######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000420 #META# 000.BookURI :: #0808.IbnKhaldun.Muqaddima #META# 010.AuthorAKA :: ابن خلدون #META# 010.AuthorNAME :: عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 808 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مقدمة ابن خلدون #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أخرى :: كتب التاريخ :: موضوعات تاريخية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: مقدمة ابن خلدون #META# 030.LibURI :: JK_000420 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الخامسة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار القلم #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1984 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # مقدمة ابن خلدون PageV01P001 $ بسم الله الرحمن الرحيم # يقول العبد الفقير إلى الله تعالى الغني بلطفه عبد الرحمن بن محمد بن ~~خلدون الحضرمي وفقه الله # الحمد لله الذي له العزة والجبروت وبيده الملك والملكوت وله الأسماء ~~الحسنى والنعوت العالم فلا يغرب عنه ما تظهره النجوى أو يخفيه السكوت ~~القادر فلا يعجزه شيء في السموات والأرض ولا يفوت أنشأنا من الأرض نسما ~~واستعمرنا فيها أجيالا وأمما ويسر لنا منها أرزاقا وقسما تكنفنا الأرحام ~~والبيوت ويكفلنا الرزق والقوت وتبلينا الأيام والوقوت وتعتورنا الآجال التي ~~خط علينا كتابها الموقوت وله البقاء والثبوت وهو الحي الذي لا يموت والصلاة ~~والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبي العربي المكتوب في التوراة والإنجيل ~~المنعوت الذي تمحض لفصاله الكون قبل أن تتعاقب الآحاد والسبوت ويتباين زحل ~~واليهموت وعلى آله وأصحابه الذين لهم في صحبته وأتباعه الأثر البعيد والصيت ~~والشمل الجميع في مظاهرته ولعدوهم الشمل الشتيت صلى الله عليه وعليهم ما ~~اتصل بالإسلام جده المبخوت وانقطع بالكفر حبله المبتوت وسلم كثيرا # أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال وتشد إليه ~~الركائب والرحال وتسموا إلى معرفته السوقة والأغفال وتتنافس فيه الملوك ~~والأقيال وتتساوى في فهمه العلماء الجهال إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار ~~PageV01P003 عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول تنمو فيها الأقوال ~~وتضرب فيها الأمثال وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال وتؤدي لنا شأن ~~الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال واتسع للدول فيها النطاق والمجال وعمروا ~~الأرض حتى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزوال # وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات ~~الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في ~~علومها وخليق وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام ~~وجمعوها وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها وخلطها المتطفلون بدسائس من ~~الباطل وهموا فيها وابتدعوها وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها ~~واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها وأدوها إلينا كما سمعوها # ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم ms001 يراعوها ولا رفضوا ترهات ~~الأحاديث ولا دفعوها فالتحقيق قليل وطرف التنقيح في الغالب كليل والغلط ~~والوهم نسيب للأخبار وخليل والتقليد عريق في الآدميين وسليل والتطفل على ~~الفنون عريض طويل ومرعى الجهل بين الأنام وخيم وبيل والحق لا يقاوم سلطانه ~~والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه والناقل إنما هو يملي وينقل والبصيرة تنقد ~~الصحيح إذا تعقل والعلم يجلوا لها صفحات القلوب ويصقل # هذا وقد دون الناس في الأخبار وأكثروا وجمعوا تواريخ الأمم والدول في ~~العالم وسطروا والذين ذهبوا بفضل الشهرة والإمامة المعتبرة واستفرغوا ~~دواوين من قبلهم في صحفهم المتأخرة هم قليلون لا يكادون يجاوزون عدد ~~الأنامل ولا حركات العوامل مثل ابن إسحق والطبري وابن الكلبي ومحمد بن عمر ~~الواقدي وسيف بن عمر الأسدي وغيرهم من المشاهير المتميزين عن الجماهير وإن ~~كان في كتب المسعودي والواقدي من المطعن والمغمز ما هو معروف عند الإثبات ~~ومشهور بين الحفظة الثقات إلا أن الكافة اختصتهم بقبول أخبارهم واقتفاء ~~سننهم في التصنيف واتباع آثارهم والناقد البصير قسطاس نفسه في تزييفهم فيما ~~ينقلون أو اعتبارهم فللعمران طبائع في أحواله ترجع إليها الأخبار وتحمل ~~عليها الروايات PageV01P004 والآثار # ثم إن أكثر التواريخ لهؤلاء عامة المناهج والمسالك لعموم الدولتين صدر ~~الإسلام في الآفاق والممالك وتناولها البعيد من الغايات في المآخذ والمتارك ~~ومن هؤلاء من استوعب ما قبل الملة من الدول والأمم والأمر العمم كالمسعودي ~~ومن نحا منحاه وجاء من بعدهم من عدل عن الإطلاق إلى التقييد ووقف في العموم ~~والإحاطة عن الشأو البعيد فقيد شوارد عصره واستوعب أخبار أفقه وقطره واقتصر ~~على تاريخ دولته ومصره كما فعل أبو حيان مؤرخ الأندلس والدولة الأموية بها ~~وابن الرفيق مؤرخ أفريقية والدولة التي كانت بالقيروان ثم لم يأت من بعد ~~هؤلاء إلا مقلد وبليد الطبع والعقل أو متبلد ينسج على ذلك المنوال ويحتذي ~~منه بالمثال ويذهل عما أحالته الأيام من الأحوال واستبدلت به من عوائد ~~الأمم والأجيال فيجلبون الأخبار عن الدول وحكايات الوقائع في العصور الأول ~~صورا قد تجردت عن موادها وصفاحا انتضيت من ms002 أغمادها ومعارف تستنكر للجهل ~~بطارفها وتلادها إنما هي حوادث لم تعلم أصولها وأنواع لم تعتبر أجناسها ولا ~~تحققت فصولها يكررون في موضوعاتها الأخبار المتداولة بأعيانها اتباعا لمن ~~عني من المتقدمين بشأنها ويغفلون أمر الأجيال الناشئة في ديوانها بما أعوز ~~عليهم من ترجمانها فتستعجم صحفهم عن بيانها ثم إذا تعرضوا لذكر الدولة ~~نسقوا أخبارها نسقا محافظين على نقلها وهما أو صدقا لا يتعرضون لبدايتها ~~ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها وأظهر من آيتها ولا علة الوقوف عند ~~غايتها فيبقى الناظر متطلعا بعد إلى افتقاد أحوال مبادىء الدول ومراتبها ~~مفتشا عن أسباب تزاحمها أو تعاقبها باحثا عن المقنع في تباينها أو تناسبها ~~حسبما نذكر ذلك كله في مقدمة الكتاب ثم جاء آخرون بإفراط الاختصار وذهبوا ~~إلى الاكتفاء بأسماء الملوك والاقتصار مقطوعة عن الأنساب والأخبار موضوعة ~~عليها أعداد أيامهم بحروف الغبار كما فعله ابن رشيق في ميزان العمل ومن ~~اقتفى هذا الأثر من الهمل وليس يعتبر لهؤلاء مقال ولا يعد لهم ثبوت ولا ~~انتقال لما أذهبوا من الفوائد وأخلوا بالمذاهب المعروفة للمؤرخين والعوائد # ولما طالعت كتب القوم وسبرت غور الأمس واليوم نبهت عين القريحة من ~~PageV01P005 سنة الغفلة والنوم وسمت التصنيف من نفسي وأنا المفلس أحسن ~~السؤم فأنشات في التاريخ كتابا رفعت به عن أحوال الناشئة من الأجيال حجابا ~~وفصلته في الأخبار والاعتبار بابا باباوأبديت فيه لأولية الدول والعمران ~~عللا وأسبابا وبنيته على أخبار الأمم الذين عمروا المغرب في هذه الأعصار ~~وملأوا أكناف الضواحي منه والأمصار # وما كان لهم من الدول الطوال أو القصار ومن سلف لهم من الملوك والأنصار ~~وهما العرب والبربر إذ هما الجيلان اللذان عرف بالمغرب مأواهما وطال فيه ~~على الأحقاب مثواهما حتى لا يكاد يتصور فيه ما عداهما ولا يعرف أهله من ~~أجيال الآدميين سواهما فهذبت مناحيه تهذيبا وقربته لأفهام العلماء والخاصة ~~تقريبا وسلكت في ترتيبه وتبويبه مسلكا غريبا واخترعته من بين المناحي مذهبا ~~عجيبا وطريقة مبتدعة وأسلوبا وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وما يعرض ~~في الاجتماع الإنساني ms003 من العوارض الذاتية ما يمنعك بعلل الكوائن وأسبابها ~~ويعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها حتى تنزع من التقليد يدك وتقف على ~~أحوال ما قبلك من الأيام والأجيال وما بعدك ورتبته على مقدمة وثلثة كتب ~~المقدمة في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع بمغالط المؤرخين # الكتاب الأول في العمران وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك ~~والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم وما لذلك من العلل والأسباب # الكتاب الثاني في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدأ الخليقة إلى هذا ~~العهد وفيه من الإلماع ببعض من عاصرهم من الأمم المشاهير ودولهم مثل النبط ~~والسريانيين والفرس وبني إسرائيل والقبط واليونان والروم والترك والإفرنجة # الكتاب الثالث في أخبار البربر ومواليهم من زناتة وذكر أوليتهم وأحيالهم ~~وما كان بديار المغرب خاصة من الملك والدول ثم كانت الرحلة إلى المشرق ~~لاجتناء أنواره وقضاء الفرض والسنة في مطافه ومزاره والوقوف على آثاره في ~~دواوينه وأسفاره فزدت ما نقص من أخبار ملوك العجم بتلك الديار ودول الترك ~~فيما ملكوه من الأقطار وأتبعت بها ما كتبته في تلك الأسطار وأدرجتها في ذكر ~~المعاصرين لتلك الأجيال من أمم النواحي وملوك الأمصار والضواحي سالكا سبيل ~~PageV01P006 الاختصار والتلخيص مفتديا بالمرام السهل من العويص داخلا من ~~باب الأسباب على العموم إلى الإخبار على الخصوص فاستوعب أخبار الخليقة ~~استيعابا وذلل من الحكم النافرة صعابا وأعطى لحوادث الدول عللا وأسبابا ~~فأصبح للحكمة صوانا وللتاريخ جرابا # ولما كان مشتملا على أخبار العرب والبربر من أهل المدر والوبر والإلماع ~~بمن عاصرهم من الدول الكبر وأفصح بالذكرى والعبر في مبتدأ الأحوال ومما ~~بعدها من الخبر سميته كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب ~~والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ولم أترك شيئا في أولية ~~الأجيال والدول وتعاصر الأمم الأول وأسباب التصرف والحول في القرون الخالية ~~والملل وما يعرض في العمران من دولة وملة ومدينة وحلة وعزة وذلة وكثرة وقلة ~~وعلم وصناعة وكسب وإضاعة وأحوال متقلبة مشاعة وبدو وحضر وواقع ومنتظر إلا ~~واستوعبت جمله ms004 وأوضحت براهينه وعلله فجاء هذا الكتاب فذا بما ضمنته من ~~العلوم الغريبة والحكم المحجوبة القريبة وأنامن بعدها موقف بالقصور بين أهل ~~العصور معترف بالعجز عن المضاء في مثل هذا القضاء راغب من أهل اليد البيضاء ~~والمعارف المتسعة الفضاء في النظر بعين الانتقاد لا بعين الارتضاء والتغمد ~~لما يعثرون عليه بالإصلاح والإغضاء فالبضاعة بين أهل العلم مزجاة والاعتراف ~~من اللوم منجاة والحسنى من الإخوان مرتجاه والله أسأل أن يجعل أعمالنا ~~خالصة لوجهه الكريم وهو حسبي ونعم الوكيل # وبعد أن استوفيت علاجه وأنرت مشكاته للمستبصرين وأذكيت سراجه وأوضحت بين ~~العلوم طريقه ومنهاجه وأوسعت في فضاء المعارف نطاقه وأدرت سياجه أتحفت بهذه ~~النسخة منه خزانة مولانا السلطان الإمام المجاهد الفاتح PageV01P007 الماهد ~~المتحلي منذ خلع التمائم ولوث العمائم بحلى القانت الزاهد المتوشح بزكاء ~~المناقب والمحامد وكرم الشمائل والشواهد بأجمل من 3 القلائد في نحور ~~الولائد المتناول بالعزم القوي الساعد والجد المواتي المساعد والمجد الطارف ~~والتالد ذوائب ملكهم الراسي القواعد الكريم المعالي والمصاعد جامع أشتات ~~العلوم والفوائد وناظم شمل المعارف والشوارد ومظهر الآيات الربانية في فضل ~~المدارك الإنسانية بفكره الثاقب الناقد ورأيه الصحيح المعاقد النير المذاهب ~~والعقائد نور الله الواضح المراشد ونعمته العذبة الموارد ولطفه الكامن ~~بالمراصد للشدائد ورحمته الكريمة المقالد التي وسعت صلاح الزمان الفاسد ~~واستقامة المائد من الأحوال والعوائد وذهبت بالخطوب الأوابد وخلعت على ~~الزمان رونق الشباب العائد وحجته التي لا يبطلها إنكار الجاحد ولا شبهات ~~المعاند أمير المؤمنين أبي فارس عبد العزيز ابن مولانا السلطان المعظم ~~الشهير الشهيد أبي سالم إبراهيم ابن مولانا السلطان المقدس أمير المؤمنين ~~أبي الحسن ابن السادة الأعلام من ملوك بني مرين الذين جددوا الدين ونهجوا ~~السبيل للمهتدين ومحوا آثار البغاة المفسدين أفاء الله على الأمة ظلاله ~~وبلغه في نصر دعوة الإسلام آماله وبعثته إلى خزانئهم الموقفة لطلبة العلم ~~بجامع القرويين من مدينة فاس حاضرة ملكهم وكرسي سلطانهم حيث مقر الهدى ~~ورياض المعارف خضلة الندى وفضاء الأسرار PageV01P008 الربانية فسيح المدى ~~والإمامة الفارسية الكريمة العزيزة إن شاء الله بنظرها ms005 الشريف وفضلها الغني ~~عن التعريف تبسط له من العناية مهادا وتفسح له في جانب القبول آمادا فتوضح ~~بها أدلة على رسوخه وأشهادا ففي سوقها تنفق بضائع الكتاب وعلى حضرتها تعكف ~~ركائب العلوم والآداب ومن مدد بصائرها المنيرة نتائج القرائح والألباب ~~والله يوزعنا شكر نعمتها ويوفر لنا حظوظ المواهب من رحمتها ويعيننا على ~~حقوق خدمتها ويجعلنا من السابقين في ميدانها المحلين في حومتها ويضفي على ~~أهل إيالتها وما أوي من الإسلام إلى حرم عمالتها لبوس حمايتها وحرمتها وهو ~~سبحانه المسئول أن يجعل أعمالنا خالصة في وجهتها بريئة من شوائب الغفلة ~~وشبهتها وهو حسبنا ونعم الوكيل # | المقدمة # في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والألماع لما يعرض للمؤرخين $ من ~~المغالط وذكر شيء من أسبابها # اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا ~~على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في ~~دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين ~~والدنيا فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان ~~بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط لأن الأخبار إذا اعتمد ~~فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران ~~والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر ~~بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق # وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأيمة النقل من المغالط في الحكايات ~~والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا ولم يعرضوها على ~~أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع ~~الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق PageV01P009 ~~وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال ~~والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ~~ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد وهذا كما نقل المسعودي وكثير من ~~المؤرخين في جيوش بني إسرائيل بأن موسى عليه السلام أحصاهم ms006 في التيه بعد أن ~~أجاز من يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين فما فوقها فكانوا ستمائة ألف أو ~~يزيدون ويذهل في ذلك عن تقدير مصر والشام واتساعهما لمثل هذا العدد من ~~الجيوش لكل مملكة من الممالك حصة من الحامية تتسع لها وتقوم بوظائفها وتضيق ~~عما فوقها تشهد بذلك العوائد المعروفة والأحوال المألوفة # ثم إن مثل هذه الجيوش البالغة إلى مثل هذا العدد يبعد أن يقع بينها زحف ~~أو قتال لضيق ساحة الأرض عنها وبعدها إذا اصطفت عن مدى البصر مرتين أو ~~ثلاثا أو أزيد فكيف يقتتل هذان الفريقان أو تكون غلبة أحد الصفين وشيء من ~~جوانبه لا يشعر بالجانب الآخر والحاضر يشهد لذلك فالماضي أشبه بالآتي من ~~الماء بالماء # ولقد كان ملك الفرس ودولتهم أعظم من ملك بني إسرائيل بكثير يشهد لذلك ما ~~كان من غلب بختنصر لهم والتهامه بلادهم واستيلائه على أمرهم وتخريب بيت ~~المقدس قاعدة ملتهم وسلطانهم وهو من بعض عمال مملكة فارس يقال إنه كان ~~مرزبان المغرب من تخومها وكانت ممالكهم بالعراقين وخراسان وما وراء النهر ~~والأبواب أوسع من ممالك بني إسرائيل بكثير ومع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قط ~~مثل هذا العدد ولا قريبا منه وأعظم ما كانت جموعهم بالقادسية مائة وعشرين ~~ألفا كلهم متبوع على ما نقله سيف قال وكانوا في أتباعهم أكثر من مائتي ألف # وعن عائشة والزهري فإن جموع رستم الذين زحف بهم سعد بالقادسية إنما كانوا ~~ستين ألفا كلهم متبوع وأيضا فلو بلغ بنوا إسرائيل مثل هذا العدد لاتسع نطاق ~~ملكهم وانفسح مدى دولتهم فإن العمالات والممالك في الدول على نسبة الحامية ~~والقبيل القائمين بها في قلتها وكثرتها حسبما نبين في فصل الممالك من ~~الكتاب الأول والقوم لم تتسع ممالكهم إلى غير الأردن وفلسطين من الشام ~~وبلاد يثرب وخيبر من الحجاز على ما هو المعروف وأيضا فالذي بين موسى ~~وإسرائيل إنما هو أربعة آباء على ما ذكره المحققون فإنه موسى بن عمران بن ~~يصهر PageV01P010 بن قاهت بفتح الهاء وكسرها ابن لاوي ms007 بكسر الواو وفتحها ~~ابن يعقوب وهو إسرائيل الله هكذا نسبه في التوراة والمدة بينهما على ما ~~نقله المسعودي قال دخل إسرائيل مصر مع ولده الأسباط وأولادهم حين أتوا إلى ~~يوسف سبعين نفسا وكان مقامهم بمصر إلى أن خرجوا مع موسى عليه السلام إلى ~~التيه مائتين وعشرين سنة تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة ويبعد أن يتشعب ~~النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد وإن زعموا أن عدد تلك الجيوش إنما ~~كان في زمن سليمان ومن بعده فبعيد أيضا إذ ليس بين سليمان وإسرائيل إلا أحد ~~عشر أبا فإنه سليمان بن داود بن يشا بن عوفيذ ويقال ابن عوفذ ابن باعز ~~ويقال بوعز بن سلمون بن نحشون بن عمينوذب ويقال حميناذاب بن رم بن حصرون ~~ويقال حسرون بن بارس ويقال بيرس بن يهوذا بن يعقوب ولا يتشعب النسل في أحد ~~عشر من الولد إلى مثل هذا العدد الذي زعموه اللهم إلى المئتين والآلاف ~~فربما يكون وأما أن يتجاوز إلى ما بعدهما من عقود لأعداد فبعيد واعتبر ذلك ~~في الحاضر المشاهد والقريب المعروف تجد زعمهم باطلا ونقلهم كاذبا والذي ثبت ~~في الإسرائيليات أن جنود سليمان كانت اثني عشر ألفا خاصة وأن مقرباته كانت ~~ألفا وأربعمائة فرس مرتبطة على أبوابه هذا هو الصحيح من أخبارهم ولا يلتفت ~~إلى خرافات العامة منهم # وفي أيام سليمان عليه السلام وملكه كان عنفوان دولتهم واتساع ملكهم هذا ~~وقد نجد الكافة من أهل العصر إذا افاضوا في الحديث عن عساكر الدول التي ~~لعهدهم أو قريبا منه وتفاوضوا في الأخبار عن جيوش المسلمين أو النصارى أو ~~أخذوا في إحصاء أموال الجبايات وخراج السلطان ونفقات المترفين وبضائع ~~الأغنياء الموسورين توغلوا في العدد وتجاوزوا حدود العوائد وطاوعوا وساوس ~~الإغراب فإذا استكشفت أصحاب الدواوين عن عساكرهم واستنبطت أحوال أهل الثروة ~~في بضائعهم وفوائدهم واستجليت عوائد المترفين في نفقاتهم لم تجد معشار ما ~~يعدونه وما ذلك إلا لولوع النفس بالغرائب وسهولة التجاوز على اللسان ~~والغفلة على المتعقب و المنتقد حتى لا يحاسب نفسه ms008 على خطأ ولا عمد ولا ~~يطالبها في الخبر بتوسط ولا عدالة ولا يرجعها إلى بحث وتفتيش فيرسل عنانه ~~ويسيم في مراتع الكذب لسانه ويتخذ آيات الله هزا ويشتري لهو الحديث ليضل عن ~~PageV01P011 سبيل الله وحسبك بها صفقة خاسرة ومن الأخبار الواهية للمؤرخين ~~ما ينقلونه كافة في أخبار التبابعة ملوك اليمن وجزيرة العرب أنهم كانوا ~~يغزون من قراهم باليمن إلى أفريقية والبربر من بلاد المغرب وأن أفريقش بن ~~قيس بن صيفي من أعاظم ملوكهم الأول # وكان لعهد موسى عليه السلام أو قبله بقليل غزا أفريقية وأثخن في البربر ~~وأنه الذي سماهم بهذا الاسم حين سمع رطانتهم وقال ما هذه البربرة فأخذ هذا ~~الاسم عنه ودعوا به من حينئذ وأنه لما انصرف من المغرب حجز هنالك قبائل من ~~حمير فأقاموا بها واختلطوا بأهلها ومنهم صنهاجة وكتامة ومن هذا ذهب الطبري ~~والجرجاني والمسعودي وابن الكلبي والبيلي إلى أن صنهاجة وكتامة من حمير ~~وتأباه نصابه البربر وهو الصحيح # وذكر المسعودي أيضا أن ذا الإذعار من ملوكهم قبل أفريقش وكان على عهد ~~سليمان عليه السلام غزا المغرب ودوخه وكذلك ذكر مثله عن ياسر ابنه من بعده ~~وأنه بلغ وادي الرمل في بلاد المغرب ولم يجد فيه مسلكا لكثرة الرمل فرجع ~~وكذلك يقولون في تبع الآخر وهو أسعد أبو كرب وكان على عهد يستاسف من ملوك ~~الفرس الكيانية أنه ملك الموصل وأذربيجان ولقي الترك فهزمهم وأثخن ثم غزاهم ~~ثانية وثالثة كذلك وأنه بعد ذلك أغزى ثلاثة من بنيه بلاد فارس وإلى بلاد ~~الصغد من بلاد أمم الترك وراء النهر وإلى بلاد الروم فملك الأول البلاد إلى ~~سمرقند وقطع المفازة إلى الصين فوجد أخاه الثاني الذي غزا إلى سمر قند قد ~~سبقه إليها فأنحنا في بلاد الصين ورجعا جميعا بالغنائم وتركوا ببلاد الصين ~~قبائل من حمير فهم بها إلى هذا العهد وبلغ الثالث إلى قسطنطينية فدرسها ~~ودوخ بلاد الروم ورجع وهذه الأخبار كلها بعيدة عن الصحة عريقة في الوهم ~~والغلط وأشبه بأحاديث القصص الموضوعة وذلك أن ملك ms009 التبابعة إنما كان بجزيرة ~~العرب وقرارهم وكرسيهم بصنعاء اليمن وجزيرة العرب يحيط بها البحر من ثلاث ~~جهاتها فبحر الهند من الجنوب وبحر فارس الهابط منه إلى البصرة من المشرق ~~وبحر السويس الهابط منه إلى السويس من أعمال مصر من جهة المغرب كما تراه في ~~مصور الجغرافيا فلا يجد السالكون من اليمن إلى المغرب طريقا من غير السويس ~~والمسلك هناك ما بين بحر السويس والبحر الشامي قدر مرحلتين فما دونهما ~~ويبعد أن يمر بهذا المسلك PageV01P012 ملك عظيم في عساكر موفورة من غير أن ~~يصير من أعماله هذه ممتنع في العادة وقد كان بتلك الأعمال العمالقة وكنعان ~~بالشام والقبط بمصر ثم ملك العمالقة مصر وملك بنو إسرائيل الشام ولم ينقل ~~قط أن التبابعة حاربوا أحدا من هؤلاء الأمم ولا ملكوا شيئا من تلك الأعمال ~~وأيضا فالشقة من البحر إلى المغرب بعيدة والأزودة والعلوفة للعساكر كثيرة ~~فإذا ساروا في غير أعمالهم احتاجوا إلى انتهاب الزرع والنعم وانتهاب البلاد ~~فيما يمرون عليه ولا يكفي ذلك للأزودة وللعلوفة عادة وإن نقلوا كفايتهم من ~~ذلك من أعمالهم فلا تفي لهم الرواحل بنقله فلا بد وأن يمروا في طريقهم كلها ~~بأعمال قد ملكوها ودوخوها لتكون الميرة منها وإن قلنا إن تلك العساكر تمر ~~بهؤلاء الأمم من غير أن تهيجهم فتحصل لهم المبرة بالمسالمة فذلك أبعد وأشد ~~امتناعا فدل على أن هذه الأخبار واهية أو موضوعة # وأما وادي الرمل الذي يعجز السالك فلم يسمع قط ذكره في المغرب على كثرة ~~سالكه ومن يقص طرقه من الركاب والقرى في كل عصر وكل جهة وهو على ما ذكروه ~~من الغرابة تتوفر الدواعي على نقله وأما غزوهم بلاد الشرق وأرض الترك وإن ~~كان طريقه أوسع من مسالك السويس إلا أن الشقة هنا أبعد وأمم فارس والروم ~~معترضون فيها دون الترك ولم ينقل قط أن التبابعة ملكوا بلاد فارس ولا بلاد ~~الروم وإنما كانوا يحاربون أهل فارس على حدود بلاد العراق وما بين البحرين ~~والحيرة والجزيرة بين دجلة والفرات وما بينهما في ms010 الأعمال وقد وقع ذلك بين ~~ذي الإذعار منهم وكيكاوس من ملوك الكيانية وبين تبع الأصغر أبي كرب ويستاسف ~~منهم أيضا ومع ملوك الطوائف بعد الكيانية والساسانية من بعدهم بمجاوزة أرض ~~فارس بالغزو إلى بلاد الترك والتبت وهو ممتنع عادة من أجل الأمم المعترضة ~~منهم والحاجة إلى الأزودة والعلوفات مع بعد الشقة كما مر فالأخبار بذلك ~~واهبة مدخولة وهي لو كانت صحيحة النقل لكان ذلك قادحا فيها فكيف وهي لم ~~تنقل من وجه صحيح # وقول ابن إسحاق في خبر يثرب والأوس والخزرج أن تبعا الآخر سار إلى المشرق ~~محمولا على العراق وبلاد فارس وأما بلاد الترك والتبت فلا يصح غزوهم إليها ~~بوجه لما تقرر فلا تتقن بما يلقى إليك من ذلك وتأمل الأخبار وأعرضها على ~~القوانين PageV01P013 الصحيحة يقع لك تمحيصها بأحسن وجه الله الهادي إلى ~~الصواب $ فصل # وأبعد من ذلك وأعرق في الوهم ما يتناقله المفسرون في تفسير سورة الفجر في ~~قوله تعالى ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد فيجعلون لفظة إرم اسما ~~لمدينة وصفت بأنها ذات عماد أي أساطين وينقلون أنه كان لعاد بن عوص بن إرم ~~ابنان هما شديد وشداد ملكا من بعده وهلك شديد فخلص الملك لشداد ودانت له ~~ملوكهم وسمع وصف الجنة فقال لأبنين مثلها فبنى مدينة إرم في صحارى عدن في ~~مدة ثلثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وأنها مدينة عظيمة قصورها من الذهب ~~وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الشجر والأنهار المطردة ولما تم ~~بناؤها سار إليها بأهل مملكته حتى إذا كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث ~~الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا كلهم ذكر ذلك الطبري والثعالبي والزمخشري ~~وغيرهم من المفسرين وينقلون عن عبد الله بن قلابة من الصحابة أنه خرج في ~~طلب إبل له فوقع عليها وحمل منها ما قدر عليه وبلغ خبره معاوية فأحضره وقص ~~عليه فبحث عن كعب الأحبار وسأله عن ذلك فقال هي إرم ذات العماد وسيدخلها ~~رجل من المسلمين أحمر أشقر قصير على حاجبه خال ms011 وعلى عنقه خال يخرج في طلب ~~إبل له ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال هذا والله ذلك الرجل # وهذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شيء من بقاع الأرض وصحارى عدن ~~التي زعموا أنها بنيت فيها هي في وسط اليمن وما زال عمرانه متعاقبا ~~والأدلاء نقص طرقه من كل وجه ولم ينقل عن هذه المدينة خبر ولا ذكرها أحد من ~~الإخباريين ولا من الأمم ولو قالوا إنها درست فيما درس من الآثار لكان أشبه ~~إلا أن ظاهر كلامهم أنها موجودة وبعضهم يقول إنها دمشق بناء على أن قوم عاد ~~ملكوها وقد ينتهي الهديان ببعضهم إلى أنها غائبة وإنما يعثر عليها أهل ~~الرياضة والسحر مزاعم كلها أشبه بالخرافات والذي حمل المفسرين على ذلك ما ~~اقتضته صناعة الإعراب في لفظة ذات العماد أنها صفة إرم وحملوا العماد على ~~الأساطين فتعين أن يكون بناء ورشح لهم ذلك قراءة ابن الزبير عاد إرم على ~~الإضافة من غير تنوين ثم وقفوا على تلك الحكايات التي هي أشبه بالأقاصيص ~~الموضوعة التي هي أقرب إلى الكذب المنقولة PageV01P014 في عداد المضحكات ~~وإلا فالعماد هي عماد الأخبية بل الخيام وإن أريد بها الأساطين فلا بدع في ~~وصفهم بأنهم أهل بناء وأساطين على العموم بما اشتهر من قوتهم لأنه بناء خاص ~~في مدينة معينة أو غيرها وإن أضيفت كما في قراءة ابن الزبير فعلى إضافة ~~الفصيلة إلى القبيلة كما تقول قريش كنانة وإلياس مضر وربيعة نزار واي ضرورة ~~إلى هذا المحمل البعيد التي تمحلت لتوجيهه لأمثال هذه الحكايات الواهية ~~التي ينزه كتاب الله عن مثلها لبعدها عن الصحة # ومن الحكايات المدخولة للمؤرخين ما ينقلونه كافة في سبب نكبة الرشيد ~~للبرامكة من قصة العباسة أخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه وأنه لكلفه ~~بمكانهما من معاقرته إياهما الخمر أذن لهما في عقد النكاح دون الخلوة حرصا ~~على اجتماعهما في مجلسه وأن العباسة تحيلت عليه في التماس الخلوة به لما ~~شغفها من حبه حتى واقعها زعموا في حالة السكر ms012 فحملت ووشي بذلك للرشيد ~~فاستغضب وهيهات ذلك من منصب العباسة في دينها وأبويها وجلالها وأنها بنت ~~عبد الله بن عباس ليس بينها وبينه إلا أربعة رجال هم أشراف الدين وعظماء ~~الملة من بعده والعباسة بنت محمد المهدي ابن عبد الله أبي جعفر المنصور بن ~~محمد السجاد ابن علي أبي الخلفاء ابن عبد الله ترجمان القرآن ابن العباس عم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ابنة خليفة أخت خليفة محفوفة بالملك العزيز ~~والخلافة النبوية وصحبة الرسول وعمومته وإقامة الملة ونور الوحي ومهبط ~~الملائكة من سائر جهاتها قريبة عهد ببداوة العروبية وسذاجة الدين البعيدة ~~عن عوائد الترف ومراتع الفواحش فأين يطلب الصون والعفاف إذا ذهب عنها أو ~~أين توجد الطهارة والذكاء إذا فقدا من بيتها أو كيف تلحم نسبها بجعفر بن ~~يحيى وتدنس شرفها العربي بمولى من موالي العجم بملكة جده من الفرس أو بولاء ~~جدها من عمومة الرسول وأشراف قريش وغايته أن جذبت دولتهم بضبعه وضبع أبيه ~~واستخلصتهم ورقتهم إلى منازل الأشراف وكيف يسوغ من الرشيد أن يصهر إلى ~~موالي الأعاجم على بعد همته وعظم آبائه # ولو نظر المتأمل في ذلك نظر المنصف وقاس العباسة بابنة ملك من عظماء ملوك ~~زمانه لاستنكف لها عن مثله مع مولى من موالي دولتها وفي سلطان قومها ~~واستنكره ولج في تكذيبه وأين قدر العباسة والرشيد من الناس # وإنما نكب البرامكة ما كان من استبدادهم على الدولة واحتجافهم ~~PageV01P015 أموال الجباية حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال فلا يصل ~~إليه فغلبوه على أمره وشاركوه في سلطانه ولم يكن له معهم تصرف في أمور ملكه ~~فعظمت آثارهم وبعد صيتهم وعمروا مراتب الدولة وخططها بالرؤساء من ولدهم ~~وصنائعهم واحتازوها عمن سواهم من وزارة وكتابة وقيادة وحجابة وسيف وقلم ~~يقال إنه كان بدار الرشيد من ولد يحيى بن خالد خمسة وعشرون رئيسا من بين ~~صاحب سيف وصاحب قلم زاحموا فيها أهل الدولة بالمناكب ودفعوهم عنها بالراح ~~لمكان أبيهم يحيى من كفالة هارون ولي عهد وخليف حتى شب في حجره ودرج ms013 من عشه ~~وغلب على أمره وكان يدعوه يا أبت فتوجه الإيثار من السلطان إليهم وعظمت ~~الدالة منهم وانبسط الجاه عندهم وانصرفت نحوهم الوجوه وخضعت لهم الرقاب ~~وقصرت عليهم الآمال وتخطت إليهم من أقصى التخوم هدايا الملوك وتحف الأمراء ~~وتسربت إلى خزائنهم في سبيل التزلف والاستمالة أموال الجباية وأفاضوا في ~~رجال الشيعة وعظماء القرابة العطاء وطوقوهم المنن وكسبوا من بيوتات الأشراف ~~المعدم وفكوا العاني ومدحوا بما لم يمدح به خليفتهم وأسنوا لعفاتهم الجوائز ~~والصلات واستولوا على القرى والضياع من الضواحي والأمصار في سائر الممالك ~~حتى أسفوا البطانة وأحقدوا الخاصة وأغصوا أهل الولاية فكشفت لهم وجوه ~~المنافسة والحسد ودبت إلى مهادهم الوثير من الدولة عقارب السعاية حتى لقد ~~كان بنو قحطبة أخوال جعفر من أعظم الساعين عليهم لم تعطفهم لما وقر في ~~نفوسهم من الحسد عواطف الرحم ولا وزعتهم أواصر القرابة وقارن ذلك عند ~~مخدومهم نواشىء الغيرة والاستنكاف من الحجر والأنفة وكان الحقود التي ~~بعثتها منهم صغائر الدالة وانتهى بها الإصرار على شأنهم إلى كبائر المخالفة ~~كقصتهم في يحيى بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أخي محمد ~~المهدي الملقب بالنفس الزكية الخارج على المنصور ويحيى هذا هو الذي استنزله ~~الفضل بن يحيى من بلاد الديلم على أمان الرشيد بخطه وبذل لهم فيه ألف ألف ~~درهم على ما ذكره الطبري ودفعه الرشيد إلى جعفر وجعل اعتقاله بداره وإلى ~~نظره فحبسه مدة ثم حملته الدالة على تخلية سبيله والاستبداد بحل عقاله حرما ~~لدماء أهل البيت بزعمه ودالة على السلطان في حكمه وسأله الرشيد عنه لما وشي ~~به إليه ففطن وقال أطلقته فأبدى له وجه PageV01P016 الاستحسان وأسرها في ~~نفسه فأوجد السبيل بذلك على نفسه وقومه حتى ثل عرشهم وألقيت عليهم سماؤهم ~~وخسفت الأرض بهم وبدارهم وذهبت سلفا ومثلا للآخرين أيامهم ومن تأمل أخبارهم ~~واستقصى سير الدولة وسيرهم وجد ذلك محقق الأثر ممهد الأسباب وانظر ما نقله ~~ابن عبد ربه في مفاوضة الرشيد عم جده داود بن علي في شأن ms014 نكبتهم وما ذكره ~~في باب الشعراء في كتاب العقد في محاورة الأصمعي للرشيد وللفضل بن يحيى في ~~سمرهم تتفهم أنه إنما قتلتهم الغيرة والمنافسة في الاستبداد من الخليفة فمن ~~دونه وكذلك ما تحيل به أعداؤهم من البطانة فيما دسوه للمغنين من الشعر ~~احتيالا على إسماعه للخليفة وتحريك حفائظه لهم وهو قوله % ليت هندا أنجزتنا ~~ما تعد % وشفت أنفسنا مما نجد % % واستبدت مرة واحدة % إنما العاجز من لا ~~يستبد % $ # وإن الرشيد لما سمعها قال إني والله إني عاجز حتى بعثوا بأمثال هذه كامن ~~غيرته وسلطوا عليهم بأس انتقامه نعوذ بالله من غلبة الرجال وسوء الحال وأما ~~ما تموه له الحكاية من معاقرة الرشيد الخمر واقتران سكره بسكر الندمان ~~فحاشا الله ما علمنا عليه من سوء وأين هذا من حال الرشيد وقيامه بما يجب ~~يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة وما كان عليه من صحابة العلماء ~~والأولياء ومحاورته للفضيل بن عياض وابن السماك والعمري ومكاتبته سفيان ~~الثوري وبكائه من مواعظهم ودعائه بمكة في طوافه وما كان عليه من العبادة ~~والمحافظة على أوقات الصلوات وشهود الصبح لأول وقتها حكى الطبري وغيره أنه ~~كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة وكان يغزو عاما ويحج عاما # ولقد زجر ابن أبي مريم مضحكة في سمره حين تعرض له بمثل ذلك في الصلاة لما ~~سمعه يقرأ وما لي لا أعبد الذي فطرني وقال والله ما أدري لم فما تمالك ~~الرشيد أن ضحك ثم التفت إليه مغضبا وقال يا ابن أبي مريم في الصلاة أيضا ~~إياك إياك والقرآن والدين ولك ما شئت بعدهما وأيضا فقد كان من العلم ~~والسذاجة بمكان لقرب عهده من سلفه المنتحلين لذلك ولم يكن بينه وبين جده ~~أبي جعفر بعيد زمن إنما خلفه غلاما وقد كان أبو جعفر بمكان من العلم والدين ~~قبل الخلافة وبعدها وهو القائل لمالك حين أشار عليه بتأليف الموطأ يا أبا ~~عبد الله PageV01P017 إنه لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك وإني قد ~~شغلتني الخلافة فضع أنت للناس ms015 كتابا ينتفعون به تجنب فيه رخص ابن عباس ~~وشدائد ابن عمر ووطئه للناس توطئة قال مالك فوالله لقد علمني التصنيف يومئذ # ولقد أدركه ابنه المهدي أبو الرشيد هذا وهو يتورع عن كسوة الجديد لعياله ~~من بيت المال ودخل عليه يوما وهو بمجلسه ويباشر الخياطين في إرفاع الخلقان ~~من ثياب عياله فاستنكف المهدي من ذلك وقال يا أمير المؤمنين علي كسوة هذه ~~العيال عامنا هذا من عطائي فقال له لك ذلك ولم يصده عنه ولا سمح بالإنفاق ~~فيه من أموال المسلمين فكيف يليق بالرشيد على قرب العهد من هذا الخليفة ~~وأبوته وما ربي عليه من أمثال هذه السير في أهل بيته والتخلق بها أن يعاقر ~~الخمر أو يجاهر بها وقد كانت حالة الأشراف من العرب الجاهلية في اجتناب ~~الخمر معلومة ولم يكن الكرم شجرتهم وكان شربها مذمة عند الكثير منهم ~~والرشيد وآباؤه كانوا على ثبج من اجتناب المذمومات في دينهم ودنياهم ~~والتخلق بالمحامد وأوصاف الكمال ونزعات العرب # وانظر ما نقله الطبري والمسعودي في قصة جبريل بن بختيشوع الطبيب حين أحضر ~~له السمك في مائدته فحماه عنه ثم أمر صاحب المائدة بحمله إلى منزله وفطن ~~الرشيد وارتاب به ودس خادمه حتى عاينه يتناوله فأعد ابن بختيشوع للاعتذار ~~ثلاث قطع من السمك في ثلاثة أقداح خلط إحداهما باللحم المعالج بالتوابل ~~والبقول والبوارد والحلوى وصب على الثانية ماء مثلجا وعلى الثالثة خمرا ~~صرفا وقال في الأول والثاني هذا طعام أمير المؤمنين إن خلط السمك بغيره أو ~~لم يخلطه وقال في الثالث هذا طعام ابن بختيشوع ودفعها إلى صاحب المائدة حتى ~~إذا انتبه الرشيد وأحضره للتوبيخ أحضر ثلاثة الأقداح فوجد صاحب الخمر قد ~~اختلط وأماع وتفتت ووجد الآخرين قد فسدا وتغيرت رائحتهما فكانت له في ذلك ~~معذرة وتبين من ذلك أن حال الرشيد في اجتناب الخمر كانت معروفة عند بطانته ~~وأهل مائدته # ولقد ثبت عنه أنه عهد بحبس أبي نواس لما بلغه من أنهماكه في المعاقرة حتى ~~تاب وأقلع وإنما كان الرشيد يشرب نبيذ التمر ms016 على مذهب أهل العراق وفتاويهم ~~فيها معروفة وأما الخمر الصرف فلا سبيل إلى اتهامه بها ولا تقليد الأخبار ~~الواهية فيها فلم يكن الرجل بحيث يواقع محرما من أكبر الكبائر عند أهل ~~الملة ولقد كان PageV01P018 أولئك القوم كلهم بمنحاة من ارتكاب السرف ~~والترف في ملابسهم وزينتهم وسائر متناولاتهم لما كانوا عليه من خشونة ~~البداوة وسذاجة الدين التي لم يفارقوها بعد فما ظنك بما يخرج عن الإباحة ~~إلى الحظر وعن الحلة إلى الحرمة # ولقد اتفق المؤرخون الطبري والمسعودي وغيرهم على أن جميع من سلف من خلفاء ~~بني أمية وبني العباس إنما كانوا يركبون بالحلبة الخفيفة من الفضة في ~~المناطق والسيوف واللجم والسروج وأن أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب هو ~~المعتز بن المتوكل ثامن الخلفاء بعد الرشيد وهكذا كان حالهم أيضا في ~~ملابسهم فما ظنك بمشاربهم ويتبين ذلك بأتم من هذا إذا فهمت طبيعة الدولة في ~~أولها من البداوة والغضاضة كما نشرح في مسائل الكتاب الأول إن شاء الله ~~والله الهادي إلى الصواب ويناسب هذا أو قريب منه ما ينقلونه كافة عن يحيى ~~بن أكثم قاضي المأمون وصاحبه وأنه كان يعاقر الخمر وأنه سكر ليلة مع شربه ~~فدفن في الريحان حتى أفاق وينشدون على لسانه % يا سيدي وأمير الناس كلهم % ~~قد جار في حكمه من كان يسقيني % % إني غفلت عن الساقي فصيرني % كما تراني ~~سليب العقل والدين % $ # وحال ابن أكثم والمأمون في ذلك من حال الرشيد وشرابهم إنما كان النبيذ ~~ولم يكن محظورا عندهم وأما السكر فليس من شأنهم وصحابته للمأمون إنما كانت ~~خلة في الدين ولقد ثبت أنه كان ينام معه في البيت ونقل في فضائل المأمون ~~وحسن عشرته أنه انتبه ذات ليلة عطشان فقام يتحسس ويلتمس الإناء مخافة أن ~~يوقظ يحيى بن أكثم وثبت أنهما كانا يصليان الصبح جميعا فأين هذا من ~~المعاقرة وأيضا فإن يحيى بن أكثم كان من علية أهل الحديث وقد أثنى عليه ~~الإمام أحمد بن حنبل وإسماعيل القاضي وخرج عنه الترمذي كتابه الجامع # وذكر المزني الحافظ ms017 أن البخاري روى عنه في غير الجامع فالقدح فيه قدح في ~~جميعهم وكذلك ما ينبزه المجان بالميل إلى الغلمان بهتانا على الله وفرية ~~على العلماء ويستندون في ذلك إلى أخبار القصاص الواهية التي لعلها من ~~افتراء أعدائه فإنه كان محسودا في كماله وخلته للسلطان وكان مقامه من العلم ~~والدين منزها عن مثل ذلك وقد ذكر لابن حنبل ما يرميه به الناس فقال سبحان ~~الله سبحان الله ومن يقول هذا وأنكر ذلك إنكارا شديد وأثنى PageV01P019 ~~عليه إسماعيل القاضي فقيل له ما كان يقال فيه فقال معاذ الله أن تزول عدالة ~~مثله بتكذيب باغ وحاسد وقال أيضا يحيى بن أكثم أبرأ إلى الله من أن يكون ~~فيه شيء مما كان يرمي به من أمر الغلمان # ولقد كنت أقف على سرائره فأجده شديد الخوف من الله لكنه كانت فيه دعابة ~~وحسن خلق فرمي بما رمي به ابن حبان في الثقات وقال لا يشتغل بما يحكى عنه ~~لأن أكثرها لا يصح عنه ومن أمثال هذه الحكايات ما نقله ابن عبد ربه صاحب ~~العقد من حديث الزنبيل في سبب اصهار المأمون إلى الحسن بن سهل في بنته ~~بوران وأنه عثر في بعض الليالي في تطوافه بسكك بغداد في زنبيل مدلى من بعض ~~السطوح بمعالق وجدل مغارة الفتل من الحرير فاعتقده وتناول المعالق فاهتزت ~~وذهب به صعدا إلى مجلس شأنه كذا ووصف من زينة فرشه وتنضيد ابنيته وجمال ~~رؤيته ما يستوقف الطرف ويملك النفس وأن امرأة برزت له من خلل الستور في ذلك ~~المجلس رائقة الجمال فتانة المحاسن فحيته ودعته إلى المنادمة فلم يزل ~~يعاقرها الخمر حتى الصباح ورجع إلى أصحابه بمكانهم من انتظاره وقد شغفته ~~حبا بعثه على الإصهار إلى أبيها وأين هذا كله من حال المأمون المعروفة في ~~دينه وعلمه واقتفائه سنن الخلفاء الراشدين من آبائه وأخذه بسير الخلفاء ~~الأربعة أركان الملة ومناظرته العلماء وحفظه لحدود الله تعالى في صلواته ~~وأحكامه فكيف تصح عنه أحوال الفساق المستهترين في التطواف بالليل وطروق ~~المنازل وغشيان السمر ms018 سبيل عشاق الأعراب وأين ذلك من منصب ابنة الحسن بن ~~سهل وشرفها وما كان بدار أبيها من الصون والعفاف # وأمثال هذه الحكايات كثيرة وفي كتب المؤرخين معروفة وإنما يبعث على وضعها ~~الحديث بها الانهماك في اللذات المحرمة وهتك قناع المخدرات ويتعللون ~~بالتأسي بالقوم فيما يأتونه من طاعة لذاتهم فلذلك تراهم كثيرا ما يلهجون ~~بأشباه هذه الأخبار وينقرون عنها عند تصفحهم الأوراق الدواوين ولو ائتسوا ~~بهم في غير هذا من أحوالهم وصفات الكمال اللائقة بهم المشهورة عنهم لكان ~~خيرا لهم لو كانوا يعلمون # ولقد عذلت يوما بعض الأمراء من أبناء الملوك في كلفه بتعلم الغناء وولوعه ~~بالأوتار وقلت له ليس هذا من شأنك ولا يليق بمنصبك فقال لي أفلا ~~PageV01P020 ترى إلى إبراهيم بن المهدي كيف كان إمام هذه الصناعة ورئيس ~~المغنين في زمانه فقلت له يا سبحان الله وهلا تأسيت بأبيه أو أخيه أو ما ~~رأيت كيف قعد ذلك بإبراهيم عن مناصبهم فصم عن عذلي وأعرض والله يهدي من ~~يشاء # ومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرخين ولإثبات في ~~العبيديين خلفاء الشيعة بالقيروان والقاهرة من نفيهم عن أهل البيت صلوات ~~الله عليهم والطعن في نسبهم إلى إسماعيل الإمام ابن جعفر الصادق يعتمدون في ~~ذلك على أحاديث لفقت للمستضعفين من خلفاء بني العباس تزلفا إليهم بالقدح ~~فيمن ناصبهم وتفننا في الشمات بعدوهم حسبما تذكر بعض هذه الأحاديث في ~~أخبارهم ويغفلون عن التفطن لشواهد الواقعات وأدلة الأحوال التي اقتضت خلاف ~~ذلك من تكذيب دعواهم والرد عليهم فإنهم متفقون في حديثهم عن مبدأ دولة ~~الشيعة أن أبا عبد الله المحتسب لما دعي بكتامة للرضي من آل محمد واشتهر ~~خبره وعلم تحويمه على عبيد الله المهدي وابنه أبي القاسم خشيا على أنفسهما ~~فهربا من المشرق محل الخلافة واجتازا بمصر وأنهما خرجا من الاسكندرية 8 في ~~زي التجار ونمي خبرهما إلى عيسى النوشري عامل مصر والاسكندرية فسرح في ~~طلبهما الخيالة حتى إذا أدركا خفي حالهما على تابعهما بما لبسوا به من ~~الشارة والزي فأفلتوا ms019 إلى المغرب وأن المعتضد أوعز إلى الأغالبة أمراء ~~أفريقيا بالقيروان وبني مدرار أمراء سجلماسة بأخذ الآفاق عليهما وإذكاء ~~العيون في طلبهما فعثر اليشع صاحب سجلماسة من آل مدرار على خفي مكانهما ~~ببلده واعتقلهما مرضاة للخليفة هذا قبل أن تظهر الشيعة على الأغالبة ~~بالقيروان ثم كان بعد ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بالمغرب وأفريقية ثم ~~باليمن ثم بالاسكندرية ثم بمصر والشام والحجاز وقاسموا بني العباس في ممالك ~~الإسلام شق الأبلمة وكادوا يلجون عليهم مواطنهم ويزايلون من أمرهم # ولقد أظهر دعوتهم ببغداد وعراقها الأمير البساسيري من موالي الديلم ~~المتغلبين على خلفاء بني العباس في مغاضبة جرت بينه وبين أمراء العجم وخطب ~~لهم على منابرها حولا كاملا وما زال بنو العباس يغصون بمكانهم ودولتهم ~~وملوك بني أمية وراء البحر ينادون بالويل والحرب منهم وكيف يقع هذا كله ~~لدعي في النسب يكذب في انتحال الأمر واعتبر حال القرمطي إذ كان دعيا في ~~PageV01P021 انتسابه كيف تلاشت دعوته وتفرقت اتباعه وظهر سريعا على خبثهم ~~ومكرهم فساءت عاقبتهم وذاقوا وبال أمرهم ولو كان أمر العبيديين كذلك لعرف ~~ولو بعد مهلة % ومهما يكن عند امرىء من خليقة % وإن خالها تخفى على الناس ~~تعلم % $ # فقد اتصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة وملكوا مقام إبراهيم عليه ~~السلام ومصلاة وموطن الرسول صلى الله عليه وسلم ومدفنه وموقف الحجيج ومهبط ~~الملائكة ثم انقرض أمرهم وشيعتهم في ذلك كله على أتم ما كانوا عليه من ~~الطاعة لهم والحب فيهم واعتقادهم بنسب الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق # ولقد خرجوا مرارا بعد ذهاب الدولة ودروس أثرها داعين إلى بدعتهم هاتفين ~~بأسماء صبيان من أعقابهم يزعمون استحقاقهم للخلافة ويذهبون إلى تعيينهم ~~بالوصية ممن سلف قبلهم من الأيمة ولو ارتابوا في نسبهم لما ركبوا أعناق ~~الأخطار في الانتصار لهم فصاحب البدعة لا يلبس في أمره ولا يشبه في بدعته ~~ولا يكذب نفسه فيما ينتحله والعجب من القاضي أبي بكر الباقلاني شيخ النظار ~~من المتكلمين كيف يجنح إلى هذه المقالة المرجوحة ويرى هذا الرأي الضعيف فإن ms020 ~~كان ذلك لما كانوا عليه من الإلحاد في الدين والتعمق في الرافضية فليس ذلك ~~بدافع في صدر دعوتهم وليس إثبات منتسبهم بالذي يغني عنهم من الله شيئا في ~~كفرهم فقد قال تعالى لنوح عليه السلام في شأن ابنه أنه ليس من أهلك أنه عمل ~~غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة يعظها ~~يا فاطمة اعملي فلن أغني عنك من الله شيئا ومتى عرف امروء قضية أو استيقن ~~أمرا وجب عليه أن يصدع به والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والقوم كانوا في ~~مجال لظنون الدول بهم وتحت رقبة من الطغاة لتوفر شيعتهم وانتشارهم في ~~القاصية بدعوتهم وتكرر خروجهم مرة بعد أخرى فلاذت رجالاتهم بالاختفاء ولم ~~يكادوا يعرفون كما قيل % فلو تسأل الأيام ما أسمى ما درت % وأين مكاني ما ~~عرفن مكانيا % $ # حتى لقد سمي محمد بن إسماعيل الإمام جد عبيد الله المهدي بالمكتوم سمته ~~بذلك شيعتهم لما اتفقوا عليه من إخفائه حذرا من المتغلين عليهم فتوصل شيعة ~~ن العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن في نسبهم وازدلفوا بهذا الرأي القائل ~~للمستضعفين PageV01P022 من خلفائهم وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم ~~المتولون لحروبهم مع الأعداء يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرة العجز عن ~~المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشام ومصر والحجاز من البربر الكتامين ~~شيعة العبيديين وأهل دعوتهم حتى لقد أسجل القضاة ببغداد بنفيهم عن هذا ~~النسب وشهد بذلك عندهم من أعلام الناس جماعة منهم الشريف الرضي وأخوه ~~المرتضى وابن البطحاوي ومن العلماء أبو حامد الإسفراييني والقدوري والصيمري ~~وابن الأكفاني والأبيوردي وأبو عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة وغيرهم من ~~أعلام الأمة ببغداد في يوم مشهود وذلك سنة ستين وأربعمائة في أيام القادر ~~وكانت شهادتهم في ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ببغداد وغالبها ~~شيعة بني العباس الطاعنون في هذا النسب فنقله الإخباريون كما سمعوه ورووه ~~حسبما وعوه وألحق من ورائه وفي كتاب المعتضد في شأن عبيد الله إلى ابن ~~الأغلب بالقيروان وابن ms021 مدرار بسجلماسة أصدق شاهد وأوضح دليل على صحة نسبهم ~~فالمعتضد أقعد بنسب أهل البيت من كل أحد الدولة والسلطان سوق للعالم تحلب ~~إليه بضائع العلوم والصنائع وتلتمس فيه ضوال الحكم وتحدى إليه ركائب ~~الروايات والأخبار وما نفق فيها نفق عند الكافة فإن تنزهت الدولة عن التعسف ~~والميل والأفن والسفسفة وسلكت النهج الأمم ولم تجر عن قصد السبيل نفق في ~~سوقها الإبريز الخالص واللجين المصفى وإن ذهبت مع الإغراض والحقود وماجت ~~بسماسرة العرب البغي والباطل نفق البهرج والزائف والناقد البصير نظره قسطاس ~~بحثه وميزان وملتمسة ومثل هذا وأبعد منه كثيرا ما يتناجى به الطاعنون في ~~نسب أدريس بن أدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب رضوان ~~الله عليهم الإمام بعد أبيه بالمغرب الأقصى ويعرضون تعريض الحد بالتظنن في ~~الحمل المخلف عن أدريس الأكبر إنه لراشد مولاهم فبحهم الله وأبعدهم ما ~~أجهلهم أما يعلمون أن أدريس الأكبر كان إصهاره في البربر وأنه منذ دخل ~~المغرب إلى أن توفاه الله عز وجل عريق في البدو وأن حال البادية في مثل ذلك ~~غير خافية إذ لا مكامن لهم يتأتى فيها الريب وأحوال حرمهم أجمعين بمرأى من ~~جاراتهن ومسمع من جيرانهن لتلاصق الجدران وتطامن البنيان وعدم الفواصل بين ~~المساكن وقد كان راشد يتولى PageV01P023 خدمة الحرم أجمع من بعد مولاه ~~بمشهد من أوليائهم وشيعتهم ومراقبة من كافتهم # وقد اتفق برابرة المغرب الأقصى عامة على بيعة أدريس الأصغر من بعد أبيه ~~وآتوه طاعتهم عن رضى وإصفاق وبايعوه على الموت الأحمر وخاضوا دونه بحار ~~المنايا في حروبه وغزواته ولو حدثوا أنفسهم بمثل هذه الريبة أو قرعت ~~أسماعهم ولو من عدو كاشح أو منافق مرتاب لتخلف عن ذلك ولو بعضهم كلا والله ~~إنما صدرت هذه الكلمات من بني العباس أقتالهم ومن بني الأغلب عمالهم كانوا ~~بأفريقية وولاتهم وذلك أنه لما فر أدريس الأكبر إلى المغرب من وقعة بلخ ~~أوعز الهادي إلى الأغالبة أن يقعدوا له بالمراصد ويذكوا عليه العيون فلم ~~يظفروا به وخلص ms022 إلى المغرب فتم أمره وظهرت دعوته وظهر الرشيد من بعد ذلك ~~على ما كان من واضح مولاهم وعاملهم على الإسكندرية من دسيسة التشيع للعلوية ~~وإدهانه في نجاة أدريس إلى المغرب فقتله ودس الشماخ من موالي المهدي أبيه ~~للتحيل على قتل أدريس فأظهر اللحاق به والبراءة من بني العباس مواليه ~~فاشتمل عليه أدريس وخلطه بنفسه وناوله الشماخ في بعض خلواته مما استهلكه به ~~ووقع خبر مهلكه من بني العباس أحسن المواقع لما رجوه من قطع أسباب الدعوة ~~العلوية بالمغرب واقتلاع جرثومتها ولما تأدى إليهم خبر الحمل المخلف لأدريس ~~فلم يكن لهم إلا كلا ولا وإذا بالدعوة قد عادت والشيعة بالمغرب قد ظهرت ~~ودولتهم بأدريس بن أدريس قد تجددت فكان ذلك عليهم أنكى من وقع السهام وكان ~~الفشل والهرم قد نزلا بدولة العرب عن أن يسموا إلى القاصية فلم يكن منتهى ~~قدرة الرشيد على أدريس الأكبر بمكانه من قاصية المغرب واشتمال البربر عليه ~~إلا التحيل في إهلاكه بالسموم فعند ذلك فزعوا إلى أوليائهم من الأغالبة ~~بأفريقية في سد تلك الفرجة من ناحيتهم وحسم الداء المتوقع بالدولة من قبلهم ~~واقتلاع تلك العروق قبل أن تشج منهم يخاطبهم بذلك المأمون ومن بعده من ~~خلفائهم فكان الأغالبة عن برابرة المغرب الأقصى أعجز ولمثلها من الزبون على ~~ملوكهم أحوج لما طرق الخلافة من انتزاء ممالك العجم على سدتها وامتطائهم ~~صهوة التغلب عليها وتصريفهم أحكامها طوع أغراضهم في رجالها وجبايتها وأهل ~~خططها وسائر نقضها وإبرامها كما قال شاعرهم PageV01P024 % خليفة في قفص % ~~بين وصيف وبغا % % يقول ما قالا له % كما تقول الببغا % $ # فخشي هؤلاء الأمراء الأغالبة بوادر السعايات وتلوا بالمعاذير فطورا ~~باحتقار المغرب وأهله وطوروا بالإرهاب بشأن أدريس الخارج به ومن قام مقامه ~~من أعقابه يخاطبونهم بتجاوزه حدود التخوم من عمله وينفذون سكته في تحفهم ~~وهداياهم ومرتفع جباياتهم تعريضا باستفحاله وتهويلا باشتداد شوكته وتعظيما ~~لما دفعوا إليه من مطالبته ومراسه وتهديدا بقلب الدعوة إن ألجئوا إليه ~~وطورا يطعنون في نسب أدريس بمثل ذلك الطعن الكاذب تخفيضا لشأنه لا ms023 يبالون ~~بصدقه من كذبه لبعد المسافة وأفن عقول من خلف من صبية بني العباس وممالكهم ~~العجم في القبول من كل قائل والسمع لكل ناعق ولم يزل هذا دأبهم حتى انقضى ~~أمر الأغالبة فقرعت هذه الكلمة الشنعاء أسماع الغوغاء وصر عليها بعض ~~الطاعنين أذنه واعتدها ذريعة إلى النيل من خلفهم عند المنافسة وما لهم ~~قبحهم الله والعدول عن مقاصد الشريعة فلا تعارض فيها بين المقطوع والمظنون ~~وأدريس ولد على فراش أبيه والولد للفراش على أن تنزيه أهل البيت عن مثل هذا ~~من عقائد أهل الإيمان فالله سبحانه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ففراش ~~أدريس طاهر من الدنس ومنزه عن الرجس بحكم القرآن ومن اعتقد خلاف هذا 2 فقد ~~باء بإثمه وولج الكفر من بابه # وإنما أطنبت في هذا الرد سدا لأبواب الويب ودفعا في صدر الحاسد لما سمعته ~~أذناي من قائله المعتدي عليهم القادح في نسبهم بفريته وينقله بزعمه عن بعض ~~مؤرخي المغرب ممن انحرف عن أهل البيت وارتاب في الإيمان بسلفهم وإلا فالمحل ~~منزه عن ذلك معصوم منه # نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب لكني جادلت عنهم في الحياة الدنيا وأرجو ~~أن يجادلوا عني يوم القيامة ولتعلم أن أكثر الطاعنين في نسبهم إنما هم ~~الحسدة لأعقاب أدريس هذا من منتم إلى أهل البيت أو دخيل فيهم فإن ادعاء هذا ~~النسب الكريم دعوى شرف عريضة على الأمم والأجيال من أهل الآفاق فتعرض ~~التهمة فيه ولما كان نسب بني أدريس هؤلاء بمواطنهم من فارس وسائر ديار ~~المغرب قد بلغ من الشهرة والوضوح مبلغا لا يكاد يلحق ولا يطمع أحد في ~~PageV01P025 دركه إذ هو نقل الأمة والجيل من الخلف عن الأمة والجيل من ~~السلف وبيت جدهم أدريس مختط فاس ومؤسسها من بيوتهم ومسجده لصق محلتهم ~~ودروبهم وسيفه منتضى برأس المأذنة العظمى من قرار بلدهم وغير ذلك من آثاره ~~والتي جاوزت أخبارها حدود التواتر مرات وكادت تلحق بالعيان فإذا نظر غيرهم ~~من أهل هذا النسب إلى ما أتاهم الله من أمثالها وما عضد ms024 شرفهم النبوي من ~~جلال الملك الذي كان لسلفهم بالمغرب واستيقن أنه بمعزل عن ذلك وأنه لا يبلغ ~~مد أحدهم ولا نصيفه وأن غاية أمر المنتمين إلى البيت الكريم ممن لم يحصل له ~~أمثال هذه الشواهد أن يسلم لهم حالهم لأن الناس مصدقون في أنسابهم وبون ما ~~بين العلم والظن واليقين والتسليم فإذا علم بذلك من نفسه غص بريقه وود كثير ~~منهم لو يردونهم عن شرفهم ذلك سوقة ووضعاء حسدا من عند أنفسهم فيرجعون إلى ~~العناد وارتكاب اللجاج والبهت بمثل هذا الطعن الفائل والقول المكذوب تعللا ~~بالمساواة في الظنة والمشابهة في تطرق الاحتمال وهيهات لهم ذلك فليس في ~~المغرب فيما نعلمه من أهل هذا البيت الكريم من يبلغ في صراحة نسبه ووضوحه ~~مبالغ أعقاب أدريس هذا من آل الحسن وكبراؤهم لهذا العهد بنو عمران بفاس من ~~ولد يحيى الحوطي بن محمد بن يحيى العوام بن القاسم بن أدريس بن أدريس وهم ~~نقباء أهل البيت هناك والساكنون ببيت جدهم أدريس ولهم السيادة على أهل ~~المغرب كافة حسبما نذكرهم عند ذكر الأدارسة إن شاء الله تعالى # ويلحق بهذه المقالات الفاسدة والمذاهب القائلة ما يتناوله ضعفة الرأي من ~~فقهاء المغرب من القدح في الإمام المهدي صاحب دولة الموحدين ونسبته إلى ~~الشعوذة والتلبيس فيما أتاه من القيام بالتوحيد الحق والنعي على أهل البغي ~~قبله وتكذيبهم لجميع مدعياته في ذلك حتى فيما يزعم الموحدون اتباعه من ~~انتسابه في أهل البيت وإنما حمل الفقهاء على تكذيبه ما كمن في نفوسهم من ~~حسده على شأنه فإنهم لما رأوا من أنفسهم مناهضته في العلم والفتيا وفي ~~الدين يزعمهم ثم امتازعنهم بأنه متبوع الرأي مسموع القول موطؤ العقب نفسوا ~~ذلك عليه وغضوا منه بالقدح في مذاهبه والتكذيب لمدعياته وأيضا فكانوا ~~يؤنسون من PageV01P026 ملوك المتونة أعدائه تجلة وكرامة لم تكن لهم من ~~غيرهم لما كانوا عليه من السذاجة وانتحال الديانة فكان لحملة العلم بدولتهم ~~مكان من الوجاهة والانتصاب للشورى كل في بلده وعلى قدره في قومه فأصبحوا ~~بذلك شيعة لهم وحربا ms025 لعدوهم ونقموا على المهدي ما جاء به من خلافهم ~~والتثريب عليهم والمناصبة لهم تشيعا للمتونة وتعصبا لدولتهم ومكان الرجل ~~غير مكانهم وحاله على غير معتقداتهم وما ظنك برجل نقم على أهل الدولة ما ~~نقم من أحوالهم وخالف اجتهاده فقهاؤهم فنادى في قومه ودعا إلى جهادهم بنفسه ~~فاقتلع الدولة من أصولها وجعل عاليها سافلها أعظم ما كانت قوة وأشد شوكة ~~وأعز أنصارا وحامية وتساقطت في ذلك من أتباعه نفوس لا يحصيها إلا خالقهما ~~قد بايعوه على الموت ووقوه بأنفسهم من الهلكة وتقربوا إلى الله تعالى ~~بإتلاف مهجهم في إظهار تلك الدعوة والتعصب لتلك الكلمة حتى علت على الكلم ~~ودالت بالعدوتين من الدول وهو بحالة من التقشف والحصر والصبر على المكاره ~~والتقلل من الدنيا حتى قبضه الله وليس على شيء من الحظ والمتاع في دنياه ~~حتى الولد الذي ربما تجنح إليه النفوس وتخادع عن تمنيه فليت شعري ما الذي ~~قصد بذلك إن لم يكن وجه الله وهو لم يحصل له حظ من الدنيا في عاجله ومع هذا ~~فلو كان قصده غير صالح لما تم أمره وانفسحت دعوته سنة الله التي قد خلت في ~~عباده وأما إنكارهم نسبه في أهل البيت فلا تعضده حجة لهم مع أنه إن ثبت أنه ~~ادعاه وانتسب إليه فلا دليل يقوم على بطلانه لأن الناس مصدقون في أنسابهم ~~وإن قالوا إن الرئاسة لا تكون على قوم في غير أهل جلدتهم كما هو الصحيح ~~حسبما يأتي في الفصل الأول من هذا الكتاب والرجل قد رأس سائر المصامدة ~~ودانوا باتباعه والانقياد إليه وإلى عصابته من هرغة حتى تم أمر الله في ~~دعوته فاعلم أن هذا النسب الفاطمي لم يكن أمر المهدي يتوقف عليه ولا اتبعه ~~الناس بسببه وإنما كان اتباعهم له بعصبية الهرغية والمصمودية ومكانه منها ~~ورسوخ شجرته فيها وكان ذلك النسب الفاطمي خفيا قد درس عند الناس وبقي عنده ~~وعند عشيرته يتناقلونه بينهم فيكون النسب الأول كأنه انسلخ منه ولبس جلدة ~~هؤلاء وظهر فيها فلا يضره الانتساب الأول في ms026 عصبيته إذ هو مجهول عند أهل ~~العصابة ومثل هذا واقع كثيرا إذا كان النسب الأول خفيا وانظر PageV01P027 ~~قصة عرفجة وجرير في رئاسة بجيلة وكيف كان عرفجة من الأزد ولبس جلدة بجيلة ~~حتى تنازع مع جرير رئاستهم عند عمر رضي الله عنه كما هو مذكور تتفهم منه ~~وجه الحق والله الهادي للصواب وقد كدنا أن نخرج عن غرض الكتاب بالإطناب في ~~هذه المغالط # فقد زلت أقدام كثير من الأثبات والمؤرخين الحفاظ في مثل هذه الأحاديث ~~والآراء وعلقت أفكارهم ونقلها عنهم الكافة من ضعفة النظر والغفلة عن القياس ~~وتلقوها هم أيضا كذلك من غير بحث ولا روية واندرجت في محفوظاتهم حتى صار فن ~~التاريخ واهيا مختلطا وناظره مرتبكا وعد من مناحي العامة فإذا يحتاج صاحب ~~هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع ~~والأعصار في السير والأخلاق والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الأحوال ~~والإحاطة بالحاضر من ذلك ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون ما ~~بينهما من الخلاف وتعليل المتفق منها والمختلف والقيام على أصول الدول ~~والملل ومبادىء ظهورها وأسباب حدوثها ودواعي كونها وأحوال القائمين بها ~~وأخبارهم حتى يكون مستوعبا لأسباب كل خبره وحينئذ بعرض خبر المنقول على ما ~~عنده من القواعد والأصول فإن وافقها وجرى على مقتضاها كان صحيحا وإلا زيفه ~~واستغنى عنه # وما استكبر القدماء علم التاريخ إلا لذلك حتى انتحله الطبري والبخاري ~~وابن إسحاق من قبلهما وأمثالهم من علماء الأمة وقد ذهل الكثير عن هذا السر ~~فيه حتى صار انتحاله مجهلة واستخف العوام ومن لا رسوخ له في المعارف ~~مطالعته وحمله والخوض فيه والتطفل عليه فاختلط المرعي بالهمل واللباب ~~بالقشر والصادق بالكاذب وإلى الله عاقبة الأمور # ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال ~~بتبدل الأعصار ومرور الأيام وهو داء دوى شديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد ~~أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة وذلك أن أحوال ~~العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ms027 ومنهاج مستقر إنما ~~هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك في ~~الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول ~~سنة الله التي قد خلت في عباده وقد كانت في العالم أمم الفرس الأولى ~~والسريانيون PageV01P028 والنبط والتبابعة وبنو إسرائيل والقبط وكانوا على ~~أحوال خاصة بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم ~~وسائر مشاركاتهم مع أبناء جنسهم وأحوال اعتمارهم للعالم تشهد بها آثارهم ثم ~~جاء من بعدهم الفرس الثانية والروم والعرب فتبدلت تلك الأحوال وانقلبت بها ~~العوائد إلى ما يجانسها أو يشابهها وإلى ما يباينها أو يباعدها ثم جاء ~~الإسلام بدولة مضر فانقلبت تلك الأحوال أجمع انقلابة أخرى وصارت إلى ما ~~أكثره متعارف لهذا العهد يأخذه الخلف عن السلف ثم درست دولة العرب وأيامهم ~~وذهبت الأسلاف الذين شيدوا عزهم ومهدوا ملكهم وصار الأمر في أيدي سواهم من ~~العجم مثل الترك بالمشرق والبربر بالمغرب والفرنجة بالشمال فذهبت بذهابهم ~~أمم وانقلبت أحوال وعوائد نسي شأنها وأغفل أمرها والسبب الشائع في تبدل ~~الأحوال والعوائد أن عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه كما يقال في الأمثال ~~الحكمية الناس على دين الملك وأهل الملك والسلطان إذا استولوا على الدولة ~~والأمر فلا بد من أن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم ويأخذون الكثير منها ولا ~~يغفلون عوائد جيلهم مع ذلك فيقع في عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل ~~الأول فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم ومزجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضا ~~بعض الشيء وكانت للأولى أشد مخالفة ثم لا يزال التدريج في المخالفة حتى ~~ينتهي إلى المباينة بالجملة فما دامت الأمم والأجيال تتعاقب في الملك ~~والسلطان لا تزال المخالفة في العوائد والأحوال واقعة والقياس والمحاكاة ~~للإنسان طبيعة معروفة ومن الغلط غير مأمونة تخرجه مع الذهول والغفلة عن ~~قصده وتعوج به عن مرامه فربما يسمع السامع كثيرا من أخبار الماضين ولا ~~يتفطن لما وقع من تغير الأحول وانقلابها فيجربها لأول وهلة على ما عرف ~~ويقيسها بما شهد وقد يكون الفرق بينهما ms028 كثيرا فيقع في مهواة من الغلط # فمن هذا الباب مما ينقله المؤرخون من أحوال الحجاج وأن أباه كان من ~~المعلمين مع أن التعليم لهذا العهد من جملة الصنائع المعاشية البعيدة من ~~اعتزاز أهل العصبية والمعلم مستضعف مسكين منقطع الجذم فيتشوف الكثير من ~~المستضعفين أهل الحرف والصنائع PageV01P029 المعاشية إلى نيل الرتب التي ~~ليسوا لها بأهل ويعدونها من الممكنات لهم فتذهب بهم وساوس المطامع وربما ~~انقطع حبلها من أيديهم فسقطوا في مهواة الهلكة والتلف ولا يعلمون استحالتها ~~في حقهم وأنهم أهل حرف وصنائع للمعاش وأن التعليم صدر الإسلام والدولتين لم ~~يكن كذلك ولم يكن العلم بالجملة صناعة إنما كان نقلا لما سمع مع الشارع ~~وتعليما لما جهل من الدين على جهة البلاغ فكان أهل الأنساب والعصبية الذين ~~قاموا بالملة هم الذين يعلمون كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على ~~معنى التبليغ الخبري لا على وجه التعليم الصناعي إذ هو كتابهم المنزل على ~~الرسول منهم وبه هداياتهم والإسلام دينهم قاتلوا عليه وقتلوا واختصوا به من ~~بين الأمم وشرفوا فيحرصون على تبليغ ذلك وتفهيمه للأمة لا تصدهم عنه لأئمة ~~الكبر ولا يزعهم عادل الأنفة ويشهد لذلك بعث النبي صلى الله عليه وسلم كبار ~~أصحابه مع وفود العرب يعلمونهم حدود الإسلام وما جاء به من شرائع الدين بعث ~~في ذلك من أصحابه العشرة فمن بعدهم فما استقر الإسلام ووشجت عروق الملة حتى ~~تناولها الأمم البعيدة من أيدي أهلها واستحالت بمرور الأيام أحوالها وكثر ~~استنباط الأحكام الشرعية من النصوص لتعدد الوقائع وتلاحقها فاحتاج ذلك ~~لقانون يحفظه من الخطأ وصار العلم ملكة يحتاج إلى التعلم فأصبح من جملة ~~الصنائع والحرف كما يأتي ذكره في فصل العلم والتعليم واشتغل أهل العصبية ~~بالقيام بالملك والسلطان فدفع لعلم من قام به من سواهم وأصبح حرفة للمعاش ~~وشمخت أنوف المترفين وأهل السلطان عن التصدي للتعليم واختص انتحاله ~~بالمستضعفين وصار منتحله محتقرا عند أهل العصبية والملك والحجاج بن يوسف ~~كان أبوه من سادات ثقيف وأشرافهم ومكانهم من عصبية العرب ومناهضة ms029 قريش في ~~الشرف ما علمت ولم تكن تعليمه للقرآن على ما هو الأمر عليه لهذا العهد من ~~أنه حرفة للمعاش وإنما كان على ما وصفناه من الأمر الأول في الإسلام ومن ~~هذا الباب أيضا ما يتوهمه المتصفحون لكتب التاريخ إذا سمعوا أحوال القضاة ~~وما كانوا عليه من الرئاسة في الحروب وقود العساكر فتترامى بهم وساوس الهمم ~~إلى مثل تلك الرتب يحسبون أن الشأن خطة القضاء لهذا العهد على ما كان عليه ~~من قبل ويظنون بابن أبي عامر صاحب PageV01P030 هشام المستبد عليه وابن عباد ~~من ملوك الطوائف بإشبيلية إذا سمعوا أن آباءهم كانوا قضاة أنهم مثل القضاة ~~لهذا العهد ولا يتفطنون لما وقع في رتبة القضاء من مخالفة العوائد كما ~~نبينه في فصل القضاء من الكتاب الأول وابن أبي عامر وابن عباد كانا من ~~قبائل العرب القائمين بالدولة الأموية بالأندلس وأهل عصبيتها وكان مكانهم ~~فيها معلوما ولم يكن نيلهم لما نالوه من الرئاسة والملك بخطة القضاء كما هي ~~لهذا العهد بل إنما كان القضاء في الأمر القديم لأهل العصبية من قبيل ~~الدولة ومواليها كما هي الوزارة لعهدنا بالمغرب # وانظر خروجهم بالعساكر في الطوائف وتقليدهم عظائم الأمور التي لا تقلد ~~إلا لمن له الغنى فيها بالعصبية فيغلط السامع في ذلك ويحمل الأحوال على غير ~~ما هي وأكثر ما يقع في هذا الغلط ضعفاء البصائر من أهل الأندلس لهذا العهد ~~لفقدان العصبية في مواطنهم منذ أعصار بعيدة بفناء العرب ودولتهم بها ~~وخروجهم عن ملكة أهل العصبيات من البربر فبقيت أنسابهم العربية محفوظة ~~والذريعة إلى العز من العصبية والتناصر مفقودة بل صاروا من جملة الرعايا ~~المتخاذلين الذين تعبدهم القهر ورئموا للمذلة يحسبون أن أنسابهم مع مخالطة ~~الدولة هي التي يكون لهم بها الغلب والتحكم فتجد أهل الحرف والصنائع منهم ~~متصدين لذلك ساعين في نيله فأما من باشر أحوال القبائل والعصبية ودولهم ~~بالعدوة الغربية وكيف يكون التغلب بين الأمم والعشائر فقلما يغلطون في ذلك ~~ويخطئون في اعتباره ومن هذا الباب أيضا ما يسكله المؤرخون عند ms030 ذكر الدول ~~ونسق ملوكها فيذكرون اسمه ونسبه وأباه وأمه ونساءه ولقبه وخاتمه وقاضيه ~~وحاجبه ووزيره كل ذلك تقليد لمؤرخي الدولتين من غير تفطن لمقاصدهم ~~والمؤرخون لذلك العهد كانوا يضعون PageV01P031 تواريخهم لأهل الدولة ~~وأبناؤها متشوفون إلى سير أسلافهم ومعرفة أحوالهم ليقتفوا آثارهم وينسجوا ~~على منوالهم حتى في اصطناع الرجال من خلف دولتهم وتقليد الخطط والمراتب ~~لأبناء صنائعهم وذويهم والقضاة أيضا كانوا من أهل عصبية الدولة وفي عداد ~~الوزراء كما ذكرناه لك فيحتاجون إلى ذكر ذلك كله وأما حين تباينت الدول ~~وتباعد ما بين العصور ووقف الغرض على معرفة الملوك بأنفسهم خاصة ونسب الدول ~~بعضها من بعض في قوتها وغلبتها ومن كان يناهضها من الأمم أو يقصر عنها فما ~~الفائدة للمصنف في هذا العهد في ذكر الأبناء والنساء ونقش الخاتم واللقب ~~والقاضي والوزير والحاجب من دولة قديمة لا يعرف فيها أصولهم ولا أنسابهم ~~ولا مقاماتهم إنما حملهم على ذلك التقليد والغفلة عن مقاصد المؤلفين ~~الأقدمين والذهول عن تحري الأغراض من التاريخ اللهم إلا ذكر الوزراء الذين ~~عظمت آثارهم وعفت عن الملوك أخبارهم كالحجاج وبني المهلب والبرامكة وبني ~~سهل بن نوتخت وكافور الأخشيدي وابن أبي عامر وأمثالهم فغير نكير الألماع ~~بآبائهم والإشارة إلى أحوالهم لانتظامهم في عداد الملوك # ولنذكر هنا فائدة نختم كلامنا في هذا الفصل بها وهي أن التاريخ إنما هو ~~ذكر الأخبار الخاصة بعصر أو جيل فأما ذكر الأحوال الملمة للآفاق والأجيال ~~والأعصار فهو أس للمؤرخ تنبني عليه أكثر مقاصده وتتبين به أخباره وقد كان ~~الناس يفردونه بالتأليف كما فعله المسعودي في كتاب مروج الذهب شرح فيه ~~أحوال الأمم والآفاق لعهده في عصر الثلاثين والثلاثمائة غربا وشرقا وذكر ~~نحلهم وعوائدهم ووصف البلدان والجبال والبحار والممالك والدول وفرق شعوب ~~العرب والعجم فصار إماما للمؤرخين يرجعون إليه وأصلايقولون في تحقيق ~~الكثيرمن أخبارهم عليه ثم جاء البكري من بعده ففعل مثل ذلك في المسالك ~~والممالك خاصة دون غيرها من الأحوال لأن الأمم والأجيال لعهده لم يقع فيها ~~كثير انتقال ولا عظيم تغير # وأما لهذا ms031 العهد وهو آخر المائة الثامنة فقد انقلبت أحوال المغرب الذي ~~نحن شاهدوه وتبدلت بالجملة واعتاض من أجيال البربر أهله على القدم بما طرأ ~~فيه من لدن المائة الخامسة من أجيال العرب بما كسروهم وغلبوهم وانتزعوا ~~منهم عامة الأوطان وشاركوهم فيما بقي من البلدان لملكهم هذا إلى ما نزل ~~بالعمران PageV01P032 شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون ~~الجارف الذي تحيف الأمم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ~~ومحاها وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها فقلص من ظلالها وفل ~~من حدها وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها وانتقض ~~عمران الأرض بانتقاض البشر فخربت الأمصار والمصانع ودرست السبل والمعالم ~~وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن وكأني بالمشرق قد ~~نزل به مثل ما نزل بالمغرب لكن على نسبته ومقدار عمرانه وكأنما نادى لسان ~~الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة والله وارث الأرض ومن ~~عليها # وإذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره ~~وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث فاحتاج لهذا العهد من يدون أحوال ~~الخليقة والآفاق وأجيالها والعوائد والنحل التي تبدلت لأهلها ويقفوا مسلك ~~المسعودي لعصره ليكون أصلا يقتدي به من يأتي من المؤرخين من بعده # وأنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني منه في هذا القطر المغربي إما صريحا أو ~~مندرجا في أخباره وتلويحا لاختصاص قصدي في التأليف المغرب وأحوال أجياله ~~وأممه وذكر ممالكه ودوله دون ما سواه من الأقطار لعدم اطلاعي على أحوال ~~المشرق وأممه وأن الأخبار المتناقلة لا تفي كنه ما أريده منه # والمسعودي إنما استوفى ذلك لبعد رحلته وتقلبه في البلاد كما ذكر في كتابه ~~مع أنه لما ذكر المغرب قصر في استيفاء أحواله وفوق كل ذي علم عليم ومرد ~~العلم كله إلى الله والبشر عاجز قاصر والاعتراف متعين واجب ومن كان الله في ~~عونه تيسرت عليه المذاهب وأنجحت له المساعي والمطالب ونحن آخذون بعون الله ~~فيما رمناه من أغراض التأليف والله المسدد ms032 والمعين وعليه التكلان وقد بقي ~~علينا أن نقدم مقدمة في كيفية وضع الحروف التي ليست من لغات العرب إذا عرضت ~~في كتابنا هذا # اعلم أن الحروف في النطق كما يأتي شرحه بعد هي كيفيات الأصوات الخارجة من ~~الحنجرة تعرض من تقطيع الصوت بقرع اللهاة وأطراف اللسان مع الحنك والحلق ~~والأضراس أو بقرع الشفتين أيضا فتتغاير كيفيات الأصوات بتغاير ذلك القرع ~~PageV01P033 وتجيء الحروف متمايزة في السمع وتتركب منها الكلمات الدالة على ~~ما في الضمائر وليست الأمم كلها متساوية في النطق بتلك الحروف فقد يكون ~~لأمة من الحروف ما ليس لأمة أخرى والحروف التي نطقت بها العرب هي ثمانية ~~وعشرون حرفا كما عرفت ونجد للعبرانيين حروفا ليست في لغتنا وفي لغتنا أيضا ~~حروف ليست في لغتهم وكذلك الإفرنج والترك والبربر وغير هؤلاء من العجم ثم ~~إن أهل الكتاب من العرب اصطلحوا في الدلالة على حروفهم المسموعة بأوضاع ~~حروف مكتوبة متميزة بأشخاصها كوضع ألف وباء وجيم وراء وطاء إلى آخر ~~الثمانية والعشرين وإذا عرض لهم الحرف الذي ليس من حروف لغتهم بقي مهملا عن ~~الدلالة الكتابية مغفلا عن البيان وربما يرسمه بعض الكتاب بشكل الحرف الذي ~~يكتنفه من لغتنا قبله أو بعده وليس بكاف في الدلالة بل هو تغيير للحرف من ~~أصله ولما كان كتابنا مشتملا على أخبار البربر وبعض العجم وكانت تعرض لنا ~~في أسمائهم أو بعض كلماتهم حروف ليست من لغة كتابتنا ولا اصطلاح أوضاعنا ~~اضطررنا إلى بيانه ولم نكتف برسم الحرف الذي يليه كما قلناه لأنه عندنا غير ~~واف بالدلالة عليه فاصطلحت في كتابي هذا على أن أضع ذلك الحرف العجمي بما ~~يدل على الحرفين اللذين يكتنفانه ليتوسط القارىء بالنطق به بين مخرجي ذينك ~~الحرفين فتحصل تأديته وإنما اقتبست ذلك من رسم أهل المصحف حروف الإشمام ~~كالصراط في قراءة خلف فإن النطق بصاده فيها معجم متوسط بين الصاد والزاي ~~فوضعوا الصاد ورسموا في داخلها شكل الزاي ودل ذلك عندهم على التوسط بين ~~الحرفين فكذلك رسمت أنا كل حرف يتوسط بين ms033 حرفين من حروفنا كالكاف المتوسطة ~~عند البربر بين الكاف الصريحة عندنا والجيم أو القاف مثل اسم بلكين فأضعها ~~كافا وأنقطها بنقطة الجيم واحدة من أسفل أو بنقطة القاف واحدة من فوق أو ~~اثنتين فيدل ذلك على أنه متوسط بين الكاف والجيم أو القاف وهذا الحرف أكثر ~~ما يجيء في لغة البربر وما جاء من غيره فعلى هذا القياس أضع الحرف المتوسط ~~بين حرفين من لغتنا بالحرفين معا ليعلم القارىء أنه متوسط فينطق به كذلك ~~فنكون قد دللنا عليه ولو وضعناه برسم الحرف الواحد عن جانبه لكنا قد صرفناه ~~من مخرجه إلى مخرج الحرف الذي من لغتنا وغيرنا PageV01P034 لغة القوم فاعلم ~~ذلك والله الموفق للصواب بمنه وفضله # | الكتاب الأول # في طبيعة العمران في الخليقة وما يعرض فيها من البدو والحضر والتغلب ~~والكسب $ والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها وما لذلك من العلل والأسباب # اعلم أنه لما كانت حقيقة التاريخ أنه خير عن الاجتماع الإنساني الذي هو ~~عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس ~~والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك ~~والدول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش ~~والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال ولما ~~كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه فمنها التشيعات للآراء ~~والمذاهب فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من ~~التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ~~ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين ~~بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله # ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضا الثقة بالناقلين وتمحيص ذلك ~~يرجع إلى التعديل والتجريح ومنها الذهول عن المقاصد فكثير من الناقلين لا ~~يعرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في ~~الكذب ومنها توهم الصدق وهو كثير وإنما يجيء في الأكثر من ms034 جهة الثقة ~~بالناقلين ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من ~~التلبيس والتصنع فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتصنع على غير الحق في نفسه # ومنها تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح ~~وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك فيستفيض الإخبار بها على غير حقيقة ~~فالنفوس مولعة بحب الثناء والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ~~ثروة وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها # ومن الأسباب المقتضية له أيضا وهي سابقة على جميع ما تقدم الجهل بطبائع ~~الأحوال في العمران فإن كل حادث من الحوادث PageV01P035 ذاتا كان أو فعلا ~~لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله فإذا كان السامع ~~عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص ~~الخبر على تمييز الصدق من الكذب وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض # وكثيرا ما يعرض للسامعين قبول الأخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثر عنهم ~~كما نقله المسعودي عن الإسكندر لما صدته دواب البحر عن بناء الإسكندرية ~~وكيف اتخذ صندوق الزجاج وغاص فيه إلى قعر البحر حتى صور تلك الدواب ~~الشيطانية التي رآها وعمل تماثيلها من أجساد معدنية ونصبها حذاء البنيان ~~ففرت تلك الدواب حين خرجت وعاينتها وتم بناؤها في حكاية طويلة من أحاديث ~~خرافة مستحيلة من قبل اتخاذه التابوت الزجاجي ومصادمة البحر وأمواجه بجرمه ~~ومن قبل أن الملوك لا تحمل أنفسها على مثل هذا الغرور ومن اعتمده منهم فقد ~~عرض نفسه للهلكة وانتقاض العقدة واجتماع الناس إلى غيره وفي ذلك إتلافه ولا ~~ينتظرون به رجوعه من غروره ذلك طرفة عين ومن قبل أن الجن لا يعرف لها صور ~~ولا تماثيل تختص بها إنما هي قادرة على التشكل وما يذكر من كثرة الرؤوس لها ~~فإنما المراد به البشاعة والتهويل لا أنه حقيقة وهذه كلها قادحة في تلك ~~الحكاية والقادح المحيل لها من طريق الوجود أبين من هذا كله وهو أن المنغمس ~~في الماء ولو كان في الصندوق يضيق عليه ms035 الهواء للتنفس الطبيعي وتسخن روحه ~~بسرعة لقلته فيفقد صاحبه الهواء البارد المعدل لمزاج الرئة والروح القلبي ~~ويهلك مكانه وهذا هو السبب في هلاك أهل الحمامات إذا أطبقت عليهم عن الهواء ~~البارد والمتدلين في الآبار والمطامير العميقة المهوى إذا سخن هواؤها ~~بالعفونة ولم تداخلها الرياح فتخلخلها فإن المتدلي فيها يهلك لحينه وبهذا ~~السبب يكون موت الحوت إذا فارق البحر فإن الهواء لا يكفيه في تعديل رئته إذ ~~هو حار بإفراط الماء الذي يعد له بارد والهواء الذي خرج إليه حار فيستولي ~~الحار على روحه الحيواني ويهلك دفعة ومنه هلاك المصعوقين وأمثال ذلك ومن ~~الأخبار المستحيلة ما نقله المسعودي أيضا في تمثال الزرزور الذي برومة ~~تجتمع إليه الزرازير في يوم معلوم من السنة حاملة للزيتون ومنه يتخذون ~~زيتهم # وانظر ما أبعد ذلك عن المجرى الطبيعي في اتخاذ الزيت ومنها ما نقله ~~البكري PageV01P036 في بناء المدينة المسماة ذات الأبواب تحيط بأكثر من ~~ثلاثين مرحلة وتشتمل على عشرة آلاف باب والمدن إنما اتخذت للتحصن والاعتصام ~~كما يأتي وهذه خرجت عن أن يحاط بها فلا يكون فيها حصن ولا معتصم وكما نقله ~~المسعودي أيضا في حديث مدينة النحاس وأنها مدينة كل بنائها نحاس بصحراء ~~سجلماسة ظفر بها موسى بن نصير في غزوته إلى المغرب وأنها مغلقة الأبواب وأن ~~الصاعد إليها من أسوارها إذا أشرف على الحائط صفق ورمى بنفسه فلا يرجع آخر ~~الدهر في حديث مستحيل عادة من خرافات القصاص وصحراء سجلماسة قد نفضها ~~الركاب والأدلاء ولم يقفوا لهذه المدينة على خبر ثم إن هذه الأحوال التي ~~ذكروا عنها كلها مستحيل عادة مناف للأمور الطبيعية في بناء المدن واختطاطها ~~وأن المعادن غاية الموجود منها أن يصرف في الآنية والخرثى # وأما تشييد مدينة منها فكما تراه من الاستحالة والبعد وأمثال ذلك كثيرة ~~وتمحيصه إنما هو بمعرفة طبائع العمران وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص ~~الأخبار وتمييز صدقها من كذبها وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة ولا ~~يرجع إلى تعديل الرواة حتى يعلم أن ذلك الخبر في ms036 نفسه ممكن أو ممتنع وأما ~~إذا كان مستحيلا فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح ولقد عد أهل النظر من ~~المطاعن في الخبر استحالة مدلول اللفظ وتأويله بما لا يقبله العقل وإنما ~~كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة الأخبار الشرعية لأن معظمها تكاليف ~~إنشائية أوجب الشارع العمل بها حتى حصل الظن بصدقها وسبيل صحة الظن الثقة ~~بالرواة بالعدالة والضبط # وأما الأخبار عن الواقعات فلا بد في صدقها وصحتها من اعتبار المطابقة ~~فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه وصار فيها ذلك أهم من التعديل ومقدما ~~عليه إذ فائدة الإنشاء مقتبسة منه فقط وفائدة الخبر منه ومن الخارج ~~بالمطابقة وإذا كان ذلك فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار ~~بالإمكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران ونميز ما ~~يلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضا لا يعتد به وما لا ~~يمكن أن يعرض له وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحق من ~~الباطل في الأخبار والصدق PageV01P037 من الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك ~~فيه وحينئذ فإذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم ~~بقبوله مما نحكم بتزييفه وكان ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرى به المؤرخون طريق ~~الصدق والصواب فيما ينقلونه وهذا هو غرض هذا الكتاب الأول من تأليفنا وكأن ~~هذا علم مستقل بنفسه فإنه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني ~~وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى ~~وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيا كان أو عقليا # واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة عزيزة الفائدة ~~اعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص ولبس من علم الخطابة إنما هو الأقوال ~~المقنعة النافعة في استمالة الجمهور إلى راي أو صدهم عنه ولا هو أيضا من ~~علم السياسة المدنية إذ السياسة المدنية هي تدبير المنزل أو المدينة بما ~~يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع ~~وبقاؤه ms037 فقد خالف موضوعه موضوع هذين الفنين اللذين ربما يشبهانه وكأنه علم ~~مستنبط النشأة # ولعمري لم أقف على الكلام في منحاة لأحد من الخليقة ما أدري ألغفلتهم عن ~~ذلك وليس الظن بهم أو لعلهم كتبوا في هذا الغرض واستوفوه ولم يصل إلينا ~~فالعلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الإنساني متعددون وما لم يصل إلينا من ~~العلوم أكثر مما وصل فأين علوم الفرس التي أمر عمر رضي الله عنه بمحوها عند ~~الفتح وأين علوم الكلدانيين و السريانيين وأهل بابل وما ظهر عليهم من ~~آثارها ونتائجها وأين علوم القبط ومن قبلهم وإنما وصل إلينا علوم أمة واحدة ~~وهم يونان خاصة لكلف المأمون بإخراجها من لغتهم واقتداره على ذلك بكثر ~~المترجمين وبذل الأموال فيها ولم نقف على شيء من علوم غيرهم وإذا كانت كل ~~حقيقة متعلقة طبيعية يصلح أن يبحث عما يعرض لها من العوارض لذاتها وجب أن ~~يكون باعتبار كل مفهوم وحقيقة علم من العلوم يخصه لكن الحكماء لعلهم إنما ~~لاحظوا في ذلك العناية بالثمرات وهذا إنما ثمرته في الأخبار فقط كما رأيت ~~وإن كانت مسائلة في ذاتها وفي اختصاصها شريفة لكن ثمرته تصحيح الأخبار وهي ~~ضعيفة فلهذا هجروه والله أعلم وما أوتيتم من العلم إلا قليلا # وهذا الفن الذي لاح لنا النظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض PageV01P038 ~~لأهل العلوم في براهين علومهم وهي من جنس مسائله بالموضوع والطلب مثل ما ~~يذكره الحكماء والعلماء في إثبات النبوة من أن البشر متعاونون في وجودهم ~~فيحتاجون فيه إلى الحاكم والوازع ومثل ما يذكر في أصول الفقه في باب إثبات ~~اللغات أن الناس محتاجون إلى العبارة عن المقاصد بطبيعة التعاون والاجتماع ~~وتبيان العبارات أخف ومثل ما يذكره الفقهاء في تعليل الأحكام الشرعية ~~بالمقاصد في أن الزنا مخلط للأنساب مفسد للنوع وأن القتل أيضا مفسد للنوع ~~وأن الظلم مؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النوع وغير ذلك من سائر المقاصد ~~الشرعية في الأحكام فإنها كلها مبنية على المحافظة على العمران فكان لها ~~النظر فيما يعرض له وهو ms038 ظاهر من كلامنا هذا في هذه المسائل الممثلة وكذلك ~~أيضا يقع إلينا القليل من مسائله في كلمات متفرقة لحكماء الخليقة لكنهم لم ~~يستوفوه فمن كلام المؤبذان بهرام بن بهرام في حكاية البوم التي نقلها ~~المسعودي أيها الملك إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته ~~والتصرف تحت أمره ونهيه ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا ~~بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل للمال إلا بالعمارة ولا سبيل ~~للعمارة إلا بالعدل والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبه الرب وجعل له ~~قيما وهو الملك ومن كلام أنوشروان في هذا المعنى بعينه الملك بالجند والجند ~~بالمال والمال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل والعدل بإصلاح ~~العمال وإصلاح العمال باستقامة الوزراء ورأس الكل بافتقاد الملك حال رعيته ~~بنفسه واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه # وفي الكتاب المنسوب لأرسطو في السياسة المتداول بين الناس جزء صالح منه ~~إلا أنه غير مستوف ولا معطى حقه من البراهين ومختلط بغيره وقد أشار في ذلك ~~الكتاب إلى هذه الكلمات التي نقلناها عن الموبذان وأنوشروان وجعلهما في ~~الدائرة القريبة التي أعظم القول فيها هو قوله العالم بستان سياجه الدولة ~~الدولة سلطان تحيا به السنة السنة سياسة يسوسها الملك الملك نظام يعضده ~~الجندالجند أعوان يكفلهم المال المال رزق تجمعه الرعية الرعية عبيد يكنفهم ~~العدل العدل مألوف وبه قوام العالم العالم بستان ثم ترجع إلى أول الكلام ~~فهذه ثمان PageV01P039 كلمات حكمية سياسية ارتبط بعضها ببعض وارتدت أعجازها ~~إلى صدورها واتصلت في دائرة لا يتعين طرفها فخر بعثوره عليها وعظم من ~~فوائدها # وأنت إذا تأملت كلامنا في فصل الدول والملك وأعطيته حقه من التصفح ~~والتفهم عثرت في أثنائه على تفسير هذه الكلمات وتفصيل إجمالها مستوفى بينا ~~بأوعب بيان وأوضح دليل وبرهان أطلعنا الله عليه من غير تعليم أرسطو ولا ~~إفادة موبذان وكذلك تجد في كلام ابن المقفع وما يستطرد في رسائله من ذكر ~~السياسات الكثير من مسائل كتابنا هذا غير مبرهنة كما برهناه إنما يجليها في ms039 ~~الذكر على منحى الخطابة في أسلوب الترسل وبلاغة الكلام # وكذلك حوم القاضي أبو بكر الطرطوشي في كتاب سراج الملوك وبوبه على أبواب ~~تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله لكنه لم يصادف فيه الرمية ولا أصاب ~~الشاكلة ولا استوفى المسائل ولا أوضح الأدلة إنما يبوب الباب للمسألة ثم ~~يستكثر من الأحاديث والآثار وينقل كلمات متفرقة لحكماء الفرس مثل بزرجمهر ~~والموبذان وحكماء الهند والمأثور عن دانيال وهرمس وغيرهم من أكابر الخليقة ~~ولا يكشف عن التحقيق قناعا ولا يرفع البراهين الطبيعية حجابا إنما هو نقل ~~وتركيب شبيه بالمواعظ وكأنه حوم على الغرض ولم يصادفه ولا تحقق قصده ولا ~~استوفى مسائله ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما وأعثرنا على علم جعلنا بين ~~نكرة وجهينة خبره فإن كنت قد استوفيت مسائله وميزت عن سائر الصنائع انظاره ~~وأنحاءه فتوفيق من الله وهداية وإن فاتني شيء في إحصائه واشتبهت بغيره ~~فللناظر المحقق إصلاحه ولي الفضل لأني نهجت له السبيل وأوضحت له الطريق ~~والله يهدي بنوره من يشاء # ونحن الآن نبين في هذا الكتاب ما يعرض للبشر في اجتماعهم من أحوال ~~العمران في الملك والكسب والعلوم والصنائع وجوه برهانية يتضح بها التحقيق ~~في معارف الخاصة والعامة وتندفع بها الأوهام وترفع الشكوك ونقول لما كان ~~الإنسان متميزا عن سائر الحيوانات بخواص اختص بها فمنها العلوم والصنائع ~~التي هي نتيجة الفكر الذي تميز به عن الحيوانات وشرف بوصفه على المخلوقات ~~ومنها الحاجة إلى الحكم الوازع والسلطان القاهر إذ لا يمكن وجوده دون ذلك ~~من بين الحيوانات كلها إلا ما يقال عن النحل والجراد وهذه وإن كان لهما ~~PageV01P040 مثل ذلك فبطريق إلهامي لا بفكر وروية ومنها السعي في المعاش ~~والاعتمال في تحصيله من وجوهه واكتساب أسبابه لما جعل الله فيه من الافتقار ~~إلى الغذاء في حياته وبقائه وهداه إلى التماسه وطلبه قال تعالى أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى ومنها العمران وهو التساكن والتنازل في مصر أو حلة للأنس ~~بالعشير واقتضاء الحاجات لما في طباعهم من التعاون على المعاش كما نبينه ms040 ~~ومن هذا العمران ما يكون بدويا وهو الذي يكون في الضواحي وفي الجبال وفي ~~الحلل المنتجعة في القفار وأطراف الرمال ومنه ما يكون حضريا وهو الذي ~~بالأمصار والقرى والمدن والمدر للاعتصام بها والتحصن بجدرانها وله في كل ~~هذه الأحوال أمور تعرض من حيث الاجتماع عروضا ذاتيا له فلا جرم انحصر ~~الكلام في هذا الكتاب في ستة فصول الأول في العمران البشري على الجملة ~~وأصنافه وقسطه من الأرض والثاني في العمران البدوي وذكر القبائل والأمم ~~الوحشية والثالث في الدول والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانية والرابع ~~في العمران الحضري والبلدان والأمصار والخامس في الصنائع والمعاش والكسب ~~ووجوهه والسادس في العلوم واكتسابها وتعلمها وقد قدمت العمران البدوي لأنه ~~سابق على جميعها كما نبين لك بعد وكذا تقديم الملك على البلدان والأمصار ~~وأما تقديم المعاش فلأن المعاش ضروري طبيعي وتعلم العلم كمالي أو حاجي ~~والطبيعي أقدم من الكمالي وجعلت الصنائع مع الكسب لأنها منه ببعض الوجوه ~~ومن حيث العمران كما نبين لك بعد والله الموفق للصواب والمعين عليه # | الفصل الأول # من الكتاب الأول $ في العمران البشري على الجملة وفيه مقدمات # الأولى في أن الاجتماع الإنساني ضروري ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم ~~الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم ~~وهو معنى العمران وبيانه أن الله سبحانه خلق الإنسان وركبه على صورة لا يصح ~~PageV01P041 حياتها وبقاؤها إلا بالغذاء وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركب ~~فيه من القدرة على تحصيله إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل ~~حاجته من ذلك الغذاء غير موفية له بمادة وحياته منه ولو فرضنا منه أقل ما ~~يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلا فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن ~~والعجن والطبخ وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا ~~تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري وهب أنه يأكله حبا من غير ~~علاج فهو أيضا يحتاج في تحصيله أيضا حبا إلى أعمال أخرى أكثر من هذه ms041 من ~~الزراعة والحصاد والدراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل ويحتاج كل واحد من ~~هذه آلات متعددة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير ويستحيل أن تفي بذلك ~~كله أو ببعضه قدرة الواحد فلا بد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ~~ليحصل القوت له ولهم فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم ~~بأضعاف وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة ~~بأبناء جنسه لأن الله سبحانه لما ركب الطباع في الحيوانات كلها وقسم القدر ~~بينها جعل حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة أكمل من حظ الإنسان ~~فقدرة الفرس مثلا أعظم بكثير من قدرة الإنسان وكذا قدرة الحمار والثور ~~وقدرة الأسد والفيل أضعاف من قدرته ولما كان العدوان طبيعيا في الحيوان جعل ~~لكل واحد منها عضوا يختص بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره وجعل للإنسان ~~عوضا من ذلك كله الفكر واليد فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر والصنائع ~~تحصل له الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوانات للدفاع ~~مثل الرماح التي تنوب عن القرون الناطحة والسيوف النائبة عن المخالب ~~الجارحة والتراس النائبة عن البشرات الجاسية إلى غير ذلك وغيره مما ذكره ~~جالينوس في كتاب منافع الأعضاء فالواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة واحد ~~من الحيوانات العجم سيما المفترسة فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة ولا ~~تفي قدرته أيضا باستعمال الآلات المعدة لها فلا بد في ذلك كله من التعاون ~~عليه بأبناء جنسه وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء ولا تتم ~~حياته لما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته ولا يحصل له ~~أيضا PageV01P042 دفاع عن نفسه لفقدان السلاح فيكون فريسة حيوانات ويعاجله ~~الهلاك عن مدى حياته ويبطل نوع البشر وإذا كان التعاون حصل له القوت للغذاء ~~والسلاح للمدافعة وتمت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه فإذن هذا الاجتماع ~~ضروري للنوع الإنساني وإلا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم ~~بهم واستخلافه ms042 إياهم وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعا لهذا العلم # وفي هذا الكلام نوع إثبات للموضوع في فنه الذي هو موضوع له وهذا وإن لم ~~يكن واجبا على صاحب الفن لما تقرر في الصناعة المنطقية أنه ليس على صاحب ~~علم إثبات الموضوع في ذلك العلم فليس أيضا من الممنوعات عندهم فيكون إثباته ~~من التبرعات والله الموفق بفضله # ثم إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه وتم عمران العالم بهم فلا ~~بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم ~~وليست السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع ~~العدوان عنهم لأنها موجودة لجميعهم فلا بد من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن ~~بعض ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم فيكون ~~ذلك الوازع واحدا منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا ~~يصل أحد إلى غيره بعداون وهذا هو معنى الملك # وقد تبين لك بهذا أن للإنسان خاصة طبيعية ولا بد لهم منها وقد يوجد في ~~بعض الحيوانات العجم على ما ذكره الحكماء كما في النحل والجراد لما استقرىء ~~فيها من الحكم والانقياد والاتباع لرئيس من أشخاصها متميز عنهم في خلقه ~~وجثمانه إلا أن ذلك موجود لغير الإنسان بمقتضى الفطرة والهداية لا بمقتضى ~~الفكرة والسياسة أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وتزيد الفلاسفة على هذا البرهان ~~حيث يحاولون إثبات النبوة بالدليل العقلي وأنها خاصة طبيعية للإنسان ~~فيقررون هذا البرهان إلى غاية وأنه لا بد للبشر من الحكم الوازع ثم يقولون ~~بعد ذلك وذلك الحكم يكون بشرع مفروض من عند الله يأتي به واحد من البشر ~~وأنه لا بد أن يكون متميزا عنهم بما يودع الله فيه من خواص هدايته ليقع ~~التسليم له والقبول منه حتى يتم الحكم فيهم وعليهم من غير إنكار ولا تزيف ~~وهذه القضية للحكماء غير برهانية كما تراه إذ الوجود وحياة البشر قد تتم من ~~PageV01P043 دون ذلك بما يفرضه الحاكم لنفسه أو بالعصبية ms043 التي يقتدر بها ~~على قهرهم وحملهم على جادته فأهل الكتاب والمتبعون للأنبياء قليلون بالنسبة ~~إلى المجوس الذين ليس لهم كتاب فإنهم أكثر أهل العالم ومع ذلك فقد كانت لهم ~~الدول والآثار فضلا عن الحياة وكذلك هي لهم لهذا العهد في الأقاليم ~~المنحرفة في الشمال والجنوب بخلاف حياة البشر فوضى دون وازع لهم البتة فإنه ~~يمتنع وبهذا يتبين لك غلطهم في وجوب النبوات وأنه ليس بعقلي وإنما مدركه ~~الشرع كما هو مذهب السلف من الأمة والله ولي التوفيق والهداية $ المقدمة ~~الثانية في قسط العمران من الأرض والإشارة إلى بعض ما فيه من الأشجار ~~والأنهار والأقاليم # اعلم أنه قد تبين في كتب الحكماء الناظرين في أحوال العالم أن شكل الأرض ~~كروي وأنها محفوفة بعنصر الماء كأنها عنبة طافية عليه فانحسر الماء عن بعض ~~جوانبها لما أراد الله من تكوين الحيوانات فيها وعمرانها بالنوع البشري ~~الذي له الخلافة على سائرها وقد يتوهم من ذلك أن الماء تحت الأرض وليس ~~بصحيح وإنما النحت الطبيعي قلب الأرض ووسط كرتها الذي هو مركزها والكل ~~يطلبه بما فيه من الثقل وما عدا ذلك من جوانبها وأما الماء المحيط بها فهو ~~فوق الأرض وإن قيل في شيء منها إنه تحت الأرض فبالإضافة إلى جهة أخرى منه ~~وأما الذي انحسر عنه الماء من الأرض فهو النصف من سطح كرتها في شكل دائرة ~~إحاط العنصر الماءي بها من جميع جهاتها بحرا يسمى البحر المحيط ويسمى أيضا ~~لبلايه بتفخيم اللام الثانية ويسمى أوقيانوس أسماء أعجمية ويقال له البحر ~~الأخضر والأسود ثم إن هذا المنكشف من الأرض للعمران فيه القفار والخلاء ~~أكثر من عمرانه والخالي من جهة الجنوب منه أكثر من جهة الشمال وإنما ~~المعمور منه أميل إلى الجانب الشمالي على شكل مسطح كروي ينتهي من جهة ~~الجنوب إلى خط الاستواء ومن جهة الشمال إلى خط كروي ووراء الجبال الفاصلة ~~بينه وبين الماء العنصري الذي PageV01P044 بينهما سد يأجوج ومأجوج وهذه ~~الجبال مائلة إلى جهة المشرق وينتهي من المشرق والمغرب إلى عنصر الماء ms044 أيضا ~~بقطعتين من الدائرة المحيطة وهذا المنكشف من الأرض قالوا هو مقدار النصف من ~~الكرة أو أقل والمعمور منه مقدار ربعه وهو المنقسم بالأقاليم السبعة وخط ~~الاستواء يقسم الأرض بنصفين من المغرب إلى المشرق وهو طول الأرض وأكبر خط ~~في كرتها كما أن منطقة فلك البروج ودائرة معدل النهار أكبر خط في الفلك ~~ومنطقة البروج منقسمة بثلثمائة وستين درجة والدرجة من مسافة الأرض خمسة ~~وعشرون فرسخا والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعا ~~والإصبع ست حبات شعير مصفوفة ملصق بعضها إلى بعض ظهرا لبطن وبين دائرة معدل ~~النهار التي تقسم الفلك بنصفين وتسامت خط الاستواء من الأرض وبين كل واحد ~~من القطبين تسعون درجة لكن العمارة في الجهة الشمالية من خط الاستواء أربع ~~وستون درجة والباقي منها خلاء لا عمارة فيه لشدة البرد والجمود كما كانت ~~الجهة الجنوبية خلاء كلها لشدة الحر كما نبين ذلك كله إن شاء الله تعالى # ثم إن المخبرين عن هذا المغمور وحدوده وعما فيه من الأمصار والمدن ~~والجبال والبحار والأنهار والقفار والرمال مثل بطليموس في كتاب الجغرافيا ~~وصاحب كتاب زخار من بعده قسموا هذا المغمور بسبعة أقسام يسمونها الأقاليم ~~السبعة بحدود وهمية بين المشرق والمغرب متساوية في العرض مختلفة في الطول ~~فالإقليم الأول أطول مما بعده وهكذا الثاني إلى آخرها فيكون السابع أقصر ~~لما اقتضاه وضع الدائرة الناشئة عن انحسار الماء عن كرة الأرض وكل واحد من ~~هذه الأقاليم عندهم منقسم بعشرة أجزاء من المغرب إلى المشرق على التوالي ~~وفي كل جزء الخبر عن أحواله وأحوال عمرانه وذكروا أن هذا البحر المحيط يخرج ~~منه من جهة المغرب في الإقليم الرابع البحر الرومي المعروف يبدأ في خليج ~~متضايق في عرض اثني عشر ميلا أو نحوها ما بين طنجة وطريف يسمى الزقاق ثم ~~يذهب مشرقا وينفسح إلى عرض ستمائة ميل ونهايته في آخره الجزء الرابع 4 من ~~الإقليم الرابع على ألف فرسخ ومائة وستين فرسخا من مبدأه وعليه هنالك سواحل ~~الشام وعليه من جهة الجنوب ms045 سواحل المغرب أولها طنجة عند الخليج ثم ~~PageV01P045 إفريقية ثم برقة إلى الإسكندرية ومن جهة الشمال سواحل ~~القسطنطينية عند الخليج ثم البنادقة ثم رومة ثم الإفرنجة ثم الأندلس إلى ~~طريف عند الزقاق قبالة طنجة ويسمى هذا البحر الرومي والشامي وفيه جزر كثيرة ~~عامرة كبار مثل أقريطش وقبرص وصقلية وميورقة وسردانية قالوا ويخرج منه في ~~جهة الشمال بحران آخران من خليجين أحدهما مساميت للقسطنطينية يبدأ من هذا ~~البحر متضايقا في عرض رمية السهم ويمر ثلاثة بحار فيتصل بالقسطنطينية ثم ~~ينفسح في عرض أربعة أميال ويمر في جريه ستين ميلا ويسمى خليج القسطنطينية ~~ثم يخرج من فوهة عرضها ستة أميال فيمد بحر نيطش وهو بحر ينحرف من هنالك في ~~مذهبه إلى ناحية الشرق فيمر بأرض هرقلة وينتهي إلى بلاد الخزرية على ألف ~~وثلثمائة ميل من فوهته وعليه من الجانبين أمم من الروم والترك وبرجان ~~والروس والبحر الثاني من خليجي هذا البحر الرومي وهو بحر البنادقة يخرج من ~~بلاد الروم على سمت الشمال فإذا انتهى إلى سمت الجبل انحرف في سمت المغرب ~~إلى بلاد البنادقة وينتهى إلى بلاد إنكلاية على ألف ومائة ميل من مبدأه ~~وعلى حافتيه من البنادقة والروم وغيرهم أمم ويسمى خليج البنادقة قالوا ~~وينساح من هذا البحر المحيط أيضا من الشرق وعلى ثلاث عشرة درجة في الشمال ~~من خط الاستواء بحر عظيم متسع يمر في الجنوب قليلا حتى ينتهي إلى الإقليم ~~الأول ثم يمر فيه مغربا إلى أن ينتهي في الجزء الخامس منه إلى بلاد الحبشة ~~والزنج وإلى بلاد باب المندب منه على أربعة آلاف فرسخ من مبداه ويسمى البحر ~~الصيني والهندي والحبشي وعليه من جهة الجنوب وبلاد الزنج وبلاد يوبر التي ~~ذكرها امرؤ القيس في شعره وليسوا من البربر الذين هم قبائل المغرب ثم بلد ~~مقدنسو ثم بلد سفالة وأرض الوقواق وأمم أخر ليس بعدهم إلا القفار والخلاء ~~وعليه من جهة الشمال الصين من عند مبداه ثم الهند ثم السد ثم سواحل اليمن ~~من الأحقاف وزبيد وغيرها ثم بلاد الزنج ms046 عند نهايته وبعدهم الحبشة # قالوا ويخرج من هذا البحر الحبشي بحران آخران أحدهما يخرج من نهايته عند ~~باب المندب فيبدأ متضايقا ثم يمر مستبحرا إلى ناحية الشمال ومغربا قليلا ~~إلى أن ينتهي إلى القلزم في الجزء الخامس من الإقليم الثاني على ألف ~~وأربعمائة ميل من مبداه ويسمى بحر PageV01P046 القلزم وبحر السويس وبينه ~~وبين فسطاط مصر من هنالك ثلاث مراحل وعليه من جهة الشرق سواحل اليمن ثم ~~الحجاز وجدة ثم مدين وأيلة وفاران عند نهايته ومن جهة الغرب سواحل الصعيد ~~وعيذاب وسواكن وزيلع ثم بلاد الحبشة عند مبداه وآخره عند القلزم يسامت ~~البحر الرومي عند العريش وبينهما نحو ست مراحل وما زال الملوك في الإسلام ~~وقبله يرومون خرق ما بينهما ولم يتم ذلك والبحر الثاني من هذا البحر الحبشي ~~ويسمى الخليج الأخضر يخرج ما بين بلاد السند والأحقاف من اليمن ويمر إلى ~~ناحية الشمال مغربا قليلا إلى أن ينتهي إلى الأيلة من سواحل البصرة في ~~الجزء السادس من الإقليم الثاني على أربعمائة فرسخ وأربعين فرسخا من مبداه ~~ويسمى بحر فارس وعليه من جهة الشرق سواحل السند ومكران وكرمان وفارس ~~والأبلة عند نهايته من جهة الغرب سواحل البحرين واليمامة وعمان والشحر ~~والأحقاف عند مبداه وفيما بين بحر فارس والقلزم وجزيرة العرب كأنها داخلة ~~من البر في البحر يحيط بها البحر الحبشي من الجنوب وبحر القلزم من الغرب ~~وبحر فارس من الشرق وتفضي إلى العراق بين الشام والبصرة على ألف وخمسمائة ~~ميل بينهما وهنالك الكوفة والقادسية وبغداد وإيوان كسرى والحيرة ووراء ذلك ~~أمم الأعاجم من الترك والخزر وغيرهم وفي جزيرة العرب بلاد الحجاز في جهة ~~الغرب منها وبلاد اليمامة والبحرين وعمان في جهة الشرق منها وبلاد اليمن في ~~جهة الجنوب منها وسواحله على البحر الحبشي # قالوا وفي هذا المغمور بحر آخر منقطع من سائر البحار في ناحية الشمال ~~بأرض الديلم يسمى بحر جرجان وطبرستان طوله ألف ميل في عرض ستمائة ميل في ~~غربيه أذربيجان والديلم وفي شرقيه أرض الترك وخوارزم وفي جنوبيه طبرستان ms047 ~~وفي شماليه أرض الخزر واللان # هذه جملة البحار المشهورة التي ذكرها أهل الجغرافيا قالوا وفي هذا الجزء ~~المغمور أنهار كثيرة أعظمها أربعة أنهار وهي النيل والفرات ودجلة ونهر بلخ ~~المسمى جيحون فأما النيل فمبدأه من جبل عظيم وراء خط الاستواء بست عشرة ~~درجة على سمت الجزء الرابع من الإقليم الأول ويسمى جبل القمر ولا يعلم في ~~الأرض جبل أعلى منه تخرج منه عيون كثيرة فيصب بعضها في بحيرة هناك وبعضها ~~في أخرى ثم تخرج أنهار من البحيرتين فتصب كلها في بحيرة PageV01P047 واحدة ~~عند خط الاستواء على عشر مراحل من الجبل ويخرج من هذه البحيرة نهران ذهب ~~أحدهما إلى ناحية الشمال على سمته ويمر ببلاد النوبة ثم بلاد مصر فإذا ~~جاوزها تشعب في شعب متقاربة يسمى كل واحد منها خليجا وتصب كلها في البحر ~~الرومي عند الإسكندرية ويسمى نيل مصر وعليه الصعيد من شرقيه والواحات من ~~غربيه ويذهب الآخر منعطفا إلى المغرب ثم يمر على سمته إلى أن يصب في البحر ~~المحيط وهو نهر السودان وأممهم كلهم على ضفتيه وأما الفرات فمبداه من بلاد ~~أرمينية في الجزء السادس من الإقليم الخامس ويمر جنوبا في أرض الروم وملطية ~~إلى منبج ثم يمر بصفين ثم بالرقة ثم بالكوفة إلى أن ينتهي إلى البطحاء التي ~~بين البصرة وواسط ومن هناك يصب في البحر الحبشي وتنجلب إليه في طريقه أنهار ~~كثيرة ويخرج منه أنهار أخرى تصب في دجلة وأما دجلة فمبدأها عين ببلاد خلاط ~~من أرمينية أيضا وتمر على سمت الجنوب بالموصل وأذربيجان وبغداد إلى واسط ~~فنتفرق إلى خلجان كلها تصب في بحيرة البصرة وتفضي إلى بحر فارس وهو في ~~الشرق على يمين الفرات وينجلب إليه أنهار كثيرة عظيمة من كل جانب وفيما بين ~~الفرات ودجلة من أوله جزيرة الموصل قبالة الشام من عدوتي الفرات وقبالة ~~أذربيجان من عدوة دجلة وأما نهر جيحون فمبدأه من بلخ في الجزء الثامن من ~~الإقليم الثالث من عيون هناك كثيرة وتنجلب إليه أنهار عظام ويذهب من الجنوب ~~إلى الشمال ms048 فيمر ببلاد خراسان ثم يخرج منها إلى بلاد خوارزم في الجزء ~~الثامن من الإقليم الخامس فيصب في بحيرة الجرجانية التي بأسفل مدينتها وهي ~~مسيرة شهر في مثله وإليها ينصب نهر فرغانة والشاش الآتي من بلاد الترك وعلى ~~غربي نهر جيحون بلاد خراسان وخوارزم وعلى شرقيه بلاد بخارى وترمذ وسمرقند ~~ومن هنالك إلى ما وراءه بلاد الترك وفرغانة والخزلجية وأمم الأعاجم وقد ذكر ~~ذلك كله بطليموس في كتابه والشريف في كتاب زخار وصوروا في الجغرافيا جميع ~~ما في المغمور من الجبال والبحار والأودية واستوفوا من ذلك ما لا حاجة لنا ~~به لطوله ولأن عنايتنا في الأكثر إنما هي بالمغرب الذي هو وطن البربر ~~وبالأوطان التي للعرب من المشرق والله الموفق PageV01P048 # | تكملة لهذه المقدمة الثانية # في أن الربع الشمالي من الأرض أكثر عمرانا من الربع الجنوبي $ وذكر السبب ~~في ذلك # ونحن نرى بالمشاهدة والأخبار المتواترة أن الأول والثاني من الأقاليم ~~المغمورة أقل عمرانامما بعدهما وما وجد من عمرانه فيتخلله الخلاء والقفار ~~والرمال والبحر الهندي الذي في الشرق منهما وأمم هذين الإقليمين وأناسيهما ~~ليست لهم الكثرة البالغة وأمصاره ومدنه كذلك والثالث والرابع ومابعدهما ~~بخلاف ذلك فالقفار فيها قليلة والرمال كذلك أومعدومة وأممها وأناسيها تجوز ~~الحد من الكثرة وأمصارها ومدنها تجاوز الحد عددا والعمران فيها مندرج ما ~~بين الثالث والسادس والجنوب خلاء كله وقد ذكر كثير من الحكماء أن ذلك ~~لإفراط الحر وقلة ميل الشمس فيها عن سمت الرؤوس فلنوضح ذلك ببرهانه ويتبين ~~منه سبب كثرة العمارة فيما بين الثالث والرابع من جانب الشمال إلى الخامس ~~والسابع فنقول إن قطبي الفلك الجنوبي والشمالي إذا كانا على الأفق فهنالك ~~دائرة عظيمة تقسم الفلك بنصفين هي أعظم الدوائر المارة من المشرق إلى ~~المغرب وتسمى دائرة معدل النهار وقد تبين في موضعه من الهيئة أن الفلك ~~الأعلى متحرك من المشرق إلى المغرب حركة يومية يحرك بها سائر الأفلاك في ~~جوفه قهرا وهذه الحركة محسوسة وكذلك تبين أن للكواكب في أفلاكها حركة ~~مخالفة لهذه الحركة وهي من المغرب ms049 إلى المشرق وتختلف آمادها باختلاف حركة ~~الكواكب في السرعة والبطء وممرات هذه الكواكب في أفلاكها تؤازيها كلها ~~دائرة عظيمة من الفلك الأعلى تقسمه بنصفين وهي دائرة فلك البروج منقسمة ~~باثني عشر برجا وهي على ما تبين في موضعه مقاطعة لدائرة معدل النهار على ~~نقطتين متقابلتين من البروج هما أول الحمل وأول الميزان فتقسمها دائرة معدل ~~النهار بنصفين نصف مائل عن معدل النهار إلى الشمال وهو من أول الحمل إلى ~~آخر السنبلة ونصف مائل عنه إلى الجنوب وهو من أول الميزان إلى آخر الحوت ~~وإذا وقع القطبان على الأفق في جميع نواحي الأرض كان PageV01P049 على سطح ~~الأرض خط واحد يسامت دائرة معدل النهار يمر من المغرب إلى المشرق ويسمى خط ~~الاستواء ووقع هذا الخط بالرصد على ما زعموا في مبدأ الإقليم الأول من ~~الأقاليم السبعة والعمران كله في الجهة الشمالية يرتفع عن آفاق هذا المغمور ~~بالتدريج إلى أن ينتهي ارتفاعه إلى أربع وستين درجة وهنالك ينقطع العمران ~~وهو آخر الإقليم السابع وإذا ارتفع على الأفق تسعين درجة وهي التي بين ~~القطب ودائرة معدل النهار على الأفق وبقيت ستة من البروج فوق الأفق وهي ~~الشمالية وستة تحت الأفق وهي الجنوبية والعمارة فيما بين الأربعة والستين ~~إلى التسعين ممتنعة لأن الحر والبرد حينئذ لا يحصلان ممتزجين لبعد الزمان ~~بينهما فلا يحصل التكوين فإذا الشمس تسامت الرؤوس على خط الاستواء في رأس ~~الحمل والميزان ثم تميل عن المسامتة إلى رأس السرطان ورأس الجدي ويكون ~~نهاية ميلها عن دائرة معدل النهار أربعا وعشرين درجة ثم إذا ارتفع القطب ~~الشمالي عن الأفق مالت دائرة معدل النهار عن سمت الرؤوس بمقدار ارتفاعه ~~وانخفض القطب الجنوبي كذلك بمقدار متساو في الثلاثة وهو المسمى عند أهل ~~الموقيت عرض البلد وإذا مالت دائرة معدل النهار عن سمت الرؤوس علت عليها ~~البروج الشمالية مندرجة في مقدار علوهما إلى رأس السرطان وانخفضت البروج ~~الجنوبية من الأفق كذلك إلى رأس الجدي لانحرافها إلى الجانبين في أفق ~~الاستواء كما قلناه فلا يزال الأفق الشمالي ms050 يرتفع حتى يصير أبعد الشمالية ~~وهو رأس السرطان في سمت الرؤوس وذلك حيث يكون عرض البلد أربعا وعشرين في ~~الحجاز وما يليه وهذا هو الميل الذي إذا مال رأس السرطان عن معدل النهار في ~~أفق الاستواء ارتفع بارتفاع القطب الشمالي حتى صار مسامتا فإذا ارتفع القطب ~~أكثر من أربع وعشرين نزلت الشمس عن المسامتة ولا تزال في انخفاض إلى أن ~~يكون ارتفاع القطب أربعا وستين ويكون انخفاض الشمس عن المسامتة كذلك ~~وانخفاض القطب الجنوبي عن الأفق مثلها فينقطع التكوين لإفراط البرد والجمد ~~وطول زمانه غير ممتزج بالحر ثم إن الشمس عند المسامتة وما يقاربها تبعث ~~الأشعة قائمة وفيما دون المسامتة على زوايا منفرجة وحادة وإذا كانت زوايا ~~الأشعة قائمة عظم الضوء وانتشر بخلافه في المنفرجة والحادة فلهذا يكون ~~PageV01P050 الحر عند المسامتة وما يقرب منها أكثر منه فيما بعد لأن الضوء ~~سبب الحر والتسخين # ثم إن المسامتة في خط الاستواء تكون مرتين في السنة عند نقطتي الحمل ~~والميزان وإذا مالت فغير بعيد ولا يكاد الحر يعتدل في آخر ميلها عند رأس ~~السرطان والجدي إلا أن صعدت إلى المسامتة فتبقى الأشعة القائمة الزوايا تلح ~~على ذلك الأفق ويطول مكثها أو يدوم فيشتعل الهواء حرارة ويفرط في شدتها ~~وكذا ما دامت الشمس تسامت مرتين فيما بعد خط الاستواء إلى عرض أربع وعشرين ~~فإن الأشعة ملحة على الأفق في ذلك بقريب من إلحاحها في خط الاستواء وإفراط ~~الحر يفعل في الهواء تجفيفا ويبسا يمنع من التكوين لأنه إذا أفرط الحر جفت ~~المياه والرطوبات وفسد التكوين في المعدن والحيوان والنبات إذ التكوين لا ~~يكون إلا بالرطوبة ثم إذا مال رأس السرطان عن سمت الرؤوس في عرض خمس وعشرين ~~فما بعده نزلت الشمس عن المسامتة فيصير الحر إلى الاعتدال أو يميل عنه ميلا ~~قليلا فيكون التكوين ويتزايد على التدريج إلى أن يفرط البرد في شدته لقلة ~~الضوء وكون الأشعة منفرجة الزوايا فينقص التكوين ويفسد بيد أن فساد التكوين ~~من جهة شدة الحر أعظم منه من جهة ms051 شدة البرد لأن الحر أسرع تأثيرا في ~~التجفيف من تأثير البرد في الجمد فلذلك كان العمران في الإقليم الأول ~~والثاني قليلا وفي الثالث والرابع والخامس متوسطا لاعتدال الحر بنقصان ~~الضوء وفي السادس والسابع كثيرا لنقصان الحر وأن كيفية البرد لا تؤثر عند ~~أولها في فساد التكوين كما يفعل الحر إذ لا تجفيف فيها إلا عند الإفراط بما ~~يعرض لها حينئذ من اليبس كما بعد السابع فلهذا كان العمران في الربع ~~الشمالي أكثر وأوفر والله أعلم # ومن هنا أخذ الحكماء خلاء خط الاستواء وما وراءه وأورد عليهم أنه معمور ~~بالمشاهدة والأخبار المتواترة فكيف يتم البرهان على ذلك والظاهر أنهم لم ~~يريدوا امتناع العمران فيه بالكلية إنما أداهم البرهان إلى أن فساد التكوين ~~فيه قوي بإفراط الحر والعمران فيه إما ممتنع أو ممكن أقلي وهو كذلك فإن خط ~~الاستواء والذي وراءه وإن كان فيه عمران كما نقل فهو قليل جدا # وقد زعم ابن رشد أن خط الاستواء معتدل وأن ما وراءه في الجنوب بمثابة ما ~~وراءه في الشمال فيعمر منه ما PageV01P051 عمر من هذا والذي قاله غير ممتنع ~~من جهة فساد التكوين وإنما امتنع فيما وراء خط الاستواء في الجنوب من جهة ~~أن العنصر الماءي عمر وجه الأرض هنالك إلى الحد الذي كان مقابله من الجهة ~~الشمالية قابلا للتكوين ولما امتنع المعتدل لغيبة الماء تبعه ما سواه لأن ~~العمران مندرج ويأخذ في التدريج من جهة الوجود لا من جهة الامتناع وأما ~~القول بامتناعه في خط الاستواء فيرده النقل المتواتر والله أعلم ولنرسم بعد ~~هذا الكلام صورة الجغرافيا كما رسمها صاحب كتاب زخار ثم نأخذ في تفصيل ~~الكلام عليها إلى آخره $ تفصيل الكلام على هذه الجغرافيا # اعلم أن الحكماء قسموا هذا المعمور كما تقدم ذكره على سبعة أقسام من ~~الشمال إلى الجنوب يسمون كل قسم منها إقليما فانقسم المعمور من الأرض كله ~~على هذه السبعة الأقاليم كل واحد منها آخذ من الغرب إلى الشرق على طوله ~~فالأول منها مار من المغرب إلى المشرق ms052 مع خط الاستواء بحده من جهة الجنوب ~~وليس وراءه هنالك إلا القفار والرمال وبعض عمارة إن صحت فهي كلا عمارة ~~ويليه من جهة شمالية الإقليم الثاني ثم الثالث كذلك ثم الرابع والخامس ~~والسادس والسابع وهو آخر العمران من جهة الشمال وليس وراء السابع إلا ~~الخلاء والقفار إلى أن ينتهي إلى البحر المحيط كالحال فيما وراء الإقليم ~~الأول في جهة الجنوب إلا أن الخلاء في جهة الشمال أقل بكثير من الخلاء الذي ~~في جهة الجنوب ثم إن أزمنة الليل والنهار تتفاوت في هذه الأقاليم بسبب ميل ~~الشمس عن دائرة معدل النهار وارتفاع القطب الشمالي عن آفاقها فيتفاوت قوس ~~الليل والنهار لذلك وينتهي طول الليل والنهار في آخر الإقليم الأول وذلك ~~عند حلول الشمس برأس الجدي لليل وبرأس السرطان للنهار كل واحد منهما إلى ~~ثلاث عشرة ساعة وكذلك في آخر الإقليم الثاني مما يلي الشمال فينتهي طول ~~النهار فيه عند حلول الشمس برأس السرطان وهو منقلبها الصيفي إلى ثلاث عشرة ~~ساعة ونصف ساعة ومثله أطول الليل عند منقلبها الشتوي برأس الجدي ويبقى ~~للأقصر من الليل والنهار ما يبقى بعد الثلاث عشرة ونصف من جملة أربع وعشرين ~~الساعات الزمانية لمجموع الليل والنهار وهي دورة الفلك الكاملة PageV01P052 ~~وكذلك في آخر الإقليم الثالث مما يلي الشمال أيضا ينتهيان إلى أربع عشرة ~~ساعة وفي آخر الرابع إلى أربع عشرة ساعة ونصف ساعة وفي آخر الخامس إلى خمس ~~عشرة ساعة وفي آخر السادس إلى خمس عشرة ساعة ونصف وإلى آخر السابع إلى ست ~~عشرة ساعة وهنالك ينقطع العمران فيكون تفاوت هذه الأقاليم في الأطول من ~~ليلها ونهارها بنصف ساعة لكل إقليم يتزايد من أوله في ناحية الجنوب إلى ~~آخره في ناحية الشمال موزعة على أجزاء هذا البعد # وأما عرض البلدان في هذه الأقاليم وهو عبارة عن بعد ما بين سمت رأس البلد ~~ودائرة معدل النهار الذي هو سمت رأس خط الاستواء وبمثله سواء ينخفض القطب ~~الجنوبي عن أفق ذلك البلد ويرتفع القطب الشمالي عنه وهو ثلاثة أبعاد ms053 ~~متساوية تسمى عرض البلد كما مر ذلك قبل # والمتكلمون على هذه الجغرافيا قسموا كل واحد من هذه الأقاليم السبعة في ~~طوله من المغرب إلى المشرق بعشرة أجزاء متساوية ويذكرون ما اشتمل عليه كل ~~جزء منها من البلدان والأمصار والجبال والأنهار والمسافات بينها في المسالك ~~ونحن الآن نوجز القول في ذلك ونذكر مشاهير البلدان والأنهار والبحار في كل ~~جزء منها ونحاذي بذلك ما وقع في كتاب نزهة المشتاق الذي ألفه العلوي ~~الأدريسي الحمودي لملك صقلية من الإفرنج وهو زخار بن زخار عند ما كان نازلا ~~عليه بصقلية بعد خروج صقلية من إمارة مالقة و تأليفه للكتاب في منتصف ~~المائة السادسة وجمع له كتبا جمة للمسعودي وابن خرداذبه والحوقلي والقدري ~~وابن إسحاق المنجم وبطليموس وغيرهم ونبدأ منها بالإقليم الأول إلى آخرها ~~والله سبحانه وتعالى يعصمنا بمنه وفضله # الإقليم الأول وفيه من جهة غربيه الجزائر الخالدات التي منها بدأ بطليموس ~~بأخذ أطوال البلاد وليست في بسيط الإقليم وإنما هي في البحر المحيط جزر ~~متكثرة أكبرها وأشهرها ثلاث ويقال إنها معمورة وقد بلغنا أن سفائن من ~~الإفرنج مرت بها في أواسط هذه المائة وقاتلوهم فغنموا منهم وسبوا وباعوا ~~بعض أسراهم بسواحل المغرب الأقصى وصاروا إلى خدمة السلطان فلما تعلموا ~~اللسان العربي أخبروا عن حال جزائرهم وأنهم يحتفرون الأرض للزراعة بالقرون ~~وأن PageV01P053 الحديد مفقود بأرضيهم وعيشهم من الشعير وماشيتهم المعز ~~وقتالهم بالحجارة ويرمونها إلى خلف وعبادتهم السجود للشمس إذا طلعت ولا ~~يعرفون دينا ولم تبلغهم دعوة ولايوقف على مكان هذه الجزائر إلا بالعثور لا ~~بالقصد إليها لأن سفر السفن في البحر إنما هو بالرياح ومعرفة جهات مهابها ~~وإلى أين يوصل إذا مرت على الاستقامة من البلاد التي ممر ذلك المهب وإذا ~~اختلف المهب وعلم حيث يوصل على الاستقامة حوذي به القلع محاذاة يحمل ~~السفينة بها على قوانين في ذلك محصلة عند النواتية والملاحين الذين هم ~~رؤساء السفن في البحر والبلاد التي في حافات البحر الرومي وفي عدوته مكتوبة ~~كلها في صحيفة على شكل ما هي ms054 عليه في الوجود وفي وضعها في سواحل البحر على ~~ترتيبها ومهاب الرياح وممراتها على اختلافها مرسوم معها في تلك الصحيفة ~~ويسمونها الكنباص وعليها يعتمدون في أسفارهم وهذا كله مفقود في البحر ~~المحيط فلذلك لا تلج فيه السفن لأنها إن غابت عن مرأى السواحل فقل أن تهتدي ~~إلى الرجوع إليها مع ما ينعقد في جو هذا البحر وعلى سطح مائه من الأبخرة ~~الممانعة للسفن في مسيرها وهي لبعدها لا تدركها أضواء الشمس المنعكسة من ~~سطح الأرض فتحللها فلذلك عسر الاهتداء إليها وضعب الوقوف على خبرها # وأما الجزء الأول من هذا الإقليم ففيه مصب النيل الآتي من مبداه عند جبل ~~القمر كما ذكرناه ويسمى نيل السودان ويذهب إلى البحر المحيط فيصب فيه عند ~~جزيرة أولئك وعلى هذا النيل مدينة سلا وتكرور وغانة وكلها لهذا العهد في ~~مملكة ملك مالي من أمم السودان وإلى بلادهم تسافر تجار المغرب الأقصى ~~وبالقرب منها من شماليها بلاد لمتونة وسائر طوائف الملثمين ومفاوز يجولون ~~فيها وفي جنوبي هذا النيل قوم من السودان يقال لهم لملم وهم كفار ويكتوون ~~في وجوههم وأصداغهم وأهل غانة والتكرور يغيرون عليهم ويسبونهم ويبيعونهم ~~للتجار فيجلبونهم إلى المغرب وكلهم عامة رقيقهم وليس وراءهم في الجنوب ~~عمران يعتبر إلا أناسي أقرب إلى الحيوان العجم من الناطق يسكنون الفيافي ~~والكهوف ويأكلون العشب والحبوب غير مهيأة وربما يأكل بعضهم بعضا وليسوا في ~~عداد البشر وفواكه بلاد السودان كلها من قصور صحراء المغرب مثل توات ~~وتكدرارين ووركلان فكان في غانة فيما يقال ملك ودولة لقوم من العلويين ~~PageV01P054 يعرفون ببني صالح وقال صاحب كتاب زخار إنه صالح بن عبد الله بن ~~حسن بن الحسن ولا يعرف صالح هذا في ولد عبد الله بن حسن وقد ذهبت هذه ~~الدولة لهذا العهد وصارت غانة لسلطان مالي وفي شرقي هذا البلد في الجزء ~~الثالث من الإقليم بلد كوكو على نهر ينبع من بعض الجبال هنالك ويمر مغربا ~~فيغوص في رمال الجزء الثاني وكان ملك كوكو قائما بنفسه ثم استولى عليها ~~سلطان ms055 مالي وأصبحت في مملكته وخربت لهذا العهد من أجل فتنة وقعت هناك ~~نذكرها