######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037022 #META# 000.BookURI :: #0808.IbnKhaldun.Rihla #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الرحمن بن محمد بن محمد، ابن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي (المتوفى: 808هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 808 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رحلة ابن خلدون #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: البلدان والجغرافيا والرحلات #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037022 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37022 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37022 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1425 هـ - 2004 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ### | التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا # وأصل هذا البيت من إشبيلية؛ انتقل سلفنا - عند الجلاء وغلب ملك الجلالقة ~~ابن أدفونش عليها - إلى تونس في أواسط المائة السابعة ### || نسبه # عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد ~~ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون. لا أذكر من نسبي إلى خلدون غير هؤلاء ~~العشرة، ويغلب على الظن أنهم أكثر، وأنه سقط مثلهم عددا؛ لأن خلدون هذا هو ~~الداخل إلى الأندلس، فإن كان أول الفتح فالمدة لهذا العهد سبعمائة سنة، ~~فيكونون زهاء العشرين؛ ثلاثة لكل مائة، كما تقدم في أول الكتاب الأول. # ونسبنا حضرموت، من عرب اليمن، إلى وائل بن حجر، من أقيال العرب، معروف ~~وله صحبة. قال أبو محمد بن حزم في كتاب الجمهرة: وهو وائل بن حجر بن سعيد ~~بن مسروق بن وائل بن النعمان بن ربيعة بن الحارث بن عوف ابن PageV01P027 # سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن شرحبيل بن الحارث بن مالك بن مرة بن حميري ~~بن زيد بن الحضرمي بن عمرو بن عبد الله بن هانئ بن عوف بن جرشم بن عبد شمس ~~بن زيد بن لأي بن شبت بن قدامة بن أعجب بن مالك بن لأي بن قحطان. وابنه ~~علقمة بن وائل وعبد الجبار بن وائل. # وذكره أبو عمر بن عبد البر في حرف الواو من الاستيعاب، وأنه وفد على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فبسط له رداءه، وأجلسه عليه، وقال: اللهم بارك ~~في وائل بن حجر وولده وولد ولده إلى يوم القيامة. # وبعث معه معاوية بن أبي سفيان إلى قومه يعلمهم القرآن والإسلام، فكانت له # بذلك صحابة مع معاوية. ووفد عليه لأول خلافته وأجازه، فرد عليه جائزته ~~ولم يقبلها. ولما كانت واقعة حجر بن عدي الكندي بالكوفة، اجتمع رؤوس أهل ~~اليمن، وفيهم وائل هذا، فكانوا مع زياد بن أبي سفيان عليه، حتى أوثقوه ~~وجاؤوا به إلى معاوية، فقتله كما هو معروف. # قال ابن ms001 حزم: ويذكر بنو خلدون الإشبيليون من ولده، وجدهم الداخل من الشرق ~~خالد المعروف بخلدون بن عثمان بن هانئ بن الخطاب بن كريب بن معد يكرب ابن ~~الحارث بن وائل بن حجر. قال: وكان من عقبه كريب بن عثمان بن خلدون وأخوه ~~خالد، وكانا من أعظم ثوار الأندلس. # قال ابن حزم: وأخوه محمد كان من عقبه أبو العاصي عمرو بن محمد بن خالد بن ~~محمد بن خلدون. PageV01P028 # وبنو أبي العاصي: محمد، وأحمد، وعبد الله. قال: - وأخوهم عثمان، وله عقب. ~~ومنهم الحكيم المشهور بالأندلس من تلاميذ مسلمة المجريطي، وهو أبو مسلم عمر ~~بن محمد بن بقي بن عبد الله بن بكر بن خالد ابن عثمان بن خالد بن عثمان بن ~~خلدون الداخل. وابن عمه أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله. قال: ~~ولم يبق من ولد كريب الرئيس المذكور إلا أبو الفضل بن محمد بن خلف بن أحمد ~~بن عبد الله بن كريب - انتهى كلام ابن حزم. ### | سلفه بالأندلس # ولما دخل خلدون بن عثمان جدنا إلى الأندلس، نزل بقرمونة في رهط من قومه ~~حضرموت، ونشأ بيت بنيه بها، ثم انتقلوا إلى إشبيلية. وكانوا في جند اليمن، ~~وكان لكريب من عقبه وأخيه خالد، الثورة المعروفة بأشبيلية أيام الأمير عبد ~~الله المرواني، ثار على ابن أبي عبدة، وملكها من يده أعواما، ثم ثار عليه ~~إبراهيم ابن حجاج، بإملاء الأمير عبد الله وقتله، وذلك في أواخر المائة ~~الثالثة. # وتلخيص الخبر عن ثورته، على ما نقله ابن سعيد عن الحجاري وابن PageV01P029 # حيان # وغيرهما، وينقلونه عن ابن الأشعث مؤرخ إشبيلية: أن الأندلس لما اضطربت ~~بالفتن أيام الأمير عبد الله تطاول رؤساء إشبيلية إلى الثورة والاستبداد، ~~وكان رؤساؤها المتطاولون إلى تلك في ثلاثة بيوت: بيت بني أبي عبدة، ورئيسهم ~~يومئذ أمية بن عبد الغافر بن أبي عبدة، وكان عبد الرحمن الداخل ولى أبا ~~عبده إشبيلية وأعمالها، وكان حافده أمية من أعلام الدولة بقرطبة، ويولونه ~~الممالك الضخمة. وبيت بني خلدون هؤلاء، ورئيسهم كريب المذكور، ويردفه أخوه ms002 ~~خالد. # قال ابن حيان: وبيت بني خلدون إلى الآن في إشبيلية نهاية في النباهة، ولم ~~تزل أعلامه بين رياسة سلطانية ورياسة علمية. ثم بيت بني حجاج، ورئيسهم ~~يومئذ عبد الله. قال ابن حيان: هم - يعني بني حجاج - من لخم، وبيتهم إلى ~~الآن في إشبيلية ثابت الأصل، نابت الفرع موسوم بالرياسة السلطانية ~~والعلمية. فلما عظمت الفتنة بالأندلس أعوام الثمانين والمائتين، وكان ~~الأمير عبد الله قد ولى على إشبيلية أمية بن عبد الغافر، وبعث معه ابنه ~~محمدا، وجعله في كفالته، فاجتمع هؤلاء النفر، وثاروا بمحمد بن الأمير عبد ~~الله وبأمية صاحبهم، وهو يمالئهم على ذلك، ويكيد بابن الأمير عبد الله. ~~وحاصروهما في القصر، حتى طلب منهم اللحاق بأبيه فأخرجوه، واستبد أمية ~~إشبيلية، ودس على عبد الله بن حجاج من قتله، وأقام أخاه إبراهيم مكانه. ~~وضبط إشبيلية، واسترهن أولاد بني خلدون وبني حجاج، ثم ثاروا به، وهم بقتل ~~أبنائهم فراجعوا طاعته. وحلفوا له، فأطلق أبناءهم فانتقضوا ثانية. وحاربوه ~~فاستمات وقتل حرمه، وعقر خيوله، وأحرق موجوده. وقاتلهم حتى قتلوه مقبلا غير ~~مدبر، وعاثت العامة في رأسه. وكتبوا إلى الأمير عبد الله بأنه خلع فقتلوه، ~~فقبل منهم مداراة، وبعث عليهم هشام بن عبد الرحمن من قرابته، فاستبدوا ~~عليه، وفتكوا بابنه، وتولى كبر ذلك كريب بن خلدون، واستقل بإمارتها. # وكان إبراهيم بن حجاج بعد ما قتل أخوه عبد الله - على ما ذكره ابن سعيد ~~عن PageV01P030 # الحجاري - سمت نفسه إلى التفرد، فظاهر ابن حفصون أعظم ثوار الأندلس ~~يومئذ، وكان بمالقة وأعمالها إلى رندة، فكان له منه ردء. ثم انصرف إلى ~~مداراة كريب بن خلدون وملابسته، فردفه في أمره، وشركه في سلطانه، وكان في ~~كريب تحامل على الرعية وتعصب، فكان يتجهم لهم، ويغلظ عليهم، وابن حجاج يسلك ~~بهم الرفق والتلطف في الشفاعة لهم عنده، فانحرفوا عن كريب إلى إبراهيم. ثم ~~دس إلى الأمير عبد الله يطلب منه الكتاب بولاية إشبيلية، لتسكن إليه ~~العامة، فكتب إليه العهد بذلك. وأطلع عليه عرفاء البلد، مع ما أشربوا من ~~حبه، والنفرة عن ms003 كريب، ثم أجمع الثورة، وهاجت العامة بكريب فقتلوه، وبعث ~~برأسه إلى الأمير عبد الله، واستقر بإمارة إشبيلية. # قال ابن حيان: وحصن مدينة قرمونة من أعظم معاقل الأندلس، وجعلها مرتبطا ~~لخيوله، وكان ينتقل بينها وبين إشبيلية. واتخذ الجند ورتبهم طبقات، وكان ~~يصانع الأمير عبد الله بالأموال والهدايا، وببعث إليه المدد في الصوائف. ~~وكان مقصودا ممدحا، قصده أهل البيوتات فوصلهم، ومدحه الشعراء فأجازهم، ~~وانتجعه أبو عمر ابن عبد ربه صاحب العقد، وقصده من بين سائر الثوار، فعرف ~~حقه، وأعظم جائزته. # ولم يزل بيت بني خلدون بإشبيلية - كما ذكره ابن حيان وابن حزم وغيرهما - ~~سائر أيام بني أمية إلى أزمان الطوائف -، وانمحت عنهم الإمارة بما ذهب لهم ~~من الشوكة. # ولما علا كعب بن عباد بإشبيلية، واستبد على أهلها، استوزر من بني خلدون PageV01P031 # هؤلاء، واستعملهم في رتب دولته، وحضروا معه وقعة الزلاقة كانت لابن عباد ~~وليوسف بن تاشفين على ملك الجلالقة، فاستشهد فيها طائفة كبيرة من بني خلدون ~~هؤلاء، ثبتوا في الجولة مع ابن عباد فاستلحموا في ذلك الموقف. ثم كان ~~الظهور # للمسلمين، ونصرهم الله على عدوهم. ثم تغلب يوسف بن تاشفين والمرابطون على ~~الأندلس، واضمحلت دولة العرب وفنيت قبائلهم. ### | سلفه بأفريقية # ولما استولى الموحدون على الأندلس، وملكوها من يد المرابطين، وكان ~~ملوكهم: عبد المؤمن وبنيه. وكان الشيخ أبو حفص كبير هنتاتة زعيم دولتهم، ~~وولوه على إشبيلية وغرب الأندلس مرارا، ثم ولوا ابنه عبد الواحد عليها في ~~بعض أيامهم، ثم ابنه أبا زكرياء كذلك، فكان لسلفنا بإشبيلية اتصال بهم، ~~وأهدى بعض أجدادنا من قبل الأمهات، ويعرف بابن المحتسب، للأمير أبي زكرياء ~~يحيى بن عبد الواحد ابن أبي حفص أيام ولايته عليهم، جارية من سبي الجلالقة، ~~اتخذها أم ولد، وكان له منها ابنه أبو يحيى زكريا ولي عهده الهالك في ~~أيامه، وأخواه: عمر وأبو PageV01P032 # بكر، وكانت تلقب أم الخلفاء. انتقل الأمير أبو زكريا إلى ولاية إفريقية ~~سني العشرين والستمائة. ودعا لنفسه بها، وخلع دعوة بني عبد المؤمن سنة خمس ~~وعشرين. واستبد بإفريقية، وانتقضت دولة الموحدين ms004 بالأندلس، وثار عليهم ابن ~~هود. ثم هلك واضطربت الأندلس، وتكالب الطاغية عليها، وردد الغزو إلى ~~الفرنتيرة، بسيط قرطبة وإشبيلية إلى جيان، وثار ابن الأحمر بغرب الأندلس من ~~حصن أرجونة، يرجو التماسك لما بقي من رمق الأندلس. وفاوض أهل الشورى يومئذ ~~بإشبيلية. وهم بنو الباجي، وبنو الجد، وبنو الوزير، وبنو سيد الناس، وبنو ~~خلدون. وداخلهم في الثورة على بن هود، وأن يتجافوا للطاغية عن الفرنتيرة، ~~ويتمسكوا بالجبال الساحلية وأمصارها المتوعرة، من مالقه إلى غرناطة إلى ~~المرية، فلم يوافقوه على بلدهم. # وكان مقدمهم أبو مروان الباجي، فنابذهم ابن الأحمر وخلع طاعة الباجي، ~~وبايع مرة لابن هود، ومره لصاحب مراكش من بني عبد المؤمن، ومرة للأمير أبي # زكرياء صاحب إفريقية. ونزل غرناطة، واتخذها دارا لملكه، وبقيت الفرنتيرة ~~وأمصارها ضاحية من ظل الملك، فخشي بنو خلدون سوء العاقبة مع الطاغية، ~~وارتحلوا من إشبيلية إلى العدوة، ونزلوا سبتة وأجلب الطاغية على تلك ~~الثغور، PageV01P033 # فملك قرطبة، وإشبيلية، وقرمونة وجيان وما إليها، في مدة عشرين سنة. ولما ~~نزل بنو خلدون سبتة أصهر إليهم العزفي بأبنائه وبناته، فاختلط بهم، وكان له ~~معهم صهر مذكور. وكان جدنا الحسن بن محمد، وهو سبط بن المحتسب، قد أجاز ~~فيمن أجاز معهم، فذكر سوابق سلفه عند الأمير أبي زكرياء، فقصده وقدم عليه ~~فأكرم قدومه. وارتحل إلى المشرق، فقضى فرضه. ثم رجع ولحق بالأمير أبي ~~زكرياء على بونة، فأكرمه، واستقر في ظل دولته، ومرعى نعمته، وفرض له ~~الأرزاق، وأقطع الإقطاع. وهلك هنالك، فدفن ببونة. وخلف ابنه محمدا أبا بكر، ~~فنشأ في جو تلك النعمة ومرعاها. وهلك الأمير أبو زكرياء ببونة سنة سبع ~~وأربعين، وولي ابنة المستنصر محمد، فأجرى جدنا أبا بكر على ما كان لأبيه. ~~ثم ضرب الدهر ضربانه، وهلك المستنصر سنة خمس وسبعين، وولي ابنه يحيى، وجاء ~~أخوه الأمير أبو اسحق من الأندلس، بعد أن كان فر أمام أخيه المستنصر. فخلع ~~يحيى، واستقل هو بملك إفريقية، ودفع جدونا أبا بكر محمدا إلى عمل الأشغال ~~في الدولة، على سنن عظماء الموحدين فيها قبله؛ ms005 من الانفراد بولاية العمال، ~~وعزلهم وحسبانهم، على الجباية، فاضطلع بتلك الرتبة. ثم عقد السلطان أبو ~~إسحق لابنه محمد، وهو جدنا الأقرب، على حجابة ولي عهده ابنه أبي فارس أيام ~~أقصاه إلى بجاية. ثم استعفى جدنا من ذلك فأعفاه، ورجع إلى الحضرة. ولما غلب ~~الدعي بن أبي عمارة على ملكهم بتونس، اعتقل جدنا أبا بكر محمدا، وصادره على ~~الأموال، ثم قتله خنقا في محبسه. وذهب ابنه محمد جدنا الأقرب مع السلطان ~~أبي إسحق وأبنائه إلى بجاية، فقبض عليه PageV01P034 # ابنه أبو فارس، وخرج في # العساكر هو واخوته لمدافعة الدعي بن أبي عمارة، وهو يشبه بالفضل ابن ~~المخلوع، حتى إذا استلحموا بمرماجنة خلص جدنا محمد مع أبي حفص بن الأمير ~~أبي زكرياء من الملحمة، ومعهما الفازازي وأبو الحسين بن سيد الناس، فلحقوا ~~بمنجاتهم من قلعة سنان. وكان الفازازي من صنائع المولى أبي حفص، وكان يؤثره ~~عليهم. فأما أبو الحسين بن سيد الناس فاستنكف من إيثار الفازازي عليه، بما ~~كان أعلى رتبة منه ببلده إشبيلية، ولحق بالمولى أبي زكرياء الأوسط بتلمسان، ~~وكان من شأنه ما ذكرناه. وأما محمد بن خلدون فأقام مع الأمير أبي حفص، وسكن ~~لإيثار الفازازي. ولما استولى أبو حفص على الأمر رعى له سابقته، وأقطعه، ~~ونظمه في جملة القواد ومراتب أهل الحروب، واستكفى به في الكثير من أهل ~~ملكه، ورشحه لحجابته من بعد الفازازي. وهلك، فكان من بعده حافد أخيه ~~المستنصر أبو عصيدة، واصطفى لحجابته محمد بن إبراهيم الدباغ كاتب الفازازي، ~~وجعل محمد بن خلدون رديفا في حجابته. فكان كذلك إلى أن هلك السلطان، وجاءت ~~دولة الأمير خالد، فأبقاه على حاله من التجلة والكرامة، ولم يستعمله ولا ~~عقد له، إلى أن كانت دولة أبي يحيى بن اللحياني، فاصطنعه، واستكفى به عندما ~~نبضت عروق التغلب للعرب؛ ودفعه إلى حماية الجزيرة من دلاج، أحد بطون سليم ~~الموطنين بنواحيها، فكانت له في ذلك آثار مذكورة. ولما انقرضت دولة ابن ~~اللحياني خرج إلى المشرق، وقضى فرضه سنة ثمان عشرة، وأظهر التوبة والإقلاع، ~~وعاود الحج متنفلا ms006 سنة ثلاث وعشرين، ولزم كسر بيته. وأبقى السلطان أبو يحيى ~~عليه نعمته في كثير مما كان بيده من الإقطاع والجراية، ودعاه إلى حجابته ~~مرارا، فامتنع. # أخبرني محمد بن منصور بن مزنى، قال: لما هلك الحاجب محمد بن عبد العزيز ~~الكردي المعروف بالمزوار، سنة سبع وعشرين وسبعمائة، استدعى السلطان PageV01P035 # جدك # محمد بن خلدون، وأراده على الحجابة، وأن يفوض إليه في أمره، فأبى ~~واستعفى، فأعفاه، ووامره فيمن يوليه حجابته، فأشار عليه بصاحب الثغر: ~~بجاية، محمد بن أبي الحسين بن سيد الناس، لاستحقاقة ذلك بكفايته واضطلاعه، ~~ولقديم صحابة بين سلفهما بتونس، وبإشبيلية من قبل. وقال له: هو أقدر على ~~ذلك بما هو عليه من الحاشية والذوين، فعمل السلطان على إشارته، واستدعى ابن ~~سيد الناس، وولاه حجابته. وكان السلطان أبو يحيى إذا خرج من تونس يستعمل ~~جدنا محمدا عليها، وثوقا بنظره واستنامة إليه، إلى أن هلك سنة سبع وثلاثين، ~~ونزع ابنه، وهو والدي محمد أبو بكر، عن طريقة السيف والخدمة، إلى طريقة ~~العلم والرباط، لما نشأ عليها في حجر أبي عبد الله الزبيدي الشهير بالفقيه، ~~كان كبير تونس لعهده، في العلم والفتيا، وانتحال طرق الولاية التي ورثها عن ~~أبيه حسين وعمه حسن، الوليين الشهيرين. وكان جدنا رحمه الله قد لزمه من يوم ~~نزوعه عن طريقه، وألزمه ابنه، وهو والدي رحمه الله فقرأ وتفقه، وكان مقدما ~~في صناعة العربية، وله بصر بالشعر وفنونه. عهدي بأهل الأدب يتحاكمون إليه ~~فيه، ويعرضون حوكهم عليه، وهلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين ~~وسبعمائة. ### | نشأته ومشيخته وحاله # أما نشأتي فإني ولدت بتونس في غرة رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، ~~وربيت في حجر والدي رحمه الله إلى أن أيفعت وقرأت القرآن العظيم على ~~الأستاذ المكتب أبي عبد الله محمد بن سعد بن برال الأنصاري، أصله من جالية ~~الأندلس من أعمال بلنسية، أخذ عن مشيخة بلنسية وأعمالها، وكان إماما في ~~القراءات، لا PageV01P036 # يلحق شأوه، وكان من أشهر شيوخه ففي القراءات السبع أبو العباس أحمد بن ~~محمد البطرني، ومشيخته فيها، وأسانيده معروفة. ms007 وبعد أن استظهرت القرآن ~~الكريم من حفظي، قرأته عليه بالقراءات السبع المشهورة إفرادا وجمعا في # إحدى وعشرين ختمة، ثم جمعتها في ختمة واحدة أخرى، ثم قرأت برواية يعقوب ~~ختمة واحدة جمعا بين الروايتين عنه، وعرضت عليه رحمه الله قصيدتي الشاطبي؛ ~~اللامية في القراءات، والرائية في الرسم، وأخبرني بهما عن الأستاذ أبي ~~العباس البطرني وغيره من شيوخه؛ وعرضت عليه كتاب التقصي لأحاديث الموطأ ~~لابن عبد البر، حذا به حذو كتابه التمهيد على الموطأ، مقتصرا على الأحاديث ~~فقط. ودارست عليه كتبا جمة، مثل كتاب التسهيل لابن مالك ومختصر ابن الحاجب ~~في الفقه، ولم أكملهما PageV01P037 # بالحفظ، وفي خلال ذلك تعلمت صناعة العربية على والدي، وعلى أستاذي تونس: ~~منهم الشيخ أبو عبد الله بن العربي الحصايري، وكان إماما في النحو وله شرح ~~مستوفى على كتاب التسهيل. ومنهم أبو عبد الله محمد بن الشواش الزرزالي. ~~ومنهم أبو العباس أحمد بن القصار؛ كان ممتعا في صناعة النحو، وله شرح على ~~قصيدة البردة المشهورة في مدح الجناب النبوي، وهو حي لهذا العهد بتونس. # ومنهم: إمام العربية والأدب بتونس، أبو عبد الله محمد بن بحر؛ لازمت ~~مجلسه، وأفدت عليه، وكان بحرا زاخرا في علوم اللسان. وأشار علي بحفظ الشعر، ~~فحفظت كتاب الأشعار الستة، والحماسة للأعلم، وشعر حبيب، وطائفة من شعر ~~المتنبي، ومن أشعار كتاب الأغاني. ولازمت أيضا مجلس إمام المحدثين بتونس؛ PageV01P038 # شمس الدين أبي عبد الله محمد بن جابر بن سلطان القيسي الوادياشي، صاحب ~~الرحلتين؛ وسمعت عليه كتاب فسلم بن الحجاج، إلا فوتا يسيرا من كتاب الصيد؛ ~~وسمعت عليه كتاب الموطأ من أوله إلى آخره، وبعضا من الأمهات الخمس؛ وناولني ~~كتبا كثيرة في العربية والفقه، وأجازني إجازة عامة، وأخبرني عن مشايخه ~~المذكورين في برنامجه، أشهرهم بتونس قاضي الجماعة أبو العباس أجمد بن ~~الغماز الخزرجي. # وأخذت الفقه بتونس عن جماعة؛ منهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله ~~الجياني، وأبو القاسم محمد القصير؛ قرأت عليه كتاب التهذيب لأبي سعيد ~~البرادعي؛ مختصر المدونة، وكتاب المالكية، وتفقهت عليه. وكنت في خلال ms008 ذلك ~~أنتاب مجلس شيخنا الإمام، قاضي الجماعة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام، ~~مع أخي محمد رحمة الله عليهما. وأفدت منه، وسمعت عليه أثناء ذلك كتاب ~~الموطأ للإمام مالك، وكانت له فيه طرق عالية، عن أبي محمد بن هارون الطائي ~~قبل اختلاطه إلى غير هؤلاء من مشيخة تونس، وكلهم سمعت عليه، وكتب لي PageV01P039 # وأجازني؛ ثم درجوا كلهم في الطاعون الجارف. # وكان قدم علينا في جملة السلطان أبي الحسن، عندما ملك إفريقية سنة ثمان ~~وأربعين، جماعة من أهل العلم، وكان يلزمهم شهود مجلسه ويتجمل بمكانهم فيه: ~~فمنهم شيخ الفتيا بالمغرب، وإمام مذهب مالك، أبو عبد الله محمد بن سليمان ~~السطي؛ فكنت أنتاب مجلسه، وأفدت عليه. ومنهم كاتب السلطان أبي الحسن، وصاحب ~~علامته التي توضع أسافل مكتوباته، إمام المحدثين والنحاة بالمغرب، أبو محمد ~~بن عبد المهيمن بن عبد المهيمن الحضرمي؛ لازمته، وأخذت عنه، سماعا، وإجازة، ~~الأمهات الست، وكتاب الموطأ، والسير لابن اسحق، وكتاب ابن الصلاح في ~~الحديث، وكتبا كثيرة شذت عن حفظي. وكانت بضاعته في الحديث وافرة، ونحلته في ~~التقييد والحفظ كاملة، كانت له خزانة من الكتب تزيد على ثلاثة آلاف سفر؛ في ~~الحديث، والفقه، والعربية، والأدب، والمعقول، وسائر الفنون؛ مضبوطة كلها، ~~مقابلة. ولا يخلو ديوان منها عن ثبت بخط بعض شيوخه المعروفين في سنده إلى ~~مؤلفه، حتى الفقه، والعربية، الغريبة الإسناد إلى مؤلفيها في هذه العصور. ~~ومنهم الشيخ أبو العباس أحمد الزواوي، إمام المقرئين بالمغرب. قرأت عليه ~~القرآن العظيم، بالجمع الكبير بين القراءات السبع، من طريق أبي عمرو ~~الداني، وابن شريح، في ختمة لم أكملها، وسمعت عليه عدة كتب، وأجازني # بالإجازة العامة. # ومنهم شيخ العلوم العقلية، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي. أصله من PageV01P040 # تلمسان، وبها نشأ، وقرأ كتب التعاليم، وحذق فيها؛ وأظله الحصار الكبير ~~بتلمسان أمام المائة السابعة، فخرج منها، وحج، ولقي أعلام المشرق يومئذ، ~~فلم يأخذ عنهم؛ لأنه كان مختلطا بعارض عرض في عقله. ثم رجع من المشرق، ~~وأفاق، وقرأ المنطق والأصلين، على الشيخ أبي موسى عيسى ms009 ابن الإمام؛ وكان ~~قرأ بتونس، مع أخيه أبي زيد عبد الرحمن، على تلاميذ ابن زيتون الشهير ~~الذكر؛ وجاء إلى تلمسان بعلم كثير من المعقول والمنقول، فقرأ الآبلي على ~~أبي موسى منهما كما قلناه. ثم خرج من تلمسان هاربا إلى المغرب، لأن سلطانها ~~يومئذ، أبو حمو من ولد يغمراسن بن زيان، كان يكرهه على التصرف في أعماله، ~~وضبط الجباية بحسبانه، ففر إلى المغرب، ولحق بمراكش، ولزم العالم الشهير ~~أبا العباس بن البناء الشهير الذكر، فحصل عنه سائر العلوم العقلية، وورث ~~مقامه فيها وأرفع، ثم صعد إلى جبال الهساكرة، بعد وفاة الشيخ، باستدعاء علي ~~بن محمد بن تروميت، ليقرأ عليه، فأفاده، وبعد أعوام استنزله ملك المغرب، ~~السلطان أبو سعيد، وأسكنه بالبلد الجديد، والآبلي معه. # ثم اختصه السلطان أبو الحسن، ونظمه في جملة العلماء بمجلسه، وهو في خلال ~~ذلك يعلم العلوم العقلية، ويبثها بين أهل المغرب، حتى حذق فيها الكثير منهم ~~من سائر أمصارها، وألحق الأصاغر بالأكابر في تعليمه. # ولما قدم على تونس في جملة السلطان أي الحسن، لزمته، وأخذت عنه الأصلين، ~~والمنطق، وسائر الفنون الحكمية، والتعليمية؛ وكان رحمه الله، يشهد لي ~~بالتبريز في ذلك. # وممن قدم في جملة السلطان أبي الحسن: صاحبنا أبو القاسم عبد الله بن يوسف PageV01P041 # بن رضوان المالقي. كان يكتب عن السلطان، ويلازم خدمة أبي محمد عبد ~~المهيمن رئيس الكتاب يومئذ، وصاحب العلامة التي توضع عن السلطان أسفل ~~المراسيم والمخاطبات، وبعضها يضعه السلطان بخطه. # وكان ابن رضوان هذا من مفاخر المغرب، في براعة خطه، وكثرة علمه، وحسن ~~سمته، وإجادته في فقه الوثائق، والبلاغة في الترسيل عن السلطان، وحوك ~~الشعر، والخطابة على المنابر؛ لأنه كان كثيرا ما يصلي بالسلطان. فلما قدم ~~علينا بتونس، صحبته، واغتبطت به، وإن لم أتخذه شيخا، لمقاربة السن، فقد ~~أفدت منه كما أفدت منهم. # وقد مدحه صاحبنا أبو القاسم الرحوي شاعر تونس في قصيدة علي روي النون، ~~يرغب منه تذكرة شيخه أبي محمد عبد المهيمن في إيصال مدحه إلى السلطان أبي ~~الحسن، في قصيدته على روي ms010 الباء، وقد تقدم ذكرها في أخبار السلطان. # وذكر في مدح ابن رضوان أعلام العلماء القادمين مع السلطان وهي: # عرفت زماني حين أنكرت عرفاني %~% وأيقنت أن لاحظ في كف كيوان # وأن لا اختيار في اختيار مقوم %~% وأن لا قراع بالقران لأقراني # وأن نظام الشكل أكمل نظمه %~% لأضعف قاض في الدليل برجحان # وإن افتقار المرء في فقراته %~% ومن ثقله يغني اللبيب بأوزان # فمن بعد ما شمت الخلاب ولم أرع %~% لهشة راض أو لشرة غضبان # ولم يعشني للنار لمع شعاعها %~% فما كل نار نار موسى بن عمران PageV01P042 # ولم يبق لي في الغيب من أمل سوى %~% لقاء ابن رضوان وجنة رضوان # هنالك ألفيت العلا تنتمي إلى %~% أناس ضئيل عندهم فخر غسان # وأرعيت من روض التأدب يانعا %~% وحييت من كنز العلوم بقعيان # وردت فلم تجدب لديه ريادتي %~% وصدق طرفي ما تلقته آذاني # فحسبك من آدابه كل زاخر %~% يحييك معسولا بدر ومرجان # يحييك بالسلك الذي لم تحط به %~% طروس ابن سهل أو سوالف بوران # فقل بابلي إن ينافثك لفظة %~% وفي وشيه الأطراس قل هو صنعاني # خلائق لم تخلق سدى بل تكملت %~% بإسداء إنعام وإيلاء إحسان # ثم يقول في ذكر العلماء القادمين: # هم القوم كل القوم، أما حلومهم %~% فأرسخ من طودي ثبير وثهلان # فلا طيش يعروهم وأما علومهم %~% فأعلامها تهديك من غير نيران # بفقه يشيم الأصبحي صباحه %~% وأشهب منه يستدل بشهبان # وحسن جدال للخصوم ومنطق %~% يجيئان في الأخفى بأوضح برهان # سقت روضة الآداب منهم سحائب %~% سحبن على سحبان أذيال نسيان # فلم يبق نأي ابن الإمام شماخة %~% على مدن الدنيا لأنف تلمسان # وبعد نوى السطي لم تسط فاسه %~% بفخر على بغدان في عصر بغدان PageV01P043 # وبالآبلي استسقت الأرض وبلها %~% ومستوبل ما مال عنه لأظعان # وهامت على عبد المهيمن تونس %~% وقد ظفرت منه بوصل وقربان # وما علقت مني الضمائر غيره %~% وإن هويت كلا بحب ابن رضوان # وكتب هذا الشاعر: صاحبنا الرحوي يذكر عبد المهيمن بذلك: # لهي النفس في اكتساب وسعي %~% وهو العمر في انتهاب وفي # وأرى الناس بين ساع لرشد ms011 %~% يتوخى الهدى وساع لغي # وأرى العلم للبرية زينا %~% فتزيا منه بأحسن زي # وأرى الفضل قد تجمع كلا %~% في ابن عبد المهيمن الحضرمي # حل بالرتبة العلية في حض %~% رة ملك سامي العماد علي # قلم أوسع الأقاليم أمرا %~% فله قد أطاع كل عصي # قدر ما يفيد منه احتذار %~% فبأي تراه يقضي باي # يمنح العز والعلا ويوالي %~% بالعطايا الجسام كل ولي # يلجأ الدارعون خوفا إليه %~% فهو يزري بالصارم المشرفي # هو أعلى الأقلام في كل عصر %~% حيث ينمى إلى الإمام علي # حليت تلكم الرياسة منه %~% بفريد في كل معنى سني # سالك في النظام درا وطورا %~% ناثر دره بنشر وطي # بدع للبديع ترمي بحصر %~% ولصابي بني بويه بعي # ويرى أخرس العراق لديه %~% إنه بالشآم كالأعجمي # وعلوم هي البحور ولكن %~% ينثني الواردون منها بري # تصدر الأمة العظيمة عنه %~% بحديث مجود مروي # وبفقه فيه وحسن مقال %~% يضع النور في لحاظ العمي # وبنحو ينحي على سيبويه %~% ببيان في المبهمات جلي PageV01P044 # عمي الأخفشان عنه وسدت %~% عن خفاياه فطنة الفارسي # يا أخا الحكم في الأنام وإني %~% لأنادي رب الندى والندي # بنت فكري تعرضت لحماكم %~% فالقها راضيا بوجه رضي # تبتغي القرب من مراقي الأماني %~% والترقي للجانب العلوي # فأنلها مرامها نلت سهلا %~% كل دان تبغي وكل قصي # ثم كانت واقعة العرب على السلطان بالقيروان، في فاتحة تسع وأربعين، ~~فشغلوا عن ذلك، ولم يظفر هذا الرحوي بطلبته. ثم جاء الطاعون الجارف، فطوى ~~البساط بما فيه، وهلك عبد المهيمن فيمن هلك، ودفن بمقبرة سلفنا بتونس، لخلة ~~كانت بينه وبين والدي، رحمه الله، أيام قدومهم علينا. # فلما كانت واقعة القيروان، ثار أهل تونس بمن كان عندهم من أشياع السلطان ~~أبي # الحسن، فاعتصموا بالقصبة دار الملك، حيث كان ولد السلطان وأهله، وانتقض ~~عليه ابن تافراكين، وخرج من القيروان إلى العرب، وهم يحاصرون السلطان، وقد ~~اجتمعوا على ابن أبي دبوس، وبايعوا له، كما مر في أخبار السلطان، فبعثوا ~~ابن تافراكين إلى تونس، فحاصر القصبة، وامتنعت عليه. وكان عبد المهيمن يوم ~~ثورة أهل تونس، ووقوع الهيعة، خرج من ms012 بيته إلى دارنا، فاختفى عند أبي رحمه ~~الله، وأقام مختفيا عندنا نحوا من ثلاثة أشهر. ثم نجا السلطان من القيروان ~~إلى سوسة، وركب البحر إلى تونس، وفر ابن تافراكين إلى المشرق. وخرج عبد ~~المهيمن من الاختفاء، وأعاده السلطان إلى ما كان عليه، من وظيفة العلامة ~~والكتابة، وكان كثيرا ما يخاطب والدي رحمه الله ويشكره على موالاته، ومما ~~كتب إليه وحفظته من خطه: PageV01P045 # لحمد ذوي المكارم قد ثناني %~% فعال شكره أبدا عناني # جزى الله ابن خلدون حياة %~% منعمة وخلدا في الجنان # فكم أولى ووالى من جميل %~% وبر بالفعال وباللسان # وراعى الحضرمية في الذي قد %~% حبا من وده ومن الحنان # أبا بكر ثناءك طول دهرى %~% أردد باللسان وبالجنان # وعن علياك ما امتدت حياتي %~% أكافح بالحسام وباللسان # فمنك أفدت خلا لست دهري %~% أرى عن حبه أثني عنان # وهؤلاء الأعلام الذين ذكرهم الرحوي في شعره، هم سباق الحلبة في مجلس ~~السلطان أبي الحسن، اصطفاهم لصحابته من بين أهل المغرب. فأما ابنا الإمام ~~منهم فكانا أخوين من أهل برشك، من أعمال تلمسان، واسم أكبرهما: أبو زيد عبد ~~الرحمن، واسم الأصغر: أبو موسى عيسى، وكان أبوهما إماما ببعض مساجد برشك، ~~واتهمه المتغلب يومئذ على البلد زيرم بن حماد، بأن عنده وديعة من المال # لبعض أعدائه، فطالبه بها، فلاذ بالامتناع، وبيته زيرم، لينتزع المال من ~~يده، فدافعه وقتل، وارتحل ابناه هذان الأخوان إلى تونس في المئة السابعة، ~~وأخذا العلم بها عن تلاميذ ابن زيتون، وتفقها على أصحاب أبي عبد الله بن ~~شعيب الدكالي، وانقلبا إلى المغرب بحظ وافر من العلم. وأقاما بالجزائر ~~يبثان بها العلم، لامتناع برشك عليهما من أجل (ضرر) زيرم المتغلب عليها، ~~والسلطان أبو يعقوب يومئذ، صاحب المغرب الأقصى من بني مرين، جاثم على ~~تلمسان يحاصرها الحصار الطويل المشهور، وقد بث جيوشه في نواحيها، وغلب على ~~الكثير من أعمالها وأمصارها، PageV01P046 # وملك عمل مغراوة بشلف، وحاضرته مليانة، فبعث عليها الحسن بن علي بن أبي ~~الطلاق من بني عسكر، وعلي بن محمد الخيري من بني ورتاجن، ومعهما ms013 - لضبط ~~الجباية واستخلاص الأموال - الكاتب منديل بن محمد الكناني، فارتحل هذان ~~الأخوان يومئذ من الجزائر، واحتلا بمليانة، فحليا بعين منديل الكناني، ~~فقربهما واصطفاهما، واتخذهما لتعليم ولده محمد. ثم هلك يوسف بن يعقوب سلطان ~~المغرب، بمكانه من حصار تلمسان، سنة خمس وسبعمائة على يد خصي من خصيانه؛ ~~طعنه فأشواه، وهلك. وقام بالملك بعده حافده أبو ثابت، بعد خطوب ذكرناها في ~~أخبارهم، ووقع بينه وبين صاحب تلمسان يومئذ أبي زيان محمد بن عثمان بن ~~يغمراسن، وأخيه أبي حمو، العهد المتأكد على الإفراج عن تلمسان، ورد أعمالها ~~عليهم، فوفى لهم بذلك، وعاد إلى المغرب. وارتحل ابن أبي الطلاق، والخيري، ~~والكناني من مليانة راجعين إلى المغرب، ومروا بتلمسان، ومع الكناني هذان ~~الأخوان، فأوصلهما إلى أبي حمو، وأثنى عليهما. وعرفه بمقامهما في العلم، ~~فاغتبط بهما أبو حمو، واختط لهما المدرسة المعروفة بهما بتلمسان. وأقاما ~~عنده على هدي أهل العلم وسننهم؛ وهلك أبو حمو، فكانا كذلك مع ابنه أبي ~~تاشفين إلى أن زحف السلطان أبو الحسن (المريني) إلى تلمسان، وملكها عنوة، # سنة سبع وثلاثين، وكانت لهما شهرة في أقطار المغرب، أثبتت لهما في نفس ~~السلطان عقيدة صالحة، فاستدعاهما لحين دخوله، وأدنى مجلسهما، وأشاد ~~بتكرمتهما، ورفع محلهما على أهل طبقتهما. وصار يجمل بهما مجلسه، متى مر ~~بلمسان، أو وفدا عليه في PageV01P047 # الأوقات التي يفد فيها أعيان بلدهما. ثم استنفرهما للغزو، وحضرا معه ~~واقعة طريف، وعادا إلى بلدهما. وتوفي أبو زيد منهما إثر ذلك، وبقي أخوه أبو ~~موسى متبوئا ما شاء من ظلال تلك الكرامة. # ولما سار السلطان أبو الحسن إلى إفريقية سنة ثمان وأربعين، كما مر في ~~أخباره استصحب أبا موسى ابن الإمام معه مكرما فوقرا، عالي المحل، قريب ~~المجلس منه. فلما استولى على إفريقية، سرحه إلى بلده، فأقام بها يسيرا، ~~وهلك في الطاعون الجارف سنة سبع وأربعين. وبقي أعقابهما بتلمسان دارجين في ~~مسالك تلك الكرامة، ومتوقلين قللها طبقا عن طبق إلى هذا العهد. # وأما السطي، واسمه محمد (بن علي) بن سليمان، من قبيلة سطة، من بطون ms014 أوربة ~~بنواحي فاس. نزل أبوه سليمان مدينة فاس، ونشأ محمد بها، وأخذ العلم عن ~~الشيخ أبي الحسن الصغير إمام المالكية بالمغرب، والطائر الذكر، وقاضي ~~الجماعة بفاس، وتفقه عليه. وكان أحفظ الناس لمذهب مالك، وأفقههم فيه. وكان ~~السلطان أبو الحسن لدينه وسراوته، وبعد شأوه في الفضل، يتشوف إلى تنويه ~~مجلسه بالعلماء، واختار منهم جماعة لصحابته ومجالسته. كان منهم هذا الإمام ~~محمد بن سليمان. وقدم علينا بتونس في جملته، وشهدنا وفور فضائله. وكان في ~~الفقه من بينها لا يجارى، حفظا وفهما، عهدي به وأخي محمد رحمه الله يقرأ ~~عليه من كتاب التبصرة لأبي الحسن اللخمي، وهو يصححه عليه من إملائه وحفظه، ~~في مجالس عديدة. وكذا كان حاله في أكثر ما يعاني حمله من الكتب. وحضر مع ~~السلطان أبي الحسن، واقعة القيروان، وخلص معه إلى تونس، وأقام بها نحوا من # سنتين. PageV01P048 # وانتقض المغرب على السلطان، واستقل به ابنه أبو عنان. ثم ركب (السلطان) ~~أبو الحسن في أساطيله من تونس آخر سنة خمسين، ومر ببجاية، فأدركه الغرق في ~~سواحلها، فغرقت أساطيله، وغرق أهله، وأكثر من كان معه من هؤلاء الفضلاء ~~وغيرهم. وألقاه البحر ببعض الجزر هناك، حتى استنفذه منه بعض أساطيله، ونجا ~~إلى الجزائر بعد أن تلف موجوده، وهلك الكثير من عياله وأصحابه، وكان من ~~أمره ما مر في أخباره. # وإما الآبلي واسمه محمد بن إبراهيم، فمنشؤه بتلمسان، وأصله من جالية ~~الأندلس، من أهل آبلة، من بلاد الجوف منها، أجاز أبوه وعمه أحمد، فاستخدمهم ~~يغمراسن بن زيان، وولده في جندهم، وأصهر إبراهيم منهما إلى القاضي بتلمسان ~~محمد بن غلبون في ابنته، فولدت له محمدا هذا. ونشأ بتلمسان في كفالة جده ~~القاضي، فنشأ له بذلك ميل إلى انتحال العلم عن الجندية التي كانت منتحل ~~أبيه (وعمه). فلما يفع وأدرك، سبق إلى ذهنه محبة التعاليم، فبرع فيها، ~~واشتهر. وعكف الناس عليه في تعلمها وهو في سن البلوغ. ثم أطل السلطان يوسف ~~بن يعقوب على تلمسان، وجثم عليها يحاصرها. وسير بعوثه إلى الأعمال، فافتتح ~~أكثرها، وكان إبراهيم ms015 الآبلي قائدا بهنين؛ مرسى تلمسان في لمة من الجند، ~~فلما PageV01P049 # ملكها يوسف بن يعقوب، اعتقل من وجد بها من شيع ابن زيان، واعتقل إبراهيم ~~الآبلي فيهم، وشاع الخبر في تلمسان بأن يوسف بن يعقوب يسترهن أبناءهم ~~ويطلقهم، فتشوف ابنه محمد إلى اللحاق به، من أجل ذلك. وأغراه أهله بالعزم ~~عليه، فتسور الأسوار، وخرج إلى أبيه، فلم يجد خبر للاسترهان صحيحا. ~~واستخدمه يوسف بن يعقوب قائدا على الجند الأندلسيين بتاوريرت، فكره المقام ~~على ذلك، ونزع عن طوره، ولبس المسوح، وسار قاصدا الحج. وانتهى إلى رباط ~~العباد مختفيا في صحبة الفقراء، فوجد هنالك رئيسا من كربلاء ثم من بني ~~الحسين، جاء إلى المغرب يروم إقامة # دعوتهم فيه، وكان معقلا؛ فلما رأى عساكر يوسف بن يعقوب، وشدة هيبته، غلب ~~عليه اليأس من مرامه، ونزع عن ذلك، واعتزم الرجوع إلى بلده، فسار شيخنا ~~محمد بن إبراهيم في جملته. # قال لي رحمه الله: وبعد حين انكشف لي حاله، وما جاء له، واندرجت في جملة ~~أصحابه وتابعه. قال: وكان يتلقاه في كل بلد من (أصحابه و) أشياعه وخدمه من ~~يأتيه بالأزواد، والنفقات من بلده، إلى أن ركبنا البحر من تونس إلى ~~الإسكندرية. قال: واشتدت علي الغلمة في البحر، واستحييت من كثرة الاغتسال؛ ~~لمكان هذا الرئيس، فأشار علي بعض بطانته بشرب الكافور، فاغترفت منه غرفة، ~~فشربتها فاختلطت. وقدم الديار المصرية على تلك الحال، وبها يومئذ تقي الدين ~~بن دقيق العيد، وابن الرفعة، وصفي الدين الهندي، والتبريزي، وابن البديع، ~~وغيرهم PageV01P050 # من فرسان المعقول والمنقول، فلم يكن قصاراه إلا تمييز أشخاصهم، إذا ذكرهم ~~لنا؛ لما كان به من الاختلاط. ثم حج مع ذلك الرئيس، وسار في جملته إلى ~~كربلاء، فبعث معه من أصحابه من أوصله إلى مأمنه من بلاد زواوة من أطراف ~~المغرب. وقال لي شيخنا رحمه الله: كان معي دنانير كثيرة تزودتها من المغرب، ~~واستبطنتها في جبة كنت ألبسها؛ فلما نزل بي ما نزل انتزعها مني حتى إذا بعث ~~أصحابه يشيعونني إلى المغرب، دفعها إليهم، حتى إذا أوصلوني ms016 إلى المأمن، ~~أعطوني إياها وأشهدوا علي بها في كتاب حملوه معهم إليه كما أمرهم؛ ثم قارن ~~وصول شيخنا إلى المغرب مهلك يوسف بن يعقوب وخلاص أهل تلمسان من الحصار، ~~فعاد إلى تلمسان، وقد أفاق من اختلاطه، وانبعثت همته إلى تعلم العلم. وكان ~~مائلا إلى العقليات، فقرأ المنطق على أبي موسى ابن الإمام، وجملة من ~~الأصلين، وكان أبو حمو صاحب تلمسان يومئذ قد استفحل ملكه، وكان ضابطا ~~لأموره، وبلغه عن شيخنا تقدمه في علم الحساب، فدفعه إلى ضبط أمواله # ومشارفة عماله. وتفادى شيخنا من ذلك، فأكرهه عليه، فأعمل الحيلة في ~~الفرار منه، ولحق بفاس أيام السلطان أبي الربيع، وبعث فيه أبو حمو، فاختفى ~~بفاس عند شيخ التعاليم من اليهود، خلوف المغيلي؛ فاستوفى عليه فنونها، ~~وحذق. وخرج متواريا من فاس، فلحق بمراكش، أعوام العشر والسبع مائة. ونزل ~~على الإمام أبي العباس بن البناء شيخ المعقول والمنقول، والمبرز في التصوف ~~علما وحالا، فلزمه، وأخذ عنه، وتضلع من علم المعقول والتعاليم والحكمة، ثم ~~استدعاه شيخ الهساكرة علي بن محمد بن تروميت ليقرأ عليه، وكان ممرضا في ~~طاعته للسلطان، فصعد إليه شيخنا وأقام عنده مدة؛ قرأ عليه فيها وحصل. ~~واجتمع طلبة العلم هنالك على الشيخ، فكثرت إفادته، واستفادته، وعلي بن محمد ~~في ذلك على PageV01P051 # تعظيمه، ومحبته، وامتثال إشارته، فغلب على هواه، وعظمت رياسته بين تلك ~~القبائل. ولما استنزل السلطان أبو سعيد علي بن تروميت من جبله، نزل الشيخ ~~معه، وسكن بفاس. وانثال عليه طلبة العلم من كل ناحية، فانتشر علمه، واشتهر ~~ذكره؛ فلما فتح السلطان أبو الحسن تلمسان ولقي أبا موسى ابن الإمام، ذكره ~~له بأطيب الذكر، ووصفه بالتقدم في العلوم. وكان السلطان معنيا بجمع العلماء ~~لمجلسه، كما ذكرنا، فاستدعاه من مكانه بفاس، ونظمه في طبقة العلماء بمجلسه، ~~وعكف على التدريس والتعليم، ولازم صحابة السلطان، وحضر معه واقعة طريف، ~~وواقعة القيروان بإفريقية؛ وكانت قد حصلت بينه وبين والدي رحمه الله صحابة، ~~كانت وسيلتي إليه في القراءة عليه، فلزمت مجلسه، وأخذت عنه، وافتتحت العلوم ~~العقلية بالتعاليم. ms017 ثم قرأت المنطق، وما بعده من الأصلين، وعلوم الحكمة؛ ~~وعرض أثناء ذلك ركوب السلطان أساطيله من تونس إلى المغرب، وكان الشيخ في ~~نزلنا وكفالتنا، فأشرنا عليه بالمقام، وثبطناه عن السفر، فقبل، وأقام. ~~طالبنا به السلطان أبو الحسن، فأحسنا له العذر. وتجافى عنه، وكان من حديث # غرقه في البحر ما قدمناه. وأقام الشيخ بتونس، ونحن وأهل بلدنا جميعا ~~نتساجل في غشيان مجلسه، والأخذ عنه؛ فلما هلك السلطان أبو الحسن بجبال ~~هنتاتة، وفرغ ابنه أبو عنان من شواغله، وملك تلمسان من بني عبد الواد؛ كتب ~~فيه يطلبه من صاحب تونس، وسلطانها يومئذ أبو إسحق إبراهيم ابن السلطان أبي ~~يحيى، في كفالة شيخ الموحدين أبي محمد بن تافراكين، فأسلمه إلى سفيره، وركب ~~معه البحر في أسطول السلطان الذي جاء فيه السفير. ومر ببجاية، ودخلها، ~~وأقام بها شهرا، حتى قرأ عليه طلبة العلم بها مختصر ابن الحاجب في أصول ~~الفقه، برغبتهم في ذلك منه ومن صاحب الأسطول، ثم ارتحل، ونزل PageV01P052 # بمرسى هنين؛ وقدم على السلطان بتلمسان، وأحله محل التكرمة، ونظمه في طبقة ~~أشياخه من العلماء. وكان يقرأ عليه، ويأخذ عنه، إلى أن هلك بفاس، سنة سبع ~~وخمسين وسبعمائة. وأخبرني رحمه الله أن مولده بتلمسان سنة إحدى وثمانين ~~وستمائة. # وأما عبد المهيمن كاتب السلطان أبي الحسن، فأصله من سبتة، وبيتهم بها ~~قديم، ويعرفون ببني عبد المهيمن؛ وكان أبوه محمد قاضيها أيام بني العزفي، ~~ونشأ ابنه عبد المهيمن في كفالته، وأخذ عن مشيختها. واختص بالأستاذ أبي ~~إسحق الغافقي. ولما ملك عليهم الرئيس أبو سعيد، صاحب الأندلس، سبتة ونقل ~~بني العزفي، مع جملة أعيانها إلى غرناطة، ونقل معهم القاضي محمد بن عبد ~~المهيمن، وابنه عبد المهيمن، فأستكمل قراءة العلم هنالك وأخذ عن أبي جعفر ~~بن الزبير ونظرائه، وتقدم في معرفة كتاب سيبويه، وبرز في علو الإسناد، ~~وكثرة المشيخة. وكتب له أهل المغرب والأندلس والمشرق، فاستكتبه رئيس ~~الأندلس يومئذ، الوزير أبو عبد الله بن الحكيم الرندي، المستبد على السلطان ~~المخلوع من بني الأحمر، فكتب عنه، ونظمه في طبقة ms018 الفضلاء الذين كانوا ~~بمجلسه، مثل المحدث الرحالة أبي عبد الله بن رشيد الفهري، وأبي العباس أحمد ~~بن. . . العزفي، والعالم PageV01P053 # الصوفي المتجرد، # أبي عبد الله محمد بن خميس التلمساني، وكانا لا يجاريان في البلاغة ~~والشعر إلى غير هؤلاء ممن كان مختصا به، وقد ذكرهم ابن الخطيب في تاريخ ~~غرناطة. فلما نكب الوزير ابن الحكيم، وعادت سبتة إلى طاعة بني مرين عاد عبد ~~المهيمن إليها واستقر بها، ثم ولى السلطان أبو سعيد، وغلب عليه ابنه أبو ~~علي، واستبد بحمل الدولة. تشوف إلى استدعاء الفضلاء، وتجمل الدولة بمكانهم، ~~فاستقدم عبد المهيمن من سبتة، واستكتبه، سنة ثنتي عشرة؛ ثم خالف على أبيه ~~سنة أربع عشرة، وامتنع بالبلد الجديد، وخرج منها إلى سجلماسة بصلح عقده مع ~~أبيه، فتمسك السلطان أبو سعيد بعبد المهيمن، واتخذه كاتبا، إلى أن دفعه ~~لرياسة الكتاب، ورسم علامته في الرسائل والأوامر، فتقدم لذلك سنة ثمان ~~عشرة، ولم يزل عليها سائر أيام السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن. وسار مع ~~أبي الحسن إلى إفريقية، وتخلف عن واقعة القيروان بتونس؛ لما كان به علة ~~النقرس. فلما كانت الهيعة بتونس، ووصل خبر الواقعة، وتحيز أشياع السلطان ~~إلى القصبة، مع حرمه، تسرب عبد المهيمن في المدينة، منتبذا عنهم، وتوارى في ~~بيتنا، خشية أن يصاب معهم بمكروه. فلما انجلت تلك الغيابة، وخرج السلطان من ~~القيراوان إلى سوسة، وركب منها البحر إلى تونس، أعرض عن عبد المهيمن، لما ~~سخط غيبته عن قومه بالقصبة، وجعل العلامة لأبي الفضل ابن الرئيس عبد الله ~~بن أبي مدين، وقد كانت مقصورة من قبل على هذا البيت، وأقام عبد المهيمن ~~عطلا من العمل مدة أشهر. ثم أعتبه السلطان، ورضي عنه، وأعاد إليه العلامة ~~كما كان، وهلك لأيام قلائل بتونس في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين. ~~ومولده سنة خمس وسبعين من المائة قبلها، وقد استوعب ابن الخطيب التعريف به ~~في تاريخ غرناطة فليطالعه هناك من أحب الوقوف عليه. PageV01P054 # وأما ابن رضوان الذي ذكره الرحوي في قصيدته، فهو أبو القاسم عبد الله بن # يوسف ms019 بن رضوان النجاري؛ أصله من الأندلس، نشأ بمالقة، وأخذ عن مشيختها، ~~وحذق في العربية والأدب، وتفنن في العلوم، ونظم ونثر، وكان مجيدا في ~~الترسيل، وحسنا في كتابة الوثائق؛ وارتحل بعد واقعة طريف، ونزل بسبتة، ولقي ~~بها السلطان أبا الحسن، ومدحه، وأجازه، واختص بالقاضي إبراهيم بن أبي يحيى، ~~وهو يومئذ قاضي العساكر، وخطيب السلطان، وكان يستنيبه في القضاء والخطابة؛ ~~ثم نظمه في حلبة الكتاب بباب السلطان؛ واختص بخدمة عبد المهيمن رئيس ~~الكتاب، والأخذ عنه، إلى أن رحل السلطان إلى إفريقية، وكانت واقعة ~~القيروان، وانحصر بقصبة تونس من انحصر بها، من أشياعه مع أهله وحرمه. وكان ~~السلطان قد تخلف ابن رضوان هذا بتونس في بعض خدمه، فجلى عند الحصار فيما ~~عرض لهم من المكاتبات وتولى كبر ذلك، فقام فيه أحسن قيام إلى أن وصل ~~السلطان من القيروان، فرعى له حق خدمته، تأنيسا، وقربا، وكثرة استعمال، إلى ~~أن ارتحل من تونس في الأسطول، إلى المغرب سنة خمسين كما مر. واستخلف بتونس ~~ابنه أبا الفضل وخلف أبا القاسم بن رضوان كاتبا له، فأقام كذلك أياما. ثم ~~غلبهم على تونس سلطان الموحدين الفضل ابن السلطان أبي يحيى. ونجا أبو الفضل ~~إلى أبيه، ولم يطق ابن رضوان الرحلة معه، فأقام بتونس حولا، ثم ركب البحر ~~إلى الأندلس، وأقام بالمرية مع جملة (من) هنالك من أشياع السلطان أبي ~~الحسن؛ كان فيهم عامر بن محمد بن علي شيخ هنتاتة، كافلا لحرم السلطان أبي ~~الحسن؛ وابنه، أركبهم السفين معه من تونس عندما ارتحل، فخلصوا إلى الأندلس، ~~ونزلوا بالمرية، وأقاموا بها تحت جراية سلطان الأندلس، PageV01P055 # فلحق بهم ابن رضوان، وأقام معهم. ودعاه أبو الحجاج سلطان الأندلس إلى أن ~~يستكتبه فامتنع، ثم هلك السلطان أبو الحسن، وارتحل مخلفه الذين كانوا ~~بالمرية. ووفدوا على السلطان أبي عنان. ووفد معهم ابن رضوان، فرعى له ~~وسائله في خدمة # أبيه، واستكتبه، واختصه بشهود مجلسه، مع طلبة العلم بحضرته؛ وكان محمد بن ~~أبي عمرو يومئذ رئيس الدولة، ونجي الخلوة، وصاحب العلامة، وحسبان الجباية ~~والعساكر، قد غلب ms020 على هوى السلطان، واختص به، فاستخدم له ابن رضوان حتى غلق ~~منه بدمه. ولاية وصحبه، وانتظاما في السمر، وغشيان المجالس الخاصة، وهو من ~~ذلك يدنيه من السلطان. وينفق سوقه عنده، ويستكفي به في مواقف خدمته إذا غاب ~~عنها لما هو أهم، فحلي بعين السلطان، ونفقت عنده فضائله. فلما سار ابن أبي ~~عمرو في العساكر إلى بجاية، سنة أربع وخمسين، انفرد ابن رضوان بقلم الكتاب ~~عن السلطان. ثم رجع ابن أبي عمرو، وقد سخطه السلطان، فأقصاه إلى بجاية ~~وولاه عليها، وعلى سائر أعمالها، وعلى حرب الموحدين بقسنطينة. وأفرد ابن ~~رضوان بالكتابة، وجعل إليه العلامة، كما كانت لابن أبي عمرو، فاستقل بها، ~~موفر الاقطاع، والإسهام، والجاه؛ ثم سخطه آخر سبع وخمسين، وجعل العلامة ~~لمحمد بن أبي القاسم بن أبي مدين، والإنشاء والتوقيع لأبي إسحق إبراهيم بن ~~الحاج الغرناطي. فلما كانت دولة السلطان أبي سالم، جعل العلامة لعلي بن ~~محمد بن سعود صاحب ديوان العساكر، والإنشاء والتوقيع والسر لمؤلف الكتاب ~~عبد الرحمن بن خلدون؛ ثم هلك أبو سالم سنة اثنتين وستين، واستبد الوزير عمر ~~بن عبد الله PageV01P056 # على من كفله من أبنائهم، فجعل العلامة لابن رضوان، سائر أيامه، وقتله عبد ~~العزيز ابن السلطان أبي الحسن، واستبد بملكه، فلم يزل ابن رضوان على ~~العلامة، وهلك عبد العزيز، وولى ابنه السعيد في كفالة الوزير أبي بكر بن ~~غازي بن الكاس، وابن رضوان على حاله؛ ثم غلب السلطان أحمد على الملك، ~~وانتزعه من السعيد، وأبي بكر بن غازي، وقام بتدبير دولته محمد بن عثمان بن ~~الكاس، مستبدا عليه، والعلامة لابن رضوان، كما كانت، إلى أن هلك بأزمور في ~~بعض حركات السلطان أحمد إلى مراكش، # لحصار عبد الرحمن بن بويفلوسن ابن السلطان أبي علي سنة. . . # وكان في جملة السلطان أبي الحسن جماعة كبيرة من فضلاء المغرب وأعيانه، ~~هلك كثيرون منهم في الطاعون الجارف بتونس، وغرق جماعة منهم في أسطوله لما ~~غرق، وتخطت النكبة (منهم) آخرين إلى أن استوفوا ما قدر من آجالهم. فممن حضر ~~معه بإفريقية من ms021 العلماء، شيخنا أبو العباس أحمد بن محمد الزواوي، شيخ ~~القراءات بالمغرب؛ أخذ العلم والعربية عن مشيخة فاس، وروى عن الرحالة أبي ~~عبد الله محمد بن رشيد، وكان إماما في فن القراءات وصاحب ملكة فيها لا ~~تجارى. وله مع ذلك صوت من مزامير آل داود، وكان يصلي بالسلطان التراويح، ~~ويقرأ عليه بعض الأحيان حزبه. # وممن حضر معه بإفريقية، الفقيه أبو عبد الله محمد بن محمد بن الصباغ من PageV01P057 # أهل مكناسة. (كان) مبرزا في المنقول والمعقول، وعارفا بالحديث وبرجاله، ~~وإماما في معرفة كتاب الموطأ وإقرائه؛ أخذ العلوم عن مشيخة فاس، ومكناسة، ~~ولقي شيخنا أبا عبد الله الآبلي، ولازمه، وأخذ عنه العلوم العقلية، فاستنفد ~~بقية طلبه عليه، فبرز آخرا؛ واختاره السلطان لمجلسه، فاستدعاه، ولم يزل معه ~~إلى أن هلك غريقا في ذلك الأسطول. # ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد النور، من أعمال ندرومة، ونسبه في ~~صنهاجة كان مبرزا في الفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس، تفقه فيه على ~~الأخوين أبي زيد، وأبي موسى ابني الإمام، وكان من جلة أصحابهما. # ولما استولى السلطان أبو الحسن على تلمسان، رفع من منزلة ابني الإمام، ~~واختصهما بالشورى في بلدهما. وكان يستكثر من أهل العلم في دولته، ويجري لهم ~~الأرزاق، ويعمر بهم مجلسه؛ فطلب يومئذ من ابن الإمام أن يختار له من أصحابه ~~من ينظمه في فقهاء المجلس، فأشاروا عليه بابن عبد النور هذا، فأدناه، # وقرب مجلسه، وولاه قضاء عسكره، ولم يزل في جملته إلى أن هلك في الطاعون ~~بتونس سنة تسع وأربعين. وكان (قد) خلف بتلمسان أخاه عليا رفيقه في دروس ابن ~~الإمام، إلا أنه أقصر باعا منه في الفقه. فلما خلع السلطان أبو عنان طاعة ~~أبيه السلطان أبي الحسن، ونهض إلى فاس، استنفره في جملته. وولاه قضاء ~~مكناسة، فلم يزل بها، حتى إذا تغلب عمر بن عبد الله على الدولة كما مر، نزع ~~إلى قضاء PageV01P058 # فرضه، فسرحه. وخرج حاجا سنة أربع وستين، فلما قدم على مكة، وكان به بقية ~~مرض، هلك في طواف ms022 القدوم. وأوصى أمير الحاج على ابنه محمد، وأن يبلغ وصيته ~~به للأمير المتغلب على الديار المصرية يومئذ، يلبغا الخاصكي، فأحسن خلافته ~~فيه، وولاه من وظائف الفقهاء ما سد به خلته، وصان عن سؤال الناس وجهه، وكان ~~له - عفا الله عنه - كلف بعمل الكيمياء، تابعا لمن غلظ في ذلك من أمثاله. ~~فلم يزل يعاني من ذلك ما يورطه مع الناس في دينه وعرضه، إلى أن دعته ~~الضرورة للترحل عن مصر، ولحق ببغداد. وناله مثل ذلك، فلحق بماردين، واستقر ~~عند صاحبها، وأحسن جواره، إلى أن بلغنا بعد التسعين أنه هلك هنالك حتف ~~أنفه، والبقاء لله (وحده). # ومنهم شيخ التعاليم أبو عبد الله محمد بن النجار من أهل تلمسان؛ أخذ ~~العلم ببلده عن مشيختها، وعن شيخنا الآيلي، وبرز عليه. ثم ارتحل إلى ~~المغرب، فلقي بسبتة إمام التعاليم، أبا عبد الله محمد بن هلال شارح المجصطي ~~في الهيئة، وأخذ بمراكش عن الإمام أبي العباس بن البناء، وكان إماما في ~~علوم النجامة وأحكامها، وما يتعلق بها، ورجع إلى تلمسان بعلم كثير، ~~واستخلصته الدولة. فلما هلك أبو تاشفين، وملك السلطان أبو الحسن، نظمه في ~~جملته وأجرى له رزقه، فحضر معه بإفريقية، وهلك في الطاعون. # ومنهم أبو العباس أحمد بن شعيب من أهل فاس؛ برع في اللسان، والأدب، ~~والعلوم # العقلية، من الفلسفة، والتعاليم، والطب، وغيرها؛ ونظمه السلطان أبو سعيد ~~في حلبة الكتاب، وأجرى عليه الرزق مع الأطباء؛ لتقدمه فيهم، فكان كاتبه، ~~وطبيبه؛ وكذا مع السلطان أبي الحسن بعده، فحضر بإفريقية، وهلك بها في ذلك ~~الطاعون. وكان له شعر سابق به الفحول من المتقدمين والمتأخرين، وكانت له ~~إمامة في نقد PageV01P059 # الشعر، وبصر به؛ ومما حضرني الآن من شعره: # دار الهوى نجد وساكنها %~% أقصى أماني النفس من نجد # هل باكر الوسمي ساحتها %~% واستن في قيعانها الجرد # أو بات معتل النسيم بها %~% مستشفيا بالبان، الرند # يتلو أحاديث الذين هم %~% قصدي وإن جاروا عن القصد # أيام سمر ظلالها وطني %~% منها وزرق مياهها وردي # ومطارح النظرات في رشإ %~% أحوى المدامع أهيف القد ms023 # يرنو إليك بعين جازية %~% قتل المحب بها على عمد # حتى أجد على عجل %~% ريث الخطوب وعاثر الجد # فقدوا فلا وأبيك بعدهم %~% ما عشت لا آسى على الفقد # وغدوا: دفينا قد تضمنه %~% بطن الثرى وقرارة اللحد # ومشردا من دون رؤيته %~% قذف النوى وتنوفة البعد # أجرى علي العيش بعدهم %~% أني فقدت جميعهم وحدي # لا تلحني يا صاح في شجن %~% أخفيت منه فوق ما أبدي # بالغرب لي سكن تأوبني %~% من ذكره سهد على سهد # فرخان قد تركا