######OpenITI# #META# bkid: 17745 #META# bk: المعين على تفهم الأربعين ت دغش #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: المعين على تفهم الأربعين #META# المؤلف: ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (المتوفى: 804 ه) #META# دراسة وتحقيق: الدكتور دغش بن شبيب العجمي #META# الناشر: مكتبة أهل الأثر للنشر والتوزيع، حولي - الكويت #META# الطبعة: الأولى، 1433 ه - 2012 م #META# عدد الأجزاء: 1 #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: #META# auth: ابن الملقن #META# authinf: ابن الملقن (723 - 804 ه = 1323 - 1401 م). عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي، سراج الدين، أبو حفص ابن النحوي، المعروف بابن الملقن: من أكابر العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال. أصله من وادي آش (بالأندلس) ومولده ووفاته في القاهرة. له نحو ثلاثمائة مصنف، منها «إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال - خ» تراجم، و «التذكرة في علوم الحديث - خ» [ثم طبع] رسالة، و «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام - خ» [ثم طبع] و «إيضاح الارتياب في معرفة ما يشتبه ويتصحف من الأسماء والأنساب - خ» في شستربتي، و «غريب كتاب الله العزيز - خ» [ثم طبع] في الرباط (2018 كتاني) و «التوضيح لشرح الجامع الصحيح - خ» [ثم طبع] شرح البخاري، كبير، و «خلاصة البدر المنير - خ» [ثم طبع] في تخريج أحاديث شرح الوجيز للرافعي، و «خلاصة الفتاوى في تسهيل أسرار الحاوي - فقه»، و «تصحيح الحاوي - خ» و «عجالة المحتاج، على المنهاج - خ» فقه و «الإشارات إلى ما وقع في المنهاج من الأسماء والأماكن واللغات - خ» و «طبقات الأولياء - ط» و «المقنع - خ» في الحديث، باسطنبول (طوبقبو) و «غاية السول في خصائص الرسول - خ» رسالة [ثم طبع]، و «طبقات المحدثين» و «طبقات القراء» و «العقد المذهب - خ» في طبقات الشافعية، و «شرح زوائد مسلم على البخاري - خ» حديث. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 17745 #META# over: 1 #META# seal: 1C180521 #META# oauth: 709 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 3 #META# vername: None #META# cat: شروح الحديث #META# lng: ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري #META# higrid: 804 #META# ad: 804 #META# aseal: ED603205 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/17745 #META#Header#End# ### | CHECK مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم # اللهم صل على محمد وآله وصحبه # أحمد الله على تتابع آلائه ودفع لأوائه، وأشكره على ما أسبغ من إفضاله ~~وغمر من نواله، وأصلي على أشرف الخلق: محمد وآله، وأسلم عليه إلى يوم ~~لقائه. وبعد. # فهذه نكت مهمة على "الأربعين" التي جمعها العلامة الحافظ: أبو زكريا محيي ~~الدين يحيى بن شرف بن مري النووي -قدس الله روحه ونور ضريحه- أذكر فيها ~~التعريف بمن ذكر من رواته، وبيان حاله، ونسبه، ومولده، ووفاته، ومبهماته، ~~وضبط لفظه، وبيان إعراب ما يشكل وغريبه، والإشارة إلى بعض ما يستنبط منه من ~~الأصول والفروع، والآداب وغيرها. # وخصصت هذه الأربعين بذلك؛ لأنها أجل الأربعينات وأرفعها، وأكثرها فائدة ~~وأعظمها، إذ كل حديث منها وصف بأن مدار الإسلام عليه أو ثلثه، ونحو ذلك ~~-كما ذكره في الخطبة-. # وقد سبقه العلامة أبو عمرو بن الصلاح إلى جمع الأحاديث التي قيل أنها ~~أصول الإسلام، أو عليها مداره، فبلغها ستة وعشرين حديثا -بعد أن حكى أقوال ~~العلماء في تعيين الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، واختلافهم في PageV01P031 # تعيينها- ووصلها المصنف في أذكاره إلى ثلاثين حديثا (¬1)، وزاد عليها هنا ~~اثني عشر حديثا فبلغت أربعين حديثا -بزيادة حديثين- وكأنه رأى الختم بهما ~~على الأربعين؛ لكون أحدهما من باب الوعظ لمخالفة الهوى، ومتابعة الشرع. # وثانيهما: من باب الرجاء والدعاء والاستغفار والإطماع في الرحمة. # وذكر في السابع والعشرين حديثين، لاجتماعهما على معنى واحد. # ومن الأحاديث المهمة حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر" ~~(¬2). واتفقوا عليه، فإنه من الجوامع في علم الفرائض، وهو نصف العلم على ما ~~عرف وروي (¬3). # وكذا حديث عروة بن مضرس في الوقوف بعرفة. فإن الحاكم قال في "مستدركه" ~~إنه: "قاعدة من قواعد الإسلام" (¬4). PageV01P032 # وسميته: "المعين على تفهم الأربعين" والله أرغب في النفع بها وبأمثالها، ~~فإنه المحسن المتفضل، لا رب سواه، ولا نرجو إلا إياه، حسبنا الله ونعم ~~الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. PageV01P033 ### || AUTO ms001 فصل # في شرح غريب "الخطبة" على سبيل الاختصار، واشتقاقها من "الخطب"؛ لأن ~~العرب كانوا إذا ألم بهم الخطب -وهو الأمر المهم- خطبوا له، فيجتمع بعضهم ~~إلى بعض، واحتالوا في دفعه، فاشتق اسمها من ذلك. # وكان ينبغي لنا أن نذكر جملة من أحوال المصنف قبل الخوض في شرح كلامه، ~~فإنه: قطب الزمان، وعين الوقت، لكنا ذكرناها في أول شرحنا لمنهاجه (¬1) ~~وأحلنا في طبقاتنا -"طبقات الشافعية"- عليه، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. # ومولده بنوى -قرية من قرى دمشق- سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ومات بها سنة ~~ست وسبعين وستمائة -سقى الله ثراه- (¬2). # * * * # قوله: "الحمد لله رب العالمين" إنما بدأ هذا التأليف المبارك بالحمد ~~للاقتداء بالقرآن، فإنه مبتدأ به. PageV01P034 ### || CHECK معنى الحمد # ولقوله تعالى لنبيه: {قل الحمد لله وسلام} [النمل: 59]. # وللحديث المشهور: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم" (¬1). # وهو: الثناء على المحمود بجميل الصفات. بخلاف الشكر فإنه بالإنعام (¬2). # قال الشاعر: # أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا (¬3) # وكأن الثناء على الله تعالى كهدية المستشفع قبل مسألته رجاء أن يشفع بذلك ~~في قضاء حاجته. والألف واللام في "الحمد" للعموم. # وقرن "الحمد" بالله دون سائر أسمائه؛ لأنه اسم للذات، فيستحق جميع صفاته ~~الحسنى (¬4). PageV01P035 # قال البندنيجي (¬1): "وأكثر أهل العلم على أن الاسم الأعظم هو: الله" ~~(¬2). وقال الخطابي: "وأحب الأقوال إلي: قول من ذهب إلى أنه اسم علم وليس ~~بمشتق" (¬3). # قلت: وجمهور العلماء النحاة على أنه مشتق، واختلف في اشتقاقه على أقوال: # أحدها: من أله يأله؛ إذا تحير، إذ القلوب تحار في عظمته. # ثانيها: أن أصله: "إله" وهو من يفزع إليه في النوائب. # ثالثها: أنه من باب "التأله" وهو التعبد. # رابعها: أنه من "الوله" وهو أشد ما يكون من الشوق؛ لأن القلوب تشتاق إلى ~~معرفته، قال الله تعالى: {والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165]. # خامسها: أنه من " ### || AUTO الإله # ية" وهي القدرة على الاختراع! ومحل الخوض في ذلك كتب العربية، فلا نطول ~~به (¬4). PageV01P036 # وكذا هل أصله: "إلاه" أو: "لاه". # قال أبو القاسم القشيري -عن بعض المشايخ-: "كل ms002 اسم من أسمائه يصلح للتخلق ~~به إلا هذا الاسم، فإنه للتعلق دون التخلق. # قالوا: والإشارة بهذا الاسم إلى قديم واحد بلا تشبيه ولا تعطيل، وهو الذي ~~صنع العالم وأوجده بعد العدم، وهو المستحق للصفات التي لا بد للصانع أن ~~يكون عليها". # و" ### || AUTO الرب # ": المالك، وهو السيد -أيضا-، والمربي والمصلح، وكلها صفة له مع خلقه، ~~ولا يطلق إلا على الله تعالى وحده، فإذا أطلق على غيره فبالإضافة: كرب ~~الدار والناقة. قال الله تعالى: {ارجع إلى ربك} [يوسف: 50]، وقال تعالى: ~~{إنه ربي أحسن مثواي} [يوسف: 23]. # " ### || AUTO العالمين # ": جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله، مشتق من العلامة، لكونه علامة على ~~خالقه كما قاله أبو عبيد، أو من العلم كما قاله غيره (¬1). # قوله: "قيوم السموات والأرضين": أي خالقهما وموجدهما بعد العدم، والقائم ~~بتدبيرهما وحفظهما. قال الله تعالى: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن ~~تزولا} [فاطر: 41]. وقال: {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} ~~[الحج: 65]. # وأصله: "قيووم" على فيعول، قلبوا الواو ياء وأدغموا الياء في الياء. ~~وقيام أيضا: أصله "قيوام" على فيعال كذلك. PageV01P037 # قال الزمخشري: "القيوم: الدائم القائم بتدبير الخلق وحفظه. وقرئ (¬1): ~~القيام والقيم" (¬2). وقد قرئ بهما في الشاذ. # و"السموات": جمع سماء (¬3). # و"الأرضين" -بفتح الراء- وإسكانها شاذ، وجمعها ولم تأت في القرآن إلا مفردة. # وقد أختلف في قوله تعالى: {ومن الأرض مثلهن} [الطلاق: 12] هل المثلية في ~~العدد أو في الهيئة والشكل؟ على تأويلين. # والسنة دالة على الأول، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "من ظلم قيد شبر ~~طوقه من سبع أرضين" (¬4). # وكقوله: "اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما ~~أقللن، ورب الشياطين وما أضللن. ." رواه كذلك البيهقي في دلائله (¬5). PageV01P038 # قال القاضي عياض: "وجاء في غلظ الأرض وطباقها وما بينهن حديث ليس بثابت" (¬1). # وقوله: "مدبر الخلائق أجمعين" المدبر: مصرف الأمور بحسب ما تقتضيه حكمته تعالى. # قال الخطابي "المدبر": "العالم بأدبار الأمور وعواقبها، ومقدر المقادير ~~ومجريها" (¬2). # و"الخلائق" جمع خليقة، فعيلة بمعنى مفعولة، ويجوز أن يراد بها الخلق ~~والطبيعة، ومنه قول الشاعر: # وإن تك قد ms003 ساءتك مني خليقة (¬3) # وقوله: "باعث الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- إلى المكلفين، لهدايتهم ~~وبيان شرائع الدين، بالدلائل القطعية وواضحات البراهين". # "الباعث": المرسل، قال الله تعالى: {وابعث في المدائن حاشرين} [الشعراء]. # و"الرسل": جمع رسول وهو: المأمور بتبليغ الوحي إلى العباد، وهو أخص من ~~النبي؛ فإنه: الذي أوحي إليه العمل والتبليغ، بخلاف النبي فإنه: PageV01P039 # أوحي إليه العمل فقط (¬1). # و"الصلاة": الرحمة المترادفة، كذا قالوه، وفيه نظر من وجهين: # أحدهما: أن الرحمة عطف عليها في قوله: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} ~~[البقرة: 157] والعطف يقتضي المغايرة. # ثانيهما: أن الرحمة رقة القلب، وهي مستحيلة في حقه تعالى! (¬2). # والصواب: أنها المغفرة في حقه تعالى، وأصلها لغة: الدعاء، فحملت على ~~المغفرة؛ لأنه محال في حقه تعالى (¬3). # و"السلام ": التحية، أو: تسليمه إياهم من كل مكروه. PageV01P040 # و"المكلف": العاقل البالغ من الجن والإنس، مشتق من الكلفة، لتحمل الأوامر ~~والنواهي. # واختلف في تكليف الملائكة، والحق تكليفهم بالطاعات العملية بدليل قوله ~~تعالى: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم]. # أما الإيمان ونحوه من العقائد فليسوا مكلفين؛ لأنه ظاهر لهم، فتكليفهم به ~~تحصيل الحاصل. # وقوله "لهدايتهم"؛ أي: لأجل هدايتهم، و"الهداية" و"الهدى": الرشاد، وهو ~~ضد الضلال (¬1). # و"شرائع الدين": موارده التي يرد عليها منه، وهي جمع شريعة. وأصلها في ~~اللغة مشرعة الماء: وهي مورد الشارب. # و"الشريعة": "ما شرع الله تعالى لعباده من الدين. وقد شرع لهم يشرع شرعا، ~~أي: سن (¬2) ". قاله الجوهري (¬3). # و"الدين ": ما شرعه الله لنا من الأحكام، وهو يطلق بإزاء معان: # "الملة" قال الله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19]. # و"العادة" قال امرؤ القيس: # "كدينك من أم الحويرث قبلها" (¬4). PageV01P041 # و"الطاعة" يقال: دان له؛ إذا أطاعه. # و"الحال" من كلامهم: لو لقيتني على دين غير هذا لاخترتك، وغير ذلك. # قال الإمام فخر الدين: "وله أسماء أخر، منها: # "الإيمان" قال الله تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35)} ~~[الذاريات: 35]. # ومنها: "الصراط" قال تعالى: {صراط الله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض} [الشورى: 53]. # ومنها: "كلمة الله": أي دينه. # ومنها: "النور" قال تعالى: ms004 {ليطفئوا نور الله} [الصف: 8] أي: الإسلام. # ومنها: "الهدى". # ومنها: "العروة الوثقى". قال مجاهد في قوله تعالى: {فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى} [البقرة: 256] أنها "الإيمان" (¬1). # ومنها: "الحبل"، قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا} [آل عمران: 103]. # ومنه: {صبغة الله} [البقرة: 138] و {فطرت الله} [الروم: 30] " (¬2). # و"الدلائل": جمع دليل وهو في اللغة: المرشد (¬3). # وفي الاصطلاح: ما أمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن. PageV01P042 # وهو ضربان: قطعي، وظني. ومحل الخوض فيه كتب "الأصول". # و"الواضحات": التي لا إشكال فيها. # و"البراهين": جمع برهان، وهو في الاصطلاح: ما تركب من تصديقين. # على ما هو مقرر في فنه. # وقوله: "أحمده على جميع نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه". النعم: جمع ~~نعمة، وهي في اللغة: اليد والصنيعة والمنة، وما أنعم به عليك. وكذلك ~~"النعمى" فإن ضممت النون قصرت، أو فتحتها مددت (¬1). # والمنعم في الحقيقة هو الله تعالى، وأصلها كلها: نعمة الإسلام، قال ~~تعالى: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34]، أي: لكثرتها ~~وعظمها. ودوامها بالشكر، قال تعالى: {لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم: 7]، ~~وضده: الكفر. # وكأن مراد المصنف هنا الشكر؛ لأن حقيقته ما كان عن معروف أسدي إليك، ولا ~~معروف في الحقيقة إلا لله تعالى. # و"الفضل": خلاف النقص، والإفضال: الإحسان. # و"الكرم": نقيض اللؤم، ويقال أيضا: "رجل كرم، وامرأة كرم" قاله الجوهري (¬2). # وقوله: "وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، الكريم الغفار". # معنى "أشهد": أعلم وأبين. PageV01P043 # و"الإله" في اللغة هو: المعبود. # و"الواحد": المتوحد، العالي عن الانقسام. وقيل: الذي لا مثل له. # و"القهار": فعال من القهر وهو الغلبة، يقال: قهره قهرا غلبه، وأقهرته: ~~وجدته مقهورا، ويقال: أخذت فلانا قهرا، أي: اضطرارا، ومعناه هنا: الغالب ~~الذي لا يغلب، والقوي الذي لا يضعف. # و"الكريم": فعيل من الكرم، وهو نقيض اللؤم كما سلف، و"الكريم" أيضا: ~~الصفوح. # و"الغفار": فعال من الغفر وهو: الستر والتغطية، ومنه: المغفر، لستره الرأس. # وقوله: "وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم عبده ورسوله وحبيبه ~~وخليله، أفضل المخلوقين". # أردف المصنف بعد الحمد والثناء على الله تعالى بالشهادتين للحديث ~~المشهور: "كل خطبة ms005 ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" (¬1). # ولنبينا - صلى الله عليه وسلم - أسماء أفردت بالتصنيف، ولابن دحية فيها ~~جزء ضخم (¬2)، وقد لخصته في اختصاري ل"دلائل النبوة" للبيهقي -أعان الله ~~على إكماله-. PageV01P044 ### || CHECK معنى الشهادة # وأشرفها عبد الله؛ لأنه دعي به في ذاك المقام، قال الله تعالى: {سبحان ~~الذي أسرى بعبده ليلا} [الإسراء: 1]، وقال: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا} [البقرة: 23]، وقال: {وأنه لما قام عبد الله} [الجن: 19]. واختار ~~-أيضا- أن يكون عبدا رسولا، لعلمه بشرف العبودية. # وفي هذا المعنى: # يا قوم قلبي عند زهراء ... يعرفها السامع والرائي # لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي # والعبودية هي المرتبة الحقيقية، فلهذا شرفت. # قال أبو علي الدقاق: "ليس شيء أفضل من العبودية، ولا اسم أتم للمؤمن من ~~الوصف به" (¬1). # و"الحبيب": فعيل من الحب، وهو نقيض البغض، يقال: أحبه فهو محب. وحبه يحبه ~~-بالكسر- فهو محبوب. # قال الجوهري: "وهذا شاذ؛ [لأنه] (¬2) لا يأتي في المضاعف يفعل -بالكسر- ~~إلا ويشركه يفعل -بالضم- إذا كان متعديا، ما خلا هذا الحرف" (¬3). # و"حبيب الله تعالى": من أحبه، بدليل قوله: {يحبهم ويحبونه} [المائدة: ~~54]، ومحبة الله على حسب المعرفة به، وأعرف الناس به: نبينا محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - فهو PageV01P045 # أحبهم له، وأحقهم باسم الحبيب. # و"الخليل": فعيل بمعنى مفعول، وهو: المحبوب الذي تخللت محبته القلب فصارت ~~خلاله، أي: في باطنه. # وقد اختلف في الخليل، فقيل: إنه الصاحب. # وقيل: إنه الخالص في الصحبة، وهو أخص من الصاحب. # واختلفوا -أيضا-: هل الخلة أرفع درجة من المحبة أو عكسه، أو هما سواء؟ ~~على أقوال. # واختلفوا -أيضا- في اشتقاقه: أهو من الخلة -بفتح الخاء- وهي الحاجة، أو ~~بضمها وهي تخلل مودة في القلب، فلا تدع فيه خلاء إلا ملأته؟ فيه خلاف، وقد ~~ذكرته واضحا في "شرحي للعمدة" قبيل "باب الاستطابة" (¬1). # ونبينا هو الحبيب الخاص، وفي الصحيح: ". . . ولكن صاحبكم خليل الله" (¬2). # ولما كانت الخلة أخص منها -أي المحبة- خصت بنبينا وبإبراهيم -صلوات الله ~~وسلامه عليهما-. # وقوله: "أفضل المخلوقين" أي: من أهل السموات والأرضين، ولا شك في ذلك، ~~ودليله قوله -عليه ms006 الصلاة والسلام-: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (¬3). PageV01P046 # مع أن ولد آدم أفضل أنواع المخلوقات حتى الملائكة على مذهب أهل السنة، ~~ونبينا أفضلها فهو إذن أفضل المخلوقات. # وحديث: "لا تفضلوا بين الأنبياء" (¬1) ونحوه أول بأوجه، منها: أنه قاله ~~على وجه التواضع (¬2). # وقوله: "المكرم بالقرآن العزيز، المعجزة المستمرة على تعاقب السنين، ~~وبالسنن المستنيرة للمسترشدين". سمي القرآن قرانا لجمعه السور، يقال: قرأت ~~الشيء إذا جمعته. # وقيل: لتأليفه. # ومعجزته باعتبار لفظه، وأنه آية معجزة، ومن فضله على المعجزات دوامه ~~وانقطاعها، وقدمه وحدوثها (¬3). PageV01P047 # قال -عليه الصلاة والسلام-: "ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي ما مثله ~~آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا" (¬1). # ووصف القرآن بالعزيز كما قال تعالى: {وإنه لكتاب عزيز} [فصلت: 41]؛ لأنه ~~بصحة معانيه ممتنع عن الطعن فيه، والازدراء عليه؛ لأنه محفوظ من الله تعالى. # قال ابن عباس: "معناه: كريم على الله تعالى" (¬2). # وقال مقاتل: "منيع من الشيطان" (¬3). # وقال السدي: "غير مخلوق" (¬4). # وقوله: "المعجزة المستمرة على تعاقب السنين" يريد أن كتاب الله تعالى ~~معجزته مستمرة دائمة لا انقطاع لها، بخلاف معجزة سائر الأنبياء فإنها قد ~~انقرضت بانقراضهم. # ولإعجازه وجوه لا يحتمل ذكرها هنا. # و"السنة": ما أوحي إليه، وما ألهم. # و"المستنيرة": ذات النور، كناية عن الهدى الذي تضمنته. PageV01P048 ### || CHECK معنى جوامع الكلم # و"المسترشد": طالب الرشاد. # وقوله: "المخصوص بجوامع الكلم" هو إشارة إلى قوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"أوتيت جوامع الكلم" وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ~~- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فضلت على ~~الأنبياء بست: أوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب. . ." الحديث (¬1). # ومعناه: أوتيت المعاني الكبيرة في الألفاظ اليسيرة، مثل: # حديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أداناهم، وهم يد على من ~~سواهم" (¬2). # وحديث: "الناس كأسنان المشط" (¬3). # وحديث: "المرء مع من أحب" (¬4). PageV01P049 ### || CHECK طرق حديث "بعثت بالحنيفية السمحة" # وحديث: "إن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها" (¬1). # وغير ذلك مما لا يحصى كثرة. # وقال الهروي: "يعني ب"جوامع الكلم": القرآن، جمع الله فيه الألفاظ ms007 ~~اليسيرة من المعاني الكثيرة" (¬2). # وقال ابن شهاب: "بلغني أن الله تعالى يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت ~~تكتب في الكتب القديمة في الأمر الواحد والأمرين ونحو ذلك" (¬3). ذكره ~~البيهقي في "دلائل النبوة" في إثر حديث أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "بعثت بجوامع الكلم. ." الحديث وعزاه إلى البخاري ومسلم (¬4). # وقوله: "و ### || AUTO سماحة الدين # " هو إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام: "بعثت بالحنيفية السمحة" وهو ~~حديث مروي من طرق: # أحدها: من حديث أبي أمامة رواه الطبراني في "أكبر معاجمه" من حديث علي بن ~~يزيد عن القاسم عنه رفعه: "إني إنما بعثت بالحنيفية السمحة" (¬5). PageV01P050 # ومن الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان، عن سليم (¬1) بن عامر، عن أبي ~~أمامة -مرفوعا- بزيادة: "ولم أبعث بالرهبانية والبدعة" (¬2). # ورواه أحمد في "مسنده" عن معان بن رفاعة (¬3) عن علي بن يزيد عن القاسم ~~عن أبي أمامة رفعه: "إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت ~~بالحنيفية السمحة" (¬4). # ثانيها: من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - قيل: يا رسول الله! أي ~~الأديان أحب إلى الله؟ قال: "الحنيفية السمحة". # رواه أحمد في "مسنده"، والطبراني في "أكبر معاجمه". وفي إسناده ابن إسحاق ~~وهو حسن الحديث (¬5). PageV01P051 # ثالثها: من حديث عروة الفقمي رفعه: "يا أيها الناس، إن دين الله يسر" ~~قالها ثلاثا. رواه أحمد في "مسنده" (¬1). # ورابعها: من حديث محجن بن الأدرع السلمي رفعه: "إن خير دينكم أيسره" ~~ثلاثا. رواه أحمد أيضا (¬2). # خامسها: من حديث عائشة أنها لما نظرت إلى زفن (¬3) الحبشة قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية ~~سمحة" رواه أحمد -أيضا- (¬4). # سادسها: من حديث ابن أبي رواد قال: أخبرني محمد بن واسع أن رجلا قال: يا ~~رسول الله! جر مخمر جديد أحب إليك أن تتوضأ منه أو مما يتوضأ PageV01P052 # الناس منه؟ قال: " [بل مما يتوضأ الناس منه أحب إلي] (¬1)، أحب الأديان ~~إلى الله الحنيفية السمحة". قيل: وما الحنيفية السمحة؟ قال: "الإسلام ~~الواسع" رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن ابن ms008 أبي رواد به (¬2). # سابعها: من حديث سعيد بن العاصي أن عثمان بن مظعون قال: يا رسول الله! ~~ائذن لي في الإختصاء! فقال: "يا عثمان! إن الله قد عرفنا (¬3) بالرهبانية، ~~الحنيفية السمحة، والتكبير على كل شرف، فإن كنت منا فاصنع كما نصنع" رواه ~~الطبراني في "معجمه" من حديث أبي أمية الطائفي حدثني جدي، عن جده (¬4) سعيد ~~به (¬5). # ثامنها: من حديث أبي بن كعب قال: أقرأني النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إن الدين عند الله الحنيفية السمحة (¬6)، لا اليهودية ولا النصرانية" رواه ~~أبو عمرو بن معلى في فوائده بإسناد جيد (¬7). وهذا مما نسخ لفظه وبقي ~~معناه. PageV01P053 # ويؤيد هذه الطرق حديث أبي هريرة الثابت في "صحيح البخاري" أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا ~~وقاربوا ... " الحديث (¬1). # وحديث أنس الثابت في "صحيح مسلم" أنه - صلى الله عليه وسلم - " قال: ~~"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" (¬2). # ويؤيد ذلك كله ظواهر القرآن العزيز، قال الله تعالى: {يريد الله بكم ~~اليسر} [البقرة: 185]، وقال: {الآن خفف الله عنكم} [الأنفال: 66]، وقال: ~~{يريد الله أن يخفف عنكم} [النساء: 28]، وقال: هو {ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج} [المائدة: 6]، وقال: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} [البقرة: ~~178]، وقال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286]، وأجاب الله ~~تعالى الصحابة حين دعوا بقوله: {اولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين ~~من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} بقوله: "نعم، وقد فعلت" كما ~~ثبت في "صحيح مسلم" (¬3). # وقال في صفة نبينا -عليه أفضل الصلاة والسلام-: {ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم} [الأعراف: 157]. # قيل: كانت بنو إسرائيل يقرضون محل البول بالمقاريض من جلودهم إذا أصابهم، ~~ولا يجزئهم غسله. # وإذا أتى أحدهم ذنبا أصبح مكتوبا على باب داره فيقام عليه حده. PageV01P054 # وكانت توبتهم بقتل أنفسهم. # وكان موجب القتال عندهم القتل عينا، ولا تقبل الدية. # وفي "الصحيح": "فضلت على الأنبياء بست .. " الحديث كما سلف. # وكل هذا ونحوه من سماحة الدين وتشديد غيره؛ فديننا ms009 -إذن- أسمح الأديان. # وقوله: "وصلواته وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وآل كل و ~~[سائر] (¬1) الصالحين". قد سلف معنى الصلاة والسلام. # و"سائر" أي: باقي وجميع، ولم ينفرد الجوهري بالثاني فقد وافقه الجواليقي، ~~وابن بزي (¬2). # و"النبيون" جمع نبي، وهو الذي ينبئ، أي: يخبر عن الله تعالى، فعيل بمعنى ~~مفعل -بكسر العين- أي: مبلغ الأحكام. # وقيل بفتحها، أي: لأن الله أعلمه ذلك. وقد أوضحت الكلام على هذه المادة ~~في "شرحي لعمدة الأحكام" (¬3)، وذكرت عدد الأنبياء والمرسلين (¬4) فراجعه ~~منه فإنه من المهمات، وقد سلف الكلام عليه. PageV01P055 # وذكر بعضهم أن النبي لم ينزل عليه كتاب، ولم يؤمر بحكم جديد، بل أمر ~~بالدعاء إلى دين من قبله، بخلاف الرسول. # وذكر بعضهم أن الرسول: من نزل عليه جبريل وأمره بالتبليغ. والنبي: من لم ~~ينزل عليه جبريل، بل سمع صوتا، أو رأى في المنام أنك نبي فبلغ الناس. # وقوله: "وآل كل " أي من النبيين، حذف المضاف إليه لدلالة الكلام عليه، ~~والتنوين في "كل " عوض من الإضافة. # و"آل" أصله: أهل، بدليل تصغيره [على أهيل] (¬1)، ثم أبدل من الهاء همزة، ~~ثم أبدل منها ألف. وقيل: أصله "أول"، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. # وقيل في تصغيره: أويل، فأبدلت الألف واوا، ولم يرد إلى الأصل كما لم ~~يردوا "عيدا" إلى أصله، إذ قالوا: عييد (¬2). # و"آله" عند الشافعي: بنو هاشم، وبنو المطلب (¬3). # وقيل: عترته وأهل بيته. # وقيل: كل الأمة، واختاره الأزهري وغيره من المحققين (¬4). # وآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق وأولادهما، قاله صاحب "الكشاف" (¬5). PageV01P056 # وأما "آل" غيرهما فابحث عنه (¬1). # و"الصالحون" جمع صالح، وهو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد -جعلنا ~~الله منهم-. # وقوله: "أما بعد" أي: أما بعد ما سبق -وهو الحمد والصلاة-. # وبدأ بها للأحاديث الصحيحة أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يقولها في خطبه ~~وشبهها، رواه عنه اثنان وثلاثون صحابيا (¬2)؛ وفي المبتدئ بها خمسة أقوال: # داود، وهي "فضل الخطاب" الذي أوتيه؛ لأن المتكلم يفصل بها بين خطبه ~~ومواعظه. # وقيل: إن فصل الخطاب: البينة على [المدعي] (¬3) واليمين على من أنكر. # ثانيها: قس بن ساعدة. # ثالثها: ms010 كعب بن لؤي. # رابعها: يعرب بن قحطان. # خامسها: سحبان (¬4). # وفي ضبطها أربعة أوجه: ضم الدال، وفتحها، ورفعها منونة، وكذا نصبها. # قوله: "فقد روينا" الأجود في قراءة هذه اللفظة: ضم الراء وتشديد الواو ~~وكسرها. أي: روى لنا مشايخنا كذا فسمعناه عليهم. PageV01P057 ### || CHECK طرق حديث "من حفظ على أمتي أربعين حديثا" # ويجوز فتح الراء -أيضا-، يقال: روى يروي، إذا نقل عن غيره. # وقوله: "فقد روينا عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن ~~جبل، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنهم من طرق كثيرات بروايات متنوعات، أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها ~~بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء" (¬1). # وفي رواية: "بعثه الله فقيها عالما" (¬2). # وفي رواية أبي الدرداء: "وكنت له يوم القيامة شافعا وشهيدا" (¬3). # وفي رواية ابن مسعود: "قيل له ادخل من أي أبواب الجنة شئت" (¬4). PageV01P058 # وفي رواية ابن عمر: "كتب في زمرة العلماء، وحشر في زمرة الشهداء" (¬1). # قلت: وروي -أيضا- عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، وأبي أمامة، وجابر بن ~~سمرة، ونويرة، ذكرها ابن الجوزي في "علله" (¬2). # وذكر المنذري الحافظ في جزء مفرد من هذه الطرق كلها وزيادة: سلمان ~~الفارسي، فهذه -مع ما ذكره المصنف- أربعة عشر طريقا، وسيأتي ترجمة من وقع ~~منهم في الكتاب. # ومعنى "الحفظ" هنا: نقلها إلى المسلمين، وإن لم يحفظها ولا عرف معناها، ~~هذا حقيقة معناه، وبه يحصل انتفاع المسلمين لا بحفظ ما لم ينقل إليهم، قاله ~~المصنف في آخر "الأربعين" في آخر الباب الذي أفرده لبيان المشكلات (¬3). # وقد يقال: المراد هنا حفظ معانيها، إذ به يسمى فقيها، ويدخل في الحديث من ~~اجتهد في طرق تصحيحه وتدوينه، كالبخاري ومسلم وغيرهما، ومن نقلها من كتبهم ~~فقد قربها للمتعلمين؛ فله أجر ذلك، وأما أجر الحفظ فأبلغ، ويدخل فيه ~~الأحاديث الضعيفة إذا كانت في الترغيب والترهيب فقط، لأنه يعمل بها (¬4). # فائدة: إن قيل: ما وجه ms011 التخصيص بهذا العدد دون سائر مقادير العدد؟ وأجيب ~~عنه بأنه روي عن بشر الحافي أنه قال: "يا أهل الحديث! اعملوا من PageV01P059 # كل أربعين حديثا بحديث كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "أدوا ربع عشر ~~أموالكم من كل أربعين درهما درهم" (¬1).". وإنما قال ذلك؛ لأنه أقل عدد له ~~ربع عشر صحيح، وإلا فزكاة الفضة إنما تجب في مائتين فصاعدا. # فائدة: أفتى الكيا الهراسي -من كبار أصحاب الشافعية- بأن من حفظ أربعين ~~مسألة فهو فقيه، وفيه نظر كما قال الرافعي (¬2)؛ لأن حفظ الشيء غير حفظه ~~على الغير، وأيضا فقد تجتمع أحاديث كثيرة في المسألة الواحدة. # وقوله: "واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه" هو كما قال، وقد ~~أوضح ضعفها ابن الجوزي في "علله"، وبرهن له (¬3). # وقال الحافظ زكي الدين المنذري في جزئه الذي أفرده في ذلك في أوراق ~~لطيفة: "ليس في جميع طرقه ما يقوى وتقوم به الحجة، ولا تخلو طريق من طرقه ~~أن يكون فيها مجهول، أو معروف مشهور بالضعف". # ولما أخرجه ابن عبد البر من حديث الإمام مالك قال: "هذا حديث غير محفوظ ~~ولا معروف من حديث مالك، ومن رواه عن مالك فقد أخطأ عليه، وأضاف ما ليس في ~~روايته له" (¬4). PageV01P060 # وقال في كتاب "العلم": "إسناده كله ضعيف ... ، وأخرجه ابن السكن من رواية ~~خالد بن إسماعيل، وقال: خالد هذا هو أبو الوليد المخزومي، وهو منكر الحديث. # قال: وليس يروى هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجه يثبت" (¬1)، # قال الدارقطني في "علله": "كل طرق هذا الحديث ضعاف، ولا يثبت منها شيء" (¬2). # وأخرجه البيهقي من حديث الإمام مالك وغيره وقال: "أسانيد هذا الحديث كلها ~~ضعيفة" (¬3). # وأخرجه -أيضا- ابن عساكر الحافظ من طرق، وقال: "قد روي هذا الحديث أيضا ~~عن: علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي أمامة، وأنس مرفوعا ~~بأسانيد فيها كلها مقال، ليس فيها للتصحيح مجال" (¬4). # وأما قوله الحافظ أبي طاهر السلفي في "أربعينه" أن هذا الحديث: "روي من ~~طرق وثقوا بها، وركنوا إليها، وعرفوا صحتها، وعولوا عليها" ms012 (¬5). فليس بجيد منه. # قال الحافظ عبد العظيم المنذري: "فيما قاله نظر". قال: "ويمكن أن يكون ~~سلك في ذلك مسلك من رأى أن الأحاديث الضعيفة إذا انضم بعضها إلى بعض أحدث ~~قوة". PageV01P061 ### || CHECK من صنف في الأربعين من العلماء # قلت: وورد في حديث آخر: "من حفظ على أمتي حديثا واحدا كان له كأجر أحد ~~وسبعين نبيا صديقا". # أنبأنا به الحافظ شمس الدين الذهبي، أنبا أبو المعالي محمد بن محمد (¬1) ~~بن عبد العزيز الجذامي الإسكندري، أنبا جدي، أنبا أبو طاهر الحافظ قال: كتب ~~إلي أبو الفتيان عمر بن أبي الحسن الحافظ، أنبا أحمد بن محمد البجلي ~~الحافظ، أنبا محمد بن أحمد بن يعقوب الزرقي -زرق من قرى مرو-، ثنا أبو حامد ~~أحمد بن عيسى بن مهدي -إملاء-، ثنا محمد بن رزام المروزي، ثنا محمد بن أيوب ~~الهنائي، ثنا حميد بن أبي حميد، عن عبد الرحمن بن دلهم، عن ابن عباس مرفوعا ~~فذكره (¬2). # قال أبو الفتيان: "كتبه عني الحافظ أبو بكر الخطيب بصور" (¬3). # قلت: هذا حديث موضوع، وإسناده مظلم، والظاهر أن الآفة فيه من ابن رزام ~~الكذاب (¬4). # وقوله: "وقد صنف فيه عبد الله بن المبارك (¬5). PageV01P062 # ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني (¬1)، ثم الحسن بن سفيان النسوي ~~(¬2)، وأبو بكر الآجري (¬3)، وأبو بكر محمد بن إبر اهيم الأصبهاني (¬4)، ~~والدارقطني (¬5)، والحاكم (¬6)، وأبو نعيم (¬7)، وأبو عبد الرحمن السلمي ~~(¬8)، وأبو سعد الماليني (¬9)، وأبو عثمان الصابوني (¬10)، ومحمد بن عبد ~~الله الأنصاري (¬11)، وأبو بكر البيهقي (¬12)، وخلائق لا يحصون من ~~المتقدمين والمتأخرين". PageV01P063 # هو كما قال، ويبعد إحصاؤهم حتى إلى زماننا هذا وهلم جرا. # ومنهم: الطائي (¬1)، والسلفي (¬2)، والمنذري (¬3)، وإمام الحرمين (¬4). # والطوسي: بضم الطاء. # و"الرباني": من أفيضت عليه معارف ربه، وربى الناس بعلمه. # و"النسوي": -بفتح النون ثم سين مهملة ثم واو-: نسبة إلى نسا. # و"الآجري": -بهمزة مفتوحة ممدودة- (¬5)، ولم يذكرها السمعاني في "أنسابه" ~~ولا من تبعه! (¬6). PageV01P064 # و"الأصبهاني": -بكسر الهمزة وفتحها-، وبالفاء بدل الباء. # و"الدارقطني": -بفتح الراء- نسبة إلى دار القطن محلة كبيرة ببغداد. # و"السلمي": -بضم السين وفتح اللام-، نسبة إلى سليم بن منصور قبيلة ms013 ~~مشهورة، واسمه محمد بن الحسين، وهو ابن بنت أبي عمرو بن بجيد السلمي. # و"الماليني": -بفتح الميم، وكسر اللام، ثم مثناة تحت ساكنة، ثم نون- نسبة ~~إلى مالين، وهي: قرى مجتمعة من أعمال هراة، يقال لجميعها: مالين، وأهل هراة ~~يقولون: مالان. كذا ذكره السمعاني، وكناه أبا أسعد (¬1)، وسماه أحمد بن ~~محمد (¬2)، وهو راوية ابن عدي الحافظ. # و"الصابوني": نسبة إلى عمله، ولعل أجداد أبي عثمان هذا -واسمه إسماعيل بن ~~عبد الرحمن شيخ الإسلام- كان يعمله (¬3). # وهذه الألفاظ ضبطتها ليعرفها المبتدئ في هذا الفن. # وقوله: "وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثا اقتداء بهؤلاء الأئمة ~~الأعلام وحفاظ الإسلام. # وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ومع ~~هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث، بل على قوله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الأحاديث الصحيحة: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب". PageV01P065 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها ~~كما سمعها". # ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم في الفروع، وبعضهم ~~في الجهاد، وبعضهم في الزهد، وبعضهم في الآداب، وبعضهم في الخطب، وكلها ~~مقاصد صالحة، رضي الله عن قاصديها. # وقد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله، وهي (¬1) أربعون حديثا مشتملة على ~~جميع ذلك، وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، قد وصفه العلماء بأن ~~مدار الإسلام عليه، [أو هو نصف الإسلام] (¬2)، أو ثلثه، أو نحو ذلك. # وألتزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة، ومعظمها في صحيحي البخاري ومسلم، ~~وأذكرها محذوفة الأسانيد ليسهل حفظها ويعم الانتفاع بها إن شاء الله ~~تعالى". # ولما كانت الاستخارة مطلوبة في جميع الأمور، قدمها المصنف على تأليف ~~"الأربعين" المذكورة، وحديث الاستخارة معروف ثابت في "الصحيح" (¬3). # ويروى: "من سعادة ابن آدم: الرضا بالقضاء، واستخارة الله تعالى في أموره، ~~ومن شقاوته ترك ذلك" (¬4). PageV01P066 # ثم ذكر المصنف مستندا في جمعها، وأنه ليس مستند ذلك الحديث السابق، وإن ~~كانوا أجمعوا على العمل بالضعيف في فضائل الأعمال، وليس هو اختراع عبادة ~~كما استشكل، وإنما هو رجاء فضله ms014 بأمارة ضعيفة (¬1)، وقد ورد في بعض ~~الأحاديث: "من بلغه عني ثواب فعمله كان له أجره وإن لم أكن قلته" أو كما ~~قال (¬2). # وحديث: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" في خطبة ~~حجة الوداع (¬3)، وله طرق كثيرة ذكرها ابن منده في "مستخرجه" من حديث: ابن ~~عباس، وابن عمرو، وأبي بكرة، وعبادة، وعمار، ووابصة بن معبد، والحارث بن ~~البرصاء، وأبي شريح العدوي، ومعاوية بن حيدة، والعدي بن خالد، والحارث بن ~~عمرو، وجابر، وأبي سعيد، وأبي أمامة، وعائشة، وأسماء بنت يزيد، وسراء بنت ~~نبهان (¬4). PageV01P067 ### || CHECK طرق ومعنى حديث "نضر الله امرأ .. " # وحديث: "نضر الله امرأ .. " أخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود وقال: "حسن ~~صحيح" (¬1). # وابن حبان في "صحيحه" (¬2)، والحاكم في "مستدركه" من حديث جبير بن مطعم ~~وقال: "صحيح على شرط الشيخين" (¬3). # ورواه أبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث زيد بن ثابت وقال: "حسن" (¬4). # ورواه الجورقاني في أوائل "موضوعاته" من حديث أنس رفعه: "نضر الله من سمع ~~قولي ثم لم يزد فيه، [ثلاث] (¬5) لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل ~~لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين (¬6)، فإن دعوتهم تحيط من ~~ورائهم". PageV01P068 # ثم قال: "هذا حديث مشهور" (¬1). # ثم رواه من حديث ابن مسعود مرفوعا: "نضر الله امرأ سمع منا حديثا فأداه ~~عنا كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع". ثم قال: "هذا حديث صحيح مشهور، ~~ورواته ثقات" (¬2). # وفي رواية: "نضر الله رجلا سمع منا كلمة فبلغها كما سمعها، قرب مبلغ أوعى ~~من سامع". ثم قال: "هذا حديث صحيح" (¬3). # فائدة: نضر -بتخفيف الضاد وتشديدها- من النضارة، وهي في الأصل: حسن الوجه ~~والبريق. # ورجح بعضهم التخفيف، لكن التشديد أكثر -كما قاله النووي-، ومعناه: "حسنه ~~وجمله" (¬4). PageV01P069 # وقال بعضهم: "إني لأرى في وجوه أهل الحديث نضرا لقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "نضر الله امرأ .. " الحديث" (¬1). يعني: أنها دعوة أجيبت. # وقال الروياني في "بحره": "الأجود التخفيف". قال: "وفي الخبر بيان أن ~~الفقة هو: الاستنباط والاستدراك لمعاني الكلام، وفي ضمنه وجوب التفقه والحث ~~على استنباط معاني الحديث" (¬2). # وقال ms015 ابن الأثير: "نضر ونضره وأنضره، أي: نعمه" (¬3). # وفي "الغيريبين" للهروي: "رواه الأصمعي بالتشديد، وأبو عبيدة (¬4) ~~بالتخفيف، أراد: نعم الله عبدا، ويقال: نضر الله ينضر ونضر ينضر لغتان. # وقال الحسن بن محمد بن موسى الأزدي المؤدب: "ليس هذا من الحسن في الوجه، ~~إنما معناه: حسن الله وجةه في خلقه، أي: جاهه وقدره". قال: "وهذا مثل قوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "اطلبوا الحوائج إلى حسان الوجوه" (¬5). PageV01P070 # يعني: ذوي الوجوه من الناس، وذوي الأقدار" (¬1). # وانفرد ابن العربي فقال: "هو بالصاد المهملة حكئ عن ابن بشكوال عنه ~~سماعا" (¬2). # وقوله: "فأداها كما سمعها" يستدل به على منع رواية الحديث بالمغنى. # وجواب الجمهور: أن المراد حكمها لا لفظها؛ بدليل آخر الحديث: "فرب حامل ~~فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". # قلت: ومن شواهده أيضا حديث: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" الحديث (¬3). # وقد ذكرته في خطبة "تخريجي لأحاديث الرافعي الكبير" (¬4). # وقوله: "وقد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله". هو كما قال، فإن الشريعة ~~وردت للمصالح الدينية والدنيوية، والأولى بالتوحيد. PageV01P071 ### || CHECK ما اشتملت عليه هذه الأربعين من أمور الدين # والطاعات: إما قلبية كالإخلاص والإيمان، وإما بالجوارح كالعبادات ~~العملية. وهذه الأربعون التي جمعها مشتملة على أصول ذلك كله، وحاصلها أنها ~~راجعة إلى تصحيح النيات، والتقوى في السر والعلن، والزهد في الدنيا، وقصر ~~الأمل، وترك ما لا يعني من الفضول، والاشتغال بالذكر، والاستعداد للقاء ~~الله، والتواضع للخلق، وحسن التخلق معهم بالآداب الشرعية، والانقباض عنهم ~~فيما لا يعني، وإرادة الخير لهم باطنا، ومساعدتهم ظاهرا حسب الإمكان. # وقوله: "وكل حديث منها قاعدة" أي: أساس كما ستعلمه في موضعه. وذكرها ~~محذوفة الأسانيد "ليسهل حفظها" كما ذكر؛ ولأن المقصود من ذكر الإسناد صحة ~~الحديث، وهي معلومة بدونه. # وهذا آخر ما يسره الله تعالى من الكلام على مواضع من الخطبة يحتاج إليها. # ثم نشرع الآن في المقصود أعاننا الله تعالى على إكماله بمحمد وآله (¬1). PageV01P072 ### | AUTO الحديث الأول # عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: ms016 سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ~~ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت ~~هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (¬1). # رواه إماما المحدثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين ~~مسلم بن الحجاج القشيري في "صحيحيهما" اللذين هما أصح الكتب المصنفة. # الكلام عليه من وجوه -نقتصر منها على ثمانية وعشرين؛ طلبا للاختصار، ~~وحذرا من الإكثار-! (¬2): PageV01P073 # أحدها: في التعريف براويه، وبالأسماء الواقعة فيه: # أما راويه فهو: أمير المؤمنين، أبو حفص، وأول من كناه بذلك رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # و"الحفص" في اللغة: الأسد. # عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح -بكسر الراء ثم مثناة تحت- ~~ابن عبد الله بن قرط بن رزاح -بفتح الراء ثم زاي- بن عدي بن كعب بن لؤي ~~-بالهمز وتركه- بن غالب بن فهر العدوي القرشي. يجتمع مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في كعب بن لؤي. # [واتفقوا على تسميته بالفاروق؛ لفرقانه بين الحق والباطل بإسلامه، وظهور ~~ذلك. وهو أول من سمي أمير المؤمنين عموما، وسمي قبله به خصوصا عبد الله بن ~~جحش على] (¬1) سرية في اثنى عشر رجلا، وقيل: ثمانية. # وأم عمر اسمها حنتمة -بالحاء المهملة ثم نون ثم مثناة فوق- بنت هاشم، ~~وأخطأ من قال: بنت هشام. # ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وأسلم بعد ست من النبوة. # وقيل: خمس، بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة، وكان إسلامه عزا. # بويع له بالخلافة يوم موت الصديق وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى ~~الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة بوصاية الصديق إليه. # فتح الفتوح، ودون الدواوين في العطاء، وأرخ التاريخ، وأخر المقام PageV01P074 # إلى موضعه الآن -وكان ملتصقا بالبيت-، وكم له من سابقة ولاحقة، ونزل ~~القرآن بموافقته في عدة مواضع. # روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسمائة حديث ونيف، اتفق الشيخان ~~منها على ستة وعشرين حديثا، وانفرد البخاري بأربعة وثلائين، ومسلم بأحد ~~وعشرين. ms017 ولي الخلافة عشر سنين ونصف، واستشهد يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي ~~الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة -على الصحيح-، ~~وغسله ابنه الزاهد: عبد الله، وكفنه في ثوبين سحوليين، وصلى عليه: صهيب، ~~ودفن في الحجرة النبوية على ساكنها محمد رسول الله أفضل الصلاة والسلام. # قتله أبو لؤلؤة فيروز النصراني -قاتله الله تعالى- (¬1). # وترجمته مبسوطة في "شرحي للعمدة"، وذكرت فيها أن في الرواة عمر بن الخطاب ~~ستة سواه (¬2)، نعم؛ هو فرد في الصحابة -رضوان الله تعالى عنهم أجمعين- (¬3). # * * * # وأما البخاري -مخرج الحديث- فهو: أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد بن ~~إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بزدزبه -بفتح الباء وإسكان PageV01P075 # الراء وكسر الدال ثم زاي ثم باء موحدة ثم هاء، وهو بالبخارية، ومعناه ~~بالعربية: الزراع- الجعفي مولاهم. # كتب بخراسان، والجبال، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر، عن أحمد بن حنبل، ~~ويحيى بن معين وخلق يزيدون على ألف. # وروى عنه الترمذي، والنسائي -فيما قيل-، ومسلم -خارج الصحيح-، وأبو زرعة، ~~وابن خزيمة، وآخر من حذث عن البخاري ببغداد: الحسين بن إسماعيل المحاملي. # وصحيحه متواتر عنه. واشتهر عنه من رواية الفربري. # ولد بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، ~~وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد ~~الظهر، سنة ست وخمسين ومائتين، ودفن بخزتنك -قرية على فرسخين من سمرقند- ~~وفضائله جمة أفردت بالتأليف -سقى الله ثراه- (¬1). # وأما مسلم -مخرجه أيضا- فهو: الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج ابن مسلم ~~القشيري النيسابوري صاحب "المسند الصحيح" وغيره. # ولد سنة أربع ومائتين، ومات في رجب سنة إحدى وستين. # رحل إلى الحجاز، والشام، والعراق، ومصر، وأخذ الحديث عن أحمد بن حنبل، ~~وحرملة وخلائق. PageV01P076 # روى عنه الترمذي حديثا واحدا. # فائدة: البخاري -بضم الباء الموحدة، ثم خاء معجمة- نسبة إلى بخارى: بلد ~~معروف بما وراء النهر، خرج منها جماعة من العلماء في كل فن، ولها تاريخ، ~~ومن أجلهم صاحب "الصحيح" هذا. # والقشيري: -بفتح الشين وسكون الياء المثناة تحت، ثم راء، ثم ياء النسبة- ~~نسبة إلى قشير ms018 بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قبيلة كبيرة، ينسب إليها ~~جماعة من العلماء منهم هذا الإمام. # قلت: والقشيري -أيضا- نسبة إلى قشير بطن من أسلم، منهم: سلمة بن الأكوع (¬1). # فائدة أخرى: قراءة الحديث يستشفى بها عند نزول الكرب، وكيف لا وهي أحد ~~الوحيين. # حكى أبو الحسين الفراء في "طبقاته" أن البخاري ذهبت عيناه في صباه فرأى ~~في منامه إبراهيم الخليل -صلوات الله وسلامه عليه- فتفل فيها، أو دعا له ~~فعادت (¬2). # فكأن قراءة الناس لكتابه عند حلول الكزب مأخوذ من ذلك؛ لأن مصنفه PageV01P077 # فرجت كربته (¬1). # فائدة أخرى: قوله: "إماما المحدثين" هو باعتبار ما كانا عليه من الزهد ~~والورع والجد والاجتهاد في تخريج "الصحيح" حتى ائتم بهما من جاء بعدهما، ~~كابن خزيمة، وابن حبان، وأبي عوانة وغيرهم. # وقوله: "اللذين هما أصح الكتب المصنفة" لا شك في ذلك ولا مرية. # وقول الشافعي - رضي الله عنه - مثل ذلك في "الموطأ" كان قبل وجودهما (¬2). # ثم "كتاب البخاري" أصح من "كتاب مسلم" كما ذكره الإسماعيلي. # وخالف أبو علي النيسابوري فقال: "ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم" ~~(¬3). PageV01P078 # ووافقه على ذلك بعض شيوخ المغرب، والصحيح الأول (¬1). # الوجه الثاني: هذا الحديث أحد أركان الإسلام، وقواعد الإيمان، وهو صحيح ~~جليل متفق على صحته، مجمع على عظم موقعه، وثبوته من حديث الإمام أبي سعيد ~~يحيى بن سعيد الأنصاري، رواه عنه الحفاظ والأعلام الجم الغفير فوق ~~الثلاثمائة نفس كما عددهم ابن منده في "مستخرجه" (¬2). # الوجه الثالث: هذا الحديث خرجه البخاري في "صحيحه" في سبعة مواضع منه، ~~وخرجه مسلم في "الجهاد"، وخرجه أصحاب "السنن الأربعة" -أيضا-، وخرجه قبلهم ~~الإمام أحمد في "مسنده"، ولم يخرجه مالك في "الموطأ" من جهته (¬3). # الوجه الرابع: هذا الحديث رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير عمر ~~بن الخطاب نحو عشرين صحابيا. لكن قال الحفاظ: "لا يصح إلا من جهة عمر فقط" (¬4). # وهو فرد غريب باعتبار، مشهور باعتبار آخر. وليس بمتواتر كما يظن (¬5)، ~~فإنه لا يصح إلا عن عمر، ولا عنه إلا من جهة علقمة، ولا ms019 عنه من جهة PageV01P079 # محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عنه إلا من جهة يحيى بن سعيد الأنصاري (¬1)، ~~وعنه اشتهر، فرواه عنه خلائق -كما سلف- فتكررت الغرابة فيه أربع مرات، وقن ~~ذكرت هنا، وفي "شرح العمدة" أمورا حديثثة تتعلق بإسناده فراجعها منه (¬2). # الوجه الخامس: هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقد ~~اختلف في عدها على عشرة أقوال ذكرتها في "الشرح" المشار إليه، ونقتصر منها ~~على ثلاثة (¬3): # أحدها: أنها ثلاثة، أحدها: هذا الحديث، وثانيها: حديث "من حسن إسلام ~~المرء تركه ما لا يعنيه"، وثالثها: حديث "الحلال بين والحرام بين". # ثانيها: أنها أربعة، بزيادة حديث: "ازهد في الدنيا يحبك الله". # ثالثها: أنها خمسة، "الأعمال بالنيات"، و"الحلال بين والحرام بين"، "وما ~~نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"، و"لا ضرر ولا ~~ضرار" (¬4). # الوجه السادس: هذا الحديث عظيم الموقع، كثير الفائدة، أصل من أصول الدين. # وقد خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا أيها الناس! إنما ~~الأعمال بالنية" كما PageV01P080 # أخرجه البخاري في أحد المواضع السبعة السالفة (¬1). # وخطب به عمر بن الخطاب أيضا على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كما أخرجه أيضا (¬2). # قال أبو داود: "وهو نصف الفقه" (¬3). # وقال الشافعي -رحمه الله-، وأحمد: "يدخل فيه ثلت العلم" (¬4). # وسببه -كما قال البيهقي-: "أن كسب العبد بقلبه، ولسانه، وجوارحه. فالنية ~~أحد أقسامها الثلاثة، وأرجحها؛ لأنها تكون عبادة بانفرادها بخلاف الآخرين، ~~ولهذا كانت نية المؤمن خيرا من عمله (¬5)؛ ولأن القول والعمل يدخلهما ~~الفساد بالرياء ونحوه بخلاف النية" (¬6). PageV01P081 # وقال عبد الرحمن بن مهدي: "يدخل هذا الحديث في ثلاثين بابا من الإرادات ~~والنيات" (¬1). # وقال أبو عبيد: "ليس شيء من أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث ~~أجمع وأغنى وأكثر فائدة وأبلغ من هذا الحديث" (¬2). # الوجه السابع: هذا الحديث من أجل أعمال القلوب والطاعات المتعلقة بها، ~~وعليه مدارها وهو قاعدتها، فهو قاعدة الدين؛ لتضمنه حكم النيات التي محلها ~~القلب، بخلاف الذكر الذي محله اللسان. # ولهذا لو نوى الصلاة بلسانه دون قلبه لم تصح، ولو قرأ الفاتحة ms020 بقلبه دون ~~لسانه لم تصح (¬3)، فهو أصل في وجوب النية في سائر العبادات، لأنها ~~كالأرواح للأشباح (¬4). # الوجه الثامن: هذا الحديث أصل في الإخلاص أيضا، وشواهده كثير من الكتاب ~~والسنة، قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5]. # وقال رسوله -عليه أفضل الصلاة والسلام-: " ... ولكن جهاد ونية" (¬5). # الوجه التاسع: افتتح المصنف -رحمه الله تعالى- "أربعينه" بهذا الحديث؛ ~~اقتداء بالسلف -رحمهم الله- فإنهم كانوا يستحبون افتتاح PageV01P082 # مصنفاتهم به (¬1)، وفعلوه تنبيها للطالب على حسن النية، واهتمامه بذلك، ~~واعتنائه به. # وممن افتتح كتابه به: البخاري، مع أنه لا يناسب ما ترجمه به من باب "بدء ~~نزول الوحي"؛ وإنما أراد ما ذكرناه (¬2). # الوجه العاشر: "سمعت" قيل: تتعدى (¬3) إلى مفعولين، وهو مذهب أبي علي ~~الفارسي في "إيضاحه" (¬4). # والأصح: أنها لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعل الواقع بعد المفعول في ~~موضع الحال، أي: سمعت حال قوله كذا (¬5). # الوجه الحادي عشر: لفظ "إنما" لفظة جليلة، وهي موضوعة للحصر تثبت المذكور ~~وتنفي ما عداه، هذا مذهب الجمهور من أهل اللغة والأصول، وعلى هذا؛ هل هو ~~بالمنطوق أو بالمفهوم؟ فيه مذهبان للأصوليين. واختار الآمدي أنها لا تفيد ~~الحصر بل تفيد تأكيد الإثبات، وهو الصحيح عند النحاة، ونقلوه عن أهل البصرة ~~(¬6). PageV01P083 # * احتج الأولون بوجوه: # أحدها: أن العرب الفصحاء قد استعملوها في مواطن الحصر، فوجب أن تكون ~~حقيقة فيه؛ لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة. # وعورض بقوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ~~[الأنفال: 2]. وأجيب: بأن المراد: هم الكاملون في الإيمان؛ جمعا بين ~~الأدلة. # ثانيها: أنها في غالب مواردها للحصر، فوجب أن تكون موضوعة له؛ حملا لها ~~على الغالب. # وعورض بالمنع وبالتسليم؛ لكن لا نسلم أن ذلك يوجب أنها موضوعة للحضر؛ ~~لجواز غلبة الاستعمال في غير ما وضعت له. # ثالثها: أن "إنما" مركبة من نفي وإثبات، فاقتضت لفظة "ما" نفي الحكم عما ~~بعدها، وإثباته لما قبلها، وهو باطل إجماعا، أو إثبات الحكم لما بعدها ~~ونفيه عن غيره، وهو المطلوب. # وعورض بأنها ليست نافية، بل زائدة كافة موطئة لدخول ms021 الفعل كما سلف عن ~~النحاة. # وأيضا لا نسلم تركيبها من "إن" و"ما" بل هي كلمة موضوعة من أصلها كذلك من ~~غير تركيب. # تنزلنا وسلمنا، لكن لا نسلم أن "ما" فيها للنفي. PageV01P084 # وإن سلمناه، لكن لا نسلم أن معنى مفرديهما (¬1) -أعني: "إن" و"ما"- بعد ~~التركيب معناهما قبله؛ لأن التركيب يغير معاني المفردات نحو: "لولا" فإنها ~~مركبة من "لو" و"لا" وليس معناها معنى واحد منهما. # * واحتج الآخرون بوجوه: # أحدها: أنها وردت لغير الحصر كثيرا، فلتكن حقيقة فيه كما سلف. # وعورض بما سلف. # ثانيها: أنا إذا قلنا: إنما قام زيد، حسن أن يقال: فهل قام عمرو؟ ولو ~~كانت للحصر لما حسن هذا الاستفسار؛ لأنه تحصيل حاصل. # وللأول أن يجيب: أنه إنما حسن لاحتمال أنها استعملت في غيره مجازا، لا ~~لأنها تقتضي الحضر. # ثالثها: أنها لو كانت للحصر لاستوى قولنا: "إنما قام"، و"ما قام إلا زيد" ~~لكنهما لا يستويان، إذ الثاني أقوى من الأول. # وجوابه بمنع القوة، تنزلنا وسلمنا، لكن لا يلزم أنها ليست للحصر؛ لجواز ~~اشتراكهما فيه، واختصاص أحدهما بمزيد قوة تأكيد فيه، كما اشترك "السين" ~~و"سوف" في معنى "التنفيس"، وكانت "سوف" أكثر تنفيسا؛ لكثرة حروفها، فكذلك: ~~"ما قام إلا زيد" أكثر حروفا من "إنما قام زيد"، ولأن الحصر في "إنما قام ~~زيد" معنوي، وفي "ما قام إلا زيد" لفظي، فاقتضى الت]صريح (¬2)؛ لأجل "ما" ~~و"إلا" جمعا بين النفي والإثبات بالمطابقة. PageV01P085 # رابعها: أن أسامة بن زيد روى: "إنما الربا في النسيئة" (¬1) ولم ينحصر ~~الربا فيها، بل هو ثابت في التفاضل. # وأجيب: بأن ابن عباس من أهل اللسان وقد فهم من حديث "إنما" الحصر، وقال ~~به. وإنما ربا الفضل ثابت بدليل آخر [ناسخ] (¬2) لهذا المفهوم. # وحديث: "ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن عليه ~~البشر، وإئما كان الذي أوتيته وحيا ... " (¬3) هي هنا لإثبات الوحي لا لنفي ~~ما عداه، فإنه قد ثبت له غيره من الآيات. # وحكى بعض شارحي هذه "الأربعين" أن "إنما" تقتضي الحصر عرفا لا وضعا؛ لأن ~~الوضع غيب عنا ms022 بخلاف العرف فإنه كثير (¬4). وقد ذكرت هنا في "شرح العمدة" ~~فوائد متعلقة بهذه اللفظة فراجعها منه (¬5). # الثاني عشر: "الأعمال" حركات البدن، ويتجوز بها عن حركات النفس، وإنما ~~عبر ب "الأعمال" دون "الأفعال"؛ لئلا يتناول أفعال القلوب، كالخوف والرجاء ~~وغيرهما، فإنها متميزة (¬6) لله تعالى بصورتها. # الثالث عشر: النيات جمع نية -بالتشديد، وقيل: بالتخفيف-، وجمعت لاختلاف ~~أنواعها، وأصلها: القصد، وهو عزم القلب (¬7). PageV01P086 # وفي الشرع: القصد المقترن بالفعل. # ومحلها القلب عند الجمهور، ويستحب مساعدة اللسان له خلافا للمالكية (¬1). # الرابع عشر: الباء في قوله "بالنيات" يحتمل أن تكون "باء" السبب، ويحتمل ~~أن تكون "باء" المصاحبة، وينبني على ذلك: أن النية جزء من العبادة أم شرط؟ ~~والأصح الأول (¬2). # الخامس عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام- أيضا: "بالنيات" هو متعلق بالخبر ~~المحذوف، وهل التقدير صحتها أو كمالها؟ فيه مدهبان للأصوليين، وأظهرهما ~~أولهما؛ لأنه أقرب إلى حضوره بالذهن عند الإطلاق، فالحمل عليه أولى، وقد ~~قال به: الشافعي، ومالك، وأحمد، وداود، وجمهور أهل PageV01P087 # الحجاز، فلا تصح طهارة إلا بنية وضوءا كان أو غسلا أو تيمما. # وذهب أبو حنيفة -رحمه الله- ومن وافقه إلى الثاني، فيصحان بغير نية، ~~ووافق في التيمم. # وأبعد الأوزاعي فقال: يصح بغير نية -أيضا-. # والمسألة مبسوطة بأدلة الفريقين في "شرحي للعمدة" فراجعه منه، وذكرت فيه ~~مع ذلك فروعا مهمة تتعلق بالنية فسارع إليه (¬1). # السادس عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وإنما لكل امرئ ما نوى" أي ~~جزاء ما نوى خيرا وشرا، فهو من باب حذف المضاف نحو: {وسئل القرية} [يوسف: ~~82] أي: أهلها. # السابع عشر: فائدة ذكر قوله "وإنما لكل امرئ ما نوى" بعد قوله: "إنما ~~الأعمال بالنيات" تعيين المنوي؛ ومنع الاستنابة فيها، وقد استثني من الثاني ~~نية الولي عن الصبي في الحج، والمسلم عن زوجته الذمية عند طهرها من الحيض ~~على القول بذلك، وحج الإنسان عن غيره. # وكذا إذا وكله في تفرقة الزكاة وفوض إليه النية ونوى الوكيل فإنه يجزئه ~~كما قاله الإمام، والغزالي، و"الحاوي الصغير" (¬2). PageV01P088 # الثامن عشر: إن قلت: أداء الدين، ورد الودائع، والأذان، والتلاوة، ~~والأذكار، وهداية الطريق، ms023 وإماطة الأذى عبادات، وتصح بلا نية؛ فالحديث إذن ~~عام مخصوص! # قلت: لا نسلم أولا صحتها بلا نية. # تنزلنا وسلمناه؛ فالنية ملازمة لها، فإن مؤدي الدين قصد براءة الذمة وهو ~~عبادة، وكذا الوديعة والأذكار والتلاوة والأذان، لا ينفك تعاطيهن عن القصد ~~وهو نية، والهداية والإماطة متردد بين القربة وغيرها وتتميز بالقصد، ~~والأفعال العادية كالأكل والشرب والنوم ونحوها يترتب آثاره عليها من غير ~~نية؛ نعم، وجود النية يصيرها طاعات. # التاسع عشر: "الهجرة" في اللغة: الترك، والمراد بها هنا: ترك الوطن ~~والانتقال إلى غيره. وهي: # في الشرع: مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة، وطلب إقامة الدين. # وفي الحقيقة: مفارقة ما يكره الله تعالى إلى ما يحب. # ووقعت في أول الإسلام على خمسة أوجه: # إلى الحبشة مرتين. # ومن مكة إلى المدينة. # وهجرة القبائل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى أهاليهم (¬1). PageV01P089 # وهجرة من أسلم من أهل مكة إلى المدينة، ثم إلى أهله (¬1). # وهجرة ما نهى الله تعالى عنه وهي العظمى، وقد أوضحتها في "شرحي للعمدة" (¬2). # وفي الحديث: "المجاهد من جاهد نفسه، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (¬3). # وأفضل المسلمين أصحاب الهجرتين إلأ ما خصه الدليل. # والهجرة باقية إلى يوم القيامة. وحديث "لا هجرة بعد الفتح" (¬4) مؤؤل: ~~إما على الكمال؛ وإما على الهجرة من مكة إذا صارت دار إسلام (¬5). # العشرون: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" ~~أي: نية وعقدا، "فهجرته إلى الله ورسوله" حكما وشرعا، أو مقبولة. وإنما ~~قدرنا ذلك؛ لأن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لا بد من تغايرهما. PageV01P090 # الحادي بعد العشرين: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فمن كانت هجرته إلى ~~الله ورسوله" هو تفصيل لما سبق في قوله: "إنما الأعمال بالنيات" وإنما فرض ~~الكلام في الهجرة؛ لأنها السبب الباعث على هذا الحديث كما سيأتي. # وقوله: "فمن كانت هجرته ... " إلى آخره، هو على عمومه؛ لاختصاصها بالهجرة ~~التي هي من العبادات وهي متوقفة على النية. # الثاني بعد العشرين: "الدنيا" بضم الدال على المشهور، وحكي كسرها (¬1). # وقوله: "دنيا" هو مقصور ms024 غير منون -على المشهور- وحكي تنوينها، وهي من: ~~دنوت، لدنوها وسبقها الدار الآخرة. # وفي حقيقة الدنيا قولان للمتكلمين: # أحدهما: ما على الأرض من الهواء والجو. # وأظهرهما: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة (¬2). # الثالث بعد العشرين: المراد بالإصابة: الحصول، شبه تحصيل الدنيا بإصابة ~~الغرض بالسهم بجامع حصول المقصود. PageV01P091 # الرابع بعد العشرين: معنى "ينكحها": يتزوجها، كما جاء في رواية أخرى، وقد ~~تستعمل بمعنى الاقتران بالشيء، ومنه قوله تعالى: {وزوجناهم بحور عين} ~~[الدخان: 54] أي: قرناهم، وقيل: أنكحناهم. # الخامس بعد العشرين: إنما ذكرت المرأة مع الدنيا مع أنها داخلة فيها؛ ~~لأنه ورد على سبب: فإن شخصا هاجر إلى المدينة بنية أن يتزوج بامرأة يقال ~~لها أم قيس -وأفاد ابن دحية أن اسمها: قيلة- فسمي مهاجر أم قيس (¬1)، فذكرت ~~المرأة لأجل تبيين السبب، وقيل غير ذلك (¬2). # وبعضهم أفرد هذا بالتصنيف -أعني: أصحاب الحديث- كما أفرد سبب نزول القرآن ~~العظيم (¬3). # السادس بعد العشرين: إنما ذم على إصابة الدنيا -وإن كان مباحا-؛ لأنه خرج ~~في الظاهر لطلب فضيلة الهجرة، وأبطن خلاف ذلك؛ فلذلك توجة الذم عليه. PageV01P092 # السابع بعد العشرين: إنما لم يعد ذكر الدنيا في الثانية كما أعاد ذكر ~~الله ورسوله في الأول للإعراض عن تكرير لفظها، وعدم الاحتفال بأمرها، كأنه ~~قال: "فهجرته إلى ما هاجر إليه" وهو حقير هين، وأيضا ذكر الدنيا والنكاح ~~مما يستحى (¬1) منه عادة فلهذا طوي بخلاف الأول حيث أعيد للتبرك والتعظيم، ~~ولا شك أن من سعى إلى باب الملك لأجل تعظيمه فقط أبلغ ممن سعى إليه لشيء ~~مما عنده. # الثامن بعد العشرين: اللام في "الدنيا" هي للتعليل (¬2)، ويحتمل أن تكون ~~بمعنى "إلى"؛ لأنه قابله إلى حيث قال: "فهجرته إلى ما هاجر إليه" (¬3). PageV01P093 ### | AUTO الحديث الثاني # عن عمر -أيضا- رضي الله عنه - قال: بينما نحن [جلوس] (¬1) عند رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد ~~سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، فأسند ركبتيه ms025 إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، ~~وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، ~~وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا". # قال: صدقت! # فعجبنا له؛ يسأله ويصدقه! # قال: فأخبرني عن الإيمان؟ # قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر ~~خيره وشره". # قال: صدقت! # قال: فأخبرني عن الإحسان؟ # قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". PageV01P094 # قال: فأخبرني عن الساعة؟ # قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل". # قال: فأخبرني عن أماراتها؟ # قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء ~~يتطاولون في البنيان". # ثم انطلق فلبثت مليا، ثم قال لي: "يا عمر! أتدري من السائل؟ ". # قلت: الله ورسوله أعلم. # قال: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" رواه مسلم (¬1). PageV01P095 # هذا حديث عظيم متفق على عظم موقعه وجلالته، يكاد يكون مدار الإسلام عليه؛ ~~لأنه قاعدة من قواعده، مشتمل على أساسه، مفصل طاعاته القلبية والبدنية ~~أصولا وفروعا، وعلى أمر الغيب، حتى قال بعضهم: "لو لم يكن في هذه ~~"الأربعين" -بل في السنة جميعها- غيره لكان وافيا بأحكام الشريعة، لاشتماله ~~على جملتها مطابقة، وعلى تفصيلها تضمنا" (¬1). # فهو جامع لها علما ومعرفة وأدبا ولطفا، ومرجعه من القرآن كل آية تضمنت ~~ذكر الإيمان والإسلام نحو: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ~~[الأنفال: 2] الآية. {آمن الرسول} [البقرة: 285] الآية. {ومن يكفر بالله ~~وملائكته} [النساء: 136] الآية. {ليس البر} [البقرة: 177] ونحو ذلك، ~~والحديث "الثالث" و"الثامن" شاهد له. # قال القاضي عياض: "هو مشتمل على جميع وظائف العبادات، الظاهرة والباطنة، ~~من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات ~~الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه. # وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاثة ألفنا كتابنا الذي سميناه ب "المقاصد ~~الحسان فيما يلزم الإنسان" إذ لا يشذ شيء من الواجبات والسنن، والرغائب، ~~والمحظورات، والمكروهات عن أقسامه الثلاثة" (¬2). PageV01P096 # قال القرطبي -رحمه ms026 الله-: "فيصلح أن يقال فيه إنه: أم السنة؛ لما تضمنه ~~من جمل علمها كما سميت "الفاتحة": "أم القرآن" لما تضمنته من جمل علمها" (¬1). # قلت: ولنلخص الكلام عليه من ثلاثين وجها: # الأول: هذا الحديث هو من أفراد "مسلم" كما أفهم إيراد المصنف حيث عزاه ~~إليه وحده، ولم يخرج "البخاري" عن عمر في هذا شيئا؛ بل أخرجه من حديث أبي ~~هريرة بنحوه و"مسلم" أيضا (¬2). # الثاني: في التعريف براويه، وقد سلف في الحديث الأول. # الثالث: في ألفاظه معانيه (¬3): # الأول: قوله "بينما" معناه: بين أوقات كذا؛ لأن "بين" تقتضي شيئين ~~فصاعدا، وتجوز -أيضا- "بينا" بلا ميم، لأن "بين" هذه هي الظرفية، فزيدت ~~عليها الألف لتكفها عن عملها الذي هو الخفض، كما قد زيدت عليها -أيضا- "ما" ~~كذلك، وما بعدها مرفوع على الابتداء في اللغة المشهورة، ومنهم من PageV01P097 # خفض "ما" بعد الألف على الأصل، وشذ بعض النحاة فقال: الألف للتأنيث، ~~و"بينا " عنده: فعلى ك "شروى". # الثاني: "نحن" من الأسماء المضمرة، تستعمل للجمع، والمثنى، وللواحد ~~المعظم نفسه، نحو قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا} [الحجر: 9]، {إنا نحن نحي ~~الموتى} [يس: 12] وما أشبه ذلك. # الثالث: "عند" ظرف مكان غير متمكن، ولا يدخل عليها من حروف الجر سوى "من" ~~خاصة، وهي تكون لما تملك حاضرا كان أو غائبا، ومثلها "لدى" إلا أنها تختص ~~بالحاضر. # الرابع: "ذات" هنا تأنيث "ذو" بمعنى صاحب؛ أي: بينا نحن في ساعة ذات مرة ~~في يوم، فحذفت هذه المضافات لوضوح الأمر، كما حذفت هذه المضافات لوضوح ~~الأمر، كما حذفت من قوله: # إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا ....... (¬1) # أي: تضوع تضوعا مثل تضوع نسيم الصبا (¬2). # الخامس: "إذ" و"إذا" ظرفا زمان غير متمكنين، يضافان إلى الجمل، إلا أن ~~"إذ" للمضي (¬3)، وتضاف للجملتين: الاسمية والفعلية، قال الله تعالى: ~~{واذكروا إذ أنتم قليل} [الأنفال: 26] الآية. وقال: {وإذ قلتم يا موسى} ~~[البقرة: 55] الآية. PageV01P098 # و"إذا" لما يستقبل، ولا تضاف (¬1) إلا إلى الفعلية، وفيها معنى الشرط ~~غالبا، وليس ذلك في: "إذ" إلا إذا دخلت عليها "ما" كقوله: # إذ ما أتيت على الرسول فقل ms027 له # وقولنا: "غالبا" يخرج به ما إذا كانت متمحضة للتأقيت بأن كانت معرفة، ~~نحو: آتيك إذا طلع الفجر. # أو معاقبة ل "إذ"، نحو قوله تعالى: {وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض} ~~[آل عمران: 156] التقدير: إذ ضربوا. # أو كان ما بعدها مقدرا بالحال، نحو قوله تعالى: {والليل إذا يغشى (1) ~~والنهار إذا تجلى} أي: غاشيا ومتجليا. # ولا يجزم ب "إذا" -كان كان فيها معنى الشرط- كما وقعت "إذ" هنا، و"إذا" ~~المفاجأة، نحو قوله تعالى: {فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم ~~يستبشرون} [الروم: 48] "فإذا" الأولى ظرفية، والثانية مفاجأة. # وما جزمت به من كون "إذا" التي للمفاجأة ظرف زمان هو رأي الزجاج، واختاره ~~الزمخشري، وزعم أن عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة، ورأى المبرد أنها ~~ظرف مكان، واختاره ابن عصفور، وهي حرف عند الأخفش، واختاره ابن مالك (¬2). # وقولي "إذ" ظرف زمان تعم الماضي، نحو قوله تعالى: {إذ أخرجه الذين كفروا} ~~[التوبة: 40]. والمستقبل نحو: {يومئذ تحدث أخبارها (4)} [الزلزلة: 4]. PageV01P099 # وقد تأتي "إذ" بدلا من الفعل، نحو: {واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت} ~~[مريم: 16] ف "إذ" بدل اشتمال من مريم. # وقد تأتي مفعولا به، نحو: {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم} [الأعراف: 86]. # وقد تأتي مضافا إليها اسم زمان، نحو: "يومئذ"، و"حينئذ". # وقد تأتي للتعليل، نحو قوله تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في ~~العذاب مشتركون (39)} [الزخرف: 39] أي: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في ~~العذاب لأجل ظلمكم في الدنيا. # وقد تأتي للمفاجأة -كما سلف- وكقوله: # استقدر الله خيرا وارضين به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير # فائدة: يؤخذ من هذا الحديث أن "بينا" يجوز أن تتلقى ب "إذ" كما جاء في ~~بعض طرقه، ومثله الحديث الصحيح: "بينا أنا نائم إذ جيء بمفاتيح الأرض فوضعت ~~في يدي" (¬1) وغيرهما من الأحاديث. ووقع في "الدرة" للحريري (¬2) أنها لا ~~تتلقى ب "إذ" ولا ب "إذا"، أي: بخلاف: "بينما"، قال: "والمسموع عند العرب: ~~بينا زيد قائم جاء عمرو، بدون "إذ"؛ لأن المعنى: بين أثناء الزمان جاء ~~عمرو". وما ذكرناه يرده فتنبه له. # السادس: ms028 قوله "لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد" هو بالياء ~~المثناة تحت المضمومة -على ما لم يسم فاعله-، وروي بالنون المفتوحة فيهما ~~مبنيا للفاعل، وكلاهما واضح المعنى -والأول أبلغ- وعليه اقتصر عليه PageV01P100 # النووي في "نكته" عليه (¬1). # ووقع في "صحيح ابن حبان": "إذ جاء رجل [ليس] (¬2) عليه سحناء سفر، وليس ~~من أهل البلد يتخطى ... " إلي آخره (¬3). والسحناء: الهيئة، فيحتاج إلي ~~الجمع بينها وبين ما في "الصحيح". # السابع: قوله "فأسند ركبتيه إلى ركبتيه" ظاهره أنه جلس بين يديه، وإلا لم ~~يتصور ذلك؛ لأنه لو جلس إلى جانبه لما أمكنه إلا إسناد ركبة واحدة، وهذا ~~جلوس المتعلم بين يدي شيخه للتعلم؛ وإنما فعل ذلك جبريل للتنبيه على ما ~~ينبغي للسائل من قوة النفس عند السؤال، وعدم المبالاة بما يقطع عليه خاطره ~~-وإن كان المسؤول ممن يحترمه ويهابه-، وعلي ما ينبغي للمسؤول من التواضع ~~والصفح عن السائل، وإن تعدى ما ينبغي من الاحترام والأدب. # الثامن: قوله "ووضع كفيه على فخذيه" الضمير في "كفيه" للرجل، وفي "فخذيه" ~~يحتمل أن يكون له أيضا، وأن يكون للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الأشبه، ~~وفعل ذلك للاستئناس باعتبار ما بينهما من الأنس في الأصل حين يأتيه بالوحي (¬4). # وقد جاء مصرحا بهذا في "النسائي" (¬5) من حديث أبي هريرة وأبي ذر: "حتى ~~وضع يده علي ركبتي النبي - صلى الله عليه وسلم - " وفي أوله: "كان -عليه ~~الصلاة والسلام- PageV01P101 # يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب، فلا يدري أهو (¬1) حتى يسأل، ~~فطلبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب ~~إذا أتاه، فبنينا له دكانا (¬2) من طين يجلس عليه، وإنا (¬3) لجلوس عليه ~~عنده إذ أقبل رجل أحسن الناس وجها، وأطيب الناس ريحا، كأن ثيابه لا يمسها ~~دنس، حتى سلم من طرف السماط (¬4)، فقال: السلام عليكم يا محمد! فرد -عليه ~~السلام- عليه السلام. قال: أدنو يا محمد؟ قال: "ادنه". فما زال يقول: أدنو؟ ~~-مرارا-، ويقول: "ادن" حتي وضع يده علي ركبتي النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-" وذكر نحو حديث مسلم. # وفيه ms029 خمس فوائد: # ابتداء الداخل بالسلام؛ وإقباله على رأس القوم، حيث قال: "السلام عليكم"، ~~فعم، ثم قال: "يا محمد"! فخص (¬5). # والاستئذان في القرب من الإمام مرارا، وإن كان الإمام في موضع مأذون في دخوله. # وترك الاكتفاء بالاستئذان مرة أو مرتين علي جهة التعظيم والاحترام. PageV01P102 # وجواز اختصاص العالم بموضع مرتفع من المسجد إذا دعت إلي ذلك ضروره تعليم ~~(¬1) أو غيره (¬2). # التاسع: قوله: "الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله" إلي آخره، و"الإيمان أن تؤمن بالله" إلي آخره. فيه المغايرة بين ~~الإسلام والإيمان، وقد اختلف العلماء فيهما، وعمومهما، وخصوصهما، وأن ~~الإيمان يزيد وينقص أم لا؟ وأن الأعمال من الإيمان أم لا؟ اختلافا منتشرا، ~~والحق أن الإيمان والإسلام يجتمعان في مادة، ويفترقان في أخرى، وأن كل مؤمن ~~مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الإيمان يطلق علي ~~الأعمال. # وقد بسطناه بسطا شافيا في "شرح صحيح البخاري" فليراجع منه (¬3). # العاشر: قوله "أن تشهد" هو منصوب ب "أن"، وكذا ما عطف عليه من: "وتقيم"، ~~"وتؤتي"، "وتصوم"، "وتحج"، وكذا قوله: "أن تؤمن". # الحادي عشر: لا بد من مجموع الشهادتين في الإسلام، فإن اقتصر علي إحداهما ~~لم يكف، ولا يشترط معهما البراءة من كل دين يخالف الإسلام علي الأصح (¬4)، ~~إلا أن يكون من قوم يعتقدون اختصاص رسالة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى PageV01P103 # العرب خاصة، وأبعد بعض أصحابنا فقال: إذا اقتصر على قول: لا إله إلا ~~الله، فقد صح إسلامه، ويطالب بالكلمة الأخرى، فإن أبى جعل مرتدا. # الثاني عشر: الإسلام -لغة-: الاستسلام والطاعة والانقياد، ومنه: {ولكن ~~قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14]، أي: انقدنا، فهو مصدر: أسلم إسلاما. # وهو شرعا: ما فسر به الحديث، وهو: الانقياد إلي الأعمال الظاهرة ~~كالشهادتين وما ذكر معها من العبادات، وروى ابن أبي شيبة في "مسنده" عن أنس ~~مرفوعا: "الإسلام علانية، والإيمان في القلب" (¬1). # الثالث عشر: قوله "أن تؤمن ... " إلي آخره، "أن" وصلتها في موضع رفع خبر ~~مبتدأ محذوف، أي أن الإيمان: أن تؤمن، أو هو أن ms030 تؤمن. # و"الإيمان" مصدر: آمن إيمانا، كأكرم إكراما، أفعل لا فاعل، وإلا كان PageV01P104 # مصدره الفعال، نحو قاتل قتالا، وضارب ضرابا، وهو قياس في مصدر: فاعل، ~~والمفاعلة كالمقاتلة والمضارة. # وهو لغة: التصديق. # وشرعا: تصديق بالقواعد الشرعية من وجوب وجوده -سبحانه وتعالى- ووحدانيته ~~وصفاته الثابتة له، وتنزيهها عن سمات الحدث والنقص (¬1). # والحديث دال على أن السؤال إنما هو عن حقيقة الإيمان والإسلام، ولهذا ~~تطابق الجواب بقوله: "أن تؤمن" إلي آخره. # و"الإيمان بالملالكة": أنهم كائنون في العبادة، لا يعصونه طرفة عين، ~~ملازمون علي امتثال الأوامر، صادقون فيما أخبروا به عن ربهم -تبارك ~~وتعالى-. # و"اليوم الآخر": هو يوم القيامة، وما اشتمل عليه من البعث والجزاء ~~والحساب، والميزان والصراط، والجنة والنار. # الرابع عشر: اختلف علماء الأصول في الأسماء اللغوية هل هي مبقاة علي ~~وضعها اللغوي، والشارع إنما تصرف في شروطها وأحكامها أم لا؟ ومحل الخوض في ~~ذلك كتب "الأصول" فالإسلام والإيمان يعمان كل انقياد وكل تصديق، وقصرهما ~~الشارع على انقياد وتصديق مخصوص كما في الأسماء العرفية، كالدابة، فإنها في ~~الأصل لكل ما يدب، ثم خصصت بالعرف للبعض (¬2). PageV01P105 # الخامس عشر: ظاهر الحديث تغاير الإسلام والإيمان، لأن جبريل سأل عنهما ~~سؤالين، وأجيب بجوابين، وفسر له الإسلام بأعمال الجوارح كالصلاة ونحوها، ~~والإيمان بعمل القلب، وقد يتوسع فيطلق الإيمان علي الإسلام كما في حديث وفد ~~عبد القيس، فإنه أمرهم بالإيمان ثم قال: "أتدرون ما الإيمان"؟ قالوا: الله ~~ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" (¬1). # ووجه ذلك: أنه عنه يكون غالبا، وهو مظهره، وقد قال -عليه أفضل الصلاة ~~والسلام-: "الإيمان بضع وسبعون شعبة: أدناها إماطة الأذى عن الطريق، ~~وأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله" (¬2). وهذا أولى من دعوى اضطراب متنه (¬3). # حيث قال: "آمرهم بأربع" ولم يأمرهم إلا بالإيمان وحده، وفسره بخمس، وفي ~~رواية: "شهادة أن لا إله إلا الله" وعقد واحدة، وليس فيه ذكر الحج، بخلاف ~~"حديث جبريل" .. # وقد أطلق الإسلام يريد أنه سمى الإسلام والإيمان، قال تعالي: {إن الدين ~~عند الله الإسلام} [آل عمران: ms031 19] وقد وصف الله تعالى آل لوط مرة بالإسلام، ~~ومرة بالإيمان، فقال {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا فيها ~~غير بيت من المسلمين (36)} [الذريات]، ووجهه: أنه أكمل. نعم؛ أثبت في حق ~~الأعراب الإسلام فقط حيث قال: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا} [الحجرات: 14] (¬4). PageV01P106 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P107 # السادس عشر: جاء في "مسلم" تقديم السؤال عن الإسلام علي السؤال عن ~~الإيمان، وجاء في "الترمذي" بالعكس (¬1) ولعلها أولي، حتى قيل: إن الأولى ~~وقع من بعض الرواة: قدم مؤخرا من باب الرواية بالمعنى (¬2). # السابع عشر: المراد -والله أعلم- بإقامة الصلاة: الإتيان بها بأركانها ~~وشروطها. # وقولى: "وتؤتي" أي: تؤدي، و"الصلاة" في اللغة: الدعاء. # وفي الشرع: أفعال مخصوصة (¬3). # و"الزكاة" في اللغة: النماء، ومنه: {أقتلت نفسا زكية} [الكهف: 74]، (¬4) ~~{وتزكيهم بها} [التوبة: 103]، و {قد أفلح من زكاها} [الشمس: 9]. # وفي الشرع: أخذ شيء مخصوص، على وجه مخصوص. PageV01P108 # و"الصوم" لغة الإمساك، وشرعا: إمساك مخصوص. # و"رمضان": قيل إنه اسم من أسمائه تعالى، والصحيح أنه اسم للشهر المشهور، ~~سمي بذلك، لاشتداد حر الرمضاء فيه حين وضع له هذا الاسم (¬1). # و"الحج": في اللغة: القصد. # وفي الشرع: قصد الكعبة -شرفها الله تعالى- بأفعال مخصوصة. # و"الاستطاعة": القوة على الشيء والتمكن منه. ومنه: {وما استطاعوا له ~~نقبا} [الكهف: 97]. # وقيد (¬2) الحج بالاستطاعة دون الصلاة والصوم، موافقة للفظ القرآن، وإن ~~كانت العبادات كلها مشروطة بالاستطاعة، قال تعالى: {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} [التغابن: 16]، وقال رسوله -عليه أفضل الصلاة والسلام-: "وإذا ~~أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" كما سيأتي (¬3). # فائدة: التقييد في الحج: وجود المشقة فيه ما ليس في غيره. # و"السبيل": تذكر وتؤنث. # وزاد ابن حبان -في هذا الحديث-: "وتعتمر وتغتسل عن الجنابة، وأن تتم (¬4) ~~الوضوء" ثم قال -في آخره-: "تفرد سليمان التيمي بقوله: "تعتمر وتغتسل وتتم ~~الوضوء"، وكذا بقوله: "خذوا عنه" يعني بعد قوله: "هذا جبريل PageV01P109 # أتاكم يعلمكم دينكم، خذوا عنه" (¬1). # الثامن عشر: الإيمان بالقدر واجب، خيره وشره، حلوه ومره، ومعناه: أن الله ~~تعالى قدر الخير والشر قبل خلق الخلق، وأن جميع الكائنات بقضاء الله وقدره، ~~وهو مريد لها. # ويكفي ms032 اعتقاد جازم بذلك من غير نصب برهان، هذا هو المختار. # التاسع عشر: "الملائكة": جمع ملك، فقيل: لا اشتقاق له، وقيل: بلى، فقيل: ~~فعل من الملك، وقيل: مفعل من لأك إذا أرسل، وقيل: من الألوكة -وهي ~~الرسالة-، ومحل الخوض في ذلك التفسير (¬2). # و"اليوم الآخر": هو يوم القيامة، وجاء "وتؤمن بالبعث الآخر" فيحتمل أن ~~يكون تأكيدا، أو أنه إحياء بعد إماتة، فيكون إشارة إلى النطفة (¬3). # العشرون: وجه عجبهم من سؤاله وتصديقه، سؤاله يقتضي عدم العلم بما يسأل ~~عنه، وتصديقه بما جاء به يقتضي علمه به، وكأن ظاهر حاله أنه عالم بذلك ~~(¬4)، ثم زال التعجب بأنه "جبريل جاء يعلمكم دينكم" فبين أنه كان عالما في ~~صورة متعلم لقصد التعليم، وكذا قال النووي في "شرحه": "سبب تعجبهم PageV01P110 # أن هذا بخلاف عادة السائل الجاهل، إنما هذا كلام خبير بالمسؤول عنا، ولم ~~يكن في ذلك الوقت من يعلم هذا غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (¬1). # الحاي بعد العشرين: "الإحسان" مصدر أحسن إحسانا، ويتعدى بنفسه ك: أحسنت ~~كذا، وفي كذا، إذا حسنته، وهو منقول بالهمزة من حسن الشيء، ومتعد بحرف ~~الجر، وهو هنا بالمعنى الأول دون الثاني، إذ حاصله راجع إلى: إتقان ~~العبادات، ومراعاة حقوق الله تعالى فيها، ومراقبته، واستحضار عظمته وجلالته ~~حالة الشروع، وحالة الاستمرار فيها. # وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين: # أحدهما: غالب عليه مشاهدة الحوق، فكأنه يراه. ولعل الشارع أشار إلى هذا ~~بقوله: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" (¬2). # الثاني: من لا ينتهي إلى هذه الحالة، لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع ~~عليه، ومشاهد له، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {الذي يراك حين تقوم (218) ~~وتقلبك في الساجدين (219)} [الشعراء: 218، 219]، وبقوله: {وما تكون في شأن} ~~[يونس: 61] الآية. # وهاتان الحالتان ثمرة معرفة (¬3) الله تعالى وخشيته، ولذلك فسر الإحسان PageV01P111 # في حديث أبي هريرة بقوله "أن تخشى الله كأنك تراه" (¬1) فعبر عن المسبب ~~باسم السبب توسعا، ثم الألف واللام في "الإحسان" المسؤول عنه المعهود ~~المذكور في قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]، و {هل ~~جزاء الإحسان إلا ms033 الإحسان} [الرحمن: 60]، {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} ~~[البقرة: 195] فلما تكرر الإحسان في القرآن في غير آي، ورتب عليه هذا ~~الثواب الجسيم، سأل عنه الروح الأمين، فأجابه لتعمل به أمته، فيفوزوا ~~بالأجر الجسيم، فقال: "الإحسان: أن تعبد الله" إلى آخره (¬2). # وهو من جوامع كلمه الذي أوتيها؛ لأنه لو قدرنا أن أحدا قام في عبادة وهو ~~يعاين ربه -تعالى- لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن ~~الصمت، واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن الوجوه إلا ~~أتى به، فقال: اعبد الله في جميع أحوالك كعبادته في حال العيان، فإن ~~التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع ربه عليه -تبارك ~~وتعالى-، فلا يقدم على تقصير في هذا الحال إلا اطلع عليه، وهذا المعنى ~~موجود في عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه. # فمقصود الكلام: الحث على الإخلاص في العبادة، ومراقبة العبد ربه -تبارك ~~وتعالى- في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك. # وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من تلبسه بشيء ~~من النقائص احتراما لهم واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال الله -تبارك ~~وتعالى- مطلعا عليه في سره وعلانيته (¬3). PageV01P112 # * تنبيهان: # الأول: قوله "فإن لم تكن تراه" فإنه ينبغي أن يكون مستأنفا، وأن الجواب ~~تم عند قوله: "كأنك تراه"؛ لأنه من جنس مقدور العبد، بخلاف رؤيته تعالى. # ثانيهما: يؤخذ منه جواز رؤية الباري تعالى لإتيانه ب "لم" دون "لا"؛ لأن ~~الممكن ينفى ب "لم" والمستحيل ب "لا" فيقال: زيد لم يقم، والحجر لا [يقوم] ~~(¬1) ومنه "الشفعة فيما لم يقسم" (¬2). وقد نطق الله بها في الآخرة، وأبعد ~~الله من نفاها، وفي الدنيا جائزة (¬3) عقلا. # الثاني بعد العشرين: "الساعة" المراد بها هنا: يوم القيامة، وإن كان ~~أصلها وضعا: مقدارا ما من الزمان غير معين ولا محدد، قال تعالى: {ما لبثوا ~~غير ساعة} [الروم: 55]. # والموقتون اصطلحوا على أنها: جزء من أربعة وعشرين جزءا من الليل والنهار. # فمعنى "أخبرني عن الساعة" أي: عن زمن وجود القيامة، سميت ساعة -وإن طال ~~زمنها- اعتبارا بأول ms034 أزمنتها، فإنها: {لا تأتيكم إلا بغتة} [الأعراف: 187]، ~~{قد جاء أشراطها} [محمد: 18] (¬4). # وقوله: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" أي: كلانا سواء في عدم العلم ~~به من وقوعها: {إن الله عنده علم الساعة} [لقمان: 34]، {إن الساعة آتية ~~أكاد أخفيها} [طه: 15]، {قل إنما علمها عند ربي} [الأعراف: 187]. PageV01P113 # وفي " الصحيح": "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، وتلا: {إن الله ~~عنده علم الساعة} (¬1). ومعناه: أنه ينبغي للعالم والمفتي وغيرهما إذا سئل ~~عما لا يعلم فليقل: لا أعلم. وأن ذلك لا ينقصه، بل يستدل به على ورعه ~~وتقواه ووفور علمه. # الثالث بعد العشرين: "الأمارة" -بفتح الهمزة-: العلامة، وكذا: "الأمار" ~~بحذف الهاء (¬2)، وكذا "أشراطها" أي: علاماتها. ومنه: {فقد جاء أشراطها}، ~~ومنه: سمي الشرط: لأنهم يعلمون أنفسهم بعلامات يعرفون بها. وربما روي ~~"أماراتها" بالجمع (¬3). # وأما الإمارة -بالكسر-: فالولاية. # الرابع بعد العشرين: "الأمة" هنا الجارية المستولدة، و"ربها": سيدها. # و"ربتها"-تأنيث رب-: سيدتها ومالكتها، وفي رواية "ربها" على التذكير، وفي ~~أخرى "بعلها" (¬4) وقال: يعني السراري. # واختلف في معناه على أقوال (¬5): PageV01P114 # أصحها: أنه إخبار عن كثرة السراري وأولادهن؛ فإن ولدها من سيدها بمنزلة ~~سيدها؛ لأن مال الإنسان صائر إلى ولده، وقد يتصرف فيه في الحال تصرف ~~المالكين: إما بالإذن، أو بقرينة الحال أو عرف الاستعمال. # وعبر بعضهم عنه: "بأن يستولي المسلمون على بلاد الكفر، فتكثر فيه السراري ~~فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه من أبيه، وعلى هذا فالذي يكون ~~من أشراط الساعة: استيلاء المسلمين على المشركين، وكثيرة الفتوح، والتسري" (¬1). # ثانيها: أن معناه أن الإماء تلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو ~~سيدها وسيد غيرها من رعيته: قاله الحربي. # ثالثها: أن معناه بأنه تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر ~~الزمان، فيكثر تردادها في أيدي المشركين حين يشتريها ابنها من غير علم. # وعلى هذا يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد، ~~[والاستهانة بالأحكام الشرعية، وهذا على قول من يرى تحريم بيع أمهات ~~الأولاد] (¬2) وهم الجمهور (¬3)، ويصح أن يحمل ذلك على بيعهن في حال حملهن، ms035 ~~وهو محرم إجماعا. PageV01P115 # ويحتمل على هذا القول ألا يختص هذا بأمهات الأولاد، فإنه يتصور في غيرهن، ~~فإن الأمة تلد ولدا آخر من غير سيدها بشبهة، أو رقيقا بنكاح، أو زنا ثم ~~تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا، وتدور في الأيدي حين يشتريها ولدها، ~~وهذا أكثر وأعم من تقديره في أمهات الأولاد، وقيل فيه غير ذلك. # ومنه: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من ~~الإهانة والسب. ويشهد لذلك حديث أبي هريرة "المرأة" مكان "الأمة" (¬1)، ~~وحديث: "لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظا" (¬2). # الخامس بعد العشرين: استدل بهذا الحديث إمامان على بيع أمهات الأولاد ~~ومنعه، وليس فيه دلالة لواحد منهما، فإنه ليس كل ما يخبر به الشارع بكونه ~~من علامات الساعة يكون محرما أو مذموما: فإن تطاول الرعاء في البنيان، ~~وتيسير المال (¬3)، وكون خمسين امرأة لهن قيم واحد (¬4) ليس بحرام، وإنما ~~هذه علامات، والعلامة تكون بالخير وغيره (¬5). PageV01P116 # السادس بعد العشرين: "الحفاة" -بالحاء المهملة- جمع حاف، وهو: من لا نعل ~~في رجله. # و"العراة": جمع عار، وهو: من لا شيء على جسده، وفي رواية محمد بن الحذاء ~~التميمي: "الحفاة": "يعني الخدمة". # و"العالة": -بفتح اللام المخففة- جمع عائل، وهو: الفقير، والعيلة: الفقر، ~~وعال الرجل يعيل عيلة: افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر عياله، قال تعالى: ~~{ووجدك عائلا فأغنى} [الضحى: 8]، وقال: {ذلك أدنى ألا تعولوا} [النساء: 3] ~~والمراد: أن أراذل الناس يصيرون أهل ثروة ظاهرة. # و"الرعاء": -بكسر الراء وبالمد- جمع راع، ويقال فيه: رعاة -بضم الراء ~~وزيادة الهاء بلا مد-، وأصل الرعي: الحفظ. # و"الشاء": الغنم، أي: رعاة الغنم، ومنه قوله تعالى: {حتى يصدر الرعاء} ~~[القصص: 23]. وهو جمع شاة، وخصهم بالذكر؛ لأنهم أضعف أهل البادية. # وجاء "رعاء البهم": -بفتح الباء- جمع بهيمة؛ وأصلها: صغار الضأن والمعز، ~~وقد يختص بالمعز، وأصله من استبهم عن الكلام، ومنه البهيمة. # وكذا في البخاري: "رعاء الإبل البهم" -بضم الباء- جمع بهيم، وهو الأسود ~~الذي لا يخالطه لون آخر، وهو بكسر الميم: صفة للإبل، وبرفعها صفة للرعاة ~~(¬1). PageV01P117 # وقيل: معناه لا شيء لهم، ومنه الحديث: "حفاة ms036 عراة بهما" (¬1). ويبعد أنه ~~نسب للبهم إبلا، والظاهر الملك. # وقال الخطابي: "هو جمع بهيم، وهو المجهول الذي لا يعرف" (¬2). # والأولى أن يحمل: على أنهم سود الألوان؛ لأن الأدمة غالب ألوانهم. # ورواية "مسلم": "رعاء البهم" من غير ذكر الإبل، وهي مناسبة؛ لأن المقصود ~~أنهم مع ضعفهم سينقلب بهم الحال إلى أن يصيروا ملوكا، بخلاف أصحاب الإبل؛ ~~فإنهم أصحاب فخر وخيلاء (¬3). PageV01P118 # والمعنى: إذا رأيت أهل البادية -وهذه الصفة غالبة عليهم وأشباههم من أهل ~~الحاجة والفاقة- تبسط لهم الدنيا حتى يتباهوا في البنيان فذلك من علاماتها. ~~وقد وصفوا في حديث أبي هريرة بأنهم "صم بكم" أي: جهلة رعاع، لم يستعملوا ~~أسماعهم ولا كلامهم في علم، ولا في أمر دينهم، وهو نحو قوله تعالى: {صم بكم ~~عمي} [البقرة: 18] أطلق ذلك عليهم. # قال قتادة: " {صم} عن استماع الحق {بكم} عن التكلم به {عمي} عن الإبصار ~~له" (¬1). # مع أن لهم الأسماع والأبصار؛ لكن لما لم تحصل لهم ثمرات ذلك صاروا كأنهم ~~عدموا أصلها، وقد أوضح هذا المعنى قوله تعالى: {هم قلوب لا يفقهون بها ولهم ~~أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ~~أولئك هم الغافلون} [الأعراف: 179]. # والقصد من الحديث: الإخبار عن تبدل الحال، بأن يستولي أهل البادية الذين ~~هذه صفاتهم على أهل الحاضرة، ويتملكوا بالقهر والغلبة، فتكثر أموالهم، ~~وتتسع في الحطام آمالهم، فتنصرف همتهم إلى تشييد المباني، وهدم الدين ~~[وشريف المعاني] (¬2)، وقد جاء في الحديث: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد ~~الناس بالدنيا لكع بن لكع" (¬3). PageV01P119 # وقد شوهد ذلك وبان صدق الشارع فيما هنالك، فإذا صار أسافل الناس رؤوسا ~~فقد طاب الموت، وإذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة، فقد فات الفوت. # والألف واللام في "الحفاة"، "العراة"، "العالة" يجوز أن تكون للعموم، ~~فتختص بقاطع العادة، فإن العادة تقتضي أن كلهم ليس على ذلك، ويجوز أن تكون ~~للمعهودين المخاطبين، أو لتعريف الماهية، أو لبعض الجنس فلا عموم ولا خصوص، ~~واللام في "أن تلد الأمة" ليست للعموم أيضا. # السابع بعد العشرين: ms037 فيه دلالة على كراهية ما لا تدعو الحاجة إليه من ~~تطويل البناء وتشييده، وفي الحديث: "يؤجر ابن آدم على كل شيء إلا ما يضعه ~~في هذا التراب" (¬1). # ومات الشارع -صلوات الله وسلامه عليه- ولم يضع حجرا على حجر، ولا لبنة ~~على لبنة، أي: لم يشيد بنيانا، ولا طوله ولا تأنق فيه (¬2). # الثامن بعد العشرين: قوله "فلبث مليا" -هو بتشديد الياء- أي: زمانا، ~~"مليا" أي: كثيرا، فحذف الموصوف لظهوره، وروي "فلبثت" بتاء مضمومة، فيكون ~~عمر هو المخبر عن ذلك بنفسه، وكان ذلك: ثلاثا، كما جاء مبينا في رواية أبي ~~داود، والترمذي وغيرهما. # وفي "شرح السنة" للبغوي: "بعد ثالثة" (¬3). وظاهره أنه بعد ثلاث ليال. # وفي ظاهره مخالفة لحديث أبي هريرة: "فأدبر الرجل، فقال -عليه الصلاة ~~والسلام-: "ردوه" فأخذوا يردوه فلم يروا شيئا، فقال -عليه الصلاة والسلام-: PageV01P120 # "هذا جبريل". فيحتمل أن عمر لم يحضر قوله هذا، بل كان قام، فأخبر به بعد ~~ثلاث (¬1). # فائدة: "مليا" غير مهموزة، ومنه: {واهجرني مليا} [مريم: 46] "لأنه من ~~الملوان: الليل والنهار (¬2). {وأملي لهم} [الأعراف: 183]، و"إن الله ليملي ~~للظالم" (¬3). # أما: المليء، ضد المعدم، فهو مهموز؛ لأنه من ملأ كيسه ونحوه مالا، ومن ~~الملاءة: وهو اليسار، والملأ من الناس (¬4). # التاسع بعد العشرين: قوله "إنه جبريل" جبريل اسم عجمي سرياني، قيل معناه: ~~عبد الله، وفيه لغات وقراءات محل الخوض فيها كتب التفسير (¬5). # والحديث: دال على أن الرب -جل جلاله- يمكن الملائكة أن يتمثلوا فيما ~~شاءوا من صور بني آدم، كما نص الله على ذلك في قوله تعالى: {فتمثل لها بشرا ~~سويا} [مريم: 17]. وقد كان جبريل يتمثل لنبينا - عليه أفضل الصلاة PageV01P121 # والسلام- في صورة دحية بن خليفة، وقد رآه على هيئته مرتين، وعرفانه له ~~هنا إنما هو في آخر الأمر فقط، كما جاء في "صحيح البخاري". وعرفانه له إما: ~~وحي، أو نظر، وفي رواية: "ما جاءني في صورة لم أعرفها إلا في هذه المرة" ~~(¬1). ولا يخاض هنا فيما خاضت فيه أهل الحلول -عصمنا الله منه-. # الثلاثون: "دينكم" أي: قواعده أو كلياته، و"الدين" الملة، والشريعة، ~~ويستعمل -أيضا- في ms038 الجزاء، فمنه: {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] أي: يوم ~~الجزاء. # وبمعنى العادة: كدينك من أم الحويرث قبلها ... (¬2). # وروي: كدأبك، وهو أشهر. # وظاهر قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19]، وقوله: ~~{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] أن الإسلام جميع ~~الدين لا بعضه، وإن كان ظاهر حديث جابر إطلاق الدين على الثلاثة: الإسلام، ~~والإيمان، والإحسان. # * تتمات (¬3): PageV01P122 # الأولى: قوله "شديد بياض الثياب" إلى آخره، إشارة إلى غرابة هذه القصة، ~~لأن الرجل هيئته هيئة حاضر لا يخفى عليه أمر الدين مع اشتهاره غالبا خصوصا ~~في المديحة، وسؤاله سؤال أعرابي وارد غير عالم بالدين، وهذا بخلاف حديث ~~طلحة: "جاء أعرابي من أهل نجد، ثائر الرأس" الحديث (¬1)، إذ وصفه بصفة ~~الأعراب الواردين، فلم يكن في سؤاله غرابة ولا عجب. # الثانية: فيه استحباب التجمل وتحسين الهيئة للعالم والمتعلم، وجبريل معلم ~~من جهة، لقوله: "يعلمكم"، ومتعلم من أخرى، من كويه جاء في صورة سائل. # الثالثة: مناداته باسمه كما يناديه الأعراب، من باب التعمية على حاله، ~~ففيه جواز تسمية المتعلم (¬2) شيخه، والمرؤوس رئيسه باسمه، لكن غلب في ~~العرف تلقيبهم، فينبغي اتباعه، إلا أن يعلم أنه لا ينقبض من [تسميته باسمه ~~الأصلي] (¬3)، ولا يتأذى به، فيكون هو الأولى اتباعا لهذه السنة وغيرها؛ ~~ولأنه أقرب إلى التواضع، وأولى بالصدق. # الرابعة: فيه إجابة المستفتي على ما فهم من القرينة، فإنها كالنص، فإنه ~~سأله عن الإسلام وهو محتمل لسؤاله عن حقيقته، أو شرطه، أو مكانه وغير ذلك، ~~فأجابه بماهيته وحقيقته. # الخامسة: فيه أنه ينبغي لمن حضر مجالس العلماء إذا علم بأهل المجلس حاجة ~~إلى مسألة السؤال عنها، لتحصل الإفادة لهم. PageV01P123 # السادسة: فيه -أيضا- الرفق بالسائل، وإدناؤه منه؛ ليتمكن من لسؤاله، ~~وتنبيه العالم تلامذته على اقتباس الفوائد، وغرائب الوقائع. # السابعة: قد يستدل بالحديث على أن الاسم غير المسمى، من حيث إن جبريل سأل ~~عن الإسلام والإيمان والإحسان، فأتى بأسمائها وأجابه الشارع عن معانيها، ~~ولو كان هو هو لما احتاج إلى السؤال عنه لعلمه به، ولما أجيب؛ بل كان ~~جوابه: ms039 إنك عالم بمسمى ما سألت عنه لعلمك باسمه. # وفي هذه المسألة أقوال -وقد أفردها البطليوسي- (¬1). # أحدهما: ما ذكرنا. # وثانيها: أنه هو، لقوله تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1]. # وأجيب: بأنه ضمن سبح معنى اذكر، فكأنه قال: اذكر اسم ربك. كقوله: {واذكر ~~اسم ربك بكرة وأصيلا} [الإنسان: 25]، وعكسه: {واذكر ربك} [آل عمران: 41]، ~~ضمن "اذكر" معنى: سبح ونزه، أي: نزهه عما لا يليق به (¬2). # ومن الحجة لهم -أيضا-: قوله تعالى: {بغلام اسمه يحيى} [مريم: 7] ثم قال: ~~{يايحيى خذ الكتاب بقوة} [مريم: 12] فنادى، ويحيى اسمه، فدل على أنه هو. ~~وأجيب بأن المعنى: يا أيها الغلام الذي اسمه يحيى، فنادى المسمى لا الاسم. PageV01P124 # وثالثها: أن الاسم للمسمى (¬1) لا هو هو ولا هو غيره، كالواحد من العشرة ~~لا هو هي ولا هو غيرها. وأجيب: بأن هذا لا يتحقق؛ لأنا إذا قلنا: هذا الشيء ~~لهذا، إنما نعني أنه ملكه أو اختصاصه، وأما ما كان كذلك فهو يقتضي ~~المغايرة، لأن ملك الشيء نفسه واستحقاقه لها واختصاصه بها محال. # * تنبيهان (¬2): # الأول: المغايرة، إما بالذات: كزيد غير عمرو، أو بالحال والصفة: كوجه زيد ~~اليوم غير وجهه أمس. والمغايرة بين الاسم والمسمى إنما هو بالأول. # ثانيهما: الاسم: هو الموضوع للذات تعريفا أو تخصيصا ك"زيد". # والمسمى: هو الموضوع له. # وبكسر الميم: الواضع، والتسمية وهي: الوضع لتلك الذات، وبهذا ظهر أن ~~الاسم غير المسمى. # ثالثهما: من شبه الخصم: أن الرب -جل جلاله- قال: {اعبدوا الله} [المائدة: ~~72] لكن المراد: اعبدوا الذات التي اسمها الله، والجلالة المعظمة دالة، ~~والمعبود مدلولها وهو [الذات] (¬3) القديمة الواجبة الوجود (¬4). PageV01P125 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P126 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P127 # الثامنة (¬1): فسر -عليه الصلاة والسلام- الإحسان بالمراقبة كما سلف، ~~فالعبد يشاهد ربه بعين إيمانه، وأنه مطلع عليه في جميع أحواله؛ فلا ينحرف، ~~ويتأدب. # التاسعة: العبادة إما: قلبية -كالإيمان-، أو بدنية -كالإسلام-، ولما كان ~~الإحسان: هو المراقبة بالإخلاص فيهما؛ فلا يظهر الإيمان رياء أو خوفا فيكون ~~منافقا، ولا يظهر أعمال الإسلام لغير الله، فيكون مرائيا مشركا، بل يرى أن ~~الله مطلع عليه يرى جميع حاله، فالإحسان شرط فيهما، أو كالشرط إذ بدون ~~الإخلاص ms040 والمراقبة فيهما لا يقبلان، قال تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو ~~محسن فله أجره} [البقرة: 112]، {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن} [لقمان: ~~22]، {ثم اتقوا وأحسنوا} [المائدة: 93] (¬2). # العاشرة: حكي عن بعض شيوخ الطريق أنه ذكر هذا الكلام يوما، فقال: "اعبد ~~الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه". ثم وقف! وهو إشارة صوفية؛ أي: أنك إذا ~~أفنيت نفسك فلم ترها شيئا شاهدت ربك!! لأنها حجاب دونه، فإذا ألقى الحجاب ~~شاهد الجناب. # ويشبه هذا ما حكي دونه عن بعضهم أنه قال: رأيت رب العزة في المنام PageV01P128 # فقلت: يا رب! كيف الطريق إليك؟ فقال: "خل نفسك وتعال" (¬1). # الحادية عشرة: للساعة شروط كبيرة أخرى، منها: طلوع الشمس من مغربها، ~~وخروج الدابة، والدجال، ويأجوج مأجوج، وكثرة الهرج، وفيض المال حتى لا ~~يقبله أحد، وحسر الفرات عن جبل من ذهب، وفيها كتب مؤلفة. # ولعله إنما اقتصر في الحديث على أمارتين منها تحذيرا للحاضرين وغيرهم ~~منها -أعني كثرة اتخاذ السراري وبيعهن، والتطاول في البنيان- لاقتضاء الحال ~~ذلك، إذ لعلهم كانوا يتعاطون شيئا من ذلك فزجرهم. # الثانية عشرة: حاصل ما ذكر -عليه الصلاة والسلام- أن أجزاء الدين ثلاثة: ~~"الإسلام": وهو الشهادتان، والعبادات الخمس، وتفصيلها التام محله كتب الفقه. # و"الإحسان": وهو المراقبة والإخلاص، ومحله التام كتب التصوف: ك "القوت"، ~~و"الإحياء" ونحوهما (¬2). PageV01P129 # و"الإيمان" ومتعلقه ستة أشياء: الرب -جل جلاله-، وملائكته، وكتبه، ورسله، ~~واليوم الآخر، والقدر، ومحله كتب "الفلسفة"! (¬1)، ولا حاجة بنا إليها (¬2) ~~إلا لمناظرة أو رد. PageV01P130 # ولابد من لفظ في الإيمان عند التمكن، وأما الكفار: {فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا} [غافر: 85]، ولا بد مع توحيد الرب -جل جلاله- من ~~سلب ما لا يليق به عنه. # ومن اعتقاد الملائكة: عباد مكرمون، {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون} [التحريم: 6]. # والكتب المنزلة نؤمن بها ونعمل بها ما لم يثبت نسخها، والأنبياء والرسل ~~يجب اعتقادهم، وكذا القدر ومن نفاه فأمره إلى الله. # ونؤمن بما بعد الموت، ثم المحشر، ثم الجزاء والحساب، وقد صنف البيهقي ~~"البعث والنشور"، وعبد الحق (¬1)، وفي كل مقنع (¬2). # * * * PageV01P131 ### | AUTO ms041 الحديث الثالث # عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا ~~إله إلا الله، وأن محمدا عبده رسوله (¬1)، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ~~وحج البيت، وصوم رمضان". # رواه البخاري ومسلم (¬2). # * * * # الشرح: # الكلام عليه من وجوه: # أحدهما: هو داخل في ضمن ما قبله -كما أسلفناه- حيث سأله جبريل عن ~~الإسلام؛ فأجابه بهذه الخمس، ومرجعه من القرآن: {فاعلم أنه لا إله إلا ~~الله} [محمد: 19]، {محمد رسول الله والذين معه أشداء} [الفتح: 29]، ~~{وأقيموا PageV01P132 # الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة:43]، {كتب عليكم الصيام} [البقرة:183]، ~~{فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة:185]، {ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196]. # ومرجعه من السنة عدة أحاديث شهيرة. # وهو حديث عظيم، أحد قواعد الإسلام، وجوامع الأحكام؛ لأن فيه معرفة الدين، ~~وما يعتمد عليه، ويجمع أركانه. # ثانيها: البخاري أخرجه في "الإيمان" و"التفسير"، ومسلم في "الإيمان" ~~و"الحج" (¬1)، ووقع له خماسيا، والبخاري وقع له رباعيا فعلا. # ثالثها: راويه الإمام الصالح الزاهد العابد: أبو عبد الرحمن -كما حكاه ~~المصنف- قرشي عدوي مكي، أمه زينب -وقيل: ريطة بنت مظعون-، أسلم قديما مع ~~أبيه وهو صغير، وهاجر معه، ولا يصح قول من قال: قبل أبيه، واستصغر عن أحد، ~~وشهد الخندق وما بعدها، وهو أحد الستة المكثرين، وأحد العبادلة الأربعة (¬2). # مات بفخ بقرب مكة بعد السبعين بعد مقتل ابن الزبير - رضي الله عنه - ~~بأشهر، جاوز الثمانين (¬3). PageV01P133 # رابعها: معنى "بني" أسس، وأصل البناء أن يكون في المحسوسات دون المعاني، ~~فاستعماله في المعاني من باب المجاز الاستعدادي، وقد جاء هنا في غاية الحسن ~~والبلاغة إذ جعل الإسلام قواعد وأركانا محسوسة، وجعل الإسلام مبنيا عليها. # وقوله: "على خمس" أي: خمس دعائم، أو قواعد هي خصاله المذكورة، فلذلك لم ~~يلحق التاء في خمس، ولو أراد الأركان لقال: "على خمسة" مع أنه جاء في رواية ~~لمسلم: "على خمسة" (¬1) وهو صحيح أيضا، أي: خمسة أشياء، أو أركان، أو ms042 أصول. # ويحتمل أن المراد في الأول: خمسة أشياء، فحذفت الهاء؛ لكون الأشياء لم ~~تذكر، كقوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234]، ~~والمعني: عشرة أيام (¬2)، كقوله عليه الصلاة والسلام "من صام رمضان وأتبعه ~~ستا من شوال" (¬3) ونحو ذلك. # خامسها: قوله: "شهادة أن لا إله إلا الله" وما بعدها هو مخفوض على البدل ~~من "خمس" وهو الأحسن، ويجوز الرفع، إما على تقدير مبتدأ محذوف، أي: أحدها ~~شهادة أن لا إله إلا الله، أو على حذف الخبر، أي: منها شهادة أن لا إله إلا ~~الله، وحذف الخبر أولى. # قوله: "إقام الصلاة" أصله: وإقامة الصلاة، حذفت التاء تبعا للازدواج PageV01P134 # مع "وإيتاء الزكاة" فالحذف ونحوه طلبا للازدواج في كلام العرب نحو: ~~الغدايا، والعشايا، و"وارجعن مأزورات غير مأجورات" (¬1)، و"الرجس النجس" ~~(¬2)، وهو كثير في كلامهم. # سادسها: قوله "وإيتاء الزكاة" أي: أهلها، فحذف المفعول بدليل: {وآتى ~~المال على حبه ذوي القربى} [البقرة: 177]، و"الإيتاء": الإعطاء، وقد سلف ~~معنى الزكاة، والصلاة، والحج في الحديث قبله. # سابعها: قد أسلفنا أن معنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: "بني الإسلام على ~~خمس" أن هذه الخمس أساس دين الإسلام وقواعده، عليها يبنى وبها يقوم، ولم ~~يذكر معها الجهاد -وإن كان الدين ظهر به وانقمع به عباب (¬3) الكفرة-؛ لأنه ~~لم يكن فرض إذ ذاك، أو لأنه من فروض الكفايات وتلك من فروض الأعيان. وصار ~~جماعة كثيرة إلى: أن فرض الجهاد [قد PageV01P135 # سقط بعد فتح مكة] (¬1). # ولما أورده البخاري في "التفسير" ذكر فيه أن رجلا قال لابن عمر: "ما ~~يحملك على أن تحج عاما وتعتمر عاما وتترك الجهاد"؛ وفي رواية: "أن رجلا قال ~~لابن عمر: ألا تغزو؟ فقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "إن الإسلام بني على خمس" الحديث (¬2). وهو دال على أن ابن عمر كان ~~لا يرى فرضه: إما مطلقا كما نقل عنه، أو في ذلك الوقت. # ثامنها: جاء هنا: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله" وجاء ~~في بعض طرقه: "على أن يوحد الله" (¬3). # وفي أخرى: "على ms043 أن تعبد الله، وتكفر بما دونه" (¬4) بدل: الشهادة. ~~والظاهر أن ما عدا الأولي من باب الرواية بالمعنى. # تاسعها: جاء هنا تقديم الحج على رمضان، وفي طريقين ل"مسلم"، وفي بعض ~~الطرق عكسه، وفي بعضها: "فقال رجل: الحج وصيام رمضان؟ فقال ابن عمر: "لا؛ ~~صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". PageV01P136 # وهذا الرجل اسمه يزيد بن بشر السكسكي، نبه عليه الخطيب في "مبهماته" ~~(¬1)، على أن في رواية لأبي عوانة في "مستخرجه على مسلم" أن ابن عمر قال ~~للرجل: "اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعته من رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -" (¬2). # وأبعد بعضهم فوهم رواية تقديم الحج، والصواب التأويل: # إما بنسيان ابن عمر الرواية الأخرى عند الإنكار. # أو كان لا يرى رواية الحديث بالمعنى؛ وهي مسألة خلافية مذكورة في الأصول ~~وعلوم هذا الفن. # أو أن الواو للترتيب. # أو أنه رواه على الأمرين، لكنه لما رد عليه الرجل قال: "لا ترد ما لا علم ~~لك به" كما رواه في إحداهما. # أو أن ابن عمر أرشده إلى التاريخ؛ لأن فرض رمضان قبل الحج. # أو لأنها هكذا نزلت، لكن لم يتحرر لي وقت فرض الزكاة (¬3). # * * * PageV01P137 # * تتمات: # الأولى: العبادات؛ إما بدنية كالصلاة، أو مالية كالزكاة، أو مركبة منهما ~~كالحج، وأما الصوم فيجوز أن يكون من ذلك؛ لدخول التكفير بالمال فيه. # الثانية: شبه -عليه الصلاة والسلام- الإسلام ببيت بني على دعائم خمس كما ~~جاء في الحديث الآتي "ألا أنبئك بملاك الأمر .. ، وعموده .. ، وذروة سنامه: ~~الجهاد" (¬1). ومعلوم أن البيت لا يثبت بدون أركانه ودعائمه التي يبنى عليها. # الثالثة: من ترك ما عدا الشهادتين لا يخرج به عن الإسلام بل عن كماله، ~~اللهم إلا إذا تركها جاحدا لوجوبها، وتارك الصلاة كسلا لا يكفر على الأصح ~~عندنا (¬2). # ويقتل بالإصرار حدا، وقال أحمد: كفرا (¬3). PageV01P138 # الرابعة: هذا الحديث وإن كان مطلقا فحديث: "خمس صلوات كتبهن على عباده في ~~اليوم والليلة" (¬1) مبين له. # * * * PageV01P139 ### | AUTO الحديث الرابع # عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله - صلى ms044 الله ~~عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق-: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين ~~يوما نطفة (¬1)، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل ~~الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله وعمله، وشقي ~~أم سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون ~~بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها". # رواه البخاري ومسلم (¬2). # * * * PageV01P140 # الشرح: # هذا حديث عظيم يتعلق بمبتدأ الخلق ويهايته، وأحكام القدر في المبدأ ~~والمعاد جليل حفيل، ومرجعه من الكتاب إلى آيات القدر نحو: {إنا هديناه ~~السبيل} [الإنسان: 3]، {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا ~~مرشدا} [الكهف: 17]. ومرجعه من السنة كحديث "محاجه آدم وموسى" (¬1). # وحديث: "كلق ميسر لما خلق له" (¬2). # ثم الكلام عليه وجوه: # أحدها: في التعريف براويه وهو: السيد الجليل أبو عبد الرحمن عبد الله بن ~~مسعود الهذلي الكوفي، أسلم بمكة قديما، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، ~~وشهد بدرا والمشاهد كلها، وكان كثير الدخول عليه، مات بالكوفة، وقيل: ~~بالمدينة بعد الثلاثين إما سنة اثنين أو ثلاث (¬3). # ثانيا: في ألفاظه ومعانيه: # معنى: "حدثنا" أنشأ لنا خبرا حادثا، وهو أصل فيما يستعمله المحدثون من ~~قولهم: "ثنا" من لفظ الشيخ، وإما قراءة عليه، و"أنبأنا" إجازة (¬4). PageV01P141 # و"الصادق": الآتي بالصدق، وهو الخبر المطابق. # و"المصدوق": الذي يأتيه غيره بالصدق، فهو "صادق" في قوله، وفيما يأتيه من ~~الوحي، "مصدوق" أن الله صدقه فيما وعده به، وهذا تأكيد، وعلى هذا القياس: ~~الكاذب والمكذوب. # ومنه قول على يوم النهروان: "والله ما كذبت ولا كذب من أخبرني" (¬1). # والشارع صادق فيما أخبر، مصدوق فيما أخبر؛ لأن جبريل يخبره، وعكسه ابن ~~صياد حين قال: "يأتيني صادق وكاذب" (¬2)، و"أرى عرشا على الماء" (¬3)، فهو ~~إذن كاذب مكذوب. # ومعنى "يجمع": يضم وتحفظ مادة خلقه وهو الماء الذي علق منه. # و"العلقة": ms045 قطعة دم قبل أن تيبس. # و"المضغة": قطعة لحم قدر ما تمضغ، كغرفة: مقدار ما يغرف. # و"الروح": هو المعنى الذي يحيا به الإنسان، وهو من أمر الله تعالى كما ~~أخبر، وللناس في تحقيقه اختلاف كبير، ولفظه مشترك بين معان (¬4). # و"الرزق": ما يتناوله الإنسان في إقامة مدته من مأكول ومشروب وملبوس وغير ذلك. # و"الأجل": مدة الحياة. PageV01P142 # ثالثها: # قوله "بكتب": هو بالباء الموحدة وهو بدل من أربع. # و"شقي أو سعيد": مرفوع، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وهو شقي أو سعيد. # وفي صحيح ابن حبان من حديث أبي الدرداء مرفوعا: "فرغ الله إلى كل عبد من ~~خمس: من رزقه، وأجله، وعمله، وأثره، ومضجعه" (¬1). يعني قبره، فإنه مضجعه ~~على الدوام: {وما تدري نفس بأي أرض تموت} [لقمان: 34]. # وفي "تجريد الصحاح" لرزين من حديث سهل بن سعد مرفوعا: "إذا وقعت النطفة ~~في الرحم" الحديث، وفيه: "أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد، وما عمره وما رزقه، ~~وما أثره، وما مصائبه، فيقول الله ويكتب الملك، فإذا مات الجسد دفن من حيث ~~أخذ ذلك التراب". # والمراد "بالذراع": تمثيل القرب. # رابعها: لا التفات إلى ما حكي عن عمرو بن عبيد -وكان من زهاد القدرية- من ~~إنكار الحديث، فهو أقل من هذا! (¬2). PageV01P143 # خامسها: بين الخطيب الحافظ في كتاب "الفصل للوصل" أن أول الحديث إلى ~~قوله: "وشقي أو سعيد" وما بعده من كلام ابن مسعود، ثم برهن لذلك (¬1). # سادسها: ظاهر الحديث أن أعمال الحسنات والسيئات أمارات وليست بموجبات، ~~وأن العاقبة في ذلك للسابقة. # سابعها: قوله "في بطن أمه أربعين يوما" يريد: نطفة، قال بعض العلماء: ~~ولذلك جعل على المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرا، لأن الأربعة لاعتبار الخلقة ~~وعشر احتياط، ولغيرها ثلاث حيض لأن عليها رقيبا، وأبيح لها أن تتزين وتعايظ ~~(¬2) زوجها. # وجاء تفسيره عن ابن مسعود: "أن النطفة إذا وقعت في الرحم وأراد الله خلق ~~بشر فيها، طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين ليلة ثم ~~ينزل ما في الرحم فذلك جمعها" (¬3). # والذي في الحديث الذي يجمع خلقه أربعين يوما ms046 بخلاف تفسيره أنه يجمع بعد ~~الأربعين، وسيأتي إيضاحه. # ثامنها: جاء في رواية بحذف "وعمله" والمراد يكتبان أربعة أشياء من حاله: ~~"رزقه" قلة وكثرة، وحلالا وحراما، ومن أي جهة هو ونحو ذلك، و"أجله" طولا ~~وقصرا، و"عمله" صالحا وطالحا، و"شقي" في الآخرة أو "سعيد". PageV01P144 # ويجوز أن يكون المراد ذكر جملة ما يؤمران به، لا أن كل شخص يؤمر فيه ~~بهؤلاء الأربعة، وقد أسلفنا رواية "وأثره" ويكون ذلك على كل شخص. # تاسعها: قد أسلفنا الكلام على معنى "الجمع"؛ أن المني يقع في الرحم حين ~~انتزاعه بالقوة الشهوانية الدافعة متفرقا، فيجمعه الله في محل الولادة من ~~الرحم في هذه المدة -كما أسلفنا عن ابن مسعود بما فيه: "ثم يكون علقة في ~~مثل ذلك" و"ذلك" الأول إشارة إلى المحل الذي اجتمعت فيه النطفة وصارت علقة، ~~و"ذلك" الثاني إشارة إلى الزمان الذي هو الأربعون. # وكذا القول في قوله: "ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك الموكل بالرحم ~~فينفخ فيه الروح" كما قال في حديث أنس: "إن الله قد وكل بالرحم ملكا" (¬1) ~~وظاهر هذا السياق أن الملك عند مجيئه ينفخ الروح في المضغة وليس الأمر ~~كذلك؛ إنما ينفخ فيها بعد أن تتشكل تلك المضغة بشكل ابن آدم؛ أي: تتصور ~~بصورته، كما قال تعالى: {فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما} ~~[المؤمنون: 14]، وكما ذكر في الآية الأخرى: {من مضغة مخلقة} [الحج: 5]، أي: ~~مصورة وغير مصورة، أي: السقط. # وهذا التخليق والتصوير يكون في مدة أربعين يوما وحينئذ ينفخ فيه الروح، ~~وهو المعني بقوله تعالى {ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون: 14] (¬2). # العاشر: قدر النفخ هنا بعد مائة وعشرين يوما، وصح في حديث آخر بعد ~~الأربعين أو اثنين وأربعين يوما؟! # فيجمع بينهما: بأن ذلك راجع إلى اختلاف الأجنة، أو بأن الملك ملازمة PageV01P145 # ومراعاة لحال النطفة من الأربعين إلى تمام المائة والعشرين، وقد أوضحت ~~الكلام عليه في "شرح صحيح البخاري" فراجعه منه تجد ما يشفي العليل. # وادعى القاضي عياض أنه: "لم يختلف في أن نفخ الروح فيه إنما يكون بعد ~~مائة وعشرين يوما، ms047 وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامس، وهذا موجود ~~بالمشاهدة، وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام والاستلحاق عند التنازع، ~~ووجوب النفقات على حمل المطلقات، وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف. # وقد قيل: إنه الحكمة في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر -كما مر- ~~وبعد الدخول في الخامسة تحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل" (¬1). # ونفخ الملك في الصورة سبب يخلق الله فيها عنده الروح والحياة، لأن النفخ ~~المتعارف إنما هو إخراج ريح من النافخ يتصل بالمنفوخ فيه، ولا يلزم منه ~~عقلا ولا عادة في حقنا تأثير في المنفوخ فيه، وإن قدر حدوث شيء عند ذلك ~~النفخ، فذلك بإحداث الله لا بالنفخ، وغاية النفخ: أن يكون مغذيا عاديا لا ~~موجبا عقليا، وكذلك القول في الأسباب المعتادة؛ فليتأمل هذا الأصل، ويتمسك ~~به لينجو من مذاهب أهل الضلال (¬2). # وقد ظهر سر هذا الترتيب، وإن كانت القدرة صالحة لإيجاده وجميع المخلوقات ~~في أسرع لحظة وأسرع آن، لأنه كان كذلك في سابق علمه. # الحادي عشر: ظاهر قوله: "ويؤمر بأربع كلمات" الأمر بكتابتها ابتداء، PageV01P146 # والمراد أنه يؤمر بذلك بعد أن يسأل عنه فيقول: يا رب! ما الرزق؟ ما ~~الأجل؟ ما العمل؟ وشقي أو سعيد؟ كما تضمنته الأحاديث المذكورة مع هذا ~~الحديث. # وفي "الصحيح" من طريق ابن مسعود (¬1)، وابن عمر (¬2) أن النطفة إذا ~~استقرت في الرحم أخذها الملك فقال: "أي رب! ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما ~~الأجل؟ ما الأثر؟ بأي أرض تموت؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب؛ فإنك تجد ~~قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب؛ فتلحق، فتأكل رزقها، وتطأ ~~أثرها، فإذا جاء أجلها قبضت فدفنت في المكان الذي قدر لها". # زاد في رواية من حديث ابن مسعود: "أن الملك يقول: يا رب! مخلقة أو غير ~~مخلقة، فإن كانت (¬3) غير مخلقة قذفتها الأرحام دما، وإن قيل: مخلقة قال: ~~أي رب ذكر أم أنثى" (¬4) إلى آخر ما سلف. # فالمراد بالاستقرار: صيرورة النطفة علقة ومضغة، لأن النطفة قبل ذلك غير ms048 ~~مجتمعة كما سلف، فإذا اجتمعت وصارت علقة أو مضغة، أمكن حينئذ أن PageV01P147 # تؤخذ بالكف، وسماها نطفة في حال كونها علقة أو مضغة باسم مبدئها. # الثاني عشر: يستفاد مما ذكرنا أن المرأة إذا ألقت نطفة لم يتعلق بها حكم، ~~بخلاف العلقة والمضغة؛ فإنه تنقضي بوضعه العدة، وتصير به أم ولد عند مالك ~~وأصحابه خلافا للشافعي حيث اعتبر التخطيط؛ لأنه حينئذ يسمى ولدا، وإلا ~~فيلزم ثبوتها بالنطفة (¬1). # الثالث عشر: قوله: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ... " إلى آخره. # ظاهره صحة العمل، ومنع القدر السالف الذي يظهر عند الخاتمة. ومعنى "فيسبق ~~عليه الكتاب" أي: حكمه الذي كتب في بطن أمه مستندا إلى سابق علمه القديم ~~فيه "فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها" أي: بحكم القدر الجاري عليه المستند ~~إلى خلق الدواعي والصوارف في قلبه إلى ما يصدر عنه من أفعال الخير والشر، ~~فمن سبقت له السعادة صرف الله قلبه إلى خير يختم (¬2) له به، ومن سبقت له ~~الشقاوة عكسه (¬3). # وفي بعض روايات هذا الحديث: "وإنما الأعمال بالخواتيم" (¬4). # وفي حديث آخر: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة ~~فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل ~~الشقاوة" (¬5). PageV01P148 # وقلوب الخلق يصرفها كيف يشاء، فالموفق من بدا عمله بالسعادة وختم بها، ~~والمخذول عكسه، وكذا من بدا بالخير وختم بالشر لا عكسه. وأهل الطريق في كل ~~حالهم يخافون سوء الخاتمة -نجانا الله منها- (¬1). # وتصرف الله في خلقه ظاهرا: إما بخرق العادات كالمعجزة، وإما بنصب الأدلة ~~والأمارة كالأحكام التكليفية؛ أو باطنا: إما بتقدير الأسباب نحو: {ولو ~~تواعدتم لاختلفتم في الميعاد} [الأنفال: 42] وشبهه. # أو بخلق الدواعي والصوارف نحو: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} [الأنعام: ~~108]، {ونقلب أفئدتهم} [الأنعام: 110]، {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم)} ~~[التوبة: 127]، "يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" (¬2). # وفي الحديث إشارة إلى تعاطي الأسباب للسعادة والشقاوة، وبها يظهر ما جبل ~~عليه من الخير والشر: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: ~~165]، ثم لا ينبغي له مع ذلك ms049 أن يعجب بها خوف احتباطها، ومن لطف الله تعالى ~~أن انقلاب الناس من الخير إلى الشر نادر، والكثير عكسه "إن رحمتي سبقت ~~غضبي" (¬3). # خاتمة: الكافر والعاصي يختلفان في التخليد وغيره، فالكافر مخلد في النار ~~أبدا، والعاصي الموحد لا يخلد، وأمره في التعذيب إلى ربه. PageV01P149 # ثم الحديث دال على إثبات القدر كما سلف. # وأن التوبة هادمة لما سلف. # وأن من مات على شيء حكم له به، فجميع الواقعات بقضائه وقدره خيرها وشرها، ~~حلوها ومرها، نفعها وضرها، إيمانها وكفرها، {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} ~~[الأنبياء: 23] (¬1). # * * * PageV01P150 ### | AUTO الحديث الخامس # عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". # رواه البخاري ومسلم (¬1). # وفي رواية لمسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (¬2). # * * * # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه، وهي الصديقة بنت الصديق، الحبيبة بنت الحبيب، ~~عائشة بنت أبي بكر -عبد الله بن أبي قحافة عثمان-، كنيت بابن أختها عبد ~~الله بن الزبير، روي أنها قالت: "يا رسول الله! كل نسائك لهن كنى إلا أنا". ~~فقال: "اكتني بابن أختك عبد الله" (¬3). وأبعد من قال بسقط لها. PageV01P151 # تزوجها -عليه الصلاة والسلام- قبل الهجرة، وبنى بها بعد وقعة بدر في ~~السنة الثانية، وقيل: في الأولى. # وماتت بعد الخمسين عن نيف وستين سنة (¬1). # وقولهم في عائشة وغيرها من أزواجه: "أم المؤمنين" أي: في الاحترام ~~والتوقير، لا في الخلوة، والمسافرة، وحرمة نكاح بناتهن، ولا النظر، وقد ~~أشبعت الكلام علي ذلك في "شرح صحيح البخاري"، و"الخصائص" فليراجع منهما (¬2). # ثانيها: معنى "أحدث" أتى بأمر حادث. # و"أمرنا": ديننا وشرعنا، ويطلق على الشأن، وجمعه: أمور، ومنه: {وما أمر ~~فرعون برشيد} [هود: 97] أي: ما شأنه، ويطلق ويراد به مصدر: أمر، وجمعه: أوامر. # و"ما ليس منه" أي: لا يستند إلى شيء من أدلة الشرع. # فأما تفريع الأصول التي هي منه فإن ذلك لا يتناوله هذا الرد: ككتابة ~~القرآن في المصاحف، وتحرير المذاهب، وكتب ms050 النحو، والحساب والفرائض وغيرها ~~من العلوم. # "فهو رد" أي: مردود عليه، غير مقبول منه ولا نجيزه، كالخلق بمعنى ~~المخلوق، و"نسج اليمن" أي: منسوجه، ومنه الحديث: "الغنم والوليدة رد PageV01P152 # عليك" (¬1). أي: مردود؛ فمعناه: أنه باطل غير معتد به. # وقوله: "ليس عليه أمرنا" أي: لا يرجع إلى دليل شرعنا، كما سلف. # الثالث: هذا الحديث قاعدة عظيمة من أعظم قواعد الدين، وأعمها نفعا، ~~وينبغي حفظه وإشاعته واستعماله في إبطال المنكرات، وهو من جوامع كلمه الذي ~~أوتيها -عليه أفضل الصلاة والسلام-، وذلك أنه صريح في رد كل بدعة، وكل ~~مخترع مما لا يوافق قواعد الشريعة (¬2). # ورواية مسلم: "عملا" حسنة، وهي الثابتة، وذلك أنه قد يعاند بعض الفاعلين ~~بدعة سبق إليها؛ فإذا احتج عليه بالحديث، يقول: أنا ما أحدثت شيئا! فيرد ~~عليه بالرواية الأخرى "من عمل" وكله صريح في رد المحدثات؛ سواء أحدثها هو ~~أو غيره، فكل ما خرج على الشرع باطل لا عبرة به، فكل دليل ناف لحكم ما ليس ~~من شرعنا وليس عليه أمرنا، وعد من المنهيات: الطهارة بماء حرام أو نجس، ~~والصلاة بغير نية، وبدون استقبال القبلة وباقي الشرائط، والصوم بغير نية، ~~والحج كذلك، والبيوع المنهي عنها: كالغرر، والنجش. # والأنكحة: كالشغار، والمتعة. # والتخصيصات أمر شرعي (¬3). PageV01P153 # وولاية خالد في مؤتة (¬1) كانت من المصالح العامة، وسر الشارع بذلك ومدحه. # ثم الحديث دال علي أن النهي يقتضي الفساد -أيضا- (¬2). # والله أعلم (¬3). # * * * PageV01P154 ### | AUTO الحديث السادس # عن أبي عبد الله النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما ~~مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ~~ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع ~~فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة ~~إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". # رواه البخاري ومسلم (¬1). # * * * # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: النعمان هذا كما ms051 كناه مدني خزرجي، صحابي ابن صحابي، وأمه عمرة بنت ~~رواحة، أخت عبد الله بن رواحة، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وولد هو وعبد الله بن الزبير عام ~~اثنين PageV01P155 # من الهجرة في قول الأكثرين، وتنسب إليه معرة (¬1) النعمان، لأنه كان ~~مقيما بها أو واليا عليها، وولي حمص ليزيد، وقتل: في أواخر سنة أربع وستين، ~~أو سنة ست (¬2). # ثانيها: هذا الحديث رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير النعمان، ~~رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، وابن مسعود، وجابر بن ~~عبد الله، وابن عمر، وابن عباس، وعمار بن ياسر - رضي الله عنهم -. # ثانيها: هذا الحديث مجمع علي عظم موقعه، وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث ~~التي يدور عليها الإسلام. # قال جماعة: "هو ثلثه". # وقال أبو داود: "ربعه" (¬3). # ومن أنعم النظر وجده حاويا لجميعه؛ فإنه مشتمل علي الحلال والحرام، ~~والمتشابه، وما يصلح القلوب وما يفسدها، وتتعلق أعمال الجوارح بها فيستلزم ~~إذا معرفة تفاصيل أحكام الشريعة كلها، أصولها وفروعها (¬4). # وهو أصل -أيضا- في الورع، وهو: ترك المتشابه إلى غيره، "دع ما يريبك إلى ~~ما لا يريبك". PageV01P156 # وقال الحسن البصري-رحمه الله-: "أدركنا أقواما كانوا يتركون سبعين بابا ~~من الحلال؛ خشية الوقوع في باب من الحرام" (¬1). # وثبت عن الصديق أنه أكل شبهة غير عالم بها، فلما علمها ادخل يده في فيه ~~فتقيأها (¬2). # وقال أبو ذر - رضي الله عنه -: "تمام التقوى أن يتقي الله العبد بترك بعض ~~الحلال مخافة أن يكون حراما، حجابا بينه وبين الحرام" (¬3). # وقيل لإبراهيم بن أدهم -رحمه الله-: ألا تشرب من ماء زمزم؟ فقال: "لو كان ~~لي دلو لشربت" (¬4). إشارة إلى أن الدلو من مال السلطان، وكان يشبهه في ~~الحديث: "أفت نفسك وإن أفتاك المفتون" وسيأتي في الحديث السابع بعد العشرين ~~"وإن أفتاك الناس وأفتوك". # وعن زيد بن ثابت انه قال: "ما شيء أسهل من الورع، إذا رابك شيء فدعه" ~~وهذا سهل علي من سهله الله، صعب علي كثير من الناس أثقل ms052 من الجبال، وهذا ~~شبيه بقول بعص سلماء الصدور: "لا شيء أسهل من صيد الأسد! قيل: وكيف ذاك؟! ~~قال: واحد يفتح رأس الجوالق، وآخر يكشكش"! PageV01P157 # ثم هذا الحديث يرجع من آي الكتاب إلى قوله تعالى: {كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم} [البقرة: 57]، {أنفقوا من طيبات ما كسبتم} [البقرة: 267] أي: ~~حلالا، ليخرج الخبيث والمحرم. # ومن السنة الحديث الذي ذكرناه ويأتي: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". # وفي "الترمذي" من حديث عائذ بن عمرو مرفوعا: "لا يبلغ أحد أن يكون من ~~المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذارا مما به بأس" (¬1). # رابعهما: في ضبط ألفاظه ومعانيه: # "الحرام": الممنوع منه شرعا (¬2)، والحلال ضده: وهو ما علم أصله، أو ما ~~لم يتبين حرمته وهو أسهل من الأول. # و"المشتبهات": ما تردد بينهما، وقامت فيه شبهة الحل والحرمة. # والمراد: أن نوعهما بين لا يخفى، ثابت بنصوص الكتاب والسنة، يعرفه كل ~~أحد، ولا يحتاج إلى تعداده. # والمراد بقوله: "لا يعلمهن كثير من الناس" أنها ليست بواضحة الحل ولا ~~الحرمة؛ فلهذا لا يعرفها كثير منهم، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص PageV01P158 # أو قياس أو استصحاب ونحو ذلك، فإن لم يظهر فالمختار بناء ذلك في الأشياء ~~قبل ورود الشرع، والأصح أنه لا يحكم بشيء فيه. # و"اتقى" معناه: ترك. # و"الشبهات": جمع شبهة، وهو: ما يخيل للناظر أنه حجة وليس كذلك، وفيه ~~إيقاع الظاهر موضع المضمر تفخيما لشأن اجتنابات الشبهات، إذ المشتبهات: ~~الشبهات بعينها. # و"العرض" -بكسر العين- هنا: النفس، فهي محل الذم والمدح منه، وله محامل ~~أخر في غير هذا الموضع. # و"استبرأ" -مهموز، وقد يخفف- أي: طلب البراءة لدينه من النقص وحصلها له، ~~ك "استبرأ من البول" حصل البراءة منه، فصان نفسه عن النقص والخلل، ووقوع ~~الناس فيه. وقد جاء في الأثر: "من وقف موقف تهمة فلا يلومن من أساء الظن ~~به" (¬1). # وقد قال الشارع: "علي رسلكما إنها صفية" (¬2) خوفا عليهما أن يهلكا. # وقد قال في تلك التمرة: "لولا أن أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها" ~~(¬3). PageV01P159 # وقصة بريرة: "هو عليها صدقة، ولنا هدية" ms053 (¬1) من باب التشريع (¬2). # وقوله: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام": أي: يصادفه وإن لم يتعمده، ~~أو بتمرينه على الشبهات يقع فيه، فإن المعاصي بريد الكفر -أي: رسوله- ~~فيندرج من درجة إلى أخرى بالتساهل والتسمح، ومنه: {تلك حدود الله فلا ~~تقربوها} [البقرة: 187]، نهى عن المقاربة حذرا من المواقعة، وقليل الشرب ~~يدعو لكثيره، والخلوة بالأجنبية تدعو إلى الفجور، والقبلة للصائم -إذا حركت ~~شهوته- تدعو للوطء، ومنه لعن السارق يسرق البيضة فتقطع يده، أي: فيتدرج إلى ~~ما يقطع يده (¬3)، ووطء الزوجة والأمة فيما بين الإليتين بدون الإيلاج مما ~~يجن (¬4) فيه، لكن صرحوا بجوازه، وأقل أحواله الكراهة. # و"الحمى" الممنوع يعني المحمي، فالمصدر فيه واقع موقع اسم المفعول. PageV01P160 # و"حمى الملك": ما حجزه لخيله ونحوها من آلات مصالحه، ومنه "حمى كليب" ~~(¬1)، قال الشاعر (¬2): # أبحت حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح # وهذا ضربه مثلا محسوسا؛ لتكون النفس لها أشد تصورا، فتتأدب معه، كما ~~يتأدب مع الأكابر، فكل ملك له حمى يحميه من الناس، ويمنعهم من دخوله، فمن ~~خالف ودخله عاقبه، فالرب -جل وتعالى- حماه: محارمه التي حرمها، كالجرائم ~~علي النفس والمال والعرض، وتطلق المحارم علي المنهيات قصدا، وعلى ترك ~~المأمورات استلزاما، وإطلاقها علي الأول أشهر، وقد حرم إبراهيم مكة، وحرم ~~الشارع المدينة، وحمى عمر الشرق والربذة. # و"يوشك" -بكسر الشين- مضارع "أوشك" -بفتحها- وهي من أفعال المقاربة ~~والملابسة، ومعناها هنا: يقع في الحرام بسرعة وقرب. # و"يرتع" -بفتح التاء- مضارع رتع. # و"المضغة": القطعة من اللحم كما سلف. # و"صلح" و"فسد" بفتح اللام والسين وضمهما، والفتح أفصح وأشهر. PageV01P161 # و"القلب": عضو باطن في الجسد، عليه مدار حال الإنسان، وهو عضو صغير ~~الجرم، ولذلك سماه مضغة ولكنه عظيم الجرم، وهو أشرف أعضائه؛ لسرعة الخواطر ~~فيه، وترددها عليه، وتقلبه: # وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب # وقد عبر عنه بالعقل نفسه، قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} ~~[ق: 37] أي: عقل، وقال تعالى: {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} [الحج: 46]. # وقوله: "ألا وإن" هو افتتاح لفهم الكلام، نحو: {ألا يوم يأتيهم} [هود: ms054 ~~8]، {ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط} [فصلت: 54]. # وتكسر "إن" بعد هذه، أعني "ألا" الاستفتاحية لا غير، نحو: {ألا إن حزب ~~الله هم المفلحون} (¬1) [المجادلة: 22]، {ألا إنهم هم المفسدون} [البقرة: 12]. # "ألا إن في الجسد مضغة ... " إلى آخره، معناه: إن صلاح الجسد -وهو البدن- ~~تابع لصلاح القلب، وفساده تابع لفساده؛ لأنه مبدأ الحركات البدنية ~~والإرادات النفسانية، فإن صدرت عنه إرادة صالحة تحرك الجسد حركة صالحة وكذا ~~الفاسدة. # وبالجملة فالقلب كالملك، والجسد وأعضاؤه كالرعية، ولا شك أن الرعية تصلح ~~بصلاح الملك، وتفسد بفساده، وأيضا القلب كالعين، والجسد كالمزرعة إن عذب ~~ماء العين عذب الزرع، أو ملح ملح، -وأيضا- القلب كالأرض وحركات الجسد ~~كالنباب: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه PageV01P162 # والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} [الأعراف: 58]، وقد شق -عليه الصلاة ~~والسلام- عن قلبه مرتين واستخرج منه علقة سوداء، وقيل: هذه حظ الشيطان منك، ~~ثم طهر فطاب قلبه وشجره فصار فردا (¬1). # وقيل: صلاح القلب في خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، ~~وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين (¬2). # قلت: وأكل الحلال وهو رأسها (¬3). # وقد قيل: إذا صمت فانظر على طعام من تفطر، فإن الرجل ليأكل الأكلة فتغل ~~قلبه كالأديم فلا ينتفع به أبدا! # وما أحسن من قال: الطعام بذر الأفعال، إن دخل حلالا خرج حلالا، وإن دخل ~~حراما خرج حراما، وإن دخل شبهة خرج شبهة. # وقال بعضهم: "استسقيت جنديا فسقاني شربة، فعادت قسوتها على قلبي أربعين ~~صباحا"! (¬4). # خامسها: في فوائده: # الأولى: الحث علي فعل الحلال واجتناب الحرام، والإمساك عن الشبهات، ~~والاحتياط للدين والعرض، وعدم تعاطي الأمور الموجبة لسوء PageV01P163 # الظن والوقوع في المحذور. # وقسمة الحديث إلى الأقسام الثلاثة -الحلال، والحرام، والمشتبه- صحيحة؛ ~~لأنه إن نص فيه علي الفعل فالجواز، أو المنع فالحرام، أو سكت عنه فهو ~~المشتبه، فإن نص عليه فيهما، وإن علم المتأخر فالأول منسوخ وإلا فهو ~~المشتبه. # تقسيم الشيء إنما يحرم لمعنى في عينه -كما قسم بينها-، أو لخلل في وجه ~~اكتسابه، وجميع ما ينتفع به من المعادن والنبات والحيوان، ms055 فالأول -المعادن- ~~حلال ما لم يضر، والثاني كذلك، والثالث ما لا يؤكل حرام وما يؤكل حلال. # والثاني الحرام المحض. # ثانيها: الأخذ بالورع -وهو أصل فيه- كما أسلفناه. # الثالثة: أنه لا ورع في ترك المباح؛ عملا بقوله: "الحلال بين والحرام ~~بين" وهو الظاهر، وإن كانت مسألة خلافية كما أوضحتها في "شرح العمدة" (¬1). # الرابعة: سد الذرائع، وقد أكثرت منه المالكية (¬2). # الخامسة: تعظيم القلب والسعي فيما يصلحه ويفسده، وهل الحواس مع العقل ~~كالحجاب مع الملك أو كالطاقات؟ على قولين. # السادسة: أن العقل فيه -أي القلب- وهو مذهبنا خلافا لأبي حنيفة حيث قال: ~~في الدماغ. PageV01P164 # وقيل: إنه مشترك (¬1). # السابعة: أن العقوبة من جنس الجناية. # وضرب الأمثال للمعاني الشرعية العملية. # وأن الأعمال القلبية أفضل من البدنية، وأنها لا تصلح إلا به (¬2)، وغير ~~ذلك مما هو موضح في "شرحي للعمدة" فراجعه منه (¬3). # فائدتان: # الأولى: اختلف العلماء في معنى الشبهات في الحديث على أقوال: # أحدها: أنها الحرام، أو ما في حيز الحرام، عملا بقوله: "فمن اتقى الشبهات ~~فقد استبرأ لدينه وعرضه". # ثانيها: أنها الحلال، عملا بقوله: "كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع ~~فيه" فدل أن ذلك حلال، وأن تركه ورع وهو الصواب. # والورع عند ابن عمر ومن ذهب مذهبه: ترك قطعة من الحلال خوف مواقعة ~~الحرام. وعبارة بعضهم: أنه حلال يتورع عنه، وفيها نظر (¬4). PageV01P165 # ثالثها: أنها غيرهما، فيتوقف وهو من باب الورع -أيضا-، يوضحه قوله: "لا ~~يعلمهن كثير من الناس" وهو دال على أن منهم من يعلمها على حالها، وقد قال ~~-عليه الصلاة والسلام-: "كيف وقد قيل" (¬1). # وقال لسودة: "احتجبي منه" -أي: احتياطا- وهي أخت عبد (¬2) بن زمعة؛ لأجل ~~الشبه (¬3). # وقال لعدي: "إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر" (¬4). # الثانية (¬5): قسم ابن المنذر الشبه أقساما (¬6): شيء يعلمه المرء حراما ~~ثم يشك فيه، هل هو باق أم لا؟ فلا يحل الإقدام عليه إلا بيقين. كشاتين ذبح ~~أحدهما مجوسي وشككنا في عينها. # وعكسه أن يكون الشيء حلالا، فيشك في تحريمه كالزوجة يشك في طلاقها، ~~والأمة يشك في عتقها، وكالحدث يشك فيه ms056 بعد يقين الطهارة فلا أثر له. PageV01P166 # وشيء يشك في حرمته أو حله على السواء؛ فالأولى التنزه كما فعل الشارع في ~~التمرة الساقطة وقوله: "لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها" (¬1). # * * * PageV01P167 ### | AUTO الحديث السابع # عن أبي رقية تميم بن أوس الداري - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "الدين النصيحة"، قلنا: لمن؟ قال: "لله -عز وجل- ولكتابه، ~~ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم". # رواه مسلم (¬1). # * * * # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: رقية -بضم الراء وفتح القاف، وتشديد الياء- كني بذلك ببنت له ~~اسمها: رقية، لم يولد له غيرها، وهو تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة ~~بن وداع -ويقال: ذراع- بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم ~~-وهو مالك- بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن يشجب بن عريب بن كهلان بن ~~سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الداري، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، نسبة إلى جد له -كما ذكرنا-. PageV01P168 # وقيل: إلى موضع يقال له: دارين. # ويقال له -أيضا-: الديري، نسبة إلى دير كان يتعبد فيه (¬1). # أسلم سنة تسع، وانتقل من المدينة إلى الشام بعد مقتل عثمان، ونزل ببيت ~~المقدس. # روى عنه الشارع "حديث الجساسة" (¬2)، وهي منقبة شريفة جدا، ويدخل في ذلك ~~رواية الأكابر عن الأصاغر (¬3). # قيل: ولا يعرف أن الشارع روى عن صحابي غيره (¬4). # قال ابن طاهر (¬5): "روى عنه عطاء بن يزيد الليثي في "الإيمان" حديثا ~~واحدا وهو حديث "الدين النصيحة" فقط". # وكان صاحب ليل وقرآن، كان يختم القرآن في ركعة، وربما ردد الآية الواحدة ~~الليل كله إلى الصباح. PageV01P169 # واشترى حلة بألف يخرج فيها إلى الصلاة، وهو أول من قص بإذن عمر - رضي ~~الله عنه -، مات سنة أربعين ببيت جبريل، قرية من قرى الخليل - عليه السلام ~~- (¬1). # ثانيها: هذا الحديث انفرد بإخراجه "مسلم"، وليس له عنه في "صحيحه" سواه (¬2). # وأخرجه البخاري في الترجمة معلقا، فقال: "باب قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "الدين النصيحة لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم"." (¬3). # وإنما لم يخرجه ms057 لأن سهيلا -الراوي عن عطاء- ليس من شرطه لنسيانه، وهو ابن ~~أبي صالح. # نعم؛ أخرج له مقرونا (¬4)، ولم يخرج البخاري في "صحيحه" لهم شيئا (¬5). # وادعى الخطابي أن أشهر طرقه: سهيل بن أبي صالح، قال: "وروي -أيضا- من طرق ~~لا بأس بها" (¬6). # وقال ابن بطال: "رواه ابن عجلان عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ~~مرفوعا" (¬7). PageV01P170 # ثالثها: هذا الحديث مرجعه من القرآن: قوله تعالى: {إذا نصحوا لله ورسوله} ~~[التوبة: 91]، ولهذا ذكرها البخاري معه (¬1). # وأخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث جرير بن عبد الله البجلي: "بايعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على (¬2): إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ~~والنصح لكل مسلم" (¬3). # رابعها: هذا الحديث عظيم الشأن، وعليه مدار الإسلام، ولا يقبل من قول ~~بعضهم أنه أحد أرباع الإسلام (¬4)، بل مدارها عليه، فإنه جماعها؛ لإيجازه ~~وكثرة معانيه، بل هي داخلة تحت كل كلمة منه؛ فالكتاب مشتمل على الدين كله ~~أصلا وفرعا، عملا واعتقادا، فإذا آمن به وعمل بما تضمنه على وجهه فقد جمع الكل. # و"النصيحة": كلمة جامعة، معناها: حيازة الحظ للمنصوح له، ومعناه: قوام ~~الدين وعماده النصيحة، ك"الحج عرفة" (¬5)، و"الناس تميم"، و"المال الإبل". PageV01P171 # ولك أن تقول: الدين محصور فيها، فإن من جملتها طاعة الله ورسوله، ~~والإيمان والعمل بما قالاه (¬1) من كتاب وسنة، وليس وراء ذلك معنى الدين. # وقد سلف في "حديث جبريل" (¬2) أن الدين هو: الإسلام، والإيمان، والإحسان، ~~وجميع ذلك مندرج تحت ما ذكرناه من النصيحة (¬3). # فنصيحة الله عز وجل: الإيمان به، وطاعته بالقلب والبدن. # و"لكتابه": تعظيمه، وتوقيره، والإيمان به، والعمل بما فيه. # و"لرسوله": تصديق (¬4) ما جاء به، وإعانته على إقامة أمر ربه قولا، ~~وعملا، واعتقادا. # و"لأئمة المسلمين": بالوفاء لهم بعهدهم، وتنبيههم على مصالح رشدهم. # و"عامة المسلمين": بذلك، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه. # وقد أوضحت الكلام عليه في "شرح صحيح البخاري" فراجعه منه (¬5). # خاتمة: "النصيحة": مصدر نصح ينصح نصيحة، ونصحا -بضم النون- فأما "نصحت ~~الثوب" فمصدره: نصحا -بالفتح- وهو في اللغة: الإخلاص، PageV01P172 # وقيل: من النصح -بالفتح- وهي الخياطة، وتسمى الإبرة: المنصحة، والنصاح: ~~الخيط، والناصح: الخياط، فيكون الناصح ms058 لأخيه يلم شعثه ويضمه، كما تضم ~~الإبرة خرق الثوب (¬1). # * * * PageV01P173 ### | AUTO الحديث الثامن # عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ~~ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى". # رواه البخاري ومسلم (¬1). # * * * # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: التعريف براويه وقد سلف. # ثانيها: هذا الحديث لم يقل فيه مسلم: "إلا بحق الإسلام"، وأخرجاه من حديث ~~أبي هريرة -أيضا- وفيه: "ويؤمنوا بي، وبما جئت به" (¬2). # وأخرجه "البخاري" من حديث أنس (¬3)، و"مسلم" من حديث جابر (¬4). PageV01P174 # وهو حديث عظيم، قاعدة من قواعد الدين. # ولما أخرجه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة قال: "تفرد به ~~الدراوردي" (¬1) -ثم أخرجه من حديث ابن عمر- ثم قال: "تفرد به شعبة" (¬2). # قال: "وفيه بيان واضح بأن الإيمان أجزاء ملا وشعب تتباين أحوال المخاطبين ~~[فيها] (¬3)؛ لأنه (¬4) -عليه الصلاة والسلام- ذكر فيه: "حتى يشهدوا أن لا ~~إله إلا الله، وأني رسول الله". وهذا هو الإشارة إلى الشعبة التي هي فرض ~~علي المخاطبين في جميع الأحوال، ثم قال: "ويقيموا الصلاة" فذكر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال، ثم قال: ~~"ويؤتوا الزكاة" فذكر الشيء الذي هو فرض علي بعض المخاطبين في بعض الأحوال، ~~فدل ذلك على أن كل شيء من الطاعات التي تشبه الأشياء الثلاثة التي ذكرها في ~~هذا الخبر من الإيمان. تفرد به حرمي بن عمارة (¬5) " (¬6). # قلت: لا؛ فقد أخرجه مسلم من حديث عبد الملك بن الصباح عن شعبة، فلم يتفرد ~~به (¬7). # ثالثها: معنى "أمرت" أي: أمرني ربي، ولا يتأتى هنا احتمال ما إذا قال PageV01P175 # ذلك الصحابي؛ لاحتمال أن يكون الآمر غيره، وحذف الفاعل هنا من باب ~~التعظيم، وهو من قولهم: أمر كذا، أو لا يذكرون الآمر تعظيما له وتفخيما. # وقوله: "أن أقاتل" أي: بأن أقاتل؛ لأن الأمر إنما يتعدى -غالبا- بالباء، ~~و"أمرتك الخير" ونحوه مؤول علي ms059 جعله مما يتعدى بنفسه. # و"الناس" قد تكون من الجن أيضا، قاله الجوهري (¬1). # والمراد هنا: الإنس خاصة؛ لأنه لم يقاتل غيرهم، وإن أسلم على يده جن ~~"نصيبين"، ورسالته عامة. # ثم من الإنس: عبدة الأوثان دون أهل الكتاب؛ فإنهم يقولون: لا إله إلا ~~الله، والأمر بالمقاتلة يفضي إلى القتل، فيستنبط منه الإقدام على قتله إذا ~~أخل بشيء من ذلك فالجاحد كافر، والمتكاسل المصر على الترك يقتل حدا عندنا، ~~وكفرا عند أحمد، وهو مقتضى العصمة، لا يقال أن الحديث في الكافر الأصلي فإن ~~المسلم أولى بدليل قضاء المرتد دون الأصلي. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "حتى يشهدوا" وإن كان غاية ففيه معنى ~~الشرط، وحكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فكف القتال عنهم مشروط ~~بالشهادتين والصلاة والزكاة، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، وإذا انتفى ~~فعل الصلاة والزكاة انتفى كف القتال والقتل، وصار التقدير: إن صلوا وزكوا ~~كف عنهم القتال، ويشهد له قوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا} [التوبة: 5]، وفي الأخرى: {فإخوانكم في الدين} [التوبة: 11]. PageV01P176 # وقوله: "ويؤتوا الزكاة" لابد من تقدير مفعول محذوف؛ أي: ويؤتونكم الزكاة، ~~أو: يؤتوا الإمام، ونحو ذلك. # رابعها: ذكر حديث ابن عمر السالف -أيضا- الصوم والحج، ولم تذكر هنا؟! ~~فلعله كان قبل فرضهما، وهو من باب الزيادة في الأحكام لا التعارض والنسخ. # خامسها: معنى"عصموا" منعوا، و"العصم" المنع، و"العصام" الخيط الذي يشد به ~~فم القربة، سمي به؛ لمنعه الماء من السيلان. # و"المال" يقع على العين وغيرها من ماشية وعرض وغير ذلك، وذلك إشارة إلى ~~كل ما تقدم، وكأنه غلب القول على الفعل، وموضوع "إذا" للمحقق بخلاف "إن" ~~فإنها للمشكوك فيه، فكأنه جاء على طريق التفاؤل بتحقيق الفعل منهم. # ومعنى: "إلا بحق الإسلام" أي: القتل بالقصاص والزنا، لكن الزاني والقاتل ~~لا يباح مالهما بخلاف الكافر، فكأنه جاء علي طريق التغليب. # ومعنى: "وحسابهم على الله" أي: أمر سرائرهم إليه، وأما نحن فنحكم بالظاهر ~~فنعاملهم بمقتضى ظاهر أفعالهم وأقوالهم، فرب عاص في الظاهر يصادف عند الله ~~خيرا في الباطن، وعكسه. # وشبيه هذا الحديث ms060 الصحيح: "إنكم تختصمون إلي .. " الحديث (¬1). # سادسها: هذا الحديث نص في قتال مانعي الزكاة، ولم يبلغ الصديق PageV01P177 # والفاروق حتى تشاجرا في قتالهم، وجرت بينهما مناظرة في ذلك، واحتاج ~~الصديق إلى القياس بأن قال: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة". ~~قال أبو بكر: "والزكاة من حقها" (¬1). # * تتمات: # لا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به الشارع؛ عملا بالرواية السالفة. # وتقبل توبة الزنديق عندنا على أصح الأوجه الخمسة -خلافا لمالك-، وهو ~~عندنا: منكر الشرع جملة (¬2). # وشرح الحديث موضح في "شرحي لصحيح البخاري" فلا بد لك من مراجعته، وإنما ~~أشير هنا إلى أطراف منه (¬3). # * * * PageV01P178 ### | AUTO الحديث التاسع # عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما ~~استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على ~~أنبيائهم". # رواه البخاري ومسلم (¬1) # * * * # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه، وما ذكره في اسمه هو الأصح من عدة أقوال. # وصحح غيره: عبد شمس، وعبد الله. # وهو أول من كني بهذه الكنية؛ لهرة كان يلعب بها، كناه الشارع بذلك، أو ~~والده، أو لأنه كان يحسن إليها، وهو راوي حديث: "دخلت امرأة النار في هرة ~~... " (¬2). فلعله أخذ بقياس العكس، ورجاء الثواب في هذه. PageV01P179 # أسلم عام خيبر، وروى فوق خمسة آلاف، ومات بالمدينة بعد الخمسين، ودفن ~~بالبقيع، وما اشتهر أن قبره بقرب عسقلان فلا أصل له، ذاك صحابي آخر اسمه ~~جندرة بن خيشنة أبو قرصافة (¬1)، فاستفد ذلك. # ثانيها: قوله: "واختلافهم" هو بضم الفاء لا بكسرها، كما ضبطه النووي في ~~"نكته" (¬2) عطفا على"كثرة" لا على "مسائلهم" أي: أهلكهم كثرة مسائلهم، ~~وأهلكهم اختلافهم، وهو أبلغ؛ لأن الهلاك نشأ عن الاختلاف. # ثالثها: هو أن الحديث ذكره مسلم مطولا، وزاد في أوله: خطبنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا أيها الناس! قد فرض عليكم الحج فحجوا" فقال ~~رجل (¬3): أكل عام يا رسول الله؟ فسكت -حتى قالها ثلاثا-، فقال رسول الله - ~~صلى ms061 الله عليه وسلم -: "لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم" ثم قال: "ذروني ~~ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، ~~فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" (¬4). # وهذا السائل هو الأقرع بن حابس كما جاء في رواية أخرى (¬5). PageV01P180 # رابعها: هذا الحديث يرجع إلى قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا} [آل عمران: 103]، {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} [الأنعام: ~~159] الآية. وهو دال على وجوب أمرين: # ترك المنهيات، والأمر بالاجتناب هو للوجوب، وفعل المستطاع من الأمور، ~~لقوله: "فأتوا" أي: افعلوا منه ما استطعتم، والأمر بفعله للوجوب، قاك ~~تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]. # والحديث مخصص للآية، أو مبين لها، أو أن الآية خضت بقوله تعالى: {فاتقوا ~~الله ما استطعتم} [التغابن: 16]، وهي مفسرة لقوله تعالى: {اتقوا الله حق ~~تقاته} [آل عمران: 102] أو ناسخة لها. # و {حق تقاته} هو: امتثال أوامره واجتناب مناهيه. # ولم يأمرنا تعالى إلا بالمستطاع، قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها} [البقرة: 286] وقال: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78]، ~~وقال في الحج: {من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97]، وهو رخصة منه علينا ~~بذلك، والاستطاعة: الإطاقة. # خامسها: هذا الحديث أحد قواعد الإسلام المهمة، ومما أوتيه -عليه أفضل ~~الصلاة والسلام- من جوامع الكلم الجمة؛ فإنه يدخل فيه ما لا يحصى من ~~الأحكام: كما إذا وجد بعض ما يكفيه لطهارته فإنه يستعمله ويتيمم للباقي، ~~وكما إذا قدر علي بعض الفاتحة، أو بعض السترة، أو بعض الفطرة في الزكاة، ~~وغير ذلك مما لا يحصى مما أوضحناه في "الأشباه والنظائر" (¬1) ولله الحمد. PageV01P181 # وكذا إذا وجب إزالة منكرات قدر على البعض، وما يباح للاضطرار ولا يدخل في ~~النهي فإنه أذن فيه، وكذا الإكراه على الردة وقلبه مطمئن بالإيمان ونحو ذلك. # والمأمور به متوقف على فعل، بخلاف المنهي عنه فإنه كف محض؛ فلذا قال: ~~"واجتنبوه"، وقال في الأول: "فأتوا منه ما استطعتم". # سادسها: كثرة المسائل المراد بها عن غير ضرورة، ms062 وقد نهي عن الأغلوطات في ~~الدين (¬1)، وكثرة الاختلاف يؤدي إلى التفرق، ومقصود الشارع عدمه. # سابعها: هذا الحديث من خطاب المشافهة، ولا يعم بذاته؛ وإنما هو من باب: ~~حكمي على الواحد حكمي على الجماعة. # خاتمة: ما رواه مسلم في ذكر الحج يستدل به من يقول: إن الأمر لا يقتصي ~~التكرار، وهو الأصح، وقيل: يقتضيه، وقيل: يتوقف، فما زاد على مرة على ~~البيان. # ويستدل به -أيضا- من يقول أنه -عليه الصلاة والسلام- له أن يجتهد في ~~الأحكام. PageV01P182 # وأن الأصل عدم الوجوب. # وأن لا حكم قبل ورود الشرع. PageV01P183 ### | AUTO الحديث العاشر # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ~~فقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} [المؤمنون: 51]، وقال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172]، ثم ~~ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ~~ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ ". # رواه مسلم (¬1). # * * * # أما راويه فقد سلف الكلام عليه. # وأما المتن فهو أحد الأحاديت التي عليها قواعد الإسلام، ومباني الأحكام، ~~وما أعم نفعه، ومما تضمنه بيان شأن حكم الدعاء، وشرطه، ومانعه، و"الدعاء مخ ~~العبادة" (¬2)، لأن الداعي إنما يدعو عند انقطاع الآمال عما سواه، PageV01P184 # فهو حقيقة التوحيد والإخلاص، ونعم السلاح. # ومعنى إضافة الطيب إلى الله تعالى: تنزيهه عن النقص والخبث؛ إذ الطيب ~~خلاف الخبيث، ويكون بمعنى (¬1) القدوس. # وقيل: طيب الثناء، وعلى هذا فهو من أسمائه الحسنى المأخوذة من السنة، ~~كالجميل. # وقوله: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا" هو توطئة لباقي الحديث، وهو طيب ~~الطعم لإجابة الدعاء. # والطيب -هنا-: الحلال كما هو المراد في الآيتين السالفتين. وقوله تعالى: ~~{أنفقوا من طيبات ما كسبتم} [البقرة: 267] وهي جمع: طيبة. # وقوله: {لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} [المائدة: 100]. ~~وأصله المستلذ بالطعم. ومنه: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3]. # ويطلق ms063 -أيضا- بمعنى: الطاهر، ومنه: {صعيدا طيبا} [النساء: 43]، و ~~{والطيبون للطيبات} [النور: 26]، والله تعالى طيب بهذا المعنى، أي: منزه ~~-كما سلف- فلا يقبل من الأعمال إلا طاهرا من المفسدات: كالرياء والعجب ~~ونحوهما، ولا من الأموال إلا طاهرا من الحرام، فالطيب ما طيبه PageV01P185 # الشرع لا الطعم اللذيذ، والطعم من غير المباح، وقال: {وطعاما ذا غصة ~~وعذابا أليما} [المزمل: 13]، وفي الحديث: "من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته ~~وشركه" (¬1). # وفي آخر: "من صلى في ثوب قيمته عشرة دراهم فيه درهم حرام لم تقبل له ~~صلاة" أخرجه أحمد (¬2). # وإنما لم تقبل الصدقة من المال الحرام؛ لأنه ممنوع من التصرف فيه؛ ولأن ~~أكله يفسد القلب، فيحرم الرقة والإخلاص. # وهل القبول من لوازم الصحة أم لا؟ فيه بحث (¬3). # وقوله: "إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين" أي: سوى بينهم في ~~الخطاب بوجوب أكل الحلال، وكذا أمتهم معهم، وفي العبادة -أيضا- إلا ما قام ~~الدليل على تخصيصهم به؛ لأن الجميع عباده ومأمورون بعبادته. # ومعنى: {رزقناكم} هنا: ملكناكم، وقد تكون في موضع آخر بمعنى: نفعناكم. ~~والرزق عندنا: ما فتحه الله لنا من حلال أو حرام، والمعتزلة خصوه بالحلال، ~~واللغة لا تقتضيه (¬4). PageV01P186 # وقوله: "ثم ذكر الرجل ... " إلى آخره، هذا من كلام أبي هريرة! يعني: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ما سبق ذكره استطرادا، وهو من وادي: # ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني # فوصفه بالنكرة، وإن كان فيه الألف واللام حيث لم يرد رجلا بعينه. # ومعنى: "يطيل السفر" يعني: في الحج والجهاد، وما أشبه ذلك من أسفار ~~الطاعات. # و"الأشعث" المغبر الرأس. # وقوله: "يمد يديه إلى السماء" وهو دال على أن ذلك من أدب الدعاء. # وكان الشارع يرفع يديه في عدة مواضع؛ منها (¬1): في الاستسقاء حتى يرى ~~بياض إبطيه (¬2). # وقال في حديث آخر: "إن الله حيي كريم، يستحي من عبده أن يرفع إليه كفيه ~~ثم يردهما صفرا" (¬3). PageV01P187 # وعادة العرب إذا استعظمت أمرا رفعت أيديها، فالداعي أجدر بذلك؛ إذ هو بين ~~يدي عظيم العظماء كما في التكبير، وهو ms064 العادة في سؤال المخلوق ليأخذ في ~~يده، ولأنه قبلة الدعاء (¬1). # وقوله: "فأنى يستجاب لذلك" أي: كيف؟ على جهة الاستبعاد لمن هذه صفته وهذا ~~حاله، ومعناه: أنه ليس أهلا لإجابة دعائه، فلا يجيره شعثه وغباره من إثم ~~مطعمه ومشربه، فالغوي الذي مد لها يدا نشأت عن مخالفة وعصيان، فكيف حال من ~~هو منهمك في الفساد، ساعي بظلم العباد؟ # لكن يجوز أن يستجيب الله له تفضلا ولطفا وكرما، نعم؛ من علامة الإجابة: ~~اجتناب الحرام؛ لأن مخالطته تفسد القلب، وإذا فسد فسدت جوارحه. # ومعنى: "غذي به" أي: كان غذاؤه -وهو بغين معجمة مضمومة، ثم ذال معجمة ~~مكسورة مخففة-. # وللدعاء آداب وشروط ذكرها الغزالي (¬2) وغيره في كتاب "الدعاء": PageV01P188 # ألا يدعى بمعصية، ولا بمحال، وأن يكون حاضر القلب عنده، وأن يحسن الظن ~~بالإجابة، وألا يستعجل فيقول: دعوت فلم يستجب لي، وهو سوء أدب فيقطعه عن ~~الدعاء فيفوت الإجابة. # وفيه الحث علي الإنفاق من الحلال، والنهي عن الإنفاق من غيره. # وفيه أن المأكول والمشروب والملبوس ونحوها ينبغي أن تكون حلالا لا شبهة ~~فيه، وأن مريد الدعاء أولى بالاعتناء بذلك من غيره، والله سبحانه أعلم. # * * * PageV01P189 ### | AUTO الحديث الحادي عشر # عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو سبط رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وريحانته -قال: حفظت من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". # رواه الترمذي، والنسائي. # وقال الترمذي: "حسن صحيح" (¬1). # * * * # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في طرف من حال راويه، وهو -كما ذكره اسما وكنية- قرشي هاشمي مدني، ~~والسبط هنا: ابن البنت؛ فأمه فاطمة الزهراء بنت سيد المرسلين -صلوات الله ~~وسلامه عليه-. PageV01P190 # و"ريحانته" أشار به إلى قوله -عليه الصلاة والسلام- فيه وأخيه الحسين: ~~"هما ريحانتاي من الدنيا" (¬1)، وهو أحد سيدي "شباب أهل الجنة" أيضا (¬2). # وقال فيه أيضا: "إن ابني هذا سيد" (¬3). # ولد في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة على الأصح. # روى عن: جده رسول الله، وأبيه، وأخيه الحسين، وخاله: هند بن أبي هالة، ~~وعنه: ms065 ابنه الحسين، وأبو الجوزاء، وربيعة، وعكرمة، وخلق. # وكان أشبه وجها برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومناقبه جمة. # مات سنة خمسين -وفيه خلاف- ودفن بالبقيع. # وكان من الحكماء الكرماء الأسخياء، وكان مطلاقا، يقال: أنه أحصن أكثر من ~~مائة امرأة! (¬4). # و"الترمذي": اسمه محمد بن عيسى الحافظ، أبو عيسى الضرير، قيل: ولد أكمه. PageV01P191 # سمع: قتيبة، وأبا مصعب وخلقا، وتعلم أكثر من البخاري. # وروى عنه: المحبوبي (¬1)، والهيثم الشاشي، وخلق. # مات في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين (¬2). # و"النسائي" اسمه: أحمد بن شعيب الخراساني، ولد سنة خمس عشرة ومائتين، برع ~~وتفرد وأتقن، واستوطن بمصر، ومات بالرملة سنة ثلاث وثلاثمائة (¬3). # ثانيها: "يريبك" بفتح أوله -على الأفصح- ويجوز ضمها، وأصله هل هو ثلاثي: ~~راب يريب، أو رباعي أراب يريب من الريبة، وهي: الشك والتردد، فراب وأراب ~~بمعنى: شكك، وقيل: أرابني شككني وأوهمني الريبة فيه، فإذا اشتققت قلت: ~~رابني (¬4). # ثالثها: معنى الحديث: اترك ما فيه شك من الأفعال إلى ما لا شك فيه منها، ~~ومنه حديث عمر: "مكسبة فيها بعض الريبة خير من المسألة" (¬5) أي: كسب فيه ~~بعض الشك أحلال هو أو حرام؛ خير من سؤال الناس. PageV01P192 # ومعنى الحديث راجع إلى معنى الحديث السالف: "إن الحلال بين ... " إلى آخره. # وهو أصل عظيم في الورع، فأطلق الشرع الأيدي على الحلال وقصرها عن الحرام، ~~وورع عن المشتبه في قول، ومنع منه في آخر، وفصل مرة فقال: إن كان من ~~الفواحش الكبار التحقت فيه الشبهة بالحرام، وإن كان من غير ذلك بنى على هذا ~~الأصل (¬1) كمسألة العينة؛ جوزها قوم للحاجة، ومنعها آخرون، والورع لا ~~يخفى، وقد سلف في الحديث: "لا يبلغ أحد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا ~~بأس به حذارا مما به بأس" (¬2). # وأعلى من ذلك: ترك الحلال مخافة الوقوع في الحرام، وقد تقع الريبة في ~~العبادات والمناكحات وعدة من أبواب الفقه المشتبهات، ولا شك أن الترك أسلم ~~للدين، كما بينه سيد المرسلين. # * * * PageV01P193 ### | AUTO الحديث الثاني عشر # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ms066 وسلم ~~-: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". # حديث حسن، رواه الترمذي وغيره (¬1). # [وقال ابن الصلاح: "رواه الترمذي وابن ماجه"، وتبعه المصنف، وكذا قاله ~~النووي في "الأذكار" (¬2).] (¬3). # * * * # والكلام عليه وجوه: # أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف، والترمذي. PageV01P194 # ورواه مالك في "الموطأ" (¬1) عن الزهري مرسلا، وذكر ابن عبد البر أن ~~للزهري فيه إسنادين: مرسل -كما رواه مالك-، ومتصل عنه عن أبي سلمة عن أبي ~~هريرة، ثم طرقه وصححه (¬2). # ثانيها: هذا الحديث أصل من أصول الإسلام. قال أبو داود: "أصول السنن في ~~كل فن أربعة"- فذكر الحديث الأول من هذه الأحاديث، والسادس، وهذا الحديث، ~~والحادي بعد الثلاثين (¬3). # قال أبو عمر: "وهذا من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة، في ~~الألفاظ القليلة، وهو ما لم يقله أحد قبله، إلا أنه قد روي عنه -عليه ~~الصلاة والسلام- أنه قال في صحف إبراهيم - عليه السلام -: "من عد كلامه من ~~عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه" (¬4) وهذا خاص بالكلام، وأما الحديث فإنه ~~أعم منه. # وروى أبو إدريس الخولاني -رحمه الله-[عن أبي ذر قال] (¬5): قلت: يا رسول ~~الله! ما كانت صحف إبراهيم - عليه السلام -؟ قال: "كانت أمثالا كلها ... " ~~فذكر الحديث. قال: وكان فيها: "وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا ~~على PageV01P195 # شأنه، حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله؛ قل كلامه إلا فيما يعنيه" (¬1). # وقال أبو بكر بن أبي داود: ثنا محمود بن خالد، ثنا: عمر (¬2) بن عبد ~~الواحد، ثنا: سعيد بن عبد العزيز قال: "وقف رجل على لقمان الحكيم - عليه ~~السلام -! وهو في حلقة عظيمة فقال: ألست عبد بني الحسحاس؟ فقال: "بلى". ~~قال: فأي شيء بلغت ما أرى؟ قال: "قدر الله، وصدق الحديث، وتركي ما لا ~~يعنيني" (¬3). # وذكر مالك في "موطئه" أنه قيل للقمان: ما بلغ بك ما نرى؟ -يريدون الفضل-، ~~قال: "صدق الحديث، وأداء الأمانة، وتركي ما لا يعنيني" (¬4). # وروى أبو عبيد عن الحسن -رحمه الله- قال: "من علامة إعراض الله عن العبد ~~أن يجعل شغله فيما لا يعنيه" (¬5). # وقال سابق: PageV01P196 # النفس إن طلبت ما لا يعنيها ... جهلا ms067 وسخفا (¬1) تقع فيما يعنيها # وقال الحسن بن حميد: # إذا عقل الفتى استحيا واتقى ... وقلت من مقالته الفضول" (¬2) # وفي الحديث: "ألا أنبئكم بأمرين خفيف مؤنتهما، عظيم أمرهما، لم يلق الله ~~بمثلهما: الصمت (¬3)، وحسن الخلق" (¬4). # ثالثها: يقال: عناه الأمر يعنيه؛ إذا تعلقت عنايته به، وكان من غرضه ~~وإرادته (¬5)، والذي يعني الإنسان من الأمور: ما يتعلق بضرورة حياته في ~~معاشه، وسلامته في معاده، وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، فإذا اقتصر ~~الإنسان على ما يعنيه من الأمور سلم من شر عظيم، والسلامة خير كثير، ~~فالسلامة من الشر من حسن الإسلام. # ومن كلام بعض السلف: "من علم أن كلامه من عمله [قل كلامه إلا فيما يعنيه" ~~(¬6). PageV01P197 # ومن كلام بعضهم: من سأل عما لا يعنيه] (¬1) سمع ما يعنيه. # * تنبيهات: # عبر بالإسلام ولم يقل: من إحسان إيمان المرء؛ لأنه عمل ظاهر اختياري ~~بخلافه. # وأتى ب "من" الدالة على التبعيض، لأن ترك ما لا يعني ليس هو كل الإسلام، ~~فإذا فعل ما يعنيه، وترك ما لا يعنيه فقد كمل حسن إسلامه. # وأتى بالحسن؛ لأنه وصفه ليس ذاته، ولا شك أن الإقبال على ما يعنيه وترك ~~ما لا يعنيه مطلوب دون عكسها (¬2). # و"يعنيه": بفتح أوله، ضبطه النووي في "نكته" (¬3). # * * * PageV01P198 ### | AUTO الحديث الثالث عشر # حديث أبي حمزة أنس بن مالك - رضي الله عنه -، خادم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يؤمن أحدكم حتى ~~يحب لأخيه ما يحب لنفسه". # رواه البخاري ومسلم (¬1). # * * * # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: لفظ مسلم: "والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه -وقال: ~~لجاره- ما يحب لنفسه" (¬2). # وأخرجه النسائي في "الإيمان" بلفظ: "حتى يحب لأخيه من الخير" (¬3). # وابن أبي شيبة في "مسنده" وقال: "ما يحب لنفسه من الخير" (¬4). PageV01P199 # ثانيها: في التعريف براويه: كني بحمزة؛ لبقلة كان يجتنيها (¬1)، وهو ~~أنصاري نجاري مصري (¬2)، خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، خدمه عشر سنين. # أمه: أم سليم بنت ملحان، روى زيادة على ألفي حديث، دعا له الشارع: بكثرة ms068 ~~المال، والولد، وطول العمر والجنة (¬3). # مات سنة ثلاث -أو خمس- وتسعين بالبصرة، ودفن بقصره بقربها وقد جاوز ~~المائة (¬4). # ثالثها: "أحد" هنا بمعنى: واحد، فهي -أي: واحد- تستعمل في الإثبات ~~والنفي، وأما "أحد" التي هي للعموم فلا تستعمل إلا في النفي ك "ما في الدار ~~من أحد". # و"النفس": تذكر وتؤنث، قال تعالى: {أن تقول نفس ياحسرتا على ما فرطت في ~~جنب الله} [الزمر: 56]. # رابعها: معنى الحديث: لا يؤمن الإيمان التام؛ وإلا فأصل الإيمان حاصل، ~~وإن لم يكن بهذه الصفة، والمراد: يحب لأخيه من الخير -كما سلف-، وليس ذلك ~~صعبا، فإن المراد حصول مثل ذلك من غير مزاحمة فيها له. PageV01P200 # ففيه أن المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة، فعليه كف الأذى والمكروه، ~~والمواساة، ويحصل منه الائتلاف والانتظام، وهو قاعدة الإسلام الموصى بها في ~~قوله سبحانه وتعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: ~~103]، ولا شك أن النفس الشريفة تحب الإحسان وتجتنب الأذى؛ فإذا فعل ذلك ~~حصلت الألفة وانتظم حال المعاش والمعاد، ومشت أحوال العباد. # وفي الحديث: "انظر أحب مأ تحب أن يأتيه الناس إليك، فأته إليهم" (¬1). # وفي كلام بعضهم: ارض للناس ما لنفسك ترضى. # ثم لا بد أن يكون المعنى فيما يباح، وإلا فقد يكون غيره ممنوعا منه وهو ~~مباح له. # قال أبو الزناد: "ظاهر الحديث التساوي، وحقيقته التفضيل؛ لأن الإنسان يحب ~~أن يكون أفضل الناس، وإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل في جملة المفضولين" (¬2). # * * * PageV01P201 ### | AUTO الحديث الرابع عشر # عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، ~~والتارك لدينه المفارق للجماعة". # رواه البخاري ومسلم (¬1). # * * * # الكلام عليه من وجوه -والتعريف براويه سلف-: # أحدهما: قوله "لا يحل دم امرئ" هو على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه ~~مقامه، أي: لا يحل إراقة دم امرئ، والدم أصله: "دمي"، ولذلك ظهر اللام في ~~التثنية قال: # فلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين # ويقال: امرؤ ومرء، وفي الأنثى: امرأة، ومرأة، ms069 ومرة، ورجلة، وخص الذكر -مع ~~أن الحكم عام-؛ لأنه الأصل، ولأنه أشرف في اللفظ. PageV01P202 # و"الثيب" هو المحصن، وهو اسم جنس يدخل فيه الذكر والأنثى، وقام الإجماع ~~على أن حده بالرجم. # وشروط الإحصان محل الخوض فيها الفروع، وقد بسطناها فيها ولله الحمد (¬1). # وقد جمعها ابن رشيق المالكي في أبيات حيث قال (¬2): # شروط للإحصان ست أتت ... فخذها على النص مستفهما # بلوغ، وعقل، وحرية ... ورابعها كونه مسلما # وعقد صحيح، ووطء مباح ... متى اختل شرط فلن يرجما # ولا يجلد عندنا قبل -خلافا لأحمد-، وقد رجم الشارع ماعزا والغامدية (¬3) ~~ولم يجلدهما قبل. # ثانيها: "النفس بالنفس" هو موافق للآية: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس} [المائدة: 45] والمراد: النفوس المتكافئة في الإسلام، والحرية؛ ~~بدليل حديث البخاري: "لا يقتل مسلم بكافر" (¬4) وهو حجة الجمهور من ~~الصحابة، والتابعين على من قال: يقتل به، وهم أصحاب الرأي، والشعبي، ~~والنخعي. ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة أنه -عليه الصلاة والسلام- ~~"قتل يوم خيبر مسلما بكافر" (¬5)؛ لأنه منقطع. PageV01P203 # ومن حديث [ابن] (¬1) البيلماني (¬2) وهو ضعيف، ولا يصح في الباب إلا ما سبق. # وأما الحرية فخالف فيها أصحاب الرأي عملا بإطلاق الآية، وبقوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم" (¬3). # والثلاثة، وإسحاق، وأبو ثور، والحسن، وعطاء، وعمرو بن دينار، وعمر بن عبد ~~العزيز، والجمهور على خلافه؛ لأنه مال. # وعند مالك: يجلد القاتل مائة ويحبس عاما. # وذهب النخعي، والثوري (¬4) -في أحد قوليه- إلى أنه يقتل به وإن كان عبده؛ ~~لحديث الحسن عن سمرة بن جندب: "من قتل عبده قتلناه، [ومن جدعه جدعناه، ومن ~~خصاه خصيناه" (¬5). # قال البخاري عن علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح. وأخذ PageV01P204 # بهذا الحديث. # وقال البخاري:] (¬1) وأنا أذهب إليه" (¬2). # وضعفه غيره بانقطاعه؛ فإن الحسن لم يسمعه من سمرة! # الثالث: "التارك لدينه" هو المرتد: الذي بدل دينه بأي ملة كانت، فقتله ~~واجب إن لم يرجع إلى الإسلام، والمرتدة كالمرتد عندنا؛ لعموم الحديث؛ ولأن ~~العلة التبديل وقد وجد، وقال: "من بدل دينه فاقتلوه" (¬3) خلافا لأبي حنيفة ~~حيث قال: تحبس؛ لنهيه ms070 - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء وهو خاص (¬4). # وقوله: "المفارق للجماعة" ظاهره أنه أتى به نعتا (¬5) جاريا على التارك ~~لدينه؛ لأنه إذا ارتد عن دين الإسلام، فقد خرج عن جماعتهم، غير أنه يدخل في ~~هذا الوصف كل من خرج عن جماعة المسلمين، وإن لم يكن مرتدا كالخوارج، وأهل ~~البدع، وأهل البغي ودمهم حلال بالإجماع، فكل من فارق الجماعة فقد بدل دينه، ~~غير أن المرتد بدل كله، وغيره بعضه. # واختلف في تارك الصلاة تكاسلا غير جحود وقد سلف ما فيه، وعندنا يقتل حدا، ~~وكذا من امتنع من واجب يقاتل عليه، وإن أبى، عليه القتل. PageV01P205 # فائدة: "اللام" في "التارك" وفي "المفارق للجماعة" زائدة كما زيدت في ~~قوله: {قل عسى أن يكون ردف لكم} [النمل: 72]، وفي: {وإذ بوأنا لإبراهيم ~~مكان البيت} [الحج: 26] ونحوهما. فإن لفظ "ترك"، و"فارق" متعديان بأنفسهما، ~~واسم الفاعل من الفعل المتعدي متعد كفعله، كما أن القاصر كذلك، فزيدت في ~~اسم الفاعل كما زيدت في الفعل؛ وإلا فالأصل: "التارك دينه"، و"المفارق ~~الجماعة"، كما تقول: الضارب زيدا، ولا تقل: الضارب لزيد، وزيادتها لتأكيد ~~المعنى (¬1). # * تتمات: # إحداها: "الصائل" ونحوه داخل في التارك للجماعة؛ فلا حاجة إلى استثنائه، ~~أو يكون المراد: لا يحل تعمد قتله قصدا إلا هؤلاء الثلاثة. # و"اللائط" يرجم على الأصح ما لم يكونا عبدين، أو كافرين عند المالكية، ~~فيحد العبد خمسين ويؤدب الكافر عند أشهب. # ثانيها: المقصود بهذا الحديث بيان عظمة الدماء وما يباح فيها وما لا ~~يباح، والأصل فيها العصمة، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: "فإذا قالوها ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". # وفي الحديث: "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة؛ لقي الله مكتوب بين عينيه: ~~آيس من رحمة الله" (¬2). وفي آخر: "ليحذر أحدكم أن يحول بينه وبين PageV01P206 # الجنة بملء كف من دم يهريقه بغير حق" (¬1). ولا شك أن القاتل إذا تجرأ ~~وأفسد هذه الصورة البديعة المخلوقة في أحسن تقويم فقد أفك وباء بإثم عظيم. # ثالثها: استثنى الحديث ثلاثة فقط، ووجهه: تعلق المصلحة بذلك، وواجب على ~~الإمام البدار ms071 إليه: # "الثيب الزاني": لأنه هتك عصمة الله فأبيح دمه (¬2)، وفيه مفسدة عظيمة ~~فاقتضت الحكمة درؤها بذلك. # "والنفس بالنفس" ولما هتك عصمة النفس -وهي عظيمة- أخذ في مقابلتها النفس ~~المعصومة، وهو مصلحة جسيمة: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179]. # "والتارك لدينه" فإنه حل نظام عقد الإسلام؛ فوجب مقاتلته بالمرهفات ~~المزيلة للهام. وشمل قوله "المفارق للجماعة": القلب واللسان (¬3). # رابعها: استثناء المرتد من الإسلام باعتبار ما كان قبل الردة، والعلاقة ~~(¬4) باقية بدليل استثنائه، وأنه لا يجوز بيعه لكافر على الأصح (¬5)، ففيه ~~الجمع بين حقيقة المسلم ومجازه، وهي مسألة أصولية. PageV01P207 # خامسها: لم يستثن مع الثلاث قاطع الطريق؛ لأنه قد اختلف أن قتله يغلب فيه ~~القصاص أم لا؟ وهل "أو" (¬1) فيه للتنويع أو للتخيير؟ ولم يقتلوا إلا قاتلا. # سادسها: مفهوم الحديث حل دم الكافر بدونها حربيا كان أو ذميا، لكن الذمي ~~خرج بدليل (¬2)، فبقي الحربي. # سابعها: عموم النفس بالنفس يقتضي أنه لا فرق في القصاص بين المثقل ~~والمحدد (¬3). # وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: "لا قصاص في المثقل ولو رماه بأبا قبيس"! (¬4) # هكذا لفظه: ب "أبا قبيس" (¬5)، وهو لغة في "أبا"مثل عصا!! PageV01P208 # ثامنها: "التارك لدينه" مستثنى من المسلم، فلا يدخل فيه ما إذا تهود ~~نصراني أو عكسه، فإن الأظهر أنه لا يقتل (¬1) ويتعين الإسلام. # تاسعها: تقدير الحديث: إلا بإحدى ثلاث خصال: خصلة الزاني، والقاتل، ~~والمرتد، أو: خصلة الزاني، وخصلة ذي النفس -أي: قاتل النفس- ونحوها من ~~التقدير؛ لأن هذه الثلاثة بيان لقوله: "إلا بإحدى ثلاث"، أي: خصال، وبدل ~~منه، والثلاثة لا يصح إبدالهم من الخصال؛ لأن المذكر لا يبدل من المؤنث ~~فتعين أن يكون بدلا على المعنى. # خاتمة: الأحاديث الواردة بإكفار تارك الصلاة كثيرة، منها: قوله -عليه ~~الصلاة والسلام- لمحجن الديلي -وقال: صليت في أهلي-: "ما منعك أن تصلي، ~~ألست برجل مسلم"؟ (¬2). فمفهومه أن من لم يصل لا يكون مسلما، وقد روي عن ~~علي، وابن عباس، وجابر، وأبي الدرداء - رضي الله عنهم -: إكفار تاركها، وبه ~~قال النخعي، وأيوب، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق. # وقال عمر: "لا حظ في الإسلام لمن تركها" ms072 (¬3). PageV01P209 # وقال ابن مسعود: "من لم يصل فلا دين له " (¬1). # وبه قال أبو داود الطيالسي، وأبو خيثمة (¬2)، وأبو بكر بن أبي شيبة. # قال ابن راهويه: "وهو رأي أهل العلم من لدن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى زمننا هذا". # قال: "وأجمعوا على أن من رأيناه يصلي وتكرر منه أنه مؤمن". قال: "ومن لم ~~يكفره فقد ناقض وخالف أصل قوله وقول غيره، وقد كفر إبليس بعدم السجدة" (¬3). # وقال أحمد: "لا أكفر أحدا بذنب إلا تارك الصلاة" (¬4). # وفي مسلم من حديث جابر: "ليس بين العبد وبين الكفر -أو قال: الشرك- إلا ~~ترك الصلاة" (¬5). PageV01P210 # وجاء من حديث بريدة: "العهد الذي بيننا [وبينهم] (¬1) الصلاة؛ فمن تركها ~~فقد كفر" (¬2). # وصح: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" (¬3). # وكان -عليه الصلاة والسلام- إذا غزا قوما أمسك إذا سمع أذانا وإلا وضع ~~السيف (¬4). # وجاء من حديث أبي هريرة: "من ترك الصلاة حشر مع قارون وفرعون وهامان" (¬5). # وصح من حديث أنس: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا" (¬6). PageV01P211 # وذهب الشافعي -رحمه الله- إلى قتله حدا. وحكي عن مالك، وأبي ثور، ومكحول، ~~وحماد بن زيد، ووكيع. # وقد قال الصديق: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة" (¬1). # و [قيل له] (¬2) -عليه الصلاة والسلام-: ألا نقاتلهم -يعني: الأمراء- ~~قال: "لا، ما صلوا الخمس" (¬3). # وورد: "نهيت عن قتل المصلين" (¬4). # وقال للذين أرادوا قتل مالك بن الدخشم: "أليس يصلي"؟ قالوا: بلى، ولا ~~صلاة له"! (¬5) فنهى عن قتله لصلاته. # وأول الشافعي -رحمه الله- ما سلف بحمله على الجحود، ويقويه الحديث ~~الصحيح: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد ... " (¬6). PageV01P212 # وقال: "ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه، وإن شاء غفر ~~له" (¬1). # والكفر في اللغة: الستر، فليؤول عليه. # وقالت طائفة من أهل الحجاز والعراق: أنه يضرب ضربا مبرحا ويسجن حتى يرجع، ~~وهو قول ابن شهاب (¬2). # * * * PageV01P213 ### | AUTO الحديث الخامس عشر # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن ~~بالله واليوم الاخر فليكرم ms073 جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه". # رواه البخاري ومسلم (¬1). # * * * # الكلام عليه من وجوه: # وراويه سلف التعريف به. # وهو حديث عظيم، وجماع آداب الخير تتفرع منه، ومن حديث: "من حسن إسلام ~~المرء تركه ما لا يعنيه"، وحديث: "لا تغضب"، وحديث: "حتى يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه" كما نبه عليه ابن أبي زيد القيرواني -رحمه الله- (¬2). # أحدها: سمي "اليوم الآخر"؛ لأنه لا ليل بعده، ولا يسمى يوما إلا ما عقبه ~~ليل. PageV01P214 # و"يصمت" بضم الميم، قال أهل اللغة: صمت يصمت -بضم الميم- صمتا وصموتا ~~وصماتا، أي: سكت. # قال الجوهري: "ويقال: أصمت بمعنى: صمت، والصمت: السكوت. والتصميت -أيضا- ~~التسكيت" (¬1). # وادعى بعضهم أنه سمعه بالكسر مضارعا نحو: ضرب يضرب ضربا (¬2). # ويفعل -بضم العين- فيه دخل، كما نص عليه ابن جني في "خصائصه" (¬3). # وحقيقة "الصمت": السكوت مع القدرة على النطق، فإن توقف فيه فهو العي، وإن ~~فسدت آلة النطق فهو الخرس. # واللام في: "ليقل"، و"ليصمت"، و"ليكرم": لام الأمر. # ثانيها: المراد به كمال الإيمان، أو المبالغة في ذلك خرجا على الاستجلاب ~~عليها، أو من التزم شرائع الإسلام لزمه ذلك وهو راجع إلى تعريف حقوق ذلك، ~~وقد صح: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (¬4). # وبالغ بعضهم فجعله كالشريك في إثبات الشفعة له. # ثالثها: الحديث اشتمل على ثلاث خصال عظيمة النفع: # أولاها: قول الخير والسكوت عن الشر؛ لأن قول الخير غنيمة تربح، والسكوت ~~عن الشر غنيمة وسلامة من وقوع في محذور، أو مكروه، أو مباح PageV01P215 # خوف انجراره إلى غيره، وتركه الغنيمة والسلامة ينافي حال المؤمن؛ إذ لا ~~أمان ولا إيمان لمن فاته ذلك، فللإنسان في كلامه وسكوته ربحان ينبغي ~~تحصيلهما: كلام في خير، وسكوت عن شر، وخسارتان ينبغي تجنبهما: كلام في شر، ~~وسكوت عن خير، وهذا راجع إلى قوله تعالى: {وقولوا قولا سديدا} [الأحزاب: 70]. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أمسك عليك لسانك" (¬1)، "وهل يكب الناس في ~~النار على مناخرهم أو وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟! ". # وقوله: "كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ذكر الله، أو أمرا بمعروف، ms074 أو ~~نهيا عن منكر" (¬2). # وقوله: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالا يهوي بها ~~في النار سبعين خريفا" (¬3)، قال تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد} [ق: 18] ظاهرها يشمل المباح أيضا، وإن كان ابن عباس وغيره خصها ~~بغيره. PageV01P216 # وما أكثر آفات اللسان أيها الإنسان؛ [إذ آفاته] (¬1) فوق العشرين آفة. # وما أحسن قول الشافعي -رحمه الله-: "إذا أراد أن يتكلم نظر؛ فإن ظهر له ~~أنه لا ضرر فيه تكلم، أو ظهر له فيه ضرر -أو شك- أمسك" (¬2). # وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري -رحمه الله-: "الصمت سلامة -وهو الأصل- ~~والسكوت في وقته: صفة الرجال، كما أن النطق في وقته من أشرف الخصال. # وسمعت أبا علي الدقاق -رحمه الله- يقول: "من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس ... # قال: فأما إيثار (¬3) أهل المجاهدة السكوت: فلما عرفوا ما في الكلام من ~~الآفات، ثم ما فيه من حظ النفس، وإظهار صفات المدح، والميل إلى أن يتميز من ~~بين أشكاله بحسن النطق وغير هذا من الآفات، وذلك نعت أرباب الرياضة، وهو ~~أحد أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق (¬4) " (¬5). PageV01P217 # وقال الفضيل بن عياض: "من عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه" (¬1). # وعن ذي النون -رحمه الله-: "أصون الناس لنفسه أملكهم للسانه" (¬2). # وفي صحف إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-: "من عد كلامه من عمله قل كلامه". ~~أو نحو هذا. # وفيها: "وعلي العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا ~~للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه". وغير ذلك (¬3). # الثانية: إكرام الجار -وقد أسلفنا ما صح فيه-، ومقصوده مقصود الحديث ~~السالف: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" أعني: من الألفة ~~والاجتماع، واتفاق الكلمة، وضده مناف لذلك، وكانت الجاهلية تشدد أمر الجار ~~ومراعاته وحفظ حقه، وكان في الوصية بإكرامه الرغبة في الإسلام، وهو راجع ~~إلى قوله تعالى: {والجار ذي القربى والجار الجنب} [النساء: 36]. # قال ابن عباس وغيره: "الجار القريب: النسيب، و {الجنب}: الذي لا قرابة ~~بينك وبينه" (¬4). # وقيل: من {القربى}: المسلم، و ms075 {الجنب}: الذمي. # وقيل: {القربى}: القريب السكن منك، و {الجنب} البعيده. # ثم الجار المسلم له حقان، والقريب له ثلاثة، والكافر واحد. PageV01P218 # وحد الجار عندنا أربعون دارا من كل جانب، وهو قوله الأوزاعي. # وقيل: من سمع الإقامة فهو جار المسجد! وتعذر ذلك في الدور. # وقيل: من سمع الأذان. # وقيل: من ساكن رجلا في محلة أو مدينة. # فائدة: المجاورة مراتب بعضها ألصق من بعض، أدناها الزوجة، قال الأعشى: # أجارتنا بيني فإنك طالقه ...................... (¬1) # ثم الجيرة: الخلط (¬2) -بضم الخاء واللام- جمع خليط. # الثالثة (¬3): إكرام الضيف، وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين وآداب ~~الإسلام، وقد أوجب الضيافة ليلة واحدة الليث بن سعد -رحمه الله- عملا ~~بقوله: "ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم" (¬4). # وبقوله في حديث عقبة: "إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بحق الضيف فاقبلوه، وإن ~~لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي" (¬5). PageV01P219 # وحمله عامة الفقهاء على الأدب، وأنها من مكارم الأخلاق، ومحاسن الدين، ~~وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: " ... جائزته يوم وليلة" (¬1)، والجائزة: ~~العطية والمنحة والصلة، وذلك لا يكون إلا مع الاختيار، وقل استعمالها في ~~الواجب، وقوله: "فليكرم" يدل عليه، وقد قرنه بإكرام الجار. # وتأولوا الأحاديث على أنها كانت في أول الإسلام، إذ كانت المواساة واجبة. # أو كان ذلك للمجاهدين في أول الإسلام لقلة الأزواد. # أو المراد به: من لزمته الضيافة من أهل الذمة. # واختلف: هل الضيافة على الحاضر والبادي، أم على البادي فقط؟ # فذهب الشافعي ومحمد بن عبد الحكم (¬2) إلى الأولى. # وقال مالك وسحنون بالثاني، وقد جاء في حديث: "الضيافة على أهل الوبر، ~~وليست على أهل المدر" (¬3) لكنه عند أهل المعرفة موضوع كما نقله القاضي، ~~قال: "وقد تتعين الضيافة لمن اجتاز محتاجا وخيف عليه الهلاك، وعلى أهل ~~الذمة إذا اشترطت عليهم" (¬4). PageV01P220 # * تتمات: # إحداها: "الضيف": هو القادم على القوم النازل بهم. ويقال: ضيف، للواحد ~~والجمع، ويجمع أيضا على أضياف، وضيوف، وضيفان، والمرأة ضيف وضيفة، وأضفت ~~الرجل، وضيفته؛ إذا أنزلته بك، وضفت (¬1) الرجل ضيافة: إذا نزلت عليه، ~~وكذلك تضيفته (¬2). # ثانيتها: لا يخفى استثناء المكره من هذا التجاوز عنه، فإذا ms076 أكره على قول ~~شر أو سكوت عن خير أو شر، أو خاف على نفسه من قول خير ونحوه ممن خاف من ~~إنكار منكر ونحوه فهو معذور. # ثالثتها: الجار المؤذي، والفاسق، والمبتدع أو نحوهم: هل يهانون ردعا لهم ~~عن فجورهم، أو يكرمون من حيث إنهم جار، ويهانون من حيث إنهم فجار؟ والكافر ~~يرعى جواره؛ فالفاسق ونحوه أولى، كما قال بعضهم في حديث: "في كل كبد حرى ~~أجر" (¬3): حتى الحية والكلب العقور ونحوه يطعم ويسقى إذا اضطر إلى ذلك، ثم ~~يقتل. فيه نظر واحتمال. # رابعها: فيه أن إكرام الضيف عبادة، ولا ينقضها ضيافة الأغنياء، ولا ~~يغيرها تقديم اليسير مما عنده، فإكرامه أن يسارع إلى مؤانسته وإظهار البشر ~~له، وقد ذكرت أنواع الضيافات في "لغات المنهاج" فسارع إليه. # * * * PageV01P221 ### | AUTO الحديث السادس عشر # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: أوصني، قال: "لا تغضب" فردد مرارا قال: "لا تغضب". # رواه البخاري (¬1). # * * * # وراويه سلف التعريف به. # ومعنى الحديث: الحذر من أسباب الغضب، وعدم التعرض للأمور الجالبة له، ~~فأما نفس الغضب فطبع لا يمكن إزالته من الجبلة. # وقد جمع الشارع في هذه الكلمة جوامع خير الدنيا والآخرة؛ لأن الغضب يؤول ~~إلى التقاطع والتدابر، ومنع الرفق، وربما مال إلى الأذى. # وفي "الموطأ": قال رجل: يا رسول الله! علمني (¬2) كلمات أعيش بهن ولا ~~تكثر علي فأنسى. قال "لا تغضب" (¬3). # وقد مدح الرب -جل جلاله- الذين يعفون عند الغضب، وأثنى عليهم، وأخبر PageV01P222 # أنها عنده خير وأبقى لهم من متاع الحياة الدنيا وزينتها، وأثنى على ~~الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك. # وفي "مسند أحمد"، و "سنن أبي داود"، و "ابن ماجه"، و "جامع الترمذي" ~~-وقال: حسن غريب- من حديث معاذ مرفوعا: "من كظم غيظا وهو قادر على أن ~~ينفذه؛ دعاه الله -عز وجل- على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي ~~الحور شاء" (¬1). # وقد أوضحت الكلام على ذلك في "شرح صحيح البخاري" فراجعه منه تجد ما يشفي ~~العليل (¬2). # ويجوز أن ms077 يكون الشارع فهم من هذا الرجل كثرة الغضب فحضه بذلك. # ويروى أن يحيى بن زكريا - عليه السلام - لما رأى عيسى -عليه الصلاة ~~والسلام- مفارقه قال له: "أوصني". قال: "لا تغضب". قال: "لا أستطيع" قال: ~~"لا تقتن مالا". قال: "حسبي" (¬3)، # وفي طرقه كما قال ابن عمر: "ما يبعدني من غضب الله"؟ قال: "لا تغضب" ~~(¬4). PageV01P223 # وكان الشعبي -رحمه الله- يولع بهذا البيت (¬1): # ليست الأحلام في حين الرضا ... إنما الأحلام في حين الغضب # ولأبي العتاهية (¬2): # أقلب طرفي مرة بعد مرة ... لأعلم ما في الناس والأمر ينقلب # فلم أر كنزا كالقنوع لأهله ... وأن يجمل الإنسان ما دام في الطلب # ولم أر فضلا صح إلا على التقى ... ولم أر عقلا تم إلا على الأدب # ولم أر في الأعداء حين خبرتهم ... عدوا لعقل المرء أعدى من الغضب # وقال غيره: "لا يعرف الحلم إلا ساعة الغضب" (¬3). # * تتمات: # إحداها: لا يخفى أن هذا الغضب الدنيوي، أما الديني فمطلوب، فقد كان ~~الشارع -صلوات الله وسلامه عليه- يغضب إذا انتهكت الحرمات، لا يقوم لغضبه ~~شيء حتى ينتصر للحق، وإذا غضب أعرض وأشاح، وكان من حاجبيه عرق يدره الغضب، ~~وهذا مع كونه أحلم الناس وأكثرهم صفحا واحتمالا، وهذا نهاية الكمال: الغضب ~~في موضعه، والحلم في موضعه. # إذا قيل حلما قال: للحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل PageV01P224 # وطب الغضب المذموم: صح في الصحيح أن الاستعاذة من الشيطان الرجيم تذهب ما ~~يجده منه فينبغي استعماله، والوضوء أيضا، والانتقال من مكانه، واستحضار ما ~~جاء في فضل كظم الغيظ. # قال الثوري والفضيل بن عياض وغيرهما جمن: "أفضل الأعمال: الحلم عند ~~الغضب، والصبر عند الطمع". # ثانيها: حقيقة الغضب: فوران دم القلب وغليانه لإرادة الانتقام، وفي ~~الحديث: "إنه جمرة تتوقد في قلب ابن آدم، ألا ترون إلى انتفاخ أوداجه، ~~واحمرار عينيه" (¬1). # وأما غضب الجليل فهو: إرادة الانتقام من العبيد، أعاذنا الله منه (¬2). # ثالثها: هذا الحديث تضمن دفع أكبر شرور الإنسان؛ لأن الشخص في حال حياته ~~بين لذة وألم، فاللذة سببها ثوران الشهوة أكلا وشربا وجماعا ونحو ذلك، ~~والألم ms078 سببه ثوران الغضب، فإذا اجتنبه اندفع عنه نصف الشر بل أكثره، PageV01P225 # ولهذا لما تجردت الملائكة -عليهم السلام- عن الغضب والشهوة تجردوا عن ~~جميع الشرور البشرية. # ويترك الشر فضل الحلم وخوف الرب (¬1) يندفع ذلك كما حكي عن بعض الملوك: ~~أنه كتب ورقة يذكر فيها: "ارحم من في الأرض يرحمك الذي في السماء، ويل ~~لسلطان الأرض من سلطان السماء، ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء، اذكر في ~~حين تغضب أذكرك حين أغضب" ثم دفعها إلى وزيره وقال: "إذا غضبت فادفعها إلي" ~~فجعل الوزير كلما غضب الملك دفعها إليه، فينظر فيها فيسكن غضبه. # وقد أمر الشارع -صلوات الله وسلامه عليه- بالانتقال عن الحالة التي هو ~~فيها: إن كان قائما بالقعود، وإن كان قاعدا فبالاضطجاع (¬2)؛ والقصد به ~~البعد عن هيئة الوثوب والتسرع إلى الانتقام ما أمكن؛ حسما لمادة المبادرة. # وما أحسن قول معاوية بن أبي سفيان الأموي - رضي الله عنه -: "ما غضبت على ~~من أقدر عليه، وما غضب علي من أقدر عليه". # والمراد: ما تعاطيت أسبابه، ودفعته لأنه جبلي. # وحكي عن سيدنا موسى -صلوات الله وسلامه عليه-: "أنه لما قيل له: {خذها PageV01P226 # ولا تخف} [طه: 21] لف كمه على يد يتناولها، فقيل له: لو أذن الله -عز وجل ~~- فيما تحذر هل كان ينفعك ذلك؟ قال: "لا، ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت" (¬1). # ثم من غلب طبعه الحيواني فهذا دفعه ضعيف دون من غلبت عليه الرياضة؛ فإنه ~~سهل عليه، وإلا كان قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا تغضب" تكلفا، أو أمرا ~~بما لا يطاق، وإذا علم العبد أن لا فاعل إلا الله، وأن الخلق آلة، سهل عليه ~~ذلك، وإلا لكان غاضبا على الرب وهو ينافي العبودية، أو [على] (¬2) المخلوق ~~وهو إشراك ينافي التوحيد، فلا معطي ولا مانع إلا الله، والعبد آلة: إما ~~بقصد كالإنسان، أو دونه كالدابة، أو لا قصد [له] (¬3) كالعصا المضروب بها (¬4). # وضرب موسى الحجر لما فر بثوبه (¬5)؛ إما عن غلبة الطباع كما مر معنا في ~~لف كمه على يده، أو تأديبا له. PageV01P227 # وقد ثبت أن موسى -صلوات ms079 الله وسلامه عليه- كان حديدا، حتى كان إذا غضب ~~خرج شعر جسده من مدرعته كمسل النخل (¬1)، ولهذا لما علم ما أحدثه قومه من ~~بعد أخذ برأس أخيه يجره إليه. # وكذا يحكى أنه لما خرق الخضر السفينة غضب موسى وأخذ برجل الخضر ليلقيه في ~~البحر حتى ذكره يوشع عهده مع الخضر فخلاه. # خاتمة: قوله: "فردد مرارا" يعني: أن السائل كرر السؤال مرارا بقوله: ~~أوصني يا رسول الله! لأنه لم يقنع بقوله: "لا تغضب" وطلب وصية أبلغ منها ~~وأنفع، فلم يزده عليها؛ لعلمه بعموم نفعها، ونبه السائل على ذلك بتكرارها، ~~وصار هذا كما قال له العباس: علمني دعاء أدعو به يا رسول الله! فقال: "سل ~~الله العافية" فعاوده العباس مرارا، فقال: "يا عباس! يا عم رسول الله، سل ~~الله العافية في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أعطيت العافية أعطيت كل خير" أو ~~كما قال (¬2). # وكذلك لما قال لأصحابه: "اجتمعوا فإني أتلو عليكم ثلث القرآن"، فاجتمعوا ~~فتلا عليهم "سورة الإخلاص" ثم دخل منزله، فأقاموا ينتظرونه فيكمل لهم ثلث ~~القرآن، فخرج عليهم فقال: "ماذا تنتظرون، أما إنها تعدل ثلث القرآن" (¬3) ~~يعني: سورة الإخلاص. # * * * PageV01P228 ### | AUTO الحديث السابع عشر # عن أبي يعلى شداد بن أوس - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، ~~وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته". # رواه مسلم (¬1). # * * * # الكلام عليه من وجوه: # وهو حديث جامع لقاعدة الدين العامة، فهو متضمن لجميعه؛ لأن الإحسان في ~~الفعل هو: إيقاعه على مقتضى الشرع أو العقل، ثم إما أن يتعلق الفعل بمعاشه ~~أو بمعاده: # والأول: بسياسة نفسه، وبدنه، وأهله، وإخوانه، وملكه، والناس. # والثاني: الإيمان والإسلام عمل القلب والجوارح كما مر في حديث جبريل - ~~عليه السلام -، فإذا أحسن في هذا كله على وجهه فقد حصل كل خير، وسلم من كل ~~ضير. PageV01P229 # الوجه الأول: التعريف براويه: # هو أبو يعلى -ويقال: أبو عبد الرحمن- شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري ~~النجاري المدني ابن أخي حسان بن ms080 ثابت، له ولأبيه صحبة. # وأمه: صريمة، من بني عدي بن النجار. # نزل بيت المقدس وأعقب بها، ومات بها بظاهر باب الرحمة بعد الخمسين عن خمس ~~وسبعين، وغلط من عده بدريا، وإنما البدري والده (¬1). # فائدة: اشترك في كنية شداد بأبي يعلى جماعة: منهم حمزة ويقال أبو عمارة، ~~ومنهم: أبو يعلى الموصلي صاحب "المسند"، ومنهم: الفراء الحنبلي القاضي. # ثانيها: في ألفاظه ومعانيه: # معنى "كتب": أمر وحرض عليه، وأصل "كتب": أثبت وجمع، ومنه: قوله تعالى: ~~{كتب في قلوبهم الإيمان} [المجادلة: 22]، أي: أثبته وجمعه، كتبت البغلة: ~~جمعت حياءها (¬2). # ويستعمل "كتب" بمعنى: أوجب، نحو: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183]، {كتب ~~عليكم القصاص} [البقرة: 178]، {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا ~~الوصية} [البقرة: 180] ونحوه كثير. # ويشهد لذلك قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90]، ~~وقوله تعالى: {وأحسنوا} [البقرة: 195] ونحوه. PageV01P230 # و"على" يجوز أن تكون بمعنى "إلى" أي: كتب الإحسان إلى كل شيء -أو: في- ~~أي: في كل شيء، قال تعالى: {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان} ~~[البقرة: 102] أي: في ملكه، ويقال: كان على عهد فلان، أي: في عهده، حكاه ~~العتبي. # ويحتمل أن تكون بمعنى "إلى" أي: كتب الإحسان في الولاية على كل شيء، حتى ~~مما ذكره، ولا يترك آلته كالة يعذب بها الحيوان، وإنما ذكر القتلة والذبحة؛ ~~لأنهما غاية الأذى في الحيوان، ولا يبقى بعدهما للإحسان وجه، فإذا كان ~~الإحسان فيما هو العلة في الأذى، فكيف بغير ذلك؟! # و"الإحسان" هنا بمعنى الإحكام والإكمال، والتحسين في الأعمال المشروعة ~~مطلوب، فحق على من شرع في شيء منها أن بأتي به على غاية كماله ويحافظ على ~~آدابه المصححة والمكملة له، وإذا فعل قبل عمله وأثر ثوابه. # ولما كان العلماء ورثة النبياء، فمما ورثوه: تعليم الناس كيفية الإحسان ~~إلى كل شيء ألهم الله -سبحانه وتعالى- الاستغفار للعلماء مكافأة لهم على ~~ذلك (¬1)، ومن ذلك قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن العالم ليستغفر له من ~~في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء" (¬2). # وقد جاء في التنزيل: {والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون ms081 لمن في ~~الأرض} [الشورى: 5]. PageV01P231 # و"القتلة" -بكسر القاف-: الهيئة والحالة، والمصدر بالفتح. # و"الذبحة" بكسر الذال -أيضا- من باب الهيئة كالجلسة والركبة؛ أي: هيئة ~~القتل والذبح. # وجاء في رواية: "فأحسنوا الذبح" (¬1) وهو بالفتح بغير هاء مصدر، وبالهاء: ~~الهيئة كالقتلة، وأصل الذبح: الشق والقطع. # قال الشاعر (¬2): # كأن بين فكها والفك ... فارة مسك ذبحت في سك # وقوله: "وليحد" هو بضم الياء، يقال: أحد السكين وحددها واستحدها بمعنى. # و"الشفرة": المدية، وهي السكين ونحوه مما يذبح به، سميت باسم شفرها وهي ~~حده، تسمية باسم جزئه (¬3). # وقوله: "وليرح" بضم الياء، يقال: أراح يريح إراحة إذا أدخلت الراحة إلى ~~الشيء، أو تسبب إلى حصولها له بوجه. # و"الذبيحة": المذبوحة، فعيلة بمعنى مفعولة، كأنه قال: الدابة الذبيحة، أو ~~تكون من باب غلبة الاسم على غلبة (¬4) الوصف. PageV01P232 # الثالث: الإراحة بإحداد السكين، وتعجيل إمرارها وغير ذلك، ولهذا قال فيمن ~~ولي القضاء: "فقد ذبح بغير سكين" (¬1) أي: عرض نفسه لعذاب يجد فيه ألما ~~كألم الذبح بغير سكين (¬2). # ويستحب: ألا يحدها بحضرة الذبيحة. # وألا يذبح واحدة بحضرة أخرى. # ولا يجرها بل يسوقها إلى مذبحها -وحكي جوازه-. # ولا يصرعها بغتة. # ولا يجرها إلى مذبوحها -عن مالك- (¬3)! # وإحسان القتلة عام في كل قتل، ومنه: القصاص، ولا يقصد التعذيب، وقد "نهى ~~-عليه الصلاة والسلام- عن صبر البهائم" (¬4) وهو: حبسها للقتل وغيره، و"لعن ~~من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا" (¬5). وهو حرام، وينبغي إحضار نية القربة ~~ويستحب توجيهها إلى القبلة والتسمية، وتركها إلى أن تبرد، ويعترف بالمنة في ~~ذلك لتسخيره لنا والإنعام علينا به. # ومن الإحسان إليها: ألا تحمل فوق طاقتها. PageV01P233 # ولا تركب واقفة إلا لحاجة. # ولا يحلب منها إلا ما لا يضر بولدها. # ولا يشوي السمك والجراد حتى تموت. # * تتمات: # الأولى: قوله: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" هو قاعدة عامة كلية، ثم ~~ذكر منها التخفيف في القتل والذبح في الحيوان، ويجوز ذكر ذلك، إما لأن ~~الجاهلية كانوا يخالفون ذلك، كالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة ~~وما ذكر معها، وكانوا إذا ذبحوا يذبحون بالكال. # الثانية: تفاصيل الإحسان إلى كل شيء لا تنحصر، ms082 وقد أسلفنا جملة من ~~أفراده. # ومثله: الإحسان إلى الملائكة بالأدب معهم، لا سيما كاتباه، فهي تتأذى مما ~~يتأذى منه بنو آدم. # ومن ذلك: الإحسان في قتل الوزغ أول مرة، ودونها في الثاني، ثم في الثالث (¬1). # والموجود الحادث هو المحتاج إلى الإحسان، لأن القديم مستغن بذاته تعالى. # والحادث إن كان عرضا فلا يتأتى الإحسان إليه، وإن كان جوهرا، فإن كان ~~جمادا فكذلك، وإن كان نباتا أو حيوانا فهو موضع الإحسان. PageV01P234 # ومذهب أحمد أن الحي إذا تطوع بقربة وأهدى ثوابها لمسلم ميت، نفعه ذلك، ~~وكذا الحي على الأصح (¬1). # ومن ذلك: الإحسان إلى الجن، مؤمنهم وكافرهم بدعائهم إلى الخير، وقد ~~أكرمهم الشارع وأقراهم بأن جعل العظم زادهم والروث لدوابهم، ولنا فيه أسوة حسنة. # وأما المؤذي كالحشرات والفواسق الخمس، فقد خرجت بالنص. # * * * PageV01P235 ### | AUTO الحديث الثامن عشر # عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -، ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع ~~السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". # رواه الترمذي وقال: "حسن". وفي بعضها: "حسن صحيح" (¬1). # * * * # الكلام عليه من وجوه: PageV01P236 # أحدها: في التعريف براويه: # أما أبو ذر -ويقال: أبو الذر- ففي اسمه أقوال، أشهرها ما ذكره: جندب ~~-بفتح الدال وضمها، وربما كسرت- بن جنادة -بضم الجيم-. وقيل: ابن برير. ~~وقيل: أنه لقب، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن السكن، وقيل: يزيد -وهو وهم-. # أمه: رملة بنت الوقيعة بن حرام بن عمار، وكان أخا عمرو بن عبسة لأمه، كان ~~رابعا في الإسلام أو خامسه، أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه، ثم قدم ~~المدينة وهو أول من حيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتحية الإسلام. # قال الشارع -صلوات الله وسلامه عليه- في حقه: "ما أظلت الخضراء، ولا أقلت ~~الغبراء أصدق لهجة منه" (¬1). # مات بالربذة سنة إحدى -أو اثنتين- وثلاثين في خلافة عثمان، وصلى عليه ابن ~~مسعود، فأقام عشرة أيام ثم مات بعد عاشرة -يرحمه الله- وهو أحد النجباء. # قال علي -كرم الله وجهه-: "وعاء ملئ علما، ms083 ثم أوكي عليه فلم يخرج منه شيء ~~حتى قبض" (¬2). PageV01P237 # وكان أصدق الناس لهجة (¬1). # وأما معاذ؛ فهو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل الخزرجي المدني من نجباء ~~الصحابة، شهد المشاهد، وروى وجمع القرآن في حياة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وكان يشبه بإبراهيم -صلوات الله وسلامه عليه- كان أمة قانتا لله، ~~وكان أعلمهم بالحلال والحرام. # مات سنة ثمان عشرة بالأردن بالطاعون عن ثمان وثلاثين سنة أو أقل، وقبره ~~بشرقي غور بيسان (¬2). # ثانيها: معنى قول الترمذي: حسن صحيح: أنه روي من وجهين: وجه كذا، ووجه ~~كذا، كذا قيل! وهو مردود عليه؛ إذ يقول إثره: لا يعرفه إلا من هذا الوجه، ~~وقد أوضحت ذلك في "المقنع في علوم الحديث" تأليفي (¬3). # ثم أعلم أن نسخ الترمذي تختلف بالحسن والصحيح، ففي بعضها: "حسن"، وفي ~~بعضها: "حسن صحيح"، وذلك بحسب اختلاف الرواة عنه لكتابه والضابطين له. # ثالثها: سبب هذا الحديث أن أبا ذر لما أسلم قديما أمره الشارع أن يلتحق ~~بقومه، عسى أن ينفعهم الله به، ولما رأى حرصه على المقام معه بمكة، وعلم PageV01P238 # الشارع -صلوات الله وسلامه عليه- أنه لا يقدر على ذلك قال له: "اتق الله ~~حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ... ". # والمراد: ترك المؤاخذة، ويجوز أن يكون المحو حقيقة، وهو موافق لقوله ~~تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114] وهي نزلت في ذلك الذي أصاب ~~من تلك المرأة ما دون الجماع، وأمره الشارع -صلوات الله وسلامه عليه- ~~بالوضوء والصلاة، فقال معاذ: هذا له خاصة أم للناس عامة؟ فقال: "بل للناس ~~عامة" (¬1). # وقال: "ما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، ~~إلا كتب الله له بكل خطوة يطؤها (¬2) حسنة. ويرفع بها درجة، ويحط عنه بها ~~خطيئة" (¬3). فقال تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} ~~[البقرة: 177] الآية، وقوله: {الذين آمنوا وكانوا يتقون} [يونس: 63]. # فمن اتقى بما في الآية الأولى من الإيمان والإسلام فهو متق، والمتقي ولي ~~الله؛ فصار معنى قوله: "اتق الله حيثما كنت" تكن ولي الله بتقواك إياه، ~~وحصل لك ms084 [من ذلك المدحة] (¬4) والثناء: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور} [آل عمران: 186]. PageV01P239 # والحفظ والحراسة من الأعداء: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} ~~[آل عمران: 120]. # والثانية: والنصر: {إن الله مع الذين اتقوا} [النحل: 128]، و {الله مع ~~المتقين (194)} [البقرة: 194]. # والنجاة من الشدائد، والرزق الحلال: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2 - 3]. # وإصلاح العمل: {اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح لكم أعمالكم} ~~[الأحزاب: 70 - 71]. # وغفران الذنوب: {ويغفر لكم ذنوبكم} [الأحزاب: 71]. # والنور: {اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا ~~تمشون به} [الحديد: 28]. # والمحبة: {إن الله يحب المتقين} [التوبة: 4] وما أعظمها وأنفعها. # والإكرام: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]. # والبشارة عند الموت: {الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 63 - 64]. # والنجاة من النار: {ثم ننجي الذين اتقوا} [مريم: 72]، {وسيجنبها الأتقى} ~~[الليل: 17]. # والخلود في الجنة: {أعدت للمتقين} [آل عمران: 133]. # من عرف الله فلم تغنه ... معرفته ألا فذاك الشقي # ما يصنع العبد بعز الغنى ... والعز كل العز للمتقي PageV01P240 # وكتب على بعض القبور: "ليس زاد سوى التقى، فخذي منه أو دعي" (¬1). # وابعها: اشتمل هذا الحديث على أحكام ثلاثة: حق الله، وحق المكلف، وحق ~~العباد؛ أما حق الله تعالى: فحيثما كنت تتقيه، فهو ناظر إليك ومعك ورقيب. # و"التقوى" لفظة وجيزة جامعة لكل خير ديني ودنيوي؛ لأنها: امتثال الأوامر ~~واجتناب النواهي. # وعبر عنه بعضهم: ألا يراك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك. # ولهذا قال بعضهم: إذا أردت أن تعصيه فاعصه حيث لا يراك! أو أخرج من داره! ~~أو كل غير رزقه! # وبتقوى الله يتضمن ما تضمنه الحديث السالف: "إن الله كتب الإحسان على كل ~~شيء"، وكذا ما تضمنه حديث جبريل السالف من الإيمان والإسلام والإحسان؛ لأن ~~سائر أحكام التكليف لا تخرج عن أمر ونهي، فإذا اتقى الله بفعل ما أمر وترك ~~ما نهي، فقد أتى بجميع وظائف المكلفين. # وأما حق المكلف فمحو الحسنة بالسيئة، كما سلف: {ذلك ذكرى للذاكرين} [هود: ~~114] أي: عظة ms085 لمن اتعظ؛ فلا تعجز أيها المسكين إذا أتيت سيئة بقلبك، أو ~~لسانك أو جوارحك، احتل بأن تتبعها بحسنة من صلاة، أو صدقة -وإن قلت-، أو ذكر. # و"الباقيات الصالحات": سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله ~~أكبر. أو: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم؛ فإنه أحب الكلام إليه، PageV01P241 # وحبيب إلى الرحمن، وخفيف على اللسان، وثقيل في الميزان -كما سيأتي-. # فإن عجزت عن إتباع الحسنة السيئة فأنت مخذول، والسيئة الصغيرة مقابلة ~~بالحسنة الصغيرة والذكر اليسير، والكبائر بالتوية والإنابة. # وأما حق العباد فهو مخالقتهم -أي: معاشرتهم- بخلق حسن، فعاملهم بما تحب ~~أن يعاملوك به من: كف الأذى وبذل الندى وطلاقة الوجه؛ أي عامل الناس بما ~~تحت أن يعاملوك به فتجتمع القلوب ويتفق السر والعلانية، فتأمن الكيد والشر، ~~وذلك جماع الخير وملاك الأمر -إن شاء الله تعالى- وأثقل ما وضع في الميزان: ~~خلق حسن (¬1). # وصح أن نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن خياركم أحاسنكم ~~أخلاقا" (¬2)، وجاء: "إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم بالنهار القائم ~~بالليل ... " الحديث (¬3). PageV01P242 # وهو من سيما النبيين والمرسلين وخصوص المؤمنين، ويكفي في ذلك مدح الباري ~~-سبحانه وتعالى- نبيه محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1): {وإنك ~~لعلى خلق عظيم} [القلم: 4]. قال الجوهري: "الخلق: السجية. # يقال: "خالص (¬2) المؤمن، وخالق الفاجر". وفلان يتخلق بغير خلقه، أي: ~~يتكلفه. # قال الشاعر: # ..................... ... إن التخلق يأتي دونه الخلق" (¬3) # والخلق وإن كان سجية في الأصل فيتخلق، وإن كان بغير خلقه حتى يتصف ~~بالأخلاق الجميلة الرضية الزكية. # قال بعض الحكماء: "عليك بالخلق مع الخلق، وبالصدق مع الحق". # وحسن الخلق خير كله، والعبد لا يؤمر بما طبع عليه؛ فإنه تحصيل حاصل، فكذا ~~أمر الشارع -صلوات الله وسلامه عليه- بتحصيله وبكسبه. # خاتمة: قد يستدل به على اكتساب الولاية وإلا لم يصح الأمر بها، والجمهور ~~على أنها موهبة كالنبوة؛ نعم التحقيق أنها مترتبة على زكاة النفس وصلاح ~~العمل، كالرزق فضل الله، وهو مرتب على الأسباب والأكساب التي جرت بها ~~العادة في حصول الرزق، وكما قال تعالى: {فامشوا في مناكبها وكلوا من ms086 رزقه} ~~[الملك: 15]، وقال: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} PageV01P243 # [السجدة:24]، وقال تعالى: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ~~ورهبا وكانوا لنا خاشعين} [الأنبياء: 90] علل ما من به عليهم من مسارعتهم ~~إلى الخيرات وما بعده (¬1). # يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا # يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضل ما استفادا (¬2) # أخرى: صح أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "إن خياركم أحاسنكم أخلاقا" كما سلف. # وقال -أيضا- صلوات الله وسلامه عليه: "اللهم كما حسنت خلقي PageV01P244 # فحسن خلقي" (¬1). # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" (¬2)، ~~و "إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم" (¬3). # وللشافعي -رحمه الله- قولان: أن الخلق حسنه وقبيحه جبلة في العبد كلونه ~~أم لا؟ فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه جبلة، وقد "فرغ ربك من أربع: ~~الخلق، والخلق، والرزق، والأجل" (¬4). # وقال الحسن -رحمه الله-: "من أعطي حسن صورة، وخلقا حسنا، وزوجة صالحة، ~~فقد أعطي خير الدنيا والآخرة". PageV01P245 # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - رفعه-: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما ~~قسم بينكم أرزاقكم" (¬1). # وإثابة الرب -جل حلاله- لعبده كاستعمال ذلك فيما أمر فيه، كالشجاعة. # وقال آخرون: إنه كسبي، وهو ظاهر الحديث، إذ لو كان جبليا لما أمره به. # وقال عمر - رضي الله عنه - لقبيصة بن جبر - رضي الله عنه -: "أراك شابا ~~فصيح اللسان، فسيح الصدر. # وقد يكون في الرجل عشرة أخلاق: تسعة صالحة وخلق سيئ، فيفسد التسعة ~~الصالحة الخلق السيئ، فاتق عثرات اللسان" (¬2). PageV01P246 # وقال صعصعة بن صوحان لابن أخيه زيد - رضي الله عنهما -: "خالص (¬1) ~~المؤمن، وخالق الفاجر، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن" (¬2). # * * * PageV01P247 ### | AUTO الحديث التاسع عشر # عن أبي العباس عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: كنت خلف النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يوما فقال: "يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله ~~يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن ~~بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد ~~كتبه الله لك، ms087 وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه ~~الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف". رواه الترمذي وقال: "حسن صحيح". # وفي رواية غير الترمذي: "احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء ~~يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ~~ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا" ~~(¬1). PageV01P248 # الكلام عليه من وجوه: # وهو حديث عظيم الموقع، وهو أصل في رعاية حقوق الله، والتفويض لأمره. # أحدها: في التعريف براويه: # وهو حبر الأمة وبحرها - رضي الله عنه -، دعا له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بأن يفقه في الدين، ويعلم التأويل، ودعا له بالحكمة، ومناقبه سائرة. # وقد ذكرت في "رجال العمدة" فيها ورقات؛ فراجعها منه. # مات سنة ثمان وستين -وقيل: سنة سبعين-، وولد قبل الهجرة بأربع سنين، ودفن ~~بالطائف، ورأى جبريل مرتين - رضي الله عنه -! (¬1). # الثاني: لا زال ابن عباس موفقا من صغره، وقد استأذنه -وهو على يمينه حين ~~شرب- في إعطائه الأشياخ، فأجاب بعدم الإيثار (¬2)، فلما رأى أهليته أوصاه ~~بما ذكر. # الثالث: فيه جواز الإرداف على الدابة، وقد أفرده ابن منده -رحمه الله- ~~بالتأليف، ومن جملتهم: معاذ والحسن والحسين (¬3). PageV01P249 # وجاء في بعض الروايات أنه كان خلفه على دابة: فرس أو بعير أو غيره (¬1). # الرابع: في ألفاظه: # "يا غلام" -بضم الميم- لأنه نكرة مقصودة، وكان عمر ابن عباس إذ ذاك عشر ~~سنين -على أحد الأقوال-. # و"الغلام": الصبي حين يفطم إلى سبع سنين، وتصغيره: غليم، والجمع: غلمة. # و"تجاهك" -بضم التاء وفتح الهاء-، و"أمامك" -بفتح الهمزة-: ما يلي وجهك، ~~وأصل "تجاه": وجاه -بكسر الواو وضمها- قلبت واوها تاء. # و"جفت": بالجيم، أي: فرغ من الأمر وجفت كتابته (¬2)؛ لأن الصحيفة حال ~~كتابتها لا بد وأن تكون رطبة المداد أو بعضه بخلاف ما إذا فرغ منها. # و"لما خلق الله -سبحانه وتعالى- القلم ثم النون -وهي: الدواة- قال: اكتب. ~~قال: وما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة: من عمل، أو رزق، ~~[أو أثر أو ms088 أجل] (¬3)، فجرى القلم بذلك، ثم ختم العمل" (¬4). PageV01P250 # و"تعرف" -بتشديد الراء- أي: تحبب إليه بالطاعة واجتناب المخالفة حتى ~~يعرفك في الرخاء مطيعا؛ فإذا وقعت في شدة عرفك بالطاعة فجعلك ناجيا. # ويقال: إن العبد إذا تعرف إلى الله في الرخاء ثم دعا في الشدة، قال: "هذا ~~صوت أعرفه". وفي غيره: "لا أعرفه دعوه" أو كما قيل (¬1). # وذكر العزيزي -رحمه الله- (¬2) أن "الأمة" تنطلق على ثمانية أوجه (¬3): # والمراد هنا: الخلق (¬4). # الخامس: في فوائده: # الأولى: قوله: "إني أعلمك كلمات" هو مقدمة يستدعي بها سمعه، ليفهم ما ~~يسمع ويقع منه بموقع، وذكرها بصيغة القلة ليهونها، وهي وإن كانت قليلة PageV01P251 # فمعانيها جمة جليلة. # وفي رواية لمسلم في كتاب "الفصل للوصل" (¬1) بعد "كلمات": "ينفعك الله ~~بهن" أي: بعلمهن، أو بالعمل بمقتضاهن، أو بمجموع ذلك، فهو على حذف المضاف، ~~وإقامة المضاف إليه مقامه. # الثانية: معنى "احفظ الله يحفظك": احفظه بالطاعة يحفظك بالرعاية؛ فإذا ~~أطعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه أحاطك بمعقبات له: {من بين يديه ومن ~~خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11]. # ومعنى: "احفظ الله تجده تجاهك" و"أمامك" أي: يراعيك في أحوالك، ولا تكن ~~مخالفا له فإنك تجده تجاهك في الشدائد وفي كل الأحوال، كما جرى للثلاثة ~~أصحاب الصخرة الثابت في "الصحيح" (¬2). # وهذا في معنى الذي قبله وتأكيد له، وهو يشبه قوله تعالى: {وأوفوا بعهدي ~~أوف بعهدكم} [البقرة: 40]، {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152] أي: اذكروني ~~بالطاعة، أذكركم بالمغفرة والرعاية، وهو من أبلغ المجاز وأحسنه، إذ الجهة ~~مستحيلة في حقه!! (¬3) وهذا نحو قوله تعالى: {أن الله مع المتقين} [البقرة: ~~194]، {إن الله مع الصابرين (153)} [البقرة: 153] فالمعية معنوية لا ظرفية. PageV01P252 # فإن قلت: لم خص الإمام دون باقي الجهات الستة؟ # جوابه: أن الإنسان سائر ومسافر إلى الآخرة، والمسافر إنما يطلب أمامه لا ~~غير؛ فالمعنى: تجده حيثما توجهت ويممت وقصدت دينا ودنيا. # السادس: قوله: "إذا سألت فاسأل الله" هو كقوله تعالى: {واسألوا الله من ~~فضله} [النساء: 32] أي: وحد الله في السؤال، فإن خزائن الوجود بيده وأزمتها ~~إليه، لا معطي ولا مانع سواه. # وكذا قوله: "وإذا استعنت فاستعن بالله" ms089 أي: وحده في الاستعانة، إذ لا ~~معين غيره، {وإياك نستعين (5)} [الفاتحة: 5] قدم المفعول ليفيد الاختصاص، ~~وهذا إرشاد إلى التوكل على المولى، وألا يتخذ ربا سواه، وألا يتعلق بغيره ~~في جميع أموره ما قل منها وما جل؛ فإنه حسب من توكل عليه، ويا خيبة من ركن ~~بقلبه أو أمله إلى غيره لا إليه؛ فبه يحصل الإعراض، {ولا يملكون لأنفسهم ~~ضرا ولا نفعا} [الفرقان: 3]، وكذا من خاف من غيره ولم يعول عليه، فقف على ~~الباب والزمه وأكثر من السؤال، فلا يبرم من السؤال. # وقد قال تعالى لموسى الكليم -صلوات الله وسلامه عليه-: "يا موسى! سلني في ~~دعائك -وجاء: في صلواتك- حتى في ملح عجينك" (¬1). PageV01P253 # والله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب (¬1) # فقد ذاق طعم الإيمان من رضي بمولاه وأعرض عمن سواه، وما أحسن قول الخليل ~~لجبريل - عليه السلام - في تلك الحالة -لما قال له: ألك حاجة؟ -: "أما إليك ~~فلا" (¬2). # سلم الأمر إلى مالكه ... فله العلم المحيط الواسع # واطلب المعروف منه دائما ... فهو معطي ذاك وهو المانع # وإذا كان الرزق قد قسم، والعطاء قد حتم، فحقيق على العبد الضعيف الاعتماد ~~والسكون، والإجمال في الطلب مما كان وسيكون، وقلوب الخلق بيده، ومفاتيح ~~الخزائن تحت قدرته، وبقدر ما يميل العبد إلى المخلوق بعد عن المولى، فكيف ~~بترك عين اليقين إلى من لا يقدر على فتيل ولا قطمير؟! # السابع: ثم أكد ذلك فقال: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت .. " إلى آخره، في ~~النفع والضر، فالكل بيده: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير (17)} [الأنعام: 17] أي: وحد الله في لحوق ~~الضر PageV01P254 # والنفع، فهو يوجدهما وحده، وصارف ضر المخلوقين عنك؛ لأن زمام الوجود بيده ~~منعا وإطلاقا، فإذا أرادك أحد بسوء وأراد الله رفعه عنك منعه بعارض مرض، أو ~~شغل، أو نسيان، أو صرف قلب. # وإذا أردت أن تعرف تصاريف الأقدار في الوجود فانظر إلى رقعة الشطرنج كيف ~~يقلبها مجيء بعض، ويقتل بعضها بعضا، ولا يستغرب ذلك؛ فحققه ms090 بعين اليقين تجد ~~أسباب المقادير في الوجود يمنع بعضها وصول الشر إلى بعض: "مصائب قوم عند ~~قوم فوائد". # الثامن: قوله: "كتبه الله لك" و "كتب عليك" قد سلف فيما مضى: كتب الرزق ~~والأجل والعمل والشقاء والسعادة (¬1). # التاسع: قوله: "رفعت الأقلام وجفت الصحف" أي: فلا يكون خلاف ما ذكرت بنسخ ~~ولا تبديل، فالكتابة تركت بها لرفع الأمر وإبرامه، كما سلف في: "وجفت ~~الصحف". # العاشر: قوله: "أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ... " إلى آخره، هو راجع إلى ~~قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل ~~أن نبرأها} [الحديد: 22] أي: قد فرغ مما أصابك أو أخطأك من خير أو شر، فما ~~أصابك كانت الإصابة متحتمة فلا يمكن الخطأ، وما أخطأك فالسلامة منه محتومة ~~فما يمكن الإصابة، لأن ذلك كالسهام الصائبة وجهت من الأزل فلا بد أن تقع ~~مواقعها (¬2)، فتخصيص الإرادة وتعلق العلم الأزلي به يتحتم الوقوع، وإذا ~~تعلق علم الله بوقوع ممكن أو عدم وقوعه فهل يبقى خلاف ما تعلق به PageV01P255 # العلم مقدورا؟ فيه قولان (¬1) حكاهما الإمام في "نهاية العقول" (¬2). # الحادي عشر (¬3): قوله: "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب" ~~فيه حث على الصبر عند نزول الكرب، والطمأنينة بالنصر والفرج، فالفرج سبب ~~النصر: {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126)} [النحل: 126]. # ومن جملة الخير: النصر، فمن صبر انتصر، ومن انتصر حاز الظفر، والكرب غير ~~دائم، وعقباه الفرج، فيحسن العبد ظنه بمولاه فيصلح عاقبته ودنياه، فالإنسان ~~معرض للمصائب -لا سيما أهل الخير- قال تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف} ~~(¬4) [البقرة: 155] الآية. فمن صبر واحتسب ورضي بالقضاء، وانتظر ما وعد من ~~جزيل العطاء بقوله: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} [البقرة: 157] ~~الآية، فنعمة الفعلة، ونعوذ بالله من ضدها؛ فالصادق وعد بالنصر والفرج ~~وباليسر مع الرضا والصبر والاحتساب، ف {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ~~(10)} [الزمر: 10]. # واعلم أن المعية في هذه الأمور إن أخذت بالنظر إلى العلم الأزلي فلائح، ~~لأنهما مقترنان في تعلق الحكم الأزلي بهما، أي: لم يكن نفس ms091 تعلقه بأحدهما ~~بعد الآخر، وإن تعلق بأن أحدهما سيقع بعد الآخر (¬5)، وإن أخذت بالنظر إلى PageV01P256 # الوجود الخارجي كانت بمعنى "بعد" أي: أن النصر بعد الصبر، والفرج بعد ~~الكرب، ويجوز بقاؤها على بابها، والمعنى: حصوله آخر أوقات الصبر (¬1). # الثاني عشر (¬2): قوله: "وأن مع العسر يسرا" هو نص القرآن العظيم، ~~والكلام في المعية كما سلف. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "لن يغلب عسر يسرين" (¬3). # وروي مرفوعا في رسالته إلى أبي عبيدة - رضي الله عنه -، وهو في "الموطأ" ~~عن عمر (¬4). # يشير إلى تنكير اليسر وتعريف العسر، والمنكر متعدد، والمعرف متحد بناء ~~على أن اللام فيه للعهد السالف، نحو قوله تعالى: {إنا أرسلنا إليكم رسولا ~~شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) فعصى فرعون الرسول} [المزمل: ~~15، 16]. وأبعد من قال: الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة. # وقوله تعالى: {ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] المراد في الأحكام، فلا ~~تضاد مع الآية المذكورة، إذ المراد فيها العسر في الأرزاق والمكاسب، قال ~~تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286]، {وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج} [الحج: 78]. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بعثت ~~بالحنيفية السمحة" (¬5). PageV01P257 # وصدر الآية دال على ذلك، وهو قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184]. # واعلم أنه لا خفاء إذا تعدد اللفظ واتحد المعنى، وكانا معرفتين أنه راجع ~~إلى معهود سابق، فإن كان الثاني نكرة تعدد، وإن كان الأول معرفة والثاني ~~نكرة أو عكسه فلا، وذلك مع التجرد عن القرائن. # وما أحسن حكاية العتبي -رحمه الله- قال: "كنت ذات يوم في بادية وأنا ~~بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت من الشعر، فقلت: # أرى الموت لمن أصبح مغموما له أروح # فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف من الهواء: # ألا أيها المرء الذي الهم به برح # وقد أنشد بيتا لم يزل في فكره سنح # إذا اشتدت العسرى ففكر في ألم نشرح # فعسر بين يسرين إذا ذكرته تفرح # فإن العسر مقرون بيسرين فلا تترح # فحفظتهما، ففرج الله ms092 عني" (¬1). # * * * PageV01P258 ### | AUTO الحديث العشرون # عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري - رضي الله عنه - قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة ~~الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت". # رواه البخاري (¬1). # * * * # الكلام عليه من وجوه: # أحدهما: في التعريف براويه: # وهو أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري الصحابي، ولم يشهد ~~بدرا -في قول الأكثرين- وإنما نزلها (¬2)، كالمقبري؛ لنزوله المقابر (¬3)، ~~ويزيد الفقير؛ لفقار ظهره (¬4)، وفلان الضال؛ لأنه ضل عن الطريق (¬5). PageV01P259 # ثانيها: هذا الحديث عليه مدار الإسلام، ووجهه: أن أفعال العبد إما أن ~~يستحي منها أو لا. # فالأول: يشمل الحرام والمكروه، وتركهما هو المشروع. # والثاني: يشمل ما في الأحكام الخمسة: الوجوب والندب والإباحة، وفعلها ~~مشروع في الأولين، شائع (¬1) في الثالث، وهذه أحكام الأفعال الخمسة، وهو ~~شبيه بالحديث الآتي: "الإثم: ما حاك في نفسك" (¬2). # ثالثها: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فاصنع ما شئت" هل هو خبر أو نهي؟ ~~كقوله: {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40]، {ليكفروا بما آتيناهم} [النحل: 55]، ~~"أشهد على هذا غيري" (¬3)، و"من باع الخمر فليشقص (¬4) بالخنازير" (¬5)، PageV01P260 # والمعنى على هذا: إذا نزع عنك الحياء فافعل ما شئت، فإنه تعالى يجازيك ~~عليه، ويكون هذا تعظيما لأمر الحياء، وتبيينا لوضعه عند فقده. # وعلى الأول معناه: إذا لم تستح صنعت ما شئت؛ لأن عدم الحياء يوجب ~~الانهماك في هتك الستر، وقد ثبت أن: "الحياء شعبة من شعب الإيمان" (¬1). # وقال -عليه الصلاة والسلام-: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "الحياء خير كله" (¬2). # وقال -عليه الصلاة والسلام-: "استحيوا من الله حق الحياء" (¬3). # رابعها: معنى: "إن مما أدرك الناس": أن الحياء لم يزل مستحبا مستحسنا في ~~شرائع الأنبياء الأولين، وأنه لم ينسخ من جملة ما نسخ من شرائعهم، ولا شك ~~أنه من الخصال الشريفة، والصفات المنيفة، وهو خير كله كما سلف (¬4)، ولكن ~~لا ينبغي أن يغلبه حتى يستحي فيما يضره من أمر دينه PageV01P261 # ودنياه، فإنه حياء غير محمود، ومنه الحياء في التفقه في الدين، وليس ~~حياء، بل خورا ms093 (¬1). # وأهل المعرفة في الحياء منقسمون، كما أنهم في أحوالهم متقاربون، وقد كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع له كمال نوعي الحياء، فكان في الحياء ~~الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها، وفي حاله الكسبي في [ذروتها] (¬2). # * * * PageV01P262 ### | AUTO الحديث الحادي والعشرون # عن أبي عمرو -وقيل: أبي عمرة- سفيان بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: ~~قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. # قال: "قل آمنت بالله، ثم استقم". # رواه مسلم (¬1). # * * * # الكلام عليه من وجوه: # أحدهما: في التعريف براويه: # وفي كنيته قولان -كما ذكر- أبو عمرو: بالواو، وأبو عمرة: با لهاء، وهو ~~ثقفي طائفي، ولي الطائف لعمر، روى له: "م"، ["س"، "ق"] (¬2) هذا الحديث، ~~وليس له عندهم غيره، وحديث آخر عند "س" في "اللقطة" (¬3)، وسفيان سينه ~~مثلثة (¬4). # ثانيها: وهو من جوامع كلمه، كما قال القاضي (¬5). PageV01P263 # أي: "استقم كما أمرت" ممتثلا أمره، ومجتنبا نهيه، وهو مطابق لقوله تعالى: ~~{إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} [فصلت: 30] أي: لم يحيدوا عن ~~توحيده، والتزموا طاعته إلى أن توفوا عليه، كما قال عمر: "استقاموا لله على ~~طاعته، ولم يروغوا روغان الثعلب" (¬1). # فقوله: "آمنت بالله" هو بمعنى: {قالوا ربنا الله} [فصلت: 30] إذ لا يعتقد ~~ربوبيته إلا من آمن به، وهو على اختصاره من أجمع الأحاديث لأصول الإسلام، ~~إذ الإسلام توحيد وطاعة، فالتوحيد حاصل ب "آمنت بالله" (¬2). # والطاعة حاصلة بالاستقامة، إذ هي: امتثال كل مأمور، واجتناب كل محظور، ~~ويدخل فيه أعمال القلوب والأبدان من الإيمان والإسلام والإحسان (¬3). # وفي التنزيل: {فاستقيموا إليه واستغفروه} [فصلت: 6]. وفي الحديث: "شيبتني ~~هود وأخواتها" (¬4). وشيبه أن فيها: {فاستقم كما أمرت} [هود: 112] وهي: ~~كلمة جامعة لجميع أنواع التكاليف. # قال ابن عباس: "ما نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع ~~القرآن آية كانت أشد PageV01P264 # ولا أشق عليه من هذه الآية" (¬1). فلذلك قال ما قال. # قال القشيري - رحمه الله -: "الاستقامة: درجة بها (¬2) كمال الأمور ~~وتمامها، وبوجودها (¬3) حصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيما في حالته ~~ضاع سعيه ms094 وخاب جده (¬4). # وقيل: الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر؛ لأنها خروج عن المعهودات، ~~ومفارقة الرسوم والعادات، والقيام بين يدي الله تعالى بالصدق (¬5)، ولذلك ~~قال -عليه الصلاة والسلام-: "استقيموا ولن تحصوا" (¬6). # وقال الواسطي: "هي الخصلة التي بها كملت المحاسن" (¬7). # ثالثها: معنى قوله: "قل لي في الإسلام" أي: في دينه وشريعته. # وقوله: "لا أسأل عنه أحدا غيرك" أي: جامعا لمعاني الإسلام، واضحا في نفسه ~~بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك، كافيا لا أحتاج إلى سؤال غيرك، وهو PageV01P265 # نحو مما سبق في قوله: "لا تغضب" (¬1). # رابعها: هذا الجواب دال على أنه -عليه الصلاة والسلام- أوتي جوامع الكلم، ~~واختصر له الكلام اختصارا، كما يمدح به -عليه الصلاة والسلام-، فإنه جمع ~~لهذا السائل في هاتين الكلمتين معاني الإسلام والإيمان كلها، كما أسلفناه. # خامسها: زاد الترمذي في هذا الحديث زيادة مهمة: "قلت: يا رسول الله! ما ~~أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا". "حديث حسن صحيح" (¬2). # * * * PageV01P266 ### | AUTO الحديث الثاني والعشرون # عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنهما -: أن رجلا ~~سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات، ~~وصمت رمضان، وحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا؛ أأدخل (¬1) ~~الجنة؟ قال: "نعم". # رواه مسلم (¬2). # * * * # الكلام عليه من وجوه: # أحدهما: في التعريف براويه: # هو أبو عبد الله -ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد- جابر بن عبد ~~الله بن عمرو بن حرام -بالحاء والراء المهملتين- الخزرجي السلمي، صحابي ابن ~~صحابي، شهد ما بعد أحد (¬3)، وشهد العقبة مع أبيه وهو صبي، وصفين مع علي، ~~واستغفر له الشارع. # مات بعد السبعين وقد جاوز التسعين، وكان عمي (¬4). # ثانيها: هذا السائل هو النعمان بن قوقل -بقافين ولام- فيما قاله بعض PageV01P267 # الشراح (¬1). # ثالثها: "أرأيت" همزة استفهام دخلت على "رأيت". # ومعنى: "حرمت الحرام" اجتنبته. # و"حللت الحلال" فعلته معتقدا حله. # قال ابن الصلاح: "والظاهر أنه قصد به اعتقاد حرمته، وألا يفعله. بخلاف ~~تحليل الحلال فإنه يكفي فيه مجرد اعتقاد كونه حلالا" (¬2). # قال القاضي (¬3): "وهذا السائل إنما سأل ms095 عن دخول فعل ما يجب عليه، ~~والانتهاء عما حرم عليه الجنة؛ فأجابه بنعم، ولم يذكر له في الحديث شيئا من ~~التطوعات على الجملة، وهو دال على جواز تركها! لكن من تركها ولم يعمل شيئا ~~منها؛ فقد فوت على نفسه ثوابا جما، ودوامه عليه دال على نقص دينه، والقدح ~~في عدالته، فإن كان تركه تهاونا بها، ورغبة عنها كان فاسقا مذموما". # ثم نقل عن علمائهم: "لو أن أهل بلدة تواطئوا (¬4) على ترك سنة؛ قوتلوا ~~عليها، حتى يرجعوا. # ولقد كان صدر الصحابة ومن بعدهم مثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم ~~على الفرائض، ولم يكونوا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاج ~~الفقهاء لذكر الفرق لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها، وخوف العقاب ~~على الترك، ونفيه (¬5) إن حصل ترك ما بوجه ما" (¬6). PageV01P268 # وإنما ترك الشارع تنبيهه على السنن والفضائل تسهيلا وتيسيرا لقرب عهدهم ~~بالإسلام، لئلا يكون الإكثار من ذلك تنفيرا، وعلم أنه إذا تمكن في الإسلام ~~وشرح الله صدره رغب فيما رغب فيه غيره، لئلا يعتقد وجوب ذلك، فتركه من ذلك. # وقد أجاب الشارع ذلك السائل بقوله: "لا، إلا أن تطوع" (¬1) لما سأله عن ~~الصلاة والصوم. # وللبخاري في كتاب الصوم: "والله لا أتطوع شيئا" (¬2)، وفي لفظ: "إن تمسك ~~بما أمر به دخل الجنة" (¬3). نعم؛ من أتى بها كان أفلح ممن لم يأت، وإنما ~~شرعت النوافل لتتميم ما نقص من الفرائض، فترك ذلك تسهيلا عليهم إلى أن ~~تنشرح صدورهم، ومن المعلوم أن هؤلاء ما سوغ لهم ترك الوتر ولا العيدين، ولا ~~ما فعله في الجماعة. # رابعها: إنما لم يذكر الحج في هذا الحديث، لعموم فرضه إذ ذاك، كما سلف في ~~حديث ابن عمر، نعم؛ هو يندرج في تحريم الحرام، لأن ترك الحج وغيره من ~~الواجبات حرام، وهو قاعدة جامعة لأصول الدين وفروعه، لأن الأفعال: إما ~~قلبية أو بدنية، وكل ذلك إما أصلية أو فرعية، ثم المأذون فيها هو الحلال ~~والممنوع الحرام، واللام في "الحلال" و"الحرام" للاستغراق؛ فإذا أحل كل ~~الحلال، وحرم كل الحرام ms096 فقد أتى بجميع وظائف الدين ودخل الجنة آمنا. PageV01P269 # خامسها: فيه ذكر رمضان من غير ذكر الشهر؛ وهو الصحيح. # * * * PageV01P270 ### | AUTO الحديث الثالث والعشرون # عن أبي مالك الحارث بن عامر الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، ~~وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء (¬1) والأرض، والصلاة ~~نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، ~~فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها". # أخرجة مسلم (¬2). # * * * # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الحديث من أفراد مسلم، بل لم يخرج عن صحابيه في كتابه شيئا. # وأخرج له "مسلم" حديثا آخر: "أربع من أمر الجاهلية" (¬3). PageV01P271 # نعم؛ له في موضع عن أبي مالك الأشعري -أو أبي عامر على الشك- في ~~"المعازف" (¬1). # وأخرجه الترمذي أيضا، وفي رواية له: "التسبيح نصف الإيمان، والحمد لله ~~تملؤه، والتكبير يملأ ما بين السموات والأرض، والصوم نصف الصبر" (¬2). # وفي رواية أخرى: "ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص له" (¬3). # وللبيهقي (¬4): "وسبحان الله والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض، ~~والصوم جنة" بدل: "الصلاة نور". # وفي اسمه أقوال كثيرة نحو عشرة أقوال، وهو معدود في الشاميين: الحارث بن ~~الحارث، أو عبيدة، أو عبيد الله، أو عمرو، أو كعب بن عاصم، أو كعب بن كعب، ~~أو عامر بن الحارث بن هانئ بن كلثوم، هذا في "تهذيب" المزي (¬5). # وقال ابن حبان: "الحارث بن مالك" (¬6). # وفي العسكري -عن بعضهم-: "كعب بن مالك". PageV01P272 # قال أبو أحمد في "كناه": "أمره يشتبه جدا" (¬1). # ولم أر فيها ما ذكره المصنف من أن اسمه: الحارث بن عامر، لا جرم أن في ~~بعض النسخ: ابن عاصم. # وطعن هو ومعاذ، وأبو عبيدة، وشرحبيل بن حسنة في يوم واحد (¬2). # ثانيها: هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، قد اشتمل على مهمات من قواعد ~~الدين، ولنحصر الكلام عليه في مواضع: # أولها: "الطهور" المراد به هنا الفعل؛ فهو مضموم الطاء، ويجوز فتحها، وإن ~~قال القرطبي في "مفهمه": "إنما ms097 روي بالفتح" (¬3). أما الفتح: فما يتطهر به ~~من جامد ومائع، وقيل: فيه الضم أيضا. # قال المصنف -رحمه الله-: "والمراد به هنا: الوضوء" (¬4). # قلت: بل هو أعم منه ومن الغسل وغيرهما، ولذلك عبرت بقولي: الفعل، والمراد ~~به أيضا: الطهارة من المستخبثات الباطنة. # ورواية ابن حبان في "صحيحه": "إسباغ الوضوء شطر الإيمان" (¬5). # والمراد: إتمامه. PageV01P273 # ثانيها: أصل "الشطر": النصف، قال ابن دريد في "الجمهرة": "النصف من كل ~~شيء" (¬1). # وقال صاحب "المجمل": "شطر كل شيء: نصفه" (¬2). # قلت: في حديث "الإسراء" ما يدل على أن الشطر يكون الجزء، بقوله في ~~الصلاة: "فوضع شطرها -قال ذلك ثلاثا-" (¬3)، فلو كان الشطر بمعنى النصف كان ~~قد سقط الكل في الثاني. # وفي "النسائي": " ... فجعلها أربعين، ... فجعلها ثلاثين، ... فجعلها ~~عشرين، ... ثم عشرة، ... ثم خمسة" (¬4). # واختلف في معنى كونه "شطر الإيمان" على أوجه (¬5): # أحدها: أن منتهى تضعيف ثوابه إلى نصف أجر الإيمان. # ثانيها: أن الإيمان يجب ما قبله من الخطايا؛ فكذا الطهور، لكن صحته ~~متوقفة على الإيمان، فصار نصفا. # ثالثها: أن المراد بالإيمان: الصلاة، والطهور شرط لصحتها؛ فكان كالشطر، ~~وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفا حقيقيا، وهذا القول أقربها، PageV01P274 # ويشهد له قوله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] أي: ~~صلاتكم إلى بيت المقدس (¬1). # ولا شك أن الإيمان شرط باطن لصحتها، والطهور شرط ظاهر لها؛ فاقتسماها، ~~والإيمان تصديق بالقلب، وانقياد بالظاهر، وهما شطرا (¬2) الإيمان، والطهارة ~~متضمنة للصلاة، فهي انقياد في الظاهر. # ثالثها: معنى "الحمد لله تملأ الميزان" أن ثوابها يملؤه خيرا، ومعناه: ~~عظم أجرها؛ فيملأ ميزانه. # وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل الموازين وخفتها، ~~وسبب الموازنة المناسبة في الملء أن "اللام" في "الحمد" لاستغراق جنس الحمد ~~الذي يجب لله ويستحقه بملء الميزان؛ فكذا ثوابه. # و"تملأ": بالمثناة فوق، ويرجع إلى اللفظ أو الجملة، ويصح بمثناة تحت، ~~ويرجع إلى الحمد نفسه، والظاهر أن المراد هذا اللفظ فقط. # رابعها: "الميزان" مفعال من الوزن، وأصله موزان، فانقلبت الواو ياء ~~لانكسار ما قبلها، ومثله: ميعاد وميقات، ونحو ذلك، لأنهما من الواعد ~~والوقت. ms098 PageV01P275 # وهذا الحديث ظاهر في ثبوت الميزان ذي الكفتين واللسان (¬1) في المعاد، ~~وحقيقته كما قلناه (¬2). # وخالفت المعتزلة؛ وبعضهم قال: الميزان كناية عن إقامة العدل في الحساب لا ~~أنه ميزان حقيقة ذو كفين ولسان، كما يقال: يد فلان ميزان، وهو قول جمهور ~~المعتزلة، وبعضهم يجوزه ولا يقطع به (¬3)، والظواهر مع أهل السنة أنه ~~حقيقة. وقد قيل: "يا رسول الله! أين نجدك في القيامة؟ قال: عند الحوض، أو ~~الصراط، أو الميزان" (¬4). PageV01P276 # قال الغزالي -رحمه الله-: "وصفته في العظم أنه مثل طباق السموات والأرض، ~~توزن فيه الأعمال بقدرة الله تعالى، والصنج (¬1) يومئذ مثاقيل الذر ~~والخردل، تحقيقا لتمام العدل، وتطرح الحسنات في كفة النور، فيثقل بها ~~الميزان على قدر درجتها عند الله بفضله، وتطرح صحائف السيئات في كفة ~~الظلمة، فتخف بها الميزان بعدله" (¬2). # قال ابن عباس -فيما نقله الواحدي-: "يؤتى بعمل المؤمن في أحسن صورة، ~~فيوضع في كفة الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله تعالى: {فمن ~~ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8)} [الأعراف: 8] , وهذا كقوله: {ونضع ~~الموازين} [الأنبياء: 47] الآية" (¬3). # وإنما قال: {موازينه} على الجمع حملا له على معنى من دون لفظها، أو أن ~~المراد بالموازين: الموزونات كما ذهب إليه بعضهم. "ويؤتى بعمل الكافر في ~~أقبح صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه، فذلك قوله: {فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم} [الأعراف: 9] أي: صاروا إلى العذاب". # وروت عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "ثلاث مواطن لا يذكر أحد فيها أحدا إلا نفسه: عند الميزان حتى يعلم ~~أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الصحف حتى يعلم أيأخذ صحيفته بيمينه أم بشماله، ~~وعند الصراط حتى PageV01P277 # يجاوزه" (¬1). # ثم قيل: لكل أمة ميزان، ولكل إنسان ميزان، والأصح أنه واحد، وقوله تعالى: ~~{ونضع الموازين} [الأنبياء: 47] مما أطلق به الجمع وأريد به المفرد، أو ~~أريد به الأعمال الموزونة، أو جمعه باعتبار الأجر، أو كان الوزن بالمثاقيل ~~لظهور مقادير الجزاء، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره (7)} [الزلزلة: 7] وتوزن مظالم العباد فتؤخذ من ظالمها؛ فإن ms099 لم يوجد له ~~حسنات طرح عليه من سيئاته. # خامسها: قوله "تملآن أو تملأ" هو بالمثناة فوق، الأول ضمير مؤنثين ~~غائبين، والثاني "تملأ" ضمير هذه الجملة من الكلام. # وقال صاحب "التحرير": "يجوز (¬2) "تملآن" بالتذكير والتأنيث -على ما ~~ذكرنا-، والتذكير على إرادة (¬3) النوعين من الكلام أو الذكرين". قال: ~~"وأما "تملأ" فمذكر على إرادة الذكر" (¬4). # وهذا التردد كأنه شك من بعض الرواة، وكلا الأمرين جائز لغة -كما قررناه-؛ ~~لأن "سبحان الله" و"الحمد لله" كلمتان في اصطلاح النحاة، ويطلق عليهما: ~~كلمة لغة، كما يسمون الخطبة: كلمة، ويقولون: قال فلان في كلمته، و"تملأ" ~~باعتبار أنها كلمة لغة. PageV01P278 # ومعنى: "سبحان الله": نزهته عما لا يليق به، وهو علم على معنى الربوبية. # ومعنى "الملء": أن ثوابهما لو قدر جسما لملأ ما بين السماء والأرض. # ورواية ابن حبان في "صحيحه" (¬1): "والتسبيح والتكبير ملء السموات ~~والأرض". وسببه ما اشتملتا عليه من التنزيه. # قال المصنف: "والتفويض إلى الله تعالى" (¬2). أي: من عموم الحمد؛ إذ ~~يقتضي عموم الحمد على كل حال في السراء والضراء، وذلك تفويض؛ فإذا حمد ~~مستحضرا معناه في قلبه امتلأ ميزانه حسنات، فإن أضاف إليه التنزيه ازداد، ~~وذكر السموات والأرض على العادة. # سادسها: قوله "والصلاة نور" أي: باعتبار نهيها عن الفحشاء والمنكر، فتمنع ~~من اقترافها، وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء به. # أو أن ثوابها يكون نورا لصاحبها يوم القيامة. # أو أنها سبب في استنارة القلب؛ فبسببها تتشرق أنوار المعارف وانشراح ~~القلب، وكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها، وإقباله على الله ظاهرا وباطنا. ~~قال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45]. # ومنه: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" (¬3). PageV01P279 # أو أنها تكون نورا ظاهرا على وجهه في الآخرة أو في الدنيا بخلاف من لم ~~يصل (¬1): {نورهم يسعى بين أيديهم} [التحريم: 8]، "إن أمتي يدعون يوم ~~القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء" (¬2). # ويحتمل الكل، وهو من باب قولهم: زيد أشد؛ إما مبالغة، ويحتمل أن يكون من ~~قولهم: رجل عدل؛ فإما أن يكون جعله نفس العدل، أو معناه: ذو عدل، على حذف ~~مضاف، أو عادل. ms100 # فعلى الأول: جعل الصلاة نفس النور للمبالغة. # وعلى الثاني: ذات النور لصاحبها. # وعلى الثالث: منيرة بوجهه إذا فعلها بشروطها ومكملاتها؛ فتنور القلب بحيث ~~تشرق فيه أنوار المعارف والمكاشفات "وجعلت قرة عيني في الصلاة"، وتنور بين ~~يديه ووجهه يوم القيامة؛ فيكون ذا غرة وتحجيل، والنور مشاهد في الدنيا على ~~وجهه، لا سيما المتقي بخلاف عكسه، وروي: "من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار" (¬3). # سابعها: معنى "والصدقة برهان" أي: أنها حجة لصاحبها في أداء حق PageV01P280 # المال، أو أنها حجة في إيمانه؛ لأن المنافق لا يفعلها عادة لعدم اعتقاده ~~لها، فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه، فالمنافقون [يلمزون] (¬1) ~~المطوعين من المؤمنين في الصدقات، أو صحة محبة المتصدق لله ولما لديه من ~~الثواب؛ إذ آثرها على محبة المال فأخرجه لله: {ويطعمون الطعام على حبه} ~~[الإنسان: 8] أي: حب الطعام، أو حب الله. # وعبارة صاحب "التحرير": "يفزع إليها كما يفزع إلى البراهين، كأن العبد ~~إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في جوابه؛ فيقول: ~~تصدقت". قال: "ويجوز أن يوسم المتصدق سيما يعرف بها، فيكون برهانا له على ~~حاله، ولا يسأل (¬2) عن مصرف ماله" (¬3). # و"البرهان" عند أهل اللغة: الحجة، وعند أهل اللسان: هو الحجة المركبة من ~~مقدمات قاطعة، وهو حاصل هنا، فإنه يقال مثلا: فلان يؤدي الزكاة ومن أداها ~~فقد أدى حق المال، ففلان أدى حق المال، أو يقال: فلان أداها طيبة بها نفسه، ~~وكل من أداها كذلك فهو مؤمن؛ ففلان مؤمن (¬4). # ورواية ابن حبان في "صحيحه": "والزكاة برهان" بدل "الصدقة" وهو مفسر لها. # ثامنها: معنى "الصبر ضياء" أي: المحبوب، وهو الصبر على الطاعة والبلاء ~~ومكائد الدنيا وعن المعاصي، ومعناه: لا يزال صاحبه مستضيئا مستمرا على ~~الصواب. PageV01P281 # قال الخواص: "الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة". # وقال ابن عطاء: "إنه الوقوف مع البلاء بحسن الأدب". # وقال الأستاذ أبو علي الدقاق -رحمه الله-: "هو ألا تعترض على المقدور، ~~فأما إظهار البلاء لا على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر، قال تعالى: {إنا ~~وجدناه صابرا نعم العبد إنه ms101 أواب (44)} [ص: 44] " (¬1). # وقيل: معناه: أن ثوابه ضياء ونور في الآخرة. # وقيل: أن أثر الصبر على الطاعات وعن المعاصي نور القلب، وشاهده في قياس ~~العكس: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14)} [المطففين: 14] أي: ~~المعاصي سودت قلوبهم وصيرتها مظلمة (¬2). # فإن قلت: لم فرق بين النور والضياء؛ قال في الصلاة: "نور"، وفي الصدقة: ~~"ضياء"؟ وهل من فرق بينهما؟ # قلت: قد قال الجوهري: "فإنه فسر الضياء بالنور في موضع، والنور بالضياء ~~في آخر" (¬3). # وقيل: إن الضياء أعظم وأبلغ من النور، بدليل قوله تعالى: {هو الذي جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا} [يونس: 5] والشمس أعم نورا من القمر، ولذلك قال ~~الله تعالى: {ذهب الله بنورهم} [البقرة: 17] ولم يقل: بضيائهم؛ لأن نفع ~~الأعم أبلغ. PageV01P282 # وأورد على هذا قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض} [النور: 35]، ~~{وأشرقت الأرض بنور ربها} [الزمر: 69]. # وأجيب بأن معنى "نور": منور. # وأورد ببقاء السؤال، ولم يقل: مضيء. # فأجيب بأن النور أعم وأشمل؛ لأنه يكون ليلا ونهارا، والضياء ليس إلا ~~نهارا بالشمس، على أن المراد بالنور: الهداية؛ أي: هادي أهلها، والعادة ~~الجارية لغة وشرعا أن يقال: نور الهداية، لا ضوء الهداية، وبذلك استعمل في ~~الكتاب والسنة نحو: {يخرجهم من الظلمات إلى النور} [البقرة: 257]، {ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور (40)} [النور: 40]. # وأما الجواب عن {وأشرقت} فهو أن الضوء كالوصف على النور، وإنما يحتاج إلى ~~النور المخلوق الناقص. # أما نور الرب تعالى فهو قديم كامل لا يحتاج إلى معنى زائد يضيء به، كما ~~أن القديم لذاته لا يحتاج إلى علة (¬1) توجده، ويحتمل أن المعنى: أشرقت ~~ملائكة ربها، أو بعدل ربها (¬2)؛ بدليل أن الأرض لو أشرق عليها نور الرب ~~-جل جلاله- لاضطربت وتصدعت كالجبل لما تجلى له، ولا يلزم من نور الملائكة ~~والعدل أن يكون ضوءا. # والفرق في الحديث: أن الصبر أحسن من الصلاة؛ لاشتماله على الصلاة وغيرها ~~من الطاعات، أو تعلقه بذلك؛ إذ هو: حبس النفس على الطاعة وعن PageV01P283 # المعصية، فكان جعله ضياء -الذي هو أخص من النور- أولى، ولأن الرب -جل ~~جلاله- قال: ms102 {واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45] والتقديم يؤذن ~~بالاهتمام. # وقال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} [السجدة: 24] ولم ~~يقل: لما صلوا. وقال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10)} ~~[الزمر: 10]. # وفي الحديث: "ما أعطي عبد خيرا أوسع عطاء من الصبر" (¬1) ولم يأت ذلك ~~لغيرهم. # قال القرطبي -رحمه الله- في "مفهمه": "رواه بعض المشايخ "والصوم" بدل ~~"الصبر" وقد يعبر عنه بالصبر، وقد قيل ذلك في قوله: {واستعينوا بالصبر ~~والصلاة} " (¬2). # والصواب: أنه غير الصوم. # فكل من جد في أمر يطالبه ... واستعمل الصبر إلا فاز بالظفر # تاسعها: قوله "والقرآن حجة لك أو عليك" معناه: إن عملت به واهتديت ~~بأنواره كان حجة لك، وإن أعرضت عنه كان حجة عليك في المواقف التي تسأل فيها ~~عنه، كمساءلة الملكين في القبر، وعند الميزان، وفي عقبات الصراط. # وفي الحديث: "القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، من قدمه أمامه قاده إلى ~~الجنة، ومن جعله وراءه دفعه في قفاه إلى النار" (¬3). ذكر معناه PageV01P284 # ابن الأنباري (¬1). # وإنما تقوم الحجة بالقرآن لمن اتبعه عملا، وإن حفظه فذكره وتعاهد تلاوته. # قال القرطبي - رحمه الله - في "مفهمه": "ويحتمل أن المراد: أن القرآن هو ~~الذي ينتهى إليه عند التنازع في المباحث الشرعية والوقائع الحكمية، وبه ~~تستدل على صحة دعواك، وبه تستدل على خصمك" (¬2). # العاشر: قوله: "كل الناس يغدو .. " إلى آخره؛ أي: يسعى، فمنهم من يبيع ~~(¬3) نفسه بالطاعة فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان لطاعته ~~فيوبقها؛ أي: يهلكها بسخط الله تعالى، ومنه: {أو يوبقهن بما كسبوا} ~~[الشورى: 34]. # ومعنى "يغدو": يبكر؛ أي: كل إنسان يصبح ساعيا في أموره، متصرفا في ~~أغراضه. # والرواح بعد الزوال، والغدو قبله، قاله الجوهري (¬4). # وقال الأزهري: "معنى "راح": مضى؛ لأنهما مستعملان عند العرب في السير أي ~~وقت كان من ليل أو نهار، يقال: راح في أول النهار وآخره يروح، وغدا بمعناه" (¬5). # * * * PageV01P285 ### | AUTO الحديث الرابع والعشرون # عن أبي ذر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -فيما يرويه عن الله عز وجل- ~~أنه قال: # "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما؛ فلا تظالموا. ms103 # يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم. # يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته؛ فاستطعموني أطعمكم. # يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته؛ فاستكسوني أكسكم. # يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا، ~~فاستغفروني أغفر لكم. # يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. # يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ~~منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئا. # يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ~~منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئا. # يا عبادي! لو [أن] (¬1) أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد ~~فسألوني؛ فأعطيت كل إنسان مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما PageV01P286 # ينقص المخيط إذا دخل البحر. # يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها؛ فمن عمل خيرا ~~فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". # أخرجه مسلم (¬1). # * * * # هذا حديث قدسي رباني، وإسناده دمشقيون، وراويه سلف. # وقد ساقه المصنف في "أذكاره" (¬2) بإسناده وختم به، وفيه: عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن جبريل عن الله ... ، ثم نقل عن أبي مسهر، عن سعيد ~~بن عبد العزيز: "أن أبا إدريس -راويه عن أبي ذر - رضي الله عنه - كان إذا ~~حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه" (¬3). # وهو حديث مشتمل على قواعد عظيمة في أصول الدين وفروعه وآدابه، ولطائف ~~القلوب وغيرها. # وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- أنه قال: "ليس لأهل الشام ~~حديث أشرف منه" (¬4). PageV01P287 # وأخرجه ابن ماجه بزيادة: "يا عبادي! كلكم مذنب إلا من عافيت؛ فسلوني ~~المغفرة أغفر لكم، ومن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة؛ فاستغفرني بقدرتي ~~غفرت له ... # وكلكم فقير إلا من أغنيت؛ فسلوني أرزقكم. # ولو أن حيكم وميتكم، وأولكم وآخركم، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا فسألوني (¬1) ~~فكانوا على قلب أتقى عبد من عبادي؛ لم يزد في ملكي جناح بعوضة. ولو اجتمعوا ~~فكانوا على قلب أشقى عبد من عبادي؛ لم ينقص ms104 من ملكي جناح بعوضة. # ولو أن حيكم وميتكم، وأولكم وآخركم، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا فسأل كل سائل ~~منهم ما بلغت أمنيته؛ ما نقص من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر [بشفة] (¬2) ~~البحر، فغمس فيها إبرة ثم نزعها. ذلك [بأني] (¬3) جواد ماجد. عطائي كلام. ~~إذا أردت شيئا فإنما أقول له: كن فيكون" (¬4). # * * * PageV01P288 # الكلام عليه من وجوه -بعد أن يعلم أنا تكلمنا على لفظ "العبد" في خطبة ~~"شرح المنهاج" وأوضحنا جميعه فيه-: # أحدها: "لا تظالموا" هو بفتح التاء، أصله: تتظالموا، حذفت إحدى التاءين ~~تخفيفا. # ومعنى: "حرمت الظلم على نفسي": تقدست عنه وتعاليت، فإنه مستحيل في حقه؛ ~~لأنه مجاوزة في الحد أو التصرف في غير ملك، وهما جميعا محالان في حقه ~~بالإجماع. وذلك: لأن الظلم إنما يتصور في حق من حدت له حدود، ورسمت له ~~مراسيم؛ فمن تعداها كان ظالما، والرب جل جلاله هو الذي حد ورسم؛ إذ لا حاكم ~~فوقه، ولا حاجز عليه، ولا يجب عليه حكم، ولا يترتب عليه حق، ولا يتصور ~~الظلم في حقه، ومحل الخوض في ذلك "علم الكلام"! (¬1)، ومن يقول بالتحسين ~~والتقبيح العقلي يقول به أيضا لقبحه (¬2). PageV01P289 # وأبعد من قال: بقدرته عليه، ويتصور منه لكنه لا يفعله عدلا وتنزها عنه؛ ~~احتجاجا بقوله تعالى: {وما أنا بظلام للعبيد (29)} [ق: 29] فقد تمدح به ولا ~~يمدح PageV01P290 # عادة إلا بما يقدر عليه؛ فمعنى "حرمت الظلم على نفسي": منعتها منه، ولأنه ~~تعالى عامل عباده معاملة المستأجر مع الأجير حيث قال لأهل الكتاب: "هل ~~ظلمتكم من أجوركم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء" (¬1). # والمستأجر منا يصح منه ظلم الأجراء؛ ولأن ترك الظلم مع المكانة والقدرة ~~عليه أمدح من تركه مع استحالته والعجز عنه، كما أن ترك الفحل الزنا أمدح له ~~بالعفاف من الخصي والعنين (¬2)، وليس هذا موضع الخوض فيه (¬3). # ومعنى: "وجعلته بينكم محرما": حرمته عليكم ومنعتكم منه شرعا. # والظلم لغة: وضع الشيء في غير موضعه. # وشرعا: التصرف في غير ملك أو في ملك الغير. # [ويحتج بها أهل القدر، ووجه الحجة أنه ms105 نهى عن الظلم، فلو كان خالقا له ~~لكان ناهيا عما خلق، وهو باطل] (¬4). PageV01P291 # وجوابه: أن لله في خلقه تصريفين: باطنا وظاهرا (¬1)؛ فالظاهر ينهى عنه، ~~والباطن (¬2) يخلقه حقيقة (¬3). # و"لا تظالموا": لا يظلم بعضكم بعضا. والأصل: تتظالموا، وحذفت إحداهما ~~تخفيفا كما سلف. # ويجوز: "تظالموا" بالتشديد، وإدغام إحدى التاءين فيها، وربما روي كذلك. # قال بعض العلماء في هذا الحديث: إنه لا يسوغ لأحد أن يسأل الله ألا يحكم ~~له على خصمه إلا بالحق؛ لقوله: "إني حرمت الظلم على نفسي" فهو تعالى لا ~~يظلم عباده؛ فكيف يظن ظان أنه يظلم عباده لغيره؟! ولذلك قال: "فلا ~~تظالموا". PageV01P292 # قلت: وقد قال تعالى: {قال رب احكم بالحق} [الأنبياء: 112] "وأمر الرب ~~تعالى لرسوله بذلك دليل الجواز، والإجابة والعدة بها". كما قال ابن عطية في ~~"تفسيره" (¬1). وكذا قوله: {وقل رب اغفر} [المؤمنون: 118] لا فرق بين قوله: ~~{احكم بالحق} أو: "لا تحكم إلا بالحق" إلا أن يكون المعنى: عاملهم بعدلك ~~وفضلك (¬2)، فيكون دعاء عليهم. # وقريب من هذا ما نقل عن بعض العلماء أنه قال في قوله تعالى: {ربنا لا ~~تؤاخذنا} [البقرة: 286] الآية: إن من الاعتداء أن تؤمن عند قراءة هذه ~~الثلاثة لا عند قوله: {واغفر لنا} [البقرة: 286] إلى آخر السورة، وهو خلاف ~~ما جاء في "صحيح مسلم" (¬3)، فإن فيه: "قال: نعم" في الجميع. # ويروى أن جبريل قال -لما قرأ ذلك رسوله- قال: "نعم، قد فعل" في الجميع ~~إلى آخر السورة (¬4). # رجعنا إلى ما كنا فيه؛ والمعنى: أنه لابد من اقتصاصي للمظلوم من الظالم، ~~ومصداقه قوله تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} ~~[النساء: 148] والمعنى -والله أعلم-: أنه ندب أو إباحة للمظلوم أن يجهر ~~بذكر قصته باسم من ظلمه؛ ليقع بذلك بين الناس فيكون مشاع ذلك عذرا للقدر ~~للإيقاع بالظلم، ليجمع في ذلك بين أن يعرف الناس أنه الله سبحانه لم PageV01P293 # يوقع بمن ظلم إلا انتصارا منه لمن كان ظلم، وليعلم العباد أن من وراء ~~الظالمين طالبا لا يرد بأسه، وهذا كذلك إلا أن ممن وراء هذا إيضاحا ms106 آخر ~~لولاه لم يكن يمهل ظالم في الأرض فواق ناقة، وتلك الحالة أن الخلق كلهم ~~عبيد له وملك؛ فإذا ظلم بعضهم بعضا فالمظلوم لا يستحق على الظالم إلا أن ~~يمكنه سيده، إذ من جنى على عبد جناية فالحاكم فيها سيده، فالخلق كلهم لله ~~يحكم أروش (¬1) جنايتهم حقوقه؛ فله أن يمهل وأن يقتص. # ثانيها: قوله: "كلكم ضال إلا من هديت" هذا كقوله تعالى: {من يهد الله فهو ~~المهتدي} [الأعراف: 178] وإيضاحه أنه -تعالى- خلق للنفس قواها وطباعها (¬2) ~~ومن أرصد لها من الأهواء والشياطين مائلة إلى الضلال، فمن أراد ضلاله أرسله ~~على سجيته وتخلى عنه، ومن أراد هدايته عارضه بأسباب الهدى فصده عن (¬3) ~~الضلال فاهتدى، قال الله تعالى: {والله يدعو إلى دار السلام} [يونس: 25]. # ومعنى "فاستهدوني": [سلوني] (¬4) الهداية، واعتقدوا أنها لا تكون إلا من ~~فضلي وبأمري "أهدكم". PageV01P294 # ورواية ابن ماجه: "فسلوني الهدى أهدكم" (¬1). ويتجدد الشكر كلما ازداد ~~هدى، ولو هداه من قبل أن يسأله له لما قال: {قال إنما أوتيته على علم عندي} ~~[القصص: 78]. # وهذا الحديث حجة لأهل الحق: أن الهدى والضلال خلقه [وفعله يختص بما شاء ~~منهما من شاء من خلقه، وأن ذلك] (¬2) لا قدرة لغيره عليه، قال تعالى: {كذلك ~~يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} [المدثر: 31] وقال: {وما كنا لنهتدي لولا ~~أن هدانا الله} [الأعراف: 43]، وقال: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} ~~[الإنسان: 30]، وقال: {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم (25)} [يونس: 25] فعم بالدعوة، وخص بالهداية من سبقت له العناية. # ثالثها: قوله: "كلكم جائع ... " إلى آخره، أي: الناس عبيد، ومن شأن العبد ~~عدم الملك، وخزائن الرزق بيد المولى؛ فمن لا يطعمه بفضله بقي جائعا بعدله، ~~إذ ليس عليه إطعام عبده، وأما قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على ~~الله رزقها} [هود: 6] فالتزام بفضل، لا أن علفة الدابة (¬3) حق بالأصالة، ~~وشبه هذا قوله تعالى: {إنما التوبة على الله} [النساء: 17] الآية، أي: ~~تفضلا منه لا إلزاما، والإطعام إما: بسوق الرزق، أو تسهيل الآلة المتناولة له. # وفي بعض ms107 كتب الحكمة: أن عيسى -صلوات الله وسلامه عليه، وعلى PageV01P295 # سائر الأنبياء-[قال] (¬1): "ابن آدم؛ أنت أسوأ بربك ظنا حين كنت أكمل ~~عقلا؛ لأنك تركت الحرص جنينا محمولا، ورضيعا مكفولا، ثم ادرعته (¬2) عاقلا ~~قد أصبت رشدك، وبلغت أشدك" (¬3). # ومعنى "فاستطعموني أطعمكم": سلوني الطعام "أطعمكم" بتقدير أسبابه وتيسير ~~طلابه: {واسألوا الله من فضله} [النساء: 32]، ولا يستنكف جبار ولا غني أن ~~يستطعمني؛ فإن ذلك لجهله، لأن ما في يده ملكي. # وفيه تأديب للفقراء؛ أي: اطلبوا مني، فأنا الذي أطعمهم: {إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين (58)} [الذاريات: 58] فالرب جل جلاله يسخر السحاب، ~~ويسقي البلاد، ويحرك القلوب للإعطاء، ويحوج بعضا إلى بعض للنفع، وتصرفه في ~~عالمه عجيب يعجز عنه الفطن اللبيب. # رابعها: قوله: "كلكم عار إلا ... " إلى آخره، فيه أن الكسى (¬4) من الرب ~~جل جلاله متنوعة؛ فقد يكسو جسدا عريا ويكسو ستره الجميل؛ فمن كسوته لباس ~~التقوى فلا قدرة لأحد على نزعه. # والحاصل من كل ذلك: التنبيه على فقر العبد، وعجزه عن طلب المنافع، ودفع ~~المضار إلا بتيسيره. # خامسها: "تخطئون" بالهمز، وضبطه بعض الفضلاء بفتح التاء والطاء، PageV01P296 # على وزن "تقرؤون" من الإقراء، وقال: أخطأ يخطئ رباعي إذا فعل عن غير قصد، ~~وخطئ يخطأ كعلم يعلم ثلاثيا: إذا فعل عن قصد (¬1)، ومنه: {ناصية كاذبة ~~خاطئة (16)} [العلق: 16] قال: وإنما وجب أن يكون هاهنا "تخطئون" ثلاثيا؛ ~~لأنه جعله ذنبا يغفر، لقوله: "وأنا أغفر الذنوب جميعا"، والخطأ عن غير قصد ~~معفو عنه لا يعتد به أصلا ذنبا ولا غيره، لدفع الخطأ والنسيان عن هذه الأمة (¬2). # وقال النووي -رحمه الله- في "شرح مسلم": "الرواية المشهورة "تخطئون" بضم ~~التاء، وروي بفتحها وفتح الطاء، يقال: خطئ إذا فعل ما يأثم به فهو خاطئ، ~~ومنه: {إنا كنا خاطئين} [يوسف: 97] ويقال في الآية -أيضا-: أخطأناك (¬3)؛ ~~فهما صحيحان" (¬4). # قلت: وفي هذا الكلام الشريف من التوبيخ والتأنيب ما يستحيي منه كل مؤمن، ~~وذلك أنه إذا لمح العبد الفطن أن الله خلق الليل ليطاع فيه سبحانه سرا، PageV01P297 # ويعبد بالإخلاص على خلوة من الناس حيث تسلم الأعمال -غالبا- عن الرياء ms108 ~~والنفاق ومشاهدة الخلق، أو لا يستحيي المؤمن أن ينفق الليل فيما خلق له من ~~الطاعة حتى يخطئ فيه ويعصي الله في مطاويه، والنهار لا يخطئ فيه جهارا، ~~يشهد له الخلق عند الحق. # وانظر إلى قوله: "جميعا" ما أحسنه لئلا يحصل القنوط، وهو مثل قوله تعالى: ~~{إن الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 53] وهو عام خص منه الشرك وما شاء ألا ~~يغفره؛ لقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء} [النساء: 48]. # وقوله: "بالليل والنهار" وهو من باب مقابلة الجمع بالجمع؛ أي: تصدر منكم ~~الخطيئات ليلا ونهارا، من بعضكم ليلا، ومن بعضكم نهارا، إذ الغالب أن العبد ~~لا يستغرق الزمن كله في الخطايا. # وقوله: "فاستغفروني" أي: أطلبوا مني المغفرة "أغفر لكم" وفي الحديث "لو ~~لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم" (¬1) ~~وأصل الغفر: الستر، وغفرت المتاع: سترته، والمغفرة والمغفر لسترة الرأس، ~~وغفر الذنب: ستره ومحو أثره. # سادسها: قوله "يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري ... " إلى آخره؛ أي: لا ~~يتعلق بي ضر ولا نفع فتضروني أو تنفعوني؛ ولأن العبد فقير مطلق، والرب جل ~~جلاله غني مطلق، والفقير المطلق لا يملك ضرا ولا نفعا خصوصا للغني المطلق، ~~قال تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ~~(15)} [فاطر: 15] وقام الإجماع على تنزيه الباري تعالى وتقديسه، وأنه غني ~~بذاته، لا يلحقه ضر PageV01P298 # ولا نفع، ولا يحتاج إلى ذلك. # وظاهر الحديث: أن لضره ونفعه غاية، لكن لا يبلغها العباد، فلتؤول على ما ~~دل عليه الإجماع. # سابعها: قوله: "يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم ... " إلى آخره؛ أي: تقواهم ~~لا يزيد في ملكه شيئا، ولا فجورهم ينقصه؛ لأن ملكه مرتبط بقدرته وإرادته، ~~وهما دائمان لا انقطاع لهما، فكذا ما ارتبط بهما، وإنما غائلة الفجور على ~~أهله تعود؛ فالتقوى رحمة لهم وسعادة، والفجور نقمة وشقاوة. # ثامنها: قوله "يا عبادي! ... " إلى آخره، فقوله: "في صعيد واحد" أى: في ~~أرض واحدة ومقام واحد. # وقوله: "ما نقص ... " إلى آخره، ms109 سببه: أن ملكه بين الكاف والنون، إذا ~~أراد شيئا قال له: كن، فكان. # وفي بعض الآثار: "عطائي كلام، ورضائي كلام" (¬1) أو نحو ذلك، وقد سلف ~~بعضه عن "سنن ابن ماجه" إشارة إلى "كن" ولا يستنكر العطاء الكبير مع عدم ~~النقص؛ فالنار والعلم يقتبس منهما ما شاء الله ولا ينقص منهما شيء، بل يزيد ~~العلم على الإعطاء، وهذا مثل قصد به التقريب للأفهام بما تشاهده؛ فإن ماء ~~البحر من أعظم المرئيات وأكبرها، وغمس الإبرة فيه لا يؤثر، فضرب ذلك مثلا ~~لخزائن رحمته وفضله؛ فإنها لا تنحصر ولا تتناهى، وأن ما أعطي منها من أول ~~الخلق، وما يعطى منها إلى يوم القيامة لا ينقص منها شيئا، وهذا نحو قوله في ~~الحديث الآخر: "يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار، لا يغيضها PageV01P299 # شيء، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، لم ينقص ما في يمينه" (¬1) ~~وسر ذلك: صلاحية القدرة للإيجاد دائما من غير عجز وقصور، والممكن لا ~~يتناهى، فما يؤخذ منها لا ينقص شيئا منها (¬2). # وقوله: "إلا كما ينقص المخيط من البحر" أي: لا ينقص شيئا؛ لأن الإبرة لا ~~يتعلق بها من الماء شيء، وهذا بظاهره مخالف لقول الخضر: "ما نقص علمي وعلمك ~~من علم الله إلا كما نقص هذا [العصفور] (¬3) " (¬4) فإن نقر العصفور من ~~البحر لا بد أن ينقصه شيئا -وإن قل- بخلاف الإبرة؛ لكن ليس المراد أن ~~علمهما نقص من علم الله قليلا أو كثيرا؛ إنما المراد: تقريب أنه لم ينقص من ~~علم الله أصلا. # ويحكى أن رجلا سأل ابن الجوزي -رحمه الله-: هل ينقص شرب العصفور من ~~البحر؟ فقال: "فمعه شيء يضعه فيه"؟! (¬5). # وهذا جواب على جهة التحقيق، وقول الخضر لموسى على جهة التقريب، وإلا لو ~~فرضنا الوجود مملوءا حبا وأخذ العصفور منه واحدة لنقصت بالضرورة؛ لكن ليس ~~نقصا محتفلا به (¬6). # ففيه تنبيه الخلق على الإقبال والمسألة؛ فلا يحتقر سائل ولا يقتصر: PageV01P300 # {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} [النحل: 96]. # فائدة: "ينقص" تستعمل لازما نحو: نقص المال، ومتعديا نحو: نقصت زيدا حقه. ms110 # وينقص المخيط هنا متعد؛ لأن محل البحر نصب به. # و"المخيط": الإبرة ونحوها -بالكسر، ثم خاء معجمة ساكنة، ثم ياء مفتوحة- ~~وهو من الآلات، فلذا كسر أوله. # تاسعها: معنى "أحصيها لكم": بعلمي وملائكتي الحفظة، لأوفيكم جزاءها ~~وثوابها، فحذف المضاف فانقلب الضمير المخفوض منصوبا منفصلا كالمفعول ~~المحذوف. # وفائدة الحفظة مع العلم: الشهادة على العبد المسكين: {اقرأ كتابك كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا (14)} [الإسراء: 14]. # ملأت كتوب الكاتبين مآثما ... فإن كنت تنساها فربك يعلم # فكفى بالكرام الكاتبين شهودا، وبرب العباد حسيبا. # تنبيه: السر في التصريح بالخير والتكنية عن غيره بقوله: "ومن وجد غير ~~ذلك" ولم يقل: "ومن وجد شرا" مجانبة لفظه، فإذا اجتنب لفظه فكيف الوقوع ~~فيه؟ والخير كله مفاضلة، لأن قولك: زيد خير، أي: هو خير من خير كله. # وأكد "ليلومن" بالنون للتحذير أن يخطر في قلب عاقل أن [مستحق] (¬1) اللوم ~~غير نفسه؛ لأن الله تعالى أوضح الطريق وأعذر وحذر وأنذر، ولا حجة PageV01P301 # لأحد بعد الرسل. # ومن قلة الإنصاف: إسناد التوفيق إلى النفس، وإسناد غيره إلى القدر، ~~والظلم من شيم النفوس، والطاعات علي العبد حمد الله عليها، وضدها عليه لوم ~~نفسه وإن كانت مقدرة، لأنها من كسبه وتفريطه، والحديث دال علي انحصار فائدة ~~الناس في المعاد، وكل ما يتفضل به الرب - جل جلاله - فهو غير لازم عليه؛ ~~فكل ما خلق فهو محتاج إليه. # خاتمة: تكرر في الحديث "يا عبادي! " وهو متناول للنساء لكن بقرينة ~~التكليف، وأما الخطاب المختص بالذكور أو بالإناث؛ فحكمه لائح والصالح لهما ~~يعمهما، واختلف في نحو: "المسلمين" و"المؤمنين"؛ هل يتناول النساء أم لا؟ ~~والأشبه المنع وضعا، بل بقرينة أو عرف. # أخرى: حاصل قوله: "كلكم ضال إلا من هديته"، "كلكم جائع"، "كلكم عار" ~~التنبيه على فقر العبد وعجزه عن جلب ودفع إلا بيده، وهو تنبيه علي معنى ~~قوله: "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". # وقد قال في آخره: "يا عبادي! إنما هي أعمالكم ... " إلى آخره، فنبه على ~~أن عدم إيجاد الأعمال لا يناقض خطاب التكليف إقداما عليها وإحجاما عنها. # فنحن ms111 وإن كنا نعلم أنا لا نسبقك بحسن بوجدان الفرق بين الحركة الضرورية ~~والاختيارية، وتلك التفرقة راجعة إلى تمكن محسوس وتأدب معتاد يوجد مع ~~الاختيارية ويفقد مع الضرورية، وذلك هو المعبر عنه بالكسب، وهو PageV01P302 # مورد التكليف فلا تناقض ولا تعنيف (¬1). # * * * PageV01P303 ### | AUTO الحديث الخامس والعشرون # عن أبي ذر - رضي الله عنه -: أن ناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور ~~بالأجور، يصلون كما نصلى ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. # قال: "أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة ~~صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، [وأمر] (¬1) بالمعروف صدقة، ونهي ~~عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة". # قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! # قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال ~~كان له أجر". # رواه مسلم (¬2). # * * * # الكلام عليه من وجوه -وراويه سلف-: # أحدها: "الأصحاب" جمع صاحب، وهو من الصفات التي استعملت PageV01P304 # استعمال الأسماء، والأكثر في جمعه: صحبان وصحاب، وقالوا: أصحابه، وهو اسم ~~للجمع لا جمع. # والصحابي: كل مسلم رآه -عليه أفضل الصلاة والسلام- ولو ساعة، هذا هو ~~الأصح (¬1). # و"النبي": مأخوذ من النبأ الذي هو الخبر، لأنه مخبر عن الله، أو من ~~النبوة وهو الارتفاع؛ لرفعة مقدارهم، والأول بهمزة، ومن لم يهمزه احتمل أن ~~تكون من النبوة أو من النبأ علي التسهيل، وهي: اختصاص العبد بالخطاب، ~~واطلاعه على الوحي، فإن زاد التبليغ فرسول، وإلا فنبي فقط (¬2). # و"الدثور" -بضم الدال-: جمع دثر -بفتحها، ثم ثاء مثلثة-: المال الكثير. # و"تصدقون": بتشديد الصاد والدال، ويجوز لغة تخفيف الصاد. # و"صدقة" بالرفع على الاستئناف، وبالنصب على أن بكل تسبيحة صدقة. # و"البضع" -بضم الباء وإسكان الضاد المعجمة-: كناية عن الجماع إذا نوى به ~~العبادة، وهو قضاء حق الزوجة، وطلب ولد صالح، وإعفاف النفس، وكفها عن ~~المحارم، وأصله: الآلة ذكرا كان أو فرجا، ويصح إرادتهما هنا. # و"الوزر": الإثم. # وقوله: "كان له أجر": ms112 هو مرفوع، ويجوز نصبه، وقد روي بهما. # وقولهم: "أيأتي أحدنا ... " إلى آخره: استفهام من استبعد حصول أجر بفعل ~~مستلذ؛ فإنه إنما يقع الأجر في العبادات المشقة على النفوس المخالفة لها. PageV01P305 # ثانيها: يحتمل كما قال القاضي: "تسميتها: صدقة" أن لها أجرا [كما للصدقة ~~أجر] (¬1) وأن هذه الطاعات تماثل الصدقات في الأجور، وسماها صدقة على طريق ~~المقابلة وتجنيس الكلام" (¬2). # وقيل معناه: أنها صدقة علي نفسه، والأول أظهر؛ فأجر التسبيح وما بعده ~~كأجر الصيام وأجر الصلاة في الجنس؛ لأن الجميع صادر عن مرضى الرب تعالى ~~مكافأة على طاعته، أما في القدر والصفة فتتفاوت بتفاوت الأعمال في ~~مقاديرها؛ فليس ثواب ركعتين، أو صوم يوم كثواب أربع ركعات، وصوم يومين، ~~وليس ثواب عتق رقبة نفيسة كدونها. # فالمعنى: "بكل تسبيحة صدقة" وما بعده، أي: حسنة كحسنة صدقة في الجنس؛ لأن ~~الأعمال مقدرة بالحسنات بدليل: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: ~~160] والحسنة صفة (¬3) في الأصل تستعمل في العمل وجزائه يقال: عمل فلان ~~حسنة، فجزاؤه حسنة، أي: عمل خصلة فجزاؤه خصلة حسنة ثانية من الله. والمراد ~~لسببها؛ كقوله -عليه الصلاة والسلام-: "في النفس المؤمنة: مائة من الإبل" ~~(¬4) أي: بسبب قتلها وجوب مائة. PageV01P306 # وقيل: هي ظرف مجازا، كأن النفس لما ضمنت بمائة من الإبل صارت كالظرف لها (¬1). # و"التسبيحة" هي قول: "سبحان الله". # و"التكبيرة" قول: "الله أكبر". ك"السبحلة" ونحوها من المصادر. # ثالثها: قوله: "وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة" أشار به إلى ثبوت ~~الصدقة في كل فرد منهما، ولهذا نكره وساغ الابتداء بها؛ لكونها عاملة، ولا ~~شك أن التنكير أبلغ بخلاف ما إذا عرفه لرجوعه إلى الجنس، وعرف "المعروف" ~~لأصالته وبيانه وهما فرضا كفاية؛ فنفعهما متعد أكثر من التسبيح والتحميد ~~والتهليل، وفضلها الجويني -إمام الحرمين - (¬2) على فرض العين من حيث سقوط ~~الحرج عن الأمة أجمع (¬3). # وحقيقة الصدقة موجودة فيه، لكونه ينفع باقي الناس بالأداء عنهم، وأجر ~~الفرض أكثر من أجر النفل بسبعين درجة، واستؤنس له بحديث -وصح-: "لن يتقرب ~~إلي المتقربون بأفضل مما افترضت عليهم ... " (¬4). PageV01P307 # رابعها: قوله: "وفي ms113 بضع أحدكم صدقة" يعني: إذا نوى به العبادة، وهو قضاء ~~حق الزوجة، وولد صالح، وعفاف النفس وكفها عن المحارم -كما سلف- وقد قالت أم ~~مريم: {رب إني نذرت لك ما في بطني محررا} [آل عمران: 35] أي: وقفا على خدمتك. # وظاهر الحديث يقتضي أنه نفسه صدقة من غير نية، ولهذا أشار بقياس العكس ~~بعد بقوله: "أرأيت لو وضعها في حرام ... " إلى آخره، وإذا ثبت ذلك فهو يشير ~~إلى شبيه بما قاله الكعبي (¬1) من أن المباح مأمور به. # وقياس العكس: إثبات ضد الحكم في ضد الأصل، كإثبات الوزر الذي هو ضد ~~الصدقة في الزنا الذي هو ضد الوطء المباح، ومثله حديث: "من مات لا يشرك ~~بالله شيئا دخل الجنة". قال ابن مسعود: "وأنا أقول: من مات يشرك به شيئا ~~دخل النار" (¬2). # والأصح أنه يعمل به. والقياس الطردي -: وهو إثبات مثل حكم الأصل في الفرع ~~- على أضرب: قياس علة، كالنبيذ مسكر فحرم كالخمر. # ودلالة: الذي يصح طلاقه، فيصح ظهاره كالمسلم. # وشبه (¬3): كالعبد يباع ويوهب فلا يملك كالبهيمة، وكان الفاروق يتزوج PageV01P308 # لقصد الولد للمكاثرة أو ليموت؛ فيكون الولد له أجر (¬1). # خامسها: فيه أن المباح يصير طاعة بالقصد وصحة القياس، ولا عبرة بمخالفة ~~الظاهرية فيه وحيث ورد ذمه حمل على القياس الباطن؛ # وفيه -أيضا- فضيلة التسبيح وسائر الأذكار؛ # والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ # وذكر العالم دليلا لبعض المسائل التي قد تخفى؛ # وتنبيه المفتي على مختصر الأدلة؛ # وجواز سؤال المستفتي عن بعض ما يخفى من الدليل إذا علم من حال المسؤول ~~أنه لا يكره ذلك ولم يكن فيه سوء أدب (¬2). # خاتمة: الحديث دال على أن تحسين النيات في أعمال الخير يتنزل منزلة ~~الصدقات والأجور، ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة، ويفهم منه أن ~~الصدقة في حق القادر عليها أفضل من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها، ~~وسؤالهم سؤال منافسة لا حسد، فلما سمع الأغنياء ذلك فعلوا مثله فقال ~~الشارع: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" والفقراء نالوا الرتبة بحسرة الفوت ~~ألا يجدوا ما ينفقون، فقامت مقام ms114 النفقة، فنية المؤمن أبلغ من عمله، وأين ~~فوت الأرواح من فوت الأشباح؟ # * * * PageV01P309 ### | AUTO الحديث السادس والعشرون # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين ~~صدقة، وتعين الرجل في دابته [فتحمله] (¬1) عليها أو ترفع له عليها متاعه ~~صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى ~~عن الطريق صدقة". # رواه البخاري ومسلم (¬2). # * * * # الكلام عليه من وجوه: # وهو حديث عظيم يرجع إلى قوله تعالى: {اعبدوا الله} [المائدة:72]، ~~{وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2]، وإلى قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد [بعضه] (¬3) بعضا" (¬4)، و"المؤمن ~~كثير PageV01P310 # بأخيه" (¬1)، و"المؤمن مرآة المؤمن" (¬2) أي: يرى من نفسه ما لا يراه ~~كالمرآة، وهو ضرب من الإعانة. # وإلى قوله: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" (¬3) أي: الظالم بالكف عن ظلمه، ~~والمظلوم بنصره، و"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد" ~~(¬4) ونحو ذلك. # أحدها: "السلامى" -بضم السين المهملة وتخفيف اللام-: المفصل، وجمعها: ~~سلاميات -بفتح الميم وتخفيف الياء- وهي ثلاثمائة وستون مفصلا، ثبت ذلك في ~~"صحيح مسلم" (¬5). وأصلها: عظام الكف والأصابع والأرجل، ثم استعمل في سائر ~~عظام الجسد ومفاصله؛ فالمراد: على كل عضو ومفصل صدقة. # وفي المراد به احتمالان: PageV01P311 # أحدهما: أن الصدقة كما ورد أنها تدفع البلاء؛ فإذا تصدق عن أعضائه -كما ~~ذكر- كان جديرا لدفع البلاء عنها. # ثانيهما: أن لله -عز وجل- على الإنسان في كل عضو ومفصل نعمة، والنعمة ~~تستدعي الشكر، ثم إن الرب - جل جلاله - وهب ذلك الشكر لعباده صدقة عليهم ~~كأنه قال: اجعل شكر نعمي في أعضائك؛ أي: تعين بها عبادي، وتتصدق عليهم ~~بإعانتهم (¬1). # قال سهل بن عبد الله التستري -رحمه الله-: "في الإنسان ثلاثمائة وستون ~~عرقا: مائة وثمانون ساكنة، ومائة وثمانون متحركة، فلو تحرك ساكن لم يتم، ~~ولو سكن متحرك لم يتم" (¬2). # ثانيها: قوله: "كل يوم تطلع فيه الشمس" وجهه: أن دوام نعمة الأعضاء نعمة ~~أخرى، ولما كان الرب تعالى قادرا على سلبها في كل وقت ms115 وأوان -وهو في ذلك ~~عادل في حكمه لا اعتراض عليه فيه- فعفوه عن ذلك وإدامة النعمة عليه صدقة ~~توجب الشكر والرعاية دائما ما دامت النعمة. # ثالثها: الصدقة ضربان: عن أموال: كالزكاة وصدقة التطوع. # وصدقة الأفعال كالمذكورة في الحديث، ويجمعها عبادة الله كالمشي إلى ~~الصلاة، ونفع الناس؛ فمنه العدل بين الاثنين تحاكما أو تخاصما، سواء كان ~~حاكما أو مصلحا إذا نوى دفع المنافرة بينهما ف {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا ~~بين أخويكم} [الحجرات: 10]، {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [النساء: 135] ~~ونحوه من الأمر بذلك (¬3)؛ ففيه فضل الصلح، قال الله تعالى: {لا خير في ~~كثير من PageV01P312 # نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} [النساء: 114]. ~~وقد أجاز الشارع الكذب فيه؛ لجلب الألفة ودفع التقاطع، وكذا في إرهاب ~~الكفار، وعدة الرجل زوجته كما ورد في الحديث. # ومنه: إعانة الرجل بحمله أو حمل متاعه على دابته. # ومنه: الكلمة الطيبة، نحو: سلام عليكم، حياك الله، وإنك لمحسن، وأنت رجل ~~مبارك، ولقد أحسنت جوارنا ونحو ذلك؛ لأنه مما يسر السامع، ويجمع القلوب ~~ويؤلفها، ويحتمل أن يراد بها كلمة ذكر من تسبيح أو نحوه. # ومنه: الخطوة -وهي بفتح الخاء- إلى المسجد، وقد وردت فيه أخبار -أعني في ~~الحديث- على ذلك. # ومنه: "إماطة الأذى عن الطريق" أي: إزالته، كالشوك المؤذي، والحجر الذي ~~يعثر به، والحيوان المخوف منه، ودعم الجدار [المائل] (¬1) ونحوه؛ لأنه نفع عام. # وفي "الصحيح": "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله، ~~وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق" (¬2)، وفي "الصحيح": " ... فنحاه، فشكر ~~الله له؛ فغفر له" (¬3). # ويحتمل أن يكون أراد بالأذى: أذى المظالم ونحوها. # و"الطريق": طريق الله، وهو شرعه وحدوده ورسومه، وذلك أعظم أجرا PageV01P313 # من إزالة الأذى الحسي بما لا يقارب. # فائدة: "تميط" -بضم أوله-، والأصل فيه أن يميط كما في "يعدل"، أي: أن ~~تعدل، يقال: ماط الشيء وأماطه إذا تنحى عنه، وكذلك مطت غيري وأمطته. # قال الأصمعي - رحمه الله -: "مطت أنا، وأمطت غيري" (¬1). ومنه: الحديث. # و"الأذى": ما يؤذي الناس في طرقاتهم مما قدمناه. # أخرى: استحب بعض العلماء ms116 أن يأتي بكلمة التوحيد إذ ذاك؛ ليجمع بين أعلى ~~الإيمان وأدناه (¬2). # رابعها: الحديث لم يحصر أفعال الصدقة فيما ذكره، وإنما ذكر منها أمثلة، ~~وجماعها ما أسلفناه من عبادة الله، أو نفع الناس، حتى: "إن رجلا رأى فرخا ~~وقد وقع من عشه فرده إليه؛ فغفر الله له" (¬3)، وآخر "رأى كلبا يأكل الثرى ~~من العطش فسقاه؛ فغفر له" (¬4)، و"مومسة رأت كلبا يلهث عطشا فأخرجت موقها ~~فأخرجت له ماء؛ فغفر لها" (¬5). # وعكس ذلك المرأة التي "دخلت النار في هرة لا هي أطعمتها ولا أرسلتها PageV01P314 # تأكل من خشاش الأرض" (¬1)، وصح: "في كل كبد حرى أجر" (¬2). # والرب - تعالى -: "كتب الإحسان على كل شيء" كما سلف (¬3)، و"الخلق عيال ~~الله، وأحب الخلق إليه: أشفقهم على عياله" (¬4)، وإذا تصدق كل أحد عن ~~أعضائه بنفع خلق الله حصل من ذلك مقصوده، والحديث السالف: "لا يؤمن أحدكم ~~حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (¬5). # * * * # تتمات: # قال العلماء: المراد بالصدقة: الصدقة المندوبة لا الواجبة، والمراد ~~بالعدل بين اثنين: الإصلاح بينهما بالعدل. # وفي "الصحيح" (¬6): "ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى". PageV01P315 # أي: عن هذه الصدقات كلها، وإنما كان كذلك؛ لأن الصلاة عمل بجميع أعضاء ~~الجسد؛ فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته التي عليه في الأصل الذي ذكره في ~~الحديث قياما وركوعا وسجودا. # قال صاحب "الإفصاح" (¬1): "وفيه أن الإنسان قد أعطاه الله خلقه، قال الله ~~تعالى: {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه: 50] وفي معنى الآية وجهان: ~~أعطى خلقه كل شيء، أو أعطى كل شيء خلقه؛ أي: وهب للآدمي خلقه؛ فجملة عظام ~~الآدمي هبة من الله له. # وتفضيل ذلك أن كل سلامى هبة من الله للآدمي. # قال أبو عبيد - رحمه الله -: "معنى الحديث: أن كل عظم من عظام ابن آدم ~~[صدقة] " (¬2). فإذا (¬3) نظر الآدمي في خلق نفسه، ورأى أنه [لو] (¬4) قد ~~أعوزه عظم واحد لاختلت عليه حياته كما لو زاد، ورأى أن ذلك كله لم يكن له ~~فيه صنع، ورأى أن عظام الآدمي ما بين طوال وقصار، ودقاق وغلاظ، فلو قصر ~~الطويل ms117 منها، أو طال القصير، أو دق (¬5) الغليظ، أو غلظ الدقيق لاختل بذلك ~~نفعه. فإذا أصبح المؤمن قد أعطي لين الحركة لما اتفق فيه من تركيب العظام PageV01P316 # جعلها الله جسما صلبا لا يضعف فيه أنبوب ساقه عن حمل بدن نفسه، وعن حمل ~~يحمله بدنه أيضا، ولا عظم زنده عن إقلال حمل ما يرفعه بيده، ولا عظام ~~أضلاعه عن وقاية حشاه، ولا عظم يافوخه (¬1) عن [صيانة] (¬2) دماغه، تعين ~~شكر فاعل هذا به شكرا متحتما، فنبه الشرع على أن يقابل النعمة بما ذكره، ~~إلا أنه لطف به في تسمية ذلك: صدقة مخرجا لها مخرج ما يثاب عليه ويؤجر فيه، ~~ثم احتسب له بما ذكر، ثم لطف به حتى جمع ذلك كله بأن يصلي ركعتين من الضحى" ~~(¬3). كما سلف، والله أعلم. # * * * PageV01P317 ### | AUTO الحديث السابع والعشرون # وهو في الحقيقة حديثان، لكنهما تواردا على محل واحد: # عن النواس بن سمعان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "البر: حسن الخلق، والإثم: ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه ~~الناس". رواه مسلم (¬1). # وعن وابصة بن معبد - رضي الله عنه - قال: "آليت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: "جئت تسأل عن البر"؟ قلت: نعم، قال: "استفت قلبك؛ البر: ~~ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم: ما حاك في نفسك (¬2) ~~وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك". # حديث صحيح (¬3)، رويناه في مسندي الإمامين: أحمد بن حنبل، والدارمي ~~بإسناد جيد (¬4). # * * * PageV01P318 # الكلام عليهما من وجوه: # أولها: "النواس" -بفتح النون وتشديد الواو- بن سمعان -بكسر السين وفتحها- ~~الكلابي (¬1)، له صحبة ورواية، ولأبيه وفادة، تزوج -عليه الصلاة والسلام- ~~أخته، وهي المتعوذة (¬2)، ويقال: إنه أنصاري (¬3)؛ فلعله بالحلف (¬4). # قال عن نفسه: "أقمت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة سنة، ~~ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة" (¬5). # أي: التي كان يسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها، لأن المهاجرين ~~نهوا عن ذلك بخلاف الغريب القادم، وهو دال على أن الهجرة ما كانت واجبة على ~~من أسلم من أهل مكة (¬6). PageV01P319 # ووابصة -بصاد ms118 مهملة قبلها ياء موحدة- بن معبد أبو سالم الأسدي، وفد سنة ~~تسع [في] (¬1) عشرة مع قومه. # روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعن خريم بن فاتك الأسدي ~~وغيرهما. # وعنه: حنش بن المعتمر، وجمع. # وكان قارئا بكاء، وقبره بالرقة (¬2). # وأحمد بن حنبل: هو الإمام العلامة أحد الأئمة المتبوعة، أبو عبد الله، ~~روى عن إبراهيم بن سعد، وهشيم، وأمم، وعنه (خ، م، د) والباقون بواسطة، ~~وابناه (¬3)، وأمم؛ آخرهم: البغوي. # مات في ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين ومائتين عن سبع وسبعين سنة. # ترجمته في مجلد، و"مسنده" فيه أربعون ألف حديث، وقيل: ثلاثون، تكرر منها ~~عشرة! (¬4). PageV01P320 # جمعه من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وقال: "جعلته حجة بيني وبين الله". ~~قال: "فكل حديث لا تجدونه فيه فليس [بحجة] (¬1) " (¬2). # قلت: وقد أخل بأحاديث منها حديث أم زرع الثابت في "الصحيح" (¬3)، وخرج ~~ابن الجوزي - رحمه الله - في "موضوعاته" من "مسنده" سبعة أحاديث، PageV01P321 # وأهمل كثيرا!! (¬1)، وأكثر منه في "علله"، نعم؛ جازف في "موضوعاته" ~~احتياطا لتهذيب السنة، وقد أنكر ذلك عليه الحفاظ، وبعضها صحيح وبعضها حسن (¬2). # ثم اعلم أن الإمام أحمد - رحمه الله - لم يلتزم الصحة في "مسنده"، وإنما ~~أخرج ما لم يجمع الناس على تركه، و"مسنده" مع "مسند" إسحاق (¬3) و"المسند" ~~لابن أبي شيبة و"مصنفه"، متقاربة في الكثرة والشهرة، و"مسند البزار"، وأبي ~~يعلى متقاربان في التوسط، و"مسند" الحميدي، والدارمي متقاربان في الاختصار. # وأما الدارمي؛ فمسنده لطيف وغالبه الصحة، وهو أبو محمد عبد الله بن عبد ~~الرحمن الدارمي التميمي السمرقندي الحافظ، عالمها، من دارم بن مالك بن PageV01P322 # حنظلة بن زيد مناة بن تميم. # روى عن: يزيد بن هارون، والنضر بن شميل، وخلائق. # وعنه: م، د، ت، وأبو زرعة، وخلق. # قال أبو حاتم: "هو إمام أهل زمانه" (¬1). # ولد سنة إحدى وثمانين ومائة، ومات سنة خمس وخمسين ومائتين، صنف "المسند"، ~~و"التفسير"، و"الجامع" ولما بلغ البخاري نعيه بكى، وأنشأ: # إن تبق تفجع بالأحبة كلهم ... وفناء نفسك لا أبا لك أفجع # قال إسحاق بن أحمد: "وما سمعناه ينشد شعرا إلا ما يجيء في الحديث" ms119 (¬2). # قال الترمذي: "سمعت محمد بن إسماعيل يحدث بحديث "من شيع جنازة" عن عبد ~~الله بن عبد الرحمن" (¬3). # وفي "كامل ابن عدي" عن النسائي، عن الدارمي (¬54). # الثاني: "البر" ضد الفجور، و"المبرة" مثله، تقول: بررت والدي -بالكسر- ~~أبره برا؛ فأنا بر به وبار، وجمع البر: الأبرار، وجمع البار: البررة، ومعنى ~~"سألته عن البر والإثم": عما يبر فاعله ويلحق بالأبرار وهم المطيعون، وعما ~~يأثم فاعله فيلحق بضدهم، فأجابه الشارع بجواب جملي؛ فأغناه عن التفصيل فقال ~~له: "البر: حسن الخلق" أي: أنه أعظم خصال البر ك "الحج عرفة". PageV01P323 # ويعني بحسن الخلق: الإنصاف في المعاملة، والرفق في المجادلة (¬1)، والعدل ~~في الأحكام، والبذل والإحسان (¬2). # وإن شئت قلت: هو بذل الندى، وكف الأذى، وأن يحب للناس ما يحب لنفسه. # أو: طلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل المعروف (¬3). # والبر تارة يقابل بالفجور والإثم، فيكون عبارة عما اقتضاه الشرع وجوبا ~~وندبا، كما أن الإثم عبارة عما نهى عنه حرمة وكراهة، ويقابل تارة بالعقوق، ~~فيكون عبارة عن الإحسان، كما أن العقوق عبارة عن الإساءة (¬4). # وكأن المراد بقوله: "البر: حسن الخلق" معظمه -كما سلف-، ك "الحج: عرفة"، ~~و"الدين: النصيحة"، وهو من أوجز لفظه وأبلغه: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} ~~[الأنعام: 124]. وكأن المراد هنا بالخلق: التخلق. # الثالث: "الإثم": الذنب، يقال: أثم إثما ومأثما: إذا وقع فيه، فهو آثم ~~وأثيم ومأثوم. PageV01P324 # ومعنى: "حاك": أثر وتردد، ومنه قولهم: ضربته فما حاك فيه السيف؛ أي: ما ~~أثر، وحاك الشيء في قلبي: إذا رسخ فيه وثبت، ولا يحيك هذا في قلبي، أي: لا ~~يثبت فيه ولا يستقر. # قال شمر: "الكلام الحائك: هو الراسخ في القلب" (¬1). # ومعنى الحديث: الشيء الذي يؤثر نفرة وحزازة (¬2) في القلب، وإنما أحاله ~~الشارع على هذا الإدراك القلبي، لما علم من جودة فهمه، وحسن قريحته، وتنوير ~~قلبه، وأنه يدرك ذلك من نفسه. وهذا كما قال في الحديث الآخر: "الإثم حزاز ~~القلوب" وفي رواية: "حواز القلوب" (¬3) يعني به: القلوب المنشرحة للإسلام، ~~المنورة بالعلم الذي قال فيه مالك - رضي الله عنه -: "العلم نور يقذفه الله ~~في قلب ms120 من يشاء" (¬4). # وضبط الجوهري "حزاز" -بتشديد الزاي فقط-، قال: "وهو ما حز في القلب، وكل ~~شيء حك في صدرك فقد حز" (¬5). PageV01P325 # وهذا الجواب لا يصلح لغليظ الطبع قليل العلم، فإذا سأل عن ذلك من قل فهمه ~~فصلت له الأوامر والنواهي الشرعية. # وقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن ننزل الناس منازلهم" (¬1). # قال صاحب "الإفصاح" (¬2): "هذا أصل -يعني: قوله: "الإثم: ما حاك في ~~نفسك"- يتمسك به لمعرفة الإثم من البر؛ فإنه قد يطمئن القلب للعمل الصالح ~~طمأنينة تبشره بأمر العاقبة، والإثم يحك في الصدر عن طمأنينة؛ لأنه لا يقر ~~الشرع عليه، وإنما يكون على وجه يشذ، أو تأويل محتمل إلا أن معياره يظهر ~~بأنه إن كره صاحبه الاطلاع عليه، والناس ها هنا معرف، فهو ينصرف إلى وجوه ~~الناس وأماثلهم لا إلى رعاعهم؛ فذلك -حينئذ- هو الإثم فليتركه، وهذا ما زال ~~ظاهرا معروفا حتى قد قال زهير (¬3): # ألستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر" # الرابع: معنى "اطمأنت": سكنت، ومنه: {فإذا اطمأننتم} [النساء:103] أي: ~~سكنتم من انزعاج الحرب وحركته، ولا شك أن النفس لها شعور من أصل الفطرة بما ~~تحمد عاقبته وبما لا يحمد، ولكن الشهوة غلبتها بحيث يوجب لها الإقدام على ~~ما يضرها، كاللص تغلبه الشهوة على السرقة، وهو خائف من الحد، والزاني ونحوه ~~كذلك؛ فإذا تقرر ذلك فقد تضمنت هذه الجملة علامتين: # تأثره في النفس وتردده، وما ذاك إلا لشعورها بسوء العاقبة. PageV01P326 # وكراهته اطلاع الناس على [الشيء يدل على أنه إثم؛ لأن النفس بطبعها تحب ~~اطلاع الناس على] (¬1) خيرها وبرها (¬2)، ومن ثم هلك كثير من الناس ~~بالرياء، فإذا كرهت اطلاع بعض الناس على بعض أفعالها علمنا أنه ليس خيرا ~~وبرا، فهو إذن شر وإثم. # ثم إن هاتين العلامتين واحدة مركبة من أمرين ويحتمل استقلالهما، ويؤيد ~~الأول العطف؛ إذ مقتضاه المغايرة، ويتحصل من ذلك قسمة رباعية، وهي أن الفعل ~~إما أن يحيك في النفس ويكره اطلاع الناس عليه، أو لا ولا (¬3)، أو يحيك فلا ~~يكره، ms121 أو يكره ولا يحيك؛ فالأول إثم: كالزنا والسرقة، والثاني ليس بإثم ~~كالعبادة والأكل والشرب ونحوه، والثالث والرابع إن أمكن وجودهما فهما ~~مترددان بين الإثم والبر من باب قوله: "وبينهما مشتبهات" (¬4) أو يكرههن ~~كراهة تنزيه (¬5). # الخامس: الكراهة المعتبرة هنا الكراهة الدينية الجازمة، فخرج بالدينية: ~~العادية، وبالجازمة غيرها؛ فالأول: كمن يكره أن يرى على الأرض حبا أو جبلا ~~أو نحو ذلك، والثاني: كمن يكره أن يركب بين المشاة تواضعا ونحوه، ثم لو رأى ~~ذلك لم يبال، لأن كراهة ذلك غير جازمة به. # تتميم آخر: الفعل إما جارحة أو قلب، وعلى التقديرين: فإما ألا يكره اطلاع ~~الناس عليه كالعبادة والأكل والشرب والإخلاص والمعرفة والتوكل PageV01P327 # ونحوه، فهو بر، أو يكره، فإن كان جارحيا كالمحرمات فإثم، وإن كان قلبيا ~~فهو إما: مستقل، أو غيره. # فالأول: بألا يتوقف الجزاء عليه على عمل؛ كالكبر ونحوه فهو إثم. # والثاني: الهم بمحرم؛ فإن لم يوجد تصميم فلا إثم للتجاوز عنه، ويثاب ~~عليه؛ لأنه حاك (¬1) في النفس؛ وكره اطلاع الناس عليه، وقد قال - عليه ~~الصلاة والسلام - في مثل هذا أنه "صريح الإيمان" لما قيل له: "إنا نجد في ~~أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن ينطق به" (¬2) أي: إعظام النطق له، وذلك صريح ~~الإيمان. # وكذا إذا هم بمحرم ثم نفرت نفسه منه أثيب عليه إذ لم ينفر منه إلا من ~~الإيمان وصار من باب: "اكتبوها له حسنة؛ إنما تركها من جراي" (¬3) أو قريبا ~~منه، وإن صمم فهو إثم؛ لقوله: "الإثم: ما حاك في نفسك" إلى آخره، وهذه ~~مسألة خلافية. # وكأن الحديث يقتضي أن الخطرات والهمم الضعيفة بالحرام إثم، ولكن خص عمومه ~~بالتجاوز عنه جمعا بين الأدلة. # وحينئذ نقول -في كل عزم على معصية بدنية-: هذا العزم يحيك في النفس ويكره ~~أن يطلع عليه الناس، وكلما كان كذلك فهو إثم؛ فهذا العزم إثم، ومما يشهد ~~لهذا: الحديث الآخر: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه" (¬4) فعلل PageV01P328 # دخوله النار بحرصه على قتل صاحبه، وهو عزم مجرد، لا يقال: إن هذا حرص ~~اقترن به العمل، وهو ms122 لقاؤه خصمه بالسيف، فاندرج تحت قوله في الحديث: "ما لم ~~تعمل" (¬1)؛ لأنه علل دخول النار بمجرد الحرص. ومما يشهد لذلك حديث: ~~"الرجال أربعة: رجل أوتي مالا فنفقه في البر، ورجل قال: لو كان لي مثل ما ~~لفلان لفعلت كما فعل؛ فهما سواء في الأجر، ورجل آتاه الله مالا فأنفقه في ~~الفجور، ورجل قال: لو كان لي مثل ما لفلان لفعلت مثل ما فعل؛ فهما سواء في ~~الإثم" (¬2). فهذا وزر على العزم المجرد على المعصية، إذ لم يقارنه فعل معصية. # نعم؛ قد يقال: قارنه القول، وهو "لو كان لي" إلى آخره، فاندرج تحت قوله: ~~"أو تكلم به" لكن معنى الحديث: ما لم يتكلم به كلاما مؤثرا في المفسدة، مثل ~~أن يعزم على القذف فيقذف، أما كلام لا أثر له فيها فوجوده كعدمه. # وقوله: "لو كان لي" إلى آخره من ذلك، وبقي (¬3) ترتيب الوزر على مجرد ~~العزم. وهذا من باب تنقيح المناط، فحذف ما لا يصلح لتعلق الحكم به من ~~الأوصاف، وانتقاء ما يصلح لذلك منها. PageV01P329 # السادس: قوله - عليه الصلاة والسلام لوابصة -: "جئت تسأل عن البر"؟ هو من ~~باب الكشف، كذلك جاء في بعض الروايات: "أن وابصة جاء يتخطى الناس، حتى جلس ~~بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا وابصة! تحدثني ما جئت ~~فيه أو أحدثك"؟ فقال: بل أنت حدثني يا رسول الله؛ فهو أحب إلي. قال: "جئت ~~تسأل عن البر والإثم؟ قال: نعم" (¬1). # * تتمات: # قوله: "استفت قلبك" هو راجع إلى ما سلف من شعور النفس والقلب بما يحمد ~~عاقبتها فيه أو يذم. # قوله: "البر ... " إلى آخره، هو كقوله أولا: "البر: حسن الخلق"؛ لأن حسن ~~الخلق تطمئن له النفس والقلب. # وقوله: "الإثم: ما حاك في النفس، وتردد في الصدر" وهو شبيه بقوله: ~~"الإثم: ما كرهت أن يطلع عليه الناس" لأن ما تردد في النفس فهو إثم أو محل ~~شبهة، ولابد من ذلك مما يكره اطلاع الناس عليه. # وقوله: "وإن أفتاك الناس وأفتوك" أي: قد أعطيتك علامة الإثم فاعتبرها في ms123 ~~اجتنابه، ولا تقلد من أفتاك في مقاربته، وإنما وحد الفعل الأول لإسناده إلى ~~ظاهر، وجمع الثاني لإسناده إلى ضمير، والأصل فيه أن الفعل إنما يكون له ~~فاعل واحد، وإن كان ظاهرا امتنع إيصال ضميره بالفعل نحوه: "أفتاك (¬2) PageV01P330 # الناس" لئلا يتعدد الفاعل وهو غير جائز، وإن لم يكن ظاهرا وجب إضماره، ~~نحو "أفتوك" لئلا يتجرد الفعل عن الفاعل، وهو غير جائز. # وأما قوله تعالى: {وأسروا النجوى الذين ظلموا} [الأنبياء:3]، و {عموا ~~وصموا كثير منهم} [المائدة:71]. فهو من باب البدل في الضمير، لا من باب ~~تعدد الفاعل، ولا من باب: "أكلوني البراغيث"، فإنها لغية، وقد تأولها قوم ~~على أن الضمير علامة جمع الفاعل، كالتاء في "قامت هند" علامة تأنيث الفاعل. # فإن قلت: قوله هنا: "والإثم: ما حاك في نفسك" يقتضي أن الأمور المشتبهة ~~إثم؛ لأنها تحك في النفس وتتردد في الصدر، وهذا يعارض قوله في الحديث ~~السألف: "فمن اتقى الشبهات" إلى آخره، فإن مقتضاه أنها ليست إثما؛ وإنما ~~شرع [اجتنابها] (¬1) ورعا كما مر. # والجواب: منع كون الشبهات ليست إثما، لأن الاستبراء للدين والعرض واجب، ~~واتقاء الشبهات طريق إليه، والطريق إلى الواجب واجب، فما كان اتقاؤها واجب ~~فملابستها (¬2) إثم. # تنزلنا وسلمنا ذلك، لكنه محمول على ما إذا ضعفت الشبهة فيبني على أصل ~~الحل، وتجنب محلها ورعا. # وهذا الحديث محمول على ما إذا قويت، ويكون من باب ترك الأصل الظاهر، ~~أعني: أصل الحل، لا حل الشبهة وتمكنها (¬3). # * * * PageV01P331 ### | AUTO الحديث الثامن والعشرون # عن أبي نجيح العرباض - رضي الله عنه -؛ قال: وعظنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول ~~الله! كأنها موعظة مودع؛ فأوصنا! قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، ~~وإن تأمر عليكم عبد؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات ~~الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة". # رواه أبو داود، والترمذي (¬1). PageV01P332 # وقال: "حديث حسن". # * * * # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه: # وهو من الأفراد، وهو: بكسر ms124 العين، ووالده: سارية سلمي، حمصي بكاء، صفي ~~(¬1)، مات في فتنة ابن الزبير، ويقال: سنة خمس وسبعين، وفي الصحابة آخر ~~صحابي كنيته مثل كنية العرباض هذا، وهو عمرو بن عبسة، وفي التابعين: أبو ~~نجيح المكي؛ لا ثالث لهما في "الكتب الستة" (¬2). # فائدة: قال غلام ثعلب: "العرباض": الطويل من الناس وغيرهم (¬3)، ~~و"الجلد": المخاصم من الناس، وهو مدح. # و"السارية": الأسطوانة. PageV01P333 # ثانيها: "الوعظ": النصح، والتذكير بالعواقب، تقول: وعظته وعظا وعظة ~~واتعظ: قبل الموعظة. # ومعنى: "وجلت": خافت، ومنه: {وقلوبهم وجلة} [المؤمنون: 60]، وكأنه كان ~~مقام تخويف ووعيد. # وفي قوله: "موعظة بليغة" أي: بلغت الثناء، وأثرت في قلوبنا وجلا، وفي ~~أعيننا تذارفا. # و"ذرفت" -بالذال المعجمة، ثم راء-: سالت بالدموع (¬1). # وجاء في بعض طرقه: "إن هذه موعظة مودع؛ فماذا تعهد إلينا؟! قال: "تركتكم ~~على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك". وقال: "فعليكم بما ~~عرفتم من سنتي ... " (¬2) إلى آخره. PageV01P334 # "السنة": الطريقة القويمة التي تجري على مجرى السنن، وهي السبيل الواضح، ~~ومنه: سن الماء (¬1) من السيل، وهي في الشريعة كذلك لم يعدل بها عنها، وهي ~~مستعملة في عربية الجاهلية. # قال ذو الإصبع العدواني: "ومنهم من يحسن للناس بالسنة والفرض، والفرض ما ~~تأصل التزامه للخلق. كأنه قطع عليهم التردد، مأخوذ من قرض؛ أي: قطع، وإليه ~~يرجع التقدير؛ لأن فاقد زيد قطع عما كان مشتركا معه، وجعل العلماء السنة ~~فيما أرشدوا إلى فعله طالبا للثواب، وكلاهما سنة؛ فخصصوه بها اصطلاحا ~~أرادوا به التمييز بين المعاني" (¬2). # قال ابن العربي: "لم أر لهذا الاصطلاح وجها إلا في حديث أم حبيبة ترويه: ~~"من صلى ثنتي عشرة ركعة من السنة، بنى الله له بيتا في الجنة" (¬3) " (¬4). # و"النواجذ" -بالذال المعجمة-: الأنياب، وقيل: آخر الأضراس الذي يدل ~~بيانها على الحكم؛ أي: عضوا عليها بجميع الفم، ولا يكون تناولها نهشا، وهو ~~الأخذ بأطراف الأسنان، وهو كناية عن شدة التمسك بها، لأن النواجذ متحددة، ~~فإذا عضت على شيء نشبت فيه فلا يتخلص، ولذلك يقال: هذا الشيء انعقدت عليه ~~الخناصر، وتلوى عليه الأنامل. # قال الشاعر: # حنانيك يا ابن الأكرمين ms125 فلم تدع ... [لنا أملا] (¬5) تلوى عليه الأنامل PageV01P335 # و"العض" كله بالضاد إلا عظ الزمان (¬1). # ثالثها: أخبر الشارع أصحابه في هذا الحديث بما يكون من الاختلاف بعده ~~وغلبة المنكر، وقد كان عالما به جملة وتفصيلا، ولم يبينه لكل أحد وإنما كان ~~يحذر منه على العموم، ثم يلقي التفصيل إلى الآحاد كحذيفة وأبي هريرة، فلقد ~~كان لهما منه محل كريم، ومنزلة قريبة، وهي إحدى معجزاته. # رابعها: المراد ب "المهديين": الذين شملهم الهدى، وهم الأربعة ~~-بالإجماع-: الصديق، والفاروق، وعثمان، وعلي -رضوان الله عليهم، وعلى سائر ~~الصحابة أجمعين-. # و"الراشد": من أتى بالرشد واتصف به. # و"المهدي": الذي هداه الله لأقوم الطرق. # و"الهدى": الهيئة والسيرة والطريقة، وهم الذين أنفذ الله فيهم وعده، ~~وانتهى حده في قوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات} [النور: ~~55] الآية. # وصح أنه قال: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" (¬2) فخص من ~~الأربعة اثنين. PageV01P336 # وقال لتلك المرأة السائلة -وقد قالت: إن لم أجدك؟ -: "تجدين أبا بكر" ~~(¬1) فخصه من اثنين، فهذا خصوص خصوص الخصوص. # وأمره بالثبات على سنتهم لأمرين: التقليد لمن عجز عن النظر، والترجيح عند ~~اختلاف الصحابة، فيقدم الحديث الذي فيه الخلفاء الصديق والفاروق، وإلى هذه ~~النزعة كان يذهب مالك، وقد نبه عليها في "موطئه" (¬2). واللام عند أهل ~~السنة هي للعهد. # و"الخلفاء الراشدون": هم الأربعة بعده - عليه السلام - بدليل: "اقتدوا ~~باللذين من بعدي" كما قرزنا، وقالت المعتزلة الشيعة: اللام لاستغراق الوصف؛ ~~أي: كل من اتصف بالرشد والهداية من الخلفاء بعدي؛ فعليكم بسنته، وإنما ~~قالوا ذلك لأنهم يدعون نفي ذلك عنهم، لتقدمهم على علي، ووضعهم الخلافة في ~~غير من وضع الله فيه النبوة، وهم بنو هاشم [بزعمهم] (¬3)، والنصوص والإجماع يرده. # خامسها: "البدعة" لغة: ما كان خارجا على غير مثال سبق. # وشرعا: ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله. # والمحدث قسمان: ما ليس له أصل إلا الشهرة، والعمل بمقتضى الإرادة فهو ~~باطل قطعا. # ومحدث بحمل النظير على النظير؛ فهذه سنة الخلفاء والأئمة الفضلاء، وليس ~~المحدث والبدعة مذموما للفظ "محدث" و"بدعة" إلا لمعنى، PageV01P337 # قال تعالى: ms126 {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} [الأنبياء: 2] وقال عمر - ~~رضي الله عنه -: "نعمت البدعة هذه" (¬1). وإنما يذم من البدعة: ما خالف ~~السنة؛ ومن المحدث: ما دعا إلى ضلالة. # فمراد الحديث: كل بدعة لا يساعدها دليل شرعي، لأن الحق فيما جاء به؛ فما ~~لا يرجع إليه بوجه يكون ضلالة، إذ ليس بعد الحق إلا الضلال. # قاعدة: كل حكم منعه الشارع، أو أجازه فحكمه واضح، وإن أجازه مرة ومنعه ~~أخرى فأحدهما ناسخ للأول. وإن لم يرد منع ولا إجازة، ولا يمكن رده إليه ~~بوجه، فهي المسألة المشهورة، وقد يقال: يرجع فيه إلى المصلحة فما وافقها ~~عمل به وما خالفها ترك. # سادسها: قوله: "وإن تأمر عليكم عبد" قال العلماء: العبد لا يكون واليا، ~~ولكن الشارع - صلوات الله وسلامه عليه - ضرب به المثل تقديرا، وإن لم يكن ~~كقوله: "من بنى لله مسجدا، ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتا في الجنة" ~~(¬2) ولا يكون مفحص القطاة مسجدا، ولكن أمثال يؤتى بها مثل هذا الذي عندنا ~~أنه -عليه الصلاة والسلام- أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله، حتى توضع ~~الولاية في العبد، فإذا كانت فاسمعوا وأطيعوا تغليبا لأهون الضررين، وهو ~~الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته، لئلا يغير ذلك فيخرج PageV01P338 # منه إلى فتنة عمياء صماء، لا دواء لها ولا خلاص منها، وقد ذكر في رواية: ~~تعدي الولاة لظلمهم، فقال: "اسمعوا وأطيعوا؛ ما أقاموا فيكم كتاب الله" (¬1). # سابعا: في فوائده فيه: # منها: استحباب موعظة الرجل أصحابه؛ لينفعهم في دينهم ودنياهم. # وفيه: إبلاع الإمام في الموعظة لإسراع الإجابة، وفي التنزيل: {وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا} [النساء: 63] و"كان - عليه أفضل الصلاة والسلام - إذا ~~خطب: احمرت عيناه، وانتفخت أوداجه كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم" (¬2). # وفيه: جواز الحكم بالقرائن؛ لأنهم إنما فهموا توديعه إياهم بقرينة إبلاغه ~~في الموعظة أكثر من العادة. # وفيه: استحباب [استدعاء] (¬3) الوصية والوعظ من أهلهما، واغتنام أوقات ~~أهل الخير والدين قبل الفوت. # وقوله: "أوصيكم بتقوى الله" جمع في ذلك كل ما يحتاج إليه؛ لأنه سبق ms127 أن ~~التقوى: امتثال المأمورات، واجتناب المحظورات، وتكاليف الشرع ليست إلا بذلك. # وقوله: "والسمع والطاعة ... " إلى آخره، هو عطف خاص على عام؛ إذ قد ~~اشتملت الوصية بالتقوى على السمع والطاعة، والعرب تعطف الخاص PageV01P339 # على العام نحو: {فاكهة ونخل ورمان (68)} [الرحمن: 68]. # وتعكس نحو: {اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير} [الحج: 77]، ~~وقوله: {اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله} [آل عمران: 200]. # وقوله: "فإنه من يعش منكم ... " إلى آخره، الظاهر أن هذا بوحي أوحي إليه؛ ~~فإنه -عليه الصلاة والسلام- كشف له عما يكون إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، ~~وأهل النار النار، كما صح في حديث أبي سعيد وغيره (¬1). # ويجوز أن يكون بنظر واستدلال، فإن اختلاف المقاصد والشهوات باختلاف ~~الآراء والمقالات، ويجوز أن يكون بقياس أمته على أمم الأنبياء السابقين ~~بدليل حديث: "إنها لم تكن نبوة إلا كان بعدها اختلاف" (¬2) أو كما قال. # وقوله: "وإياكم ومحدثات الأمور" أي: احذروا الأخذ بها، فإنها بدعة، وهو ~~منصوب بفعل مضمر، أي: إياكم، باعدوا محدثات الأمور واتقوا. # والمراد: ما أحدث غير راجع إلى أصل -كما سلف- أو دليل شرعي، واتباع ~~الخلفاء راجع إلى أصل (¬3) الشرع، فحينئذ الحديث عام أريد به الخاص، وكذا ~~قوله: "عليكم بسنة الخلفاء الراشدين" عام أريد به الخاص، إذ لو فرض خليفة ~~راشد في عامة أموره سن سنة لا يعضدها دليل شرعي لما جاز اتباعه، لا يقال: ~~لا يتصور؛ لأن رشده ينافي أن يسن مثل هذه السنة؛ لأنه قد يخطئ PageV01P340 # المصيب ويزيغ المستقيم يوما ما، وقد صح: "لا حليم إلا ذو [عشرة] (¬1)، ~~ولا حكيم إلا ذو تجربة" (¬2). وكلام العرب يجيء بالإضافة إلى العموم ~~والخصوص قسمة رباعية: # عام يريد به العام، كقوله: {والله بكل شيء عليم} [البقرة: 282]. # خاص يريد به الخاص، كقوله: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} [الأحزاب: 37]. # عام يراد به الخاص، كقوله: {وأوتيت من كل شيء} [النمل:23]، {تدمر كل شيء] ~~[الأحقاف: 25]، وقول لبيد: # وكل نعيم لا محالة زائل (¬3) # وعكسه: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] وجاء في بعض روايات ~~هذا الحديث: "فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ms128 ضلالة، وكل ضلالة PageV01P341 # في النار". وهو قياس متصل مركب من الشكل الأول، بفتح "أن كل محدثة في ~~النار" يعني: صاحبها من فاعل ومتبع (¬1). # فائدة: قسم الشيخ عز الدين - رحمه الله - في "قواعده" البدعة إلى الأحكام ~~الخمسة "والطريق في ذلك أن تعرض (¬2) على قواعد الشريعة؛ فإن دخلت في قواعد ~~الإيجاب فواجب ... " إلى آخر الأحكام الخمسة. # قال: "وللواجبة أمثلة: منها الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله ~~ورسوله لأجل حفظ الشريعة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. # ومنها: حفظ الغريب من الكتاب والسنة ومن اللغة، وتدوين أصول الفقه، ~~والجرح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم، والقاعدة أن حفظ الشريعة فرض ~~كفاية فيما زاد على المتعين، ولا يتأتى ذلك إلا بما ذكرناه .. " (¬3). ثم ~~أوضح الباقي (¬4). PageV01P342 # فائدة -تنعطف على ما مضى-: "التقوى" أصلها: [وقى] (¬1) من الوقاية، وقد ~~تفتح "الواو" فأبدلت تاء؛ فالمتقي جعل بينه وبين المعاصي وقاية تحول بينه ~~وبينها من قوة عزمه على تركها، وتوطين قلبه على ذلك؛ فكذا قيل: متق (¬2). # * * * PageV01P343 ### | AUTO الحديث التاسع والعشرون # عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل ~~يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ قال: "لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على ~~من يسره الله عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي ~~الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت". # ثم قال: "إلا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما ~~يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل. ثم تلا: {تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع} حتى بلغ: {يعملون} [السجدة: 16 - 17] ". # ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ الجهاد" ثم قال: "ألا ~~أخبرك بملاك ذلك كله؟ ". # قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه ثم قال: "كف عليك هذا". # قلت: يا نبي الله! إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! # فقال: "ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على ~~مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟ ". PageV01P344 # رواه الترمذي وقال: "حسن صحيح" (¬1). # * * * # الكلام عليه من وجوه -بعد أن سلف التعريف براويه-: # أحدها: ms129 هذا الحديث سقط منه سطر، لا يستقيم الكلام بدونه، وهو ثابت في أصل ~~الترمذي، كأن المصنف انتقل نظره من لفظة إلى أخرى، وهذا لفظه فيه: "ثم قال: ~~"ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: ~~"رأس الأمر: الإسلام، وعموده: الصلاة، وذروة سنامه: الجهاد ... " ثم ذكر ~~الباقي، ولا يستقيم الكلام بدون هذه الزيادة فانتقل نظره من "سنامه" إلى ~~"سنامه". # وقد وقع له كذلك في كتابه "الأذكار" (¬2) وكأنه قلد في ذلك الشيخ تقي ~~الدين ابن الصلاح، فإنه قال في كتابه "بستان العارفين" -ولم يكمله-: "مما PageV01P345 # ينبغي أن يعتنى به بيان الأحاديث التي قيل أنها أصول الإسلام، أو أصول ~~الدين، أو عليها مدار الإسلام، أو مدار الفقه، أو العلم، وقد اختلفت ~~العلماء في عددها اختلافا كبيرا، وقد اجتهد في جمعها وتبيينها (¬1): ابن ~~الصلاح، ولا مزيد على تحقيقه" (¬2). فذكرها إلى أن جاء إلى هذا الحديث، ~~فذكره بالإسقاط المذكور سواء؛ فاستفده فإنه يساوي رحلة، والعجب أن أحدا من ~~شراحه كابن فرح القرطبي، والفاكهي وغيرهما لم ينبهوا عليه، ولله الحمد عليه ~~وعلى جميع نعمه، ثم رأيت بعد ذلك "سنن ابن ماجة" (¬3) فوجدته ذكره كما ذكره ~~المصنف سواء، لكنه لم يعزه إليه حتى يعتذر عنه. # ثانيها: في ألفاظه: # "الخير" ضد الشر، ويطلق على المال في قوله: {وإنه لحب الخير لشديد} ~~[العاديات: 8] وفيه: التشويق إلى ما سيذكر قبل ذكره ليكون أوقع في النفس. # وقوله: "أبواب" جمعه جمع قلة، وإن كان في سياق الترغيب والحصر؛ لأنه لا ~~كثرة له. # "جنة" -بالضم-: مجن وستر ووقاية لك من النار، فنفى صورة الشهوة عاجلا ~~والنار آجلا، وقد قال تعالى: "الصوم لي وأنا أجزي به" (¬4). # و"الصوم": هو الصبر عن الملاذ من المطعم والمشرب وغيرهما، وقد قال تعالى: ~~{إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10]. PageV01P346 # و"أبواب الخير": طرقه الموصلة إليه، وفي "سنن ابن ماجة": "ألا أدلك على ~~أبواب الجنة"؟ # وقوله: "أو لا أدلك" عرض، نحو: {هل أدلكم على تجارة تنجيكم} [الصف: 10] ~~أي: عرضت ذلك عليك (¬1)؛ فهل تحبه؟ أو نحو ms130 هذا. # و"جوف الليل": أوسطه أو آخره، وفي الحديث: "أي الليل أسمع؟ قال: # جوف الليل الآخر" (¬2) والمعنى: أن صلاة الرجل من الليل من أبواب الخير، ~~وإنما خص الرجل بالذكر؛ لأن السائل رجل؛ # ولأن الخير غالب في الرجال، وأكثر أهل النار النساء. # وقوله: "من جوف الليل" أي: جوفه، ويحتمل أن مبتدأ الصلاة: جوفه؛ فيكون ~~لابتداء الغاية، ويحتمل أنها للتبعيض؛ أي: صلاة في بعض جوف الليل. # وقوله: "ثم تلا: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة: 16] " أي: أن من ~~قام في جوف الليل، وترك نومه ولذته، وآثر ما يرجوه من ربه على ذلك؛ فجزاؤه ~~ما في الآية من قوله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء ~~بما كانوا يعملون} [السجدة: 17]. PageV01P347 # وقد جاء: "إن الله تعالى يباهي بقوام الليل في الظلام ملائكته، يقول: ~~انظروا إلى عبادي قد قاموا في ظلام الليل حيث لا يراهم أحد غيري؛ أشهدكم ~~أني أبحتهم دار كرامتي" (¬1). # و"التجافي ": الترك والتنحي، جافى جنبه عن مضجعه: نحاه، وفي الحديث: ~~"يجافي بضبعيه" (¬2) أي: يبعدهما عن الأرض وعن جوفه؛ فمعنى: {تتجافى}: تبعد ~~وتزول، وقيل: تنتحي إلى فوق، واستحسنه ابن عطية (¬3). # و: {المضاجع}: موضع الاضطجاع للنوم، واختلف في وقت هذا التجافي: هل هو ~~بين المغرب والعشاء، أو انتظار العشاء الآخرة؛ لأنها كانت تؤخر إلى نحو ثلث ~~الليل؟ على قولين. # وقال الضحاك: "تجافي الجنب هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في جماعة" (¬4). # والجمهور على أن المراد: صلاة الليل. # و"رأس الأمر" أي: العبادة، أو الأمر الذي سألت عنه، وجعل رأس الأمر: ~~الإسلام، شبهه بالفحل من الإبل؛ إذ كانت خيار أموالهم، ويشبهون بها رؤساءهم ~~كما قالوا: "هو الفحل لا تقرع أنفه" (¬5). فجعل الإسلام رأس هذا PageV01P348 # الأمر، ولا يعيش الحيوان بغير رأس، والإسلام هنا هو: الإيمان. # "وعموده": ما اعتمد عليه كعمود الخيمة؛ فالعمود هو الذي ويقيمه، ولا ثبات ~~له في العبادة بغير عموده. # و"ذروة" -بكسر الذال وضمها له بصورة سنام البعير طرف سنامه، والقياس جواز ~~الفتح ك "جذوة"، وقد قرئ في {جذوة} [القصص: 29] بالحركات الثلاث (¬1)، - ~~أعلى كل ms131 شيء استعاره بصورة البعير وأجزائه، وذروة سنام البعير: طرف سنامه. # وذكره الجهاد؛ لأنه (¬2) مقرون بالهداية بدليل قوله تعالى: {والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] والهداية محصلة لمقصود هذا ~~السائل، ويلزم منها دخول الجنة والمباعدة من النار؛ فلا جرم كان كذلك. # و"ملاك" -بكسر الميم- أي: رابطه وضابطه ومقصوده، لأن الجهاد وغيره من ~~أعمال الطاعة غنيمة، وكف اللسان عن المحارم سلامة، والسلامة في نظر العقلاء ~~مقدمة على الغنيمة. # وثبت في "الصحيح": "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها ~~بالا، يكتب له رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ~~لا يعلم أنها تقع حيث تقع، فيكتب له بها سخط الله إلى يوم القيامة، أو قال: ~~يهوي بها في النار سبعين خريفا" (¬3) أو كما قال. PageV01P349 # قال الجوهري - رحمه الله -: "ملاك الأمر وملاكه: ما يقوم به" (¬1). # قال الفاكهي: "يريد بفتح الميم وكسرها" (¬2). # ويقال: القلب ملاك الجسد. # و"اللسان": جارحة الكلام، ويطلق على اللغة والكلام، قال تعالى: {إلا ~~بلسان قومه} [إبراهيم: 4] أي: بلغتهم، ويطلق على لسان الميزان أيضا، ~~و"اللسن" بكسر اللام: اللغة. # و"الجارحة" تذكر وتؤنث. # و"الثكل" - بالإسكان والتحريك-: فقدان المرأة ولدها، وهو من باب: "عقرى ~~حلقى" (¬3) كما سيأتي. # و"يكب" -بضم الكاف-: يلقى، و"كب" من النوادر، يتعدى ثلاثيا لا رباعيا، ~~تقول: كببت الشيء وأكبه، فلا يتعدى. # و"الحصائد": ما قيل في الناس باللسان وقطع به عليهم، جمع حصيدة؛ أي: ~~محصودة، شبه ما تكسبه الألسن من الكلام الحرام بحصائد الزرع بجامع الكسب ~~والجمع (¬4). PageV01P350 # ثالثها: في فوائده: # فلله در معاذ ما أفصحه، لقد أوجز وأبلغ، وحمد الشارع مسألته، وأعجبه من ~~فصاحته وقال: "لقد سألت عن عظيم"، واستعظامه منصرف إلى العمل المطلوب ~~الإيثار به لا ليتجنبه؛ بدليل قوله: "وإنه ليسير على من يسره الله تعالى ~~عليه" بمعنى: على من وفقه وهداه وشرح صدره وأعانه على ما وفقه إليه، ثم ~~أرشده لعبادته مخلصا له الدين بقوله: "تعبد الله لا تشرك به شيئا" والظاهر ~~أن العبادة هنا: التوحيد؛ بدليل قوله: "لا تشرك به شيئا"، ومنه: {يا أيها ~~الناس ms132 اعبدوا ربكم} [البقرة: 21]: وحدوه. # {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56)} [الذاريات: 56]: ليوحدوني. # فعلى هذا يكون قد ذكر له التوحيد وأعمال الإسلام، ويحتمل أن العبادة هنا ~~تتناول الإيمان الباطن والإسلام الظاهر، ويكون قوله: "وتقيم الصلاة ... " ~~إلى آخره، عطف خاص على عام؛ لتضمن قوله: "تعبد الله" لما بعده، ثم قال: ~~"وتقيم الصلاة" وإقامة الصلاة: الإتيان بها على أحوالها؛ كما قال في الحديث ~~الآخر: "تسوية الصف من كمالها" (¬1). # ثم ذكر له شرائع الإسلام من الزكاة والصوم والحج، ثم دله على أبواب ~~الخير؛ فقال: "الصوم جنة" ويجوز أن يكون الصوم هنا غير الفرض، والمراد: ~~الإكثار منه. # ثم قال: "والصدقة تطفئ الخطيئة" أي: تمحوها: {إن الحسنات يذهبن السيئات} ~~[هود: 114]، وإنما استعار لفظ الإطفاء لمقابلة "كما يطفئ الماء PageV01P351 # النار؛، فإن الخطيئة يترتب عليها العقاب الذي هو أثر الغضب، والغضب ~~يستعمل في الإطفاء، يقال: طفئ غضب فلان وانطفأ غضبه؛ لأنه فوران دم القلب ~~عن غلية الحرارة كما سلف، ولعله إنما خص الصدقة لتعدي نفعها؛ ولأن الخلق ~~عيال الله، والصدقة إحسان إليهم، والعادة أن الإحسان إلى عيال شخص تطفئ ~~غضبه، وشبهها بإطفاء الماء النار؛ لأن بينهما غاية التضاد، إذ النار حارة ~~يابسة، والماء بارد رطب؛ فقد ضادها بكيفيته جميعا، والضد يدفع الضد ويعدمه، ~~وقد سلف أنها "برهان" أي: على صدق الإيمان؛ لأن غيرها لا ينتظر ثوابه ~~بخلافه فيها؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ليس لك من مالك إلا ما أكلت ~~فأفنيت، أو تصدقت فأبقيت، أو لبست فأبليت" (¬1) فجعل الصدقة هي الباقية له، ~~ويريد بها غير ما أسلفه من الزكاة. # وقد جاء في الخبر: "أنه -عليه الصلاة والسلام- ذبح شاة، فتصدق بلحمها غير ~~الذراع، ثم دخل البيت فقال: "هل بقي منها شيء" -يريد أن يتصدق به-؟ فقالوا: ~~والله ما بقي إلا الذراع، فقال: "والله كلها بقيت إلا الذراع"! (¬2). # ثم أرشده إلى الصلاة في جوف الليل وتلا الآية، والنصف الثاني من الليل ~~أفضل من الأول، والثلث الأوسط أفضل من الأول والآخر، والسدس الرابع والخامس ~~أفضل من الأوائل والأخر. PageV01P352 # وقيل: هل لابد من ms133 فعله بعد هجعة، أو لا يشترط؟ فيه خلاف للعلماء، وظواهر ~~الأحاديث تقتضي الإطلاق. # ثم أخبره برأس الأمر وعموده وذروة سنامه، والجهاد لا يقاومه شيء من ~~الأعمال، وإن كان نقل العلم أفضل، وقد قالوا: "يا رسول الله! ما يعدل ~~الجهاد؟ فقال: "لا تطيقونه". ثم ذكروا سؤالهم، فقال: "لا تطيقونه". ثم قال: ~~"أيستطيع أحدكم أن يدخل بيتا فيصوم ولا يفطر، ويصلي ولا يفتر"؟ فقالوا: لا، ~~فقال: "إنما مثل المجاهد كمثل الصائم القائم الذي لا يفتر من صلاة ولا ~~صيام" (¬1). # ثم نقله من الجهاد الأصغر إلى الأكبر، وهو جهاد النفس وقمعها من الكلام ~~فيما يرديها (¬2) ويؤذيها، ثم جعل أكثر دخول الناس النار من ألسنتهم، وقد ~~قال -عليه الصلاة والسلام-: "من يضمن لي ما بين لحييه ورجليه أضمن له ~~الجنة" (¬3)، وقد سلف في الحديث شرح الصمت وما فيه من الخير والسلامة (¬4). # وأما أخذه -عليه الصلاة والسلام- بلسانه؟ فلأنه أبلغ في الزجر، كما في ~~قول الخليل -عليه الصلاة والسلام-: {ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260]. # فائدة: قال ابن هبيرة في "إجماع الأربعة": "اختلفوا في أفضل الأعمال بعد ~~الفرض؛ فقال الشافعي -رحمه الله-: الصلاة فرضا ونفلا. # وقال أحمد -رحمه الله-: "لا أعلم بعد الفرائض أفضل من الجهاد". PageV01P353 # ومذهب مالك وأبي حنيفة -رحمهما الله- أنه لا شيء -بعد فرائض الأعيان من ~~أعمال البر- أفضل من العلم ثم الجهاد" (¬1). # رابعها: إنما قال: "سألت عن عظيم"، لأن عظم المسببات بعظم الأسباب (¬2)، ~~ودخول الجنة والتباعد عن النار أمر عظيم، سببه: امتثال المأمور واجتناب ~~المحظور، وذلك عظيم صعب، ولولا ذلك لما قال تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} ~~[سبأ: 13]، {ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف: 17]. # ثم قال: "وإنه ليسير على من يسره الله عليه" بشرح الصدر للطاعة، وتهيئة ~~أسبابها، والتوفيق لها: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} ~~[الأنعام: 125]، وبالجملة: فالتوفيق إذا ساعد على شيء يسر، ولو كان نقل ~~الجبال. # خامسها: قوله: "كف عليك هذا" لفظة "على" إما بمعنى "عن" أو أنه ضمن "كف" ~~بمعنى: احبس، أي: احبس عليك لسانك، لا يؤذيك بالكلام. وفي الحكمة (¬3): ~~"لسانك أسدك، ms134 إن أطلقته فرسك، وإن أمسكته حرسك". وكان الصديق - رضي الله ~~عنه - يمسك لسانه ويقول: "هذا الذي أوردني الموارد" (¬4). PageV01P354 # وقوله "كف" يحتمل عمومه، وخص منه الكلام بالخير، كقوله: "فليقل خيرا أو ~~ليصمت" (¬1) ويحتمل أنه من باب المطلق، وقد عمل به في كف اللسان عن الشر؛ ~~فلا تبقى له دلالة على غير ذلك. # وأصل الاحتمالين أن الفعل يدل على المصدر، لكن [هل] (¬2) يقدر المصدر ~~معرفا فيعم، نحو: "اكفف الكف"، أو منكرا فلا يعم: "اكفف كفا"، أو ينبني على ~~أن المصدر جنس، فيعم أو لا فلا. وعليه اختلف -فيما أحسب- إذا قال: طلقتك ~~طلاقا، هل يقع ثلاثا أو واحدة؟ # وقول معاذ: "إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ " هو استفهام استئناف وتعجب، لا ~~يقال: كيف خفي ذلك عنه وقد قال الشارع في حقه: "إنه أعلمكم بالحلال ~~والحرام" (¬3) والكلام المؤاخذ به حرام، لأن ظاهر الحلال والحرام في ~~المعاملات الظاهرة بين الناس، لا في معاملات العبد مع ربه، أو حصلت له هذه ~~الرتبة بعد. PageV01P355 # وقوله: "ثكلتك أمك" حقيقته الدعاء بموته، لكن غلب ذلك على الألسنة من غير ~~قصد حقيقته. # وقوله: "وهل يكب" استفهام إنكار؛ أي: ما يكب الناس إلا حصائد ألسنتهم؟! ~~وهو يقتضي أن كل من يكب في النار فسبب ذلك لسانه، وهو عام أريد به الخاص؛ ~~فإن فيهم من يكب فيها بعمله، وانما خرج هذا مخرج المبالغة في تعظيم الكلام ~~ك "الحج: عرفة" أي: معظمه؛ كذلك (¬1) معظم أسباب [النار] (¬2) الكلام، ~~كالكفر والقذف والسب والنميمة وغير ذلك" لأن الأعمال يلقيها الكلام غالبا، ~~فله حظ في سبب الجزاء ثوابا وعقابا، وفي المثل: "يقول اللسان للقفا كل يوم: ~~كيف أصبحت؟ فيقول: بخير؛ إن سلمت منك"! (¬3). PageV01P356 ### | AUTO الحديث الثلاثون # عن أبي ثعلبة جرثوم بن ناشر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "إن الله قد فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا؛ فلا ~~تعتدوها، وحرم أشياء؛ فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان، ~~فلا تبحثوا عنها". # حديث حسن، رواه الدارقطني وغيره (¬1). # الكلام عليه من وجوه: ms135 # أحدها: في التعريف براويه: # وقد اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا نحو أربعين قولا؛ منها ما ~~ذكره المصنف، وهو: بضم الجيم ثم راء مهملة ثم تاء مثلثة، وقد أوضحتها في ~~الكنى من كتابي "رجال الكتب الستة" فراجعها منه؛ فإنها تساوي رحلة، له PageV01P357 # صحبة ورواية، بايع تحت الشجرة، وضرب له سهمه في حنين، مات سنة خمس وسبعين ~~بالشام، وهو من الأفراد (¬1). # و"الخشني" -بضم الخاء المعجمة، وفتح الشين المعجمة أيضا ثم نون- نسبة إلى ~~خشينة- قبيلة معروفة (¬2). # و"الدارقطني": نسبة إلى دار القطن، محلة ببغداد كما سلف في شرح الخطبة، ~~وقد ذكرت ترجمته في "طبقات المحدثين". # ثانيها: حكم على إسناده أيضا بالصحة: ابن الصلاح في الأحاديث التي جمعها، ~~فبلغت ستة وعشرين -وهو كما قالا- لكن لما ذكره الذهبي في "مختصر الفاروق" ~~من طريق مكحول عن ثعلبة أعقبه بأن قال: "مكحول لم يدرك أبا ثعلبة" (¬3). # قلت: هذا مختلف فيه؛ قال يحيى بن معين: "إنه سمع منه". وأنكر أبو مسهر ~~سماعه منه، وقال أبو حاتم: "دخل عليه ولم يسمع منه". وقال أبو زرعة: "لم ~~يسمع منه". # قلت: وهو معاصر له بالسن والبلد؛ فيحتمل أن يكون لقيه، وأن يكون أرسل عنه ~~بعادته وهو تدليس أيضا. PageV01P358 # قال الذهبي: "ثم روى من حديث عائشة -رفعته-: "إن الله فرض فرائض فلا ~~تضيعوها ... " الحديث، ثم قال: "وفيه: صالح المري، وهو ضعيف" قال: "ويروى ~~مثله، عن الحكم الإيلي، عن القاسم بن عمر، عن أبيه رفعه". # وقال أبو نعيم: حدثنا عاصم بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء -رفع ~~الحديث- قال: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت ~~عنه [فهو] عافية؛ فاقبلوا منه عافيته، فإن الله لم يكن نسيا" (¬1) وهذا منقطع. # وروى سليمان التيمي [عن أبي عثمان النهدي] (¬2) عن سلمان أنه سئل عن ~~السمن والجبن والفراء، فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم ~~الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا الله" (¬3). # رواه الثوري -رحمه الله- والحفاظ عن سلمان موقوفا. # قلت: وهو حديث جامع بليغ موجز، ms136 تضمن قواعد الشريعة حكما وأدبا؛ لأن الحكم ~~الشرعي في الأمر: إما مسكوت عنه أو متكلم به، وهو أمر أو نهي؛ فالأمر ألا ~~يضيع كالإيمان والإسلام وما وجب من خصائلهما، والمحرم حقه أن لا يقارب؛ ~~كالكفر والزنا والسرقة والقذف والسحر وشهادة الزور وأكل الربا ومال اليتيم. PageV01P359 # و "فرض" و "افترض" بمعنى، والاسم: الفريضة، والجمع: فرائض؛ أي: أوجب وحتم ~~وألزم، والفرض ضد النفل، والفريضة أيضا ما فرض في السائمة من الصدقة، يقال: ~~أفرضت الماشية؛ أي: بلغت نصابا يجب فيه الفريضة، والفريضتان: الجذعة من ~~الغنم، والحقة من الإبل، والفريضة في المواريث معروفة. # ومعنى "فلا تضيعوها": لا تتركوها ولا تتهاونوا فيها، وقوموا بها كما فرض كليكم. # و"الحدود": جمع حد، وهو الحاجز بين الشيئين، وحد الشيء: منتهاه، تقول: ~~حددت الدار أحدها حدا، والتحديد مثله. # ومعنى "فلا تعتدوها": لا تجاوزوها، وقفوا عندها، وأقيموها، ولا تهملوها، ~~ولا تحابوا فيها؛ فإنه ورد: "حد يقام في الأرض خير من أن تمطر السماء ~~أربعين صباحا" (¬1). # والمراد بالحدود هنا: الزواجر دون الوقوف عند النواهي، والأوامر بألا ~~يتكرر مع ما قبلها بحدوده مقدرة يجب الوقوف عند تقدير الشرع لها، وكذا ~~المحرمات لها حدود محدودة؛ فإن حملت على الزواجر فمعنى "لا تعتدوها": لا ~~تزيدوا عليها على ما أمر به الشارع، وزيادة الفاروق الحد إلى ثمانين من باب ~~التنكيل والزجر. PageV01P360 # وحديث علي - رضي الله عنه -: "لا يموت أحد في حد وفي نفسي منه شيء إلا ~~شارب الخمر؛ فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يسنه" (¬1). # المراد أنه لم يسنه بنص قوله وفعله، وإن حملت على الوقوف عند النواهي، ~~فمعنى "لا تعتدوها": لا تجاوزوا ما حد لكم الشرع بمخالفة الأمور، وارتكاب ~~المحظور. # ثالثها: معنى "فرض": أوجب وألزم؛ كما سلف، وإضاعة الفرائض إما تركها كما ~~سلف أيضا، أو تأخيرها عن وقتها، وهو أخف، وإلا عند المجاوزة كما قررناه. # و"الانتهاك": الارتكاب والاقتحام. # و"سكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان؛ فلا تبحثوا عنها" فإن الرب تعالى ~~لم ينسها: {لا يضل ربي ms137 ولا ينسى} [طه: 52]. # وقال -عليه الصلاة والسلام-: "إن أعظم المسلمين جرما: من سأل عن شيء لم ~~يحرم؛ فحرم من أجل مسألته" (¬2)، وقال تعالى: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد ~~لكم تسؤكم} [المائدة: 101]. # وقد نهى الشارع عن كثرة السؤال إلا فيما لابد منه، وروى أبو هريرة ~~-رفعه-: "اتركوني ما تركتكم، وإذا حدثتكم فخذوا عني؛ فإنما أهلك الذين من PageV01P361 # قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم" (¬1). # وإن الله سبحانه لما أرسل رسوله، وأنزل عليه كتابه، وأمره بتبليغه إلى ~~الأمة قال -عليه الصلاة والسلام-: "إن الله أمركم بأشياء، فامتثلوها، ~~ونهاكم عن أشياء؛ فاجتنبوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم، فلا تسألوا عنها"، ~~وذلك كله على معنى الرفق بالخلق، ونفي الحرج عنهم، وإرادة التسهيل عليهم، ~~وكان يترك العمل خوفا أن يفرض عليهم. # وقال: "لو قلت: نعم، لوجبت" في أشباه ذلك، إلا أن تنزل بالعبد نازلة، ~~فحينئذ يتعين عليه السؤال عنها فكانت الصحابة - رضي الله عنهم - قد فهمت ~~ذلك، فكفت وسكتت، وكان يعجبهم أن يأتي الأعراب يسألون رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فيجيبهم، فيسمعون ويعون. # وروى "الترمذي" (¬2) أن شي ذلك نزلت الآية السالفة، وكان بنو إسرائيل ~~يسألون فيجابون عما يسألون، ويعطون ما طلبوا حتى كان ذلك لهم فتنة، وأدى ~~ذلك بهم إلى هلاكهم" فاجتنبت الصحابة ما فعلته بنو إسرائيل حتى بالغ بعض ~~العلماء فقال: لا يجوز السؤال في النوازل للعلماء حتى تقع. وكان السلف ~~يقولون في مثلها: دعوها حتى تنزل، وإنه لمكروه، وإن لم يكن حراما، إلا أن ~~العلماء أصلوا، وفرعوا، ومهدوا، وسطروا لما خافوا ذهاب العلماء ودروس ~~العلم. PageV01P362 # خاتمة: قد يتمسك به الظاهري لمذهبه اتباع الظاهر، وما لا حكم فيه ردوه ~~إلى حكم ما قبل ورود الشرع، وفيها مذاهب معروفة، ومذهب أصحابنا وأكثر ~~المتكلمين على أنها على الحظر، وهو ظاهر الحديث "لأنه نهى عن البحث عما سكت ~~عنه، والقول بالقياس وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق إلحاق؛ فما سكت عنه فيكون ~~على خلاف قياس الشرع، فيكون مردودا، عملا بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "من ~~عمل عملا ليس عليه ms138 أمرنا فهو رد". وهذا الاستدلال ظني، وأدلة القياس ظاهرة؛ ~~فلا يعارضها الظني (¬1). PageV01P363 ### | AUTO الحديث الحادي والثلاثون # عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته ~~أحبني الله وأحبني الناس؟ قال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في ~~أيدي الناس يحبك الناس". # حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف براويه: # وهو أبو العباس -كما ذكره المصنف-، أو أبو يحيى سهل بن سعد بن PageV01P364 # مالك بن خالد الساعدي المدني -وقيل: سعد بن سعد بن مالك، والأول أصح-، له ~~ولأبيه صحبة، مات سنة ثمان وثمانين -أو إحدى وتسعين- عن مائة ونحوها، وهو ~~آخر من مات من الصحابة بالمدينة -على أحد الأقوال- وكان اسمه: حزنا؛ فسماه ~~الشارع: سهلا (¬1). # وابن ماجه اسمه: أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني صاحب ~~"السنن"، و"التفسير"، و"التاريخ"، ولد سنة تسع ومائتين، ومات سنة ثلاث ~~وسبعين (¬2). # ثانيها: هذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام -كما ~~سلف- وقد جمعت في قوله شعرا: # عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البريه # اتق الشبهات، وازهد، ودع ما ... ليس يعنيك، واعملن بنيه (¬3) # ثالثها: قوله: "يحبك الله" هو بفتح الباء المشددة، والأصل: "يحببك" بكسر ~~الأولى وسكون الثانية، مجزوم على جواب الأمر الذي هو "ازهد في الدنيا" ~~فأسكنت الباء الأولى عند إرادة الإدغام بنقل حركتها إلى الساكن قبلها -وهو ~~الحاء- فاجتمع ساكنان، فحرك الآخر لالتقاء الساكنين بالفتح تخفيفا. PageV01P365 # قال المازري: "الباري تعالى لا يوصف بالصفة المعهودة فينا، لأنه مقدس عن ~~أن يميل أو يمال إليه، وليس بذي جنس وطبع فيوصف بالشوق الذي تقتضيه الطبيعة ~~البشرية، وإنما محبته تعالى للخلق: إرادته لثوابهم ونعيمهم، على رأي بعض ~~أهل العلم، وعلى رأي بعضهم: أن المحبة راجعة إلى نفس الإثابة والتنعيم لا ~~الإرادة" (¬1). # أي: فعلى هذا يكون صفة فعل، وعلى الأول صفة ذات. وبه قال ابن فورك (¬2). # ومعنى محبة المخلوقين له: ms139 إرادتهم أن ينعمهم ويحسن إليهم، أو لما ابتدأهم ~~به من نعمه ودفع من نقمه، وإليه الإشارة بقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"أحبوا الله؛ لما يغذوكم به من نعمه" (¬3)، {وإن تعدوا نعمت الله لا ~~تحصوها} [إبراهيم: 34]، "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها"، ولا إحسان في ~~الحقيقة إلا لله، لأنه خالقها وخالقهم، ومن محبته: محبته رسله وأنبيائه ~~وأوليائه وملائكته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، واتباع سنة رسوله. # تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع (¬4) PageV01P366 # وللقوم فيها عبارات: # التستري: "هي معانقة الطاعة، ومباينة المخالفة". # الروذباري: "الموافقة". # يحيى بن معاذ: "ليس الصادق من ادعى محبته ولم يحفظ حدوده" (¬1). # وقد أوضحها القشيري، وصاحب "المفهم" (¬2). # رابعها: حث الشارع على التقلل من الدنيا وما فيها، وقال: "كن في الدنيا ~~كأنك غريب أو عابر سبيل" (¬3)، "حب الدنيا رأس كل خطيئة" (¬4). # وفي "الودعانيات الموضوعة" (¬5) من حديث أبي هريرة، عن أبي سعيد الخدري ~~-رفعه-: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول -يعظه-: "ارغب فيما عند ~~الله؛ يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس، إن الزاهد في ~~الدنيا يريح قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة، والراغب في الدنيا يتعب قلبه ~~وبدنه في الدنيا والآخرة، ليجيئن أقوام يوم القيامة لهم حسنات كأمثال ~~الجبال، فيؤمر بهم إلى النار". فقيل: يا نبي الله! أو يصلون؟ قال: "كانوا ~~يصلون ويصومون ويأخذون وهنا من الليل؛ لكنهم كانوا إذا لاح لهم بشيء من ~~الدنيا وثبوا عليه". PageV01P367 # وقد قال -عليه الصلاة والسلام- في حديث: "أيها الناس! اتقوا الله حق ~~تقاته، واسعوا في مرضاته، وأيقنوا من الدنيا بالفناء، ومن الآخرة بالبقاء، ~~واعملوا لما بعد الموت، فكأنك بالدنيا ولم تكن، وبالآخرة ولم تزل، إن من في ~~الدنيا ضيف، وما في يده عارية، وإن الضيف مرتحل، والعارية مردودة، والدنيا ~~عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والدنيا مبغضة لأولياء الله، محببة ~~لأهلها فمن شاركهم في محبوبهم أبغضوه" (¬1). # فأرشد الشارع السائل إلى تركها بالزهد فيها، ووعده على ذلك بحب الله له ms140 ~~-وهو رضاه عنه- فإن محبته لهم رضاه عنهم، وأرشده إلى الزهد فيما في أيدي ~~الناس إن أراد محبة الناس له، والكل حب الدنيا؛ فليس في أيدي الناس شيء ~~يتباغضون ويتنافسون [عليه] (¬2) إلا الدنيا، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ~~"من كانت الآخرة همه: جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي ~~راغمة، ومن كانت الدنيا همه: شتت الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته ~~من الدنيا إلا ما قدر له" (¬3)، والسعيد من اختار باقية يدوم نعيمها، على ~~بالية لا ينفد عذابها. # قال بعضهم: "ووجه كون الزهد في الدنيا سببا لمحبة الله؛ أنه تعالى يحب من ~~أطاعه، ويبغض من عصاه، والطاعة مع المحبة للدنيا مما لا يجتمع، وقد PageV01P368 # سلف أن حبها خطيئة، والله لا يحب الخطايا ولا أهلها، ولأن الدنيا لعب ~~ولهو وزينة، والله لا يحب ذلك؛ ولأن القلب بيت الرب، والله وحده لا شريك ~~له، ولا يحب أن يشرك به في بيته حب الدنيا ولا غيرها. # وبالجملة: فمحب الدنيا مبغوض عند الله؛ فالزاهد فيها الراغب عنها محبوب ~~له، ومحبة الدنيا المكروهة هي إيثارها لقضاء شهوات النفس وأوطارها؛ لأن ذلك ~~شغل عن الله، أما محبتها لفعل الخير وتقديم الأجر بها عند الله ونحو ذلك ~~فهو عبادة؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "نعم المال الصالح مع الرجل ~~الصالح، يصل به رحما، ويصنع به معروفا" (¬1) أو كما قال. # وفي الأثر: "إذا كان يوم القيامة جمع الله الذهب والفضة كالجبلين ~~العظيمين، ثم يقول: هذا مالنا عاد إلينا؛ سعد به قوم وشقي به آخرون" (¬2). # ووجه كون الزهد فيما عند الناس سببا لمحبة الناس؛ فلأن الناس يتهافتون ~~على الدنيا بطباعهم "إذ الدنيا ميتة، والناس كلابها؛ فمن زاحمهم عليها ~~أبغضوه، ومن زهد فيها ووفرها عليهم أحبوه، وقد سلف طرف من ذلك. # وللشافعي - رضي الله عنه - (¬3): # ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها PageV01P369 # فما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها # فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها (¬1) # ولا تبعد محبة الجن أيضا ms141 له، إذ لفظ الناس يشمله. # خامسها: "الزهد" -لغة-: الإعراض عن الشيء لاستقلاله واحتقاره وارتفاع ~~الهمة عنه، مأخوذ من قولهم: شيء زهيد؛ أي: قليل. وفي الحديث: "إنك لزهيد" (¬2). # والمختار في حده أنه استصغار الدنيا واحتقارها: {قل متاع الدنيا قليل} ~~[النساء: 77]، {إنما مثل الحياة الدنيا} [يونس: 24] الآية، ويكفيه منها زاد ~~الراكب، والإقبال على المراقب، فشخصه في الأشباح، وروحه مع الآخرة في ~~الأرواح. # وحكى الحارث المحاسبي -رحمه الله- فيما يزهد فيه ثلاثة أقوال: الحياة أو ~~النقد أو متعلقات البدن، كالأكل واللبس، والظاهر أن دنيا كل إنسان على حسب ~~حاله، وقد قال حارثة للشارع: "أصبحت مؤمنا حقا! فقال له: إن لكل حق حقيقة؛ ~~فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا؛ فاستوى عندي حجرها ومدرها، ~~وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في PageV01P370 # الجنة يتنعمون، وإلى أهل النار في النار ينقمون. قال: "يا حارثة، عرفت ~~فالزم" (¬1) هذا أو قريبا منه. # خليلي لا والله ما أنا منكما ... إذا علم من آل ليلى بدا ليا # فمثل هذا تكون الدنيا له سجنا، ومقامه فيها هما وغما "كما قال -عليه ~~الصلاة والسلام-: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" (¬2). # * * * # فصل # والزهد في الحرام واجب، وهو زهد العوام، وفيما عدا الضروريات من أداء ~~المباحات -وهو المراد من هذا الحديث ظاهرا- وهو زهد الخواص العارفين بالله، ~~والزهد في الشبهات الظاهر وجوبه؛ لأنه قد يوقع في الحرام كما سلف، واجتناب ~~الحرام واجب، والزهد فيما سوى الله من دنيا وجنة وغير ذلك، وقصد صاحب هذا ~~الوصول إلى الرب تعالى والتقرب منه. PageV01P371 # فصل # والمزهود من أجله الباعث على الزهد، والذي يكون عنه الزهد خمسة أشياء: # الدنيا؛ لأنها فانية شاغلة عن التفكر النافع. # ولأنها تنقص عند الله درجات من ركن إليها. # ولأن تركها قربة من الله، وعلو مرتبة عنده منه في درجات الجنة. # وطول الحبس والوقوف للحساب، والسؤال عن شكر النعمة. # ورضوان الله، والأمن من سخطه -وهو أكبرها- {ورضوان من الله أكبر ذلك هو ~~الفوز العظيم} [التوبة: 72]، وهو الغاية (¬1). # وقيل: من سمي باسم "الزاهد" فقد ms142 سمي بالقاسم ممدوح بهذا مع تعجله الراحة ~~دنيا وأخرى؛ فهم الملوك حقيقة: # إن الزهاد في روح وراحة ... قلوبهم عن الدنيا مراحه # إذا أبصرتهم أبصرت قوما ... ملوك الأرض شيمتهم سماحه # وهم العقلاء؛ لإيثارهم الباقي على الفاني. # قال الشافعي -رحمه الله-: "لو أوصى لأعقل الناس صرف لهم" (¬2). PageV01P372 # وشتان من شغلته الدنيا أو اشتغل بالله: # تشاغل قوم بدنياهم ... وقوم تخلوا لمولاهم # فألزمهم باب مرضاته ... وعن سائر الناس أغناهم # * * * PageV01P373 ### | AUTO الحديث الثاني والثلاثون # عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ضرر ولا ضرار". # حديث حسن، رواه ابن ماجه (¬1) والدارقطني (¬2) وغيرهما مسندا. # ورواه مالك في "الموطأ" (¬3) مرسلا، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوى بعضها ببعض ~~(¬4). PageV01P374 # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: في التعريف بروايه: # وهو خدري -بدال مهملة قطعا-: نسبة إلى خدرة، قبيلة من الأنصار من أصحاب ~~الشجرة، وهو أحد الفقهاء، مات سنة أربع وسبعين بالمدينة (¬1). # و"مالك": هو الإمام أبو عبد الله الأصبحي، إمام أحد المذاهب المتبوعة، ~~أفردت ترجمته بالتأليف، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ~~ومائة في ربيع الأول (¬2). # ثانيها: "المسند": هو ما اتصل سنده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # و"المرسل": ما سقط منه الصحابي عند المحدثين، وأي راو كان عند الأصوليين (¬3). # وهذا الحديث وهاه ابن حزم، وقد رددت عليه في "تخريجي لأحاديث الرافعي" ~~وغيره (¬4). # لا جرم، قال المصنف: "وله طرق يقوى بعضها ببعض"، أي: في بعض طرقه لين ~~يجبر بغيره ويقوى، وهو مرجح وعاضد، وقد يكون العاضد كتابا مثل أن يكون ~~الحديث ضعيفا، لكن يوافقه ظاهر آية، أو عمومها فيقوى بها ويتعاضدان، وقد ~~يكون سنة تعاضده: إما عن راوي الحديث نفسه، أو عن PageV01P375 # غيره، وقد قيل في المثل: # لا تخاصم بواحد أهل بيت ... فضعيفان يغلبان قويا # وقال ابن الصلاح: "رواه الدارقطني في "جامعه" من وجوه متصلا، وهو حديث ~~حسن". وقال مرة: "أسنده ms143 من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد نقله ~~جماهير أهل العلم واحتجوا به، فعن أبي داود أنه قال: "الفقه يدور على خمسة ~~أحاديث ... " (¬1) وعد هذا الحديث من الخمسة. # قال: "فعد أبي داود له من الخمسة، وقوله فيه يشعر بكونه عنده غير ضعيف، ~~وجعله خمس الشريعة" (¬2). # قال ابن عبد البر: "ولم يختلف عن (¬3) مالك في هذا الحديث وإرساله، وقد ~~رواه الدراوردي عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأسنده، وله طرق كثيرة، ومعناه صحيح في الأصول ~~أيضا، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حرم الله من ~~المؤمن: دمه وماله وعرضه، وألا يظن به إلا الخير" (¬4). PageV01P376 # وقال -أيضا-: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم" (¬1) [يعني من] ~~(¬2) بعضكم على بعض. وقد قال تعالى: "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، ~~وجعلته بينكم محرما؛ فلا تظالموا" -وقد سلف- (¬3)، وقال تعالى: {وقد خاب من ~~حمل ظلما} [طه: 111]. # وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وأخذه من غير وجهه؛ ومن أضر بأخيه ~~فقد ظلمه، وصح: "الظلم ظلمات يوم القيامة" (¬4). # وروى معمر، عن جابر الجعفي، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعا: "لا ضرر ولا ~~ضرار، وللرجل وضع خشبه في جدار جاره" (¬5). # جابر الجعفي متكلم فيه، قال أبو عمر: "شعبة والثوري يثنيان عليه PageV01P377 # ويصفانه بالحفظ والإتقان. وكان ابن عيينة يذمه ويحكي من سوء مذهبه ما ~~(¬1) يسقط روايته، واتبعه على ذلك أصحابه: علي بن المديني، وابن معين ~~وغيرهما" (¬2). قال: "ولهذا قلت: إن هذا الحديث لا يسند من وجه صحيح" (¬3). # وأما قوله: "لا ضرر ولا ضرار" فخبر "لا" محذوف؛ أي: في ديننا، أو في ~~شريعتنا، أو في سنتنا، وظاهر الحديث تحريمه مطلقا قليله وكثيره، ضرورة كون ~~النكرة في سياق النفي تعم، ثم الظاهر تغاير هذين اللفظين حملا له على ~~التأسيس؛ إذ هو أولى من التأكيد، فالضرر من واحد كالقتل، والضرار من اثنين ~~كالقتال، من حيث إن "ضرار" مصدر: ضار، وفاعل إنما يكون من اثنين غالبا. # وقيل: إنهما ms144 لفظتان بمعنى واحد، تكلم بهما جميعا على وجه التأكيد (¬4)، ~~وهو ظاهر لفظ الجوهري حيث قال: "الضرر" و"الضرار" خلاف النفع، وقد ضره ~~وضاره بمعنى، والاسم: "الضر"." (¬5). # وقال ابن حبيب (¬6): ""الضرر" عند أهل العربية الاسم، و"الضرار" الفعل". ~~قال: "ومعنى: "لا ضرر": لا يدخل على أحد ضررا لم يدخله على نفسه، ومعنى ~~"ولا ضرار": لا يضار أحد بأحد" (¬7). PageV01P378 # وقال الخشني (¬1): ""الضرر" الذي لك فيه منفعة وعلى جارك فيه المضرة، ~~و"الضرار": الذي ليس لك فيه منفعة، وعلى جارك فيه المضرة" (¬2). # وهذا وجه حسن المعنى في الحديث. # وجاء في بعض طرقه المسندة من طريق عمرو بن يحيى -بعد "لا ضرر ولا ضرار"-: ~~"من ضار ضار الله به، ومن شاق شاق الله عليه" (¬3). # وقال بعضهم: "الضرر" و"الضرار" مثل القتل والقتال، و"الضرر": أن تضر من ~~لا يضرك، و"الضرار" أن تضر بمن قد أضر بك من غير جهة الاعتداء بالمثل ~~والانتصار بالحق، وهو نحو قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أد الأمانة إلى من ~~أئتمنك، ولا تخن من خانك" (¬4) أي: بعد أن انتصرت منه في خيانته PageV01P379 # لك، والنهي إنما وقع على الابتداء، وما يكون في معنى الابتداء، كأنه ~~يقول: ليس لك أن تخونه وإن كان قد خانك؛ كما (¬1) لم يكن له أن يخونك، وأما ~~من عاقب بمثل ما عوقب به وأخذ حقه فليس بخائن، وإنما الخائن من أخذ ما ليس ~~له، أو أكثر مما له. # وقد اختلف الفقهاء في الذي يجحد حقا عليه ويمنعه ثم يظفر المجحود بمال ~~الجاحد قد ائتمنه عليه أو نحو ذلك، فقال قائل منهم: ليس له أن يأخذ حقه من ~~ذلك؛ لظاهر الحديث الذي أوردناه: " ... ولا تخن من خانك". # وقال آخرون: له أن ينتصف منه ويأخذ منه حقه عملا بقصة هند: "خذي من ماله ~~ما يكفيك" (¬2). وللفقهاء في هذه المسألة وجوه واعتلالات؛ محلها كتب ~~الخلافيات، وإنما ذكرنا هذا هنا لما في معنى "الضرار" من مداخلة الانتصار ~~بالإضرار ممن أضر بك. # والذي يصح في النظر ويثبت في الأصول أنه ليس لأحد أن يضر بأخيه سواء أضر ~~به ms145 قبل أم لا، إلا أن ينتصر -إن قدر- بما أبيح له من الاعتداء بالحق الذي ~~له بمثل ما اعتدي عليه، والانتصار ليس باعتداء، ولا ظلم، ولا ضرر إذا كان ~~على الوجه الذي أباحته السنة (¬3)، وكذا ليس لأحد أن يضر بأحد من غير الوجه ~~الذي هو الانتصار (¬4) من حقه، ومن أدخل على أخيه المسلم ضررا منه؛ PageV01P380 # فإن أدخل عليه ضررا بفعل ما كأن فعله فأضر فعله لذلك بجاره أو بغير جاره، ~~نظر إلى ذلك الفعل؛ فإن كان أكثر ضررا على الفاعل من الضرر الداخل على ~~الجار بسبب ترك ذلك في ماله إذا قطع عنه ما فعله، قطع أكثر الضررين ~~وأعظمهما حرمة في الأصول. # مثاله: فتح الكوة للضوء، وتطلع منها على الحرم، منعه المالكية دفعا لأكثر ~~الضررين، وعند الشافعية يجوز، وشرط بعضهم علوها بحيث لا يطلع على الجار، ~~ومثله البناء وإحداث الرحا المضرة بالجار عندهم (¬1)، وكذا منع العلماء من ~~دخان الفرن والحمام، والدود المتولد من الزبل المنشور في الرحاب وأمثاله؛ ~~إذا ظهر ضرره، وبقي أثره، وخشي تماديه دون ما إذا كان مثل ساعة خفيفة [مثل: ~~نفض التراب والحصر] (¬2) على الباب، وما زال جبريل يوصي بالجار حتى ظن ~~الشارع -صلوات الله وسلامه عليه- أنه يورثه (¬3). # وقد روي أنه -عليه الصلاة والسلام- "لعن من ضار مسلما أو ماكره" (¬4) لكن ~~سنده لا يقوم منه ضعف كما قال أبو عمر. PageV01P381 # قال: "ولكنه يخاف عقوبة ما جاء فيه" (¬1) فإنه موافق للقواعد. # ثالثها: "الضرر" مصدر: ضره يضره ضرا وضرارا، و"الضرار" مصدر: ضاره يضاره ~~ضرارا، وفي التنزيل: {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} [البقرة: 231]. # و"الضرر": إلحاق مفسدة بالغير مطلقا. # و"الضرار": إلحاق مفسدة به على وجه المقابلة كما أسلفناه؛ أي: كل منهما ~~يقصد ضرر صاحبه (¬2). # وفي رواية: "ولا إضرار" (¬3) بالألف، وهو مصدر: أضر به إضرارا: إذا ألحق ~~به ضررا، وهو في معنى الضرر. # وقال ابن الصلاح: ""ضرار" على وزن فعال، أي أنه مكسور الضاد". # قال: "وهو على ألسنة كثير من الفقهاء والمحدثين: "ولا إضرار" بهمزة ~~مكسورة قبل الضاد، ولا صحة لذلك" (¬4). # قلت: وقوله: "لا ضرر ms146 ولا ضرار" فيه حذف، أصله: لا لحوق ولا إلحاق ضرر ~~بأحد، ولا فعل ضرار مع أحد. ثم المعنى: لا لحوق ضرر شرعا إلا بموجب خاص؛ ~~ليخرج الحدود والعقوبات، والله تعالى يقول: {يريد الله بكم PageV01P382 # اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185]، {يريد الله أن يخفف عنكم} ~~[النساء: 28]، {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} [المائدة: 6]، {وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78]، وقال رسول الله -عليه أفضل الصلاة ~~والسلام-: "الدين يسر"، و"بعثت بالحنيفية السمحة" (¬1) أي: السهلة، ونحو ~~ذلك من النصوص المتظاهرة المصرحة بوضع الدين على تحصيل المصلحة والنفع. # والضرر منهي عنه مزال، ثم هاتان اللفظتان تقتضيان رعاية المصالح إثباتا ~~والمفاسد نفيا، إذ الضرر هو المفسدة؛ فإذا انتفت لزم إثبات النفع الذي هو ~~المصلحة؛ لأنهما تفيضان لا واسطة بينهما. # ثم الأدلة السمعية المتفق عليها أربع: الكتاب، والسنة، والإجماع، ~~والقياس. # والمختلف فيها أربعة عشر: الاستصحاب، الاستحسان، الاستدلال، المصالح ~~المرسلة، سد الذرائع، إجماع المدينة، الكوفة، العترة (¬2)، الخلفاء ~~الأربعة، إجماع الشيخين، قول الصحابي، البراءة الأصلية، الاستقراء، الأخذ ~~بالأخف. والخوض فيها محله كتب "الأصول" وأقواها: النص والإجماع، ثم PageV01P383 # هما إما أن يوافقا رعاية المصالح فبها ونعمت، أم لا فيخصص بها؛ لاعتناء ~~الشارع بها (¬1). # * * * PageV01P384 ### | AUTO الحديث الثالث والثلاثون # عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة ~~على المدعي، واليمين على من أنكر". # حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا (¬1)، وبعضه في "الصحيحين". # وقال في "شرح مسلم": "رواه البيهقي بإسناد جيد حسن أو صحيح" (¬2). # * * * # الكلام عليه من وجوه: # والتعريف براويه سلف. # و"البيهقي" هو الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين صاحب التصانيف، ولد سنة ~~أربع وثمانين وثلاثمائة، ومات سنة ثمان وخمسين وأربعمائة (¬3). # أحدها: لفظ "الصحيح" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو يعطى ~~الناس بدعواهم، PageV01P385 # لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (¬1). # وفي رواية: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين على المدعى ~~عليه". وكذا رواه مع ms147 "الصحيحين": أصحاب "السنن" (¬2) وغيرهم من رواية ابن ~~عباس مرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وغلط الأصيلي حيث قال: "لا يصح مرفوعا؛ إنما هو قول ابن عباس، كذا رواه ~~أيوب ونافع الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس" (¬3). # وقد رواه البخاري (¬4) من طريق ابن جريج مرفوعا. # وأبو داود والترمذي من طريق نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن ~~ابن عباس مرفوعا (¬5). # قال الترمذي: "حديث صحيح". # فقد صح رفعه بشهادة هذه الأئمة: البخاري ومسلم والترمذي؛ فلا يضره من ~~وقفه، ولا يعد ذلك اضطرابا ولا تعارضا؛ فإن الراوي قد يعرض له ما يوجب ~~السكوت عن الرفع من نسيان أو اكتفاء بعلم السامع أو غير ذلك، والرافع عدل ~~ثبت؛ فلا يلتفت إلى الوقف إلا في الترجيح عند التعارض كما هو مبين في ~~الأصول. PageV01P386 # وجاء في رواية: "أن امرأتين كانتا تخرزان في بيت -أو في حجرة- فجرحت ~~إحداهما، وقد أنفذ بالإشفي في كفها؛ فادعت على الأخرى، فرفع ذلك إلى ابن ~~عباس، فذكر الحديث: لو يعطى الناس بدعواهم لذهبت دماؤهم وأموالهم، ذكروها ~~بالله فاقرؤوا عليها: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل ~~عمران: 77] فذكروها فاعترفت". فقال ابن عباس: قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "اليمين على المدعى عليه" (¬1). # ثانيها: هذا الحديث قاعد كبير من قواعد الشريعة، وأصل من أصول الأحكام، ~~وأعظم مرجع عند التنازع والخصام، وقد قيل: إنه فصل الخطاب الذي أوتيه داود، ~~كما سلف في الخطبة أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه؛ بل لا ~~بد من استناد إلى ما يقوي دعواه من البينة أو تصديق المدعى عليه ولو كان ~~المدعى فاضلا شريفا أو حقا خفيفا، وإلا فالدعاوى متكافئة، والأصل: براءة ~~الذمم من الحقوق، فلابد مما يدل على تعلق الحق بالذمة وتترجح به الدعوى؛ ~~فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك. # وقد بين الشارع الحكمة في كونه لا يعطي بمجرد دعواه؛ لأنه لو أعطى ~~بمجردها لادعيت الدماء والأموال واستبيحت، ولا يمكن المدعى عليه أن يصون ~~ماله ودمه، ms148 وأما المدعي فيمكن صيانتهما بالبينة أيضا، وجانب المدعي ضعيف؛ ~~لدعواه خلاف الأصل، وجانب المنكر قوي؛ لموافقة الأصل في البراءة، والبينة ~~حجة قوية لبعدها عن التهمة، واليمين حجة ضعيفة لقربها منها، فجعل القوي في ~~جانب الضعيف، والضعيف في جانب القوي، وهو جانب المنكر تعديلا، وهو توجيه ~~حسن. PageV01P387 # ثالثها: هذا الحديث يستدل به بمسائل: # الأولى: أن اليمين متوجهة على كل من ادعي عليه حق، سواء كان بينه وبين ~~المدعي اختلاط أم لا. # وقالت طائفة من العلماء: لا بد من خلطة لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل ~~بتحليفهم مرارا في اليوم الواحد، وهو مذهب الفقهاء السبعة، وبه قضى علي، ~~وهو قول مالك وجل أصحابه، وأكثر الفقهاء على خلافه، ووافقهم ابن نافع، وابن ~~لبابة -من أصحاب مالك رحمه الله-. # واختلف في تفسير الخلطة؛ هل هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو ~~بشاهدين، أو يكفي الشبهة، أو أن تليق به الدعوى بمثلها على مثله، أو يليق ~~به أن يعامل بمثلها؟ أقوال؛ ودليل الجمهور الحديث، ولا أصل لاشتراط الخلطة ~~من كتاب ولا سنة ولا إجماع (¬1). # الثانية: إبطال التدمية -في قول مالك-، ووجه تسوية الشارع بين الدماء ~~والأموال في أن المدعي لا يسمع قوله فيها؛ فإذا لم يسمع في مرضه: لي عند ~~فلان في دينار أو درهم، كان أحرى وأولى ألا يسمع قوله: دمي عند فلان؛ لحرمة ~~الدماء. # وقد يقال: إن مالكا لم يسند ذلك لقول المدعي ذلك؛ بل للقسامة على القتل ~~والتدمية لوث يقوي جانب المدعي حين يبدأ بالأيمان كسائر أنواع اللوث (¬2). PageV01P388 # ثالثها: "المدعى عليه": هو المطلوب منه، و"المدعي": هو الطالب، ووجه كون ~~اليمين على المدعى عليه أن الأصل براءة ذمته عما طلب منه، وهو متمسك به، ~~والاحتمال مندفع باليمين، وقام الإجماع على استحلاف المدعى عليه في ~~الأموال، واختلفوا في غير ذلك؛ فمذهب الشافعي وأحمد وأبى ثور: وجوبها على ~~كل مدعى عليه في حد أو طلاق أو نكاح أو عتق، أخذا بعموم ظاهر الحديث؛ فإن ~~نكل حلف المدعي وثبت دعواه. # وقال أبو حنيفة وأصحابه -رحمهم الله-: يحلف على ms149 النكاح والطلاق والعتق؛ ~~وإن نكل لزمه ذلك كله. # وقال الثوري والشعبي وأبو حنيفة -رحمهم الله-: لا يستحلف في الحدود ~~والسرقة. وقال نحوه مالك -رحمه الله - (¬1). # رابعها: "لو" حرف امتناع لامتناع؛ أي: امتناع الشيء لامتناع غيره، أو حرف ~~لما سيقع لوقوع غيره، كما قاله سيبويه (¬2)، والمعنى على هذه: أن دعوى رجال ~~مال قوم كان سيقع؛ لوقوع إعطاء الناس بدعاويهم، والمراد عليها، وعلى الأولى ~~أن بدعوى الرجال أموال قوم أعطاهم إياها فوضع الدعوى موضع الأخذ؛ لأنها ~~سببه، ولا شك أن أخذ مال المدعى عليه ممتنع؛ لامتناع إعطاء المدعي بمجرد ~~دعواه، وكذلك أخذ مال المدعى عليه كان سيقع لوقوع إعطاء المدعي بدعواه، ولا ~~يقع بدون ذلك. # و"الرجال" هم الذكور قطعا. PageV01P389 # ورواية: "ناس" تعم الرجل والمرأة، وأما "القوم" فهل تختص بالرجال أو تعم ~~النساء؟ قولان: # حجة الأول: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن ~~يكونوا خيرا منهم} [الحجرات: 11] وقول زهير: # وما أدري أقوم آل حصن أم نساء (¬1) # وأجيب عنه بأن ذلك من قرب التقسيم فقط (¬2). # وحجة الثاني: قوله تعالى: {مثل دأب قوم نوح} [غافر: 31] ونحوه، وتقول ~~العرب: ليس هذا بأرض قومي ولا من نسائهم. # وأجيب عنه بأن النساء إنما دخلت لقرينة التكليف ونحوه. # وغاير بين قوله: "لادعى رجال أموال قوم" ولم يقل: "أموال رجال" ولا: "قوم ~~أموال قوم" دفعا لتكرار أحدهما بغير فائدة، وإنه على القول بأن النساء ~~يدخلن في لفظ القوم؛ لأن الدعوى في الرجال أغلب بخلاف المدعى عليه. # وقدم الأموال في رواية المصنف على الدماء، ورواية "الصحيح" عكسه لغلبة ~~الخصومات فيها؛ لأن أخذها أيسر، وامتداد اليد إليها أسهل، وإن كان الاهتمام ~~بالدماء أعظم؛ لأنه أول ما يقضى بين الناس فيها، فهي من ذا الوجه أعظم خطرا ~~من المال، على أن العطف بالواو لا يفيد ترتيبا. # وموضوع "لكن" الاستدلال، وهي وإن كانت إنما تكون بين نفي وإثبات، PageV01P390 # نحو: "ما قام زيد، لكن عمرو" وهي هنا بعد إثبات، ولا نفي قبلها؛ لأنها ~~كذلك في المعنى، إذ معنى "لو ms150 يعطى": لا يعطى بدعواهم المجردة، لكن بالبينة، ~~وهي على المدعي. # وقوله: "لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" أتى بالمدعي معرفا؛ ~~لأن فيه ضربا من التعريف المعنوي لظهوره وإقدامه على الدعوى، فأتى فيه بلام ~~التعريف المناسبة له و"المنكر" فيه ضرب من الإيهام والتنكير لاستخفائه ~~وتنكيره؛ فأتى فيه ب "من" إذ فيها إبهام وتنكير شبيه بحاله. # وقوله: "واليمين على من أنكر" عام خص منه صور: # القسامة؛ فإنها في جانب المدعي. # واليمين مع الشاهد الواحد في جانب المدعي. # ويمين المدعي إذا ردها عليه المنكر عندنا وعند أحمد في رواية. # وأيمان الأمناء حين يتهمون في دعاويهم، كالوكيل والمرتهن ونحوهما. # * * * PageV01P391 ### | AUTO الحديث الرابع والثلاثون # عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ ~~فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". # رواه مسلم (¬1). # الكلام عليه من وجوه -والتعريف براويه سلف-: # أحدها: هذا الحديث قاله أبو سعيد - رضي الله عنه - لما قدم مروان خطبة ~~العيد قبل الصلاة، وقال له رجل: الصلاة قبلها! فقال: فقد ترك ما هنالك! ~~فقال أبو سعيد - رضي الله عنه -: "أما هذا فقد قضى ما عليه؛ سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ... ". فذكر الحديث، وهو أدل دليل على أن أول من ~~فعل هذا مروان لا عثمان أو عمر، ولم يصح ذلك؛ ووجهه أنه سماه منكرا بمحضر ~~من الصحابة، ولو كان قد سبق به عمل، أو كان أحد من الصحابة قد فعله، أو مضت ~~به سنة [لم يسمه أبو سعيد منكرا] (¬2). PageV01P392 # وتأخر أبي سعيد عن إنكاره حتى سبق إليه: قد لا يكون هو حاضرا أول ما شرع ~~في أسباب الخطبة، ثم حضر، أو كان حاضرا، أو خشي فتنة، أو هم به فسبق ثم ~~عضده. لكن في "الصحيحين" (¬1) عن أبي سعيد: "أنه هو الذي جذب يد مروان حين ~~رآه يصعد المنبر، فرد عليه مروان بمثل ما رد على الرجل" فيجوز أن تكون قضية أخرى. # ثانيها: هذا ms151 الحديث يرجع إلى قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل ~~عمران: 110]، {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر} [التوبة: 71]، وقوله: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} ~~[المائدة: 79] وأشباه ذلك، ومن السنة إلى قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إذا ~~ظهر المنكر في أمتي فلم ينكروه؛ أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده" (¬2) في ~~أحاديث أخر مشهورة. # ثم إن هذا الحديث يصلح أن يكون نصف علم الشريعة؛ لأنه إما معروف يجب ~~العمل به، أو منكر يجب النهي عنه، وقام الإجماع على الأمر بالتغيير باليد، ~~وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الكتاب والسنة مع ~~الإجماع، وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض ~~الرافضة -ولا يعتد به- وهم مسبوقون بالإجماع، ووجوبه بالشرع لا بالعقل ~~خلافا للمعتزلة. PageV01P393 # وأما قوله تعالى: {عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] الآية، فليس مخالفا لما ~~ذكرنا؛ ولأن المذهب الصحيح عند المحققين في معناها: أنكم إذا فعلتم ما ~~كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ~~[فاطر: 18]. وإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ~~فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب ولا عتب بعد ذلك على الفاعل؛ لكونه أدى ما ~~عليه، فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول. # ثم إنهما فرض كفاية تسقط الحرج عن الباقين إذا قام به البعض، وإن تركه ~~الكل أثموا مع التمكين بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في ~~موضع لا يعلم به غيره، أو كمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو ~~تقصير في المعروف، ولا يسقط ذلك عن المكلف لكونه لا يفيد في ظنه، فذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين، وقال تعالى: {ما على الرسول إلا البلاغ} [المائدة: 99]. # ولا يشترط فيه الكمال؛ بل يأمر وينهى، وإن كان يرتكب ذلك فيأمر نفسه ~~وينهاها كغيره، ولا يختص ذلك بأرباب الولايات؛ بل ذلك ثابت للآحاد، وهو ~~إجماع، ولا بد من عمله بما يأمر به وينهى عنه. # والدقائق ms152 مخصوصة بالعلماء، وإنما ينكر ما أجمع عليه دون ما اختلف؛ فقد ~~قيل: كل مجتهد مصيب (¬1)، والأصح: أنه لا يغير ما كان على مذهب غيره، PageV01P394 # وكذا ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصا ولا ~~إجماعا ولا قياسا جليا (¬1). # وهذا الباب قد ضيع أكثره في أزمان متطاولة، ولم يبق إلا الرسوم، وهو باب ~~عظيم به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب: الصالح والطالح، ~~وإذا لم يأخذوا على أيدي الظالم أوشك أن يعمهم الله بعقاب: {فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (63)} [النور]. فينبغي ~~للطالب والساعي في رضا الشريعة أن يعتني بذلك فإن نفعه عام، ولا يهاب أحدا؛ ~~فإن الرب -جل جلاله- وعده بالنصرة حيث قال: {ولينصرن الله من ينصره} [الحج: ~~40]، وقال: {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (101)} [آل عمران]، ~~وقال: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69]، وقال: {أحسب ~~الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2)} [العنكبوت] والآية ~~بعده، والأجر على قدر النصب، ولا يحابي صديقه ولا يداهنه، بل حقه نصحه. # ولا بأس باستعمال الرفق فيه، فالله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويغلظ ~~على المسرف، وما أحسن قول الإمام الشافعي: "من وعظ أخاه سرا، فقد PageV01P395 # نصحه، ومن وعظه علانية؛ فقد فضحه وشانه" (¬1)، "بدأ الإسلام غريبا وسيعود ~~غريبا كما بدأ" (¬2). # أنبأني الحافظ فتح الدين اليعمري، عن شيخ الإسلام الإمام تقي الدين ~~القشيري لنفسه -رحمه الله تعالى-: # قد عرف المنكر واستنكر ال ... معروف في أيامنا الصعبه # وصار أهل العلم في وهدة ... وصار أهل الجهل في رتبه # ساروا فما للجود فيما مضى ... من الذين جاروا به نسبه # فقلت للأبرار أهل التقى ... والدين لما اشتدت الكربه # لا تنكروا أحوالكم قد أتت ... نوبتكم في زمن الغربه # ومن العجب أن ما قام به الذين اتصفوا بصفات تنكرها عليهم أقل المريدين. # بالملح يصلح ما يخشى تغيره ... فكيف بالملح إن حلت به الغير # وما أحسن قوله: # هذا الزمان الذي كنا [نحاذره] (¬3) ... في قول كعب ms153 وفي قول ابن مسعود # إن دام هذا ولم تحدث له غير ... لم يبك ميت ولم يفرح بمولود # فرع من هذا الباب: بيان العيب في المبيع ولو كان أجنبيا. PageV01P396 # ثم الشارع -صلوات الله وسلامه عليه- نقله بعد اليد إلى اللسان فيعظ ويخوف. # ثم القلب، ومعناه: يكرهه بقلبه ويعزم أنه لو قدر على التغيير لغير، وهذا جهده. # ومعنى "أضعف الإيمان": أقل ثمراته؛ إذ فيه الكراهة فقط، وقد جاء في ~~رواية: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (¬1) أي: لم يبق وراء هذه ~~المرتبة مرتبة أخرى؛ لأنه إذا لم يكرهه بقلبه فقد رضي بالمعصية، وليس ذلك ~~شأن أهل الإيمان؛ بل هو كفر إن اعتقد جوازه، وإن رضي به لغلبة الهوى ~~والشهوة مع اعتقاد تحريمه فهو فاسق. # و"الإيمان" هنا: الإسلام؛ فالمراد أنه من آثاره ومقتضاه لا من حقيقة ~~معناه، إذ سبق في حديث جبريل -عليه الصلاة والسلام- "أن الإيمان هو ~~التصديق" إلى آخره. # قال القاضي عياض -رحمه الله-: "هذا الحديث أصل في صفة [التغيير] (¬2)، ~~فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولا كان أو فعلا، فيكسر آلات ~~الباطل، ويريق المسكر بنفسه أو نائبه، وينزع المغصوب ويردها إلى أربابها أو ~~يأمره؛ فإن احتيج إلى إظهار سلاح أو حرب رفع إلى السلطان، وبعضهم رأى ~~الإنكار بكل حال، وإن قتل ونيل منه كل أذى" (¬3). PageV01P397 # قال إمام الحرمين -رحمه الله-: "وإذا جار والي الوقت وظهر ظلمه ولم ينزجر ~~بالقول؛ فلأهل الحل والعقد التواطؤ على خلعه" (¬1). وهذا غريب منه؛ وهو ~~محمول على ما إذا لم يخف منه إثارة مفسدة أعظم منه. # وليس للآمر بالمعروف البحث والتفتيش والتجسس واقتحام الدور بالظنون؛ بل ~~إن عثر على منكر غيره. # واستثنى الماوردي -رحمه الله- من ذلك ما إذا أخبره من يثق بقوله أن رجلا ~~خلا برجل ليقتله أو امرأة ليزني بها؛ فإنه يجوز له في مثل هذه الحالة أن ~~يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدركه (¬2). # * تتمات: # إحداها: "المنكر": ما لا يسوغ شرعا، ودليله (¬3) يأباه وينكره. # و"المعروف" خلافه. # ثانيها: هذا ms154 الخطاب للأمة أجمع، الحاضر له والغائب؛ فالحاضر يعلم الغائب، ~~وهذه الرؤية يحتمل أن تكون بصرية، والأشبه أنها علمية. # ومعنى "فليغيره": يزيله ويبدله بغيره. # ثالثها: ظاهر الحديث وجوب الإنكار مطلقا، ومحله إذا لم يخف تزايده ~~بإنكاره ولا خاف مفسدة؛ فإن خافها فلا يجب، ولا يشترط إذن الإمام فيه إلا ~~أن يخاف من تركه مفسدة، ومن لا تكليف عليه لا وجوب عليه، وكذا العاجز. PageV01P398 # رابعها: قدم اليد؛ لأنها أبلغ، ثم اللسان بأن يصيح أو يأمر من يزيل، ثم ~~القلب؛ بالأعمال بالنيات، ويجب على العبد كراهة ما كرهه الله من المعاصي، ~~وشبيه هذا الترتيب قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن حصين: "صل قائما؛ ~~فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب؛ فإن لم تستطع فمستلق، لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها" (¬1). # ودفع الصائل بخلاف هذا؛ فإنه انتقال من الأدنى إلى الأعلى بخلاف ما نحن ~~فيه، والمعتبر في ذلك تحصيل المصلحة وأمن المفسدة. # خاتمة: المؤمن العدل: هو الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، ومن لا فيهما ~~فالمنافق؛ لأن الله -عز وجل- وصفه بذلك، ثم إن كان مع ذلك ترك ذلك مع عدم ~~الحاجة إليه؛ فهو معذور، وإن كان معها فإن كان لعذر سقط لذلك عنه أو قام ~~غيره مقامه، فلا حرج عليه فيه، وإلا فهو آثم فاسق، أو آمر بالمعروف غير ناه ~~عن المنكر؛ ففي تركه النهي عن المنكر التفصيل المذكور، وإن كان عكسه فكذلك. # * * * PageV01P399 ### | AUTO الحديث الخامس والثلاثون # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على ~~بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا ~~يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى ها هنا" -ويشير إلى صدره، ثلاث مرات- ~~"بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، ~~وماله، وعرضه". # رواه مسلم (¬1). # * * * # هذا حديث عظيم الفوائد كثير العوائد: # أحدها: "الحسد": تمني زوال النعمة، وهو حرام قبيح بالإجماع، وقد قال ms155 ~~-عليه الصلاة والسلام-: "إياكم والحسد؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل ~~النار الحطب -أو قال: الخشب-" (¬2). # وهو لغة: تمني زوال نعمة المحسود وعودها إليك، يقال: حسده يحسده PageV01P400 # حسودا، وبعضهم يقول: يحسد -بكسر السين- والمصدر: حسدا -بالتحريك- وحسادة، ~~وحسدتك على الشيء، وحسدوك عليه؛ فأما "الغبطة" فهي: تمني حال المغبوط من ~~غير أن يريد زوالها عنه، تقول منه: غبطه بما نال غبطا وغبطة. # وقد يوضع الحسد موضعها لتقاربهما، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا ~~حسد إلا في اثنتين ... " (¬1). أي: لا غبطة أعظم ولا أحق من الغبطة بهاتين ~~الخصلتين. # فمعنى "لا تحاسدوا" -والأصل: "لا تتحاسدوا" فحذفت إحدى التاءين تخفيفا-: ~~لا يحسد بعضكم بعضا، ووجه قبح الحسد أنه اعتراض على الخالق ومعاندة له. # ولبعضهم: # ألا قل لمن بات لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب # يعني: على الله -سبحانه وتعالى- حيث كرهت فضله، وعاندت فعله. # وقال أبو الطيب -رحمه الله تعالى-: # وأظلم أهل الأرض من كان حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب # ووجه ظلمه: أنه يجب عليه أن يحب لمحسوده ما يحب لنفسه، وهو لا يحب لنفسه ~~زوال النعمة؛ فقط أسقط حق محسوده عليه؛ ولأن في الحسد تعب النفس وحزنها ~~بغير فائدة وبطريق محرمة؛ فهو تصرف رديء: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم ~~الله من فضله} [النساء: 54] وفي الحكمة: إن الحسود لا يسود. # دع الحسود وما يلقاه من كمده .... كفاك منه لهيب النار في كبده PageV01P401 # إن لمت ذا حسد نفست كربته .... وإن سكت فقد عذبته بيده # الثانية: "النجش" في اللغة: الختل؛ أي: الخداع، ومنه قيل للصائد: ناجش؛ ~~لأنه يختل الصيد ويحتال له؛ فمعنى "لا تناجشوا": لا ينجش بعضكم على بعض، ~~وهو: أن يزيد في الثمن لا لرغبة؛ بل ليغر غيره، وهو حرام لأنه غش وخديعة؛ ~~فمن غشنا فليس منا، ولأنه ترك النصح الواجب، وترك الواجب حرام، وقد يكون ~~بمواطأة وبدونها. # وقد اختلف في صحة البيع المنجوش فيه؛ فقيل: يبطل بناء على أن النهي يقتضي ~~الفساد، وهو أحد الأقوال في الأصول، وثالثها في العبادات دون المعاملات، ~~رابعها: إن ms156 رجع إلى معنى في المنهي عنه فتعم وإلا فلا، والتحقيق: إن رجع ~~لذات المنهي عنه أو لوصف لازم له اقتضى الفساد، أو لأمر خارج أو لوصف غير ~~لازم فلا، ومذهب الشافعي -رحمه الله- أن البيع صحيح؛ لأن النهي فيه ليس ~~راجعا إلى العقد ولا ما يلزمه من ركن أو شرط، والأصح عند أصحابه لا خيار له ~~لتقصيره (¬1). # الثالثة: معنى "لا تباغضوا": لا تتعاطوا أسباب البغضاء؛ لأن الحب والبغض ~~معان قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها، ولا يملك التصرف فيها، كما قال ~~-عليه الصلاة والسلام-: "اللهم هذا قسمي فيما أملك؛ فلا تلمني فيما تملك ~~ولا أملك" (¬2) يعني: القلب؛ أي: في حبه وبغضه، والبغض للشيء: هو PageV01P402 # النفرة منه لمعنى مستقبح فيه، والظاهر أنه مرادف للكراهة أو يقاربها، وقد ~~يكون من طرفين، ومن واحد، ولله ولغيره، ولا شك في حرمة البغض والتباغض؛ ~~للنهي عنه، إلا في الله، فإنه واجب ومن كمال الإيمان، قال الله تعالى: {لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: 1]، وقال -عليه أفضل الصلاة ~~والسلام-: "من أحب لله، وأبغض لله، ومنع لله، وأعطى لله، فقد استكمل ~~الإيمان" (¬1). # الرابعة: معنى "لا تدابروا": لا يدبر بعضكم عن بعض، أي: تعرض عنه بما يجب ~~له من حقوق الإسلام من الإعانة والنصرة ونحوهما، و"التدابر": المعاداة، ~~وقيل: المقاطعة، لأن كل واحد يولي صاحبه دبره، ولا ملازمة بينه وبين ~~التباغض، لأن الشخص قد يبغض صاحبه عادة، وقد يعرض عنه -وهو يحبه- خشية تهمة ~~أو تأديبا له ونحو ذلك، وفي نحو هذا قيل: # لا تكتم الحب إلا خشية التهم # و"تدابروا" أصله: "تتدابروا" بتاءين، حذفت إحداهما تخفيفا، وهل هي تاء ~~المضارعة أو تاء الكلمة؟ فيه خلاف، وكذلك الخلاف فيما قبلها، وهي "تحاسدوا" ~~و "تناجشوا" و "تباغضوا". # الخامسة: علة النهي عن بيع البعض على بيع البعض: تغيير القلوب والنفرة، ~~وربما أدى تعاطي مفسدة صاحبه، وذلك حرام، وفي صحة البيع PageV01P403 # خلف سبق وسلف، مأخذه كما سلف من: إن كان النهي لمعنى خارج عن المنهي؛ هل ~~يقتضي الفساد أم لا؟ أما الذمي فبيع المسلم عليه ms157 محتمل جوازه لنقص حرمته، ~~والذمي لا يؤالف، ويحتمل حرمته للإيذاء، وهو أيضا في ذمتنا وعكسه؛ فلا يجوز ~~له ولا يبعد أن يؤدب عليه لافتياته واستخفافه. # ومثال ذلك: أن يأمر البائع بالفسخ ليبيعه مثله، وفي معناه: الشراء على ~~الشراء، وضرره على المشتري، والأول على البائع، والسوم على السوم، والخطبة ~~على الخطبة كل ذلك منهي عنه، وكذا كل ما في معناه مما ينفر القلوب ويورث ~~التباغض، إلا أن يرضى من له الحق فيجوز؛ لأنه حقه فله تركه ولزوال علة ~~التنافر. # السادسة: قوله: "وكونوا عباد الله إخوانا" هو شبيه بالتعليل لما سلف، ~~كأنه قال: إذا تركتم ذلك كنتم إخوانا وإذا لم تكونوا كذلك كنتم أعداء؛ ~~فتعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة، ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة ~~والملاطفة والتعاون على الخير مع صفاء القلوب، والنصيحة على كل حال. # و"الإخوان" و "الإخوة" من غير نسب كالأخوة من النسب، ومعنى "وكونوا عباد ~~الله إخوانا": اكتسبوا ما تصيرون به إخوانا، كما سبق ذكره وغيره من فعل ~~المؤلفات وترك المنفرات. # وقوله: "عباد الله" أي: يا عباد الله، حقكم أن تطيعوه بأن تكونوا إخوانا، ~~ووجه طاعة الله في كونهم إخوانا: التعاضد على إقامة دينه وإظهار شعاره؛ إذ ~~بدون ائتلاف القلوب لا يتم ذلك، ألا ترى قوله تعالى: {هو الذي أيدك بنصره ~~وبالمؤمنين} [الأنفال: 62]. PageV01P404 # السابعة: قوله: "المسلم أخو المسلم" قد سلف معناه، والأخوة تارة تكون ~~نسبية بأن تجمع الشخص ولادة من صلب أو رحم أو منهما، وتارة تكون دينية؛ بأن ~~يجمعهما دين واحد ورأي واحد، وفي التنزيل: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: ~~10] والأخوة الدينية أعظم من النسبية، بدليل أن الأخوين من النسب إذا ~~افترقا في الدين لم يتوارثا، والأجنبيان إذا توافقا في الدين توارثا؛ إما ~~بإسلام أحدهما على يد الآخر، كما كان أولا ثم نسخ، أو بعموم الدين عند فقد ~~القرابة، أو لغير ذلك. # الثامنة: معنى "لا يظلمه": لا يدخل عليه ضررا بغير إذن شرعي؛ لأن ذلك ~~حرام ينافي الأخوة، بل الظلم حرام للكافر (¬1) [فالمسلم أولى] (¬2). PageV01P405 ### | AUTO الحديث السادس والثلاثون # عن أبي هريرة ms158 - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم ~~القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر ~~مسلما؛ سترة الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في ~~عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، ~~وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا ~~نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرخمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن ~~عنده، ومن بطأ به عمله لم] (¬1) يسرع به نسبه". # رواه مسلم بهذا اللفظ (¬2). # * * * # هذا حديث عظيم، جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب، وراويه سلف ~~التعريف به. # ولنختصر الكلام عليه في مواضع: PageV01P406 # أولها: معنى "نفس": فرج وأزال، وهو من تنفس الخناق، كأنه رخى الخناق حتى ~~تأخذ لها نفسا. # و"الكربة": ما أهم النفس وغم القلب، كأنها مشتقة من كرب الشيء للمقاربة، ~~لأن الكرب يقارب أن يزهق النفس، ففيه فضيلة تنفيس الكرب عن المؤمنين، وفضل ~~قضاء حوائجهم ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو معاونة أو مشاورة بمصلحة أو ~~نصيحة أو غير ذلك، وفضل الستر على المسلم وهو من باب إعانته وتفريج الكرب ~~عليه وستر زلاته، ويدخل في كشف الكربة وتفريجها: من أزالها بمال، أو جاه، ~~أو مساعدة أو إشارة أو رأي أو دلالة -كما ذكرناه- وأن ذلك يجازى عليه بجنسه ~~في تيسير كرب الآخرة. # والعادة أن الجزاء من جنس العمل ثوابا وعقابا، كالتنفيس بالتنفيس، واليسر ~~باليسر، والعون بالعون، كما ذكر في هذا الحديث، ونظائره كثيرة في أحكام ~~الدنيا والآخرة، وكان مقتضى ذلك قطع ذكر الزاني وفرج الزانية؛ لتكون ~~العقوبة في محل الجناية كما في السرقة، لكن لما كانا آلة التناسل الحافظة، ~~فروعي بقاؤهما. # وإنما كان التنفيس مطلوبا شرعا مثابا عليه، لأن الخلق عيال الله فتنفيس ~~كربهم إحسان إليهم، والعادة أن السيد والملك يحب الإحسان إلى عياله وحاشيته ~~والمحسن إليهم، وفي ms159 الأثر: "الخلق عيال الله، فأحبهم إلى الله أرفقهم ~~بعياله" (¬1). # ثانيها: فيه فضيلة التيسير على المعسر والجزاء عليه في الآخرة، كما مر في ~~تنفيس الكربة. PageV01P407 # ثالثها: فيه فضل ستر عورة المسلم، والمكافأة عليها بجنسها لما مر، ولأن ~~الله تعالى حيي كريم ستير، وستر العورة من الحياء والكرم؛ ففيه التخلق بخلق ~~الله - جل جلاله - والله يحب التخلق بأخلاقه. # والستر المندوب إليه هنا المراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس ~~معروفا بالفساد والأذى؛ فإن خالفه لم يأثم إجماعا وخالف الأولى، وربما ~~ارتكب المكروه في بعض الصور، فأما المعروف بذلك فيستحب ألا يستر عليه؛ بل ~~يرفع قصته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة؛ لأن الستر على مثل هذا ~~مطمعة في الإيذاء أو الفساد وانتهاك المحرمات، أو جسارة غيره على مثل فعله ~~هذا، ثم هذا في معصية وقعت، أما مستدام عليها يجب الإنكار عليه ولا يحل ~~التأخير؛ فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة، ~~وأما جرح الرواة، والشهود، والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم ~~فيجب جرحهم عند الحاجة، ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في ~~أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة؛ بل من النصيحة الواجبة، وهو إجماع. # فإن قلت: لم غاير فقال في الأول: "عن مؤمن" وقال في الستر: "من ستر ~~مسلما"؟ # وأجيب بأنه يحتمل أن يكون من باب تغاير الألفاظ دفعا للتكرار، أو بأن ~~الكربة لما كانت معنى باطنا -على ما سلف في تفسيرها- ناسب الإيمان الذي هو ~~باطن وهو التصديق، كما سلف في حديث جبريل، والستر لما كان يتعلق بالأمور ~~الظاهرة غالبا ناسب وصف الإيمان الذي هو عمل الظاهر (¬1). PageV01P408 # فإن قلت: لم قال: "نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة"، ولم يذكر كرب ~~الدنيا، وقال: "ستره الله في الدنيا والاخرة"؟ # وأجيب بأنه يحتمل أن هذا اتفاق، لأن الترغيب حاصل، فكلا الأمرين -أعني: ~~التنفيس والستر- في الدارين أو في أحدهما، ويحتمل أن الدنيا لما كانت محل ~~العورات والمعاصي، احتيج إلى الستر ms160 فيها، وأما الكرب فهي وإن كانت الدنيا ~~محلا لها، لكن لا نسبة لكربتها إلى كرب الآخرة حتى تذكر معها. # رابعها: فيه فضيلة عون الأخ على أموره والمكافآت عليها بجنسها من الإعانة ~~الإلهية، وقوله: "ما كان العبد في عون أخيه" أي: مدة كونه في عونه، ولا فرق ~~بين كونه في عونه بقلبه أو بيده أو بهما، لأن الكل عون، ثم ظاهر الحديث: ~~اختصاص الثواب المذكور بالمسلم والمؤمن والأخ، والأشبه أن يثاب عليه في ~~المؤمن والكافر، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن الله كتب الإحسان على كل ~~شيء"، وقوله: "في كل كبد حرى أجر" (¬1). # ويحمل الحديث المذكور على أن المؤمن أولى بالتنفيس من الكافر؛ لشرف ~~الإيمان، والأجر عليه أعظم، ثم يليه الذمي، ثم المستأمن، ثم الحربي على حسب ~~قوة تعلقهم بالإسلام وضعفه. # خامسها: فيه فضل السعي به، والمراد: العلم الشرعي، وإنما ينفعه إذا قصد ~~به وجه الله، والعلم الشرعي كتفسير، وحديث، وفقه، وأصول ونحو ذلك، لا ~~الخارج عنه كالفلسفي والطبيعي والرياضي. # نعم، إن قصد بعلمها معرفتها والرد عليهم ودفع شبههم، فإنه من إعداد ~~القوة، وإنما خصصناه بالشرعي؛ لقوله: "سهل الله له طريقا إلى الجنة". PageV01P409 # وفيه أن سلوك طريق العلم يجازى عليه بتسهيل طريق الثواب إلى الجنة؛ ~~فالمراد أن طلبه وتحصيله يرشد إلى سبيل الهداية والطاعة الموصلة إلى الجنة، ~~وذلك بتسهيل الله له، وإلا فبدون لطفه وتوفيقه لا ينتفع بشيء؛ علم ولا ~~غيره، أو أنه يجازى على طلبه وتحصيله بتسهيل دخول الجنة بقطع العقبات ~~الشاقة دونها يوم القيامة، بأن سهل عليه الوقوف في المحشر والجواز على ~~الصراط ونحو ذلك. # سادسها: "الطريق" فعيل من الطرق؛ لأن الأرجل ونحوها تطرقه وتطلبه وتسعى فيه. # و"السكينة": فعيلة من السكون، وهي الطمأنينة والوقار، واختار القاضي عياض ~~-رحمه الله- أنها هنا الرحمة (¬1)، وفيه ضعف؛ لعطف الرحمة عليه، وهي تقتضي ~~المغايرة؛ وذلك أن أهل الذكر لما تغشاهم الرحمة، وتنزل عليهم السكينة لا ~~ينزعجون بمحتقر دنيا يشغلهم به. # ومعنى "غشيتهم": خالطتهم وعمتهم، و"غشى" في لغة العرب لا يستعمل إلا في ~~شيء شمل المغشي ms161 من جميع أجزائه وجوانبه، والمعنى في هذا أن غشيان الرحمة ~~بهم بحيث استوعبت كل ذنب تقدمه -إن شاء الله-. # و"حفتهم": أحاطت بهم وضايقتهم: {وترى الملائكة حافين من حول العرش} ~~[الزمر: 75] فكأن الملائكة قربت منهم قربا، لم تترك بينهم وبينهم درجة تسع ~~شيطانا. # و"بطأ": أخر. PageV01P410 # و"القوم" قد سلف الخلاف فيه قريبا، فإن قلنا: هم الذكور والإناث فلا ~~إشكال، وإن قلنا: الرجال خاصة ألحق النساء بهم في ذلك قياسا، و"قوم" هنا ~~نكرة، وهي شائعة في جنسها، فكأنه يقول: أي قوم قعدوا يذكرون الله؛ كان لهم ~~ذلك، مذنبين كانوا أو مطيعين. # سابعها: فيه دلالة على فضيلة الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وهو ~~مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال مالك -رحمه الله-: "يكره". وتأوله بعض أصحابه (¬1). # ويلحق بالمسجد في هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة ورياط ونحوهما، ويدل ~~عليه الحديث الآخر، فإنه مطلق يتناول جميع المواضع، ويكون التقييد في الأول ~~خرج على الغالب؛ لا سيما في ذلك الزمان، ولا يكون له مفهوم يعمل به، وخصت ~~به لشرفها، لكن الأرض كلها مسجد غير أن العبادة في الموضع المعد لها أفضل. # وفيه أن الاجتماع في بيوت الله لمذاكرة الكتاب ومدارسته يجازى عليه ~~بأسباب: # أحدهما: نزول السكينة عليهم -وهي الطمأنينة كما سلف، وبذكر الله تطمئن ~~القلوب، والمراد بها: تطمين الإيمان حتى يفضي إلى الرضوان في جوار الرحمن. # ثانيها: غشيان الرحمة لهم، لأن ذكر الله إحسان، والرحمة إحسان، و {هل ~~جزاء الإحسان إلا الإحسان (60)} [الرحمن: 60]. PageV01P411 # ثالثها: حف الملائكة بهم؛ للاستماع تعظيما للمذكور، وإكراما للذاكر. # رابعها: ذكرهم الله فيمن عنده من الملائكة؛ لقوله: هو {فاذكروني أذكركم} ~~[البقرة: 152]، {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45]. وقوله: "من ذكرني في ~~نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ... " (¬1). # خامسها: فيه أن الإسراع إلى العبادة إنما هي بالأعمال لا بالأحساب؛ لقوله ~~تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] وفي الحديث: "ائتوني ~~بأعمالكم، لا تأتوني بأنسابكم" (¬2)، وقوله: "كلكم من آدم، وآدم من تراب" ~~(¬3)؛ ولأن الله خلق الخلق لطاعته، وهي المؤثرة لا غيرها: {فإذا ms162 نفخ في ~~الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101)} [المؤمنون: 101] والناس ~~على أقسام أربعة: عالم ونسيب، لا فيهما، عالم لا نسيب عكسه (¬4)، والمؤثر ~~في ذلك كله العلم المقرون بالعمل لا النسب؛ فمعنى قوله: "ومن بطأ به عمله ~~لم يسرع به نسبه" معناه: من كان عمله ناقصا لم يلحقه نسبه مرتبة أصحاب ~~الأعمال؛ فينبغي ألا يتكل على شرف نسبه وفضيلة الآباء ويقصر في العمل. PageV01P412 # خاتمة -تنعطف على ما مضى-: التنفيس عادة؛ إنما ينصرف إلى الجزء اليسير من ~~حل وعقد، فكان ثوابه وقت الحاجة إليه وهو يوم القيامة، والتنفيس عن الموسر ~~أبلغ؛ فلهذا عم ثوابه دنيا وأخرى، والستر أعم من رؤيته على شيء، أو يرى ~~احتياجه إلى شيء كالنكاح مثلا فيعينه، أو إلى الكسب قيقيم له وجه بضاعة ~~يتجر فيها (¬1). # والإجمال في قوله: "والله في عون العبد ... " إلى آخره، لاتسع بيانه ~~الطروس؛ فإنه مطلق في أي حال كان. # وجاء في رواية: "ما جلس قوم يذكرون الله" (¬2) والمراد به هنا ما ينصرف ~~إلى الحمد والثناء عليه. # وقوله: "وذكرهم الله فيمن عنده" مقتضاه أن يكون ذكره لهم في الأنبياء ~~وكرام الملائكة بأن يذكرهم جل جلاله، ويجوز أن يكون: أثبتهم فيمن عنده، كما ~~يقول الإنسان لأخيه: اذكرني في كتابك. # و"الله": الله. PageV01P413 ### | AUTO الحديث السابع والثلاثون # عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى- قال: "إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات ~~ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم ~~بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ~~وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها ~~كتبها الله سيئة واحدة". # رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" (¬1). # * * * # هذا الحديث شريف عظيم، بين فيه الشارع مقدار تفضل الله بأن جعل هم العبد ~~بالحسنة وإن لم يعملها حسنة، وجعل همه بالسيئة إن لم يعملها حسنة، وإن ~~عملها سيئة واحدة، وإن عمل الحسنة كتبها ms163 عشرا. # وأوله يقتضي أنه من الأحاديث الإلهية نحو: "أنا عند ظن عبدي بي" (¬2) ~~وليس المراد ذلك؛ إنما المراد فيما يحكيه عن فضل ربه، أو حكم ربه، أو نحو ~~ذلك، وهذا فضل عظيم من رب كريم يضاعف الحسنات دون السيئات، وكتب لهم الهم ~~بالحسنة؛ لأن إرادة الخير فعل دون السيئة، فإن الترك خير PageV01P414 # "إنما تركها من جرائي" أي: من أجلي، وهذا كقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"فإن لم يفعل فليمسك عن الشر فإنه صدقة" (¬1)، أما من تركها عجزا فلا تكتب ~~له حسنة، وهذا من عظيم لطفه، وما ألطف قوله: "عنده" وهو إشارة إلى الاعتناء ~~بها، ثم أكدها ب "كاملة" لذلك، ولم يقل مثله في السيئة، وأكد تركها ب ~~"كاملة" وأكد فعلها ب "واحدة" تقليلا، ولم يؤكدها ب"كاملة" وهو دال على أن ~~الحفظة تكتب ما هم به العبد من حسنة أو سيئة، وتعلم اعتقاده لذلك لا كما ~~زعم بعضهم أنها إنما تكتب ما ظهر من أعمال العبد وسمع. # وقد روى ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم مولى ~~معاوية، عن عائشة قالت: "لأن أذكر الله في قلبي أحب إلي من أن أذكره بلساني ~~سبعين مرة، وذلك لأن ملكا لا يكتبها، وسرا لا يسمعها" (¬2) والصواب في ذلك: ~~ما صح من الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام- إن الهم بالحسنة يكتب، وهي فعل ~~العبد بقلبه دون سائر الجوارح كالذكر. # والمعنى الذي يصل به الملكان الموكلان بالعبد إلى علم ما يهم به بقلبه هو ~~المعنى الذي يصل به إلى ذكر ربه بقلبه، ويجوز أن يكون جعل الله لها إلى علم ~~ذلك سبيلا، كما جعل لكثير لمن أنبيائه السبيل إلى كثير من علم الغيب، وقد ~~أخبر الله تعالى عن عيسى -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: {وأنبئكم بما ~~تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49]، وقد أخبر نبينا -صلوات الله ~~وسلامه عليه- أيضا بكثير من علم الغيب؛ فغير مستنكر ذلك في حق الملكين، وقد ~~قيل: إن ذلك بريح يظهر لهما من القلب! PageV01P415 # وللسلف اختلاف في أي الذكرين ms164 أفضل: ذكر القلب أو ذكر العلانية؟ # وقال صاحب "الإفصاح": "معنى"كتب": مبالغ تضعيفها، فعرفت الكتبة من ذلك ~~التقدير؛ فلا يحتاجون إلى أن يستفسروا في كل وقت كيف يكتبون ذلك، ومن رحمته ~~بهذه الأمة لما قصر أعمارها ضاعف أعمالها؛ فمن هم بحسنة كتب ذلك الهم ~~بحسنة؛ فإن عملها فقد ظهرت إلى ديوان العمل فضاعفها عشرا. # ثم قوله: "إلى سبعمائة ضعف" إنما يعني: على مقدار ما يكون فيها من خلوص ~~النية، وإيقاعها في مواضعها التي يريد صاحبها حسنا، قال تعالى: {من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160]، وقال تعالى: {والله يضاعف لمن ~~يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 261] أي: بعد السبعمائة ضعف؛ بدليل قوله ~~تعالى: {أضعافا كثيرة} [البقرة: 245]. # والمعنى في ذكر السبعمائة أن العرب تنتهي في التكثير من عدد الآحاد إلى ~~سبعة، وكذلك إذا أتوا بالثمانية عطفوا عليها بالواو، ويعنون أنه قد انتهى ~~عدد القلة وخرج إلى عدد الكثرة في قوله تعالى: {والناهون عن المنكر} ~~[التوبة: 112]، وقال تعالى: {وثامنهم كلبهم} [الكهف: 22]، وقال تعالى: ~~{وفتحت أبوابها} [الزمر: 73]، فإذا ضربت السبعة في عشرة كانت سبعين، ثم ~~السبعون في عشرة: سبعمائة. # ثم قال بعد ذلك: {أضعافا كثيرة} [البقرة: 245]، و {كثيرة} هنا نكرة، وهي ~~أشمل من المعرفة، فمقتضاه أن يحسب توجيه الكثيرة على أكثر ما يمكن؛ فإذا ~~تصدق العبد بحبة بر، فإنه يحسب أن الحسنة لو بذرها في أزكى أرض، وتعاهدها ~~إلى أن استحصدها، ثم سنة، ثم أخرى إلى يوم القيامة، PageV01P416 # فيجتمع من الحبة أمثال الجبال، وإن كانت مثقال ذرة من جنس الأثمان، فإنه ~~ينظر إلى أربح شيء يشترى في ذلك الوقت، ويقدر أنه لو بيع في أنفق سوق في ~~أعظم بلد يكون ذلك الشيء أشد الأشياء نفاقا، ثم يضاعف إلى يوم الجزاء، ~~فتأتي الذرة بما يكون مقدارها على قدر عظم الدنيا كلها. # وعلى هذا جميع أعمال البر في معاملة الله إذا خرجت سهامها عن نية وأغرقت ~~في نزع (¬1) قوس الإخلاص كانت تلك السهام ممتدة لا تنتهي عن يوم القيامة. # ومن ذلك أن فضل الله تعالى يتضاعف بالتحويل، ms165 كما إذا تصدق على فقير بدرهم ~~فآثر غيره به من هو أشد فقرا؛ فيؤجر آخر، ثم آخر، ثم هكذا فيما تطاول؛ فإنه ~~يحسب للمتصدق عن كل درهم عشرة؛ فإذا تحول إلى الثاني انتقل ذلك إلى الثاني، ~~فصار له عشرة وللأول عشرته التي انتقلت عشرة إلا أنها عشرة معشرة؛ لأن له ~~أجر من عمل به، فكل واحد بعشرة، فصارت مائة؛ فإذا تصدق بها الثاني صارت ~~للثاني مائة وللأول ألف؛ فإذا تصدق بها الثالث صارت له مائة وللثاني ألف ~~وللأول عشرة آلاف، فتضاعف إلى ما لا يعلم مقداره إلا الله؛ وذلك لأن ~~المتصدق الأول بالدرهم أجره وأجر من عمل به سواء، فكلما تحول من شخص إلى ~~شخص ضوعف ذلك للمتصدق الأول من حيث إن له مثل أجره وأجر من عمل به المنتقل إليه. # ومن ذلك أيضا أنه إذا حاسب الرب عبده يوم القيامة، فكانت حسناته ~~متفاوتات؛ فيهن الرفيعة المقدار التي وعد الشارع ألف ألف حسنة أو ألفي ألف ~~حسنة، فإنه تعالى بفضله وجوده يحسب سائر الحسنات بسعر تلك الحسنة العليا؛ ~~لأن كرمه وجوده أعظم من أن يناقش من رضي عنه في ذلك، وقد قال: PageV01P417 # {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97] كما أنه "إذا قال ~~العبد في سوق من أسواق المسلمين: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، رافعا بها صوته؛ كتب الله له بذلك ~~ألف ألف (¬1) حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له بيتا في الجنة" (¬2) ~~على ما جاء في الحديث. # وهذا الذي ذكرناه إنما هو بمقدار المعرفة، لا على مقدار فضل الله -سبحانه ~~وتعالى- فإنه فوق أن يحده أحد أو يحصره خلق" (¬3). # * تتمات: # معنى "كتب": قدر، كما مضى، أو أمر الحفظة بكتابتها، أو كتبها في علمه على ~~وفق الواقع فيها، وهو راجع إلى قدر. # وقوله: "ثم بين ذلك" أي: فصل الشارع ما أجمل أولا بقوله: "إن [الله] (¬4) ~~كتب الحسنات والسيئات". والحاصل أن لفظ الحديث طابق معناه من التضعيف ~~والتكميل والاعتناء، ms166 وإفراد السيئة: {فلا يجزى إلا مثلها} [الأنعام: 160] ~~وهذا أعظم ما يكون في الإحسان، وأخف ما يكون في المسامحة. PageV01P418 # وقد جاء في "الصحيح": "ولا يهلك على الله إلا هالك" (¬1) أي: لا يعاقب مع ~~هذه المسامحة إلا مفرط غاية التفريط، والله أعلم. # * * * PageV01P419 ### | AUTO الحديث الثامن والثلاثون # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: إن الله تعالى قال: "من عادى لي وليا؛ فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي ~~عندي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي ~~يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني ~~لأعيذنه". # رواه البخاري (¬1). # * * * # هذا الحديث من الأحاديث الإلهية؛ لأنه من كلام الله، غير أنه ليس له حكم ~~القرآن؛ لعدم تواتره، وهو أصل في السلوك إلى الجليل جل جلاله والوصول إلى ~~معرفته ومحبته وطريقه؛ إذ المفترضات: إما باطن -وهو الإيمان-، أو ظاهر -وهو ~~الإسلام-، أو مركب بينهما -وهو الإحسان-، كما مر في حديث جبريل. # والإحسان هو المتضمن لمقامات السالكين من الزهد والتوكل والإخلاص ~~والمراقبة والتوبة ونحوها وهي كثيرة، وهو يرجع إلى قوله تعالى: {ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62)} [يونس: 62]، وقوله تعالى: PageV01P420 # {وما رميت إذ رميت} [الأنفال: 17] إذ هو شبيه بقوله: "ويده التي يبطش ~~بها"، وفي رواية: "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يمشي" (¬1). # ومعنى: "آذنته": أعلمته أنه محارب لي، ومنه: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب ~~من الله ورسوله} [البقرة: 279]. # و"ولي الله": من تولاه بالطاعة والتقوى واتبع شرعه؛ فتولاه بالحفظ ~~والنصرة من الولي، وهو القرب. # و"العدو" ضده. و "الأنثى" عدوة، نادر (¬2). # وقد اطردت العادة بأن عدو العدو صديق، وصديق الصديق صديق، وعدو العدو ~~عدو، وصديق العدو عدو، فكذلك عدو ولي الله عدو الله؛ فلا جرم يحاربه الله، ~~ومحاربة العبد ربه تحصل بأكل الربا، وبمعاداته أولياءه، وبقطع الطريق خصوصا ~~لا بعموم معاصيه، والصور التي ذكرناها وردت في الكتاب ms167 والسنة. # و"التقرب إلى الله تعالى" إما بفرضه أو نفله، والأول أحبها إلى الله ~~وأشدها تقريبا؛ لجزم الأمر بها، وهي متضمنة الثواب على الفعل، والعقاب على ~~الترك بخلاف النوافل، فهي أكمل فكانت اليد أحب. # وروي: "أن ثواب الفرض يزيد عليه سبعين درجة". # فالفرض كالرأس، والنفل كالفرع، وسبب ذلك أن الفرض فيه العمل بالإيمان ~~بوجوبه، وهو من باب الإيمان بالغيب وهو عظيم، ففيه الاهتمام بأمر PageV01P421 # الفرائض؛ فلا تقدم نافلة على فريضة، وإذا لم يصل الفرض لا يسمي نافلة؛ ~~فالتقرب بالنوافل إثر الفرائض، كما أشار إليه بقوله: "ولا يزال عبدي يتقرب ~~إلي بالنوافل حتى أحبه" فليحافظ على ذلك؛ فإن الله يحبه. # وقوله: "ولا يزال عبدي ... " إلى آخره، هو معلوم من الشاهد؛ فإن الإنسان ~~إذا داوم خدمة السلطان ومهاداته أحبه وقربه. # واختلف الناس في وجه قوله: "كنت سمعه ... " إلى آخره، والمعتمد منه أنه ~~مجاز أو كناية عن نصرته وتأييده وإعانته؛ فهو مما حذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه؛ أي: كنت حافظ سمعه؛ فلا يسمع إلا ما يحل ... إلى آخره، أو كنت ~~سمعه؛ أي: مسموعه؛ لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول، قالوا: أنت رجائي. ~~بمعنى: مرجوي، والمعنى أنه لا يسمع إلا ذكري، ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي، ~~ولا يأنس إلا بمناجاتي. # وقد جاء: "أن موسى - عليه السلام - كان إذا انصرف من مناجاته؛ يسمع كلام ~~الخلق كأصوات الحمير". # وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتها بالمدامع # وتلتذ منها بالحديث وقد جرى .. حديث سواها في خروت (¬1) المسامع # ومعنى "يده التي يبطش بها": لا يمدها إلا لما ما فيه رضاي ومحبتي، ولا ~~يمشي برجله إلا كذلك. # يا ليلى والله ما جئتكم زائرا ... إلا رأيت الأرض تطوى لي PageV01P422 # ولا انثنى عزمي عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي # والاتحادية زعموا أن هذا الكلام على حقيقته، وأن الله هو عين عبده، أو ~~حال فيه، تعالى الله عن ذلك (¬1). # ومعنى "لأعطينه": ما سأل، وكذا "لأعيذنه" أي: مما يخاف؛ لأن التقدير أنه ~~تقرب إلى الله فأحبه الله، وهذه حالة الحبيب مع المحبوب؛ ms168 يعطيه ما سأل، ولا ~~يرد دعاءه، ويعيذه مما استعاذ؛ بل وإن لم يسأل ويستعيذ، لكن الرب جل جلاله ~~يحب لعبده سؤاله بخلاف بني آدم. # الرب يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب # والذي يظهر أنه علامة، وأنه لمن يكون الله أحبه أن يكون بالصفة المذكورة؛ ~~فلا يسمع ما لم يأذن له الشرع في سماعه، ولا يبصر ولا يمد يدا ولا يسعى ~~برجل إلا كذلك؛ فهذا هو الأصل، إلا أنه قد يغلب على العبد الذكر حتى يعرف ~~بذلك؛ فإذا خوطب بغيره لم يكن يسمع لمن يخاطبه حتى يتقرب إليه بذكر الله، ~~غير أهل ذكر الله توصلا إلى أن تسمع لهم، وذلك في المبصرات والمتناولات ~~والسعي إليها، وتلك طبقة عالية، نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يجعلنا من ~~أهلها. PageV01P423 # وقوله: "حتى أحبه" هو بضم الهمزة وفتح الباء. # و"يبطش" بفتح أوله وكسر الطاء. # و"استعاذني" ضبط بالنون وبالباء الموحدة، وكلاهما صحيح (¬1). # وقوله: "مما افترضت عليه" أي: من أدائه، كما صرح به في رواية. # وفيه: أن الرب جل جلاله قدم الإعذار إلى كل من عادى وليا له؛ فإنه بنفس ~~المعاداة للولي إيذان من الله بأنه محاربه؛ فإن أخذه على غرة (¬2)، فإن ذلك ~~بعد الإعذار بتقدم الإنذار. # ومعنى "عادى لي وليا": اتخذه عدوا، ولا أرى المعنى إلا: أنه عاداه من أجل ~~ولايته لله، فهذا وإن تضمن مع توجيه (¬3) القول: "من عادى لي وليا" من أجل ~~ولايته، فإنه يشير من الحذر من إيذاء قلوب أولياء الله لا على الإطلاق؛ ~~لأنه إذا كانت الأحوال تقتضي نزاعا بين وليين لله في محاكمة أو خصومة راجعة ~~إلى استخراج حق أو كشف غامض، فإن هذا لا يتناول هذا القول؛ لأنه قد جرى بين ~~الصديق والفاروق خصومه، وبين العباس وعلي، وكثير من الصحابة ما جرى وكلهم ~~كانوا أولياء الله، فكأن هذا يتناول من عادى وليا لله من أجل كونه وليا ~~لله، مع كونه يشير إلى التحذير من إيذاء ولي الله (¬4). # وفيه: أن العبد إذا صار من أهل حب الله لم يمتنع أن ms169 يسأل ربه حوائجه، ولا ~~أن يستعيذه مما يخافه، كما أوضحناه. # * * * PageV01P424 ### | AUTO الحديث التاسع والثلاثون # عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه". # حديث حسن، رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: هذا الحديث روي بألفاظ أوضحتها في "تخريجي لأحاديث الرافعي" (¬2). # وفي رواية: "عفي لأمتي عن الخطأ ... " (¬3) إلى آخره، وهي احسن انتظاما، ~~ووجه انتظام الأولى أن "تجاوز" متضمن معنى "ترك" تقديره: إن الله ترك عن PageV01P425 # أمتي الخطأ، وتقديره: إن الله تجاوز لي من أمتي الخطأ، وأحسنها مركبة من ~~عجز هذا الحديث، وصدر قوله: "إن الله تجاوز عن أمتي عما وسوست به صدورها" ~~(¬1) الحديث. # ثم هذا الحديث عام النفع، عظيم الوقع، يرجع إلى قوله تعالى: {وليس عليكم ~~جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} [الأحزاب: 5]، وهو يصح أن يسمى ~~نصف الشريعة؛ لأن فعل الإنسان إما أن يصدر عن قصد واختيار، وهو العبد مع ~~الذكر، أو لا، وهو الخطأ والنسيان والإكراه، وهذا القسم معفو عنه، والأول ~~مأخوذ به، والعفو عن هذه الأفعال هو مقتضى الحكمة والنظر، مع أن الله ~~-سبحانه وتعالى- لو أخذ بها لكان عادلا. # ووجه ذلك أن فائدة التكليف وغايته تمييز الطائع من العاصي: {ليهلك من هلك ~~عن بينة ويحيى من حي عن بينة} [الأنفال: 42]. لكن الطاعة والمعصية يستدعيان ~~قصدا ونية، ويستند إليهما الثواب والعقاب، والمخطئ والناسي لا قصد لهما، ~~وكذا المكره؛ لأنه آلة، ولهذا ذهب غالب الأصوليين إلى أن هؤلاء الثلاثة غير ~~مكلفين. # ووجه عموم هذا الحديث أن الفعل خطأ ونسيانا وإكراها، يقع في الطهارة ~~والصلاة والصوم والحج والطلاق وغيرها من أبواب العلم في صور كثيرة ومسائل ~~عديدة، وفيها خلاف عندنا. # والأشبه: عدم الوقوع، وهو مبني على أن التجاوز عن حكم الخطأ والنسيان أو ~~عن إثمه أو عنهما جميعا، والكل محتمل. PageV01P426 # فائدة: "الخطأ" نقيض الصواب وهو يمد، وقرئ بهما قوله تعالى: {ومن قتل ~~مؤمنا خطأ} [النساء: 92] تقول منه: أخطأت وتخطأت، ms170 ولا يقول: أخطيت، قال ~~الجوهري: "وبعضهم يقوله" (¬1). # و"الخطء": الذنب في قوله تعالى: {إن قتلهم كان خطئا كبيرا} [الإسراء: 31] ~~أي: إثما، تقول منه: خطئ يخطئ خطأ وخطأة، قال أبو عبيدة (¬2): "خطئ" ~~و"أخطأ" لغتان بمعنى. # وقال الأموي: "المخطئ": من أراد الصواب فصار إلى غيره، و"الخاطئ" من فعل ~~ما لا ينبغي" (¬3). # وفي الحديث: "لا يحتكر إلا خاطئ" (¬4). # و"النسيان" خلاف الذكر والحفظ، ويطلق على الترك، ومنه: {نسوا الله ~~فنسيهم} [التوبة: 67]، وقوله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: ~~237]، والتأخير نحو قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة: 106] ~~أي: نؤخرها. # وقد اختلف في "الخطأ" و"النسيان" المذكورين في قوله تعالى: {إن نسينا أو ~~أخطأنا} [البقرة: 286] فقيل: "النسيان" بمعنى "الترك" أي: إن تركنا شيئا من ~~طاعتك؛ فلا تؤاخذنا، وقيل: الذهول والخطأ غير المقصود؛ عملا PageV01P427 # بهذا الحديث، وقال ابن زيد -رحمه الله-: "المعنى: {إن نسينا} المأمور {أو ~~أخطأنا} في النهي" (¬1). # وقال عطاء -رحمه الله-: "جهلنا أو تعمدنا" (¬2). # ويقال: أكرهته على كذا: إذا حملته عليه كرها، وكرهت الشيء أكرهه كراهة ~~وكراهية فهي شيء كريه ومكروه، و "الكره" بالضم: المشقة، ويقال: قمت على ~~كره؛ أي: على مشقة، وأقامني فلان على [كره] (¬3) -بالفتح- إذا أكره عليه، ~~وكان الكسائي يقول: "الكره والكره لغتان". قاله الجوهري (¬4). PageV01P428 ### | AUTO الحديث الأربعون # عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بمنكبي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". # وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر ~~المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك". # رواه البخاري (¬1). # * * * # هذا الحديث شريف جامع لمعاني الخير، ومعناه: لا تركن إلى الدنيا، ولا ~~تتخذها وطنا، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا ~~تتعلق فيها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا ~~يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله (¬2). # وحاصله: الحض على قلة المحافظة عليها، وقلة الاقتناء، والزهد في الدنيا. # وبيانه: أن الغريب قليل الانبساط إلى الناس؛ بل هو ms171 مستوحش منهم، إذ PageV01P429 # لا يكاد يمر بمن يعرده فيأنس به ويستكثر بخلطته، فهو ذليل في نفسه خائف، ~~وكذلك عابر السبيل -أي: المار على الطريق- لا ينفذ (¬1) في سفره إلا بقوته ~~عليه وخفته من الأثقال، غير متشبث بما يمنعه من قطع سفره، معه زاد وراحلة ~~يبلغانه إلى بغيته من قصده، وهذا دال على إيثار الزهد في الدنيا، وأخذ ~~البلغة منها والكفاف؛ فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية ~~سفره، كذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه إلى المحل. # وقول ابن عمر - رضي الله عنهما -: "إذا أمسيت .. " إلى آخره، حض منه على ~~أن يجعل الموت نصب عينيه؛ فيستعد بالعمل الصالح، وحض منه على تقصير الأمل، ~~وترك الميل إلى غرور الدنيا، والمبادرة إلى العمل. # وقوله: "وخذ من صحتك لمرضك"حض على اغتنام صحته؛ فيجتهد فيها لنفسه خوفا ~~من حلول مرض به يمنعه عن العمل. # وكذلك قوله: "ومن حياتك لموتك" تنبيه على اغتنام أيام حياته، لا تمر عنه ~~باطلا في سهو وغفلة؛ لأن من مات قد انقطع عمله وفاته أمله (¬2)، فلا ينفعه ~~ندمه فيقدم وطنه بغير زاد، وقد ذم الله الأمل وطوله: {فسوف يعلمون} [الحجر: ~~3]. PageV01P430 # فصل # وفي الحديث ما يدل على الحض على التشبه بالغريب؛ لأن الغريب إذا دخل بلدة ~~لم يناقش أهلها في مجالسهم، ولم يجزع أن يروه على خلاف عادته في الملبوس، ~~ولا يكون مدثرا معهم، وكذلك عابر السبيل لا يتخذ دارا، ولا يلج في الخصومات ~~مع الناس، ولا يشاححهم، ناظرا إلى لبثه معهم أياما يسيرة، فكل أحوال الغريب ~~وعابر السبيل في الدنيا مستحبة أن تكون للمؤمن؛ لأن الدنيا ليست وطنا؛ ~~لأنها تحبسه عن داره، وهي الحائلة بينه وبين قراره. # فصل # فالحديث أصل في الفراغ عن هذه الدار، والزهد فيها، والرغبة عنها، ~~والاحتقار لها، والقناعة فيها بالبلغة خوف فوات المقصود. # وما أحسن قول المصنف -رحمه الله- في آخر الكتاب: "معناه: لا تركن إليها، ~~ولا تتخذها وطنا، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا ~~تتعلق منها بما ms172 لا يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا ~~يشتغل به الغريب الذي يريد (¬1) الذهاب إلى أهله" (¬2)؛ فالعبد خلق ~~للعبادة، قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56)} [الذاريات: ~~56] فإن وفق لها كان من أهل الجنان، وإن خذل-والعياذ بالله- كان من أهل ~~الشيطان، قال تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا (7)} [الكهف: 7]، وقال تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا} [الملك: 2] ففي الحقيقة العبد مرسل، أرسله سيده إلى بلد غريب؛ ~~فشأنه البدار إلى ما أرسله والحذار؛ ليعود إلى الوطن الحقيقي. PageV01P431 # فصل # وقول ابن عمر هو مقتضب من معنى الحديث، لأن الغريب لا يدري متى يتوجه إلى ~~وطنه مساء أو صباحا، فيجتهد في الطاعة ولزوم الجماعة. # فائدة: "المنكب" -بفتح الميم وكسر الكاف-: مجتمع العضد والكتف، و"منكبي" ~~بالتثنية. # فصل # في الحديث مس المعلم بعض أعضاء المتعلم عند التعلم، أو الموعوظ عند ~~الوعظ، ومثله قول ابن مسعود - رضي الله عنه -: "علمني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - التشهد، كفي بين كفيه" (¬1)؛ وذلك للتأنيس والتنبيه والتذكير. # وفيه دليل على محبته لابن عمر وابن مسعود إذ (¬2) العادة أن لا يفعل ذلك ~~إلا لمن يميل إليه قلبه. # وفيه الابتداء بالنصيحة والإرشاد لمن لم يطلب ذلك. # وفيه حرصه (¬3) -عليه الصلاة والسلام- على إيصال الخير لأمته؛ فإن هذا ~~الكلام لا يخص ابن عمر وحده (¬4). PageV01P432 ### | AUTO الحديث الحادي والأربعون # عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". # حديث صحيح، رويناه في كتاب "الحجة" بإسناد صحيح (¬1). # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: التعريف براويه: وهو أبو محمد كما جزم به المصنف -رحمه الله-. # وقيل: أبو عبد الرحمن. أسلم قبل أبيه، وكان من علماء الصحابة والعباد، ~~وهو أحد العبادلة، حفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألف مثل. # روى عنه: سبطه شعيب بن محمد، وعروة، وطاووس، وأمم. PageV01P433 # مات بالطائف -وقيل: بمصر- سنة ms173 خمس وستين (¬1). # ثانيها: "كتاب الحجة" هذا كتاب جيد نافع، سماه مؤلفه: "الحجة في اتباع ~~المحجة في عقيدة أهل السنة" ومؤلفه هو العلامة: أبو القاسم إسماعيل بن محمد ~~بن الفضل الحافظ (¬2)، ذكره في أوائله، في "فصل: ذكر الأهواء المذمومة". # وإسناده كما قال المصنف: "إسناد صحيح"؛ فإنه أخرجه عن: محمود بن إسماعيل ~~الصيرفي، أبنا محمد بن عبد الله بن شاذان، أبنا عبد الله بن محمد بن محمد ~~التمار، أبنا أبو بكر بن أبي عاصم، ثنا محمد بن مسلم بن وارة (¬3)، ثنا ~~نعيم بن حماد، ثنا عبد الوهاب الثقفي، ثنا بعض مشيختنا -هشام أو غيره- عن ~~محمد بن سيرين، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" (¬4). # وأخبرنا شيخنا العوفي -مشافهة- عن ابن رواج، عن السلفي الحافظ، أبنا PageV01P434 # أبو القاسم ميمون بن عمر بن محمد الفقيه الثاني بباب الأبواب، أبنا أبو ~~حفص عمر بن الحسن الأزجي، أبنا أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفراييني، ~~أبنا إبراهيم بن محمد بن عبدك الشعراني، أبنا الحسن بن سفيان النسوي، أبنا ~~أبو بكر بن محمد بن الحسين الأعين، أبنا نعيم به. وقال هشيم بن حسان: جازما به. # وعبد الوهاب هذا من رجال "الصحيحين" كان اختلط؛ بل خبره فلم يجد فيه شيئا ~~بعد أن وقع فيه. # قال أبو داود: "تغير هو وجرير بن حازم؛ فحجب الناس عنهما" (¬1). # ثالثها: هذا الحديث موافق لقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65)} ~~[النساء: 65]. # قيل: إن سبب نزولها: قصة شراج الحرة، وقد شرحناها مستوفاة في "شرح صحيح ~~البخاري"، و"شرح العمدة" فليراجع (¬2)؛ فإنه -عليه الصلاة والسلام- أشار ~~على الأنصاري بما فيه مصلحة، فلما أغضبه استوفى للزبير بن العوام حقه (¬3). # وفيه إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم، وإن اصطلحوا وإلا استوفى لذي ~~الحق حقه. # والصبر على الأذى من باب جهاد النفس وقمعها، وهذه أخلاق الأنبياء ms174 PageV01P435 # والصديقين: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10]، و"الصبر ~~من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد" كما قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ~~- (¬1)، ولا شك فيه. # روينا عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مرفوعا: "الصبر ثلاثة: فصبر ~~على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية؛ فمن صبر على المصيبة حتى ~~يردها بحسن عزائها؛ كلتب الله له ثلاثمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة ~~ما بين السماء إلى الأرض، ومن صبر على الطاعة؛ كتب الله له ستمائة درجة، ما ~~بين الدرجة إلى الدرجة ما بين تخوم الأرض السابعة إلى منتهى العرش، ومن صبر ~~عن المعصية، كتب الله له سبعمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة ما بين ~~تخوم الأرض السابعة إلى منتهى العرش" (¬2). # وتسمية الرب جل جلاله ب"الصبور" و "خير الصابرين" هو بمعنى: يعلم تأخير ~~العقوبة على من يستحق. # رابعها: معنى قوله: "حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" أي: من هذه الشريعة ~~المطهرة الكاملة؛ فلا يؤمن حتى يميل طبعه وقلبه إلى ذلك، كما يكون ذلك في ~~محبوباته الدنيوية التي جبلت النفوس على الميل إليها، لا بمجاهدة وتصبر، ~~واحتمال مشقة، أو بعض كراهة ما؛ بل بهواها كما يهوى المحبوبات المشتهيات، ~~فإن من أحب شيئا تبعه هواه ومال عن غيره إليه ووالاه، ولذلك PageV01P436 # لم يقل: "حتى يأتمر بما أمر به"، أو "حتى يجيء بما جئت به"، أو نحو ذلك؛ ~~فإن المأمور بالشيء الملتزم به قد يفعله اضطرارا لا اختيارا، ولهذا لم ~~يقتصر في الآية السالفة على: {حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65] بل ~~قال: {ثم لا يجدوا} ثم أكد بالمصدر في قوله: {تسليما} فلا يتوقف أصلا (¬1). # وهذا وجيز مختصر جامع لأفراد الشريعة؛ وذلك أنه -عليه أفضل الصلاة ~~والسلام- إنما جاء بشرائع الدين الكاملة، من الإيمان والإسلام والإحسان ~~والنصح العام والخاص والاستقامة؛ فإذا كان هواه تبعا لما جاء به الشارع من ~~الدين -أصوله وفروعه- فهو المؤمن حقا، والكافر معرض عن ذلك إلى هواه، فهو ~~الخاسر حقا؛ فمن غلب عقله هواه فاز، ومن ms175 غلب هواه عقله؛ فالبهائم خير منه. # وعظ: # إن الهوان هو الهوى قصر اسمه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا # ويقال: إن هشام بن عبد الملك لم يقل في عمره إلا هذا البيت: # إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال # فإذا خالف ميله فهو الرجل الشجاع؛ فإن العطب في الملام للنفس، والمنافرة ~~هو المنجى من المهالك (¬2)، وفقنا الله إلى ذلك. PageV01P437 # فائدة: "الهوى" مقصور: هوى النفس؛ يعني: ما تحبه وتميل إليه، ويجمع على ~~"أهواء". # و"الهواء" ما بين السماء والأرض وكل متجوف ممدود، والجمع: "الأهوية" ~~وقوله تعالى: {وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 43] قيل: جوف لا عقول فيها، وقيل: ~~متجوفة لا تعي شيئا، نسأل الله العافية. PageV01P438 ### | AUTO الحديث الثاني والأربعون # عن أنس - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك على ما ~~كان منك ولا أبالي. # يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك. # يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا؛ ~~لأتيتك بقرابها مغفرة". # رواه الترمذي وقال: "حسن صحيح" (¬1). # الكلام عليه وجوه: # أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف. # وأخرجه أبو عوانة في "مسنده الصحيح" من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - ~~(¬2). PageV01P439 # ثانيها: في ألفاظه وفيه مواضع: # أحدها: "آدم" قيل: أعجمي لا اشتقاق له. # وقيل: هو عربي مشتق من أديم الأرض؛ لأنه خلق منه، أو من الأدمة -وهي حمرة ~~تميل إلى السواد- وهو لا ينصرف؛ للعلمية ووزن الفعل؛ إذ وزنه "أفعل" مثل ~~أحمر، والأصل "أأدم" بهمزتين أبدلت الثانية -وهي فاء الفعل- ألفا، ولا يجوز ~~أن يكون وزنه فاعلا؛ إذ لو كان كذلك لانصرف مثل "عالم" و"خاتم"، والتعريف ~~وحده غير مانع، وليس بأعجمي لا كما قال الأول. # وجمعه: أو آدم، مثل: أحمر وأحامر، وقيل: وزنه "فاعل" وجمعه: آدمون ~~وأوادم، ويلزم قائل هذه المقالة صرفه كما سلف. # وقال الطبري: ""آدم" فعل رباعي سمي به" (¬1). # وفي الحديث: "خلق آدم من ms176 أديم الأرض كلها؛ فخرجت ذريته على نحو ذلك، فيهم ~~الأبيض والأسود والأحمر، والسهل والحزن، والطيب والخبيث" (¬2). # ثانيها: "ما دعوتني" أي: مدة دوام دعائك؛ فهي مصدرية ظرفية، نحو قوله ~~تعالى: {ما يتذكر فيه من تذكر} [فاطر: 37]. PageV01P440 # وغلط بعض الشراح من الفقهاء؛ فقال: هي شرطية. # ثالثها: "الرجاء" -ضد اليأس-: وهو تأميل الخير واعتقاد قرب وقوعه، وهو ~~ممدود، والمقصور " الرجا" بمعنى: الناحية، ومنه قوله تعالى: {والملك على ~~أرجائها} [الحاقة: 17] وكذا: رجا البئر. # رابعها: "غفرت لك" أي: سترت، كما سلف في شرح الخطبة، والفعل: غفر يغفر، ~~وفيه لغة: غفر يغفر، والمصدر: الغفر والغفران والمغفرة -اللهم اغفر لنا-. # فائدة: "العفو" مثله، تقول: عفوت عن الرجل، إذا تركت ذنبه ولم تعاقبه. # وأشار ابن عطية -رحمه الله- إلى فرق لطيف بينهما؛ فقال في قوله تعالى: ~~{واعف عنا واغفر لنا وارحمنا} [البقرة: 286]: " {واعف عنا}، فيما واقعناه ~~وانكشف، {واغفر لنا}، أي: استر ما علمت منا، {وارحمنا} تفضل مبتدئا برحمة ~~منك" (¬1). # فائدة: للتوبة أركان ثلاثة: الإقلاع عن المعصية، والندم على ما وقع منه، ~~والعزم على ألا يعود؛ فإن تعلقت بآدمي فبأداء الحق إليه، أو التحلل منه؛ ~~فإن كان فيها كفارة توقفت على فعلها. # خامسها: قوله: "على ما كان منك" أي: على تكرار معصيتك. # وقوله: "ولا أبالي" أي: بذنوبك، وكأنه من "البال"، لأنه تعالى لا حجة ~~عليه فيما يتفضل به، ولا معقب لحكمه، ولا مانع لعطائه، وهو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة. PageV01P441 # سادسها: "عنان" -بفتح العين المهملة- هو السحاب، الواحدة: عنانة وأعنان. # و"أعنان السماء": صفائحها وما اعترض من أقطارها؛ كأنه جمع "عنن". # وقيل: هو ما عن لك منها؛ أي: ظهر إذا رفعت رأسك. # والمعنى: لو قدرت ذنوبك أشخاصا؛ فملأت ما بين السماء والأرض، وهذا مثال ~~في المتناهي؛ فكيف في غير المتناهي؟! فإن كرم الباري تعالى وفضله وإحسانه ~~وجوده لا نهاية له. # سابعها: "قراب" -بضم القاف أشهر من كسرها-، ومعناه: ما يقارب ملأها وقيل: ~~ملؤها، وهو أشبه؛ لأن الكلام في سياق المبالغة. # ثامنها: الدعاء يتناول النفع والصلاح والرجاء. # تاسعها: معنى "لقيتني لا تشرك بي شيئا" ms177 أي: مت معتقدا توحيدي، مصدقا ~~برسلي؛ فلا راحة للمؤمن دون لقاء ربه، فالإيمان شرط في غفران الذنوب التي ~~هي دون الشرك؛ فإنه الأصل المبني عليه قبول الطاعات وغفران المعاصي، أما مع ~~الشرك فلا أصل يبتني عليه ذلك: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا (23)} [الفرقان: 23] فالذنب إن كان شركا فغفره بالاستغفار منه وهو ~~الإيمان، وإن كان غيره فبسؤال المغفرة. # الوجه الثالث: في فوائده: # فيه: الحث على الدعاء، ومن خالف في ذلك فلا يعبأ به، وقد قال تعالى: ~~{ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60]، وقال: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب ~~دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186] أي: قريب بالإجابة والقدرة إذا لم يكن ~~فيه اعتداء. PageV01P442 # وفي "الصحيح": "أذنب عبد ذنبا قال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال -تبارك ~~وتعالى-: أذنب عبدي ذنبا، علم أن له ربا يغفر الذنوب ويأخذ بالذنب". قال في ~~الثالثة -أو الرابعة-: "اعمل ما شئت فقد غفرت لك" (¬1). أي: ما دمت تذنب ~~وتتوب وتستغفر. # ولا شك أن الدعاء مخ العبادة، والرجاء يتضمن حسن الظن بالله، وهو يقول: ~~"أنا عند ظن عبدي بي"، وعند ذلك تتوجه الرحمة على العبد، وإذا توجهت فلا ~~ممسك لها، ولا يتعاظمها شيء؛ لأنها وسعت كل شيء، فلو بلغت ذنوب العبد الأرض ~~والفضاء حتى ارتفعت إلى السماء ثم استغفرها غفرت له؛ لأنه طلب الإقالة من ~~كريم، فإن الاستغفار استقالة، والكريم محل إقالة العثرات وغفر الزلات، وقد ~~طلب الاستغفار، ووعد بالإجابة، قال تعالى: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا} ~~[نوح: 10]، وقال -تبارك وتعالى-: {استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} [هود: 52] ~~الآية، وفي الحديث: "لولا أنكم تذنبون لذهب الله بكم ولجاء بقوم غيركم، ~~فيذنبون فيستغفرون؛ فيغفر لهم" (¬2). # وفي التنزيل: {إن الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 53]، {إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48]. # والإجماع قائم على ذلك، أعني: على أن من مات كافرا يخلد، وأن من مات ~~عاصيا لا يخلد؛ بل هو تحت المشيئة، وهذا إحسان عام، وحلم وافر، وفضل كثير ~~وبشرى، ونظيره ms178 الحديث الصحيح: "والله، لله أفرح بتوبة أحدكم من أحدكم ~~بضالته لو وجدها" (¬3). PageV01P443 # وفرح الباري: رضاه من عبده (¬1). # وحقيقة لفظ الاستغفار: اللهم اغفر لي، ويقوم مقامه: أستغفر الله؛ لأنه ~~خبر في معنى الطلب. # اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وتب علينا؛ إنك أنت التواب ~~الرحيم. # آخر الكلام على "الأربعين" على وجه الاختصار، الجامعة لقواعد الإسلام ~~ومباني الأحكام، وكان مصنفه وعد بشرح؛ فعاقه القدر، وقصر العمر، فلا حذر ~~منه ولا مفر، وله أجر أمله؛ فنية المؤمن خير من عمله. # والحمد لله رب العالمين. # قال شيخنا مؤلفه -فسح الله في مدته، ونفع الله الإسلام بعلومه وبركته-: ~~وقد كنت فرغت من تسويدها يوم الجمعة سابع عشر رمضان المعظم، من سنة تسع ~~وخمسين وسبعمائة، واتفق تبييضه يوم الثلاثاء ثاني عشر جمادى الآخرة من سنة ~~ثمان وثمانين وسبعمائة، وأجزت روايته لمن أدرك حياتي من المسلمين قاله (¬2) ~~مؤلفه غفر الله له، وختم له بالحسنى بمنه وكرمه؛ إنه على كل شيء قدير. PageV01P444 # وكاتبه: العبد الفقير المعترف بالتقصير: عبد الرحمن بن محمد بن عبد ~~الجبار ابن أبي بكر بن حسين الشعبي، غفر الله تعالى له ولوالديه، ولمن دعا ~~لهم بالمغفرة، ولمن كتب له، ولوالديه، ولجميع المسلمين والمسلمات، ~~والمؤمنين والمؤمنات، آمين، والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، كما يحب ~~ربنا ويرضى. # وكان الفراغ من فراغه: بعد صلاة الظهر يوم الإثنين ثاني عشر شهر شوال ~~الواقع في سنة (913) من الهجرة النبوية، على شارعها أفضل الصلاة والسلام، # والحمد لله رب العالمين (¬1). PageV01P445 ms179