عند ذكر دولة مالي في محلها من تاريخ البربر وفي جنوبي بلد كوكو ~~بلاد كاتم من أمم السودان وبعدهم ونغارة على ضفة النيل من شماليه وفي شرقي ~~بلاد ونغارة وكاتم بلاد زغاوة وتاجرة المتصلة بأرض النوبة في الجزء الرابع ~~من هذا الإقليم وفيه يمر نيل مصر ذاهبا من مبداه عند خط الاستواء إلى البحر ~~الرومي في الشمال ومخرج هذا النيل من جبل القمرالذي فوق خط الاستواءبست ~~عشرة درجة واختلفوا في ضبط هذه اللفظة فضبطها بعضهم بفتح القاف والميم نسبة ~~إلى قمر السماء لشدة بياضه وكثرة ضوءه وفي كتاب المشترك لياقوت بضم القاف ~~وسكون الميم نسبة إلى قوم من أهل الهند وكذا ضبطه ابن سعيد فيخرج من هذا ~~الجبل عشر عيون تجتمع كل خمسة منها في بحيرة وبينهما ستة أميال ويخرج من كل ~~واحدة من البحيرتين ثلاثة أنهار تجتمع كلها في بطيحة واحدة في أسفلها جبل ~~معترض يشق البحيرة من ناحية الشمال وينقسم ماؤهما بقسمين فيمر الغربي منه ~~إلى بلاد السودان مغربا حتى يصب في البحر المحيط ويخرج الشرقي منه ذاهبا ~~إلى الشمال على بلاد الحبشة والنوبة وفيما بينهما وينقسم في أعلى أرض مصر ~~فيصب ثلاثة من جداوله في البحر الرومي عند الإسكندرية ورشيد ودمياط ويصب ~~واحد في بحيرة ملحة قبل أن يتصل بالبحر في وسط هذا الإقليم الأول وعلى هذا ~~النيل بلاد النوبة والحبشة وبعض بلاد الواحات إلى أسوان وحاضرة بلاد النوبة ~~مدينة دنقلة وهي في غربي هذا النيل وبعدها علوة وبلاق وبعدهما جبل الجنادل ~~على ستة مراحل من بلاق في الشمال وهو جبل عال من جهة مصر ومنخفض من جهة ~~النوبة فينفذ فيه النيل ويصب في مهوى بعيد صبأ هائلا فلا يمكن أن تسلكه ~~المراكب بل يحول الوسق من مراكب السودان فيحمل على الظهر إلى بلد ~~PageV01P055 أسوان قاعدة الصعيد إلى فوق الجنادل وبين الجنادل وأسوان اثنتا ~~عشرة مرحلة والواحات في غربيها عدوة النيل وهي الآن خراب ms056 وبها آثار العمارة ~~القديمة وفي وسط هذا الاقليم في الجزء الخامس منه بلاد الحبشة على واد يأتي ~~من وراء خط الاستواء ذاهبا إلى أرض النوبة فيصب هناك في النيل الهابط إلى ~~مصر وقدوهم فيه كثير من الناس وزعموا أنه من نيل القمر وبطليموس ذكره في ~~كتاب الجغرافيا وذكر أنه ليس من هذا النيل وإلى وسط هذا الإقليم في الجزء ~~الخامس ينتهي بحر الهند الذي يدخل من ناحية الصين ويغمر عامة هذا الإقليم ~~إلى هذا الجزء الخامس فلا يبقى فيه عمران إلا ما كان في الجزائر التي في ~~داخله وهي متعددة يقال تنتهي إلى ألف جزيرة أو فيما على سواحله من جهة ~~الشمال وليس منها في هذا الإقليم الأول إلا طرف من بلاد الصين في جهة الشرق ~~وفي بلاد اليمن # وفي الجزء السادس من هذا الإقليم فيما بين البحرين الهابطين من هذا البحر ~~الهندي إلى جهة الشمال وهما بحر قلزم وبحر فارس وفيما بينهما جزيرة العرب ~~وتشتمل على بلاد اليمن وبلاد الشحر في شرقيها على ساحل هذا البحر الهندي ~~وعلى بلاد الحجاز واليمامة وما إليهما كما نذكره في الإقليم الثاني وما ~~بعده فأما الذي على ساحل هذا البحر من غربيه فبلد زالع من أطراف بلاد ~~الحبشة ومجالات البجة في شمالي الحبشة ما بين جبل العلاقي في أعالي الصعيد ~~وبين بحر القلزم الهابط من البحر الهندي وتحت بلاد زالع من جهة الشمال في ~~هذا الجزء خليج باب المندب يضيق البحر الهابط هنالك بمزاحمة جبل المندب ~~المائل في وسط البحر الهندي ممتدا مع ساحل اليمن من الجنوب إلى الشمال في ~~طول اثني عشر ميلا فيضيق البحر بسبب ذلك إلى أن يصير في عرض ثلاثة أميال أو ~~نحوها ويسمى باب المندب وعليه تمر مراكب اليمن إلى ساحل السويس قريبا من ~~مصر وتحت باب المندب جزيرة سواكن ودهلك وقبالته من غربيه مجالات البجة من ~~أمم السودان كما ذكرناه ومن شرقيه في هذا الجزء تهائم اليمن ومنها على ~~ساحله بلد علي بن يعقوب وفي جهة الجنوب ms057 من بلد زالع وعلى ساحل هذا البحر من ~~غربيه قرى بربر يتلو بعضها بعضا و ينعطف من جنوبيه إلى آخر الجزء السادس ~~ويليها هنالك من PageV01P056 جهة شرقيها بلاد الزنج ثم بلاد سفالة من ساحله ~~الجنوبي بلاد الوقواق متصلة إلى آخر الجزء العاشر من هذا الإقليم عند مدخل ~~هذا البحر من البحر المحيط وأما جزائر هذا البحر فكثيرة من أعظمها جزيرة ~~سرنديب مدورة الشكل وبها الجبل المشهور يقال ليس في الأرض أعلى منه وهي ~~قبالة سفالة ثم جزيرة القمر وهي جزيرة مستطيلة تبدأ من قبالة الأرض سفالة ~~وتذهب إلى الشرق منحرفة بكثير إلى أن تقرب من سواحل أعالي الصين ويحتف بها ~~في هذا البحر من جنوبيها جزائر الوقواق ومن شرقيها جزائر السيلان إلى جزائر ~~أخر في هذا البحر كثيرة العدد وفيها أنواع الطيب والأفاويه وفيها يقال ~~معادن الذهب والزمرد وعامة أهلها على دين المجوسية وفيهم ملوك متعددون ~~وبهذه الجزائر من أحوال العمران عجائب ذكرها أهل الجغرافيا وعلى الضفة ~~الشمالية من هذا البحر في الجزء السادس من هذا الإقليم بلاد اليمن كلها فمن ~~جهة بحر القلزم بلد زبيد والمعجم وتهامة اليمن وبعدها بلد صعدة مقر الإمامة ~~الزيدية وهي بعيدة عن البحر الجنوبي وعن البحر الشرقي وفيما بعد ذلك مدينة ~~عدن وفي شماليها صنعاء وبعدهما إلى المشرق أرض الأحقاف وظفار وبعدها أرض ~~حضرموت ثم بلاد الشحر ما بين البحر الجنوبي وبحر فارس وهذه القطعة من الجزء ~~السادس هي التي انكشفت عنها البحر من أجزاء هذا الإقليم الوسطى وينكشف ~~بعدها قليل من الجزء التاسع وأكثر منه من العاشر فيه أعالي بلاد الصين ومن ~~مدنه الشهيرة خانكو وقبالتها من جهة الشرق جزائر السيلان وقد تقدم ذكرها ~~وهذا آخر الكلام في الإقليم الأول والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه ~~وفضله # الإقليم الثاني وهو متصل بالأول من جهة الشمال وقبالة المغرب منه في ~~البحر المحيط جزيرتان من الجزائر الخالدات التي مر ذكرها وفي الجزء الأول ~~والثاني منه في الجانب الأعلى منهما أرض قنورية وبعدها في جهة الشرق ms058 أعالي ~~أرض غانة ثم مجالات زغاوة من السودان وفي الجانب الأسفل منهما صحراء نستر ~~متصلة من الغرب إلى الشرق ذات مفاوز تسلك فيها التجار ما بين بلاد المغرب ~~وبلاد السودان وفيها مجالات الملثمين من صنهاجة وهم شعوب كثيرة ما بين ~~كزولة ولمتونة ومسراتة ولمطة ووريكة وعلى سمت هذه المفاوز شرقا أرض فزان ثم ~~مجالات أركار من قبائل PageV01P057 البربر ذاهبة إلى أعالي الجزء الثالث ~~على سمتها في الشرق وبعدها من هذا الجزء الثالث وهي جهة الشمال منه بقية ~~أرض وذان وعلى سمتها شرقا أرض سنترية وتسمى الواحات الداخلة وفي الجزء ~~الرابع من أعلاه بقية أرض الباحويين ثم يعترض في وسط هذا الجزء بلاد الصعيد ~~حافات النيل الذاهب من مبداه في الإقليم الأول إلى مصبه في البحر فيمر في ~~هذا الجزء بين الجبلين الحاجزين وهما جبل الواحات من غربيه وجبل المقطم من ~~شرقيه وعليه من أعلاه بلد أسنا وأرمنت ويتصل كذلك حافاته إلى أسيوط وقوص ثم ~~إلى صول ويفترق النيل هنالك على شعبين ينتهي الأيمن منهما في هذا الجزء عند ~~اللاهون والأيسر عند دلاص وفيما بينهما أعالي ديار مصر وفي الشرق من جبل ~~المقطم صحارى عيذاب ذاهبة في الجزء الخامس إلى أن تنتهي إلى بحر السويس وهو ~~بحر القلزم الهابط من البحر الهندي في الجنوب إلى جهة الشمال وفي عدوته ~~الشرقية من هذا الجزء أرض الحجاز من جبل يلملم إلى بلاد يثرب في وسط الحجاز ~~مكة شرفها الله وفي ساحلها مدينة جدة تقابل بلد عيذاب في العدوة الغربية من ~~هذا البحر # وفي الجزء السادس من غربيه بلاد نجد أعلاها في الجنوب وتبالة وجرش إلى ~~عكاظ من الشمال وتحت نجد من هذا الجزء بقية أرض الحجاز وعلى سمتها في الشرق ~~بلاد نجران وخيبر وتحتها أرض اليمامة وعلى سمت نجران في الشرق أرض سبأ ~~ومأرب ثم أرض الشحر وينتهي إلى بحر فارس وهو البحر الثاني الهابط من البحر ~~الهندي وإلى الشمال كما مر ويذهب في هذا الجزء بانحراف إلى الغرب فيمر ما ~~بين شرقيه ms059 وجوفيه قطعة مثلثة عليها من أعلاه مدينة قلهات وهي ساحل الشحر ثم ~~تحتها على ساحله بلاد عمان ثم بلاد البحرين وهجر منها في آخر الجزء # وفي الجزء السابع في الأعلى من غربيه قطعة من بحر فارس تتصل بالقطعة ~~الأخرى في السادس ويغمر بحر الهند جانبه الأعلى كله وعليه هنالك بلاد السند ~~إلى بلاد مكران ويقابلها بلاد الطوبران وهي من السند أيضا فيتصل السند كله ~~في الجانب الغربي من هذا الجزء وتحول المفاوز بينه وبين أرض الهند ويمر فيه ~~نهره الآتي من ناحية بلاد الهند ويصب في البحر الهندي في الجنوب وأول بلاد ~~الهند على ساحل البحر الهندي وفي سمتها شرقا بلاد بلهر وتحتهما في الجانب ~~الأسفل أرض كابل وبعدها شرقا إلى البحر المحيط بلاد القنوج ما بين ~~PageV01P058 قشمير الداخلة وقشمير الخارجة عند آخر الإقليم وفي الجزء ~~التاسع ثم في الجانب الغربي منه بلاد الهند الأقصى ويتصل فيه إلى الجانب ~~الشرقي فيتصل من أعلاه إلى العاشر وتبقى في أسفل ذلك الجانب قطعة من بلاد ~~الصين فيها مدينة شيغون ثم تتصل بلاد الصين في الجزء العاشر كله إلى البحر ~~المحيط والله ورسوله أعلم وبه سبحانه التوفيق وهو ولي الفضل والكرم # الإقليم الثالث وهو متصل بالثاني من جهة الشمال ففي الجزء الأول منه وعلى ~~نحو الثلث من أعلاه جبل درن معترض فيه من غربيه عند البحر المحيط إلى الشرق ~~عند آخره ويسكن هذا الجبل من البربر أمم لا يحصيهم إلا خالقهم حسبما يأتي ~~ذكره وفي القطعة التي بين هذا الجبل والإقليم الثاني وعلى البحر المحيط ~~منها رباط مماسة ويتصل به شرقا بلاد سوس ونول وعلى سمتها شرقا بلاد درعة ثم ~~بلاد سجلماسة ثم قطعة من صحراء نستر المفازة التي ذكرناها في الإقليم ~~الثاني وهذا الجبل مطل على هذه البلاد كلها في هذا الجزء وهو قليل الثنايا ~~والمسالك في هذه الناحية الغربية إلى أن يسامت وادي ملوية فتكثر ثناياه ~~ومسالكه إلى أن ينتهي وفي هذه الناحية منه أمم المصامدة ثم هنتانة ثم ~~تينملك ثم ms060 كدميوه ثم مشكورة وهم آخر المصامدة فيه ثم قبائل صنهاكة وهم ~~صنهاجة وفي آخر هذا الجزء منه بعض قبائل زناتة ويتصل به هنالك من جوفيه جبل ~~أوراس وهو جبل كتامة وبعد ذلك أمم أخرى من البرابرة نذكرهم في أماكنهم # ثم إن جبل درن هذا من جهة غربيه مطل على بلاد المغرب الأقصى وهي في جوفيه ~~ففي الناحية الجنوبية منها بلاد مراكش وأغمات وتادلا وعلى البحر المحيط ~~منها رباط أسفى ومدينة سلا وفي الجوف عن بلاد مراكش بلاد فاس ومكناسة وتازا ~~وقصر كتامة وهذه هي التي تسمى المغرب الأقصى في عرف أهلها وعلى ساحل البحر ~~المحيط منها بلدان أصيلا والعرايش وفي سمت هذه البلاد شرقا بلاد المغرب ~~الأوسط وقاعدتها تلمسان وفي سواحلها على البحر الرومي بلد هنين ووهران ~~والجزائر لأن هذا البحر الرومي يخرج من البحر المحيط من خليج طنجة في ~~الناحية الغربية من الإقليم الرابع ويذهب مشرقا فينتهي إلى بلاد الشام فإذا ~~خرج من الخليج المتضايق غير بعيد انفسح جنوبا وشمالا فدخل في الإقليم ~~الثالث والخامس PageV01P059 فلهذا كان على ساحله من هذا الإقليم الثالث ~~الكثير من بلاده ثم يتصل ببلاد الجزائر من شرقيها بلاد بجاية في ساحل البحر ~~ثم قسطنطينية في الشرق منها وفي آخر الجزء الأول وعلى مرحلة من هذا البحر ~~في جنوبي هذه البلاد ومرتفعا إلى جنوب المغرب الأوسط بلد أشير ثم بلد ~~المسيلة ثم الزاب وقاعدته بسكرة تحت جبل أوراس المتصل بدرن كما مر وذلك عند ~~آخر هذا الجزء من جهة الشرق والجزء الثاني من هذا الإقليم على هيئة الجزء ~~الأول ثم جبل درن على نحو الثلث من جنوبه ذاهبا فيه من غرب إلى شرق فيقسمه ~~بقطعتين ويغمر البحر الرومي مسافة من شماله فالقطعة الجنوبية عن جبل درن ~~غربيها كله مفاوز وفي الشرق منها بلد عذامس وفي سمتها شرقا أرض ودان التي ~~بقيتها في الإقليم الثاني كما مر والقطعة الجوفية عن جبل درن ما بينه وبين ~~البحر الرومي في الغرب منها جبل أوراس وتبسة والأوبس وعلى ساحل ms061 البحر بلد ~~بونة ثم في سمت هذه البلاد شرقا بلاد أفريقية فعلى ساحل البحر مدينة تونس ~~ثم السوسة ثم المهدية وفي جنوب هذه البلاد تحت جبل درن بلاد الجريد توزر ~~وقفصة ونفزاوة وفيما بينها وبين السواحل مدينة القيروان وجبل وسلات وسبيطلة ~~وعلى سمت هذه البلاد كلها شرقا بلد طرابلس على البحر الرومي وبإزائها في ~~الجنوب جبل دمر ونقرة من قبائل هوارة متصلة بجبل درن وفي مقابلة عذامس التي ~~مر ذكرها في آخر القطعة الجنوبية وآخر هذا الجزء في الشرق سويقة ابن مشكورة ~~على البحر وفي جنوبها مجالات العرب في أرض ودان وفي الجزء الثالث من هذا ~~الإقليم يمر أيضا فيه جبل درن إلا أنه ينعطف عند آخره إلى الشمال ويذهب على ~~سمته إلى أن يدخل في البحر الرومي ويسمى هنالك طرف أوثان والبحر الرومي من ~~شماليه يغمر طائفة منه إلى أن يضايق ما بينه وبين جبل درن فالذي وراء الجبل ~~في الجنوب وفي الغرب منه بقية أرض ودان ومجالات العرب فيها ثم زويلة ابن ~~خطاب ثم رمال وقفار إلى آخر الجزء في الشرق وفيما بين الجبل والبحر في ~~الغرب منه بلد سرت على البحر ثم خلاء وقفار تجول فيها العرب ثم أجدابية ثم ~~برقة عند منعطف الجبل ثم طلمسة على البحر هنالك ثم في شرق المنعطف من الجبل ~~مجالات هيب ورواحة إلى آخر الجزء # وفي الجزء الرابع من هذا الإقليم وفي الأعلى من غربيه صحارى برقيق وأسفل ~~منها PageV01P060 بلاد هيب ورواحة ثم يدخل البحر الرومي في هذا الجزء فيغمر ~~طائفة منه إلى الجنوب حتى يزاحم طرفه الأعلى ويبقى بينه وبين آخر الجزء ~~قفار تجول فيها العرب وعلى سمتها شرقا بلاد الفيوم وهي على مصب أحد الشعبين ~~من النيل الذي يمر على اللاهون من بلاد الصعيد في الجزء الرابع من الإقليم ~~الثاني ويصب في بحيرة فيوم وعلى سمته شرقا أرض مصر ومدينتها الشهيرة على ~~الشعب الثاني الذي يمر بدلاص من بلاد الصعيد عند آخر الجزء الثاني ويفترق ~~هذا الشعب افتراقه ثانية ms062 من تحت مصر على شعبين آخرين من شطنوف وزفتي وينقسم ~~الأيمن منهما من قرمط بشعبين آخرين ويصب جميعها في البحر الرومي فعلى مصب ~~الغربي من هذا الشعب بلد الإسكندرية وعلى مصب الوسط بلد رشيد وعلى مصب ~~الشرقي بلد دمياط وبين مصر والقاهرة وبين هذه السواحل البحرية أسافل الديار ~~المصرية كلها محشوة عمرانا وفلجا وفي الجزء الخامس من هذا الإقليم بلاد ~~الشام وأكثرها على ما أصف وذلك لأن بحر القلزم ينتهي من الجنوب وفي الغرب ~~منه عند السويس لأنه في ممره مبتدىء من البحر الهندي إلى الشمال ينعطف آخذا ~~إلى جهة الغرب فتكون قطعة من انعطافه في هذا الجزء طويلة فينتهي في الطرف ~~الغربي منه إلى السويس وعلى هذه القطعة بعد السويس فاران ثم جبل الطور ثم ~~أيلة مدين ثم الحوراء في آخرها ومن هنالك ينعطف بساحله إلى الجنوب في أرض ~~الحجاز كما مر في الإقليم الثاني في الجزء الخامس منه وفي الناحية الشمالية ~~من هذا الجزء قطعة من البحر الرومي غمرت كثيرا من غربيه عليها الفرما ~~والعريش وقارب طرفها بلد القلزم فيضايق ما بينهما من هنالك وبقي شبه الباب ~~مفضيا إلى أرض الشام وفي غربي هذا الباب فحص التيه أرض جرداء لا تنبت كانت ~~مجالا لبني إسرائيل بعد خروجهم من مصر وقبل دخولهم إلى الشام أربعين سنة ~~كما قصه القرآن وفي هذه القطعة من البحر الرومي في هذا الجزء طائفة من ~~جزيرة قبرص وبقيتها في الإقليم الرابع كما نذكره وعلى ساحل هذه القطعة عند ~~الطرف المتضايق لبحر السويس بلد العريش وهو آخر الديار المصرية وعسقلان ~~وبينهما طرف هذا البحر ثم تنحط هذه القطعة في انعطافها من هنالك إلى ~~الإقليم الرابع عند طرابلس وغزة وهنالك ينتهي البحر الرومي في جهة الشرق ~~وعلى هذه PageV01P061 القطعة أكثر سواحل الشام ففي شرقه غزة ثم عسقلان ~~وبانحراف يسير عنها إلى الشمال بلد قيسارية ثم كذلك بلد عكا ثم صور ثم صيدا ~~ثم ينعطف البحر إلى الشمال في الإقليم الرابع ويقابل هذه البلاد الساحلية ~~من هذه ms063 القطعة في هذا الجزء جبل عظيم يخرج من ساحل أيلة من بحر القلزم ~~ويذهب في ناحية الشمال منحرفا إلى الشرق إلى أن يجاوز هذا الجزء ويسمى جبل ~~اللكام وكأنه حاجز بين أرض مصر والشام ففي طرفه عند أيلة العقبة التي يمر ~~عليها الحجاج من مصر إلى مكة ثم بعدها في ناحية الشمال مدفن الخليل عليه ~~الصلاة والسلام عند جبل السراة يتصل من عند جبل اللكام المذكور من شمال ~~العقبة ذاهبا على سمت الشرق ثم ينعطف قليلا وفي شرقه هنالك بلد الحجر وديار ~~ثمود وتيماء ودومة الجندل وهي أسافل الحجاز وفوقها جبل رضوى وحصون خيبر في ~~جهة الجنوب عنها وفيما بين جبل السراة وبحر القلزم صحراء تبوك وفي شمال جبل ~~السراة مدينة القدس عند جبل اللكام ثم الأردن ثم طبرية وفي شرقيها بلاد ~~الغور إلى أذرعات وفي سمتها شرقا دومة الجندل آخر هذا الجزء وهي آخر الحجاز # وعند منعطف جبل اللكام إلى الشمال من آخر هذا الجزء مدينة دمشق مقابلة ~~صيدا وبيروت من القطعة البحرية وجبل اللكام يعترض بينها وبينها وعلى سمت ~~دمشق في الشرق مدينة بعلبك ثم مدينة حمص في الجهة الشمالية آخر الجزء عند ~~منقطع جبل اللكام وفي الشرق عن بعلبك وحمص بلد تدمر ومجالات البادية إلى ~~آخر الجزء # وفي الجزء السادس من أعلاه مجالات الأعراب تحت بلاد نجد واليمامة ما بين ~~جبل العرج والصمان إلى البحرين وهجر على بحر فارس وفي أسافل هذا الجزء تحت ~~المجالات بلد الحيرة والقادسية ومغايض الفرات وفيما بعدها شرقا مدينة ~~البصرة وفي هذا الجزء ينتهي بحر فارس عند عبادان والأبلة من أسافل الجزء من ~~شماله ويصب فيه عند عبادان نهر دجلة بعد أن ينقسم بجداول كثيرة وتختلط به ~~جداول أخرى من الفرات ثم تجتمع كلها عند عبادان وتصب في بحر فارس وهذه ~~القطعة من البحر متسعة في أعلاه متضايقة في آخره في شرقيه وضيقة عند منتهاه ~~مضايقة للحد الشمالي منه وعلى عدوتها الغربية منه أسافل البحرين وهجر ~~الأحساء وفي غربها أخطب والصمان وبقية ms064 أرض اليمامة وعلى عدوته الشرقية ~~سواحل فارس من PageV01P062 أعلاها وهو من عند آخر الجزء من الشرق على طرف ~~قد امتد من هذا البحر مشرقا ووراءه إلى الجنوب في هذا الجزء جبال القفص من ~~كرمان وتحت هرمز بلاد فارس مثل سابور ودارأبجرد ونسا وإصطخر والشاهجان ~~وشيراز وهي قاعدتها كلها وتحت بلاد فارس إلى الشمال عند طرف البحر بلاد ~~خوذستان ومنها الأهواز وتستر وصدى وسابور والسوس ورام هرمز وغيرها وأرجان ~~وهي حد ما بين فارس وخوذستان جبال الأكراد متصلة إلى نواحي أصبهان وبها ~~مساكنهم ومجالاتهم وراءها في أرض فارس وتسمى الرسوم # وفي الجزء السابع في الأعلى منه من المغرب بقية جبال القفص ويليها من ~~الجنوب والشمال بلاد كرمان ومكران ومن مدنها الرودن والشيرحان وجيرفت ~~ويزدشير والبهرج وتحت أرض كرمان إلى الشمال بقية بلاد فارس إلى حدود أصبهان ~~ومدينة أصبهان في طرف هذا الجزء ما بين غربه وشماله ثم في المشرق عن بلاد ~~كرمان وبلاد فارس أرض سجستان وكوهستان في الجنوب وأرض كوهستان في الشمال ~~غربا ويتوسط بين كرمان وفارس وبين سجستان وكوهستان وفي وسط هذا الجزء ~~المفاوز العظمى القليلة المسالك لصعوبتها ومن مدن سجستان بست والطاق وأما ~~كوهستان فهي من بلاد خراسان ومن مشاهير بلادها سرخس وقوهستان آخر الجزء # وفي الجزء الثامن من غربه وجنوبه مجالات الجلح من أمم الترك متصلة بأرض ~~سجستان من غربها وبأرض كايل الهند من جنوبها وفي الشمال عن هذه المجالات ~~جبال الغور وبلادها وقاعدتها غزبة فرضة الهند وفي آخر الغور من الشمال بلاد ~~أستراباذ ثم في الشمال غربا إلى آخر الجزء بلاد هرات أوسط خراسان وبها ~~أسفراين وقاشان وبوشنج ومرو الروذ والطالقان والجورجان وتنتهي خراسان هنالك ~~إلى نهر جيحون وعلى هذا النهر من بلاد خراسان من غربيه مدينة بلخ وفي شرقيه ~~مدينة ترمذ ومدينة بلخ كانت كرسي مملكة الترك وهذا النهر نهر جيحون مخرجه ~~من بلاد وجار في حدود بدخشان مما يلي الهند ويخرج من جنوب هذا الجزء وعند ~~آخره من الشرق فينعطف عن قرب مغربا إلى ms065 وسط الجزء ويسمى هنالك نهر خرناب ثم ~~ينعطف إلى الشمال حتى يمر بخراسان ويذهب على سمته إلى أن يصب في بحيرة ~~خوارزم في الإقليم الخامس كما نذكره ويمده عند انعطافه في وسط الجزء من ~~الجنوب إلى الشمال خمسة أنهار عظيمة من بلاد الختل والوخش PageV01P063 من ~~شرقيه وأنهار أخرى من جبال البتم من شرقيه أيضا وجوفي الجبل حتى يتسع ويعظم ~~بما لا كناه له ومن هذه الأنهار الخمسة الممدة له نهر وخشاب يخرج من بلاد ~~التبت وهي بين الجنوب والشرق من هذا الجزء فيمر مغربا بانحراف إلى الشمال ~~إلى أن يخرج إلى الجزء التاسع قريبا من شمال هذا الجزء يعترضه في طريقه جبل ~~عظيم يمر من وسط الجنوب في هذا الجزء مشرقا بانحراف إلى الشمال إلى أن يخرج ~~إلى الجزء التاسع قريبا من شمال هذا الجزء فيجوز بلاد التبت إلى القطعة ~~الشرقية الجنوبية من هذا الجزء ويحول بين الترك وبين بلاد الختل وليس فيه ~~إلا مسلك واحد في وسط الشرق من هذا الجزء جعل فيه الفضل بن يحيى سدا وبنى ~~فيه بابا كسد يأجوج ومأجوج فإذا خرج نهر وخشاب من بلاد التبت واعترضه هذا ~~الجبل فيمر تحته في مدى بعيد إلى أن يمر في بلاد الوحش ويصب في نهر جيحون ~~عند حدود بلخ ثم يمر هابطا إلى الترمذ في الشمال إلى بلاد الجوزجان وفي ~~الشرق عن بلاد الغور فيما بينها وبين نهر جيحون بلاد الناسان من خراسان وفي ~~العدوة الشرقية هنالك من النهر بلاد الختل وأكثرها جبال وبلاد الوخش ويحدها ~~من جهة الشمال جبال البتم تخرج من طرف خراسان غربي نهر جيحون وتذهب مشرقة ~~إلى أن يتصل طرفها بالجبل العظيم الذي خلفه بلاد التبت ويمر تحته نهر وخشاب ~~كما قلناه فيتصل عند باب الفضل بن يحيى ويمر نهر جيحون بين هذه الجبال ~~وأنهار أخرى تصب فيه منها نهر بلاد الوخش يصب فيه من الشرق تحت الترمذ إلى ~~جهة الشمال ونهر بلخ يخرج من جبال البتم مبداه عند الجوزجان ويصب فيه من ms066 ~~غربيه وعلى هذا النهر من غربيه بلاد آمد من خراسان وفي شرقي النهر من هنالك ~~أرض الصغد وأسر وشنة من بلاد الترك وفي شرقها أرض فرغانة أيضا إلى آخر ~~الجزء شرقا وكل بلاد الترك تحوزها جبال البتم إلى شمالها # وفي الجزء التاسع من غربه أرض التبت إلى وسط الجزء وفي جنوبيها بلاد ~~الهند وفي شرقيها بلاد الصين إلى آخر الجزء وفي أسفل هذا الجزء شمالا عن ~~بلاد التبت بلاد الخزلجية من بلاد الترك إلى آخر الجزء شرقا وشمالا ويتصل ~~بها من غربيها أرض فرغانة أيضا إلى آخر الجزء شرقا ومن شرقيها أرض التغرغر ~~من الترك إلى الجزء شرقا وشمالا # وفي الجزء العاشر في الجنوب منه جميعا بقية الصين وأسافله وفي الشمال ~~بقية PageV01P064 بلاد التغرغر ثم شرقا عنهم بلاد خرخير من الترك أيضا إلى ~~آخر الجزء شرقا وفي الشمال من أرض خرخير بلاد كثمان من الترك وقبالتها في ~~البحر المحيط جزيرة الياقوت في وسط جبل مستدير لا منفذ منه إليها ولا مسلك ~~والصعود إلى أعلاه من خارجه صعب في الغاية وفي الجزيرة حيات قتالة وحصى من ~~الياقوت كثيرة فيحتال أهل تلك الناحية بما يلهمهم الله إليه وأهل هذه ~~البلاد في هذا الجزء التاسع والعاشر فيما وراء خراسان والجبال كلها مجالات ~~للترك أمم لا تحصى وهم ظواعن رحالة أهل إبل وشاه وبقر وخيل للنتاج والركوب ~~والأكل وطوائفهم كثيرة لا يحصيهم إلا خالقهم وفيهم مسلمون مما يلي بلاد ~~النهر نهر جيحون ويغزون الكفار منهم الدائنين بالمجوسية فيبيعون رقيقهم لمن ~~يليهم ويخرجون إلى بلاد خراسان والهند والعراق # الإقليم الرابع يتصل بالثالث من جهة الشمال والجزء الأول منه في غربيه ~~قطعة من البحر المحيط مستطيلة من أوله جنوبا إلى آخره شمالا وعليها في ~~الجنوب مدينة طنجة ومن هذه القطعة تحت طنجة من البحر المحيط إلى البحر ~~الرومي في خليج متضايق بمقدار اثني عشر ميلا ما بين طريف والجزيرة الخضراء ~~شمالا وقصر المجاز وسبتة جنوبا ويذهب مشرقا إلى أن ينتهي إلى وسط الجزء ~~الخامس من هذا ms067 الإقليم وينفسح في ذهابه بتدريج إلى أن يغمر الأربعة الأجزاء ~~وأكثر الخامس من هذا الإقليم الثالث والخامس كما سنذكره ويسمى هذا البحر ~~البحر الشامي أيضا وفيه جزائر كثيرة أعظمها في جهة الغرب يابسة ثم مايرقة ~~ثم منرقة ثم سردانية ثم صقلية وهي أعظمها ثم بلونس ثم أقريطش ثم قبرص كما ~~نذكرها كلها في أجزائها التي وقعت فيها ويخرج من هذا البحر الرومي عند آخر ~~الجزء الثالث منه وفي الجزء الثالث من الإقليم الخامس خليج البنادقة يذهب ~~إلى ناحية الشمال ثم ينعطف عند وسط الجزء من جوفه ويمر مغربا إلى أن ينتهي ~~في الجزء الثاني من الخامس ويخرج منه أيضا في آخر الجزء الرابع شرقا من ~~الإقليم الخامس خليج القسطنطينية يمر في الشمال متضايقا في عرض رمية السهم ~~إلى آخر الإقليم ثم يفضي إلى الجزء الرابع من الإقليم السادس وينعطف إلى في ~~بحر نيطش ذاهبا إلى الشرق في الجزء الخامس كله ونصف السادس من الإقليم ~~السادس كما نذكر ذلك في أماكنه وعندما يخرج هذا البحر PageV01P065 الرومي ~~من البحر المحيط في خليج طنجة وينفسح إلى الإقليم الثالث يبقى في الجنوب عن ~~الخليج قطعة صغيرة من هذا الجزء فيها مدينة طنجة على مجمع البحرين وبعدها ~~مدينة سبتة على البحر الرومي ثم قطاون ثم باديس ثم يغمر هذا البحر بقية هذا ~~الجزء شرقا ويخرج إلى الثالث وأكثر العمارة في هذا الجزء في شماله وشمال ~~الخليج منه وهي كلها بلاد الأندلس الغربية منها ما بين البحر المحيط والبحر ~~الرومي أولها طريف عند مجمع البحرين وفي الشرق منها على ساحل البحر الرومي ~~الجزيرة الخضراء ثم مالقة ثم المنقب ثم المرية وتحت هذه من لدن البحر ~~المحيط غربا وعلى مقربة منه شريش ثم لبلة وقبالتها فيه جزيرة قادس وفي ~~الشرق عن شريش ولبلة إشبيلية ثم أستجة وقرطبة ومديلة ثم غرناطة وجيان وأبدة ~~ثم وادياش وبسطة وتحت هذه شنتمرية وشلب على البحر المحيط غربا وفي الشرق ~~عنهما بطليوس وماردة ويابرة ثم غافق وبزجالة ثم قلعة رياح وتحت هذه ms068 أشبونة ~~على البحر المحيط غربا وعلى نهر باجة وفي الشرق عنها شنترين وموزية على ~~النهر المذكور ثم قنطرة السيف ويسامت أشبونة من جهة الشرق جبل الشارات يبدأ ~~من المغرب هنالك ويذهب مشرقا مع آخر الجزء من شماليه فينتهي إلى مدينة سالم ~~فيما بعد النصف منه وتحت هذا الجبل طلبيرة في الشرق من فورنة ثم طليطلة ثم ~~وادي الحجارة ثم مدينة سالم وعند أول هذا الجبل فيما بينه وبين أشبونة بلد ~~قلمرية وهذه غربي الأندلس وأما شرقي الأندلس فعلى ساحل البحر الرومي منها ~~بعد المرية قرطاجنة ثم لفتة ثم دانية ثم بلنسية إلى طرطوشة آخر الجزء في ~~الشرق وتحتها شمالا ليورقة وشقورة تتاخمان بسطة وقلعة رياح من غرب الأندلس ~~ثم مرسية شرقا ثم شاطبة تحت بلنسية شمالا ثم شقر ثم طرطوشة ثم طركونة آخر ~~الجزء ثم تحت هذه شمالا أرض منجالة وريدة متاخمان لشقورة وطليطلة من الغرب ~~ثم أفراغة شرقا تحت طرطوشة وشمالا عنها ثم في الشرق عن مدينة سالم قلعة ~~أيوب ثم سرقسطة ثم لاردة آخر الجزء شرقا وشمالا والجزء الثاني من هذا ~~الإقليم غمر الماء جميعه إلا قطعة من غربيه في الشمال فيها بقية جبل ~~البرنات ومعناه جبل الثنايا والسالك يخرج إليه من آخر الجزء الأول من ~~الإقليم الخامس يبدأ من الطرف المنتهي من البحر المحيط عند آخر ذلك الجزء ~~جنوبا وشرقا ويمر في الجنوب PageV01P066 بانحراف إلى الشرق فيخرج في هذا ~~الإقليم الرابع منحرفا عن الجزء الأول منه إلى هذا الجزء الثاني فيقع فيه ~~قطعة منه تفضي ثناياها إلى البر المتصل وتسمى أرض غشكونية وفيه مدينة خريدة ~~وقرقشونة وعلى ساحل البحر الرومي من هذه القطعة مدينة برسلونة ثم أربونة ~~وفي هذا البحر الذي غمر الجزء جزائر كثيرة والكثير منها غير مسكون لصغرها ~~ففي غربيه جزيرة سردانية وفي شرقيه جزيرة صقلية متسعة الأقطار يقال إن ~~دورها سبعمائة ميل وبها مدن كثيرة من مشاهيرها سرقوسة وبلرم وطرابغة ومازر ~~ومسيني وهذه الجزيرة تقابل أرض أفريقية وفيما بينهما جزيرة أعدوش ومالطة # والجزء الثالث ms069 من هذا الإقليم مغمور أيضا بالبحر إلا ثلاث قطع من ناحية ~~الشمال الغربية منها أرض قلورية والوسطى من أرض أبكيردة والشرقية من بلاد ~~البنادقة # والجزء الرابع من هذا الإقليم غمور أيضا بالبحر كما مر وجزائره كثيرة ~~وأكثرها غير مسكون كما في الثالث والمغمور منها جزيرة بلونس في الناحية ~~الغربية الشمالية وجزيرة أقريطش مستطيلة من وسط الجزء إلى ما بين الجنوب ~~والشرق منه # والجزء الخامس من هذا الإقليم غمر البحر منه مثلثة كبيرة بين الجنوب ~~والغرب ينتهي الضلع الغربي منها إلى آخر الجزء في الشمال وينتهي الضلع ~~الجنوبي منها إلى نحو الثلثين من الجزء ويبقى في الجانب الشرقي من الجزء ~~قطعة نحو الثلث يمر الشمالي منها إلى الغرب منعطفا مع البحر كما قلناه وفي ~~النصف الجنوبي منها أسافل الشام ويمر في وسطها جبل اللكام إلى أن ينتهي إلى ~~آخر الشام في الشمال فينعطف من هنالك ذاهبا إلى القطر الشرقي الشمالي ويسمى ~~بعد انعطافه جبل السلسلة ومن هنالك يخرج إلى الإقليم الخامس ويجوز من عند ~~منعطفه قطعة من بلاد الجزيرة إلى جهة الشرق ويقوم من عند منطفه من جهة ~~المغرب جبال متصلة بعضها ببعض إلى أن ينتهي إلى طرف خارج من البحر الرومي ~~متأخر إلى أخر الجزء من الشمال وبين هذه الجبال ثنايا تسمى الدروب وهي التي ~~تفضي إلى بلاد الأرمن وفي هذا الجزء قطعة منها بين هذه الجبال وبين جبل ~~السلسلة فأما الجهة الجنوبية التي قدمنا أن فيها أسافل الشام وأن جبل ~~اللكام معترض فيها بين البحر الرومي وآخر الجزء من الجنوب إلى الشمال فعلى ~~ساحل البحر بلد أنطرطوس في أول الجزء من الجنوب متاخمة PageV01P067 لغزة ~~وطرابلس على ساحله من الإقليم الثالث وفي شمال أنطرطوس جبلة ثم اللاذقية ثم ~~إسكندرونة ثم سلوقية وبعدها شمالا بلاد الروم وأما جبل اللكام المعترض بين ~~البحر وآخر الجزء بحافاته فيصاقبه من بلاد الشام من أعلى الجزء جنوبا من ~~غربيه حصن الحواني وهو للحشيشة الإسماعيلية ويعرفون لهذا العهد بالفداوية ~~ويسمى مصيات وهو قبالة أنطرطوس وقبالة هذا ms070 الحصن في شرق الجبل بلد سلمية في ~~الشمال عن حمص وفي الشمال وفي مصيات بين الجبل والبحر بلد أنطاكية ويقابلها ~~في شرق الجبل المعرة وفي شرقها المراغة وفي شمال أنطاكية المصيصة ثم أذنة ~~ثم طرسوس آخر الشام ويحاذيها من غرب الجبل قنسرين ثم عين زربة وقبالة ~~قنسرين في شرق الجبل حلب ويقابل عين زربة منبج آخر الشام # وأما الدروب فعن يمينها ما بينها وبين البحر الرومي بلاد الروم التي هي ~~لهذا العهد للتركمان وسلطانها ابن عثمان وفي ساحل البحر منها بلد أنطاكية ~~والعلايا وأما بلاد الأرمن التي بين جبل الدروب وجبل السلسلة ففيها بلد ~~مرعش وملطية والمعرة إلى آخر الجزء الشمالي ويخرج من الجزء الخامس في بلاد ~~الأرمن نهر جيحان ونهر سيحان في شرقيه فيمر بها جيحان جنوبا حتى يتجاوز ~~الدروب ثم يمر بطرسوس ثم بالمصيصة ثم ينعطف هابطا إلى الشمال ومغربا حتى ~~يصب في البحر الرومي جنوب سلوقية ويمر نهر سيحان موازيا لنهر جيحان فيحاذي ~~المعرة ومرعش ويتجاوز جبال الدروب إلى أرض الشام ثم يمر بعين زربة ويجوز عن ~~نهر جيحان ثم ينعطف إلى الشمال مغربا فيختلط بنهر جيحان عند المصيصة ومن ~~غربها وأما بلاد الجزيرة التي يحيط بها منعطف جبل اللكام إلى جبل السلسلة ~~ففي جنوبها بلد الرافضة والرقة ثم حران ثم سروج والرها ثم نصيبين ثم سميساط ~~وآمد تحت جبل السلسلة وآخر الجزء من شماله وهو أيضا آخر الجزء من شرقيه ~~ويمر في وسط هذه القطعة نهر الفرات ونهر دجلة يخرجان من الإقليم الخامس ~~ويمران في بلاد الأرمن جنوبا إلى أن يتجاوزا جبل السلسلة فيمر نهر الفرات ~~من غربي سميساط وسروج وينحرف إلى الشرق فيمر بقرب الرافضة والرقة ويخرج إلى ~~الجزء السادس ويمر دجلة في شرق آمد وينعطف قريبا إلى الشرق فيخرج قريبا إلى ~~الجزء السادس # وفي الجزء السادس من هذا الإقليم من غربيه بلاد الجزيرة وفي PageV01P068 ~~الشرق منها بلاد العراق متصلة بها تنتهي في الشرق إلى قرب آخر الجزء ويعترض ~~من آخر العراق هنالك جبل أصبهان ms071 هابطا من جنوب الجزء منحرفا إلى الغرب فإذا ~~انتهى إلى وسط الجزء من آخره في الشمال يذهب مغربا إلى أن يخرج من الجزء ~~السادس ويتصل على سمته بجبل السلسلة في الجزء الخامس فينقطع هذا الجزء ~~السادس بقطعتين غربية وشرقية ففي الغربية من جنوبيها مخرج الفرات من الخامس ~~وفي شماليها مخرج دجلة منه أما الفرات فأول ما يخرج إلى السادس يمر ~~بقرقيسيا ويخرج من هنالك جدول إلى الشمال ينساب في أرض الجزيرة ويغوص في ~~نواحيها ويمر من قرقيسيا غير بعيد ثم ينعطف إلى الجنوب فيمر بقرب الخابور ~~إلى غرب الرحبة ويخرج منه جداول من هنالك يمر جنوبا ويبقى صفين في غربيه ثم ~~ينعطف شرقا وينقسم بشعوب فيمر بعضها بالكوفة وبعضها بقصر ابن هبيرة ~~وبالجامعين وتخرج جميعا في جنوب الجزء إلى الإقليم الثالث فيغوص هنالك في ~~شرق الحيرة والقادسية ويخرج الفرات من الرحبة مشرقا على سمته إلى هيت من ~~شمالها يمر إلى الزاب والأنبار من جنوبهما ثم يصب في دجلة عند بغداد وأما ~~نهر دجلة فإذا دخل من الجزء الخامس إلى هذا الجزء يمر بجزيرة ابن عمر على ~~شمالها ثم بالموصل كذلك وتكريت وينتهي إلى الحديثة فينعطف جنوبا وتبقى ~~الحديثة في شرقه والزاب الكبير والصغير كذلك ويمر على سمته جنوبا وفي غرب ~~القادسية إلى أن ينتهي إلى بغداد ويختلط بالفرات ثم يمر جنوبا على غرب ~~جرجرايا إلى أن يخرج من الجزء إلى الإقليم الثالث فتنتشر هنالك شعوبه ~~وجداوله ثم يجتمع ويصب هنالك في بحر فارس عند عبادان وفيما بين نهر الدجلة ~~والفرات قبل مجمعهما ببغداد هي بلاد الجزيرة ويختلط بنهر دجلة بعد مفارقته ~~ببغداد نهر آخر يأتي من الجهة الشرقية الشمالية منه وينتهي إلى بلاد ~~النهروان قبالة بغداد شرقا ثم ينعطف جنوبا ويختلط بدجلة قبل خروجه إلى ~~الإقليم الثالث ويبقى ما بين هذا النهر وبين جبل العراق والأعاجم بلد ~~جلولاء وفي شرقها عند الجبل بلد حلوان وصيمرة وأما القطعة الغربية من الجزء ~~فيعترضها جبل يبدأ من جبل الأعاجم مشرقا إلى آخر الجزء ms072 ويسمى جبل شهرزور ~~ويقسمها بقطعتين في الجنوب من هذه القطعة الصغرى بلد خونجان من الغرب ~~والشمال عن أصبهان وتسمى هذه القطعة بلد الهلوس PageV01P069 وفي وسطها بلد ~~نهاوند وفي شمالها بلد شهرزور غربا عند ملتقى الجبلين والدينور شرقا عند ~~آخر الجزء وفي القطعة الصغرى الثانية طرف من بلاد أرمينية قاعدتها المراغة ~~والذي يقابلها من جبل العراق يسمى باريا وهو مساكن للأكراد والزاب الكبير ~~والصغير الذي على دجلة من ورائه وفي آخر هذه القطعة من جهة الشرق بلاد ~~أذربيجان ومنها تبريز والبيدقان وفي الزاوية الشرقية الشمالية من هذا الجزء ~~قطعة من بحر نيطش وهو بحر الخزر # وفي الجزء السابع من هذا الإقليم من غربه وجنوبه معظم بلاد الهلوس وفيها ~~همذان وقزوين وبقيتها في الإقليم الثالث وفيها هنالك أصبهان ويحيط بها من ~~الجنوب جبل يخرج من غربها ويمر بالإقليم الثالث ثم ينعطف من الجزء السادس ~~إلى الإقليم الرابع ويتصل بجبل العراق في شرقيه الذي مر ذكره هنالك وإنه ~~محيط ببلاد الهلوس في القطعة الشرقية ويهبط هذا الجبل المحيط بأصبهان من ~~الإقليم الثالث إلى جهة الشمال ويخرج إلى هذا الجزء السابع فيحيط ببلاد ~~الهلوس من شرقها وتحته هنالك قاشان ثم قم وينعطف في قرب النصف من طريقه ~~مغربا بعض الشيء ثم يرجع مستديرا فيذهب مشرقا ومنحرفا إلى الشمال حتى يخرج ~~إلى الإقليم الخامس ويشتمل على منعطفه واستدارته على بلد الري في شرقيه ~~ويبدأ من منعطفه جبل آخر يمر غربا إلى آخر هذا الجزء ومن جنوبه من هنالك ~~قزوين ومن جانبه الشمالي وجانب جبل الري المتصل معه ذاهبا إلى الشرق ~~والشمال إلى وسط الجزء ثم إلى الإقليم الخامس بلاد طبرستان فيما بين هذه ~~الجبال وبين قطعة من بحر طبرستان ويدخل من الإقليم الخامس في هذا الجزء في ~~نحو النصف من غربه إلى شرقه ويعترض عند جبل الري وعند انعطافه إلى الغرب ~~جبل متصل يمر على سمته مشرقا وبانحراف قليل إلى الجنوب حتى يدخل في الجزء ~~الثامن من غربه ويبقى بين جبل الري وهذا الجبل من ms073 عند مبدأهما بلاد جرجان ~~فيما بين الجبلين ومنها بسطام ووراء هذا الجبل قطعة من هذا الجزء فيها بقية ~~المفازة التي بين فارس وخراسان وهي في شرقي قاشان وفي آخرها عند هذا الجبل ~~بلد أستراباذ وحافات هذا الجبل من شرقيه إلى آخر الجزء بلاد نيسابور من ~~خراسان ففي جنوب الجبل وشرق المفازة بلد نيسابور ثم مرو الشاهجان آخر الجزء ~~وفي شماله وشرقي جرجان بلد مهرجان وخازرون وطوس آخر الجزء شرقا PageV01P070 ~~وكل هذا تحت الجبل وفي الشمال عنها بلاد نساو يحيط بها عند زاوية الجزئين ~~الشمال والشرق مفاوز معطلة # وفي الجزء الثامن من هذا الإقليم وفي غربيه نهر جيحون ذاهبا من الجنوب ~~إلى الشمال ففي عدوته الغربية رمم وآمل من بلاد خراسان والظاهرية ~~والجرجانية من بلاد خوارزم ويحيط بالزاوية الغربية الجنوبية منه جبل ~~أستراباذ المعترض في الجزء السابع قبله ويخرج في هذا الجزء من غربيه ويحيط ~~بهذه الزاوية وفيها بقية بلاد هراة والجوزخان حتى يتصل بجبل البتم كما ~~ذكرناه هنالك وفي شرقي نهر جيجون من هذا الجزء وفي الجنوب منه بلاد بخارى ~~ثم بلاد الصغد وقاعدتها سمرقند ثم سردارا وأشنه ومنها خجندة آخر الجزء شرقا ~~وفي الشمال عن سمر قند وسرداد وأشنه أرض إيلاق ثم في الشمال عن إيلاق أرض ~~الشاش إلى آخر الجزء شرقا ويأخذ قطعة من الجزء التاسع في جنوب تلك القطعة ~~بقية أرض فرغانة ويخرج من تلك القطعة التي في الجزء التاسع نهر الشاش يمر ~~معترضا في الجزء الثامن إلى أن ينصب في نهر جيحون عند مخرجه من هذا الجزء ~~الثامن في شماله إلى الإقليم الخامس ويختلط معه في أرض إيلاق نهر يأتي من ~~الجزء التاسع من الإقليم الثالث من تخوم بلاد التبت ويختلط معه قبل مخرجه ~~من الجزء التاسع نهر فرغانة وعلى سمت نهر الشاش جبل جبراغون يبدأ من ~~الإقليم الخامس وينعطف شرقا ومنحرفا إلى الجنوب حتى يخرج إلى الجزء التاسع ~~محيطا بأرض الشاش ثم ينعطف في الجزء التاسع فيحيط بالشاش وفرغانة هناك إلى ~~جنوبه فيدخل في الإقليم ms074 الثالث وبين نهر الشاش وطرف هذا الجبل في وسط هذا ~~الجزء بلاد فاراب وبينه وبين أرض بخارى وخوارزم مفاوز معطلة وفي زاوية هذا ~~الجزء من الشمال والشرق أرض خجندة وفيها بلد إسبيجاب وطراز # وفي الجزء التاسع من هذا الإقليم في غربيه بعد أرض فرغانة والشاش أرض ~~الخزلجية في الجنوب وأرض الخليجة في الشمال وفي شرق الجزء كله أرض ~~الكيماكية ويتصل في الجزء العاشر كله إلى جبل قوقيا آخر الجزء شرقا وعلى ~~قطعة من البحر المحيط هنالك وهو جبل يأجوج ومأجوج وهذه الأمم كلها من شعوب ~~الترك انتهى # الإقليم الخامس الجزء الأول منه أكثر مغمور بالماء إلا قليلا من جنوبه ~~وشرقه لأن البحر المحيط بهذه الجهة الغربية دخل في الإقليم الخامس والسادس ~~PageV01P071 والسابع عن الدائرة المحيطة بالإقليم فأما المتكشف من جنوبه ~~فقطعة على شكل مثلث متصلة من هنالك بالأندلس وعليها بقيتها ويحيط بها البحر ~~من جهتين كأنهما ضلعان محيطان بزاوية المثلث ففيها من بقية غرب الأندلس ~~سعيور على البحر عند أول الجزء من الجنوب والغرب وسلمنكة شرقا عنها وفي ~~جوفها سمورة وفي الشرق عن سلمنكة أيلة آخر الجنوب وأرض قستالية شرقا عنها ~~وفيها مدينة شقونية وفي شمالها أرض ليون وبرغشت ثم وراءها في الشمال أرض ~~جليقية إلى زاوية القطعة وفيها على البحر المحيط في آخر الضلع الغربي بلد ~~شنتياقو ومعناه يعقوب وفيها من شرق بلاد الأندلس مدينة شطلية عند آخر الجزء ~~في الجنوب وشرقا عن قستالية وفي شمالها وشرقها وشقة وبنبلونة على سمتها ~~شرقا وشمالا وفي غرب بنبلونة قسطالة ثم ناجزة فيما بينها وبين برغشت ويعترض ~~وسط هذه القطعة جبل عظيم محاذ للبحر وللضلع الشمالي الشرقي منه وعلى قرب ~~ويتصل به وبطرف البحر عند بنبلونة في جهة الشرق الذي ذكرنا من قبل أن يتصل ~~في الجنوب بالبحر الرومي في الإقليم الرابع ويصير حجرا على بلاد الأندلس من ~~جهة الشرق وثناياه لها أبواب تفضي إلى بلاد غشكونية من أمم الفرنج فمنها من ~~الإقليم الرابع برشلونة وأربونة على ساحل البحر الرومي وخريدة وقرقشونة ms075 ~~وراءهما في الشمال ومنها من الإقليم الخامس طلوشة شمالا عن خريدة وأما ~~المنكشف في هذا الجزء من جهة الشرق فقطعة على شكل مثلث مستطيل زاويته ~~الحادة وراء البرنات شرقا وفيها على البحر المحيط على رأس القطعة التي يتصل ~~بها جبل البرنات بلد نيونة وفي آخر هذه القطعة في الناحية الشرقية الشمالية ~~من الجزء أرض بنطو من الفرنج إلى آخر الجزء # وفي الجزء الثاني من الناحية الغربية منه أرض غشكونية وفي شمالها أرض ~~بنطو وبرغشت وقد ذكرناهما وفي شرق بلاد غشكونية في شمالها قطعة أرض من ~~البحر الرومي دخلت في هذا الجزء كالضرس مائلة إلى الشرق قليلا وصارت بلاد ~~غشكونية في غربها داخلة في جون من البحر وعلى رأس هذه القطعة شمالا بلاد ~~جنوة وعلى سمتها في الشمال جبل نيت جون وفي شماله وعلى سمته أرض برغونة وفي ~~الشرق عن طرف جنوة الخارج من البحر الرومي طرف آخر خارج منه يبقى بينهما ~~جون داخل من البر في البحر في غربيه نيش وفي شرقيه مدينة رومة PageV01P072 ~~العظمى كرسي ملك الإفرنجة ومسكن البابا بطركهم الأعظم وفيها من المباني ~~الضخمة والهياكل الهائلة والكنائس العادية ما هو معروف الأخبار ومن عجائبها ~~النهر الجاري في وسطها من المشرق إلى المغرب مفروش قاعه ببلاط النحاس وفيها ~~كنيسة بطرس وبولس من الحواريين وهما مدفونان بها وفي الشمال عن بلاد رومة ~~بلاد أقرنصيصة إلى آخر الجزء وعلى هذا الطرف من البحر الذي في جنوبه رومة ~~بلاد نابل في الجانب الشرقي منه متصلة ببلد قلورية من بلاد الفرنج وفي ~~شمالها طرف من خليج البنادقة دخل في هذا الجزء من الجزء الثالث مغربا ~~ومحاذيا للشمال من هذا الجزء وانتهى إلى نحو الثلث منه وعليه كثير من بلاد ~~البنادقة دخل في هذا الجزء من جنوبه فيما بينه وبين البحر المحيط ومن شماله ~~بلاد إنكلاية في الإقليم السادس # وفي الجزء الثالث من هذا الإقليم في غربيه بلاد قلورية بين خليج البنادقة ~~والبحر الرومي يحيط بها من شرقيه يصل من برها في الإقليم الرابع ms076 في البحر ~~الرومي في جون بين طرفين خرجا من البحر على سمت الشمال إلى هذا الجزء في ~~شرقي بلاد قلورية بلاد أنكيردة في جون بين خليج البنادقة والبحر الرومي ~~ويدخل طرف من هذا الجزء في الجون في الإقليم الرابع وفي البحر الرومي ويحيط ~~به من شرقيه خليج البنادقة من البحر الرومي ذاهبا إلى سمت الشمال ثم ينعطف ~~إلى الغرب محاذيا لآخر الجزء الشمالي ويخرج على سمته من الإقليم الرابع جبل ~~عظيم يوازيه ويذهب معه إلى الشمال ثم يغرب معه في الإقليم السادس إلى أن ~~ينتهي قبالة خليج في شماليه في بلاد إنكلاية من أمم اللمانيين كما نذكر ~~وعلى هذا الخليج وبينه وبين هذا الجبل ما داما ذاهبين إلى الشمال بلاد ~~البنادقة فإذا ذهبا إلى المغرب فبينهما بلاد حروايا ثم بلاد الألمانيين عند ~~طرف الخليج # وفي الجزء الرابع من هذا الإقليم قطعة من البحر الرومي خرجت إليه من ~~الإقليم الرابع مضرسة كلها بقطع من البحر ويخرج منها إلى الشمال وبين كل ~~ضرسين منها طرف من البحر في الجون بينهما وفي آخر الجزء شرقا قطع من البحر ~~ويخرج منها إلى الشمال خليج القسطنطينية يخرج من هذا الطرف الجنوبي ويذهب ~~على سمت الشمال إلى أن يدخل في الإقليم السادس وينعطف من هنالك عن قرب ~~مسرقا إلى بحر نيطش في الجزء الخامس وبعض الرابع PageV01P073 قبيله والسادس ~~بعده من الإقليم السادس كما نذكر وبلد القسطنطينية في شرقي هذا الخليج عند ~~آخر الجزء من الشمال وهي المدينة العظيمة التي كانت كرسي القياصرة وبها من ~~آثار البناء والضخامة ما كثرت عنه الأحاديث والقطعة التي ما بين البحر ~~الرومي وخليج القسطنطينية من هذا الجزء وفيها بلاد مقدونية التي كانت ~~لليونانيين ومنها ابتداء ملكهم وفي شرقي هذا الخليج إلى آخر الجزء قطعة من ~~أرض باطوس وأظنها لهذا العهد مجالات للتركمان وبها ملك ابن عثمان وقاعدته ~~بها برصة وكانت من قبلهم للروم وغلبهم عليها الأمم إلى أن صارت للتركمان # وفي الجزء الخامس من هذا الإقليم من غربيه وجنوبيه أرض باطوس ms077 وفي الشمال ~~عنها إلى آخر الجزء بلاد عمورية وفي شرقي عمورية نهر قباقب الذي يمد الفرات ~~ويخرج من جبل هنالك ويذهب في الجنوب حتى يخالط الفرات قبل وصوله من هذا ~~الجزء إلى ممره في الإقليم الرابع وهنالك في غربيه آخر الجزء في مبدأ نهر ~~سيحان ثم نهر جيحان غربيه الذاهبين على سمنه وقد مر ذكرهما وفي شرفه هنالك ~~مبدأ نهر دجلة الذاهب على سمته وفي مؤازرته حتى يخالطه عند بغداد وفي ~~الزاوية التي بين الجنوب والشرق من هذا الجزء وراء الجبل الذي يبدأ منه نهر ~~دجلة بلد ميافارقين ونهر قباقب الذي ذكرناه يقسم هذا الجزء بقطعتين إحداهما ~~غربية جنوبية وفيها أرض باطوس كما قلناه وأسافلها إلى آخر الجزء شمالا ~~ووراء الجبل الذي يبدأ منه نهر قباقب أرض عمورية كما قلناه والقطعة الثانية ~~شرقية شمالية على الثلث في الجنوب منها مبدأ دجلة والفرات وفي الشمال بلاد ~~البيلقان متصلة بأرض عمورية من وراء جبل قباقب وهي عريضة وفي آخرها عند ~~مبدأ الفرات بلد حرشنة وفي الزاوية الشرقية الشمالية قطعة من بحر نيطش الذي ~~يمده خليج القسطنطينية # وفي الجزء السادس من هذا الإقليم في جنوبه وغربه بلاد أرمينية متصلة إلى ~~أن يتجاوز وسط الجزء إلى جانب الشرق وفيها بلدان أردن في الجنوب والغرب وفي ~~شمالها تفليس ودبيل وفي شرق أردن مدينة خلاط ثم بردعة في جنوبها بانحراف ~~إلى الشرق مدينة أرمينية ومن هنالك مخرج بلاد أرمينية إلى الإقليم الرابع ~~وفيها هنالك بلد المراغة في شرقي جبل الأكراد المسمى بأرمى وقد مر ذكره في ~~الجزء السادس منه ويتاخم بلاد أرمينية في هذا الجزء وفي الإقليم ~~PageV01P074 الرابع قبله من جهة الشرق فيها بلاد أدربيجان وآخرها في هذا ~~الجزء شرقا بلاد أردبيل على قطعة من بحر طبرستان دخلت في الناحية الشرقية ~~من الجزء السابع ويسمى بحر طبرستان وعليه من شماله في هذا الجزء قطعة من ~~بلاد الخزر وهم التركمان ويبدأ من عند آخر هذه القطعة البحرية في الشمال ~~جبال يتصل بعضها ببعض على سمت الغرب إلى ms078 الجزء الخامس فتمر فيه منعطفة ~~ومحيطة ببلد ميافارقين ويخرج إلى الإقليم الرابع عند آمد ويتصل بجبل ~~السلسلة في أسافل الشام ومن هنالك يتصل بجبل اللكام كما مر وبين هذه الجبال ~~الشمالية في هذا الجزء ثنايا كالأبواب تفضي من الجانبين ففي جنوبيها بلاد ~~الأبواب متصلة في الشرق إلى بحر طبرستان وعليه من هذه البلاد مدينة باب ~~الأبواب وتتصل بلاد الأبواب في الغرب من ناحية جنوبيها ببلد أرمينية ~~وبينهما في الشرق وبين بلاد أذربيجان الجنوبية بلاد الزاب متصلة إلى بحر ~~طبرستان وفي شمال هذه الجبال قطعة من هذا الجزء في غربها مملكة السرير في ~~الزاوية الغربية الشمالية منها وفي زاوية الجزء كله قطعة أيضا من بحر نيطش ~~الذي يمده خليج القسطنطينية وقد مر ذكره ويحف بهذه القطعة من نيطش بلاد ~~السرير وعليها منها بلد أطرابزيدة وتتصل بلاد السرير بين جبل الأبواب ~~والجهة الشمالية من الجزء إلى أن ينتهي شرقا إلى جبل حاجز بينها وبين أرض ~~الخزر وعند آخرها مدينة صول ووراء هذا الجبل الحاجز قطعة من أرض الخزر ~~تنتهي إلى الزاوية الشرقية الشمالية من هذا الجزء من بحر طبرستان وآخر ~~الجزء شمالا # والجزء السابع من هذا الإقليم غربية كله مغمور ببحر طبرستان وخرج من ~~جنوبه في الإقليم الرابع القطعة التي ذكرنا هنالك أن عليها بلاد طبرستان ~~وجبال الديلم إلى قزوين وفي غربي تلك القطعة متصلة بها القطعة التي في ~~الجزء السادس من الإقليم الرابع ويتصل بها من شمالها القطعة التي في الجزء ~~السادس من شرقه أيضا وينكشف من هذا الجزء قطعة عند زاويته الشمالية الغربية ~~يصب فيها نهر أثل في هذا البحر ويبقى من هذا الجزء في ناحية الشرق قطعة ~~منكشفة من البحر هي مجالات للغز من أمم الترك يحيط بها جبل من جهة الجنوب ~~داخل في الجزء الثامن ويذهب في الغرب إلى ما دون وسطه فينعطف إلى الشمال ~~إلى أن يلاقي بحر طبرستان فيحتف به ذاهبا معه إلى بقيته في الإقليم السادس ~~PageV01P075 ثم ينعطف مع طرفه ويفارقه ويسمى هنالك جبل سياة ms079 ويذهب مغربا ~~إلى الجزء السادس من الإقليم السادس ثم يرجع جنوبا إلى الجزء السادس من ~~الإقليم الخامس وهذا الطرف منه وهو الذي اعترض في هذا الجزء بين أرض السرير ~~وأرض الخزر واتصلت بأرض الخزر في الجزء السادس والسابع حافات هذا الجبل ~~المسمى جبل سياة كما سيأتي # والجزء الثامن من هذا الإقليم الخامس كله مجالات للغز من أمم الترك وفي ~~الجهة الجنوبية الغربية منه بحيرة خوارزم التي يصب فيها نهر جيحون دورها ~~ثلاثمائة ميل ويصب فيها أنهار كثيرة من أرض هذه المجالات وفي الجهة ~~الشمالية الشرقية منه بحيرة عرعون دورها أربعمائة ميل وماؤها حلو وفي ~~الناحية الشمالية من هذا الجزء جبل مرغار ومعناه جبل الثلج لأنه لا يذوب ~~فيه وهو متصل بآخر الجزء وفي الجنوب عن بحيرة عرعون جبل من الحجر الصلد لا ~~ينبت شيئا يسمى عرعون وبه سميت البحيرة وينجلب منه ومن جبل مرغار شمالي ~~البحيرة أنهار لا تنحصر عدتها فتصب فيها من الجانبين # وفي الجزء التاسع من هذا الإقليم بلاد أركس من أمم الترك في غرب بلاد ~~الغز وشرق بلاد الكيماكية ويحف به من جهة الشرق آخر الجزء جبل قوقيا المحيط ~~بيأجوج ومأجوج بعترض هنالك من الجنوب إلى الشمال حتى ينعطف أول دخوله من ~~الجزء العاشر وقد كان دخل إليه من آخر الجزء العاشر من الإقليم الرابع قبله ~~واحتف هنالك بالبحر المحيط إلى آخر الجزء في الشمال ثم انعطف مغربا في ~~الجزء العاشر من الإقليم الرابع إلى ما دون نصفه وأحاط من أوله إلى هنا ~~ببلاد الكيماكية ثم خرج إلى الجزء العاشر من الإقليم الخامس فذهب فيه مغربا ~~إلى آخره وبقيت في جنوبيه من هذا الجزء قطعة مستطيلة إلى الغرب قبل آخر ~~بلاد الكيماكية ثم خرج إلى الجزء التاسع في شرقيه وفي الأعلى منه وانعطف ~~قريبا إلى الشمال وذهب على سمته إلى الجزء التاسع من الإقليم السادس وفيه ~~السد هنالك كما نذكره وبقيت منه القطعة التي أحاط بها جبل قوقيا عند ~~الزاوية الشرقية الشمالية من هذا الجزء مستطيلة إلى ms080 الجنوب وهي من بلاد ~~يأجوج ومأجوج # وفي الجزء العاشر من هذا الإقليم أرض يأجوج متصلة فيه كله إلا قطعة من ~~البحر غمرت طرفا في شرقيه من جنوبه إلى شماله إلا القطعة التي يفصلها إلى ~~جهة الجنوب والغرب جبل قوقيا حين مر فيه وما PageV01P076 سوى ذلك فأرض ~~يأجوج ومأجوج والله سبحانه وتعالى أعلم # الإقليم السادس فالجزء الأول منه غمر البحر أكثر من نصفه واستدار شرقا مع ~~الناحية الشمالية ثم ذهب مع الناحية الشرقية إلى الجنوب وانتهى قريبا من ~~الناحية الجنوبية فانكشف قطعة من هذه الأرض في هذا الجزء داخلة بين الطرفين ~~وفي الزاوية الجنوبية الشرقية من البحر المحيط كالجون فيه وينفسح طولا ~~وعرضا وهي كلها أرض بريطانية وفي بابها بين الطرفين وفي الزاوية الجنوبية ~~الشرقية من هذا الجزء بلاد صاقس متصلة ببلاد بنطو التي مر ذكرها في الجزء ~~الأول والثاني من الإقليم الخامس # والجزء الثاني من هذا الإقليم دخل البحر المحيط من غربه وشماله فمن غربه ~~قطعة مستطيلة أكبر من نصفه الشمالي من شرق أرض بريطانية في الجزء الأول ~~واتصلت بها القطعة الأخرى في الشمال من غربه إلى شرقه وانفسحت في النصف ~~الغربي منه بعض الشيء وفيه هنالك قطعة من جزيرة إنكلترا وهي جزيرة عظيمة ~~مشتملة على مدن وبها ملك ضخم وبقيتها في الإقليم السابع وفي جنوب هذه ~~القطعة وجزيرتها في النصف الغربي من هذا الجزء بلاد أرمندية وبلاد أفلادش ~~متصلين بها ثم بلاد إفرنسية جنوبا وغربا من هذا الجزء وبلاد برغونية شرقا ~~عنها وكلها لأمم الإفرنجة وبلاد الليمانيين في النصف الشرقي من الجزء ~~فجنوبه بلاد أنكلاية ثم بلاد برغونية شمالا ثم أرض لهويكة وشطونية وعلى ~~قطعة البحر المحيط في الزاوية الشمالية الشرقية أرض أفريرة وكلها لأمم ~~اللمانيين # وفي الجزء الثالث من هذا الإقليم في الناحية الغربية بلاد مراتية في ~~الجنوب وبلاد شطونية في الشمال وفي الناحية الشرقية بلاد أنكوية في الجنوب ~~وبلاد بلونية في الشمال يعترض بينهما جبل بلواط داخلا من الجزء الرابع ويمر ~~مغربا بانحراف إلى الشمال إلى أن ms081 يقف في بلاد شطونية آخر النصف الغربي # وفي الجزء الرابع في ناحية الجنوب أرض جثولية وتحتها في الشمال بلاد ~~الروسية ويفصل بينهما جبل بلواط من أول الجزء غربا إلى أن يقف في النصف ~~الشرقي وفي شرق أرض جثولية بلاد جرمانية وفي الزاوية الجنوبية الشرقية أرض ~~القسطنطينية ومدينتها عند آخر الخليج الخارج من البحر الرومي وعند مدفعه في ~~بحر نيطش فيقع قطيعة من بحر نيطش في أعالي الناحية الشرقية من هذا ~~PageV01P077 الجزء ويمدها الخليج وبينهما في الزاوية بلد مسيناه # وفي الجزء الخامس من الإقليم السادس ثم في الناحية الجنوبية عند بحر نيطش ~~يتصل من الخليج في آخر الجزء الرابع ويخرج من سمته مشرقا فيمر في هذا الجزء ~~كله وفي بعض السادس على طول ألف وثلاثمائة ميل من مبداه في عرض ستمائة ميل ~~ويبقى وراء هذا البحر في الناحية الجنوبية من هذا الجزء في غربها إلى شرقها ~~بر مستطيل في غربه هرقلية على ساحل بحر نيطش متصلة بأرض البيلقان من ~~الإقليم الخامس وفي شرقه بلاد اللانية وقاعدتها سوتلي على بحر نيطش وفي ~~شمال بحر نيطش في هذا الجزء غربا أرض ترخان وشرقا بلاد الروسية وكلها على ~~ساحل هذا البحر وبلاد الروسية محيطة ببلاد ترخان من شرقها في هذا الجزء من ~~شمالها في الجزء الخامس من الإقليم السابع ومن غربها في الجزء الرابع من ~~هذا الإقليم # وفي الجزء السادس في غربيه بقية بحر نيطش وينحرف قليلا إلى الشمال ويبقى ~~بينه هنالك وبين آخر الجزء شمالا بلاد قمانية وفي جنوبه منفسحا إلى الشمال ~~بما انحرف هو كذلك بقية بلاد اللانية التي كانت آخر جنوبه في الجزء الخامس ~~وفي الناحية الشرقية من هذا الجزء متصل أرض الخزر وفي شرقها أرض برطاس وفي ~~الزاوية الشرقية الشمالية أرض بلغار وفي الزاوية الشرقية الجنوبية أرض بلجر ~~يجوزها هناك قطعة من جبل سياكوه المنعطف مع بحر الخزر في الجزء السابع بعده ~~ويذهب بعد مفارقته مغربا فيجوز في هذه القطعة ويدخل إلى الجزء السادس من ~~الإقليم الخامس فيتصل هنالك بجبل ms082 الأبواب وعليه من هنالك ناحية بلاد الخزر # وفي الجزء السابع من هذا الإقليم في الناحية الجنوبية ما جازه جبل سياه ~~بعد مفارقته بحر طبرستان وهو قطعة من أرض الخزر إلى آخر الجزء غربا وفي ~~شرقها القطعة من بحر طبرستان التي يجوزها هذا الجبل من شرقها وشمالها ووراء ~~جبل سياة في الناحية الغربية الشمالية أرض برطاس وفي الناحية الشرقية من ~~الجزء أرض شحرب وبخناك وهم أمم الترك # وفي الجزء الثامن والناحية الجنوبية منه كلها أرض الجولخ من الترك في ~~الناحية الشمالية غربا والأرض المنتنة وشرق الأرض التي يقال إن يأجوج ~~ومأجوج خرباها قبل بناء السد وفي هذه الأرض المنتنة مبدأ نهر الأثل من أعظم ~~أنهار العالم وممره في بلاد الترك ومصبه في بحر طبرستان في الإقليم ~~PageV01P078 الخامس في الجزء السابع منه وهو كثير الانعطاف يخرج من جبل من ~~الأرض المنتنة من ثلاثة ينابيع تجتمع في نهر واحد ويمر على سمت الغرب إلى ~~آخر السابع من هذا الإقليم فينعطف شمالا إلى الجزء السابع من الإقليم ~~السابع فيمر في طرفه بين الجنوب والمغرب فيخرج في الجزء السادس من السابع ~~ويذهب مغربا غير بعيد ثم ينعطف ثانية إلى الجنوب ويرجع إلى الجزء السادس من ~~الإقليم السادس ويخرج منه جدول يذهب مغربا ويصب في بحر نيطش في ذلك الجزء ~~ويمر هو في قطعة بين الشمال والشرق في بلاد بلغار فيخرج في الجزء السابع من ~~الإقليم السادس ثم ينعطف ثالثة إلى الجنوب وينفذ في جبل سياه ويمر في بلاد ~~الخزر ويخرج إلى الإقليم الخامس في الجزء السابع منه فيصب هنالك في بحر ~~طبرستان في القطعة التي انكشفت من الجزء عند الزاوية الغربية الجنوبية # والجزء التاسع من هذا الإقليم في الجانب الغربي منه بلاد خنشاخ من الترك ~~وهم قفجاق وبلاد السركس منهم أيضا وفي الشرق منه بلاد يأجوج يفصل بينهما ~~جبل قوقيا المحيط وقد مر ذكره يبدأ من البحر المحيط في شرق الإقليم الرابع ~~ويذهب معه إلى آخر الإقليم في الشمال ويفارقه مغربا وبانحراف إلى الشمال ~~حتى ms083 يدخل في الجزء التاسع من الإقليم الخامس فيرجع إلى سمته الأول حتى يدخل ~~في هذا الجزء التاسع من الإقليم من جنوبه إلى شماله بانحراف إلى المغرب وفي ~~وسطه ههنا السد الذي بناه الإسكندر ثم يخرج على سمته إلى الإقليم السابع # وفي الجزء التاسع منه فيمر فيه إلى الجنوب إلى أن يلقى البحر المحيط في ~~شماله ثم ينعطف معه من هنالك مغربا إلى الإقليم السابع إلى الجزء الخامس ~~منه فيتصل هنالك بقطعة من البحر المحيط في غربيه وفي وسط هذا الجزء التاسع ~~هو السد الذي بناه الإسكندر كما قلناه والصحيح من خبره في القرآن وقد ذكر ~~عبد الله بن خرداذبة في كتابه الجغرافيا أن الواثق رأى في منامه كأن السد ~~انفتح فانتبه فزعا وبعث سلاما الترجمان فوقف عليه وجاء بخبره ووصفه في ~~حكاية طويلة ليست من مقاصد كتابنا هذا # وفي الجزء العاشر من هذا الإقليم بلاد مأجوج متصلة فيه إلى آخره على قطعة ~~من هنالك من البحر المحيط أحاطت به من شرقه وشماله مستطيلة في الشمال ~~وعريضة بعض الشيء في الشرق PageV01P079 # الإقليم السابع والبحر المحيط قد غمر عامته من جهة الشمال إلى وسط الجزء ~~الخامس حيث يتصل بجبل قوقيا المحيط بيأجوج ومأجوج فالجزء الأول والثاني ~~مغموران بالماء إلا ما انكشف من جزيرة إنكلترا التي معظمها في الثاني وفي ~~الأول منها طرف انعطف بانحراف إلى الشمال وبقيتها مع قطعة من البحر مستديرة ~~عليه في الجزء الثاني من الإقليم السادس وهي مذكورة هناك والمجاز منها إلى ~~البر في هذه القطعة سعة اثني عشر ميلا ووراء هذه الجزيرة في شمال الجزء ~~الثاني جزيرة رسلاندة مستطيلة من الغرب إلى الشرق # والجزء الثالث من هذا الإقليم مغمور أكثره بالبحر إلا قطعة مستطيلة في ~~جنوبه وتتسع في شرقها وفيها هنالك متصل أرض فلونية التي مر ذكرها في الثالث ~~من الإقليم السادس وأنها في شماله وفي القطعة من البحر التي تغمر هذا الجزء ~~ثم في الجانب الغربي منها مستديرة فسيحة وتتصل بالبر من باب في جنوبها يفضي ~~إلى ms084 بلاد فلونية وفي شمالها جزيرة برعاقبة وفي نسخة بوقاعة مستطيلة مع ~~الشمال من المغرب إلى المشرق # والجزء الرابع من هذا الإقليم شماله كله مغمور بالبحر المحيط من المغرب ~~إلى المشرق وجنوبه منكشف وفي غربه أرض قيمازك من الترك وفي شرقها بلاد طست ~~ثم أرض رسلان إلى آخر الجزء شرقا وهي دائمة الثلوج وعمرانها قليل ويتصل ~~ببلاد الروسية في الإقليم السادس وفي الجزء الرابع والخامس منه وفي الجزء ~~الخامس من هذا الإقليم في الناحية الغربية منه بلاد الروسية وينتهي في ~~الشمال إلى قطعة من البحر المحيط التي يتصل بها جبل قوقيا كما ذكرناه من ~~قبل وفي الناحية الشرقية منه متصل أرض القمانية التي على قطعة بحر نيطش من ~~الجزء السادس من الإقليم السادس وينتهي إلى بحيرة طرمى من هذا الجزء وهي ~~عذبة تنجلب إليها أنهار كثيرة من الجبال عن الجنوب والشمال وفي شمال ~~الناحية الشرقية من هذا الجزء أرض التتارية من الترك وفي نسخة التركمان إلى ~~آخره # وفي الجزء السادس من الناحية الغربية الجنوبية متصل بلاد القمانية وفي ~~وسط الناحية بحيرة عثور عذبة تنجلب إليها الأنهار من الجبال في النواحي ~~الشرقية وهي جامدة دائما لشدة البرد إلا قليلا في زمن الصيف وفي شرق بلاد ~~القمانية بلاد PageV01P080 الروسية التي كان مبدأها في الإقليم السادس في ~~الناحية الشرقية الشمالية من الجزء الخامس منه وفي الزاوية الجنوبية ~~الشرقية من هذا الجزء بقية أرض بلغر التي كان مبدأها في الإقليم السادس وفي ~~الناحية الشرقية الشمالية من الجزء السادس منه وفي وسط هذه القطعة من أرض ~~بلغر منعطف نهر أثل القطعة الأولى إلى الجنوب كما مر وفي آخر هذا الجزء ~~السادس من شماله جبل قوقيا متصل من غربه إلى شرقه # وفي الجزء السابع من هذا الإقليم في غربه بقية أرض يخناك من أمم الترك ~~وكان مبدأها من الناحية الشمالية الشرقية من الجزء السادس قبله وفي الناحية ~~الجنوبية الغربية من هذا الجزء ويخرج إلى الإقليم السادس من فوقه وفي ~~الناحية الشرقية بقية أرض سحرب ثم بقية الأرض ms085 المنتنة إلى آخر الجزء شرقا ~~وفي آخر الجزء من جهة الشمال جبل قوقيا المحيط متصلا من غربه إلى شرقه # وفي الجزء الثامن من هذا الإقليم في الجنوبية الغربية منه متصل الأرض ~~المنتنة وفي شرقها الأرض المحفورة وهي من العجائب خرق عظيم في الأرض بعيد ~~المهوى فسيح الإفطار ممتنع الوصول إلى قعره يستدل على عمرانه بالدخان في ~~النهار والنيران في الليل تضيء وتخفى وربما رئي فيها نهر يشقها من الجنوب ~~إلى الشمال وفي الناحية الشرقية من هذا الجزء البلاد الخراب المتاخمة للسد ~~وفي آخر الشمال منه جبل قوقيا متصلا من الشرق إلى الغرب # وفي الجزء التاسع من هذا الإقليم في الجانب الغربي منه بلاد خفشاخ وهم ~~قفجق يجوزها جبل قوقيا حين ينعطف من شماله عند البحر المحيط ويذهب في وسطه ~~إلى الجنوب بانحراف إلى الشرق فيخرج في الجزء التاسع من الإقليم السادس ~~ويمر معترضا فيه وفي وسطه هنالك سد يأجوج ومأجوج وقد ذكرناه وفي الناحية ~~الشرقية من هذا الجزء أرض يأجوج وراء جبل قوقيا على البحر قليلة العرض ~~مستطيلة أحاطت به من شرقه وشماله # والجزء العاشر غمر البحر جميعه هذا آخر الكلام على الجغرافيا وأقاليمها ~~السبعة وفي خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات للعالمين ~~PageV01P081 # | المقدمة الثالثة # في المعتدل من الأقاليم والمنحرف وتأثير الهواء في ألوان البشر $ والكثير ~~في أحوالهم # قد بينا أن المغمور من هذا المنكشف من الأرض إنما هو وسطه لإفراط الحر في ~~الجنوب منه والبرد في الشمال ولما كان الجانبان من الشمال والجنوب متضادين ~~من الحر والبرد وجب أن تتدرج الكيفية من كليهما إلى الوسط فيكون معتدلا ~~فالإقليم الرابع أعدل العمران والذي حافاته من الثالث والخامس أقرب إلى ~~الاعتدال والذي يليهما والثاني والسادس بعيدان من الاعتدال والأول والسابع ~~أبعد بكثير فلهذا كانت العلوم والصنائع والمباني والملابس والأقوات ~~والفواكه بل والحيوانات وجميع ما يتكون في هذه الأقاليم الثلاثة المتوسطة ~~مخصوصة بالاعتدال وسكانها من البشر أعدل أجساما وألوانا وأخلاقا وأديانا ~~حتى النبوات فإنما توجد في الأكثر فيها ولم نقف على ms086 خبر بعثة في الأقاليم ~~الجنوبية ولا الشمالية وذلك أن الأنبياء والرسل إنما يختص بهم أكمل النوع ~~في خلقهم وأخلاقهم قال تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ وذلك ليتم ~~القبول بما يأتيهم به الأنبياء من عند الله وأهل هذه الأقاليم أكمل لوجود ~~الاعتدال لهم فتجدهم على غاية من التوسط في مساكنهم وملابسهم وأقواتهم ~~وصنائعهم يتخذون البيوت المنجدة بالحجارة المنمقة بالصناعة ويتناغون في ~~استجادة الآلات والمواعين ويذهبون في ذلك إلى الغاية وتوجد لديهم المعادن ~~الطبيعية من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والقصدير ويتصرفون في ~~معاملاتهم بالنقدين العزيزين ويبعدون عن الانحراف في عامة أحوالهم وهؤلاء ~~أهل المغرب والشام والحجاز واليمن والعراقين والهند والسند والصين وكذلك ~~الأندلس ومن قرب منها من الفرنجة والجلالقة والروم واليونانيين ومن كان مع ~~هؤلاء أو قريبا منهم في هذه الاقاليم المعتدلة ولهذا كان العراق والشام ~~أعدل هذه كلها لأنها وسط من جميع الجهات وأما الأقاليم البعيدة من الاعتدال ~~مثل الأول والثاني والسادس والسابع فأهلها أبعد من الاعتدال في جميع ~~أحوالهم فبناؤهم بالطين PageV01P082 والقصب وأقواتهم من الذرة والعشب ~~وملابسهم من أوراق الشجر يخصفونها عليهم أو الجلود وأكثرهم عرايا من اللباس ~~وفواكه بلادهم وأدمها غريبة التكوين مائلة إلى الانحراف ومعاملاتهم بغير ~~الحجرين الشريفين من نحاس أو حديد أو جلود يقدرونها للمعاملات وأخلاقهم مع ~~ذلك قريبة من خلق الحيوانات العجم حتى لينقل عن الكثير من السودان أهل ~~الإقليم الأول أنهم يسكنون الكهوف والغياض ويأكلون العشب وأنهم متوحشون غير ~~مستأنسين يأكل بعضهم بعضا وكذا الصقالبة والسبب في ذلك أنهم لبعدهم عن ~~الاعتدل يقرب عرض أمزجتهم وأخلاقهم من عرض الحيوانات العجم ويبعدون عن ~~الإنسانية بمقدار ذلك وكذلك أحوالهم في الديانة أيضا فلا يعرفون نبؤة ولا ~~يدينون بشريعة إلا من قرب منهم من جوانب الاعتدال وهو في الأقل النادر مثل ~~الحبشة المجاورين لليمن الدائنين بالنصرانية فيما قبل الإسلام وما بعده ~~لهذا العهد ومثل أهل مالي وكوكو والتكرور المجاورين لأرض المغرب الدائنين ~~بالإسلام لهذا العهد يقال إنهم دانوا به في المائة السابعة ومثل من دان ~~بالنصرانية ms087 من أمم الصقالبة والإفرنجة والترك من الشمال ومن سوى هؤلاء من ~~أهل تلك الأقاليم المنحرفة جنوبا وشمالا فالدين مجهول عندهم والعلم مفقود ~~بينهم وجميع أحوالهم بعيدة من أحوال الأناسي قريبة من أحوال البهائم ويخلق ~~ما لا تعلمون ولا يعترض على هذا القول بوجود اليمن وحضرموت والأحقاف وبلاد ~~الحجاز واليمامة وما يليها من جزيرة العرب في الإقليم الأول والثاني فإن ~~جزيرة العرب كلها أحاطت بها البحار من الجهات الثلاث كما ذكرنا فكان ~~لرطوبتها أثر في رطوبة هوائها فنقص ذلك من اليبس والانحراف الذي يقتضيه ~~الحر وصار فيها بعض الاعتدال بسبب رطوبة البحر # وقد توهم بعض النسابين ممن لا علم لديه بطبائع الكائنات أن السودان هم ~~ولد حام بن نوح اختصوا بلون السواد لدعوة كانت عليه من أبيه ظهر أثرها في ~~لونه وفيما جعل الله من الرق في عقبه وينقلون في ذلك حكاية من خرافات ~~القصاص ودعاء نوح على ابنه حام قد وقع في التوراة وليس فيه ذكر السواد ~~وإنما دعا عليه بأن يكون ولده عبيدا لولد إخوته لا غير وفي القول بنسبة ~~السواد إلى حام غفلة عن طبيعة الحر والبرد وأثرهما في الهواء وفيما يتكون ~~فيه PageV01P083 من الحيوانات وذلك أن هذا اللون شمل أهل الإقليم الأول ~~والثاني من مزاج هوائهم للحرارة المتضاعفة بالجنوب فإن الشمس تسامت رؤوسهم ~~مرتين في كل سنة قريبة إحداهما من الأخرى فتطول المسامتة عامة الفصول فيكثر ~~الضوء لأجلها ويلح القيظ الشديد عليهم وتسود جلودهم لإفراط الحر ونظير هذين ~~الإقليمين مما يقابلهما من الشمال الإقليم السابع والسادس شمل سكانهما أيضا ~~البياض من مزاج هوائهم للبرد المفرط بالشمال إذ الشمس لا تزال بأفقهم في ~~دائرة مرأى العين أو ما قرب منها ولا ترتفع إلى المسامتة ولا ما قرب منها ~~فيضعف الحر فيها ويشتد البرد عامة الفصول فتبيض ألوان أهلها وتنتهي إلى ~~الزعورة ويتبع ذلك ما يقتضيه مزاج البرد المفرط من زرقة العيون وبرش الجلود ~~وصهوبة الشعور وتوسطت بينهما الأقاليم الثلاثة الخامس والرابع والثالث فكان ~~لها في الاعتدال الذي هو ms088 مزاج المتوسط حظ وافر والرابع أبلغها في الاعتدال ~~غاية لنهايته في التوسط كما قدمناه فكان لأهله من الاعتدال في خلقهم وخلقهم ~~ما اقتضاه مزاج أهويتهم وتبعه من جانبيه الثالث والخامس وإن لم يبلغا غاية ~~التوسط لميل هذا قليلا إلى الجنوب الحار وهذا قليلا إلى الشمال البارد إلا ~~أنهما لم ينتهيا إلى الانحراف وكانت الأقاليم الأربعة منحرفة وأهلها كذلك ~~في خلقهم وخلقهم فالأول والثاني للحر والسواد والسابع للبرد والبياض ويسمى ~~سكان الجنوب من الإقليمين الأول والثاني باسم الحبشة والزنج والسودان ~~أسماءمترادفة على الأمم المتغيرة بالسواد وإن كان اسم الحبشة مختصا منهم ~~بمن تجاه مكة واليمن والزنج بمن تجاه بحر الهند وليست هذه الأسماء لهم من ~~أجل انتسابهم إلى آدمي أسود لا حام ولا غيره وقد نجد من السودان أهل الجنوب ~~من يسكن الربع المعتدل أو السابع المنحرف إلى البياض فتبيض ألوان أعقابهم ~~على التدريج مع الأيام وبالعكس فيمن يسكن من أهل الشمال أو الرابع بالجنوب ~~فتسود ألوان أعقابهم وفي ذلك دليل على أن اللون تابع لمزاج الهواء قال ابن ~~سينا في أرجوزته في الطب % بالزنج حر غير الأجسادا % حتى كسا جلودها سوادا ~~% % والصقلب اكتسبت البياضا % حتى غدت جلودها بصاضا % # | PageV01P084 وأما أهل الشمال فلم يسموا باعتبار ألوانهم لأن البياض كان ~~لونا لأهل تلك اللغة الواضعة للأسماء فلم يكن فيه غرابة تحمل على اعتباره ~~في التسمية لموافقته واعتياده ووجدنا سكانه من الترك والصقالبة والطغرغر ~~والخزر واللان والكثير من الإفرنجة ويأجوج ومأجوج أسماء متفرقة وأجيالا ~~متعددة مسمين بأسماء متنوعة وأما أهل الأقاليم الثلاثة المتوسطة أهل ~~الاعتدال في خلقهم وخلقهم وسيرهم وكافة الأحوال الطبيعية للاعتمار لديهم من ~~المعاش والمساكن والصنائع والعلوم والرئاسات والملك فكانت فيهم النبؤات ~~والملك والدول والشرائع والعلوم والبلدان والأمصار والمباني والفراسة ~~والصنائع الفائقة وسائر الأحوال المعتدلة وأهل هذه الأقاليم التي وقفنا على ~~أخبارهم مثل العرب والروم وفارس وبني إسرائيل واليونان وأهل السند والهند ~~والصين ولما رأى النسابون اختلاف هذه الأمم بسماتها وشعارها حسبوا ذلك لأجل ~~الأنساب فجعلوا أهل الجنوب كلهم السودان من ms089 ولد حام وارتابوا في ألوانهم ~~فتكلفوا نقل تلك الحكاية الواهية وجعلوا أهل الشمال كلهم أو أكثرهم من ولد ~~يافث وأكثر الأمم المعتدلة وأهل الوسط المنتحلين للعلوم والصنائع والملل ~~والشرائع والسياسة والملك من ولد سام وهذا الزعم وإن صادف الحق في انتساب ~~هؤلاء فليس ذلك بقياس مطرد إنما هو إخبار عن الواقع لا أن تسمية أهل الجنوب ~~بالسودان والحبشان من أجل انتسابهم إلى حام الأسود وما أداهم إلى هذا الغلط ~~إلا اعتقادهم أن التمييز بين الأمم إنما يقع بالأنساب فقط وليس كذلك فإن ~~التمييز للجيل أو الأمة يكون بالنسب في بعضهم كما للعرب وبني إسرائيل ~~والفرس ويكون بالجهة والسمة كما للزنج والحبشة والصقالبة والسودان ويكون ~~بالعوائد والشعار والنسب كما للعرب ويكون بغير ذلك من أحوال الأمم وخواصهم ~~ومميزاتهم فتعميم القول في أهل جهة معينة من جنوب أو شمال بأنهم من ولد ~~فلان المعروف لما شملهم من نحلة أو لون أو سمة وجدت لذلك الأب إنما هو من ~~الأغاليط التي أوقع فيها الغفلة عن طبائع الأكوان والجهات وإن هذه كلها ~~تتبدل في الأعقاب ولا يجب استمرارها سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا والله ورسوله أعلم بغيبه وأحكم وهو المولى المنعم الرؤوف الرحيم ~~PageV01P085 # المقدمة الرابعة $ في أثر الهواء في أخلاق البشر # قد رأينا من خلق السودان على العموم الخفة والطيش وكثرة الطرب فتجدهم ~~مولعين بالرقص على كل توقيع موصوفين بالحمق في كل قطر والسبب الصحيح في ذلك ~~أنه تقرر في موضعه من الحكمة أن طبيعة الفرح والسرور هي انتشار الروح ~~الحيواني وتفشيه وطبيعة الحزن بالعكس وهو انقباضه وتكاثفه وتقرر أن الحرارة ~~مفشية للهواء والبخار مخلخلة له رائدة في كميته ولهذا يجد المنتشي من الفرح ~~والسرور ما لا يعبر عنه وذلك بما يداخل بخار الروح في القلب من الحرارة ~~الغريزية التي تبعثها سورة الخمر في الروح من مزاجه فيتفشى الروح وتجيء ~~طبيعة الفرح وكذلك نجد المتنعمين بالحمامات إذا تنفسوا في هوائها واتصلت ~~حرارة الهواء في أرواحهم فتسخنت لذلك حدث لهم فرح ms090 وربما انبعث الكثير منهم ~~بالغناء الناشىء عن السرور ولما كان السودان ساكنين في الإقليم الحار ~~واستولى الحر على أمزجتهم وفي أصل تكوينهم كان في أرواحهم من الحرارة على ~~نسبة أبدانهم وإقليمهم فتكون أرواحهم بالقياس إلى أرواح أهل الإقليم الرابع ~~أشد حرا فتكون أكثر تفشيا فتكون أسرع فرحا وسرورا وأكثر انبساطا ويجيء ~~الطيش على أثر هذه وكذلك يلحق بهم قليلا أهل البلاد البحرية لما كان هواؤها ~~متضاعف الحرارة بما ينعكس عليه من أضواء بسيط البحر وأشعته كانت حصتهم من ~~توابع الحرارة في الفرح والخفة موجودة أكثر من بلاد التلول والجبال الباردة ~~وقد نجد يسيرا من ذلك في أهل البلاد الجزيرية من الإقليم الثالث لتوفر ~~الحرارة فيها وفي هوائها لأنها عريقة في الجنوب عن الأرياف والتلول واعتبر ~~ذلك أيضا بأهل مصر فإنها مثل عرض البلاد الجزيرية أو قريبا منها كيف غلب ~~الفرح عليهم والخفة والغفلة عن العواقب حتى أنهم لا يدخرون أقوات سنتهم ولا ~~شهرهم وعامة مأكلهم من أسواقهم ولما كانت فاس من بلاد المغرب بالعكس منها ~~في التوغل في التلول الباردة كيف ترى أهلها مطرقين إطراق الحزن وكيف أفرطوا ~~في نظر العواقب حتى إن الرجل منهم ليدخر قوت سنتين من حبوب PageV01P086 ~~الحنطة ويباكر الأسواق لشراء قوته ليومه مخافة أن يرزا شيئا من مدخره وتتبع ~~ذلك في الأقاليم والبلدان تجد في الأخلاق أثرا من كيفيات الهواء والله ~~الخلاق العليم # وقد تعرض المسعودي للبحث عن السبب في خفة السودان وطيشهم وكثرة الطرب ~~فيهم وحاول تعليله فلم يأت بشيء أكثر من أنه نقل عن جالينوس ويعقوب بن ~~إسحاق الكندي أن ذلك لضعف أدمغتهم وما نشأ عنه من ضعف عقولهم وهذا كلام لا ~~محصل له ولا برهان فيه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم # | المقدمة الخامسة # في اختلاف أحوال العمران في الخصب والجوع وما ينشأ عن ذلك $ من الآثار في ~~أبدان البشر وأخلاقهم # اعلم أن هذه الأقاليم المعتدلة ليس كلها يوجد بها الخصب ولا كل سكانها في ~~رغد من العيش بل فيها ما يوجد ms091 لأهله خصب العيش من الحبوب والأدم والحنطة ~~والفواكه لزكاء المنابت واعتدال الطينة ووقور العمران وفيها الأرض الحرة ~~التي لا تنبت زرعا ولا عشبا بالجملة فسكانها في شظف من العيش مثل أهل ~~الحجاز وجنوب اليمن ومثل الملثمين من صنهاجة الساكنين بصحراء المغرب وأطراف ~~الرمال فيما بين البربر والسودان فإن هؤلاء يفقدون الحبوب والأدم جملة ~~وإنما أغذيتهم وأقواتهم الألبان واللحوم ومثل العرب أيضا الجائلين في ~~القفار فإنهم وإن كانوا يأخذون الحبوب والأدم من التلول إلا أن ذلك في ~~الأحايين وتحت ربقة من حاميتها وعلى الإقلال لقلة وجدهم فلا يتوصلون منه ~~إلى سد الخلة أو دونها فضلا عن الرغد والخصب وتجدهم يقتصرون في غالب ~~أحوالهم على الألبان وتعوضهم من الحنطة أحسن معاض وتجد مع ذلك هؤلاء ~~الفاقدين للحبوب والأدم من أهل القفار أحسن حالا في جسومهم وأخلاقهم من أهل ~~التلول المنغمسين في العيش فألوانهم أصفى وأبدانهم أتقى وأشكالهم أتم وأحسن ~~وأخلاقهم أبعد من الانحراف وأذهانهم أثقب في المعارف والإدراكات هذا أمر ~~تشهد له التجربة في كل جيل منهم فكثير ما بين العرب والبربر فيما وصفناه ~~وبين الملثمين وأهل التلول يعرف ذلك من خبره PageV01P087 والسبب في ذلك ~~والله أعلم أن كثرة الأغذية وكثرة الأخلاط الفاسدة العفنة ورطوباتها تولد ~~في الجسم فضلات رديئة تنشأ عنها بعد إقطارها في غير نسبة ويتبع ذلك انكساف ~~الألوان وقبح الأشكال من كثرة اللحم كما قلناه وتغطي الرطوبات على الأذهان ~~والأفكار بما يصعد إلى الدماغ من أبخرتها الردية فتجيء البلادة والغفلة ~~والانحراف عن الاعتدال بالجملة # واعتبر ذلك في حيوان القفر ومواطن الجدب من الغزال والنعام والمها ~~والزرافة والحمر الوحشية والبقر مع أمثالها من حيوان التلول والأرياف ~~والمراعي الخصبة كيف تجد بينها بونا بعيدا في صفاء أديمها وحسن رونقها ~~وأشكالها وتناسب أعضائها وحدة مداركها فالغزال أخو المعز والزرافة أخو ~~البعير والحمار والبقر أخو الحمار والبقر والبون بينها ما رأيت وما ذاك إلا ~~لأجل أن الخصب في التلول فعل في أبدان هذه من الفضلات الردية والأخلاط ~~الفاسدة مما ظهر عليها أثره والجوع ms092 لحيوان القفر حسن في خلقها وأشكالها ما ~~شاء واعتبر ذلك في الآدميين أيضا # فإنا نجد أهل الأقاليم المخصبة العيش الكثيرة الزرع والضرع والأدم ~~والفواكه يتصف أهلها غالبا بالبلادة في أذهانهم والخشونة في أجسامهم وهذا ~~شأن البربر المنغمسين في الأدم والحنطة مع المتقشفين في عيشهم المقتصرين ~~على الشعير أو الذرة مثل المصامدة منهم وأهل غمارة والسوس فتجد هؤلاء أحسن ~~حالا في عقولهم وجسومهم وكذا أهل بلاد المغرب على الجملة المنغمسين في ~~الأدم والبر مع أهل الأندلس المفقود بأرضهم السمن حملة وغالب عيشهم الذرة ~~فتجد لأهل الأندلس من ذكاء العقول وخفة الأجسام وقبول التعليم ما لا يوجد ~~لغيرهم وكذا أهل الضواحي من المغرب بالجملة مع أهل الحضر والأمصار # فإن الأمصار وإن كانوا مكثرين مثلهم من الأدم ومخصبين في العيش إلا أن ~~استعمالهم إياهما بعد العلاج بالطبخ والتلطيف بما يخلطون معها فيذهب لذلك ~~غلظها ويرق قوامها وعامة مأكلهم لحوم الضأن والدجاج ولا يغبطون السمن من ~~بين الأدم لتفاهته فتقل الرطوبات لذلك في أغذيتهم ويخف ما تؤديه إلى ~~أجسامهم من الفضلات الردية فلذلك تجد جسوم أهل الأمصار ألطف من جسوم ~~البادية المخشنين في العيش وكذلك تجد المعودين بالجوع من أهل البادية لا ~~فضلات في جسومهم غليظة ولا لطيفة واعلم PageV01P088 أن أثر هذا الخصب في ~~البدن وأحواله يظهر حتى في حال الدين والعبادة # فتجد المتقشفين من أهل البادية أو الحاضرة ممن يأخذ نفسه بالجوع والتجافي ~~عن الملاذ أحسن دينا وإقبالا على العبادة من أهل الترف والخصب بل نجد أهل ~~الدين قليلين في المدن والأمصار لما يعمها من القساوة والغفلة المتصلة ~~بالإكثار من اللحمان # والأدم ولباب البر ويختص وجود العباد والزهاد لذلك بالمتقشفين في غذائهم ~~من أهل البوادي وكذلك نجد هؤلاء المخصبين في العيش المنغمسين في طيباته من ~~أهل البادية ومن أهل الحواضر والأمصار إذا نزلت بهم السنون وأخذتهم ~~المجاعات يسرع إليهم الهلاك أكثر من غيرهم مثل برابرة المغرب وأهل مدينة ~~فاس ومصر فيما يبلغنا لا مثل العرب أهل القفر والصحراء ولا مثل أهل بلاد ~~النخل ms093 الذين غالب عيشهم التمرولا مثل أهل إفريقية لهذا العهد الذين غالب ~~عيشهم الشعير والزيت وأهل الأندلس الذين غالب عيشهم الذرة والزيت فإن هؤلاء ~~وإن أخذتهم السنون والمجاعات فلا تنال منهم ما تنال من أولئك ولا يكثر فيهم ~~الهلاك بالجوع بل ولا يندر والسبب في ذلك والله أعلم أن المنغمسين في الخصب ~~المتعودين للأدم والسمن خصوصا تكتسب من ذلك أمعاؤهم رطوبة فوق رطوبتها ~~الأصلية المزاجية حتى تجاوز حدها فإذا خولف بها العادة بقلة الأقوات وفقدان ~~الأدم واستعمال الخشن غير المألوف من الغذاء أسرع إلى المعا اليبس ~~والانكماش وهو ضعيف في الغاية فيسرع إليه المرض ويهلك صاحبه دفعة لأنه من ~~المقاتل فالهالكون في المجاعات إنما قتلهم الشبع المعتاد السابق لا الجوع ~~الحادث اللاحق # وأما المتعودون لقلة الأدم والسمن فلا تزال رطوبتهم الأصلية واقفة عند ~~حدها من غير زيادة وهي قابلة لجميع الأغذية الطبيعية فلا يقع في معاهم ~~بتبدل الأغذية يبس ولا انحراف فيسلمون في الغالب من الهلاك الذي يعرض ~~لغيرهم بالخصب وكثرة الأدم في المأكل وأصل هذا كله أن تعلم أن الأغذية ~~وائتلافها أو تركها إنما هو بالعادة فمن عود نفسه غذاء ولائمة تناوله كان ~~له مألوفا وصار الخروج عنه والتبدل به داء ما لم يخرج عن غرض الغذاء ~~بالجملة كالسموم واليتوع وما أفرط في الانحراف PageV01P089 فأما ما وجد فيه ~~التغذي والملاءمة فيصير غذاء مألوفا بالعادة فإذا أخذ الإنسان نفسه ~~باستعمال اللبن والبقل عوضا عن الحنطة حتى صار له ديدنا فقد حصل له ذلك ~~غذاء واستغنى به عن الحنطة والحبوب من غير شك وكذا من عود نفسه الصبر على ~~الجوع والاستغناء عن الطعام كما ينقل عن أهل الرياضيات فإنا نسمع عنهم في ~~ذلك أخبارا غريبة يكاد ينكرها من لا يعرفها والسبب في ذلك العادة فإن النفس ~~إذا ألفت شيئا صار من جبلتها وطبيعتها لأنها كثيرة التلون فإذا حصل لها ~~اعتياد الجوع بالتدريج والرياضة فقد حصل ذلك عادة طبيعية لها وما يتوهمه ~~الأطباء من أن الجوع مهلك فليس على ما يتوهمونه إلا إذا ms094 حملت النفس عليه ~~دفعة وقطع عنها الغذاء بالكلية فإنه حينئذ ينحسم المعاء ويناله المرض الذي ~~يخشى معه الهلاك وأما إذا كان القدر تدريجا ورياضة بإقلال الغذاء شيئا ~~فشيئا كما يفعله المتصوفة فهو بمعزل عن الهلاك وهذا التدريج ضروري حتى في ~~الرجوع عن هذه الرياضة فإنه إذا رجع به إلى الغذاء الأول دفعة خيف عليه ~~الهلاك وإنما يرجع به كما بدأ في الرياضة بالتدريج # ولقد شاهدنا من يصبر على الجوع أربعين يوما وصالا وأكثر وحضر أشياخنا ~~بمجلس السلطان أبي الحسن وقد رفع إليه امرأتان من أهل الجزيرة الخضراء ~~ورندة حبستا أنفسهما عن الأكل جملة منذ سنين وشاع أمرهما ووقع اختبارهما ~~فصح شأنهما واتصل على ذلك حالهما إلى أن ماتتا ورأينا كثيرا من أصحابنا ~~أيضا من يقتصر على حليب شاة من المعز يلتقم ثديها في بعض النهار أو عند ~~الإفطار ويكون ذلك غذاءه واستدام على ذلك خمس عشرة سنة وغيرهم كثير ولا ~~يستنكر ذلك # واعلم أن الجوع أصلح للبدن من إكثار الأغذية بكل وجه لمن قدر عليه أو على ~~الإقلال منها وإن له أثرا في الأجسام والعقول في صفائها وصلاحها كما قلناه ~~واعتبر ذلك بآثار الأغذية التي تحصل عنها في الجسوم فقد رأينا المتغذين ~~بلحوم الحيوانات الفاخرة العظيمة والجثمان تنشأ أجيالهم كذلك وهذا مشاهد في ~~أهل البادية مع أهل الحاضرة وكذا المتغذون بألبان الإبل ولحومها أيضا مع ما ~~يؤثر في PageV01P090 أخلاقهم من الصبر والاحتمال والقدرة على حمل الأثقال ~~الموجود ذلك للإبل وتنشأ أمعاؤهم أيضا على نسبة أمعاء الإبل في الصحة ~~والغلظ فلا يطرقها الوهن ولا ينالها من مدار الأغذية ما ينال غيرهم فيشربون ~~اليتوعات لاستطلاق بطونهم غيرمحجوبة كالحنظل قبل طبخه والدرياس والقربيون ~~ولا ينال أمعاءهم منها ضرر وهي لو تناولها أهل الحضر الرقيقة أمعاؤهم بما ~~نشأت عليه من لطيف الأغذية لكان الهلاك أسرع إليهم من طرفة العين لما فيها ~~من السمية ومن تأثير الأغذية في الأبدان ما ذكره أهل الفلاحة وشاهده أهل ~~التجربة أن الدجاج إذا غذيت بالحبوب المطبوخة في بعر الإبل ms095 واتخذ بيضها ثم ~~حضنت عليه جاء الدجاج منها أعظم ما يكون وقد يستغنون عن تغذيتها وطبخ ~~الحبوب بطرح ذلك البعر مع البيض المحضن فيجيء دجاجها في غاية العظم وأمثال ~~ذلك كثيرة فإذا رأينا هذه الآثار من الأغذية في الأبدان فلا شك أن للجوع ~~أيضا آثارا في الأبدان لأن الضدين على نسبة واحدة في التأثير وعدمه فيكون ~~تأثير الجوع في نقاء الأبدان من الزيادات الفاسدة والرطوبات المختلطة ~~المخلة بالجسم والعقل كما كان الغذاء مؤثرا في وجود ذلك الجسم والله محيط ~~بعلمه # | المقدمة السادسة # في أصناف المدركين من البشر بالفطرة أو الرياضة $ ويتقدمه الكلام في ~~الوحي والرؤيا # اعلم أن الله سبحانه اصطفى من البشر أشخاصا فضلهم بخطابه وفطرهم على ~~معرفته وجعلهم وسائل بينهم وبين عباده يعرفونهم بمصالحهم ويحرضونهم على ~~هدايتهم ويأخذون بحجزانهم عن النار ويدلونهم على طريق النجاة وكان فيما ~~يلقيه إليهم من المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق والأخبار الكائنات ~~المغيبة عن البشر التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من الله بوساطتهم ولا ~~يعلمونها إلا بتعليم الله إياهم قال صلى الله عليه وسلم ألا وإني لا أعلم ~~إلا ما علمني الله واعلم أن خبرهم في ذلك من خاصيته وضرورته الصدق لما ~~يتبين لك عند بيان حقيقة النبوة وعلامة هذا الصنف PageV01P091 من البشر أن ~~توجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيط كأنها غشي أو إغماء ~~في رأي العين وليست منهما في شيء وإنما هي في الحقيقة استغراق في لقاء ~~الملك الروحاني بإدراكهم المناسب لهم الخارج عن مدارك البشر بالكلية ثم ~~يتنزل إلى المدارك البشرية إما بسماع دوي من الكلام فيتفهمه أو يتمثل له ~~صورة شخص يخاطبه بما جاء به من عند الله ثم تنجلي عنه تلك الحال وقد وعى ما ~~ألقي إليه قال صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن الوحي أحيانا يأتيني مثل ~~صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي ~~الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ويدركه أثناء ذلك من ms096 الشدة والغط ما لا ~~يعبر عنه ففي الحديث كان مما يعالج من التنزيل شدة وقالت عائشة كان ينزل ~~عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه إن جبينه ليتفصد عرقا وقال ~~تعالى @QB@ إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا @QE@ ولأجل هذه الغاية في تنزل الوحي ~~كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون ويقولون له رئي أو تابع من الجن وإنما ~~ليس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك الأحوال ومن يضلل فما له من هاد # ومن علاماتهم أيضا أنه يوجد لهم قبل الوحي خلق الخير والزكاء ومجانبة ~~المذمومات والرجس أجمع وهذا هو معنى العصمة وكأنه مفطور على التنزه عن ~~المذمومات والمنافرة لها وكأنها منافية لجبلته وفي الصحيح أنه حمل الحجارة ~~وهو غلام مع عمه العباس لبناء الكعبة فجعلها في إزاره فانكشف فسقط مغشيا ~~عليه حتى استتر بإزاره ودعي إلى مجتمع وليمة فيها عرس ولعب فأصابه غشي ~~النوم إلى أن طلعت الشمس ولم يحضر شيئا من شأنهم بل نزهه الله عن ذلك كله ~~حتى إنه بجبلته يتنزه عن المطعومات المستكرهة فقد كان صلى الله عليه وسلم ~~لا يقرب البصل والثوم فقيل له في ذلك فقال إني أناجي من لا تناجون وأنظر ~~لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها بحال الوحي أول ما ~~فجأته وأرادت اختباره فقالت اجعلني بينك وبين ثوبك فلما فعل ذلك ذهب عنه ~~فقالت إنه ملك وليس بشيطان ومعناه أنه لا يقرب النساء وكذلك سألته عن أحب ~~الثياب إليه أن يأتيه فيها فقال البياض والخضرة فقالت إنه الملك يعني أن ~~البياض والخضرة من ألوان الخير والملائكة والسواد من ألوان الشر والشياطين ~~وأمثال ذلك PageV01P092 # ومن علاماتهم أيضا دعاؤهم إلى الدين والعبادة من الصلاة والصدقة والعفاف ~~وقد استدلت خديجة على صدقه صلى الله عليه وسلم بذلك وكذلك أبو بكر ولم ~~يحتاجا في أمره إلى دليل خارج عن حاله وخلقه وفي الصحيح أن هرقل حين جاءه ~~كتاب النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام أحضر من وجد ببلده من ~~قريش وفيهم أبو ms097 سفيان ليسألهم عن حاله فكان فيما سأل أن قال بم يأمركم فقال ~~أبو سفيان بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف إلى آخر ما سأل فأجابه فقال إن ~~يكن ما تقول حقا فهو نبي وسيملك ما تحت قدمي هاتين والعفاف الذي أشار إليه ~~هرقل هو العصمة فانظر كيف أخذ من العصمة والدعاء إلى الدين والعبادة دليلا ~~على صحة نبوته ولم يحتج إلى معجزة فدل على أن ذلك من علامات النبوة # ومن علاماتهم أيضا أن يكونوا ذوي حسب في قومهم وفي الصحيح ما بعث الله ~~نبيا إلا في منعة من قومه وفي رواية أخرى في ثروة من قومه استدركه الحاكم ~~على الصحيحين وفي مسألة هرقل لأبي سفيان كما هو في الصحيح قال كيف هو فيكم ~~فقال أبو سفيان هو فينا ذو حسب فقال هرقل والرسل تبعث في أحساب قومها ~~ومعناه أن تكون له عصبة وشوكة تمنعه عن أذى الكفار حتى يبلغ رسالة ربه ويتم ~~مراد الله من إكمال دينه وملته # ومن علاماتهم أيضا وقوع الخوارق لهم شاهدة بصدقهم وهي أفعال يعجز البشر ~~عن مثلها فسميت بذلك معجزة وليست من جنس مقدور العباد وإنما تقع في غير محل ~~قدرتهم وللناس في كيفية وقوعها ودلالتها على تصديق الأنبياء خلاف ~~فالمتكلمون بناء على القول بالفاعل المختار قائلون بأنها واقعة بقدرة الله ~~لا بفعل النبي وإن كانت أفعال العباد عند المعتزلة صادرة عنهم إلا أن ~~المعجزة لا تكون من جنس أفعالهم وليس للنبي فيها عند سائر المتكلمين إلا ~~التحدي بها بإذن الله وهو أن يستدل بها النبي صلى الله عليه وسلم قبل ~~وقوعها على صدقه في مدعاه فإذا وقعت تنزلت منزلة القول الصريح من الله بأنه ~~صادق وتكون دلالتها حينئذ على الصدق قطعية فالمعجزة الدالة بمجموع الخارق ~~والتحدي ولذلك كان التحدي جزءا منها وعبارة المتكلمين صفة نفسها وهو واحد ~~لأنه معنى الذاتي عندهم والتحدي هو الفارق بينها وبين الكرامة PageV01P093 ~~والسحر إذ لا حاجة فيهما إلى التصديق فلا وجود للتحدي إلا إن وجد اتفاقا ~~وإن وقع التحدي في الكرامة ms098 عند من يجيزها وكانت لها دلالة فإنما هي على ~~الولاية وهي غير النبوة ومن هنا منع الأستاذ أبو إسحاق وغيره وقوع الخوارق ~~كرامة فرارا من الالتباس بالنبوة عند التحدي بالولاية وقد أريناك المغايرة ~~بينهما وأنه يتحدى بغير ما يتحدى به النبي فلا لبس على أن النقل عن الأستاذ ~~في ذلك ليس صريحا وربما حمل على إنكار لأن تقع خوارق الأنبياء لهم بناء على ~~اختصاص كل من الفريقين بخوارقه وأما المعتزلة فالمانع من وقوع الكرامة ~~عندهم أن الخوارق ليست من أفعال العباد وأفعالهم معتادة فلا فرق وأما ~~وقوعها على يد الكاذب تلبيسا فهو محال أما عند الأشعرية فلأن صفة نفس ~~المعجزة التصديق والهداية فلو وقعت بخلاف ذلك انقلب الدليل شبهة والهداية ~~ضلالة والتصديق كذبا واستحالت الحقائق وانقلبت صفات النفس وما يلزم من فرض ~~وقوعه المحال لا يكون ممكنا وأما عند المعتزلة فلأن وقوع الدليل شبهة ~~والهداية ضلالة قبيح فلا يقع من الله # وأما الحكماء فالخارق عندهم من فعل النبي ولو كان في غير محل القدرة ~~وبناء على مذهبهم في الإيجاب الذاتي ووقوع الحوادث بعضها عن بعض متوقف على ~~الأسباب والشروط الحادثة مستندة أخيرا إلى الواجب الفاعل بالذات لا ~~بالاختيار وإن النفس النبوية عندهم لها خواص ذاتية منها صدور هذه الخوارق ~~بقدرته وطاعة العناصر له في التكوين والنبي عندهم مجبول على التصريف في ~~الأكوان مهما توجه إليها واستجمع لها بما جعل الله له من ذلك والخارق عندهم ~~يقع للنبي سواء كان للتحدي أم لم يكن وهو شاهد بصدقه من حيث دلالته على ~~تصرف النبي في الأكوان الذي هو من خواص النفس النبوية لا بأنه يتنزل منزلة ~~القول الصريح بالتصديق فلذلك لا تكون دلالتها عندهم قطعية كما هي عند ~~المتكلمين ولا يكون التحدي جزءا من المعجزة ولم يصح فارقا لها عن السحر ~~والكرامة وفارقها عندهم عن السحر أن النبي مجبول على أفعال الخير مصروف عن ~~أفعال الشر فلا يلم الشر بخوارقه والساحر على الضد فأفعاله كلها شر وفي ~~مقاصد الشر وفارقها عن الكرامة ms099 أن خوارق النبي مخصوصة كالصعود إلى السماء ~~والنفوذ في الأجسام الكثيفة وإحياء الموتى وتكليم الملائكة والطيران ~~PageV01P094 في الهواء وخوارق الولي دون ذلك كتكثير القليل والحديث عن بعض ~~المستقبل وأمثاله مما هو قاصر عن تصريف الأنبياء ويأتي النبي بجميع خوارقه ~~ولا يقدر هو على مثل خوارق الأنبياء وقد قرر ذلك المتصوفة فيما كتبوه في ~~طريقتهم ولقنوه عمن أخبرهم وإذا تقرر ذلك فاعلم أن أعظم المعجزات وأشرفها ~~وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن ~~الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي ويأتي بالمعجزة ~~شاهدة بصدقه والقرآن هو بنفسه الوحي المدعى وهو الخارق المعجز فشاهده في ~~عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي فهو أوضح دلالة ~~لاتحاد الدليل والمدلول فيه وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ما من نبي ~~من الأنبياء إلا وأتي من الآيات ما مثله أمن عليه البشر وإنما كان الذي ~~أوتيته وحيا أوحي إلي فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة يشير إلى ~~أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة الدلالة وهو كونها نفس ~~لوحي كان الصدق لها أكثر لوضوحها فكثر المصدق المؤمن وهو التابع ولأمه # | ولنذكر الآن تفسير حقيقة النبوة على ما شرحه كثير من المحققين # ثم نذكر حقيقة الكهانة ثم الرؤيا ثم شان العرافين $ وغير ذلك من مدارك ~~الغيب فنقول # اعلم أرشدنا الله وإياك أنا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها ~~على هيئة من الترتيب والإحكام وربط الأسباب بالمسببات واتصال الأكوان ~~بالأكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض لا تنقضي عجائبه في ذلك ولا تنتهي ~~غاياته وأبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجثماني وأولا عالم العناصر المشاهدة ~~كيف تدرج صاعدا من الأرض إلى الماء ثم إلى الهواء ثم إلى النار متصلا بعضها ~~ببعض وكل واحد منها مستعد إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعدا وهابطا ويستحيل ~~بعض الأوقات والصاعد منها ألطف مما قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك وهو ~~ألطف من ms100 الكل على طبقات اتصل بعضها ببعض على هيئة لا يدرك الحس منها إلا ~~الحركات فقط وبها PageV01P095 يهتدي بعضهم إلى معرفة مقاديرها وأوضاعها وما ~~بعد ذلك من وجود الذوات التي لها هذه الآثار فيها ثم انطر إلى عالم التكوين ~~كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج آخر ~~أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له وآخر أفق ~~النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ولم ~~يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق ~~منها مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول الرفق الذي بعده واتسع عالم ~~الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر ~~والروية ترتفع إليه من عالم القدرة الذي اجتمع فيه الحس والإدراك ولم ينته ~~إلى الروية والفكر بالفعل وكان ذلك أول أفق من الإنسان بعده وهذا غاية ~~شهودنا ثم إنا نجد في العوالم على اختلافها آثارا متنوعة ففي عالم الحس ~~آثار من حركات الأفلاك والعناصر وفي عالم التكوين آثار من حركة النمو ~~والإدراك تشهد كلها بأن لها مؤثرا مباينا للأجسام فهو روحاني ويتصل ~~بالمكونات لوجود اتصال هذا العالم في وجودها ولذلك هو النفس المدركة ~~والمحركة ولا بد فوقها من وجود آخر يعطيها قوى الإدراك والحركة ويتصل بها ~~أيضا ويكون ذاته إدراكا صرفا وتعقلا محضا وهو عالم الملائكة فوجب من ذلك أن ~~يكون للنفس استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملكية ليصير بالفعل من جنس ~~الملائكة وقتا من الأوقات في لمحة من اللمحات وذلك بعد أن تكمل ذاتها ~~الروحانية بالفعل كما نذكره بعد ويكون لها اتصال بالأفق الذي بعدها شأن ~~الموجودات المرتبة كما قدمناه فلها في الاتصال جهتا العلو والسفل وهي متصلة ~~بالبدن من أسفل منها وتكتسب به المدارك الحسية التي تستعد بها للحصول على ~~التعقل بالفعل ومتصلة من جهة الأعلى منها بأفق الملائكة ومكتسبة به المدارك ~~العلمية والغيبية فإن عالم الحوادث موجود في تعقلاتهم من غير زمان ms101 وهذا على ~~ما قدمناه من الترتيب المحكم في الوجود باتصال ذواته وقواه بعضها ببعض ثم ~~إن هذه النفس الإنسانية غائبة عن العيان وآثارها ظاهرة في البدن فكأنه ~~وجميع أجزائه مجتمعة ومفترقة آلآت للنفس ولقواها أما الفاعلية فالبطش باليد ~~والمشي بالرجل والكلام باللسان والحركة الكلية PageV01P096 بالبدن متدافعا ~~وأما المدركة وإن كانت قوى الإدراك مرتبة ومرتقية إلى القوة العليا منها ~~ومن المفكرة التي يعبر عنها بالناطقية فقوى الحس الظاهرة بآلاته من السمع ~~والبصر وسائرها يرتقي إلى الباطن وأوله الحس المشترك وهو قوة تدرك ~~المحسوسات مبصرة ومسموعة وملموسة وغيرها في حالة واحدة وبذلك فارقت قوة ~~الحس الظاهر لأن المحسوسات لا تزدحم عليها في الوقت الواحد ثم يؤديه الحس ~~المشترك إلى الخيال وهي قوة تمثل الشيء المحسوس في النفس كما هو مجرد عن ~~المواد الخارجة فقط وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن الأول من الدماغ ~~مقدمة للأولى ومؤخرة للثانية ثم يرتقي الخيال إلى الواهمة والحافظة ~~فالواهمة لإدراك المعاني المتعلقة بالشخصيات كعداوة زيد وصداقة عمرو ورحمة ~~الأب وافتراس الذئب والحافظة لإبداع المدركات كلها متخيلة وهي لها كالخزانة ~~تحفظها لوقت الحاجة إليها وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن المؤخر من ~~الدماغ أوله للأولى ومؤخره للأخرى ثم ترتقي جميعها إلى قوة الفكر وآلته ~~البطن الأوسط من الدماغ وهي القوة التي يقع بها حركة الرؤية والتوجه نحو ~~التعقل فتحرك النفس بها دائما لما ركب فيها من النزوع للتخلص من درك القوة ~~والاستعداد الذي للبشرية وتخرج إلى الفعل في تعقلها متشبهة بالملأ الأعلى ~~الروحاني وتصير في أول مراتب الروحانيات في إدراكها بغير الآلات الجسمانية ~~فهي متحركة دائما ومتوجهة نحو ذلك وقد تنسلخ بالكلية من البشرية وروحانيتها ~~إلى الملكية من الأفق الأعلى من غير اكتساب بل بما جعل الله فيها من الجبلة ~~والفطرة الأولى في ذلك والنفوس البشرية على ثلاثة أصناف صنف عاجز بالطبع عن ~~الوصول فينقطع بالحركة إلى الجهة السفلى نحو المدارك الحسية والخيالية ~~وتركيب المعاني من الحافظة والواهمة على قوانين محصورة وترتيب خاص يستفيدون ~~به العلوم التصويرية والتصديقية ms102 التي للفكر في البدن وكلها خيالي منحصر ~~نطاقه إذ هو من جهة مبداه ينتهي إلى الأوليات ولا يتجاوزها وإن فسد ما ~~بعدها وهذا هو في الأغلب نطاق الإدراك البشري الجسماني وإليه تنتهي مدارك ~~العلماء وفيه ترسخ أقدامهم وصنف متوجه بتلك الحركة الفكرية نحو العقل ~~الروحاني والإدراك الذي لا يفتقر إلى الآلات البدنية بما جعل فيه من ~~الاستعداد PageV01P097 لذلك فيتسع نطاق إدراكه عن الأوليات التي هي نطاق ~~الإدارك الأول البشري ويسرح في فضاء المشاهدات الباطنية وهي وجدان كلها ~~نطاق لها من مبداها ولا من منتهاها وهذه مدارك العلماء الأولياء أهل العلوم ~~الدينية والمعارف الربانية وهي الحاصلة بعد الموت لأهل السعادة في البرزخ ~~وصنف مفطورعلى الانسلاخ من البشرية جملة جسمانيتها وروحانيتها إلى الملائكة ~~من الأفق الأعلى ليصير في لمحة من اللمحات ملكا بالفعل ويحصل له شهود الملأ ~~الأعلى في أفقهم وسماع الكلام النفساني والخطاب الإلهي في تلك اللمحة ~~وهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جعل الله لهم الإنسلاخ من البشرية ~~في تلك اللمحة وهي حالة الوحي فطرة فطرهم الله عليها وجبلة صورهم فيها ~~ونزههم عن موانع البدن وعوائقه ما داموا ملابسين لها بالبشرية بما ركب في ~~غرائزهم من القصد والاستقامة التي يحاذون بها تلك الوجهة وركز في طبائعهم ~~رغبة في العبادة تكشف بتلك الوجهة وتسيغ نحوها فهم يتوجهون إلى ذلك الأفق ~~بذلك النوع من الانسلاخ متى شاؤوا بتلك الفطرة التي فطروا عليها لا باكتساب ~~ولا صناعة فلذا توجهوا وانسلخوا عن بشريتهم وتلقوا في ذلك الملأ الأعلى ما ~~يتلقونه عاجوا به على المدارك البشرية منزلا في قواها لحكمة التبليغ للعباد ~~فتارة يسمع أحدهم دويا كأنه رمز من الكلام يأخذ منه المعنى الذي ألقي إليه ~~فلا ينقضي الدوي إلا وقد وعاه وفهمه وتارة يتمثل له الملك الذي يلقي إليه ~~رجلا فيكلمه ويعي ما يقوله والتلقي من الملك والرجوع إلى المدارك البشرية ~~وفهمه ما ألقي عليه كله كأنه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر لأنه ليس ~~في زمان بل كلها تقع جميعا فيظهر ms103 كأنها سريعة ولذلك سميت وحيا لأن الوحي في ~~اللغة الإسراع وأعلم أن الأولى وهي حالة الدوي هي رتبة الأنبياء غير ~~المرسلين على ما حققوه والثانية وهي حالة تمثل الملك رجلا يخاطب هي رتبة ~~الأنبياء المرسلين ولذلك كانت أكمل من الأولى وهذا معنى الحديث الذي فسر ~~فيه النبي صلى الله عليه وسلم الوحي لما سأله الحارث بن هشام وقال كيف ~~يأتيك الوحي فقال أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني ~~وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك فيكلمني فأعي ما يقول وإنما كانت ~~الأولى أشد لأنها مبدأ الخروج في ذلك الاتصال من القوة إلى الفعل ~~PageV01P098 فيعسر بعض العسر ولذلك لما عاج فيها على المدارك البشرية اختصت ~~بالسمع وصعب ما سواه وعندما يتكرر الوحي ويكثر التلقي يسهل ذلك الاتصال ~~فعند ما يعرج إلى المدارك البشرية يأتي على جميعها وخصوصا الأوضح منها وهو ~~إدراك البصر وفي العبارة عن الوعي في الأولى بصيغة الماضي وفي الثانية ~~بصيغة المضارع لطيفة من البلاغة وهي أن الكلام جاء مجيء التمثيل لحالتي ~~الوحي فمثل الحالة الأولى بالدوي الذي هو في المتعارف غير كلام وأخبر أن ~~الفهم والوعي يتبعه غب انقضائه فناسب عند تصوير انقضائه وانفصاله العبارة ~~عن الوعي بالماضي المطابق للانقضاء والانقطاع ومثل الملك في الحالة الثانية ~~برجل يخاطب ويتكلم والكلام يساوقه الوعي فناسب العبارة بالمضارع المقتضي ~~للتجدد # واعلم أن في حالة الوحي كلها صعوبة على الجملة وشدة قد اشار إليها القرآن ~~قال تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا وقالت عائشة كان مما يعاني من التنزيل ~~شدة وقالت كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ~~ليتفصد عرقا ولذلك كان يحدث عنه في تلك الحالة من الغيبة والغطيط ما هو ~~معروف وسبب ذلك أن الوحي كما قررنا مفارقة البشرية إلى المدارك الملكية ~~وتلقي كلام النفس فيحدث عنه شدة من مفارقة الذات ذاتها وانسلاخها عنها من ~~أفقها إلى ذلك الأفق الآخر وهذا هو معنى الغط الذي عبر به في مبدأ الوحي ms104 في ~~قوله فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارىء وكذا ~~ثانية وثالثة كما في الحديث وقد يفضي الاعتياد بالتدريج فيه شيئا فشيئا إلى ~~بعض السهولة بالقياس إلى ما قبله ولذلك كان تنزل نجوم القرآن وسوره وآيه ~~حين كان بمكة أقصر منها وهو بالمدينة وانظر إلى ما نقل في نزول سورة براءة ~~في غزوة تبوك وأنها نزلت كلها أو أكثرها عليه وهو يسير على ناقته بعد أن ~~كان بمكة ينزل عليه بعض السورة من قصار المفصل في وقت وينزل الباقي في حين ~~آخر وكذلك كان آخر ما نزل بالمدينة آية الدين وهي ما هي في الطول بعد أن ~~كانت الآية تنزل بمكة مثل آيات الرحمن والذاريات والمدثر والضحى والفلق ~~وأمثالها واعتبر من ذلك علامة تميز بها بين المكي والمدني من السور والآيات ~~والله المرشد إلى الصواب # هذا محصل أمر النبوة وأما الكهانة فهي أيضا PageV01P099 من خواص النفس ~~الإنسانية وذلك أنه قد تقدم لنا في جميع ما مر أن للنفس الإنسانية استعدادا ~~للانسلاخ من البشرية إلى الروحانية التي فوقها وأنه يحصل من ذلك لمحة للبشر ~~في صنف الأنبياء بما فطروا عليه من ذلك وتقرر أنه يحصل لهم من غير اكتساب ~~ولا استعانة بشيء من المدارك ولا من التصورات ولا من الأفعال البدنية كلاما ~~أو حركة ولا بأمر من الأمور إنما هو انسلاخ من البشرية إلى الملكية فالفطرة ~~في لحظة أقرب من لمح البصر وإذا كان كذلك وكان ذلك الاستعداد موجودا في ~~الطبيعة البشرية فيعطى التقسيم العقلي # وإن هنا صنفا آخر من البشر ناقصا عن رتبة الصنف الأول نقصان الضد عن ضده ~~الكامل لأن عدم الاستعانة في ذلك الإدراك ضد الاستعانة فيه وشتان ما بينهما ~~فإذا أعطي تقسيم الوجود إلى هنا صنفا آخر من البشر مفطورا على أن تتحرك ~~قوته العقلية حركتها الفكرية بالإرادة عندما يبعثها النزوع لذلك وهي ناقصة ~~عنه بالجبلة عندما يعوقها العجز عن ذلك تشبث بأمور جزئية محسوسة أو متخيلة ~~كالأجسام الشفافة وعظام الحيوانات ms105 وسجع الكلام وما سنح من طير أو حيوان ~~فيستديم ذلك الإحساس أو التخيل مستعينا به في ذلك الانسلاخ الذي يقصده ~~ويكون كالمشيع له وهذه القوة التي فيهم مبدأ لذلك الإدراك هي الكهانة ولكون ~~هذه النفوس مفطورة على النقص والقصور عن الكمال كان إدراكها في الجزئيات ~~أكثر من الكليات ولذلك تكون المخيلة فيهم في غاية القوة لأنها آلة الجزئيات ~~فتنفذ فيها نفوذا تاما في نوم أو يقظة وتكون عندها حاضرة عتيدة تحضرها ~~المخيلة وتكون لها كالمرآة تنظر فيها دائما ولا يقوى الكاهن على الكمال في ~~إدراك المعقولات لأن وحيه من وحي الشيطان وأرفع أحوال هذا الصنف أن يستعين ~~بالكلام الذي فيه السجع والموازنة ليشتغل به عن الحواس ويقوى بعض الشيء على ~~ذلك الاتصال الناقص فيهجس في قلبه عن تلك الحركة والذي يشيعها من ذلك ~~الأجنبي ما يقذفه على لسانه فربما صدق ووافق الحق وربما كذب لأنه يتمم نقصه ~~بأمر أجنبي عن ذاته المدركة ومباين لها غير ملائم فيعرض له الصدق والكذب ~~جميعا ولا يكون موثوقا به وربما يفزع إلى الظنون والتخمينات حرصا على الظفر ~~بالإدراك بزعمه وتمويها على السائلين وأصحاب هذا السجع هم PageV01P100 ~~المخصوصون باسم الكهان لأنهم أرفع سائر أصنافهم وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~في مثله هذا من سجع الكهان فجعل السجع مختصا بهم بمقتضى الإضافة وقد قال ~~لابن صياد حين سأله كاشفا عن حاله بالأخبار كيف يأتيك هذا الأمر قال يأتيني ~~صادقا وكاذبا فقال خلط عليك الأمر يعني أن النبوة خاصتها الصدق فلا يعتريها ~~الكذب بحال لأنها اتصال من ذات النبي بالملأ الأعلى من غير مشيع ولا ~~استعانة بأجنبي والكهانة لما احتاج صاحبها بسبب عجزه إلى الاستعانة ~~بالتصورات الأجنبية كانت داخلة في إدراكه والتبست بالإدراك الذي توجه إليه ~~فصار مختلطا بها وطرقه الكذب من هذه الجهة فامتنع أن تكون نبوة وإنما قلنا ~~إن أرفع مراتب الكهانة حالة السجع لأن معنى السجع أخف من سائر المغيبات من ~~المرئيات والمسموعات وتدل خفة المعنى على قرب ذلك الاتصال والإدراك والبعد ~~فيه ms106 عن العجز بعض الشيء وقد زعم بعض الناس أن هذه الكهانة قد انقطعت منذ ~~زمن النبوة بما وقع من شأن رجم الشياطين بالشهب بين يدي البعثة وأن ذلك كان ~~لمنعهم من خير السماء كما وقع في القرآن والكهان إنما يتعرفون أخبار السماء ~~من الشياطين فبطلت الكهانة من يومئذ ولا يقوم من ذلك دليل لأن علوم الكهان ~~كما تكون من الشياطين تكون من نفوسهم أيضا كما قررنا وأيضا فالآية إنما دلت ~~على منع الشياطين من نوع واحد من أخبار السماء وهو ما يتعلق بخبر البعثة ~~ولم يمنعوا مما سوى ذلك وأيضا فإنما كان ذلك الانقطاع بين يدي النبوة فقط ~~ولعلها عادت بعد ذلك إلى ما كانت عليه وهذا هو الظاهر لأن هذه المدارك كلها ~~تخمد في زمن النبوة كما تخمد الكواكب والسرج عند وجود الشمس لأن النبوة هي ~~النور الأعظم الذي يخفى معه كل نور ويذهب # وقد زعم بعض الحكماء أنها إنما توجد بين يدي النبوة ثم تنقطع وهكذا كل ~~نبوة وقعت لأن وجود النبوة لا بد له من وضع فلكي يقتضيه وفي تمام ذلك الوضع ~~تمام تلك النبوة التي دل عليها ونقص ذلك الوضع عن التمام يقتضي وجود طبيعة ~~من ذلك النوع الذي يقتضيه ناقصة وهو معنى الكاهن على ما قررناه فقبل أن يتم ~~ذلك الوضع الكامل يقع الوضع الناقص ويقتضي وجود الكاهن إما واحد أو متعددا ~~فإذا تم ذلك الوضع ثم وجود النبي بكماله وانقضت الأوجاع PageV01P101 الدالة ~~على مثل تلك الطبيعة فلا يوجد منها شيء بعد وهذا بناء على أن بعض الوضع ~~الفلكي يقتضي بعض أثره وهو غير مسلم فلعل الوضع إنما يقتضي ذلك الأثر ~~بهيئته الخالصة ولو نقص بعض أجزائها فلا يقتضي شيئا لا إنه يقتضي ذلك الأثر ~~ناقصا كما قالوه ثم إن هؤلاء الكهان إذا عاصروا زمن النبوة فإنهم عارفون ~~بصدق النبي ودلالة معجزته لأن لهم بعض الوجدان من أمر النبوة كما لكل إنسان ~~من أمر اليوم ومعقوبية تلك النسبة موجودة للكاهن بأشد مما للنائم ولا يصدهم ms107 ~~عن ذلك ويوقعهم في التكذيب إلا قوة المطامع في أنها نبوة لهم فيقعون في ~~العناد كما وقع لأمية بن أبي الصلت فإنه كان يطمع أن يتنبأ وكذا وقع لابن ~~صياد ولمسيلمة وغيرهم فإذا غلب الإيمان وانقطعت تلك الأماني آمنوا أحسن ~~إيمان كما وقع لطليحة الأسدي وسواد بن قارب وكان لهما في الفتوحات ~~الإسلامية من الآثار الشاهدة بحسن الإيمان # وأما الرؤيا فحقيقتها مطالعة النفس الناصقة في ذاتها الروحانية لمحة من ~~صور الواقعات فإنها عندما تكون روحانية تكون صور الواقعات فيها موجودة ~~بالفعل كما هو شأن الذوات الروحانية كلها وتصير روحانية بأن تتجرد عن ~~المواد الجسمانية والمدارك البدنية وقد يقع لها ذلك لمحة بسبب النوم كما ~~نذكر فتقتبس بها علم ما لتشوف إليه من الأمور المستقبلة وتعود به إلى ~~مداركها فإن كان ذلك الاقتباس ضعيفا وغير جلي بالمحاكاة والمثال في الخيال ~~لتخلصه فيحتاج من أجل هذه المحاكاة إلى التعبير وقد يكون الاقتباس قويا ~~يستغنى فيه عن المحاكاة فلا يحتاج إلى تعبير لخلوصه من المثال والخيال ~~والسبب في وقوع هذه اللمحة للنفس أنها ذات روحانية بالقوم مستكملة بالبدن ~~ومداركه حتى تصير ذاتها تعقلا محضا ويكمل وجودهما بالفعل فتكون حينئذ ذاتا ~~روحانية مدركة بغير شيء من الآلات البدنية إلا أن نوعها في الروحانيات دون ~~نوع الملائكة أهل الأفق الأعلى على الذين لم يستكملوا ذواتهم بشيء من مدارك ~~البدن ولا غيره فهذا الاستعداد حاصل لها ما دامت في البدن ومنه خاص كالذي ~~للأولياء ومنه عام للبشر على العموم وهو أمر الرؤيا وأما الذي للأنبياء فهو ~~استعداد بالانسلاخ من البشرية إلى الملكية المحضة التي هي أعلى الروحانيات ~~ويخرج هذا الاستعداد فيهم متكررا في حالات الوحي وهو عندما PageV01P102 ~~يعرج على المدارك البدنية ويقع فيها ما يقع من الإدراك شبيها بحال النوم ~~شبها بينا وإن كان حال النوم أدون منه بكثير فلأجل هذا الشبه عبر الشارع عن ~~الرؤيا بأنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وفي رواية ثلاثة وأربعين ~~وفي رواية سبعين وليس العدد في جميعها مقصودا ms108 بالذات وإنما المراد الكثرة ~~في تفاوت هذه المراتب بدليل ذكر السبعين في بعض طرقه وهو للتكثير عند العرب ~~وما ذهب إليه بعضهم في رواية ستة وأربعين من أن الوحي كان في مبداه بالرؤيا ~~ستة أشهر وهي نصف سنة ومدة النبوة كلها بمكة والمدينة ثلاث وعشرون سنة فنصف ~~السنة منها جزء من ستة وأربعين فكلام بعيد من التحقيق لأنه إنما وقع ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ومن أين لنا أن هذه المدة وقعت لغيره من الأنبياء ~~مع أن ذلك إنما يعطي نسبة زمن الرؤيا من زمن النبوة ولا يعطى حقيقتها من ~~حقيقة النبوة وإذا تبين لك هذا مما ذكرناه أولا علمت أن معنى هذا الجزء ~~نسبة الاستعداد الأول الشامل للبشر إلى الاستعداد القريب الخاص بصنف ~~الأنبياء الفطري لهم صلوات اللهم عليهم إذ هو الاستعداد البعيد وإن كان ~~عاما في البشر ومعه عوائق وموانع كثيرة من حصوله بالفعل ومن أعظم تلك ~~الموانع الحواس الظاهرة ففطر الله البشر على ارتفاع حجاب الحواس بالنوم ~~الذي هو جبلي لهم فتتعرض النفس عند ارتفاعه إلى معرفة ما تتشوف إليه في ~~عالم الحق فتدرك في بعض الأحيان منه لمحة يكون فيها الظفر بالمطلوب ولذلك ~~جعلها الشارع من المبشرات فقال لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا وما ~~المبشرات يا رسول الله قال الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له ~~وأما سبب ارتفاع حجاب الحواس بالنوم فعلى ما أصفه لك وذلك أن النفس الناطقة ~~إنما إدراكها وأفعالها بالروح الحيواني الجسماني وهو بخار لطيف مركزه ~~بالتجويف الأيسر من القلب على ما في كتب التشريح لجالينوس وغيره وينبعث مع ~~الدم في الشريانات والعروق فيعطي الحس والحركة وسائر الأفعال البدنية ~~ويرتفع لطيفه إلى الدماغ فيعدل من برده وتتم أفعال القوى التي في بطونه ~~فالنفس الناطقة إنما تدرك وتعقل بهذا الروح البخاري وهي متعلقة به لما ~~اقتضته حكمة التكوين في أن اللطيف لا يؤثر في الكثيف ولما لطف هذا الروح ~~الحيواني من بين المواد البدنية PageV01P103 صار محلا لآثار الذات المباينة ms109 ~~له في جسمانيته وهي النفس الناطقة وصارت آثارها حاصلة في البدن بواسطته وقد ~~كنا قدمنا أن إدراكها على نوعين إدراك بالظاهر وهو الحواس الخمس وإدارك ~~بالباطن وهو القوى الدماغية وأن هذا الإدراك كله صارف لها عن إدراكها ما ~~فوقها من ذواتها الروحانية التي هي مستعدة له بالفطرة ولما كانت الحواس ~~الظاهرة جسمانية كانت معرضة للوسن والفشل بما يدركها من التعب والكلال ~~وتغشى الروح بكثرة التصرف فخلق الله لها طلب الاستجمام لتجرد الإدراك على ~~الصورة الكاملة وإنما يكون ذلك بانخناس الروح الحيواني من أن الحواس ~~الظاهرة كلها ورجوعه إلى الحس الباطن ويعين على ذلك ما يغشى البدن من البرد ~~بالليل فتطلب الحرارة الغريزية أعماق البدن وتذهب من ظاهره إلى باطنه فتكون ~~مشيعة مركبها وهو الروح الحيواني إلى الباطن ولذلك كان النوم للبشر في ~~الغالب إنما هو بالليل فإذا انخنس الروح عن الحواس الظاهرة ورجع إلى القوى ~~الباطنة وخفت عن النفس شواغل الحس وموانعه ورجعت إلى الصورة التي في ~~الحافظة تمثل منها بالتركيب والتحليل صور خيالية وأكثر ما تكون معتادة ~~لأنها منتزعة من المدركات المتعاهدة قريبا ثم ينزلها الحس المشترك الذي هو ~~جامع الحواس الظاهرة فيدركها على أنحاء الحواس الخمس الظاهرة وربما التفتت ~~النفس لفتة إلى ذاتها الروحانية مع منازعتها القوى الباطنية فتدرك بإدراكها ~~الروحاني لأنها مفطورة عليه وتقتبس من صور الأشياء التي صارت متعلقة في ~~ذاتها حينئذ ثم يأخذ الخيال تلك الصور المدركة فيمثلها بالحقيقة أو ~~المحاكاة في القوالب المعهودة والمحاكاة من هذه هي المحتاجة للتعبير ~~وتصرفها بالتركيب والتحليل في صور الحافظة قبل أن تدرك من تلك اللمحة ما ~~تدركه هي أضغاث أحلام وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرؤيا ~~ثلاث رؤيا من الله ورؤيا من الملك ورؤيا من الشيطان وهذا التفصيل مطابق لما ~~ذكرناه فالجلي من الله والمحاكاة الداعية إلى التعبير من الملك وأضغاث ~~الأحلام من الشيطان لأنها كلها باطل والشيطان ينبوع الباطل هذه حقيقة ~~الرؤيا وما يسببها ويشيعها من النوم وهي خواص للنفس الإنسانية موجودة في ms110 ~~البشر على العموم لا يخلو عنها أحد منهم بل كل واحد من الإنساني رأى في ~~نومه ما صدر PageV01P104 له في يقظته مرارا غير واحدة وحصل له على القطع أن ~~النفس مدركة للغيب في النوم ولا بد وإذا جاز ذلك في عالم النوم فلا يمتنع ~~في غيره من الأحوال لأن الذات المدركة واحدة وخواصها عامة في كل حال والله ~~الهادي إلى الحق بمنه وفضله # فصل ووقوع ما يقع للبشر من ذلك غالبا إنما هو من غير قصد ولا قدرة عليه ~~وإنما تكون النفس متشوفة لذلك الشيء فيقع لها بتلك اللمحة في النوم لأنها ~~تقصد إلى ذلك فتراه وقد وقع في كتاب الغاية وغيره من كتب أهل الرياضيات ذكر ~~أسماء تذكر عند النوم فتكون عنها الرؤيا فيما يتشوف إليه ويسمونها ~~الحالومية وذكر منها مسلمة في كتاب الغاية حالومة سماها حالومة الطباع ~~التام وهو أن يقال عند النوم بعد فراغ السر وصحة التوجه هذه الكلمات ~~الأعجمية وهي تماغس بعد أن يسواد وغداس نوفنا غادس ويذكر حاجته فإنه يرى ~~الكشف عما يسأل عنه في النوم # وحكي إن رجلا فعل ذلك بعد رياضة ليال في مأكله وذكره فتمثل له شخص يقول ~~له أنا طباعك التام فسأله وأخبره عما كان يتشوف إليه وقد وقع لي أنا بهذه ~~الأسماء مراء عجيبة واطلعت بها على أمور كنت أتشوف عليها من أحوالي وليس ~~ذلك بدليل على أن القصد للرؤيا يحدثها وإنما هذه الحالومات تحدث استعدادا ~~في النفس لوقوع الرؤيا فإذا قوي الاستعداد كان أقرب إلى حصول ما يستعد له ~~وللشخص أن يفعل من الاستعداد ما أحب ولا يكون دليلا على إيقاع المستعد له ~~فالقدرة على الاستعداد غير القدرة على الشيء فاعلم ذلك وتدبره فيما تجد من ~~أمثاله والله الحكيم الخبير # فصل ثم إنا نجد في النوع الإنساني أشخاصا يخبرون بالكائنات قبل وقوعها ~~بطبيعة فيهم يتميز بها صنفهم عن سائر الناس ولا يرجعون في ذلك إلى صناعة ~~ولا يستدلون عليه بأثر من النجوم ولا من غيرها إنما نجد مداركهم في ms111 ذلك ~~بمقتضى فطرتهم التي فطروا عليها وذلك مثل العرافين والناظرين في الأجسام ~~الشفافة كالمرايا وطساس الماء والناظرين في قلوب الحيوانات وأكبادها ~~وعظامها وأهل الزجر في الطير والسباع وأهل الطرق بالحصى والحبوب من الحنطة ~~والنوى وهذه كلها موجودة في عالم الإنسان لا يسع أحدا جحدها ولا إنكارها ~~وكذلك المجانين يلقى على ألسنتهم PageV01P105 كلمات من الغيب فيخبرون بها ~~وكذلك النائم والميت لأول موته أو نومه يتكلم بالغيب وكذلك أهل الرياضيات ~~من المتصوفة لهم مدارك في الغيب على سبيل الكرامة معروفة # ونحن الآن نتكلم عن هذه الإدراكات كلها ونبتدىء منها بالكهانة ثم نأتي ~~عليها واحدة واحدة إلى آخرها ونقدم على ذلك مقدمة في أن النفس الإنسانية ~~كيف تستعد لإدراك الغيب في جميع الأصناف التي ذكرناها وذلك أنها ذات ~~روحانية موجودة بالقوة إلى الفعل بالبدن وأحواله وهذا أمر مدرك لكل أحد وكل ~~ما بالقوة فله مادة وصورة وصورة هذه النفس التي بها يتم وجودها هو عين ~~الإدراك والتعقل فهي توجد أولا بالقوة مستعدة للإدراك وقبول الصور الكلية ~~والجزئية ثم يتم نشؤها ووجودها بالفعل بمصاحبة البدن وما يعودها بورود ~~مدركاتها المحسوسة عليها وما تنتزع من تلك الإدراكات من المعاني الكلية ~~فتتعقل الصور مرة بعد أخرى حتى يحصل لها الإدراك والتعقل بالفعل فتتم ذاتها ~~وتبقى النفس كالهيولى والصور متعاقبة عليها بالإدراك واحدة بعد واحدة ولذلك ~~نجد الصبي في أول نشأته لا يقدر على الإدراك الذي لها من ذاتها لا بنوم ولا ~~بكشف ولا بغيرهما وذلك أن صورتها التي هي عين ذاتها وهي الإدراك والتعقل لم ~~تتم بعد بل لم يتم لها انتزاع الكليات ثم إذا تمت ذاتها بالفعل حصل لها ما ~~دامت مع البدن نوعان من الإدراك إدراك بآلات الجسم تؤديه إليها المدارك ~~البدنية وإدراك بذاتها من غير واسطة وهي محجوبة عنه بالانغماس في البدن ~~والحواس وبشواغلها لأن الحواس أبدا جاذبة لها إلى الظاهر بما فطرت عليه ~~أولا من الإدراك الجسماني وربما تنغمس من الظاهر إلى الباطن فيرتفع حجاب ~~البدن لحظة إما بالخاصية التي هي للإنسان ms112 على الإطلاق مثل النوم أو ~~بالخاصية الموجودة لبعض البشر مثل الكهانة والطرق أو بالرياضة مثل أهل ~~الكشف من الصوفية