بمضيعة %~% زويت عن الرفداء والرفد # ومنهم صاحبنا الخطيب أبو عبد الله بن أحمد بن مرزوق؛ من أهل تلمسان، كان ~~سلفه نزلاء الشيخ أبي مدين بالعباد، ومتوارثين خدمة تربته، من لدن جدهم ~~خادمه # في حياته. وكان جده الخامس أو السادس، واسمه أبو بكر بن مرزوق، معروفا ~~بالولاية فيهم. ولما هلك دفنه يغمراسن بن زيان، سلطان تلمسان من بني عبد ~~الواد، ففي التربة بقصره، ليدفن بإزائه، متى قدر بوفاته. ونشأ محمد هذا PageV01P060 # بتلمسان. ومولده - فيما أخبرني - سنة عشر وسبعمائة، وارتحل مع أبيه إلى ~~المشرق. وجاور أبوه بالحرمين الشريفين، ورجع هو إلى القاهرة، فأقام بها. ~~وقرأ على برهان الدين الصفاقسي المالكي وأخيه. وبرع في الطلب والرواية، ~~وكان يجيد الخطين؛ ثم رجع سنة خمس وثلاثين إلى المغرب، ولقي السلطان أبا ~~الحسن بمكانه في تلمسان، وقد شيد بالعباد مسجدا عظيما؛ وكان عمه محمد بن ~~مرزوق خطيبا به على عادتهم بالعباد. وتوفي، فولاه السلطان خطابة ذلك المسجد ~~مكان عمه. وسمعه يخطب على المنبر، ويشيد بذكره، والثناء عليه، فحلي بعينه، ~~واختصه، وقربه، وهو مع ذلك يلازم مجلس الشيخين ابني الإمام، ويأخذ نفسه ~~بلقاء الفضلاء، والأكابر، والأخذ عنهم؛ والسلطان في كل يوم يزيده رتبة؛ ~~وحضر معه واقعة طريف التي كان فيها تمحيص المسلمين، فكان يستعمله في ~~السفارة عنه إلى صاحب الأندلس. ثم سفر عنه، بعد أن ملك إفريقية، إلى ابن ~~أدفونش ملك قشتالة، في تقرير الصلح، واستنقاذ ابنه أبي عمر تاشفين. كان أسر ~~يوم طريف، فغاب في تلك السفارة عن واقعة القيروان. ورجع بأبي ms024 تاشفين مع ~~طائفة من زعماء النصرانية، جاءوا في السفارة عن ملكهم، ولقيهم خبر واقعة ~~القيروان، بقسنطينة، من بلاد إفريقية، وبها عامل السلطان وحاميته، فثار أهل ~~قسنطينة بهم جميعا، ونهبوهم، وخطبوا للفضل ابن السلطان أبي يحيى، وراجعوا ~~دعوة الموحدين، واستدعوه فجاء إليهم، وملك البلد. وانطلق ابن مرزوق عائدا ~~إلى المغرب، مع جماعة من الأعيان، والعمال، والسفراء عن الملوك، ووفد على ~~السلطان أبي عنان بفاس مع أمه حظية أبي الحسن وأثيرته. كانت راحلة إليه، # فأدركها الخبر بقسنطينة. وحضرت الهيعة. واتصل بها الخبر بتوثب ابنها أبي ~~عنان على ملك أبيه، واستيلائه على فاس، فرجعت إليه، وابن مرزوق في خدمتها، ~~ثم طلب اللحاق بتلمسان، فسرحوه إليها، وأقام بالعباد مكان سلفه، وعلى ~~تلمسان يومئذ أبو سعيد عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان، قد ~~بايع له قبيله بنو PageV01P061 # عبد الواد بعد واقعة القيروان بتونس، وابن تافراكين يومئذ محاصر للقصبة، ~~كما مر في أخبارهم. وانصرفوا إلى تلمسان، فوجدوا بها أبا سعيد عثمان بن ~~جرار، من بيت ملوكهم، قد استعمله عليها السلطان أبو عنان، عند انتقاضه على ~~أبيه، ومسيره إلى فاس، فانتقض ابن جرار من بعده، ودعا لنفسه، وصمد إليه ~~عثمان بن عبد الرحمن ومعه أخوه أبو ثابت وقومهما، فملكوا تلمسان من يد ابن ~~جرار، وحبسوه ثم قتلوه، واستبد أبو سعيد بملك تلمسان، وأخوه أبو ثابت ~~يرادفه. وركب السلطان أبو الحسن البحر من تونس، وغرق أسطوله، ونجا هو إلى ~~الجزائر، فاحتل بها، وأخذ في الحشد إلى تلمسان، فرأى أبو سعيد أن يكف كربه ~~عنهم، بمواصلة تقع بينهما، واختار لذلك الخطيب بن مرزوى، فاستدعاه وأسر ~~إليه بما يلقيه عنه للسلطان أبي الحسن، وذهب لذلك على طريق الصحراء. واطلع ~~أبو ثابت وقومهم على الخبر، فنكروه على أبي سعيد، وعاتبوه، فبعثوا ضفير ابن ~~عامر في اعتراض ابن مرزوق، فجاء به، وحبسوه أياما. ثم أجازوه البحر إلى ~~الأندلس، فنزل على السلطان أبي الحجاج بغرناطة، وله إليه وسيلة منذ اجتماعه ~~به بمجلس السلطان أبي الحسن بسبتة إثر واقعة طريف، ms025 فرعى له أبو الحجاج ذمة ~~تلك المعرفة، وأدناه، واستعمله في الخطابة بجامعه بالحمراء، فلم يزل خطيبه ~~إلى إن استدعاه السلطان أبو عنان سنة أربع وخمسين بعد مهلك أبيه، واستيلائه ~~على تلمسان وأعمالها، فقدم عليه ورعى له وسائله، ونظمه في أكابر أهل مجلسه. ~~وكان يقرأ الكتاب بين يديه في مجلسه العلمي، ويدرس في نوبته مع # من يدرس في مجلسه منهم؛ ثم بعثه إلى تونس عام ملكها سنة ثمان وخمسين؛ ~~ليخطب له ابنة السلطان أبي يحيى، فردت تلك الخطبة واختفت بتونس. ووشي إلى ~~السلطان أبي عنان أنه كان مطلعا على مكانها، فسخطه لذلك، ورجع السلطان من ~~قسنطينة، فثار أهل تونس بمن كان بها من عماله وحاميته. واستقدموا أبا محمد ~~بن تافراكين من المهدية، فجاء، وملك البلد، وركب القوم الأسطول، ونزلوا ~~بمراسي تلمسان. وأوعز السلطان (أبو عنان) باعتقال ابن مرزوق، وخرج لذلك ~~يحيى بن شعيب من PageV01P062 # مقدمي الجنادرة ببابه، فلقيه بتاسالة، فقيده هنالك، وجاء به، فأحضره ~~السلطان وقرعه، ثم حبسه مدة، وأطلقه بين يدي مهلكه؛ واضطربت الدولة بعد موت ~~السلطان أبي عنان، وبايع بنو مرين لبعض الأعياص من بني يعقوب بن عبد الحق. ~~وحاصروا البلد الجديد، وبها ابنه السعيد، ووزيره المستبد عليه، الحسن بن ~~عمر، وكان السلطان أبو سالم بالأندلس، غربه إليها أخوه السلطان أبو عنان، ~~مع بني عمهم، ولد السلطان أبي علي بعد وفاة السلطان أبي الحسن، وحصولهم ~~جميعا في قبضته. فلما توفى، أراد أبو سالم النهوض لملكه بالمغرب، فمنعه ~~رضوان القائم يومئذ بملك الأندلس، مستبدا على ابن السلطان أبي الحجاج، فلحق ~~هو بإشبيلية، من دار الحرب، ونزل على بطره، ملكهم يومئذ، فهيأ له السفين، ~~وأجازه إلى العدوة، فنزل بجبل الصفيحة، من بلاد غمارة، وقام بدعوته بنو ~~مثنى، وبنو منير أهل ذلك الجبل منهم، حتى تم أمره، واستولى على ملكه، في ~~خبر طويل، ذكرناه في أخبار دولتهم. وكان ابن مرزوق يداخله، وهو بالأندلس، ~~ويستخدم له، ويفاوضه في أموره، وربما كان يكاتبه، وهو بجبل الصفيحة، ويداخل ~~زعماء قومه، في الأخذ بدعوته. فلما ملك ms026 السلطان أبو سالم، رعى له تلك ~~الوسائل أجمع، ورفعه على الناس، وألقى عليه محبته، وجعل زمام الأمور بيده، ~~فوطئ الناس عقبه، وغشي أشراف الدولة بابه، وصرفوا الوجوه # إليه، فمرضت لذلك قلوب أهل الدولة، ونقموه على السلطان، وتربصوا به، حتى ~~توثب عمر ابن عبد الله بالبلد الجديد، وافترق الناس عن السلطان. وقتله عمر ~~بن عبد الله آخر اثنتين وستين، وحبس ابن مرزوق وأغرى به سلطانه الني نصبه؛ ~~محمد بن عبد الرحمن بن أبي الحسن، فامتحنه، واستصفاه، ثم أطلقه، بعد أن رام ~~كثير من أهل الدولة قتله، فمنعه منهم. ولحق بتونس، سنة أربع وستين، ونزل. ~~على السلطان أبي إسحق، وصاحب دولته المستبد عليه، أبي محمد بن تافراكين، PageV01P063 # فأكرموا نزله، وولوه الخطابة، بجامع الموحدين بتونس، وأقام بها، إلى أن ~~هلك السلطان أبو إسحق سنة سبعين، وولي ابنه خالد. وزحف السلطان أبو العباس، ~~حافد السلطان أبي يحيى، مقره بقسنطينة إلى تونس، فملكها، وقتل خالدا، سنة ~~اثنتين وسبعين. # وكان ابن مرزوق يستريب منه، لما كان يميل، وهو بفاس، مع ابن عمه أبي عبد ~~الله محمد، صاحب بجاية، ويؤثره عند السلطان أبي سالم عليه، فعزله السلطان ~~أبو العباس عن الخطبة بتونس، فوجم لها، وأجمع الرحلة إلى المشرق. وسرحه ~~السلطان، فركب السفين، ونزل بالإسكندرية، ثم ارتحل إلى القاهرة، ولقي أهل ~~العلم، وأمراء الدولة، ونفقت بضائعه عندهم، وأوصلوه إلى السلطان، وهو يومئذ ~~الأشرف، فكان يحضر مجلسه، وولوه الوظائف العلمية، وكان ينتجع منها معاشه. ~~وكان الذي وصل حبله بالسلطان إستداره محمد بن أقبغا آص ()، لقيه أول قدومه، ~~فحلي بعينه، واستظرف جملته، فسعى له، وأنجحت سعايته، ولم يزل مقيما ~~بالقاهرة، موقر الرتبة، معروف الفضيلة، مرشحا لقضاء المالكية، ملازما ~~للتدريس في وظائفه، إلى إن هلك سنة إحدى وثمانين. # هذا ذكر من حضرنا من جملة السلطان أبي الحسن، من أشياخنا، وأصحابنا؛ وليس ~~موضوع الكتاب الإطالة، فلنقتصر على هذا القدر، ونرجع إلى ما كنا فيه # من أخبار المؤلف. ### | ولاية العلامة بتونس ثم الرحلة بعدها إلى المغرب والكتابة عن السلطان أبي عنان # لم أزل ms027 منذ نشأت، وناهزت مكبا على تحصيل العلم، حريصا على اقتناء PageV01P064 # الفضائل، متنقلا بين دروس العلم وحلقاته، إلى أن كان الطاعون الجارف، ~~وذهب بالأعيان، والصدور، وجميع المشيخة، وهلك أبواي، رحمهما الله. ولزمت ~~مجلس شيخنا أبي عبد الله الآبلي، وعكفت على القراءة عليه ثلاث سنين، إلى أن ~~شدوت بعض الشيء، واستدعاه السلطان أبو عنان، فارتحل إليه، واستدعاني أبو ~~محمد بن تافراكين، المستبد على الدولة يومئذ بتونس، إلى كتابة العلامة عن ~~سلطانه أبي إسحق. وقد نهض إليهم من قسنطينة صاحبها الأمير أبو زيد، حافد ~~السلطان أبي يحيى في عساكره، ومعه العرب أولاد مهلهل الذين استنجدوه لذلك، ~~فأخرج ابن تافراكين سلطانه أبا إسحق مع العرب، أولاد أبي الليل، وبث العطاء ~~في عسكره، وعمر له المراتب والوظائف. وتعلل عليه صاحب العلامة أبو عبد الله ~~بن عمر بالاستزادة من العطاء، فعزله، وأدالني منه، فكتبت العلامة للسلطان، ~~وهي وضع الحمد لله والشكر لله، بالقلم الغليظ، مما بين البسملة وما بعدها، ~~من مخاطبة أو مرسوم؛ وخرجت معهم أول سنة ثلاث وخمسين. وقد كنت منطويا على ~~مفارقتهم، لما أصابني من الاستيحاش لذهاب أشياخي، وعطلتي عن طلب العلم. ~~فلما رجع بنو مرين إلى مراكزهم بالمغرب، وانحسر تيارهم عن إفريقية، وأكثر ~~من كان معهم من الفضلاء صحابة وأشياخ، فاعتزمت على اللحاق بهم. وصدني عن ~~ذلك أخي وكبيري محمد، رحمه الله، فلما دعيت إلى هذه الوظيفة، سارعت # إلى الإجابة، لتحصيل غرضي من اللحاق بالمغرب، وكان كذلك، فإنا لما خرجنا ~~من تونس، نزلنا بلاد هوارة، وزحفت العساكر بعضها إلى بعض، بفحص مرماجنة، ~~وانهزم صفنا، ونجوت أنا إلى أبة؛ فأقمت بها عند الشيخ عبد الرحمن الوشتاتي، ~~من كبراء المرابطين. ثم تحولت إلى تبسة، ونزلت بها على محمد بن عبدون، ~~صاحبها، فأقمت عنده ليالي حتى هيأ لي الطريق، وبذرق لي مع رفيق من العرب، ~~وسافرت إلى قفصة، PageV01P065 # وأقمت بها أياما أترصد الطريق، حتى قدم علينا بها الفقيه محمد بن الرئيس ~~منصور بن مزني، وأخوه يوسف يومئذ صاحب الزاب. وكان هو بتونس، فلما حاصرها ~~الأمير أبو ms028 زيد، خرج إليه، فكان معه. ثم بلغهم الخبر بأن السلطان أبا عنان ~~ملك المغرب، نهض إلى تلمسان، فملكها، وقتل سلطانها، عثمان بن عبد الرحمن، ~~وأخاه أبا ثابت، وأنه انتهى إلى المدية، وملك بجاية من يد صاحبها، الأمير ~~أبي عبد الله من حفدة السلطان أبي يحيى، راسله عندما أطل على بلده، فسار ~~إليه، ونزل له عنها، وصار في جملته، وولى أبو عنان على بجاية عمر بن علي ~~شيخ بني وطاس، من بني الوزير شيوخهم. فلما بلغ هذا الخبر، أجفل الأمير عبد ~~الرحمن من مكانه على حصار تونس، ومر بقفصة، فدخل إلينا محمد بن مزني ذاهبا ~~إلى الزاب، فرافاقته إلى بسكرة، ودخلت إلى أخيه هنالك. ونزل هو ببعض قرى ~~الزاب تحت جراية أخيه، إلى أن انصرم الشتاء. # وكان أبو عنان لما ملك بجاية، ولى عليها عمر بن علي بن الوزير، من شيوخ ~~بني وطاس، وجاء فارح، مولى الأمير أبي عبد الله لنقل حرمه وولده، فداخل بعض ~~السفهاء من صنهاجة في قتل عمر بن علي؛ فقتله في مجلسه. ووثب PageV01P066 # هو على البلد، وبعث إلى الأمير أبي زيد، يستدعيه من قسنطينة، فتمشت ~~رجالات البلد فيما بينهم خشية من سطوة السلطان. ثم ثاروا بفارح فقتلوه، ~~وأعادوا دعوة # السلطان كما كانت. وبعثوا عن عامل السلطان بتدلس، يحياتن بن عمر بن عبد ~~المؤمن، شيخ بني ونكاسن من بني مرين، فملكوه قيادهم. وبعثوا إلى السلطان ~~بطاعتهم، فأخرج لوقته حاجبه محمد بن أبي عمرو، وأكثف له الجند، وصرف معه ~~وجوه دولته وأعيان بطانته. وارتحلت أنا من بسكرة، وافدا على السلطان أبي ~~عنان بتلمسان، فلقيت ابن أبي عمرو بالبطحاء، وتلقاني من الكرامة بما لم ~~أحتسبه، وردني معه إلى بجاية، فشهدت الفتح. وتسايلت وفود إفريقية إليه، ~~فلما رجع السلطان، وفدت معهم، فنالني من كرامته وإحسانه ما لم أحتسبه، إذ ~~كنت شابا لم يطر شاربي. ثم انصرفت مع الوفود، ورجع ابن أبي عمرو إلى بجاية، ~~فأقمت عنده، حتى انصرم الشتاء من أواخر أربع وخمسين؛ وعاد السلطان أبو عنان ~~إلى فاس، وجمع أهل ms029 العلم للتحليق بمجلسه، وجرى ذكري عنده، وهو ينتقي طلبة ~~العلم للمذاكرة في ذلك المجلس، فأخبره الذين لقيتهم بتونس عني، ووصفوني له، ~~فكتب إلى الحاجب يستقدمني، فقدمت عليه، سنة خمس وخمسين، ونظمني في أهل ~~مجلسه العلمي، وألزمني شهود الصلوات معه؛ ثم استعملني في كتابته، والتوقيع ~~بين يديه، على كره مني، إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي. وعكفت على النظر، ~~والقراءة، ولقاء المشيخة، من أهل المغرب، ومن أهل الأندلس الوافدين في غرض ~~السفارة؛ وحصلت من الإفادة منهم على البغية. # وكان في جملته يومئذ الأستاذ أبو عبد الله محمد بن الصفار، من أهل مراكش ~~إمام القراءات لوقته؛ أخذ عن جماعة من مشيخة المغرب، كبيرهم شيخ المحدثين ~~الرحالة أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري، سند أهل المغرب، وكان يعارض ~~السلطان القرآن برواياته السبع إلى أن توفى. # ومنهم: قاضي الجماعة بفاس، أبو عبد الله محمد المقري، صاحبنا، من أهل ~~تلمسان. أخذ العلم بها عن أبي عبد الله السلاوي، ورد عليها من المغرب خلوا ~~من PageV01P067 # المعارف. ثم دعته همته إلى التحلي بالعلم، فعكف في بيته على مدارسة ~~القرآن، فحفظه، وقرأه بالسبع. ثم عكف على كتاب التسهيل في العربية، فحفظه ~~ثم على مختصري ابن الحاجب في الفقه، والأصول، فحفظهما؛ ثم لزم الفقيه عمران ~~المشدالي من تلاميذ أبي علي ناصر الدين وتفقه عليه، وبرز في العلوم، إلى ~~حيث لم تلحق غايته. وبنى السلطان أبو تاشفين مدرسته بتلمسان، فقدمه للتدريس ~~بها، يضاهي به أولاد الإمام. وتفقه عليه بتلمسان جماعة؛ كان من أوفرهم سهما ~~في العلوم أبو عبد الله المقري هذا. # ولما جاء شيخنا أبو عبد الله الآبلي إلى تلمسان، عند استيلاء السلطان أبي ~~الحسن عليها، وكان أبو عبد الله السلاوي قد قتل يوم فتح تلمسان، قتله بعض ~~أشياع السلطان، لذنب أسلفه في خدمة أخيه أبي علي بسجلماسة، قبل انتحاله ~~العلم، وكان السلطان يعتده عليه، فقتل بباب المدرسة، فلزم أبو عبد الله ~~المقري بعده مجلس شيخنا الآبلي، ومجالس ابني الإمام، واستبحر في العلوم ~~وتفنن. ولما انتقض السلطان أبو عنان، ms030 سنة تسع وأربعين وخلع أباه، ندبه إلى ~~كتاب البيعة، فكتبها وقرأه على الناس في يوم مشهود، وارتحل مع السلطان إلى ~~فاس؛ فلما ملكها، عزل قاضيها الشيخ المعمر أبا عبد الله بن عبد الرزاق ~~وولاه مكانه، فلم يزل قاضيا بها، إلى أن سخطه لبعض النزعات الملوكية، ~~فعزله، وأدال منه بالفقيه أبي عبد الله الفشتالي آخر سنة ست وخمسين؛ ثم ~~بعثه في سفارة إلى الأندلس، فامتنع من الرجوع. وقام السلطان لها في ركائبه، ~~ونكر على صاحب الأندلس ابن الأحمر تمسكه به، وبعث إليه فيه يستقدمه، فلاذ ~~منه (ابن الأحمر) بالشفاعة فيه، واقتضى له كتاب أمان بخط السلطان أبي عنان، ~~وأوفده مع الجماعة من شيوخ العلم PageV01P068 # بغرناطة، (ومنهم) القاضيان بغرناطة؛ شيخنا أبو القاسم الشريف السبتي، شيخ ~~الدنيا جلالة وعلما ووقارا، ورياسة، وإمام اللسان حوكا ونقدا، في نظمه ~~ونثره. # وشيخنا الآخر أبو البركات محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحاج البلفيقي من ~~أهل المرية، شيخ المحدثين والفقهاء والأدباء والصوفية والخطباء بالأندلس، ~~وسيد أهل العلم بإطلاق، والمتفنن في إساليب المعارف، وآداب الصحابة للملوك ~~فمن دونهم؛ فوفدا به على السلطان شفيعين على عظيم تشوقه للقائهما، فقبلت ~~الشفاعة، وأنجحت الوسيلة. # حضرت بمجلس السلطان يوم وفادتهما، سنة سبع وخمسين، وكان يوما مشهودا. ~~واستقر القاضي المقري في مكانه، بباب السلطان، عطلا من الولاية والجراية. ~~وجرت عليه بعد ذلك محنة من السلطان، بسبب خصومة وقدت بينه وبين أقاربه، ~~امتنع من الحضور معهم عند القاضي الفشتالي، فتقدم السلطان إلى بعض أكابر ~~الوزعة ببابه، بأن يسحبه إلى مجلس القاضي، حتى انفذ فيه حكمه، فكان الناس ~~يعدونها محنة. ثم ولاه السلطان، بعد ذلك، قضاء العساكر في دولته، عندما ~~ارتحل إلى قسنطينة. فلما افتتحها، وعاد إلى دار ملكه بفاس آخر ثمان وخمسين، ~~اعتل القاضي المقري في طريقه، وهلك عند قدومه بفاس. # ومنهم صاحبنا الإمام العالم الفذ، فارس المعقول والمنقول، صاحب الفروع ~~والأصول، أبو عبد الله، محمد بن أحمد الشريف الحسني، ويعرف بالعلوي، نسبة ~~إلى قرية من أعمال تلمسان، تسمى العلوين؛ وكان أهل بيته لا ms031 يدافعون في ~~نسبهم، وربما يغمز فيه بعض الفجرة، ممن يزعه دينه، ولا معرفته بالأنساب، ~~فيعد من اللغو، ولا يلتفت إليه. PageV01P069 # نشأ هذا الرجل بتلمسان، وأخذ العلم عن مشيختها، واختص بأولاد الإمام، ~~وتفقه عليهما في الفقه، والأصول والكلام، ثم لزم شيخنا أبا عبد الله ~~الآبلي. وتضلع من معارفه، فاستبحر، وتفجرت ينابيع العلوم من مداركه، ثم ~~ارتحل إلى تونس في بعض مذاهبه، سنة أربعين، ولقي شيخنا القاضي أبا عبد الله ~~بن عبد السلام، وحضر مجلسه، وأفاد منه، واستعظم رتبته في العلم. وكان ابن # عبد السلام يصغي إليه ويؤثر محله، ويعرف حقه، حتى لزعموا أنه كان يخلو به ~~في بجته، فيقرأ عليه فصل التصوف من كتاب الإشارات لابن سينا، بما كان هو قد ~~أحكم ذلك الكتاب على شيخنا الآبلي، وقرأ عليه كثيرا من كتاب الشفاء لابن ~~سينا، ومن تلاخيص كتب أرصطو لابن رشد، ومن الحساب والهيئة، والفرائض، علاوة ~~على ما كان يحمله من الفقه والعربية وسائر علوم الشريعة. وكانت له في كتب ~~الخلافيات يد طولى، وقدم عالية، فعرف له ابق عبد السلام ذلك # كله، وأوجب حقه وانقلب إلى تلمسان، وانتصب لتدريس العلم وبثه، فملأ ~~المغرب معارف وتلاميذ، إلى اضطراب المغرب، بعد واقعة القيروان؛ ثم هلك ~~السلطان أبو الحسن، وزحف ابنه أبو عنان، إلى تلمسان، فملكها، سنة ثلاث ~~وخمسين، فاستخلص الشريف أبا عبد الله، واختاره لمجلسه العلمي، مع من اختار ~~من المشيخة. ورحل به إلى فاس، فتبرم الشريف من الاغتراب، وردد الشكوى فأحفظ ~~السلطان بذلك، وارتاب به. ثم بلغه أثناء ذلك أن عثمان بن عبد الرحمن، سلطان ~~تلمسان، أوصاه على ولده، وأودع له مالا عند بعض الأعيان من أهل تلمسان، وأن ~~الشريف مطلع على ذلك، فانتزع الوديعة، وسخط الشريف بذلك ونكبه، وأقام في ~~اعتقاله أشهرا، ثم أطلقه أول ست وخمسين وأقصاه، ثم أعتبه بعد فتح قسنطينة ~~وأعاده إلى مجلسه، إلى أن هلك السلطان، آخر تسع وخمسين. # وملك أبو حمو بن يوسف بن عبد الرحمن تلمسان من يد بني مرين، واستدعى PageV01P070 # الشريف من فاس، فسرحه ms032 القائم بالأمر يومئذ، الوزير عمر بن عبد الله، ~~فانطلق إلى تلمسان. وتلقاه أبو حمو براحتيه، وأصهر له في ابنته، فزوجها ~~إياه، وبنى له مدرسة جعل في بعض جوانبها مدفن أبيه وعمه. وأقام الشريف يدرس ~~العلم إلى أن هلك سنة إحدى وسبعين. وأخبرني رحمه الله، إن مولده سنة عشر. # ومنهم صاحبنا الكاتب القاضي أبو القاسم محمد بن يحيى البرجي من برجة # الأندلس. كان كاتب السلطان أبي عنان، وصاحب الإنشاء والسر في دولته، وكان ~~مختصا به، وأثيرا لديه. وأصله من برجة الأندلس، نشأ بها، واجتهد في العلم ~~والتحصيل، وقرأ، وسمع، وتفقه على مشيخة الأندلس، واستبحر في الأدب، وبرز في ~~النظم والنثر. وكان لا يجارى في كرم الطباع، وحسن المعاشرة، ولين الجانب، ~~وبذل البشر، والمعروف، وارتحل إلى بجاية في عشر الأربعين والسبعمائة، وبها ~~الأمير أبو زكرياء ابن السلطان أبي يحيى، منفردا بملكها، على حين أقفرت من ~~رسم الكتابة والبلاغة، فبادرت أهل الدولة إلى اصطفائه، وإيثاره بخطة ~~الإنشاء، والكتابة عن السلطان، إلى أن هلك الأمير أبو زكرياء، ونصب ابنه ~~محمد مكانه، فكتب عنه على رسمه، ثم هلك السلطان أبو يحيى، وزحف السلطان أبو ~~الحسن إلى إفريقية، واستولى على بجاية، ونقل الأمير محمدا بأهله وحاشيته ~~إلى تلمسان، كما تقدم في أخباره. فنزل أبو القاسم البرجي تلمسان وأقام بها، ~~واتصل خبره بأبي عنان، ابن السلطان أبي الحسن، وهو يومئذ أميرها. ولقيه، ~~فوقع من قليه بمكان، إلى أن كانت واقعة القيروان. # وخلع أبو عنان، واستبد بالأمر، فاستكتبه وحمله معه إلى المغرب، ولم يسم PageV01P071 # به إلى العلامة، لأنه آثر بها محمد بن أبي عمرو، بما كان أبوه يعلمه ~~القرآن والعلم. وربي محمد بداره، فولاه العلامة، والبرجي مرادف له في ~~رياسته، إلى أن انقرضوا جميعا. وهلك السلطان أبو عنان، واستولى أخوه أبو ~~سالم على ملك المغرب وغلب ابن مرزوق على هواه كما قدمناه، فنقل البرجي من ~~الكتابة، واستعمله في قضاء العساكر، فلم يزل على القضاء، إلى أن هلك سنة. . ~~. وثمانين. # وأخبرني رحمه الله أن مولده سنة عشر. # ومنهم، شيخنا ms033 المعمر الرحالة أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق، شيخ وقته ~~جلالة # وتربية وعلما وخبرة بأهل بلده، وعظمة فيهم. نشأ بفاس، وأخذ عن مشيختها. ~~وارتحل إلى تونس، فلقي القاضي أبا إسحق بن عبد الرفيع، والقاضي أبا عبد ~~الله النفراوي، وأهل طبقتهما. وأخذ عنهم، وتفقه عليهم، ورجع إلى المغرب. ~~ولازم سنن الأكابر والمشايخ، إلى أن ولاه السلطان أبو الحسن القضاء بمدينة ~~فاس، فأقام على ذلك، إلى أن جاء السلطان أبو عنان من تلمسان، بعد واقعة ~~القيروان، وخلعه أباه، فعزله بالفقيه أبي عبد الله المقري، وأقام عطلا في ~~بيته. # ولما جمع السلطان مشيخة العلم للتحليق بمجلسه، والإفادة منهم، استدعى ~~شيخنا أبا عبد الله بن عبد الرزاق، فكان يأخذ عنه الحديث، ويقرأ عليه ~~القرآن برواياته، في مجلس خاص إلى أن هلك، رحمه الله، بين يدي مهلك السلطان ~~أبي عنان. إلى آخرين، وآخرين، من أهل المغرب والأندلس، كلهم لقيت وذاكرت ~~وأفدت منه، وأجازني بالإجازة العامة. ### | حدوث النكبة من السلطان أبي عنان # كان اتصالي بالسلطان أبي عنان، آخر سنة ست وخمسين، وقربني وأدناني، ~~واستعملني في كتابته، حتى تكدر جوي عنده، بعد أن كان لا يعبر عن صفائه، ثم ~~اعتل السلطان، آخر سبع وخمسين، وكانت قد حصلت بيني وبين الأمير محمد صاحب PageV01P072 # بجاية من الموحدين مداخلة، أحكمها ما كان لسلفي في دولتهم. وغفلت عن ~~التحفظ في مثل ذلك، من غيرة السلطان، فما هو إلا أن شغل بوجعه، حتى أنمى ~~إليه بعض الغواة، إن صاحب بجاية، معتمل في الفرار ليسترجع بلده، وبها يومئذ ~~وزيره الكبير، عبد الله بن علي، فانبعث السلطان لذلك، وبادر بالقبض عليه. ~~وكان فيما أنمي إليه، أني داخلته في ذلك، فقبض علي، وامتحنني وحبسني، وذلك ~~في ثامن عشر صفر، سنة ثمان وخمسين. ثم أطلق الأمير محمدا، وما زلت أنا في ~~اعتقاله، إلى أن هلك. وخاطبته بين يدي مهلكه، مستعطفا بقصيدة أولها: # على أي حال لليالي أعاتب %~% وأي صروف للزمان أغالب # كفى حزنا إني على القرب نازح %~% وإني على دعوى شهودي غائب # وأني على حكم ms034 الحوادث نازل %~% تسالمني طورا وطورا تحارب # ومنها في التشوق: # سلوتهم إلا اد كار معاهد %~% لها في الليالي الغابرات غرائب # وإن نسيم الريح منهم يشوقني %~% إليهم وتصبيني البروق اللواعب # وهي طويلة، نحو مائتي بيتا، ذهبت عن حفظي، فكان لها منه موقع، وهش لها. ~~وكان بتلمسان فوعد بالإفراج عني عند حلوله بفاس، ولخمس ليال من حلوله طرقه ~~الوجع. وهلك لخمس عشرة ليلة، في رابع وعشرين في الحجة خاتم تسع وخمسين. ~~وبادر القائم بالدولة، الوزير الحسن بن عمر إلى إطلاق جماعة من المعتقلين، ~~كنت فيهم، فخلع علي، وحملني، وأعادني إلى ما كنت عليه، وطلبت منه الانصراف ~~إلى بلدي، فأبى علي، وعاملني بوجوه كرامته، ومذاهب إحسانه، إلى أن اضطرب ~~أمره، وانتقض عليه بنو مرين، وكان ما قدمناه في أخبارهم. PageV01P073 ### | الكتابة عن السلطان أبي سالم في السر والإنشاء # ولما أجاز السلطان أبو سالم من الأندلس لطلب مالكه، ونزل بجبل الصفيحة من ~~بلاد غماره. وكان الخطيب ابن مرزوق بفاس، فبث دعوته سرا، واستعان بي على ~~أمره، بما كان بيني وبين أشياخ بني مرين من المحبة والائتلاف، فحملت الكثير ~~منهم على ذلك، وأجابوني إليه، وأنا يومئذ أكتب عن القائم بأمر بني مرين، ~~منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، وقد نصبوه ~~للملك، وحاصروا الوزير الحسن بن عمر، وسلطانه السعيد ابن أبي عنان، بالبلد ~~الجديد، فقصدني ابن مرزوق في ذلك، وأوصل إلي كتاب السلطان أبي # سالم. بالحض على ذلك، وإجمال الوعد فيه. وألقى علي حمله، فنهضت به، ~~وتقدمت إلى شيوخ بني مرين، وأمراء الدولة بالتحريض على ذلك، حتى أجابوا؛ ~~وبعث ابن مرزوق إلى الحسن بن عمر، يدعو إلى طاعة السلطان أبي سالم، وقد ضجر ~~من الحصار، فبادر إلى الإجابة. واتفق رأي بني مرين على الانفضاض عن منصور ~~بن سليمان، والدخول إلى البلد الجديدة؛ فلما تم عقدهم على ذلك نزعت إلى ~~السلطان أبي سالم في طائفة من وجوه أهل الدولة، كان منهم محمد بن عثمان بن ~~الكاس، المستبد بعد ذلك بملك المغرب على ms035 سلطانه، وكان ذلك النزوع مبدأ حظه، ~~وفاتحة رياسته، بسعايتي له عند السلطان؛ فلما قدمت على السلطان بالصفيحة، ~~بما عندي من أخبار الدولة، وما أجمعوا عليه من خلع منصور بن سليمان، ~~وبالموعد الذي ضربوه لذلك، واستحثتته فارتحل، ولقينا البشير بإجفال منصور ~~ابن سليمان، وفراره إلى نواح بادس، ودخول بني مرين إلى البلد الجديد، ~~وإظهار الحسن بن عمر دعوة السلطان أبي سالم. ثم لقيتنا، بالقصر الكبير، ~~قبائل السلطان، وعساكره، على راياتهم، ووزير منصور بن سليمان، وهو مسعود بن ~~رخو بن ماساي، فتلقاه السلطان بالكرامة كما PageV01P074 # يجب له، واستوزره نائبا للحسن بن يوسف بن علي بن محمد الورتاجني السابق ~~إلى وزارته، لقيه بسبتة، وقد غربه منصور بن سليمان إلى الأندلس، فاستوزره ~~واستكفاه. # ولما اجتمعت العساكر عنده بالقصر، صعد إلى فاس. ولقيه الحسن بن عمر ~~بظاهرها، فأعطاه طاعته، ودخل إلى دار ملكه وأنا في ركابه، لخمس عشرة ليلة ~~من نزوعي إليه، منتصف شعبان ستين وسبعمائة، فرعى لي السابقة، واستعملني في ~~كتابة سره، والترسيل عنه، والإنشاء لمخاطباته، وكان أكثرها يصدر عني ~~بالكلام المرسل، أن يشاركني أحد ممن ينتحل الكتابة في الاسجاع، لضعف ~~انتحالها، وخفاء العالي منها على أكثر الناس، بخلاف المرسل، فانفردت به ~~يومئذ، # وكان مستغربا عندهم بين أهل الصناعة. # ثم أخذت نفسي بالشعر، فانثال علي منة بحور، توسطت بين الإجاعة والقصور، ~~وكان مما أنشدته إياه، ليلة المولد النبوي من سنة اثنتين وستين وسبعمائة: # أسرفن في هجري وفي تعذيبي %~% وأطلن موقف عبرتي ونحيبي # وأبين يوم البين وقفة ساعة %~% لوداع مشغوف الفؤاد كئيب # لله عهد الظاعنين وغادروا %~% قلبي رهين صبابة ووجيب # غربت ركائبهم ودمعي سافح %~% فشرقت بعدهم بماء غروب # يا ناقعا بالعتب غلة شوقهم %~% رحماك في عذلي وفي تأنيبي # يستعذب الصب الملام وإنني %~% ماء الملام لدي غير شروب # ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى %~% لولا تذكر منزل وحبيب # أهفو إلى الأطلال كانت مطلعا %~% للبدر منهم أو كناس ربيب PageV01P075 # عبثت بها أيدي البلى وترددت %~% في عطفها للدهر أي خطوب # تبلى معاهدها وإن عهودها %~% ليجدها وصفي وحسن نسيبي ms036 # وإذا الديار تعرضت لمتيم %~% هزته ذكراها إلى التشبيب # إيه عن الصبر الجميل فإنه %~% ألوى بدين فؤادي المنهوب # لم أنسها والدهر يثني صرفه %~% ويغض طرفي حاسد ورقيب # والدار مونقة محاسنها بما %~% لبست من الأيام كل قشيب # يا سائق الأظعان يعتسف الفلا %~% ويواصل الإسآد بالتأويب # متهافتا عن رحل كل مذلل %~% نشوان من أين ومس لغوب # تتجاذب النفحات فضل ردائه %~% في ملتقاها من صبا وجنوب # إن هام من ظمإ الصبابة صحبه %~% نهلوا بمورد دمعه المسكوب # أو تعترض مسراهم سدف الدجى %~% صدعوا الدجى بغرامه المشبوب # في كل شعب منية من دونها %~% هجر الأماني أو لقاء شعوب # هلا عطفت صدورهن إلى التي %~% فيها لبانة أعين وقلوب # فتؤم من أكناف يثرب مأمنا %~% يكفيك ما تخشاه من تثريب # حيث النبوة أيها مجلوة %~% تتلو من الآثار كل غريب # سر عجيب لم يحجبه الثرى %~% ما كان سر الله بالمحجوب # ومنها بعد تعديد معجزاته صلى الله عليه وسلم، والإطناب في مدحه: # إني دعوتك واثقا بإجابتي %~% يا خير مدعو وخير مجيب PageV01P076 # قرت في مدحي فإن يك طيبا %~% فبما لذكرك من أريج الطيب # ماذا عسى يبغي المطيل وقد حوى %~% في مدحك القرآن كل مطيب # يا هل تبلغني الليالي زورة %~% تدني إلي الفوز بالمرغوب # أمحو خطيئاتي بإخلاصي بها %~% وأحط أوزاري وإصر ذنوبي # في فتية هجروا المنى وتعودوا %~% إنضاء كل نجيبة ونجيب # يطوي صحائف ليلهم فوق الفلا %~% ما شئت من خبب ومن تقريب # إن رنم الحادي بذكرك رددوا %~% أنفاس مشتاق إليك طروب # أو غرد الركب الخلي بطيبة %~% حنوا لمغناها حنين النيب # ورثوا اعتساف البيد عن آبائهم %~% إرث الخلافة في بني يعقوب # الطاعنين الخيل وهي عوابس %~% يغشى مثار النقع كل سبيب # والواهبين المقربات صوافنا %~% من كل خوار العنان لعوب # والمانعين الجار حتى عرضه %~% في منتددى الأعداء غير معيب # تخشى بوادرهم ويرجى حلمهم %~% والعز شيمة مرتجى ومهيب # ومنها في ذكر إجازته البحر، واستيلائه على ملكه: # سائل به طامي العباب وقد سرى %~% تزجيه ريح العزم ذات هبوب # تهديه سهب أسنة وعزائم %~% يصدعن ليل الحادث المرهوب # حتى انجلت ms037 ظلم الضلال بسعيه %~% وسطا الهدى بفريقها المغلوب # يا بن الألى شادوا الخلافة بالتقى %~% واستأثروك بتاجها المغصوب PageV01P077 # جمعوا لحفظ الدين أي مناقب %~% كرموا بها في مشهد ومغيب # لله مجدك طارفا أو تالدا %~% فلقد شهدنا منهن كل عجيب # كم رهبة أو رغبة بك والعلى %~% تقتاد بالترغيب والترهيب # لا زلت مسرورا بأشرف دولة %~% يبدو الهدى من أفقها المرقوب # تحيي المعالي غاديا أو رائحا %~% وحديد سعدك ضامن المطلوب # ومن قصيدة خاطبته بها عند وصول هدية ملك السودان إليه، وفيها الحيوان ~~الغريب المسمى بالزرافة: # قدحت يد الأشواق من زندي %~% وهفت بقلبي زفرة الوجد # ونبذت سلواني على ثقة %~% بالقرب فاستبدلت بالبعد # ولرب وصل كنت آمله %~% فاعتضت منه بمؤلم الصد # لا عهد عند الصبر اطلبه %~% إن الغرام أضاع من عهدي # يلحى العدول فما أعنفه %~% وأقول ضل فأبتغي رشدي # وأعارض النفحات أسألها %~% برد الجوى فتزيد في الوقد # يهدى الغرام إلى مسالكها %~% لتعللي بضعيف ما تهدي # يا سائق الأظعان معتسفا %~% طي الفلاة لطية الوجد # أرح الركاب ففي الصبا نبأ %~% يغني عن المستنة الجرد # وسل الربوع برامة خبرا %~% عن ساكني نجد وعن نجد # ما لي تلام على الهوى خلقي %~% وهي التي تأبى سوى الحمد # لأبيت إلا الرشد مذ وضحت %~% بالمستعين معالم الرشد # نعم الخليفة في هدى وتقى %~% وبناء عز شامخ الطود PageV01P078 # نجل السراة الغر شأنهم %~% كسب العلى بمواهب الوجد # ومنها شي ذكر خلوصي إليه، وما ارتكبته فيه: # لله مني إذ تأوبني %~% ذكراه وهو بشاهق فرد # شهم يفل بواترا قضبا %~% وجموع أقيال أولي أيد # أوريت زند العزم في طلبي %~% وقضيت حق المجد من قصدي # ووردت عن ظمأ مناهله %~% فرويت من عز ومن رفد # هي جنة المأوى لمن كلفت %~% آمائه بمطالب المجد # لو لم أعل بورد كوثرها %~% ما قلت هذي جنة الخلد # من فبلغ قومي ودونهم %~% قذف النوى وتنوفة البعد # أني أنفت على رجائهم %~% وملكت عز جميعهم وحدي # ورقيمة الأعطاف حالية %~% موشية بوشائع البرد # وحشية الأنساب ما أنست %~% في فوحش البيداء بالقود # تسمو بجيد بالغ صعدا %~% شرف الصروح بغير ما جهد # طالت ms038 رءوس الشامخات به %~% ولربما قصرت عن الوهد # قطعت إليك تنائفا وصلت %~% إسآدها بالنص والوخد # تخدي على استصعابها ذللا %~% وتبيت طوع القن والقد # بسعودك اللائي ضمن لنا %~% طول الحياة بعيشه رغد # جاءتك في وفد الأحابش لا %~% يرجون غيرك مكرم الوفد # وافوك أنضاء تقلبهم %~% أيدي السرى بالغور والنجد PageV01P079 # كالطيف يستقري مضاجعه %~% أو كالحسام يسل من غمد # يثنون بالحسنى التي سبقت %~% من غير إنكار ولا جحد # ويرون لحظك من وفادتهم %~% فخرا على الأتراك والهند # يا مستعينا جل في شرف %~% عن رتبة المنصور والمهدي # جازاك ربك عن خليقته %~% خير الجزاء فنعم ما يسدي # وبقيت للدنيا وساكنها %~% في عزة أبدا وفي سعد # وأنشدته في سائر أيامه غير هاتين القصيدتين كثيرا، لم يحضرني الآن شيء ~~منه. # ثم غلب ابن مرزوق على هواه، وانفرد بمخالطته، وكبح الشكائم عن قربه، ~~فانقبضت، وقصرت الخطو، مع البقاء على ما كنت فيه من كتابة سره، وإنشاء ~~مخاطباته ومراسمه. # ثم ولاني آخر الدولة خطة المظالم، فوفيتها حقها، ودفعت للكثير مما أرجو ~~ثوابه. ولم يزل ابن مرزوق آخذا في سعايته بي وبأمثالي من أهل الدولة، غيرة ~~ومنافسة، إلى أن انتقض الأمر على السلطان بسببه. وثار الوزير عمر بن عبد ~~الله بدار الملك، فصار إليه الناس، ونبذوا السلطان وبيعته، وكان في ذلك ~~هلاكه، على من ذكرناه في أخبارهم. # ولما مقام الوزير عمر بالأمر، أقرني على ما كنت عليه، ووفر إقطاعي، وزاد ~~في جرايتي، وكنت أسمو، بطغيان الشباب، إلى أرفع مما كنت فيه، وأدل في ذلك ~~بسابقة مودة معه، منذ أيام السلطان أبي عنان، وصحابة استحكم عقدها بيني ~~وبينه، وبين الأمير أبي عبد الله صاحب بجاية، فكان ثالث أثافيتا، ومصقلة ~~فكاهتنا. واشتدت غيرة السلطان لذلك كما مر، وسطا بنا، وتغافل عن عمر بن عبد ~~الله لمكان أبيه من ثغر بجاية، ثم حملني الإدلال عليه أيام سلطانه، وما ~~ارتكبه في حي من القصور بي عما أسمو إليه، إلى أن هجرته، وقعدت عن دار ~~السلطان، مغاضبا له، فتنكر لي، وأقطعني جانبا من الأعراض، فطلبت الرحلة إلى ~~بلدي ms039 بإفريقية. وكان بنو عبد الواد قد راجعوا ملكهم بتلمسان، والمغرب ~~الأوسط، # فمنعني من ذلك، أن يغتبط أبو حمو صاحب تلمسان بمكاني، فأقيم عنده. ولج في ~~المنع من ذلك، وأبيت أنا إلا الرحلة، PageV01P080 # واستجرت في ذلك برديفه وصديقه، الوزير مسعود بن رحو بن ماساي، ودخلت عليه ~~يوم الفطر، سنة ثلاث وستين. فأنشدته: # هنيئا بصوم لا عداه قبول %~% وبشرى بعيد أنت فيه منيل # وهنئتها من عزة وسعادة %~% تتابع أعوام بها وفصول # سقى الله دهرا أنت إنسان عينه %~% ولا مس ربعا في حمال محول # فعصرك ما بين الليالي مواسم %~% لها غرر وضاحة وحجول # وجانبك المأمول للجود مشرع %~% يحوم عليه عالم وجهول # عساك، وإن ضن الزمان منولي %~% فرسم الأماني من سواك محيل # أجرني فليس الدهر لي بمسالم %~% إذا لم يكن لي في ذراك مقيل # وأولني الحسنى بما أنا آمل %~% فمثلك يولي راجيا وينيل # ووالله ما رمت الترحل عن قلى %~% ولا سخطة للعيش فهو جزيل # ولا رغبة عن هذه الدار إنها %~% لظل على هذا الأنام ظليل # ولكن نأى بالشعب عني حبائب %~% شجاهن خطب للفراق طويل # يهيج بهن الوجد أني نازح %~% وأن فؤادي حيث هن حلول # عزيز عليهن الذي قد لقيته %~% وأن اغترابي في البلاد يطول # توارت بأنبائي البقاع كأنني %~% تخطفت أو غالت ركابي غول # ذكرتك يا مغنى الأحبة والهوى %~% فطارت بقلبي أنة وعويل # وحببت عن سوق رباك كأنما %~% يمثل لي نؤي بها وطلول # أأحبابنا والعهد بيني وبينكم %~% كريم وما عهد الكريم يحول # إذا أنا لم ترض الحمول مدامعي %~% فلا قربتني للقاء حمول # إلام مقامي حيث لم ترد العلى %~% مرادي ولم تعط القياد ذلول # أجاذب فضل العمر يوما وليلة %~% وساء صباح بينها وأصيل # ويذهب بي ما بين يأس ومطمع %~% زمان بنيل المعلوات بخيل # تعللني عنه أمان خوادع %~% ويؤنسني ليان منه مطول # أما لليالي لا ترد خطوبها %~% ويؤنسني ليان منه مطول PageV01P081 # يروعني من صرفها كل حادث %~% تكاد له صم الجبال تزول # أداري على الرغم العدى لا لريبة %~% يصانع واش خوفها وعذول # وأغدو بأشجاني عليلا كأنما %~% تجود بنفسي ms040 زفرة وغليل # وإني وإن أصبحت في دار غربة %~% تحيل الليالي سلوتي وتديل # وصدتني الأيام عن خير منزل %~% عهدت به أن لا يضام نزيل # لأعلم أن الخير والشر ينتهي %~% مداه وأن الله سوف يديل # وأني عزيز بابن ماساي مكثر %~% وإن هان أنصار وبان خليل # فأعانني الوزير مسعود عليه، حتى أذن لي في الانطلاق على شريطة العدول عن ~~تلمسان، في أي مذهب أردت، فاخترت الأندلس، وصرفت ولدي وأمهم إلى أخوالهم، ~~أولاد القائد محمد بن الحكيم بقسنطينة، فاتح أربع وستين. وجعلت أنا طريقي ~~على الأندلس، وكان سلطانها أبو عبد الله المخلوع، حين وفد على السلطان أبي ~~سالم بفاس، وأقام عنده، حصلت لي معه سابقة وصلة ووسيلة خدمة، من جهة وزيره ~~أبي عبد الله بن الخطيب، وما كان بيني وبينه من الصحابة، فكنت أقوم بخدمته، ~~وأعتمل في قضاء حاجاته في الدولة. ولما أجاز، باستدعاء الطاغية لاسترجاع ~~ملكه، حين فسد ما بين الطاغية وبين الرئيس المتوثب عليه بالأندلس من ~~قرابته، خلفته فيمن ترك من عياله وولده بفاس، خير خلف، في قضاء حاجاتهم، ~~وإدرار أرزاقهم، من المتولين لها، والاستخدام لهم. ثم فسد ما بين الطاغية ~~وبينه، قبل ظفره بملكه، برجوعه عما اشترطه له، من التجافي عن # حصون المسلمين التي تملكها بأجلابه، ففارقه إلى بلد المسلمين، ونزل ~~بأسجة. وكتب إلى عمر بن عبد الله يطلب مصرا ينزله، من أمصار الأندلس ~~الغربية، التي كانت ركابا لملوك PageV01P082 # المغرب في جهادهم. وخاطبني أنا في ذلك، فكنت له نعم الوسيلة عند عمر، حتى ~~تم قصده من ذلك. وتجافى عن رندة وأعمالها، فنزلها وتملكها، وكانت دار ~~هجرته، وركاب فتحه، وملك منها الأندلس أواسط ثلاث وستين، واستوحشت أنا من ~~عمر، إثر ذلك كما مر. وارتحلت إليه، معولا على سوابقي عنده، فغرب في ~~المكافأة كما نذكر (إن شاء الله تعالى). ### | الرحلة إلى الأندلس # ولما أجمعت الرحلة إلى الأندلس، بعثت بأهلي وولدي إلى أخوالهم بقسنطينة، ~~وكتبت لهم إلى صاحبها السلطان أبي العباس، من حفدة السلطان أبي يحيى، وأني ~~أمر على الأندلس، وأجيز إليه من هنالك. ms041 وسرت إلى سبتة فرضة المجاز، وكبيرها ~~يومئذ الشريف أبو العباس أحمد بن الشريف الحسني، ذو النسب الواضح، السالم ~~من الريبة عند كافة أهل المغرب، انتقل سلفه إلى سبتة من صقلية، وأكرمهم بنو ~~العزفي أولا وصاهروهم. ثم عظم صيتهم في البلد، فتنكروا لهم. وغربهم يحيى ~~العزفي آخرهم إلى الجزيرة، فاعترضتهم مراكب النصارى في الزقاق، فأسروهم. ~~وانتدب السلطان أبو سعيد إلى فديتهم، رعاية لشرفهم، فبعث إلى النصارى في ~~ذلك فأجابوه. وفاس هذا الرجل وأباه على ثلاثة آلاف دينار، ورجعوا إلى سبتة. ~~وانقرض بنو العزفي ودولتهم، وهل والد الشريف، وصار هو إلى رياسة الشورى. ~~ولما كانت واقعة القيروان، وخلع أبو عنان أباه، واستولى على المغرب، وكان ~~بسبتة عبد الله بن علي الوزير، واليا من قبل السلطان أبي الحسن، فتمسك ~~بدعوته، ومال أهل البلد إلى السلطان أبي عنان. وبث فيهم الشريف دعوته، ~~فثاروا بالوزير وأخرجوه، ووفدوا على أبي عنان. وأمكنوه من بلدهم ة فولى ~~عليها من عظماء دولته سعيد بن موسى العجيسي، كافل تربيته في صغره. وأفرد ~~هذا الشريف برياسة الشورى في سبتة، فلم يكن يقطع أمر دونه. ووفد على ~~السلطان بعض الأيام، فتلقاه من الكرامة بما لا يشاركه فيه أحد من وفود ~~الملوك والعظماء. ولم يزل على ذلك سائر أيام السلطان وبعد وفاته. وكان ~~معظما وقور المجلس، هش اللقاء، كريم الوفادة، متحليا بالعلم PageV01P083 # والأدب، منتحلا للشعر، غاية في الكرم وحسن العهد، وسذاجة النفس، ولما ~~مررت به سنة أربع وستين، أنزلني ببيته إزاء المسجد الجامع، وبلوت منه ما لا ~~يقدر مثله من الملوك، وأركبني الحراقة ليلة سفري، يباشر دحرجتها إلى الماء ~~بيده، إغرابا في الفضل # والمساهمة. وحططت بجبل الفتح وهو يومئذ لصاحب المغرب. ثم خرجت منه إلى ~~غرناطة، وكتبت إلى السلطان ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب بشأني. وليلة بت ~~بقرب غرناطة على بريد منها، لقيني كتاب ابن الخطيب يهنئني بالقدوم ويؤنسني، ~~ونصه: # حللت حلول الغيث بالبلد المحل %~% على الطائر الميمون والرحب والسهل # يمينا بمن تعنو الوجوه لوجهه %~% من الشيخ والطفل المهدإ والكهل # لقد نشأت ms042 عندي للقياك غبطة %~% تنسي اغتباطي بالشبيبة والأهل # وودي لا يحتاج فيه لشاهد %~% وتقريري المعلوم ضرب من الجهل # أقسمت بمن حجت قريش لبيته، وقبر صرفت، أزمة الأحياء لميته، ونور ضربت ~~الأمثال بمشكاته وزيته. لو خيرت أيها الحبيب الذي زيارته الأمنية السنية، ~~والعارفة الوارفة، واللطيفة المطيفة، بين رجع الشباب يقطر ماء، ويرف نماء، ~~ويغازل عيون الكواكب، فضلا عن الكواعب، إشارة وإيماء، بحيث لا الوخط يلم ~~بسياج لمته، أو يقدح ذباله في ظلمته، أو يقدم حواريه في ملته، من الأحابش ~~وأمته، وزمانة روح وراح، ومغدى في النعيم ومراح، وقصف صراح، ورقى وجراح، ~~وانتخاب واقتراح، وصدور ما بها إلا انشراح، ومسرات تردفها أفراح، وبين ~~قدومك PageV01P084 # خليع الرسن، ممتعا - والحمد لله - باليقظة والوسن، محكما في نسك الجنيد ~~أو فتك الحسن، ممتعا بظرف المعارف، مالئا أكف الصيارف، ماحيا بأنوار ~~البراهين شبه الزخارف لما اخترت الشباب وإن شاقني زمنه، وأعياني ثمنه، ~~وأجرت سحاب دمعي ثمنه. فالحمد لله الذي رقى جنون اغترابي، وملكني أزمة ~~آرابي، وغبطني بمائي وترابي، ومألف أترابي، وقد أغصني بلذيذ شرابي، ووقع ~~على سطوره المعتبرة إضرابي. وعجلت هذه مغبطة بمناخ المطية، منتهى الطية، ~~وملتقى للسعود غير البطية، وتهني الآمال الوثيرة الوطية. فما شئت من نفوس # عاطشة إلى ريك، متجملة بزيك، عاقلة خطا مهريك، ومولى مكارمه نشيدة ~~أمثالك، ومظان مثالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع فضل مجدك في التخلف عن ~~الإصحار، لا، بل للقاء من وراء البحار، والسلام. # ثم أصبحت من الغد قادما على البلد، وذلك ثامن ربيع الأول عام أربعة ~~وستين، وقد اهتز السلطان لقدومي، وهيأ لي المنزل من قصوره، بفرشه وماعونه، ~~وأركب خاصته للقائي، تحفيا وبرا، ومجازاة بالحسنى؛ ثم دخلت عليه فقابلني ~~بما يناسب ذلك، وخلع علي وانصرفت. وخرج الوزير ابن الخطيب فشيعني إلى مكان ~~نزلي؛ ثم نظمني في علية أهل مجلسه، واختصني بالنجي في خلوته، والمواكبة في ~~ركوبه، والمواكلة والمطايبة والفكاهة في خلوات أنسه، وأقمت على ذلك عنده، ~~وسفرت عنه سنة خمس وستين إلى الطاغية ملك قشتالة يومئذ، بتره بن الهنشه بن ~~أذفونش، ms043 لإتمام عقد الصلح ما بينه وبين ملوك العدوة، بهدية فاخرة، من ثياب ~~الحرير، والجياد المقربات بمراكب الذهب الثقيلة، فلقيت الطاغية بإشبيلية، ~~وعاينت آثار سلفي بها، وعاملني من الكرامة بما لا مزيد عليه، وأظهر ~~الاغتباط بمكاني، وعلم أولية سلفنا بإشبيلية. وأثنى علي عنده طبيبه إبراهيم ~~بن زرزر اليهودي، المقدم في الطب PageV01P085 # والنجامة، وكان لقيني بمجلس السلطان أبي عنان، وقد استدعاه يستطبه، وهو ~~يومئذ بدار ابن الأحمر بالأندلس. ثم نزع - بعد مهلك رضوان القائم بدولتهم - ~~إلى الطاغية، فأقام عنده، ونظمه في أطبائه. فلما قدمت أنا عليه، أثنى علي ~~عنده، فطلب الطاغية مني حينئذ المقام عنده، وأن يرد علي تراث سلفي ~~بإشبيلية، وكان بيد زعماء دولته، فتفاديت من ذلك بما قبله. ولم يزل على ~~اغتباطه إلى أن انصرفت عنه، فزودني وحملني، واختصني ببغلة فارهة، بمركب ~~ثقيل ولجام ذهبيين، أهديتهما إلى السلطان، فأقطعني قرية إلبيرة من أراضي ~~السقي بمرج غرناطة، وكتب بها منشورا كان نصه: # ثم حضرت المولد النبوي لخامسة قدومي، وكان يحتفل في الصنيع فيها والدعوة، ~~وإنشاد الشعراء، اقتداء بملوك المغرب، فأنشدته ليلتئذ: # حي المعاهد كانت قبل تحييني %~% بواكف الدمع يرويها ويظميني # إن الألى نزحت داري ودارهم %~% تحملوا القلب في آثارهم دوني # وقفت أنشد صبرا ضاع بعدهم %~% فيهم وأسأل رسما لا يناجيني # [أمثل الربع من شوق فألثمه %~% وكيف والفكر يدنيه ويقصيني] # [وبنهب الوجد مني كل لؤلؤة %~% ما زال قلبي عليها غير مأمون] # سقت جفوني مغاني الربع بعدهم %~% فالدمع وقف على أطلاله الجون # قد كان للقلب داعي الهوى شغل %~% لو لأن قلبي إلى السلوان يدعوني # أحبابنا هل لعهد الوصل مدكر %~% منكم وهل نسمة عنكم تحييني # ما لي وللطيف لا يعتاد زائره %~% وللنسيم عليلا يداويني PageV01P086 # يا أهل نجد وما نجد وساكنها %~% حسنا سوى جنة الفردوس والعين # أعندكم أنني مما مر ذكركم %~% إلا انثنيت كأن الراح تثنيني # أصبو إلى البرق من أنحاء أرضكم %~% شوقا ولولاكم ما كان يصبيني # يا نازحا والمنى تدنيه من خلدي %~% حتى لأحسبه قربا يناجيني # أسلى هواك فؤادي عن سواك وما %~% سواك يوما ms044 بحال عنك يسليني # ترى الليالي أنستك إدكاري يا %~% من لم تكن ذكره الأيام تنسيني # ومنها في وصف الإيوان الذي بناه لجلوسه بين قصوره: # يا مصنعا شيدت منه السعود حمى %~% لا يطرق الدهر مبناه بتوهين # صرح يحار لديه الطرف مفتتنا %~% فيما يروقك من شكل وتلوين # بعدا لإيوان كسرى إن مشورك %~% السامي لأعظم من تلك الاواوين # ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا %~% أشهى إلى القلب من أبواب جيرون # ومنها في التعريض بمنصرفي من العدوة: # من مبلغ عني الصحب الألى تركوا %~% وفي وضاع حماهم إذ أضاعوني # أني أويت من العليا إلى حرم %~% كادت مغانيه بالبشرى تحييني # وأنني ظاعنا لم ألق بعدهم %~% دهرا أشاكي ولا خصما يشاكيني # لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذ %~% أقلب الطرف بين الخوف والهون PageV01P087 # سقيا ورعيا لأيامي التي ظفرت %~% يداي منها بحظ غير مغبون # ارتاد منها مليا لا يماطلني %~% وعدا وأرجو كريما لا يعنيني # وهاك منها قواف طيها حكم %~% مثل الأزاهر في طي الرياحين # تلوح إن جليت درا وإن تليت %~% تثني عليك بأنفاس البساتين # عانيت منها بجهدي كل شاردة %~% لولا سعودك ما كادت تواتين # يمانع الفكر عنها ما تقسمه %~% من كل حزن بطي الصدر مكنون # لكن بسعدك ذلت لي شواردها %~% فرضت منها بتحبير وتزيين # بقيت دهرك في أمن وفي دعة %~% ودام ملكك في نصر وتمكين # وأنشدته سنة خمس وستين في إعذار ولده، والصنيع الذي احتفل لهم فيه، ودعا ~~إليه الجفلى من نواحي الأندلس، ولم يحضرني منها إلا ما أذكره: # صحا الشوق لولا عبرة ونحيب %~% وذكرى تجد الوجد حين تثوب # وقلب أبى إلا الوفاء بعهده %~% وإن نزحت دار وبان حبيب # ولله مني بعد حادثة النوى %~% فؤاد لتذكار العهود طروب # يؤرقه طيف الخيال إذا سرى %~% وتذكي حشاه نفحة وهبوب # خليلي إلا تسعدا فدعا الأسى %~% فإني لما يدعو الأسى لمجيب # ألما على الأطلال يقض حقوقها %~% من الدمع فياض الشئون سكوب # ولا تعذلاني في البكاء فإنها %~% حشاشة نفسي في الدموع تذوب # ومنها في تقدم ولده للأعذار من غير نكول: # فيمم منه الحفل لا متقاعس %~% لخطب ms045 ولا نكس اللقاء هيوب PageV01P088 # وراح كما راح الحسام من الوغى %~% تروق حلاه والفرند خضيب # شواهد اهدتهن منك شمائل %~% وخلق بصفو المجد منك مشوب # ومنها في الثناء على ولديه: # هما النيران الطالعان على الهدى %~% بآياتفتح شأنهن عجيب # شهابان في الهيجا غمامان في الندى %~% تسح المعالي منهما وتصوب # يدان لبسط المكرمات نماهما %~% إلى المجد فياض اليدين وهوب # وأنشدته ليلة المولد الكريم من هذه السنة: # أبى الطيف أن يعتاد إلا توهما %~% فمن لي بأن ألقى الخيال المسلما # وقد كنت استهديه لو كان نافعي %~% وأستمطر الأجفان لو تنقع الظما # ولكن خيال كاذب وطماعة %~% تعلل قلبا بالأماني متيما # يا صاحبي نجواي والحب لوعة %~% تبيح بشكواها الضمير المكتما # خذا لفؤادي العهد من نفس الصبا %~% وظبي النقا والبان من أجرع الحمى # ألا صنع الشوق الذي هو صانع %~% فحبي مقيم أقصر الشوق أو سما # وإني ليدعوني السلو تعللا %~% وتنهاني الأشجان أن اتقدما # لمن دمن اقفرن إلا هواتفا %~% تردد في أطلالهن الترنما # عرفت بها سيما الهوى وتنكرت %~% فمجت على آياتها متوسما # وذو الشوق يعتاد الربوع دوارسا %~% ويعرف آثار الديار توهما # تأوبني والليل بيني وبينه %~% وميض بأطراف الثنايا تضرما PageV01P089 # أجد لي العهد القديم كأنه %~% أشار بتذكار العهود فأفهما # عجبت لمرتاع الجوانح خافق %~% بكيت له خلف الدجى وتبسما # وبت أرويه كؤوس مدامعي %~% وبات بطاعني الحديث عن الحمى # وصافحته عن رسم دار بذي الغضى %~% لبست بها ثوب الشبيبة معلما # لعهدي بها تدني الظباء أو انسا %~% وتطلع في آفاقها الغيد أنجما # أحن إليها حيث سار بي الهوى %~% وأنجد رحلي في البلاد وأتهما # ولما استقر، واطمأنت الدار، وكان من السلطان الاغتباط والاستئثار وكثر ~~الحنين إلى الأهل والتذكار، أمر باستقدام أهلي من مطرح اغترابهم بقسنطينة، ~~فبعث عنهم من جاء بهم إلى تلمسان. وأمر قائد الأسطول بالمرية، فسار ~~لاجازتهم في أسطوله، واحتلوا بالمرية. واستأذنت السلطان في تلقيهم، وقدمت ~~بهم على الحضرة، بعد أن هيأت لهم المنزل والبستان، ودمنة الفلح، وسائر ~~ضرورات المعاش. # وكتب الوزير ابن الخطيب عندما قاربت الحضرة، وقد كتبت إليه استأذنه في ~~القدوم، وما ms046 أعتمده في أحواله: # سيدي، قدمت بالطير الميامين، على البلد الأمين، واستضفت الرفاء إلى ~~البنين، ومتعت بطول السنين. وصلتني البراءة المعربة عن كثب اللقاء، ودنو ~~المزار، وذهاب البعد، وقرب الدار؛ واستفهم سيدي عما عندي في القدوم على ~~المخدوم، والحق أن يتقدم سيدي إلى الباب الكريم، في الوقت الذي يجد المجلس ~~الجمهوري لم يفض حجيجه، ولا صوح بهيجه، ويصل الأهل بعده إلى المحل الذي ~~هيأته السعادة لاستقرارهم، واختاره اليمن قبل اختيارهم، والسلام. # ثم لم يلبث الأعداء وأهل السعايات أن خيلوا الوزير ابن الخطيب من ملابستي PageV01P090 # للسلطان، واشتماله علي، وحركوا له جواد الغيرة فتنكر. وشممت منه رائحة ~~الانقباض، مع استبداده بالدولة، وتحكمه في سائر أحوالها، وجاءتني كتب ~~السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية، بأنه استولى عليها في رمضان خمس وستين. # واستدعاني إليه، فاستأذنت السلطان ابن الأحمر في الارتحال إليه. وعميت ~~عليه شأن ابن الخطيب إبقاء لمودته، فارتمض لذلك، ولم يسعه إلا الإسعاف، ~~فودع وزود، وكتب لي مرسوم بالتشييع من إملاء الوزير ابن الخطيب نصه: # هذا ظهير كريم، تضمن تشييعا وترفيعا، وإكراما وإعظاما، وكان