم عمر بهذا الحكم، وكذلك حديثه مع ms1567 أبي موسى في الاستئذان (¬2). PageV09P105 # قال الشيخ تقي الدين: ولعل الذي أوجب ذلك استبعاده عدم العلم به، وهو في ~~باب إلاستئذان أقوى. وقد صرح عمر بأنه أراد أن يستثبت. وأجيب أيضا بجواب ~~آخر، وهو أن عمر - رضي الله عنه - كان يفعل هذا أول الأمر احتياطا، وقد ~~يجاب بثالث بأنها شهادة على حكم الحاكم، فلهذا طلب العدد، لكنه بعيد. PageV09P106 ### ||| AUTO الحديث السابع # 361/ 7/ 68 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "اقتتلت امرأتان من ~~هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول ~~الله - صلي الله عليه وسلم -، فقضى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أن ~~دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ~~ومن معهم، فقام حمل بن النابغة الهذلي فقال: يا رسول الله، كيف أغرم من لا ~~شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل. فقال رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم -: "إنما هو من إخوان الكهان" من أجل سجعه الذي سجع (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: الضاربة من المرأتين؛ يقال أنها أم عفيف (¬2) بنت PageV09P107 # مسروح، والمضروبة مليكة بنت [عويم] (¬1)، ذكره ابن بشكوال عن عبد الغني، ~~وفي حديثه: فقال العلاء بن مسروح: يا رسول الله، [لا يغرم من لا شرب ولا ~~أكل] (¬2). . . . الحديث. قال: وقيل: إن المتكلم بذلك حمل بن مالك بن ~~النابغة وأنه كان له امرأتان: مليكة وأم عفيف. # قلت: وهو الصحيح، أعني أن المتكلم بذلك حمل بن مالك بن النابغة لثبوته ~~كذلك في الصحيح. # وقال الخطيب (¬3): إحداهما مليكة والأخرى غطيفة. ويقال: أم غطيف. # قال: وروي أن إحداهما أم عطيف والأخرى أم مكلف. قال: وذكر أن الضاربة هي ~~أم عفيف بنت مسروح، والمضروبة مليكة بنت ساعدة الهذلي. # وقال ابن أبي شيبة (¬4): مليكة ابنة عويمر من بني لحيان. وكذا قال أبو ~~عمر (¬5). وقال الحافظ أبو موسى: عويم بلا راء كما سلف عن ابن بشكوال، ~~ورأيت بخط الصعبي في كلامه على رجال هذا الكتاب -بنت عون بنون بدل الميم- ~~وما أبعد أن يكون ms1568 تصحيفا. PageV09P108 # ثانيها: "حمل" بفتح الحاء المهملة والميم: هو ابن مالك بن النابغة، وفي ~~رواية المصنف نسبته إلى جده، والنابغة من نبغ إذا علا وارتفع، وهو هذلي من ~~هذيل بن مدركة بن الياس، وكنيته أبو فضلة. له صحبة، نزل البصرة وله بها ~~دار، وذكره مسلم فيمن روى من أهل المدينة، روى عنه ابن عباس. قال ابن ~~السكن: يقال أسلم ثم رجع إلى بلاد قومه. قال: وليس يروى عنه غير هذا الحديث ~~والروايات عنه حجازية، ويقال في اسمه. حمله بزيادة هاء. ذكره ابن عبد البر ~~في "استيعابه", وهو غريب. # ثالثها: قوله: "اقتتلت امرأتان من هذيل" وجاء في الصحيح أيضا أن المضروبة ~~من بني لحيان، ولا تنافي بينهما، فإن لحيان بكسر اللام، وقيل: بفتحها، بطن ~~من هذيل، وفي الصحيح أن إحداهما كانت ضرة الأخرى. # رابعها: "العاقلة": جمع عاقل، وجمع الجمع عواقل، والمعاقل: الديات، ~~والعقل: الدية، سميت بذلك لأن مؤديها يعقلها بفناء أولياء المقتول. يقال: ~~عقلت فلانا إذا أعطيت ديته، وعقلت عن فلان إذا غرمت عنه دية جنايته، ويقال ~~لدافع الدية: عاقل، لعقله الإبل بالعقل، وهي الحبال التي تثنى بها أيدي ~~الإبل إلى ركبها فتشد بها، وعقلت البعير أعقله بكسر القاف عقلا، والعاقلة ~~عند الفقهاء العصبات ما عدا الآباء والأبناء. # خامسها: "فرمت إحداهما الأخرى بحجر [فقتلتها] (¬1) وما في PageV09P109 # بطنها"، أي رمتها بحجر صغير لا يحصل به القتل غالبا، فيكون شبه عمد، فيه ~~الدية على العاقلة ولا يجب فيه القصاص ولا دية على الجاني. وكذا تحمل رواية ~~الصحيح أيضا أنها ضربتها بعمود فسطاط على ذلك. وبهذا قال الشافعي (¬1) ~~والجمهور، لكن في رواية للبيهقي (¬2): "فقضى في الجنين بغرة وقضى أن تقتل ~~المرأة بالمرأة" ثم قال: إسناد صحيح، إلا أن هذه الزيادة الأخيرة لم أجدها ~~في شيء من طرق الحديث، وإنما فيها أنه قضى بديتها على العاقلة. # قلت: وأخرج ابن حبان في صحيحه (¬3) هذه الرواية أيضا، ورواية الصحيحين ~~مقدمة عليها، ويحتمل في الجمع بينهما بأنه قضى أولا بقتلها، ثم عفو إلى ~~الدية، فقضى بها على عاقلتها. # سادسها: ms1569 قوله: "فقتلتها وما في بطنها" ليس فيه ما يشعر بانفصال الجنين، ~~ولا يفهم منه بخلاف حديث عمر الذي قبله؛ فإنه صرح في الانفصال وهو مشروط ~~عند الشافعية في وجوب الغرة كما أسلفناه، ثم قال الشيخ تقي الدين (¬4): ~~فيحتاج إلى تأويل هذه الرواية، وحملها على أنه انفصل، وإن لم يكن في اللفظ ~~ما يدل عليه. # قلت: في "صحيح مسلم" في هذا الحديث ما يدل عليه، فإن فيه: "أنه -عليه ~~الصلاة والسلام- قضى في جنين المرأة من بني PageV09P110 # لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها -أي لها ~~بالغرة- توفيت" الحديث، وطرق الحديث يفسر بعضها بعضا. # وقوله: "فقتلتها" ظاهر العطف بالفاء وقع عقب الضرب، وليس كذلك بدليل ~~الرواية التي أوردناها آنفا. # سابعها: الحكم في الحديث معلق بلفظ الجنين، والشافعية فسروه بما ظهر فيه ~~صورة آدمي من يد أو إصبع أو غيرهما, ولو لم يظهر شيء من ذلك، وشهدت القوابل ~~بأن الصورة خفية لا يعرفها إلا أهل الخبرة، وجبت أيضا، ولو قالوا ليس ثم ~~صورة، ولكن لو بقي لتصور، فوجهان، أصحهما: لا غرة وإن شكت في كونه أصل آدمي ~~لم تجب قطعا، وحظ الحديث أن الحكم مرتب على اسم "الجنين"، فما تخلق فهو ~~داخل فيه. وما كان دون ذلك فلا يدخل تحته إلا من حيث الوضع اللغوي، فإن ~~الجنين مأخوذ من الاجتنان -وهو الاختفاء-، فإن خالفه العرف العام فهو أولى ~~منه، وإلا اعتبر الوضع. # ثامنها: "قضى" معناها حكم وألزم. # "وغرة عبد أو وليدة" بالتنوين و"عبد" بالرفع على البدل، وروى بغير تنوين ~~وخفض "عبد" بالإضافة، وقد سلف ذلك. # وقوله: "أو وليدة" معطوف على عبد، ففيه الوجهان. # و"الوليدة": الأمة، كما جاء في الرواية الأخرى. # ومعنى "استهل": رفع الصوت بالصياح ونحوه. PageV09P111 # ومعنى "يطل": أي يهدر، أي يلغى. # قال أهل اللغة: يقال طل دمه، بضم الطاء، وأطل: أي أهدر، وأطله الحاكم ~~وطله: (¬1) أهدره. وجوز بعضهم طل دمه بفتح الطاء واللام، وأباها الأكثرون. ~~واختلف في ضبط الياء من يطل على وجهين: # أحدهما: بضم الياء المثناة ms1570 تحت وفتح الطاء وتشديد اللام، أي يهدر ويلغى ~~ولا يضمن. # ثانيهما: بفتح الباء الموحدة وتخفيف اللام على أنه فعل ماض من البطلان، ~~وهو بمعنى الأول، وأكثر صحيح مسلم على الأول. ونقل القاضي (¬2) أن جمهور ~~الرواة فيه على الثاني. وقال الخطابي (¬3): أنه قول عامة المحدثين، واقتصر ~~الشيخ تقي الدين (¬4) في شرحه على الأول، فقال: طل دمه إذا أهدر ولم يؤخذ ~~فيه شيء. # تاسعها: "الكهان": جمع كاهن، وهو تخييل كالسحر [وكلاهما من الجبت. قال ~~القاضي (¬5): الكهانة في العرب] (¬6) على أربعة أضرب: PageV09P112 # أحدها: أن يكون للإنسان من يخبره من الجن فيسترق من السماء، وهذا قد بطل ~~بالبعثة. # ثانيها: أن يخبره الجن بما يطرأ في بعض الأقطار البعيدة مما خفي على من ~~قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده. ونفت هذا كله المعتزلة وبعض المتكلمين. # ثالثها: الحزر والتخمين والأغلب فيها الكذب. # رابعها: العرافة، وهو الذي يستدل على الأمور المقدمات بأسباب معتادة، ~~وهذا الفن من العيافة، وكلها يطلق عليها كهانة. # عاشرها: السجع في الكلام الذي يأتي في أواخره نسق واحد، وأصله القصد ~~المستوي على نسق واحد في كل شيء. # قال الجوهري (¬1): السجع: الكلام المقفى، والجمع: أسجاع، وأساجيع، وقد ~~سجع الرجل سجعا وسجع تسجيعا، وكلام مسجع. وإنما ذم سجعه لما فيه من التكلف ~~لإبطال حق أو تحقيق [باطل] (¬2)، أو لمجرد التكليف، ولا شك في ذم ذلك. وأما ~~مطلق السجع الذي ليس كذلك، فليس بمذموم بل ممدوح؛ خصوصا إذا كان أدعى إلى ~~قبول الحق أو فهمه أو حفظ لفظه لوروده في حديث النبي - صلي الله عليه وسلم ~~- وكلام السلف. ولهذا شبه -عليه الصلاة والسلام- سجعه بسجع الكهان من [حيث] ~~(¬3) أنهم كانوا يروجون أقاويلهم PageV09P113 # الباطلة بأسجاع تروق للسامعين، فيستميلون بها القلوب ويستصغون إليها ~~الأسماع. فأما إذا كان في مواضعه من الكلام، فلا ذم فيه. # تنبيه: # قوله: "من أجل سجعه الذي سجع" يحتمل أن يكون مدرجا وأن يكون من نفس ~~الحديث. وجزم القرطبي (¬1) في "مفهمه" بأنه من تفسير الراوي. # الحادي عشر: في أحكامه: # الأول: رفع الجنايات والخصام فيها إلى الحكام ms1571 لغرض الفصل. # الثاني: وجوب الغرة بالجناية على الجنين وانفصاله ميتا. # الثالث: أنه لا فرق بين الذكر والأنثى، ويخير مستحقها على قبولها من أي ~~نوع كان بالشرط الذي أسلفناه في الكلام على الحديث قبله. # الرابع: أنه لا يتقدر للغرة قيمة لإطلاق الخبر وهو وجه سلف مع بيان الأصح فيه. # الخامس: أن الغرة إذا وجدت بصفاتها المعتبرة لا يلزم المستحق قبول غيرها ~~لتعيينها في الحديث، وأما إذا عدمت فليس في الحديث ما يشعر بحكمه وقد أسلفت ~~حكمه في الكلام على الحديث قبله. PageV09P114 # السادس: أنه لا يقتضي تخصيص سن دون سن للغرة، وقد أسلفت ما فيه هناك ~~أيضا، وأن الأصح قبول كبير لم يعجز بهرم، ووجهه أن من أتى بما دل الحديث ~~عليه وسماه، فقد أتى بما وجب، فلزم قبوله، إلا أن يدل دليل على خلافه، كيف ~~والحديث [بالإطلاق] (¬1) ليس فيه تقييد لمعين ولا يقتضيه لفظه. # السابع: هذا الحديث ورد في جنين حرة من غير لفظ عام، والحديث السالف ليس ~~فيه تقييد، فإن المرأة تطلق عليها؛ وإن كان في لفظ الراوي ما يقتضي أنه شهد ~~واقعة مخصوصة في جنين حرة، فعلى هذا يؤخذ حكم جنين الأمة من محل آخر، وقد ~~أسلفت فيما مضى أن فيه عشر قيمة أمه، والجنين اليهودي والنصراني قيل كمسلم، ~~وقيل: هدر، والأصح: أن الواجب فيه غرة كثلث غرة مسلم. # الثامن: أن دية المرأة الميتة من ضرب شبه عمد على عاقلتها إجراء لحكمها ~~مجرى القتل العمد. # التاسع: ذم الكهان وسجعهم والتشبه بهم. # العاشر: بيان الأحكام في المنطق وغيره من الأعمال. # الحادي عشر: أن العقل لا مدخل له في الأحكام الشرعية، وأنه لا حكم إلا للشرع. # الثاني عشر: قال القاضي: وفي قول "حمل كيف أغرم" إلى آخره: حجة لليث ~~وربيعة على أن الغرة للأم خاصة؛ إذ لو كانت على PageV09P115 # الفرائض على مشهور قول مالك وأصحابه وأصحاب أبي حنيفة والشافعي لكان للأب ~~فيها أكثر نصيب أو للأم والأب على مذهب ابن هرمز، [فلا يقرب للغرة] (¬1) , ~~لأنه يغرم أكثر مما يعطي. # الثالث عشر: ms1572 قد يحتج بقوله: "وقضى بدية المرأة على عاقلتها" من لا يرى ~~القصاص في القتل بغير المحدد ويجعله شبه العمد، ويعارض ذلك رواية من روى ~~القتل -كما أسلفته- (¬2). PageV09P116 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 362/ 8/ 68 - عن عمران بن حصين -رضي الله عنهما-: "أن رجلا عض يد رجل، ~~فنزع يده من [فمه] (¬1) فوقعت ثنيتاه، [فاختصموا] (¬2) إلى [رسول الله] ~~(¬3) - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل، لا دية ~~لك" (¬4). # الكلام عليه من وجوه: والتعريف براويه سلف في باب التيمم. # الأول: المعضوض هو أجير يعلى، وقيل: يعلى نفسه ابن أمية، ويقال: ابن منية ~~ينسب تارة إلى أبيه وتارة إلى أمه، وقيل إنها جدته، والرواية الأولى هي ~~الصحيحة المعروفة عند الحفاظ. وقال صاحب "المفهم" (¬5): إنها الأولى ~~والأليق من رواية مسلم: "أن يعلى PageV09P117 # قاتل رجلا فعض أحدهما صاحبه" الحديث، إذ لا يليق هذا الفعل بيعلى مع ~~جلالته وفضله. # وقال النووي (¬1) يحتمل أنهم قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقتين ~~مختلفين. # تنبيه: والد يعلى هو أمية -كما أسلفناه- ابن أبي عبيد بن همام بن الحارث ~~الحنظلي التميمي، كنيته أبو خالد، وقيل: أبو صفوان أسلم يوم الفتح وشهد ~~حنينا والطائف، وكان معروفا بالسخاء. قتل سنة ثمان وثلاثين مع علي بصفين ~~بعد أن شهد الجمل مع عائشة. # وأمه منية بضم الميم وإسكان النون وفتح المثناة تحت، ثم هاء بنت جابر عمة ~~عتبة بن غزوان. ويقال: أخته. وقال الدارقطني: منية بنت الحارث جدته أم ~~أبيه، وبها يعرف. قاله الزبير بن بكار، وأهل الحديث يقولون إنها أمه. # قال القاضي (¬2): وصحفه بعضهم فقال: منبة بضم الميم ثم نون مفتوحة ثم باء ~~موحدة، وكان ابن وضاح يقول: أمه منية وأبوه منية، ووهم في اسم الأب، وإنما ~~هو أمية. قال أبو عمر: ولم يصب الزبير في دعواه أنها جدته. # الثاني: كانت هذه القصة في غزوة تبوك، أعني قصة أجير يعلى. PageV09P118 # الثالث: "الفحل" بالحاء المهملة أي: الفحل من الإبل وغيرها من الدواب. # وقوله: "فمه" كذا هو بإثبات الميم، وفي بعض نسخ الصحيحين بالياء المثناة ~~تحت بدلها، وهو ms1573 الأكثر في اللغة, وإن كانت الأولى فأشبه كثيرة. # وقوله: "فوقعت [ثنيتاه] (¬1) " كذا هو بالتثنية، وفي بعض الروايات في ~~الصحيح بالتوحيد. # الرابع: في أحكامه: # [أحدها] (¬2): تحريم العض. [وأنه ليس من شيم بني آدم] (¬3). # ثانيها: الحديث قال لمذهب الشافعي وأبي حنيفة وكثيرين أو الأكثرين على ~~أنه لا ضمان فيما إذا عض إنسان يد آخر فانتزعها فسقطت سنه بشرط أن لا يمكنه ~~تخليص يده بغير ذلك من ضرب في شدقيه أو فك لحييه ليرسلها، فلو أمكن تخليصها ~~بأيسر ما يقدر عليه فانتقل إلى الأثقل. فعليه الضمان. # وأجاز المارودي (¬4) من الشافعية له أن ينزع يده من فيه بجبذها ولو سقطت ~~أسنانه، ابتداء من غير عجز عن نزعها بفك لحييه PageV09P119 # ونحوه، ولو لم يمكنه التخليص إلا بعضو آخر بأن يبعج بطنه أو يفقأ عينه أو ~~يعصر خصييه، فله ذلك على الصحيح. # وقيل: ليس له قصد عضو آخر. # وخالف مالك في ذلك فقال في المشهور عنه. يجب الضمان في السن مطلقا، ~~والحديث صريح لمذهب الأكثرين. # ونقل المازري (¬1) مثل مقالة مالك عن الشافعي، وهي غريبة لا نعرفها في ~~مذهبه. وتبعه القرطبي (¬2)، ثم شرع يخرج قولا للشافعي من مسألة الصائل: إنه ~~لا ضمان وهو عجيب. # ونقل المازري عن بعض محققي شيوخهم أن من ضمنه علله بأنه يمكنه النزع برفق ~~حتى لا تتقلع أسنانه، فإذا زاد على ذلك صار متعديا بالزيادة، فضمن، وحملوا ~~الحديث على من لا يمكنه النزع إلا بما أدى إلى سقوط الأسنان. # وقال بعضهم: لعل أسنانه كانت متحركة فسقطت عقب النزع، وهو بعيد من ظاهر ~~الحديث، فلا تشتغل به والتقييد بعدم الإمكان -كما أسلفته- ليس في الحديث، ~~ولكن يؤخذ من القواعد الكلية، وكذا إلحاق عضو آخر غير الفم وإن كان النص ~~ورد في صورة مخصوصة. # ثالثها: رفع الجنايات إلى الحكام لأجل الفصل. PageV09P120 # رابعها: تشبيه فعل الآدمي بفعل الحيوان الذي لا يعقل للتنفير عن مثل فعله. # خامسها: أن المتعدي بالجناية إذا ترتبت عليه جناية بسبب جنايته يوجب ~~ضمانا بمجردها أنه لا يجب له ضمان تلك الجناية بدية ولا ms1574 قيمة. PageV09P121 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 363/ 9/ 68 - عن الحسن بن أبي الحسن البصري [رحمه الله تعالى] (¬1) قال: ~~حدثنا جندب في هذا المسجد، وما نسينا منه حديثا، ما نخشى أن يكون جندب كذب ~~على رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، قال: قال رسول الله - صلي الله عليه ~~وسلم -: "كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده، فما ~~رقأ الدم حتى مات. قال الله -عز وجل-: عبدي بادرني بنفسه فحرمت عليه الجنة" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري بهذه السياقة في باب ما ذكر عن بني ~~إسرائيل (¬3)، من كتاب بدء الخلق، من صحيحه. وقال فيه: "بادرني عبدي" ~~بتقديم "بادرني" على لفظ "عبدي"، وفيه: "وما نسينا منه حديثا" بدل "منه ~~حديثا"، كذا رأيته في نسخة معتمدة منه، ورأيت في "الجمع بين الصحيحين ~~للحميدي" كما في الكتاب. PageV09P122 # ورواه مسلم في كتاب الإيمان، بلفظين: أحدهما: عن الحسن قال: إن رجلا ممن ~~كان خرجت به قرحة فلما آذته انتزع [سهما من] (¬1) كنانته فنكأها فلم يرقأ ~~الدم حتى مات. قال ربكم: "حرمت عليه الجنة". ثم مد الحسن يده إلى المسجد ~~فقال: إني والله لقد حدثني هذا جندب عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم -. # ثانيهما: عنه حدثنا جندب بن عبد الله البجلي في هذا المسجد فما نسينا وما ~~نخشى أن يكون كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله ~~- صلي الله عليه وسلم -: خرج برجل فيمن كان قبلكم خراج. . . . فذكر نحوه. # ثانيها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب العيدين. # والحسن هذا أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن بن يسار البصري، بفتح الباء ~~وكسرها، نسبة إلى البصرة، البلدة المعروفة، مثلثة الباء، الأنصاري مولاهم، ~~مولى زيد بن ثابت. # وقيل: جابر بن عبد الله. # وقيل: مولى أبي اليسر، ويقال: إنه من سبي ميسان وقع إلى المدينة فاشترته ~~الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك، فأعتقته. وهو من أكابر التابعين وسادات ~~المسلمين، ومن مشاهير العلماء والزهاد المذكورين، ومن الفصحاء المبرزين ms1575 ~~وأحد الشجعان الموصوفين. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، أمه ~~خيرة مولاة أم سلمة، ربما غابت فترضعه أم سلمة أم المؤمنين، فيرون أن تلك PageV09P123 # الحكمة والفصاحة كانت من بركتها، وأخوه عمار من البكائين، وله أخ ثالث ~~اسمه سعيد [أدرك ثلاثين ومائة] (¬1) [من الصحابة وأكثر، وكان مع جلالته ~~يكثر من الإرسال. قال هشام بن حسان: أدرك ثلاثين ومائة من الصحابة] (¬2)، ~~ولم يصح له سماع من بعضهم إلا القليل، بل روايته ومرسلاته صحيحة. قال أبو ~~زرعة: كل شيء. قال الحسن: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: وجدت له ~~أصلا ثابتا ما خلا أربعة أحاديث. وقال ابن أبي حاتم: لا يصح له سماع من ~~جندب، وحديثه هذا صريح في سماعه منه، وفضائله كثيرة أفردت بالتأليف. قال ~~أيوب -يعني السختياني-: كان الرجل يجلس إلى الحسن ثلاث سنين فلا يسأله عن ~~شيء هيبة له. وقال أبو قتادة العدوي: ما رأيت رجلا أشبه رأيا بعمر بن ~~الخطاب منه. مات سنة عشر ومائة بعد ابن سيرين بمائة يوم عن تسع وثمانين سنة. # ثالثها: في ألفاظه ومعانيه: "الجرح [. . .] (¬3). الظاهر أنه هنا بالضم، ~~وهو اسم للمكان المجروح. ورواية مسلم به "قرحة": هي حبات تخرج في بدن ~~الإنسان، والرواية الأخرى: "خراج" بضم الخاء وتخفيف الراء القرحة أيضا، ~~ويبعد أن يكون بالفتح لأنه مصدر خرج. # و"جزع" بكسر الزاي: أي لم يصبر. PageV09P124 # و"السكين" تذكر وتؤنث، وتقال بالهاء أيضا وهي المدية، أيضا بتثليث الميم. # و"حز" بالحاء المهملة أي: قطع يده أو بعضها. قاله الشيخ تقي الدين (¬1). ~~وقال ابن الجوزي في "كشف مشكل الصحيحين" (¬2): الحز: قطع بعض العضو دون ~~إبانته. ورأيت من علق على هذا الكتاب ضبطه بخطه بالجيم. # و"رقأ" بفتح الراء والقاف والهمز: ارتفع وانقطع. يقال: رقأ الدم والدمع ~~يرقأ رقوا مثل ركع يركع ركوعا: إذا انقطع. # رابعها: في الحديث إشكالان أصوليان نبه عليهما الشيخ تقي الدين، أحدهما: ~~قوله تعالى: "بادرني بنفسه"، وهي مسألة تتعلق بالآجال، ولا شك أن أجل كل ~~شيء حينه ووقته. يقال: تم أجله، أبي: تم أمده، ms1576 وجاء حينه، وليس كل وقت ~~أجلا، ولا يموت أحد بأي سبب كان إلا بأجله، وقد علم الله أنه يموت بالسبب ~~المذكور. وما علمه فلا يتغير، فعلى هذا يبقى قوله: "بادرني بنفسه محتاجا ~~إلى التأويل، فإنه قد يوهم أن الأجل كان متأخرا عن ذلك الوقت، فقدم عليه ~~ولم يذكر الشيخ تأويله. # وقال [الفاكهي و] (¬3) غيره: يحتمل أن تكون المبادرة من حيث السبب في ~~ذلك، والقصد له لا أنه كان أجله متأخرا لو لم يفعل لكن لما كان على صورة ~~المستعجل لأجله بتسببه في ذلك صح إطلاق PageV09P125 # اسم المبادرة عليه صورة، ويحتمل أيضا أن تكون المبادرة من حيث أنه لم ~~يطلب منه ذلك مع أن علمه تعالى سابق بوقوع ذلك منه وهو راجع إليه أيضا. ~~وعبارة القاضي أبي بكر في الجواب: إن قدر الله في خلقه مطلق ومقيد بصفة، ~~فالمطلق يمضي على الوجه المراد بلا صارت، والمقيد بصفة له وجهان: # فوجود الصفة يقتضي أحدهما وعدمه يقتضي الآخر. مثاله عمر دائر بين عشرين ~~سنة إن قتل نفسه وبين ثلاثين إن لم يقتلها، والله تعالى عالم بما يؤول إليه ~~الأمر ولا يقع إلا ما علمه، والتردد إنما هو في حق العبد. والأجلان كالواجب ~~المخير الواقع منه معلوم عند الله، والعبد مخير في أي الخصال يكفر بها، ~~فالذي يكفر به معلوم عند الله قبل التكفير مبهم عند العبد، وكذلك الأجلان، ~~فالعبد يختار أحدهما وما يختاره معلوم عند الله، ولا يقع غيره. ويؤيد ذلك ~~قوله: "بادرني بنفسه"، أي اختار الأجل المقيد، ولم يقل: "بادرته بنفسه". # والإشكال الثاني: قوله: "فحرمت عليه الجنة" قد يتعلق به من يرى وعيد ~~الأبد وأهل السنة يجيبون عنه بأوجه: # أحدها: أنه يحتمل أن يكون مشركا قد ضم إلى تركه هذا الفعل. # ثانيها: لعله فعله مستحلا له، فتحريم الجنة عليه بسبب كفره لا بقتله نفسه. # ثالثها: أن المراد بالجنة المرتفعة القدر من بين الجنان. # رابعها: أن لا يدخلها أول الداخلين ويطال احتباسه أو يحبس في الأعراف. PageV09P126 # وقال النووي: ويحتمل أن شرع أهل ذلك ms1577 العصر تكفير أصحاب الكبائر، وأنه ~~نكأها استعجالا للموت أو لغير مصلحة، فإنه لو كان على طريق المداواة التي ~~يغلب على الظن نفعها لم يكن حراما. # خامسها: في أحكامه: # أحدها: تحريم قتل النفس سواء كانت نفس الإنسان أو غيره، فإن نفس الإنسان ~~ليست ملكه، يتصرف فيها على حسب ما يراه، بل على حسب الأمر والنهي الشرعيين ~~حتى لو أراد قطع أنملة من أنامله فما دونها -لا لمعنى شرعي- كان عاصيا فلا ~~ملك على الحقيقة إلا لله رب العالمين. # وأما قوله تعالى -حكاية عن موسى-: {قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} ~~(¬1)، ففيها حذف تقديره إلا أمر نفس أو إلا طاعة نفسي وأخي؛ وذلك أنهم لما ~~قالوا: {فاذهب أنت وربك فقاتلا} غضب -عليه الصلاة والسلام-، وقال ذلك كأنه ~~يقول لم يطعني منهم إلا نفسي وأخي. # ثانيها: بيان صفة التحديث بصيغته ومكانه وحال المحدث في ضبطه وعدم نسيانه ~~والمحدث عنه، فإن الحسن البصري ذكر الرواية بلفظ حدثنا، وفي مسجد البصرة ~~وعدم نسيانه لما رواه وعدم كذب المحدث عنه وعدالة الصحابة. # ثالثها: ترجيح رواية الحديث بلفظه دون معناه. PageV09P127 # رابعها: التحديث عن الأمم الماضية للاعتبار وتقرير الأحكام، وذلك ما ~~اطلعه الطفيل بن عمرو في منامه وهيئته حسنة، ورآه مغطيا يديه فقال له: ما ~~صنع بك ربك. قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما ~~لي أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لي: لن يصلح منك ما أفسدت. فقصها الطفيل على ~~رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"اللهم وليدة فاغفر" (¬1). # وهذا الحديث فيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب ~~معصية غيرها ومات من غير توبة، فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، هو في حكم ~~المشيئة. وهذا الحديث أيضا شرح (¬2) لحديث جندب المذكور ولغيره من الأحاديث ~~[الموهمة] (¬3) لتخليد قاتل نفسه في النار، ورد على المعتزلة القائلين بذلك ~~وعلى المرجئة القائلين بعدم المؤاخذة بالذنوب مع الإيمان وهو نص في عين ~~المسألة. PageV09P128 ### | AUTO كتاب ms1578 الحدود PageV09P129 ### || AUTO 69 - كتاب الحدود # الحدود: جمع حد، وهو في اللغة: المنع، ومنه حد الدار، وسميت الحدود حدودا ~~لمنعها من ارتكاب الفواحش. وقيل: لأن الله تعالى حددها وقدرها فلا يزاد ~~عليها ولا ينقص منها. # وكانت الحدود في صدر الإسلام بالغرامات ثم نسخت بالحدود [المشهورة] (¬1). ~~والمنصوص عليها، وفي سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة - رضي ~~الله عنه - أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قال: "حد يقام في الأرض ~~خير من أن تمطر أربعين يوما" (¬2). رواه النسائي. وقال: ثلاثين، والإمام ~~أحمد بالشك فيهما. # وذكر المصنف في الباب ستة أحاديث والأخير منها في إباحة فقء عين من نظر ~~إليه من صير الباب. PageV09P131 ### ||| AUTO الحديث الأول # 364/ 1/ 69 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "قدم ناس من عكل -أو ~~عرينة- فاجتووا المدينة، فأمر لهم النبي - صلي الله عليه وسلم - بلقاح، ~~وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا. فلما صحوا قتلوا راعي ~~النبي - صلي الله عليه وسلم -، واستاقوا النعم. فجاء الخبر في أول النهار، ~~فبعث في آثارهم. فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر بهم، فقطعت أيديهم ~~وأرجلهم [من خلاف] (¬1)، وشمرت أعينهم، وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون. ~~قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ~~ورسوله". أخرجه الجماعة (¬2). # هذا حديث عظيم مشتمل على نفائس من علم الأسماء والنسب PageV09P132 # واللغة والمبهمات والأحكام، ويتبين ذلك في وجوه: # أولها: أنس - رضي الله عنه - تقدم التعريف به في أول باب الاستطابة. # وأبو قلابة: سلف في باب صفة صلاة النبي - صلي الله عليه وسلم. ومراد ~~المصنف: "بالجماعة" أصحاب الكتب الستة، وقد أسلفت لك ترجمة البخاري ومسلم ~~في شرح ديباجة الكتاب، وراجع ترجمة الأربعة فيما أفردته في الرجال الواقعة ~~في الكتاب. # ثانيها: قوله: "عكل" بضم العين المهملة وسكون الكاف وبعده لام قبيلة نسبت ~~إلى عكل امرأة حضنت ولد عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن آد بن ~~طابخة، فغلبت عليهم ونسبوا إليها. # و"عرينة": بضم العين المهملة وفتح الراء ثم ms1579 مثناة تحت ساكنة ثم نون ثم ~~هاء: بطن من بجيلة. # ثالثها: في "الصحيح" (¬1) أيضا "من عرينة على الجزم"، وفيه "من عكل" على ~~الجزم، وفيه "من عكل وعرينة" من غير شك. وفي "مصنف عبد الرزاق" (¬2) "من ~~بني فرازة ماتوا هزلا". وفي "أحكام ابن الطلاع" من بني سليم. وفي شرح الشيخ ~~تقي الدين (¬3): من بني عرينة. # رابعها: عدد العرنيين ثمانية كما ثبت في الصحيحين، وعزى PageV09P133 # ذلك النووي في "مبهماته" (¬1) إلى مسند أبي يعلى، وتبعه تلميذه ابن ~~العطار في "شرحه"، وهو غريب، فقد أخرجه مسلم في الحدود والبخاري (¬2) في ~~باب إذا أحرق المسلم هل يحرق؟ فعزوه إليهما أولى. # خامسها: "اجتووا" بجيم ثم مثناة فوق؛ وهو مشتق من الجوا، وهو داء في ~~الجوف، ومعناه: استوخموها كما جاء مفسرا في الرواية الأخرى في الصحيح: ~~"فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم"، أي لم توافقهم وكرهوها لسقم أجسامهم. ~~يقال: اجتوى البلد إذا كرهها. واستوخمه واستوبله: إذا سقم فيه عند دخوله، ~~ومنهم من فرق بين اجتوى واستوبل، يقال: اجتوى البلد إذا كرهها، وإن كانت ~~موافقة، واستوبلها إذا لم توافق وإن اجتواها (¬3). وقد وقع كذلك في بعض نسخ ~~الكتاب. # وفي الصحيح (¬4): "قدم نفر من عرينة فأسلموا وبايعوا، وقد وقع بالمدينة ~~الموم"، وهو البرسام، أي وهو نوع من اختلال يطلق PageV09P134 # على ورم الرأس وورم الصدر (¬1)، وهو معرب. أصل اللفظة سريانية (¬2). # وفي "مسند أحمد": "شكوا حمى المدينة"، ووقع في حواشي (¬3) بعض نسخ مسلم: ~~"الحمى" بدل "المرم"، حكاه المازري (¬4). # فلما حصل لهم ذلك أمرهم -عليه الصلاة والسلام-[أن] (¬5) يخرجوا [إلى] ~~(¬6) الإبل واللقاح، فيشربوا من أبوالها وألبانها، فالمدينة تنفي خبثها كما ~~ينفي الكير خبث الحديد. وقد ظهر خبثهم بعد ذلك وقبح فعلهم. # سادسها: "اللقاح": ذوات الألبان من الإبل. واحدها: لقحة، بكسر اللام ~~وفتحها، وقيل: إنما يقال لقحة بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة لقرب ولادتها، ثم ~~هي بعد ذلك لبون. PageV09P135 # سابعها: هذه اللقاح ثبت في الصحيح أنها لقاح النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- , وثبت فيه أنها إبل الصدقة، ولعل الجمع بينهما اللقاح له والإبل للصدقة، ~~وكانت ms1580 ترعى معها فاستاقوا الجميع، وإنما أذن لهم في شرب لبنها على هذه ~~الرواية لأنه للمحتاجين من المسلمين، وهؤلاء منهم. وقد ترجم عليه البخاري ~~في كتاب الزكاة استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل (¬1). # ثامنها: عدد هذه اللقاح خمس عشرة [. . .] (¬2) ذكره ابن سعد في "طبقاته" ~~(¬3)، قال: وفقد منها واحدة. قال: وهذه اللقاح كانت ترعى بذي الحدر، ناحية ~~قباء، قريبا من عير على ستة أميال من المدينة. # عاشرها: اسم هذا الراعي: يسار، بمثناة تحت في أوله، وهو مولى رسول الله - ~~صلي الله عليه وسلم -، وكان نوبيا، فأعتقه. وقيل: إنه -عليه الصلاة ~~والسلام- أصابه في غزوة محارب وبني ثعلبة، فجعله في لقاح له يرعى ناحية ~~الحمى، فقتلوه ثم مثلوا به وغرزوا الشوك في لسانه وسمروا عينيه. وفي "معرفة ~~الصحابة" (¬4) لأبي نعيم أنهم قتلوه وجعلوا الشوك في عينيه. وفي الصحيح: ~~"ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم"، ولا تنافي بينهما، فإن الراعي اسم جنس. PageV09P136 # الحادي عشر: "استاقوا" حملوا، وهو من السوق وهو السير السريع العنيف. # الثاني عشر: "النعم" بفتح النون والعين المهملة، يذكر ويؤنث. حكاهما ابن ~~دريد وغيره. # وقال الفراء: لا يؤنث، سمي نعما لنعومة بطنه، وهي الإبل خاصة. قاله ابن ~~دريد والهروي. # قال الهروي: بخلاف الأنعام، فإنها الإبل والبقر والغنم. وهذا غريب في ~~الأسماء أن يدل الجمع على جنس لا يدل عليه المفرد. # وقال الجوهري (¬1): الأنعام المال الراعية، وأكثر ما يقع على الإبل. وقال ~~النووي في "تحريره" (¬2): النعم الإبل والبقر، وهو اسم جنس، وجمعه: أنعام. ~~قال: ونقل الواحدي: إجماع أهل اللغة على هذا كله. # وقال غيره: لا تطلق على الغنم أنها نعم إلا إذا كان معها إبل [أو] (¬3) ~~بقر، ويطلق على كل من الإبل والبقر نعم بمفرده. # الثالث عشر: في الصحيح أيضا: أنهم "استاقوا ذود رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم -"، وفيه أيضا: "أنهم طردوا الإبل"، ووجه الجمع أنهم استاقوا ~~الذود، وهو النعم في الرواية الأخرى "مع إبل الصدقة" أيضا. PageV09P137 # الرابع عشر: بعث - صلى الله عليه وسلم - في آثارهم كرز بن جابر الفهري ~~ومعه عشرون فارسا. قاله ms1581 ابن سعد في "طبقاته" (¬1). # وفي "صحيح مسلم" (¬2): وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين، فأرسل إليهم ~~وبعث معهم قائفا يقص أثرهم. # وذكر أيضا أبو حاتم ابن حبان في "ثقاته" (¬3) فقال: كان ذلك في السنة ~~السادسة، وأنه بعث في طلبهم كرز بن جابر الفهري بسرية في شوال في عشرين ~~راكبا معهم قائف، فأخذ قرابهم حتى أخذوهم وجاءوا بهم إلى رسول الله - صلي ~~الله عليه وسلم -. وقال موسى بن عقبة: كان أمير السرية سعيد بن زيد. وروى ~~محمد بن الفضل الطبري من حديث جرير: أنه -عليه الصلاة والسلام- بعثه في ~~أثرهم، وفيه على تقدير صحة إسناده نظر؛ لأن قصة العرنيين كانت في شوال سنة ~~ست كما ذكرناه، وإسلام جرير كان في السنة العاشرة على المشهور؛ إلا أن يدعي ~~أنه استعان به. # الرابع عشر: "سمرت" بالميم المخففة وشددها بعضهم، والأول أوجه، أي كحلت ~~بمسامير محماة. ويؤيده رواية البخاري: "ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها". ~~وفي معظم نسخ "مسلم": "سمل" باللام وتخفيف الميم، أي فقأها وأذهب ما فيها ~~إما بشوك أو بغيره. PageV09P138 # قال أبو ذؤيب (¬1): # والعين بعدهم كأن حداقها ... سملت بشوك فهي عور تدمع # وقيل: بحديدة محماة تدنى من العين حتى يذهب ضوءها، وعلى هذا تتفق مع ~~رواية من رواه بالراء، وقد تكون هذه الحديدة مسمارا، وأيضا فقد فقأها ~~بالمسمار وسملها به كما فعل ذلك بالشوك، وقيل: إن الراء واللام بمعنى واحد، ~~والراء تبدل منها. واستعمله القرطبي (¬2). # الخامس عشر: إنما سمل أعينهم [لأنهم سملوا أعين الرعاة] (¬3)؛ كما ثبت في ~~"صحيح مسلم"، وهو من أفراده، واستدركه صاحب المستدرك (¬4) ولا يحسن ~~استدراكه على مسلم (¬5)؛ لأنه فيه -كما علمت-، نعم قد يستدرك على البخاري. # السادس عشر: "الحرة" أرض تركبها حجارة سود -كما سلف في الصيام-، وفي ~~رواية الصحيح: "ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا"، وفيه أيضا: "وتركهم بالحرة ~~يعضون الحجارة"، وفيه أيضا: "فرأيت الرجل منهم يلزم الأرض بلسانه حتى ~~يموت"، وفيه أيضا: "أنه لم يحسمهم بالنار حتى ماتوا"، أي لم يكوهم لينقطع ~~الدم. PageV09P139 # قال القاضي (¬1): وهو حجة في ms1582 أن المحارب لا يحسم لأنه ممن خير في حده ~~بالقتل، لكن إن حسم نفسه لم يمنع. وأما السارق: فحده القطع فقط. فيبادر ~~بحسمه لئلا ينزف دمه فيموت، وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وغيرهما. # السابع عشر: قوله: "يستسقون فلا يسقون"، أي: يسألوا ذلك وهذا إخبار عن ~~الواقع لا يقتضي بهذا ولا غيره. وقد أجمع العلماء كما نقله القاضي (¬2) على ~~أن من وجب عليه القتل فاستسقى الماء أنه لا يمنع منه لئلا يجمع عليه عذابان ~~وأجيب عن عدم سقايتهم بجوابين حسنين: # أحدهما: معاقبة بجنايتهم وكفرهم بسقيهم ألبان تلك الإبل فعاقبهم الله ~~تعالى بذلك فلم يسقوا. # ثانيهما: أنهم عوقبوا بذلك لإعطاشهم آل بيت النبي - صلي الله عليه وسلم - ~~بأخذ لقاحهم ودعائه -عليه الصلاة والسلام- عليهم بقوله: "عطش الله من عطش ~~آل محمد الليلة" (¬3)، كما رواه النسائي فكان ترك الناس سقيهم إجابة لدعائه ~~- صلى الله عليه وسلم -. # ووجه ثالث حسن: وهو ما ثبت في الصحيح أنهم قتلوا الرعاة وارتدوا عن ~~الإسلام فلا حرمة لهم إذن من سقي الماء ولا غيره وهذا معنى قول أبي قلابة: ~~و"كفروا بعد إيمانهم". PageV09P140 # وقد اتفق أصحابنا على أنه لا يجوز لمن معه ماء يحتاج إليه للطهارة أن ~~يسقيه لمرتد يخاف الموت من العطش ويتيمم، بخلاف الذمي والبهيمة. وقصر ابن ~~العطار من "شرحه" في عزو هذه الرواية الي نقلناها من كونهم ارتدوا فقال: ~~روى في بعض هذا الحديث الصحيح في "سنن أبي داود" (¬1) والنسائي من رواية ~~ابن عمر: "أنهم قتلوا الرعاة وارتدوا عن الإسلام"، وهذا عجيب منه فعزوه إلى ~~الصحيح أولى. وأيضا فهو ثابت فيه من حديث أنس فإنه لا يعدل إلى راو آخر إلا ~~بعد عدمه في تلك الرواية كما جرت به عادة أهل هذا الشأن. # الثامن عشر: في فوائده وأحكامه: # الأولى: قدوم القبائل والغرباء على الإمام. # الثانية: نظر الإمام في مصالحهم وأمره لهم بما يناسب حالهم وإصلاح ~~أبدانهم. # الثالثة: طهارة بول ما يؤكل لحمه وهو مذهب مالك وأحمد وقول ابن خزيمة ~~والروياني من الشافعية. لكن إنما تكون طاهرة عند ms1583 المالكية إذا كانت لا ~~تستعمل النجاسة. قالوا: فإن كانت تستعمل فنجسة على المشهور. # وأجاب المخالفون: وهم الحنفية وجمهور الشافعية القائلون بنجاسة بوله ~~وروثه بأن شربهم الأبوال كان للتداوي وهو جائز بكل النجاسات سوى الخمر ~~والمسكرات. PageV09P141 # واعترض عليهم: بأنها لو كانت نجسة محرمة للشرب ما جاز التداوي لأن الله ~~لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها. # وقد يجاب: عن ذلك بأن الضرورة جوزته. # الرابع: ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء فإنه -عليه الصلاة والسلام- بعث ~~في طلبهم لما بلغه فعلهم بالرعاة. واختلف العلماء في ثبوت أحكامها في ~~الأمصار فنفاه أبو حنيفة، وأثبته مالك والشافعي، ووافق بعض المالكية ~~الحنفية. # الخامسة: شرعية المثلة في القصاص والنهي عن المثلة محمول على من وجب عليه ~~القتل لا على طريق المكافأة: كما سلف في الباب قبله. # وقال بعضهم: فعله -عليه الصلاة والسلام- ذلك بهم فعل زائد على حد الحرابة ~~لعظيم جرمهم لارتدادهم ومحاربتهم وقتلهم الرعاة وتمثيلهم بهم وأن النهي عن ~~المثلة نهي تنزيه لا تحريم. # وقال محمد بن سيرين: أن ذلك قبل أن تنزل الحدود. ذكره البخاري في حديث ~~أنس، أي: وقبل أن تنزل آية المحاربة والنهي عن المثلة. # وفي البخاري (¬1) أيضا عن قتادة أنه قال: "بلغنا أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- بعد ذلك [أنه] (¬2) كان يحث على الصدقة، وينهى عن المثلة". وكذا ~~قال الشافعي رحمه الله: إنه منسوخ، حكاه الإمام في PageV09P142 # "نهايته" عنه. وكذا ادعى نسخه ابن شاهين (¬1) بحديث كثير بن شنظير عن ~~الحسن بن عمران قال: ما قام فينا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - خطيبا ~~إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة، وقال: هذا الحديث ينسخ كل مثلة كانت ~~في الإسلام، قلت: في سماع الحسن من عمران خلاف (¬2). # وقال ابن الجوزي في كتابه: "الإعلام" (¬3) ادعاء النسخ يحتاج إلى ~~التاريخ، وقد قال العلماء إنما سمل أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة ~~فاقتص منهم بمثل ما فعلوا والحكم بذلك ثابت وما حكاه عن العلماء قد أسلفته ~~حديثا صحيحا مصرحا به، لكن اعترض الشيخ تقي الدين على ما ذكره ابن الجوزي ms1584 ~~فقال: الحديث وردت فيه المثلة من جهات عديدة وأشياء كثيرة فهب أنه ثبت ~~القصاص في سمل الأعين فما يصنع بباقي ما جرى في المثلة فلابد له فيه من ~~جواب غير هذا، وقد رأيت عن الزهري في قصة العرنيين أنه ذكر PageV09P143 # أنهم قتلوا يسارا مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم مثلوا به. فلو ~~ذكر ابن الجوزي هذا كان أقرب إلى مقصوده مما ذكره من حديث سمل الأعين ققط ~~على أنه أيضا بعد ذلك يبقى نظر في بعض ما حكى في القصة. # قلت: [وقد] (¬1) سلف أنهم مثلوا به وغرزوا الشوك في لسانه وسمروا عينه. # ونقل القرطبي في "مفهمه" (¬2) عن أهل التواريخ والسير أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- إنما قطع أيديهم وأرجلهم لأنهم فعلوا كذلك بالراعي. # قالوا: وأدخل الشوك في عينيه حتى مات وأدخل المدينة ميتا. وفي "النسائي" ~~أنه -عليه الصلاة والسلام- صلبهم أيضا. وقال ابن شهاب بعد أن ذكر قصتهم: ~~ذكروا والله أعلم أنه -عليه الصلاة والسلام- نهى بعد ذلك عن المثلة، فالآية ~~التي في سورة المائدة {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} (¬3) الآية. ~~وفي رواية فما مثل نبي الله قبل ولا بعد ونهى عن المثلة. وقال: "لا تمثلوا ~~بشيء"، وفي رواية من حديث جرير بإسناد ضعيف (¬4)، من حديث جرير فكره -عليه ~~الصلاة والسلام- سمل الأعين فأنزل الله آية المحاربين. PageV09P144 # وفي سنن "أبي داود" و"النسائي" (¬1) عن أبي الزناد -عليه الصلاة والسلام- ~~لما قطعهم وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك ونزل: {إنما جزاء} الآية. # السادسة: إن فعل الإمام بالمحاربين وأهل الفساد ما يفعله في المثلة ~~والقطع وسمر الأعين ونحو ذلك ليس هو من عدم الرحمة بل هو رحمة لما فيه من ~~كف العادية عن الخلق وفعل ذلك بهم لا يظن أنه مخالف لوصف الرحمة الذي هو ~~مشروط في حقهم على الرعايا، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: "إن لي على ~~قريش حقا، ولقريش عليكم حقا ما إذا حكموا فعدلوا، وائتمنوا فأدوا، ~~واسترحموا فرحموا" (¬2). # السابعة: عقوبة المحاربين وهو موافق للآية الكريمة السالفة: {إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله} (¬3) الآية. ms1585 واختلف العلماء في المراد منها في ~~القتل والصلب والقطع من خلاف على قولين: # أحدهما: أن "أو" فيها للتخيير، فيتخير الإمام بين الأمور الثلاثة ~~المذكورة فيها وهو قول مالك، إلا أن يكون المحارب قد قتل فيتحتم قتله. PageV09P145 # وقال أبو حنيفة وأبو مصعب المالكي: الإمام بالخيار وإن قتلوا. # وقال بعض الحنفية: إن هذا عن أبي حنيفة غلط لأن مذهبه فيمن أخذ المال. # وقيل: إن الإمام بالخيار: إن شاء قطعه وقتله أو صلبه وإن شاء قتله ابتداء وصلبه. # والقول الثاني: أن "أو" للتقسيم قاله الشافعي وآخرون. # فإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا، وإن قتلوا وأخذوه قتلوا وصلبوا، وإن ~~أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبيل ~~ولم يأخذوا شيئا ولم يقتلوا طلبوا حتى يعزروا وهو المراد بالنفي عند أصحاب ~~هذا القول. # قالوا: لأن ضرر هذه الأفعال يختلف فكانت عقوباتها مختلفة فلم تكن ~~للتخيير. # وحكى القاضي (¬1) عن مالك أنه يقتل ذا الرأي والتدبير، ويقطع ذا البطش ~~والقوة، ويعزر من عداه. قال فجعلها مرتبة على صفاتهم لا على أفعالهم. # [الثامنة] (¬2): جواز التطبب وأن طب كل PageV09P146 # [جسد] (¬1) بما اعتاد فإن هؤلاء القوم أعراب البادية عادتهم شرب أبوال ~~الإبل وألبانها وملازمتهم الصحارى فلما دخلوا القرى وفارقوا أغذيتهم، ~~وعادتهم مرضوا فأرشدهم - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك، فلما رجعوا إلى ~~عادتهم من ذلك صحوا وسمنوا. وقد أدخل البخاري هذا الحديث في الطب من ~~"صحيحه" وترجم عليه الدواء بألبان الإبل وأبوالها (¬2)، وفيه أنهم "قالوا ~~يا رسول الله آونا وأطعمنا، فلما صحوا قالوا إن المدينة وخمة فأنزلهم الحرة ~~في ذود له فقال: اشربوا ألبانها، فلما صحوا قتلوا الراعي"، الحديث. # قال سلام بن مسكين: فبلغني أن الحجاج قال لأنس: حدثني بأشد عقوبة عاقب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فحدثه بهذا فبلغ الحسن فقال: وددت أنه لم يحدثه. # التاسعة: قتل المرتد من غير استتابة وفي كونها واجبة أو مستحبة خلاف ~~شهير. ورأيت من يجيب بأنهم حاربوا والمرتد إذا حارب لا يستتاب لأنه يجب ~~قتله فلا يظهر له معنى. ms1586 # العاشرة: قتل الجماعة بواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة، وبه قال الشافعي ~~ومالك وجماعة وخالف فيه أبو حنيفة. # الحادية عشرة: لابد من تقدير اعتراف القائلين، أو الشهادة عليهم وإن لم ~~يصرح بذلك في الحديث. PageV09P147 # الثانية عشرة: سماهم أبو قلابة سراقا لأنهم أخذوا النعم من حرز مثلها وهو ~~وجود الراعي معها ويراها كلها. # الثالثة عشرة: خرج البخاري هذا الحديث في صحيحه في مواضع منها باب إذا ~~حرق المشرك المسلم هل يحرق (¬1)؟ كما سلف، وفيه قالوا: "يا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أبغنا رسلا، قال ما أجد لكم أن تلحقوا بالذود". ومنها في ~~الحدود (¬2) "وذكر أنهم كانوا في الصفة يعني أولا"، ومنها في الطب: كما سلف ~~(¬3)، ومنها في الزكاة كما سلف. # ومنها في المغازي بعد غزوة الحديبية وقبل غزوة ذي قرد فقال: قصة عكل ~~وعرينة (¬4)، ثم رواه بلفظ: أن ناسا من عكل وعرينة قدموا المدينة وتكلموا ~~بالإسلام فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا ~~المدينة فأمر لهم رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بذود وراع وأمرهم أن ~~يخرجوا فيه، الحديث. وفيه: حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم ~~وقتلوا الراعي وفيه: وتركوا في ناحية الحرة حتى PageV09P148 # ماتوا على حالهم (¬1). PageV09P149 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 365/ 2/ 69 - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة - ~~رضي الله عنه - وزيد بن خالد الجهني أنهما قالا: "إن رجلا من الأعراب أتى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا ~~قضيت بيننا بكتاب الله. فقال الخصم [الآخر] (¬1) -وهو أفقه منه- نعم، فاقض ~~بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال [رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] ~~(¬2): قل، [قال] (¬3) إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنا بامرأته، وإني أخبرت ~~أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم ~~فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. ~~فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده لأقضين ms1587 بينكما ~~بكتاب الله، الوليدة والغنم رد [عليك] (¬4) وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. ~~واغد يا أنيس -لرجل من أسلم- PageV09P150 # [إلي] (¬1) امرأة هذا، إن اعترفت فارجمها. [قال] (¬2) فغدا عليها، ~~فاعترفت فأمر بها رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فرجمت (¬3). # العسيف: الأجير. # الكلام عليه من وجوه. # الأول: في بيان الأسماء الواقعة فيه. # أما عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فهو أبو عبد الله الهذلي المدني ~~التابعي، الفقيه، الأعمى، أحد الفقهاء السبعة. روى عن أبيه وعائشة وغيرهما ~~وعنه، أخوه: عون، والزهري، وآخرون. واتفقوا على توثيقه وأمانته، وجلالته، ~~وكثرة علمه، وفقهه، وحديثه، وصلاحه، وكان معلم عمر بن عبد العزيز. قال ~~الزهري ما جالست أحدا من العلماء إلا وأرى أني قد أتيت على ما عنده ما خلا ~~عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فإني لم آته إلا وجدت عنده علما طريفا. # مات سنة ثمان وتسعين على الصحيح وحمل علي بن الحسين جنازته. PageV09P151 # أما أبو هريرة: فسلف التعريف به في الطهارة. # وأما زيد بن خالد الجهني: فسلف التعريف به في باب: اللقطة. # وأما أنيس: فهو صحابي مشهور يعد في الشاميين وهو ابن الضحاك الأسلمي، ~~وقال أبو عمر: يقال مرثد بن أبي مرثد مات سنة عشرين وقيل: إنه ابن الضحاك. # وقال النووي (¬1): إن هذا هو الصحيح ثبت. # قلت: وسبقه إليه ابن الأثير فإنه قال إنه أشبه بالصحة لكثرة الناقلين له ~~ولأنه -عليه الصلاة والسلام- كان يقصد أن لا يؤمر في القبيلة إلا رجلا منها ~~لنفورهم من حكم غيره وكانت المرأة أسلمية (¬2). ورجحه ابن طاهر المقدسي أيضا. # الثاني: في مبهماته هذه المرأة أسلمية ولكن لا يحضرني اسمها وكذا اسم ~~الأعرابي وابنه والخصم بعد البحث عن ذلك. # الثالث: في ألفاظه ومعانيه. # يعني: "أنشدك" بفتح الهمزة وضم الشين ومعناه: أسئلك رافعا نشيدي [وهو ~~صوتي] (¬3). # و"كتاب الله" هنا حكمه مطلقا، أي: بما كتب على عباده من الحدود والأحكام. PageV09P152 # قال الشيخ تقي الدين (¬1): وهو أولى من حمله على القرآن خاصة لأنه ذكر ~~فيه التغريب، وليس منصوصا فيه إلا بواسطة أمر الله باتباع ms1588 رسوله وطاعته. # قلت: لكن سيأتي أنه تفسير للسبيل الآتي في الآية فهو منصوص عليه فيه على هذا. # وقال القرطبي (¬2): إن كانت هذه القضية وقعت بعد [نسخ [تلاوة] (¬3) آية ~~الرجم فالمراد به] (¬4) حكم الله وإن كانت قبله، [فالمراد حقيقة كتاب الله] (¬5). # وقوله: "وهو أفقه منه"، أي: لأنه أدى القصة على وجهها وتأنى واستأذن في ~~الكلام ليأمن من الوقوع في النهي في قوله تعالى: {لا تقدموا بين يدي الله} ~~(¬6) بخلاف خطاب خصمه أنشدك الله: فإنه من جفا الأعراب. # والعسيف: بالعين والسين المهملتين الأجير كما ذكره المصنف وهو في الصحيح ~~معزوا إلى مالك. وجمعه عسفاء، كأجير وأجراء، وفقيه وفقهاء. PageV09P153 # وقوله: "كان عسيفا على هذا" معناه: لهذا، والحروف يقوم بعضها مقام بعض ~~كقوله تعالى: {وإن أسأتم فلها}، أي: عليها. # وقوله: "فافتديت منه"، أي: من الرجم. # "والوليدة" الأمة وجمعها ولائد وقد سلف في اللعان واضحا. # وقوله: "لأقضين بينكما بكتاب الله"، أي: بحكم الله كما سلف، وقيل: هو ~~إشارة إلى قوله تعالى: {أو يجعل الله لهن سبيلا (15)}، وفسر - صلى الله ~~عليه وسلم - السبيل: بالرجم في حق المحصن وبالجلد والتغريب في حق غيره كما ~~أخرجه مسلم (¬1) من حديث عبادة، وإن كان فيه ضم الجلد إلى الرجم أيضا في حق ~~المحصن، وسيأتي اختلاف العلماء فيه. # وقيل: هو إشارة إلى أنه "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" هو مما ~~نسخت تلاوته وبقي حكمه. فعلى هذا يكون الجلد قد أخذ من قول الله تعالى: ~~{الزانية والزاني فاجلدوا} (¬2) وقيل: المراد [بعض] (¬3) صلحكما الفاسد ~~لأنه أكل المال بالباطل وكتاب الله مصرح بالنهي عنه. # وقوله: "الوليدة والغنم رد"، أي: مردودة عليك. وأطلق PageV09P154 # المصدر على اسم المفعول كقولك: ثوب نسيج اليمن، أي: منسوج اليمن، وهذا ~~خلق الله، أي: مخلوقه، ومعناه يجب ردها عليك. # وقوله: "وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام"، هذا متضمن أن ابنه كان بكرا ~~وعلى أن ابنه اعترف بالزنا فإن إقرار الأب عليه لا يقبل إلا أن يكون هذا من ~~باب الفتوى فيكون معناه إن كان ابنك زنى وهو بكر فحده ذلك. ms1589 # وقوله: "واغد يا أنيس" إلى آخره، إنما بعثه لإعلام المرأة بأن هذا الرجل ~~قذفها بابنه فلها عليه حد القذف فيطالب به أو تعفو إلا أن تعترف بالزنا فلا ~~يجب عليه حد القذف بل عليها حد الزنا وهو الرجم لأنها كانت محصنة، فذهب ~~إليها أنيس فاعترفت به فأمر -عليه الصلاة والسلام- برجمها فرجمت. # قال النووي (¬1): كذا أوله العلماء من أصحابنا وغيرهم ولابد منه لأن ~~ظاهره أنه بعث لطلب [إقامة] (¬2) حد الزنا وهو غير مراد لأن حد الزنا لا ~~يحتاط له بالتجسس والتنقيب عنه بل لو أقر به مقرا استحب أن يلقن بالرجوع ~~عنه فحينئذ يتعين التأويل المذكور، وقع للرافعي في كتاب الوكالة أن بعثه ~~لاستيفاء الحد منها بالوكالة، وقال في آخر باب القضاء على الغائب: إنه لأجل ~~سماع الدعوى على المحدودة. # وقال القاضي عياض: إنما أرسله ليشهد عليها مع أبي الزاني PageV09P155 # ليكمل به النصاب، أي: وهو الشهادة على إقرارها على الخلاف الشهير فيه في ~~الاكتفاء باثنين. # ومعنى "اغد" امض وسر وليس معناه سر إليها بكرة كما هو موضوع الغداة. # وكذا قوله: "فغدا عليها"، أي: مضى إليها وسار نحوها. # وقوله (¬1): "فاعترفت" فأمر بها رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فرجمت. ~~وفي رواية للبخاري "فاعترفت فرجمها"، ورجح القرطبي (¬2) [هذه الرواية على ~~تلك لأنها من رواية مالك عن الزهري وهو أعرف الناس به والأول من رواية ~~الليث عنه] (¬3). # الوجه الرابع في أحكامه. # الأول: استحباب صبر الحاكم على جفاء الناس من الخصوم والمستفتين إذا ~~قالوا احكم بيننا بالحق وافتنا بالحق. # الثاني: حسن الأدب في المخاطبة للأكابر حيث قال: "وائذن لي". # الثالث: جواز استفتاء غير الشارع في زمنه فإنه -عليه الصلاة والسلام- لم ~~ينكر ذلك عليه لما قال: "فسألت أهل العلم" وهو كالاقتصار على الظن مع ~~القدرة على اليقين. PageV09P156 # الرابع: استفتاء المفضول مع وجود الفاضل. # الخامس: إباحة الكلام للإمام لمن شاء من الخصمين إذا اجتمعا بين يديه، ~~قاله الخطابي (¬1). # السادس: رد الصلح الفاسد. # السابع: رد المال المأخوذ فيه. # الثامن: أن الحدود لا تقبل الفداء. واختلف أصحابنا فيما إذا ms1590 عفي عن حد ~~القذف على مال على وجهين: وأصحهما أنه لا يستحقه، والخلاف محكي عند ~~المالكية أيضا بعد رفعه إلى السلطان مع الكراهة لأنه أكل مال في ثمن عرضه. # قالوا: ولا خلاف أيضا في المنع في حق الله تعالى كالحرابة والزنى والسرقة ~~تبلغ السلطان أم لا، لأنه أكل مال بالباطل في إبطال حد إن بلغ السلطان أو ~~أكل مال على أن لا يبلغه وهو حرام ورشوة ولا خلاف في الجواز في حق الأبدان ~~من القصاص في الجراح والنفس. # التاسع: استتابة الإمام في إقامة الحدود. # العاشر: وجوب الإعذار وجوازه بواحد وفيه خلاف للمالكية. # قال القاضي (¬2): وقد يمكن أنه -عليه الصلاة والسلام- ثبت عنده اعترافها ~~بشهادة هذين الرجلين فكان توجيه أنيس إعذار لها. PageV09P157 # قلت: لابد من ذلك وإلا لزم الاكتفاء بشهادة واحد على الأقرار به ولا قائل ~~به، وإنما اختلفوا في الاكتفاء باثنين فيه أو باشتراط أربعة. # الحادي عشر: جواز حكم الحاكم في الحدود بما أقر به [الخصم] (¬1) عنده ~~وسماعه منه من غير ضبط شهادة على الحدود، وهو أحد قولي الشافعي وأبي ثور، ~~ولا يجوز ذلك عند مالك إلا بعد ضبط الشهادة عليه. # الثاني عشر: إن حضور الإمام الرجم ليس شرطا فإنه -عليه الصلاة والسلام- ~~لم يحضر رجمها، وخالف فيه أبو حنيفة. وحكى المالكي فيه خلافا لهم. وعن أبي ~~حنيفة حضور الشهود أيضا وأنهم يبدأون بالرجم فإن ثبت بالإقرار بدأ الإمام. # الثالث عشر: لم يذكر المصنف في روايته الحفر [لها] (¬2) وهو ثابت في صحيح ~~مسلم وصحح أصحابنا أنه يستحب أن يحفر لها إن ثبت زناها [بالبينة ولا يستحب ~~إن] (¬3) ثبت بالإقرار. وحديث الغامدية هذا يرده فإنه [ثبت زناها بإقرارها ~~وحفر لها] (¬4). # الرابع عشر: شرعية التغريب مع الجلد [وفي البخاري "وجلد] (¬5) مائة وغربة ~~عاما". والحنفية خالفت فيه بناء على أن PageV09P158 # التغريب ليس مذكورا [في القرآن] (¬1) وأن الزيادة على النص نسخ، ونسخ ~~القرآن بخبر الواحد غير جائز عندهم، وغيرهم يخالفهم في ذلك والمسألة مقررة ~~في الأصول (¬2) وقد أجمع العلماء على وجوب جلد الزانى البكر مائة ورجم ms1591 ~~المحصن وهو الثيب ولم يخالف فيه أحد من أهل القبلة إلا ما حكاه القاضي (¬3) ~~وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة والنظام وأصحابه أنهم لم يقولوا بالرجم. # واختلف العلماء في جلد الثيب مع رجمه، فقال علي ابن أبي طالب والحسن ~~البصري وأحمد وابن راهويه وداود وأهل الظاهر وابن المنذر: يجلد ثم يرجم. # وقال الجمهور: الواجب الرجم وحده. # وحكى القاضي عن طائفة من أهل الحديث أنه يجب الجمع إذا كان شيخا ثيبا فإن ~~كان شابا ثيبا، اقتصر على الرجم وهو مذهب باطل لا أصل له بالأحاديث ~~الصحيحة. # ومنها: قصة ماعز والغامدية، وحديث الجمع بينهما منسوخ فإنه كان في أول ~~الإسلام. # وأوله بعضهم فقال: هو محمول على من زنا وهو بكر فلم يحد حتى زنا وهو ~~محصن. PageV09P159 # الخامس عشر: رجم الثيب دون جلده، وجلد البكر ونفيه، كما قررناه. # السادس عشر: أن الحاكم إذا قذف إنسان معين في مجلسه وجب عليه أن يبعث ~~إليه ليعرفه بحقه من القذف. # واختلف أصحابنا في وجوب ذلك على الحاكم على وجهين وصححوا الوجوب. ومن ~~تراجم البخاري (¬1) عليه إذا رمى امرأته أو امرأة غيره بالزنا عند الحاكم ~~والناس هل على الحاكم أن يبعث إليها فيسألها عما رميت به؟ انتهى. # ولو شهد عنده بالقذف فلا يحده الإمام إلا بطلب المقذوف عند الشافعي وأبي ~~حنيفة والأوزاعي. # وعند مالك أنه يرسل إليه فإن أراد سترا تركه وإلا حده، واختلف قوله في ~~عفوه وإن لم يرد سترا. # السابع عشر: قبول خبر الواحد، وقد سلف. # الثامن عشر: الاكتفاء بمجرد الإقرار دون مراعاة عذر. # التاسع عشر: الاكتفاء بالاعتراف مرة واحدة، فإنه -عليه الصلاة والسلام- ~~رتب رجمها على مجرد اعترافها ولم يقيده بعدد. # العشرون: هذه الأسلمية كانت محصنة كما سلف فإن الإحصان معتبر في الرجم ~~بالإجماع، ولعله كان معروفا فاستغنى عن ذكره في الحديث. PageV09P160 # الحادي بعد العشرين: الرجوع إلى العلماء عند اشتباه الأحكام والشك. # الثاني بعد العشرين: استصحاب الحال في استمرار الأحكام الثابتة وإن كان ~~يمكن زوالها في حياته -عليه الصلاة والسلام- بالنسخ. # الثالث بعد العشرين: أن ما أخذ ms1592 بالمعاوضة الفاسدة يجب رده ولا يملك، وقد ~~قدمنا في الوجه السابع أنه يؤخذ منه رد المال المأخوذ في الصلح الفاسد. # قال الشيخ تقي الدين (¬1) وبه يتبين ضعف من اعتذر من الشافعية من بعض ~~العقود الفاسدة، فإن المتعاوضين أذن كل منهما للآخر في التصرف في ملكه، ~~وجعل ذلك سببا لجواز التصرف فإن ذلك الإذن ليس مطلقا، وإنما هو مبني على ~~المعاوضة الفاسدة. # الرابع بعد العشرين: أن ما يستعمل من الألفاظ في محل الاستفتاء يسامح فيه ~~في إقامة الحد والتعزير. فإن هذا الرجل قذف المرأة بالزنا, ولم يتعرض ~~الشارع لأمر حده بالقذف، وأعرض عن ذلك ابتداء، كذا قرره الشيخ تقي الدين ~~(¬2)، وفيه مخالفة لما أسلفناه. # الخامس بعد العشرين: عدم الجمع بين الجلد، والرجم فإنه لم يعرفه أنيسا ~~ولا أمره به. PageV09P161 # السادس بعد العشرين: جواز إيجار الآدمي نفسه واستئجاره وهو لائح. # السابع بعد العشرين: الرجوع إلى كتاب الله تعالى في الأحكام إما بالنص ~~وإما بالاستنباط كما مر. # الثامن بعد العشرين: القسم على الأمر بفعله تفخيما له وتعظيما. # التاسع بعد العشرين: الحلف من غير استحلاف. # الثلاثون: استدل به بعضهم على تأخير الحدود عند ضيق الوقت لأن الغدو إنما ~~يكون في أول النهار وهو ضعيف كما قال القاضي عياض (¬1)، فإنه لم يثبت في ~~الحديث إن ذلك كان في آخر النهار فأخر بعده. وقد أسلفنا أن المراد بالغدو ~~هنا المضي والسير لا هذا. # الحادي بعد الثلاثين: أن زنا المرأة تحت زوجها لا يفسخ نكاحها ولا يوجب ~~تفرقة بينها وبينه إذ لو كان ذلك لفعل ولو فعل لنقل. وأغرب الجوزي بضم ~~الجيم من الشافعية فقال: إنه يفسخ وهو غريب. PageV09P162 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 366/ 3/ 69 - وعنه عنهما (¬1) قالا: "سئل رسول الله - صلي الله عليه وسلم ~~- عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: [إذا] (¬2) زنت فاجلدوها، ثم إن زنت ~~فاجلدوها [ثم إن زنت فاجلدوها (¬3)]، ثم بيعوها ولو بضفير" (¬4). # قال ابن شهاب: ولا أدري أبعد الثالثة، أو الرابعة؟ # والضفير: الحبل. PageV09P163 # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في ms1593 الحديث قبله، وابن شهاب سلف التعريف ~~في باب العدة وأنه منسوب إلى جد جده. # ثانيها: "الضفير": فقيل: بمعنى مفعول وفي بعض الروايات في الصحيح "ولو ~~بحبل من شعر" وصفه بذلك لأنها أكثر حبالهم. # والمراد بقوله: "اجلدوها" الحد بدليل الرواية الأخرى، في الصحيح في حديث ~~أبي هريرة "فليجلدها الحد". # والأمة: المملوكة وجمعها إماء (¬1) وأموات. والجلد المأمور به هنا هو نصف ~~الحرة كما سيأتي. # ومعنى "لم تحصن" لم تتزوج، وقيل: لم تسلم، وقيل: لم تعتق. قال القرطبي ~~(¬2): والثاني: أولى الأقوال في الآية على ما أوضحه ابن العربي. # ثالثها: الحكمة في بيعها وكونه ثمن حقير بتنفيرها وكسر نفسها عن الفاحشة ~~والتنفير عن مثل فعلها لعدم مخالطتها. # فإن قلت: كيف ينبغي له بيعها لغيره ويرضى لأخيه المسلم ما لا يرضى لنفسه. # فالجواب: لعلها تستعف عند المشتري بأن يعفها بنفسه أو يصونها في بيته أو ~~بالإحسان إليها أو بالتوسعة أو يزوجها أو غير PageV09P164 # ذلك. ذكره النووي (¬1) والقرطبي (¬2) وأيضا الحرج في ذلك يزول بإعلام ~~البائع بزناها. # رابعها: اعترض الطحاوي (¬3) على قوله: "ولم تحصن"، وقال تفرد بها مالك ~~وأشار بذلك إلى تضعيفها وأنكر ذلك الحفاظ عليه. وقالوا: بل رواها أيضا ابن ~~عيينة ويحيى بن سعد عن ابن شهاب [ثم] (¬4) ليس في ثبوتها حكم مخالف، فإن ~~الأمة تجلد على النصف من الحرة سواء أكانت محصنة بالتزويج، كما سلف أو لم ~~يكن. نعم فيه بيان من لم تحصن وقول الله تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} (¬5) فيه بيان من أحصنت فحصل من ~~الآية الكريمة والحديث بيان أن الأمة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد ~~وهو معنى ما ثبت من أفراد "صحيح مسلم" (¬6): أن عليا - رضي الله عنه - خطب ~~فقال: "يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن" ~~الحديث. # فإن قلت: ما الحكمة من التقييد في قوله تعالى: {فإذا أحصن}، مع أن عليها ~~نصف جلد الحرة سواء كانت الأمة محصنة أم لا؟ PageV09P165 # فالجواب: كما ذكره في "شرح مسلم" (¬1) أن ms1594 الآية نبهت على أن الأمة ~~المزوجة لا يجب عليها إلا جلد نصف جلد الحرة لأنه الذي يتنصف، وأما الرجم: ~~فلا يتنصف فليس مرادا في الآية بلا شك فليس للأمة المزوجة الموطوءة في ~~النكاح حكم الحرة الموطوءة فيه فبينت الآية الكريمة هذا لئلا يتوهم متوهم ~~أن الأمة المزوجة ترجم وقد أجمعوا على أنها لا ترجم، فأما غير الأمة ~~المزوجة فقد علمنا أن عليها النصف أيضا بالأحاديث الصحيحة منها هذا الحديث ~~فإنه مطلق يتناول المزوجة وغيرها. # الوجه الخامس: في أحكامه: # الأول: أن الزنا عيب في الرقيق يرد به ولذلك حط من قيمته من الأمر ببيعه ~~ولو بحبل، قال أصحابنا: ولو زنا مرة ثم تاب وأصلح وباعه ثبت الرد به لأن ~~تهمة الزنا لا تزول، ولهذا لا يعود إحصان الحر الزاني بالتوبة، ويجب على ~~البائع الإعلام به. وكذا على الأجنبي إذا عرف به أيضا وهذا الاستنباط الذي ~~ذكرته وهو أن الزنا عيب في الرقيق يرد به ثم استشهدت بعد ذلك بالحط من ~~قيمته ذكره النووي في "شرحه" (¬2). # وقال الشيخ تقي الدين (¬3): كذا ذكره بعضهم. وعنى به النووي وفيه نظر، ~~لجواز أن يكون المقصود أن يبيعها، وإن انحطت قيمتها PageV09P166 # إلى الضفير. فيكون ذلك إخبارا متعلقا بحال وجودي، لا إخبارا عن حكم شرعي ~~ولا شك أن من عرف بتكرر زنا الأمة انحطت قيمتها عنده. # الثاني: إن الزاني إذا حد ثم زنى ثانيا يلزمه حد آخر، وهكذا كلما زنى وحد ~~ثم زنى يلزمه حد آخر، فلو زنا مرات ولم يحد لواحد منهن حد حدا واحدا ~~للجميع. ثم حدها إنما يكون بإقرارها أو ببينة أو بعلمه عند من يجوزه. # الثالث: ترك مخالطة الفساق وأهل المعاصي وفراقهم لكنه ذكر الفراق هنا في ~~الرابعة فقد يستنبط منه أن من ارتكب معصية لا يفارق ببيع وهجران ونحوهما ~~إلا بعد تكرر ذلك منه. # الرابع: الأمر ببيع الأمة الزانية، وفي معناها العبد الزاني بعد المرة ~~الثالثة لكن اختلف العلماء فيه هل هو أمر ندب أو إيجاب؟ ذهب الشافعي ~~والجمهور إلى الأول. # وذهب ms1595 داود وأهل الظاهر وأبو ثور [إلى الثاني] (¬1) قال ابن الرفعة في ~~"كفايته" البيع المذكور منسوخ. # الخامس: الأمر بحدها في كل مرة وهو للوجوب وعطف البيع عليه لا ينافيه ~~لأنه قد يعطف غير الواجب على الواجب كقوله تعالى: {كلوا من ثمره إذا أثمر} ~~(¬2)، وقوله: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} (¬3). PageV09P167 # السادس: بيع الشيء الثمين بثمن حقير إذا كان البائع عالما به وهو إجماع، ~~فإن كان جاهلا به فكذلك عند الشافعية وجمهور العلماء، ولأصحاب مالك فيه ~~خلاف. قيل كالأول، وقيل تعتبر بالزيادة على الثلث أو النقص منه، واعترض ~~الشيخ تقي الدين (¬1) على هذا الوجه فقال: ذكر بعضهم أن فيه دلالة على جواز ~~بيع غير المحجور عليه ماله بما لا يتغابن [الناس به] (¬2). # وهذا النظر تعرض له أيضا القاضي (¬3) ثم القرطبي (¬4). # السابع: أن الحد كاف ولا يضم إليه التعزير، فإن في الصحيح أيضا "فليجلدها ~~الحد ولا يثرب عليها" والتثريب: التوبيخ واللوم على المذنب، وأبعد من قال: ~~معناه لا يبالغ في جلدها حتى يدميها. وقال الخطابي (¬5) معناه: لا يقتصر ~~على التثريب. # الثامن: أن السيد يقيم الحد على عبده وأمته وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد ~~والجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. # وقال أبو حنيفة في طائفة: ليس له ذلك وهذا الحديث وغيره صريح في الدلالة ~~للجمهور. PageV09P168 # وحكى القاضي (¬1) الخلاف في إقامة القطع عليه ونقل عن مالك وغيره المنع ~~من القطع والقتل وقصاص الأعضاء مخافة أن يمثل بعبده ويدعي أنه أقام عليه ~~الحد فلا يعتق عليه. # قال مالك: فإن كان لها زوج [أجنبي] (¬2) لم يحدها بل الإمام بخلاف ما إذا ~~كان عبده فإنه يحده (¬3). # التاسع: إنه لا فرق في إيجاب الحد بين أن تكون الأمة أو العبد مزوجين أم ~~لا لإطلاقه -عليه الصلاة والسلام- الجلد من غير تفصيل وهو مذهب جمهور الأمة ~~منهم الأئمة الأربعة. # وقال جماعة من علماء السلف (¬4): لا حد على من لم تكن مزوجة من النساء ~~والعبيد. منهم ابن عباس وطاوس وعطاء وابن جريج وأبو عبيد، وهو مفهوم الآية ~~السالفة، وقد أسلفنا بيانها. ونص هذا ms1596 الحديث يقدم على المفهوم، قال ابن ~~شاهين في "ناسخه ومنسوخه" (¬5): وأحسب هذا الحديث ناسخا لحديث ابن عباس ~~المرفوع "ليس على الأمة حد حتى تحصن" (¬6). مع أنه حديث قد PageV09P169 # علل. وقيل: إنه روي موقوفا على ابن عباس ولا أعلم [أحدا] (¬1) أسنده ~~[وجوده] (¬2) إلا عبد الله بن عمران العابدي. # قلت: لكنه صدوق كما قاله أبو حاتم (¬3) الرازي. # العاشر: قال الشيخ تقي الدين (¬4): قد يقال إن فيه إشارة إلى إعلام ~~البائع المشتري بعيب السلعة، فإنه إنما تنقص قيمتها بالعلم بعيبها، وفيه ~~نظر. ولو لم يعلم لم تنقص. # الحادي عشر: قال وقد يقال أيضا: إن فيه إشارة إلى أن العقوبات إذا لم تفد ~~مقصودها من الزجر لم تفعل، فإن كانت واجبة كالحد، [فلترك] (¬5) الشرط في ~~وجوبها على السيد وهو الملك, لأن أحد الأمرين لازم: إما ترك الحد ولا سبيل ~~إليه لوجوبه. وأما إزالة شرط الوجوب، وهو الملك، فتعين. ولم يقل اتركوها، ~~أو حدوها كلما تكرر فنخرج عن هذه التعزيرات التي لا تفيد لأنها ليست بواجبة ~~الفعل فيمكن تركها. # قلت: قد حكى إمام الحرمين عن المحققين أن المعزر إذا علم أن التأديب لا ~~يحصل إلا بالضرب المبرح لم يكن له الضرب المبرح PageV09P170 # ولا غيره، أما المبرح فلأنه مهلك وليس له الإهلاك وأما غيره فلا فائدة فيه. # قال الرافعي: ويشبه أن يبقى الأمر في حق الإمام على أصل التعزير هل هو ~~واجب عليه إن أوجبناه التحق بالحد وحينئذ يضربه ضربا غير مبرح لضرورة ~~الواجب. PageV09P171 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 367/ 4/ 69 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -[أنه] (¬1) [قال] (¬2): "أتى ~~رجل من المسلمين رسول الله - صلي الله عليه وسلم -وهو في المسجد- فناداه ~~[فقال] (¬3) يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه. فتنحى تلقاء وجهه فقال: يا ~~رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات. فلما شهد على ~~نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فقال: "أبك جنون؟ ~~قال: لا. قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم ~~-: اذهبوا به ms1597 فارجموه" (¬4). # قال ابن شهاب: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع جابر بن عبد الله ~~يقول: "كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى. فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه ~~بالحرة فرجمناه". PageV09P172 # "الرجل" هو ماعز بن مالك. وروى قصته جابر بن سمرة، وعبد الله بن عباس، ~~وأبو سعيد الخدري, وبريدة بن الحصيب الأسلمي. # الكلام عليه من وجوه: # الأول: حديث جابر بن سمرة (¬1) رواه مسلم منفردا به وحديث ابن عباس: ~~أخرجاه (¬2) وحديث أبي سعيد (¬3) وبريدة (¬4) رواهما مسلم منفردا به واتفقا ~~على إخراجه من حديث جابر بن عبد الله (¬5) أحاله مسلم على حديث أبي هريرة. ~~وقال بنحوه. # والبخاري ذكره مطولا ومختصرا. # وفي رواية له فقال له النبي - صلي الله عليه وسلم -: "خيرا وصلى عليه" ثم ~~قال البخاري: لم يقل يونس وابن شريح عن الزهري "وصلى عليه". يعني: إن معمر ~~انفرد بها وقد قيل للبخاري رواه غيره قال: لا. # الثاني: قوله قال ابن شهاب: "فأخبرني أبو سلمة PageV09P173 # بن عبد الرحمن أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "إلى آخره الذي في مسلم ~~قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول: وكذا هو في "صحيح ~~البخاري" في موضعين منه في هذا الباب. # الثالث: في تبيين الأسماء الواقعة فيه. # أما أبو هريرة: فسلف في الطهارة. # وأما ابن شهاب: فتقدم في باب العدة. # وأما أبو سلمة بن عبد الرحمن: فهو أحد الأعلام اسمه عبد الله على الأصح ~~عند أهل النسب كما قاله ابن عبد البر في "الاستغناء" ويقال: إسماعيل ويقال: ~~عوف حكاه [الصريفيني] (¬1) ويقال: لا يعرف له اسم وهو تابعي قرشي وزهري ~~مدني متفق على ثقته وأمانته وفقهه وكثرة حديثه. روى عن أبيه عبد الرحمن بن ~~عوف وخلائق صحابة وتابعين وعنه الشعبي وخلائق، مات بالمدينة سنة أربع ~~وتسعين على أثبت الأقوال ابن اثنين وسبعين سنة. وعده بعضهم من الفقهاء ~~السبعة. # وأما جابر بن عبد الله: فسلف في باب الجنابة. # وأما جابر بن سمرة: فهو أبو عبد الله ويقال أبو خالد وجده عمرو وقيل ~~جنادة ابن جندب ms1598 بن حجر بن رياب بن حبيب بن سواه بن عامر بن صعصعة بن بكر بن ~~هوازن بن منصور بن عكرمة بن صعصعة بن قيس عيلان بن مضر السواى. PageV09P174 # له ولأبيه صحبة، نزل الكوفة وابتنى به دارا في بني سواه وهو ابن أخت سعد ~~بن أبي وقاص فأمه خلدة بن أبي وقاص. روي له عن النبي - صلي الله عليه وسلم ~~- مائة حديث وستة وأربعون حديثا اتفقا على حديثين وانفرد مسلم بمائة وعشرين ~~قاله ابن الجوزي، وقال غيره بستة وعشرين. # روى عنه جماعة من التابعين، قال خليفة: مات سنة ثلاث وسبعين، وقال ابن ~~حبان: مات بالكوفة سنة أربع وسبعين في ولاية بشر بن مروان على العراق وصلى ~~عليه عمرو بن حريث وحديثه عند أهل الكوفة. وقال غيرهم: مات سنة ست وستين ~~أيام المختار. # وأما ماعز بن مالك فهو أسلمي مدني جاء إلى النبي - صلي الله عليه وسلم - ~~تائبا منيبا فرجم رحمه الله. قال -عليه الصلاة والسلام-: "رأيته يتخضخض في ~~أنهار الجنة". # وماعز لقب واسمه عريب وكنيته أبو عبد الله، كتب له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كتابا بإسلام قومه روى عنه ابنه عبد الله حديثا واحدا، قال ابن ~~حبان [لماعز] (¬1) صحبة بلا رواية. وفي [الرواة] (¬2) أيضا آخر يقال له ~~ماعز وسأل النبي - صلي الله عليه وسلم - "أي الأعمال أفضل قال: إيمان ~~بالله" (¬3) روى عنه البصريون ذكره ابن حبان في الصحابة من "تاريخ الثقات". PageV09P175 # فائدة: اسم [المرأة] (¬1) التي زنا بها ماعز فاطمة وقيل: منيرة (¬2) وهي ~~أمة لهزال وكان هزال وصيا على ماعز. # وأما ابن عباس: فسلف التعريف به من باب الاستطابة. # وأما أبو سعيد الخدري: فسلف أيضا في الصلاة. # وأما بريدة بن الحصيب: فهو أبو عبد الله، وقيل: أبو سهل، وقيل: أبو ساسان ~~بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعيد بن رزاح بن عدي ~~بن سهم بن مازن [الأسلمي] (¬3) أسلم قبل بدر ولم يشهدها وهو من المهاجرين. ~~نزل البصرة ثم مرو وقبره بها وشهد خيبر والفتح وكان ms1599 أميرا على ربع أسلم. # روى عنه ابناه عبد الله وسلمان، والشعبي وجماعة. وكان فارسا شجاعا مات ~~سنة ثلاث وستين وقال المقدسي: ابن اثنين أو ثلاث وستين. وهو آخر من مات من ~~الصحابة بخراسان. # روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة حديث وأربعة وستون حديثا، ~~اتفقا على حديث واحد. وانفرد [البخاري] (¬4) بحديثين، [ومسلم] (¬5) بأحد ~~عشر. PageV09P176 # الوجه الرابع في ألفاظه ومعانيه: # قوله: "أتى رجل من المسلمين فقال"، إلى آخره. هذا هو المشهور أنه بدأ ~~بالسؤال وحديث ابن عباس في الصحيح ظاهره أنه -عليه الصلاة والسلام- هو الذي ~~بدأه به. قال القرطبي (¬1): وهذا أحد المواضع الثلاثة المضطربة في حديث ماعز. # وثانيها: في الحفر له وسيأتي. # وثالثها: في الصلاة عليه، وكذا في الاستغفار له، وكلها في الصحيح. # وقوله: "حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات" هو بتخفيف النون، أي: كرره أربع ~~مرات. وقوله: "أبك جنون"؟ إنما قاله تخفيفا لحاله فإن الإنسان غالبا لا ~~يصبر على الإقرار بما يقتضي قتله من غير سؤال مع أن له طريق إلى سقوط الإثم ~~بالتوبة. وهي أستر له أو يبرر واقعته في صورة استفتاء وفعل ما أمر. وفي ~~رواية في الصحيح "أنه -عليه الصلاة والسلام- سأل قومه عنه فقالوا: ما نعلم ~~به بأسا". وهذا مبالغة في تحقيق حاله. [و] (¬2) في صيانة دم المسلم فينبني ~~الأمر عليه لا على مجرد إقراره بعدم الجنون فإنه لو كان مجنونا لم يفد. # قوله: "إنه ليس به جنون". لأن إقرار المجنون غير معتبر فهذا هو الحكمة في ~~سؤاله عن ذلك. وقال القرطبي (¬3): في "مفهمه" إنما قاله لما ظهر عليه من ~~الحال التي تشبه حال الجنون وذلك أنه PageV09P177 # دخل إلى] (¬1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منتفش الشعر، ليس [عليه] ~~(¬2) رداء، يقول: [زنيت فطهرني كما قد] (¬3) صح في الرواية, أي: في "صحيح ~~مسلم" من حديث جابر بن سمرة. # ومعنى "أحصنت" تزوجت، وإنما سأله عن الإحصان لتردد حد الزاني بين الجلد ~~والرجم ولا يمكن الإقدام على أحدهما إلا بعد تبيين سببه. # "وأذلقته" بالذال المعجمة وبالقاف أصابته بحدها. ms1600 قاله النووي في "شرحه" ~~(¬4). وكذا ذكره القرطبي في "مفهمه" (¬5) قال: وذلق كل شيء: حده. ومنه: ~~لسان ذلق. وقال الشيخ تقي الدين (¬6): بلغت منه الجهد، قال وقيل: عضته، ~~وأوجعته، [وعقرته] (¬7). وفي "الصحاح" (¬8) الذلق بالتحريك القلق، وقد ذلق ~~بالكسر وأذلقته أنا فعلى هذا معنى أذلقته: أقلقته. # و"المصلى" هنا مصلى الجنائز ويؤيده الرواية الأخرى، وفي الصحيح "في بقيع ~~الغرقد" وهو مصلى الجنائز بالمدينة. PageV09P178 # و"الحرة": تقدم بيانها في الصيام. # الوجه الخامس: في أحكامه: # الأول: جواز الإقرار بالزنا عند الأئمة لإقامة الحد عليه. # الثاني: أن الحدود إذا وصلت إلى الإمام يقيمها ولا يهملها. # الثالث: جواز الإقرار بالحقوق عند الحكام في المساجد. # الرابع: نداء الكبار من العلماء وأهل الدين بأعلى نعوتهم [التي شرفهم ~~الله تعالى بها، فإنه نادى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بيا رسول وهي ~~أعظم نعوتة] (¬1). # الخامس: إعراض الإمام عن من أقر بما يوجب عليه حدا ليرجع عن إقراره أو ~~يثبت عليه. # السادس: أن الإمام يسأل عن شروط الرجم من الإحصان وغيره سواء ثبت ~~بالإقرار أم بالبينة لترتيب الحكم عليه. # السابع: أن إقرار المجنون باطل فإن الحدود لا تجب عليه، وأنه يحتاط ~~للدماء أكثر من غيرها وكل ذلك إجماع. # الثامن: التعريض للمقر بالزنا بأن يرجع ويقبل رجوعه بلا خلاف. # التاسع: اعتبار الإقرار بالزنا أربع مرات وهو مذهب أبي حنيفة والكوفيين ~~وأحمد قالوا: لأنه -عليه الصلاة والسلام- إنما أخر تمام الحد إلى تمام ~~الأربع مرات لكونه لم يجب قبل ذلك لأنه لو وجب PageV09P179 # قبله لما أخره فدل على أنه لا يجب إلا بعدها ويقوى ذلك بقول الراوي: ~~"فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه -عليه الصلاة والسلام-" إلى آخره، ~~ففيه إشعار بأن الشهادة أربعا هي العلة في الحكم وقاسوه على شهود الزنا. # وخالف في ذلك مالك والشافعي ومن وافقهما فقالوا: لا يعتبر تكرره بل يثبت ~~مرة واحدة ويرجمه قياسا على سائر الحقوق. وبأنهم رووا أن تأخير الحد إلى ~~تمام الإقرار أربعا ليس للوجوب كما ذكره الأولون بل للاستثبات والتحقيق ~~لوجوب السبب لأن مبنى الحد على ms1601 الاحتياط في درئه بالشبهات. # واحتجوا أيضا بالحديث السالف: "واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت ~~فارجمها" فلم يشترط عدد. وحديث الغامدية في "صحيح مسلم" (¬1) ليس فيه أيضا ~~إقرارها أربع مرات ولأنه اعتراف بما يوجب القتل فلا يشترط فيه التكرار ~~قياسا على شهود الاعتراف بالقتل فإنه لا خلاف كما قال القاضي عياض أن ~~الاعتراف بالقتل لا يعتبر فيه التكرار كالشهادة، فكذا في الرجم، ولا يحسن ~~قياسهم الإقرار على الشهادة لأن إقرار الفاسق على نفسه مقبول بخلاف شهادته. # واشترط ابن أبي ليلى وغيره من العلماء إقراره أربع مرات في أربع مجالس. ~~ونقل القرطبي (¬2) هذا عن أصحاب الرأي، ونقل عن ابن أبي ليلى وأحمد اشتراط ~~كونها في مجلس واحد، وما قدمناه PageV09P180 # أولا هو ما حكاه النووي (¬1). # العاشر: تفويض الإمام الرجم إلى غيره. فإن قوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"اذهبوا به فارجموه" يشعر بعدم حضوره إياه. قال العلماء: لا يستوفي الحد ~~إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام. # واستحب الفقهاء: أن يبدأ الإمام بالرجم إذا ثبت الزنا بالإقرار ويبدأ ~~الشهود به إذا ثبت بالبينة. وكأن الإمام لما كان عليه التثبت والاحتياط قيل ~~له أبدأ، ليكون ذلك زاجرا عن التساهل في الحكم بالحدود، داعيا إلى غاية ~~التثبت. وبدأة الشهود لأن قتله بقولهم (¬2). # الحادي عشر: عدم الحفر للمرجوم فإنه هرب لما أذلقته الحجارة، فلو حفر له ~~ما تمكن منه. ويؤيده رواية أبي سعيد في صحيح مسلم "فما أوثقناه ولا حفرنا ~~له" نعم فيه أيضا من حديث بريدة "فلما كان الرابعة حفر له حفرة". # واختلف العلماء في الحفر للمرجوم على أقوال: # أحدها: لا يحفر له وكذا للمرأة أيضا، قاله مالك وأحمد وأبو حنيفة في ~~المشهور عنهم. # ثانيها: يحفر لها، قاله قتادة وأبو داود وأبو يوسف وأبو حنيفة في رواية عنه. # ثالثها: يحفر لمن يرجم بالبينة لا لمن يرجم بالإقرار، قاله بعض المالكية. PageV09P181 # رابعها: لا يحفر للرجل مطلقا سواء ثبت بالبينة أم بالإقرار، قاله ~~أصحابنا. # حكوا في المرأة ثلاثة أوجه: # أحدها: يستحب الحفر لها إلى صدرها ليكون أستر ms1602 لها. # ثانيها: لا يستحب ولا يكره بل هو إلى خيرة الإمام. وأصحها: إن ثبت زناها ~~بالبينة استحب، وإن ثبت بالإقرار فلا لتمكينها من الهرب إذا رجمت، فمن قال: ~~بالحفر احتج بأنه حفر للغامدية وكذا لماعز في رواية أسلفناها. # وأجاب عن الرواية الأخرى في ماعز أنه لم يحفر له، أن المراد حفيرة عظيمة ~~كما يحفر للمرأة. # ومن قال: لا يحفر احتج بالحديث الآتي فإن فيه إن "الرجل يجنأ على المرأة ~~يقيها الحجارة" ولو حفر لهما لم يجنأ عليها. وبالرواية الأخرى في قصة ماعز ~~لكنها معارضة بالرواية الأخرى وبحديث الغامدية، ومن قال بالتخيير فهو ظاهر ~~ومن فرق بين الرجل والمرأة حمل الحفر لماعز في إحدى الروايتين عنه على ~~الجواز. # الثاني عشر: أن الزاني المحصن إذا أقر بالزنا وشرع في رجمه وهرب ترك ولا ~~يتبع لقيام الحد عليه، وهي مسألة خلافية. وممن قال بذلك الشافعي وأحمد ~~قالا: ويقال له بعد ذلك فإن رجع عن الإقرار ترك وإن أعاد رجم. # وقال مالك: في رواية وغيره يتبع ويرجم. PageV09P182 # وقال بعض أصحاب مالك: إن وجد على الفور كمل رجمه، وإن وجد بعد زمان ترك ~~حكاه القرطبي (¬1) وحكي عن أشهب عن مالك: أنه إن جاء بعذر قبل منه وإلا فلا. # واحتج الشافعي ومن وافقه: بما جاء في "سنن أبي داود" و"صحيح الحاكم" من ~~حديث نعيم بن يزيد بن هزال عن أبيه أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "هلا ~~تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه" (¬2). # واحتج الآخرون: بأنه -عليه الصلاة والسلام- لم يلزمهم ديته مع أنهم قتلوه ~~بعد هربه. # وأجاب الأولون: عن هذا بأنه لم يصرح بالرجوع، قالوا: وإنما قلنا لا يتبع ~~في هربه لعله يريد الرجوع ولم يقل إنه يسقط الرجم بمجرد الهرب (¬3). # الثالث عشر: أنه يكفي الرجم ولا يجلد. وقد سلف الخلاف فيه. # الرابع عشر: أن مصلى الجنائز والأعياد إذا لم يكن وقف مسجدا لا يثبت له ~~حكم المسجد، إذ لو كان له حكمه لجنب الرجم فيه وتلطيخه بالدماء والميتة. PageV09P183 # وذكر الدارمي من أصحابنا أن المصلى الذي للعيد وغيره ms1603 إذا لم يكن مسجدا هل ~~يثبت له حكم المسجد؟ على وجهين والأصح المنع. PageV09P184 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 368/ 5/ 69 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-[أنه قال] (¬1): "إن ~~اليهود جاؤوا إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فذكروا له: أن امرأة ~~منهم ورجلا زنيا. فقال لهم رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "ما ترون في ~~التوراة، في شأن الرجم؟ فقالوا نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: ~~كذبتم [إن] (¬2) فيها [آية] (¬3) الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع ~~أحدهم يده على آية الرجم. فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن ~~سلام: ارفع يدك. فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقال [صدقت] (¬4) يا محمد ~~فأمر بهما النبي - صلي الله عليه وسلم - فرجما، قال: فرأيت الرجل يجنأ على ~~المرأة يقيها الحجارة (¬5) " (¬6). PageV09P185 # الذي وضع يده على آية الرجم: عبد الله بن صوريا. # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الحديث بهذه السياقه للبخاري ولمسلم معناه. # ثانيها: في الأسماء الواقعة فيه. # أما راويه فسلف في باب الاستطابة. # وأما عبد الله بن سلام: فهو أبو يوسف عبد الله بن سلام بتخفيف اللام ابن ~~الحارث الخزرجي الإسرائيلي حليف بني عوف من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحق بن ~~إبراهيم خليل الرحمن. وكان اسمه في الجاهلية الحصين فسماه النبي - صلي الله ~~عليه وسلم - عبد الله. # روى عنه ابنه يوسف وأبو هريرة وأنس وغيرهم وكان من علماء الصحابة وعالم ~~أهل الكتاب وفاضلهم في زمانه بالمدينة، أسلم وقت مقدم النبي - صلي الله ~~عليه وسلم - المدينة. # قال عبد الله بن سلام خرجت في جماعة من أهل المدينة لينظروا إلى رسول ~~الله - صلي الله عليه وسلم - حين دخوله المدينة فنظرت إليه وتأملت وجهه ~~فعلمت أنه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته منه: "يا أيها الناس أفشوا ~~السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا ~~الجنة بسلام". شهد له - صلى الله عليه وسلم - بالجنة، ففي الترمذي من حديث ~~معاذ بن جبل أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "إنه عاشر عشرة في الجنة" ms1604 ثم ~~قال حسن غريب. قال ابن عبد البر حديث حسن الإسناد صحيح. وصح من حديث سعد بن ~~أبي وقاص قال ما سمعت رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يقول لأحد يمشي على ~~الأرض إنه من PageV09P186 # أهل الجنة إلا له. قال ابن عبد البر: وهو حديث صحيح ثابت لا مقال فيه ~~لأحد، وفيه نزلت: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين (10)} (¬1). # وأنكر ذلك بعض المفسرين مستندا إلى أن كل واحد من سورتي الرعد والأحقاف ~~مكية وإسلام عبد الله بن سلام كان بعد ذلك بالمدينة، لكن وإن كانت السورتان ~~مكيتان فقد شهد لمعنى الآيتين في الرعد والأحقاف بالاعتبار قوله تعالى: ~~{فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} (¬2). وقد تكون السورة مكية وفيها ~~آيات مدنية كالأنعام وغيرها. # شهد مع عمر -رضي الله عنهما- فتح بيت المقدس والجابية, والعجب من كونه لم ~~يشهد بدرا فإنه أسلم مقدم النبي - صلي الله عليه وسلم - المدينة كما سلف. ~~روي له عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - خمسة وعشرون حديثا اتفقا على ~~حديث واحد. وللبخاري حديث آخر. مات بالاتفاق سنة ثلاث وأربعين في ولاية ~~معاوية بالمدينة. # وأما عبد الله بن صوريا: فكان أعور. وقال ابن المنذر (¬3) إنه ابن صوريا ~~بضم الصاد المهملة وسكون الواو وفتح الراء المهملة. وقيده بعضهم بكسرها. # الوجه الثالث: في بيان المبهم الواقع فيه. PageV09P187 # أما الرجل الزاني من اليهود: فلا يحضرني اسمه. # وأما المرأة: فاسمها بسرة فيما حكاه السهيلي (¬1) عن بعض أهل العلم. # وقوله: "قال فرأيت الرجل" هو ابن عمر الراوي. # الوجه الرابع: في ألفاظه ومعانيه: # معنى "يفضحونهم" تكشف مساويهم. رويت على أوجه في "صحيح البخارى" وغيره ~~وليست في "مسلم". # أحدها: "يجنأ" بفتح الياء المثناة تحت ثم جيم ساكنة ثم نون مفتوحة وهمزة، ~~يقال: جنا الرجل على االشيء وجانا عليه ويجانا إذا أكب عليه. وهذه الرواية ~~هي المشهورة. # ثانيها: "يجنى" بضم أوله ثم جيم ساكنة ثم نون مكسورة ثم ياء وعليها اقتصر ~~الهروي في "غريبه" (¬2) فقال يجنى عليها، ms1605 أي: يكب يقال: أجنا عليها يجني ~~أجنا إذا أكب عليه يقيه شيئا. قال: وفي حديث آخر "فلقد رأيته جانى عليها ~~يقيها الحجارة بنفسه". # وتبعه ابن الجوزي في "غريبه" (¬3) فقال: ومن خطه نقلت بعد أن ذكره في باب ~~الجيم: [يجنا] (¬4) وفي لفظ: يجانىء. والمعنى: يكب عليها. # ثالثها: يجانى عليها مفاعلة من جانا يجانى عليها. PageV09P188 # رابعها: يحنى بفتح أوله وسكون ثانيه مهملا، أي: يكب عليها، حكاها صاحب ~~المطالع قال أبو عمر (¬1): هي أكثر الروايات عن شيوخنا عن يحيى، وكذا رواه ~~ابن قعنب وابن بكير. # خامسها: يجبأ بفتح أوله وإسكان ثانيه معجما ثم باء موحدة وهمزة، أي: ركع ~~عليها حكاه صاحب "المطالع". # سادسها: يحنى بضم أوله وسكونه ثانية مهملا مهموز. وقال صاحب "المطالع": ~~كذا قيدناه في "الموطأ" من طريق الأصيلي. وجاء للأصيلي "فرأيته أجنا" ~~بالجيم مهموز وهو عند أبي ذر "أجنأ". وروي في غير "البخاري" و"الموطأ" ~~يجنوا، قال: والصحيح من هذا كله ما قاله أبو عبيد يجنا. ومعناه: يجنى عليها ~~يقيها الحجارة بنفسه، يقال: من ذلك جنا يجنا قاله صاحب "الأفعال". # وقال الزبيدي (¬2): حنى بكسر النون في الماضي [يحنو] (¬3) ويحني تعطف ~~عليها. يقال: حنى يحني ويحنو ويكون أيضا يحنى عليها ظهره فيكون بمعنى ما ~~قاله أبو عبيد (¬4) وكذلك قول من قال يحني يخرج على معنى يكلف ذلك ظهره ~~ويفعله حتى يحنأ بعده حنأ PageV09P189 # الرجل يحنأ إذا صار كذلك. قال الأصمعي: أحنأت الترس جعلته يحنأ، أي: ~~محدودبا وهذا مثله. ورجح القرطبي أيضا في "مفهمه" (¬1) رواية الحاء المهملة ~~فقال: رويناه في "الموطأ" بباء مفتوحة وبحاء مهملة من الحنو وهو الصواب، ~~ورويناه يجنى بالجيم من غير همز وليس بصواب. وحكى بعض أصحابنا: أن صوابهما ~~يجبأ بفتح الباء والجيم وحكاها عن أبي عبيد (¬2) وأظنه القاسم بن سلام. ~~والذي رأيته في "الغريبين" لأبي عبيد الهروي يجنى ثم ساق ما أسلفناه عنه ~~قال: وفي "الصحاح" (¬3) حنأ الرجل على الشيء وحانا عليه ويحانأ إذا أكب ~~عليه ورجل أحنأ بين الحنأ، أي: أحدب الظهر والمجنأ بالضم الترس. وتحصل من ~~مجموع حكاية ms1606 أبي عبيد وصاحب "الصحاح" أنه يقال جنأ مهموز ثلاثيا ورباعيا. ~~واقتصر الشيخ تقي الدين في "شرحه" (¬4) على روايتين مما ذكرناه فقال: الجيد ~~في الرواية يجنأ بفتح الياء وسكون الجيم وفتح النون والهمزة من الجنى. قال ~~الشاعر (¬5): # وبدلتني بالشطاط الجنى ... وكنت كالصعدة تحت السنان # قال: وفي كلام بعضهم ما يشعر بأن اللفظة بالحاء، يقال: حنا PageV09P190 # الرجل يحنو [حنوا] (¬1) إذا كب على الشيء، قال الشاعر (¬2): # [أغاضر] (¬3) لو شهدت غداة بنتم: ... [حنوا] (¬4) [العائدات] (¬5) على وسادي # في أحكامه: # الوجه الخامس: # [الأول] (¬6) أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع وهو الصحيح كما أسلفته في ~~الزكاة في الكلام على حديث ابن عباس. # الثاني: أن الكفار إذا تحاكموا إلينا يحكم بينهم بحكم شرعنا لأنه -عليه ~~الصلاة والسلام- رجمهما. # وقد اختلف العلماء في أن الإسلام هل هو شرط في الإحصان أم لا على قولين: # أحدهما: لا، وهو قول الشافعي وأصحابه فإذا حكم الحاكم على الذمي المحصن ~~رجمه. PageV09P191 # وثانيهما: نعم وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك: لا يصح إحصانه أيضا. # واستدل الشافعية بهذا الحديث فإنه -عليه الصلاة والسلام- رجمهما. # واعتذر الحنفية عنه بأن قالوا: رجمهما بحكم التوراة فإنه -عليه الصلاة ~~والسلام- سألهم عن ذلك عند قدومه المدينة. وادعوا أن آية حد الزنا نزلت بعد ~~ذلك فكان ذلك الحديث منسوخا. وهذا الذي ذكروه من ادعاء النسخ يحتاج فيه إلى ~~تحقيق التاريخ. # وادعى [مالك: أن] (¬1) رجمهما لكونهما ليسا أهل ذمة. قال النووي (¬2) وهو ~~باطل لأنهما كانا من أهل العهد ولأنه رجم المرأة والنساء لا يجوز قتلهن مطلقا. # قلت: اعتذروا عن هذا بأنه لعله كان قبل النهي عن قتل النساء، وضعفه ظاهر أيضا. # وسؤاله -عليه الصلاة والسلام- اليهود بحضور ابن سلام ليس ليعرف الحكم ~~منهم ولا لتقليدهم وإنما هو لإلزامهم لما يعتقدونه في كتابهم الموافق لحكم ~~الإسلام ترتيبا للحجة عليهم وإظهارا لما كتموه وبدلوه منه إما بوحي من الله ~~تعالى إليه في أنه موجود فيما بأيديهم من التوراة لم يغير كما غيرت أشياء، ~~وإما بإخبار من أسلم منهم ولهذا PageV09P192 # لم يخف عليه - صلى الله عليه وسلم - حين كتموه ms1607 (¬1). # قال بعضهم: ويحتمل أن يكون سؤاله استخبارا عما عندهم ثم يستعلم صحته من ~~قبل الله ويكون حكمه إنما في التوراة لرضاهم به وأنه شرع لنا بأن شرعنا ~~قرره ولم ينسخه. وقد قيل: إن هذا كان خاصا به إذ لا نصل نحن إلى معرفة ما ~~أنزل إليهم، وللإجماع أن أحدا لم يعمل به بعده ولقوله تعالى: {يحكم بها ~~النبيون} (¬2). # الثالث: وجوب إقامة حد الزنا على الكافر والصحيح عند الشافعي، وجوب الحكم ~~بينهم إذا ترافعوا إلينا. وفي "سنن أبي داود" آخر الحديث إنه -عليه الصلاة ~~والسلام- خير في ذلك قال: "فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم". وحكى ~~القرطبي (¬3) عن الشافعي أنه لا يحكم بينهم في الحدود، ثم شرع يرده وهذه ~~طريقة في مذهبه، والصحيح أنه يحكم بينهم فيها أيضا. # الرابع: أنه يصح نكاحه لأنه لا رجم إلا على محصن، فلو لم يصح لم يثبت ~~إحصانه ولم يرجم. # الخامس: علو الإسلام على غيره من الأديان لرجوعه إليه في وقائعهم ~~ومحاكماتهم. # السادس: أنه لا يحفر للرجل ولا للمرأة، لأنه لو حفر لهما لم يجنأ عليها ~~يقيها الحجارة، وقد سلف ما فيه. PageV09P193 # وفي الحديث أيضا منقبة ظاهرة لعبد الله بن سلام وحث على إظهار العلم ~~وبيانه وتحريم كتمانه وتوبيخ مبدله ومحرفه والرجوع إلى النصوص وإقامة ~~الدليل على الخصم من قبل نفسه والمبادرة إلى قبول الحق وتصديقه وجواز كلام ~~بعض حاضري المجلس في أثناء كلام الحاكم، وإن لم يستدعه منه إذا ترتب عليه ~~فائدة شرعية يفحم بها من كذب. # خاتمة: الظاهر أن رجم اليهوديين إنما كان بإقرارهما، نعم جاء في "سنن أبي ~~داود" (¬1) وغيره أنه شهد عليهما أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها"، فإن صح ~~هذا فإن كان الشهود مسلمين فلا إشكال (¬2)، وإن كانوا كفارا فلا اعتبار ~~بشهادتهم ويتعين أنهما أقرا بالزنا، إلا أن يدعى خصوص ذلك بتلك الواقعة أو ~~أنه -عليه الصلاة والسلام- نفذ عليهم بما علم أنه حكم التوراة إلزاما للحجة عليهم. # على أنه روي عن الإمام أحمد أن شهادتهم على بعضهم مقبولة وقبل شهادتهم ms1608 ~~جماعة من التابعين وأهل الظاهر عند فقد المسلم. # وعن أحمد قبولها على المسلمين في السفر عند فقدهم. PageV09P194 # خاتمة: في "سنن أبي داود" (¬1) من حديث أبي هريرة أن اليهود أتوه في ~~المسجد -عليه أفضل الصلاة والسلام-، وأنه بعد ذلك مشى معهم إلى بيت ~~المدراس. ثم ساق أبو داود الحديث سياقة حسنة، وذكر فيها سبب تركهم الرجم ~~وأن الزهري قال فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: {إنا أنزلنا التوراة فيها ~~هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا}. كان النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- منهم. # وفي "صحيح مسلم" (¬2) من حديث البراء بن عازب أنه لما رجم اليهودي ~~المجلود أنزل الله: {ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر}. إلى ~~قوله: {إن أوتيتم هذا فخذوه} (¬3). يقول: ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحمم ~~والجلد فخذوه. وإن أفتى بالرجم فاحذروا، فأنزل الله: {ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون (44)}، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون (45)}، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (47)} ~~(¬4). PageV09P195 ### ||| AUTO الحديث السادس # 369/ 6/ 69 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم - قال: "لو أن (¬1) امرأ اطلع عليك بغير [إذنك] (¬2) فحذفته ~~بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك جناح" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث أدخله المصنف في الحدود وهو مما زاده على "العمدة ~~الكبرى". وكأنها مناسبة أن الشارع جعل مقابلة نظره إلى الشخص من صير الباب ~~رميه بالحصا كما جعل مقابلة الزنا الجلد أو الرجم وغير ذلك. # الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام- "فحذفته" هو بالخاء المعجمة، كما ~~قيده النووي في "شرح مسلم" (¬4)، أي: والذال PageV09P196 # المعجمة. قال: أي: رميته بها من بين اصبعيك. # قال: "ففقأت" مهموز. وقال "صاحب المطالع" [. .] (¬1) [أيضا] (¬2) ~~[الأصوب] (¬3) أنه بالمعجمة. قال: وهو الرمي بحصى أو نوى بين سبابتيه أو ~~بين الإبهام وبالسبابة، وكذا قال القرطبي في "مفهمه" (¬4) [الرواية] (¬5) ~~الصحيحة بالخاء المعجمة. قال: ومن رواها بالحاء المهملة فقد أخطأ فإن الخذف ~~بالخاء بالحجر وبالمهملة بالعصا. # قال: "والجناح" الإثم، والمؤاخذة. # الثالث في فقهه: ms1609 أخذ الشافعي وغيره بظاهره وحكمته الاحتياط للحريم ~~والعورات بالستر وعدم الاطلاع عليها. # وأباه المالكية وقالوا: لا يقصد عينه ولا غيرها، وأكثرهم على وجوب الضمان ~~إن فعل وهو مخالف للحديث. ومما قيل في تعليل المنع أن المعصية لا تدفع ~~بالمعصية وهو ضعيف جدا لأنه يمنع كونها معصية في هذه الحالة ويلحق ذلك بدفع ~~الصائل وإن أريد بكونها معصية النظر إلى ذاتها مع قطع النظر عن هذا السبب ~~فهو صحيح لكنه لا يفيد. PageV09P197 # وقالوا: في تعليل عدم الضمان إنا أجمعنا على أن النظر إلى عورة غيره لا ~~يبح فقىء عينه ولا يسقط عنه ضمانها فالنظر إلى الإنسان في بيته أولى ~~والحديث محمول على أنه رماه [ليشهد] (¬1) على أنه نظر [إليه] (¬2) ليدفعه ~~عن ذلك غير قاصد لفقىء عينه فانتفى عنه الإثم لذلك وهو المنفي في الحديث ~~[والدية لا ذكر لها] (¬3) وهذا عجيب منهم. # ففي "مسند أحمد" و"سنن النسائي" والبيهقي و"صحيح أبو حاتم بن حبان" من ~~حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قال: ~~"من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقأوا عينيه فلا دية له ولا قصاص" (¬4). ~~قال البيهقي في"خلافياته" (¬5) إن إسناده صحيح ورواه أبو داود (¬6) بلفظ ~~"فقد هدرت عينيه" وهي صحيحة على شرط مسلم كما قاله الشيخ تقي الدين في ~~"اقتراحه" (¬7). وفي رواية للبيهقي (¬8) من رواية ابن عمر ما كان عليه فيه ~~شيء وأنصف PageV09P198 # القرطبي المالكي فقال في "مفهمه" (¬1): ظاهر الحديث مع الشافعي وأيضا ~~[فقد] (¬2) رام - صلى الله عليه وسلم -[أن] (¬3) يطعن بالمدرى (¬4) عين من ~~أراد أن يطلع من جحر في باب بيته وقال: لو أعلم أنك تطلع لطعنت به في ~~عينيك" (¬5). وما كان -عليه الصلاة والسلام- بالذي يريد أن يفعل ما لا ~~يجوز، أو ما يؤدي إلى دية، قال: وحملهم الحديث على رفع الإثم تحريف وتبديل ~~بلا تأويل ولا قياس مع النصوص. وتوقف (¬6) أيضا في نقلهم الإجماع في مسألة ~~العورة فإن الحديث يتناول كل مطلع كيفما كان، ومن أي جهة كان. بل هو أولى ~~من الاطلاع ms1610 في البيت لأن الاطلاع فيه مظنة الاطلاع على العورة، فنفس ~~الاطلاع عليها أحرى وأولى. # إذا تقرر لك ذلك فقد تصرف الفقهاء في هذا الحكم، بأنواع من التصرفات. # منها: أن لا فرق بين أن يكون هذا الناظر واقفا في الشارع PageV09P199 # أو في خالص [ملك] (¬1) المنظور إليه، أو في سكة منسدة الأسفل؛ إذ ليس ~~للواقف في ملكه مد النظر إلى حرم الناس، ولأصحابنا وجه ضعيف أنه لا يقصد ~~إلا عين من وقف في ملك المنظور إليه. # ومنها: أنه يجوز رميه قبل نهيه وإنذاره لإطلاق الحديث وهو الأصح عند ~~أصحابنا ولأنه -عليه الصلاة والسلام- كان يخايل الناظر ليرمي منه بالمدرى. # وقيل: لابد من نهيه وإنذاره قبله وهو قياس الدفع في البدأة بالأهون ~~فالأهون. # ومنها: أنه لا يلحق غير النظر به كالسمع وهو الأصح عند أصحابنا لأن السمع ~~ليس كالبصر في الاطلاع على العورات. # ومنها: أن لا يرمى الناظر إلا بشيء خفيف كحصاة وبندقة وفي الحديث إشعار ~~به لقوله: فحذفه. وهو لا يكون إلا بخفيف فلو رماه بثقيل أو رشقه بنشابه ~~فإنه يتعلق به القصاص أو الدية وفيه وجه بعيد غريب أنه لا ضمان. ولو لم ~~يندفع بالخفيف استغاث عليه ودفعه بما أمكنه. # ومنها: أن الناظر لو كان له في الدار محرم أو زوجة أو متاع لم يجز قصد ~~عينه [لأن له شبهة في النظر، وقيل: لا يكفي أن يكون له في الدار محرم، بل ~~لا يمنع قصد عينه] (¬2) إلا إذا لم يكن في الدار إلا محارمه. ولو كان ~~الناظر محرما لحرم صاحب الدار فلا يرمى إلا PageV09P200 # أن تكون متجردة. وعن البندنيجي أنه يقال له: انصرف فإن هناك عورة مكشوفة ~~فإن أصر جاز رميه. # ومنها: أنه إذا لم يكن في الدار إلا صاحبها فله الرمي، إن كان مكشوف ~~العورة ولا ضمان، وإلا فوجهان. # أصحهما: لا يجوز رميه. # والثاني: يجوز لأن من الأحوال ما يكره الاطلاع عليه. # ومنها: إن الحرم إذا كن في الدار مستترات، أو بيت. فقيل: لا يجوز قصد ~~عينيه لعدم الاطلاع على شيء. ms1611 # والأصح: الجواز، لإطلاق الأحاديث، ولأنه لا تنضبط أوقات الستر والتكشف، ~~فالاحتياط حسم الباب. # ومنها: اشتراط عدم تقصير صاحب الدار في كف نظر الناظر فإن جعل بابه ~~مفتوحا أو كانت كوة واسعة في الدار أو ثلمة في الجدار لم يسدها، فإن كان ~~الناظر مجتازا لم يجز قصده. # وإن وقف وتعمد، فقيل: يجوز قصده لتعديه النظر، # والأصح: المنع لتفريط صاحب الدار. وأجرى هذا الخلاف فيما إذا نظر من سطح ~~نفسه أو نظر المؤذن من المنارة، لكن الأظهر هنا جواز قصده أو لا تفريط من ~~صاحب الدار وبقيت صور أخرى محل الخوض فيها كتب الفروع وقد بسطناها فيها ~~ولله الحمد. # قال الشيح تقي الدين (¬1): وهذه التصرفات الفقهية إن كانت PageV09P201 # داخلة تحت إطلاق الأخبار فهي مأخوذة منها، وما لا فبعضه مأخوذ من فهم ~~المعنى المقصود بالأحاديث. وبعضه مأخوذ بالقياس، وهو قليل فيما ذكرناه. ومن ~~تراجم البخاري على هذا الحديث "من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان" (¬1). # قلت: ومن أحكامه حرمة النظر إلى بيت الغير بغير إذنه وإلى الأجانب. PageV09P202 ### || CHECK 70 - باب [حد] السرقة # 70 - باب [حد] (¬1) السرقة # [السرقة] (¬2) بفتح السين وكسر الراء ويجوز إسكان الراء مع فتح السين ~~وكسرها، وهي أخذ مال الغير خفية وإخراجه من حرزه، مأخوذ من المسارقة، ~~ويقال: الذي يسرق الإبل خاصة الحارث وفي مكياله المطفف وفي ميزانه المخسر ~~ذكر ذلك ابن خالويه في كتاب "ليس" (¬3) وعدد أنواعا أخر كثيرة. # واعلم أن الله صان الأموال بإيجاب القطع على سارقها حرمة لها ولم يجعل ~~ذلك في غير السرقة كالاختلاس والانتهاب والغصب لأن ذلك قليل بالنسبة إليها ~~ولأنه يمكن استرجاع ذلك باستدعاء إلى ولاة الأمور ويسهل إقامة البينة عليه ~~بخلاف السرقة فإنه يندر إقامة البينة عليها [لعظم] (¬4) أمرها واشتدت ~~عقوبتها لتكون أبلغ في الزجر عنها. PageV09P203 # ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع فيها بقدر ما يقطع فيه حماية ~~للعضو أيضا وصيانة له فلما هانت بالمخالفة هانت. # وقد أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة وإن اختلفوا في تفصيله وذكر ~~المصنف -رحمه الله- في الباب ms1612 ثلاثة أحاديث: PageV09P204 ### ||| AUTO الحديث الأول # 370/ 1/ 70 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي - صلي الله ~~عليه وسلم - "قطع في مجن قيمته". # وفي لفظ: ثمنه ثلاثة دراهم (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: "المجن" بكسر الميم وفتح الجيم وبالنون الترس مفعل من معنى ~~الاجتنان وهو الاستتار والاختفاء ونحو ذلك، ومنه الجن. وكسرت ميمه لأنه آلة ~~في الاجتنان، كأن صاحبه يستتر به عما يحاذره [قال الشاعر: # فكان] (¬2) جني دون [من] (¬3) كنت أتقى PageV09P205 # ثلاث شخوص: كاعبان ومعصر (¬1) # الثاني: "القيمة" و"الثمن" مختلفان في الحقيقة والمعتبر القيمة وذكر ~~الثمن، إما لتساويهما في ذلك الوقت أو في ظن الراوي أو باعتبار الغلبة وإلا ~~فلو اختلفت القيمة والثمن الذي اشتراه به مالكه لم تعتبر إلا القيمة. # الثالثة: اختلف العلماء في النصاب في السرقة، أصلا وقدرا. # أما الأصل: فجمهورهم على اعتبار النصاب، وشذ أهل الظاهر فلم يعتبروه، ولم ~~يفرقوا بين القليل والكثير، وقالوا: بالقطع فيهما. وحكي أيضا عن ابن بنت ~~الشافعي والحسن والخوارج لعموم الآية ولم يخصوه بالأحاديث الصحيحة المفسرة ~~لها نعم الاستدلال لاشتراطه بهذا الحديث فيه ضعف، فإنه حكاية فعل، لا يلزم ~~من القطع في هذا المقدار فعلا عدم القطع فيما دونه نطقا. # وأما المقدار: ففيه [ثمانية] (¬2) أقوال: # أحدها: ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار سواء كانت قيمته ثلاثة دراهم أم ~~أكثر أم أقل ولا يقطع في أقل منه وهو قول كثير من العلماء من الصحابة ~~والتابعين فمن بعدهم أو الأكثرين منهم عائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي ~~والليث والشافعي وأبو ثور وإسحاق وروي PageV09P206 # عن داود أيضا ودليلهم حديث عائشة الآتي ويقوم ما عدا الذهب بالذهب. # ثانيها: عشرة دراهم، قاله أبو حنيفة ويقوم ما عدا الفضة بالفضة وفيه ~~رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده مرفوعا "لا تقطع اليد إلا في عشرة ~~دراهم" (¬1) لكنه ضعيف جدا واختلف عنه في الدينار إذا لم يبلغ عشرة دراهم ~~هل يعتبر بنفسه أو صرفه. # ثالثها: ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم أو ما قيمة أحدهما ولا قطع ms1613 ~~فيما دون ذلك، قاله مالك وأحمد وإسحاق في رواية قال الشافعي وحديث عائشة ~~الآتي لا يخالف حديث ابن عمر هذا فإن الدينار كان اثني عشر درهما وربعه ~~ثلاثة دراهم أعني صرفه ولهذا قومت الدية باثني عشر ألفا من الورق وألف ~~دينار من الذهب وهذا الحديث يستدل به لمذهب مالك في أن الفضة أصل في ~~التقويم دون الذهب فإن [المسروق] (¬2) لما كان غيرهما، وقوم بالفضة دون ~~الذهب دل على أنها أصل في التقويم، وإلا كان الرجوع إلى الذهب -الذي هو ~~الأصل- أولى وأوجب، عند من يرى التقويم به، والحنفية أجابوا بأن التقويم ~~أمر ظني تخميني، فيجوز أن تكون قيمته عنده ربع دينار أو ثلاثة دراهم ويكون ~~عند غيره أكثر وضعف هذا التأويل بأن ابن عمر لم يكن ليخبر بما يدل على ~~مقدار ما يقطع فيه إلا عن تحقيق لعظم أمر القطع. PageV09P207 # رابعها: أنه خمسة دراهم قاله سليمان بن يسار وابن شبرمة وابن أبي ليلى ~~والحسن في رواية وروي عن عمر أيضا. # خامسها: أنه أربعة، حكاه القاضي (¬1) عن بعض الصحابة. # سادسها: إنه درهمين، روي عن الحسن (¬2). # سابعها: إنه درهم، روي عن عثمان البتي حكاه القاضي عنه والقرطبي (¬3) ~~قال: روي عن عثمان وهو مراده. # ثامنها: إنه أربعون درهما أو أربعة دنانير، حكي عن النخعي. والصحيح من ~~هذه المذاهب ما قاله الشافعي وموافقوه لأنه - صلى الله عليه وسلم - صرح ~~ببيان النصاب من لفظه وإنه ربع دينار كما سيأتي في الحديث الآتي من طريق ~~عائشة، وفي الصحيح أيضا من حديثها "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار ~~فصاعدا" (¬4) وهذا حصر منه في أنها لا تقطع إلا في القدر المذكور. وحديث ~~ابن عمر في الكتاب قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم محمول على أن هذا القدر ~~كان ربع دينار فصاعدا ثم هي قضية عين لا عموم لها فلا يجوز ترك صريح لفظه ~~-عليه الصلاة والسلام- في تحديد النصاب لهذه الرواية المحتملة بل يجب حملها ~~على موافقة لفظه ولابد من ذلك لتوافق صريح تقديره. PageV09P208 # وأما رواية: "قطع في ms1614 مجن قيمته عشرة دراهم" وفي رواية "خمسة" فضعيفة لا ~~يعمل بها إذا انفردت، فكيف وقد خالفت صريح الأحاديث الصحيحة بالتقويم بربع ~~دينار مع أنه يمكن حملها على أنه كانت قيمته عشرة دراهم اتفاقا. # وأما الحديث الصحيح: "لعن الله السارق يسرق البيضة أو الحبل فتقطع يده" ~~(¬1) فالمراد به التنبيه على ما هو خير وهو يده في مقابلة حقير من المال ~~وهو ربع دينار فإنه شارك البيضة في الحقارة أو أراد جنس البيض وجنس الحبال ~~أو أنه إذا سرق ذلك فلم يقطع جره ذلك إلى سرقة ما هو أكثر منهما فيقطع ~~فكانت سرقة ذلك سببا لقطعها، أو أن المراد إنه [قد] (¬2) يسرق ذلك فيقطعه ~~بعض الولاة سياسة لا قطعا جائزا شرعيا. # وأبعد من قال: المراد بيضة الحديد (¬3) وحبل السفينة لأن بلاغة PageV09P209 # الكلام تأباه لأنه لا يذم عادة من خاطر بيده في شيء له قدر. # تنبيه: القطع له شروط، منها: كون المأخوذ في حرز خلافا لداود، ومحل الخوض ~~فيها كتب الفروع فإنه أمس به. وكذا كيفية القطع هل هو من المنكب أو الرسغ ~~أو المرفق فليراجع منه. والجمهور على أنه من اليد والرجل من المفصل وقال ~~أحمد في الرجل من شطر القدم. PageV09P210 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 371/ 2/ 70 - عن عائشة -رضي الله عنها- أنها سمعت رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم - يقول: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا" (¬1). # هذا الحديث هو اعتماد الشافعي في مقدار النصاب، كما سلف، وقد روي عن ~~عائشة عن النبي - صلي الله عليه وسلم - فعلا وقولا. # وهذه الرواية قول، وهو أقوى في الاستدلال من الفعل، لأنه لا يلزم من قطع ~~السارق في مقدار معين وقع على سبيل الاتفاق لا يقطع فيما دونه بخلاف القول ~~فإنه قال على اعتبار مقدار معين من القطع وذلك دال على عدم اعتبار ما زاد ~~عليه من إباحة القطع, لأنه لو اعتبر في ذلك لم يجز القطع فيما دونه. # وأيضا فرواية الفعل يدخل فيها ما سلف من التأويل PageV09P211 # المستضعف في أن التقويم أمر ظني إلى آخره. نبه على ms1615 ذلك الشيخ تقي الدين ~~(¬1) قال: وهذا الحديث قوي في الدلالة على أصحاب أبي حنيفة، فإن صريحه ~~يقتضي القطع في هذا المقدار الذي لا يقولون بجواز القطع [فيه] (¬2). # وأما دلالته على الظاهرية ومن قال بقولهم: فليس من حيث النطق، بل من حيث ~~المفهوم، وهو داخل في مفهوم العدد (¬3)، ومرتبته أقوى من مرتبة مفهوم اللقب ~~(¬4). PageV09P212 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 372/ 3/ 70 - عن عائشة - رضي الله عنها -: "أن قريشا أهمهم شأن المخزومية ~~التى سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ~~فقالوا: من يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله - صلي الله عليه ~~وسلم -، فكلمه أسامة، فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب فقال: ~~إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق ~~فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله: [لو كانت] (¬1) فاطمة بنت محمد ~~سرقت لقطعت يدها" (¬2). # وفي لفظ: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي - صلي الله عليه ~~وسلم - بقطع يدها. PageV09P213 # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا اللفظ الأخير هو لمسلم خاصة وفي بعض ألفاظ البخاري "ضل" بدل ~~"أهلك" وفي رواية له "أن بني إسرائيل كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق ~~فيهم الضعيف قطعوه" وفي رواية لمسلم له: "إن هذه المخزومية سرقت في غزوة ~~الفتح"، وفي رواية له: "أنه -عليه الصلاة والسلام- تلون وجهه لما كلمه ~~أسامة في أمرها وأنه قال: يا رسول الله استغفر لي، وأنه لما كان العشي قام ~~فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإنما أهلك" إلى آخره. ~~وفيه "ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها ~~بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم -. # الوجه الثاني: اسم هذه المخزومية فاطمة بن الأسود بن عبد الأسد بن هلال ~~بن عمرو بن مخزوم قاله ابن سعد (¬1). أسلمت وبايعت وهي ابنة أخي أبي سلمة ~~عبد الله بن الأسد زوج أم سلمة، قال ابن ms1616 سعد: وفي رواية أهل المدينة وغيرهم ~~من أهل مكة أن التي سرقت فقطع يدها أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد بن هلال ~~خرجت حجة الوداع فمرت بركب [نزول] (¬2) فأخذت عيبة لهم فأتوا بها النبي - ~~صلي الله عليه وسلم - فقطع يدها. # ثالثها: قد عرفت فيما مضى عن "صحيح مسلم" إن هذه PageV09P214 # السرقة كانت في غزوة الفتح وعزاه ابن العطار في "شرحه" إلى "موطأ ابن ~~وهب" وعزوه إلى ما ذكرناه أولى، وقد عرفت مما سقناه أيضا أن المسروق كان ~~عيبة لهم. وفي "سنن أبي داود" وكتاب "ابن عمر" أنه كان حليا، وفي "سنن أبي ~~داود" (¬1) أيضا أنها سرقت قطيفة من بيت رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ~~رواه تعليقا وأسنده ابن ماجه (¬2) من طريق ابن إسحاق إلى مسعود بن الأسود ~~وفيهما أنها عاذت بزينب، وفي مسلم أنها عاذت بأم سلمة. # الرابع: "قريش" قبيلة وهم ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة على ~~المشهور وقيل: ولد إلياس. # وقيل: ولد مضر [بن] (¬3) نزار. # وقيل: ولد فهر بن مالك بن النضر، وفهر لقب له واسمه قريش ونسبه البيهقي ~~إلى أكثر أهل العلم. # وقيل: إنه قصي بن كلاب حكاه الماوردي (¬4) وغيره. # وسموا قريشا لتقريشهم، أي: تجمعهم على أخذ الأموال، وقيل: لشدتهم، وقيل: ~~لأنهم كانوا تجارا والتجار يقرشون ويفتشون PageV09P215 # عن أموال التجارة. وحكى ابن دحية في "تنويره" في ذلك عشرين قولا (¬1). # والنسبة إلى قريش: قرشي، والعباسي: قريشي، فإن أردت بقريش الحي: صرفته، ~~وإن أردت القبيلة لم تصرفه. # الخامس: "المخزومية" نسبة إلى بني مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن ~~غالب ويقظة وتميم وكلاب إخوة والمخزومي (¬2): في غير هذا نسبة إلى مخزوم بن ~~عمرو وإلى مخزوم بن مالك، وإلى مخزوم بن صاهلة بطن من هذيل. # السادس: في ألفاظه ومعانيه. # إنما أهمهم شأنها لما خافوا من لحوق العار الجاهلي في قطع يدها وافتضاحهم ~~بين القبائل به وظنوا أن الشفاعة والسعي في إسقاطه يفيدان فيه، فلما أقسم ~~-عليه الصلاة والسلام- على أنه لو سرقت ابنته فاطمة ms1617 لقطع يدها علموا أن ذلك ~~حتم لا مندوحة عنه. وإنما قال: "لو سرقت فاطمة بنت محمد" لأن اسمها الأخرى ~~فاطمة كما أسلفناه. PageV09P216 # "والاجتراء" التجاسر بطريق الإدلال. # "والحب" بكسر الحاء هو المحبوب، وفيه منقبة ظاهرة له. # "وإنما" للحصر. # قال الشيخ (¬1) تقي الدين: والظاهر أنه ليس للحصر المطلق مع احتمال ذلك، ~~فإن بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك على حصر ~~مخصوص، وهو الإهلاك بسبب المحاباة في حدود الله فلا ينحصر ذلك في هذا الحد ~~المخصوص. # "وأيم الله" معناها: القسم ولا يستعمل إلا مضافا إلى الله تعالى وفيها ~~لغات: "إيم الله " بكسر الهمزة وفتحها وضم الميم فيه أشهر من كسرها، و"إيمن ~~الله" بكسر الهمزة وفتحها وبزيادة نون في آخرها و "إم الله" بكسر الهمزة ~~وحذف الياء والنون، و"م الله" بحذف الهمزة والياء والنون وتثليث الميم، و"م ~~الله" مثلث الميم أيضا، و"أومن الله" بضم الهمزة وسكون الواو وضم الميم ~~والنون. وقد جمع ابن مالك لغاتها في بيتين فقال: # همز أيم وأيمن فافتح وإكسر أو أم قل ... أو قل م أو من بالتثليث قد شكلا # وأيمن اختم به الله كلا ... أضيف إليه في قسم تبلغ به الأملا # وحكى القاضي (¬2) "لأيمن الله"، و"ليم الله باللام"، فهذه أربعة PageV09P217 # عشر لغة، قيل: هي جمع يمين وألفها ألف قطع وهو مذهب الفراء والصحيح أنها ~~مفردة وأن ألفها ألف وصل. قال الأزهري (¬1): وضم آخره وحكم القسم الخفض ~~[كما ضم لعمرك كأنه ضم يمينا ثانية فقال: وايمنك ولايمنك عظيمة وعمرك ~~ولعمرك عظيم]. وعن ابن عباس أن يمين الله من أسمائه تعالى (¬2). # السابع في أحكامه وفوائده: # الأول: قطع السارق رجلا كان [أو] (¬3) امرأة. # الثاني: تمسك أحمد وإسحاق بالرواية الثانية على أن جاحد المتاع يقطع يده. # وجماهير العلماء وفقهاء الأمصار على أن لا قطع فيه وتأولوها على أن ~~المراد أنها قطعت بالسرقة وذكرت العارية تعريفا لها ووصفا لا أنها سبب ~~القطع جمعا بينها وبين الرواية الأخرى إنها سرقت وقطعت بسبب السرقة وهو ~~متعين فإنها قضية واحدة كما ذكره النووي ms1618 في "شرح مسلم" (¬4)، لكن الاختلاف ~~في عين المسروق يورث ريبة في تعددها إلا أن يدعى أن بعض الرواة اقتصر على ~~بعضه وبعضهم على الباقي. PageV09P218 # وادعى كثير من الأئمة أن الرواية الثانية أعني رواية الجحد شاذة فإنها ~~مخالفة لجماهير الرواة والشاذ لا يعمل به ولهذا لم يودعها البخاري "صحيحه"، ~~وإنما هي من أفراد مسلم قالوا: وتفرد بها معمر. # قال القرطبي (¬1): وقد تابعه عليها من لا يعتد بحفظه كابن أخي الزهري ~~ونمطه. قال العلماء: وإنما لم يذكر السرقة في هذه الرواية لأن المقصود منها ~~عند الراوي ذكر منع الشفاعة في الحدود لا الإخبار عن السرقة. # الثالثة: جواز الحلف من غير استحلاف وهو مستحب إذا كان فيه تفخيم لأمر ~~مطلوب، وقد اختلف العلماء في جواز الحلف به وهذا الحديث دال على جوازه. # الرابعة: المنع في الشفاعة في الحدود، وهو إجماع، بعد بلوغه إلى السلطان، ~~أما قبله فهو جائز عند أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى ~~للناس، فإن كان لم يشفع فيه، أما المعاصي التي لا حد فيها وإنما فيها ~~التعزير فيجوز الشفاعة والتشفيع فيها بالشرط السالف وإن بلغت الإمام لأنها أهون. # الخامسة: حرمة التشفيع في صاحب الحد إذا بلغ الإمام. # السادسة: تعظيم أمر المحاباة للأشراف في حقوق الله تعالى وحدوده وأنها ~~سبب الهلاك، وقد نبه -عليه الصلاة والسلام- على ذلك بهلاك من قبلنا من ~~الأمم بذلك بالحصر "بإنهما" كما سلف. PageV09P219 # السابع: جواز تعليق القول بتقدير أمر آخر وقد شذ قوم في المنع من قول: ~~"لو" فإنه صح "أنها تفتح عمل الشيطان" (¬1) لكن المنع مؤول على فعل أمر قد ~~فات أو فعل محذور ونحوه. # الثامن: مساواة الشريف وغيره في أحكام الله وحدوده وأن من راع الشريف ~~فيها يخشى عليه الهلاك. # التاسع: عدم مراعاة الأهل والأقارب والأصحاب في مخالفة الدين وقد حث الله ~~تعالى على ذلك بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ~~شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} (¬2) وقوله: {قل إن كان ~~آباؤكم} (¬3)، الآية. # وقوله: {لا تجد ms1619 قوما يؤمنون بالله}، الآية. # العاشر: جواز الحلف باسم الله وهو يمين عندنا بالنية لا عند الإطلاق على ~~الأصح لأنه لا يعرفه إلا الخواص، وعن مالك وأبي حنيفة أنه صريح. # الحادي عشر: استدل به لأحد القولين عند المالكية أنه قال: "والله لو وقع ~~كذا لفعلت كذا" ونحو هذا، ومن ذلك لو كنت حاضرا لك عند مخاصمة أخي لفقأت ~~عينك، هل يكون حانثا بهذا اللفظ أم لا؟ PageV09P220 ### || AUTO 71 - باب حد الخمر # ذكر فيه رحمه الله حديث أنس وحديث أبي بردة: ### ||| AUTO الحديث الأول # 373/ 1/ 71 - عن أنس [بن مالك] (¬1) - رضي الله عنه -[أن النبي - صلي ~~الله عليه وسلم -] (¬2)، أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدة نحو أربعين، ~~قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف] ~~(¬3) أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر" (¬4). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذه السياقه المذكورة هي لمسلم خاصة، لكن PageV09P221 # [لفظة] (¬1) "بجريدتين" بدل "بجريد". قال عبد الحق في "جمعه" (¬2): ولم ~~يخرج البخاري مشورة عمر، ولا فتوى عبد الرحمن بن عوف، وحديث أنس قال: "جلد ~~النبي - صلي الله عليه وسلم - بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر، أربعين" ولم ~~يقل عن النبي - صلي الله عليه وسلم - أربعين. وهو كما قال. # الوجه الثاني: هذا الشارب لا يحضرني اسمه بعد التتبع الشديد والفحص عنه. # الوجه الثالث: "الخمر" هي الشراب المعروف وهي مؤنثة على اللغة الفصيحة ~~المشهورة وذكر أبو حاتم السجستاني في "كتابه المذكر والمؤنث" (¬3) في ~~موضعين منه أن قوما فصحاء يذكرونها. قال سمعت ذلك ممن أثق به منهم. وذكر ~~أيضا ابن قتيبة في "أدب الكاتب" (¬4) فيما جاء فيه لغتان التذكير والتأنيث. ~~ولا يقال حمرة بالهاء في اللغة الفصيحة. قال الجوهري (¬5): خمرة وخمر وخمور ~~كتمرة وتمر وتمور. # قال أهل اللغة: سميت خمرا لسترها العقل. وقيل: لأنها PageV09P222 # تغطي حتى تدرك, وقيل: لأنها تركت فاختمرت واختمارها تغيرها. # ولها أسماء زائدة على الثلاثمائة. وقد ذكرت جملة منها في "لغات المنهاج" ~~فراجعها منه. # واعلم أن الفاكهي قال: لا خلاف يعتد به في أن ms1620 الخمر مؤنثة قال: وذكر ~~النووي (¬1) أنها مذكرة على ضعف ولم أدر من أين نقله. هذا كلامه وقد عرفت ~~سلفه فيه مما قدمته لك فلا إنكار عليه. # الوجه الرابع: قوله: "فجلده بجريد" هكذا هو في عامة نسخ الكتاب، وفي بعض ~~نسخه "بجريدة". والذي في الصحيح "بجريدتين" كما أسلفته لك. # واختلف في معناه على قولين: أحدهما: أن الجريدتين كانتا مفردتين جلد بكل ~~واحدة منهما عددا حتى كمله من الجميع أربعين. وهذا تأويل أصحابنا. # والثاني: أن معناه أنه جمعهما وجلده بهما أربعين جلدة، فيكون المبلغ ~~ثمانين، وهذا تأويل من يقول جلد الخمر ذلك المقدار والأول أظهر لأن الرواية ~~الأخرى الثانية في "صحيح مسلم" مبينة لهذه وهي كان -عليه الصلاة والسلام- ~~يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين (¬2). # الخامس: قوله: "نحو أربعين": ظاهره أن ذلك للتقريب لا للتحديد، لكن لابد ~~من تأويله على عدم التساوي في الضرب PageV09P223 # والآلة المضروب بها، فإن الحدود للتحديد، وإن كان القرطبي (¬1) نقل عن ~~طائفة من علماء أصحابهم وغيرهم أن ذلك إنما كان منه -عليه الصلاة والسلام- ~~على وجه التعزير والأدب. وأنه انتهى في ذلك إلى أربعين. وحسنه فلا يوافق عليه. # السادس: وقع في "الموطأ" (¬2) أن الذي أشار على عمر بالثمانين علي بن أبي ~~طالب، وهو خلاف ما ثبت في الصحيح من كونه عبد الرحمن بن عوف. وادعى القاضي ~~عياض (¬3) أنه المشهور لكنه مرسل، فإنه من رواية ثور بن زيد الديلي، ولم ~~يدركه, وعلى تقدير اتصاله فلعلهما أشارا به والذي بدأ بالمشورة عبد الرحمن ~~فنسبت إليه لسبقه بها ونسبت في رواية إلى علي لرجحانه على عبد الرحمن. # وقوله: "فلما كان عمر"، أي: زمن ولايته. # السابع: قوله: "أخف الحدود" وهو منصوب بفعل محذوف، أي: جلده أو حده أخف ~~الحدود. قال الشيخ تقي الدين: ويروى ثمانون بالرفع وثمانين بالنصب، أي: ~~اجعله [أو] (¬4) ما يقارب ذلك. PageV09P224 # واستبعد هذا الفاكهي وقال إنه بعيد أو باطل وكأنه صدر من الشيخ من غير ~~تأمل قواعد العربية ولا لمراد المتكلم بذلك، [إذ لا يجيز أحد أجود الناس ~~الزيدين] (¬1) على تقدير ms1621 أجلهم، وأيضا فإن مراد عبد الرحمن الإخبار بأخف ~~الحدود لا أمره بأن يجعل أخف الحدود ثمانين، فاحتمال توهيم الراوي لهذه ~~الرواية القليلة أولى من ارتكاب ما لا يجوز لا من حيث اللفظ ولا من حيث ~~المعنى. وقال ابن العطار: جعله بعضهم مبتدأ وخبر فيكونان مرفوعين، وما ~~أعلمه منقولا رواية. # الثامن: "أخف الحدود". يعني: المنصوص عليها في كتاب الله، فإن الحدود فيه ~~حد السرقة بالقطع وحد الزنا بمائة جلدة وحد القذف بثمانين، فاجعلها ثمانين ~~كأخف الحدود. # التاسع: إنما استشار عمر - رضي الله عنه - الناس في ذلك لأن في زمنه فتح ~~الشام والعراق وسكن الناس في مواضع الخصب وسعة العيش وكثرت الأعناب والثمار ~~فأكثروا من شرب الخمر فزاد عمر حدها زجرا لشاربها وتغليظا عليهم، وكان ذلك ~~سنة ماضية. # قال -عليه الصلاة والسلام-: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين عضوا عليها بالنواجذ" (¬2). وقال أيضا: "اقتدوا PageV09P225 # باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (¬1)، أي بكل واحد منهما. ولهذا عمل عثمان ~~- رضي الله عنه - بهذا مرة وبالأول أخرى. وقال علي "كل سنة" (¬2)، أي: لأن ~~الأربعين فعل الشارع والصديق والثمانين فعل الفاروق بإجماع الصحابة [رضي ~~الله عنه] (¬3) وهو المعروف من مذهب علي، وهذا من علي - رضي الله عنه - دال ~~على اعتقاد حقيقة كونهما خليفتين وأن فعلهما سنة وأمرهما حق بخلاف ما ~~[يكذبه] (¬4) الشيعة [عليه] (¬5). # الوجه العاشر: في أحكامه: # أولها: تحريم شرب الخمر وهو إجماع، فإن الحد لا يكون إلا على محرم كبيرة. # ثانيها: وجوب الحد على شاربها سواء شرب قليلا أو كثيرا. وأجمعوا على أن ~~شاربها لا يقتل وإن تكرر منه. وممن حكى الإجماع على ذلك الترمذي في "جامعه" ~~(¬6) وخلائق. وحكى القاضي (¬7) عن طائفة شاذة أنهم قالوا: يقتل بعد جلده ~~أربع مرات PageV09P226 # لأحاديث واردة في ذلك. وهو قول باطل مخالف لإجماع الصحابة فمن بعدهم، ~~وتلك الأحاديث منسوخة إما بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا يحل دم امرئ ~~مسلم إلا بإحدى ثلاث" (¬1). الحديث. وإما بدلالة الإجماع فإنه استمر بعد ~~وفاته وأجمعوا على أن شارب الخمر يجلد سواء سكر أم ms1622 لا. # واختلفوا في شارب النبيذ وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة على قولين: # أحدهما: إلحاقه بشارب الخمر، وإن كان يعتقد إباحة النبيذ، وهو قول ~~الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء سلفا وخلفا. # ثانيهما: [ما لا يحرم] (¬2) ولا يحد شاربه وهو قول أبي حنيفة والكوفيين. ~~وقال أبو ثور: يحد معتقد تحريم النبيذ دون غيره. # ثالثها: أن قدر حد الخمر أربعون، وبه قال الشافعي وأبو ثور وداود وأهل ~~الظاهر وغيرهم. # قال الشافعي: وللإمام أن يبلغ به ثمانين لفعل عمر والصحابة -رضي الله عنهم-. # بل روى عبد الرزاق (¬3) أنه -عليه الصلاة والسلام- فعله وإن لم يصح، كما ~~قاله ابن حزم. PageV09P227 # ولأصحابه وجه أنه لا تجوز الزيادة على الأربعين لأن عليا - رضي الله عنه ~~- رجع عنه وكان يضرب أربعين. قال أصحابنا: والزيادة على الأربعين تعزيرات ~~على تسببه في إزالة عقله وفي تعرضه للقذف والقتل وأنواع الإيذاء وترك ~~الصلاة وغير ذلك. # وقيل: إنها حد لأن التعزير جناية مخففة. # وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحق وابن المنذر: حده ~~ثمانون. ونقله القاضي عياض (¬1) عن الجمهور سلفا وخلفا. # واحتجوا: بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة وأن فعله -عليه الصلاة ~~والسلام- لم يكن للتحديد، ولهذا قال في رواية الكتاب نحو أربعين. # وحجة الشافعي: أنه -عليه الصلاة والسلام- جلد أربعين كما سلف وزيادة عمر ~~تعزيرات والتعزير إلى رأي الإمام إن شاء فعله وإن شاء تركه بحسب المصلحة مع ~~فعله وتركه فرآه عمر ففعله، ولم يفعله الشارع ولا الصديق ولا علي على خلاف ~~عنه، ولو كانت حدا لم يترك، ولهذا قال علي - رضي الله عنه - "وكل سنة"، أي: ~~الاقتصار على الأربعين والبلوغ إلى الثمانين. # ثم هذا الذي ذكرناه هو حد الحر. # فأما العبد: فعلى النصف منه كما في الزنا والقذف. PageV09P228 # وحكى القاضي حسين أن من أصحابنا من قال: أنه كالحر وهو غلط. # الرابع: حصول الجلد في الخمر بالجريد وهو إجماع ومثله النعال وأطراف ~~الثياب. # واختلفوا في جوازه بالسوط على قولين وهي وجهان لأصحابنا، والأصح: الجواز. # وشذ بعض أصحابنا: فشرط فيه السوط، ms1623 وقال: لا يجوز فيه الضرب بالنعال ~~والثياب لعسر الضبط وهو غلط، فاحش مردود على قائله لمنابذته صريح الأحاديث ~~الصحيحة. # وشذ بعضهم فقال: يتعين غير السوط. # قال أصحابنا: وإذا ضرب بالسوط فليكن متوسطا معتدلا في الحجم بين القصب ~~والعصى، فإن ضربه بجريدة فلتكن خفيفة بين اليابسة والرطبة ويضربه ضربا بين ~~ضربتين ولا يرفع يده فوق رأسه ولا يكتفي بالوضع بل يرفع ذراعيه رفعا ~~معتدلا. # الخامس: مشاورة الإمام والقاضي والمفتي أصحابه وحاضري مجلسه في الأحكام. # السادس: جواز القياس والعمل به والاستحسان عند الحاجة إليه. PageV09P229 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 374/ 2/ 71 - عن أبي بردة هانئ بن نيار البلوي - رضي الله عنه -: أنه سمع ~~رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد ~~من حدود الله عز وجل (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب صلاة العيدين واضحا، وأن ما ~~ذكره في اسمه هو أصح الأقوال. # الثاني: "البلوى" بفتح الباء الموحدة ثم لام ثم واو وياء النسب نسبة إلى ~~بلى بن عمرو بن [حلوان] (¬2) بن [الحافي] (¬3) بن PageV09P230 # قضاعة, فأبو بردة هو هانئ بن نيار بن عبيد بن كلاب بن غنم بن هبيرة بن ~~ذهل بن هانىء بن تلبي بن عمرو بن [حلوان بن] (¬1) [الحافي] (¬2) بن قضاعة". # الثالث: هذا الحديث ذكر ابن المنذر (¬3) في إسناده مقالا، وقال الأصيلي: ~~اضطرب إسناده فوجب تركه، وقول ابن المنذر: يرجع إلى ما ذكره الأصيلي من ~~الاضطراب، فإن رجال إسناده ثقات والاضطراب الذي أشار إليه: هو أنه روى عن ~~عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبي بردة. وعنه عن أبيه عن أبي بردة ~~وعنه عمن سمع النبي - صلي الله عليه وسلم -. وهذه الطرق كلها مخرجة في ~~الصحيحين على الاتفاق والانفراد. وروى عنه عن رجل من الأنصار عن النبي - ~~صلي الله عليه وسلم - وهذا الاختلاف لم يؤثر عند البخاري ومسلم. لأنه ~~[يحتمل] (¬4) أن يكون سمعه من أبيه عن أبي بردة. [وسمعه من أبي بردة] (¬5) ~~فحدث به مرة عن هذا، ومرة ms1624 عن هذا. # وقوله: عمن سمع النبي - صلي الله عليه وسلم - يريد به أبا بردة. # وقوله: "عن رجل من الأنصار" يريد به أيضا أبا بردة. فإنه -وإن كان قضاعيا ~~بلويا- فإنه حليف للأنصار. فنسبه إليهم، وهو مشهور بالنسبة إليهم. وقد ذكر ~~الدارقطني: أن حديث عمرو بن PageV09P231 # الحارث المصري، الذي قال فيه "عن أبيه" صحيح, لأنه ثقة، وقد زاد رجلا. ~~وتابعه أسامة بن زيد. فهذا الدارقطني قد صحح الحديث بعد وقوفه على ~~الاختلاف. وجنح إلى ما جنح إليه صاحبا الصحيح (¬1). # الرابع: قوله: "لا يجلد" ضبط بوجهين: أحدهما: بفتح الياء وكسر اللام. # وثانيهما: بضم الياء وفتح اللام. # الخامس: اختلف في تفسير الحد في هذا الحديث. # فقيل: أراد به حق من حقوقه وإن لم يكن من المعاصي المقدرة حدودها لأن ~~المحرمات كلها من حدود الله تعالى. قال الشيخ تقي الدين (¬2): وبلغني عن ~~بعض أهل العصر أنه قرر هذا المعنى بأن تخصيص الحد بهذه المقدرات أمر ~~اصطلاحي فقهي، وأن عرف الشرع من أول الإسلام لم يكن كذلك، أو يحتمل أن لا ~~يكون كذلك -هذا أو كما قال- فلا يخرج عنه إلا التأديبات التي ليست عن محرم شرعي. # وهذا، أولا: خروج في لفظة "الحد" عن العرف فيها. وما ذكره (¬3) لا يوجب ~~النقل، والأصل عدمه. # وثانيا: أنا إذا حملناه على ذلك وأجزنا في كل حق من حقوق PageV09P232 # الله أن يزاد لم يبق لناشىء يختص المنع فيه بالزيادة على عشرة أسواط. إذ ~~ما عدا المحرمات كلها التي لا يجوز فيها الزيادة ليس إلا ما ليس بمحرم، ~~وأصل التعزير فيه ممنوع, فلا يبقى لخصوص الزيادة معنى. والذي تقتضيه الأدلة ~~أن المراد به فعل المعاصي التي لا حد فيها. # السادس: فيه إثبات التعزير في المعاصي التي لا حد فيها لما تقتضيه من ~~جواز العشرة فما دونها. # السابع: اختلف العلماء في مقدار التعزير، فالمنقول عن مالك وأصحابه أنه ~~لا يتقدر بعشرة ولا غيرها وتخير العقوبات فوق العشرة وفوق الحدود على قدر ~~الجريمة وصاحبها ويجعل ذلك موكولا إلى رأي الإمام واجتهاده. وبه قال أبو ms1625 ~~يوسف ومحمد وأبو ثور والطحاوي. # وذهب أحمد وإسحاق: إلى أنه لا يزاد على عشرة أسواط عملا بظاهر الحديث ~~فإنه متعرض للمنع من الزيادة عليها وما دونها لا يعارض للمنع فيه. وبه قال ~~صاحب "التقريب" (¬1) من الشافعية وأشهب من المالكية في بعض أقواله. # وظاهر مذهب الشافعي جواز الزيادة على العشرة إلا أنه لا يبلغ به الحد. ~~وعلى هذا ففي المعتبر وجهان: # أصحهما: أدنى الحدود في حق المعزر، فلا يزاد في تعزير PageV09P233 # الحر على تسع وثلاثين ضربة، ليكون دون حد [الأحرار] (¬1) ولا في تعزير ~~العبد على تسعة عشر سوطا ليكون دون حده. # وثانيهما: أدنى الحدود على الإطلاق، فلا يزاد في حد الحر أيضا على تسعة ~~عشر سوطا. # وفيه وجه ثالث: أن الاعتبار فيه بحد الأحرار مطلقا فيبلغ بالحر والعبد ~~تسعا وثلاثين ولا يزيد وجوز الاصطخري من الشافعية في كتابه "أدب القضاء" ~~(¬2) مجاوزة العشرة في غير السوط وهو مطابق للحديث. # ولكن رواية البخاري عن عبد الرحمن بن جابر عمن سمع النبي - صلي الله عليه ~~وسلم - يقول: "لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حد من حدود الله" يرده. # ثم من خالف الحديث وجوز الزيادة عليه وهم جمهور الصحابة والتابعين كما ~~حكاه النووي في "شرحه" (¬3) عنهم، وإن كان القرطبي (¬4) نقل عن الجمهور ~~المنع من الزيادة. أجاب عن الحديث بأوجه: # أحدها: الطعن فيه وقد سلف جوابه. # ثانيها: نسخه بعمل الصحابة بخلافه من غير إنكار. وعن عمر أنه كتب إلى أبي ~~موسى الأشعري أنه لا يبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطا. ويروى ثلاثين إلى ~~الأربعين. وضرب عمر صبيغا -بفتح PageV09P234 # الصاد المهملة ثم باء موحدة ثم مثناة تحت ثم غين معجمة- أكثر من الحد أو ~~من مائة، وضرب من نقش على خاتمه مائة واستضعف هذا الوجه بأنه يبعد عليه ~~إثبات إجماع الصحابة على العمل بخلافه وفعل بعضهم أو فتواه على خلافه لا ~~يدل على النسخ. # ثالثها: أنه محمول على ذنب بعينه أو رجل بعينه، ذكره الماوردي من أصحابنا ~~وفيه نظر. # رابعها: أنه مقصور على زمن النبي - صلي الله ms1626 عليه وسلم - لأنه كان يكفي ~~الجاني منهم هذا القدر وهو ضعيف جدا لأنه نزل العموم بغير دليل شرعي على ~~الخصوص ثم هذه المناسبة ضعيفة لا تستقل بإثبات التخصيص. # خامسها: أن المراد [بالحد] (¬1) الحق وإن لم يكن من المعاصي المقدرة ~~حدودها. وقد سلف ما فيه. وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: لا يزاد في الأدب ~~على ثلاثة، وبه قال أشهب مرة. وقال في مؤدب الصبيان لا يزيد على ثلاثة ~~أسواط، فإن زاد اقتص منه، وهذا تحديد يبعد إقامة الدليل عليه، ولعله أخذه ~~من أن الثلاث [اعتبرت] (¬2) في مواضع كثيرة من الشرع، وهو أول حد الكثرة. ~~وفي ذلك ضعف. PageV09P235 # ومذهب أبي حنيفة أنه لا يبلغ بالتعزير أربعين. # وقال ابن أبي ليلى: هو خمسة وسبعون ولا يبلغ به الحد. وروي عن مالك وأبي ~~يوسف أيضا، ومال إليه أصبغ. # وعن ابن عمر: لا يجاوز به ثمانين. # وقال ابن شبرمة: هو دون المائة وهو رواية عن ابن أبي ليلى. وحكي عن ~~الشافعي أنه يضرب في الأدب أبدا وإن أتى على نفسه حتى يفي بالإنابة ويرجع ~~عنه. وعن الزبيري من أصحابه إن تعزير كل ذنب مستنبط من حده لا يجاوز حده ~~وهما غريبان، فتحصلنا على أقوال في المسألة: # أحدها: أنه لا يزاد على عشرة. # ثانيها: على ثلاثة. # ثالثها: يزاد إلى تسعة عشرة. # رابعها: إلى تسعة وثلاثين. # خامسها: إلى خمسة وسبعين. # سادسها: إلى ثمانين. # سابعها: إلى دون المائة، ويأتي أكثر من ذلك عند الفرق بين الحر والعبد، ~~وعلى قول الزبيري السالف وغير ذلك، فتأمله. PageV09P236 ### | AUTO كتاب الأيمان والنذور PageV09P237 ### || AUTO 72 - كتاب الأيمان والنذور # الأيمان: جمع يمين، وأصلها في اللغة اليد اليمنى، وأطلق على الحلف لأنهم ~~كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه، وقيل لأنها تحفظ الشيء على الحالف ~~كما يحفظ اليد. # وهي في الشرع: تحقيق ما يحتمل المخالفة أو تأكيده بذكر اسم الله [تعالى] ~~(¬1) وصفته بصفة مخصوصة. # والنذور: واحدها نذر وهو مأخوذ من الإنذار الذي هو التخويف، وهو لغة ~~الوعد بخير أو شر. # وشرعا: الوعيد بخير. ms1627 ولم يذكر في النذور إلا قوله في أواخره: "وليس على ~~رجل نذر فيما لا يملك". وقد عقد له بابا بعده، ثم ذكر في هذا الباب سبعة ~~أحاديث: PageV09P239 ### ||| AUTO الحديث الأول # 375/ 1/ 72 - عن عبد الرحمن بن سمرة - رضي الله عنه - قال: "قال رسول ~~الله - صلي الله عليه وسلم -: يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، ~~فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت ~~عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك، وائت ~~الذي هو خير (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه هو أبو سعيد عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد ~~شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي. # أمه: أروى بنت [أبي] (¬2) الفارعة من بني فراس. PageV09P240 # أسلم يوم الفتح. # وقيل: كان اسمه عبد كلال، ويقال: عبد كلوب، وقيل: عبد الكعبة، فغيره ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. وغزا خراسان في زمن عثمان، وعلى يده فتحت ~~سجستان وكابل [واستعمله -عليه الصلاة والسلام- على سجستان] (¬1). # روي له عن النبي - صلي الله عليه وسلم - أربعة عشر حديثا اتفقا منها على ~~هذا الحديث وانفرد مسلم بحديثين. روي عنه الحسن البصري وغيره. مات سنة ~~خمسين، وقيل: سنة إحدى. وقال الفاكهي في "شرحه" مات سنة أربع وأربعين، ثم ~~حكى القولين السالفين. وفي موضع قبره ثلاثة أقوال: # أحدها: بالبصرة، قاله خليفة وجماعات. # ثانيها: بالكوفة وصلى عليه زياد، قاله ابن حبان. # ثالثها: بمرو، حكاه الحاكم عن بعضهم وأنه أول من تولى من الصحابة بها. # الثاني: في ألفاظه ومعانيه. # "الإمارة" بكسر الهمزة الولاية عامة كانت أو خاصة، ويدخل فيها القضاء ~~والحسبة وغيرها، وفيها لغة أخرى، إمره بسكون الميم. # أما الأمارة بالفتح، فالعلامة. PageV09P241 # وأما الأمرة: بفتح الميم، فالمرة الواحدة من الأمر، يقال: لك على أمره ~~لمطاعة، أي: أمره أطول فيها وأمر فلان بكسر الميم وضمها صار أميرا. # ومعنى"وكلت إليها" لم يعن عليها، أي: لا يكون فيك كفاية لها ومن هذا شأنه ~~لا يولى، يقال: وكله إلى نفسه وكلا ووكولا، وفي كثير ms1628 من نسخ مسلم بدل الواو ~~همزة. وقال القاضي عياض (¬1): هو في أكثرها كذلك والصواب بالواو. # الثالث: في أحكامه وفيه مسائل: # الأولى: ظاهره يقتضي كراهية سؤال الإمارة مطلقا، والفقهاء تصرفوا فيه ~~بالقواعد الكلية: فمن كان متعينا للولاية وجب عليه قبولها إن عرضت عليه، ~~وطلبها إن لم تعرض, لأنه فرض كفاية لا يتأدى إلا به فيتعين عليه القيام به، ~~وكذا إذا لم يتعين له، وكان أفضل من غيره، ومنعنا ولاية المفضول مع وجود ~~الأفضل وإن كان غيره أفضل منه، ولم نمنع تولية المفضول مع وجود الفاضل. ~~فيكره له الدخول فيها وأن يسألها. وحرم بعض الشافعية سؤالها. # وحكى الشيخ تقي الدين (¬2): أن بعضهم حرم له الطلب وكره للإمام أن يوليه ~~وقال: إن ولاه انعقدت ولايته وقد استخطىء فيما قال، ومن الفقهاء من أطلق ~~القول بكراهية القضاء، لأحاديث وردت فيه. منها قوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"القضاة ثلاثة واحد في الجنة PageV09P242 # واثنان في النار" (¬1) رواه الأربعة وقال الحاكم صحيح الإسناد. # ومنها قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين" ~~(¬2) حسنه الترمذي مع الغرابة، وقال الحاكم: صحيح الإسناد مع أن بعض ~~العلماء يؤول هذا للمدح وقال لاجتهاده في طلب الحق، والظاهر أنه على الذم ~~لعجزه غالبا عن القيام وعدم المعين له على الحق. ومنها قوله -عليه الصلاة ~~والسلام- لأبي ذر: "لا تأمرن على اثنين" (¬3) متفق عليه. ومنها قوله: "إنكم ~~ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست ~~الفاطمة" (¬4). رواه البخاري. # ومن أصحابنا من قال: القضاء من أعلى القربات، ومنهم إمام الحرمين وابن ~~الصباغ، والأحاديث المحذرة منه محمولة على الخائن أو الجاهل بدليل الحديث ~~السالف القضاة ثلاثة. وقال ابن الصباغ: الأحاديث المحذرة دالة على عظم قدره ~~حتى لا يقدم عليه من لا يثق بنفسه، ويحمل حديث عبد الرحمن بن سمرة وما في ~~معناه كحديث PageV09P243 # أبي موسى الثابت أيضا في الصحيحين (¬1) لن نستعمل في عملنا هذا من أراده ~~على من سأل لمجرد الرئاسة والنبل، ومن استحبه فهو لمن قصد به القربة وبالغ ~~إمام الحرمين ms1629 وجماعة فقالوا: القيام بفرض الكفاية أحرى بإحراز الدرجات ~~وأعلى [في] (¬2) قبول القربات من القيام بفرض العين، فإن [فاعل] (¬3) فرض ~~العين وتاركه يختص الثواب والعقاب به وفاعل فرض الكفاية كاف نفسه وسائر ~~المخاطبين العقاب وأمل أفضل الثواب. # وبالجملة فقد امتنع من الدخول فيه الشافعي حين استدعاه المأمون ليوليه ~~قضاء الشرق والغرب واقتدى به الصدر الأول من أصحابه حتى أن أبا علي بن ~~خيران لما طلب للقضاء هرب فختم على عقاره، وامتنع منه أيضا أبو حنيفة حين ~~استدعاه المنصور له فضربه وحبسه ثم أطلقه، وقيل: إن أبا حنيفة ولي القضاء ~~بالرصافة أياما والشافعي وليه بنجران من بلاد اليمن أياما ولا يصح دخول ~~معظم السلف من الصدر الأول فيه كان لعلمهم يقينا أو ظنا بالقيام به لله لا ~~لشيء من حظوظ الدنيا ووجود من يعينهم على الحق، وامتناع الصدر الثاني ~~والثالث لما فيه من الخطر وعدم براءة الذمة فيه وتحيلوا على الامتناع منه ~~بأسباب توهم الجنون أو قلة المروءة وارتكبوا ذلك للخلاص من المحرم أو ~~المكروه. PageV09P244 # المسألة الثانية: فيه إشارة إلى إلطاف الله تعالى بالعبد فيما قضاه وقدره ~~وأوجبه عليه بالإعانة على إصابة الصواب في فعله وقوله تفضلا زائدا على مجرد ~~التكليف والهداية إلى النجدين، فإنه لما كان خطر الولاية عظيما بسبب أمور ~~في الوالي وبسبب أمور خارجة عنه كان طلبها تكلفا ودخولا في غرر عظيم فهو ~~جدير بعدم العون. ولما كانت إذا أتت عن غير مسألة لم يكن فيها هذا التكليف ~~كانت جديرة بالعون على أعبائها وأفعالها دل ذلك على ما قررناه وهي مسألة ~~أصولية. # المسألة الثالثة: أن من يتعاطى أمرا سولت له نفسه أنه أهل له لا يقوم به ~~بخلاف من عجز نفسه وقصرها عن ذلك، وهذا من ثمرات التواضع فإن من سأل ~~الإمارة لم يسألها إلا وهو يرى نفسه أهلا لها فيوكل إليها فلا يعان ويخذل. # الرابعة: أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها من فعل أو ترك بأن كان ~~التمادي على اليمين مرجوحا في نظر الشرع والحنث ms1630 خير منه أنه يستحب له الحنث ~~ويكفر وقد يكون الحنث واجبا وقد قام الإجماع على أنه لا يجب عليه كفارة قبل ~~الحنث وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث وعلى أنه لا يجوز تقديمها قبل ~~اليمين. # واختلفوا في تقديمها على الحنث على قولين: # أحدهما: يجوز وبه قال أربعة عشر من الصحابة وجماعات من التابعين ومالك ~~والشافعي والأوزاعي والثوري والجمهور، لكن قالوا يستحب كونها بعد الحنث. PageV09P245 # واستثنى الشافعي التكفير بالصوم فقال: لا يجوز قبل الحنث لأنه عبادة ~~بدنية فلا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصلاة وصوم رمضان. # قال الخطابي (¬1): واحتج أصحابه بأن [الصوم] (¬2) مرتب على الإطعام. فلا ~~[يجزيء] (¬3) إلا مع عدم الأصل كالتيمم، [مع الماء وهو الصحيح عند أصحابه] (¬4). # وأما التكفير بالمال، فيجوز تقديمه على كفارته كما يجوز تعجيل الزكاة، ~~واستثنى بعض أصحابه حنث المعصية بأن حلف لا يزني فقال: لا يجوز تقديمه على ~~كفارته لأن فيه إعانة على المعصية والجمهور على الاجتزاء كغيرها لأن ~~الكفارة لا يتعلق بها تحليل ولا تحريم فإن المحلوف عليه على حالة حرام قبل ~~اليمين وبعدها، وقبل التكفير وبعده. # ووقع في "المحرر" للرافعي تصحيح الأول وتبعه البغوي فيه [لكنه] (¬5) صحح ~~في "شرحه الصغير" الثاني واقتضاه [. . .] (¬6) كلامه في الكبير. PageV09P246 # والقول الثاني في أصل المسألة: أنه لا يجوز تقديمها عليه بكل حال، وبه ~~قال أبو حنيفة وأصحابه وأشهب المالكي. وهذا الحديث ورد بألفاظ: # أحدها: "فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير" وهذا ما في الكتاب. # ثانيها: "فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" رواه البخاري. # ثالثها: "فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير"، رواه أبو داود والنسائي. ~~وهذه الرواية صريحة للجمهور القائلين بالجواز، أما رواية "الواو" فقد يستدل ~~بها من يجوز التقديم تارة ومن يمنعه أخرى من حيث الاهتمام بذكره أولا لكن ~~يخدشه أن "الواو" لا تقتضي الترتيب والمعطوف والمعطوف عليه بها كالجملة ~~الواحدة وليس بجيد، طريقه من يقول في مثل هذا إن "الفاء" تقتضي الترتيب ~~والتعقيب فيقتضي ذلك أن يكون التكفير مستعقبا لرواية الخير في الحنث فإذا ~~استعقبه ms1631 التكفير تأخر الحنث ضرورة، نبه على ذلك الشيخ تقي الدين قال: وإنما ~~قلنا إنها ليس بجيد لما بيناه من حكم الواو. فلا فرق بين قولنا: "فكفر، عن ~~يمينك وائت الذي هو خير" وبين قولنا: "فافعل هذين". ولو قال كذلك لم تقتض ~~ترتيبا ولا تقديما وكذلك إذا أتى بالواو وهذه الطريقة التي أشرنا إليها ~~ذكرها بعض الفقهاء في اشتراط الترتيب في الوضوء. وقال: إن الآية تقتضي ~~تقديم غسل الوجه، بسبب الفاء وإذا وجب تقديم غسل الوجه وجب الترتيب في بقية ~~الأعضاء اتفاقا وهو ضعيف لما بيناه. PageV09P247 # "تذنيب" حديث الأعرابي الثابت في الصحيحين (¬1) حيث قال: والله لا أزيد ~~على هذا ولا أنقص وسماه الشارع مفلحا لا يرد على ما قررناه من أن الحنث خير ~~إذا كان التمادي على اليمين مرجوحا في نظر الشرع لأنها كانت لغو يمين أو ~~أراد لا أزيد في عدد الفرائض ولا أنقص منها وذلك لا يقتضي الإنكار. # الخامس: مقتضاه تأخير مصلحة الوفاء بمقتضى اليمين إذا كان غيره خيرا ~~بنصه، وأما مفهومه فقد يشعر بأن الوفاء بمقتضى اليمين عند عدم رواية الخير ~~في غيرها مطلوب. وقد تنازع المفسرون في معنى قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم أن تبروا}، وحمله بعضهم على ما دل عليه الحديث، ويكون معنى ~~"عرضة"، أي: مانعا و"أن تبروا" بتقدير من "أن تبروا". # المسألة السادسة: فيه بيان كرم الله تعالى على عباده في عدم الوقوف عند ~~الأيمان وبأنه يحنث فيها لئلا يؤدي ذلك إلى المنع من الخير وترك البر. PageV09P248 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 376/ 2/ 72 - عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلي ~~الله عليه وسلم -: "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها ~~خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في باب السواك في الحديث الرابع منه. # ثانيها: هذا الحديث ورد على سبب وهو أنه -عليه الصلاة والسلام- "قدم عليه ~~رهط من الأشعريين فسألوه الحملان فقال: "والله لا أحملكم ولا ms1632 عندي ما ~~أحملكم عليه، ثم أتي بعد ذلك بإبل فأمر لهم بثلاث ذود". وفي رواية: "بخمس ~~ذود غبر الذرى فلما انطلقوا PageV09P249 # كرهوا تحلل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمينه وخافوا عقوبة ذلك ~~فأتوه وأخبروه بالخبر فقال: ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم. ثم قال: إني ~~والله" إلى آخر الحديث. # وفي رواية في الصحيح: "إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير" وفي الصحيح: ~~"إن ذلك كان في جيش العسرة وهي غزوة تبوك" وفي أخرى فيه: "أنه أعطاهم ستة ~~أبعرة ابتاعهن من سعد". # ثالثها: في أحكامه وفيه مسائل: # المسألة الأولى: الحنث إذا رآه خيرا من التمادي على اليمين وقد سلف في ~~الحديث قبله. # المسألة الثانية: جواز الحلف من غير استحلاف. # المسألة الثالثة: تقديم ما يقتضي الحنث في اللفظ على الكفارة، إن كان ~~معنى: "وتحللتها" التكفير عنها. قال الشيخ تقي الدين: ويحتمل أن يكون معناه ~~إتيان ما يقتضي الحنث، فإن التحلل يقتضي العقد. والعقد هو ما دلت عليه ~~اليمين من موافقة مقتضاها، فيكون التحلل الإتيان بخلاف مقتضاها ثم قال: # فإن قلت: فيكفي عن هذا قوله: "أتيت الذي هو خير" فإنه بإتيانه إياه تحصل ~~مخالفة اليمين والتحلل منها، فلا يفيد قوله حينئذ: "وتحللت". فائدة: زائدة ~~على ما في قوله: "أتيت الذي هو خير". # ثم أجاب بأن فيه فائدة التصريح والتنصيص على كون ما فعله محللا والإتيان ~~به بلفظه يناسب الجواز والحل صريحا. فإذا صرح بذلك كان أبلغ مما أتى به على ~~سبيل الاستلزام. PageV09P250 # الرابعة: تأكيد ما يخبر به الإنسان عن نفسه في المستقبل بالقسم فإنه - ~~صلى الله عليه وسلم - أكد في هذا الحديث للحكم المذكور باليمين بالله تعالى ~~عليه، وهو يقتضي المبالغة في ترجيح الحنث على الوفاء عند هذه الحالة. # وفيه أيضا تطييب قلب أصحابه وأمته إذا وقع لهم ذلك أن لا يخرجوا منه وهذا ~~"الخير" الذي أشار إليه أمر يرجع إلى مصالح الحنث، المتعلقة بالمفعول ~~المحلوف على تركه. # خامسها: الاستثناء بإن شاء الله تبركا وأدبا فإن قصد به حل اليمين صح ms1633 ~~بشرط أن يكون متصلا وأن ثبوته قبل الفراغ من اليمين كما ستعلمه في الحديث ~~الرابع إن شاء الله. # سادسها: ترجم البخاري على هذا الحديث الكفارة قبل الحنث (¬1) وبعده، ~~وترجم عليه أيضا الاستثناء في الأيمان (¬2)، وترجم عليه أيضا لا تحلفوا ~~بآبائكم (¬3)، وترجم عليه أيضا بقوله: {والله خلقكم وما تعملون (96)} (¬4) ~~وأراد أن أفعال الخلق مخلوقة لله تعالى PageV09P251 # وهذا مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة. # قال المازري (¬1): معناه أن الله تعالى أتاني، ما أحملكم عليه ولولا ذلك ~~لم يكن عندي ما أحملكم عليه. PageV09P252 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 377/ 3/ 72 - عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ~~صلي الله عليه وسلم -: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم". # ولمسلم: "فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت". # وفي رواية قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم - ينهى عنها، ذاكرا ولا آثرا" (¬1). يعني: حاكيا عن غيري: أنه ~~حلف بها". # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا الحديث ساقه الشيخان بتمام قوله: "قال عمر: PageV09P253 # فوالله" إلى آخره وبدون قوله: "ولمسلم إلى قوله أو ليصمت" من هذا الوجه، ~~ولم أر في البخاري هنا لفظة "ينهى عنها". وفي رواية لمسلم بعد قوله: "آثرا، ~~ولا تكلمت بها"، والحديث من رواية ابن عمر عن عمر ومن رواية ابن عمر أيضا. # وأما الزيادة: التي عزاها المصنف إلى مسلم وحده فليست فيه من هذا الوجه ~~الذي [أورد الحديث من طريقه] (¬1) وإنما هي فيه من رواية ابن عمر وهذا ~~لفظه: عن ابن عمر عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أنه أدرك عمر بن ~~الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه. فناداهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت". وهذه الزيادة ثابتة في "صحيح البخاري" أيضا في هذا الباب، وهذا ~~لفظه: عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أدرك عمر بن ~~الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: إن الله ms1634 ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ~~من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" يظهر أن هذه [الزيادة] (¬2) ليست في ~~هذا الحديث من هذا الطريق وأنها ليست من أفراد مسلم فتنبه لذلك فإنه يساوي ~~رحله. وقد وقع للمصنف هذا الموضع في "عمدته الكبرى" أيضا. # الثاني: سبب النهي أن قريشا كانت تحلف بآبائها كما ثبت في الصحيحين من ~~حديث ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - PageV09P254 # قال: "من كان حالفا، فلا يحلف إلا بالله" (¬1) [وكانت] (¬2) قريش تحلف ~~بآبائها فقال: لا تحلفوا بآبائكم. وقد أسلفنا من حديثه أيضا أنه -عليه ~~الصلاة والسلام- أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول ~~الله - صلي الله عليه وسلم -: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. # الثالث: سر النهي عنه أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به وحقيقة العظمة لله ~~عز وجل لا شريك له فيها فإنها إزاره والكبرياء رداءه فمن نازعه فيهما قصمه ~~كما صح في الأحاديث الصحيحة (¬3) حكاية [عنه] (¬4) سبحانه [وتعالى] (¬5)، ~~وإذا كان كذلك فلا تضاهي بالتعظيم غيره. وقد قال ابن عباس: "لئن أحلف بالله ~~فآثم أحب إلي من أن أضاهي"، ومعنى أضاهي أحلف بغيره، وقيل: يرى أنه حلف وما ~~حلف ويؤيد الأول الرواية الأخرى عنه "لئن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من ~~أن أحلف بغيره فأبر" # الرابع: قد فسر المصنف معنى قوله: "آثرا" (¬6). وهو بمد PageV09P255 # الهمزة، أي: ما حلفت بها بعد النهي ذاكرا، أي: قائلا لها من قبل نفسي ولا ~~أروي عن غيري أنه قالها وهو مأخوذ من قوله: آثر الحديث فآثره إذا حدث به. # الخامس: في أحكامه: # الأول: المنع من الحلف بغير الله تعالى فإنه -عليه الصلاة والسلام- قال ~~بعد ذلك فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت. وجرى ذكر الآباء أولا لأنه ~~هو السبب المثير له وهذا المنع للتنزيه على المشهور عند الشافعية، وقيل: ~~إنه معصية. وحكاه المالكية أيضا ولم يعزه الشيخ تقي الدين (¬1) إلا إليهم ~~حيث قال: والخلاف موجود عند المالكية. وتوبع على ذلك ويدل للثاني قوله ~~-عليه ms1635 الصلاة والسلام- "من حلف بغير الله فقد أشرك" (¬2) رواه الحاكم في PageV09P256 # "مستدركه" من حديث ابن عمر وقال: صحيح على شرط الشيخين وللأول: أن يحمله ~~على من اعتقد فيما حلف به من التعظيم ما يعتقد في الله تعالى. # فإن قلت: ما يصنع بقوله -عليه الصلاة والسلام- للأعرابي: "أفلح وأبيه إن ~~صدق". قلت: عنه أجوبة: # أحدها: أن هذا كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القسم والنهي ~~إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف. قاله جماعات منهم البيهقي في "سننه" (¬1). ~~وقال النووي في "شرحه" (¬2) إنه الجواب المرضي. قال ابن الأثير في "جامعه" ~~(¬3): وهذه اللفظة جارية في كلام العرب على ضربين: للتعظيم، وللتأكيد، ~~والتعظيم هو المنهي عنه وأما التوكيد فلا، كقول الشاعر: # لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم ... لقد كلفتني خطة لا أريدها # فهذا توكيد لأنه لا يريد أن يقسم بأبي الواشين. وهذا في كلامهم كثير. # الثاني: أنه على حذف مضاف، أي: ورب أبيه. # وعبارة البيهقي عنه في "سننه" (¬4) يحتمل أنه كان -عليه الصلاة PageV09P257 # والسلام- أضمر فيه اسم الله تعالى كأنه قال: لا ورب أبيه وغيره لا يضمر. ~~بل يذهب فيه مذهب التعظيم لأبيه. # ثالثها: أنه قبل النهي قاله البيهقي (¬1) والماوردي (¬2) وغيرهما. وسمعت ~~شيخنا يجيب بجوابين آخرين: # أحدهما: أنه يحتمل أن يكون الحديث "أفلح والله" فقصر الكاتب اللامين ~~فصارت "وأبيه". # ثانيهما: خصوصية ذلك بالشارع دون غيره وهذه دعوى لا برهان عليها. وأغرب ~~القرافي -رحمه الله- حيث قال: هذه اللفظة وهي "وأبيه" اختلف في صحتها فإنها ~~ليست في "الموطأ" وإنما فيها أفلح إن صدق، وهذا عجيب، فالزيادة بأبيه لا شك ~~في صحتها ولا مرية. # فإن قلت: فقد وقع في القرآن العظيم القسم بغيره تعالى كالشمس، والعاديات ~~والضحى والليل وغير ذلك. # قلت: عنه جوابان: # أحدهما: أنه على حذف مضاف أيضا كما سلف في الحديث. # ثانيهما: أن الله تعالى يقسم بما شاء للتنبيه على شرفه [فإنه المتصرف في ~~ملكه كيف شاء] (¬3) ونحن لا نتصرف إلا كما أذن لنا PageV09P258 # وقد أبلغنا نبيه -عليه الصلاة والسلام-، فقال: من كان حالفا فليحلف ms1636 بالله ~~أو ليصمت. # تنبيهات: # أحدها: يكره أيضا أن يحلف بغير الله تعالى. # قال الماوردي من أصحابنا: ولا يجوز أن يحلف أحد بطلاق ولا عتاق ولا نذر ~~لأنها تخرج عن حكم اليمين إلى إيقاع فرقة وإلزام عزم، قال: وإذا حلف الحاكم ~~بذلك عزله الإمام لجهله. # ثانيها: الحلف بالأمانة أشد كراهة من غيره. وفي سنن أبي داود (¬1) من ~~حديث بريدة رفعه: "من حلف بالأمانة فليس منا" "وكان عمر - رضي الله عنه - ~~ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي" رواه أحمد في كتاب "الزهد" له. # ثالثها: لو خالف وحلف بغيره كالنبي والكعبة وغيرها من المخلوقات لم ينعقد ~~يمينه، وقال أحمد: تنعقد بالنبي لأنه أحد PageV09P259 # ركني الشهادة كاسم الله تعالى (¬1). # الحكم الثاني: إباحة الحلف بالله تعالى. قال أصحابنا: وهي مكروهة لأنه ~~جعل الله تعالى عرضة يمينه وقد نهاه عنه ولأنه ربما عجز عن الوفاء بها ~~ويستثنى من هذا مسائل. # الأولى: أن تكون في طاعة كقوله: "والله لأغزون قريشا" (¬2). # الثانية: الأيمان الواقعة في الدعاوى إذا كانت صادقة. PageV09P260 # الثالثة: إذا دعت إليها حاجة كتوكيد وتعظيم أمر وعليه ينزل ما ثبت في ~~الأحاديث الصحيحة من الحلف وشذت فرقة فمنعت اليمين بالله تعالى للآية ~~السالفة. # الثالث: حكم سائر أسمائه تعالى حكم هذا الاسم بالاتفاق. # الرابع: جواز الحلف بالصفات أيضا كالعلم والقدرة والعظمة والعزة ~~والكبرياء والكلام والمشيئة (¬1) لأن الحلف بها كالحلف بالذات فينعقد ~~اليمين وإن أطلق، إلا أن يسوي بالعلم المعدوم وبالقدرة المقدور وفيه خلاف ~~محل بسطه كتب الفقه فإنه أليق به. # واعلم أن ما يقسم به ثلاثة أنواع: # أحدها: ما يباح به اليمين وهو القسم بأسماء الله تعالى وصفاته العلية وقد سلف. # ثانيها: ما يحرم به اليمين وهو القسم بالأنصاب والأزلام واللات والعزى ~~ونحو ذلك. فإن قصد تعظيما كفر، وإلا أثم. وممن نص على ذلك من المالكية ابن ~~الحاجب ومثله الحلف بنعمة السلطان وتربة الشهيد ونحو ذلك. وفي الصحيحين من ~~حديث أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "من حلف فقال في حلفه ~~واللات والعزى فليقل: لا إله ms1637 PageV09P261 # إلا الله" (¬1)، وإنما أمر بذلك لأنه تعاطى بحلفه صورة تعظيم الأصنام حتى ~~حلف بها ولا كفارة عليه في هذا عند مالك والشافعي والجمهور خلافا لأبي حنيفة. # ثالثها: ما يختلف فيه بالتحريم والكراهة وهو ما عدا ذلك مما يقتضي تعظيمه كفرا. # الحكم الخامس: المبالغة في الاحتياط في الكلام بأن لا يحكى قول الغير ~~الذي منع الشرع منه لئلا يجري على اللسان ما صورته صورة الممنوع شرعا وهذا ~~معنى قول عمر - رضي الله عنه -: "ولا آثرا". PageV09P262 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 378/ 4/ 72 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلي الله عليه ~~وسلم - قال: "قال سليمان بن داود -عليهما السلام-: لأطوفن الليلة على سبعين ~~امرأة، تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله. فقيل له: قل إن شاء ~~الله فلم يقل, فطاف بهن، فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة: نصف إنسان. قال: ~~فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان ~~ذلك دركا لحاجته" (¬1). # قوله: "قيل له: قل إن شاء الله". يعني: قال له الملك. # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه، وبالأسماء الواقعة فيه. # أما سليمان على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام فهو أحد المؤمنين الذي ~~ملكهما تعالى الدنيا كلها والآخر ذو القرنين وقيل: إن PageV09P263 # الدنيا كلها ملكها أربعة: مؤمنان وهما هذان، وكافران وهما نمرود وبخت ~~نصر. قال القضاعي: ويقال إنه ملك بعد أبيه وله اثنتا عشرة سنة من عمره وسخر ~~الله معه الجن والإنس والطير والريح وأتاه النبوة، وكان إذا جلس في مجلسه ~~عكفت عليه الطير وقام له الإنس والجن، وكان إذا أراد سفرا لغزو أمر فنصب له ~~خشب وحمل عليه ما يريد من الناس والدواب وآلة الحرب ثم يأمر العاصف من ~~الريح فيدخل تحت ذلك الخشب ليحمله فإذا انتقل أمر الرخا فمدته شهرا في غدوه ~~وشهرا في روحته إلى حيث يشاء. عاش ثلاثا وخمسين سنة. وترجمته مبسوطة في ~~كلامي على رجال هذا الكتاب فراجعها منه. # وأما والده: على نبينا وعليه أفضل الصلاة ms1638 والسلام فترجمته أيضا مبسوطة في ~~الكتاب المذكور فراجعها منه. وأما التعريف براويه فسلف أول الكتاب. # الوجه الثاني: في ألفاظه ومعانيه: # قوله: "لأطوفن" كذا هو في الروايات كلها وفي بعض نسخ "صحيح مسلم" ~~و"البخاري" "لأطيفن" وهما لغتان فصيحتان يقال: طاف بالشيء وأطاف به إذا دار ~~حوله وتكرر عليه فهو طائف ومطيف وهو هنا كناية عن الجماع. واللام في قوله: ~~"لأطوفن" الظاهر أنها لام جواب القسم، أي: والله لأطوفن ويؤيده قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "لو قال إن شاء الله لم يحنث", لأن عدم الحنث ووجوده لا ~~يكون إلا عن قسم ويبعد أن تكون ابتدائية، وأن ذلك حكاية عن قول سليمان من ~~غير قسم. PageV09P264 # وقوله: "على سبعين امرأة" هو إحدى الروايات من قدر ذلك. # وفي أخرى في مسلم "كان له ستون امرأة فقال: لأطوفن عليهن الليلة"، وفي ~~أخرى له: "على تسعين امرأة". وفي كتاب النكاح من البخاري "مائة امرأة". ~~وجاء في رواية أخرى: "على تسع وتسعين" ولا منافاة بين هذه الروايات لأنه ~~ليس في ذكر القليل نفي الكثير وهو من مفهوم العدد ولا يعمل به جمهور أهل ~~الأصول. # وقوله: "تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله". هذا قاله على سبيل ~~التمني للخير وجزم بذلك لغلبة رجائه وقصد به الآخرة والجهاد في سبيل الله ~~تعالى لا لعرض الدنيا. قال بعض المتكلمين: نبه -عليه الصلاة والسلام- في ~~هذا الحديث على آفة التمني والإعراض عن التسليم [والتفويض] (¬1) قال: ومن ~~آفته نسيانه الاستثناء ليمضي فيه القدر السابق. # و"الغلام" سلف الكلام فيه لغة. على الحديث الرابع من باب الاستطابة، ~~والمراد هنا الشاب المطيق للقتال. # وقوله: " [قيل له:] (¬2) قل إن شاء الله". يعني: قاله له الملك كما سلف ~~من كلام المصنف وهو مصرح به في "صحيح البخاري" في نفس الحديث وهذا لفظه، ~~"فقال له الملك: قل إن شاء الله فلم يقل ونسي" ذكره في أثناء النكاح (¬3). PageV09P265 # وفي "صحيح مسلم": "فقال له صاحبه: أو الملك". وهو شك من أحد رواته، وفي ~~رواية له: "فقال له صاحبه"، بالجزم من غير ms1639 تردد. قال القرطبي (¬1): فإن كان ~~صاحبه فيعني به وزيره من الإنس أو من الجن، وإن كان الملك فهو الذي كان ~~يأتيه بالوحي. قال: وقد أبعد من قال: هو خاطره. # وقال النووي (¬2): قيل المراد بصاحبه الملك وهو الظاهر من لفظه وقيل: ~~القرين، وقيل: صاحب له آدمي. # وقوله: "فقيل له قل إن شاء الله فلم يقل". قال القاضي عياض (¬3): قد فسر ~~في الحديث الآخر بقوله: "فنسي"، وقيل: صرف عن الاستثناء ليتم سابق حكمه ~~تعالى. وقيل: هو على التقديم والتأخير، والتقدير: فلم يقل إن شاء الله فقيل ~~له: قل إن شاء الله. # وقوله: "فلم يقل"، أي بلسانه لا أنه غفل عن التفويض إلى الله بقلبه فإنه ~~لا يليق بمنصب النبوة. # قال القرطبي (¬4): وهذا كما اتفق لنبينا محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام- ~~لما سئل عن الروح، والخضر، وذي القرنين، فوعدهم أن يأتي بالجواب غدا، جازما ~~بما عنده من معرفته بالله لكنه ذهل عن النطق بالمشيئة لا عن التفويض فاتفق ~~أن تأخر الوحي عنه PageV09P266 # ورمى بما رمي لأجل ذلك ثم علمه الله بقوله: {ولا تقولن لشيء} الآية. فكان ~~بعد ذلك يستعمل هذه الكلمة حتى في الواجب. # وقوله: "وطاف بهن" في بعض روايات البخاري: "فأطاف بهن" وقد تقدم أنها لغتان. # وقوله: "نصف إنسان". قيل: إنه الجسد الذي ذكر الله أنه ألقي على كرسيه. ~~وفي مسلم "شق غلام" وفي لفظ: "بشق رجل" وفي بعض طرق البخاري: "فلم يحمل ~~شيئا إلا واحدا ساقطا إحدى شقيه". # وقوله: "لو قال إن شاء الله" إلى آخره، هذا محمول إلى أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- أوحي إليه بذلك في حق سليمان لا أن كل من فعل هذا لم يحصل له هذا. ~~وفي بعض طرقه في الصحيح: "وأيم الله الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله ~~لجاهدوا في سبيل الله". وهذا من خصائص نبينا -عليه الصلاة والسلام- في ~~اطلاعه على أخبار الأنبياء السالفة والأمم الماضية. # وقوله: "وكان دركا لحاجته" هو بفتح الراء اسم من الإدراك، أي: لحاقا. قال ~~تعالى: {لا تخاف دركا} (¬1). المعنى أنه كان ms1640 يحصل له ما أراد. وفي رواية ~~للبخاري: "وكان أرجى لحاجته". # الوجه الثالث: في فوائده وأحكامه: # الأولى: قصد فعل الخير وتعاطي أسبابه. PageV09P267 # الثانية: استحباب الاستثناء لمن قال سأفعل كذا قال تعالى: {ولا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله}. وكان -عليه الصلاة والسلام- ~~يقولها إذا مر على المقابر أيضا. وقد ظهر أثر المشيئة أيضا في قصة يأجوج ~~ومأجوج لما قال الذي عليهم "ارجعوا وستحفرونه غدا" (¬1). -يعني: السد- إن ~~شاء الله فيجدونه كهيئته حين تركوه، فيحفرونه، ويخرجون"، وفي كل يوم قبل ~~ذلك لم يستثن فيجدونه كأشد ما كان فينبغي إذن أن لا يترك في حال. # الثالثة: ما خص به الأنبياء من القوة على إطاقة هذا في ليلة واحدة. وكان ~~نبينا عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام يطوف على إحدى عشرة في الساعة ~~الواحدة كما ثبت في الصحيح (¬2). وهذا كله من زيادة القوة وصحة البنية مع ~~ما كانوا فيه من الجهد كما هو معلوم من حالهم. وهو يوجب في العادة الضعف عن ~~ذلك فخرق الله لهم العادة في أبدانهم كما خرقها لهم في معجزاتهم وأكثر ~~أحوالهم. # وحكى القرطبي في قوله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من ~~فضله} (¬3). قال: كان سليمان أكثر الأنبياء نساء اجتمع PageV09P268 # عنده ألفا امرأة وثلاثمائة مهرية وسبعمائة سرية وكان له قوة أربعين نبيا. ~~[وقال مجاهد أعطي نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - قوة أربعين رجلا كل ~~رجل من أهل الجنة. قال القاضي حسين: لا يجوز أن يوصف نبي من الأنبياء ~~بالعنة لأنها عيب وهم منزهون عن العيوب، ذكره رادا على من فسر "الحصور" ~~بأنه الذي لا يأتي النساء عجزا] (¬1). # قال أبو بكر الوراق: كل شهوة تقسي القلب إلا الجماع فإنه يصفيه، ولذلك ~~كانت الأنبياء تفعله كثيرا. ويقال: إن كل من كان اتقى الله فشهوته أشد لأن ~~الذي لا يكون تقيا يتفرج بالنظر وغيره بخلاف التقي. # رابعها: أن اتباع المشيئة لليمين بالله ترفع حكمها. قال القاضي عياض ~~(¬2): أجمع المسلمون على أن قوله: إن شاء الله، يمنع انعقاد اليمين ms1641 بشرط ~~كونه متصلا قال: ولو جاز منفصلا كما روي عن بعض السلف لم يحنث في يمين قط ~~ولم يحتج إلى كفارة. # قال: واختلفوا في الاتصال. # فقال مالك والأوزاعي والشافعي والجمهور: هو أن يكون قوله: "إن شاء الله" ~~متصلا باليمين من غير سكوت بينهما ولا يضر سكتة التنفس والقيء. PageV09P269 # والأصح عند أصحابنا: اشتراط نية الاستثناء قبل فراغ اليمين أيضا. # وعن طاوس والحسن وجماعة من التابعين: أن له الاستثناء ما لم يقم من ~~مجلسه. وقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم، وقال عطاء: قدر حلبة ناقة. # وقال سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر. وعن ابن عباس الاستثناء أبدا متى ~~يذكره، وعنه إلى شهر وعنه إلى سنة، وعن بعضهم له ذلك سنة أو سنتين. وتأول ~~بعضهم هذا المنقول عن هؤلاء على أن مرادهم أنه يستحب له قول إن شاء الله ~~تبركا ولقوله تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت}. ولم يريدوا به حل اليمين ومنع الحنث. # وأما قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فقال له صاحبه قل إن شاء الله"، فلا ~~دلالة فيه على جواز الانفصال لأنه يحتمل أن يكون صاحبه قال له ذلك وهو بعد ~~في أثناء اليمين، أو أن الذي جرى منه ليس بيمين فإنه ليس في الحديث تصريح بيمين. # أما إذا استثنى في الطلاق والعتق وغير ذلك سوى اليمين بالله تعالى فقال: ~~أنت طالق إن شاء الله أو أنت حر إن شاء الله، أو أنت علي كظهر أمي إن شاء ~~الله، وما أشبه ذلك. # فمذهب الشافعي والكوفيين وأبي ثور: صحة الاستثناء في جميع ذلك كما أجمعوا ~~عليها في اليمين بالله تعالى فلا يحنث في طلاق ولا عتق ولا ينعقد ظهاره ولا ~~نذره ولا إقراره ولا غير ذلك مما يتصل به قول إن شاء الله. PageV09P270 # وقال مالك والأوزاعي: لا يصح الاستثناء في شيء من هذا إلا اليمين بالله تعالى. # وقال الحسن: يصح فيها وفي العتق والطلاق خاصة. # قال الشيخ تقي الدين (¬1): فرق مالك بين الطلاق واليمين بالله تعالى، ~~وإيقاعه الطلاق بخلاف اليمين بالله, لأن الطلاق ms1642 حكما قد شاءه الله مشكل جدا. # قلت: وبعض متأخري المالكية استدل بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "من كان ~~حالفا فليحلف بالله أو ليصمت". فاليمين المشروعة هي بالله تعالى فانصرف ~~الاستثناء في هذا الحديث وغيره إليها بخلاف غيرها فإنها لم تشرع فلا ينصرف ~~الاستثناء إليها. # تنبيه: # المشيئة ترد على أوجه: # أحدهما: إلى الفعل المحلوف عليه، مثلا كقوله: "لأدخلن الدار إن شاء الله" ~~وأرد رد المشيئة إلى الدخول، أي: إن شاء الله دخولها. وهذا هو الذي ينفعه ~~الاستثناء بالمشيئة ولا يحنث إن لم يفعل. # ثانيها: أن ترد إلى نفس اليمين، فلا ينفعه الرجوع، لوقوع اليمين وتيقن ~~مشيئة الله تعالى. # ثالثها: أن يذكره على سبيل الأدب في تفويض الأمر إلى مشيئة PageV09P271 # الله وامتثالا للآية السالفة لا على قصد معنى التعليق. وهذا لا يرفع حكم ~~اليمين (¬1). # الحكم الخامس: أن الاستثناء لا يكون إلا باللفظ ولا تكفي فيه النية لقوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "لو قال إن شاء الله لم يحنث" وبهذا قال مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة. # وحكي عن بعض المالكية أن قياس قول مالك إن اليمين تنعقد بالنية صحة ~~الاستثناء بالنية من غير لفظ، وتبع بعضهم ذلك وفرق بأن اليمين خروج من ~~الإباحة إلى الحرمة فيكفي فيها أيسر الأسباب بخلاف الاستثناء فلا يكفي فيه ~~إلا أقواها. # السادس: إن الكناية في اليمين مع النية، فالصريح في حكم اليمين, لأنه ~~-عليه الصلاة والسلام- حكى عن سليمان -عليه السلام- أنه قال: "لأطوفن" وليس ~~فيه التصريح باسم الله تعالى، لكنه مقدر، لأجل اللام الداخلة على قوله: ~~"لأطوفن" فإن كان قد قيل بذلك وأن اليمين ينعقد بمثله فالحديث حجة لمن ~~قاله, وإن لم يكن فيحتاج إلى تأويله وتقدير اللفظ باسم الله تعالى صريحا في ~~المحكي وإن كان ساقطا في الحكاية، وهذا ليس بممتنع في الحكاية. فإن من قال: ~~"والله لأطوفن" فقد قال: "لأطوفن" فإن اللافظ بالمركب لافظ بالمفرد (¬2). # السابع: إذا تقرر ذلك فلا صراحة في الحديث على مقسم به PageV09P272 # معين، فقد يستدل به عن قال: أحلف أو أشهد وما أشبه ms1643 ذلك أنه يمين إذا نواه ~~وهو مذهب مالك. # وقال أبو حنيفة: ويمين مطلقا. # وقال الشافعي: لا مطلقا. # الثامن: جواز الإخبار عن الشيء ووقوعه في المستقبل، بناء على الظن، فإن ~~هذا الإخبار -أعني قول سليمان -عليه الصلاة والسلام- تلد كل امرأة منهن ~~غلاما- فلا يجوز أن يكون عن وحي، وإلا لوجب وقوع مخبره. # وأجاز أصحابنا الحلف على الظن في الماضي [وقالوا: يجوز أن يحلف على خط ~~مورثه إذا وثق بخطه وأمانته وجوزوا العمل به واعتماده. وذكر بعضهم أضعف من ~~هذا وأجاز العمل بالقرينة وإن كانت ضعيفة وذكره بعض المالكية احتمالا. # التاسع: قد يؤخذ منه ثبوت حكم الاستثناء وإن لم ينو من أول اللفظ, لأن ~~الملك قال له: "قل إن شاء الله" عند فراغه من اليمين، فلو لم يثبت حكمه لما ~~أفاد قوله. # قال الشيخ تقي الدين (¬1): لكن يمكن أن يجعل ذلك تأدبا لا لرفع اليمين، ~~فلا يكون فيه حجة، وأقوى من ذلك في الدلالة قوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"لو قال إن شاء الله, لم يحنث" مع احتماله للتأويل. وصحح أصحابنا أنه لابد ~~من نية الاستثناء قبل فراغ اليمين PageV09P273 # كما مضى, وقال بعضهم: يشترط نيته من أولها. والصحيح من مذهب مالك أيضا أن ~~الشرط أن ينوي معها أو مع آخر حرف من حروفها، وقيل: لابد من نيته قبل قطعه ~~بجميع حروف اليمين والله أعلم. # العاشر: جواز استعمال "لو، ولولا" لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لو قال ~~إن شاء الله لم يحنث". وقد جاء في القرآن كثيرا. وفي كلام الصحابة والسلف ~~وترجم البخاري (¬1) على هذا باب ما يجوز من اللو، وأدخل فيه قول لوط -عليه ~~الصلاة والسلام-: {لو أن لي بكم قوة} (¬2) وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"لو كنت راجما بغير بينة لرجمت هذه" (¬3)، "لو مد لي الشهر لواصلت" (¬4)، ~~"ولولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم -عليه السلام-" ~~(¬5)، "ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار" (¬6)، وأمثال هذا. # قال القاضي عياض (¬7): والذي يفهم من ترجمة البخاري وما ذكره في الباب من ~~الآيات والآثار إنه يجوز استعمال لو ms1644 ولولا فيما يكون من الاستقبال فما ~~امتنع من فعله لامتناع غيره، وفيما هو من PageV09P274 # باب الممتنع من فعله لوجود غيره وهو من باب "لولا" ولم يدخل في الباب سوى ~~ما هو الاستقبال أو ما هو حق صحيح مستيقن لحديث: "لولا الهجرة لكنت امرأ من ~~الأنصار"، دون الماضي والمنقضي أو ما فيه اعتراض على الغيب والقدر السابق. # وقد ثبت في الحديث الصحيح الآخر في مسلم "وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني ~~فعلت كذا لكان كذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل". # قال القاضي: حكاية (¬1) عن بعض العلماء: هذا إذا قاله على جهة الحتم ~~والقطع بالغيب "أنه لو كان كذا لكان كذا" من غير ذكر مشيئة الله تعالى ~~والنظر إلى سابق قدره وحق علمه علينا، فأما إذا قاله على التسليم ورد الأمر ~~إلى المشيئة فلا كراهة فيه. # قال القاضي: وأشار بعضهم إلى أن "لولا" بخلاف "لو". # قال القاضي (¬2): والذي عندي أنهما سواء إذا استعملتا فيما لم يحط به ~~الإنسان علما، ولا هو داخل تحت مقدور قائلها مما هو تحكم على الغيب واعتراض ~~على القدر كما نبه عليه في الحديث. # ومثله قول المنافقين: {لو أطاعونا ما قتلوا}، {لو كانوا عندنا ما ماتوا ~~وما قتلوا}، {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا}، {أنت وربك فقاتلا ~~إنا} , فرد الله عليهم باطلهم فقال: {فادرءوا عن PageV09P275 # أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (168)}. فمثل هذا هو المنهي عنه، وأما هذا ~~الحديث الذي نحن فيه فإنما أخبر -عليه الصلاة والسلام- فيه عن يقين نفسه أن ~~سليمان -عليه الصلاة والسلام-: "لو قال إن شاء الله لجاهدوا"، إذ ليس هذا ~~مما يدرك بالظن والاجتهاد وإنما أخبر عن حقيقة أعلمه الله تعالى وهو نحو ~~قوله -عليه الصلاة والسلام- "لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء ~~لم تخن امرأة زوجها" (¬1) فلا PageV09P276 # معارضة بين هذا وبين حديث النهي عن "لو"، وقد قال الله تعالى: {قل لو ~~كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم}، {ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه}. ms1645 وكذا ما جاء من "لولا"، كقوله تعالى: {لولا كتاب من الله ~~سبق لمسكم}، {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا}، {فلولا أنه كان من ~~المسبحين (143) للبث في بطنه}. لأن الله تعالى مخبر في ذلك عما مضى أو يأت ~~عن علم خبر قطعيا، وكل ما يكون من "لو" "ولولا" مما يخبر به الإنسان عن علة ~~امتناعه من فعله مما يكون فعله في قدرته فلا كراهة فيه لأنه إخبار حقيقة عن ~~امتناع شيء لسبب شيء أو امتناع أو حصول شيء لامتناع [شيء] (¬1). # وتأتي "لو" غالبا لبيان السبب الموجب أو النافي فلا كراهة في كل ما كان ~~من هذا إلا أن يكون كاذبا من ذلك كقول المنافقين "لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم". # الحادي عشر: فيه أيضا استحباب التعبير باللفظ الحسن عن غيره فإنه عبر عن ~~الجماع بالطواف كما سلف نعم لو دعت ضرورة شرعية إلى التصريح به لم يعدل ~~عنه. PageV09P277 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 379/ 5/ 72 - عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ~~- صلي الله عليه وسلم -: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرىء مسلم هو ~~فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان، ونزلت: {إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا}، إلى آخر الآية (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # والتعريف براويه سلف في أول الصلاة: # الأول: يجوز تنوين "يمين" على أن يكون صبر صفة لها ويكون من باب رجل عدل ~~وترك تنوينه على الإضافة، وهو المعروف المشهور في الرواية. # الثاني: معنى "الصبر" هنا الحبس كما وجد في بعض نسخ الكتاب، أي: يحبس ~~نفسه على اليمين بها كاذبة غير مبال بها فكأنه PageV09P278 # يحبس نفسه على أمر عظيم وهي اليمين الحانثة، ومنه نهى أن تصبر البهائم ~~(¬1)، أي: تحبس وتجعل غرضا يرمى إليها. وقال القاضي عياض (¬2): الصبر هنا ~~يحتمل أن يكون بمعنى الإكراه، أي: أكره حتى حلف، ويحتمل أن يكون بمعنى ~~الجرأة والإقدام ومنه قوله تعالي: {فما أصبرهم على النار (175)}. # قلت: هذا الثاني هو الظاهر مع ما ذكرته من كونه الحبس. # الثالث: ms1646 هذه اليمين تسمى أيضا غموسا لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو في ~~النار، وهي من الكبائر وتتعلق بها الكفارة عند الشافعي خلافا للأئمة ~~الثلاثة، قالوا: وإثمها أعظم من أن يكفر، قال الماوردي (¬3) وغيره من ~~الشافعية: وهذه اليمين يستحيل فرض انعقادها لأن عقدها، إنما يكون فيما ~~ينتظر بعدها من برأو حنث، وهذه اليمين قد اقترن بها الحنث بعد استيفاء ~~لفظها، فلذلك لم تنعقد، ووجبت الكفارة باستيفاء اليمين، ونحن نعتبر في وجوب ~~الكفارة مجرد [. . .] (¬4) والحنث، وقد وجدا في هذه اليمين ولا يعتبر ~~الانعقاد. PageV09P279 # الرابع: كأن ذكر المسلم [. . .] (¬1) من باب التشنيع على الحالف والحالة ~~هذه كما يقال ذم العالم حرام وإن كان ذم غيره حرام لكن قيل هذا أشنع من قبل ~~غيره ممن لم يتصف بهذا الوصف. وقال القاضي: خص بالذكر لأنه المخاطب وغالب ~~المعاملات واقعة معه. # الخامس: في الحديث وعيد شديد لفاعل هذه اليمين الكاذبة فإن غضب الله ~~تعالى هو إرادة إبعاد ذلك المغضوب عليه من رحمته (¬2) وذلك لما فيه من أكل ~~المال بالباطل ظلما وعدوانا والاستخفاف بحرمة اليمين بالله تعالى. # سادسا: فيه أيضا تعظيم حرمة مال المسلم وإن قل وعصمته وهو دال على حرمة ~~ذاته من باب أولى. # سابعا: فيه أيضا تعظيم القسم بالله مطلقا. # الثامن: هذا الحديث يقتضي تفسير الآية المذكورة بالمعنى السالف وفي ذلك ~~اختلاف المفسرين, ويترجح قول من ذهب إلى هذا المعنى لهذا الحديث وسيأتي من ~~حديث الأشعث بن قيس الآتي أنها نزلت فيه وفي صاحب له في بئر كانت بينهما. PageV09P280 # وفي "صحيح البخاري" (¬1) من حديث عبد الله بن أبي أوفى "أن رجلا أقام ~~سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطى ما لم يعط ليوقع فيها رجلا من ~~المسلمين فنزلت"، والله أعلم. # وعن عكرمة (¬2) وعطاء أنها نزلت في رؤوس اليهود كعب بن الأشرف وغيره لما ~~كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا تفوتهم المآكل ~~والدعوة والرشى التي كانت عليهم من ms1647 أتباعهم. # واعلم أن بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز وهو أمر ~~يحصل للصحابة بقرائن مختلفة بالقضايا حتى قال بعض المحدثين تعيين الصحابي ~~مرفوع مطلقا لأنهم أعلم بتنزيل الوحي ومواقعه وأسبابه، والصحيح أن ما تعلق ~~بسببه نزول آية أو تقديم حكم أو غيره مرفوع وإلا فموقوف. # التاسعة: هذه الآية يدخل فيها الكفر فما دونه من جحد حقوق ونحوها وكل أحد ~~يأخذ من وعيدها على قدر جريمته. # العاشر: يؤخذ منه أن حكم الحاكم لا يغير سببا ولا يخرجه عن حقيقته التي ~~هو عليها في نفس الأمر وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور خلافا لأبي ~~حنيفة. PageV09P281 # الحادي عشر: يدخل فيه الموري في الأيمان فإنها لا تنفعه إذا كان المحلف ~~حاكما وحلفه بالله تعالى، فإن حلفه بغيره كالطلاق والعتاق إذا حلف ابتداء ~~من غير تحليف حاكم أو حلفه غير حاكم بنفيه. # نعم لا يجوز فعلها إذا كان فيها إبطال حق مستحق عليه إجماعا، هذا تفصيل ~~مذهب الشافعي. ونقل القاضي عياض عن مالك وأصحابه في ذلك خلاف وتفصيلا ليس ~~هذا موضع ذكره فإن محله كتب الفروع. PageV09P282 ### ||| AUTO الحديث السادس # 380/ 6/ 72 - عن الأشعث بن قيس قال: "كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، ~~فاختصمنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم -: شاهداك، أو يمينه. # قلت: إذا يحلف ولا يبالي. فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "من ~~حلف على يمين صبر يقتطع بها مال أمرىء مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله [عز ~~وجل] (¬1) وهو عليه غضبان" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الحديث مذكور في الصحيحين عقب حديث ابن مسعود، ذكره البخاري ~~في مواضع منها: في الشهادات في باب: سؤال الحاكم المدعي هل لك بينة قبل ~~اليمين؟ (¬3) عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم -: "من حلف على يمين PageV09P283 # -وهو فيها فاجر- ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان. ~~قال: فقال الأشعث بن قيس: في والله ms1648 كان ذلك، بيني وبين رجل من اليهود أرض ~~فجحدني فقدمته إلى النبي - صلي الله عليه وسلم -، فقال لي: ألك بينة؟ قال ~~قلت: لا، فقال لليهودي: احلف. قال قلت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إذا يحلف ويذهب بمالي. قال فأنزل الله عنه: {إن الذين يشترون بعهد الله. ~~. . .} إلى آخر الآية. # ومنها إثر هذا الباب ذكره (¬1) موقوفا على ابن مسعود عن أبي وائل عنه: ~~"من حلف على يمين يستحق بها مالا لقي الله وهو عليه غضبان"، ثم أنزل الله ~~تصديق ذلك {إن الذين يشترون بعهد الله} إلى قوله: {أليم (77)} ثم إن الأشعث ~~بن قيس خرج إلينا فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه بما قال، فقال: ~~صدق، لفي أنزلت هذه الآية، كان بيني وبين رجل خصومة في شيء، فاختصمنا إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: شاهداك أو يمينه. فقلت له: إنه ~~إذن يحلف ولا يبالي، فقال النبي - صلي الله عليه وسلم -: من حلف على يمين ~~يستحق بها مالا -وهو فيها فاجر- لقي الله وهو عليه غضبان". فأنزل الله ~~تصديق ذلك. ثم قرأ هذه الآية. # ثم ذكره بعد هذا بورقة (¬2) عن أبي وائل عن عبد الله مرفوعا "من حلف على ~~يمين كاذبا ليقتطع بها مال الرجل -أو قال أخيه- PageV09P284 # لقي الله وهو عليه غضبان. وأنزل الله تصديق ذلك في القرآن {إن الذين ~~يشترون بعهد الله} إلى قوله: {أليم (77)}. فلقيني الأشعث فقال: ما حدثكم ~~عبد الله اليوم؟ قلت: كذا وكذا. قال: بلى في أنزلت. # وذكره في كتاب الرهن (¬1) في باب: إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه ~~فالبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، موقوفا على عبد الله من رواية ~~أبي وائل عنه "من حلف على يمين يستحق بها مالا وهو فيها فاجر لقي الله وهو ~~عليه غضبان"، ثم أنزل الله تصديق ذلك {إن الذين يشترون} إلى قوله: {أليم ~~(77)}، ثم إن الأشعث خرج إلينا فذكره كما سلف، إلا أنه قال في "بئر" بدل ~~"في شيء" وقال بعد وهو عليه غضبان، ثم قرأ هذه الآية ms1649 {إن الذين يشترون بعهد ~~الله}، إلى قوله: {أليم (77)}. # وذكره في الأيمان (¬2) في باب عهد الله عز وجل من حديث أبي وائل أيضا عن ~~عبد الله مرفوعا "من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال رجل مسلم -أو قال ~~أخيه- لقي الله وهو عليه غضبان. فأنزل الله عز وجل تصديقه: {إن الذين ~~يشترون بعهد الله} الآية [قال سليمان في حديثه] (¬3) فمر الأشعث بن قيس ~~فقال: ما يحدثكم عبد الله؟ قالوا له. فقال الأشعث: نزلت في وفي صاحب لي في ~~بئر كانت بيننا". PageV09P285 # وذكر بعد هذا بورقتين في باب قوله [الله] (¬1) تعالى: {إن الذين يشترون ~~بعهد الله} الآية من حديث أبي وائل أيضا عنه مرفوعا "من حلف على يمين صبر ~~يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" فأنزل الله تصديق ذلك: ~~{إن الذين يشترون بعهد الله} إلى آخر الآية (¬2). فدخل الأشعث بن قيس فقال: ~~ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا، فقال: في أنزلت كانت لي بئر في ~~أرض ابن عم لي [فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] (¬3) فقال بينتك ~~أو يمينه، قلت: إذا يحلف عليها يا رسول الله. فقال -عليه الصلاة والسلام-: ~~"من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو ~~عليه غضبان". # وأما مسلم فذكره في أول كتابه في أثناء الإيمان مرفوعا من حديث أبي وائل ~~عن عبد الله قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "من حلف على يمين ~~صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، [هو فيها فاجر] (¬4) لقي الله وهو عليه ~~غضبان". قال: فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: ~~كذا وكذا. قال: صدق أبو عبد الرحمن [في نزلت] (¬5)، كان بيني وبين رجل أرض ~~باليمن. فخاصمته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "هل لك عليه بينة؟ ~~" فقلت: لا. PageV09P286 # قال: "فيمينه". قلت: إذن يحلف. فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -, ~~عند ذلك "من حلف على يمين صبر, يقتطع بها مال امرئ ms1650 مسلم، هو فيها فاجر، لقي ~~الله وهو عليه غضبان"، فنزلت: {إن الذين يشترون. . .} إلى آخر الآية. # ثم رواه من حديث أبي وائل أيضا عن عبد الله، قال: من حلف على يمين يستحق ~~بها مالا هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان. ثم ذكر نحو ما قاله، غير ~~أنه قال: كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله - صلي ~~الله عليه وسلم - فقال: "شاهداك أو يمينه". # ثم رواه من حديث شقيق بن سلمة عن عبد الله رفعه "من حلف على مال امرىء ~~مسلم بغير حقه، لقي الله وهو عليه غضبان" قال عبد الله: ثم قرأ علينا رسول ~~الله - صلي الله عليه وسلم - مصداقه من كتاب الله: "إن الذين يشترون" إلى ~~آخر الآية. هذا سياق رواية الصحيحين للحديثين فتأمل سياق المصنف لهما تجد ~~فيه بعض التعارض. # الوجه الثاني: في التعريف براويه: هو أبو محمد الأشعث بن قيس بن معدي كرب ~~بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية بن الحارث [الأصغر بن الحارث ~~الأكبر] (¬1) بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن ثور بن عفير بن عدي ~~(¬2) بن مرة بن أدد بن PageV09P287 # زيد الكندي وكندة هم ولد ثور بن عفير، قدم على رسول الله - صلي الله عليه ~~وسلم - سنة عشر في وفد كنده في ستين راكبا من كندة وكان رئيسهم، فأسلم ~~وأسلموا وكان رئيسا مطاعا فيهم، وكان في الإسلام وجيها في قومه أيضا. شهد ~~اليرموك وأصيبت عينه وسمي أشعث لشعوثة رأسه. وكان اسمه معدي كرب فسمي أشعث ~~وغلب عليه هذا الاسم حتى عرف به، وزوجه الصديق بعد أن رجع عن ردته أخته أم ~~فروة وهي أم محمد الذي كني به وشهد هو وجرير جنازة فقدم جريرا وقال: إني ~~ارتددت ولم يرتد. وخرج إلى العراق في خلافة عمر مع سعد وشهد القادسية ~~والمدائن وجلولا ونهاوند واختط بالكوفة دارا في كندة ونزلها وشهد تحكيم ~~الحكمين وكان أحد شهود الكتاب. # روي له عن النبي - صلي الله عليه وسلم ms1651 - تسعة أحاديث اتفقا منها على هذا ~~الحديث. روي له عن الشعبي وجماعة من التابعين. مات بعد علي بأربعين ليلة ~~سنة أربعين وقيل: قبله بشهر, وقيل: سنة اثنين وأربعين، ودفن بداره بالكوفة، ~~وصلى عليه الحسن. وكانت ابنة الأشعث تحته. قال ميمون بن مهران: وهو أول من ~~مشيت معه الرجال وهو راكب. قال الأصمعي: وهو أول من دفن في منزله. # فائدة: في الرواة الأشعث بن قيس ثلاثة أولهم هذا، وثانيهم: جابري روى عن ~~علي بن صالح، وثالثهم: همداني كوفي روى عن مسعر بن مكدام. # الوجه الثالث: في بيان المبهم الواقع فيه -أعني الرجل- PageV09P288 # الذي كان بينه وبينه خصومة. هو الجفشيش (¬1) بفتح الجيم وبالشين المعجمة ~~المكررة. وقيل: بالحاء المهملة وقيل: بالخاء المعجمة. قال أبو حاتم: وكنيته ~~أبو الخير. قال الطبراني: له صحبة ولا رواية عنه. # قلت: يبعد هذا رواية البخاري "أنه كان من اليهود اللهم إلا أن يكون أسلم بعد". # وقال ابن طاهر (¬2): اسمه معدان. # الوجه الرابع: في ألفاظه غير ما سلف: # "شاهداك" إما على أن يكون خبر مبتدأ فاعلا بفعل مضمر، أي: أحضر شاهداك أو ~~أشهد ونحو ذلك. # وأما على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: المستحق أو الواجب شرعا، وشاهداك، أي: ~~شهادة شاهديك. # وأما على أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، أي: شاهداك أو يمينه الواجب لك في الحكم. # وقوله: "إذن" اختلف الكتاب في كتابه "إذن" على ثلاثة أقوال: PageV09P289 # أحدها: إنها بالألف مطلقا. # ثانيها: إنها بالنون مطلقا. # ثالثها: إن كانت عاملة فبالنون، وإن كانت ملغاة فبالألف. # الوجه الرابع: في فوائده: # الأولى: الوعيد الشديد على فاعل ذلك. # الثانية: اختلف أهل العلم فيما إذا ادعى على غريمه شيئا فأنكره وأحلفه ثم ~~أراد إقامة البينة عليه بعد الإحلاف هل له ذلك؟ على قولين: # أحدهما: لا. وهو قول للشافعي. # والثاني: نعم، وهو قول مالك، إلا أن يأتي بعذر في تركه إقامة البينة ~~يتوجه له وربما تمسكوا بقوله -عليه الصلاة والسلام- "شاهداك أو يمينه". وفي ~~حديث آخر: "ليس لك إلا ذلك" رواه مسلم من حديث وائل بن حجر، وهو من ms1652 أفراده. ~~ووجه الدليل منه أن "أو" تقتضي أحد الشيئين فلو أجزنا إقامة البينة بعد ~~التحليف لكان له الأمران معا -أعني اليمين , وإقامة البينة- مع أن الحديث ~~يقتضي أنه ليس له إلا أحدهما. # قال الشيخ تقي الدين (¬1): وقد يقال في هذا: إن المقصود من الكلام نفي ~~طريق أخرى لإثبات الحق فيعود المعنى إلى حصر الحجة في هذين الجنسين -أعني ~~البينة واليمين- إلا أن هذا قليل النفع PageV09P290 # بالنسبة إلى [النظر] (¬1) وفهم مقاصد الكلام (¬2)، قاعدة صحيحة نافعة ~~للمناظر في نفسه، غير أن المناظر الجدلي قد ينازع في المفهوم ويعسر تقديره عليه. # الثالثة: قد يستدل الحنفية بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "شاهداك أو ~~يمينه" على ترك العمل بشاهد ويمين، وهو قول أهل الكوفة ويحيى بن يحيى من ~~المالكية. وقال الجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم بخلافه لقضائه ~~-عليه الصلاة والسلام- بذلك كما رواه خلق من الصحابة. # الرابع: فيه رد على المالكية ومن قال بقولهم في إلحاقهم اليمين مع الشاهد ~~في باب الاستحقاق، فإن الحديث ما دل إلا على أحدهما. # الخامسة: فيه دلالة على توجه اليمين مطلقا وإن كان الحق مما لا يثبت إلا ~~بشاهدين كالنكاح ونحوه. وقد قيل إن كل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين فلم يقم ~~عليها بينة أو أقام شاهدا واحدا فإنها لا توجب يمينا ولا غيرها وكل دعوى ~~تثبت بشاهدين ويمين فإن اليمين يتوجه فيها (¬3). PageV09P291 # السادسة: فيه إن الخصم إذا قال في خصمه كلاما يلزم منه مسائلته بالقسم ~~بالله أن لا يقرره وإنما يذكر له الوعيد على ذلك. # السابعة: فيه أيضا بناء الأحكام على الظاهر والله متولي السرائر. # الثامنة: فيه أيضا إن الحاكم أو المفتي إذا ذكر حكما يستوفي شروطه فإنه ~~-عليه الصلاة والسلام- ذكر كون الاقتطاع بغير حق وكونه مال معصوم وكون ~~الحالف فاجرا في يمينه، ثم ذكر ما يترتب عليه وهو غضب الله -نعوذ بالله- ~~وهذا الحكم مشروط بعدم التوبة الشرعية فإن تاب بشرطها زال ذلك. PageV09P292 ### ||| AUTO الحديث السابع # 381/ 7/ 72 - عن ثابت بن الضحاك الأنصاري - رضي الله عنه - أنه بايع رسول ~~الله - صلي الله عليه ms1653 وسلم - تحت الشجرة، وأن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من حلف على يمين بملة غير الإسلام، كاذبا متعمدا، فهو كما ~~قال. ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة. وليس على رجل نذر فيما لا ~~يملك" (¬1). # وفي رواية: "لعن المؤمن كقتله". # وفي رواية: "ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله [عز وجل] (¬2) ~~إلا قلة". # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذه الرواية الأخيرة هي من أفراد مسلم كما نبه عليه عبد الحق. PageV09P293 # ثانيها: في التعريف براويه وفيه اضطراب ذكرته فيما أفردته من الكلام على ~~رجال هذا الكتاب فراجعها. # ثالثها: في أحكامه وفيه مسائل: # الأولى: الحلف بالشيء حقيقة هو القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه ~~كقوله: "والله، والرحمن"، وقد يطلق على التعليق بالشيء يمين كقول الفقهاء: ~~حلف بالطلاق على كذا، ومرادهم تعليق الطلاق به، وهو مجاز لمتابعة اليمين في ~~اقتضاء الحث أو المنع، والأقرب هنا هذا لأجل قوله: "كاذبا متعمدا" والكذب ~~يدخل القضية الأخبارية التي يقع مقتضاها تارة، وتارة لا يقع. # وأما قولنا: "والله" وما أشبهه: فليس الإخبار بها عن أمر خارجي. وهو ~~الإنشاء -أعني: إنشاء القسم- فتكون صورة هذا اليمين على وجهين: # أحدهما: أنه معلق بالمستقبل كأن فعلت كذا فهو يهودي, أو نصراني. # وثانيها: إنه يتعلق بالماضي، كقوله: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني، ~~فأما الأولى فلا تتعلق به الكفارة عندنا وعند المالكية، خلافا للحنفية، وقد ~~يتعلق الأولون بهذا الحديث فإنه لم يذكر كفارة، وجعل المرتب على ذلك قوله: ~~"هو كما قال". # وأما الثاني: فلا كفارة فيه عندنا وعند المالكية ولا يكفر بذلك أيضا إلا ~~أن يقصد التعظيم. وفيه خلاف عند الحنفية فقيل إنه لا يكفر اعتبارا ~~بالمستقبل. PageV09P294 # وقيل: يكفر لأنه تنجيز معنى، كما إذا قال: "هو يهودي" قال بعضهم: والصحيح ~~أنه لا يكفر فيها، إن كان يعلم أنه يمين. وإن كان عنده أنه يكفر بالحلف، ~~فقوله بملة غير الإسلام يعم جميع الملل كاليهودية والنصرانية وغيرها. # الثالثة: الكذب عند أصحابنا المتكلمين هو الإخبار عن الشيء على ms1654 خلاف ما ~~هو عمدا كان أو سهوا. وخالفت المعتزلة فشرطوا فيه العمد. وهذا الحديث وغيره ~~يرد قولهم فإنه -عليه الصلاة والسلام- قيده بالعمد لأنه قد يكون سهوا يسبق ~~لسانه فلا يكون كما قال. # قال القاضي عياض (¬1): وقيد التعمد من زيادات سفيان الثوري وهي زيادة ~~حسنة إن كان المتعمد الحلف بها مطمئن القلب بالإيمان وهو كاذب في تعظيم ما ~~لا يعتقد تعظيمه، فإن قاله معتقدا لتعظيمها واعتقد اليمين بها لكونها حقا ~~فهو كافر كما اعتقد فيها. # الرابعة: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم ~~القيامة". هو من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية، ويؤخذ ~~منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم. لأن نفسه ليست ~~ملكا له، وإنما هي لله تعالى فلا يتصرف فيها إلا بما أذن. # قال القاضي عياض (¬2): وفيه دلالة لمالك -ومن قال بقوله- على أن القصاص ~~من القاتل بما قتل به محددا كان أو غير محدد، PageV09P295 # خلافا لأبي حنيفة، اقتداء بعقاب الله تعالى لقاتل نفسه في الآخرة. ثم ذكر ~~حديث اليهودي، وحديث العرنيين، ونازعه الشيخ تقي الدين في أخذ ذلك من هذا ~~الحديث، وقال: إنه ضعيف جدا لأن أحكام الله تعالى لا تقاس بأفعاله. وليس كل ~~ما فعله في الآخرة بمشروع لنا في الدنيا، كالتحريق بالنار، وإلساع الحيات ~~والعقارب، وسقي الحميم المقطع للأمعاء. # وبالجملة فما لنا طريق إلى إثبات الأحكام إلا نصوص تدل عليها، أو قياس ~~على المنصوص عن القياسيين، ومن شرط ذلك أن يكون الأصل المقيس عليه حكما. ~~أما ما كان فعلا لله تعالى فلا، وهذا ظاهر جدا، وليس ما نعتقده فعلا لله ~~تعالى في الدنيا أيضا بالمباح لنا. فإن الله تعالى يفعل ما يشاء بعباده ولا ~~حكم عليه. وليس لنا أن نفعل بهم إلا ما أذن لنا فيه، بواسطة أو بغيرها. # الخامسة: التصرفات الواقعة قبل الملك للشيء على وجهين: # أحدهما: تصرفات التنجيز كما لو أعتق عبد غيره، أو باعه، أو نذر نذرا ~~متعلقا به. فهذه تصرفات لاغية اتفاقا، إلا من شذ ms1655 في العتق خاصة، حيث قال ~~يعتق عليه إذا كان موسرا, وقيل: إنه رجع عنه. # ثانيها: التصرفات المتعلقة بالملك كتعليق الطلاق بالنكاح مثلا، فهذا ~~مختلف فيه، فالشافعي يلغيه كالأول، ومالك وأبو حنيفة يعتبرانه، ومشهور مذهب ~~مالك باعتباره إذا خص دون ما إذا عمم. وقد يستدل للشافعي بهذا الحديث وما ~~يقاربه ومخالفوه يحملونه على التنجيز، PageV09P296 # أو يقولون بموجب الحديث، فإن التنفيذ إنما يقع بعد الملك، فالطلاق -مثلا- ~~لم يقع قبل الملك، فمن هاهنا يجيء القول بالموجب. # قال الشيخ: وهاهنا نظر دقيق في الفرق بين الطلاق -أعني تعليقه بالملك- ~~وبين النذر في ذلك، فتأمله. # قلت: لعله إن الوفاء بالنذر قربة بل هو في أصله قربة على أحد الآراء فيه ~~بخلاف أصل الطلاق فإنه أبغض الحلال إلى الله فلا يلزم الطلاق المعلق. بخلاف ~~النذر المعلق. # قال الشيخ: واستبعد قوم تأويل الحديث وما يقاربه بالتنجيز من حيث إنه أمر ~~ظاهر جلي لا تقوم به. فائدة: يحسن حمل اللفظ عليها وليست جهة هذا للاستبعاد ~~يقويه فإن الأحكام كلها في الابتداء كانت متيقنة وفي إثباتها فائدة متجددة، ~~وإنما حصل الشيوع والشهرة لبعضها فيما بعد ذلك، وذلك لا ينفي حصول الفائدة ~~عند تأسيس الأحكام. # السادسة: اللعن الإبعاد عن الرحمة وقطعه عنها والقتل هو الموت والقطع عن ~~التصرفات، فقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولعن المؤمن كقتله" إما أن يكون ~~كقتله في أحكام الدنيا، أو في أحكام الآخرة، لا يمكن الأول لأن قتله يوجب ~~القصاص، ولعنه لا يوجب ذلك. # وأما الثاني: فإما أن يراد بها التساوي في الإثم، أو في العقاب، وكلاهما ~~مشكل الآن والإثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل، PageV09P297 # وليس إذهاب الروح في المفسدة كمفسدة الأذى باللعنة. وكذلك # العقاب يتفاوت بحسب تفاوت الجرائم، قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8)}. وذلك دليل على التفاوت في العقاب ~~والثواب، بحسب التفاوت في المصالح والمفاسد، فإن الخيرات مصالح، والمفاسد ~~شرور. نبه على ذلك الشيخ في "شرحه" (¬1)، ثم نقل عن القاضي عن المازري (¬2) ~~أن الظاهر من الحديث التشبيه في الإثم ms1656 وهو تشبيه واقع لأن اللعنة قطع عن ~~الرحمة والموت قطع عن التصرف. # قال القاضي: وقيل لعنته يقتضي قصده بإخراجه من جماعة المسلمين ومنعهم ~~منافعه ويكثر عددهم به كما لو قتله. # وقيل: لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية عنه، وبعده منها بإجابة لعنته. ~~فهو كمن قتل في الدنيا، وقطعت عنه منافعه فيها. # وقيل: معناه استواؤهما في التحريم. قال الشيخ: وأقول هذا يحتاج إلى تلخيص ~~ونظر. أما ما حكاه عن الإمام من أن الظاهر من الحديث تشبيه في الإثم، وكذلك ~~ما حكاه -من أن معناه استواؤهما في التحريم- فهذا يحتمل أمرين: # أحدهما: أن يقع التشبيه والاستواء في أصل التحريم والإثم. # والثاني: أن يقع في مقدار الإثم. # فأما الأول فلا ينبغي أن يحمل عليه, لأن كل معصية -قلت PageV09P298 # أو عظمت- فهي مشابهة أو مستوية مع القتل في أصل التحريم فلا يبقى في ~~الحديث كبير فائدة، مع أن المفهوم منه تعظيم أمر اللعنة بتشبيهها بالقتل. # وأما الثاني فقد بينا ما فيه من الإشكال. وهو التفاوت في المفسدة بين ~~إزهاق الروح وإتلافها، وبين الأذى باللعنة. # وأما ما حكاه عن الإمام -من قوله إن اللعنة قطع عن الرحمة، والموت قطع عن ~~التصرف- فالكلام عليه أن نقول: اللعنة تطلق على نفس الإبعاد الذي هو فعل ~~الله تعالى. وهو الذي يقع فيه التشبيه. # والثاني: أن تطلق اللعنة على فعل اللاعن وهو طلبه لذلك الإبعاد بقوله: ~~"لعنه الله" مثلا، أو بوصفه للشخص بذلك الإبعاد بقوله: "فلان ملعون"، وهذا ~~ليس بقطع عن الرحمة بنفسه، ما لم تتصل به الإجابة، فيكون حينئذ تسببا إلى ~~قطع التصرف، ويكون نظيره التسبب إلى القتل. غير أنهما يفترقان في أن التسبب ~~إلى القتل -بمباشرة الحز وغيره من مقدمات القتل- مفض إلى القتل بمطرد ~~العادة، فلو كان مباشرة اللعن مفضيا إلى الإبعاد الذي هو اللعن دائما ~~لاستوى اللعن مع مباشرة مقدمات القتل، وزاد عليه. وبهذا يتبين لك الإيراد ~~على ما حكاه القاضي، من أن لعنته له تقتضي قصد إخراجه عن جماعة المسلمين ~~كما لو قتله، فإن قصده إخراجه لا يستلزم إخراجه، ms1657 كما يستلزمه مقدمات القتل، ~~وكذلك أيضا ما حكاه من أن لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية عنه بإجابة ~~دعوته، PageV09P299 # إنما يحصل ذلك بإجابة دعوته، وقد لا تجاب في كثير من الأوقات، فلا يحصل ~~انقطاعه عن منافعه، كما يحصل بقتله. # ولا يستوي القصد إلى القطع بطلب الإجابة، مع مباشرة مقدمات القتل المفضية ~~إلى من مطرد العادة ويحتمل ما حكاه القاضي عن الإمام وغيره -أو بعضه- أن لا ~~يكون تشبيها في حكم دنيوي ولا أخروي بل يكون تشبيها لأمر وجودي بأمر وجودي ~~كالقطع. # والقطع -مثلا في بعض ما حكاه-، أي: قطعه عن الرحمة أو عن المسلمين بقطع ~~حياته، وفيه بعد ذلك نظر، والذي يمكن أن يقرر به ظاهر الحديث -في استوائهما ~~من الإثم- أنا نقول: لا نسلم أن مفسدة اللعنة مجرد أداه، بل فيها -مع ذلك- ~~تعريضه لإجابة الدعاء فيه، بموافقة ساعة لا يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه، ~~كما دل عليه الحديث من قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا تدعوا على أنفسكم، ~~ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا ساعة" (¬1)، الحديث. وإذا عرضه باللعنة ~~لذلك ووقعت الإجابة، وإبعاده من رحمة الله، كان ذلك أعظم من قتله, لأن ~~القتل تفويت الحياة الفانية قطعا، والإبعاد من رحمة الله أبعد ضررا بما لا ~~يحصى، وقد يكون أعظم الضررين على سبيل الاحتمال متساويا أو مقاربا لأخفها ~~على سبيل التحقيق. ومقادير المصالح والمفاسد وأعدادهما أمر لا سبيل للبشر ~~إلى الاطلاع على حقائقه، هذا آخر كلامه. PageV09P300 # وأجاب غيره بأوجه: # ومنها: أنه خرج مخرج المبالغة قصدا للزجر عن اللعنة كقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "التمس ولو خاتما من حديد" (¬1) وكقوله: "ثم بيعوها ولو بضفير" (¬2). # ومنها: أن تكون مفسدته كمفسدة القتل لكن خفف فيه القود رفقا، كما خفف ~~الإيجاب في السواك عن كل صلاة رفقا. # ومنها: أن يكون المراد بالتشبيه بقتل الإنسان نفسه لأنه المتقدم في أول ~~الحديث، فالتقدير ولعن المؤمن كقتله نفسه لأن المؤمن لا يكون لعانا كما جاء ~~في الحديث (¬3)، وإنما يلعن الكافر من كفر فقد أباح قتل نفسه فيكون لعنه ~~مثل قتله نفسه ms1658 لأنه نفى عنها الإيمان المانع من قتلها فيكون كقتلها. # السابعة: التقييد في المؤمن يحتمل أن يكون للتشنيع والتشنيع كما تقدم ~~نظيره في الحديث الخامس من قوله: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرىء ~~مسلم" والظاهر أنه لإخراج الكافر ولا خلاف في جواز لعن الكفار جملة من غير تعيين. # واختلفوا: في لعن العاصي المعين، والمشهور المنع ونقل ابن PageV09P301 # العربي الاتفاق عليه] (¬1). # الثامنة: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومن ادعى دعوى كاذبة" إلى آخره هو ~~عام في كل دعوى يتشبع بها المرء بما لم يعطه (¬2) من ادعى فضيلة ليست [له] ~~(¬3) أو علم أو إصلاح وغير ذلك من المزايا ويدخل فيه أيضا الدعوى على خصمه ~~بما ليس له والتكثر فيه يرجع إلى ضم ما ليس له إلى ماله والعلة فيه ذهاب ~~بركته بضم الحرام إليه والتكثر في الأول يرجع إلى تعظيم الناس له على تقدير ~~صحة ما PageV09P302 # ادعاه والقلة فيه قلة قدره وتعظيمه عندهم لكذبه في دعواه بها ولو كان ~~كاذبا ثم قيد التكثر في الكذب خرج مخرج الغالب فإن غالب كذب الناس إنما هو ~~لجلب الحطام. # فائدة: حكى ابن سيده "دعوى كاذب" بالتذكير لكن التأنيث أفصح، كما في ~~الحديث. وحكى أيضا "دعوى باطل". # فائدة ثانية: المضبوط في معظم الأصول "ليتكثر" بالثاء المثلثة وضبطه ~~بعضهم بالمهملة، وله وجه وهو أن يصير ذلك كبيرا عظيما. # التاسعة: في تلخيص الأحكام الواقعة في الحديث: # أولها: المنع من الحلف بملة غير الإسلام كاليهودية والنصرانية وغيرها ~~مطلقا، وكذا تعليق الحلف بها وتقدم ذكر الكفارة فيه وعدتها. # ثانيها: تحريم الجناية على نفسه بالقتل وإثمه بذلك. # ثالثها: المماثلة في القصاص، وقد سلف فيه. # رابعها: منع النذر فيما لا يملك وهل يجب عليه فيه كفارة يمين؟ قال ~~الشافعي ومالك وأبو حنيفة وداود والجمهور: لا، لقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد" رواه مسلم (¬1) من ~~حديث عمران بن الحصين - رضي الله عنه - وهو محمول على ما إذا أضاف النذر ~~إلى معين ولا يملكه، بأن قال: ms1659 إن PageV09P303 # شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان أو أتصدق بثوبه أو بداره أو ~~نحو ذلك، فأما إذا التزم في الذمة شيء لا يملكه فيصح نذره كأن شفا الله ~~مريضي فلله علي عتق رقبة وهو في ذلك الحال لا يملك شيئا. # وقال أحمد: يجب في النذر في المعصية ونحوها كفارة يمين. وفيه حديث من ~~طريق عمران بن حصين (¬1) وعائشة (¬2) "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" ~~لكنه حديث [ضعيف] (¬3) باتفاق المحدثين، كما نقله النووي في "شرح مسلم". # وأما حديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم: "كفارة النذر كفارة اليمين", ~~فاختلف العلماء في المراد به على أقوال: # أحدها: أنه محمول على نذر اللجاج والغضب كأن كلمت زيدا مثلا فلله علي حجة ~~أو غيرها، فهو مخير بين كفارة يمين وبين ما التزمه، وهذا تأويل جمهور ~~أصحابنا. PageV09P304 # ثانيها: أنه محمول على النذر المطلق كقوله: لله علي نذر، وهذا تأويل مالك ~~وكثيرين أو الأكثرين. # ثالثها: إنه محمول على نذر المعصية كمن نذر أن يشرب الخمر مثلا، وهذا ~~تأويل أحمد وبعض الشافعية. # رابعها: إنه محمول على جميع أنواع النذور، وهذا تأويل جماعة من فقهاء ~~المحدثين وقالوا: إنه مخير في جميع المنذورات بين الوفاء بما التزمه، وبين ~~كفارة اليمين (¬1). # خامسها: تغليظ التحريم في لعن المؤمن ووجوب احترامه ورعايته. # سادسها: تحريم الدعوى تكثرا كاذبا، وذم التكثر والكذب وتحريم تعاطي أسباب ~~القلة المعنوية. PageV09P305 # باب النذور PageV09P307 ### || AUTO 73 - باب النذور # النذور: جمع نذر. يقال: نذرت أنذر, بكسر الذال وضمها، كما سلف في باب ~~الاعتكاف. وهو لغة: الوعد بخير أو شر. وشرعا: وعد بخير دون شر (¬1). # قاله الماوردي (¬2): قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا نذر في معصية الله ~~(¬3) ". وقال الرافعي: هو التزام شيء. # وعبارة غيرهما: أنه التزام قربة غير لازمة بأصل الشرع. وزاد بعضهم ~~مقصودة. وذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث. PageV09P309 ### ||| AUTO الحديث الأول # 382/ 1/ 73 - عن عمر - رضي الله عنه - قال: "قلت: يا رسول الله، إني كنت ~~نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة. # وفي رواية: يوما في المسجد الحرام؟ ms1660 قال: فأوف بنذرك" (¬1). # هذا الحديث ذكره المصنف في باب الاعتكاف أيضا. وقد سلف الكلام عليه هناك ~~مستوفى، ومما لم يذكره هناك: أن هذا السؤال من عمر وقع بالجعرانة بعد رجوع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من الطائف، كذا ثبت في الصحيح ومما ذكرته ~~هناك أنه قد يستدل به على لزوم الوفاء بكل منذور، ولا شك أن النذر على ~~ثلاثة أقسام: # أحدها: ما علق على وجود نعمة أو اندفاع نقمة فوجد ذلك فيلزمه الوفاء به. PageV09P310 # ثانيها: ما علق على شيء لقصد المنع أو الحث، كقوله: إن دخلت الدار فعلي ~~كذا، وهو المسمى بنذر اللجاج والغضب، وقد عرفت حكمه قريبا في آخر الباب ~~السالف. # ثالثها: ما لم يعلق على شيء كلله علي كذا. فالمشهور وجوب الوفاء به، وهو ~~المراد بقولهم: النذر المطلق. # وأما ما لم يذكر مخرجه كلله علي نذر، فقد سلف في الموضع المشار إليه أنه ~~يلزمه كفارة يمين على قول مالك وكثيرين. # وفيه دلالة أيضا على أن الاعتكاف قربة تلزم بالنذر. وأصحابنا تصرفوا فيما ~~يلزم بالنذر المطلق من العبادات، وليس كل ما هو عبادة [مثابا] (¬1) عليه ~~لازما بالنذر عندهم، ففائدة هذا الحديث من هذا الوجه أن الاعتكاف من القسم ~~الذي يلزم بالنذر. # وفيه دلالة أيضا على عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف عملا برواية "ليلة". ~~وقد سلف ما فيه، وأبعد بعض من اشترطه، فحمل الاعتكاف في الحديث على غير ~~بابه. وقال: المراد الاعتكاف هنا الجواز، وهو لا يحتاج إلى صوم. ووجه بعده ~~أن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية مقدم على اللغوية، ومن تراجم البخاري ~~(¬2) على هذا الحديث إذا حلف لا يكلم إنسانا في جاهلية ثم أسلم. PageV09P311 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 383/ 2/ 73 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أنه نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به ~~من البخيل" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: ظاهر الحديث كراهة ابتداء النذر في الطاعة، وإن كان الوفاء به ~~لازما لأن سياق بعض الحديث يقتضي أحد أقسام ms1661 النذر، التي ذكرناها، وهو ما ~~يقصد به تحصيل غرض أو دفع مكروه، وذلك لقوله: "وإنما يستخرج به من البخيل"، ~~وهو ما نص عليه الشافعي -رحمه الله-، ولأنه التزام إيجاب على نفسه من غير ~~إيجاب الشرع، فكره من هذا الوجه. # وأما القاضي حسين والمتولي والغزالي والرافعي فإنهم قالوا: إنه قربة, ~~لأنه -سبحانه وتعالى- حث عليه، حيث قال: {وما أنفقتم من PageV09P312 # نفقة أو نذرتم من نذر} (¬1) فتكون قربة، ولأنه وسيلة إلى القربة، ولها ~~حكم المقاصد. وقال ابن الأثير في "نهايته" (¬2) النهي عنه تأكيد لأمره، ~~وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل ~~لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به، إذ كان بالنهي يصير معصية، ~~فلا يلزم. وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم: أن ذلك أمر لا يجز لهم في ~~العاجل نفعا، ولا يصرف عنهم ضرا، ولا يرد [(¬3)] قضاء، فقال: لا تنذروا، ~~على أنكم [(¬4)] تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله لكم، أو تصرفون به عنكم ~~ما جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا، فاخرجوا عنه بالوفاء، ~~فإن الذي نذرتموه لازم لكم. # وقال الشيخ تقي الدين (¬5): في كراهة النذر إشكال على القواعد، فإن ~~القاعدة تقتضي أن وسيلة الطاعة طاعة, ووسيلة المعصية معصية. ويعظم قبح ~~الوسيلة بحسب عظم المفسدة وكذلك تعظم فضيلة الوسيلة بحسب عظم المصلحة، ولما ~~كان النذر وسيلة إلى التزام قربة لزم على هذا أن يكون قربة، إلا أن ظاهر ~~إطلاق الحديث دل على خلافه، وإذا حملناه على القسم الذي أشرنا إليه من ~~أقسام النذر -كما دل عليه سياق الحديث- فذلك المعنى الموجود PageV09P313 # في ذلك القسم ليس بموجود في النذر المطلق، فإن ذلك خرج مخرج طلب العوضين، ~~وتوقيف العبادة على تحصيل الغرض، وليس هذا المعنى موجودا في التزام العبادة ~~والنذر بها مطلقا، وقد يقال: إن البخيل لا يأتي بالطاعة إلا إذا اتصفت ~~بالوجوب، فيكون النذر هو الذي أوجب له فعل الطاعة، لتعلق الوجوب به، ولم ~~يتعلق به الوجوب لتركه البخيل، فيكون النذر المطلق أيضا مما ms1662 يستخرج به [من] ~~(¬1) البخيل، إلا أن لفظة "البخيل" هنا قد تشعر بما يتعلق بالمال، وعلى كل ~~تقدير فاتباع النصوص أولى. وما ذكره الشيخ تقي الدين من التفصيل، ذكره ابن ~~الرفعة أيضا، فقال: يمكن أن يتوسط [فيه] (¬2) [فيقال] (¬3) الذي دل عليه ~~الخبر على كراهته نذر المجازاة. # وأما نذر التبرر: فيظهر أنه قربة, لأن له فيه غرضا، وهو أن يثاب عليه ~~ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوع، أي: بسبعين درجة، كما أفاده إمام ~~الحرمين. وكذا قال القرطبي (¬4): المنهي عنه هو نذر المجازاة، وفي معناه ~~النذر على وجه التبرم والتحرج بأن ينذر عتق عبد استثقل به تخلصا منه أو ~~ينذر كثيرا من العبادة كالصوم الكبير مثلا مما يؤدي إلى الحرج والمشقة مع ~~القدرة عليه. PageV09P314 # وقال الماوردي (¬1): الحديث دال على أن ما يبذله الإنسان من البر أفضل ~~مما يلتزمه بالنذر. # ثانيها: هذا النهي للتنزيه، وقال القرطبي (¬2): يظهر لي حمله على التحريم ~~في حق من يخاف عليه أن يعتقد أن النذر يوجب ذلك الغرض، أو أن الله يفعله ~~لأجل ذلك، والأول يقارب الكفر. والثاني خطأ صراح، وحمله على التحريم في حق ~~من لم يعتقد ذلك. # وذكر المازري (¬3) في [سبب] (¬4) النهي احتمالين: # أحدهما: كون الناذر يصير ملتزما له، فيأتي به على سبيل التكلف من غير نشاط. # ثانيها: إتيانه به على سبيل المعاوضة لا على سبيل القربة، فينتقص أجره ~~للأمر الذي طلبه، وشأن العبادة أن تكون محضة لله تعالى. # وذكر القاضي (¬5) عياض احتمالا ثالثا: وهو أن بعض الجهلة قد يظن أن النذر ~~يرد القدر، ويمنع من حصول المقدر، فنهى عنه خوفا من جاهل يعتقد ذلك، وهذا ~~يؤيده بعض روايات الحديث في الصحيح أنه -عليه الصلاة والسلام- نهى عن النذر ~~وقال: "إنه لا يرد PageV09P315 # شيئا، وإنما يستخرج به من الشحيح"، وفي رواية للبخاري (¬1): "إن النذر لا ~~يقدم شيئا ولا يؤخره، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل"، وفي صحيح مسلم (¬2) ~~من حديث أبي هريرة مرفوعا: "لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا، ~~وإنما يستخرج به من البخيل". وفي رواية ms1663 له: "إن النذر لا يقرب من ابن آدم ~~شيئا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ~~ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج". ورواه البخاري من هذا الوجه بلفظ: "لا ~~يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته، ولكن يلقيه النذر إلى القدر، قد قدر ~~له، فيستخرج الله به من البخيل فيؤتى عليه ما لم يكن يؤتى عليه من قبل". # ثالثها: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنه لا يأتي بخير" يحتمل أن تكون ~~هذه "الباء" باء السببية، كما قاله الشيخ تقي (¬3) الدين كأنه قال: لا يأتي ~~سبب خير في نفس الناذر وطبعه في طلب القرب والطاعة من غير عوض يحصل له وإن ~~كان يترتب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها , لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه. # ويحتمل أن يكون معناه: لا يغني من القدر شيئا، كما سلف، PageV09P316 # وعليه اقتصر النووي في "شرح مسلم" (¬1). # رابعها: قوله: "وإنما يستخرج به من البخيل"، معناه أنه لا يأتي بهذه ~~القربة تطوعا محضا مبتدئا وإنما يأتي بها في مقابلة شفاء المرض وغيره مما ~~يعلق النذر عليه. قاله النووي في "شرحه". وعبارة الشيخ تقي الدين: الأظهر ~~في معناه: أن البخيل لا يعطي طاعة إلا في عوض ومقابل يحصل له، فيكون النذر ~~هو السبب الذي استخرج تلك الطاعة وهو غير ما ذكره النووي. # خامسها: في أحكامه. # الأول: كراهة النذر، وقد سلف ما فيه. # الثاني: الإخلاص في الأعمال، وأن ما ليس فيه إخلاص لا يأتي بخير. # الثالث: ذم البخل والبخلاء. # الرابع: أن من وقف مع الشرع في أعماله ليس ببخيل، بل هو الكريم حقيقة. PageV09P317 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 384/ 3/ 73 - عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: "نذرت أختي أن تمشي ~~إلى بيت الله الحرام حافية: فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فاستفتيته فقال: لتمش ولتركب" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # واعلم فيها أن قوله "حافية" ليس في البخاري كما نبه عليه عبد الحق في ~~"جمعه". # [الأول:] (¬2) في التعريف براويه، ms1664 وقد سلف في الحديث السادس من كتاب ~~النكاح. # [الثاني:] (¬3) أخته هي أم حبان، بكسر الحاء المهملة، ثم باء موحدة، ثم ~~ألف، ثم نون، بنت عامر أسلمت وبايعت. ذكره ابن PageV09P318 # ماكولا (¬1) عن محمد بن سعد، وحكاه عنه ابن بشكوال في "مبهماته" (¬2)، ~~ولم يذكرها ابن عبد البر في الصحابة، وهي من شرطه. # [الثالث:] (¬3) معنى قوله: "لتمش ولتركب"، والله أعلم لتمش إن قدرت، ~~وتركب إذا عجزت أو شق عليها المشي، وكذا ترجم له البيهقي في "سننه" (¬4) ~~فقال: باب المشي فيما قدر عليه والركوب فيما عجز عنه، ثم ذكر هذا الحديث، ~~ثم قال باب الهدي فيما ركب واختلاف الروايات عنه، ثم ساق بإسناده عن عكرمة، ~~عن ابن عباس "أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك فقال [رسول ~~الله] (¬5) - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب، ~~ولتهد بدنة"، وفي رواية له: "أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت فقال: إن الله ~~غني عن نذر أختك، فتحج راكبة وتهدي بدنة". ورواه أبو داود في [سننه] (¬6) ~~"، وقال: "تهدي هديا". # وخالفه هشام الدستوائي فرواه عن قتادة دون ذكر الهدي فيه، ورواه بإسناده ~~عن هشام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي - صلي الله عليه وسلم - ~~بلغه أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية فقال له PageV09P319 # النبي - صلي الله عليه وسلم -: "إن الله لغني عن نذرها، فمرها فلتركب" ~~(¬1)، وكذلك روي عن خالد الحذاء، عن عكرمة دون ذكر الهدي فيه. # ورواه ابن أبي عروبة عن قتادة، فأرسله، ولم يذكر الهدي فيه، ورواه أبو ~~داود من حديث ابن (¬2) عدي عن شعبة، عن قتادة، عن عكرمة أن أخت عقبة بمعنى ~~حديث هشام لم يذكر الهدي، وقال: "مر أختك فلتركب"، قال أبو داود: رواه خالد ~~عن عكرمة بمعناه، وقيل: عن [عكرمة] (¬3)، عن عقبة بن عامر دون ذكر الهدي ~~فيه. كذلك رواه أبو داود عن شعيب بن أيوب، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن ~~أبيه، عن عكرمة، عن عقبة بن عامر ms1665 أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت فقال: "إن الله لا يصنع بمشي أختك إلى ~~البيت شيئا"، ورواه [الحاكم] (¬4) في "مستدركه" من حديث يعلى بن عبيد ثنا ~~أبو سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي - صلي الله ~~عليه وسلم - فقال: إن أختي حلفت أن تمشي إلى البيت، وأنه يشق عليها المشي. ~~قال: مرها فلتركب إذا لم تستطع أن تمشي، فما أغنى الله أن يشق على أختك"، ~~ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وروى في "مستدركه" أيضا من حديث ~~شريك، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل أبي طلحة، عن كريب، عن ابن عباس قال: ~~"جاء رجل إلى PageV09P320 # النبي - صلي الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن أختي جعلت عليها ~~المشي إلى بيت الله، قال: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا، قل لها فلتحج ~~راكبة ولتكفر يمينها". قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم. ورواه البيهقي ~~(¬1) بسند شيخه الحاكم، ثم قال تفرد به شريك [القاضي] (¬2)، ورواه أبو حاتم ~~بن حبان في "صحيحه" (¬3) من هذا الوجه بلفظ: "جاء رجل إلى رسول الله - صلي ~~الله عليه وسلم - فقال: "إن أختي جعلت على نفسها أن تحج ماشية، قال: فمرها ~~فلتركب [ولتكفر] (¬4) "، ثم قال ابن حبان: يشبه أن تكون هذه جعلت على نفسها ~~أن تحج ماشية [إذ] (¬5) النذر لا كفارة فيه. # قلت: ولحديث عقبة هذا طريق آخر رواه أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في ~~صحيحه من حديث عبيد الله بن زحر عن أبي سعيد الرعيني، عن عبد الله بن مالك، ~~عن عقبة بن عامر قال: "نذرت أختي أن تحج لله ماشية، غير مختمرة، قال: فذكرت ~~ذلك لرسول الله - صلي الله عليه وسلم - فقال: مر أختك فلتختمر، ولتركب، ~~ولتصم ثلاثة أيام" (¬6)، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن. PageV09P321 # وقال البيهقي (¬1): هذا الحديث رواه يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن زحر ~~هكذا، وكذلك رواه يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن سعيد ms1666 الأنصاري، وكذلك ~~رواه ابن جريج قال: كتب إلى يحيى بن سعيد فذكره. # ورواه الترمذي عن يحيى بن سعيد واختلف عليه في إسناده قال: وقال محمد بن ~~إسماعيل البخاري: لا يصح فيه الهدي، يعني في حديث عقبة. # قلت: وعبيد الله هذا مختلف فيه، ضعفه الإمام أحمد، وقال ابن المديني ~~(¬2): منكر الحديث، وقال يحيى (¬3): ليس بشيء كل حديثه عندي ضعيف، وقال ~~الدارقطني (¬4): ليس بالقوي، وقال ابن حبان (¬5): يروي الموضوعات عن ~~الأثبات. # وجزم ابن حزم من "محلاه" (¬6) بضعفه. وأما الحاكم: فأخرج له في "مستدركه" ~~ولم يضعفه البيهقي في "سننه" (¬7)، بل حكى في باب بيع المغنيات عن البخاري ~~أنه وثقه، وذكر الترمذي أيضا ذلك PageV09P322 # عنه في "علله" (¬1)، وقال أبو عبيد الآجري (¬2): قال أبو داود: سمعت أحمد ~~يقول عبيد الله بن زحر ثقة، وقال: في موضع آخر سألت أبا داود عن عبيد الله ~~بن زحر فقال: كان أحمد يوثقه، والذي يظهر من هذا هو أحمد بن صالح المصري، ~~فإن حربا قال: قلت لأحمد بن حنبل (¬3): عبيد الله بن زحر فضعفه، كما ~~أسلفناه وقال أبو زرعة (¬4): لا بأس به صدوق، وقال النسائي (¬5): ليس فيه بأس. # قلت: ولم ينفرد به، بل تابعه بكر بن سوادة [ورواه] (¬6) عن ابن هاعان، عن ~~أبي تميم الجيشاني، عن [عقبة] (¬7) أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية ~~حاسرة، فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "لتركب ولتلبس ولتصم"، رواه ~~الطبراني (¬8) من هذا الوجه. # وعبد الله بن مالك الراوي عن عقبة بن عامر ذكره ابن حبان في "ثقاته" ~~(¬9)، وادعى ابن القطان جهالته، وفرق أبو حاتم بينه وبين PageV09P323 # أبي [تميم] (¬1) الجيشاني الذي ولد في عصره (¬2) -عليه الصلاة والسلام- ~~وهما واحد كما قاله ابن يونس وغيره، وصرح به الطبراني كما سلف عنه. # وأبو سعيد الرعيني الراوي عن عبد الله اسمه جعثل بن هاعان كما سلف في ~~رواية الطبراني وهو قاضي إفريقية روى عن أبي تميم [وعنه] (¬3) بكر بن سوادة. # وعبيد الله بن زحر قاله ابن يونس، أخرجه عمر بن عبد العزيز إلى المغرب ~~ليقرئهم القرآن، ms1667 وكان أحد القراء الفقهاء، له وفادة على هشام بن عبد الملك، ~~وادعى ابن القطان جهالته تبعا لابن حزم في "محلاه". # ولحديث عقبة هذا طريق آخر جيد، رواه الطحاوي في "مشكله" عن يونس أخي ابن ~~وهب بن حي بن عبد الله المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عقبة أن ~~أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية غير مختمرة، فذكر ذلك عقبة لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: "مر أختك فلتركب ولتختمر ولتصم ثلاثة أيام"، ~~وحيي هذا قال في [حديثه] (¬4) ابن معين ليس به بأس. وأخرج له الحاكم وابن ~~حبان PageV09P324 # وذكره في "ثقاته" (¬1) في أتباع التابعين، وخالف ابن حزم فقال في "محلاه" ~~(¬2) إنه مجهول. # قال الطحاوي: كشف وجهها حرام فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالكفارة لمنع الشريعة إياها منه (¬3)، ثم ذكره الطحاوي من وجه آخر، وفيه: ~~"نذرت أن تحج ماشية ناشرة شعرها، فقال: "لتركب ولتصم ثلاثة أيام". وفي ~~البيهقي (¬4) من حديث أبي هريرة قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يسير في جوف الليل في ركب إذ بصر بخيال قد نفرت منه إبلهم، فأنزل رجلا ~~فنظر، فإذا هو بامرأة عريانة ناقضة شعرها، فقال: مالك؟ قالت: نذرت أن أحج ~~البيت ماشية عريانة ناقضة شعري فأنا أتكمن بالنهار وأتنكب الطريق بالليل، ~~فأتى النبي - صلي الله عليه وسلم - فأخبره فقال: "ارجع إليها فمرها فلتلبس ~~ثيابها ولتهرق دما". # قال البيهقي: إسناده ضعيف (¬5)، قال: وروي من وجه آخر منقطع دون ذكر ~~الهدي فيه، ثم أسند من حديث البصري عن عمران بن الحصين أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- قال: "إذا نذر أحدكم أن يحج ماشيا فليهد هديا وليركب". وفي رواية: ~~"فليهد بدنة PageV09P325 # وليركب"، ثم قال: لا يصح سماع الحسن من عمران فهو مرسل (¬1)، قال: وروى ~~فيه عن علي موقوفا، قلت: فأما الحاكم فإنه أخرجه في "مستدركه" (¬2) من حديث ~~الحسن عن عمران وقال: صحيح الإسناد. قال في "مستدركه" (¬3) في كتاب اللباس: ~~إن أكثر مشايخنا على أنه سمع منه، فهذه طرق حديث عقبة مع ما يشاكله، وقد ms1668 ~~حصل في إيرادها فوائد جمة، فلا تسأم من طولها، فإن طرق الحديث يفسر بعضها بعضا. # ورأيت في "معرفة الصحابة" للحافظ أبي موسى الأصبهاني أن هذا الحديث رواه ~~جماعة عن عقبة بن عامر وروي عن عبد الله [بن مالك] (¬4) الجهني، والأول هو ~~الصحيح. # تنبيه: رواية "ولتهد بدنة"، عزاها القاضي عياض (¬5) ثم النووي (¬6) إلى ~~أبي داود، وتبعه ابن العطار والفاكهي ولم أرها فيه، والذي فيه "ولتهد هديا" ~~كما أسلفناه عنه فتنبه لذلك. # الوجه الرابع: في أحكامه. PageV09P326 # أولها: صحة النذر إلى الذهاب إلى بيت الله تعالى، فإذا قال: لله علي أن ~~آتي البيت الحرام أو بيت الله تعالى، ونواه انعقد نذره، ولزمه إتيانه بحج ~~أو عمرة، خلافا لأبي حنيفة، حيث قال: إذا لم بسم حجا ولا عمرة [لا] (¬1) ~~يلزمه شيء، والأول قول مالك والشافعي، وهو مروي عن عمر وابن عباس وهو ظاهر ~~الحديث، إذا تقرر هذا فإن نذره راكبا لزمه ذلك راكبا، فلو ذهب ماشيا لزمه ~~دم لترفهه بتوفير مؤنة الركوب، وهذا بناء على أن الركوب أفضل وفيه خلاف ~~مشهور عندنا ليس هذا موضع ذكره، وإن نذره ماشيا لزمه ما التزم ويمشي من حيث ~~أحرم، سواء من الميقات أو قبله على الأصح عندنا, ولا يجوز أن يترك المشي في ~~الحج إلى أن يرمي جمرة العقبة إذا جعله آخر التحللين، ويفرغ من العمرة، ~~وحيث أوجبنا المشي فركب لعذر أجزأه، وعليه دم على أظهر قولي الشافعي، وهو ~~شاذ وقيل: بدنة للروايتين اللتين أسلفتهما، أو بلا عذر أجزأه وعليه دم على ~~المشهور فيهما عندنا. ومذهب مالك إن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لازم، ~~سواء أطلقه أو علقه، فإن عجز في بعض الطريق أو ركب رجع من قابل فمشى ما ~~ركب، وجعل ذلك في حج أو عمرة، إلا أن يعجز عن المشي في جملة فيركب ويهدي ~~فيأول الحديث على حالة العجز عن المشي. # فرع: نذر إتيان شيء من الحرم كالصفا ولو دار أبي جهل ودار الخيزران يوجب ~~الحج أو العمرة لشمول حرمة الحرم في تنفير PageV09P327 # الصيد ms1669 وغيره. وعند المالكية حكاية خلاف في ذلك، وبقولنا يقول أبي يوسف ~~ومحمد بن الحسن، ولو نذر إتيان عرفات فإن أراد بذلك التزام الحج انعقد نذره ~~به، وإلا فلا، لأن عرفات من الحل، فهو كبلد آخر. وأطلق ابن حبيب المالكي ~~اللزوم، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في كل هذا شيء ولا مسير من القياس. # فرع: لو نذر إتيان مسجد المدينة والأقصى فالأظهر عند المراوزة إلحاقهما ~~بالمسجد الحرام خلافا للعراقيين والروياني. # ولو نذر إتيان مسجد آخر سوى هذه الثلاثة لم يتعين جزما. وقال ابن المواز ~~المالكي: إن كان قريبا كالأميال لزمه المشي إليه وإن كان بعيدا فلا. # ثانيها: ظاهر الحديث إقرارها على الحفاء، لكن رواية الطبراني التي ~~أسلفتها أنها نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية حاسرة، فقال -عليه الصلاة ~~والسلام-: "لتركب ولتلبس". ظاهرها عدمه، وهو الظاهر، فإن الحفي ليس طاعة، ~~فإذا نذره لا يصح. # ثالثها: جواز النيابة والاستنابة في الاستفتاء خصوصا إذا كان المستنيب ~~معذورا لعدم بروزه لذلك أو مخالطته لهم ونحو ذلك. # رابعها: قبول خبر الواحد. # خامسها: أن من نذر الحج ماشيا فلم يطقه في بعض الأحوال فإنه يركب وعليه ~~دم، للحديث السالف. وأما رواية البدنة فإنها تطلق لغة على البعير والبقرة ~~والواحد من الغنم. ولهذا لو نذر أن يهدي PageV09P328 # شيئا لزمه ما يجزئ من الأضحية , وهل يجب عليه مع الهدي الرجوع فيمشي ما ~~ركبه أم لا؟ # قال الشافعي وأهل الكوفة: بالمنع. # وقال سلف أهل المدينة بالوجوب. # وفرق مالك فقال: إن كان المشي يسيرا لم يرجع، وإن كان كثيرا رجع، ما لم ~~يرجع لبلده البعيدة فيكفيه الدم. وطرق حديث عقبة التي أسلفناها لم يذكر ~~فيها الرجوع البتة, فيقوى بها مقالة الشافعي وأهل الكوفة، والله الموفق. PageV09P329 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 385/ 4/ 73 - عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: "استفتى سعد ~~بن عبادة رسول الله - صلي الله عليه وسلم - من نذر كان على أمه توفيت قبل ~~أن تقضيه. فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "فاقضه [عنها (¬1)] " (¬2). # الكلام عليه من وجوه. ms1670 # الأول: اسم أم سعد بن عبادة عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة ~~بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وكانت من المبايعات، توفيت سنة خمس من ~~الهجرة، ورسول الله - صلي الله عليه وسلم - في غزوة دومة الجندل، فلما قدم ~~صلى على قبرها. # وأما ابنها [سعد] (¬3) فترجمته مبسوطة فيما أفردته في الكلام PageV09P330 # على رجال هذا الكتاب فراجعه منه وقبره بغوطة دمشق بقرية يقال لها ~~"المنيحة" مشهور ومن قال: إنه دفن بحوران. فلعله نقل منها إلى المنيحة، ~~لأنه لا يعرف قبره بها. # الثاني: هذا النذر لم يتبين في هذه الرواية ما هو؟ وقد اختلف فيه على ~~أقوال، حكاها القاضي عياض (¬1): # أحدها: أنه كان نذرا مطلقا. # ثانيها: أنه كان صوما. # ثالثها: أنه كان عتقا. # رابعها: أنه كان صدقة، واستدل كل قائل بأحاديث وردت في قصة أم سعد. # قال: وأظهرها أنه كان نذرا في المال [أو نذرا] (¬2) مبهما (¬3)، ويعضده ~~ما رواه الدارقطني من حديث مالك فقال له يعني النبي - صلي الله عليه وسلم ~~-: "اسق عنها الماء" وحديث الصوم معلل بالاختلاف في سنده، ومتنه وكثرة ~~اضطرابه، وذلك موجب ضعفه، لكن سلف في بابه أن ذلك غير قادح، وحديث من روى ~~"فأعتق عنها" موافق أيضا لأن العتق من الأموال، وليس فيه قطع بأنه كان ~~عليها عتق. # الثالث: في أحكامه: # الأول: قضاء الحقوق الواجبة عن الميت، وفي رواية للبخاري PageV09P331 # في النذر في باب "من مات وعليه نذر" في آخر الحديث فكانت سنة بعد، ولا ~~خلاف في المالية، وسواء أوصى بها أم لم يوصي عند الشافعية خلافا لأبي حنيفة ~~ومالك حيث قالا لا يقضي إلا بالوصية به, ولأصحاب مالك خلاف في الزكاة إذا ~~لم يوص بها. وحكاه القاضي حسين كلاما للشافعي، وحكاه قولا في الحج أيضا. ~~وأما البدنية كالصوم فقد سلف الخلاف فيه في بابه. # ثانيها: استدل به أهل الظاهر على أن الوارث يلزمه نصا النذر الواجب عن ~~الميت، إذا كان غير مالي [. .] (¬1) ولم يخلف تركة. ومذهب الشافعي وجمهور ~~العلماء أنه لا يلزمه ms1671 ذلك، لعدم التزام الوارث له لكن يستحب، وحديث سعد هذا ~~يحتمل أنه قضاه من تركتها أو تبرع به وليس فيه تصريح بإلزامه ذلك. # ثالثها: استفتاء الأعلم ما أمكن، وللأصوليين خلاف شهير في هل يجب على ~~العامي أن يبحث عن الأعلم أو يكتفي بسؤال أي عالم كان؟ ويترجح الأول بأن ~~الأعلم أرجح، والعمل بالراجح واجب. # رابعها: بر الوالدين والأقارب بعد وفاتهم والتوصل إلى إبراء ذممهم. PageV09P332 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 386/ 5/ 73 - عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال: "قلت: يا رسول الله ~~إن من توبتي أن أنخلع من مالي، صدقة إلى الله وإلى رسوله. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # سها بعض الشراح فحذفه: # أحدها: في التعريف براويه: هو أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ~~ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو بشير كعب بن مالك بن أبي كعب عمرو بن القين بن ~~كعب بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي المدني الشاعر. PageV09P333 # أحد الثلاثة الذين تيب عليهم بسبب التخلف عن تبوك: هلال بن أمية الواقفي، ~~ومرارة بن الربيع العامري ويقال: ابن ربيعة، ويقال: ابن ربعي. وقد ضبط أهل ~~السير أسماءهم وأن أولها "مكة" (¬1)، وآخر أسماء آبائهم "عكة"، وفيهم ~~أنزلت: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا. . . .} (¬2) الآية وقصتهم مشهورة في ~~الصحيحين بطولها. [وكان] (¬3) ممن شهد العقبة، واختلف في شهوده بدرا، ~~والصحيح أنه لم يشهدها، وشهد أحدا والمشاهد كلها، حاشا تبوك، فإنه تخلف عنها. # ولما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة آخى بينه وبين طلحة ~~بن عبيد الله حين آخى بين المهاجرين والأنصار. وأمه ليلى بنت زيد بن ثعلبة ~~من بني سلمة أيضا، وكان يهجو المشركين، ويتهددهم بالحرب، ويقول: فعلنا ~~ونفعل. وكان شعراء المسلمين ثلاثة: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب ~~بن مالك. فكان كعب يخوفهم الحرب، وابن رواحة يعيرهم بالكفر، وكان حسان يقبل ~~[على] (¬4) الأنساب قاله ابن سيرين [قال] (¬5) وأما شعراء PageV09P334 # المشركين: فعمرو بن العاص وعبد ms1672 الله بن الزبعري. وأبو سفيان بن الحارث. # روى كعب عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ثمانين حديثا، اتفقا منها ~~على ثلاثة، وللبخاري حديث، ولمسلم حديثان. روى عنه بنوه عبد الله وعبد ~~الرحمن وعبيد الله ومحمد ومعبد وحفيده عبد الرحمن بن عبد الله وابن عباس ~~وطائفة، عمن في آخر عمره، ومات بالمدينة في خلافة معاوية سنة خمسين وقيل: ~~إحدى، وقيل: ثلاث، وقد جاوز الستين. # الثاني: لم يتبين في رواية المصنف مقدار البعض، الممسك, وجاء مبينا في ~~سنن أبي داود تعيينه ففيه قلت: يا رسول الله إن من توبتي إلى الله أن أخرج ~~من مالي كله إلى الله وإلى رسوله صدقة، قال: "لا". قلت: "فنصفه". قال: ~~"لا". قلت: فثلثه. قال: نعم. قلت: فإني سأمسك سهمي من خيبر، وهذه الرواية ~~في سندها محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث فيكون حجة. # الثالث: معنى: "إن من توبتي" من شكر توبتي. # ومعنى: "انخلع" أخرج منه. كما جاء في "سنن أبي داود" كما ذكرناه آنفا. # الرابع في فوائده وأحكامه: # الأولى: قصد فعل الخيرات، والتصدق بكل المال. PageV09P335 # الثانية: المشاورة في الأمور المهمة لأهل العلم والدين، والشفقة ~~بالمشاور، وإنما أورد الاستشارة بصيغة الحكم، لشدة ما حصل له من الفرج ~~بالتوبة. # الثالثة: استحباب الصدقة شكرا لما يتجدد من النعم، لاسيما لما عظم منها، ~~وهو أصل لأهل الطريق في عمل الشكران عند تجدد النعم أو دفع النقم ونحو ذلك. # الرابعة: أن الصدقة لها أثر في محو الذنوب، فإنها تطفئ الخطيئة كما يطفئ ~~الماء النار (¬1)؛ [ولهذا] (¬2) شرعت الكفارات المالية، لما فيها من صلاحية ~~محو الذنوب، ويترتب عليها الثواب الحاصل بسببها، وقد تحصل به الموازنة. ~~فيمحي أثر الذنوب، وقد يكون دعاء من يتصدق عليه سببا للمحو أيضا. كذا ذكر ~~هذا الاستنباط الشيخ تقي الدين (¬3)، ويترجح فيه، لأن تصدقه هنا لأجل ~~الشكر، لا لمحو الذنب، فإنه لا ذنب إذن وأنه قال ذلك بعد أن تيب عليه. PageV09P336 # الخامسة: أن التقرب إلى الله [تعالى] (¬1) بمتابعة [رسوله -عليه أفضل ~~الصلاة والسلام-] (¬2). # السادسة: أن إمساك ما يحتاج ms1673 إليه من المال أولى من إخراجه كله في الصدقة. ~~وقد قسم العلماء ذلك بحسب اختلاف حال الإنسان في صبره على الضر والإضافة، ~~فإن كان لا يصبر على ذلك كره له، وإن كان يصبر فلا. وعلى ذلك تنزل الأخبار ~~المختلفة الظواهر. وصحح أصحابنا أيضا أنه يحرم عليه أن يتصدق بما يحتاج ~~إليه لنفقة من يلزمه نفقته أو لدين لا يرجو له وفاء. # السابعة: استدل به بعض المالكية على مذهبه أن من نذر التصدق بكل ماله ~~أكتفي منه بالثلث وهو ضعيف، كما قال الشيخ تقي الدين (¬3)، لأن اللفظ الذي ~~أتى به كعب بن مالك ليس بتنجيز صدقته حتى يقع في محل الخلاف، وإنما هو [لفظ ~~عن] (¬4) نية قصد فعل متعلقها -ولم يقع بعد- فأشار -عليه الصلاة والسلام- ~~بأن لا يفعل (¬5) ذلك، [ويمسك] (¬6) بعض ما له، وذلك قبل إيقاع ما عزم ~~عليه. هذا ظاهر اللفظ، أو هو محتمل له وكيفما كان فتضعف منه الدلالة على ~~مسئلة الخلاف، وهو تنجيز PageV09P337 # الصدقة بكل المال نذرا مطلقا أو معلقا. # قلت: وأما أبو داود (¬1) ففهم منه نذر الصدقة بكل ماله، وترجم عليه في ~~"سننه" [في] (¬2) باب: فيمن نذر أن يتصدق بماله، وأورد في أثنائه الرواية ~~التي أسلفناها عنه وتبعه المصنف، فأدخله في النذور أيضا، وفيه النظر ~~المذكور. PageV09P338 # الإعلام بفوائد عمدة الأحكام # للإمام الحافظ العلامة # أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي # المعروف بابن الملقن # (723 - 804) ه # تقديم # فضيلة الشيخ # صالح بن فوزان الفوزان # عضو هيئة كبار العلماء # وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # فضيلة الشيخ # بكر بن عبد الله أبو زيد # عضو هيئة كبار العلماء # وعضو اللجنة الدائمة للافتاء # حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه # عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح # غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين # الجزء العاشر # باب القضاء - كتاب العتق # (387 - 436) حديث # دار العاصمة # للنشر والتوزيع PageV10P001 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV10P002 # باب القضاء PageV10P005 ### || AUTO 74 - باب القضاء # القضاء، بالمد: الولاية، وجمعه أقضية. كغطاء وأغطية، وهو في الأصل إحكام ~~الشيء وفراغه. ويكون ms1674 أيضا الحكم وبمعنى أوجب وقدر بمعنى الإتمام والأداء. ~~وذكر المصنف في الباب ستة أحاديث. PageV10P007 ### ||| AUTO الحديث الأول # 387/ 1/ 74 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (¬1)، وفي لفظ: "من ~~عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا اللفظ الأخير عزاه النووي في "أربعينه" (¬2) إلى مسلم خاصة، ~~وصرح عبد الحق في "جمعه بين الصحيحين" بأن البخاري لم يخرجه، فإنه لما ذكره ~~عن مسلم باللفظين قال: أخرج البخاري اللفظ الأول: "من أحدث في أمرنا هذا"، ~~أي: دون الثاني، لكن البخاري ذكره معلقا في أواخر "صحيحه"، في أثناء كتاب ~~الاعتصام، [بالكتاب] (¬3)، فقال: (باب: إذا اجتهد العامل، أو الحاكم فأخطأ ~~خلاف الصواب من غير علم، فحكمه مردود، PageV10P009 # لقول النبي - صلي الله عليه وسلم -: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ~~هذا لفظه، وذكره في أثناء الصلح باللفظ الأول سندا، وترجم عليه إذا اصطلحوا ~~على صلح جور فهو مردود (¬1). # ثانيها: وجه مناسبة ذكر هذا الحديث في هذا الباب أن القضاء في المحاكمات ~~لا ينحصر فما كان منها على قانون الشرع فهو المقبول، وما كان منها على ~~خلافه فهو مردود. # ثالثها: هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام أو نصفه أو ~~ثلثه على ما ذكر فيه، لكثرة ما يدخل تحته من الأحكام التي لا تنحصر، فإنه ~~صريح في رد كل البدع والمخترعات في الدين فهو إذن قاعدة عظيمة من قواعد ~~وجوامع كلمه، فينبغي أن يعتني بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة ~~الاستدلال به. # رابعها: معنى الحديث من اخترع في الشرع ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا ~~يعمل به، ولا يلتفت إليه، "ورد" معناه مردود فهو من باب إطلاق المصدر على ~~اسم المفعول كأنه قال فهو باطل غير معتد به. # خامسها: في اللفظ الثاني زيادة على الأول، وهي أنه قد يعاند بعض الفاعلين ~~ببدعة سبق إليها فإذا احتج عليه باللفظ الأول يقول: أنا ما ms1675 أحدثت شيئا. ~~فيحتج عليه بالثاني الذي فيه التصريح برد كل المحدثات، سواء أحدثها الفاعل ~~أو سبق بإحداثها. # سادسها: في بعض فوائده. PageV10P010 # الأولى: إبطال جميع العقود الممنوعة وعدم وجود ثمراتها المرتبة عليها ~~وعلى تقدير الصحة وبعض الأحكام الباطلة. # الثانية: رد محدثات الأمور والتمسك بما جاء به ولقد كثرت وشاعت ودونت ~~وتعذر زوالها، وصار المنكر لها كالمبتدع، فنسأل الله الإعانة على ~~الاستقامة. # [الثالثة:] (¬1) أن النهي يقتضي الفساد, لأنه أخبر أن كل ما أحدث مما ليس ~~هو من الدين فهو رد. والمنهيات كلها ليست من أمره، فيجب ردها. ومن قال لا ~~يقتضيه أجاب بأنه خبر واحد، فلا يكفي في إثبات هذه القاعدة المهمة، وهو ~~جواب فاسد. نعم قد يقع الغلط في بعض المواضع لبعض الناس فيما يقتضيه الحديث ~~من الرد، فإنه قد يتعارض أمران فينتقل من أحدهما إلى الآخر، ويكون العمل ~~بالحديث في أحدهما كافيا، ويقع الحكم به في الآخر في محل النزاع، فللخصم أن ~~يمنع دلالته عليه، فينبغي أن تنتبه لذلك. # الرابعة: أن حكم الحاكم لا يغير ما في الباطن، لقوله: "ليس عليه أمرنا ~~[ولم يقل ليس عليه أمر] (¬2) الحاكم وهو رد على من خالف في ذلك. PageV10P011 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 388/ 2/ 74 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "دخلت هند بنت عتبة -امرأة ~~أبي سفيان- على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن ~~أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، إلا ما أخذت ~~من ماله بغير علمه، فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم -: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في الطهارة. # وهند هذه أم معاوية لها ذكر ونفس وابقة أسلمت عام الفتح بعد إسلام [زوجها ~~أبي سفيان] (¬2) فأقرا علي نكاحهما وشكته PageV10P012 # [ذلك] (¬1) اليوم لرسول الله - صلي الله عليه وسلم -[وشهدت أحدا كافرة ~~مع] (¬2) زوجها أبي سفيان وقصتها في البيعة مشهورة، ماتت في خلافة عمر في ~~اليوم الذي ms1676 مات فيه أبو قحافة والد الصديق سنة أربع عشرة في المحرم. # وأما أبو سفيان: فهو صخر بن حرب الأموى والد معاوية ويزيد وعتبة، ولد قبل ~~الفيل بعشر سنين، وكان من أشراف قريش في الجاهلية وأفضلهم، ومن التجار، ~~وكانت إليه راية الرؤساء المعروفة بالعقاب، وكانت لا يجلسها إلا رئيس، فإذا ~~حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعت تلك الراية بيد الرئيس. أسلم يوم الفتح، وقال ~~-عليه الصلاة والسلام- يومئذ "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" وشهد حنينا ~~وأعطى من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية، وزنها له بلال، وأعطى ابنيه ~~يزيد، ومعاوية. وشهد الطائف، وفقئت عينه يومئذ وشهد اليرموك، ومات في خلافة ~~عثمان سنة ثلاث وثلاثين ابن بضع وسبعين على أحد الأقوال فيها، وصلى عليه ~~ابنه معاوية وقيل عثمان. ودفن بالبقيع. وممن قتل من أولاده يوم بدر كافرا ~~ابنه حنظلة، وبه كان يكنى كنيته فانتبه وترجمته موضحة فيما أفردته في ~~الكلام على رجال هذا [الكتاب] (¬3) وكذلك ترجمة هند. # الوجه الثاني: في الكلام على ألفاظه: PageV10P013 # قولها: "رجل شحيح" هو مبالغة في الشح، وهو البخل مع حرص، كما قاله ~~الجوهري (¬1)، يقال: شحيح وشحاح بفتح الشين، وقال القاضي: الشح عندهم في كل ~~شيء فهو [أعم] (¬2) من البخل وقيل: الشح لازم كالطبع. # قال الجوهري: يقول شححت بالكسر أشح يشح وتشح. # واعلم أن هذا الحديث ورد بثلاثة ألفاظ: # إحداها: شحيح. # ثانيها: ممسك. # ثالثها: مسيك، واختلف في ضبط هذين اللفظين على وجهين: # أحدهما: فتح الميم وتخفيف السين. # وثانيهما: كسر الميم وتشديد السين، وهذا أشهر من روايات المحدثين، والأول ~~أصح عند أهل العربية ومعناها شحيح وبخيل، وكلاهما للمبالغة (¬3). # قال القرطبي (¬4): ولم يرد أنه شحيح مطلقا فتذمه بذلك وإنما وصفت حاله ~~معها، فإنه كان يقتر عليها، وعلى أولادها، كما سلف، وهذا لا يدل على البخل ~~مطلقا، فقد يفعل الإنسان هذا مع أهل بيته، PageV10P014 # لأنه يرى غيرهم أحوج وأولى، فيعطي غيرهم. وعلى هذا فلا يجوز أن يستدل ~~بهذا الحديث على بخله، فإنه لم يكن معروفا بهذا. # وقوله لها: "خذي" هذا الأمر على جهة ms1677 الإباحة بدليل الرواية الأخرى في ~~الصحيح " [لا حرج] (¬1) عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف". [ومعنى بالمعروف] ~~(¬2) القدر الذي عرف بالعادة أنه كفاية، وهذه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظا ~~فهي مفيدة معنى. كأنه قال: إن صح أو ثبت ما ذكرت فخذي. # الوجه الثالث: في أحكامه وفوائده: # الأولى: وجوب نفقة الزوجة وهو إجماع. # الثانية: أنها مقدرة بالكفاية، وهو قول الشافعي -رحمه الله-، وله قول ثان ~~أن الاعتبار بالقاضي يجتهد [ويقدر] (¬3) حكاه الرافعي عن صاحب "التقريب" ~~(¬4)، وعبارة الإمام في حكايته عنه يقتضي أنه إنما يرجع إلى اجتهاد القاضي ~~في الزيادة على الموفى حق المتوسط وفي نفقة الخادم فقط إلا في أصل النفقة، ~~والصحيح في مذهبه أنها مقدرة PageV10P015 # بالأمداد على الموسر كل يوم مدان وعلى المعسر مد وعلى المتوسط مد ونصف. ~~وقال ابن خيران (¬1) وغيره من أصحابنا: المعتبر عرف الناس في البلد. # وعند أبي حنيفة ومالك: الاعتبار بحال المرأة ويختلف القدر برغبتها ~~وزهادتها. ويقال: النظر عند أبي حنيفة إلى شرفها وحسنها. # وعند أحمد: ينظر إلى حال الزوجين جميعا، فيجب على الموسر للفقيرة نفقة ~~متوسطة. ومحل الخوض في ذلك كتب الخلاف، وهذا الحديث شاهد للقول منها كما ~~أسلفناه. # الثالثة: وجوب نفقة الأولاد الصغار. # الرابعة: أنها مقدرة بالكفاية، وهو الصحيح عندنا، خلافا لابن خيران، فإنه ~~قال: إنها [تتقدر بتعدد نفقة الزوجة] (¬2). # الخامسة: جواز سماع كلام الأجنبية عند الإفتاء والحكم، وكذا ما في معنى ذلك. # السادسة: ذكر الإنسان بما يكرهه إذا كان للاستفتاء والشكوى PageV10P016 # ونحوهما، وهذا مستثنى [من المنع] (¬1) من الغيبة (¬2). # السابعة: أن من له على غيره حق وهو عاجز عن استيفائه يجوز له أن يأخذ من ~~له قدر حقه بغير إذنه ومراجعته، وهذا مذهب الشافعي، وأصحابه، وتسمى "مسألة ~~الظفر" ومنع ذلك أبو حنيفة (¬3) ومالك (¬4) كما حكاه النووي في "شرحه ~~لمسلم" (¬5) عنها. # قال القرطبي (¬6): وهو مشهور مذهب مالك، وحكى غيره عن أبي حنيفة أنه يأخذ ~~جنس حقه، ولا يأخذ غيره إلا أنه يأخذ الدراهم بدلا من الدنانير وبالعكس. ~~وعن أحمد (¬7) أنه لا يأخذ الجنس ولا غيره. وعن مالك ms1678 إن لم يكن على المديون ~~دين آخر فله أخذه، وإن كان عليه فلا يأخذ إلا قدر حصته. وحكى المازري عن ~~مالك ثلاثة أقوال: # ثالثها: الجواز لمن ظفر بجنس حقه، وإلا فلا. # الثامنة: أنه يجوز الأخذ من الجنس ومن غيره، كما هو ظاهر الإطلاق، والأصح ~~عند أصحابنا أنه لا يأخذ غير الجنس إلا إذا تعذر الجنس. PageV10P017 # التاسعة: جواز إطلاق الفتوى من غير تقييد بثبوت كما [أطلقه] (¬1) -عليه ~~الصلاة والسلام-. # وإن قلنا بالثاني: فلابد من إذنه. # [الحادية عشرة] (¬2): جواز اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي. # الثانية عشرة: جواز خروج الزوجة من بيتها لحاجتها من محاكمة واستفتاء ~~وغيرهما، إذا أذن لها زوجها في ذلك، أو علمت رضاه به (¬3). # الثالثة عشرة: أن ما يذكر في الاستفتاء لأجل ضرورة معرفة الحكم إذا تعلق ~~به أذى الغير لا يوجب تعزيرا. # الرابعة عشرة: جواز القضاء على الغائب، كذا استدل به جماعة من أصحابنا، ~~وترجم عليه البخاري (¬4) في صحيحه، وفيه قولان لأهل العلم: PageV10P018 # أحدهما: لا يقضي عليه بشيء، وهو قول أبي حنيفة وسائر الكوفيين. # وثانيهما: يقضي عليه في حقوق الآدميين دون حقوق الله تعالى. وهو قول ~~الشافعي والجمهور، ذلك أن يمنع الدلالة من هذا الحديث لما نحن فيه, لأن ~~القصة كانت بمكة، وكان أبو سفيان حاضرا بها، وشرط القضاء على الغائب أن ~~يكون غائبا عن البلد على الأصح أو مستترا لا يقدر عليه أو متعذرا. ولم يكن ~~هذا الشرط في أبي سفيان موجودا، فلا يكون قضاء على الغائب، بل هو إفتاء، ~~وبهذا كان السؤال على سبيل الاستفتاء لا في معرض الدعوى، وقد يقال قوله ~~-عليه الصلاة والسلام- لها: "خذي" دال على أنه كان قضاء، إذ لو كان فتوى ~~لقال: لا بأس عليك ونحوه. وقام علمه -عليه الصلاة والسلام- بأنها زوجته ~~مقام البينة. ويجوز أن يكون مسافرا وقت سؤالها وترك عندها ما لا يكفيها, ~~ولهذا قالت: لا يعطيني. ولم تقل: ما ينفق علي فإن الغالب في حضور الزوج ~~يتولى النفقة بنفسه. # الخامسة عشرة: أنه لا يتوقف أخذ الحق ms1679 من مال من عليه على تعذر الإثبات ~~عند الحاكم، وهو وجه لأصحابنا، لأن هندا كان يمكنها الرفع إلى رسول الله - ~~صلي الله عليه وسلم - وأخذ الحق بحكمه. # السادسة عشرة: أن للمرأة ولاية على ولدها من حيث أن صرف المال [على] (¬1) ~~المحجور عليه أو تملكه له يحتاج إلى ولاية، PageV10P019 # وفيه نظر, لأن الأب كان موجودا، إلا أن يقال: إن تعذر استيفاء الحق من ~~الأب أو غيره مع تكرر الحاجة دائما يجعله كالمعدوم وليس بطائل. # السابعة عشرة: أن القول قول الزوجة في قبض النفقة، كما قاله أصحابنا, ~~لأنه لو كان القول قوله كما قاله مالك لكلفها إثبات عدم الدفع. وأجاب عنه ~~المازري (¬1) أن ذلك من باب تعليق الفتيا. # الثامنة عشرة: من تراجم البخاري (¬2) على هذا الحديث من رأى للقاضي أن ~~يحكم بعلمه في أمر الناس إذا لم يخف الظنون والتهمة، وذلك إذا كان أمرا ~~مشهورا. وستمر بك المذاهب في المسألة في الحديث الآتي بعد إن شاء الله. ~~واستدل به البيهقي في "سننه" (¬3) على أن له -عليه الصلاة والسلام- أن يحكم بعلمه. # التاسعة عشرة: أن النفقة واجبة على الأب كما سلف. # العشرون: أن المرأة لا يجوز لها أن تأخذ من مال زوجها شيئا إلا بإذنه وإن ~~قل، ورواية البخاري (¬4) "فهل علي [من] (¬5) حرج أن أطعم من الذي له ~~[عيالنا] (¬6)؟ قال: لا [أراه إلا] (¬7) بالمعروف" ولم PageV10P020 # تذكر من تطعم محمولة على باقي الروايات أن المراد نفسها وبنيها. ورواية ~~العيال محمولة على هذا وعلى من يلزمه نفقته من خادم. # الحادي بعد العشرين: أن مال الغير على الغير محظور، لا يجوز التصرف فيه ~~إلا بإذن صاحبه أو بأمر شرعي، [واستنبط القاضي حسين منه أيضا ذكر المرء ~~بالكنية عند العظيم من الناس وجواز الإمام لا حد الخصمين دون الآخر] (¬1). PageV10P021 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 389/ 3/ 74 - عن أم سلمة -رضي الله عنها- "أن رسول الله - صلي الله عليه ~~وسلم - سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: "ألا إنما أنا بشر، ~~وإنما يأتين الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب ms1680 أنه صادق، فأقضي ~~له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من [النار] (¬1) فليحملها أو ~~يذرها" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الجنابة. # الثاني: في ألفاظه ومعانيه: -الجلبة- بفتح الجيم واللام، وفي رواية في ~~الصحيح "لجبة" بتقديم اللام على الجيم مع فتحها، PageV10P022 # وهما لغتان فصيحتان، ومعناها: اختلاط الأصوات، يقال: منه جلبوا بالتشديد. # و"الخصم" معروف يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث, لأنه في الأصل ~~مصدر، ومن العرب من يثنيه ويجمعه، فيقول: خصمان وخصوم. # و"الحجرة" بضم الحاء وسكون الجيم وجمعها حجر وحجرات، وهذه الحجرة هي بيت ~~أم سلمة -رضي الله عنها-، كما جاء في رواية أخرى في الصحيح "بباب أم سلمة". # و"البشر" الخلق سمي بذلك لظهور بشرته دون ما عداه من الحيوان. # وقوله: "إنما أنا بشر"، معناه التنبيه على حالة البشرية، وأن البشر لا ~~يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئا، إلا أن يطلعهم الله تعالى على شيء من ~~ذلك، وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز عليهم، وأنه إنما يحكم بين ~~الناس بالظاهر، والله يتولى السرائر، فيحكم بالبينة وباليمين ونحو ذلك من ~~أحكام الظاهر مع إمكان كونه في الباطن على خلاف ذلك، ولكنه إنما كلف ~~بالظاهر. # وهذا نحو قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، ~~وحسابهم على الله"، وقوله في حديث المتلاعنين "لولا الأيمان لكان لي ولها ~~شأن"، ولو شاء الله لأطلعه على باطن أمر الخصمين، فحكم بيقين نفسه من غير ~~حاجة إلى شهادة ويمين، كما أطلعه على مغيبات وصارت في حقه معجزات، ولكن لما ~~أمر الله PageV10P023 # تعالى أمته باتباعه والاقتداء بأقواله وأحكامه أجرى له حكمهم في عدم ~~الاطلاع على باطن الأمور. ليكون حكم الأمة في ذلك حكمه، ولهذا قال: "إنما ~~أنا بشر" لأجل خطابه لهم وإلا فالغيب لا يعلمه من في السموات والأرض إلا ~~الله، ولعله إنما عبر به دون غيره من الألفاظ امتثالا لقول الله تعالى: {قل ~~إنما ms1681 أنا بشر مثلكم}، فأجرى الله تعالى أحكامه على الظاهر الذي يستوي فيه ~~هو وغيره، ليصح الاقتداء به، وتطيب نفوس العباد للانقياد للأحكام الظاهرة ~~من غير نظر إلى الباطن. # وهذا الحديث وإن كان ظاهره يقتضي أنه قد يقع منه حكم في الظاهر مخالف ~~للباطن، وقد اتفق الأصوليون على أنه -عليه الصلاة والسلام- لا يقر على خطأ ~~في الأحكام، فلا مخالفة بينها, لأن مراد الأصوليين ما حكم فيه بالاجتهاد ~~فهل يجوز أن يقع فيه خطأ؟ والأكثرون على الجواز، لكن لا يقر عليه، بل يعلمه ~~الله تعالى به، ويتداركه. # ومراد الحديث ما حكم فيه بغير اجتهاد كالبينة واليمين، فهذا إذا وقع منه ~~ما يخالف ظاهره باطنه لا يسمى الحكم خطأ، بل هو صحيح بناء على ما استقر به ~~التكليف وهو وجوب الحكم بشاهدين مثلا، فإن كانا شاهدي زور أو نحو ذلك ~~فالتقصير منهما وممن ساعدهما، وأما الحاكم فلا حيلة له في ذلك، ولا عيب ~~عليه بسببه، بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد، فإن هذا الذي حكم به ليس هو ~~حكم الشرع، وإن كان يثاب على اجتهاده ويؤجر، وأبى بعض الشراح هذا، وقال: هو ~~معصوم فلا يقع منه حكم بخلاف ما هو عليه PageV10P024 # في نفس الأمر، وإنما قال ذلك تحذيرا وتخويفا لأمته أن يقع أحد منهم في ~~شيء من ذلك. # ومعنى "أبلغ" أكثر بلاغة وإيضاحا لحجته. # وفي رواية أخرى قال: في الصحيح "ألحن" بدل "أبلغ" ومعناهما، واحد، أي: ~~أفصح وأفطن. # وقوله: "فمن قضيت له بحق مسلم"، هذا التقييد خرج على الغالب، وليس المراد ~~به الاحتراز من الكافر فإن مال الذمي والمعاهد والمرتد في هذا كمال المسلم. # وقوله: "فإنما هي" هذا الضمير يعود إلى القضية أو الحالة هذه، وفي رواية ~~أخرى في الصحيح: "فإنما أقطع له قطعة من النار"، والمعنى من قضيت [له] (¬1) ~~بظاهر يخالف الباطن فهو حرام [يزل به في] (¬2) النار، وهذا مثل يفهم منه ~~شدة العذاب والتنكيل. # وقوله: "فليحملها أو يذرها" لفظه لفظ الأمر، ومعناه التهديد والوعيد، ~~كقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء ms1682 فليكفر} (¬3). وكقوله: {اعملوا ما ~~شئتم} (¬4)، وليس المراد التخيير بين الفعل والترك، إذ العامل لا يختار ~~الهلاك على النجاة باستمراره على الباطل، بل يختار النجاة بتركه. PageV10P025 # الوجه الثالث: في أحكامه: # الأول: أن حكم الحاكم لا يحل الباطل ولا يحل حراما. فإذا شهد شاهدا زور ~~للإنسان بمال فحكم به الحاكم لم يحل للمحكوم له ذلك المال، ولو شهدا عليه ~~بقتل لم يحل للولي قتله مع علمه بكذبهما. وإن شهدا بالزور أنه طلق امرأته ~~لم يحل لمن علم بكذبهما أن يتزوجها بعد حكم القاضي بالطلاق. وهذا قول مالك ~~والشافعي وأحمد وجماهير علماء الإسلام وفقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين ~~من بعدهم. # وقال أبو حنيفة: يحل حكم القاضي الفروج دون الأموال. وقال يحل نكاح ~~المذكورة، قال صاحب "شرح المختار" للفتوى منهم القضاء بشهادة الزور ينفذ ~~ظاهرا وباطنا في العقود والفسوخ كالنكاح والطلاق والبيع [وكذلك] (¬1) الهبة ~~والإرث وقالا: لا ينفذ باطنا يعني محمدا وأبا يوسف قال: صورته شهد شاهدان ~~[بالزور] (¬2) بنكاح امرأة لرجل فقضى بها القاضي نفذ عنده يعني أبا حنيفة ~~حتى حل للزوج وطؤها خلافا لهما, ولو شهدا بالزور على رجل أنه طلق امرأته ~~بائنا فقضى القاضي بالفرقة ثم تزوجها آخر جاز ذلك وعندنا إن جهل الزوج ~~الثاني ذلك حل له وطؤها اتباعا للظاهر لأنه لا يكلف علم الباطن وإن علم ~~فلا, ولو وطئها الزوج الأول كان زانيا ويحد. وقال محمد: يحل له وطؤها [وقال ~~أبو يوسف: لا يحل له وطؤها] (¬3) , لأن قول PageV10P026 # أبي حنيفة أورث شبهة، فيحرم الوطء احتياطا، ولا ينفذ في معتدة الغير ~~ومنكوحته بالإجماع؛ لأنه لا يمكنه تقديم النكاح على القضاء. وفي الأجنبية ~~أمكن ذلك فيتقدم تصحيحا له وقطعا للمنازعة. وينفذ بيع الأمة عنده حتى يحل ~~للمشتري وطؤها، وينفذ في الهبة والإرث حتى يحل للمشهود له أكل الهبة ~~والميراث. وروي عنه يعني أبا حنيفة: أنه لا ينفذ فيهما لهما قال و [قوله] ~~(¬1) -عليه الصلاة والسلام-: "إنكم تختصمون" إلى آخره عام فيعم جميع العقود ~~والفسوخ وغير ذلك، فينبغي أن يكون الحكم في الباطن ms1683 هو عند الله. أما الظاهر ~~فالحكم لازم على ما أنفذه القاضي، قال -عليه الصلاة والسلام-: "إنما أقضي ~~بالظاهر والله يتولى السرائر". قال: وله، يعني: أباحنيفة ما روي أن رجلا ~~خطب امرأة وهو دونها في الحسب، فأبت أن تتزوجه، فادعى أنه تزوجها. وأقام ~~شاهدين عند علي فحكم عليها بالنكاح، فقالت: إني لم أتزوجه وإنهم شهود زور ~~[فزوجني منه] (¬2)، فقال علي: شاهداك زوجاك. وأمضى عليها النكاح، ولأنه قضى ~~بأمر الله تعالى بحجة شرعية، فيما له ولاية الإنشاء، فيحل إنشاءه تحرزا عن ~~الحرام. وحديثها صريح في المال، قال: ونحن نقول به فإن قضاء القاضي الأملاك ~~المرسلة، لا ينفذ بشهادة الزور لهذا الحديث، ولقوله تعالى: {ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل} (¬3) , وروي أنها نزلت فيه، ولأن القاضي لا يملك PageV10P027 # إثبات الملك بدون التثبت؛ فإنه لا يملك دفع مال زيد إلى عمرو. وأما ~~العقود والفسوخ [فإنه يملك إنشاءها] (¬1)؛ فإنه يملك بيع أمة زيد وغيرها من ~~عمر وحال غيبته وخوف الهلاك للحفظ. وكذلك لو مات ولا وصي له، ويملك إنشاء ~~النكاح على الصغير وعلى الصغيرة والفرقة على العنين وغير ذلك، فيثبت أن له ~~ولاية الإنشاء في العقود والفسوخ، فيحل القضاء إنشاءه احترازا عن الحرام، ~~ولا يملك ذلك في الأملاك المرسلة بغير إثبات فتعذر جعله إنشاء فبطل. ثم ~~يقول: لو لم تنفذ باطنا، فلو قضى القاضي بالطلاق [أصبحت] (¬2) حلالا للزوج ~~الأول باطنا، والثاني ظاهرا ولو ابتلي الثاني بمثل ما ابتلي به الأول حلت ~~للثالث أيضا وهكذا رابع وخامس فتحل للكل في زمن واحد وفيه من الفحش ما لا ~~يخفى، ولو قلنا بنفاذه باطنا لا تحل إلا لواحد فلا فحش فيه. هذا آخر كلام ~~هذا الشارح، قال النووي في "شرح مسلم" (¬3): وقول أبي حنيفة مخالف لهذا ~~الحديث الصحيح ولإجماع من قبله [(¬4)] ولقاعدة وافق هو وغيره عليها وهي أن ~~الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال. # وقال القرطبي (¬5): أيضا قوله "أن حكم الحاكم، يغير حكم الباطن في الفروج ~~خاصة، حتى يحل فيما إذا شهدا زورا على رجل PageV10P028 # بطلاق زوجته، وحكم القاضي بشهادتهما ms1684 أن يتزوجها غيره ممن يعلم كذبها مما ~~شنع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح، وبأنه صان الأموال، ولم ير ~~استباحتها بالأحكام الفاسدة في الباطن ولم يصن [الفروج عن ذلك] (¬1) ~~[والفروج] (¬2) أحق أن يحتاط لها وتصان. # تذنيب: اتفق أصحابنا على ما حكاه الشيخ تقي الدين (¬3) على أن القاضي ~~الحنفي إذا قضى بشفعة الجوار للشافعي أخذها في الظاهر واختلفوا في حلها في ~~الباطن على وجهين، ولا ينقض قضاؤه بها على الأصح عندنا، وعند المالكية لا ~~يحل له الأخذ بها إذا حكم الحنفي له بها، والحديث عام بالنسبة إلى سائر ~~الحقوق، والذي اتفق عليه أصحابنا أن الحجة إذا كانت باطلة في نفس الأمر ~~بحيث لو اطلع عليها القاضي لم يجز له الحكم بها أن ذلك لا يؤثر، وإنما وقع ~~التردد في الأمور الاجتهادية إذا خالف اعتقاد القاضي اعتقاد المحكوم له، ~~كما قلنا في شفعة الجار. # الثاني (¬4): إجراء الأحكام على الظاهر، والله يتولى السرائر. # الثالث: إعلام الناس بأنه -عليه الصلاة والسلام- في الحكم بالظاهر كغيره، ~~وإن كان يفترق منع الغير في اطلاعه على ما يطلعه PageV10P029 # الله عليه من الغيوب الباطنة، وذلك في أمور [مخصوصة] (¬1) لا في الأحكام ~~العامة، ومن هنا يتبين افتراء من أعرض عن قاعدة الشرع [وحكم] (¬2) بخاطر ~~القلب وقال الشاهد المتصل بي أعدل من المنفصل عني أسأل الله [سلوك الصواب] ~~(¬3) بما جاءت به السنة والكتاب. # الرابع: قد سلف في أول الكتاب [أن الحصر قد يكون] (¬4) عاما، وقد يكون ~~خاصا، وهذا من الخاص، وهو فيما يتعلق بالحكم بالنسبة إلى الحجج الظاهرة. # الخامس: أن الحاكم لا يحكم إلا بالظاهر فيما طريقه الثبوت ببينة أو ~~إقراره ولا يحكم ما يعلمه في الباطن مخالفا لما ثبت في الظاهر ولا عكسه، ~~نعم لو علم شيئا بطريقه الشرعي خبرا يقينا أو ظنا راجحا أو مشاهدة من غير ~~بينة أو إقراره في حال الدعوى أو قبلها فيه سبعة مذاهب. # أحدها: أنه لا يقضي بعلمه من شيء وبه قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد والشعبي، ~~وهو قول للشافعي وشريح، ومشهور مذهب ms1685 مالك. # الثاني: نعم مطلقا، وبه قال أبو ثور ومن تبعه، وهو قول للشافعي أيضا. # الثالث: أنه يقضي به فيما سمعه في قضائه خاصة لا قبله ولا في غيره إذا لم ~~يحضر مجلسه بينة، وفي الأموال خاصة، وبه قال PageV10P030 # الأوزاعي وجماعة من أصحاب مالك وحكوه عنه. # الرابع: يحكم بما سمعه في مجلس قضائه، وفي غيره لا قبل قضائه، ولا في غير ~~مضرة في الأموال خاصة، وبه قال أبو حنيفة. # الخامس: أنه يقضي بعلمه في الأموال خاصة، سواء سمع ذلك في مجلس قضائه وفي ~~غيره قبل ولايته أو بعدها، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وحكاه القرطبي قولا عن ~~الشافعي. # السادس: أنه يقضي بعلمه في الأموال والقذف خاصة ولا يشترط مجلس القضاء، ~~وبه قال بعض المالكية. # السابع: أنه يقضي بعلمه إلا في حدود الله تعالى، وهو أصح أقوال الشافعي، ~~ومحل الخوض في [ذلك] (¬1) كتب الخلاف. # الثامن: العمل بالظن وبناء الحكم عليه، حيث قال: فأحسب أنه صادق، وهو أمر ~~إجماعي بالنسبة إلى الحاكم والمفتي. # التاسع: موعظة الإمام للخصوم، وعليه ترجم البخاري (¬2) وترجم عليه أيضا ~~القضاء في قليل المال وكثيره (¬3)، وترجم عليه ايضا من أقام البينة بعد ~~اليمين (¬4)، وقال فيه: "فمن قضيت له بحق أخيه شيئا [بقوله] (¬5) ". PageV10P031 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 390/ 4/ 74 - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة [رضي الله عنهما] (¬1) قال: كتب ~~أبي -أو كتبت له- إلى ابنه عبيد الله بن أبي بكرة وهو قاض بسجستان: أن لا ~~تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" (¬2). # وفي رواية: لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان. # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا اللفظ الأول هو ما ذكره مسلم ولم يذكر غيره، واللفظ الثاني هو ~~ما ذكره البخاري هنا، وترجم عليه هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان (¬3)؟ PageV10P032 # الثاني: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه. # أما عبد الرحمن [بن أبي بكرة] (¬1) فهو [أبو بحر] (¬2) ويقال: أبو حاتم ~~عبد الرحمن بن أبي بكرة نفيع بن الحارث بن ms1686 كلدة بن عمرو بن علاج الثقفي ~~البصري، وهو أول من ولد في الإسلام، وله عدة إخوة، روى عن أبيه وعلي ~~وغيرهما، وعنه ابن سيرين وجماعة من التابعين ذكره أبو حاتم [بن حبان] (¬3) ~~في "ثقاته". ولد سنة أربع عشرة. وتوفي سنة ست وتسعين مع إبراهم النخعي على ~~قول في إبراهيم. # وأما أخوه عبيد الله: فهو أبو حاتم أحد الكرام المذكورين والسمحاء ~~المشهورين. روى عن علي وأبيه، وعنه ابنه زياد وسعد مولى أبي بكرة وغيرهما. ~~تولى قضاء البصرة وأمرة سجستان وثقه العجلي، وكان قليل الحديث. أمه هولة ~~بنت غليظ من بني عجل، وهو أصغر من عبد الرحمن وأجود منه. مات سنة سبع ~~وتسعين. [وأما أبوهما فسلف التعريف به في باب الربا والصرف] (¬4). # الوجه الثالث: في ضبط ما فيه من أسماء الأماكن وتعريفه: "سجستان" بلاد ~~معروفة لكابل، وكان بها جماعة كثيرة من العلماء والمحدثين وهي بكسر السين ~~الأولى والجيم وسكون الثانية. ثم مثناة فوق. وقال صاحب "المشارق" (¬5) ثم ~~"المطالع" هو بفتح السين PageV10P033 # والتاء ولم يزدا على ذلك, والذي ذكره السمعاني في "أنسابه" (¬1) فتحها ~~كما قدمناه. # الوجه الرابع: معنى "كتب أبي أو كتبت له إلى ابنه"، أي: كتب بنفسه مرة ~~وأمر ولده عبد الرحمن مرة أخرى أن يكتب لابنه عبيد الله، وهو أخو عبد ~~الرحمن، وزاد ذلك عليه تأكيدا. # الوجه الخامس: في أحكامه وفوائده: # الأولى: المنع من القضاء حالة الغضب، وذلك لما يحصل للنفس بسببه من ~~التهويش الموجب لاختلال النظر وعدم حصوله على الوجه المطلوب، وعداه الفقهاء ~~بهذا المعنى إلى كل حال يخرج الحاكم بها عن سداد النظر واستقامة الحال. . . ~~. كالشبع المفرط والجوع المغلق والهم المضجر والفرح المفرط ومدافعة الحدث ~~والتوقان إلى الطعام والمرض المؤلم والحر المزعج والبرد المنكي والنعاس ~~الغالب وتعلق [القلب] (¬2) بأمر، ونحو ذلك، وهو قياس مظنة [على مظنة] (¬3) ~~فإن كل واحد من هذه الأمور مهوش للذهن حامل على الغلط. وكأن الغضب إنما خص ~~لشدة استيلائه على النفس وصعوبة مقاومته. وقد روي من حديث أبي سعيد الخدري ~~مرفوعا "لا يقضي القاضي إلا ms1687 وهو شبعان ريان" رواه البيهقي (¬4) وضعفه. لكن ~~المعنى السالف يعضده. ولو خالف وقضى في حال PageV10P034 # من هذه الأحوال نفذ إذا صادف الحق وكان مكروها لهذا النهي، وقد قضى رسول ~~الله - صلي الله عليه وسلم - في شراج الحرة وقال في لقطة الإبل: "مالك ولها ~~دعها" في حال الغضب. # قلت: لكنه في حق -عليه أفضل الصلاة والسلام- لا يكره فإنه معصوم، ولا ~~يقول في الرضا والغضب إلا حقا، وممن صرح بعدم الكراهة في حقه هو في "شرحه ~~لمسلم" هو بعد هذا بأوراق في أثناء كتاب اللقطة (¬1) حيث قال في حديث لقطة ~~الإبل: فيه جواز الفتوى والحكم في حال الغضب، وأنه نافذ، لكن يكره ذلك في ~~حقنا, ولا يكره في حقه - صلى الله عليه وسلم -، لأنه لا يخاف عليه في الغضب ~~ما يخاف علينا هذا لفظه. # وأما من ادعى أنه لعله تكلم عن الحكم قبل أن يغضب أو لم ينته به الغضب ~~إلى الحد القاطع عن سلامة الحاضر فبعيد واه، وأي ضرورة دعت إلى ذلك. # الثانية: ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون الغضب لله تعالى أو لغيره، ~~وهو ظاهر إطلاق جماعة من الشافعية، لكن قيد إمام الحرمين والبغوي وغيرهما ~~الكراهة فيما إذا لم يكن الغضب لله تعالى. وأما الروياني فإنه يستغرب هذا ~~التفصيل. # الثالثة: العمل بالكتابة، وأنها كالسماع من الشيخ في وجوب العمل. وأما في ~~الرواية فمنع الرواية بها قوم إذا كانت مجردة عن الإجازة منهم الماوردي ~~والصحيح المشهور بين أهل الحديث الجواز PageV10P035 # [ثم] (¬1) أنه يقول في الرواية بالكتابة كتب إلي فلان، قال: [ثنا] (¬2) ~~فلان أو أخبرني فلان كتابة أو مكاتبة ونحوه، ولا يجوز إطلاق ثنا، وأنا، ~~وجوزه الليث ومنصور وغير واحد من علماء المحدثين وأكابرهم، واحترزت أولا ~~بالمجردة عن الإجازة عن المقرونة بها كأجزتك [بما] (¬3) كتبت لك أو به إليك ~~ونحوه من عبارات الإجازة، فإنها في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقرونة ~~بالإجازة. # الرابعة: في كتابة أبي بكرة لولده , ذكر الحكم مع دليله في الفتوى ~~والتعليم نشر العلم للعمل به والاقتداء , وإن ms1688 لم يسأل عنه. PageV10P036 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 391/ 5/ 74 - عن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلي ~~الله عليه وسلم -: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" [ثلاثا، قلنا: بلى يا رسول ~~الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئا فجلس، فقال: "ألا ~~وقول الزور، وشهادة الزور"، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت] (¬1) " (¬2). # الكلام عليه من وجوه، واللفظ المذكور للبخاري بنحوه: # أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في الكلام على الحديث قبله، وأنه سلف ~~في باب الربا. # ثانيا: في معانيه: قوله "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا"، معناه قال: ~~هذا الكلام ثلاث مرات وكرره للتأكيد وتنبيه السامع على إحضار قلبه وفهمه ~~لما يخبرهم به. وفهم الفاكهي من قوله "ثلاثا" أن المراد به عدد الكبائر وهو ~~عجيب. PageV10P037 # وقوله: "الإشراك بالله"، يحتمل كما قال الشيخ تقي الدين أن يراد به مطلق ~~الكفر، فيكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، لاسيما في بلاد العرب، فذكر ~~تنبيها على غيره قال [ويحتمل أن يراد به خصوصه، إلا أنه يرد على هذا ~~الاحتمال (¬1) أن بعض الكفر أعظم قبحا من الإشراك] (¬2). وهو التعطيل، أي ~~لأنه نفي مطلق، والإشراك إثبات مقيد، فهذا يرجح الاحتمال الأول. # وقوله: "وعقوق الوالدين"، قد تقدم الكلام عليه في الحديث الثاني من باب ~~الذكر عقب الصلاة فراجعه منه. # وقوله: "وكان متكئا"، فجلس جلوسه -عليه الصلاة والسلام- للاهتمام بهذا ~~الأمر، وهو يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه، وإنما تمنوا سكوته شفقة عليه ~~وكراهية لما يزعجه ويغضبه واهتمامه بأمر شهادة الزور أو قول الزور [يحتمل] ~~(¬3)، كما قال الشيخ تقي الدين (¬4): أن تكون لأنها أسهل وقوعا على الناس، ~~والتهاون بها أكثر، فمفسدتها أيسر وقوعا. ألا ترى أن المذكور معها هو ~~الإشراك بالله، ولا يقع فيه مسلم، وعقوق الوالدين، والطبع صارف عنه. وأما ~~قول الزور فإن الحوامل عليه كثيرة، كالعداوة والحسد وغيرهما فاحتيج إلى ~~الاهتمام بتعظيمها, وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها -وهو الإشراك- ~~قطعا. PageV10P038 # ويحتمل أن يكون اهتمامه عليه الصلاة والسلام بها لأن مفسدتها متعدية إلى ~~غير الشاهد بخلاف الاشراك فإن ms1689 مفسدته قاصرة على صاحبه. # وقوله: "وقول الزور شهادة الزور" يحتمل أن يكون من باب ذكر الخاص بعد ~~العام, لأن كل شهادة زور قول زور بخلاف عكسه. # وقال الشيخ تقي الدين: ينبغي أن يحمل قول الزور على شهادة الزور، فإنا لو ~~حمناه على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقا كبيرة وليس كذلك، وقد ~~نص الفقهاء على أن الكذبة الواحدة وما يقاربها لا تسقط العدالة، ولو كانت ~~كبيرة لأسقطت. وقد نص الله تعالى على عظم بعض الكذب. [فقال تعالى] (¬1): ~~{ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا} ~~(¬2)، وعظم الكذب ومراتبه متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده، وقد نص في الحديث ~~الصحيح على أن الغيبة والنميمة كبيرة، والغيبة عندي تختلف بحسب المعقول ~~والمغتاب به، فالغيبة بالقذف كبيرة لإيجابها الحد، ولا تساويها الغيبة بقبح ~~الخلقة مثلا، أو [نقص] (¬3) الهيئة في اللباس مثلا، وليس العقوق وقول الزور ~~مساويا للإشراك بالله قطعا إلا إذا فعل ذلك معتقدا حله، ومعلوم أن الكافر ~~شاهد بالزور وقائل به. PageV10P039 # الوجه الثالث: في فوائده: # الأولى: عظم الذنوب وانقسامها في ذلك إلى كبير وأكبر، ويلزم منه انقسامها ~~[إلى كبائر وصغائر] (¬1)، فإن أفعل التفضيل يدل على وجود مفضول غالبا، ويدل ~~عليه أيضا قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} (¬2) [الآية] (¬3)، ~~وقال الشيخ تقي الدين (¬4) وفي الاستدلال [به] (¬5) على ذلك نظر، لأن من ~~قال "كل ذنب كبيرة" [فالذنوب والكبائر] (¬6) عنده [سواء، دال] (¬7) على شيء ~~واحد، فيصير كأنه قيل: ألا أنبئكم بأكبر [(¬8)] الذنوب. وعن ابن عباس (¬9) ~~رضي الله عنهما أن كل ما نهى [الله] (¬10) فهو كبيرة. وظاهر القرآن ~~والحديث. بخلافه، ولعله أخذ "الكبيرة" باعتبار الوضع اللغوي، ونظر إلى عظيم ~~المخالفة [للأجر] (¬11) والنهي وسمى كل ذنب كبيرة، وبهذا المذهب أخذ ~~الأستاذ أبو إسحق الإسفرائيني، وقال: الذنوب PageV10P040 # كلها كبائر. وحكاه القاضي عياض عن المحققين؛ لأن كل مخالفة فهي بالنسبة ~~إلى جلال الله [تعالى] (¬1) كبيرة، ولهذا قال السلف # رحمة الله عليهم: لا تنظر إلى الذنب، ولكن انظر إلى من عصيت. لكن جمهور ms1690 ~~السلف والخلف على الأول، وهو مروي عن ابن عباس أيضا. قال الغزالي في ~~"بسيطه": إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقه، وقد فهما من ~~مدارك الشرع وقاله أيضا غير الغزالي بمعناه. ولا شك في كون المخالفة قبيحة ~~جدا بالنسبة إلى جلال الله تعالى، ولكن بعضها أعظم من بعض، وتنقسم باعتبار ~~ذلك إلى ما تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان أو الحج أو العمرة أو الوضوء ~~أو صوم عرفة أو صوم عاشوراء، أو فعل الحسنة أو غير ذلك مما جاءت به ~~الأحاديث الصحيحة، وإلى ما لا تكفره ذلك كما ثبت في الصحيح: "ما لم تغش ~~الكبائر" فسمى الشرع ما تكفره الصلوات ونحوها صغائر وما لا تكفره كبائر ~~[وهذا حسن بالغ] (¬2) ولا يخرجها هذا عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى، # فمانها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها, لكونها أقل قبحا، ولكونها ميسرة ~~التكفير. # الثانية: درجات الكبائر متفاوتة بحسب تفاوت مفاسدها, ولا يلزم من كون هذا ~~أكبر الكبائر استواء رتبها أيضا في نفسها، فإن الإشراك بالله تعالى أعظم ~~الكبائر، ويليه قتل النفس بغير حق، كما نص عليه الشافعي في "مختصر المزني"، ~~واتفق عليه الأصحاب. قال PageV10P041 # عليه الصلاة والسلام: "لا يزال ابن آدم في فسحة من دينه ما لم يصب دما ~~حراما" (¬1)، وأما ما سواهما من الزنا واللواط وعقوق الوالدين [والسحر] ~~(¬2) وقذف المحصنات والفرار يوم الزحف وأكل الربا وغير ذلك فلها تفاصيل ~~وأحكام يعرف بها مراتبها، ويختلف أمرها باختلاف الأحوال والمفاسد المرتبة ~~عليها، كما قدمناه وعلى هذا يقال في كل واحدة منها لم هي من أكبر الكبائر، ~~وإن جاء في # موضع هي أكبر الكبائر، كما يقال في أفضل الأعمال. # الثالثة: اختلفوا في أن الكبائر كلها معروفة أم لا؟ على قولين وبالثاني ~~قال الواحدي وجماعات وأنه الصحيح، وإنما ورد الشرع بوصف أنواع من المعاصي ~~بأنها كبائر وأنواع بأنها صغائر وأنواع لم توصف وهي مشتملة على كبائر ~~وصغائر. والحكمة في عدم بيانها أن يكون العبد ممتنعا من جميعها مخافة أن ~~تكون من الكبائر. وبالأول ms1691 قال الأكثرون. # ثم اختلفوا في أنها معروفة بعد وضابط [أو] (¬3) بالعدد على قولين ~~وبالثاني قال جماعات وفي الصحيح أنها ثلاث وفي رواية "أربع" وفي أخرى ~~"سبع". PageV10P042 # واختلف في عدد [ذلك] (¬1) السبع أوعلى روايات، (¬2) وهذه الصيغة وإن كانت ~~تقتضي الحصر فهو غير مراد، وإنما وقع الاقتصار # عليها لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لا سيما فيما كانت عليه ~~الجاهلية، ولم يذكر في بعضها ما ذكر في الأخرى, وذلك ظاهر في إرادة البعض، ~~ويكون التقدير من الكبائر، ولهذا ثبت في الصحيح "إن من [أكبر] الكبائر شتم ~~الرجل والديه" (¬3)، وإن منها عدم الاستبراء من البول، وإن منها النميمة. ~~وجاء أن منها اليمين الغموس واستحلال بيت الله الحرام. وقد ذكر أصحابنا ~~جملة مستكثرة. منها في الشهادات وتبعتهم في "شرح التنبيه". وروي عن ابن ~~عباس أنه سئل عن الكبائر أسبع هي فقال: هي إلى السبعين، ويروى إلى سبعمائة أقرب. # والقول الثاني: أنها معروفة بعد وضابط واختلف فيه على آراء: # منها: ما روي عن ابن عباس أنه كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. # ونحو هذا عن الحسن البصري. # ومنها: أنها ما أوعد الله عليه بنار أو حد في الدنيا. PageV10P043 # ومنها: عن ابن مسعود وإبراهيم النخعي هي جميع ما نهى الله عنه من أول ~~سورة النساء إلى ثلاثين آية منها. وهي: "إن تجتنبوا". # ومنها: أنها كل ما قرن به وعيد أو لعنة أو حد فتغيير منار الأرض كبيرة ~~لاقتران اللعن به. وكذا قتل المؤمن لاقتران الوعيد به، والمحاربة والزنا ~~والسرقة والقذف كبائر لاقتران الحدود بها واللعنة ببعضها. # ومنها: ما قاله الغزالي في "بسيطه" أنها كل معصية يقدم المرء عليها من ~~غير استشعار وخوف وحذر وندم كالمتهاون بارتكابها والمتجرىء عليها اعتيادا؛ ~~في أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة، وما يحمل على فلتات النفس ~~وفترة مراقبة التقوى ولا ينفك عن ندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية فهذا ~~لا يمنع العدالة، وليس هو بكبيرة. # ومنها ما قاله ابن الصلا في "فتاويه" (¬1) أنها كل ذنب ms1692 وعظم عظما يصح معه ~~أن يطلق عليه اسم الكبير ووصف بكونه عظميا على الإطلاق. # ولها أمارات [(¬2)] منها: إيجاب الحد. # ومنها: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة. PageV10P044 # ومنها: وصف فاعلها بالفسق. # ومنها: اللعن. # ومنها: ما قال ابن عبد السلام في "قواعده" (¬1) إذا أردت الفرق بينهما ~~فأعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر [المنصوص عليها؛ فإن نقصت عن أقل ~~مفاسد الكبائر فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر] (¬2) وأربت ~~عليها فهي من الكبائر فمن شتم الرب سبحانه وتعالى أو رسوله أو استهان ~~بالرسل أو كذب واحدا منهم أو ضمخ الكعبة بالقذرة أو ألقى المصحف في ~~القاذورات فهذا من أكبر الكبائر ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة (¬3)، وكذلك لو ~~أمسك امرأة محصنة [ثم زنى] (¬4) بها أو مسلما [ثم] (¬5) يقتله فلا شك أن ~~مفسدة ذلك أعظم من مفسدة [(¬6)] مال اليتيم مع كونه من الكبائر، وكذلك لو ~~دل الكفار على عورة [المسلمين] (¬7) مع علمه بأنهم يستأصلون بدلالته ويسبون ~~حرمهم وأطفالهم، ويغنمون أموالهم، فإن تسببه إلى هذه المفاسد أعظم من توليه ~~يوم الزحف بغير عذر مع كونه من PageV10P045 # الكبائر، وكذلك لو كذب على إنسان كذبا يعلم أنه يقتل بسببه [أما إذا كذب ~~عليه كذبا] (¬1) يؤخذ منه بسببه تمرة فليس كذبه من الكبائر؛ قال: وقد نص ~~الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر. فإن وقعا في مال ~~خطير (¬2) فظاهر، وإن وقعا في حقير [(¬3)] فيجوز أن يجعلا من الكبائر فطاما ~~عن هذه المفاسد، كما جعل شرب قطرة من خمر من الكبائر وإن لم تتحقق المفسدة، ~~ويجوز أن يضبط ذلك بنصاب السرقة. قال: والحكم بغير الحق كبيرة، فإن شاهد ~~الزور متسبب [فيه] (¬4)، والحاكم مباشر، فإذا جعل التسبب كبيرة. فالمباشرة ~~[أولى] (¬5) (¬6) قال: وقد ضبط بعض العلماء] الكبائر فإنها كل ذنب قرن به ~~وعيد أو حد أو لعن، فعلى هذا كل ذنب علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به الوعيد ~~أو الحد أو اللعن أو أكبر من مفسدته فهو كبيرة (¬7). ثم قال: الأولى أن ~~تضبط الكبيرة ms1693 بما يشعر بها ومن مرتكبها في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص ~~عليها. قالوا: PageV10P046 # وهذا سببه بإخفاء ليلة القدر وساعة يوم الجمعة وساعة إجابة الدعاء في ~~الليل واسم الله الأعظم ونحو ذلك مما أخفي واعترض الشيخ # تقي الدين (¬1) فقال: سلك بعض المتأخرين طريقا في معرفة الفرق بينها ~~فأعرض مفسدة الذنب فذكره إلى قوله مع كونه من الكبائر، # وعنى به الشيخ عز الدين وهذا الدي قاله عندي داخل فيما نص عليه الشرع ~~بالكفر إن جعلنا المراد بالإشراك بالله مطلق الكفر على ما # سلف، ولا بد مع هذان أمرين: # أحدهما: أن المفسدة لا تؤخذ مجردة عما يقترن بها من أمر آخر. فإنه قد يقع ~~الغلط في ذلك. ألا ترى أن السابق إلى الذهن أن مفسدة الخمر السكر وتشويش ~~العقل، فإن أخذنا هذا بمجرده لزم منه أن لا يكون من شرب القطرة الواحدة ~~كبيرة [(¬2)] لأنها -وإن خلت عن المفسدة المذكورة- إلا أنه يقترن بها مفسدة ~~التجريء على شرب الخمر الكبير الموقع في المفسدة، فبهذا الاقتران تصير كبيرة. # الثاني: أنا إذا سلكنا هذا المسلك فقد تكون مفسدة بعض الوسائل إلى بعض ~~الكبائر مساوية لبعض الكبائر، أو زائدة عليها، فإن من أمسك امرأة محصنة لمن ~~يزني بها، أو مسلما معصوما لمن يقتله، فهو كبيرة أعظم مفسدة من أكل مال ~~الربا، أو أكل مال اليتيم، وهما منصوص عليهما. وكذلك لو دل على عورة من ~~عورات المسلمين تفضي إلى قتلهم وسبي ذراريهم، وأخذ أوالهم, كان PageV10P047 # ذلك أعظم من فراره يوم الزحف [والفرار من الزحف] (¬1) منصوص عليه دون ~~هذه. وكذلك نفضل على هذا القول الذي حكيناه من أن الكبيرة ما رتب عليها ~~اللعن، أو الحد، أو الوعيد. فتعتبر المفاسد بالنسبة إلى ما رتب عليه شيء من ~~ذلك، فما ساوى أقلها فهو كبيرة، وما نقص عن ذلك فليس بكبيرة. # تذنيب: الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، وقد روي عن عمر وابن عباس ~~وغيرهما "لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار"، ومعناه أن الكبيرة تمحى ~~بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار، قال الشيخ ms1694 عز الدين في ~~["قواعده"] (¬2) والإصرار أن يتكرر منه الصغيرة تكرارا يشعر بقلة مبالاته ~~بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة، بذلك، قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة ~~الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر. # وقال ابن الصلاح في "فتاويه" الإصرار التلبس بضد التوبة باستمرار العزم ~~على المعاودة. [واستدامة] (¬3) الفعل بحيث يدخل (¬4) # به في حيز ما يطلق عليه الوصف بصيرورته كبيرا [(¬5)] عظيما وليس [لزمان] ~~(¬6) ذلك وعدده حصر. PageV10P048 # الرابعة. العقوق مأخوذ من العق وهو القطع وعدم وصله الرحم. قال صاحب ~~(المحكم) (¬1): رجل عقق وعقق وعق وعاق بمعنى واحد وهو الذي شق عصى الطاعة ~~لوالديه وقد أسلفنا الكلام على هذه المادة في الحديث الثاني من باب الذكر ~~عقب الصلاة كما سلف في الباب الإشارة إليه. # وأما حقيقة العقوق المحرم شرعا [فقل] (¬2) من ضبطه وضبط الواجب [والمحرم] ~~(¬3) من [الطاعة لها والمحرم] (¬4) من العقوق لهما فيه عسر ورتب العقوق ~~مختلفة، وقد قال الشيخ عز الدين (¬5) كما حكيناه عنه ثم لم أقف في عقوق ~~الوالدين ولا فيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمد عليه، فإنه لا يجب ~~طاعتهما في كل ما يأمران به ولا في كل ما ينهيان عنه باتفاق العلماء، أي ~~وإنما طاعتهما تبع لطاعة الشرع، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق"، وقال: "إنما الطاعة في المعروف" (¬6)، PageV10P049 # وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما (¬1) لما يشق عليهما من توقع قتله ~~أو قطع عضو من أعضائه، وقد ساوى الولدان الرقيق في النفقة والكسوة والسكن. ~~وقال ابن الصلاح في "فتاويه" (¬2) العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد أو ~~نحوه تأذيا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة، قال: وربما قيل: ~~طاعة الوالدين واجبة في كل ما ليس بمعصية، ومخالفة أمرهما [في ذلك] (¬3) ~~عقوق. وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات. قال: وليس قول من قال ~~من علمائنا يجوز له السفر في طلب العلم، وفي التجارة بغير إذنهما مخالفا ~~لما ذكرته، فإن هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق، ms1695 ونقل ~~الغزالي عن أكثر العلماء وجوب طاعتهما في الشبهات. وقال الطرطوشي (¬4): إذا ~~نهياه عن سنة راتبة المرة بعد المرة أطاعهما وإن كان ذلك على الدوام فلا، ~~لما فيه من إماتة الشرائع. وقال الشيخ تقي الدين (¬5) القشيري: الفقهاء قد ~~ذكروا PageV10P050 # صورة جزئية، وتكلموا فيها منثورة، لا يحصل منها ضابط كلي، فليس يبعد أن ~~يسلك في ذلك ما أشرنا إليه في الكبائر، وهو أن تقاس المصالح في طرف الثبوت ~~بالمصالح التي وجبت لأجلها، والمفاسد في طرف العدم بالمفاسد التي حرمت ~~لأجلها. # الخامسة: أن عقوق الوالدين أكبر الكبائر، ولا شك في عظم مفسدته لعظم حق ~~الوالدين. # السادسة: تحريم الإشراك بالله تعالى وهو كفر بالإجماع. # السابعة: انقسام الكبائر إلى كفر وغيره. # الثامنة: الاهتمام بذكر الشيء للتنبيه على وعيه ومنعه. # التاسعة: تحريم شهادة الزور في معناها كل ما كان زورا من لبس وشبع وتعاطي ~~أمر ليس هو له أهلا. # العاشرة: التحريض على مجانبة الذنوب. # [الحادية عشرة] (¬1): الشفقة على الكبار من أهل العلم والدين وتمني عدم ~~غضبهم. PageV10P051 ### ||| AUTO الحديث السادس # 392/ 6/ 74 - عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن [رسول الله] (¬1) - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال ~~وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (¬2). # هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد أحكام الشرع، ولا يضر كونه روي موقوفا، ~~فإن الراوي قد ينشط فيرفع، وقول الأصيلي: إنه لا يصح رفعه إنما هو من قول ~~ابن عباس، كذا رواه أيوب ونافع الجمحي عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مردود ~~عليه، فقد أخرجه الشيخان في صحيحيهما مرفوعا وكذا أرباب السنن، وقد رفعه ~~نافع عن عمر الجمحي أيضا، كما رواه أبو داود والترمذي وقال: إنه # حديث حسن صحيح. ثم الكلام عليه بعد ذلك من وجوه: # أحدها: اللفظ الذي ساقه المصنف هو لفظ مسلم، ولفظ PageV10P052 # البخاري في تفسيره سورة آل عمران من صحيحه (¬1) "لو يعطى الناس بدعواهم ~~لذهب دماء قوم وأموالهم"، وفي آخره قال النبي - صلي الله عليه وسلم - ~~"اليمين على المدعى عليه"، ولهذا لما ساقه ms1696 المصنف في "عمدته الكبرى" باللفظ ~~المذكور قال: رواه مسلم, والبخاري نحوه, ورواه البيهقي بإسناد جيد بلفظ: ~~"لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم لكن البينة على المدعي ~~واليمين على من أنكر". # ثانيها: الحديث دال على أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه، ~~وإن غلب على الظن صدقه، بل يحتاج إلى بينة أو يصدق المدعى عليه، فإن طلب ~~يمين المدعى عليه فله ذلك، وقد بين - صلى الله عليه وسلم - الحكمة في كونه ~~لا يعطى لمجرد دعواه, لأنه لو [أعطي] (¬2) بمجردها لادعى قوم دماء قوم ~~وأموالهم واستباحها, ولا يمكن المدعى عليه أن يصون دمه وماله. وأما المدعي ~~فيمكنه صيانتهما بالبينة. # ثالثها: الأظهر من قولي الشافعي أن حد المدعي من يخالف قوله الظاهر ~~والمدعى عليه من يخالفه ومحل البسط في ذلك كتب الفروع فإنه أليق به. # رابعها: إنما جعلت البينة على المدعي؛ لأنها حجة قوية بانتفاء التهمة, ~~لأنها [لا] (¬3) تجلب لنفسها نفعا، ولا تدفع عنها ضرر. وجانب المدعي ضعيف, ~~لأن ما يقوله خلاف الظاهر، فكلف PageV10P053 # الحجة القوية، ليقوي بها ضعفه. واليمين حجة ضعيفة, إذ الحالف متهم يجلب ~~النفع لنفسه. وجانب المدعى عليه قوي، إذ الأصل فراغ ذمته، فاكتفي منه ~~بالحجة الضعيفة. # خامسها: يستثنى من قاعدة الدعاوى القسامة، فإنه يقبل منها قول المدعي ~~لترجحه باللوث، وقد جاء استثناؤها في حديث آخر "إلا القسامة"، وقبول قول ~~الأمناء في التلف، لئلا يزهد الناس في قبول الأمانات، فتفوت المصالح، أو ~~قبول قول الحاكم في الجرح والتعديل لئلا] (¬1) تفوت المصالح المرتبة على ~~الولاية للأحكام، وقبول قول الزوج في اللعان, لأن الغالب اتقاء الشخص الفحش عن # زوجته، فإذا أقدم على ريها به قدم وضم إلى ذلك أيضا قبول قول الغاصب في ~~التلف مع يمينه، لضرورة الحاجة لئلا يخلد في الحبس. # سادسها: الحديث دال لمذهب الشافعي وجمهور الأمة سلفها وخلفها: أن اليمين ~~على المدعى عليه مطلقا في كل حق، سواء أكان بينه وبين المدعي اختلاط أم لم يكن. # وقال مالك وجمهور أصحابه والفقهاء السبعة وبه قضى ms1697 علي رضي الله عنه: أن ~~اليمين لا يتوجه إلا على من بينه وبينه خلطة، لئلا يبنذل السفهاء أهل الفضل ~~بتحليفهم مرارا في اليوم الواحد فاشترطت الخلطة منعا لهذه المفسدة. # واختلفوا في تفسير الخلطة، فقيل معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو ~~بشاهدين. PageV10P054 # وقيل: يكفي الشهرة، وقيل: هى أن تليق به الدعوى بمثلها على مثله، وقيل: ~~هي أن يليق به أن يعامله بمثلها، وقريب من هذا قول الاصطخري من الشافعية أن ~~قرائن الحال إذا شهدت بكذب المدعي لم يلتفت إلى دعواه. مثل أن يدعي المدني ~~استئجار الأمير والفقيه لعلف الدواب وكنس بيته. ومثل دعوى المعروف بالتعنت ~~وصبر ذوي الأقدار إلى القضاة وتحليفهم ليفتدوا منه بشيء، ودليل الجمهور ~~إطلاق هذا الحديث، ولا أصل لاشتراط الخلطة في كتاب ولا سنة ولا إجماع. وهذه ~~تصرفات لتخصيص العموم بغير أصل، ومن تصرفاتهم أيضا أن من ادعى شيئا من ~~أسباب القصاص لم تجب به اليمين إلا أن يقيم على ذلك شاهدا فيجب اليمين. # ومنها: إذا ادعى الرجل على امرأته نكاحا لم يجب له عليها اليمين في ذلك. ~~قال سحنون منهم: إلا أن يكونا طارئين. # ومنها: أن بعض الأمناء من يجعل القول قوله، لا يوجبون عليه يمينا. ومنها ~~دعوى المرأة الطلاق على الزوج لا يجب عليه اليمين، وعموم هذا الحديث راد ~~على ذلك كله. # سابعها: استدل بعضهم بقوله عليه الصلاة والسلام "دماء رجال" على إبطال ~~قول مالك في التدمية ووجه استدلاله: أنه عليه الصلاة والسلام قد سوى بين ~~الدماء والأموال في أن المدعي لا يسمع قوله فيها فماذا لم يسمع قول المدعي ~~في مرضه: لي عند فلان كذا، كان أحرى، وأولى أن لا يسمع قوله: دمي عند فلان، ~~لحرمة الدماء، ولا حجة لهم كبيرة كما نبه عليه القرطبي (¬1)؛ لأن مالكا PageV10P055 # -رحمه الله- لم يسند القصاص أو الدية لقول المدعي دمي عد فلان، بل ~~للقسامة على القتل والتدمية لوث يقوي جنبة المدعي في # بداءتهم بالأيمان كسائر أنواع اللوث. # ثامنها: أجمع العلماء على استحلاف المدعى عليه في الأموال، واختلفوا في ~~غيرها على ms1698 قولين: # أحدهما: إلحاق الطلاق والنكاح والحدود والعتق بذلك أخذا بظاهر الحديث، ~~فإن نكل حلف المدعي وثبتت دعواه، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور. # ثانيهما: إلحاق ما عدا الحد به، فإن نكل لزمه ذلك، قال أبو حنيفة ~~وأصحابه، وقال الثوري والشعبي: لا يستحلف في الحد والسرقة، وقال: بنحوه ~~مالك. قال: ولا يستحلف في السرقة إلا إذا كان متهما، ولا في الحدود والنكاح ~~والطلاف والعتق إلا أن يقوم شاهد واحد، يستحلف المدعى عليه لقوة شبهة ~~الدعوى. واختلف قوله إذا نكل هل يحكم عليه بما ادعى عليه أو يسجن حتى يحلف ~~أو حتى يطول سجنه؟ PageV10P056 ### | AUTO كتاب الأطعمة PageV10P057 ### || AUTO 75 - باب الأطعمة # ذكر فيه -رحمه الله- عثرة أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 393/ 1/ 75 - عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت [النبي] (¬1) - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول -[وأشار] (¬2) النعمان بأصبعيه إلى أذنيه-: "إن ~~الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن ~~اتقى الشبهات: استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، ~~كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن ~~حمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت ~~فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (¬3). PageV10P059 # هذا الحديث جمع على عظم موقعه وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي ~~عليها مدار الإسلام، قال جماعة: هو ثلث الإسلام، وقال أبو داود: ربعه كما ~~أسلفنا ذلك في الطهارة، وسبب عظم موقعه أنه عليه الصلاة والسلام نبه فيه ~~على صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها وأنه ينبغي [أن يكون حلالا وأرشد ~~إلى معرفة الحلال والحرام] (¬1) وأنه ينبغي ترك الشبهات، فإنه سبب لحماية دينه # وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم ~~الأمور، وهو مراعاة القلب، فإن بصلاحه يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد ~~باقيه، بل لو أمعن الأئمة النظر في هذا الحديث كله من أوله إلى آخره لوجدوه ~~متضمنا لعلوم الشريعة كلها ظاهرها وباطنها، كما نبه عليه القرطبي (¬2)، ~~فإنه ms1699 مشتمل على الحلال، والحرام، والمتشابهات، وما يصلح القلوب، وما ~~يفسدها، وتعلق أعمال الجوارح بها ... فيستلزم إذن معرفة تفاصيل أحكام ~~الشريعة كلها: أصولها وفروعها. # ثم الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا إلحديث رواه عن النبي - صلي الله عليه وسلم - غير النعمان، ~~رواه علي بن أبي طالب وابنه الحسن وابن مسعود وجابر بن عبد الله (¬3) PageV10P060 # وابن عمر (¬1) وابن عباس (¬2) وعمار بن ياسر (¬3) أفاده ابن منده الحافظ، ~~وأما أبو عمرو الداني فقال في كلامه على أحاديث قواعد الإسلام الأربعة: ~~"إنما الأعمال بالنيات"، وهذا الحديث و"من حسن إسلام المرء تركه ما لا ~~يعنيه"، و"لا يؤمن أحدكم"، وقيل [...] (¬4) حديث "أزهد" لا أعلم روى هذا ~~الحديث عن النبي - صلي الله عليه وسلم - غير النعمان، ولا رواه عنه غير ~~الشعبي، ثم اتفق على روايته عن الشعبي عن النعمان مرفوعا متصلا عبد الله بن ~~عون وغيره. هذا كلامه، وقد علمت أنه رواه جماعات غير النعمان فاستفده. # ثانيها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الصفوت، وهذا الحديث فيه ~~التصريح بسماعه من النبي - صلي الله عليه وسلم -، وهو الصواب الذي قاله أهل ~~العراق وجماهير العلماء فإنه عليه الصلاة والسلام مات. وعمره ثمان سنين ~~فكان مميزا صحيح السماع، ولهذا أكد السماع بإشارته بأصبعيه إلى أذنيه، [قال ~~القاضي] (¬5): وخالف أهل المدينة فلم يصححوا سماعه من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، كما حكاه يحيى بن معين عنهم. قال النووي (¬6): وهذه الحكاية ~~ضعيفة أو باطلة، وقال PageV10P061 # أبو عمرو الداني، في الكتاب السالف المشار إليه: الحديث الذي يتداوله أهل ~~المدينة يشهد بسماعه من رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وهو قضية ما نحله ~~أبوه فوعاها وحفظها فدل على سماعه، وقد صرح في هذا الحديث بالسماع، وقيل: ~~إنه كان سمع هذا الحديث وله سبع سنين. قال: ويقال المثل المضروب فيه هو من ~~قول الشعبي. # ثالثها: في ضبط ألفاظه ومعانيه قوله: "إن الحلال بين" معناه أنه بين في ~~عينه، ووصفه واضح لا يخفى حله كالمأكولات من الفواكه والحبوب والزيت والعسل ~~والسمن واللبن من مأكول اللحم ms1700 وبيضه وغير ذلك من المطعومات، وكالنظر والمشي ~~والكلام وغير ذلك من التصرفات الحلال التي لا شك فيها، وكالاكتساب بالعقود ~~الصحيحة الواضحة شرعا وبالتبرعات المأذون فيها شرعا ونحو ذلك من البين ~~الواضح الذي لا شك في حله. # وقوله: "والحرام بين" معناه أنه بين في عينه ووصفه أيضا، واضح كالخمر ~~والميتة والخنزير والبول والدم المسفوح. وكذلك الزنا والكذب والغيبة ~~والنميمة والنظر إلى الأجنبية وأشباه ذلك البين الواضح الذي لا شك في حرمته. # وقوله: "وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس" معناه أنها ليست ~~بواضحة الحل ولا الحرمة. فلهذا لا يعرفها كثير من الناس، وأما العلماء ~~فيفرقون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب ونحو ذلك، فإذا تردد الشيء بين الحل ~~والحرمة ولم يكن فيه نص ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما ~~بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه به صار حلالا، وقد يكون دليله غير خال عن ~~الاحتمال PageV10P062 # البين، يكون الورع تركه، ويكون داخلا في قوله: "فمن اتقى الشبهات استبرأ ~~لدينه وعرضه" وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء فهو مشتبه، فهل يؤخذ بحله أو ~~بحرمته أم يتوقف؟ فيه ثلاث مذاهب حكاها القاضي عياض، قال النووي (¬1): ~~والظاهر أنها [(¬2)] على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، ~~وفيه أربعة مذاهب، أصحها: أنه لا يحكم بحل ولا حرمة ولا إباحة ولا غيرها، ~~لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع. # وثانيها: أن حكمها التحريم. # وثالثها: الإباحة. # ورابعها: التوقف. # وقوله: "فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه": معناه أتقاها على الوصف ~~الذي ذكرنا من اقوقف عن الأشياء حتى يعلم حلها وحرمتها، فيعمل بها أو يمسك ~~عنها، فإذا فعل ذلك وإن دينه عن الوقوع في المحذور، وعرضه عن كلام الناس فيه. # والعرض هنا هو النفس، أي: استبرأ لنفسه من أن يلام على ما أتى به، وإن ~~كان العرض يطلق على أمور أخرى منها الحسب والجسد وفي صفة أهل الجنة: "إنما ~~هو عرق يجري من أعراضهم" (¬3)، أي: من أجسادهم، وعلى رائحة الجسد أيضا طيبة PageV10P063 # كانت أو خبيثة، كما نص عليه ms1701 الجوهري (¬1). # وقوله: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" يحتمل أن يكون معناه أن من ~~كثر تعاطيه الشبهات يصادف الحرام وإن لم يتعمده، وقد يأثم بذلك إذا نسب إلى ~~تقصير ويحتمل أن يكون معناه أن من كثر تعاطيه الشبهات اعتاد التساهل وتمرن ~~عليه، فيجسر بفعل شبهة على فعل شبهة أغلظ منها، ثم أخرى أغلظ، وهكذا حتى ~~يقع في الحرام عمدا، وهذا نحو قول السلف: المعاصي بريد الكفر أي تسوق # إليه، عافانا الله من جميع البلايا. وهذا أورده القرطبي (¬2) حديثا ~~مرفوعا وهو معنى قوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}. # "ويوشك" بضم الياء وكسر الشين مضارع أو شك، أي: يسرع ويقرب، وهي أحد ~~أفعال المقاربة. # و"يرتع" بفتح التاء مضارع رتع بفتحها أيضا، وفتحت في المضارع مراعاة لحرف الحلق. # ومعناه أكل الماشية من الشرعي، وأصله إقامتها فيه وتبسيطها في الأ كل، ~~ومنه قوله تعالى: {يرتع ويلعب} [وذكر أبو سعد السمعاني (¬3) في ترجمة أبي ~~الغنائم PageV10P064 # النرسي (¬1) الحافظ من "ذيله" (¬2)، قال: قرأت بخط والدي الإمام (¬3) ~~سمعت أبا الغنائم محمد بن علي بن ميمون النرسي، يقول في قوله عليه الصلاة ~~والسلام: "ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يجشر (¬4) -بالشين المعجمة- في قولهم ~~جشر (¬5) إذا رعى] (¬6). وقوله: "ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله ~~محارمه" PageV10P065 # هو من باب التشبيه والتمثيل والمعنى: إن الملوك من العرب وغيرهم يكون لكل ~~منهم حمى يحميه عن الناس ويمنعهم من دخوله، فمن دخله منهم أوقع به العقوبة، ~~ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفا من الوقوع في عقوبته، فكذلك لله ~~تعالى حمى وهي محارمه التي حرمها كالقتل والزنا والسرقة والقذف والخمر ~~والكذب والغيبة والنميمة وأكل المال بالباطل وأشباه ذلك من المعاصي، فكل ~~هذا حمى لله تعالى من دخله باعتقاد حله أو غيره استحق العقوبة، ومن قاربه ~~أوشك أن يقع فيه، ومن احتاط لنفسه بعدم المقاربة لشيء من ذلك لم يدخل في ~~شيء من الشبهات، ويسمى هذا العدم عدم الاستدراج، والنفس بطبعها أمارة ~~بالسوء إلا من رحمت ms1702 فيستدرج من المباح إلى المكروه ثم إلى المحرم، فنسأل ~~الله التوفيق والإعانة على كسرها. # و"الحمى" بمعنى المحمى فالمصدر فيه واقع موقع اسم المفعول وتثنية ~~"حميان"، وسمع الكسائي بتثنيته بالواو، وتطلق المحارم على المنهيات قصدا، ~~وعلى ترك المأمورات [استلزاما] (¬1) وإطلاقها على الأول أشهر، كما قاله ~~الشيخ تقي الدين (¬2). # و"المضغة" القطعة من اللحم سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها، ~~والمراد: تصغير جرم القلب بالنسبة إلى باقي الجسد [مع أن صلاح الجسد] (¬3) ~~وفساده تابعان للقلب كالملك مع الرعية، فهو صغير الجرم عظيم القدر. PageV10P066 # واصلحت بفتح العين مضارع يصلح بضمها. # وفسدت بفتح السين مضارع يفسد بضمها، قال القرطبي (¬1): كذا رويناه، ~~والمعنى: إذا صارت تلك المضغة ذات صلاح أو ذات فساد، قال: وقد يقال صلح ~~وفسد بضم العين فيهما، إذا صار الصلاح أو الفساد هيئة لازمة لها، كما يقال: ~~ظرف، وشرف، وقال النووي في (شرحه) (¬2)، قال أهل اللغة: يقال صلح الشيء ~~وفسد بفتح اللام والسين وضمها، والفتح أفصح وأشهر. # والقلب (¬3): في الأصل مصدر: قلبن الشيء، أقلبنه قلبا: إذا رددته على ~~بدأته، ثم نقل فسمى به هذا العضو الذي هو أشرف أعضاء الحيوان، لسرعة ~~الخواطر فيه، ولترددها عليه: # ما سمي القلب إلا من تقلبه. . . فاحذر على القلب من قلب وتحويل # وقد قيل: إن له عينين وأذنين [وهذا إنما يعلمه أهل الكشف] (¬4). وقد عبر ~~عنه بالعقل [نفسه] (¬5)، قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} ~~(¬6)، أي: عقل، قاله الفراء (¬7)، وقال تعالى: PageV10P067 # {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} (¬1). # الوجه الرابع: في فوائده: وهو أحد الأحاديث العظام، التي عدت من أصول ~~الإسلام، بل هو أصله كما سلف في أول الكلام: # الفائدة الأولى: الحث على ارتكاب الحلال وعلى اجتناب الحرام، والإمساك عن ~~الشبهات والاحتياط [للدين] (¬2) والعرض وعدم تعاطي الأمور الموجبة لسوء ~~الظن والوقوع في المحذور. # الثانية. الأخذ بالورع، وهذا الحديث أصل كبير في الأخذ به وترك الشبهات، ~~وللشبهات مثارات، منها: الاشتباه في الدليل الدال على التحليل أو التحريم، ~~وتعارض الأمارات بالحج، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "لا يعلمهن ms1703 كثير من ~~الناس", إشارة إلى ذلك مع أنه يحتمل أنه لا يعلم عينها وإن علم حكم أصلها ~~في التحليل والتحريم، وهذا أيضا من مثار الشبهات. # الثالثة: أنه لا ورع في ترك المباح، لقوله عليه الصلاة والسلام: "الحلال ~~بين والحرام بين"، قال القرافي: وقد اختلف العلماء في أول العصر الذي ~~أدركته: هل يدخل الورع والزهد في المباحات أم لا؟ فادعى ذلك بعضهم ومنعه ~~بعضهم وصنف فيه بعضهم على بعض فقال ابن الأنباري: لا يدخل الورع فيها, لأن ~~الله تعالى ساوى بين طرفي المباح. والورع مندوب إليه راجح أحد الطرفين، ~~والرجحان مع التساوي محال، قال الشيخ تقي PageV10P068 # الدين (¬1): والجواب عن هذا عندي من وجهين: # أحدهما: أن [المباح قد يطلق على ما لا جرح في فعله، وإن لم يتساو طرفاه، ~~وهذا أعلم من] (¬2) المباح المتساوي الطرفين، فهذا الذي ردد فيه القول، ~~وقال: إما أن يكون مباحا [أم] (¬3) لا، فإن كان مباحا فهو مستوي الطرفين ~~يمنعه إذا حملنا المباح على هذا المعنى، فإنه المباح قد صار منطلقا على ما ~~هو أعم من المتساوي الطرفين، فلا يدل اللفظ على التساوي، إذ الدال على ~~العام لا يدل على الخاص بعينه. # والثاني: أنه قد يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته، راجحا باعتبار أمر ~~خارج فلا يتناقض حينئذ الحكمان. قال: وعلى الجملة فلا يخلو هذا الموضع من ~~نظر، فإنه إن لم يكن فعلى هذا المشتبه موجبا لضرر ما في الآخرة، وإلا فيعسر ~~ترجيح تركه، إلا أن يقال: إن تركه محصل لثواب أو زيادة درجات وهو على خلاف ~~ما يفهم من أفعال المتورعين، فإنهم يتركون ذلك تحرجا وتخوفا، وبه يشعر لفظ ~~الحديث، وقال شهاب الدين [ابن] (¬4) الحميري يدخل الورع فيها، قال: وطريق ~~الجمع بينها أن المباحات لا زهد فيها ولا ورع من حيث هي مباحات، وفيها ~~الزهد والورع من حيث الاكثار منها، فإن الإكثار منها يخرج إلى كثرة ~~الاكتساب الموقع في الشبهات، وقد PageV10P069 # يقع في المحرمات، وقد يفضي به كثرة المباحات إلى نظر النفس فإن كثرة ~~المكاسب من الخيل والمساكن ms1704 العالية والمآكل الشهية # والملابس اللينة لا يكاد يسلم صاحبها عن الإعراض عن مواقف العبودية الذي ~~شمل مستوى الطرفين وغيره وهو أعم من المستوي # الطرفين، فلا دلالة في الأعم على الأخص، فلا تناقض فيه إذن، وهذا هو ~~الجواب الأول الذي أسلفناه عن الشيخ تقي الدين. # الرابعة: في قوله: "فمن اتقى الشبهات" .. إلى آخره دلالة على أنه لا يجب ~~عليه حماية عرضه عن الطعن فيه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "أيعجز أحدكم ~~أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا خرج من بيته قال: إني قد تصدقت بعرضي على ~~الناس" (¬1). # الخامسة: في قوله: "كالراعي حول الحمى" دلالة لمذهب مالك في سد الذرائع. # السادسة: فيه تعظيم القلب وسببه صدور الأفعال الاختيارية عنه، وما يقوم ~~به من الاعتقادات والعلوم، ورتب الأمر فيه على المضغة، والمراد: المتعلق ~~بها, ولا شك أن صلاح جميع الأعمال باعتبار العلم والاعتقاد بالمفاسد ~~والمصالح، [فتعين حماية مركزها من الفساد وإصلاحه] (¬2). # السابعة: فيه أيضا [(¬3)] الحث البليغ على السعي في إصلاح PageV10P070 # القلب وحمايته من الفساد، وأن لطيب الكسب أثرا فيه [كما في ضده] (¬1). # الثامنة: فيه أيضا كما قاله جماعة أن العقل في القلب لا في الرأس، وهو ~~مذهبنا ومذهب جماهير المتكلمين. # وقال أبو حنيفة: إنه في الدماغ وقد يقال: في الرأس، وحكوا الأول عن ~~الفلاسفة والثاني عن الأطباء. # واحتج القائلون. بأنه في القلب بقوله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون ~~لهم قلوب يعقلون بها} (¬2)، وبقوله تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب} (¬3)، وبهذا الحديث فإنه عليه الصلاة والسلام جعل صلاح الجسد وفساده ~~تابعا للقلب، مع أن الدماغ من جملة الجسد، فيكون صلاحه وفساده تابعا للقلب. ~~فعلم أنه ليس محلا للعقل. # واحتج القائلون: بأنه في الدماغ، بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل، ويكون ~~من فساد الدماغ الصرع في زعمهم، ولا حجة لهم في ذلك, لأن الله تعالى أجرى ~~العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ، مع أن العقل ليس فيه، ولا امتناع عن ~~ذلك. قال المازري (¬4): لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه ms1705 بين ~~الدماغ والقلب، وهم يجعلون بين رأس المعدة والدماغ اشتراكا. PageV10P071 # التاسعة: فيه أيضا أن العقوبة من حسن الجناية, لأنه كما انتهك محارم الله ~~تعالى المانعة لما وراءها، فكذلك ينتهك محارم جسده بنجرده عن لباس التقوى، ~~الذي هو حمى له من آفات الدنيا وعذاب الآخرة. # العاشرة: فيه أيضا ضرب الأمثال للمعاني الشرعية العملية، وفائدتها ~~التنبيه بالشاهد على الغائب. # الحادية عشرة: فيه أيضا التنبيه على عظمة الله تعالى واجتناب محارمه التي ~~مصالحها عائدة علينا فإنه الغني المطلق. # الثانية عشرة: فيه أيضا أن الأعمال القلبية أفضل من البدنية، وأنها لا ~~تصلح إلا بالقلبية. # الثالثة عشرة: أنه لا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، فيما إذا كان ~~العمل مقيدا بهما، فإنه قد يختص بأحدهما أحكام دون الآخر، فيما إذا كان ~~العمل مقيدا بهما، فإنه قد يختص بأحدهما أحكام دون الآخر، وقد يلزم عن ~~أحدهما أعمال بسبب الآخر. # خاتمة: لما ذكر البخاري هذا [الحديث] (¬1) عقبه بأن قال (¬2): تفسير ~~المشتبهات، وذكر فيه عن حسان بن أبي سنان: ما رأيت شيئا أهون من الورع، دع ~~ما يريبك [إلى ما لا يريبك] (¬3)، ثم ذكر قصة الأمة السوداء في الرضاع (¬4) ~~وقصة ابن وليدة PageV10P072 # زمعة (¬1)، وحديث عدي بن حاتم الآتي في الصيد (¬2). # ثم قال: باب (¬3) ما يتنزه من الشبهات. # وذكر حديث التمرة الساقطة على الفراش (¬4)، ثم قال: باب من لم ير الوساوس ~~ونحوها من الشبهات (¬5)، ثم ذكر حديث حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. وحديث ~~عائشة: يا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - إن قوما يأتوننا باللحم، لا ~~ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "سموا [الله] ~~(¬6) عليه وكلوه"، فتنبه لذلك. PageV10P073 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 394/ 2/ 75 - عن أن بن مالك رضي الله عنه قال: أنفجنا أرنبا بمر الظهران ~~فسعى القوم فلغبوا، وأدركتها فأخذتها فأتيت أبا طلحة، فذبحها وبعث إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بوركيها وفخذيها فقبله (¬1). # "لغبوا" أعيوا. # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في باب الاستطابة. # وأما أبو طلحة: فاسمه ms1706 زيد بن سهل أحد النقباء ليلة العقبة، وأحد فضلاء ~~الأنصار، مات بالمدينة بعد الثلاثة، وقد أوضحت ترجمته فيما أفردته في ~~الكلام على رجال هذا الكتاب فراجعه منه. PageV10P074 # ثانيها: في بيان ما وقع فيه من الأمكنة: "مر الظهران" بفتح الميم وتشديد ~~الراء. و"الظهران" بفتح الظاء المعجمة قيل تثنية الظهر. ويقال له مر ~~الظهران، ويقال الظهران من غير إضافة "مر" إليه، وهو اسم موضع على بريد من ~~مكة. وقيل على أحد عشر ميلا. وقيل على ستة عشر ميلا. # ثالثها: "أنفجنا" بفتح الهمزة ثم نون ساكنة ثم فاء ثم جيم ثم نون ثم ألف ~~يقال: أنفجت الأرنب فنفج، أي: أثرته فثار، كأنه يقول: أثرناه ودعوناه فعدا. ~~وفي صحيح مسلم "استنفجنا" ومعناه أيضا "أثرنا" و"نفرنا". # ووقع للمازري، "بعجنا" بالباء الموحدة ثم عين مهملة وفسره بشققنا من بعج ~~بطنه [إذا شقه، وهذا لا يصح رواية ولا معنى، كما نبه عليه القاضي (¬1) ثم ~~القرطبي (¬2)] (¬3) وإنما هو تصحيف وكيف يشقون بطنها، ثم يسعون خلفها حتى ~~لغبوا، ثم بعد ذلك يأخذونها # ويذبحونها. # و"الأرنب"، قال الجوهري هي واحدة الأرانب. # وقال صاحب "المحكم" (¬4) الأرنب معروف يكون للذكر والأنثى، وقيل: الأرنب ~~الأنثى والخزز الذكر. PageV10P075 # والجمع: أرانب وأراد عن اللحياني (¬1). فأما سيبويه (¬2) فلم [يجز] (¬3) ~~أران إلا في الشعر. # "ولغبوا" بفتح الغين المعجمة على الفصيح المشهور. وحكى الجوهري (¬4) ~~وغيره كسرها وهي ضعيفة. ومعناه تعبوا وأعيوا، كما فسره المصنف و"السعي" الجري. # رابعها: في فقهه، وهو يشتمل على مسائل: # الأولى: جواز أكل الأرانب وحله فإنه ذبح وأهدى وهو مذهب [العلماء] (¬5) ~~الأربعة والعلماء كافة إلا ما حكى عن عبد الله بن عمرو بن العاص (¬6) وابن ~~أبي ليلى من كراهية. وحجة الجمهور هذا PageV10P076 # الحديث مع أحاديث مثله، ولم يثبت في النهي عنها شيء. قال القاضي عياض ~~(¬1): وفي أبي داود (¬2) [وغيره] (¬3) من المصنفات أنه عليه الصلاة والسلام ~~"لم ينه عنها ولم يأمر يأكلها وزعم أنها PageV10P077 # تحيض"، وهذا من نحو تقززه من أكل الضب (¬1). قلت: بل صح أنه عليه الصلاة ~~والسلام "أكل منها"، ففي البخاري في كتاب الهبة (¬2) في ms1707 هذا الحديث فبعث ~~إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بوركها أو فخذيها قال: فخذيها لا شك ~~فيه، فقبله. قلت: وأكل منه؟ قال: وأكل منه، ثم قال بعد: قبله (¬3)، وصح أنه ~~عليه الصلاة والسلام أمر بأكلها كما أخرجه البخاري من حديث كعب بن مالك ~~(¬4)، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه من حديث محمد بن صفوان، وصححه ابن ~~حبان، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. # واعلم أنه وقع في "شرح الرافعي" عن أبي حنيفة تحريمها، والذي حكاه النووي ~~في "شرحه لمسلم" (¬5) عنه حلها وهو ما أسلفنا. PageV10P078 # الثانية: جواز استثارة الصيد والعدو في طلبه. # الثالثة: أنه يملك بأخذه ووضع اليد عليه. # الرابعة: هدية الصيد وقبوله وكان عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية ويثيب ~~عليها، ولا يقاس عليه في هذا غيره من الحكام لانتقاء المعنى عنه دون غيره، ~~وهو خوف الميل، والله الموفق للصواب. PageV10P079 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 395/ 3/ 75 - عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: " [نحرنا فرسا ~~على عهد رسول الله - صلي الله عليه وسلم -] (¬1) فأكلناه". # وفي رواية: "ونحن بالمدينة" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذه الرواية: "ونحن بالمدينة"، وهي للبخاري وفي رواية له: "ذبحنا" ~~بدل "نحرنا"، وفي أخرى: "نحرنا" لمسلم، وفي رواية لأحمد: "فأكلناه نحن وأهل بيته". # ثانيها: في التعريف براويه هي أسماء بنت الصديق شقيقة عبد الله أمهما أم ~~العزى قيلة ويقال. قتيلة بنت عبد العزى. وهي زوج PageV10P080 # الزبير بن العوام وأخت عائشة [لأبيها] (¬1) وهي أسن من عائشة واختلف في ~~إسلام أمها وأكثر الروايات على أن ماتت مشركة. أسلمت أسماء قديما بمكة. ~~وقيل: كان إسلامها بعد سبعة عشر إنسانا وهاجرت إلى المدينة، وهي حامل بعبد ~~الله بن الزبير, فوضعته # بقباء، وولدت له غيره أيضا. وكانت تسمى "ذات النطاقين" لأنها زودت رسول ~~الله - صلي الله عليه وسلم - وأباها حين أرادا الغار، فلم تجد ما توكي به ~~السفرة، فقطعت نطاقها. وقيل: ذوائيها وربطتها به، فسماها رسول الله - صلي ~~الله عليه وسلم - بذلك. وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال لها: "أبدلك الله ~~بنطاقك هذا بنطاقين في ms1708 الجنة". روي لها عن النبي - صلي الله عليه وسلم - ~~ستة وخمسون حديثا، اتفقا منها على أربعة عشر وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم ~~بمثلها. وقال ابن الجوزي: اتفقا منها على ثلاثة عشر، وانفرد البخاري بخمسة ~~ومسلم بأربعة. ماتت بمكة بعد ابنها عبد الله بيسير، اختلف في مقداره في ~~جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وبلغت من العمر مائة سنة لم يسقط لها سن، ~~ولم ينكر من عقلها شيء، وكان قد ذهب بصرها، وفي "العلم المشهور" لابن دحية ~~أنه لم يفسد لها بصر، ولعل المراد منه أنه لم يفسد لها بصيرة، وهي آخر ~~المهاجرات، وفاة، وترجمتها مبسوطة فيما أفردناه [من الكلام على الأسماء ~~الواقعة في] (¬2) هذا الكتاب فسارع إليه. ومن مناقبها الجليلة أنها وابنها ~~وأباها وجدها أربعة صحابيون ولا يعرف هذا لغيرهم إلا لمحمد بن عبد الرحمن ~~بن أبي بكر بن قحافة. PageV10P081 # ثالثها: في ألفاظه، قولها: "نحرنا فرسا"، وفي إحدى روايتي البخاري ~~"ذبحنا" كما أسلفناه اختلف في الجمع بينهما، فمنهم من جعلها واقعتين مرة ~~"نحرت"، ومرة "ذبحت" وهذا هو الصحيح المرجح عندهم, لأن حملها على الحقيقة ~~فيها مع جواز نحر المذبوح وذبح المنحور، وهو مجمع عليه، وإن كان فاعله ~~مخالفا للأفضل، كما نقله النووي في "شرح مسلم" (¬1) وإن شوحح في نقل ~~الإجماع في ذلك. ومنهم من حمل النحر على [الذبح] (¬2) جمعا بين الحقيقة ~~والمجاز. # "والفرس" يطلق على الذكر والأنثى. وقولها: "ونحن بالمدينة" ذكرته لتعرف ~~أنه آخر الأمر، لا في أوله لئلا يتوهم نسخه. # رابعها: في فقهه، وهو أكل لحم الخيل، وفيه ثلاثة مذاهب: # أحدها: جوازه من غير كراهة، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وجمهور العلماء سلفا ~~وخلفا، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين وجماهير الفقهاء والمحدثين، ~~منهم عبد الله بن الزبير وأنس بن مالك وفضالة بن عبيد وأسماء بنت أبي بكر ~~وسويد بن غفلة وعلقمة والأسود وعطاء وشريح وسعيد بن جبير والحسن البصري ~~وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وإسحاق وأبي يوسف ومحمد وداود وغيرهم. # المذهب الثاني: حله مع الكراهة، وهو قول ابن عباس والحكم ms1709 وبعض أصحاب أبي ~~حنيفة. PageV10P082 # [المذهب] (¬1) الثالث: أنه حرام، وهو الصحيح عند أصحابه كما نقله عنهم ~~الشيخ تقي الدين (¬2)، وعنه يأثم ولا يسمى حراما، وعليها اقتصر النووي في ~~"شرحه" (¬3) في حكايتها عنه، وعند المالكية ثلاثة أقوال فيها: الكراهة، ~~والتحريم، والإباحة، قال الفاكهي: # والظاهر منها وأظنه المشهور الكراهة. # والصحيح عند المحققين: [التحريم] (¬4) واقتصر النووي في "شرحه"، والقرطبي ~~(¬5) في النقل عن مالك على الكراهة فقط، ولم يحك القرطبي التحريم إلا عن ~~طائفة شذت، منهم الحكم بن عتيبة، ثم قال: وفيه بعد, لأن الآية لا تدل عليه ~~والأحاديث تخالفه. # واعتذر بعضهم: عن هذا الحديث بأن قال فعل الصحابة في زمنه عليه الصلاة ~~والسلام لا يكون حجة إلا إذا علمه، وهذا مشكوك فيه، مع أنه معارض بحديث ~~صالح بن يحيى بن المقدام، عن أبيه، عن جده المقدام بن معدي كرب، عن خالد بن ~~الوليد أنه عليه الصلاة والسلام: "نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير ~~وكل ذي ناب من السباع"، وفي بعض رواياتهم: "إن ذلك يوم خيبر" (¬6)، رواه ~~أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه. PageV10P083 # والجواب عن هذا الاعتذار: أنه يبعد فعل مل هذا في زمنه عليه الصلاة ~~والسلام وهو ممنوع، ولم يعلم به إما بإخبار الصحابة وإما بوحي مع أنهم ~~توقفوا في أكل أشياء دون هذا هي حلال شرعا حتى سألوه عنها, وأذن لهم فيها، ~~وقد نزل الوحي في أشياء دون هذا بالمنع. والإذن، بل حديث جابر الآتي بعد ~~هذا يصرح بالإذن في أكلها، وأنها أكلت يوم خيبر. وحديث خالد المذكور في ~~نهيه عن أكلها ضعيف منكر باتفاقهم، وبنقدير صحته يكون منسوخا، قال الإمام ~~أحمد: هذا حديث منكر. وقال أبو داود في "سننه" (¬1): [إنه] (¬2) منسوخ، قد ~~[أكله] (¬3) جماعة من [الصحابة (¬4)] (¬5) بن الزبير، وفضالة بن عبيد، ~~وأنس، وأسماء ابنة أبي بكر، وسويد بن غفلة، # وعلقعة، وكانت قريش في عهد النبي - صلي الله عليه وسلم - تذبحها، وقال ~~النسائي: حديث جابر في الإذن فيه أصح منه، ويشبه إن صح أن يكون منسوخا، لأن ~~قوله:، وأذن في لحوم الخيل". ms1710 دليل على ذلك وقال أيضا: لا أعلمه رواه غير ~~بقية بن الوليد، قلت: قد تابعه (¬6) الواقدي، PageV10P084 # ومحمد بن حمير، وعمر بن هارون البلخي، لكن الأول ضعيف، والثالث متروك، ~~والثاني ثقة. وقال يعقوب الفسوي (¬1): ليس بالقوي. # وبقية: قد عنعن في بعض رواياته لهذا الحديث، إن كان قال في رواية أحمد ~~وابن ماجه والنسائي (¬2)، حدثني ثور وهو مشهور بتدليس التسوية (¬3). وقال ~~البخاري (¬4): صالح بن يحيى بن المقدام، عن أبيه فيه نظر، وقال الخطابي ~~(¬5): حديث جابر إسناده جيد [قال، وأما] (¬6) حديث خالد بن الوليد ففي ~~إسناده نظر، وصالح بن يحيى بن المقدام، عن أبيه عن جده لا يعرف سماع بعضهم ~~من بعض. وقال موسى بن هارون الحافظ: لا يعرف صالح ولا أبوه [ولا جده] (¬7)، ~~قلت: صالح ذكره ابن حبان في PageV10P085 # "ثقاته" (¬1) نعم، قال خ: فيه نظر. وقال ابن القطان: لم تتبين عدالته ~~وأبوه يحيى وثق (¬2) أيضا. وجده المقدام (¬3): صحابي كما نص عليه الأئمة ~~ابن منده وأبو نعيم وابن عبد البر (¬4) فلا تسأل عن مثله. # وقال الدارقطني (¬5): هذا حديث ضعيف. قال: وإسناده أيضا مضطرب. وقال ~~الواقدي: لا يصح هذا، لأن خالدا أسلم بعد فتح خيبر. # وقال خ (¬6): إنه لم يشهد خيبر. وكذا قاله أحمد أيضا إنما أسلم بعد الفتح. # وقال ابن عبد البر (¬7): لا يصح لخالد مشهد مع رسول الله - صلي الله عليه ~~وسلم - قبل الفتح. # [وقال البيهقي] (¬8) إسناده مضطرب، ومع اضطرابه فهو مخالف لحديث الثقات. PageV10P086 # وقال عبد الحق: لا تقوم به حجة لضعف إسناده. # وقال أبو محمد بن حزم في "محلاه" (¬1): حديث صالح بن يحيى بن المقدام بن ~~معدي كرب هالك لأنهم مجهولون (¬2) ثم فيه دليل [على] (¬3) الوضع, لأن فيه ~~عن خالد قال: غزوت مع رسول الله - صلي الله عليه وسلم - خيبر وهذا باطل, ~~لأنه لم يسلم إلا بعد خيبر بلا خلاف. # قلت: بل فيه خلاف، حكاه أبو عمر، قيل: إن إسلامه سنة خميس، وخيبر كانت ~~سنة ست أو سبع على ما أسلفناه في ترجمة أبي هريرة. ثم إطلاقه الجهالة على ~~المقدام خطأ ms1711 فهو صحابي معروف كما مر. واعتذر بعضهم عنه أيضا أعني عن حديث ~~أسماء وجابر أيضا الآتي بأنهما في مقابلة دلالة النص، وهو قوله تعالى: ~~{والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} (¬4)، فإنها خرجت مخرج PageV10P087 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV10P088 # الامتنان بذكر النعم على ما دل عليه سياق الآيات قبلها فذكر تعالى ~~الامتنان بنعمة الركوب والزينة في الخيل والبغال والحمير وترك الامتنان ~~بنعمة الأكل، كما ذكر في الأنعام ولو كان الأكل ثابتا [لما ترك الامتنان ~~به، لأن نعمة الأكل في جنسها فوق نعمة الركوب والزينة، فإنه لا يتعلق بها ~~البقاء بغير واسطة ولا يحسن ترك الامتنان بأعلى النعمتين، وذكر الامتنان ~~بأدناهما فدل ترك] (¬1) الامتنان بالأكل على المنع منه، لا سيما وقد ذكرت ~~نعمة الأكل في نظائرها الأنعام، وهذا وإن كان استدلالا حسنا إلا أنه يجاب ~~عنه بوجهين، ذكرهما الشيخ تقي الدين (¬2). # أحدهما: ترجيح دلالة الحديث على الإباحة على هذا الوجه من الاستدلال من ~~حيث قوته بالنسبة إلى تلك الدلالة. # ثانيهما: أن يطالب بوجه الدلالة على غير التحريم، فإنها تشعر بترك الأكل ~~وترك الأكل أعم من كونه متروكا على سبيل التحريم أو التنزيه. وأجاب غيره ~~بأنما خص الركوب والزينة بالذكر, لأنهما PageV10P089 # معظم المقصود من الخيل، كقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم} (¬1)، ~~فذكر اللحم لأنه معظم المقصود، وقد قام الإجماع على تحريم شحمه ودمه وسائر ~~أجزائه. ولهذا سكت عن ذر حمل الأثقال عليها مع قوله تعالى في الأنعام ~~"وتحمل أثقالكم" ولا يلزم من هذا تحريم حمل الأثقال على الخيل. واعتذر من ~~قال بالكراهة عن حديث جابر الآتي بأنه كان في حال مجاعة وشدة حاجة فأباحها ~~لهم وكانت الخيل بالإباحة أولى، فإنه من باب فعل الأخف واجتناب الأثقل، وهو ~~اعتذار عجيب، فحديث أسماء راد عليه، فإنه أكل بالمدينة كما سلف. # تنبيه: لما ذكر الشيخ تقي الدين في"شرحه" (¬2) عن بعض الحنفية معارضة ~~حديث جابر بحديث خالد بن الوليد [أنه عليه الصلاة والسلام حرمها أعترض ~~فقال: إنما نعرفه بلفظ النهي لا بلفظ التحريم عن خالد وكأنه] (¬3) -رحمه ~~الله- رآه بهذا اللفظ في سنن أبي ms1712 داود في باب أكل [لحوم الخيل] (¬4) بلفظ ~~النهي، لكن ذكره بعد هذا بورقة في باب النهي عن أكل السباع (¬5) بلفظ ~~الحرمة، فتنبه لذلك، وقد سقت لك أقوال الأئمة في ضعفه. PageV10P090 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 396/ 4/ 75 - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم - نهى عن لحوم الحمر الأهلية، [وأذن في لحوم الخيل. # ولمسلم وحده قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش ونهى رسول الله - صلي ~~الله عليه وسلم - عن [الحمار الأهلي] (¬1)] (¬2) (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذه الرواية الأخيرة هي من أفراد مسلم، كما نص عليه إلا أن لفظه ~~"ونهانا" بدل "ونهى" وفي رواية للبخاري "ورخص" بدل # "وأذن". # الثاني: خيبر تقدم الكلام عليها في الحديث التاسع من باب الرهن وغيره. PageV10P091 # والخيل: اسم جنس لا واحد له من لفظه عند الجمهور، وسميت بذلك لاختيالها ~~في مشيها بطول أذنابها. # الثالث: في فقهه وهو حل الخيل، وهو ظاهر الحديث لقوله: "وأذن في لحوم ~~الخيل" والإذن إباحة. وقد تقدم الكلام عليه أيضا، # [وحرمة] (¬1) الحمار الأهلي، وقد سلف مبسوطا في الحديث الثامن من كتاب ~~النكاح، فراجعه من ثم وذكرت هناك معارضه وهي حديث "أطعم أهلك من سمين ~~حمرك". ضعيف باتفاق الحفاظ لما في إسناده من الاضطراب وشدة الاختلاف. # قال البيهقي (¬2): هذا الحديث مختلف في إسناده، ومثله لا يعارض به ~~الأحاديث الصحيحة [] (¬3) بتحريم لحوم الحمر الأهلية. # وقال عبد الحق: هذا الحديث ليس بمتصل الإسناد إلا من حديث عبد الله بن ~~عامر بن لويم، وهو غير معروف وعبد الرحمن بن بشر وهو مجهول. # الرابع: فيه حل الحمار الوحشي، وقد أكل عليه الصلاة والسلام منه كما سبق ~~في حديث أبي قتادة في باب المحرم يأكل من صيد الحلال. PageV10P092 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 397/ 5/ 75 - عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: "أصابتنا مجاعة ~~ليالى خيبر، فلما كان يوم خيبر: وقعنا في الحمر # الأهلية، فانتحرناها، فلما غلت بها القدور: نادى منادي رسول الله - صلي ~~الله عليه وسلم -: أن أكفؤ القدور [وربما قال] ms1713 (¬1) ولا تأكلوا من لحوم ~~الحمر شيئا" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف بالصحابي براويه وهو عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن ~~خالد بن الحارث بن أبي أسيد -بفتح الألف- ابن أبي رفاعة بن ثعلبة بن هوازن ~~بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر الأسلمي، أبو إبراهيم، أو أبو ~~محمد، أو أبو معاوية على أقوال، له ولأبيه صحبة وكذا لأخيه زيد، شهد عبد ~~الله بيعة PageV10P093 # الرضوان، وأول مشاهده حنين، روي [عنه] (¬1) عدة أحاديث مجموعها خمسة ~~وتسعون، اتفقا على عشرة، وانفرد البخاري بخمسة # ومسلم بحديث. روى عنه طلحة بن مصرف وغيره. وكان من بقايا الصحابة ~~بالكوفة، لما قبض عليه السلام تحول إليها، مات [سنة] (¬2) ست وثمانين، ~~وقيل: سنة سبع أو ثمان قال الفلاس (¬3): وهو آخر من مات بالكوفة من ~~الصحابة، وابتنى بها دارا في أسلم، وكان قد كف بصره وكان يخضب بالحناء. # ثانيها: هذا الرجل المنادي هو أبو طلحة الأنصاري، كما ثبت في "صحيح مسلم" ~~من رواية أنس (¬4) [رضي الله عنه] (¬5) وعزاه النووي في "مبهماته" (¬6) إلى ~~"مسند أبي PageV10P094 # يعلى" (¬1) وعزوه إلى "صحيح مسلم" أولى. # ثالثها: في ألفاظه قوله: "أصابننا مجاعة ليالي خيبر"، أي: الليالي التي ~~أقمنا على فتحها. والمجاعة: الجوع لكنهم لم يبلغوا فيه إلى حالة الاضطرار ~~حتى يحل لهم ما يحل للمضطر. # "واكفؤا"، قال القاضي عياض (¬2): ضبطناه بألف وصل وفتح الفاء من كفأت ~~ثلاثي ومعناه قلبت. قال: ويصح قطع الألف وكسر الفاء من أكفأت رباعي وهي ~~لغتان بمعنى عند الأكثرين من أهل اللغة منهم الخليل والكسائي وابن السكيت ~~وابن قتيبة وغيرهم. وقال الأصمعي: يقال كفأت ولا يقال: أكفأته بالألف، وقد ~~سلف الكلام على هذه الصادة في الطهارة وغيرها أيضا. # رابعها: أمره عليه الصلاة والسلام بإكفاء القدور محمول على أنه بسبب ~~التحريم لأكل لحومها عند جماعة، وهو المشهور السابق إلى الفهم، وقد وردت ~~[(¬3)] علل أخرى، ذكرتها في الحديث الثامن من كتاب النكاح. # قال الشيخ تقي الدين (¬4): فإن صحت تلك الروايات عن النبي - صلي الله ~~عليه وسلم - وجب الرجوع ms1714 إليه. PageV10P095 # قلت: هو من تفقهات الصحابة، فإن أناسا منهم قالوا: إنما نهى عنها لانها ~~لم تخمس، كما سيأتي مثله من حديث رافع بن خديج في الباب الآتي في الإبل ~~والغنم (¬1). # وقال آخرون: نهى عنها البتة لأنها كانت تأكل العذرة، كما سلف هناك بزيادة عليه. # الخامس: في أحكامه: # الأول: جواز ذبح الحيوان أو نحره للحاجة بشرط جواز أكله. # الثاني: أنه ينبغي لأمير الجيش إذا فعل فيه شيء على خلاف الشرع أن يأمر ~~ناديه أن ينادي بإتلافه والمنع من تعاطيه. وقد كانت # للنبي - صلى الله عليه وسلم - في مثل هذا حالة أخرى، وهي جمعهم فيخطب، ~~ويذكر ما يحتاجون إليه فيها. # الثالث: تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية وإن قلت، وقد سلف ما فيه، قال ~~الشيخ تقي الدين (¬2): وهذا الحديث يشتمل على لفظ # التحريم، وهو أولى من لفظ النهي، وتبعه ابن العطار على ذلك، والحديث إنما ~~فيه عدم الأكل من لحمها، وهو دال على ذلك، نعم # حديث أبي ثعلبة الآتي يشتمل على لفظ التحريم كما ستعلمه. # الرابع: إكفاء القدور المطبوخة بها، وقد روى مسلم في صحيحه أهريقوها ~~واكسروها قال "رجل" أو نهريقها ونغسلها قال: PageV10P096 # أو ذاك" (¬1) وهذا تصريح بنجاستها وتحريمها، ويؤيده الرواية الاخرى في ~~مسلم: "فإنها رجس"، وفي أخرى: "رجس أو نجس"، وفيه جواز غسل ما أصابنه ~~النجاسة, لأن الذكاة فيما لا يحل لا يفيد طهارة عند الأكثرين، وأن الإناء ~~النجس يطهر بغسله مرة واحدة، ولا يحتاج إلى سبع إذا كانت غير نجاسة الكلب ~~والخنزير، وما تولد من أحدهما. وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. # وعند أحمد يجب غسله سبعا في الجميع على أشهر الروايتين عنه. # وموضع الدلالة أنه عليه الصلاة والسلام أطلق الأمر بالغسل، ويصدق ذلك على ~~مرة واحدة ولو وجبت الزيادة لبينها، فإن في المخاطبين قريب العهد بالإسلام ~~ومن في معناه ممن لا يفهم من الأمر بالغسل إلا مقتضاه عند الإطلاق، وهو مرة. # وأما أمره عليه الصلاة والسلام أولا بكسرها فيحتمل أنه كان بوحي أو ~~باجتهاد، ثم نسخ وتعين الغسل، ولا يجوز اليوم الكسر، ms1715 لأنه إتلاف مال. # وقال القرطبي (¬2): كان الأمر بكسرها إنما صدر منه بناء على أن هذه ~~القدور لا ينتفع بها مطلقا، وأن الغسل لا يؤثر فيها لما PageV10P097 # يسرى فيها من النجاسة، فلما قال الرجل: "أو نهريقها ونغسلها" فهم الرسول ~~إنها مما ينغسل، فأباح له ذلك، فبدل الحكم لتبدل سببه. ولهذا في الشريعة ~~نظائر، وهي تدل على أنه عليه الصلاة والسلام يحكم باجتهاده فيما لم يوح ~~إليه فيه شيء. # [الخامس (¬1)] (¬2): أن الأصل في الأشياء الإباحة، لأنهم أقدموا على ~~ذبحها كسائر ما يذبح من الحيوان عندهم. PageV10P098 ### ||| AUTO الحديث السادس # 396/ 6/ 75 - " عن أبي ثعلبة [رضي الله عنه قال: رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم - لحوم الحمر الأهلية] " (¬1) (¬2). # الكلام عليه من [وجهين] (¬3): # أحدهما: في التعريف براويه، وسأذكره أول باب الصيد إن شاء الله (¬4). # ثانيهما: في فقهه، وهو التصريح بلحوم الحمر الأهلية، وقد أسلفنا الكلام ~~[فيه] (¬5) أيضا. PageV10P099 # قال القرطبي (¬1): وأولى العلل فيه ما صرح به منادي رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم - حيث قال: "إن الله ورسوله ينهيانكم عنها، فإنها رجس من عمل ~~الشيطان". والرجس: النجس. فلحومها نجسة، لأنها هي التي عاد عليها ضمير ~~(إنها النجس) وهي التي أمر بإراقتها من القدور، وغسلها منها، وهذا حكم ~~النجاسة. وأما التعليل بكونها "من جوالي القرية" فرواه أبو داود (¬2)، وهو ~~حديث لا يصح. وأما ما عدا ذلك من العلل فمتوهمة مقدرة، لا يشهد لها دليل. ~~ثم يقول: ولا بعد في تعليل تحريمها بعلل مختلفة، كل واحدة منها مستقلة ~~بإفادة التحريم. وهو الصحيح من أحد القولين للأصوليين، وأما تعليل من عللها ~~بغير التخميس فغير صحيح لأنه: يجوز أكل الطعام PageV10P100 # والعلوفة من الغنيمة قبل القسمة اتفاقا، لا سيما في حال المجاعة، والحاجة ~~(¬1). PageV10P101 ### ||| AUTO الحديث السابع # 398/ 7/ 75 - عن عبد الله بن عباس [رضي الله عنهما] (¬1) قال: "دخلت أنا ~~وخالد بن الوليد مع رسول الله - صلي الله عليه وسلم -[بيت ميمونة، فأتي بضب ~~محنوذ، فأهوى إليه رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بيده، فقال بعض النسوة ~~اللاتي في بيت ميمونة أخبروا رسول الله ms1716 - صلي الله عليه وسلم - بما يريد أن ~~يأكل فرفع رسول - صلى الله عليه وسلم - يده [فلم يأكل] (¬2) فقلت: أحرام هو ~~يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه. قال، خالد: ~~فاجتررته، فأكلته والنبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر" (¬3). # [قال رضي الله عنه] (¬4): المحنوذ: المشوي بالرضف، وهي الحجارة المحماة] ~~(¬5). PageV10P102 # والكلام عليه من وجوه: # الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب الاستطابة. وخالد بن الوليد ~~تقدمت نبذة من ترجمته في الزكاة، وميمونة أم المؤمنين سلف التعريف بها في ~~باب الغسل، وهي خالة ابن عباس وخالد بن الوليد. # الثاني: في التعريف بما أبهم فيه، وذلك في موضعين: # الأول: قوله: "فأتي بضب محنوذ"، والتي أتت به هي أم حفيد (¬1) -بلا هاء ~~على الأصوب الأشهر- واسمها هزيلة بنت PageV10P103 # الحارث، وهي صحابية. وقيل: حفيدة بالهاء، وقيل: أم حفيدة، وقيل أم حميد ~~بالميم بدل الفاء وقيل حميدة، وكله بضم الحاء # مصغر، ويقال أم حفرة بالراء، ويقال: أم حفر، حكاها ابن العطار في "شرحه"، ~~وهزيلة هذه أخت أم خالد لبابة الصغرى وأم عباس # لبابة الكبرى. # الموضع الثاني: قوله: "فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا ~~رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بما يريد أن يأكل"، ولا يحضرني تسميتها، ~~لكن جاء في "صحيح مسلم" من حديث يزيد بن الأصم عن ابن عباس أنه عليه الصلاة ~~والسلام بينما هو عند ميمونة، وعندها الفضل بن العباس وخالد بن الوليد ~~وامرأة أخرى إذ قرب إليهم خوان عليه لحم: فلما أراد النبي - صلي الله عليه ~~وسلم - أن يأكل قالت له ميمونة: إنه لحم ضب، فكف يده. وقال: "هذا لحم لم ~~آكله قط"، وقال لهم: "كلوا" فأكل منه الفضل وخالد [بن الوليد] (¬1) ~~والمرأة، وقالت ميمونة: لا آكل من شيء إلا شيء يأكل منه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # الثالث: "الضب" بفتح الضاد حيوان بري معروف يشبه الجرذون، لكنه كبير القد ~~له أخبار طريفة عند العرب، ويذكرون عنه عجائب كثيرة من جملتها أن الذكر له ~~ذكوان والأنثى لها فرجان، ms1717 وولده يسمى الحسل، ومن عجائبه أن أسنانه لا تتبدل ~~ولا يتقلع منها شيء، ولهذا يقال لا أبدل سن الحسل، والحسل هو الضب ومعنى PageV10P104 # ذلك لا أمل ما بقي سن الحسل. قال ابن خالويه في أوائل كتاب "ليس" الضب لا ~~يشرب الماء ويعيش سبعمائة سنة فصاعدا، ويقال: إنه يبول في كل أربعين يوما ~~قطرة ولا يسقط له سن، ويقال: إن سنه قطعة واحدة ليست مفرجة، والعرب تقول ~~على لسان الضب إنه قيل له رد الماء وردا يا ضب، فقال: أصبح قلبي صردا، لا ~~يشتهي أن يردا، إلا عرادا عردا، وصليانا بردا، وعنكثا ملتبدا. ويأكل ولده، ~~فلذلك قيل: "أعق من ضب"، قال ابن خالويه: وليس في الدنيا حيوان لا يسمع ولا ~~يشرب الماء إلا النعام ولا مخ له، ومتى ذلقت رجل واحدة، له لم ينتفع ~~بالباقية والضب لا يشرب ولكنه يسمع. # الرابع: "المحنوذ" قد فسره المصنف ومنهم من أطلق أنه الشوي، وقدمه النووي ~~في "شرحه" (¬1) لمسلم على الأول. PageV10P105 # قوله: "لم يكن بأرض قومي" ظاهره أنه لم يكن جودا فيها، وقد حكي عن بعض ~~العلماء أن الضب موجود عندهم بمكة غير أنه قليل، وأنهم لا يأكلونه (¬1). # ومعنى "أعافه" أكرهه تقذرا، قاله أهل اللغة. ويقال: عفت الشيء أعافه عيفا ~~إذا كرهته. # وعفته أعيفه عيافة من الزجر. # وعافته: الطير تعيف إذا حام على الماء، ليجد فرصة ليشرب. # وقوله: "فاجتررته" هو بالراء المكررة، وذكره بعض من تكلم على ألفاظ ~~المهذب بالراء بعد الزاي، أي: قطعته والصواب الأول. قال النووي في "شرح ~~المهذب" (¬2) وهو المعروف في كتب الفقه والحديث وغيرها. # الخامس: في فقهه، وفيه مسائل: # أهمها: [حل] (¬3) [أكل] (¬4) الضب، فإنه عليه الصلاة والسلام PageV10P106 # أمر خالدا على أكله مع العلم به وتقريره أحد الطرق الشرعية مع قوله: "إنه ~~ليس بحرام" (¬1)، وفي رواية أخرى في الصحيح: "كلوا # فإنه حلال" (¬2)، وقد قام الإجماع على ذلك، وعلى أنه ليس بمكروه، وما ~~حكاه القاضي عياض (¬3) عن قوم أنهم حرموا، وكذا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة ~~من كراهته، وما حكاه ابن المنذر ms1718 عن علي لا يصح عنهم، وإن صح فهم محجوجون ~~بالنصوص وإجماع من قبلهم (¬4). # وأما حديث إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد الحضرمي، ~~عن أبي راشد الحبراني، عن عبد الرحمن بن شبل: "نهى رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم - عن أكل الضب" (¬5)، فلا يصح أن يكون معارضا لهذا الحديث ~~الصحيح، على أن الخطابي (¬6) PageV10P107 # قال: ليس إسناده بذاك. وذكره ابن الجوزي في "علله" (¬1)، وقال: إنه حديث ~~لا يصح وإسماعيل (¬2) ضعيف. قال. وروى من حديث جابر أيضا (¬3). قال أبو ~~حاتم الرازي (¬4) [فيه ليس بالقوي] (¬5)، وقال البيهقي في "خلافياته" ~~و"سننه" (¬6) تفرد به إسماعيل بن عياش وليس بحجة. PageV10P108 # قلت: إسماعيل إذا روى عن الشاميين [كان] (¬1) حجة كما نص عليه ابن معين ~~والبخاري وغيرهما، وكذا البيهقي (¬2) نفسه في باب ترك الوضوء من الدم (¬3). # وضمضم: هذا حمصي فلا ينبغي أن يعمل به إذا من هذا الوجه وأسرف ابن حزم ~~القول في تضعيفه، فقال في "محلاه" (¬4) حديث عبد الرحمن بن شبل فيه ضعفاء ~~ومجهولون فسقط، وهذا غريب منه فالحديث في أبي داود عن محمد بن عوف (¬5)، ~~وهو ثقة عن الحكم بن نافع أبي اليمان احتج به الشيخان (¬6)، عن PageV10P109 # إسماعيل بن عياش، وهو حجة عن الشاميين، كما قررناه (¬1) عن ضمضم (¬2) ~~وثقه [(¬3)] ابن معين وغيره عن شريح (¬4) وثقه النسائي وغيره PageV10P110 # عن أبي راشد (¬1)، قال العجلي: شامي ثقة، فأين الضعف والجهالة. PageV10P111 # المسألة الثانية: الإعلام بما شك في أمره ليتضح حاله. # [المسألة] (¬1) الثالثة: أن مطلق النفرة وعدم الاستطابة ليس دليلا على ~~الحرمة، بل [أمر] (¬2) مخصوص بذلك إن قيل بأن ذلك من أسباب التحريم، أعني ~~الاستحباب كما يقوله الشافعي [رحمه الله] (¬3) وأبعد بعض أصحابه فحرم اللحم ~~إذا أنتن. وقد علل في رواية المصنف عدم الأكل بالعيافة. وفي رواية للطبراني ~~في "أكبر معاجمه" (¬4) "إنا أهل تهامة نعافها, وأنتم يا أهل نجد تأكلونها" ~~(¬5). PageV10P112 # وفي أفراد "مسلم" (¬1) من حديث جابر بن عبد الله [يقول] (¬2) أتي رسول ~~الله - صلي الله عليه وسلم - بضب، فأبى أن يأكل منه. وقال: "لا أدري لعله ~~من ms1719 القرون التي مسخت". # وفي "المعجم الصغير" (¬3) للطبراني من حديث جابر بن سمرة سئل رسول الله - ~~صلي الله عليه وسلم - عن الضب فقال: أمة مسخت [والله أعلم] (¬4)، ثم قال لم ~~يروه عن روح بن القاسم إلا محمد بن سواء. # وورد في بعض الروايات: " [إني] (¬5) تحضرني من الله حاضرة" يريد الملائكة ~~عليهم الصلاة والسلام فأحترمهم لأجل رائحته PageV10P113 # كما أتقي أكل الثوم إكراما لهم وقيل: إنما تركه، لأن الله تعالى [أعلمه] ~~(¬1) أنه غضب على سبط من بني إسرإئيل فمسخهم دواب # يدبون في الأرض كما ثبت في "صحيح مسلم" (¬2) من حديث أبي سعيد الخدري ~~وقيل: إن الشيوخ صاروا خنازير، والصغار قردة، قال: "فلا أدري لعل هذا منها ~~فلست آكلها ولا أنهى عنها". وكان ذلك قبل أن يعلم أن الممسوخ لا يعقب، إذ ~~في الصحيح "أن # الله عز وجل لم يهلك قوما، أو يعذب قوما، فيجعل لهم نسلا وإن القردة ~~والخنازير كانوا قبل ذلك" (¬3) ونظير هذا ما ذكره في الفأرة لما قال: "فقدت ~~أمة من بني إسرائيل [لا يدري] (¬4) ما فعلت ولا أراها إلا الفأر" (¬5)، ~~قاله ظنا قبل أن يوحي إليه ما ذكرناه، وعن ابن عباس "أن الممسوخ من بني ~~إسرائيل عاشوا ثلاثة أيام وماتوا". # المسألة الرابعة: جواز دخول أقارب الزوجة بيتها وتبسطهم PageV10P114 # [فيه] (¬1) إذا علموا أن الزوج لا يكره ذلك. # الخامسة: الأكل من بيت الصديق والقريب الذي لا يكره ذلك، فإن خالدا أكل ~~منه في بيت خالته [وبيت رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وصديقه لا سيما ~~والمهدية] (¬2) خالته أم حفيد، ولعله أراد بالأكل جبر قلبها فإنه عليه ~~الصلاة والسلام عافه ولم يأكله. # السادسة: من تراجم البخاري على هذا الحديث بنحو من سياق المصنف له ~~الأحكام التي تعرف باالدلائل, وكيف معنى الدلالة # وتفسيرها. من كتاب الاعتصام (¬3). PageV10P115 ### ||| AUTO الحديث [الثامن] # (¬1) # 399/ 8/ 75 - عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: "غزونا مع رسول ~~الله - صلي الله عليه وسلم - سبع غزوات، نأكل # الجراد" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها. في التعريف براويه، وقد سلف في الباب. ms1720 # ثانيها: "الجراد" بفتح الجيم اسم جنس، واحدته جرادة، يطلق على الذكر ~~والأنثى قاله الجوهري (¬3)، قال ابن دريد في "الجمهرة" سمي جرادا, لأنه ~~يجرد الأرض، فيأكل ما عليها. PageV10P116 # ثالثها: هذا اللفظ الذي أورده المصنف هو لمسلم. وفي لفظ له "ستا"، وفي ~~آخر "ستا أو سبعا" على الشك، ولفظ البخاري: " [غزونا مع النبي - صلي الله ~~عليه وسلم -] (¬1) سبع غزوات -أو ستا- نأكل [معه الجراد] (¬2) ". # ثم قال: قال سفيان وأبو عوانة وإسرائيل عن أبي يعقوب عن ابن أبي أوفى ~~"سبع غزوات". # رابعها: في فقهه، والإجماع قائم على حل أكل الجراد. ثم قال الشافعي وأبو ~~حنيفة وأحمد والجمهور: يحل سواءا مات بذكاة # أم باصطياد مسلم أو مجوسي أم مات حتف أنفه، سواء قطع بعضه أم أحدث فيه سبب. # وقال مالك: في المشهور عنه وجمهور أصحابه وأحمد في رواية: لا يحل إلا إذا ~~مات بسبب بأن يقطع بعضه أو يسلق أو يلقى في النار حيا أو يشوى، وذلك ذكاته، ~~فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يحل. # وخالف ابن وهب في الوعاء. # وقال سحنون: لا يطرح في الماء البارد. # وقال أشهب: إن مات من قطع رجل أو جناح لم يؤكل لأنها حالة قد يعيش بها، ~~وعلى هذا فلا يعرف الحي منه مع الميت، فقال # أشهب: يطرح الجميع. وقال سحنون: يؤكل الأحياء، وتكون PageV10P117 # الموتى بمنزلة خشاش الأرض يموت في القدر. وليس في هذا الحديث ما يدل على ~~اشتراط من ذلك ولا عدمه؛ فإنه لا صيغة للعموم ولا بيان كيفية أكلهم، وقال ~~الليث: يكره أكل ميتة الجراد إلا ما أخذ حيا ثم مات فإن أخذه ذكاته. وإليه ~~ذهب سعيد بن المسيب. # والجمهور: تمسكوا بظاهر هذا الحديث وبحديث ابن عمر المرفوع "أحلت لنا ~~ميتتان: الحوت، والجراد" (¬1)، وقال البيهقي (¬2): # [وقفه] (¬3) أصح وهي في معنى [المرفوع] (¬4). PageV10P118 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 400/ 9/ 75 - عن زهدم بن مضرب الجرمي قال: عند أبي موسى [الأشعري] (¬1)، ~~فدعا بمائدة وعليها لحم دجاج، فدخل رجل من بني تيم الله، أحمر شبيه ~~بالموالي فقال: هلم، فتلكأ، فقال له: هلم، ms1721 فإني رأيت رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم - يأكل منه" (¬2). # الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه سلف في باب السواك: # أحدها: هذا الحديث بقي منه قطعة، وهي أن الرجل قال: عقب ذلك: "إني رأيته ~~يأكل شيئا فقذرته، فحلفت ألا أطعمه، فقال: هلم أحدثك عن ذلك أني أتيت رسول ~~الله - صلي الله عليه وسلم - في رهط من الأشعريين [يستحملونه] (¬3) فذكر ~~الحديث كما سقناه في الحديث الثاني من باب الأيمان الذي هو طرف من هذا ~~الحديث. PageV10P119 # ثانيها: "زهدم" بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة ثم ميم. # "مضرب" بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة ثم ياء موحدة ~~وكنية زهدم أبو مسلم وهو بصري تابعي ثقة. # ثالثها: الجرمي بفتح الجيم [وهو بصري] (¬1) نسبة إلى جرم كما تقدم من ~~الحديث العاشر من باب صفة صلاة النبي - صلي الله عليه وسلم -. # رابعها: هذا الرجل المبهم لا يحضرني [اسمه] (¬2) بعد البحث الشديد عنه. # خامسها: في ألفاظه وفيه مواضع: # [الأول] (¬3) "المائدة": ممدودة وفيها لغة أخرى: ميدة كحقنة، وقيل: سميت ~~بذلك لأنها تميد بما عليها، أي تتحرك وتميل، وإنما تسمى مائدة إذا وضع ~~عليها الطعام وإلا فهي خوان، قال الحليمي: والأكل عليها من عادة الحواريين، ~~ولذلك سألوها عيسى عليه الصلاة والسلام. قال: ثم لم يزل ذلك عادة جارية، لا ~~نعلم أحدا أنكرها، وروي عن الصحابة الأكل عليها، فدل على إباحتها. قال ~~القرطبي (¬4): وقد كان له عليه الصلاة والسلام خوان، وأكل بحضرته PageV10P120 # عليه، على ما اقتضاه ظاهر إيراد الحديث [السالف في الضب في الصحيح]، قال: ~~وأما ما روي أنه عليه الصلاة والسلام وأصحابه لم تكن لهم موائد، إنما كانوا ~~يأكلون على السفر، فذلك كان غالب أحوالهم. وقال النووي في "شرحه" (¬1) ليس ~~المراد بهذا الخوان يعني في حديث الضب ما نفاه في الحديث المشهور في قوله: ~~"ما أكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خوان قط بل شيء [من] (¬2) ~~نحو السفرة" (¬3). # سادسها: "الدجاج" مثلث الدال حكاها ابن طلحة (¬4) في "شرح PageV10P121 # الفصيح" كما عزاها إليه اللبلي (¬1)، وحكاها أيضا ms1722 لمنذري (¬2) في ~~"حواشيه" وغيرهما, ولم يحك النووي في كتبه (¬3) الضم وإنما قال اسم الدجاج ~~يقع على الذكور والإناث وهو بكسر الدال وفتحها، والفتح أفصح باتفاقهم ~~الواحدة [دجاجة] (¬4) للذكر والأنثى. قال الجوهري (¬5): لأن الهاء إنما ~~دخلته على أنه واحد من جنس مثل حمامة وبطة، قال: والدجاجة أيضا كبة من الغزل. # الثالث: "هلم" معناه تعال وهو استدعاء وأصله لم، أي: بنا "والهاء" في ~~أوله للتنبيه، ويستعمل للواحد والجماعة والمذكر والمؤنث بلفظ واحد على لغة ~~أهل الحجاز، خلافا لأهل نجد، وتستعمل قاصرة إذا كانت بمعنى "أقبل" ومتعدية ~~إذا كانت بمعنى "هات"، ونحو ذلك. # وقوله: "فتلكأ"، أي: تردد وتوقف. # الوجه السادس: في فقهه. # ومهمة حل أكل الدجاج، وهو إجماع, لأنه من الطيبات، ولا PageV10P122 # عبرة بمن كرهه إن صح عنه، وسواء الوحشي والإنسي منه، كما نبه عليه ابن ~~الصباغ في "شامله" في الحج في كفارات الإحرام. # وفيه أيضا: أن المرجع في الأحكام كلها إلى الشارع. # وفيه أيضا: البناء على الأصل، فإنه قد بين فيما أسلفناه أثر الحديث أن ~~هذا الرجل علل تأخره بأنه رآه يأكل شيئا فقذره، فإذن يكون أكل الدجاج الذي ~~يأكل القذر مكروها، أو يكون ذلك دليلا على أنه لا اعتبار بأكل النجاسة، وقد ~~جاء النهي عن أكل الجلالة من # طرق. وإذا تغير لحمها بأكل النجاسة، فاختلف فيه العلماء أعني في حله، ~~والمرجح عند جمهور الشافعية أنه مكروه كراهة تنزيه، # ورجح بعضهم التحريم، وبه جزم الشيخ تقي الدين في "شرحه" (¬1) ناقلا له عن ~~الفقهاء، واقتصر على أنه جاء النهي عن لبن الجلالة، وكلامه إنما هو في ~~لحمها، وإن كان الحكم واحد. # وفيه أيضا: جواز أكل الطيبات على الموائد، وأنه لا يناقض الزهد، ولا ~~ينقصه خلافا لمن تقشف. # وفيه أيضا: جواز الدعاء بالمائدة للضيفان والأضحاب. PageV10P123 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 401/ 10/ 75 - عن ابن عباس [رضي الله عنهما] (¬1) أن النبي - صلي الله ~~عليه وسلم - قال: "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها، أو ~~يلعقها" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: "يلعقها" الأولى بفتح أوله والثاني بضمه، ms1723 يقال: لعقت الشيء بالكسر ~~ألعقه بالفتح لعقا أي لحسته، وألعقت غيري يدي رباعي، فالأول متعد إلى مفعول ~~واحد، والثاني إلى مفعولين، والثاني محذوف في هذه الرواية -أي أخاه- ~~واللعقة بالفتح المرة الواحدة، [والملعوق] (¬3) اسم ما يلعق. PageV10P124 # ثانيها: علل هذا في الحديث الصحيح، أنه عليه الصلاة والسلام قال: "فإنه ~~لا يدري في أي طعامه البركة". # رواه مسلم (¬1) من حديث جابر وأبي هريرة وليس إعطاؤه يده غيره ليلعقها ~~تركا للبركة، بل هو من باب تحصيل البركة لغيره، لا من باب الإيثار بالقرب، ~~قال الشيخ تقي الدين (¬2): وقد يعلل بأن مسحها قبل ذلك فيه زيادة تلويث لما ~~مسح به، مع الاستغناء عنه # بالريق، لكن إذا صح الحديث بالتعليل لم يعدل عنه. # قلت: التنصيص على علة لا يلزم منه أنه ليس ثم علة أخرى، وقد يعلل بأمر ~~آخر وهو احترام الطعام عن إهانته، وقد قال القاضي # عياض (¬3): إنما أمر بذلك لئلا يتهاون بقليل الطعام. # ثالثها: في أحكامه. # أولها: استحباب لعق الأصابع بعد الأكل قبل الغسل أو المسح، وقد كرهه بعض ~~العامة واستقذره، وقوله هو المستقذر. # ثانيها: استعمال التواضع. PageV10P125 # ثالثها: استعمال السنة، والأمر بها حتى فيما يعده الناس في العرف دناءة (¬1). # رابعها: عدم إهمال شيء من فضل الله تعالى مأكولا كان أو مشروبا أو ~~غيرهما، وإن كان تافها حقيرا في العرف. # خامسها: زاد أبو داود في روايته لهذا الحديث بعد قوله: "ولا يمسح يده ~~بالمنديل"، وترجم عليه باب في المنديل. # وفي أفراد البخاري (¬2) من حديث سعيد بن الحارث عن جابر ابن عبد الله أنه ~~سأله عن الوضوء مما مست النار، فقال: " [قد] (¬3) كنا زمان [النبي - صلي ~~الله عليه وسلم -] (¬4) لا نجد مثل ذلك من الطعام إلا قليلا، PageV10P126 # فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا, ثم نصلي ~~ولا نتوضأ" ولا معارضة بينهما؛ لأن عدم المناديل لم يكن لأنه السنة، بل ~~لعدم وجدانهم إياها. # سادسها: المراد بقوله "أو يلعقها" غيره ممن لا يتقذر ذلك كزوجة وجارية ~~وولد وخادم يحبونه ويتلذذون به ولا يتقذرونه، وكذا ms1724 من كان في معناه كتلميذ ~~يعتقد وفور البركة (¬1) بلعقها، وكذا لو ألقمها شاة أو نحوها. # سابعها: أطلق هنا "اليد" على الأصابع، وهو دال على جواز الأكل بجميع ~~أصابع اليد، لكن الأكل بثلاث أصابع من السنة، قال # القاضي: والأكل بأكثر منها من الشره وسوء الأدب وتكبير اللقمة، ولأنه غير ~~مضطر إلى ذلك لجمعه اللقمة وإمساكها من جهاتها بالثلاثة إلا أن يضطر إلى ~~ذلك لخفة الطعام وعدم تلفيفه بالثلاثة فيدعمه بالرابعة أو الخامسة. # ثامنها: جواز مسح اليد بعد الطعام. # قال القاضي: وهذا والله أعلم فيما لم يحتج فيه إلى الغسل مما ليس فيه ~~غمر، ولزوجة ما لا يذهبه إلا الغسل، وإلا فقد جاء في الحديث الترغيب في ~~غسله والحذر من تركه (¬2). PageV10P127 # تاسعها: إنما يخص اللعق بآخر الأكل [لا] (¬1) في أثنائه؛ لأنه يمس ~~بأصابعه بزاقه في فيه، فإذا لعق أصابعه، ثم أعادها، صار كأنه # بصق في الطعام، وذلك مستقذر مستقبح، نبه عليه القرطبي (¬2) في شرحه. PageV10P128 ### || AUTO 76 - باب الصيد # هو [في] (¬1) الأصل مصدر صاد يصيد ويصود صيدا فهو صائد، ثم أطلق الصيد ~~على المصدر نفسه تسمية للمفعول بالمصدر، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} (¬2)، ثم في الباب أربعة أحاديث رابعها في ~~الذكاة أو عليه، (¬3) ترجم في "عمدته الكبرى". PageV10P129 ### ||| AUTO الحديث الأول # 402/ 1/ 76 - عن أبي ثعلبة الخشني [رضي الله عنه] (¬1)، قال: أتيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم أهل كتاب، ~~أفنأكل في آنيتهم؟ وفي أرض صيد، أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم [وبكلبي ~~المعلم، في يصلح ليس؟ قال: أما ما ذكرت -يعني من آنية آهل الكتاب- فإن ~~وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها، وكلوا فيها. وما صدت ~~بقوسك، فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله ~~عليه فكل، وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل"] (¬2). PageV10P130 # الكلام عليه من وجوه: # [أحدهما] (¬1): في التعريف براويه، وقد اختلف في اسمه واسم أبيه على ~~أقوال كثيرة: منها جرثوم بن ms1725 [لاشر، وقيل: ناشر] (¬2)، وقيل: ناشم، وقيل: ~~ماسح بن وبرة، وقيل: لاشر بن جرثوم بن عمرو، وقيل: جرثومة، وقيل: جرهم بن ~~ناشم، وقيل: غير ذلك، وصحبته متفق عليها، وهو ممن غلبن عليه كنيته، شهد ~~حنينا وغيرها. نزل داريا ونزل قرية البلاط أيضا وبها ذريته، وكان ممن بايع ~~تحت الشجرة، وضرب له سهمه في خيبر. وأرسله عليه الصلاة والسلام إلى قومه، ~~فأسلموا وأخوه عمرو بن جرهم أسلم على عهد النبي - صلي الله عليه وسلم -، ~~وهما من ولد لبوان بن مر بن خشين بن النمر بن وبرة، قال أحمد بن محمد بن ~~عيسى في "تاريخ حمص" بلغني أن أبا ثعلبة أقدم إسلاما من أبي هريرة، واعتزل ~~عليا ومعاوية. ومات في إمرة معاوية، وقيل: في ولاية عبد الملك. قال أبو ~~الزاهرية: سمعته يقول: "إني لأرجو أن لا يخنقني الله كما أراكم تخنقون عند ~~الموت. فبينما هو يصلي في جوف الليل قبض وهو ساجد، فرأت ابنته أن أباها قد ~~مات، فاستيقظت فزعة، فنادت أمها: أين أبي؟ قالت: في مصلاه. فنادته، فلم ~~يجبها، فأنبهته، فوجدته ساجدا فحركته، فوقع لجنبه ميتا. قال ابن سعد ~~وجماعة: مات سنة سبع وخمسين. وقال ابن حبان في "ثقاته" سنة خمس وستين. PageV10P131 # الثاني: يشترك مع أبي ثعلبة هذا في الكنية ثلاثة من الصحابة أيضا. # أولهم: أبو ثعلبة ابن عم كريم. # [وثانيهم: أبو ثعلبة الأنصاري. # وثالثهم: أبو ثعلبة] (¬1) الأشجعي. # الثالث: هذه النسبة وهي الخشني -بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين ثم نون ~~ثم ياء النسب- نسبة إلى خشين بطن من قضاعة. # قال أبو عمر: لم يختلفوا في تسميته أبي خشين، وهو وائل بن النمر بن وبرة ~~بن ثعلب -بالغين المعجمة- ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. ذكر نسبنه ~~إلى خشين: البيهقي والسمعاني والحازمي وغيرهم، وقيل: أبي خشينة. حكاه أبو ~~أحمد وابن الصلاح، والنووي في آخر "أربعينه"، وكذا ابن الأثير في "كناه" ~~لكنه خالف في الأسماء منه. وعبارة الشيخ تقي الدين في "شرحه" إنه نسبة إلى ~~بني "خشين" من قضاعة. قال: "وخشين" تصغير "أخشن" مرخم. ms1726 # الرابع: "أهل الكتاب" المراد بهم اليهود والنصارى، وإن كان كل من دان ~~بدين الله بكتاب منزل على نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فهم أهل كتاب. # الخامس: "الآنية" جمع إناء وجمع الآنية أواني. PageV10P132 # السادس: في أحكامه: # الأول: السؤال عما يحتاج إليه من الأمور [المستقبلة] (¬1). # الثاني [(¬2)]: جمع المسائل والسؤال عنها دفعة واحدة. # الثالث: تفصيل الجواب "بأما" و"ما" وفي القرآن الكريم في قصة ذي القرنين ~~في الكهف التفصيل "بإما" "أما". # الرابع: أن استعمال أواني أهل الكتاب تتوقف على الغسل وقد اختلف الفقهاء ~~في ذلك بناء على قاعدة تعارض الأصل والغالب، # وذكروا الخلاف فيمن يتدين باستعمال النجاسة من المشركين وأهل الكتاب ~~كذلك، وإن كان قد فرق بينهم وبين أولئك، لأنهم يتدينون باستعمال الخمر أو ~~يكثرون ملابستها. والنصارى منهم لا يجتنبون النجاسات، ومنهم من يتدين ~~بملامستها كالرهبان، فلا وجه لإخراجهم ممن يتدين باستعمالها. والحديث جار ~~على مقتضى ترجيح غلبة الظن، فإن الظن المستفاد من الغالب راجح على الظن ~~المستفاد من الأصل. وقال النووي في "شرحه" (¬3) قد يقال هذا الحديث مخالف ~~لما يقوله الفقهاء فإنهم يقولون: إنه يجوز استعمال أواني المشركين إذا ~~غسلت، ولا كراهة فيها بعد الغسل، سواء وجد غيرها أم لا. # وهذا الحديث يقتضي كراهة استعمالها إن وجد غيرها, ولا PageV10P133 # يكفي غلها في نفي الكراهة، وإنما يغسلها ويستعملها إذا لم يجد غيرها. # والجواب: إن المراد بالنهي عن الأكل في آنيتهم التي كانوا يطبخون فيها ~~لحم الخنزير ويشربون الخمر، كما صرح به في رواية # أبي داود "إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخود في قدورهم الخنزير ويشربون في ~~آنيتهم الخمر. فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "إن وجدتم غيرها ~~فكلوا فيها واشربوا، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء، وكلوا واشربوا"، ~~وإنما نهى عن الأكل فيها بعد الغسل للاستقذار، وكونها معتادة للنجاسة، كما ~~يكره الأكل في المحجمة المغسولة. # فأما الفقهاء: فمرادهم مطلق آنية الكفار التي ليست مستعملة في النجاسات، ~~فهذه يكره استعمالها قبل غسلها، فإذا غسلت فلا # كراهة فيها, لأنها طاهرة، وليس فيها استقذار ms1727 ولم يريدوا نفي الكراهة عن ~~آنيتهم المستعملة في الخنزير وغيره من النجاسات. # تنبيهان: # [أحدهما] (¬1): ظاهر الحديث أن استعمالها مع الغسل رخصة لا تجوز إلا عند ~~الحاجة إليها، فإن ظاهر قوله: "ولا تأكلوا فيها"، # وإن غسلت، فلو كان الغسل مطهرا لها لما كان للتفصيل بين وجدان غيرما ~~وعدمه معنى. # الثاني: قد يستفاد منه أن أوعية الخمر ونحوها لا تطهير بالغسل [ولمالك] ~~(¬2) في أوعية الخمر ثلاثة أقوال: PageV10P134 # أحدها: كسرها على كل حال. # وثانيها: إن طبخت في الماء أو طبخ فيها الماء جاز استعمالها. # وثالثها: التخفيف في الرقاق، والتشديد في غيرها. # الخامس: إباحة الاصطياد بالقوس والكلب المعلم وهو إجماع، ولم يتعرض في ~~الحديث للتعليم المشترط، والفقهاء تكلموا فيه، وجعلوا المعلم ما ينزجر ~~بالانزجار، وتنبعث بالأشلاء، وإذا أخذه أمسكه على صاحبه، وخلى بينه وبينه، ~~ولهم نظر في غير ذلك من الصفات محل الخوص فيها كتب الفروع. # والقاعدة أن ما رتب عليه الشرع حكما ولم يجد فيه حدا يرجع فيه إلى العرف، ~~ولا شك في اشتراط إرساله، فلو استرسل بنفسه لم # يحل ما قتله عند جميع العلماء، إلا ما حكي عن الأصم من إباحته وإلا ما ~~حكاه ابن المنذر عن عطاء والأوزاعي أنه يحل إذا كان صاحبه أخرجه للاصطياد، ~~وهذا كله في الكلب المعلم، أما غيره فلا يحل ما قتل ولو بإرسال صاحبه ~~إجماعا. # السادس: إباحة الاصطياد للأكل وللهو واللعب وغيرهما. # وقال مالك: يكره إذا اصطاد لهما (¬1) لكن بقصد تذكيته والانتفاع وخالفه ~~الليث وابن عبد الحكم، وقال الليث: ما رأيت حقا أشبه # بباطل منه. PageV10P135 # قال القاضي عياض: فإن فعله بغير نية التذكية فهو حرام, لأنه فساد في ~~الأرض وإتلاف نفس عبثا. # السابع: الأمر بالتسمية عند إرسال السهم والكلب المعلم. وفي معناه إرسال ~~الجوارح من الطير، والإجماع [قائم] (¬1) على مشروعية التسمية عند الإرسال ~~على الصيد وعند النحر والذبح لكن اختلفوا هل ذلك على وجه الوجوب أو الندب؟ ~~وفيه ثلاثة أقوال لهم: # احدها: أنها سنة فإن تركها سهوا أو عمدا حل الصيد والذبيحة، وهو مذهب ~~الشافعي وطائفة، ms1728 ورواية عن مالك وأحمد. # ثانيها: أنها واجبة، فإن تركها عمدا أو سهوا لم يحل، وهو مذهب أهل ~~الظاهر، والصحيح عن أحمد في صيد الجوارح خلاف الذبيحة فإن مذهبه. القول ~~الثالث: وهو مروي عن ابن سيرين، وأبي ثور. قالوا: لأنه وقف الإذن في الأكل ~~على التسمية والمعلق بالوصف ينتفي عند انتفائه [عند] (¬2) القائلين ~~بالمفهوم. وفيه ها هنا زيادة على كونه مفهوما مجردا، وهو أن الأصل تحريم ~~أكل الميتة، وما أخرج [الصيد] (¬3) منها، إلا ما هو موصوف بكونه سمي عليه ~~فغير المسمى عليه يبقى على أصل التحريم داخلا تحت النص المحرم للميتة. PageV10P136 # والقول الثالث: إن تركها سهوا حلت الذبيحة والصيد, وإن تركها عمدا فلا، ~~وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، والثوري وجماهير العلماء، كما نقله عنهم النووي ~~في "شرحه" (¬1) وحكاه القرطبي (¬2) قولا عن الشافعي. وحكى أصحابنا في العمد ~~ثلاثة أوجه: # أولها: الصحيح الكراهة. # ثانيها: خلاف الأولى. # ثالثها: يأثم، قاله الشيخ أبو حامد في "تعليقه". # واحتج من أوجبها، بقوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~وإنه لفسق} (¬3) وبهذا الحديث وأمثاله. # واحتج الشافعية ومن وافقهم بقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} (¬4)، إلى ~~قوله: {وما أكل السبع إلا ما ذكيتم} (¬5) فأباح ذلك # بالتذكية من غير اشتراط التسمية ولا وجوبها, ولا يقال التذكية لا تكون ~~إلا بالتسمية، لأنها في اللغة الشق والفتح. # وبقوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} وهم لا يسمون غالبا وفي ~~"صحيح البخاري" (¬6) من حديث عائشة رضي الله عنها أن PageV10P137 # قوما قالوا: يا رسول الله إن قوما حديثي عهد بجاهلية يأتونا بلحمان، لا ~~ندري أذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا، أنأكل منها أم لا؟ فقال عليه ~~الصلاة والسلام: "اذكروا اسم الله وكلوا"، وهذا ظاهر في عدم الوجوب، فان ~~هذه التسمية هي المأمور بها عند الأكل والشرب لا التسمية عند التذكية ~~والإرسال. # وأجابوا: عن قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} (¬1) ~~بأن المراد به ما ذبح للأصنام، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وما ذبح ~~على النصب} ... وآية ms1729 {وما أهل به لغير الله} (¬2). # قال القرطبي (¬3): وهو أشهر أقوال المفسرين في الآية وأحسنها. ولأن الله ~~تعالى قال: {وإنه لفسق} (¬4) وقد قام الإجماع على أن من أكل متروك التسمية ~~ليس بفاسق فوجب حملها على ما PageV10P138 # ذكرناه، ليجمع بينها وبين الآيات السابقات، وحديث عائشة وحملها بعض ~~الشافعية على كراهة التنزيه، وأجابوا عن أحاديث التسمية بأنها للاستحباب. # الثامن: إباحة الاصطياد بجميع الكلاب المعلمة من الأسود وغيره، وبه قال ~~الشافعي ومالك وأبو حنيفة والجمهور. وقال الحسن # البصري والنخعي وقتادة وأحمد وإسحاق: لا يحل صيد الكلب الأسود, لأنه شيطان. # التاسع: حل ما اصطاده بالكلب المعلم من غير ذكاة، فإنه عليه الصلاة ~~والسلام فرق في إدراك الذكاة بينه وبين غير المعلم. وقد جاء في الحديث ~~إلآتي التصريح به حيث قال: "فإن أخذ الكلب ذكاته" فإذا قتل الصيد بظفره أو ~~نابه حل، وكذا إن قتله بثقله على # أظهر قولي الشافعي لإطلاق الحديث. # العاشر: حل ما أدرك ذكاته إذا كان غير معلم وهو إجماع، وهذا الإدراك ~~يتعلق بأمرين: # أحدهما: الزمن الذي يمكنه فيه الذبح، فإن أدركه ولم يذبحه فهو ميتة، ولو ~~كان ذلك لأجل العجز عما يذبح به لم يعذر في ذلك. # الثاني: الحياة المستقرة كما ذكرها الفقهاء، فإن أدركه وقد أخرج حشوته أو ~~أصاب بنابه مقتلا، فلا اعتبار بالذكاة حينئذ. PageV10P139 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 403/ 2/76 - عن همام بن الحارث عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: "قلت يا ~~رسول الله، إنى أرسل الكلاب المعلمة، فيمسكن علي، وأذكر اسم الله، فقال: ~~"إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك"، قلت: وإن ~~قتلن؟ قال: "وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها"، قلت: فإني أرمي ~~بالمعراض الصيد، فأصيب، فقال: "إذا رميت بالمعراض فخرق، فكله، وإن أصابه ~~بعرضه فلا تأكلها". # وحديث الشعبي عن عدي نحوه، وفيه: "إلا أن يأكل [الكلب] (¬1) فإن أكل ~~[(¬2)] فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلاب ~~من غيرها فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على ms1730 غيره". # وفيه: "إذا أرسلت كلبك المكلب فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك ~~فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ~~ذكاته". PageV10P140 # وفيه أيضا: "إذا رميت بسهمك فاذكروا اسم الله [عليه] (¬1). # وفيه: "وإن غاب عنك يوما أو يومين". # وفي رواية: اليومين والثلاثة فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، فإن ~~وجدته فريقا في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري: الماء # قتله أو سهمك" (¬2)؟ # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: قوله: "فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره"، هذه الزيادة ليست ~~في هذه الرواية, وإنما ذكرها مسلم في رواية أخرى عقب هذه من هذا الوجه، وفي ~~رواية أخرى بعد ذلك فكان ينبغى أن يقول وفيه: "فإنما سميت" إلى آخره. # وقوله: "إذا أرسلت كلبك [المكلب] (¬3) " لم يذكر مسلم في روايته "المكلب" ~~وليس في روايته هذه: "فإن أخذ المكلب ذكاته"، # نعم في أخرى "فإن ذكاته أخذه". PageV10P141 # وقوله: "وإن غاب" إلى آخره لفظه عند مسلم. # و"إن رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر ~~سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء # فلا تأكل". # وفي رواية له: "إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل فكل، إلا ~~أن تجده قد وقع في ماء، فإنك لا تدري الماء قتله # أو سهمك". # ولفظ البخاري: "وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر ~~سهمك فكل، وإن وقع بالماء فلا تأكل" (¬1)، وفي # رواية له تعليقا بصيغة جزم أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "يرمي ~~الصيد فيفتقد أثره اليومين والثلاثة، ثم يجده ميتا، وفيه سهمه، قال: يأكل ~~إن شاء" (¬2)، قال عبد الحق: ولم يقل في شيء من طرقه "فأدركته حيا فاذبحه"، ~~قال: ولم يذكر أيضا قوله: "فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك". # قلت: فليتأمل رواية المصنف أعني قوله: "وإن غاب عنك" إلى آخره فلم أرها ~~كذلك بطولها في واحد من الصحيحين، والذي فيهما ما ذكرته لك: ms1731 # الوجه الثاني: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه. PageV10P142 # أما همام: فهو ابن الحارث كوفي ثقة من فرسان الكتب الستة، عابد، تابعي، ~~مات في أيام الحجاج. # وأما عدي فهو أبو طريف، ويقال: أبو وهب عدي بن حاتم بن عبد الله [عدي] ~~(¬1) بن حشرج بن امرئ القيس ابن عدي، [(¬2)] بن ربيعة بن جرول بن ثقل بن ~~عمرو بن الغوث بن طي بن أدد بن [زيد] (¬3) (¬4) بن كهلان [(¬5)] بن يشجب بن ~~يعرب بن قحطان الطائي، الجواد بن الجواد، وفد في شعبان سنة سبع، وقيل: سنة ~~عشر، ونزل الكوفة وسكنها، روى عن النبي - صلي الله عليه وسلم - ستة وستين ~~حديثا اتفقا منها على ثلاثة، وانفرد مسلم بحديثين، روى عنه الشعبي وجماعة، ~~وكان شريفا في قومه، خطيبا حاضر الجواب، فاضلا كريما، روي عنه أنه قال: ما ~~دخل وقت صلاة قط إلا وأنا أشتاق إليها، وفي رواية: وأنا على وضوء، وقال: ما ~~دخلت على النبي - صلي الله عليه وسلم - إلا وسع لي أو تحرك، ودخلت عليه ~~يوما في بيته وقد امتلأ من أصحابه فوسع لي حتى جلست إلى جنبه، ومناقبه جمة، ~~عاش مائة وعشرين سنة، وقيل: وثمانين ومات، زمن المختار سنة ثمان وستين، ~~وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع وشهد مع علي حروبه. PageV10P143 # وأما الشعبي: فبفتح الشين المعجمة وإسكان العين المهملة وباء موحدة، ثم ~~ياء النسب نسبة إلى شعب بطن من همدان، واسمه # عامر بن شراحيل، وقيل ابن عبد الله بن شراحيل، وقيل: ابن شراحيل ابن عبد ~~بن أخي فيس بن عبد، وكنيته [أبو عمرو] (¬1) وهو تابعي كوفي ثقة جليل فقيه ~~علامة زمانه حافظ. ولد لست سنين خلت من خلافة عمر على المشهور. # وأمه: من سبي جلولا، روي عن علي، وهو في صحيح (خ، م)، وعن ابن مسعود وعمر ~~وطلحة وعبادة، ولم يسمع منهم، وروى عن جماعة من الصحابة، روي عنه أنه قال: ~~أدركت خمسمائة منهم. وقال ابن حبان روى عنهم كلهم. وقال العجلي: سمع عن ~~ثمانية وأربعين من الصحابة، ومرسله صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحا، ms1732 وروى عنه ~~خلق من التابعين وغيرهم، وولي قضاء الكوفة، ومن كلامه: إنما كان يطلب هذا ~~العلم من جمع العقل والنسك، فإن انفرد بأحدهما قيل هذا لا يناله، واليوم ~~يطلبه من لا عقل له ولا نسك. وقال الحسن البصري لما نعاه: كان والله كثير ~~العلم قديم السلم من الإسلام بمكان، مات بعد المائة ستة ثلاث أو أربع أو ~~خمس أو ست [أو سبع] (¬2) أو تسع عن اثنتين وثمانين سنة، قال ابن طاهر: عن ~~سبع وسبعين. # الوجه الثالث: في بيان ألفاظه: PageV10P144 # "المعراض": بكسر الميم وسكون العين المهملة وبالراء ثم ضاد معجمة بعد ~~الألف: خشبة ثقيلة أو عصى محدد رأسها بحديدة. # وقد يكون بدونها هذا هو الصحيح المشهور في تفسيره، كما قاله النووي في ~~"شرحه" (¬1)، وقال الهروي: هو سهم لا ريش له ولا # نصل، وقال ابن دريد هو سهم طويل له أربع قذذ رقاق. فإذا رمي به اعترض، ~~وقال الخليل: كقول الهروي ونحوه عن الأصمعي، وقيل: هو عود رقيق الطرفين ~~غليظ الوسط إذا رمى به ذهب مستويا. # وقوله: "ليس منها"، أي: ليس من الكلاب المعلمة، أن يراد ليس من كلابك بل ~~من كلاب غيرك؛ لأنه لو أرسل رجلان كلبين على صيدين فقتلاه جميعا أكلا، وكان ~~الصيد بينهما، إلا أن ينفذ الأول مقاتله فلا شيء للثاني. # وقوله: "فخزق" بالخاء المعجمة والزاي ومعناه نفذ. وعبارة القرطبي في ~~"شرحه" (¬2) (خزق) معناه: خرق ونفذ. و (العرض): خلاف الطول. # وقوله: "فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" معناه إن الله تعالى قال: ~~{فكلوا مما أمسكن عليكم}، فإنما أباحه بشرط أن يعلم أنه أمسك علينا، وإذا ~~أكل منه لم يعلم أنه أمسك لنا أم لنفسه، فلم يوجد شرط المعية والأصل ~~تحريمه. # وقوله: "فإن أخذ الكلب ذكاته"، أي: إن أخذ الكلب الصيد وقتله إياه ذكاة ~~شرعية بمنزلة ذبح الحيوان الإنسي، وهذا إجماع. PageV10P145 # الوجه الرابع: في أحكامه. # الأول: اشتراط التسمية، كما أسلفنا في الحديث السابق، وقد سلف الخلاف ~~فيه، وهو أقوى في الدلالة من الأول, لأن هذا مفهوم # شرط وذلك ms1733 مفهوم صفة ومفهوم الشرط أقوى منه. # الثاني: أكل مصيد الكلب إذا قتل وهو صريح في هذا، مفهوم من الحديث الأول. # الثالث: أكل ما قتله الصيد بثقله، وهو أقوى من الأول. # الرابع: أنه لا يحل أكل ما شاركه كلب آخر في اصطياده إذا استرسل بنفسه أو ~~أرسله من ليس هو من [أهل الذكاة، أو شككنا، فإن تحققنا أنه إنما شاركه كلب ~~أرسله من هو من] (¬1) أهل الذكاة على ذلك الصيد [و] (¬2) حل ذلك معلل في ~~الرواية السالفة، "فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره"، وهو ظاهر في ~~اشتراط التسمية ولو غلب على الظن فقولان عند المالكية، ووقع في "شرح الشيخ ~~تقي الدين" (¬3) أن هذه الرواية وردت في حديث آخر، وهو عجيب فإنها في ~~الكتاب، وقد ذكرها هو أولا. # الخامس: أنه إذا اصطاد بالمعراض فقتل الصيد بعده حل، لأنه كالسهم، وإن ~~[قتله] (¬4) بعرضه لم يحل، وقد جاء في بعض PageV10P146 # روايات هذا الحديث في الصحيح (¬1) "فإنه وقيذ" وذلك لأنه ليس في معنى ~~السهم، وهو في معنى الحجر وغيره من المثقلات، وهذا مذهب الأئمة الأربعة ~~والجمهور. وقال الأوزاعي ومكحول وغيرهما من فقهاء الشام: يحل مطلقا حتى ~~قال: ابن أبي ليلى يحل ما قتله بالبندقية، وهو محكي عن سعيد بن المسيب ~~وجمهور العلماء، كما نقله النووي في "شرحه لمسلم" (¬2) على أنه لا يحل صيد ~~البندقية مطلقا لحديث المعراض هذا, لأنه كله رض ووقذ، أي: مقتول بغير محدد ~~والموقوذة المقتولة بالعصا ونحوها، وأصله من الكسر والرض، وأما حل الاصطياد ~~به ففيه اضطراب عندنا أوضحته في "شرح المنهاج". # السادس: تحريم أكل الصيد الذي أكل الكلب المعلم منه لتصريح المنع منه في ~~هذا الحديث وتعليله بخوف الإمساك على نفسه # بأكله منه، وبهذا قال أكثر العلماء، كما حكاه النووي في "شرحه" (¬3) ~~عنهم، ومنهم ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وسعيد بن جبير والحسن البصري ~~والشعبي والنخعي وعكرمة وقتادة وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور ~~وابن المنذر وداود، وبه قال الشافعي في أصح قوليه، محتجبين بحديث عدي هذا، ~~وبقوله ms1734 تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} وهذا لم يمسك علينا، وإنما أمسك على ~~نفسه، وقال PageV10P147 # سعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي وابن عمر ومالك: يحل. وهو قول ضعيف ~~للشافعي، وفي "سنن أبي داود" (¬1) من حديث # أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم ~~-: "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل، وإن أكل منه" لم يضعفه أبو داود، ~~وأما ابن حزم فضعفه (¬2)، وحملوا حديث عدي على كراهة التنزيه، وربما علل ~~بأنه كان من المياسير فاختير له الحمل على الأولى بخلاف أبي ثعلبة، فإنه ~~كان على عكس ذلك، فأخذ بالرخصة، وفيه نظر, لأنه علل عدم الأكل بخوف الإمساك ~~على نفسه، اللهم إلا أن يقال إنه علل بخوف الإمساك لا بحقيقة الإمساك. # فيجاب عن هذا: بأن الأصل التحريم في الميتة، فإذا شككنا في السبب المبيح ~~رجعنا إلى الأصل وتأولت حديث ثعلبة على ما إذا أكل منه بعد أن قتله وخلاه ~~ونارقه، ثم عاد فأكل منه، فهذا لا يضر، كما صرح به صاحب "البيان" (¬3) ~~و"الشامل" (¬4) PageV10P148 # و"التحرير" (¬1) والدارمي (¬2) من أصحابنا فقالوا: إن أكل عقب القتل ففيه ~~القولان، وإلا فيحل قطعا، وتمناه إمام الحرمين، فقال: وددت لو فصل فاصل بين ~~أن يكف زمانا ثم يأكل، وبين أن يأكل بنفس الأخذ، لكن لم يتعرضوا له. # قلت: قد تعرض له الأئمة كما نقلناه عنهم، وجزم به النووي في "شرحه" (¬3). # وأما جوارح الطير: إذا أكلت مما صادته فالأصح عند أصحابنا PageV10P149 # طرد القولين فيه كالكلب، ومنهم من قطع فيه بالحل دون الكلب، لإمكان ضربه ~~ليمتنع، ولما نقل النووي في "شرح مسلم" (¬1) عن الشافعي أن أرجح قوليه ~~تحريمه، أعني في الجوارح. قال: وقال سائر العلماء بإباحته, لأنه لا يمكن ~~تعليمها وذلك بخلاف السباع، وأصحابنا يمنعون هذا التأويل. # تنبيه: قوله تعالى: {مما أمسكن عليكم}، قد أسلفنا أنه يحتج من منع من أكل ~~ما أكل منه الصيد؛ لأنه لو أراد كل إمساك لقال: {فكلوا مما أمسكن عليكم} ~~بدون زيادة {عليكم}، والقائل الآخر يجيب بأن فائدة {عليكم} الإشعار بأن ms1735 ما ~~أمسكه من غير إرسال لا يأكله. # السابع: أن أخذ الكلب الصيد وقتله إياه ذكاة شرعية بمنزلة ذبح الحيوان ~~الإنسي، وهذا إجماع ولو لم يقتله الكلب، ولكن تركه، ولم يبق فيه حياة ~~مستقرة أو بقيت ولم يبق زمن يمكن صاحبه لحاقه وذبحه فمات حل لقوله: "فإن ~~أخذ الكلب ذكاته"، قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب إمرار السكين على حلقه ~~ليريحه. # الثامن: الحل فيما إذا جرحه بسهم وغاب عنه، ثم وجده ميتا وليس فيه أثر ~~غير سهمه لقوله: "وإن غاب عنك"، إلى قوله: "فكل # إن شئت"، وهو أحد أقوال الشافعي ومالك في الصيد والسهم، والأصح عند ~~أصحابنا تحريمه. # والثالث: يحرم في الكلب دون السهم. قال النووي (¬2): PageV10P150 # والأول أقوى [وأقرب] (¬1) إلى الأحاديث الصحيحة. # وأما الأحاديث المخالفة له فضعيفة ومحمولة على كراهة التنزيه، وكذا الأثر ~~عن ابن عباس "كل ما أصميت ودع ما أنميت" (¬2)، أي: كل ما لم يغب عنك دون ما غاب. # التاسع: التنبيه على قاعدة عظيمة وهي أنه إذا حصل الشك في الذكاة المبيحة ~~للحيوان لم يحل؛ لأن الأصل تحريمه، وهذا لا خلاف فيه، فإن قوله عليه الصلاة ~~والسلام: "وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها" يدل على ذلك، وفي الصحيح ~~زيادة أخرى على ذلك "وهي فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله", وفي ذلك ~~تنبيه أيضا على أنه لو وجده حيا ومه حياة مستقرة فذكاه حل، ولا يضر في كونه ~~اشترك في إمساكه كلبه وكلب غيره, لأن الاعتماد حينئذ في الإباحة على ما ~~يذكيه الآدمي لا على إمساك الكلب، وإنما تقع الإباحة وإمساك الكلب إذا ~~قتله. PageV10P151 # العاشر: حل لحوم الصيد وغيرها من اللحوم والأطعمة إذا بقيت يوما أو يومين ~~أو ثلاثة، وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي ثعلبة الخشني "فغاب عنك فأدركته ~~فكله ما لم ينتن"، وفي روية له في الذي يدرك صيده بعد ثلاث "فكله ما لم ~~ينتن"، فهذا النهي عن # أكله للمنتن للتنزيه لا للتحريم، وكذا الأطعمة المنتنة يكره أكلها ولا ~~يحرم، إلا أن يخاف منها الضرر خوفا معتمدا، ms1736 وقد أسلفنا في # الحديث السابع من الباب الماضي وفيها تحريم اللحم المنتن، وهو بعيد ضعيف. # الحادي عشر: إذا وجد الصيد غريقا لا يحل، وهو إجماع، لأنه سبب للهلاك، ~~ولا يعلم أنه مات بسب الصيد، وكذلك إذا تردى من جبل لهذه العلة، نعم يسامح ~~في محيط الأرض إذا كان طائرا, لأنه أمر لا بد منه. وقال مالك: إن مات بعدما ~~وقع على الأرض لم يحل. # الثاني عشر: أنه إذا أدرك ذكاته وجب ذبحه ولم يحل إلا بذكاة عملا بقوله ~~"فأدركته حيا فاذبحه" وهذا إجماع، وما نقل عن الحسن البصري والنخعي خلافه ~~فباطل لا يصح عنهما. PageV10P152 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 404/ 3/ 76 - عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه رضي الله عنهم، قال: ~~سمعت رسول الله يقول: "من اقتنى كلبا -إلا كلب صيد أو ماشية- فإنه ينقص من ~~أجره كل يوم قيراطان، قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرث، وكان ~~صاحب حرث" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها. هذا الحديث رواه مسلم باللفظ المذكور، بدون زيادة سالم، ثم رواه ~~[بلفظ] (¬2): "من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو كلب صيد ينقص من عمله كل يوم ~~قيراط. قال عبد الله: وقال أبو هريرة: أو كلب حرث". PageV10P153 # ثم رواه بلفظ: "من اقتني كلبا إلا كلب ضار أو ماشية نقص من عمله كل يوم ~~قيراطان. قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرث وكان صاحب حرث". # ولفظ البخاري في هذا الباب: "من اقتني كلبا إلا كلبا ضاريا لصيد أو كلب ~~ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان". # الوجه [الثاني] (¬1): في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة. # وأما ابنه سالم: فكنيته أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو المنذر ~~حكاه ابن طاهر. مدني تابعي جليل أحد الأئمة الفقهاء بالمدينة، واتفقوا على ~~ثقته وعلمه وصلاحه، وزهده وفضله وورعه، روى عن أبيه وأبي هريرة وغيرهما، ~~وعنه مولى أبيه نافع وابنه أبو بكر بن سالم وغيرهما، وكان أشبه ولد عبد ~~الله به، وكان يخضب بالحناء، ويلبس ms1737 الصوف تواضعا، وكان شديد الأدمة, لأن أمه أم # [ولد] (¬2) ولأبيه فيه [يقول] (¬3): # يلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم # قال مالك: لم يكن أحد في زمانه أشبه منه بمن مضى من الصالحين في الزهد ~~والفضل والعيش، كان يلبس الثوب بدرهمين. # وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث عاليا من الرجال ورع. وقال PageV10P154 # إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أصح الأسانيد كلها [] (¬1) الزهري. عن سالم عن ~~أبيه. مات سنة ست ومائة في عقب ذي الحجة، # وقيل: سنة خمس, وقيل: ثمان وقد شاخ وصلى عليه [(¬2)] هشام [بن] (¬3) عبد ~~الملك في حجته التي حج، ولم يحج في ولايته غيرها. # فائدة: سالم بن عبد الله في الرواة ثمانية، كما أوضحتهم في رجال هذا ~~الكتاب، فسارع إليه. # الوجه الثالث: في ألفاظه: # قوله: "قال سالم وكان أبو هريرة [يقول] (¬4): أو كلب حرث: وكان صاحب حرث. ~~قال: العلماء ليس هذا توهينا لرواية أبي هريرة ولا شكا فيها، [بل] (¬5) ~~معناه. أنه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقته. والعادة أن ~~المبتلى بشيء يتقنه ما # لا يتقنه غيره، ويعرف من أحكامه ما لا يعرفه غيره. وقد ذكر مسلم هذه ~~الزيادة وهي اتخاذه للزرع من رواية جماعة، من الصحابة ابن المغفل وسفيان بن ~~أبي زهير وأبي الحكم واسمه عبد الرحمن بن أبي أنعم البجلي عن ابن عمر فلم ~~يتفرد بها أبو هريرة إذن، ولو # انفرد بها لكانت مقبرلة مرضية مكرمة. PageV10P155 # "والاقتناء" الاتخاذ. # "والقيراط" عبارة عن جزء معلوم عند الرب تعالى. فقيل: ينقص من ماضي عمله ~~وقيل: من مستقبله. حكاه الروياني من الشافعية في "بحره". # قال: واختلفوا في محل نقصان القيراطين، فقيل: قيراط من عمل النهار وآخر ~~من الليل. # وقيل: قيراط من عمل الفرض والآخر من النفل. # وقوله: "نقص من أجره كل يوم قيراطان"، كذا جاء في روايات، وجاء في آخر ~~"قيراط"، وفي الجمع بينهما أوجه. # أحدهما: أن ذلك النوعين من الكلاب أحدها أشد ضررا. # ثانيها: في زمنين فذكر القيراط، ثم زاد التغليظ، فذكر قيراطين. # ثالثها: أن ذلك يختلف باختلاف ms1738 المواضع، فالقيراطان في المدينة خاصة ~~لزيادة فضلها، والقيراط في غيرها. أو الأول في القرى والثاني في البراري. # وظاهر الحديث بل صريحه أن النقصان في الآخرة خاصة، فلا ينبغي [إذن أن ~~يستدل به على أن السيئات تحبط الحسنات، وهو قول خلاف أهل السنة، لا في] ~~(¬1) نفس العمل، فإنه قد وجد واستقر، ويحتمل أن تكون العقوبة بعدم التوفيق ~~للعمل، بمقدار قيراط ما كان PageV10P156 # يعمل من الخير، فيكون النقص من الحمل على حقيقتة، ويلزم من تركه ترك ~~الأجر المرتب عليه. # وسبب النقص عقوبة مقتنيها: إما لارتكابه النهي، وإما لما ييتلي به من ~~[ولوغها] (¬1) في غفلة صاحبها وعدم غسل ما ولغت فيه # بالماء والتراب. # وسبب المنع من اقتناء غير ما ذكرنا فيها من الترويع وإيذاء المار ومجانبة ~~الملائكة لمحلها، وهو شديد لما في مخالطتهم من البركة، ولهذا حذر الشارع من ~~كل حالة يلابسها الشيطان من مكان وزمان وفعل وقول لهذا المعنى. # الوجه الرابع: في أحكامه: # الأول: تحريم [اقتناء الكلب لغير حاجة، وأبعد بعضهم، فاستدل به على ~~الكراهة، إذ ليس من الوعيد المحرم نقص الأجر، حكاه القاضي، وهو غريب ثم ~~(¬2)] الكلاب في أصل الشرع ممنوعة الاقتناء، ولهذا أمر بقتلها أولا كلها، ~~ثم نسخ ذلك، ونهى عن قتلها، إلا الأسود البهيم. ثم استقر الشرع على النهي ~~عن قتل جميع الكلاب، التي لا ضرر فيها، سواء الأسود وغيره. قاله إمام ~~الحرمين من أصحابنا. والإجماع قائم على قتل الكلب العقور. # واختلفوا فيما عداها، فقال القاضي عياض: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ ~~بالحديث في قتلها، إلا ما استثنى من كلب الصيد # وغيره. قال: وهذا مذهب مالك وأصحابه. PageV10P157 # قال: واختلف القائلون بهذا في كلب الصيد ونحوه: هل [هو] (¬1) منسوخ من ~~العموم الأول في الحكم بقتل الكلاب، وأن القتل كان عاما في الجميع أم كان ~~مخصوصا بما سوى ذلك. قال: وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها، ونسخ الأمر ~~بقتلها والنهي # عن اقتنائها إلا الأسود البهيم. قال القاضي: وعندي أن النهي أولا كان ~~عاما عن اقتناء جميعها، وأنه أمر بقتلها، ثم ms1739 نهي عن قتل ما سوى الأسود، ~~ومنع الاقتناء في جميعها، إلا كلب الصيد أو الزرع أو الماشية. وهذا الذي ~~ذكره القاضي هو ظاهر الأحاديث الصحيحة. # وخص حديث ابن المغفل الثابت في الصحيح (¬2) "أمر رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم - بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب ثم رخص في كلب ~~الصيد وكلب الغنم" ما سوى الأسود، فإنه عام، فيخص منه الأسود بالحديث ~~الآخر: "عليكم بالأسود البهيم، ذي النقطتين، فإنه شيطان" (¬3). # الثاني: جواز اقتنائه للصيد والزرع والماشية، وهل يقاس عليها غرض حراسة ~~الدروب ونحوها، فيه وجهان لأصحابنا. # حدهما: لا. يقتصر بالرخصة على ما ورد. # وأصحهما: نعم؛ لأن العلة في الرخصة مقبولة، وهي الحاجة فيتعدى، ولهذا قال ~~العلماء: الرخصة إذا عرفت عمت. وإذا وقعت PageV10P158 # عمت، فعمومها يكون في حكحها ومعناها. قال العجلي (¬1): ومحل الخلاف في ~~حفظ الدروب في غير أهل البوادي وسكان الخيام في الفلوات. فأما هؤلاء فيجوز ~~لهم اقتناؤه حول بيوتهم قطعا، لتحرسهم من الطراق والوحش، وحكاه الروياني في ~~"بحره" عن "الحاوي". # وسئل مالك: عن اتخاذه للحراسة، فقال: لا أرى ذلك، ولا يعجبني، وعلله بعض ~~أصحابه بترويعها لمن ليس بسارق مثلا. # الثالث: جواز اقتناء الجرو المذكررات وتربيته لها، ويكون القصد لذلك ~~قائما مقام وجود المنفعة بها: كبيع ما لا ينتفع به في الحال للانتفاع به ~~مآلا، وهو أصح الوجهين عندنا، لدخوله تحت اسم الكلب، وإن كان مخصوصا باسم ~~الجرو، ثم هذا إذا كان من قبيل المعلم، وإلا فلا. قاله في "التهذيب" (¬2) ~~وأراد -والله أعلم- ما إذا كان من كلاب معلم ذلك وإلا فلا. PageV10P159 # الرابع: استدل المالكية بجواز اتخاذه للأمور المذكورة على طهارته. قالوا: ~~فإن ملابسته مع الاحتراز منه أو عن مس شيء منه شاق. فالإذن في الشيء إذن في ~~مكملاته مقصودة، كما أن المنع من لوازمه مناسب للمنع منه. ولك أن تقول ~~الأذن في الملامسة لا يدل # على الطهارة بدليل ملابسة القصاب ثوبه وثوب المرضع وصاحب السلس مثلا، ~~والضرورة هنا في الملابسة داعية جدا بخلاف تلك. # الخامس: في إطلاق لفظ الكلب ms1740 يشمل الأسود وغيره، وبه قال مالك والشافعي ~~وجمهور العلماء. قالوا: لأنه غير خارج عن جنس الكلاب، ولأنه يغسل من ولوغه كغيره. # وقال أحمد، وأبو بكر الفارسي (¬1): لا يحل صيد الكلب الأسود البهيم، ~~للأمر بقتله، ولأنه شيطان [رجيم] (¬2) وأجاب الجمهور عنه، بحمل الأمر على ~~العقور. # السادس: الحث على تكثير الأعمال والتحذير من تنقيصها والتنبيه على أسباب ~~الزيادة والنقص لتجتنب أو ترتكب لأجل زيادتها. # السابع: بيان لطف الله تعالى بخلقه في ترخيصه لهم ما ينفعم منه لحاجتهم ~~إليه في أموالهم ومواشيهم ومنافعهم. PageV10P160 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 405/ 4/ 76 - عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: كنا مع النبي - صلي الله ~~عليه وسلم - بذي الحليفة من تهامة، فأصاب الناس جوع، فأصابوا إبلا وغنما، ~~وكان النبي - صلي الله عليه وسلم - في أخريات القوم، فعجلوا وذبحوا ونصبوا ~~القدور، فأمر النبي - صلي الله عليه وسلم - بالقدور، فأكفئت ثم قسم، فعدل ~~عشرة من الغنم ببعير، فند منها بعير، فطلبوه، فأعياهم، وكان في خيل يسيرة، ~~فأهوى رجل منهم بسهم، فحبسه [الله تعالى] (¬1)، فقال: "إن لهذه البهائم ~~أوابد كأوابد [الوحش] (¬2)، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا. قال: قلت: يا ~~رسول الله - صلي الله عليه وسلم - إنا لاقوا العدو غدا، وليس معنا مدى، ~~أفنذبح بالقصب؟ قال: ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه, فكلوا ليس [السن] ~~(¬3) والظفر وسأحدثكم عن ذلك. أما السن: فعظم، وأما الظفر: فمدى الحبشة" ~~(¬4). PageV10P161 # الأوابد: التي قد توحشت ونفرت من الإنس. يقال: أبدت بأوبد أبودا. # [الكلام] (¬1) عليه من وجوه: # [أحدها] (¬2): هذه السياقة للبخاري مع تفاوت ألفاظه فيه ذكره في باب ~~التسمية على الذبيحة (¬3)، ومن ترك متعمدا. ولفظه: "فأصبنا" بدل "فأصابوا"، ~~وقال: "إنا لنرجوا -أو نخاف- أن نلقى العدو غدا" بدل ما ذكر. وقال: "فكل" ~~بدل قوله: "فكلوا"، وقال: "سأخبرك عنه"، بدل ما ذكر، وذكره البخاري (¬4) ~~مختصرا في عدة PageV10P162 # مواضع من هذا الباب، وذكره سلم بألفاظ نحوها. # ثانيها: في التعريف براويه، وقد سلف عن آخر باب ما نهى عنه من البيوع، ~~فراجعه. # ثالثها: في التعريف بالأماكن الواقعة فيه: # "ذو الحليفة" ms1741 هذه مكان من تهامة بين جادة وذات عرق، وليست المهل الذي ~~[بقرب] (¬1) المدينة، كذا نص عليه العلماء منهم الحازمي في "المؤتلف ~~والمختلف" (¬2) في أسماء الأماكن لكنه قال: الحليفة من غير لفظة "ذي" والذي ~~في الصحيحين إثباتها، فكأنه يقال بالوجهين. # "وتهامة" بكسر التاء اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، سميت بذلك من ~~التهم، وهو شدة الحر وركود الريح، قاله ابن فارس (¬3)، وقال صاحب "المطالع" ~~لتغير هوائها، PageV10P163 # رابعها: في ألفاظه ولغاته ومعانيه: # "الإبل" يكسر وتسكن للتخفيف ولا واحد لها من لفظها. # "والغنم": اسم جنس "وأخريات القوم" أواخرهم. # "وأكفيت" قلبت وأريق ما فيها. # واختلف في سبب الأمر بإكفاء القدور، فالصواب: لأنهم كانوا قد انتهوا إلى ~~دار الإسلام، والمحل الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتركة، فإن ~~الأكل من الغنائم قبل القسمة إنما يباح في دار الحرب، وأبعد المهلب بن أبي ~~صفرة، فقال: إن ذلك عقوبة لهم لاستعجالهم في السير وتركهم الشارع في أخريات ~~القوم، متعرضا لمن يقصده من عدو ونحوه. # قال القاضي (¬1): وقد يكون لأنهم انتهبوها, ولم يأخذوها باعتدال وعلى قدر ~~الحاجة، ولذلك شرك فيها ووقع في غير مسلم فانتهبناها فأمرهم عليه الصلاة ~~والسلام بإكفاء القدور وما فيها. وقال: "لا تحل النهبة" (¬2). قال النووي ~~في "شرح مسلم" (¬3)، واعلم أن المأمور به من إراقة القدور إنما هو إتلاف ~~لنفس المرق عقوبة لهم. # وأما اللحم: فلم يتلفوه بل يحمل على أنه جمع، ورد إلى المغنم، ولا يظن ~~أنه عليه الصلاة والسلام أمر بإتلافه, لأنه مال للغانمين، وقد نهى عن إضاعة ~~المال مع أن الجناية بطبخه لم تقع من جميع مستحقي الغنيمة، إذ من جملتهم ~~أصحاب الخمس، ومن PageV10P164 # الغانمين من لم يطبخ. ثم قال: فإن قيل: فلم ينقل أنهم حملوه إلى المغنم. ~~قلنا: ولم ينقل أيضا أنهم أحرقوه وأتلفوه وإذا لم يأت فيه نقل صريح، وجب ~~تأويله على وفق القواعد الشرعية، وهو ما ذكرناه. وهذا بخلاف إكفاء لحم ~~الحمر الأهلية يوم خيبر، فإنه أتلف ما فيها من لحم ومرق؛ لأنها صارت ms1742 نجسة. ~~ولهذا قال عليه الصلاة والسلام فيها: "إنها رجس"، أو "نجس"، وأما هذه ~~اللحوم فكانت طاهرة منتفعا بها بلا شك فلا يظن إتلافها هذا آخر كلامه. # وفي "سنن أبي داود" بإسناد جيد من حديث عاصم بن كليب، وهو من رجال مسلم ~~عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: أصاب الناس حاجة شديدة وجهد، فأصابوا غنما ~~فانتهبوها، وإن قدورنا لتغلي بها، إذ جاء رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ~~على فرسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب، ثم قال: "إن ~~النهبة ليست بأحل من الميتة"، وإن "الميتة ليست بأحل من النهبة" شك هناد ~~أحد رواته. وهذا هو الحديث الذي أشار إليه القاضي عياض فيما تقدم، وهو صريح ~~في إلقاء اللحم خلاف ما ذكره النووي، وقد يجيب بأنه لا يلزم من ترميله ~~إتلافه لإمكان تداركه بالغسل، لكن فيه بعد، وإنما أمر عليه الصلاة والسلام ~~بذلك؛ لأنه أبلغ في الزجر، ولو ردها إلى المغنم لم يكن فيه كبير زجر إذ ما ~~ينوب الواحد منهم نزر يسير فكان إفسادها عليهم مع تعلق قلوبهم وشهواتهم بها ~~أبلغ في الزجر. # ومعنى "ند" هرب وشرد نافرا، وهو بفتح النون وتشديد الدال. # و"الأوابد" النفور والتوحش كما فسره المصنف، وهو جمع PageV10P165 # آبده بالمد وكسر الباء المخففة، يقال: فيه أبدت بفتح الباء يآبد بضمها ~~وتأبد بكسرها أبودا وتأبدت، أي: يهرب من الإنس وتوحشت. ويقال: جاء فلان ~~بآبدة، أي: بكلم غريبة أو بخصلة منفرة للنفوس عنها الكلمة لازمة إلا أن ~~يجعل فاعله بمعنى مفعوله. # و"المدى" بضم الميم جمع مدية بضم الميم [(¬1)] وكسرها وفتحها ساكنة ~~الدال، وهي السكين, لأنها تقطع مدى حياة الحيوان. # وقوله "أفنذبح بالقصب" جاء في رواية أخرى في الصحيح: "أفنذكى بالليط"، ~~وهو باللام المكسورة ثم مثناة تحت ثم طاء مهملة، وهي قشور القصب "وليط" كل ~~شيء قشوره والواحدة ليطة وهي معنى "أفنذبح بالقصب" على تقدير حذف مضاف. ~~وادعى النووي في "شرح مسلم" (¬2) والقرطبي (¬3) إن في رواية أبي داود وغيره ~~"أفنذبح بالمروة"؟ ولم أر ذلك في "سننه" (¬4) هنا. ms1743 نعم أدخله في باب الذبح ~~بها. قال: وهذه الروايات محمولة على أنهم قالوا هذا وهذا. فأجابهم عليه ~~الصلاة والسلام بجواب جامع لما سألوه كله ولغيره نفيا وإثباتا. فقال: "ما ~~أنهر الدم" إلى آخره. # وقوله: "أنهر" معناه أسال وصب بكثرة وهو مشبه بجري الماء في النهر. يقال: ~~نص الدم وأنهرته. قال القاضي عياض: وذكره الخشني PageV10P166 # بالزاي "والنهز" بمعنى [الدفع] (¬1) وهو غريب "وما" موصولة في موضع رفع ~~بالابتداء وخبرها "فكلوا" (¬2)، ودخلت الفاء في الخبر هنا كما دخلت في قوله ~~تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} (¬3). # [وقوله: "ليس السنن والظفر" هما منصوبان بالاستثناء بليس ويجوز الرفع على ~~أن يكون اسم "ليس" و"الخبر" محذوفا تقديره: ليس السنن والظفر وذكه، قال ابن ~~القطان في "علله". وقع شك في إدراج "أما السن فعظم" إلى آخره ثم بين ذلك ~~واضحا] (¬4)، وقوله: "أما السنن فعظم"، قال ابن الصلاح: في "مشكل الوسيط" ~~في ذلك دلالة واضحة على أنه كان متقرر كون الذكاة لا تحصل بالعظام قال: لم ~~أجد بعد البحث أحدا ذكر لذلك معنى يعقل. قال: كأنه عندهم تعبدي، وكذا نقل ~~عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال للشرع علل تعبد بها، كما أن له ~~أحكاما تعبد بها. يشير إلى أن هذا من ذاك، وقال النووي في "شرحه [لمسلم] ~~(¬5) " (¬6) معنى الحديث: PageV10P167 # لا تذبحوا بالعظام لأنها تنجس بالدم وقد نهيتهم عن تنجيس العظام في ~~الاستنجاء، لكونها زاد إخوانكم من الجن، وهو طاهر. وفي "مشكل الصحيحين" ~~(¬1) لابن الجوزي أن اجتاب الذبح بالعظم كان معهودا عند العرب، أي: فأشار ~~عليه الصلاة والسلام بذلك إليه. # وقوله: "وأما الظفر فمدى الحبشة": معناه أنهم كفار وقد نهيتم عن التشبه ~~بهم. قاله ابن الصلاح (¬2) ثم النووي (¬3). # وقال بعضهم: نهى عن السنن والظفر, لأنه تعذيب وخنق ليس على صورة الذبح. # والحبشة، والحبش. جنس من السودان. والجمع الحبشان مثل حمل وحملان. # الوجه الخامس: في بيان المبهم الواقع فيه. وهو قوله: فأهوى [رجل] (¬4) ~~منهم بسهم وقد تطلبته في مظانه فلم أعثر عليه. # الوجه السادس: في [بيان] ms1744 (¬5) أحكامه:. # الأول: تحريم التصرف في الأموال المشتركة كالغنيمة وغيرها من غير إذن ~~أربابها، وإن قلت ووقع الاحتياج إليها. PageV10P168 # الثاني: بيان مرتبة. الصحابة وما كانوا عليه من الرجوع إلى الشارع، ~~وتعبدهم بأمره، وقبوله في كل حالة حتى في ترك مصالحهم، تقربا إلى الله تعالى. # الثالث: أن للإمام عقوبة الرعية بما فيه مضرتهم من إتلاف صنفعة ونحوها، ~~إذا كان فيه مصلحة شرعية. # الرابع: أن قسمة الغنيمة لا يشترط فيها قسمة كل نوع على حده. # الخامس: مقابلة كل عشرة من الغنم ببعير، في قسمة الغنيمة وغيرها، تعديلا ~~بالقيمة، فإن هذا الحديث محمول على أن هذه كانت قيمة هذه الغنم والإبل، ~~فكانت الإبل نفيسة دون الغنم بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه، ولا يكون هذا ~~مخالفا لقاعدة الشرع في # الأضاحي، في إقامة البعير مقام سبع شياه, لأن هذا هو الغالب في قيمة ~~الشياه والإبل المعتدلة. وأما هذه القسمة فكانت قصة عين اتفق فيها ما ~~ذكرناه عن نفاسة الإبل دون الغنم. # قلت: لكن في "سنن ابن ماجه" و"جامع الترمذي" من حديث ابن عباس كنا مع ~~النبي - صلي الله عليه وسلم - في سفر، فحضر الأضحى [فاشتركنا] (¬1) في ~~البقر سبعة، وفي البدنة عشرة" حسنه الترمذي وصححه ابن حبان (¬2) PageV10P169 # لكن لفظه "سبعة أو عشرة". ثم قال (¬1): وفي حديث رافع ابن خديج يعني ~~حديثنا هذا كان عليه الصلاة والسلام يعدل في قسم الغنائم عشرا من الشياه ~~ببعير، دليل على أن البدنة تقوم عن عشرة إذا ذبحت. # قلت: كأنه أخذ بظاهره ولم يؤوله كما أسلفناه، لكن حديث ابن عباس يقويه. # نعم يعارضه حديث جابر الثابت في مسلم: "أمرنا رسول الله - صلي الله عليه ~~وسلم - أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" (¬2) ووقع في "شرح ~~التنبيه" لابن يونس (¬3) أن أبا إسحاق المروزي قال: إن البدنة تجزئ عن ~~عشرة. والظاهر أنه أخطأ في هذه PageV10P170 # [الحكاية] (¬1) [فإن] (¬2) الذي في "تعليق" القاضي حسين أن ذلك قول ~~إسحاق، وأنه روى خبرا أن أصحاب الحديبية كانوا سبعمائة فنحروا سبعين بدنة، ~~وهذا لا يثبته ms1745 أهل الحديث. # ووقع في "شرح هذا الكتاب" للصعبي بخطه عزو هذه المقالة إلى الشيخ أبي ~~إسحق والمتبادر من هذا الإطلاق هو الشيرازي لا المروزي فهذا وهم آخر. # السادس: أن ما توحش من المستأنس يكون حكمه حكم الوحشي، كما أن ما يأنس من ~~الوحشي حكم المستأنس. # السابع: جواز الذبح بكل ما يحصل به المقصود من غير توقف على كونه حديدا ~~بعد أن يكون محددا إلا ما يسثنى فيشمل السيف والسكين والسنان والحجر والخشب ~~والزجاج والخزف والنحاس. # [الثامن] (¬3): اشتراط التسمية, لأنه علق الإذن بمجموع أمرين: إنهار الدم ~~والتسمية، والمعلق على سببين ينتفى بانتفاء أحدهما. # [التاسع] (¬4): جواز عقر الحيوان الناد إذا عجز عن ذبحه ونحره. قال ~~أصحابنا وغيرهم: الحيوان المأكول الذي PageV10P171 # لا تحل ميتته ضربان، مقدور على ذبحه ومتوحش. فالأول لا يحل إلا بالذبح في ~~الحلق واللبة، وهذا مجمع عليه، وسواء فيه الإنسي والوحشي إذا قدر على ذبحه ~~بأن أمسك الصيد أو كان متأنسا. # أما الثاني: كالصيود والناد من الإنسي فجميع أجزائها تذبح ما دامت ~~متوحشة، فإذا رماها بسهم أو أرسل عليها جارحة فأصاب شيئا # منها وماتت حلت بالإجماع. # وأما إذا توحش إنسي: بأن ند بعير أو بقرة أو فرس أو شردت شاة أو غيرها ~~فهو كالصيد فيحل بالرمي إلى غير مذبحه وبإرسال الكلب وغيره من الجوارح ~~عليه، وكذا لو تردى منها شيء في بئر، ولم يمكن قطع حلقومه ومريئه، فهو ~~كالناد في حله بالرمي. # وفي حله بإرسال الكلب وجهان. # أصحهما: المنع. قال أصحابنا وليس المراد بالتوحش مجرد الإفلات، بل متى ~~تيسر لحوقه بعدو أو استعانة بمن يمسكه أو نحو # ذلك فليس متوحشا، ولا يحل حينئذ إلا بالذبح في المذبح، وإن تحقق العجز في ~~الحال جاز رميه، ولا يكلف الصبر إلى القدرة عليه، وسواء كانت الجراحة في ~~فخذه أو خاصرته أو أي موضع كان من بدنه. # وممن قال بجواز عقر الناد: علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، ~~وطاووس، وعطاء، والشعبي، والحسن البصري، PageV10P172 # والأسود بن يزيد، والحكم، وحماد، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، ms1746 ~~وإسحاق، وأبو ثور، والمزني، وداود، والجمهور. # وقال سعيد بن المسيب، وربيعة، والليث، ومالك: لا يحل إلا بذكاته في حلقه ~~كغيره، وحديث رافع حجة عليهم (¬1). # وقال الفاكهي، والقرطبي (¬2): قبله يحتمل أن يكون المراد: فاصنعوا به ~~هكذا. أي: ليمسك، ثم هو باق على أصله لا يؤكل إلا بتذكية كغيره. # قلت: يرده ما رواه الحميدي (¬3) بعد قوله: "فاصنعوا به [ذلك] (¬4) ~~وكلوه". # [العاشر] (¬5): جواز ذبح المنحور ونحر المذبوح، وقد منعه داود، وعن مالك ~~ثلاث روايات: يكره، يحرم، يجوز ذبح المنحور دون عكسه. وأجمع العلماء على أن ~~السنة في الإبل النحر وفي الغنم الذبح والبقر كالغنم عندنا وعند الجمهور. ~~وقيل: يتخير بين ذبحها ونحرها. # العاشر: التنبيه على أن تحريم الميتة إنما هو لبقاء دمها. قال PageV10P173 # بعض العلماء: الحكمة في اشتراط الذبح وإنهار الدم تمييز حلال اللحم ~~والشحم من حرامها، وتنبيه على أن تحريم الميتة لبقاء # دمها. # الحادي عشر: التصريح بمنع الذبح بالسن والظفر مطلقا، سواء ظفر الآدمي ~~وغيره متصلا كان أو منفصلا، طاهرا كان أو نجسا، وبهذا قال جمهور العلماء ~~وفقهاء الحديث، منهم الشافعي وأصحابه وأحمد، وهو قول النخعي والحسن بن صالح ~~والليث وإسحاق وأبي ثور وداود. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسن ~~والعظم المتصلين، ويجوز بالمنفصلين، وإليه يميل كلام الشيخ تقي الدين فإنه ~~قال في "الشرح" (¬1) فيه دليل على منع الذبح بالسن والظفر وهو محمول على ~~المتصلين ثم قال: واستدل به قوم على منع الذبح بالعظم مطلقا، لقوله: "أما ~~السن [فعظم] (¬2) علل منع الذبح بالسن، [لأنه] (¬3) عظم، والحكم يعم بعموم علته. # وعن مالك روايات أشهرها. جوازه بالعظم دون السنن كيفما كانا. # والثانية. كمذهب الجمهور. # والثالثة: كمذهب أبي حنيفة. # والرابعة: حكاها عنه ابن المنذر يجوز بكل شيء حتى بهما. PageV10P174 # وعن ابن جريح جواز الذكاة بعظم الحمار دون القرد، وكل هذا منابذ للسنة. # واعلم أن الذكاة في المقدور عليه لا تحصل إلا بقطع الحلقوم والمريء ~~بكمالهما، ويستحب قطع الودجين، ولا يشترط. وهذا أصح الروايتين عن أحمد. # قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه إذا قطع ms1747 الحلقوم والمريء والودجين، ~~وأسأل الدم حصلت الذكاة. # قال: واختلفوا في بعض هذا. # فقال الشافعي: يشترط قطع الحلقوم والمريء، ويستحب الودجان. # وقال الليث، وأبو ثور، وأبو داود، وابن المنذر: يشترط الجميع. # وقال أبو حنيفة: إذا قطع ثلاثة من هذه الأربعة أجزأه. # وقال مالك: يجب قطع الحلقوم والودجين، ولا يشترط المريء، وهذه رواية عن ~~الليث أيضا. # وعن مالك: رواية أنه يكفي قطع الودجين. # وعنه اشتراط قطع الأربعة، كما قال الليث وأبو ثور. # وعن أبي يوسف ثلاث روايات: # إحداها: كأبي حنيفة. PageV10P175 # وثانيها: إن قطع الحلقوم واثنين من الثلاثة الباقية حلت، وإلا فلا. # وثالثها: يشترط قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. # وقال محمد بن الحسن: إن قطع من كل واحد من الأربعة أكثره حل، وإلا فلا. # [الثالث عشر] (¬1): [التصريح بأنه يشترط في الذكاة ما يقطع ويجري الدم، ~~ولا يكفي رضها ودفعها بما لا يجري الدم] (¬2). # [الرابع عشر] (¬3): دفع أعظم المفسدتين بأخفها كما أسلفناه. # [الخامس عشر] (¬4): استدل له مالك على القول لسد الذرائع، لأنه إنما أكفأ ~~القدور، لما يخشى من المسارعة إلى مثل ذلك في جميع الغنيمة. # تنبيهات: # أحدها: قال القاضي (¬5): لم يذكر في هذه القسمة قرعة، ولا خلاف أن ما ~~اختلفت أجناسه ولم يدخله قرعة؛ أنه يجوز فيه التفاضل # والتساوي في القسمة؛ لأنها مراضاة، ولا تجوز القرعة إلا في التساوي ~~واتحاد الجنس، وقد أسلفنا فيما مضى تأويل هذه القسمة. PageV10P176 # ثانيها. قال أيضا عن القاضي في تعديل النبي - صلي الله عليه وسلم - ~~البعير بعشرة من الغنم حجة لجمع بهيمة الأنعام كلها في القسمة. قال: وقد ~~اختلف المذهب عندنا في ذلك والأظهر والأكثر جوازه. # ثالثها: قال أيضا: فيه حجة لتعويض البعير بعشرة من الغنم في الهدايا. ~~والمعروف في باب الهدايا إنما بسبع لا عشر، فمن قال بظاهر هذا الحديث قال: ~~إذا فقدت البدنة في الهدي ينتقل إلى صوم سبعين يوما عشرة عن كل شاه، ويخير ~~بين الصوم وبين إطعام سبعين مسكينا. وعند المالكية في ذلك قولان، وقد سلف ~~الجواب عن هذا الحديث. # رابعها: استنبط منه بعضهم سوق ms1748 الإمام رعيته حفظا لهم وحياطة عليهم من عدو ~~يكون وراءهم ونحو ذلك. وكذا قيل إنه كان يفعل ذلك في الحضر أيضا، وهذا ~~بخلاف ما يفعله بعض من يدعي المشيخة من الجهال، وربما ركب وأصحابه مشاة ~~زهوا وتكبرا. # [سادسها] (¬1): يستنبط منه أيضا أن الغنيمة لا تملك إلا بعد قسمها ~~وتخميسها على الوجه الشرعي. # سابعها: استنبط منه بعضهم أن للإمام أن يبيع مال المغنم ويقسم ثمنه من ~~حيث إنه اعتبر فيه القيمة، وهي أعم أن يكون ثمنا أو غيره. وقد قال بعضهم: ~~إن المسألة ليست منقوله عند الشافعية، ثم حكى عن الظهير (¬2) التزمنتي، ~~والجمال PageV10P177 # يحيى (¬1) التصريح بجواز ذلك، وسيأتي في الحديث التاسع (¬2) حكاية ثلاثة ~~أقوال عند المالكية في ذلك. # [ثامنها: أن المفتي يذكر دليل الحكم في فتواه] (¬3). PageV10P178 ### || AUTO 77 - باب الأضاحي # هو "واضحي" جمع "أضحيه" بضم الهمزة وكسرها وتشديد الياء وتخفيفها، ويقال: ~~"ضحية" بفتح الضاد وكسرها، وجمعها "ضحايا"، وتجمع أيضا على "أضحاة" بكسر ~~الهمزة وفتحها. # وسميت الضحية: باسم زمن فعلها أو من الضحى الموضع الذي تذبح فيه على قولين. # وذكر في الباب حديثا واحدا لأنه ذكر بعض أحكامه في باب العيدين، وهو: # 406/ 1/ 77 - حديث أنس مالك رضي الله عنه قال: "ضحى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر ووضع رجله على ~~صفاحهما" (¬1). # والأملح: الأغبر وهو الذي فيه سواد وبياض. PageV10P179 # والكلام عليه من وجوه: # أحدها: اختلف في تفسير "الأملح" على عبارات: # إحداها: ما ذكر المصنف، وهو قول الكسائي وأبي زيد وأبي عبيدة، إلا أنهم ~~زادوا فيه: والبياض أكثر (¬1)، وزاد المصنف فيه "الأغبر". # ثانيها: أنه الأبيض الخالص البياض، قاله ابن الأعرابي (¬2) وغيره، وبه ~~جزم الشيخ تقي الدين (¬3) فقال: والأملح الأبيض، والملحة البياض. # ثالثها: أنه الأبيض ويشوبه شيء من السواد، قاله الأصمعي (¬4)، وهذا معنى ~~الغبرة في كلام المصنف. # رابعها: أنه الذي تعلوه حمرة، قاله بعضهم [ورأيت من يصوبه، وأنه المعروف ~~عند العرب اليوم] (¬5). # خامسها: إنه الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات سود، قاله الخطابي (¬6). # سادسها: أنه المتغير الشعر بياض وسواد، ms1749 قاله الداوودي، PageV10P180 # واقتصر الجوهري في "صحاحه" (¬1) عليه فقال: الملحة من الألوان: بياض ~~يخالطه سواد، يقال: كبش (أملح) وتيس (أملح) إذا كان شعره خليسا. # سابعها: نقله الماوردي (¬2) عن عائشة، أنه الذي يأكل في سواد، وينظر في ~~سواد، ويمشي في سواد، ويبرك في سواء، يعني أن مواضع هذه من بدنه سواد، ~~وباقيه بياض. # الوجه الثاني: في قصد أضحيته بالأملح وجهان، حكاهما الماوردي (¬3) ~~والرافعي: # أحدهما: لحسن منظره. وثانيهما: لشحمه وطيب لحمه, لأنه نوع [يتميز] (¬4) ~~عن جنسه. # الوجه الثالث: قوله (أقرنين)، أي: لكل واحد منهما قرنان حسنان. # وقوله: "ووضع رجله على صفاحهما", أي: صفحة العنق وهو جانبه، وفعل هذا ~~ليكون أثبت له وأملكه، لئلا تضطرب الذبيحة برأسها، فيمنعه من إكمال ذبحها ~~أو تؤذيه، وورد النهي في بعض الأحاديث (¬5) عن هذه لن لا تقاوم هذا. PageV10P181 # الوجه الرابع: في أحكامه: # الأول: شرعية الأضحية، ولا خلاف أنها من شرائع الدين، وهي سنة مؤكدة على ~~الكفاية وهو مذهب الشافعي وأصحابه، وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو ~~حنيفة: هي واجبة على المقيمين من أهل الأمصار. ويعتبر في وجوبها النصاب، ~~وهو قول مالك والثوري، ولم يعتبر مالك الإقامة، واستثنى الحاج بمنى (¬1). # الثاني: تقديم الغنم في الأضاحي على الإبل، بخلاف الهدايا، فإن الإبل ~~فيها مقدمة، وهو قول المالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، قدموا # الإبل عليها، وقد يستدل المالكية باختيار النبي - صلي الله عليه وسلم - ~~الغنم وباختياره تعالى في [فداء] (¬4) الذبيح (¬5). PageV10P182 # الثالث: استجاب تعداد الأضحية، فإنه عليه الصلاة والسلام ضحى بكبشين حتى ~~قال أصحابنا: سبع شياه أفضل من بعير, لأن الدم المراق أكثر، والقربة تزيد بحسبه. # الرابع: استحباب الأضحية بالأقرن، وقام الإجماع على جوازها بالأجم، الذي ~~لم يخلق له قرنان. واختلفوا في مكسور القرن، فجوزه الشافعي وأبو حنيفة ~~والجمهور، سواء يدمي أم لا، وكرهه مالك إذا كان يدمي، وجعله عيبا (¬1). # الخامس: استحباب أحسنها وأكملها واختيار ذلك لها، وهو مجمع عليه وعلى عدم ~~إجزاء المعيبة منها بالعيوب الأربعة الثابتة في الحديث الصحيح (¬2) في ~~السنن الأربعة من حديث البراء رضي الله عنه، وهي "المرض والعجف ms1750 والعور ~~والعرج البين" وكذا ما كان في معناها (¬3). PageV10P183 # السادس: استحباب استحسان لون الأضحية، وهو مجمع عليه، وقد قال صاحب ~~"المهذب" (¬1) والرافعي من أصحابنا: أفضلها البيضاء ثم [العفراء] (¬2) وهي ~~التي لا يصفو بياضها ثم السوداء، وفي "صحيح الحاكم" (¬3) من حديث أبي هريرة ~~رفعه "دم عفراء أحب إلى الله تعالى من دم سوداوين"، ورأي الإمام أن أفضلية ~~البياض تعبدا، ومنهم من ادعى أنها أحسن منظر أو أطيب لحما. وأبدل صاحب ~~"التنبيه" العفراء بالصفراء، وأدخل ابن الصباغ بين العفراء والسوداء ~~البلقاء، وكذا النووي في "شرح المهذب" (¬4) PageV10P184 # زاد الماوردي (¬1): الحمراء بين الصفراء والبلقاء. قال: إلا أن لحم ~~السوداء أطيب. قال: وحكى ابن قتيبة أن مداومة أكل [لحوم] (¬2) [السود] (¬3) ~~يحدث موت الفجأة، قال الماوردي: فإن اجتمع حسن المنظر مع طيب اللحم فهو ~~أفضل، وإن افترقا كان طيب المخبر، [أحسن] (¬4) من حسن النظر. # ونقل النووي في "شرح مسلم" (¬5) عن الأصحاب ذكر الصفراء بين البيضاء ~~والغبراء، وبعد الغبراء البلقاء ثم السوداء. # السابع: استحباب تولي الإنسان ذبح أضحيته بنفسه، ولا يوكل فيها إلا لتعذر ~~وحينئذ يستحب أن يشهد ذبحها، وإن استناب فيها مسلما جاز، وإن استناب كتابيا ~~كره كراهة تنزيه، وأجزأه، ووقعت الضحية عن الموكل. وبهذا قال الشافعي ~~والعلماء كافة إلا مالكا في إحدى الروايتين عنه، فإنه لم يجوزها، ويجوز أن ~~يستنيب صبيا وامرأة حائضا، لكن يكره توكيل الصبي لا الحائض على الأصح من ~~رواية "الروضة" (¬6) , لأنه لم يصح فيه نهي، والأولى أن يوكل مسلما فقيها ~~بباب الذبائح والضحايا, لأنه أعرف بشروطها وسننها، والحائض أولى من الصبي، ~~والصبي أولى من الكتابي. PageV10P185 # الثامن: شرعية التسمية عليها وعلى سائر الذبائح، وهو إجماع لكن هل هذه ~~المشروعية على وجه الاشتراط أو الاستحباب؟ فيه # خلاف سلف في الباب قبله. # التاسع: استحباب التكبير مع التسمية عند الذبح, فيقول: باسم الله، والله أكبر. # العاشر: استحباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن، واتفقوا على أن ~~اضجاعها [يكون] (¬1) على جانبها الأيسر، # وإذا كان كذلك كان وضع الرجل على الجانب الأيمن؛ قالوا: لأنه أسهل على ~~الذابح ms1751 في أخذ السكين وإمساك رأسها باليسار. PageV10P186 # باب الأشربة PageV10P187 ### || AUTO 78 - باب الأشربة # ذكر فيه -رحمه الله- ثلاثة أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 407/ 1/ 78 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر قال على منبر ~~رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "أما بعد، أيها الناس، إنه نزل تحريم ~~الخمر وهي من خمسة من [العنب] (¬1) والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، ~~والخمر: ما خامر العقل ثلاث، وددت أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - كان ~~عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد, والكلالة، وأبواب من أبواب الربا" ~~(¬2). PageV10P189 # الكلام عليه من وجوه: # احدها: في التعريف براويه، وقد سلف أول الكتاب، وولده سلف في باب ~~الاستطابة، وهذا الحديث ذكره البخاري هنا، ومسلم في آخر صحيحه في التفسير. # الثاني في ألفاظه: "المنبر" سلف الكلام عليه في باب الجمعة. و"أما بعد" ~~سلف الكلام عليه في الخطبة. # وقوله: "أيها الناس" الأصل: يا أيها الناس، فحذف حرف النداء، وهو أحد ~~المواضع التي يجوز فيها حذف حرف النداء، والنعت هنا نعت لا يستغني عنه، وهو ~~أيضا أحد المواضع التي يلزم فيها النعت وجوبا. # وقوله: "إنه نزل تحريم الخمر" يريد والله أعلم قوله تعالى: {إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب ...} (¬1) الآية، وقوله: {إنما يريد الشيطان أن يوقع ...} ~~(¬2) الآية، والإجماع قائم الآن على تحريم الخمر العنبي والني وكانت تشرب ~~في أول الإسلام، لكن هل هو لاستصحاب حكمها في الجاهلية، أم لشرع ورد في ~~إباحتها؟ فيها وجهان: رجح الماوردي (¬3) الأول ووجه الثاني، قوله تعالى: ~~{تتخذون منه سكرا} (¬4)، أي: ما يسكر، قاله ابن عباس (¬5) وغيره. PageV10P190 # ثم حرمت في آيات: {يسألونك عن الخمر} (¬1)، {لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى} (¬2)، {إنما الخمر} (¬3)، {قل إنما حرم ربي} (¬4)، إلى قوله: {بطن}. # ووقع التحريم بالأولى (¬5) عند الحسن البصري وبالثالثة عند الأكثرين، ~~ولما قدم الدارميون من تخمر في ربيع الأول سنة سبع من الهجرة وكانوا عشرة ~~أنفس. هانئ بن حبيب، الفاكة بن النعمان، وجبلة بن مالك، وأبو هند بن برة ~~وأخوه الطيب بن برة، وتميم بن أوس، ونعيم بن أوس، وزيد بن قيس، وعروة ms1752 بن ~~مالك وأخوه مرة بن مالك. أهدوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راوية ~~خمر، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله قد حرم الخمر"، فسألوه عن بيعها، ~~فقال: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها". # وبسبب نزول الآية الأولى من الآيات الأربعة فيما ذكره المفسرون أن عمر بن ~~الخطاب ومعاذ بن جبل وجماعة من الأنصار سالوا رسول الله - صلي الله عليه ~~وسلم -، وقالوا أفتنا في الخمر والميسر، فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، ~~فنزلت الآية فتركها قوم للإثم، وشربها قوم لقوله: {ومنافع} إلى أن صنع عبد ~~الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، ~~وآتاهم بخمر، فشربوا، وسكروا، PageV10P191 # فحضرت صلاة المغرب، فقدموا بعضهم ليصلي بهم فقرأ: "قل يا أيها الكافرون، ~~أعبد ما تعبدون" هكذا إلى آخر السورة بحذف "لا" فأنزل الله الآية الثانية ~~السالفة، فحرمت في أوقات الصلاة، فتركها قوم، وقالوا: لا خير في شيء يحول ~~بيننا وبين الصلاة. وتركها قوم في أوقات الصلاة، وشربوها في غير حين الصلاة ~~حتى كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال منه السكر، ويشرب بعد ~~الصبح فيصحوا إذا جاء الظهر. واتخذ غسان بن مالك طعاما ودعا رجالا من ~~المسلمين منهم سعد بن أبي وقاص، وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه، ~~وشربوا حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند ذلك، وانتسبوا، وتناشدوا ~~الأشعار, وأنشد سعد قصيدة فيها هجاء الأنصار وفخر لقومه، فأخذ رجل من ~~الأنصار لحي البعير فضرب به رأس سعد فشجع فرضخه. # فانطلق به سعد إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فشكا إليه ~~الأنصاري، فقال عمر: اللهم بين لنا رأيك في الخمر بيانا شافيا. فأنزل الله ~~الآية الثالثة السالفة، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام. والأحزاب سنة أربع. ~~وقيل: خمس فقال: عمر انتهينا يا رب (¬1). # قال أنس: حرمت ولم يكن للعرب عيش أعجب منها، وما حرم عليهم شيء أشد منها. # وقال ابن دحية في كتابه "وهج الخمر في تحريم الخمر" كان تحريمها في السنة ~~الثالثة ms1753 بعد أحد، وفي هذه الآية أعني -الثالثة - PageV10P192 # عشرة أدلة على التحريم منها. وصفها بأنها "رجس من عمل الشيطان" (¬1) ~~الرجس المحرم بدليل قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي}، إلى قوله: ~~{فإنه رجس} (¬2). # وضمها إلى الميسر والأنصاب والأزلام (¬3). # ورجا الفلاح (¬4): باجتنابها وإرادة الشيطان إيقاع العداوة بين PageV10P193 # المؤمنين بسببها. وإرادة إيقاع البغضاء بها (¬1). وصدها عن ذكر الله، وعن ~~الصلاة (¬2) وكونها من عمل الشيطان (¬3) وإرادة الشيطان لما يترتب عليها، ~~ومجرده يقتضي تحريمها واستفهام الانتهاء عنها بهل (¬4)، وهو يقتضي البلاغة ~~في النهي واللطف في طلب النهي، ويتضمن ذلك فضل الباري علينا في جميع ~~الوجوه، وهذا إبلاغ في الوعيد ونهاية في التهديد. فتحريمها الآن معلوم من ~~الدين بالضرورة، ومن أحلها كفر بإجماع. # وقوله: "وهي من خمسة": الظاهر أن هذه الواو عاطفة للجملة على التي قبلها، ~~والمعنى على أنه أخبر أن الخمر يكون لنا من خمسة أشياء، ويجوز أن تكون ~~"واو" الحال والمعنى نزل تحريم الخمر في حال كونها تعمل من خمسة أشياء، فلا ~~يقتصر عليها، بل غيرها مما PageV10P194 # في معناها ملحق به، ولهذا قال بعد: والخمر ما خامر العقل، وقال ذلك في ~~خطبته بمشهد من الصحابة وغيرهم، وأقروه ولم ينكروا # عليه، فصار إجماعا. # وقوله: "والخمر ما خامر العقل"، أي: غطاه، وهو مجاز تشبيه من باب تشبيه ~~المعنى بالمحسوس. # و"العقل" هو آلة التمييز، فلذلك حرم ما خامره؛ لأن به يزول الإدراك الذي ~~طلبه الله تعالى من عباده، ليقوموا بحقوقه. # وقوله: "عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه". # إنما رد ذلك لأنه أبعد عن محذور الاجتهاد، وهو الخطأ على تقدير وقوعه، ~~وإن كان مأجورا عليه أجرا واحد بخلاف النص، فإنه # إصابة محضة. # وقوله: "الجد" يريد ميراثه، وقد كان للسلف فيه خلاف كثير، ومذهب الصديق ~~أنه كالأب عند عدمه. وقال عمر: قضيت في الجد بسبعين قضية لا ألوي في واحدة ~~منها عن الحق، وكان السلف يحذرون من الخوض في مسائله وفي حديث روي، مرفوعا، ~~وموقوفا وهو الصواب "أجرأكم على قسم الجد أجرأكم على النار". # وقوله: "والكلالة" اختلف ms1754 الناس فيها على خمسة أقوال، ذكرتها في "شرحي ~~لفرائض الوسيط". وذكرت فيه عن الجمهور أنه القريب الوارث الذي ليس باب ولا ~~ابن، وذكرت فيه هناك حديثين صحيحين. وآية الكلالة نزلت على النبي - صلي ~~الله عليه وسلم - وهو في طريق مكة في حجة الوداع، وتسمى آية الصيف. PageV10P195 # وقوله: "وأبواب من أبواب الربا"، أي: فإن تفاصيله كثيرة وللاشتباه يقع ~~فيه كثيرا. # الوجه الثالث: في أحكامه. # الأول: الخطبة على منبر. # الثاني: ذكر "أما بعد" فيها. # الثالث: "التنبيه" بالنداء. # الرابع: ذكر الدليل على المقصود فيها. # الخامس: تحريم الخمر. # السادس: إلحاق ما عداها من المسكر بها، سواء في ذلك نبيذ التمر والزبيب ~~والعسل والحبوب وأنواع ذلك جميعه مما ينبذ. وهذا # مذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء سلفا وخلفا. # وقال قوم من أهل البصرة: إنما يحرم عصير العنب ونقيع الزبيب النيء، فأما ~~المطبوخ منهما والنيء والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يشرب ويسكر. وقال ~~أبو حنيفة: إنما يحرم عصير ثمرات النخل والعنب. قال: فسلاقة العنب يحرم ~~قليلها وكثيرها إلا أن يطبخ حتى ينقص ثلثاها. قال: وأما نقيع التمر والزبيب ~~فيحل مطبوخهما وإن مسته النار شيئا من غير اعتبار لحد، كما اعتبر في سلاقة ~~العنب. قال: والنيء منه حرام، ولكن لا يحد شاربه. هذا كلامه ما لم يشرب ~~ويسكر فإن سكر فهو حرام بالإجماع. # واحتج الجمهور: بأن الله تعالى نبه على أن علة تحريم الخمر PageV10P196 # كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه العلة موجودة في جميع السكرات، ~~فوجب طرد الحكم في جميع محاله، وأورد على هذا بأنه إنما يحصل المعنى في ~~الإسكار، وهو مجمع على تحريمه. # وأجيب: بأنا أجمعنا على تحريم عصير العنب وإن لم يسكر، وقد علل الله ~~سبحانه تحريمه بما سبق، فإذا ما سواه في معناه، ووجب طرد الحكم في الجميع، ~~ويكون المحرم الجنس المسكر، وعلل بما يحصل من الجنس في العادة. # قال المازري: وهذا الاستدلال آكد مما يستدل به في هذه المسألة. قال: ولنا ~~في الاستدلال طريق آخر، وهو أن نقول إذا شرب ms1755 سلاقة الخمر عند اعتصارها، وهي ~~حلوة لم يسكر فهو حلال بالإجماع، فإن اشتدت وأسكرت. حرمت بالإجماع، فإن تخمرت # من غير تخليل آدمي حلت، فنظرنا إلى تبدل هذه الأحكام، ويحددها عند تحدد ~~صفات تبدلها، فأشعرنا ذلك بارتباط الأحكام بهذه # الصفة، وقام ذلك مقام التصريح بالنطق، فوجب جعل الجميع سواء في الحكم. # واحتجوا أيضا من السنة. بهذا الحديث وبحديث عائشة الآتي بعده. وبالحديث ~~الآخر الصحيح: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" (¬1)، وغير ذلك من الأحاديث. PageV10P197 # قال ابن عبد البر (¬1): لا خلاف في الأخذ بقوله عليه الصلاة والسلام: "كل ~~مسكر حرام"، واختلفوا في تأويله: هل المراد الجنس والقدر؟ # فالجمهور: أنه الجنس قل أو كثر. # وقال: قال أهل العراق، القدر المسكر. ومنطقهم به ضعيف، ورأيهم فيه سخيف. # وقال البزار والنسائي والعقيلي وغيرهم: المروي في هذا الباب عن ابن عباس ~~وعلي وأبي سعيد الخدري وغيرهم من قوله: [حرمت الخمر لعينها والمسكر من ~~غيرها] (¬2) رجاله بين ضعيف ومتروك ومجهول. # السابع: التنبيه على شرف العقل وفضله. # الثامن: رد الإنسان للخير وعدم الاشتباه والبيان الواضح لعدم وقوع ~~الاختلاف وإرادة الوفاق. # التاسع: إبراز ذلك وإيضاحه للناس. # العاشر: أن المعتبر في الأحكام الشرعية مفاهيم الصحابة ولغاتهم، فإن ~~الكتاب نزل بلغتهم. PageV10P198 # الحادي عشر: قال الخطابي (¬1) أبيه القياس وإلحاق حكم الشيء بنظيره. # الثاني عشر: قال: فيه دليل أيضا على جواز إحداث الاسم للشيء من طريق ~~الاشتقاق بعد أن لم يكن. PageV10P199 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 408/ 2/ 78 - عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم ~~-, سئل عن البتع؟ فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" (¬1). # (¬2) البتع: نبيذ العسل. # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: "البتع" بباء موحدة مكسورة ثم تاء مثناة فوق ساكنة وبفتحها أيضا ~~حكاه الجوهري (¬3) ثم عين مهملة، وهو نبيذ العسل، كما ذكر المصنف، وهو شراب ~~أهل اليمن. # ثانيها: هذا الحديث من جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم -. # ثالثها: فيه أنه يستحب للمفتي إذا رأى ما بالسائل حاجة إلى ما PageV10P200 # سأل أن يضمنه في الجواب إلى المسؤول عنه، ونظيره حديث: "هو ms1756 الطهور ماؤه ~~الحل ميتته". # رابعها: فيه دلالة على تحريمه وتحريم كل مسكر وتحريم الجنس لا القدر, ~~لأنهم إنما سألوا عن جنس البتع لا عن القدر المسكر منه، وإلا لقالوا: ما ~~يحل منه وما يحرم. فوجب أن يكون الجواب عن الجنس السؤول عنه, لأنه لو كان ~~جوابا للقدر المسكر لكان عدولا عما سئل عنه وذلك لا يجوز، وهذا هو المعروف ~~المعتاد من كلام العرب إنهم إذا سألوا عن الجنس قالوا: هل هذا الشراب نافع ~~أو ضار؟ فإن سألوا عن القدر قالوا: كم مقدار ما يشرب منة؟ # والمراد بقوله: "أسكر"، أي: فيه صلاحية ذلك. # خامسها: هذا السائل لا يحضرني اسمه بعد البحث عنه، وسؤاله عنه إما لأنه ~~لم يبلغه تحريم الخمر إلا باسم خاص أو جواز التخصيص بها فقط، والله تعالى ~~أعلم. PageV10P201 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 409/ 3/ 78 - عن عبد الله [بن عباس] (¬1) رضي الله عنهما، قال: بلغ عمر ~~رضي الله عنه أن فلانا باع خمرا، فقال: قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن رسول ~~الله - صلي الله عليه وسلم - قال: "قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، ~~فجملوها: فباعوها" (¬2)؟ # جملوها: أذابوها. # الكلام عليه من وجوه: # الأول: هذا البائع سمرة بن جندب رضي الله عنه، كذا ثبت مصرحا به في "صحيح ~~مسلم" (¬3)، وذكره أيضا الخطيب في "مبهماته" (¬4) PageV10P202 # وابن بشكوال (¬1) وغيرهما، ومن المتأخرين النووي (¬2) والشيخ تقي الدين ~~(¬3)، ووقع في "أحكام المحب الطبري" أنه جابر بن سمرة، والظاهر أنه وهم، ~~وكان سمرة بن جندب واليا على البصرة من قبل عمر، قال ابن ناصر الحافظ: إنما ~~كان يأخذ قيمة الجزية خمرا، فيبيعه، فيهم ظنا منه أن هذا جائز، وكان على ~~البصرة، فنهاه عمر، فكان ينبغي له أن يوليهم بيعها. # قال ابن عقيل الحنبلي: فهم إذا باعوها أخذوا ثمنها ونحن نأخذه منهم، فهذا ~~الحائل بين الأخذين يخرج اسم المأخوذ منهم عن # اسم القيمة، كما قال عليه الصلاة والسلام لبريرة: "هو عليها صدقة ولنا هدية". # وأجاب غيره بوجهين: أحدهما: أنه باع العصير ممن يتخذه خمرا، فأطلق اسم ~~الخمر عليه باعتبار ما ms1757 يؤول إليه. الثاني: أنه خللها، ثم باعها. وفيه خلاف ~~مشهور، ذكرهما الخطابي (¬4) وغيره. ومن يقول بجواز التخليل يحمل النهي عنه ~~على أنه كان في أول الأمر، عقب تحريمها، حسما للباب. # الثاني: تقدم الكلام على الشحوم وأحكامها وما يتعلق بذلك من الادهان في ~~الحديث من باب العرايا من كتاب البيوع. PageV10P203 # الثالث: الحديث دال على تحريم الخمر وبيعها، وقد سلف الكلام في بيعها في ~~الموضع المشار إليه أيضا. وقدمنا هناك عن أبي حنيفة أنه جوز أن يوكل المسلم ~~ذميا في بيعها وشرائها، وهو دال أيضا على تحريم بيع ما حرمت عينه مطلقا. # الرابع: فيه استعمال الصحابة القياس في الأمور من غير نكير، لأن عمر قاس ~~بيعها عند تحريم عينها على بيع الشحوم عند، تحريمها, وهو قياس من غير شك. # الخامس: فيه أيضا تأكيد استعمال القياس، حيث دعا عمر على من خالفه وباعها ~~بقوله: "قاتل الله فلانا". # السادس: فيه أيضا الدعاء على فاعل ذلك، وهذه لفظة جرت على ألسنتهم من غير ~~قصد لمعناها. # السابع: قد فسر المصنف "جملوها"، وقد أوضحناها هناك في الموضع المشار ~~إليه أولا. # الثامن: فيه دلالة على منع التحيل فيما حرم إذا كان طريقا لارتكابه، كما ~~فعلته اليهود هنا وفي الصيد يوم السبت. PageV10P204 # باب اللباس PageV10P205 ### || AUTO 79 - باب اللباس # ذكر فيه ستة أحاديث: ### ||| AUTO الحديث الأول # 410/ 1/ 79 - عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا تلبسوا الحرير. فإنه من لبسه في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # [أحدها] (¬2): الحرير اسم جنس، واحدته حريرة، ذكره الجوهري (¬3)، قال ~~[أبو] (¬4) هلال العسكري: ويقال له الدمقس PageV10P207 # والسرق والسيراء، وقيل: السيراء، ضرب من البرود، مسير: مخطط. وهو عربي، ~~وقيل: فارسي معرب وهو ضعيف (¬1)، وإنما # سمي حريرا، لأنه من خالص الإبريسم. وأصل هذه الكلمة الخلوص؛ ومنه قولهم: ~~طين حر، لأنه لم يخالطه رمل أو حمأة. وقيل: للحر خلاف العبد: لأنه خالص ~~لنفسه. وحررت الكتاب: خلصته من التسويد. # ثانيها: هذا الخطاب في قوله: "لا تلبسوا" للذكر، فلا يتناول ms1758 الإناث [كما] ~~(¬2) هو مذهب المحققين من أهل الأصول، والأحاديث الصحيحة مصرحة بإباحته ~~للنساء، فإنه عليه الصلاة والسلام أمر عليا وأسامة (¬3) أن يكسو الحرير ~~نساءهما. وقال في الذهب والحرير: "هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثهم" ~~(¬4)، والإجماع قائم على ذلك، وإن خالف عبد الله بن الزبير فيه مستدلا PageV10P208 # بهذا الحديث، فقد انعقد الإجماع بعده على التحريم، ولا عبرة بمن أباحه ~~مطلقا، كما [حكاه] (¬1) صاحب "المعلم" (¬2) عن قوم، وليحمل ما ذكر عن ابن ~~الزبير على كراهة التنزيه، وكذا حديث عقبة بن عامر في "سنن النسائي" (¬3) ~~أنه عليه الصلاة والسلام "كان يمنع أهله الحلية والحرير ويقول: إن كنتم ~~تحبون حلية أهل الجنة وحريرها فلا تلبسوها في الدنيا", وفي حل افتراشه لهم، ~~وحل الولي إلباسه للصبيان خلاف، محله كتب الفروع، وقد أوضحناه فيها. # ثالثها: هذا الحديث محمول عند الجمهور على الخالص من الحرير، أما الممتزج ~~بغيره فحلال إن لم يزد وزن الحرير، فإن زاد حرم، وعند الاستواء وجهان ~~أصحهما: الحل. # رابعها: هو محمول أيضا على غير حالة الضرورة، فأما حال الضرورة كمفأجاة ~~الحرب، ولم يجد غيره والجرب والحكة ونحو ذلك. وسيأتي في الباب الآتي ~~إباحته، لأجل دفع القمل فتلك أحوال مستثناة ومحل [الخوض] (¬4) فيها كتب ~~الفروع. # ومنع مالك (¬5) إلباسه في الغزو والحكة وغيرهما، وجوزه عبد الملك في ~~الغزو وعبد الوهاب للحكة. PageV10P209 # واختلف قول مالك في العلم في الثوب ونحوه فنهى عنه مرة وأجازه أخرى. # واختلف في اتخاذ الراية في أرض الحرب منه، فلم يره مالك، وأجازه ابن ~~القاسم حكاه صاحب "الجواهر". # خامسها: غير اللبس كالتدثر والجلوس عليه في معناه، وخالف فيه أبو حنيفة ~~(¬1)، وفي "صحيح البخاري"، من حديث حذيفة رضي الله عنه "نهانا رسول الله - ~~صلي الله عليه وسلم - عن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليها" (¬2). # سادسها: نبه على العلة في التحريم بقوله: "فإنه من لبسه في الدنيا لم ~~يلبسه في الآخرة"، فإنه إشارة إلى أنه ما يحصل له به من التنعم والتزين، ~~ونظير ذلك الخمر، ويبعد حمل هذا الحديث على المبالغة في الزجر، ms1759 والظاهر ~~حمله على المستحل للبسه. وقال القاضي: يحتمل أن يريد كفار ملوك الأمم ~~والأعاجم، الذين كان زيهم، ويحتمل أن يريد من أراد الله عقابه بذلك من ~~مؤمني المؤمنين فحرمه في الآخرة وقتا قبل دخوله الجنة. فيكون إمساكه ذلك ~~الوقت حرمان له من لباسه، ويحتمل: أن يمنع من لباسه بعد دخول الجنة، لكن ~~ينسيه الله تعالى إياه، ويشغله عنه بلذات أخر حتى يقضى الله تعالى أمر ~~حرمانه منه، أو يشغله عنه أبدا، ويكون راضيا بذلك، غير PageV10P210 # حاسد لغيره، ولا منتقص منه لتتم له لذته دون تنقيص ولا رؤية نقص، إذ لا ~~حزن ولا تنغيص في الجنة، ولا يرى أحد قط من أهل الجنة أن منزلة غيره فوقه ~~ولا لذته فوق لذته، كما أن أهل الغرف وعليين يراهم من دونهم، كالكواكب في ~~الأفق، ثم من دونهم لا ينقص عنده محالهم ولا نقص. ويحتمل أن يريد بقوله: ~~"لم يلبسه في الآخرة"، يعني مدة عقابه إذا عوقب على معصيته بارتكاب النهي ~~عن لباسه. PageV10P211 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 411/ 2/ 79 - عن حذيقة بن اليمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلي ~~الله عليه وسلم - يقول: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية ~~الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (¬1). # الكلام عليه من وجوه, ولم يتكلم عليه الشيخ تقي الدين رأسا بل أورده ~~إيرادا فقط: # أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في السؤال. # ثانيا: "الديباج" بكسر الدال وفتحها، عجمي معرب (¬2) جمعه ديابيج، قال ~~الجوهري: وإن شئت قلت "دبابيج" بالباء على أن يجعل أصله مشددا، كما قلناه ~~في الدنانير يريد أن أصل دينار دنار PageV10P212 # بنون مشددة، فأبدل من إحدى حرفي تضعيفه باء لئلا تلتبس بالمصادر التي ~~تجيء على فعال ككذباء، وهو ما غلظ وثخن من ثياب الحرير، وذكره بعد الحرير ~~وإن كان نوعا منه هو من باب ذكر الخاص بعد العام، قال الجواليقي (¬1): ~~فأصله بالفارسية (ديوباف) (¬2)، أي: نساجة الجن. # ثالثها: "الصحاف" بكسر الصاد جمع صحفة بفتحها، وهي دون القصعة، قال ms1760 ~~الجوهري (¬3): قال الكسائي أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تليها تشبع ~~العشرة ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم المئكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم ~~الصحيفة تشبع الرجل. # رابعها: قوله: "فإنها لهم في الدنيا"، أي: للكفار، ومعناه أن الكفار إنما ~~يحصل لهم ذلك في الدنيا. وأما الآخرة فمالهم فيها من نصيب. وأما المسلمون ~~فلهم في الجنة الحرير والذهب، وما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر. # خامسها: قوله "ولكم في الآخرة"، أي: يوم القيامة، وجاء في رواية أخرى في ~~الصحيح "يوم القيامة" بعد ذكر الآخرة، وإنما جمع PageV10P213 # بينهما لئلا يظن أنه بمجرد [الموت] (¬1) صار في حكم الآخرة في هذا ~~الإكرام، فتبين أنه إنما هو يوم القيامة وبعده في الجنة أبدا، ويحتمل أن ~~المراد لهم في الآخرة من حين [الموقف] (¬2) ويستمر في الجنة أبدا. # سادسها: الحديث دال على تحريم لبس الحرير والديباج مطلقا، واستثنى ~~أصحابنا الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح حالة القتال ~~لدعاء الحاجة إليه. # سابعها: هو دال أيضا على تحريم استعمال أواني النقدين مطلقا سواء فيه ~~الرجل والمرأة وهو الجديد وعن القديم أن المنع منهما للتنزيه، وهو غلط ~~مرجوع عنه ومؤل أيضا. # ثامنها: خص الأكل والشرب بالذكر دون غيرهما، لكونهما الغالب في ~~الاستعمال، لا للتقييد. وإن كان كلام المرعشي في "تقاسيمه" (¬3) يقتضي حرمة ~~ذلك فقط، وهو جمود على النص، وأبعد داود فحرم الشرب فقط، وأجاز الباقي وهو ~~عجيب منه، فإن الأكل قد نص عليه أيضا في الحديث، وخص الإناء بالشرب, لأنه ~~معدله غالبا، وكما خص الصحاف بالأكل. # تاسعها: لا حجة فيه لمن قال الكفار غير مخاطبين بالفروع، PageV10P214 # لأنه لم يصرح بإباحتها لهم، وإنما أخبر عن الواقع في العادة، أنهم هم ~~الذين يستعملونه في الدنيا، وإن كان حراما عليهم، كما هو حرام على ~~المسلمين، وإنما ذكر ذلك تنبيها على تحريم التشبه بهم فيما يعانونه من أمور ~~الدنيا تأكيدا للمنع منه. # عاشرها: المجازاة على الصبر على الزائل الفاني بالدائم الباقي. PageV10P215 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 412/ 3/ 79 - عن البراء بن ms1761 عازب رضي الله عنه قال: "ما رأيت من ذي لمة ~~[سوداء] (¬1) في حلة حمراء أحسن من رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، له ~~شعر يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين، ليس بالقصير ولا بالطويل" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الإمامة. # ثانيها: اللمة بكسر اللام وتشديد الميم وتاء تأنيث مكتوبة هاء من شعر ~~الرأس دون الجمة، سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين، # فإذا زادت فهي الجمة، والجمع: لمم، ولمام. # ثالثها: "الحلة": تقدم الكلام عليها في الحديث الثاني من باب الأذان، ~~فراجعه من ثم. PageV10P216 # رابعها: "المنكب" ما بين الكتف والعنق، والمراد أن شعره عليه الصلاة ~~والسلام يسترسل غير مضفور ولا مكفوف. # خامسها: فيه جواز لبس الأحمر، وأما الأحاديث الواردة في المنع منه للرجال ~~في "سنن أبي داود" ففي أسانيدها مقال، وعلى تقدير ثبوتها فتحمل على خلاف ~~الأولى، وقد أسلفنا الكلام على ذلك في الحديث المشار إليه في باب الأذان، ~~فليراجع منه. # وقال القاضي عياض (¬1): وكره بعضهم جميع ألوان الحمرة، وأباح بعضم ما خط ~~منها، وكره ما اشتدت حمرته، وأجاز بعضهم ما يمتهن منها، وكره ما يلبس. # قلت: وصح النهي (¬2) عن لباس المعصفر، وهو المصبوغ PageV10P217 # أحمر بالعصفر، فقال به جماعة: وجعلوه نهي تنزيه، وأباحه الجمهور من ~~الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك، لكنه قال ~~غيرها أفضل منها. # وفي رواية عنه (¬1) أنه أجاز لبسها في البيوت وأفنية الدور، وكرهه في ~~المحافل والأسواق ونحوهما وقال البيهقي في "المعرفة" (¬2): نهى الشافعي ~~الرجل عن المزعفر، وأباح له المعصفر، قال الشافعي: وإنما رخصت في المعصفر ~~لأني لم أجد أحدا يحكي عن النبي - صلي الله عليه وسلم - النهي عنه، إلا ما ~~قال علي رضي الله عنه: "نهاني ولا أقول نهاكم" (¬3)، واعترضه البيهقي فقال: ~~قد جاءت أحاديث تدل على النهي على العموم، ثم ذكرها، ثم قال: ولو بلغته ~~لقال بها. # وحمل الخطابي (¬4) النهي على ما صبغ منها بعد النسج، فأما ما صبغ قبله ~~فليس داخلا فيه. وهذا قد أسلفته في ms1762 باب الأذان أيضا، # وحمل بعضهم: على المحرم بالحج أو العمرة، ليكون موافقا PageV10P218 # لحديث ابن عمر "نهى المحرم أن يلبس ثوبا مسه ورس أو زعفران" (¬1). # سادسها: في استحباب [إرسال] (¬2) الشعر للرجال، وكان لشعر سيدي رسول الله ~~- صلي الله عليه وسلم - حالتان: حالة إلى المنكبين إذا طال وأخرى إلى شحمة ~~أذنه إذا قصره، قال القاضي عياض (¬3): وقد جاء أنه عليه الصلاة والسلام ~~كانت له لمة، فإن انفرقت فرقها، وإلا تركها، قال: وقد اختلف السلف في تفريق ~~الشعر، ففرق منهم جماعة، واتخذ اللمة منهم آخرون، وهي الشعر الذي يلم ~~بالمنكبين، قال: وجاء عنه أنه سدل، وأنه فرق، وهو آخر الأمرين منه، حتى ~~جعله بعضهم نسخا، فعلى هذا لا يجوز السدل واتخاذ اللمة، ويحتمل أن يكون فرق ~~ليرى الجواز أو للندب، ولذلك اختلف السلف فيه، والصحيح جوازهما واختيار الفرق. # سابعها: فيه توفير الشعر، وهذه الأمور الخلقية المنقوله عن الشارع، ~~فيستحب الاقتداء به في هيئتها، وما كان ضروريا منها لم يتعلق بأصله استحباب ~~بل بوصفه. # ثامنها: قوله: "بعيد ما بين المنكبين" هو بمعنى الرواية الأخرى "جليل ~~المشاس" (¬4)، والكتد، أي: عريض رؤوس PageV10P219 # المناكب، وهي المشاش، والكتد: مجتمع الكتفين وهو الكاهل، وهذه الصفات تدل ~~على قوته في الضرب، والطعن، وأنه بطل لا يطاق، لأن أصول اليدين في هذه ~~الأعضاء، كلما عظمت كانت قوة اليدين أعظم. # تاسعها: قوله: "ليس بالطويل ولا بالقصير"، أي: متوسط بينهما، لكنه كان من ~~معجزاته أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يمشي معه أحد من الناس ينسب إلى ~~الطول الإطالة، فإذا [فارقه] (¬1) ينسب إلى الربعة. PageV10P220 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 413/ 4/ 79 - عن البراء بن عازب أيضا قال: "أمرنا رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم - بسبع ونهانا عن سبع؛ [أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة ~~وتشميت العاطس وإبرار القسم أو المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء ~~السلام، ونهانا عن خواتيم أو تختم الذهب وعن شرب بالفضة وعن المياثر وعن ~~القسي ولبس الحرير والإستبرق والديباج" (¬1)] (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # وهو حديث عظيم الموقع، يشتمل على جمل من القرب المطلوبة ms1763 أمرا ونهيا. # وفي رواية في الصحيح مكان "إبرار القسم أو المقسم" "إنشاد الضالة"، وفي ~~أخرى: "وابرار القسم" من غير شك، وفي أخرى PageV10P221 # "وعن الشراب في الفضة فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في ~~الآخرة". وفي أخرى: "ورد السلام" بدل "وإفشاء السلام"، وفي أخرى: "نهانا عن ~~خاتم الذهب أو عن حلقة الذهب". وفي أخرى: "وعن حلقة الذهب" من غير شك. وفي ~~أخرى في البخاري: "ونصر الضعيف وعون المظلوم". وفي أخرى له: "وعن آنية ~~الفضة". وفي أخرى له: "وعن الحرير والمياثر والسندس"، وفي أخرى له: "وعن ~~المياثر الحمر"، و [قال] (¬1) في كتاب الأدب (¬2): "الاستبرق ما غلظ من ~~الديباج وخشن منه" ونقلها عبد الحق عن مسلم أيضا، ولم أرها فيه وقد ذكره ~~مسلم ها والبخاري في مواضع من "صحيحه" في الجنائز (¬3)، والملازمة (¬4)، ~~واللباس (¬5)، والطب (¬6)، الأدب (¬7)، PageV10P222 # والنذور (¬1)، والنكاح (¬2)، والأشربة (¬3)، والاستئذان (¬4). # الوجه الأول: في التعريف براويه، وقد سلف قريبا الإشارة في موطنه. # ثانيها: في شيء من مفردات ألفاظه. # الوجه الثاني: العيادة أصلها العوادة, لأنه من عاده يعوده، فقلبت الواو ~~ياء لانكسار ما قبلها وهي من مادة العود من الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف ~~عنه إما انصرافا بالذات أو بالقول والعزيمة. وقد يطلق العود على الطريق ~~القديم، تعود إليه السفر، فإن أخذ من الأول فقد يشعر بتكرار العادة، وإن ~~أخذ من الثاني يعد نقله نقلا عرفيا إلى الطريق لم يدل على ذلك قاله الشيخ ~~تقي الدين في "شرح الإلمام". # [الثالث] (¬5): المرض الخروج عن الاعتدال الخامس بالإنسان. قال الراغب ~~(¬6) وهو ضربان: مرض جسمي وهو [الحقيقة] (¬7) PageV10P223 # و (¬1) عبارة عن الرذائل كالجهل والجبن والبخل والنفاق [ونحوها] (¬2) من ~~الرذائل الخلقية (¬3) [وهو مجاز التشبيه] (¬4) ويشبه النفاق والكفر ونحوهما ~~من الرذائل بالمرض إما [لكونها] (¬5) مانعة [من] (¬6) إدراك الفضائل كالمرض ~~المانع للبدن عن التصرف الكامل. وإما لكونها مانعة عن تحصيل الحياة ~~الأخروية المذكورة في قوله تعالى: {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون} (¬7)، وأما لميل النفس [بها إلى] (¬8) الاعتتادات الرديئة ميل ~~البدن المريض إلى الأشياء المضرة. قال: ولكون هذه ms1764 الأشباء متصورة بصورة ~~المرض قيل دوي صدر فلان، ونغل قلبه، قال عليه الصلاة والسلام: "وأي داء ~~أدوى من البخل" (¬9)، ويقال: شمس مريضة إذا لم تكن مضيئة PageV10P224 # لعارض [عرض] (¬1) لها قال الشيخ تقي الدين: يجوز في هذا أن يكون من مجاز ~~التشبيه الصوري، وأن يكون من مجاز التشبيه # المعنوي. # الثالث: قال الراغب (¬2): يقال: تبعه واتبعه قفا أثره وذلك [(¬3)] وتارة ~~بالارتسام والائتمار وعلى ذلك قوله: {فمن تبع هداي فلا خوف عليهم} (¬4)، ~~وقال: {يا قوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ~~(20)} (¬5) , قال الشيخ تقي الدين: الحقيقة الاتباع بالجسم والمجاز كنه ~~شايع ومن المحتمل لهما قوله تعالى: {هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا} ~~(¬6)، والمجاز وهو التزام إتباعك واقتفاء أثرك أقرب. ومن المحتمل أيضا ما ~~في هذا الحديث من اتباع الجنازة وعلى هذا ينبني ما الأفضل هل المشي خلفها ~~أو أمامها؟ أو يمكن أن يجعل حقيقة في القدر المشترك دفعا للاشتراك والحجاز، ~~إلا أن الأولى عندي إذا كثر الاستعمال في أحد الخاصين وتبادر الذهن إليه ~~عند الإطلاق أن يجعل حقيقة اللفظ وتقدمه على الأصل المذكور أعني عدم ~~الاشتراك والمجاز, لأن الأصل يترك بالدليل الدال على خلافه ومبادرة الذهن ~~وكثرة PageV10P225 # الاستعمال دليل على الحقيقة. نعم حيث يقرب الحال أو يشكل فلا بأس ~~باستعمال الأصل، وإذا قلنا إنه محمول على الإتباع بالجسم، فيحتمل أن يكون ~~معبرا به عن الصلاة، وذلك من فروض الكفاية عند الجمهور، ويكون التعبير ~~بالاتباع عن الصلاة من باب مجاز الملازمة في الغالب؛ لأنه ليس في الغالب أن ~~يصلي على الميت، ويدفن في محل موته، ويحتمل أن يراد بالاتباع الرواح إلى ~~محل الدفن لمواراته، والمواراة أيضا من فروض الكفاية لا تسقط إلا بمن يتأدى به. # الرابع: الجنازة تقدم ضبطها في بابها [فليراجع منه] (¬1). # الخامس: التشميت بالشين المعجمة والمهملة. قال الجوهري (¬2). تشميت ~~العاطس أن يقال: له يرحمك [الله] (¬3) بالشين والسين، قال ثعلب: الاختيار ~~بالسين؛ لأنه مأخوذ من الشمت وهو القصد والمحجة. وقال أبو عبيد (¬4): الشين ~~أعلى في حاجتهم وأكثر, لأن ms1765 فعله يتعدى إلى المفعول بنفسه وبحرف الجر. قال ~~ابن الأنباري (¬5) فيما حكاه عنه القاضي (¬6) وغيره يقال: شمت فلانا وسمت ~~عليه، وكل داع بالخير مشمت ومسمت. وقال الأزهري: PageV10P226 # قال الليث: معناه ذكر الله على كل شيء، ومنه قولك: للعاطس: يرحمك الله. ~~وقال الزبيدي في، "مختصر العين": وشمت العاطس إذا دعوت له. ويقال: بالسين ~~يعني المهملة، وقال ابن سيده في "المحكم" (¬1) تشميت العاطس معناه هداك ~~الله إلى السمت. قال: # وذلك لما في العطاس من الانزعاج والقلق، وكل داع بالخير مسمت. # وقال الخطابي (¬2): شمت وسمت بمعنى، وهو أن يدعو للعاطس بالرحمة. وقال ~~القزاز في "جامعه" (¬3) وقيل التشميت الرجاء والتبريك، والعرب تقول: شمته ~~إذا دعا له بالبركة. وفي الحديث المرفوع "سمت عليهما" (¬4) يعني عليا ~~وفاطمة أي دعا لهما وبرك عليهما. وقيل: إنه مأخوذ من الشماتة، التي [(¬5)] ~~فرح الرجل ببلاء عدوه وسوء ينزل به. يقال: شمت بعدوه شماتة وشماتا وأشمته ~~الله به وبات بليلة سوء من ليالي الشوامت أي من الليالي التي يسر بها ~~الشوامت. # قال الشيخ تقي الدين: وفي توجيه هذا المعنى وجهان: # أحدهما: قال أبو علي: فيما ذكره عنه ابن سيده معناه: دعاء له أن لا يكون ~~في حال يشمت به فيها. PageV10P227 # وثانيهما: أنك إذا قلت: يرحمك الله. فقد أدخلت على الشيطان ما يسخطه فيسر ~~العاطس بذلك، وقيل: إنه مأخوذ من التشمت الذي هو اجتماع الإبل في المرعى. ~~قال صاحب "الجامع" فيكون شمته، سألت الله أن يجمع شمله وأمره، وعن ابن ~~العربي (¬1) أنه قال إن كان بالمعجمة فهو مأخوذ من الشوامت وهو القوائم، ~~وإن كان بالمهملة فهو من السمت وهو قصد الشيء وناحيته. كأن # العطاس يحل [معاقد] البدن ويفصل معاقدة، فيدعو له بأن يرد الله شوامته ~~على حالها وسمته على صفته. قال الشيخ [وهذا] (¬2): يقتضي أن السوامت تنطلق ~~على قوائم الإنسان, لأن العاطس المشمت إنسان لا غير. وقد قال ابن سيده: ~~والشوامت قوائم الدابة، وهذا أخص مما ذكر عن ابن العربي. وفي "الصحاح" (¬3) ~~كما قال ابن سيده ثم قال: وهو اسم. قال أبو ms1766 عمر (¬4): ويقال لا ترك الله ~~سامته، أي: قائمة، وقيل: معنى شمته وأشمته دعوت له بالهدى والاستقامة على ~~سمت الطريق والعرب تجعل الشين والسين في لفظ. بمعنى كقولهم: جاحشته وجاحفته ~~إذا زاحمته (¬5). وما أسلفناه [عن ابن العربي] (¬6) في المهملة أنه أخذه من ~~السمت الذي هو قصد الشيء PageV10P228 # وناحيته. قال الشيخ تقي الدين: أحسن منه عندي أن يكون مأخوذا من السمت، ~~الذي هو الهيئة الموصوفة بالحسن والوقار، ومنه ما جاء في الحديث: "إن الهدي ~~الصالح والسمت والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة" (¬1). # السادس: "إبرار القسم" الوفاء بمقتضاه وعدم الحنث فيه. قال الزبيدي: وبرت ~~يمينه صدقت وأبرها أمضاها صدقا. وقال ابن طريف (¬2) في في "أفعاله" (¬3) بر ~~الرجل يمينه برا وبرورا وأبرها رباعيا كذا استعملا أبر رباعيا، فيكون ~~المصدر إبرارا. والحديث ماش عليه واستعمله غيرهما ثلاثيا. قال الشيخ تقي ~~الدين: ويحتمل أن يكون إبرار القسم جعله ذا بر والمراد بالبر ما يقابل ~~الإثم فيكون الإبرار بها أن يحلف بها على أمر جائز فقط. فإن حملنا اللفظ ~~على الأول وكان متعلقا بالقسم فلا حاجة إلى إضمار، ثم يحتمل أن يكون # المراد إبرار الإنسان قسم نفسه بأن يفي بمقتضى اليمين وإبراءه لقسم غيره ~~عليه، وهو أن لا يحنثه، ويوقعه في مخالفة اليمين. وإن كان الإبرار متعلقا ~~بالمقسم فلا بد فيه من إضمار، وهو أن يقدروا إبرار يمين المقسم أو ما يقارب ذلك. # السابع: القسم بفتح القاف والسين الحلف. قال تعالى: {وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم} (¬4)، قيل: وأصله من القسامة، وهي PageV10P229 # أيمان تقسم على أولياء المقتول ثم سار اسما لكل حالف. قال الشيخ تقي ~~الدين. وفي هذا نظر، ولو قيل إن القسامة من القسم كان أولى، أي لأنها أحد ~~أنواعه. ولو قيل أيضا: إنه مأخوذ من القسامة التي هي بمعنى الحسن. يقال: ~~وجه قسيم أي: حسن لكان له وجه، كان الحالف حسن ما حكم به بتأكيده. باسم ~~الله تعالى. # الثامن: قوله: "أو المقسم" الظاهر أن "أو" هنا للشك من الراوي، لا ~~للإباحة, لأن في الرواية السالفة: ms1767 "إبرار المقسم" من غير شك. والمقسم هو ~~الحالف نفسه. قال الشيخ في "شرحه" (¬1) في قوله: "إبرار القسم" "أو المقسم" وجهان: # أحدهما: أن يكون المقسم مضموم الميم مكسور السين (¬2)، التقدير يمين ~~المقسم. # والثاني. فتح الميم والسين على أن يكون [هو] (¬3) المقسم، وإبراره هو ~~الوفاء بمقتضاه، وعدم التحنيث فيه. وإن كان ذلك على سبيل اليمين، -كما إذا ~~قال: والله لتفعلن كذا-، فهو آكد مما إذا كان على سبيل التحليف، كقوله: ~~بالله أفعل كذا. لأن في الأول إيجاب الكفارة على الحالف، وفيه تغريم للمال، ~~وذلك إضرار به. # التاسع: "النصر والنصرة" العون (¬4) [قال الراغب] (¬5)، ونصرة PageV10P230 # العبد [(¬1)] هي نصرته لعباده، والقيام يحفظ حدوده ورعاية عهده [واعتبار] ~~(¬2) أحكامه واجتنابه نواهيه. # [الثامن] (¬3): "الظلم" (¬4) وضع الشيء في غير موضعه المختص به: إما ~~بنقصان أو بزيادة أو بعدول عن وقته ومكانه. ومن هذا يقال: ظلمت السقاء إذا ~~تناولته في غير وقته، وظلمت البعير إذا نحرته من غير داء، والمظلوم أيضا ~~اللبن المشروب قبل أن يبلغ الرؤوب (¬5). # [التاسع] (¬6): الإجابة تنطلق على القول والفعل. يقال: أجاب الله دعاك. ~~أي: فعل ما سألته إياه وقول الشاعر: # [وادع] (¬7) دعي يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجيبه عند ذلك مجيب # يحتمل الإجابة بالقول لتقدم النداء، ويحتمل الإجابة بالفعل ببذل العطاء، ~~نبه عليه الشيخ تقي الدين في "شرح الإلمام" قال: ويستعمل استعمال التسمية ~~نحو: دعوت ابني زيدا PageV10P231 # [أي] (¬1) سميته، قال تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا} (¬2)، حثا على تعظيمه، وذلك مخاطبة من يقول: يا محمد ودعوته [إذا] ~~(¬3) سألته واستعنت به. قال تعالى. {ادع لنا ربك} (¬4)، أي: سله، والدعاء ~~إلى الشيء أيضا الحث إلى قصده. قال: الراغب (¬5): والدعاء كالنداء، لكن ~~النداء قد يقال إذا قيل بيا أو أيا، ونحو ذلك من غير أن يضم إليه الاسم، ~~والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم نحو يا فلان، وقد يستعمل كل ~~واحد منهما موضع الآخر. قال تعالى: {كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ~~ونداء} (¬6)، والمراد بإجابة الدعوة هنا: وليمة العرس، وإن ms1768 كان يعمها [و] ~~(¬7) غيرها. # الثاني عشر: مادة الإفشاء تدل على الظهور والانتشار، فشت المقالة إذا ~~انتشرف وذاعت، وليفشوا العلم أي يظهروه وينشروه وأفشى السر أظهره ونشره، ~~فإفشاء السلام إظهاره وعدم إخفائه بخفض الصوت، وأما نشره فتداوله بين الناس ~~وأن يحيوا سنته ولا يميتوها. PageV10P232 # الثالث عشر: "السلام" اسم للمصدر مثل كلام، والاسم التسليم ويطلق بإزاء أمور: # أحدها: كقوله تعالى: {السلام المؤمن المهيمن} (¬1). # ثانيها: بمعنى "السلامة"، لقوله تعالى {لهم دار السلام عند ربهم} (¬2)، ~~أي: دار السلامة، وفيه قول الشاعر: # تجيء بالسلامة أم عمرو ... وهل لك بعد قومك من سلام # ثالثها: أن يكون بمعنى التسليم والتحية، كقوله تعالى: {والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب (23) سلام عليكم} (¬3)، أي: يقولون سلام عليكم. # رابعها: شجر العضاة، ويقال فيه: سلم أيضا (¬4). # وأما قوله تعالى: {ولهم ما يدعون (57) سلام قولا من رب رحيم} (¬5)، فيحمل ~~أن يراد به السلام على أن يكون سلام بدلا مما يدعون، كأنه قيل ولهم سلام أي ~~سلامة ويحتمل أن يراد التحية أي من الملائكة أو من الله مبالغة في تعظيمهم: ~~{والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام عليكم} (¬6)، وقوله تعالى: ~~{ولا تقولوا لمن ألقى PageV10P233 # إليكم السلام لست مؤمنا} (¬1)، مختلف في معناه. # الرابع عشر: والخواتيم جمع: خاتم بفتح التاء وكسرها وختام وختم كما سلف ~~في الحديث الرابع من باب صلاة العيدين (¬2)، قال PageV10P234 # أبو عمر الجرمي (¬1): كل ما كان على فاعل يريد مفتوح العين. # نحو فاعل: فإن جمعه على فواعيل نحو طوابيق وقوابيل وخواتيم. # الخامس عشر: في اللفظ تردد بين الخواتيم وتختم فعلى الأول لا بد من حذف ~~مضاف أي لبس خواتيم. وعلى الثاني لا حاجة إلى # الحذف، لأن الإضافة في الأول إلى الذات فلا بد، وأن تصرف إلى فعل يتعلق ~~بها، وفي الثاني أضيف إلى المصدر فلا حاجة إلى غيره، فإن النهي يصح تعلقه ~~[به بنفسه] (¬2). # السادس عشر: الذهب لفظ مشترك في كلام العرب، ويراد به هنا ما غلب ~~استعماله فيه، وهو أحد النقدين ويذكر ويؤنث. قال الجوهري (¬3): والقطعة منه ~~ذهبة، وتجمع على الأذهاب والذهوب ms1769 [و] (¬4) قال نفطويه: سمي بذلك لأنه يذهب ~~ولا يبقى والذهب: أيضا مكيال لأهل اليمن معروف والجمع أذهاب وجمع الجمع: ~~أذاهب عن أبي عبيدة. # و"الباء" في قوله: "عن شرب بالفضة" للاستعانة، ويحتمل أن تكون للمصاحبة. PageV10P235 # السابع عشر: "المياثر" جمع مئثرة بكسر الميم وثاؤه مثلثة ولا همز فيها. ~~قال الشيخ تقي الدين: وقال النووي (¬1) في مهموزه # ويجمع أيضا بالواو. # [الثامن عشر] (¬2): واختلفت عبارتهم في تعريفها، قال الزبيدي: الميثرة ~~مرفقة كصفة السرج. # وقال الطبري: المياثر قطائف كانت النساء تضعهن لأزواجهن من الأرجوان ~~الأحمر ومن الديباج على سروجهم وكانت مراكب العجم. # وقيل: هي أغشية السروج من الحرير. # وقيل: هي سروج من الديباج. # وقيل: هي شيء كالفراش الصغير يتخذ من الحرير تحشى بقطن أو صوت ويجعلها ~~الراكب تحته فوق الرحل. # وفي "صحيح البخاري" (¬3) عن يزيد بن رومان: أن المراد بها PageV10P236 # جلود السباع (¬1). وهو ضعيف بعيد. قال أبو عبيد (¬2): وأما المياثر الحمر ~~التي جاء فيها النص، فإنها كانت من مراكب العجم من ديباج أو حرير. أي وكأن ~~الأصل "ونهانا عن افتراش المياثر"، قال الشيخ تقي الدين: وأصل اللفظ من ~~"الوثارة" "والوثرة" يكسر الواو وسكون PageV10P237 # الثاء "والوثير" هو الفراش الوطيء، يقال ما تحته "وثر" و"وثار" وامرأة ~~"وثيرة" كثيرة اللحم و"وثر" الشيء "وثارة" بالضم أي وطيء، فأصلها الواو لكن ~~قلبت ياء لسكونها وإنكسار ما قبله، أي كما في ميزان، وميقات، وميعاد. # [التاسع عشر] (¬1): "القسط" بفتح القاف وتشديد السين المهملة. وذكر أبو ~~عبيد أن أصحاب الحديث يقولون بكسر القاف وأهل مصر يفتحونها ينسب إلى بلاد ~~يقال لها القس، وقال أهل اللغة والعربية القسي قرية على ساحل البحر قريبة ~~من تنيس وقال ابن وهب وابن بكير فيما حكاه القاضي (¬2) هي ثياب مضلعة ~~بالحرير تعمل بالقس من بلاد مصر مما يلي الفرماء. وقال الجوهري (¬3) هو ثوب ~~يحمل من مصر يخالطه الحرير، وقال مسلم (¬4): هي ثياب مضلعة يؤتى بها من مصر ~~والشام فيها شية، وصوبه النووي (¬5)، وقال البخاري (¬6): فيها حرير [وفيها] ~~(¬7) أمثال [الأترنج] (¬8)، وفي "سنن PageV10P238 # أبي داود" (¬1) عن علي رضي الله عنه ms1770 أنها ثياب من الشام أو من مصر مضلعة ~~فيها أمثال الأترج. # ومنهم من جعل السين مبدلة من الزاي وتكون بمعنى القزي المنسوب إلى القز، ~~وهو رديء الحرير. # وقيل: إنها ثياب كتان مخلوط بحرير. # التاسع عشر: اللبس بضم اللام مصدر لبست الثوب ألبس بكسر الباء في الماضي ~~وفتحها في المستقبل، وأما "اللبس" بكسر اللام فهو ما يلبس ولبس الكعبة ~~والهودج هو ما عليهما من لباس. # وأما "اللبس": بالفتح فمصدر لبست الأمر ألبس بفتح الماضي وكسر المستقبل. # [الثامن عشر:] (¬2) الحرير، والديباج تقدم الكلام عليهما في الباب. # و"الإستبرق" بكسر الهمزة غليظ الديباج فارسي معرب، قاله الجواليقي (¬3) ~~قال وأصله إستفره. قال ابن دريد (¬4): وإستروه ونقل # من العجمية إلى العربية، ويصغر على أبيرق، وبكسر على أبارق PageV10P239 # بحذف السين والتاء معا، وقال بعضم "الباء" في استبرق ليست باء خالصة ~~وإنما هي بين الباء والفاء. # وذكر الديباج بعد الاستبراق، إما من باب ذكر العام بعد الخامس ليستفاد ~~بذكر الخاص فائدة التنصيص. ومن ذكر [العام] (¬1) زيادة إثبات الحكم في ~~النوع الآخر أو من باب التعبير بالعام عند الخاص، ويراد به ما رق من ~~الديباج ليقابل ما غلظ منه. # الوجه الثالث في فوائده وأحكامه: # الأول: شرعية عيادة المريض، وهي سنة عند الجمهور، وسواء فيه من يعرفه ومن ~~لا يعرفه والقريب والأجنبي. واختلف العلماء في الآكد والأفضل منها، وقد تجب ~~حيث يحتاج المريض إلى من يتعهده، وإن لم يعد ضاع، وأوجبها الظاهرية من غير ~~هذا القيد لظاهر الأمر، والمحققون من أهل الأصول لا يعبؤن بقول داود خلافا ~~ووفاقا، لإخلاله بالقياس، وهو أحد شروط الاجتهاد. # الثاني: شرعية اتباع الجنازة، وهو سنة بالإجماع، وسواء فيه من يعرفه ~~وقريبه وغيرهما. وقد أسلفنا في الوجه الثالث أنه إذا حملنا الاتباع على ~~الأتباع بالجسم. فيحتمل أن يكون معبرا به عن الصلاة، وأن يكون معبرا به عن ~~الرواح إلى محل الدفن لموارته. # الثالث: [استدل] (¬2) بعضهم. بهذا الحديث على المشي خلف الجنازة, لأنه لا ~~يقال لمن تقدمها تبعها، إنما المتبع التالي PageV10P240 # خلفها، وقد سلف ما في هذا ms1771 في الوجه الثالث من الكلام على ألفاظه. # الرابع: شرعية تشميت العاطس، وهو قول سامعه: يرحمك الله بعد حمد العاطس ~~الله تعالى، وإسماعه المشمت حمده, وكونه مسلما وهو سنة كفاية عند الشافعية، ~~وفرض عين عند ابن مزين (¬1) من المالكية، واختاره ابن العربي (¬2)، وهو ~~ظاهر الحديث الصحيح كان حقا على كل سلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله. وفروع ~~التشميت كثيرة، محل الخوض فيها كتب الفروع، وكذا كل فرد من الأفراد ~~المذكورة في الحديث. # الخامس: شرعية إبرار القسم والمقسم، وهو سنة مؤكدة إذا لم يكن على المقسم ~~عليه ضرر ولا مفسدة في دين ولا دنيا، فإن كان شيء من ذلك لم يبر قسمه كما ~~ثبت أن الصديق رضي الله عنه لما عبر الرؤيا بحضرة النبي - صلي الله عليه ~~وسلم - فقال له النبي - صلي الله عليه وسلم -: "أصبت بعضا وأخطأت بعضا"، ~~فقال: أقسمت عليك يا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - لتخبرني. قال: "لا ~~تقسم" (¬3) ولم يخبره. PageV10P241 # السادس: شرعية نصر المظلوم وهو من الفروض اللازمة لمن علم ظلم المظلوم ~~وقدر على نصره، ولم يخف ضررا لما فيه من فعل المعروف معه وإزالة المنكر عن ~~ظالمه. وقد قال عليه الصلاة والسلام: "أنصر أخاك ظالما أو مظلوما"، قيل يا ~~رسول الله: أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: "تمنعه من الظلم، فذلك ~~نصرك إياه" (¬1)، أي: فإن به يندفع الضرر الدنيوي عن المظلوم والأخروي عن ~~الظالم، ويكفي في التحذير من الظلم قوله تعالى: PageV10P242 # على الظالمين} (¬1)، وقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله يمهل الظالم ~~حتى إذا أخذه لم يفلته"، وتلا قوله تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ~~وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} (¬2)، الآية. # تنبيه: علينا أيضا أن نمنع المظالم بين أهل الذمة، ولا نمكن بعضهم من ظلم ~~بعض، كما بين المسلمين. # السابع: شرعية إجابة الداعي وهي عامة، والاستحباب شامل ما لم يقم مانع، ~~وقد توسع الفقهاء من أصحابنا وغيرهم في الأعذار المرخصة لتركها وعدم ~~الإجابة، وجعل بعضها مخصصا لهذا العموم في إجابة الداعي، كقولهم: لا تجب ms1772 ~~إجابة من لا يليق بالمدعو # مجالسته لما فيه من نقص مرتبنه وتبدله بإجابته لبعضه ولا يخلو عن نظر. ~~وقد أسلفنا في وجوب وليمة العرس وعدد الولائم في باب # الصداق، فراجع ذلك منه، وشرائط الإجابة محل الخوض فيها كتب الفروع [فإنه ~~أليق به] (¬3). # الثامن: شرعية إفشاء السلام، وهو مشروع لمن عرفت ومن لم تعرف، كما نص ~~عليه في الحديث الصحيح (¬4)، وهو يورث المحبة، PageV10P243 # كما نص عليه في الحديث الصحيح أيضا، والإفشاء يكون في الابتداء به ورده ~~فابتداؤه سنة بالإجماع، وكذا رده، فإن كان المسلم عليه واحدا تعين عليه ~~الرد، وإن كانوا جماعة فإنه فرض كفاية. وفروع السلام كثيرة يحتمل إفرادها ~~بالتأليف. # [التاسع:] (¬1) تحريم التختم بالذهب على الرجال، وهو إجماع، وكذا لو كان ~~بعضه ذهبا وبعضه فضة، فإنه حرام، [ثم] (¬2) [يحرم عند الشافعية سن الخاتم ~~على الصحيح] (¬3). # [العاشر] (¬4): تحريم الشرب في إناء الفضة، ومثله الأكل وسائر وجوه ~~الاستعمالات، كما سلف في الحديث. # الحادي عشر: تحريم مياثر الحرير على الرجال، سواء كانت على رحل أو سرج أو ~~غيرهما، وإن كانت من غير الحرير فليست بحرام، ومذهب الشافعي أنها لا تكره ~~أيضا، فإن الثوب الأحمر PageV10P244 # لا كراهة فيه عندنا. وحكى القاضي (¬1) عن بعض العلماء كراهتها، لئلا ~~يظنها الرائي من بعيد حريرا، وقد أسلفنا عن يزيد بن رومان أنها جلود ~~السباع. # الثاني عشر: تحريم استعمال القسي في حريرا أو أكثره حريرا، وإلا كان ~~مكروها كراهة تنزيه. # الثالث عشر: تحريم الإستبرق والديباج وسائر أنواع ثياب الحرير على ~~الرجال. # تنبيهات: # أحدها: هذه المنهيات كلها للتحريم على ما قررناه. وأما الأوامر فبعضها ~~للوجوب، وبعضها للندب، كما قررناه. وحقيقة الأمر لم يجاب، ففيه إذن جمع بين ~~الحقيقة والمجاز في اللفظ الواحد، وفيه خلاف الأصوليين. ومن قال: بالمنع قد ~~تكون الصيغة موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب وهو مطلق الطلب ولا ~~يكون دالا على أحد الخاصين الذي هو الوجوب أو الندب، فتكون اللفظة استعملت ~~في معنى واحد. # ثانيها: إخبار الصحابي عن الأمر والنهي على مراتب: # أولاها: أن يحكي صيغة لفظ ms1773 الشارع. # وثانيها: كما في هذا الحديث، وهو مثل المرتبة الأولى على المختار في ~~العمل به أمرا ونهيا، وإنما نزل عن الأولى لاحتمال أن PageV10P245 # يكون ظن ما ليس بأمر أمرا، إلا أن هذا الاحتمال مرجوح للعلم بعدالته ~~ومعرفته بمدلولات الألفاظ لغة. # ثالثها: "أمرنا" و"نهينا" كالمرتبة الثانية على المختار عند الجمهور، ~~وإنما نزلت عنها لاحتمال آخر يخصها، وهو أن يكون الآمر غير الشارع وهر ~~مرجوح أيضا، وقد أسلفنا الكلام على هذه المرتبة في باب الآذان أيضا. # ثالثها: يجب أن نفرق بين الجمع في الخبر وبين الخبر عن الجمع، كما نبه ~~عليه الشيخ تقي الدين في "شرح الإلمام" فإن الخبر قد يقع عن أمور متعددة في ~~أوقات مختلفة، يجمعها الراوي في أخبار، كما لو رأى رجلا يأكل ويشرب ويتكلم ~~ويصلي في أوقات مختلفة، فأخبر عن الجميع، فقد جمع في خبره بين هذه الأمور ~~وإن كانت متفرقة غير مجتمعة بالنسبة إلى وقت الفعل. # وأما الخبر عن الجمع: كان يكون الفاعل قد فعل أشياء في وقت واحد أو حال ~~واحدة، فقد أخبر عن الجمع، والجمع في الخبر أعم من الخبر عن الجمع, لأنه ~~متى ثبت الخبر عن الجمع ثبت الجمع في الخبر، ولا ينعكس، ويترتب على هذا ~~فوائد حكمية في غير ما موضع مثل قول الراوي: مسح على ناصيته وعلى عمامته ~~وفرضنا أنه لم يدل دليل على الجمع بينهما في وضوء واحد، فإذا أردنا أن ~~نستدل به على أن من مسح بعض رأسه كمل على العمامة، أو أردنا أن نجعله قرينة ~~دالة على وجوب التعميم، كما فعله المالكية لم يتم ذلك لجواز أن يكون ذلك ~~جمعا في الخبر لا خبرا عن PageV10P246 # الجمع، ويكون الشارع فعل ذلك في وقتين مختلفين، وحينئذ لا يدل على ~~التكميل، ولا تتم القرينة، وكذلك لو أراد من يجيز المسح على العمامة من غير ~~مسح الشعر أو بعضه أن يستدل بمثل هذه الصيغة. # [قوله] (¬1): "وعلى عمامته" لا اعتراض عليه [بأنه] (¬2) يجوز أن يكون ~~خبرا عن الجمع أي جمع بينهما في وقت واحد، ms1774 فلا يكون دليلا على جواز ~~الاكتفاء بالمسح على العمامة، وإنما قلنا مثل قول الراوي على ناصيته ~~وعمامته، وفرضنا أنه لم يدل دليل على الجمع بينهما في وضوء واحد, لأن ~~الظاهر من رواية المغيرة أنه في وضوء واحد، وإنا قصدنا بها بيان الطريق ~~بضرب من المثال، وما يترتب على هذه القاعدة في هذا الحديث، أنه هل استعمل ~~اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه أم لا من جهة الراوي؟ فإنه لما قال: أمرنا ~~رسول الله - صلي الله عليه وسلم -. احتمل أن يكون جمعا في الخبر، لا خبرا ~~عن الجمع، واحتمل أن يكون جمعا في خبر الشارع. قد تعددت صيغة الأمر في لفظة ~~من جهة إلى بعض هذه الأمور دون بعض، فأمر ببعضها بصيغة مفردة له، وأمر بآخر ~~بصيغة مفردة، وأراد بإحداها الوجوب، وبالأخرى الندب، فلا يلزم [أن يكون] ~~(¬3) لفظ واحد استعمل حقيقته ومجازه. وأما لفظ الراوي وهو قوله "أمرنا" فهل ~~يكون مستعملا فيها؟ فيه نظر دقيق، فيلمح هذا ما قيل في علم الأصول: أن ~~مدلول اللفظ قد يكون لفظا وتأمله. # و¬__________ # (¬1) في الأصل (رابعها)، وما أثبت من ن ه. # (¬2) في ن ه (أنه). # (¬3) زيادة من ن ه. PageV10P247 # [مما] (¬1) يترتب على ذلك أيضا أنه قال: "وعن الحرير والاستبرق ~~والديباج". # ولقائل أن يقول: ما الفائدة من التكرار وكله حرير. # فيقال: فيه إنما يكون تكرارا لو كان إخبارا عن الجمع بمعنى أنه أخبر عن ~~الرسول عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن هذه الثلاثة في وقت واحد، فحينئذ ~~يحتاج إلى الجواب، وإظهار الفائدة في الجمع بين النهي عنها مع إمكان ~~الاكتفاء بذكر الحرير، أما إذا كان جمعا في الإخبار بأن يكون سمع النهي عن ~~الحرير في وقت، وعن الاستبرق في وقت، وعن الديباج في وقت. فلا يلزم طلب ~~الفائدة, لأن السؤال إنما يقرب إذا كان النهي عن الجمع في وقت واحد. # رابعها: هذا الذي ذكره الصحابي في جانب الأمر يتعلق النظر فيه بالأمر ~~والمأمور [والمأمور] (¬2) لأجله، لأنها كلها حقوق المسلم على أخيه على ~~رواية المقسم. # فأما الأمر: ms1775 فينظر فيه هل هو على الوجوب أو الندب؟ # وأما المأمور به: فهم المخاطبون فينظر هل تناولهم الأمر على الأعيان أو ~~على الكفاية؟ # وأما المأمور من أجله: فينظر في عمومه وخصوصه وينشأ من هذا الإنظار أقسام ~~متعددة بعضها يتعذر الحمل عليه وبعضها ممكن ويتوقف على الدليل. PageV10P248 # الأول: أن يكون الأمر للوجوب على الأعيان [والعموم] (¬1) بالنسبة إلى ~~المأمور من الجملة. # ثانيها: أن يكون الوجوب على الأعيان لا على العموم بالنسبة إلى [أفراد] ~~(¬2) المأمور من أجله. # [ثالثها] (¬3): أن تجب على الكفاية لا على العموم بالنسبة إلى أفراد ~~المأمور من أجله. # [رابعها] (¬4): أن يكون الأمر للندب وتكون فيه هذه الأقسام كلها، وهذه ~~الأقسام كلها تجري في كل نوع من هذه السبعة المذكورة في الحديث فتزيد ~~الأقسام فترتقى إلى ستة وخمسين قسما من ضرب ثمانية في سبعه، نبه على ذلك ~~الشيخ تقي الدين في الشرح المذكور وبسطه بسطا بليغا فوصل وجوه الكلام عليه ~~فوق الأربعمائة فليراجع منه. PageV10P249 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 414/ 5/ 79 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما "أن رسول الله - صلي ~~الله عليه وسلم - اصطنع خاتما من ذهب، فكان يجعل فصه في باطن كفه إذا لبسه، ~~فصنع الناس كذلك، ثم إنه جلس [على المنبر] (¬1) فنزعه، فقال: إني كنت ألبس ~~هذا الخاتم، وأجعل فصه من داخل، فرمى به، ثم قال: والله لا ألبسه أبدا. ~~فنبذ الناس خواتيمهم" (¬2). # وفي لفظ "جعله في يده اليمنى". # الكلام عليه من وجوه: # الأول: الأصل في "اصطنع" "اصتنع" بالتاء أبدلت بها, لأنها من مخرجها. # الثاني: الخاتم فيه لغات، وقد سبقت في الحديث قبله. # الثالث: "الفص" بفتح الفاء أفصح من كسرها. PageV10P250 # و"الكف" مؤنثة، وقيل: مذكر وهو غير معروف، سميت بذلك لأنها تكف عن البدن، ~~أي: تدفع، وقيل: لأن بها تضم وتجمع. # الرابع: "نزعه" بفتح الزاي ومضارعه ينزع بكسرها. # و"نبذ" طرح، وقد روي عن ابن شهاب أن هذا الخاتم كان من الورق وهو وهم، ~~والمعروف من رواياته الأول (¬1). PageV10P251 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV10P252 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV10P253 # الخامس: إنما جعل فصه فيما يلي كفه، لأنه أسلم له، وأصون، وأبعد من الزهو ms1776 ~~والإعجاب. # السادس: الحديث دال على منع لباس خاتم الذهب، وأن لبسه كان أولا، وتجنبه ~~كان آخرا. وعلى إطلاق [لفظ] (¬1) "اللبس" على التختم. # وقد قام الإجماع على إباحة خاتم الذهب للنساء, وعلى تحريمه للرجال، إلا ~~ما روي عن أبي بكر بن محمد بن محمد بن عمرو بن حزم أنه أباحه للرجال، وعن ~~بعضهم أنه مكروه لا حرام. وهذا باطل منهما، وهي محجوجان بالنصوص والإجماع ~~(¬2). PageV10P254 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV10P255 # وخالف في التختم بالفضة، بعض أهل الشام، فكرهه لغير ذي سلطان (¬1)، وروى ~~فيه أثرا وهو PageV10P256 # شاذ (¬1). # وخالف الخطابي في التختم للنساء بالفضة. وقال: يكره PageV10P257 # لها إن وجدت الذهب، فإن لم تجده فلتصفره بزعفران وشبهه لما فيه من تشبه ~~النساء بالرجال، وهو حرام، وهو باطل، لا أصل له. # السابع: واستحباب جعل فص الخاتم في باطن الكف للاتباع، وقد عمل السلف به ~~وبالظاهر أيضا، ومنهم ابن عباس (¬1)، لكن الباطن أفضل للاتباع. # الثامن: الحلف من غير إستحلاف عند إرادة تقرير الأحكام وتأكيدها. # التاسع: استدل بهذا الحديث الأصوليون على مسألة التأسي بأفعاله عليه ~~الصلاة والسلام، فإن الناس نبذوا خواتيمهم، لما رأوه نبذ خاتمه، قال الشيخ ~~تقي الدين (¬2): وهذا لا يقوى عندي في جميع الصور التي تمكن في هذه ~~المسألة، فإن الأفعال التي تطلب التأسي فيها على قسمين: # أحدهما: ما كان الأصل أن يمتنع لولا التأسي لقيام المانع منه، فهذا يقوي ~~الاستدلال به في محله. PageV10P258 # والثاني: ما [لا] (¬1) [يمنع] (¬2) فعله، لولا التأسي، كما نحن فيه، فإن ~~أقصى ما في الباب أن يكون لبسه حرام على الشارع، دون الأمة، ولا يمتنع ~~حينئذ، أن يطرحه من أبيح له لبسه، فمن أرإد أن يستدل بمثل هذا على التأسي ~~فيما الأصل منعه -لولا التأسي- فلم يفعل جيدا، [(¬3)]، لما ذكرته من الفرق ~~الواقع. # [العاشر] (¬4): التختم في اليد اليمنى ولا يقال: إنه منسوخ لكونه رمى به؛ ~~لأن الرمي نسخ بجواز لبسه لكونه ذهبا، لا لكون التختم في اليمين بغير الذهب ~~لا يسوغ، فالمنسوخ الحكم، لا وصف الحكم، وقد ثبت في الصحيح أنه عليه الصلاة ~~والسلام تختم في اليمين (¬5) واليسار ms1777 (¬6) في الخنصر، ونهى عن التختم في PageV10P259 # الوسطى والتي تليها يعني السبابة، كما جاء في رواية أخرى (¬1). # وأجمع المسلمون: على أن السنة جعل خاتم الرجل في الخنصر [وأما المرأة ~~فإنها تتخذ خواتيم في أصابع. # والحكمة في كونه في الخنصر:] (¬2) أنه أبعد من الامتهان فيما يتعاطى ~~باليد كونه طرفا، ولكونه لا يشغل اليد على تناوله من اشتغالها بخلاف غير ~~الخنصر، ويكره للرجل جعله في الوسطى والتي تليها كراهة تنزيه للنهي السالف ~~ولا يبعد القول بالتحريم إذا جرت عادة النساء بذلك، وقد حكى الخوارزمي (¬3) ~~من الشافعية في "كافيه" وجهين في تحريم ذلك، حكاهما فيما إذا لبسه في غير ~~المختصر، وقال القرطبي (¬4) في "شرحه" لو تختم في البنصر لم يكن ممنوعا، PageV10P260 # قال: المنهي عنه الوسطى والسبابة وهذه ظاهرية منه. وجاء فيهما حديثان ~~صحيحان. قال البخاري (¬1): والأصح في اليمين، وهو الأصح عند الشافعية أيضا, ~~لأنه زينة واليمين أشرف وأحق بالزينة والإكرام وتختم كثيرون من السلف فيه ~~وكثيرون في اليسار، واستحبه مالك، وكره اليمين صيانة له، وادعى البغوي في ~~"شرحه" (¬2) أنه كان آخر الأمرين من رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، ولا ~~ينبغي أن يحمل ذلك على النسخ، وإنما هو أمر اتفاقي ويعارض هذا ما روي عن ~~عائشة أنه عليه الصلاة والسلام كان يتختم في يمينه وقبض والخاتم في يمينه، ~~وذكر الزمخشري (¬3) في "ربيع الأبرار" (¬4) أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~يتختم في يمينه والخلفاء بعده، فنقله معاوية إلى اليسار، فأخذ المروانية ~~بذلك، ثم نقله السفاح إلى اليمين فبقي إلى أيام الرشيد فنقله إلى اليسار، ~~فأخذ الناس بذلك. PageV10P261 ### ||| AUTO الحديث السادس # 415/ 6/ 79 - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم - "نهى عن لبوس الحرير إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم - أصبعيه السبابة، والوسطى". # ولمسلم: "نهى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - لبس الحرير إلا موضع ~~إصبعين، أو ثلاث، أو أربع" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذه الزيادة مما استدركها الدارقطني (¬2) على مسلم، وقال: لم ~~يرفعها عن الشعبي ms1778 إلا قتادة وهو مدلس، وقد رواه جماعة PageV10P262 # من الأئمة الحفاظ موقوفا (¬1) على عمر، وجواب هذا أن الرفع مقدم عليه على ~~الصحيح عند الفقهاء والأصوليين ومحققي المحدثين، لأنها زيادة من ثقة فقدمت. # ثانيهما: "لبوس" بفتح اللام. # و"الإصبع" فيه عشر لغات أفصحها كسر الهمزة وفتح الباء قاله ابن السيد. # "والسبابة" التي تلي الإبهام، سميت بذلك لأنه يشار بها عند السب. # ثالثها: هذا الحديث جمع فيه - صلى الله عليه وسلم - بين النهي عن لبس ~~الحرير وما رخص فيه ومقداره، وفيه الرد على من يوسع فيه بالزيادة على أربعة ~~أصابع، والمراد بالأصابع أصابع الآدمي لا أصابع الذراع الهاشمي وفي إشارته ~~عليه الصلاة والسلام بإصبعيه ما يفهم ذلك. # رابعها: توسع الفقهاء باعتبار الوزن، أو الظهور في المركب من الحرير ~~وغيره، ولا بد لهم من الاعتذار عن هذا الحديث: إما بتأويل, أو بتقديم معارض. # خامسها: يدخل في الإباحة العلم في الثوب والعمامة وغيرهما، إذا لم يزد ~~على أربع أصابع، وهو مذهب الشافعي والجمهور. PageV10P263 # وعن مالك رواية تمنعه، وهو قول ابن عمر، وعن بعض أصحابه، رواية بإباحة ~~العلم، بلا تقدير أربع أصابع، بل يجوز وإن عظم، ويردهما صراحة هذا الحديث. # سادسها: يدخل في النهي عن لبوس الحرير جميع الملبوسات: قبعا، وكلوبة ~~وقباء وغيرهما إلا ما استثني من ذلك للضرورة والحاجة. PageV10P264 ### | AUTO كتاب الجهاد PageV10P265 ### || AUTO 80 - باب الجهاد # هو مأخوذ من الجهد -بفتح الجيم- وهو التعب والمشقة -وبضمها- الطاقة بلغ ~~جهده -أي طاقته-، فالمجاهد في سبيل [الله] (¬1) هو البالغ في إتعاب نفسه في ~~ذات الله وإعلاء كلمته التي جعلها طريقا إلى الجنة وسبيلا إليها، ووراء ~~جهاد النفس والسيف # جهاد القلب، وهو دفع الشيطان، ونهى النفس عن الهوى وشهواته المحرمة، ~~وجهاد اليد واللسان، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن # المنكر. ومن جملته جهاد القلب، وهو من أفضل الأعمال، لما فيه من بذل ~~النفس في ذات الله تعالى. لا جرم جوزي بأنه حي عند ربه، إلى آخر ما جاء في ~~التنزيل. # وذكر المصنف في الباب تسعة عشر حديثا، وبعضها في الفيء، وبعضها في ms1779 النفل، ~~وبعضها في المسابقة: PageV10P267 ### ||| CHECK الحديث الأول # أولها # 416/ 1/ 80 - عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما "أن رسول الله - ~~صلي الله عليه وسلم -في بعض أيامه [التي لقى فيها العدو- انتظر، حتى إذا ~~[زالت] (¬1) الشمس قام فيهم، فقال: "أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو ~~واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال ~~السيوف". ثم قال النبي - صلي الله عليه وسلم -: "اللهم منزل الكتاب، ومجري ~~السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم، وانصرنا عليهم"] (¬2). # الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه سلف في الأطعمة: # وتقدم عليها أن أول غزوة غزاها رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ذات ~~العسير أو العشير بالسين المعجمة والمهملة، وهي من أرض [مدلج] (¬3)، PageV10P268 # وقال ابن سعد (¬1): كان قبلها ثلاث غزوات , يعني غزاها بنفسه، وقال ابن ~~عبد البر في كتاب "الدرر في المغازي والسير" (¬2) أول غزاة غزاها ودان ~~غزاها بنفسه في صفر سنة اثنتين من الهجرة، واستعمل على المدينة سعد بن ~~عبادة حتى بلغ ودان وادع بني ضمرة، ثم رجع، ولم يلق [حربا] (¬3)، وهي ~~المسماة بغزوة الأبواء وغزواته، دون الثلاثين، وسرياه فوق الأربعين، وموضع ~~الخوض فيها كتب السير. # الوجه الأول: قوله: "انتظر حتى إذا مالت الشمس"، أي: مالت، وجاء في رواية ~~في غير هذا الحديث أنه عليه الصلاة والسلام "كان لا يقاتل حتى تزول الشمس" ~~(¬4)، والحكمة في ذلك أنه أمكن للقتال، فإنه وقت هبوب الرياح ونشاط النفوس، ~~وكلما طال ازدادوا نشاطا وإقداما على عدوهم. قاله النووي في "شرح مسلم" ~~(¬5)، قال: قد جاء في البخاري (¬6): "أخر حتى تهب الرياح، PageV10P269 # وتحضر الصلوات"، وسببه ففيلة أوقات الصلاة والدعاء عندها (¬1). # وعبارة القاضي في "إكماله" الحكمة في ذلك أنه وقت هبوب الرياح المنشطة ~~لهم، بخلاف قتالهم قبل ذلك، فإنه قد يغشاهم وقت # النص الهاجرة، وهم في الحرب وشدته فيشتد عليهم الأمر، فيثبطهم فيؤدي إلى ~~استيلاء العدو عليهم. # وقيل: الحكمة أن الزوال وقت هبوب الصبا التي اختص بالنصر بها، قال عليه ~~الصلاة والسلام "نصرت بالصبا" (¬2). # الثاني: فيه استحباب المصافة بعد الزوال، كما قررناه. # الثالث: ms1780 إنما نهى عن لقاء العدو، لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على ~~النفس والوثوق للقوة، وهو نوع بغي، وقد ضمن الله PageV10P270 # تعالى لمن بغي عليه أن ينصره، ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره، ~~وهذا يخالف الاحتياط والحزم وتأوله بعضهم على النهي عن التمني في صورة ~~خاصة، وهي إذا شك في الصحة فيه وحصول ضرر وإلا فالقتال كله فضيلة وطاعة، ~~والصحيح الأول، ولهذا نبه عليه الصلاة والسلام عقب نهيه بقوله: "واسألوا ~~الله العافية"، أي: فإنه لا يعدلها شيء، وقد كثرت الأحاديث في الأمر ~~بسؤالها، وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات، [دينا] ~~(¬1) ودنيا وأخرى، أدامها الله علينا [بمنه وكرمه] (¬2). # رابعها: فيه كراهة تمني لقاء العدو، كما قررناه، قال الشيخ تقي الدين ~~(¬3): لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء وأصعبها على النفوس من وجوه ~~كثيرة، وكانت الأمور المقدرة عند النفس ليست كالأمور المحققة لها، خشي أن ~~لا تكون عند التحقيق كما ينبغي، فكره [تمنيه] (¬4) لذلك، ولما فيه -إن وقع- ~~من احتمال المخالفة لما وعد الإنسان من نفسه، ثم إمر بالصبر عند وقوع ~~الحقيقة، وقد أصح، (¬5) النهي عن تمني الموت مطلقا لضر نزل به. وفي الحديث ~~[الآخر] (¬6): "لا تتمنوا الموت، فإن هول المطلع PageV10P271 # شديد (¬1)، وفي الجهاد زيادة "على مطلق الموت". هذا آخر كلامه. # قال ابن عباس: ولم يتمن [نبي] (¬2) الموت غير يوسف عليه الصلاة والسلام ~~(¬3)، وقال غيره: إنما تمنى الوفاة على الإسلام PageV10P272 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV10P273 # لا الموت وقد ورد عنه [عليه الصلاة والسلام] (¬1) في بعض أدعيته: "وإذا ~~أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" (¬2): وروى عن PageV10P274 # [(¬1)] عمر أنه قال: "قد رق عظمي وانتشرت رعيتي فتوفني غير [مقصر] (¬2) ~~ولا [عاجز] (¬3) " (¬4). # فإن قلت: إذا كان الجهاد طاعة فكيف ينهى عن تمنيها. # قلت: وقد أجيب عن هذا بإن المنهي عنه التهاون بأمر العدو وعدم أخذ الحذر ~~منه كما مضى. PageV10P275 # قال القاضي: هو بمعنى نهي أمته عن تمني المكاره، ولهذا كان السلف الصالح ~~يتمنون من الله تعالى العافية من الفتن والمحن، لاختلاف الناس في الصبر عند ~~نزولها, ولهذا قال في ms1781 الحديث متصلا به "واسألوا الله العافية". # خامسها: استدل به بعضهم على منع طلب المبارزة, لأنها من تمني لقاء العدو، ~~ولكن إن دعي إليها أجاب: "روي عن علي رضي الله عنه أنه قال لابن له: يا بني ~~لا تدع أحدا إلى المبارزة، ومن دعاك إليها فأخرج إليه، فإنه باغ، وقد ضمن ~~الله نصر من بغي عليه" (¬1). # سادسها: قوله: "فإذا لقيتموهم فاصبروا" أمر بالصبر عند وقوع الحقيقة، وحث ~~على الصبر في القتال، وهو كظم ما يؤلم من غير إظهار شكوى ولا جزع، وهو ~~الصبر الجميل، وهو آكد أركانه، وقد جمع الله تعالى آداب القتال في قوله: ~~{يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون (45)} (¬2)، إلى قوله: {بما تعملون محيط (92)} (¬3)، وقد جاءت آيات ~~في الحث على الصبر، منها قوله تعالى: {إن الله مع الصابرين (153)} (¬4)، ~~ومنها قوله تعالى: [{ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126)} (¬5)] (¬6). PageV10P276 # سابعها: قوله: "واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"، هذا من المجاز البليغ ~~الحسن جدا، فإن ظل الشيء لما كان ملازا، جعل ثواب الجنة واستحقاقها بسبب ~~الجهاد، وإعمال السيوف لازم لذلك، كما يلزم الظل، وهذا نظير "الجنة تحت ~~أقدام الأمهات"، # وكما في تخصيص السيوف دون آلات الحرب، لكونها الغالب مما يقاتل به، فإنها ~~أسرع إلى الزهوق، وقال القاضي عياض: قيل: معنى الحديث إن ثواب الجهاد تحت ~~ظلال السيوف, لأن معظم الجهاد بها , ولكونها تظل صاحبها عند رفعها للضرب ~~بها غالبا، وقيل: معناه دنو الأقران من الأعداء حتى يكونوا جميعا تحت ظلال ~~السيوف، ولا يفرون، لأن كل من دنا منك فقد أظلك، وإلى نحو هذا أشار الخطابي ~~(¬1)، وقال النووي (¬2): معناه ثواب الله، والسبب الموصل إلى الجنة عند ~~الضرب بالسيوف في سبيل الله ومشي المجاهدين في سبيله فاحضروا فيه بصدق ~~واثبتوا. # ثامنها: قوله "اللهم منزل الكتاب" إلى آخره، أشار بالكتاب إلى نصره على ~~من خالفه، قال تعالى: {قتلوهم يعذبهم الله} (¬3) الآية. # وأشار ب"مجري السحاب" إلى شدة الأخذ وسرعة البطش وهذا الدعاء إشارة إلى ~~ثلاثة أسباب يطلب لها الإجابة. PageV10P277 # أحدها: ms1782 طلب النصر بالكتاب المنزل، وعليه يدل قوله: "منزل الكتاب"، كأنه ~~قال كما أنزلته فانصره وأعله، وأشار إلى القدرة بقوله: "ومجري السحاب". # وأشار إلى أمرين بقوله: "وهازم الأحزاب". # أحدهما: التفرد بالفعل وتجريد التوكيل واطراح الأسباب واعتقاد أن الله هو ~~الفاعل. # والثاني: التوسل بالنعمة السابقة إلى النعمة اللاحقة، وقد ضمن الشعراء ~~هذا المعنى أشعارهم بعد ما أشار إليه كتاب الله حكاية عن زكرياء عليه ~~الصلاة والسلام ليس قوله: {ولم أكن بدعائك رب شقيا (4)} (¬1)، وعن إبراهيم ~~عليه السلام في قوله: {سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47)} (¬2)، وقال ~~الشاعر: # كما أحسن الله فيما مضى ... كذلك يحسن فيما بقى # وقال آخر: # قالوا نلت به وأنت في هذا التمادي ... فأجبتهم حسن الرجاء وملة الإسلام زادي # [لولاو] (¬3) الذي قدمن [بالإيمان] (¬4) يثلج في فؤادي ... ما كان يختم ~~بالإساءة وهو بالإحسان بادي PageV10P278 # ومراده بالإساءة ما يسوء الشخص بعد الإحسان إليه، فإن [الله] (¬1) تعالى ~~مالك لعبيده، يفعل ما يريد فلا يوصف بكونه أساء، # ويحتمل الحديث معنى آخر وهو التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث، فإن ~~بإنزال الكتاب، وإعجازه حصلت النعمة الأخروية وهي # الإسلام، قال تعالى: {هدى للمتقين (2)} (¬2)، و"مجري السحاب" حصلت النعمة ~~الدنيوية وهي الرزق، قال تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون (22)} (¬3)، ~~وبهزيمة الأحزاب حصل حفظها، فإن فائدة الجهاد إنما هي إعلاء كلمة الدين ~~وصون المسلمين، فكأنه عليه الصلاة والسلام [يقول] (¬4) اللهم كما أنعمت ~~بعظيم نعمتك الأخروية والدنيوية وحفظتهما فأبقهما. # تاسعها: فيه استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار لنا والهزيمة على ~~أعدائنا، وقد ورد أن هذا أحد المواضع التي يستجاب فيها (¬5). # عاشرها: ترغيب الإمام المقابلة عند اللقاء. PageV10P279 # حادي عشرها: [الدعاء] (¬1) بصفات الله التي تناسب طلب الداعي، لقوله: ~~"وهازم الأحزاب، اهزمهم". # ثاني عشرها: الصبر عند اللقاء كما مر، فإن النصر مع الصبر، كما جاء في ~~الحديث الآخر (¬2). # ثالث عشرها: تعليق الإمام الناس ما يحتاجون إليه. # رابع عشرها: سؤال الله العافية كما مر. # خامس عشرها: التنبيه على أسباب الجنة بالضرب بالسيوف. PageV10P280 # سادس عشرها: سؤال الله تعالى بنعمته السالفة- نعمته اللاحقة. # سابع عشرها: مراعاة انشراح ms1783 النفوس ونشاطها لفعل الطاعة. # ثامن عشرها: الحث على سلوك الأدب، وأن الشخص لا ينبغي له أن يثق بنفسه، ~~ولا يدعي شيئا من القوة والقدرة على لقاء العدو، فإنه لا حول ولا قوة إلا ~~بالله. PageV10P281 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 417/ 2/ 80 - عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهما، أن رسول الله - صلي ~~الله عليه وسلم -، قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها. ~~وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها. والروحة يروحها العبد ~~في سبيل [الله] (¬1)، أو الغدوة: خير من الدنيا [وما فيها] (¬2) " (¬3). # [الرباط: مراقبة العدو في الثغور المتاخمة لبلاده] (¬4). # الكلام عليه من وجوه: PageV10P282 # أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في أول كتاب الجمعة. # ثانيها: هذا الحديث بهذه السياقة للبخاري في الجهاد: في باب فضل رباط يوم ~~في سبيل الله خير. ورواه قبله مختصرا. ورواه مسلم مختصرا بلفظ "والغدوة ~~يغدوها في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها". # ثالثها: روى حديث "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها". ~~رواه مع سهل بن سعد من الصحابة عمر بن الخطاب (¬1) وأنس (¬2) وابن عباس ~~(¬3) والزبير (¬4) وأبو PageV10P283 # هريرة: (¬1)، وأبو أيوب (¬2) ومعاوية ابن حديج (¬3)، وأبو حميد (¬4)، PageV10P284 # قاله ابن منده. وهو مخرج في "الصحيحين" من حديث أنس, وأبي هريرة. وفي ~~"صحيح مسلم" من حديث أبي أيوب. والمصنف ذكره بعد من حديث أنس وأبي أيوب كما ~~ستعلمه. # رابعها: "الرباط" مراقبة العدو في الثغور المتاخمة لبلادهم بحراسة من بها ~~من المسلمين، وهو في الأصل الإقامة على الجهاد. وقد يطلق على كل مقيم على ~~طاعة: كالطهارة والصلاة وغيرهما من العبادات. ومنه الحديث الصحيح (¬1) ~~المشهور في إسباغ الوضوء على المكاره وغيره: "فذلكم الرباط"، وهو مصدر ~~رابطت أي لا زمت. # وقيل: هو اسم لما يربط به الشيء، أي: يشد فكان المرابط في الثغور وغيرها ~~ربط نفسه عن الاشتغال بغيرها من المخالفات وحظوظ النفوس. PageV10P285 # خامسها: "السبيل" الطريق يذكر ويؤنث. وقد أسلفنا الكلام على السبيل في ~~الحديث الثامن من باب أفضل الصيام وغيره، فراجعه من ms1784 ثم. # سادسها: [قوله] (¬1) "خير من الدنيا وما عليها"، أي: [إن] (¬2) ثواب ذلك ~~خير من نعيم الدنيا كله لو ملكه إنسان، وقصد تنعمه به، لأنه زائل، ونعيم ~~الآخرة باق، ولو لم يكن منه إلا النظر إلى وجهه الكريم لكان كافيا، نسأل ~~الله أن لا يحرمنا إياه. # وقيل: في معناه ومعنى نظائره من تمثيل أمور الآخرة وثوابها بأمور الدنيا: ~~أنها خير من الدنيا وما فيها, لو ملكها إنسان وملك ما فيها وأنفقها في أمور ~~الآخرة حكاه القاضي (¬3) قال: هذا القائل وليس تمثيل الباقي بالفاني على ~~ظاهره، أي: لأنه لا يقاس به، وإنما يقع # التفضيل من علتين أخروتين باقيتين. وقال الشيخ تقي الدين (¬4): فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون من باب تنزيل الغيب منزلة المحسوس، تحقيقا له وتثبيتا في ~~النفوس، فإن ملك الدنيا ونعيمها ولذاتها محسوسة، مستعظمة في طباع النفوس ~~فحقق عندها أن ثواب اليوم PageV10P286 # الواحد في الرباط وهو من المغيبات خير من المحسوسات التي عهد تموها من ~~لذات الدنيا. # وثانيها: أنه قد استبعد بعضهم أن يوازن شيء من نعيم الآخرة بالدنيا كلها، ~~فحمل الحديث أو ما هو في معناه على أن هذا الذي رتب عليه الثواب خير من ~~الدنيا كلها, لو أنفقت في طاعة الله تعالى. وكأنه قصد بهذا أن تحصل ~~الموازنة بين ثوابين أخرويين لاستحقاره الدنيا في مقابلة شيء من الأخرى، ~~ولو [(¬1)] على سبيل التفضيل [(¬2)]، قال الشيخ: والأول عندي أوجه وأظهر. # سابعها: سلف الكلام على حقيقة الدنيا وضبطها في أول حديث في الكتاب، وهو ~~حديث: "إنما اعمال بالنيات" [فراجعه من ثم] (¬3). # ثامنها: قوله: "ووضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما [عليها] (¬4) ~~" إنما ضرب المثل به لأنه مما يخص القوس لأنه يضرب فرسه في الزحف، ونبه ~~عليه الصلاة والسلام به على أن موضع السوط في الآخرة في غاية النفاسة، وإن ~~كان تافها في الدنيا. # تاسعها: "الروحة" بفتح الراء: المرة من الرواح أي وقت كان، والمراد به ~~هنا من الزوال إلى الغروب. PageV10P287 # "والغدوة" بفتح العين: المرة من الغدو، وهو من أول النهار ms1785 إلى الزوال. # أما بالضم فمن صلاة الغداة إلى طلوع الشمس. # "وأو" هنا للتقسيم لا للشك. واللفظ مشعر بأنها تكون فعلا واحدا، ولا شك ~~أنه قد يقع على اليسير والكثير من الفعل الواقع في # هذين الوقتين، ففيه زيادة ترغيب وفضل عظيم. فالروحة تحصل هذا الثواب وكذا ~~الغدوة. قال النووي (¬1): والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدو أو الرواح من ~~بلدته، بل يحصل هذا الثواب بكل غدوة وروحة في طريقه إلى الغزو، وكذا غدوه ~~ورواحه في موضع القتال, لأن الجميع يسمى كدوة وروحة في سبيل [الله] (¬2)، # [عاشرها] (¬3): صحف بعض الرواة (الغدوة) بالغزوة، فقال: "والغزوة ~~يغزوها"، بالزاي والمعروف [بالدال] (¬4). # [أحادي عشرة] (¬5): فيه الحث على الرباط في سبيل الله، والتنبيه على ~~فضله، وهو أحد شعب الجهاد. وقال ابن حبيب: وليس من سكن الرباط بأهله وماله ~~وولده مرابطا، وإنما الرباط من خرج عن بلده وأهله وماله قاصدا للرباط. PageV10P288 # وقد اختلف هل هو أفضل من الجهاد أو الجهاد أفضل منه؟ فذهب ابن عمر إلى ~~الأول, لأن فيه حقن دماء المسلمين، وهو أولى من سفك دماء المشركين. # وحجة الثاني: اجتماع الأمرين فيه، وهذا الحديث ظاهر فيه، لأنه رتب على ~~رباط قوم من الثواب مثل ما يرتب على الروحة أو الغدوة مع قلة العمل في ~~اليوم وكثرته [وغيرهما] (¬1). # [ثاني عشرها] (¬2): أن اليوم يطلق عليه رباط. وقال مالك: أقله [في ~~الاستحباب أربعون] (¬3) يوما. # [الثاني عشر] (¬4): التنبيه على عظم فضل ما أعد للمجاهد. وإن قل عمله. # [الثالث عشر] (¬5): الحث على الغزو والرواح في سبيله. # [الرابع عشر] (¬6): التنبيه على حقارة الدنيا وما فيها وعلى فنائها وبقاء ~~الآخرة. PageV10P289 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 418/ 3/ 80 - عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "انتدب الله"، ولمسلم، "تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا ~~جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسولي، فهو علي ضامن: أن أدخله الجنة، ~~أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلا ما نال أجر أو غنيمة" (¬1). # ولمسلم: "مثل المجاهد في سبيل الله، -والله أعلم بمن يجاهد ms1786 في سبيله- ~~كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله، إن توفاه: أن يدخله ~~الجنة، أو يرجعه سالما، مع أجر أو غنيمة"] (¬2). PageV10P290 # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذه الزيادة التي عزاها المصنف إلى مسلم ليست فيه، وإنما هي في ~~البخاري بطولها في باب: أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله ~~(¬1). وقال: "بأن يتوفاه" بدل "إن توفاه" فكان ينبغي أن يقول، وللبخاري بدل ~~ولمسلم، وقد وقع له ذلك في "العمدة الكبرى" أيضا. # وفي مسلم من حديث آخر عن أبي هريرة [قال:] (¬2) قيل [لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -] (¬3) ما يعدل الجهاد في سبيل الله [عز وجل] (¬4)؟ قال: ~~"لا تستطيعوه" [قال] (¬5) فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: "لا ~~تستطيعونه" [و] (¬6) قال في الثالثة: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل ~~الصائم القائم القانت بآيات الله. لا يفتر عن صيام ولا صلاة، حتى يرجع ~~المجاهد في سبيل الله" (¬7). PageV10P291 # ولفظ: "انتدب" للبخاري وفي رواية لهما "تكفل" بدل "تضمن" ولم ينبه على ~~هذا [الموضع] (¬1) أحد من الشراح، بل أقروا المصنف على ذلك، فاستفده، فإن ~~التنبيه عليه يساوي رحلة، وقد نبهنا فيما مضى على ما وقع للمصنف من هذا ~~النحو، وعادتي في هذا الشرح أتتبع لفظ المصنف من الصحيحين أولا قبل شرحه، ~~ولله الحمد على ذلك وأمثاله. # ثانيها: معنى "انتدب" سارع بثوابه وحسن جزائه. وقيل: أجاب وهو بمعنى ~~"تكفل وتضمن" وكذا رواية "توكل" وكل ذلك عبارة عن تحقيق هذا الموعود من ~~الله سبحانه وتعالى على وجه التفضل والامتنان منه، فإن هذه الألفاظ مؤكدة ~~لما تضمن وتكفل به وتحفظ، وتحقيق ذلك من لوازمها، وهذا الضمان. ونحوه مواقف ~~في لقوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ...} (¬2) ~~الآية. قال بعض الصحابة: ما أبالي قتلت في سبيل الله أم قتلت ثم تلا هذه الآية. # ثالثها: قوله: "إلا جهاد في سبيلي" هو بالرفع، وكذا ما عطف عليه, لأنه ~~فاعل "يخرج" والاستثناء مفرغ. # وقال النووي (¬3): هو بالنصب في جميع نسخ مسلم، وكذا قوله بعده "وإيمان ~~بي وتصديق"، وهو ms1787 منصوب على أنه مفعول له وتقديره: لا يخرجه المخرج ويحركه ~~المحرك إلا الجهاد والإيمان PageV10P292 # والتصديق، ومعناه لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى وتصديق ~~رسوله فيما أخبر به عن ربه في الحب على الجهاد والإخلاص والجزاء على ذلك. # رابعها: قوله: "وإيمان في وتصديق برسولي"، أي. إيمان بوعدي لمجازاتي له ~~بالجنة على جهاده، وتصديق رسولي في ذلك، فهذا الثواب لا يحصل إلا لمن صحت ~~نيته، وخلصت من شوائب الأغراض الدنيوية طويتة فإنه ذكر بصيغة النفي ~~والإثبات المقتضيين للحصر. وفي رواية في الصحيح "لا يخرجه إلا جهاد في ~~سبيله وتصديق كلمته"، والمراد بها كلمة الشهادة، وقيل: تصديق كلام الله في ~~الإخبار عما للمجاهدين من جزيل ثوابه. # خامسها: قوله: "فهو علي ضامن", فيه وجهان: # أحدهما: أنه فاعل بمعنى مفعول، كما قيل في [ماء] (¬1) دافق "وعيشة ~~راضية"، أي: مدفوق ومرضية على احتمال [هاتين] (¬2) اللفظتين [(¬3)] [غير] ~~(¬4) ذلك. # وثانيهما: أنه بمعنى "ذا" ضمان، أي: صاحب ضمان ك"لابن وتامر"، أي: صاحب ~~لبن وتمر، ويكون الضمان ليس منه، وإنما نسبه إليه لتعلقه به، والعرب تضيف ~~[بأدنى] (¬5) ملابسة. PageV10P293 # سادسها: قوله: "فهو علي ضامن", هو كقوله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرا ~~...} (¬1) الآية. # سابعها: قوله: "أن أدخله الجنة" يحتمل أن يدخلها أثر موته، كما قال تعالى ~~في الشهداء: "إنهم أحياء عند ربهم يرزقون" (¬2) , وقال رسوله عليه أفضل ~~الصلاة والسلام "أرواح الشهداء تسرح في الجنة" (¬3) ويحتمل أن يكون المراد ~~دخوله عند دخول السابقين والمقربين لها دون حساب ولا عقاب ولا مؤاخذة بذنب، ~~وأن الشهادة كفارة لذنوبه، كما شرح به في الحديث الصحيح، حكاهما القاضي ~~عياض (¬4). # ثامنها: قوله: "أو أرجعه"، هو بفتح الهمزة وكسر الجيم ثلاثيا متعديا, ~~ولازمه، ومتعديه واحد. قال تعالى: {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم} (¬5)، ~~وقال: {فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها} (¬6)، وهذيل تقول: ارجع رباعيا. PageV10P294 # تاسعها: "المسكن" بفتح الكاف وكسرها، وقوله: "نائلا ما نال" هو اسم فاعل ~~من نال: والنيل العطاء وقد [فسره] (¬1) في الحديث بالأجر والغنيمة. # العاشر: "الواو" في قوله "أو غنيمة" للتقسيم بالنسبة إلى القسمة ms1788 وعدمها ~~فيكون المعنى أنه يرجع إلى مسكنه مع نيل الأجر إن لم يغنموا أو معه إن ~~غنموا، وقيل: "أو" هنا بمعنى الواو أي مع أجر وغنيمة، وكذا وقع بالواو في ~~"مسلم" في رواية يحيى بن يحيى "وسنن أبي داود" وتلخيص المعنى إن الله تعالى ~~ضمن أن الخارج للجهاد ينال الخير بكل حال. فإما أن يستشهد فيدخل الجنة، ~~وأما أن يرجع بأجر أو به وغنيمة. # واعلم أن هذا الحديث قد عورض بالحديث الثابت في الصحيح " [ما من غازية، ~~أو سرية، تغزو فتغنم وتسلم، إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم] (¬2) وما من ~~غازية، أو سرية [(¬3)] تخفق وتصاب إلا تم [(¬4)] أجرهم" (¬5) والإخفاق أن ~~يغزو فلا يغنم شيئا ذكر القاضي عياض معنى ما ذكرناه من المعارضة عن غير ~~واحد. PageV10P295 # قال الشيخ تقي الدين (¬1): عندي أنه أقرب إلى موافقته منه إلى معارضته. # ويبعد جدا أن يقال بتعارضهما. نعم [كلا منهما] (¬2) مشكل. أما ذلك الحديث ~~فلتصريحه بنقصان الأجر بسبب الغنيمة. وأما هذا فلأن "أو" تقتضي أحد الشيئين ~~لا مجموعهما فيقتضي إما حصول [الغنية أو الأجر] (¬3) وقد قالوا: لا يصح أن ~~تنقص الغنيمة من أجر أهل بدر، وكانوا أفضل المجاهدين, وأفضلهم غنيمة، ويؤكد ~~هذا: تتابع فعل النبي - صلي الله عليه وسلم -[والصحابة] (¬4) من بعده على ~~أخذ الغنيمة وعدم التوقف عنها. # وقد اختلفوا -بسبب هذا الإشكال- في الجواب: فمنهم من جنح إلى الطعن في ~~ذلك الحديث، وقال: إنه لا يصح وزعم أن بعض رواته ليس بمشهور، وهذا ضعيف, ~~لأن مسلما أخرجه في كتابه. ومنهم من قال: إن هذا الذي تعجل من أجره ~~بالغنيمة من غنيمة أخذت على غير وجهها. # قال بعضهم: وهذا بعيد لا يحتمله الحديث. # وقيل: [إن] (¬5) هذا الحديث -أعني الذي نحن في شرحه- شرط فيه ما يقتضي ~~الإخلاص والحديث الذي في نقصان الأجر PageV10P296 # يحمل على من [(¬1)] طلب المغنم فهذا شرك بما [(¬2)] يجوز له التشريك فيه، ~~وانقسمت نيته بين الوجهين فنقص أجره، والأول أخلص فكمل أجره. # قال القاضي: وأوجه من هذا عندي في استعمال الحديثين على وجههما أن نقص ms1789 ~~أجر الغانم بما فتح الله عز وجل عليه من الدنيا، وحساب. ذلك بتمتعه عليه في ~~الدنيا وذهاب شغف عيشه في غزوه وبعده إذا قوبل بعن أخفق، ولم يصب منها ~~شيئا، وبقي على شظف عيشه والصبر على حالة في غزوه وجد أجر هذا أبدا في ذلك ~~وافيا مطردا بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث الأول: "فمنا من مات ولم ~~يأكل شيئا أجره شيئا. ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهد بها" (¬3). وأما ~~الإشكال في الحديث فظاهره جار على القياس, لأن الأجور قد تتفاوت بحسب زيادة ~~المشقات، لا سيما ما كان أجره بحسب مشقته، أو لمشقته دخول في الأجر. وإنما ~~يشكل عليه العمل المتصل بأخذ الغنائم. فلعل هذا من باب تقديم بعض المصالح ~~الجزئية على بعض. فإن ذلك الزمن كان الإسلام فيه غريبا -أعني ابتداء زمن ~~النبوة- وكان أخذ الغنائم عونا على علو الدين، وقوة [للمسلمين] (¬4) وضعفاء ~~المهاجرين، وهذه مصلحة عظمى، قد يغتفر لها [بعض] (¬5) النقص في PageV10P297 # الأجر من حيث هو هو. # وأما ما قيل في أهل بدر، فقد يفهم منه أن النقصان بالنسبة إلى [الأجر، ~~ولا] (¬1) ينبغي أن يكون كذلك، بل ينبغي أن يكون التقابل # بين كما في أجر المغازي نفسه إذا لم يغنم وأجره إذا غنم. فيقتضي هذا أن ~~يكون حالهم عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها, لا من حال غيرهم وإن كان ~~أفضل من حال غيرهم قطعا، فمن وجه آخر. لكن لا بد -مع هذا- من اعتبار ~~المعارض الذي [ذكرته] (¬2) فلعله [مع] (¬3) اعتباره لا يكون ناقصا. ويستثنى ~~حالهم من العموم الذي في الحديث الثاني. أو حال من يقاربهم في المعنى ~~[(¬4)]. # وأما هذا الحديث: الذي نحن فيه فإشكاله من كلمه "أو" أقوى من ذلك الحديث، ~~فإنه قد يشعر بأن الحاصل إما أجر، وإما غنيمة، فيقتضي أنه إذا حصلت الغنيمة ~~يكتفي بها له، وليس كذلك. # وقيل: في الجواب عن هذا بأن "أو" بمعنى الواو، وكان التقدير بأجر وغنيمة، ~~وهذا -وإن كان فيه ضعف من جهة العربية- ففيه إشكال من حيث أنه إذا كان ms1790 ~~المعنى يقتضي اجتماع الأمرين، كان ذلك داخلا في الضمان، فيقتضي أنه لا بد ~~من حصول أمرين لهذا المجاهد، إذا رجع مع رجوعه، وقد لا يتفق ذلك؛ بأن يتلف ~~ما PageV10P298 # حصل في الرجوع من الغنيمة. اللهم إلا أن يتجوز في لفظة "الرجوع إلى ~~الأهل" أو يقال: المعية في مطلق الحصول، لا في الحصول في الرجوع. # ومنهم من أجاب بأن التقدير: "أو أرجعه إلى أهله، مع ما نال من أجر وحده" ~~"أو غنيمة وأجر" فحذف "الأجر" من الثاني، وهذا لا بأس به؛ لأن المقابلة ~~إنما تشكل إذا كانت بين مطلق الأجر وبين الغنيمة مع الأجر. أما مع الأجر ~~المقيد بانفراده عن الغنيمة فلا. # [العاشر] (¬1): المراد بالقائم: المصلي. ففيه دلالة على فضل الجهاد، ~~والحث عليه، فإنه جعله يعدل درجة الصيام والقيام. # [الحادي عشر] (¬2): فيه أيضا دلالة على الإخلاص فيه، وأنه المقصود. # [الثالث عشر] (¬3): بيان تولى الله جزاءه كيف شاء. PageV10P299 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 419/ 4/ 80 - وعنه قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "ما من ~~مكلوم يكلم [في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى: اللون لون ~~[الدم] (¬1) والريح: ريح المسك"] (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الحديث ذكره البخاري في صحيحه في هذا الباب، وترجم عليه: باب ~~من يجرح في سبيل الله [عز وجل] (¬3) ثم ذكره بلفظ "والذي نفسي بيده لا يكلم ~~أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة ~~واللون لون الدم، والريح ريح المسك". # وذكره "مسلم" في أثناء الحديث الذي قبل هذا، عقب قوله PageV10P300 # "من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده! ما من كذا يكلم في سبيل الله، ~~إلا جاء يوم القيامة كهيئة حين كلم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك". # ثم ذكره من وجه عن أبي هريرة بلفظ: "كل كذا يكلمه المسلم في سبيل الله، ~~ثم يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجر دما. اللون لون دم والعرف عرف ~~المسك". # ثانيها: "المكلوم" المجروح و"الكلم" بفتح الكاف وإسكان اللام الجرح، ~~و"يكلم" بإسكان الكاف، أي: ms1791 يجرح. # ثالثها: مجيئه يوم القيامة، وهو يدمي لفوائد. # الأولى: ليشهد على ظالمه بالقتل شهادة ظاهرة، والدم في الفصل شاهد عجيب. # الثانية: ليظهر شرفه لأهل الموقف بانتشار رائحة المسك من جرحه، الشاهد له ~~ببذل نفسه في ذات الله تعالى. # الثالثة: أن هذا الدم (خصلة) خلقها الله [تعالى] (¬1) عليه في الحقيقة ~~أكرمه بها ليس الدنيا، فناسب أن يأتي بها يوم القيامة. # رابعها: في فوائده وأحكامه. # الأول: فضل الجراحة في سبيل الله. # الثاني: أن الشهيد لا يزال عنه الدم بغسل ولا غيره للحكمة التي ذكرناها. PageV10P301 # الثالث: أن أحكام الآخرة وصفاتها غير أحكام الدنيا وذواتها، فإن الدم في ~~الآخرة يتغير حكمه من النجاسة والرائحة الخبيثة التي في الدنيا إلى الطهارة ~~والرائحة الطيبة يوم القيامة، وبذلك يقع الإكرام له والتشريف، ويلزم من ~~[قوله عليه الصلاة والسلام: "اللون لون دم" أن يكون دما نجسا حقيقة، كما] ~~(¬1) يلزم من كون رائحته ريح مسك أن يكون مسكا حقيقة، بل يجعله الله تعالى ~~شيئا، يشبه هذا، ويشبه هذا بأشياء عما فارق الدنيا عليه كما أن إعادة ~~الأجسام مما كانت عليه في الدنيا، وإن اتصفت بصفات أخر من البقاء والدوام ~~بعد أن كانت غير دائمة ولا باقية، ولهذا يكونون في طول واحد وسن واحد جردا ~~مردا غير مختونين [(¬2)] فعلمنا أن الإعادة حق مما انتقلت عليه، وإن اكتسبن ~~أوصافا لم تكن [(¬3)]، ليس حكمه حكمها, ولا فضله فضلها، وكذلك أهل الوضوء ~~يبعثون يوم القيامة غرا محجلين من أثاره إكراما لهم وشهادة لهم بسبب عملهم ~~في الدنيا ليتميزوا به. # [الرابع] (¬4): أن الشهيد يبعث على حاله التي جرح عليها من الدنيا. # [الخامس] (¬5): ذكروا في الاستنباط من هذا الحديث أشياء PageV10P302 # متكلفة غير [صائرة على] (¬1) التحقيق، بل هي ضعيفة. # منها: أن المراعى في الماء تغير لونه، دون تغير رائحته، لأنه عليه الصلاة ~~والسلام سمى هذا الخارج من جرح الشهيد "دما" وإن كان ريحه ريح المسك، ولم ~~[يقل] (¬2) مسكا، فغلب الاسم للونه على رائحته، فكذلك الماء ما لم يتغير ~~(طعمه) (¬3) لم يلتفت إلى تغير رائحته، قال الشيخ ms1792 تقي الدين: وفي هذا نظر ~~يحتاج إلى تأمل، وهو كما قال: فإن فيه ذكر وصفين من غير تغليب لأحدهما على الآخر. # قال القاضي عياض: وهذا قولنا فيما تغيرت رائحته بالمجاورة وما تغير ~~بالمخالطة. # فعند مالك: يقول لا عبرة بالرائحة، وإنما الاعتبار باللون والطعم، ~~ويحكمون بنغيره بالرائحة بالإضافة والنجاسة، ومنها ما ترجم [عليه] (¬4) ~~البخاري (¬5) فيما يقع من النجاسات في الماء والسمن، قال القاضي: وقد يحتمل ~~أن حجته فيه الرخصة في الرائحة كما تقدم، أو التغليظ بعكس الاستدلال الأول، ~~فإن الدم لما انتقل بطيب رائحته من حكم النجاسة إلى الطهارة، ومن حكم ~~القذارة إلى الطيب بتغيير رائحته، وحكم له حكم المسك والطيب للشهيد، PageV10P303 # فكذلك الماء ينتقل إلى العكس بخبث الرائحة وتغير أحد أوصافه من الطهارة ~~إلى النجاسة. # ومنها قال القاضي: إن أبا حنيقة يحتج بهذا الحديث على جواز استعمال الماء ~~المضاف، المتغيرة أوصافه بإطلاق اسم الماء [عليه، كما يطلق] (¬1) على هذا ~~اسم الدم، وإن تغيرت أوصافه إلى الطيب، قال: وحجته بذلك ضعيفة (¬2). PageV10P304 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 419/ 5/ 80 - عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ~~صلي الله عليه وسلم -: "غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس ~~أو غربت" (¬1). أخرجه مسلم. # هذا الحديث هو من أفراد مسلم كما نص عليه وقد أسلفنا الكلام على "الغدوة ~~والروحة" في الحديث الثاني من أحاديث الباب. وقوله "خير مما طلعت عليه ~~الشمس وغربت"، وهو بمعنى "خير من الدنيا وما فيها"، وقد سلف الكلام عليه ~~واضحا، وإن كان قوله داوما فيها يشمل ما تحت طباقها مما أودعه الله من ~~الكنوز وغيرها بخلاف هنا، فإنه لا يشمله، وإن كان أشمل من وجه، فإن الشمس ~~تطلع على بعض السموات لأنها في السماء الرابعة وقيل: في السادسة. PageV10P305 ### ||| AUTO الحديث السادس # 420/ 6/ 80 - عن أن رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلي الله عليه ~~وسلم -: "غدوة في سبيل الله، أو روحة، خير من الدنيا وما فيها" (¬1). ~~وأخرجه البخاري. # هذا الحديث متفق عليه في الصحيحين، فقوله: "وأخرجه ms1793 البخاري" يعني مع مسلم ~~ويقع في بعض الشروح. أخرجه البخاري بحذف "الواو" فيوهم أنه من أفراده ~~فأحببت ذلك، وقد علم [(¬2)] له في "عمدته الكبرى" بعلامة البخاري فقط فأوهم ~~أنه من أفراده، وليس كذلك، وقد ساقه البخاري بزيادة "ولقاب قوص أحدكم من ~~الجنة أو موضع قيد -بمعنى سوطه- خير من الدنيا وما فيها. ولو أن امرأة ~~اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا ولنصيفها على رأسها خير ~~من الدنيا وما فيها". والنصيف الخمار، واعلم أن هذا الحديث كان يستغنى عنه ~~بالحديث السالف في الباب، وكذا حديث أبي أيوب الذي قبله أيضا، فإن هذا ~~الكتاب موضوع للاختصار، لا تجميع طرق الحديث. PageV10P306 ### ||| AUTO الحديث السابع # 421/ 7/ 80 - عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي - ~~صلي الله عليه وسلم - إلى حنين -وذكر قصة - فقال رسول الله -صلي الله عليه ~~وسلم -: "من قتل قتيلا عليه بينة فله سلبه قالها ثلاثا" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة. # ثانيها: صفة هذه القصة أن أبا قتادة قتل رجلا، وأخذ سلبه آخر. فلما قال ~~عليه الصلاة والسلام: "من قتل قتيلا" إلى آخره، وكان هذا القول بعد الفراغ ~~من القتال. قال ذلك الرجل: هو قاتله وعندي سلبه، فأرضه من حقه، فقال ~~الصديق: لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن ~~رسوله فيعطيك سلبه. فقال عليه الصلاة والسلام: "صدق فأعطه إياه" فأخذه ~~وباعه وكان درعا PageV10P307 # واشتريت به مخرفا في بني سلمة، وكان ذلك أول مال تأثلته في الإسلام" ~~(¬1)، وقوله: "ثلاثا"، أي كرر هذه اللفظة ثلاثا وذلك في # مجلس واحد بين كل واحدة بينهما فصل ما. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون قالها ~~متواليا ليكون أثبت في نفس السامع، وأن يكون # مفرقا. قلت: وهذا هو المصرح به في الحديث. # ثالثها: "حنين"، واد بين مكة والطائف وراء عرفات بينه وبين مكة بضعة عشر ~~ميلا، وهو معروف. # وبين غزوة "حنين" و"فتح مكة" خمس عشر ليلة، فإن الفتح كان ms1794 في عشرين رمضان ~~سنة ثمان "وحنين" خامس شوال منها وكان يقصر في هذه المدة الصلاة. # رابعها: روى أبو داود في "سننه" (¬2) من حديث أنس، أن أبا قتادة قتل ذلك ~~اليوم عشرين رجلا وأخذ أسلابهم. وفي رواية لأحمد (¬3): "فجاء أبو طلحة بسلب ~~أحد وعشرين رجلا". PageV10P308 # خامسها: "البينة" في الأصل هي العلامة، والمراد هنا علامة توضح أنه ~~القاتل: إما إخبار واحد، أو ظن راجح برؤية سهم القاتل أو سيفه أو نحو ذلك، ~~بما يرجح جانبه، فيما يدعيه من استحقاق السلب. # واعلم أن السلب منسوب إلى جميع الجيش، فلا يقبل إقرار من هو في يده أنه ~~القاتل على الباقين، إلا إذا كان مختصا به [فيؤاخذ] (¬1) بإقراره. # سادسها: السلب هو الشيء المسلوب سمي به, لأنه يسلبه كالمخيط بمعنى ~~المخيوط، وهو عندنا ثياب القتيل والخف وآلات الحرب: كدرع وسلاح ومركوب وسرج ~~ولجام وكذا سوار ومنطقة وخاتم [ونفقته] (¬2) معه وجنيبة تقاد معه لا حقيبة ~~مشدودة على الفرس كما بسطته في كتب الفروع. # وعن أحمد: الفرس ليست من السلب. # سابعها: في فوائده وأحكامه. # الأول: أن السلب للقاتل، لعموم هذا الحديث، ولا ينبغي هذا أن يكون السلب ~~للجيش أولا ثم أعلم عليه الصلاة والسلام أنه للقاتل مقبلا غير مدبر. # واختلف العلماء فيه على قولين: # أحدهما: أنه يستحقه، سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من PageV10P309 # قتل قتيلا فله سلبه، أو لم يقل ذلك، وبه قال الشافعي، والأوزاعي، والليث، ~~والثوري، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق، وابن جرير وغيرهم، قالوا: وهذا الحديث ~~فتوى منه عليه الصلاة والسلام وإخبار عن حكم الشرع، فلا يتوقف على قول أحد (¬1). # والقول الثاني: لا يستحق القاتل ذلك لمجرد القتل، وإنما هو لجميع ~~الغانمين: كسائر الغنيمة، إلا أن يقول قبل القتال "من قتل قتيلا فله سلبه" ~~وبه قال مالك وأبو حنيفة ومن تابعهما، وحملوا الحديث على هذا، وجعلوا هذا ~~إطلاقا من النبي - صلي الله عليه وسلم -, وليس بفتوى وإخبار عام (¬2). # واستضعف هذا: فإنه صرح في هذا الحديث في الصحيح بأنه عليه الصلاة والسلام ~~قال هذا بعد الفراغ من ms1795 القتال واجتماع الغنائم (¬3). وقال الشيخ تقي الدين ~~(¬4): هذا يتعلق بقاعدة، وهي أن PageV10P310 # تصرفات الشارع في أمثال هذا إذا ترددت بين التشريع، والحكم الذي يتصرف ~~فيه ولاة الأمور، هل يحمل على الأول أو على الثاني؟ والأغلب حمله على ~~الأول، إلا أن مذهب مالك في هذه المسألة فيه قوة, لأن قوله عليه الصلاة ~~والسلام من قتل قتيلا" (¬1) [إلى آخره] (¬2) يحتمل [(¬3)] الأمرين [6] (¬4) ~~[لكن] (¬5) جاءت أمور في أحاديث ترجح الخروج [عن الأغلب] (¬6) [حمله] (¬7) ~~مثل قوله عليه الصلاة والسلام بعدما أمر أن يعطي السلب [للقاتل] (¬8) فقابل ~~هذا القاتل خالد بن الوليد بكلام فقال عليه الصلاة والسلام بعده "لا تعطه ~~يا خالد" (¬9). # فلو كان مستحقا له بأصل التشريع لم يمنعه منه بسبب كلامه لخالد فدل على ~~أنه كان على وجه النظر فلما كلم خالد بما يؤذيه استحق العقوبة بمنعه، نظرا ~~إلى غير ذلك من الدلائل. PageV10P311 # قلت: قد أجبت عن هذا الحديث بجوابين: # أحدهما: لعله أعطاه بعد ذلك للقاتل، وإنما أخبره تعزيرا له لإطلاقه ~~لسانه، في حق خالد وانتهاك حرمة الوالي ومن ولاه (¬1). PageV10P312 # الثاني: لعله استطاب قلب صاحبه, فتركه باختياره، وجعله للمسلمين، وكأن ~~المقصود بذلك استطابة قلب خالد للمصلحة في إكرام الأمراء (¬1)، فتكون واقعة ~~عين لا تقتضي العموم. وفي المسألة قول ثالث، أنه إن كان السلب يسيرا فهو ~~للقاتل، وإن كان كبيرا خمس، وسيأتي وفي "سنن أبي داود" بإسناد جيد من حديث ~~عوف بن مالك وخالد بن الوليد أنه عليه الصلاة والسلام قضى بالسلب للقاتل، ~~و"لم يخمس السلب" (¬2)، وأخرجه أبو حاتم بن حبان في "صحيحه" عن عوف أنه ~~عليه الصلاة والسلام "لم يخمس السلب" (¬3)، وفي صحيح مسلم بمعناه. # الثاني عشر: شرط الشافعي في استحقاقه أن يغزو بنفسه في قتل كافر ممتنع في ~~حال القتال، والأصح أن القاتل لو كان ممن له رضخ ولا سهم له كالمرأة والصبي ~~والعبد يستحق السلب أيضا. # وقال مالك: لا يستحقه إلا القاتل. # وقال الأوزاعي والشاميون: لا يستحق [السلب] (¬4) إلا في قتيل قتله قبل ~~التحام [القتل] (¬5) فأما من قتل في حال التحام [القتل] ms1796 (¬6) فلا PageV10P313 # يستحقه (¬1). # وقال أبو ثور وابن المنذر: ويستحقه وإن كان المقتول منهزما (¬2). # وقال أحمد: لا يكون إلا في المبارزة. # الثالث: اختلفوا في تخميس السلب على أقوال. # أصحها: عند الشافعية لا يخمس، لظاهر الحديث، بل صريح حديث عوف وخالد ~~السالفين، وبه قال أحمد وابن جرير وابن المنذر وآخرون (¬3). # وثانيها: نعم، وهو قول مكحول ومالك والأوزاعي، وهو قول ضعيف للشافعي (¬4). # ثالثها: نعم، إذا كثر، وبه قال عمر بن الخطاب وإسحاق بن راهويه فعله عمر ~~مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان فقتله، فكان PageV10P314 # قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألف فخمس ذلك (¬1). # وعنه: أنه يخمس على القاتل وحده. # ووقع في "شرح الفاكهي" عقب هذا نقلا عن ابن عطية (¬2) أنه روى [في ذلك] ~~(¬3) حديث عن النبي - صلي الله عليه وسلم - في أبي داود، وهو حديث مالك بن ~~عوف الأشجعي. انتهى. وهذا الحديث هو في عدم التخميس كما أسلفته في ذلك ~~وراويه "عوف بن مالك" لا "مالك بن عوف". # وعن مالك: رواية أجازها إسماعيل القاضي أن الإمام بالخيار، إن شاء خمسه، ~~وإن شاء لم يخمسه (¬4). # الرابع: أن السلب لا يعطي إلا لمن له بينة بأنه قتل ولا يقبل قوله بغير ~~بينة، وهو مذهب الشافعي والليث ومن وافقهما من المالكية وغيرهم. ونقله ابن ~~عطية عن الجمهور (¬5). وقال مالك PageV10P315 # والأوزاعي: يمطي لقوله بلا بينة، قالا لأنه عليه الصلاة والسلام أعطاه ~~السلب في هذا الحديث بقول واحد، ولم يحلفه (¬1). # وأجاب الأول: بأنه محمول على أنه عليه الصلاة والسلام علم أنه القاتل ~~بطريق، وقد صرح - صلى الله عليه وسلم - بالبينة فلا تلغى. وقد يقول المالكي ~~هذا مفهوم وليس هو بحجة، وقد يجاب: بأنه عليه الصلاة والسلام سماها بينة، ~~وعمل بها فيه مع قوله "لو يعطي الناس بدعواهم [لادعى ناس دماء رجال، ~~وأموالهم، و] (¬2) لكن البينة على المدعي" الحديث. # وأبعد بعض المالكية، فقال: إنه عليه الصلاة والسلام إنما أعطاه ببينة، ~~وفي الشاهدان: # أحدهما: أن السلب شاهد عرفي على أنه قتله، وهو بمنزلة الشاهد الواحد، ~~ولذلك جعل لوثا في باب القسامة يحلف ms1797 مع الورثة. والآخر: هو الذي له شهد له ~~به، واحتج بعضهم للأول بأن أبا قتادة إنما استحق السلب بإقرار من هو بيده، ~~وهو ضعيف؛ لأن الإقرار إنما ينفع إذا كان المال منسوبا إلى من هو في يده ~~فيؤخذ بإقراره والمال هنا منسوب إلى جميع الجيش فلا يقبل إقرار بعضهم على ~~الباقين. # ونقل ابن عطية (¬3): عن أكثر الفقهاء أن البينة هنا واحد بحكم حديث أبي ~~قتادة وضعف قول الأوزاعي، وهو قول عديم النظير. PageV10P316 # الخامس: استدل بعضهم لقول الأوزاعي وسحنون أنه لا يستحق السلب إلا من قتل ~~أو أنفذ المقاتل، فأما إذا أسره، فإنه لا يستحق، وهو قول للشافعي والأصح ~~أنه يستحقه, لأنه كفى شره فهو في معنى [قتله] (¬1). # السادس: استدل به ابن رشد منهم في كتاب -الجعل والإجارة- من "المقدمات" ~~على جواز الجعل. وفيه نظر، فإن شرطه أن يكون معلوما إلا ما استثنى للحاجة. # السابع: استحباب إعادة المفتي أو العالم الكلام مرات لقصد الإبلاغ ~~والبيان. # خاتمة: يؤخذ من إيراد المصنف جواز تقطيع الحديث الواحد من العارف باللفظ ~~والمعنى إذا لم يكن للجملة المقطوعة تعلق بما قبلها، وقد فعل هذا البخاري ~~وغيره من العلماء المحققين. # وفيه أيضا التنبيه: على اختصار تلك الجملة من الحديث بلفظ يدل عليه ~~بقوله، وذكر قصة أوحديث قال فيه كذا أو نحو ذلك، فيجمع بين الاختصار ~~والتنبيه على أنه بعض حديث. PageV10P317 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 422/ 8/ 80 - عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: أتى النبي - صلي الله ~~عليه وسلم -[عين من المشركين -وهو في سفر- فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم ~~انفتل، فقال [النبي - صلي الله عليه وسلم -] (¬1): "اطلبوه واقتلوه" ~~فقتلته، فنفلني سلبه. # وفي رواية، فقال: "من قتل الرجل؟ فقالوا: ابن الأكوع، فقال: "له سلبه. ~~اجمع"] (¬2). # الكلام عليه وجوه: # أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في صلاة الجمعة، وأنه منسوب إلى جده، ~~فإنه سلمة بن عمرو بن الأكوع. # ثانيها: اللفظ الأول الذي أورده المصنف هو للبخاري، إلا أنه PageV10P318 # قال "فنفله سلبه" بدل "فنفلني رسول الله - صلي الله عليه وسلم - سلبه"، ~~وهو ms1798 بمعناه، وترجم عليه الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان. # والرواية الثانية: هي لفظ مسلم، وذكر أن ذلك في غزوة هوازن، وساقه مطولا ~~وأدخله أبو "داود" في باب الجاسوس المستأمن. # ثالثها: "الجاسوس" هو صاحب سر الشر، كما أن الناموس صاحب سر الخبر، يقال: ~~اعتان له إذا أتاه بالخبر، ويقال له: ذو العينين أيضا والعين من الألفاظ ~~المشتركة، تطلق بإزاء أمور: # أحدها: ما ذكرنا. # ثانيها: حاسة الرؤية. # ثالثها: عين الماء. # رابعها: عين الركبة، ولكل ركبة عينان، وهي نقرتان في مقدمها عند الساق. # خامسها: عين الشمس. # سادسها: الدينار. # سابعها: المال الفاض. # ثامنها: عين الميزان, وهي ترجيح إحدى الكفتين على الأخرى. # تاسعها: عين الشيء خياره. # عاشرها: عين الشيء نفسه، يقال هو هو عينا وهو هو عينه. # الحادي عشر: المعاينة، ومنه قولهم: لا أطلب أثرا بعد عين، أي: بعد ~~معاينة. PageV10P319 # الثاني عشر: القليل بلد قليل العين، أي: قليل الناس. # الثالث عشر: ماء عن يمين قبلة العراق يقال: أنشأت السحابة من قبل العين. # الرابع عشر: العين مطر أيام لا [يقلع] (¬1). # الخامس عشر: أسود العين [جبل] (¬2). # السادس عشر: رأس عين بلدة. # السابع عشر: العين من حروف المعجم. # الثامن عشر: يقال هو عبدي عين: أي هو كالعبد ما دمت تراه، فإذا غبت فلا. # التاسع عشر: يقال: أنت على عيني في الإكرام والحفظ جميعا، قال تعالى: ~~{ولتصنع على عيني (39)} (¬3). # العشرون: يقال في الجلد عين، وهي دوائر رقيقة، وذلك عيب فيه (¬4). # رابعها: "السلب" تقدم بيانه في الحديث قبله والسلب الذي أخذه ابن الأكوع، ~~هو جمل أحمر، عليه رحله وسلاحه، كما جاء مبينا في "صحيح مسلم". PageV10P320 # ولا يحضرني اسم هذا الرجل المقتول بعد البحث عنه. # و"النفل" بالفاء العطاء من الغنيمة غير السهم المستحق بالقسمة، فهو ~~الزائد على الواجب، ومنه نافلة الصلاة. والنافلة: ولد الولد. والأنفال: ~~العطايا [واحد] (¬1) نفل بفتح الفاء وتسكن أيضا. ويقال: نفل تنفيلا، وذكر ~~بعضه أهل اللغة: أن الأنفال الغنائم وأطلقه الفقهاء على ما يجعله الإمام ~~لبعض الغزاة لأجل الترغيب وتحصيل مصلحة أو عوض عنها. # خامسها: في أحكامه: ms1799 # أحدها: الجلوس عند أصحابه لإيناسهم بالحديث وتعليم العلم خصوصا في ~~الأسفار ووقت الحاجة إلى ذلك، وفي "صحيح مسلم" أن ذلك كان وقت التضحي فإنه ~~قال: "بينا نحن نتضحى معه إذ جاء رجل" فذكره. # ثانيها: الأمر بطلب الجاسوس الكافر الحربي وقتله، والإجماع قائم على ذلك، ~~لما فيه من كشفه لعورات المسلمين. واختلف العلماء في الجاسوس المعاهد ~~والذمي، هل ينقض عهده ويقتل؟ على قولين: # أحدهما: يصير ناقضا للعهد بذلك، فإن رأى الإمام استرقاق أرقه، ويجوز قتله. # ثانيهما: لا ينتقض عهده بذلك، وبه قال جمهور العلماء، قال الشافعية: إلا ~~أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك. PageV10P321 # أما الجاسوس المسلم: فقال الشافعي، والأوزاعي [وأبو حنيفة] (¬1) وبعض ~~المالكية والجمهور: يعزره الإمام بما يراه من ضرب وحبس ونحوهما, ولا يجوز قتله. # وقال مالك: يجتهد فيه الإمام، ولم يفسر الاجتهاد، ونقل القاضي عياض: عن ~~أكابر [أصحابه] (¬2) أنه يقتل، قال: واختلفوا في تركه بالتوبة، وقال [ابن] ~~(¬3) الماجشون: إن عرف [قتل] (¬4) وإلا عزر. # ثالثها ورابعها: أن القاتل يستحق السلب، وأنه لا يخمس، وتقدم الكلام فيه ~~في الحديث قبله واضحا. وقد يحتج به من يراه غير واجب بالشرع، بل بتنفيل ~~الإمام، لقوله "فنفلنيه"، وفيه ضعف ما. # [رابعها] (¬5): أنه يستحق سلبه وإن كان هاربا، وقد ذكر الفقهاء صورا فيما ~~يستحقه القاتل وترددوا في بعضها، فإن كان اسم السلب منطلقا على كل ما معه، ~~فقد يستدل به فيما اختلف فيه من بعض الصور، بل يستدل به على أنه كل ما على ~~القتيل كيف كان, لأنه لم يستثن مما عليه شيئا. PageV10P322 # [خامسها] (¬1): استحباب سؤال الإمام عمن فعل فعلا جميلا ليثني عليه ~~ويعطيه ما يستحق عليه. # [ثامنها] (¬2): استحباب مجانسة الكلام إذا لم يكن فيه تكلف ولا فوات مصلحة. # [تاسعها] (¬3): مبادرة الرعية إلى امتثال أمر إمامهم ما لم يكن معصية، ~~فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. # [عاشرها] (¬4): قال القاضي: فيه جوازتنفيل جميع ما أخذته السرية, لأن ~~سلبه كان جملة ما غنموه، وما كان مع سلمة غيره من الذين بعثهم النبي - صلي ~~الله عليه ms1800 وسلم -، ولا يخلو ما ذكره من نظر. PageV10P323 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 423/ 9/ 80 - " عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله [- ~~صلي الله عليه وسلم - سرية إلى نجد، فخرجت فيها، فأصبنا إبلا وغنما، فبلغت ~~سهماننا: اثنى عشر بعيرا، ونفلنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بعيرا ~~[بعيرا] (¬1)] (¬2) " (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: ذكر "الغنم" من أفراد مسلم، كما نبه عليه عبد الحق في "جمعه". # ثانيها: قوله: "قبل نجد" كذا هو في الصحيحين، وفي رواية لمسلم "إلى نجد". PageV10P324 # ونجد: ما بين جرش إلى سواد الكوفة وحده, مما يلي المغرب الحجاز، وعن يسار ~~الكعبة اليمن، ونجد: كلها من عمل اليمامة قال صاحب المطالع. وقال ابن ~~الأثير (¬1): النجد: ما ارتفع من الأرض، وهو اسم خاص لما دون الحجاز، مما ~~يلي العراق. # ثالثها: "السرية": قطعة من الجيش أربعمائة ونحوها ودونها. وفي الحديث ~~"خير السرايا أربعمائة"، سميت: لأنها تسري في الليل ويخفى ذهابها، وهي ~~فعيلة بمعنى فاعلة. يقال: أسري وسرى إذا ذهب ليلا. # رابعها: قوله "فبلغت سهماننا اثنا عثر بعيرا". قال النووي: هو في بعض ~~النسخ يعني نسخ مسلم هكذا، وهو ظاهر، وفي أكثرها "اثنى عشر" (¬2) وهو صحيح ~~على لغة من يجعل المثنى بالألف مطلقا، وهو لغة أربع قبائل من العرب. وقد ~~كثرت في كلامهم. ومنها قوله تعالى: {إن هذان لساحران} (¬3). # خامسها: قوله "ونفلنا" قد تقدم الكلام على النفل في الحديث قبله. # سادسا: قوله: ["فكانت] (¬4) سهماننا اثنى عشر بعيرا"، أي سهم كل واحد ~~منهم. وقيل: معناه سهمان جميع الغانمين اثنى عشر، وهو غلط، فقد جاء في ~~رواية لأبي داود وغيره أن الاثنى عشر بعيرا PageV10P325 # كانت سهمان كل واحد من الجيش والسرية، ونفل السرية سوى هذا بعيرا بعيرا. ~~وهذا لفظه "بعثنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - في جيش قبل نجد، ~~وانبعثت سرية من الجيش، فكان سهمان الجيش اثنى عشر بعيرا اثنى عشر بعيرا، ~~ونفل أهل السرية بعيرا بعيرا، فكانت سهمانهم ثلاثة عشر ثلاثة عشر". # سابعها: في أحكامه: # الأول: استحباب بعث السرايا للجهاد. # الثاني: ms1801 إثبات النفل، وهو مجمع عليه كما سلف، واختلف في محله، هل هو من ~~أصل الغنيمة أو من أربعة أخماسها أو من خمس الخمس [وهي ثلاثة أقوال ~~للشافعي، وبكل منها قال جماعة من العلماء. # والأصح عندنا: أنه من خمس الخمس] (¬1). # وبه قال سعيد بن المسيب (¬2) ومالك وأبو حنيفة وآخرون. PageV10P326 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV10P327 # وممن قال إنه من أصل الغنيمة (¬1): الحسن البصري والأوزاعي وأحمد، وأبو ~~ثور وآخرون، والذي يقرب من هذا الحديث أن هذا # التنفيل كان من الخمس، لأنه أضاف الاثنى عشر إلى سهمانهم. فقد يقال: إنه ~~إشارة إلى ما تقرر لهم استحقاقه، وهو الأخماس الأربعة الموزعة عليهم، فيبقى ~~النفل من الخمس، واللفظ يحتمل لغير ذلك احتمالا قريبا، وإن استبعد بعضهم أن ~~يكون هذا النفل إلا من الخمس من جهة اللفظ، فليس بالواضح الكبير نبه على ~~ذلك الشيخ تقي الدين (¬2). وقد قيل: إنه تبين أن كون هذا النفل من الخمس من ~~مواضع أخر. أن تنفل السرية جميع ما غنمت دون باقي الجيش، وهو خلاف ما عليه ~~العلماء كافة قال أصحابنا: ولو نفلهم الإمام من أموال بيت المال العتيدة ~~دون الغنيمة جاز. PageV10P328 # ثم التنفيل يكون لمن فعل جميلا في الحرب انفرد به. # الثالث: إثبات التنفيل للترغيب [في تحصيل] (¬1) مصالح القتال، ثم الجمهور ~~على أن التنفيل يكون في كل غنيمة، سواء الأولى وغيرها، وسواء غنيمة الذهب ~~والفضة وغيرهما. وقال الأوزاعي وجماعة من التابعين: لا ينفل في أول [غنيمة] ~~(¬2) ولا ينفل ذهبا ولا فضة (¬3) واستحبه مالك مما يظهر كالعمامة والسيف ~~والقوس. # الرابع: وجوب القسمة في الغنائم، وهو إجماع. # الخامس: استدل به الباجي (¬4) على قسمة أعيان الغنيمة لا أثمانها، وعند ~~المالكية فيها ثلاثة أقوال حكاها صاحب "الذخيرة". # ثالثها: التخيير، قالوا: فلعل الحديث إنما دل على التخيير فأوقع أحد ~~المخبرين لها على قسمة الأعيان ولا بد. # السادس: جاء في رواية لمسلم "ونفلوا بعيرا بعيرا" فلم يعب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - والجمع (¬5) بين هذه ورواية الكتاب أن أمير السرية ~~نفلهم فأجازه النبي - صلي الله عليه وسلم - فيجوز نسبته إلى كل ms1802 واحد منهما، ~~ونسبته منه أن أمير الجيش إذا فعل شيئا من المصالح المتعلقة بالجيش من PageV10P329 # نفل وغيره، لا ينقضه الإمام بل يقره. # السابع: أن السرية إذا انفصلت من الجيش فجاءت بغنيمة، فإنها تكون مشتركة ~~بينها وبين الجيش, لأنهم ردا لهم، أما إذا كان # الجيش في البلد فتختص الغنيمة بالسرية، ولا يشارك فيها. # الثامن: قال الشيخ تقي الدين: قد يستدل على أن المنقطع منها عن جيش ~~الإمام ينفرد بما يغنمه، من حيث إنه يقتضي أن السهمان كانت لهم. ولا يقتضي ~~أن غيرهم شاركهم فيها. وإنما قالوا بمشاركة الجيش لهم إذا كانوا قريبا ~~[منهم] (¬1)، يلحقهم عونه وغوثه # [إذا] (¬2) احتاجوا. قلت: حديث أبي داود صريح في التشريك بينهم، وما ذكره ~~آخرا هو مذهب مالك. # التاسع: قال القاضي: اختلف في هذا النفل: هل كان بعد القسمة أو قبلها؟ ~~وفي "مسلم" ما يدل على أنه بعد القسمة من الخمس أيضا، ولأن قوله: "ونفلنا ~~بعيرا بعيرا" لو كان من المغنم لم يكن له فائدة, لأن ذلك يكون حالهم لو لم ~~ينفلوا، وقسمت بينهم الأخماس الأربعة. # خاتمة: قال ابن عبد البر (¬3): النفل على ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يريد الإمام تفضيل بعض الجيش لقتاله وبلائه، فينفله من الخمس، ~~واستحبه بعضهم من خمس الخمس المختص به عليه الصلاة والسلام. PageV10P330 # ثانيها: أن يبعث الإمام سرية من العسكر فينفلها ما غنمت دون العسكر، فحقه ~~أن يخمس ما غنمت، ثم يعطى السرية مما بقي بعد # الخمس ما شاء أو لا يزيد على الثلث, لأنه أقصى ما روي في النفل عليه ~~الصلاة والسلام. # ثالثها: أن يحرض الإمام أهل العسكر على القتال قبل لقاء العدو، وينفل ما ~~شاء منهم أو جميعهم مما يفتح الله عليه الربع أو الثلث. وكره مالك هذا لخبث ~~النية لسببه وأجازه بعض السلف. PageV10P331 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 424/ 10/ 80 - عن عبد الله بن عمر عن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: ~~"إذا جمع الله الأولين والآخرين، يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان ~~بن فلان" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا ms1803 الحديث اتفق على إخراجه أيضا من حديث أنس (¬2) وابن مسعود ~~(¬3)، وانفرد مسلم بإخراجه من حديث أبي سعيد PageV10P332 # الخدري (¬1)، وفي بعض طرقه "لواء يوم القيامة يعرف به". # ثانيها: "الغدر" في اللغة ترك الوفاء (¬2) يقال: غدرته بغدر بكسر الدال ~~في المضارع فهو غادر. # و"اللواء" بالمد جمعه ألوية، قال أهل اللغة (¬3): عبارة الجوهري إنها ~~المطارد، وهي دون الأعلام، والسود هو الراية العظيمة، لا يمسكها إلا صاحب ~~جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش، ويكون [الناس] (¬4) تبعا له. # وأصل رفع اللواء: الشهرة والعلامة، ولهذا جاء في رواية في صحيح مسلم ~~"يرفع له بقدر غدرته". وكانت العرب تنصبها في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر ~~لتشهيره بذلك لتتم فضيحته، قال القاضي (¬5): واللواء يوم القيامة على ثلاثة ~~أوجه: لواء غدر، ولواء شعر، ولواء فخر، فالأول لمن نقض العهد للغدر في ~~الجهاد فيجعل علامة له في ذلك المحل العظيم، فإنه قد اخفى غدره في الدنيا. PageV10P333 # والثاني: لواء امرئ القيس. والثالث: لواء سيدنا رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم - وهو لواء الحمد الذي اختص به من دون سائر الرسل والأنبياء. # ثالثها: هذا الحديث ونحوه وارد على نهي الإمام عن الغدر في عهوده لرعيته ~~أو للكفار أو غيرهم أو غدره للأمانة التي قلدها الله لرعيته، وألزم القيام ~~بها والمحافظة عليها. # رابعها: في فوائد: # الأول: غلظ تحريم الغدر من صاحب الولاية العامة وغيره، لأن غدره يتعدى ~~[ضرره] (¬1) إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى الغدر، لقدرته على الوفاء، ~~كما صح: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك ~~كذاب، وشيخ زان، وعائل مستكبر"، ولا شك أن الغدر في الحرب والاغتيال فيه ~~وغيره ممنوع شرعا، خصوصا إن تقدم ذلك عهد أو أمان، وقلنا: إن الدعوة إلى ~~الإسلام واجبة قبل القتال، وذلك كله متعلق بالإمام، ولفظ الحديث عام في ~~الإمام وغيره، لكن غدر الإمام أعظم، كما جاء في "صحيح مسلم" (¬2) من حديث ~~أبي سعيد الخدري "ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة". # الثانية: شهرة الناس والتعريف بهم في القيامة بالنسبة إلى ms1804 آبائهم، خلاف ~~ما حكى أن الناس يدعون في القيامة بالنسبة إلى PageV10P334 # أمهاتهم (¬1)، كذا قاله الشيخ تقي الدين (¬2)، وقد يقال هذا الفرد خاص، ~~وليس فيه عموم كل الناس. PageV10P335 # الثالثة: اجتناب الأخف خوفا من الأشد، فإن فضيحة القيامة أشد من فضيحة ~~الدنيا، نسئل الله الستر. # الرابعة: عقوبة الغادر بعكس خيانته كما أسلفناه، ووقع في "الموطأ" (¬1) ~~عن ابن عباس أن عقوبهم تسليط العدو عليهم، ولفظه: "ما [خنز] (¬2) قوم ~~بالعهد إلا سلط عليهم [العدو] (¬3))، قال الباجي (¬4): عقوبنهم في الدنيا، ~~قال القاضي (¬5): ولسبب عظيم، الغدر منع قوم من الجهاد مع ولاة الحرب إذا ~~كانوا يغدرون، وأجازوا إذا كانوا لا يغدرون. PageV10P336 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # 425/ 11/ 80 - " [عنه أيضا] (¬1) أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي - صلي ~~الله عليه وسلم - مقتولة، فأنكر النبي - صلي الله عليه وسلم - قتل النساء ~~والصبيان" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذه المقتولة لم أر من سماها بعد البحث عنه. # ثانيها: النساء [جمع] (¬3) لا واحد له من لفظه، وكذلك النسوان والنسوة، ~~والصبيان: بكسر الصاد وضمها جمع صبي. # ثالثها: أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتلها إذا لم ~~يقاتلوا؛ لأنه ليس في نفوسهم من إحداث الضرر والميل إليه ما في نفوس الرجال ~~المقاتلين. # والأصل عدم إتلاف النفوس وإنما أبيح من إتلافها ما يقتضيه دفع المفسدة، ~~والغالب عدم القتال منها، فرفع عنهم القتل لعدم PageV10P337 # مفسدة المقاتلة حالا، ورجاء هدايتهم مآلا، فإن قاتلوا. قال جمهور ~~العلماء: يقتلون. # وعند المالكية: أن المرأة إذا كان لها رأي تقتل. وعندهم أربعة أقوال فيما ~~إذا قاتلت. # ثالثها: إن قتلت قتلت وإلا فلا. # رابعها: تقتل عند قتالها خاصة. # وفيمن اقتصرت على الرمي بالحجارة: قولان عندهم. # وفي المترهبات منهن: قولان أيضا لهم. # وعندهم أن المراهق: يقتل إذا قاتل. # وأما الشيوخ: فإن كان فيهم رأي قتلوا، وإلا ففيهم وفي الرهبان خلاف. # والأصح عند الشافعية: قتلهم. # وقال أبو حنيفة ومالك: لا يقتلون، وحكاه ابن هبيرة عن أحمد أيضا. # لنا حديث الحسن عن سمرة رفعه "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" ~~(¬1)، رواه أبو داود والترمذي، ms1805 وقال: حسن صحيح غريب. # قال الحسن: ولو خرجوا مع رجالهم إلى بلاد [المسلمين] (¬2) يقتلون. PageV10P338 # قال الأوزاعي: كذا إذا كانت حارسة للعدو. # قال القاضي (¬1): واختلف أصحابنا إذا قاتلوا ثم لم يظفر بهم بعد أن يرد ~~القتال أو أسروا: هل يقتلون؟ على قولين (¬2). # تنبيه: يجوز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعد، كما ثبت في ~~"الصحيحين" (¬3) من حديث الصعب بن جثامة. PageV10P339 ### ||| AUTO الحديث الثاني عشر # 426/ 12/ 80 - عن أن بن مالك رضي الله عنه "أن عبد الرحمن بن عوف والزبير ~~بن العوام، [شكيا] (¬1) القمل إلى في [غزاة] (¬2) لهما فرخص لهما في قميص ~~الحرير، ورأيته عليهما" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة. # والتعريف بعبد الرحمن بن عوف: سلف في باب الصداق. # والزبير: حواري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن عمته صفية وأحد ~~العشرة وأحد أعلام السابقين البدريين. قتل في جمادي الأولى سنة ست وثلاثين، ~~قتله عمرو بن جرموز وقبره بوادي السباع من ناحية البصرة PageV10P340 # مشهور بها. وترجمته موضحة فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب. # ثانيها: هذا الحديث ذكره البخاري في باب الحرير في الحرب من كتاب الجهاد، ~~بلفظ "أن عبد الرحمن والزبير [شكيا] (¬1) إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يعني القمل - فأرخص لنا في الحرير، فرأيته عليهما في "غزاة". # ولفظ "مسلم": "إنهما شكوا إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - القمل ~~فرخص لهما في قميص الحرير في غزاة لهما". # ثالثها: لو ذكر المصنف هذا الحديث في باب اللباس، لكان أنسب من ذكره هنا, ~~لأنه من المخصص لعموم النهي عن لبس الحرير، وهو مناسبته هنا عموم حاجة ~~المغازي إلى ذلك. # رابعها: يقال: شكيت وشكوت. وقد ذكر الحديث بهما. # الفاكهي: وكأن الواو أكثر والشكوى إخبارك عن المشكو بسوء فعله بك. قال ~~الجوهري (¬2): في المصدر شكوى وشكاتة وشكية وشكاة، والاسم: الشكوى. # خامسها: الحديث دال على جوازه، لأجل هذه المصلحة، وهي دفع القمل ~~للمداواة، فإن برودته تدفعه، ولعله تعين لذلك في دفعه في ذلك الوقت، وقد ~~سماه ms1806 الراوي رخصة لأجل الإباحة مع قيام دليل الخطر. PageV10P341 # ومن الشافعية: من خص جواز ذلك بالسفر، واختار ابن الصلاح منهم لظاهر ~~الحديث. # والأصح: الجواز حضرا وسفرا. # وقال مالك (¬1): لا يجوز لبسه مطلقا. والحديث حجة عليه ولا تعارض. فحديث ~~"أن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" (¬2) لما لا يخفى. # سادسها: ثبت في "الصحيحين" أيضا من حديث أنس أنه عليه الصلاة والسلام ~~[أرخص] (¬3) لهما -أعني ابن عوف والزبير- في قميص الحرير لحكة كانت بهما أو ~~وجع كان بهما"، فيحتمل أنه أرخص لهما لدفع القمل مرة، وللحكة أخرى، ويحتمل ~~أنهما اجتمعا لهما، والحكمة في جوازه للحكه أن برودته يمنع منها. وخالف ~~مالك فيه، والحديث حجة عليه، وهو وجه بعيد عند الشافعية وفي وجه ثالث: لهم ~~يجوز ذلك في السفر دون الحضر، لظاهر رواية في مسلم، أن ذلك كان في السفر، ~~لكن جواب هذا أن الرخصة معقوله فتعدى، والسؤال صادف حالة السفر، فلا يتقيد به. # سابعها: يباح أيضا لمن خاف من حر أو برد لم يجد غيره، PageV10P342 # وكذلك لمن فاجأته الحرب، ولم يجد غيره وكذا الديباج الثخين الذي لا يقوم ~~غيره مقامه في دفع السلاح، كما سلف في بابه. # ثامنها: استحب ابن الماجشون لباس الحرير في الغزو، أو لا يقصد به الخيلاء ~~الممنوعة، حكاه عنه صاحب "المعلم" ومن الشافعية من جوز اتخاذ القباء ونحوه ~~ما يصلح للحرب ولبسه فيها على الإطلاق لما فيه من حسن الهيئة وزينة ~~الإسلام: كتحيلة السيف. # تاسعها: استدل الطبري بهذا الحديث على أن كل علة تضطر [إنسان] (¬1) إلى ~~لبس الحرير ويرتجى بلبسها خفته أنه يجوز معها لباسه. PageV10P343 ### ||| AUTO الحديث الثالث عشر # 427/ 13/ 80 - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال: كانت أموال بني ~~النضير: مما أفاء الله على رسوله -[صلى الله عليه وسلم -] (¬1)، مما لم ~~يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- خالصة، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعزل نفقة أهله سنة، ثم ~~يجعل ما بقي في الكراع والسلاح، عدة في سبيل ms1807 الله عز وجل" (¬2). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الحديث، لما ذكره المصنف في "عمدته الكبرى" عزاه إلى الترمذي، ~~ثم قال: ومتفق على معناه. هذا لفظه، وقد أخرجه مسلم في الجهاد، بلفظ: "كانت ~~أموال بني النضير مما أفاء الله [على رسوله] (¬3) مما لم يوجف عليه ~~المسلمون بخيل ولا PageV10P344 # ركاب [فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة] (¬1)، فكان ينفق على ~~[أهله] (¬2) أنفقة سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله" ~~[عز وجل] (¬3) ثم ساقه بنحوه مطولا بقصة. # وأخرجه بها البخاري في خمسة مواضع من صحيحه (¬4). # ثانيها: كانت غزوة بني النضير سنة أربع من الهجرة وقريظة والنضير قبيلتان ~~من اليهود، وكان صاحب عهد بني قريظة كعب بن أسد، وكان حيي بن أخطب من سادات ~~بني النضير، ونقض العهد مع PageV10P345 # النبي - صلى الله عليه وسلم - فكبر رسول - صلى الله عليه وسلم - ~~والمسلمون وقال: حاربت اليهود في قصة طويلة. # ثالثها: في ألفاظه ومعانيه. # معى [أوجف] (¬1) الإيجاف الإعمال. وقيل: الإسراع والوجيف ضرب من سير ~~الخيل والإبل يقال: وجف الفرس والبعير يجف [وجوفا] (¬2) أسرع وأوجفه صاحبه ~~إذا حمله على السير. # و"الركاب" الإبل خاصة، واحدته راحلة من غير لفظها. والجمع الركب مثل ~~الكتب. وأما الركب فمن الأسماء المفردة الواقعة على الجمع، وليس بجمع تكسير ~~لراكب، بدليل قولهم في تصغيره ركيب، وجمع التكسير: لا يصغر على لفظه. # وقوله "فكانت لرسول الله - صلي الله عليه وسلم - خالصة". معناه أن أموال ~~بني النضير كان معظمها له لا كلها, لأن له عليه الصلاة والسلام مما أفاء ~~الله عليه أربعة أخماسها والخمس الباقي فيكون له أحد وعشرون سهما من خمسة ~~وعشرين سهما والأربعة الباقية لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. # قال الشيخ تقي الدين (¬3): ويحتمل أن يكون كلها كانت له أي كما هو مذهب ~~مالك، وكان ما يفعله من الكراع والسلاح تبرعا. وقوله: " [فكان] (¬4) عليه ~~الصلاة والسلام يعزل نفقة أهله سنة" يعني PageV10P346 # أنه لما كانت أموال بني النضير له خالصا، واتسع عليه الحال ادخر لعياله ~~نفقة سنة تطييبا لقلوبهم. ms1808 وكان قبل ذلك لا يدخر "لغد شيئا" أو "كان لا يدخر ~~شيئا لغد" (¬1) لأجل نفسه أو لأجل أهله، وإن كان مشاركا لأهله فيما يدخر لهم. # "والسلاح" يذكر ويجوز تأنيثه، وهو ما أعد من السلاح للحرب من آلة الحديد ~~مما يقاتل به. # و"العدة" بضم العين كل ما يستعان به لحوادث الدهر من مال وسلاح. # الرابع: في فوائده. # الأولى: ما أكرم الله به نبيه من خصائص الدنيا والأخرى [(¬2)] وتقدمه بها ~~على جميع المخلوقات. # الثانية: أن حكم أموال الفيء كانت خاصا به في حياته، يضعه حيث شاء، فكان ~~ينفق منه على أهله نفقة سنتهم، ويجعل ما بقي مصرف أكثر مال الله تعالى إلى ~~أن توفي، وهذا ما قاله أكثر الشافعية بالنسبة إلى أربعة أخماس الفيء وخمس خمسه. # وقال الغزالي وغيره: كان الفيء جميعه له إلى أن مات، وإنما يخمس بعد موته. # وقال الماوردي (¬3) وغيره: اختصاصه عليه الصلاة والسلام PageV10P347 # بجميع الفيء كان في أول حياته، ونسخ في حياته. # واختلف العلماء في مصرف الفيء بعده. # فقيل: جميعه للمصالح ولا يخمس وهو قول أبي حنيفة وأحمد. # وقيل: إن الأخماس الأربعة للمرتزقة، وهم الأجناد المرصدون للجهاد، ~~والخمس: لخمسة لمصالح المسلمين، ولبني هاشم والمطلب، واليتامى، والمساكين، ~~وابن السبيل، وهذا مذهب الشافعي. والأكثرون على أن لا يخمس حتى عد [القول] ~~(¬1) بنخميسه من أفراد الشافعي، ومحل الخوض في المسألة كتب الخلاف. # الثالث: جواز الادخار للنفس والعيال قوت سنة، وأن ذلك غير قادح في التوكل ~~وفعله عليه الصلاة والسلام ذلك لم يكن لنفسه، بل كان للعيال تطييبا ~~لقلوبهم، وتسكينا لهم، وجمعها على ما هم بصدده، وكان مع ذلك ينفقه قبل ~~انقضاء العدة في وجوه الخير، ولا يتم جملة السنة، ولهذا توفي ودرعه مرهونة ~~على شعير، استدان لأهله، ولم يثغ ثلاثة أيام تباعا (¬2)، وقد تظاهرت ~~الأحاديث PageV10P348 # الصحيحة بكثرة جوعه وجوع عياله (¬1). وقام الإجماع على جواز ادخار ما ~~يستغله الإنسان من أرضه وزراعته مما لم يشتره من السوق، كما فعل الشارع. # ووقع الخلاف في ادخار قوت سنة من السوق، فأجازه قوم واحتجوا بهذا ms1809 الحديث: ~~ولا حجة فيه؛ لأنه لم يكن من السوق. ومنعه الأكثرون على ما حكاه القاضي ~~عياض (¬2) إلا على ما لا يضر بالسعر، ومحل هذا الاختلاف ما إذا كان وقت ~~سعة. أما [إذا كان] (¬3) في وقت ضيق الطعام على المساكين [لم يصح] (¬4) بل ~~يشتري ما لا يضيق: كقوت أيام أو شهر، والصوفية أو بعضهم: قد # يجعلون ما زاد على السنة خارجا عن طريق التوكل. PageV10P349 # الرابع: مراقبة الله تعالى في الأموال أخذا وعطاء وصرفا ومنعا. # الخامس: البداءة بالإنفاق على العيال والتوسعة عليهم، وما فضل يصرف في ~~الأهم من المصالح العامة. وأما الإنفاق على [النفس] (¬1) فيجوز تقديمها ~~بالنفقة المتوسطة على العيال وغيرهم، ثم يصرف ما بقي على العيال وما سلف. ~~لكن الأفضل إن كان ممن يصبر ويحتسب أن يؤثر، وإلا فلا وأما حال الاضطرار ~~المفضي إلى الهلاك فيتعين تقديم النفس. # السادس: إعداد [اللأمة] (¬2) وكذا ثباتهم ومن يشرع له الغزو [و] (¬3) ~~آلات الجهاد والاعتناء بتقديمها على غيرهما، وهو من القوة المأمور بإعدادها ~~في الآية (¬4). # السابع: التصون والتحرز في الغزو ونحوه، ولا يكون ذلك قادحا في التوكل ~~خلافا لبعض من حكى عنه أنه كان إذا خرج لا يعلق ماءه، ويرى أن إعلاقه ليس ~~من التوكل (¬5). PageV10P350 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV10P351 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # ... PageV10P352 ### ||| AUTO الحديث الرابع عشر # 428/ 14/ 80 - " عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أجرى النبي - ~~صلي الله عليه وسلم - ما ضمر من الحفياء إلى ثنية الوداع، وأجرى ما لم يضمر ~~من الثنية إلى مسجد بني زريق" (¬1). # قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرى. # قال سفيان: "من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية ~~الوداع إلى مسجد بني زريق ميل". # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الحديث ساقه البخاري كذلك في الجهاد (¬2)، وترجم عليه السبق ~~بين الخيل، ثم ساقه بنحوه، وترجم عليه إضمار PageV10P353 # الخيل (¬1) للسبق، ثم ساقه بنحوه، وترجم عليه غاية السبق للخيل (¬2) ~~المضمرة. وفيه قال موسى بن عقبة (¬3): أحد رواته من "الحفياء إلى ثنية ~~الوداع ستة أميال أو سبعة، ومنها إلى مسجد بني زريق ميل ونحوه". # ورواه ms1810 مسلم: بنحوه ولم يذكر قول سفيان ولا موسى، وفي رواية له قال عبد ~~الله: "فجئت سابقا فطفف بي الفرس المسجد". # ثانيها: "سفيان" هذا هو ابن عيينة بن ميمون العلامة الحافظ شيخ الإسلام ~~ومحدث الحرم، وترجمته موضحة فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب، ~~فليراجع منه، وترجمة الصعبي في رجال هذا الكتاب لسفيان هذا, ولسفيان ~~الثوري، فكأنه توقف في المراد، وليس كما توهم، فإنه ابن عيينة لا الثوري، ~~كما قررناه، فتنبه لذلك. # ثالثها: في ألفاظه: # معنى "أجرى" سابق كما جاء مبينا في الصحيح أيضا، وجاري في العلم ناظر. PageV10P354 # و "تضمير الفرس" أن يقلل علفها، وتدخل بيتا كنينا، وتجلل فيه، لتعرق، ~~ويجف عرقه، فيجف لحمها، وتقوى على الجري، قاله النووي في "شرحه" (¬1). # وعبارة الشيخ تقي الدين (¬2): نحوها فإنه قال: الإضمار ضد التسمين، وهو ~~تدريج لها في أقواتها إلى أن يحصل لها الضمر. # ونقل الفاكهي عن أهل اللغة أن التضحير أن تعلف حتى تسمن، ثم ترده إلى ~~القوت، أي: فلا يعلف غيره، وذلك في أربعين يوما، وهذه المدة تسمى ~~"المضمار"، والموضع الذي تضمر فيه يسمى أيضا "مضمارا" وهو بيت لين تجلل فيه ~~لتعرق ويجف عرقها، فيجف لحمها، ويقوى على الجري. # وذكر بعضهم (¬3) أنها تعلف الحب والقضيم حتى تسمن إلى آخره. # ومن العرب من يطعمها اللحم واللبن في أيام التضمير. # وعبارة بعضهم (¬4): أن التضمير أن تشد عليها سروجها، وتجلل بالأجلة حتى ~~تعرق عنها، فيذهب رحلها، ويشتد لحمها. # ويقال: ضمر بالتشديد، وأضمر بالهمز والتخفيف، [والضمر] (¬5) بسكون الميم ~~وضمها: خفة اللحم والهزال. وقد ضمر PageV10P355 # الفرس بفتح الميم يضمر ضمورا وضمر بالضم لغة فيه، ويقال ضمرت الفرس ~~وأضمرتها. # رابعها: في تبين أسماء الأماكن الواقعة فيه. # فأما "الحفياء" فبفتح الحاء المهملة وسكون الفاء تمد وتقصر والأشهر المد ~~والحاء مفتوحة بلا خلاف وأخطأ من ضمها، كما نبه عليه صاحب "المطالع"، ويقال ~~أيضا: "بحيفاء" (¬1) بتقديم الياء عن الفاء، كما حكاه الحازمي (¬2)، ~~والمشهور في كتب الحديث وغيرها تأخيرها عنها. # و"الثنية" بنشديد الياء الطريق في الجبل. # و"الوداع" بفتح الواو سميت بذلك ms1811 لأنها موضع وداع المسافرين من المدينة، ~~يودعهم مشيعوهم بها. # وقيل: لأنه عليه الصلاة والسلام ودع بها بعض من خلفه على المدينة في أحد ~~خرجاته. PageV10P356 # وقيل: بعض سراياه المبعوثة، والأول أصح، فإنه إسم قديم جاهلي لهذه ~~الثنية، وقد قال نساء الأنصار حين قدم رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ~~المدينة: # طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ... وجب الشكر علينا ما دعا لله داع (¬1) # وقول سفيان: إن بين الحفياء والثنية ستة أميال أو خمسة هو قول الأكثر، ~~خلافا لقول موسى بن عقبة السالف. # و"زريق" بزاي مضمومة ثم راء مهملة بطن من الأنصار من الخزرج، ينسب إليه ~~جماعة من الصحابة وغيرهم. # و"الميل" (¬2) حيث أطلق المراد به في المسافة ألف باع. # والباع: أربعة أذرع. # والذراع: أربعة وعشرون أصبعا. # والأصبع: ست شعيرات بطن حبة إلى ظهر أخرى. PageV10P357 # والشعير: ست شعيرات من شعر البغل أو ما قام مقامه. وقال ابن عبد البر ~~(¬1): أصح ما قيل في الميل: أنه ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع. # خامسهاة في فوائده: # الأول: جواز المسابقة بين الخيل. # الثاني: تضميرها وهو إجماع أيضا وكذا فيما قبله، لكن اختلف العلماء في ~~المسابقة بينهما هل هو سنة أو مباح، ومذهب الشافعية الأول. # الثالث: جواز تجويع البهائم على وجه الصلاح عند الحاجة إلى ذلك، وليس هو ~~من باب تعذيبها، بل من باب تدريبها [للحرب] (¬2) وإعدادها لحاجتها والكر والفر. # الرابع: بيان الغاية التي يتسابق إليها ومقدار أمدها. # الخامس: إطلاق الفعل على الآمر به والمسوغ له، وليس في الحديث دلالة على ~~العوض فيها, ولا على جوازها على غير الخيل، ولا على غير ذلك من الشروط التي ~~اشترطها الفقهاء في عقد المسابقة، فلا حاجة إلى الخوض فيها، فإنه تعرض لها ~~بعض الشراح، وقد قام الإجماع على جواز المسابقة بغير عوض بين جميع أنواع ~~الخيل، سواء أكان معها ثالث أم لا فأما [المسابقة بعوض] (¬3) PageV10P358 # فجائزة بالإجماع، لكن يشترط أن يكون العوض من غير المتسابقين أو منهما، ~~ويكون معهما محلل، وهو ثالث على فرس مكافىء لفرسيهما, ولا يخرج المحلل من ~~عنده ms1812 شيئا، فيخرج هذا العقد عن صورة القمار، ومحل الخوض في ذلك كتب الفروع، ~~وقد بسطناها فيها, ولله الحمد. # السادسة: جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها, وليس في ذلك تزكية لهم، ~~وليس إضافة المسجد إلى بني رزيق إضافة تمليك، وإنما # هي إضافة تمييز، وقد ترجم البخاري (¬1) على هذه المسألة فقال: باب جواز ~~قول مسجد بن فلان، وروي عن إبراهيم النخعي (¬2) أنه كان يكره أن يقال مسجد ~~بني فلان، ولا يرى بأسا أن يقال مصلى بني فلان. # ... PageV10P359 ### ||| AUTO الحديث الخامس عشر # 429/ 15/ 80 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: عرضت على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني [(¬1)] ~~وعرضت عليه يوم الخندق [وأنا ابن خمس عشرة] (¬2) فأجازني" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: "غزوة أحد" كانت في يوم السبت النصف من شوال سنة ثلاث. # "وغزوة الخندق" كانت في شوال، وقيل: في جمادى الآخرة، وقيل: في ذي القعدة ~~سنة أربع، وقيل: خمس، وهو يوم الأحزاب، PageV10P360 # ومقتضى هذا على القول الثاني، وهو مخالف لمقضى الحديث الصحيح، فإن مقتضاه ~~أن يكون سنة خمس عشرة، لكنه موافق للأول، أو يكون ابن عمر طعن في الرابعة ~~عشر يوم أحد وفي السادسة عشر يوم الخندق، فعبر عنهما بما ذكر. # فائدة: رد النبي - صلي الله عليه وسلم - يوم أحد مع ابن عمر زيد بن ثابت، ~~وأسامة بن زيد، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس وزيد بن ~~أرقم، وأبا سعيد الخدري. وأجازهم يوم الخندق. وقيل: إن بعض هؤلاء إنما رده ~~يوم بدر. وأجازه يوم أحد، لأجل البلوغ وعدمه، ذكره كله ابن عبد البر في ~~"سيرته" (¬1) ومن رد يوم أحد [عقيب] (¬2) بن عمرو أخو سهيل بن عمرو، وزيد ~~بن حارثة الأنصاري، وسعد بن خيثمة. وفي هذا نظر, لأنه تغيب فكيف يرد. وسعد ~~بن حبته جد أبي يوسف القاضي وهو بحاء مهملة مفتوحة، ثم موحدة ثم مثناة فوق. # الوجه الثالث: معنى "لم يجزني وأجازني"، أي: جعلني يوم الخندق رجلا في ~~حكم ms1813 المقاتلين، بخلاف يوم أحد بدليل رواية مسلم: عرضني يوم أحد في القتال، ~~وأنا ابن أربع عشرة سنة. الحديث. وفي لفظ: "فاستصغرني". # الوجه الرابع: في فقهه، هو دال على أن البلوغ بالسن يحدد PageV10P361 # بخمس عشرة سنة، وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وابن وهب، وأحمد وغيرهم. ~~قالوا باستكمال خمس عشرة سنة ليصير مكلفا، وإن لم يحتلم فيجري عليه جميع ~~الأحكام من وجوب العبادات وغيرها، ويستحق سهم الرجل من الغنيمة، ويقتل إن ~~كان من أهل الحرب. # وفي المسألة قول ثان: أنه يحدد بسبع عشرة. # وثالث: بثمان عشرة، وهذه الأقوال الثلاثة عند المالكية، والمشهور عندهم ~~ثالثها. وفرق أبو حنيفة: بين الغلام والجارية، فقال ثمان عشرة في الغلام ~~وسبع عشرة في الجارية. واعتذر عن هذا الحديث بأن الإجازة في القتال حكمه ~~منوطة بالإطاقة والقدرة عليه، فأجازه عليه الصلاة والسلام لابن عمر في ~~الخمس عشرة, لأنه رآه مطيقا للقتال، ولم يكن مطيقا له قبلها, لا لأنه أراد ~~الحكم عن البلوغ وعدمه، ويرد هذا رواية ابن حبان: "فلم يجزني ولم يرني ~~بلغت". وقال في الثاني: "فأجازني ورآني بلغت"، وكان عمر بن عبد العزيز رحمه ~~الله لما بلغه هذا الحديث، جعله حدا بين الصغر والكبر، وكتب إلى عماله. أن ~~يفرضوا لمن كان ابن خمس عشرة سنة، ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال، وعمل ~~به الصحابة والتابعون. # الوجه الرابع: هو دال أيضا، على أن الخندق كانت سنة أربع، وهو الصحيح ~~وجماعة من أهل السير والتواريخ قالوا إنها كانت سنة خمس، وهذا الحديث يرده ~~لأنهم أجمعوا على أن أحد كانت سنة PageV10P362 # ثلاث، فتكون الخندق سنة أربع، لأنه جعلها في هذا الحديث بعدها بسنة. # الوجه الخامس: هو دال أيضا على أنه ينبغي للإمام استعراض الجيش قبل ~~الحرب، فمن وجده أهلا أجازه، ومن وجده غير أهل رده، كما فعل عليه الصلاة ~~والسلام. PageV10P363 ### ||| AUTO الحديث السادس عشر # 430/ 16/ 80 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ "أن النبي - صلي الله ~~عليه وسلم - قسم في النفل، للفرس سهمين، وللرجل سهما" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: ms1814 # أحدها: هذا كان يوم خيبر، كما ذكره البخاري في صحيحه وله في لفظ آخر ~~"للفرس سهمين ولصاحبه سهما"، ولم يقل في النفل قال: وفسره نافع، قال: إذا ~~كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم. # ثانيها: "النفل" بفتح النون والفاء يطلق، ويراد به أمور ثلاثة، قدمتها في ~~آخر الحديث التاسع من الباب، والمراد هنا الغنيمة، وعليه محل قوله تعالى: ~~{يسألونك عن الأنفال} الآية. PageV10P364 # وحديث ابن عمر السالف في سرية نجد، المراد به فيها ما ينفله الإمام ~~السرية زائدا على سهمه. # ثالثها: معنى "قسم للفرس سهمين وللرجل سهما"، أنه أسهم للرجل ولفرسه ~~ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، بدليل الرواية التي أسلفناها عن البخاري. # رابعها: قوله: "للفرس سهمين وللرجل سهما" كذا هو في أكثر الروايات، وفي ~~بعضها: "وللراجل سهما" بالألف، وفي بعضها: "للفارس سهمين". # خامسها: اختلف العلماء في سهم الفارس والراجل من الغنيمة، فقال الجمهور ~~(¬1): يكون للرجل سهم واحد وللفارس ثلاثة أسهم: سهمان بسبب فرسه، وسهم بسبب ~~نفسه، ومن قال هذا ابن عباس ومجاهد والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز ~~ومالك والأوزاعي والثوري والليث والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق، ~~وأبو عبيد وابن جرير وآخرون. # وقال أبو حنيفة (¬2): للفارس سهمان فقط: سهم لها وسهم له. وحكي عنه أنه ~~قال: لا أفضل بهيمة على مسلم. ولم يقل بقوله هذا أحد إلا ما روي عن علي ~~وابن موسى. # وقوله: "لا أفضل بهيمة على مسلم". PageV10P365 # جوابه أن يقال له فلا تساو بينهما. وقد قيل إن السهم مستحق بما يلزم من ~~المؤنة والتأثير في القتال ومؤنة الفرس أكثر من مؤنة الفارس، وتأثيره في ~~القتال أكثر. # وحجة الجمهور: هذا الحديث على رواية الكتاب وهي رواية الأكثرين كما قدمنا ~~ذلك عنهم ومن روى "للرجل" [فروايته] (¬1) محتملة ويتعين حملها على موافقة ~~الأولى جمعا بين الروايتين. # وقال الشيخ تقي الدين: هذا الحديث [معرض] (¬2) للتأويل من وجهين: # أحدهما: أن يحمل النفل على المعنى الذي ذكرناه، أي: وهو الغنيمة. # والثاني: أن تكون اللام في ms1815 قوله: "للفرس سهمين" [اللام] (¬3) التي ~~للتعليل لا التي للملك، أو للاختصاص، أو أعطى الرجل سهمين لأجل فرسه، أي: ~~لأجل كونه ذا فرس، وللرجل سهم مطلقا. # وقد أجيب عن هذا ببيان المراد في رواية أخرى صريحة، وهي رواية أبي ~~معاوية، أي: وابن نمير وأبي أسامة عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن ~~رسول الله - صلي الله عليه وسلم - "أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهما له، ~~وسهمين لفرسه". PageV10P366 # قلت: ومثله من رواية ابن عباس (¬1) وأبي عمرة (¬2) الأنصاري. فقوله: ~~"أسهم" استدل به على أنه ليس خارج عن السهمان. # وقوله: "ثلاثة أسهم" صريح في العدد المخصوص وهذه الرواية صحيحة الإسناد، ~~إلا أنه اختلف فيه على عبيد الله بن عمر، ففي رواية بعضهم (¬3) عنه كرواية ~~المصنف، وقيل: إنه وهم فيه، [أي] (¬4): هذا الراوي ولحديث (¬5) أبي معاوية ~~وما في معناه عاضد من غيره، ومعارض له لا يساويه [في] (¬6) الإسناد، أما ~~العاضد فرواية المسعودي: حدثني أبو عمرة عن أبيه، قال: أتينا رسول الله ~~-صلي الله عليه وسلم -[(¬7)] أربعة نفر، ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان منا ~~سهما، وأعطى الفارس سهمين، لكن المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن ~~عتبة بن مسعود فيه مقال، وقد استشهد به البخاري (¬8)، وعن رجل من آل أبي ~~عمرة، عن [أبي عمرة] (¬9) بمعناه إلا أنه قال: "ثلاثة نفر، زاد: فكان ~~للفارس ثلاثة أسهم"، وأبو عمرة صحابي، PageV10P367 # واختلف في اسمه، فقيل: بشير وقيل: ثعلبة بن عمرو، وقيل: عمرو بن محصن، ~~وقيل غير ذلك. # وأما المعارض: فمنه ما روى عبد الله بن عمر وهو أخو عبيد الله المتقدم عن ~~نافع، عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام "قسم يوم خيبر للفارس سهمان، ~~وللرجل سهما". قال الشافعي (¬1): وليس يشك أحد من أهل العلم في تقدمة عبيد ~~الله بن عمر على أخيه في الحفظ، وهما أبناء عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن ~~الخطاب. # وقال في القديم: [إنه] (¬2) سمع نافعا يقول: "للفرس سهمين وللرجل سهما"، ~~فقال: "للفرس سهمين وللرجل سهما"، وقد عضد رواية عبيد ms1816 الله ما رواه أبو ~~داود من حديث مجمع بن يعقوب بن مجمع، عن عمه مجمع بن جارية الأنصاري، -وكان ~~أحد القراء الذين قرؤوا القرآن-، قال: شهدت الحديبية مع رسول الله - صلي ~~الله عليه وسلم -، إلى أن قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول ~~الله - صلي الله عليه وسلم - على ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفا ~~وخمسمائة، منهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، والراجل سهما" (¬3). ~~قال أبو داود: PageV10P368 # وحديث أبي معاوية. أصح والعمل عليه، وأرى الوهم في حديث مجمع ومن قال ~~"ثلاثمائة فارس" وكانوا مائتي فارس. قال الشافعي (¬1): مجمع ابن يعقوب شيخ ~~لا يعرف، قال: فأخذنا في ذلك بحديث عبد الله ولم نر له خبرا مثله يعارضه. ~~ولا يجوز رد خبر إلا بخبر مثله. قال البيهقي (¬2): والذي رواه مجمع بن ~~يعقوب بإسناده في عدد الجيش، وعدد الفرسان، قد خولف فيه، ففي رواية جابر، ~~وأهل المغازي، أنهم كانوا ألفا وأربعمائة، وهم أهل الحديبية. وفي رواية ابن ~~عباس، وصالح بن كيسان، وبشر بن يسار، [وأهل المغازي] (¬3) أن الخيل كانت ~~مائتي فارس فكان للفارس سهمان، ولصاحبه سهم. ولكل راجل سهم. # فرع: لو حضر بأفراس لم يسهم إلا لفرس واحد عند الجمهور، ومنهم الحسن ~~ومالك وأبو حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن. PageV10P369 # وقال الأوزاعي والثوري والليث، وأبو يوسف: يسهم لفرسين، وروى مثله أيضا ~~عن الحسن ومكحول ويحيى الأنصاري وابن وهب وغيره من المالكيين، قالوا ولم ~~يقل أحد أنه يسهم لأكثر من فرسين [إلا حديثا] (¬1)، روى عن سليمان بن موسى ~~أنه يسهم (¬2). PageV10P370 ### ||| AUTO الحديث السابع عشر # 431/ 17/ 80 - " وعنه أيضا أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - كان ينفل ~~بعض من يبعث في السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا اللفظ اللبخاري ولفظ مسلم زيادة "قد" قبل، "كان" وزاد في آخره ~~"والخمس في ذلك واجب كله". # ثانيها: هذا هو التنفيل بالمعنى الآخر الذي أسلفناه في معنى النفل، وهو ~~أن يعطي الإمام لسرية أو لبعض أهل الجيش خارجا عن السهمان. والحديث مصرح ms1817 ~~بأنه خارج عن قسم عامة الجيش إلا أنه ليس معينا لكونه من رأس الغنيمة أو من ~~الخمس، فإن اللفظ يحمل لهما جميعا، وقد بينا اختلاف الناس في ذلك في الحديث ~~التاسع من هذا الباب، وروى مالك (¬2) عن أبي الزناد أنه سمع سعيد بن PageV10P371 # المسيب يقول: "كان الناس يعطون النفل من الخمس"، وروى ابن إسحاق عن نافع ~~عن ابن عمر قال: " [بعث] (¬1) رسول الله - صلي الله عليه وسلم - سرية إلى ~~نجد، فخرجت فيها فأصبنا نعما فأصاب كل رجل منا اثني عشر بعيرا بعد الخمس، ~~وما حاسبنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بالذي أعطانا ولا عاب عليه ما ~~صنع، فكان لكل رجل منا ثلاثة عشر بعيرا بنفله" (¬2) وهذا [يدل] (¬3) على أن ~~النفل من رأس الغنيمة. وروى زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة قال: "شهدت ~~النبي - صلي الله عليه وسلم - نفل الربع في البداءة, والثلث في الرجعة" ~~(¬4). وهذا أيضا يدل على أن التنفيل من أصل الغنيمة ظاهرا مع احتماله، وروى ~~في حديث حبيب هذا أنه عليه الصلاة والسلام "كان ينفل بعد إخراج الخمس" (¬5) ~~, أي ينفله من أربعة أخماس ما يأتون به إذا بعثهم إلى موضع في البدأة أو ~~الرجعة، وهذا ظاهر، وترجم أبو داود عليه (¬6)، باب: فيمن قال الخمس قبل ~~النفل وأبدى بعضهم فيه احتمالا آخر، وهو أن يكون قوله: "بعد الخمس"، أي بعد ~~أن يفرد الخمس، فعلى هذا بقي محتملا لأن ينفل PageV10P372 # ذلك من الخمس, أو من غيره, فحمله على أن ينفل من الخمس احتمالا وحديث ابن ~~إسحاق صريح أو كالصريح. # ثالثها: للحديث تعلق بمسائل الإخلاص في الأعمال، وما يضر من المقاصد ~~الداخلة فيها، وما لا يضر وهو موضع دقيق المأخذ ووجه تعلقه به أن التنفيل ~~للترغيب في زيادة العمل والمخاطرة والمجاهدة، وفي ذلك مداخلة لقصد الجهاد ~~لله تعالى، إلا أن ذلك لم يضرهم قطعا، لفعل رسول الله - صلي الله عليه وسلم ~~- ذلك لهم، ففي ذلك دلالة لا شك فيها على أن بعض المقاصد الخارجة عن محض ~~التعبد لا يقدح ms1818 في الإخلاص، وإنما الإشكال في ضبط قانونها، [وتمييزها من] ~~(¬1) يضر مداخلته فيه من المقاصد، وتقتضي الشركة فيه المنافاة للإخلاص، وما ~~لا تقتضيه، ويكون تبعا لا أثر له، ويتفرع [عليه] (¬2) غير ما مسألة نبه ~~عليه (¬3) الشيخ تقي الدين. # رابعها: الحديث دال أيضا على أن لنظر الإمام مدخلا في المصالح المتعلقة ~~بالمال أصلا وتقديرا على حسب المصلحة على ما [اقتضى] (¬4) حبيب بن مسلمة في ~~الربع والثلث، فإن "الرجعة" لما كانت أشق على الراجعين، وأشد لخوفهم, لأن ~~العدو قد كان نذر بهم [لقربهم] (¬5) فهو على يقظة من أمرهم، اقتضى زيادة ~~التنفيل، PageV10P373 # "والبدأة" لما لم يكن فيه هذا المعنى: اقتضى [نفعهم] (¬1) ونظر الإمام ~~متقيد بالمصلحة لا على أن يكون بحسب التشهي، وحيث يقال إن النظر للإمام ~~(¬2) فهذا هو المراد. # خامسها: الحديث دال أيضا كما تقدم على أنه يجوز للإمام أن ينفل بعض من ~~ينصب من السرايا أي يعطيهم زيادة على ما يحصل # لهم من قسم عامة الجيش، واختلف العلماء في حد النفل على قولين: # أحدهما: أنه لا حد له وإنما هو لاجتهاد الإمام وهذا قول الشافعي (¬3). # والثاني: أنه لا يتجاوز به الثلث، لحديث حبيب السالف، وهو قول مكحول ~~والأوزاعي (¬4). # ثم اعلم أن الأنفال لله ورسوله، فإنه عليه الصلاة والسلام سئل عن شيء ~~منها، فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} ~~(¬5)، ثم أنزل الله تعالى حكم الغنائم فقال: {واعلموا أنما غنمتم ...} (¬6) ~~الآية. PageV10P374 # واختلف العلماء في آية الأنفال (¬1) على قولين. # أحدهما: أنها منسوخة بآية الغنائم، وأنها كانت للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - خاصة كلها، ثم جعل أربعة أخماسها للغانمين، كالآية الأخرى، وهذا قول ~~ابن عباس وجماعة. # والثاني: أنها محكمة، وأن النفل من الخمس وقيل محكمة، وأن للإمام أن ينفل ~~ما شاء لمن يشاء بحسب ما يراه. وقيل محكمة مخصوصة، والمراد أنفال السرايا , ~~ولعل هذا الحديث يدل عليه. PageV10P375 ### ||| AUTO الحديث الثامن عشر # 432/ 18/ 80 - عن أبي موسى عبد الله بن قيس رضي الله عنه، عن النبي - صلي ~~الله عليه وسلم - قال: "من حمل علينا السلاح ms1819 فليس منا" (¬1). # الكلام على هذا الحديث من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه أبو موسى الأشعري، وقد سلف في السواك. # ثانيها: هذا الحديث اتفق الشيخان أيضا على إخراجه من حديث ابن عمر (¬2) ~~رضي الله عنه، وانفرد مسلم بإخراجه من حديث أبي هريرة (¬3) رضي الله عنه، ~~وسلمة بن PageV10P376 # الأكوع (¬1)، ولفظه في هذا "السيف" بدل "السلاح". # ثالثها: كأن المراد بالحديث -والله تعالى أعلم- حمل على المسلمين السلاح ~~لقتالهم, لأن فيه تخويفا لهم وإدخالا للرعب عليهم، فأما من حمله لإرعاب ~~المفسدين والمخالفين بإذن الإمام فهو حمل لهم لا عليهم، فإن لم يقصد به ~~القتال بل فصد أمرا شرعيا كإظهار قوة الإسلام لإرهاب العدو وإعلامهم بقوتهم ~~واهتمامهم بقتالهم، فهذا مندوب لا شك فيه، وإن قصد اللعب والخيلاء فمحذور، ~~وقد يعبر عن مقصود الحمل وهو القتل، فإنه ملازم له غالبا. # رابعها: معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "فليس منا"، أي: ليس على مثلنا، ~~أو ليس على طريقتنا, ولا مهتديا بهدينا، لا أن ذلك يخرجه عن الإسلام، اللهم ~~إلا أن يستحل ذلك، فيكفر باستحلال المحرم، لا يحمل السلاح، وكذلك كلما جاء ~~من هذا المعنى، فهذا تأويله مثل [(¬2)]: "من غشنا فليس منا" (¬3)، وقوله: ~~"ليس منا من لطم PageV10P377 # الخدود" (¬1) وغير ذلك في أحاديث كثيرة، وقد نقل عن السلف أنهم قالوا في ~~مثل هذا الحديث وأشباهه أن الأولى إطلاق لفظه، كما أطلقه الشارع من غير ~~بيان، ولا تأويل, لأن إطلاقه أبلغ في الزجر، وأوقع في النفوس من التأويل. # خامسها: الحديث دال على تحريم قتال المسلمين وتغليظ الأمر فيه، وعلى حمل ~~السلاح لغير مصلحة شرعية، وقد نهى الشارع عن تعاطي السيف مسلولا، وأمر ~~بالإمساك على النصال (¬2) ومنع من الإشارة بالحديد ونحوه خوف نزع الشيطان ~~من يده إلى أخيه المسلم (¬3). وكل ذلك دليل على احترام المسلم، وتعاطي ~~الأسباب PageV10P378 # الحاملة على أذاه لكرامته عنده وتعريف [مقامه] (¬1). PageV10P379 ### ||| AUTO الحديث التاسع عشر # 433/ 19/ 80 - عن أبي موسى رضي الله عنه [أن رسول الله - صلي الله عليه ~~وسلم - سئل] (¬1) عن الرجل: يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك ms1820 ~~في سبيل الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قاتل لتكون كلمة ~~الله هي العليا فهو في سبيل الله [عز وجل] (¬2) " (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا السائل ورد في الصحيح أنه من الأعراب، ولم أقف على اسمه، ~~فليبحث عنه. # ثانيها: "الشجاعة" ضد الجبن، وهي شدة القلب عند البأس، PageV10P380 # والرجل شجاع وقوم "شجعة" و"شجعان"، فإن قلت: "شجيع"، قلت: "شجعان" ~~و"شجعاء" أيضا مثل فقهاء. وقد يقال: امرأة "شجاعة" ومنهم لا يصف المرأة ~~بذلك (¬1). # ثالثها: "الحمية": الأنفة والغيرة على عشيرته والعصب وحميت عن كذا حمية ~~بالتشديد، ومحمية إذا أتعب منه. # رابعها: "الرياء" ممدود وقل قصره، وهو ضد الإخلاص، وقال الغزالي: إنه ~~إرادة نفع الدنيا [وبعمل] (¬2) الآخرة، أي: إما متمحضا أو مشاركا. # خامسها: القتال للشجاعة يحتمل أنواعا (¬3). # أحدها: أن يقاتل إظهارا لشجاعته ليقال إن فلانا شجاع، فهذا ضد الإخلاص، ~~وهو الذي يقال فيه لكي يقال: وقد قيل (¬4). ويكون PageV10P381 # الفرق بين هذا القسم وبين قوله بعد: "ويقاتل رياء" ويكون المراد بالرياء ~~إظهار المقاتلة لإعلاء كلمة الله تعالى وبذل النفس في رضاه، والرغبة فيما ~~عنده، وهو في الباطن بخلاف ذلك، فيقال: إنه شجاع والذي قلنا إنه قاتل ~~إظهارا للشجاعة، ليس مقصوده إلى تحصيل المدح على الشجاعة من الناس فافترقا إذن. # ثانيها: أن يقاتل للشجاعة طبعا قصدا فهذا لا يقال إنه كالأول لعدم قصده ~~إظهار الشجاعة ولا يقال: إنه قاقل لتكون كلمة الله هي العليا [إذ] (¬1) لم ~~يقصد ذلك أيضا نعم إن كان قد تقدم له القصد أولا، ثم قاتل بعد ذلك بمقتضى ~~طبعه، ولم يطرأ على النية الأولى ما ينافيها، فلا يضر عدم القصد ثانيا. فإن ~~الشجاع قد تدهم (¬2). # ثالثها: أن يقاتل الشجاع قاصدا إعلاء كلمة الله تعالى، وهو أفضل من القسم ~~الذي قبله إذا تقرر هذا فقد علم أن الحمية خارجة عن هذين القسمين أعني ~~الرياء والشجاعة، فإن الجبان قد يقاتل حمية والمرأى يقاتل لا لحمية وخارجة ~~أيضا عن القتال، لتكون كلمة الله هي العليا إذ المراد بالحمية حمية لغير ~~الله تعالى، ms1821 إما متمحضا أو إشراكا. PageV10P382 # [رابعها] (¬1): الحديث دال على وجوب الإخلاص في الجهاد، وصرح بأن القتال ~~للشجاعة والحمية والرياء خارج عن ذلك ودال أيضا على أن الإخلاص هو العمل ~~على وفق الأمر، ودال أيضا على تحريم الفخر بالشجاعة، اللهم إلا أن يقصد ~~بذلك إظهار النعمة، # ودال أيضا على تحريم الرياء، ودال أيضا على السؤال عن الأعمال القلبية، ~~وفيه أيضا بيان أحوال الناس في جهادهم ونياتهم. PageV10P383 ### | AUTO كتاب العتق PageV10P385 ### || AUTO 81 - باب العتق # هو في الشرع إزالة ملك عن آدمي لا إلى مالك تقربا إلى الله تعالى مأخوذ ~~من قولهم: عن الفرس: إذا [سبق] (¬1) ونجا، وعتق الفرخ: إذا طار، قاله ~~الأزهري (¬2). والعبد بالعتق يتخلص ويذهب حيث يشاء، وهو من الألفاظ ~~المشتركة أيضا فالعتق: أيضا الكرم يقال ما أبين العتق في وجه فلان. يعنون ~~الكرم. والعتق: الجمال، ومنه لقب الصديق بعتيق. والعتق أيضا السبق والنجاة، ~~وذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث". ثالثها: في التدبير، وعليه ترجم ~~الشارح باب التدبير. PageV10P387 ### ||| AUTO الحديث الأول # 434/ 1/ 81 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلي الله ~~عليه وسلم - قال: "من أعتق شركا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، ~~قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ~~ما عتق" (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: صيغة "من" للعموم، فتقتضي دخول أصناف المعتقين في الحكم المذكور، ~~ومنهم المريض، وقد اختلف في ذلك. # فالشافعية يرون أنه إن خرج من الثلث جميع العبد [يقوم] (¬2) PageV10P388 # عليه نصيب الشريك، [ويعتق] (¬1) عليه, لأن تصرف المريض في ثلثه كتصرف ~~الصحيح في كله، ونقل أعن، (¬2) أحمد أنه [لا يقيم] (¬3) في حال [المرض] ~~(¬4)، وذكر [(¬5)] أبو الوليد بن رشد عن ابن الماجشون فيمن أعتق [حصة] (¬6) ~~[عبد] (¬7) بينه وبين شريكه في المرض، أنه لا يقوم عليه نصيب شريكه، إلا من ~~رأس ماله إن صح، فإن لم يصح لم يقم في الثلث على [(¬8)، حال، وعتق [منه] ~~(¬9) [حصته] (¬10) وحده، والعموم كما ذكرنا يقتضي التقويم وتخصيصه بما ~~يحتمله الثلث مأخوذ ms1822 من الدليل الدال عل اختصاص تصرف المريض في التبرعات في الثلث. # ثانيها: يدخل في العموم أيضا المسلم والكافر. وللمالكية في ذلك تصرف، فإن ~~كان الشريكان والعبد كفارا لم يلزموا بالتقويم، وإن كانا مسلمين والعبد ~~كافرا فالتقويم، وإن كان أحدهما مسلما PageV10P389 # والآخر كافرا فإن أعتق المسلم كمل عليه، سواء كان العبد مسلما أو ذميا، ~~وإن أعتق الكافر فقد اختلفوا في التقويم [على ثلاثة مذاهب: الإثبات، ~~والنفي، والتفريق بين أن يكون العبد مسلما [فيلزمه] (¬1) التقويم] (¬2) ~~وبين أن يكون ذميا فلا يلزمه، وإن كانا # كافرين والعبد مسلما، فروايتان، أو، (¬3) للحنابلة أيضا وجهان فيما إذا ~~أعتق الكافر نصيبه من مسلم -وهو موسر- هل يسري إلى باقيه؟ وهذا التفصيل ~~الذي ذكرناه يقتضي تخصيص صور من هذا [العمومات] (¬4). # أحدها: إذا كان الجميع كفارا، وسببه ما دل عندهم على عدم التعرض للكفار ~~في خصوص الأحكام الفرعية، [(¬5)]. # ثانيها: إذا كان المعتق هو الكافر، على [مذهب] (¬6) من يرى [أن لا] (¬7) ~~[تقوم، أو لا تقوم] (¬8) [(¬9)]، إذا كان العبد كافرا. PageV10P390 # [أما] (¬1) الأول: [فرأى] (¬2) أن المحكوم عليه بالتقويم هو الكافر، ولا ~~[التزام] (¬3) له [بفروع الأحكام الإسلامية] (¬4). # وأما الثاني: [فرأى] (¬5) أن التقويم إذا كان العبد مسلما لتعلق حق ~~[العتق بمسلم] (¬6). # ثالثا: إذا كانا كافرين، والعبد مسلما على قول، وسببه ما ذكرناه من تعلق ~~حق المسلم بالعتق [(¬7)]، وهذه التخصيصات: إن أخذت من قاعدة كلية لا مستند ~~فيها إلى نص معين، تحتاج إلى الاتفاق عليها [(¬8)] وإن استندت إلى نص معين، ~~فلا بد من النظر في دلالته مع دلالة هذا العموم، ووجه الجمع بينهما أو ~~التعارض. # ثالثها: "الشرك" في الأصل مصدر، وهو هذا النصيب, لأن المصدر لا يقبل ~~العتق، [فأطلق] (¬9) على متعلقه، وهو المشترك، والشرك أيضا الشريك ~~والاشتراك أيضا، ولا بد في الحديث من PageV10P391 # إضمار [تقديره "جزء مشترك" أو ما يقارب ذلك] (¬1) لأن المشترك في ~~الحقيقة: هو جملة العين، أو الجزء المعين منها إذا أفرد بالتعين، كاليد ~~والرجل مثلا، وأما النصيب [المعين] (¬2) فلا اشتراك فيه. # رابعها: معنى "قيمة عدل"، أي: لا زيادة ولا نقص وهو بفتح العين. ms1823 # خامسها: قوله عليه الصلاة والسلام "وإلا فقد عتق منه ما عتق" الصواب أنه ~~مرفوع، كذا رواه مالك (¬3) وغيره عن الحفاظ، وجعله أيوب (¬4) من قول نافع ~~الراوي عن ابن عمر. قال القاضي عياض: وما قاله مالك وعبيد الله العمري أولى ~~وقد جواده، وهما في نافع أثبت من أيوب عند أهل هذا الشأن كيف وقد قال أيوب ~~(¬5) مرة: لا أدري هو من الحديث أم هو شيء قاله نافع، فقد شك، وقد رواه ~~يحيى بن سعيد (¬6) عن نافع، وقال في هذا الموضع: "وإلا فقد جاز ما صنع" ~~فأتى به على المعنى قال: وهذا كله يرد قول من قال بالاستسعاء. # سادسها: الحديث دال على أن من أعتق نصيبه من عبد مشترك PageV10P392 # قوم عليه باقيه إذا كان موسرا بقيمة باقيه موسرا كان العبد مسلما أو ~~كافرا، وسواء كان الشريك مسلما أو كافرا، وسواء كان العتيق عبدا أو أمة، ~~ولا خيار للشريك في هذا، ولا للمعتق، بل يبعد هذا الحكم وإن كرهوه كلهم ~~مراعاة لحق الله تعالى في الحرية والإجماع قائم على أن نصيب المعتق يعتق ~~بنفس الإعتاق، وما حكى عن ربيعة (¬1) أنه قال لا يعتق نصيب المعتق موسرا ~~كان أو معسرا قول باطل منابذ للأحاديث الصحيحة والإجماع فلا يلتفت إليه. # وأما نصيب الشريك فاختلف العلماء على حكمه إذا كان المعتق موسرا على ستة ~~مذاهب (¬2): # أحدها: وهو الصحيح في مذهب الشافعي، وبه قال ابن شبرمة والأوزاعي والثوري ~~وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن يوسف وأحمد بن حنبل وإسحاق وبعض المالكية ~~أنه عتق بنفس الإعتاق، ويقوم عليه نصيب شريكه بقيمته يوم الإعتاق، ويكون ~~ولاء جميعه للمعتق وحكمه من حين الإعتاق حكم الأحرار في الميراث وغيره من ~~الأحكام، وليس للشريك إلا المطالبة بقيمة نصيبه، كما لو قتله. قال هؤلاء: ~~ولو أعسر المعتق بعد ذلك استمر نفوذ العتق، وكانت القيمة دينا في ذمته، ولو ~~مات أخذت من تركته، فإن لم يكن له تركة ضاعت القيمة، واستمر عتق جميعه. ~~قالوا: فلو أعتق الشريك نصيبه بعد إعتاق الأول نصيبه، كان ms1824 إعتاقه لغوا, ~~لأنه قد صار كله حرا. PageV10P393 # المذهب الثاني: أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة، وهو مشهور مذهب مالك، وبه ~~قال أهل الظاهر، وهو قول للشافعي. # المذهب الثالث: أن الشريك بالخيار إن شاء استسعى العبد في نصف قيمته، وإن ~~شاء أعتق نصيبه. والولاء بينهما، وإن شاء قوم نصيبه على شريكة المعتق، ثم ~~يرجع المعتق بما دفع إلى شريكه على العبد، يستسعيه في ذلك، والولاء كله ~~للمعتق. # المذهب الرابع: وهو مذهب عثمان البتي بالتاء المثناة فوق: لا شيء على ~~المعتق، إلا أن يكون جارية رائعة تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على شريكه فيها ~~من الضرر. # المذهب الخامس: حكاه ابن سيرين أن القيمة في بيت المال. # [المذهب السادس] (¬1): يحكى عن إسحاق بن راهويه أن هذا الحكم للعبيد دون ~~الإماء، وهو قول شاذ مخالف للعلماء كافة، والأقوال الثلاثة قبله فاسدة ~~مخالفة لصريح الأحاديث وهي مردودة على قائلها. هذا كله إذا كان المعتق ~~لنصيبه موسرا، فإما إذا كان معسرا حال الإعتاق ففيه أربعة مذاهب (¬2): # أحدها: مذهب مالك الشافعي وأحمد وأبي عبيد وموافقيهم أنه ينفذ العتق في ~~نصيب المعتق فقط، ولا يطالب المعتق بشيء ولا يستسعى العبد، بل يبقى نصيب ~~الشريك رقيقا كما كان، وبهذا قال علماء الحجاز بهذا الحديث. PageV10P394 # المذهب الثاني: مذهب ابن شبرمة والأوزاعي وأبي حنيفة وابن أبي ليلى وسائر ~~الكوفيين وإسحاق يستسعى العبد في حصة الشريك. # واختلف هؤلاء في رجوع العبد بما أدى في سعايته على معتقه. # فقال ابن أبي ليلى: يرجع عليه، وقال أبو حنيفة، وصاحباه: لا يرجع ثم هو ~~عند أبي حنيفة في مدة السعاية بمنزلة المكاتب. # وعند الآخرين: هو حر بالسراية. # والمذهب الثالث: مذهب زفر وبعض البصريين أنه يقوم على المعتق ويؤدي ~~القيمة إذا أيسر. # والمذهب الرابع: حكاه القاضي عياض عن بعضهم أنه إن كان المعتق موسرا بطل ~~عتقه في نصيبه فيبقى العبد كله رقيقا كما كان، وهو مذهب باطل. # أما إذا ملك الإنسان عبدا كما له، فاعتق بعضه عتق كله في الحال بغير ~~استسعاء. هذا مذهب الشافعي ومالك ms1825 وأحمد والعلماء كافة (¬1)، وانفرد أبو ~~حنيفة: فقال يستسعى في بقيته لمولاه، وخالفه أصحابه في ذلك فقالوا بقول ~~الجمهور: وحكى القاضي (¬2) أنه روى عن طاوس وربيعة وحماد ورواية عن الحسن ~~كقول أبي حنيفة، PageV10P395 # وقاله أهل الظاهر, وعن الشعبي و [عبيد الله] (¬1) بن الحسن العنبري؛ أن ~~للرجل أن يعتق من عبده ما شاء. # سابعها: لو كان نصيب الشريك مرهونا، فهل يمنع الرهن سراية العتق إلى نصيب ~~شريكه؟ فيه وجهان للشافعية: والأصح: المنع، وهو ظاهر عموم الحديث، لكنه ليس ~~بالشديد القوة, لأنه خارج عن المعنى المقصود بالكلام, لأن المقصود إثبات ~~السراية إلى نصيب الشريك على المعتق من حيث هو كذلك، لا مع قيام المانع, ~~فالمخالف لظاهر العموم يدعى قيام المانع من السراية، وهو إبطال حق المرتهن. ~~ويقويه بأن تناول اللفظ [لصورة] (¬2) قيام المانع غير قوي، لأنه غير ~~المقصود، والموافق لظاهر العموم يلغى هذا المعنى بأن [المعتق] (¬3) قد قوي ~~على [إبطال حق المالك في العين بالرجوع إلى القيمة فلأن يقوى على] (¬4) ~~إبطال حق المرتهن كذلك أولى. وإذا ألغي المانع عمل اللفظ العام عمله. # ثامنها: لو كاتب عبدا ثم أعتق أحدهما نصيبه، فيه من البحث ما أسلفناه من ~~أمر العموم والتخصيص بحالة عدم المانع، والمانع هنا صيانة الكتابة عن ~~الإبطال، وها هنا زيادة أمر آخر، وهو أن يكون لفظ "العبد" [عند الإطلاق ~~متناولا للمكاتب، ولا يكتفي في هذا ثبوت PageV10P396 # أحكام الرق عليه، لأن ثبوت تلك الأحكام لا يلزم منه تناول لفظ "العبد"] ~~(¬1) له عند الإطلاق، فإن ذلك حكم لفظي يؤخذ من غلبة استعمال اللفظ، وقد لا ~~يغلب الاستعمال، وتكون أحكام الرق ثابتة، وهذا المقام إنما هو في إدراج هذا ~~الشخص تحت هذا اللفظ وتناول اللفظ له أقرب. # تاسعها: أعتق نصيبه، ونصيب شريكه مدبر، فيه ما تقدم من البحث, وتناول ~~اللفظ ها هنا أقوى من المكاتب، ولهذا كان الأصح من قولي الشافعية عند ~~أصحابه أنه يقوم عليه نصيب الشريك والمانع ها هنا: إبطال حق الشريك من قربة ~~مهد [سببها] (¬2). # عاشرها: أعتق نصيبه من جارية ثبت الاستيلاد ms1826 في نصيب شريكه منها، فلا مانع ~~من إعمال العموم ها هنا أقوى مما تقدم، لأن السراية تتضمن نقل الملك، وأم ~~الولد لا تقبل نقل الملك من ملك إلى ملك عند من يمنع من بيعها، وهذا أصح ~~وجهي الشافعية ومن يجري على العموم يلغي هذا المانع، بإن الإعتاق وسرايته ~~كالإتلاف، وإتلاف أم الولد [يوجب القيمة] (¬3). # الحادي عشر: العموم يقتضي أنه لا فرق بين عتق مأذون فيه، أو غير مأذون، ~~والحنفية فرقوا بين الإعتاق المأذون وغيره. وقالوا: لا ضمان في الأعتاق ~~المأذون فيه كما لو قال لشريكه: أعتق نصيبك. PageV10P397 # الثاني عشر: يقتضي صدور العتق منه باختياره له، فيثبت الحكم حيث كان ~~مختارا له، وينتفي حيث الاختيار، أما من حيث المفهوم، وإما لأن السراية على ~~خلاف القياس فتختص بمورد النص، وإما لإبداء معنى مناسب يقتضي التخصيص ~~بالاختيار, وهو أن التقويم سبيله سبيل غرامة المتلفات. وذلك يقتضي التخصيص ~~بصدور أمر يجعله إتلافا [(¬1)، [ولا شك أن] (¬2) [أضداد] (¬3) الصيغة ~~المقتضية للعتق بنفسها [داخلة] (¬4) في مدلول الحديث (¬5)، ولا ورث بعض ~~قريبه، عتق عليه ذلك البعض من غير إختيار، [ولا يسري إلى ما فيه ولا يقوم ~~عليه] (¬6) عند الشافعية، ونص عليه بعض المالكية والحنفية، لعدم [اختيار ~~العتق] (¬7) وسببه معا، وعن أحمد رواية أنه يعتق (¬8) أنصيب الشريك، إذا ~~كان موسرا, [ومثله] (¬9) أن يعجز المكاتب نفسه بعد أن اشترى شقصا PageV10P398 # [فعتق] (¬1) على سيده، فإن الملك والعتق يحصلان [بغير] (¬2) اختيار ~~السيد، فهو كالإرث [(¬3)]، ولو وجد سبب العتق باختياره [(¬4)] [كقبوله] ~~(¬5) [بيع بعض قريبه] (¬6) أو هبة [أو الوصية له به] (¬7)، وقد نزله [ذلك ~~الشافعي] (¬8) منزلة [المباشرة] (¬9) ونص عليه بعض المالكية في الشراء ~~والهبة، [فيسري إلى ما فيه] (¬10)، وينبغي أن يكون من ذلك تمثيله بعبده عند ~~من يرى العتتى بالمثلة، وهو مالك وأحمد، [ولو أعجز السيد مكاتبه] (¬11) بعد ~~أن اشترى شقصا ممن يعتق على سيده، فانتقل إليه الملك بالتعجيز، الذي هو سبب ~~العتق، فإنه لما اختاره كان كاختياره لسبب العتق بالشراء وغيره، وفيه ~~اختلاف لأصحاب الشافعي (¬12)، ويضعف هذا عن الأول أنه لم يقصد PageV10P399 # [التمليك] ms1827 (¬1)، وإنما قصد التعجيز، فحصل العتق [ضمنا بخلاف الأول، فإنه ~~منزل منزلة المباشرة باختيار التملك بالقبول، فهو أقوى من التعجيز الذي حصل ~~العتق فيه ضمنا] (¬2). # الثالث عشر: مثل الاختيار في الملك الاختيار في سببه، فيدخل فيه ما إذا ~~أكره على العتق بحق، فإنه كالاختيار، وفرق بين اختياره ما يوجب العتق في ~~نفس الأمر، وبين اختياره ما يوجب ظاهرا، فإذا قال أحد الشريكين لصاحبه: قد ~~أعتقت نصيبك -وهما معسران عند هذا القول- ثم اشترى أحدهما نصيب صاحبه، فإنه ~~يحكم بعتق النصيب المشترى، مؤاخذة للمشتري بإقراره، وهل يسري إلى نصيبه؟ ~~بمقتضى ما قررناه: [أو] (¬3) لا يسرى, لأنه لم يختر ما يوجب العتق في نفس ~~الأمر، وإنما اختار ما يوجب الحكم به ظاهرا. # وقال بعض الحنابلة: يعتق جميعه، وهو ضعيف. # الرابع عشر: ظاهر أعتق التنجيز، وأجرى الفقهاء مجراه: # التعليق بالصفة، مع وجود الصفة، وأما العتق إلى أجل [فاختلفت] (¬4) ~~المالكية فيه، [والمنقول] (¬5) عن مالك وابن القاسم: رحمهما الله أنه PageV10P400 # يقوم عليه الآن، فيعتق إلى أجل، وقال سحنون: إن شاء المتمسك قومه الساعة، ~~فكان جميعه حرا إلى سنة مثلا، وإن شاء تماسك، # وليس له بيعه قبل السنة، إلا من شريكه، وإذا تمت السنة قوم عليه مبتدىء ~~العتق عند [يوم] (¬1) التقويم. # الخامس عشر: مقتضى الحديث أنه لا فرق في الجزء المعتق بين القليل ~~والكثير، لأجل التنكير الواقع في سياق الشرط. # السادس عشر: إذا أعتق عضوا معينا -كاليد والرجل- اقتضى الحديث ثبوت الحكم ~~المذكور فيه، وخلاف أبي حنيفة في الطلاق جار هنا، وتناول اللفظ لهذه الصورة ~~أقوى من تناولها للجزء المشاع, لأن الجزء الذي تفرد بالعتق مشترك حقيقة. # السابع عشر: الحديث يقتضي أن يكون المعتق جزءا من المشترك، فيتعدى النظر ~~فيما إذا أعتق الجنين، هل يسري إلى الأم؟ # الثامن عشر: قوله عليه الصلاة والسلام: "له" يقتضي أن يكون العتق منه ~~مصادفا لنصيبه، كقوله: أعتقت نصيبي من هذا العبد، فعلى هذا لو قال: أعتقت ~~نصيب شريكي، لم يؤثر في نصيبه، ولا في نصيب شريكه على الحذهبين، فلو قال ~~للعبد الذي يملك ms1828 نصفه: "نصفك حر" أو أعتقت نصفك. فهل يحمل على النصف المختص ~~به، أو يحمل على النصف شائعا؟ فيه اختلاف لأصحاب الشافعي، وعلى كل حال فقد ~~عتق إما كل نصيبه، أو بعضه، فهو داخل تحت الحديث. PageV10P401 # التاسع عشر: ثبوت الحكم في العبد [المشترك وهو مقتضى الحديث] (¬1)، ~~والأمة مثله [وهو قياس بالنسبة إلى هذا الأصل، وفي # معناه الذي لا] (¬2) ينكره منصف. غير أنه ورد ما يقتضي دخول الأمة في ~~اللفظ، فإنهم اختلفوا في الرواية, فقال القعنبي: عن مالك، عن نافع، عن ابن ~~عمر "من أعتق شركا له في مملوك"، وكذلك جاء في رواية أيوب عن نافع، وأما ~~عبيد الله عن نافع. # فاختلفوا عليه ففي رواية أبي أسامة وابن نمير عنه، "في مملوك" كما في ~~رواية القعنبي عن مالك، وفي رواية بشر بن المفضل عن عبيد الله "في عبد"، ~~وفي بعض هذه الروايات عموم، وجاء ما هو أقوى من ذلك في رواية موسى بن عقبة ~~عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان يرى في العبد والأمة يكون بين الشركاء، فيعتق ~~أحدهما نصيبه منه، يقول: قد وجب عليه عتقه كله، وفي آخر الحديث "يخبر بذلك ~~ابن عمر عن النبي - صلي الله عليه وسلم -"، وكذلك جاء في رواية صخر بن ~~جويرية عن نافع "يذكر العبد والأمة" قريبا مما ذكرناه من رواية موسى، وفي ~~آخره، رفع الحديث إلى النبي - صلي الله عليه وسلم -. # العشرون: قوله عليه الصلاة والسلام: "وكان له مال" إن كان بالفاء اقتضى ~~ذلك أن يكون اليسار معتبرا في وقت العتق. وإن كان بالواو احتمل أن يكون ~~للحال، فيكون الأمر كذلك. PageV10P402 # الحادي بعد العشرين: قوله عليه الصلاة والسلام: "له مال" يخرج عنه من لا ~~مال له، وبه قال الشافعية فيما إذا أوصى أحد الشريكين بإعتاق نصيبه بعد ~~موته، فأعتق بعد موته، فلا سراية، وإن خرج كله من الثلث، لأن المال ينتقل ~~بالموت إلى الوارث، ويبقى الميت لا مال له، ولا تقويم على من لا يملك شيئا ~~وقت نفوذ العتق في نصيبه، وكذلك لو كان ms1829 يملك كل العبد فأوصى بعتق جزء منه، ~~فأعتق [منه جزءا] (¬1) لم يسر، وكذلك لو دبر أحد الشريكين نصيبه، فقال: إذا ~~من فنصيبي منك حر. وكل هذا جاء عليه ما ذكرناه عند من قال به، وظاهر المذهب ~~عند المالكية فيمن قال: إذا مت فنصيبي منك حر: أنه لا يسري، وقيل: إنه يقوم ~~في ثلثه، وجعله موسرا بعد الموت. # الثاني بعد العشرين: أطلق "الثمن" في هذه الرواية والمراد القيمة، فإن ~~"الثمن" ما اشتريت [به] (¬2) العين، وإنما يلزم بالقيمة لا بالثمن، وقد ~~تبين المراد في رواية بشر بن الفضل عن عبيد الله "ما يبلغ ثمنه يقوم عليه ~~قيمة عدل". وفي رواية عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه "أيما عبد كان بين ~~اثنين فأعتق أحدهما فإن كان موسرا، فإنه يقوم عليه بأعلى القيمة -أو قال ~~قيمة- لا وكس ولا شطط"، وفي رواية أيوب: "من كان له من المال ما يبلغ ثمنه ~~بقيمة العدل"، وفي رواية موسى "يقام وماله قيمة العدل"، وفي هذا كله ما ~~يبين أن المراد بالثمن القيمة. PageV10P403 # الثالث بعد العشرين: قوله عليه الصلاة والسلام: "ما يبلغ ثمن العبد" ~~يقتضي تعليق الحكم بمال يبلغ ثمن العبد [فلو] (¬1) كان المال لا يبلغ كمال ~~القيمة، ولكن قيمة بعض النصيب، ففي السراية وجهان، ولأصحابنا فيمكن أن ~~يستدل به من لا يرى السراية بمفهوم هذا اللفظ، ويؤيده أن في السراية بعيضا ~~لملك الشريك عليه، والأصح عندهم السراية إلى القدر الذي هو موسر به، تحصيلا ~~للحرية بقدر الأمكان، والمفهوم في مثل هذا ضعيف. # الرابع بعد العشرين: إذا ملك ما يبلغ كمال القيمة إلا أن عليه دينا يساوي ~~ذلك أو يزيد عليه فهل يثبت الحكم في السراية والتقويم؟ فيه الخلاف [(¬2)] ~~في منع الدين الزكاة، والأصح الثبوت ووجه الشبه بينهما اشتراكهما في كونهما ~~حقا لله تعالى، مع أن فيهما حقا [للآدمي] (¬3)، ويمكن أن يستدل بالحديث من ~~لا يرى الدين مانعا ها هنا، أخذا بالظاهر [ومن يرى الدين] (¬4) مانعا يخصص ~~هذه الصورة بالمانع الذي يقيمه فيها خصمه، والمالكية على أصلهم في ms1830 أن من ~~عليه دين بقدر ماله فهو معسر. # الخامس بعد العشرين: [مقتضى الحديث] (¬5) أنه مهما كان للمعتق ما يفي ~~بقيمة نصيب شريكه فيقوم عليه، وإن لم يملك غيره. PageV10P404 # هذا هو الظاهر، والشافعية أخرجوا قوت يومه، وقوت من تلزمه نفقته ودست ~~ثوب، وسكنى يوم. والمالكية اختلفوا فقيل: باعتبار قوت الأيام، وكسوة ظهره، ~~كما في الديون التي عليه، ويباع منزله الذي يسكن فيه وشوار بيته. وقال أشهب ~~منهم: إنما يترك له ما يواريه لصلاته. # السادس بعد العشرين: اختلف العلماء في وقت حصول العتق عند وجود شرائط ~~السراية إلى الباقي. وللشافعي رحمه الله ثلاثة أقوال: أصحها: أنه يحصل بنفس ~~الإعتاق، وهي رواية عن مالك. وثانيها: أنه لا يحصل إلا بأداء القيمة، وهو ~~ظاهر مذهب مالك. # وثالثها: أن يتوقف، فإن أدى القيمة بأن حصول العتق من وقت الإعتاق، وإلا ~~بأن أنه لم يعتق، وألفاظ الحديث المذكور مختلفة عند الرواة. ففي بعضها قوة ~~لمذهب مالك. وفي بعضها ظهور لمذهب الشافعي، وفي بعضها احتمال متقارب وألفاظ ~~هذه الرواية تشعر بما قاله مالك، وقد استدل بها على هذا المذهب، لأنها ~~تقتضي ترتيب التقويم على عتق النصيب، وتعقب الإعطاء وعتق الباقي للتقويم ~~[(¬1)]، فالتقويم أما أن يكون راجعا إلى ترتب في الوجود أو إلى ترتب في ~~الرتبة. والثاني باطل، لأن عتق النصيب الباقي -على قول السراية- بنفس أعتاق ~~الأول: إما مع إعتاق الأول، أو عقيبه. PageV10P405 # فالتقويم إن أريد به الأمر الذي يقوم به الحاكم والمقوم فهو متأخر في ~~الوجود عن عتق النصيب، والسراية معا، فلا يكون عتق نصيب الشريك مرتبا على ~~التقويم في الوجود، مع أن ظاهر اللفظ يقتضيه. # وإن أريد بالتقويم وجوب التقويم مع ما فيه من المجاز، فالتقويم بهذا ~~التفسير مع العتق الأول يتقدم على [الإعطاء وعتق الباقي، فلا يكون عتق ~~الباقي متأخرا عن التقويم على هذا التفسير] (¬1)، لكنه متأخر على ما دل ~~عليه ظاهر اللفظ. وإذا بطل الثاني تعين الأول. وهو أن يكون عتق الباقي ~~راجعا إلى الترتيب في الوجود، أي يقع أولا التقويم، ثم الإعطاء، وعتق ms1831 ~~الباقي. وهو مقتضى مذهب مالك، إلا أنه يبقى على هذا احتمال أن يكون "وعتق ~~عليه العبد" معطوف على "قوم قيمة عدل" لا على "أعطى" فلا يلزم تأخر عتق ~~الباقي [عن] (¬2) الإعطاء, ولا كونه معه في درجة واحدة فعليك بالنظر في ~~أرجح الاحتمالين، أعني عطفه على "أعطى" أو عطفه على "قوم". # وأقوى منه رواية عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه إذ فيها "وكان موسرا فإنه ~~يقوم عليه بأعلى القيمة -أو قال: قيمة- لا وكس ولا شطط، ثم يقوم لصاحبه ~~حصته ثم يعتق". فجاء بلفظة "ثم" المقتضية لترتيب العتق على الإعطاء ~~والتقويم. PageV10P406 # وأما ما يدل ظاهره للشافعي فرواية حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن ~~عصر: "من أعتق نصيبا له في عبد، وكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل ~~فهو عتيق". وأما ما في رواية بشر بن المفضل عن عبيد الله فمما جاء فيها: ~~"من أعتق شركا له في عبد فقد عتق كله، إن كان للذي أعتق نصيبه من المال ما ~~يبلغ ثمنه، يقوم عليه قيمة عدل، فيدفع إلى شركائه أنصباءهم ويخلي سبيله"، ~~فإن في أوله ما يستدل به لمذهب الشافعي، لقوله: "فقد عتق كله"، فإن ظاهره ~~يقتضي تعقيب عتق كله لإعتاق النصيب، وفي آخره ما يشهد لمذهب مالك، فإنه ~~قال: "يقوم قيمة عدل فيدفع [إلى شركائه أنصباءهم ويخلي سبيله" تفسير كونه ~~عتق كله بأن يقوم عليه قيمة عدل فيدفع] (¬1)، فأتبع [الإعتاق] (¬2) النصيب ~~للتقويم ودفع القيمة للشركاء عقيب التقويم، وذكر تخلية السبيل بعد ذلك ~~"بالواو". قال الشيخ (¬3) والذي يظهر في هذا أن ينظر إلى هذه الطرق ~~ومخارجها، فإذا اختلفت الروايات في مخرج واحد أخذنا بالأكثر فالأكثر، أو ~~بالأحفظ فالأحفظ، ثم نظرنا إلى أقربها دلالة على المقصود، [فيعمل] (¬4) بها. # وأقوى ما ذكرناه لمذهب مالك لفظة "ثم" وأقوى ما ذكرناه لمذهب الشافعي ~~رواية حماد [وقوله: "من أعتق نصيبا له في عبد PageV10P407 # وكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل] (¬1) فهو عتيق لكنه يحتمل أن ~~يكون المراد أن مآله إلى ms1832 العتق، أو أن العتق قد وجب له وتحقق. # وأما قضية وجوبه بالنسبة إلى تعجيل السراية، أو توقفها على الأداء ~~[المحتمل] (¬2)، فإذا آل الحال إلى هذا، فالواجب النظر في أقوى [الدليل، ~~(¬3) وأظهرهما دلالة. ثم على تراخي العتق عن التقويم والإعطاء، أو دلالة ~~[لفظة] (¬4) "عتيق" على تنجيز العتق. هذا بعد أن يجري ما ذكرناه من اعتبار ~~اختلاف الطرق، واتفاقها. # السابع بعد العشرين: يمكن أن يستدل به من يرى السراية بنفس الإعتاق، على ~~عكس ما قدمناه في الوجه قبله. # وطريقه أن يقال: لو لم تحصل السراية بنفس الإعتاق، لما تعينت القيمة جزاء ~~للإعتاق لكن تعينت، فالسراية حاصلة بالإعتاق، بيان الملازمة أن إذا تأخرت ~~السراية عن الإعتاق، وتوقفت على التقويم. فإذا أعتق الشريك الآخر نصيبه ~~نفذ، وإذا نفذ فلا تقويم، فلو تأخرت السراية لم يتعين التقويم، لكنها ~~متعينة [بالحديث] (¬5). # الثامن بعد العشرين: اختلف الحنفية في تجزئ الإعتاق, بعد اتفاقم على عدم ~~تجزئ العتق، فأبو حنيفة: يرى التجزىء فيه وصاحباه لا يريانه. PageV10P408 # وانبنى على مذهب أبي حنيفة أن للساكت أن يعتق إبقاء للملك، ويضمن شريكه؛ ~~لأنه جنى على ملكه بالإفساد، واستسعى العبد لأنه ملكه، وهذا في حال يسار ~~المعتق، فإن كان في حال إعساره سقط التضمين وبقي الأمران الآخران. # وعند أبي يوسف ومحمد لما لم يتجزأ الإعتاق عتق كله، ولا يملك أعتاقه. ~~ولهما أن يستدلا بالحديث من جهة ما ذكرناه من تعين القيمة فيه، ومع تجزئ ~~الإعتاق لا تتعين القيمة. # التاسع بعد العشرين: الحديث يقتضي وجوب القيمة على المعتق للنصيب: إما ~~صريحا كما في [(¬1)] الروايات " [قوم] (¬2) عليه قيمة عدل" وإما دلالة ~~سياقه فلا يشك فيها، كما في رواية أخرى. وهذا يرد مذهب من يرى أن باقي ~~العبد يعتق من بيت المال، وهو مروي عن ابن سيرين، ومقتضاه التقويم على ~~الموسر. # وذكر بعضهم قولا آخر: أنه ينفذ عتق من أعتق ويبقى من لم يعتق على نصيبه، ~~يفعل فيه ما يشاء. # وروي في ذلك عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان بيني وبين الأسود غلام شهد ~~القادسية ms1833 وأبلى فيها، فأرادوا عتقه -وكنت صغيرا- فذكر ذلك الأسود لعمر، ~~فقال: اعتقوا [(¬3)] [ويبقى PageV10P409 # نصيبه] (¬1) حتى يرغب في مثل ما رغبتم فيه، أو يأخذ نصيبه". وفي رواية عن ~~الأسود قال: "كان ليس ولإخوتي غلام أبلى يوم القادسية، فأردت عتقه لما صنع. ~~فذكرت ذلك لعمر فقال: لا تفسد عليهم نصيبهم حتى يبلغوا. فإن رغبوا فيما ~~رغبت فيه، وإلا لم تفسد عليهم نصيبهم" (¬2). فقال بعضهم: لو رأى التضمين لم ~~يكن ذلك إفساد لنصيبهم. والإسناد صحيح. غير أن في إثبات قول بعدم التضمين ~~عند اليسار بهذا نظر ما. وعلى كل تقدير، فالحديث يدل على التقويم عند ~~اليسار المذكور فيه. # الثلاثون: فيه العمل بالظنون في باب القيم: وهو محل اتفاق لامتناع النص ~~على الجزئيات من القيم: في مدة اليسار. # الحادي بعد الثلاثين: استدل به على أن ضمان المتلفات التي ليست من ذوات ~~الأفعال بالقيمة، لا بالمثل صورة. # الثاني بعد الثلاثين: اشتراط قيمة العدل يقتضي اعتبار ما تختلف به القيمة ~~عرفا من الصفات التي يعرفها الناس. # الثالث بعد الثلاثين: فيه الرد على ربيعة حيث قال إذا أعتق أحدهما نصيبه ~~من العبد فإنه مردود. وصريح الحديث والإجماع يرده. وقد حمل قوله على منع ~~عتق المشاع. PageV10P410 # الرابع بعد الثلاثين: تعليق العتق بإعطاء الشريك حصصهم. حيث رتب على ~~العتق التقويم بالفاء. ثم على التقويم بالفاء الإعطاء والعتق، وعلى قوله: ~~إنه يسرى بنفس العتق، لا يتوقف العتق على التقويم والإعطاء. وقد أسلفنا في ~~ذلك ثلاثة أقوال: ثالثها: التوقف ولا ينافي هذا القول لفظ الحديث. # الخامس بعد الثلاثين: قوله عليه الصلاةوالسلام: "وإلا فقد عتق منه ماعتق" ~~فهم منه: "عتق منه ما عتق" ففط، لأن الحكم السابق يقتضي عتق الجميع، أعني ~~عتق الموسر، فيكون [عتق] (¬1) المعسر لا يقتضيه. # نعم، يبقى ها هنا: أنه هل يقتضي بقاء الباقي من العبد على الرق، أو ~~يستسعى العبد؟ فيه نظر. والذين قالوا بالاستسعاء منع بعضهم أن يدل الحديث ~~على بقاء الرق في الباقي، وأنه إنما يدل على عتق هذا النصيب فقط، ويؤخذ حكم ~~الباقي من حديث آخر، ms1834 وسيأتي الكلام في ذلك عقب هذا الحديث الثاني إن شاء ~~الله تعالى. # [السادس بعد الثلاثين: قال المازري: اختلف هل الأفضل عتق الذكور أو ~~الإناث؟ وهذا الحديث يدل على فضل عتق الذكور, لكن الحديث الآتي يرده، وهذا ~~بناء منه على أن الحديث لا يتناول الأمة، وهو قول إسحاق بن راهويه لكنه قول ~~مردود وقد PageV10P411 # قدمنا ما فيه] (¬1). PageV10P412 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 435/ 12/ 81 - " عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلي الله عليه ~~وسلم - قال: من أعتق شقصا من مملوك فعليه خلاصه [كله] (¬1) في ماله، فإن لم ~~يكن له مال، قوم المملوك قيمة عدل، ثم استسعى [العبد] (¬2) غير مشقوق عليه" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: لفظ "الاستسعاء" مختلف فيه بين الرواة، فمنهم من فصله من الحديث، ~~وجعله من رأي قتادة. # قال الدارقطني: رواه شعبة وهشام عن قتادة، وهي أثبت فلم يذكرا فيه ~~الاستسعاء، ووافقهما همام ففصل الاستسعاء من الحديث، # وجعله من رأي قتادة. قال: وعلى هذا أخرجه البخاري وهو الصواب. PageV10P413 # قال الدارقطني (¬1): وسمعت أبا بكر النيسابوري يقول ما أحسن ما رواه ~~همام، وضبطه، [بفصل] قول قتادة عن الحديث. # ونقل القاضي (¬2): عن الأصيلي وابن القصار وغيرهما أن من أسقط السعاية من ~~الحديث أولى ممن ذكرها, ولأنها ليست في الأحاديث الأخر من رواية ابن عمر. ~~وقال ابن عبد البر (¬3): الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها. وقال ~~غيره (¬4): قد اختلف فيها عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ذكرها، وتارة لم ~~يذكرها، فدل على أنها ليست عنده من متن الحديث كما قال غيره. # وقال الشيخ تقي الدين (¬5): هذا الحديث قد أخرجه الشيخان في صحيحيهما، ~~وحسبك بذلك، فقد قالوا: إن ذلك أعلى درجات الصحيح، والذين لم يقولوا ~~بالاستسعاء تعللوا في تضعيفه بتعللات، لا تصبر على النقد، ولا يمكنهم ~~الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث، يرد ~~عليهم فيها مثل تلك التعللات. PageV10P414 # ثانيها: "الشقص" بكسر الشين وفتحها. والشقيص بزيادة ياء ثلاث لغات: ~~النصيب، سواء كان قليلا أو كثيرا. وصوب بعضهم زيادة الياء، وكلاهما ms1835 صواب. # ثالثها: "المملوك" يتناول الذكر والانثى وقد يتعسف متعسف، ويقول: لا يطلق ~~على الأنثى. نعم هو أولى من لفظ "عبد"، على أن بعض الناس (¬1) أدعى أن لفظ ~~"العبد" يتناول الذكر والأنثى، وقد نقل "عبد وعبده". # رابعها: قوله عليه الصلاة والسلام "فعليه خلاصه"، قد يشعر بأنه لا يسرى ~~بنفس العتق, لأنه لو أعتق بنفس العتق سراية لتخلص على هذا التقدير بنفس ~~العتق. واللفظ يشعر باستقبال خلاصه، إلا أن يقدر محذوف أي: فعليه عوض خلاص, ونحوه. # خامسها: قوله "فعليه خلاصه" كل هذا يراد به: الكل من حيث هو كل، أعني لكل ~~المجموعي لأن بعضه قد تخلص بالعتق السابق، والذي يخلصه كله من حيث هو كل هو ~~تتمة عتقه. # سادسها: قوله: "في ماله" يرد به على من يقول: إنه يعتق من بيت مال ~~المسلمين، وهو ابن سيرين، فإن إضافة المال إلى السيد المعتق ينافي بيت مال ~~المسلمين. # سابعها: قد يستدل به من يقول: إن الشريك الذي لم يعتق أولا ليس له أن ~~يعتق بعد [عتق] (¬2) الأول إذا كان الأول موسرا, لأنه PageV10P415 # لو [أعتقه] (¬1) ونفذ، لم يحصل الوفاء يكون خلاصه من ماله. لكن يرد عليه ~~لفظ [(¬2)] الحديث [الذي قبله] (¬3) [فإنه] (¬4) من لوازم عدم [صحة] (¬5) ~~عتقه [في] (¬6) أنه يسري بنفس العتق ويبقى النظر في الترجيح بين هذه ~~الدلالة والتي قدمناها من قوله: "قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاؤه حصصهم، ~~وعتق عليه العبد" فإن ظاهره ترتيب العتق على إعطاء القيمة، فأي الدليلين ~~كان أظهر عمل به. # ثامنها: قوله "فعليه خلاصه كله في ماله" يقتضي عدم استسعاء العبد عند ~~يسار المعتق. # تاسعها: قوله: "فإن لم يكن له مال" ظاهره: النفي العام للمال، والمراد به ~~المال الذي يؤدي إلى خلاص المملوك. # عاشرها: معنى الاستسعاء عند [جمهور]. القائلين به: أن العبد يكلف ~~الاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة نصيب الشريك الآخر، فإذا دفعها إليه عتق. # فمعنى قوله: "استسعى" ألزم السعي فيما يفك به بقية رقبته من الرق. وقال ~~بعضهم: هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ماله فيه من ms1836 الرق. وتتفق ~~الأحاديث على هذا. PageV10P416 # الحادي عشر: قوله: "غير مشقوق عليه" أي لا يكلف المملوك ما يشق عليه في ~~السعابة. # الثاني عشر: فيه جواز عتق العبد المشترك من بعض الشركاء. # الثالث عشر: أنه إذا كان له مال يلزم خلاص باقيه من ماله. # الرابع عشر: أنه إذا لم يكن له مال واستسعى العبد فيما يفك به رقبته أنه ~~لا يكون سعيا شاقا على العبد، بل يعمل فيه بالاجتهاد والظن الراجح، كما ~~قلنا في القيمة. # الخامس عشر: تعظيم حق العتق، وأنه مطلوب مؤكد للشرع. # السادس عشر: استسعاء العبد عند عسر المعتق، وتقدم الاختلاف فيه في الحديث ~~قبله. والمخالفون في الاستسعاء يعارضونهم بالحديث السالف "وإلا فقد عتق منه ~~ما عتق". قال الشيخ تقي الدين (¬1): والنظر بعد الحكم بصحة الحديث منحصر في ~~تقديم [أحد الدليلين] (¬2) على [الآخر] (¬3) أعني دلالة قوله: "عتق منه ما ~~عتق" على رق الباقي. ودلالة ["الاستسعاء"] (¬4) على لزومه في هذه الحالة، ~~والظاهر ترجيح هذه الدلالة على الأولى. PageV10P417 # [. . .] (¬1) ### ||| AUTO الحديث الثالث # 436/ 3/ 81 - عن جابر عن عبد الله رضي الله عنهما قال: "دبر رجل من ~~الأنصار غلاما له. # -وفي لفظ- بلغ النبي - صلي الله عليه وسلم -: أن رجلا من أصحابه أعتق ~~غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره. فباعه [رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -] (¬2) بثمانمائة. درهم، ثم أرسل ثمنه إليه" (¬3). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا العبد المدبر اسمه يعقوب القبطي، والسيد أبو مذكور. وقيل: ~~بذكور. حكاه أبو نعيم (¬4)، والذي اشتراه نعيم بن PageV10P418 # عبد الله النحام [بنون ثم حاء مهملة قال الجوهري (¬1): يقال نحم الرجل ~~ينحم بالكسر فهو نحام مأخوذ من النحم وهو التنحنح # والزحير. # ثانيها: جاء في بعض طرق هذا الحديث في غير الصحيح: أن الذي دبر هذا ~~الغلام مات، فباعه النبي - صلي الله عليه وسلم - بعد موته. ولا يصح ذلك، ~~وجاء في بعض طرقه أيضا: أنه إنما باع صدقة المدبر لا نفسه. ولا يصح أيضا. ~~وقد أوضحت ذلك في "تخريجي لأحاديث الرافعي" فسارع إليه. # ثالثها: معنى "دبر وأعتق عن ms1837 دبر" أعتقه بعد موته أي قال: أنت حر بعد ~~موتي. فكأنه علق عتقه بموته، والموت دبر الحياة، وبه سمى التدبير في غير ~~الرقيق كالخيل وغيره مما يوصي به. وقيل: سمى تدبيرا, لأنه دبر أمر دنياه ~~باستخدامه واسترقاقه، وأمر آخرته بإعتاقه وهو مردود إلى الأول أيضا, لأن ~~التدبير في الأمر مأخوذ من لفظ الدبر أيضا، لأنه نظر في عواقب الأمر ~~وإدباره. # رابعها: فيه جواز التدبير وصحته وهو إجماع، ثم ذهب الشافعي ومالك ~~والجمهور أنه يحسب عتقه من الثلث. وخالف الليث وزفر، فقالا: هو من رأس المال. # خامسها: جواز بيع المدبر قبل موت سيده، لهذا الحديث قياسا على بيع الموصى ~~بعتقه فإنه جائز إجماعا وهو مذهب الشافعي وأصحابه. وممن جوزه عائشة وطاوس ~~وعطاء والحسن PageV10P419 # ومجاهد وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود. وكما يجوز بيعه يجوز هبته، والوصية ~~به وغيرهما من التصرفات المزيلة للملك، سواء كان التدبير مطلقا أم قصدا، ~~خلافا لأبي حنيفة في المطلق. ولمالك في المطلق والمقيد معا. وعن أحمد ~~روايتان: إحداهما كمذهبنا والأخرى أن له بيعه للدين فقط، ويمتنع بيع ~~المدبر. قال جمهور العلماء والسلف من الحجازيين والشاميين والكوفيين ومنهم ~~أبو حنيفة ومالك وتأولوا معه على أنه عليه الصلاة والسلام إنما باعه في دين ~~كان على سيده، كما رواه النسائي والدارقطني (¬1). وروي أنه عليه الصلاة ~~والسلام باعه وقضى عنه دينه، ودفع الفضل إليه. وروي عن عائشة (¬2) رضي الله ~~عنها أنها باعت مدبرة لها سحرتها ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ولا خالفها، ~~وهذا يدل على جواز بيعه مطلقا قالوا: ولأنه تعليق للعتق بصيغة انفرد السيد ~~بها، فيتمكن من بيعه كالمعلق عتقه بدخول [الدار] (¬3). # وتأوله بعض المالكية: على أنه لم يكن له مال غيره فرد تصرفه. قال: هذا ~~القائل وكذلك برد كل من تصدق بكل ماله. وهذا واه، والصواب نفاذ تصرف من ~~تصدق بكل ماله. # ومنهم من يقول: أنا أقول بجواز بيعه في صورة كذا وفي صورة كذا، والواقعة ~~واقعة حال لا عموم لها، فيجوز أن يكون في الصورة التي أقول بجواز ms1838 بيعه ~~فيها، فلا تقوم على الحجة في المنع PageV10P420 # من بيعه في غيرها، كما يقول مالك في جواز بيعه في الدين على التفصيل ~~المذكور في هذهبه. قال القاضي عياض (¬1): والأشبه عندي أنه عليه الصلاة ~~والسلام فعل ذلك نظرا له إذ لم يترك لنفسه مالا. والصحيح ما قاله أصحاب ~~الشافعي ومن وافقهم: أن الحديث على ظاهره، وأنه يجوز بيع المدبر بكل حال ما ~~لم يمت السيد. # سادسها: نظر الإمام في مصالح رعيته وأمره إياهم بما فيه الرفق لهم، ~~وبإبطال ما يضر من تصرفاتهم التي يمكن فسخها [(¬2)]. PageV10P421 # آخر كتاب شرح العمدة للشيخ الإمام العالم العلامة أبي حفص عمر بن الشيخ ~~الإمام العالم العلامة أبي الحسن علي بن الشيخ الإمام العالم العلامة أبو ~~العباس أحمد الشافعي الشهير بابن أبو الحسن النحوي. غفر الله ذنوبه وستر ~~عيوبه، والله الموفق للصواب وإليه وجميع المسلمين بمحمد (¬1) وآله. المرجع ~~والمآب به الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. # وذكر مؤلفه المذكور عفا الله عنه أن هذا الشرح نجز مساء يوم السبت ثاني ~~عشر من شهر الله المحرم سنة ست وستين وسبعمائة أحسن الله تقضيها وما بعدها ~~في خير وعافية، وقد اشتمل بحمد الله ومنه على فنون من هذا العلم كعلم ~~العربية واللغة والأحكام الشرعية وأسماء الصحابة والتابعين وما تيسر من ~~مآثرهم ومناقبهم وبيان مبهماته ومهماته، والجمع بين المختلفات، ومذاهب ~~علماء الإسلام والأماكن العظام، فله الحمد على تيسير ذلك وأمثاله وأفضاله، ~~وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين اللهم انفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه، ~~والناظر فيه وجميع المسلمين ... آمين. # وعلقه لنفسه أجمع فقير رحمة ربه المعترف بذنبه محمد بن سليمان عوض بن ~~سليمان البكري الشافعي في مستهل ربيع الآخر من شهور سنة ست وستين وسبعمائة ~~غفر الله له ولوالديه وبجميع المسلمين وكتبه أجمع من خط مؤلفه اللهم صلى ~~على محمد وآله. PageV10P422 # تم الكتاب بمعونة الملك الوهاب سائلا الله عز وجل أن يجعله ذخرا يوم ~~القيامة ووالدي، ولمؤلفه ووالديه، وناسخيه ووالديهم، وجميع المسلمين وأن ~~يمنحنا ms1839 العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، وأن ~~يغفر لنا زلاتنا ويستر عوراتنا ويكشف كربتنا وأن يصلح لي نيتي وذريتي وأن ~~يجعلهم هداة مهتدين وأن يجعلنا ممن إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر وإذا أذنب ~~استغفر، وأن يصلح حال أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأن يغفر لنا ~~ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات، كما أسأله أن يجعله ~~خالصا لوجه الكريم وأن ينفع به ممن اطلع عليه وقرأه وكتبه وسعى في نشره ~~تعلما وتعليما وطباعة. وصلي الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ~~أجمعين. والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات. الحمد لله الذي هدانا لهذا ~~وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. تم كتابته والتعليق عليه وتصحيحه في ~~مدينة بريدة حرسها الله من كل سوء وديار المسلمين. # أبو أحمد/ # عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن حمود المشيقح # 15/ 12/ 1415 ه ms1840