فتلتفت حيئنذ إلى الذوات التي فوقها من الملأ لما بين ~~أفقها وأفقهم من الاتصال في الوجود كما قررنا قبل وتلك الذوات روحانية وهي ~~إدراك محض وعقول بالفعل وفيها صور الموجودات وحقائقها كما مر فيتجلى فيها ~~شيء من تلك الصور وتقتبس منها علوما وربما دفعت تلك الصور المدركة إلى ~~الخيال فيصرفه في القوالب المعتادة ثم يراجع الحس بما أدركت إما مجردا أو ~~في PageV01P106 قوالبه فتخبر به # هذا هو شرح استعداد النفس لهذا الإدراك الغيبي ولنرجع إلى ما وعدنا به من ~~بيان أصنافه فأما الناظرون في الأجسام الشفافة من المرايا وطساس المياه ~~وقلوب الحيوان وأكبادها وعظامها وأهل الطرق بالحصى والنوى فكلهم من قبيل ~~الكهان إلا أنهم أضعف رتبة فيه في أصل خلقهم لأن الكاهن لا يحتاج في رفع ~~حجاب الحس إلى كثير معاناة وهؤلاء يعانونه بانحصار المدارك الحسية كلها في ~~نوع واحد منها وأشرفها البصر فيعكف على المرئي البسيط حتى يبدو له مدركه ~~الذي يخبر به عنه وربما يظن أن مشاهدة هؤلاء لما يرونه هو في سطح المرآة ~~وليس كذلك بل لا يزالون ينظرون في سطح المرآة إلى أن يغيب عن البصر ويبدو ~~فيما بينهم وبين سطح المرآة حجاب كأنه غمام يتمثل فيه صور هي مداركهم ~~فيشيرون إليهم فالمقصود لما يتوجهون إلى معرفته من نفي أو إثبات فيخبرون ~~بذلك على نحو ما أدركوه وأما المرآة وما يدرك فيها من الصور فلا يدركونه في ~~تلك الحال وإنما ينشأ لهم بها هذا النوع الآخر من الإدراك وهو نفساني ليس ~~من إدراك البصر بل يتشكل به المدرك النفساني للحس كما هو معروف ومثل ذلك ما ~~يعرض للناظرين في قلوب الحيوانات وأكبادها وللناظرين في الماء والطساس ~~وأمثال ذلك # وقد شاهدنا من هؤلاء من يشغل الحس بالبخور فقط ثم بالعزائم للاستعداد ثم ~~يخبر كما أدرك ويزعمون أنهم يرون الصور متشخصة في الهواء تحكي لهم أحوال ما ~~يتوجهون إلى ms113 إدراكه بالمثال والإشارة وغيبة هؤلاء عن الحس أخف من الأولين ~~والعالم أبو الغرائب وأما الزجر وهو ما يحدث من بعض الناس من التكلم بالغيب ~~عند سنوح طائر أو حيوان والفكر فيه بعد مغيبه وهي قوة في النفس تبعث على ~~الحرص والفكر فيما زجر فيه من مرئي أو مسموع وتكون قوته المخيلة كما قدمناه ~~قوية فيبعثها في البحث مستعينا بما رآه أو سمعه فيؤديه ذلك إلى إدراك ما ~~كما تفعله القوة المتخيلة في النوم وعند ركود الحواس تتوسط بين المحسوس ~~المرئي في يقظته وتجمعه مع ما عقلته فيكون عنها الرؤيا وأما المجانين ~~فنفوسهم الناطقة ضعيفة التعلق بالبدن لفساد أمزجتهم غالبا وضعف الروح ~~الحيواني فيها فتكون نفسه غير مستغرقة في الحواس ولا منغمسة فيها بما شغلها ~~في نفسها من ألم النقص ومرضه وربما زاحمها على PageV01P107 التعلق به ~~روحانية أخرى شيطانية تتشبث به وتضعف هذه عن ممانعتها فيكون عنه التخبط ~~فإذا أصابه ذلك التخبط إما لفساد مزاجه من فساد في ذاتها أو لمزاحمة من ~~النفوس الشيطانية في تعلقه غاب عن حسه جملة فأدرك لمحة من عالم نفسه وانطبع ~~فيها بعض الصور وصرفها الخيال وربما نطق عن لسانه في تلك الحال من غير ~~إرادة النطق وإدراك هؤلاء كلهم مشوب فيه الحق بالباطل لأنه لا يحصل لهم ~~الاتصال وإن فقدوا الحس إلا بعد الاستعانة بالتصورات الأجنبية كما قررناه ~~ومن ذلك يجيء الكذب في هذه المدارك وأما العرافون فهم المتعلقون بهذا ~~الإدراك وليس لهم ذلك الاتصال فيسلطون الفكر على الأمر الذي يتوجهون إليه ~~ويأخذون فيه بالظن والتخمين بناء على ما يتوهمونه من مبادىء ذلك الاتصال ~~والإدراك ويدعون بذلك معرفة الغيب وليس منه على الحقيقة هذا تحصيل هذه ~~الأمور وقد تكلم عليها المسعودي في مروج الذهب فما صادف تحقيقا ولا إصابة ~~ويظهر من كلام الرجل أنه كان بعيدا عن الرسوخ في المعارف فينقل ما سمع من ~~أهله ومن غير أهله وهذه الإدراكات التي ذكرناها موجودة كلها في نوع البشر ~~فقد كان العرب يفزعون إلى الكهان في تعرف ms114 الحوادث ويتنافرون إليهم في ~~الخصومات ليعرفوهم بالحق فيها من إدراك غيبهم وفي كتب أهل الأدب كثير من ~~ذلك واشتهر منهم في الجاهلية شق بن أنمار بن نزار وسطيح بن مازن بن غسان ~~وكان يدرج كما يدرج الثوب ولا عظم فيه إلا الجمجمة ومن مشهور الحكايات ~~عنهما تأويل رؤيا ربيعة بن مضر وما أخبراه به ملك الحبشة لليمن وملك مضر من ~~بعدهم وظهور النبوة المحمدية في قريش ورؤيا المؤبذان التي أولها سطيح لما ~~بعث إليه بها كسرى عبد المسيح فأخبره بشأن النبوة وخراب ملك فارس وهذه كلها ~~مشهورة وكذلك العرافون كان في العرب منهم كثير وذكروهم في أشعارهم قال % ~~فقلت لعراف اليمامة داوني % فإنك إن داويتني لطبيب % $ # وقال الآخر % جعلت لعراف اليمامة حكمة % وعراف نجد إن هما شفياني % # | % فقالا شفاك الله والله ما لنا % بما حملت منك الضلوع يدان % # PageV01P108 # وعراف اليمامة هو رباح بن عجلة وعراف نجد الأبلق الأسدي ومن هذه المدارك ~~الغيبية ما يصدر لبعض الناس عند مفارقة اليقظة والتباسه بالنوم من الكلام ~~على الشيء الذي يتشوف إليه بما يعطيه غيب ذلك الأمر كما يريد ولا يقع ذلك ~~إلا في مبادىء النوم عند مفارقة اليقظة وذهاب الاختبار في الكلام فيتكلم ~~كأنه مجبول على النطق وغايته أن يسمعه ويفهمه وكذلك يصدر عن المقتولين عند ~~مفارقة رؤوسهم وأوساط أبدانهم كلام بمثل ذلك # ولقد بلغنا عن بعض الجبابرة الظالمين أنهم قتلوا من سجونهم أشخاصا ~~ليتعرفوا من كلامهم عند القتل عوقب أمورهم في أنفسهم فاعلموهم بما يستشبع ~~وذكر مسلمة في كتاب الغاية له في مثل ذلك أن آدميا إذا جعل في دن مملوء ~~بدهن السمسم ومكث فيه أربعين يوما يغذى بالتين والجور حتى يذهب لحمه ولا ~~يبقى منه إلا العروق وشؤون رأسه فيخرج من ذلك الدهن فحين يجف عليه الهواء ~~يجيب عن كل شيء يسأل عنه من عواقب الأمور الخاصة والعامة وهذا فعل من ~~مناكير أفعال السحرة ولكن يفهم منه عجائب العالم الإنساني ومن الناس من ~~يحاول حصول هذه المدرك الغيبي بالرياضة فيحاولون بالمجاهدة ms115 موتا صناعيا ~~بإماتة جميع القوى البدنية ثم محو آثارها التي تلونت بها النفس ثم تغذيتها ~~بالذكر لتزداد قوة في نشئها ويحصل ذلك بجمع الفكر وكثرة الجوع ومن المعلوم ~~على القطع أنه إذا نزل الموت بالبدن ذهب الحس وحجابة واطلعت النفس على ~~المغيبات ومن هؤلاء أهل الرياضة السحرية يرتاضون بذلك ليحصل لهم الاطلاع ~~على المغيبات والتصرفات في العوالم وأكثر هؤلاء في الأقاليم المنحرفة جنوبا ~~وشمالا خصوصا بلاد الهند ويسمون هنالك الحوكية ولهم كتب في كيفية هذه ~~الرياضة كثيرة والأخبار عنهم في ذلك غريبة وأما المتصوفة فرياضتهم دينية ~~وعرية عن هذه المقاصد المذمومة وإنما يقصدون جمع الهمة والإقبال على الله ~~بالكلية ليحصل لهم أذواق أهل العرفان والتوحيد ويزيدون في رياضتهم إلى ~~الجمع والجوع التغذية بالذكر فبها تتم وجهتهم في هذه الرياضة لأنه إذا نشأت ~~النفس على الذكر كانت أقرب إلى العرفان بالله وإذا عريت عن الذكر كانت ~~شيطانية وحصول ما يحصل من معرفة الغيب والتصرف لهؤلاء المتصوفة إنما هو ~~بالعرض ولا يكون مقصودا من أول PageV01P109 الأمر لأنه إذا قصد ذلك كانت ~~الوجهة فيه لغير الله وإنما هي لقصد التصرف والاطلاع على الغيب وأخسر بها ~~صفقة فإنها في الحقيقة شرك قال بعضهم من أثر العرفان للعرفان فقد قال ~~بالثاني فهم يقصدون بوجهتهم المعبود لا لشيء سواه وإذا حصل في أثناء ذلك ما ~~يحصل فبالعرض وغير مقصود لهم وكثير منهم يفر منه إذا عرض له ولا يحفل به ~~وإنما يريد الله لذاته لا لغيره وحصول ذلك لهم معروف ويسمون ما يقع لهم من ~~الغيب والحديث على الخواطر فراسة وكشفا وما يقع لهم من التصرف كرامة وليس ~~شيء من ذلك بنكير في حقهم وقد ذهب إلى إنكاره الأستاذ أبو إسحق الإسفرايني ~~وأبو محمد بن أبي زيد المالكي في آخرين فرارا من التباس المعجزة بغيرها ~~والمعول عليه عند المتكلمين حصول التفرقة بالتحدي فهو كاف # وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن فيكم محدثين ~~وإن منهم عمر وقد وقع الصحابة من ms116 ذلك وقائع معروفة تشهد بذلك في مثل قول ~~عمر رضي الله عنه يا سارية الجبل وهو سارية بن زنيم كان قائدا على بعض جيوش ~~المسلمين بالعراق أيام الفتوحات وتورط مع المشتركين في معترك وهم بالانهزام ~~وكان بقربه جبل يتحيز إليه فرفع لعمر ذلك وهو يخطب على المنبر بالمدينة ~~فناداه يا سارية الجبل وسمعه سارية وهو بمكانه ورأى شخصه هنالك والقصة ~~معروفة ووقع مثله أيضا لأبي بكر في وصيته عائشة ابنته رضي الله عنهما في ~~شأن ما نحلها من أوسق التمر من حديقته ثم نبهها على جذاذه لتحوزه عن الورثة ~~فقال في سياق كلامه وإنما هما أخواك وأختاك فقالت إنما هي أسماء فمن الأخرى ~~فقال إن ذا بطن بنت خارجة أراها جارية فكانت جارية وقع في الموطأ في باب ما ~~لا يجوز من النحل ومثل هذه الوقائع كثيرة لهم ولمن بعدهم من الصالحين وأهل ~~الاقتداء إلا أن أهل التصوف يقولون إنه يقل في زمن النبوة إذ لا يبقى ~~للمريد حالة بحضرة النبي حتى إنهم يقولون إن المريد إذا جاء للمدينة ~~النبوية يسلب حاله ما دام فيها حتى يفارقها والله يرزقنا الهداية ويرشدنا ~~إلى الحق # ومن هؤلاء المريدين من المتصوفة قوم بهاليل معتوهون أشبه بالمجانين من ~~العقلاء وهم مع ذلك قد صحت لهم مقامات الولاية وأحوال الصديقين وعلم ذلك من ~~PageV01P110 أحوالهم من يفهم عنهم من أهل الذوق مع أنهم غير مكلفين ويقع ~~لهم من الأخبار عن المغيبات عجائب لأنهم لا يتقيدون بشيء فيطلقون كلامهم في ~~ذلك ويأتون منه بالعجائب وربما ينكر الفقهاء أنهم على شيء من المقامات لما ~~يرون من سقوط التكليف عنهم والولاية لا تحصل إلا بالعبادة وهو غلط فإن فضل ~~الله يؤتيه من يشاء ولا يتوقف حصول الولاية على العبادة ولا غيرها وإذا ~~كانت النفس الإنسانية ثابتة الوجود فالله تعالى يخصها بما شاء من مواهبه ~~وهؤلاء القوم لم تعدم نفوسهم الناطقة ولا فسدت كحال المجانين وإنما فقد لهم ~~العقل الذي يناط به التكليف وهي صفة خاصة للنفس وهي علوم ضرورية ms117 للإنسان ~~يشتد بها نظره ويعرف أحوال معاشه واستقامة منزله وكأنه إذا ميز أحوال معاشه ~~واستقامة منزله لم يبق له عذر في قبول التكاليف لإصلاح معاده وليس من فقد ~~هذه الصفة بفاقد لنفسه ولا ذاهل عن حقيقته فيكون موجود الحقيقة معدوم العقل ~~التكليفي الذي هو معرفة المعاش ولا استحالة في ذلك ولا يتوقف اصطفاء الله ~~عباده للمعرفة على شيء من التكاليف وإذا صح ذلك فاعلم أنه ربما يلتبس حال ~~هؤلاء بالمجانين الذين تفسد نفوسهم الناطقة ويلتحقون بالبهائم ولك في ~~تمييزهم علامات منها أن هؤلاء البهاليل لا تجد لهم وجهة أصلا ومنها أنهم ~~يخلقون على البله من أول نشأتهم والمجانين يعرض لهم الجنون بعد مدة من ~~العمر لعوارض بدنية طبيعية فإذا عرض لهم ذلك وفسدت نفوسهم الناطقة ~~ذهبوابالخيبة ومنها كثرة تصرفهم في الناس بالخير والشر لأنهم لا يتوقفون ~~على إذن لعدم التكليف في حقهم والمجانين لا تصرف لهم وهذا فصل انتهى بنا ~~الكلام إليه والله المرشد للصواب # وقد يزعم بعض الناس أن هنا مدارك للغيب من دون غيبة عن الحس فمنهم ~~المنجمون القائلون بالدلالات النجومية ومقتضى أوضاعها في الفلك وآثارها في ~~العناصر وما يحصل من الامتزاج بين طباعها بالتناظر ويتأدى من ذلك المزاج ~~إلى الهواء وهؤلاء المنجمون ليسوا من الغيب في شيء وإنما هي ظنون حدسية ~~وتخمينات مبنية على التأثير النجومية وحصول المزاج منه للهواء مع مزيد حدس ~~يقف به الناظر على تفصيله في الشخصيات في العالم كما قاله بطليموس ونحن ~~نبين بطلان ذلك في محلة PageV01P111 إن شاء الله وهو لو ثبت فغايته حدس ~~وتخمين وليس مما ذكرناه في شيء ومن هؤلاء قوم من العامة استنبطوا لاستخراج ~~الغيب وتعرف الكائنات صناعة سموها خط الرمل نسبة إلى المادة التي يضعون ~~فيها عملهم ومحصول هذه الصناعة أنهم صيروا من النقط أشكالا ذات أربع مراتب ~~تختلف باختلاف مراتبها في الزوجية والفردية واستوائها فيهما فكانت ستة عشر ~~شكلا لأنها إن كانت أزواجا كلها أو أفرادا كلها فشكلان وإن كان الفرد فيهما ~~في مرتبة واحدة فقط فأربعة ms118 أشكال وإن كان الفرد في مرتبتين فستة أشكال وإن ~~كان في ثلاث مراتب فأربعة أشكال جاءت ستة عشر شكلا ميزوها كلها بأسمائها ~~وأنواعها إلى سعود ونحوس شأن الكواكب وجعلوا لها ستة عشر بيتا طبيعية ~~بزعمهم وكأنها البروج الاثنا عشر التي للفلك والأوتاد الأربعة وجعلوا لكل ~~شكل منها بيتا وخطوطا ودلالة على صنف من موجودات عالم العناصر يختص به ~~واستنبطوا من ذلك فنا حاذوا به فن النجامة ونوع فضائه إلا أن أحكام النجامة ~~مستندة إلى أوضاع طبيعية كما يزعم بطليموس وهذه إنما مستندها أوضاع تحكيمية ~~وأهواه اتفاقية ولا دليل يقوم على شيء منها ويزعمون أن أصل ذلك من النبوات ~~القديمة في العالم وربما نسبوها إلى دانيال أو إلى أدريس صلوات الله عليهما ~~شأن الصنائع كلها وربما يدعون مشروعيتها ويحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم ~~كان نبي يخط فمن وافق خطه فذاك وليس في الحديث دليل على مشروعية خط الرمل ~~كما يزعمه بعض من لا تحصيل لديه لأن معنى الحديث كان نبي يخط فيأتيه الوحي ~~عند ذلك الخط ولا استحالة في أن يكون ذلك عادة لبعض الأنبياء فمن وافق خطه ~~ذلك النبي فهو ذاك أي فهو صحيح من بين الخط بما عضده من الوحي لذلك النبي ~~الذي كانت عادته أن يأتيه الوحي عند الخط وأما إذا أخذ ذلك من الخط مجردا ~~من غير موافقة وحي فلا وهذا معنى الحديث والله أعلم # فإذا أرادوا استخراج مغيب بزعمهم عمدوا إلى قرطاس أو رمل أو دقيق فوضعوا ~~النقط سطورا على عدد المراتب الأربع ثم كرروا ذلك أربع مرات فتجيء ستة عشر ~~سطرا ثم يطرحون النقط أزواجا ويضعون ما بقي من كل سطر زوجا كان أو فردا في ~~مرتبته على الترتيب فتجيء أربعة أشكال يضعونها في سطر متتالية ثم يولدون ~~منها PageV01P112 أربعة أشكال أخرى من جانب العرض باعتبار كل مرتبة وما ~~قابلها من الشكل الذي بإزائه وما يجتمع منهما من زوج أو فرد فتكون ثمانية ~~أشكال موضوعة في سطر ثم يولدون من كل شكلين شكلا تحتهما ms119 باعتبار ما يجتمع ~~في كل مرتبة من مراتب الشكلين أيضا من زوج أو فرد فتكون أربعة أخرى تحتها ~~ثم يولدون من الأربعة شكلين كذلك تحتها من الشكلين شكلا كذلك تحتهما ثم من ~~هذا الشكل الخامس عشر مع الشكل الأول شكلا يكون آخر الستة عشر ثم يحكمون ~~على الخط كله بما اقتضته أشكاله من السعودة والنحوسة بالذات والنظر والحلول ~~والامتزاج والدلالة على أصناف الموجودات وسائر ذلك تحكما غريبا وكثرت هذه ~~الصناعة في العمران ووضعت فيها التآليف واشتهر فيها الأعلام من المتقدمين ~~والمتأخرين وهي كما رأيت تحكم وهوى والتحقيق الذي ينبغي أن يكون نصب فكرك ~~أن الغيوب لا تدرك بصناعة البتة ولا سبيل إلى تعرفها إلا للخواص من البشر ~~المفطورين على الرجوع من عالم الحس إلى عالم الروح ولذلك يسمي المنجمون هذا ~~الصنف كلهم بالزهريين نسبة إلى ما تقتضيه دلالة الزهرة بزعمهم في أصل ~~مواليدهم على إدراك الغيب فالخط وغيره من هذه إن كان الناظر فيه من أهل هذه ~~الخاصية وقصد بهذه الأمور التي ينظر فيها من النقط أو العظام أو غيرها ~~إشغال الحس لترجع النفس إلى عالم الروحانيات لحظة ما فهو من باب الطرق ~~بالحصى والنظر في قلوب الحيوانات والمرايا الشفافة كما ذكرناه وإن لم يكن ~~كذلك وإنما قصد معرفة الغيب بهذه الصناعة وأنها تفيده ذلك فهذر من القول ~~والعمل والله يهدي من يشاء والعلامة لهذه الفطرة التي فطر عليها أهل هذه ~~الإدراك الغيبي أنهم عند توجههم إلى تعرف الكائنات يعتريهم خروج عن حالتهم ~~الطبيعية كالتثاؤب والتمطط ومبادىء الغيبة عن الحس ويختلف ذلك بالقوة ~~والضعف على اختلاف وجودها فيهم فمن لم توجد له هذه العلامة فليس من إدراك ~~الغيب في شيء وإنما هو ساع في تنفيق كذبه # ومنهم طوائف يضعون قوانين لاستخراج الغيب ليست من الطور الأول الذي هو من ~~مدارك النفس الروحانية ولا من الحدس المبني على تأثيرات النجوم كما ~~PageV01P113 زعمه بطليموس ولا من الظن والتخمين الذي يحاول عليه العرافون ~~وإنما هي مغالط يجعلونها كالمصائد لأهل العقول المستضعفة ولست أذكر ms120 من ذلك ~~إلا ما ذكره المصنفون وولع به الخواص فمن تلك القوانين الحساب الذي يسمونه ~~حساب النيم وهو مذكور في آخر كتاب السياسة المنسوب لأرسطو يعرف به الغالب ~~من المغلوب في المتحاربين من الملوك وهو أن تحسب الحروف التي في اسم أحدهما ~~بحساب الجمل المصطلح عليه في حروف أبجد من الواحد إلى الألف آحادا وعشرات ~~ومئين وألوفا فإذا حسبت الاسم وتحصل لك منه عدد فاحسب اسم الآخر كذلك ثم ~~اطرح من كل واحد منهما تسعة تسعة واحفظ بقية هذا وبقية هذا ثم انظر بين ~~العددين الباقيين من حساب الاسمين فإن كان العددان مختلفين في الكمية وكانا ~~معا زوجين أو فردين معا فصاحب الأقل منهما هو الغالب وإن كان أحدهما زوجا ~~والآخر فردا فصاحب الأكثر هو الغالب وإن كانا متساويين في الكمية وهما معا ~~زوجان فالمطلوب هو الغالب وإن كانا معا فردين فالطالب هو الغالب ويقال ~~هنالك بيتان في هذا العمل اشتهرا بين الناس وهما % أرى الزوج والأفراد يسمو ~~أقلها % وأكثرها عند التحالف غالب % % ويغلب مطلوب إذا الزوج يستوي % وعند ~~استواء الفرد يغلب طالب % $ # ثم وضعوا لمعرفة ما بقي من الحروف بعد طرحا بتسعة قانونا معروفا عندهم في ~~طرح تسعة وذلك أنهم جمعوا الحروف الدالة على الواحد في المراتب الأربع وهي ~~( أ ) الدالة على الواحد و ( ي ) الدالة على العشرة وهي واحد في مرتبة ~~العشرات و ق الدالة على المائة لأنها واحد في مرتبة المئين و ش الدالة على ~~الألف لأنها واحد في مرتبة الآلاف وليس بعد الألف عدد يدل عليه بالحروف لأن ~~الشين هي آخر حروف أبجد ثم رتبوا هذه الأحرف الأربعة على نسق المراتب فكان ~~منها كلمة رباعية وهي أيقش ثم فعلوا ذلك بالحروف الدالة على اثنين في ~~المراتب الثلاث وأسقطوا مرتبة الآلاف منها لأنها كانت آخر حروف أبجد فكان ~~مجموع حروف الاثنين في المراتب الثلاث ثلاثة حروف وهي ب الدالة على اثنين ~~في الآحاد و ك الدالة على اثنين في العشرات وهي عشرون و ر الدالة على اثنين ms121 ~~في المئين PageV01P114 وهي مائتان وصيروها كلمة واحدة ثلاثية على نسق ~~المراتب وهي بكر ثم فعلوا ذلك بالحروف الدالة على ثلاثة فنشأت عنها كلمة ~~جلس وكذلك إلى آخر حروف أبجد وصارت تسع كلمات نهاية عدد الآحاد وهي أيقش ~~بكر جلس دمت هنث وصخ زعد حفظ طضغ مرتبة على توالي الأعداد ولكل كلمة منها ~~عددها الذي هي في مرتبته فالواحد لكلمة أيقش والاثنان لكلمة بكر والثلاثة ~~لكلمة جلس وكذلك إلى التاسعة التي هي طضغ فتكون لها التسعة فإذا أرادوا طرح ~~الاسم بتسعة نظروا كل حرف منه في أي كلمة هو من هذه الكلمات وأخذوا عددها ~~مكانه ثم جمعوا الأعداد التي يأخذونها بدلا من حروف الاسم فإن كانت زائدة ~~على التسعة أخذوا ما فضل عنها وإلا أخذوه كما هو ثم يفعلون كذلك بالاسم ~~الآخر وينظرون بين الخارجين بما قدمناه والسر في هذا بين وذلك أن الباقي من ~~كل عقد من عقود الأعداد بطرح تسعة إنما هو واحد فكأنه يجمع عدد العقود خاصة ~~من كل مرتبة فصارت أعداد العقود كأنها آحاد فلا فرق بين الاثنين والعشرين ~~والمائتين والألفين وكلها اثنان وكذلك الثلاثة والثلاثون والثلاثمائة ~~والثلاثة الآلاف كلها ثلاثة ثلاثة فوضعت الأعداد على التوالي دالة على ~~أعداد العقود لا غير وجعلت الحروف الدالة على أصناف العقود في كل كلمة من ~~الآحاد والعشرات والمئين والألوف وصار عدد الكلمة الموضوع عليها نائيا عن ~~كل حرف فيها سواء دل على الآحاد أو العشرات أو المئين فيؤخذ عدد كل كلمة ~~عوضا من الحروف التي فيها وتجمع كلها إلى آخرها كما قلناه هذا هو العمل ~~المتداول بين الناس منذ الأمر القديم وكان بعض من لقيناه من شيوخنا نرى أن ~~الصحيح فيها كلمات أخرى تسعة مكان هذه ومتوالية كتواليها ويفعلون بها في ~~الطرح بتسعة مثل ما يفعلونه بالأخرى سواء وهي هذه أرب يسقك جزلط مدوص هف ~~تحذن عش خع تضظ تسع كلمات على توالي العدد ولكل كلمة منها عددها الذي في ~~مرتبته فيها الثلاثي والرباعي والثنائي وليست جارية على أصل مطرد ms122 كما تراه ~~لكن كان شيوخنا ينقلونها عن شيخ المغرب في هذه المعارف من السيمياء وأسرار ~~الحروف والنجامة وهو أبو العباس بن البناء ويقولون عنه أن العمل بهذه ~~PageV01P115 الكلمات في طرح حساب النيم أصح من العمل بكلمات أيقش والله ~~يعلم كيف ذلك وهذه كلها مدارك للغيب غير معزو إلى أرسطو عند المحققين لما ~~فيه من الآراء البعيدة عن التحقيق والبرهان يشهد لك بذلك تصفحه إن كنت من ~~أهل الرسوخ # ومن هذه القوانين الصناعية لاستخراج الغيوب فيما يزعمون الزايرجة المسماة ~~بزايرجة العالم المعزوة إلى أبي العباس سيدي أحمد السبتي من أعلام المتصوفة ~~بالمغرب كان في آخر المائة السادسة بمراكش ولعهد أبي يعقوب المنصور من ملوك ~~الموحدين وهي غريبة العمل صناعة وكثير من الخواض يولعون بإفادة الغيب منها ~~بعملها المعروف الملغوز فيحرضون بذلك على حل رمزه وكشف غامضه وصورتها التي ~~يقع العمل عندهم فيها دائرة عظيمة في داخلها دوائر متوازية للأفلاك ~~والعناصر والمكونات والروحانيات وغير ذلك من أصناف الكائنات والعلوم وكل ~~دائرة مقسومة بأقسام فلكها إما البروج وإما العناصر أو غيرهما وخطوط كل قسم ~~مارة إلى المركز ويسمونها الأوتار وعلى كل وتر حروف متتابعة موضوعة فمنها ~~برشوم الزمام التي هي أشكال الأعداد عند أهل الدواوين والحساب بالمغرب لهذا ~~العهد ومنها برشوم الغبار المتعارفة في داخل الزايرجة وبين الدوائر أسماء ~~العلوم ومواضع الأكوان وعلى ظاهر الدوائر جدول متكثر البيوت المتقاطعة طولا ~~وعرضا تشمل على خمسة وخمسين بيتا في العرض ومائة وواحد وثلاثين في الطول ~~جوانب منه معمورة البيوت تارة بالعدد وأخرى بالحروف وجوانب خالية البيوت ~~ولا تعلم نسبة تلك الأعداد في أوضاعها ولا القسمة التي عينت البيوت العامرة ~~من الخالية وحافات الزايرجة أبيات من عروض الطويل على روي اللام المنصوبة ~~تتضمن صورة العمل في استخراج المطلوب من تلك الزايرجة إلا أنها من قبيل ~~الإلغاز في عدم الوضوح والجلاء وفي بعض جوانب الزايرجة بيت من الشعر منسوب ~~لبعض أكابر أهل الحدثان بالمغرب وهو مالك بن وهيب من علماء أشبيلية كان في ~~الدولة اللمتونية ونص البيت ms123 % سؤال عظيم الخلق حزت فصن إذن % غرائب شك ضبطه ~~الجد مثلا % $ # وهو البيت المتداول عندهم في العمل لاستخراج الجواب من السؤال في هذه ~~الزايرجة PageV01P116 وغيرها فإذا أرادوا استخراج الجواب عما يسأل عنه من ~~المسائل كتبوا ذلك السؤال وقطعوه حروفا ثم أخذوا الطالع لذلك الوقت من بروج ~~الفلك ودرجها وعمدوا إلى الزايرجة ثم إلى الوتر المكتنف فيها بالبرج الطالع ~~من أوله مارا إلى المركز ثم إلى محيط الدائرة قبالة الطالع فيأخذون جميع ~~الحروف المكتوبة عليه من أوله إلى آخره والأعداد المرسومة بينهما ويصيرونها ~~حروفا بحساب الجمل وقد ينقلون آحادها إلى العشرات وعشراتها إلى المئين ~~وبالعكس فيهما كما يقتضيه قانون العمل عندهم ويضعونها مع حروف السؤال ~~ويضيفون إلى ذلك جميع ما على الوتر المكتنف بالبرج الثالث من الطالع من ~~الحروف والأعداد من أوله إلى المركز فقط لا يتجاوزونه إلى المحيط ويفعلون ~~بالأعداد ما فعلوه بالأول ويضيفونها إلى الحروف الأخرى ثم يقطعون حروف ~~البيت الذي هو أصل العمل وقانونه عندهم وهو بيت مالك بن وهيب المتقدم ~~ويضعونها ناحية ثم يضربون عدد درج الطالع في أس البرج وأسه عندهم هو بعد ~~البرج عن آخر المراتب عكس ما عليه الأس عند أهل صناعة الحساب فإنه عندهم ~~البعد عن أول المراتب ثم يضربونه في عدد آخر يسمونه الأس الأكبر والدور ~~الأصلي ويدخلون بما تجمع لهم من ذلك في بيوت الجدول على قوانين معروفة ~~وأعمال مذكورة وأدوار معدودة ويستخرجون منها حروفا ويسقطون أخرى ويقابلون ~~بما معهم في حروف البيت وينقلون منه ما ينقلون إلى حروف السؤال وما معها ثم ~~يطرحون تلك الحروف بأعداد معلومة يسمونها الأدوار ويخرجون في كل دور الحرف ~~الذي ينتهي عنده الدور ويعاودون ذلك بعدد الأدوار المعينة عندهم لذلك فيخرج ~~آخرها حروف متقطعة وتؤلف على التوالي فتصير كلمات منظومة في بيت واحد على ~~وزن البيت الذي يقابل به العمل ورويه وهو بيت مالك ابن وهيب المتقدم حسبما ~~نذكر ذلك كله في فصل العلوم عند كيفية العمل بهذه الزايرجة وقد رأينا كثيرا ~~من الخواص يتهافتون ms124 على استخراج الغيب منها بتلك الأعمال ويحسبون أن مما ~~وقع من مطابقة الجواب للسؤال في توافق الخطاب دليل على مطابقة الواقع وليس ~~ذلك بصحيح لأنه قد مر لك أن الغيب لا يدرك بأمر صناعي البتة وإنما المطابقة ~~التي فيها بين الجواب والسؤال من حيث الإفهام والتوافق في الخطاب حتى يكون ~~PageV01P117 الجواب مستقيما أو موافقا للسؤال ووقوع ذلك في هذه الصناعة في ~~تكسير الحروف المجتمعة من السؤال والأوتار والدخول في الجدول بالأعداد ~~المجتمعة من ضرب الأعداد المفروضة واستخراج الحروف من الجدول بذلك وطرح ~~أخرى ومعاودة ذلك في الأدوار المعدودة ومقابلة ذلك كله بحروف البيت على ~~التوالي غير مستنكر وقد يقع الاطلاع من بعض الأذكياء على تناسب بين هذه ~~الأشياء فيقع له معرفة المجهول فالتناسب بين الأشياء هو سبب الحصول على ~~المجهول من المعلوم الحاصل للنفس وطريق لحصوله سيما من أهل الرياضة فإنها ~~تفيد العقل قوة على القياس وزيادة في الفكر وقد مر تعليل ذلك غير مرة ومن ~~أجل هذا المعنى ينسبون هذه الزايرجة في الغالب لأهل الرياضة فهي منسوبة ~~للسبتي ولقد وقفت على أخرى منسوبة لسهل بن عبد الله ولعمري إنها من الأعمال ~~الغريبة والمعاناة العجيبة والجواب الذي يخرج منها فالسر في خروجه منظوما ~~يظهر لي إنما هو المقابلة بحروف ذلك البيت ولهذا يكون النظم على وزنه ورويه ~~ويدل عليه أنا وجدنا أعمالا أخرى لهم في مثل ذلك أسقطوا فيها المقابلة ~~بالبيت فلم يخرج الجواب منظوما كما تراه عند الكلام على ذلك في موضعه وكثير ~~من الناس تضيق مداركهم عن التصديق بهذا العمل ونفوذه إلى المطلوب فينكر ~~صحتها ويحسب أنها من التخيلات والإيهامات وأن صاحب العمل بها يثبت حروف ~~البيت الذي ينظمه كما يريد بين أثناء حروف السؤال والأوتار ويفعل تلك ~~الصناعات على غير نسبة ولا قانون ثم يجيء بالبيت ويوهم أن العمل جاء على ~~طريقة منضبطة وهذا الحسبان توهم فاسد حمل عليه القصور عن فهم التناسب بين ~~الموجودات والمعدومات والتفاوت بين المدارك والعقول ولكن من شأن كل مدرك ~~إنكار ما ms125 ليس في طوقه إدراكه ويكفينا في رد ذلك مشاهدة العمل بهذه الصناعة ~~والحدس القطعي فإنها جاءت بعمل مطرد وقانون صحيح لا مرية فيه عند من يباشر ~~ذلك ممن له ذكاء وحدس وإذا كان كثير من المعاياة في العدد الذي هو أوضح ~~الواضحات يعسر على الفهم إدراكه لبعد النسبة فيه وخفائها فما ظنك بمثل هذا ~~مع خفاء النسبة فيه وغرابتها فلنذكر مسألة من المعاياة يتضح لك بها شيء مما ~~ذكرنا مثاله لو قيل لك خذ عددا من الدراهم واجعل بإزاء كل درهم ثلاثة من ~~PageV01P118 الفلوس ثم أجمع الفلوس التي أخذت واشتر بها طائرا ثم اشتر ~~بالدراهم كلها طيورا بسعر ذلك الطائر فكم الطيور المشتراة بالدراهم فجوابه ~~أن تقول هي تسعة لأنك تعلم أن فلوس الدراهم أربعة وعشرون وأن الثلاثة ثمنها ~~وأن عدة أثمان الواحد ثمانية فإذا جمعت الثمن من الدراهم إلى الثمن الآخر ~~فكان كله ثمن طائر فهي ثمانية طيور عدة أثمان الواحد وتزيد على الثمانية ~~طائرا آخر وهو المشتري بالفلوس المأخوذة أولا وعلى سعره اشتريت بالدراهم ~~فتكون تسعة فأنت ترى كيف خرج لك الجواب المضمر بسر التناسب الذي بين أعداد ~~المسألة والوهم أول ما يلقي إليك هذه وأمثالها إنما يجعله من قبيل الغيب ~~الذي لا يمكن معرفته وظهر أن التناسب بين الأمور هو الذي يخرج مجهولها من ~~معلومها وهذا إنما هو في الواقعات الحاصلة في الوجود أو العلم وأما ~~الكائنات المستقبلة إذا لم تعلم أسباب وقوعها ولا يثبت لها خبر صادق عنها ~~فهو غيب لا يمكن معرفته وإذا تبين لك ذلك فالأعمال الواقعة في الزابرجة ~~كلها إنما هي استخراج الجواب من ألفاظ السؤال لأنها كما رأيت استنباط حروف ~~على ترتيب من تلك الحروف بعينها على ترتيب آخر وسر ذلك إنما هو من تناسب ~~بينهما يطلع عليه بعض دون بعض فمن عرف ذلك التناسب تيسر عليه استخراج ذلك ~~الجواب بتلك القوانين والجواب يدل في مقام آخر من حيث موضوع ألفاظه ~~وتراكيبه على وقوع أحد طرفي السؤال من نفي أو إثبات وليس ms126 هذا من المقام ~~الأول بل إنما يرجع لمطابقة الكلام لما في الخارج ولا سبيل إلى معرفة ذلك ~~من هذه الأعمال بل البشر محجوبون عنه وقد استأثر الله بعلمه والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون PageV01P119 # | الفصل الثاني # في العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل وما يعرض في # | ذلك من الأحوال وفيه فصول وتمهيدات # الفصل الأول $ في أن أجيال البدو والحضر طبيعية # اعلم أن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش فإن ~~اجتماعهم إنما هو للتعاون على تحصيله والابتداء بما هو ضروري منه ونشيط قبل ~~الحاجي والكمالي فمنهم من يستعمل الفلح من الغراسة والزراعة ومنهم من ينتحل ~~القيام على الحيوان من الغنم والبقر والمعز والنحل والدود لنتاجها واستخراج ~~فضلاتها وهؤلاء القائمون على الفلح والحيوان تدعوهم الضرورة ولا بد إلى ~~البدو لأنه متسع لما لا يتسع له الحواضر من المزارع والفدن والمسارح ~~للحيوان وغير ذلك فكان اختصاص هؤلاء بالبدو أمرا ضروريا لهم وكان حينئذ ~~اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم من القوت والكن والدف إنما ~~هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة ويحصل بلغة العيش من غير مزيد عليه للعجز عما ~~وراء ذلك ثم إذا اتسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش وحصل لهم ما فوق ~~الحاجة من الغنى والرفه دعاهم ذلك إلى السكون والدعة وتعاونوا في الزائد ~~على الضرورة واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنق فيها وتوسعة البيوت ~~واختطاط المدن والأمصار للتحضر ثم تزيد أحوال الرفه والدعة فتجيء عوائد ~~الترف البالغة مبالغها في التأنق في علاج القوت واستجادة المطابخ وانتقاء ~~الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير والديباج وغير ذلك ومعالات البيوت ~~والصروح وإحكام وضعها في تنجيدها والانتهاء في الصنائع في الخروج من القوة ~~إلى الفعل إلى غايتها فيتخذون القصور والمنازل ويجرون فيها المياه ويعالون ~~في صرحها ويبالغون في تنجيدها ويختلفون في استجادة ما يتخذونه لمعاشهم من ~~ملبوس أو فراش أو آنية أو ماعون وهؤلاء هم الحضر ومعناه الحاضرون أهل ~~الأمصار والبلدان ومن هؤلاء من ينتحل في معاشه الصنائع ومنهم من ينتحل ~~التجارة PageV01P120 وتكون مكاسبهم أنمى وأرفه ms127 من أهل البدو لأن أحوالهم ~~زائدة على الضروري ومعاشهم على نسبة وجدهم فقد تبين أن أجيال البدو والحضر ~~طبيعية لا بد منها كما قلناه # | الفصل الثاني # في أن جيل العرب في الخلقة طبيعي # قد قدمنا في الفصل قبله أن أهل البدو هم المنتحلون للمعاش الطبيعي من ~~الفلح والقيام على الأنعام وأنهم مقتصرون على الضروري من الأقوات والملابس ~~والمساكن وسائر الأحوال والعوائد ومقصرون عما فوق ذلك من حاجي أو كمالي ~~يتخذون البيوت من الشعر والوبر أو الشجر أو من الطين والحجارة غير منجدة ~~إنما هو قصد الاستظلال والكن لا ما وراءه وقد يأوون إلى الغيران والكهوف ~~وأما أقواتهم فيتناولون بها يسيرا بعلاج أو بغير علاج البتة إلا ما مسته ~~النار فمن كان معاشه منهم في الزراعة والقيام بالفلح كان المقام به أولى من ~~الظعن وهؤلاء سكان المدر والقرى والجبال وهم عامة البربر والأعاجم ومن كان ~~معاشه في السائمة مثل الغنم والبقر فهم ظعن في الأغلب لارتياد المسارح ~~والمياه لحيواناتهم فالتقلب في الأرض أصلح بهم ويسمون شاوية ومعناه ~~القائمون على الشاة والبقر ولا يبعدون في القفر لفقدان المسارح الطيبة ~~وهؤلاء مثل البربر والترك وإخوانهم من التركمان والصقالبة وأما من كان ~~معاشهم في الإبل فهم أكثر ظعنا وأبعد في القفر مجالا لأن مسارح التلول ~~ونباتها وشجرها لا يستغني بها الإبل في قوام حياتها عن مراعي الشجر بالقفر ~~وورود مياهه الملحة والتقلب فصل الشتاء في نواحيه فرارا من أذى البرد إلى ~~دفء هوائه وطلبا لماخض النتاج في رماله إذ الإبل أصعب الحيوان فصالا ومخاضا ~~وأحوجها في ذلك إلى الدفء فاضطروا إلى إبعاد النجعة وربما زادتهم الحامية ~~عن التلول أيضا فأوغلوا في القفار نفرة عن الضعة منهم فكانوا لذلك أشد ~~الناس توحشا وينزلون من أهل الحواضر منزلة الوحش غير المقدور عليه والمفترس ~~من الحيوان العجم وهؤلاء هم العرب وفي معناهم ظعون البربر وزناتة بالمغرب ~~والأكراد والتركمان والترك بالمشرق إلا أن العرب أبعد نجعة وأشد بداوة ~~لأنهم مختصون بالقيام على PageV01P121 الإبل فقط وهؤلاء يقومون عليها وعلى ms128 ~~الشياه والبقر معها فقد تبين لك أن جيل العرب طبيعي لا بد منه في العمران ~~والله سبحانه وتعالى أعلم # | الفصل الثالث # في أن البدو أقدم من الحضر وسابق عليه وأن البادية أضل العمران $ ~~والأمصار مدد لها # قد ذكرنا أن البدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم العاجزون عما ~~فوقه وأن الحضر المعتنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم ولا شك ~~أن الضروري أقدم من الحاجي والكمالي وسابق عليه ولأن الضروري أصل والكمالي ~~فرع ناشيء عنه فالبدو أصل للمدن والحضر وسابق عليهما لأن أول مطالب الإنسان ~~الضروري ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلا فخشونة ~~البداوة قبل رقة الحضارة ولهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري إليها وينتهي ~~بسعيه إلى مقترحه منها ومتى حصل على الرياش الذي يحصل له به أحوال الترف ~~وعوائده عاج إلى الدعة وأمكن نفسه إلى قياد المدينة وهكذا شأن القبائل ~~المتبدية كلهم والحضري لا يتشوف إلى أحوال البادية إلا لضرورة تدعوه إليها ~~أو لتقصير عن أحوال أهل مدينته ومما يشهد لنا أن البدو أصل للحضر ومتقدم ~~عليه أنا إذا فتشنا أهل مصر من الأمصار وجدنا أولية أكثرهم من أهل البدو ~~الذين بناحية ذلك المصر وعدلوا إلى الدعة والترف الذي في الحضر وذلك يدل ~~على أن أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة وأنها أصل لها فتفهمه ثم إن ~~كل واحد من البدو والحضر متفاوت الأحوال من جنسه فرب حي أعظم من حي وقبيلة ~~أعظم من قبيلة ومصر أوسع من مصر ومدينة أكثر عمرانا من مدينة فقد تبين أن ~~وجود البدو متقدم على وجود المدن والأمصار وأصل لها بما أن وجود المدن ~~والأمصار من عوائد الترف والدعة التي هي متأخرة عن عوائد الضرورة المعاشية ~~والله أعلم PageV01P122 # | الفصل الرابع # في أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر # وسببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد ~~عليهما وينطبع فيها من خير أو شر قال صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على ms129 ~~الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وبقدر ما سبق إليها من أحد ~~الخلقين تبعد عن الآخر ويصعب عليها اكتسابه فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه ~~عوائد الخير وحصلت لها ملكته بعد عن الشر وصعب عليه طريقه وكذا صاحب الشر ~~إذا سبقت إليه أيضا عوائده وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ ~~وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها وقد تلونت ~~أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ~~ما حصل لهم من ذلك حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم فتجد الكثير ~~منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم لا ~~يصدهم عنه وازع الحشمة لما أخذتهم به عوائد السوء في التظاهر بالفواحش قولا ~~وعملا وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنهم في المقدار ~~الضروري لا في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها ~~فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها وما يحصل فيهم من مذاهب السوء ومذمومات ~~الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد ~~عما ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها فيسهل ~~علاجهم من علاج الحضر وهو ظاهر وقد يتوضح فيما بعد أن الحضارة هي نهاية ~~العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير فقد تبين أن أهل ~~البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر والله يحب المتقين ولا يعترض على ذلك ~~بما ورد في صحيح البخاري من قول الحجاج لسلمة بن الأكوع وقد بلغه أنه خرج ~~إلى سكنى البادية فقال له ارتددت على عقبيك تعربت فقال لا ولكن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أذن لي في البدو فاعلم أن الهجرة افترضت أول الإسلام ~~على أهل مكة ليكونوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث حل من المواطن ~~ينصرونه ويظاهرونه على أمره ويحرسونه ولم تكن واجبة على الأعراب ~~PageV01P123 أهل البادية لأن أهل مكة يمسهم من عصبية النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ms130 المظاهرة والحراسة ما لا يمس غيرهم من بادية الأعراب وقد كانوا ~~المهاجرون يستعيذون بالله من التعرب وهو سكنى البادية حيث لا تجب الهجرة ~~وقال صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص عند مرضه بمكة اللهم امض ~~لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ومعناه أن يوفقهم لملازمة المدينة ~~وعدم التحول عنها فلا يرجعوا عن هجرتهم التي ابتدأوا بها وهو من باب الرجوع ~~على العقب في السعي إلى وجه من الوجوه وقيل أن ذلك كان خاصا بما قبل الفتح ~~حين كانت الحاجة داعية إلى الهجرة لقلة المسلمين وأما بعد الفتح وحين كثر ~~المسلمون واعتزوا وتكفل الله لنبيه بالعصمة من الناس فإن الهجرة ساقطة ~~حينئذ لقوله صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح وقيل سقط إنشاؤها عمن ~~يسلم بعد الفتح وقيل سقط وجوبها عمن أسلم وهاجر قبل الفتح والكل مجمعون على ~~أنها بعد الوفاة ساقطة لأن الصحابة افترقوا من يومئذ في الآفاق وانتشروا ~~ولم يبق إلا فضل السكنى بالمدينة وهو هجرة فقول الحجاج لسلمة حين سكن ~~البادية ارتددت على عقبيك تعربت نعى عليه في ترك السكنى بالمدينة بالإشارة ~~إلى الدعاء المأثور والذي قدمناه وهو قوله لا تردهم على أعقابهم وقوله ~~تعربت إشارة إلى أنه صار من الأعراب الذين لا يهاجرون وأجاب سلمة بإنكار ما ~~ألزمه من الأمرين وأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له في البدو ويكون ذلك ~~خاصا به كشهادة خزيمة وعناق أبي بردة أو يكون الحجاج إنما نعى عليه ترك ~~السكنى بالمدينة فقط لعلمه بسقوط الهجرة بعد الوفاة وأجابه سلمة بأن ~~اغتنامه لإذن النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأفضل فما آثره به واختصه إلا ~~لمعنى علمه فيه وعلى كل تقدير فليس دليلا على مذمة البدو الذي عبر عنه ~~بالتعرب لأن مشروعية الهجرة إنما كانت كما علمت لمظاهرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحراسته لا لمذمة البدو فليس في النعي على ترك هذا الواجب دليل ~~في مذمة التعرب والله سبحانه أعلم وبه التوفيق PageV01P124 # | الفصل الخامس # في ms131 أن أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر # والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة ~~وانغمسوا في النعيم والترف ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم ~~إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولت حراستهم واستناموا إلى ~~الأسوار التي تحوطهم والحرز الذي يحول دونهم فلا تهيجهم هيعة ولا ينفر لهم ~~صيد فهم غارون آمنون قد ألقوا السلاح وتوالت على ذلك منهم الأجيال وتنزلوا ~~منزلة النساء والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم حتى صار ذلك خلقا ~~يتنزل منزلة الطبيعة وأهل البدو لتفردهم عن المجتمع وتوحشهم في الضواحي ~~وبعدهم عن الحامية وانتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن ~~أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم ولا يتقون فيها بغيرهم فهم دائما يحملون ~~السلاح ويتلفتون عن كل جانب في الطرق ويتجافون عن الهجوع إلا غرارا في ~~المجالس وعلى الرحال وفوق الأقتاب ويتوجسون للنبات والهيعات ويتفردون في ~~القفر والبيداء مدلين ببأسهم واثقين بأنفسهم قد صار لهم البأس خلقا ~~والشجاعة سجية يرجعون إليها متى دعاهم داع أو استنفرهم صارخ وأهل الحضر ~~مهما خالطوهم في البادية أو صاحبوهم في السفر عيال عليهم لا يملكون معهم ~~شيئا من أمر أنفسهم وذلك مشاهد بالعيان حتى في معرفة النواحي والجهات ~~وموارد المياه ومشارع السبل وسبب ذلك ما شرحناه وأصله أن الإنسان ابن ~~عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقا ~~وملكه وعادة تنزل منزلة الطبيعة والجبلة واعتبر ذلك في الآدميين تجده كثيرا ~~صحيحا والله يخلق ما يشاء # | الفصل السادس # في أن معاناة أهل الحضر للأحكام مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنفعة منهم # وذلك أنه ليس كل أحد مالك أمر نفسه إذ الرؤساء والأمراء المالكون لأمر ~~الناس قليل بالنسبة إلى غيرهم فمن الغالب أن يكون الإنسان في ملكة غيره ولا ~~بد فإن كانت الملكة رفيقة وعادلة لا يعاني منها حكم ولا منع وصد كان الناس ~~من تحت PageV01P125 يدها مدلين بما في أنفسهم من شجاعة أو جبن واثقين بعدم ~~الوازع حتى صار ms132 لهم الإدلال جبلة لا يعرفون سواها وأما إذا كانت الملكة ~~وأحكامها بالقهر والسطوة والإخافة فتكسر حينئذ من سورة بأسهم وتذهب المتعة ~~عنهم لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة كما نبينه وقد نهى عمر سعدا ~~رضي الله عنهما عن مثلها لما أخذ زهرة بن حوبة سلب الجالنوس وكانت قيمته ~~خمسة وسبعين ألفا من الذهب وكان اتبع الجالنوس يوم القادسية فقتله وأخذ ~~سلبه فانتزعه منه سعد وقال له هلا انتظرت في اتباعه إذني وكتب إلى عمر ~~يستأذنه فكتب إليه عمر تعمدا إلى مثل زهرة وقد صلى بما صلى به وبقي عليك ما ~~بقي من حربك وتكسر فوقه وتفسد قلبه وأمضى له عمر سلبه وأما إذا كانت ~~الأحكام بالعقاب فمذهبه للبأس بالكلية لأن وقوع العقاب به ولم يدافع عن ~~نفسه يكسبه المذلة التي تكسر من سورة بأسه بلا شك وأما إذا كانت الأحكام ~~تأديبية وتعليمية وأخذت من عهد الصبا أثرت في ذلك بعض الشيء لمرباه على ~~المخافة والانقياد فلا يكون مدلا ببأسه ولهذا تجد المتوحشين من العرب أهل ~~البدو أشد بأسا ممن تأخذه الأحكام ونجد أيضا الذين يصانون الأحكام وملكتها ~~من لدن مرباهم في التأديب والتعليم في الصنائع والعلوم والديانات ينقص ذلك ~~من بأسهم كثيرا ولا يكادون يدفعون عن أنفسهم عادية بوجه من الوجوه وهذا شأن ~~طلبة العلم المنتحلين للقراءة والأخذ عن المشايخ والأيمة الممارسين للتعليم ~~والتأديب في مجالس الوقار والهيبة فيهم هذه الأحوال وذهابها بالمنعة والبأس ~~ولا تستنكر ذلك بما وقع في الصحابة من أخذهم بأحكام الدين والشريعة ولم ~~ينقص ذلك من بأسهم بل كانوا أشد الناس بأسا لأن الشارع صلوات الله عليه لما ~~أخذ المسلمون عنه دينهم كان وازعهم فيه من أنفسهم لما تلي عليهم من الترغيب ~~والترهيب ولم يكن بتعليم صناعي ولا تأديب تعليمي إنما هي أحكام الدين ~~وآدابه المتلقاة نقلا يأخذون أنفسهم بها بما رسخ فيهم من عقائد الإيمان ~~والتصديق فلم تزل سورة بأسهم مستحكمة كما كانت ولم تخدشها أظفار التأديب ~~والحكم قال عمر رضي الله عنه من ms133 لم يؤد به الشرع لا أدبه الله حرصا على أن ~~يكون الوازع لكل أحد من نفسه ويقينا بأن الشارع أعلم بمصالح العباد ~~PageV01P126 ولما تناقص الدين في الناس وأخذوا بالأحكام الوازعة ثم صار ~~الشرع علما وصناعة يؤخذ بالتعليم والتأديب ورجع الناس إلى الحضارة وخلق ~~الانقياد إلى الأحكام فقصت بذلك سورة البأس فيهم فقد تبين أن الأحكام ~~السلطاني والتعليمية مفسدة للبأس لأن الوازع فيها ذاتي ولهذا كانت هذه ~~الأحكام السلطانية والتعليمية مما تؤثر في أهل الحواضر في ضعف نفوسهم وخضد ~~الشوكة منهم بمعاناتهم في وليدهم وكهولهم والبدو بمعزل من هذه المنزلة ~~لبعدهم عن أحكام السلطان والتعليم والآداب ولهذا قال محمد بن أبي زيد في ~~كتابه في أحكام المعلمين والمتعلمين أنه لا ينبغي للمؤدب أن يضرب أحدا من ~~الصبيان في التعليم فوق ثلاثة أسواط نقله عن شريح القاضي واحتج له بعضهم ~~بما وقع في حديث بدء الوحي من شأن الغط وأنه كان ثلاث مرات وهو ضعيف ولا ~~يصلح شأن الغط أن يكون دليلا على ذلك لبعده عن التعليم المتعارف والله ~~الحكيم الخبير # | الفصل السابع # في أن سكنى البدو لا تكون لا للقبائل أهل العصبية # اعلم أن الله سبحانه ركب في طبائع البشر الخير والشر كما قال تعالى @QB@ ~~وهديناه النجدين @QE@ وقال @QB@ فألهمها فجورها وتقواها @QE@ والشر أقرب ~~الخلال إليه إذا أهمل في مرعى عوائده ولم يهذبه الاقتداء بالدين وعلى ذلك ~~الجم الغفير إلا من وفقه الله ومن أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان بعض على ~~بعض فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه فقد امتدت يده إلى أخذه إلا أن يصده وازع ~~كما قال % والظلم من شيم النفوس فإن نجد % ذا عفة فلعلة لا يظلم % $ # وأما المدن والأمصار فعدوان بعضهم على بعض تدفعه الحكام والدولة بما ~~قبضوا على أيدي من تحتهم من الكافة أن يمتد بعضهم على بعض أو يعدو عليه فهم ~~مكبوحون بحكمة القهر والسلطان عن التظالم إلا إذا كان من الحاكم بنفسه وأما ~~العدوان الذي من خارج المدينة فيدفعه سياج الأسوار عند الغفلة أو الغرة ms134 ~~ليلا أو العجز عن المقاومة نهارا أو يدفعه ازدياد الحامية من أعوان الدولة ~~عند الاستعداد والمقاومة وأما أحياء البدو فيزع بعضهم عن بعض مشائخهم ~~وكبراؤهم بما وفر في PageV01P127 نفوس الكافة لهم من الوقار والتجلة وأما ~~حالهم فإنما يذود عنها من خارج حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين ~~بالشجاعة فيهم ولا يصدق دفاعهم وذيادهم إلا إذ كانوا عصبية وأهل نسب واحد ~~لأنهم بذلك تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم إذ نعرة كل أحد على نسبه وعصبيته أهم ~~وما جعل الله في قلوب عباده من الشفقة والنعرة على ذوي أرحامهم وقرباهم ~~موجودة في الطبائع البشرية وبها يكون التعاضد والتناصر وتعظم رهبة العدو ~~لهم واعتبر ذلك فيما حكاه القرآن عن إخوة يوسف عليه السلام حين قالوا لأبيه ~~لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون والمعنى أنه لا يتوهم العدوان ~~على أحد مع وجود العصبة له وأما المتفردون في أنسابهم فقل أن تصيب أحدا ~~منهم نعرة على صاحبه فإذا أظلم الجو بالشر يوم الحرب تسلل كل واحد منهم ~~ببغي النجاة لنفسه خيفة واستيحاشا من التخاذل فلا يقدرون من أجل ذلك على ~~سكنى القفر لما أنهم حينئذ طعمة لمن يلتهمهم من الأمم سواهم وإذا تبين ذلك ~~في السكنى التي تحتاج للمدافعة والحماية فبمثله يتبين لك في كل أمر يحمل ~~الناس عليه من نبوة أو إقامة ملك أو دعوة إذ بلوغ الغرض من ذلك كله إنما ~~يتم بالقتال عليه لما في طبائع البشر من الاستعصاء ولا بد في القتال من ~~العصبية كما ذكرناه آنفا فاتخذه إماما تقتدي به فيما نورده عليك بعد والله ~~الموفق للصواب # | الفصل الثامن # في أن العصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب أو ما في معناه # وذلك أن صلة الرحم طبيعي في البشر إلا في الأقل ومن صلتها النعرة على ذوي ~~القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة فإن القريب يجد في نفسه ~~غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من ~~المعاطب والمهالك نزعة طبيعية ms135 في البشر مذ كانوا فإذا كان النسب المتواصل ~~بين المتناصرين قريبا جدا بحيث حصل به الاتحاد والالتحام كانت الوصلة ظاهرة ~~فاستدعت ذلك بمجردها ووضوحها وإذا بعد النسب بعض الشيء فربما تنوسي بعضها ~~ويبقى منها شهرة PageV01P128 فتحمل على النصرة لذوي نسبه بالأمر المشهور ~~منه فرارا من الغضاضة التي يتوهمها في نفسه من ظلم من هو منسوب إليه بوجه ~~ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نعرة كل أحد على اهل ولائه وحلفه للألفة ~~التي تلحق النفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النسب ~~وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريبا منها ومن هذا ~~تفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ~~بمعنى أن النسب إنما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع ~~المناصرة والنعرة وما فوق ذلك مستغنى عنه إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له ~~ونفعه إنما هو في هذه الوصلة والالتحام فإذا كان ظاهرا واضحا حمل النفوس ~~على طبيعتها من النعرة كما قلناه وإذا كان إنما يستفاد من الخير البعيد ضعف ~~فيه الوهم وذهبت فائدته وصار الشغل به مجانا ومن أعمال اللهو المنهي عنه ~~ومن هذا الاعتبار معنى قولهم النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر بمعنى أن ~~النسب إذا خرج عن الوضوح وصار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيه عن ~~النفس وانتفت النعرة التي تحمل عليها العصبية فلا منفعة فيه حينئذ والله ~~سبحانه وتعالى أعلم # | الفصل التاسع # في أن الصريح من النسب إنما يوجد للمتوحشين في القفر من العرب $ ومن في ~~معناهم # وذلك لما اختصوا به من نكد العيش وشظف الأحوال وسوء المواطن حملتهم عليها ~~الضرورة التي عينت لهم تلك القسمة وهي لما كان معاشهم من القيام على الإبل ~~ونتاجها ورعايتها والإبل تدعوهم إلى التوحش في القفر لرعيها من شجره ~~ونتاجها في رماله كما تقدم والقفر مكان الشظف والسغب فصار لهم إلفا وعادة ~~وربيت فيه أجيالهم حتى تمكنت خلقا وجبلة فلا ينزع ms136 إليهم أحد من الأمم أن ~~يساهمهم في حالهم ولا يأنس بهم أحد من الأجيال بل لو وجد واحد منهم السبيل ~~إلى الفرار من حاله وأمكنه ذلك لما تركه فيؤمن عليهم لأجل ذلك من اختلاط ~~أنسابهم وفسادها ولا تزال بينهم محفوظة صريحة واعتبر ذلك في مضر من قريش ~~وكنانة وثقيف وبني أسد وهذيل ومن جاورهم من خزاعة لما كانوا أهل شظف ومواطن ~~غير ذات زرع PageV01P129 ولا ضرع وبعدوا من أرياف الشام والعراق ومعادن ~~الأدم والحبوب كيف كانت أنسابهم صريحة محفوظة لم يدخلها اختلاط ولا عرف ~~فيها شوب # وأما العرب الذين كانوا بالتلول وفي معادن الخصب للمراعي والعيش من حمير ~~وكهلان مثل لخم وجذام وغسان وطي وقضاعة وإياد فاختلطت أنسابهم وتداخلت ~~شعوبهم ففي كل واحد من بيونهم من الخلاف عند الناس ما تعرف وإنما جاءهم ذلك ~~من قبل العجم ومخالطتهم وهم لا يعتبرون المحافظة على النسب في بيوتهم ~~وشعوبهم وإنما هذا للعرب فقط قال عمر رضي الله تعالى عنه تعلموا النسب ولا ~~تكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم عن أصله قال من قرية كذا هذا أي ما لحق ~~هؤلاء العرب أهل الأرياف من الازدحام مع الناس على البلد الطيب والمراعي ~~الخصيبة فكثر الاختلاط وتداخلت الأنساب وقد كان وقع في صدر الإسلام ~~الانتماء إلى المواطن فيقال جند قنسرين جند دمشق جند العواصم وانتقل ذلك ~~إلى الأندلس ولم يكن لإطراح العرب أمر النسب وإنما كان لاختصاصهم بالمواطن ~~بعد الفتح حتى عرفوا بها وصارت لهم علامة زائدة على النسب يتميزون بها عند ~~أمرائهم ثم وقع الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم وفسدت الأنساب بالجملة ~~وفقدت ثمرتها من العصبية فاطرحت ثم تلاشت القبائل ودثرت فدثرت العصبية ~~بدثورها وبقي ذلك في البدو كما كان والله وارث الأرض ومن عليها # | الفصل العاشر # في اختلاط الأنساب كيف يقع # اعلم أنه من البين أن بعضا من أهل الأنساب يسقط إلى أهل نسب آخر بقرابة ~~إليهم أو حلف أو ولاء أو لفرار من قومه بجناية أصابها فيدعي بنسب هؤلاء ~~ويعد منهم ms137 في ثمراته من النعرة والقود وحمل الديات وسائر الأحوال وإذا وجدت ~~ثمرات النسب فكأنه وجد لأنه لا معنى لكونه من هؤلاء ومن هؤلاء إلا جريان ~~أحكامهم وأحوالهم عليه وكأنه التحم بهم ثم إنه قد يتناسى النسب الأول بطول ~~الزمان ويذهب أهل العلم به فيخفى على الأكثر وما زالت الأنساب تسقط من شعب ~~إلى شعب ويلتحم قوم بآخرين في الجاهلية والإسلام والعرب والعجم # وانظر خلاف الناس في نسب PageV01P130 آل المنذر وغيرهم يتبين لك شيء من ~~ذلك ومنه شأن بجيلة في عرفجة بن هرثمة لما ولاه عمر عليهم فسألوه الإعفاء ~~منه وقالوا هو فينا لزيق أي دخيل ولصيق وطلبوا أن يولي عليهم جريرا فسأله ~~عمر عن ذلك فقال عرفجة صدقوا يا أمير المؤمنين أنا رجل من الأزد أصبت دما ~~في قومي ولحقت بهم وانظر منه كيف اختلط عرفجة ببجيلة ولبس جلدتهم ودعي ~~بنسبهم حتى ترشح للرئاسة عليهم لولا علم بعضهم بوشائجه ولو غفلوا عن ذلك ~~وامتد الزمن لتنوسي بالجملة وعد منهم بكل وجه ومذهب فافهمه واعتبر سر الله ~~في خليقته ومثل هذا كثير لهذا العهد ولما قبله من العهود والله الموفق ~~للصواب بمنه وفضله وكرمه # | الفصل الحادي عشر # في أن الرئاسة لا تزال في نصابها المخصوص من أهل العصبية # اعلم أن كل حي أو بطن من القبائل وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام ~~ففيهم أيضا عصبيات أخرى لأنساب خاصة هي أشد التحاما من النسب العام لهم مثل ~~عشير واحد أو أهل بيت واحد أو إخوة بني أب واحد لا مثل بني العم الأقربين ~~أو الأبعدين فهؤلاء أقعد بنسبهم المخصوص ويشاركون من سواهم من العصائب في ~~النسب العام والنعرة تقع من أهل نسبهم المخصوص ومن أهل النسب العام إلا ~~أنها في النسب الخاص أشد لقرب اللحمة والرئاسة فيهم إنما تكون في نصاب واحد ~~منهم ولا تكون في الكل ولما كانت الرئاسة إنما تكون بالغلب وجب أن تكون ~~عصبية ذلك النصاب أقوى من سائر العصائب ليقع الغلب بها وتتم الرساسة لأهلها ~~فإذا وجب ذلك ms138 تعين أن الرئاسة عليهم لا تزال في ذلك النصاب المخصوص بأهل ~~الغلب عليهم إذ لو خرجت عنهم وصارت في العصائب الأخرى النازلة عن عصابتهم ~~في الغلب لما تمت لهم الرئاسة فلا تزال في ذلك النصاب متناقلة من فرع منهم ~~إلى فرع ولا تنتقل إلا إلى الأقوى من فروعه لما قلناه من سر الغلب لأن ~~الاجتماع والعصبية بمثابة المزاج للمتكون والمزاج في المتكون لا يصلح إذا ~~تكافأت PageV01P131 العناصر فلا بد من غلبة أحدها وإلا لم يتم التكوين فهذا ~~هو سر اشتراط الغلب في العصبية ومنه تعين استمرار الرئاسة في النصاب ~~المخصوص بها كما قررناه # | الفصل الثاني عشر # في أن الرئاسة على أهل العصبية لا تكون في غير نسبهم # وذلك أن الرئاسة لا تكون إلا بالغلب والغلب إنما يكون بالعصبية كما ~~قدمناه فلا بد في الرئاسة على القوم أن تكون من عصبية غالبة لعصبياتهم ~~واحدة واحدة لأن كل عصبية منهم إذا أحست بغلب عصبية الرئيس لهم أقروا ~~بالإذعان والاتباع والساقط في نسبهم بالجملة لا تكون له عصبية فيهم بالنسب ~~إنما هو ملصق لزيق وغاية التعصب له بالولاء والحلف وذلك لا يوجب له غلبا ~~عليهم البتة وإذا فرضنا أنه قد التحم بهم واختلط وتنوسي عهده الأول من ~~الالتصاق ولبس جلدتهم ودعي بنسبهم فكيف له الرئاسة قبل هذا الالتحام أو ~~لأحد من سلفه والرئاسة على القوم إنما تكون متناقلة في منبت واحد تعين له ~~الغلب بالعصبية فالأولية التي كانت لهذا الملصق قد عرف فيها التصاقه من غير ~~شك ومنعه ذلك الالتصاق من الرئاسة حينئذ فكيف تنوقلت عنه وهو على حال ~~الإلصاق والرئاسة لا بد وأن تكون موروثة عن مستحقها لما قلناه من التغلب ~~بالعصبية وقد يتشوف كثير من الرؤساء على القبائل والعصائب إلى أنساب يلهجون ~~بها إما لخصوصية فضيلة كانت في أهل ذلك النسب من شجاعة أو كرم أو ذكر كيف ~~اتفق فينزعون إلى ذلك النسب ويتورطون بالدعوى في شعوبه ولا يعلمون ما ~~يوقعون فيه أنفسهم من القدح في رئاستهم والطعن في شرفهم وهذا ms139 كثير في الناس ~~لهذا العهد فمن ذلك ما يدعيه زناتة جملة أنهم من العرب ومنه ادعاء أولاد ~~رباب المعروفين بالحجاز بين من بني عامر أحد شعوب زغبة أنهم من بني سليم ثم ~~من الشريد منهم لحق جدهم ببني عامر نجارا يصنع الحرجان واختلط بهم والتحم ~~بنسبهم حتى رأس عليهم ويسمونه الحجازي # ومن ذلك ادعاء بني عبد القوي بن العباس بن نوجين أنهم من ولد العباس بن ~~عبد المطلب رغبة في هذا النسب الشريف وغلطا باسم العباس بن عطية أبي عبد ~~القوي ولم يعلم دخول أحد PageV01P132 من العباسيين إلى المغرب لأنه كان منذ ~~أول دولتهم على دعوة العلويين أعدائهم من الأدارسة والعبيديين فكيف يكون من ~~سبط العباس أحد من شيعة العلويين وكذلك ما يدعيه أبناء زيان ملوك تلمسان من ~~بني عبد الواحد أنهم من ولد القاسم بن أدريس ذهابا إلى ما اشتهر في نسبهم ~~أنهم من ولد القاسم فيقولون بلسانهم الزناتي أنت القاسم أي بنو القاسم ثم ~~يدعون أن القاسم هذا هو القاسم بن إدريس أو القاسم بن محمد بن أدريس ولو ~~كان ذلك صحيحا فغاية القاسم هذا أنه فر من مكان سلطانه مستجيرا بهم فكيف ~~تتم له الرئاسة عليهم في باديتهم وإنما هو غلط من قبل اسم القاسم فإنه كثير ~~الوجود في الأدارسة فتوهموا أن قاسمهم من ذلك النسب وهم غير محتاجين لذلك ~~فإن منالهم للملك والعزة إنما كان بعصبيتهم ولم يكن بادعاء علوية ولا ~~عباسية ولا شيء من الأنساب وإنما يحمل على هذا المتقربون إلى الملوك ~~بمنازعهم ومذاهبهم ويشتهر حتى يبعد عن الرد ولقد بلغني عن يغمراسن بن زيان ~~مؤثل سلطانهم أنه لما قيل له ذلك أنكره وقال بلغته الزناتية ما معناه أما ~~الدنيا والملك فنلناهما بسيوفنا لا بهذا النسب وأما نفعهما في الآخرة ~~فمردود إلى الله وأعرض عن التقرب إليهما بذلك # ومن هذا الباب ما يدعيه بنو سعد شيوخ بني يزيد من زغبة أنهم من ولد أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه وبنو سلامة شيوخ بني يدللتن من ms140 توجين أنهم من سليم ~~والزواودة شيوخ رياح أنهم من أعقاب البرامكة وكذا بنو مهنا أمراء طيىء ~~بالمشرق يدعون فيما بلغنا أنهم من أعقابهم وأمثال ذلك كثير ورئاستهم في ~~قومهم مانعة من ادعاء هذه الأنساب كما ذكرناه بل تعين أن يكونوا من صريح ~~ذلك النسب وأقوى عصبياته فاعتبره واجتنب المغالط فيه ولا تجعل من هذا الباب ~~إلحاق مهدي الموحدين بنسب العلوية فإن المهدي لم يكن من منبت الرئاسة في ~~هرثمة قومه وإنما رأس عليهم بعد اشتهاره بالعلم والدين ودخول قبائل ~~المصامدة في دعوته وكان مع ذلك من أهل المنابت المتوسطة فيهم والله عالم ~~الغيب والشهادة PageV01P133 # | الفصل الثالث عشر # في أن البيت والشرف بالأصالة والحقيقة لأهل العصبية $ ويكون لغيرهم ~~بالمجاز والشبه # وذلك أن الشرف والحسب إنما هو بالخلال ومعنى البيت أن يعد الرجل في آبائه ~~أشرافا مذكورين يكون له بولادتهم إياه والانتساب إليهم تجلة في أهل جلدته ~~لما وقر في نفوسهم من تجلة سلفه وشرفهم بخلالهم والناس في نشأتهم وتناسلهم ~~معادن قال صلى الله عليه وسلم الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في ~~الإسلام إذا فقهوا فمعنى الحسب راجح إلى الأنساب وقد بينا أن ثمرة الأنساب ~~وفائدتها إنما هي العصية للنعرة والتناصر فحيث تكون العصبية مرهوبة والمنبت ~~فيها زكي محمي تكون فائدة النسب أوضح وثمرتها أقوى وتعديد الأشراف من ~~الآباء زائد في فائدتها فيكون الحسب والشرف أصليين في أهل العصبية لوجود ~~ثمرة النسب وتفاوت البيوت في هذا الشرف بتفاوت العصبية لأنه سرها ولا يكون ~~للمنفردين من أهل الأمصار بيت إلا بالمجاز وإن توهموه فزخرف من الدعاوى ~~وإذا اعتبرت الحسب في أهل الأمصار وجدت معناه أن الرجل منهم يعد سلفا في ~~خلال الخير ومخالطة أهله مع الركون إلى العافية ما استطاع وهذا مغاير لسر ~~العصبية التي هي ثمرة النسب وتعديد الآباء لكنه يطلق عليه حسب وبيت بالمجاز ~~لعلاقة ما فيه من تعديد الآباء المتعاقبين على طريقة واحدة من الخير ~~ومسالكه وليس حسبا بالحقيقة وعلى الإطلاق وإن ثبت أنه حقيقة فيهما بالوضع ~~اللغوي فيكون ms141 من المشكك الذي هو في بعض مواضعه أولى وقد يكون للبيت شرف أول ~~بالعصبية والخلال ثم ينسلخون منه لذهابها بالحضارة كما تقدم ويختلطون ~~بالغمار ويبقى في نفوسهم وسواس ذلك الحسب يعدون به أنفسهم من أشراف ~~البيوتات أهل العصائب وليسوا منها في شيء لذهاب العصبية جملة وكثير من أهل ~~الأمصار الناشئين في بيوت العرب أو العجم لأول عهدهم موسوسون بذلك وأكثر ما ~~رسخ الوسواس في ذلك لبني إسرائيل فإنه كان لهم بيت من أعظم بيوت العالم ~~بالمنبت أولا لما تعدد في سلفهم من الأنبياء والرسل من لدن إبراهيم عليه ~~السلام إلى موسى صاحب ملتهم وشريعتهم ثم بالعصبية ثانيا وما PageV01P134 ~~أتاهم الله بها من الملك الذي وعدهم به ثم انسلخوا من ذلك أجمع وضربت عليهم ~~الذلة والمسكنة وكتب عليهم الجلاء في الأرض وانفردوا بالاستعباد للكفر ~~آلافا من السنين وما زال هذا الوسواس مصاحبا لهم فتجدهم يقولون هذا هاروني ~~هذا من نسل يوشع هذا من عقب كالب هذا من سبط يهوذا مع ذهاب العصبية ورسوخ ~~الذل فيهم منذ أحقاب متطاولة وكثير من أهل الأمصار وغيرهم المنقطعين في ~~أنسابهم عن العصبية يذهب إلى هذا الهذيان # وقد غلط أبو الوليد بن رشد في هذا لما ذكر الحسب في كتاب الخطابة من ~~تلخيص كتاب المعلم الأول والحسب هو أن يكون من قوم قديم نزلهم بالمدينة ولم ~~يتعرض لما ذكرناه وليت شعري ما الذي ينفعه قدم نزلهم بالمدينة إن لم تكن له ~~عصابة يرهب بها جانبه وتحمل غيرهم على القبول منه فكأنه أطلق الحسب على ~~تعديد الآباء فقط مع أن الخطابة إنما هي استمالة من تؤثر استمالته وهم أهل ~~الحل والعقد وأما من لا قدرة له البتة فلا يلتفت إليه ولا يقدر على استمالة ~~أحد ولا يستمال هو وأهل الأمصار من الحضر بهذه المثابة إلا أن ابن رشد ربا ~~في جبل وبلد ولم يمارسوا العصبية ولا أنسوا أحوالها فبقي في أمر البيت ~~والحسب على الأمر المشهور من تعديد الآباء على الإطلاق ولم يراجع فيه حقيقة ~~العصبية وسرها ms142 في الخليقة والله بكل شيء عليم # | الفصل الرابع عشر # في أن البيت والشرف للموالي وأهل الاصطناع إنما هو بمواليهم لا بأنسابهم # وذلك أنا قدمنا أن الشرف بالأصالة والحقيقة إنما هو لأهل العصبية فإذا ~~اصطنع أهل العصبية قوما من غير نسبهم أو استرقوا العبدان والموالي والتحموا ~~به كما قلناه ضرب معهم أولئك الموالي والمصطنعون بنسبهم في تلك العصبية ~~ولبسوا جلدتها كأنها عصبتهم وحصل لهم من الانتظام في العصبية مساهمة في ~~نسبها كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم مولى القوم منهم وسواء كان مولى رق ~~أو مولى اصطناع وحلف وليس نسب ولادته بنافع له في تلك العصبية إذ هي مباينة ~~لذلك النسب وعصبية ذلك النسب مفقودة لذهاب سرها عند التحامه بهذا النسب ~~الآخر وفقدانه أهل عصبيتها فيصير من هؤلاء ويندرج فيهم فإذا تعددت له ~~الآباء في هذه العصبية كان له بينهم PageV01P135 شرف وبيت على نسبته في ~~ولائهم واصطناعهم لا يتجاوزه إلى شرفهم بل يكون أدون منهم على كل حال وهذا ~~شأن الموالي في الدول والخدمة كلهم فإنهم إنما يشرفون بالرسوخ في ولاء ~~الدولة وخدمتها وتعدد الآباء في ولايتها ألا ترى إلى موالي الأتراك في دولة ~~بني العباس وإلى بني برمك من قبلهم وبني نوبخت كيف أدركوا البيت والشرف ~~وبنوا المجد والأصالة بالرسوخ في ولاء الدولة فكان جعفر بن يحيى بن خالد من ~~أعظم الناس بيتا وشرفا بالانتساب إلى ولاء الرشيد وقومه لا بالانتساب في ~~الفرس وكذا موالي كل دولة وخدمها إنما يكون لهم البيت والحسب بالرسوخ في ~~ولائها والأصالة في اصطناعها ويضمحل نسبه الأقدم من غير نسبها ويبقى ملغى ~~لا عبرة فيه في أصالته ومجده وإنما المعتبر نسبه ولائه واصطناعه إذ فيه سر ~~العصبية التي بها البيت والشرف فكان شرفه مشتقا من شرف مواليه وبناؤه من ~~بنائهم فلم ينفعه نسب ولادته وإنما بنى مجده نسب الولاء في الدولة ولحمة ~~الاصطناع فيها والتربية وقد يكون نسبه الأول في لحمة عصبيته ودولته فإذا ~~ذهبت وصار ولاؤه واصطناعه في أخرى لم تنفعه الأولى لذهاب ms143 عصبيتها وانتفع ~~بالثانية لوجودها وهذا حال بني برمك إذ المنقول أنهم كانوا أهل بيت في ~~الفرس من سدنة بيوت النار عندهم ولما صاروا إلى ولاء بني العباس لم يكن ~~بالأول اعتبار وإنما كان شرفهم من حيث ولايتهم في الدولة واصطناعهم وما سوى ~~هذا فوهم توسوس به النفوس الجامحة ولا حقيقة له والوجود شاهد بما قلناه وإن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم والله ورسوله أعلم # | الفصل الخامس عشر # في أن نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة إباء # اعلم أن العالم العنصري بما فيه كائن فاسد لا من ذواته ولا من أحواله ~~فالمكونات من المعدن والنبات وجميع الحيوانات الإنسان وغيره كائنة فاسدة ~~بالمعاينة وكذلك ما يعرض لها من الأحوال وخصوصا الإنسانية فالعلوم تنشأ ثم ~~تدرس وكذا الصنائع وأمثالها والحسب من العوارض التي تعرض للآدميين فهو كائن ~~فاسد لا محالة وليس يوجد لأحد من أهل الخليقة شرف متصل في آبائه من لدن آدم ~~إليه إلا ما كان من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم كرامة به وحياطة على السر ~~فيه PageV01P136 وأول كل شرف خارجية كما قيل وهي الخروج عن الرئاسة والشرف ~~إلى الضعة والابتذال وعدم الحسب ومعناه أن كل شرف وحسب فعدمه سابق عليه شأن ~~كل محدث ثم إن في أربعة آباء وذلك أن باني المجد عالم بما عاناه في بنائه ~~ومحافظ على الخلال التي هي أسباب كونه وبقائه وابنه من بعده مباشر لأبيه ~~فقد سمع منه ذلك وأخذه عنه إلا أنه مقصر في ذلك تقصير السامع بالشيء عن ~~المعاني له ثم إذا جاء الثالث كان حظه الاقتفاء والتقليد خاصة فقصر عن ~~الثاني تقصير المقلد عن المجتهد ثم إذا جاء الرابع قصر عن طريقتهم جملة ~~وأضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم واحتقرها وتوهم أن ذلك البنيان لم يكن ~~بمعاناة ولا تكلف وإنما هو أمر وجب لهم منذ أول النشأة بمجرد انتسابهم وليس ~~بعصابة ولا بخلال لما يرى من التجلة بين الناس ولا يعلم كيف كان حدوثها ولا ~~سببها ويتوهم أنه النسب فقط فيربا بنفسه عن ms144 أهل عصبيته ويرى الفضل له عليهم ~~وثوقا بما ربي فيه من استتباعهم وجهلا بما أوجب ذلك الاستتباع من الخلال ~~التي منها التواضع لهم والأخذ بمجامع قلوبهم فيحتقرهم بذلك فينغصون عليه ~~ويحتقرونه ويديلون منه سواه من أهل ذلك المنبت ومن فروعه في غير ذلك العقب ~~للإذعان لعصبيتهم كما قلناه بعد الوثوق بما يرضونه من خلاله فتنمو فروع هذا ~~وتذوي فروع الأول وينهدم بناء بيته هذا في الملوك وهكذا في بيوت القبائل ~~والأمراء وأهل العصبية أجمع ثم في بيوت أهل الأمصار إذا انحضت بيوت نشأت ~~بيوت أخرى من ذلك النسب إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله ~~بعزيز واشتراط الأربعة في الأحساب إنما هو في الغالب وإلا فقد يدثر البيت ~~من دون الأربعة ويتلاشى وينهدم وقد يتصل أمرها إلى الخامس والسادس إلا أنه ~~في انحطاط وذهاب واعتبار الأربعة من قبل الأجيال الأربعة بان ومباشر له ~~ومقلد وهادم وهو أقل ما يمكن وقد اعتبرت الأربعة في نهاية الحسب في باب ~~المدح والثناء قال صلى الله عليه وسلم إنما الكريم ابن الكريم ابن الكريم ~~ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم إشارة إلى أنه بلغ الغاية من ~~المجد وفي التوراة وما معناه إن الله ربك طائق غيور مطالب بذنوب الآباء ~~للبنين على الثوالث والروابع وهذا يدل على أن الأربعة الأعقاب غلمئة ~~PageV01P137 في الأنساب والحسب # وفي كتاب الأغاني في أخبار عزيف الغواني أن كسرى قال للنعمان هل في العرب ~~قبيلة تتشرف على قبيلة قال نعم قال بأي شيء قال من كان له ثلاثة آباء ~~متوالية ورؤساء ثم اتصل ذلك بكمال الرابع فالبيت من قبيلته وطلب ذلك فلم ~~يجده إلا في آل حذيفة بن بدر الفزاري وهم بيت قيس وآل ذي الجدين بيت شيبان ~~وآل الأشعث بن قيس من كندة وآل حاجب بن زرارة وآل قيس بن عاصم المنقري من ~~بني تميم فجمع هؤلاء الرهط ومن تبعهم من عشائرهم وأقعد لهم الحكام والعدول ~~فقام حذيفة بن بدر ثم الأشعث بن قيس ms145 لقرابته من النعمان ثم بسطام بن قيس بن ~~شيبان ثم حاجب بن زرارة ثم قيس بن عاصم وخطبوا ونثروا فقال كسرى كلهم سيد ~~يصلح لموضعه وكانت هذه البيوتات هي المذكورة في العرب بعد بني هاشم ومعهم ~~بيت بني الذيبان من بني الحرث بن كعب اليمني وهذا كله يدل على أن الأربعة ~~الآباء نهاية في الحسب والله أعلم # | الفصل السادس عشر # في أن الأمم الوحشية أقدر على التغلب ممن سواها # اعلم أنه لما كانت البداوة سببا في الشجاعة كما قلناه في المقدمة الثالثة ~~لا جرم كان هذا الجبل الوحشي أشد شجاعة من الجبل الآخر فهم أقدر على التغلب ~~وانتزاع ما في أيدي سواهم من الأمم بل الجبل الواحد تختلف أحواله في ذلك ~~باختلاف الأعصار فكلما نزلوا الأرياف وتفنقوا النعيم وألفوا عوائد الخصب في ~~المعاش والنعيم نقص من شجاعتهم بمقدار ما نقص من توحشهم وبداوتهم واعتبر ~~ذلك في الحيوانات العجم بدواجن الظباء والبقر الوحشية والحمر إذا زال ~~توحشها بمخالطة الآدميين وأخصب عيشها كيف يختلف حالها في الانتهاض والشدة ~~حتى في مشيتها وحسن أديمها وكذلك الآدمي المتوحش إذا أنس وألف وسببه أن ~~تكون السجايا والطبائع إنما هو عن المألوفات والعوائد وإذا كان الغلب للأمم ~~إنما يكون بالإقدام والبسالة فمن كان من هذه الأجيال أعرق في البداوة وأكثر ~~توحشا كان أقرب إلى التغلب على سواه إذا تقاربا بالعدد وتكافأا في القوة ~~العصبية وانظر في ذلك شأن مضر مع من قبلهم من حمير وكهلان السابقين إلى ~~الملك والنعيم ومع PageV01P138 ربيعة المتوطنين أرياف العراق ونعيمه لما ~~بقي مضر في بداوتهم وتقدمهم الآخرون إلى خصب العيش وغضارة النعيم كيف أرهفت ~~البداوة حدهم في التغلب فغلبوهم على ما في أيديهم وانتزعوه منهم وهذا حال ~~بني طيء وبني عامر بن صعصعة وبني سليم بن منصور ومن بعدهم لما تأخروا في ~~باديتهم عن سائر قبائل مضر واليمن ولم يتلبسوا بشيء من دنياهم كيف أمسكت ~~حال البداوة عليهم قوة عصبيتهم ولم تخلفها مذاهب الترف حتى صاروا أغلب على ~~الأمر منهم وكذا ms146 كل حي من العرب يلي نعيما وعيشا خصبا دون الحي الآخر فإن ~~الحي المبتدىء يكون أغلب له وأقدر عليه إذا تكافأا في القوة والعدد سنة ~~الله في خلقه # | الفصل السابع عشر # في أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك # وذلك لأنا قدمنا أن العصبية بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل ~~أمر يجتمع عليه وقدمنا أن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل ~~اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض فلا بد أن يكون متغلبا عليهم بتلك ~~العصبية وإلا لم تتم قدرته على ذلك وهذا التغلب هو الملك وهو أمر زائد على ~~الرئاسة لأن الرئاسة إنما هي سؤدد وصاحبها متبوع وليس له عليهم قهر في ~~أحكامه وأما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر وصاحبها متبوع وليس له عليهم ~~قهر في أحكامه وأما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر وصاحب العصبية إذا بلغ ~~إلى رتبة طلب ما فوقها فإذا بلغ رتبة السؤدد والاتباع ووجد السبيل إلى ~~التغلب والقهر لا يتركه لأنه مطلوب للنفس ولا يتم اقتدارها عليه لا ~~بالعصبية التي يكون بها متبوعا فالتغلب الملكي غاية للعصبية كما رأيت ثم إن ~~القبيل الواحد وإن كانت فيه بيوتات مفترقة وعصبيات متعددة فلا بد من عصبية ~~تكون أقوى من جميعها تغلبها وتستتبعها وتلتحم جميع العصبيات فيها وتصير ~~كأنها عصبية واحدة كبرى وإلا وقع الافتراق المفضي إلى الاختلاف والتنازع ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ثم إذا حصل التغلب بتلك ~~العصبية على قومها طلبت بطبعها التغلب على أهل عصبية أخرى بعيدة عنها فإن ~~كافأتها أو مانعتها كانوا أقتالا وأنظارا ولكل واحدة منهما التغلب على ~~حوزتها PageV01P139 وقومها شأن القبائل والأمم المفترقة في العالم وإن ~~غلبتها واستتبعتها التحمت بها أيضا وزادت قوة في التغلب إلى قوتها وطلبت ~~غاية من التغلب والتحكم أعلى من الغاية الأولى وأبعد وهكذا دائما حتى ~~تكافىء بقوتها قوة الدولة في هرمها ولم يكن لها ممانع من أولياء الدولة أهل ~~العصبيات استولت عليها وانتزعت الأمر من يدها وصار الملك أجمع لها وإن ~~انتهت ms147 قوتها ولم يقارن ذلك هرم الدولة وإنما قارن حاجتها إلى الاستظهار ~~بأهل العصبيات انتظمتها الدولة في أوليائها تستظهر بها على ما يعن من ~~مقاصدها وذلك ملك آخر دون الملك المستبد وهو كما وقع للترك في دولة بني ~~العباس ولصنهاجة وزناتة مع كتامة ولبني حمدان مع ملوك الشيعة من العلوية ~~والعباسية فقد ظهر أن الملك هو غاية العصبية وأنها إذا بلغت إلى غايتها حصل ~~للقبيلة الملك إما بالاستبداد أو بالمظاهرة على حسب ما يسعه الوقت المقارن ~~لذلك وإن عاقهم عن بلوغ الغاية عوائق كما نبينه وقفت في مقامها إلى أن يقضي ~~الله بأمره # | الفصل الثامن عشر # في أن من عوائق الملك حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم # وسبب ذلك أن القبيل إذا غلبت بعصبيتها بعض الغلب استولت على النعمة ~~بمقداره وشاركت أهل النعم والخصب في نعمتهم وخصبهم وضربت معهم في ذلك بسهم ~~وحصة بمقدار غلبها واستظهار الدولة بها فإن كانت الدولة من القوة بحيث لا ~~يطمع أحد في انتزاع أمرها ولا مشاركتها فيه أذعن ذلك القبيل لولايتها ~~والقنوع بما يسوغون من نعمتها ويشركون فيه من جبايتها ولم تسم آمالهم إلى ~~شيء من منازع الملك ولا أسبابه إنما همتهم النعيم والكسب وخصب العيش ~~والسكون في ظل الدولة إلى الدعة والراحة والأخذ بمذاهب الملك في المباني ~~والملابس والاستكثار من ذلك والتأنق فيه بمقدار ما حصل من الرياش والترف ~~وما يدعو إليه من توابع ذلك فتذهب خشونة البداوة وتضعف العصبية والبسالة ~~ويتنعمون فيما أثاهم الله من البسطة وتنشأ بنوهم وأعقابهم في مثل ذلك من ~~الترفع عن خدمة أنفسهم وولاية حاجاتهم ويستنكفون عن سائر الأمور الضرورية ~~في العصبية حتى يصير ذلك خلفا لهم وسجية فتنقص عصبيتهم وبسالتهم في الأجيال ~~بعدهم يتعاقبها إلى أن تنقرض العصبية PageV01P140 فيأذنون بالانقراض وعلى ~~قدر ترفهم ونعمتهم يكون إشرافهم على الفناء فضلا عن الملك فإن عوارض الترف ~~والغرق في النعيم كاسر من سورة العصبية التي بها التغلب وإذا انقرضت ~~العصبية قصر القبيل عن المدافعة والحماية فضلا عن المطالبة والتهمتهم الأمم ~~سواهم ms148 فقد تبين أن الترف من عوائق الملك والله يؤتي ملكه من يشاء # | الفصل التاسع عشر # في أن من عوائق الملك المذلة للقبيل والانقياد إلى سواهم # وسبب ذلك أن المذلة والانقياد كاسران لسورة العصبية وشدتها فإن انقيادهم ~~ومذلتهم دليل على فقدانها فما رئموا للمذلة حتى عجزوا عن المدافعة فأولى أن ~~يكون عاجزا عن المقاومة والمطالبة واعتبر ذلك في بني إسرائيل لما دعاهم ~~موسى عليه السلام إلى ملك الشام وأخبرهم بأن الله قد كتب لهم ملكها كيف ~~عجزوا عن ذلك وقالوا إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ~~أي يخرجهم الله تعالى منها بضرب من قدرته غير عصبيتنا وتكون من معجزاتك يا ~~موسى ولما عزم عليهم لجوا وارتكبوا العصيان وقالوا له اذهب أنت وربك فقاتلا ~~وما ذلك إلا لما أنسوا من أنفسهم من العجز عن المقاومة والمطالبة كما ~~تقتضيه الآية وما يؤثر في تفسيرها وذلك بما حصل فيهم من خلق الانقياد وما ~~رئموا من الذل للقبط أحقابا حتى ذهبت العصبية منهم جملة مع أنهم لم يؤمنوا ~~حق الإيمان بما أخبرهم به موسى من أن الشام لهم وأن العمالقة الذين كانوا ~~بأريحا فريستهم بحكم من الله قدرة لهم فاقصروا عن ذلك وعجزوا تعويلا على ما ~~في أنفسهم من العجز عن المطالبة لما حصل لهم من خلق المذلة وطعنوا فيما ~~أخبرهم به نبيهم من ذلك وما أمرهم به فعاقبهم الله بالتيه وهو أنهم تاهوا ~~في قفر من الأرض ما بين الشام ومصر أربعين سنة لم يأووا فيها العمران ولا ~~نزلوا مصرا ولا خالطوا بشرا كما قصه القرآن لغلظة العمالقة بالشام والقبط ~~بمصر عليهم لعجزهم عن مقاومتهم كما زعموه ويظهر من مساق الآية ومفهومها أن ~~حكمة ذلك التيه مقصودة وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر ~~والقوة وتخلقوا به وأفسدوا من عصبيتهم حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز ~~لا يعرف الأحكام والقهر ولا يسام بالمذلة فنشأت بذلك عصبية أخرى اقتدروا ~~بها PageV01P141 على المطالبة ويظهر لك من ذلك أن ms149 الأربعين سنة أقل ما يأتي ~~فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر سبحان الحكيم العليم وفي هذا أوضح دليل على ~~شأن العصبية وأنها هي التي تكون بها المدافعة والمقاومة والحماية والمطالبة ~~وأن من فقدها عجز عن جميع ذلك كله ويلحق بهذا الفصل فيما يوجب المذلة ~~للقبيل شأن المغارم والضرائب فإن القبيل الغارمين ما أعطوا اليد من ذلك حتى ~~رضوا بالمذلة فيه لأن في المغارم والضرائب ضيما ومذلة لا تحتملها النفوس ~~الأبية إلا إذا استهونته عن القتل والتلف وأن عصبيتهم حينئذ ضعيفة عن ~~المدافعة والحماية ومن كانت عصبيته لا تدفع عنه الضيم فكيف له بالمقاومة ~~والمطالبة وقد حصل له الانقياد للذل والمذلة عائقة كما قدمناه ومنه قوله ~~صلى الله عليه وسلم شأن الحرث لما رأى سكة المحراث في بعض دور الأنصار ما ~~دخلت هذه دار قوم إلا دخلهم الذل فهو دليل صريح على أن المغرم موجب للذلة ~~هذا إلى ما يصحب ذل المغارم من خلق المكر والخديعة بسبب ملكة القهر فإذا ~~رأيت القبيل بالمغارم في ربقة من الذل فلا تطمعن لها بملك آخر الدهر ومن ~~هنا يتبين لك غلط من يزعم أن زناتة بالمغرب كانوا شاوية يؤدون المغارم لمن ~~كان على عهدهم من الملوك وهو غلط فاحش كما رأيت إذ لو وقع ذلك لما استتب ~~لهم ملك ولا تمت لهم دولة وانظر فيما قاله شهربراز ملك الباب لعبد الرحمن ~~ابن ربيعة لما أطل عليه وسأل شهربراز أمانه على أن يكون له فقال أنا اليوم ~~منكم يدي في أيديكم وصعري معكم فمرحبا بكم وبارك الله لنا ولكم وجزيتنا ~~إليكم النصر لكم والقيام بما تحبون ولا تذلونا بالجزية فتوهونا لعدوكم ~~فاعتبر هذا فيما قلناه فإنه كاف # | الفصل العشرون # في أن من علامات الملك التنافس في الخلال الحميدة وبالعكس # لما كان الملك طبيعيا للإنسان لما فيه من طبيعة الاجتماع كما قلناه وكان ~~الإنسان أقرب إلى خلال الخير من خلال الشر بأصل فطرته وقوته الناطقة ~~العاقلة لأن الشر إنما جاءه من قبل القوى الحيوانية التي فيه ms150 وأما من حيث ~~هو إنسان فهو إلى الخير وخلاله أقرب والملك والسياسة إنما كانا له من حيث ~~هو إنسان لأنهما PageV01P142 للإنسان خاصة لا للحيوان فإذا خلال الخير فيه ~~هي التي تناسب السياسة والملك إذ الخير هو المناسب للسياسة وقد ذكرنا أن ~~المجد له أصل يبنى عليه وتتحقق به حقيقته وهو العصبية والعشير وفرع يتمم ~~وجوده ويكمله وهو الخلال وإذا كان الملك غاية للعصبية فهو غاية لفروعها ~~ومتمماتها وهي الخلال لأن وجوده دون متمماته كوجود شخص مقطوع الأعضاء أو ~~ظهوره عريانا بين الناس وإذا كان وجود العصبية فقط من غير انتحال الخلال ~~الحميدة نقصا في أهل البيوت والأحساب فما ظنك بأهل الملك الذي هو غاية لكل ~~مجد ونهاية لكل حسب وأيضا فالسياسة والملك هي كفالة للخلق وخلافة لله في ~~العباد لتنفيذ أحكامه فيهم وأحكام الله في خلقه وعباده إنما هي بالخير ~~ومراعاة المصالح كما تشهد به الشرائع وأحكام البشر إنما هي من الجهل ~~والشيطان بخلاف قدرة الله سبحانه وقدره فإنه فاعل للخير والشر معا ومقدرهما ~~إذ لا فاعل سواه فمن حصلت له العصبية الكفيلة بالقدرة وأونست منه خلال ~~الخير المناسبة لتنفيذ أحكام الله في خلقه فقد تهيأ للخلافة في العباد ~~وكفالة الخلق ووجدت فيه الصلاحية لذلك وهذا البرهان أوثق من الأول وأصح ~~مبنى فقد تبين أن خلال الخير شاهدة بوجود الملك لمن وجدت له العصبية فإذا ~~نظرنا في أهل العصبية ومن حصل لهم من الغلب على كثير من النواحي والأمم ~~فوجدناهم يتنافسون في الخير وخلاله من الكرم والعفو عن الزلات والاحتمال من ~~غير القادر والقرى للضيوف وحمل الكل وكسب المعدم والصبر على المكاره ~~والوفاء بالعهد وبذل الأموال في صون الأعراض وتعظيم الشريعة وإجلال العلماء ~~الحاملين لها والوقوف عند ما يحددونه لهم من فعل أو ترك وحسن الظن بهم ~~واعتقاد أهل الدين والتبرك بهم ورغبة الدعاء منهم والحياء من الأكابر ~~والمشايخ وتوقيرهم وإجلالهم والانقياد إلى الحق مع الداعي إليه وإنصاف ~~المستضعفين من أنفسهم والتبذل في أحوالهم والانقياد للحق والتواضع للمسكين ~~واستماع شكوى ms151 المستغيثين والتدين بالشرائع والعبادات والقيام عليها وعلى ~~أسبابها والتجافي عن الغدر والمكر والخديعة ونقض العهد وأمثال ذلك علمنا أن ~~هذه خلق السياسة قد حصلت لديهم واستحقوا بها أن يكونوا ساسة لمن تحت أيديهم ~~أو على العموم وأنه خير ساقه الله تعالى إليهم PageV01P143 مناسب لعصبيتهم ~~وغلبهم وليس ذلك سدى فيهم ولا وجد عبثا منهم والملك أنسب المراتب والخيرات ~~لعصبيتهم فعلمنا بذلك أن الله تأذن لهم بالملك وساقه إليهم وبالعكس من ذلك ~~إذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال ~~الرذائل وسلوك طرقها فتفقد الفضائل السياسية منهم جملة ولا تزال في انتقاص ~~إلى أن يخرج الملك من أيديهم ويتبدل به سواهم ليكون نعيا عليهم في سلب ما ~~كان الله قد أتاهم من الملك وجعل في أيديهم من الخير وإذا أردنا أن نهلك ~~قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا واستقرىء ~~ذلك وتتبعه في الأمم السابقة تجد كثيرا مما قلناه ورسمناه والله يخلق ما ~~يشاء ويختار # واعلم أن من خلال الكمال التي يتنافس فيها القبائل ألو العصبية وتكون ~~شاهدة لهم بالملك إكرام العلماء والصالحين والأشراف وأهل الأحساب وأصناف ~~التجار والغرباء وإنزال الناس منازلهم وذلك أن إكرام القبائل وأهل العصبيات ~~والعشائر لمن يناهضهم في الشرف ويجاذبهم حبل العشير والعصبية ويشاركهم في ~~اتساع الجاه أمر طبيعي يحمل عليه في الأكثر الرغبة في الجاه أو المخافة من ~~قوم المكرم أو التماس مثلها منه وأما أمثال هؤلاء ممن ليس لهم عصبية تتقى ~~ولا جاه يرتجى فيندفع الشك في شأن كرامتهم ويتمحض القصد فيهم أنه للمجد ~~وانتحال الكمال في الخلال والإقبال على السياسة بالكلية لأن إكرام أقتاله ~~وأمثاله ضروري في السياسة الخاصة بين قبيله ونظرائه وإكرام الطارئين من أهل ~~الفضائل والخصوصيات كمال في السياسة العامة فالصالحون للدين والعلماء ~~للجاءي إليهم في إقامة مراسم الشريعة والتجار للترغيب حتى تعم المنفعة بما ~~في أيديهم والغرباء من مكارم الأخلاق وإنزال الناس منازلهم من الإنصاف وهو ~~من العدل فيعلم بوجود ذلك من أهل عصبيته انتماؤهم ms152 للسياسة العامة وهي الملك ~~وأن الله قد تأذن بوجودها فيهم لوجود علاماتها ولهذا كان أول ما يذهب من ~~القبيل أهل الملك إذا تأذن الله تعالى بسلب ملكهم وسلطانهم إكرام هذا الصنف ~~من الخلق فإذا رأيته قد ذهب من أمة من الأمم فاعلم أن الفضائل قد أخذت في ~~الذهاب عنهم وارتقب زوال الملك منهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ~~والله تعالى أعلم PageV01P144 # | الفصل الحادي والعشرون # في أنه إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع # وذلك لأنهم أقدر على التغلب والاستبداد كما قلناه واستعباد الطوائف ~~لقدرتهم على محاربة الأمم سواهم ولأنهم يتنزلون من الأهلين منزلة المفترس ~~من الحيوانات العجم وهؤلاء مثل العرب وزناتة ومن في معناهم من الأكراد ~~والتركمان وأهل اللثام من صنهاجة وأيضا فهؤلاء المتوحشون ليس لهم وطن ~~يرتافون منه ولا بلد يجنحون إليه فنسبة الأقطار والمواطن إليهم على السواء ~~فلهذا لا يقتصرون على ملكة قطرهم وما جاورهم من البلاد ولا يقفون عند حدود ~~أفقهم بل يظفرون إلى الأقاليم البعيدة ويتغلبون على الأمم النائية وانظر ما ~~يحكى في ذلك عن عمر رضي الله عنه لما بويع وقام يحرض الناس على العراق فقال ~~إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النجعة ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك أين ~~القراء المهاجرون عن موعد الله سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب ~~أن يورثكموها فقال ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون واعتبر ذلك أيضا ~~بحال العرب السالفة من قبل مثل التبابعة وحمير كيف كانوا يخطون من اليمن ~~إلى المغرب مرة و إلى العراق والهند أخرى ولم يكن ذلك لغير العرب من الأمم ~~وكذا حال الملثمين من المغرب لما نزعوا إلى الملك طفروا من الإقليم الأول ~~ومجالاتهم منه في جوار السودان إلى الإقليم الرابع والخامس في ممالك ~~الأندلس من غير واسطة وهذا شأن هذه الأمم الوحشية فلذلك تكون دولتهم أوسع ~~نطاقا وأبعد من مراكزها نهاية والله يقدر الليل والنهار وهو الواحد القهار ~~لا شريك له # | الفصل الثاني والعشرون # في أن ms153 الملك إذ ذهب عن بعض الشعوب من أمة فلا بد من $ عودة إلى شعب آخر ~~منها ما دامت لهم العصبية # والسبب في ذلك أن الملك إنما حصل لهم بعد سورة الغلب والإذعان لهم من ~~سائر الأمم سواهم فيتعين منهم المباشرون للأمر الحاملون سرير الملك ولا ~~يكون PageV01P145 ذلك لجميعهم لما هم عليه من الكثرة التي يضيق عنها نطاق ~~المزاحمة والغيرة والتي تجدع أنوف كثير من المتطاولين للرتبة فإذا تعين ~~أولئك القائمون بالدولة انغمسوا في النعيم وغرقوا في بحر الترف والخصب ~~واستعبدوا إخوانهم من ذلك الجيل وأنفقوهم في وجوه الدولة ومذاهبها وبقي ~~الذين بعدوا عن الأمر وكبحوا عن المشاركة في ظل من عز الدولة التي شاركوها ~~بنسبهم وبمنجاة من الهرم لبعدهم عن الترف وأسبابه فإذا استولت على الأولين ~~الأيام وأباد غضراءهم الهرم فطبختهم الدولة وأكل الدهر عليهم وشرب بما أرهف ~~النعيم من حدهم واستقت غريزة الترف من مائهم وبلغوا غايتهم من طبيعة التمدن ~~الإنساني والتغلب السياسي ( شعر ) % كدود القز ينسج ثم يفنى % بمركز نسجه ~~في الانعكاس % $ # كانت حينئذ عصبية الآخرين موفورة وسورة غلبهم من الكاسر محفوظة وشارتهم ~~في الغلب معلومة فتسموا آمالهم إلى الملك الذي كانوا ممنوعين منه بالقوة ~~الغالبة من جنس عصبيتهم وترتفع المنازعة لما عرف من غلبهم فيستولون على ~~الأمر ويصير إليهم وكذا يتفق فيهم مع من بقي أيضا منتبذا عنه من عشائر ~~أمتهم فلا يزال الملك ملجئا في الأمة إلى أن تنكسر سورة العصبية منها أو ~~يفنى سائر عشائرها سنة الله في الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين ~~واعتبر هذا بما وقع في العرب لما انقرض ملك عاد قام به من بعدهم إخوانهم من ~~ثمود ومن بعدهم إخوانهم العمالقة ومن بعدهم إخوانهم من حمير أيضا ومن بعدهم ~~إخوانهم التبابعة من حمير أيضا ومن بعدهم الاذواء كذلك ثم جاءت الدولة لمضر ~~وكذا الفرس لما انقرض أمر الكينية ملك من بعدهم الساسانية حتى تأذن ~~بانقراضهم أجمع بالإسلام وكذا اليونانيون انقرض أمرهم وانتقل إلى إخوانهم ~~من الروم وكذا البربر بالمغرب لما انقرض ms154 أمر مغراوة وكتامة الملوك الأول ~~منهم رجع إلى صنهاجة ثم الملثمين من بعدهم ثم من بقي من شعوب زناتة وهكذا ~~سنة الله في عباده وخلقه وأصل هذا كله إنما يكون بالعصبية وهي متفاوتة في ~~الأجيال والملك يخلقه الترف ويذهبه كما سنذكره بعد فإذا انقرضت دولة فإنما ~~يتناول الأمر منهم من له عصبية مشاركة لعصبيتهم التي عرف لها التسليم ~~والانقياد وأونس منها الغلب لجميع العصبيات وذلك إنما يوجد PageV01P146 في ~~النسب القريب منهم لأن تفاوت العصبية بحسب ما قرب من ذلك النسب التي هي فيه ~~أو بعد حتى إذا وقع في العالم تبديل كبير من تحويل ملة أو ذهاب عمران أو ما ~~شاء الله من قدرته فحينئذ يخرج عن ذلك الجيل إلى الجيل الذي يأذن الله ~~بقيامه بذلك التبديل كما وقع لمضر حين غلبوا على الأمم والدول وأخذوا الأمر ~~من أيدي أهل العالم بعد أن كانوا مكبوحين عنه أحقابا # | الفصل الثالث والعشرون # في أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه $ ونحلته وسائر ~~أحواله وعوائده # والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه إما ~~لنظره بالكمال بما وفر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس ~~لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقادا ~~فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء أو لما تراه والله ~~اعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس وإنما هو بما انتحلته من ~~العوائد والمذاهب تغالط أيضا بذلك عن الغلب وهذا راجع للأول ولذلك ترى ~~المغلوب يتشبه أبدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل ~~وفي سائر أحواله وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم ~~دائما وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف ~~يغلب على أهله زي الحامية فجند السلطان في الأكثر لأنهم الغالبون لهم حتى ~~أنه إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من ms155 هذا التشبه ~~والاقتداء حظ كبير كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك ~~تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتى في ~~رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر ~~بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء والأمر لله # وتأمل في هذا سر قولهم العامة على دين الملك فإنه من بابه إذ الملك غالب ~~لمن تحت يده والرعية مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم ~~والمتعلمين بمعلميهم والله العليم الحكيم وبه سبحانه وتعالى التوفيق ~~PageV01P147 # | الفصل الرابع والعشرون # في أن الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء # والسبب في ذلك والله أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها ~~عليها وصارت بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليهم فيقصر الأمل ويضعف الناسل ~~والاعتمار إنما هو عن جدة الأمل وما يحدث عنه من النشاط في القوى الحيوانية ~~فإذا ذهب الأمل بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الأحوال وكانت العصبية ذاهبة ~~بالغلب الحاصل عليهم تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم وعجزوا عن ~~المدافعة عن أنفسهم بما خضد الغلب من شوكتهم فأصبحوا مغلبين لكل متغلب ~~وطعمة لكل آكل وسواء كانوا حصلوا على غايتهم من الملك أم لم يحصلوا وفيه ~~والله أعلم سر آخر وهو أن الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له ~~والرئيس إذا غلب على رئاسته وكبح عن غاية عزه تكاسل حتى عن شبع بطنه وري ~~كبده وهذا موجود في أخلاق الأناسي ولقد يقال مثله في الحيوانات المفترسة ~~وإنها لا تسافد إلا إذا كانت في ملكة الآدميين فلا يزال هذا القبيل المملوك ~~عليه أمره في تناقص واضمحلال إلى أن يأخذهم الفناء والبقاء لله وحده واعتبر ~~ذلك في أمة الفرس كيف كانت قد ملأت العالم كثرة ولما فنيت حاميتهم في أيام ~~العرب بقي منهم كثيرا وأكثر من الكثير يقال إن سعدا أحصى ما وراء المدائن ~~فكانوا مائة ألف وسبعة وثلاثين ألفا منهم سبعة وثلاثون ألفا رب بيت ولما ~~تحصلوا في ملكة العرب ms156 وقبضة القهر لم يكن بقاؤهم إلا قليلا ودثروا كأن لم ~~يكونوا ولا تحسبن أن ذلك لظلم نزل بهم أو عدوان شملهم فملكة الإسلام في ~~العدل ما علمت وإنما هي طبيعة في الإنسان إذا غلب على أمره وصار آلة لغيره ~~ولهذا إنما تذعن للرق في الغالب أمم السودان لنقص الإنسانية فيهم وقربهم من ~~عرض الحيوانات العجم كما قلناه أو من يرجو بانتظامه في ربقة الرق حصول رتبة ~~أو إفادة مال أو عز كما يقع لممالك الترك بالمشرق والعلوج من الجلالقة ~~والإفرنجة فإن العادة جارية باستخلاص الدولة لهم فلا يأنفون من الرق لما ~~يأملونه من الجاه والرتبة باصطفاء الدولة والله سبحانه وتعالى أعلم وبه ~~التوفيق PageV01P148 # | الفصل الخامس والعشرون # في أن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط # وذلك أنهم بطبيعة التوحش الذي فيهم أهل انتهاب وعيث ينتهبون ما قدروا ~~عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر ويفرون إلى منتجعهم بالقفر ولا يذهبون إلى ~~المزاحفة والمحاربة إلا إذا دفعوا بذلك عن أنفسهم فكل معقل أو مستصعب عليهم ~~فهم تاركوه إلى ما يسهل عنه ولا يعرضون له والقبائل الممتنعة عليهم بأوعار ~~الجبال بمنجاة من عيثهم وفسادهم لأنهم لا يتسمنون إليهم الهضاب ولا يركبون ~~الصعاب ولا يحاولون الخطر وأما البسائط فمتى اقتدروا عليها بفقدان الحامية ~~وضعف الدولة فهي نهب لهم وطعمة لآكلهم يرددون عليها الغارة والنهب والزحف ~~لسهولتها عليهم إلى أن يصبح أهلها مغلبين لهم ثم يتعاورونهم باختلاف الأيدي ~~وانحراف السياسة إلى أن ينقرض عمرانهم والله قادر على خلقه وهو الواحد ~~القهار لا رب غيره # | الفصل السادس والعشرون # في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب # والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار ~~لهم خلقا وجبلة وكان عندهم ملذوذا لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم وعدم ~~الانقياد للسياسة وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له فغاية الأحوال ~~العادية كلها عندهم الرحلة والتغلب وذلك مناقض للسكون الذي به العمران ~~ومناف له فالحجر مثلا إنما حاجتهم إليه لنصبه أثافي القدر فينقلونه ms157 من ~~المباني ويخربونها عليه ويعدونه لذلك والخشب أيضا إنما حاجتهم إليه ليعمروا ~~به خيامهم ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم فيخربون السقف عليه لذلك فصارت ~~طبيعة وجودهم منافية للبناء الذي هو أصل العمران هذا في حالهم على العموم ~~وأيضا فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس وأن رزقهم في ظلال رماحهم وليس ~~عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو ~~متاع أو ماعون انتهبوه فإذا تم اقتدارهم على ذلك بالتغلب والملك بطلت ~~السياسة في حفظ أموال الناس وخرب العمران وأيضا فلأنهم PageV01P149 يكلفون ~~على أهل الأعمال من الصنائع والحرف أعمالهم لا يرون لها قيمة ولا قسطا من ~~الأجر والثمن والأعمال كما سنذكره هي أصل المكاسب وحقيقتها وإذا فسدت ~~الأعمال وصارت مجانا ضعفت الآمال في المكاسب وانقبضت الأيدي عن العمل ~~وابذعر الساكن وفسد العمران وأيضا فإنهم ليست لهم عناية بالأحكام وزجر ~~الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض إنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس ~~نهيا أو غرامة فإذا توصلوا إلى ذلك وحصلوا عليه أعرضوا عما بعده من تسديد ~~أحوالهم والنظر في مصالحهم وقهر بعضهم عن أغراض المفاسد وربما فرضوا ~~العقوبات في الأموال حرصا على تحصيل الفائدة والجباية والاستكثار منها كما ~~هو شأنهم وذلك ليس بمغن في دفع المفاسد وزجر المتعرض لها بل يكون ذلك زائدا ~~فيها لاستسهال الغرم في جانب حصول الغرض فتبقى الرعايا في ملكتهم كأنها ~~فوضى دون حكم والفوضى مهلكة للبشر مفسدة للعمران بما ذكرناه من أن وجود ~~الملك خاصة طبيعية للإنسان لا يستقيم وجودهم واجتماعهم إلا بها وتقدم ذلك ~~أول الفصل وأيضا فهم متنافسون في الرئاسة وقل أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره ~~ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل وعلى كره من أجل الحياء ~~فيتعدد الحكام منهم والأمراء وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام ~~فيفسد العمران وينتقض قال الأعرابي الوافد على عبد الملك لما سأله عن ~~الحجاج وأراد الثناء عليه عنده بحسن السياسة والعمران فقال تركته يظلم وحده ms158 ~~وانظر إلى ما ملكوه وتغلبوا عليه من الأوطان من لدن الخليقة كيف تقوض ~~عمرانه واقفر ساكنه وبدلت الأرض فيه غير الأرض فاليمن قرارهم خراب إلا ~~قليلا من الأمصار وعراق العرب كذلك قد خرب عمرانه الذي كان للفرس أجمع ~~والشام لهذا العهد كذلك وأفريقية والمغرب لما جاز إليها بنو هلال وبنو سليم ~~منذ أول المائة الخامسة وتمرسوا بها لثلاثمائة وخمسين من السنين قد لحق بها ~~وعادت بسائطة خرابا كلها بعد أن كان ما بين السودان والبحر الرومي كله ~~عمرانا تشهد بذلك آثار العمران فيه من المعالم وتماثيل البناء وشواهد القرى ~~والمدر والله PageV01P150 يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين # | الفصل السابع والعشرون # في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية من نبوة أو ولاية $ أو ~~أثر عظيم من الدين على الجملة # والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض ~~للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرئاسة فقلما تجتمع أهواؤهم فإذا ~~كان الدين بالنبؤة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خلق الكبر ~~والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم وذلك بما يشملهم من الدين المذهب ~~للغلظة والأنفة الوازع عن التحاسد والتنافس فإذا كان فيهم النبي أو الولي ~~الذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم ~~بمحمودها ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق ثم اجتماعهم وحصل لهم التغلب والملك وهم ~~مع ذلك أسرع الناس قبولا للحق والهدى لسلامة طباعهم من عوج الملكات ~~وبراءتها من ذميم الأخلاق إلا ما كان من خلق التوحش القريب المعاناة ~~المتهيء لقبول الخير ببقائه على الفطرة الأولى وبعده عما ينطبع في النفوس ~~من قبيح العوائد وسوء الملكات فإن كان مولود يولد على الفطرة كما ورد في ~~الحديث وقد تقدم # | الفصل الثامن والعشرون # في أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك # والسبب في ذلك أنهم أكثر بداوة من سائر الأمم وأبعد مجالا في القفر وأغنى ~~عن حاجات التلول وحبوبها لاعتيادهم الشظف وخشونة العيش فاستغنوا عن غيرهم ~~فصعب انقياد بعضهم لبعض لإيلافهم ذلك ms159 وللتوحش ورئيسهم محتاج إليهم غالبا ~~لعصبية التي بها المدافعة فكان مضطرا إلى إحسان ملكتهم وترك مراغمتهم لئلا ~~يختل عليه شأن عصبيته فيكون فيها هلاكه وهلاكهم وسياسة الملك والسلطان ~~تقتضي أن يكون السائس وازعا بالقهر وإلا لم تستقم سياسته وأيضا فإن من ~~طبيعتهم كما قدمناه أخذ ما في أيدي الناس خاصة والتجافي عما سوى ذلك من ~~PageV01P151 الأحكام بينهم ودفاع بعضهم عن بعض فإذا ملكوا أمة من الأمم ~~جعلوا غاية ملكهم الانتفاع بأخذ ما في أيديهم وتركوا ما سوى ذلك من الأحكام ~~بينهم وربما جعلوا العقوبات على المفاسد في الأموال حرصا على تكثير ~~الجبايات وتحصيل الفوائد فلا يكون ذلك وازعا وربما يكون باعثا بحسب الأغراض ~~الباعثة على المفاسد واستهانة ما يعطي من ماله في جانب غرضه فتنمو المفاسد ~~بذلك ويقع تخريب العمران فتبقى تلك الأمة كأنها فوضى مستطيلة أيدي بعضها ~~على بعض فلا يستقيم لها عمران وتخرب سريعا شأن الفوضى كما قدمناه فبعدت ~~طباع العرب لذلك كله عن سياسة الملك وإنما يصيرون إليها بعد انقلاب طباعهم ~~وتبدلها بصبغة دينية تمحو ذلك منهم وتجعل الوازع لهم من أنفسهم وتحملهم على ~~دفاع الناس بعضهم عن بعض كما ذكرناه واعتبر ذلك بدولتهم في الملة لما شيد ~~لهم الدين أمر السياسة بالشريعة وأحكامها المراعية لمصالح العمران ظاهرا ~~وباطنا وتتابع فيها الخلفاء عظم حينئذ ملكهم وقوي سلطانهم كان رستم إذا رأى ~~المسلمين مجتمعون للصلاة يقول أكل عمر كبدي يعلم الكلاب الآداب ثم إنهم بعد ~~ذلك انقطعت منهم عن الدولة أجيال نبذوا الدين فنسوا السياسة ورجعوا إلى ~~قفرهم وجهلوا شأن عصبيتهم مع أهل الدولة ببعدهم عن الانقياد وإعطاء النصفة ~~فتوحشوا كما كانوا ولم يبق لهم من اسم الملك إلا أنهم من جنس الخلفاء ومن ~~جيلهم ولما ذهب أمر الخلافة وامحي رسمها انقطع الأمر جملة من أيديهم وغلب ~~عليهم العجم دونهم وأقاموا في بادية قفارهم لا يعرفون الملك ولا سياسته بل ~~قد يجهل الكثير منهم أنهم قد كان لهم ملك في القديم وما كان في القديم لأحد ~~من الأمم ms160 في الخليقة ما كان لأجيالهم من الملك ودول عاد وثمود والعمالقة ~~وحمير والتبابعة شاهدة بذلك ثم دولة مضر في الإسلام بني أمية وبني العباس ~~لكن بعد عهدهم بالسياسة لما نسوا الدين فرجعوا إلى أصلهم من البداوة وقد ~~يحصل لهم في بعض الأحيان غلب على الدول المستضعفة كما في المغرب لهذا العهد ~~فلا يكون ماله وغايته إلا تخويب ما يستولون عليه من العمران كما قدمناه ~~والله يؤتي ملكه من يشاء PageV01P152 # | الفصل التاسع والعشرون # في أن البوادي من القبائل والعصائب مغلوبون لأهل الأمصار # قد تقدم لنا أن عمران البادية ناقص عن عمران الحواضر والأمصار لأن الأمور ~~الضرورية في العمران ليس كلها موجودة لأهل البدو وإنما توجد لديهم في ~~مواطنهم أمور الفلح وموادها معدومة ومعظمها الصنائع فلا توجد لديهم في ~~الكلية من نجار وخياط وحداد وأمثال ذلك مما يقيم لهم ضروريات معاشهم في ~~الفلح وغيره وكذا الدنانير والدراهم مفقودة لديهم وإنما بأيديهم أعواضها من ~~مغل الزراعة وأعيان الحيوان أو فضلاته ألبانا وأوبارا وأشعارا وإهابا مما ~~يحتاج إليه أهل الأمصار فيعوضونهم عنه بالدنانير والدراهم إلا أن حاجتهم ~~إلى الأمصار في الضروري وحاجة أهل الأمصار إليهم في الحاجي والكمالي فهم ~~محتاجون إلى الأمصار بطبيعة وجودهم فما داموا في البادية ولم يحصل لهم ملك ~~ولا استيلاء على الأمصار فهم محتاجون إلى أهلها ويتصرفون في مصالحهم ~~وطاعتهم متى دعوهم إلى ذلك وطالبوهم به وإن كان في المصر ملك كان خضوعهم ~~وطاعتهم لغلب الملك وإن لم يكن في المصر ملك فلا بد فيه من رئاسة ونوع ~~استبداد من بعض أهله على الباقين وإلا انتقض عمرانه وذلك الرئيس يحملهم على ~~طاعته والسعي في مصالحه إما طوعا ببذل المال لهم ثم يبدي لهم ما يحتاجون ~~إليه من الضروريات في مصره فيستقيم عمرانهم وإما كرها إن تمت قدرته على ذلك ~~ولو بالتغريب بينهم حتى يحصل له جانب منهم يغالب به الباقين فيضطر الباقون ~~إلى طاعته بما يتوقعون لذلك من فساد عمرانهم وربما لا يسعهم مفارقة تلك ~~النواحي إلى جهات أخرى لأن ms161 كل الجهات معمور بالبدو الذين غلبوا عليها ~~ومنعوها من غيرها فلا يجد هؤلاء ملجأ إلا طاعة المصر فهم بالضرورة مغلوبون ~~لأهل الأمصار والله قاهر فوق عباده وهو الواحد الأحد القهار PageV01P153 # | الفصل الثالث من الكتاب الأول # في الدول العامة والملك والخلافة والمراتب السلطانية وما يعرض في ذلك # | كله من الأحوال وفيه قواعد ومتممات # الفصل الأول $ في أن الملك والدولة العامة إنما يحصلان بالقبيل والعصبية # وذلك أنا قررنا في الفصل الأول أن المغالبة والممانعة إنما تكون بالعصبية ~~لما فيها من النعرة والتذامر واستماتة كل واحد منهم دون صاحبه ثم إن الملك ~~منصب شريف ملذوذ يشتمل على جميع الخيرات الدنيوية والشهوات البدنية والملاذ ~~النفسانية فيقع فيه التنافس غالبا وقل أن يسلمه أحد لصاحبه إلا إذا غلب ~~عليه فتقع المنازعة وتفضي إلى الحرب والقتال والمغالبة وشيء منها لا يقع ~~إلا بالعصبية كما ذكرناه آنفا وهذا الأمر بعيد عن أفهام الجمهور بالجملة ~~ومتناسون له لأنهم نسوا عهد تمهيد الدولة منذ أولها وطال أمد مرباهم في ~~الحضارة وتعاقبهم فيها جيلا بعد جيل فلا يعرفون ما فعل الله أول الدولة ~~إنما يدركون أصحاب الدولة وقد استحكمت صبغتهم ووقع التسليم لهم والاستغناء ~~عن العصبية في تمهيد أمرهم ولا يعرفون كيف كان الأمر من أوله وما لقي أولهم ~~من المتاعب دونه وخصوصا أهل الأندلس في نسيان هذه العصبية وأثرها لطول ~~الأمد واستغنائهم في الغالب عن قوة العصبية بما تلاشى وطنهم وخلا من ~~العصائب والله قادر على ما يشاء وهو بكل شيء عليهم وهو حسبنا ونعم الوكيل # | الفصل الثاني # في أنه إذا استقرت الدولة وتمهدت فقد تستغني عن العصبية والسبب في ذلك أن ~~الدول العامة في أولها يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من ~~الغلب للغرابة وأن الناس لم يألفوا ملكها ولا اعتادوه فإذا استقرت الرئاسة ~~في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة وتوارثوه واحدا بعد آخر في أعقاب ~~كثيرين ودول متعاقبة نسيت النفوس شأن الأولية واستحكمت لأهل ذلك النصاب ~~صبغة الرئاسة ورسخ في العقائد دين الانقياد لهم ms162 والتسليم وقاتل الناس معهم ~~PageV01P154 على أمرهم قتالهم على العقائد الإيمانية فلم يحتاجوا حينئذ في ~~أمرهم إلى كبير عصابة بل كأن طاعتها كتاب من الله لا يبدل ولا يعلم خلافه ~~ولأمر ما يوضع الكلام في الإمامة آخر الكلام على العقائد الإيمانية كأنه من ~~جملة عقودها ويكون استظهارهم حينئذ على سلطانهم ودولتهم المخصوصة إما ~~بالموالي والمصطنعين الذين نشأوا في ظل العصبية وغيرها وإما بالعصائب ~~الخارجين عن نسبها الداخلين في ولايتها ومثل هذا وقع لبني العباس فإن عصبية ~~العرب كانت فسدت لعهد دولة المعتصم وابنه الواثق واستظهارهم بعد ذلك إنما ~~كان بالموالي من العجم والترك والديلم والسلجوقية وغيرهم ثم تغلب العجم ~~الأولياء على النواحي وتقلص ظل الدولة فلم تكن تعدو أعمال بغداد حتى زحف ~~إليها الديلم وملوكها وصار الخلائق في حكمهم ثم انقرض أمرهم وملك السلجوقية ~~من بعدهم فصاروا في حكمهم ثم انقرض أمرهم وزحف آخر التتار فقتلوا الخليفة ~~ومحوا رسم الدولة وكذا صنهاجة بالمغرب فسدت عصبيتهم منذ المائة الخامسة أو ~~ما قبلها واستمرت لهم الدولة متقلصة الظل بالمهدية وبجاية والقلعة وسائر ~~ثغور أفريقية وربما انتزى بتلك الثغور من نازعهم الملك واعتصم فيها ~~والسلطان والملك مع ذلك مسلم لهم حتى تأذن الله بانقراض الدولة وجاء ~~الموحدون بقوة قوية من العصبية في المصامدة فمحوا آثارهم وكذا دولة بني ~~أمية بالأندلس لما فسدت عصبيتها من العرب استولى ملوك الطوائف على أمرها ~~واقتسموا خطتها وتنافسوا بينهم وتوزعوا ممالك الدولة وانتزى كل واحد منهم ~~على ما كان في ولايته وشمخ بأنفه بلغهم شأن العجم مع الدولة العباسية ~~فتلقبوا بألقاب الملك ولبسوا شارته وأمنوا ممن ينقض ذلك عليهم أو يغيره لأن ~~الأندلس ليس بدار عصائب ولا قبائل كما سنذكره واستمر لهم ذلك كما قال ابن ~~شرف % مما يزهدني في أرض أندلس % أسماء معتصم فيها ومعتضد % % ألقاب مملكة ~~في غير موضعها % كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد % $ # فاستظهروا على أمرهم بالموالي والمصطنعين والطراء على الأندلس من أهل ~~العدوة من قبائل البربر وزناتة وغيرهم اقتداء بالدولة في آخر أمرها في ~~الاستظهار ms163 بهم حين ضعفت عصبية العرب واستبد ابن أبي عامر على الدولة فكان ~~لهم دول عظيمة PageV01P155 استبدت كل واحدة منها بجانب من الأندلس وحظ كبير ~~من الملك على نسبة الدولة التي اقتسموها ولم يزالوا في سلطانهم ذلك حتى جاز ~~إليهم البحر المرابطون أهل العصبية القوية من لمتونة فاستبدلوا بهم ~~وأزالوهم عن مراكزهم ومحوا آثارهم ولم يقتدروا على مدافعتهم لفقدان العصبية ~~لديهم فبهذه العصبية يكون تمهيد الدولة وحمايتها من أولها وقد ظن الطرطوشي ~~أن حامية الدول بإطلاق هم الجند أهل العطاء المفروض مع الآهلة ذكر ذلك في ~~كتابه الذي سماه سراج الملوك وكلامه لا يتناول تأسيس الدول العامة في أولها ~~وإنما هو مخصوص بالدول الأخيرة بعد التمهيد واستقرار الملك في النصاب ~~واستحكام الصبغة لأهله فالرجل إنما أدرك الدولة عند هرمها وخلق جدتها ~~ورجوعها إلى الاستظهار بالموالي والصنائع ثم إلى المستخدمين من ورائهم ~~بالأجر على المدافعة فإنه إنما أدرك دول الطوائف وذلك عند اختلال بني أمية ~~وانقراض عصبيتها من العرب واستبداد كل أمير بقطر وكان في إيالة المستعين من ~~هود وابنه المظفر أهل سرقسطة ولم يكن بقي لهم من أمر العصبية شيء لاستيلاء ~~الترف على العرب منذ ثلاثمائة من السنين وهلاكهم ولم يرد إلا سلطانا مستبدا ~~بالملك عن عشائره قد استحكمت له صبغة الاستبداد منذ عهد الدولة وبقية ~~العصبية فهو لذلك لا ينازع فيه ويستعين على أمره بالأجراء من المرتزقة ~~فأطلق الطرطوشي القول في ذلك ولم يتفطن لكيفية الأمر منذ أول الدولة وإنه ~~لا يتم إلا لأهل العصبية فتفطن أنت له وافهم سر الله فيه والله يؤتي ملكه ~~من يشاء # | الفصل الثالث # في أنه قد يحدث لبعض أهل النصاب الملكي دولة تستغني عن العصبية # وذلك أنه إذا كان لعصبية غلب كثير على الأمم والأجيال وفي نفوس القائمين ~~بأمره من أهل القاصية إذعان لهم وانقياد فإذا نزع إليهم هذا الخارج وانتبذ ~~عن مقر ملكه ومنبت عزه اشتملوا عليه وقاموا بأمره وظاهروه على شانه وعنوا ~~بتمهيد دولته يرجون استقراره في نصابه وتناوله الأمر من يد ms164 أعياصه وجزاءه ~~لهم على مظاهرته باصطفائهم لرتب الملك وخططه من وزارة أو قيادة أو ولاية ~~ثغر ولا يطمعون في مشاركته في شيء من سلطانه تسليما لعصبيته وانقيادا لما ~~استحكم له ولقومه من PageV01P156 صبغة الغلب في العالم وعقيدة إيمانية ~~استقرت في الإذعان لهم فلو راموها معه أو دونه لزلزلت الأرض زلزالها وهذا ~~كما وقع للأدارسة بالمغرب الأقصى والعبيديين بأفريقية ومصر لما انتبذ ~~الطالبيون من المشرق إلى القاصية وابتعدوا عن مقر الخلافة وسموا إلى طلبها ~~من أيدي بني العباس بعد أن استحكمت الصبغة لبني عبد مناف لبني أمية أولا ثم ~~لبني هاشم من بعدهم فخرجوا بالقاصية من المغرب ودعوا لأنفسهم وقام بأمرهم ~~البرابرة مرة بعد أخرى فأوربة ومغيلة للأدارسة وكتامة وصنهاجة وهوارة ~~للعبيديين فشيدوا دولتهم ومهدوا بعصائبهم أمرهم واقتطعوا من ممالك ~~العباسيين المغرب كله ثم أفريقية ولم يزل ظل الدولة يتقلص وظل العبيديين ~~يمتد إلى أن ملكوا مصر والشام والحجاز وقاسموهم في الممالك الإسلامية شق ~~الأبلمة وهؤلاء البرابرة القائمون بالدولة مع ذلك كلهم مسلمون للعبيديين ~~أمرهم مذعنون لملكهم وإنما كانوا يتنافسون في الرتبة عندهم خاصة تسليما لما ~~حصل من صبغة الملك لبني هاشم ولما استحكم من الغلب لقريش ومضر على سائر ~~الأمم فلم يزل الملك في أعقابهم إلى أن انقرضت دولة العرب بأسرها والله ~~يحكم لا معقب لحكمه # | الفصل الرابع # في أن الدول العامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين $ إما من نبوة ~~أو دعوة حق # وذلك لأن الملك إنما يحصل بالتغلب والتغلب إنما يكون بالعصبية واتفاق ~~الأهواء على المطالبة وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في ~~إقامة دينه قال تعالى لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم وسره ~~أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل التنافس وفشا ~~الخلاف وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله اتحدت ~~وجهتها فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد واتسع نطاق الكلمة ~~لذلك فعظمت الدولة كما نبين لك بعد إن شاء سبحانه وتعالى وبه التوفيق ms165 لا رب ~~سواه PageV01P157 # | الفصل الخامس # في أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية $ التي ~~كانت لها من عددها # والسبب في ذلك كما قدمناه أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي ~~في أهل العصبية وتفرد الوجهة إلى الحق فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم ~~يقف لهم شيء لأن الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم وهم مستميتون عليه وأهل ~~الدولة التي هم طالبوها وإن كانوا أضعافهم فأغراضهم متباينة بالباطل ~~وتخاذلهم لتقية الموت حاصل فلا يقاومونهم وإن كانوا أكثر منهم بل يغلبون ~~عليهم ويعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والذل كما قدمناه وهذا كما وقع ~~للعرب صدر الإسلام في الفتوحات فكانت جيوش المسلمين بالقادسية واليرموك ~~بضعة وثلاثين ألفا في كل معسكر وجموع فارس مائة وعشرين ألفا بالقادسية ~~وجموع هرقل على ما قاله الواقدي أربعمائة ألف فلم يقف للعرب أحد من ~~الجانبين وهزموهم وغلبوهم على ما بأيديهم واعتبر ذلك أيضا في دولة لمتونة ~~ودولة الموحدين كان فقد بالمغرب من القبائل كثير ممن يقاومهم في العدد ~~والعصبية أو يشف عليهم إلا أن الاجتماع الديني ضاعف قوة عصبيتهم بالاستبصار ~~والاستماتة كما قلناه فلم يقف لهم شيء واعتبر ذلك إذا حالت صبغة الدين ~~وفسدت كيف ينتقض الأمر ويصير الغلب على نسبة العصبية وحدها دون زيادة الدين ~~فتغلب الدولة من كان تحت يدها من العصائب المكافئة لها أو الزائدة القوة ~~عليها الذين غلبتهم بمضاعفة الدين لقوتها ولو كانوا أكثر عصبية منها وأشد ~~بداوة واعتبر هذا في الموحدين مع زناتة لما كانت زناتة أبدى من المصامدة ~~وأشد توحشا وكان للمصامدة الدعوة الدينية باتباع المهدي فلبسوا صبغتها ~~وتضاعفت قوة عصبيتهم بها فغلبوا على زناتة أولا واستتبعوهم وإن كانوا من ~~حيث العصبية والبداوة أشد منهم فلما خلوا من تلك الصبغة الدينية انتقضت ~~عليهم زناتة من كل جانب وغلبوهم على الأمر وانتزعوه منهم والله غالب على ~~أمره PageV01P158 # | الفصل السادس # في أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم # وهذا لما قدمناه من أن كل أمر تحمل عليه الكافة ms166 فلا بد له من العصبية وفي ~~الحديث الصحيح كما مر ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه وإذا كان هذا ~~في الأنبياء وهم أولى الناس بخرق العوائد فما ظنك بغيرهم أن لا تخرق له ~~العادة في الغلب بغير عصبية وقد وقع هذا لابن قسي شيخ الصوفية وصاحب كتاب ~~خلع النعلين في التصوف ثار بالأندلس داعيا إلى الحق وسمي أصحابه بالمرابطين ~~قبيل دعوة المهدي فاستتب له الأمر قليلا لشغل لمتونة بما دهمهم من أمر ~~الموحدين ولم تكن هناك عصائب ولا قبائل يدفعونه عن شأنه فلم يلبث حين ~~استولى الموحدون على المغرب أن أذعن لهم ودخل في دعوتهم وتابعهم من معقله ~~بحصن أركش وأمكنهم من ثغره وكان أول داعية لهم بالأندلس وكانت ثورته تسمى ~~ثورة المرابطين ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من ~~العامة والفقهاء فإن كثيرا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون ~~إلى القيام على أهل الجور من الأمراء داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه ~~والأمر بالمعروف رجاء في الثواب عليه من الله فيكثر أتباعهم والمتلثلثون ~~بهم من الغوغاء والدهماء ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك وأكثرهم يهلكون في ~~هذا السبيل مأزورين غير مأجورين لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم وإنما ~~أمر به حيث تكون القدرة عليه قال صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا ~~فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وأحوال الملوك ~~والدول راسخة قوية لا يزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ~~ورائها عصبية القبائل والعشائر كما قدمناه وهكذا كان حال الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام في دعوتهم إلى الله بالعشائر والعصائب وهم المؤيدون من الله ~~بالكون كله لو شاء لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة والله حكيم عليم ~~فإذا ذهب أحد من الناس هذا المذهب وكان فيه محقا قصر به الانفراد عن ~~العصبية فطاح في هوة الهلاك وأما إن كان من المتلبسين بذلك في PageV01P159 ~~طلب الرئاسة فاجدر أن تعوقه العوائق وتنقطع به المهالك لأنه أمر الله لا ms167 ~~يتم إلا برضاه وإعانته والإخلاص له والنصيحة للمسلمين ولا يشك في ذلك مسلم ~~ولا يرتاب فيه ذو بصيرة وأول ابتداء هذه النزعة في الملة ببغداد حين وقعت ~~فتنة طاهر وقتل الأمين وأبطأ المأمون بخراسان عن مقدم العراق ثم عهد لعلي ~~بن موسى الرضي من آل الحسين فكشف بنو العباس عن وجه النكير عليه وتداعوا ~~للقيام وخلع طاعة المأمون والاستبدال منه وبويع إبراهيم بن المهدي فوقع ~~الهرج ببغداد وانطلقت أيدي الزعرة بها من الشطار والحربية على أهل العافية ~~والصون وقطعوا السبيل وامتلأت أيديهم من نهاب الناس وباعوها علانية في ~~الأسواق واستعدى أهلها الحكام فلم يعدوهم فتوافر أهل الدين والصلاح على منع ~~الفساق وكف عاديتهم وقام ببغداد رجل يعرف بخالد الدريوس ودعا الناس إلى ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأجابه خلق وقاتل أهل الزعارة فغلبهم ~~وأطلق يده فيهم بالضرب والتنكيل ثم قام من بعده رجل آخر من سواد أهل بغداد ~~يعرف بسهل ابن سلامة الأنصاري ويكنى أبا حاتم وعلق مصحفا في عنقه ودعا ~~الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بكتاب الله وسنة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم فاتبعه الناس كافة من بين شريف ووضيع من بني هاشم فمن ~~دونهم ونزل قصر طاهر واتخذ الديوان وطاف ببغداد ومنع كل من أخاف المارة ~~ومنع الخفارة لأولئك الشطار وقال له خالد الدريوس أنا لا أعيب على السلطان ~~فقال له سهل لكني أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائنا من كان وذلك سنة ~~إحدى ومائتين وجهز له إبراهيم بن المهدي العساكر فغلبه وأسره وانحل أمره ~~سريعا وذهب ونجا بنفسه ثم اقتدى بهذا العمل بعد كثير من الموسوسين يأخذون ~~أنفسهم بإقامة الحق ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته من العصبية ولا ~~يشعرون بمغبة أمرهم ومآل أحوالهم والذي يحتاج إليه في أمر هؤلاء إما ~~المداواة إن كانوا من أهل الجنون وإما التنكيل بالقتل أو الضرب إن أحدثوا ~~هرجا وإما إذاعة السخرية منهم وعدهم من