لعمل الصنيعة ~~ختاما، وعلى الذي أحسن تماما، وأشاد للمعتمد به بالاغتباط الذي راق قساما ~~وتوفر أقساما، وأعلن له بالقبول إن نوى بعد النوى رجوعا أو آثر على الظعن ~~المزمع مقاما. # أمر به، وأمضى العمل بمقتضاه وحسبه، الأمير عبد الله محمد ابن مولانا ~~أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر، أيد ~~الله أمره، وأعز نصره، وأعلى ذكره، للولي الجليس، الحظي المكين، المقرب ~~الأود الأحب، الفقيه الجليل، الصدر الأوحد، الرئيس العلم، الفاضل الكامل، ~~المرفع الأسمى، الأظهر الأرضى، الأخلص الأصفى، أبي زيد عبد الرحمن بن الشيخ ~~الجليل، الحسيب الأصيل، الفقيه المرفع المعظم، الصدر الأوحد الأسنى، الأفضل ~~الأكمل، الموقر المبرور، أبي يحيى أبي بكر، ابن الشيخ الجليل الكبير، ~~الرفيع الماجد، القائد الحظي، المعظم الموقر، المبرور المرحوم، أبي عبد ~~الله بن خلدون. وصل الله له أسباب السعادة، وبلغه من فضله أقصى الإرادة، ~~أعلن بما عنده، أيده الله، من الاعتقاد الجميل ms047 # في جانبه المرفع، وإن كان غنيا في الإعلان. وأعرب عن معرفته بمقداره، في ~~الحسباء العلماء الرؤساء الأعيان، وأشاد باتصال رضاه عن مقاصده البرة وشيمه ~~الحسان، من لدن وفد بابه، وفادة العز الراسخ البنيان، وأقام المقام الذي ~~عين له رفعة المكان، وإجلال الشان، إلى أن عزم على قصد وطنه، أبلغه الله ~~ذلك في ظل اليمن والأمان، وكفالة الرحمن بعد الاغتباط المربى على الخبر ~~بالعيان، والتمسك # بجواره بجهد الإمكان، ثم قبول عذره بما جبلت الأنفس عليه من الحنين إلى ~~المعاهد PageV01P091 # والأوطان. وبعد أن لم يذخر عنه كرامة رفيعة، ولم يحجب عنه وجه صنيعة، ~~فولاه القيادة والسفارة، وأحله جليسا معتما بالإشارة، وألبسه من الحظوة ~~والتقريب أبهى الشارة، وجعل محله من حضرته مقصودا بالمثل معنيا بالإشارة، ~~ثم أصحبه تشييعا يشهد بالضنانة بفراقه، ويجمع له بر الوجهة من جميع آفاقه، ~~ويجعله بيده رتيمة خنصر، ووثيقة سامع أو مبصر، فمهما لوى أخدعه إلى هذه ~~البلاد بعد قضاء وطره، وتمليه من نهمة سفره، أو نزع به حسن العهد وحنين ~~الود، فصدر العناية به مشروح، وباب الرضا والقبول مفتوح، وما عهده من ~~الحظوة والبر ممنوح. فما كان القصد في مثله من أمجاد الأولياء ليتحول، ولا ~~الاعتقاد الكريم ليتبدل، ولا الأخير من الأحوال لينسخ الأول. على هذا فليطو ~~ضميره، وليرد متى شاء نميره، ومن وقف عليه من القواد والأشياخ والخدام، برا ~~وبحرا، على اختلاف الخطط والرتب، وتباين الأحوال والنسب، أن يعرفوا حق هذا ~~الاعتقاد، في كل ما يحتاج إليه من تشييع ونزول، وإعانة وقبول، واعتناء ~~موصول، إلى أن يكمل الغرض، ويؤدى من امتثال هذا الأمر الواجب المفترض، بحول ~~الله وقوته. # وكتب في التاسع عشر من جمادى الأولى عام ستة وستين وسبع مائة. # وبعد التاريخ العلامة بخط السلطان، ونصها: صح هذا. ### | الرحلة من الأندلس إلى بجاية وولاية الحجابة بها على الاستبداد # كانت بجاية ثغرا لإفريقية في دولة بني أبي حفص من الموحدين. ولما صار ~~أمرهم للسلطان أي بكر بن يحيى منهم، واستقل بملك إفريقية، ولى في ثغر بجاية # ابنه الأمير ms048 أبا زكرياء، وفي ثغر قسنطينة ابنه الأمير عبد الله. وكان بنو ~~عبد الواد ملوك تلمسان والمغرب الأوسط، ينازعونه في أعماله، ويجمرون ~~العساكر على بجاية، ويجلبون على قسنطينة، إلى أن تمسك السلطان أبو بكر بذمة ~~من السلطان أبي PageV01P092 # الحسن، ملك المغرب الأقصى من بني مرين، وله الشفوف على سائر ملوكهم. وزحف ~~السلطان أبو الحسن إلى تلمسان، فأخذ بمخنقها سنتين أو أزيد، وملكها عنوة، ~~وقتل سلطانها أبا تاشفين، وذلك سنة سبع وثلاثين. وخف ما كان على الموحدين ~~من إصر بني عبد الواد، واستقامت دولتهم. ثم هلك أبو عبد الله محمد ابن ~~السلطان أبي يحيى بقسنطينة سنة أربعين، وخلف سبعة من الولد، كبيرهم أبو زيد ~~عبد الرحمن، ثم أبو العباس أحمد، فولى الأمير أبا زيد مكان أبيه، في كفالة ~~نبيل مولاهم. ثم توفي الأمير أبو زكرياء ببجاية سنة ست وأربعين، وخلف ثلاثة ~~من الولد، كبيرهم أبو عبد الله محمد، وبعث السلطان أبو بكر ابنه الأمير أبا ~~حفص عليها، فمال أهل بجاية إلى الأمير أبي عبد الله بن أبي زكرياء، ~~وانحرفوا عن الأمير عمر وأخرجوه. وبادر السلطان فرقع هذا الخرق، بولاية أبي ~~عبد الله عليهم كما طلبوه. ثم توفي السلطان أبو بكر منتصف سبع وأربعين، ~~وزحف أبو الحسن إلى إفريقية فملكها، ونقل الأمراء من بجاية وقسنطينة إلى ~~المغرب. وأقطع لهم هنالك، إلى أن كانت حادثة القيروان، وخلع السلطان أبو ~~عنان أباه. وارتحل من تلمسان، إلى فاس، فنقل معه هؤلاء الأمراء، أهل بجاية ~~وقسنطينة، وخلطهم بنفسه، وبالغ في تكرمتهم. ثم صرفهم إلى ثغورهم: الأمير ~~أبا عبد الله أولا، وإخوته من تلمسان، وأبا زيد وإخوته من فاس، ليستبدوا ~~بثغورهم، ويخذلوا الناس عن السلطان أبي الحسن، فوصلوا إلى بلادهم، وملكوها ~~بعد أن كان الفضل ابن السلطان أبي بكر قد استولى عليها من يد بني مرين، ~~فانتزعوها منه. واستقر أبو عبد الله ببجاية، حتى إذا هلك السلطان أبو الحسن ~~بجبال المصامدة، # وزحف أبو عنان إلى تلمسان سنة ثلاث وخمسين، فهزم ملوكها من بني عبد ~~الواد، وأبادهم، ونزل المدية، ms049 وأطل على بجاية. وبادر الأمير أبو عبد الله ~~للقائه، وشكا إليه ما يلقاه من زبون الجند والعرب، وقلة الجباية. وخرج له ~~عن ثغر بجاية فملكها، وأنزل عماله بها. ونقل الأمير أبا عبد الله معه إلى ~~المغرب، فلم يزل عنده في حفاية وكرامة. ولما قدمت على السلطان أبي عنان آخر ~~خمس وخمسين واستخلصني، نبضت عروق السوابق بين سلفي وسلف الأمير أبي عبد ~~الله، واستدعاني للصحابة فأسرعت، وكان السلطان أبو عنان شديد الغيرة من مثل ~~ذلك. ثم PageV01P093 # كثر المنافسون، ورفعوا إلى السلطان، وقد طرقه مرض أرجف له الناس، فرفعوا ~~له أن الأمير أبا عبد الله اعتزم على الفرار إلى بجاية، وأني عاقدته على ~~ذلك، على أن يوليني حجابته، فانبعث لها السلطان، وسطا بنا، واعتقلني نحوا ~~من سنتين إلى أن هلك. وجاء السلطان أبو سالم، واستولى على المغرب، ووليت ~~كتابة سره. ثم نهض إلى تلمسان، وملكها من يد بني عبد الواد، وأخرج منها أبا ~~حمو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن، ثم اعتزم على الرجوع ~~إلى فاس، وولى على تلمسان أبا زيان محمد بن أبي سعيد عثمان ابن السلطان أبي ~~تاشفين، وأمده بالأموال والعساكر من أهل وطنه، ليدافع أبا حمو عن تلمسان، ~~ويكون خالصة له. وكان الأمير أبو عبد الله صاحب بجاية معه كما ذكرناه، ~~والأمير أبو العباس صاحب قسنطينة، بعد أن كان بنو مرين حاصروا أخاه أبا زيد ~~بقسنطينة أعواما تباعا. ثم خرج لبعض مذاهبه إلى بونة، وترك أخاه أبا العباس ~~بها، فخلعه، واستبد بالأمر دونه. وخرج إلى العساكر المجمرة عليها من بني ~~مرين، فهزمهم، وأثخن فيهم. ونهض السلطان إليه من فاس، سنة ثمان وخمسين، ~~فتبرأ منه أهل البلد وأسلموه، فبعثه إلى سبتة في البحر، واعتقله بها، حتى ~~إذا ملك السلطان أبو سالم سبتة عند إجازته من الأندلس سنة ستين، أطلقه من ~~الاعتقال، # وصحبه إلى دار ملكه، ووعده برد بلده عليه. # فلما ولى أبا زيان على تلمسان، أشار عليه خاصته ونصحاؤه، بأن يبعث هؤلاء ~~الموحدين إلى ثغورهم: فبعث ms050 أبا عبد الله إلى بجاية، وقد كان ملكها عمه أبو ~~إسحق صاحب تونس، ومكفول بن تافراكين من يد بني مرين، وبعث أبا العباس إلى ~~قسنطينة، وبها زعيم من زعماء بني مرين. وكتب إليه السلطان أبو سالم أن يفرج ~~له عنها، فملكها لوقته. وسار الأمير أبو عبد الله إلى بجاية، فطال إجلابه ~~عليها، ومعاودته حصارها. ولج أهلها في الامتناع منه مع السلطان أبي إسحق. ~~وقد كان لي المقام المحمود في بعث هؤلاء الأمراء إلى بلادهم. وتوليت كبر ~~ذلك مع خاصة السلطان أبي سالم وكبار أهل مجلسه، حتى تم القصد من ذلك. وكتب ~~لي الأمير أبو عبد الله بخطه عهدا بولاية الحجابة متى حصل على سلطانه، ~~ومعنى الحجابة - في PageV01P094 # دولنا بالمغرب - الاستقلال بالدولة، والوساطة بين السلطان وبين أهل ~~دولته، لا يشاركه في ذلك أحد. وكان لي أخ اسمه يحيى أصغر مني، فبعثته مع ~~الأمير أبي عبد الله حافظا للرسم، ورجعت مع السلطان إلى فاس. ثم كان ما ~~قدمته من انصرافي إلى الأندلس والمقام بها، إلى أن تنكر الوزير ابن الخطيب، ~~وأظلم الجو بيني وبينه. # وبينا نحن في ذلك، وصل الخبر باستيلاء الأمير أبي عبد الله على بجاية من ~~يد عمه، في رمضان (سنة) خمس وستين، وكتب الأمير أبو عبد الله يستقدمني، ~~فاعتزمت على ذلك، ونكر السلطان أبو عبد الله بن الأحمر ذلك مني، لا يظنه ~~لسوى ذلك، إذ لم يطلع على ما كان بيني وبين الوزير ابن الخطيب، فأمضيت ~~العزم، ووقع منه الإسعاف، والبر والألطاف. وركبت البحر من ساحل المرية، ~~منتصف ست وستين. ونزلت بجاية لخامسة من الإقلاع، فاحتفل السلطان صاحب بجاية ~~لقدومي، وأركب أهل دولته للقائي. وتهافت أهل البلد علي من كل أوب # يمسحون أعطافي، ويقبلون يدي، وكان يوما مشهودا. # ثم وصلت إلى السلطان فحيا وفدى، وخلع وحمل؛ وأصبحت من الغد، وقد أمر ~~السلطان أهل الدولة بمباكرة بابي، واستقلت بحمل ملكه، واستفرغت جهدي في ~~سياسة أموره وتدبير سلطانه، وقدمني للخطابة بجامع القصبة، وأنا مع ذلك، ~~عاكف بعد انصرافي من تدبير الملك ms051 غدوة إلى تدريس العلم أثناء النهار بجامع ~~القصبة لا أنفك عن ذلك. # ووجدت بينه وبين ابن عمه السلطان أبي العباس صاحب قسنطينة فتنة، أحدثتها ~~المشاحة في حدود الأعمال من الرعايا والعمال، وشب نار هذه الفتنة عرب ~~أوطانهم من الدواودة من رياح، تنفيقا لسوق الزبون يمترون به أموالهم. ~~وكانوا في كل سنة يجمع بعضهم لبعض، فالتقوا سنة ست وستين بفرجيوة، وانقسم ~~العرب عليهما. وكان يعقوب بن علي مع السلطان أبي العباس، فانهزم السلطان ~~أبو عبد الله، ورجع إلى PageV01P095 # بجاية مفلولا، بعد أن كنت جمعت له أموالا كثيرة أنفق جميعها في العرب. ~~ولما رجع أعوزته النفقة، فخرجت بنفسي إلى قبائل البربر بجبال بجاية ~~المتمنعين من المغارم منذ سنين، فدخلت بلادهم واستبحت حماهم، وأخذت رهنهم ~~على الطاعة، حتى استوفيت منهم الجباية، وكان لنا في ذلك مدد وإعانة؛ ثم بعث ~~صاحب تلمسان إلى السلطان (أبي عبد الله) يطلب منه الصهر، فأسعفه بذلك ليصل ~~يده به على ابن عمه، وزوجه ابنته، ثم نهض السلطان أبو العباس سنة سبع ~~وستين، وجاس أوطان بجاية، وكاتب أهل البلد، وكانوا وجلين من السلطان أبي ~~عبد الله، بما كان يرهف الحد لهم، ويشد وطأته عليهم؛ فأجابوه إلى الانحراف ~~عنه، وخرج السلطان أبو عبد الله يروم مدافعته، ونزل جبل ليزو معتصما به؛ ~~فبيته السلطان أبو العباس في عساكره وجموع الأعراب من أولاد محمد بن رياح ~~بمكانه ذلك، بإغراء ابن صخر وقبائل سدويكش. وكبسه في # مخيمه وركض هاربا، فلحقه وقتله، وسار إلى البلد بمواعده أهلها. وجاءني ~~الخبر بذلك، وأنا مقيم بقصبة السلطان وقصوره، وطلب مني جماعة من أهل البلد ~~القيام بالأمر، والبيعة لبعض الصبيان من أبناء السلطان، فتفاديت من ذلك، ~~وخرجت إلى السلطان أبي العباس، فأكرمني وحباني، وأمكنته من بلده، وأجرى ~~أحوالي كلها على معهودها. وكثرت السعاية عنده في، والتحذير من مكاني. وشعرت ~~بذلك، فطلبت الإذن في الانصراف بعهد كان منه في ذلك، فأذن لي بعد لأي؛ ~~وخرجت إلى العرب، ونزلت على يعقوب بن علي. ثم بدا للسلطان في أمري، وقبض ~~على ms052 أخي، واعتقله ببونة؛ وكبس بيوتنا يظن بها ذخيرة وأموالا، فأخفق ظنه. ثم ~~ارتحلت من أحياء يعقوب بن علي، وقصدت بسكرة، لصحابة بيني وبين شيخها أحمد ~~بن يوسف بن مزني، وبين أبيه، وساهم في الحادث بماله وجاهه. PageV01P096 ### | مشايعة أبي حمو صاحب تلمسان # كان السلطان أبو حمو قد التحم ما بينه وبين السلطان أبي عبد الله صاحب ~~بجاية بالصهر في ابنته، وكانت عنده بتلمسان. فلما بلغه مقتل أبيها، ~~واستيلاء السلطان أبي العباس ابن عمه صاحب قسنطينة على بجاية، أظهر ~~الامتعاض لذلك. وكان أهل بجاية قد توجسوا الخيفة من سلطاتهم، بإرهاف حده، ~~وشده سطوته، فانحرفوا عنه باطنا، وكاتبوا ابن عمه بقسنطينة كما ذكرناه. # ودسوا للسلطان أبي حمو بمثلها يرجون الخلاص من صاحبهم بأحدهما. فلما ~~استولى السلطان أبو العباس، وقتل ابن عمه، رأوا أن جرحهم قد اندمل، وحاجتهم ~~قد قضيت، فاعصوصبوا عليه؛ وأظهر السلطان أبو حمو الامتعاض للواقعة يسر منه ~~حسوا في ارتغاء، ويجعله ذريعة للاستيلاء على بجاية، بما كان يرى نفسه كفؤها ~~بعده وعديده، وما سلف من قومه في حصارها، فسار من تلمسان بحر الشوك والمدر، ~~حتى خيم بالرشة من ساحتها، ومعه أحياء زغبة بجموعهم # وظعائنهم، من لدن تلمسان، إلى بلاد حصين، من بني عامرة وبني يعقوب، ~~وسويد، والديالم والعطاف، وحصين. # وانحجر أبو العباس بالبلد في شرذمة من الجند، أعجله السلطان أبو حمو عن ~~استيعاب الحشد، ودافع أهل البلد أحسن الدفاع. وبعث السلطان أبو العباس عن ~~أبي زيان ابن السلطان أبي سعيد عم أبي حمو من قسنطينة، كان معتقلا بها، ~~وأمر مولاه وقائد عسكره بشيرا أن يخرج معه في العساكر، وساروا حتى نزلوا ~~بني عبد الجبار قبالة معسكر أبي حمو، وكانت رجالات زغبة قد وجموا من ~~السلطان، وأبلغهم النذير PageV01P097 # أنه إن ملك بجاية اعتقلهم بها، فراسلوا أبا زيان، وركبوا إليه، واعتقدوا ~~معه. وخرج رجل البلد بعض الأيام من أعلى الحصن، ودفعوا شرذمة كانت مجمرة ~~إزاءهم، فاقتلعوا خباءهم. وأسهلوا من تلك العقبة إلى بسيط الرشة. وعاينهم ~~العرب بأقصى مكانهم من المعسكر فأجفلوا، وتتابع الناس ms053 في الانجفال حتى ~~أفردوا السلطان في مخيمه، فحمل رواحله وسار، وكضت الطرق بزحامهم، وتراكموا ~~بعض على بعض، فهلك منهم عوالم، وأخذهم سكان الجبال من البربر بالنهب من كل ~~ناحية، وقد غشيهم الليل، فتركوا أزودتهم ورحالهم. وخلص السلطان ومن خلص ~~منهم بعد عصب الريق، وأصبحوا على منجاة. وقذفت بهم الطرق من كل ناحية إلى ~~تلمسان، وكان السلطان أبو حمو قد بلغه خروجي من بجاية، وما أحدثه السلطان ~~بعدي في أخي وأهلي ومخلفي، فكتب إلي يستقدمني قبل هذه الواقعة. وكانت ~~الأمور قد اشتبهت، فتفاديت بالأعذار، وأقمت بأحياء يعقوب بن علي، ثم ارتحلت ~~إلى بسكرة، فأقمت بها عند أميرها أحمد بن يوسف بن مزنى. فلما وصل السلطان ~~أبو حمو إلى تلمسان، وقد جزع للواقعة، أخذ في استئلاف قبائل رياح، ليجلب ~~بهم مع عساكره على أوطان بجاية، وخاطبني في ذلك لقرب عهده باستتباعهم، وملك ~~زمامهم، ورأى أن يعول علي في ذلك، # واستدعاني لحجابته وعلامته، وكتب بخطه مدرجة في الكتاب نصها: # الحمد لله على ما أنعم، والشكر لله على ما وهب، ليعلم الفقيه المكرم أبو ~~زيد عبد الرحمن بن خلدون، حفظه الله، على أنك تصل إلى مقامنا الكريم، لما ~~اختصصناكم به من الرتبة المنيعة، والمنزلة الرفيعة، وهو قلم خلافتنا، ~~والانتظام في سلك أوليائنا، أعلمناكم بذلك. وكتب بخط يده عبد الله، المتوكل ~~على الله، موسى بن يوسف لطف الله به وخار له. # وبعده بخط الكاتب ما نصه: بتاريخ السابع عشر من رجب الفرد الذي من عام ~~تسعة وستين وسبعمائة عرفنا الله خيره. # ونص الكتاب الذي هذه مدرجته، وهو بخط الكاتب: أكرمكم الله يا فقيه أبا ~~زيد، ووالى رعايتكم. إنا قد ثبت عندنا، وصح لدينا ما انطويتم عليه من ~~المحبة في مقامنا، والانقطاع إلى جنابنا، والتشيع قديما وحديثا لنا، مع ما ~~نعلمه من محاسن PageV01P098 # اشتملت عليها أوصافكم، ومعارف فقتم فيها نظراءكم، ورسوخ قدم في الفنون ~~العلمية والآداب العربية. # وكانت خطة الحجابة ببابنا العلي - أسماه الله - أكبر درجات أمثالكم، ~~وأرفع الخطط لنظرائكم، قربا منا، واختصاصا بمقامنا، واطلاعا على ms054 خفايا ~~أسرارنا. آثرناكم بها إيثارا، وقدمناكم لها اصطفاء واختيارا، فاعملوا على ~~الوصول إلى بابنا العلي أسماه الله، لما لكم فيه من التنويه، والقدر ~~النبيه، حاجبا لعلي بابنا، ومستودعا لأسرارنا، وصاحب الكريمة علامتنا، إلى ~~ما يشاكل ذلك من الأنعام العميم، والخير الجسيم، والاعتناء والتكريم. لا ~~يشارككم مشارك في ذلك ولا يزاحمكم أحد، وإن وجد من أمثالك فاعلموه، وعولوا ~~عليه، والله تعالى يتولاكم، ويصل سراءكم، ويوالي احتفاءكم. والسلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته. # وتأدت إلي هذه الكتب السلطانية على يد سفير من وزرائه، جاء إلى أشياخ # الدواودة في هذا الغرض، فقصت له في ذلك أحسن مقام، وشايعته أحسن مشايعة، ~~وحملتهم على إجابة داعي السلطان، والبدار إلى خدمته. وانحرف كبراؤهم عن ~~خدمة السلطان أبي العباس إلى خدمته، والاعتمال في مذاهبه، واستقام غرضه من ~~ذلك، وكان أخي يحيى قد خلص من اعتقاله ببونة، وقدم علي ببسكرة، فبعثته إلى ~~السلطان أبي حمو كالنائب عني في الوظيفة، متفاديا عن تجشم أهوالها، بما كنت ~~نزعت عن غواية الرتب. وطال علي إغفال العلم، فأعرضت عن الخوض في أحوال ~~الملوك، وبعثت الهمة على المطالعة والتدريس، فوصل إليه الأخ، فاستكفى به في ~~ذلك، ودفعه إليه. # ووصلني مع هذه الكتب السلطانية كتاب رسالة من الوزير أبي عبد الله بن ~~الخطيب من غرناطة يتشوق إلي، وتأدى إلى تلمسان على يد سفراء السلطان ابن ~~الأحمر، فبعث إلي به من هنالك ونصه: # بنفسي وما نفسي علي بهينة %~% فينزلني عنها المكاس بأثمان # حبيب نأى عيني وصم لأنتي %~% وراش سهام البين عمدا فأصماني # وقد كان هم الشيب - لا كان - كافيا %~% فقد أدني لما ترحل همان PageV01P099 # شرعت له من دمع عيني مواردا %~% فكدر شربي بالفراق وأظماني # وأرعيته من حسن عهدي جميمه %~% فأجدب آمالي وأوحش أزماني # حلفت على ما عنده لي من رضى %~% قياسا بما عندي فأحنث أيماني # وإني على ما نالني منه من قلى %~% لأشتاق من لقياه نغبة ظمآن # سألت جنوني فيه تقريب عرشه %~% فقست بجن الشوق جن سليمان # إذا ما دعا داع من القوم باسمه %~% وثبت وما ms055 استثبت شيمة هيمان # وتالله ما أصغيت فيه لعاذل %~% تحاميته حتى ارعوى وتحاماني # ولا استشعرت نفسي برحمة عابد %~% تظلل يوما مثله عبد رحمان # ولا شعرت من قبله بتشوق %~% تخلل منها بين روح وجثمان # أما الشوق فحدث عن البحر ولا حرج، وأما الصبر فاسأل به أية درج، بعد لأن ~~تجاوز اللوى والمنعرج، لكن الشدة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله ~~الأرج، وأنى بالصبر على إبر الدبر، لا. بل الضرب الهبر، ومطاولة اليوم ~~والشهر، تحت حكم القهر، ومن للعين إن تسلو سلو المبصر، عن إنسانها المبصر، ~~أو نذهل ذهول الزاهد، عن سرها الرائي والمشاهد، وفي الجسد بضعة يصلح إذا ~~صلحت، فكيف حاله إن رحلت عنه وإن نزحت، وإذا كان الفراق، هو الحمام الأول، ~~فعلام المعول، أعيت مراوضة الفراق، عمل الراق، وكادت لوعة الاشتياق، إن ~~تفضي إلى السياق. # تركتموني بعد تشييعكم %~% أوسع أمر الصبر عصيانا # أقرع سني ندما تارة %~% واستميح الدمع أحيانا PageV01P100 # وربما تعللت بغشيان المعاهد الخالية، وجددت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم ~~البالية، اسأل نون النؤى عن أهليه، وميم الموقد المهجور عن مصطليه، وثاء ~~الأثافي المثلثة عن منازل الموحدين، وأحار وبين تلك الأطلال حيرة الملحدين، ~~لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، كلفت لعمر الله بسال عن جفوني المؤرقة، ~~ونائم عن همومي المتجمعة والمتفرقة. ظعن عن ملال، لا متبرما منا بشر خلال، ~~وكدر الوصل بعد صفائه، وضرج النصل بعد عهد وفائه. # أقل اشتياقا أيها القلب إنما %~% رأيتك تصفي الود من ليس جازيا # فها أنا أبكي عليه بدم أساله، وأندب في ربع الفراق آسى له، وأشكو إليه ~~حال قلب صدعه، وأودعه من الوجد ما أودعه، لما خدعه، ثم قلاه وودعه، وأنشق ~~رياه أنف ارتياح قد جدعه، وأستعديه على ظلم ابتدعه. # خليلي فيما عشتما هل رأيتما %~% قتيلا بكى من حب قاتله قبلي # فلولا عسى الرجاء ولعله، لا بل شفاعة المحل الذي حله، لنشرت ألوية العتب، ~~وبثثت كتائبها، كمناء في شعاب الكتب، تهز من الألفات رماحا خزر الأسنة ~~وتوتر من النونات أمثال القسي المرنة وتقود من ms056 مجموع الطرس والنقس بلقا ~~تردي في الأعنة، ولكنه آوى إلى الحرم الأمين، وتفيأ ظلال الجوار المؤمن من ~~معرة الغوار عن الشمال واليمين، حرم الحلال المزنية، والظلال اليزنية، ~~والهمم السنية، والشيم التي لا ترضى بالدون ولا بالدنية، حيث الرفد ~~الممنوح، والطير PageV01P101 # الميامين يزجر لها السنوح والمثوى الذي إليه، مهما تقارع الكرام على ~~الضيفان، حول جوابي الجفان فهو الجنوح: # كتب كأن عليه من شمس الضحى %~% نورا ومن فلق الصباح عمودا # ومن حل بتلك المثابة فقد اطمأن جنبه، وتغمد بالعفو ذنبه ولله در القائل: # فوحقه لقد انتدبت لوصفه %~% بالبخل لولا أن حمصا داره # بلد متى أذكره تهتج لوعتي %~% وإذا قدحت الزند طار شراره # اللهم غفرا، وأين قراره النخيل، من مثوى الأقلف البخيل، ومكذبة المخيل؛ ~~وأين ثانية هجر، من متبوأ من ألحد وفجر: # من أنكر غيثا منشؤه %~% في الأرض ينوء بمخلفها # فبنان بنى مزني مزن %~% تنهل بلطف مصرفها # مزن مذ حل ببسكرة %~% يوما نطقت بمصحفها # شكرت حتى بعبارتها %~% وبمعناها وبأحرفها PageV01P102 # ضحكت بأبي العباس من ال %~% أيام ثنايا زخرفها # وتنكرت الدنيا حتى %~% عرفت منه بمعرفها # بل نقول: يا محل الولد، لا أقسم بهذا البلد، وأنت حل بهذا البلد، لقد حل ~~بينك عرى الجلد، وخلد الشوق بعدك يا بن خلدون في الصميم من الخلد؛ فحيا ~~الله زمانا # شفيت في قربك زمانته، واجتلت في صدف مجدك جمانته، وقضيت في مرعى خلتك ~~لبانته؛ وأهلا بروض أظلت أشتات معارفك بانته، فحمائمه بعدك تندب، فيساعدها ~~الجندب، ونواسمه ترق فتتغاشى، وعشياته تتخافت وتتلاشى، وأدواحه في ارتباك، ~~وحمائمه في مأتم ذي اشتباك؛ كان لم تكن قمر هالات قبابه، ولم يكن أنسك شارع ~~بابه، إلى صفوة الطرف ولبابه، ولم يسبح إنسان عينك في ماء شبابه، فلهفي ~~عليك من درة اختلستها يد النوى، ومطل بردها الدهر ولوى، ونعق الغراب ببينها ~~في ربوع الهوى، ونطق بالزجر فما نطق عن الهوى، وبأي شيء يعتاض منك أيتها ~~الرياض، بعد أن طما نهرك الفياض، PageV01P103 # وفهقت الحياض، ولا كان الشاني المشنوء والجرب المهنوء؛ من قطع ليل أغار ~~على الصبح ms057 فاحتمل، وشارك في الذم الناقة والجمل، واستأثر جنحه ببدر النادي ~~لما كمل، نشر الشراع فراع، وواصل الإسراع، فكأنما هو تمساح النيل ضايق ~~الأحباب في البرهة، واختطف لهم من الشط نزهة العين وعين النزهة؛ ولجج بها ~~والعيون تنظر، والغمر عن الاتباع يحظر، فلم يقدر إلا على الأسف، والتماح ~~الأثر المنتسف، (والرجوع بملء العيبة من الخيبة، ووقر الجسرة من الحسرة)؛ ~~إنما نشكو إلى الله البث والحزن، ونستمطر من عبراتنا المزن، وبسيف الرجاء ~~نصول، وإذا أشرعت لليأس أسنة ونصول: # ما أقدر الله أن يدني على شحط %~% من داره الحزن ممن داره صول # فإن كان كلم الفراق رغيبا، لما نويت مغيبا، وجللت الوقت الهني تشغيبا، ~~فلعل الملتقى يكون قريبا، وحديثه يروى صحيحا غريبا. إيه سيدي! كيف حال تلك ~~الشمائل، المزهرة الخمائل، والشيم، الهامية الديم؟ هل يمر ببالها من PageV01P104 # راعت بالبعد باله، وأخمدت بعاصف البين ذباله، أو ترثي لشئون شأنها سكب لا ~~يفتر، وشوق يبت حبال الصبر ويبتر، وضنى تقصر عن حلله الفاقعة صنعاء وتستر، ~~والأمر # أعظم والله يستر، وما الذي يضيرك، صين من لفح السموم نضيرك، بعد أن أضرمت ~~وأشعلت، وأوقدت وجعلت، وفعلت فعلتك التي فعلت، أن تترفق بذماء، أو ترد ~~بنغبة ماء، أرماق ظماء، وتتعاهد المعاهد بتحية يشم عليها شذا أنفاسك، أو ~~تنظر إلينا - على البعد - بمقلة حوراء من بياض قرطاسك، وسواد أنقاسك، فربما ~~قنعت الأنفس المحبة بخيال زور، وتعللت بنوال منزور، ورضيت، لما لم تصد ~~العنقاء، بزرزور: # يا من ترحل والرياح لأجله %~% يشتاق إن هبت شذا رياها # تحيا النفوس إذا بعثت تحية %~% وإذا عزمت اقرأ ومن أحياها # ولئن أحييت بها فيما سلف نفوسا تفديك، والله إلى الخير أيهديك، فنحن نقول ~~معشر مواديك: ثني ولا تجعليها بيضة الديك؛ وعذرا فإني لم اجترئ على خطابك ~~بالفقر الفقيرة، وأدللت لدى حجراتك برفع العقيرة، عن نشاط بعثت PageV01P105 # مرموسه، ولا اغتباط بالأدب تغري بسياسته سوسة، وانبساط أوحى إلي على ~~الفترة ناموسه، وإنما هو اتفاق جرته نفثة المصدور وهناء الجرب المجدور؛ وإن ~~تعلل به مخارق، فثم قياس فارق، ms058 أو لحن غنى به بعد البعد مخارق؛ والذي هيأ ~~هذا القدر وسببه، وسهل المكروه إلي منه وحببه. ما اقتضاه الصنو يحيى - مد ~~الله حياته، وحرس من الحوادث ذاته -، من خطاب ارتشف به لهذه القريحة ~~بلالتها، بعد أن رضي علالتها، ورشح إلى الصهر الحضرمي سلالتها؛ فلم يسع إلا ~~إسعافه، بما أعافه، فأمليت نجيبا، ما لا يعد في يوم الرهان نجيبا، وأسمعته ~~وجيبا لما ساجلت بهذه الترهات سحرا عجيبا، حتى إذا ألف القلم العريان سبحه، ~~وجمح برذون الغزارة فلم أطق كبحه، لم أفق من غمرة غلوه وموقف متلوه، إلا ~~وقد تحيز إلى فئتك، معتزا بل معترا، واستقبلها ضاحكا مفترا، وهش لها برا، PageV01P106 # وإن كان من الخجل مصفرا، وليس بأول من هجر، في التماس والوصل ممن هجر أو ~~بعث # التمر إلى هجر، وأي نسب بيني اليوم وبين زخرف الكلام، وإجالة جياد ~~الأقلام، في محاورة الأعلام؛ بعد أن حال الجريض، دون القريض، وشغل المريض ~~عن التعريض؛ وغلب حتى الكسل، ونصلت الشعرات البيض كأنها الأسل، تروع برقط ~~الحيات، سرب الحياة، وتطرق بذوات الغرر والشيات، عند البيات؛ والشيب الموت ~~العاجل، وإذا ابيض زرع صبحته المناجل، والمعتبر الآجل، وإذا اشتغل الشيخ ~~بغير معاده، حكم في الظاهر بأبعاده وأسره في ملكة عادة، فاغص أبقاك الله ~~واسمح، لمن قصر عن المطمح، وبالعين الكليلة فالمح، واغتنم لباس ثوب الثواب، ~~واشف بعض الجوى بالجواب. # تولاك الله فيما استضفت وملكت، ولا بعدت ولا هلكت، وكان لك آية سلكت؛ ~~ووسمك في السعادة بأوضح السمات، وأتاح لقاءك من قبل الممات، والسلام الكريم ~~يعتمد حلال ولدي، وساكن خلدي، بل أخي وإن اتقيت عتبه وسيدي، ورحمة الله ~~وبركاته، من فحبه المشتاق إليه محمد بن عبد الله بن الخطيب، في الرابع عشر ~~من شهر ربيع الثاني، من عام سبعين وسبعمائة. PageV01P107 # وكان تقدم منه قبل هذه الرسالة كتاب آخر إلي، بعث به إلى تلمسان، فتأخر ~~وصوله، حتى بعث به الأخ يحيى عند وفادته على السلطان، ونص الكتاب: # يا سيدي إجلالا واعتدادا، وأخي ودا واعتقادا، ومحل ولدي شفقة سكنت ms059 مني ~~فؤادا. طال علي انقطاع أنبائك، واختفاء أخبارك، فرجوت إن تبلغ النية هذا ~~المكتوب إليك، وتخترق به الموانع دونك، وإن كنت في مياثتك كالعاطش الذي لا ~~يروى، والآكل الذي لا يشبع، شأن من تجاوز الحدود الطبيعية، والعوائد ~~المألوفة؛ فأنا الآن - بعد إنهاء التحية المطلولة الروض بماء الدموع، ~~وتقرير الشوق اللزيم، وشكوى البعاد الأليم، وسؤال إناحة القرب قبل الفوت من ~~الله ميسر العسير، ومقرب البعيد، - أسفل عن أحوالك سؤال أبعد الناس محالا ~~في مجال الخلوص # لك، وأشدهم حرصا على اتصال سعادتك؛ وقد اتصل بي في هذه الأيام ما جرى به ~~القدر من تنويع الحال لديك، واستقرارك ببسكرة محل الغبطة بك، باللجأ إلى ~~تلك الرياسة الزكية، الكريمة الأب، الشهيرة الفضل، المعروفة القدر على ~~البعد؛ حرسها الله ملجأ للفضلاء، ومخيما لرجال العلياء، ومهبا لطيب الثناء، ~~بحوله وقوته؛ وما كل وقت تتاح فيه السلامة؛ فاحمدوا الله على الخلاص، ~~وقاربوا في معاملة الآمال، وضنوا بتلك الذات الفاضلة عن المشاق، وأبخلوا ~~بها عن المتالف، فمطلوب الحريص على الدنيا خسيس، والموانع الحافة جمة، ~~والحاصل حسرة، وبأقل السعي تحصل حالة العافية، والعاقل لا يستنكحه ~~الاستغراق فيما آخره الموت، إنما ينال منه الضروري، ومثلك لا يعجزه - مع ~~التماس العافية - أضعاف ما يزجي به العمر من المأكل والمشرب، وحسبنا الله. # وإن تشوفت لحال المحب تلك السيادة الفذة، والبنوة البرة، فالحال الحال، ~~من جعل الزمام بيد القدر، والسير في مهيع الغفلة، والسبح في تيار الشواغل، ~~ومن وراء الأمور غيب محجوب، وأمل مكتوب، نؤمل فيه عادة الستر من الله، إلا ~~أن الضجر الذي تعلمونه، حفضه اليأس لما عجزت الحيلة، وأعوز المناص وسدت ~~المذاهب، PageV01P108 # والشأن اليوم شأن الناس فيما يقرب من الاعتدال. # وفيما يرجع إلى السلطان - تولاه الله -، على أضعاف ما باشر سيدي من ~~الاغياء في البر ووصل سبب الإلتحام، والاشتمال، مع الاستقلال، وما ينتجه ~~متعود الظهور، والحمد لله. # وفيما يرجع إلى الأحباب والأولاد، فعلى ما علمت، إلا إن الشوق مخامر ~~القلوب، وتصور اللقاء مما يزهد في الوطن وحاضر النعم. سنى الله ذلك ms060 على ~~أفضل حال، ويسره قبل الارتحال، عن دار المحال. # وفيما يرجع إلى الوطن، فأحلام النائم خصبا، وهدنة وظهورا على العدو، ~~وحسبك # بافتتاح حصن آشر، وبرغه القاطعة بين بلاد الإسلام، ووبذة، والغارين وبيغه ~~وحصن السهلة، في عام؛ ثم دخول بلد إطريرة: بنت PageV01P109 # إشبيلية عنوة، والاستيلاء علي ما يناهز خمسة آلاف من السبي؛ ثم فتح دار ~~الملك، ولدة قرطبة: مدينة جيان عنوة في اليوم الأغر المحجل، وقتل المقاتلة، ~~وسبي الذرية، وتعفية الآثار حتى لا يلم بها العمران، ثم افتتاح مدينة أبدة ~~التي تلف جيان في ملاءتها: دار التجر، والرفاهية، والبنى الحافلة، والنعم ~~الثرة، نسأل الله - جل وعلا - أن يصل عوائد نصره، ولا يقطع عنا سبب رحمته، ~~وإن ينفع بما أعان عليه من السعي في ذلك والإعانة عليه. # ولم يتزيد من الحوادث إلا ما علمتم، من أخذ الله لنسمة السوء، وخبث ~~الأرض، المسلوب من أثر الخير: عمر بن عبد الله، وتحكم شر الميتة في نفسه، ~~وإتيان النكال على حاشيته، والاستئصال على ذاته؛ والاضطراب مستول على الوطن ~~بعده، إلا أن الغرب على علاته لا يرجحه غيره. # والأندلس اليوم شيخ غزاتها الأمير عبد الرحمن بن علي ابن السلطان أبي PageV01P110 # علي، بعد وفاة الشيخ أبي الحسن: علي بن بدر الدين رحمه الله. وقد استتر ~~بها - بعد انصراف - سيدي الأمير المذكور، والوزير مسعود بن رحو وعمر بن ~~عثمان بن سليمان. # والسلطان ملك النصارى بطره، قد عاد إلى ملكة بإشبيلية، وأخوه مجلب عليه ~~بقشتالة، وقرطبة مخالفة عليه، قائمة بطائفة من كبار النصارى الخائفين على ~~أنفسهم، داعين لأخيه، والمسلمون قد اغتنموا هبوب هذه الريح. وخرق الله لهم ~~عوائد في باب الطهور والخير، لم تكن تخطر في الآمال. وقد تلقب السلطان - ~~أيده الله - بعقب هذه المكيفات، بالغني بالله وصدرت عنه مخاطبات، بمجمل ~~الفتوح ومفضلها، يعظم الحرص على إيصالها إلى تلك الفضائل لو أمكن. # وأما ما يرجع إلى ما يتشوف إليه ذلك الكمال من شغل الوقت، فصدرت تقاييد، ~~وتصانيف، يقال فيها - بعدما أعملته تلك السيادة من الانصراف - يا إبراهيم، ~~ولا إبراهيم ms061 اليوم. # منها: أن كتابا رفع إلى السلطان في المحبة، من تصنيف ابن أبي حجلة من ~~المشارقة، أشار الأصحاب بمعارضته، فعارضته، وجعلت الموضوع أشرف، وهو محبة ~~الله، فجاء كتابا أدعى الأصحاب غرابته. وقد وجه إلى المشرق صحبة كتاب: PageV01P111 # تاريخ غرناطة، وغيره من تآليفي. وتعرف تحبيسه بخانقاه سعيد السعداء من ~~مصر؛ وانثال الناس عليه، وهو في لطافة الأغراض، يتكلف أغراض المشارقة. من ~~ملحه: # سلمت لمصر في الهوى من بلد %~% يهديه هواؤه لدى استنشاقه # من ينكر دعواي فقل عني له %~% تكفي امرأة العزيز من عشاقه؟ # والله يرزق الإعانة في انتساخه وتوجيهه. وصدر عني جزء سميته: الغيرة على ~~أهل الحيرة؛ وجزء سميته: حمل الجمهور على السنن المشهور. والأكباب على ~~اختصار كتاب التاج للجوهري، ورد حجمه إلى مقدار الخمس، مع حفظ ترتبيه ~~السهل؛ والله المعين على مشغلة تقطع بها هذه البرهة القريبة البداءة من ~~التتمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. PageV01P112 # والمطلوب المثابرة على تعريف يصل من تلك السيادة والبنوة، إذ لا يتعذر ~~وجود قافل من حج، أو لاحق بتلمسان. يبعثها السيد الشريف منها، فالنفس شديدة ~~التعطش، والقلوب قد بلغت - من الشوق والاستطلاع - الحناجر. والله أسأل أن ~~يصون في البعد وديعتي منك لديه، ويلبسك العافية، ويخلصك وإياي من الورطة، ~~ويحملنا أجمعين على الجادة، ويختم لنا بالسعادة. والسلام الكريم عودا على ~~بدء، ورحمة الله وبركاته، من المحب المتشوق، الذاكر الداعي، ابن الخطيب. في ~~الثاني # من جمادى الأولى من عام تسعة وستين وسبعمائة. انتهى. # فأجبته عن هذه المخاطبات، وتفاديت من السجع خشية القصور عن مساجلته، فلم ~~يكن شأوه يلحق. ونص الجواب: # سيدي مجدا وعلوا، وواحدي ذخرا مرجوا، ومحل والدي برا وحنوا. ما زال الشوق ~~- مذ نأت بي وبك الدار، واستحكم بيننا البعاد - يرعي سمعي أنباءك، ويخيل ~~إلي من أيدي الرياح تناول رسائلك، حتى ورد كتابك العزيز على استطلاع، وعهد ~~غير مضاع، وود في أجناس وأنواع، فنشر بقلبي ميت السلو، وحشر أنواع المسرات، ~~وقد للقائك زناد الأمل، ومن الله أسأل الإمتاع بك قبل الفوت على ما يرضيك، ~~ويسني ms062 أماني وأمانيك. وحييته تحية الهائم، لمواقع الغمائم، والمدلج، للصباح ~~المتبلج وأمل على مقترح الأولياء، خصوصا فيك، من اطمئنان الحال، وحسن ~~القرار، وذهاب الهواجس، وسكون النفرة، وعموما في الدولة، من رسوخ القدم، ~~وهبوب ريح النصر، والظهور على عدو الله، باسترجاع الحصون التي استنقذوها في ~~اعتلال الدولة، وتخريب المعاقل التي هي قواعد النصرانية، غربية لا تثبت إلا ~~في الحلم، وآية من آيات الله. وإن خبيئة هذا الفتح في طي العصور السابقة، ~~إلى هذه المدة الكريمة، لدليل على عناية الله بتلك الذات الشريفة، حين ظهرت ~~على يدها خوارق العادة، وما تجدد آخر الأيام من معجزات الملة، ولكم فيها - ~~والحمد لله - بحسن التدبير، ويمن النقيبة، من حميد الأثر، وخالد الذكر، ~~طراز في حلة PageV01P113 # الخلافة النصرية، وتاج في مفرق الوزارة. كتبها الله لكم فيما يرضاه من ~~عباده. # ووقفت عليه الأشراف من أهل هذا القطر المحروس؛ وأذعته في الملأ سرورا بعز ~~الإسلام، وإظهارا لنعمة الله، واستطرادا لذكر الدولة المولوية بما تستحقه ~~من طيب الثناء، والتماس الدعاء، والحديث بنعمتها، والإشادة بفضلها على ~~الدول # السالفة والخالفة وتقدمها، فانشرحت الصدور حباء وامتلأت القلوب إجلالا ~~وتعظيما، وحسنت الآثار اعتقادا ودعاء. # وكان كتاب سيدي لشرف تلك الدولة عنوانا، ولما عساه يستعجم من لغتي في ~~مناقبها ترجمانا؛ زاده الله من فضله، وأمتع المسلمين ببقائه. وبثثته شكوى ~~الغريب، من السوق المزعج، والحيرة التي تكاد تذهب بالنفس أسفا، للتجافي عن ~~مهاد الأمن، والتقويض عن دار العز، بين المولى المنعم، والسيد الكريم، ~~والبلد الطيب، والإخوان البرة، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير. وإن ~~تشوفت السيادة الكريمة إلى الحال، فعلى ما علمتم، سيرا مع الأمل، ومغالبة ~~للأيام على الحظ، وإقطاعا للغفلة جانب العمر: # هل نافعي والجد في صبب %~% مري مع الآمال في صعد # رجع الله بنا إليه. ولعل في عظتكم النافعة، شفاء هذا الداء العياء إن شاء ~~الله، على أن لطف الله مصاحب، وجوار هذه الرياسة المزنية - وحسبك بها علمية ~~- عصمة وافية صرفت وجه القصد إلى ذخيرتي التي كنت أعتدها منهم كما علمتم، ~~على حين ms063 تفاقم الخطب، وتلون الدهر، والإفلات من مظان النكبة، وقد رتعت ~~حولها، بعد ما جرته الحادثة بمهلك السلطان المرحوم على يد ابن عمه، قريعه ~~في الملك، وقسيمه في النسب، والتياث الجاه، ولغير السلطان، واعتقال الأخ ~~المخلف، واليأس منه، PageV01P114 # لولا تكييف الله في نجائه، والعيث بعده في المنزل والولد، واغتصاب الضياع ~~المقتناة من بقايا ما متعت به الدولة النصرية - أبقاها الله - من النعمة؛ ~~فآوى إلى الوكر، وساهم في الحادث، وأشرك في الجاه والمال، وأعان على نوائب ~~الدهر، وطلب الوتر، حتى رأى الدهر مكاني، وأمل الملوك استخلاصي، وتجاروا في ~~إتحافي. والله المخلص من عقال الآمال، والمرشد إلى نبذ هذه الحظوظ المورطة. # وأنبأني سيدي بما صدر عنه من التصانيف الغريبة، والرسائل البليغة، في هذه ~~الفتوحات الجليلة، وبودي لو وقع الاتحاف بها أو بعضها، فلقد عاودني الندم ~~على ما فرطت. # وأما أخبار هذا القطر فلا زيادة على ما علمتم، من استقرار السلطان أبي ~~إسحق ابن السلطان أبي يحيى بتونس مستبدا بأمره بالحضرة بعد مهلك شيخ ~~الموحدين أبي محمد بن تافراكين القائم بأمره، رحمة الله عليه، مضايقا في ~~جبابة الوطن، وأحكامه بالعرب المستظهرين بدعوته، مصانعا لهم بوفره على أمان ~~الرعايا والسابلة، لو أمكن، حسن السياسة جهد الوقت، ومن انتظام بجاية محل ~~دولتنا في أمر صاحب قسنطينة وبونة، غلابا كما علمتم، محفلا الدولة بصرامته ~~وقوة شكيمته فوق طوقها، من الاستبداد والضرب على أيدي المستغلين من ~~الأعراب، منتقض الطاعة أكثر أوقاته لذلك، إلا ما شمل البلاد من تغلب العرب، ~~ونقص الأرض من الأطراف والوسط، وخمود ذبال الدول في كل جهة، وكل بداية فإلى ~~تمام. # وأما أخبار المغرب الأقصى والأدنى فلديكم طلعه، وأما المشرق فأخبار الحاج ~~هذه السنة من اختلاله، وانتقاض سلطانه، وانتزاء الجفاة على كرسية، وفساد ~~المصانع والسقايات المعدة لوفد الله وحاج بيته، ما يسخن العين ويطيل البث، ~~حتى لزعموا أن الهيعة اتصلت بالقاهرة أياما، وكثر الهرج في طرقاتها ~~وأسواقها، لما PageV01P115 # وقع بين أسندمر المتغلب بعد يلبغا الخاسكي، وبين سلطانه ظاهر القلعة، من ~~الجولة التي كانت دائرتها عليه، ms064 أجلت عن زهاء الخمسمائة قتلى، من حاشية ~~وموالي يلبغا، وتقبض على الباقين، فأودع منهم السجون، وصلب الكثير، وقتل ~~أسندمر في محبسه، وألقي زمام الدولة بيد كبير من موالي السلطان، فقام بها ~~مستبدا، وقادها مستقلا، وبيد الله تصاريف الأمور، ومظاهر الغيوب، جل وعلا. # ورغبتي من سيدي - أبقاه الله - أن لا يغب خطابه عني، متى أمكن، يصل بذلك ~~مننه الجمة، وأن يقبل عني أقدام تلك الذات المولوية، ويعرفه بما عندي من ~~التشيع لسلطانه، والشكر لنعمته، وأن تنهوا عني لحاشيته وأهل اختصاصه، ~~التحية، المختلسة من أنفاس الرياض، كبيرهم وصغيرهم. # وقد تأدى مني إلى حضرته الكريمة خطاب على يد الحاج نافع - سلمه الله - ~~تناوله من الأخ يحيى عند لقائه إياه بتلمسان، بحضرة السلطان أبي حمو - أيده ~~الله - فربما يصل، وسيدي يوضح من ثنائي ودعائي ما عجز عنه الكتاب. والله ~~يبقيكم ذخرا للمسلمين، وملاذا للآملين بفضله. والسلام عليكم وعلى من لاذ ~~بكم من السادة الأولاد المناجيب، والأهل والحاشية والأصحاب، من المحب فيكم، ~~المعتد بكم شيعة فضلكم، ابن خلدون، ورحمة الله وبركاته. # عنوانه: سيدي وعمادي، ورب الصنائع والأيادي، والفضائل الكريمة الخواتم ~~والمبادي، إمام الأمة، علم الأئمة، تاج الملة، فخر العلماء الجلة، عماد ~~الإسلام، مصطفى الملوك الكرام، نكتة الدول، كافل الإمامة، تاج الدول، أثير ~~الله، ولي أمير المسلمين الغني بالله - أيده الله - الوزير أبو عبد الله بن ~~الخطيب، أبقاه الله، وتولى عن المسلمين جزاءه. # وكتب إلي من غرناطة: # يا سيدي ووليي، وأخي ومحل ولدي! كان الله لكم حيث كنتم، ولا أعدمكم لطفه ~~وعنايته. لو كان مستقركم بحيث يتأتى لي إليه ترديد رسول، أو إيفاد متطلع، ~~أو PageV01P116 # توجيه نائب، لرجعت على نفسي باللائمة في إغفال حقكم، ولكن العذر ما ~~علمتم، واحمدوا الله على الاستقرار في كهف ذلك الفاضل الذي وسعكم كنفه. ~~وشملكم فضله شكر الله حسبه الذي لم يخلف، وشهرته التي لم تكذب. # وإني اغتنمت سفر هذا الشيخ، وافد الحرمين بمجموع الفتوح، في إيصال كتابي # هذا، وبودي لو وقفتم على ما لديه من البضاعة التي أنتم رئيسها وصدرها، ms065 ~~فيكون لكم في ذلك بعض أنس، وربما تأدى ذلك في بعضه مما لم يختم عليه، وظاهر ~~الأمور نحيل علية في لعريفكم بها، وأما البواطن فمما لا يتأتى كثرة وضنانة، ~~وأخص، بالصاد، ما أظن تشوفكم إليه حالي. فاعملوا أني قد بلغ بي الماء ~~الزبى، واستولى علي سوء المزاج المنحرف، وتوالت الأمراض، وأعوز العلاج، ~~لبقاء السبب، والعجز عن دفعه. وهي هذه المداخلة جعل الله العاقبة فيها إلى ~~خير، ولم أترك وجها من وجوه الحيلة إلا بذلته. فما أغنى ذلك عني شيئا، ~~ولولا أنني بعدكم شغلت الفكر بهذر التأليف، مع الزهد. وبعد العهد. وعدم ~~الإلماع بمطالعة الكتب. لم يتمش حالي من طريق فساد الفكر إلى هذا الحد، ~~وآخر ما صدر عني كناش سميته باستنزال اللطف الموجود، في أسر الوجود. أمليته ~~في هذه الأيام التي أقيم بها رسم النيابة عن السلطان في سفره إلى الجهاد. ~~بودي لو وقفتم عليه. وعلى كتابي في المحبة، وعسى الله أن ييسر ذلك. # ومع هذا كله. والله ما قصرت في الحرص على إيصال مكتوب إليكم. إما من جهة ~~أخيكم، أو من جهة السيد الشريف أبي عبد الله. حتى من المغرب إذا سمعت الركب ~~يتوجه منه فلا أدري هل بلغكم شيء من ذلك أم لا. والأحوال كلها على ما ~~تركتموها عليه. وأحبابكم بخير. على ما علمتم من الشوق والتشوف والارتماض PageV01P117 # لمفارقتكم. ولا حول ولا قوة إلا بالله. # والله يحفظكم. ويكون لكم. ويتولى أموركم، والسلام عليكم ورحمة الله. من ~~المحب الواحش الشيخ ابن الخطيب. في غرة ربيع الثاني من عام إحدى وسبعين ~~وسبعمائة. # وبباطنه مدرجة نصها: # سيدي رضي الله عنكم. استقر بتلمسان. في سبيل تقلب ومطاوعة مزاج تعرفونه. # صاحبنا المقدم في صنعة الطب أبو عبد الله الشقوري. فإن اتصل بكم فأعينوه ~~على ما يقف عليه اختياره وهذا لا يحتاج معه إلى مثلكم. # عنوانه: سيدي ومحل أخي. الفقيه الجليل. الصدر الكبير المعظم. الرئيس ~~الحاجب. العالم الفاضل الوزير ابن خلدون. وصل الله سعده. وحرس مجده. بمنه. # وإنما طولت بذكر هذه المخاطبات. وإن كانت ms066 فيما يظهر. خارجة عن غرض ~~الكتاب. لأن فيها كثيرا من أخباري. وشرح حالي. فيستوفي ذلك منها من يتشوف ~~إليه من المطالعين للكتاب. # ثم إن السلطان أبا حمو لم يزل معتملا في الاجلاب على بجاية. واستئلاف ~~قبائل رياح لذلك. ومعولا على مشايعتي فيه. ووصل يده مع ذلك بالسلطان أبي ~~إسحاق ابن السلطان أبي بكر صاحب تونس من بني أبي حفص، لما كان بينه وبين ~~أبي العباس صاحب بجاية وقسنطينة، وهو ابن أخيه، من العداوة التي تقتضيها ~~مقاسمة النسب والملك، وكان يوفد رسله عليه في كل وقت، ويمرون بي، وأنا ~~ببسكرة، فأؤكد الوصلة بمخاطبة كل منهما، وكان أبو زيان ابن عم السلطان أبي ~~حمو بعد إجفاله عن بجاية، واختلال معسكره، قد سار في أثره إلى تلمسان، ~~وأجلب على نواحيها، فلم يظفر بشيء، وعاد إلى بلاد حصين، فأقام بينهم، ~~واشتملوا عليه، PageV01P118 # ونجم النفاق في سائر أعمال المغرب الأوسط، واختلف أحياء زغبة على ~~السلطان، وانتبذ الكثير عنه إلى القفر. ولم يزل يستألفهم حتى اجتمع له ~~الكثير منهم، فخرج في عساكره في منتصف تسع وستين إلى حصين وأبي زيان، ~~واعتصموا بجبل تيطري، وبعث إلي في استنفار الدواودة للأخذ بحجزتهم من جهة ~~الصحراء، وكتب يستدعي أشياخهم: يعقوب بن علي كبير أولاد محمد، وعثمان بن ~~يوسف كبير أولاد سباع بن يحيى. وكتب إلى ابن مزنى قعيدة وطنهم بإمدادهم في ~~ذلك، فأمدهم، وسرنا مغربين إليه، حتى نزلنا القطفا قبلة تيطري، وقد أحاط ~~السلطان به # من جانب التل، على أنه إذا فرغ من شأنهم سار معنا إلى بجاية وبلغ الخبر ~~إلى صاحب بجاية أبي العباس، فاستألف من بقي من قبائل رياح، وعسكر بطرف ثنية ~~القصاب المفضية إلى المسيلة. وبينما نحن على ذلك اجتمع المخالفون من زغبة: ~~وهم خالد بن عامر كبير بني عامر وأولاد عريف كبراء سويد، ونهضوا إلينا ~~بمكاننا من القطفا، فأجفلت أحياء الدواودة، وتأخرنا إلى المسيلة، ثم إلى ~~الزاب. وسارت زغبة إلى تيطري، واجتمعوا مع أبي زيان وحصين، وهجموا على ~~معسكر السلطان أبي حمو ففلوه ورجع منهزما ms067 إلى تلمسان. ولم يزل من بعد ذلك ~~على استئلاف زعبة ورياح يؤمل الظفر بوطنه وابن عمه، والكرة على بجاية عاما ~~فعاما، وأنا على حال في مشايعته، وإيلاف ما بينه وبين الدواودة، والسلطان ~~أبي إسحاق صاحب تونس، وابنه خالد من بعده. ثم دخلت زغبة في طاعته، واجتمعوا ~~على خدمته، ونهض من تلمسان لشفاء نفسه من حصين وبجاية، وذلك في أخريات إحدى ~~وسبعين، فوفدت عليه بطائفة من الدواودة أولاد عثمان بن يوسف بن سليمان ~~لنشارف أحواله، ونطالعه بما يرسم لهم في خدمته، فلقيناه بالبطحاء. وضرب لنا ~~موعدا بالجزائر، انصرف به العرب إلى أهليهم، وتخلفت بعدهم لقضاء بعض ~~الأغراض واللحاق بهم، وصليت به عيد الفطر على البطحاء، وخطبت به، وأنشدته ~~عند انصرافه من المصلى أهنيه بالعيد، وأحرضه: PageV01P119 # هذي الديار فحيهن صباحا %~% وقف المطايا بينهن طلاحا # لا تسأل الأطلال إن لم تروها %~% عبرات عينك واكفا ممتاحا # فلقد أخذن على جفونك موثقا %~% أن لا يرين مع البعاد شحاحا # إيه عن الحي الجميع وربما %~% طرب الفؤاد لذكرهم فارتاحا # ومنازل للظاعنين استعجمت %~% حزنا وكانت بالسرور فصاحا # وهي طويلة، ولم يبق في حفظي منها إلا هذا. # وبينما نحن في ذلك، بلغ الخبر بأن السلطان عبد العزيز صاحب المغرب الأقصى ~~من بني مرين، قد استولى على جبل عامر بن محمد الهنتاتي بمراكش، وكان آخذا ~~بمخنقه منذ حول. وساقه إلى فاس فقتله بالعذاب، وإنه عازم على النهوض إلى ~~تلمسان، لما سلف من السلطان أبي حمو أثناء حصار السلطان عبد العزيز لعامر ~~في جبلة، من الأجلاب على ثغور المغرب، ولحين وصول هذا الخبر، أضرب السلطان ~~أبو حمو عن ذلك الشأن الذي كان فيه، وكر راجعا إلى تلمسان. وأخذ في أسباب ~~الخروج إلى الصحراء، مع شيعة بني عامر من أحياء زغبة، فاستألف، وجمع، وشد ~~الرحال، وقضى عيد الأضحى، وطلبت منه الإذن في الانصراف إلى الأندلس، لتعذر ~~الوجهة إلى بلاد رياح، وقد أظلم الجو بالفتنة، وانقطعت السبل، فأذن لي، ~~وحملني رسالة فيما بينه وبين السلطان ابن الأحمر. وانصرفت إلى المرسى ~~بهنين، وجاءه الخبر ms068 بنزول صاحب المغرب تازا في عساكره، فأجفل بعده من ~~تلمسان، ذاهبا إلى الصحراء عن طريق البطحاء. وتعذر علي ركوب البحر من هنين ~~فأقصرت، وتأدى الخبر إلى السلطان عبد العزيز بأني مقيم بهنين، وإن معي ~~وديعة احتملتها إلى صاحب بالأندلس، تخيل ذلك بعض الغواة، فكتب إلى السلطان ~~عبد العزيز فأنفذ من وقته سرية من تازا تعترضني لاسترجاع تلك الوديعة، ~~واستمر هو إلى تلمسان، ووافتني PageV01P120 # السرية بهنين وكشفوا الخبر فلم يقفوا على صحته، وحملوني إلى السلطان، ~~فلقيته قريبا من تلمسان، واستكشفني عن ذلك الخبر، فأعلمته بيقينه. وعنفني ~~على مفارقة دارهم، فاعتذرت له بما كان من عمر بن عبد الله المستبد عليهم، ~~وشهد لي كبير مجلسه، وولي أبيه وابن وليه: ونزمار بن عريف، ووزيره عمر بن ~~مسعود بن منديل بن حمامة، واحتفت الألطاف. وسألني في ذلك المجلس عن أمر ~~بجاية، وأفهمني أنه يروم تملكها. فهونت عليه السبيل إلى ذلك، فسر به، وأقمت ~~تلك الليلة في الاعتقال. ثم أطلقني # من الغد، فعمدت إلى رباط الشيخ الولي أبي مدين، ونزلت بجواره مؤثرا ~~للتخلي والانقطاع للعلم لو تركت له. ### | مشايعة السلطان عبد العزيز صاحب المغرب على بني عبد الواد # ولما دخل السلطان عبد العزيز تلمسان، واستولى عليها، وبلغ خبره إلى أبي ~~حمو وهو بالبطحاء، فأجفل من هنالك، وخرج في قومه وشيعته من بني عامر، ذاهبا ~~إلى بلاد رياح، فسرح السلطان وزيره أبا بكر بن غازي في العساكر لاتباعه. ~~وجمه عليه أحياء زغبة والمعقل باستئلاف وليه ونزمار وتدبيره، ثم أعمل ~~السلطان نظره ورأى أن يقدمني أمامه إلى بلاد رياح لأوطد أمره، وأحملهم على ~~مناصرته، وشفاء نفسه من عدوه بما كان السلطان آنس مني من استتباع رياح، ~~وتصريفهم فيما أريده من مذاهب الطاعة فاستدعاني من خلوتي بالعتاد عند رباط ~~الولي أبي مدين. وأنا قد أخذت في تدريس العلم، واعتزمت على الانقطاع، ~~فآنسني، وقربني، ودعاني إلى ما ذهب إليه من ذلك فلم يسعني إلا إجابته. وخلع ~~علي، وحملني، وكتب إلى شيوخ الدواودة بامتثال ما ألقب إليهم من أوامره. ~~وكتب ms069 إلى يعقوب بن علي، وابن مزنى PageV01P121 # بمساعدتي على ذلك، وأن يحاولوا على استخلاص أبي حمو من بين أحياء بني ~~عامر، ويحولوه إلى حي يعقوب بن علي، فودعته وانصرفت في عاشوراء اثنين ~~وسبعين، فلحقت الوزير في عساكره وأحياء العرب من المعقل وزغبة على البطحاء. ~~ولقيته، ودفعت إليه كتاب السلطان، وتقدمت أمامه. وشيعني ونزمار يومئذ، ~~وأوصاني بأخيه محمد. وقد كان أبوحمو قبض عليه عندما أحس منهم بالخلاف، ~~وأنهم يرومون الرحلة إلى المغرب. وأخرجه معه من تلمسان مقيدا، واحتمله في ~~معسكره، فأكد علي ونزمار # يومئذ في المحاولة على استخلاصه بما أمكن. وبعث معي ابن أخيه عيسى في ~~جماعة من سويد يبذرق بي ويتقدم إلى أحياء حصين بإخراج أبي زيان من بينهم، ~~فسرنا جميعا، وانتهينا إلى أحياء حصين. وأخبرهم فرح بن عيسى بوصية عمه ~~ونزمار إليهم، فنبذوا إلى أبي زيان عهده، وبعثوا معه منهم من أوصله إلى ~~بلاد رياح. ونزل على أولاد يحيى بن علي بن سباع، وتوغلوا به في القفر، ~~واستمريت أنا ذاهبا إلى بلاد رياح، فلما انتهيت إلى المسيلة ألفيت السلطان ~~أبا حمو وأحياء رياح معسكرين قريبا منها في وطن أولاد سباع بن يحيى من ~~الدواودة، وقد تساتلوا إليه، وبذل فيهم العطاء ليجتمعوا إليه. فلما سمعوا ~~بمكاني بالمسيلة، جاؤوا إلي فحملتهم على طاعة السلطان عبد العزيز، وأوفدت ~~أعيانهم وشيوخهم على الوزير أبي بكر بن غازي، فلقوه ببلاد الديالم عند نهر ~~واصل، فأتوه طاعتهم، ودعوه إلى دخول بلادهم في اتباع عدوه. ونهض معهم، ~~وتقدمت أنا من المسيلة إلى بسكرة، فلقيت بها يعقوب بن علي. واتفق هو وابن ~~مزنى على طاعة السلطان، وبعث ابنه محمدا للقاء أبي حمو وأمير بني عامر خالد ~~بن عامر، يدعوهم إلى نزول وطنه، والبعد به عن بلاد السلطان عبد العزيز، ~~فوجده متدليا من المسيلة إلى الصحراء. ولقيه على الدوسن وبات ليلته يعرض ~~عليهم التحول من وطن أولاد سباع إلى وطنهم بشرقي الزاب. وأصبح يومه PageV01P122 # كذلك، فما راعهم آخر النهار إلا انتشار العجاج خارجا إليهم من أفواه ~~الثنية، فركبوا يستشرقون، ms070 وإذا بهوادي الخيل طالعة من الثنية، وعساكر بني ~~مرين والمعقل وزغبة متتالية أمام الوزير أبي بكر بن غازي، قد دل بهم الطريق ~~وفد أولاد سباع الذين بعثتهم من المسيلة، فلما أشرفوا على المخيم، أغاروا ~~عليه مع غروب الشمس، فأجفل بنو عامر، وانتهب مخيم السلطان أبي حمو ورحائله ~~وأمواله. ونجا بنفسه تحت الليل، وتمزق شمل ولده وحرمه، حتى خلصوا إليه بعد ~~أيام، واجتمعوا بقصور مصاب # من بلاد الصحراء وامتلأت أيدي العساكر والعرب من نهابهم. وانطلق محمد بن ~~عريف في تلك الهيعة. أطلقه الموكلون به، وجاء إلى الوزير وأخيه ونزمار، ~~وتلقوه بما يجب له. وأقام الوزير أبو بكر بن غازي على الدوسن أياما أراح ~~فيها. وبعث إليه ابن مزنى بطاعته، وأرغد له من الزاد والعلوفة، وارتحل ~~راجعا إلى المغرب، وتخلفت بعده أياما عند أهلي ببسكرة. ثم ارتحلت إلى ~~السلطان في وفد عظيم من الدواودة، يقدمهم أبو دينار أخو يعقوب بن علي، ~~وجماعة من أعيانهم، فسابقنا الوزير إلى تلمسان، وقدمنا على السلطان، فوسعنا ~~من حبائه وتكرمته، ونزله ما بعد العهد بمثله. ثم جاء من بعدنا الوزير أبو ~~بكر بن غازي على الصحراء، بعد أن مر بقصور بني عامر هنالك فخربها، وكان يوم ~~قدومه على السلطان يوما مشهودا، وأذن بعدها لوفود الدواودة بالانصراف إلى ~~بلادهم. وقد كان ينتظر بهم قدوم الوزير، ووليه ونزمار بن عريف، فودعوه، ~~وبالغ في الإحسان إليهم، وانصرفوا إلى بلادهم. ثم أعمل نظره في إخراج أبي ~~زيان من بين أحياء الدواودة لما خشي من رجوعه إلى حصين، فوامرني في ذلك، ~~وأطلقني إليهم في محاولة انصرافه عنهم، فانطلقت لذلك. وكان أحياء حصين قد ~~توجسوا الخيفة من السلطان وتنكروا له، وانصرفوا إلى أهلهم بعد مرجعهم من PageV01P123 # غزاتهم مع الوزير، وبادروا باستدعاء أبي زيان من مكانه عند أولاد يحيى بن ~~علي، وأنزلوه بينهم، واشتملوا عليه، وعاثوا إلى الخلاف الذي كانوا عليه ~~أيام أبي حمو، واشتعل المغرب الأوسط نارا. ونجم صبي من بيت الملك في ~~مغراوة، وهو حمزة بن علي بن راشد؛ فر من معسكر ms071 الوزير ابن غازي أيام مقامه ~~عليها فاستولى على شلف، وبلاد قومه. وبعث السلطان وزيره عمر بن مسعود في ~~العساكر لمنازلته، وأعيا داؤه، وانقطعت أنا ببسكرة، وحال ذلك ما بيني وبين ~~السلطان إلا بالكتاب والرسالة. وبلغني في تلك الأيام وأنا ببسكرة مفر ~~الوزير ابن الخطيب من الأندلس، # وقدومه على السلطان بتلمسان، توجس الخيفة من سلطانه، بما كان له من ~~الاستبداد عليه، وكثرة السعاية من البطانة فيه، فأعمل الرحلة إلى الثغور ~~المغربية لمطالعتها بإذن سلطانه. فلما حاذى جبل الفتح قفل الفرضة، دخل إلى ~~الجبل، وبيده عهد السلطان عبد العزيز إلى القائد هنالك بقبوله. وأجاز البحر ~~من حينه إلى سبتة، وسار إلى السلطان بتلمسان، وقدم عليهما في يوم مشهود. ~~وتلقاه السلطان من الحظوة والتقريب وإدرار النعم بما لا يعهد مثله. وكتب ~~إني من تلمسان يعرفني بخبره، ويلم ببعض العتاب على ما بلغه من حديثي الأول ~~بالأندلس. ولم يحضرني الآن كتابه، فكان جوابي عنه ما نصه: # الحمد لله ولا قوة إلا بالله، ولا راد لما قضاه الله. # يا سيدي ونعم الذخر الأبدي، والعروة الوثقى التي اعتلقتها يدي، أسلم PageV01P124 # عليكم سلام القدوم، على المخدوم، والخضوع، للملك المتبوع، لا بل أحييكم ~~تحية المشوق، للمعشوق، والمدلج، للصباح المتبلج، وأقرر ما أنتم أعلم بصحيح ~~عقدي في من حبي لكم، ومعرفتي بمقداركم، وذهابي إلى أبعد الغايات في ~~تعظيمكم، والثناء عليكم، والإشادة في الإنفاق بمنقاقبكم، ديدنا معروفا، ~~وسجية راسخة، يعلم الله وكفى به شهيدا، وبهذا كما في علمكم قسما ما اختلف ~~لي فيه أول وآخر، ولا شاهد ولا غائب. وأنتم أعلم بما في نفسي، وأكبر شهادة ~~في خفايا ضميري. ولو كنت ذاك، فقد سلف من حقوقكم، وجميل أخذكم، واجتلاب ~~الحظ - لو هيأه القدر - بمساعيكم، وإيثاري بالمكان من سلطانكم، ودولتكم، ما ~~يستلين معاطف القلوب، ويستل سخائم الهواجس، فأنا أحاشيكم من استشعار نبوة، ~~أو إحقاق ظن؛ ولو تعلق بقلب ساق حر ذرء وذرء، فحاش لله أن يقدح في الخلوص ~~لكم، أو يرجح سوابقكم، إنما هو خبيئة الفؤاد إلى الحشر أو اللقاء. ووالله ms072 ~~وجميع ما يقسم به، ما اطلع على مستكنه مني غير صديقي وصديقكم الملابس - كان ~~- لي ولكم الحكيم # الفاضل العلم أبي عبد الله الشقوري أعزه الله. نفثة PageV01P125 # مصدور، ومباثة خلوص، إذ أنا أعلم الناس بمكانه منكم، وقد علم ما كان مني ~~حين مفارقة صاحب تلمسان، واضمحلال أمره، من إجماع الأمر على الرحلة إليكم، ~~والخفوف إلى حاضرة البحر للإجازة إلى عدوتكم، تعرضت فيها للتهم، ووقفت ~~بمجال الظنون، حتى تورطت في الهلكة بما ارتفع عني مما لم آته، ولا طويت ~~العقد عليه، لولا حلم مولانا الخليفة، وحسن رأيه في وثبات بصيرته، لكنت في ~~الهالكين الأولين؛ كل ذلك شوقا إلى لقائكم، وتمثلا لأنسكم، فلا تظنوا بي ~~الظنون، ولا تصدقوا في التوهمات، فأنا من علمتم صداقة، وسذاجة، وخلوصا، ~~واتفاق ظاهر وباطن، أثبت الناس عهدا، وأحفظهم غيبا، وأعرفهم بوزن الإخوان ~~ومزايا الفضلاء؛ ولأمر ما تأخر كتابي من تلمسان فأني كنت أستشعر ممن ~~استضافني ريبا بخطاب سواه، خصوصا جهتكم، لقديم ما بين الدولتين من الاتحاد ~~والمظاهرة واتصال اليد، مع أن الرسول تردد إلي، وأعلمني اهتمامكم واهتمام ~~السلطان، تولاه الله، باستكشاف ما انبهم من حالي؛ فلم أترك شيئا مما أعلم ~~تشوفكم إليه إلا وكشفت له قناعه، وأمنته على بلاغه؛ ولم أزل بعد انتياش ~~مولانا الخليفة لذمائي، وجذبه بضبعي سابحا في تيار الشواغل كما علمتم ~~القاطعة حتى عن الفكر. # وسقطت إلي بمحل خدمتي من هذه القاصية أخبار خلوصكم إلى المغرب، قبل وصول ~~راجلي إلى الحضرة، غير جلية ولا ملتئمة ولم يتعين ملقي العصى ولا مستقر ~~النوى، فأرجيت الخطاب إلى استجلائها؛ وأفدت في كتابكم العزيز PageV01P126 # علي، الجاري على سنن الفضل، ومذهب المجد، غريب ما كيفه القدر من تنويع ~~الحال لديكم. وعجبت من تأتي أملكم الشارد فيه كما كنا نستبعده عند ~~المفاوضة، فحمدت الله لكم على الخلاص من ورطة الدول على أحسن الوجوه، وأجمل ~~المخارج الحميدة العواقب في الدنيا والدين، العائدة بحسن المآل في المخلف: ~~من أهل وولد # ومتاع وأثر، بعد أن رضتم جموح الأيام، وتوقلتم قلل العز، وقدتم الدنيا ~~بحذافيرها، ms073 وأخذتم بآفاق السماء على أهلها؛ وهنيئا فقد نالت نفسكم التواقة ~~أبعد أمانيها، ثم تاقت إلى ما عند الله؛ وأشهد لما ألهمتم للإعراض عن ~~الدنيا ونزع اليد من حطامها عند الإصحاب والإقبال، ونهى الآمال، إلا جذبا ~~وعناية من الله، وحبا؛ وإذا أراد الله أمرا يسر أسبابه. # واتصل بي ما كان من تحفى المثابة المولوية بكم، واهتزاز الدولة لقدومكم؛ ~~ومثل تلك الخلافة، أيدها الله، من يثابر على المفاخر، ويستأثر بالأخاير. ~~وليت ذلك عند إقبالكم على الحظ، وأنسكم باجتلاب الآمال، حتى يحسن المتاع ~~بكم، ويتجمل السرير الملوكي بمكانكم، فالظن إن هذا الباعث الذي هزم الآمال، ~~ونبذ الحظوظ، وهون المفارق العزيز، يسومكم الفرار إلى الله، حتى يأخذ بيدكم ~~إلي فضاء المجاهدة، PageV01P127 # ويستوي بكم على جودي الرياضة. والله يهدي للتي هي أقوم. وكأني بالأقدام ~~نقلت، والبصائر بإلهام الحق صقلت، والمقامات خلفت بعد أن استقبلت، والعرفان ~~شيمت أنواره وبوارقه، والوصول انكشفت حقائقه لما ارتفعت عوائقه. وأما حالي، ~~والظن بكم الاهتمام بها، والبحث عنها، فغير خفية بالباب المولوي - أعلاه ~~الله - ومظهرها في طاعته، ومصدرها عن أمره، وتصاريفها في خدمته، والزعم إني ~~قمت المقام المحمود في التشيع، والانحياش، واستمالة الكافة، إلى المناصحة، ~~ومخالطة القلوب للولاية، وما يتشوفه مجدكم ويتطلع إليه فضلكم واهتمامكم، من ~~خاصيها في النفس والولد، فجهينة خبره مؤدي كتابي إليكم، ناشئ تأديبي، وثمرة ~~تربيتي، فسهلوا له الإذن، وألينوا له جانب النجوى، حتى يؤدي ما عندي وما ~~عندكم، وخذوه بأعقاب الأحاديث أن يقف عند مبادئها، وائتمنوه على ما تحدثون، ~~فليس بظنين على السر. # وتشوفي لما يرجع به إليكم سيدي وصديقي وصديقكم المغرب في المجد والفضل، # المساهم في الشدائد، كبير المغرب، وظهير الدولة، أبو يحيى بن أبي PageV01P128 # مدين - كان الله له - في شأن الولد والمخلف، تشوف الصديق لكم، الضنين على ~~الأيام بقلامة الظفر من ذات يدكم، فأطلعوني طلع ذلك ولا يهمكم؛ فالفراق ~~الواقع حسن، والسلطان كبير، والأثر جميل، والعدو الساعي قليل وحقير، والنية ~~صالحة، والعمل خالص، ومن كان لله كان الله له. # واستطلاع الرياسة المزنية الكافلة - كافأ الله ms074 يدها البيضاء - عني وعنكم ~~إلى مثله من أحوالكم استطلاع من يسترجح وزانكم، ويشكر الزمان على ولاده ~~لمثلكم. # وقد قررت لعلومه من مناقبكم، وبعد شأوكم، وغريب منحاكم، ما شهدت به ~~آثاركم الشائعة، الخالدة في الرسائل المتأدية، وعلى ألسنة الصادر والوارد ~~من الكافة، من حمل الدولة، واستقامة السياسة، ووقفته على سلامكم، وهو ~~يراجعكم بالتحية، ويساهمكم بالدعاء. # وسلامي على سيدي، وفلذة كبدي ومحل ولدي، الفقيه الزكي الصدر أبي الحسن ~~نجلكم، أعزه الله، وقد وقع مني موقع البشرى حلوله من الدولة بالمكان ~~العزيز، والرتبة النابهة، والله يلحفكم جميعا رداء العافية والستر ويمهد ~~لكم محل الغبطة والأمن، ويحفظ عليكم ما أسبغ من نعمته، ويجريكم على عوائد ~~لطفه وعنايته، والسلام الكريم يخصكم من المحب الشاكر الداعي الشائق شيعة ~~فضلكم: عبد الرحمن بن خلدون، ورحمة الله وبركاته في يوم الفطر عام اثنين ~~وسبعين وسبع مائة. # وكان بعث إلي مع كتابه نسخة كتابه إلى سلطانه ابن الأحمر صاحب الأندلس، ~~عندما دخل جبل الفتح، وصار إلى إيالة بني مرين، فخاطبه من هنالك بهذا ~~الكتاب، فرأيت أن أثبته هنا وإن لم يكن من غرض التأليف لغربته، ونهايته في ~~الجودة، وإن مثله لا يهمل من مثل هذا الكتاب، مع ما فيه من زيادة الاطلاع ~~على # أخبار الدول في تفاصيل أحوالها. ونص الكتاب: PageV01P129 # بانوا فمن كان باكيا يبكي %~% هذي ركاب السرى بلا شك # فمن ظهور الركاب معملة %~% إلى بطون الربى إلى الفلك # تصدع الشمل مثلما انحدرت %~% إلى صبوب جواهر السلك # من النوى قبل لم أزل حذرا %~% هذى النوى جل مالك الملك # مولاي. كان الله لكم وتولى أمركم. أسلم عليكم سلام الوداع، وأدعو الله في ~~تيسير اللقاء والاجتماع، بعد التفرق والانصداع، وأقرر لديكم أن الإنسان ~~أسير الأقدار، مسلوب الاختيار، متقلب في حكم الخواطر والأفكار، وأن لا بد ~~لكل أول من آخر، وأن التفرق لما لزم كل اثنين بموت أو في حياة، ولم يكن منه ~~بد، كان خير أنواعه الواقعة بين الأحباب، ما وقع على الوجوه الجميلة ~~البريئة من الشرور. # ويعلم مولاي حال عبده ms075 منذ وصل إليكم من المغرب بولدكم، ومقامه لديكم بحال ~~قلق وقلعة، لولا تعليلكم، ووعدكم، وارتقاب اللطائف في تقليب قلبكم، وقطع ~~مراحل الأيام حريصا على استكمال سنكم، ونهوض ولدكم واضطلاعهم بأمركم، وتمكن ~~هدنة وطنكم، وما تحمل في ذلك من ترك غرضه لغرضكم، وما استقر بيده من ~~عهودكم، وأن العبد الآن لما تسبب لكم في الهدنة من بعد الظهور والعز، ونجح ~~السعي، وتأتى لسنين كثيرة الصلح، ومن بعد أن لم يبق لكم بالأندلس مشغب من ~~القرابة، وتحرك لمطالعة الثغور الغربية، وقرب من فرضة المجاز، واتصال الأرض ~~ببلاد المشرق، طرقته الأفكار، وزعزعت صبره رياح الخواطر، وتذكر PageV01P130 # إشراف العمر على التمام، وعواقب الاستغراق، وسيرة الفضلاء عند شمول ~~البياض، فغلبته حال شديدة هزمت التعشق بالشمل الجميع، والوطن المليح، ~~والجاه الكبير، والسلطان القليل النظير، وعمل بمقتضى قوله: موتوا قبل أن ~~تموتوا. فإن صحت هذه الحال المرجو من إمداد الله، تنقلت الأقدام إلى أمام، ~~وقوي التعلق # بعروة الله الوثقى، وإن وقع العجز، وافتضح العزم، فالله يعاملنا بلطفه. ~~وهذا المرتكب مرام صعب، لكن سهله علي أمور: منها أن الانصراف لما لم يكن ~~منه بد، لم يتعين على غير هذه الصورة، إذ كان عندكم من باب المحال. ومنها ~~أن مولاي لو سمح لي في غرض الانصراف، لم تكن لي قدرة على موقف وداعه، لا ~~والله! ولكان الموت أسبق إلي، وكفى بهذه الوسيلة الحبية - التي يعرفها - ~~وسيلة. ومنها حرصي على أن يظهر صدق دعواي فيما كنت أهتف به، وأظن أني لا ~~أصدق. ومنها اغتنام المفارقة في زمن الأمان، والهدنة الطويلة، والاستغناء، ~~إذ كان الانصراف المفروض ضروريا قبيحا في غير هذه الحال. ومنها - وهو أقوى ~~الأعذار - إنني مهما لم أطق تمام هذا الأمر، أو ضاق ذرعي به، لعجز، أو مرض، ~~أو خوف طريق، أو نفاد زاد، أو شوق غالب، رجعت رجوع الأب الشفيق، إلى الولد ~~البر الرضي، إذ لم أخلف ورائي مانعا من الرجوع، من قول قبيح أو فعل، بل ~~خلفت الوسائل المرعية، والآثار الخالدة، والسير الجميلة، وانصرفت بقصد شريف ~~فقت ms076 به أشياخي، وكبار وطني، وأهل طوري، وتركتكم على أتم ما أرضاه، مثنيا ~~عليكم، داعيا لكم. وإن فسح الله في الأمد، وقضى الحاجة، فأملي العودة إلى ~~ولدي وتربتي، وإن قطع الأجل، فأرجو أن أكون ممن وقع أجره على الله. # فإن كان تصرفي صوابا، وجاريا على السداد، فلا يلام من أصاب، وإن كان عن ~~حمق، وفساد عقل، فلا يلام من اختل عقله، وفسد مزاجه، بل يعذر، ويشفق عليه، PageV01P131 # ويرحم، وإن لم يعط مولاي أمري حقه من العدل، وجلبت الذنوب، وحشرت بعدي ~~العيوب، فحياؤه وتناصفه ينكر ذلك، ويستحضر الحسنات، من التربية والتعليم ~~وخدمة السلف وتخليد الآثار وتسمية الولد وتلقيب السلطان، والإرشاد للأعمال ~~الصالحة والمداخلة والملابسة، لم يتخلل ذلك قط خيانة في مال ولا سر، # ولا غش في تدبير. ولا تعلق به عار، ولا كدره نقص، ولا حمل عليه خوف منكم، ~~ولا طمع فيما بيدكم، فإن لم تكن هذه دواعي الرعي والوصلة والإبقاء، ففيم ~~تكون بين بني آدم؟ # وأنا قد رحلت. فلا أوصيكم بمال، فهو عندي أهون متروك، ولا بولد فهم ~~رجالكم، وخدامكم، وممن يحرص مثلكم على الاستكثار منهم، ولا بعيال، فهي من ~~مربيات بيتكم، وخواص داركم، إنما أوصيكم بحظي العزيز كان علي بوطنكم، وهو ~~أنتم، فأنا أوصيكم بكم، فارعوني فيكم خاصة. أوصيكم بتقوى الله، والعمل لغد، ~~وقبض عنان اللهو في موطن الجد، والحياء من الله الذي محص وأقال، وأعاد ~~النعمة بعد زوالها لينظر كيف تعملون. وأطلب منكم عوض ما وفرته عليكم، من ~~زاد طريق، ومكافأة، وإعانة، زادا سهلا عليكم، وهو أن تقولوا لي: غفر الله ~~لك ما ضيعت من حقي خطأ أو عمدا، وإذا فعلتم ذلك فقد رضيت. # واعلموا أيضا على جهة النصيحة أن ابن الخطيب مشهور في كل قطر، وعند كل ~~ملك، واعتقاده، وبره، والسؤال عنه، وذكره بالجميل، والإذن في زيارته، نجابة ~~منكم، وسعة ذرع ودهاء، فإنما كان ابن الخطيب بوطنكم سحابة رحمة نزلت، ثم ~~أقشعت، وتركت الأزاهر تفوح، والمحاسن تلوح، ومثاله معكم مثال المرضعة أرضعت ~~السياسة، والتدبير الميمون، ثم رقدتكم في ms077 مهد الصلح والأمان، وغطتكم بقناع ~~العافية، وانصرفت إلى الحمام تغسل اللبن والوضر، وتعود، فإن وجدت الرضيع ~~نائما فحسن، أو قد انتب فلم تتركه إلا في حد الفطام. وتختم لكم هذه الغزارة ~~بالحلف الأكيد: إني ما تركت لكم وجه نصيحة في دين، ولا في دنيا، إلا وقد ~~وفيتها PageV01P132 # لكم، ولا فارقتكم إلا عن عجز، ومن ظن خلاف هذا فقد ظلمني وظلمكم، والله ~~يرشدكم ويتولى أمركم. ونقول: خاطركم في ركوب البحر. # انتهت نسخة الكتاب، وفي طيها هذه الأبيات: # صاب مزن الدموع من جفن صبك %~% عندما استروح الصبا من مهبك # كيف يسلو يا جنتي عنك قلب %~% كان قبل الوجود جن بحبك # ثم قل كيف كان بعد انتشاء ال %~% روح من أنسك الشهي وقربك # لم يدع بيتك المنيع حماه %~% لسواه إلا إلى بيت ربك # أول عذري الرضا فما جئت بدعا %~% دمت والفضل والرضا من دأبك # وإذا ما ادعيت كربا لفقدي %~% أين كربي ووحشتي من كربك # ولدي في ذراك وكري في دو %~% حك لحدي وتربتي في تربك # يا زمانا أغرى الفراق بشملي %~% ليتني أهبتي أخذت لحربك # أركبتني صروفك الصعب حتى %~% جئت بالبين وهو أصعب صعبك # وكتب آخر النسخة يخاطبني: # هذا ما تيسر، والله ولي الخيرة لي ولكم من هذا الخباط الذي لا نسبة بينه ~~وبين أولي الكمال. ردنا الله إليه، وأخلص توكلنا عليه، وصرف الرغبة إلى ما ~~لديه. # وفي طي النسخة مدرجة نصها: # رضي الله عن سيادتكم. أونسكم بما صدر مني أثناء هذا الواقع مما استحضره PageV01P133 # الولد في الوقت، وهو يسلم عليكم بما يجب لكم، وقد حصل من حظوة هذا المقام ~~الكريم على حظ وافر، وأجزل إحسانه، ونوه بجرايته، وأثبت الفرسان خلفه. ~~والحمد لله انتهى. # ثم اتصل مقامي ببسكرة، والمغرب الأوسط مضطرب بالفتنة المانعة من الأتصال ~~بالسلطان عبد العزيز، وحمزة بن علي بن راشد ببلاد مغراوة، والوزير عمر بن ~~مسعود في العساكر يحاصره بحصن تاجحمومت، وأبو زيان العبد الوادي ببلاد ~~حصين، وهم مشتملون عليه وقائمون بدعوته. # ثم سخط السلطان وزيره عمر بن مسعود، ونكر منه ms078 تقصيره في أمر حمزة # وأصحابه، فاستدعاه إلى تلمسان، وقبض عليه، وبعث به إلى فاس معتقلا، فحبس ~~هناك، وجهز العساكر مع الوزير أبي بكر بن غازي، فنهض إليه، وحاصره ة ففر من ~~الحصن، ولحق بمليانة مجتازا عليها، فأنذر به عاملها فتقبض عليه، وسيق إلى ~~الوزير في جماعة من أصحابه، فضرب أعناقهم، وصلبهم عظة ومزدجرا لأهل الفتنة. # ثم أوعز السلطان إلى الوزير بالمسير إلى حصين، وأبي زيان، فسار في ~~العسكر، واستنفر أحياء العرب من زغبة فأوعبهم، ونهض إلى حصين، فامتنعوا ~~بجبل تطري، ونزل الوزير بعساكره ومن معه من أحياء زغبة على الجبل تيطري، من ~~جهة التل، فأخذ بمخنقهم، وكاتب السلطان أشياخ الدواودة من رياح بالمسير إلى ~~حصار تيطري من جهة القبلة. وكاتب أحمد بن مزنى صاحب بسكرة بإمدادهم ~~بأعطياتهم وكتب إلي يأمرني بالمسير بهم لذلك، فاجتمعوا علي، وسرت بهم أول ~~سنة أربع وسبعين، حتى نزلنا بالقطفة، ووفدت، في جماعة منهم، على الوزير ~~بمكانه من حصار تيطري، فحد لهم حدود الخدمة، وشارطهم على الجزاء. ورجعنا ~~إلى أحيائهم بالقطفة، فاشتدوا في حصار الجبل، وألجأوهم بسوامهم وظهرهم إلى ~~قنته، فهلك لهم الخف والحافر، وضاق ذرعهم بالحصار من كل جانب، وراسل PageV01P134 # بعضهم في الطاعة خفية، فارتاب بعضهم من بعض، فانفضوا ليلا من الجبل، وأبو ~~زيان معهم، ذاهبين إلى الصحراء، واستولى الوزير على الجبل بما فيه من ~~مخلفهم. ولما بلغوا مأمنهم من القفر، نبذوا إلى أبي زيان عهده. فلحق بجبال ~~غمرة، ووفد أعيانهم على السلطان عبد العزيز بتلمسان، وفاءوا إلى طاعته، ~~فتقبل فيئتهم، وأعادهم إلى أوطانهم. وتقدم إلي الوزير - عن أمر السلطان - ~~بالمسير مع أولاد يحيى بن علي بن سباع، للقبض على أبي زيان في جبل غمرة، ~~وفاء بحق الطاعة، لأن غمرة من رعاياهم، فمضينا لذلك، نجده عندهم. وأخبرونا # أنه ارتحل عنهم إلى بلد واركلا من مدن الصحراء، فنزل على صاحبها أبي بكر ~~بن سليمان، فانصرفنا من هنالك. ومضى أولاد يحيى بن علي إلى أحيائهم، ورجعت ~~أنا إلى أهلي ببسكرة، وخاطبت السلطان بما وقع في ذلك، وأقمت ms079 منتظرا أوامره ~~حتى جاءني استدعاؤه إلى حضرته، فارتحلت إليه. ### || فصل # وكان الوزير ابن الخطيب آية من آيات الله في النظم والنثر، والمعارف ~~والأدب، لا يساجل مداه، ولا يهتدى فيها بمثل هداه. # فمما كتب عن سلطانه إلى سلطان تونس جوابا عن كتاب وصل إليه مصحوبا بهدية ~~من الخيل والرقيق، فراجعهم عنه بما نصه إلى آخره: # الخلافة التي ارتفع في عقائد فضلها الأصيل القواعد الخلاف، واستقلت مباني ~~فخرها الشائع، وعزها الذائع، على ما أسسه الأسلاف ووجب لحقها الجازم، ~~وفرضها اللازم الاعتراف، ووسعت الآملين لها الجوانب الرحيبة والاكناف، ~~فامتزاجنا بعلائها المنيف، وولائها الشريف، كما امتزج الماء والسلاف، ~~وثناؤنا على مجدها الكريم وفضلها العميم، كما تأرجت الرياض الأفواف، لما ~~زارها PageV01P135 # الغمام الوكاف، ودعاؤنا بطول بقائها، واتصال علائها، يسمو به إلى قرع ~~أبواب السموات العلا الاستشراف، وحرص على توفية حقوقها العظيمة، وفواضلها ~~العميمة، لا تحصره الحدود، ولا تدركه الأوصاف، وإن عذر في التقصير عن نيل ~~ذلك المرام الكبير الحق والإنصاف. خلافة وجهة تعظيمنا إذ توجهت الوجوه ومن ~~نؤثره إذا أهمنا ما نرجوه، ونفديه ونبديه إذ استمنح المحقوب واستدفع ~~المكروه السلطان الكذا بن أبي اسحق ابن السلطان الكذا أبي يحيى بن أبي بكر ~~ابن السلطان الكذا، أبي زكرياء ابن السلطان الكذا، أبي إسحاق ابن الأمير ~~الكذا، أبي زكرياء ابن الشيخ الكذا، أبي محمد بن عبد الواحد بن أبي حفص، ~~أبقاه الله ومقامه مقام # إبراهيم رزقا وأمانا. لا يخض جلب الثمرات إله وقتا ولا يعين زمانا، وكان ~~على من يتخطف الناس من حوله مؤيدا بالله معانا. # معظم قدره العالي على الأقدار، ومقابل داعي حقه بالابتدار، المثنى على ~~معاليه المخلدة الآثار، في أصونة النظام والنثار، ثناء الروضة المعطار، على ~~الأمطار، PageV01P136 # الداعي إلى الله بطول بقائه في عصمة منسدلة الأستار، وعزة ثابتة المركز ~~مستقيمة المدار، وأن يختم له بعد بلوغ غايات الحال، ونهاية الأعمال، ~~بالزلفى وعقبى الدار. # (عبد الله الغني بالله أمير المسلمين، محمد بن مولانا أمير المسلمين، أبي ~~الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر]. # سلام كريم كما حملت ms080 أحاديث الأزهار نسمات الأسحار، وروت ثغور الأقاحي ~~والبهار، عن مسلسلات الأنهار، وتجلى على منصة الاشتهار، وجه عروس النهار، ~~يخص خلافتكم الكريمة النجار، العزيزة الجار ورحمة الله وبركاته. # أما بعد حمد الله الذي أخفى حكمته البالغة عن أذهان البشر، فعجزت عن ~~قياسها، وجعل الأرواح أجنادا مجندة - كما ورد في الخبر - تحن إلى أجناسها، ~~منجد هذه الملة من أوليائه الجلة بمن يروض الآمال بعد شماسها، وييسر ~~الأغراض قبل التماسها، ويعنى بتجديد المودات في ذاته وابتغاء مرضاته على ~~حين أخلاق لباسها، الملك الحق، واصل الأسباب بحوله بعد انتكاث أمراسها، ~~ومغني النفوس بطوله، بعد إفلاسها حمدا يدر أخلاف النعم بعد إبساسها، وينشر ~~رمم الأموال من أرماسها، ويقدس النفوس بصفات ملائكة السموات بعد إبلاسها. # والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله سراج الهداية ونبراسها عند ~~اقتناء الأنوار واقتباسها، مطهر الأرض من أوضارها وأدناسها، ومصطفى الله من ~~بين ناسها، وسيد الرسل الكرام ما بين شيثها وإلياسها، الآتي مهيمنا على ~~آثارها، # في حين فترتها ومن بعد نصرتها واستيئاسها، مرغم الضراغم في PageV01P137 # أخياسها، بعد افترارها وافتراسها، ومعفر أجرام الأصنام ومصمت أجراسها. # والرضا عن آله وأصحابه وعترته وأحزابه، حماة شرعته البيضاء وحراسها، ~~وملقحي غراسها، ليوث الوغى عند احتدام مراسها، ورهبان الدجى تتكفل مناجاة ~~السميع العليم، في وحشة الليل البهيم بإيناسها، وتفاوح نسيم الأسحار، عند ~~الاستغفار، بطيب أنفاسها. # والدعاء لخلافتكم العلية المستنصرية بالصنائع التي تشعشع أيدي العزة ~~القعساء من أكواسها، ولا زالت العصمة الإلهية كفيلة باحترامها واحتراسها، ~~وأنباء الفتوح، المؤيدة بالملائكة والروح، ريحان جلاسها وآيات المفاخر التي ~~ترك الأول للآخر، مكتتبة الأسطار بأطراسها، وميادين الوجود مجالا لجياد ~~جودها وبأسها، والعز والعدل منسوبين لفسطاطها وقسطاسها، وصفيحة النصر ~~العزيز تقبض كفها، المؤيدة بالله، على رياسها، عند اهتياج أضدادها، وشره ~~أنكاسها، لانتهاب البلاد وانتهاسها وهبوب رياح رياحها وتمرد مرداسها. # فإنا كتبناه إليكم - كتب الله لكم من كتائب نصره أمدادا تذعن أعناق ~~الأنام، لطاعة ملككم المنصور الأعلام، عند إحساسها، وآتاكم من آيات ~~العنايات، آية PageV01P138 # تضرب الصخرة الصماء، ممن عصاها بعصاها، فتبادر بانبجاسها، - من حمراء ms081 ~~غرناطة، حرسها الله، وأيام الإسلام، بعناية الملك العلام تحتفل وفود ~~الملائكة الكرام، لولائمها وأعراسها، وطواعين الطعان، في عدو الدين المعان، ~~تجدد عهدها بعام عمواسها. # والحمد لله حمدا معادا يقيد شوارد النعم، ويستدر مواهب الجود والكرم ~~ويؤمن من انتكاث الجدود وانتكاسها، ولي الآمال ومكاسها، وخلافتكم هي ~~المثابة التي يزهى الوجود بمحاسن مجدها، زهو الرياض بوردها وآسها، وتستمد ~~أضواء الفضائل # من مقباسها، وتروي رواة الإفادة، والإجادة غريب الوجادة، عن ضحاكها ~~وعباسها. وإلى هذا أعلى الله معارج قدركم، وقد فعل، وأنطق بحجج فخركم من ~~احتفى وانتعل، فإنه وصلنا كتابكم الذي حسبناه، على صنائع الله لنا، تميمة ~~لا تلقع بعدها عين، وجعلناه - على حلل، مواهبه - قلادة لا يحتاج معها زين، ~~ودعوناه من جيب الكنانة آية بيضاء الكتابة، لم يبق معها شك ولا مين، وقرأنا ~~منه وثيقة ود هضم فيها عن غريم الزمان دين، ورأينا منه إنشاء، خدم اليراع ~~بين PageV01P139 # يديه وشاء، واحتزم بهميان عقدته مشاء، وسئل عن معانيه الاختراع فقال: إنا ~~أنشأناهن إنشاء، فأهلا به من عربي أبي يصف السانح والبانة، ويبين فيحسن ~~الإبانة، أدى الأمانة، وسئل عن حيه فانتمى إلى كنانة، وأفصح وهو لا ينبس، ~~وتهللت قسماته وليل حبره يعبس، وكأن خاتمه المقفل على صوانه، المتحف بباكر ~~الورد في غير أوانه، رعف من مسك عنوانه، ولله من قلم دبج تلك الحلل، ونقع ~~بمجاج الدواة المستمدة من عين الحياة الغلل، فلقد تخارق في الجود، مقتديا ~~بالخلافة التي خلد فخرها في الوجود، فجاد بسر البيان ولبابه، وسمح في سبيل ~~الكرم حتى بماء شبابه، وجمع لفرط بشاشته وفهامته، بند شهادة السيف بشهامته، ~~فمشى من الترحيب، في الطرس الرحيب، على أم هامته. # وأكرم به من حكيم، أفصح بملغوز الإكسير، في اللفظ اليسير، وشرح بلسان ~~الخبير، سر صناعة التدبير، كأنما خدم الملكة الساحرة بتلك البلاد، قبل ~~اشتجار الجلاد، فآثرته بالطارف من سحرها والتلاد، أو عثر بالمعلقة، وتيك PageV01P140 # القديمة المطلقة، بدفينة دار، أو كنز تحت جدار، أو ظفر لباني الحنايا، ~~قبل أن تقطع به عن أمانيه المنايا، ببديعة، أو ms082 خلف جرجير الروم، قبل منازلة ~~القروم، على وديعة، أو أسلمه ابن أبي سرح، في نشب للفتح وسرح، أو حتم له ~~روح بن حاتم ببلوغ المطلب، أو غلب الحظوظ بخدمة آل الأغلب، أو خصه زيادة ~~الله بمزيد، أو # شارك الشيعة في أمر أبي يزيد، أو سار على منهاج، في مناصحة بني PageV01P141 # صنهاج، وفضح بتخليد أمداحهم كل هاج. # وأعجب به، وقد عزز منه مثنى البيان بثالث، فجلب سحر الأسماع، واسترقاق ~~الطباع، بين مثان للإبداع ومثالث، كيف اقتدر على هذا المحيد، وناصح مع ~~التثليث مقام التوحيد، نستغفر الله ولي العون، على الصمت والصون، فالقلم هو ~~الموحد قبل الكون، والمتصف من صفات السادة، أولي العبادة، بضمور الجسم ~~وصفرة اللون، إنما هي كرامة فاروقية، وأثارة من حديث سارية وبقية، سفر ~~وجهها في الأعقاب، بعد طول الانتقاب، وتداول الأحقاب، ولسان مناب، عن كريم ~~جناب، وإصابة السهم لسواه محسوبة، وإلى الرامي الذي سدده منسوبة، ولا تنكر ~~على الغمام بارقة، ولا على المتحققين بمقام التوحيد كرامة خارقة، فما شاءه ~~الفضل من غرائب بر وجد، ومحاريب خلق كريم ركع الشكر فيها وسجد، حديقة بيان ~~استثارت نواسم الإبداع من مهبها، واستزارت غمائم الطباع من مصبها، فآتت ~~أكلها مرتين بإذن ربها، لا. بل كتيبة عز طاعنت بقنا الألفات سطورها، فلا ~~يرومها النقد ولا يطورها، ونزعت عن قسي النونات خطوطها، واصطفت من بياض ~~الطرس، وسواد النقس، بلق تحوطها. # فما كأس المدير، على الغدير، بين الخورنق والسدير، تقامر بنرد PageV01P142 # الحباب، عقول ذوي الألباب، وتغرق كسرى في العباب، وتهدي، - وهي الشمطاء - ~~نشاط الشباب؛ وقد أسرج ابن سريج وألجم، وأفصح الغريض بعد ما جمجم، وأعرب ~~الناي الأعجم، ووقع معبد بالقضيب، وشرعت في حساب العقد بنان الكف الخضيب، ~~وكأن الأنامل فوق مثالث العود ومثانيه، وعند إغراء الثقيل بثانية، وإجابة ~~صدى الغناء بين مغانيه، المراود تشرع في الوشي، أو العناكب تسرع في المشي، ~~وما المخبر بنيل الرغائب، أو قدوم الحبيب الغائب، لا. بل إشارة البشير، # بكم المشير، على العشير، بأجلب للسرور، من زائره المتلقى بالبرور، وأدعى ~~للحبور، ms083 من سفيره المبهج السفور، فلم نر مثله من كتيبة كتاب تجنب الجرد، ~~تمرح في الأرسان، وتتشوف مجالي ظهورها إلى عرائس الفرسان، وتهز معاطف ~~الارتياح، من صهيلها الصراح، بالنغمات الحسان، إذا أوجست الصريخ PageV01P143 # نازعت أفناء الأعنة، وكاثرت بأسنة آذانها مشرعة الأسنة، فإن ادعى الظليم ~~أشكالها فهو ظالم، أو نازعها الظبي هواديها وأكفالها فهو هاذ أو حالم، وإن ~~سئل الأصمعي عن عيوب الغرر والأوضاح، قال مشيرا إلى وجوهها الصباح: # جلدة بين العين والأنف سالم # من كل عبل الشوى، مسابق للنجم إذا هوى، سامي التليل، عريض ما تحت الشليل، ~~ممسوحة أعطافه بمنديل النسيم البليل. # من أحمر كالمدام، تجلى على الندام، عقب الفدام، أتحف لونه بالورد، في زمن ~~البرد، وحيي أفق محياه بكوكب السعد، وتشوف الواصفون إلى عد محاسنه فأعيت ~~على العد، بحر يساجل البحر عند المد، وريح تباري الريح عند الشد، بالذراع ~~الأشد؛ حكم له مدير فلك الكفل باعتدال فصل القد، وميزه قدره المميز PageV01P144 # عندالاستباق، بقصب السباق، عند اعتبار الحد، وولد مختط غرته أشكال ~~الجمال، على الكمال، بين البياض والحمرة ونقاء الخد، وحفظ الخلق الوجيه، عن ~~جده الوجيه، ولا تنكر الرواية على الحافظ ابن الجد. # وأشقر، أبى الخلق، والوجه الطلق أن يحقر، كأنما صيغ من العسجد، وطرف ~~بالدر وأنعل بالزبرجد، ووسم في الحديث بسمة اليمن والبركة، واختص بفلج ~~الخصام، عند اشتجار المعركة، وانفرد بمضاعف السهام، المنكسرة على الهام، في ~~الفرائض المشتركة، واتصف فلك كفله بحركتي الإرادة والطبع من أصناف الحركة، ~~أصغى إلى السماء بأذن ملهم، وأغرى لسان الصهيل - عند التباس # معاني الهمز والتسهيل - ببيان المبهم، وفتنت العيون من ذهب جسمه، ولجين ~~نجمه، بالدينار والدرهم، فإن انقض فرجم، أو ريح لها حجم، وإن اعترض فشفق ~~لاح به للنجم نجم. # وأصفر قيد الأوابد الحرة، وأمسك المحاسن وأطلق الغرة، وسئل من أنت في PageV01P145 # قواد الكتائب، وأولي الأخبار العجائب؟ فقال: أنا المهلب بن أبي صفرة، ~~نرجس هذه الألوان، في رياض الأكوان، تحثى به وجوه الحرب العوان، أغار بنخوة ~~الصائل، على معصفرات الأصائل، فارتداها، وعمد إلى خيوط شعاع ms084 الشمس، عند ~~جانحة الأمس، فألحم منها حلته وأسداها، واستعدت عليه تلك المحاسن فما ~~أعداها، فهو أصيل تمسك بذيل الليل عرفه وذيله، وكوكب يطلعه من القتام ليله، ~~فيحسده فرقد الأفق وسهيله. # وأشهب تغشى من لونه مفاضة، وتسربل منه لامة فضفاضة، قد احتفل زينه، لما ~~رقم بالنبال لجينه، فهو الأشمط، الذي حقه لا يغمط، والدارع المسارع، ~~والأعزل الذارع، وراقي الهضاب الفارع، ومكتوب الكتيبة البارع. وأكرم به من ~~مرتاض سالك، ومجتهد على غايات السابقين الأولين متهالك، وأشهب يروي من ~~الخليفة، في الشيم المنيفة، عن مالك. # وحباري كلما سابق وبارى، استعار جناح الحبارى، فإذا أعملت الحسبة، قيل من ~~هنا جاءت النسبة، طرد النمر، لما عظم أمره وأمر، فنسخ وجوده بعدمه، وابتزه ~~الفروة ملطخة بدمه، وكأن مضاعف الورد نثر عليه من طبقه، أو الفلك، لما PageV01P146 # ذهب الحلك، مزج فيه بياض صبحه بخمرة شفقه. # وقرطاسي حقه لا يجهل، متى ما ترقى العين فيه تسفل، إن نزع عنه جله، فهو ~~نجم كله، انفرد بمادة الألوان، قبل أن تشوبها يد الأكوان، أو تمزجها أقلام ~~الملوان، يتقدم الكتيبة منه لواء ناصع، أو أبيض مناصع، لبس وقار المشيب، في # ريعان العمر القشيب، وأنصتت الآذان من صهيله المطيل المطيب، لما ارتدى ~~بالبياض إلى نغمة الخطيب، وإن تعتب منه للتأخير متعتب، قلنا: الواو لا ~~ترتب، ما بين فحل وحرة، وبهرمانة ودرة، ويا لله من ابتسام غرة، ووضوح يمن ~~في طرة، وبهجة للعين وقرة، وإن ولع الناس بامتداح القديم، وخصوا الحديث ~~بفري الأديم، وأوجب المتعصب، وإن أبى المنصب، مرتبة التقديم، وطمح إلى رتبة ~~المخدوم طرف الخديم، وقورن المثري بالعديم، وبخس في سوق الكسد الكيل، ودجا ~~الليل، وظهر في فلك الإنصاف الميل، لما تذوكرت الخيل، فجيء بالوجيه ~~والخطار، PageV01P147 # والذائد وذى الخمار، وداحس والسكب، والأبجر وزاد الركب، والجموح ~~واليحموم، والكميت ومكتوم، والأعوج وحلوان، ولاحق والغضبان، وعفزر ~~والزعفران والمحبر واللعاب، PageV01P148 # والأغر والغراب، وشعلة والعقاب، والفياض واليعبوب، والمذهب واليعسوب، ~~والصموت والقطيب، وهيدب والصبيب، وأهلوب وهداج، والحرون وخراج، وعلوى ~~والجناح، والأحوى PageV01P149 # ومجاح، والعصا والنعامة، والبلقاء والحمامة، وسكاب والجرادة، ms085 وخوصاء ~~والعرادة، فكم بين الشاهد والغائب، والفروض والرغائب، وفرق ما بين الأثر ~~والعيان، غني عن البيان، وشتان بين الصريح والمشتبه، ولله در القائل: # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به # والناسخ يختلف به الحكم، وشر الدواب عند التفضيل بين هذه الدواب الصم ~~البكم، إلا ما ركبه نبي، أو كان له يوم الافتخار برهان خفي ومفضل ما PageV01P150 # سمع على ما رأى غبي، فلو أنصفت محاسنها التي وصفت، لأقضمت حب القلوب ~~علفا، وأوردت ماء الشبيبة نطفا، واتخذت لها من عذر الخدود الملاح عذر ~~موشية، وعللت بصفير ألحان القيان كل عشية، وأنعلت بالأهلة، وغطيت بالرياض ~~بدل الأجلة. # إلى الرقيق، الخليق بالحسن الحقيق، يسوقه إلى مثوى الرعاية روقة الفتيان ~~رعاته، ويهدي عقيقها من سبجه أشكالا تشهد للمخترع سبحانه بإحكام مخترعاته، ~~وقفت ناظر الاستحسان لا يريم، لما بهره منظرها الوسيم، وتخامل الظليم، ~~وتضاؤل الريم وأخرس مفوه اللسان، وهو بملكات البيان، الحفيظ العليم، وناب ~~لسان الحال، عن لسان المقال، عند الاعتقال، فقال يخاطب المقام الذي أطلعت ~~أزهارها غمائم جوده، واقتضت اختيارها بركات وجوده: لو علمنا أيها الملك ~~الأصيل، الذي كرم منه الإجمال والتفضيل، أن الثناء يوازيها، لكلنا لك ~~بكيلك، أو الشكر يعادلها ويجازيها، لتعرضنا بالوشل إلى نيل نيلك، أو قلنا ~~هي التي أشار إليها مستصرخ سلفك المستنصر بقوله: أدرك بخيلك، حين شرق بدمعه ~~الشرق، وانهزم PageV01P151 # الجمع واستولى الفرق، واتسع فيه - والحكم لله - الخرق ورأى إن مقام ~~التوحيد بالمظاهرة على التثليث، وحزبه الخبيث، الأولى والأحق. # والآن قد أغنى الله بتلك النية، عن اتخاذ الطوال الردينية، وبالدعاء من ~~تلك المثابة الدينية إلى رب البنية، عن الأمداد السنية والأجواد تخوض بحر ~~الماء إلى بحر المنية، وعن الجرد العربية، في مقاود الليوث الأبية، وجدد ~~برسم هذه الهدية، مراسيم العهود الودية، والذمم الموحدية، لتكون علامة على ~~الأصل، ومكذبة لدعوى الوقف والفصل، وإشعارا بالألفة التي لا تزال ألفها ألف ~~الوصل، ولأمها حراما على النصل. # وحضر بين يدينا رسولكم، فقرر من فضلكم ما لا ينكره من عرف علو مقداركم، ~~وأصالة داركم، وفلك إبداركم، ms086 وقطب مداركم، وأجبناه عنه بجهد ما كنا لنقنع ~~من جناه المهتصر، بالمقتضب المختصر، ولا لنقابل طول طوله بالقصر، لولا طرو ~~الحصر. # وقد كان بين الأسلاف - رحمة الله عليهم ورضوانه - ود أبرمت من أجل الله # معاقده، ووثرت للخلوص، الجلي النصوص، مضاجعه القارة ومراقده، وتعاهد ~~بالجميل يوجع لفقده فاقده، أبى الله إلا أن يكون لكم الفضل في تجديده، ~~والعطف بتوكيده، فنحن الآن لا ندري أي مكارمكم نذكر، أو أي فواضلكم نشرح أو ~~نشكر، أمفاتحتكم التي هي في الحقيقة عندنا فتح، أم هديتكم، وفي وصفها ~~للأقلام سبح، PageV01P152 # ولعدو الإسلام بحكمة حكمتها كبح، إنما نكل الشكر لمن يوفي جزاء الأعمال ~~البرة، ولا يبخس مثقال الذرة ولا أدنى من مثقال الذرة، ذي الرحمة الثرة، ~~والألطاف المتصلة المستمرة، لا إله إلا هو. # وإن تشوفتم إلى الأحوال الراهنة، وأسباب الكفر الواهية - بقدرة الله - ~~الواهنة، فنحن نطرفكم بطرفها، ونطلعكم على سبيل الإجمال بطرفها، وهو أننا ~~لما أعادنا من التمحيص، إلى مثابة التخصيص، من بعد المرام العويص، كحلنا ~~بتوفيق الله بصر البصيرة، ووقفنا على سبيله مساعي الحياة القصيرة، ورأينا ~~كما نقل إلينا، وكرر على من قبلنا وعلينا - أن الدنيا - وإن غر الغرور ~~وأنام على سرر الغفلة السرور، فلم ينفع الخطور على أجداث الأحباب والمرور ~~جسر يعبر، ومتاع لا يغبط من حبي به ولا يحبر، إنما هو خبر يخبر، وأن الحسرة ~~بمقدار ما على تركه يجبر، وأن الأعمار أحلام، وأن الناس نيام، وربما رحل ~~الراحل عن الخان، وقد جلله بالأذى والدخان، أو ترك به طيبا، وثناء يقوم بعد ~~للآتي خطيبا، فجعلنا العدل في الأمور ملاكا، والتفقد للثغور مسواكا، وضجيع ~~المهاد، حديث الجهاد، وأحكامه مناط الاجتهاد، وقوله: يا أيها الذين آمنوا ~~هل أدلكم على تجارة من حجج الاستشهاد، وبادرنا رمق الحصون المضاعة وجنح ~~التقية دامس، وعواريها لا ترد يد PageV01P153 # لامس، وساكنها بائس، والأعصم في شعفاتها من العصمة يائس، فزينا ببيض ~~الشرفات ثناياها، وأفعمنا بالعذب الفرات ركاياها وغشينا بالصفيح المضاعف ~~أبوابها، واحتسبنا عند موفي الأجور ثوابها، وبيضنا بناصع الكلس أثوابها، ~~فهي # اليوم ms087 توهم حس العيان، أنها قطع من بيض العنان، وتكاد تناول قرص البدر ~~بالبنان، متكفلة للمؤمنين من فزع الدنيا والآخرة بالأمان، وأقرضنا الله ~~قرضا، وأوسعنا مدونة الجيش عرضا، وفرضنا إنصافه مع الأهلة فرضا، واستندنا ~~من التوكل على الله الغني الحميد إلى ظل لواء، ونبذنا إلى الطاغية عهده على ~~سواء وقلنا: ربنا أنت العزيز، وكل جبار لعزك ذليل، وحزبك هو الكثير، وما ~~سواه قليل، أنت الكافي، ووعدك الوعد الوافي، فأفض علينا مدارع الصابرين، ~~واكتبنا من الفائزين بحظوظ رضاك الظافرين، وثبت أقدمنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين. # فتحركنا أول الحركات، وفاتحة مصحف البركات، في خف من الحشود، واقتصار على ~~ما بحضرتنا من العساكر المظفرة والجنود، إلى حصن آشر البازي المطل، وركاب ~~العدو الضال المضل، ومهدي نفثات الصل، على امتناعه وارتفاعه، وسمو يفاعه، ~~وما بذل العدو فيه من استعداده، وتوفير أسلحته وأزواده، وانتخاب أنجاده، ~~فصلينا بنفسنا ناره، وزاحمنا عليه الشهداء نصابر أواره ونلقى PageV01P154 # بالجوارح العزيزة سهامه المسمومة، وجلامده الملمومة وأحجاره، حتى فرعنا - ~~بحول من لا حول ولا قوة إلا به - أبراجه المنيعة وأسواره، وكففنا عن البلاد ~~والعباد أضراره، بعد أن استضفنا إليه حصن السهلة جاره، ورحلنا عنه بعد أن ~~شحناه رابطة وحامية، وأزوادا نامية، وعملنا بيدنا في رم ما ثلم القتال، ~~وبقر من بطون مسابقة الرجال، واقتدينا بنبينا - صلوات الله عليه وسلامه - ~~في الخندق لما حمى ذلك المجال، ووقع الارتجاز المنقول حديثة والارتجال، وما ~~كان ليقر للإسلام مع تركه القرار، وقد كتب الجوار، وتداعى الدعرة وتعاوى ~~الشرار. # وقد كنا أغرينا من بالجهة الغربية من المسلمين بمدينة برغه التي سدت بين ~~القاعدتين رندة ومالقة الطريق، وألبست ذل الفراق ذلك الفريق، ومنعتهما أن ~~يسيغا الريق، فلا سبيل إلى الإلمام، لطيف المنام، إلا في الأحلام، ولا ~~رسالة إلا في # أجنحة هدل الحمام، فيسر الله فتحها، وعجل منحها، بعد حرب انبتت فيها ~~النحور، وتزينت الحور. وتبع هذه الأم بنات شهيرة، وبقع للزرع والضرع خيرة، ~~فشفي الثغر من بؤسه، وتهلل وجه الإسلام بتلك الناحية الناجية بعد عبوسة. # ثم أعملنا الحركة ms088 إلى مدينة إطريرة، على بعد المدى، وتغلغلها في بلاد ~~العدا، واقتحام هول الفلا وغول الردى، مدينة تبنتها حمص فأوسعت الدار، ~~وأغلت PageV01P155 # الشوار، وراعت الاستكثار، وبسطت الاعتمار، رجح لدينا قصدها على البعد، ~~والطريق الجعد، ما أسفت به المسلمين من استئصال طائفة من أسراهم، مروا بها ~~آمنين، وبطائرها المشئوم متيمنين، قد أنهكهم الاعتقال، والقيود الثقال، ~~وأضرعهم الأسار وجللهم الانكسار، فجدلوهم في مصرع واحد، وتركوهم عبرة ~~للرائي والمشاهد، وأهموا بوقيعتهم إلى الإسلام ثكل الواجد، وترة الماجد، ~~فكبسناها كبسا، وفجأناها بإلهام من لا يضل ولا ينسى، وصبحتها الخيل، ثم ~~تلاحق الرجل لما جن الليل، وحاق بها الويل، فأبيح منها الذمار، وأخذها ~~الدمار، ومحقت من مصانعها البيض الأهلة وخسفت الأقمار، وشفيت من دماء أهلها ~~الضلوع الحرار، وسلطت على هياكلها النار، واستولى على الآلاف العديدة من ~~تسبيها الأسار، وانتهى إلى إشبيلية الثكلى المغار فجلل وجوه من بها من كبار ~~النصرانية الصغار، واستولت الأيدي على ما لا يسعه الوصف ولا تقله الأوقار. # وعدنا والأرض تموج سبيا، لم نترك بعفرين شبلا ولا بوجرة ظبيا، PageV01P156 # والعقائل حسرى، والعيون يبهرها الصنع الأسرى وصبح السرى قد حمد من بعد ~~المسرى، فسبحان الذي أسرى، ولسان الحمية ينادي، في تلك الكنائس المخربة ~~والنوادي: يا لثارات الأسرى! # ولم يكن إلا أن نفلت الأنفال، ووسمت بالأوضاح الأغفال، وتميزت الهوادي ~~والأكفال، وكان إلى غزو مدينة جيان الاحتفال، قدنا إليها الجرد تلاعب ~~الظلال # نشاطا، والأبطال تقتحم الأخطار رضى بما عند الله واغتباطا، والمهندة ~~الدلق تسبق إلى الرقاب استلالا واختراطا، واستكثرنا من عدد القتال احتياطا، ~~وأزحنا العلل عمن أراد جهادا منجيا غباره من دخان جهنم ورباطا، ونادينا ~~الجهاد! الجهاد! يا أمة الجهاد! راية النبي الهاد! الجنة تحت ظلال السيوف ~~الحداد!، فهز النداء إلى الله تعالى كل عامر وغامر، وائتمر الجم من دعوى ~~الحق إلى أمر آمر، وأتى الناس من الفجوج العميقة رجالا وعلى كل ضامر، ~~وكاثرت الرايات أزهار البطاح لونا وعدا، وسدت الحشود مسالك الطريق العريضة ~~سدا، ومد بحرها الزاخر مدا، فلا يجد لها الناظر ولا المناظر حدا. ms089 # وهذه المدينة هي الأم الولود، والجنة التي في النار لسكانها من الكفار ~~الخلود، PageV01P157 # وكرسي الملك، ومجنبة الوسطى من السلك، باءت بالمزايا العديدة ونجحت، وعند ~~الوزان بغيرها من أمات البلدان، رجحت، غاب الأسود، وجحر الحيات السود، ~~ومنصب التماثيل الهائلة، ومعلق النواقيس الصائلة. # فأدنينا إليها المراحل، وعنينا ببحار المحلات المستقلات منها الساحل، ~~ولما أكثبنا جوارها، وكدنا نلتمح نارها، تحركنا إليها ووشاح الأفق المرقوم، ~~بزهر النجوم، قد دار دائره، والليل من خوف الصباح، على سطحه المستباح، قد ~~شابت غدائره، والنسر يرفرف باليمن طائره، والسماك الرامح يثأر بعز الإسلام ~~ثائره، والنعائم راعدة فرائص الجسد، من خوف الأسد، والقوس يرسل سهم PageV01P158 # السعادة، بوتر العادة، إلى أهداف النعم المعادة، والجوزاء عابرة نهر ~~المجرة، والزهرة تغار من الشعرى العبور بالضرة، وعطارد يسدي في حبل الحروب، ~~على البلد المحروب ويلحمه، ويناظر على أشكالها الهندسية فيفحمه، والأحمر ~~يبهر، وبعلمه الأبيض يغري وينهر، والمشتري يبدئ في فضل الجهاد ويعيد، ~~ويزاحم في الحلقات، على ما للسعادة من الصفقات، ويزيد، وزحل عن الطالع PageV01P159 # منزحل، وعن العاشر مرتحل، # وفي زلق السعود وحل، والبدر يطالع حجر المنجنيق، كيف يهوي إلى النيق، ~~ومطلع الشمس يرقب، وجدار الأفق يكاد بالعيون عنها ينقب. # ولما فشا سر الصباح، واهتزت أعطاف الرايات بتحيات مبشرات الرياح، أطللنا ~~عليها إطلال الأسود على الفرائس، والفحول على العرائس، فنظرنا منظرنا منظرا ~~يروع بأسا ومنعة، ويروق وضعا وصنعة، تلفعت معاقله الشم للسحاب ببرود، ووردت ~~من غدر المزن في برود، وأشرعت لاقتطاف أزهار النجوم والذراع بين النطاق ~~معاصم رود، وبلدا يعيي الماسح والذارع، وينتظم المحاني والأجارع، فقلنا: ~~اللهم نفله أيدي عبادك، وأرنا فيه آية من آيات جهادك، ونزلنا بساحتها ~~العريضة المتون، نزول الغيث الهتون، وتيمنا من فحصها بسورة التين والزيتون، ~~متبرئة من من أمان الرحمان للبلد المفتون، وأعجلنا الناس بحمية نفوسهم ~~النفيسة، وسجية شجاعتهم البئيسة، عن أن تبوأ للقتال PageV01P160 # المقاعد، وتدني بأسماع شهير النفير منهم الأباعد، وقبل أن يلتقي الخديم ~~بالمخدوم، ويركع المنجنيق ركعتي القدوم، فدفعوا من أصحر إليهم من الفرسان. ~~وسبق إلى حومة الميدان، ms090 حتى أحجروهم في البلد، وسلبوهم لباس الجلد، في موقف ~~يذهل الوالد عن الولد، صابت السهام فيه غماما، وطارت كأسراب الحمام تهدى ~~حماما، وأضحت القنا قصدا، بعد أن كانت شهابا رصدا، وماج بحر القتام بأمواج ~~النصول، وأخذ الأرض الرجفان لزلزال الصياح الموصول، فلا ترى إلا شهيدا تظلل ~~مصرعه الحور، وصريعا تقذف به إلى الساحل تلك البحور، ونواشب تبأى بها ~~الوجوه الوجيهة عند الله والنحور، فالمقضب، فوده يخضب، والأسمر، غصنه ~~يستثمر، والمغفر، حماه يخفر، وظهور القسي تقصم، وعصم الجند الكوافر تفصم، ~~وورق اليلب في المنقلب يسقط، والبيض تكتب والسمر تنقط، فاقتحم الربض الأعظم ~~لحينه، وأظهر الله لعيون PageV01P161 # المبصرين والمستبصرين عزة دينه، وتبرأ الشيطان من خدينه، ونهب # الكفار وخذلوا، وبكل مرصد جدلوا، ثم دخل البلد بعده غلابا، وجلل قتلا ~~واستلابا، فلا تسل إلا الظبا والأسل عن قيام ساعته، وهول يومها وشناعته، ~~وتخريب المبائت والمباني، وغنى الأيدي من خزائن تلك المغاني، ونقل الوجود ~~الأول إلى الوجود الثاني، وتخارق السيف فجاء بغير المعتاد، ونهلت القنا ~~الردينية من الدماء، حتى كادت تورق كالأغصان المغترسة والأوتاد، وهمت أفلاك ~~القسي وسحت، وأرنت حتى بحت، ونفدت موادها فشحت، مما ألحت، وسدت المسالك جثث ~~القتلى فمنعت العابر، واستأصل الله من عدوه الشأفة وقطع الدابر، وأزلف ~~الشهيد وأحسب الصابر، وسبقت رسل الفتح الذي يسلم يسمع بمثله في الزمن ~~الغابر. تنقل البشرى من أفواه المحابر، إلى آذان المنابر. # أقمنا بها أياما نعقر الأشجار، ونستأصل بالتخريب الوجار، ولسان الانتقام ~~من عبدة الأصنام، ينادي: يا لثارات الإسكندرية تشفيا من الفجار، ورعيا لحق PageV01P162 # الجارة وقفلنا وأجنحة الرايات، برياح العنايات، خافقة وأوفاق، التوفيق، ~~الناشئة من خطوط الطريق، موافقة، وأسواق العز بالله نافقة، وحملاء الرفق ~~مصاحبة - والحمد لله - مرافقة، وقد ضاقت ذروع الجبال، عن أعناق الصهب ~~السبال، ورفعت على الأكفال، ردفاء كرائم الأنفال، وقلقلت من النواقيس أجرام ~~الجبال، بالهندام والاحتيال في وهلك بمهلك هذه الأم بنات كن يرتضعن ثديها ~~الحوافل، ويستوثرن حجرها الكافل، شمل التخريب أسوارها، وعجلت النار بوارها. # ثم تحركنا بعدها حركة الفتح، وأرسلنا دلاء الأدلاء ms091 قبل المتح، فبشرت ~~بالمنح، وقصدنا مدينة أبدة، وهي ثانية الجناحين، وكبرى الأختين، ومساهمة ~~جيان في حين الحين، مدينة أخذت عرض الفضاء الأخرق، وتمشت فيه أرباضها تمشي ~~الكتابة الجامحة في المهرق، المشتملة على المتاجر والمكاسب، والوضع ~~المتناسب، والفلح المعيي ريعه عمل الحاسب وكوارة الدبر اللاسب PageV01P163 # المتعددة اليعاسب، فأناخ # العفاء بربوعها العامرة، ودارت كؤوس عقار الحتوف، ببنان السيوف، على ~~متديريها المعاقرة، وصبحتها طلائع الفاقرة، وأغريت ببطون أسوارها عوج ~~المعاول الباقرة، ودخلت مدينتها عنوة السيف، في أسرع من خطرة الطيف، ولا ~~تسأل عن الكيف، فلم يبلغ العفاء من مدينة حافلة، وعقيلة في حلل المحاسن ~~رافلة، ما بلغ من هذه البائسة التي سجدت لآلهة النيران أبراجها، وتضاءل ~~بالرغام معراجها، وضفت على أعطافها ملابس الخذلان، وأقفر من كنائسها كناس ~~الغزلان. # ثم تأهبنا لغزو أم القرى الكافرة، وخزائن المزاين الوافرة، وربة الشهرة ~~السافرة، والأنباء المسافرة، قرطبة، وما أدراك ما هيه! ذات الأرجاء الحالية ~~الكاسية، والأطواد الراسخة الراسية، والمباني المباهية، والزهراء الزاهية، PageV01P164 # والمحاسن غير المتناهية، حيث هالة بدر السماء قد استدارت من السور المشيد ~~البناء دارا، ونهر المجرة من نهرها الفياض، المسلول حسامه من غمود الغياض، ~~قد لصق بها جارا، وفلك الدولاب، المعتدل الانقلاب، قد استقام مدارا، ورجع ~~الحنين اشتياقا إلى الحبيب الأول وادكارا حيث الطود كالتاج، يزدان بلجين ~~العذب المجاج، فيزري بتاج كسرى ودارا، حيت قسي الجسور المديدة، كأنها عوج ~~المطي العديلة، تعبر النهر قطارا، حيث آثار العامري المجاهد، تعبق بين تلك PageV01P165 # المعاهد، شذى معطارا، حيث كرائم السحائب، تزور عرائس الرياض الحبائب، ~~فتحمل لها من الدر نثارا، حيث شمول الشمال تدار على الأدواح، بالغدو ~~والرواح، فترى الغصون سكارى، وما هي بسكارى، حيث أيدي الافتتاح، تفتض من ~~شقائق البطاح، أبكارا، حيث ثغور الأقاح الباسم، تقبلها بالسحر زوار ~~النواسم، فتخفق قلوب النجوم الغيارى، حيث المصلى العتيق، قد رحب مجالا وطال ~~منارا، وأزرى ببلاط الوليد احتقارا، حيث الظهور المثارة PageV01P166 # بسلاح الفلاح، تجب عن مثل أسنمة # المهارى، والبطون كأنها لتدميث الغمائم، بطون العذارى، والأدواح العالية، ~~تخترق أعلامها الهادية، بالجداول الحيارى. ms092 فما شئت من جو بقيل، ومعرس للحسن ~~ومقيل، ومالك للعقل وعقيل، وخمائل، كم فيها للبلابل، من قال وقيل، وخفيف ~~يجاوز بثقيل، وسنابل تحكي من فوق سوقها، وقصب بسوقها، الهمزات على الألفات، ~~والعصافير البديعة الصفات، فوق القضب المؤتلفات، تميل لهبوب الصبا والجنوب، ~~مالئة الجيوب، بدر الحبوب، وبطاح لا تعرف عين المحل، فتطلبه بالذحل، ولا ~~تصرف في خدمة بيض قباب الأزهار، عند افتتاح السوسن والبهار، غير العبدان من ~~سودان النحل، وبحر الفلاحة الذي لا يدرك ساحله، ولا يبلغ الطية البعيدة ~~راحله، إلى الوادي، وسمر النوادي، وقرار دموع الغوادي، للتجاسر على تخطيه، ~~عند تمطيه، الجسر العادي، والوطن PageV01P167 # الذي ليس من عمرو ولا زيد، والفرا الذي في جوفه كل صيد، أقل كرسيه خلافة ~~الإسلام، وأغار بالرصافة والجسر دار السلام، وما عسى أن تطنب في وصفه ألسنة ~~الأقلام أو تعبر به عن ذلك الكمال فنون الكلام. # فأعملنا إليها السرى والسير، وقدنا إليها الخيل قد عقد الله في نواصيها ~~الخير. ولما وقفنا بظاهرها المبهت المعجب، واصطففنا بخارجها المنبت المنجب، ~~والقلوب تلتمس الإعانة من منعم مجزل، وتستنزل مدد الملائكة من منجد منزل، ~~والركائب واقفة من خلفنا بمعزل، تتناشد في معاهد الإسلام: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # برز من حاميتها المحاميه، ووقود النار الحاميه، وبقية