جملة الصفاعين وقد ينتسب بعضهم إلى ~~الفاطمي المنتظر إما بأنه هو ms168 أو بأنه داع له وليس مع ذلك على علم من أمر ~~الفاطمي ولا ما هو وأكثر المنتحلين لمثل هذا PageV01P160 تجدهم موسوسين أو ~~مجانين أو ملبسين يطلبون بمثل هذه الدعوة رئاسة امتلأت بها جوانحهم وعجزوا ~~عن التوصل إليها بشيء من أسبابها العادية فيحسبون أن هذا من الأسباب ~~البالغة بهم إلى ما يؤملونه من ذلك ولا يحسبون ما ينالهم فيه من الهلكة ~~فيسرع إليهم القتل بما يحدثونه من الفتنة وتسوء عاقبة مكرهم وقد كان لأول ~~هذه المائة خرج بالسوس رجل من المتصوفة يدعى التوبذري عمد إلى مسجد ماسة ~~بساحل البحر هناك وزعم أنه الفاطمي المنتظر تلبيسا على العامة هنالك بما ~~ملأ قلوبهم من الحدثان بانتظاره هنالك وأن من ذلك المسجد يكون أصل دعوته ~~فتهافتت عليه طوائف من عامة البربر تهافت الفراش ثم خشي رؤساؤهم اتساع نطاق ~~الفتنة فدس إليه كبير المصامدة يومئذ عمر السكسيوي من قتله في فراشه وكذلك ~~خرج في غماره أيضا لأول هذه المائة رجل يعرف بالعباس وادعى مثل هذه الدعوة ~~واتبع نعيقه الأرذلون من سفهاء تلك القبائل وأغمارهم وزحف إلى بادس من ~~أمصارهم ودخلها عنوة ثم قتل لأربعين يوما من ظهور دعوته ومضى في الهالكين ~~الأولين وأمثال ذلك كثير والغلط فيه من الغفلة عن اعتبار العصبية في مثلها ~~وأما إن كان التلبيس فأحرى أن لا يتم له أمر وأن يبوء بإثمه وذلك جزاء ~~الظالمين والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه # | الفصل السابع # في أن كل دولة لها حصة من الممالك والأوطان لا تزيد عليها # والسبب في ذلك أن عصابة الدولة وقومها القائمين بها الممهدين لها لا بد ~~من توزيعهم حصصا على الممالك والثغور التي تصير إليهم ويستولون عليها ~~لحمايتها من العدو وإمضاء أحكام الدولة فيها من جباية وردع وغير ذلك فإذا ~~توزعت العصائب كلها على الثغور والممالك فلا بد من نفاد عددها وقد بلغت ~~الممالك حينئذ إلى حد يكون ثغرا للدولة وتخما لوطنها ونطاقا لمركز ملكها ~~فإن تكفلت الدولة بعد ذلك زيادة على ms169 ما بيدها بقي دون حامية وكان موضعا ~~لانتهاز الفرصة من العدو والمجاور ويعود وبال ذلك على الدولة بما يكون فيه ~~من التجاسر وخرق سياج الهيبة PageV01P161 وما كانت العصابة موفورة ولم ينفد ~~عددها في توزيع الحصص على الثغور والنواحي بقي في الدولة قوة على تناول ما ~~وراء الغاية حتى ينفسح نطاقها إلى غايته والعلة الطبيعية في ذلك هي قوة ~~العصبية من سائر القوى الطبيعية وكل قوة يصدر عنها فعل من الأفعال فشأنها ~~ذلك في فعلها والدولة في مركزها أشد مما يكون في الطرف والنطاق وإذا انتهت ~~إلى النطاق الذي هو الغاية عجزت وأقصرت عما وراءه شأن الأشعة والأنوار إذا ~~انبعثت من المراكز والدوائر المنفسحة على سطح الماء من النقر عليه ثم إذا ~~أدركها الهرم والضعف فإنما تأخذ في التناقص من جهة الأطراف ولا يزال المركز ~~محفوظا إلى أن يتأذن الله بانقراض الأمر جملة فحينئذ يكون انقراض المركز ~~وإذا غلب على الدولة من مركزها فلا ينفعها بقاء الأطراف والنطاق بل تضمحل ~~لوقتها فإن المركز كالقلب الذي تنبعث منه الروح فإذا غلب على القلب وملك ~~انهزم جميع الأطراف وانظر هذا في الدولة الفارسية كان مركزها المدائن فلما ~~غلب المسلمون على المدائن انقرض أمر فارس أجمع ولم ينفع يزدجرن ما بقي بيده ~~من أطراف ممالكه وبالعكس من ذلك الدولة الرومية بالشام لما كان مركزها ~~القسطنطينية وغلبهم المسلمون بالشام تحيزوا إلى مركزهم بالقسطنطينية ولم ~~يضرهم انتزاع الشام من أيديهم فلم يزل ملكهم متصلا بها إلى أن تأذن الله ~~بانقراضه وانظر أيضا شأن العرب أول الإسلام لما كانت عصائبهم موفورة كيف ~~غلبوا على ما جاورهم من الشام والعراق ومصر لأسرع وقت ثم تجاوزوا ذلك إلى ~~ما وراءه من السند والحبشة وأفريقية والمغرب ثم إلى الأندلس فلما تفرقوا ~~حصصا على الممالك ونزلوها حامية ونفد عددهم في تلك التوزيعات أقصروا عن ~~الفتوحات بعد وانتهى أمر الإسلام ولم يتجاوز تلك الحدود ومنها تراجعت ~~الدولة حتى تأذن الله بانقراضها وكذا كان حال الدول من بعد ذلك كل دولة على ~~نسبة ms170 القائمين بها في القلة والكثرة وعند نفاد عددهم بالتوزيع ينقطع لهم ~~الفتح والاستيلاء سنة الله في خلقه PageV01P162 # | الفصل الثامن # في أن عظم الدولة واتساع نطاقها وطول أمدها على نسبة القائمين بها $ في ~~القلة والكثرة # والسبب في ذلك أن الملك إنما يكون بالعصبية وأهل العصبية هم الحامية ~~الذين ينزلون بممالك الدولة وأقطارها وينقسمون عليها فما كان من الدولة ~~العامة قبيلهما وأهل عصابتها أكثر كانت أقوى وأكثر ممالك وأوطانا وكان ~~ملكها أوسع لذلك واعتبر ذلك بالدولة الإسلامية لما ألف الله كلمة العرب على ~~الإسلام وكان عدد المسلمين في غزوة تبوك آخر غزوات النبي صلى الله عليه ~~وسلم مائة ألف وعشرة آلاف من مضر وقحطان ما بين فارس وراجل إلى من أسلم ~~منهم بعد ذلك إلى الوفاة فلما توجهوا لطلب ما في أيدي الأمم من الملك لم ~~يكن دونه حمى ولا وزر فاستبيح حمى فارس والروم أهل الدولتين العظيمتين في ~~العالم لعهدهم والترك بالمشرق والإفرنجة والبربر بالمغرب والقوط بالأندلس ~~وخطوا من الحجاز إلى السوس الأقصى ومن اليمن إلى الترك بأقصى الشمال ~~واستولوا على الأقاليم السبعة ثم انظر بعد ذلك دولة صنهاجة والموحدين مع ~~العبيديين قبلهم لما كان كتامة القائمين بدولة العبيديين أكثر من صنهاجة ~~ومن المصامدة كانت دولتهم أعظم فملكوا أفريقية والمغرب والشام ومصر والحجاز ~~ثم انظر بعد ذلك دولة زناتة لما كان عددهم أقل من المصامدة فمصر ملكهم عن ~~ملك الموحدين لقصور عددهم عن عدد المصامدة منذ أول أمرهم ثم اعتبر بعد ذلك ~~حال الدولتين لهذا العهد لزناتة بني مرين وبني عبد الواد كانت دولتهم أقوى ~~منها وأوسع نطاقا وكان لهم عليهم الغلب مرة بعد أخرى يقال إن عدد بني مرين ~~لأول ملكهم كان ثلاثة آلاف وإن بني عبد الواد كانوا ألفا إلا أن الدولة ~~بالرفه وكثرة التابع كثرت من أعدادهم وعلى هذه النسبة في أعداد المتغلبين ~~لأول الملك يكون اتساع الدولة وقوتها وأما طول أمدها أيضا فعلى تلك النسبة ~~لأن عمر الحادث من قوة مزاجه ومزاج الدول إنما هو بالعصبية فإذا ms171 كانت ~~العصبية قوية كان المزاج تابعا لها وكان أمد العمر طويلا والعصبية إنما هي ~~بكثرة العدد ووفوره كما قلناه والسبب الصحيح في ذلك أن النقص إنما يبدو في ~~الدولة من PageV01P163 الأطراف فإذا كانت ممالكها كثيرة كانت أطرافها بعيدة ~~عن مركزها وكثيرة وكل نقص يقع فلا بد له من زمن فتكثر أزمان النقص لكثرة ~~الممالك واختصاص كل واحد منها بنقص وزمان فيكون أمدها أطول الدول لا بنو ~~العباس أهل المركز ولا بنو أمية المستبدون بالأندلس ولم ينقص أمر جميعهم ~~إلا بعد الأربعمائة من الهجرة ودولة العبيديين كان أمدها قريبا من مائتين ~~وثمانين سنة ودولة صنهاجة دونهم من لدن تقليد معز الدولة أمر أفريقية ~~لبلكين بن زيري في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة إلى حين استيلاء الموحدين على ~~القلعة ويجاية سنة سبع وخمسين وخمسمائة ودولة الموحدين لهذا العهد تناهز ~~مائتين وسبعين سنة وهكذا نسب الدول في أعمارها على نسبة القائمين بها سنة ~~الله التي قد خلت في عباده # | الفصل التاسع # في أن الأوطان الكثيرة والقبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة # والسبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء وأن وراء كل رأي منها وهوى عصبية ~~تمانع دونها فيكثر الانتقاض على الدولة والخروج عليها في كل وقت وإن كانت ~~ذات عصبية لأن كل عصبية ممن تحت يدها تطن في نفسها منعة وقوة وانظر ما وقع ~~من ذلك بأفريقية والمغرب منذ أول الإسلام ولهذا العهد فإن ساكن هذه الأوطان ~~من البربر أهل قبائل وعصبيات فلم يغن فيها الغلب الأول الذي كان لابن أبي ~~سرح عليهم وعلى الإفرنجة شيئا وعاودوا بعد ذلك الثورة والردة مرة بعد أخرى ~~وعظم الإثخان من المسلمين فيهم ولما استقر الدين عندهم عادوا إلى الثورة ~~والخروج والأخذ بدين الخوارج مرات عديدة قال ابن أبي زيد ارتدت البرابرة ~~بالمغرب اثنتي عشرة مرة ولم تستقر كلمة الإسلام فيهم إلا لعهد ولاية موسى ~~بن نصير فما بعده وهذا معنى ما ينقل عن عمر أن أفريقة مفرقة لقلوب أهليا ~~إشارة إلى ما فيها من كثرة العصائب والقبائل ms172 الحاملة لهم على عدم الإذعان ~~والانقياد ولم يكن العراق لذلك العهد بتلك الصفة ولا الشام إنما كانت ~~حاميتها من فارس والروم والكافة دهماء أهل مدن وأمصار فلما غلبهم المسلمون ~~على الأمر وانتزعوه من أيديهم لم يبق فيها ممانع ولا مشاق والبربر قبائلهم ~~بالمغرب أكثر من أن PageV01P164 تحصى وكلهم بادية وأهل عصائب وعشائر وكلما ~~هلكت قبيلة عادت الأخرى مكانها وإلى دينها من الخلاف والردة فطال أمر العرب ~~في تمهيد الدولة بوطن أفريقية والمغرب وكذلك كان الأمر بالشام لعهد بني ~~إسرائيل كان فيه من قبائل فلسطين وكنعان وبني عيصو وبني مدين وبني لوط ~~والروم واليونان والعمالقة وأكريكش والنبط من جانب الجزيرة والموصل ما لا ~~يحصى كثرة وتنوعا في العصبية فصعب على بني إسرائيل تمهيد دولتهم ورسوخ ~~أمرهم واضطرب عليهم الملك مرة بعد أخرى وسرى ذلك الخلاف إليهم فاختلفوا على ~~سلطانهم وخرجوا عليه ولم يكن لهم ملك موطد سائر أيامهم إلى أن غلبهم الفرس ~~ثم يونان ثم الروم آخر أمرهم عند الجلاء والله غالب على أمره وبعكس هذا ~~أيضا الأوطان الخالية من العصبيات يسهل تمهيد الدولة فيها ويكون سلطانها ~~وازعا لقلة الهرج والانتقاض ولا تحتاج الدولة فيها إلى كثير من العصبية كما ~~هو الشأن في مصر والشام لهذا العهد إذ هي خلو من القبائل والعصبيات كأن لم ~~يكن الشام معدنا لهم كما قلناه فملك مصر في غاية الدعة والرسوخ لقلة ~~الخوارج وأهل العصائب إنما هو سلطان ورعية ودولتها قائمة بملوك الترك ~~وعصائبهم يغلبون على الأمر واحدا بعد واحد وينتقل الأمر فيهم من منبت إلى ~~منبت والخلافة مسماة للعباسي من أعقاب الخلفاء ببغداد وكذا شأن الأندلس ~~لهذا العهد فإن عصبية ابن الأحمر سلطانها لم تكن لأول دولتهم بقوية ولا ~~كانت كرات إنما يكون أهل بيت من بيوت العرب أهل الدولة الأموية بقوا من ذلك ~~القلة وذلك أن أهل الأندلس لما انقرضت الدولة العربية منهم وملكهم البربر ~~من لمتونة والموحدين سئموا ملكتهم وثقلت وطأتهم عليهم فأشربت القلوب ~~بغضاءهم وأمكن الموحدون والسادة في آخر الدولة كثيرا ms173 من الحصون للطاغية في ~~سبيل الاستظهار به على شأنهم من تملك الحضرة مراكش فاجتمع من كان بقي بها ~~من أهل العصبية القديمة معادن من بيوت العرب تجافي بهم المنبت عن الحاضرة ~~والأمصار بعض الشيء ورسخوا في العصبية مثل ابن هود وابن الأحمر وابن مردنيش ~~وأمثالهم فقام ابن هود بالأمر ودعا بدعوة الخلافة العباسية بالمشرق وحمل ~~الناس على الخروج على الموحدين فنبذوا إليهم العهد وأخرجوهم واستقل ابن هود ~~بالأمر في الأندلس ثم سما ابن PageV01P165 الأحمر للأمر وخالف ابن هود في ~~دعوته فدعا هؤلاء لابن أبي حفص صاحب أفريقية من الموحدين وقام بالأمر ~~وتناوله بعصابة قريبة من قرابته كانوا يسمون الرؤساء ولم يحتج لأكثر منهم ~~لقلة العصائب بالأندلس وإنها سلطان ورعية ثم استظهر بعد ذلك على الطاغية ~~بمن يجيز إليه البحر من أعياص زناتة فصاروا معه عصبة على المثاغرة والرباط ~~ثم سما لصاحب من ملوك زناتة أمل في الاستيلاء على الاندلس فصار أولئك ~~الأعياص عصابة ابن الأحمر على الامتناع منه إلى أن تأثل أمره ورسخ وألفته ~~النفوس وعجز الناس عن مطالبته وورثه أعقابه لهذا العهد فلا تظن أنه بغير ~~عصابة فليس كذلك وقد كان مبدأه بعصابة إلا أنها قليلة وعلى قدر الحاجة فإن ~~قطر الأندلس لقلة العصائب والقبائل فيه يغني عن كثرة العصبية التغلب عليهم ~~والله غني عن العالمين # | الفصل العاشر # في أن من طبيعة الملك الانفراد بالمجد # وذلك أن الملك كما قدمناه إنما هو بالعصبية والعصبية متألفة من عصبات ~~كثيرة وتكون واحدة منها أقوى من الأخرى كلها فتغلبها وتستولي عليها حتى ~~تصيرها جميعا في ضمنها وبذلك يكون الاجتماع والغلب على الناس والدول وسره ~~أن العصبية العامة للقبيل هي مثل المزاج للمتكون والمزاج إنما يكون عن ~~العناصر وقد تبين في موضعه أن العناصر إذا اجتمعت متكافئة فلا يقع منها ~~مزاج أصلا بل لا بد من أن تكون واحدة منها هي الغالبة متكافئة فلا يقع منها ~~مزاج أصلا بل لا بد من أن تكون واحدة منها هي الغالبة على الكل حتى تجمعها ~~وتؤلفها ms174 وتصيرها عصبية واحدة شاملة لجميع العصائب وهي موجودة في ضمنها وتلك ~~العصبية الكبرى إنما تكون لقوم أهل بيت ورئاسة فيهم ولا بد من أن يكون واحد ~~منهم رئيسا لهم غالبا عليهم فيتعين رئيسا للعصبيات كلها لغلب منبته لجميعها ~~وإذا تعين له ذلك فمن الطبيعة الحيوانية خلق الكبر والأنفة فيأنف حينئذ من ~~المساهمة والمشاركة في استتباعهم والتحكم فيهم ويجيء خلق التأله الذي في ~~طباع البشر مع ما تقتضيه السياسة من انفراد الحاكم لفساد الكل باختلاف ~~الحكام لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدت فتجدع حينئذ أنوف العصبيات وتفلح ~~شكائعهم عن أن يسموا إلى مشاركته في التحكم PageV01P166 وتقرع عصبيتهم عن ~~ذلك وينفرد به ما استطاع حتى لا يترك لأحد منهم في الأمر لا ناقة ولا جملا ~~فينفرد بذلك المجد بكليته ويدفعهم عن مساهمته وقد يتم ذلك للأول من ملوك ~~الدولة وقد لا يتم إلا للثاني والثالث على قدر ممانعة العصبيات وقوتها إلا ~~أنه أمر لا بد منه في الدول سنة الله التي قد خلت في عباده والله تعالى ~~أعلم # | الفصل الحادي عشر # في أن من طبيعة الملك الترف # وذلك أن الأمة إذا تغلبت وملكت ما بأيدي أهل الملك قبلها كثر رياشها ~~ونعمتها فتكثر عوائدهم ويتجاوزون ضرورات العيش وخشونته إلى نوافله ورقته ~~وزينته ويذهبون إلى اتباع من قبلهم في عوائدهم وأحوالهم وتصير لتلك النوافل ~~عوائد ضرورية في تحصيلها وينزعون مع ذلك إلى رقة الأحوال في المطاعم ~~والملابس والفرش والآنية ويتفاخرون في ذلك ويفاخرون فيه غيرهم من الأمم في ~~أكل الطيب ولبس الأنيق وركوب الفاره ويناغي خلفهم في ذلك سلفهم إلى آخر ~~الدولة وعلى قدر ملكهم يكون حظهم من ذلك وترفهم فيه إلى أن يبلغوا من ذلك ~~الغاية التي للدولة إلى أن تبلغها بحسب قوتها وعوائد من قبلها سنة الله في ~~خلقه والله تعالى أعلم # | الفصل الثاني عشر # في أن من طبيعة الملك الدعة والسكون # وذلك أن الأمة لا يحصل لها الملك إلا بالمطالبة والمطالبة غايتها الغلب ~~والملك وإذا حصلت الغاية انقضى السعي إليها ms175 قال الشاعر % عجبت لسعي الدهر ~~بيني وبينها % فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر % $ # فإذا حصل الملك أقصروا عن المتاعب التي كانوا يتكلفونها في طلبه وآثروا ~~الراحة والسكون والدعة ورجعوا إلى تحصيل ثمرات الملك من المباني والمساكن ~~والملابس فيبنون القصور ويجرون المياه ويغرسون الرياض ويستمتعون بأحوال ~~الدنيا ويؤثرون الراحة على المتاعب ويتأنقون في أحوال الملابس والمطاعم ~~والآنية والفرش ما استطاعوا ويألفون ذلك ويورثونه من بعدهم من أجيالهم ولا ~~يزال ذلك يتزايد فيهم PageV01P167 إلى أن يتأذن الله بأمره وهو خير ~~الحاكمين والله تعالى أعلم # | الفصل الثالث عشر # في أنه إذا تحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة $ ~~أقبلت الدولة على الهرم # وبيانه من وجوه الأول أنها تقتضي الانفراد بالمجد كما قلناه ومهما كان ~~المجد مشتركا بين العصابة وكان سعيهم له واحدا كانت هممهم في التغلب على ~~الغير والذب عن الحوزة أسوة في طموحها وقوة شكائمها ومرماهم إلى العز جميعا ~~يستطيبون الموت في بناء مجدهم ويؤثرون الهلكة على فساده وإذا انفرد الواحد ~~منهم بالمجد قرع عصبيتهم وكبح من أعنتهم واستأثر بالأموال دونهم فتكاسلوا ~~عن الغزو وفشل ربحهم ورئموا المذلة والاستعباد ثم ربي الجيل الثاني منهم ~~على ذلك يحسبون ما ينالهم من العطاء أجرا من السلطان لهم عن الحماية ~~والمعونة لا يجري في عقولهم سواه وقل أن يستأجر أحد نفسه على الموت فيصير ~~ذلك وهنا في الدولة وخضدا من الشوكة وتقبل به على مناحي الضعف والهرم لفساد ~~العصبية بذهاب البأس من أهلها والوجه الثاني أن طبيعة الملك تقتضي الترف ~~كما قدمناه فتكثر عوائدهم وتزيد نفقاتهم على أعطياتهم ولا يفي دخلهم بخرجهم ~~فالفقير منهم يهلك والمترف يستغرق عطاءه بترفه ثم يزداد ذلك في أجيالهم ~~المتأخرة إلى أن يقصر العطاء كله عن الترف وعوائده وتمسهم الحاجة وتطالبهم ~~ملوكهم بحصر نفقاتهم في الغزو والحروب فلا يجدون وليجة عنها فيوقعون بهم ~~العقوبات وينتزعون ما في أيدي الكثير منهم يستأثرون به عليهم أو يؤثرون به ~~أبناءهم وصنائع دولتهم فيضعفونهم لذلك عن إقامة أحوالهم ويضعف صاحب الدولة ~~بضعفهم ms176 وأيضا إذا كثر الترف في الدولة وصار عطاؤهم مقصرا عن حاجاتهم ~~ونفقاتهم احتاج صاحب الدولة الذي هو السلطان إلى الزيادة في أعطياتهم حتى ~~يسد خللهم ويزيح عللمهم والجباية مقدارها معلوم ولا تزيد ولا تنقص وإن زادت ~~بما يستحدث من المكوس فيصير مقدارها بعد الزيادة محدودا فإذا وزعت الجباية ~~على الأعطيات وقد حدثت فيها الزيادة لكل واحد بما حدث من ترفهم وكثرة ~~نفقاتهم نقص عدد الحامية حينئذ عما كان قبل زيادة الأعطيات ثم PageV01P168 ~~يعظم الترف وتكثر مقادير الأعطيات لذلك فينقص عدد الحامية وثالثا ورابعا ~~إلى أن يعود العسكر إلى أقل الأعداد فتضعف الحماية لذلك وتسقط قوة الدولة ~~ويتجاسر عليها من يجاورها من الدول أو من هو تحت يديها من القبائل والعصائب ~~ويأذن الله فيها بالفناء الذي كتبه على خليقته وأيضا فالترف مفسد للخلق بما ~~يحصل في النفس من ألوان الشر والسفسفة وعوائدها كما يأتي في فصل الحضارة ~~فتذهب منهم خلال الخير التي كانت علامة على الملك ودليلا عليه ويتصفون بما ~~يناقضها من خلال الشر فيكون علامة على الإدبار والانقراض بما جعل الله من ~~ذلك في خليقته وتأخذ الدولة مبادىء العطب وتتضعضع أحوالها وتنزل بها أمراض ~~مزمنة من الهرم إلى أن يقضى عليها ألوجه الثالث أن طبيعة الملك تقتضي الدعة ~~كما ذكرناه وإذا اتخذوا الدعة والراحة مألفا وخلقا صار لهم ذلك طبيعة وجبلة ~~شأن العوائد كلها وإيلافها فتربى أجيالهم الحادثة في غضارة العيش ومهاد ~~الترف والدعة وينقلب خلق التوحش وينسون عوائد البداوة التي كان بها الملك ~~من شدة البأس وتعود الافتراس وركوب البيداء وهداية القفر فلا يفرق بينهم ~~وبين السوقة من الحضر إلا في الثقافة والشارة فتضعف حمايتهم ويذهب بأسهم ~~وتنخضد شوكتهم ويعود وبال ذلك على الدولة بما تلبس من ثياب الهرم ثم لا ~~يزالون يتلونون بعوائد الترف والحضارة والسكون والدعة ورقة الحاشية في جميع ~~أحوالهم وينغمسون فيها وهم في ذلك يبعدون عن البداوة والخشونة وينسلخون ~~عنها شيئا فشيئا وينسون خلق البسالة التي كانت بها الحماية والمدافعة حتى ~~يعودوا عيالا على حامية ms177 أخرى إن كانت لهم واعتبر ذلك في الدول التي أخبارها ~~في الصحف لديك تجد ما قلته لك من ذلك صحيحا من غير ريبة وربما يحدث في ~~الدولة إذا طرفها هذا الهرم بالترف والراحة أن يتخير صاحب الدولة أنصارا ~~وشيعة من غير جلدتهم ممن تعود الخشونة فيتخذهم جندا يكون أصبر على الحرب ~~وأقدر على معاناة الشدائد من الجوع والشظف ويكون ذلك دواء للدولة من الهرم ~~الذي عساه أن يطرقها حتى يأذن الله فيها بأمره وهذا كما وقع في دولة الترك ~~بالمشرق فإن غالب جندها الموالي من الترك فتتخير ملوكهم من أولئك المماليك ~~المجلوبين إليهم فرسانا وجندا فيكونون أجرأ على الحرب وأصبر على الشظف من ~~أبناء المماليك الذين PageV01P169 كانوا قبلهم وربوا في ماء النعيم ~~والسلطان وظله وكذلك في دولة الموحدين بأفريقية فإن صاحبها كثيرا ما يتخذ ~~أجناده من زنانة والعرب ويستكثر منهم ويترك أهل الدولة المتعودين للترف ~~فتستجد الدولة بذلك عمرا آخر سالما من الهرم والله وارث الأرض ومن عليها # | الفصل الرابع عشر # في أن الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص # إعلم أن العمر الطبيعي للأشخاص على ما زعم الأطباء والمنجمون مائة وعشرون ~~سنة وهي سنو القمر الكبرى عند المنجمين ويختلف العمر في كل جيل بحسب ~~القرانات فيزيد عن هذا وينقص منه فتكون أعمار بعض أهل القرانات مائة تامة ~~وبعضهم خمسين أو ثمانين أو سبعين على ما تقتضيه أدلة القرانات عند الناظرين ~~فيها وأعمار هذه الملة ما بين السنين إلى السبعين كما في الحديث ولا يزيد ~~على العمر الطبيعي الذي هو مائة وعشرون إلا في الصور النادرة وعلى الأوضاع ~~الغريبة من الفلك كما وقع في شأن نوح عليه السلام وقليل من قوم عاد وثمود ~~وأما أعمار الدول أيضا وإن كانت تختلف بحسب القرانات إلا أن الدولة في ~~الغالب لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال والجيل هو عمر شخص واحد من العمر الوسط ~~فيكون أربعين الذي هو انتهاء النمو والنشوء إلى غايته قال تعالى حتى إذا ~~بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ولهذا قلنا إن ms178 عمر الشخص الواحد هو عمر الجيل ~~ويؤيده ما ذكرناه في حكمة التيه الذي وقع في بني إسرائيل وأن المقصود ~~بالأربعين فيه فناء جيل الأحياء ونشأة جيل آخر لم يعهدوا الذل ولا عرفوه ~~فدل على أن اعتبار الأربعين في عمر الجيل الذي هو عمر الشخص الواحد وإنما ~~قلنا إن عمر الدولة لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال لأن الجيل الأول لم ~~يزالوا على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العيش والبسالة والافتراس ~~والاشتراك في المجد فلا تزال بذلك سورة العصبية محفوظة فيهم فحدهم مرهف ~~وجانبهم مرهوب والناس لهم مغلوبون والجيل الثاني تحول حالهم بالملك والترفه ~~من البداوة إلى الحضارة ومن الشظف إلى الترف والخصب ومن الاشتراك في المجد ~~إلى انفراد الواحد به وكسل الباقين عن PageV01P170 السعي فيه ومن عز ~~الاستطالة إلى ذل الاستكانة فتنكسر سورة العصبية بعض الشيء وتؤنس منهم ~~المهانة والخضوع ويبقى لهم الكثير من ذلك بما أدركوا الجيل الأول وباشروا ~~أحوالهم وشاهدوا اعتزازهم وسعيهم إلى المجد ومراميهم في المدافعة والحماية ~~فلا يسعهم ترك ذلك بالكلية وإن ذهب منه ما ذهب ويكونون على رجاء من مراجعة ~~الأحوال التي كانت للجيل الأول أو على ظن من وجودها فيهم وأما الجيل الثالث ~~فينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن ويفقدون حلاوة العز والعصبية بما ~~هم فيه من ملكة القهر ويبلغ فيهم الترف غايته بما تبنقوه من النعيم وغضارة ~~العيش فيصيرون عيالا على الدولة ومن جملة النساء والولدان المحتاجين ~~للمدافعة عنهم وتسقط العصبية بالجملة وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة ~~ويلبسون على الناس في الشارة والزي وركوب الخيل وحسن الثقافة يموهون بها ~~وهم في الأكثر أجبن من النسوان على ظهورها فإذا جاء المطالب لهم لم يقاوموا ~~مدافعته فيحتاج صاحب الدولة حينئذ إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة ~~ويستكثر بالموالي ويصطنع من يغني عن الدولة بعض الغناء حتى يتأذن الله ~~بانقراضها فتذهب الدولة بما حملت فهذه كما تراه ثلاثة أجيال فيها يكون هرم ~~الدولة وتخلفها ولهذا كان انقراض الحسب في الجيل الرابع كما مر في أن ms179 المجد ~~والحسب إنما هو أربعة آباء وقد أتيناك فيه ببرهان طبيعي كاف ظاهر مبني على ~~ما مهدناه قبل من المقدمات فتأمله فلن تعدو وجه الحق إن كنت من أهل الإنصاف ~~وهذه الأجيال الثلاثة عمرها مائة وعشرون سنة على ما مر ولا تعدو الدول في ~~الغالب هذا العمر بتقريب قبله أو بعده إلا إن عرض لها عارض آخر من فقدان ~~المطالب فيكون الهرم حاصلا مستوليا والطالب لم يحضرها ولو قد جاء الطالب ~~لما وجد مدافعا فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون فهذا العمر ~~للدولة بمثابة عمر الشخص من التزيد إلى سن الوقوف ثم إلى سن الرجوع ولهذا ~~يجري على ألسنة الناس في المشهور أن عمر الدولة مائة سنة وهذا معناه ~~فاعتبره واتخذ منه قانونا يصحح لك عدد الآباء في عمود النسب الذي تريده من ~~قبل معرفة السنين الماضية إذا كنت قد استربت في عددهم وكانت السنون الماضية ~~منذ أولهم محصلة لديك فعد لكل مائة من السنين PageV01P171 ثلاثة من الآباء ~~فإن نفدت على هذا القياس مع نفود عددهم فهو صحيح وإن نقصت عنه بجيل فقد غلط ~~عددهم بزيادة واحد في عمود النسب وإن زادت بمثله فقد سقط واحد وكذلك تأخذ ~~عدد السنين من عددهم إذا كان محصلا لديك فتأمله تجده في الغالب صحيحا والله ~~يقدر الليل والنهار # | الفصل الخامس عشر # في انتقال الدولة من البداوة إلى الحضارة # إعلم أن هذه الأطوار طبيعية للدول فإن الغلب الذي يكون به الملك إنما هو ~~بالعصبية وبما يتبعها من شدة البأس وتعود الافتراس ولا يكون ذلك غالبا إلا ~~مع البداوة فطور الدولة من أولها بداوة ثم إذا حصل الملك تبعه الرفه واتساع ~~الأحوال والحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ~~ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل ~~وأحواله فكل واحد منها صنائع في استجادته والتأنق فيه تختص به ويتلو بعضها ~~بعضا وتتكثر باختلاف ما تنزع إليه النفوس من الشهوات والملاذ والتنعم ~~بأحوال الترف وما تتلون به من ms180 العوائد فصار طور الحضارة في الملك يتبع طور ~~البداوة ضرورة لضرورة تبعية الرفه للملك وأهل الدول أبدا يقلدون في طور ~~الحضارة وأحوالها للدولة السابقة قبلهم فأحوالهم يشاهدون ومنهم في الغالب ~~يأخذون ومثل هذا وقع للعرب لما كان الفتح وملكوا فارس والروم واستخدموا ~~بناتهم وأبناءهم ولم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة فقد حكي أنه قدم ~~لهم المرفق فكانوا يحسبونه رقاعا وعثروا على الكافور في خزائن كسرى ~~فاستعملوه في عجينهم ملحا ومثال ذلك كثير فلما استعبدوا أهل الدول قبلهم ~~واستعملوهم في مهنهم وحاجات منازلهم واختاروا منهم المهرة في أمثال ذلك ~~والقومة عليهم أفادوهم علاج ذلك والقيام على عمله والتفنن فيه مع ما حصل ~~لهم من اتساع العيش والتفنن في أحواله فبلغوا الغاية في ذلك وتطوروا بطور ~~الحضارة والترف في الأحوال واستجادة المطاعم والمشارب والملابس والمباني ~~والأسلحة والفرش والآنية وسائر الماعون والخرثي وكذلك أحوالهم في أيام ~~المباهاة والولائم وليالي الأعراس فأتوا من ذلك وراء الغاية وانظر ~~PageV01P172 ما نقله المسعودي والطبري وغيرهما في أعراس المأمون ببوران بنت ~~الحسن بن سهل وما بذل أبوها لحاشية المأمون حين وافاه في خطبتها إلى داره ~~بفم الصلح وركب إليها في السنين وما أنفق في أملاكها وما نحلها المأمون ~~وأنفق في عرسها تقف من ذلك على العجب فمنه أن الحسن بن سهل نثر يوم الأملاك ~~في الصنيع الذي حضره حاشية المأمون فنثر على الطبقة الأولى منهم بنادق ~~المسك ملثوثة على الرقاع بالضياع والعقار مسوغة لمن حصلت في يده يقع لكل ~~واحد منهم ما أداه إليه الاتفاق والبخت وفرق على الطبقة الثانية بدر ~~الدنانير في كل بدرة عشرة آلاف وفرق على الطبقة الثالثة بدر الدراهم كذلك ~~بعد أن أنفق على مقامه المأمون بداره أضعاف ذلك ومنه أن المأمون أعطاها في ~~مهرها ليلة زفافها ألف حصاة من الياقوت وأوقد شموع العنبر في كل واحدة مائة ~~من وهو رطل وثلثان وبسط لها فرشا كان الحصير منها منسوجا بالذهب مكللا ~~بالدر والياقوت وقال المأمون حين رآه قاتل الله أبا نواس كأنه ms181 أبصر هذا حيث ~~يقول في صفة الخمر % كأن صغرى وكبرى من فواقعها % حصباء در على أرض من ~~الذهب % $ # وأعد بدار الطبخ من الحطب لليلة الوليمة نقل مائة وأربعين بغلا مدة عام ~~كامل ثلاث مرات في كل يوم وفني الحطب لليلتين وأوقدوا الجريد يصبون عليه ~~الزيت وأوعز إلى النواتية بإحضار السفن لإجازة الخواص من الناس بدجلة من ~~بغداد إلى قصور الملك بمدينة المأمون لحضور الوليمة فكانت الحراقات المعدة ~~لذلك ثلاثين ألفا أجازوا الناس فيها أخريات نهارهم وكثير من هذا وأمثاله ~~وكذلك عرس المأمون بن ذي النون بطليطلة نقله ابن سام في كتاب الذخيرة وابن ~~حيان بعد أن كانوا كلهم في الطور الأول من البداوة عاجزين عن ذلك جملة ~~لفقدان أسبابه والقائمين على صنائعه في غضاضتهم وسذاجتهم يذكر أن الحجاج ~~أولم في اختتان بعض ولده فاستحضر بعض الدهاقين يسأله عن ولائم الفرس وقال ~~أخبرني بأعظم صنيع شهدته فقال له نعم أيها الأمير شهدت بعض مرازبة كسرى وقد ~~صنع لأهل PageV01P173 فارس صنيعا أحضر فيه صحاف الذهب على أخونة الفضة ~~أربعا على كل واحد وتحمله أربع وصائف ويجلس عليه أربعة من الناس فإذا طعموا ~~أتبعوا أربعتهم المائدة بصحافها ووصائفها فقال الحجاج يا غلام انحر الجزر ~~وأطعم الناس وعلم أنه لا يستقل بهذه الأبهة وكذلك كانت ومن هذا الباب أعطية ~~بني أمية وجوائزهم فإنما كان أكثرها الإبل أخذا بمذاهب العرب وبداوتهم ثم ~~كانت الجوائز في دولة بني العباس والعبيديين من بعدهم ما علمت من أحمال ~~المال وتخوت الثياب وإعداد الخيل بمراكبها وهكذا كان شأن كتامة مع الأغالبة ~~بأفريقية وكذا بني طفج بمصر وشأن لمتونة مع ملوك الطوائف بالأندلس ~~والموحدين كذلك وشأن زناتة مع الموحدين وهلم جر تنتقل الحضارة من الدول ~~السالفة إلى الدول الخالفة فانتقلت حضارة الفرس للعرب بني أمية وبني العباس ~~وانتقلت حضارة بني أمية بالأندلس إلى ملوك المغرب من الموحدين وزناتة لهذا ~~العهد وانتقلت حضارة بني العباس إلى الديلم ثم إلى الترك ثم إلى السلجوقية ~~ثم إلى الترك المماليك بمصر والتتر بالعرافين وعلى ms182 قدر عظم الدولة يكون ~~شأنها في الحضارة إذ أمور الحضارة من توابع الترف والترف من توابع الثروة ~~والنعمة والثروة والنعمة من توابع الملك ومقدار ما يستولي عليه أهل الدولة ~~فعلى نسبة الملك يكون ذلك كله فاعتبره وتفهمه وتأمله تجده صحيحا في العمران ~~والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين # | الفصل السادس عشر # في أن الترف يزيد الدولة في أولها قوة إلى قوتها # والسبب في ذلك أن القبيل إذا حصل لهم الملك والترف كثر التناسل والولد ~~والعمومية فكثرت العصابة واستكثروا أيضا من الموالي والصنائع وربيت أجيالهم ~~في جو ذلك النعيم والرفه فازدادوا به عددا إلى عددهم وقوة إلى قوتهم بسبب ~~كثرة العصائب حينئذ بكثرة العدد فإذا ذهب الجيل الأول والثاني وأخذت الدولة ~~في الهرم لم تستقل أولئك الصنائع والموالي بأنفسهم في تأسيس الدولة وتمهيد ~~ملكها لأنهم ليس لهم من الأمر شيء إنما كانوا عيالا على أهلها ومعونة لها ~~فإذا ذهب الأصل لم يستقل الفرع بالرسوخ فيذهب ويتلاشى ولا تبقى الدولة على ~~حالها PageV01P174 من القوة واعتبر هذا بما وقع في الدولة العربية في ~~الإسلام كان عدد العرب كما قلتما لعهد النبوة والخلافة مائة وخمسين ألفا ~~وما يقاربها من مضر وقحطان ولما بلغ الترف مبالغه في الدولة وتوفر نموهم ~~بتوفر النعمة واستكثر الخلفاء من الموالي والصنائع بلغ ذلك العدد إلى ~~أضعافه يقال إن المعتصم نازل عمورية لما افتتحها في تسعمائة ألف ولا يبعد ~~مثل هذا العدد أن يكون صحيحا إذا اعتبرت حاميتهم في الثغور الدانية ~~والقاصية شرقا وغربا إلى الجند الحاملين سرير الملك والموالي والمصطنعين ~~وقال المسعودي أحصى بنو العباس ابن عبد المطلب خاصة أيام المأمون للإنفاق ~~عليهم فكانوا ثلاثين ألفا بين ذكران وإناث فانظر مبالغ هذا العدد لأقل من ~~مائتي سنة واعلم أن سببه الرفه والنعيم الذي حصل للدولة وربي فيه أجيالهم ~~وإلا فعدد العرب لأول الفتح لم يبلغ هذا ولا قريبا منه والله الخلاق العليم # | الفصل السابع عشر # في أطوار الدولة واختلاف أحوالها وخلق أهلها باختلاف الأطوار # إعلم أن الدولة ms183 تنتقل في أطوار مختلفة وحالات متجددة ويكتسب القائمون بها ~~في كل طور خلقا من أحوال ذلك الطور لا يكون مثله في الطور الآخر لأن الخلق ~~تابع بالطبع لمزاج الحال الذي هو فيه وحالات الدولة وأطوارها لا تعده في ~~الغالب خمسة أطوار الطور الأول طور الظفر بالبغية وغلب المدافع والممانع ~~والاستيلاء على الملك وانتزاعه من أيدي الدولة في هذا الطور أسوة قومه في ~~اكتساب المجد وجباية المال والمدافعة عن الحوزة والحماية لا ينفرد دونهم ~~بشيء لأن ذلك هو مقتضى العصبية التي وقع بها الغلب وهي لم تزل بعد بحالها ~~الطور الثاني طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك وكبحهم عن ~~التطاول للمساهمة والمشاركة ويكون صاحب الدولة في هذا الطور معنيا باصطناع ~~الرجال واتخاذ الموالي والصنائع والاستكثار من ذلك لجدع أنوف أهل عصبيته ~~وعشيرته المقاسمين له في نسبة الضاربين في الملك بمثل سهمه فهو يدافعهم عن ~~الأمر ويصدهم عن موارده ويردهم على أعقابهم أن يخلصوا إليه حتى يقر الأمر ~~ويصدهم عن موارده ويردهم على أعقابهم أن يخلصوا إليه حتى يقر الأمر في ~~نصابه ويفرد أهل بيته بما يبني من مجده فيعاني من مدافعتهم ومغالبتهم مثل ~~ما عاناه الأولون في طلب PageV01P175 الأمر أو أشد لأن الأولين دافعوا ~~الأجانب فكان ظهراؤهم على مدافعتهم أهل العصبية بأجمعهم وهذا يدافع الأقارب ~~لا يظاهره على مدافعتهم إلا الأقل من الأباعد فيركب صعبا من الأمر الطور ~~الثالث طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من ~~تحصيل المال وتخليد الآثار وبعد الصيت فيستفرغ وسعه في الجباية وضبط الدخل ~~والخرج وإحصاء النفقات القصد فيها وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة ~~والأمصار المتسعة والهياكل المرتفعة وإجازة الوفود من أشراف الأمم ووجوه ~~القبائل وبث المعروف في أهله هذا مع التوسعة على صنائعه وحاشيته في أحوالهم ~~بالمال والجاه واعتراض جنوده وإدرار أرزاقهم وإنصافهم في أعطياتهم لكل هلال ~~حتى يظهر أثر ذلك عليهم في ملابسهم وشكبهم وشاراتهم يوم الزينة فيباهي بهم ~~الدول المسالمة ويرهب الدول المحاربة وهذا الطور آخر أطوار الاستبداد ms184 من ~~أصحاب الدولة لأنهم في هذه الأطوار كلها مستقلون بآرائهم بانون لعزهم ~~موضحون الطرف لمن بعدهم الطور الرابع طور القنوع والمسالمة ويكون صاحب ~~الدولة في هذا قانعا بما بنى أولوه سلما لأنظاره من الملوك وأقتاله مقلدا ~~للماضين من سلفه فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج ~~الاقتداء ويرى أن في الخروج عن تقليدهم فساد أمره وأنهم أبصر بما بنوا من ~~مجده الطور الخامس طور الإسراف والتبذير ويكون صاحب الدولة في هذا الطور ~~متلفا لما حمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه ~~واصطناع أخدان السوء وخضراء الدمن وتقليدهم عظيمات الأمور التي لا يستقلون ~~بحملها ولا يعرفون ما يأتون ويذرون منها مستفسد الكبار الأولياء من قومه ~~وصنائع سلفه حتى يضطغنوا عليه ويتخاذلوا عن نصرته مضيعا من جنده بما أنفق ~~من أعطياتهم في شهواته وحجب عنهم وجه مباشرته وتفقده فيكون مخربا لما كان ~~سلفه يؤسسون وهادما لما كانوا يبنون وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة ~~الهرم ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه ولا يكون لها معه ~~براء إلى أن تنقرض كما نبينه في الأحوال التي نسردها والله خير الوارثين ~~PageV01P176 # | الفصل الثامن عشر # في أن آثار الدولة كلها على نسبة قوتها في أصلها # والسبب في ذلك أن الآثار إنما تحدث عن القوة التي بها كانت أولا وعلى ~~قدرها يكون الأثر فمن ذلك مباني الدولة وهياكلها العظيمة فإنما تكون على ~~نسبة قوة الدولة في أصلها لأنها لا تتم إلا بكثرة الفعلة واجتماع الأيدي ~~على العمل بالتعاون فيه فإذا كانت الدولة عظيمة فسيحة الجوانب كثيرة ~~الممالك والرعايا كان الفعلة كثيرين جدا وحشروا من آفاق الدولة وأقطارها ~~فتم العمل على أعظم هياكله ألا ترى إلى مصانع قوم عاد وثمود وما قصه القرآن ~~عنهما وانظر المشاهدة إيوان كسرى وما اقتدر فيه الفرس حتى إنه عزم الرشيد ~~على هدمه وتخريبه فتكاءد عنه وشرع فيه ثم أدركه العجز وقصة استشارته ليحيى ~~ابن خالد في شأنه معروفة فانظر كيف تقتدر دولة ms185 على بناء لا تستطيع أخرى على ~~هدمه مع بون ما بين الهدم والبناء في السهولة تعرف من ذلك بون ما بين ~~الدولتين وانظر إلى بلاط الوليد بدمشق وجامع بني أمية بقرطبة والقنطرة التي ~~على واديها وكذلك بناء الحنايا لجلب الماء إلى قرطاجنة في القناة الراكبة ~~عليها وآثار شرشال بالمغرب والأهرام بمصر وكثير من هذه الأثار الماثلة ~~للعيان يعلم منه اختلاف الدول في القوة والضعف واعلم أن تلك الأفعال ~~للأقدمين إنما كانت بالهندام واجتماع الفعلة وكثرة الأيدي عليها فبذلك شيدت ~~تلك الهياكل والمصانع ولا تتوهم ما تتوهمه العامة أن ذلك لعظم أجسام ~~الأقدمين عن أجسامنا في أطرافها وأقطارها فليس بين البشر في ذلك كبير بون ~~كما نجد بين الهياكل والآثار ولقد ولع القصاص بذلك وتغالوا فيه وسطروا عن ~~عاد وثمود والعمالقة في ذلك أخبارا عريقة في الكذب من أغربها ما يحكون عن ~~عوج بن عناق رجل من العمالقة الذين قاتلهم بنو إسرائيل في الشام زعموا أنه ~~كان لطوله يتناول السمك من البحر ويشويه إلى الشمس ويزيدون إلى جهلهم ~~بأحوال البشر الجهل بأحوال الكواكب لما اعتقدوا أن للشمس حرارة وأنها شديدة ~~فيما قرب منها ولا يعلمون PageV01P177 أن الحر هو الضوء وأن الضوء فيما قرب ~~من الأرض أكثر لانعكاس الأشعة من سطح الأرض بمقابلة الأضواء فتتضاعف ~~الحرارة هنا لأجل ذلك وإذا تجاوزت مطارح الأشعة المنعكسة فلا حر هنالك بل ~~يكون فيه البرد حيث مجاري السحاب وأن الشمس في نفسها لا حارة ولا باردة ~~وإنما هي جسم بسيط مضيء لا مزاج له وكذلك عوج بن عناق هو فيما ذكروه من ~~العمالقة أو من الكنعانيين الذين كانوا فريسة بني إسرائيل عند فتحهم الشام ~~وأطوال بني إسرائيل وجسمانهم لذلك العهد قريبة من هياكلنا يشهد لذلك أبواب ~~بيت المقدس فإنها وإن خربت وجددت لم تزل المحافظة على أشكالها ومقادير ~~أبوابها وكيف يكون التفاوت بين عوج وبين أهل عصره بهذا المقدار وإنما مثار ~~غلطهم في هذا أنهم استعظموا آثار الأمم ولم يفهموا حال الدول في الاجتماع ~~والتعاون وما ms186 يحصل بذلك وبالهندام من الآثار العظيمة فصرفوه إلى قوة ~~الأجسام وشدتها بعظم هياكلها وليس الأمر كذلك # وقد زعم المسعودي ونقله عن الفلاسفة مزعما لا مستند له إلا التحكم وهو أن ~~الطبيعة التي هي جبلة للأجسام لما برأ الله الخلق كانت في تمام الكرة ~~ونهاية القوة والكمال وكانت الأعمار أطول والأجسام أقوى لكمال تلك الطبيعة ~~فإن طروء الموت إنما هو بانحلال القوى الطبيعية فإذا كانت قوية كانت ~~الأعمار أزيد فكان العالم في أولية نشأته تام الأعمار كامل الأجسام ثم لم ~~يزل يتناقص لنقصان المادة إلى أن بلغ إلى هذه الحال التي هو عليها ثم لا ~~يزال يتناقص إلى وقت الانحلال وانقراض العالم وهذا رأي لا وجه له إلا ~~التحكم كما تراه وليس له علة طبيعية ولا سبب برهاني ونحن نشاهد مساكن ~~الأولين وأبوابهم وطرقهم فيما أحدثوه من البنيان والهياكل والديار والمساكن ~~كديار ثمود المنحوتة في الصلد من الصخر بيوتا صغارا وأبوابها ضيقة وقد أشار ~~صلى الله عليه وسلم إلى أنها ديارهم ونهى عن استعمال مياههم وطرح ما عجن به ~~وأهرق وقال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن ~~يصيبكم ما أصابهم وكذلك أرض عاد ومصر والشام وسائر بقاع الأرض شرقا وغربا ~~والحق ما قررناه ومن آثار الدول أيضا حالها في الأعراس والولائم كما ذكرناه ~~في وليمة بوران وصنيع الحجاج وابن ذي النون وقد مر PageV01P178 ذلك كله ومن ~~آثارها أيضا عطايا الدول وأنها تكون على نسبتها ويظهر ذلك فيها ولو أشرفت ~~على الهرم فإن الهمم التي لأهل الدولة تكون على نسبة قوة ملكهم وغلبهم ~~للناس والهمم لا تزال مصاحبة لهم إلى انقراض الدولة واعتبر ذلك بجوائز ابن ~~ذي يزن لوفد قريش كيف أعطاهم من أرطال الذهب والفضة والأعبد والوصائف عشرا ~~عشرا ومن كرش العنبر واحدة وأضعف ذلك بعشرة أمثاله لعبد المطلب وإنما ملكه ~~يومئذ قرارة اليمن خاصة تحت استبداد فارس وإنما حمله على ذلك همة نفسه بما ~~كان لقومه التبايعة من الملك في الأرض والغلب على الأمم في ms187 العراقين والهند ~~والمغرب وكان الصنهاجون بأفريقية أيضا إذا أجازوا الوفد من أمراء زناتة ~~الوافدين عليهم فإنما يعطونهم المال أحمالا والكساء تخوتا مملوءة والحملات ~~جنائب عديدة وفي تأريخ ابن الرقيق من ذلك أخبار كثيرة وكذلك كان عطاء ~~البرامكة وجوائزهم ونفقاتهم وكانوا إذا كسبوا معدما فإنما هو الولاية ~~والنعمة آخر الدهر لا العطاء الذي يستنفده يوم أو بعض يوم وأخبارهم في ذلك ~~كثيرة مسطورة وهي كلها على نسبة الدول جارية هذا جوهر الصقلبي الكاتب قائد ~~جيش العبيديين لما ارتحل إلى فتح مصر استعد من القيروان بألف حمل من المال ~~ولا تنتهي اليوم دوله إلى مثل هذا وكذلك وجد بخط أحمد بن محمد بن عبد ~~الحميد عمل بما يحمل إلى بيت المال ببغداد أيام المأمون من جميع النواحي ~~نقلته من جراب الدولة غلات السواد سبع وعشرون ألف ألف درهم مرتين وثمانمائة ~~ألف درهم ومن الحلل النجرانية مائتا حلة ومن طين الختم مائتان وأربعون رطلا ~~كنكر أحد عشر ألف درهم مرتين وستمائة ألف درهم كورد حلة عشرون ألف ألف درهم ~~وثمانية دراهم حلوان أربعة آلاف ألف درهم مرتين وثمانمائة ألف درهم الأهواز ~~خمسة وعشرون ألف درهم مرة ومن السكر ثلاثون ألف رطل فارس سبعة وعشرون ألف ~~ألف درهم ومن ماء الورد ثلاثون ألف قارورة ومن الزيت الأسود عشرون ألف رطل ~~كرمان أربعة آلاف ألف درهم مرتين ومائتا ألف درهم ومن المتاع اليماني ~~خمسمائة ثوب ومن التمر عشرون ألف رطل مكران أربعمائة ألف درهم مرة السند ~~وما يليه أحد عشر ألف PageV01P179 ألف درهم مرتين وخمسمائة ألف درهم ومن ~~العود الهندي مائة وخمسون رطلا سجستان أربعة آلاف ألف درهم مرتين ومن ~~الثياب المعينة ثلثمائة ثوب ومن الفانيد عشرون رطلا خراسان ثمانية وعشرون ~~ألف ألف درهم مرتين ومن نقر الفضة ألفا نقرة ومن البراذين أربعة آلاف ومن ~~الرقيق ألف رأس ومن المتاع عشرون ألف ثوب ومن الإهليلج ثلاثون ألف رطل ~~جرجان اثنا عشر ألف ألف درهم مرتين ومن الإبريسم ألف شقة قومس ألف ألف ~~مرتين وخمسمائة من ms188 نقر الفضة طبرستان والروبان ونهاوند ستة آلاف ألف مرتين ~~وثلاثمائة ألف ومن الفرش الطبري ستمائة قطعة ومن الأكسية مائتان ومن الثياب ~~خمسمائة ثوب ومن المناديل ثلاثمائة ومن الجامات ثلاثمائة الري اثنا عشر ألف ~~ألف درهم مرتين ومن العسل عشرون ألف رطل همذان أحد عشر ألف ألف درهم مرتين ~~وثلاثمائة ألف ومن رب الرمان ألف رطل ومن العسل اثنا عشر ألف رطل ما بين ~~البصرة والكوفة عشرة آلاف درهم مرتين وسبعمائة ألف درهم ماسبذان والدينار ~~أربعة آلاف ألف درهم مرتين شهر زور ستة آلاف ألف درهم مرتين وسبعمائة ألف ~~درهم الموصل وما يليها أربعة وعشرون ألف ألف درهم مرتين ومن العسل الأبيض ~~عشرون ألف ألف رطل أذربيجان أربعة آلاف ألف درهم مرتين الجزيرة وما يليها ~~من أعمال الفرات أربعة وثلاثون ألف ألف درهم مرتين ومن الرقيق ألف راس ومن ~~العسل اثنا عشر ألف زق ومن البزاة عشرة ومن الأكسية عشرون أرمينية ثلاثة ~~عشر ألف ألف درهم مرتين ومن البسط المحفور عشرون ومن الزقم خمسمائة وثلاثون ~~رطلا ومن المسايج السور ما هي عشرة آلاف رطل ومن الصونج عشرة آلاف رطل ومن ~~البغال مائتان ومن المهرة ثلاثون قنسرين أربعمائة ألف دينار ومن الزيت ألف ~~حمل دمشق أربعمائة ألف دينار وعشرون ألف دينار الأردن سبعة وتسعون ألف ~~دينار فلسطين ثلاثمائة ألف دينار وعشرة آلاف دينار ومن PageV01P180 الزيت ~~ثلاثمائة ألف رطل مصر ألف ألف دينار وتسعمائة ألف دينار وعشرون ألف دينار ~~برقة ألف ألف درهم مرتين أفريقية ثلاثة عشر ألف ألف درهم مرتين ومن البسط ~~مائة وعشرون اليمن ثلاثمائة ألف دينار وسبعون ألف دينار سوى المتاع الحجاز ~~ثلاثمائة ألف دينار انتهى # وأما الأندلس فالذي ذكره الثقات من مؤرخيها أن عبد الرحمن الناصر خلف في ~~بيوت أمواله خمسة آلاف ألف ألف دينار مكررة ثلاث مرات يكون جملتها ~~بالقناطير خمسمائة ألف قنطار ورأيت في بعض تواريخ الرشيد أن المحمول إلى ~~بيت المال في أيامه سبعة آلاف قنطار وخمسمائة قنطار في كل سنة فاعتبر ذلك ~~في نسب الدول ms189 بعضها من بعض ولا تنكرن ما ليس بمعهود عندك ولا في عصرك شيء ~~من أمثاله فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممكنات فكثير من الخواص إذا سمعوا ~~أمثال هذه الأخبار عن الدول السالفة بادر بالإنكار وليس ذلك من الصواب فإن ~~أحوال الوجود والعمران متفاوتة ومن أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر ~~المدارك كلها فيها ونحن إذا اعتبرنا ما ينقل لنا عن دولة بني العباس وبني ~~أمية والعبيديين وناسبنا الصحيح من ذلك والذي لا شك فيه بالذي نشاهده من ~~هذه الدول التي هي أقل بالنسبة إليها وجدنا بينها بونا وهو لما بينها من ~~التفاوت في أصل قوتها وعمران ممالكها فالآثار كلها جارية على نسبة الأصل في ~~القوة كما قدمناه ولا يسعنا إنكار ذلك عنها إذ كثير من هذه الأحوال في غاية ~~الشهرة والوضوح بل فيها ما يلحق بالمستفيض والمتواتر وفيهما المعاين ~~والمشاهد من آثار البناء وغيره فخذ من الأحوال المنقولة مراتب الدول في ~~قوتها أو ضعفها وضخامتها أو صغرها واعتبر ذلك بما نقصه عليك من هذه الحكاية ~~المستظرفة وذلك أنه ورد بالمغرب لعهد السلطان أبي عنان من ملوك بني مرين ~~رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة كان رحل منذ عشرين سنة قبلهما إلى ~~المشرق وتقلب في بلاد العراق واليمن والهند ودخل مدينة دهلي حاضرة ملك ~~الهند وهو السلطان محمد شاه واتصل بملكها لذلك العهد وهو فيروزجوه وكان له ~~منه مكان واستعمله في خطه القضاء بمذهب المالكية في عمله ثم انقلب إلى ~~المغرب PageV01P181 واتصل السلطان أبي عنان وكان يحدث عن شأن رحلته وما رأى ~~من العجائب بممالك الأرض وأكثر ما كان يحدث عن دولة صاحب الهند ويأتي من ~~أحواله بما يستغربه السامعون مثل أن ملك الهند إذا خرج إلى السفر أحصى أهل ~~مدينته من الرجال والنساء والولدان وفرض لهم رزق ستة أشهر تدفع لهم من ~~عطائه وأنه عند رجوعه من سفره يدخل في يوم مشهود يبرز فيه الناس كافة إلى ~~صحراء البلد ويطوفون به وينصب أمامه في ذلك الحقل منجنيقات على ms190 الظهر ترى ~~بها شكائر الدراهم والدنانير على الناس إلى أن يدخل إيوانه وأمثال هذه ~~الحكايات فتناحى الناس بتكذيبه ولقيت أيامئذ وزير السلطان فارس بن وردار ~~البعيد الصيت ففاوضته في هذا الشأن وأريته إنكار أخبار ذلك الرجل لما ~~استفاض في الناس من تكذيبه فقال لي الوزير فارس إياك أن تستنكر مثل هذا من ~~أحوال الدول بما أنك لم تره فتكون كابن الوزير الناشىء في السجن وذلك أن ~~وزيرا اعتقله سلطانه ومكث في السجن سنين ربي فيها ابنه في ذلك المحبس فلما ~~أدرك وعقل سأل عن اللحمان التي كانت يتغذى بها فقال له أبوه هذا لحم الغنم ~~فقال وما الغنم فيصفها له أبوه بشياتها ونعوتها فيقول يا أبت تراها مثل ~~الفار فينكر عليه ويقول أين الغنم من الفأر وكذا في لحم الإبل والبقر إذ لم ~~يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفار فيحسبها كلها أبناء جنس الفأر ولهذا ~~كثيرا ما يعتري الناس في الأخبار كما يعتريهم الوسواس في الزيادة عند قصد ~~الإغراب كما قدمناه أول الكتاب فليرجع الإنسان إلى أصوله وليكن مهيمنا على ~~نفسه ومميزا بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته فما دخل ~~في نطاق الإمكان قبله وما خرج عنه رفضه وليس مرادنا الإمكان العقلي المطلق ~~فإن نطاقه أوسع شيء فلا يفرض حدا بين الواقعات وإنما مرادنا الإمكان بحسب ~~المادة التي للشيء فإنا إذا نظرنا أصل الشيء وجنسه وصنفه ومقدار عظمه وقوته ~~أجرينا الحكم من نسبة ذلك على أحواله وحكمنا بالامتناع إلى ما خرج من نطاقه ~~وقل رب زدني علما وأنت أرحم الراحمين والله سبحانه وتعالى أعلم PageV01P182 # | الفصل التاسع عشر # في استظهار صاحب الدولة على قومه وأهل عصبيته بالموالي والمصطنعين # إعلم أن صاحب الدولة إنما يتم أمره كما قلناه بقومه فهم عصابته وظهراؤه ~~على شأنه وبهم يقارع الخوارج على دولته ومنهم يقلد أعمال مملكته ووزارة ~~دولته وجباية أمواله لأنهم أعوانه على الغلب وشركاؤه في الأمر ومساهموه في ~~سائر مهماته هذا ما دام الطور الأول للدولة كما قلناه فإذا جاء الطور ms191 ~~الثاني وظهر الاستبداد عنهم والانفراد بالمجد ودافعهم عنه بالمراح صاروا في ~~حقيقة الأمر من بعض أعدائه واحتاج في مدافعتهم عن الأمر وصدهم عن المشاركة ~~إلى أولياء آخرين من غير جلدتهم يستظهر بهم عليهم ويتولاهم دونهم فيكونون ~~أقرب إليه من سائرهم وأخص به قربا واصطناعا وأولى إيثارا وجاها لما أنهم ~~يستميتون دونه في مدافعتة قومه عن الأمر الذي كان لهم والرتبة التي ألفوها ~~في مشاركتهم فيستخلصهم صاحب الدولة ويخصهم بمزيد التكرمة والإيثار ويقسم ~~لهم مثل ما للكثير من قومه ويقلدهم جليل الأعمال والولايات من الوزارة ~~والقيادة والجباية وما يختص به لنفسه وتكون خالصة له دون قومه من ألقاب ~~المملكة لأنهم حينئذ أولياؤه الأقربون ونصحاؤه المخلصون وذلك حينئذ مؤذن ~~باهتضام الدولة وعلامة على المرض المزمن فيها لفساد العصبية التي كان بناء ~~الغلب عليها ومرض قلوب أهل الدولة حينئذ حينئذ من الامتهان وعداوة السلطان ~~فيضطغنون عليه ويتربصون به الدوائر ويعود وبال ذلك على الدولة ولا يطمع في ~~برئها من هذا الداء لأنه ما مضى يتأكد في الأعقاب إلى أن يذهب رسمها واعتبر ~~ذلك في دولة بني أمية كيف كانوا إنما يستظهرون في حروبهم وولاية أعمالهم ~~برجال العرب مثل عمرو بن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن زياد بن أبي سفيان ~~والحجاج بن يوسف والمهلب بن أبي صفرة وخالد بن عبد الله القسري وابن هبيرة ~~وموسى بن نصير وبلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ونصر بن سيار ~~وأمثالهم من رجالات العرب وكذا صدر من دولة بني العباس كان الاستظهار فيها ~~أيضا برجالات العرب فلما صارت الدولة للانفراد بالمجد وكبح العرب عن ~~التطاول للولايات صارت الوزارة للعجم والصنائع من البرامكة وبني سهل بن ~~نوبخت وبني PageV01P183 طاهر ثم بني بويه وموالي الترك مثل بغا ووصيف وأطمش ~~وباكناك وابن طولون وأبنائهم وغير هؤلاء من موالي العجم فتكون الدولة لغير ~~من مهدها والعز لغير من اجتلبه سنة الله في عباده والله تعالى أعلم # | الفصل العشرون # في أحوال الموالي والمصطنعين في الدول # إعلم أن المصطنعين في ms192 الدول يتفاوتون في الالتحام بصاحب الدولة بتفاوت ~~قديمهم وحديثهم في الالتحام بصاحبها والسبب في ذلك أن المقصود في العصبية ~~من المدافعة والمغالبة إنما يتم بالنسب لأجل التناصر في ذوي الأرحام ~~والقربى والتخاذل في الأجانب والبعداء كما قدمناه والولاية والمخالطة بالرق ~~أو بالحلف تتنزل منزلة ذلك لأن أمر النسب وإن كان طبيعيا فإنما هو وهمي ~~والمعنى الذي كان به الالتحام إنما هو العشرة والمدافعة وطول الممارسة ~~والصحبة بالمربى والرضاع وسائر أحوال الموت والحياة وإذا حصل الالتحام بذلك ~~جاءت النعرة والتناصر وهذا مشاهد بين الناس واعتبر مثله في الاصطناع فإنه ~~يحدث بين المصطنع ومن اصطنعه نسبة خاصة من الوصلة تتنزل هذه المنزلة وتؤكد ~~اللحمة وإن لم يكن نسب فثمرات النسب موجودة فإذا كانت هذه الولاية بين ~~القبيل وبين أوليائهم قبل حصول الملك لهم كانت عروقها أوشج وعقائدها أصح ~~ونسبها أصرح لوجهين أحدهما أنهم قبل الملك أسوة في حالهم فلا يتميز النسب ~~عن الولاية إلا عند الأقل منهم فيتنزلون منهم منزلة ذوي قرابتهم وأهل ~~أرحامهم وإذا اصطنعوهم بعد الملك كانت مرتبة الملك مميزة للسيد عن المولى ~~ولأهل القرابة عن أهل الولاية والاصطناع لما تقتضيه أحوال الرئاسة والملك ~~من تميز الرتب وتفاوتها فتتميز حالتهم ويتنزلون منزلة الأجانب ويكون ~~الالتحام بينهم أضعف والتناصر لذلك أبعد وذلك أنقص من الاصطناع قبل الملك ~~الوجه الثاني أن الاصطناع قبل الملك يبعد عهده عن أهل الدولة بطول الزمان ~~ويخفي شأن تلك اللحمة ويظن بها في الأكثر النسب فيقوى حال العصبية وأما بعد ~~الملك فيقرب العهد ويستوي في معرفته الأكثر فتتبين اللحمة وتتميز عن النسب ~~فتضعف العصبية بالنسبة إلى الولاية التي كانت قبل PageV01P184 الدولة ~~واعتبر ذلك في الدول والرئاسات تجده فكل من كان اصطناعه قبل حصول الرئاسة ~~والملك لمصطنعه تجده أشد التحاما به وأقرب قرابة إليه ويتنزل منه منزلة ~~أبنائه وإخوانه وذوي رحمه ومن كان اصطناعه بعد حصول الملك والرئاسة لمصطنعه ~~لا يكون له من القرابة واللحمة ما للأولين وهذا مشاهد بالعيان حتى إن ~~الدولة في آخر عمرها ترجع إلى ms193 استعمال الأجانب واصطناعهم ولا يبنى لهم مجد ~~كما بناه المصطنعون قبل الدولة لقرب العهد حيئذ بأوليتهم ومشارفة الدولة ~~على الانقراض فيكونون منحطين في مهاوي الضعة وإنما يحمل صاحب الدولة على ~~اصطناعهم والعدون إليهم عن أوليائها الأقدمين وصنائعها الأولين ما يعتريهم ~~في أنفسهم من العزة على صاحب الدولة وقلة الخضوع له ونظره بما ينظره به ~~قبيله وأهل نسبه لتأكد اللحمة منذ العصور المتطاولة بالمربى والاتصال ~~بآبائه وسلف قومه والانتظام مع كبراء أهل بيته فيحصل لهم بذلك دالة عليه ~~واعتزاز فينافرهم بسببها صاحب الدولة ويعدل عنهم إلى استعمال سواهم ويكون ~~عهد استخلاصهم واصطناعهم قريبا فلا يبلغون رتب المجد ويبقون على حالهم من ~~الخارجية وهكذا شأن الدول في آواخرها وأكثر ما يطلق اسم الصنائع والأولياء ~~على الأولين وأما هؤلاء المحدثون فخدم وأعوان والله ولي المؤمنين وهو على ~~كل شيء وكيل # | الفصل الحادي والعشرون # فيما يعرض في الدول من حجر السلطان والاستبداد عليه # إذا استقر الملك في نصاب معين ومنبت واحد من القبيل القائمين بالدولة ~~وانفردوا به ودفعوا سائر القبيل عنه وتداوله بنوهم واحدا بعد واحد بحسب ~~الترشيح فربما حدث التغلب على المنصب من وزرائهم وحاشيتهم وسببه في الأكثر ~~ولاية صبي صغير أو مضعف من أهل المنبت يترشح للولاية بعهد أبيه أو بترشيح ~~ذويه وخوله ويؤنس منه العجز عن القيام بالملك فيقوم به كافله من وزراء أبيه ~~وحاشيته ومواليه أو قبيله ويوري بحفظ أمره عليه حتى يؤنس منه الاستبداد ~~ويجعل ذلك ذريعة للملك فيحجب الصبي عن الناس ويعوده إليها ترف أحواله ~~ويسيمه في مراعيها متى أمكنه وينسيه النظر في الأمور السلطانية حتى يستبد ~~عليه وهو بما عوده يعتقد PageV01P185 أن حظ السلطان من الملك إنما هو جلوس ~~السرير وإعطاء الصفقة وخطاب التهويل والقعود مع النساء خلف الحجاب وأن الحل ~~والربط والأمر والنهي ومباشرة الأحوال الملوكية وتفقدها من النظر في الجيش ~~والمال والثغور إنما هو للوزير ويسلم له في ذلك إلى أن تستحكم له صبغة ~~الرئاسة والاستبداد ويتحول الملك إليه ويؤثر به عشيرته وأبناءه من بعده ms194 كما ~~وقع لبني بويه والترك وكافور الأخشيدي وغيرهم بالمشرق وللمنصور بن أبي عامر ~~بالأندلس وقد يتفطن ذلك المحجور المغلب لشأنه فيحاول على الخروج من ربقة ~~الحجر والاستبداد ويرجع الملك إلى نصابه ويضرب على أيدي المتغلبين عليه إما ~~بقتل أو برفع عن الرتبة فقط إلا أن ذلك في النادر الأقل لأن الدولة إذا ~~أخذت في تغلب الوزراء والأولياء استمر لها ذلك وقل أن تخرج عنه لأن ذلك ~~إنما يوجد في الأكثر عن أحوال الترف ونشأة أبناء الملك منغمسين في نعيمه قد ~~نسوا عهد الرجولة وألفوا أخلاق الدايات والأظآر وربوا عليها فلا ينزعون إلى ~~رئاسة ولا يعرفون استبدادا من تغلب إنما همهم في القنوع بالأبهة والتنفس في ~~اللذات وأنواع الترف وهذا التغلب يكون للموالي والمصطنعين عند استبداد عشير ~~الملك على قومهم وانفرادهم به دونهم وهو عارض للدولة ضروري كما قدمناه ~~وهذان مرضان لا برء للدولة منهما إلا في الأقل النادر والله يؤتي ملكه من ~~يشاء وهو على كل شيء قدير # | الفصل الثاني والعشرون # في أن المتغلبين على السلطان لا يشاركونه في اللقب الخاص بالملك # وذلك أن الملك والسلطان حصل لأوليه مذ أول الدولة بعصبية قومه وعصبيته ~~التي استتبعتهم حتى استحكمت له ولقومه صبغة الملك والغلب وهي لم تزل باقية ~~وبها انحفظ رسم الدولة وبقاؤها وهذا المتغلب وإن كان صاحب عصبية من قبيل ~~الملك أو الموالي والصنائع فعصبيته مندرجة في عصبية أهل الملك وتابعة لها ~~وليس له صبغة في الملك وهو لا يحاول في استبداده انتزاع ثمراته من الأمر ~~والنهي والحل والعقد والإبرام والنقض يوهم فيها أهل الدولة أنه متصرف عن ~~سلطانه منفذ في ذلك من وراء الحجاب لأحكامه فهو يتجافى عن سمات الملك ~~وشاراته PageV01P186 وألقابه جيده ويبعد نفسه عن التهمة بذلك وإن حصل له ~~الاستبداد لأنه مستتر في استبداده ذلك بالحجاب الذي ضربه السلطان وأولوه ~~على أنفسهم عن القبيل منذ أول الدولة ومغالط عنه بالنيابة ولو تعرض لشيء من ~~ذلك لنفسه عليه أهل العصبية وقبيل الملك وحاولوا الاستئثار به دونه لأنه لم ms195 ~~تستحكم له في ذلك صبغة تحملهم على التسليم له والانقياد فيهلك لأول وهلة ~~وقد وقع مثل هذا لعبد الرحمن بن الناصر بن منصور بن أبي عامر حين سما إلى ~~مشاركة هشام وأهل بيته في لقب الخلافة ولم يقنع بما قنع به أبوه وأخوه من ~~الاستبداد بالحل والعقد والمراسم المتتابعة فطلب من هشام خليفته أن يعهد له ~~بالخلافة فنفس ذلك عليه بنو مروان وسائر قريش وبايعوا لابن عم الخليفة هشام ~~محمد بن عبد الجبار بن الناصر وخرجوا عليهم وكان في ذلك خراب دولة ~~العامريين وهلاك المؤيد خليفتهم واستبدل منه سواه من أعياص الدولة إلى ~~آخرها واختلت مراسم ملكهم والله خير الوارثين # | الفصل الثالث والعشرون # في حقيقة الملك وأصنافه # الملك منصب طبيعي للإنسان لأنا قد بينا أن البشر لا يمكن حياتهم ووجودهم ~~إلا باجتماعهم وتعاونهم على تحصيل قوتهم وضرورياتهم وإذا اجتمعوا دعت ~~الضرورة إلى المعاملة واقتضاء الحاجات ومد كل واحد منهم يده إلى حاجته ~~يأخذها من صاحبه لما في الطبيعة الحيوانية من الظلم والعدوان بعضهم على بعض ~~ويمانعه الآخر عنها بمقتضى الغضب والأنفة ومقتضى القوة البشرية في ذلك فيقع ~~التنازع المفضي إلى المقاتلة وهي تؤدي إلى الهرج وسفك الدماء وإذهاب النفوس ~~المفضي ذلك إلى انقطاع النوع وهو مما خصه الباري سبحانه بالمحافظة فاستحال ~~بقاؤهم فوضى دون حاكم يزع بعضهم عن بعض واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو ~~الحاكم عليهم يزع بعضهم عن بعض واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم ~~عليهم وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم ولا بد في ذلك من ~~العصبية لما قدمناه من أن المطالبات كلها والمدافعات لا تتم إلا بالعصبية ~~وهذا الملك كما تراه منصب شريف تتوجه نحوه المطالبات ويحتاج إلى المدافعات ~~ولا يتم شيء PageV01P187 من ذلك إلا بالعصبيات كما مر والعصبيات متفاوتة ~~وكل عصبية فلها تحكم وتغلب على من يليها من قومها وعشيرها وليس الملك لكل ~~عصبية وإنما الملك على الحقيقة لمن يستعبد الرعية ويجبي الأموال ويبعث ~~البعثوث ويحمي الثغور ولا تكون فوق يده ms196 يد قاهرة وهذا معنى الملك وحقيقته ~~في المشهور فمن قصرت به عصبيته عن بعضها مثل حماية الثغور أو جباية الأموال ~~أو بعث البعوث فهو ملك ناقص لم تتم حقيقته كما وقع لكثير من ملوك البربر في ~~دولة الأغالبة بالقيروان ولملوك العجم صدر الدولة العباسية ومن قصرت به ~~عصبيته أيضا عن الاستعلاء على جميع العصبيات والضرب على سائر الأيدي وكان ~~فوقه حكم غيره فهو أيضا ملك ناقص لم تتم حقيقته وهؤلاء مثل أمراء النواحي ~~ورؤساء الجهات الذين تجمعهم دولة واحدة وكثيرا ما يوجد هذا في الدولة ~~المتسعة النطاق أعني توجد ملوك على قومهم في النواحي القاصية يدينون بطاعة ~~الدولة التي جمعتهم مثل صنهاجة مع العبيديين وزناتة مع الأمويين تارة ~~والعبيديين تارة أخرى ومثل ملوك العجم في دولة بني العباس ومثل ملوك ~~الطوائف من الفرس مع الإسكندر وقومه اليونانيين وكثير من هؤلاء فاعتبره ~~تجده والله القاهر فوق عباده # | الفصل الرابع والعشرون # في أن إرهاف الحد مضر بالملك ومفسد له في الأكثر # اعلم أن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته وجسمه من حسن شكله أو ~~ملاحة وجهه أو عظم جثمانه أو اتساع علمه أو جودة خطه أو ثقوب ذهنه وإنما ~~مصلحتهم فيه من حيث إضافته إليهم فإن الملك والسلطان من الأمور الإضافية ~~وهي نسبة بين منتسبين فحقيقة السلطان أنه المالك للرعية القائم في أمورهم ~~عليهم فالسلطان من له رعية والرعية من لها سلطان والصفة التي لها من حيث ~~إضافته إليهم هي التي تسمى الملكة وهي كونه يملكهم فإذا كانت هذه الملكة ~~وتوابعها من الجودة بمكان حصل المقصود من السلطان على أتم الوجوه فإنها إن ~~كانت جميلة صالحة كان ذلك مصلحة لهم وإن كانت سيئة متعسفة كان ذلك ضررا ~~عليهم وألا كالهم ويعود حسن الملكة إلى الرفق فإن الملك إذا كان قاهرا ~~باطشا بالعقوبات منقبا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم شملهم الخوف والذل ~~ولاذوا منه بالكذب والمكر PageV01P188 والخديعة فتخلقوا بها وفسدت بصائرهم ~~وأخلاقهم وربما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات ففسدت الحماية بفساد ~~النبات ms197 وربما أجمعوا على قتله لذلك فتفسد الدولة ويخرب السياج وإن دام أمره ~~عليهم وقهره فسدت العصبية لما قلناه أولا وفسد السياج من أصله بالعجز عن ~~الحماية وإذا كان رفيقا بهم متجاوزا عن سيئاتهم استناموا إليه ولاذوا به ~~وأشربوا محبته واستماتوا دونه في محاربة أعدائه فاستقام الأمر من كل جانب ~~وأما توابع حسن الملكة فهي النعمة عليهم والمدافعة عنهم فالمدافعة بها تتم ~~حقيقة الملك وأما النعمة عليهم والإحسان لهم فمن جملة الرفق بهم والنظر لهم ~~في معاشهم وهي أصل كبير من التحبب إلى الرعية واعلم أنه قلما تكون ملكة ~~الرفق في من يكون يقظا شديد الذكاء من الناس وأكثر ما يوجد الرفق في الغفل ~~والمتغفل وأقل ما يكون في اليقظ لأنه يكلف الرعية فوق طاقتهم لنفوذ نظره ~~فيما وراء مداركهم واطلاعه على عواقب الأمور في مبادئها بالمعية فيهلكون ~~لذلك قال صلى الله عليه وسلم سيروا على سير أضعفتكم ومن هذا الباب اشترط ~~الشارع في الحاكم قلة الإفراط في الذكاء ومأخذه من قصة زياد بن أبي سفيان ~~لما عزله عمر عن العراق وقال له لم عزلتني يا أمير المؤمنين ألعجز أم ~~لخيانة فقال عمر لم أعزلك لواحدة منهما ولكني كرهت أن أحمل فضل عقلك عن ~~الناس فأخذ من هذا أن الحاكم لا يكون مفرط الذكاء والكيس مثل زياد بن أبي ~~سفيان وعمرو بن العاص لما يتبع ذلك من التعسف وسوء الملكة وحمل الوجود على ~~ما ليس في طبعه كما يأتي في آخر هذا الكتاب والله خير المالكين وتقرر من ~~هذا أن الكيس والذكاء عيب في صاحب السياسة لأنه إفراط في الفكر كما أن ~~البلادة إفراط في والجمود الطرفان مذمومان من كل صفة إنسانية والمحمود هو ~~التوسط كما في الكرم مع التبذير والبخل وكما في الشجاعة مع الهوج والجبن ~~وغير ذلك من الصفات الإنسانية ولهذا يوصف الشديد الكيس بصفات الشيطان فيقال ~~شيطان ومتشيطن وأمثال ذلك والله يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ~~PageV01P189 # | الفصل الخامس والعشرون # في معنى الخلافة والإمامة # لما كانت حقيقة الملك ms198 أنه الاجتماع الضروري للبشر ومقتضاه التغلب والقهر ~~اللذان هما من آثار الغضب والحيوانية كانت أحكام صاحبه في الغالب جائزة عن ~~الحق مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم لحمله إياهم في الغالب ~~على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته ويختلف ذلك باختلاف المقاصد من ~~الخلف والسلف منهم فتعسر طاعته لذلك وتجيء العصبية المفضية إلى الهرج ~~والقتل فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة ~~ينقادون إلى أحكامها كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم وإذا خلت الدولة من ~~مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها ولم يتم استيلاؤها سنة الله في الذين خلوا ~~من قبل فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها ~~كانت سياسة عقلية وإذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت ~~سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة وذلك أن الخلق ليس المقصود ~~بهم دنياهم فقط فإنها كلها عبث وباطل إذ غايتها الموت والفناء والله يقول ~~أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا فالمقصود بهم إنما هو دينهم المفضي بهم إلى ~~السعادة في آخرتهم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض فجاءت ~~الشرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة حتى في الملك ~~الذي هو طبيعي للاجتماع الإنساني فأجرته على منهاج الدين ليكون الكل محوطا ~~بنظر الشارع فما كان منه بمقتضى القهر والتغلب وإهمال القوة العصبية في ~~مرعاها فجور وعدوان ومذموم عنده كما هو مقتضى الحكمة السياسية وما كان منه ~~بمقتضى السياسة وأحكامها فمذموم أيضا لأنه نظر بغير نور الله ومن لم يجعل ~~الله له نورا فما له من نور لأن الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيب ~~عنهم من أمور آخرتهم وأعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم من ملك أو ~~غيره قال صلى الله عليه وسلم إنما هي أعمالكم ترد عليكم وأحكام السياسة ~~إنما تطلع على مصالح الدنيا فقط يعلمون ظاهرا من حياة الدنيا ومقصود الشارع ~~بالناس صلاح آخرتهم فوجب بمقتضى الشرائع حمل الكافة ms199 PageV01P190 على ~~الأحكام الشرعية في أحوال دنياهم وآخرتهم وكان هذا الحكم لأهل الشريعة وهم ~~الأنبياء ومن قام فيه مقامهم وهم الخلفاء فقد تبين لك من ذلك معنى الخلافة ~~وأن الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة والسياسي هو حمل ~~الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار ~~والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية ~~والدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى ~~اعتبارها بمصالح الآخرة فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين ~~وسياسة الدنيا به فافهم ذلك واعتبره فيما نورده عليك من بعد والله الحكيم ~~العليم # | الفصل السادس والعشرون # في اختلاف الأمة في حكم هذا المنصب وشروطه # وإذ قد بينا حقيقة هذا المنصب وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين ~~وسياسة الدنيا به تسمى خلافة وإمامة والقائم به خليفة وإماما فأما تسميته ~~إماما فتشبيها بإمام الصلاة في اتباعه والاقتداء به ولهذا يقال الإمامة ~~الكبرى وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي في أمته فيقال خليفة بإطلاق ~~وخليفة رسول الله واختلف في تسميته خليفة الله فأجازه بعضهم اقتباسا من ~~الخلافة العامة التي للآدميين في قوله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة وقوله ~~جعلكم خلائف الأرض ومنع الجمهور منه لأن معنى الآية ليس عليه وقد نهى أبو ~~بكر عنه لما دعي به وقال لست خليفة الله ولكني خليفة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولأن الاستخلاف إنما هو في حق الغائب وأما الحاضر فلا ثم إن نصب ~~الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين لأن أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله ~~عنه وتسليم النظر إليه في أمورهم وكذا في كل عصر من بعد ذلك ولم تترك الناس ~~فوضى في عصر من الأعصار واستقر ذلك إجماعا دالا على وجوب نصب الإمام وقد ~~ذهب بعض الناس إلى أن مدرك وجوبه العقل وأن الإجماع الذي وقع إنما هو ms200 قضاء ~~بحكم العقل فيه قالوا وإنما وجب بالعقل لضرورة الاجتماع للبشر واستحالة ~~حياتهم ووجودهم منفردين ومن ضرورة PageV01P191 الاجتماع التنازع لازدحام ~~الأغراض فما لم يكن الحاكم الوازع أفضى ذلك إلى الهرج المؤذن بهلاك البشر ~~وانقطاعهم مع أن حفظ النوع من مقاصد الشرع الضرورية وهذا المعنى بعينه هو ~~الذي لحظه الحكماء في وجوب النبؤات في البشر وقد نبهنا على فساده وأن إحدى ~~مقدماته أن الوازع إنما يكون بشرع من الله تسلم له الكافة تسليم إيمان ~~واعتقاد وهو غير مسلم لأن الوازع قد يكون بسطوة الملك وقهر أهل الشوكة ولو ~~لم يكن شرع كما في أمم المجوس وغيرهم ممن ليس له كتاب أو لم تبلغه الدعوة ~~أو نقول يكفي في رفع التنازع معرفة كل واحد بتحريم الظلم عليه بحكم العقل ~~فادعاؤهم أن ارتفاع التنازع إنما يكون بوجود الشرع هناك ونصب الإمام هنا ~~غير صحيح بل كما يكون بنصب الإمام يكون بوجود الرؤساء أهل الشوكة أو ~~بامتناع الناس عن التنازع والتظالم فلا ينهض دليلهم العقلي المبني على هذه ~~المقدمة فدل على أن مدرك وجوبه إنما هو بالشرع وهو الإجماع الذي قدمناه وقد ~~شذ بعض الناس فقال بعدم وجوب هذا النصب رأسا لا بالعقل ولا بالشرع منهم ~~الأصم من المعتزلة وبعض الخوارج وغيرهم والواجب عند هؤلاء إنما هو إمضاء ~~الحكم الشرع فإذا تواطأت الأمة على العدل وتنفيذ أحكام الله تعالى لم يحتج ~~إلى إمام ولا يجب نصبه وهؤلاء محجوجون بالإجماع والذي حملهم على هذا المذهب ~~إنما هو الفرار عن الملك ومذاهبه من الاستطالة والتغلب والاستمتاع بالدنيا ~~لما رأوا الشريعة ممتلئة بذم ذلك والنهي على أهله ومرغبة في رفضه واعلم أن ~~الشرع لم يذم الملك لذاته ولا حظر القيام به وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه ~~من القهر والظلم والتمتع باللذات ولا شك أن في هذه مفاسد محظورة وهي من ~~توابعه كما أثنى على العدل والنصفة وإقامة مراسم الدين والذب عنه وأوجب ~~بإزائها الثواب وهي كلها من توابع الملك فإذا إنما وقع الذم للملك على صفة ~~وحال ms201 دون حال أخرى ولم يذمه لذاته ولا طلب تركه كما ذم الشهوة والغضب من ~~المكلفين وليس مراده تركهما بالكلية لدعاية الضرورة إليها وأما المراد ~~تصريفهما على مقتضى الحق وقد كان لداود وسليمان صلوات الله وسلامه عليهما ~~الملك الذي لم يكن لغيرهما وهما من أنبياء الله تعالى وأكرم الخلق عنده ~~PageV01P192 ثم نقول لهم إن هذا الفرار عن الملك بعدم وجوب هذا النصب لا ~~يغنيكم شيئا لأنكم موافقون على وجوب إقامة أحكام الشريعة وذلك لا يحصل إلا ~~بالعصبية والشوكة مقتضية بطبعها للملك فيحصل الملك وإن لم ينصب إمام وهو ~~عين ما قررتم عنه وإذا تقرر أن هذا النصب واجب بإجماع فهو من فروض الكفاية ~~وراجح إلى اختيار أهل العقد والحل فيتعين عليهم نصبه ويجب على الخلق جميعا ~~طاعته لقوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وأما شروط ~~هذا المنصب فهي أربعة العلم والعدالة والكفاية وسلامة الحواس والأعضاء مما ~~يؤثر في الرأي والعمل واختلف في شرط خامس وهو النسب القرشي فأما اشتراط ~~العلم فظاهر لأنه إنما يكون منفذا لأحكام الله تعالى إذا كان عالما بها وما ~~لم يعلمها لا يصح تقديمه لها ولا يكفي من العلم إلا أن يكون مجتهدا لأن ~~التقليد نقص والإمامة تستدعي الكمال في الأوصاف والأحوال وأما العدالة ~~فلأنه منصب ديني ينظر في سائر المناصب التي هي شرط فيها فكان أولى باشترطها ~~فيه ولا خلاف في انتفاء العدالة فيه بفسق الجوارح من ارتكاب المحظورات ~~وأمثالها وفي انتفائها بالبدع الاعتقادية خلاف وأما الكفاية فهو أن يكون ~~جريئا على إقامة الحدود واقتحام الحروب بصيرا بها كفيلا يحمل الناس عليها ~~عارفا بالعصبية وأحوال الدهاء قويا على معاناة السياسة ليصح له بذلك ما جعل ~~إليه من حماية الدين وجهاد العدو وإقامة الأحكام وتدبير المصالح وأما سلامة ~~الحواس والأعضاء من النقص والعطلة كالجنون والعمى والصم والخرس وما يؤثر ~~فقده من الأعضاء في العمل كفقد اليدين والرجلين والانثيين فتشترط السلامة ~~منها كلها لتأثير ذلك في تمام عمله وقيامه بما جعل إليه وإن كان إنما ms202 يشين ~~في المنظر فقط كفقد إحدى هذه الأعضاء فشرط السلامة منه شرط كمال ويلحق ~~بفقدان الأعضاء المنع من التصرف وهو ضربان ضرب يلحق بهذه في اشتراط السلامة ~~منه شرط وجوب وهو القهر والعجز عن التصرف جملة بالأسر وشبهه وضرب لا يلحق ~~بهذه وهو الحجر باستيلاء بعض أعوانه عليه من غير عصيان ولا مشاقة فينتقل ~~النظر في حال هذا المستولي فإن جرى على حكم الدين والعدل وحميد السياسة جاز ~~قراره وإلا استنصر المسلمون بمن يقبض يده عن ذلك ويدفع علته PageV01P193 ~~حتى ينفذ فعل الخليفة وأما النسب القرشي فلإجماع الصحابة يوم السقيفة على ~~ذلك واحتجت قريش على الأنصار لما هموا يومئذ ببيعة سعد بن عبادة وقالوا منا ~~أمير ومنكم أمير بقوله صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش وبأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أوصانا بأن نحسن إلى محسنكم ونتجاوز عن مسيئكم ولو كانت ~~الإمارة فيكم لم تكن الوصية بكم فحجوا الأنصار ورجعوا عن قولهم منا أمير ~~ومنكم أمير وعدلوا عما كانوا هموا به من بيعة سعد لذلك وثبت أيضا في الصحيح ~~لا يزال هذا الأمر في هذا الحي من قريش وأمثال هذه الأدلة كثيرة إلا أنه ~~لما ضعف أمر قريش وتلاشت عصبيتهم بما نالهم من الترف والنعيم وبما أنفقتهم ~~الدولة في سائر أقطار الأرض عجزوا بذلك عن حمل الخلافة وتغلبت عليهم ~~الأعاجم وصار الحل والعقد لهم فاشتبه ذلك على كثير من المحققين حتى ذهبوا ~~إلى نفي اشتراط القرشية وعولوا على ظواهر في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ~~اسمعوا وأطيعوا وإن ولي عليكم عبد حبشي ذو زبيبة وهذا لا تقوم به حجة في ~~ذلك فإنه خرج مخرج التمثيل والغرض للمبالغة في إيجاب السمع والطاعة ومثل ~~قول عمر لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته أو لما دخلتني فيه الظنة وهو ~~أيضا لا يفيد ذلك لما علمت أن مذهب الصحابي ليس بحجة وأيضا فمولى القوم ~~منهم وعصبية الولاء حاصلة لسالم في قريش وهي الفائدة في اشتراط النسب ولما ~~استعظم عمر أمر الخلافة ms203 ورأى شروطها كأنها مفقودة في ظنه عدل إلى سالم ~~لتوفر شروط الخلافة عنده فيه حتى من النسب المفيد للعصبية كما نذكر ولم يبق ~~إلا صراحة النسب فرآه غير محتاج إليه إذ الفائدة في النسب إنما هي العصبية ~~وهي حاصلة من الولاء فكان ذلك حرصا من عمر رضي الله عنه على النظر للمسلمين ~~وتقليد أمرهم لمن لا تلحقه فيه لائمة ولا عليه فيه عهدة ومن القائلين بنفي ~~اشتراط القرشية القاضي أبو بكر الباقلاني لما أدرك عليه عصبية قريش من ~~التلاشي والاضمحلال واستبداد ملوك العجم من الخلفاء فأسقط شرط القرشية وإن ~~كان موافقا لرأي الخوارج لما رأى عليه حال الخلفاء لعهده وبقي الجمهور على ~~القول باشتراطها وصحة الإمامة للقرشي ولو كان عاجزا عن القيام بأمور ~~المسلمين ورد عليهم سقوط شرط الكفاية التي يقوى بها على أمره لأنه إذا ذهبت ~~PageV01P194 الشوكة بذهاب العصبية فقد ذهبت الكفاية وإذا وقع الإخلال بشرط ~~الكفاية تطرق ذلك أيضا إلى العلم والدين وسقط اعتبار شروط هذا المنصب وهو ~~خلاف الاجتماع ولنتكلم الآن في حكمة اشتراط النسب ليتحقق به الصواب في هذا ~~المذاهب فنقول إن الأحكام الشرعية كلها لا بد لها من مقاصد وحكم تشتمل ~~عليها وتشرع لأجلها ونحن إذا بحثنا عن الحكمة في اشتراط النسب القرشي ومقصد ~~الشارع منه لم يتقصر فيه على التبرك بوصلة النبي صلى الله عليه وسلم كما هو ~~في المشهور وإن كانت تلك الوصلة موجودة والتبرك بها حاصلا لكن التبرك ليس ~~من المقاصد الشرعية كما علمت فلا بد إذن من المصلحة في اشتراط النسب وهي ~~المقصودة من مشروعيتها وإذا سبرنا وقسمنا لم نجدها إلا اعتبار العصبية التي ~~تكون بها الحماية والمطالبة ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها لصاحب المنصب ~~فتسكن إليه الملة وأهلها وينتظم حبل الإلفة فيها وذلك أن قريشا كانوا عصبة ~~مضر وأصلهم وأهل الغلب منهم وكان لهم على سائر مضر العزة بالكثرة والعصبية ~~والشرف فكان سائر العرب يعترف لهم بذلك ويستكينون لغلبهم فلو جعل الأمر في ~~سواهم لتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم ولا ms204 يقدر غيرهم من ~~قبائل مضر أن يردهم عن الخلاف ولا يحملهم على الكرة فتتفرق الجماعة وتختلف ~~الكلمة والشارع محذر من ذلك حريص على اتفاقهم ورفع التنازع والشتات بينهم ~~لتحصل اللحمة والعصبية وتحسن الحماية بخلاف ما إذا كان الأمر في قريش لأنهم ~~قادرون على سوق الناس بعصا الغلب إلى ما يراد منهم فلا يخشى من أحد من خلاف ~~عليهم ولا فرقة لأنهم كفيلون حينئذ بدفعها ومنع الناس منها فاشترط نسبهم ~~القرشي في هذا المنصب وهم أهل العصبية القوية ليكون أبلغ في انتظام الملة ~~واتفاق الكلمة وإذا انتظمت كلمتهم انتظمت بانتظامها كلمة مضر أجمع فأذعن ~~لهم سائر العرب وانقادت الأمم سواهم إلى أحكام الملة ووطئت جنودهم قاصية ~~البلاد كما وقع في أيام الفتوحات واستمر بعدها في الدولتين إلى أن اضمحل ~~أمر الخلافة وتلاشت عصبية العرب ويعلم ما كان لقريش من الكثرة والتغلب على ~~بطون مضر من مارس أخبار العرب وسيرهم وتفطن لذلك في أحوالهم وقد ذكر ذلك ~~ابن إسحاق PageV01P195 في كتاب السير وغيره فإذا ثبت أن اشتراط القرشية ~~إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب وعلمنا أن الشارع لا ~~يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه ~~إليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية ~~فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة ~~على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم وتجتمع الكلمة على حسن الحماية ولا ~~يعلم ذلك في الأقطار والآفاق كما كان في القرشية إذ الدعوة الإسلامية التي ~~كانت لهم كانت عامة وعصبية العرب كانت وافية بها فغلبوا سائر الأمم وإنما ~~يخص لهذا العهد كل قطر بمن تكون له فيه العصبية الغالبة وإذا نظرت سر الله ~~في الخلافة لم تعد هذا لأنه سبحانه إنما جعل الخليفة نائبا عنه في القيام ~~بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم وهو مخاطب بذلك ولا ~~يخاطب بالأمر إلا من له قدرة عليه ألا ترى ما ذكره ms205 الإمام ابن الخطيب في ~~شأن النساء وأنهن في كثير من الأحكام الشرعية جعلن تبعا للرجال ولم يدخلن ~~في الخطاب بالوضع وإنما دخلن عنده بالقياس وذلك لما لم يكن لهن من الأمر ~~شيء وكان الرجال قوامين عليهن اللهم إلا في العبادات التي كل أحد فيها قائم ~~على نفسه فخطابهن فيها بالوضع لا بالقياس ثم إن الوجود شاهد بذلك فإنه لا ~~يقوم بأمر أمة أو جيل إلا من غلب عليهم وقل أن يكون الآمر الشرعي مخالفا ~~للأمر الوجودي والله تعالى أعلم # | الفصل السابع والعشرون # في مذاهب الشيعة في حكم الإمامة # اعلم أن الشيعة لغة هم الصحب والأتباع ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين ~~من الخلف والسلف على اتباع علي وبنيه رضي الله عنهم ومذهبهم جميعا متفقين ~~عليه أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة ويتعين ~~القائم بها بتعيينهم بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام ولا يجوز للنبي إغفاله ~~ولا تفويضه إلى الأمة بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ويكون معصوما من ~~الكبائر والصغائر وإن PageV01P196 عليا رضي الله عنه هو الذي عينه صلوات ~~الله وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها ~~جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد ~~عن تأويلاتهم الفاسدة وتنقسم هذه النصوص عندهم إلى جلي وخفي فالجلي مثل ~~قوله من كنت مولاه فعلي مولاه قالوا ولم تطرد هذه الولاية إلا في علي ولهذا ~~قال له عمر أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة ومنها قوله أقضاكم علي ولا معنى ~~للإمامة إلا القضاء بأحكام الله وهو المراد بأولي الأمر الواجبة طاعتهم ~~بقوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم والمراد الحكم والقضاء ~~ولهذا كان حكما في قضية الإمامة يوم السقيفة دون غيره ومنها قوله من ~~يبايعني على روحه وهو وصي وولي هذا الأمر من بعدي فلم يبايعه إلا علي ومن ~~الخفي عندهم بعث النبي صلى الله عليه وسلم لقراءة سورة براءة في الموسم حين ~~أنزلت فإنه بعث بها أولا أبا بكر ms206 ثم أوحي إليه ليبلغه رجل منك أو من قومك ~~فبعث عليا ليكون القارىء المبلغ قالوا وهذا يدل على تقديم علي وأيضا فلم ~~يعرف أنه قدم أحدا على علي وأما أبو بكر وعمر فقدم عليهما في غزاتين أسامة ~~بن زيد مرة وعمر بن العاص أخرى وهذه كلها أدلة شاهدة بتعيين علي للخلافة ~~دون غيره فمنها ما هو غير معروف ومنها ما هو بعيد عن تأويلهم ثم منهم من ~~يرى أن هذه النصوص تدل على تعيين علي وتشخيصه وكذلك تنتقل منه إلى من بعده ~~وهؤلاء هم الإمامية ويتبرأون من الشيخين حيث لم يقدموا عليا ويبايعوه ~~بمقتضى هذه النصوص ويغمصون في إمامتها ولا يلتفت إلى نقل القدح فيهما من ~~غلاتهم فهو مردود عندنا وعندهم ومنهم من يقول إن هذه الأدلة إنما اقتضت ~~تعيين علي بالوصف لا بالشخص والناس مقصرون حيث لم يضعوا الوصف موضعه ولا هم ~~الزيدية ولا يتبرأون من الشيخين ولا يغمصون في إمامتها مع قولهم بأن عليا ~~أفضل منهما لكنهم يجوزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل ثم اختلفت نقول ~~هؤلاء الشيعة في مساق الخلافة بعد علي فمنهم من ساقها في ولد فاطمة بالنص ~~عليهم واحدا بعد واحد على ما يذكر بعد هؤلاء يسمون الإمامية نسبة إلى ~~مقالتهم باشتراط معرفة الإمام وتعيينه في الإيمان وهي أصل عندهم ومنهم من ~~ساقها في ولد فاطمة لكن بالاختيار مع الشيوخ ويشترط أن يكون الإمام منهم ~~عالما PageV01P197 زاهدا جوادا شجاعا ويخرج داعيا إلى إمامته وهؤلاء ثم ~~الزيدية نسبة إلى صاحب المذهب وهو زيد بن علي بن الحسين السبط وقد كان ~~يناظر أخاه محمدا الباقر على اشتراط الخروج في الإمام فيلزمه الباقر أن لا ~~يكون أبوهما زين العابدين إماما لأنه لم يخرج ولا تعرض للخروج وكان مع ذلك ~~ينعى عليه مذاهب المعتزلة وأخذه إياها عن واصل بن عطاء ولما ناظر الإمامية ~~زيدا في إمامة الشيخين ورأوه يقول بإمامتهما ولا يتبرأ منهما رفضوه ولم ~~يجعلوه من الأئمة وبذلك سموا رافضة ومنهم من ساقها بعد علي وابنيه السبطين ~~على ms207 اختلافهم في ذلك إلى أخيهما محمد بن الحنفية ثم إلى ولده وهم الكيسانية ~~نسبة إلى كيسان مولاه وبين هذه الطوائف اختلافات كثيرة تركناها اختصارا ~~ومنهم طوائف يسمون الغلاة تجاوزا حد العقل والإيمان في القول بألوهية هؤلاء ~~الأئمة إما على أنهم بشر اتصفوا بصفات الألوهية أو أن الإله حل في ذاته ~~البشرية وهو قول بالحلول يوافق مذهب النصارى في عيسى صلوات الله عليه ولقد ~~حرق علي رضي الله عنه بالنار من ذهب فيه إلى ذلك منهم وسخط محمد بن الحنفية ~~المختار بن أبي عبيد لما بلغه مثل ذلك عنه فصرح بلعنته والبراءة منه وكذلك ~~فعل جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه بمن بلغه مثل هذا عنه ومنهم من يقول إن ~~كمال الإمام لا يكون لغيره فإذا مات انتقلت روحه إلى إمام آخر ليكون فيه ~~ذلك الكمال وهو قول بالتناسخ ومن هؤلاء الغلاة من يقف عند واحد من الأئمة ~~لا يتجاوزه إلى غيره بحسب من يعين لذلك عندهم وهؤلاء هم الواقفية فبعضهم ~~يقول هو حي لم يمت إلا أنه غائب عن أعين الناس ويستشهدون لذلك بقصة الخضر ~~قيل مثل ذلك في علي رضي الله عنه وإنه في السحاب والرعد صوته والبرق في ~~صوته وقالوا مثله في محمد بن الحنفية وإنه في جبل رضوى من أرض الحجاز وقال ~~شاعرهم % ألا إن الأئمة من قريش % ولاة الحق أربعة سواه % % علي والثلاثة ~~من بنيه % هم الأسباط ليس بهم خفاء % % فسبط سبط إيمان وبر % وسبط غيبته ~~كربلاء % % وسبط لا يذوق الموت حتى % يقود الجيش يقدمه اللواء % ~~PageV01P198 % تغيب لا يرى فيهم زمانا % برضوى عنده عسل وماء % $ # وقال مثله غلاة الإمامية وخصوصا الاثنا عشرية منهم يزعمون أن الثاني عشر ~~من أئمتهم وهو محمد بن الحسن العسكري ويلقبونه المهدي دخل في سرداب بدارهم ~~في الحلة وتغيب حين اعتقل مع أمه وغاب هنالك وهو يخرج آخر الزمان فيملأ ~~الأرض عدلا يشيرون بذلك إلى الحديث الواقع في كتاب الترمذي في المهدي وهم ~~إلى الآن ينتظرونه ويسمونه المنتظر لذلك ويقفون في كل ms208 ليلة بعد صلاة المغرب ~~بباب هذا السرداب وقد قدموا مركبا فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى تشتبك ~~النجوم ثم ينفضون ويرجئون الأمر إلى الليلة الآتية وهم على ذلك لهذا العهد ~~وبعض هؤلاء الواقفية يقول إن الإمام الذي مات يرجع إلى حياته الدنيا ~~ويستشهدون لذلك بما وقع في القرآن الكريم من قصة أهل الكهف والذي مر على ~~قرية وقتيل بني إسرائيل حين ضرب بعظام البقرة التي أمروا بذبحها ومثل ذلك ~~من الخوارق التي وقعت على طريق المعجزة ولا يصح الاستشهاد بها في غير ~~مواضعها وكان من هؤلاء السيد الحميري ومن شعره في ذلك % إذا ما المرء شاب ~~له قذال % وعللته المواشط بالخضاب % % فقد ذهبت بشاشته وأودى % فقم يا صاح ~~نبك على الشباب % % إلى يوم تتوب الناس فيه % إلى دنياهم قبل الحساب % % ~~فليس بعائد ما فات منه % إلى أحد إلى يوم الإياب % % أدين بأن ذلك دين حق % ~~وما أنا في النشور بذي ارتياب % % كذاك الله أخبر عن أناس % حيوا من بعد ~~درس في التراب % $ # وقد كفانا مؤونة هؤلاء الغلاة أئمة الشيعة فإنهم لا يقولون بها ويبطلون ~~احتاجاتهم عليها وأما الكيسانية فسباقوا الإمامة من بعد محمد بن الحنفية ~~وإلى ابنه أبي هاشم وهؤلاء هم الهاشمية ثم افترقوا فمنهم من ساقها بعده إلى ~~أخيه علي ثم إلى ابنه الحسن ابن علي وآخرون يزعمون أن أبا هاشم لما مات ~~بأرض السراة منصرفا من الشام أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ~~وأوصى محمد إلى ابنه إبراهيم المعروف بالإمام وأوصى إبراهيم إلى أخيه عبد ~~الله بن الحارثية الملقب بالسفاح وأوصى هو PageV01P199 إلى أخيه عبد الله ~~أبي جعفر الملقب بالمنصور وانتقلت في ولده بالنص والعهد واحدا بعد واحد إلى ~~آخرهم وهذا مذهب الهاشمية القائمين بدولة بني العباس وكان منهم أبو مسلم ~~وسليمان بن كثير وأبو سلمة الخلال وغيرهم من شيعة العباسية وربما يعضدون ~~ذلك بأن حقهم في هذا الأمر يصل إليهم من العباس لأنه كان حيا وقت الوفاة ~~وهو أولى بالوراثة بعصبية العمومة وأما الزيدية ms209 فساقوا الإمامة على مذهبهم ~~فيها وإنها باختيار أهل الحل والعقد لا بالنص فقالوا بإمامة علي ثم ابنه ~~الحسن ثم أخيه الحسين ثم ابنه زيد بن علي وهو صاحب هذا المذهب وخرج بالكوفة ~~داعيا إلى الإمامة فقتل وصلب بالكناسة وقال الزيدية بإمامة ابنه يحيى من ~~بعده فمضى إلى خراسان وقتل بالجوزجان بعد أن أوصى إلى محمد بن عبد الله بن ~~حسن بن الحسن السبط ويقال له النفس الزكية فخرج بالحجاز وتلقب بالمهدي ~~وجاءته عساكر المنصور فقتل وعهد إلى أخيه إبراهيم فقام بالبصرة ومعه عيسى ~~بن زيد بن علي فوجه إليهم المنصور عساكره فهزم وقتل إبراهيم وعيسى وكان ~~جعفر الصادق أخبرهم بذلك كله وهي معدودة في كراماته وذهب آخرون منهم إلى أن ~~الإمام بعد محمد ابن عبد الله النفس الزكية هو محمد بن القاسم بن علي بن ~~عمر وعمر هو أخو زيد ابن علي فخرج محمد بن القاسم بالطالقان فقبض عليه وسيق ~~إلى المعتصم فحبسه ومات في حبسه وقال آخرون من الزيدية إن الإمام بعد يحيى ~~بن زيد هو أخوه عيسى الذي حضر مع إبراهيم بن عبد الله في قتاله مع منصور ~~ونقلوا الإمامة في عقبه وإليه انتسب دعي الزنج كما نذكره في أخبارهم وقال ~~آخرون من الزيدية إن الإمام بعد محمد بن عبد الله أخوه أدريس الذي فر إلى ~~المغرب ومات هنالك وقام بأمره ابنه أدريس واختط مدينة فاس وكان من بعده ~~عقبه ملوكا بالمغرب إلى أن انقرضوا كما نذكره في أخبارهم وبقي أمر الزيدية ~~بعد ذلك غير منتظم وكان منهم الداعي الذي ملك طبرستان وهو الحسن بن زيد بن ~~محمد بن إسماعيل ابن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين السبط وأخوه محمد بن ~~زيد ثم قام بهذه الدعوة في الديلم الناصر الأطروش منهم وأسلموا على يده وهو ~~الحسن بن علي بن الحسن ابن علي بن عمر وعمر أخو زيد بن علي فكانت لبنيه ~~بطبرستان دولة وتوصل PageV01P200 الديلم من نسبهم إلى الملك والاستبداد على ~~الخلفاء ببغداد كما نذكر في أخبارهم ms210 وأما الإمامية فساقوا الإمامة من علي ~~الرضى إلى ابنه الحسن بالوصية ثم إلى أخيه الحسين ثم إلى ابنه علي زين ~~العابدين ثم إلى ابنه محمد الباقر ثم إلى ابنه جعفر الصادق ومن هنا افترقوا ~~فرقتين فرقة ساقوها إلى ولده إسماعيل ويعرفونه بينهم بالإمام وهم ~~الإسماعيلية وفرقة ساقوها إلى ابنه موسى الكاظم وهم الاثنا عشرية لوقوفهم ~~عند الثاني عشر من الأئمة وقولهم بغيبته إلى آخر الزمان كما مر فأما ~~الإسماعيلية فقالوا بإمامة إسماعيل الإمام بالنص من أبيه جعفر وفائدة النص ~~عليه عندهم وإن كان قد مات قبل أبيه إنما هو بقاء الإمامة في عقبه كقصة ~~هارون مع موسى صلوات الله عليهما قالوا ثم انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى ~~ابنه محمد المكتوم وهو أول الأئمة المستورين لأن الإمام عندهم قد لا يكون ~~له شوكة فيستتر وتكون دعاته ظاهرين إقامة للحجة على الخلق وإذا كانت له ~~شوكة ظهر وأظهر دعوته قالوا وبعد محمد المكتوم ابنه جعفر الصادق وبعده ابنه ~~محمد الحبيب وهو آخر المستورين وبعده ابنه عبد الله المهدي الذي أظهر دعوته ~~أبو عبد الله الشيعي في كتامة وتتابع الناس على دعوته ثم أخرجه من معتقله ~~بسجلماسة وملك القيروان والمغرب وملك بنوه من بعد مصر كما هو معروف في ~~أخبارهم ويسمى هؤلاء نسبة إلى القول بإمامة إسماعيل ويسمون أيضا بالباطنية ~~نسبة إلى قولهم بالإمام الباطن أي المستور ويسمون أيضا الملحدة لما في ضمن ~~مقالتهم من الإلحاد ولهم مقالات قديمة ومقالات جديدة دعا إليها الحسن بن ~~محمد الصباح في آخر المائة الخامسة وملك حصونا بالشام والعراق ولم تزل ~~دعوته فيها إلى أن توزعها الهلاك بين ملوك الترك بمصر وملوك التتر بالعراق ~~فانقرضت ومقالة هذا الصباح في دعوته مذكورة في كتاب الملل والنحل ~~للشهرستاني وأما الاثنا عشرية فربما خصوا باسم الإمامية عند المتأخرين منهم ~~فقالوا بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق لوفاة أخيه الأكبر إسماعيل ~~الإمام في حياة أبيهما جعفر فنص على إمامة موسى هذا ثم ابنه علي الرضا الذي ~~عهد إليه المأمون ومات قبله ms211 فلم يتم له أمر ثم ابنه محمد التقي ثم ابنه علي ~~الهادي ثم ابنه محمد الحسن العسكري ثم ابنه محمد المهدي المنتظر الذي ~~قدمناه قبل وفي كل واحدة من PageV01P201 هذه المقالات للشيعة اختلاف كثير ~~إلا أن هذه أشهر مذاهبهم ومن أراد استيعابها ومطالعتها فعليه بكتاب الملل ~~والنحل لابن حزم والشهرستاني وغيرهما ففيها بيان ذلك والله يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وهو العلي الكبير # | الفصل الثامن والعشرون # في انقلاب الخلافة إلى الملك # إعلم أن الملك غاية طبيعية للعصبية ليس وقوعه عنها باختيار إنما هو ~~بضرورة الوجود وترتيبه كما قلناه من قبل وأن الشرائع والديانات وكل أمر يحل ~~عليه الجمهور فلا بد فيه من العصبية إذ المطالبة لا تتم إلا بها كما قدمناه # فالعصبية ضرورية للملة بوجودها يتم أمر الله منها وفي الصحيح ما بعث الله ~~نبيا إلا في منعة من قومه ثم وجدنا الشارع قد ذم العصبية وندب إلى أطراحها ~~وتركها فقال إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء أنتم بنو آدم ~~وآدم من تراب وقال تعالى @QB@ إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ ووجدناه أيضا ~~قد ذم الملك وأهله ونعى على أهله أحوالهم من الاستمتاع بالخلاف والإسراف في ~~غير القصد والتنكب عن صراط الله وإنما حض على الإلفة في الدين وحذر من ~~الخلاف والفرقة واعلم أن الدنيا كلها وأحوالها مطية للآخرة ومن فقد المطية ~~فقد الوصول وليس مراده فيما ينهى عنه أو يذمه من أفعال البشر أو يندب إلى ~~تركه إهماله بالكلية أو اقتلاعه من أصله وتعطيل القوى التي ينشأ عليها ~~بالكلية إنما قصده تصريفها في أغراض الحق جهد الاستطاعة حتى تصير المقاصد ~~كلها حقا وتتحد الوجهة كما قال صلى الله عليه وسلم من كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ~~يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه فلم يذم الغضب وهو يقصد نزعه من الإنسان ~~فإنه لو زالت منه قوة الغضب لفقد منه الانتصار للحق وبطل الجهاد ms212 وإعلاء ~~كلمة الله وإنما يذم الغضب للشيطان وللأغراض الذميمة فإذا كان الغصب لذلك ~~كان مذموما وإذا كان الغضب في الله ولله كان ممدوحا وهو من شمائله صلى الله ~~عليه وسلم وكذا ذم الشهوات أيضا ليس المراد إبطالها بالكلية فإن من بطلت ~~شهوته كان نقصا في حقه وإنما المراد تصريفها فيما أبيح له باشتماله ~~PageV01P202 على المصالح ليكون الإنسان عبدا متصرفا طوع الأوامر الإلهية ~~وكذا العصبية حيث ذمها الشارع وقال لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم فإنما ~~مراده حيث تكون العصبية على الباطل وأحواله كما كانت في الجاهلية وأن يكون ~~لأحد فخر بها أو حق على أحد لأن ذلك مجان من أفعال العقلاء وغير نافع في ~~الآخرة التي هي دار القرار فأما إذا كانت العصبية في الحق وإقامة أمر الله ~~فأمر مطلوب ولو بطل لبطلت الشرائع إذ لا يتم قوامها إلا بالعصبية كما قلناه ~~من قبل وكذا الملك لما ذمه الشارع لم يذم منه الغلب بالحق وقهر الكافة على ~~الدين ومراعاة المصالح وإنما ذمه لما فيه من التغلب بالباطل وتصريف ~~الآدميين طوع الأغراض والشهوات كما قلناه فلو كان الملك مخلصا في غلبه ~~للناس أنه لله ولحملهم على عبادة الله وجهاد عدوه لم يكن ذلك مذموما وقد ~~قال سليمان صلوات الله عليه رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي لما علم ~~من نفسه أنه بمعزل عن الباطل في النبؤة والملك ولما لقي معاوية عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنهما عند قدومه إلى الشام في أبهة الملك وزيه من العديد ~~والعدة استنكر ذلك وقال أكسروية يا معاوية فقال نقال يا أمير المؤمنين أنا ~~في ثغر تجاه العدو وبنا إلى مباهاتهم بزينة الحرب والجهاد حاجة فسكت ولم ~~يخطئه لما احتج عليه بمقصد من مقاصد الحق والدين فلو كان القصد رفض الملك ~~من أصله لم يقنعه الجواب في تلك الكسروية وانتحالها بل كان يحرض على خروجه ~~عنهما بالجملة وإنما أراد عمر بالكسروية ما كان عليه أهل فارس في ملكهم من ~~ارتكاب الباطل والظلم والبغي وسلوك ms213 سبله والغفلة عن الله وأجابه معاوية بأن ~~القصد بذلك ليس كسروية فارس وباطلهم وإنما قصده بها وجه الله فسكت وهكذا ~~كان شأن الصحابة في رفض الملك وأحواله ونسيان عوائده حذرا من التباسها ~~بالباطل فلما استحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر على ~~الصلاة إذ هي أهم أمور الدين وارتضاه الناس للخلافة وهي حمل الكافة على ~~أحكام الشريعة ولم يجر للملك ذكر لما أنه مظنة للباطل ونحلة يومئذ لأهل ~~الكفر وأعداء الدين فقام بذلك أبو بكر ما شاء الله متبعا سنن صاحبه وقاتل ~~أهل الردة حتى اجتمع العرب على الإسلام ثم عهد إلى عمر فاقتفى أثره وقاتل ~~الأمم فغلبهم وأذن للعرب بانتزاع PageV01P203 ما بأيديهم من الدنيا والملك ~~فغلبوهم عليه وانتزعوه منهم ثم صارت إلى عثمان بن عفان ثم إلى علي رضي الله ~~عنهما والكل متبرئون من الملك منكبون عن طرقه وأكد ذلك لديهم ما كانوا عليه ~~من غضاضة الإسلام وبداوة العرب فقد كانوا أبعد الأمم عن أحوال الدنيا ~~وترفها لا من حيث دينهم الذي يدعوهم إلى الزهد في النعيم ولا من حيث ~~بداوتهم ومواطنهم وما كانوا عليه من خشونة العيش وشظفه الذي ألفوه فلم تكن ~~أمة من الأمم أسغب عيشا من مضر لما كانوا بالحجاز في أرض غير ذات زرع ولا ~~ضرع وكانوا ممنوعين من الأرياف وحبوبها لبعدها واختصاصها بمن وليهما من ~~ربيعة واليمن فلم يكونوا يتطاولون إلى خصبها ولقد كانوا كثيرا ما يأكلون ~~العقارب والخنافس ويفخرون بأكل العلهز وهو وبر الإبل يمهونه بالحجارة في ~~الدم ويطبخونه وقريبا من هذا كانت حال قريش في مطاعمهم ومساكنهم حتى إذا ~~اجتمعت عصبية العرب على الدين بما أكرمهم الله من نبؤة محمد صلى الله عليه ~~وسلم زحفوا إلى امم فارس والروم وطلبوا ما كتب الله لهم من الأرض بوعد ~~الصدق فابتزوا ملكهم واستباحوا دنياهم فزخرت بحار الرفه لديهم حتى كان ~~الفارس الواحد يقسم له في بعض الغزوات ثلاثون ألفا من الذهب أو نحوها ~~فاستولوا من ذلك على ما لا يأخذه الحصر ms214 وهم مع ذلك على خشونة عيشهم فكان ~~عمر يرقع ثوبه بالجلد وكان علي يقول يا صفراء ويا بيضاء غري غيري وكان أبو ~~موسى يتجافى عن أكل الدجاج لأنه لم يعهدها للعرب لقلتها يومئذ وكانت ~~المناخل مفقودة عندهم بالجملة وإنما يأكلون الحنطة بنخالها ومكاسبهم مع هذا ~~أتم ما كانت لأحد من أهل العالم قال المسعودي في أيام عثمان اقتنى الصحابة ~~الضياع والمال فكان له يوم قتل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف ~~درهم وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائتا ألف دينا وخلف إبلا ~~وخيلا كثيرة وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار ~~وخلف ألف فرس وألف أمة وكانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كل يوم ومن ~~ناحية السراة أكثر من ذلك وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف ألف فرس وله ألف ~~بعير وعشرة آلاف من الغنم وبلغ من متروكه بعد وفاته أربعة وثمانين ألفا ~~وخلف زيد بن ثابت من الفضة والذهب ما كان يكسر PageV01P204 بالفؤوس غير ما ~~خلف من الأموال والضياع بمائة ألف دينار وبنى الزبير داره بالبصرة وكذلك ~~بنى بمصر والكوفة والإسكندرية وكذلك بنى طلحة داره بالكوفة وشيد داره ~~بالمدينة وبناها بالجص والآجر والساج وبنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق ~~ورفع سمكها وأوسع فضاءها وجعل على أعلاها شرفات وبنى المقداد داره بالمدينة ~~وجعلها مجصصة الظاهر والباطن وخلف لعلي بن منبه خمسين ألف دينار وعقارا ~~وغير ذلك ما قيمته ثلاثمائة ألف درهم ا ه كلام المسعودي فكانت مكاسب القوم ~~كما تراه ولم يكن ذلك منعيا عليهم في دينهم إذ هي أموال حلال لأنها غنائم ~~وفيوء ولم يكن تصرفهم فيها بإسراف إنما كانوا على قصد في أحوالهم كما قلناه ~~فلم يكن ذلك بقادح فيهم وإن كان الاستكثار من الدنيا مذموما فإنما يرجع إلى ~~ما أشرنا إليه من الإسراف والخروج به عن القصد وإذا كان حالهم قصدا ~~ونفقاتهم في سبل الحق ومذاهبه كان كذلك الاستكثار عونا لهم على طرق الحق ~~واكتساب الدار الآخرة ms215 فلما تدرجت البداوة والغضاضة إلى نهايتها وجاءت طبيعة ~~الملك التي هي مقتضى العصبية كما قلناه وحصل التغلب والقهر كان حكم ذلك ~~الملك عندهم حكم ذلك الرفه والاستكثار من الأموال فلم يصرفوا ذلك التغلب في ~~باطل ولا خرجوا به عن مقاصد الديانة ومذاهب الحق ولما وقعت الفتنة بين علي ~~ومعاوية وهي مقتضى العصبية كان طريقهم فيها الحق والاجتهاد ولم يكنوا في ~~محاربتهم لغرض دنيوي أو لإيثار باطل أو لاستشعار حقد كما قد يتوهمه متوهم ~~وينزع إليه ملحد وإنما اختلف اجتهادهم في الحق وسقة كل واحد نظر صاحبه ~~باجتهاده في الحق فاقتتلوا عليه وإن كان المصيب عليا فلم يكن معاوية قائما ~~فيها بقصد الباطل إنما قصد الحق وأخطأ والكل كانوا في مقاصدهم على حق ثم ~~اقتضت طبيعة الملك الانفراد بالمجد واستئثار الواحد به ولم يكن لمعاوية أن ~~يدفع عن نفسه وقومه فهو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها واستشعرته بنو ~~أمية ومن لم يكن على طريقة معاوية في اقتفاء الحق من أتباعهم فاعصوصبوا ~~عليه واستماتوا دونه ولو حملهم معاوية على غير تلك الطريقة وخالفهم في ~~الانفراد بالأمر لوقوع في افتراق الكلمة التي كان جمعها وتأليفها أهم عليه ~~من أمر ليس وراءه كبير مخالفة PageV01P205 وقد كان عمر بن عبد العزيز رضي ~~الله عنه يقول إذا رأى القاسم بن محمد بن أبي بكر لو كان لي من الأمر شيء ~~لوليته الخلافة ولو أراد أن يعهد إليه لفعل ولكنه كان يخشى من بني أمية أهل ~~الحل والعقد لما ذكرناه فلا يقدر أن يحول الأمر عنهم لئلا تقع الفرقة وهذا ~~كله إنما حمل عليه منازع الملك التي هي مقتضى العصبية فالملك إذا حصل ~~وفرضنا أن الواحد انفرد به وصرفه في مذاهب الحق ووجوهه لم يكن في ذلك نكير ~~عليه ولقد انفرد سليمان وأبوه داود صلوات الله عليهما بملك بني إسرائيل لما ~~اقتضته طبيعة الملك من الانفراد به وكانوا ما علمت من النبؤة والحق وكذلك ~~عهد معاوية إلى يزيد خوفا من افتراق الكلمة بما كانت بنو أمية لم ms216 يرضوا ~~تسليم الأمر إلى من سواهم فلو قد عهد إلى غيره واختلفوا عليه مع أن ظنهم ~~كان به صالحا ولا يرتاب أحد في ذلك ولا يظن بمعاوية غيره فلم يكن ليعهد ~~إليه وهو يعتقد ما كان عليه من الفسق حاشا الله لمعاوية من ذلك وكذلك كان ~~مروان ابن الحكم وابنه وإن كانوا ملوكا لم يكن مذهبهم في الملك مذهب أهل ~~البطالة والبغي إنما كانوا متحرين لمقاصد الحق جهدهم إلا في ضرورة تحملهم ~~على بعضها مثل خشية افتراق الكلمة الذي هو أهم لديهم من كل مقصد يشهد لذلك ~~ما كانوا عليه من الاتباع والاقتداء وما علم السلف من أحوالهم ومقاصدهم فقد ~~احتج مالك في الموطأ بعمل عبد الملك وأما مروان فكان من الطبقة الأولى من ~~التابعين وعدالتهم معروفة ثم تدرج الأمر في ولد عبد الملك وكانوا من الدين ~~بالمكان الذي كانوا عليه وتوسطهم عمر بن عبد العزيز فنزع إلى طريقه الخلفاء ~~الأربعة والصحابة جهده ولم يهمل ثم جاء خلفهم واستعملوا طبيعة الملك في ~~أغراضهم الدنيوية ومقاصدهم ونسوا ما كان عليه سلفهم من تحري القصد فيها ~~واعتماد الحق في مذاهبها فكان ذلك مما دعا الناس إلى أن نعوا عليهم أفعالهم ~~وأدالوا بالدعوة العباسية منهم وولي رجالها الأمر فكانوا من العدالة بمكان ~~وصرفوا الملك في وجوه الحق ومذاهبه ما استطاعوا حتى جاء بنو الرشيد من بعده ~~فكان منهم الصالح والطالح ثم أفضى الأمر إلى بنيهم فأعطوا الملك والترف حقه ~~وانغمسوا في الدنيا وباطلها ونبذوا الدين وراءهم ظهريا فتأذن الله بحربهم ~~وانتزاع الأمر من أيدي العرب جملة وأمكن سواهم والله لا PageV01P206 يظلم ~~مثقال ذرة ومن تأمل سير هؤلاء الخلفاء والملوك واختلافهم في تحري الحق من ~~الباطل علم صحة ما قلناه وقد حكاه المسعودي مثله في أحوال بني أمية عن أبي ~~جعفر المنصور وقد حضر عمومته وذكروا بني أمية فقال أما عبد الملك فكان ~~جبارا لا يبالي بما صنع وأما سليمان فكان همه بطنه وفرجه وأما عمر فكان ~~أعور بين عميان وكان رجل القوم هشام ms217 قال ولم يزل بنو أمية ضابطين لما مهد ~~لهم من السلطان يحوطونه ويصونون ما وهب الله لهم منه مع تسنمهم معالي ~~الأمور ورفضهم دنياتها حتى أفضى الأمر إلى أبنائهم المترفين فكانت همتهم ~~قصد الشهوات وركوب اللذات من معاصي الله جهلا باستدراجه وأمنا لمكره مع ~~اطراحهم صيانة الخلافة واستخفافهم بحق الرئاسة وضعفهم عن السياسة فسلبهم ~~الله العز وألبسهم الذل ونفى عنهم النعمة ثم استحضر عبد الله بن مروان فقص ~~عليه خبره مع ملك النوبة لما دخل أرضهم فارا أيام السفاح قال أقمت مليا ثم ~~أتاني ملكهم فقعد على الأرض وقد بسطت لي فرش ذات قيمة فقلت ما منعك عن ~~القعود على ثيابنا فقال إني ملك وحق لكل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذ رفعه ~~الله ثم قال لي لم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم في كتابكم فقلت اجترأ على ~~ذلك عبيدنا وأتباعنا قال فلم تطئون الزرع بدوابكم والفساد محرم عليكم قلت ~~فعل ذلك عبيدنا وأتباعنا بجهلهم قال فلم تلبسون الديباج والذهب والحرير وهو ~~محرم عليكم في كتابكم قلت ذهب منا الملك وانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ~~ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا فأطرق ينكث بيده في الأرض ويقول عبيدنا ~~وأتباعنا وأعاجم دخلوا في ديننا ثم رفع رأسه إلي وقال ليس كما ذكرت بل أنتم ~~قوم استحللتم ما حرم الله عليكم وأتيتم ما عنه نهيتم وظلمتم فيما ملكتهم ~~فسلبكم اله العز وألبسكم الذل بذنوبكم ولله نقمة لم تبلغ غايتها فيكم وأنا ~~خائف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فينالني معكم وإنما الضيافة ثلاث فتزود ~~ما احتجت إليه وارتحل عن أرضي فتعجب المنصور وأطرق فقد تبين لك كيف انقلبت ~~الخلافة إلى الملك وأن الأمر كان في أوله خلافة ووازع كل أحد فيها من نفسه ~~وهو الدين وكانوا يؤثرونه على أمور دنياهم وإن أفضت إلى PageV01P207 هلاكهم ~~وحدهم دون الكافة فهذا عثمان لما حصر في الدار جاءه الحسن والحسين وعبد ~~الله بن عمر وابن جعفر وأمثالهم يريدون المدافعة عنه فأبى ومنع من سل ~~السيوف ms218 بين المسلمين مخافة الفرقة وحفظا للإلفة التي بها حفظ الكلمة ولو ~~أدى إلى هلاكه وهذا علي أشار عليه المغيرة لأول ولايته باستبقاء الزبير ~~ومعاوية وطلحة على أعمالهم حتى يجتمع الناس على بيعته وتتفق الكلمة وله بعد ~~ذلك ما شاء من أمره وكان ذلك من سياسة الملك فأبى فرارا من الغش الذي ~~ينافيه الإسلام وغدا عليه المغيرة من الغداة فقال لقد أشرت عليك بالأمس بما ~~أشرت ثم عدت إلى نظري فعلمت أنه ليس من الحق والنصيحة وأن الحق فيما رأيته ~~أنت فقال علي لا والله بل أعلم أنك نصحتني بالأمس وغششتني اليوم ولكن منعني ~~مما أشرت به زائد الحق وهكذا كانت أحوالهم في إصلاح دينهم بفساد دنياهم ~~ونحن % نرقع دنيانا بتمزيق ديننا % فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع % $ # فقد رأيت كيف صار الأمر إلى الملك وبقيت معاني الخلافة من تحري الدين ~~ومذاهبه والجري على منهاج الحق ولم يظهر التغير إلا في الوازع الذي كان ~~دينا ثم انقلب عصبية وسيفا وهكذا كان الأمر لعهد معاوية ومروان وابنه عبد ~~الملك فالصدر الأول من خلفاء بني العباس إلى الرشيد وبعض ولده ثم ذهبت ~~معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها وصار الأمر ملكا بحتا وجرت طبيعة التغلب ~~إلى غايتها واستعملت في أغراضها من القهر والتقلب في الشهوات والملاذ وهكذا ~~كان الأمر لولد عبد الملك ولمن جاء بعد الرشيد من بني العباس وأسم الخلافة ~~باقيا فيهم لبقاء عصبية العرب والخلافة والملك في الطورين ملتبس بعضهما ~~ببعض ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب وفناء جيلهم وتلاشي ~~أحوالهم وبقي الأمر ملكا بحتا كما كان الشان في ملوك العجم بالمشرق يدينون ~~بطاعة الخليفة تبركا والملك بجميع ألقابه ومناحيه لهم وليس للخليفة منه شيء ~~وكذلك فعل ملوك زناتة بالمغرب مثل صنهاجة مع العبيديين ومغراوة وبني يفرن ~~أيضا مع خلفاء بني أمية بالأندلس والعبيديين بالقيروان فقد تبين أن الخلافة ~~قد وجدت بدون الملك أولا ثم التبست معانيهما واختلطت ثم انفرد الملك حيث ~~افترقت عصبيته من عصبية الخلافة والله PageV01P208 مقدر ms219 الليل والنهار وهو ~~الواحد القهار # | الفصل التاسع والعشرون # في معنى البيعة # إعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه ~~يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك ويطيعه ~~فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره وكانوا إذا بايعوا الأمير ~~وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد فأشبه ذلك فعل البائع ~~والمشتري فسمي بيعة مصدر باع وصارت البيعة مصافحة بالأيدي هذا مدلولها في ~~عرف اللغة ومعهود الشرع وهو المراد في الحديث في بيعة النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليلة العقبة وعند الشجرة وحيثما ورد هذا اللفظ ومن بيعة الخلفاء ومنه ~~أيمان البيعة كان الخلفاء يستحلفون على العهد ويستوعبون الأيمان كلها لذلك ~~فسمي هذا الاستيعاب أيمان البيعة وكان الإكراه فيها أكثر وأغلب ولهذا لما ~~أفتى مالك رضي الله عنه بسقوط يمين الإكراه أنكرها الولاة عليه ورأوها ~~قادحة في أيمان البيعة ووقع ما وقع من محنة الإمام رضي الله عنه وأما ~~البيعة المشهورة لهذا العهد فهي تحية الملوك الكسروية من تقبيل الأرض أو ~~اليد أو الرجل أو الذيل أطلق عليها اسم البيعة التي هي العهد على الطاعة ~~مجازا لما كان هذا الخضوع في التحية والتزام الآداب من لوازم الطاعة ~~وتوابعها وغلب فيه حتى صارت حقيقية عرفية واستغنى بها عن مصافحة أيدي الناس ~~التي هي الحقيقة في الأصل لما في المصافحة لكل أحد من التنزل والابتذال ~~المنافيين للرئاسة وصون المنصب الملوكي إلا في الأقل ممن يقصد التواضع من ~~الملوك فيأخذ به نفسه مع خواصه ومشاهير أهل الدين من رعيته فافهم معنى ~~البيعة في العرف فإنه أكيد على الإنسان معرفته لما يلزمه من حق سلطانه ~~وإمامه ولا تكون أفعاله عبثا ومجانا واعتبر ذلك من أفعالك مع الملوك والله ~~القوي العزيز PageV01P209 # | الفصل الثلاثون # في ولاية العهد # اعلم أنا قدمنا الكلام في الإمامة ومشروعيتها لما فيها من المصلحة وأن ~~حقيقتها للنظر في مصالح الأمة لدينهم ودنياهم فهو وليهم والأمين عليهم ينظر ~~لهم ذلك في ms220 حياته ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته ويقيم لهم من يتولى ~~أمورهم كما كان هو يتولاها ويثقون بنظره لهم في ذلك كما وثقوا به فيما قبل ~~وقد عرف ذلك من الشرع بإجماع الأمة على جوازه وانعقاده إذ وقع بعهد أبي بكر ~~رضي الله عنه لعمر بمحضر من الصحابة وأجازوه وأوجبوا على أنفسهم به طاعة ~~عمر رضي الله عنه وعنهم وكذلك عهد عمر في الشورى إلى الستة بقية العشرة ~~وجعل لهم أن يختاروا للمسلمين ففوض بعضهم إلى بعض حتى أفضى ذلك إلى عبد ~~الرحمن بن عوف فاجتهد وناظر المسلمين فوجدهم متفقين على عثمان وعلى علي ~~فآثر عثمان بالبيعة على ذلك لموافقته إياه على لزوم الاقتداء بالشيخين في ~~كل ما يعن دون اجتهاده فانعقد أمر عثمان لذلك وأوجبوا طاعته والملأ من ~~الصحابة حاضرون للأولى والثانية ولم ينكره أحد منهم فدل على أنهم متفقون ~~على صحة هذا العهد عارفون بمشروعيته والإجماع حجة كما عرف ولايتهم الإمام ~~في هذا الأمر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه لأنه مأمون على النظر لهم في حياته ~~فأولى أن لا يحتمل فيها تبعة بعد مماته خلافا لمن قال باتهامه في الولد ~~والوالد أو لمن خصص التهمة بالولد دون الوالد فإنه بعيد عن الظنة في ذلك ~~كله لا سيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحة أو توقع مفسدة ~~فتنتفي الظنة في ذلك رأسا كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد وإن كان فعل ~~معاوية مع وفاق الناس له حجة في الباب والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد ~~بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم ~~باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون ~~سواهم وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع وأهل الغلب منهم فآثره بذلك دون غيره ~~ممن يظن أنه أولى بها وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصا على الاتفاق واجتماع ~~الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع وإن كان لا يظن بمعاوية غير ms221 هذا فعدالته ~~PageV01P210 وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه ~~دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة وليس معاوية ~~ممن تأخذه العزة في قبول الحق فإنهم كلهم أجل من ذلك وعدالتهم مانعة منه ~~وفرار عبد الله ابن عمر من ذلك إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شيء ~~من الأمور مباحا كان أو محظورا كما هو معروف عنه ولم يبق في المخالفة لهذا ~~العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير وندور المخالف معروف ثم إنه ~~وقع مثل ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق ويعملون به ~~مثل عبد الملك وسليمان من بني أمية والسفاح والمنصور والمهدي والرشيد من ~~بني العباس وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم وحسن رأيهم للمسلمين والنظر لهم ولا ~~يعاب عليهم إيثار أبنائهم وإخوانهم وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك ~~فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء فإنهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك ~~وكان الوازع دينيا فعند كل أحد وازع من نفسه فعهدوا إلى من يرتضيه الدين ~~فقط وآثروه على غيره ووكلوا كل من يسمو إلى ذلك إلى وازعه وأما من بعدهم من ~~لدن معاوية فكانت العصبية قد أشرفت على غايتها من الملك والوازع الديني قد ~~ضعف واحتيج إلى الوازع السلطاني والعصباني فلو عهد إلى غير من ترتضيه ~~العصبية لردت ذلك العهد وانتقض أمره سريعا وصارت الجماعة إلى الفرقة ~~والاختلاف سأل رجل عليا رضي الله عنه ما بال المسلمين اختلفوا عليك ولم ~~يختلفوا على أبي بكر وعمر فقال لأن أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلي وأنا ~~اليوم وال على مثلك يشير إلى وازع الدين أفلا ترى إلى المأمون لما عهد إلى ~~علي بن موسى بن جعفر الصادق وسماه الرضا كيف أنكرت العباسية ذلك ونقضوا ~~بيعته وبايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي وظهر من الهرج والخلاف وانقطاع السبل ~~وتعدد الثوار والخوارج ما كاد أن يصطلم الأمر حتى بادر المأمون من خراسان ~~إلى بغداد ورد أمرهم لمعاهده فلا ms222 بد من اعتبار ذلك في العهد فالعصور تختلف ~~باختلاف ما يحدث فيها من الأمور والقبائل والعصبيات وتختلف باختلاف المصالح ~~ولكل واحد منها حكم يخصه لطفا من الله بعباده وأما أن يكون القصد بالعهد ~~حفظ التراث على الأبناء فليس من المقاصد الدينية إذ هو أمر PageV01P211 من ~~الله يخص به من يشاء من عباده ينبغي أن تحسن فيه النية ما أمكن خوفا من ~~العبث بالمناصب الدينية والملك لله يؤتيه من يشاء وعرض هنا أمور تدعو ~~الضرورة إلى بيان الحق فيها فالأول منها ما حدث في يزيد من الفسق أيام ~~خلافته فإياك أن تظن بمعاوية رضي الله عنه أنه علم ذلك من يزيد فإنه أعدل ~~من ذلك وأفضل بل كان يعذله أيام حياته في سماع الغناء وينهاه عنه وهو أقل ~~من ذلك وكانت مذاهبهم فيه مختلفة ولما حدث في يزيد ما حدث من الفسق اختلف ~~الصحابة حينئذ في شأنه فمنهم من رأى الخروج عليه ونقض بيعته من أجل ذلك كما ~~فعل الحسين وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ومن اتبعهما في ذلك ومنهم ~~من أباه لما فيه من إثارة الفتنة وكثرة القتل مع العجز عن الوفاء به لأن ~~شوكة يزيد يومئذ هي عصابة بني أمية وجمهور أهل الحل والعقد من قريش وتستتبع ~~عصبية مضر أجمع وهي أعظم من كل شوكة ولا تطاق مقاومتهم فأقصروا عن يزيد ~~بسبب ذلك وأقاموا على الدعاء بهدايته والراحة منه وهذا كان شأن جمهور ~~المسلمين والكل مجتهدون ولا ينكر على أحد من الفريقين فمقاصدهم في البر ~~وتحري الحق معروفة وفقنا الله للاقتداء بهم # والأمر الثاني هو شأن العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم وما تدعيه ~~الشيعة من وصيته لعلي رضي الله عنه وهو أمر لم يصح ولا نقله أحد من أئمة ~~النقل والذي وقع في الصحيح من طلب الدواة والقرطاس ليكتب الوصية وأن عمر ~~منع من ذلك فدليل واضح على أنه لم يقع وكذا قول عمر رضي الله عنه حين طعن ~~وسئل في العهد فقال إن أعهد ms223 فقد عهد من خير مني يعني أبا بكر وإن أترك فقد ~~ترك من هو خير مني يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يعهد وكذلك قول علي ~~للعباس رضي الله عنهما حين دعاه للدخول إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يسألانه عن شأنهما في العهد فأبى علي من ذلك وقال إنه إن منعنا منها فلا ~~نطمع فيها آخر الدهر وهذا دليل على أن عليا علم أنه لم يوص ولا عهد إلى أحد ~~وشبهة الإمامية في ذلك إنما هي كون الإمامة من أركان الدين كما يزعمون وليس ~~كذلك فإنما هي من المصالح العامة المفوضة إلى نظر الخلق ولو كانت من أركان ~~الدين لكان شأنها شأن الصلاة ولكان يستخلف فيها كما استخلف أبا بكر في ~~الصلاة ولكان يشتهر PageV01P212 كما اشتهر أمر الصلاة واحتجاج الصحابة على ~~خلافة أبي بكر بقياسها على الصلاة في قولهم ارتضاه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا دليل على ان الوصية لم تقع ويدل ذلك أيضا ~~على أن أمر الإمامة والعهد بها لم يكن مهما كما هو اليوم وشأن العصبية ~~المراعاة في الاجتماع والافتراق في مجاري العادة لم يكن يومئذ بذلك ~~الاعتبار لأن أمر الدين والإسلام كان كله بخوارق العادة من تأليف القلوب ~~عليه واستماتة الناس دونه وذلك من أجل الأحوال التي كانوا يشاهدونها في ~~حضور الملائكة لنصرهم وتردد خبر السماء بينهم وتجدد خطاب الله في كل حادثة ~~تتلى عليهم فلم يحتج إلى مراعاة العصبية لما شمل الناس من صبغة الانقياد ~~والإذعان وما يستفزهم من تتابع المعجزات الخارقة والأحوال الإلهية الواقعة ~~والملائكة المترددة التي وجموا منها ودهشوا من تتابعها فكان أمر الخلافة ~~والملك والعهد والعصبية وسائر هذه الأنواع مندرجا في ذلك القبيل كما وقع ~~فلما انحصر ذلك المدد بذهاب تلك المعجزات ثم بفناء القرون الذين شاهدوها ~~فاستحالت تلك الصبغة قليلا قليلا وذهبت الخوارق وصار الحكم للعادة كما كان ~~فاعتبر أمر العصبية ومجاري العوائد فيما ينشأ عنها من المصالح والمفاسد ~~وأصبح الملك والخلافة والعهد بهما مهما ms224 من المهمات الأكيدة كما زعموا ولم ~~يكن ذلك من قبل فانظر كيف كانت الخلافة لعهد النبي صلى الله عليه وسلم غير ~~مهمة فلم يعهد فيها ثم تدرجت الأهمية زمان الخلافة بعض الشيء بما دعت ~~الضرورة إليه في الحماية والجهاد وشأن الردة والفتوحات فكانوا بالخيار في ~~الفعل والترك كما ذكرناه عن عمر رضي الله عنه ثم صارت اليوم من أهم الأمور ~~للإلفة على الحماية والقيام بالمصالح فاعتبرت فيها العصبية التي هي سر ~~الوازع عن الفرقة والتخاذل ومنشأ الاجتماع والتوافق الكفيل بمقاصد الشريعة ~~وأحكامها # والأمر الثالث شأن الحروب الواقعة في الإسلام بين الصحابة والتابعين ~~فاعلم أن اختلافهم إنما يقع في الأمور الدينية وينشأ عن الاجتهاد في الأدلة ~~الصحيحة والمدارك المعتبرة والمجتهدون إذا اختلفوا فإن قلنا إن الحق في ~~المسائل الاجتهادية واحد من الطرفين ومن لم يصادفه فهو مخطىء فإن جهته لا ~~تتعين بإجماع فيبقى الكل على احتمال الإصابة ولا يتعين المخطىء PageV01P213 ~~منها والتأثيم مدفوع عن الكل إجماعا وإن قلنا إن الكل حق وإن كل مجتهد مصيب ~~فأحرى بنفي الخطأ والتأثيم وغاية الخلاف الذي بين الصحابة والتابعين أنه ~~خلاف اجتهادي في مسائل دينية ظنية وهذا حكمه والذي وقع من ذلك في الإسلام ~~إنما هو واقعة علي مع معاوية ومع الزبير وعائشة وطلحة وواقعة الحسين مع ~~يزيد وواقعة ابن الزبير مع عبد الملك فأما واقعة علي فإن الناس كانوا عند ~~مقتل عثمان مفترقين في الأمصار فلم يشهدوا بيعة علي والذين شهدوا فمنهم من ~~بايع ومنهم من توقف حتى يجتمع الناس ويتفقوا على إمام كسعد وسعيد وابن عمر ~~وأسامة بن زيد والمغيرة بن شعبة وعبد الله بن سلام وقدامة بن مظعون وأبي ~~سعيد الخدري وكعب بن مالك والنعمان بن بشير وحسان بن ثابت ومسلمة بن مخلد ~~وفضالة بن عبيد وأمثالهم من أكابر الصحابة والذين كانوا في الأمصار عدلوا ~~عن بيعته أيضا إلى الطلب بدم عثمان وتركوا الأمر فوضى حتى يكون شورى بين ~~المسلمين لمن يولونه وظنوا بعلي هوادة في السكوت عن نصر عثمان من قاتله ms225 لا ~~في الممالأة عليه فحاش لله من ذلك ولقد كان معاوية إذا صرح بملامته إنما ~~يوجهها عليه في كسوته فقط ثم اختلفوا بعد ذلك فرأى علي أن بيعته قد انعقدت ~~ولزمت من تأخر عنها باجتماع من اجتمع عليها بالمدينة دار النبي صلى الله ~~عليه وسلم وموطن الصحابة وأرجأ الأمر في المطالبة بدم عثمان إلى اجتماع ~~الناس واتفاق الكلمة فيتمكن حينئذ من ذلك ورأى الآخرون أن بيعته لم تنعقد ~~لافتراق الصحابة أهل الحل والعقد بالآفاق ولم يحضر إلا قليل ولا تكون ~~البيعة إلا باتفاق أهل الحل والعقد ولا تلزم بعقد من تولاها من غيرهم أو من ~~القليل منهم وإن المسلمين حينئذ فوضى فيطالبون أولا بدم عثمان ثم يجتمعون ~~على إمام وذهب إلى هذا معاوية وعمرو بن العاص وأم المؤمنين عائشة والزبير ~~وابنه عبد الله وطلحة وابنه محمد وسعد وسعيد والنعمان بن بشير ومعاوية بن ~~خديج ومن كان على رأيهم من الصحابة الذين تخلفوا عن بيعة علي بالمدينة كما ~~ذكرنا إلا أن أهل العصر الثاني من بعدهم اتفقوا على انعقاد بيعة علي ~~ولزومها للمسلمين أجمعين وتصويب رأيه فيما ذهب إليه وتعيين الخطأ من جهة ~~معاوية ومن كان على رأيه وخصوصا طلحة PageV01P214 والزبير لانتقاضهما على ~~علي بعد البيعة له فيما نقل مع دفع التأثيم عن كل من الفريقين كالشأن في ~~المجتهدين وصار ذلك إجماعا من أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر ~~الأول كما هو معروف ولقد سئل علي رضي الله عنه عن قتلى الجمل وصفين فقال ~~والذي نفسي بيده لا يموتن أحد من هؤلاء وقلبه نقي إلا دخل الجنة يشير إلى ~~الفريقين نقله الطبري وغيره فلا يقعن عندك ريب في عدالة أحد منهم ولا قدح ~~في شيء من ذلك فهم من علمت وأقوالهم وأفعالهم إنما هي عن المستندات ~~وعدالتهم مفروغ منها عند أهل السنة إلا قولا للمعتزلة فيمن قاتل عليا لم ~~يلتفت إليه أحد من أهل الحق ولا عرج عليه وإذا نظرت بعين الإنصاف عذرت ~~الناس أجمعين في شأن الاختلاف في ms226 عثمان واختلاف الصحابة من بعد وعلمت أنها ~~كانت فتنة ابتلى الله بها الأمة بينما المسلمون قد أذهب الله عدوهم وملكهم ~~أرضهم وديارهم ونزلوا الأمصار على حدودهم بالبصرة والكوفة والشام ومصر وكان ~~أكثر العرب الذين نزلوا هذه الأمصار جفاة لم يستكثروا من صحبة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا ارتاضوا بخلقه مع ما كان فيهم من الجاهلية من الجفاء ~~والعصبية والتفاخر والبعد عن سكينة الإيمان وإذا بهم عند استفحال الدولة قد ~~أصبحوا في ملكة المهاجرين والأنصار من قريش وكنانة وثقيف وهذيل وأهل الحجاز ~~ويثرب السابقين الأولين إلى الإيمان فاستنكفوا من ذلك وغصوا به لما يرون ~~لأنفسهم من التقدم بأنسابهم وكثرتهم ومصادمة فارس والروم مثل قبائل بكر بن ~~وائل وعبد القيس بن ربيعة وقبائل كندة والأزد من اليمن وتميم وقيس من مضر ~~فصاروا إلى الغض من قريش والأنفة عليهم والتمريض في طاعتهم والتعلل في ذلك ~~بالتظلم منهم والاستعداء عليهم والطعن فيهم بالعجز عن السوية والعدل في ~~القسم عن السوية وفشت المقالة بذلك وانتهت إلى المدينة وهم من علمت فأعظموه ~~وأبلغوه عثمان فبعث إلى الأمصار من يكشف له الخبر بعث ابن عمر ومحمد بن ~~مسلمة وأسامة بن زيد وأمثالهم فلم ينكروا على الأمراء شيئا ولا رأوا عليهم ~~طعنا وأدوا ذلك كما علموه فلم ينقطع الطعن من أهل الأمصار وما زالت ~~الشناعات تنمو ورمي الوليد بن عقبة وهو على الكوفة بشرب الخمر وشهد عليه ~~جماعة منهم وحده عثمان وعزله ثم جاء إلى المدينة PageV01P215 من أهل ~~الأمصار يسألون عزل العمال وشكوا إلى عائشة وعلي والزبير وطلحة وعزل لهم ~~عثمان بعض العمال فلم تنقطع بذلك ألسنتهم بل وفد سعيد بن العاصي وهو على ~~الكوفة فلما رجع اعترضوه بالطريق وردوه معزولا ثم انتقل الخلاف بين عثمان ~~ومن معه من الصحابة بالمدينة ونقموا عليه امتناعه من العزل فأبى إلا أن ~~يكون على جرحه ثم نقلوا النكير إلى غير ذلك من أفعاله وهو متمسك بالاجتهاد ~~وهم أيضا كذلك ثم تجمع قوم من الغوغاء وجاءوا إلى المدينة يظهرون طلب ~~النصفة ms227 من عثمان وهم يضمرون خلاف ذلك من قتله وفيهم من البصرة والكوفة ومصر ~~وقام معهم في ذلك علي وعائشة والزبير وطلحة وغيرهم يحاولون تسكين الأمور ~~ورجوع عثمان إلى رأيهم وعزل لهم عامل مصر فانصرفوا قليلا ثم رجعوا وقد ~~لبسوا بكتاب مدلس يزعمون أنهم لقوه في يد حامله إلى عامل مصر بأن يقتلهم ~~وحلف عثمان على ذلك فقالوا مكنا من مروان فإنه كاتبك فحلف مروان فقال ليس ~~في الحكم أكثر من هذا فحاصروه بداره ثم بيتوه على حين غفلة من الناس وقتلوه ~~وانفتح باب الفتنة فلكل من هؤلاء عذر فيما وقع وكلهم كانوا مهتمين بأمر ~~الدين ولا يضيعون شيئا من تعلقاته ثم نظروا بعد هذا الواقع واجتهدوا والله ~~مطلع على أحوالهم وعالم بهم ونحن لا نظن بهم إلا خيرا لما شهدت به أحوالهم ~~ومقالات الصادق فيهم وأما الحسين فإنه لما ظهر فسق يزيد عند الكافة من أهل ~~عصره بعثت شيعة أهل البيت بالكوفة للحسين أن يأتيهم فيقوموا بأمره فرأى ~~الحسين أن الخروج على يزيد متعين من أجل فسقه لا سيما من له القدرة على ذلك ~~وظنها من نفسه بأهليته وشوكته فأما الأهلية فكانت كما ظن وزيادة وأما ~~الشوكة فغلط يرحمه الله فيها لأن عصبية مضر كانت في قريش وعصبية عبد مناف ~~إنما كانت في بني أمية تعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس ولا ينكرونه وإنما ~~نسي ذلك أول الإسلام لما شغل الناس من الذهول بالخوارق وأمر الوحي وتردد ~~الملائكة لنصرة المسلمين فأغفلوا أمور عوائدهم وذهبت عصبية الجاهلية ~~ومنازعها ونسيت ولم يبق إلا العصبية الطبيعية في الحماية والدفاع ينتفع بها ~~في إقامة الدين وجهاد المشركين والدين فيها محكم والعادة معزولة حتى إذا ~~انقطع أمر النبؤة والخوارق المهولة تراجع الحكم بعض الشيء للعوائد ~~PageV01P216 فعادت العصبية كما كانت ولمن كانت وأصبحت مضر أطوع لبني أمية ~~من سواهم بما كان لهم من ذلك قبل فقد تبين لك غلط الحسين إلا أنه في أمر ~~دنيوي لا يضره الغلط فيه وأما الحكم الشرعي فلم يغلط فيه لأنه ms228 منوط بظنه ~~وكان ظنه القدرة على ذلك ولقد عذله ابن العباس وابن الزبير وابن عمر وابن ~~الحنفية أخوه وغيره في مسيره إلى الكوفة وعلموا غلطه في ذلك ولم يرجع عما ~~هو بسبيله لما أراده الله وأما غير الحسين من الصحابة الذين كانوا بالحجاز ~~ومع يزيد بالشام والعراق ومن التابعين لهم فرأوا أن الخروج على يزيد وإن ~~كان فاسقا لا يجوز لما ينشأ عنه من الهرج والدماء فأقصروا عن ذلك ولم ~~يتابعوا الحسين ولا أنكروا عليه ولا أثموه لأنه مجتهد وهو أسوة المجتهدين ~~ولا يذهب بك الغلط أن تقول بتأثيم هؤلاء بمخالفة الحسين وقعودهم عن نصره ~~فإنهم أكثر الصحابة وكانوا مع يزيد ولم يروا الخروج عليه وكان الحسين ~~يستشهد بهم وهو بكربلاء على فصله وحقه ويقول سلو جابر بن عبد الله وأبا ~~سعيد الخدري وأنس بن مالك وسهل بن سعيد وزيد بن أرقم وأمثالهم ولم ينكر ~~عليهم قعودهم عن نصره ولا تعرض لذلك لعلمه أنه عن اجتهاد وإن كان هو على ~~اجتهاد ويكون ذلك كما يحد الشافعي والمالكي والحنفي على شرب النبيذ واعلم ~~أن الأمر ليس كذلك وقتاله لم يكن عن اجتهاد هؤلاء وإن كان خلافه عن ~~اجتهادهم وإنما انفرد بقتاله يزيد وأصحابه ولا تقولن إن يزيد وإن كان فاسقا ~~ولم يجز هؤلاء الخروج عليه فأفعاله عندهم صحيحة واعلم أنه إنما ينفذ من ~~أعمال الفاسق ما كان مشروعا وقتال البغاة عندهم من شرطه أن يكون مع الإمام ~~العادل وهو مفقود في مسئلتنا فلا يجوز قتال الحسين مع يزيد ولا ليزيد بل هي ~~من فعلاته المؤكدة لفسقه والحسين فيها شهيد مثاب وهو على حق واجتهاد ~~والصحابة الذين كانوا مع يزيد على حق أيضا واجتهاد وقد غلط القاضي أبو بكر ~~بن العربي المالكي في هذا فقال في كتابه الذي سماه بالعواصم والقواصم ما ~~معناه إن الحسين قتل بشرع جده وهو غلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الإمام ~~العادل ومن أعدل من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء ~~وأما ابن ms229 الزبير فإنه رأى في منامه ما رآه الحسين وظن كما ظن وغلطه في أمر ~~الشوكة أعظم لأن بني أسد PageV01P217 لا يقاومون بني أمية في جاهلية ولا ~~إسلام والقول بتعين الخطاء في جهة معاوية مع علي لا سبيل إليه لأن الإجماع ~~هنالك قضى لنا به ولم نجده ها هنا وأما يزيد فعين خطأه فسقه وعبد الملك ~~صاحب ابن الزبير أعظم الناس عدالة وناهيك بعدالته احتجاج مالك بفعله وعدول ~~ابن عباس وابن عمر إلى بيعته عن ابن الزبير لم تنعقد لأنه لم يحضرها أهل ~~العقد والحل كبيعة مروان وابن الزبير على خلاف ذلك والكل مجتهدون محمولون ~~على الحق في الظاهر وإن لم يتعين في جهة منهما والقتل الذي نزل ب بعد تقرير ~~ما قررناه يجيء على قواعد الفقه وقوانينه مع أنه شهيد مثاب باعتبار قصده ~~وتحريه الحق هذا هو الذي ينبغي أن تحمل عليه أفعال السلف من الصحابة ~~والتابعين فهم خيار الأمة وإذا جعلناهم عرضة للقدح فمن الذي يختص بالعدالة ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يقول خير الناس قرني ثم الذين يلونهم مرتين أو ~~ثلاثا ثم يفشوا الكذب فجعل الخيرة وهي العدالة مختصة بالقرن الأول والذي ~~يعليه فإياك أن تعود نفسك أو لسانك التعرض لأحد منهم ولا يشوش قلبك بالريب ~~في شيء مما وقع منهم والتمس لهم مذاهب الحق وطرقه ما استطعت فهم أولى الناس ~~بذلك وما اختلفوا إلا عن بينة وما قاتلوا أو قتلوا إلا في سبيل جهاد أو ~~إظهار حق واعتقد مع ذلك أن اختلافهم رحمة لمن بعدهم من الأمة ليقتدي كل ~~واحد بمن يختاره منهم ويجعله إمامه وهاديه ودليله فافهم ذلك وتبين حكمة ~~الله في خلقه وأكوانه واعلم أنه على كل شيء قدير وإليه الملجأ والمصير ~~والله تعالى أعلم # | الفصل الحادي والثلاثون # في الخطط الدينية الحلافية # لما تبين أن حقيقة الخلافة نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة ~~الدنيا فصاحب الشرع متصرف في الأمرين أما في الدين فبمقتضى التكاليف ~~الشرعية الذي هو مأمور بتبليغها وحمل الناس عليها وأما ms230 سياسة الدنيا ~~فبمقتضى رعايته لمصالحهم في العمران البشري وقد قدمنا أن هذا العمران ضروري ~~للبشر وأن رعاية مصالحه كذلك لئلا تفسد إن أهملت وقدمنا أن الملك وسطوته ~~كاف في حصول هذه المصالح نعم إنما تكون أكمل إذا كانت بالأحكام الشرعية ~~لأنه أعلم بهذه PageV01P218 المصالح فقد صار الملك يندرج تحت الخلافة إذا ~~كان إسلاميا ويكون من توابعها وقد ينفرد إذا كان في غير الملة على كل حال ~~مراتب خادمة ووظائف تابعة تتعين خططا وتتوزغ على رجال الدولة وظائف فيقوم ~~كل واحد بوظيفته حسبما يعينه الملك الذي تكون يده عالية عليهم فيتم بذلك ~~أمره ويحسن قيامه بسلطانه وأما المنصب الخلافي وإن كان الملك يندرج تحته ~~بهذا الاعتبار الذي ذكرناه فتصرفه الديني يختص بخطط ومراتب لا تعرف إلا ~~للخلفاء الإسلاميين فلنذكر الآن الخطط الدينية المختصة بالخلافة ونرجع إلى ~~الخطط الملوكية السلطانية فاعلم أن الخطط الدينية الشرعية من الصلاة ~~والفتيا والقضاء والجهاد والحسبة كلها مندرجة تحت الإمامة الكبرى التي هي ~~الخلافة فكأنها الإمام الكبير والأصل الجامع وهذه كلها متفرعة عنها وداخلة ~~فيها لعموم نظر الخلافة وتصرفها في سائر أحوال الملة الدينية والدنيوية ~~وتنفيذ أحكام الشرع فيها على العموم فأما إمامة الصلاة فهي أرفع هذه الخطط ~~كلها وأرفع من الملك بخصوصه المندرج معها تحت الخلافة ولقد يشهد لذلك ~~استدلال الصحابة في شأن أبي بكر رضي الله عنه باستخلافه في الصلاة على ~~استخلافه في السياسة في قولهم ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ~~أفلا نرضاه لدنيانا فلولا أن الصلاة أرفع من السياسة لما صح القياس وإذا ~~ثبت ذلك فاعلم أن المساجد في المدينة صنفان مساجد عظيمة كثيرة الغاشية معدة ~~للصلوات المشهودة وأخرى دونها مختصة بقوم أو محلة وليست للصلوات العامة ~~فأما المساجد العظيمة فأمرها راجع إلى الخليفة أو من يفوض إليه من سلطان أو ~~من وزير أو قاض فينصب لها الإمام في الصلوات الخمس والجمعة والعيدين ~~والخسوفين والاستسقاء وتعين ذلك إنما هو من طريق الأولى والاستحسان ولئلا ~~يفتات الرعايا عليه في شيء من النظر ms231 في المصالح العامة وقد يقول بالوجوب في ~~ذلك من يقول بوجوب إقامة الجمعة فيكون نصب الإمام لها عنده واجبا وأما ~~المساجد المختصة بقوم أو محلة فأمرها راجع إلى الجيران ولا تحتاج إلى نظر ~~خليفة ولا سلطان وأحكام هذه الولاية وشروطها والمولى فيها معروفة في كتب ~~الفقه ومبسوطة في كتب الأحكام السلطانية للماوردي وغيره PageV01P219 فلا ~~نطول بذكرها ولقد كان الخلفاء الأولون لا يقلدونها لغيرهم من الناس وانظر ~~من طعن من الخلفاء في المسجد عند الأذان بالصلاة وترصدهم لذلك في أوقاتها ~~يشهد لك ذلك بمباشرتهم لها وأنهم لم يكونوا مستخلين فيها وكذا كان رجال ~~الدولة الأموية من بعدهم استئثارا بها واستعظاما لرتبتها يحكى عن عبد الملك ~~أنه قال لحاجبه قد جعلت لك حجابة يأبى إلا عن ثلاثة صاحب الطعام فإنه يفسد ~~بالتأخير والأذان بالصلاة فإنه داع إلى الله والبريد فإن في تأخيره فساد ~~القاصية فلما جاءت طبيعة الملك وعوارضه من الغلظة والترفع عن مساواة الناس ~~في دينهم ودنياهم استنابوا في الصلاة فكانوا يستأثرون بها في الأحيان وفي ~~الصلوات العامة كالعيدين والجمعة إشارة وتنويها فعل ذلك كثير من خلفاء بني ~~العباس والعبيديين صدر دولتهم وأما الفتيا فللخليفة تصفح أهل العلم ~~والتدريس ورد الفتيا إلى من هو أهل لها وإعانته على ذلك ومنع من ليس أهلا ~~لها وزجره لأنها من مصالح المسلمين في أديانهم فتجب عليه مراعاتها لئلا ~~يتعرض لذلك من ليس له بأهل فيضل الناس وللمدرس الانتصاب لتعليم العلم وبثه ~~والجلوس لذلك في المساجد فإن كانت من المساجد العظام التي للسلطان الولاية ~~عليها والنظر في أئمتها كما مر فلا بد من استئذانه في ذلك وإن كانت من ~~مساجد العامة فلا يتوقف ذلك على إذن على أنه ينبغي أن يكون لكل أحد من ~~المفتين والمدرسين زاجر من نفسه يمنعه عن التصدي لما ليس له بأهل فيضل به ~~المستهدي ويضل به المسترشد وفي الأثر أجرأكم على الفتيا أجرأكم على جراثيم ~~جهنم فللسلطان فيهم لذلك من النظر ما توجبه المصلحة من إجازة أو رد وأما ~~القضاء ms232 فهو من الوظائف الداخلة تحت الخلافة لأنه منصب الفصل بين الناس في ~~الخصومات حسما للتداعي وقطعا للتنازع إلا أنه بالأحكام الشرعية المتلقاة من ~~الكتاب والسنة فكان لذلك من وظائف الخلافة ومندرجا في عمومها وكان الخلفاء ~~في صدر الإسلام يباشرونه بأنفسهم ولا يجعلون القضاء إلى من سواهم وأول من ~~دفعه وفوضه فيه عمر رضي الله عنه فولى أبا الدرداء معه بالمدينة وولى شريحا ~~بالبصرة وولى أبا موسى الأشعري بالكوفة وكتب له في ذلك الكتاب المشهور الذي ~~تدور عليه أحكام القضاة PageV01P220 وهي مستوفاة فيه يقول أما بعد فإن ~~القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق ~~لا نفاذ له وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك ~~ولا ييأس ضعيف من عدلك ألبينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز ~~بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ولا يمنعك قضاء قضيته أمس ~~فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم ~~ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل الفهم فيما يتلجلج في صدرك مما ليس ~~في كتاب ولا سنة ثم اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور بنظائرها واجعل لمن ~~ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه فإن أحضر بينته أخذت له بحقه وإلا ~~استحللت القضاء عليه فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى المسلمون عدول بعضهم ~~على بعض إلا مجلودا في حد أو مجرى عليه شهادة زور أو ظنينا في نسب أو ولاء ~~فإن الله سبحانه عفا عن الإيمان ودرأ بالبينات وإياك والقلق والضجر والتأفف ~~بالخصوم فإن استقرار الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر ~~والسلام إنتهى كتاب عمر وإنما كانوا يقلدون القضاء لغيرهم وإن كان مما ~~يتعلق بهم لقيامهم بالسياسة العامة وكثرة أشغالها من الجهاد والفتوحات وسد ~~الثغور وحماية البيضة ولم يكن ذلك مما يقوم به غيرهم لعظم العناية فاستحقوا ~~القضاء في الواقعات بين الناس واستخلفوا فيه من ms233 يقوم به تخفيفا على أنفسهم ~~وكانوا مع ذلك إنما يقلدونه أهل عصبيتهم بالنسب أو الولاء ولا يقلدونه لمن ~~بعد عنهم في ذلك وأما أحكام هذا المنصب وشروطه فمعروفة في كتب الفقه وخصوصا ~~كتب الأحكام السلطانية إلا أن القاضي إنما كان له في عصر الخلفاء الفصل بين ~~الخصوم فقط ثم دفع لهم بعد ذلك أمور أخرى على التدريج بحسب اشتغال الخلفاء ~~والملوك بالسياسة الكبرى واستقر منصب القضاء آخر الأمر على أنه يجمع مع ~~الفصل بين الخصوم استيفاء بعض الحقوق العامة للمسلمين بالنظر في أموال ~~المحجور عليهم من المجانين واليتامى والمفلسين وأهل السفه وفي وصايا ~~المسلمين وأوقاتهم وتزويج الأيامى عند فقد الأولياء على رأي من رآه والنظر ~~في مصالح الطرقات والأبنية وتصفح الشهود والأمناء والنواب واستيفاء ~~PageV01P221 العلم والخبرة فيهم بالعدالة والجرح ليحصل له الوثوق بهم وصارت ~~هذه كلها من تعلقات وظيفته وتوابع ولايته وقد كان الخلفاء من قبل يجعلون ~~للقاضي النظر في المظالم وهي وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ونصفة القضاء ~~وتحتاج إلى علو يد وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين وتزجر المعتدي وكأنه ~~يمضي ما عجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه ويكون نظره في البينات والتقرير ~~واعتماد الأمارات والقرائن وتأخير الحكم إلى استجلاء الحق وحمل الخصمين على ~~الصلح واستخلاف الشهود وذلك أوسع من نظر القاضي # وكان الخلفاء الأولون يباشرونها بأنفسهم إلى أيام المهتدي من بني العباس ~~وربما كانوا يجعلونها لقضاتهم كما فعل عمر رضي الله عنه مع قاضيه أبي أدريس ~~الخولاني وكما فعله المأمون ليحيى بن أكثم والمعتصم لأحمد بن أبي داود ~~وربما كانوا يجعلون للقاضي قيادة الجهاد في عساكر الطوائف وكان يحيى بن ~~أكثم يخرج أيام المأمون بالطائفة إلى أرض الروم وكذا منذر بن سعيد قاضي عبد ~~الرحمن الناصر من بني أمية بالأندلس فكانت تولية هذه الوظائف إنما تكون ~~للخلفاء أو من يجعلون ذلك له من وزير مفوض أو سلطان متغلب وكان أيضا النظر ~~في الجرائم وإقامة الحدود في الدولة العباسية والأموية بالأندلس والعبيديين ~~بمصر والمغرب راجعا إلى صاحب الشرطة ms234 وهي وظيفة أخرى دينية كانت من الوظائف ~~الشرعية في تلك الدول توسع النظر فيها عن أحكام القضاء قليلا فيجعل للتهمة ~~في الحكم مجالا ويفرض العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم ويقيم الحدود ~~الثابتة في محالها ويحكم في القود والقصاص ويقيم التعزير والتأديب في حق من ~~لم ينته عن الجريمة ثم تنوسي شأن هاتين الوظيفتين في الدول التي تنوسي فيها ~~أمر الخلافة فصار أمر المظالم راجعا إلى السلطان كان له تفويض من الخليفة ~~أو لم يكن وانقسمت وظيفة الشرطة قسمين منها وظيفة التهمة على الجرائم ~~وإقامة حدودها ومباشرة القطع والقصاص حيث يتعين ونصب لذلك في هذه الدول ~~حاكم يحكم فيها بموجب السياسة دون مراجعة الأحكام الشرعية ويسمى تارة باسم ~~الوالي وتارة باسم الشرطة وبقي قسم التعازير وإقامة الحدود في الجرائم ~~الثابتة شرعا فجمع ذلك للقاضي مع ما تقدم وصار PageV01P222 ذلك من توابع ~~وظيفة ولايته واستقر الأمر لهذا العهد على ذلك وخرجت هذه الوظيفة عن أهل ~~عصبية الدولة لأن الأمر لما كان خلافة دينية وهذه الخطة من مراسم الدين ~~فكانوا لا يولون فيها إلا من أهل عصبيتهم من العرب ومواليهم بالحلف أو ~~بالرق أو بالاصطناع ممن يوثق بكفايته أو غنائه فيما يدفع إليه # ولما انقرض شأن الخلافة وطورها وصار الأمر كله ملكا أو سلطانا صارت هذه ~~الخطط الدينية بعيدة عنه بعض الشيء لأنها ليست من ألقاب الملك ولا مراسمه ~~ثم خرج الأمر جملة من العرب وصار الملك لسواهم من أمم الترك والبرر فازدادت ~~هذه الخطط الخلافية بعدا عنهم بمنحاها وعصبيتها وذلك أن العرب كانوا يرون ~~أن الشريعة دينهم وأن النبي صلى الله عليه وسلم منهم وأحكام وشرائعه نحلتهم ~~بين الأمم وطريقهم وغيرهم لا يرون ذلك إنما يولونها جانبا من التعظيم لما ~~دانوا بالملة فقط فصاروا يقلدونها من غير عصابتهم ممن كان تأهل لها في دول ~~الخلفاء السالفة وكان أولئك المتأهلون بما أخذهم ترف الدول منذ مئين من ~~السنين قد نسوا عهد البداوة وخشونتها والتبسوا بالحضارة في عوائد ترفهم ~~ودعتهم وقلة الممانعة عن أنفسهم ms235 وصارت هذه الخطط في الدول الملوكية من بعد ~~الخلفاء مختصة بهذا الصنف من المستضعفين في أهل الأمصار ونزل أهلها عن ~~مراتب العز لفقد الأهلية بأنسابهم وما هم عليه من الحضارة فلحقهم من ~~الاحتقار ما لحق الحضر المنغمسين في الترف والدعة البعداء عن عصبية الملك ~~الذين هم عيال على الحامية وصار اعتبارهم في الدولة من أجل قيامها بالملة ~~وأخذها بأحكام الشريعة لما أنهم الحاملون للأحكام المقتدون بها ولم يكن ~~إيثارهم في الدولة حينئذ إكراما لذواتهم وإنما هو لما يتدمج من التجمل ~~بمكانهم في مجالس الملك لتعظيم الرتب الشرعية ولم يكن لهم فيها من الحل ~~والعقد شيء وإن حضروه فحضور رسمي لا حقيقة وراءه إذ حقيقة الحل والعقد إنما ~~هي لأهل القدرة عليه فمن لا قدرة له عليه فلا حل له ولا عقد لديه أللهم إلا ~~أخذ الأحكام الشرعية عنهم وتلقى الفتاوى منهم فنعم والله الموفق وربما يظن ~~بعض الناس أن الحق فيما وراء ذلك وأن فعل الملوك فيما فعلوه من إخراج ~~الفقهاء والقضاة من الشورى مرجوح وقد قال صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة ~~الأنبياء فاعلم أن PageV01P223 ذلك ليس كما ظنه وحكم الملك والسلطان إنما ~~يجري على ما تقتضيه طبيعة العمران وإلا كان بعيدا عن السياسة فطبيعة ~~العمران في هؤلاء لا تقضي لهم شيئا من ذلك لأن الشورى والحل والعقد لا تكون ~~إلا لصاحب عصبية يقتدر بها على حل أو عقد أو فعل أو ترك وأما من لا عصبية ~~له ولا يملك من أمر نفسه شيئا ولا من حمايتها وإنما هو عيال على غيره فأي ~~مدخل له في الشورى أو أي معنى يدعو إلى اعتباره فيها اللهم إلا شوراه فيما ~~يعلمه من الأحكام الشرعية فموجودة في الاستفتاء خاصة وأما شوراه في السياسة ~~فهو بعيد عنها لفقدانه العصبية والقيام على معرفة أحوالها وأحكامها وإنما ~~إكرامهم من تبرعات الملوك والأمراء الشاهدة لهم بجميل الإعتقاد في الدين ~~وتعظيم من ينتسب إليه بأي جهة انتسب وأما قوله صلى الله عليه وسلم العلماء ~~ورثة الأنبياء فاعلم ms236 أن الفقهاء في الأغلب لهذا العهد وما احتف به إنما ~~حملوا الشريعة أقوالا في كيفية الأعمال في العبادات وكيفية القضاء في ~~المعاملات ينصونها على من يحتاج إلى العمل بها هذه غاية أكابرهم ولا يتصفون ~~إلا بالأقل منها وفي بعض الأحوال والسلف رضوان الله عليهم وأهل الدين ~~والورع من المسلمين حملوا الشريعة اتصافا بها وتحققا بمذاهبها فمن حملها ~~اتصافا وتحققا دون نقل فهو من الوارثين مثل أهل رسالة القشيري ومن اجتمع له ~~الأمران فهو العالم وهو الوارث على الحقيقة مثل فقهاء التابعين والسلف ~~والأئمة الأربعة ومن اقتفى طريقهم وجاء على أثرهم وإذا انفرد واحد من الأمة ~~بأحد الأمرين فالعابد أحق بالوراثة من الفقيه الذي ليس بعابد لأن العابد ~~ورث بصفة والفقيه الذي ليس بعابد لم يرث شيئا إنما هو صاحب أقوال ينصها ~~علينا في كيفيات العمل وهؤلاء أكثر فقهاء عصرنا إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم # العدالة وهي وظيفة دينية تابعة للقضاء ومن مواد تصريفه وحقيقة هذه ~~الوظيفة القيام عن إذن القاضي بالشهادة وبين الناس فيما لهم وعليهم تحملا ~~عند الإشهاد وأداء عند التنازع وكتبا في السجلات تحفظ به حقوق الناس ~~وأملاكهم وديونهم وسائر معاملاتهم وشرط هذه الوظيفة الاتصاف بالعدالة ~~الشرعية والبراءة من الجرح ثم القيام بكتب السجلات والعقود من جهة عباراتها ~~وانتظام فصولها ومن PageV01P224 جهة إحكام شروطها الشرعية وعقودها فيحتاج ~~حينئذ إلى ما يتعلق بذلك من الفقه ولأجل هذه الشروط وما يحتاج إليه من ~~المران على ذلك والممارسة له اختص ذلك ببعض العدول وصار الصنف القائمون به ~~كأنهم مختصون بالعدالة وليس كذلك وإنما العدالة من شروط اختصاصهم بالوظيفة ~~ويجب على القاضي تصفح أحوالهم والكشف عن سيرهم رعاية لشرط العدالة فيهم وأن ~~لا يهمل ذلك لما يتعين عليه من حفظ حقوق الناس فالعهدة عليه في ذلك كله وهو ~~ضامن دركه وإذا تعين هؤلاء لهذه الوظيفة عمت الفائدة في تعيين من تخفى ~~عدالته على القضاء بسبب اتساع الأمصار واشتباه الأحوال واضطرار القضاة إلى ~~الفصل بين المتنازعين بالبينات الموثوقة فيعولون غالبا ms237 في الوثوق بها على ~~هذا الصنف ولهم في سائر الأمصار دكاكين ومصاطب يختصون بالجلوس عليها ~~فيتعاهدهم أصحاب المعاملات للإشهاد وتقييده بالكتاب وصار مدلول على هذه ~~اللفظة مشتركا بين هذه الوظيفة التي تبين مدلولها وبين العدالة الشرعية ~~التي هي أخت الجرح وقد يتواردان ويتفرقان والله تعالى أعلم $ الحسبة والسكة # إما الحسبة فهي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ~~هو فرض على القائم بأمور المسلمين يعين لذلك من يراه أهلا له فيتعين فرضه ~~عليه ويتخذ الأعوان على ذلك ويبحث عن المنكرات ويعزر ويؤدب على قدرها ويحمل ~~الناس على المصالح العامة في المدينة مثل المنع من المضايقة في الطرقات ~~ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل والحكم على أهل المباني ~~المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة والضرب على ~~أيدي المعلمين في المكاتب وغيرها في الإبلاغ في ضربهم للصبيان المتعلمين ~~ولا يتوقف حكمه على تنازع أو استعداء بل له النظر والحكم فيما يصل إلى علمه ~~من ذلك ويرفع إليه وليس له إمضاء الحكم في الدعاوي مطلقا بل فيما يتعلق ~~بالغش والتدليس في المعايش وغيرها في المكاييل والموازين وله أيضا حمل ~~المماطلين على الإنصاف وأمثال ذلك مما ليس فيه سماع بينة ولا إنفاذ حكم ~~وكأنها أحكام PageV01P225 ينزه القاضي عنها لعمومها وسهولة أغراضها فتدفع ~~إلى صاحب هذه الوظيفة ليقوم بها فوضعها على ذلك أن تكون خادمة لمنصب القضاء ~~وقد كانت في كثير من الدول الإسلامية مثل العبيديين بمصر والمغرب والأمويين ~~بالأندلس داخلة في عموم ولاية القاضي بولي فيها باختياره ثم لما انفردت ~~وظيفة السلطان عن الخلافة وصار نظره عاما في أمور السياسة اندرجت في وظائف ~~الملك وأفردت بالولاية # وأما السكة فهي النظر في النقود المتعامل بها بين الناس وحفظها مما ~~يداخلها من الغش أو النقص إن كان يتعامل بها عدد أو ما يتعلق بذلك ويوصل ~~إليه من جميع الاعتبارات ثم في وضع علامة السلطان على تلك النقود ~~بالاستجادة والخلوص برسم تلك العلامة فيها من خاتم حديد اتخذ ms238 لذلك ونقش فيه ~~نقوش خاصة به فيوضع على الدينار بعد أن يقدر ويضرب عليه بالمطرقة حتى ترسم ~~فيه تلك النقوش وتكون علامة على جودته بحسب الغاية التي وقف عندها السبك ~~والتخليص في متعارف أهل القطر ومذاهب الدولة الحاكمة فإن السبك والتخليص في ~~النقود لا يقف عند غاية وإنما ترجع غايته إلى الاجتهاد فإذا وقف أهل أفق أو ~~قطر على غاية من التخليص وقفوا عندها وسموها إماما وعيارا يعتبرون به ~~نقودهم وينتقدونها بمماثلته فإن نقص عن ذلك كان زيفا والنظر في ذلك كله ~~لصاحب هذه الوظيفة وهي دينية بهذا الاعتبار فتندرج تحت الخلافة وقد كانت ~~تندرج في عموم ولاية القاضي ثم أفردت لهذا العهد كما وقع في الحبشة هذا آخر ~~الكلام في الوظائف الخلافية وبقيت منها وظائف ذهبت بذهاب ما ينظر فيه وأخرى ~~صارت سلطانية فوظيفة الإمارة والوزارة والحرب والخراج صارت سلطانية نتكلم ~~عليها في أماكنها بعد وظيفة الجهاد ووظيفة الجهاد بطلت ببطلانه إلا في قليل ~~من الدول يمارسونه ويدرجون أحكامه غالبا في السلطانيات وكذا نقابة الأنساب ~~التي يتوصل بها إلى الخلافة أو الحق في بيت المال قد بطلت لدثور الخلافة ~~ورسومها وبالجملة قد اندرجت رسوم الخلافة ووظائفها في رسوم الملك والسياسة ~~في سائر الدول لهذا العهد والله مصرف الأمور كيف يشاء PageV01P226 # | الفصل الثاني والثلاثون # في اللقب بأمير المؤمنين وأنه من سمات الخلافة وهو محدث منذ عهد الخلفاء # وذلك أنه لما بويع أبو بكر رضي الله عنه وكان الصحابة رضي الله عنهم ~~وسائر المسلمين يسمونه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يزل الأمر ~~على ذلك إلى أن هلك فلما بويع لعمر بعهده إليه كانوا يدعونه خليفة خليفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنهم استثقلوا هذا اللقب بكثرته وطول ~~إضافته وأنه يتزايد فيما بعد دائما إلى أن ينتهي إلى الهجنة ويذهب منه ~~التمييز بتعدد الإضافات وكثرتها فلا يعرف فكانوا يعدلون عن هذا اللقب إلى ~~ما سواه مما يناسبه ويدعى به مثله وكانوا يسمون قواد البعوث باسم الأمير ~~وهو فعيل ms239 من الإمارة وقد كان الجاهلية يدعون النبي صلى الله عليه وسلم أمير ~~مكة وأمير الحجاز وكان الصحابة أيضا يدعون سعد بن أبي وقاص أمير المؤمنين ~~لإمارته على جيش القادسية وهم معظم المسلمين يومئذ واتفق أن دعا بعض ~~الصحابة عمر رضي الله عنه يا أمير المؤمنين فاستحسنه الناس واستصوبوه ودعوه ~~به يقال إن أول من دعاه بذلك عبد الله بن جحش وقيل عمر بن العاصي والمغيرة ~~بن شعبة وقيل بريد جاء بالفتح من بعض البعوث ودخل المدينة وهو يسأل عن عمر ~~ويقول أين أمير المؤمنين وسمعها أصحابه فاستحسنوه وقالوا أصبت والله اسمه ~~إنه والله أمير المؤمنين حقا فدعوه بذلك وذهب لقبا له في الناس وتوارثه ~~الخلفاء من بعده سمة لا يشاركهم فيها أحد سواهم إلا سائر دولة بني أمية ثم ~~إن الشيعة خصوا عليا باسم الإمام نعتا له بالإمامة التي هي أخت الخلافة ~~وتعريضا بمذهبهم في أنه أحق بإمامة الصلاة من أبي بكر لما هو مذهبهم ~~وبدعتهم فخصوه بهذا اللقب ولمن يسوقون إليه منصب الخلافة من بعده فكانوا ~~كلهم يسمون بالإمام ما داموا يدعون لهم في الخلفاء حتى إذا يستولون على ~~الدولة يحولون اللقب فيما بعده إلى أمير المؤمنين كما فعله شيعة بني العباس ~~فإنهم ما زالوا يدعون أئمتهم بالإمام إلى إبراهيم الذين جهروا بالدعاء له ~~وعقدوا الرايات للحرب على أمره فلما هلك دعي أخوه السفاح بأمير المؤمنين ~~وكذا الرافضة بأفريقيا فإنهم ما زالوا يدعون أئمتهم من ولد إسماعيل بالإمام ~~حتى PageV01P227 انتهى الأمر إلى عبيد الله المهدي وكانوا أيضا يدعونه ~~بالإمام ولابنه أبي القاسم من بعده فلما استوثق لهم الأمر دعوا من بعدهما ~~بأمير المؤمنين وكذا الأدارسة بالمغرب كانوا يلقبون أدريس بالإمام وابنه ~~أدريس الأصغر كذلك وهكذا شأنهم وتوارث الخلفاء هذا اللقب بأمير المؤمنين ~~وجعلوه سمة لمن يملك الحجاز والشام والعراق والمواطن التي هي ديار العرب ~~ومراكز الدولة وأهل الملة والفتح وازداد لذلك في عنفوان الدولة وبذخها لقب ~~آخر للخلفاء يتميز به بعضهم عن بعض لما في أمير المؤمنين من الاشتراك ms240 بينهم ~~فاستحدث لذلك بنو العباس حجابا لأسمائهم الأعلام عن امتهانها في ألسنة ~~السوقة وصونا لها عن الابتذال فتلقبوا بالسفاح والمنصور والمهدي والهادي ~~والرشيد إلى آخر الدولة واقتفى أثرهم في ذلك العبيديون بأفريقية ومصر ~~وتجافى بنو أمية عن ذلك بالمشرق قبلهم مع الغضاضة والسذاجة لأن العروبية ~~ومنازعها لم تفارقهم حينئذ ولم يتحول عنهم شعار البداوة إلى شعار الحضارة ~~وأما بالأندلس فتلقبوا كسلفهم مع ما عملوه من أنفسهم من القصور عن ذلك ~~بالقصور عن ملك الحجاز أصل العرب والملة والبعد عن دار الخلافة التي هي ~~مركز العصبية وأنهم إنما منعوا بإمارة القاصية أنفسهم من مهالك بني العباس ~~حتى إذا جاء عبد الرحمن الداخل الآخر منهم وهو الناصر بن محمد ابن الأمير ~~عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن الأوسط لأول المائة الرابعة واشتهر ما نال ~~الخلافة بالمشرق من الحجر واستبداد الموالي وعيثهم في الخلفاء بالعزل ~~والإستبدال والقتل والسمل ذهب عبد الرحمن هذا إلى مثل مذاهب الخلفاء ~~بالمشرق وأفريقية وتسمى بأمير المؤمنين وتلقب بالناصر لدين الله وأخذت من ~~بعده عادة ومذهب لقن عنه ولم يكن لآبائه وسلف قومه واستمر الحال على ذلك ~~إلى أن انقرضت عصبية ولم يكن العرب أجمع وذهب رسم الخلافة وتغلب الموالي من ~~العجم على بني العباس والصنائع على العبيديين بالقاهرة وصنهاجة على أمراء ~~أفريقية وزناتة على المغرب وملوك الطوائف بالأندلس على أمر بني أمية ~~واقتسموه وافترق أمر الإسلام فاختلفت مذاهب الملوك بالمغرب والمشرق في ~~الاختصاص بالألقاب بعد أن تسموا جميعا باسم السلطان فأما ملوك المشرق من ~~العجم فكان الخلفاء يخصونهم بألقاب PageV01P228 تشريفية حتى يستشعر منها ~~انقيادهم وطاعتهم وحسن ولايتهم مثل شرف الدولة وعضد الدولة وركن الدولة ~~ومعز الدولة ونصير الدولة ونظام الملك وبهاء الدولة وذخيرة الملك وأمثال ~~هذه وكان العبيديون أيضا يخصون بها أمراء صنهاجة فلما استبدوا على الخلافة ~~قنعوا بهذه الألقاب وتجافوا عن ألقاب الخلافة أدبا معها وعدولا عن سماتها ~~المختصة بها شأن المتغلبين المستبدين كما قلناه ونزع المتأخرون أعاجم ~~المشرق حين قوي استبدادهم على الملك وعلا كعبهم ms241 في الدولة والسلطان وتلاشت ~~عصبية الخلافة واضمحلت بالجملة إلى انتحال الألقاب الخاصة بالملك مثل ~~الناصر والمنصور وزيادة على ألقاب يختصون بها قبل هذا الانتحال مشعرة ~~بالخروج عن ربقة الولاء والاصطناع بما أضافوها إلى الدين فقط فيقولون صلاح ~~الدين أسد الدين نور الدين وأما ملوك الطوائف بالأندلس فاقتسموا ألقاب ~~الخلافة وتوزعوها لقوة استبدادهم عليها بما كانوا من قبيلها وعصبيتها ~~فتلقبوا بالناصر والمنصور والمعتمد والمظفر وأمثالها كما قال ابن أبي شرف ~~ينعى عليهم % مما يزهدني في أرض أندلس % أسماء معتمد فيها ومعتضد % % ألقاب ~~مملكة في غير موضعها % كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد % $ # وأما صنهاجة فاقتصروا عن الألقاب التي كان الخلفاء العبيديون يلقبون بها ~~للتنويه مثل نصير الدولة ومعز الدولة واتصل لهم ذلك لما أدالوا من دعوة ~~العبيديين بدعوة العباسيين ثم بعدت الشقة بينهم وبين الخلافة ونسوا عهدها ~~فنسوا هذه الألقاب واقتصروا على اسم السلطان وكذا شأن ملوك مغراوة بالمغرب ~~لم ينتحلوا شيئا عن هذه الألقاب إلا اسم السلطان جريا على مذاهب البداوة ~~والغضاضة ولما محي رسم الخلافة وتعطل دستها وقام بالمغرب من قبائل البربر ~~يوسف بن ناشفين ملك لمتونة فملك العدوتين وكان من أهل الخير والاقتداء نزعت ~~به همته إلى الدخول في طاعة الخليفة تكميلا لمراسم دينه فخاطب المستظهر ~~العباسي وأوفد عليه ببيعته عبد الله بن العربي وابنه القاضي أبا بكر من ~~مشيخة إشبيلية يطلبان توليته إياها على المغرب وتقليده ذلك فانقلبوا إليه ~~بعهد الخلافة له على المغرب واستشعار زيهم في لبوسه ورتبته وخاطبه فيه يا ~~أمير المؤمنين تشريفا واختصاصا فاتخذها لقبا ويقال إنه كان دعي له بأمير ~~PageV01P229 المؤمنين من قبل أدبا مع رتبة الخلافة لما كان عليه هو وقومه ~~المرابطون من انتحال الدين واتباع السنة وجاء المهدي على أثرهم داعيا إلى ~~الحق آخذا بمذاهب الأشعرية ناعيا على أهل المغرب عدولهم عنها إلى تقليد ~~السلف في ترك التأويل لظواهر الشريعة وما يؤول إليه ذلك من التجسيم كما هو ~~معروف في مذهب الأشعرية وسمى أتباعه الموحدين تعريضا بذلك النكير وكان يرى ~~رأي أهل ms242 البيت في الإمام المعصوم وأنه لا بد منه في كل زمان يحفظ بوجوده ~~نظام هذا العالم فسمي بالإمارة لما قلناه أولا من مذهب الشيعة في ألقاب ~~خلفائهم وأردف بالمعصوم إشارة إلى مذهبه في عصمة الإمام وتنزه عند اتباعه ~~عن أمير المؤمنين أخذا بمذاهب المتقدمين من الشيعة ولما فيها من مشاركة ~~الأغمار والولدان من أعقاب أهل الخلافة يومئذ بالمشرق ثم انتحل عبد المؤمن ~~ولي عهده اللقب بأمير المؤمنين وجرى عليه من بعده خلفاء بني عبد المؤمن وآل ~~أبي حفص من بعدهم استئثارا به عمن سواهم لما دعا إليه شيخهم المهدي من ذلك ~~وأنه صاحب الأمر وأولياؤه من بعده كذلك دون كل أحد لانتفاء عصبية قريش ~~وتلاشيها فكان ذلك دأبهم ولما انتقض الأمر بالمغرب وانتزعه زناته ذهب أولهم ~~مذاهب البداوة والسذاجة وأتباع لمتونة في انتحال اللقب بأمير المؤمنين أدبا ~~مع رتبة الخلافة التي كانوا على طاعتها لبني عبد المؤمن أولا ولبني أبي حفص ~~من بعدهم ثم نزع المتأخرون منهم إلى اللقب بأمير المؤمنين وانتحلوه لهذا ~~العهد استبلاغا في منازع الملك وتتميما لمذاهبه وسماته والله غالب على أمره # | الفصل الثالث والثلاثون # في شرح اسم البابا والبطرك في الملة النصرانية واسم الكوهن عند اليهود # إعلم أن الملة لا بد لها من قائم عند غيبة النبي يحملهم على أحكامها ~~وشرائعها ويكون كالخليفة فيهم للنبي فيما جاء به من التكاليف والنوع ~~الإنساني أيضا بما تقدم من ضرورة السياسة فيهم للاجتماع البشري لا بد لهم ~~من شخص يحملهم على مصالحهم ويزعهم عن مفاسدهم بالقهر وهو المسمى بالملك ~~والملة الإسلامية لما كان الجهاد فيها مشروعا لعموم الدعوة وحمل الكافة على ~~دين الإسلام طوعا أو PageV01P230 كرها اتخذت فيها الخلافة والملك لتوجه ~~الشوكة من القائمين بها إليهما معا وأما ما سوى الملة الإسلامية فلم تكن ~~دعوتهم عامة ولا الجهاد عندهم مشروعا إلا في المدافعة فقط فصار القائم بأمر ~~الدين فيها لا يعنيه شيء من سياسة الملك وإنما وقع الملك لمن وقع منهم ~~بالعرض ولأمر غير ديني وهو ما اقتضته لهم ms243 العصبية لما فيها من الطلب للملك ~~بالطبع لما قدمناه لأنهم غير مكلفين بالتغلب على الأمم كما في الملة ~~الإسلامية وإنما هم مطلوبون بإقامة دينهم في خاصتهم ولذلك بقي بنو إسرائيل ~~من بعد موسى ويوشع صلوات الله عليهما نحو أربعمائة سنة لا يعتنون بشيء من ~~أمر الملك إنما همهم إقامة دينهم فقط وكان القائم به بينهم يسمى الكوهن ~~كأنه خليفة موسى صلوات الله عليه يقيم لهم أمر الصلاة والقربان وشترطون فيه ~~أن يكون من ذرية هارون صلوات الله عليه لأن موسى لم يعقب ثم اختاروا لإقامة ~~السياسة التي هي للبشر بالطبع سبعين شيخا كانوا يتلون أحكامهم العامة ~~والكوهن أعظم منهم رتبة في الدين وأبعد عن شغب الاحكام واتصل ذلك فيهم إلى ~~أن استحكمت طبيعة العصبية وتمحضت الشوكة للملك فغلبوا الكنعانيين على الأرض ~~التي أورثهم الله بيت المقدس وما جاورها كما بين لهم على لسان موسى صلوات ~~الله عليه فحاربتهم أمم الفلسطين والكنعانيين والأرمن وأردن وعمان ومارب ~~ورئاستهم في ذلك راجعة إلى شيوخهم وأقاموا على ذلك نحوا من أربعمائة سنة ~~ولم تكن بهم صولة الملك وضجر بنو طالوت وغلب الأمم وقتل جالوت ملك الفلسطين ~~ثم ملك بعده داود ثم سليمان صلوات الله عليهما واستفحل ملكه وامتد إلى ~~الحجاز ثم أطراف اليمن ثم إلى أطراف بلاد الروم ثم افترق الأسباط من بعد ~~سليمان صلوات الله عليه بمقتضى العصبية في الدول كما قدمناه إلى دولتين ~~كانت إحداهما بالجزيرة والموصل للأسباط العشرة والأخرى بالقدس والشام لبني ~~يهوذا وبنيامين ثم غلبهم بخت نصر ملك بابل على ما كان بأيديهم من الملك ~~أولا الأسباط العشرة ثم ثانيا بني يهوذا وبيت المقدس بعد اتصال ملكهم نحو ~~ألف سنة وخرب مسجدهم وأحرق توراتهم وأمات دينهم ونقلهم إلى أصبهان وبلاد ~~العراق إلى أن ردهم بعض ملوك الكيانية من الفرس إلى بيت المقدس من بعد ~~سبعين سنة من PageV01P231 خروجهم فبنوا المسجد وأقاموا أمر دينهم على الرسم ~~الأول للكهنة فقط والملك للفرس ثم غلب الإسكندر وبنو يونان على الفرس وصار ~~اليهود في ms244 ملكتهم ثم فشل أمر اليونانيين فاعتز اليهود عليهم بالعصبية ~~الطبيعية ودفعوهم عن الاستيلاء عليهم وقام بملكهم الكهنة الذين كانوا فيهم ~~من بني حشمناي وقاتلوا يونان حتى انقرض أمرهم وغلبهم الروم فصاروا تحت ~~أمرهم ثم رجعوا إلى بيت المقدس وفيها بنو هيرودس أصهار بني حشمناي وبقيت ~~دولتهم فحاصروهم مدة ثم افتتحوها عنوة وأفحشوا في القتل والهدم والتحريق ~~وخربوا بيت المقدس وأجلوهم عنها إلى رومة وما وراءها وهو الخراب الثاني ~~للمسجد ويسميه اليهود بالجلوة الكبرى فلم يقم لهم بعدها ملك لفقدان العصبية ~~منهم وبقوا بعد ذلك في ملكة الروم من بعدهم يقيم لهم أمر دينهم الرئيس ~~عليهم المسمى بالكوهن # ثم جاء المسيح صلوات الله وسلامه عليه بما جاءهم به من الدين والنسخ لبعض ~~أحكام التوراة وظهرت على يديه الخوارق العجيبة من إبراء الأكمه والأبرص ~~وإحياء الموتى واجتمع عليه كثير من الناس وآمنوا به وأكثرهم الحواريون من ~~أصحابه وكانوا اثني عشر وبعث منهم رسلا إلى الآفاق داعين إلى ملته وذلك ~~أيام أوغسطس أول ملوك القياصرة وفي مدة هيرودس ملك اليهود الذي انتزع الملك ~~من بني حشمناي أصهاره فحسده اليهود وكذبوه وكاتب هيرودس ملكهم ملك القياصرة ~~أوغسطس يغريه به فأذن لهم في قتله ووقع ما تلاه القرآن من أمره وافترق ~~الحواريون شيعا ودخل أكثرهم بلاد الروم داعين إلى دين النصرانية وكان بطرس ~~كبيرهم فنزل برومة دار ملك القياصرة ثم كتبوا الإنجيل الذي أنزل على عيسى ~~صلوات الله عليه في نسخ أربع على اختلاف رواياتهم فكتب متى إنجيله في بيت ~~المقدس بالعبرانية ونقله يوحنا بن زبدي منهم إلى اللسان اللاتيني وكتب لوقا ~~منهم إنجيله باللاتيني إلى بعض أكابر الروم وكتب يوحنا بن زبدي منهم إنجيله ~~برومة وكتب بطرس إنجيله باللاتيني ونسبه إلى مرقاص تلميذه واختلفت هذه ~~النسخ الأربع من الإنجيل مع أنها ليست كلها وحيا صرفا بل مشوبة بكلام عيسى ~~عليه السلام وبكلام الحواريين وكلها مواعظ وقصص والأحكام فيها قليلة جدا ~~واجتمع الحواريون الرسل لذلك العهد برومة PageV01P232 ووضوا قوانين الملة ~~النصرانية وصيروها بيد أقليمنطس تلميذ ms245 بطرس وكتبوا فيها عدد الكتب التي يجب ~~قبولها والعمل بها فمن شريعة اليهود القديمة التوراة وهي خمسة أسفار وكتاب ~~يوشع وكتاب القضاة وكتاب راعوث وكتاب يهوذا وأسفار الملوك أربعة وسفر ~~بنيامين وكتب المقابيين لابن كربون ثلاثة وكتاب عزرا ألإمام وكتاب أوشير ~~وقصة هامان وكتاب أيوب الصديق ومزامير داود عليه السلام وكتب ابنه سليمان ~~عليه السلام خمسة ونبوات الأنبياء الكبار والصغار ستة عشر وكتاب يشوع بن ~~شارخ وزير سليمان ومن شريعة عيسى صلوات الله عليه المتلقاة من الحواريين ~~نسخ الإنجيل الأربع وكتب القتاليقون سبع رسائل وثامنها الإبريكسيس في قصص ~~الرسل وكتاب بولس أربع عشرة رسالة وكتاب أقليمنطس وفيه الأحكام وكتاب ~~أبوغالمسيس وفيه رؤيا يوحنا بن زبدي واختلف شأن القياصرة في الأخذ بهذه ~~الشريعة تارة وتعظيم أهلها ثم تركها أخرى والتسلط عليهم بالقتل والبغي إلى ~~أن جاء قسطنطين وأخذ بها واستمروا عليها وكان صاحب هذا الدين والمقيم ~~لمراسيمه يسمونه البطرك وهو رئيس الملة عندهم وخليفة المسيح فيهم ببعث ~~نوابه وخلفاءه إلى ما بعد عنه من أمم النصرانية ويسمونه الأسقف أي نائب ~~البطرك ويسمون الإمام الذي يقيم الصلوات ويفتيهم في الدين بالقسيس ويسمون ~~المنقطع الذي حبس نفسه في الخلوة للعبادة بالراهب وأكثر خلواتهم في الصوامع ~~وكان بطرس الرسول رأس الحواريين وكبير التلاميذ برومة يقيم بها دين ~~النصرانية إلى أن قتله نيرون خامس القياصرة فيمن قتل من البطارق والأساقفة ~~ثم قام بخلافته في كرسي رومة آريوس وكان مرقاس الإنجيلي بالإسكندرية ومصر ~~والمغرب داعيا سبع سنين فقام بعده حنانيا وتسمى بالبطرك وهو أول البطاركة ~~فيها وجعل معه اثني عشر قسا على أنه إذا مات البطرك يكون واحد من الاثني ~~عشر مكانه ويختار من المؤمنين واحدا مكان ذلك الثاني عشر فكان أمر البطاركة ~~إلى القسوس ثم لما وقع الاختلاف بينهم في قواعد دينهم وعقائده واجتمعوا ~~بنيقية أيام قسطنطين لتحرير الحق في الدين واتفق ثلاثمائة وثمانية عشر من ~~أساقفتهم على رأي واحد في الدين فكتبوه وسموه الإمام وصيروه أصلا يرجعون ~~إليه وكان فيما كتبوه أن PageV01P233 البطرك القائم ms246 بالدين لا يرجع في ~~تعيينه إلى اجتهاد الأقسة كما قرره حنانيا تلميذ مرقاس وأبطلوا ذلك الرأي ~~وإنما يقدم عن بلاء واختبار من أئمة المؤمنين ورؤسائهم فبقي الأمر كذلك ثم ~~اختلفوا بعد ذلك في تقرير قواعد الدين وكانت لهم مجتمعات في تقريره ولم ~~يختلفوا في هذه القاعدة فبقي الأمر فيها على ذلك واتصل فيهم نيابة الأساقفة ~~عن البطاركة وكان الأساقفة يدعون البطرك بالأب أيضا تعظيما له فاشتبه الاسم ~~في أعصار متطاولة يقال آخرها بطركية هرقل بإسكندرية فأرادوا أن يميزوا ~~البطرك عن الأسقف في التعظيم فدعوه البابا ومعناه أبو الآباء فظهر هذا ~~الاسم أول ظهوره بمصر على ما زعم جرجيس بن العميد في تأريخه ثم نقلوه إلى ~~صاحب الكرسي الأعظم عندهم وهو كرسي بطرس الرسول كما قدمناه فلم يزل سمة ~~عليه حتى الآن ثم اختلفت النصارى في دينهم بعد ذلك وفيما يعتقدونه في ~~المسيح وصاروا طوائف وفرقا واستظهروا بملوك النصرانية كل على صاحبه فاختلف ~~الحال في العصور في ظهور فرقة دون فرقة إلى أن استقرت لهم ثلاث طوائف هي ~~فرقهم ولا يلتقون إلى غيرها وهم الملكية واليعقوبية والنسطورية ثم اختصت كل ~~فرقة منهم ببطرك فبطرك رومة اليوم المسمى بالبابا على رأي الملكية ورومة ~~للإفرنجة وملكهم قائم بتلك الناحية وبطرك المعاهدين بمصر على رأي اليعقوبية ~~وهو ساكن بين ظهرانيهم والحبشة يدينون بدينهم ولبطرك مصر فيهم أساقفة ~~ينوبون عنه في إقامة دينهم هنالك واختص اسم البابا ببطرك رومة لهذا العهد ~~ولا تسمي اليعاقبة بطركهم بهذا الاسم وضبط هذه اللفظة بباءين موحدتين من ~~أسفل والنطق بها مفخمة والثانية مشددة ومن مذاهب البابا عند الإفرنجة أنه ~~يحضهم على الانقياد لملك واحد يرجعون إليه في اختلافهم واجتماعهم تحرجا من ~~افتراق الكلمة ويتحرى به العصبية التي لا فوقها منهم لتكون يده عالية على ~~جميعهم ويسمونه الإنبرذور وحرفه الوسط بين الذال والظاء والظاء المعجمتين ~~ومباشره يضع التاج على رأسه للتبرك فيسمي المتوج ولعله معنى لفظة الإنبرذور ~~وهذا PageV01P234 ملخص ما أوردناه من شرح هذين الاسمين اللذين هما البابا ~~والكوهن والله ms247 يضل من يشاء ويهدي من يشاء # | الفصل الرابع والثلاثون # في مراتب الملك والسلطان وألقابها # إعلم أن السلطان في نفسه ضعيف يحمل أمرا ثقيلا فلا بد له من الاستعانة ~~بأبناء جنسه وإذا كان يستعين بهم في ضرورة معاشه وسائر مهنه فما ظنك بسياسة ~~نوعه ومن استرعاه الله من خلقه وعباده وهو محتاج إلى حماية الكافة من عدوهم ~~بالمدافعة عنهم وإلى كف عدوان بعضهم على بعض في أنفسهم بإمضاء الأحكام ~~الوازعة فيهم وكف العدوان عليهم في أموالهم بإصلاح سابلتهم وإلى حملهم على ~~مصالحهم وما تعمهم به البلوى في معاشهم ومعاملاتهم من تفقد المعايش ~~والمكاييل والموازين حذرا من التطفيف وإلى النظر في السكة بحفظ النقود التي ~~يتعاملون بها من الغش وإلى سياستهم بما يريده منهم من الانقياد له والرضى ~~بمقاصده منهم وانفراده بالمجد دونهم فيتحمل من ذلك فوق الغاية من معاناة ~~القلوب قال بعض الأشراف من الحكماء لمعاناة نقل الجبال من أماكنها أهون علي ~~من معاناة قلوب الرجال ثم إن الاستعانة إذا كانت بأولي القربى من أهل النسب ~~أو التربية أو الاصطناع القديم للدولة كانت أكمل لما يقع في ذلك من مجانسة ~~خلقهم لخلقه فتتم المشاكلة في الاستعانة قال تعالى @QB@ واجعل لي وزيرا من ~~أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري @QE@ وهو إما أن يستعين في ذلك ~~بسيفه أو قلمه أو رأيه أو معارفه أو بحجابه عن الناس أن يزدحموا عليه ~~فيشغلوه عن النظر في مهماتهم أو يدفع النظر في الملك كله ويعول على كفايته ~~في ذلك واضطلاعه فلذلك قد توجد في رجل واحد وقد تفترق في أشخاص وقد يتفرع ~~كل واحد منها إلى فروع كثيرة كالقلم يتفرع إلى قلم الرسائل والمخاطبات وقلم ~~الصكوك والإقطاعات وإلى قلم المحاسبات وهو صاحب الجباية والعطاء وديوان ~~الجيش وكالسيف يتفرع إلى صاحب الحرب PageV01P235 وصاحب الشرطة وصاحب البريد ~~وولاية الثغور ثم اعلم أن الوظائف السلطانية في هذه الملة الإسلامية مندرجة ~~تحت الخلافة لاحتمال منصب الخلافة على الدين والدنيا كما قدمناه فالأحكام ~~الشرعية متعلقة بجميعها وموجودة لكل ms248 واحدة منها في سائر وجوهها لعموم تعلق ~~الحكم الشرعي بجميع أفعال العباد والفقيه ينظر في مرتبة الملك والسلطان ~~وشروط تقليدها استبدادا على الخلافة وهو معنى السلطان أو تعويضا منها وهو ~~معنى الوزارة عندهم كما يأتي وفي نظره في الأحكام والأموال وسائر السياسات ~~مطلقا أو مقيدا وفي موجبات العزل إن عرضت وغير ذلك من معاني الملك والسلطان ~~وكذا في سائر الوظائف التي تحت الملك والسلطان من وزارة أو جباية أو ولاية ~~لا بد للفقيه من النظر في جميع ذلك كما قدمناه من انسحاب حكم الخلافة ~~الشرعية في الملة الإسلامية على رتبة الملك والسلطان إلا أن كلامنا في ~~وظائف الملك والسلطان ورتبته إنما هو بمقتضى طبيعة العمران ووجود البشر لا ~~بما يخصها من أحكام الشرع فليس من غرب كتابنا كما علمت فلا تحتاج إلى تفصيل ~~أحكامها الشرعية مع أنها مستوفاة في كتب الأحكام السلطانية مثل كتاب القاضي ~~أبي الحسن الماوردي وغيره من أعلام الفقهاء فإن أردت استيفاءها فعليك ~~بمطالعتها هنالك وإنما تكلمنا في الوظائف الخلافية وأفردناها لنميز بينها ~~وبين الوظائف السلطانية فقط لا لتحقيق أحكامها الشرعية فليس من غرض كتابنا ~~وإنما نتكلم في ذلك بما تقتضيه طبيعة العمران في الوجود الإنساني والله ~~الموفق # الوزارة وهي أم الخطط السلطانية والرتب الملوكية لأن اسمها يدل على مطلق ~~الإعانة فإن الوزارة مأخوذة إما من المؤازرة وهي المعاونة أو من الوزر وهو ~~الثقل كأن يحمل مع مفاعله أوزاره وأثقاله وهو راجع إلى المعاونة المطلقة ~~وقد كنا قدمنا في أول الفصل أن أحوال السلطان وتصرفاته لا تعدو أربعة لأنها ~~إما أن تكون في أمور حماية الكافة وأسبابها من النظر في الجد والسلاح ~~والحروب وسائر أمور الحماية والمطالبة وصاحب هذا هو الوزير المتعارف في ~~الدول القديمة بالمشرق ولهذا العهد بالمغرب وإما أن تكون في أمور مخاطباته ~~لمن بعد عنه في PageV01P236 أمور جباية المال وإنفاقه وضبط ذلك من جميع ~~وجوهه أن يكون بمضبطة وصاحب هذا هو صاحب المال والجباية وهو المسمى بالوزير ~~لعهذا العهد بالمشرق وإما أن يكون في ms249 مدافعة الناس ذوي الحاجات عنه أن ~~يزدحموا عليه فيشغلوه عن فهمه وهذا راجع لصاحب الباب الذي يحجبه فلا تعدو ~~أحواله هذه الأربعة بوجه وكل خطة أو رتبة من رتب الملك والسلطان فإليها ~~يرجع إلا أن الأرفع منها ما كانت الإعانة فيه عامة فيما تحت يد السلطان من ~~ذلك الصنف إذ هو يقتضي مباشرة السلطان دائما ومشاركته في كل صنف من أحوال ~~ملكه وأما ما كان خاصا ببعض الناس أو ببعض الجهات فيكون دون الرتبة الأخرى ~~كقيادة ثغر أو ولاية جباية خاصة أو النظر في أمر خاص كحسبة الطعام أو النظر ~~في السكة فإن هذه كلها نظر في أحوال خاصة فيكون صاحبها تبعا لأهل النظر ~~العام وتكون رتبته مرؤوسة لأولئك وما زال الأمر في الدول قبل الإسلام هكذا ~~حتى جاء الإسلام وصار الأمر خلافة فذهبت تلك الخطط كلها بذهاب رسم الملك ~~إلى ما هو طبيعي من المعاونة بالرأي والمفاوضة فيه فلم يمكن زواله إذ هو ~~أمر لا بد منه فكان صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه ويفاوضهم في مهماته ~~العامة والخاصة ويخص مع ذلك أبا بكر بخصوصيات أخرى حتى كان العرب الذين ~~عرفوا الدول وأحوالها في كسرى وقيصر والنجاشي يسمون أبا بكر وزيره ولم يكن ~~لفظ الوزير يعرف بين المسلمين لذهاب رتبة الملك بسذاجة الإسلام وكذا عمر مع ~~أبي بكر وعلي وعثمان مع عمر وأما حال الجباية والإنفاق والحسبان فلم يكن ~~عندهم برتبة لأن القوم كانوا عربا أميين لا يحسنون الكتاب والحساب فكانوا ~~يستعملون في الحساب أهل الكتاب أو أفرادا من موالي العجم ممن يجيده وكان ~~قليلا فيهم وأما أشرافهم فلم يكونوا يجيدونه لأن الأمية كانت صفتهم التي ~~امتازوا بها وكذا حال المخاطبات وتنفيذ الأمور لم تكن عندهم رتبة خاصة ~~للأمية التي كانت فيهم والأمانة العامة في كتمان القول وتأديته ولم تخرج ~~السياسة إلى اختياره لأن الخلافة إنما هي دين ليست من السياسة الملكية في ~~شيء وأيضا فلم تكن الكتابة صناعة فيستجاد لخليفة أحسنها لأن الكل كانوا ~~يعبرون عن مقاصدهم بأبلغ ms250 العبارات ولم يبق إلا الخط فكان الخليفة ~~PageV01P237 يستنيب في كتابته متى عن له من يحسنه وأما مدافعة ذوي الحاجات ~~عن أبوابهم فكان محظورا بالشريعة فلم يفعلوه فلما انقلبت الخلافة إلى الملك ~~وجاءت رسوم السلطان وألقابه كان أول شيء بديء به في الدولة شأن الباب وسده ~~دون الجهور بما كانوا يخشون عن أنفسهم من اغتيال الخوارج وغيرهم كما وقع ~~بعمر وعلي ومعاوية وعمر بن العاصي وغيرهم مع ما في فتحه من ازدحام الناس ~~عليهم وشغلهم بهم عن المهمات فاتخذوا من يقوم لهم بذلك وسموه الحاجب وقد ~~جاء أن عبد الملك لما ولى حاجبه قال له قد وليتك حجابة بأبي إلا عن ثلاثة ~~المؤذن للصلاة فإنه داعي الله وصاحب البريد فأمر ما جاء به وصاحب الطعام ~~لئلا يفسد ثم استفحل الملك بعد ذلك فظهر المشاور والمعين في أمور القبائل ~~والعصائب واستئلافهم وأطلق عليه اسم الوزير وبقي أمر الحسبان في الموالي ~~والذميين واتخذ للسجلات كاتب مخصوص حوطة على أسرار السلطان أن تشتهر فتفسد ~~سياسته مع قومه ولم يكن بمثابة الوزير لأنه إنما احتيج له من حيث الخط ~~والكتاب لا من حيث اللسان الذي هو الكلام إذ اللسان لذلك العهد على حاله لم ~~يفسد فكانت الوزارة لذلك أرفع رتبهم يومئذ في سائر دولة بني أمية فكان ~~النظر للوزير عاما في أحوال التدبير والمفاوضات وسائر أمور الحمايات ~~والمطالبات وما يتبعها من النظر في ديوان الجند وفرض العطاء بالأهلية وغير ~~ذلك فلما جاءت دولة بني العباس واستفحل الملك وعظمت مراتبه وارتفعت وعظم ~~شأن الوزير وصارت إليه النيابة في إنفاذ الحل والعقد تعينت مرتبته في ~~الدولة وعنت لها الوجوه وخضعت لها الرقاب وجعل لها النظر في ديوان الحسبان ~~لما تحتاج إليه خطته من قسم الأعطيات في الجند فاحتاج إلى النظر في جمعه ~~وتفريقه وأضيف إليه النظر فيه ثم جعل له النظر في القلم والترسيل لصون ~~أسرار السلطان ولحفظ البلاغة لما كان اللسان قد فسد عند الجمهور وجعل ~~الخاتم لسجلات السلطان ليحفظها من الذياع والشياع ودفع إليه فصار ms251 اسم ~~الوزير جامعا لخطتي السيف والقلم وسائر معاني الوزارة والمعاونة حتى لقد ~~دعي جعفر بن يحيى بالسلطان أيام الرشيد إشارة إلى عموم نظره وقيامه بالدولة ~~ولم يخرج عنه من الرتب السلطانية كلها إلا الحجابة التي هي القيام على ~~الباب فلم تكن له لاستنكافه عن مثل ذلك ثم جاء في PageV01P238 الدولة ~~العباسية شأن الاستبداد على السلطان وتعاور فيها استبداد الوزارة مرة ~~والسلطان أخرى وصار الوزير إذا استبد محتاجا إلى استنابة الخليفة إياه لذلك ~~لتصح الأحكام الشرعية وتجيء على حالها كما تقدمت فانقسمت الوزارة حينئذ إلى ~~وزارة تنفيذ وهي حال ما يكون السلطان قائما على نفسه وإلى وزارة تفويض وهي ~~حال ما يكون الوزير مستبدا عليه ثم استمر الاستبداد وصار الأمر لملوك العجم ~~وتعطل رسم الخلافة ولم يكن لأولئك المتغلبين أن ينتحلوا ألقاب الخلافة ~~واستنكفوا من مشاركة الوزراء في اللقب لأنهم خول لهم فتسموا بالإمارة ~~والسلطان وكان المستبد على الدولة يسمى أمير الأمراء أو بالسلطان إلى ما ~~يحليه به الخليفة من ألقابه كما تراه في ألقابهم وتركوا اسم الوزارة إلى من ~~يتولاها للخليفة في خاصته ولم يزل هذا الشأن عندهم إلى آخر دولتهم وفسد ~~اللسان خلال ذلك كله وصارت صناعة ينتحلها بعض الناس فامتهنت وترفع الوزراء ~~عنها لذلك ولأنهم عجم وليست تلك البلاغة هي المقصودة من لسانهم فتخير لها ~~من سائر الطبقات واختصت به وصارت خادمة للوزير واختص اسم الأمير بصاحب ~~الحروب والجند وما يرجع إليها ويده مع ذلك عالية على أهل الرتب وأمره نافذ ~~في الكل إما نيابة أو استبدادا واستمر الأمر على هذا ثم جاءت دولة الترك ~~آخرا بمصر فرأوا أن الوزارة قد ابتذلت بترفع أولئك عنها ودفعها لمن يقوم ~~بها للخليفة المحجور ونظره مع ذلك متعقب بنظر الأمير فصارت مرؤوسة ناقصة ~~فاستنكف أهل هذه الرتبة العالية في الدولة عن اسم الوزارة وصار صاحب ~~الأحكام والنظر في الجند يسمى عندهم بالنائب لهذا العهد وبقي اسم الحاجب في ~~مدلوله واختص اسم الوزير عندهم بالنظر في الجباية وأما دولة بني أمية ~~بالأندلس ms252 فأنفوا اسم الوزير في مدلوله أول الدولة ثم قسموا خطته أصنافا ~~وأفردوا لكل صنف وزيرا فجعلوا لحسبان المال وزيرا وللترسيل وزيرا وللنظر في ~~حوائج المتظلمين وزيرا وللنظر في أحوال أهل الثغور وزيرا وجعل لهم بيت ~~يجلسون فيه على فرش منضدة لهم وينفذون أمر السلطان هناك كل فيما جعل له ~~وافرد للتردد بينهم وبين الخليفة واحد منهم ارتفع عنهم بمباشرة السلطان في ~~كل وقت فارتفع مجلسه عن PageV01P239 مجالسهم وخصوه باسم الحاجب ولم يزل ~~الشأن هذا إلى آخر دولتهم فارتفعت خطة الحاجب ومرتبته على سائر الرتب حتى ~~صار ملوك الطوائف ينتحلون لقبها فأكثرهم يومئذ يسمى الحاجب كما نذكره ثم ~~جاءت دولة الشيعة بأفريقية والقيروان وكان للقائمين بها رسوخ في البداوة ~~فأغفلوا أمر هذه الخطط أولا وتنقيح أسمائها كما تراه في أخبار دولتهم # ولما جاءت دولة الموحدين من بعد ذاك أغفلت الأمر أولا للبداوة ثم صارت ~~إلى انتحال الأسماء والألقاب وكان اسم الوزير في مدلوله ثم اتبعوا دولة ~~الأمويين وقلدوها في مذاهب السلطان واختاروا اسم الوزير لمن يحجب السلطان ~~في مجلسه ويقف بالوفود الداخلين على السلطان عند الحدود في تحيتهم وخطابهم ~~والآداب التي تلزم في الكون بين يديه ورفعوا خطة الحجابة عنه ما شاءوا ولم ~~يزل الشأن ذلك إلى هذا العهد وأما في دولة الترك بالمشرق فيسمون هذا الذي ~~يقف بالناس على حدود الآداب في اللقاء والتحية في مجالس السلطان والتقدم ~~بالوفود بين يديه الدويدار ويضيفون إليه استتباع كاتب السر وأصحاب البريد ~~المتصرفين في حاجات السلطان بالقاصية وبالحاضرة وحالهم على ذلك لهذا العهد ~~والله مولي الأمور لمن يشاء # الحجابة قد قدمنا أن هذا اللقب كان مخصوصا في الدولة الأموية والعباسية ~~بمن يحجب السلطان عن العامة ويغلق بابه دونهم أو يفتحه لهم على قدره في ~~مواقيته وكانت هذه منزلة يوما عن الخطط مرؤوسة لها إذ الوزير متصرف فيها ~~بما يراه وهكذا كانت سائر أيام بني العباس وإلى هذا العهد فهي بمصر مرؤوسة ~~لصاحب الخطة العليا المسمى بالنائب # وأما الدولة الأموية بالأندلس فكانت الحجابة لمن ms253 يحجب السلطان عن الخاصة ~~والعامة ويكون واسطة بينه وبين الوزراء فمن دونهم فكانت في دولتهم رفيعة ~~غاية كما تراه في أخبارهم كابن حديد وغيره من حجابهم ثم لما جاء الاستبداد ~~على الدولة اختص المستبد باسم الحجابة لشرفها فكان المنصور بن أبي عامر ~~وأبناؤه كذلك ولما بدوا في مظاهر الملك وأطواره جاء من بعدهم من ملوك ~~الطوائف فلم يتركوا لقبها وكانوا يعدونه شرفا لهم وكان أعظمهم ملكا بعد ~~انتحال ألقاب الملك وأسمائه لا بد له من ذكر الحاجب وذي الوزارتين ~~PageV01P240 يعنون به السيف والقلم ويدلون بالحجابة على حجابة السلطان عن ~~العامة والخاصة وبذي الوزارتين عن جمعه لخطتي السيف والقلم ثم لم يكن في ~~دول المغرب وأفريقية ذكر لهذا الاسم للبداوة التي كانت فيهم وربما يوجد في ~~دولة العبيديين بمصر عند استعظامها وحضارتها إلا أنه قليل # ولما جاءت دولة الموحدين لم تستمكن فيها الحضارة الداعية إلى انتحال ~~الألقاب وتمييز الخطط وتعيينها بالأسماء إلا آخرا فلم يكن عندهم من الرتب ~~إلا الوزير فكانوا أولا يخصون بهذا الاسم الكاتب المتصرف المشارك للسلطان ~~في خاص أمره كابن عطية وعبد السلام الكومي وكان له مع ذلك النظر في الحساب ~~والأشغال المالية ثم صار بعد ذلك اسم الوزير لأهل نسب الدولة من الموحدين ~~كابن جامع وغيره ولم يكن اسم الحاجب معروفا في دولتهم يومئذ # وأما بنو أبي حفص بأفريقية فكانت الرئاسة في دولتهم أولا والتقدم لوزير ~~والرأي والمشورة وكان يخص باسم شيخ الموحدين وكان له النظر في الولايات ~~والعزل وقود العساكر والحروب واختص الحسبان والديوان برتبة أخرى ويسمى ~~متوليها بصاحب الأشغال ينظر فيها النظر المطلق في الدخل والخرج ويحاسب ~~ويستخلص الأموال ويعاقب على التفريط وكان من شرطه أن يكون من الموحدين ~~واختص عندهم القلم أيضا بمن يجيد الترسيل ويؤتمن على الأسرار لأن الكتابة ~~لم تكن من منتحل القوم ولا الترسيل بلسانهم فلم يشترط فيه النسب واحتاج ~~السلطان لاتساع ملكه وكثرة المرتزقين بداره إلى قهرمان خاص بداره في أحواله ~~يجريها على قدرها وترتيبها من رزق وعطاء وكسوة ونفقة ms254 في المطابخ والإصطبلات ~~وغيرهما وحصر الذخيرة وتنفيذ ما يحتاج إليه في ذلك على أهل الجباية فخصوه ~~باسم الحاجب وربما أضافوا إليه كتابة العلامة على السجلات إذا اتفق أنه ~~يحسن صناعة الكتابة وربما جعلوه لغيره واستمر الأمر على ذلك وحجب السلطان ~~نفسه عن الناس فصار هذا الحاجب واسطة بين الناس وبين أهل الرتب كلهم ثم جمع ~~له آخر الدولة السيف والحرب ثم الرأي والمشورة فصارت الخطة أرفع الرتب ~~وأوعبها للخطط ثم جاء الاستبداد والحجر مدة من بعد السلطان الثاني عشر منهم ~~ثم استبد بعد ذلك حفيده السلطان أبو العباس على نفسه وأذهب آثار الحجر ~~PageV01P241 والاستبداد بإذهاب خطة الحجابة التي كانت سلما إليه وباشر ~~أموره كلها بنفسه من غير استعانة بأحد والأمر على ذلك لهذا العهد # وأما دولة زناتة بالمغرب وأعظمها دولة بني مرين فلا أثر لاسم الحاجب ~~عندهم وأما رئاسة الحرب والعساكر فهي للوزير ورتبة القلم في الحسبان ~~والرسائل راجعة إلى من يحسنها من أهلها وإن اختصت ببعض البيوت المصطنعين في ~~دولتهم وقد تجمع عندهم وقد تفرق وأما باب السلطان وحجبه عن العامة فهي رتبة ~~عندهم فيسمى صاحبها عندهم بالمزوار ومعناه المقدم على الجنادرة المتصرفين ~~بباب السلطان في تنفيذ أوامره وتصريف عقوباته وإنزال سطواته وحفظ المعتقلين ~~في سجونه والعريف عليهم في ذلك فالباب له وأخذ الناس بالوقوف عند الحدود في ~~دار العامة راجع إليه فكأنها وزارة صغرى وأما دولة بني عبد الواد فلا أثر ~~عندهم لشيء من هذه الألقاب ولا تمييز الخطط لبداوة دولتهم وقصورها وإنما ~~يخصون باسم الحاجب في بعض الأحوال منفذ الخاص بالسلطان في داره كما كان في ~~دولة بني أبي حفص وقد يجمعون له الحسبان والسجل كما كان فيها حملهم على ذلك ~~تقليد الدولة بما كانوا في تبعتها وقائمين بدعوتها منذ أول أمرهم # وأما أهل الأندلس لهذا العهد فالمخصوص عندهم بالحسبان وتنفيذ حال السلطان ~~وسائر الأمور المالية يسمونه بالوكيل وأما الوزير فكالوزير إلا أنه يجمع له ~~الترسيل والسلطان عندهم يضع خطه على السجلات كلها فليس هناك خطة العلامة ms255 ~~كما لغيرهم من الدول وأما دولة الترك بمصر فاسم الحاجب عندهم موضوع لحاكم ~~من أهل الشوكة وهم الترك ينفذ الأحكام بين الناس في المدينة وهم متعددون ~~وهذه الوظيفة عندهم تحت وظيفة النيابة التي لها الحكم في أهل الدولة وفي ~~العامة على الإطلاق وللنائب التولية والعزل في بعض الوظائف على الأحيان ~~ويقطع القليل من الأرزاق ويبتها وتنفذ أوامره كما تنفذ المراسم السلطانية ~~وكان له النيابة المطلقة عن السلطان وللحجاب الحكم فقط في طبقات العامة ~~والجند عند الترافع إليهم وإجبار من أبى الانقياد للحكم وطورهم تحت طور ~~النيابة والوزير في دولة الترك هو صاحب جباية الأموال في الدولة على اختلاف ~~أصنافها من خراج أو مكس أو جزية ثم في تصريفها في الإنفاقات السلطانية ~~PageV01P242 أو الجرايات المقدرة وله مع ذلك التولية والعزل في سائر العمال ~~المباشرين لهذه الجباية والتنفيذ على اختلاف مراتبهم وتباين أصنافهم ومن ~~عوائدهم أن يكون هذا الوزير من صنف القبط القائمين على ديوان الحسبان ~~والجباية لاختصاصهم بذلك في مصر منذ عصور قديمة وقد يوليها السلطان بعض ~~الأحيان لأهل الشوكة من رجالات الترك أو أبنائهم على حسب الداعية لذلك ~~والله مدبر الأمور ومصرفها بحكمته لا إله إلا هو رب الأولين والآخرين $ ~~ديوان الأعمال والجبايات # إعلم أن هذه الوظيفة من الوظائف الضرورية للملك وهي القيام على أعمال ~~الجبايات وحفظ حقوق الدولة في الدخل والخرج وإحصاء العساكر بأسمائهم وتقدير ~~أرزاقهم وصرف أعطياتهم في إباناتها والرجوع في ذلك إلى القوانين التي ~~يرتبها قومة تلك الأعمال وقهارمة الدولة وهي كلها مسطورة في كتاب شهد ~~بتفاصيل ذلك في الدخل والخرج مبني على جزء كبير من الحساب لا يقوم به إلا ~~المهرة من أهل تلك الأعمال ويسمى ذلك الكتاب بالديوان وكذلك مكان جلوس ~~العمال المباشرين لها # ويقال إن أصل هذه التسمية أن كسرى نظر يوما إلى كتاب ديوانه وهم يحسبون ~~على أنفسهم كأنهم يحادثون فقال ديوانه أي مجانين بلغة الفرس فسمي موضعهم ~~بذلك وحذفت الهاء لكثرة الاستعمال تخفيفا فقيل ديوان ثم نقل هذا الاسم إلى ~~كتاب هذه ms256 الأعمال المتضمن للقوانين والحسبانات وقيل إنه اسم للشياطين ~~بالفارسية سمي الكتاب بذلك لسرعة نفوذهم في فهم الأمور ووقوفهم على الجلي ~~منها والخفي وجمعهم لما شذ وتفرق ثم نقل إلى مكان جلوسهم لتلك الأعمال وعلى ~~هذا فيتناول اسم الديوان كتاب الرسائل ومكان جلوسه بباب السلطان على ما ~~يأتي بعد وقد تفرد هذه الوظيفة بناظر واحد ينظر في سائر هذه الأعمال وقد ~~يفرد كل صنف منها بناظر كما يفرد في بعض الدول النظر في العساكر وإقطاعاتهم ~~وحسبان أعطياتهم أو غير ذلك على حسب مصطلح الدولة وما قرره أولوها واعلم أن ~~هذه الوظيفة إنما تحدث في الدول عند تمكن الغلب والاستيلاء والنظر في أعطاف ~~الملك وفنون التمهيد وأول من وضع الديوان في الدولة الإسلامية عمر ~~PageV01P243 رضي الله عنه يقال لسبب مال أتى به أبو هريرة رضي الله عنه من ~~البحرين فاستكثروه وتعبوا في قسمه فسموا إلى إحصاء الأموال وضبط العطاء ~~والحقوق فأشار خالد بن الوليد بالديوان وقال رأيت ملوك الشام يدونون فقبل ~~منه عمر وقيل بل أشار عليه به الهرمزان لما رآه يبعث البعوث بغير ديوان ~~فقيل له ومن يعلم بغيبة من يغيب منهم فإن من تخلف أخل بمكانه وإنما يضبط ~~ذلك الكتاب فأثبت لهم ديوانا وسأل عمر عن اسم الديوان فعبر له ولما اجتمع ~~ذلك أمر عقيل بن أبي طالب ومخرمة ابن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من كتاب ~~قريش فكتبوا ديوان العساكر الإسلامية على ترتيب الأنساب مبتدأ من قرابة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بعدها الأقرب فالأقرب هكذا كان ابتداء ~~ديوان الجيش وروى الزهري بن سعيد بن المسيب أن ذلك كان في المحرم ستة عشرين ~~وأما ديوان الخراج والجبايات فبقي بعد الإسلام على ما كان عليه من قبل ~~ديوان العراق بالفارسية وديوان الشام بالرومية وكتاب الدواوين من أهل العهد ~~من الفريقين ولما جاء عبد الملك بن مروان واستحال الأمر ملكا وانتقل القوم ~~من غضاضة البداوة إلى رونق الحضارة ومن سذاجة الأمية إلى حذق الكتابة وظهر ~~في العرب ومواليهم مهرة ms257 في الكتاب والحسبان فأمر عبد الملك سليمان بن سعد ~~والي الأردن لعهده أن ينقل ديوان الشام إلى العربية فأكمله لسنة من يوم ~~ابتدائه ووقف عليه سرحون كاتب عبد الملك فقال لكتاب الروم اطلبوا العيش في ~~غير هذه الصناعة فقد قطعها الله عنكم وأما ديوان العراق فأمر الحجاج كاتبه ~~صالح بن عبد الرحمن وكان يكتب بالعربية والفارسية ولقن ذلك عن زادان فروخ ~~كاتب الحجاج قبله ولما قتل زادان في حرب عبد الرحمن ابن الأشعث استخلفت ~~الحجاج صالحا هذا مكانه وأمره أن ينقل الديوان من الفارسية إلى العربية ~~ففعل ورعم لذلك كتاب الفرس وكان عبد الحميد بن يحيى يقول لله در ما أعظم ~~منته على الكتاب ثم جعلت هذه الوظيفة في دولة بني العباس مضافة إلى من كان ~~له النظر فيه كما كان شأن بني برمك وبني سهل بن نوبخت وغيرهم من وزراء ~~الدولة وأما ما يتعلق بهذه الوظيفة من الأحكام الشرعية مما يختص بالجيش أو ~~بيت المال في الدخل والخرج وتمييز النواحي بالصلح والعنوة وفي تقليد ~~PageV01P244 هذه الوظيفة لمن يكون وشروط الناظر فيها والكاتب وقوانين ~~الحسبانات فأمر راجع إلى كتب الأحكام السلطانية وهي مسطورة هنالك وليست من ~~غرض كتابنا وإنما نتكلم فيها من حيث طبيعة الملك الذي نحن بصدد الكلام فيه ~~وهذه الوظيفة جزء عظيم من الملك بل هي ثالثة أركانه لأن الملك لا بد له من ~~الجند والمال والمخاطبة لمن غاب عنه فاحتاج صاحب الملك إلى الأعوان في أمر ~~السيف وأمر القلم وأمر المال فينفرد صاحبها لذلك بجزء من رئاسة الملك وكذلك ~~كان الأمر في دولة بني أمية بالأندلس والطوائف بعدهم وأما في دولة الموحدين ~~فكان صاحبها إنما يكون من الموحدين يستقل بالنظر في استخراج الأموال وجمعها ~~وضبطها وتعقب نظر الولاة والعمال فيها ثم تنفيذها على قدرها وفي مواقيتها ~~وكان يعرف بصاحب الأشغال وكان ربما يليها في الجهات غير الموحدين ممن ~~يحسنها ولما استبد بنوا أبي حفص بأفريقية وكان شان الجالية من الأندلس فقدم ~~عليهم أهل البيوتات وفيهم من كان ms258 يستعمل ذلك في الأندلس مثل بني سعيد أصحاب ~~القلعة جوار غرناطة المعروفين ببني أبي الحسن فاستكفوا بهم في ذلك وجعلوا ~~لهم النظر في الأشغال كما كان لهم بالأندلس ودا لو فيها بينهم وبين ~~الموحدين ثم استقل بها أهل الحسبان والكتاب وخرجت عن الموحدين ثم لما ~~استغلظ أمر الحاجب ونفذ أمره في كل شأن من شؤون الدولة تعطل هذا الرسم وصار ~~صاحبه مرؤوسا للحاجب وأصبح من جملة الجباة وذهبت تلك الرئاسة التي كانت له ~~في الدولة وأما دولة بني مرين لهذا العهد فحسبان العطاء والخراج مجموع ~~لواحد وصاحب هذه الرتبة هو الذي يصحح الحسبانات كلها ويرجع إلى ديوانه ~~ونظره معقب بنظر السلطان أو الوزير وخطه معتبر في صحة الحسبان في الخارج ~~والعطاء هذه أصول الرتب والخطط السلطانية وهي الرتب العالية التي هي عامة ~~النظر ومباشرة للسلطان وأما هذه الرتبة في دولة الترك فمتنوعة وصاحب ديوان ~~العطاء يعرف بناظر الجيش وصاحب المال مخصوص باسم الوزير وهو الناظر في ~~ديوان الجباية العامة للدولة وهو أعلى رتب الناظرين في الأموال لأن النظر ~~في الأموال عندهم يتنوع إلى رتب كثيرة لانفساح دولتهم وعظمة سلطانهم واتساع ~~الأموال والجبايات عن أن يستقل بضبطها الواحد من الرجال ولو بلغ في الكفاية ~~مبالغه فتعين للنظر العام PageV01P245 منها هذا المخصوص باسم الوزير وهو مع ~~ذلك رديف لمولى من موالي السلطان وأهل عصبيته وأرباب السيوف في الدولة يرجع ~~نظر الوزير إلى نظره ويجتهد جهده في متابعته ويسمى عندهم أستاذ الدولة وهو ~~أحد الأمراء الأكابر في الدولة من الجند وأرباب السيوف ويتبع هذه الخطة خطط ~~عندهم أخرى كلها راجعة إلى الأموال والحسبان مقصورة النظر إلى أمور خاصة ~~مثل ناظر الخاص وهو المباشر لأموال السلطان الخاصة به من إقطاعاته أو ~~سهمانه من أموال الخراج وبلاد الجباية مما ليس من أموال المسلمين العامة ~~وهو تحت يد الأمير أستاذ الدار وإن كان الوزير من الجند فلا يكون لأستاذ ~~الدار نظر عليه ونظر الخاص تحت يد الخازن لأموال السلطان من مماليكه المسمى ~~خازن الدار لاختصاص وظيفتها ms259 بمال السلطان الخاص هذا بيان هذه الخطة بدولة ~~الترك بالمشرق بعد ما قدمناه من أمرها بالمغرب والله مصرف الأمور لا رب ~~غيره $ ديوان الرسائل والكتابة # هذه الوظيفة غير ضرورية في الملك لاستغناء كثير من الدول عنها رأسا كما ~~في الدول العريقة في البداوة التي لم يأخذها تهذيب الحضارة ولا استحكام ~~الصنائع وإنما أكد الحاجة إليها في الدولة الإسلامية شأن اللسان العربي ~~والبلاغة في العبارة عن المقاصد فصار الكتاب يؤدي كنه الحاجة بأبلغ من ~~العبارة اللسانية في الأكثر وكان الكاتب للأمير يكون من أهل نسبه ومن عظماء ~~قبيله كما كان للخلفاء وأمراء الصحابة بالشام والعراق لعظم أمانتهم وخلوص ~~أسرارهم فلما فسد اللسان وصار صناعة اختص بمن يحسنه وكانت عند بني العباس ~~رفيعة وكان الكاتب يصدر السجلات مطلقة ويكتب في آخرها اسمه ويختم عليها ~~بخاتم السلطان وهو طابع منقوش فيه اسم السلطان أو شارته يغمس في طين أحمر ~~مذاب بالماء ويسعى طين الختم ويطبع به على طرفي السجل عند طيه وإلصاقه ثم ~~صارت السجلات من بعدهم تصدر باسم السلطان ويضع الكاتب فيها علامته أولا أو ~~آخرا على حسب الاختيار في محلها وفي لفظها ثم قد تنزل هذه الخطة بارتفاع ~~المكان عند السلطان لغير صاحبها من أهل المراتب في الدولة أو استبداد وزير ~~عليه فتصير علامة هذا الكتاب ملغاة الحكم PageV01P246 بعلامة الرئيس عليه ~~يستدل بها فيكتب صورة علامته المعهودة والحكم لعلامة ذلك الرئيس كما وقع ~~آخر الدولة الحفصية لما ارتفع شأن الحجابة وصار أمرها إلى التفويض ثم ~~الاستبداد وصار حكم العلامة التي للكاتب ملغى وصورتها ثابتة إتباعا لما سلف ~~من أمره فصار الحاجب يرسم للكاتب إمضاء كتابه ذلك بخط يصنعه ويتخير له من ~~صيغ الإنفاذ ما شاء فيأتمر الكاتب له ويضع العلامة المعتادة وقد يختص ~~السلطان لنفسه بوضع ذلك إذا كان مستبدا بأمره قائما على نفسه فيرسم الأمر ~~للكاتب ليوضع علامته # ومن خطط الكتابة التوقيع وهو أن يجلس الكاتب بين يدي السلطان في مجالس ~~حكمه وفصله ويوقع على القصص المرفوعة إليه أحكامها والفصل ms260 فيها متلقاة من ~~السلطان بأوجز لفظ وأبلغه فإما أن تصدر كذلك وإما أن يحذو الكاتب على ~~مثالها في سجل يكون بيد صاحب القصة ويحتاج الموقع إلى عارضة من البلاغة ~~يستقيم بها توقيعه وقد كان جعفر بن يحيى يوقع في القصص بين يدي الرشيد ~~ويرمي بالقصة إلى صاحبها فكانت توقيعاته يتنافس البلغاء في تحصيلها للوقوف ~~فيها على أساليب البلاغة وفتونها حتى قيل إنها كانت تباع كل قصة منها ~~بدينار وهكذا كان شأن الدول # واعلم أن صاحب هذه الخطة لا بد من أن يتخير أرفع طبقات الناس وأهل ~~المروءة والحشمة منهم وزيادة العلم وعارضة البلاغة فإنه معرض للنظر في أصول ~~العلم لما يعرض في مجالس الملوك ومقاصد أحكامهم من أمثال ذلك ما تدعو إليه ~~عشرة الملوك من القيام على الآداب والتخلق بالفضائل مع ما يضطر إليه في ~~الترسيل وتطبيق مقاصد الكلام من البلاغة وأسرارها وقد تكون الرتبة في بعض ~~الدول مستندة إلى أرباب السيوف لما يقتضيه طبع الدولة من البعد عن معاناة ~~العلوم لأجل سذاجة العصبية فيختص السلطان أهل عصبيته بخطط دولته وسائر رتبه ~~فيقلد المال والسيف والكتابة منهم فأما رتبة السيف فتستغني عن معاناة العلم ~~وأما المال والكتابة فيضطر إلى ذلك البلاغة في هذه والحسبان في الأخرى ~~فيختارون لها من هذه الطبقة ما دعت إليه الضرورة ويقلدونه إلا أنه لا تكون ~~يد آخر من أهل العصبية غالبة على يده ويكون نظره منصرفا عن نظره كما هو في ~~دولة الترك لهذا العهد بالمشرق فإن الكتابة عندهم وإن كانت لصاحب الإنشاء ~~إلا أنه تحت يد أمير من أهل PageV01P247 عصبية السلطان يعرف بالدويدار ~~وتعويل السلطان ووثوقه به واستنامته في غالب أحواله إليه وتعويله على الآخر ~~في أحوال البلاغة وتطبيق المقاصد وكتمان الأسرار وغير ذلك من توابعها # وأما الشروط المعتبرة في صاحب هذه الرتبة التي يلاحظها السلطان في ~~اختياره وانتقائه من أصناف الناس فهي كثيرة وأحسن من استوعبها عبد الحميد ~~الكاتب في رسالته إلى الكتاب وهي أما بعد حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة ~~وحاطكم ms261 ووفقكم وأرشدكم فإن الله عز وجل جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين ~~صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ومن بعد الملوك المكرمين أصنافا وإن كانوا ~~في الحقيقة سواء وصرفهم في صنوف الصناعات وضروب المحاولات إلى أسباب معاشهم ~~وأبواب أرزاقهم فجعلكم معشر الكتاب في أشرف الجهات أهل الأدب والمروءات ~~والعلم والرزانة بكم ينتظم للخلافة محاسنها وتستقيم أمورها وبنصحائكم يصلح ~~الله للخلق سلطانهم وتعمر بلدانهم لا يستغني الملك عنكم ولا يوجد كاف إلا ~~منكم فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التي بها يسمعون وأبصارهم التي بها ~~يبصرون وألسنتهم التي بها ينطقون وأيديهم التي بها يبطشون فأمتعكم الله بما ~~خصكم من فضل صناعتكم ولا نزع عنكم ما أضفاه من النعمة عليكم وليس أحد من ~~أهل الصناعات كلها أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة وخصال الفضل ~~المذكورة المعدودة منكم أيها الكتاب إذا كنتم على ما يأتي في هذا الكتاب من ~~صفتكم فإن الكاتب يحتاج في نفسه ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات ~~أموره أن يكون حليما في موضع الحلم فهيما في موضع الحكم مقداما في موضع ~~الإقدام محجما في موضع الإحجام مؤثرا للعفاف والعدل والإنصاف كتوما للأسرار ~~وفيا عند الشدائد عالما بما يأتي من النوازل يضع الأمور مواضعها والطوارق ~~في أماكنها قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكمه وإن لم يحكمه أخذ منه ~~بمقدار ما يكتفي به يعرف بغريزة عقله وحسن أدبه وفضل تجربته ما يرد عليه ~~قبل وروده وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره فيعد لكل أمر عدته وعتاده ويهييء ~~لكل وجه هيئته وعادته فتنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف الآداب وتفقهوا في ~~الدين وابدأوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض ثم العربية فإنها ثقاف ~~ألسنتكم ثم أجيدوا الخط فإنه حلية PageV01P248 كتبكم وارووا الأشعار ~~واعرفوا غريبها ومعانيها وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها فإن ذلك معين ~~لكم على ما تسمو إليه هممكم ولا تضيعوا النظر في الحساب فإنه قوام كتاب ~~الخراج وارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيها ودنيها وسفساف الأمور ومحاقرها ~~فإنها مذلة للرقاب ms262 مفسدة للكتاب ونزهوا صناعتكم عن الدناءة واربأوا بأنفسكم ~~عن السعاية والنميمة وما فيه أهل الجهالات وإياكم والكبر والسخف والعظمة ~~فإنها عداوة مجتلبة من غير إحنة وتحابوا في الله عز وجل في صناعتكم وتواصوا ~~عليها بالذي هو أليق لأهل الفضل والعدل والنبل من سلفكم وإن نبا الزمان ~~برجل منكم فاعطفوا عليه وآسوه حتى يرجع إليه حاله ويثوب إليه أمره وإن أقعد ~~أحدا منكم الكبر عن مكسبه ولقاء إخوانه فزوروه وعظموه وشاوروه واستظهروا ~~بفضل تجربته وقديم معرفته وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم ~~حاجته إليه أحوط منه على ولده وأخيه فإن عرضت في الشغل محمدة فلا يصفها إلا ~~إلى صاحبه وإن عرضت مذمة فليحملها هو من دونه وليحذر السقطة والزلة والملل ~~عند تغير الحال فإن العيب إليكم معشر الكتاب أسرع منه إلى القراء وهو لكم ~~أفسد منه لهم فقد علمتم أن الرجل منكم إذا صحبه من يبذل له من نفسه ما يجب ~~له عليه من حقه فواجب عليه أن يعتقد له من وفائه وشكره واحتماله وخيره ~~ونصيحته وكتمان سره وتدبير أمره ما هو جزاء لحقه ويصدق ذلك بفعاله عند ~~الحاجة إليه والاضطرار إلى ما لديه فاستشعروا ذلك وفقكم الله من أنفسكم في ~~حالة الرخاء والشدة والحرمان والمؤاساة والإحسان والسراء والضراء فنعمت ~~السيمة هذه من وسم بها من أهل هذه الصناعة الشريفة وإذا ولي الرجل منكم ~~أوصير إليه من أمر خلق الله وعياله أمر فليراقب الله عز وجل وليؤثر طاعته ~~وليكن على الضعيف رفيقا وللمظلوم منصفا فإن الخلق عيال الله وأحبهم إليه ~~أرفقهم بعياله ثم ليكن بالعدل حاكما وللأشراف مكرما وللفيء موفرا وللبلاد ~~عامرا وللرعية متألفا وعن أذاهم متخلفا وليكن في مجلسه متواضعا حليما وفي ~~سجلات خراجه واستقصاء حقوقه رفيقا وإذا صحب أحدكم رجلا فليختبر خلائقه فإذا ~~عرف حسنها وقبحها أعانه على ما يوافقه من الحسن واحتال على صرفه عما يهواه ~~من القبح بألطف حيلة وأجمل وسيلة وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيرا ~~بسياستها PageV01P249 التمس معرفة أخلاقها فإن ms263 كانت رموحا لم يهجها إذا ~~ركبها وإن كانت شبوبا أتقاها من بين يديها وإن خاف منها شرودا توقاها من ~~ناحية رأسها وإن كانت حروفا قمع برفق هواها في طرقها فإن استمرت عطفها ~~يسيرا فيسلس له قيادها وفي هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس ~~وعاملهم وجربهم وداخلهم والكاتب بفضل أدبه وشريف صنعته ولطيف حيلته ~~ومعاملته لمن يحاوره من الناس ويناظره ويفهم عنه أو يخاف سطوته أولى بالرفق ~~لصاحبه ومداراته وتقويم أوده من سائس البهيمة التي لا تحير جوابا ولا تعرف ~~صوابا ولا تفهم خطابا إلا بقدر ما يصيرها إليه صاحبها الراكب عليها ألا ~~فارفقوا رحمكم الله في النظر واعملوا ما أمكنكم فيه من الرواية والفكر ~~تأمنوا بإذن الله ممن صحبتموه النبوة والاستثقال والجفوة ويصير منكم إلى ~~الموافقة وتصيروا منه إلى المؤاخاة والشفقة إن شاء الله ولا يجاوزن الرجل ~~منكم في هيئة مجلسه وملبسه ومركبه ومطعمه ومشربه وبنائه وخدمه وغير ذلك من ~~فنون أمره قدر حقه فإنكم مع ما فضلكم الله به من شرف صنعتكم خدمة لا تحملون ~~في خدمتكم على التقصير وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير ~~واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم وقصصته عليكم واحذروا ~~متالف السرف وسوء عاقبة الترف فإنهما يعقبان الفقر ويذلان الرقاب ويفضحان ~~أهلهما وسيما الكتاب وأرباب الآداب وللأمور أشباه وبعضها دليل على بعض ~~فاستدلوا على مؤتنف أعمالكم بما سبقت إليه تجربتكم ثم اسلكوا من مسالك ~~التدبير أوضحها محجة وأصدقها حجة وأحمدها عاقبة واعملوا أن للتدبير آفة ~~متلفة وهو الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ علمه ورويته فليقصد الرجل منكم في ~~مجلسه قصد الكافي من منطقه وليوجز في ابتدائه وجوابه وليأخذ بمجامع حججه ~~فإن ذلك مصلحة لفعله ومدفعة للتشاغل عن إكثاره وليضرع إلى الله في صلة ~~توفيقه وإمداده بتسديده مخافة وقوعه في الغلط المضر ببدنه وعقله وأدبه فإنه ~~إن ظن منكم ظان أو قال قائل إن الذي برز من جميل صنعته وقوة حركته إنما هو ~~بفضل حيلته وحسن تدبيره فقد تعرض بظنه ms264 أو مقالته إلى أن يكله الله عز وجل ~~إلى نفسه فيصير منها إلى غير كاف وذلك على من تأمله غير خاف ولا يقل أحد ~~منكم إنه أبصر بالأمور وأحمل PageV01P250 لعبء التدبير من مرافقه في صناعته ~~ومصاحبه في خدمته فإن أعقل الرجلين عند ذوي الألباب من رمى بالعجب وراء ~~ظهره ورأى أن أصحابه أعقل منه وأحمد في طريقته وعلى كل واحد من الفريقين أن ~~يعرف فضل نعم الله جل ثناؤه من غير اغترار برأيه ولا تزكية لنفسه ولا يكاثر ~~على أخيه أو نظيره وصاحبه وعشيره وحمد الله واجب على الجميع وذلك بالتواضع ~~لعظمته والتذلل لعزته والتحدث بنعمته وأنا أقول في كتابي هذا ما سبق به ~~المثل من تلزمه النصيحة يلزمه العمل وهو جوهر هذا الكتاب وغرة كلامه بعد ~~الذي فيه من ذكر الله عز وجل فلذلك جعلته آخره وتتمته به تولانا الله ~~وإياكم يا معشر الطلبة والكتبة بما يتولى به من سبق علمه بإسعاده وإرشاده ~~فإن ذلك إليه وبيده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته # الشرطة ويسمى صاحبها لهذا العهد بأفريقية الحاكم وفي دولة أهل الأندلس ~~صاحب المدينة وفي دولة الترك الوالي وهي وظيفة مرؤوسة لصاحب السيف في ~~الدولة وحكمه نافذ في صاحبها في بعض الأحيان وكان أصل وضعها في الدولة ~~العباسية لمن يقيم أحكام الجرائم في حال استبدادها أولا ثم الحدود بعد ~~استيفائها فإن التهم التي تعرض في الجرائم لا نظر للشرع إلا في استيفاء ~~حدودها وللسياسة النظر في استيفاء موجباتها بإقرار يكرهه عليه الحاكم إذا ~~احتفت به القرائن لما توجبه المصلحة العامة في ذلك فكان الذي يقوم بهذا ~~الاستبداد وباستيفاء الحدود بعده إذا تنزه عنه القاضي يسمى صاحب الشرطة ~~وربما جعلوا إليه النظر في الحدود والدماء بإطلاق وأفردوها من نظر القاضي ~~ونزهوا هذه المرتبة وقلدوها كبار القواد وعظماء الخاصة من مواليهم ولم تكن ~~عامة التنفيذ في طبقات الناس إنما كان في حكمهم على الدهماء وأهل الريب ~~والضرب على أيدي الرعاع والفجرة ثم عظمت نباهتها في دولة بني أمية بالأندلس ~~ونوعت ms265 إلى شرطة كبرى وشرطة صغرى وجعل حكم الكبرى على الخاصة والدهماء وجعل ~~له الحكم على أهل المراتب السلطانية والضرب على أيديهم في الظلامات وعلى ~~أيدي أقاربهم ومن إليهم من أهل الجاه وجعل صاحب الصغرى مخصوصا بالعامة ونصب ~~لصاحب الكبرى كرسي بباب دار السلطان ورجال يتبوؤون المقاعد بين يديه فلا ~~يبرحون عنها إلا في تصريفه وكانت PageV01P251 ولايتها للأكابر من رجالات ~~الدولة حتى كانت ترشيحا للوزارة والحجابة # وأما في دولة الموحدين بالمغرب فكان لها حظ من التنويه وإن لم يجعلوها ~~عامة وكان لا يليها إلا رجالات الموحدين وكبراؤهم ولم يكن له التحكم على ~~أهل المراتب السلطانية ثم فسد اليوم منصبها وخرجت عن رجال الموحدين وصارت ~~ولايتها لمن قام بها من المصطنعين وأما في دولة بني مرين لهذا العهد ~~بالمشرق فولايتها في بيوت مواليهم وأهل اصطناعهم وفي دولة الترك بالمشرق في ~~رجالات الترك أو أعقاب أهل الدولة قبلهم من الترك يتخيرونهم لها في النظر ~~بما يظهر منهم من الصلابة والمضاء في الأحكام لقطع مواد الفساد وحسم أبواب ~~الذعارة وتخريب مواطن الفسوق وتفريق مجامعه مع إقامة الحدود الشرعية ~~والسياسية كما تقتضيه رعاية المصالح العامة في المدينة والله مقلب الليل ~~والنهار وهو العزيز الجبار والله تعالى أعلم # قيادة الأساطيل وهي من مراتب الدولة وخططها في ملك المغرب وأفريقية ~~ومرؤسة لصاحب السيف وتحت حكمه في كثير من الأحوال ويسمى صاحبها في عرفهم ~~البلمند بتفخيم اللام منقولا من لغة الإفرنجة فإنه اسمها في اصطلاح لغتهم ~~وإنما اختصت هذه المرتبة بملك أفريقية والمغرب لأنهما جميعا على ضفة البحر ~~الرومي من جهة الجنوب وعلى عدوته الجنوبية بلاد البربر كلهم من سبتة إلى ~~الشام وعلى عدوته الشمالية بلاد الأندلس والإفرنجة والصقالبة والروم إلى ~~بلاد الشام أيضا ويسمى البحر الرومي والبحر الشامي نسبة إلى أهل عدوته ~~والساكنون بسيف هذا البحر وسواحله من عدوتيه يعانون من أحواله ما لا تعانيه ~~أمة من أمم البحار فقد كانت الروم والإفرنجة والقوط بالعدوة الشمالية من ~~هذا البحر الرومي وكانت أكثر حروبهم ومتاجرهم في السفن فكانوا ms266 مهرة في ~~ركوبه والحرب في أساطيله ولما أسف من أسف منهم إلى ملك العدوة الجنوبية مثل ~~الروم إلى أفريقية والقوط إلى المغرب أجازوا في الأساطيل وملكوها وتغلبوا ~~على البربر بها وانتزعوا من أيديهم أمرها وكان لها بها المدن الحافلة مثل ~~قرطاجنة وسبيطلة وجلولاء ومرناق وشرشال وطنجة وكان صاحب قرطاجنة من قبلهم ~~يحارب صاحب رومة ويبعث الأساطيل لحربه مشحونة بالعساكر والعدد فكانت هذه ~~عادة لأهل هذا البحر PageV01P252 الساكنين حفافيه معروفة في القديم والحديث ~~ولما ملك المسلمون مصر كتب عمر ابن الخطاب إلى عمرو بن العاص رضي الله ~~عنهما أن صف لي البحر فكتب إليه إن البحر خلق عظيم يركبه خلق ضعيف دود على ~~عود فأوعز حينئذ بمنع المسلمين من ركوبه ولم يركبه أحد من العرب إلا من ~~افتات على عمر في ركوبه ونال من عقابه كما فعل بعرفجة بن هرثمة الأزدي سيد ~~بجيلة لما أغزاه عمان فبلغه غزوه في البحر فأنكر عليه وعنقه أنه ركب البحر ~~للغزو ولم يزل الشأن ذلك حتى إذا كان لعهد معاوية أذن للمسلمين في ركوبه ~~والجهاد على أعواده والسبب في ذلك أن العرب لبداوتهم لم يكونوا مهرة في ~~ثقافته وركوبه والروم والإفرنجة لممارستهم أحواله ومرباهم في التقلب على ~~أعواده مرنوا عليه وأحكموا الدراية بثقافته فلما استقر الملك للعرب وشمخ ~~سلطانهم وصارت أمم العجم خولا لهم وتحت أيديهم وتقرب كل ذي صنعة إليهم ~~بمبلغ صناعته واستخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية أمما وتكررت ~~ممارستهم للبحر وثقافته واستحدثوا بصراء بها فشرهوا إلى الجهاد فيه وأنشأوا ~~السفن فيه والشواني وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح وأمطوها العساكر ~~والمقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر واختصوا بذلك من ممالكهم وثغورهم ما ~~كان أقرب لهذا البحر وعلى حافته مثل الشام وأفريقية والمغرب والأندلس وأوعز ~~الخليفة عبد الملك إلى حسان بن النعمان عامل أفريقية باتخاذ دار صناعة ~~بتونس لإنشاء الآلات البحرية حرصا على مراسم الجهاد ومنها كان فتح صقلية ~~أيام زيادة الله الأول ابن إبراهيم بن الأغلب على يد أسد بن الفرات شيخ ~~الفتيا ms267 وفتح قوصرة أيضا في أيامه بعد أن كان معاوية بن حديج أغزى صقلية ~~أيام معاوية بن أبي سفيان فلم يفتح الله على يديه وفتحت على يد ابن الأغلب ~~وقائده أسد بن الفرات وكانت من بعد ذلك أساطيل أفريقية والأندلس في دولة ~~العبيديين والأمويين تتعاقب إلى بلادهما في سبيل الفتنة فتجوس خلال السواحل ~~بالإفساد والتخريب وانتهى أسطول الأندلس أيام عبد الرحمن الناصر إلى مائتي ~~مركب أو نحوها وأسطول أفريقية كذلك مثله أو قريبا منه وكان قائد الأساطيل ~~بالأندلس ابن دماحس ومرفأها للحط والإقلاع بجاية والمرية وكانت أساطيلها ~~مجتمعة من سائر الممالك PageV01P253 من كل بلد تتخذ فيه السفن أسطول يرجع ~~نظره إلى قائد من النواتية يدير أمر حربه وسلاحه ومقاتلته ورئيس يدبر أمر ~~جريته بالريح أو بالمجاذيف وأمر إرسائه في مرفئه فإذا اجتمعت الأساطيل لغزو ~~محتفل أو غرض سلطاني مهم عسكرت بمرفئها المعلوم وشحنها السلطان برجاله ~~وأنجاد عساكره ومواليه وجعلهم لنظر أمير واحد من أعلى طبقات أهل مملكته ~~يرجعون كلهم إليه ثم يسرحهم لوجههم وينتظر إيابهم بالفتح والغنيمة وكان ~~المسلمون لعهدة الدولة الإسلامية قد غلبوا على هذا البحر من جميع جوانبه ~~وعظمت صولتهم وسلطانهم فيه فلم يكن للأمم النصرانية قبل بأساطيلهم بشيء من ~~جوانبه وعظمت صولتهم وسلطانهم فيه فلم يكن للأمم النصرانية قبل بأساطيلهم ~~بشيء من جوانبه وامتطوا ظهره للفتح سائر أيامهم فكانت لهم المقامات ~~المعلومة من الفتح والغنائم وملكوا سائر الجزائر المنقطعة عن السواحل فيه ~~مثل ميورقة ومنورقة ويابسة وسردانية وصقلية وقوصرة ومالطة وأقريطش وقبرس ~~وسائر ممالك الروم والإفرنج وكان أبو القاسم الشيعي وأبناؤه يغزون أساطيلهم ~~من المهدية جزيرة جنوة فتنقلب بالظفر والغنيمة وافتتح مجاهد العامري صاحب ~~دانية من ملوك الطوائف جزيرة سردانية في أساطيله سنة خمس وأربعمائة ~~وارتجعها النصارى لوقتها والمسلمون خلال ذلك كله قد تغلبوا على كثير من لجة ~~هذا البحر وصارت أساطيلهم فيهم جائية وذاهبة والعساكر الإسلامية تجيز البحر ~~في الأساطيل من صقلية إلى البر الكبير المقابل لها من العدوة الشمالية ~~فتوقع بملوك الإفرنج وتثخن في ممالكهم كما ms268 وقع في أيام بني الحسين ملوك ~~صقلية القائمين فيها بدعوة العبيديين وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى ~~الجانب الشمالي الشرقي منه من سواحل الإفرنجة والصقالبة وجزائر الرومانية ~~لا يعدونها وأساطيل المسلمين قد ضربت عليهم ضراء الأسد على فريسته وقد ملأت ~~الأكثر من بسيط هذا البحر عدة وعددا واختلفت في طرقه سلما وحربا فلم تظهر ~~للنصرانية فيه ألواح حتى إذا أدرك الدولة العبيدية والأموية الفشل والوهن ~~وطرقها الاعتلال مد النصارى أيديهم إلى جزائر البحر الشرقية مثل صقلية ~~وإقريطش ومالطة فملوكوها ثم ألحوا على سواحل الشام في تلك الفترة وملكوا ~~طرابلس وعسقلان وصور وعكاء واستولوا على جميع الثغور بسواحل الشام وغلبوا ~~على بيت المقدس وبنوا عليه كنيسة لمظهر دينهم وعبادتهم وغلبوا PageV01P254 ~~بنى خزرون على طرابلس ثم على قابس وصفاقس ووضعوا عليهم الجزية ثم ملكوا ~~المهدية مقر ملوك العبيديين من يد أعقاب بلكين بن زيري وكانت لهم في المائة ~~الخامسة الكرة بهذا البحر وضعف شأن الأساطيل في دولة مصر والشام إلى أن ~~انقطع ولم يعتنوا بشيء من أمره لهذا العهد بعد أن كان لهم به في الدولة ~~العبيدية عناية تجاوزت الحد كما هو معروف في أخبارهم فبطل رسم هذه الوظيفة ~~هنالك وبقيت بأفريقية والمغرب فصارت مختصة بها وكان الجانب الغربي من هذا ~~البحر لهذا العهد موفور الأساطيل ثابت القوة لم يثحيفة عدو ولا كانت لهم به ~~كرة نكان قائد الأسطول به لعهد لمتونة بني ميمون رؤساء جزيرة قادس ومن ~~أيديهم أخذها عبد المؤمن بتسليمهم وطاعتهم وانتهى عدد أساطيلهم إلى المائة ~~من بلاد العدوتين جميعا ولما استفحلت دولة الموحدين في المائة السادسة ~~وملكوا العدوتين أقاموا خطة هذا الأسطول على أتم ما عرف وأعظم ما عهد وكان ~~قائد أسطولهم أحمد الصقلي أصله من صد غيار الموطنين بجزيرة سرويكش اسره ~~النصارى من سواحلها وربي عندهم واستخلصه صاحب صقلية واستكفاه ثم هلك وولي ~~ابنه فأسخطه ببعض النزعات وخشي على نفسه ولحق بتونس ونزل على السيد بها من ~~بني عبد المؤمن وأجاز مراكش فتلقاه الخليفه يوسف بن عبد المؤمن ms269 بالمبرة ~~والكرامة وأجزل الصلة وقلده أمر اساطيله فجلى في جهاد أمم النصرانية وكانت ~~له آثار وأخبار ومقامات مذكورة في دولة الموحدين وأنتهت أساطيل المسلمين ~~على عهده في الكثرة والاستجادة إلى ما لم تبلغه من قبل ولا بعد فيما عهدناه ~~ولما قام صلاح الدين يوسف بن أيوب ملك مصر والشام لعهده باسترجاع ثغور ~~الشام من يد أمم النصرانية وتطهير بيت المقدس تتابعت أساطيلهم بالمدد لتلك ~~الثغور من كل ناحية قريبة لبيت المقدس الذي كانوا قد استولوا عليه فأمدوهم ~~بالعدد والأقوات ولم تقاومهم أساطيل الإسكندرية لاستمرار الغلب لهم في ذلك ~~الجانب الشرقي من البحرية وتعدد أساطيلهم فيه وضعف المسلمين منذ زمان طويل ~~عن ممانعتهم هناك كما اشرنا إليه قبل فأوفد صلاح الدين على أبي يعقوب ~~المنصور سلطان المغرب لعهده من الموحدين رسوله عبد الكريم بن منقذ من بيت ~~بني منقذ PageV01P255 ملوك شيزر وكان ملكها من أيديهم وأبقى عليهم في دولته ~~فبعث عبد الكريم منهم هذا إلى ملك المغرب طالبا مدد الأساطيل لتحول في ~~البحر بين أساطيل الأجانب وبين مرامهم من أمداد النصرانية بثغور الشام ~~وأصحبه كتابه إليه في ذلك من إنشاء الفاضل البيساني يقول في افتتاحه فتح ~~الله لسيدنا أبواب المناحج والميامن حسبما نقله العماد الأصفهاني في كتاب ~~الفتح القيسي فنقم عليهم المنصور تجافيهم عن خطابه بأمير المؤمنين واسرها ~~في نفسه وحملهم على مناهج البر والكرامة وردهم إلى مرسلهم ولم يجبه إلى ~~حاجته من ذلك وفي هذا دليل على اختصاص ملك المغرب بالأساطيل وما حصل ~~للنصرانية في الجانب الشرقي من هذا البحر من الاستطالة وعدم عناية الدول ~~بمصر والشام لذلك العهد وما بعده لشأن الأساطيل البحرية والاستعداد منها ~~للدولة ولما هلك أبو يعقوب المنصور واعتلت دولة الموحدين واستولت أمم ~~الجلالقة على الأكثر من بلاد الأندلس وألجأوا المسلمين إلى سيف البحر ~~وملكوا الجزائر التي بالجانب الغربي من البحر الرومي قويت ريحهم في بسط هذا ~~البحر واشتدت شوكتهم وكثرت فيه أساطيلهم وتراجعت قوة المسلمين فيه إلى ~~المساواة معهم كما وقع لعهد السلطان أبى الحسن ms270 ملك زناتة بالمغرب فإن ~~أساطيله كانت عند مرامه الجهاد مثل عدة النصرانية وعديدهم ثم تراجعت عن ذلك ~~قوة المسلمين في الأساطيل لضعف الدولة ونسيان عوائد البحر بكثرة العوائد ~~البدوية بالمغرب وانقطاع العوائد الأندلسية ورجع النصارى فيه إلى دينهم ~~المعروف من الدربة فيه والمران عليه والبصر بأحواله وغلب الأمم في لجته على ~~أعواده وصار المسلمون فيه كالأجانب إلا قليلا من أهل البلاد الساحلية لهم ~~المران عليه لو وجدوا كثرة من الأنصار والأعوان أو قلة من الدولة تستجيش ~~لهم أعوانا وتوضح لهم في هذا الغرض مسلكا وبقيت الرتبة لهذا العهد في ~~الدولة الغربية محفوظة والرسم في معاناة الأساطيل بالإنشاء والركوب معهودا ~~لما عساه أن تدعو إليه الحاجة من الأغراض السلطانية في البلاد البحرية ~~والمسلمون يستهبون الريح على الكفر وأهله فمن المشتهر بين أهل المغرب عن ~~كتب الحدثان أنه لا بد للمسلمين من الكرة على النصرانية وافتتاح ما وراء ~~البحر من بلاد الافرنجة وأن ذلك يكون في الأساطيل والله ولي المؤمنين وهو ~~PageV01P256 حسبنا ونعم الوكيل # | الفصل الخامس والثلاثون # في التفاوت بين مراتب السيف والقلم في الدول # إعلم أن السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بها على أمره إلا ~~أن الحاجة في أول الدولة إلى السيف ما دام أهلها في تمهيد أمرهم أشد من ~~الحاجة إلى القلم لأن القلم في تلك الحال خادم فقط منفذ للحكم السلطاني ~~والسيف شريك في المعونة وكذلك في آخر الدولة حيث تضعف عصبيتهما كما ذكرناه ~~ويقل أهلها بما ينالهم من الهرم الذي قدمناه فتحتاج الدولة إلى الاستظهار ~~بأرباب السيوف وتقوى الحاجة إليهم في حماية الدولة والمدافعة عنها كما كان ~~الشأن أول الأمر في تمهيدها فيكون للسيف مزية على القلم في الحالتين ويكون ~~أرباب السيف حينئذ أوسع جاها وأكثر نعمة واسنى إقطاعا وأما في وسط الدولة ~~فيستغني صاحبها بعض الشيء عن السيف لأنه قد تمهد أمره ولم ييق همه إلا في ~~تحصيل ثمرات الملك من الجباية والضبط ومباهاة الدول وتنفيذ الأحكام والقلم ~~هو المعين له في ذلك فتعظم الحاجة ms271 إلى تصريفه وتكون السيوف مهملة في مضاجع ~~أغمادها إلا إذا أنابت نائية أو دعيت إلى سد فرجة ومما سوى ذلك فلا حاجة ~~إليها فتكون أرباب الأقلام في هذه الحاجة أوسع جاها وأعلى رتبة وأعظم نعمة ~~وثروة وأقرب من السلطان مجلسا وأكثر إليه ترددا وفي خلواته نجيا لأنه حينئذ ~~آلته التي بها يستظهر على تحصيل ثمرات ملكه والنظر إلى أعطافه وتثقيف ~~أطرافه والمباهاة بأحواله ويكون الوزراء حينئذ وأهل السيوف مستغنى عنهم ~~مبعدين عن باطن السلطان حذرين على أنفسهم من بوادره وفي معنى ذلك ما كتب به ~~أبو مسلم للمنصور حين أمره بالقدوم أما بعد فإنه مما حفظناه من وصايا الفرس ~~أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهما سنة الله في عباده والله سبحانه ~~وتعالى أعلم # | الفصل السادس والثلاثون # في شارات الملك والسلطان الخاصة به # إعلم أن للسلطان شارات وأحوالا تقتضيها الأبهة والبذخ فيختص بها ويتميز ~~PageV01P257 بانتحالها عن الرعية والبطانة وسائر الرؤساء في دولته فلنذكر ~~ما هو مشتهر منها بمبلغ المعرفة @QB@ وفوق كل ذي علم عليم @QE@ # الآلة فمن شارات الملك اتخاذ الآلة من نشر الألوية والرايات وقرع الطبول ~~والنفخ في الأبواق والقرون وقد ذكر أرسطو في الكتاب المنسوب إليه في ~~السياسة أن السر في ذلك إرهاب العدو في الحرب فإن الأصوات الهائلة لها ~~تأثير في النفوس بالروعة ولعمري إنه أمر وجداني في مواطن الحرب يجده كل أحد ~~من نفسه وهذا السبب الذي ذكره أرسطو إن كان ذكره فهو صحيح ببعض الاعتبارات ~~وأما الحق في ذلك فهو أن النفس عند سماع النغم والأصوات يدركها الفرح ~~والطرب بلا شك فيصيب مزاج الروح نشوة يستسهل بها الصعب ويستميت في ذلك ~~الوجه الذي هو فيه وهذا موجود حتى في الحيوانات العجم بانفعال الإبل ~~بالحداء والخيل بالصفير والصريح كما علمت ويزيد ذلك تأثيرا إذا كانت ~~الأصوات متناسبة كما في الغناء وأنت تعلم ما يحدث لسامعه من مثل هذا المعنى ~~لأجل ذلك تتخذ العجم في مواطن حروبهم الآلات الموسيقية لا طبلا ولا بوقا ~~فيحدق المغنون بالسلطان في موكبه ms272 بآلاتهم ويغنون فيحركون نفوس الشجعان ~~بضربهم إلى الاستماتة ولقد رأينا في حروب العرب من يتغنى أمام الموكب ~~بالشعر ويطرب فتجيش همم الأبطال بما فيها ويسارعون إلى مجال الحرب وينبعث ~~كل قرن إلى قرنه وكذلك زناتة من أمم المغرب يتقدم الشاعر عندهم أمام الصفوف ~~ويتغنى فيحرك بغنائه الجبال الرواسي ويبعث على الاستماتة من لا يظن بها ~~ويسمون ذلك الغناء تاصو كايت وأصله كله فرح يحدث في النفس فتنبعث عنه ~~الشجاعة كما تنبعث عن نشوة الخمر بما حدث عنها من الفرح والله أعلم وأما ~~تكثير الرايات وتلوينها وإطالتها فالقصد به التهويل لا أكثر وربما تحدث في ~~النفوس من التهويل زيادة في الاقدام وأحوال النفوس وتلويناتها غريبة والله ~~الخلاق العليم ثم إن الملوك والدول يختلفون في اتخاذ هذه الشارات فمنهم ~~مكثر ومنهم مقلل بحسب اتساع الدولة وعظمها فأما الرايات فإنها شعار الحروب ~~من عهد الخليقة PageV01P258 ولم تزل الأمم تعقدها في مواطن الحروب والغزوات ~~لعهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الخلفاء وأما قرع الطبول والنفخ ~~في الأبواق فكان المسلمون لأول الملة متجافين عنه تنزها عن غلظة الملك ~~ورفضا لأحواله واحتقارا لأبهته التي ليست من الحق في شيء حتى إذا انقلبت ~~الخلافة ملكا وتبجحوا بزهرة الدنيا ونعيمها ولا بسهم الموالي من الفرس ~~والروم أهل الدول السالفة وأروهم ما كان أولئك ينتحلونه من مذاهب البذخ ~~والترف فكان مما استحسنوه اتخاذ الآلة فأخذوها وأذنوا لعمالهم في اتخاذها ~~تنويها بالملك وأهله فكثيرا ما كان العامل صاحب الثغر أو قائد الجيش يعقد ~~له الخليفة من العباسيين أو العبيديين لواءه ويخرج إلى بعثه أو عمله من دار ~~الخليفة أو داره في موكب من أصحاب الرايات والآلات فلا يميز بين موكب ~~العامل والخليفة إلا بكثرة الألوية وقلتها أو بما اختص به الخليفة من ~~الألوان لرايته كالسواد في رايات بني العباس فإن راياتهم كانت سودا حزنا ~~على شهدائهم من بني هاشم ونعيا على بنى أمية في قتلهم ولذلك سموا المسودة ~~ولما افترق أمر الهاشميين وخرج الطالبيون على العباسيين من ms273 كل جهة وعصر ~~ذهبوا إلى مخالفتهم في ذلك فاتخذوا الرايات بيضا وسموا المبيضة لذلك سائر ~~أيام العبيديين ومن خرج من الطالبيين في ذلك العهد بالمشرق كالداعي ~~بطبرستان وداعي صعدة أو من دعا إلى بدعة الرافضة من غيرهم كالقرامطة ولما ~~نزع المأمون عن لبس السواد وشعاره في دولته عدل إلى لون الخضرة فجعل رايته ~~خضراء وأما الاستكثار منها فلا ينتهي إلى حد وقد كانت آلة العبيديين لما ~~خرج العزيز إلى فتح الشام خمسمائة من البنود وخمسمائة من الأبواق وأما ملوك ~~البربر بالمغرب من صنهاجة وغيرها فلم يختصوا بلون واحد بل وشوها بالذهب ~~واتخذوها من الحرير الخالص ملونة واستمروا على الإذن فيها لعمالهم حتى إذ ~~جاءت دولة الموحدين ومن بعدهم من زناتة قصروا الآلة من الطبول والبنود على ~~السلطان وحظروها على من سواه من عماله وجعلوا لها موكبا خاصا يتبع أثر ~~السلطان في مسيره يسمى الساقة وهم فيه بين مكثر ومقل باختلاف مذاهب الدول ~~في ذلك فمنهم من يقتصر على سبعة من العدد تبركا بالسبعة كما هو في دولة ~~الموحدين وبني الأحمر بالأندلس ومنهم من يبلغ العشرة والعشرين كما هو عند ~~زناتة وقد بلغت في PageV01P259 أيام السلطان أبي الحسن فيما أدركناه مائة ~~من الطبول ومائة من البنود ملونة بالحرير منسوجة بالذهب ما بين كبير وصغير ~~ويأذنون للولاة والعمال والقواد في أتخاذ راية واحدة صغيرة من الكتان بيضاء ~~وطبل صغير أيام الحرب لا يتجاوزون ذلك وأما دولة الترك لهذا العهد بالمشرق ~~فيتخذون راية واحدة عظيمة وفي رأسها خصلة كبيرة من الشعر يسمونها الشالش ~~والجتر وهي شعار السلطان عندهم ثم تتعدد الرايات ويسمونها السناجق واحدها ~~سنجق وهي الراية بلسانهم وأما الطبول فيبالغون في الاستكثار منها ويسمونها ~~الكوسات ويبيحون لكل أمير أو قائد عسكر أن يتخذ من ذلك ما يشاء إلا الجتر ~~فإنه خاص بالسلطان وأما الجلالقة لهذا العهد من أمم الإفرنجة بالأندلس ~~فأكثر شأنهم اتخاذ الألوية القليلة ذاهبة في الجو صعدا ومعها قرع الأوتار ~~من الطنابير ونفخ الغيطات يذهبون فيها مذهب الغناء وطريقه في ms274 مواطن حروبهم ~~هكذا يبلغنا عنهم وعمن وراءهم من ملوك العجم @QB@ ومن آياته خلق السماوات ~~والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين @QE@ # $ السرير وأما السرير والمنبر والتخت والكرسي فهي أعواد منصوبة أو ارائك ~~منضدة لجلوس السلطان عليها مرتفعا عن أهل مجلسه أن يساويهم في الصعيد ولم ~~يزل ذلك من سنن الملوك قبل الإسلام وفي دول العجم وقد كانوا يجلسون على ~~أسرة الذهب وكان لسليمان بن داود صلوات الله عليهما وسلامه كرسي وسرير من ~~عاج مغشى بالذهب إلا أنه لا تاخذ به الدول إلا بعد الاستفحال والترف شأن ~~الأبهة كلها كما قلناه واما في أول الدولة عند البداوة فلا يتشوقون إليه ~~وأول من اتخذه في الإسلام معاوية واستأذن الناس فيه وقال لهم إني قد بدنت ~~فأذنوا له فاتخذه واتبعه الملوك الإسلاميون فيه وصار من منازع الأبهة ولقد ~~كان عمرو بن العاصي بمصر يجلس في قصره على الأرض مع العرب ويأتيه المقوقس ~~إلى قصره ومعه سرير من الذهب محمولا علي الأيدي لجلوسه شأن الملوك فيجلس ~~عليه وهو أمامه ولا يغيرون عليه وفاء له بما اعتقد معهم من الذمة واطراحا ~~لأبهة الملك ثم كان بعد ذلك لبني العباس والعبيديين وسائر ملوك الإسلام ~~شرقا وغربا من الأسرة والمنابر والتخوت ما عفا عن الأكاسرة والقياصرة والله ~~مقلب الليل والنهار PageV01P260 السكة وهي الختم على الدنانير والدراهم ~~المتعامل بها بن الناس بطابع حديد ينقش فيه صور أو كلمات مقلوبة ويضرب بها ~~على الدينار أو الدرهم فتخرج رسوم تلك النقوش عليها ظاهرة مستقيمة بعد أن ~~يعتبر عيار النقد من ذلك الجنس في خلوصه بالسبك مرة بعد أخرى وبعد تقدير ~~اشخاص الدراهم والدنانير بوزن معين صحيح يصطلح عليه فيكون التعامل بها عددا ~~وإن لم تقدر أشخاصها يكون التعامل بها وزنا ولفظ السكة كان اسما للطابع وهي ~~الحديدة المتخذة لذلك ثم نقل إلى أثرها وهي النقوش الماثلة على الدنانير ~~والدراهم ثم نقل إلى القيام على ذلك والنظر في استيفاء حاجاته وشروطه وهي ~~الوظيفة فصار علما عليها في عرف الدول ms275 وهي وظيفة ضرورية للملك إذ بها يتميز ~~الخالص من المغشوش بين الناس في النقود عند المعاملات ويتقون في سلامتها ~~الغش بختم السلطان عليها بتلك النقوش المعروفة وكان ملوك العجم يتخذونها ~~وينقشون فيها تماثيل تكون مخصوصة بها مثل تمثال السلطان لعهدها أو تمثيل ~~حصن أو حيوان أو مصنوع أو غير ذلك ولم يزل هذا الشأن عند العجم إلى آخر ~~أمرهم ولما جاء الإسلام أغفل ذلك لسذاجة الدين وبداوة العرب وكانوا ~~يتعاملون بالذهب والفضة وزنا وكانت دنانير الفرس ودراهمهم بين أيديهم ~~ويردونها في معاملتهم إلى الوزن ويتصارفون بها بينهم إلى أن تفاحش الغش في ~~الدنانير والدراهم لغفلة الدولة عن ذلك وأمر عبد الملك الحجاج على ما نقل ~~سعيد بن المسيب وأبو الزناد بضرب الدراهم وتمييز المغشوش من الخالص وذلك ~~سنة أربع وسبعين وقال المدائني سنة خمس وسبعين ثم أمر بصرفها في سائر ~~النواحي سنة ست وسبعين وكتب عليها الله أحد الله الصمد ثم ولي ابن هبيرة ~~العراق أيام يزيد بن عبد الملك فجود السكة ثم بالغ خالد القسري في تجويدها ~~ثم يوسف بن عمر بعده وقيل أول من ضرب الدنانير والدراهم مصعب بن الزبير ~~بالعراق سنة سبعين بأمر أخيه عبد الله لما ولي الحجاز وكتب عليها في أحد ~~الوجهين بركة الله وفي الآخر اسم الله ثم غيرها الحجاج بعد ذلك بسنة وكتب ~~عليها اسم الحجاج وقدر وزنها على ما كانت استقرت أيام عمر وذلك أن الدرهم ~~كان وزنه أول الإسلام ستة دوانق والمثقال وزنه درهم وثلاثة أسباع درهم ~~فتكون عشرة دراهم بسبعة مثاقيل وكان السبب في ذلك أن أوزان الدرهم ~~PageV01P261 أيام الفرس كانت مختلفة وكان منها على وزن المثقال عشرون ~~قيراطا ومنها اثنا عشر ومنها عشرة فلما احتيج إلى تقديره في الزكاة أخذ ~~الوسط وذلك اثنا عشر قيراطا فكان المثقال درهما وثلاثة أسباع درهم وقيل كان ~~منها البغلي بثمانية دوانق والطبري أربعة دوانق والمغربي ثمانية دوانق ~~واليمني ستة دوانق فأمر عمر أن ينظر الأغلب في التعامل فكان البغلي والطبري ~~اثني عشر دانقا ms276 وكان الدرهم ستة دوانق وإن زدت ثلاثة أسباعه كان مثقالا ~~وإذا انقصت ثلاثة أعشار المثقال كان درهما فلما رأى عبد الملك اتخاذ السكة ~~لصيانة النقدين الجاريين في معاملة المسلمين من الغش عين مقدارها على هذا ~~الذي استقر لعهد عمر رضي الله عنه واتخذ فيه كلمات لا صورا لأن العرب كان ~~الكلام والبلاغة أقرب مناحيهم وأظهرها مع ان الشرع ينهى عن الصور فلما فعل ~~ذلك استمر بين الناس في أيام الملة كلها وكان الدينار والدرهم على شكلين ~~مدورين والكتابة عليهما في دوائر متوازية يكتب فيها من أحد الوجهين أسماء ~~الله تهليلا وتحميدا وصلاة على النبي وآله وفي الوجه الثاني التأريخ واسم ~~الخليفة وهكذا أيام العباسيين والعبيديين والأمويين وأما صنهاجة فلم يتخذوا ~~سكة إلا آخر الأمر اتخذها منصور صاحب بجاية ذكر ذلك ابن حماد في تاريخه ~~ولما جاءت دولة الموحدين كان مما سن لهم المهدي اتخاذ سكة الدرهم مربع ~~الشكل وأن يرسم في دائرة الدينار شكل مربع في وسطه ويملأ من أحد الجانبين ~~تهليلا وتحميدا ومن الجانب الآخر كتبا في السطور باسمه واسم الخلفاء من ~~بعده ففعل ذلك الموحدون وكانت سكتهم على هذا الشكل لهذا العهد ولقد كان ~~المهدي فيما ينقل ينعت قبل ظهوره بصاحب الدرهم المربع نعته بذلك المتكلمون ~~بالحدثان من قبله المخبرون في ملاحمهم عن دولته وأما أهل المشرق لهذا العهد ~~فسكتهم غير مقدرة وإنما يتعاملون بالدنانير والدراهم وزنا بالصنجات المقدرة ~~بعدة منها ولا يطبعون عليها بالسكة نقوش الكلمات بالتهليل والصلاة واسم ~~السلطان كما يفعله أهل المغرب @QB@ ذلك تقدير العزيز العليم @QE@ # ولنختم الكلام في السكة بذكر حقيقة الدرهم والدينار الشرعيين وبيان حقيقة ~~مقدارهما PageV01P262 وذلك أن الدينار والدرهم مختلفا السكة في المقدار ~~والموازين بالآفاق والأمصار وسائر الأعمال والشرع قد تعرض لذكرهما وعلق ~~كثيرا من الأحكام بهما في الزكاة والأنكحة والحدود وغيرها فلا بد لهما عنده ~~من حقيقة ومقدار معين في تقدير تجري عليهما أحكامه دون غير الشرعي منهما ~~فاعلم أن الإجماع منعقد منذ صدر الإسلام وعهد الصحابة والتابعين أن الدرهم ~~الشرعي ms277 هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب والأوقية منه أربعين ~~درهما وهو على هذا سبعة أعشار الدينار ووزن المثقال من الذهب اثنتان وسبعون ~~حبة من الشعير فالدرهم الذي هو سبعة أعشاره خمسون حبة وخمسا حبة وهذه ~~المقادير كلها ثابتة بالإجماع فإن الدرهم الجاهلي كان بينهم على أنواع ~~أجودها الطبري وهو أربعة دوانق والبغلي وهو ثمانية دوانق فجعلوا الشرعي ~~بينهما وهو ستة دوانق فكانوا يوجبون الزكاة في مائة درهم بغلية ومائة طبرية ~~خمسة دراهم وسطا وقد اختلف الناس هل كان ذلك من وضع عبد الملك أو إجماع ~~الناس بعد عليه كما ذكرناه ذكر ذلك الخطام في كتاب معالم السنن والماوردي ~~في الأحكام السلطانية وأنكره المحققون من المتأخرين لما يلزم عليه أن يكون ~~الدينار والدرهم الشرعيان مجهولين في عهد الصحابة ومن بعدهم مع تعلق الحقوق ~~الشرعية بهما في الزكاة والأنكحة والحدود وغيرها كما ذكرناه والحق أنهما ~~كانا معلومي المقدار في ذلك العصر لجريان الأحكام يومئذ بما يتعلق بهما من ~~الحقوق وكان مقدارهما غير مستخص في الخارج وإنما كان متعارفا بينهم بالحكم ~~الشرعي على المقدار في مقدارهما وزنتهما حتى استفحل الإسلام وعظمت الدولة ~~ودعت الحال إلى تشخيصها في المقدار والوزن كما هو عند الشرع ليستريحوا من ~~كلفة التقدير وقارن ذلك أيام عبد الملك فشخص مقدارهما وعينهما في الخارج ~~كما هو في الذهن ونقش عليهما السكة باسمه وتأريخه أثر الشهادتين ~~الإيمانيتين وطرح النقود الجاهلية رأسا حتى خلصت ونقش عليها سكة وتلاشى ~~وجودها فهذا هو الحق الذي لا محيد عنه ومن بعد ذلك وقع اختيار أهل السكة في ~~الدول على مخالفة المقدار الشرعي في الدينار والدرهم واختلفت في كل الأقطار ~~والآفاق ورجع الناس إلى تصور مقاديرهما PageV01P263 الشرعية ذهنا كما كان ~~في الصدر الأول وصار أهل كل أفق يستخرجون الحقوق الشرعية من سكتهم بمعرفة ~~النسبة التي بينها وبين مقاديرها الشرعية وأما وزن الدينار باثنتين وسبعين ~~حبة من الشعير الوسط فهو الذي نقله المحققون وعليه الإجماع إلا ابن حزم ~~خالف ذلك وزعم أن وزنه أربع ms278 وثمانون حبة نقل ذلك عنه القاضي عبد الحق ورده ~~المحققون وعدوه وهما وغلطا وهو الصحيح @QB@ أن يحق الحق بكلماته @QE@ وكذلك ~~تعلم أن الأوقية الشرعية ليست هي المتعارفة بين الناس لأن المتعارفة مختلفة ~~باختلاف الأقطار والشرعية متحدة ذهنا لا اختلاف فيها @QB@ وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا @QE@ # خاتم وأما الخاتم فهو من الخطط السلطانية والوظائف الملوكية والختم على ~~الرسائل والصكوك معروف للملوك قبل الإسلام وبعده وقد ثبت في الصحيحين أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إلى قيصر فقيل له إن العجم لا ~~يقبلون كتابا إلا أن يكون مختوما فاتخذ خاتما من فضة ونقش فيه محمد رسول ~~الله قال البخاري جعل الثلاث الكلمات ثلاثة اسطر وختم به وقال لا ينقش أحد ~~مثله قال وتختم به أبو بكر وعمر وعثمان ثم سقط من يد عثمان في بئر أريس ~~وكانت قليلة الماء فلم يدرك قعرها بعد واغتم عثمان وتطير منه وصنع آخر على ~~مثله وفي كيفية نقش الخاتم والختم به وجوه وذلك أن الخاتم يطلق على الآلة ~~التي تجعل في الإصبع ومنه تختم إذا لبسه ويطلق على النهاية والتمام ومنه ~~ختمت الأمر إذا بلغت اخره وختمت القرآن كذلك ومنه خاتم النبيين وخاتم الأمر ~~ويطلق على السداد الذي يسد به الأواني والدنان ويقال فيه ختام ومنه قوله ~~تعالى ختامه مسك وقد غلط من فسر ذلك بالنهاية والتمام قال لأن آخر ما ~~يجدونه في شرابهم ريح المسك وليس المعنى عليه وإنما هو من الختام الذي هو ~~السداد لأن الخمر يجعل لها في الدن سداد الطين أو القار يحفظها ويطيب عرفها ~~وذوقها فبولغ في وصف خمر الجنة بأن سدادها من المسك وهو أطيب عرفا وذوقا من ~~القار والطين المعهودين في الدنيا فإذا صح إطلاق الخاتم على هذه كلها صح ~~إطلاقه على أثرها الناشئ عنها وذلك أن الخاتم إذا نقشت به كلمات أو أشكال ~~ثم غمس في مداف من الطين أو مداد ووضع على صفح القرطاس بقي أكثر الكلمات ~~PageV01P264 في ذلك الصفح وكذلك إذا طبع به ms279 على جسم لين كالشمع فإنه يبقى ~~نقش ذلك المكتوب مرتسما فيه وإذا كانت كلمات وارتسمت فقد يقرأ من الجهة ~~اليسرى إذا كان النقش على الاستقامة من اليمنى وقد يقرأ من الجهة اليمنى ~~إذا كان النقش من الجهة اليسرى لأن الختم يقلب جهة الخط في الصفح عما كان ~~في النقش من يمين أو يسار فيحتمل أن يكون الختم بهذا الخاتم بغمسه في ~~المداد أو الطين ووضعه في الصفح فتنتقش الكلمات فيه ويكون هذا من معنى ~~النهاية والتمام بمعنى صحة ذلك المكتوب ونفوذه كأن الكتاب إنما يتم العمل ~~به بهذه العلامات وهو من دونها ملغى ليس بتمام وقد يكون هذا الختم بالخط ~~آخر الكتاب أو أوله بكلمات منتظمة من تحميد أو تسبيح أو باسم السلطان أو ~~الأمير أو صاحب الكتاب من كان أو شيء من نعوته يكون ذلك الخط علامة على صحة ~~الكتاب ونفوذه ويسمى ذلك في المتعارف علامة ويسمى ختما تشبيها له بأثر ~~الخاتم الآصفي في النقش ومن هذا خاتم القاضي الذي يبعث به للخصوم أي علامته ~~وخطه الذي ينفذ بهما أحكامه ومنه خاتم السلطان أو الخليفة أي علامته قال ~~الرشيد ليحيي بن خالد لما أراد ان يستوزر جعفرا ويستبدل به من الفضل أخيه ~~فقال لأبيهما يحيى يا أبت إني أردت أن أحول الخاتم من يميني إلى شمالي فكنى ~~له بالخاتم عن الوزارة لما كانت العلامة على الرسائل والصكوك من وظائف ~~الوزارة لعهدهم ويشهد لصحة هذا الإطلاق ما نقله الطبري أن معاوية أرسل إلى ~~الحسن عند مراودته إياه في الصلح صحيفة بيضاء ختم على أسفلها وكتب إليه أن ~~اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك ومعنى الختم هنا ~~علامة في آخر