السيف الوافرة على ~~الحصاد النامية، قطع الغمائم الهامية، وأمواج البحور الطامية، واستجنت ~~بظلال أبطال المجال، أعداد الرجال، الناشبة والرامية، وتصدى للنزال، من ~~صناديدها الصهب السبال، أمثال الهضاب الراسية، تجنها جنن السوابغ الكاسية، ~~وقواميسها # المفادية للصلبان يوم بوسها بنفوسها المواسية، وخنازيرها التي PageV01P168 # عدتها عن قبول حجج الله ورسوله، ستور الظلم الغاشية، وصخور القلوب ~~القاسية، فكان بين الفريقين أمام جسرها الذي فرق البحر، وحلى بلجينه، ولآلئ ~~زينه، منها النحر، حرب لم تنسج الأزمان على منوالها، ولا أتت الأيام ~~الحبالى بمثل أجنة أهوالها، من قاسها بالفجار أفك وفجر، أو مثلها بجفر ~~الهباءة خرف وهجر، ومن شبهها بحرب داحس والغبراء، فما عرف الخبر، فليسأل من ~~جرب وخبر، ومن نظرها بيوم شعب جبله فهو ذو بله، أو ms093 عادلها ببطن عاقل، فغير ~~عاقل، أو احتج بيوم ذي قار، فهو إلى المعرفة ذو افتقار، أو ناضل بيوم ~~الكديد، فسهمه غير السديد، إنما كان مقاما غير معتاد، ومرعى نفوس سلم يف ~~بوصفه لسان مرتاد PageV01P169 # وزلزال جبال أوتاد، ومتلف مذخور لسلطان الشيطان وعتاد، أعلم فيه البطل ~~الباسل، وتورد الأبيض الباتر، وتأود الأسمر العاسل، ودوم الجلمد المتكاسل، ~~وانبعث من حدب الحنية، إلى هدف الرمية، الناشر الناسل، ورويت لمرسلات ~~السهام المراسل، ثم أفضى أمر الرماح إلى التشاجر والإرتباك، ونشبت الأسنة ~~في الدروع نشب السمك في الشباك، ثم اختلط المرعي بالهمل، وعزل الرديني عن ~~العمل، وعادت السيوف من فوق المفارق تيجانا، بعد أن شقت غدر السوابغ ~~خلجانا، واتحدت جداول الدروع، فصارت بحرا، وكان التعانق فلا ترى إلا نحرا ~~يلازم نحرا، عناق وداع، وموقف شمل ذي انصداع، وإجابة مناد إلى فراق الأبد ~~وداع، واستكشفت مآل الصبر الأنفس الشفافة، وهبت بريح النصر الطلائع المبشرة ~~الهفافة، ثم أمد السيل ذلك العباب، وصقل الاستبصار الألباب، واستخلص العزم ~~صفوة اللباب، وقال لسان النصر: ادخلوا عليهم الباب، فأصبحت طوائف الكفار، ~~حصائد مناجل الشفار، فمغافرهم قد رضيت حرماتها بالأخفار، ورءوسهم محطوطة في ~~غير مقام الاستغفار، وعلت الرايات من فوق تلك الأبراج # المستطرقة والأسوار، ورفرف على المدينة جناح البوار، لولا الانتهاء إلى ~~الحد PageV01P170 # والمقدار، والوقوف عند اختفاء سر الأقدار. # ثم عبرنا نهرها، وشددنا بأيدي الله قهرها، وضيقنا حصرها، وأعرنا بلآلئ ~~القباب البيض خضرها، وأقمنا بها أياما تحوم عقبان البنود على فريستها ~~حياما، وترمي الأدواح ببوارها، وتسلط النيران على أقطارها، فلولا عائق ~~المطر، لحصلنا من فتح ذلك الوطن على الوطر، فرأينا أن نروضها بالأجتثاث ~~والانتساف، ونوالي على زروعها وربوعها كرات رياح الإعتساف، حتى يتهيأ ~~للإسلام لوك طعمتها، ويتهنا بفضل الله إرث نعمتها، ثم كانت من موقفها ~~الإفاضة من بعد نحر النحور، وقذف جمار الدمار على العدو المدحور، وتدافعت ~~خلفنا السيقات المتسقات تدافع أمواج البحور. # وبعد أن ألححنا على جناتها المصحرة، وكرومها المستبحرة إلحاح الغريم، ~~وعوضناها المنظر الكريه من المنظر الكريم، وطاف عليها طائف ms094 من ربنا فأصبحت ~~كالصريم، وأغرينا حلاق النار بجمم الجميم، وراكمنا في أحواف أجرافها غمائم ~~الدخان، يذكر طيبه البان بيوم العميم، وأرسلنا رياح الغارات لا تذر من شيء ~~أتت عليه إلا جعلته كالرميم، واستقبلنا الوادي يهول مدا، ويروع سيفه PageV01P171 # الصقيل حدا، فيسره الله من بعد الأعواز، وانطلقت على الفرصة بتلك الفرضة ~~أيدي الانتهاز، وسألنا من سائله أسد بن الفرات فأفتى برجحان الجواز، فعم ~~الاكتساح والاستباح جميع الأحواز فأديل المصون، وانتهبت القرى، وهدت ~~الحصون، واجتثت الأصول، وخطمت الغصون، ولم نرفع عنها إلى اليوم غارة ~~تصابحها بالبوس، وتطلع عليها غررها الضاحكة باليوم العبوس، فهي الآن مجرى ~~السوابق ومجر العوالي، على التوالي، والحسرات تتجدد في أطلالها البوالي، ~~وكأن بها قد ضرعت، وإلى الدعوة المحمدية أسرعت، بقدرة من لو أنزل القرآن ~~على # الجبال لخشعت من خشية الله وتصدعت، وعزة من أذعنت الجبابرة لعزه وخضعت، ~~وعدنا والبنود لا يعرف اللف نشرها، والوجوه المجاهدة لا يخالط التقطيب ~~بشرها، والأيدي بالعروة الوثقى متعلقة، والألسن بشكر نعم الله منطلقة، ~~والسيوف في مضاجع الغمود قلقه، وسراييل الدروع خلقه، والجياد من ردها إلى ~~المرابط والأواري، رد العواري، حنقة، وبعبرات الغيظ المكظوم مختنقة، ننظر ~~إلينا نظر العاتب، وتعود من ميادين الاختيال والمراح، تحت حلل السلاح، عود ~~الصبيان إلى المكاتب، والطبل بلسان العز هادر، والعزم إلى منادي العود ~~الحميد مبادر، ووجود نوع الرماح، من بعد ذلك الكفاح نادر، والقاسم يرتب بين ~~يديه من السبي النوادر، ووارد مناهل الأجور، غير المحلاء ولا المهجور، غير ~~صادر، ومناظر الفصل الآتي، عقب PageV01P172 # أخيه الشاتي، على المطلوب المواتي مصادر والله على تيسير الصعاب، وتخويل ~~المنن الرغاب، قادر، لا إله إلا هو. فما أجمل لنا صنعه الحفي، وأكرم بنا ~~لطفه الخفي، اللهم لا نحصي ثناء عليك، ولا نلجأ منك إلا إليك، ولا نلتمس ~~خيم الدنيا والآخرة إلا لديك، فأعد علينا عوائد نصرك، يا مبدئ يا معيد، ~~وأعنا من وسائل شكرك، على ما ينثال به المزيد، يا حي يا قيوم يا فعال لما ~~يريد. # وقارنت رسالتكم الميمونة لدينا حذق فتح ms095 بعيد صيته مشرئب ليته، وفخر من ~~فوق النجوم العواتم مبيته، عجبنا من تأتي أمله الشارد، وقلنا: البركة في ~~قدم الوارد، وهو أن ملك النصارى لاطفنا بجملة من الحصون كانت من مملكة ~~الإسلام قد غصبت، والتماثيل فيها ببيوت الله قد نصبت أدالها الله - ~~بمحاولتنا - الطيب من الخبيث، والتوحيد في التثليث، وعاد إليها الإسلام عود ~~الأب الغائب، إلى البنات الحبائب، يسأل عن شؤونها، ويمسح دموع الرقة من ~~جفونها، وهي للروم خطة خسف قلما ارتكبوها فيما نعلم من العهود، ونادرة من ~~نوادر الوجود. وإلى الله # علينا وعليكم عوارف الجود، وجعلنا في محاريب الشكر من الركع السجود. # عرفناكم بمجملات أمور تحتها تفسير، ويمن من الله وتيسير، إذ استيفاء ~~الجزئيات عسير لنسركم بما منح الله دينكم، ونتوج بعز الملة الحنيفية ~~جبينكم، ونخطب بعده دعاءكم وتأمينكم، فإن دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب ~~سلاح ماض، PageV01P173 # وكفيل بالمواهب المسئولة من المنعم الوهاب متفاض، وأنتم أولى من ساهم في ~~بر، وعاقل الله بخلوص سر، وأين يذهب الفضل عن بيتكم، وهو صفة حيكم، وتراث ~~ميتكم، ولكم مزية القدم، ورسوخ القدم، والخلافة مقرها إيوانكم، وأصحاب ~~الإمام مالك - رضي الله عنه - مستقرها قيروانكم، وهجير المنابر ذكر إمامكم، ~~والتوحيد إعلام أعلامكم، والوقائع الشهيرة في الكفر منسوبة إلى أيامكم، ~~والصحابة الكرام فتحة أوطانكم، وسلالة الفاروق عليه السلام وشائج سلطانكم؛ ~~ونحن نستكثر من بركة خطابكم، ووصلة جنابكم، ولولا الأعذار لوالينا ~~بالمتزيدات تعريف أبوابكم. # والله - عز وجل - يتولى عنا من شكركم المحتوم، ما قصر المكتوب منه عن ~~المكتوم، ويبقيكم لإقامة الرسوم، ويحل محبتكم من القلوب محل الأرواح من ~~الجسوم، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويوالي نعمه عندكم. # والسلام الكريم، الطيب الزكي المبارك البر العميم، يخصكم كثيرا أثيرا، ما ~~أطلع الصبح وجها منيرا، بعد أن أرسل النسيم سفيرا، وكان الوميض الباسم ~~لأكواس الغمائم، على أزهار الكمائم، مديرا، ورحمة الله وبركاته. # وكتب إلي يهنئني بمولود، ويعاتب على تأخير الخبر بولاده عنه: # هنيئا أبا الفضل الرضا وأبا زيد %~% وأمنت من بغي يخاف ومن كيد # بطالع يمن طال في ms096 السعد شأوه %~% فما هو من عمرو الرجال ولا زيد # وقيد بشكر الله أنعمه التي %~% أوابدها تأبى سوى الشكر من قيد PageV01P174 # أهلا بدري المكاتب، وصدري المراتب، وعتبى الزمن العاتب وبكر المشتري ~~والكاتب، ومرحبا بالطالع، في أسعد المطالع، والثاقب، في أجلى المراقب، ~~وسهلا بغني البشير، وعزة الأهل والعشير، وتاج الفخر الذي يقصر عنه كسرى ~~وأردشير، الآن اعتضدت الحلة الحضرمية بالفارس، وأمن السارح في حمى الحارس، ~~وسعدت بالمنبر الكبير، أفلاك التدوير، من حلقات المدارس، وقرت بالجنى ~~الكريم عين الغارس، واحتقرت أنظار الآبلي وأبحاث ابن الدارس، وقيل ~~للمشكلات: طالما ألفت الخمرة، وأمضيت على الأذهان الإمرة، فتأهبي للغارة ~~المبيحة لحماك، وتحيزي إلى فئة البطل المستأثر برشف لماك. ولله من نصبة ~~احتفى سفيها المشتري واحتفل، وكفى سني تربيتها وكفل، واختال عطارد في حلل ~~الجذل لها ورفل، واتضحت الحدود، وتهللت الوجوه، وتنافست المثلثات PageV01P175 # تؤمل الحظ وترجوه، ونبه البيت على واجبه، وأشار لحظ الشرف بحاجبه، وأسرع ~~نير النوبة في الأوبة، قائما في الاعتذار مقام التوبة، واستأثر بالبروج ~~المولدة بيت البنين، وتخطت خطا القمر رأس الجوزهر وذنب التنين، وساوق منها ~~حكم الأصل، حذوك النعل بالنعل، تحويل السنين، وحقق هذا المولود بين PageV01P176 # المواليد نسبة عمر الوالد، فتجاوز درجة المئين، واقترن بعاشره السعدان ~~اقتران الجسد، وثبت بدقيقة مركزه قلب الأسد، وسرق من بيت أعدائه خرثي الغل ~~والحسد، ونظفت طرق التسيير، كما نفعل بين يدي الساعة عند المسير، وسقط ~~الشيخ الهرم من الدرج في البير، ودفع المقاتل إلى الوبال الكبير: # لم لا ينال العلا أو يعقد التاج %~% والمشتري طالع والشمس هيلاج # والسعد يركض في ميدانها مرحا %~% جذلان والفلك الدوار هملاج # كأن به - والله يهديه - قد انتقل من مهد التنويم، إلى النهج القويم، ومن ~~أريكة الذراع، إلى تصريف اليراع، ومن كتد الداية، إلى مقام الهداية، ~~والغاية المختطفة # البداية، جعل الله وقايته عليه عوذة، وقسم حسدته قسمة محرم اللحم، بين ~~منخنقة ونطيحة ومتردية وموقوذة، وحفظ هلاله في PageV01P177 # البدار إلى تمه وبعد تمه، وأقر به عين أبيه وأمه، غير أني - والله يغفر ~~لسيدي بيد أني ms097 راكع في سبيل الشكر وساجد، فأنا عاتب وواجد، إذ كان ظني أن ~~البريد بهذا الخبر إلي يعمل، وأن إتحافي به لا يهمل، فانعكست القضية، ورابت ~~الحال المرضية، وفضلت الأمور الذاتية الأمور العرضية، والحكم جازم، وأحد ~~الفرضين لازم، إما عدم السوية، ويعارضه اعتناء حبله مغار، وعهدة سلم لم ~~يدخلها جزية ولا صغار، أو جهل بمقدار الهبة، ويعارضه علم بمقدار الحقوق، ~~ورضى مناف للعقوق، فوقع الأشكال، وربما لطف عذر كان عليه الاتكال. وإذا لم ~~يبشر مثلي بمنحة الله قبل تلك الذات السرية، الخليقة بالنعم الحرية، فمن ~~الذي يبشر، وعلى من يعرض بزها أو ينشر، وهي التي واصلت التفقد، وبهرجت ~~المعاملة وأبت أن تنقد، وأنست الغربة وجرحها غير مندمل، ونفست الكربة ~~وجنحها على الجوانح مشتمل، فمتى فرض نسيان الحقوق لم ينلني فرض، ولا شهد به ~~علي سماء ولا أرض، وإن قصر فيما يجب لسيدي عمل، لم يقصر رجاء ولا أمل، ولي ~~في شرح حمده ناقة وجمل. ومنه جل وعلا نسأل أن يريه قرة العين في نفسه وماله ~~وبنيه، ويجعل أكبر عطايا الهيالج أصغر سنيه، ويقلد عواتق الكواكب البابانية ~~حمائل أمانيه. وإن تشوف سبيلي لحال وليه، فخلوة طيبة، ورحمة من جانب الله ~~صيبة، وبرق يشام، فيقال: حدث ما وراءك يا هشام. ولله در شيخنا إذ يقول: # لا بارك الله في إن لم %~% أصرف النفس في الأهم PageV01P178 # وكثر الله في همومي %~% إن كان غير الخلاص همي # وإن أنعم سيدي بالإلماع بحالة، وحال الولد المبارك، فذلك من غرر إحسانه، ~~ومنزلته في لحظ لحظي بمنزلة إنسانه، والسلام. ### | العودة إلى المغرب الأقصى # ولما كنت في الاعتمال في مشايعة السلطان عبد العزيز ملك المغرب، كما ذكرت ~~تفاصيله، وأنا مقيم ببسكرة في جوار صاحبها أحمد بن يوسف بن مزنى، وهو صاحب ~~زمام رياح، وأكثر عطائهم من السلطان مفترض عليه في جباية الزاب، وهم يرجعون ~~إليه في الكثير من أمورهم، فلم أشعر إلا وقد حدثت المنافسة منه في استتباع ~~العرب، ووغر صدره، وصدق في ظنونه وتوهماته، وطاوع الوشاة فيما يوردون على ms098 ~~سمعه من التقول والاختلاق، وجاش صدره بذلك، فكتب إلى ونزمار بن عريف، ولي ~~السلطان، وصاحب شواره، يتنفس الصعداء من ذلك، فأنهاه إلى السلطان، ~~فاستدعاني لوقته، وارتحلت من بسكرة بالأهل والولد، في يوم المولد الكريم، ~~سنة أربع وسبعين، متوجها إلى السلطان، وقد كان طرقه المرض، فما هو إلا أن ~~وصلت مليانة من أعمال المغرب الأوسط، فلقيني هنالك خبر وفاته، وأن ابنه أبا ~~بكر السعيد نصب بعده للأمر، في كفالة الوزير أبي بكر بن غازي وإنه ارتحل ~~إلى المغرب PageV01P179 # الأقصى مغذا السير إلى فاس، وكان على مليانة يومئذ علي بن حسون بن أبي ~~علي اليناطي من قواد السلطان وموالي بيته، فارتحلت معه إلى أحياء العطاف، ~~ونزلنا على أولاد يعقوب بن موسى من أمرائهم، وبذرق لي بعضهم إلى حلة أولاد ~~عريف: أمراء سويد، ثم لحق بنا بعد أيام، علي بن حسون في عساكره، وارتحلنا ~~جميعا إلى المغرب على طريق الصحراء، وكان أبو حمو قد رجع بعد مهلك السلطان ~~من مكان انتباذه بالقفر في تيكورارين إلى تلمسان، فاستولى عليها وعلى سائر ~~أعماله، فأوعز إلى بني يغمور من شيوخ عبيد الله من المعقل أن يعترضونا ~~بحدود بلادهم من رأس العين مخرج وادي زا فاعترضونا هنالك، فنجا من نجا منا ~~على خيولهم إلى جبل دبدو، وانتهبوا جميع ما كان معنا، وأرجلوا الكثير من ~~الفرسان وكنت فيهم، وبقيت يومين في قفره، ضاحيا عاريا إلى أن خلصت إلى ~~العمران، ولحقت PageV01P180 # بأصحابي بجبل دبدو، ووقع في خلال من # الألطاف ما لا يعبر عنه، ولا يسع الوفاء بشكره. ثم سرنا إلى فاس، ووفدت ~~على الوزير أبي بكر، وابن عمه محمد بن عثمان بفاس، في جمادى من السنة، وكان ~~لي معه قديم صحبة واختصاص، منذ نزع معي إلى السلطان أبي سالم بجبل الصفيحة، ~~عند إجازته من الأندلس، لطلب ملكه، كما مر في غير موضع من الكتاب، فلقيني ~~من بر الوزير وكرامته، وتوفير جرايته وإقطاعه، فوق ما أحتسب، وأقمت بمكاني ~~من دولتهم أثير المحل، نابه الرتبة، عريض الجاه، منوه المجلس. ثم انصرم ms099 فصل ~~الشتاء، وحدث بين الوزير أبي بكر بن غازي، وبين السلطان ابن الأحمر، منافرة ~~بسبب ابن الخطيب، وما دعا إليه ابن الأحمر من إبعاثه عنهم، وأنف الوزير من ~~ذلك، فأظلم الجو بينهما، وأخذ الوزير في تجهيز بعض القرابة من بني الأحمر، ~~للإجلاب على الأندلس، فبادر ابن الأحمر إلى إطلاق الأمير عبد الرحمن بن أبي ~~يفلوسن من ولد السلطان أبي علي، والوزير مسعود بن رحو بن ماساي، كان حبسهما ~~أيام السلطان عبد العزيز، وبإشارته بذلك لابن الخطيب حين كان في وزارته ~~بالأندلس، فأطلقهما الآن، وبعثهما لطلب الملك بالمغرب، وأجازهما في الأسطول ~~إلى سواحل غساسة، فنزلوا بها، ولحقوا بقبائل بطوية هنالك، فاشتملوا عليهم، ~~وقاموا بدعوة الأمير عبد الرحمن. ونهض ابن الأحمر من غرناطة في عساكر ~~الأندلس، فنزل على جبل الفتح يحاصره. وبلغت الأخبار بذلك إلى الوزير أبي ~~بكر بن غازي القائم بدولة بني مرين، فجهز لحينه ابن عمه محمد بن الكاس إلى ~~سبته لامداد الحامية الذين لهم بالجبل، ونهض هو في العساكر إلى بطوية لقتال ~~الأمير عبد الرحمن، فوجده قد ملك تازى، فأقام عليها يحاصره، وكان السلطان ~~عبد العزيز قد جمع شبابا من بني أبيه PageV01P181 # المرشحين، فحبسهم بطنجة، فلما وافى محمد بن الكاس سبتة، وقعت المراسلة ~~بينه وبين ابن الأحمر، وعتب كل منهما صاحبه على ما كان منه، واشتد عذل ابن ~~الأحمر على إخلائهم الكرسي # من كفئه، ونصبهم السعيد بن عبد العزيز صبيا لم يثغر، فاستعتب له محمد، ~~واستقال من ذلك، فحمله ابن الأحمر على أن يبايع لأحد الأبناء المحبوسين ~~بطنجة، وقد كان الوزير أبو بكر أوصاه أيضا بأنه إن تضايق عليه الأمر من ~~الأمير عبد الرحمن، فيفرج عنه بالبيعة لأحد أولئك الأبناء. # وكان محمد بن الكاس قد استوزره السلطان أبو سالم لابنه أحمد أيام ملكه، ~~فبادر من وقته إلى طنجة، وأخرج أحمد ابن السلطان أبي سالم من محبسه، وبايع ~~له، وسار به إلى سبتة، وكتب لابن الأحمر يعرفه بذلك، ويطلب منه المدد على ~~أن ينزل له عن جبل الفتح، فأمده بما ms100 شاء من بالمال والعسكر، واستولى على ~~جبل الفتح، وشحنه بحاميته، وكان أحمد ابن السلطان أبي سالم، قد تعاهد مع ~~بني أبيه في محبسهم، على أن من صار الملك إليه منهم، يجيز الباقين إلى ~~الأندلس، فلما بويع له ذهب إلى الوفاء لهم بعهدهم، وأجازهم جميعا، فنزلوا ~~على السلطان ابن الأحمر، فأكرم نزلهم ووفر جراياتهم. وبلغ الخبر بذلك كله ~~إلى الوزير أبي بكر بمكانه من حصار الأمير عبد الرحمن بتازة، فأخفه المقيم ~~المقعد من فعلة ابن عمه، وقوض راجعا إلى دار الملك، وعسكر بكدية العرائس من ~~ظاهرها، وتوعد ابن عمه محمد بن عثمان، فاعتذر بأنه إنما امتثل وصيته، ~~فاستشاط وتهدده، واتسع الخرق بينهما، وارتحل محمد بن عثمان بسلطانه ومدده ~~من عسكر الأندلس إلى أن احتل بجبل زرهون المطل على مكناسة، وعسكر به، ~~واشتملوا عليه، وزحف إليهم الوزير أبو PageV01P182 # بكر، وصعد الجبل، فقاتلوه وهزموه، ورجع إلى مكانه بظاهر دار الملك. وكان ~~السلطان ابن الأحمر قد أوصى محمد بن عثمان بالاستعانة بالأمير عبد الرحمن، ~~والاعتضاد به، ومساهمته في جانب من أعمال المغرب يستبد به لنفسه، فراسله ~~محمد بن عثمان في ذلك، واستدعاه، واستمده. وكان ونزمار بن عريف ولي سلفهم ~~قد أظلم الجو بينه وبين الوزير أبي بكر، لأنه # سأله - وهو يحاصر تازى - في الصلح مع الأمير عبد الرحمن فامتنع واتهمه ~~بمداخلته، والميل له، فاعتزم على القبض عليه، ودس إليه بذلك بعض عيونه، ~~فركب الليل، ولحق بأحياء الأحلاف من المعقل، وكانوا شيعة للأمير عبد ~~الرحمن، ومعهم علي بن عمر الويعلاني كبير بني ورتاجن، كان انتقض على الوزير ~~ابن غازي، ولحق بالسوس، ثم خاض القفر إلى هؤلاء. الأحلاف، فنزل بينهم مقيما ~~لدعوة الأمير عبد الرحمن. فجاءهم ونزمار مفلتا من حبالة الوزير أبي بكر، ~~وحرضهم على ما هم فيه، ثم بلغهم خبر السلطان أحمد بن أبي سالم، ووزيره محمد ~~بن عثمان، وجاءهم وافد الأمير عبد الرحمن يستدعيهم، وخرج من تازى فلقيهم، ~~ونزل بين أحيائهم، ورحلوا جميعا إلى إمداد السلطان أبي العباس، حتى انتهوا ~~إلى صفووى. ثم اجتمعوا ms101 جميعا على وادي النجا، وتعاقدوا على شأنهم، وأصبحوا ~~من الغد على التعبئة، كل من ناحيته. # وركب الوزير أبو بكر لقتالهم فلم يطق، وولى منهزما، فانحجر بالبلد PageV01P183 # الجديد، وخيم القوم بكدية العرائس محاصرين له، وذلك أيام عيد الفطر من ~~خمس وسبعين، فحاصروها ثلاثة أشهر، وأخذوا بمخنقها إلى أن جهد الحصار الوزير ~~ومن معه، فأذعن للصلح على خلع الصبي المنصوب السعيد ابن السلطان عبد ~~العزيز، وخروجه إلى السلطان أبي العباس ابن عمه، والبيعة له، وكان السلطان ~~أبو العباس، والأمير عبد الرحمن، قد تعاهدوا - عند الاجتماع بوادي النجا - ~~على التعاون والتناصر، على أن الملك للسلطان أبي العباس بسائر أعمال ~~المغرب، وأن للأمير عبد الرحمن بلدا سجلماسة ودرعة، والأعمال التي كانت ~~لجده السلطان أبي علي أخي السلطان أبي الحسن، ثم بدا للأمير عبد الرحمن في ~~ذلك أيام الحصار، واشتط بطلب مراكش وأعمالها، فأغضوا له في ذلك، وشارطوه ~~عليه حتى يتم لهم الفتح، فلما انعقد بما بين السلطان أبي العباس، والوزير ~~أبي بكر، وخرج إليه من # البلد الجديد، ويخلع سلطانه الصبي المنصوب، ودخل السلطان أبو العباس إلى ~~دار الملك، فاتح ست وسبعين، وارتحل الأمير عبد الرحمن يغذ السير إلى مراكش، ~~وبدا للسلطان أبي العباس، ووزيره محمد بن عثمان في شأنه، فسرحوا العساكر في ~~اتباعه، وانتهوا خلفه إلى وادي بهت، فواقفوه ساعة من نهار، ثم أحجموا عنه، ~~وولوا على راياتهم PageV01P184 # وسار هو إلى مراكش، ورجع عنه وزيره مسعود بن ماساي، بعد أن طلب منه ~~الإجازة إلى الأندلس يتودع بها، فسرحه لذلك، وسار إلى مراكش فملكها. # وأما أنا فكنت مقيما بفاس، في ظل الدولة وعنايتها، منذ ندمت على الوزير ~~سنة ربع وسبعين كما مر، عاكفا على قراءة العلم وتدريسه، فلما جاء السلطان ~~أبو العباس، والأمير عبد الرحمن، وعسكروا بكدية العرائس، وخرج أهل الدولة ~~إليهم، من الفقهاء والكتاب، والجند، وأذن للناس جميعا في مباكرة أبواب ~~السلطانين من غير نكير في ذلك، فكنت أباكرهما معا. وكان بيني وبين الوزير ~~محمد بن عثمان ما مر ذكره قبل هذا، فكان يظهر ms102 لي رعاية ذلك، ويكثر من ~~المواعيد، وكان الأمير عبد الرحمن يميل إلي ويستدعيني أكثر أوقاته يشاورني ~~في أحواله، فغص بذلك الوزير محمد بن عثمان، وأغرى سلطانه فقبض علي. وسمع ~~الأمير عبد الرحمن بذلك، وعلم أني إنما أوتيت من جراه، فحلف ليقوضن خيامه، ~~وبعث وزيره مسعود بن ماساي لذلك، فأطلقوني من الغد، ثم كان افتراقهما ~~لثالثه. ودخل السلطان أبو العباس دار الملك، وسار الأمير عبد الرحمن إلى ~~مراكش، وكنت أنا يومئذ مستوحشا، فصحبت الأمير عبد الرحمن معتزما على ~~الإجازة إلى الأندلس من ساحل أسفي، معولا في ذلك على صحابة الوزير مسعود بن ~~ماساي لهواي فيه، فلما رجع مسعود انثنى عزمي في ذلك، ولحقنا بونزمار بن ~~عريف بمكانه من نواحي كرسيف لنقدمه وسيلة إلى السلطان أبي العباس، صاحب فاس ~~في # الجواز إلى الأندلس، ووافينا عنده داعي السلطان فصحبناه إلى فاس، ~~واستأذنه في شأني، فأذن لي بعد مطاولة، وعلى كره من الوزير محمد بن عثمان، ~~وسليمان بن داود بن أعراب، ورجال الدولة. # وكان الأخ يحيى لما رحل السلطان أبو حمو من تلمسان، رجع عنه من بلاد PageV01P185 # زغبة إلى السلطان عبد العزيز فاستقر في خدمته، وبعده في خدمة ابنه محمد ~~السعيد المنصوب مكانه. ولما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد، ~~استأذن الأخ في اللحاق بتلمسان، فأذن له، وقدم على السلطان أبي حمو، فأعاده ~~إلى كتابة سره كما كان أول مرة، وأذن لي أنا بعده، فانطلقت إلى الأندلس ~~بقصد القرار والدعة، إلى أن كان ما نذكر. ### | الإجازة ثانية إلى الأندلس ثم إلى تلمسان واللحاق بأحياء العرب والمقامة عند أولاد عريف # ولما كان ما قصصته من تنكر السلطان أبي العباس صاحب فاس، والذهاب مع ~~الأمير عبد الرحمن، ثم الرجوع عنه إلى ونزمار بن عريف، طلبا لوسيلته في ~~انصرافي إلى الأندلس بقصد القرار والانقباض، والعكوف على قراءة العلم، فتم ~~ذلك، ووقع الإسعاف به بعد الامتناع، وأجزت إلى الأندلس في ربيع سنة ست ~~وسبعين، ولقيني السلطان بالبر والكرامة وحسن النزل على عادته، وكنت لقيت ~~بجبل الفتح كاتب ms103 السلطان ابن الأحمر، من بعد ابن الخطيب، الفقيه أبا عبد ~~الله بن زمرك، ذاهبا إلى فاس في غرض التهنئة، وأجاز إلى سبتة في أسطوله، ~~وأوصيته بإجازة أهلي وولدي إلى غرناطة، فلما وصل إلى فاس، وتحدث مع أهل ~~الدولة في إجازتهم، تنكروا لذلك، وساءهم استقراري بالأندلس، واتهموا أني ~~ربما أحمل السلطان ابن الأحمر على الميل إلى الأمير عبد الرحمن، الذي ~~اتهموني بملابسته، ومنعوا أهلي من اللحاق بي. وخاطبوا السلطان ابن الأحمر ~~في أن يرجعني إليهم، فأبى من ذلك، فطلبوا منه أن يجيزني إلى عدوة تلمسان، ~~وكان مسعود بن ماساي قد أذنوا له في اللحاق PageV01P186 # بالأندلس، فحملوه على مشافهة السلطان بذلك، وأبدوا له أني كنت ساعيا في ~~خلاص ابن الخطيب، وكانوا قد اعتقلوه لأول استيلائهم على البلد الجديد ~~وظفرهم به. وبعث إلي ابن الخطيب من محبسه مستصرخا بي، ومتوسلا. فخاطبت في ~~شأنه أهل الدولة، وعولت فيه منهم على ونزمار، وابن ماساي، فلم تنجح تلك ~~السعاية، وقتل ابن الخطيب بمحبسه، فلما قدم ابن ماساي على السلطان ابن ~~الأحمر - وقد أغروه بي - فألقى إلى السلطان ما كان مني في شأن ابن الخطيب، ~~فاستوحش لذلك، وأسعفهم بإجازتي إلى العدوة، ونزلت بهنين، والجو # بيني وبين السلطان أبي حمو مظلم، بما كان مني في إجلاب العرب عليه بالزاب ~~كما مر. فأوعز بمقامي بهنين، ثم وفد عليه محمد بن عريف فعذله في شأني فبعث ~~عني إلى تلمسان، واستقررت بها بالعباد. ولحق بي أهلي وولدي من فاس، وأقاموا ~~معي، وذلك في عيد الفطر سنة ست وسبعين، وأخذت في بث العلم، وعرض للسلطان ~~أبي حمو أثناء ذلك رأي في الدواودة، وحاجة إلى استئلافهم، فاستدعاني، ~~وكلفني السفارة إليهم في هذا الغرض، فاستوحشت منه، ونكرته على نفسي، لما ~~آثرته من التخلي والانقطاع، وأجبته إلى ذلك ظاهرا، وخرجت مسافرا من تلمسان ~~حتى انتهيت إلى البطحاء، فعدلت ذات اليمين إلى منداس، ولحقت بأحياء أولاد ~~عريف قبلة جبل كزول، فتلقوني بالتحفي والكرامة، وأقمت بينهم أياما حتى ~~بعثوا عن أهلي وولدي من تلمسان، وأحسنوا العذر إلى ms104 السلطان عني في العجز عن ~~قضاء خدمته، وأنزلوني بأهلي في قلعة ابن سلامة، PageV01P187 # من بلاد بني توجين التي صارت لهم بإقطاع السلطان، فأقمت بها أربعة أعوام، ~~متخليا عن الشواغل كلها، وشرعت في تأليف هذا الكتاب، وأنا مقيم بها، وأكملت ~~المقدمة منه على ذلك النحو الغريب، الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسالت ~~فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر، حتى امتخضت زبدتها، وتألفت نتائجها، ~~وكانت من بعد ذلك الفيئة إلى تونس كما نذكره. ### | الفيئة إلى السلطان أبي العباس بتونس والمقام بها # ولما نزلت بقلعة ابن سلامة بين أحياء أولاد عريف، وسكنت منها بقصر أبي ~~بكر بن عريف الذي اختطه بها، وكان من أحفل المساكن وأوثقها. ثم طال مقامي ~~هنالك، وأنا مستوحش من دولة المغرب وتلمسان، وعاكف على تأليف هذا الكتاب، ~~وقد فرغت من مقدمته إلى أخبار العرب والبربر وزناتة، وتشوفت إلى # مطالعة الكتب والدواوين التي لا توجد إلا بالأمصار، بعد أن أمليت الكثير ~~من حفظي، وأردت التنقيح والتصحيح، ثم طرقني مرض أوفى بي على الثنية، لولا ~~ما تدارك من لطف الله، فحدث عندي ميل إلى مراجعة السلطان أبي العباس، ~~والرحلة إلى تونس، حيث قرار آبائي ومساكنهم، وآثارهم، وقبورهم، فبادرت إلى ~~خطاب السلطان بالفيئة إلى طاعته والمراجعة، وانتظرت، فما كان غير بعيد، ~~وإذا بخطابه وعهوده بالأمان، والاستحثاث للقدوم، فكان الخفوف للرحلة، فطعنت ~~عن أولاد عريف مع عرب الأخضر من بادية رياح، كانوا هنالك ينتجعون الميرة ~~بمنداس. وارتحلنا في رجب سنة ثمانين، وسلكنا القفر إلى الدوسن من أطراف ~~الزاب. ثم صعدت إلى التل مع حاشية يعقوب بن علي وجدتهم بفرفار، الضيعة التي ~~اختطها بالزاب، فرحلتهم معي إلى أن نزلنا عليه بضاحية قسنطينة، ومعه صاحبها ~~الأمير إبراهيم بن السلطان أبي العباس بمخيمه، وفي عسكره فحضرت عنده، وقسم ~~لي من بره، وكرامته فوق الرضى. وأذن لي في الدخول إلى قسنطينة، وإقامة أهلي ~~في كفالة إحسانه، بينما أصل إلى حضرة PageV01P188 # أبيه. وبعث يعقوب بن علي معي ابن أخيه أبي دينار في جماعة من قومهم، ~~وسرنا إلى ms105 السلطان أبي العباس، وهو يومئذ قد خرج من تونس في العساكر إلى ~~بلاد الجريد، لاستنزال شيوخها عن كراسي الفتنة التي كانوا عليها، فوافيته ~~بظاهر سوسة، فحيا وفادتي، وبر مقدمي، وبالغ في تأنيسي، وشاورني في مهمات ~~أموره، ثم ردني إلى تونس، وأوعز إلى نائبه بها مولاه فارح بتهيئة المنزل، ~~والكفاية في الجراية، والعلوفة، وجزبل الإحسان، فرجعت إلى تونس في شعبان من ~~السنة، وآويت إلى ظل ظليل من عناية السلطان وخرمته، وبعثت عن الأهل والولد، ~~وجمعت شملهم في مرعى تلك النعمة، وألقيت عصا التسيار، وطالت غيبة السلطان ~~إلى أن افتتح أمصار الجريد، وذهب فلهم في النواحي، ولحق زعيمهم يحيى بن ~~يملول ببسكرة، ونزل على صهره ابن مزني، # وقسم السلطان بلاد الجريد بين ولده، فأنزل ابنه محمد المنتصر بتوزر، وجعل ~~نفطة، ونفزاوة من أعماله، وأنزل ابنه أبا بكر بقفصة، وعاد إلى تونس مظفرا، ~~ماهدا، فأقبل علي، واستدناني لمجالسته، والنجي PageV01P189 # في خلوته، فغص بطانته بذلك، وأفاضوا في السعايات عند السلطان فلم تنجح، ~~وكانوا يعكفون على إمام الجامع، وشيخ الفتيا، محمد بن عرفة، وكانت في قلبه ~~نكتة من الغيرة من لدن اجتماعنا في المربى بمجالس الشيوخ، فكثيرا ما كان ~~يظهر شفوفي عليه، وإن كان أسن مني، فاسودت تلك النكتة في قلبه، ولم تفارقه. ~~ولما قدمت تونس انثال علي طلبة العلم من أصحابه وسواهم، يطلبون الإفادة ~~والاستغال، واسعفتهم بذلك، فعظم عليه. وكان يسم التنفير إلى الكثير منهم ~~فلم يقبلوا، واشتدت غيرته، ووافق ذلك اجتماع البطانة إليه، فاتفقوا على ~~شأنهم في التأليب علي، والسعاية بي، والسلطان خلال ذلك معيرض عنهم في ذلك، ~~وقد كلفني بالإكباب على تأليف هذا الكتاب لتشوفه إلى المعارف والأخبار، ~~واقتناء الفضائل، فأكملت منه أخبار البربر، وزناته. وكتبت من أخبار ~~الدولتين وما قبل الإسلام ما وصل إلي منها، وأكملت منه نسخة رفعتها إلى ~~خزانته، وكان مما يغرون به السلطان علي، قعودي عن امتداحه، فإني كنت قد ~~أهملت الشعر وانتحاله جملة، وتفرغت للعلم فقط، فكانوا يقولون له إنما ترك ~~ذلك استهانة بسلطانك، لكثرة امتداحه للملوك ms106 قبلك، وتنسمت ذلك عنهم من جهة ~~بعض الصديق من بطانتهم، فلما رفعت له الكتاب، وتوجته باسمه، أنشدته ذلك ~~اليوم، هذه القصيدة أمتدحه، وأذكر سيره وفتوحاته، وأعتذر عن انتحال الشعر، ~~وأستعطفه بهدية الكتاب إليه، وهي هذه: # هل غير بابك للغريب مؤمل %~% أو عن جنابك للأماني معدل # هي همة بعثت إليك على النوى %~% عزما كما شحذ الحسام الصيقل # متبوأ الدنيا ومنتجع المنى %~% والغيث حيث العارض المتهلل # حيث القصور الزاهرات منيفة %~% تعنى بها زهر النجوم وتحفل PageV01P190 # حيث الخيام البيض يرفع للعلا %~% والمكرمات طرافها المتهدل # حيث الحمى للعز في ساحاته %~% ظل أفاءته الوشيج الذبل # حيت الكرام ينوب عن نار القرى %~% عرف الكباء بحيهم والمندل # حيث الرماح يكاد يورق عودها %~% مما تعل من الدماء وتنهل # حيث الجياد أملهن بنو الوغى %~% مما أطالوا في المغار وأوغلوا # حيث الوجوه الغر قنعها الحيا %~% والبشر في صفحاتها يتهلل # حيث الملوك الصيد والنفر الألى %~% عز الجوار لديهم والمنزل # من شيعة المهدي بل من شيع %~% ة التوحيد جاء به الكتاب يفصل # بل شيعة الرحمن ألقى حبهم %~% في خلقه فسموا بذاك وفضلوا # شادوا على التقوى مباني عزهم %~% لله ما شادوا بذاك وأثلوا # قوم أبو حفص أب لهم وما %~% أدراك والفاروق جد أول # نسب كما اطردت أنابيب القنا %~% وأتى على تقويمهن معدل # سام على هام الزمان كأنه %~% للفخر تاج بالبدور مكلل # فضل الأنام حديثهم وقديمهم %~% ولأنت إن فضلوا أعز وأفضل PageV01P191 # وبنوا على قلل النجوم ووطدوا %~% وبناؤك العالي أشد وأطول # ولقد أقول لخائض بحر الفلا %~% والليل مزبد الجوانب أليل # ماض علىغول الدجى لا يتقي %~% تيها وذابله ذبال مشعل # متقلب فوق الرحال كأنه %~% طيف بأطراف المهاد موكل # يبغي منال الفوز من طرق الغنى %~% ويرود خصبها الذي لا يمحل # أرح الركاب فقد ظفرت بواهب %~% يعطي عطاء المنعمين فيجزل # لله من خلق كريم في الندى %~% كالروض حياه ندى مخضل # هذا أمير المؤمنين إمامنا %~% في الدين والدنيا إليه الموئل # هذا أبو العباس خير خليفة %~% شهدت له الشيم التي لا تجهل # مستنصر بالله في قهر العدا %~% وعلى إعانة ربه ms107 متوكل # سبق الملوك إلى العلا متمهلا %~% لله منك السابق المتمهل # فلأنت أعلى المالكين وإن غدوا %~% يتسابقون إلى العلاء وأكمل # قايس قديما منكم بقديمهم %~% فالأمر فيه واضح لا يجهل # دانوا لقومكم بأقوم طاعة %~% هي عروة الدين التي لا تفصل # سائل تلمسانا بها وزناتة %~% ومرين قبلهم كما قد ينقل # وأسأل بأندلس مدائن ملكها %~% تخبرك حين استيأسوا واستوهلوا # واسأل بذا مراكشا وقصورها %~% ولقد تجيب رسومها من يسأل # يا أيها الملك الذي في نعته %~% ملء القلوب وفوق ما يتمثل # لله منك مؤيد، عزماته %~% تمضي كما يمضي القضاء المرسل # جئت الزمان بحيث أعضل خطبه %~% فافتر عنه وهو أكلح أعصل # والشمل من أبنائه متصدع %~% وحمى خلافته مضاع مهمل # والخلق قد صرفوا إليك قلوبهم %~% ورجوا صلاح الحال منك وأملوا PageV01P192 # فعجلته لما انتدبت لأمره %~% بالبأس والعزم الذي لا يمهل # ذللت منه جامحا لا ينثني %~% سهلت وعرا كاد لا يتسهل # وألنت من شرس العتاة وذدتهم %~% عن ذلك الحرك الذي قد حللوا # كانت لصولة صولة ولقومه %~% يعدوا ذؤيب بها وتسطو المعقل # ومهلهل تسدي وتلحم في التي %~% ما أحكموها بعد ففي مهلهل # المراد بصولة هنا صولة بن خالد بن حمزة أمير أولاد أبي الليل. وذؤيب: هو ~~ابن عمه أحمد بن حمزة. والمعقل فريق من العرب من أحلافهم. ومهلهل: هم بنو # مهلهل ابن قاسم أنظارهم وأقتالهم. ثم رجعت إلى وصف العرب وأحيائهم: # عجب الأنام لشأنهم بادون قد %~% قذفت بحيهم المطي الذلل # رفعوا القباب على العماد وعندها %~% الجرد السلاهب والرماح العسل # في كل ظامي الترب متقد الحصى %~% تهوي للجته الظماء فتنهل # جن شرابهم السراب ورزقهم %~% رمح يروح به الكمي ومنصل # حي حلول بالعراء ودونهم %~% قذف النوى إن يظعنوا أو يقبلوا # كانوا يروعون الملوك بما بدوا %~% وغدت ترفه بالنعيم وتخضل # فبدوت لا تلوي على دعة ولا %~% تأوي إلى ظلل القصور تهدل # طورا يصافحك الهجير وتارة %~% فيه بخفاق البنود تظلل # وإذا تعاطي ضمرا يوم الوغى %~% كأس النجيع فبالصهيل تعلل # مخشوشنا في العز معتملا له %~% في مثل هذا يحسن المستعمل # تفري حشا البيداء لا يسري بها ms108 %~% ركب ولا يهوي إليها جحفل # وتجر أذيال الكتائب فوقها %~% تختال في السمر الطوال وترفل # ترميهم منهما بكل مدجج %~% شاكي السلاح إذا استعار الأعزل PageV01P193 # وبكل أسمر غصنه متأود %~% وبكل أبيض شطه متهدل # حتى تفرق ذلك الجمع الألى %~% عصفت بهم ريح الجلاد فزلولوا # ثم استملتهم بأنعمك التي %~% خضعوا لعزك بعدها وتذللوا # ونزعت من أهل الجريد غواية %~% كانت بهم أبدا تجد وتهزل # خربت من بنيانها ما شيدوا %~% وقطعت من أسبابها ما أصلوا # ونظمت من أمصاره وثغوره %~% للملك عقدا بالفتوح يفصل # فسددت مطلع النفاق وأنت لا %~% تنبو ظباك ولا العزيمة تنكل # بشكيمة مرهوبة وسياسة %~% تجري كما يجري فرات سلسل # عذب الزمان لها ولذ مذاقه %~% من بعد ما قد مر منه الحنظل # فضوى الأنام لعز أروع مالك %~% سهل الخليقة، ماجد متفضل # وتطابقت فيك القلوب على الرضى %~% سيان منها الطفل والمتكهل # يا مالكا وسع الزمان وأهله %~% دعة وأمنا فوق ما قد أملوا # فالأرض لا يخشى بها غول ولا %~% يعدو بساحتها الهزبر المشبل # والسفر يجتابون كل تنوفة %~% سرب القطا ما راعهن الأجدل # سبحان من بعلاك قد أحيا المنى %~% وأعاد حلي الجيد وهو معطل # سبحان من بهداك أوضح للورى %~% قصد السبيل فأبصر المتأمل # فكأنما الدنيا عروس تجتلى %~% فتميس في حلل الجمال وترفل # وكأن مطبقة البلاد بعدله %~% عادت فسيحا ليس فيه مجهل # وكأن أنوار الكواكب ضوعفت %~% من نور غرته التي هي أجمل # وكأنما رفع الحجاب لناظر %~% فرأى الحقيقة في الذي يتخيل # وهنها في العذر عن مدحه: PageV01P194 # مولاي غاضت فكرتي وتبلدت %~% مني الطباع فكل شيء مشكل # تسمو إلى درك الحقائق همتي %~% فأصد عن إدراكهن وأعزل # وأجد ليلي في امتراء قريحتي %~% وتعود غورا بينما تسترسل # فأبيت يعتلج الكلام بخاطري %~% والنظم يشرد والقوافي تجفل # من بعد حول أنتقيه ولم يكن %~% في الشعر حولي يعاب ويهمل # فأصونه عن أهله متواريا %~% أن لا يضمهم وشعري محفل # وهي البضاعة في القبول نفاقها %~% سيان فيها الفحل والمتطفل # وبنات فكري إن أتتك كليلة %~% مرهاء تخطر في القصور وتخطل # فلها الفخار إذا منحت قبولها %~% وأنا على ذاك البليغ ms109 المقول # ومنها في ذكر الكتاب المؤلف لخزانته: # وإليك من سير الزمان وأهله %~% عبرا يدين بفضلها من يعدل # صحفا تترجم عن أحاديث الألى %~% غبروا فتجمل عنهم وتفصل # تبدي التبابع والعمالق سرها %~% وثمود قبلهم وعاد الأول # والقائمون بملة الإسلام من %~% مضر وبربرهم إذا ما حصلوا # لخصت كتب الأولين لجمعها %~% وأتيت أولها بما قد أغفلوا # وألنت حوشي الكلام كأنما %~% شرد اللغات بها لنطقي ذلل # أهديت منه إلى علاك جواهرا %~% مكنونة وكواكبا لا تأفل PageV01P195 # وجملته لصوان ملكك مفخرا %~% يبأى الندي به ويزهو المحفل # والله ما أسرفت فيما قلته %~% شيئا ولا الاسراف مما يجمل # ولأنت أرسخ في المعارف رتبة %~% من أن يموه عنده متطفل # فملاك كل فضيلة وحقيقة %~% بيديك تعرف وضعها إن بدلوا # والحق عندك في الأمور مقدم %~% أبدا فماذا يدعيه المبطل # والله أعطاك التي لا فوقها %~% فاحكم بما ترضى فأنت الأعدل # أبقاك ربك للعباد تربهم %~% فالله يخلقهم ورعيك يكفل # وكنت لما انصرفت عنه من معسكره على سوسة إلى تونس، بلغني - وأنا مقيم بها ~~- أنه أصابه في طريقه مرض، وعقبه إبلال، فخاطبته بهذه القصيدة: # ضحكت وجوه الدهر بعد عبوس %~% وتجللتنا رحمة من بوس # وتوضحت غرر البشائر بعد ما %~% انبهمت فأطلعها حداة العيس # صدعوا بها ليل الهموم كأنما %~% صدعوا الظلام بجذوة المقبوس # فكأنهم بثوا حياة في الورى %~% نشرت لها الآمال من مرموس # قرت عيون الخلق منها بالتي %~% أضفت من النعماء خير لبوس # فكأن قومي نادمتهم قرقف %~% شربوا النعيم لها بغير كؤوس # يتمايلون من المسرة والرضى %~% ويقابلون أهلة بشموس # من راكب وافى يحيي راكبا %~% وجليس أنس قاده لجليس # ومشفع لله يؤنس عنده %~% أثر الهدى في المعهد المأنوس # يعتد منها رحمة قدسية %~% فيبوء للرحمن بالتقديس # طب بإخلاص الدعاء وإنه %~% يشفي من الداء العياء ويوسي PageV01P196 # (والمعني به إمام الجامع الأعظم، جامع الزيتونة بتونس). # يا ابن الخلائف والذين بنورهم %~% نهجت سبيل الحق بعد دروس # والناصر الدين القويم بعزمة %~% طرد استقامتها بغير عكوس # هجر المنى فيها ولذات المنى %~% في لذة التهجير والتغليس # حاط الرعية بالسياسة فانضوت %~% منه لإكرم مالك وسؤوس # أسد ms110 يحامي عن حمى أشباله %~% حتى ضووا منه لأمنع خيس # قسما بموشي البطاح وقد غدت %~% تختال زهوا في ثياب عروس # والماثلات من الحنايا جثما %~% يخبرن عن طسم وفل جديس # خوص مضمرة البطون كأنها %~% أنضاء ركب في الفلاة حبيس # وخز البلى منها الغوارب والذرى %~% فلفتن خزرا بالعيون الشوس # لبقاك حرز الأنام وعصمة %~% وحياة أرواح لنا ونفوس # ولأنت كافل ديننا بحماية %~% لولاك ضيع عهدها وتنوسي # الله أعطاك التي لا فوقها %~% وحباك حظا ليس بالموكوس PageV01P197 # تعنو القلوب إليك قبل وجوهنا %~% سيان من رأس ومن مرءوس # فإذا أقمت فإن رعبك راحل %~% يحمي على الأعداء كل وطيس # وإذا رحلت فللسعادة آية %~% تقتادها في موكب وخميس # وإذا الأدلة في الكمال تطابقت %~% جاءت بمسموع لها ومقيس # فانعم بملكك دولة عادية %~% تشقي الأعادي بالعذاب البيس # وإليكها مني على خجل بها %~% عذراء قد حليت بكل نفيس # غذرا فقد طمس الشباب ونوره %~% وأضاء صبح الشيب عند طموس # لولا عنايتك التي أوليتني %~% ما كنت أعنى بعدها بطروس # والله ما أبقت ممارسة النوى %~% مني سوى مرس أحم دريس # أنحى الزمان علي في الأدب الذي %~% دارسته بمجامع ودروس # فسطا على وفري وروع مأمني %~% واجتث من دوح النشاط غروسي # ورضاك رحمتي التي أعتدها %~% تحيي منى نفسي وتذهب بوسي # ثم كثرت سعاية البطانة بكل نوع من أنواع السعايات، وابن عرفة يزيد في ~~إغرائهم متى اجتمعوا إليه، إلى أن أغروا السلطان بسفري معه، ولقنوا النائب ~~بتونس القائد فارح من موالي السلطان أن يتفادى من مقامتي معه، خشية على ~~أمره مني بزعمه، وتواطأوا على أن يشهد ابن عرفة بذلك للسلطان، فشهد به في ~~غيبة مني، ونكر السلطان عليهم ذلك، ثم بعت إلي وأمرني بالسفر معه، فسارعت ~~إلى الامتثال، وقد شق ذلك علي، إلا أني لم أجد محيصا عنه، فخرجت معه، ~~وانتهيت إلى تبسة، وسط تلول إفريقية، وكان منحدرا في عساكره وتواليفه من ~~العرب إلى توزر، لأن ابن يملول كان أجلب عليها سنة ثلاث وثمانين، واستنقذها ~~من يد ابنه، فسار السلطان إليه، وشرده عنها، وأعاد إليها ابنه وأولياءه. ~~ولما ms111 نهض من تبسه، رجعني إلى تونس، فأقمت بضيعتي الرياحين من نواحيها لضم ~~زروعي بها، إلى أن قفل السلطان ظافرا منصورا، فصحبته إلى تونس. PageV01P198 # ولما كان شهر شعبان من سنة أربع وثمانين، أجمع السلطان الحركة إلى الزاب، ~~بما كان صاحبه ابن مزنى قد آوى ابن يملول إليه، ومهد له في جواره، فخشيت # أن يعود في شأني ما كان في السفرة قبلها. وكانت بالمرسى سفينة لتجار ~~الإسكندرية قد شحنها التجار بأمتعهم وعروضهم، وهي مقلعة إلى الإسكندرية، ~~فتطارحت على السلطان، وتوسلت إليه في تخلية سبيلي لقضاء فرضي، فأذن لي في ~~ذلك، وخرجت إلى المرسى، والناس متسايلون على أثري من أعيان الدولة والبلد ~~وطلبة العلم. فودعتهم، وركبت البحر منتصف شعبان من السنة، وقوضت عنهم بحيث ~~كانت الخيرة من الله سبحانه، وتفرغت لتجديد ما كان عندي من آثار العلم، ~~والله ولي الأمور سبحانه. ### | الرحلة إلى المشرق وولاية القضاء بمصر # ولما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة أربع وثمانين، أقمنا في البحر نحوا ~~من أربعين ليلة، ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر. ولعشر ليال من جلوس ~~الملك الظاهر على التخت، واقتعاد كرسي الملك دون أهله بني قلاوون، وكنا على ~~ترقب ذلك، لما كان يؤثر بقاصية البلاد من سموه لذلك، وتمهيده له. وأقمت ~~بالإسكندرية شهرا لتهيئة أسباب الحج ولم يقدر عامئذ، فاننقلت إلى القاهرة ~~أول في القعدة، فرأيت حضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر ~~من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في جوه، ~~وتزهر الحوانك والمدارس بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه، قد مثل ~~بشاطئ PageV01P199 # بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء، يسقيهم النهل والعلل سيحه ويجني ~~إليهم الثمرات والخيرات ثجه، ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة، ~~وأسواقها تزخر بالنعم. وما زلنا نحدث عن هذا البلد، وبعد مداه في العمران، ~~واتساع الأحوال، ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا، حاجهم ~~وتاجرهم، بالحديث عنه. سألت صاحبنا قاضي الجماعة بفاس، وكبير العلماء ~~بالمغرب، أبا عبد الله المقري، (مقدمه من الحج سنة أربعين)، ms112 فقلت له: كيف ~~هذه القاهرة؟ فقال: من لم يرها لم يعرف عز الإسلام. # وسألت شيخنا أبا العباس بن إدريس كبير العلماء ببجاية مثل ذلك فقال: ~~كأنما انطلق أهله من الحساب، يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب. # وحضر صاحبنا قاضي العسكر بفاس، الفقيه الكاتب أبو القاسم البرجي بمجلس ~~السلطان أبي عنان، منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر، وتأدية رسالته ~~النبوية إلى الضريح الكريم، سنة ست وخمسين وسأله عن القاهرة فقال: # أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار: إن الذي يتخيله الإنسان، فإنما ~~يراه دون الصورة التي تخيلها، لاتساع الخيال عن كل محسوس، إلا القاهرة، ~~فإنها أوسع PageV01P200 # من كل ما يتخيل فيها. فأعجب السلطان والحاضرون بذلك. # ولما دخلتها، أقمت أياما، وانثال علي طلبة العلم بها، يلتمسون الإفادة مع ~~قلة البضاعة، ولم يوسعوني عذرا، فجلست للتدريس بالجامع الأزهر منها. # ثم كان الاتصال بالسلطان، فأبر اللقاء، وأنس الغربة، ووفر الجراية من ~~صدقاته، شأنه مع أهل العلم، وانتظرت لحاق أهلي وولدي من تونس، وقد صدهم ~~السلطان هنالك عن السفر، اغتباطا بعودي إليه، فطلبت من السلطان صاحب مصر ~~الشفاعة إليه في تخلية سبيلهم، فخاطبه في ذلك بما نصه. # بسم الله الرحمن الرحيم. # عبد الله ووليه أخوه برقوق. # السلطان الأعظم، المالك الملك الظاهر، السيد الأجل، العالم العادل، ~~المؤيد المجاهد، المرابط المثاغر، المظفر، الشاهنشاه، سيف الدنيا والدين، ~~سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من ~~الظالمين، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك، اسكندر الزمان، مولي ~~الإحسان، مملك أصحاب التخوت والأسرة والتيجان، واهب الأقاليم والأقطار، ~~مبيد الطغاة والبغاة والكفار، ملك البحرين، مسلك سبيل القبلتين، خادم ~~الحرمين الشريفين، ظل الله في PageV01P201 # أرضه، القائم بسنته وفرضه، سلطان البسيطة مؤمن الأرض المحيطة، سيد الملوك ~~والسلاطين، قسيم أمير المؤمنين، أبو سعيد برقوق ابن الشهيد شرف الدنيا ~~والدين أبي المعالي أنس. خلد الله سلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه يخص الحضرة ~~السنية السرية، المظفرة الميمونة، المنصورة المصونة، حضرة السلطان العالم، ~~العادل المؤيد، المجاهد الأوحد، أبي العباس، ذخر الإسلام والمسلمين، عدة ~~الدنيا والدين، # قدوة ms113 الموحدين، ناصر الغزاة والمجاهدين، سيف جماعة الشاكرين، صلاح الدول. ~~لا زالت مملكته بقوته عامرة، ومهابته لنفوس الجبابرة قاهرة، ومعدلته تبوئه ~~غرفات العز في الدنيا والآخرة. سلام صفا ورده وضفا برده، وثناء فاح نده، ~~ولاح سعده، ووداد زاد وجده وجاد جده. # أما بعد حمد الله الذي جعل القلوب أجنادا مجندة، وأسباب الوداد على ~~البعاد مؤكدة، ووسائل المحبة بين الملوك في كل يوم مجددة، والصلاة والسلام ~~على سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله، الذي نصره لله بالرعب مسيرة شهر وأيده ~~وأعلى به منار الدين وشيده، وعلى آله وأصحابه الذين اقتفوا طريقه وسؤدده، ~~صلاة دائمة مؤبده. فإننا نوضح لعلمه الكريم، أن الله - وله الحمد - جعل ~~جبلتنا الشريفة مجبولة على تعظيم العلم الشريف وأهله، ورفعة شأنه، ونشر ~~أعلامه، ومحبة أهله وخدامه، وتيسير مقاصدهم وتحقيق أملهم، والإحسان إليهم، ~~والتقرب إلى الله بذلك في السر والعلانية، فإن العلماء رضي الله عنهم ورثة ~~الأنبياء وقرة عين الأولياء، وهداة خلق الله في أرضه، لا سيما من رزقه الله ~~الدراية فيما علمه من ذلك، وهداه للدخول إليه من أحسن المسالك، مثل كل ~~سطرنا هذه المكاتبة بسببه: المجلس السامي، الشيخي، PageV01P202 # الأجلي، الكبيري، العالمي، الفاضلي، الأثيلي، الأثيري، الإمامي، العلامي ~~القدوة، المقتدي، الفريدي، المحققي، الأصيلي، الأوحدي، الماجدي، الولوي، ~~جمال الإسلام والمسلمين جمال العلماء في العالمين، أوحد الفضلاء، قدوة ~~البلغاء، علامة الأمة، إمام الأئمة، مفيد الطالبين، خالصة الملوك والسلاطين ~~عبد الرحمن بن خلدون المالكي. أدام الله نعمته، فإنه أولى بالإكرام، وأحرى، ~~وأحق بالرعاية وأجل قدرا، وقد هاجر إلى ممالكنا الشريفة، وآثر الإقامة ~~عندنا بالديار المصرية، لا رعبة عن بلاده، بل تحببا إلينا، وتقربا إلى ~~خواطرنا، بالجواهر النفيسة، من ذاته الحسنة، وصفاته الجميلة، ووجدنا منه ~~فوق ما في # النفوس، مما يجل عن الوصف ويربي على التعداد. يا له من غريب وصف ودار، قد ~~أتى عنكم بكل غريب، وما برح - من حين ورد علينا - يبالغ في شكر الحضرة ~~العلية ومدح صفاتها الجميلة، إلى أن استمال خواصرنا الشريفة إلى حبها، ~~وآثرنا المكاتبة إليها. # والعين تعشق قبل الأذن ms114 أحيانا # وذكر لنا في أثناء ذلك، أن أهله وأولاده، في مملكة تونس تحت نظر الحضرة ~~العلية، وقصد إحضارهم إليه ليقيموا عنده، ويجتمع شمله بهم مدة إقامته ~~عندنا، فاقتضت آراؤنا الشريفة، الكتابة إلى الحضرة العلية لهذين السببين ~~الجميلين، وقد آثرنا إعلام الحضرة العلية بذلك، ليكون على خاطره الكريم، ~~والقصد من محبته، يقدم أمره العالي بطلب أهل الشيخ ولي الدين المشار إليه، ~~وإزاحة أعذارهم، وإزالة عوائقهم، والوصية بهم، وتجهيزهم إليه مكرمين، ~~محترمين، على أجمل الوجوه صحبة قاصده الشيخ الصالح، العارف السالك الأوحد، ~~سعد الدين مسعود المكناسي، الواصل بهذه المكاتبة أعزه الله، ويكون تجهيزهم ~~على مركب من مراكب الحضرة العلية، مع توصية من بها من البحرية بمضاعفة ~~إكرام المشار إليهم ورعايتهم، والتأكيد عليهم في هذا PageV01P203 # المعنى، وإذا وصل من بها من البحرية، كان لهم الأمن والإحسان فوق ما في ~~أنفسهم، ويربي على أملهم، بحيث يهتم بذلك على ما عهد من محبته، وجميل ~~اعتماده، مع ما يتحف به من مراسلاته، ومقاصده ومكاتباته. والله تعالى يحرسة ~~بملائكته وآياته، بمنه ويمنه إن شاء الله. # كتب خامس عشر صفر المبارك من سنة ست وثمانين وسبعمائة حسب المرسوم ~~الشريف. الحمد لله وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # ثم هلك بعض المدرسين بمدرسة القمحية بمصر، من وقف صلاح الدين بن أيوب، ~~فولاني تدريسها مكانه، وبينا أنا في ذلك، إذ سخط السلطان قاضي المالكية # في دولته، لبعض النزعات فعزله، وهو رابع أربعة بعدد المذاهب، يدعى كل ~~منهم قاضي القضاة، تمييزا عن الحكام بالنيابة عنهم، لاتساع خطة هذا ~~المعمور، وكثرة عوالمه، وما يرتفع من الخصومات في جوانبه، وكبير جماعتهم ~~قاضي الشافعية، لعموم ولايته في الأعمال شرقا وغربا، وبالصعيد والفيوم، ~~واستقلاله بالنظر في أموال الأيتام، والوصايا، ولقد يقال بأن مباشرة ~~السلطان قديما بالولاية إنما كانت تكون له. PageV01P204 # فلما عزل هذا القاضي المالكي سنة ست وثمانين، اختصني السلطان بهذه ~~الولاية، تأهيلا لمكاني، وتنويها بذكري، وشافهته بالتفادي من ذلك، فأبى إلا ~~إمضاءه، وخلع علي بإيوانه، وبعث من كبار الخاصة من أقعدني بمجلس الحكم ms115 ~~بالمدرسة الصالحية بين القصرين، فقصت بما دفع إلي من ذلك المقام المحمود، ~~ووفيت جهدي بما أمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الحق لومة، ولا ~~يزعني عنه جاه ولا سطوة، مسويا في ذلك بين الخصمين، آخذا بحق الضعيف من ~~الحكمين، معرضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين، جانحا إلى التثبت في ~~سماع البينات، والنظر في عدالة المنتصبين لتحمل الشهادات، فقد كان البر ~~منهم مختلطا بالفاجر، والطيب ملتبسا بالخبيث، والحكام ممسكون عن انتقادهم ~~متجاوزون عما يظهرون عليه من هناتهم، لما يموهون به من الاعتصام بأهل ~~الشوكة، فإن غالبهم مختلطون بالأمراء، معلمين للقرآن، وأئمة في الصلوات، ~~يلبسون عليهم بالعدالة، فيظنون بهم الخير، ويقسمون لهم الحظ من الجاه في ~~تزكيتهم عند القضاة، والتوسل لهم، فأعضل داؤهم، وفشت المفاسد بالتزوير ~~والتدليس بين الناس منهم، ووقفت على بعضها فعاقبت