الصحيفة بخطه أو غيره ويحتمل أن يختم به في جسم لين فتنتقش ~~فيه حروفه ويجعل على موضع الحزم من الكتاب إذا حزم وعلى المودوعات وهو من ~~السداد كما مر وهو في الوجهين آثار الخاتم فيطلق عليه خاتم وأول من أطلق ~~الختم على الكتاب أي العلامة معاوية ms280 لأنه أمر لعمر بن الزبير عند زياد ~~بالكوفة بمائة ألف ففتح الكتاب وصير المائة مائتين ورفع زياد حسابه فأنكرها ~~معاوية وطلب بها عمر وحبسه حتى قضاها عنه أخوه عبد الله واتخذ معاوية عند ~~ذلك ديوان الخاتم ذكره الطبري وقال آخرون وحزم الكتب ولم تكن PageV01P265 ~~تحزم أي جعل لها السداد وديوان الختم عبارة عن الكتاب القائمين على إنقاذ ~~كتب السلطان والختم عليها إما بالعلامة أو بالحزم وقد يطلق الديوان على ~~مكان جلوس هؤلاء الكتاب كما ذكرناه في ديوان الأعمال والحزم للكتب يكون إما ~~بدس الورق كما في عرف كتاب المغرب وإما بإلصاق رأس الصحيفة على ما تنطوي ~~عليه من الكتاب كما في عرف أهل المشرق وقد يجعل على مكان الدس أو الإلصاق ~~علامة يؤمن معها من فتحه والاطلاع على ما فيه فأهل المغرب يجعلون على مكان ~~الدس قطعة من الشمع ويختمون عليها بخاتم نقشت فيه علامة لذلك فيرتسم النقش ~~في الشمع وكان في المشرق في الدول القديمة يختم على مكان اللصق بخاتم منقوش ~~أيضا قد غمس في مداف من الطين معد لذلك صبغة أحمر فيرتسم ذلك النقش عليه ~~وكان هذا الطين في الدولة العباسية يعرف بطين الختم وكان يجلب من سيراف ~~فيظهر أنه مخصوص بها فهذا الخاتم الذي هو العلامة المكتوبة أو النقش للسداد ~~والحزم للكتب خاص بديوان الرسائل وكان ذلك للوزير في الدولة العباسية ثم ~~اختلف العرف وصار لمن اليه الترسيل وديوان الكتاب في الدولة ثم صاروا في ~~دول المغرب يعدون من علامات الملك وشاراته الخاتم للإصبع فيستجيدون صوغه من ~~الذهب ويرصعونه بالفصوص من الياقوت والفيروزج والزمرد ويلبسه السلطان شارة ~~في عرفهم كما كانت البردة والقضيب في الدولة العباسية والمظلة في الدولة ~~العبيدية والله مصرف الأمور بحكمه # # | الطراز من أبهة الملك والسلطان ومذاهب الدول أن ترسم أسماؤهم أو علامات ~~تختص بهم في ظراز أثوابهم المعدة للباسهم من الحرير أو الديباج أو الإبريسم ~~تعتبر كتابة خطها في نسج الثوب ألحاما وإسداء بخيط الذهب أو ما يخالف لون ~~الثوب من الخيوط الملونة ms281 من غير الذهب على ما يحكمه الصناع في تقدير ذلك ~~ووضعه في صناعة نسجهم فتصير الثياب الملوكية معلمة بذلك الطراز قصد التنويه ~~بلابسها من السلطان فمن دونه أو التنويه بمن يختصه السلطان بملبوسه إذا قصد ~~تشريفه بذلك أو ولايته لوظيفة من وظائف دولته وكان ملوك العجم من قبل ~~الإسلام يجعلون ذلك الطراز بصور الملوك وأشكالهم أو أشكال وصور معينة لذلك ~~ثم PageV01P266 اعتاض ملوك الإسلام عن ذلك بكتب أسمائهم مع كلمات أخرى تجري ~~مجرى الفأل أو السجلات وكان ذلك في الدولتين من أبهة الأمور وأفخم الأحوال ~~وكانت الدور المعدة لنسج أثوابهم في قصورهم تسمى دور الطراز لذلك وكان ~~القائم على النظر فيها يسمى صاحب الطراز ينظر في أمور الصباغ والآلة ~~والحاكة فيها وإجراء أرزاقهم وتسهيل آلاتهم ومشارفة أعمالهم وكانوا يقلدون ~~ذلك لخواص دولتهم وثقات مواليهم وكذلك كان الحال في دولة بني أمية بالأندلس ~~والطوائف من بعدهم وفي دولة العبيديين بمصر ومن كان على عهدهم من ملوك ~~العجم بالمشرق ثم لما ضاق نطاق الدول عن الترف والتفنن فيه لضيق نطاقها في ~~الاستيلاء وتعددت الدول تعطلت هذه الوظيفة والولاية عليها من أكثر الدول ~~بالجملة ولما جاءت دولة الموحدين بالمغرب بعد بني أمية أول المائة السادسة ~~لم يأخذوا بذلك أول دولتهم لما كانوا عليه من منازع الديانة والسذاجة التي ~~لقنوها عن إمامهم محمد بن تومرت المهدي وكانوا يتورعون عن لباس الحرير ~~والذهب فسقطت هذه الوظيفة من دولتهم واستدرك منها أعقابهم آخر الدولة طرفا ~~لم يكن بتلك النباهة وأما لهذا العهد فأدركنا بالمغرب في الدولة المرينية ~~لعنفوانها وشموخها رسما جليلا لقنوه من دولة ابن الأحمر معاصرهم بالأندلس ~~واتبع هو في ذلك ملوك الطوائف فأتى منه بلمحة شاهدة بالأثر وأما دولة الترك ~~بمصر والشام لهذا العهد ففيها من الطراز تحرير آخر على مقدار ملكهم وعمران ~~بلادهم إلا أن ذلك لا يصنع في دورهم وقصورهم وليست من وظائف دولتهم وإنما ~~ينسج ما تطلبه الدولة من ذلك عند صناعه من الحرير ومن الذهب الخالص ويسمونه ~~المزركش لفظة أعجمية ms282 ويرسم اسم السلطان أو الأمير عليه ويعده الصناع لهم ~~فيما يعدونه للدولة من طرف الصناعة اللائقة بها والله مقدر الليل والنهار ~~والله خير الوارثين # الفساطيط والسياج # إعلم أن من شارات الملك وترفه اتخاذ الأخبية والفساطيط والفازات من ثياب ~~الكتان والصوف والقطن فيباهى بها في الأسفار وتنوع منها الألوان ما بين ~~كبير وصغير على نسبة الدولة في الثروة واليسار وإنما يكون الأمر في أول ~~الدولة في بيوتهم التي جرت عادتهم باتخاذها قبل الملك وكان العرب لعهد ~~الخلفاء الأولين من بني امية PageV01P267 إنما يسكنون بيوتهم التي كانت لهم ~~خياما من الوبر والصوف ولم تزل العرب لذلك العهد بادين إلا الأقل منهم ~~فكانت أسفارهم لغزواتهم وحروبهم بظعونهم وسائر حللهم وأحيائهم من الأهل ~~والولد كما هو شأن العرب لهذا العهد وكانت عساكرهم لذلك كثيرة الحلل بعيدة ~~ما بين المنازل متفرقة الأحياء يغيب كل واحد منها عن نظر صاحبه من الأخرى ~~كشأن العرب ولذلك ما كان عبد الملك يحتاج إلى ساقة تحشد الناس على أثره أن ~~يقيموا إذا ظعن ونقل أنه استعمل في ذلك الحجاج حين أشار به روح بن زنباغ ~~وقصتها في إحراق فساطيط روح وخيامه لأول ولايته حين وجدهم مقيمين في يوم ~~رحيل عبد الملك قصة مشهورة ومن هذه الولاية تعرف رتبة الحجاج بين العرب ~~فإنه لا يتولى إرادتهم على الظعن إلا من يأمن بوادر السفهاء من أحيائهم بما ~~له من العصبية الحائلة دون ذلك ولذلك اختصه عبد الملك بهذه الرتبة ثقة ~~بغنائه فيها بعصبيته وصرامته فلما تفننت الدولة العربية في مذاهب الحضارة ~~والبذخ ونزلوا المدن والأمصار وانتقلوا من سكنى الخيام إلى سكنى القصور ومن ~~ظهر الخف إلى ظهر الحافر اتخذوا للسكنى في اسفارهم ثياب الكتان يستعملون ~~منها بيوتا مختلفة الأشكال مقدرة الأمثال من القوراء والمستطيلة والمربعة ~~ويحتفلون فيها بأبلغ مذاهب الاحتفال والزينة ويدير الأمير والقائد للعساكر ~~على فساطيطه وفازاته من بينهم سياجا من الكتان يسمى في المغرب بلسان البربر ~~الذي هو لسان أهله أفراك بالكاف والقاف ويختص به السلطان بذلك القطر لا ms283 ~~يكون لغيره وأما في المشرق فيتخذه كل أمير وإن كان دون السلطان ثم جنحت ~~الدعة بالنساء والولدان إلى المقام بقصورهم ومنازلهم فخف لذلك ظهرهم ~~وتقاربت السياج بين منازل العسكر واجتمع الجيش والسلطان في معسكر واحد ~~يحصره البصر في بسيطة زهوا أنيقا لاختلاف ألوانه واستمر الحال على ذلك في ~~مذاهب الدول في بذخها وترفها وكذا كانت دولة الموحدين وزناته التي أظلتنا ~~كان سفرهم أول أمرهم في بيوت سكناهم قبل الملك من الخيام والقياطين حتى إذا ~~أخذت الدولة في مذاهب الترف وسكنى القصور وعادوا إلى سكنى الأخبية ~~والفساطيط بلغوا من ذلك فوق ما أرادوه وهو من الترف بمكان إلا أن العساكر ~~به تصير عرضة للبيات لاجتماعهم في مكان واحد تشملهم PageV01P268 فيه الصيحة ~~ولخفتهم من الأهل والولد الذين تكون الاستماتة دونهم فيحتاج في ذلك إلى ~~تحفظ آخر والله القوي العزيز $ المقصورة للصلاة والدعاء في الخطبة # وهما من الأمور الخلافية ومن شارات الملك الإسلامي ولم يعرف في غير دول ~~الإسلام فأما البيت المقصورة من المسجد لصلاة السلطان فيتخذ سياجا على ~~المحراب فيحوزه وما يليه فأول من اتخذها معاوية بن أبي سفيان حين طعنه ~~الخارجي والقصة معروفة وقيل أول من اتخذها مروان بن الحكم حين طعنه اليماني ~~ثم اتخذها الخلفاء من بعدهما وصارت سنة في تمييز السلطان عن الناس في ~~الصلاة وهي إنما تحدث عند حصول الترف في الدول والاستفحال شأن أحوال الأبهة ~~كلها وما زال الشأن ذلك في الدول الإسلامية كلها وعند افتراق الدولة ~~العباسية وتعدد الدول بالمشرق وكذا بالأندلس عند انقراض الدولة الأموية ~~وتعدد ملوك الطوائف وأما المغرب فكان بنو الأغلب يتخذونها بالقيروان ثم ~~الخلفاء العبيديون ثم ولاتهم على المغرب من صنهاجة بنو باديس بفاس وبنو ~~حماد بالقلعة ثم ملك الموحدون سائر المغرب والأندلس ومحو ذلك الرسم على ~~طريقة البداوة التي كانت شعارهم ولما استفحلت الدولة وأخذت بحظها من الترف ~~وجاء أبو يعقوب المنصور ثالث ملوكهم فاتخذ هذه المقصورة وبقيت من بعده سنة ~~لملوك المغرب والأندلس وهكذا كان الشأن في سائر الدول سنة ms284 الله في عباده ~~وأما الدعاء على المنابر في الخطبة فكان الشأن أولا عند الخلفاء ولاية ~~الصلاة بأنفسهم فكانوا يدعون لذلك بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~والرضى عن أصحابه وأول من اتخذ المنبر عمرو بن العاص لما بنى جامعه بمصر ~~وأول من دعا للخليفة على المنبر ابن عباس دعا لعلي رضي الله عنهما في خطبته ~~وهو بالبصرة عامل له عليها فقال اللهم انصر عليا على الحق واتصل العمل على ~~ذلك فيما بعد وبعد أخذ عمرو بن العاص المنبر بلغ عمر بن الخطاب ذلك فكتب ~~إليه عمر بن الخطاب أما بعد فقد بلغني أنك اتخذت منبرا ترقى به على رقاب ~~المسلمين أو ما يكفيك أن تكون قائما والمسلمون تحت عقبك فعزمت عليك إلا ما ~~كسرته فلما حدثت الأبهة وحدث في الخلفاء المانع من الخطبة والصلاة استنابوا ~~PageV01P269 فيهما فكان الخطيب يشيد بذكر الخليفة على المنبر تنويها باسمه ~~ودعاء له بما جعل الله مصلحة العالم فيه ولأن تلك الساعة مظنة للإجابة ولما ~~ثبت عن السلف في قولهم من كانت له دعوة صالحة فليضعها في السلطان وكان ~~الخليفة يفرد بذلك فلما جاء الحجر والاستبداد صار المتغلبون على الدول ~~كثيرا ما يشاركون الخليفة في ذلك ويشاد باسمهم عقب اسمه وذهب ذلك بذهاب تلك ~~الدول وصار الأمر إلى اختصاص السلطان بالدعاء له على المنبر دون من سواه ~~وحظر أن يشاركه فيه أحد أو يسمو إليه وكثيرا ما يغفل المعاهدون من أهل ~~الدول هذا الرسم عندما تكون الدولة في اسلوب الغضاضة ومناحي البداوة في ~~التغافل والخشونة ويقنعون بالدعاء على الإبهام والإجمال لمن ولي أمور ~~المسلمين ويسمون مثل هذه الخطبة إذا كانت على هذا المنحى عباسية يعنون بذلك ~~أن الدعاء على الإجمال إنما يتناول العباسي تقليدا في ذلك لما سلف من الأمر ~~ولا يحفلون بما وراء ذلك من تعيينه والتصريح باسمه يحكى أن يغمراسن بن زيان ~~عاهد دولة بني عبد الواد لما غلبه الأمير أبو زكرياء يحيى بن أبي حفص على ~~تلمسان ثم بدا له في ms285 إعادة الأمر إليه على شروط شرطها كان فيها ذكر اسمه ~~على منابر عمله فقال يغمراسن تلك أعوادهم يذكرون عليها من شاءوا وكذلك ~~يعقوب بن عبد الحق عاهد دولة بني مرين حضره رسول المنتصر الخليفة بتونس من ~~بني أبي حفص وثالث ملوكهم وتخلف بعض أيامه عن شهود لجمعة فقيل له لم يحضر ~~هذا الرسول كراهية لخلو الخطبة من ذكر سلطانه فأذن في الدعاء له وكان ذلك ~~سببا لأخذهم بدعوته وهكذا شأن الدول في بدايتها وتمكنها في الغضاضة ~~والبداوة فإذا انتبهت عيون سياستهم ونظروا في أعطاف ملكهم واستتموا شيات ~~الحضارة ومفاني البذخ والأبهة انتحلوا جميع هذه السمات وتفننوا فيها ~~وتجاروا إلى غايتها وأنفوا من المشاركة فيها وجزعوا من افتقادها وخلو ~~دولتهم من آثارها والعالم بستان @QB@ والله على كل شيء قدير @QE@ $ الفصل ~~السابع والثلاثون # في الحروب ومذاهب الامم وترتيبها # إعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليفة منذ براها الله ~~وأصلها PageV01P270 إرادة انتقام بعض البشر من بعض ويتعصب لكل منها أهل ~~عصبيته فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان إحداهما تطلب الانتقام والأخرى ~~تدافع كانت الحرب وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل وسبب هذا ~~الانتقام في الأكثر إما غيرة ومنافسة وإما عدوان وإما غضب لله ولدينه وإما ~~غضب للملك وسعي في تمهيده فالأول أكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة ~~والعشائر المتناظرة والثاني وهو العدوان أكثر ما يكون من الأمم الوحشية ~~الساكنين بالقفر كالعرب والترك والتركمان والأكراد وأشباههم لأنهم جعلوا ~~أرزاقهم في رماحهم ومعاشهم فيما بأيدي غيرهم ومن دافعهم عن متاعه آذنوه ~~بالحرب ولا بغية لهم فيما وراء ذلك من رتبة ولا ملك وإنما همهم ونصب أعينهم ~~غلب الناس على ما في أيديهم والثالث هو المسمى في الشريعة بالجهاد والرابع ~~هو حروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها فهذه أربعة أصناف من ~~الحروب الصنفان الأولان منها حروب بغي وفتنة والصنفان الأخيران حروب جهاد ~~وعدل وصفة الحروب الواقعة بين أهل الخليقة منذ أول وجودهم على نوعين نوع ~~بالزحف صفوفا ونوع ms286 بالكر والفر أما الذي بالزحف فهو قتال العجم كلهم على ~~تعاقب أجيالهم وأما الذي بالكر والفر فهو قتال العرب والبربر من أهل المغرب ~~وقتال الزحف أوثق وأشد من قتال الكر والفر وذلك لأن قتال الزحف ترتب فيه ~~الصفوف وتسوى كما تسوى القداح أو صفوف الصلاة ويمشون بصفوفهم إلى العدو ~~قدما فلذلك تكون أثبت عند المصارع وأصدق في القتال وأرهب للعدو لأنه ~~كالحائط الممتد والقصر المشيد لا يطمع في إزالته وفي التنزيل إن الله يحب ~~الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بينان مرصوص أي يشد بعضهم بعضا بالثبات ~~وفي الحديث الكريم المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ومن هنا يظهر لك ~~حكمة إيجاب الثبات وتحريم التولي في الزحف فإن المقصود من الصف في القتال ~~حفظ النظام كما قلناه فمن ولى العدو ظهره فقد أخل بالمصاف وباء بإثم ~~الهزيمة إن وقعت وصار كأنه جرها على المسلمين وأمكن منهم عدوهم فعظم الذنب ~~لعموم المفسدة وتعديها إلى الدين بخرق سياجه فعد من الكبائر ويطهر من هذه ~~الأدلة أن قتال الزحف أشد عند الشارع وأما قتال الكر والفر فليس فيه ~~PageV01P271 من الشدة والأمن من الهزيمة ما في قتال الزحف إلا أنهم قد ~~يتخذون وراءهم في القتال مصافا ثابتا يلجأون إليه في الكر والفر ويقوم لهم ~~مقام قتال الزحف كما تذكره بعد ثم إن الدول القديمة الكثيرة الجنود المتسعة ~~الممالك كانوا يقسمون الجيوش والعساكر أقساما يسمونها كراديس ويسوون في كل ~~كردوس صفوفه وسبب ذلك أنه لما كثرت جنودهم الكثرة البالغة وحشدوا من قاصية ~~النواحي استدعى ذلك أن يجهل بعضهم بعضا إذا اختلطوا في مجال الحرب واعتوروا ~~مع عدوهم الطعن والضرب فيخشى من تدافعهم فيما بينهم لأجل النكراء وجهل ~~بعضهم ببعض فلذلك كانوا يقسمون العساكر جموعا ويضمون المتعارفين بعضهم لبعض ~~ويرتبونها قريبا من الترتيب الطبيعي في الجهات الأربع ورئيس العساكر كلها ~~من سلطان أو قائد في القلب ويسمون هذا الترتيب التعبئة وهو مذكور في أخبار ~~فارس والروم والدولتين وصدر الإسلام فيجعلون بين يدي الملك عسكرا منفردا ~~بصفوفه ms287 متميزا بقائده ورايته وشعاره ويسمونه المقدمة ثم عسكرا آخر ناحية ~~اليمين عن موقف الملك وعلى سمته يسمونه الميمنة ثم عسكر آخر من ناحية ~~الشمال كذلك يسمونه الميسرة ثم عسكرا آخر من وراء العسكر يسمونه الساقة ~~ويقف الملك وأصحابه في الوسط بين هذه الأربع ويسمون موقفه القلب فإذا تم ~~لهم هذا الترتيب المحكم إما في مدى واحد للبصر أو على مسافة بعيدة أكثرها ~~اليوم واليومان بين كل عسكرين منها أو كيفما أعطاه حال العساكر في القلة ~~والكثرة فحينئذ يكون الزحف من بعد هذه التعبئة وانظر ذلك في اخبار الفتوحات ~~وأخبار الدولتين بالمشرق وكيف كانت العساكر لعهد عبد الملك تتخلف عن رحيله ~~لبعد المدى في التعبئة فاحتيج لمن يسوقها من خلفه وعين لذلك الحجاج ابن ~~يوسف كما اشرنا إليه وكما هو معروف في أخباره وكان في الدولة الأموية ~~بالأندلس أيضا كثير منه وهو مجهول فيما لدينا لأنا إنما أدركنا دولا قليلة ~~العساكر لا تنتهي في مجال الحرب إلى التناكر بل أكثر الجيوش من الطائفتين ~~معا يجمعهم لدينا حلة أو مدينة ويعرف كل واحد منهم قرنه ويناديه في حومة ~~الحرب باسمه ولقبه فاستغنى عن تلك التعبئة # ومن مذاهب أهل الكر والفر في الحروب ضرب المصاف وراء عسكرهم من ~~PageV01P272 الجمادات والحيوانات العجم فيتخذونها ملجأ للخيالة في كرهم ~~وفرهم يطلبون به ثبات المقاتلة ليكون أدوم للحرب وأقرب إلى الغلب وقد يفعله ~~أهل الزحف أيضا ليزيدهم ثباتا وشدة فقد كان الفرس وهم أهل الزحف يتخذون ~~الفيلة في الحروب ويحملون عليها أبراجا من الخشب أمثال الصروح مشحونة ~~بالمقاتلة والسلاح والرايات ويصفونها وراءهم في حومة الحرب كأنها حصون ~~فتقوى بذلك نفوسهم ويزداد وثوقهم وانظر ما وقع من ذلك في القادسية وإن فارس ~~في اليوم الثالث اشتدوا بهم على المسلمين حتى اشتدت رجالات من العرب ~~فخالطوهم وبعجوها بالسيوف على خراطيمها فنفرت ونكصت على أعقابها إلى ~~مرابطها بالمدائن فجفا معسكر فارس لذلك وانهزموا في اليوم الرابع وأما ~~الروم وملوك القوط بالأندلس وأكثر العجم فكانوا يتخذون لذلك الأسرة ينصبون ~~للملك سريرة ms288 في حومة الحرب ويحف به من خدمة وحاشيته وجنوده من هو زعيم ~~بالاستماتة دونه وترفع الرايات في أركان السرير ويحدق به سياج آخر من ~~الرماة والرجالة فيعظم هيكل السرير ويصير فئة للمقاتلة وملجأ للكر والفر ~~وجعل ذلك الفرس أيام القادسية وكان رستم جالسا على سرير نصبه لجلوسه حتى ~~اختلفت صفوف فارس وخالطه العرب في سريره ذلك فتحول عنه إلى الفرات وقتل ~~وأما أهل الكر والفر من العرب وأكثر الأمم البدوية الرحالة فيصفون لذلك ~~إبلهم والظهر الذي يحمل ظعائنهم فيكون فئة لهم ويسمونها المجبودة وليس أمة ~~من الأمم إلا وهي تفعل ذلك في حروبها وتراه أوثق في الجولة وآمن من الغرة ~~والهزيمة وهو أمر مشاهد وقد أغفلته الدول لعهدنا بالجملة واعتاضوا عنه ~~بالظهر الحامل للأثقال والفساطيط يجعلونها ساقة من خلفهم ولا تغني غناء ~~الفيلة والإبل فصارت العساكر بذلك عرضة للهزائم ومستشعرة للفرار في المواقف ~~وكان الحرب أول الإسلام كله زحفا وكان العرب إنما يعرفون الكر والفر لكن ~~حملهم على ذلك أول الإسلام أمران أحدهما أن أعداءهم كانوا يقاتلون زحفا ~~فيضطرون إلى مقاتلتهم بثل قتالهم الثاني أنهم كانوا مستميتين في جهادهم لما ~~رغبوا فيه من الصبر ولما رسخ فيهم من الإيمان والزحف إلى الاستماتة أقرب ~~وأول من أبطل الصف في الحروب وصار إلى التعبئة كراديس مروان بن الحكم في ~~قتال الضحاك الخارجي والجبيري بعده PageV01P273 قال الطبري لما ذكر قتال ~~الجبيري خولي الخوارج عليهم شيبان بن عبد العزيز اليشكري ويلقب أبا الذلفاء ~~قاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس وأبطل الصف من يومئذ انتهى فتنوسي قتال ~~الزحف بإبطال الصف ثم تنوسي الصف وراء المقاتلة بما داخل الدول من الترف ~~وذلك انها حينما كانت بدوية وسكناهم الخيام كانوا يستكثرون من الإبل وسكنى ~~النساء والولدان معهم في الأحياء فلما حصلوا على ترف الملك وألفوا سكنى ~~القصور والحواضر وتركوا شأن البادية والقفر نسوا لذلك عهد الإبل والظعائن ~~وصعب عليهم اتخاذها فخلفوا النساء في الأسفار وحملهم الملك والترف على ~~اتخاذ الفساطيط والأخبية فاقتصروا على الظهر الحامل للأثقال والأبنية وكان ms289 ~~ذلك صفتهم في الحرب ولا يغني كل الغناء لأنه لا يدعوا إلى الاستماتة كما ~~يدعو إليها الأهل والمال فيخف الصبر من أجل ذلك وتصرفهم الهيعات وتخرم ~~صفوفهم ولما ذكرناه من ضرب المصاف وراء العساكر وتأكده في قتال الكر والفر ~~صار ملوك المغرب يتخذون طائفة من الإفرنج في جندهم واختصوا بذلك لأن قتال ~~أهل وطنهم كله بالكر والفر والسلطان يتأكد في حقه ضرب المصاف ليكون ردءا ~~للمقاتلة أمامه فلا بد من أن يكون أهل ذلك الصف من قوم متعودين للثبات في ~~الزحف والا أجفلوا على طريقة أهل الكر والفر فانهزم السلطان والعساكر ~~بإجفالهم فاحتاج الملوك بالمغرب أن يتخذوا جندا من هذه الأمة المتعودة ~~الثبات في الزحف وهم الإفرنج ويرتبون مصافهم المحدق بهم منها هذا على ما ~~فيه من الاستعانة بأهل الكفر وإنهم استخفوا ذلك للضرورة التي أريناكها من ~~تخوف الإجفال على مصاف السلطان والافرنج لا يعرفون غير الثبات في ذلك لأن ~~عادتهم في القتال الزحف فكانوا أقوم بذلك من غيرهم مع أن الملوك في المغرب ~~إنما يفعلون ذلك عند الحرب مع أمم العرب والبربر وقتالهم على الطاعة وأما ~~في الجهاد فلا يستعينون بهم حذرا من ممالاتهم على المسلمين هذا هو الواقع ~~لهذا العهد وقد أبدينا سببه @QB@ والله بكل شيء عليم @QE@ وبلغنا أن أمم ~~الترك لهذا العهد قتالهم مناضلة بالسهام وأن تعبئة الحرب عندهم بالمصاف ~~وأنهم يقسمون بثلاثة صفوف يضربون صفا وراء صف ويترجلون عن خيولهم ويفرغون ~~سهامهم بين أيديهم ثم يتناضلون ط PageV01P274 جلوسا وكل ردء للذي أمامه أن ~~يكبسهم العدو إلى أن يتهيأ النصر لإحدى الطائفتين على الأخرى وهي تعبئة ~~محكمة غريبة وكان من مذاهب الأول في حروبهم حفر الخنادق على معسكرهم عندما ~~يتقاربون للزحف حذرا من معرة البيات والهجوم على العسكر بالليل لما في ~~ظلمته ووحشته من مضاعفة الخوف فيلوذ الجيش بالفرار وتجد النفوس في الظلمة ~~سترا من عاره فإذا تساووا في ذلك أرجف العسكر ووقعت الهزيمة فكانوا لذلك ~~يحتفرون الخنادق على معسكرهم إذا نزلوا وضربوا أبنيتهم ويديرون الحفائر ~~نطاقا ms290 عليهم من جيمع جهاتهم حرصا أن يخالطهم العدو بالبيات فيتخاذلوا وكانت ~~للدول في أمثال هذا قوة وعليه اقتدار باحتشاد الرجال وجمع الأيدي عليه في ~~كل منزل من منازلهم بما كانوا عليه من وفور المران وضخامة الملك فلما خرب ~~العمران وتبعه ضعف الدول وقلة الجنود وعدم الفعلة نسي هذا الشأن جملة كأنه ~~لم يكن والله خير القادرين وانظر وصية علي رضي الله عنه وتحريضه لأصحابه ~~يوم صفين تجد كثيرا من علم الحرب ولم يكن أحد أبصر بها منه قال في كلام له ~~فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص وقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على ~~الأضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام والتووا على أطراف الرماح فإنه أصون ~~للأسنة وغضوا الابصار فإنه أربط للجأش وأمكن للقلوب واخفتوا الأصوات فإنه ~~أطرد للفشل وأولى بالوقار وأقيموا راياتكم فلا تميلوها ولا تجعلوها إلا ~~بأيدي شجعانكم واستعينوا بالصدق والصبر فإنه بقدر الصبر ينزل النصر وقال ~~الأشتر يومئذ يحرض الأزد عضوا على النواجذ من الأضراس واستقبلوا القوم ~~بهامكم وشدوا شدة قوم موتورين يثأرون بآبائهم وإخوانهم حناقا على عدوهم وقد ~~وطنوا على الموت أنفسهم لئلا يسبقوا بوتر ولا يلحقهم في الدنيا عار وقد ~~أشار إلى كثير من ذلك أبو بكر الصيرفي شاعر لمتونة وأهل الأندلس في كلمة ~~يمدح بها تاشفين بن علي بن يوسف ويصف ثباته في حرب شهدها ويذكره بأمور ~~الحرب في وصايا تحذيرات تنبهك على معرفة كثير من سياسة الحرب يقول فيها % ~~يا أيها الملأ الذي يتقنع % % # | من منكم الملك الهمام الأروع % # % ومن الذي غدر العدو به دجى % فانفض كل وهو لا يتزعزع % # | PageV01P275 % تمضي الفوارس والطعان يصدها % عنه ويدمرها الوفاء فترجع ~~% # % والليل من وضح الترائك إنه % صبح على هام الجيوش يلمع % # | % أنى فزعتم يا بني صنهاجة % وإليكم في الروع كان المفزع % # % إنسان عين لم يصبها منكم % حضن وقلب أسلمته الأضلع % # | % وصددتم عن تاشفين وإنه % لعقابه لو شاء فيكم موضع % # % ما أنتم إلا أسود خفية % كل لكل كريهة مستطلع % # | % يا تاشفين أقم لجيشك عذره % بالليل والعذر الذي لا يدفع % # ومنها ms291 في سياسة الحرب % أهديك من أدب السياسة ما به % كانت ملوك الفرس ~~قبلك تولع % # | % لا إنني أدري بها لكنها % ذكرى تحض المؤمنين وتنفع % # % والبس من الحلق المضاعفة التي % وصى بها صنع الصنائع تبع % # | % والهندواني الرقيق فإنه % أمضى على حد الدلاص وأقطع % # % واركب من الخيل السوابق عدة % حصنا حصينا ليس فيه مدفع % # | % خندق عليك إذا ضربت محلة % سيان تتبع ظافرا أو تتبع % # % والواد لا تعبره وانزل عنده % بين العدو وبين جيشك يقطع % # | % واجعل مناجزة الجيوش عشية % ووراءك الصدق الذي هو أمنع % # % وإذا تضايقت الجيوش بمعرك % ضنك فأطراف الرماح توسع % # | % واصدمة أول وهلة لا تكترت % شيئا فإظهار النكول يضعضع % # % واجعل من الطلاع أهل شهامة % للصدق فيهم شيمة لا تخدع % # | % لا تسمع الكذاب جاءك مرجفا % لا رأي للكذاب فيما يصنع % # قوله واصدمه أول وهلة لا تكثرث البيت مخالف لما عليه الناس في أمر الحرب ~~فقد قال عمر لأبي عبيد بن مسعود الثقفي لما ولاه حرب فارس والعراق فقال له ~~اسمع وأطع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأشركهم في الأمر ولا تجيبن ~~مسرعا حتى تتبين فإنها الحرب والا يصلح لها إلا الرجل المكيث الذي يعرف ~~الفرصة والكف وقال له في أخرى إنه لن يمنعني أن أؤمر سليطا إلا سرعته في ~~الحرب PageV01P276 وفي التسر ع في الحرب إلا عن بيان ضياع والله لولا ذلك ~~لأمرته لكن الحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث هذا كلام عمر وهو شاهد بأن ~~التثاقل في الحرب أولى من الخفوف حتى يتبين حال تلك الحرب وذلك عكس ما قاله ~~الصيرفي إلا أن يريد أن الصدم بعد البيان فله وجه والله تعالى أعلم ولا ~~وثوق في الحرب بالظفر وإن حصلت أسبابه من العدة والعديد وإنما الظفر فيها ~~والغلب من قبيل البحث والاتفاق وبيان ذلك أن أسباب الغلب في الأكثر مجتمعة ~~من أمور ظاهرة وهي الجيوش ووفورها وكمال الأسلحة واستجادتها وكثرة الشجعان ~~وترتيب المصاف ومنه صدق القتال وما جرى مجرى ذلك ومن أمور خفية وهي إما من ~~خداع البشر وحيلهم في ms292 الإرجاف والتشانيع التي يقع بها التخذيل وفي التقدم ~~إلى الأماكن المرتفعة ليكون الحرب من أعلى فيتوهم المنخفض لذلك وفي الكمون ~~في الغياض ومطمئن الأرض والتواري بالكدى حول العدو حتى يتداولهم العسكر ~~دفعة وقد تورطوا فيتلممون إلى النجاة وأمثال ذلك وإما أن تكون تلك الأسباب ~~الخفية أمورا سماوية لا قدرة للبشر على اكتسابها تلقى في القلوب فيستولي ~~الرهب عليهم لأجلها فتختل مراكرهم فتقع الهزيمة وأكثر ما تقع الهزائم عن ~~هذه الأسباب الخفية لكثرة ما يعتمل لكل واحد من الفريقين فيها حرصا على ~~الغلب فلا بد من وقوع التأثير في ذلك لأحدهما ضرورة ولذلك قال صلى الله ~~عليه وسلم الحرب خدعة ومن أمثال العرب رب حيلة أنفع من قبيلة فقد تبين أن ~~وقوع الغلب في الحروب غالبا عن أسباب خفية غير ظاهرة ووقوع الأشياء عن ~~الأسباب الخفية هو معنى البخت كما تقرر في موضعه فاعتبره وتفهم من وقوع ~~الغلب عن الأمور السماوية كما شرحناه معنى قوله صلى الله عليه وسلم نصرت ~~بالرعب مسيرة شهر وما وقع من غلبة للمشركين في حياته بالعدد القليل وغلب ~~المسلمين من بعده كذلك في الفتوحات فإن الله سبحانه وتعالى تكفل لنبيه ~~بالقاء الرعب في قلوب الكافرين حتى يستولي على قلوبهم فينهزموا معجزة ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم فكان الرعب في قلوبهم سببا للهزائم في الفتوحات ~~الإسلامية كلها إلا أنه خفي عن العيون وقد ذكر الطرطوشي أن من أسباب الغلب ~~في الحرب أن تفضل عدة الفرسان المشاهير من الشجعان في أحد الجانبين على ~~عدتهم في الجانب PageV01P277 الآخر مثل أن يكون أحد الجانبين فيه عشرة أو ~~عشرون من الشجعان المشاهير وفي الجانب الآخر ثمانية أو ستة عشر فالجانب ~~الزائد ولو بواحد يكون له الغلب وأعاد في ذلك وأبدى وهو راجع إلى الأسباب ~~الظاهرة التي قدمنا وليس بصحيح وإنما الصحيح المعتبر في الغلب حال العصبية ~~أن يكون في أحد الجانبين عصبية واحدة جامعة لكلهم وفي الجانب الآخر عصائب ~~متعددة لأن العصائب إذا كانت متعددة يقع بينها من التخاذل ما يقع ms293 في ~~الوحدان المتفرقين الفاقدين للعصبية تنزل كل عصابة منهم منزلة الواحد ويكون ~~الجانب الذي عصابته متعددة لا يقاوم الجانب الذي عصبته واحدة لأجل ذلك ~~فتفهمه واعلم أنه أصح في الاعتبار مما ذهب إليه الطرطوشي ولم يحمله على ذلك ~~إلا نسيان شأن العصبية في حلة وبلدة وأنهم إنما يرون ذلك الدفاع والحماية ~~والمطالبة إلى الوحدان والجماعة الناشئة عنهم لا يعتبرون في ذلك عصبية ولا ~~نسبا وقد بينا ذلك أول الكتاب مع أن هذا وأمثاله على تقدير صحته إنما هو من ~~الأسباب الظاهرة مثل اتفاق الجيش في العدة وصدق القتال وكثرة الأسلحة وما ~~أشبهها فكيف يجعل ذلك كفيلا بالغلب ونحن قد قررنا لك الآن أن شيئا منها لا ~~يعارض الأسباب الخفية من الحيل والخداع ولا الأمور السماوية من الرعب ~~والخذلان الإلهي فافهمه وتفهم أحوال الكون والله مقدر الليل والنهار ويلحق ~~بمعنى الغلب في الحروب وأن أسبابه خفية وغير طبيعية حال الشهرة والصيت فقل ~~أن تصادق موضعها في أحد من طبقات الناس من الملوك والعلماء والصالحين ~~والمنتحلين للفضائل على العموم وكثير ممن اشتهر بالشر وهو بخلافه وكثير ممن ~~تجاوزت عنه الشهرة وهو أحق بها وأهلها وقد تصادف موضعها وتكون طبقا على ~~صاحبها والسبب في ذلك أن الشهرة والصيت إنما هما بالإخبار والإخبار يدخلها ~~الذهول عن المقاصد عند التناقل ويدخلها التعصب والتشييع ويدخلها الاوهام ~~ويدخلها الجهل بمطابقة الحكايات للأحوال لخفائها بالتلبيس والتصنع أو لجهل ~~الناقل ويدخلها التقرب لأصحاب التجلة والمراتب الدنيوية بالثناء والمدح ~~وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك والنفوس مولعة بحب الثناء والناس ~~متطاولون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة وليسوا من الأكثر براغبين في ~~الفضائل ولا منافسين في أهلها وأين مطابقة الحق مع هذه كلها فتختل الشهرة ~~عن PageV01P278 أسباب خفية من هذه وتكون غير مطابقة وكل ما حصل بسبب خفي ~~فهو الذي يعبر عنه بالبخت كما تقرر والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق # | الفصل الثامن والثلاثون # في الجباية وسبب قلتها وكثرتها # إعلم أن الجباية أول الدولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة وآخر ms294 الدولة ~~تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة والسبب في ذلك أن الدولة إن كانت على سنن ~~الدين فليست تقتضي إلا المغارم الشرعية من الصدقات والخراج والجزية وهي ~~قليلة الوزائع لأن مقدار الزكاة من المال قليل كما علمت وكذا زكاة الحبوب ~~والماشية وكذا الجزية والخراج وجميع المغارم الشرعية وهي حدود لا تتعدي وإن ~~كانت على سنن التغلب والعصبية فلا بد من البداوة في أولها كما تقدم ~~والبداوة تقتضي المسامحة والمكارمة وخفض الجناح والتجافي عن أموال الناس ~~والغفلة عن تحصيل ذلك إلا في النادر فيقل لذلك مقدار الوظيفة الواحدة ~~والوزيعة التي تجمع الاموال من مجموعها وإذا قلت الوزائع والوظائف على ~~الرعايا نشطوا للعمل ورغبوا فيه فيكثر الاعتمار ويتزايد لحصول الاغتباط ~~بقلة المغرم وإذا كثر الاعتمار كثرت أعداد تلك الوظائف والوزائع فكثرت ~~الجباية التي هي جملتها فإذا استمرت الدولة واتصلت وتعاقب ملوكها واحدا بعد ~~واحد واتصفوا بالكيس وذهب سر البداوة والسذاجة وخلقها من الإغضاء والتجافي ~~وجاء الملك العضوض والحضارة الداعية إلى الكيس وتخلق أهل الدولة حينئذ بخلق ~~التحذلق وتكثرت عوائدهم وحوائجهم بسبب ما انغمسوا فيه من النعيم والترف ~~فيكثرون الوظائف والوزائع حينئذ على الرعايا والأكرة والفلاحين وسائر أهل ~~المغارم ويزيدون في كل وظيفة ووزيعة مقدار عظيما لتكثر لهم الجباية ويضعون ~~المكوس على المبايعات وفي الأبواب كما نذكر بعد ثم تتدرج الزيادات فيها ~~بمقدار بعد مقدار لتدرج عوائد الدولة في الترف وكثرة الحاجات والإنفاق ~~بسببه حتى تثقل المغارم على الرعايا وتهضمهم وتصير عادة مفروضة لأن تلك ~~الزيادة تدرجت قليلا قليلا ولم يشعر أحد بمن زادها على التعيين ولا من هو ~~واضعها إنما ثبت على الرعايا في الاعتمار لذهاب الأمل من نفوسهم بقلة النفع ~~إذا قابل بين نفعه ومغارمه وبين PageV01P279 ثمرته وفائدته فتنقبض كثير من ~~الأيدي عن الاعتمار جملة فتنقص جملة الجباية حينئذ بنقصان تلك الوزائع منها ~~وربما يزيدون في مقدار الوظائف إذا رأوا ذلك النقص في الجباية ويحسبونه ~~جبرا لما نقص حتى تنتهي كل وظيفة ووزيعة إلى غاية ليس وراءها نفع ولا فائدة ~~لكثرة الإنفاق ms295 حينئذ في الاعتمار وكثرة المغارم وعدم وفاء الفائدة المرجوة ~~به فلا تزال الجملة في نقص ومقدار الوزائع والوظائف في زيادة لما يعتقدونه ~~من جبر الجملة بها إلى أن ينتقص العمران بذهاب الآمال من الاعتمار ويعود ~~وبال ذلك على الدولة لأن فائدة الاعتمار عائدة إليها وإذا فهمت ذلك علمت أن ~~أقوى الأسباب في الاعتمار تقليل مقدار الوظائف على المعتمرين ما أمكن فبذلك ~~تنبسط النفوس إليه لثقتها بإدراك المنفعة فيه والله سبحانه وتعالى مالك ~~الأمور كلها وبيده ملكوت كل شيء # الفصل التاسع والثلاثون $ في ضرب المكوس أواخر الدولة # إعلم أن الدولة تكون في أولها بدوية كما قلنا فتكون لذلك قليلة الحاجات ~~لعدم الترف وعوائده فيكون خرجها وإنفاقها قليلا فيكون في الجباية حينئذ ~~وفاء بأزيد منها كثير عن حاجاتهم ثم لا تلبث أن تأخذ بدين الحضارة في الترف ~~وعوائدها وتجري على نهج الدول السابقة قبلها فيكثر لذلك خراج أهل الدولة ~~ويكثر خراج السلطان خصوصا كثرة بالغة بنفقته في خاصته وكثرة عطائه ولا تفي ~~بذلك الجباية فتحتاج الدولة إلى الزيادة في الجباية لما تحتاج إليه الحامية ~~من العطاء والسلطان من النفقة فيزيد في مقدار الوظائف والوزائع أولا كما ~~قلناه ثم يزيد الخراج والحاجات والتدريج في عوائد الترف وفي العطاء للحامية ~~ويدرك الدولة الهرم وتضعف عصابتهما عن جباية الأموال من الاعمال والقاصية ~~فتقل الجباية وتكثر العوائد ويكثر بكثرتها أرزاق الجند وعطاؤهم فيستحدث ~~صاحب الدولة أنواعا من الجباية يضر بها على البياعات ويفرض لها قدرا معلوما ~~على الأثمان في الأسواق وعلى أعيان السلع في أموال المدينة وهو مع هذا مضطر ~~لذلك بما دعاه إليه طرق الناس من كثرة العطاء من زيادة الجيوش والحامية ~~وربما يزيد ذلك في أواخر الدولة زيادة بالغة فتكسد PageV01P280 الاسواق ~~لفساد الآمال ويؤذن ذلك باختلال العمران ويعود على الدولة ولا يزال ذلك ~~يتزايد إلى أن تضمحل وقد كان وقع منه بأمصار المشرق في أخريات الدولة ~~العباسية والعبيدية كثير وفرضت المغارم حتى على الحاج في الموسم وأسقط صلاح ~~الدين أيوب تلك الرسوم جملة وأعاضها ms296 بآثار الخير وكذلك وقع بالأندلس لعهد ~~الطوائف حتى محى رسمه يوسف بن تاشفين أمير المرابطين وكذلك وقع بأمصار ~~الجريد بأفريقية لهذا العهد حين استبد بها رؤساؤها والله تعالى أعلم # | الفصل الاربعون # في ان التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية # إعلم أن الدولة إذا ضاقت جبايتها بما قدمناه من الترف وكثرة العوائد ~~والنفقات وقصر الحاصل من جبايتها على الوفاء بحاجاتها ونفقاتها واحتاجت إلى ~~مزيذ المال والجباية فتارة توضع المكوس على بياعات الرعايا وأسواقهم كما ~~قدمنا ذلك في الفصل قبله وتارة بالزيادة في ألقاب المكوس إن كان قد استحدث ~~من قبل وتارة بمقاسمة العمال والجباة وامتكاك عظامهم لما يرون أنهم قد ~~حصلوا على شيء طائل من أموال الجباية لا يظهره الحسبان وتارة باستحداث ~~التجارة والفلاحة للسلطان على تسمية الجباية لما يرون التجار والفلاحين ~~يحصلون على الفوائد والغلات مع يسارة أموالهم وأن الأرباح تكون على نسبة ~~رؤوس الأموال فيأخذون في اكتساب الحيوان والنبات لاستغلاله في شراء البضائع ~~والتعرض بها لحوالة الأسواق ويحسبون ذلك من إدرار الجباية وتكثير الفوائد ~~وهو غلط عظيم وإدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة فأولا مضايقة ~~الفلاحين والتجار في شراء الحيوان والبضائع وتيسير أسباب ذلك فإن الرعايا ~~متكافئون في اليسار متقاربون ومزاحمة بعضهم بعضا تنتهي إلى غاية موجودهم أو ~~تقرب وإذا رافقهم السلطان في ذلك وماله أعظم كثيرا منهم فلا يكاد أحد منهم ~~يحصل على غرضه في شيء من حاجاته ويدخل على النفوس من ذلك غم وتكد ثم إن ~~السلطان قد ينتزع الكثير من ذلك إذا تعرض له غضا أو بأيسر ثمن أولا يجد من ~~يناقشه في شرائه فيبخس ثمنه على بائعه ثم إذا حصل فوائد الفلاحة ومغلها كله ~~من زرع أو حرير أو عسل أو سكر أو غير ذلك من أنواع PageV01P281 الغلات ~~وحصلت بضائع التجارة من سائر الأنواع فلا ينتظرون به حوالة الأسواق ولا ~~نفاق البياعات لما يدعوهم إليه تكاليف الدولة فيكلفون أهل تلك الأصناف من ~~تاجر أو فلاح بشراء تلك البضائع ولا يرضون في أثمانها إلا ms297 القيم وأزيد ~~فيستوعبون في ذلك ناض أموالهم وتبقى تلك البضائع بأيديهم عروضا جامدة ~~ويمكثون عطلا من الإدارة التي فيها كسبهم ومعاشهم وربما تدعوهم الضرورة إلى ~~شيء من المال فيبيعون تلك السلع على كساد من الأسواق بأبخس ثمن وربما يتكرر ~~ذلك على التاجر والفلاح منهم بما يذهب رأس ماله فيقعد عن سوقه ويتعدد ذلك ~~ويتكرر ويدخل به على الرعايا من العنت والمضايقة وفساد الأرباح مايقبض ~~آمالهم عن السعي في ذلك جملة ويؤدي إلى فساد الجباية فإن معظم الجباية إنما ~~هي من الفلاحين والتجار ولا سيما بعد وضع المكوس ونمو الجباية بها فإذا ~~انقبض الفلاحون عن الفلاحة وقعد التجار عن التجارة وذهبت الجباية جملة أو ~~دخلها النقص المتفاحش وإذا قايس السلطان بين ما يحصل له من الجباية وبين ~~هذه الأرباح القليلة وجدها بالنسبة إلى الجباية أقل من القليل ثم إنه ولو ~~كان مفيدا فيذهب له بحظ عظيم من الجباية فيما يعانيه من شراء أو بيع فإنه ~~من البعيد أن يوجد فيه من المكس ولو كان غيره في تلك الصفقات لكان تكسبها ~~كلها حاصلا من جهة الجباية ثم فيه التعرض لأهل عمرانه واختلال الدولة ~~بفسادهم ونقصهم فإن الرعايا إذا قعدوا عن تثمير أموالهم بالفلاحة والتجارة ~~نقصت وتلاشت بالنفقات وكان فيها تلاف أحوالهم فافهم ذلك وكان الفرس لا ~~يملكون عليهم إلا من أهل بيت المملكة ثم يختارونه من أهل الفضل والدين ~~والأدب والسخاء والشجاعة والكرم ثم يشترطون عليه مع ذلك العدل وأن لا يتخذ ~~صنعة فيضر بجيرانه ولا يتاجر فيحب غلاء الأسعار في البضائع وأن لا يستخدم ~~العبيد فإنهم لا يشيرون بخير ولا مصلحة وأعلم أن السلطان لا ينمي ماله ولا ~~يدر موجوده إلا الجباية وإدرارها إنما يكون بالعدل في أهل الأموال والنظر ~~لهم بذلك فبذلك تنبسط آمالهم وتنشرح صدورهم للأخذ في تثمير الأموال ~~وتنميتها فتعظم منها جباية السلطان وأما غير ذلك من تجارة أو فلح فإنما هو ~~مضرة عاجلة للرعايا وفساد للجباية ونقص للعمارة وقد ينتهي الحال بهؤلاء ~~المنسلخين للتجارة PageV01P282 والفلاحة من الأمراء ms298 والتغلبين في البلدان ~~أنهم يتعرضون لشراء الغلات والسلع من أربابها الواردين على بلدهم ويفرضون ~~لذلك من الثمن ما يشاءون ويبيعونها في وقتها لمن تحت أيديهم من الرعايا بما ~~يفرضون من الثمن وهذه أشد من الأولى وأقرب إلى فساد الرعية واختلال أحوالهم ~~وربما يحمل السلطان على ذلك من يداخله من هذه الأصناف أعني التجار ~~والفلاحين لما هي صناعته التي نشأ عليها فيحمل السلطان على ذلك ويضرب معه ~~بسهم لنفسه ليحصل على غرضه من جمع المال سريعا ولا سيما مع ما يحصل له من ~~التجارة بلا مغرم ولا مكس فإنها أجدر بنمو الأموال وأسرع في تثميره ولا ~~يفهم ما يدخل على السلطان من الضرر بنقص جبايته فينبغي للسلطان أن يحذر من ~~هؤلاء ويعرض عن سعايتهم المضرة بجبايته وسلطانه والله يلهمنا رشد أنفسنا ~~وينفعنا بصالح الأعمال والله تعالى أعلم $ الفصل الواحد والاربعون # $ في ان ثروة السلطان وحاشيته انما تكون في وسط الدولة # والسبب في ذلك أن الجباية في أول الدولة تتوزع على أهل القبيل والعصبية ~~بمقدار غنائهم وعصبيتهم ولأن الحاجة إليهم في تمهيد الدولة كما قلناه من ~~قبل فرئيسهم في ذلك متجاف لهم عما يسمون إليه من الاستبداد عليهم فله عليهم ~~عزة وله إليهم حاجة فلا يطير في سهمانه من الجباية إلا الأقل من حاجته فتجد ~~حاشيته لذلك وأذياله من الوزراء والكتاب والموالي متملقين في الغالب وجاههم ~~متقلص لأنه من جاه مخدومهم ونطاقه قد ضاق بمن يزاحمه فيه من أهل عصبيته ~~فإذا استفحلت طبيعة الملك وحصل لصاحب الدولة الاستبداد على قومه قبض أيديهم ~~عن الجبايات إلا ما يطير لهم بين الناس في سهمانهم وتقل حظوظهم إذ ذاك لقلة ~~غنائهم في الدولة بما انكبح من أعنتهم وصار الموالي والصنائع مساهمين لهم ~~في القيام بالدولة وتمهيد الأمر فينفرد صاحب الدولة حينئذ بالجباية أو ~~معظمها ويحتوي على الأموال ويحتجنها للنفقات في مهمات الأحوال فتكثر ثروته ~~وتمتلئ خزائنه ويتسع نطاق جاهه ويعتز على سائر قومه فيعظم حال حاشيته وذويه ~~من وزير وكاتب وحاجب ومولى وشرطي ويتسع جاههم ms299 ويقتنون الأموال ويتأثلونها ~~ثم إذا أخذت الدولة في PageV01P283 الهرم بتلاشي العصبية وفناء القليل ~~المعاهدين للدولة احتاج صاحب الأمر حينئذ إلى الأعوان والأنصار لكثرة ~~الخوارج والمنازعين والثوار وتوهم الانتقاض فصار خراجه لظهرائه وأعوانه وهم ~~أرباب السيوف وأهل العصبيات وأنفق خزائنه وحاصله في مهمات الدولة وقلت مع ~~ذلك الجباية لما قدمناه من كثرة العطاء والإنفاق فيقل الخراج وتشتد حاجة ~~الدولة إلى المال فيتقلص ظل النعمة والترف عن الخواص والحجاب والكتاب بتقلص ~~الجاه عنهم وضيق نطاقه على صاحب الدولة ثم تشتد حاجة صاحب الدولة إلى المال ~~وتنفق أبناء البطانة والحاشية ما تأثله آباؤهم من الأموال في غير سبيلها من ~~إعانة صاحب الدولة ويقبلون على غير ما كان عليه آباؤهم وسلفهم من المناصحة ~~ويرى صاحب الدولة أنه أحق بتلك الأموال التي اكتسبت في دولة سلفه وبجاههم ~~فيصطلمها وينتزعها منهم لنفسه شيئا فشيئا وواحدا بعد واحد على نسبة رتبهم ~~وتنكر الدولة لهم ويعود وبال ذلك على الدولة بفناء حاشيتها ورجالاتها وأهل ~~الثروة والنعمة من بطانتها ويتقوض بذلك كثير من مباني المجد بعد أن يدعمه ~~أهله ويرفعونه وانظر ما وقع من ذلك لوزراء الدولة العباسية في بني قحطبة ~~وبني برمك وبني سهل وبني طاهر وأمثالهم ثم في الدولة الأموية بالأندلس عند ~~انحلالها أيام الطوائف في بني شهيد وبني أبي عبدة وبني حدير وبني برد ~~وأمثالهم وكذا في الدولة التي أدركناها لعهدنا سنة الله التي قد خلت في ~~عباده # فصل ولما يتوقعه أهل الدولة من أمثال هذه المعاطب صار الكثير منهم ينزعون ~~إلى الفرار عن الرتب والتخلص من ربقة السلطان بما حصل في أيديهم من مال ~~الدولة إلى قطر آخر ويرون أنه أهنأ لهم واسلم في إنفاقه وحصول ثمرته وهو من ~~الأغلاط الفاحشة والأوهام المفسدة لأحوالهم ودنياهم واعلم أن الخلاص من ذلك ~~بعد الحصول فيه عسير ممتنع فإن صاحب هذا الغرض إذا كان هو الملك نفسه فلا ~~تمكنه الرعية من ذلك طرفة عين ولا أهل العصبية المزاحمون له بل في ظهور ذلك ~~منه هدم لملكه وإتلاف لنفسه ms300 بمجاري العادة بذلك لأن ربقة الملك يعسر الخلاص ~~منها ولا سيما عند استفحال الدولة وضيق نطاقها وما يعرض فيها من البعد عن ~~المجد والخلال والتخلق بالشر وأما إذا كان صاحب هذا الغرض من بطانة السلطان ~~PageV01P284 وحاشيته وأهل الرتب في دولته فقل أن يخلى بينه وبين ذلك أما ~~أولا فلما يراه الملوك أن ذويهم وحاشيتهم بل وسائر رعاياهم مماليك لهم ~~مطلعون على ذات صدورهم فلا يسمحون بحل ربقته من الخدمة ضنا بأسرارهم ~~وأحوالهم أن يطلع عليها أحد وغيرة من خدمته لسواهم ولقد كان بنو أمية ~~بالأندلس بمنعون أهل دولتهم من السفر لفريضة الحج لما يتوهمونه من وقوعهم ~~بأيدي بني العباس فلم يحج سائر أيامهم أحد من أهل دولتهم وما أبيح الحج ~~لأهل الدول من الأندلس إلا بعد فراغ شأن الأموية ورجوعها إلى الطوائف وأما ~~ثانيا فلأنهم وإن سمحوا بحل ربقته فلا يسمحون بالتجافي عن ذلك المال لما ~~يرون أنه جزء من مالهم كما يرون أنه جزء من دولتهم إذ لم يكتسب إلا بها وفي ~~ظل جاهها فتحوم نفوسهم على انتزاع ذلك المال والتقامه كما هو جزء من الدولة ~~ينتفعون به ثم إذا توهمنا أنه خلص بذلك المال إلى قطر آخر وهو في النادر ~~الأقل فتمتد إليه أعين الملوك بذلك القطر وينتزعونه بالإرهاب والتخويف ~~تعريضا أو بالقهر ظاهرا لما يرون أنه مال الجباية والدول وأنه مستحق ~~للإنفاق في المصالح وإذا كانت أعينهم تمتد إلى أهل الثروة واليسار ~~المتكسبين من وجوه المعاش فأحرى بها أن تمتد إلى أموال الجباية والدول التي ~~تجد السبيل إليه بالشرع والعادة ولقد حاول السلطان أبو يحيى زكريا بن أحمد ~~اللحياني تاسع أو عاشر ملوك الحفصيين بأفريقه الخروج عن عهدة الملك واللحاق ~~بمصر فرارا من طلب صاحب الثغور الغربية لما استجمع لغزو تونس فاستعمل ~~اللحياني الرحلة إلى ثغر طرابلس يوري بتمهيده وركب السفين من هنالك وخلص ~~إلى الإسكندرية بعد أن حمل جميع ما وجده ببيت المال من الصامت والذخيرة ~~وباع كل ما كان بخزائنهم من المتاع والعقار والجوهر حتى ms301 الكتب واحتمل ذلك ~~كله إلى مصر ونزل على الملك الناصر محمد بن قلاون سنة سبع عشرة من المائة ~~الثامنة فأكرم نزله ورفع مجلسه ولم يزل يستخلص ذخيرته شيئا فشيئا بالتعريض ~~إلى أن حصل عليها ولم يبق معاش ابن اللحياني إلا في جرايته التي فرض له إلى ~~أن هلك سنة ثمان وعشرين حسبما نذكره في أخباره فهذا وأمثاله من جملة ~~الوسواس الذي يعتري أهل الدول لما يتوقعونه من ملوكهم من المعاطب وإنما ~~يخلصون إن اتفق لهم الخلاص بأنفسهم PageV01P285 وما يتوهمونه من الحاجة ~~فغلط ووهم والذي حصل لهم من الشهرة بخدمة الدول كاف في وجدان المعاش لهم ~~بالجرايات السلطانية أو بالجاه في انتحال طرق الكسب من التجارة والفلاحة ~~والدول أنساب لكن % النفس راغبة إذا رغبتها % وإذا ترد إلى قليل تقنع % # | والله سبحانه هو الرزاق وهو الموفق بمنه وفضله والله أعلم # الفصل الثاني والاربعون $ في ان نقص العطاء من السلطان نقص في الجباية # والسبب في ذلك أن الدولة والسلطان هي السوق الأعظم للعالم ومنه مادة ~~العمران فإذا احتجن السلطان الأموال أو الجبايات أو فقدت فلم تصرفها في ~~مصارفها قل حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية وانقطع أيضا ما كان يصل منهم ~~لحاشيتهم وذويهم وقلت نفقاتهم جملة وهم معظم السواد ونفقاتهم أكثر مادة ~~للأسواق ممن سواهم فيقع الكساد حينئذ في الأسواق وتضعف الأرباح في المتاجر ~~فيقل الخراج لذلك لأن الخراج والجباية إنما تكون من الاعتمار والمعاملات ~~ونفاق الأسواق وطلب الناس للفوائد والأرباح ووبال ذلك عائد على الدولة ~~بالنقص لقلة أموال السلطان حينئذ بقلة الخراج فإن الدولة بالنقص لقلة أموال ~~السلطان حينئذ بقلة الخراج فإن الدولة كما قلناه هي السوق الأعظم أم ~~الأسواق كلها وأصلها ومادتها في الدخل والخرج فإن كسدت وقلت مصارفها فأجدر ~~بما بعدها من الأسواق أن يلحقها مثل ذلك وأشد منه وأيضا فالمال إنما هو ~~متردد بين الرعية والسلطان منهم إليه ومنه إليهم فإذا حبسه السلطان عنده ~~فقدته الرعية سنة الله في عباده # | الفصل الثالث والاربعون # في ان الظلم مؤذن بخراب العمران # إعلم ms302 أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها ~~لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم وإذا ذهبت آمالهم ~~في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك وعلى قدر الاعتداء ~~ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب فإذا كان الاعتداء كثيرا ~~عاما في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه بالآمال جملة ~~بدخوله PageV01P286 من جميع أبوابها وإن كان الاعتداء يسيرا كان الانقباض ~~عن الكسب على نسبته والمعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال وسعي ~~الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت ~~أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران وانتقضت الأحوال وابذعر الناس في ~~الآفاق من غير تلك الإيالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها فخف ساكن القطر ~~وخلت دياره وخرجت أمصاره واختل باختلاله حال الدولة والسلطان لما أنها صورة ~~للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة وانظر في ذلك ما حكاه المسعودي في أخبار ~~الفرس عن الموبذان صاحب الدين عندهم أيام بهرام بن بهرام وما عرض به للملك ~~في إنكار ما كان عليه من الظلم والغفلة عن عائدته على الدولة بضرب المثال ~~في ذلك على لسان البوم حين سمع الملك أصواتها وسأله عن فهم كلامها فقال له ~~إن بوما ذكرا يروم نكاح بوم أنثى وإنها شرطت عليه عشرين قرية من الخراب في ~~أيام بهرام فقبل شرطها وقال لها إن دامت أيام الملك أقطعتك ألف قرية وهذا ~~أسهل مرام فتنبه الملك من غفلته وخلا بالموبذان وسأله عن مراده فقال له ~~أيها الملك إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف ~~تحت أمره ونهيه ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال ولا ~~قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة ~~إلا بالعدل والعدل الميزان المنصوب بين الخليفة نصبه الرب وجعل له قيما وهو ~~الملك وأنت أيها الملك عمدت إلى الضياع فانتزعتها من أربابها وعمارها وهم ~~أرباب الخراج ومن تؤخذ ms303 منهم الأموال وأقطعتها الحاشية والخدم وأهل البطالة ~~فتركوا العمارة والنظر في العواقب وما يصلح الضياع وسومحوا في الخراج ~~لقربهم من الملك ووقع الحيف على من بقي من أرباب الخراج وعمار الضياع ~~فانجلوا عن ضياعهم وخلو ديارهم وأووا إلى ما تعذر من الضياع فسكنوها فقلت ~~العمارة وخربت الضياع وقلت الأموال وهلكت الجنود والرعية وطمع في ملك فارس ~~من جاورهم من الملوك لعلمهم بانقطاع المواد التي لا تستقيم دعائم الملك إلا ~~بها فلما سمع الملك ذلك أقبل على النظر في ملكه وانتزعت الضياع من أيدي ~~الخاصة وردت على أربابها وحملوا على رسومهم السالفة وأخذوا في العمارة وقوي ~~PageV01P287 من ضعف منهم فعمرت الأرض وأخصبت البلاد وكثرت الأموال عند جباة ~~الخراج وقويت الجنود وقطعت مواد الأعداء وشحنت الثغور وأقبل الملك على ~~مباشرة أموره بنفسه فحسنت أيامه وانتظم ملكه فتفهم من هذه الحكاية أن الظلم ~~مخرب للعمران وأن عائدة الخراب في العمران على الدولة بالفساد والانتقاض ~~ولا تنظر في ذلك إلى أن الاعتداء قد يوجد بالأمصار العظيمة من الدول التي ~~بها ولم يقع فيها خراب واعلم أن ذلك إنما جاء من قبل المناسبة بين الاعتداء ~~وأحوال أهل المصر فلما كان المصر كبيرا وعمرانه كثيرا وأحواله متسعة بمالا ~~ينحصر كان وقوع النقص فيه بالاعتداء والظلم يسيرا لأن النقص إنما يقع ~~بالتدريج فإذا خفي بكثرة الأحوال واتساع الأعمال في المصر لم يظهر أثره إلا ~~بعد حين وقد تذهب تلك الدولة المعتدية من أصلها قبل خراب المصر وتجيء ~~الدولة الأخرى فترقعه بجدتها وتجبر النقص الذي كان خفيا فيه فلا يكاد يشعر ~~به إلا أن ذلك في الأقل النادر والمراد من هذا أن حصول النقص في العمران عن ~~الظلم والعدوان أمر واقع لا بد منه لما قدمناه ووباله عائد على الدول ولا ~~تحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب ~~كما هو المشهور بل الظلم أعم من ذلك وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو ~~طالبه بغير حق ms304 أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه فجباة الأموال بغير ~~حقها ظلمة والمعتدون عليها ظلمة والمنتهبون لها ظلمة والمانعون لحقوق الناس ~~ظلمة وخصاب الأملاك على العموم ظلمة ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب ~~العمران الذى هو مادتها لإذهابه الآمال من أهله واعلم أن هذه هي الحكمة ~~المقصودة للشارع في تحريم الظلم وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه ~~وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري وهي الحكمة العامة المراعية للشرع في جميع ~~مقاصده الضرورية الخمسة من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال فلما كان ~~الظلم كما رأيت مؤذنا بانقطاع النوع لما أدى إليه من تخريب العمران كانت ~~حكمة الخطر فيه موجوده فكان تحريمه مهما واحالته من القرآن والسنة كثيرة ~~أكثر من أن يأخذها قانون الضبط والحصر ولو كان كل واحد قادرا على الظلم ~~لوضع بإزائه من العقوبات الزاجرة ما وضع بإزاء غيره من المفسدات للنوع التي ~~يقدر كل أحد على PageV01P288 اقترافها من الزنا والقتل والسكر إلا أن الظلم ~~لا يقدر عليه إلا من يقدر عليه لأنه إنما يقع من أهل القدرة والسلطان فبولغ ~~في ذمة وتكرير الوعيد فيه عسى أن يكون الوازع فيه للقادر عليه في نفسه @QB@ ~~وما ربك بظلام للعبيد @QE@ ولا تقولن إن العقوبة قد وضعت بإزاء الحرابة في ~~الشرع وهي من ظلم القادر لأن المحارب زمن حرابته قادر فإن في الجواب عن ذلك ~~طريقين أحدهما أن تقول العقوبة على ما يقترفه من الجنايات في نفس أموال على ~~ما ذهب إليه كثير وذلك إنما يكون بعد القدرة عليه والمطالبة بجنايته وأما ~~نفس الحرابة فهي خلو من العقوبة ألطريق الثاني أن تقول المحارب لا يوصف ~~بالقدرة لأنا إنما نعني بقدرة الظالم اليد المبسوطة التي لا تعارضها قدرة ~~فهي المؤذنة بالخراب وأما قدرة المحارب فإنما هي إخافة يجعلها ذريعة لأخذ ~~الأموال والمدافعة عنها بيد الكل موجودة شرعا وسياسة فليست من القدر المؤذن ~~بالخراب والله قادر على ما يشاء ومن أشد الظلامات وأعظمها في إفساد العمران ~~تكليف الأعمال وتسخير الرعايا ms305 بغير حق وذلك أن الأعمال من قبيل المتمولات ~~كما سنبين في باب الرزق لأن الرزق والكسب إنما هو قيم أعمال أهل العمران ~~فإذا مساعيهم وأعمالهم كلها متمولات ومكاسب لهم بل لا مكاسب لهم سواها فإن ~~الرعية المعتملين في العمارة إنما معاشهم ومكاسبهم من اعتمالهم ذلك فإذا ~~كلفوا العمل في غير شأنهم واتخذوا سخريا في معاشهم بطل كسبهم واغتصبوا قيمة ~~عملهم ذلك وهو متمولهم فدخل عليهم الضرر وذهب لهم حظ كبير من معاشهم بل هو ~~معاشهم بالجملة وإن تكرر ذلك عليهم أفسد آمالهم في العمارة وقعدوا عن السعي ~~فيها جملة فأدى ذلك إلى انتقاض العمران وتخريبه والله سبحانه وتعالى أعلم ~~وبه التوفيق وأعظم من ذلك في الظلم وإفساد العمران والدولة التسلط على ~~أموال الناس بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان ثم فرض البضائع عليهم بأرفع ~~الأثمان على وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع وربما تفرض عليهم تلك ~~الأثمان على النواحي والتعجيل فيتعللون في تلك الخسارة التي تلحقهم بما ~~تحدثهم المطامع من جبر ذلك بحوالة الأسواق في تلك البضائع التي فرضت عليهم ~~بالغلاء إلى بيعها بأبخس الأثمان وتعود خسارة ما بين الصفقتين على رؤوس ~~أموالهم وقد يعم ذلك أصناف PageV01P289 التجار المقيمين بالمدينة والواردين ~~من الآفاق في البضائع وسائر السوقة وأهل الدكاكين في المآكل والفواكه وأهل ~~الصنائع فيما يتخذ من الآلات والمواعين فتشمل الخسارة سائر الأصناف ~~والطبقات وتتوالى على الساعات وتجحف برؤوس الأموال ولا يجدون عنها وليجة ~~إلا القعود عن الأسواق لذهاب رؤوس الأموال في جبرها بالأرباح ويتثاقل ~~الواردون من الآفاق لشراء البضائع وبيعها من أجل ذلك فتكسد الأسواق ويبطل ~~معاش الرعايا لأن عامته من البيع والشراء وإذا كانت الاسواق عطلا منها بطل ~~معاشهم وتنقص جباية السلطان أو تفسد لأن معظمها من أوسط الدولة وما بعدها ~~إنما هو من المكوس على البياعات كما قدمناه ويؤول ذلك إلى تلاشي الدولة ~~وفساد وعمران المدينة ويتطرق هذا الخلل على التدريج ولا يشعر به هذا ما كان ~~بأمثال هذه الذرائع والأسباب إلى أخذ الأموال وأما أخذها مجانا ms306 والعدوان ~~على الناس في أموالهم وحرمهم ودمائهم وأسرارهم وأعراضهم فهو يفضي إلى الخلل ~~والفساد دفعة وتنتقض الدولة سريعا بما ينشأ عنه من الهرج المفضي إلى ~~الانتقاض ومن أجل هذه المفاسد حظر الشرع ذلك كله وشرع المكايسة في البيع ~~والشراء وحظر أكل أموال الناس بالباطل سدا لأبواب المفاسد المفضية إلى ~~انتقاض العمران بالهرج أو بطلان المعاش واعلم أن الداعي لذلك كله إنما هو ~~حاجة الدولة والسلطان إلى الإكثار من المال بما يعرض لهم من الترف في ~~الأحوال فتكثر نفقاتهم ويعظم الخرج ولا يفي به الدخل على القوانين المعتادة ~~يستحدثون ألقابا ووجوها يوسعون بها الجباية ليفي لهم الدخل بالخرج ثم لا ~~يزال الترف يزيد والخرج بسببه يكثر والحاجة إلى أموال الناس تشتد ونطاق ~~الدولة بذلك يزيد إلى أن تمحي دائرتها ويذهب برسمها ويغلبها طالبها والله ~~أعلم $ الفصل الرابع والاربعون & في ان الحجاب كيف يقع في الدول وفي انه ~~يعظم عند الهرم # إعلم أن الدولة في أول أمرها تكون بعيدة عن منازع الملك كما قدمناه لأنه ~~لا بد لها من العصبية التي بها يتم أمرها ويحصل استيلاؤها والبداوة هي شعار ~~العصبية والدولة إن كان قيامها بالدين فإنه بعيد عن منازع الملك وإن كان ~~قيامها PageV01P290 بعز الغلب فقط فالبداوة التي بها يحصل الغلب بعيدة أيضا ~~عن منازع الملك ومذاهبه وإذا كانت الدولة في أول أمرها بدوية كان صاحبها ~~على حال الغضاضة والبداوة والقرب من الناس وسهولة الإذن فإذا رسخ عزه وصار ~~إلى الانفراد بنفسه عن الناس للحديث مع أوليائه في خواص شؤونه لما يكثر ~~حينئذ بحاشيته فيطلب الانفراد من العامة ما استطاع ويتخذ الإذن ببابه على ~~من لا يأمنه من أوليائه وأهل دولته ويتخذ حاجبا له عن الناس يقيمه ببابه ~~لهذه الوظيفة ثم إذا استفحل الملك وجاءت مذاهبه ومنازعه استحالت أخلاق صاحب ~~الدولة إلى أخلاق الملك وهي أخلاق غريبة مخصوصة يحتاج مباشرها إلى مداراتها ~~ومعاملتها بما يجب لها وربما جهل تلك الأخلاق منهم بعض من يباشرهم فوقع ~~فيما لا يرضيهم فسخطوا وصاروا إلى احالة ms307 الانتقام منه فانفرد بمعرفة هذه ~~الآداب الخواص من أوليائهم وحجبوا غير أولئك الخاصة عن لقائهم في كل وقت ~~حفظا على أنفسهم من معاينة ما يسخطهم على الناس من التعرض لعقابهم فصار لهم ~~حجاب آخر أخص من الحجاب الأول يفضي إليهم منه خواصهم من الأولياء ويحجب ~~دونه من سواهم من العامة والحجاب الثاني يفضي إلى مجالس أول الدولة كما ~~ذكرنا كما حدث لأيام معاوية وعبد الملك وخلفاء بني أمية وكان القائم على ~~ذلك الحجاب يسمى عندهم الحاجب جريا على مذهب الاشتقاق الصحيح ثم لما جاءت ~~دولة بني العباس وجدت الدولة من الترف والعز ما هو معروف وكملت خلق الملك ~~على ما يجب فيها فدعا ذلك إلى الحجاب الثاني وصار اسم الحاجب أخص به وصار ~~بباب الخلفاء داران للعباسية دار الخاصة ودار العامة كما هو مسطور في ~~أخبارهم ثم حدث في الدول حجاب ثالث أخص من الأولين وهو عند محاولة الحجر ~~على صاحب الدولة وذلك أن أهل الدولة وخواص الملك إذا نصبوا الأبناء من ~~الأعقاب وحاولوا الاستبداد عليهم فأول ما يبدأ به ذلك المستبد أن يحجب عنه ~~بطانة ابنه وخواص اوليائه يوهمه أن في مباشرتهم إياه خرق حجاب الهيبة وفساد ~~قانون الأدب ليقطع بذلك لقاء الغير ويعوده ملابسة أخلاقه هو حتى لا يتبدل ~~به سواه إلى أن يستحكم الاستيلاء عليه فيكون هذا الحجاب من دواعيه وهذا ~~الحجاب لا يقع في PageV01P291 الغالب إلا أواخر الدولة كما قدمناه في الحجر ~~ويكون دليلا على هرم الدولة ونفاد قوتها وهو مما يخشاه أهل الدول على ~~أنفسهم لأن القائمين بالدولة يحاولون على ذلك بطباعهم عند هرم الدولة وذهاب ~~الاستبداد من أعقاب ملوكهم لما ركب في النفوس من محبة الاستبداد بالملك ~~وخصوصا مع الترشيح لذلك وحصول دواعيه ومباديه # | الفصل الخامس والاربعون # في انقسام الدولة الواحدة بدولتين # إعلم أن أول ما يقع من آثار الهرم في الدولة انقسامها وذلك أن الملك ~~عندما تستفحل ويبلغ من أحوال الترف والنعيم إلى غايتها ويستبد صاحب الدولة ~~بالمجد وينفرد به ويأنف حينئذ عن ms308 المشاركة ويصبر إلى قطع أسبابها ما استطاع ~~بإهلاك من استراب به من ذوي قرابته المرشحين لمنصبه فربما ارتاب المساهمون ~~له في ذلك بأنفسهم ونزعوا إلى القاصية إليهم من يلحق بهم مثل حالهم من ~~الاغترار والاسترابة ويكون نطاق الدولة قد أخذ في التضايق ورجع عن القاصية ~~فيستبد ذلك النازع من القرابة القرابة فيها ولا يزال أمره يعظم بتراجع نطاق ~~الدولة حتى يقاسم الدولة أو يكاد وانظر ذلك في الدولة الإسلامية العربية ~~حين كان أمرها حريزا مجتمعا ونطاقا ممتدا في الاتساع وعصبية بني عبد مناف ~~واحدة غالبة على سائر مضر فلم ينبض عرق من الخلافة سائر أيامه إلا ما كان ~~من بدعة الخوارج المستميتين في شأن بدعتهم لم يكن ذلك لنزعة ملك ولا رئاسة ~~ولم يتم أمرهم لمزاحمتهم العصبية القوية ثم لما خرج الأمر من بني أمية ~~واستقل بنو العباس بالأمر وكانت الدولة العربية قد بلغت الغاية من الغلب ~~والترف وآذنت بالتقلص عن القاصية نزع عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس قاصية ~~دولة الإسلام فاستحدث بها ملكا واقثطعها عن دولتهم وصير الدولة دولتين ثم ~~نزع أدريس إلى المغرب وخرج به وقام بأمره وأمر ابنه من بعده البرابرة من ~~أوربة ومغيلة وزناتة واستولى على ناحية المغربين ثم ازدادت الدولة تقلصا ~~فاضطرب الأغالبة في الامتناع عليهم ثم خرج الشيعة وقام بأمرهم كتامة ~~وصنهاجة واستولوا على افريقية والمغرب ثم مصر والشام والحجاز وغلبوا على ~~الأدارسة وقسموا الدولة دولتين أخريين وصارت الدولة العربية ثلاث دول دولة ~~بني العباس PageV01P292 مركز العرب وأصلهم ومادتهم الإسلام ودولة بني أمية ~~المجددين بالأندلس ملكهم القديم وخلافتهم بالمشرق ودولة العبيديين بأفريقية ~~ومصر والشام والحجاز ولم تزل هذه الدولة إلى أن أصبح انقراضها متقاربا أو ~~جميعا وكذلك انقسمت دولة بني العباس بدول أخرى وكان بالقاصية بنو ساسان ~~فيما وراء النهر وخراسان والعلوية في الديلم وطبرستان وآل ذلك إلى استيلاء ~~الديلم على العراقين وعلى بغداد والخلفاء ثم جاء السلجوقية فملكوا جميع ذلك ~~ثم انقسمت دولتهم أيضا بعد الاستفحال كما هو معروف في أخبارهم وكذلك اعتبره ms309 ~~في دولة صنهاجة بالمغرب وأفريقية لما بلغت إلى غايتها أيام باديس بن ~~المنصور خرج عليه عمه حماد واقتطع ممالك العرب لنفسه ما بين جبل أوراس إلى ~~تلمسان وملوية واختط القلعة بجبل كتامة حيال المسيلة ونزلها واستولى على ~~مركزهم أشير تيطرى واستحدث ملكا آخر قسيما لملك آل باديس وبقي آل باديس ~~بالقيروان وما إليها ولم يزل ذلك إلى أن انقرض أمرهما جميعا وكذلك دولة ~~الموحدين لما تقلص ظلها ثار بأفريقية بنو أبي حفص فاستقلوا بها واستحدثوا ~~ملكا لأعقابهم بنواحيها ثم لما استفحل أمرهم واستولى على الغاية خرج على ~~الممالك الغربية من أعقابهم الأمير أبو زكرياء يحيى ابن السلطان أبي إسحاق ~~إبراهيم رابع خلفائهم واستحدث ملكا بجباية وقسنطينة وما إليها أورثة بنيه ~~وقسموا به الدولة قسمين ثم استولوا على كرسي الحضرة بتونس ثم انقسم الملك ~~ما بين أعقابهم ثم عاد الاستيلاء فيهم وقد ينتهي الانقسام إلى اكثر من ~~دولتين وثلاث وفي غير أعياص الملك من قومه كما وقع في ملوك الطوائف ~~بالأندلس وملوك العجم بالمشرق وفي ملك صنهاجة بأفريقية فقد كان لآخر دولتهم ~~في كل حصن من حصون أفريقية ثائر مستقل بأمره كما تقدم ذكره وكذا حال الجريد ~~والزاب من أفريقية قبيل هذا العهد كما نذكره وهكذا شان كل دولة لا بد وأن ~~يعرض فيها عوارض الهرم بالترف والدعة وتقلص ظل الغلب فينقسم أعياصها أو من ~~يغلب من رجال دولتها الأمر ويتعدد فيها الدول والله وارث الأرض ومن عليها $ ~~الفصل السادس والاربعون # $ في ان الهرم اذا نزل بالدولة لا يرتفع # قد قدمنا ذكر العوارض المؤذنة بالهرم وأسبابه واحدا بعد واحد وبينا أنها ~~PageV01P293 تحدث للدولة بالطبع وأنها كلها أمور طبيعية لها وإذا كان الهرم ~~طبيعيا في الدولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية كما يحدث الهرم في ~~المزاج الحيواني والهرم من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ~~ارتفاعها لما أنه طبيعي والأمور الطبيعية لا تتبدل وقد بتنبه كثير من أهل ~~الدول ممن له يقظة في السياسة فيرى ما نزل بدولتهم من عوارض ms310 الهرم ويظن أنه ~~ممكن الارتفاع فيأخذ نفسه بتلافي الدولة وإصلاح مزاجها عن ذلك الهرم ويحسبه ~~أنه لحقها بتقصير من قبله من أهل الدولة وغفلتهم وليس كذلك فإنها أمور ~~طبيعية للدولة والعوائد هي المانعة له من تلافيها والعوائد منزلة طبيعية ~~أخرى فإن من أدرك مثلا أباه وأكثر أهل بيته يلبسون الحرير والديباج ويتحلون ~~بالذهب في السلاح والمراكب ويحتجبون عن الناس في المجالس والصلوات فلا ~~يمكنه مخالفة سلفه في ذلك إلى الخشونة في اللباس والزي والاختلاط بالناس إذ ~~العوائد حينئذ تمنعه وتقبح عليه مرتكبه ولو فعله لرمي بالجنون والوسواس في ~~الخروج عن العوائد دفعة وخشي عليه عائدة ذلك وعاقبته في سلطانه وانظر شأن ~~الأنبياء في إنكار العوائد ومخالفتها لولا التاييد الإلهي والنصر السماوي ~~وربما تكون العصبية قد ذهبت فتكون الأبهة تعوض عن موقعها من النفوس فإذا ~~ازيلت تلك الأبهة مع ضعف العصبية تجاسرت الرعايا على الدولة بذهاب أوهام ~~الأبهة فتتدرع الدولة بتلك الأبهة ما أمكنها حتى ينقضي الأمر وربما يحدث ~~عند آخر الدولة قوة توهم أن الهرم قد ارتفع عنها ويومض ذبالها إيماضة ~~الخمود كما يقع في الذبال المشتعل فإنه عند مقاربة انطفائه يومض إيماضة ~~توهم أنها اشتعال وهي انطفاء فاعتبر ذلك ولا تغفل سر الله تعالى وحكمته في ~~اطراد وجوده على ما قدر فيه ولكل أجل كتاب # | الفصل السابع والاربعون # في كيفية طروق الخلل للدولة # إعلم أن مبنى الملك على أساسين لا بد منهما فالأول الشوكة والعصبية وهو ~~المعبر عنه بالجند والثاني المال الذي هو قوام أولئك الجند وإقامة ما يحتاج ~~إليه الملك من الأحوال والخلل إذا طرق الدولة طرقها في هذين الأساسين ~~فلنذكر أولا طروق PageV01P294 الخلل في الشوكة والعصبية ثم نرجع إلى طروقه ~~في المال والجباية واعلم أن تمهيد الدولة وتأسيسها كما قلناه إنما يكون ~~بالعصبية وأنه لا بد من عصبية كبرى جامعة للعصائب مستتبعة لها وهي عصبية ~~صاحب الدولة الخاصة من عشيرة وقبيلة فإذا جاءت الدولة طبيعة الملك من الترف ~~وجدع أنوف أهل العصبية كان أول ما يجدع أنوف ms311 عشيرته وذوي قرباه المقاسمين ~~له في اسم الملك فيستبد في جدع أنوفهم بما بلغ من سوادهم لمكانهم من الملك ~~والعز والغلب فيحيط بهم هادمان وهما الترف والقهر ثم يصير القهر آخرا إلى ~~القتل لما يحصل من مرض قلوبهم عند رسوخ الملك لصاحب الأمر فيقلب غيرته منهم ~~إلى الخوف على ملكه فيأخذهم بالقتل والإهانة وسلب النعمة والترف الذي ~~تعودوا الكثير منه فيهلكون ويقلون وتفسد عصبية صاحب الدولة منهم وهي ~~العصبية الكبرى التي كانت تجمع بها العصائب وتستتبعها فتنحل عروتها وتضعف ~~شكيمتها وتستبدل عنها بالبطانة من موالي النعمة وصنائع الإحسان وتتخذ منهم ~~عصبية إلا أنها ليست مثل تلك الشدة الشكيمية لفقدان الرحم والقرابة منها ~~وقد كنا قدمنا أن شأن العصبية وقوتها إنما هي بالقرابة والرحم لما جعل الله ~~في ذلك فينفرد صاحب الدولة عن العشير والأنصار الطبيعية ويحس بذلك أهل ~~العصائب الأخرى فيتجاسرون عليه وعلى بطانته تجاسرا طبيعيا فيهلكهم صاحب ~~الدولة ويتبعهم بالقتل واحدا بعد واحد ويقلد الآخر من أهل الدولة في ذلك ~~الأول مع ما يكون قد نزل بهم من مهلكه الترف الذي قدمنا فيستولي عليهم ~~الهلاك بالترف والقتل حتى يخرجوا عن صبغة تلك العصبية ويفشوا بعزتها ~~وثورتها ويصيروا أوجز على الحماية ويقلون لذلك فتقل الحماية التي تنزل ~~بالأطراف والثغور فتتجاسر الرعايا على بعض الدعوة في الأطراف ويبادر ~~الخوارج على الدولة من الأعياص وغيرهم إلى تلك الأطراف لما يرجون حينئذ من ~~حصول غرضهم بمبايعة أهل القاصية لهم وأمنهم من وصول الحامية إليهم ولا يزال ~~ذلك يتدرج ونطاق الدولة يتضايق حتى تصير الخوارج في أقرب الأماكن إلى مركز ~~الدولة وربما انقسمت الدولة عند ذلك بدولتين أو ثلاث على قدر قوتها في ~~الأصل كما قلناه ويقوم بأمرها غير أهل عصبيتها لكن إذعانا لأهل عصبيتها ~~ولغلبهم المعهود واعتبر هذا في دولة العرب في PageV01P295 الإسلام كيف ~~انتهت أولا إلى الأندلس والهند والصين وكان أمر بني أمية نافذا في جميع ~~العرب بعصبية بني عبد مناف حتى لقد أمر سليمان بن عبد الملك بدمشق بقتل عبد ~~العزيز ms312 بن موسى بن نصير بقرطبة فقتل ولم يرد أمره ثم تلاشت عصبية بني أمية ~~بما أصابهم من الترف فانقرضوا وجاء بنو العباس فغضوا من أعنه بني هاشم ~~وقتلوا الطالبيين وشردوهم فانحلت عصبية عبد مناف وتلاشت وتجاسر العرب عليهم ~~فاستبد عليهم أهل القاصية مثل بني الأغلب بأفريقية وأهل الأندلس وغيرهم ~~وانقسمت الدولة ثم خرج بنو أدريس بالمغرب وقام البربر بأمرهم إذعانا ~~للعصبية التي لهم وأمنا أن تصلهم مقاتلة أو حامية للدولة فإذا خرج الدعاة ~~آخرا فيتغلبون على الأطراف والقاصية وتحصل لهم هناك دعوة وملك تنقسم به ~~الدولة وربما يزيد ذلك متى زادت الدولة تقلصا إلى أن ينتهي إلى المركز ~~وتضعف البطانة بعد ذلك بما أخذ منها الترف فتهلك وتضمحل وتضعف الدولة ~~المنقسمة كلها وربما طال أمدها بعد ذلك فتستغني عن العصبية بما حصل لها من ~~الصبغة في نفوس أهل إيالتها وهي صبغة الانقياد والتسليم منذ السنين الطويلة ~~التي لا يعقل أحد من الأجيال مبدأها ولا أوليتها فلا يعقلون إلا التسليم ~~لصاحب الدولة فيستغني بذلك عن قوة العصائب ويكفي صاحبها بما حصل لها في ~~تمهيد أمرها الإجراء على الحامية من جندي ومرتزق ويعضد ذلك ما وقع في ~~النفوس عامة من التسليم فلا يكاد أحد يتصور عصيانا أو خروجا إلا والجمهور ~~منكرون عليه مخالفون له فلا يقدر على التصدي لذلك ولو جهد جهده وربما كانت ~~الدولة في هذا المجال أسلم من الخوارج والمنازعة لاستحكام صبغة التسليم ~~والانقياد لهم فلا تكاد النفوس تحدث سرها بمخالفة ولا يختلج في ضميرها ~~انحراف عن الطاعة فيكون أسلم من الهرج والانتقاض الذي يحدث من العصائب ~~والعشائر ثم لا يزال أمر الدولة كذلك وهي تتلاشى في ذاتها شأن الحرارة ~~الغريزية في البدن العادم للغذاء إلى أن تنتهي إلى وقتها المقدور ولكل أجل ~~كتاب ولكل دولة أمد والله يقدر الليل والنهار وهو الواحد القهار وأما الخلل ~~الذي يتطرق من جهة المال فاعلم ان الدولة في أولها تكون بدوية كما مر فيكون ~~خلق الرفق بالرعايا والقصد في النفقات والتعفف عن الأموال ms313 فتتجافى عن ~~الإمعان في الجباية والتحذلق PageV01P296 والكيس في جمع الأموال وحسبان ~~العمال ولا داعية حينئذ إلى الإسراف في النفقة فلا تحتاج الدولة إلى كثرة ~~المال ثم يحصل الاستيلاء ويعظم ويستفحل الملك فيدعو إلى الترف ويكثر ~~الإنفاق بسببه فتعظم نفقات السلطان وأهل الدولة على العموم بل يتعدى ذلك ~~إلى أهل المصر ويدعو ذلك إلى الزيادة في أعطيات الجند وأرزاق أهل الدولة ثم ~~يعظم الترف فيكثر الإسراف في النفقات وينتشر ذلك في الرعية لأن الناس على ~~دين ملوكها وعوائدها ويحتاج السلطان إلى ضرب المكوس على أثمان البياعات في ~~الأسواق لإدرار الجباية لما يراه من ترف المدينة الشاهد عليهم بالرفه ولما ~~يحتاج هو إليه من نفقات سلطانه وأرزاق جنده ثم تزيد عوائد الترف فلا تفي ~~بها المكوس وتكون الدولة قد استفحلت في الاستطالة والقهر لمن تحت يدها من ~~الرعايا فتمتد أيديهم إلى جمع أموال الرعايا من مكس أو تجارة أو نقد في بعض ~~الأحوال بشبهة أو بغير شبهة ويكون الجند في ذلك الطور قد تجاسر على الدولة ~~بما لحقها من الفشل والهرم في العصبية فتتوقع ذلك منهم وتداوى بسكينة ~~العطايا وكثرة الإنفاق فيهم ولا تجد عن ذلك وليجة وتكون جباة الأموال في ~~الدولة قد عظمت ثروتهم في هذا الطور بكثرة الجباية وكونها بأيديهم وبما ~~اتسع لذلك من جاههم فيتوجه إليهم باحتجان الأموال من الجباية وتفشو السعاية ~~فيهم بعضهم من بعض للمنافسة والحقد فتعمهم النكبات والمصادرات واحدا واحدا ~~إلى أن تذهب ثروتهم وتتلاشى أحوالهم ويفقد ما كان للدولة من الأبهة والجمال ~~بهم وإذا اصطلمت نعمتهم تجاوزتهم الدولة إلى أهل الثروة من الرعايا سواهم ~~ويكون الوهن في هذا الطور قد لحق الشوكة وضعفت عن الاستطالة والقهر فتنصرف ~~سياسة صاحب الدولة حينئذ إلى مداراة الأمور ببذل المال ويراه أرفع من السيف ~~لقلة غنائه فتعظم حاجته إلى الأموال زيادة على النفقات وأرزاق الجند ولا ~~يغنى فيما يريد ويعظم الهرم بالدولة ويتجاسر عليها أهل النواحي والدولة ~~تنحل عراها في كل طور من هذه إلى أن تفضي إلى الهلاك ms314 وتتعوض من الاستيلاء ~~الكلل فإن قصدها طالب انتزعها من ايدي القائمين بها وإلا بقيت وهي تتلاشى ~~إلى أن تضمحل كالذبال في السراج إذا أنني زيته وطفئ والله مالك الأمور ~~ومدبر الأكوان لا إله إلا هو PageV01P297 $ الفصل الثامن والاربعون # $ في حدوث الدولة وتجددها كيف يقع # إعلم أن نشأة الدول وبدائتها إذا أخذت الدولة المستقرة في الهرم ~~والانتقاص تكون على نوعين إما بأن يستبد ولاة الأعمال في الدولة بالقاصية ~~عندما يتقلص ظلها عنهم فيكون لكل واحد منهم دولة يستجدها لقومه وما يستقر ~~في نصابه يرثه عنه أبناؤه أو مواليه ويستفحل لهم الملك بالتدريج وربما ~~يزدحمون على ذلك الملك ويتقارعون عليه ويتنازعون في الاستئثار به ويغلب ~~منهم من يكون له فضل قوة على صاحبه وينتزع ما في يده كما وقع في دولة بني ~~العباس حين أخذت دولتهم في الهرم وتقلص ظلها عن القاصية واستبد بنو ساسان ~~بما وراء النهر وبنو حمدان بالموصل والشام وبنو طولون بمصر وكما وقع ~~بالدولة الأموية بالأندلس وافترق ملكها في الطوائف الذين كانوا ولاتها في ~~الأعمال وانقسمت دولا وملوكا أورثوها من بعدهم من قرابتهم أو مواليهم وهذا ~~النوع لا يكون بينهم وبين الدولة المستقرة حربا لأنهم مستقرون في رئاستهم ~~ولا يطمعون في الاستيلاء على الدولة المستقرة بحرب وإنما الدولة أدركها ~~الهرم وتقلص ظلها عن القاصية وعجزت عن الوصول إليها والنوع الثاني بأن يخرج ~~على الدولة خارج ممن يجاورها من الأمم والقبائل إما بدعوة يحمل الناس عليها ~~كما أشرنا إليه أو يكون صاحب شوكة وعصبية كبيرا في قومه قد استفحل أمره ~~فيسمو بهم إلى الملك وقد حدثوا به أنفسهم بما حصل لهم من الاعتزاز على ~~الدولة المستقرة وما نزل بها من الهرم فيتعين له ولقومه الاستيلاء عليها ~~ويمارسونها بالمطالبة إلى أن يظفروا بها ويزنون كما يتبين والله سبحانه ~~وتعالى أعلم # | الفصل التاسع والاربعون في ان الدولة المستجدة انما تستولي على الدولة ~~المستقرة بالمطاولة لا بالمناجزة قد ذكرنا أن الدول الحادثة المتجددة نوعان ~~نوع من ولاية الأطراف إذا تقلص ظل الدولة ms315 عنهم وانحسر تيارها وهؤلاء لا يقع ~~منهم مطالبة للدولة في الأكثر كما قدمناه لأن قصاراهم القنوع بما في أيديهم ~~وهو نهاية قوتهم والنوع الثاني نوع PageV01P298 الدعاة والخوارج على الدولة ~~وهؤلاء لا بدلهم من المطالبة لأن قوتهم وافية بها فإن ذلك إنما يكون في ~~نصاب يكون له من العصبية والاعتزاز ما هو كفاء ذلك وواف به فيقع بينهم وبين ~~الدولة المستقرة حروب سجال تتكور وتتصل إلى أن يقع لهم الاستيلاء والظفر ~~بالمطلوب ولا يحصل لهم في الغالب ظفر بالمناجزة والسبب في ذلك أن الظفر في ~~الحروب إنما يقع كما قدمناه بأمور نفسانية وهمية وإن كان العدد والسلاح ~~وصدق القتال كفيلا به لكنه قاصر مع تلك الأمور الوهمية كما مر ولذلك كان ~~الخداع من أرفع ما يستعمل في الحرب وأكثر ما يقع الظفر به وفي الحديث الحرب ~~خدعة والدولة المستقرة قد صيرت العوائد المألوفة طاعتها ضروية واجبة كما ~~تقدم في غير موضع فتكثر بذلك العوائق لصاحب الدولة المستجدة ويكثر من همم ~~أتباعه وأهل شوكته وإن كان الأقربون من بطانته على بصيرة في طاعته ومؤازرته ~~إلا أن الآخرين أكثر وقد داخلهم الفشل بتلك العقائد في التسليم للدولة ~~المستقرة فيحصل بعض الفتور منهم ولا يكاد صاحب الدولة المستقرة يرجع إلى ~~الصبر والمطاولة حتى يتضح هرم الدولة المستقرة فتضمحل عقائد التسليم لها من ~~قومه وتنبعث منهم الهمم لصدق المطالبة معه فيقع الظفر والاستيلاء وأيضا ~~فالدولة المستقرة كثيرة الرزق بما استحكم لهم من الملك وتوسع من النعيم ~~واللذات واختصوا به دون غيرهم من أموال الجباية فيكثر عندهم ارتباط الخيول ~~واستجادة الاسلحة وتعظم فيهم الأبهة الملكية ويفيض العطاء بينهم من ملوكهم ~~اختيارا واضطرارا فيرهبون بذلك كله عدوهم وأهل الدولة المستجدة بمعزل عن ~~ذلك لما هم فيه من البداوة وأحوال الفقر والخصاصة فيسبق إلى قلوبهم أوهام ~~الرعب بما يبلغهم من أحوال الدولة المستقرة ويحرمون عن قتالهم من أجل ذلك ~~فيصير أمرهم إلى المطاولة حتى تأخذ المستقرة مأخذها من الهرم ويستحكم الخلل ~~فيها في العصبية والجباية فينتهز حينئذ صاحب ms316 الدولة المستجدة فرصته في ~~الاستيلاء عليها بعد حين منذ المطالبة سنة الله في عباده وأيضا فأهل الدولة ~~المستجدة كلهم مباينون للدولة المستقرة بأنسابهم وعوائدهم وفي سائر مناحيهم ~~ثم هم مفاخرون لهم ومنابذون بما وقع من هذه المطالبة وبطمعهم في الاستيلاء ~~عليه فتتمكن PageV01P299 المباعدة بين اهل الدولتين سرا وجهرا ولا يصل إلى ~~أهل الدولة المستجدة خبر عن أهل الدولة المستقرة يصيبون منه غرة باطنا ~~وظاهرا لانقطاع المداخلة بين الدولتين فيقيمون على المطالبة وهم في إحجام ~~وينكلون عن المناجزة حتى يأذن الله بزوال الدولة المستقرة وفناء عمرها ~~ووفور الخلل في جميع جهاتها واتضح لأهل الدولة المستجدة مع ما كان يخفى ~~منهم من هرمها وتلاشيها وقد عظمت قوتهم بما اقتطعوه من أعمالها ونقصوه من ~~أطرافها فتنبعث هممهم يدا واحدة للمناجزة ويذهب ما كان بث في عزائمهم من ~~التوهمات وتنتهي المطاولة إلى حدها ويقع الاستيلاء آخرا بالمعاجلة واعتبر ~~ذلك في دولة بني العباس حين ظهورها حين قام الشيعة بخراسان بعد انعقاد ~~الدعوة واجتماعهم على المطالبة عشر سنين أو تزيد وحينئذ تم لهم الظفر ~~واستولوا على الدولة الأموية وكذا العلوية بطبرستان عند ظهور دعوتهم في ~~الديلم كيف كانت مطاولتهم حتى استولوا على تلك الناحية ثم لما انقضى أمر ~~العلوية وسما الديلم إلى ملك فارس والعراقين فمكثوا سنين كثيرة يطاولون حتى ~~اقتطعوا أصبهان ثم استولوا على الخليفة ببغداد وكذا العبيديون أقام داعيتهم ~~بالمغرب أبو عبد الله الشيعي ببني كتامة من قبائل البربر عشر سنين ويزيد ~~تطاول بني الأغلب بأفريقية حتى ظفر بهم واستولوا على المغرب كله وسموا إلى ~~ملك مصر فمكثوا ثلاثين سنة أو نحوها في طلبها يجهزون إليها العساكر ~~والأساطيل في كل وقت ويجيء المدد لمدافعتهم برا وبحرا من بغداد والشام ~~وملكوا الإسكندرية والفيوم والصعيد وتخطت دعوتهم من هنالك إلى الحجاز ~~وأقيمت بالحرمين ثم نازل قائدهم جوهر الكاتب بعساكره مدينة مصر واستولى ~~عليها واقتلع دولة بني طغج من أصولها واختط القاهرة فجاء الخليفة بعد المعز ~~لدين الله فنزلها لستين سنة أو نحوها منذ استيلائهم على ms317 الإسكندرية وكذا ~~السلجوقية ملوك الترك لما استولوا على بني ساسان وأجازوا من وراء النهر ~~مكثوا نحو ثلاثين سنة يطاولون بني سبكتكين بخراسان حتى استولوا على دولته ~~ثم زحفوا إلى بغداد فاستولوا عليها وعلى الخليفة بها بعد أيام من الدهر ~~وكذا التتر من بعدهم خرجوا من المفازة عام سبعة عشر وستمائة فلم يتم لهم ~~الاستيلاء إلا بعد أربعين سنة وكذا أهل المغرب خرج به المرابطون من ~~PageV01P300 لمتونة على ملوكه من مغراوة فطاولوهم سنين ثم استولوا عليه ثم ~~خرج الموحدون بدعوتهم على لمثونة فمكثوا نحوا من ثلاثين سنة يحاربونهم حتى ~~استولوا على كرسيهم بمراكش وكذا بنومرين من زناتة خرجوا على الموحدين ~~فمكثوا يطاولونهم نحوا من ثلاثين سنة واستولوا على فاس واقتطعوها وأعمالها ~~من ملكهم ثم أقاموا في محاربتهم ثلاثين أخرى حتى استولوا على كرسيهم بمراكش ~~حسبما نذكر ذلك كله في تواريخ هذه الدول فهكذا حال الدول المستجدة مع ~~المستقرة في المطالبة والمطاولة سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا ولا يعارض ذلك بما وقع في الفتوحات الإسلامية وكيف كان استيلاؤهم ~~على فارس والروم لثلاث أو أربع من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واعلم أن ~~ذلك إنما كان معجزة من معجزات نبينا سرها استماتة المسلمين في جهاد عدوهم ~~استبعادا بالإيمان وما أوقع الله في قلوب عدوهم من الرعب والتخاذل فكان ذلك ~~كله خارقا للعادة المقررة في مطاولة الدول المستجدة للمستقرة وإذا كان ذلك ~~خارقا فهو من معجزات نبينا صلوات الله عليه المتعارف ظهورها في الملة ~~الإسلامية والمعجزات لا يقاس عليها الأمور العادية ولا يعترض بها والله ~~سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق # الفصل الخمسون # | في وفور العمران اخر الدولة وما يقع فيها من كثرة الموتان والمجاعات ~~اعلم أنه قد تقرر لك فيما سلف أن الدولة في أول أمرها لا بد لها من الرفق ~~في ملكتها والاعتدال في إيالتها إما من الدين إن كانت الدعوة دينية أو من ~~المكارمة والمحاسنة التي تقتضيها البداوة الطبيعية للدول وإذا كانت الملكة ~~رفيقة محسنة انبسطت آمال ms318 الرعايا وانتشطوا للعمران وأسبابه فتوفر ويكثر ~~التناسل وإذا كان ذلك كله بالتدريج فإنما يظهر أثره بعد جيل أو جيلين في ~~الأقل وفي انقضاء الجيلين تشرف الدولة على نهاية عمرها الطبيعي فيكون حينئذ ~~العمران في غاية الوفور والنماء ولا تقولن إنه قد مر لك أن أواخر الدولة ~~يكون فيها الإجحاف بالرعايا وسوء الملكة فذلك صحيح ولا يعارض ما قلناه لأن ~~الإجحاف وإن حدث حينئذ وقلت الجبايات فإنما يظهر أثره في تناقص العمران بعد ~~حين من أجل التدريج PageV01P301 في الأمور الطبيعية ثم إن المجاعات ~~والموتان تكثر عند ذلك في أواخر الدول والسبب فيه إما المجاعات فلقبض الناس ~~أيديهم عن الفلح في الأكثر بسبب ما يقع في آخر الدولة من العدوان في ~~الأموال والجبايات أو الفتن الواقعة في انتقاص الرعايا وكثرة الخوارج لهرم ~~الدولة فيقل احتكار الزرع غالبا وليس صلاح الزرع وثمرته بمستمر الوجود ولا ~~على وتيرة واحدة فطبيعة العالم في كثرة الأمطار وقلتها مختلفة والمطر يقوى ~~ويضعف ويقل ويكثر والزرع والثمار والضرع على نسبته إلا أن الناس واثقون في ~~أقواتهم بالاحتكار فإذا فقد الاحتكار عظم توقع الناس للمجاعات فغلا الزرع ~~وعجز عنه أولو الخصاصة فهلكوا وكان بعض السنوات الاحتكار مفقودا فشمل الناس ~~الجوع وأما كثرة الموتان فلها أسباب من كثرة المجاعات كما ذكرناه أو كثرة ~~الفتن لاختلال الدولة فيكثر الهرج والقتل أو وقوع الوباء وسببه في الغالب ~~فساد الهواء بكثرة العمران لكثرة ما يخالطه من العفن والرطوبات الفاسدة ~~وإذا فسد الهواء وهو غذاء الروح الحيواني وملابسه دائما فيسري الفساد إلى ~~مزاجه فإن كان الفساد قويا وقع المرض في الرئة وهذه هي الطواعين وأمراضها ~~مخصوصة بالرئة وإن كان الفساد دون القوي والكثير فيكثر العفن ويتضاعف فتكثر ~~الحميات في الأمزجة وتمرض الأبدان وتهلك وسبب كثرة العفن والرطوبات الفاسدة ~~في هذا كله كثرة العمران ووفوره آخر الدولة لما كان في أوائلها من حسن ~~الملكة ورفقها وقلة المغرم وهو ظاهر ولهذا تبين في موضعه من الحكمة أن تخلل ~~الخلاء والقفر بين العمران ضروري ليكون تموج الهواء ms319 يذهب بما يحصل في ~~الهواء من الفساد والعفن بمخالطة الحيوانات ويأتي بالهواء الصحيح ولهذا ~~أيضا فإن الموتان يكون في المدن الموفورة العمران أكثر من غيرها بكثير كمصر ~~بالمشرق وفاس بالمغرب والله يقدر ما يشاء # الفصل الحادي والخمسون # | في ان العمران البشري لا بد له من سياسة ينتظم بها امره إعلم أنه قد ~~تقدم لنا في غير موضع أن الاجتماع للبشر ضروري وهو معنى العمران الذي نتكلم ~~فيه وأنه لا بد لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون PageV01P302 إليه ~~وحكمه فيهم تارة يكون مستندا إلى شرع منزل من عند الله يوجب انقيادهم إليه ~~إيمانهم بالثواب والعقاب عليه الذي جاء به مبلغه وتارة إلى سياسة عقلية ~~يوجب انقيادهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم ~~فالأولى يحصل نفعها في الدنيا والآخرة لعلم الشارع بالمصالح في العاقبة ~~ولمراعاته نجاة العباد في الآخرة والثانية إنما يحصل نفعها في الدنيا فقط ~~وما تسمعه من السياسة المدنية فليس من هذا الباب وإنما معناه عند الحكماء ~~ما يجب أن يكون عليه كل واحد من اهل ذلك المجتمع في نفسه وخلقه حتى يستغنوا ~~عن الحكام رأسا ويسمون المجتمع الذي يحصل فيه ما يسمى من ذلك بالمدينة ~~الفاصلة والقوانين المراعاة في ذلك بالسياسة المدنية وليس مرادهم السياسة ~~التي يحمل عليها أهل الاجتماع بالمصالح العامة فإن هذه غير تلك وهذه ~~المدينة الفاصلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع وإنما يتكلمون عليها على جهة ~~الفرض والتقدير ثم إن السياسة العقلية التي قدمناها تكون على وجهين أحدهما ~~يراعى فيها المصالح على العموم ومصالح السلطان في استقامة ملكه على الخصوص ~~وهذه كانت سياسة الفرس وهي على جهة الحكمة وقد أغنانا الله تعالى عنها في ~~الملة ولعهد الخلافة لأن الأحكام الشرعية مغنية عنها في المصالح العامة ~~والخاصة وأحكام الملك مندرجة فيها ألوجه الثاني أن يراعى فيها مصلحة ~~السلطان وكيف يستقيم له الملك مع القهر والاستطالة وتكون المصالح العامة في ~~هذه تبعا وهذه السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع التي لسائر الملوك في ms320 ~~العالم من مسلم وغيره إلا أن ملوك المسلمين يجرون منها على ما تقتضيه ~~الشريعة الإسلامية بحسب جهدهم فقوانينها إذا مجتمعة من أحكام شرعية واداب ~~خلقية وقوانين في الاجتماع طبيعية وأشياء من مراعاة الشوكة والعصبية ضرورية ~~والاقتداء فيها بالشرع أولا ثم الحكماء في آدابهم والملوك في سيرهم ومن ~~أحسن ما كتب في ذلك وأودع كتاب طاهر بن الحسين لابنه عبدالله بن طاهر لما ~~ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما فكتب إليه أبوه طاهر كتابه المشهور عهد ~~إليه فيه ووصاه بجميع ما يحتاج إليه في دولته وسلطانه من الآداب الدينية ~~والخلقية والسياسة الشرعية والملوكية وحثه على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ~~بما لا يستغني عنه ملك PageV01P303 ولا سوقة ونص الكتاب بسم الله الرحمن ~~الرحيم أما بعد فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له وخشيته ومراقبته عز وجل ~~ومزايلة سخطه واحفظ رعيتك في الليل والنهار والزم ما ألبسك الله من العافية ~~بالذكر لمعادك وما أنت صائر إليه وموقوف عليه ومسئول عنه والعمل في ذلك كله ~~بما يعصمك الله عز وجل وينجيك يوم القيامة من عقابه وأليم عذابه فإن الله ~~سبحانه قد أحسن إليك وأوجب الرأفة عليك بمن استرعاك أمرهم من عباده وألزمك ~~العدل فيهم والقيام بحقه وحدوده عليهم والذب عنهم والدفع عن حريمهم ومنصبهم ~~والحقن لدمائهم والأمن لسربهم وإدخال الراحة عليهم ومؤاخذك بما فرض عليك ~~وموقفك عليه وسائلك عنه ومنيبك عليه بما قدمت واخرت ففرغ لذلك فهمك وعقلك ~~وبصرك ولا يشغلك عنه شاغل وإنه رأس أمرك وملاك شأنك وأول ما يوقفك الله ~~عليه وليكن أول ما تلزم به نفسك وتنسب إليه فعلك المواظبة على ما فرض الله ~~عز وجل عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها بالناس قبلك وتوابعها على ~~سننها من إسباغ الوضوء لها وافتتاح ذكر الله عز وجل فيها ورتل في قراءتك ~~وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك ولتصرف فيه رأيك ونيتك واحضض عليه جماعة ممن ~~معك وتحت يدك وادأب عليها فإنها كما قال الله عز وجل تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ثم اتبع ذلك ms321 بالأخذ بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمثابرة ~~على خلائقه واقتفاء أثر السلف الصالح من بعده واذا ورد عليك أمر فاستعن ~~عليه باستخارة الله عز وجل وتقواه وبلزوم ما أنزل الله عز وجل في كتابه من ~~أمره ونهيه وحلاله وحرامه وائتمام ما جاءت به الآثار عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم قم فيه بالحق لله عز وجل ولا تميلن عن العدل فيما أحببت أو ~~كرهت لقريب من الناس أو لبعيد وآثر الفقه وأهله والدين وحملته وكتاب الله ~~عز وجل والعاملين به فإن أفضل ما يتزين به المرء الفقه في الدين والطلب له ~~والحث عليه والمعرفة بما يتقرب به إلى الله عز وجل فإنه الدليل على الخير ~~كله والقائد إليه والآمر به والناهي عن المعاصي والموبقات كلها ومع توفيق ~~الله عز وجل يزداد المرء معرفة وإجلالا له ودركا للدرجات العلى في المعاد ~~مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك والهيبة لسلطانك والأنسة بك والثقة ~~بعدلك وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها فليس شيء أبين PageV01P304 نفعا ولا ~~أخص أمنا ولا أجمع فضلا منه والقصد داعية إلى الرشد والرشد دليل على ~~التوفيق والتوفيق قائد إلى السعادة وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد ~~وكذا في دنياك كلها ولا تقصر في طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة والسنن ~~المعروفة ومعالم الرشد والإعانة والاستكثار من البر والسعي له إذا كان يطلب ~~به وجه الله تعالى الرشد والإعانة والاستكثار من البر والسعي له إذا كان ~~يطلب به وجه الله تعالى ومرضاته ومرافقة أولياء الله في دار كرامته أما ~~تعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز ويمحص من الذنوب وأنك لن تحوط نفسك ~~من قائل ولا تنصلح أمورك بأفضل منه فاته واهتد به تتم أمورك وتزد مقدرتك ~~وتصلح عامتك وخاصتك واحسن ظنك بالله عز وجل تستقم لك رعيتك والتمس الوسيلة ~~إليه في الأمور كلها تستدم به النعمة عليك ولا تتهمن أحدا من الناس فيما ~~توليه من عملك قبل أن تكشف أمره فإن ايقاع التهم بالبراء والظنون ms322 السيئة ~~بهم آثم إثم فاجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك واطرد عنك سوء الظن بهم وارفضه ~~فيهم يعنك ذلك على استطاعتهم ورياضتهم ولا يجدن عدو الله الشيطان في أمرك ~~مغمزا فإنه يكتفي بالقليل من وهنك ويدخل عليك من الغم بسوء الظن بهم ما ~~ينقص لذاذة عيشك واعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة وتكتفي به ما أحببت ~~كفايته من أمورك وتدعو به الناس إلى محبتك والاستقامة في الأمور كلها ولا ~~يمنعك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك أن تستعمل المسئلة والبحث عن أمورك ~~والمباشرة لأمور الأولياء وحياطة الرعية والنظر في حوائجهم وحمل مؤوناتهم ~~أيسر عندك مما سوى ذلك فإنه أقوم للدين وأحيا للسنة وأخلص نيتك في جميع هذا ~~وتفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسئول عما صنع ومجزي بما أحسن ومؤاخذ ~~بما اساء فإن الله عزوجل جعل الدين حرزا وعزا ورفع من اتبعه وعززه الله ~~تعالى في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه ولا تعطل ذلك ولا ~~تتهاون به ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة فإن في تفريطك في ذلك ما يفسد عليك ~~حسن ظنك واعتزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة وجانب البدع والشبهات يسلم ~~لك دينك وتقم لك مرؤتك وإذا عاهدت عهدا فأوف به وإذا وعدت خيرا فأنجزه ~~واقبل الحسنة وادفع بها وأغمض عن عيب PageV01P305 كل ذي عيب من رعيتك واشدد ~~لسانك عن قول الكذب والزور وأبغض أهل النميمة فإن أول فساد أمورك في عاجلها ~~وآجلها تقريب الكذوب والجراءة على الكذب لأن الكذب رأس المآثم والزور ~~والنميمة خاتمتها لأن النميمة لا يسلم صاحبها وقائلها لا يسلم له صاحب ولا ~~يستقم له أمر وأحبب أهل الصلاح والصدق وأعز الأشراف بالحق وآس الضعفاء وصل ~~الرحم وابتغ بذلك وجه الله تعالى وإعزاز أمره والتمس فيه ثوابه والدار ~~الآخرة واجتنب سوء الأهواء والجور واصرف عنهما رايك وأظهر براءتك من ذلك ~~لرعيتك وأنعم بالعدل في سياستهم وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك ~~إلى سبيل الهدى واملك نفسك عند الغضب وآثر الحلم والوقار ms323 وإياك والحدة ~~والطيش والغرور فيما أنت بسيله وإياك أن تقول أنا مسلط أفعل ما أشاء فإن ~~ذلك سريع إلى نقص الرأي وقلة اليقين بالله عز وجل وأخلص لله وحده النية فيه ~~واليقين به واعلم أن الملك لله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء وينزعه ممن ~~يشاء ولن تجد تغير النعمة وحلول النقمة على أحد أسرع منه إلى حملة النعمة ~~من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة إذا كفروا نعم الله وإحسانه ~~واستطالوا بما أعطاهم الله عز وجل من فضله ودع عنك شره نفسك ولتكن ذخائرك ~~وكنوزك التي تدخر وتكنز البر والتقوى واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم ~~والتفقد لأمورهم والحفظ لدمائهم والإغاثة لملهوفهم واعلم أن الأموال إذا ~~اكتنزت وادخرت في الخزائن لا تنمو وإذا كانت في صلاح الرعية وإعطاء حقوقهم ~~وكف الأذية عنهم نمت وزكت وصلحت بها العامة وترتبت بها الولاية وطاب بها ~~الزمان واعتقد فيها العز والمنفعة فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة ~~الإسلام وأهله ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم وأوف من ذلك ~~حصصهم وتعهد ما يصلح أمورهم ومعاشهم فإنك إذا فعلت ذلك قرت النعمة عليك ~~واستوجبت المزيد من الله تعالى وكنت بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيتك ~~وعملك أقدر وكان الجميع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك وأطيب أنفسا ~~بكل ما أردت وأجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب وليعظم حقك فيه وإنما ~~يبقى من المال ما أنفق في سبيل الله واعرف للشاكرين حقهم وأثبهم عليه وإياك ~~أن PageV01P306 تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة فتتهاون بما يحق عليك فإن ~~التهاون يورث التفريط والتفريط يورث البوار وليكن عملك لله عز وجل وارج ~~الثواب فيه فإن الله سبحانه قد أسبغ عليك فضله واعتصم بالشكر وعليه فاعتمد ~~يزدك الله خيرا وإحسانا فإن الله عز وجل يثيب بقدر شكر الشاكرين وإحسان ~~المحسنين ولا تحقرن ذنبا ولا تمالأن حاسدا ولا ترحمن فاجرا ولا تصلن كفورا ~~ولا تداهنن عدوا ولا تصدقن نماما ولا تأمنن غدارا ولا توالينن فاسقا ولا ~~تتبعن غاويا ms324 ولا تحمدن مرائيا ولا تحقرن إنسانا ولا تردن سائلا فقيرا ولا ~~تحسنن باطلا ولا تلاحظن مضحكا ولا تخلفن وعدا ولا تزهون فخرا ولا تظهرن ~~غضبا ولا تباينن رجاء ولا تمشين مرحا ولا تفرطن في طلب الآخرة ولا ترفع ~~للنمام عينا ولا تغمضن عن ظالم رهبة منه أو محاباة ولا تطلبن ثواب الآخرة ~~في الدنيا وأكثر مشاورة الفقهاء واستعمل نفسك بالحلم وخذ عن أهل التجارب ~~وذوي العقل والرأي والحكمة ولا تدخلن في مشورتك أهل الرقة والبخل ولا تسمعن ~~لهم قولا فإن ضررهم أكثر من نفعهم وليس شيء أسرع فسادا لما استقبلت فيه أمر ~~رعيتك من الشح واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ قليل العطية وإذا ~~كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا فإن رعيتك إنما تعقد على محبتك بالكف ~~عن أموالهم وترك الجور عليهم وابتدئ من صافاك من أوليائك بالإفضال عليهم ~~وحسن العطية لهم واجتنب الشح واعلم أنه أول ما عصى الإنسان به ربه وإن ~~العاصي بمنزلة خزي وهو قول الله عز وجل ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ~~فسهل طريق الجود بالحق واجعل للمسلمين كلهم من فيئك حظا ونصيبا وأيقن أن ~~الجود أفضل أعمال العباد فأعده لنفسك خلقا وارض به عملا ومذهبا وتفقد الجند ~~في دواوينهم ومكانتهم وادر عليهم أرزاقهم ووسع عليهم في معايشهم يذهب الله ~~عز وجل بذلك فاقتهم فيقوى لك أمرهم وتزيد قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصا ~~وانشراحا وحسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته ذا رحمة في ~~عدله وحيطته وإنصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته فزايل مكروه أحد البابين ~~واستشعار فضيلة الباب الآخر ولزوم العمل به نلق إن شاء الله تعالى نجاحا ~~وصلاحا وفلاحا واعلم أن القضاء من الله تعالى بالمكان PageV01P307 الذي ليس ~~فوقه شيء من الأمور لأنه ميزان الله الذي تعدل عليه أحوال الناس في الأرض ~~وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح أحوال الرعية وتأمن السبل وينتصف ~~المظلوم وتأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة ويؤدى حق الطاعة ويرزق الله ~~العافية والسلامة ms325 ويقيم الدين ويجري السنن والشرائع في مجاريها واشتد في ~~أمر الله عز وجل وتورع عن النطف وامض لإقامة الحدود وأقل العجلة وابعد عن ~~الضجر والقلق واقنع بالقسم وانتفع بتجربتك وانتبه في صمتك واسدد في منطقك ~~وأنصف الخصم وقف عند الشبهة وأبلغ في الحجة ولا يأخذك في أحد من رعيتك ~~محاباة ولا مجاملة ولا لومة لائم وتثبت وتأن وراقب وانظر وتنكر وتدبر ~~واعتبر وتواضع لربك وارفق بجميع الرعية وسلط الحق على نفسك ولا تسرعن إلى ~~سفك دم فإن الدماء من الله عز وجل بمكان عظيم انتهاكا لها بغير حقها وانظر ~~هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية وجعله الله للإسلام عزا ورفعة ولأهله ~~توسعة ومنعة ولعدوه وعدوهم كبتا وغيظا ولأهل الكفر من معاديهم ذلا وصغارا ~~فوزعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم ولا تدفعن شيئا منه عن ~~شريف لشرفه ولا عن غني لغناه ولا عن كاتب لك ولا عن أحد من خاصتك ولا ~~حاشيتك ولا تأخذن منه فوق الاحتمال ولا تكلف أمرا فيه شطط واحمل الناس كلهم ~~على أمر الحق فإن ذلك أجمع لأنفسهم وألزم لرضاء العامة واعلم أنك جعلت ~~بولايتك خازنا وحافظا وراعيا وإنما سمي أهل عملك رعيتك لأنك راعيهم وقيمهم ~~فخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ونفذه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم ~~واستعمل عليهم أولي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعلم والعمل ~~بالسياسة والعفاف ووسع عليهم في الرزق فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما ~~تقلدت وأسند إليك فلا يشغلك عنه شاغل ولا يصرفك عنه صارف فإنك متى أثرته ~~وقمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الأحدوثة في عملك ~~واجتدرت به المحبة من رعيتك وأعنت على الصلاح فدرت الخيرات ببلدك وفشت ~~العمارة بناحيتك وظهر الخصب في كورك وكثر خراجك وتوفرت أموالك وقويت بذلك ~~على ارتياض جندك وإرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم من نفسك وكنت محمود ~~السياسة PageV01P308 مرضي العدل في ذلك عند عدوك وكنت في أمورك كلها ذا عدل ~~وآلة وقوة وعدة فنافس في ذلك ولا تقدم عليه ms326 شيئا تحمد عاقبة أمرك إن شاء ~~الله تعالى واجعل في كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عمالك ويكتب إليك ~~بسيرهم وأعمالهم حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لأموره كلها فإن أردت ~~أن تأمرهم بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك فإن رأيت السلامة فيه ~~والعافية ورجوت فيه حسن الدفاع والصنع فأمضه وإلا فتوقف عنه وراجع أهل ~~البصر والعلم به ثم خذ فيه عدته فإنه ربما نظر الرجل في أمره وقدره وأتاه ~~على ما يهوى فأغواه ذلك وأعجبه فإن لم ينظر في عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره ~~فاستعمل الحزم في كل ما أردت وباشره بعد عون الله عز وجل بالقوة وأكثر من ~~استخارة ربك في جميع أمورك وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك وأكثر مباشرته ~~بنفسك فإن للغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت واعلم أن اليوم ~~إذا مضى ذهب بما فيه وإذا أخرت عمله اجتمع عليك عمل يومين فيثقلك ذلك حتى ~~تمرض منه وإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت بدنك ونفسك وجمعت أمر سلطانك وانظر ~~أحرار الناس وذوي الفضل منهم ممن بلوت صفاء طويتهم وشهدت مودتهم لك ~~ومظاهرتهم بالنصح والمحافظة على أمرك فاستخلصهم وأحسن إليهم وتعاهد أهل ~~البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة واحتمل مؤونتهم وأصلح حالهم حتى لا ~~يجدوا لخلتهم مسا وأفرد نفسك للنظر في أمور الفقراء والمساكين ومن لا يقدر ~~على رفع مظلمته إليك والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه فسل عنه أحفى مسئلة ~~ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك لتنظر ~~فيما يصلح الله به أمرهم وتعاهد ذوي البأساء وأيتامهم واراملهم واجعل لهم ~~أرزاقا من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين أعزه الله تعالى في العطف عليهم ~~والصلة لهم ليصلح الله بذلك عيشهم ويرزقك به بركة وزيادة وأجر للأضراء من ~~بيت المال وقدم حملة القران منهم والحافظين لأكثره في الجراية على غيرهم ~~وانصب لمرضى المسلمين دورا تأويهم وقواما يرفقون بهم وأطباء يعالجون ~~أسقامهم وأسعفهم بشهواتهم ما ms327 لم يؤد ذلك إلى إسراف في بيت المال واعلم أن ~~الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم PageV01P309 لم يرضهم ذلك ولم تطب ~~أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعا في نيل الزيادة وفضل الرفق منهم ~~وربما تبرم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه ويشغل فكره وذهنه فيها ~~ما يناله به من مؤونة ومشقة وليس من يرغب في العدل ويعرف محاسن أموره في ~~العاجل وفضل ثواب الآجل كالذي يستقبل ما يقربه إلى الله تعالى ويلتمس رحمته ~~وأكثر الإذن للناس عليك وأبرز لهم وجهك وسكن لهم حواسك واخفض لهم جناحك ~~وأظهر لهم بشرك ولن لهم في المسألة والنطق واعطف عليهم بجودك وفضلك وإذا ~~أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس والتماس للصنيعة والأجر من غير تكدير ولا ~~امتنان فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله تعالى واعتبر بما ترى ~~من أمور الدنيا ومن مضى قبلك من اهل السلطان والرئاسة في القرون الخالية ~~والأمم البائدة ثم اعتصم في أحوالك كلها بالله سبحانه وتعالى والوقوف عند ~~محبته والعمل بشريعته وسنته وبإقامة دينه وكتابه واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ~~ودعا إلى سخط الله عز وجل واعرف ما يجمع عمالك من الأموال وما ينفقون منها ~~ولا تجمع حراما ولا تنفق إسرافا وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم ~~وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها وإيثار مكارم الأخلاق ومعاليها وليكن أكرم ~~دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم تمنعه هيبتك عن إنهاء ذلك إليك ~~في سرك وإعلانك بما فيه من النقص فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهرون لك وانظر ~~عمالك الذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتا يدخل فيه عليك ~~بكتبه ومؤامراته وما عنده من حوائج عمالك وأمور الدولة ورعيتك ثم فرغ لما ~~يورد عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك وكرر النظر فيه والتدبر له فما ~~كان موافقا للحق والحزم فأمضه واستخر الله عز وجل فيه وما كان مخالفا لذلك ~~فاصرفه إلى المسئلة عنه والتثبت فيه ولا تمتن على رعيتك ولا غيرهم بمعروف ~~تؤتيه ms328 إليهم ولا تقبل من أحد إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور أمير ~~المسلمين ولا تضعن المعروف إلا على ذلك وتفهم كتابي اليك وأنعم النظر فيه ~~والعمل به واستعن بالله على جميع أمورك واستخره فإن الله عز وجل مع الصلاح ~~وأهله وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك ما كان لله عز PageV01P310 وجل رضى ~~ولدينه نظاما ولأهله عزا وتمكينا وللملة والذمة عدلا وصلاحا وأنا أسأل الله ~~أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك والسلام وحدث الإخباريون أن هذا الكتاب ~~لما ظهر وشاع أمره أعجب به الناس واتصل بالمأمون فلما قرئ عليه قال ما أبقى ~~أبو الطيب يعنى طاهرا شيئا من أمور الدنيا والدين والتدبير والرأي والسياسة ~~وصلاح الملك والرعية وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد ~~أحكمه وأوصى به ثم أمر المأمون فكتب به إلى جميع العمال في النواحي ليقتدوا ~~به ويعلمو بما فيه هذا أحسن ما وقفت عليه في هذه السياسة والله أعلم # الفصل الثاني والخمسون $ في أمر الفاطمي وما يذهب اليه الناس في شأنه ~~وكشف الغطاء عن ذلك # اعلم أن في المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بد ~~في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه ~~المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي ويكون خروج الدجال ~~وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره وأن عيسى ينزل من ~~بعده فيقتل الدجال أو ينزل معه فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته ~~ويحتجون في الشان بأحاديث خرجها الأئمة المتأخرين في أمر هذا الفاطمي طريقة ~~أخرى ونوع من الاستدلال وربما يعتمدون في ذلك على الكشف الذي هو أصل ~~طرائقهم ونحن الآن نذكر هنا الأحاديث الواردة في هذا الشأن وما للمنكرين ~~فيها من المطاعن ومالهم في إنكارهم من المستند ثم نتبعه بذكر كلام المتصوفة ~~ورأيهم ليتبين لك الصحيح من ذلك إن شاء الله تعالى فنقول إن جماعة من ~~الأئمة خرجوا أحاديث المهدي منهم الترمذي وأبو داود والبزار ابن ماجة ~~والحاكم والطبراني ms329 وأبو يعلى الموصلي وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل ~~علي وابن عباس وابن عمر وطلحة وابن مسعود وأبي هريرة وأنس وأبي سعيد الخدري ~~وأم حبيبة وأم سلمة وثوبان وقرة ابن إياس وعلي الهلالي وعبد الله بن الحارث ~~بن جزء بأسانيد ربما يعرض لها PageV01P311 المنكرون كما نذكره إلا أن ~~المعروف عند أهل الحديث أن الجرح مقدم على التعديل فإذا وجدنا طعنا في بعض ~~رجال الأسانيد بغفلة أو بسوء حفظ أو ضعف أو سوء رأي تطرق ذلك إلى صحة ~~الحديث وأوهن منها ولا تقولن مثل ذلك ربما يتطرق إلى رجال الصحيحين فإن ~~الإجماع قد اتصل في الأمة على تلقيهما بالقبول والعمل بما فيهما وفي ~~الإجماع أعظم حماية وأحسن دفعا وليس غير الصحيحين بمثابتهما في ذلك فقد تجد ~~مجالا للكلام في أسانيدها بما نقل عن أئمة الحديث في ذلك ولقد توغل أبو بكر ~~بن أبي خيثمة على ما نقل السهيلى عنه في جمعه للأحاديث الواردة في المهدي ~~فقال ومن أغربها إسنادا ما ذكره أبو بكر الإسكاف في فوائد الأخبار مستندا ~~إلى مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من كذب بالمهدي فقد كفر ومن كذب بالدجال فقد كذب وقال في طلوع ~~الشمس من مغربها مثل ذلك فيما أحسب وحسبك هذا غلوا والله أعلم بصحة طريقه ~~إلى مالك بن أنس على أن أبا بكر الإسكاف عندهم متهم وضاع وأما الترمذي فخرج ~~هو وابو داود بسنديهما إلى ابن عباس من طريق عاصم بن أبي النجود أحد القراء ~~السبعة إلى زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا ~~مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي هذا لفظ أبي داود ~~وسكت عليه وقال في رسالته المشهورة إن ما سكت عليه في كتابه فهو صالح ولفظ ~~الترمذي لا تذهب الدنيا حتى ms330 يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي ~~وفي لفظ آخر حتى يلي رجل من أهل بيتي وكلاهما حديث حسن صحيح ورواه أيضا من ~~طريق موقوفا على أبي هريرة وقال الحاكم رواه الثوري وشعبه وزائدة وغيرهم من ~~أئمة المسلمين عن عاصم قال وطرق عاصم عن زر عن عبد الله كلها صحيحة على ما ~~أصلته من الاحتجاج بأخبار عاصم إذ هو إمام من أئمة المسلمين إنتهى إلا أن ~~عاصما قال فيه أحمد بن حنبل كان رجلا صالحا قارئا للقرآن خيرا ثقة والأعمش ~~أحفظ منه وكان شعبة يختار الأعمش عليه في تثبيت الحديث وقال العجلي كان ~~يختلف عليه في زر وأبي وائل يشير بذلك إلى ضعف روايته عنهما وقال محمد بن ~~سعد PageV01P312 كان ثقة إلا أنه كثير الخطأ في حديثه وقال يعقوب بن سفيان ~~في حديثه اضطراب وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم قلت لأبي إن أبا زرعة يقول ~~عاصم ثقة فقال ليس محله هذا وقد تكلم فيه ابن علية فقال كل من اسمه عاصم ~~سيء الحفظ وقال أبو حاتم محله عندي محل الصدق صالح الحديث ولم يكن بذلك ~~الحافظ واختلف فيه قول النسائي وقال ابن حراش في حديثه نكرة وقال أبو جعفر ~~العقيلي لم يكن فيه إلا سوء الحفظ وقال الدار قطني في حفظه شيء وقال يحيى ~~القطان ما وجدت رجلا اسمه عاصم إلا وجدته رديء الحفظ وقال أيضا سمعت شعبة ~~يقول حدثنا عاصم بن أبي النجود وفي الناس ما فيها وقال الذهبي ثبت في ~~القراءة وهو حسن الحديث وإن احتج أحد بأن الشيخين أخرجا له فنقول أخرجا له ~~مقرونا بغيره لا أصلا والله أعلم وخرج أبو داود في الباب عن علي رضي الله ~~عنه من رواية قطن بن خليفة عن القاسم بن أبي مرة عن أبي الطفيل عن علي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا ~~من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا وقطن بن خليفة وإن وثقه ms331 أحمد ويحيى ~~ابن القطان وابن معين والنسائي وغيرهم إلا أن العجلي قال حسن الحديث وفيه ~~تشيع قليل وقال ابن معين مرة ثقة شيعي وقال أحمد بن عبد الله بن يونس كنا ~~نمر على قطن وهو مطروح لا نكتب عنه وقال مرة كنت أمر به وأدعه مثل الكلب ~~وقال الدار قطني لا يحتج به وقال أبو بكر بن عياش ما تركت الرواية عنه إلا ~~لسوء مذهبه وقال الجرجاني زائغ غير ثقة انتهى وخرج أبو داود أيضا بسنده إلى ~~علي رضي الله عنه عن مروان ابن المغيرة عن عمر بن أبي قيس عن شعيب بن أبي ~~خالد عن أبي إسحاق النسفي قال قال علي ونظر إلى ابنه الحسن إن ابني هذا سيد ~~كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم ~~يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملأ الأرض عدلا وقال هارون حدثنا عمر ~~بن أبي قيس عن مطرف بن طريف عن أبي الحسن عن هلال بن عمر سمعت عليا يقول ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث على ~~مقدمته رجل يقال له منصور يوطئ أو يمكن لآل محمد كما مكنت قريش لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وجب PageV01P313 على كل مؤمن نصره أو قال إجابته سكت ~~أبو داود عليه وقال في موضع آخر في هارون هو من ولد الشعية وقال السليماني ~~فيه نظر وقال أبو داود في عمر بن أبي قيس لا بأس في حديثه خطأ وقال الذهبي ~~صدق له أوهام وأما أبو اسحاق الشيعي وإن خرج عنه في الصحيحين فقد ثبت أنه ~~اختلط آخر عمره وروايته عن علي منقطعة وكذلك رواية أبي داود عن هارون بن ~~المغيرة وأما السند الثاني فأبو الحسن فيه وهلال بن عمر مجهولان ولم يعرف ~~أبو الحسن إلا من رواية مطرف بن طريف عنه انتهى وخرج أبو داود أيضا عن أم ~~سلمة قالت سمعت في المستدرك من طريق على ابن نفيل عن ms332 سعيد بن المسيب عن أم ~~سلمة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم عليه بالصحيح ولا غيره ~~وقد ضعفه أبو جعفر العقيلي وقال لا يتابع علي بن نفيل عليه ولا يعرف إلا به ~~وخرج أبو داود أيضا عن أم سلمة من رواية صالح أبي الخليل عن صاحب له عن أم ~~سلمة قال يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى ~~مكة فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام ~~فيبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فإذا رأى ~~الناس ذلك أتاه أبدال أهل الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه ثم ينشأ رجل ~~من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثا فيظهرون عليهم وذلك بعث كلب والخيبة ~~لمن لم يشهد غنيمة كلب فيقسم المال ويعمل في الناس بسنة نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم ويلقي الإسلام بجرانه على الأرض فيلبث سبع سنين وقال بعضهم تسع ~~سنين ثم رواه أبو داود من رواية أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن أم ~~سلمة فتبين بذلك المبهم في الإسناد الأول ورجاله رجال الصحيحين لا مطعن ~~فيهم ولا مغمز وقد يقال إنه من رواية قتادة عن أبي الخليل وقتادة مدلس وقد ~~عنعنه والمدلس لا يقبل من حديثه إلا ما صرح فيه بالسماع مع أن الحديث ليس ~~فيه تصريح بذكر المهدي نعم ذكره أبو داود في أبوابه وخرج أبو داود أيضا ~~وتابعه الحاكم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المهدي مني أجلى الجبهة اقنى PageV01P314 الأنف يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ~~ملئت ظلما وجورا يملك سبع سنين هذا لفظ أبي داود وسكت عليه ولفظ الحاكم ~~المهدي منا أهل البيت أشق الأنف أقنى أجلى يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ~~جورا وظلما يعيش هكذا ويبسط يساره وإصبعين من يمينه السبابة والإبهام وعقد ~~ثلاث قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وعمران القطان ~~مختلف في الاحتجاج به إنما ms333 أخرج له البخاري استشهادا لا أصلا وكان يحيى ~~القطان لا يحدث عنه وقال يحيى بن معين ليس بالقوي وقال مرة ليس بشيء وقال ~~أحمد بن حنبل أرجو أن يكون صالح ال حديث وقال يزيد بن زريع كان حروريا وكان ~~يرى السيف على أهل القبلة وقال النسائي ضعيف وقال أبو عبيد الآجري الله بن ~~حسن بفتوى شديدة فيها سفك الدماء وخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم عن أبي ~~سعيد الخدري من طريق زيد العمي عن أبي صديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال ~~خشينا أن يكون بعض شيء حدث فسألنا نبي الله صلى الله عليه وسلم إن في أمتي ~~المهدي يخرج ويعيش خمسا أو سبعا أو تسعا زيد الشاك قال قلنا وما ذاك قال ~~سنين قال فيجيء إليه فيقول يا مهدي أعطني قال فيحثو له في ثوبه ما استطاع ~~أن يحمله لفظ الترمذي وقال هذا حديث حسن وقد روى من غير وجه عن أبي سعيد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولفظ ابن ماجة والحاكم يكون في أمتي المهدي إن ~~قصر فسبع وإلا فتسع فتنعم أمتي فيه نعمة لم يسمعوا بمثلها قط تؤتى الأرض ~~أكلها ولا يدخر منه شيء والمال يومئذ كدوس فيقوم الرجل فيقول يا مهدي أعطني ~~فيقول خذ إنتهى وزيد العمي وإن قال فيه الدار قطني وأحمد بن حنبل ويحيى بن ~~معين إنه صالح وزاد أحمد إنه فوق يزيد الرقاشي وفضل ابن عيسى إلا أنه قال ~~فيه أبو حاتم ضعيف يكتب حديثه وقال الجرجاني متماسك وقال أبو زرعة ليس بقوي ~~واعي الحديث ضعيفا وقال أبو حاتم ليس بذاك وقد حدث عنه شعبة وقال النسائي ~~ضعيف وقال ابن عدي عامة ما يرويه ومن يروى عنهم ضعفاء على أنه شعبة قد روى ~~عنه ولعل PageV01P315 شعبة لم يرو عن أضعف منه وقد يقال إن حديث الترمذي ~~وقع تفسيراي لما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثوا لا ms334 يعده عدا ومن ~~حديث أبي سعيد قال من خلفائكم خليفة يحثو المال حثوا ومن طريق أخرى عنهما ~~قال يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده انتهى وأحاديث مسلم لم ~~يقع فيها ذكر المهدي ولا دليل يقوم على أنه المراد منها ورواه الحاكم أيضا ~~من طريق عوف الأعرابي عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض جورا وظلما ~~وعدوانا ثم يخرج من أهل بيتي رجل يملاها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا ~~وقال فيه الحاكم هذا صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ورواه الحاكم أيضا عن ~~طريق سليمان بن عبيد عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال يخرج في آخر أمتي المهدي يسقيه الله الغيث وتخرج ~~الأرض نباتها ويعطي المال صحاحا وتكثر الماشية وتعظم الأمة يعيش سبعا أو ~~ثمانية يعنى حججا وقال فيه حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه مع أن سليمان بن ~~عبيد لم يخرج له أحد من الستة لكن ذكره ابن حبان في الثقات ولم يرد أن أحدا ~~تكلم فيه ثم رواه الحاكم أيضا من طريق أسد بن موسى عن حماد بن سلمة عن مطر ~~الوراق وأبي هارون العبدي عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال تملأ الأرض جورا وظلما فيخرج رجل من عترتي فيملك ~~سبعا أو تسعا فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما وقال الحاكم فيه ~~هذا حديث صحيح على شرط مسلم لأنه أخرج عن حماد بن سلمة وعن شيخه مطر الوراق ~~وأما شيخه الآخر وهو أبو هارون العبدي فلم يخرج له وهو ضعيف جدا متهم ~~بالكذب ولا حاجة إلى بسط أقوال الأئمة في تضعيفه وأما الراوي له عن حماد بن ~~سلمة فهو أسد بن موسى يلقب أسد السنة وإن قال البخاري مشهور الحديث واستشهد ~~به في صحيحه واحتج به أبو داود والنسائي إلا ms335 أنه قال مرة اخرى ثقة لو لم ~~يصنف كان خيرا له وقال فيه محمد بن حزم منكر الحديث ورواه الطبراني في ~~معجمه الأوسط من رواية أبي الواصل عبد الحميد بن واصل عن أبي الصديق ~~PageV01P316 الناجي عن الحسن بن يزيد السعدي أحد بني بهدلة عن أبي سعيد ~~الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج رجل من أمتي يقول ~~بسنتي ينزل الله عز وجل له القطر من السماء وتخرج الأرض بركتها وتملأ الأرض ~~منه قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يعمل على هذه الأمة سبع سنين وينزل على ~~بيت المقدس وقال الطبراني فيه رواه جماعة عن أبي الصديق ولم يدخل أحد منهم ~~بينه وبين أبي سعيد أحدا إلا أبا الواصل فإنه رواه عن الحسن بن يزيد عن أبي ~~سعيد انتهى وهذا الحسن بن يزيد ذكره ابن أبي حاتم ولم يعرفه بأكثر مما في ~~هذا الإسناد من روايته عن أبي سعيد ورواية أبي الصديق عنه وقال الذهبي في ~~الميزان إنه مجهول لكن ذكره ابن حبان في الثقات وأما أبو الواصل الذي رواه ~~عن أبي الصديق فلم يخرج له أحد من الستة وذكره ابن حبان في الثقات في ~~الطبقة الثانية وقال فيه يروى عن انس روى عنه شعبة وعتاب بن بشر وخرج ابن ~~ماجة في كتاب السنن عن عبد الله بن مسعود من طريق يزيد بن أبي زياد عن ~~إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذ أقبل فتية من بني هاشم فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذرفت عيناه وتغير لونه قال فقلت ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه فقال إنا ~~أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء ~~وتشريدا وتطريدا حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخبر ~~فلا يعطونه فيقاتلون وينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى ~~رجل من أهل بيتي فيملأها قسطا كما ms336 ملاؤها جورا فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ~~ولو حبوا على الثلج انتهى وهذا الحديث يعرف عند المحدثين بحديث الرايات ~~ويزيد بن أبي زياد رواية قال فيه شعبة كان رفاعا يعني يرفع الأحاديث التي ~~لا تعرف مرفوعة وقال محمد بن الفضيل من كبار أئمة الشيعة وقال أحمد بن حنبل ~~لم يكن بالحافظ وقال مرة حديثه ليس بذلك وقال يحيى ابن معين ضعيف وقال ~~العجلي جائز الحديث وكان بآخره يلقن وقال أبو زرعة لين يكتب حديثه ولا يحتج ~~به وقال أبو حاتم ليس بالقوي وقال الجرجاني سمعتهم يضعفون حديثه وقال أبو ~~داود لا أعلم أحدا ترك حديثه وغيره أحب إلي منه وقال PageV01P317 ابن عدي ~~هو من شعية أهل الكوفة ومع ضعفه يكتب حديثه وروى له مسلم لكن مقرونا بغيره ~~وبالجملة فالأكثرون على ضعفه وقد صرح الأئمة بتضعيف هذا الحديث الذي رواه ~~عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله وهو حديث الرايات وقال وكيع بن الجراح فيه ~~ليس بشيء وكذلك قال أحمد بن حنبل وقال أبو قدامة سمعت أبا أسامة يقول في ~~حديث يزيد عن إبراهيم في الرايات لو حلف عندي خمسين يمينا أسامة ما صدقته ~~أهذا مذهب إبراهيم أهذا مذهب علقمة أهذا مذهب عبد الله واورد العقيلي هذا ~~الحديث في الضعفاء وقال الذهبي ليس بصحيح وخرج ابن ماجة عن علي رضي الله ~~عنه من رواية ياسين العجلي عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية عن أبيه عن جده ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المهدي منا أهل البيت يصلح الله به ~~في ليلة وياسين العجلي وإن قال فيه ابن معين ليس به بأس فقد قال البخاري ~~فيه نظر وهذه اللفظة من اصطلاحه قوية في التضعيف جدا وأورد له ابن عدي في ~~الكامل والذهبي في الميزان هذا الحديث على وجه الاستنكار له وقال هو معروف ~~به وخرج الطبراني في معجمه الأوسط عن علي رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أمنا المهدي أم من غيرنا يا رسول الله فقال ms337 بل منا بنا يختم ~~الله كما بنا فتح وبنا يستنقذون من الشرك وبنا يؤلف الله قلوبهم بعد عداوة ~~بينة كما بنا ألف بين قلوبهم بعد عداوة الشرك قال علي أمؤمنون أم كافرون ~~قال مفتون وكافر انتهى وفيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف معروف الحال وفيه ~~عمر بن جابر الحضرمي وهو أضعف منه قال أحمد بن حنبل روي عن جابر مناكير ~~وبلغني أنه كان يكذب وقال النسائي ليس بثقة وقال كان ابن لهيعة شيخا أحمق ~~ضعيف العقل وكان يقول علي في السحاب وكان يجلس معنا فيبصر سحابة فيقول هذا ~~علي قد مر في السحاب وخرج الطبراني عن علي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال يكون في آخر الزمان فتنة يحصل الناس فيها كما يحصل ~~الذهب في المعدن فلا تسبوا أهل الشام ولكن سبوا أشرارهم فإن فيهم الابدال ~~يوشك أن يرسل على أهل الشام صيب من السماء فيفرق جماعتهم حتى لو قاتلتهم ~~الثعالب غلبتهم فعند ذلك يخرج خارج من أهل بيتي في ثلاث رايات المكثر يقول ~~بهم خمسة عشر ألفا والمقل يقول بهم اثنا عشر ألفا وأمارتهم امت امت يلقون ~~PageV01P318 سبع رايات تحت كل راية منها رجل يطلب الملك فيقتلهم الله جميعا ~~ويرد الله إلى المسلمين إلفتهم ونعمتهم وقاصيتهم ورأيهم اه وفيه عبد الله ~~ابن لهيعة وهو ضعيف معروف الحال ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح ~~الإسناد ولم يخرجاه في روايته ثم يظهر الهاشمي فيرد الله الناس إلى إلفتهم ~~الخ وليس في طريقه ابن لهيعة وهو إسناد صحيح كما ذكر وخرج الحاكم في ~~المستدرك عن علي رضي الله عنه من رواية أبي الطفيل عن محمد بن الحنفية قال ~~كنا عند علي رضي الله عنه فسأله رجل عن المهدي فقال له هيهات ثم عقد بيده ~~سبعا فقال ذلك يخرج في آخر الزمان إذا قال الرجل الله الله قتل ويجمع الله ~~له قوما قزعا كقزع السحاب يؤلف الله بين قلوبهم فلا يستوحشون إلى أحد ولا ~~يفرحون بأحد ms338 دخل فيهم عدتهم على عدة أهل بدر لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم ~~الآخرون وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جاوزا معه النهر قال أبو الطفيل قال ~~ابن الحنيفة أتريده قلت نعم قال فإنه يخرج من بين هذين الأخشبين قلت لا جرم ~~والله ولا أدعها حتى أموت ومات بها يعني مكة قال الحاكم هذا حديث صحيح على ~~شرط الشيخين انتهى وإنما هو على شرط مسلم فقط فإن فيه عمارا الذهبي ويونس ~~بن أبي إسحاق ولم يخرج لهما البخاري وفيه عمرو بن محمد العبقري ولم يخرج له ~~البخاري احتجاجا بل استشهادا مع ما ينضم إلى ذلك من تشيع عمار الذهبي وهو ~~وإن وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم النسائي وغيرهم فقد قال علي بن المدني ~~عن سفيان أن بشر بن مروان قطع عرقوبيه قلت في أي شيء قال في التشيع وخرج ~~ابن ماجة عن انس بن مالك رضي الله عنه في رواية سعد بن عبد الحميد بن جعفر ~~عن علي بن زياد اليمامي عن عكرمة بن عمار عن إسحاق ابن عبد الله عن أنس قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول نحن ولد عبد المطلب سادات أهل ~~الجنة أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي انتهى وعكرمة بن عمار ~~وإن أخرج له مسلم فإنما أخرج له متابعة وقد ضعفه بعض ووثقه آخرون وقال أبو ~~حاتم الرازي هو مدلس فلا يقبل إلى أن يصرح بالسماع علي بن زياد قال الذهبي ~~في الميزان لا ندري من هو ثم قال الصواب فيه عبد الله ابن زياد وسعد بن عبد ~~الحميد وإن وثقه يعقوب بن أبي شيبة وقال فيه يحيى بن PageV01P319 معين ليس ~~به بأس فقد تكلم فيه الثوري قالوا لأنه رآه يفتي في مسائل ويخطئ فيها وقال ~~ابن حبان كان ممن فحش عطاؤه فلا يحتج فيه وقال أحمد بن حنبل سعيد ابن عبد ~~الحميد يدعي أنه سمع عرض كتب مالك والناس ينكرون عليه ذلك وهو ههنا ببغداد ~~لم يحتج فكيف سمعها وجعله الذهبي ممن ms339 لم يقدح فيه كلام من تكلم فيه وخرج ~~الحاكم في مستدركه من رواية مجاهد عن ابن عباس موقوفا عليه قال مجاهد قال ~~لي ابن عباس لو لم أسمع أنك مثل أهل البيت ما حدثتك بهذا الحديث قال فقال ~~مجاهد فإنه في ستر لا أذكره لمن يكره قال فقال ابن عباس منا أهل البيت ~~أربعة منا السفاح ومنا المنذر ومنا المهدي قال فقال مجاهد بين لي هؤلاء ~~الأربعة فقال ابن عباس أما السفاح فربما قتل أنصاره وعفا عن عدوه وأما ~~المنذر أراه قال فإنه يعطي المال الكثير ولا يتعاظم في نفسه ويمسك القليل ~~من حقه وأما المنصور فإنه يعطى النصر على عدوه الشطر مما كان يعطي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ويرهب منه عدوه على مسيرة شهرين والمنصور يرهب منه ~~عدوه على مسيرة شهر وأما المهدي الذي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وتأمن ~~البهائم السباع وتلقي الأرض أفلاذ كبدها قال قلت وما أفلاذ كبدها قال أمثال ~~الأسطوانة من الذهب والفضة وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ~~وهو من رواية إسماعيل ابن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه وإسماعيل ضعيف وإبراهيم ~~أبوه وإن خرج له مسلم فالأكثرون على تضعيفه اه وخرج ابن ماجة عن ثوبان قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتتل عند كبركم ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم ~~لا يصير إلى واحد منهم ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونهم قتلا ~~لم يقتله قوم ثم ذكر شيئا لا أحفظه قال فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على ~~الثلج فإنه خليفة الله المهدي اه ورجاله رجال الصحيحين إلا أن فيه أبا ~~قلابة الجرمي وذكر الذهبي وغيره انه مدلس وفيه سفيان الثوري وهو مشهور ~~بالتدليس وكل واحد منهما عنعن ولم يصرح بالسماع فلا يقبل وفيه عبد الرزاق ~~بن همام وكان مشهورا بالتشيع وعمي في آخر وقته فخلط قال بن عدي حدث بأحاديث ~~في الفضائل لم يوافقه عليها أحد ونسبوه إلى التشيع انتهى وخرج ابن ماجة عن ~~عبد الله ms340 بن الحارث بن جزء الزبيدي من طريق ابن PageV01P320 لهيعة عن أبي ~~زرعة عن عمر بن جابر الحضرمي عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي يعني سلطانه ~~قال الطبراني تفرد به ابن لهيعة وقد تقدم لنا في حديث علي الذي خرجه ~~الطبراني في معجمه الأوسط أن ابن لهيعة ضعيف وأن شيخه عمر بن جابر أضعف منه ~~وخرج البزار في مسنده والطبراني في معجمه الأوسط واللفظ للطبراني عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يكون في أمتي المهدي إن قصر فسبع ~~وإلا فثمان وإلا فتسع تنعم فيها أمتي نعمة لم ينعموا بمثلها ترسل السماء ~~عليهم مدرارا ولا تذخر الأرض شيئا من النبات والمال كدوس يقوم الرجل يقول ~~يا مهدي اعطني فيقول خذ قال الطبراني والبزار تفرد به محمد بن مروان العجلي ~~زاد البزار ولا نعلم أنه تابعه عليه أحد وهو وإن وثقه أبو داود وابن حبان ~~أيضا بما ذكره في الثقات وقال فيه يحيى بن معين صالح وقال مرة ليس به بأس ~~فقد اختلفوا فيه وقال أبو زرعة ليس عندي بذلك وقال عبد الله بن أحمد بن ~~حنبل رأيت محمد بن مروان العجلي حدث بأحاديث وأنا شاهد لم نكتبها تركتها ~~على عمد وكتب بعض أصحابنا عنه كأنه ضعفه وخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده ~~عن أبي هريرة وقال حدثني خليلي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم ~~الساعة حتى يخرج عليهم رجل من أهل بيتي فيضربهم حتى يرجعوا إلى الحق قال ~~قلت وكم يملك قال خمسا واثنتين قال قلت وما خمسا واثنتين قال لا أدري اه ~~وهذا السند غير محتج به وإن قال فيه بشير بن نهيك وقال فيه أبو حاتم لا ~~يحتج به فقد احتج به الشيخان ووثقه الناس ولم يلتفتوا إلى قول أبي حاتم لا ~~يحتج به إلا أنه قال فيه رجاء بن أبي رجاء اليشكري وهو مختلف فيه قال أبو ms341 ~~زرعة ثقة وقال يحيى بن معين ضعيف وقال أبو داود ضعيف وقال مرة صالح وعلق له ~~البخاري في صحيحه حديثا واحدا وخرج أبو بكر البزار في مسنده والطبراني في ~~معجمه الكبير والأوسط عن قرة بن إياس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لتملأن الأرض جورا وظلما فإذا ملئت جورا وظلما بعث الله رجلا من أمتي اسمه ~~اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما فلا تمنع ~~السماء من قطرها شيئا ولا تذخر الأرض شيئا من نباتها يلبث فيكم سبعا أو ~~ثمانيا أو تسعا PageV01P321 يعني سنين أو وفيه داود بن المحبي بن المحرم عن ~~أبيه وهما ضعيفان جدا وخرج الطبراني في معجمه الأوسط عن ابن عمر قال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المهاجرين والأنصار وعلي بن أبي ~~طالب عن يساره والعباس عن يمينه إذ تلاحى العباس ورجل من الأنصار فأغلظ ~~الأنصاري للعباس فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد العباس وبيد علي وقال ~~سيخرج من صلب هذا حتى يملأ الأرض جورا وظلما وسيخرج من صلب هذا حتى يملأ ~~الأرض قسطا وعدلا فإذا رأيتم ذلك فعليكم بالفتى التميمي فإنه يقبل من قبل ~~المشرق وهو صاحب راية المهدي انتهى وفيه عبد الله بن عمر وعبد الله بن ~~لهيعة وهما ضعيفان أو وخرج الطبراني في معجمه الأوسط عن طلحة بن عبد الله ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ستكون فتنة لا يسكن منها جانب إلا تشاجر ~~جانب حتى ينادي مناد من السماء إن أميركم فلان وفيه المثنى بن الصباح وهو ~~ضعيف جدا وليس في الحديث تصريح بذكر المهدي وإنما ذكروه في أبوابه وترجمته ~~استئناسا فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر ~~الزمان وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل والأقل منه وربما ~~تمسك المنكرون لشأنه بما رواه محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح بن أبي ~~عياش عن الحسن البصري عن أنس بن مالك ms342 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لا مهدي إلا عيسى بن مريم وقال يحيى بن معين في محمد بن خالد إنه ثقة وقال ~~البيهقي تفرد به محمد بن خالد وقال الحاكم فيه إنه رجل مجهول واختلف عليه ~~في إسناده فمرة يروونه كما تقدم وينسب ذلك لمحمد بن أدريس الشافعي ومرة ~~يروونه عن محمد بن خالد عن أبان عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومرسلا قال البيهقي فرجع إلى رواية محمد بن خالد وهو مجهول عن ابان بن أبي ~~عياش وهو متروك عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو منقطع وبالجملة ~~فالحديث ضعيف مضطرب وقد قيل ان لا مهدي إلا عيسى أن لا يتكلم في المهد إلا ~~عيسى يحاولون بهذا التأويل رد ألاحتجاج به أو الجمع بينه وبين الاحاديث وهو ~~مدفوع بحديث جريح ومثله من الخوارق وأما المتصوفة فلم يكن المتقدمون منهم ~~يخوضون في شيء من هذا وإنما كان كلامهم في المجاهدة PageV01P322 بالأعمال ~~وما يحصل عنها من نتائج المواجد والأحوال وكان كلام الإمامية والرافضة من ~~الشيعة في تفضيل علي رضي الله تعالى عنه والقول بأمته وادعاء الوصية له ~~بذلك من النبي صلى الله عليه وسلم والتبرى من الشيخين كما ذكرناه في ~~مذاهبهم ثم حدث فيهم بعد ذلك القول بالإمام المعصوم وكثرت التآليف في ~~مذاهبهم وجاء الإسماعيلية منهم يدعون ألوهية الإمام بنوع من الحلول وآخرون ~~يدعون رجعة من مات من الأئمة بنوع التناسخ وآخرون منتظرون مجيء من يقطع ~~بموته منهم وآخرون منتظرون عود الأمر في أهل البيت مستدلين على ذلك بما ~~قدمناه من الأحاديث في المهدي وغيرها ثم حدث أيضا عند المتأخرين من الصوفية ~~الكلام في الكشف وفيما وراء الحس وظهر من كثير منهم القول على الإطلاق ~~بالحلول والوحدة فشاركوا فيها الإمامية والرافضة لقولهم بألوهية الأئمة ~~وحلول الإله فيهم وظهر منهم أيضا القول بالقطب والإبدال وكأنه يحاكى مذهب ~~الرافضة في الإمام والنقباء وأشربوا أقوال الشيعة وتوغلوا في الديانة ~~بمذاهبهم حتى جعلوا مستند طريقهم في لبس الخرقة ms343 أن عليا رضي الله عنه ~~ألبسها الحسن البصري وأخذ عليه العهد بالتزام الطريقة واتصل ذلك عنهم ~~بالجنيد من شيوخهم ولا يعلم هذا عن علي من وجه صحيح ولم تكن هذه الطريقة ~~خاصة بعلي كرم الله وجهه بلا الصحابة كلهم أسوة في طريق وامتلأت كتب ~~الإسماعيلية من الرافضة وكتب المتأخرين من المتصوفة بمثل ذلك في الفاطمي ~~المنتظر وكان بعضهم يمليه على بعض ويلقنه بعضهم عن بعض وكأنه مبني على أصول ~~واهية من الفريقين وربما يستدل بعضهم بكلام المنجمين في القرانات وهو من ~~نوع الكلام في الملاحم ويأتي الكلام عليها في الباب الذي يلي هذا وأكثر من ~~تكلم من هؤلاء المتصوفة المتأخرين في شأن الفاطمي ابن العربي الحاتمي في ~~كتاب عنقاء مغرب وابن قسي في كتاب خلق النعلين وعبد الحق بن سبعين وابن أبي ~~واصل تلميذه في شرحه لكتاب خلع النعلين وأكثر كلماتهم في شأنه ألغاز وأمثال ~~وربما يصرحون في الأقل أو يصرح مفسرو PageV01P323 كلامهم وحاصل مذهبهم فيه ~~على ما ذكر ابن أبي واصل أن النبؤة بها ظهر الحق والهدى بعد الضلال والعمى ~~وأنها تعقبها الخلافة ثم يعقب الخلافة الملك ثم يعود تجبرا وتكبرا وباطلا ~~قالوا ولما كان في المعهود من سنة الله رجوع الأمور إلى ما كانت وجب أن ~~يحيا أمر النبؤة والحق بالولاية ثم بخلافتها ثم يعقبها الدجل مكان الملك ~~والتسلط ثم يعود الكفر بحاله يشيرون بهذا لما وقع من شأن النبؤة والخلافة ~~بعدها والملك بعد الخلافة هذه ثلاث مراتب وكذلك الولاية التي هي لهذا ~~الفاطمي والدجل بعدها كنابة عن خروج الدجال على أثره والكفر من بعد ذلك فهي ~~ثلاث مراتب على نسبة الثلاث المراتب الأولى قالوا ولما كان أمر الخلافة ~~لقريش حكما شرعيا بالإجماع الذي لا يوهنه إنكار من لم يزاول علمه وجب أن ~~تكون الإمامة فيمن هو أخص من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم إما ظاهرا ~~كبني عبد المطلب وإما باطنا ممن كان من حقيقة الآل والآل من إذ حضر لم يلقب ~~من هو آله وابن العربي ms344 الحاتمي سماه في كتابه عنقاء مغرب من تأليفه خاتم ~~الأولياء وكنى عنه بلبنة الفضة اشارة إلى حديث البخاري في باب خاتم النبيين ~~قال صلى الله عليه وسلم مثلي فيمن قبلي من الأنبياء كمثل رجل ابنتي بيتا ~~وأكمله حتى إذا لم يبق منه إلا موضع لبنة فأنا تلك اللبنة فيفسرون خاتم ~~النبيين باللبنة حتى أكملت البنيان ومعناه النبي الذي حصلت له النبؤة ~~الكاملة ويمثلون الولاية في تفاوت مرابتها بالنبؤة ويجعلون صاحب الكمال ~~فيها خاتم الأولياء أي حائز الرتبة التي هي خاتمة الولاية كما كان خاتم ~~الانبياء حائزا للمرتبة التي هي خاتمة النبؤة نكنى الشارح عن تلك المرتبة ~~الخاتمة بلبنة البيت في الحديث المذكور وهما على نسبة واحدة فيهما فهي لبنة ~~واحدة في التمثيل ففي النبؤة لبنة ذهب وفي الولاية لبنة فضة للتفاوت بين ~~الرتبتين كما بين الذهب والفضة الولي الفاطمي المنتظر وذلك خاتم الأنبياء ~~وهذا خاتم الأولياء وقال ابن العربي فيما نقل ابن أبي واصل عنه وهذا الإمام ~~المنتظر هو من أهل البيت من ولد فاطمة وظهوره يكون من بعد مضي خ ف ج من ~~الهجرة ورسم حروفا ثلثة يريد عددها بحساب الجمل وهو الخاء المعجمة بواحدة ~~من PageV01P324 فوق ستمائة والفاء أخت القاف بثمانين والجيم المعجمة بواحدة ~~من أسفل ثلاثة وذلك ستمائة وثلاث وثمانون سنة وهي آخر القرن السابع ولما ~~انصرم هذا العصر ولم يظهر حمل ذلك بعض المقلدين لهم على أن المراد بتلك ~~المدة مولده وعبر بظهوره عن مولده وأن خروجه يكون بعد العشر والسبع المائة ~~فإنه الإمام الناجم من ناحية المغرب قال وإذا كان مولده كما زعم ابن العربي ~~سنة ثلاث وثمانين وستمائة فيكون عمره عند خروجه ستا وعشرين سنة قال وزعموا ~~أن خروج الدجال يكون سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة من اليوم المحمدي وابتداء ا ~~ليوم المحمدي عندهم من يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى تمام ألف سنة ~~قال ابن أبي واصل في شرحه كتاب خلع النعلين الولي المنتظر القائم بأمر الله ~~المشار إليه بمحمد المهدي وخاتم ms345 الأولياء وليس هو بنبي وإنما هو ولي ابتعثه ~~روحه وحبيبه قال صلى الله عليه وسلم العالم في قومه كالنبي في أمته وقال ~~علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ولم تزل البشرى تتابع به من أول اليوم ~~المحمدي إلى قبيل الخمسمائة نصف اليوم وأكدت وتضاعفت بتباشير المشايخ ~~بتقريب وقته وازدلاف زمانه منذ انقضت إلى هلم جرا قال وذكر الكندي أن هذا ~~الولي هو الذي يصلي بالناس صلاة الظهر ويجدد الإسلام ويظهر العدل ويفتح ~~جزيرة الأندلس ويصل إلى رومية فيفتحها ويسير إلى المشرق فيفتحه ويفتح ~~القسطنطينية ويصير له ملك الأرض فيتقوى المسلمون ويعلو الإسلام ويطهر دين ~~الحنيفية فإن من صلاة الظهر إلى صلاة العصر وقت صلاة قال عليه الصلاة ~~والسلام ما بين هذين وقت وقال الكندي أيضا الحروف العربية غير المعجمة يعني ~~المفتتح بها سور القرآن جملة عددها سبعمائة وثلاث وأربعون وسبع دجالية ثم ~~ينزل عيسى في وقت صلاة العصر فيصلح الدنيا وتمشي الشاة مع الذئب ثم مبلغ ~~ملك العجم بعد إسلامهم مع عيسى مائة وستون عاما عدد حروف المعجم وهي ق ي ن ~~دولة العدل منها أربعون عاما قال ابن أبي واصل وما ورد من قوله لا مهدي إلا ~~عيسى فمعناه لا مهدي تساوي هدايته هدايته وقيل لا يتكلم في المهد إلا عيسى ~~وهذا مدفوع بحديث جريج وغيره وقد جاء في الصحيح أنه قال لا يزال هذا الأمر ~~قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليهم اثنا عشر خليفة PageV01P325 يعني ~~قرشيا وقد أعطى الوجود أن منهم من كان في أول الإسلام ومنهم من سيكون في ~~آخره وقال الخلافة بعدي ثلاثون أو احدى وثلاثون أو ست وثلاثون وانقضاؤها في ~~خلافة الحسن وأول أمر معاوية فيكون أول أمر معاوية خلافة أخذا بأوائل ~~الأسماء فهو سادس الخلفاء وأما سابغ الخلفاء فعمر بن عبد العزيز والباقون ~~خمسة من أهل البيت من ذرية علي يؤيده قوله إنك لذو قرنيها يريد الامة أي ~~إنك لخليفة في أولها وذريتك في آخرها وربما استدل بهذا الحديث القائلون ~~بالرجعة فالأول هو المشار ms346 إليه عندهم بطلوع الشمس من مغربها وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ~~والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله وقد أنفق عمر بن الخطاب كنوز ~~كسرى في سبيل الله والذي يهلك قيصر وينفق كنوزه في سبيل الله هو هذا ~~المنتظر حين يفتح القسطنطينية فنعم الأمير أميرها ونعم الجيش ذلك الجيش كذا ~~قال صلى الله عليه وسلم ومدة حكمه بضع والبضع من ثلاث إلى تسع وقيل إلى عشر ~~وجاء ذكر أربعين وفي بعض الروايات سبعين وأما الأربعون فإنها مدته ومدة ~~الخلفاء الأربعة الباقين من أهله القائمين بأمره من بعده على جميعهم السلام ~~قال وذكر أصحاب النجوم والقرانات أن مدة بقاء أمره وأهل بيته من بعده مائة ~~وتسعة وخمسون عاما فيكون الأمر على هذا جاريا على الخلافة والعدل أربعين أو ~~سبعين ثم تختلف الأحوال فتكون ملكا انتهى كلام ابن أبي واصل وقال في موضع ~~آخر نزول عيسى يكون في وقت صلاة العصر من اليوم المحمدي حين تمضي ثلاثة ~~أرباعه قال وذكر الكندي يعقوب بن إسحاق في كتاب الجفر الذي ذكر فيه ~~القرانات أنه إذا وصل القرآن إلى الثور على رأس ضح بحرفين الضاد المعجمة ~~والحاء المهملة يريد ثمانية وتسعين وستمائة من الهجرة ينزل المسيح فيحكم في ~~الأرض ما شاء الله تعالى قال وقد ورد في الحديث أن عيسى ينزل عند المنارة ~~البيضاء شرقي دمشق ينزل بين مهرودتين يعني حلتين مزعفرتين صفراوين ممصرتين ~~واضعا كفيه على أجنحة الملكين له لمة كأنما خرج من ديماس إذا طأطأ رأسه قطر ~~وإذا رفعه تحدر منه جمان PageV01P326 كاللؤلؤ كثير خيلان الوجه وفي حديث ~~آخر مربوع الخلق وإلى البياض والحمرة وفي آخر أنه يتزوج في الغرب والغرب ~~دلو البادية يريد أنه يتزوج منها وتلد زوجته وذكر وفاته بعد أربعين عاما ~~وجاء أن عيسى يموت بالمدينة ويدفن إلى جانب عمر ابن الخطاب وجاء أن أبا بكر ~~وعمر يحشران بين نبيين قال ابن أبي واطيل والشيعة تقول ms347 إنه هو المسيح مسيح ~~المسائح من آل محمد قلت وعليه حمل بعض المتصوفة حديث لا مهدي إلا عيسى أي ~~لا يكون مهدي إلا المهدي الذي نسبته إلى الشريعة المحمدية نسبة عيسى إلى ~~الشريعة الموسوية في الأتباع وعدم النسخ إلى كلام من أمثال هذا يعينون فيه ~~الوقت والرجل والمكان بأدلة واهية وتحكمات مختلفة فينقضي الزمان ولا أثر ~~لشيء من ذلك فيرجعون إلى تجديد رأي آخر منتحل كما تراه من مفهومات لغوية ~~وأشياء تخييلية وأحكام نجومية في هذا انقضت أعمار الأول منهم والآخر وأما ~~المتصوفة الذين عاصرناهم فأكثرهم يشيرون إلى ظهور رجل مجدد لأحكام الملة ~~ومراسم الحق ويتحينون ظهوره لما قرب من عصرنا فبعضهم يقول من ولد فاطمة ~~وبعضهم يطلق القول فيه سمعناه من جماعة اكبرهم أبو يعقوب البادسيء كبير ~~الأولياء بالمغرب كان في أول هذه المائة الثامنة وأخبرني عنه حافده صاحبنا ~~أبو يحيى زكرياء عن أبيه أبي محمد عبد الله عن أبيه الولي أبي يعقوب ~~المذكور هذا آخر ما اطلعنا عليه أو بلغنا من كلام هؤلاء المتصوفة وما أورده ~~أهل الحديث من أخبار المهدي قد استوفينا جميعه بمبلغ طاقتنا والحق الذي ~~ينبغي أن يتقرر لديك أنه لا تتم دعوة من الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية ~~تظهره وتدافع عنه من يدفعه حتى يتم أمر الله فيه وقد قررنا ذلك من قبل ~~بالبراهين القطعية التي أريناك هناك وعصبية الفاطميين بل وقريش أجمع قد ~~تلاشت من جميع الآفاق ووجد امم آخرون قد استملت عصبيتهم على عصبية قريش إلا ~~ما بقي بالحجاز في مكة وينبع بالمدينة من الطالبين من بني حسن وبني حسين ~~وبني جعفر وهم منتشرون في تلك البلاد وغالبون عليها وهم عصائب بدوية ~~متفرقون في مواطنهم وإماراتهم وآرائهم يبلغون آلافا من الكثرة فإن صح ظهور ~~هذا المهدي فلا وجه لظهور دعوته إلا بأن يكون منهم ويؤلف الله بين قلوبهم ~~في اتباعه حتى تتم له شوكه وعصية وافيه بإظهار PageV01P327 كلمته وحمل ~~الناس عليها وأما على غير هذا الوجه مثل أن يدعو فاطمي منهم ms348 إلى مثل هذا ~~الأمر في أفق من الآفاق من غير عصبية ولا شوكة إلا مجرد نسبة في أهل البيت ~~فلا يتم ذلك ولا يمكن لما أسلفناه من البراهين الصحيحة وأما ما تدعيه ~~العامة والأغمار من الدهماء ممن لا يرجع في ذلك إلى عقل يهديه ولا علم ~~يفيده فيجيبون ذلك على غير نسبة وفي غير مكان تقليدا لما اشتهر من ظهور ~~فاطمي ولا يعلمون حقيقة الأمر كما بيناه وأكثر ما يجيبون في ذلك القاصية من ~~الممالك وأطراف العمران مثل الزاب بأفريقية والسوس من المغرب ونجد الكثير ~~من ضعفاء البصائر يقصدون رباطا بماسة لما كان ذلك الرباط بالمغرب من ~~الملثمين من كدالة واعتقادهم أنه منهم أو قائمون بدعوته زعما لا مستند لهم ~~إلا غرابة تلك الأمم وبعدهم عن يقين المعرفة بأحوالها من كثرة أو قلة أو ~~ضعف أو قوة ولبعد القاصية عن منال الدولة وخروجها عن نطاقها فتقوى عندهم ~~الأوهام في ظهوره هناك بخروجه عن ربقة الدولة ومنال الأحكام والقهر ولا ~~محصول لديهم في ذلك إلا هذا وقد يقصد ذلك الموضع كثير من ضعفاء العقول ~~للتلبيس بدعوة تمامها وسواسا وحمقا وقتل كثير منهم اخبرني شيخنا محمد بن ~~إبراهيم الأبلي قال خرج برباط ماسة لأول المائة الثامنة وعصر السلطان يوسف ~~بن يعقوب رجل من منتحلي التصوف يعرف بالتويزري نسبة إلى توزر مصغرا وادعى ~~أنه الفاطمي المنتظر واتبعه الكثير من اهل السوس من ضالة وكزولة وعظم أمره ~~وخافه رؤساء المصامدة على أمرهم فدس عليه السكسوي من قتله بتاتا وانحل أمره ~~وكذلك ظهر في غمارة في آخر المائة السابعة وعشر التسعين منها رجل يعرف أمره ~~وكثير من هذا النمط وأخبرني شيخنا المذكور بغريبة في مثل هذا وهو أنه صحب ~~في حجه في رباط العباد وهو مدفن الشيخ أبي مدين في جبل تلمسان المطل عليها ~~رجلا من أهل البيت من سكان كربلاء كان مبتوعا معظما كثير التلميذ والخادم ~~قال وكان الرجال من موطنه يتلقونه بالنفقات في أكثر البلدان قال وتاكدت ~~الصحبة بيننا في ذلك الطريق فانكشف ms349 لي أمرهم وأنهم إنما جاءوا PageV01P328 ~~من موطنهم بكربلاء لطلب هذا الأمر وانتحال دعوة الفاطمي بالمغرب فلما عاين ~~دولة بني مرين ويوسف بن يعقوب يومئذ منازل تلمسان قال لأصحابه ارجعوا فقد ~~أزرى بنا الغلط وليس هذا الوقت وقتنا ويدل هذا القول من هذا الرجل على أنه ~~مستبصر في أن الأمر لا يتم إلا بالعصبية المكافئة لأهل الوقت فلما علم أنه ~~غريب في ذلك الوطن ولا شوكة له وأن عصبية بني مرين لذلك العهد لا يقاومها ~~أحد من أهل المغرب استكان ورجع إلى الحق وأقصر عن مطامعه وبقي عليه أن ~~يستيقن أن عصبية الفواطم وقريش أجمع قد ذهبت لا سيما في المغرب إلا أن ~~التعصب لشأنه لم يتركه لهذا القول والله يعلم وأنتم لا تعلمون وقد كانت ~~بالمغرب لهذه العصور القريبة نزعة من الدعاة إلى الحق والقيام بالسنة لا ~~ينتحلون فيها دعوة فاطمي ولا غيره وإنما ينزع منهم في بعض الأحيان الواحد ~~فالواحد إلى إقامة السنة وتغيير المنكر ويعتنى بذلك ويكثر تابعه وأكثر ما ~~يعنون بإصلاح السابلة لما أن أكثر فساد الأعراب فيها لما قدمناه من طبيعة ~~معاشهم فيأخذون في تغيير المنكر بما استطاعوا إلا أن الصبغة الدينية فيهم ~~لم تستحكم لما أن توبة العرب ورجوعهم إلى الدين إنما يقصدون بها الإقصار عن ~~الغارة والنهب لا يعقلون في توبتهم وإقبالهم إلى مناحي الديانة غير ذلك ~~لأنها المعصية التي كانوا عليها قبل المقربة ومنا توبتهم فتجد ذلك المنتحل ~~للدعوة والقائم بزعمه بالسنة غير متعمقين في فروع الاقتداء والاتباع إنما ~~دينهم الإعراض عن النهب والبغي وإفساد السابلة ثم الإقبال على طلب الدنيا ~~والمعاش بأقصى جهدهم وشتان بين هذا الأجر من إصلاح الخلق ومن طلب الدنيا ~~فاتفاقهما ممتنع لا تستحكم له صبغة في الدين ولا يكمل له نزوع عن الباطل ~~على الجملة ولا يكثرون ويختلف حال صاحب الدعوة معهم في استحكام دينه ~~وولايته في نفسه دون تباعه فإذا هلك انحل امرهم وتلاشت عصبيتهم وقد وقع ذلك ~~بأفريقية لرجل من كعب من سليم يسمى قاسم بن ms350 مرة بن أحمد في المائة السابعة ~~ثم من بعده لرجل آخر من بادية رياح من بطن منهم يعرفون بمسلم وكان يسمى ~~سعادة وكان أشد دينا من الأول وأقوم طريقة في نفسه ومع ذلك فلم يستتب أمر ~~تابعه كما ذكرناه حسبما يأتي ذكر في موضعه عند ذكر قبائل PageV01P329 سليم ~~ورياح وبعد ذلك ظهر ناس بهذه الدعوة يتشبهون بمثل ذلك ويلبسون فيها ~~وينتحلون اسم السنة وليسوا عليها إلا الأقل فلا يتم لهم ولا لمن بعدهم شيء ~~من أمرهم انتهى $ الفصل الثالث والخمسون في ابتداء الدول والامم وفي الكلام ~~على الملاحم والكشف عن مسمى الجفر # اعلم أن من خواص النفوس البشرية التشوق إلى عواقب أمورهم وعلم ما يحدث ~~لهم من حياة وموت وخير وشر سيما الحوادث العامة كمعرفة ما بقي من الدنيا ~~ومعرفة مدد الدول أو تفاوتها والتطلع إلى هذا طبيعة مجبولون عليها ولذلك ~~تجد الكثير من الناس يتشوقون إلى الوقوف على ذلك في المنام والأخبار من ~~الكهان لمن قصدهم بمثل ذلك من الملوك والسوقة معروفة ولقد نجد في المدن ~~صنفا من الناس ينتحلون المعاش من ذلك لعلمهم بحرص الناس عليه فينتصبون لهم ~~في الطرقات والدكاكين يتعرضون لمن يسألهم عنه فتغدو عليهم وتروح نسوان ~~المدنية وصبيانها وكثير من ضعفاء العقول يستكشفون عواقب أمرهم في الكسب ~~والجاه والمعاش والمعاشرة والعداوة وأمثال ذلك ما بين خط في الرمل ويسمونه ~~المندل وهو من المنكرات الفاشية في الأمصار لما تقرر في الشريعة من ذم ذلك ~~وإن البشر محجوبون عن الغيب غلا من أطلعه الله عليه من عنده في نوم أو ~~ولاية وأكثر ما يعتني بذلك ويتطلع إليه الأمراء والملوك في آماد دولتهم ~~ولذلك انصرفت العناية من أهل العلم إليه وكل أمة من الأمم يوجد لهم كلام من ~~كاهن أو منجم أو ولي في مثل ذلك من ملك يرتقبونه أو دولة يحدثون أنفسهم بها ~~وما يحدث لهم من الحرب والملاحم ومدة بقاء الدولة وعدد الملوك فيها والتعرض ~~لأسمائهم ويسمى مثل ذلك الحدثان وكان في العرب الكهان والعرافون يرجعون ms351 ~~إليهم في ذلك وقد أخبروا بما سيكون العرب من الملك والدولة كما وقع لشق ~~وسطيح في تأويل رؤيا ربيعة بن نصر من ملوك اليمن أخبرهم بملك الحبشة بلادهم ~~ثم رجوعه إليهم ثم ظهر الملك والدولة للعرب من بعد ذلك وكذا PageV01P330 ~~تأويل سطيح لرؤيا المبوذان حيث بعث إليه كسرى بها مع عبد المسيح وأخبرهم ~~بظهور دولة العرب وكذا كان في جيل البربر كهان من أشهرهم موسى بن صالح من ~~بني يفرن ويقال من غمرة له كلمات حدثانية على طريقة الشعر برطانتهم وفيها ~~حدثان كثير ومعظمه فيما يكون لزناتة من الملك والدولة بالمغرب وهي متداولة ~~بين أهل الجيل وهم يزعمون تارة أنه ولي وتارة أنه كاهن وقد يزعم بعض ~~مزاعمهم أنه كان نبيا لأن تأريخه عندهم قبل الهجرة بكثير والله أعلم وقد ~~يستند الجيل إلى خبر الأنبياء إن كان لعهدهم كما وقع لبني إسرائيل فإن ~~أنبياءهم المتعاقبين فيهم كانوا يخبرونهم بمثله عندما يعنونهم في السؤال ~~عنه وأما في الدولة الإسلامية فوقع منه كثير فيما يرجع إلى بقاء الدنيا ~~ومدتها على العموم وفيما يرجع إلى الدولة وأعمارها على الخصوص وكان المعتمد ~~في ذلك في من صدر الإسلام لآثار منقولة عن الصحابة وخصوصا مسلمة بني ~~إسرائيل مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما وربما اقتبسوا بعض ذلك من ~~ظواهر مأثورة وتأويلات محتملة ووقع لجعفر وأمثاله من أهل البيت كثير من ذلك ~~مستندهم فيه والله أعلم الكشف بما كانوا عليه من الولاية وإذا كان مثله لا ~~ينكر من غيرهم من الأولياء في ذويهم وأعقابهم وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~إن فيكم محدثين فهم أولى الناس بهذه الرتب الشريفة والكرامات الموهوبة وأما ~~بعد صدر الملة وحين علق الناس على العلوم والاصطلاحات ترجمت كتب الحكماء ~~إلى اللسان العربي فأكثر معتمدهم في ذلك كلام المنجمين في الملك والدول ~~وسائر الأمور العامة من القرانات وفي المواليد والمسائل وسائر الأمور ~~الخاصة من الطوالع لها وهي شكل الفلك عند حدوثها فلنذكر الآن ما وقع لأهل ~~الأثر في ذلك ثم نرجع ms352 إلى كلام المنجمين أما أهل الأثر فلهم في مدة الملل ~~وبقاء الدنيا على ما وقع في كتباب السهيلي فإنه نقل عن الطبري ما يقتضي أن ~~مدة بقاء الدنيا منذ الملة خمسمائة سنة ونقض ذلك بظهور كذبه ومستند الطبري ~~في ذلك أنه نقل عن ابن عباس أن الدنيا جمعة من جمع الآخرة ولم يذكر لذلك ~~دليلا وسره والله أعلم تقدير الدنيا بأيام خلق السماوات والأرض وهي سبعة ثم ~~اليوم بألف سنة لقوله وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون وقد ثبت في ~~PageV01P331 الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أجلكم في أجل من ~~كان قبلكم من صلاة العصر إلى غروب الشمس وقال بعثت أنا والساعة كهاتين ~~وأشار بالسبابة والوسطى وقدر ما بين صلاة العصر وغروب الشمس حين صيرورة ظل ~~كل شيء مثليه يكون على التقريب نصف سبع وكذلك وصل الوسطى على السبابة فتكون ~~هذه المدة نصف سبع الجمعة كلها وهو خمسمائة سنة ويؤيده قوله صلى الله عليه ~~وسلم لن يعجز الله أن يؤخر هذه الأمة نصف يوم فدل ذلك على أن مدة الدنيا ~~قبل الملة خمسة آلاف وخمسمائة سنة وعن وهب بن منبه أنها خمسة آلاف وستمائة ~~سنة أعني الماضي وعن كعب أن مدة الدنيا كلها ستة آلاف سنة قال السهيلي وليس ~~في الحديثين ما يشهد لشيء مما ذكره مع وقوع الوجود بخلافه فأما قوله لن ~~يعجز الله ان يؤخر هذه الأمة نصف يوم فلا يقتضي نفي الزيادة على النصف وأما ~~قوله بعثت أنا والساعة كهاتين فانما فيه الإشارة إلى القرب وأنه ليس بينه ~~وبين الساعة نبي غيره ولا شرع غير شرعه ثم رجع السهيلي إلى تعيين أمد الملة ~~من مدرك آخر لو ساعده التحقيق وهو أنه جمع الحروف المقطعة في أوائل السور ~~بعد حذف المكرر قال وهي أربعة عشر حرفا يجمعها قولك الم يسطع نص حق كره ~~فأخذ عددها بحساب الجمل فكان سبعمائة وثلاثة أضافه إلى المنقضي من الألف ~~الآخر قبل بعثته فهذه هي مدة الملة قال ms353 ولا يبعد ذلك أن يكون من مقتضيات ~~هذه الحروف وفوائدها قلت وكونه لا يبعد لا يقتضي ظهوره ولا التعويل عليه ~~والذي حمل السهيلي على ذلك إنما هو ما وقع في كتاب السير لابن إسحاق في ~~حديث ابني أخطب من أحبار اليهود وهما أبو ياسر وأخوه حي حين سمعا من الأحرف ~~المقطعة ألم وتأولاها على بيان المدة بهذا الحساب فبلغت إحدى وسبعين ~~فاستقلا المدة وجاء حي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله هل مع هذا غيره ~~فقال المص ثم استزاد الرثم ثم استزاد المر فكانت إحدى وسبعين ومائتين ~~فاستطال المدة وقال قد لبس علينا أمرك يا محمد حتى لا ندري أقليلا أعطيت أم ~~كثيرا ثم ذهبوا عنه وقال لهم أبو ياسر ما يدريكم لعله أعطى عددها كلها ~~تسعمائة وأربع سنين قال ابن إسحاق فنزل قوله تعالى منه PageV01P332 آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات اه ولا يقوم من القصة دليل على تقدير ~~الملة بهذا العدد لأن دلالة هذه الحروف على تلك الأعداد ليست طبيعية ولا ~~عقلية وإنما هي بالتواضع والاصطلاح الذي يسمونه حساب الجمل نعم إنه قديم ~~مشهور وقدم الاصطلاح لا يصير حجة وليس أبو ياسر وأخوه حي ممن يؤخذ رأيه في ~~ذلك دليلا ولا من علماء اليهود لأنهم كانوا بادية بالحجاز غفلا عن الصنائع ~~والعلوم حتى عن علم شريعتهم وفقه كتابهم وملتهم وإنما يتلقفون مثل هذا ~~الحساب كما تتلقفه العوام في كل ملة فلا ينهض للسهيلي دليل على ما ادعاه من ~~ذلك ووقع في الملة في حدثان دولتها على الخصوص مسند من الأثر إجمالي في ~~حديث خرجه أبو داود عن حذيفة بن اليمان من طريق شيخه محمد بن يحيى الذهبي ~~عن سعيد ابن أبي مريم عن عبد الله بن فروخ عن أسامة بن زيد الليثي عن أبي ~~قبيصة بن ذؤيب عن أبيه قال قال حذيفة بن اليمان والله ما ادري أنسي أصحابي ~~أم تناسوه والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قائد فئة إلى أن ~~تنقضي ms354 الدنيا لا يبلغ من معه ثلثمائة فصاعدا إلا قد سماه باسمه واسم أبيه ~~وقبيلته وسكت عليه أبو داود وقد تقدم أنه قال في رسالته ما سكت عليه في ~~كتابه فهو صالح وهذا الحديث إذا كان صحيحا فهو مجمل ويفتقر في بيان إجماله ~~وتعيين مبهماته إلى آثار أخرى يجود أسانيدها وقد وقع إسناد هذا الحديث في ~~غير كتاب السنن على غير هذا الوجه فوقع في الصحيحين من حديث حذيفة أيضا قال ~~قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فما ترك شيئا يكون في مقامه ~~ذاك إلى قيام الساعة إلا حدث عنه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه قد علمه ~~أصحابه هؤلاء اه ولفظ البخاري ما ترك شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره وفي ~~كتاب الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوما صلاة العصر بنهار ثم قام خطيبا فلم يدع شيئا يكون إلى قيام ~~الساعة إلا أخبرنا به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه وهذه الأحاديث كلها ~~محمولة على ما ثبت في الصحيحين من أحاديث الفتن والاشتراط لا غير لأنه ~~المعهود من الشارع صلوات الله وسلامه عليه في أمثال هذه العمومات وهذه ~~الزيادة التي تفرد بها أبو داود في هذه الطريق شاذه منكرة مع أن الأئمة ~~اختلفوا في رجاله فقال ابن أبي مريم في PageV01P333 ابن فروخ أحاديثه ~~مناكير وقال البخاري يعرف منه وينكر وقال ابن عدي أحاديثه غير محفوظة ~~وأسامة بن زيد وإن خرج له في الصحيحين ووثقه ابن معين فإنما خرج له البخاري ~~استشهادا وضعفه يحيى بن سعيد وأحمد بن حنبل وقال ابن حاتم يكتب حديثه ولا ~~يحتج به وأبو قبيصة ابن ذؤيب مجهول فتضعف هذه الزيادة التي وقعت لأبي داود ~~في هذا الحديث من هذه الجهات مع شذوذها كما مر وقد يستندون في حدثان الدول ~~على الخصوص إلى كتاب الجفر ويزعمون أن فيه علم ذلك كله من طريق الآثار ~~والنجوم لا يزيدون على ذلك ولا يعرفون أصل ذلك ولا ms355 مستنده واعلم أن كتاب ~~الجفر كان أصله أن هارون بن سعيد العجلي وهو رأس الزيدية كان له كتاب يرويه ~~عن جعفر الصادق وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم ولبعض الأشخاص منهم ~~على الخصوص وقع ذلك لجعفر ونظائره من رجالاتهم على طريق الكرامة والكشف ~~الذي يقع لمثلهم من الأولياء وكان مكتوبا عند جعفر في جلد ثور صغير فرواه ~~عنه هارون العجلي وكتبه وسماه الجفر باسم الجلد الذي كتب فيه لأن الجفر في ~~اللغة هو الصغير وصار هذا الاسم علما على هذا الكتاب عندهم وكان فيه تفسير ~~القرآن وما في باطنه من غرائب المعاني مروية عن جعفر الصادق وهذا الكتاب لم ~~تتصل روايته ولا عرف عينه وإنما يظهر منه شواذ من الكلمات لا يصحبها دليل ~~ولو صح السند إلى جعفر الصادق لكان فيه نعم المستند من نفسه أو من رجال ~~قومه فهم أهل الكرامات وقد صح عنه أنه كان يحذر بعض قرابته بوقائع تكون لهم ~~فتصح كما يقول وقد حذر يحيى ابن عمه زيد من مصرعه وعصاه فخرج وقتل ~~بالجوزجان كما هو معروف وإذا كانت الكرامة تقع لغيرهم فما ظنك بهم علما ~~ودينا وآثارا من النبؤة وعناية من الله بالأصل الكريم تشهد لفروعه الطيبة ~~وقد ينقل بين أهل البيت كثير من هذا الكلام غير منسوب إلى أحد وفي أخبار ~~دولة العبيديين كثير منه وانظر ما حكاه ابن الرقيق في لقاء أبي عبد الله ~~الشيعي لعبيد الله المهدي مع أبيه محمد الحبيب وما حدثاه به وكيف بعثاه إلى ~~بنى المهدية بعد استفحال PageV01P334 دولتهم بأفريقية قال بنيتها ليعتصم ~~بها الفواطم ساعة من نهار وأراهم موقف صاحب الحمار أبي يزيد بالهدية وكان ~~يسأل عن منتهى موقفه حتى جاءه الخبر ببلوغه إلى المكان الذي عينه جده أبو ~~عبيد الله فأيقن بالظفر وبرز من البلد فهزمه واتبعه إلى ناحية الزاب فظفر ~~به وقتله ومثل هذه الأخبار كثيرة وأما المنجمون فيستندون في حدثان الدول ~~إلى الأحكام النجومية أما في الأمور العامة مثل الملك والدول فمن القرانات ms356 ~~وخصوصا بين العلويين وذلك أن العلويين زحل والمشتري يقترنان في كل عشرين ~~سنة مرة ثم يعود القران إلى برج آخر في تلك المثلثة من التثليث الأيمن ثم ~~بعده إلى آخر كذلك إلى أن يتكرر في المثلثة الواحدة ثنتي عشرة مرة تستوي ~~بروجه الثلاثة في ستين سنة ثم يعود فيستوي بها في ستين سنة ثم يعود ثالثة ~~ثم رابعة فيستوي في المثلثة بثنتي عشرة مرة وأربع عودات في مائتين وأربعين ~~سنة ويكون انتقاله في كل برج على التثليث الأيمن وينتقل من المثلثة إلى ~~المثلثة التي تليها أعني البرج الذي يلي البرج الأخير من القران الذي قبله ~~في المثلثة وهذا القران الذي هو قران العلويين ينقسم إلى كبير وصغير ووسط ~~فالكبير هو اجتماع العلويين في درجة واحدة من الفلك إلى أن يعود إليها بعد ~~تسعمائة وستين سنة مرة واحدة والوسط هو اقتران العلويين في كل مثلثة اثنتي ~~عشرة مرة وبعد مئتين وأربعين سنة ينتقل إلى مثلثة أخرى والصغير هو اقتران ~~العلويين في درجة برج وبعد عشرين سنة يقترنان في برج آخر على تثليثه الأيمن ~~في مثل درجه أو دقائقه مثال ذلك وقع القران يكون أول دقيقة من الحمل وبعد ~~عشرين يكون في أول دقيقة من الأسد وهذه كلها نارية وهذا كله قران صغير ثم ~~يعود إلى أول الحمل بعد ستين سنة ويسمى دور القران وعود القران وبعد مائتين ~~وأربعين ينتقل من النارية إلى الترابية لأنها بعدها وهذا قران وسط ثم ينتقل ~~إلى الهوائية ثم المائية ثم يرجع إلى أول الحمل في تسعمائة وستين سنة وهو ~~الكبير والقران الكبير يدل على عظام الأمور مثل تغيير الملك والدولة ~~وانتقال الملك من قوم إلى قوم والوسط على ظهور المتغلبين والطالبين للملك ~~والصغير على ظهور الخوارج والدعاة وخراب المدن أو عمرانها ويقع في أثناء ~~هذه القرانات قران النحسين في برج السرطان في كل ثلاثين PageV01P335 سنة ~~مرة ويسمى الرابع وبرج السرطان هو طالع العالم وفيه وبال زحل وهبوط المريخ ~~فتعظم دلالة هذا القران في الفتن والحروب وسفك ms357 الدماء وظهور الخوارج وحركة ~~العساكر وعصيان الجند والوباء والقحط ويدوم ذلك أو ينتهي على قدر السعادة ~~والنحوسة في وقت قرانهما على قدر تيسير الدليل فيه قال جراس بن أحمد الحاسب ~~في الكتاب الذي ألفه لنظام الملك ورجوع المريخ إلى العقرب له أثر عظيم في ~~الملة الإسلامية لأنه كان دليلها فالمولد النبوي كان عند قران العلويين ~~ببرج العقرب فلما رجع هنالك حدث التشويش على الخلفاء وكثر المرض في أهل ~~العلم والدين ونقصت أحوالهم وربما انهدم بعض بيوت العبادة وقد يقال إنه كان ~~عند قتل علي رضي الله عنه ومروان من بني أمية والمتوكل من بني العباس فإذا ~~روعيت هذه الأحكام مع أحكام القرانات كانت في غاية الإحكام وذكر شاذان ~~البلخي أن الملة تنتهي إلى ثلاثمائة وعشرين وقد ظهر كذب هذا القول وقال أبو ~~معشر يظهر بعد المائة والخمسين منا اختلاف كثير ولم يصح ذلك وقال خراش رأيت ~~في كتب القدماء أن المنجمين أخبروا كسرى عن ملك العرب وظهور النبوة فيهم ~~وأن دليلهم الزهرة وكانت في شرفها فيبقى الملك فيهم أربعين سنة وقال أبو ~~معشر في كتاب القرانات القسمة إذا انتهت إلى السابعة والعشرين من الحوت ~~فيها شرف الزهرة ووقع القران مع ذلك ببرج العقرب وهو دليل العرب ظهرت حينئذ ~~دولة العرب وكان منهم نبي ويكون قوة ملكه ومدته على ما بقي من درجات شرف ~~الزهرة وهي إحدى عشرة درجة بتقريب من برج الحوت ومدة ذلك ستمائة وعشر سنين ~~وكان ظهور أبي مسلم عند انتقال الزهرة ووقوع القسمة أول الحمل وصاحب الجد ~~المشتري وقال يعقوب ابن إسحاق الكندي إن مدة الملة تنتهي إلى ستمائة وثلاث ~~وتسعين سنه قال لأن الزهرة كانت عند قران الملة في ثمان وعشرين درجة ~~وثلاثين دقيقة من الحوت فالباقي إحدى عشرة درجة وثمان عشرة دقيقة ودقائقهما ~~ستون فيكون ستمائة وثلاثا وتسعين سنة قال وهذه مدة الملة باتفاق الحكماء ~~ويعضده الحروف الواقعة في أول السور بحذف المكرر واعتباره بحساب الجمل قلت ~~وهذا هو الذي ذكره السهيلي والغالب أن الأول ms358 هو مستند السهيلي فيما نلقناه ~~PageV01P336 عنه قال خراش هرمز سأل إفريز الحكيم عن مدة أردشير وولده ملوك ~~الساسانية فقال دليل ملكه المشتري وكان في شرفه فيعطى أطول السنين وأجودها ~~أربعمائة وسبعا وعشرين سنة ثم تزيد الزهرة وتكون في شرفها وهي دليل العرب ~~فيملكون لأن طالع القران الميزان وصاحبه الزهرة وكانت عند القران في شرفها ~~فدل أنهم يملكون ألف سنة وستين سنة وسأل كسرى أنو شروان وزيره بزر جمهر ~~الحكيم عن خروج الملك من فارس إلى العرب فأخبره أن القائم منهم يولد لخمس ~~وأربعين من دولته ويملك المشرق والمغرب والمشتري يغوص إلى الزهرة وينتقل ~~القران من الهوائية إلى العقرب وهو مائي وهو دليل العرب فهذه الأدلة تفضي ~~للملة بمدة دور الزهرة وهي ألف وستون سنة وسأل كسرى أبرويز أليوس الحكيم عن ~~ذلك فقال مثل قول بزر جمهر وقال توفيل الرومي المنجم في أيام بني أمية إن ~~ملة الإسلام تبقى مدة القران الكبير تسعمائة وستين سنة فإذا عاد القران إلى ~~برج العقرب كما كان في ابتداء الملة وتغير وضع الكواكب عن هيئتها في قران ~~الملة فحينئذ إما أن يفتر العمل به أو يتجدد من الإحكام ما يوجب خلاف الظن ~~قال خراش واتفقوا على أن خراب العالم يكون باستيلاء الماء والنار حتى تهلك ~~سائر المكونات وذلك عندما يقطع قلب الأسد أربعا وعشرين درجة وهي حد المريخ ~~وذلك بعد مضي تسعمائة وستين سنة وذكر خراش أن ملك زابلستان بعث إلى المأمون ~~بحكيمه ذوبان أتحفه به في هدية وأنه تصرف للمأمون في الاختبارات بحروب أخيه ~~وبعقد اللواء لطاهر وأن المأمون أعظم حكمته فسأله عن مدة ملكهم فأخبره ~~بانقطاع الملك من عقبه واتصاله في ولد أخيه وأن العجم يتغلبون على الخلافة ~~من الديلم في دولة سنة خمسين ويكون ما يريده الله ثم يسوء حالهم ثم تظهر ~~الترك من شمال المشرق فيملكون إلى الشام والفرات وسيحون وسيملكون بلاد ~~الروم ويكون ما يريده الله فقال له المامون من أين لك هذا فقال من كتب ~~الحكماء ومن أحكام صصه ms359 بن داهر الهندي الذي وضع الشطرنج قلت والترك الذين ~~أشار إلى ظهورهم بعد الديلم هم السلجوقية وقد انقضت دولتهم أول القرن ~~السابع قال خراش وانتقال القران إلى المثلثة المائية من برج الحوت يكون سنة ~~ثلاث وثلاثين وثمانمائة PageV01P337 ليزدجر وبعدها إلى برج العقرب حيث كان ~~قران الملة سنة ثلاث وخمسين قال والذي في الحوت هو أول الانتقال والذي في ~~العقرب يستخرج منه دلائل الملة قال وتحويل السنة الأولى من القران الأول في ~~المثلثات المائية في ثاني رجب سنة ثمان وستين وثمانمائة ولم يستوف الكلام ~~على ذلك وأما مستند المنجمين في دولة على الخصوص فمن القران الأوسط وهيئة ~~الفلك عند وقوعه لأن له دلاله عندهم على حدوث الدولة وجهاتها من العمران ~~والقائمين بها من الأمم وعد ملوكهم وأسمائهم وأعمارهم ونحلهم وأديانهم ~~وعوائدهم وحروبهم كما ذكر أبو معشر في كتابه في القرانات وقد توجد هذه ~~الدلالة من القران الأصغر إذا كان الأوسط دالا عليه فمن هذا يوجد الكلام في ~~الدول وقد كان يعقوب ابن إسحاق الكندي منجم الرشيد والمأمون وضع في ~~القرانات الكائنة في الملة كتابا سماه الشيعة بالجفر باسم كتابهم المنسوب ~~إلى جعفر الصادق وذكر فيه فيما يقال حدثان دولة بني العباس وأنها نهايته ~~وأشار إلى انقراضها والحادثة على بغداد أنها تقع في انتصاف المائة السابعة ~~وأنه بانقراضها يكون انقراض الملة ولم نقف على شيء من خبر هذا الكتاب ولا ~~رأينا من وقف عليه ولعله غرق في كتبهم التي طرحها هلاكو ملك التتر في دجلة ~~عند استيلائهم على بغداد وقتل المستعصم آخر الخلفاء وقد وقع بالمغرب جزء ~~منسوب إلى هذا الكتاب يسمونه الجفر الصغير والظاهر أنه وضع لبني عبد المؤمن ~~لذكر الأولين من ملوك الموحدين فيه على التفصيل ومطابقة من تقدم عن ذلك من ~~حدثانه وكذب ما بعده وكان في دولة بني العباس من بعد الكندي منجمون وكتب في ~~الحدثان وانظر ما نقله الطبري في أخبار المهدي عن أبي بديل من أصحاب صنائع ~~الدولة قال بعث إلي الربيع والحسن في غزاتهما مع ms360 الرشيد أيام أبيه فجئتهما ~~جوف الليل من فإذا عندهما كتاب من كتب الدولة يعني الحدثان وإذا مدة المهدي ~~فيه عشر سنين فقلت هذا الكتاب لا يخفى على المهدي وقد مضى من دولته ما مضى ~~فإذا وقف عليه كنتم قد نعيتم إليه نفسه قالا فما الحيلة فاستدعيت عنبسه ~~الوراق مولى آل بديل وقلت له انسخ هذه الورقة واكتب مكان عشر أربعين ففعل ~~فوالله لولا أني رأيت العشرة في تلك الورقة والأربعين في هذه ما كنت أشك ~~أنها هي ثم كتب الناس من بعد ذلك في حدثان الدول منظوما ومنثورا ورجزا ما ~~شاء الله أن يكتبوه PageV01P338 وبأيدي الناس متفرقة كثير منها وتسمى ~~الملاحم وبعضها في حدثان الملة على العموم وبعضها في دولة على الخصوص وكلها ~~منسوبة إلى مشاهير من أهل الخليقة وليس منها أصل يعتمد على روايته عن واضعه ~~المنسوب إليه فمن هذه الملاحم بالمغرب قصيدة ابن مرانة من بحر الطويل على ~~روي الراء وهي متداولة بين الناس وتحسب العامة أنها من الحدثان العام ~~فيطلقون الكثير منها على الحاضر والمستقبل والذي سمعناه من شيوخنا أنها ~~مخصوصة بدولة لمتونة لأن الرجل كان قبيل دولتهم وذكر فيها استيلاءهم على ~~سبتة من يد موالي بني حمود وملكهم لعدوة الأندلس ومن الملاحم بيد أهل ~~المغرب أيضا قصيدة تسمي التبعية أولها % طربت وما ذاك مني طرب % وقد يطرب ~~الطائر المغتصب % % وما ذاك مني للهو أراه % ولكن لتذكار بعض السبب % # | قريبا من خمسمائة بيت أو ألف فيما يقال ذكر فيها كثيرا من دولة ~~الموحدين وأشار فيها إلى الفاطمي وغيره والظاهر أنها مصنوعة ومن الملاحم ~~بالمغرب أيضا ملعبة من الشعر الزجلي منسوبة لبعض اليهود ذكر فيها أحكام ~~القرانات لعصره العلويين والنحسين وغيرهما وذكر ميتته قتيلا بفاس وكان كذلك ~~فيما زعموه وأوله % في صيغ ذا الازرق لشرفه خيارا % فافهموا يا قوم هذي ~~الاشارا % % نجم زحل اخبر بذي العلاما % وبدل الشكلا وهي سلاما % % شاشية ~~زرقا بدل العماما % وشاش ازرق بدل الغرارا % % يقول في آخره % قد تم ذا ~~التجنيس لانسان يهودي % يصلب ms361 في بلدة فاس في يوم عيد % # % حتى يجيه الناس من البوادي % وقتله يا قوم على الفراد % # | وأبياته نحو الخمسمائة وهي في القرانات التي دلت على دولة الموحدين ومن ~~ملاحم المغرب أيضا قصيدة من عروض المتقارب على روي الباء في حدثان دولة بني ~~أبي حفص بتونس من الموحدين منسوبة لابن الأبار وقال لي قاضي قسنطينية ~~الخطيب الكبير أبو علي بن باديس وكان بصيرا بما يقوله وله قدم في التنجيم ~~فقال لي إن هذا ابن الأبار ليس هو الحافظ الأندلسي الكاتب مقتول المستنصر ~~وإنما هو رجل خياط من أهل PageV01P339 تونس تواطأت شهرته مع شهرة الحافظ ~~وكان والدي رحمه الله تعالى ينشد هذه الأبيات من هذه الملحمة وبقي بعضها في ~~حفظي مطلعها % عذيري من زمن قلب % يغر ببارقه الأشنب % ومنها % ويبعث من ~~جيشه قائدا % ويبقى هناك على مرقب % % فتأتي إلى الشيخ أخباره % فيقبل ~~كالجمل الأجرب % % ويظهر من عدله سيرة % وتلك سياسة مستجلب % # ومنها في ذكر أحوال تونس على العموم % فإما رأيت الرسوم امحت % ولم يرع ~~حق لذي منصب % % فخذ في الترحل عن تونس % وودع معالمها واذهب % % فسوف تكون ~~بها فتنة % تضيف البريء إلى المذنب % # | ووقفت بالمغرب على ملحمة أخرى في دولة بني أبي حفص هؤلاء بتونس فيها ~~بعد السلطان أبي يحيى الشهير عاشر ملوكهم ذكر محمد أخيه من بعده يقول فيها ~~% وبعد أبي عبد الإله شقيقه % ويعرف بالوثاب في نسخة الأصل % # إلا أن هذا الرجل لم يملكها بعد أخيه وكاني مني بذلك نفسه إلى أن هلك ومن ~~الملاحم في المغرب أيضا الملعبة المنسوبة إلى الهوثني على لغة العامة في ~~عروض البلد % دعني بدمعي الهتان % فترت الأمطار ولم تفتر % % واستقت كلها ~~الويدان % وانى تملى وتغدر % # | وهي طويلة ومحفوظة بين عامة المغرب الأقصى والغالب عليها الوضع لأنه لم ~~يصح منها قول إلا على تأويل تحرفه العامة أو الحارف فيه من ينتحلها من ~~الخاصة ووقفت بالمشرق على ملحمة منسوبة لابن العربي الحاتمي في كلام طويل ~~شبه الألغاز لا يعلم تأويله إلا الله لتحلله إلى أوفاق عددية ms362 ورموز ملغوزة ~~وأشكال حيوانات تامة ورؤوس مقطعة وتماثيل من حيوانات غريبة وفي آخرها قصيدة ~~على روي اللام والغالب أنها كلها غير صحيحة لأنها لم تنشأ عن أصل علمي من ~~نجامة ولا غيرها وسمعت أيضا أن هناك PageV01P340 ملاحم أخرى منسوبة لابن ~~سيناء وابن عقاب وليس في شيء منها دليل على الصحة لأن ذلك إنما يؤخذ من ~~القرانات ووقفت بالمشرق أيضا على ملحمة من حدثان دولة الترك منسوبة إلى رجل ~~من الصوفية يسمى الباجر بقي وكلها إلغاز بالحروف أولها % إن شئت تكشف سد ~~الجفر يا سؤلي % من علم جفر وصي والد الحسن % % فافهم وكن واعيا حرفا ~~وجملته % والوصف فافهم كفعل الحاذق الفطن % % أما الذي قبل عصري لست أذكره ~~% لكنني أذكر الآتي من الزمن % % بشهر بيبرس يبقى بعد خمستها % بحاء ميم ~~بطيش نام في الكنن % % شين له أثر من تحت سرته % له القضاء قضى أي ذلك ~~المنن % % فمصر والشام مع أرض العراق له % وأذريبجان في ملك إلى اليمن % # وأبياتها كثيرة والغالب أنها موضوعة ومثل صنعتها كان في القديم كثير ~~ومعروف الانتحال # حكى المؤرخون لأخبار بغداد أنه كان بها أيام المقتدر وراق ذكي يعرف ~~بالدانالي يبل الأوراق ويكتب فيها بخط عتيق يرمز فيه بحروف من أسماء أهل ~~الدولة ويشير بها إلى ما يعرف ميلهم إليه من أحوال الرفعة والجاه كأنها ~~ملاحم ويحصل على ما يريده منهم من الدنيا وإنه وضع في بعض دفاتره ميما ~~مكررة ثلاث مرات وجاء به إلى مفلح مولى المقتدر فقال له هذا كناية عنك وهو ~~مفلح مولى المقتدر وذكر عنه ما يرضاه ويناله من الدولة ونصب لذلك علامات ~~يموه بها عليه فبذل له ما أغناه به ثم وضعه للوزير ابن القاسم بن وهب على ~~مفلح هذا وكان معزولا فجاءه بأوراق مثلها وذكر اسم الوزير بمثل هذه الحروف ~~وبعلامات ذكرها وأنه يلي الوزارة للثاني عشر من الخلفاء وتستقيم الأمور على ~~يديه ويقهر الأعداء وتعمر الدنيا في أيامه وأوقف مفلحا هذا على الأوراق ~~وذكر فيها كوائن أخرى وملاحم من هذا النوع مما ms363 وقع ومما لم يقع ونسب جميعه ~~إلى دانال فأعجب به مفلح ووقف عليه المقتدر واهتدى من تلك الأمور والعلامات ~~إلى ابن وهب وكان ذلك سببا لوزارته بمثل هذه الحيلة العريقة في الكذب ~~والجهل بمثل هذه الألغاز والظاهر أن هذه الملحمة التي ينسبونها إلى الباجر ~~بقي من هذا النوع ولقد سألت أكمل الدين ابن PageV01P341 شيخ الحنيفية من ~~العجم بالديار المصرية عن هذه الملحمة وعن هذا الرجل الذي تنسب إليه من ~~الصوفية وهو الباجر بقي وكان عارفا بطرائقهم فقال كان من القلندرية ~~المبتدعة في حلق اللحية وكان يتحدث عما يكون بطريق الكشف ويومي إلى رجال ~~معينين عنده ويلغز عليهم بحروف يعينها في ضمنها لمن يراه منهم وربما يظهر ~~نظم ذلك في أبيات قليلة كان يتعاهدها فتنوقلت عنه وولع الناس بها وجعلوها ~~ملحمة مرموزة وزاد فيها الخراصون من ذلك الجنس في كل عصر وشغل العامة بفك ~~رموزها وهو أمر ممتنع إذ الرمز إنما يهدي إلى كشفه قانون يعرف قبله ويوضع ~~له وأما مثل هذه الحروف فدلالتها على المراد منها مخصوصة بهذا النظم لا ~~يتجاوزه فرأيت من كلام هذا الرجل الفاضل شفاء لما كان في النفس من أمر هذه ~~الملحمة وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والله سبحانه وتعالى أعلم وبه ~~التوفيق # | الفصل الرابع من الكتاب الأول في البلدان والأمصار وسائر العمران وما ~~يعرض في ذلك من الأحوال وفيه سوابق ولواحق # الفصل الأول في أن الدول من المدن والامصار وانها انما توجد ثانية عن ~~الملك # وبيانه أن البناء واختطاط المنازل إنما هو من منازع الحضارة التي يدعو ~~إليها الترف والدعة كما قدمناه وذلك متأخر عن البداوة ومنازعها فالمدن ~~والأمصار ذات هياكل وأجرام عظيمة وبناء كبير وهي موضوعة للعموم لا للخصوص ~~فتحتاج إلى اجتماع الأيدي وكثرة التعاون وليست من الأمور الضرورية للناس ~~التي نعم بها البلوى حتى يكون نزوعهم إليها اضطرارا بل لا بد من إكراههم ~~على ذلك وسوقهم إليه مضطهدين بعصا الملك أو مرغبين في الثواب والأجر الذي ~~لا يفي بكثرته إلا PageV01P342 الملك ms364 والدولة فال بد من تمصير الأمصار ~~واختطاط المدن من الدولة والملك ثم إذا بنيت المدينة وكملت تشيدها بحسب نظر ~~من شيدها وبما اقتضته الأحوال السماوية والأرضية فيها فعمر الدولة حينئذ ~~عمر لها فإن كان عمر الدولة قصيرا وقف الحال فيها عند انتهاء الدولة وتراجع ~~عمرانها وخربت وإن كان أمد الدولة طويلا ومدتها منفسحة فلا تزال المصانع ~~فيها تشاد والمنازل الرحيبة تكثر وتتعدد ونطاق الأسواق يتباعد وينفسح إلى ~~أن تتسع الخطة وتبعد المسافة وينفسح ذرع المساحة كما وقع ببغداد وأمثالها ~~ذكر الخطيب في تأريخه أن الحمامات بلغ عددها ببغداد لعهد المأمون خمسة ~~وستين ألف حمام وكانت مشتملة على مدن وأمصار متلاصقة ومتقاربة تجاوز ~~الأربعين ولم تكن مدينة وحدها يجمعها سور واحد لإفراط العمران وكذا حال ~~القيروان وقرطبة والمهدية في الملة الإسلامية وحال مصر القاهرة بعدها فيما ~~بلغنا لهذا العهد وأما بعد انقراض الدولة المشيدة للمدينة فإما أن يكون ~~لضواحي تلك المدينة وما قاربها من الجبال والبسائط بادية يمدها العمران ~~دائما فيكون ذلك حافظا لوجودها ويستمر عمرها بعد الدولة كما تراه بفاس ~~وبجاية من المغرب وبعراق العجم من المشرق الموجود لها العمران من الجبال ~~لأن أهل البداوة إذا انتهت أحوالهم إلى غايتها من الرفه والكسب تدعو إلى ~~الدعة والسكون الذي في طبيعة البشر فينزلون المدن والأمصار ويتأهلون وأما ~~إذا لم يكن لتلك المدينة المؤسسة مادة تفيدها العمران بترادف الساكن من ~~بدوها فيكون انقراض الدولة خرقا لسياجها فيزول حفظها ويتناقص عمرانها شيئا ~~فشيئا إلى ان يبذعر ساكنها تخرب كما وقع بمصر وبغداد والكوفة بالمشرق ~~والقيروان والمهدية وقلعة بني حماد بالمغرب وأمثالها فتفهمه وربما ينزل ~~المدينة بعد انقراض مختطيها الأولين ملك آخر ودولة ثانية يتخذها قرارا ~~وكرسيا يستغني بها عن اختطاط مدينة ينزلها فتحفظ تلك الدولة سياجها وتتزايد ~~مبانيها ومصانعها بتزايد أحوال الدولة الثانية وترفها وتستجد بعمرانها عمرا ~~آخر كما وقع بفاس والقاهرة لهذا العهد والله سبحانه وتعالى أعلم وبه ~~التوفيق PageV01P343 $ الفصل الثاني في ان الملك يدعو إلى نزول الامصار # وذلك أن القبائل والعصائب ms365 إذا حصل لهم الملك اضطروا للاستيلاء على ~~الأمصار لأمرين أحدهما يدعو إليه الملك من الدعة والراحة وحط الأثقال ~~واستكمال ما كان ناقصا من أمور العمران في البدو والثاني دفع ما يتوقع على ~~الملك من أمر المنازعين المشاغبين لأن المصر الذي يكون في نواحيهم ربما ~~يكون ملجأ لمن يروم منازعتهم والخروج عليهم وانتزاع ذلك الملك الذي سموا ~~إليه من أيديهم فيعتصم بذلك المصر ويغالبهم ومغالبة المصر على نهاية من ~~الصعوبة والمشقة والمصر يقوم مقام العساكر المتعددة لما فيه من الامتناع ~~ونكاية الحرب من وراء الجدران من غير حاجة إلى كثير عدد ولا عظيم شوكة لأن ~~الشوكة والعصابة إنما احتيج إليهما في الحرب للثبات لما يقع من بعد كرة ~~القوم بعضهم على بعض عند الجولة وثبات هؤلاء بالجدران فلا يضطرون إلى كبير ~~العصابة ولا عدد فيكون حال هذا الحصن ومن يعتصم به من المنازعين مما يفت في ~~عضد الأمة التي تروم الاستيلاء ويخضد شوكة استيلائها فإذا كنات بين أجنابهم ~~أمصار انتظموها في استيلائهم للأمن من مثل هذا الانخرام وإن لم يكن هناك ~~مصرا استحدثوه ضرورة لتكميل عمرانهم أولا وحط أثقالهم وليكون شجا في حلق من ~~يروم العزة والامتناع عليهم من طوائفهم وعصائبهم فتعين أن الملك يدعو إلى ~~نزول الأمصار والاستيلاء عليها والله سبحانه تعالى أعلم وبه التوفيق لا رب ~~سواه $ الفصل الثالث في ان المدن العظيمة والهياكل المرتفعة انما يشيدها ~~الملك الكثير # قد قدمنا ذلك في آثار الدولة من المباني وغيرها وأنها تكون على نسبتها ~~وذلك أن تشييد المدن إنما يحصل باجثماع الفعلة وكثرتهم وتعاونهم فإذا كانت ~~الدولة عظيمة متسعة الممالك حشر الفعلة من أقطارها وجمعت أيديهم على عملها ~~وربما استعين في ذلك في أكثر الأمر بالهندام الذي يضاعف القوي والقدر في ~~حمل أثقال البناء PageV01P344 لعجز القوة البشرية وضعفها عن ذلك كالمخال ~~وغيره وربما يتوهم كثير من الناس إذا نظر إلى آثار الأقدمين ومصانعهم ~~العظيمة مثل إيوان كسرى وأهرام مصر وحنايا المعلقة وشرشال بالمغرب إنما ~~كانت بقدرهم متفرقين أو مجتمعين فيتخيل لهم ms366 أجساما تناسب ذلك أعظم من هذه ~~بكثير في طولها وقدرها لتناسب بينها وبين القدر التي صدرت تلك المباني عنها ~~ويغفل عن شأن الهندام والمخال وما اقتضته في ذلك الصناعة والهندسية وكثير ~~من المتغلبين في البلاد يعاين في شأن البناء واستعمال الحيل في نقل الأجرام ~~عند أهل الدول المعتنين بذلك من العجم ما يشهد له بما قلناه عيانا وأكثر ~~آثار الأقدمين إلى هذا العهد تسميها العامة عادية نسبة إلى قوم عاد لتوهمهم ~~أن مباني عاد ومصانعهم إنما عظمت لعظم أجسامهم وتضاعف قدرهم وليس كذلك فقد ~~نجد آثارا كثيرة من آثار الذين تعرف مقادير أجسامهم من الأمم وهي في مثل ~~ذلك العظم أو أعظم كإيوان كسرى ومباني العبدين من الشيعة بأفريقية ~~والصنهاجيين وأثرهم باد إلى اليوم في صومعة قلعة بني حماد وكذلك بناء ~~الأغالبة في جامع القيروان وبناء الموحدين في رباط الفتح ورباط السلطان أبي ~~سعيد لعهد أربعين سنة في المنصورة بإزاء تلمسان وكذلك الحنايا التي جلب ~~إليها أهل قرطاجنة الماء في القناة الراكبة عليها ماثلة لهذا العهد وغير ~~ذلك من المباني والهياكل التي نقلت إلينا أخبار أهلها قريبا وبعيدا وتيقنا ~~أنهم لم يكونوا بإفراط في مقادير أجسامهم وإنما هذا رأي ولع به القصاص عن ~~قوم عاد وثمود والعمالقة ونجد بيوت ثمود في الحجر منحوتة إلى هذا العهد وقد ~~ثبت في الحديث الصحيح أنها بيوتهم يمر بها الركب الحجازي أكثر السنين ~~ويشاهدونها لا تزيد في جوها ومساحتها وسمكها على المتعاهد وإنهم ليبالغون ~~فيما يعتقدون من ذلك حتى إنهم ليزعمون أن عوج بن عناق من جيل العمالقة كان ~~يتناول السمك من البحر طريئا فيشويه في الشمس يزعمون بذلك أن الشمس حارة ~~فيما قرب منها ولا يعلمون أن الحر فيما لدينا هو الضوء لانعكاس الشعاع ~~بمقابلة سطح الأرض والهواء وأما الشمس في نفسها غير حارة ولا باردة وإنما ~~هي كوكب مضيء لا مزاج له وقد تقدم شيء من هذا في الفصل الثاني حيث ذكرنا أن ~~آثار الدولة على نسبة قوتها في أصلها والله يخلق ms367 ما يشاء ويحكم ما يريد ~~PageV01P345 # | الفصل الرابع # في ان الهياكل العظيمة جدا لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة # والسبب في ذلك ما ذكرناه من حاجة البناء إلى التعاون ومضاعفة القدر ~~البشرية وقد تكون المباني في عظمها أكثر من القدر مفردة أو مضاعفة بالهندام ~~كما قلناه فيحتاج إلى معاودة قدر أخرى مثلها في أزمنة متعاقبة إلآ أن تتم ~~فيبتدئ الأول منهم بالبناء ويعقبه الثاني والثالث وكل واحد منهم وقد استكمل ~~شأنه في حشر الفعلة وجمع الأيدي حتى يتم القصد من ذلك ويكمل ويكون ماثلا ~~للعيان يظنه من يراه من الآخرين أنه بناء دولة واحدة وانظر في ذلك ما نقله ~~المؤرخون في بناء سد مأرب وأن الذي بناه سبا بن يشجب وساق إليه سبعين واديا ~~وعاقه الموت عن إتمامه فأتمه ملوك حمير من بعده ومثل هذا ما نقل في بناء ~~قرطاجنة وقناتها الراكبة على الحنايا العادية وأكثر الباني العظيمة في ~~الغالب هذا شأنها ويشهد لذلك أن المباني العظيمة لعهدنا نجد الملك لواحد ~~يشرع في اختطاطها وتأسيسها فإذا لم يتبع أثره من بعده من الملوك في إتمامها ~~بقيت بحالها ولم يكمل القصد فيها ويشهد لذلك أيضا أنا نجد آثارا كثيرة من ~~المباني العظيمة تعجز الدول عن هدمها وتخريبها مع أن الهدم أيسر من البناء ~~بكثير لأن الهدم هو رجوع إلى الأصل الذي هو العدم والبناء على خلاف الأصل ~~فإذا وجدنا بناء تضعف قوتنا البشرية عن هدمة مع سهولة الهدم علمنا أن ~~القدرة التي أسسته مفرطة القوة وانها ليست أثر دولة واحدة وهذا مثل ما وقع ~~للعرب في إيوان كسرى لما اعتزم الرشيد على هدمه وبعث إلى يحي بن خالد وهو ~~في محبسه يستشيره في ذلك فقال يا أمير المؤمنين لا تفعل واتركه ماثلا يستدل ~~به على عظم ملك آبائك الذين سلبوا الملك لأهل ذلك الهيكل فاتهمه في النصيحة ~~وقال أخذته النعرة للعجم والله لأصرعنه وشرع في هدمه وجمع الأيدي عليه ~~واتخذ له الفؤس وحماه بالنار وصب عله الخل حتى إذا أدركه العجز بعد ذلك ms368 كله ~~وخاف الفضيحة بعث إلى يحي يستشيره ثانية في التجافي عن الهدم فقال لا تفعل ~~واستمر على ذلك لئلا يقال عجز أمير المؤمنين وملك العرب عن هدم مصنع من ~~المصانع العجم فعرفها الرشيد وأقصر عن هدمه وكذلك اتفق للمأمون في هدم ~~الأهرام التي بمصر PageV01P346 وجمع الفعلة لهدمها فلم يحل بطائل وشرعوا في ~~نقبه فانتهوا إلى جو بين الحائط والظاهر وما بعده من الحيطان وهنالك كان ~~منتهى هدمهم وهو إلى اليوم فيما يقال منفذ ظاهر ويزعم الزاعمون أنه وجد ~~ركازا بين تلك الحيطان والله أعلم وكذلك حنايا المعلقة إلى هذا العهد تحتاج ~~أهل مدينة تونس إلى انتخاب الحجارة لبنائهم وتستجيد الصناع حجارة تلك ~~الحنايا فيحاولون على هدمها الأيام العديدة ولا يسقط الصغير من جدرانها إلا ~~بعد عصب الريق وتجتمع له المحافل المشهورة وشهدت منها في أيام صباي كثيرا ~~والله خلقكم وما تعلمون $ الفصل الخامس فيما تجب مراعاته في اوضاع المدن ~~وما يحدث إذا غفل عن المراعاة # إعلم أن المدن قرار يتخذه الأمم عند حصول الغاية المطلوبة من الترف ~~ودواعيه فتؤثر الدعة والسكون وتتوجه إلى اتخاذ المنازل للقرار ولما كان ~~القرار والمأوي وجب أن يراعي فيه دفع المضار بالحماية من طوارقها وجلب ~~المنافع وتسهيل المرافق لها فأما الحماية من المضار فيراعي لها أن يدار على ~~منازلها جميعا سياج الأسوار وأن يكون وضع ذلك في متمنع من الأمكنه إما على ~~هضبة متوعرة من الجبل وإما باستدارة بحر أو نهر بها حتى لا يوصل إليها إلا ~~بعد العبور على جسر أو قنطرة فيصعب منالها على العدو ويتضاعف امتناعها ~~وحصنها ومما يراعي في ذلك للحماية من الآفات السماوية طيب الهواء للسلامة ~~من الأمراض فإن الهواء إذا كان راكدا خبيثا أو مجاورا للمياه الفاسدة أو ~~منافع متعفنة أو مروج خبيثة أسرع إليها العفن من مجاورتها فأسرع المرض ~~للحيوان الكائن فيه لا محالة وهذا مشاهد والمدن التي لم يراع فيها طيب ~~الهواء كثيرة الأمراض في الغالب وقد اشتهر بذلك في قطر المغرب بلد قابس من ~~بلاد الجرير ms369 بأفريقية فلا يكاد ساكنها أو طارقها يخلص من حمى العفن بوجه ~~ولقد يقال إن ذلك حادث فيها ولم تكن كذلك من قبل ونقل البكري في سبب حدوثه ~~انه وقع فيها خفر ظهر فيه إناء من نحاس مختوم بالرصاص فلما فض ختامه دخان ~~إلى الجو وانقطع وكان ذلك مبدأ أمراض الحميات فيه وأراد بذلك ان الإناء كان ~~مشتملا على بعض أعمال الطلسمات لوبائه وأنه PageV01P347 ذهب سره بذهابه ~~فرجع إليها العفن والوباء وهذه الحكاية من مذاهب العامة ومباحثهم الركيكة ~~والبكري لم يكن من نباهة العلم واستنارة البصيرة بحيث يدفع مثل هذا أو ~~يتبين خرفة فنقله كما سمعه والذي يكشف لك الحق في ذلك أن هذه الأهوية ~~العفنة أكثر مما يهيئها لتعفين الأجسام وأمراض الحميات ركودها فإذا تخللها ~~الري وتفشت وذهبت بها يمينا وشمالا خف شأن العفن والمرض البادي منها ~~للحيوانات والبلد إذا كان كثير الساكن وكثرت حركات أهله فيتموج الهواء ~~ضرورة وتحدث الريح المتخللة للهواء الراكد ويكون ذلك معينا له على الحركة ~~والتموج وإذا خف الساكن لم يجد الهواء معينا على حركته وتموجه وبقى ساكنا ~~راكدا وعظم عفنه وكثر ضرره وبلد قابس هذه كانت عندما كانت أفريقية مستجدة ~~العمران كثيرة الساكن تموج بأهلها موجا فكان ذلك معينا على تموج الهواء ~~واضطرابه وتخفيف الأذى منه فلم يكن فيها كثير عفن ولا مرض وعندما خف ساكنها ~~ركد هوائها المتعفن بفساد مياهها فكثر العفن والمرض فهذا وجهه لا غير وقد ~~رأينا عكس ذلك في بلاد وضعت ولم يراع فيها طيب الهواء وكانت أولا قليلة ~~الساكن فكانت أمراضها كثيرة فلما كثر سكانها انتقل حالها عن ذلك وهذا مثل ~~دار الملك بفاس لهذا العهد المسمى بالبلد الجديد وكثير من ذلك في العالم ~~فتفهمه تجد ما قلته لك وأما جلب المنافع والمرافق للبلد فيراعى فيه أمور ~~منها الماء بأن يكون البلد على نهر أو بإزائها عيون عذبة ثرة فإن وجود ~~الماء قريبا من البلد يسهل على الساكن حاجة الماء وهي ضرورية فيكون لهم في ~~وجوده مرفقة عظيمة عامة ms370 ومما يراعى من المرافق في المدن طيب المراعي ~~لسائمتهم إذ صاحب كل قرار ليد له من دواجن الحيوان للنتاج والضرع والركوب ~~ولا بد لها من المرعي فإذا كان قريبا طيبا كان ذلك أرفق بحالهم لما يعانون ~~من المشقة في بعده ومما يراعى أيضا المزارع فإن الزروع هي الأفوات فإذا ~~كانت مزارع البلد بالقرب منها كان ذلك أسهل في اتخاذه وأقر في تحصيله ومن ~~ذلك الشجر للحطب والبناء فإن الحطب مما تعم البلوى في اتخاذه لوقود النيران ~~للاصطلاء والطبخ والخشب أيضا ضروري لسقفهم وكثير مما يستعمل فيه الخشب من ~~ضرورياتهم وقد يراعى أيضا قربها من PageV01P348 البحر لتسهيل الحاجات ~~القاصية من البلاد النائية إلا ان ذلك ليس بمثابة الأول وهذه كلها متفاوتة ~~بتفاوت الحاجات وما تدعو إليه ضرورة لساكن وقد يكون الواضع غافلا عن حسن ~~الاختيار الطبيعي أو إنما يراعى ما هو أهم على نفسه وقومه ولا يذكر حاجة ~~غيرهم كما فعل العرب لأول الإسلام في المدن التي اختطوها بالعراق وأفريقية ~~فإنهم لم يراعوا فيها إلا الأهم عندهم من مراعي الإبل وما يصلح لها من ~~الشجر والماء والملح ولم يراعوا الماء ولا المزارع ولا الحطب ولا مراعي ~~السائمة من ذوات الظلف ولا غير ذلك كالقيروان والكوفة والبصرة وأمثالها ~~ولهذا كانت أقرب إلى الخراب ما لم تراع فيها الأمور الطبيعية # ومما يراعى في البلاد الساحلية التي على البحر أن نكون في جبل أو تكون ~~بين أمة من الأمم موفورة العدد تكون صريخا للمدينة متى طرقها طارق من العدو ~~والسبب في ذلك إن المدينة إذا كانت حاضرة البحر ولم يكن بساحتها عمرا ~~للقبائل أهل العصبيات ولا موضعها متوعر من الجبل كانت في غرة للبيات وسهل ~~طروقها في الأساطيل البحرية على عدوها وتحيفه لها لما يأمن من وجود الصريخ ~~لها وأن الحضر المتعودين للدعة قد صاروا عيالا وخرجوا عن حكم المقاتلة وهذه ~~كالإسكندرية من المشرق وطرابلس من المغرب وبونة وسلا ومتى كانت القبائل ~~والعصائب موطنين بقربها بحيث يبلغهم الصريخ والنعير وكانت متوعرة المسالك ~~على من ms371 يرومها باختطاطها في هضاب الجبال وعلى أسنمتها كان لها بذلك منعة من ~~العدو ويئسوا من طروقها لما يكابدونه من وعرها وما يتوقعونه من إجابة ~~صريخها كما في سبته وبجاية وبلد القل على صغرها فافهم ذك واعتبره في اختصاص ~~الإسكندرية باسم الثغر من لدن الدولة العباسية مع أن الدعوة من ورائها ~~ببرقة وأفريقية وإنما اعتبر في ذلك المخافة المتوقعة فيها من البحر لسهولة ~~وضعها ولذلك والله اعلم كان طروق العدو للإسكندرية وطرابلس في الملة مرات ~~متعددة والله تعالى أعلم $ الفصل السادس في المساجد والبيوت العظيمة # إعلم أن الله سبحانه وتعالى فضل من الأرض بقاعا اختصها بتشريفه وجعلها ~~مواطن PageV01P349 لعبادته يضاعف فيها الثواب وينمو بها الأجور وأخبرنا ~~بذلك على ألسن رسله وأنبيائه لطفا بعباده وتسهيلا لطرق السعادة لهم وكانت ~~المساجد الثلاثة هي أفضل بقاع الأرض حسبما ثبت في الصحيحين وهي مكة ~~والمدينة وبيت المقدس أما البيت الحرام الذي بمكة فهو بيت إبراهيم عليه ~~صلوات الله وسلامه عليه أمره الله ببنائه وأن يؤذن في الناس بالحج إليه ~~فبناه هو وابنه إسماعيل كما نصه القرآن وقام بما أمره الله فيه وسكن ~~إسماعيل به مع هاجر ومن نزل معهم من جرهم إلى أن قبضهما الله ودفنا بالحجر ~~منه وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام أمرهما الله ببناء مسجده ~~ونصب هياكله ودفن كثير من الأنبياء من ولد إسحاق عليه السلام حواليه ~~والمدينة مهاجر نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه أمره الله تعالى بالهجرة ~~إليها وإقامة دين الإسلام بها فبنى مسجده الحرام بها وكان ملحده الشريف في ~~تربتها فهذه المساجد الثلاثة قرة عين المسلمين ومهوى أفئدتهم وعظمة دينهم ~~وفي الآثار من فضلها ومضاعفة الثواب في مجاورتها والصلاة فيها كثير معروف ~~فلنشر إلى شيء من الخبر عن أولية هذه المساجد الثلاثة وكيف تدرجت أحوالها ~~إلى أن كمل ظهورها في العالم فأما مكة فأوليتها فيما يقال أن آدم صلوات ~~الله عليه بناها قبالة البيت المعمور ثم هدمها الطوفان بعد ذلك وليس فيه ~~خبر صحيح يعول عليه وإنما اقتبسوه ms372 من محل الآية في قوله @QB@ وإذ يرفع ~~إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل @QE@ ثم بعث الله إبراهيم وكان من شأنه ~~وشأن زوجته سارة وغيرتها من هاجر ما هو معروف وأوحى الله إليه أن يترك ابنه ~~إسماعيل وأمه هاجر بالفلاة فوضعهما في مكان البيت وسار عنهما وكيف جعل الله ~~لهما من اللطف في نبع ماء زمزم ومرور الرفقة من جرهم بها حتى احتملوها ~~وسكنوا إليهما ونزلوا معهما حوالي زمزم كما عرف في موضعه فأتخذ إسماعيل ~~بموضع الكعبة بيتا يأوي إليه وأدار عليه سياجا من الردم وجعله زربا لغنمه ~~وجاء إبراهيم صلوات الله عليه مرارا لزيارته من الشام أمر في آخرها ببناء ~~الكعبة مكان ذلك الزرب فبناه واستعان فيه بابنه إسماعيل ودعا الناس إلى حجه ~~وبقى إسماعيل ساكنا به ولما قبضت أمه هاجر وقام بنوه من بعده بأمر البيت مع ~~أخوالهم من حرهم ثم العماليق من بعدهم واستمر الحال على ذلك والناس يهرعون ~~PageV01P350 إليها من كل أفق من جميع أهل الخليقة لا من بني إسماعيل ولا من ~~غيرهم ممن دنا أو نأى فقد نقل أن التبايعة كانت تحج البيت وتعظمه وأن تبعا ~~كساها الملاء والوصائل وأمر بتطهيرها وجعل لها مفتاحا ونقل أيضا أن الفرس ~~كانت تحجه وتقرب إليه وان غزالي الذهب اللذين وجدهما عبد المطلب حين احتفر ~~زمزم كانا من قرابينهم ولم يزل لجرهم الولاية علية من بعد ولد إسماعيل من ~~قبل خؤولتهم حتى إذا خرجت خزاعة وأقاموا بها بعدهم ما شاء الله ثم كثر ولد ~~إسماعيل وانتشروا وتشعبوا إلى كنانة ثم كنانة إلى قريش وغيرهم وساءت ولاية ~~خزاعة فغلبتهم قريش على أمره وأخرجوهم من البيت وملكوا عليهم يومئذ قصي بن ~~كلاب فبنى البيت وسقفه بخشب الدوم وجريد النخل وقال الأعشى % خلفت بثوبي ~~راهب الدور والتي % بناها قصي والمضاض بن جرهم % # | ثم أصاب البيت سيل ويقال حريق وتهدم وأعادوا بناءه وجمعوا النفقة لذلك ~~من أموالهم وانكسرت سفينة بساحل جدة فاشتروا خشبا للسقف وكانت جدرانه فوق ~~القامة فجعلوها ثماني عشرة ذراعا وكان الباب لاصقا ms373 بالأرض فجعلوه فوق ~~القامة لئلا تدخل السيول وقصرت بهم النفقة عن إتمامه فقصروا عن قواعده ~~وتركوا منه ست اذرع وشبرا أداروها بجدار قصير يطاف من وراءه وهو الحجر وبقي ~~البيت على هذا البناء إلى أن تحصن ابن الزبير بمكة حين دعا لنفسه وزحفت ~~إليه جيوش يزيد بن معاوية مع الحصين بن نمير السكوني ورمى البيت سنة أربع ~~وستين فأصابه حريق يقال من النفط الذي رموا به على ابن الزبير فأعاد بناءه ~~أحسن مما كان بعد أن اختلفت عليه الصحابة في بناءه واحتج عليهم بقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضى الله عنها لولا قومك حديثو عهد بكفر ~~لرددت البيت على قواعد إبراهيم ولجعلت له بابين شرقيا وغربيا فهدمه وكشف عن ~~أساس إبراهيم عليه السلام وجمع الوجوه والأكابر حتى عاينوه وأشار عليه ابن ~~عباس بالتحري في حفظ القبلة على الناس فأدار على الأساس الخشب ونصب من ~~فوقها الأستار حفظا للقبلة وبعث إلى صنعاء في الفضة والكلس فحملها وسأل عن ~~مقطع الحجارة الأول فجمع منها ما احتاج إليه ثم شرع في البناء على أساس ~~إبراهيم عليه السلام ورفع جدرانها سبعا وعشرين PageV01P351 ذراعا وجعل لها ~~بابين لاصقين بالأرض كما روى في حديثه وجعل فرشها وإزرها بالرخام وصاغ لها ~~المفاتيح وصفائح الأبواب من الذهب ثم جاء الحجاج لحصارة أيام عبد الملك ~~ورمى على المسجد بالمنجنيقات إلى أن تصدعت حيطانها ثم لما ظفر بابن الزبير ~~شاور عبد الملك فيما بناه وزاده في البيت فأمره بهدمه ورد البيت على قواعد ~~قريش كما هي اليوم ويقال انه ندم على ذلك حين علم صحة رواية ابن الزبير ~~لحديث عائشة وقال وددت أني كنت حملت أبا حبيب في أمر البيت وبنائه ما تحمل ~~فهدم الحجاج منه ست أذرع وشبرا مكان الحجر وبناها عل أساس قريش وسد الباب ~~الغربي وما تحت عتبة بابها اليوم من الباب الشرقي وترك سائرها لم يغير منه ~~شيئا فكل البناء الذي فيه اليوم بناء ابن الزبير وبناء الحجاج في الحائط ~~صلة ظاهرة للعيان ms374 لحمة ظاهرة بين البناءين والبناء متميز عن البناء بمقدار ~~إصبع شبه الصدع وقد لحم ويعرض هنا إشكال قوي لمنافاته لما يقوله الفقهاء في ~~أمر الطواف ويحذر الطائف أن يميل على الشاذروان الدائر على أساس الجدر من ~~أسفلها فيقع طوافه داخل البيت بناءا على أن الجدر إنما قامت على بعض الأساس ~~وترك بعضه وهو مكان الشاذروان وكذا قالوا في تقبيل الحجر الأسود لا بد من ~~رجوع الطائف من التقبيل حتى يستوي قائما لئلا يقع بعض طوافه داخل البيت ~~وإذا كانت الجدران كلها من بناء بن الزبير وهو إنما بني على أساس إبراهيم ~~فكيف يقع هذا الذي قالوه ولا مخلص من هذا إلا بأحد أمرين أحدهما ان يكون ~~الحجاج هدم جميعه وأعاده وقد نقل ذلك جماعة إلا إن العيان في شواهد البناء ~~بالتحام ما بين البناءين وتمييز أحد الشقين من أعلاه على الآخر في الصناعة ~~يرد ذلك وإما أن يكون ابن الزبير لم يرد البيت على أساس إبراهيم مع جميع ~~جهاته وإنما فعل ذلك في الحجر فقط ليدخله فهي الآن مع كونها من بناء ابن ~~الزبير ليست على قواعد إبراهيم وهذا بعيد ولا محيص من هذين والله تعالى ~~أعلم ثم إن مساحة البيت وهو المسجد كان فضاء للطائفين ولم يكن عليه جدر ~~أيام النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر من بعده ثم كثر الناس فاشترى عمر ~~رضى الله عنه دورا هدمها وزادها في المسجد وأدار عليها جدارا دون القامة ~~وفعل مثل ذلك عثمان ثم ابن الزبير ثم الوليد بن عبد الملك وبناه بعمد ~~PageV01P352 الرخام ثم زاد فيه المنصور وابنه المهدي من بعده ووقفت الزيادة ~~واستقرت على ذلك لعهدنا وتشريف الله لهذا البيت وعنايته به اكثر من أن يحاط ~~به وكفى بذلك أن جعله مهبطا للوحي والملائكة ومكانا للعبادة وفرض شرائع ~~الحج ومناسكه وأوجب لحرمه من سائر نواحيه من حقوق التعظيم والحق ما لم ~~يوجبه لغيره فمنع كل من خالف دين الإسلام من دخول ذلك الحرم وأوجب على ~~داخله أن يتجرد من ms375 المحيط إلا إزارا يستره وحمى العائذ به والراتع في ~~مسارحه من مواقع الآفات فلا يرام فيه خائف ولا يصاد له وحش ولا وحش ولا ~~يحتطب له شجر وحد الحرم الذي يختص بهذه الحرمة من طريق المدينة ثلاثة أميال ~~إلى التنعيم ومن طريق العراق سبعة أميال إلى الثنية من جبل المنقطع ومن ~~طريق الطائف سبعة أميال إلى بطن نمرة ومن طريق جدة سبعة أميال إلى منقطع ~~العشائر هذا شان مكة وخبرها وتسمى أم القرى وتسمى الكعبة لعلوها من اسم ~~الكعب ويقال لها أيضا بكة قال الأصمعي لأن الناس يبك بعضهم بعضا إليها أي ~~يدفع وقال مجاهد باء بكة أبدلوها ميما كما قالوا لازب ولازم لقرب المخرجين ~~وقال النخعي بالباء وبالميم البلد وقال الزهري بالباء للمسجد كله وبالميم ~~للحرم وقد كانت الأمم منذ عهد الجاهلية تعظمه والملوك تبعث إليه بالأموال ~~والذخائر مثل كسرى وغيره وقصة الأسياف وغزالي الذهب اللذين وجدهما عبد ~~المطلب حين احتفر زمزم معروفة وقد وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~افتتح مكة في الجب الذي كان فيها سبعين ألف أوقية من الذهب مما كان الملوك ~~يهدون للبيت فيها ألف ألف دينار مكررة مرتين بمائتي قنطار وزنا وقال له علي ~~بن أبي طالب رضى الله عنه يا رسول الله لو استعنت بهذا المال على حربك فلم ~~يفعل ثم ذكر لأبي بكر فلم يحركه هكذا قال الأزرقي وفي البخاري يسنده إلى ~~أبي وائل قال جلست إلى شيبة بن عثمان وقال جلس إلى عمر بن الخطاب فقال هممت ~~أن لا ادع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين قلت ما أنت بفاعل ~~قال ولم قلت فلم يفعله صاحباك فقال هما اللذان يقتدى بهما وخرجه أبو داود ~~وابن ماجة وأقام ذلك المال إلى إن كانت فتنة الأفطس وهو الحسن بن الحسين ~~ابن علي بن علي زين العابدين سنة وتسع وتسعين ومائة حين غلب مكة عمد إلى ~~PageV01P353 الكعبة فاخذ ما في خزائنها وقال ما تصنع الكعبة بهذا المال ~~موضوعا فيها لا ms376 ينتفع به نحن أحق به نستعين به على حربنا وأخرجه وتصرف فيه ~~وبطلت الذخيرة من الكعبة من يومئذ واما بيت المقدس وهو المسجد الأقصى فكان ~~أول أمره أيام الصائبة موضع الزهرة وكانوا يقربون إليه الزيت فيما يقربونه ~~يصبونه على الصخرة التي هناك ثم دثر ذلك الهيكل واتخذها بنو إسرائيل حين ~~ملوكها قبلة لصلاتهم وذلك أن موسى صلوات الله عليه لما خرج ببني إسرائيل من ~~مصر لتمليكهم بيت المقدس كما وعد الله أباهم إسرائيل وأباه إسحاق من قبله ~~وأقاموا بأرض التيه أمره الله باتخاذ قبة من خشب السنط عين بالوحي مقدارها ~~وصفتها وهياكلها وتماثيلها وان يكون فيها التابوت ومائدة بصحافها ومنارة ~~بقناديلها وأن يصنع مذبحا للقربان وصف ذلك كله في التوراة اكمل وصف فصنع ~~القبة ووضع فيها تابوت العهد وهو التابوت الذي فيه الألواح المصنوعة عوضا ~~عن الألواح المنزلة بالكلمات العشر لما تكسرت ووضع المذبح عندها وعهد الله ~~إلى موسى بأن يكون هارون صاحب القربان ونصبوا تلك القبة بين خيامهم في ~~التيه يصلون إليها ويتقربون في المذبح أمامها ويتعرضون للوحي عندها ولما ~~ملكوا الشام وبقيت تلك القبة قبلتهم ووضعوها على الصخرة ببيت المقدس وأراد ~~داود عليه السلام بناء مسجده على الصخرة مكانها فلم يتم له ذلك العهد وعهد ~~به إلى ابنه سليمان فبناه لأربع سنين من ملكه ولخمسمائة سنة من وفاة موسى ~~عليه السلام واتخذ عمده من الصفر وجعل به صرح الزجاج وغشى أبوابه وحيطانه ~~بالذهب وصاغ هياكله وتماثيله وأوعيته ومنارته ومفتاحه من الذهب وجعل في ~~ظهره قبرا ليضع فيه تابوت العهد وهو التابوت الذي فيه الألواح وجاء به من ~~صهيون بلد أبيه داود تحمله الأسباط والكهنوتية حتى وضعه في القبر ووضعت ~~القبة والأوعية والمذبح كل واحد حيث أعد له من المسجد وأقام كذلك ما شاء ~~الله ثم خربه بخت نصر الله بعد ثمانمائة سنة من بنائه واحرق التوراة والعصا ~~وصاغ الهياكل ونثر الأحجار ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزير نبي بني ~~إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت ms377 الولادة لبني إسرائيل عليه ~~من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودا دون بناء سليمان بن داود عليهما ~~السلام فلم يتجاوزوها ثم تداونتهم PageV01P354 ملوك يونان والفرس والروم ~~واستفحل الملل لبني إسرائيل في هذه المدة ثم لبني حشماني من كهنتهم ثم ~~لصهرهم هيرودس ولبينة من بعده وبني هيرودس سليمان عليه السلام وتأنق فيها ~~حتى أكمله في ست سنين فلما جاء طيطش من ملوك الروم وغلبهم وملك أمرهم خرب ~~بيت المقدس ومسجدها وأمر أن يزرع مكانه ثم أخذ الروم بدين المسيح عليه ~~السلام ودانوا بتعظيمه ثم اختلف حال ملوك الروم في الأخذ بدين النصارى تارة ~~وتركه أخرى إلى أن جاء قسطنطين وتنصرت امه هيلانه وارتحلت إلى القدس في طلب ~~الخشبة التي صلب عليها المسيح بزعمهم فأخبرها القساوسة بأنه رمى بخشبته على ~~الأرض وألقى عليها القمامات والقاذورات فاستخرجت الخشبة وبنت مكان تلك ~~القمامات كنيسة القمامة كأنها على قبره بزعمهم وهربت ما وجدت من عمارة ~~البيت وأمرت بطرح الزبل والقمامات على الصخرة حتى غطاها وخفي مكانها جزاء ~~بزعمها لما فعلوه بقبر المسيح ثم بنوا بإزاء القمامة بيت لحم وهو البيت ~~الذي ولد فيه عيسى عليه السلام وبقى الأمر كذلك إلى أن جاء الإسلام وحضر ~~عمر لفتح بيت المقدس وسأل عن الصخرة فأرى مكانها وقد علاها الزبل والتراب ~~فكشف عنها وبنى عليها مسجدا عل طريق البداوة وعظم من شأنه ما أذن الله من ~~تعظيمه وما سبق من أم الكتاب في فضله حسبما ثبت ثم احتفل الوليد بن عبد ~~الملك في تشييد مسجده على سنن مساجد الإسلام بما شاء الله من الاحتفال كما ~~فعل في المسجد الحرام وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وفي مسجد ~~دمشق وكانت العرب تسميه بلاط الوليد وألزم ملك الروم أن يبعث السلعة والمال ~~لبناء هذه المساجد وأن ينمقوها بالفسيفساء فاطاع لذلك وتم بناؤها على ما ~~اقترحه ثم لما ضعف أمر الخلافة أعوام الخمسمائة من الهجرة في آخرها وكانت ~~في ملكة العبيدين خلفاء القاهر من الشيعة واختل أمرهم زحف ms378 الفرنجة إلى بيت ~~المقدس فملكوه وملكوا معه عامة ثغور السام وبنوا على الصخرة المقدسة منه ~~كنيسة كانوا يعظمونها ويفتخرون ببنائها حتى إذا استقل صلاح الدين بن أيوب ~~الكردي بملك مصر والشام ومحا أثر العبيدين وبدعهم زحف إلى الشام وجاهد من ~~كان به من الفرنجة حتى غلبهم على بيت المقدس وعلى ما كانوا ملكوه ~~PageV01P355 من ثغور الشام وذلك لنحو ثمانين وخمسمائة من الهجرة وهدم تلك ~~الكنيسة وأظهر الصخرة وبنى المسجد على النحو الذي هو عليه اليوم لهذا العهد ~~ولا يعرض لك الإشكال المعروف في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سئل عن أول بيت وضع فقال بين مكة وبين بناء بيت المقدس قيل فكم بينهما قال ~~أربعون سنة فإن المدة بين بناء مكة وبين بناء بيت المقدس بمقدار ما بين ~~إبراهيم وسليمان لأن سليمان بانيه وهو ينيف على الألف بكثير واعلم أن ~~المراد بالوضع في الحديث ليس البناء وإنما المراد أول بيت عين للعبادة وقد ~~نقل أن الصائبة بنوا على الصخرة هيكل الزهرة فلعل ذلك أنها كانت مكانا ~~للعبادة كما كانت الجاهلية تضع الأصنام والتماثيل حوالي الكعبة وفي جوفها ~~والصابئة الذين بنوا هيكل الزهر كانوا على عهد إبراهيم المقدس سليمان عليه ~~السلام فتفهمه ففيه حل هذا الإشكال وأما المدينة وهي المسماة بيثرب فهي من ~~بناء يثرب بن مهلائيل من العمالقة وملكها بنو إسرائيل من أيديهم فيما ملكوه ~~من أرض الحجاز ثم جاورهم بنو قيلة من غسان وغلبوهم عليها وعلى حصونها ثم ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليها لما سبق من عناية الله بها ~~فهاجر إليها ومعه أبو بكر وتبعه أصحابه ونزل بها وبنى مسجده وبيوته في ~~الموضع الذي كان الله قد أعده لذلك وشرفه في سابق أزله وأواه أبناء قيلة ~~ونصروه فلذلك سموا الأنصار وتمت كلمة الإسلام من المدينة حتى علت على ~~الكلمات وغلب على قومه وفتح مكة وملكها وظن الأنصار أنه يتحول عنهم إلى ~~بلدة فأهمهم ذلك فخاطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واخبرهم أنه ms379 غير ~~متحول حتى إذا قبض صلى الله عليه وسلم كان ملحده الشريف وجاء في فضلها من ~~الأحاديث الصحيحة ما لا خفاء به ووقع الخلاف بين العلماء في تفضيلها على ~~مكة وبه قال مالك رحمه الله لما ثبت عنده في ذلك من النص الصريح عن رفيع بن ~~مخدج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المدينة خير من مكة نقل ذلك أبو ~~الوهاب في المعونة إلى أحاديث أخرى PageV01P356 تدل بظاهرها على ذلك وخالف ~~أبو حنيفة والشافعي وأصبحت على كل حال ثانية المسجد الحرام وجنح إليها ~~الأمم بأفئدتهم من كل أوب فانظر كيف تدرجت الفضيلة في هذه المساجد المعظمة ~~لما سبق من عناية الله لها وتفهم سر الله في الكون وتدريجه على ترتبي محكم ~~في أمور الدين والدنيا وأما غير هذه المساجد الثلاثة فلا نعلمه في الأرض ~~إلا ما يقال في شان مسجد آدم عليه السلام بسرنديب من جزائر الهند لكنه لم ~~يثبت فيه شيء يعول عليه وقد كانت للأمم في القديم مساجد يعظمونها على جهة ~~الديانة بزعمهم منها بيوت النار للفرس وهياكل يونان وبيوت العرب بالحجاز ~~التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدمها في غزواته وقد ذكر المسعودي منها ~~بيوتا لسنا من ذكرها في شيء إذ هي غير مشروعة ولا هي على طريق ديني ولا ~~يلتفت إليها ولا إلى الخبر عنها ويكفي في ذلك ما وقع في التواريخ فمن أراد ~~معرفة الأخبار فعليه بها والله يهدي من يشاء سبحانه # الفصل السابع في ان المدن والامصار بافريقية والمغرب قليلة # والسبب في ذلك أن هذه الأقطار كانت للبربر منذ آلاف السنين قبل الإسلام ~~وكان عمرانها كله بدويا ولم تستمر فيهم الحضارة حتى تستكمل أحوالها والدول ~~التي ملكتهم من الإفرنجة والعرب ولم يطل أمد ملكهم فيهم حتى ترسخ الحضارة ~~منها فلم تزل عوائد البداوة وشؤونها فكانوا إليها أقرب فلم تكثر مبانيهم ~~وأيضا فالصنائع بعيدة عن البربر لأنهم أعرق في البدو والصنائع من توابع ~~الحضارة وإنما تتم المباني فلا بد من الحذق في تعلمها ms380 فلما لم يكن للبربر ~~انتحال لها لم يكن لهم تشوق إلى المباني فضلا عن المدن وأيضا فهم أهل ~~عصبيات وأنساب لا يخلو عن ذلك جمع منهم والأنساب والعصبية اجنح إلى البدو ~~وإنما يدعو إلى المدن الدعة والسكون ويصير ساكنها عيالا على حاميتها فتجد ~~أهل البدو لذلك يستنكفون عن سكنى المدينة أو الإقامة بها فلا يدعو ذلك إلا ~~الترف والغنى وقليل ما هو في الناس فلذلك كان عمران أفريقية والمغرب كله أو ~~أكثره بدويا أهل خيام وظواعن وقباطن وكنن في الجبال وكان عمران بلاد العجم ~~كله أو أكثره قرى PageV01P357 وأمصارا ورساتيق من بلاد الأندلس والشام ومصر ~~وعراق العجم وأمثالها لأن العجم ليسوا بأهل أنساب يحافظون عليها ويتباهون ~~في صراحتها والتحامها إلا في الأقل وأكثر ما يكون في سكنى البدو لأهل ~~الأنساب لن لحمة النسب أقرب وأشد فتكون عصبيته كذلك وتنزع بصاحبها إلى سكنى ~~البدو والتجافي عن المصر الذي يذهب بالبسالة ويصيره عيالا على غيره فافهمه ~~وقس عليه والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق $ الفصل الثامن في ان ~~المباني والمصانع في الملة الإسلامية قليلة بالنسبة إلى قدرتها والى من كان ~~قبلها من الدول # والسبب في ذلك ما ذكرنا مثله في البربر بعينه إذ العرب أيضا أعرق في ~~البدو وأبعد عن الصنائع وأيضا فكانوا أجانب من الممالك التي استولوا عليها ~~قبل الإسلام ولم تملكوها لم ينفسخ الأمد حتى تستوفي رسوم الحضارة مع أنهم ~~استغنوا بما وجدوا من مباني غيرهم وأيضا فكان الدين أول الأمر مانعا من ~~المغالاة أو البنيان والإسراف فيه في غير القصد كما عهد لهم عمر حين ~~استأذنوه في بناء الكوفة بالحجارة وقد وقع الحريق في القصب الذي كانوا بنوا ~~به من قبل فقال افعلوا ولا يزيدن أحد على ثلاثة أبيات ولا تطاولوا في ~~البنيان والزموا السنة تلزمكم الدولة وعهد إلى الوفد وتقدم إلى الناس أن لا ~~يرفعوا بنيانا فوق القدر قالوا وما القدر قال لا يقربكم من السرف ولا ~~يخرجكم عن القصد فلما بعد العهد بالدين والتخرج في أمثال هذه ms381 المقاصد وغلبت ~~طبيعة الملك والترف واستخدم العرب أمة الفرس وأخذوا عنهم الصنائع والمباني ~~ودعتهم إليها أحوال الدعة والترف فحينئذ شيدوا المباني والمصانع وكان عهد ~~ذلك قريبا بانقراض الدولة ولم ينفسح الأمد لكثرة البناء واختطاط المدن ~~والأمصار إلا قليلا وليس كذلك غيرهم من الأمم فالفرس طالت مدتهم آلافا من ~~السنين وكذلك القبط والنبط والروم وكذلك العرب الأولى من عاد وثمود ~~والعمالقة والتبايعة طالت آمادهم ورسخت الصنائع فيهم فكانت مبانيهم ~~وهياكلهم أكثر عددا وأبقى على الأيام أثرا واستبصر في هذا تجده كما قلت ~~والله وارث الأرض ومن عليها PageV01P358 الفصل التاسع في ان المباني التي ~~كانت تختطها العرب يسرع إليها الخراب إلا في الأقل # والسبب في ذلك شان البداوة والبعد عن الصنائع كما قدمناه فلا تكون ~~المباني وثيقة في تشييدها وله والله أعلم وجه آخر وهو أمس به وذلك قلة ~~مراعاتهم لحسن الاختيار في اختطاط المدن كما قلناه في المكان وطيب الهواء ~~والمياه والمزارع والمراعي فإنه بالتفاوت في هذا تتفاوت جودة المصر ورداءته ~~من حيث العمران الطبيعي والعرب بمعزل عن هذا وإنما يراعون مراعي إبلهم خاصة ~~لا يبالون بالماء طاب أو خبث ولا قل أو كثر ولا يسألون عن زكاء المزارع ~~والمنابت والأهوية لانتقالهم في الأرض نقلهم الحبوب من البلد البعيد واما ~~الرياح فالقفر مختلف للمهاب كلها والظعن كفيل لهم بطيبها لأن الرياح إنما ~~تخبث مع القرار والسكنى وكثره الفضلات وانضر لما اختطوا الكوفة والبصرة ~~والقيروان كيف لم يراعوا في اختطاطها إلا مراعي إبلهم وما يقرب من القفر ~~ومسالك الظعن فكانت بعيدة عن الوضع الطبيعي للمدن ولم تكن لها مادة تمد ~~عمرانها من بعدهم كما قدمنا أنه يحتاج إليه في العمران فقد كانت مواطنها ~~غير طبيعية للقرار ولم تكن في وسط الأمم فيعمرها الناس فلأول وهلة من ~~انحلال أمرهم وذهاب عصبيتهم التي كانت سياجا لها أتى عليها الخراب ~~والانحلال كأن لم تكن والله يحكم لا معقب لحكمه $ الفصل العاشر في مبادى ~~الخراب في الامصار # اعلم أن الأمصار إذا اختطت أولا تكون قليلة المساكن ms382 وقليلة آلات البناء ~~من الحجر والجير وغيرهما مما يعالى على الحيطان عند التأنق كالزلح والرخام ~~والربج والزجاج والفسيفساء والصدف فيكون بناؤها يومئذ بدويا وآلاتها فاسدة ~~فإذا عظم عمران المدينة وكثر ساكنها كثرت الآلات بكثرة الأعمال حينئذ وكثرت ~~الصناع إلى أن تبلغ غايتها من ذلك كما سبق بشأنها فإذا تراجع عمرانها وخف ~~ساكنها قلت الصنائع لأجل ذلك وفقدت الإجادة في البناء والإحكام والمعالاة ~~عليه بالتنميق ثم تقل الأعمال لعدم الساكن فيقل جلب الآلات من الحجر ~~والرخام وغيرهما PageV01P359 فتفقد ويصير بناؤهم وتشييدهم من الآلات التي ~~في مبانيهم فينقلونها من مصنع إلى مصنع لأجل خلاء أكثر المصانع والقصور ~~والمنازل بقلة العمران وقصوره عما كان أولا ثم لا تزال تنقل من قصر إلى قصر ~~ومن دار إلى دار إلى أن يفقد الكثير منها جملة فيعودون إلى البداوة في ~~البناء واتخاذ الطوب عوضا عن الحجارة والقصور عن التنميق بالكلية فيعود ~~بناء المدينة مثل بناء القرى والمدر وتظهر عليها سيماء البداوة ثم تمر في ~~التناقص إلى غايتها من الخراب إن قدر لها به سنة الله في خلقه $ الفصل ~~الحادي عشر في ان تفاضل الامصار والمدن في كثرة الرزق لأهلها ونفاق الاسواق ~~انما هو في تفاضل عمرانها في الكثرة والقلة # والسبب في ذلك انه قد عرف وثبت أن الواحد من البشر غير مستقل لتحصيل ~~حاجاته في معاشه وانهم متعاونون جميعا في عمرانهم على ذلك والحاجة التي ~~تحصل بتعاون طائفة منهم تشتد ضرورة الأكثر من عددهم أضعافا فالقوت من ~~الحنطة مثلا لا يستقل الواحد بتحصيل حصته منه وإذا انثدب لتحصيله الستة أو ~~العشرة من حداد ونجار للآلات وقائم على البقر وإثارة الأرض وحصاد السنبل ~~وسائر مؤن الفلح وتوزعوا على تلك الأعمال أو اجتمعوا وحصل بعملهم ذلك مقدار ~~من القوت فإنه حينئذ قوت لأضعافهم مرات فالأعمال بعد الاجتماع زائدة على ~~حاجات العاملين وضروراتهم فأهل مدينة أو مصر إذا وزعت أعمالهم كلها على ~~مقدار ضروراتهم وحاجاتهم اكتفى فيها بالأقل من تلك الأعمال وبقيت الأعمال ~~كلها زائدة على الضرورات فتصرف في ms383 حالات الترف وعوائده وما يحتاج إليه ~~غيرهم من أهل الأمصار ويستجلبونه منهم بأعواضه وقيمة فيكون لهم بذلك حظ من ~~الغنى وقد تبين لك في الفصل الخامس في باب الكسب والرزق أن المكاسب إنما هي ~~قيم الأعمال فإذا كثرت الأعمال كثرت قيمها بينهم فكثرت مكاسبهم ضرورة ~~ودعتهم أحوال الرفه والغنى إلى الترف وحاجاته من التأنق في المساكن ~~والملابس واستجادة الآنية والماعون واتخاذ الخدم والمراكب وهذه كلها أعمال ~~تستدعي بقيمها ويختار المهرة في صناعتها والقيام عليها فتنفق أسواق الأعمال ~~والصنائع ويكثر دخل المصر PageV01P360 وخرجه ويحصل اليسار لمنتحلي ذلك من ~~قبل أعمالهم ومتى زاد العمران زادت الأعمال ثانية ثم زاد الترف تابعا للكسب ~~وزادت عوائده وحاجاته واستنبطت الصنائع لتحصيلها فزادت قيمها وتضاعف الكسب ~~فى المدينة لذلك ثانية ونفقت سوق الأعمال بها أكثر من الأول وكذا فى ~~الزيادة الثانية والثالثة لأن الأعمال الزائدة كلها تختص بزيادة كسب ورفه ~~بعوائد من الترف لا توجد فى الآخر فما كان عمرانه من الامصار أكثر وأوفر ~~كان حال أهله فى الترف أبلغ من حال المصر الذي دونه على وتيرة واحدة في ~~الأصناف القاضي مع القاضي والتاجر مع التاجر والصانع مع الصانع والسوقي مع ~~السوقي والأمير مع الأمير والشرطي مع الشرطي واعتبر ذلك فى المغرب مثلا ~~بحال فاس مغ غيرها من أمصاره مثل بجاية وتلمسان وسبتة تجد بينهما بونا ~~كثيرا على الجملة ثم على الخصوصيات فحال القاضي بفاس أوسع من حال القاضي ~~بتلمسان وهكذا كل صنف مع صنف أهله وكذا أيضا حال تلمسان مع وهران أو ~~الجزائر وحال وهران والجزائر مع ما دونهما إلى أن تنتهي إلي المدر الذين ~~اعتمالهم في ضروريات معاشهم فقط ويقصرون عنها وما ذلك إلا لتفاوت الأعمال ~~فيها فكأنها كلها أسواق للأعمال والخرج في كل سوق على نسبته فالقاضي بفاس ~~دخله كفاء خرجه وكذا القاضي بتلمسان وحيث الدخل والخرج أكثر تكون الأحوال ~~أعظم وهما بفاس أكثر لنفاق سوق الأعمال بما يدعو إليه الترف فالأحوال أضخم ~~ثم كذا حال وهران وقسنطينية والجزائر وبسكره حتى تنتهي كما ms384 قلناه إلى ~~الامصار التي لا توفي أعمالها بضروراتها ولا تعد في الأمصار إذا هي من قبيل ~~القرى والمدر فلذلك تجد أهل هذه الأمصار الصغيرة ضعفاء الأحوال متقاربين في ~~الفقر والخصاصة لما أن أعمالهم لا تفي بضروراتهم ولا يفضل ما يتأثلونه كسبا ~~فلا تنمو مكاسبهم وهم لذلك مساكين محاويج إلا في الأقل النادر وأعتبر ذلك ~~حتى في أحوال الفقراء والسؤال فإن السائل بفاس أحسن حالا من السائل بتلمسان ~~أو وهران ولقد شاهدت بفاس السؤال يسألون أيام الأضاحي أثمان ضحاياهم ~~ورأيتهم يسألون كثيرا من أحوال الترف واقتراح المآكل مثل سؤال اللحم والسمن ~~PageV01P361 وعلاج الطبخ والملابس والماعون كالغربال والآنية ولو سأل سائل ~~مثل هذا بتلمسان أو وهران لاستنكروعنف وزجر ويبلغنا لهذا العهد عن أحوال ~~القاهرة ومصر من الترف والغنى فى عوائدهم ما يقضي منه العجب حتى أن كثيرا ~~من الفقراء بالمغرب ينزعون من الثقلة إلى مصر لذلك ولما يبلغهم من أن شأن ~~الرفه بمصر أعظم من غيرها ويعتقد العامة من الناس أن ذلك لزيادة إيثار فى ~~أهل تلك الآفاق على غيرهم أو أموال مختزنة لديهم وأنهم أكثر صدقة وإيثارا ~~من جميع أهل الأمصار وليس كذلك وإنما هو لما تعرفه من أن عمران مصر ~~والقاهرة أكثر من عمران هذه الامصار التي لديك فعظمت لذلك أحوالهم وأما حال ~~الدخل والخرج فمتكافىء فى جميع الأمصار ومتى عظم الدخل عظم الخرج وبالعكس ~~ومتى عظم الدخل والخرج اتسعت أحوال الساكن ووسع المصر كل شيء يبلغك من مثل ~~هذا فلا تنكره واعتبره بكثرة العمران وما يكون عنه من كثرة المكاسبة التي ~~يسهل بسببها البذل والإيثار على مبتغيه ومثله بشأن الحيوانات العجم مع بيوت ~~المدينة الواحدة وكيف تختلف أحوالها في هجرانها أو غشيانها فإن بيوت أهل ~~النعم والثروة والموائد الخصبة منها تكثر بساحتها واقنيتها بنثر الحبوب ~~وسواقط الفتات فيزدحم عليها غواشي النمل والخشاش ويلحق فوقها عصائب الطيور ~~حتى تروح بطانا وتمتلي شبعا وريا وبيوت أهل الخصاصة والفقراء الكاسدة ~~أرزاقهم لا يسري بساحتها دبيب ولا يحلق بجوها طائر ولا تأوي إلى ms385 زوايا ~~بيوتهم فأرة ولا هرة كما قال الشاعر % تسقط الطير حيث تلتقط الحب م % وتغشي ~~منازل الكرماء % $ # فتأمل سر الله تعالى في ذلك وأعتبر غاشية الأناسي بغاشية العجم من ~~الحيوانات وفتات الموائد بفضلات الرزق والترف وسهولتها على من يبذلها ~~لاستغنائهم عنها فى الأكثر لوجود أمثالها لديهم وأعلم أن أتساع الأحوال ~~وكثرة النعم في العمران تابع لكثرته والله سبحانه وتعالى أعلم وهو غني عن ~~العالمين # | الفصل الثاني عشر # في اسعار المدن # إعلم أن الاسواق كلها تشتمل على حاجات الناس فمنها الضروري وهي الأقوات ~~PageV01P362 من الحنطة وما في معناها كالباقلاء والبصل والثوم وأشباهه ~~ومنها الحاجي والكمالي مثل الأدم والفواكه والملابس والماعون والمراكب ~~وسائر المصانع والمباني فإذا استجر المصر وكثر ساكنه رخصت أسعار الضروري من ~~القوت وما في معناه وغلت إسعار الكمالي من الأدم والفواكه وما يتبعها وإذا ~~قل ساكن المصر وضعف عمرانه كان الأمر بالعكس والسبب في ذلك أن الحبوب من ~~ضرورات القوت فتتوفر الدواعي على اتخاذها إذ كل أحد لا يهمل قوت نفسه ولا ~~قوت منزله لشهره أو سنته فيعم اتخاذها أهل المصر أجمع أو الأكثر منهم في ~~ذلك المصر أو فيما قرب منه لا بد من ذلك وكل متخذ لقوته فتفضل عنه وعن أهل ~~بيته فضله كبيرة تسد خلة كثيرين من أهل ذلك المصر فتفضل الأقوات عمن أهل ~~المصر من غير شك فترخص أسعارها في الغالب إلا ما يصيبها في بعض السنين من ~~الآفات السماوية ولولا احتكار الناس لها لما يتوقع من تلك الآفات لبذلت دون ~~ثمن ولا عوض لكثرتها بكثرة العمران وأما سائر المرافق من الأدم والفواكه ~~وما إليها فإنها لا تعم بها البلوى ولا يستغرق اتخاذها أعمال أهل المصر ~~أجمعين ولا الكثير منهم ثم إن المصر إذا كان مستبحرا موفور العمران كثير ~~حاجات الترف توفرت حينئذ الدواعي على طلب تلك المرافق وإستكثار منها كل ~~بحسب حاله فيقصر الموجود منها على الحاجات قصورا بالغا ويكثر المستامون لها ~~وهى قليلة فى نفسها فتزدحم أهل الأغراض ويبذل أهل الرفه والترف أثمانها ms386 ~~بإسراف في الغلاء لحاجتهم إليها أكثر من غيرهم فيقع فيها الغلاء كما تراه ~~وأما الصنائع والأعمال أيضا في الأمصار الموفورة العمران فسبب الغلاء فيها ~~أمور ثلاثة الأول كثرة الحاجة لمكان الترف في المصر بكثرة عمرانه والثاني ~~اعتزاز أهل الأعمال لخدمتهم وامتهان أنفسهم لسهولة المعاش في المدينة بكثرة ~~أقواتها والثالث كثرة المترفين وكثرة حاجاتهم إلى امتهان غيرهم وإلى ~~استعمال الصناع في مهنهم فيبذلون في ذلك لأهل الأعمال أكثر من قيمة أعمالهم ~~مزاحمة ومنافسة في الاستئثار بها فيعتز العمال والصناع وأهل الحرف وتغلو ~~أعمالهم وتكثر نفقات أهل المصر في ذلك وأما الامصار الصغيرة والقليلة ~~الساكن فأقواتهم قليلة لقلة العمل فيها وما يتوقعونه لصغر مصرهم من عدم ~~القوت PageV01P363 فيتمسكون بما يحصل منه في أيديهم ويحتكرونه فيعز وجوده ~~لديهم ويغلو ثمنه على مستامه وأما مرافقهم فلا تدعو إليها أيضا حاجة الساكن ~~وضعف الأحوال فلا تنفق لديهم سوقه فيختص بالرخص في سعره وقد يدخل أيضا في ~~قيمة الأقوات قيمة ما يعرض عليها من المكوس والمغارم للسلطان في الأسواق ~~وباب الحفر والحياة في منافع وصولها عن البيوعات لما يمسهم وبذلك كانت ~~الأسعار في الأمصار اعلى من الأسعار في البادية إذ المكوس والمغارم ~~والفرائض قليلة لديهم أو معدومة وكثرتها في الأمصار لاسيما في آخر الدولة ~~وقد تدخل أيضا في قيمة الأقوات قيمة علاجها فى التاريخ ويحافظ على ذلك في ~~أسعارها كما وقع بالأندلس لهذا العهد وذلك أنهم بما ألجاهم النصارى إلى سيف ~~البحر وبلاده المتوعرة الخبيثة الزارعة النكدة النبات وملكوا عليهم الأرض ~~الزاكية والبلد الطيب فاحتاجوا إلى علاج المزارع والفدن لإصلاح نباتها ~~وفلحها وكان ذلك العلاج بأعمال ذات قيم ومواد من الزبل وغيره لها مؤنة ~~وصارت في فلحهم نفقات لها خطر فاعتبروها في سعرهم واختص قطر الأندلس ~~بالغلاء منذ اضطرهم النصارى إلى هذا المعمور بالاسلام مع سواحلها لأجل ذلك ~~ويحسب الناس إذا سمعوا بغلاء الأسعار في قطرهم انها لقلة الأقوات والحبوب ~~في أرضهم وليس كذلك فهم أكثر أهل المعمور فلما فيما علمناه وأقومهم عليه ~~وقل أن يخلو ms387 منهم سلطان أو سوقة عن فدان أو مزرعة أو فلح إلا قليل من أهل ~~الصناعات والمهن أو الطراء علي الوطن من الغزاة المجاهدين ولهذا يختصهم ~~السلطان في عطائهم بالعولة وهي أقواتهم وعلوفاتهم من الزرع وإنما السبب في ~~غلاء سعر الحبوب عندهم ما ذكرناه ولما كانت بلاد البربر بالعكس من ذلك في ~~زكاء منابتهم وطيب أرضهم أرتفعت عنهم المؤمن جملة في الفلح من كثرته ~~وعمومته فصار ذلك سببا لرخص الأقوات ببلدهم والله مقدر الليل والنهار وهو ~~الواحد القهار لا رب سواه # | الفصل الثالث عشر # في قصور اهل البادية عن سكنى المصر الكثر العمران # والسبب في ذلك أن المصر الكثير العمران يكثر ترفه كما قدمناه وتكثر ~~PageV01P364 حاجات ساكنه من أجل الترف وتعتاد تلك الحاجات لما يدعو إليها ~~فتنقلب ضرورات وتصير فيه الأعمال كلها مع ذلك عزيزة والمرافق غالية بازدحام ~~الأغراض عليها من أجل الترف وبالمغارم السلطانية التي توضع على الأسواق ~~والبياعات وتعتبر في قيم المبيعات ويعظم فيها الغلاء في المرافق والأوقات ~~والأعمال فتكثر لذلك نفقات ساكنه كثرة بالغة على نسبة عمرانه ويعظم خرجه ~~فيحتاج حينئذ إلى المال الكثير للنفقة على نفسه وعياله في ضرورات عيشهم ~~وسائر مؤونتهم والبدوي لم يكن دخله كثيرا ساكنا بمكان كاسد الأسواق في ~~الأعمال التي هي سبب الكسب فلم يتأثل كسبا ولا مالا فيتعذر عليه من أجل ذلك ~~سكنى المصر الكبير لغلاء مرافقه وعزه حاجاته وهو في بدوه يسد خلته بأقل ~~الأعمال لأنه قليل عوائد الترف في معاشه وسائر مؤونته فلا يضطر إلى المال ~~وكل من يتشوف إلى المصر وسكناه من البادية فسريعا ما يظهر عجزه ويفتضح في ~~استيطانه إلا من يقدم منهم تأثل المال ويحصل له منه فوق الحاجة ويجري إلى ~~الغاية الطبيعية لأهل العمران من الدعة والترف فحينئذ ينتقل إلى المصر ~~وينتظم حاله مع أحوال أهله في عوائدهم وترفهم وهكذا شأن بداءة عمران ~~الأمصار والله بكل شيء محيط # | الفصل الرابع عشر # في ان الاقطار في اختلاف احوالها بالرفه والفقر مثل الامصار # إعلم أن ما توفر عمرانه ms388 من الأقطار وتعددت الأمم في جهاته وكثر ساكنه ~~اتسعت أحوال أهله وكثرت أموالهم وأمصارهم وعظمت دولهم ومما لكهم والسبب في ~~ذلك كله ما ذكرناه من كثرة الأعمال وما سيأتي ذكره من أنها سبب للثروة بما ~~يفضل عنها بعد الوفاء بالضروريات في حاجات الساكن من الفضلة البالغة على ~~مقدار العمران وكثرته فيعود على الناس كسبا يتأثلونه حسبما نذكر ذلك في فصل ~~المعاش وبيان الرزق والكسب فيتزيد الرفه لذلك وتتسع الأحوال ويجي الترف ~~والغنى وتكثر الجباية للدولة بنفاق الأسواق فيكثر مالها ويشمخ سلطانها ~~وتتفنن في اتخاذ المعاقل والحضون واختطاط المدن وتشييد الأمصار واعتبر ذلك ~~بأقطار المشرق مثل مصر والشام وعراق العجم والهند والصين وناحية الشمال ~~كلها PageV01P365 وأقطارها وراء البحر الرومي لما كثر عمرانها كيف كثر ~~المال فيهم وعظمت دولتهم وتعددت مدنهم وحواضرهم وعظمت متاجرهم وأحوالهم ~~فالذي نشاهده لهذا العهد من أحوال تجار الأمم النصرانية الواردين على ~~المسلمين بالمغرب في رفههم واتساع أحوالهم أكثر من أن يحيط به الوصف وكذا ~~تجار أهل المشرق الأقصى من عراق العجم والهند والصين فإنه يبلغنا عنهم في ~~باب الغنى والدقة غرائب تسير الركبان بحديثها وربما تتلقى بالإنكار في غالب ~~الأمر ويحسب من يسمعها من العامة أن ذلك لزيادة في أموالهم أو لأن المعادن ~~الذهبية والفضية أكثر بأرضهم أو لأن ذهب الأقدمين من الأمم استأثروا به دون ~~غيرهم وليس كذلك فمعدن الذهب الذي نعرفه في هذه الأقطار إنما هو من بلاد ~~السودان وهي إلى المغرب أقرب وجميع ما في أرضهم من البضاعة فإنما يجلبونه ~~إلى غير بلادهم للتجارة فلو كان المال عتيدا موفورا لديهم لما جلبوا ~~بضائعهم إلى سواهم يتغون بها الأموال ولا استغنوا عن أموال الناس بالجملة ~~ولقد ذهب المنجمون لما رأوا مثل ذلك واستغربوا ما في المشرق من كثرة ~~الأحوال وأتساعها ووفور أموال فقالوا بإن عطايا الكواكب والسهام في مواليد ~~الشرق اكثر منها حصصا في مواليد أهل المغرب وذلك صحيح من جهة المطابقة بين ~~الأحكام النجومية والأحوال الأرضية كما قلناه وهم إنما أعطوا في ذلك السبب ms389 ~~النجومي وبقي عليهم أن يعطوا السبب الأرضي وهو ما ذكرناه من كثرة العمران ~~واختصاصه بأرض المشرق وأقطاره وكثرة العمران تفيد كثرة الكسب بكثرة الأعمال ~~التي هي سببه فلذلك اختص المشرق بالرفه من بين الآفاق لا إن ذلك لمجرد ~~الأثر النجومي فقد فهمت مما أشرنا لك أولا أنه لا يستقل بذلك وأن المطابقة ~~بين حكمه وعمران الأرض وطبيعتها أمر لا بد منه واعتبر حال هذا الرفه من ~~العمران في قطر افريقية وبدقة لما خفت سكنها وتناقص عمرانها كيف تلاشت ~~أحوال أهلها وانتهوا إلى الفقر والخصاصة وضعفت جباياتها فقلت أموال دولها ~~بعد أن كانت دول الشيعة وصنهاجة بها على ما بلغك من الرفه وكثرة الجبايات ~~واتساع الأحوال في نفقاتهم وأعطياتهم حتى لقد كانت الأموال ترفع من ~~القيروان إلى صاحب مصر لحاجاته ومهماته وكانت أموال الدولة بحيث حمل ~~PageV01P366 جوهر الكاتب في سفره إلى فتح مصر ألف حمل من المال يستعد بها ~~لأرزاق الجنود وأعطياتهم ونفقات الغزاة وقطر المغرب وإن كان في القديم دون ~~أفريقية فلم يكن بالقليل في ذلك وكانت أحواله في دول الموحدين متسعة ~~وجباياته موفورة وهو لهذا العهد قد أقصر عن ذلك لقصور العمران فيه وتناقصه ~~فقد ذهب من عمران البربر فيه أكثره ونقص عن معهوده نقصا ظاهرا محسوسا وكاد ~~أن يلحق في أحواله بمثل أحوال أفريقية بعد أن كان عمرانه متصلا من البحر ~~الرومي إلى بلاد السودان في طول ما بين السوس الأقصى ورفة وهي اليوم كلها ~~أو أكثرها قفار وخلاء وصحارى إلا ما هو منها بسيف البحر أو ما يقاربه من ~~التلول والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين # | الفصل الخامس عشر # في تاثل العقار والضياع في الامصار وحال فوائدها ومستغلاتها # إعلم أن تأثل العقار والضياع الكثيرة لأهل الأمصار والمدن لا يكون دفعة ~~واحدة ولا في عصر واحد إذ ليس يكون لأحد منهم من الثروة ما يملك به الأملاك ~~التي تخرج قيمتها عن الحد ولو بلغت أحوالهم في الرفه ما عسى أن تبلغ وإنما ~~يكون ملكهم وتأثلهم لها ms390 تدريجا إما بالوراثة من آبائه وذوي رحمه حتى تتأدى ~~أملاك الكثيرين منهم إلى الواحد وأكثر لذلك أو أن يكون بحوالة الأسواق فإن ~~العقار في آخر الدولة وأول الأخرى عند فناء الحامية وخرق السياج وتداعي ~~المصر إلى الخراب ثقل الغبطة به لقلة المنفعة فيها بتلاشي الأحوال فترخص ~~قيمها ونتملك بالأثمان اليسيرة وتتخطى بالميراث إلى ملك آخر وقد استجد ~~المصر شبابه باستنحال الدولة الثانية وانتظمت له أحوال رائقة حسنة تحصل ~~معها الغبطة في العقار والضياع لكثرة منافعها حينئذ فتعظم قيمها ويكون لها ~~خطر لم يكن في الأول وهذا معنى الحوالة فيها ويصبح مالكها من أغنى أهل ~~المصر وليس ذلك بسعيه واكتسابه إذ قدرته تعجز عن مثل ذلك وأما فوائد العقار ~~والضياع فهي غير كافية لمالكها في حاجات معاشه إذ هي لا تفي بعوائد الترف ~~وأسبابه وإنما هي في الغالب لسد الخلة وضرورة المعاش والذي سمعناه من مشيخة ~~البلدان أن القصد بأقتناء الملك من العقار والضياع PageV01P367 إنما هو ~~الخشية على من يترك خلفه من الذرية الضعفاء ليكون مرباهم به ورزقه فيه ~~ونشؤهم بفائدته ما داموا عاجزين عن الاكتساب فإذا اقتدروا على تحصيل ~~المكاسب سعوا فيها بأنفسهم وربما يكون من الولد من يعجز عن التكسب لضعف في ~~بدنه أو آفة في عقله المعاشي فيكون ذلك العقار قواما لحاله هذا قصد ~~المترفين في اقتنائه وأما التمول منه وإجراء أحوال المترفين فلا وقد يحصل ~~ذلك منه للقليل أو النادر بحوالة الأسواق وحصول الكثرة البالغة منه والعالي ~~في جنسه وقيمته في المصر إلا أن ذلك إذا حصل ربما امتدت إليه أعين الأمراء ~~والولاة واغتصبوه في الغالب أو أرادوه على بيعه منهم ونالت أصحابه منه مضار ~~ومعاطب والله غالب على أمره وهو رب العرش العظيم # | الفصل السادس عشر # في حاجات المتمولين من اهل الامصار إلى الجاه والمدافعة # وذلك أن الحضري إذا عظم تموله وكثر للعقار والضياع تأثله وأصبح أغنى أهل ~~المصر ورقعته العيون بذلك وانفسحت أحواله في الترف والعوائد زاحم عليها ~~الأمراء والملوك وغصوا به ولما في طباع ms391 البشر من العدوان تمتد أعينهم إلى ~~تملك ما بيده وينافسونه فيه ويتحيلون على ذلك بكل ممكن حتى يحصلوه في ربقة ~~حكم سلطاني وسبب من المؤاخذه ظاهر ينتزع به ماله وأكثر الأحكام السلطانية ~~جائرة في الغالب إذ العدل المحض إنما هو في الخلافة الشرعية وهي قليلة ~~اللبث قال صلى الله عليه وسلم الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تعود ملكا عضوضا ~~فلا بد حينئذ لصاحب المال والثروة الشهيرة في العمران من حامية تذود عنه ~~وجاه ينسحب عليه من ذي قرابة للملك أو خالصة له أو عصبية يتحاماها السلطان ~~فيستظل بظلها ويرتع في أمنها من طوارق التعدي وإن لم يكن له ذلك أصبح نهبا ~~بوجوه التخيلات وأسباب الحكام والله يحكم لا مقب لحكمه $ الفصل السابع عشر # في ان الحضارة في الامصار من قبل الدول وانها ترسخ باتصال الدولة ورسوخها ~~والسبب في ذلك أن الحضارة هي أحوال عادية زائدة على الضروري من أحوال ~~PageV01P368 العمران زيادة تتفاوت بتفاوت الرفه وتفاوت الأمم في القلة ~~والكثرة تفاوتا غير منحصر وتقع فيها عند كثرة التفنن في أنواعها وأصنافها ~~فتكون بمنزلة الصنائع ويحتاج كل صنف منها إلى القومة عليه والمهرة فيه ~~وبقدر ما يتزيد من أصنافها تتزيد أهل صناعتها ويتلون ذلك الجيل بها ومتى ~~اتصلت الأيام وتعاقبت تلك الصناعات حذق أولئك الصناع في صناعتهم ومهروا في ~~معرفتها والأعصار بطولها وانفساح أمدها وتكرير أمثالها تزيدها استحكاما ~~ورسوخا وأكثر ما يقع ذلك في الأمصار لاستجار العمران وكثرة الرفه في أهلها ~~وذلك كله إنما يجيء من قبل الدولة لأن الدولة تجمع أموال الرعية وتنفقها في ~~بطانتها ورجالها وتتسع أحوالهم بالجاه أكثر من اتساعها بالمال فيكون دخل ~~تلك الأموال من الرعايا وخرجها في أهل الدولة ثم في من تعلق بهم من أهل ~~المصر وهم الأكثر فتعظم لذلك ثروتهم ويكثر غناهم وتتزيد عوائد الترف ~~ومذاهبه وتستحكم لديهم الصنائع في سائر فنونه وهذه هي الحضارة ولهذا تجد ~~الأمصار التي في القاصية ولو كانت موفورة العمران تغلب عليها أحوال البداوة ~~وتبعد عن الحضارة في جميع مذاهبها ms392 بخلاف المدن المتوسطة في الأقطار التي هي ~~مركز الدولة ومقرها وما ذاك إلا لمجاورة السلطان لهم وفيض أمواله فيهم ~~كالماء يحضر ما قرب فما قرب من الأرض إلى أن ينتهي إلى الجفوف على البعد ~~وقد قدمنا أن السلطان الدولة سوق للعالم فالبضائع كلها موجودة في السوق وما ~~قرب منه وإذا أبعدت عن السوق أفتقدت البضائع جملة ثم إنه إذا اتصلت تلك ~~الدولة وتعاقب ملوكها في ذلك المصر واحدا بعد واحد استحكمت الحضارة فيهم ~~وزادت رسوخا واعتبر ذلك في اليهود لما طال ملكهم بالشام نحوا من ألف ~~وأربعمائة سنة رسخت حضارتهم وحذقوا في أحوال المعاش وعوائده والتفنن في ~~صناعاته من المطاعم والملابس وسائر أحوال المنزل حتى إنها لتؤخذ عنهم في ~~الغالب إلى اليوم ورسخت الحضارة أيضا وعوائدها في الشام منهم ومن دولة ~~الروم بعدهم ستمائة سنة فكانوا في غاية الحضارة وكذلك أيضا القبط دام ملكهم ~~في الخليقة ثلاثة آلاف من السنين فرسخت عوائد الحضارة في بلدهم مصر وأعقبهم ~~بها ملك اليونان والروم ثم ملك الإسلام الناسخ للكل فلم تزل عوائد الحضارة ~~بها متصلة وكذلك أيضا رسخت PageV01P369 عوائد الحضارة باليمن لإتصال دولة ~~العرب بها منذ عهد العمالقة والتبابعة آلآفا من السنين وأعقبهم ملك مصر ~~وكذلك الحضارة بالعراق لاتصال دولة النبط والفرس بها من لدن الكلدانيين ~~والكيانية والكسروية والعرب بعدهم آلافا من السنين فلم يكن على وجه الأرض ~~لهذا العهد أحضر من أهل الشام والعراق ومصر وكذا أيضا رسخت عوائد الحضارة ~~واستحكمت ملك بني أمية آلافا من السنين وكلتا الدولتين عظيمة فاتصلت فيها ~~عوائد الحضارة واستحكمت وأما أفريقية طاعة البربر أهل الضاحية لهم طاعة غير ~~مستحكمة فكانوا على قلعة وأوفاز وأهل المغرب لم تجاوزهم دولة وإنما كانوا ~~يبعثون بطاعتهم إلى القوط من وراء البحر ولما جاء الله بالإسلام وملك العرب ~~أفريقية والمغرب لم يلبث فيهم ملك العرب إلا قليلا أول الإسلام وكانوا لذلك ~~العهد في طور البداوة ومن استقر منهم بأفريقية والمغرب لم يجد بهما من ~~الحضارة ما يقلد فيه من سلفه إذ ms393 كانوا برابر منغمسين في البداوة ثم انتقض ~~برابرة المغرب الأقصى لأقرب العهود على يد ميسرة المطفري أيام هشام ابن عبد ~~الملك ولم يراجعوا أمر العرب بعد واستقلوا بأمر أنفسهم وإن بايعوا لأدريس ~~فلا تعد دولته