فيه بموجع العقاب، ومؤلم ~~النكال، وتأدى إلي العلم بالجرح في طائفة منهم، فمنعتهم من تحمل الشهادة، ~~وكان منهم كتاب لدواوين القضاة، والتوقيع في مجالسهم، قد دربوا على إملاء ~~الدعاوى، وتسجيل # الحكومات، واستخدموا للأمراء فيما يعرض لهم من العقود، بإحكام كتابتها، ~~وتوثيق شروطها، فصار لهم بذلك شفوف على أهل طبقتهم، وتمويه على القضاة PageV01P205 # بجاههم، يدرعون به مما يتوقعونه من عتبهم، لتعرضهم لذلك بفعلاتهم، وقد ~~يسلط بعض منهم قلمه على العقود لمحكمة، فيوجد السبيل إلى حلها بوجة فقهي، ~~أو كتابي، ويبادر إلى ذلك متى دعا إليه داعي جاه أو منحة، وخصوصا في ~~الأوقاف التي جاوزت حدود النهاية في هذا المصر بكثرة عوالمه، فأصبحت خافية ~~الشهرة، مجهولة الأعيان، عرضة للبطلان، باختلاف المذاهب المنصوبة للحكام ~~بالبلد، فمن اختار فيها بيعا أو تمليكا شارطوه وأجابوه، مفتاتين فيه على ~~الحكام الذين ضربوا دونه سد الحظر والمنع حماية عن التلاعب، وفشا في ذلك ~~الضرر في الأوقاف، وطرق الغرر في العقود والأملاك. # فعاملت الله في حسم ذلك بما آسفهم علي وأحقدهم، ثم التفت إلى الفتيا ~~بالمذهب، وكان الحكام منهم على جانب من الخبرة، لكثرة معارضتهم، وتلقينهم ~~الخصوم، وفتياهم بعد نفوذ الحكم، وإذا فيهم أصاغر، ms116 بيناهم يتشبثون بأذيال ~~الطلب والعدالة ولا يكادون، إذا بهم طفروا إلى مراتب الفتيا والتدريس، ~~فاقتعدوها، وتناولوها بالجزاف، واحتازوها من غير مثرب ولا منتقد للأهلية ~~ولا مرشح، إذ الكثرة فيهم بالغة، ومن كثرة الساكن مشتقة، وقلم الفتيا في ~~هذا المصر طلق، وعنانها مرسل، يتجاذب كل الخصوم منه رسنا، ويتناول من حافته ~~شقا، يرم به الفلج على خصمه، ويستظهر به لإرغامه، فيعطيه المفتي من ذلك ملء ~~رضاه، وكفاء أمنيته، متتبعا إياه في شعاب الخلاف، فتتعارض الفتاوى وتتناقض، ~~ويعظم الشغب إن وقعت بعد نفوذ الحكم، والخلاف في المذاهب كثير، والإنصاف ~~متعذر، وأهلية المفتي أو شهرة الفتيا ليس تمييزها للعامي، فلا يكاد هذا ~~المدد ينحسر، ولا الشغب ينقطع. # فصدعت في ذلك بالحق، وكبحت أعنة أهل الهوى والجهل، ورددتهم على أعقابهم. ~~وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب، يشعوذون بمفترق من اصطلاحات PageV01P206 # العلوم هنا وهناك، لا ينتمون إلى شيخ مشهور، ولا يعرف لهم كتاب في فن، قد ~~اتخذوا الناس هزؤا، وعقدوا المجالس مثلبة للأعراض، ومأبنة للحرم، فأرغمهم ~~ذلك مني، وملأهم حسدا وحقدا علي، وخلوا إلى أهل جلدتهم من سكان الزوايا ~~المنتحلين للعبادة، يشترون بها الجاه ليجيروا به على الله، وربما اضطر أهل ~~الحقوق إلى تحكيمهم، فيحكمون بما يلقي الشيطان على ألسنتهم يترخصون به ~~للإصلاح، لا يزعهم الدين عن التعرض لأحكام الله بالجهل، فقطعت الحبل في ~~أيديهم، وأمضيت أحكام الله فيمن أجاروه، فلم يغنوا عنه من الله شيئا، ~~وأصبحت زواياهم مهجورة، وبئرهم التي يمتاحون منها معطلة. وانطلقوا يراطنون ~~السفهاء في النيل من عرضي، وسوء الأحدوثة عني بمختلق الإفك، وقول الزور، ~~يبثونه في الناس، ويدسون إلى السلطان التظلم مني فلا يصغي إليهم، وأنا في ~~ذلك محتسب عند الله ما فنيت به من هذا الأمر، ومعرض فيه عن الجاهلين، وماض ~~على سبيل سواء من الصرامة، وقوة الشكيمة، وتحري المعدلة، وخلاص الحقوق، ~~والتنكب عن خطة الباطل متى دعيت إليها، وصلابة العود عن الجاه والأغراض متى ~~غمزني لامسها، ولم يكن ذلك شأن من رافقته من القضاة، فنكروه علي، ودعوني ~~إلى تبعهم ms117 فيما يصطلحون عليه من مرضاة الأكابر، ومراعاة الأعيان، والقضاء ~~للجاه بالصور الظاهرة، أو دفع الخصوم إذا تعذرت، بناء على أن الحاكم لا ~~يتعين عليه الحكم مع وجود غيره، وهم يعملون أن قد تمالأوا عليه. # وليت شعري! ما عذرهم في الصور الظاهرة، إذا علموا خلافها، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول في ذلك: من قضيت له من حق أخيه شيئا فإنما أقضي له من ~~النار. # فأبيت في ذلك كله إلا إعطاء العهدة حقها، والوفاء لها ولمن قلدنيها، ~~فأصبح الجميع علي ألبا، ولمن ينادي بالتأفف مني عونا، وفي النكير علي أمة، ~~وأسمعوا الشهود الممنوعين أن قد قضيت فيهم بغير الحق، لاعتمادي على علمي في ~~الجرح، PageV01P207 # وهي قضية إجماع، وانطلقت الألسنة، وارتفع الصخب، وأرادني بعض على الحكم ~~بغرضهم فوقفت، وأغروا بي الخصوم فتنادوا بالتظلم عند السلطان، وجمع القضاة ~~وأهل الفتيا في مجلس حفل للنظر في ذلك، فخلصت تلك الحكومة من الباطل خلوص ~~الإبريز، وتبين أمرهم للسلطان، وأمضيت فيها حكم الله إرغاما لهم، فغدوا على ~~حرد قادرين، وعسوا لأولياء السلطان وعظماء الخاصة، يقبحون لهم إهمال جاههم، ~~ورد شفاعتهم مموهين بأن الحامل على ذلك جهل المصطلح، وينفقون هذا الباطل ~~بعظائم ينسبونها إلي، تبعث الحليم، وتغري الرشيد، يستثيرون حفائظهم علي، ~~ويشربونهم البغضاء لي، والله مجازيهم ومسائلهم. # فكثر الشغب علي من كل جانب، وأظلم الجو بيني وبين أهل الدولة. ووافق ذلك ~~مصابي بالأهل والولد، وصلوا من المغرب في السفين، فأصابها قاصف من الريح ~~فغرقت، وذهب الموجود والسكن والمولود، فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد، ~~واعتزمت على الخروج عن المنصب، فلم يوافقني عليه النصيح ممن استشرته، خشية ~~من نكير السلطان وسخطه، فوقفت بين الورد والصدر، وعلى صراط الرجاء واليأس، ~~وعن قريب تداركني اللطف الرباني، وشملتني نعمة السلطان - أيده الله - في ~~النظر بعين الرحمة، وتخلية سبيلي من هذه العهدة التي لم أطق حملها، ولا ~~عرفت - كما زعموا - فصطلحها، فردها إلى صاحبها الأول، وأنشطني من عقالها، PageV01P208 # فانطلقت حميد الأثر، مشيعا من الكافة بالأسف والدعاء وحميد الثناء، ~~تلحظني العيون بالرحمة، وتتناجى الآمال ms118 في بالعودة، ورتعت فيما كنت راتعا ~~فيه قبل من مراعي نعمته وظل رضاه وعنايته، قانعا بالعافية التي # سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه، عاكفا على تدريس علم، أو ~~قراءة كتاب، أو إعمال قلم في تموين أو تأليف، مؤملا من الله، قطع صبابة ~~العمر في العبادة، ومحو عوائق السعادة بفضل الله ونعمته. ### | السفر لقضاء الحج # ثم مكثت بعد العزل ثلاث سنين، واعتزمت على قضاء الفريضة، فودعت السلطان ~~والأمراء، وزودوا وأعانوا فوق الكفاية. وخرجت من القاهرة منتصف رمضان سنة ~~تسع وثمانين، إلى مرسى الطور بالجانب الشرقي من بحر السويس، وركبت البحر من ~~هنالك، عاشر الفطر، ووصلنا إلى الينبع لشهر، فوافينا المحمل، ورافقتهم من ~~هنالك إلى مكة، ودخلتها ثاني ذي الحجة، فقضيت الفريضة في هذه السنة، ثم عدت ~~إلى الينبع، فأقمت به خمسين ليلة حتى تهيأ لنا ركوب البحر، ثم سافرنا إلى ~~أن قاربنا مرسى الطور، فاعترضتنا الرياح، فما وسعنا إلا قطع البحر إلى ~~جانبه الغربي، ونزلنا بساحل القصير، ثم بذرقنا مع أعراب تلك الناحية إلى ~~مدينة قوص قاعدة الصعيد، فأوحنا بها أياما، ثم ركبنا في بحر النيل إلى مصر، ~~فوصلنا إليها لشهر من PageV01P209 # سفرنا، ودخلتها في جمادى سنة تسعين، وقضيت حق السلطان في لقائه، وإعلامه ~~بما اجتهدت فيه من الدعاء له، فتقبل ذلك مني بقبول حسن، وأقمت فيما عهدت من ~~رعايته وظل إحسانه. وكنت لما نزلت بالينبع، لقيت بها الفقيه الأديب المتقن، ~~أبا القاسم بن محمد ابن # شيخ الجماعة، وفارس الأدباء، ومنفق سوق البلاغة، أبي إسحق إبراهيم ~~الساحلي المعروف جده بالطويجن، وقد قدم حاجا، وفي صحبته كتاب رسالة من ~~صاحبنا الوزير الكبير العالم، كاتب سر السلطان ابن الأحمر صاحب غرناطة، ~~الحظي لديه، أبي عبد الله بن زمرك، خاطبني فيه بنظم ونثر يتشوق، ويذكر ~~بعهود الصحبة نصه: # سلوا البارق النجدي من علمي نجد %~% تبسم فاستبكى جفوني من الوجد # أجاد ربوعي باللوى بورك اللوى %~% وسح به صوب الغمائم من بعدي # ويا زاجري الأظعان وهي ضوامر %~% دعوها ترد هيما عطاشفا على نجد ms119 # ولا تنشقوا الأنفاس منها مع الصبا %~% فإن زفير الشوق من مثلها يعدي # يراها الهوى بري القداح وخطها %~% حروفا على صفح من القفر ممتد # عجبت لها أني تجاذبني الهوى %~% وما شوقها شوقي ولا وجدها وجدي # لئن شاقها بين الغذيب وبارق %~% مياه بفيء الظل للبان والرند # فما شاقني إلا بذور خدورها %~% وقد لحن يوم النفر في قصب ملد # فكم في قباب الحي من شمس كلة %~% وفي فلك الأزرار من قمر سعد # وكم صارم قد شل من لحظ أحور %~% وكم ذابل قد هز من ناعم القد PageV01P210 # خذوا الحذر من سكان رامة إنها %~% ضعيفات كر اللحظ تفتك بالأسد # سهام جفون عن قسي حواجب %~% يصاب بها قلب البريء على عمد # وروض جمال ضاع عرف نسيمه %~% وما ضاع غير الورد في صفحة الخد # ونرجس لحظ أرسل الدمع لؤلؤا %~% فرش بماء الورد روضا من الورد # وكم غصن قد عانق الغصن مثله %~% وكل على كل من الشوق يستعدي # قبيح وداع قد جلا لعيوينا %~% محاسن من روض الجمال بلا عد # رعى الله ليلى لو علمت طريقهما %~% فرشت لأخفاف المطي به خدي # وما شاقني والطيف يرهب أدمعي %~% ويسبح في بحر من الليل مزبد # وقد سل خفاق الذؤابة بارق %~% كما سل لماع الصقال من الغمد # وهزت محلاة يد الشوق في الدجى %~% فحل الذي أبرمت للصبر من عقدي # وأفلق خفاق الجوانح نسمة %~% تنم مع الإصباح خافقة البرد # وهب عليل لف طي بروده %~% أحاديث أهداها إلى الغور من نجد # سوى صادح في الأيك لم يدر ما الهوى %~% ولكن دعا مني الشجون على وعد # فهل عند ليلى نعم الله ليلها %~% بأن جفوني ما تمل من السهد # وليلة إذ ولى الحجيج على منى %~% وفت لي المنى منها بما شئت من قصد # فقضيت منها - فوق ما أحسب - المنى %~% وبرد عفافي صانه الله من برد # وليس سوى لحظ خفي نجيله %~% وشكوى كما ارفض الجمان من العقد # غفرت لدهري بعدها كل ما جنى %~% سوى ما جنى وفد المشيب على فودي # عرفت بهذا الشيب فضل شبيبتي %~% وما زال فضل ms120 الضد يعرف بالضد PageV01P211 # ومن نام في ليل الشاب ضلالة %~% سيوقظه صبح المشيب إلى الرشد # أما والهوى ما حلت عن سنن الهوى %~% ولا جرت في طرق الصبابة عن قصدي # تجاوزت حد العاشقين الألى قضوا %~% وأصبحت في دين الهوى أمة وحدي # نسيت وما أنسى وفائي لخلتي %~% وأقفر ربع القلب إلا من الوجد # إليك أبا زيد شكاة رفعتهما %~% وما أنت من عمرو لدي ولا زيد # بعيشك خبرني وما زلت مفضلا %~% أعندك من شوق كمثل الذي عندي # فكم ثار بي شوق إليك مبرح %~% فظلت يد الأشواق تقدح من زندي # وصفق حتى الريح في لمم الربى %~% وأشفق حتى الطفل في كبد المهد # يقابلني منك الصباح بوجنة %~% حكى شفقا فيه الحياء الذي تبدي # وتوهمني الشمس المنيرة غرة %~% بوجهك صان الله وجهك عن رد # محياك أجلى في العيون من الضحى %~% وذكرك أحلى في الشفاه من الشهد # وما أنت إلا الشمس في علو أفقها %~% تفيدك من قرب وتلحظ من بعد # وفي عمة من لا ترى الشمس عينه %~% وما نفع نور الشمس في الأعين الرمد # من القوم صانوا المجد صون عيونهم %~% كما قد أباحوا المال ينهب للرفد # إذا ازدحمت يوما على المال أسرة %~% فما ازدحموا إلا مورد المجد # ومهما أغاروا منجدين صريخهم %~% يشبون نار الحرب في الغور والنجد # ولم يقتنوا بعد البناء ذخيرة %~% سوى الصارم المصقول والصافن النهد # وما اقتسم الأنفال إلا ممدح %~% بلاها بأعراف المطهمة الجرد PageV01P212 # أتنسى ولا تنسى ليالينا التي %~% خلسنا بهن العيش في جنة الخلد # ركبنا إلى اللذات في طلق الصبا %~% مطايا الليالي وادعين إلى حد # فإن لم نرد فيها الكؤس فإننا %~% وردنا بها للأنس مستعذب الورد # أتيتك في غرب وأنت رئيسه %~% وبابك للأعلام مجتمع الوفد # فآنست حتى ما شكوت بغربة %~% وواليت حتى لم أجد مضض الفقد # وعدت لقطري شاكرا ما بلوته %~% من الخلق المحمود والحسب العد # إلى أن أجزت البحر يا بحر نحونا %~% وزرت مزار الغيث في عقب الجهد # ألذ من النعمى على حال فاقة %~% وأشهى من الوصل الهني على صد # وإن ساءني أن قوضت ms121 رحلك النوى %~% وعوضت عنا بالذميل وبالوخد # لقد سرني أن لحت في أفق العلا %~% على الطائر الميمون والطالع السعد # طلعت بأفق الشرق نجم هداية %~% فجئت مع الأنوار فيه على وعد # يمينا بمن تسري المطي سواهما %~% عليها سهام قد رمت هدف القصد # إلى بيته كيما تزور معاهدا %~% أبان بها جبريل عن كرم العهد # لأنت الذي مهما دجا ليل مشكل %~% قدحت به للنور وارية الزند # وحيث استقلت بي ركاب لطية %~% فأنت نجي النفس في القرب والبعد # وإني بباب الملك حيث عهدتني %~% مديد ظلال الجاه مستحصف العقد # أجهز بالإنشاء كل كتيبة %~% من الكتب، والكتاب في عرضها جندي # نلوذ من المولى الإمام محمد %~% بظل على نهر المجرة ممتد # إذا فاض من يمناه بحر سماحة %~% وعم به الطوفان في النجد والوهد # ركبنا إلى الإحسان في سفن الرجا %~% بحور عطاء ليس تجزر عن مد PageV01P213 # فمن مبلغ الأمصار عني ألوكة %~% مغلغلة في الصدق منجزة الوعد # بآية ما أعطى الخليفة ربه %~% مفاتيح فتح ساقها سائق السعد # ودونك من روض المحامد نفحة %~% تفوت إذا اصطف الندي عن الند # ثناء يقول المسك إن ضاع عرفه %~% أيا لك من ند أما لك من ند # وما الماء في جوف السحاب مروقا %~% بأطهر ذاتا منك في كنف بالمهد # فكيف وقد حلتك أسرابها الحلى %~% وباهت بك الأعلام بالعلم الفرد # وما الطل في ثغر من الدهر باسم %~% بأصفى وأذكى من ثنائي ومن ودي # ولا البحر معصوبا بتاج تمامه %~% بأبهر من ودي وأسير من حمدي # بقيت ابن خلدون إمام هداية %~% ولا زلت من دنياك في جنة الخلد # ووصلها بقوله: سيدي علم الأعلام، كبير رؤساء الإسلام، مشرف حملة السيوف ~~والأقلام، جمال الخواص والظهراء، أثير الدول، خالصة الملوك، مجتبى الخلفاء، ~~نير أفق العلاء، أوحد الفضلاء، قدوة العلماء، حجة البلغاء. # أبقاكم الله بقاء جميلا يعاقد لواء الفخر، ويعلي منار الفضل، ويرفع عماد ~~المجد، ويوضح معالم السؤدد، ويرسل أشعة السعادة، ويفيض أنوار الهداية، ~~ويطلق ألسنة المحامد، وينشر أفق المعارف، ويعذب موارد العناية ويمتع بعمر ~~النهاية ولا نهاية. # بأي التحيات أفاتحك وقدرك ms122 أعلى، ومطلع فضلك أوضح وأجلى، إن قلت تحية كسرى ~~في السناء وتبع فأثر لا يقتفر ولا يتبع، تلك تحية عجماء لا تبين ولا تبين، ~~وزمزمة نافرها اللسان العربي المبين، وهذه جهالة جهلاء، لا ينطبق على PageV01P214 # حروفها الاستعلاء، قد محا رسومها الجفاء، وعلى آثار دمنتها العفاء، وإن ~~كانت التحيتان طالما أوجف بهما الركاب وقعقع البريد، ولكن أين يقعان مما ~~أريد. # تحية الإسلام أصل شي الفخر نسبا، وأوصل بالشرع سببا، فالأولى أن أحييك ~~بما حيا الله في كتابه رسله وأنباءه، وحيت به ملائكته في جواره أولياءه ~~فأقول: # سلام عليكم يرسل من رحمات الله غماما، ويفتق من الطروس عن أزهار المحامد ~~كماما، ويستصحب من البركات ما يكون على الذي أحسن من ذلك تماما، وأجدد # السؤال عن الحال الحالية بالعلم والدين، المستمدة من أنوارها سرج ~~المهتدين. زادها الله صلاحا، وعرفها نجاحا يتبع فلاحا، وأقرر ما عندي من ~~تعظيم أرتقي كل آونة شرفه، واعتقاد جميل يرفع عن وجه البدر كلفه، وثناء ~~انشر بيد الترك صحافه، وعلى ذلك أيها السيد المالك، فقد تشعبت علي في ~~مخاطبتك المسالك، إن أخذت في تقرير فخرك العميم، وحسبك الصميم، فو الله ما ~~أدري بأي ثنية للفخر يرفع العلم، وفي أي بحر من ثنائك يسبح القلم، الأمر ~~جلل، والشمس تكبر عن حلي وعن حلل، وإن أخذت في شكاة الفراق، والاستعداء على ~~الأشواق، اتسع المجال، وحصرت الروية والارتجال، فالأولى أن أترك عذبة ~~اللسان تلعب بها رياح الأشواق، وأسلة اليراع تخضب مفارق الطروس بنجيع الحبر ~~المراق، وغيرك من تركض في مخاطبته جياد اليراع، في مجال الرقاع، مستولية ~~على أمد الإبداع والاختراع، إنما هو بث يبكى، وفراق يشكى، فيعلم الله حرصي ~~على أن أشافه عن أنبائك ثغور البروق البواسم، وأن أحملك الرسائل حتى مع ~~سفراء النواسم، وأن أجتلي غرر ذلك الجبين في محيا الشارق، ولمح البارق. # ولقد وجهت لك جملة من الكتب والقصائد، ولا كالقصيدة الفريدة في تأبين ~~الجواهر التي استأثر بهن البحر، قدس الله أرواحهم، وأعظم أجرك فيهم، فإنها ~~أنافت على مائة وخمسين ms123 بيتا، ولا أدري هل بلغكم ذلك أم غاله الضياع، وغدر ~~وصوله بعد PageV01P215 # المسافة، والذي يطرق لي سوء الظن بذلك، ما صدر في مقابله منكم. فإني على ~~علم من كرم قصدكم، وحسن عهدكم. # ومن حين استقل نيركم بذلك بالأفق الشرقي، لم يصلني منكم كتاب، مع علمي ~~بضياع اثنين منها بهذا الأفق الغربي. انتهى. # وفي الكتاب إشارة إلى أنه بعث قصيدة في مدح الملك الظاهر صاحب مصر، ويطلب ~~مني رفعها إلى السلطان، وعرضها عليه بحسب الإمكان، وهي على روي # الهمزة، ومطلعها: # أمدامع منهلة أم لؤلؤ %~% لما استهل العارض المتلألئ # وبعثها في طي الكتاب، واعتذر بأنه استناب في نسخها، فكتبت همزة رويها ~~ألفا، قال وحقها أن تكتب بالواو، لأنها تبدل بالواو، وتسهل بين الهمزة ~~والواو، وحرف الإطلاق أيضا يسوقها واوا. هذا مقتضى الصناعة، وإن قال بعض ~~الشيوخ تكتب ألفا على كل حال، على لغة من لا يسهل، لكنه ليس بشيء. # وأذن لي في نسخ القصيدة المذكورة بالخط المشرقي لتسهل قراءتها عليهم ~~ففعلت ذلك، ورفعت النسخة والأصل للسلطان، وقرأها كاتب سره عليه، ولم يرجع ~~إلي منهما شيء، ولم أستجز أن أنسخها قبل رفعها إلى السلطان، فضاعت من يدي. # وكان في الكتاب فصل عرفني فيه بشأن الوزير مسعود بن رحو المستبد بأمر ~~المغرب لذلك العهد، وما جاء به من الانتقاض عليهم، والكفران لصنيعهم، يقول ~~فيه: كان مسعود بن رحو الذي أقام بالأندلس عشرين عاما يتبنك النعيم، ويقود ~~الدنيا، ويتخير العيش والجاه، قد أجيز صحبة ولد أبي عنان، كما تعرفتم من ~~نسخة كتاب أنشأته بجبل الفتح لأهل الحضرة، فاستولى على المملكة، وحصل على ~~الدنيا، وانفرد برياسة دار المغرب، لضعف السلطان رحمه الله، ولم يكن إلا أن ~~كفرت الحقوق، وحنظلت نخلته السحوق، وشف على سواد جلدته العقوق، PageV01P216 # وداخل من بسبتة، فانتقضت طاعة أهلها، وظنوا أن القصبة لا تثبت لهم، وكان ~~قائدها الشيخ البهمة، فل الحصار وحلي القتال، ومحش الحرب، أبو زكرياء بن ~~شعيب، فثبت للصدمة، ونور للأندلس فبادره المدد من الجبل، ومن مالقة. وتوالت ~~الأمداد، وخاف أهل ms124 البلد، وراجع شرفاؤه، ودخلوا القصبة. واستغاث أهل البلد ~~بمن جاورهم وجاءهم المدد أيضا. دخل الصالحون في رغبة هذا المقام، ورفع ~~القتال. وفي أثناء ذلك غدروا ثانية، فاستدعى الحال إجازة السلطان المخلوع ~~أبي العباس # لتبادر القصبة به، ويتوجه منها إلى المغرب، لرغبة بني مرين وغيرهم فيه، ~~وهو ولد السلطان المرحوم أبي سالم الذي قلدكم رياسة داره، وأوجب لكم المزية ~~على أوليائه وأنصاره انتهى. # وبعده فصل آخر يطلب فيه كتبا من مصر يقول فيه: # والمرغوب من سيدي أن يبعث لي ما أمكن من كلام فضلاء الوقت وأشياخهم على ~~الفاتحة، إذ لا يمكن بعث تفسير كامل، لأني أثبت في تفسيرها ما أرجو النفع ~~به عند الله. وقد أعلمتكم أن عندي التفسير أوصله إلى المغرب عثمان التجاني ~~من تأليف الطيبي، والسفر الأول من تفسير أبي حيان، وملخص إعرابه، وكتاب PageV01P217 # المغني لابن هشام وسمعت عن بدأة تفسير للإمام بهاء الدين بن عقيل، ووصلت ~~إلي بدأة من كلام أكمل الدين الأثيري رضي الله عن جميعهم. ولكن لم يصل إلا ~~للبسملة، وذكر أبو حيان في صدر تفسيره أن شيخه سليمان النقيب، أو أبو ~~سليمان. لا أدري الآن، صنف كتابا في البيان في سفرين، جعله مقدمة في كتاب ~~تفسيرة الكبير، فإن أمكن سيدي توجيهه. انتهى. # وفي الكتاب فصول أخرى في أغراض متعددة لا حاجة إلى ذكرها هنا. ثم ختم ~~الكتاب بالسلام، وكتب اسمه: محمد بن يوسف بن زمرك الصريحي، وتاريخه العشرون ~~من محرم تسع وثمانين. # وكتب إلي قاضي الجماعة بغرناطة، أبو الحسن علي بن الحسن البني: PageV01P218 # الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسول الله. # يا سيدي وواحدي ودا وحبا، ونجي الروح بعدا وقربا. أبقاكم الله، وثوب ~~سيادتكم سابغ، وقمر سعادتكم - كلما أفلت الأقمار - بازغ، أسلم بأتم السلام ~~عليكم، وأقرر بعض ما لدي من الأشواق إليكم، من حضرة غرناطة - مهدها الله -، ~~عن ذكر لكم يتضوع طيبه، وشكر لا يذوي - وإن طال الزمان - رطيبه، وقد كان ~~بلغ ما # جرى من تأخيركم عن الولاية التي تقلدتم أمرها، وتحملتم مرها، ms125 فتمثلت بما ~~قاله شيخنا أبو الحسن ابن الجياب، عند انفصال صاحبه الشريف أبي القاسم عن ~~خطة القضاء: # لا مرحبا بالناشز الفارك %~% إذ جهلت رفعة مقدارك # لو أنها قد أوتيت رشدها %~% ما برحت تعشو إلى نارك # ثم تعرفت كيفية انفصالكم، وأنه كان عن رغبة من السلطان المؤيد هنالكم، ~~فرددت - وقد توهمت مشاهدتكم - هذه الأبيات: # لك الله يا بدر السماحة والبشر %~% لقد حزت في الأحكام منزلة الفخر # ولكنك استعفيت عنها تورعا %~% وتلك سبيل الصالحين كما تدري # جريت على نهج السلامة في الذي %~% تخيرته أبشر بأمنك في الحشر # وحقق بأن العلم ولاك خطة %~% من العز لا تنفك عنها مدى العمر # تزيد على مر الجديدين جدة %~% وتسري النجوم الزاهرات ولا تسري # ومن لاحظ الأحوال وازن بينها %~% ولم ير للدنيا الدنية من خطر # وأمسى لأنواع الولايات نابذا %~% فغير نكير أن تواجه بالنكر # فيهنيك يهنيك الذي أنت أهله %~% من الزهد فيها والتوقي من الوزر PageV01P219 # ولا تكترث من حاسديك فإنهم %~% حصى والحصى لا يرتقي مرتقى البدر # ومن عامل الأقوام بالله مخلصا %~% له منهم نال الجزيل من الأجر # بقيت لربع الفضل تحمي ذماره %~% وخار لك الرحمن في كل ما تجري # إيه سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم، وأطنبتم في كتابكم في الثناء على ~~السلطان الذي أنعم بالإبقاء، والمساعدة على الانفصال عن خطة القضاء، ~~واستوهبتم الدعاء له ممن هنا من الأولياء، ولله دركم في التنبيه على ~~الإرشاد إلى ذلكم، فالدعاء له من الواجب، إذ فيه استقامة الأمور، وصلاح ~~الخاصة والجمهور، وعند ذلك # ارتفعت أصوات العلماء والصلحاء بهذا القطر له ولكم بجميل الدعاء. أجاب ~~الله فيكم أحسنه وأجمله، وبلغ كل واحد منكم ما قصده وأمله. وأنتم أيضا من ~~أنتم من أهل العلم والجلالة، والفضل والأصالة، وقد بلغتم بهذه البلاد ~~الغاية من التنويه، والحظ الشريف النبيه، لكن أراد الله سبحانه أن يكون ~~لمحاسنكم في تلك البلاد المعظمة ظهور، وتحدث بعد الأمور أمور، وبكل اعتبار، ~~فالزمان بكم - حيث كنتممباه، والمحامد مجموعة لكم جمع تناه. ولما وقف على ~~مكتوبكم إلي مولانا السلطان أبو عبد ms126 الله، أطال الثناء على مقاصدكم، وتحقق ~~صحيح ودادكم، وجميل اعتقادكم، وعمر مجلسه يومئذ بالثناء عليكم، والشكر لما ~~لديكم. # ثم ختم الكتاب بالسلام من كاتبه علي بن عبد الله بن الحسن مؤرخا بصفر ~~تسعين. وفي طيه مدرجة بخطه، وقد قصر فيها عن الإجادة نصها: # سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم، وأظفر يمناكم بنوائب مناكم. # أعتذر لكم عن الكتاب المدرج هذا طيه بغير خطي، فإني في الوقت بحال مرض من ~~عيني، ولكم العافية الواقية، فيسعني سمحكم، وربما أن لديكم تشوقا لما نزل ~~في هذه المدة بالمغرب من الهرج حاطه الله، وأمن جميع بلاد المسلمين. # والموجب أن الحصة الموجهة لتلك البلاد في خدمة أميرهم الواثق، ظهر له ~~ولوزيره ومن ساعده على رأيه إمساكها رهينة، وجعلهم في القيود إلى أن يقع ~~الخروج لهم عن مدينة سبتة. وكان القائد على هذه الحصة العلج المسمى مهند، ~~وصاحبه الفتى المدعو نصر الله. وكثر التردد في القضية، إلى أن أبرز القدر ~~توجيه السلطان أبي العباس - تولاه الله - صحبة فرج بن رضوان بحصة ثانية، ~~وكان ما كان، حسبما تلقيتم من الركبان، هذا ما وسع الوقت من الكلام. ثم ~~دعا، وختم. PageV01P220 # وإنما كتبت هذه الأخبار وإن كانت خارجة عن غرض هذا التعريف بالمؤلف، لأن # فيها تحقيقا لهذه الواقعات، وهي مذكورة في أماكنها من الكتاب، فربما ~~يحتاج الناظر إلى تحقيقها من هذا الموضع. # وبعد قضاء الفريضة، رجعت إلى القاهرة محفوفا بستر الله ولطفه ولقيت ~~السلطان، فتلقاني - أيده الله - بمعهود مبرته وعنايته. وكانت فتنة الناصري ~~بعدها سنة إحدى وتسعين. ولحقت السلطان النكبة التي محصه الله فيها وأقاله، ~~وجعل إلى الخير فيها عاقبته ومآله، ثم أعاده إلى كرسيه للنظر في مصالح ~~عباده، فطوقه القلادة التي ألبسه كما كانت، فأعاد لي ما كان أجراه من ~~نعمته، ولزمت كسر البيت ممتعا بالعافية، لابسا برد العزلة، عاكفا على قراءة ~~العلم وتدريسه، لهذا العهد فاتح سبع وتسعين. ### | ولاية الدروس والخوانق # أهل هذه الدولة التركية بمصر والشام معنيون - على القدم منذ عهد مواليهم ~~ملوك بني أيوب - بإنشاء المدارس لتدريس ms127 العلم، والخوانق لإقامة رسوم ~~الفقراء في التخلق بآداب الصوفية السنية في مطارحة الأذكار، ونوافل ~~الصلوات. أخذوا ذلك عمن قبلهم من الدوال الخلافية، فيختطون مبانيها ويقفون ~~الأراضي المغلة للإنفاق منها على طلبة العلم، ومتدربي الفقراء. وإن استفضل ~~الريع شيئا عن ذلك، جعلوه في أعقابهم خوفا على الذرية الضعاف من العيلة. ~~واقتدى بسنتهم في ذلك من تحت أيديهم من أهل الرياسة والثروة، فكثرت لذلك ~~المدارس والخوانق بمدينة القاهرة، وأصبحت معاشا للفقراء من الفقهاء ~~والصوفية، وكان ذلك من محاسن هذه الدولة التركية، وآثارها الجميلة الخالدة. # وكنت لأول قدومي على القاهرة، وحصولي في كفالة السلطان، شغرت مدرسة بمصر ~~من إنشاء صلاح الدين بن أيوب، وقفها على المالكية يتدارسون بها الفقه، ووقف ~~عليها أراضي من الفيوم تغل القمح، فسميت لذلك القمحية، كما وقف # أخرى PageV01P221 # على الشافعية هنالك، وتوفي مدرسها حينئذ، فولاني السلطان تدريسها، وأعقبه ~~بولاية قضاء المالكية سنة ست وثمانين، كما ذكرت ذلك من قبل، وحضرني يوم ~~جلوسي للتدريس فيها جماعة من أكابر الأمراء تنويها بذكري، وعناية من ~~السلطان ومنهم بجانبي، وخطبت يوم جلوسي في ذلك الحفل بخطبة ألممت فيها بذكر ~~القوم بما يناسبهم، ويوفي حقهم ووصفت المقام، وكان نصها: # الحمد لله الذي بدأ بالنعم قبل سؤالها، ووفق من هداه للشكر على منالها، ~~وجعل جزاء المحسنين في محبته، ففازوا بعظيم نوالها. وعلم الإنسان الأسماء ~~والبيان، وما لم يعلم من أمثالها، وميره بالعقل الذي فضله على أصناف ~~الموجودات وأجيالها، وهداه لقبول أمانة التكليف، وحمل أثقالها. وخلق الجن ~~والإنس للعبادة، ففاز منهم بالسعادة من جد في امتثالها، ويسر كلا لما خلق ~~له، من هداية نفسه أو إضلالها، وفرغ ربك من كل خلقها وخلقها وأرزاقها ~~وآجالها. والصلاة على سيدنا ومولانا محمد نكتة الأكوان وجمالها، والحجة ~~البالغة لله علي كمالها، الذي رقاه في أطوار الاصطفاء، وآدم بين الطين ~~والماء، فجاء خاتم أنبيائها وأرسالها، ونسخ الملل بشريعته البيضاء فتميز ~~حرامها من حلالها، ورضي لنا الإسلام دينا، فأتم علينا النعمة بإكمالها. # والرضى عن آله وأصحابه غيوث رحمته المنسجمة وطلالها، وليوث ملاحمه ms128 ~~المشتهرة وأبطالها. وخير أمة أخرجت للناس، في توسطها واعتدالها، وظهور ~~الهداية والاستقامة في أحوالها، صفى الله عليه وعليهم صلاة تتصل الخيرات PageV01P222 # باتصالها، وتنال البركات من خلالها. # أما بعد فإن الله سبحانه لما أقر هذه الملة الإسلامية في نصابها، وشفاها ~~من أدوائها وأوصابها، وأورث الأرض عباده الصالحين من أيدي غصابها، بعد أن ~~باهلت فارس بتاجها، وعصابها، وخلت الروم إلى تماثيلها وأنصابها، وجعل لها # من العلماء حفطة وقواما، ونجوما يهتدي بها التابع وأعلاما، يقربونها ~~للدراية تبيانا وإفهاما، ويوسعونها بالتدوين ترتيبا وإحكاما، وتهذيبا ~~لأصولها وفروعها ونظاما. ثم اختار لها الملوك يرفعون عمدها، ويقيمون صغاها ~~بإقامة السياسة وأودها، ويدفعون بعزائمهم الماضية في صدر من أرادها بكياد ~~أو قصدها، فكان لها بالعلماء الظهور والانتشار، والذكر السيار، والبركات ~~المخلدة والآثار، ولها بالملوك العز والفخار، والصولة التي يلين لها ~~الجبار، ويذل لعزة المؤمنين بها الكفار، وتجلل وجوه الشرك معها الصغار، ولم ~~تزل الأجيال تتداول على ذلك والأعصار، والدول تحتفل والأمصار، والليل يختلف ~~والنهار، حتى أظلت الإسلام دول هذه العصابة المنصورة من الترك، الماحين ~~بأنوار أسنتهم ظلم الضلالة والشك، القاطعين بنصالهم المرهفة علائق المين ~~والإفك، المصيبين بسهامهم النافذة ثغر الجهالة والشرك، المظهرين سر قوله: ~~لا تزال طائفة من أمتي فيما يتناولونه من الأخذ والترك، ففسحوا خطة ~~الإسلام، وقاموا بالدعوة الخلافية أحسن القيام، وبثوها في أقصى التخوم من ~~الحجاز والشام، واعتمدوا في خدمة الحرمين الشريفين ما فضلوا به ملوك ~~الأنام. واقتعدوا كرسي مصر الذي ألقت له الأقاليم يد الاستسلام، على قدم ~~الأيام، فزخر بها منذ دولتهم بحر العمران، وتجاوبت فيها المدارس بترجيع ~~المثاني والقرآن، وغمرت المساجد بالصلوات والأذان، تكاثر عدد الحصى ~~والشهبان. وقامت المآذن على قدم الاستغفار والسبحان معلنة بشهار الإيمان، ~~وازدان جوها بالقصر والإيوان فالإيوان. ونظم دستها بالعزيز، والظاهر، ~~والأمير، والسلطان. فما شئت من ملك يخفق العز في PageV01P223 # أعلامه، وتتوقد في ليل المواكب نيران الكواكب من أسنته وسهامه، ومن أسرة ~~للعلماء نتناول العلم بوعد الصادق ولو تعلق بأعنان السماء، وتنير سراجه في ~~جوانب الشبه المدلهمة الظلماء، ومن قضاة ms129 يباهون بالعلم والسؤدد عند ~~الانتماء، ويشتملون الفضائل # والمناقب اشتمال الصماء، ويفصلون الخصومات برأي يفرق بين اللبن والماء. # ولا كدولة السلطان الظاهر، والعزيز القاهر، يعسوب العصائب والجماهر، ~~ومطلع أنواع العز الباهر، ومصرف الكتائب تزري بالبحر الزاخر، وتقوم بالحجة ~~للقسي على الأهلة في المفاخر، سيف الله المنتضى على العدو الكافر، ورحمته ~~المتكفلة للعباد باللطف الساتر، رب التيجان والأسرة والمنابر، والأواوين ~~العالية والقصور الأزاهر، والملك المؤيد بالبيض البواتر، والرماح الشواجر، ~~والأقلام المرتضعة أحلاف العز في مهود المحابر، والفيض الرباني الذي فاق ~~قدرة القادر، وسبقت به العناية للأواخر. سيد الملوك والسلاطين، كافل أمير ~~المؤمنين، أبو سعيد أمده الله بالنصر المصاحب، والسعد المؤازر، وعرفه آثار ~~عنايته في الموارد والمصادر، وأراه حسن العاقبة في الأولى وسرور المنقلب في ~~الآخرة فإنه لما تناول الأمر بعزائمه وعزمه، وآوى الملك إلى كنفه العزيز ~~وحزمه، أصاب شاكلة الرأي عندما سدد من سهمه، وأوقع الرعايا في ظل من أمنه، ~~وعدل من حكمه، وقسم البأس والجود بين حربه وسلمه، ثم أقام دولته بالأمراء ~~الذين اختارهم باختيار الله لأركانها، وشد بهم أزره في رفع القواعد من ~~بنيانها، من بين مصرف لعنانها، متقدم القدم على أعيانها، في بساط إيوانها، ~~ورب مشورة تضيء جوانب الملك بلمعانها، ولا يذهب الصواب عن مكانها، ومنفذ ~~أحكام يشرق الحق في بيانها، ويضوع العدل من أردانها ونجي خلوة في المهم ~~الأعظم من شأنها، وصاحب قلم يفضي بالأسرار إلى الأسل الجرار، فيشفي الغليل ~~بإعلانها. حفظ الله جميعهم وشمل بالسعادة والخيرات المبدأة PageV01P224 # المعادة تابعهم ومتبوعهم. # ولما سبحت في اللج الأزرق، وخطوت من أفق المغرب إلى أفق المشرق، حيث نهر ~~النهار ينصب من صفحه المشرق، وشجرة الملك التي اعتز بها الإسلام تهتز في ~~دوحه المعرق، وأزهار الفنون تسقط علينا من غصنه المورق، وينابيع العلوم # والفضائل تمد وشلنا من فراته المغدق، أولوني عناية وتشريفا، وغمروني ~~إحسانا ومعروفا، وأوسعوا بهمتي إيضاحا، ونكرتي تعريفا، ثم أهلوني للقيام ~~بوظيفة السادة المالكية بهذا الوقف الشريف، من حسنات السلطان صلاح الدين ~~أيوب ملك الجلاد والجهاد، وماحي آثار التثليث والرفض ms130 الخبيث من البلاد، ~~ومطهر القدس الشريف من رجس الكفر بعد أن كانت النواقيس والصلبان فيه بمكان ~~العقود من الأجياد. وصاحب الأعمال المتقبلة يسعى نورها بين يديه في يوم ~~التناد، فأقامني السلطان - أيده الله - لتدريس العلم بهذا المكان، لا تقدما ~~على الأعيان، ولا رغبة عن الفضلاء من أهل الشان، وإني موقن بالقصور، بين ~~أهل العصور، معترف بالعجز عن المضاء في هذا القضاء، وأنا أرغب من أهل اليد ~~البيضاء والمعارف المتسعة الفضاء، أن يلمحوا بعين الارتضاء، ويتغمدوا ~~بالصفح والاغضاء، والبضاعة بينهم مزجاة، والاعتراف من اللوم - إن شاء الله ~~- منجاة، والحسنى من الإخوان مرتجاة. والله تعالى يرفع لمولانا السلطان في ~~مدارج القبول أعماله، ويبلغه في الدارين آماله، ويجعل للحسنى والمقر ~~الأسنى، منقلبه ومآله، ويديم على السادة الأمراء نعمته، ويحفظ على المسلمين ~~بانتظام الشمل دولتهم ودولته، ويمد قضاة المسلمين وحكامهم بالعون والتسديد، ~~ويمتعنا بانفساح آجالهم إلى الأمد البعيد، ويشمل الحاضرين برضوانه في هذا ~~اليوم السعيد، بمنه وكرمه. # وانفض ذلك المجلس، وقد شيعتني العيون بالتجلة والوقار، وتناجت النفوس ~~بالأهلية للمناصب، وأقمت على الاشتعال بالعلم وتدريسه إلى أن سخط السلطان ~~قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النزعات الملوكية، فعزله، واستدعاني ~~للولاية في مجلسه، وبين أمرائه، فتفاديت من ذلك، وأبى إلا إمضاءه. وخلع ~~علي، وبعث معي PageV01P225 # من أجلسني بمقعد الحكيم في المدرسة الصالحية في رجب ست وثمانين، فقمت في ~~ذلك المقام المحمود، ووفيت عهد الله في إقامة رسوم الحق، وتحري # المعدلة، حتى سخطني من لم ترضه أحكام الله، ووقع من شغب أهل الباطل ~~والمراء ما تقدم ذكره. # وكنت عند وصولي إلى مصر بعثت عن ولدي من تونس، فمنعهم سلطان تونس من ~~اللحاق بي اغتباطا بمكاني، فرغبت من السلطان أن يشفع عنده في شأنهم، فأجاب، ~~وكتب إليه بالشفاعة، فركبوا البحر من تونس في السفين، فما هو إلا أن وصلوا ~~إلى مرسى الإسكندرية، فعصفت بهم الرياح وغرق المركب بمن فيه، وما فيه، وذهب ~~الموجود والمولود، فعظم الأسف، واختلط الفكر، وأعفاني السلطان من هذه ~~الوظيفة وأراحني، وفرغت لشأني من الاشتغال ms131 بالعلم تدريسا وتأليفا. # ثم فرغ السلطان من اختطاط مدرسته بين القصرين، وجعل فيها مدافن أهله، ~~وعين لي فيها تدريس المالكية، فأنشأت خطبة أقوم بها في يوم مفتتح التدريس ~~على عادتهم في ذلك ونصها: # الحمد لله الذي من على عباده، بنعمة خلقه وإيجاده، وصرفهم في أطوار ~~استعباده بين قدره ومراده، وعرفهم أسرار توحيده، في مظاهر وجوده، وآثار ~~لطفه في وقائع عباده، وعرضهم على أمانة التكاليف ليبلوهم بصادق وعده ~~وإبعاده، ويسر كلا لما خلق له، من هدايته أو إضلاله، وغيه أو رشاده، ~~واستخلف الإنسان في الأرض بعد أن هداه النجدين لصلاحه أو فساده، وعلمه ما ~~لم يكن يعلم، من مدارك سمعه وبصره والبيان عما في فؤاده، وجعل منهم أنبياء ~~وملوكا يجاهدون في الله حق جهاده، ويثابرون على مرضاته في اعتمال العدل ~~واعتماده، ورفع البيوت المقدسة بسبحات الذكر وأوراده. PageV01P226 # والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد سيد البشر من نسل آدم وأولاده، ~~لا. بل سيد الثقلين في العالم من إنسه وجنه وأرواحه وأجساده، لا. بل سيد ~~الملائكة والنبيئين، الذي ختم الله كمالهم بكماله وآمادهم بآماده، الذي شرف ~~به الأكوان # فأضاءت أرجاء العالم لنور ولاده، وفصل له الذكر الحكيم تفصيلا، كذلك ~~ليثبت من فؤاده وألقى على قلبه الروح الأمين بتنزيل رب العالمين، ليكون من ~~المنذرين لعباده، فدعا إلى الله على بصيرة بصادق جداله وجلاده وأنزل عليه ~~النصر العزيز، وكانت ملائكة السماء من إمداده، حتى ظهر نور الله على رغم من ~~رغم. بإطفائه وإخماده، وكمل الدين الحنيف فلا تخشى والحمد لله غائلة ~~انقطاعه ولا نفاده، ثم أعد له من الكرامات ما أعد في معاده، وفضله بالمقام ~~المحمود في عرصات القيامة بين أشهاده، وجعل له الشفاعة فيمن انتظم في أمته، ~~واعتصم بمقاده. # والرضى عن آله وأصحابه، غيوص رحمته، وليوث إنجاده، من ذوي رحمه الطاهرة ~~وأهل وداده المتزودين بالتقوى من خير أزواده، والمراغمين بسيوفهم من جاهر ~~بمكابرة الحق وعناده، وأراد في الدين بظلمه وإلحاده، حتى استقام الميسم في ~~دين الله وبلاده، وانتظمت دعوة الإسلام أقطار العالم، وشعوب الأنام، ms132 من ~~عربه وعجمه وفارسه ورومه وتركه وأكراده. صلى الله عليه وعليهم صلاة تؤذن ~~باتصال الخير واعتياده، وتؤهل لاقتناء الثواب وزياده، وسلم كثيرا، وعن ~~الأئمة الأربعة، علماء السنة المتبعة، والفئة المجتباة المصطنعة، وعن ~~إمامنا من بينهم الذي حمل الشريعة وبينها، وحرر مقاصدها الشريفة وعينها، ~~وتعرض في الآفاق منها والمطالع، بين شهبها PageV01P227 # اللوامع، فزينها. نكتة الهداية إذا حقق مناطها، وشرط التحصيل والدراية ~~إذا روعيت أشراطها، وقصد الركاب إذا ضربت في طلب العلم آباطها، عالم ~~المدينة وإمام هذه الأمة الأمينة، ومقبس أنوار النبوة من مشكاتها المبينة، ~~الإمام مالك بن أنس. ألحقه الله برضوانه، وعرفنا بركة الاقتداء بهدية ~~وعرفانه، وعن سلف المؤمنين والمهتدين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. # أما بعد فإن الخلق عيال الله يكنفهم بلطفه ورحمته، ويكفلهم بفضله ونعمته، # وييسرهم لأسباب السعادة بآداب دينه وشرعته، ويحملهم في العناية بأمورهم، ~~والرعاية لجمهورهم، على مناهج سنته ولطائف حكمته. ولذلك اختار لهم الملوك ~~الذين جبلهم على العدل وفطرته، وهداهم إلى التمسك بكلمته. ثم فضلهم بما ~~خولهم من سعة الرزق وبسطته واشتقاق التمكين في الأرض من قدرته، فتسابقوا ~~بالخيرات إلى جزائه ومثوبته، وذهبوا بالدرجات العلى في وفور الأجر ومزيته. # وإن مولانا السلطان الملك الظاهر، العزيز القاهر، العادل الطاهر، القائم ~~بأمور الإسلام عندما أعيا حملها الأكتاد، وقطب دائرة الملك الذي أطلع الله ~~من حاشيته الأبدال وأنبت الأوتاد، ومنفق أسواق العز بما بذل فيها من جميل ~~نظره المدخور والعتاد، رحمة الله الكافلة للخلق، ويداه المبسوطتان بالأجل ~~والرزق، وظله الواقي للعباد بما اكتنفهم من العدل والحق، قاصم الجبابرة، ~~والمعفي على آثار الأعاظم من القياصرة، وذوي التيجان من التبابعة ~~والأكاسرة، أولي الأقيال والأساورة، وحائز قصب السبق في الملوك عند ~~المناضلة والمفاخرة، ومفوض الأمور بإخلاصه إلى ولي الدنيا والآخرة، مؤيد ~~كلمة الموحدين، ورافع دعائم الدين، وظهير خلافة المؤمنين، PageV01P228 # سلطان المسلمين أبو سعيد. صدق الله فيما يقتفي من الله ظنونه، وجعل النصر ~~ظهيره، كما جعل السعد قرينه، والعز خدينه، وكان وليه على القيام بأمور ~~المسلمين ومعينه، وبلغ الأمة في اتصال أيامه، ودوام سلطانه، ms133 ما يرجونه من ~~الله ويؤملونه. لما قلده الله هذا الأمر الذي استوى له على كرسي الملك، ~~وانتظمت عقود الدول في لبات الأيام، وكانت دولته واسطة السلك وجمع له الدين ~~بولاية الحرمين، والدنيا بسلطان الترك. وأجرى له أنهار مصر من الماء ~~والمال، فكان مجازه فيها بالعدل في الأخذ والترك. وجمع عليه قلوب العباد. ~~فشهد سرها بمحبه الله له شهادة خالصة من الريب، بريئة من الشك. حتى استولى ~~من العز والملك على المقام الذي رضيه وحمده. ثم تاقت نفسه إلى ما عند الله، # فصرف قصده إليه واعتمده، وسارع إلى فعل الخيرات بنفس مطمئنة، لا يسأل ~~عليها أجرا ولا يكدرها بالمنة، وأحسن رعاية الدين والملك تشهد بها الإنس ~~والجنة، لا، بل النسم والأجنة. ثم آوى الخلق إلى عدله تصديقا بأن الله يؤوه ~~يوم القيامة إلى ظلاله المستجنة، ونافس في اتخاذ المدارس والربط لتعليم ~~الكتاب والسنة، وبناء المساجد المقدسة يبني له بها الله البيوت في الجنة، ~~والله لا يضيع عمل عامل فيما أظهره أو أكنه. # وإن ما أنتجته قرائح همته وعنايته، وأطلعته آفاق عدله وهدايته، ووضحت ~~شواهده على بعد مداه في الفخر وغايته، ونجح مقاصده في الدين وسعايته، هذا ~~المصنع الشريف، والهيكل السامي المنيف، الذي راق الكواكب حسنه وظرفه، وأعجز ~~الهمم البشرية ترتيبه ورصفه، لا! بل الكلم السحرية تمثيله ووصفه وشمخ ~~بمطاولة السحب ومناولة الشهب مارنه العزيز وأنفه، وازدهى بلبوس السعادة ~~والقبول من الله عطفه، إن فاخر بلاط الوليد، كان له الفخار، أو باهى القصر ~~والإيوان، شهد له المحراب والمنار، أو ناظر صنعاء وغمدان، قامت بحجته ~~الآثار. إنما هو بهو ملؤه دين وإسلام، وقصر عليه تحية وسلام، وفضاء رباني ~~ينشأ في جوه للرحمة PageV01P229 # والسكينة ظلة وغمام، وكوكب شرق يضاحك وجه الشمس منه ثغر بسام، دفع إلى ~~تشييد أركانه، ورفع القواعد من بنيانه، سيف دولته الذي أستله من قراب ملكه ~~وانتضاه، وسهمه الذي عجم عيدان كنانته فارتضاه، وحسام أمره الذي صقل فرنده ~~بالعز والعزم وأمضاه، فارتضاه وحسام أمره الذي طالب غريم الأيام، بالأمل ~~العزيز المرام، ms134 فاستوفى دينه واقتضاه، الأمير الأعز الأعلى جهركس الخليلي ~~أمير الماخورية باسطبله المنيع. حرسه الله من خطوب الأيام، وقسم له من ~~عناية السلطان أوفر الحظوظ والسهام، فقام بالخطو الوساع، لأمره المطاع، ~~وأغرى بها أيدي الاتقان والابداع. واختصها من أصناف الفعلة بالماهر # الصناع، يتناظرون في إجاده الأشكال منها والأوضاع، ويتناولون الأعمال ~~بالهندام إذا توارت عن قدرتهم بالامتناع، فكان العبقري، يفري الفري، أو ~~العفاريت، قدمت من أماريت. وكأنما حشرت الجن والشياطين، أو نشرت القهارمة ~~من الحكماء الأول والأساطين، جابوا لها الصخر بالأذواد لا بالواد، ~~واستنزلوا صم الأطواد على مطايا الأعواد، ورفعوا سمكها إلى أقصى الآماد، ~~على بعيد المهوى من العماد. وغشوها من الوشي الأزهر، المصاعف الصدف ~~والمرمر، ومائع اللجين الأبيض والذهب الأحمر، بكل مسهم الحواشي حالي ~~الأبراد، وقدروه مساجد للصلوات والأذكار، ومقاعد للسبحات PageV01P230 # بالعشي والإبكار، ومجالس للتلاوة والاستغفار، في الآصال والأسحار، وزوايا ~~للتخلي عن ملاحظة الأسماع والأبصار، والتعرض للفتوح الربانية والأنوار، ~~ومدارس لقدح زناد الأفكار، ونتاج المعارف الأبكار، وصوغ اللجين والنضار، في ~~محك القرائح والأبصار. تتفجر ينابيع الحكمة في رياضه وبستانه، وتتفتح أبواب ~~الجنة من غرفه وإيوانه، وتقتاد غر السوابق من العلوم والحقائق، في طلق ~~ميدانه، ويصعد الكلم الطيب والعمل الصالح إلى الله من نواحي أركانه، وتوفر ~~الأجور لغاشيته محتسبة عند الله في ديوانه، راجحة في ميزانه. # ثم أختار لها من أئمة المذاهب الأربعة أعيانا، ومن شيوخ الحقائق الصوفية ~~فرسانا، تصفح لهم أهل مملكته إنسانا، وأشاد بقدرهم عناية وإحسانا، ودفعهم ~~إلى وظائفه توسعا في مذاهب الخير وافتنانا. وعهد إليهم برياضة المريدين، ~~وإفادة المستفيدين، احتسابا لله وقربانا، وتقيلا لمذاهب الملوك من قومه ~~وإستنانا، ثم نظمني معهم تطولا وامتنانا، ونعمة عظمت موقعا وجلت شأنا، وأنا ~~وإن كنت لقصور البضاعة، متأخرا عن الجماعة، ولقعود الهمة، عيالا على هؤلاء ~~الأئمة، فسمحهم يغطي ويلحق، وبمواهب العفو والتجاوز يمنح ويتحف. وإنما هي ~~رحمة # من مولانا السلطان - أيده الله - خصت كما عمت، ووسمت أغفال النكرة ~~والإهمال وسمت، وكملت بها مواهب عطفه وجبره وتمت، وقد ينتظم المر مع ~~المرجان، وتلتبس العصائب ms135 بالتيجان، وتراض المسومة العراب على مسابقة ~~الهجان، والكل في نظر مولانا السلطان وتصريفه، والأهلية بتأهيله والمعرفة ~~بتعريفه، وقوام الحياة والآمال بلطائف إحسانه وصنوفه، والله يوزعنا شكر ~~معروفه، ويوفقنا للوفاء بشرطه في هذا الوقف وتكليفه، ويحمي حماه من غير ~~الدهر وصروفه، ويفيء على ممالك الإسلام ظلال أعلامه ورماحه وسيوفه، ويريه ~~قرة العين في نفسه وبنيه، وحاشييه وذويه، وخاصته ولفيفه، بمن الله وفضله. PageV01P231 # ثم تعاون العداة عند أمير الماخورية، القائم للسلطان بأمور مدرسته، ~~وأغروه بصدي عنها، وقطع أسبابي من ولايتها، ولم يمكن السلطان إلا إسعافه ~~فأعرضت عن ذلك، وشغلت بما أنا عليه من التدريس والتأليف. # ثم خرجت عام تسعة وثمانين للحج، واقتضيت إذن السلطان في ذلك فأسعف، وزود ~~هو وأمراؤه بما أوسع الحال وأرغده، وركبت بحر السويس من الطور إلى الينبع، ~~ثم صعدت مع المحمل إلى مكة، فقضيت الفرض عامئذ. وعدت في البحر، فنزلت بساحل ~~القصير، ثم سافرت منه إلى مدينة قوص في آخر الصعيد، وركبت منها بحر النيل ~~إلى مصر، ولقيت السلطان، وأخبرته بدعائي له في أماكن الإجابة، وأعادني إلى ~~ما عهدت من كرامته، وتفيؤ ظله. # ثم شغرت وظيفة الحديث بمدرسة صلغتمش فولاني إياها بدلا من مدرسته وجلست ~~للتدريس فيها في محرم أحد وتسعين، وقمت ذلك اليوم - على العادة - بخطبة ~~نصها: # الحمد لله إجلالا وإعظاما، واعترافا بحقوق النعم والتزاما، واقتباسا ~~للمزيد منها # واغتناما، وشكرا على الذي أحسن وتماما، وسع كل شيء رحمة وإنعاما، وأقام ~~على توحيده من أكوانه ووجوده آيات واضحة وأعلاما، وصرف الكائنات في قبضة ~~قدرته ظهورا وخفاء وإيجادا وإعدما، وأعطى كل شيء خلقه ثم هداه إلى مصالحه ~~إلهاما، وأودع مقدور قضائه في مسطور كتابه، فلا يجد محيصا عنه ولا مراما. # والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبي الرحمة الهامية غماما ~~والملحمة التي أراقت من الكفر نجيعا وحطمت أصناما، والعروة الوثقى، فاز من ~~اتخذها عصاما أول النبيئين رتبة وآخرهم ختاما، وسيدهم ليلة قاب قوسين إذ ~~بات للملائكة والرسل إماما، وعلى آله وأصحابه الذين كانوا ركنا لدعوته ~~وسناما PageV01P232 # وحربا على عدوه ms136 وسماما، وصلوا في مظاهرته جدا واعتزاما، وقطعوا في ذات ~~الله وابتغاء مرضاته أنسابا وأرحاما، حتى ملأوا الأرض إيمانا وإسلاما، ~~وأوسعوا الجاحد والمعاند تبكيتا وإرغاما فأصبح الدين بساما ووجه الكفر ~~والباطل عبوسا جهاما. صلى الله عليه وعليهم ما عاقب ضياء ظلاما، صلاة ترجح ~~القبول ميزانا، وتبوئ عند الله مقاما. # والرضى عن الأئمة الأربعة، الهداة المتعة، مصابيج الأمان ومفاتيح السنة ~~الذين أحسنوا بالعلم قياما وكانوا للمتقين إماما. # أما بعد فإن الله سبحانه تكفل لهذا الدين بالعلاء والظهور، والعز الخالد ~~على الظهور، وانفساح خطته في آفاق المعمور، فلم يزل دولة عظيمة الآثار، ~~غزيرة الأنصار، بعيدة الصيت عالية المقدار جامعة - بمحاسن آدابه وعزة جنابه ~~- معاني الفخار، منفقة بضائع علومه في الأقطار، مفخرة ينابيعها كالبحار، ~~مطلعة كواكبها المنيرة في الآفاق أضوأ من النهار، ولا كالدولة التي استأثرت ~~بقبلة الإسلام ومنابره، وفاخرت بحرمات الله وشعائره واعتمدت بركة الإيمان ~~ويمن # طائره، في خدمة الحرمين الشريفين بالمتين من أسباب الدين وأواصره، ~~واعتملت في إقامة رسوم العلم ليكون من مفاخره، وشاهدا بالكمال لأوله وآخره. # وإن مولانا السلطان الملك الطاهر، العزيز القاهر، شرف الأوائل والأواخر، ~~ورافع لواء المعالي والمفاخر، رب التيجان والأسرة والمنابر، والمجلي في ~~ميدان السابقين من الملوك الأكابر، في الزمن الغابر، حامل الأمة بنظره ~~الرشيد ورأيه الظافر، وكافل الرعايا في ظله المديد وعدله الوافر، ومطلع ~~أنوار العز والسعادة من أفقه السافر، واسطة السلك من هذا النظام، والتاج ~~المحلى في مفارق الدول والأيام، سيد الملوك والسلاطين، بركة الإسلام ~~والمسلمين، كافل أمير المؤمنين، أبو سعيد. أعلى الله مقامه، وكافأ عن الأمة ~~إحسانه الجزيل وإنعامه، وأطال في السعادة والخيرات PageV01P233 # المبدأة المعادة لياليه وأيامه، لما أوسع الدين والملك نظرا جميلا من ~~عنايته، وأنام الخلق في حجر كفالته، ومهاد كفايته، وأيقظ لتفقد الأمور، ~~وصلاح الخاصة والجمهور، عين كلاءته، كما قلده الله رعايته وأقام حكام ~~الشريعة والسياسة يوسعون نطاق الحق إلى غايته، ويطلعون وجه العدل سافرا عن ~~آيته. ونصب في دست النيابة من وثق بعدله وسياسته، ورضي الدين بحسن إيالته، ~~وأمنه على سلطانه ودولته، ms137 وهو الوفي - والحمد لله - بأمانته، ثم صرف نظره ~~إلى بيوت الله معنى بإنشائها وتأسيسها، ويعمل النظر الجميل في إشادتها ~~وتقديسها، ويقرض الله القرض الحسن في وقفها وتحبيسها وينصب فيها لبث العلم ~~من يؤهله لوظائفها ودروسها، فيضفي عليه بذلك من العناية أفخر لبوسها، حتى ~~زهت الدولة بملكها ومصرها، وفاخرت الأنام بزمانها الزاهر وعصرها. وخضعت ~~الأواوين لإيوانها العالي وقصرها، فابتهج العالم سرورا بمكانها، واهتزت ~~الأكوان للمفاخرة بشأنها، وتكفل الرحمن، لمن اعتز به الإيمان، وصلح على يده ~~الزمان، بوفور المثوبة ورجحانها. # وكان مما قد من به الآن تدريس الحديث بهذه المدرسة وقف الأمير صرغتمش من ~~سلف أمراء الترك، خفف الله حسابه وثقل في الميزان - يوم يعرض على الرحمن - ~~كتابه، وأعظم جزاءه في هذه الصدقة الجارية وثوابه، عناية جدد لي لباسها، ~~وإيثارا بالنعمة التي صححت قياسها، وعرفت منه أنواعها وأجناسها، فامتثلت ~~المرسوم، وانطلقت أقيم الرسوم، وأشكر من الله وسلطانه الحظ المقسوم. وأنا ~~مع هذا معترف بالقصور، بين أهل العصور، مستعيذ بالله وبركة هؤلاء الحضور، ~~السادة الصدور، أن يجمح بي مركب الغرور، أو يلج شيطان الدعوى والزور، في ~~شيء من الأمور. والله تعالى ينفع مولانا السلطان بصالح أعماله، ويعرفه ~~الحسنى وزيادة الحظ الأسنى في عاقبته ومآله، ويريه في سلطانه وبنيه وحاشيته ~~وذويه قرة عينه ورضى آماله، ويديم على السادة الأمراء ما خولهم من رضاه ~~وإقباله، ويحفظ المسلمين في هذا الأمر السعيد بدوامه واتصاله، ويسدد قضاتهم ~~وحكامهم لاعتماد الحق واعتماله بمن الله وإفضاله. # وقد رأيت أن أقرر للقراءة في هذا الدرس، كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، ~~رضي الله عنه، فإنه من أصول السنن، وأمهات الحديث، وهو مع ذلك أصل مذهبنا ~~الذي عليه مدار مسائله، ومناط أحكامه، وإلى آثاره يرجع الكثير من فقهه. PageV01P234 # فلنفتتح الكلام بالتعريف بمؤلفه - رضي الله عنه - ومكانه من الأمانة ~~والديانة، ومنزلة كتابه الموطأ من كتب الحديث. ثم نذكر الروايات والطرق ~~التي وقعت في هذا الكتاب، وكيف اقتصر الناس منها على رواية يحيى بن يحيى، ~~ونذكر أسانيدي فيها، ثم نرجع إلى الكلام على ms138 متن الكتاب. # أما الإمام مالك - رضي الله عنه - فهو إمام دار الهجرة، وشيخ أهل الحجاز ~~في الحديث والفقه غير منازع، والمقلد المتبوع لأهل الأمصار وخصوصا أهل ~~المغرب. # قال البخاري: مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي. كنيته أبو عبد الله، حليف ~~عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله القرشي التيمي ابن أخي طلحة بن عبيد ~~الله. كان إماما، روى عنه يحيى بن سعيد. انتهى كلام البخاري. # وجده أبو عامر بن الحرث بن عثمان ويقال: غيمان بغين معجمة مفتوحة، وياء ~~تحتانية ساكنة، ابن جثيل بجيم مضمومة وثاء مثلثة مفتوحة، وياء تحتانية ~~ساكنة، ويقال حثيل أو خثيل بحاء مضمومة مهملة أو معجمة، عوض الجيم، ويقال ~~حسل بحاء مهملة مكسورة، وسين مهملة ساكنة، ابن عمرو بن الحرث، وهو ذو أصبح. ~~وذو أصبح بطن من حمير، وهم إخوة يحصب، ونسبهم، فهو حميري صليبة، وقرشي ~~حلفا. ولد سنة إحدى وتسعين - فيما قال ابن بكير، وأربع وتسعين - فيما قال ~~محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ونشأ بالمدينة، وتفقه بها. PageV01P235 # أخذ عن ربيعة الرأي، وابن شهاب وعن عمه أبي سهيل، وعن جماعة ممن عاصرهم ~~من التابعين وتابعي التابعين، وجلس للفتيا والحديث في مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شابا يناهز العشرين، وأقام مفتيا بالمدينة ستين سنة. وأخذ ~~عنه الجم الغفير من العلماء الأعلام، وارتحل إليه من الأمصار من لا يحصى ~~كثرة، وأعظم من أخذ عنه الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وابن وهب، ~~والأوزاعي، وسفيان الثوري، وابن المبارك في أمثال لهم وأنظار. وتوفي سنة ~~تسع وسبعين ومائة باتفاق من الناقلين لوفاته، وقال الواقدي: عاش مالك تسعين ~~سنة، وقال سحنون PageV01P236 # عن ابن نافع: توفي مالك ابن سبع وثمانين سنة، ولم يختلف أهل زمانه في ~~أمانته، وإتقانه، وحفظه وتثبته وورعه، حتى لقد قال سفيان بن عيينة: كنا نرى ~~في الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: تضرب أكباد الإبل في ~~طلب العلم فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة أنه مالك بن أنس. # وقال الشافعي: إذا ms139 جاء الأثر فمالك النجم، وقال: إذا جاءك الحديث عن ~~مالك، # فشد به يديك؛ وقال أحمد بن حنبل: إذا ذكر الحديث فمالك أمير المؤمنين. # وقد ألف الناس فضائله كتبا، وشأنه مشهور. # وأما الذي بعثه على تصنيف الموطأ - فيما نقل أبو عمر بن عبد البر - فهو ~~أن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عمل كتابا على مثال ~~الموطأ، ذكر فيه ما اجتمع عليه أهل المدينة، ولم يذكر فيه شيئا من الحديث، ~~فأتي به مالك، ووقف عليه وأعجبه، وقال: ما أحسن ما عمل هذا، ولو كنت أنا ~~الذي عملت لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام. وقال غيره: حج أبو جعفر ~~المنصور، ولقيه مالك بالمدينة، فأكرمه وفاوضه. وكان فيما فاوضه: يا أبا عبد ~~الله لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك، وقد شغلتني الخلافة، فضع أنت ~~للناس كتابا ينتفعون به، تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر ووطئه للناس ~~توطئة. قال مالك: فلقد علمني PageV01P237 # التأليف، فكانت هذه وأمثالها من البواعث لمالك على تصنيف هذا الكتاب، ~~فصنفه وسماه الموطأ أي المسهل. قال الجوهري وطؤ يوطؤ وطاءة، أي صار وطيئا، ~~ووطأته توطئة، ولا يقال وطيته. ولما شغل بتصنيفه أخذ الناس بالمدينة يومئذ ~~في تصنيف موطآت، فقال لمالك أصحابه: نراك شغلت نفسك بأمر قد شركك فيه ~~الناس، وأتي ببعضها فنظر فيه، ثم طرحه من يده وقال: ليعلمن أن هذا لا يرتفع ~~منه إلا ما أريد به وجه الله، فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار، وما سمع ~~لشيء منها بعد ذلك ذكر، وأقبل مالك على تهذيب كتابه وتوطئته، فيقال إنه ~~أكمله في أربعين سنة. وتلقت الأمة هذا الكتاب بالقبول في مشارق الأرض ~~ومغاربها، ومن لدن صنف إلى هلم. وطال ثناء العلماء في كل عصر عليه، ولم ~~يختلف في ذلك اثنان. قال الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي: ما في الأرض كتاب ~~بعد كتاب الله أنفع، وفي رواية أصح، وفي رواية أكثر صوابا، من موطأ مالك. ~~وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت كتابا ألف ms140 في العلم أكثر # صوابا من موطأ مالك. # وأما الطرق والروايات التي وقعت في هذا الكتاب، فإنه كتبه عن مالك جماعة ~~نسب الموطأ إليهم بتلك الرواية، وقيل موطأ فلان لرواية عنه فمنها موطأ ~~الإمام PageV01P238 # محمد بن إدريس الشافعي، ومنها موطأ عبد الله بن وهب، ومنها موطأ عبد الله ~~بن مسلمة القعنبي، ومنها موطأ مطرف بن عبد الله اليساري نسبة إلى سليمان بن ~~يسار، ومنها موطأ عبد الرحمن بن القاسم رواه عنه سحنون بن سعيد، ومنها موطأ ~~يحيى بن يحيى الأندلسي. رحل إلى مالك بن أنس من الأندلس وأخذ عنه الفقه ~~والحديث، ورجع بعلم كثير وحديث جم، وكان فيما أخذ عنه الموطأ، وأدخله ~~الأندلس والمغرب، فأكب الناس عليه، واقتصروا على روايته دون ما سواها، ~~وعولوا على نسقها وترتيبها في شرحهم لكتاب الموطأ وتفاسيرهم، PageV01P239 # ويشيرون إلى الرويات الأخرى إذا عرضت في أمكنتها فهجرت الروايات الأخرى، ~~وسائر تلك الطرق، ودرست تلك الموطآت إلا موطأ يحيى ابن يحيى، فبروايته أخذ ~~الناس في هذا الكتاب لهذا العهد شرقا وغربا. # وأما سندي في هذا الكتاب المتصل بيحيى بن فعلى ما أصفه: # حدثني به جماعة من شيوخنا رحمة الله عليهم. منهم إمام المالكية، قاضي ~~الجماعة بتونس وشيخ الفتيا بها، أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن يوسف ~~الهواري، سمعته عليه بمنزله بتونس، من أوله إلى آخره. ومنهم شيخ المسندين ~~بتونس، الرحالة أبو عبد الله محمد بن جابر ابن سلطان القيسي الوادي آشي، ~~سمعت عليه بعضه، وأجازني بسائره. ومنهم شيخ المحدثين بالأندلس، وكبير ~~القضاة بها، أبو البركات محمد بن محمد بن محمد - ثلاثة من المحدثين - بن ~~إبراهيم بن الحاج البلفيقي، لقيته بفاس سنة ست وخمسين من هذه المائة ~~الثامنة، مقدمه من السفارة بين ملك الأندلس وملك المغرب. وحضرت مجلسه بجامع ~~القرويين من فاس، # فسمعت عليه بعضا من هذا الكتاب، وأجازني بسائره. ثم لقيته لقاءة أخرى سنة ~~اثنتين وستين، استقدمه ملك المغرب، السلطان أبو سالم ابن السلطان أبي الحسن ~~للأخذ عنه، وكنت أنا القارئ فيما يأخذه عنه، فقرأت عليه ms141 صدرا من كتاب ~~الموطأ، وأجازني بسائره إجازة أخرى. # ومنهم شيخ أهل المغرب لعصره في العلوم العقلية، ومفيد جماعتهم، أبو عبد ~~الله محمد بن إبراهيم الآبلي، قرأت عليه بعضه، وأجازني بسائره، قالوا PageV01P240 # كلهم: حدثنا الشيخ المعمر، أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطائي، ~~عن القاضي أبي القاسم أحمد بن يزيد بن بقي، عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن ~~عبد الحق الخزرجي. # وحدثني به أيضا شيخنا أبو البركات، عن إمام المالكية ببجاية، ناصر الدين ~~أبي علي، منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي، عن الإمام شرف الدين محمد بن ~~أبي الفضل المرسي، عن أبي الحسن علي بن موسى بن النقرات عن أبي الحسن علي ~~بن أحمد الكناني. قال الخزرجي والكناني: حدثنا أبو عبد الله محمد بن فرج ~~مولى ابن الطلاع، عن القاضي أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث بن PageV01P241 # الصفار قاضي الجماعة بقرطبة. # وحدثني به أيضا شيخنا أبو عبد الله بن جابر عن القاضي أبي العباس أحمد بن ~~محمد بن الغماز، عن شيخه أبي الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي، عن ~~القاضي أبي القاسم عبد الرحمن بن حبيش، وأبي عبد الله محمد بن سعيد بن ~~زرقون، شارح كتاب الموطأ، قال ابن زرقون: حدثنا به أبو عبد الله الخولاني، ~~عن أبي عمرو عثمان بن أحمد القيجاطي، وقال ابن حبيش: حدثنا به القاضي أبو ~~عبد الله بن أصبغ ويونس بن محمد بن مغيث، قالا: قرأناه على أبي عبد الله ~~محمد بن الطلاع. وقال ابن حبيش أيضا: حدثنا به أبو القاسم أحمد بن محمد ~~ورد، عن # القاضي أبي عبد الله محمد ابن خلف بن المرابط، عن المقرئ أبي عمر أحمد بن ~~محمد بن عبد الله المعافري الطلمنكي، قال القاضي PageV01P242 # أبو الوليد بن مغيث، والقيجاطي، والطلمنكي: حدثنا أبو عيسى يحيى بن عبد ~~الله بن يحيى عن عم أبيه أبي مروان عبيد الله بن يحيى عن أبيه يحيى بن ~~يحيى. وقال الطلمنكي: حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن حدير البزار، ms142 قال ~~حدثنا أبو محمد قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن وضاح، قال ~~حدثنا يحيى بن يحيى عن مالك، إلا ثلاثة أبواب من آخر كتاب الاعتكاف، أولها ~~خروج المعتكف إلى العيد فإن يحيى شك في سماعها عن مالك، فسمعها من زياد بن ~~عبد الرحمن الملقب شبطون عن مالك. ولي في هذا الكتاب طرق أخرى لم يحضرني ~~الآن اتصال سندي فيها. # فمنها عن شيخنا أبي محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي كاتب السلطان أبي ~~الحسن، لقيته بتونس عند استيلاء السلطان عليها، وهو في جملته سنة ثمان ~~وأربعين وحضرت مجلسه، وأخذت عنه كثيرا، وسمعت عليه بعض الموطأ، وأجازني ~~بالاجاز العامة، وهو يرويه عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وعن شيخه ~~الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، وعن أبي القاسم القبتوري، وجماعة من مشيخة أهل ~~سبتة، ويتصل سنده فيه بالقاضي عياضن، وأبي العباس العزفي صاحب كتاب الدر ~~المنظم في المولد المعظم. # ومنها عن شيخنا أبي عبد الله الكوسي خطيب الجامع الأعظم بغرناطة، سمعت ~~عليه بعضه وأجازني بسائره وهو يرويه عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير عن ~~القاضي أبي عبد الله بن بكار، وجماعة من مشيخة أهل الأندلس، ويتصل سنده فيه ~~بالقاضي أبي الوليد الباجي، والحافظ أبي عمر بن عبد البر بسندهما. # ومنها عن شيخنا المكتب أبي عبد الله محمد بن سعد بن برال الأنصاري شيخ PageV01P243 # القراءة بتونس، ومعلمي كتاب الله، قرأت عليه القرآن العظيم بالقراءات ~~السبع # وعرضت عليه قصيدتي الشاطبي في القراءة، وفي الرسم، وعرضت عليه كتاب ~~التقصي لابن عبد البر، وغير ذلك، وأجازني بالإجازة العامة، وفي هذه ~~بالإجازة الخاصة، وهو يروي هذا الكتاب عن القاضي أبي العباس أحمد بن محمد ~~بن الغماز، وعن شيخه أبي العباس أحمد بن موسى البطرني بسندهما. # ومنها عن شيخنا الأستاذ أبي عبد الله محمد بن الصفار المراكشي، شيخ ~~القراءات بالمغرب، سمعت عليه بعض هذا الكتاب بمجلس السلطان أبي عثمان ملك ~~المغرب، وهو يسمعه إياه، وأجازني بسائره، وهو يرويه عن شيخه محدث المغرب ~~أبي عبد الله محمد ms143 بن رشيد الفهري السبتي عن مشيخة أهل سبتة، وأهل الأندلس، ~~حسبما ذلك مذكور في كتب رواياتهم وطرق أسانيدهم، إلا أنها لم تحضرني الآن، ~~وفيما ذكرناه كفاية والله يوفقنا أجمعين لطاعته وهذا حين أبتلي، وبالله ~~أهتدي. # وانفض ذلك المجلس، وقد لاحظتني بالتجلة والوقار العيون، واستشعرت أهليتي ~~للمناصب القلوب، وأخلص النجي في ذلك الخاصة والجمهور، وأنا أنتاب مجلس ~~السلطان في أكثر الأحيان، لتأدية الواجب من التحية والمشافهة بالدعاء، إلى ~~أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النزعات الملوكية، فأبعده، ~~وأخره عن خطة القصاء في رجب ست وثمانين وسبعمائة، ودعاني للولاية في مجلسه، ~~وبين أمرائه فتفاديت من ذلك، وأبى إلا إمضاءه، وخلع علي، وبعث الأمراء معي ~~إلى مقعد الحكم بمدرسة القضاء، فقمت في ذلك المقام المحمود، ووفيت عهد الله ~~وعهده في إقامة رسوم الحق، وتحري المعدلة، حتى سخطني من لم ترضه أحكام ~~الله، ووقع في ذلك ما تقدم ذكره، وكثر شغب أهل الباطل والمراء، فأعفاني ~~السلطان منها لحول من يوم الولاية، وكان تقدمها وصول الخبر بغرق السفين ~~الواصل من تونس إلى الإسكندرية، وتلف الموجود والمولود، وعظم # الأسف، وحسن العزاء، والله قادر على ما يشاء. # ثم خرجت عام تسعة وثمانين لقضاء الفرض، وركبت بحر السويس من الطور PageV01P244 # إلى الينبع، ورافقت المحمل إلى مكة، فقضيت الحج عامئذ، وعدت إلى مصر في ~~البحر كما سافرت أولا. وشغرت وظيفة الحديث بمدرسة صلغتمش، فولاني السلطان ~~إياها بدلا من مدرسته في محرم أحد وتسعين، ومضيت على حالي من الانقباض، ~~والتدريس، والتأليف، حتى ولاني خانقاه بيبرس، ثم عزلني عنها بعد لسنة أو ~~أزيد، بسبب أنا أذكره الآن. ### | ولاية خانقاه بيبرس، والعزل منها # لما رجعت من قضاء الفرض سنة تسعين، ومضيت على حالي من التدريس والتأليف، ~~وتعاهد السلطان باللقاء والتحية والدعاء، وهو ينظر إلي بعين الشفقة، ويحسن ~~المواعيد. وكانت بالقاهرة خانقاه شيدها السلطان بيبرس، ثامن ملوك الترك ~~الذي استبد على الناصر محمد بن قلاوون هو ورفيقه سلار وأنف الناصر من ~~استبدادهما، وخرج للصيد، فلما حاذى الكرك امتنع به، وتركهم ms144 وشأنهم، فجلس ~~بيبرس على التخت مكانه، وكاتب الناصر أمراء الشام من مماليك أبيه، واستدعوه ~~للقيام معه، وزحف بهم إلى مصر، وعاد إلى سلطانه، وقتل بيبرس وسلار سنة ثمان ~~وسبعمائة. وشيد بيبرس هذا أيام سلطانه داخل باب النصر من أعظم المصانع ~~وأحفلها، وأوفرها ريعا، وأكثرها أوقافا وعين مشيختها، ونظرها لمن يستعد له ~~بشرطه PageV01P245 # في وقفه، فكان رزق النظر فيها والمشيخة واسعا لمن يتولاه، وكان ناظرها ~~يومئذ شرف الدين الأشقر إمام السلطان الظاهر. فتوفي عند منصرفي من قضاء ~~الفرض، فولاني السلطان مكانه توسعة علي، وإحسانا إلي وأقمت على ذلك إلى أن ~~وقعت ### | فتنة الناصري # فتنة الناصري # وسياقه الخبر عنها بعد تقديم كلام في أحوال الدول يليق بهذا الموضع ~~ويطلعك على أسرار في تنقل أحوال الدول بالتدريج إلى الضخامة والاستيلاء ثم ~~إلى الضعف والإضمحلال والله بالغ أمره وذلك أن الدول الكلية، وهي التي ~~تتعاقب فيها الملوك واحدا بعد واحد في مده طويلة، قائمين على ذلك بعصبية ~~النسب أو الولاء، وهذا كان الأصل في استيلائهم وتغلبهم، فلا يزالون كذلك ~~إلى انقراضهم، وغلب مستحقين آخرين ينزعونه من أيديها بالعصبية التي يقتدرون ~~بها على ذلك، ويحوزون الأعمال التي كانت بأيدي الدولة الأولى، يفضون ~~جبايتها بينهم على تفاضل البأس والرجولة والكثرة في العصابة أو القلة: وهم ~~على حالهم من الخشونة لمعاناة البأس، والإقلال من العيش لاستصحاب حال ~~البداوة، وعدم الثروة من قبل. ثم تنمو الثروة فيهم بنمو الجباية التي ~~ملكوها، ويزين حب الشهوات للاقتدار عليها، فيعظم الترف في الملابس والمطاعم ~~والمساكن PageV01P246 # والمراكب والممالك، وسائر الأحوال، ويتزايد شيئا فشيئا بتزايد النعم ~~وتتسع الأحوال أوسع ما تكون، ويقصر الدخل عن الخرج، وتضيق الجباية عن أرزاق ~~الجند وأحوالهم، ويحصل ذلك لكل أحد ممن تحت أيديهم، لأن الناس تبع لملوكهم ~~ودولتهم، ويراجع كل أحد نظره فيما فيه من ذلك، فيرجع وراءه، وبطلب كفاء ~~خرجه بدخله. # ثم إن البأس يقل من أهل الدولة بما ذهب لهم من الخشونة، وما صاروا إليه ~~من رقة الحاشية والتنعم، فيتطاول من بقي من رؤساء الدولة إلى ms145 الاستبداد بها ~~غيرة عليها من الخلل الواقع بها. ويستعد لذلك بما بقي عنده من الخشونة، ~~ويحملهم على الإقلاع عن الترف، ويستأنف لذلك العصابة بعشيره أو بمن يدعوه ~~لذلك، فيستولي على الدولة، ويأخذ في دوائها من الخلل الواقع، وهو أحق الناس ~~به، وأقربهم إليه، فيصير الملك له، وفي عشيره، وتصير كأنها دولة أخرى، تمر ~~عليها الأوقات. ويقع فيها ما وقع في الأولى، فيستولي آخر منهم كذلك إلى أن ~~تنقرض الدولة # بأسرها، وتخرج عن للقوم الأولين أجمع. وتأتي دولة أخرى مباينة لعصابة ~~هؤلاء في النسب، أو الولاء. سنة الله في عباده. # وكان مبدأ هذه الدولة التركية، أن بني أيوب لما ملكوا مصر والشام، كما ~~قصصناه عليك في أخبارهم واستقل بها كبيرهم صلاح الدين، وشغل بالجهاد ~~وانتزاع القلاع والحصون من أيدي الفرنج الذين ملكوها بالسواحل، وكان قليل ~~العصابة، إنما كان عشيره من الكرد يعرفون ببني هذان، وهم قليلون، وإنما كثر ~~منهم جماعة المسلمين، بهمة الجهاد الذي كان صلاح الدين يدعو إليه، فعظمت ~~عصابته بالمسلمين، وأسمع داعيه، ونصر الله الدين على يده. وانتزع السواحل ~~كلها من أيدي نصارى الفرنج، حتى مسجد بيت المقدس، فإنهم كانوا ملكوه ~~وأفحشوا فيه بالقتل والسبي، فأذهب الله هذه الوصمة على يد صلاح الدين، ~~وانقسم ملك بني أيوب بعده بين ولده وولد أخيه. واستفحل أمرهم، واقتسموا مدن ~~الشام، ومصر بينهم، إلى أن جاء آخرهم الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد ~~بن PageV01P247 # العادل أبي بكر أخي صلاح الدين، وأراد الاستكثار من العصابة لحماية ~~الدولة، وإقامة رسوم الملك، وأن ذلك يحصل باتخاذ المماليك، والإكثار منهم، ~~كما كان آخرا في الدولة العباسية ببغداد، وأخذ التجار في جلبهم إليه، ~~فاشترى منهم أعدادا، وأقام لتربيتهم أساتيذ معلمين لحرفة الجندية، من ~~الثقافة والرمي، بعد تعليم الآداب الدينية والخلقية إلى أن اجتمع له منهم ~~عدد جم يناهز الألف، وكان مقيما بأحواز دمياط في حماية البلاد من طوارق ~~الفرنج المتغلبين على حصنها دمياط. وكان أبوه قد اتخذ لنزله هنالك قلعة ~~سماها المنصورة، وبها توفي رحمه الله، فكان ms146 نجم الدين نازلا بها في فدافعة ~~ساكني دمياط من الفرنج، فأصابه هنالك حدث الموت، وكان لبنه المعظم تورنشاه ~~نائبا في حصن كيفا من ديار بكر وراء الفرات، فاجتمع الجند على بيعته، ~~وبعثوا عنه، وانتظروا. وتفطن الفرنج لشأنهم، فهجموا عليهم، واقتتلوا فنصر ~~الله # المسلمين، وأسر ملك الفرنج ريد إفرنس، فبعثوا به إلى مصر. وحبس بدار ~~لقمان، إلى أن فادوه بدمياط، كما هو مذكور في أخبار بني أيوب. ونصبوا - ~~للملك، ولهذا اللقاء - زوجة الصالح أيوب واسمها شجرة الدر، فكانت تحكم بين ~~الجند، وتكتب PageV01P248 # على المراسيم، وركبت يوم لقاء الفرنج، تحت الصناجق، والجند محدقون بها، ~~حتى أعز الله دينه، وأتم نصره. ثم وصل تورنشاه المعظم، فأقاموه في خطة ~~الملك مكان أبيه الصالح أيوب، ووصل معه مماليك يدلون بمكانهم منه، ولهم به ~~اختصاص، ومنه مكان، وكان رؤساء الترك يومئذ القائمون بالدولة من عهد أبيه ~~وجده. أقطاي الجمدار وأيبك التركماني، وقلاوون الصالحي، فأنفوا من تصرفات ~~مماليك تورنشاه، واستعلائهم بالحظ من السلطان، وسخطوهم وسخطوه، وأجمعوا ~~قتله. فلما رحل إلى القاهرة اغتالوه في طريقه بفارسكو، وقتلوه، ونصبوا ~~للأمر أيبك التركماني منهم، واستحدثوا هذه الدولة التركية كما شرحناه في ~~أخبارها، وهلك بعد أيبك ابنه علي المنصور، ثم مولاه قطز، ثم الظاهر بيبرس ~~البندقداري. ثم ظهر أمر الططر، واستفحل ملكهم. # وزحف هولاكو بن طولي بن جنكيزخان من خراسان إلى بغداد، فملكها، وقتل ~~الخليفة المستعصم آخر بني العباس. ثم زحف إلى الشام، فملك مدنه وحواضره من ~~أيدي بني أيوب، إلى أن استوعبها. وجاء الخبر بأن بركة صاحب صراي شريكه في ~~نسب جنكزخان، زحف إلى خراسان، فامتعض PageV01P249 # لذلك، وكر راجعا، وشغل بالفتنة معه إلى أن هلك. وخرج قطز من مصر عندما ~~شغل هولاكو بفتنة بركة، فملك الشام كله، أمصاره ومدنه، وأصاره للترك موالي ~~بني أيوب. واستفحلت دولة هؤلاء المماليك، واتصلت أيامها واحدا بعد واحدا ~~كما ذكرنا في أخبارهم. ثم جاء قلاوون عندما ملك بيبرس الظاهر منهم فتظاهر ~~به، وأصهر إليه، والترف يومئذ لم يأخذ منهم، والشدة والشكيمة موجودة فيهم، ~~والبأس # والرجولة ms147 شعار لهم، وهلك الظاهر بيبرس، وابناه من بعده، كما في أخبارهم. ~~وقام قلاوون بالأمر، فاتسع نطاق ملكه، وطال ذرع سلطانه، وقصرت أيدي الططر ~~عن الشام بمهلك هولاكو، وولاية الأصاغر من ولده، فعظم ملك قلاوون، وحسنت ~~آثار سياسته، وأصبح حجة على من بعده، ثم ملك بعده ابناه: خليل الأشرف، ثم ~~محمد الناصر. وطالت أيامه، وكثرت عصابته من مماليكه، حتى كمل منهم عدد لم ~~يقع لغيره. ورتب للدولة المراتب، وقدم منهم في كل رتبة الأمراء، وأوسع لهم ~~الإقطاع والولايات، حتى توفرت أرزاقهم واتسعت بالترف أحوالهم. ورحل أرباب ~~البضائع من العلماء والتجار إلى مصر، فأوسعهم حباء وبرا. وتنافست أمراء ~~دولته في اتخاذ المدارس والربط والخوانق، وأصبحت دولتهم غرة في الزمان، ~~وواسطة في الدول. ثم هلك الناصر بعد أربعين وسبعمائة، فطفق أمراء دولته ~~ينصبون بنيه للملك، واحدا بعد آخر، مستبدين عليهم، متنافسين في الملك، حتى ~~يغلب واحد منهم الآخر، فيقتله، ويقتل سلطانه من أولاد الناصر، وينصب آخر ~~منهم مكانه، إلى أن انساق الأمر لولده حسن الناصر، فقتل مستبده شيخون، وملك ~~أمره. وألقى زمام الدولة بيد مملوكه يلبغا، فقام بها، ونافسه أقرانه، ~~وأغروا به سلطانه، فأجمع قتله. ونمي إليه الخبر وهو في علوفة البرسيم عند ~~خيله المرتبطة لذلك، فاعتزم على الامتناع، واستعد للقاء. واستدعاه سلطانه، ~~فتثاقل عن القدوم. واستشاط السلطان، وركب في خاصته إليه، فركب هو لمصالحته. ~~وهاجم السلطان ففله، ورجع إلى PageV01P250 # القلعة، وهو في اتباعه، فلم يلفه بقصره، وأغرى به البحث فتقبض عليه، ~~واستصفاه، وقتله، ونصب للملك محمد المنصور بن المظفر حاجي بن الناصر. # وقام بالدولة أحسن قيام، وأغرى نفسه بالاستكثار من المماليك، وتهذيبهم ~~بالتربية، وتوفير النعم عندهم بالاقطاع، والولايات، حتى كمل منهم عدد لم ~~تعهده الدولة. ثم # خلع المنصور بن المظفر لسنتين، ونصب مكانه للملك شعبان الأشرف بن حسين بن ~~الناصر، فأقام على التخت وهو في كفالته، وهو على أوله في إعزاز الدولة، ~~وإظهار الترف والثروة، حتى ظهرت مخايل العز والنعم، في المساكن والجياد ~~والمماليك والزينة، ثم بطروا النعمة، وكفروا الحقوق، فحنقوا عليه ms148 لما كان ~~يتجاوز الحدود بهم في الآداب، فهموا بقتله وخلصوا نجيا لذلك في متصيدهم ~~الشتوي، وقد برزوا له بخيامهم وسلطانهم على عادتهم. ولما أحس بذلك ركب ~~ناجيا بنفسه إلى القاهرة، فدخلوا على السلطان الأشرف، وجاءوا به على إثره، ~~وأجازوا البحر، فقبضوا عليه عشي يومهم، ثم قتلوه في محبسه عشاء. وانطلقت ~~أيديهم على أهل البلد بمعرات لم يعهدوها من أول دولتهم، من النهب والتخطف ~~وطروق المنازل والحمامات للعبث بالحرم، وإطلاق أعنة الشهوات والبغي في كل ~~ناحية، فمرج أمر الناس، ورفع الأمر إلى السلطان، وكثر الدعاء واللجأ إلى ~~الله. واجتمع أكابر الأمر إلى السلطان، وفاوضوه في كف عاديتهم، فأمرهم ~~بالركوب، ونادى في جنده ورعيته بانطلاق الأيدي عليهم، والاحتياط بهم في ~~قبضة القهر، فلم يكن إلا كلمح البصر، وإذا بهم في قبضة الأسر. ثم عمرت بهم ~~السجون، وصفدوا وطيف بهم على الجمال ينادى بهم، إبلاغا في الشهرة، ثم وسط ~~أكثرهم، وتتبع بالنفي والحبس بالثغور القصية، ثم أطلقوا بعد ذلك. وكان فيمن ~~أطلق جماعة منهم بحبس الكرك: فيهم برقوق الذي ملك أمرهم بعد ذلك، وبركة ~~الجوباني، وألطنبغا الجوباني وجهركس الخليلي. PageV01P251 # وكان طشتمر، دوادار يلبغا، قد لطف محله عند السلطان الأشرف، وولي ~~الدوادارية له، وكان يؤمل الاستبداد كما كان أستاذه يلبغا، فكان يحتال في ~~ذلك بجمع هؤلاء المماليك اليلبغاوية من حيث سقطوا، يريد بذلك اجتماعهم عصبة ~~له على هواه، ويغري السلطان بها شفاها ورسالة، إلى أن اجتمع أكثرهم بباب # السلطان الأشرف، وجعلهم في خدمة ابنه علي ولي عهده. فما كثروا، وأخذتهم ~~أريحية العز بعصبيتهم، صاروا يشتطون على السلطان في المطالب، ويعتزون ~~بعصبية اليلبغاوية. واعتزم السلطان الأشرف عام سبعة وسبعين على قضاء الفرض، ~~فخرج لذلك خروجا فخما، واستناب ابنه عليا على قلعته وملكه في كفالة قرطاي ~~من أكابر اليلبغاوية، وأخرج معه الخليفة والقضاة. فلما بلغ العقبة اشتط ~~المماليك في طلب جرايتهم من العلوفة والزاد، واشتط الذين بمصر كذلك في طلب ~~أرزاقهم من المتولين للجباية. وصار الذين مع السلطان إلى المكاشفة في ذلك ~~بالأقوال والأفعال، وطشتمر الدوادار ms149 يغضي عنهم، يحسب وقت استبداده قد أزف، ~~إلى أن راغمهم السلطان بالزجر، فركبوا عليه هنالك، وركب من خيالته مع لفيف ~~من خاصته، فنضحوه بالنبل، ورجع إلى خيامه، ثم ركب الهجن مساء، وسار فصبح ~~القاهرة، وعرس هو ولفيفه بقبة النصر. # وكان قرطاي كافل ابنه علي المنصور حدث بينه وبين ناظر الخاص المقسي PageV01P252 # مكالمة عند مغيب السلطان أحقدته. وجاشت بما كان في نفسه، فأغرى عليا ~~المنصور بن السلطان بالتوثب على الملك، فارتاح لذلك وأجابه، وأصبح يوم ثورة ~~المماليك بالعقبة، وقد جلس عليا مكفوله بباب الإسطبل، وعقد له الراية ~~بالنداء على جلوسه بالتخت، وبينما هم في ذلك، صبحهم الخبر بوصول السلطان ~~الأشرف إلى قبة النصر ليلتئذ، فطاروا إليه زرافات ووحدانا، فوجدوا أصحابه ~~نياما هنالك، وقد تسلل من بينهم هو ويلبغا الناصري من أكابر اليلبغاوية، ~~فقطعوا رءوسهم جميعا، ورجعوا بها تسيل دما. ووجموا لفقدان الأشرف، وتابعوا ~~النداء عليه، وإذا بامرأة قد دلتهم عليه في مكان عرفته، فتسابقوا إليه، ~~وجاءوا به فقتلوه لوقته بخلع أكتافه، وانعقدت بيعة ابنه المنصور. وجاء ~~طشتمر الدوادار من الغد بمن بقي بالعقبة من الحرم، ومخلف السلطان، واعتزم ~~على قتالهم طمعا في الاستبداد الذي # في نفسه، فدافعوه وغلبوه وحصل في قبضتهم، فخلعوا عليه بنيابة الشام، ~~وصرفوه لذلك، وأقاموا في سلطانهم. وكان أينبك أميرا آخر من اليلبغاوية قد ~~ساهم قرطاي في هذا الحادث، وأصهر إليه في بعض حرمه، فاستنام له قرطاي، وطمع ~~هو في الاستيلاء. وكان قرطاي مواصلا صبوحه بغبوقه، ويستغرق في ذلك، فركب في ~~بعض أيامه، وأركب معه السلطان عليا، واحتاز الأمر من يد قرطاي، وصيره إلى ~~صفد، واستقل بالدولة، ثم انتقض طشتمر بالشام مع سائر أمرائه، فخرج أينبك في ~~العساكر، وسرح المقدمة مع جماعة من الأمراء، وكان منهم برقوق وبركة ~~المستوليان عقب ذلك، وخرج هو والسلطان في الساقة، فلما انتهوا إلى بلبيس، ~~ثار الأمراء الذين في المقدمة عليه، ورجع إليه أخوه منهزما، فرجع إلى ~~القلعة. ثم اختلف عليه الأمراء، وطالبوه بالحرب في قبة النصر، فسرح العساكر ~~لذلك، فلما فصلوا فر ms150 هو هاربا، وقبض عليه وثقف بالإسكندرية. PageV01P253 # واجتمع أمراء اليلبغاوية يقدمهم قطلقتمر العلائي، ويلبغا الناصري ودمرداش ~~اليوسفي وبركة وبرقوق، فتصدى دمرداش ويلبغا وبركة وبرقوق، إلى الاستقلال ~~بالأمر وتغلبوا على سائر الأمراء، واعتقلوهم بالإسكندرية. وفوضوا الأمر إلى ~~يلبغا الناصري، وهم يرونه غير خبير، فأشاروا باستدعاء طشتمر، وبعثوا إليه، ~~وانتظروا. فلما جاءه الخبر بذلك ظنها منية نفسه، وسار إلى مصر، فدفعوا ~~الأمر إليه، وجعلوا له التولية والعزل وأخذ برقوق، وبركة يستكثران من ~~المماليك، بالاستخدام والجاه، وتوفير الاقطاع، إكثافا لعصبيتهما، فانصرفت ~~الوجوه عن سواهما، وارتاب طشتمر بنفسه، وأغراه أصحابه بالتوثب، ولما كان ~~الأضحى في سنة تسع وسبعين استعجل أصحابه على غير روية، وركبوا وبعثوا إليه ~~فأحجم، وقاتلوا فانهزموا. وتقبض على طشتمر، وحبس بالإسكندرية، وبعث معه ~~يلبغا الناصري، وخلت الدولة للأميرين برقوق وبركة من المنازعين، وعمروا ~~المراتب # بأصحابهما. ثم كثر شغب التركمان والعرب بنواحي الشام، فدفعوا يلبغا ~~الناصري إلى النيابة بحلب ليستكفوا به في تلك الناحية. ثم تنافس برقوق ~~وبركة في الاستقلال، واضمر كل واحد منهما لصاحبه، وخشي معه، فقبض برقوق على ~~بطانة بركة من عصابته ليحض بذلك جناحه، فارتاع لذلك بركة، وخرج بعصابته إلى ~~قبة النصر ليواضع برقوقا وأصحابه الحرب هنالك، ورجا أن تكون الدائرة له. ~~وأقام برقوق بمكانه من الإسطبل، وسرب أصحابه في جموعهم إلى مجاولة أولئك. ~~وأقاموا كذلك أياما يغادونهم ويراوحونهم ثلاثا، إلى أن عضت بركة وأصحابه ~~الحرب، فانفضوا عنه، وجيء ببركة، وبعث به إلى الإسكندرية، فحبس هنالك إلى ~~أن قتله ابن عرام نائب الإسكندرية. وارتفع أصحابه إلى برقوق PageV01P254 # شاكين، فثارهم منه بإطلاق أيديهم في النصفة، فانتصفوا منه بقتله في ساحة ~~القلعة، بعد أن سمر، وحمل على جمل عقابا له، ولم يقنعهم ذلك، فأطلق أيديهم ~~فيما شاءوا منه، ففعلوا مما فعلوا. وانفرد برقوق - بعد ذلك - بحمل الدولة ~~ينظر في أعطافها بالتهديد، والتسديد، والمقاربة، والحرص على مكافأة الدخل ~~بالخرج. ونقص ما أفاض فيه بنو قلاوون من الإمعان في الترف، والسرف في ~~العوائد والنفقات، حتى صار الكيل في الخرج بالمكيال الراجح، وعجزت الدولة ~~عن ms151 تمشية أحوالها، وراقب ذلك كله برقوق، ونظر في سد خلل الدولة منه، ~~وإصلاحها من مفاسده، يعتد ذلك ذريعة للجلوس على التخت، وحيازة اسم السلطان ~~من أولاد قلاوون، بما أفسد الترف منهم، وأحال الدولة بسببهم، إلى أن حصل من ~~ذلك على البغية، ورضي به أصحابه وعصابته، فجلس على التخت في تاسع عشر رمضان ~~من سنة أربع وثمانين، وتلقب بالظاهر. ورتب أهل عصابته في مراتب الدولة، ~~فقام وقاموا بها أحسن قيام، وانقلبت الدولة من آل قلاوون إلى برقوق الظاهر ~~وبنيه. واستمر الحال على ذلك، ونافسه اليلبغاوية - رفقاؤه في ولاء يلبغا - ~~فيما # صار إليه من الأمر، وخصوصا يلبغا نائب حلب، فاعتزم على الانتقاض. وشعر به ~~الظاهر فبعث باستدعائه، فجاء وحبسه مده، ثم رجعه إلى نيابة حلب، وقد وغر ~~صدره من هذه المعاملة. وارتاب به الظاهر، فبعث سنة تسعين دواداره للقبض ~~عليه، ويستعين في ذلك بالحاجب. وانتقض، واستدعى نائب ملطية، وهو منطاش من ~~أمراء اليلبغاوية، وكان قد انتقض قبله، ودعا نواب الشام إلى المسير إلى مصر ~~إلبا على الظاهر، فأجابوه، وساروا في جملته، وتحت لوائه، وبلغ الخبر إلى ~~الظاهر برقوق، فأخرج عساكره مع أمراء اليلبغاوية من أصحابه: وهم الدوادار ~~الأكبر يونس، وجهركس PageV01P255 # الخليلي أمير الإسطبل، والأتابكي ايتمش، وأيدكار حاجب الحجاب وأحمد بن ~~يلبغا أستاذهم. وخرج الناصري من حلب في عسكره، واستنفر العرب والتركمان ~~وأمراء الشام، ولما تراءى الجمعان بناحية دمشق، نزع كثير من عسكر السلطان ~~إليهم، وصدقوا الحملة على من بقي فانفضوا. ونجا أيتمش إلى قلعة دمشق، ~~فدخلها، وقتل جهركس، ويونس، ودخل الناصري دمشق، ثم أجمع المسير إلى مصر، ~~وعميت أنباؤهم حتى أطلوا على مصر. # وفي خلال ذلك أطلق السلطان الخليفة من محبسه كان بعض الغواة أنمى عنه، ~~أنه داخله شيطان من شياطين الجند، يعرف بقرط في قتل السلطان يوم ركوبه إلى ~~الميدان قبل ملكه بسنين، فلما صح الخبر أمر بقتله، وحبس الخليفة سبعا إلى ~~تلك السنة، فأطلقه عند هذا الواقع، ولما وصل. . . . إلى قيطا اجتمعت ~~العساكر، ووقف السلطان أمام القلعة يومه حتى غشيه ms152 الليل، ثم دخل إلى بيته ~~وخرج متنكرا، وتسرب في غيابات المدينة، وباكر الناصري وأصحابه القلعة، ~~وأمير حاج بن الأشرف، فأعادوه إلى التخت ولقبوه المنصور. وبعثوا عن الأمراء ~~المحبوسين بالإسكندرية، وكان فيهم ألطنيغا الجوباني الذي كان أمير مجلس، ~~وقبض السلطان الظاهر عليه، وحبسه أياما، ثم أطلقه وبعثه نائبا على دمشق، ثم ~~ارتفعت عنه # الأقوال بأنه يروم الانتقاض، وداخل الناصر في نائب حلب في ذلك، وأكد ذلك ~~عند السلطان ما PageV01P256 # كان بينه وبين الناصري من المصافاة والمخالصة، فبعث عنه. ولما جاء حبسه ~~بالإسكندرية، فلما ملك الناصري مصر، وأجلس أمير حاج بن الأشرف على التخت، ~~بعث عنه ليستعين به على أمره، وارتابوا لغيبة الظاهر، وبالغوا في البحث ~~عنه، فاستدعى الجوباني واستنام له، واستحلفه على الأمان، فحلف له، وجاء به ~~إلى القلعة بعد أن ساور صاحبه الناصري في المضي إليه وتأمينه. وحبسوه في ~~بعض قصور الملك، وتشاوروا في أمره، فأشار أمراء اليلبغاوية كلهم بقتله، ~~وبالغ في ذلك منطاش، ووصل نعير أمير بني مهنا بالشام للصحابة بينه وبين ~~الناصري، فحضهم على قتله، ومنع الجوباني من ذلك وفاء بيمينه، فغلت صدورهم ~~منه. واعتزموا على بعثه إلى الكرك، ودافعوا منطاشا بأنهم يبعثونه إلى ~~الإسكندرية، فيعترضه عند البحر بما شاء من رأيه. ووثق بذلك، فقعد له عند ~~المرساة، وخالفوا به الطريق إلى الكرك، وولوا عليها نائبا وأوصوه به، فأخفق ~~مسعى منطاش، ودبر في اغتيال الدولة، وتمارض في بيته. وجاءه الجوباني عائذا ~~فقبض عليه، وحبسه بالإسكندرية، وركب منتقضا، ووقف عند مدرسة الناصر حسن ~~يحاصر الناصري بالقلعة. واستحاش هو بأمراء اليلبغاوية، فداهنوا في إجابته، ~~ووقفوا بالرميلة أمام القلعة. ولم يزل ذلك بينهم أياما حتى انفض جمع ~~الناصري، وخرج هاربا، فاعترضه أصحاب الطريق بفارسكو، وردوه، فحبسة منطاش ~~بالإسكندرية مع صاحبه، واستقل بأمر الملك. وبعث إلى الكرك بقتل الظاهر، ~~فامتنع النائب، واعتذر بوقوفه على خط السلطان والخليفة والقضاة. وبث الظاهر ~~عطاءه في عامة أهل الكرك، فانتدبت طائفة منهم لقتل البريدي الذي جاء في ~~ذلك، فقتلوه، وأخرجوا الظاهر من محبسه فأصحروا. واستألف أفاريق ms153 من العرب، ~~واتصل به بعض PageV01P257 # مماليكه، وسار إلى الشام. # واعترضه ابن باكيش نائب غزة، فأوقع به الظاهر، وسار إلى دمشق، وأخرج ~~منطاش العساكر مع سلطانه أمير حاج، وسار على التعبئة ليمانع الظاهر عن ~~دمشق. وسبقه الظاهر فمنعه جنتمر نائب دمشق، فواقعه، وأقام محاصرا له. ووصل ~~إليه كمشبغا الحموي نائب حلب، وكان أظهر دعوته في عمله، وتجهز للقائه ~~بعسكره، فلقيه وأزال علله، فأقام له أبهة الملك. وبينا هم في الحصار إذ جاء ~~الخبر بوصول منطاش بسلطانه وعساكره لقتالهم، فلقيهم الظاهر بشقحب، فلما ~~تراءى الجمعان، حمل الظاهر على السلطان أمير حاج وعساكره ففضهم، وانهزم ~~كمشبغا إلى حلب. وسار منطاش في اتباعه، فهجم الظاهر على تعبئة أمير حاج، ~~ففضها، واحتاز السلطان، والخليفة والقضاة، ووكل بهم. واختلط الفريقان، ~~وصاروا في عمياء مز أمرهم، وفر منطاش إلى دمشق. واضطرب الظاهر أخبتيه، ونزل ~~على دمشق محاصر لها. وخرج إليه منطاش من الغد فهزمه، وجمع القضاة والخليفة، ~~فشهدوا على أمير حاج بالخلع، وعلى الخليفة بإعادة الظاهر إلى ملكه. ورحل ~~إلى مصر فلقيه بالطريق خبر القلعة بمصر، وتغلب مماليكه عليها، وذلك أن ~~القلعة لما خلت من السلطان ومنطاش والحامية، وكان مماليك السلطان محبوسين ~~هنالك في مطبق أعد لهم، فتناجوا في التسور منه إلى ظاهره، والتوثب على ~~القلعة والملك، فخرجوا، وهرب دوادار منطاش الذي كان هنالك بمن كان معه من ~~الحاشية. وملك مماليك الظاهر القلعة، ورأسهم مملوكه بطا، وساس أمرهم، ~~وانتظر خبر سلطانه، فلما وصل الخبر بذلك إلى الظاهر، أغذ السير إلى مصر. ~~وتلقاه الناس فرحين PageV01P258 # مسرورين بعوده وجبره. ودخل منتصف صفر من سنة إحدى وتسعين، وولى بطا ~~دوادارا، وبعث عن الأمراء المحبوسين بالإسكندرية، وأعتبهم، وأعادهم إلى ~~مراتبهم. وبعث الجوباني إلى دمشق، والناصري إلى حلب كما كانا، وعادت الدولة ~~إلى ما كانت عليه. وولى سودون # على نيابته، وكان ناظرا بالخانقاه التي كنت فيها، وكان ينقم علي أحوالا ~~من معاصاته فيما يريد من الأحكام في القضاء أزمان كنت عليه، ومن تصرفات ~~دواداره بالخانقاه، وكان يستنيبه عليها، فوغر صدره من ذلك، ms154 وكان الظاهر ~~ينقم علينا معشر الفقهاء فتاوى استدعاها منا منطاش، وأكرهنا على كتابها، ~~فكتبناها، وورينا فيها بما قدرنا عليه. ولم يقبل السلطان ذلك، وعتب عليه، ~~وخصوصا علي. فصادف سودون منه إجابة في إخراج الخانقاه عني، فولى فيها غيري ~~وعزلني عنها. وكتبت إلى الجوباني بأبيات أعتذر عن ذلك ليطالعه بها، فتغافل ~~عنها، وأعرض عني مدة، ثم عاد إلى ما أعرف من رضاه وإحسانه، ونص الأبيات: # سيدي والظنون فيك جميلة %~% وأياديك بالأماني كفيله # لا تحل عن جميل رأيك إني %~% ما لي اليوم غير رأيك حيله # واصطنعني كما اصطنعت بإسدا %~% ء يد من شفاعة أو وسيله # لا تضعني فلست منك مضيعا %~% ذمة الحب، والأيادي الجميله PageV01P259 # وأجرني فالخطب عض بناب %~% بيه وأجرى إلى حماي خيوله # ولو أني دعا بنصري داع %~% كنت لي خير معشر وفصيله # أنه أمري إلى الذي جعل الل %~% ه أمور الدنيا له مكفوله # وأراه في ملكه الآية الك %~% برى فولاه ثم كان مديله # أشهدته عناية الله في التم %~% حيص أن كان عونه ومنيله # العزيز السلطان والملك الظا %~% هر فخر الدنيا وعز القبيله # ومجير الإسلام من كل خطب %~% كاد زلزال بأسه أن يزيله # ومديل العدو بالطعنة النجلا %~% ء تفري ماذيه ونصوله # وشكور لأنعم الله يفني %~% في رضاه غدوه وأصيله # وتلطف في وصف حالي وشكوى %~% خلتي يا صفيه وخليله # قل له والمقال يكرم من مث %~% لك في محفل العلا أن يقوله # يا خوند الملوك يا معدل الد %~% هر إذا عدل الزمان فصوله # لا تقصر في جبر كسرى فما زل %~% ت أرجيك للأيادي الطويلة # أنا جار لكم منعتم حماه %~% ونهجتم إلى المعالي سبيله # وغريب أنستموه على الوحش %~% ة والحزن بالرضى والسهوله # وجمعتم من شمله فقضى الل %~% ه فراقا وما قضى مأموله # غاله الدهر في البنين وفي الأه %~% ل وما كان ظنه أن يغوله # ورمته النوى فقيدا قد اجت %~% احت عليه فروعه وأصوله PageV01P260 # فجذبتم بضبعه وأنلتم %~% كل ما شاءت العلا أن تنيله # ورفعتم من قدر قبل أن يش %~% كو إليكم عياءه وخموله # وفرضتم له حقيقة ms155 ود %~% حاش لله أن ترى مستحيله # همة ما عرفتها لسواكم %~% وأنا من خبرت دهري وجيله # والعدا نمقوا أحاديث إفك %~% كلها في طرائق معلوله # روجوا في شأني غرائب زور %~% نصبوها لأمرهم أحبوله # ورموا بالذي أرادوا من الب %~% هتان ظنا بأنها مقبولة # زعموا أنني أتيت من الأقوا %~% ل ما لا يظن بي أن أقوله # كيف لي أغمط الحقوق وأني %~% شكر نعماكم علي الجزيله؟ # كيف لي أنكر الأيادي التي تع %~% رفها الشمس والظلال الظليله؟ # إن يكن ذا فقد برئت من الل %~% ه تعالى وخنت جهرا رسوله # طوقونا أمر الكتاب فكانت %~% لقداح الظنون فينا مجيله # لا ورب الكتاب أنزله الل %~% ه على قلب من وعى تنزيله # ما رضينا بذاك فعلا ولا جئ %~% ناه طوعا ولا اقتفينا دليله # إنما سامنا الكتاب ظلوم %~% لا يرجى دفاعه بالحيله # سخط ناجز وحلم بطيء %~% وسلاح للوخز فينا صقيله # ودعوني ولست من منصب الح %~% كم ولا ساحبا لديهم ذيوله # غير أني وشى بذكري واش %~% يتقصى أوتاره وذحوله # فكتبنا معولين على حل %~% مك تمحو الاصار عنا الثقيله # ما أشرنا به لزيد ولا عم %~% رو ولا عينوا لنا تفصيله # إنما يذكرون عمن وفيمن %~% مبهمات أحكامها منقوله PageV01P261 # ويظنون أن ذاك على ما %~% أضمروا من شناعة أو رذيله # وهو ظن عن الصواب بعيد %~% وظلام لم يحسنوا تأويله # وجناب السلطان نزهه الله ع %~% ن العاب بالهدى والفضيله # وأجل الملوك قدرا صفوح %~% يرتجي ذنب دهره ليقيله # فاقبلوا العذر إننا اليوم نرجو %~% بحياة السلطان منكم قبوله # وأعينوا على الزمان غريبا %~% يشتكي جدب عيشه ومحوله # جاركم ضيفكم نزيل حماكم %~% لا يضيع الكريم يوما نزيله # جددوا عنده رسوم رضاكم %~% فرسوم الكرام غير محيله # داركوه برحمة فلقد أم %~% ست عقود اصطباره محلوله # وانحلوه جبرا فليس يرجي %~% غير إحسانكم لهذي النحيله # يا حميد الآثار في الدهر يا %~% ألطنبغا يا روض العلا ومقيله # كيف بالخانقاه ينقل عني %~% لا لذنب أو جنحة منقوله # بل تقلدتها شغورا بمرسو %~% م شريف وخلعة مسدوله # ولقد كنت آملا لسواها %~% وسواها بوعده أن ينيله # وتوثقت للزمان عليها %~% بعقود ms156 ما خلتها محلوله # أبلغن قصتي فمثلك من يق %~% صد فعل الحسنى بمن ينتمي له # واغنموا من مثوبتي ودعائي %~% قربة عند ربكم مقبوله # وفي التعريض بسفره إلى الشام: # واصحب العز ظافرا بالأماني %~% واترك العصبة العدا مفلوله # واعتمل في سعادة الملك الظا %~% هر أن تمحو الأذى وتزيله # وتعيد الدنيا لأحسن شمل %~% حين تضحي بسعده مشموله # واطلب النصر من سعادته يص %~% حبك دابا في الظعن والحيلوله # وارتقب ما يحله بالأعادي %~% في جمادى أو زد عليه قليله PageV01P262 # وخذوه فألا بحسن قبول %~% صدق الله في الزمان مقوله # فلقد كان يحسن الفال عند الم %~% مصطفى دائما ويرضى جميله ### | السعاية في المهاداة والاتحاف بين ملوك المغرب والملك الظاهر # كثيرا ما يتعاهد الملوك المتجاورون بعضهم بعضا بالإتحاف بطرف أوطانهم، ~~للمواصلة والإعانة متى دعا إليها داع. وكان صلاح الدين بن أيوب هادى يعقوب ~~المنصور ملك المغرب من بني عبد المؤمن، واستجاش به بأسطوله في قطع مدد ~~الفرنج عن سواحل الشام حين كان معنيا بإرجاعهم عنها، وبعث في ذلك رسوله عبد ~~الكريم بن منقذ من أمراء شيزر، فأكرم المنصور رسوله، وقعد عن إجابته في ~~الأسطول لما كان في الكتاب إليه من العدول عن تخطيطه بأمير المؤمنين، ~~فوجدها غصة في صدره منعته من إجابته إلى سؤاله، وكان المانع لصلاح الدين من PageV01P263 # ذلك كاتبه الفاضل عبد الرحيم البيساني بما كان يشاوره في أموره، وكان ~~مقيما لدعوة الخليفة العباسي بمصر، فرأى الفاضل أن الخلافة لا تنعقد لاثنين ~~في # الملة كما هو المشهور، وإن اعتمد أهل المغرب سوى ذلك، لما يرون أن ~~الخلافة ليست لقبا فقط، وإنما هي لصاحب العصبية القائم عليها بالشدة ~~والحماية، والخلاف في ذلك معروف بين أهل الحق. فلما انقرضت دولة الموحدين، ~~وجاءت دولة بني مرين من بعدهم، وصار كبراؤهم ورؤساؤهم يتعاهدون قضاء فرضهم ~~لهذه البلاد الشرقية، فيتعاهدهم ملوكها بالإحسان إليهم، وتسهيل طريقهم، ~~فحسن في مكارم الأخلاق انتحال البر والمواصلة، بالإتحاف والاستطراف ~~والمكافأة في ذلك بالهمم الملوكية، فسنت لذلك طرائق وأخبار مشهورة، من حقها ~~أن تذكر، وكان يوسف بن يعقوب بن ms157 عبد الحق ثالث ملوك بني مرين، أهدى لصاحب ~~مصر عام سبعمائة، وهو يومئذ الناصر بن محمد بن قلاوون، هدية ضخمة، أصحبها ~~كريمة من كرائم داره، احتفل فيها ما شاء من أنواع الطرف، وأصناف الذخائر، ~~وخصوصا الخيل والبغال. # أخبرني الفقيه أبو إسحق الحسناوي، كاتب الموحدين بتونس، أنه عاين تلك ~~الهدية عند مرورها بتونس، قال: وعددت من صنف البغال الفارهة فيها أربعمائة، ~~وسكت عما سوى ذلك. وكان مع هذه الهدية من فقهاء المغرب، أبو الحسن التنسي ~~كبير أهل الفتيا بتلمسان. ثم كافأ الناصر عن هذه الهدية بأعلى منها وأحفل ~~مع أميرين من أمراء دولته، أدركا يوسف بن يعقوب وهو يحاصر تلمسان، فبعثهما ~~إلى مراكش للنزاهة في محاسنها، وأدركه الموت في مغيبهما، ورجعا من مراكش، PageV01P264 # فجهزهما حافده أبو ثابت المالك بعده، وشيعهما إلى مصر، فاعترضتهما قبائل ~~حصين ونهبوهما، ودخلا بجاية، ثم مضيا إلى تونس، ووصلا من هنالك إلى مصر. # ولما ملك السلطان أبو الحسن تلمسان، اقترحت عليه جارية أبيه أبي سعيد، ~~وكانت لها عليه تربية، فأرادت الحج في أيامه وبعنايته، فأذن لها في ذلك، ~~وبعث في # خدمتها وليه عريف بن يحيى من أمراء سويد، وجماعة من أمرائه وبطانته، ~~واستصحبوا هدية منه للملك الناصر احتفل فيها ما شاء. وانتقى من الخيل ~~العتاق، والمطايا الفره وقماش الحرير والكتان، والصوف ومدبوغ الجلود ~~الناعمة، والأواني المتخذة من النحاس والفخار المخصوص كل مصر من المغرب ~~بأصناف من صنائعها، متشابهة الأشكال والأنواع، حتى لقد زعموا أنه كان فيها ~~مكيلة من اللآلئ والفصوص، وكان ذلك وقر خمس مائة بعير، وكانت عتاق الخيل ~~فيها خمس مائة فرس، بالسروج الذهبية المرصعة بالجواهر، واللجم المذهبة، ~~والسيوف المحلاة بالذهب واللآلئ، كانت قيمة المركب الأول منها عشرة آلاف ~~دينار، وتدرجت على الولاء إلى آخر الخمس مائة، فكانت قيمته مائة دينار. ~~تحدث الناس بهذه الهدية دهرا، وعرضت بين يدي الملك الناصر، فأشار إلى ~~خاسكيته بانتهابها فنهبت بين يديه، وبولغ في كرامة أولئك الضيوف، في ~~إنزالهم وقراهم وإزوادهم إلى الحجاز وإلى بلادهم، وبقي شأن الهدية حديثا ~~يتجاراه ms158 الناس في مجالسهم وأسمارهم، وكان ذلك عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة. ~~ولما فصل أرسال ملك المغرب، وقد قضوا فرضهم، بعث الملك الناصر معهم هدية ~~كفاء هديتهم، وكانت أصنافها حمل القماش من ثياب الحرير والقماش المصنوعة ~~بالإسكندرية، تحمل كل عام إلى دار السلطان، قيمة ذلك الحمل خمسون ألف ~~دينار، وخيمة من خيام السلطان المصنوعة بالشام على مثال القصور، تشتمل على ~~بيوت للمراقد، وأواوين للجلوس والطبخ، وأبراج للإشراف على PageV01P265 # الطرقات، وأبراج أحدها لجلوس السلطان للعرض، وفيها تمثال مسجد بمحرابه، ~~وعمده، ومأذنته، حوائطها كلها من خرق الكتان الموصولة بحبك الخياطة مفصلة ~~على الأشكال التي يقترحها المتخذون لها. وكان فيها خيمة أخرى مستديرة ~~الشكل، عالية السمك، مخروطة الرأس، رحبة الفناء، تظل خمس مائة فارس أو ~~أكثر، وعشرة من عتاق الخيل # بالمراكب الذهبية الصقيلة، ولجمها كذلك، ومرت هذه الهدية بتونس، ومعها ~~الخدام القائمون بنصب الأبنية، فعرضوها على السلطان بتونس. وعاينت يومئذ ~~أصناف تلك الهدية، وتوجهوا بها إلى سلطانهم، وبقي التعجب منها دهرا على ~~الألسنة. وكان ملوك تونس من الموحدين، يتعاهدون ملوك مصر بالهدية في ~~الأوقات. # ولما وصلت إلى مصر، واتصلت بالملك الظاهر، وغمرني بنعمه وكرامته، كاتبت ~~السلطان بتونس يومئذ، وأخبرته بما عند الملك الظاهر من التشوف إلى جياد ~~الخيل، وخصوصا من المغرب، لما فيها من تحمل الشدة والصبر على المتاعب، وكان ~~يقول مثل ذلك، وأن خيل مصر قصرت بها الراحة والتنعم، عن الصبر على التعب، ~~فحضضت السلطان بتونس على إتحاف الملك الظاهر بما ينتقيه من الجياد الرائعة، ~~فبعث له خمسة انتقاها من مراكبه، وحملها في البحر في السفين الواصل بأهلي ~~وولدي، فغرقت بمرسى الإسكندرية، ونفقت تلك الجياد، مع ما ضاع في ذلك ~~السفين، وكل شيء بقدر. # ثم وصل إلينا عام ثلاثة وتسعين شيخ الأعراب: المعقل بالمغرب، يوسف بن علي ~~بن غانم، كبير أولاد حسين ناجيا من سخط السلطان أبي العباس أحمد بن أبي ~~سالم، من ملوك بني مرين بفاس، يروم قضاء فرضه، ويتوسل بذلك لرضى سلطانه، ~~فوجد السلطان غائبا بالشام في فتنة منطاش، فعرضته لصاحب المحمل. ms159 فلما عاد ~~من قضاء فرضه، وكان السلطان قد عاد من الشام، فوصلته به، وحضر بين يديه، ~~وشكا بثه، فكتب الظاهر فيه شفاعة لسلطان وطنه بالمغرب، وحمله مع ذلك هدية ~~إليه PageV01P266 # من قماش وطيب وقسي، وأوصاه بانتقاء الخيل له من قطر المغرب، وانصرف، فقبل ~~سلطانه فيه شفاعة الظاهر، وأعاده إلى منزلته. وانتقى الخيول الرائعة ~~لمهاداة الملك الظاهرة وأحسن في انتقاء أصناف الهدية، فعاجلته المنية دون ~~ذلك، وولي ابنه أبو فارس، وبقي أياما ثم هلك، وولى أخوه أبو عامر، # فاستكمل الهدية، وبعثها صحبة يوسف بن علي الوارد الأول. # وكان السلطان الملك الظاهر، لما أبطأ عليه وصول الخيل من المغرب، أراد أن ~~يبعث من أمرائه من ينتقي له ما يشاء بالشراء، فعين لذلك مملوكا من مماليكه ~~منسوبا إلى تربية الخليلي، اسمه قطلوبغا، وبعث عني، فحضرت بين يديه، ~~وشاورني في ذلك فوافقته، وسألني كيف يكون طريقه، فأشرت بالكتاب في ذلك إلى ~~سلطان تونس من الموحدين، وسلطان تلمسان من بني عبد الواد، وسلطان فاس ~~والمغرب من بني مرين، وحمله لكل واحد منهم هدية خفيفة من القماش والطيب ~~والقسي، وانصرف عام تسعة وتسعين إلى المغرب، وشيعه كل واحد من ملوكه إلى ~~مأمنه. وبالغ في إكرامه بما يتعين. ووصل إلى فاس، فوجد الهدية قد استكملت، ~~ويوسف بن علي على المسير بها عن سلطانه أبي عامر من ولد السلطان أبي العباس ~~المخاطب أولا. وأظلهم عيد الأضحى بفاس، وخرجوا متوجهين إلى مصر، وقد أفاض ~~السلطان من إحسانه وعطائه، على الرسول قطلوبغا ومن في جملته بما أقر ~~عيونهم، وأطلق بالشكر ألسنتهم، وملأ بالثناء ضمائرهم، ومروا بتلمسان، وبها ~~يومئذ أبو زيان، ابن السلطان أبي حمو من آل يغمراسن بن زيان، فبعث معهم ~~هدية أخرى من الجياد بمراكبها، وكان يحوك الشعر، فامتدح الملك الظاهر ~~بقصيدة بعثها مع هديته، ونصها من أولها إلى آخرها: PageV01P267 # لمن الركائب سيرهن ذميل %~% والصبر - إلا بعدهن - جميل # يا أيها الحادي رويدك إنها %~% ظعن يميل القلب حيث تميل # رفقا بمن حملته فوق ظهورها %~% فالحسن فوق ظهورها محمول # لله آيه ms160 أنجم: شفافة %~% تنجاب عنها للظلام سدول # شهب بآفاق الصدور طلوعها %~% ولها بأستار الجدول أفول # في الهودج المزرور منها غادة %~% تزع الدجى بجبينها فيحول # فكأنها قمر على غصن على %~% متني كثيب والكثيب مهيل # ثارت مطايا فثار بي الهوى %~% واعتاد قلبي زفرة وغليل # أومت لتوديعي فغالب عبرتي %~% نظر تخالسه العيون كليل # دمع أغيض منه خوف رقيبها %~% طورا ويغلبني الأسى فيسيل # ويح المحب وشت به عبراته %~% فكأنها قال عليه وقيل # صان الهوى وجفونه يوم النوى %~% لمصون جوهر دمعهن تذيل # وتهابه أشد الشرى في خيسها %~% ويروعه ظبي الحمى المكحول # تأبى النفوس الضيم إلا في الهوى %~% فالحر عبد والعزيز ذليل # يا بانة الوادي ويا أهل الحمى %~% هل ساعة تصغين لي فأقول # ما لي إذا هب النسيم من الحمى %~% أرتاح شوقا للحمى وأميل # خلوا الصبا يخلص إلي نسيمها %~% إن الصبا لصبابتي تعليل # ما لي أحلأ عن ورود محله %~% وأذاد عنه وورده منهول # والباب ليس بمرتج عن مرتج %~% والظن في المولى الجميل جميل PageV01P268 # من لي بزورة روضة الهادي الذي %~% ما مثله في المرسلين رسول # هو أحمد ومحمد والمصطفى %~% والمجتبى وله انتهى التفضيل # يا خير من أهدى الهدى وأجل من %~% أثنى عليه الوحي والتنزيل # وحي من الرحمن يلقيه على %~% قلب النبي محمد جبريل # مدحتك آيات الكتاب وبشرت %~% بقدومك التوراة والإنجيل # صلة الصلاة عليك تحلو في فمي %~% مهما تكرر ذكرك المعسول # فوربعك المأهول إن بأضلعي %~% قلبا بحبك ربعه مأهول # هل من سبيل للسرى حتى أرى %~% خير الورى فهو المنى والسول # حتام تمطلني الليالي وعدها %~% إن الزمان بوعده لبخيل # ما عاقني إلا عظيم جرائمي %~% إن الجرائم حملهن ثقيل # أنا مغرم فتعطفوا أنا فذنب %~% فتجماوزوا أنا عاثر فأقيلوا # وأنا البعيد فقربوا والمستج %~% ير فأمنوا والمرتجى فأنيلوا # يا سائقا نحو الحجاز حمولة %~% والقلب بين حموله محمول # لمحمد بلغ سلام سميه %~% فذمامه بمحمد موصول # وسل الإله له اغتفار ذنوبه %~% يسمع هناك دعاؤك المقبول # وعن المليك أبي سعيد فلتنب %~% فلكم له نحو الرسول رسول # فتحمل لله كسوة بيته %~% يا حبذاك المحمل المحمول # سعد المليك ms161 أبي سعيد إنه %~% سيف على أعدائه مسلول # ملك بجح المغرب الأقصى به %~% فلهم به نحو الرسول وصول # ملك به نام الأنام وأمنت %~% سبل المخاف فلا يخاف سبيل PageV01P269 # فالملك ضخم والجناب مؤمل %~% والفضل جم والعطاء جزيل # والصنع أجمل والفخار مؤثل %~% والمجد أكمل والوفاء أصيل # يا مالك البحرين بلغت المنى %~% قد عاد مصر على العراق يصول # يا خادم الحرمين حق لك الهنا %~% فعليك من روح الإله قبول # يا متحفي ومفاتحي برسالة %~% سلسالة يزهى بها الترسيل # أهديتها حسناء بكرا ما لها %~% غيري، وإن كثر الرجال، كفيل # ضاء المداد من الوداد بصحفها %~% حتى اضمحل عبوسه المجبول # جمعت وحاملها بحضرتنا كما %~% جمعت بثينة في الهوى وجميل # وتأكدت بهدية ودية %~% هي للإخاء المرتضى تكميل # أطلعت فيها للقسي أهلة %~% يرتد عنها الطرف وهو كليل # وحسام نصر زاهيا بنضاره %~% راق العيون فرنده المعسول # ماضي الشبا لمصابه تعنو الظبا %~% فبه تصول على العدا وتطول # وبدائع الحلل اليمانية التي %~% روى معاطفها بمصر النيل # فأجلت فيها ناظري فرأيتها %~% تحفا يجول الحسن حيث تجول # جلت محاسنها فأهوى نحوها %~% بفم القبول اللثم والتقبيل # يا مسعدي وأخي العزيز ومنجدي %~% ومن القلوب إلى هواه تميل # إن كان رسم الود منك مذيلا %~% بالبر وهو بذيله موصول # فنظيره عندي وليس يضيره %~% بمعارض وهم ولا تخييل # ود لزيد وثابت شهدا به %~% ولخالد بخلوده تذييل # وإليكها تنبيك صدق مودتي %~% صح الدليل ووافق المدلول PageV01P270 # فإذا بذاك المجلس السامي سمت %~% فلديك إقبال لها وقبول # دام الوداد على البعاد موصلا %~% بين القلوب وحبله موصول # وبقيت في نعم لديك مزيدها %~% وعلمك يضفو ظلها المسدول # ثم مروا بعدها بتونس، فبعث سلطان تونس أبو فارس عبد العزيز ابن السلطان ~~أبي العباس من ملوك الموحدين، هدية ثالثة انتقى لها جياد الخيل، وعزز بها ~~هدية السلطانين وراءه، مع رسوله من كبار الموحدين أبي عبد الله بن ~~تافراكين، ووصلت الهدايا الثلاث إلى باب الملك الظاهر في آخر السنة، وعرضت ~~بين يحيى السلطان، وانتهب الخاسكية ما كان فيها من الأقمشة والسيوف والبسط ~~ومراكب الخيل، وحمل كثيرا منهم على كثير ms162 من تلك الجياد وارتبط الباقيات. # وكانت هدية صاحب المغرب تشتمل على خمسة وثلاثين من عتاق الخيل بالسروج ~~واللجم الذهبية، والسيوف المحلاة، وخمسة وثلاثين حملا من أقمشة الحرير ~~والكتان والصوف والجلد، منتقاة من أحسن هذه الأصناف. وهدية صاحب # تلمسان تشتمل على ثلاثين من الجياد بمراكبها المموهة، وأحمالا من ~~الأقمشة. # وهدية صاحب تونس تشتمل على ثلاثين من الجياد مغشاة ببراقع الثياب من غير ~~مراكب، وكلها أنيق في صنعه مستطرف في نوعه، وجلس السلطان يوم عرضها جلوسا ~~فخما في إيوانه، وحضر الرسل، وأدوا ما يجب عن ملوكهم. وعاملهم السلطان ~~بالبر والقبول، وانصرفوا إلى منازلهم للجرايات الواسعة، والأحوال الضخمة. ~~ثم حضر وقت خروج الحاج، فاستأذنوا في الحج مع محمل السلطان، فأذن لهم، ~~وأرغد أزودتهم. وقضوا حجهم، ورجعوا إلى حضرة السلطان ومعهود مبرته. ثم ~~انصرفوا إلى مواطنهم، وشيعهم من بر السلطان وإحسانه، ما ملأ حقائبهم، وأسنى ~~ذخيرتهم، وحصل لي أنا من بين ذلك في الفخر ذكر جميل بما تناولت بين هؤلاء ~~الملوك من السعي في الوصلة الباقية على الأبد، فحمدت الله على ذلك. ### | ولاية القضاء الثانية بمصر # ما زلت، منذ العزل عن القضاء الأول سنة سبع وثمانين، مكبا على الاشتغال PageV01P271 # بالعلم، تأليفا وتدريسا، والسلطان يولي في الوظيفة من يراه أهلا متى دعاه ~~إلى ذلك داع، من موت القائم بالوظيفة، أو عزله، وكان يراني الأولى بذلك، ~~لولا وجود الذين شغبوا من قبل في شأني، من أمراء دولته، وكبار حاشيته، حتى ~~انقرضوا. واتفقت وفاة قاضي المالكية إذ ذاك ناصر الدين بن التنسي، وكنت ~~مقيما بالفيوم لضم زرعي هنالك، فبعث عني، وقلدني وظيفة القضاء في منتصف ~~رمضان من سنة إحدى وثمانمائة، فجريت على السنن المعروف مني، من القيام بما ~~يجب للوظيفة شرعا وعادة، وكان رحمه الله يرضى بما يسمع عني في ذلك. ثم ~~أدركته الوفاة في منتصف شوال بعدها، وأحضر الخليفة والقضاة والأمراء، وعهد ~~إلى كبير أبنائه فرج، ولإخوته من بعده واحدا واحدا، وأشهدهم على وصيته بما ~~أراد. وجعل القائم بأمر ابنه في سلطانه إلى أتابكه أيتمش، وقضى ms163 رحمة الله ~~عليه، وترتبت الأمور من بعده كما عهد لهم، وكان النائب بالشام يومئذ أمير ~~من خاسكية السلطان يعرف بتنم، وسمع بالواقعات بعد السلطان فغص أن لم يكن هو ~~كافل ابن الظاهر بعده، ويكون زمام الدولة بيده. وطفق سماسرة الفتن يغرونه ~~بذلك، وبينما هم في ذلك إذ وقعت PageV01P272 # فتنة الأتابك أيتمش، وذلك أنه كان للأتابك دوادار غر يتطاول إلى الرئاسة، ~~ويترفع على أكابر الدولة بحظه من أستاذه، وما له من الكفالة على السلطان، ~~فنقموا حالهم مع هذا الدوادار، وما يسومهم به من الترفع عليهم، والتعرض ~~لإهمال نصائحهم، فأغروا السلطان بالخروج عن ربقه الحجر، وأطاعهم في ذلك، ~~وأحضر القضاة بمجلسه للدعوى على الأتابك باستغنائه عن الكافل، بما علم من ~~قيامه بأمره وحسن تصرفاته. وشهد بذلك في المجلس أمراء أبيه كافة، وأهل ~~المراتب والوظائف منهم، شهادة قبلها القضاة. وأعذروا إلى الأتابك فيهم فلم ~~يدفع في شيء من شهادتهم، ونفذ الحكم يومئذ برفع الحجر عن # السلطان في تصرفاته وسياسة ملكه، وانفض الجمع، ونزل الأتابك من الإسطبل ~~إلى بيت سكناه. ثم عاود الكثير من الأمراء نظرهم فيما أتوه من ذلك، فلم ~~يروه صوابا، وحملوا الأتابك على نقضه، والقيام بما جعل له السلطان من كفالة ~~ابنه في سلطانه. وركب، وركبوا معه في آخر شهر المولد النبوي، وقاتلهم ~~أولياء السلطان فرج عشي يومهم وليلتها، فهزموهم، وساروا إلى الشام مستصرخين ~~بالنائب تنم، وقد وقر في نفسه ما وقر من قبل، فبر وفادتهم، وأجاب صريخهم. ~~واعتزموا على المضي إلى مصر. وكان السلطان لما انفضت جموع الأتابك، وسار ~~إلى الشام، اعتمله في الحركة والسفر لخضد شوكتهم، وتفريق جماعتهم، وخرج في ~~جمادى حتى انتهى إلى غزة، فجاءه الخبر بأن نائب الشام تنم، والأتابك، ~~والأمراء الذين معه، خرجوا من الشام زاحفين للقاء السلطان، وقد احتشدوا ~~وأوعبوا، وانتهوا قريبا من الرملة، فراسلهم السلطان مع قاضي القضاة الشافعي ~~صدر الدين المناوي، وناصر الدين الرماخ، أحد المعلمين لثقافة الرماح، يعذر ~~إليهم، ويحملهم على اجتماع الكلمة، وترك الفتنة، وإجابتهم إلى ما يطلبون من ~~مصالحهم، فاشتطوا ms164 في المطالب، وصمموا على ما هم فيه. ووصل الرسولان بخبرهم، ~~فركب السلطان من الغد، وعبى PageV01P273 # عساكره، وصمم لمعاجلتهم، فلقيهم أثناء طريقه، وهاجمهم فهاجموه، ثم ولوا ~~الأدبار منهزمين. وصرع الكثير من أعيانهم وأمرائهم في صدر موكبه، فما غشيهم ~~الليل إلا وهم مصفدون في الحديد، يقدمهم الأمير تنم نائب الشام وأكابرهم ~~كلهم. ونجا الأتابك أيتمش إلى القلعة بدمشق، فآوى إليها، واعتقله نائب ~~القلعة. وسار السلطان إلى دمشق، فدخلها على التعبئة في يوم أغر، وأقام بها ~~أياما، وقتل هؤلاء الأمراء المعتقلين، وكبيرهم الأتابك ذبحا، وقتل تنم من ~~بينهم خنقا، ثم ارتحل راجعا إلى مصر. # وكنت استأذنت في التقدم إلى مصر بين يدي السلطان لزيارة بيت المقدس، فأذن # لي في ذلك. ووصلت إلى القدس ودخلت المسجد، وتبركت بزيارته والصلاة فيه، ~~وتعففت عن الدخول إلى القمامة لما فيها من الإشادة بتكذيب القرآن، إذ هو ~~بناء أمم النصرانية على مكان الصليب بزعمهم، فنكرته نفسي، ونكرت الدخول ~~إليه. وقضيت من سنن الزيارة ونافلتها ما يجب، وانصرفت إلى مدفن الخليل عليه ~~السلام. ومررت في طريقي إليه ببيت لحم، وهو بناء عظيم على موضع ميلاد ~~المسيح، شيدت القياصرة عليه بناء بسماطين من العمد الصخور، منجدة مصطفة، ~~مرقوما على رؤوسها صور ملوك القياصرة، وتواريخ دولهم، ميسرة لمن يبتغي ~~تحقيق نقلها بالتراجمة العارفين لأوضاعها، ولقد يشهد هذا المصنع بعظم ملك ~~القياصرة وضخامة دولتهم. ثم ارتحلت من مدفن الخليل إلى غزة، وارتحلت منها، ~~فوافيت السلطان بظاهر مصر، ودخلت في ركابه أواخر شهر رمضان سنة اثنين ~~وثمانمائة. وكان بمصر فقيه من المالكية يعرف بنور الدين بن الخلال، ينوب ~~أكثر أوقاته عن قضاة القضاة المالكية، فحرضه بعض أصحابه على السعي في ~~المنصب، وبذل ما تيسر من موجوده لبعض بطانة السلطان الساعين له في ذلك، ~~فتمت سعايته في ذلك، ولبس منتصف المحرم سنة ثلاث، PageV01P274 # ورجعت أنا للاشتغال بما كنت مشتغلا به من تدريس العلم وتأليفه، إلى أن ~~كان السفر لمدافعة تمر عن الشام. ### | سفر السلطان إلى الشام لمدافعة الططر عن بلاده # هؤلاء الططر من شعوب ms165 الترك، وقد اتفق النسابه والمؤرخون على أن أكثر أمم ~~العالم فرقتان، وهما: العرب والترك، وليس في العالم أمة أوفر منهما عددا، ~~هؤلاء في جنوب الأرض، وهؤلاء في شمالها، وما زالوا يتنابون الملك في ~~العالم، فتارة يملك العرب ويزحلون الأعاجم إلى آخر الشمال، وأخرى يزحلهم ~~الأعاجم والترك # إلى طرف الجنوب، سنة الله في عباده. # فلنذكر كيف انساق الملك لهؤلاء الططر، واستقرت للدول الإسلامية فيهم لهذا ~~العهد فنقول: إن الله سبحانه خلق هذا العالم واعتمره بأصناف البشر على وجه ~~الأرض، في وسط البقعة التي انكشفت من الماء فيه، وهي عند أهل الجغرافيا ~~مقدار الربع منه، وقسموا هذا المعمور بسبعة أجزاء يسمونها الأقاليم، مبتدئة ~~من خط الاستواء بين المشرق والمغرب، وهو الخط الذي تسامت الشمس فيه رؤوس ~~السكان، إلى تمام السبعة أقاليم. وهذا الخط في جنوب المعمور، وتنتهي السبعة ~~الأقاليم في شماله. وليس في جنوب خط الاستواء عمارة إلى آخر الربع المنكشف، ~~لإفراط الحر فيه، وهو يمنع من التكوين، وكذلك ليس بعد الأقاليم السبعة في ~~جهة الشمال عمارة، لإفراط البرد فيها، وهو مانع من التكوين أيضا، ودخل ~~الماء المحيط بالأرض من جهة الشرق فوق خط الاستواء بثلاث عشرة درجة، في ~~مدخل فسيح، وانساح مع خط الاستواء مغربا، فمر بالصين، والهند والسند ~~واليمن، في جنوبها كلها. وانتهى إلى وسط الأرض، عند باب المندب، وهو البحر ~~الهندي والصيني، ثم انحرف من PageV01P275 # طرفه الغربي في خليج عند باب المندب، ومر في جهة الشمال مغربا باليمن ~~وتهامة والحجاز ومدين وأيلة وفاران، وانتهى إلى مدينة القلزم، ويسمى بحر ~~السويس، وفي شرقيه بلاد الصعيد إلى عيذاب، وبلا البجاة، وخرج من هذا البحر ~~الهندي من وسطه خليج آخر يسمى الخليج الأخضر، ومر شمالا إلى الأبلة، ويسمى ~~بحر فارس، وعليه في شرقيه بلاد فارس، وكرمان، PageV01P276 # والسند، ودخل الماء أيضا، من جهة الغرب في خليج متضايق في الإقليم ~~الرابع، ويسمى بحر الزقاق، تكون سعته هنالك ثمانية عشر ميلا. ويمر مشرقا ~~ببلاد البربر، من المغرب الأقصى والأوسط وأرض إفريقية والإسكندرية. وأرض ~~التيه وفلسطين ms166 والشام، وعليه في الغرب بلاد الإفرنج كلها، وخرج منه في ~~الشمال # خليجان: الشرقي منهما خليج القسطنطينية والغربي خليج البنادقة، ويسمى هذا ~~البحر البحر الرومي، والشامي. # ثم إن هذه السبعة الأقاليم المعمورة، تنقسم من شرقيها وغربيها بنصفين: ~~فنصفها الغربي في وسطه البحر الرومي، وفي النصف الشرقي من جانبه الجنوبي ~~البحر الهندي، وكان هذا النصف الغربي أقل عمارة من النصف الشرقي، لأن البحر ~~الرومي المتوسط فيه، انفسح في انسياحه، فغمر الكثير من أرضه. والجانب ~~الجنوبي منه قليل العمارة لشدة الحر، فالعمران فيه من جانب الشمال فقط، ~~والنصف الشرقي عمرانه أكثر بكثير، لأنه لا بحر في وسطه يزاحم. وجانبه ~~الجنوبي فيه البحر الهندي، وهو متسع جدا، فلطف الهواء فيه بمجاورة الماء، ~~وعدل مزاجه للتكوين، فصارت أقاليمه كلها قابلة للعمارة، فكثر عمرانه. وكان ~~مبدأ هذا العمران في العالم، من لون آدم صلوات الله عليه، وتناسل ولده أولا ~~في ذلك النصف الشرقي، وبادت تلك الأمم ما بينه وبين نوح، ولم نعلم شيئا من ~~أخبارها، لأن الكتب الإلهية لم يرد علينا فيها إلا أخبار نوح وبنيه، وأما ~~ما قبل نوح فلم نعرف شيئا من أخباره، وأقدم الكتب المنزلة المتداولة بين ~~أيدينا التوراة، وليس فيها من أخبار تلك الأجيال شيء، ولا سبيل إلى اتصال ~~الأخبار القديمة إلا بالوحي، وأما الأخبار فهي تدرس بدروس أهلها. # واتفق النسابون على أن النسل كله منحصر في بني نوح، وفي ثلاثة من ولده، ~~وهم سام، وحام، ويافث، فمن سام: العرب، والعبرانيون، والسبائيون، ومن PageV01P277 # حام: القبط والكنعانيون، والبربر، والسودان، ومن يافث: الترك، والروم، ~~والخزر، والفرس، والديلم، والجيل. # ولا أدري كيف صح انحصار النسب في هؤلاء الثلاثة عند النسابين، أمن النقل؟ ~~وهو بعيد كما قدمناه، أو هو رأي تفرع لهم من انقسام جماعة المعمور، فجعلوا # شعوب كل جهة لأهل نسب واحد يشتركون فيه، فجعلوا الجنوب لبني سام، والمغرب ~~لبني حام، والشمال لبني يافث. إلا أنه المتناقل بين النسابة في العالم، كما ~~قلناه، فلنعتمده ونقول: أول من ملك الأرض من نسل نوح عليه السلام، النمرود ms167 ~~بن كنعان بن كوش، بن حام ووقع ذكره في التوراة. وملك بعده عابر بن شالخ ~~الذي ينسب إليه العبرانيون والسريانيون، وهم النبط، وكانت لهم الدولة ~~العظيمة، وهم ملوك بابل، من نبيط بن أشور بن سام، وقيل نبيط بن ماش بن إرم، ~~وهم ملوك الأرض بعد الطوفان على المسعودي. وغلبهم الفرس على بابل، وما كان ~~في أيديهم من الأرض، وكانت في العالم دولتان عظيمتان، لملوك بابل هؤلاء، ~~وللقبط بمصر: هذه في المغرب والأخرى في المشرق، وكانوا ينتحلون الأعمال ~~السحرية، ويعولون عليها في كثير من أعمالهم، وبرابي مصر، وفلاحة ابن وحشية، ~~يشهدان بذلك. فلما غلب الفرس على بابل، استقل لهم ملك المشرق، وجاء موسى - ~~صلوات الله عليه - بالشريعة الأولية، وحرم السحر وطرقه، وغلب الله له القبط ~~بإغراق فرعون وقومه، ثم ملك بنو إسرائيل الشام، واختطوا بيت المقدس، وظهر ~~الروم في ناحية الشمال والمغرب، فغلبوا الفرس الأولى على ملكهم. وملك ذو ~~القرنين الإسكندر ما كان بأيديهم، ثم صار ملك الفرس بالمشرق إلى ملوكهم ~~الساسانية، وملك بني يونان بالشام والمغرب إلى القياصرة، كما ذكرنا ذلك كله ~~من قبل. PageV01P278 # وأصبحت الدولتان عظيمتين، وانتظمتا العالم بما فيه. ونازع الترك ملوك ~~فارس في خراسان، وما وراء النهر، وكانت بينهم حروب مشهورة، واستقر ملكهم في ~~بني أفراسياب، ثم ظهر خاتم الأنبياء محمد صلوات الله عليه، وجمع العرب على ~~كلمة الإسلام، فاجتمعوا له، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ~~ولكن الله ألف بينهم، وقبضه الله إليه، وقد أمر بالجهاد، ووعد عن الله بأن ~~الأرض لأمته، فزحفوا إلى كسرى، وقيصر بعد سنتين من وفاته، # فانتزعوا الملك من أيديهما، وتجاوزوا الفرس إلى الترك، والروم إلى البربر ~~والمغرب، وأصبح العالم كله منتظما في دعوة الإسلام. ثم اختلف أهل الدين من ~~بعده في رجوعهم إلى من ينظم أمرهم، وتشيع قوم من العرب فزعموا أنه أوصى ~~بذلك لابن عمه علي، وامتنع الجماعة من قبول ذلك، وأبوا إلا الاجتهاد في ~~تعيينه، فمضى على ذلك السلف في دولة بني أمية التي استفحل ms168 الملك والإسلام ~~فيها، وتنافل التشيع بتشعب المذاهب، في استحقاق بني علي، وأيهم يتعين له ~~ذلك، حتى انساق مذهب من مذاهبهم إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ~~فظهرت شيعته بخراسان، وملكوا تلك الأرض كلها، والعراق بأسره. ثم غلبوا على ~~بني أمية، وانتزعوا الملك من أيديهم، واستفحل ملكهم، والإسلام باستفحاله، ~~وتعمد خلفاؤهم. # ثم خامر الدولة ما يخامر الدول من الترف والراحة، ففشلوا. وكثر المنازعون ~~لهم من بني علي وغيرهم، فظهرت دولة لبني جعفر الصادق بالمغرب، وهم ~~العبيديون بنو عبيد الله المهدي بن محمد، قام بها كتامة وقبائل البربر، ~~واستولوا على المغرب ومصر، ودولة بني العلوي بطبرستان، قام بها الديلم ~~وإخوانهم الجيل، ودولة بني أمية النائية بالأندلس، لأن بني العباس لما ~~غلبوهم بالمشرق، وأكثروا PageV01P279 # القتل فيهم، هرب عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، ونجا إلى ~~المغرب. ثم ركب البحر إلى الأندلس، فاجتمع عليه من كان هنالك من العرب ~~وموالي بني أمية، فاستحدث هنالك ملكا آخر لهم، وانقسمت الملة الإسلامية بين ~~هذه الدول الأربع إلى المائة الرابعة. ثم انقرض ملك العلوية من طبرستان، ~~وانتقل إلى الديلم، فاقتسموا خراسان وفارس والعراق، وغلبوا على بغداد، وحجر ~~الخليفة بها بنو بويه منهم. وكان بنو سامان - من اتباع بني طاهر - قد ~~تقلدوا عمالات ما وراء النهر، فلما فشل أمر الخلافة استبدوا بتلك النواحي، ~~وأصاروا لهم فيها # ملكا ضخما، وكان آخرهم محمود بن سبكتكين من مواليهم، فاستبد عليهم، وملك ~~خراسان، وما وراء النهر إلى الشاش، ثم غزنة، وما وراءها جنوبا إلى الهند. ~~وأجاز إلى بلاد الهند، فافتتح منها كثيرا، واستخرج من كنوزها ذخائر لم يعثر ~~عليها أحد قبله. وأقامت الملة على هذا النمط إلى انقضاء المائة الرابعة، ~~وكان الترك منذ تعبدوا للعرب، وأسلموا على ما بأيديهم وراء النهر، من كاشغر ~~والصاغون إلى فرغانة، وولاهم الخلفاء عليها، فاستحدثوا بها ملكا، وكانت ~~بوادي الترك في تلك النواحي منتجعة أمطار السماء، وعشب الأرض، وكان الظهور ~~فيهم لقبيلة العز من شعوبهم، وهم الخوز، إلا أن استعمال العرب ms169 عرب خاءها ~~المعجمة غينا، وأدغمت واوها في الزاي الثانية، فصارت زايا واحدة مشددة. ~~وكانت رياسة الغز هؤلاء في بني سلجوق بن ميكائيل، وكانوا يستخدمون لملوك ~~الترك بتركستان تارة، ولملوك بني سامان في بخاري أخرى. وتحدث بينهما ~~الفتنة، فيتألفون من شاءوا PageV01P280 # منهما، ولما تغلب محمود بن سبكتكين على بني سامان، وأجاز من خراسان فنزل ~~بخاري، واقتعد كرسيهم، وتقبض على كبار بني سلجوق هؤلاء، وحبسهم بخراسان. # ثم مات وقام بالأمر أخوه مسعود، فملك مكانه، وانتقض على بنو سلجوق هؤلاء، ~~وأجاز الغز إلى خراسان فملكوها، وملكوا طبرستان من يد الديلم، ثم إصبهان ~~وفارس، من أيدي بني بويه، وملكهم يومئذ طغرلبك بن ميكائيل من بني سلجوق، ~~وغلب على بغداد من يد بني معز الدولة بن بويه المستبدين على الخليفة يومئذ ~~المطيع، وحجره عن التصرف في أمور الخلافة والملك، ثم تجاوز إلى عراق العرب، ~~فغلب على ملوكه، وأبادهم، ثم بلاد البحرين وعمان، ثم على الشام، PageV01P281 # وبلاد الروم، واستوعب ممالك الإسلام كلها، فأصارها في ملكه، وانقبضت ~~العرب راجعة إلى الحجاز، مسلوبة من الملك، كأن لم يكن لهم فيه نصيب، وذلك ~~أعوام # الأربعين والأربعمائة، وخرج الإفرنج على بقايا بني أمية بالأندلس، ~~فانتزعوا الملك من أيديهم، واستولوا على حواضر الأندلس وأمصارها، وضاق ~~النطاق على العبيديين بالقاهرة بملوك الغز يزاحمونهم فيها من الشام، بمحمود ~~بن زنكي وغيره من أبنائهم ومماليكهم، وبملوك المغرب قد اقتطعوا ما وراء ~~الإسكندرية، بملوك صنهاجة في إفريقية، والملثمين المرابطين بعدهم بالمغرب ~~الأقصى والأوسط، والمصامدة الموحدين بعدهم كذلك، وأمام الغز والسلجوقية في ~~ملك المشرق، وبنوهم ومواليهم من بعدهم إلى انقضاء القرن السادس؛ وقد فشل ~~ريح الغز، واختلت دولتهم، فظهر فيهم جنكيز خان أمير المغل من شعوب الططر، ~~وكانت كاهنا، وجده النجر كاهنا مثله. ويزعمونه أنه ولد من غير أب، فغلب ~~الغز في المفازة، واستولى على ملك الططر، وزحف إلى كرسي الملك بخوارزم. وهو ~~علاء الدين خوارزم شاه، سلفه من موالي طغرلبك، فغالبه على ملكه، وفر أمامه، ~~واتبعه إلى بحيرة طبرستان، فنجا PageV01P282 # إلى جزيرة فيها، ومرض هنالك ms170 ومات، ورجع جنكيزخان إلى زندران، من أمصار ~~طبرستان فنزلها، وأقام بها، وبعث عساكره من المغل حتى استولوا على جميع ما ~~كان للغز، وأنزل ابنه طولى بكرسي خراسان، وابنه دوشيخان بصراي وبلاد الترك، ~~وابنه جقطاي بكرسي الترك فيما وراء النهر، وهي كاشغر وتركستان، وأقام بما ~~زندران إلى أن مات جنكيزخان ودفن بها، ومات ابنه طولي وله ولدان، قبلاي ~~وهولاكو، ثم هلك قبلاي، واستقل هولاكو بملك خراسان، وحدث بينه وبين بركة بن ~~دوشيخان فتنة بالمنازعة في القانية، تحاربوا فيها طويلا، ثم أقصروا، وصرف ~~هولاكو وجهه إلى بلاد أصبهان، وفارس، ثم إلى الخلفاء المستبدين ببغداد، ~~وعراق العرب، فاستولى على تلك النواحي، واقتحم بغداد على الخليفة المستعصم، ~~آخر بني العباس وقتله، وأعظم فيها العيث والفساد، وهو يومئذ على PageV01P283 # دينه من المجوسية، ثم تخطاه إلى # الشام، فملك أمصاره وحواضره إلى القدس، وملوك مصر يومئذ من موالي بني ~~أيوب قد استحاشوا ببركة صاحب صراي، فزحف إلى خراسان ليأخذ بحجزة هولاكو عن ~~الشام ومصر. وبلغ خبره إلى هولاكو فحرد لذلك، لما بينهما من المنافسة ~~والعداوة، وكر راجعا إلى العراق، ثم إلى خراسان، لمدافعة بركة. وطالت ~~الفتنة بينهما إلى أن هلك هولاكو سنة ثلاث وستين من المائة السابعة؛ وزحف ~~أمراء مصر من موالي بني أيوب، وكبيرهم يومئذ قطز، وهو سلطانهم فاستولى على ~~أمصار الشام التي كان هولاكو انتزعها من أيدي بني أيوب، واحدة واحدة، ~~واستضاف الشام إلى مصر في ملكه. ثم هدى الله أبغا بن هولاكو إلى الإسلام، ~~فأسلم بعد أن كان أسلم بركة ابن عمه صاحب التخت بصراي من بني دوشي خان على ~~يد مريد من أصحاب شمس الدين كبرى، فتواطأ هو وأبغا بن هولاكو علي الإسلام، ~~ثم أسلم بعد ذلك بنو جقطاي وراء النهر، فانتظمت ممالك الإسلام في أيدي ولد ~~جنكيزخان من المغل، ثم من الططر، ولم يخرج عن ملكهم منها إلا المغرب ~~والأندلس ومصر والحجاز، وأصبحوا، وكأنهم في تلك الممالك خلف من السلجوقية ~~والغز. واستمر الأمر على ذلك لهذا العهد، وانقرض ملك بني هولاكو بموت ms171 أبي ~~سعيد آخرهم سنة أربعين من المائة الثامنة. وافترقت دولتهم بين عمال الدولة ~~وقرابتها من المغل؛ فملك عراق العرب، وآذربيجان وتوريز، الشيخ حسن سبط ~~هولاكو، واتصل ملكها في بنيه لهذا العهد، وملك خراسان وطبرستان PageV01P284 # شاه ولي من تابعة بني هولاكو، وملك إصبهان، وفارس، بنو مظفر البردي من ~~عمالهم أيضا؛ وأقاموا بنو دوشي خان في مملكة صراي وآخرهم بها طقطمش بن بردي ~~بك، ثم سما لبني جقطاي وراء النهر، وملوكهم أمل في التغلب على أعمال بني ~~هولاكو، وبني دوشي خان، بما استفحل ملكهم هنالك، لعدم الترف والتنعم، فبقوا ~~على البداوة؛ وكان لهم ملك اسمه ساطلمش هلك لهذا العهد، وأجلسوا ابنه على # التخت مكانه، وأمراء بني جقطاي جميعا في خدمته، وكبيرهم تيمور المعروف ~~بتمر بن طرغاي فقام بأمر هذا الصبي وكفله، وتزوج أمه، ومد يده إلى ممالك ~~بني دوشي خان التي كانت على دعوتهم وراء النهر، مثل سمرقند، وبخاري، ~~وخوارزم، وأجاز إلى طبرستان وخراسان فملكها. ثم ملك أصبهان، وزحف إلى ~~بغداد، فملكها من يد أحمد بن أويس. وفر أحمد مستجيرا بملك مصر، وهو الملك ~~الظاهر برقوق، وقد تقدم ذكره، فأجاره، ووعده النصر من عدوه. وبعث الأمير ~~تمر رسلا إلى صاحب مصر، يقررون معه الولاية والاتحاد، وحسن الجوار، فوصلوا ~~إلى الرحبة، فلقيهم عاملها، ودار بينهم الكلام فأوحشوه في الخطاب، وأنزلهم، ~~فبيت جميعهم، وقتلهم. وخرج الظاهر برقوق من مصر، وجمع العرب والتركمان، ~~وأناخ على الفرات، وصرخ بطقطمش من كرسيه بصراي، فحشد ووصل إلى الأبواب. ثم ~~زحف تمر إلى الشام سنة لست وتسعين، وبلغ الرها، والظاهر يومئذ على الفرات، ~~فخام تمر عن لقائه. وسار إلى محاربة طقطمش، فاستولى على أعماله كلها، PageV01P285 # ورجعت قبائل المغل إلى تمر، وساروا تحت رايته. وذهب طقطمش في ناحية ~~الشمال، وراء بلغار، متذمما بقبائل أروس من شعوب الترك في الجبال. وسارت ~~عصائب الترك كلها تحت رايات تمر؛ ثم اضطرب ملوك الهند، واستصرخ خارج منهم ~~بالأمير تمر، فسار إليهم في عساكر المغل، وملك دلي، وفر صاحبها إلى كنباية ~~مرسى بحر الهند، وعاثوا ms172 في نواحي بلاد الهند؛ ثم بلغه هنالك مهلك الظاهر ~~برقوق بمصر، فرجع إلى البلاد، ومر على العراق، ثم على أرمينية وأرزنكان، ~~حتى وصل سيواس فخربها، وعاث في نواحيها، ورجع عنها أول سنة ثلاث من المائة ~~التاسعة. ونازل قلعة الروم، فامتنعت، وتجاوزها إلى حلب، فقابله نائب الشام ~~وعساكره في ساحتها، ففضهم، واقتحم المغل المدينة من كل ناحية. ووقع فيها من ~~العيث، والنهب والمصادرة # واستباحة الحرم، ما لم يعهد الناس مثله؛ ووصل الخبر إلى مصر، فتجهز ~~السلطان فرج بن الملك الظاهر إلى المدافعة عن الشام، وخرج في عساكره من ~~الترك مسابقا المغل وملكهم تمر أن يصدهم عنها. ### | لقاء الأمير تمر سلطان المغل والططر # لما وصل الخبر إلى مصر بأن الأمير تمر ملك بلاد الروم، وخرب سيواس، PageV01P286 # ورجع إلى الشام، جمع السلطان عساكره، وفتح ديوان العطاء، ونادى في الجند ~~بالرحيل إلى الشام، وكنت أنا يومئذ معزولا عن الوظيفة، فاستدعاني دواداره ~~يشبك، وأرادني على السفر معه في ركاب السلطان، فتجافيت عن ذلك. ثم أظهر ~~العزم علي بلين القول، وجزيل الإنعام فأصخيت، وسافرت معهم منتصف شهر المولد ~~الكريم من سنة ثلاث، فوصلنا إلى غزة، فأرحنا بها أياما نترقب الأخبار، ثم ~~وصلنا إلى الشام مسابقين الططر إلى أن نزلنا شقحب، وأسرينا فصبحنا دمشق، ~~والأمير تمر في عساكره قد رحل من بعلبك قاصدا دمشق، فضرب السلطان خيامه ~~وأبنيته بساحة قبة يلبغا. ويئس الأمير تمر من مهاجمة البلد، فأقام بمرقب ~~على قبة يلبغا يراقبنا ونراقبه أكثر من شهر، تجاول العسكران في هذه الأيام ~~مرات ثلاثا أو أربعا، فكانت حربهم سجالا، ثم نمي الخبر إلى السلطان وأكابر ~~أمرائه، أن بعض الأمراء المنغمسين في الفتنة يحاولون الهرب إلى مصر للثورة ~~بها، فأجمع رأيهم للرجوع إلى مصر خشية من انتقاض الناس وراءهم، واختلال ~~الدولة بذلك، فأسروا ليلة الجمعة من شهر PageV01P287 # (.....)، وركبوا جبل الصالحية، ثم انحطوا في شعابه، وساروا على شافة البحر إلى ~~غزة، وركب الناس ليلايعتقدون أن السلطان سار على الطريق الأعظم إلى مصر، ~~فساروا عصبا وجماعات على # شقحب إلى أن ms173 وصلوا إلى مصر، وأصبح أهل دمشق متحيرين قد عميت عليهم ~~الأنباء. # وجاءني القضاة والفقهاء، واجتمعت بمدرسة العادلية، واتفق رأيهم على طلب ~~الأمان من الأمير تمر على بيوتهم وحرمهم، وشاوروا في ذلك نائب القلعة، فأبى ~~عليهم ذلك ونكره، فلم يوافقوه. وخرج القاضي برهان الدين بن مفلح الحنبلي ~~ومعه شيخ الفقراء بزاوية. . . .، فأجابهم إلى التأمين، وردهم باستدعاء ~~الوجوه والقضاة، فخرجوا إليه متدلين من السور بما صبحهم من التقدمة، فأحسن ~~لقاءهم وكتب لهم الرقاع بالأمان، وردهم على أحسن الآمال، واتفقوا معه على ~~فتح المدينة من الغد، وتصرف الناس في المعاملات، ودخول أمير ينزل بمحل ~~الإمارة منها، ويملك أمرهم بعز ولايته. # وأخبرني القاضي برهان الدين أنه سأله عني، وهل سافرت مع عساكر مصر أو ~~أقمت بالمدينة، فأخبره بمقامي بالمدرسة حيث كنت، وبتنا تلك الليلة على أهبة ~~الخروج إليه، فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع، وأنكر البعض ما ~~وقع من الاستنامة إلى القول. وبلغني الخبر من جوف الليل، فخشيت البادرة على ~~نفسي، وبكرت سحرا إلى جماعة القضاة عند الباب، وطلبت الخروج أو التدلي من ~~السور، لما حدث عندي من توهمات ذلك الخبر، فأبوا علي أولا، ثم أصخوا لي، ~~ودلوني من السور، فوجدت بطانته عند الباب، ونائبه الذي عينه للولاية على ~~دمشق، واسمه شاه ملك، من بني جقطاي أهل عصابته، فحييتهم وحيوني، وفديت ~~وفدوني، PageV01P288 # وقدم لي شاه ملك، مركوبا، وبعث معي من بطانة السلطان من أوصلني إليه. ~~فلما وقفت بالباب خرج الإذن بإجلاسي في خيمة هنالك تجاور خيمة جلوسه، ثم ~~زيد في التعريف باسمي أني القاضي المالكي المغربي، فاستدعاني، ودخلت عليه ~~بخيمة جلوسه، متكئا على مرفقه، وصحاف الطعام تمر بين يديه، # يشير بها إلى عصب المغل جلوسا أمام خيمته، حلقا حلقا. فلما دخلت عليه ~~فاتحت بالسلام، وأوميت إيماءة الخضوع، فرفع رأسه، ومد يده إلي فقبلتها، ~~وأشار بالجلوس فجلست حيث انتهيت. ثم استدعى من بطانته الفقيه عبد الجبار بن ~~النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم، فأقعده يترجم ما بيننا، وسألني من أين ~~جئت من المغرب، ولما ms174 جئت، فقلت: جئت من بلادي لقضاء الفرض ركبت إليها ~~البحر، ووافيت مرسى الإسكندرية يوم الفطر سنة أربع (وثمانين) من هذه المائة ~~الثامنة، والمفرحات بأسوارهم لجلوس الظاهر على تخت الملك لتلك العشرة ~~الأيام بعددها. فقال لي: وما فعل معك، قلت كل خير، بر مقدمي، وأرغد قراي، ~~وزودني للحج، ولما رجعت وفر جرايتي، وأقمت في ظله ونعمته، رحمه الله وجزاه. ~~فقال: وكيف كانت توليته إياك القضاء. فقلت: مات قاضي المالكية قبل موته ~~بشهر، وكان يظن بي المقام المحمود في القيام بالوظيفة، وتحري المعدلة ~~والحق، والإعراض عن الجاه، فولاني مكانه، ومات لشهر بعدها، فلم يرض أهل ~~الدولة بمكاني، فأدالوني منها بغيري جزاهم الله. فقال لي: وأين ولدك، فقلت: ~~بالمغرب الجواني كاتب للملك الأعظم هنالك. فقال وما PageV01P289 # معنى الجواني في وصف المغرب، فقلت هو في عرف خطابهم معناه الداخلي، أي # الأبعد، لأن المغرب كله على ساحل البحر الشامي من جنوبه، فالأقرب إلى هنا ~~برقه، إفريقية، والمغرب الأوسط: تلمسان وبلاد زناتة، والأقصى: فاس ومراكش، ~~وهو معنى الجواني. فقال لي: وأين مكان طنجة من ذلك المغرب. فقلت: في ~~الزاوية التي بين البحر المحيط، والخليج المسمى بالزقاق، وهو خليج البحر ~~الشامي، فقال: وسبته؟ قلت: على مسافة من طنجة على ساحل الزقاق، ومنها ~~التعدية إلى الأندلس، لقرب مسافته، لأنها هناك نحو العشرين ميلا. فقال: ~~وفاس. فقلت: ليست على البحر، وهي في وسط التلول، وكرسي ملوك المغرب من بني # مرين. فقال: وسجلماسة؟ قلت: في الحد ما بين الأرياف والرمال من جهة ~~الجنوب. فقال: لا يقنعني هذا، وأحب أن تكتب لي بلاد المغرب كلها، أقاصيها ~~وأدانيها وجباله وأنهاره وقراه وأمصاره، حتى كأني أشاهده. فقلت: يحصل ذلك ~~بسعادتك، وكتبت له بعد انصرافي من المجلس لما طلب من ذلك، وأوعبت الغرض فيه ~~في مختصر وجيز يكون قدر اثنتي عشرة من الكراريس المنظفة القطع. ثم أشار إلى ~~خدمه بإحضار طعام من بيته يسمونه الرشتة، ويحكمونه على أبلغ ما يمكن، ~~فأحضرت الأواني منه، وأشار تعرضها علي، فمثلت قائما، وتناولتها وشربت ~~واستطبت، ووقع ذلك منه ms175 أحسن المواقع، ثم جلست وسكتنا، وقد غلبني الوجل بما ~~وقع من نكبة قاضي القضاة الشافعية، صدر الدين المناوي، أسره التابعون لعسكر ~~مصر. بشقحب، وردوه، فحبس عندهم في طلب الفدية منه، فأصابنا من ذلك وجل، ~~فزورت في نفسي كلاما أخاطبه به، وأتلطفه بتعظيم أحواله، وملكه. وكنت قبل ~~ذلك بالمغرب قد سمعت كثيرا من الحدثان في ظهوره، وكان المنجمون المتكلمون ~~في قرانات العلويين يترقبون القران العاشر في المثلثة الهوائية، وكان يترقب ~~عام ستة وستين من المائة السابعة. فلقيت PageV01P290 # ذات يوم من عام أحد وستين بجامع القرويين من فاس، الخطيب أبا علي بن ~~باديس خطيب قسنطينة، وكان ماهرا في ذلك الفن، فسألته عن هذا القرآن ~~المتوقع، وما هي آثاره، فقال لي: يدل على ثائر عظيم في الجانب الشمالي ~~الشرقي، من أمة بادية أهل خيام، تتغلب على الممالك، وتقلب الدول، وتستولي ~~على أكثر المعمور. فقلت: ومتى زمنه. فقال: عام أربعة وثمانين تنتشر أخباره. ~~وكتب لي بمثل ذلك الطبيب ابن زرزر اليهودي، طبيب ملك الإفرنج ابن أذفونش ~~ومنجمه. وكان شيخي رحمه الله إمام المعقولات محمد بن إبراهيم الآبلي متى ~~فاوضته في ذلك، أو سابلته عنه يقول: أمره قريب، ولا بد لك إن عشت أن تراه. # وأما المتصوفة فكنا نسمع عنهم بالمغرب لرقبهم لهذا الكائن، ويرون إن ~~القائم به هو الفاطمي المشار إليه في الأحاديث النبوية من الشيعة وغيرهم، ~~فأخبرني يحيى بن عبد الله حافد الشيخ أبي يعقوب البادسي كبير الأولياء ~~بالمغرب، إن الشيخ قال لهم ذات يوم، وقد انفتل من صلاة الغداة: إن هذا ~~اليوم ولد فيه القائم الفاطمي، وكان ذلك في عشر الأربعين من المائة ~~الثامنة، فكان في نفسي من ذلك كله ترقب له. # فوقع في نفسي لأجل الوجل الذي كنت فيه أن أفاوضه في شيء من ذلك يستريح ~~إليه، ويأنس به مني، ففاتحته وقلت: أيدك الله! لي اليوم ثلاثون أو أربعون ~~سنة أتمنى لقاءك. فقال لي الترجمان عبد الجبار: وما سبب ذلك، فقلت: أمران، ~~الأول أنك سلطان العالم، وملك الدنيا، وما أعتقد أنه ms176 ظهر في الخليقة منذ ~~آدم لهذا العهد ملك مثلك، ولست ممن يقول في الأمور بالجزاف، فإني من أهل ~~العلم، وأبين ذلك فأقول: إن الملك إنما يكون بالعصبية، وعلى كثرتها يكون ~~قدر الملك، واتفق أهل العلم من قبل ومن بعد، أن أكثر أمم البشر فرقتان: ~~العرب والترك، وأنتم تعلمون ملك العرب كيف كان لما اجتمعوا في دينهم على ~~نبيهم، وأما الترك ففي مزاحمتهم لملوك الفرس وانتزاع ملكهم أفراسياب خراسان ~~من أيديهم شاهد بنصابهم من الملك. ولا يساويهم في عصبيتهم أحد من ملوك ~~الأرض من كسرى، أو قيصر، أو الإسكندر، أو بختنصر، أما كسرى فكبير الفرس ~~ومليكهم، وأين الفرس من الترك، وأما قيصر والإسكندر فملوك الروم، وأين ~~الروم من الترك، وأما بختنصر فكبير أهل بابل، PageV01P291 # والنبط. وأين هؤلاء من الترك، وهذا برهان ظاهر على ما ادعيته في هذا ~~الملك. # وأما الأمر الثاني مما يحملني على تمني لقائه، فهو ما كنت أسمعه من أهل ~~الحدثان بالمغرب، والأولياء، وذكرت ما قصصته من ذلك قبل. فقال لي: وأراك # قد ذكرت بختنصر مع كسرى، وقيصر، والإسكندر، ولم يكن في عدادهم، لأنهم ~~ملوك أكابر. وبختنصر قائد من قواد الفرس، كما أنا نائب من نواب صاحب التخت، ~~وهو هذا، وأشار إلى الصف القائمين وراءه، وكان واقفا معهم، وهو ربيبه الذي ~~تقدم لنا أنه تزوج أمه بعد أبيه ساطلمش فلم يلفه هناك، وذكر له القائمون في ~~ذلك الصف أنه خرج عنهم. # فرجع إلي فقال: ومن أي الطوائف هو بختنصر، فقلت: بين الناس فيه خلاف، ~~فقيل من النبط بقية ملوك بابل، وقيل من الفرس الأولى، فقال: يعني من ولد ~~منوشهر. قلت نعم هكذا ذكروا، فقال: ومنوشهر له علينا ولادة من قبل الأمهات. ~~ثم أفضت مع الترجمان في تعظيم هذا القول منه، وقلت له: وهذا مما يجعلني على ~~بني لقائه. # فقال الملك: وأي القولين أرجح عندك فيه، فقلت إنه من عقبة ملوك بابل، ~~فذهب هو إلى ترجيح القول الآخر. فقلت: يعكر علينا رأي الطبري، فإنه مؤرخ ~~الأمة ومحدثهم، ولا يرجحه غيره، ms177 فقال: وما علينا من الطبري؟ نحضر كتب ~~التاريخ للعرب والعجم، ونناظرك. فقلت: وأنا أيضا أناظر على رأي الطبري، ~~وانتهى بنا القول، فسكت، وجاءه الخبر بفتح باب المدينة، وخروج القضاة وفاء ~~بما زعموا من الطاعة التي بذل لهم فيها الأمان، فرفع من بين أيدينا، لما في ~~ركبته من الداء، وحمل على فرسه فقبض شكائمه، واستوى في مركبه. وضربت الآلات ~~حفافيه حتى ارتج لها الجو. وسار نحو دمشق، ونزل في تربة منجك عند باب ~~الجابية، فجلس هناك، ودخل إليه القضاة وأعيان البلد، ودخلت في جملتهم، ~~فأشار إليهم بالانصراف، وإلى شاه ملك نائبه أن يخلع عليهم في وظائفهم، ~~وأشار إلي بالجلوس، فجلست بين يديه. ثم استدعى أمراء دولته القائمين على ~~أمر البناء، فأحضروا عرفاء البنيان المهندسين، وتناظروا في إذهاب الماء ~~الدائر بحفير # القلعة، لعلهم يعثرون بالصناعة على منفذه، PageV01P292 # فتناظروا في مجلسه طويلا، ثم انصرفوا، وانصرفت إلى بيتي داخل المدينة بعد ~~أن استأذنته في ذلك، فأذن فيه. وأقمت في كسر البيت، واشتغلت بما طلب مني في ~~وصف بلاد المغرب، فكتبته في أيام قليلة، ورفعته إليه فأخذه من يدي، وأمر ~~فوقعه بترجمته إلى اللسان المغلي. ثم اشتد في حصار القلعة، ونصب عليها ~~الآلات من المجانيق، والنفوط، والعرادات، والنقب، فنصبوا لأيام قليلة ستين ~~منجنيقا إلى ما يشاكلها من الآلات الأخرى، وضاق الحصار بأهل القلعة، وتهدم ~~بناؤها من كل جهة، فطلبوا الأمان. # وكان بها جماعة من خدام السلطان ومخلفه، فأمنهم السلطان تمر، وحضروا ~~عنده. وخرب القلعة وطمس معالمها، وصادر أهل البلد على قناطير من الأموال ~~استولى عليها بعد أن أخذ جميع ما خلفه صاحب مصر هنالك، من الأموال والظهر ~~والخيام أطلقأيدي النهابة على بيوت أهل المدينة، فاستوعبوا أناسيها، ~~وأمتعتها، وأضرموا النار فيما بقي من سقط الأقمشة والخرثي، فاتصلت النار ~~بحيطان الدور المدعمة بالخشب، فلم تزل تتوقد إلى أن اتصلت بالجامع الأعظم، ~~وارتفعت إلى سقفه، فسال رصاصه، وتهدمت سقفه وحوائطه، وكان أمرا بلغ مبالغه ~~في الشناعة والقبح. وتصاريف الأمور بيد الله يفعل في خلقه ما يريد، ويحكم ~~في ms178 ملكه ما يشاء. # وكان أيام مقامي عند السلطان تمر، خرج إليه من القلعة يوم أمن أهلها رجل ~~من أعقاب الخلفاء بمصر، من ذرية الحاكم العباسي الذي نصبه الظاهر بيبرس، ~~فوقف إلى السلطان تمر يسأله النصفة في أمره، ويطلب منه منصب الخلافة كما ~~كان لسلفه، فقال له السلطان تمر: أنا أحضر لك الفقهاء والقضاة، فإن حكموا ~~لك بشيء أنصفتك فيه. واستدعى الفقهاء والقضاة، واستدعاني فيهم، فحصرنا عنده ~~وحضر هذا الرجل الذي يسأل منصب الخلافة، فقال له عبد الجبار: هذا مجلس # النصفة فتكلم. فقال: إن هذه الخلافة لنا ولسلفنا، وإن الحديث صح بأن ~~الأمر لبني العباس ما بقيت الدنيا، يعني أمر الخلافة. وإني أحق من صاحب ~~المنصب الآن بمصر، لأن آبائي الذين ورثتهم كانوا قد استحقوه، وصار إلى هذا ~~بغير مستند، فاستدعى عبد الجبار كلا منا في أمره، فسكتنا برهة، ثم قال: ما ~~تقولون في هذا الحديث، فقال PageV01P293 # برهان الدين بن مفلح: الحديث ليس بصحيح. واستدعى ما عندي في ذلك فقلت: ~~الأمر كما قلتم من أنه غير صحيح، فقال السلطان تمر: فما الذي أصار الخلافة ~~لبني العباس إلى هذا العهد في الإسلام؟ وشافهني بالقول، فقلت: أيدك الله! ~~اختلف المسلمون من لدن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، هل يجب على المسلمين ~~ولاية رجل منهم يقوم بأمورهم في دينهم ودنياهم، أم لا يجب ذلك. فذهبت طائفة ~~إلى أنه لا يجب، ومنهم الخوارج، وذهب الجماعة إلى وجوبه، واختلفوا في مستند ~~ذلك الوجوب، فذهب الشيعة كلهم إلى حديث الوصية، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أوصى بذلك لعلي، واختلفوا في تنقلها عنه إلى عقبه إلى مذاهب كثيرة تشذ ~~عن الحصر. وأجمع أهل السنة على إنكار هذه الوصية، وأن مستند الوجوب في ذلك ~~إنما هو الاجتهاد، يعنون أن المسلمين يجتهدون في اختيار رجل من أهل الحق ~~والفقه والعدل، يفوضون إليه النظر في أمورهم. # ولما تعددت فرق العلوية وانتقلت الوصية بزعمهم من بني الحنفية إلى بني ~~العباس، أوصى بها أبو هاشم بن محمد بن الحنفية إلى محمد ms179 بن علي بن عبد الله ~~بن عباس، وبث دعاته بخراسان. وقام أبو مسلم بهذه الدعوة، فملك خراسان ~~والعراق، ونزل شيعتهم الكوفة، واختاروا للأمر أبا العباس السفاح بن صاحب ~~هذه الدعوة، ثم أرادوا أن تكون بيعته على إجماع من أهل السنة والشيعة، ~~فكاتبوا كبار الأمة يومئذ، وأهل الحل والعقد، بالحجاز والعراق، يشاورونهم ~~في أمره، فوقع اختيارهم كلهم على الرضى به، فبايع له شيعته بالكوفة بيعة ~~إجماع وإصفاق. ثم # عهد بها إلى أخيه المنصور، وعهد بها المنصور إلى بنيه، فلما تزل متناقلة ~~فيهم، إما بعهد أو باختيار أهل العصر، إلى أن كان المستعصم آخرهم ببغداد. ~~فلما استولى عليها هولاكو وقتله، افترق قرابته، ولحق بعضهم بمصر، وهو أحمد ~~الحاكم من عقب الراشد، فنصبه الظاهر بيبرس بمصر، بممالأة أهل الحل والعقد ~~من الجند والفقهاء. وانتقل الأمر في بيته إلى هذا الذي بمصر، لا يعلم خلاف ~~ذلك. فقال لهذا الرافع: قد سمعت مقال القضاة، وأهل الفتيا، وظهر أنه ليس لك ~~حق تطلبه عندي. فانصرف راشدا. PageV01P294 ### | الرجوع عن هذا الأمير تمر إلى مصر # كنت لما لقيته، وتليت إليه من السور كما مر أشار علي بعض الصحاب ممن يخبر ~~أحوالهم بما تقدمت له من المعرفة بهم، فأشار بأن أطرفه ببعض هدية، وإن كانت ~~نزرة فهي عندهم متأكدة في لقاء ملوكهم، فانتقيت من سوق الكتب مصحفا رائعا ~~حسنا في جزء محذو، وسجادة أنيقة، ونسخة من قصيدة البردة المشهورة للأبوصيري ~~في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وأربع علب من حلاوة مصر الفاخرة. وجئت ~~بذلك فدخلت عليه، وهو بالقصر الأبلق جالس في إيوانه، فلما رآني مقبلا مثل ~~قائما وأشار إلي عن يمينه، فجلست وأكابر من الجقطية حفافية، فجلست قليلا، ~~ثم استدرت بين يديه، وأشرت إلى الهدية التي ذكرتها، وهي بيد خدامي، ~~فوضعتها، واستقبلني، ففتحت المصحف فلما رآه وعرفه، قام مبادرا فوضعه على ~~رأسه. ثم ناولته البردة، فسألني عنها وعن ناظمها فأخبرته بما وقفت عليه من ~~أمرها. ثم ناولته السجادة، فتناولها وقبلها. ثم وضعت علب الحلوى بين يديه، ~~وتناولت منها ms180 حرفا على العادة في التأنيس بذلك. ثم قسم هو ما فيها من ~~الحلوى بين الحاضرين في مجلسه، وتقبل ذلك كله، وأشعر بالرضى به. ثم حومت ~~على الكلام بما عندي في شأن نفسي، وشأن أصحاب لي هنالك. فقلت # أيدك الله! لي كلام أذكره بين يديك، فقال: قل. فقلت أنا غريب بهذه البلاد ~~غربتين، واحدة من المغرب الذي هو وطني ومنشئي وأخرى من مصر وأهل جيلي بها، ~~وقد حصلت في ظلك، وأنا أرجو رأيك لي فيما يؤنسني في غربتي، فقال: قل الذي ~~تريد أفعله لك، فقلت: حال الغربة أنستني ما أريد، وعساك - أيدك الله - أن ~~تعرف لي ما أريد. فقال: انتقل من المدينة إلى الأردو عندي، وأنا إن شاء ~~الله أوفى كنه قصدك. فقلت يأمر لي بذلك نائبك شاه ملك، فأشار إليه بإمضاء ~~ذلك، فشكرت ودعوت وقلت: وبقيت لي أخرى، فقال: وما هي، فقلت: هؤلاء المخلفون ~~عن سلطان مصر. من القراء والموقعين، والدواوين، والعمال، صاروا إلى إيالتك ~~والملك لا يغفل مثل هؤلاء فسلطانكم كبير، وعمالاتكم متسعة، وحاجة ملككم إلى ~~المتصرفين في صنوف الخدم أشد من حاجة غيركم، فقال وما تريد لهم؟ PageV01P295 # قلت: مكتوب أمان يستنيمون إليه، ويعولون في أحوالهم عليه. فقال لكاتبه: ~~أكتب لهم بذلك، فشكرت ودعوت. وخرجت مع الكاتب حتى كتب لي مكتوب الأمان، ~~وختمه شاه ملك بخاتم السلطان، وانصرفت إلى منزلي. ولما قرب سفره واعتزم علم ~~الرحيل عن الشام، دخلت عليه ذات يوم، فلما قضينا المعتاد، التفت إلي وقال: ~~عندك بغلة هنا؟ قلت نعم، قال حسنة؟ قلت نعم، قال وتبيعها، فأنا اشتريها ~~منك، فقلت: أيدك الله! مثلي لا يبيع من مثلك، إنما أنا أخدمك بها، ~~وبأمثالها لو كانت لي، فقال: أنا أردت أن أكافئك عنها بالإحسان، فقلت: وهل ~~بقي إحسان وراء ما أحسنت به، اصطنعتني، وأحللتني من مجلسك محل خواصك، ~~وقابلتني من الكرامة والخير بما أرجو الله أن يقابلك بمثله، وسكت وسكت ~~وحملت البغلة - وأنا معه في المجلس - إليه، ولم أرها بعد. # ثم دخلت عليه يوما آخر فقال لي: أتسافر ms181 إلى مصر. فقلت أيدك الله، رغبتي ~~إنما هي أنت، وأنت قد أويت وكفلت، فإن كان السفر إلى مصر في خدمتك فنعم، ~~وإلا # فلا بغية لي فيه، فقال لا، بل تسافر إلى عيالك وأهلك، فالتفت إلى ابنه، ~~وكان مسافرا إلى شقحب لمرباع دوابه، واشتغل يحادثه، فقال لي الفقيه عبد ~~الجبار الذي كان يترجم بيننا: إن السلطان يوصي ابنه بك، فدعوت له، ثم رأيت ~~أن السفر مع ابنه غير مستبين الوجهة، والسفر إلى صفد أقرب السواحل إلينا ~~أملك لأمري، فقلت له ذلك، فأجاب إليه، وأوصى بي قاصدا كان عنده من حاجب صفد ~~ابن PageV01P296 # الداويداري، فودعته وانصرفت، واختلفت الطريق مع ذلك القاصد، فذهب عني، ~~وذهبت عنه. وسافرت في جمع من أصحابي، فاعترضتنا جماعة من العشير قطعوا ~~علينا الطريق، ونهبوا ما معنا، ونجونا إلى قرية هنالك عرايا. واتصلنا بعد ~~يومين أو ثلاث بالصبيبة فخلفنا بعض الملبوس، وأجزنا إلى صفد، فأقمنا بها ~~أياما. ثم مر بنا مركب من مراكب ابن عثمان سلطان بلاد الروم، وصل فيه رسول ~~كان سفر إليه عن سلطان مصر، ورجع بجوار رسالته، فركبت معهم البحر إلى غزة، ~~ونزلت بها، وسافرت منها إلى مصر، فوصلتها في شعبان من هذه السنة، وهي سنة ~~ثلاث وثمانمائة، وكان السلطان صاحب مصر، قد بعث من بابه سفيرا إلى الأمير ~~تمر إجابة إلى الصلح الذي طلب منه، فأعقبني إليه. فلما قضى رسالته رجع، ~~وكان وصوله بعد وصولي، فبعث إلي مع بعض أصحابه يقول لي: إن الأمير تمر قد ~~بعث معي إليك ثمن البغلة التي ابتاع منك، وهي هذه فخذها، فإنه عزم علينا من ~~خلاص ذمته من مالك هذا. فقلت لا أقبله إلا بعد إذن من السلطان الذي بعثك ~~إليه، وأما دون ذلك فلا. ومضيت إلى صاحب الدولة فأخبرته الخبر فقال وما ~~عليك، فقلت إن ذلك لا يجمل بي أن أفعله دون اطلاعكم عليه، فأغضى عن ذلك، ~~وبعثوا إلي بذلك المبلغ بعد مدة، واعتذر الحامل عن نقصه بأنه أعطيه كذلك، ~~وحمدت الله على الخلاص. # وكتبت حينئذ كتابا إلى ms182 صاحب المغرب، عرفته بما دار بيني وبين سلطان الططر # تمر، وكيف كانت واقعته معنا بالشام، وضمنت ذلك في فصل من الكتاب نصه: # وإن تفضلتم بالسؤال عن حال المملوك، فهي خير والحمد لله، وكنت في العام ~~الفارط توجهت صحبة الركاب السلطاني إلى الشام عندما زحف الططر إليه من بلاد ~~الروم والعراق، مع ملكهم تمر، واستولى على حلب وحماة وحمص وبعلبك، وخربها ~~جميعا، وعاثت عساكره فيها بما لم يسمع أشنع منه. ونهض السلطان في عساكره ~~لاستنقاذها، وسبق إلى دمشق، وأقام في مقابلته نحوا من شهر، ثم قفل راجعا ~~إلى مصر، وتخلف الكثير من أمرائه وقضاته، وكنت في المخلفين. وسمعت أن ~~سلطانهم تمر سأل عني، فلم يسع إلا لقاؤه فخرجت إليه من دمشق، وحضرت مجلسه، ~~وقابلني بخير، واقتضيت منه الأمان لأهل دمشق، وأقمت عنده خمسة وثلاثين PageV01P297 # يوما، أباكره وأراوحه. ثم صرفني، وودعني على أحسن حال، ورجعت إلى مصر. ~~وكان طلب مني بغله كنت أركبها فأعطيته إياها، وسألني البيع فتأففت منه، لما ~~كان يعامل به من الجميل، فبعد انصرافي إلى مصر بعث إلي بثمنها مع رسول كان ~~من جهة السلطان هنالك، وحمدت الله تعالى على الخلاص من ورطات الدنيا. # وهؤلاء الططر هم الذين خرجوا من المفازة وراء النهر، بينه وبين الصين، ~~أعوام عشرين وستمائة مع ملكهم الشهير جنكزخان وملك المشرق كله من أيدي ~~السلجوقية ومواليهم إلى عراق العرب، وقسم الملك بين ثلاثة من بنيه وهم ~~جقطاي، وطولي، ودوشي خان: # فجقطاي كبيرهم، وكان في قسمته تركستان وكاشغر، والصاغون، والشاش وفرغانة، ~~وسائر ما وراء النهر من البلاد. # وطولي كان في قسمته أعمال خراسان، وعراق العجم، والري إلى عراق العرب ~~وبلاد فارس وسجستانوالسند. وكان أبناؤه: قبلاي، وهولاكو. # ودوشي خان كان في قسمته بلاد قبجق، ومنها صراي، وبلاد الترك إلى خوارزم. ~~وكان لهم أخ رابع يسمى أوكداي كبيرهم، ويسمونه الخان، ومعناه التخت، وهو ~~بمثابة الخليفة في ملك الإسلام. وانقرض عقبه، وانتقلت الخانية إلى قبلاي، ~~ثم إلى بني دوشي خان، أصحاب صراي. واستمر ملك الططر في هذه الدول الثلاث، ms183 ~~وملك هولاكو بغداد، وعراق العرب، إلى ديار بكر ونهر الفرات. ثم زحف إلى ~~الشام وملكها، ورجع عنها، وزحف إليها بنوه مرارا، وملوك مصر من الترك ~~يدافعونهم عنها، إلى أن انقرض ملك بني هولاكو أعوام أربعين وسبعمائة، وملك ~~بعدهم الشيخ حسن النوين وبنوه. وافترق ملكهم في طوائف من أهل دولتهم، ~~وارتفعت نقمتهم عن ملوك الشام ومصر. ثم في أعوام السبعين أو الثمانين ~~وسبعمائة، ظهر في بني جقطاي وراء النهر أمير اسمه تيمور، وشهرته عند الناس ~~تمر، وهو كافل لصبي متصل النسب معه إلى جقطاي في آباء كلهم ملوك، وهذا تمر ~~بن طرغاي هو ابن عمهم، كفل صاحب التخت منهم اسمه محمود، وتزوج أمه صرغتمش، ~~ومد يده إلى ممالك التتر كلها، فاستولى عليها إلى عيار بكر، ثم جال في بلاد ~~الروم والهند، وعاثت عساكره في نواحيها، وخرب حصونها ومدنها، في أخبار يطول ~~شرحها. ثم زحف بعد ذلك PageV01P298 # إلى الشام، ففعل به ما فعل، والله غالب على أمره. ثم رجع آخرا إلى بلاده، ~~والأخبار تتصل بأنه قصد سمرقند، وهي كرسيه. # والقوم في عدد لا يسعه الإحصاء، إن قدرت ألف ألف فغير كثير، ولا تقول ~~أنقص، وإن خيموا في الأرض ملأوا الساح، وإن سارت كتائبهم في الأرض العريضة ~~ضاق بهم الفضاء، وهم في الغارة والنهب والفتك بأهل العمران، وابتلائهم ~~بأنواع العذاب، على ما يحصلونه من فئاتهم آية عجب، وعلى عادة بوادي ~~الأعراب. وهذا الملك تمر من زعماء الملوك وفراعنتهم، والناس ينسبونه # إلى العلم، وآخرون إلى اعتقاد الرفض، لما يرون من تفضيله لأهل البيت، ~~وآخرون إلى انتحال السحر، وليس من ذلك كله في شيء، إنما هو شديد الفطنة ~~والذكاء، كثير البحث والفجاج بما يعلم وبما لا يعلم، عمره بين الستين ~~والسبعين، وركبته اليمنى عاطلة من سهم أصابه في الغارة أيام صباه على ما ~~أخبرني، فيجرها في قريب المشي، ويتناوله الرجال على الأيدي عند طول ~~المسافة، وهو مصنوع له، والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده. ### | ولاية القضاء الثالثة والرابعة والخامسة بمصر # كنت - لما أقمت عند ms184 السلطان تمر تلك الأيام التي أقمت - طال مغيبي عن ~~مصر، وشيعت الأخبار عني بالهلاك، فقدم للوظيفة من يقوم بها من فضلاء ~~المالكية، وهو جمال الدين الأقفهسي، غزير الحفظ والذكاء، عفيف النفس عن ~~التصدي لحاجات الناس، ورع في دينه، فقلدوه منتصف جمادى الآخرة من السنة. # فلما رجعت إلى مصر، عدلوا عن ذلك الرأي، وبدا لهم في أمري، فولوني في ~~أواخر شعبان من السنة. واستمررت على الحال التي كنت عليها من القيام بالحق، ~~والإعراض عن الأغراض، والإنصاف من المطالب، ووقع الإنكار علي ممن لا يدين ~~للحق، ولا يعطي النصفة من نفسه، فسعوا عند السلطان في ولاية شخص من ~~المالكية يعرف بجمال الدين البساطي، بذل في ذلك لسعاة داخلوه، قطعة من ~~ماله، ووجوها PageV01P299 # من الأغراض في قضائه. قاتل الله جميعهم، فخلعوا عليه أواخر رجب، سنة أربع ~~وثمانمائة. ثم راجع السلطان بصيرته، انتقد رأيه، ورجع إلي الوظيفة خاتم سنة ~~أربع، فأجريت الحال على ما كان. وبقي الأمر كذلك سنة وبعض الأخرى. وأعادوا ~~البساطي إلى ما كان، وبما كان، وعلى ما كان، وخلعوا عليه سادس ربيع الأول ~~سنة ست، ثم أعادوني عاشر شعبان سنة سبع، ثم أدالوا به مني أواخر ذي القعدة ~~من السنة وبيد الله تصاريف الأمور. PageV01P300 ms185