فيهم عربية لأن البرابر هم الذين تولوها ولم يكن من العرب ~~فيها كثير عدد وبقيت أفريقية للأغالبة ومن إليهم من العرب فكان لهم من ~~الحضارة بعض الشيء بما حصل لهم من ترف الملك ونعيمه وكثرة عمران القيروان ~~وورث ذلك عنهم كتامه ثم صنهاجة من بعدهم وذلك كله قليل لم يبلغ أربعمائة ~~سنة وانصرمت دولتهم واستحالت صبغة الحضارة بما كانت غير مستحكمة وتغلب بدو ~~العرب الهلاليين عليها وخربوها وبقي أثر خفي من حضارة العمران فيها وإلى ~~هذا العهد يونس فيمن سلف له بالقلعة أو القيروان أو المهدية سلف فتجد له من ~~الحضارة في شؤن منزله وعوائد أحواله آثارا ملتبسة بغيرها يميزها الحضري ~~البصير بها وكذا في أكثر أمصار أفريقية وليس كذلك في المغرب وأمصاره لرسوخ ~~الدولة بأفريقية أكثر أمدا منذ عهد الأغالبة والشيعة وصنهاجة وأما المغرب ~~فانتقل إليه منذ دولة PageV01P370 الموحدين من الأندلس حظ كبير من الحضارة ~~واستحكمت به عوائدها بما كان لدولتهم من الاستيلاء على بلاد الأندلس وانتقل ~~الكثير من أهلها إليهم طوعا وكرها وكانت من اتساع النطاق ما علمت فكان فيها ~~حظ صالح من الحضارة واستحكامها ومعظمها من أهل الأندلس ثم انتقل أهل شرق ~~الأندلس عند جالية النصارى إلى أفريقية فأبقوا فيها وبأمصارها من الحضارة ~~آثارا ومعظمها بتونس امتزجت بحضارة مصر وما ينقله المسافرون من عوائدها ~~فكان بذلك للمغرب واقريقية حظ صالح من الحضارة عفي عليه الخلاء ورجع إلى ~~أعقابه وعاد البربر بالمغرب إلى أديانهم من البداوة والخشونة وعلى كل حال ~~فآثار الحضارة بأفريقية أكثر منها بالمغرب وأمصاره تداول فيها من الدول ~~السالفة أكثر من المغرب ولقرب عوائدهم من عوائد أهل مصر بكثرة المترددين ~~بينهم فتفطن لهذا السر فإنه خفي عن الناس وأعلم أنها أمور متناسبة وهي حال ~~الدولة في القوة والضعف وكثرة الأمة ms394 أو الجيل وعظم المدينة أو المصر وكثرة ~~النعمة واليسار وذلك أن الدولة والملك صورة الخليقة والعمران وكلها مادة ~~لها من الرعايا والأمصار وسائر الأحوال وأموال الجباية عائدة عليهم ويسارهم ~~في الغالب من أسواقهم ومتاجرهم وإذا أفاض السلطان عطاءه وأمواله في أهلها ~~انبثت فيهم ورجعت إليه ثم إليهم منه فهي ذاهبة عنهم في الجباية والخراج ~~عائدة عليهم في العطاء فعلى نسبة حال الدولة يكون يسار الرعايا وعلى نسبة ~~يسار الرعايا وكثرتهم يكون مال وأصله كله العمران وكثرته فاعتبره وتأمله في ~~الدول تجده والله يحكم ولا معقب لحكمه # | الفصل الثامن عشر # في ان الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره وانها موذنة بفساده # قد بينا لك فيما سلفت أن الملك والدولة غاية للعصبية وأن الحضارة غاية ~~للبداوة وأن العمران كله من بداوة وحضارة وملك وسوقة له عمر محسوس كما أن ~~للشخص الواحد من اشخاص المكونات عمرا محسوسا وتبين في المعقول والمنقول أن ~~الأربعين للإنسان غاية في تزايد قواه ونموها وأنه إذا بلغ سن الأربعين وقفت ~~الطبيعة عن أثر النشوء والنمو برهة ثم تأخذ بعد ذلك في الانحطاط فلتعلم أن ~~الحضارة في العمران أيضا PageV01P371 كذلك لأنه غاية لا مزيد وراءها وذلك ~~أن الترف والنعمة إذا حصلا لأهل العمران دعاهم بطبعه إلى مذاهب الحضارة ~~والتخلق بعوائدها والحضارة كما علمت هي التفنن في الترف واستجادة أحواله ~~والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه وسائر فنونه من الصنائع المهيئة ~~للمطابخ أو السلابس أو المباني أو الفرش أو الآنية ولسائر أحوال المنزل ~~وللتأنق في كل واحد من هذه صنائع كثيرة لا يحتاج إليها عند البداوة وعدم ~~التأنق فيها وإذا بلغ التأنق في هذه الأحوال المنزلية الغاية تبعه طاعة ~~الشهوات فتتلون النفس من تلك العوائد بألوان كثيرة لا يستقيم حالها معها في ~~دينها ولا دنياها أما دينها فلاستحكام صبغة العوائد التي يعسر نزعها وأما ~~دنياها فلكثرة الحاجات والمؤنات التي تطالب بها العوائد ويعجز وينكب عن ~~الوفاء بها وبيانه أن المصر بالتفنن في الحضارة تعظم نفقات أهله والحضارة ~~تتفاوت بتفاوت العمران فمتى ms395 كان العمران أكثر كانت الحضارة أكمل وقد كنا ~~قدمنا أن المصر الكثير العمران يختص بالغلاء في أسواقه وأسعار حاجته ثم ~~تزيدها المكوس غلاء لأن الحضارة إنما تكون عند انتهاء الدولة في استفحالها ~~وهو زمن وضع المكوس في الدول لكثرة خرجها حينئذ كما تقدم والمكوس تعود إلى ~~البياعات بالغلاء لأن السوقة والتجار كلهم يحتسبون على سلعهم وبضائعهم جميع ~~ما ينفقونه حتى في مؤنة أنفسهم فيكون المكس لذلك داخلا في قيم المبيعات ~~وأثمانها فتعظم نفقات أهل الحضارة وتخرج عن القصد إلى الإسراف ولا يجدون ~~وليجة عن ذلك لما ملكهم من أثر العوائد وطاعتها وتذهب مكاسبهم كلها في ~~النفقات ويتتابعون في الإملاق والخاصة ويغلب عليهم الفقر ويقل المستامون ~~للمبائع فتكسد الأسواق ويفسد حال المدينة وداعية ذلك كله إفراط الحضارة ~~والترف وهذه مفسدات في المدينة على العموم في الأسواق والعمران وأما فساد ~~أهلها في ذاتهم واحدا واحدا على الخصوص فمن الكد والتعب في حاجات العوائد ~~والتلون بألوان الشر في تحصيلها وما يعود على النفس من الضرر بعد تحصيلها ~~بحصول لون آخر من ألوانها فلذلك يكثر منهم الفسق والشر والسفسفة والتحيل ~~على تحصيل المعاش من وجهه ومن غير وجهه وتنصرف النفس إلى الفكر في ذلك ~~والغوص عليه واستجماع الحيلة له فتجدهم أجرياء على PageV01P372 الكذب ~~والمقامرة والغش والخلابة والسرقة والفجور في الأيمان والربا في البياعات ~~ثم تجدهم أبصر بطوق الفسق ومذاهبه والمجاهرة به وبدواعيه واطراح الحشمة في ~~الخوض فيه حتى بين الأقارب وذوي المحارم الذين تقتضي البداوة الحياء منهم ~~في الإقذاع بذلك وتجدهم أيضا أبصر بالمكروا لخديعة يدفعون بذلك ما عساه أن ~~ينالهم من القهر وما يتوقعونه من العقاب على تلك القبائح حتى يصير ذلك عادة ~~وخلقا لأكثرهم إلا من عصمة الله ويموج بحر المدينة بالسفلة من أهل الأخلاق ~~الذميمة ويجاريهم فيها كثير من ناشئة الدولة وولدانهم ممن أهمل عن التأديب ~~وغلب عليه خلق الجوار وإن كانوا أهل أنساب وبيوتات وذلك أن الناس بشر ~~متماثلون وإنما تفاضلوا وتميزوا بالخلق واكتساب الفضائل واجتناب الرذائل ~~فمن استحكمت فيه ms396 لم ينفعه زكاء نسبه ولا طيب منبته ولهذا تجد كثيرا من ~~أعقاب البيوت وذوي الأحساب والأصالة وأهل الدول منطرحين في الغمار منتحلين ~~للحرف الدنيئة في معاشهم بما فسد من أخلاقهم وما تلونوا به من صبغة في الشر ~~والسفسفة وإذا كثر ذلك في المدينة أو الأمة تأذن الله بخرابها وانقراضها ~~وهو معنى قوله تعالى وإذا أردنا ان نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ~~فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ووجهه حينئذ ان مكاسبهم حينئذ لا تفي ~~بحاجاتهم لكثرة العوائد ومطالبة النفس بها فلا تستقيم أحوالهم وإذا فسدت ~~أحوال الأشخاص واحدا واحدا اختل نظام المدينة وخربت وهذا معنى ما يقوله بعض ~~أهل الخواص أن المدينة إذا كثر فيها غرس النارنج تأذنت بالخراب حتى أن ~~كثيرا من العامة يتحامى غرس النارنج بالدور وليس المراد ذلك ولا أنه خاصية ~~في النارنج وإنما معناه أن البساتين وإجراء المياه هو من توابع الحضارة ثم ~~إن النارنج واللية والسرو وأمثال ذلك مما لا طعم فيه ولا منفعة هو من غاية ~~الحضارة إذ لا يقصد بها في البساتين إلا أشكالها فقط ولا تغرس إلا بعد ~~التفنن في مذاهب الترف وهذا هو الطور الذي يخشى معه هلاك المصر وخرابه كما ~~قلناه ولقد قيل مثل ذلك في الدفلى وهو من هذا الباب إذ الدفلى لا يقصد بها ~~إلا تلون البساتين بنورها ما بين أحمر وأبيض وهو من مذاهب الترف ومن مفاسد ~~الحضارة الانهماك في الشهوات والاسترسال فيها لكثرة الترف فيقع التفنن في ~~شهوات PageV01P373 البطن من المآكل والملاذ فيفضي ذلك إلى فساد النوع فافهم ~~ذلك واعتبر به أن غاية العمران هي الحضارة والترف وأنه إذا بلغ غايته انقلب ~~إلى الفساد وأخذ في الهرم كالأعمار الطبيعية للحيوانات بل نقول إن الأخلاق ~~الحاصلة من الحضارة والترف هي عين الفساد لأن الإنسان إنما هو إنسان ~~باقتداره على جلب منافعه ودفع مضاره واستقامة خلقه للسعي في ذلك والحضري لا ~~يقدر على مباشرته حاجاته إما عجزا لما حصل له من الدعة أو ترفعا لما حصل له ~~من ms397 المربى في النعيم والترف وكلا الأمرين ذميم وكذا لا يقدر على دفع المضار ~~واستقامة خلقه للسعي في ذلك والحضري بما قد فقد من خلق الإنسان بالترف ~~والنعيم في قهر التأديب فهو بذلك عيال على الحامية التي تدافع عنه ثم هو ~~فاسد أيضا غالبا بما فسدت منه العوائد وطاعتها وما تلونت به النفس من ~~مكانتها كما قررناه إلا في الأقل النادر وإذا فسد الإنسان في قدرته على ~~أخلاقه ودينه فقد فسدت إنسانيته وصار مسخا على الحقيقة وبها الاعتبار كأن ~~الذين يتربون على الحضارة وخلقها موجودون في كل دولة فقد تبين أن الحضارة ~~هي سن الوقوف لعمر العالم في العمران والدولة والله سبحانه وتعالى كل يوم ~~هو في شأن لا يشغله شأن عن شأن # | الفصل التاسع عشر # في ان الامصار التي تكون كراسي للملك تخرب بخراب الدولة وانقراضها # قد استقرينا في العمران أن الدولة إذا اختلت وانتقضت فإن المصير الذي ~~يكون كرسيا لسلطانها ينتقض عمرانه وربما ينتهي في انتفاضه إلى الخراب ولا ~~يكاد ذلك يتخلف والسبب فيه أمور الأول أن الدولة لا بد في أولها من البداوة ~~المقتضية للتجافي عن أموال الناس والبعد عن التحذلق ويدعو ذلك إلى تخفيف ~~الجباية والمغارم التى منها مادة الدولة فتقل النفقات ويقل الترف فإذا صار ~~المصر الذي كان كرسيا للملك في ملكه هذه الدولة المتجددة ونقصت أحوال الترف ~~فيها نقص الترف فيمن تحت أيديها من أهل المصر لأن الرعايا تبع للدولة ~~فيرجعون إلى خلق الدولة إما طوعا لما في طباع البشر من تقليد متبوعهم أو ~~كرها لما يدعو إليه خلق الدولة من الانقباض عن الترف في جميع الأحوال وقلة ~~الفوائد التي هي مادة العوائد فتقصر PageV01P374 لذلك حضارة المصر ويذهب ~~منه كثير من عوائد الترف وهو معنى ما نقول في خراب المصر الأمر الثاني أن ~~الدولة إنما يحصل لها الملك والاستيلاء بالغلب وإنما يكون بعد العداوة ~~والحروب والعداوة تقتضي منافاة بين أهل الدولتين وتكثر إحداهما على الأخرى ~~في العوائد والأحوال وغلب أحد المتنافيين يذهب بالمنافي الآخر فتكون ms398 أحوال ~~الدولة السابقة منكرة عند أهل الدولة ومستبشعة وقبيحة وخصوصا أحوال الترف ~~فتفقد في عرفهم بنكير الدولة لها حتى تنشأ لهم بالتدريج عوائد أخرى من ~~الترف فتكون عنها حضارة مستأنفة وفيما بين ذلك قصور الحضارة الأولى ونقصها ~~وهو معنى اختلال العمران في المصر الأمر الثالث أن كل أمة لا بدلهم من وطن ~~وهو منشأهم ومنه أولية ملكهم وإذا ملكوا ملكا آخر صار تبعا للأول وأمصاره ~~تابعة لأمصار الأول واتسع نطاق الملك عليهم ولا بد من توسط الكرسي تخوم ~~الممالك التي للدولة لأنه شبه المركز للنطاق فيبعد مكانه عن مكان الكرسي ~~الأول وتهوى أفئدة الناس من أجل الدولة والسلطان فينتقل إليه العمران ويخف ~~من مصر الكرسي الأول والحضارة إنما هي توفر العمران كما قدمناه فتنقص ~~حضارته وتمدنه وهو معنى اختلاله وهذا كما وقع للسلجوقية في عدولهم بكرسيهم ~~عن بغداد إلى أصبهان وللعرب قبلهم في العدول عن المدائن إلى الكوفة والبصرة ~~ولبني العباس في العدول عن دمشق إلى بغداد ولبني مرين بالغرب في العدول عن ~~مراكش إلى فاس وبالجملة فاتخاذ الدولة الكرسي في مصر يخل بعمران الكرسي ~~الأول الأمر الرابع أن الدولة الثانية لا بد فيها من تبع أهل الدولة ~~السابقة وأشياعها بتحويلهم إلى قطر آخر يؤمن فيه غائلتهم على الدولة وأكثر ~~أهل المصر الكرسي أشياع الدولة إما من الحامية الذين نزلوا به أول الدولة ~~أو أعيان المصر لأن لهم في الغالب مخالطة للدولة على طبقاتهم وتنوع أصنافهم ~~بل أكثرهم ناشيء في الدولة فهم شيعة لها وإن لم يكونوا بالشوكة والعصبية ~~فهم بالميل والمحبة والعقيدة وطبيعة الدولة المتجددة محو آثار الدولة ~~السابقة فينقلهم من مصر الكرسي إلى وطنها المتمكن في ملكتها فبعضهم على نوع ~~التغريب والحبس وبعضهم على نوع الكرامة والتلطف بحيث لا يؤدي إلى النفرة ~~حتى لا تبقى في PageV01P375 مصر الكرسي إلا الباعة والهمل من أهل الفلح ~~والعيارة وسواد العامة وينزل مكانهم حاميتها وأشياعها من يشتد به المصر ~~وإذا ذهب من المصر أعيانهم على طبقاتهم نقص ساكنة وهو معنى اختلال عمرانه ms399 ~~ثم لا بد من أن يستجد عمران آخر في ظل الدولة الجديدة وتحصل فيه حضارة أخرى ~~على قدر الدولة وإنما ذلك بمثابة من له بيت على أوصاف مخصوصة فأظهر من ~~قدرته على تغيير تلك الأوصاف وإعادة بنائها على ما يختاره ويقترحه فيخرب ~~ذلك البيت ثم يعيد بناءه ثانيا وقد وقع من ذلك كثير في الأمصار التي هي ~~كراسي للملك وشاهدناه وعلمناه والله يقدر الشكل الحافظ بنوعه لوجدها وقد ~~تقرر في علوم الحكمة أنه لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر فالدولة دون ~~العمران لا تتصور والعمران دون الدولة والملك متعذر لما في طباع البشر من ~~العدوان الداعي إلي الوازع فتتعين السياسة لذلك إما الشرعية أو الملكية وهو ~~معنى الدولة وإذا كانا لا ينفكان فاختلال أحدهما مؤثر في اختلال الآخر كما ~~أن عدمه مؤثر في عدمه والخلل العظيم إنما يكون من خلل الدولة الكلية مثل ~~دولة الروم أو الفرس أو العرب على العموم أو بني أمية أو بني العباس كذلك ~~وأما الدولة الشخصية مثل دولة انوشروان أو هرقل أو عبد الملك بن مروان أو ~~الرشيد فأشخاصها متعاقبة على العمران حافظة لوجوده وبقائه وقريبة الشبه ~~بعضها من بعض فلا تؤثر كثير اختلال لأن الدولة بالحقيقة الفاعلة في مادة ~~العمران إنما هي العصبية والشوكة وهي مستمرة على أشخاص الدولة فإذا ذهبت ~~تلك العصبية ودفعتها عصبية أخرى موثرة في العمران ذهبت أهل الشوكة بأجمعهم ~~وعظم الخلل كما قررناه أولا والله سبحانه وتعالى أعلم # | الفصل العشرون # في اختصاص بعض الامصار ببعض الصنائع دون بعض # وذلك أنه من البين أن أعمال أهل المصر يستدعي بعضها بعضا لما في طبيعة ~~العمران من التعاون وما يستدعي من الأعمال يختص ببعض أهل المصر فيقومون ~~عليه ويستبصرون في صناعته ويختصون بوظيفته ويجعلون معاشهم فيه ورزقهم منه ~~لعموم PageV01P376 البلوى به في المصر والحاجة إليه وما لا يستدعي في المصر ~~يكون غفلا إذ لا فائدة لمنتحله في الاحتراف به وما يستدعي من ذلك لضرورة ~~المعاش فيوجد في كل مصر كالخياط والحداد والنجار وأمثالها ms400 وما يسدعي لعوائد ~~الترف وأحواله فإنما يوجد في المدن المستبحرة في العمارة الآخذة في عوائد ~~الترف والحضارة مثل الزجاج والصائغ والدهان والطباخ والصفار والفراش ~~والذباح وأمثال هذه وهي متفاوتة وبقدر ما تزيد عوائد الحضارة وتستدعي أحوال ~~الترف تحدث صنائع لذلك النوع فتوجد بذلك المصر دون غيره ومن هذا الباب ~~الحمامات لأنها إنما توجد في الأمصار المستحضرة المستبحرة العمران لما يدعو ~~إليه الترف والغنى من التنعم ولذلك لا تكون في المدن المتوسطة وإن نزع بعض ~~الملوك والرؤساء إليها فيختطها ويجري أحوالها إلا أنها إذا لم تكن لها ~~داعية من كافة الناس فسرعان ما تهجر وتخرب وتفر عنها القومة لقلة فائدتهم ~~ومعاشهم منها والله يقبض ويبسط # | الفصل الحادي والعشرون # في وجود العصبية في الامصار وتغلب بعضهم على بعض # من البين أن الالتحام والاتصال موجود في طباع البشر وإن لم يكونوا أهل ~~نسب واحد إلا أنه كما قدمناه أضعف مما يكون بالنسب وأنه تحصل به العصبية ~~بعضا مما تحصل بالنسب وأهل الأمصار كثير منهم ملتحمون بالصهر يجذب بعضهم ~~بعضا إلى أن يكونوا لحما لحما وقرابة قرابة وتجد بينهم من العداوة والصداقة ~~ما يكون بين القبائل والعشائر مثله فيفترقون شيعا وعصائب فإذا نزل الهرم ~~بالدولة وتقلص ظل الدولة عن القاصية احتاج أهل أمصارها إلى القيام على ~~أمرهم والنظر في حماية بلدهم ورجعوا إلى الشورى وتميز العلية عن السفلة ~~والنفوس بطباعها متطاولة إلى الغلب والرئاسة فتطمح المشيخة لخلاء الجو من ~~السلطان والدولة القاهرة إلى الاستبداد وينازع كل صاحبه ويستوصلون بالأتباع ~~من الموالي والشيع والاحلاف ويبذلون ما في أيديهم للأوغاد والأوشاب فيعصوصب ~~كل لصاحبه ويتعين الغلب لبعضهم فيعطف على أكفائه ليقص من أعنتهم ويتتبعهم ~~بالقتل أو التغريب حتى يخضد منهم الشوكات النافذة ويقلم الأظفار الخادشة ~~ويستبد بمصره أجمع ويرى أنه قد استحدث ملكا PageV01P377 يورثه عقبه فيحدث ~~في ذلك الملك الأصغر ما يحدث في الملك الأعظم من عوارض الجدة والهرم وربما ~~يسمو بعض هؤلاء إلى منازع الملوك الأعاظم أصحاب القبائل والعشائر والعصبيات ~~والزحوف والحروب والأقطار والممالك فينتحلون ms401 بها من الجلوس على السرير ~~واتخاذ الآلة وإعداد المواكب للسير في أقطار البلد والتختم والمسبية ~~والخطاب بالتمويل ما يسخر منه من يشاهد أحوالهم لما انتحلوه من شارات الملك ~~التي ليسوا لها بأهل إنما دفعهم إلى ذلك تقلص الدولة والتحام بعض القرابات ~~حتى صارت عصبية وقد يتنزه بعضهم عن ذلك ويجري على مذهب السذاجة قرارا من ~~التعريض بنفسه للسخرية والعبث وقد وقع هذا بأفريقية لهذ العهد في آخر ~~الدولة الحفصية لأهل بلاد الجريد من طرابلس وقابس وتؤزر ونفطة وقفصة وبسكرة ~~والزاب وما إلى ذلك سموا إلى مثلها عند تقلص ظل الدولة عنهم منذ عقود من ~~السنين فاستغلبوا على أمصارهم واستبدوا بأمرها على الدولة في الأحكام ~~والجباية وأعطوا طاعة معروفة وصفقة ممرضة وأقطعوها جانبا من الملاينة ~~والملاطفة والانقياد وهم بمعزل عنه وأورثوا ذلك أعقابهم لهذا العهد وحدث في ~~خلفهم من الغلظة والتجبر ما يحدث لاعقاب الملوك وخلفهم ونظموا أنفسهم في ~~عداد السلاطين على قرب عهدهم بالسوقة حتى محا ذلك مولانا أمير المومنين أبو ~~العباس وانتزع ما كان بأيديهم من ذلك كما نذكره في أخبار الدولة وقد كان ~~مثل ذلك وقع في آخر الدولة الصنهاجية واستقل بأمصار الجريد أهلها واستبدوا ~~على الدولة حتى انتزع ذلك منهم شيخ الموحدين وملكهم عبد المؤمن بن علي ~~ونقلهم كلهم من إماراتهم بها إلى المغرب ومحا من تلك البلاد آثارهم كما ~~نذكر في أخباره وكذا وقع بسبته لآخر دولة بني عبد المؤمن وهذا التغلب يكون ~~غالبا في أهل السروات والبيوتات المرشحين للمشيخة والرئاسة في المصر وقد ~~يحدث التغلب لبعض السفلة من الغوغاء والدهماء وإذا حصلت له العصبية ~~والالتحام بالأوغاد لأسباب يجرها له المقدار فيتغلب على المشيخة والعلية ~~إذا كانوا فاقدين للعصابة والله سبحانه وتعالى غالب على أمره PageV01P378 # | الفصل الثاني والعشرون # في لغات أهل الامصار # إعلم أن لغات أهل الأمصار إنما تكون بلسان الأمة أو الجيل الغالبين عليها ~~أو المختطين لها ولذلك كانت لغات الأمصار الإسلامية كلها بالمشرق والمغرب ~~لهذا العهد عربية وإن كان اللسان العربي المضري قد فسدت ms402 ملكته وتغير إعرابه ~~والسبب في ذلك ما وقع للدولة الإسلامية من الغلب على الأمم والدين والحلة ~~صورة للوجود وللملك وكلها مواد له والصورة مقدمة على المادة والدين إنما ~~يستفاد من الشريعة وهي بلسان العرب لما أن النبي صلى الله عليه وسلم عربي ~~فوجب هجر ما سوى اللسان العربي من الألسن في جميع ممالكها واعتبر ذلك في ~~نهي عمر رضي الله عنه عن بطانة الأعاجم وقال إنها خب أي مكر وخديعة فلما ~~هجر الدين اللغات الأعجمية وكان لسان القائمين بالدولة الإسلامية عربيا ~~هجرت كلها في جميع ممالكها لأن الناس تبع للسلطان وعلى دينه فصار استعمال ~~اللسان العربي من شعائر الإسلام وطاعة العرب وهجر الأمم لغاتهم وألسنتهم في ~~جميع الأمصار والممالك وصار اللسان العربي لسانهم حتى رسخ ذلك لغة في جميع ~~أمصارهم ومدنهم وصارت الألسنة العجمية دخيلة فيها وغريبة ثم فسد اللسان ~~العربي بمخالطتها في بعض أحكامه وتغير أواخره وإن كان بقي في الدلالات على ~~أصله وسمي لسانا حضريا في جميع أمصار الإسلام وأيضا فأكثر أهل الأمصار في ~~الملة لهذا العهد من أعقاب العرب المالكين لها الهالكين في ترفها بما كثروا ~~العجم الذين كانوا بها وورثوا أرضهم وديارهم واللغات متوارثة فبقيت لغة ~~الأعقاب على حيال لغة الآباء وإن فسدت أحكامها بمخالطة الأعجام شيئا فشيئا ~~وسميت لغتهم حضرية منسوبة إلى أهل الحواضر والأمصار بخلاف لغة البدو من ~~العرب فإنها كانت أعرق في العروبية ولما تملك العجم من الديلم والسلجوقية ~~بعدهم بالمشرق وزناتة والبربر بالمغرب وصار لهم الملك والاستيلاء على جميع ~~الممالك الإسلامية فسد اللسان العربي لذلك وكاد يذهب لولا ما حفظه من عناية ~~المسلمين بالكتاب والسنة اللذين بهما حفظ الدين وسار ذلك مرجحا لبقاء اللغة ~~العربية المضرية من الشعر والكلام إلا قليلا بالأمصار فلما ملك التتر ~~PageV01P379 والمغول بالمشرق ولم يكونوا على دين الإسلام ذهب ذلك المرجح ~~وفسدت اللغة العربية على الإطلاق ولم يبق لها رسم في الممالك الإسلامية ~~بالعراق وخراسان وبلاد فارس وأرض الهند والسند وما وراء النهر وبلاد الشمال ~~وبلاد الروم وذهبت ms403 أساليب اللغة العربية من الشعر والكلام إلا قليلا يقع ~~تعليمه صناعيا بالقوانين المتدارسة من كلام العرب وحفظ كلامهم لمن يسره ~~الله تعالى لذلك وربما بقيت اللغة العربية المضرية بمصر والشام والأندلس ~~بالمغرب لبقاء الدين طلبا لها فانخفظت ببعض الشيء وأما في ممالك العراق وما ~~وراءه فلم يبق له أثر ولا عين حتى إن كتب العلوم صارت تكتب باللسان العجمي ~~وكذا تدريسه في المجالس والله أعلم بالصواب # | الفصل الخامس # من الكتاب الاول # | في المعاش ووجوبه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال ~~وفيه مسائل # الفصل الاول # في حقيقة الرزق والكسب وشرحهما وان الكسب هو قيمة الاعمال البشرية إعلم ~~أن الإنسان مفتقر بالطبع إلى ما يقوته ويمونه في حالاته وأطواره من لدن ~~نشوءه إلى اشده إلى كبره والله الغني وأنتم الفقراء والله سبحانه خلق جميع ~~ما في العالم للإنسان وامتن به عليه في غير ما آية من كتابه فقال خلق لكم ~~ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه وسخر لكم البحر وسخر لكم الفلك وسخر ~~لكم الانعام وكثير من شواهده ويد الإنسان مبسوطة على العالم وما فيه بما ~~جعل الله له من الاستخلاف وأيدي البشر منتشرة فهي مشتركة في ذلك وما حصل ~~عليه يد هذا امتنع عن الآخر إلا بعوض فالإنسان متى اقتدر على نفسه وتجاوز ~~الضعف سعى في اقتناء المكاسب لينفق ما آتاه الله منها في تحصيل حاجاته ~~وضروراته بدفع الأعواض عنها قال الله تعالى فابتغوا عند الله PageV01P380 ~~الرزق وقد يحصل له ذلك بغير سعي كالمطر المصلح للزراعة وأمثاله إلا أنها ~~إنما تكون معينة ولا بد من سعيه معها كما يأتي فتكون له تلك المكاسب معاشا ~~إن كانت بمقدار الضرورة والحاجة ورياشا ومتمولا إن زادت على ذلك ثم إن ذلك ~~الحاصل أو المقتنى إن عادت منفعته على العبد وحصلت له ثمرته من إنفاقه في ~~مصالحه وحاجاته سمي ذلك رزقا قال صلى الله عليه وسلم إنما لك من مالك ما ~~أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ms404 وإن لم ينتفع به في شيء من ~~مصالحه ولاحاجاته فلا يسمى بالنسبة إلى المالك رزقا والمتملك منه حينئذ ~~بسعي العبد وقدرته يسمى كسبا وهذا مثل التراث فإنه يسمى بالنسبة إلى الهالك ~~كسا ولا يسمى رزقا إذ لم يحصل به منتفع وبالنسبة إلى الوارثين متى انتفعوا ~~به يسمى رزقا هذا حقيقة مسمى الرزق عند أهل السنة وقد اشترط المعتزل في ~~تسميته رزقا أن يكون بحيث يصح تملكه وما لا يتملك عندهم لا يسمى رزقا ~~وأخرجوا الغصوبات والحرام كله عن أن يسمى شيء منها رزقا والله تعالى برزق ~~الغاصب والظالم والمؤمن والكافر برحمته وهدايته من يشاء ولهم في ذلك حجج ~~ليس هذا موضع بسطها ثم أعلم أن الكسب إنما يكون بالسعي في الافتناء والقصد ~~إلى التحصيل فلا بد في الرزق من سعي وعمل ولو في تناوله وابتغائه من وجوهه ~~قال تعالى فابتغوا عند الله الرزق والسعي إليه إنما يكون بأقدار الله تعالى ~~وإلهامه فالكل من عند الله فلا بد من الأعمال الإنسانية في كل مكسوب ومتمول ~~لأنه إن كان عملا بنفسه مثل الصنائع فظاهر وإن كان مقتنى من الحيوان ~~والننات والمعدن فلا بد فيه من العمل الإنساني كما تراه وإلا لم يحصل ولم ~~يقع به انتفاع ثم إن الله تعالى خلق الحجرين المعدنيين من الذهب والفضة ~~قيمة لكل متمول وهما الذخيرة والقنية لأهل العالم في الغالب وإن اقتنى ~~سواهما في بعض الأحيان فإنما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة ~~الأسواق التي هما عنها بمعزل فهما أصل المكاسب والقنية والذخيرة وإذا تقرر ~~هذا كله فاعلم أن ما يفيده الإنسان ويقتنيه من المتمولات إن كان من الصنائع ~~فالمفاد المقتنى منه قيمة عمله وهو القصد بالقنية إذ ليس هناك إلا العمل ~~وليس بمقصود بنفسه للقنية وقد يكون مع الصنائع في بعضها غيرها مثل النجارة ~~والحياكة PageV01P381 معهما الخشب والغزل إلا أن العمل فيهما أكثر فقيمته ~~أكثر وإن كان من غير الصنائع فلا بد من قيمة ذلك المفاد والقنية من دخول ~~قيمة العمل الذي ms405 حصلت به إذ لولا العمل لم تحصل قنيتها وقد تكون ملاحظة ~~العمل ظاهرة في الكثير منها فتجعل له حصة من القيمة عظمت أو صغرت وقد تخفى ~~ملاحظة العمل كما في أسعار الأقوات بين الناس فإن اعتبار الأعمال والنفقات ~~فيها ملاحظ في أسعار الحبوب كما قدمناه لكنه خفي في الأقطار التي علاج ~~الفلح فيها ومؤنته يسيره فلا يشعر به إلا القليل من أهل الفلح فقد تبين أن ~~المفادات والمكتسبات كلها أو أكثرها إنما هي قيم الاعمال الإنسانية وتبين ~~مسمى آبرزق وأنه المنتفع به فقد بان معنى الكسب والرزق وشرح مسماهما وأعلم ~~أنه إذا فقدت الأعمال أو قلت بانتقاص العمران تأذن الله برفع الكسب ألا ترى ~~إلى الأمصار القليلة الساكن كيف يقل الرزق والكسب فيها أو يفقد لقلة ~~الأعمال الإنسانية وكذلك الأمصار التي يكون عمرانها أكثر يكون أهلها أوسع ~~أحوالا وأشد رفاهية كما قدمناه قبل ومن هذا الباب تقول العامة في البلاد ~~إذا تناقص عمرانها إنها قد ذهب رزقها حتى أن الانهار والعيون ينقطع جريها ~~في القفر لما أن فور العيون إنما يكون بالإنباط والامتراء الذى هو بالعمل ~~الإنساني كالحال في ضروع الانعام فما لم يكن إنباط ولا امتراء نضبت وغارت ~~بالجملة كما يجف الضرع إذا ترك امتراؤه وانظره في البلاد التي تعهد فيها ~~العيون لأيام عمرانها ثم يأتي عليها الخراب كيف تغور مياهها جملة كأنها لم ~~تكن والله مقدر الليل والنهار # | الفصل الثاني # في وجوه المعاش واصنافه ومذاهبه # إعلم أن المعاش هو عبارة عن ابتغاء الرزق والسعي في تحصيله وهو مفعل من ~~العيش كأنه لما كان العيش الذي هو الحياة لا يحصل إلا بهذه جعلت موضعا له ~~على طريق المبالغة ثم إن تحصيل الرزق وكسبه إما أن يكون بأخذه من يد الغير ~~وانتزاعه بالاقتدار عليه على قانون متعارف ويسمى مغرما وجباية وإما أن يكون ~~من الحيوان الوحشي بافتراسه وأخذه برميه من البر أو البحر ويسمى اصطيادا ~~PageV01P382 وإما أن يكون من الحيوان الداجن باستخراج فضوله المنصرفة بين ~~الناس في منافعهم كاللبن من ms406 الانعام والحريرمن دوده والعسل من نحله أو يكون ~~النبات في الزرع والشجر بالقيام عليه وإعداده لاستخراج ثمرته ويسمى هذا كله ~~فلحا وإما ان يكون الكسب من الاعمال الإنسانية إما في مواد معينة وتسمى ~~الصنائع من كتابة ونجارة وخياطة وحياكة وفروسية وأمثال ذلك أو في مواد غير ~~معينة وهي جميع الامتهانات والتصرفات وإما أن يكون الكسب من البضائع ~~وإعدادها للاعواض إما بالتقلب بها في البلاد واحتكارها وارتقاب حوالة ~~الأسواق فيها ويسمى هذا تجارة فهذه وجوه المعاش وأصنافه وهي معنى ما ذكره ~~المحققون من أهل الأدب والحكمة كالحريري وغيره فإنهم قالوا المعاش إمارة ~~وتجارة وفلاحة وصناعة فأما الإمارة فليست بمذهب طبيعي للمعاش فلا حاجة بنا ~~إلى ذكرها وقد تقدم شيء من أحوال الجبايات السلطانية وأهلها في الفصل ~~الثاني وأما الفلاحة والصناعة والتجارة فهي وجوه طبيعية للمعاش أما الفلاحة ~~فهي متقدمة عليها كلها بالذات إذ هي بسيطة وطبيعية فطرية لا تحتاج إلى نظر ~~ولا علم ولهذا تنسب في الخليقة إلى آدم أبي البشر وأنه معلمها والقائم ~~عليها إشارة إلى أنها أقدم وجوه المعاش وأنسبها إلى الطبيعة وأما الصنائع ~~فهي ثانيتها ومتأخرة عنها لأنها مركبة وعلمية تصرف فيها الأفكار والأنظار ~~ولهذا لا يوجد غالبا إلا في أهل الحضر الذي هو متأخر عن البدو وثان عنه ومن ~~هذا المعنى نسبت إلى أدريس الأب الثاني للخليقة فإنه مستنبطها لمن بعده من ~~البشر بالوحي من الله تعالى وأما التجارة وإن كانت طبيعية في الكسب فالأكثر ~~من طرقها ومذاهبها إنما هي تحيلات في الحصول على ما بين القيمتين في الشراء ~~والبيع لتحصل فائدة الكسب من تلك الفضلة ولذلك أباح الشرع فيه المكاسبة لما ~~أنه من باب المقامرة إلا أنه ليس أخذا لمال الغير مجانا فلهذا اختص ~~بالمشروعية # | الفصل الثالث # في ان الخدمة ليست من الطبيعي # إعلم أن السلطان لا بد له من اتخاذ الخدمة في سائره أبواب الإمارة والملك ~~الذي هو بسبيله من الجندي والشرطي والكاتب ويستكفي في كل باب بمن يعلم ~~PageV01P383 غناءه فيه ويتكفل بأرزاقهم من بيت ms407 ماله وهذا كله مندرج في ~~الإمارة ومعاشها إذ كلهم ينسحب عليهم حكم الإمارة والملك الأعظم هو ينبوع ~~جداولهم وأما ما دون ذلك من الخدمة فسببها أن أكثر المترفين يترفع عن ~~مباشرة حاجاته أو يكون عاجزا عنها لما ربى عليه من خلق التنعم والترف فيتخذ ~~من يتولى ذلك له ويقطعه عليه أجرا من ماله وهذه الحالة غير محمودة بحسب ~~الرجولية الطبيعية للإنسان إذ الثقة بكل أحد عجز ولأنها تزيد في الوظائف ~~والخرج وتدل على العجز والخنث الذي ينبغي في مذاهب الرجولية التنزه عنهما ~~إلا أن العوائد تقلب طباع الإنسان إلى مالوفها فهو ابن عوائده لا ابن نسبه ~~ومع ذلك فالخديم الذي يستكفي به ويوثق بغنائه كالمفقود إذا الخديم القائم ~~بذلك لا يعدو أربع حالات إما مضطلع بأمره ولا موثوق فيما يحصل بيده وإما ~~بالعكس في إحداهما فقط مثل أن يكون مضطلعا غير موثوق أو موثوقا غير مضطلع ~~فأما الأول وهو المضطلع الموثوق فلا يمكن أحدا استعماله بوجه إذ هو ~~باضطلاعه وثقته غني عن أهل الرتب الدنيئة ومحتقر لمثال الأجر من الخدمة ~~لاقتداره على أكثر من ذلك فلا يستعمله إلا الأمر أهل الجاه العريض لعموم ~~الحاجة إلى الجاه وأما الصنف الثاني وهو ممن ليس بمضطلع ولا موثوق فلا ~~ينبغي لعاقل استعماله لأنه يجحف بمخدومه في الأمرين معا فيضيع عليه لعدم ~~الاصطناع تارة ويذهب ماله بالخيانة أخرى فهو على كل حال كل على مولاه فهذان ~~الصنفان لا يطمع أحد في استعمالها ولم يبق إلا استعمال الصنفين الآخرين ~~موثوق غير مضطلع ومضطلع غير موثوق وللناس في الترجيح بينهما مذهبان ولكل من ~~الترجيحين وجه إلا أن المضطلع ولو كان غير موثوق أرجح لأنه يؤمن من تضييعه ~~ويحاول على التحرز من خيانته جهد الاستطاعة وأما المضيع ولو كان مأمونا ~~فضرره بالتضييع أكثر من نفعه فاعلم ذلك واتخذه قانونا في الاستكفاء بالخدمة ~~والله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء # | الفصل الرابع # في ان ابتغاء الاموال من الدفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي # إعلم أن كثيرا من ضعفاء العقول ms408 في الأمصار يحرصون على استخراج الأموال من ~~PageV01P384 تحت الأرض ويبتغون الكسب من ذلك ويعتقدون أن أموال الأمم ~~السالفة مختزنة كلها تحت الأرض مختوم عليها كلها بطلاسم سحرية لا يفض ~~ختامها ذلك إلا من عثر على علمه واستحضر ما يحله من البخور والدعاء ~~والقربان فأهل الأمصار بأفريقية يرون أن الإفرنجة الذين كانوا قبل الإسلام ~~بها دفنوا أموالهم كذلك وأودعوها في الصحف بالكتاب إلى أن يجدوا السبيل إلى ~~استخراجها وأهل الأمصار بالمشرق يرون مثل ذلك في أمم القبط والروم والفرس ~~ويتناقلون في ذلك أحاديث تشبه حديث خرافة من انتهاء بعض الطالبين لذلك إلى ~~حفر موضع المال ممن لم يعرف طلسمه ولا خبره فيجدونه خاليا أو معمورا ~~بالديدان أو يشاهد الأموال والجواهر موضوعة والحرس دونها منتضين سيوفهم أو ~~تميد به الأرض حتى يظنه خسفا أو مثل ذلك من الهذر ونجد كثيرا من طلبه ~~البربر بالمغرب العاجزين عن المعاش الطبيعي وأسبابه يتقربون إلى أهل الدنيا ~~بالأوراق المتحزمة الحواشي إما بخطوط عجمية أو بما ترجم بزعمهم منها من ~~خطوط أهل الدفائن بإعطاء الأمارات عليها في أماكنها يبتغون بذلك الرزق منهم ~~بما يبعثونه على الحفر والطلب ويموهون عليهم بأنهم إنما حملهم على ~~الاستعانة بهم طلب الجاه في مثل هذا من منال الحكام والعقوبات وربما تكون ~~عند بعضهم نادرة أو غريبة من الأعمال السحرية يموه بها على تصديق ما بقي من ~~دعواه وهو بمعزل عن السحر وطرفه فتولع كثير من ضعفاء العقول بجمع الأيدي ~~على الاحتفار والتستر فيه بظلمات الليل مخافة الرقباء وعيون أهل الدول فإذا ~~لم يعثروا على شيء ردوا ذلك إلى الجهل بالطلسم الذي ختم به على ذلك المال ~~يخادعون به أنفسهم عن إخفاق مطامعهم والذي يحمل على ذلك في الغالب زيادة ~~على ضعف العقل إنما هو العجز عن طلب المعاش بالوجوه الطبيعية للكسب من ~~التجارة والفلح والصناعة فيطلبونه بالوجوه المنحرفة وعلى غير المجرى ~~الطبيعي من هذا وأمثاله عجزا عن السعي في المكاسب وركونا إلى تناول الرزق ~~من غير تعب ولا نصب في تحصيله واكتسابه ms409 ولا يعلمون أنهم يوقعون أنفسهم ~~بابتغاء ذلك من غير وجهه في نصب ومتاعب وجهد شديد أشد من الأول ويعرضون ~~أنفسهم مع ذلك لمنال العقوبات وربما يحمل على ذلك في الأكثر زيادة الترف ~~وعوائده وخروجها PageV01P385 عن حد النهاية حتى تقصر عنها وجوه الكسب ~~ومذاهبه ولا تفي بمطالبها فإذا عجز عن الكسب بالمجرى الطبيعي لم يجد وليجه ~~في نفسه إلا التمني لوجود المال العظيم دفعه من غير كلفة ليفي له ذلك ~~بالعوائد التي حصل في أسرها فيحرص على ابتغاءذلك ويسعى فيه جهده ولهذا ~~فأكثر من تراهم يحرصون على ذلك هم المترفون من أهل الدولة ومن سكان الامصار ~~الكثيرة الترف المتسعة الأحوال مثل مصر وما في معناها فنجد الكثير منهم ~~مغرمين بأبتغاء ذلك وتحصيله ومساءلة الركبان عن شواده كما يحرصون على ~~الكيمياء هكذا بلغني عن أهل مصر في مفاوضة من يلقونه من طلبة المغاربة ~~لعلهم يعثرون منه على دفين أو كنز ويزيدون على ذلك البحث عن تغوير المياه ~~لما يرون أن غالب هذه الأموال الدفينة كلها في بحاري النيل وأنه أعظم ما ~~يستر دفينا أو مختزنا في تلك الآفاق ويموه عليهم أصحاب تلك الدفاتر ~~المفتعلة في الاعتذار عن الوصول إليها بجرية النيل تسترا بذلك من الكذب حتى ~~يحصل على معاشه فيحرص سامع ذلك منهم على نضوب الماء بالاعمال السحرية ~~لتحصيل مبتغاه من هذه كلفا بشأن السحر متوارثا في ذلك القطر عن أوليه ~~فعلومهم السحرية وآثارها باقية بأرضهم في البراري وغبرها وقصة سحرة فرعون ~~شاهدة باخنصاصهم بذلك وقد تناقل أهل المغرب قصيدة ينسبونها إلى حكماء ~~المشرق تعطى فيها كيفية العمل بالتغوير بصناعة سحرية حسبما تراه فيها وهي ~~هذه % يا طالبا للسر في التغوير % إسمع كلام الصدق من خبير % % دع عنك ما ~~قد صنفوا في كتبهم % من قول بهتان ولفظ غرور % % واسمع لصدق مقالتي ونصيحتي ~~% إن كنت ممن لا يرى بالزور % % فإذا أردت تغورالبئر التي % حارت لها ~~الأوهام في التدبير % % صور كصورتك التي أوقفتها % والرأس رأس الشبل في ~~التقوير % % ويداه ما سكتان للحبل الذي % في ms410 الدلو ينشل من قرار البير % % ~~وبصدره هاء كما عاينتها % عدد الطلاق احذر من التكرير % % ويطا على الطاءات ~~غير ملامس % مشي اللبيب الكيس التحرير % % ويكون حول الكل خط دائر % تربيعة ~~أولى من التكوير % PageV01P386 % واذبح عليه الطير والطخه به % واقصده عقب ~~الذبح بالتبخير % % بالسندروس وباللبان وميعة % والقسط والبسه بثوب حرير % ~~% من أحمر أو أصفر لا أزرق % لا أخضر فيه ولا تكدير % % ويشده خيطان صوف ~~أبيض % أو أحمر من خالص التحمير % % والطالع الأسد الذي قد بينوا % ويكون ~~بدء الشهر غير منير % % والبدر متصل بسعد عطارد % في يوم سبت ساعة التدبير ~~% # | يعني أن تكون الطاءات بين قدميه كأنه يمشي عليها وعندي أن هذه القصيدة ~~من تمويهات المتخرفين فلهم في ذلك أحوال غريبة واصطلاحات عجيبة وتنتهي ~~التخرفة والكذب بهم إلى أن يسكنوا المنازل المشهودة والدور المعروفة لمثل ~~هذه ويحتفرون الحفر ويضعون المطابق فيها والشواهد التي يكتبونها في صحائف ~~كذبهم قم يقصدون ضعفاء العقول بأمثال هذه الصحائف ويعثون على كبراء ذلك ~~المنزل وسكناه ويوهمون أن به دفينا من المال لا يعبر عن كثرته ويطالبون ~~بالمال لاشتراء العقاقير والبخورات لحل الطلاسم ويعدونه بظهور الشواهد التي ~~قد اعدوها هنالك بأنفسهم ومن فعلهم فينبعث لما يراه من ذلك وهو قد خدع ولبس ~~عليه من حيث لا يشعر وبينهم في ذلك اصطلاح في كلامهم يلبسون به عليهم ليخفى ~~عند محاورتهم فيما يتلونه من حفر وبخور وذبح حيوان وأمثال ذلك وأما الكلام ~~في ذلك على الحقيقة فلا اصل له في علم ولا خبر واعلم ان الكنوز وإن كانت ~~توجد لكنها في حكم النادر وعلى وجه الاتفاق لا على وجه القصد إليها وليس ~~ذلك بأمر تعم به البلوى حتي يدخر الناس أموالهم تحت الأرض ويختمون عليها ~~بالطلاسم لا في القديم ولا في الحديث والركاز الذي ورد في الحديث وفرضه ~~الفقهاء وهو دفين الجاهلية إنما يوجد بالعثور والانفاق لا بالقصد والطلب ~~وأيضا فمن اختزن ماله وختم عليه بالاعمال السحرية فقد بالغ في إخفائه فكيف ~~ينصب عليه الأدلة والأمارات لمن يبتغيه ويكتب ذلك في ms411 الصحائف حتى يطلع على ~~ذخيرته أهل الأمصار والآفاق هذا يناقض قصد الإخفاء وأيضا فأفعال العقلاء لا ~~بد وأن تكون لغرض مقصود في الانتفاع ومن اختزن المال فإنه يختزنه لولده أو ~~قريبه أومن يؤثره وأما أن PageV01P387 يقصد إخفاءه بالكلية عن كل أحد وإنما ~~هو للبلاء والهلاك أو لمن لا يعرفه بالكلية ممن سيأتي من الأمم فهذا ليس من ~~مقاصد العقلاء بوجه وأما قولهم أين أموال الأمم من قبلنا وما علم فيها من ~~الكثرة والوفور فاعلم أن الأموال من الذهب والفضة والجواهر والأمتعة إنما ~~هي معادن ومكاسب مثل الحديد والنحاس والرصاص وسائر العقارات والمعادن ~~والعمران يظهرها بالأعمال الإنسانية ويزيد فيها أو ينقصها وما يوجد منها ~~بأيدي الناس فهو متناقل متوارث وربما انتقل من قطر إلى قطر ومن دولة إلى ~~أخرى بحسب أغراضه والعمران الذي يستدعي له فإن نقص المال في المغرب ~~وأفريقيه فلم ينقص ببلاد الصقالبة والإفرنج وإن نقص في مصر والشام فلم ينقص ~~في الهند والصين وإنما هي الآلات والمكاسب والعمران يوفرها أو ينقصها مع أن ~~المعادن يدركها البلاء كما يدرك سائر الموجودات ويسرع إلى اللؤلؤ والجوهر ~~أعظم مما يسرع إلى غيره وكذا الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص ~~والقصدير ينالها من البلاء والفناء ما يذهب بأعيانها لأقرب وقت وأما ما وقع ~~في مصر من أمر المطالب والكنوز فسببه أن مصر في ملكه القبط منذ آلاف أويزيد ~~من السنين وكان موتاهم يدفنون بموجودهم من الذهب والفضة والجوهر واللآلىء ~~على مذهب من تقدم من أهل الدول فلما انقضت دولة القبط وملك الفرس بلادهم ~~نقروا على ذلك في قبورهم فكشفوا عنه فأخذوا من قبورهم مالا يوصف كالأهرام ~~من قبور الملوك وغيرها وكذا فعل اليونانيون من بعدهم وصارت قبورهم مظنة ~~لذلك لهذا العهد ويعثر على الدفين فيها كثيرا من الأوقات أما ما يدفنونه من ~~أموالهم أو ما يكرمون به موتاهم في الدفن من أوعية وتوابيت من الذهب والفضة ~~معدة لذلك فصارت قبور القبط منذ آلاف السنين مظنة لوجود ذلك فيها فلذلك عني ~~أهل مصر بالبحث ms412 عن المطالب لوجود ذلك فيها واستخراجها حتى إنهم حين ضربت ~~المكوس على الأصناف آخر الدولة ضربت على أهل المطالب وصدرت ضريبة على من ~~يشتغل بذلك من الحمقى والمهوسين فوجد بذلك المتعاطون من أهل الأطماع ~~الذريعة إلى الكشف عنه والذرع باستخراجه وما حصلوا إلا على الخيبة في جميع ~~مساعيهم نعوذ بالله من الخسران فيحتاج من وقع له شيء من هذا الوسواس وابتلى ~~به أن PageV01P388 يتعوذ بالله من العجز والكسل في طلب معاشه كما تعوذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وينصرف عن طرق الشيطان ووسواسه ولا يشغل ~~نفسه بالمحالات والمكاذب من الحكايات والله يرزق من يشاء بغير حساب # الفصل الخامس $ في ان الجاه مفيد للمال # وذلك أنا نجد صاحب المال والحظوة في جميع أصناف المعاش أكثر يسارا وثروة ~~من فاقد الجاه والسبب في ذلك أن صاحب الجاه مخدوم بالأعمال يتقرب بها إليه ~~في سبيل التزلف والحاجة إلي جاهه فالناس معينون له بأعمالهم في جميع حاجاته ~~من ضروري أو حاجي أو كمالي فتحصل قيم تلك الأعمال كلها من كسبه وجميع ~~معاشاته أن تبذل فيه الأعواض من العمل يستعمل فيها الناس من غير عوض فتتوفر ~~قيم تلك الأعمال عليه فهو بين قيم للأعمال يكتسبها وقيم أخرى تدعوه الضرورة ~~إلى إخراجها فتتوفر عليه والأعمال لصاحب الجاه كثيرة فتفيد الغنى لأقرب وقت ~~ويزداد مع الأيام يسارا وثروة ولهذا المعنى كانت الإمارة أحد أسباب المعاش ~~كما قدمناه وفاقد الجاه بالكلية ولو كان صاحب مال فلا يكون يساره إلا ~~بمقدار ماله وعلى نسبه سعيه وهؤلاهم أكثر التجار ولهذا تجد أهل الجاه منهم ~~يكونون أيسر بكثير ومما يشهد لذلك أنا نجد كثيرا من الفقهاء وأهل الدين ~~والعبادة إذا اشتهروا حسن الظن بهم واعتقد الجمهور معاملة الله في إرفادهم ~~فأخلص الناس في إعانتهم على أحوال دنياهم والاعتمال في مصالحهم وأسرعت ~~إليهم الثروة وأصبحوا مياسير من غير مال مقتنى إلا ما يحصل لهم من قيم ~~الأعمال التي وقعت المعونة بها من الناس لهم رأينا من ذلك أعدادا في ms413 ~~الأمصار والمدن وفي البدو يسعى لهم الناس في الفلح والتجر وكل هو قاعد ~~بمنزلة لا يبرح من مكانه فينمو ماله ويعظم كسبه ويتأثل الغني من غير سعي ~~ويعجب من لايفطن لهذا السر في حال ثروته وأسباب غناه ويساره والله سبحانه ~~وتعالى يرزق من يشاء بغير حساب PageV01P389 # | الفصل السادس # في ان السعادة والكسب انما يحصل غالبا لأهل الخضوع والتملق $ وان هذا ~~الخلق من اسباب السعادة # قد سلف لنا فيما سبق أن الكسب الذي يستفيده البشر إنما هو قيم أعمالهم ~~ولو قدر أحد عطل عن العمل جملة لكان فاقد الكسب بالكلية وعلى قدر عمله ~~وشرفه بين الأعمال وحاجة الناس إليه يكون قدر قيمته وعلى نسبه ذلك نمو كسبه ~~أو نقصانه وقد بينا آنفا أن الجاه يفيد المال لما يحصل لصاحبه من تقرب ~~الناس إليه بأعمالهم وأموالهم في دفع المضار وجلب المنافع وكان ما يتقربون ~~به من عمل أو مال عوضا عما يحصلون عليه بسبب الجاه من الأغراض في صالح أو ~~طالح وتصيرتلك الأعمال في كسبه وقيمها أموال وثروة له فيستفيد الغنى ~~واليسار لأقرب وقت ثم إن الجاه متوزع في الناس ومترتب فيهم طبقة بعد طبقة ~~ينتهي في العلو إلى الملوك الذين ليس فوقهم يد عالية وفي السفل إلى من لا ~~يملك ضرا ولا نفعا بين أبناء جنسه وبين ذلك طبقات متعددة حكمة الله في خلقه ~~بما ينتظم معاشهم وتتيسر مصالحهم ويتم بقاؤهم لأن النوع الإنساني لا يتم ~~وجوده إلا بالتعاون وإنه وإن ندر فقد ذلك في صورة مفروضة لا يصح بقاؤه ثم ~~إن هذا التعاون لا يحصل إلا بالإكراه عليه لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع ~~ولما جعل لهم من الاختيار وأن أفعالهم إنما تصدر بالفكر والروية لا بالطبع ~~وقد يمتنع من المعاونة فيتعين حملة عليها فلا بد من حامل يكره أبناء النوع ~~على مصالحهم لتتم الحكمة الإلهية في بقاء هذا النوع وهذا معنى قوله تعالى ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما ~~يجمعون فقد تبين أن ms414 الجاه هو القدرة الحاملة للبشر على التصرف في من تحت ~~أيديهم من أبناء جنسهم بالإذن والمنع والتسلط بالقهر والغلبة ليحملهم على ~~دفع مضارهم وجلب منافعهم في العدل بأحكام الشرائع والسياسة وعلى أغراضه ~~فيما سوى ذلك ولكن الأول مقصود في العناية الربانية بالذات والثاني داخل ~~فيها بالعرض كسائر الشرور الداخلة في القضاء الإلهي لأنه قد لايتم وجود ~~الخير الكثير إلا بوجود شر يسير من أجل المواد فلا يفوت الخير بذلك بل يقع ~~PageV01P390 على ما ينطوي عليه من الشر اليسير وهذا معنى وقوع الظلم في ~~الخليقة فتفهم ثم إن كل طبقة من طباق أهل العمران من مدينة أو إقليم لها ~~قدرة على من دونها من الطباق وكل واحدة من الطبقة السفلى يستمد بذي الجاه ~~من أهل الطبقة التي فوقه ويزاد كسبه تصرفا فيمن تحت يده على قدر ما يستفيد ~~منه والجاه على ذلك داخل على الناس في جميع أبواب المعاش ويتسع ويضيق بحسب ~~الطبقة والطور الذي فيه صاحبه فإن كان الجاه متسعا كان الكسب الناشيء عنه ~~كذلك وإن كان ضيقا قليلا فمثله وفاقد الجاه وإن كان له مال فلا يكون يساره ~~إلا بمقدار عمله أو ماله ونسبة سعيه ذاهبا وآيبا في تنميته كأكثر التجار ~~وأهل الفلاحة في الغالب وأهل الصنائع كذلك إذا فقدوا الجاه واقتصروا على ~~فوائد صنائعهم فإنهم يصيرون إلى الفقر والخصاصة في الأكثر ولا تسرع إليهم ~~ثروة وإنما يرمقون العيش ترميقا ويدافعون ضرورة الفقر مدافعة وإذا تقرر ذلك ~~وأن الجاه متفرع وأن السعادة والخير مقترنان بحصوله علمت أن بذله وإفادته ~~من أعظم النعم وأجلها وأن باذله من اجل المنعمين وإنما ببذله لمن تحت يديه ~~فيكون بذله بيد عالية وعزة فيحتاج طالبه ومبتغيه إلى خضوع وتملق كما يسأل ~~أهل العز والملوك وإلا فيتعذر حصوله فلذلك قلنا إن الخضوع والتملق من أسباب ~~حصول هذا الجاه المحصل للسعادة والكسب وإن أكثر أهل الثروة والسعادة بهذا ~~التملق ولهذا نجد الكثير ممن يتخلق بالترفع والشمم لا يحصل لهم غرض الجاه ~~فيقتصرون في التكسب على أعمالهم ms415 ويصيرون إلى الفقر والخصاصة وأعلم أن هذا ~~الكبر والترفع من الأخلاق المذمومة إنما يحصل من توهم الكمال وأن الناس ~~يحتاجون إلى بضاعته من علم أو صناعة كالعالم المتجر في علمه والكاتب المجيد ~~في كتابته أو الشاعر البليغ في شعره وكل محسن في صناعته يتوهم أن الناس ~~محتاجون لما بيده فيحدث له ترفع عليهم بذلك وكذا يتوهم أهل الأنساب ممن كان ~~في آبائه ملك أو عالم مشهور أو كامل في طور يعبرون به بما رأوه أو سمعوه من ~~حال آبائهم في المدينة ويتوهمون أنهم استحقوا مثل ذلك بقرابتهم إليهم ~~ووراثتهم عنهم فهم متمسكون في الحاضر بالأمر المعدوم وكذلك أهل الحيلة ~~والبصر والتجارب بالأمور قد يتوهم بعضهم كمالا في نفسه بذلك واحتياجا ~~PageV01P391 إليه وتجد هؤلاء الأصناف كلهم مترفعين لا يخضعون لصاحب الجاه ~~ولا يتملقون لمن هو أعلى منهم ويستصغرون من سواهم لاعتقادهم الفضل على ~~الناس فيستنكف أحدهم عن الخضوع ولو كان للملك ويعده مذلة وهوانا وسفها ~~ويحاسب الناس في معاملتهم إياه بمقدار ما يتوهم في نفسه ويحقد على من قصر ~~له في شيء مما يتوهمه من ذلك وربما يدخل على نفسه الهموم والأحزان من ~~تقصيرهم فيه ويستمر في عناء عظيم من إيجاب الحق لنفسه أو إباية الناس له من ~~ذلك ويحصل له المقت من الناس لما في طباع البشر من التأله وقل أن يسلم أحد ~~منهم لأحد في الكمال والترفع عليه إلا أن يكون ذلك بنوع من القهر والغلبة ~~والإستطالة هذا كله في ضمن الجاه فإذا فقد صاحب هذا الخلق الجاه وهو مفقود ~~له كما تبين لك مقته الناس بهذا الترفع ولم يحصل له حظ من إحسانهم وفقد ~~الجاه لذلك من أهل الطبقة التي هي أعلى منه لأجل المقت وما يحصل له بذلك من ~~القعود عن تعاهدهم وغشيان منازلهم ففسد معاشه وبقي في خصاصة وفقر أو فوق ~~ذلك بقليل وأما الثروة فلا تحصل له أصلا ومن هذا اشتهر بين الناس أن الكامل ~~في المعرفة محروم من الحظ وأنه قد حوسب بما رزق ms416 من المعرفة واقتطع له ذلك ~~من الحظ وهذا معناه ومن خلق الشيء يسر له والله المقدر لا رب سواه ولقد يقع ~~في الدول أضراب في المراتب من أهل الخلق ويرتفع فيها كثير من السفلة وينزل ~~كثير من العلية بسبب ذلك وذلك أن الدول إذا بلغت نهايتها من التغلب ~~والاستيلاء انفرد منها منبت الملك بملكهم وسلطانهم ويئس من سواهم من ذلك ~~وإنما صاروا في مراتب دون مرتبة الملك وتحت يد السلطان وكأنهم خول له فإذا ~~استمرت الدولة وشمخ الملك تساوى حينئذ في المنزلة عند السلطان كل من انتمى ~~إلى خدمته وتقرب إليه بنصيحة واصطنعه السلطان لغنائه في كثير من مهماته ~~فتجد كثيرا من السوقة يسعى في التقرب من السلطان بجده ونصحه ويتزلف إليه ~~بوجوه خدمته ويستعين على ذلك بعظيم من الخضوع والتملق له ولحاشيته وأهل ~~نسبه حتى يرسخ قدمه معهم وينظمه السلطان في جملته فيحصل له بذلك حظ عظيم من ~~السعادة وينتظم في عدد أهل الدولة وناشئة الدولة حينئذ من أبناء قومها ~~الذين ذللوا أضغانهم ومهدوا أكنافهم مغترين بما كان لآبائهم في ذلك من ~~الآثار لم PageV01P392 تسمح به نفوسهم على السلطان ويعتدون بآثاره ويجرون ~~في مضمار الدولة بسببه فيمقتهم السلطان لذلك ويباعدهم ويميل إلى هؤلاء ~~المصطنعين الذين لا يعتدون بقديم ولا يذهبون إلى دالة ولا ترفع إنما دأبهم ~~الخضوع له والتملق والاعتمال في غرضه متى ذهب إليه فيتسع جاههم وتعلو ~~منازلهم وتنصرف إليهم الوجوه والخواطر بما يحصل لهم من قبل السلطان ~~والمكانة عنده ويبقى ناشئة الدولة فيما هم فيه من الترفع والاعتداد بالقديم ~~لا يزيدهم ذلك إلا بعدا من السلطان ومقتا وإيثار لهؤلاء المصطنعين عليهم ~~إلى أن تنقرض الدولة وهذا أمر طبيعي في الدولة ومنه جاء شأن المصطنعين في ~~الغالب والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق لا رب سواه # | الفصل السابع # في ان القائمين بأمور الدين من القضاء والفتيا والتدريس والامامة ~~والخطابة والاذان $ ونحو ذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب # والسبب لذلك أن الكسب كما قدمناه قيمة الأعمال وأنها متفاوته بحسب ms417 الحاجة ~~إليها فاذا كانت الاعمال ضرورية في العمران عامة البلوى به كانت قيمتها ~~أعظم وكانت الحاجة إليها أشد وأهل هذه الصنائع الدينية لا تضطر إليهم عامة ~~الخلق وإنما يحتاج إلى ما عندهم الخواص ممن أقبل على دينه وإن احتيج إلى ~~الفتيا والقضاء في الخصومات فليس على وجه الاضطرار والعموم فيقع الاستغناء ~~عن هؤلاء في الأكثر وإنما يهتم بإقامة مراسمهم صاحب الدولة بما ناله من ~~النظر في المصالح فيقسم لهم حظا من الرزق على نسبة الحاجة إليهم على النحو ~~الذي قررناه لا يساويهم بأهل الشوكة ولا بأهل الصنائع من حيث الدين ~~والمراسم الشرعية لكنه يقسم بحسب عموم الحاجة وضرورة أهل العمران فلا يصح ~~في قسمهم إلا القليل وهم أيضا لشرف بضائعهم أعزة على الخلق وعند نفوسهم فلا ~~يخضعون لأهل الجاه حتى ينالوا منه حظا يستدرون به الرزق بل ولا تفرغ ~~أوقاتهم لذلك لما هم فيه من الشغل بهذه البضائع الشريفة المشتملة على إعمال ~~الفكر والبدن بل ولا يسعهم ابتذال أنفسهم لأهل الدنيا لشرف بضائعهم فهم ~~بمعزل عن ذلك فلذلك لاتعظم ثروتهم في الغالب ولقد باحثت بعض الفضلاء فأنكر ~~ذلك علي فوقع بيدي أوراق مخزقة من حسابات الدواوين PageV01P393 بدار ~~المأمون تشتمل على كثير من الدخل والخرج وكان فيما طالعت فيه أرزاق القضاة ~~والأئمة والمؤذنين فوقفته عليه وعلم منه صحة ما قلته ورجع إليه وقضينا ~~العجب من أسرار الله في خلقه وحكمته في عوالمه والله الخالق القادر لا رب ~~سواه # | الفصل الثامن # في ان الفلاحة من معاش المتضعين واهل العافية من البدو # وذلك لأنه أصيل في الطبيعة وبسيط في منحاة ولذلك لا تجده ينتحله أحد من ~~أهل الحضر في الغالب ولا من المترفين ويختص منتحله بالمذلة قال صلى الله ~~عليه وسلم وقد رأى السكة ببعض دور الأنصار ما دخلت هذه دار قوم إلا دخله ~~الذل وحمله البخاري على الاستكثار منه وترجم عليه باب ما يحذر من عواقب ~~الاشتغال بآلة الزرع أو تجاوز الحد الذي أمر به والسبب فيه والله أعلم ما ~~يتبعها من ms418 المغرم المفضي إلى التحكم واليد العالية فيكون الغارم ذليلا ~~بائسا بما تتناوله أيدي القهر والاستطالة قال صلى الله عليه وسلم لاتقوم ~~الساعة حتى تعود الزكاة مغرما إشارة إلى الملك العضوض القاهر للناس الذي ~~معه التسلط والجور ونسيان حقوق الله تعالى في المتمولات واعتبار الحقوق ~~كلها مغرم للملوك والدول والله قادر على ما يشاء والله سبحانه وتعالى اعلم ~~وبه التوفيق # | الفصل التاسع # في معنى التجارة ومذاهبها واصنافها # إعلم أن التجارة محاولة الكسب بتنمية المال بشراء السلع بالرخص وبيعها ~~بالغلاء أيام كانت السلعة من دقيق أو زرع أو حيوان أو قماش وذلك القدر ~~النامي يسمى ربحا فالمحاول لذلك الربح إما أن يختزن السلعة ويتحين بها ~~حوالة الأسواق من الرخص إلى الغلاء فيعظم ربحه وإما بأن ينقله إلى بلد آخر ~~تنفق فيه تلك السلعة أكثر من بلده الذي اشتراها فيه فيعظم ربحه ولذلك قال ~~بعض الشيوخ من التجار لطلب الكشف عن حقيقة التجارة أنا أعلمها لك في كلمتين ~~اشتراء الرخيص وبيع الغالي فقد حصلت التجارة إشارة منه بذلك إلى المعنى ~~الذي قررناه والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق لارب سواه PageV01P394 # | الفصل العاشر # في اي اصناف الناس يحترف بالتجارة وليهم ينبغي له اجتناب حرفها # قد قدمنا أن معنى التجارة تنمية المال بشراء البضائع ومحاولة بيعها بأغلى ~~من ثمن الشراء إما بانتظار حوالة الأسواق أو نقلها إلى بلد هي فيه أنفق و ~~أغلى أو بيعها بالغلاء على الآجال وهذا الربح بالنسبة إلى أصل المال يسير ~~إلا أن المال إذا كان كثيرا عظم الربح لأن القليل في الكثير كثير ثم لا بد ~~في محاولة هذه التنمية من حصول هذا المال بأيدي الباعة في شراء البضائع ~~وبيعها ومعاملتهم في تقاضي أثمانها وأهل النصفة قليل فلا بد من الغش ~~والتطفيف المجحف بالبضائع في تقاضي ومن المطل في الأثمان المجحف بالربح ~~كتعطيل المحاولة في تلك المدة وبها نماؤه ومن الجحود والإنكار المسحت لرأس ~~المال إن لم يتقيد بالكتاب والشهادة وغنى الحكام في ذلك قليل لأن الحكم ~~إنما هو على ms419 الظاهر فيعاني التاجر من ذلك أحوالا صعبة ولا يكاد يحصل على ~~ذلك التافه من الربح إلا بعظم العناء والمشقة أو لا يحصل أو يتلاشى رأس ~~ماله فإن كان جريئا على الخصومة بصيرا بالحسبان شديد المماحكة مقداما على ~~الحكام كان ذلك أقرب له إلى النصفة بجراءته منهم ومماحكته وإلا فلا بد له ~~من جاه يدرع به يوقع له الهيبة عند الباعة ويحمل الحكام على إنصافه من ~~معامليه فيحصل له بذلك النصفة في ماله طوعا في الأول وكرها في الثاني وأما ~~من كان فاقدا للجراءة والإقدام من نفسه فاقد الجاه من الحكام فينبغي له أن ~~يجتنب الاحتراف بالتجارة لأنه يعرض ماله للضياع والذهاب ويصير مأكله للباعة ~~ولا يكاد ينتصف منهم لأن الغالب في الناس وخصوصا الرعاع والباعة شرهون إلى ~~ما في أيدي الناس سواهم متوثبون عليه ولولا وازع الأحكام لأصبحت أموال ~~الناس نهبا ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل ~~على العالمين # | الفصل الحادي عشر # في ان خلق التجار نازلة عن خلق الاشراف والملوك # وذلك أن التجار في غالب أحوالهم إنما يعانون البيع والشراء ولا بد فيه من ~~PageV01P395 المكايسة ضرورة فإن اقتصر عليها اقتصرت به على خلقها وهي أعني ~~خلق المكايسة بعيدة عن المرؤة التي تتخلق بها الملوك والأشراف وأما إن ~~استرذل خلقه بما يتبع ذلك في أهل الطبقة السفلى منهم من المماحكة والغش ~~والخلابة وتعاهد الأيمان الكاذبة على الأثمان ردا وقبولا فأجدر بذلك الخلق ~~أن يكون في غاية المذلة لما هو معروف ولذلك تجد أهل الرئاسة يتحامون ~~الاحتراف بهذه الحرفة لأجل ما يكسب من هذا الخلق وقد يوجد منهم من يسلم من ~~هذا الخلق ويتحاماه لشرف نفسه وكرم جلاله إلا أنه في النادر بين الوجود ~~والله يهدي من يشاء بفضله وكرمه وهو رب الأولين والآخرين # | الفصل الثاني عشر # في نقل التاجر للسلع # التاجر البصير بالتجارة لا ينقل من السلع إلا ما تعم الحاجة إليه من ~~الغني والفقير والسلطان والسوقة إذ في ذلك نفاق سلعته وأما إذا ms420 اختص نقله ~~بما يحتاج إليه البعض فقط فقد يتعذر نفاق سلعته حينئذ بإعواز الشراء من ذلك ~~البعض لعارض من العوارض فتكسد سوقه وتفسد أرباحه وكذلك إذا نقل السلعة ~~المحتاج إليها فإنما ينقل الوسط من صنفها فإن العالي من كل صنف من السلع ~~إنما يختص به أهل التروة وحاشية الدولة وهم الأقل وإنما يكون الناس أسوة في ~~الحاجة إلى الوسط من كل صنف فليتحر ذلك جهده ففيه نفاق سلعة أو كسادها ~~وكذلك نقل السلع من البلد البعيد المسافة أو في شدة الخطر في الطرقات يكون ~~أكثر فائدة للتجار وأعظم أرباحا وأكفل بحوالة الأسواق لأن السلعة المنقولة ~~حينئذ تكون قليلة معوزة لبعد مكانها أو شدة الغرر في طريقها فيقل حاملوها ~~ويعز وجودها وإذا قلت وعزت غلت أثمانها وأما إذا كان البلد قريب المسافة ~~والطريق سابل بالأمن فإنه حينئذ يكثر ناقلوها فتكثر وترخص أثمانها ولهذا ~~تجد التجار الذين يولعون بالدخول إلى بلاد السوادن أرفة الناس وأكثرهم ~~أموالا لبعد طريقهم ومشقته واعتراض المفازة الصعبة المخطرة بالخوف والعطش ~~لا يوجد فيها الماء إلا في أماكن معلومة يهتدي إليها أدلاء الركبان فلا ~~يركب خطر هذا الطريق وبعده إلا الأقل من الناس فتجد PageV01P396 سلع بلاد ~~السودان قليلة لدينا فتختص بالغلاء وكذلك سلعنا لديهم فتعظم بضائع التجار ~~من تناقلها ويسرع إليهم الغنى والثروة من أجل ذلك وكذلك المسافرون من ~~بلادنا إلى المشرق لبعد الشقة أيضا وأما المترددون في أفق واحد ما بين ~~أمصاره وبلدانه ففائدتهم قليلة وأرباحهم تافهة لكثرة السلع وكثرة ناقليها ~~والله هو الرزاق ذو القوة المتين # | الفصل الثالث عشر # في الاحتكار # ومما اشتهر عند ذوي البصر والتجربة في الأمصار أن أحتكار الزرع لتحين ~~أوقات الغلاء مشؤم وأنه يعود على فائدته بالتلف والخسران وسببه والله أعلم ~~أن الناس لحاجتهم إلى الأقوات مضطرون إلى ما يبذلون فيها من المال اضطرارا ~~فتبقى النفوس متعلقة به وفي تعلق النفوس بما لها سر كبير في وباله على من ~~يأخذه مجانا ولعله الذي اعتبره الشارع في أخذ أموال الناس بالباطل وهذا وإن ms421 ~~لم يكن مجانا فالنفوس متعلقة به لإعطائه ضرورة من غير سعة في العذر فهو ~~كالمكره وما عدا الأقوات والمأكولات من المبيعات لا اضطرار للناس إليها ~~وإنما يبعثهم عليها التفنن في الشهوات فلا يبذلون أموالهم فيها إلا باختيار ~~وحرص ولا يبقى لهم تعلق بما أعطوه فلهذايكون من عرف تعالى أعلم وسمعت فيما ~~يناسب هذا حكاية ظريفة عن بعض مشيخة المغرب أخبرني شيخنا أبو عبد الله ~~الأبلي قال حضرت عند القاضي بفاس لعهد السلطان أبي سعيد وهو الفقيه أبو ~~الحسن المليلي وقد عرض عليه أن يختار بعض الألقاب المخزنية لجرايته قال ~~فأطرق مليا ثم قال من مكس الخمر فاستضحك الحاضرون من أصحابه وعجبوا وسألوه ~~عن حكمة ذلك فقال إذا كانت الجبايات كلها حراما فأختار منها ما لا تتابعه ~~نفس معطية والخمر قل أن يبذل فيها أحد ماله إلا وهو طرب مسرور بوجوداته غير ~~أسف عليه ولا متعلقة به نفسه وهذه ملاحظة غريبة والله سبحانه وتعالى يعلم ~~ما تكن الصدور PageV01P397 $ الفصل الرابع عشر في ان رخص الاسعار مضر ~~بالمحترفين بالرخص # وذلك أن الكسب والمعاش كما قدمناه إنما هو بالصنائع أو التجارة والتجارة ~~هي شراء البضائع والسلع وادخارها يتحين بها حوالة الأسواق بالزيادة في ~~أثمانها ويسمى ربحا ويحصل منه الكسب والمعاش للمحترفين بالتجارة دائما فإذا ~~استديم الرخص في سلعة أوعرض من مأكول أو ملبوس أو متمول على الجملة ولم ~~يحصل للتاجر حوالة الأسواق فسد الربح والنساء بطول تلك المدة وكسدت سوق ذلك ~~الصنف فقعد التجار عن السعي فيها وفسدت رؤوس أموالهم واعتبر ذلك أولا ~~بالزرع فإنه إذا استديم رخصة يفسد به حال المحترفين بسائر أطواره من الفلح ~~والزراعة لقلة الربح فيه وندارته أو فقده فيفقدون النماء في أموالهم أو ~~يجدونه على قلة ويعودون بالإنفاق على رؤوس أموالهم وتفسد أحوالهم ويصيرون ~~إلى الفقر والخصاصة ويتبع ذلك فساد حال المحترفين أيضا بالطحن والخبز وسائر ~~ما يتعلق بالزراعة من الحرث إلى صيرورته مأكولا وكذا يفسد حال الجند إذا ~~كانت أرزاقهم من السلطان على أهل الفلح زرعا فإنها ms422 تقل جبايتهم من ذلك ~~ويعجزون عن إقامة الجندية التي هي بسببها ومطالبون بها ومنقطعون لها فتفسد ~~أحوالهم وكذا إذا استديم الرخص في السكر أو العسل فسد جميع ما يتعلق به ~~وقعد والمحترفون عن التجارة فيه وكذا الملبوسات إذا استديم فيها الرخص فإذا ~~الرخص المفرط يجحف بمعاش المحترفين بذلك الصنف الرخيص وكذا الغلاء المفرط ~~أيضا وإنما معاش الناس وكسبهم في التوسط من ذلك وسرعة حوالة الأسواق وعلم ~~ذلك يرجع إلى العوائد المتقررة بين أهل العمران وإنما يحمد الرخص في الزرع ~~من بين المبيعات لعموم الحاجة إليه واضطرار الناس إلى الأقوات من بين الغني ~~والفقير والعالة من الخلق هم آلأكثر في العمران فيعم الرفق بذلك ويرجع جانب ~~القوت على جانب التجارة في هذا الصنف الخاص والله الرزاق ذو القوة المتين ~~والله سبحانه وتعالى رب العرش العظيم PageV01P398 # | الفصل الخامس عشر # في ان خلق التجارة نازلة عن خلق الروءساء وبعيدة من المروءة # قد قدمنا في الفصل قبله أن التاجر مدفوع إلى معاناة البيع والشراء وجلب ~~الفوائد والأرباح ولا بد في ذلك من المكايسة والمماحكة والتحذلق وممارسة ~~الخصومات واللجاج وهي عوارض هذه الحرفة وهذه الأوصاف نقص من الذكاء ~~والمروءة وتجرح فيها لأن الأفعال لا بد من عود آثارها على النفس فأفعال ~~الخير تعود بآثار الخير والزكاء وأفعال الشر والسفسفة تعود بضد ذلك فتتمكن ~~وترسخ إن سبقت وتكررت وتنقص خلال الخير إن تأخرت عنها بما ينطبع من آثارها ~~المذمومة في النفس شأن الملكات الناشئة عن الأفعال وتتفاوت هذه الآثار ~~بتفاوت أصناف التجار في أطوارهم فمن كان منهم سفال الطور محالفا لأشرار ~~الباعة أهل الغش والخلابة والفجور في الأثمان إقرارا وإنكارا كانت رداءة ~~تلك الخلق عنه أشد وغلبت عليه السفسفة وبعد عن المروءة واكتسابها بالجملة ~~وإلا فلا بد له من تأثير المكايسة والمماحكة في مرؤته وفقدان ذلك منهم في ~~الجملة ووجود الصنف الثاني منهم الذي قدمناه في الفصل قبله أنهم يدرعون ~~بالجاه ويعوض لهم من مباشرة ذلك فهم نادر وأقل من النادر وذلك أن يكون ~~المال قد ms423 يوجد عنده دفعة بنوع غريب أو ورثه عن أحد من أهل بيته فحصلت له ~~ثروة تعيينه على الاتصال بأهل الدولة وتكسبه ظهورا وشهرة بين أهل عصره ~~فيرتفع عن مباشرة ذلك بنفسه ويدفعه إلى من يقوم له به من وكلائه وحشمه ~~ويسهل له الحكام النصفة في حقوقهم بما يؤنسونه من بره وإتحافه فيبعدونه عن ~~تلك الخلق بالبعد عن معاناة الأفعال المقتضية لها كما مر فتكون كمروءتهم ~~أرسخ وأبعد عن تلك المحاجاة إلا ما يسري من آثار تلك الأفعال من وراء ~~الحجاب فإنهم يضطرون إلى مشارفة أحوال أولئك الوكلاء ورفاقهم أو خلافهم ~~فيما ولا يكاد يظهر أثره والله خلقكم وما تعملون # | الفصل السادس عشر # في ان الصنائع لا بد لها من العلم إعلم أن الصناعة هي ملكة في أمر عملي ~~فكري وبكونه عمليا هو جسماني PageV01P399 محسوس والأحوال الجسمانية ~~المحسوسة فنقلها بالمباشرة أوعب لها وأكمل لأن المباشرة في الأحوال ~~الجسمانية المحسوسة أتم فائدة والملكة صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل ~~وتكرره مرة بعد أخرى حتى ترسخ صورته وعلى نسبة الأصل تكون الملكة ونقل ~~المعاينة أوعب وأتم من نقل الخبر والعلم فالملكة الحاصلة عن الخبر على قدر ~~جودة التعليم وملكة المتعلم في الصناعة وحصول ملكته ثم إن الصنائع منها ~~البسيط ومنها المركب والبسيط هو الذي يختص بالضروريات والمركب هو الذي يكون ~~للكماليات والمتقدم منها في التعليم هو البسيط لبساطته أولا ولإنه مختص ~~بالضروري الذي تتوفر الدواعي على نقله فيكون سابقا في التعليم ويكون تعليمه ~~ناقصا ولا يزال الفكر يخرج أصنافها ومركباتها من القوة إلى الفعل ~~بالاستنباط شيئا فشيئا على التدريج حتى تكمل ولا يحصل ذلك دفعة وإنما يحصل ~~في أزمان وأجيال إذ خروج الأشياء من القوة إلى الفعل لا يكون دفعة لا سيما ~~في الأمور الصناعية فلا بد له إذن من زمان ولهذا تجد الصنائع في الأمصار ~~الصغيرة ناقصة ولا يوجد منها إلا البسيط فإذا تزايدت حضارتها ودعت أمور ~~الترف فيها إلى استعمال الصنائع خرجت من القوة إلى الفعل وتنقسم الصنائع ~~أيضا إلى ms424 ما يختص بأمر المعاش ضروريا كان أو غير ضروري وإلى ما يختص ~~بالأفكار التي هي خاصية الإنسان من العلوم والصنائع والسياسة ومن الأول ~~الحياكة والجزارة والنجارة والحدادة وأمثالها ومن الثاني الوراقة وهي ~~معاناة الكتب بالاتتساخ والتجليد والغناء والشعر وتعليم العلم وأمثال ذلك ~~ومن الثالث الجندية وأمثالها والله أعلم $ الفصل السابع عشر في ان الصنائع ~~انما تكمل بكمال العمران الحضري وكثرته # والسبب في ذلك أن الناس ما لم يستوف العمران الحضري وتتمدن المدينة إنما ~~همهم في الضروري من المعاش وهو تحصيل الأقوات من الحنطة وغيرها فإذا تمدنت ~~المدينة وتزايدت فيها الأعمال ووفت بالضروري وزادت عليه صرف الزائد حينئذ ~~إلى الكمالات من المعاش ثم إن الصنائع والعلوم إنما هي للإنسان من حيث فكرة ~~الذي يتميز به عن الحيوانات والقوت له من حيث الحيوانية والغذائية فهو ~~PageV01P400 مقدم لضروريته على العلوم والصنائع وهي متأخرة عن الضروري وعلى ~~مقدار عمران البلد تكون جودة الصنائع للتأنق فيها حينئذ واستجادة ما يطلب ~~منها بحيث تتوفر دواعي الترف والثروة وأما العمران البدوي أو القليل فلا ~~يحتاج من الصنائع إلا البسيط خاصة المستعمل في الضروريات من نجار أو حداد ~~أو خياط أو حائك أو جزار وإذا وجدت هذه بعد فلا توجد فيه كاملة ولا مستجادة ~~وإنما يوجد منها بمقدار الضرورة إذ هي كلها وسائل إلى غيرها وليست مقصودة ~~لذاتها وإذا زخر بحر العمران وطلبت فيه الكمالات كان من جملتها التأنق في ~~الصنائع واستجادتها فكملت بجميع متمماتها وتزايدت صنائع أخرى معها مما تدعو ~~إليه عوائد الترف وأحواله من جزار ودباغ وخراز وصائغ وأمثال ذلك وقد تنتهي ~~هذه الأصناف إذا استجر العمران إلى أن يوجد منها كثير من الكمالات والتأنق ~~فيها في الغاية وتكون من وجوه المعاش في المصر لمنتحلها بل تكون فائدتها من ~~أعظم فوائد الأعمال لما يدعو إليه الترف في المدينة مثل الدهان والصفار ~~والحمامي والطباخ والشماع والهراس ومعلم الغناء والرقص وقرع الطبول على ~~التوقيع ومثل الوراقين الذين يعانون صناعة انتساخ الكتب وتجليدها وتصحيحها ~~فإن هذه الصناعة إنما يدعو ms425 إليها الترف في المدينة من الاشتغال بالأمور ~~الفكرية وأمثال ذلك وقد تخرج عن الحد إذا كان العمران خارجا عن الحد كما ~~بلغنا عن أهل مصر أن فيهم من يعلم الطيور العجم والحمر الإنسية ويتخيل ~~أشياء من العجائب بإيهام قلب الأعيان وتعليم الحداء والرقص والمشي على ~~الخيوط في الهواء ورفع الأثقال من الحيوان والحجارة وغير ذلك من الصنائع ~~التي لا توجد عندنا بالمغرب لأن عمران أمصاره لم يبلغ عمران مصر والقاهرة ~~أدام الله عمرانها بالمسلمين # | الفصل الثامن عشر # في ان رسوخ الصنائع في الامصار انما هو برسوخ الحضارة وطول امدة # والسبب في ذلك ظاهر وهو أن هذه كلها عوائد للعمران والأوان والعوائد إنما ~~ترسخ بكثرة التكرار وطول الأمد فتستحكم صبغة ذلك وترسخ في الأجيال وإذا ~~استحكمت الصبغة عسر نزعها ولهذا نجد في الأمصار التي كانت استجرت في ~~PageV01P401 الحضارة لما تراجع عمرانها وتناقص بقيت فيها آثار من هذه ~~الصنائع ليست في غيرها من الأمصار المستحدثة العمران ولو بلغت مبالغها في ~~الوفور والكثرة وما ذاك إلا لأن أحوال تلك القديمة العمران مستحكمة راسخة ~~بطول الأحقاب وتداول الأحوال وتكررها وهذه لم تبلغ الغاية بعد وهذا كالحال ~~في الأندلس لهذا العهد فإنا نجد فيها رسوم الصنائع قائمة وأحوالها مستحكمة ~~راسخة في جميع ما تدعو إليه عوائد أمصارها كالمباني والطبخ وأصناف الغناء ~~واللهو من الآلات والأوتار والرقص وتنضيد الفرش في القصور وحسن الترتيب ~~والأوضاع في البناء وصوغ الآنية من المعادن والخزف وجميع المواعين وإقامة ~~الولائم والأعراس وسائر الصنائع التي يدعو إليها الترف وعوائده فنجدهم أقوم ~~عليها وأبصر بها ونجد صنائعها مستحكمة لديهم فهم على حصة موفورة من ذلك وحظ ~~متميز بين جميع الأمصار وإن كان عمرانها قد تناقص والكثير منه لا يساوي ~~عمران غيرها من بلاد العدوة وما ذاك إلا لما قدمناه من رسوخ الحضارة فيهم ~~برسوخ الدولة الأموية وما قبلها من دولة القوط وما بعدها من دولة الطوائف ~~وهلم جرا فبلغت الحضارة فيها مبلغا لم تبلغه في قطر إلا ما ينقل عن العراق ~~والشام ومصر ms426 أيضا لطول آماد الدول فيها فاستحكمت فيها الصنائع وكملت جميع ~~أصنافها على الاستجادة والتنميق وبقيت صبغتها ثابتة في ذلك العمران لا ~~تفارقه إلى أن ينتقض بالكلية حال الصبغ إذا رسخ في الثوب وكذا أيضا حال ~~تونس فيما حصل فيها بالحضارة من الدول الصنهاجية والموحدين من بعدهم وما ~~استكمل لها في ذلك من الصنائع في سائر الأحوال وإن كان ذلك دون الأندلس إلا ~~أنه متضاعف برسوم منها تنقل إليها من مصر لقرب المسافة بينهما وتردد ~~المسافرين من قطرها إلى قطر مصر في كل سنة وربما سكن أهلها هناك عصورا ~~فينقلون من عوائد ترفهم ومحكم صنائعهم ما يقع لديهم موقع الاستحسان فصارت ~~أحوالها في ذلك متشابهة من أحوال مصر لما ذكرناه ومن أحوال الأندلس ما أن ~~أكثر ساكنها من شرق الأندلس حين الجلاء لعهد المائة السابعة ورسخ فيها من ~~ذلك أحوال وإن كان عمرانها ليس بمناسب لذلك لهذا العهد إلا أن الصبغة إذا ~~استحكمت فقليلا ما تحول إلا بزوال محلها وكذا نجد بالقيروان ومراكش وقلعة ~~PageV01P402 ابن حماد أثرا باقيا من ذلك وإن كانت هذه كلها اليوم خرابا أو ~~في حكم الخراب ولا يتفطن لها إلا البصير من الناس فيجد من هذه الصنائع ~~آثارا تدله على ما كان بها كأثر الخط الممحو في الكتاب والله الخلاق العليم # | الفصل التاسع عشر # في ان الصنائع انما تسنجاد وتكثر اذا كثر طالبها # والسبب في ذلك ظاهر وهو أن الإنسان لا يسمح بعمله أن يقع مجانا لأنه كسبه ~~ومنه معاشه إذ لا فائدة له في جميع عمره في شيء مما سواه فلا يصرفه إلا ~~فيما له قيمة في مصره ليعود عليه بالنفع وإن كانت الصناعة مطلوبة وتوجه ~~إليها النفاق كانت حينئذ الصناعة بمثابة السلعة التي تنفق سوقها وتجلب ~~للبيع فتجتهد الناس في المدينة لتعلم تلك الصناعة ليكون منها معاشهم وإذا ~~لم تكن الصناعة مطلوبة لم تنفق سوقها ولا يوجه قصد إلى تعلمها فاختصت ~~بالترك وفقدت للإهمال ولهذا يقال عن علي رضي الله عنه قيمة كل امرىء ما ms427 ~~يحسن بمعنى أن صناعته هي قيمته أي قيمة عمله الذي هو معاشه وأيضا فهنا سر ~~آخر وهو أن الصنائع وإجادتها إنما تطلبها الدولة فهي التي تنفق سوقها وتوجه ~~الطالبات إليها وما لم تطلبه الدولة وإنما يطلبها غيرها من أهل المصر فليس ~~على نسبتها لأن الدولة هي السوق الأعظم وفيها نفاق كل شيء والقليل والكثير ~~فيها على نسبة واحدة فما نفق منها كان أكثريا ضرورة والسوقة وإن طلبوا ~~الصناعة فليس طلبهم بعام ولا سوقهم بنافقة والله سبحانه وتعالى قادر على ما ~~يشاء # | الفصل العشرون # في ان الامصار اذا قاربت الخراب انتقضت منها الصنائع # وذلك لما بينا أن الصنائع إنما تستجاد إذا احتيج إليها وكثر طالبها وإذا ~~ضعفت أحوال المصر وأخذ في الهرم بانتقاض عمرانه وقلة ساكنه تناقص فيه الترف ~~ورجعوا إلى الاقتصار على الضروري من أحوالهم فتقل الصنائع التي كانت من ~~توابع الترف لأن صاحبها حينئذ لا يصح له بها معاشه فيفر إلى غيرها أو يموت ~~ولا يكون خلف منه PageV01P403 فيذهب رسم تلك الصنائع جملة كما يذهب ~~النقاشون والصواغ والكتاب والنساخ وأمثالهم من الصنائع لحاجات الترف ولا ~~تزال الصناعات في التناقص إلى أن تضمحل والله الخلاق العليم وسبحانه وتعالى # | الفصل الحادي والعشرون # في ان العرب ابعد الناس عن الصنائع # والسبب في ذلك أنه أعرق في البدو وأبعد عن العمران الحضري وما يدعو إليه ~~من الصنائع وغيرها والعجم من أهل المشرق وأمم النصرانية عدوة البحر الرومي ~~أقوم الناس عليها لأنهم أعرق في العمران الحضري وأبعد عن البدو وعمرانه حتى ~~إن الإبل التي أعانت العرب على التوحش في القفر والإعراق في البدو مفقودة ~~لديهم بالجملة ومفقودة مراعيها والرمال المهيئة لنتاجها ولهذا نجد أوطان ~~العرب وما ملكوه في الإسلام قليل الصنائع بالجملة حتى تجلب إليه من قطر آخر ~~وانظر بلاد العجم من الصين والهند وأرض الترك وأمم النصرانية كيف استكثرت ~~فيهم الصنائع واستجلبها الأمم من عندهم وعجم المغرب من البربر مثل العرب في ~~ذلك لرسوخهم في البداوة منذ أحقاب من السنين ويشهد لك بذلك ms428 قلة الأمصار ~~بقطرهم كما قدمناه فالصنائع بالمغرب لذلك قليلة وغير مستحكمة الأماكن من ~~صناعة الصوف من نسجه والجلد في خرزه ودبغه فإنهم لما استحضروا بلغوا فيها ~~المبالغ لعموم البلوى بها وكون هذين أغلب السلع في قطرهم لما هم عليه من ~~حال البداوة وأما المشرق فقد رسخت الصنائع فيه منذ ملك الأمم الأقدمين من ~~الفرس والنبط والقبط وبني إسرائيل ويونان والروم أحقابا متطاولة فرسخت فيهم ~~أحوال الحضارة ومن جملتها الصنائع كما قدمناه فلم يمح رسمها وأما اليمن ~~والبحران وعمان والجزيرة وإن ملكه العرب إلا أنهم تداولوا ملكه آلافا من ~~السنين في أمم كثيرين منهم واختطوا أمصاره ومدنه وبلغوا لغاية من الحضارة ~~والترف مثل عاد وثمود والعمالقة وحمير من بعدهم والتبابعة والأذواء فطال ~~أمد الملك والحضارة واستحكمت صبغتها وتوفرت الصنائع ورسخت فلم تبل ببلى ~~الدولة كما قدمناه فبقيت مستجدة حتى الآن واختصت بذلك الوطن كصناعة الوشي ~~والعصب وما يستجاد من حوك الثياب والحرير فيها والله وارث PageV01P404 ~~الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين # | الفصل الثاني والعشرون # فيمن حصلت له ملكة في صناعة فقل ان يجيد بعد في ملكة اخرى # ومثال ذلك الخياط إذا أجاد ملكة الخياطة وأحكمها ورسخت في نفسه فلا يجيد ~~من بعدها ملكة النجارة أو البناء إلا أن تكون الأولى لم تستحكم بعد ولم ~~ترسخ صبغتها والسبب في ذلك أن الملكات صفات للنفس وألوان فلا تزدحم دفعة ~~ومن كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعدادا لحصولها فإذا ~~تلونت النفس بالملكة الأخرى وخرجت عن الفطرة ضعف فيها الاستعداد باللون ~~الحاصل من هذه الملكة فكان قبولها للملكة أضعف وهذا بين يشهد له الوجود فقل ~~أن تجد صاحب صناعة يحكمها ثم يحكم من بعدها أخرى ويكون فيهما معا على رتبة ~~واحدة من الإجادة حتى أن أهل العلم الذين ملكتهم فكرية فهم بهذه المثابة ~~ومن حصل منهم على ملكة علم من العلوم وأجادها في الغاية فقل ان يجيد ملكة ~~علم آخر عل نسبته بل يكون مقصرا فيه إن طلبه إلا في الأقل النادر ms429 من ~~الأحوال ومبني سببه على ما ذكرناه من الاستعداد وتلوينه بلون الملكة ~~الحاصلة في النفس والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق لا رب سواه # | الفصل الثالث والعشرون # في الاشارة إلى امهات الصنائع # إعلم أن الصنائع في النوع الإنساني كثيرة لكثرة الأعمال المتداولة في ~~العمران فهي بحيث تشذ عن الحصر ولا يأخذها العد إلا أن منها ما هو ضروري في ~~العمران أو شريف بالموضع فنخصها بالذكر ونترك ما سواها فأما الضروري ~~فالفلاحة والبناء والخياطة والنجارة والحياكة وأما الشريفة بالموضع ~~فكالتوليد والكتابة والوراقة والغناء والطب فأما التوليد فإنها ضرورية في ~~العمران وعامة البلوى إذ بها تحصل حياة المولود وتتم غالبا وموضعها مع ذلك ~~المولودون وأمهاتهم وأما الطب فهو حفظ الصحة للإنسان ودفع المرض عنه ويتفرع ~~PageV01P405 عن علم الطبيعة وموضوعه مع ذلك بدن الإنسان وأما الكتابة وما ~~يتبعها من الوراقة فهي حافظة على الإنسان حاجته ومقيدة لها عن النسيان ~~ومبلغة ضمائر النفس إلى البعيد الغائب ومخلدة نتائج الأفكار والعلوم في ~~الصحف ورافعة رتب الوجود للمعانى وأما الغناء فهو نسب الأصوات ومظهر جمالها ~~للأسماع وكل هذه الصنائع الثلاث داع إلى مخالطة الأعاظم في خلواتهم ومجالس ~~أنسهم فلها بذلك شرف ليس لغيرها وما سوى ذلك من الصنائع فتابعة وممتهنة في ~~الغالب وقد يختلف ذلك باختلاف الأغراض والدواعي والله أعلم بالصواب # | الفصل الرابع والعشرون # في صناعة الفلاحة # هذه الصناعة ثمرتها اتخاذ الأقوات والحبوب بالقيام على إثارة الأرض لها ~~ازدراعها وعلاج بناتها وتعهده بالسقي والتنمية إلى بلوغ غايته ثم حصاد ~~سنبله واستخراج حبه من غلافه وإحكام الأعمال لذلك وتحصيل أسبابه ودواعيه ~~وهي أقدم الصنائع لما أنها محصلة للقوت المكمل لحياة الإنسان غالبا إذ يمكن ~~وجوده من دون القوت ولهذا اختصت هذه الصناعة بالبدو إذ قدمنا أنه أقدم من ~~الحضر وسابق عليه فكانت هذه الصناعة لذلك بدوية لا يقوم عليها الحضر ولا ~~يعرفونها لأن أحوالهم كلها ثانية على البداوة فصنائعهم ثانية عن صنائعها ~~وتابعة لها والله سبحانه وتعالى مقيم العباد فيما أراد # | الفصل الخامس والعشرون # في صناعة البناء ms430 # هذه الصناعة أول صنائع العمران الحضري وأقدمها وهي معرفة العمل في اتخاذ ~~البيوت والمنازل للسكنى والمأوى للأبدان في المدن وذلك أن الإنسان لما جبل ~~عليه من الفكر في عواقب أحواله لا بد أن يفكر فيما يدفع عنه الأذى من الحر ~~والبرد كاتخاذ البيوت المكتنفة بالسقف والحيطان من سائر جهاتها والبشر ~~مختلف في هذه الجبلة الفكرية فمنهم المعتدلون فيها فيتخذون ذلك باعتدال ~~أهالي الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس وأما أهل البدو فيبعدون عن ~~اتخاذ ذلك لقصور PageV01P406 أفكارهم عن إدراك الصنائع البشرية فيبادرون ~~للغيران والكهوف المعدة من غير علاج ثم المعتدلون المتخذون للمأوى قد ~~يتكاثرون في البسيط الواحد بحيث يتناكرون ولا يتعارفون فيخشون طرق بعضهم ~~بعضا فيحتاجون إلى حفظ مجتمعهم بإدارة ماء أو أسوار تحوطهم ويصير جميعا ~~مدينة واحدة ومصرا واحدا ويحوطهم الحكم من داخل يدفع بعضهم عن بعض وقد ~~يحتاجون إلى الانتصاف ويتخذون المعاقل والحصون لهم ولمن تحت أيديهم مثل ~~الملوك ومن في معناهم من الأمراء وكبار القبائل في المدن كل مدينة على ما ~~يتعارفون ويصطلحون عليه ويناسب مزاج هوائهم واختلاف أحوالهم في الغنى ~~والفقر وكذا حال أهل المدينة الواحدة فمنهم من يتخذ القصور والمصانع ~~العظيمة الساحة المشتملة على عدة الدور والبيوت والغرف الكبيرة لكثرة ولده ~~وحشمه وعياله وتابعه ويؤسس جدرانها بالحجارة ويلحم بينها بالكلس ويعالي ~~عليها بالأصبغة والجص ويبالغ في ذلك بالتنجيد والتنميق إظهارا للبسطة ~~بالعناية في شأن المأوى ويهيىء مع ذلك الأسراب والمطامير للاختزان لأقواته ~~والإسطبلات لربط مقرباتها إذا كان من أهل الجنود وكثرة التابع والحاشية ~~كالأمراء ومن في معناهم ومنهم من يبني الدويرة والبيوت لنفسه وسكنه وولده ~~لا ينبغي ما وراء ذلك لقصور حاله عنه واقتصاره على الكن الطبيعي للبشر وبين ~~ذلك مراتب غير منحصرة وقد يحتاج لهذه الصناعة أيضا عند تأسيس الملوك وأهل ~~الدول المدن العظيمة والهياكل المرتفعة ويبالغون في إتقان الأوضاع وعلو ~~الأجرام مع الإحكام لتبلغ الصناعة مبالغها وهذه الصناعة هي التي تحصل ~~الدواعي لذلك وأكثر ما تكون هذه الصناعة في الأقاليم المعتدلة من الرابع ~~وما ms431 حواليه إذ الأقاليم المنحرفة لا بناء فيها وإنما يتخذون البيوت حظائر ~~من القصب والطين وإنما يوجد في الأقاليم المعتدلة له وأهل هذه الصناعة ~~القائمون عليها متفاوتون فمنهم البصير الماهر ومنهم القاصر ثم هي تتنوع ~~أنواعا كثير فمنها البناء بالحجارة المنجدة يقام بها الجدران ملصقا بعضها ~~إلى بعض بالطين والكلس الذي يعقد معها ويلتحم كأنها جسم واحد ومنها البناء ~~بالتراب خاصة يتخذ لها لوحان من الخشب مقدران طولا وعرضا باختلاف العادات ~~في التقدير وأوسطه أربع أذرع في ذراعين فينصبان على أساس وقد بوعد ~~PageV01P407 ما بينهما بما يراه صاحب البناء في عرض الأساس ويوصل بينهما ~~بأذرع من الخشب يربط عليها بالحبال والجدر ويسد الجهتان الباقيتان من ذلك ~~الخلاء بينهما بلوحين آخرين صغيرين ثم يوضع فيه التراب مخلطا بالكلس ويركز ~~بالمراكز المعدة حتى ينعم ركزه ويختلط أجزاؤه ثم يزاد التراب ثانيا وثالثا ~~إلى أن يمتليء ذلك الخلاء بين اللوحين وقد تداخلت أجزاء على صورة ويركز ~~كذلك إلى أن يتم وينظم الألواح كلها سطرا من فوق سطر إلى أن ينتظم الحائط ~~كله ملتحما كأنه قطعة واحدة ويسمى الطابية وصانعه الطواب ومن صنائع البناء ~~أيضا أن تجلل الحيطان بالكلس بعد أن يحل بالماء ويخمر أسبوعا أو أسبوعين ~~على قدر ما يعتدل مزاجه عن إفراط النارية المفسدة للإلحام فإذا تم له ما ~~يرضاه من ذلك علاه من فوق الحائط وذلك إلى أن يلتحم ومن صنائع البناء عمل ~~السقف بأن يمد الخشب المحكمة النجارة أو الساذجة على حائطي البيت ومن فوقها ~~الألواح كذلك موصولة بالدسائر ويصب عليها التراب والكلس ويبسط بالمراكز حتى ~~تتداخل أجزاؤها وتلتحم ويعالى عليها الكلس كما يعالى على الحائط ومن صناعة ~~البناء ما يرجع إلى التنميق والتزيين كما يصنع من فوق الحيطان الأشكال ~~المجسمة من الجص يخمر بالماء ثم يرجع جسدا وفيه بقية البلل فيشكل على ~~التناسب تخريما بمثاقب الحديد إلى أن يبقى له رونق ورؤاء وربما عولي على ~~الحيطان أيضا بقطع الرخام والآجر والخزف أو بالصدف أو السبج يفصل أجزاء ~~متجانسة أو مختلفة ms432 وتوضع في الكلس على نسب وأوضاع مقدرة عندهم يبدو به ~~الحائط للعيان كأنه قطع الرياض المنمنمة إلى غير ذلك من بناء الجباب ~~والصهاريج لسفح الماء بعد أن تعد في البيوت قصاع الرخام القوراء المحكمة ~~الخرط بالفوهات في وسطها لنبع الماء الجاري إلى الصهريج يجلب إليه من خارج ~~القنوات المفضية إلى البيوت وأمثال ذلك من أنواع البناء وتختلف الصناع في ~~جميع ذلك باختلاف الحذق والبصر ويعظم عمران المدينة ويتسع فيكثرون وربما ~~يرجع الحكام إلى نظر هؤلاء فيما هم أبصر به من أحوال البناء وذلك أن الناس ~~في المدن لكثرة الازدحام والعمران يتشاحون حتى في الفضاء والهواء الأعلى ~~PageV01P408 والأسفل ومن الانتفاع بظاهر البناء مما يتوقع معه حصول الضرر ~~في الحيطان فيمنع جاره من ذلك إلا ما كان له فيه حق ويختلفون أيضا في ~~استحقاق الطرق والمنافذ للمياه الجارية والفضلات المسربة في القنوات وربما ~~يدعي بعضهم حق بعض في حائطه أو علوه أو قناته لتضايق الجوار أو يدعي بعضهم ~~على جاره اختلال حائطه خشية سقوطه ويحتاج إلى الحكم عليه بهدمه ودفع ضرره ~~عن جاره عند من يراه أو يحتاج إلى قسمة دار أو عرصة بين شريكين بحيث لا يقع ~~معها فساد في الدار ولا إهمال لمنفعتها وأمثال ذلك ويخفى جميع ذلك إلا على ~~أهل البصر العارفين بالبناء وأحواله المستدلين عليها بالمعاقد والقمط ~~ومراكز الخشب وميل الحيطان واعتدالها وقسم المساكن على نسبة أوضاعها ~~ومنافعها وتسريب المياه في القنوات مجلوبة ومرفوعة بحيث لا تضر بما مرت ~~عليه من البيوت والحيطان وغير ذلك فلهم بهذا كله البصر والخمرة التي ليست ~~لغيرهم وهم مع ذلك يختلفون بالجودة والقصور في الأجيال باعتبار الدول ~~وقوتها فإنا قدمنا أن الصنائع وكمالها إنما هو بكمال الحضارة وكثرتها بكثرة ~~الطالب لها فلذلك عندما تكون الدولة بدوية في أول أمرها تفتقر في أمر ~~البناء إلى غير قطرها كما وقع للوليد ابن عبد الملك حيث أجمع على بناء مسجد ~~المدينة والقدس ومسجده بالشام فبعث إلى ملك الروم بالقسطنطينية في الفعلة ~~المهرة في البناء فبعث ms433 اليه منهم من حصل له غرضه من تلك المساجد وقد يعرف ~~صاحب هذه الصناعة أشياء من الهندسة مثل تسوية الحيطان بالوزن وإجراء المياه ~~بأخذ الارتفاع وأمثال ذلك فيحتاج إلى البصر بشيء من مسائله وكذلك في جر ~~الأثقال بالهندام فإن الأجرام العظيمة إذا شيدت بالحجارة الكبيرة يعجز قدر ~~الفعلة عن رفعها إلى مكانها من الحائط فيتحيل لذلك بمضاعفة قوة الحبل ~~بإدخاله في المعالق من أثقاب مقدرة على نسب هندسية تصير الثقيل عند معاناة ~~الرفع خفيفا فيتم المراد من ذلك غير واضفة وهذا إنما يتم بأصول هندسية ~~معروفة متداولة بين البشر وبمثلها كان بناء الهياكل الماثلة لهذا العهد ~~التي يحسب أنها من بناء الجاهلية وأن أبدانهم كانت على نسبتها في العظم ~~الجسماني وليس كذلك وإنما تم لهم ذلك بالحيل الهندسية كما ذكرناه فتفهم ذلك ~~والله يخلق ما يشاء سبحانه PageV01P409 # | الفصل السادس والعشرون # في صناعة النجارة # هذه الصناعة من ضروريات العمران ومادتها الخشب وذلك أن الله سبحانه ~~وتعالى جعل للآدمي في كل مكون من المكونات منافع تكمل بها ضروراته أو ~~حاجاته وكان منها الشجر فإن له فيه من المنافع ما لا ينحصر مما هو معروف ~~لكل أحد ومن منافعها اتخاذها خشبا إذا يبست وأول منافعه أن يكون وقودا ~~للنيران في معاشهم وعصيا للاتكاء والذود وغيرهما من ضرورياتهم ودعائم لما ~~يخشى ميله من أثقالهم ثم بعد ذلك منافع أخرى لأهل البدو والحضر فأما أهل ~~البدو فيتخذون منها العمد والأوتاد لخيامهم والحدوج لظعائنهم والرماح ~~والقسي والسهام لسلاحهم وأما أهل الحضر فالسقف لبيوتهم والأغلاق لأبوابهم ~~والكراسي لجلوسهم وكل واحدة من هذه فالخشبة مادة لها ولا تصير إلى الصورة ~~الخاصة بها إلا بالصناعة والصناعة المتكفلة بذلك المحصلة لكل واحد من صورها ~~هي النجارة على اختلاف رتبها فيحتاج صاحبها إلى تفصيل الخشب أولا إما بخشب ~~أصغر منه أو ألواح ثم تركب تلك الفصائل بحسب الصور المطلوبة وهو في كل ذلك ~~يحاول بصنعته إعداد تلك الفصائل بالانتظام إلى أن تصير أعضاء لذلك الشكل ~~المخصوص والقائم على هذه الصناعة هو ms434 النجار وهو ضروري في العمران ثم إذا ~~عظمت الحضارة وجاء الترف وتأنق الناس فيما يتخدونه من كل صنف من سقف أو باب ~~أو كرسي أو ماعون حدث التأنق في صناعة ذلك واستجادته بغرائب من الصناعة ~~كمالية ليس من الضروري في شيء مثل التخطيط في الأبواب والكراسي ومثل تهيئة ~~القطع من الخشب بصناعة الخرط يحكم بريها وتشكيلها ثم تؤلف على نسب مقدرة ~~وتلحم بالدسائر فتبدو لرأي العين ملتحمة وقد أخذ منها اختلاف الأشكال على ~~تناسب يصنع هذا في كل شيء يتخذ من الخشب فيجىء آنق ما يكون وكذلك في جميع ~~ما يحتاج إليه من الآلات المتخذة من الخشب من أي نوع كان وكذلك قد يحتاج ~~إلى هذه الصناعة في إنشاء المراكب البحرية ذات الألواح والدسر وهي أجرام ~~هندسية صنعت على قالب الحوت واعتبار سبحه في الماء بقوادمه وكلكله ليكون ~~ذلك الشكل أعون PageV01P410 لها في مصادمة الماء وجعل لها عرض الحركة ~~الحيوانية التي للسمك تحريك الرياح وربما أعينت بحركة المقاذيف كما في ~~الأساطيل وهذه الصناعة من أصلها محتاجة إلى أصل كبير من الهندسة في جميع ~~أصنافها لأن إخراج الصور من القوة إلى الفعل على وجه الإحكام محتاج إلى ~~معرفة التناسب في المقادير إما عموما أو خصوصا وتناسب المقادير لا بد فيه ~~من الرجوع إلى المهندس ولهذا كانت أئمة الهندسة اليونانيون كلهم أئمة في ~~هذه الصناعة فكان أوقليدوس صاحب كتاب الأصول في الهندسة نجارا وبها كان ~~يعرف وكذلك أبلونيوس صاحب كتاب المخروطات وميلاوش وغيرهم وفيما يقال أن ~~معلم هذه الصناعة في الخليقة هو نوح عليه السلام وبها أنشأ سفينة النجاة ~~التي كانت بها معجزته عند الطوفان وهذا الخبر وإن كان ممكنا أعني كونه ~~نجارا إلا أن كونه أول من علمها أو تعلمها لا يقوم دليل من النقل عليه لبعد ~~الآماد وإنما معناه والله أعلم الإشارة إلى قدم النجارة لأنه لم يصح حكاية ~~عنها قبل خبر نوح عليه السلام فجعل كأنه أول من تعلمها فتفهم أسرار الصنائع ~~في الخليقة والله سبحانه وتعالى أعلم وبه ms435 التوفيق # | الفصل السابع والعشرون # في صناعة الحياكة والخياطة # | هاتان الصناعتان ضروريتان في العمران لما يحتاج إليه البشر من الرفه ~~فالأولى لنسج الغزل من الصوف والكتان والقطن إسداء في الطول وإلحاما في ~~العرض لذلك النسج بالالتحام الشديد فيتم منها قطع مقدرة فمنها الأكسية من ~~الصوف للاشتمال ومنها الثياب من القطن والكتان للباس والصناعة الثانية ~~لتقدير المنسوجات على اختلاف الأشكال والعوائد تفصل بالمقراض قطعا مناسبة ~~للأعضاء البدنية ثم تلحم تلك القطع بالخياطة المحكمة وصلا أو تنبيتا أو ~~تفسحا على حسب نوع الصناعة وهذه الصناعة مختصة بالعمران الحضري لما أن أهل ~~البدو يستغنون عنها وإنما يشتملون الأثواب اشتمالا وإنما تفصيل الثياب ~~وتقديرها وإلحامها بالخياطة للباس من مذاهب الحضارة وفنونها وتفهم هذه في ~~سر تحريم المخيط في الحج لما أن مشروعية الحج مشتملة على نبذ العلائق ~~الدنيوية كلها والرجوع إلى الله تعالى PageV01P411 كما خلقنا أول مرة حتى ~~لا يعلق العبد قلبه بشيء من عوائد ترفه لا طيبا ولا نساء ولا مخيطا ولا خفا ~~ولا يتعرض لصيد ولا لشيء من عوائده التي تلونت بها نفسه وخلقه مع أنه ~~يفقدها بالموت ضرورة وإنما يجىء كأنه وارد إلى المحشر ضارعا بقلبه مخلصا ~~لربه وكان جزاؤه إن تم له إخلاصه في ذلك أن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ~~سبحانك ما أرفقك بعبادك وأرحمك بهم في طلب هدايتهم إليك وهاتان الصنعتان ~~قديمتان في الخليقة لما أن الدفء ضروري للبشر في العمران المعتدل وأما ~~المنحرف إلى الحر فلا يحتاج أهله إلى دفء ولهذا يبلغنا عن أهل الإقليم ~~الأول من السودان أنهم عراة في الغالب ولقدم هذه الصنائع ينسبها العامة إلى ~~أدريس عليه السلام وهو أقدم الأنبياء وربما ينسبونها إلى هرمس وقد يقال إن ~~هرمس هو أدريس والله سبحانه وتعالى هو الخلاق العليم # الفصل الثامن والعشرون $ في صناعة التوليد # وهي صناعة يعرف بها العمل في استخراج المولود الآدمي من بطن أمه من الرفق ~~في إخراجه من رحمها وتهيئة أسباب ذلك ثم ما يصلحه بعد الخروج على ما نذكر ~~وهي مختصة ms436 بالنساء في غالب الأمر لما أنهن الظاهرات بعضهن على عورات بعض ~~وتسمى القائمة على ذلك منهن القابلة استعير فيها معنى الإعطاء والقبول كأن ~~النفساء تعطيها الجنين وكأنها تقبله وذلك أن الجنين إذا استكمل خلقه في ~~الرحم وأطواره وبلغ إلى غايته والمدة التي قدرها الله لمكثه هي تسعة أشهر ~~في الغالب فيطلب الخروج بما جعل الله في المولود من النزوع لذلك ويضيق عليه ~~المنفذ فيعسر وربما مزق بعض جوانب الفرج بالضغط وربما انقطع بعض ما كان من ~~الأغشية من الالتصاق والالتحام بالرحم وهذه كلها آلام يشتد بها الوجع وهو ~~معنى الطلق فتكون القابلة معينة في ذلك بعض الشيء بغمز الظهر والوركين وما ~~يحاذي الرحم من الأسافل تساوق بذلك فعل الدافعة في إخراج الجنين وتسهيل ما ~~يصعب منه بما يمكنها وعلى ما تهتدي إلى معرفة عسرة ثم إن أخرج الجنين بقيت ~~بينه وبين الرحم الوصلة حيث كان يتغذى منها متصلة من سرته بمعاه وتلك ~~PageV01P412 الوصلة عضو فضلي لتغذية المولود خاصة فتقطعها القابلة من حيث ~~لا تتعدى مكان الفضلة ولا تضر بمعاه ولا برحم أمه ثم تدمل مكان الجراحة منه ~~بالكي أو بما تراه من وجوه الاندمال ثم إن الجنين عند خروجه من ذلك المنفذ ~~الضيق وهو رطب العظام سهل الانعطاف والانثناء فربما تتغير أشكال أعضائه ~~وأوضاعها لقرب التكوين ورطوبة المواد فتتناوله القابلة بالغمز والإصلاح حتى ~~يرجع كل عضو إلى شكله الطبيعي ووضعه المقدر له ويرتد خلقه سويا ثم بعد ذلك ~~تراجع النفساء وتحاذيها بالغمز والملاينة لخروج أغشية الجنين لأنها ربما ~~تتأخر عن خروجه قليلا ويخشى عند ذلك أن تراجع الماسكة حالها الطبيعية قبل ~~استكمال خروج الأغشية وهي فضلات فتعفن ويسري عفنها إلى الرحم فيقع الهلاك ~~فتحاذر القابلة هذا وتحاول في إعانة الدفع إلى أن تخرج تلك الأغشية التي ~~كانت قد تأخرت ثم ترجع إلى المولود فتمرخ أعضاءه بالأدهان والذرورات ~~القابضة لتشده وتجفف رطوبات الرحم وتحنكه لرفع لهاته وتسعطه لاستفراغ نطوف ~~دماغه وتغرغره باللعوق لدفع السدد من معاه وتجويفها عن الالتصاق ثم تداوي ms437 ~~النفساء بعد ذلك من الوهن الذي أصابها بالطلق وما لحق رحمها من ألم ~~الانفصال إذ المولود إن لم يكن عضوا طبيعيا فحالة التكوين في الرحم صيرته ~~بالالتحام كالعضو المتصل فلذلك كان في انفصاله ألم يقرب من ألم القطع ~~وتداوي مع ذلك ما يلحق الفرج من ألم من جراحة التمزيق عند الضغط في الخروج ~~وهذه كلها أدواء نجد هؤلاءالقوابل أبصر بدوائها وكذلك ما يعرض للمولود مدة ~~الرضاع من أدواء في بدنه إلى حين الفصال نجدهن أبصر بها من الطبيب الماهر ~~وما ذاك إلا لأن بدن الإنسان في تلك الحالة إنما هو بدن إنساني بالقوة فقط ~~فإذا جاوز الفصال صار بدنا إنسانيا بالفعل فكانت حاجته حينئذ إلى الطبيب ~~أشد فهذه الضناعة كما تراه ضرورية في العمران للنوع الإنساني لا يتم كون ~~أشخاصه في الغالب دونها وقد يعرض لبعض أشخاص النوع الاستغناء عن هذه ~~الصناعة إما بخلق الله ذلك لهم معجزة وخرقا للعادة كما في حق الأنبياء ~~صلوات الله وسلامه عليهم أو بإلهام وهداية يلهم لها المولود ويفطر عليها ~~فيتم وجودهم من دون هذه الصناعة فأما شأن المعجزة من ذلك فقد وقع كثيرا ~~ومنه ما روي أن PageV01P413 النبي صلى الله عليه وسلم ولد مسرورا مختونا ~~واضعا يديه على الأرض شاخصا ببصره إلى السماء وكذلك شأن عيسى في المهد وغير ~~ذلك وأما شأن الإلهام فلا ينكر وإذا كانت الحيوانات العجم تختص بغرائب ~~الإلهامات كالنحل وغيرها فما ظنك بالإنسان المفضل عليها وخصوصا بمن اختص ~~بكرامة الله ثم الإلهام العام للمولودين في الإقبال على الثدي أوضح شاهد ~~على وجود الإلهام العام لهم فشأن العناية الإلهية أعظم من أن يحاط به ومن ~~هنا يفهم بطلان رأي الفارابي وحكماء الأندلس فيما احتجوا به لعدم انقراض ~~الأنواع واستحالة انقطاع المكونات وخصوصا في النوع الإنساني وقالوا لو ~~انقطعت أشخاصه لاستحال وجودها بعد ذلك لتوقفه على هذه الصناعة التي لا يتم ~~كون الإنسان إلا بها إذ لو قدرنا مولودا دون هذه الصناعة وكفالتها إلى حين ~~الفصال لم يتم بقاؤه أصلا ووجود ms438 الصنائع دون الفكر ممتنع لأنها ثمرته ~~وتابعه له وتكلف ابن سيناء في الرد على هذا الرأي لمخالفته إياه وذهابه إلى ~~إمكان انقطاع الأنواع وخراب عالم التكوين ثم عوده ثانيا لاقتضاءات فلكية ~~وأوضاع غريبة تندر في الأحقاب بزعمه فتقتضي تخمير طينة مناسبة لمزاجه ~~بحرارة مناسبة فيتم كونه إنسانا ثم يقيض له حيوان يخلق فيه إلهاما لتربيته ~~والحنو عليه إلى أن يتم وجوده وفصاله وأطنب في بيان ذلك في الرسالة التي ~~سماها رسالة حي بن يقظان وهذا الاستدلال غير صحيح وإن كنا نوافقه على ~~انقطاع الأنواع لكن من غير ما استدل به فإن دليله مبني على إسناد الأفعال ~~إلى العلة الموجبة ودليل القول بالفاعل المختار يرد عليه ولا واسطة على ~~القول بالفاعل المختار بين الأفعال والقدرة القديمة ولا حاجة إلى هذا الكلف ~~ثم لو سلمناه جدلا فناية ما ينبني عليه اطراد وجود هذا الشخص بخلق الإلهام ~~لتربيته في الحيوان الأعجم غير واضحة الضرورة الداعية لذلك وإذا كان ~~الإلهام يخلق في الحيوان الأعجم فما المانع من خلقه للمولود نفسه كما ~~قررناه أولا وخلق الإلهام في شخص لمصالح نفسه أقرب من خلقه فيه لمصالح غيره ~~فكلا المذهبين شاهدان على أنفسهما بالبطلان في مناحيهما لما قررته لك والله ~~تعالى أعلم PageV01P414 # | الفصل التاسع والعشرون # في صناعة الطب وانها محتاج اليها في الحواضر والامصار دون البادية # هذه الصناعة ضرورية في المدن والأمصار لما عرف من فائدتها فإن ثمرتها حفظ ~~الصحة للأصحاء ودفع المرض عن المرضى بالمداواة حتى يحصل لهم البرء من ~~أمراضهم واعلم أن أصل الأمراض كلها إنما هو من الأغذية كما قال صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الجامع للطب وهو قوله المعدة بيت الداء والحمية رأس ~~الدواء وأصل كل داء البردة فأما قوله المعدة بيت رأس الدواء فالحمية الجوع ~~وهو الاحتماء من الطعام والمعنى أن الجوع هو الدواء العظيم الذي هو أصل ~~الأدوية وأما قوله أصل كل داء البردة فمعنى البردة إدخال الطعام على الطعام ~~في المعدة قبل أن يتم هضم الأول وسرح هذا أن ms439 الله سبحانه خلق الإنسان وحفظ ~~حياته بالغذاء يستعمله بالأكل وينفذ فيه القوى الهاضمة والغاذية إلى أن ~~يصير دما ملائما لأجزاء البدن من اللحم والعظم ثم تأخذه النامية فينقلب ~~لحما وعظما ومعنى الهضم طبخ الغذاء بالحرارة الغريزية طورا بعد طور حتى ~~يصير جزءا بالفعل من البدن وتفسيره أن الغذاء إذا حصل في الفم ولاكته ~~الأشداق أثرت فيه حرارة الفم طبخا يسيرا وقلبت مزاجه بعض الشيء كما تراه في ~~اللقمة إذا تناولتها طعاما ثم أجدتها مضغا وترى مزاجها غير مزاج الطعام ثم ~~يحصل في المعدة فتطبخه حرارة المعدة إلى أن يصير كيموسا وهو صفو ذلك ~~المطبوخ وترسله إلى الكبد وترسل ما رسب منه في المعى ثفلا ينفذ إلى ~~المخرجين ثم تطبخ حرارة الكبد ذلك الكيموس إلى أن يصير عبيطا وتطفو عليه ~~رغوة من الطبخ هي الصفراء وترسب منه أجزاء يابسة هي السوداء ويقصر الحار ~~الغريزي بعض الشيء عن طبخ الغليظ منه فهو البلغم ثم ترسلها إلى الكبد كلها ~~في العروق والجداول ويأخذها طبخ الحال الغريزي هناك فيكون عن الدم الخالص ~~بخار حار رطب يمد الروح الحيواني وتأخذ النامية مأخذها في الدم فيكون لحما ~~ثم غليظه عظاما ثم يرسل البدن ما يفضل عن حاجاته من ذلك فضلات مختلفة من ~~العرق واللعاب والمخاط والدمع وهذه صورة الغذاء وخروجه من القوة إلى الفعل ~~لحما ثم إن أصل الأمراض ومعظمها هي PageV01P415 الحميات وسببها أن الحار ~~الغريزي قد يضعف عن تمام النضج في طبخه في كل طور من هذه فيبقى ذلك الغذاء ~~دون نضج وسببه غالبا كثرة الغذاء في المعدة حتى يكون أغلب على الحار ~~الغريزي أو إدخال الطعام إلى المعدة قبل أن تستوفي طبخ الأول فيستقل به ~~الحار الغريزي ويترك الأول بحالة أو يتوزع عليهما فيقصر عن تمام الطبخ ~~والنضج وترسله المعدة كذلك إلى الكبد فلا تقوى حرارة الكبد أيضا على إنضاجه ~~وربما بقي في الكبد من الغذاء الأول فضلة غير ناضجة وترسل الكبد جميع ذلك ~~إلى العروق غير ناضج كما هو فإذا أخذ البدن حاجته ms440 الملائمة أرسله مع ~~الفضلات الأخرى من العرق والدمع واللعاب إن اقتدر على ذلك وربما يعجز عن ~~الكثير منه فيبقى في العروق والكبد والمعدة وتتزايد مع الأيام وكل ذي رطوبة ~~من الممتزجات إذا لم يأخذه الطبخ والنضج يعفن فيتعفن ذلك الغذاء غير الناضج ~~وهو المسمى بالخلط وكل متعفن ففيه حرارة غريبة وتلك هي المسماة في بدن ~~الإنسان بالحمى واختبر ذلك بالطعام إذا ترك حتى يتعفن وفي الزبل إذا تعفن ~~أيضا كيف تنبعث فيه الحرارة وتأخذ مأخذها فهذا معنى الحميات في الأبدان وهي ~~رأس الأمراض وأصله كما وقع في الحديث وهذه الحميات علاجها بقطع الغذاء عن ~~المريض أسابيع معلومة ثم يتناول الأغذية الملائمة حتى يتم برؤه وذلك في حال ~~الصحة علاج في التحفظ من هذا المرض وأصله كما وقع في الحديث وقد يكون ذلك ~~العفن في عضو مخصوص فيتولد عنه مرض في ذلك العضو ويحدث جراحات في البدن إما ~~في الأعضاء الرئيسية أو في غيرها وقد يمرض العضو ويحدث عنه مرض القوى ~~الموجودة له هذه كلها جماع الأمراض وأصلها في الغالب من الأعذية وهذا كله ~~مرفوع إلى الطبيب ووقوع هذه الأمراض في أهل الحضر والأمصار أكثر لغصب عيشهم ~~وكثرة مأكلهم وقلة اقتصارهم على نوع واحد من الأغذية وعدم توقيتهم لتناولها ~~وكثيرا ما يخلطون بالأغذية من التوابل والبقول والفواكه رطبا ويابسا في ~~سبيل العلاج بالطبخ ولا يقتصرون في ذلك على نوع أو أنواع فربما عددنا في ~~اليوم الواحد من ألوان الطبخ أربعين نوعا من النبات والحيوان فيصير للغذاء ~~مزاج غريب وربما يكون غريبا عن ملاءمة البدن وأجزائه ثم إن الأهوية في ~~الأمصار PageV01P416 تفسد بمخالطة الأبخرة العفنة من كثرة الفضلات والأهوية ~~منشطة للأرواح ومقوية بنشاطها الأثر الحار الغريزي في الهضم ثم الرياضة ~~مفقودة لأهل الأمصار إذ هم في الغالب وادعون ساكنون لا تأخذ منهم الرياضة ~~شيئا ولا تؤثر فيها أثرا فكان وقوع الأمراض كثيرة في المدن والامصار وعلى ~~قدر وقوعه كانت حاجتهم إلى هذه الصناعة وأما أهل البدو فمأكولهم قليل في ~~الغالب والجوع أغلب ms441 عليهم لقلة الحبوب حتى صار لهم ذلك عادة وربما يظن أنها ~~جبلة لاستمرارها ثم الأدم قليلة لديهم أو مفقودة بالجملة وعلاج الطبخ ~~بالتوابل والفواكه إنما يدعو إلى ترف الحضارة الذين هم بمعزل عنه فيتناولون ~~أغذيتهم بسيطة بعيدة عما يخالطها ويقرب مزاجها من ملاءمة البدن وأما ~~أهويتهم فقليلة العفن لقلة الرطوبات والعفونات إن كانوا ظواعن ثم إن ~~الرياضة موجودة فيهم لكثرة الحركة في ركض الخيل أو الصيد أو طلب الحاجات ~~لمهنة أنفسهم في حاجاتهم فيحسن بذلك كله الهضم ويجود ويفقد إدخال الطعام ~~على الطعام فتكون أمزجتهم أصلح وأبعد من الأمراض فتقل حاجتهم إلى الطب ~~ولهذا لا يوجد الطبيب في البادية بوجه وما ذاك إلا للاستغناء عنه إذ لو ~~احتيج إليه لوجد لأنه يكون له بذلك في البدو معاش يدعوه إلى سكناه سنة الله ~~في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا # | الفصل الثلاثون # في ان الخط والكتابة من عداد الصنائع الانسانية # وهو رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس ~~فهو ثاني رتبة من الدلالة اللغوية وهو صناعة شريفة إذ الكتابة من خواص ~~الإنسان التي يميز بها عن الحيوان وأيضا فهي تطلع على ما في الضمائر وتتأدى ~~بها الأغراض إلى البلاد البعيدة فتقضي الحاجات وقد دفعت مؤنة المباشرة لها ~~ويطلع بها على العلوم والمعارف وصحف الأولين وما كتبوه من عولمهم وأخبارهم ~~فهي شريفة بهذه الوجوه والمنافع وخروجها في الإنسان من القوة إلى الفعل ~~إنما يكون بالتعليم وعلى قدر الاجتماع والعمران والتناغي في الكمالات ~~والطلب لذلك تكون جودة الخط في المدينة إذ هو من جملة الصنائع وقد قدمنا أن ~~هذا شأنها وأنها تابعة للعمران ولهذا PageV01P417 نجد أكثر البدو أميين لا ~~يكتبون ولا يقرأون ومن قرأ منهم أو كتب فيكون خطه قاصرا أو قراءته غير ~~نافذة ونجد تعليم الخط في الأمصار الخارج عمرانها عن الحد أبلغ وأحسن وأسهل ~~طريقا لاستحكام الصنعة فيها كما يحكى لنا عن مصر لهذا العهد وأن بها معلمين ~~منتصبين لتعليم الخط يلقون على المتعلم قوانين وأحكاما ms442 في وضع كل حرف ~~ويزيدون إلى ذلك المباشرة بتعليم وضعه فتعتضد لديه رتبة العلم والحس في ~~التعليم وتأتي ملكته على أتم الوجوه وإنما أتى هذا من كمال الصنائع ووفورها ~~بكثرة العمران وانفساح الأعمال وقد كان الخط العربي بالغا مبالغة من ~~الإحكام والإتقان والجودة في دولة التبابعة لما بلغت من الحضارة والترف وهو ~~المسمى بالخط الحميري وانتقل منها إلى الحيرة لما كان بها من دولة آل ~~المنذر نسباء التبابعة في العصبية والمجددين لملك العرب بأرض العراق ولم ~~يكن الخط عندهم من الإجادة كما كان عند التبابعة لقصور ما بين الدولتين ~~وكانت الحضارة وتوابعها من الصنائع وغيرها قاصرة عن ذلك ومن الحيرة لقنه ~~أهل الطائف وقريش فيما ذكر ويقال أن الذي تعلم الكتابة من الحيرة هو سفيان ~~بن أمية ويقال حرب بن أمية وأخذها من أسلم بن سدرة وهو قول ممكن وأقرب ممن ~~ذهب إلى أنهم تعلموها من إياد أهل العراق لقول شاعرهم % قوم لهم ساحة ~~العراق إذا % ساروا جميعا والخط والقلم % # | وهو قول بعيد لأن إياد وإن نزلوا ساحة العراق فلم يزالوا على شأنهم من ~~البداوة والخط من الصنائع الحضرية وإنما معنى قول الشاعر أنهم أقرب إلى ~~الخط والقلم من العرب لقربهم من ساحة الأمصار وضواحيها فالقول بأن أهل ~~الحجاز إنما لقنوها من الحيرة ولقنها الحيرة من التبابعة وحمير هو الأليق ~~من الأقوال وكان لحمير كتابة تسمى المسند حروفها منفصلة وكانوا يمنعون من ~~تعلمها إلا بإذنهم ومن حمير تعلمت مصر الكتابة العربية إلا أنهم لم يكونوا ~~مجيدين لها شأن الصنائع إذا وقعت بالبدو فلا تكون محكمة المذاهب ولا مائلة ~~إلى الإتقان والتنميق لبون ما بين البدو والصناعة واستغناء البدو عنها في ~~الأكثر وكانت كتابة العرب بدوية مثل كتابتهم أو قريبا من كتابتهم لهذا ~~العهد أو نقول إن كتابتهم لهذا العهد أحسن صناعة لأن هؤلاء PageV01P418 ~~أقرب إلى الحضارة ومخالطة الأمصار والدول وأما مضر فكانوا أعرق في البدو ~~وأبعد عن الحضر من أهل اليمن وأهل العراق وأهل الشام ومصر فكان الخط العربي ~~لأول ms443 الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة ولا إلى ~~التوسط لمكان العرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع وانظر ما وقع ~~لأجل ذلك في رسمهم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم وكانت غير مستحكمة في ~~الإجادة فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها ثم ~~اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبركا بما رسمه أصحاب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وخير الخلق من بعده المتلقون لوحيه من كتاب الله وكلامه كما ~~يقتفى لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا ويتبع رسمه خطأ أو صوابا وأين نسبة ~~ذلك من الصحابة فيما كتبوه فاتبع ذلك وأثبت رسما ونبه العلماء بالرسم على ~~مواضعه ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين ~~صناعة الخط وأن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل بل ~~لكلها وجه يقولون في مثل زيادة الألف في لااذبحنه إنه تنبيه على أن الذبح ~~لم يقع وفي زيادة الياء في باييد إنه تنبيه على كمال القدرة الربانية ~~وأمثال ذلك مما لا أصل له إلا التحكم المحض وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم ~~أن في ذلك تنزيها للصحابة عن توهم النقص في قلة إجادة الخط وحسبوا أن الخط ~~كمال فنزهوهم عن نقصه ونسبوا إليهم الكمال بإجادته وطلبوا تعليل ما خالف ~~الإجادة من رسمه وذلك ليس بصحيح واعلم أن الخط ليس بكمال في حقهم إذ الخط ~~من جملة الصنائع المدنية المعاشية كما رأيته فيما مر والكمال في الصنائع ~~إضافي بكمال مطلق إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ولا في الخلال وإنما ~~يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه لأجل دلالته على ما في ~~النفوس وقد كان صلى الله عليه وسلم أميا وكان ذلك كمالا في حقه وبالنسبة ~~إلى مقامه لشرفه وتنزهه عن الصنائع العملية التي هي أسباب المعاش والعمران ~~كلها وليست الأمية كمالا في حقنا نحن إذ هو منقطع إلى ربه ونحن متعاونون ~~على الحياة الدنيا شأن الصنائع ms444 كلها حتى العلوم الاصطلاحية فإن الكمال في ~~حقه هو تنزهه عنها جملة بخلافنا ثم لما جاء الملك للعرب وفتحوا PageV01P419 ~~الأمصار وملكوا الممالك ونزلوا البصرة والكوفة واحتاجت الدولة إلى الكتابة ~~استعملوا الخط وطلبوا صناعته وتعلمه وتداولوه فترقت الإجادة فيه واستحكم ~~وبلغ في الكوفة والبصرة رتبة من الإتقان إلا أنها كانت دون الغاية والخط ~~الكوفي معروف الرسم لهذا العهد ثم انتشر العرب في الأقطار والممالك ~~وافتتحوا أفريقية والأندلس واختط بنو العباس بغداد وترقت الخطوط فيها إلى ~~الغاية لما استجرت في العمران وكانت دار الإسلام ومركز الدولة العربية وكان ~~الخط البغدادي معروف الرسم وتبعه الأفريقي المعروف رسمه القديم لهذا العهد ~~ويقرب من أوضاع الخط المشرقي وتحيز ملك الأندلس بالأمويين فتميزوا بأحوالهم ~~من الحضارة والصنائع والخطوط فتميز صنف خطهم الأندلسي كما هو معروف الرسم ~~لهذا العهد وطما بحر العمران والحضارة في الدول الإسلامية في كل قطر وعظم ~~الملك ونفقت أسواق العلوم وانتسخت الكتب وأجيد كتبها وتجليدها وملئت بها ~~القصور والخزائن الملوكية بما لا كفاء له وتنافس أهل الأقطار في ذلك ~~وتناغوا فيه ثم لما انحل نظام الدولة الإسلامية وتناقصت تناقص ذلك أجمع ~~ودرست معالم بغداد بدروس الخلافة فانتقل شأنها من الخط والكتابة بل والعلم ~~إلى مصر والقاهرة فلم تزل أسواقه بها نافقة لهذا العهد وله بها معلمون ~~يرسمون لتعليم الحروف بقوانين في وضعها وأشكالها متعارفة بينهم فلا يلبث ~~المتعلم أو يحكم أشكال تلك الحروف على تلك الأوضاع وقد لقنها حسنا وحذق ~~فيها دربة وكثابا وأخذها قوانين علمية فتجيءء أحسن ما يكون وأما أهل ~~الأندلس فافترقوا في الأقطار عند تلاشي ملك العرب بها ومن خلفهم من البربر ~~وتغلبت عليهم أمم النصرانية فانتشروا في عدوة المغرب وأفريقية من لدن ~~الدولة للمتونية إلى هذا العهد وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع ~~وتعلقوا بأذيال الدولة فغلب خطهم على الخط الأفريقي وعفى عليه ونسي خط ~~القيروان والمهدية بنسيان عوائدهما وصنائعهما وصارت خطوط أهل أفريقية كلها ~~على الرسم الأندلسي بتونس وما إليها لتوفر أهل الأندلس بها عند الحالية من ms445 ~~شرق الأندلس وبقي منه رسم ببلاد الجريد الذين لم يخالطوا كتاب الأندلس ولا ~~تمرسوا بجوارهم إنما كانوا يغدون على دار الملك بتونس فصار خط أهل أفريقية ~~من أحسن خطوط PageV01P420 أهل الأندلس حتى إذا تقلص ظل الدولة الموحدية بعض ~~الشيء وتراجع أمر الحضارة والترف بتراجع العمران نقص حينئذ حال الخط وفسدت ~~رسومه وجهل فيه وجه التعليم بفساد الحضارة وتناقص العمران وبقيت فيه آثار ~~الخط الأندلسي تشهد بما كان لهم من ذلك لما قدمناه من أن الصنائع إذا رسخت ~~بالحضارة فيعسر محوها وحصل في دولة بني مرين من بعد ذلك بالمغرب الأقصى لون ~~من الخط الأندلسي لقرب جوارهم وسقوط من خرج منهم إلى فارس قريبا واستعمالهم ~~إياهم سائر الدولة ونسي عهد الخط فيما بعد عن سدة الملك وداره كأنه لم يعرف ~~فصارت الخطوط بأفريقية والمغربيين مائلة إلى الرداءة بعيدة عن الجودة وصارت ~~الكتب إذا انتسخت فلا فائدة تحصل لمتصفحها منها إلا العناء والمشقة لكثرة ~~ما يقع فيها من الفساد والتصحيف وتغيير الأشكال الخطية عن الجودة حتى لا ~~تكاد تقرأ إلا بعد عسر ووقع فيه ما وقع في سائر الصنائع بنقص الحضارة وفساد ~~الدول والله أعلم # الفصل الحادي والثلاثون $ في صناعة الوراقة # كانت العناية قديما بالدواوين العلمية والسجلات في نسخها وتجليدها ~~وتصحيحها بالرواية والضبط وكان سبب ذلك ما وقع من ضخامة الدولة وتوابع ~~الحضارة وقد ذهب ذلك لهذا العهد بذهاب الدولة وتناقص العمران بعد أن كان ~~منه في الملة الإسلامية بحر زاخر بالعراق والأندلس إذ هو كله من توابع ~~العمران واتساع نطاق الدولة ونفاق أسواق ذلك لديهما فكثرت التآليف العلمية ~~والدواوين وحرص الناس على تناقلهما في الآفاق والأعصار فانتسخت وجلدت وجاءت ~~صناعة الوراقين المعانين للانتساخ والتصحيح والتجليد وسائر الأمور الكتبية ~~والدواوين واختصت بالأمصار العظيمة العمران وكانت السجلات أولا لانتساخ ~~العلوم وكتب الرسائل السلطانية والإقطاعات والصكوك في الرقوق المهيأة ~~بالصناعة من الجلد لكثرة الرفه وقلة الرسائل السلطانية والصكوك مع ذلك ~~فاقتصروا على الكتاب في الرق تشريفا للمكتوبات وميلا بها إلى الصحة ~~والإتقان ثم طما ms446 بحر التآليف والتدوين وكثر ترسيل السلطان وصكوكه وضاق الرق ~~عن ذلك فأشار الفضل بن يحيى بصناعة PageV01P421 الكاغد وصنعه وكتب فيه ~~رسائل السلطان وصكوكه واتخذه الناس من بعده صحفا لمكتوباتهم السلطانية ~~والعلمية وبلغت الإجادة في صناعته ما شاءت ثم وقفت عناية أهل العلوم وهمم ~~أهل الدول على ضبط الدواوين العلمية وتصحيحها بالرواية المسندة إلى مؤلفيها ~~وواضعيها لأنه الشأن الأهم من التصحيح والضبط فبذلك تسند الأقوال إلى ~~قائلها والفتيا إلى الحاكم بها المجتهد في طريق استنباطها وما لم يكن تصحيح ~~المتون بإسنادها إلى مدونها فلا يصح إسناد قول لهم ولا فتيا وهكذا كان شأن ~~أهل العلم في العصور والأجيال والآفاق حتى لقد قصرت فائدة الصناعة الحديثية ~~في الرواية على هذه فقط إذ ثمرتها الكبرى من معرفة صحيح الأحاديث وحسنها ~~ومسندها ومرسلها ومقطوعها وموقوفها من موضوعها قد ذهبت وتمخضت زبدة في ذلك ~~الأمهات المتلقاة بالقبول عند الأمة وصار القصد إلى ذلك لغوا من العمل ولم ~~تبق ثمرة الرواية والاشتغال بها ألا في تصحيح تلك الأمهات الحديثية وسواها ~~من كتب الفقه للفتيا وغير ذلك من الدواوين والتآليف العلمية واتصال سندها ~~بمؤلفيها ليصح النقل عنهم والإسناد إليهم وكانت هذه الرسوم بالمشرق ~~والأندلس معبدة الطرق واضحة المسالك ولهذا تجد الدواوين المنتسخة لذلك ~~العهد في أقطارهم على غاية من الإتقان والإحكام والصحة ومنها لهذا العهد ~~بأيدي الناس في العالم أصول عتيقة تشهد ببلوغ الغاية لهم في ذلك وأهل ~~الآفاق يتناقلونها إلى الآن ويشدون عليها يد الضنانة ولقد ذهبت هذه الرسوم ~~لهذا العهد جملة بالمغرب وأهله لانقطاع صناعة الخط والضبط والرواية منه ~~بانتقاص عمرانه وبداوة أهلها وصارت الأمهات والدواوين تنسخ بالخطوط اليدوية ~~تنسخها طلبة البربر صحائف مستعجمة برداءة الخط وكثرة الفساد والتصحيف ~~فتستغلق على متصفحها ولا يحصل منها فائدة إلا في الأقل النادر وأيضا فقد ~~دخل الخلل من ذلك في الفتيا فإن غالب الأقوال المعزوة غير مروية عن أئمة ~~المذهب وإنما تتلقى من تلك الدواوين على ما هي عليه وتبع ذلك أيضا ما يتصدى ~~إليه بعض أئمتهم من ms447 التآليف لقلة بصرهم بصناعته وعدم الصنائع الوافية ~~بمقاصده ولم يبق من هذا الرسم بالأندلس إلا إثارة خفية بالامحاء وهي ~~الاضمحلال فقد كاد العلم ينقطع بالكلية من المغرب والله غالب على أمره ~~ويبلغنا لهذا العهد PageV01P422 أن صناعة الرواية قائمة بالمشرق وتصحيح ~~الدواوين لمن يرومه بذلك سهل على مبتغيه لنفاق أسواق العلوم والصنائع كما ~~نذكره بعد إلا أن الخط الذي بقي من الإجادة في الانتساخ هنالك إنما هو ~~للعجم وفي خطوطهم وأما النسخ بمصر ففسد كما فسد بالمغرب وأسد والله سبحانه ~~وتعالى أعلم وبه التوفيق # | الفصل الثاني والثلاثون # في صناعة الغناء # هذه الصناعة هي تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة ~~معروفة يوقع كل صوت منها توقيعا عند قطعة فيكون نغمة ثم تؤلف تلك النغم ~~بعضها إلى بعض على نسب متعارفة فيلذ سماعها لأجل ذلك التناسب وما يحدث عنه ~~من الكيفية في تلك الأصوات وذلك أنه تبين في علم الموسيقى أن الأصوات ~~تتناسب فيكون صوت نصف صوت وربع آخر وخمس آخر وجزء من أحد عشر من آخر ~~واختلاف هذه النسب عند تأديتها إلى السمع بخروجها من البساطة إلى التركيب ~~وليس كل تركيب منها ملذوذا عند السماع بل للملذوذ تراكيب خاصة وهي التي ~~حصرها أهل علم الموسيقى وتكلموا عليها كما هو مذكور في موضعه وقد يساوق ذلك ~~التلحين في النغمات الغنائية بتقطيع أصوات أخرى من الجمادات إما بالقرع أو ~~بالنفخ في الآلات تتخذ لذلك فترى لها لذة عند السماع فمنها لهذا العهد ~~أصناف منها ما يسمونه الشبابة وهي قصبة جوفاء بأبخاش في جوانبها معدودة ~~ينفخ فيها فتصوت فيخرج الصوت من جوفها على سداده من تلك الأبخاش ويقطع ~~الصوت بوضع الأصابع من اليدين جميعا على تلك الأبخاش وضعا متعارفا حتى تحدث ~~النسب بين الأصوات فيه وتتصل كذلك متناسبة فيلتذ السمع بإدراكها للتناسب ~~الذي ذكرناه ومن جنس هذه الالة المزمار الذي يسمى الزلامي وهو شكل القصبة ~~منحوتة الجانبين من الخشب جوفاء من غير تدوير لأجل ائتلافها من قطعتين ~~منفردتين كذلك بأبخاش معدودة ينفخ فيها ms448 بقصبة صغيرة توصل فينفذ النفخ ~~بواسطتها إليها وتصوت بنغمة حادة يجرى فيها من تقطيع الأصوات من تلك ~~الأبخاش بالأصابع مثل ما يجري في الشبابة ومن أحسن الآ الزمر لهذا العهد ~~البوق وهو بوق من نحاس أجوف في مقدار PageV01P423 الذراع يتسع إلى أن يكون ~~انفراج مخرجه في مقدار دون الكف في شكل بري القلم وينفخ فيه بقصبة صغيرة ~~تؤدي الريح من الفم إليه فيخرج الصوت ثخينا دويا وفيه أبخاش أيضا معدودة ~~وتقطع نغمة منها كذلك بالأصابع على التناسب فيكون ملذوذا ومنها آلات ~~الأوتار وهي جوفاء كلها إما على شكل قطعة من الكرة مثل المربط والرباب أو ~~على شكل مربع كالقانون توضع الأوتار على بسائطها مشدودة في رأسها إلى دسر ~~جائلة لياتي شد الأوتار ورخوها عند الحاجة إليه بإدارتها ثم تقرع الأوتار ~~إما بعود آخر أو بوتر مشدود بين طرفي قوس يمر عليها بعد أن يطلى بالشمع ~~والكندر ويقطع الصوت فيه بتخفيف اليد في إمراره أو نقله من وتر إلى وتر ~~واليد اليسرى مع ذلك في جميع آلات الأوتار توقع بأصابعها على أطراف الأوتار ~~فيما يقرع أو يحك بالوتر فتحدث الأصوات متناسبة ملذوذة وقد يكون القرع في ~~الطسوت بالقضبان أو في الأعواد بعضها ببعض على توقيع مناسب يحدث عنه التذاذ ~~بالمسموع ولنبين لك السبب في اللذة الناشئة عن الغناء وذلك أن اللذة كما ~~تقرر في موضعه هي إدراك الملائم والمحسوس إنما تدرك منه كيفية فإذا كانت ~~مناسبة للمدرك وملائمة كانت ملذوذة وإذا كانت منافية له منافرة كانت مؤلمة ~~فالملائم من الطعوم ما ناسبت كيفيته حاسة الذوق في مزاجها وكذا الملائم من ~~الملموسات وفي الروائح ما ناسب مزاج الروح القلبي البخاري لأنه المدرك ~~وإليه تؤديه الحاسة ولهذا كانت الرياحين والأزهار العطريات أحسن رائحة وأشد ~~ملاءمة أشكاله وتخاطيطه التي له بحسب مادته بحيث لا يخرج عما تقتضيه مادته ~~الخاصة من كمال المناسبة والوضع وذلك هو معنى الجمال والحسن في كل مدرك كان ~~ذلك حينئذ مناسبا للنفس المدركة فتلتذ بإدراك ملائمها ولهذا تجد العاشقين ~~المستهترين ms449 في المحبة يعبرون عن غاية محبتهم وعشقهم بامتزاج أرواحهم بروح ~~المحبوب وفي هذا سر تفهمه إن كنت من أهله وهو اتحاد المبدإ وإن كان ما سواك ~~إذا نظرته وتأملته PageV01P424 رأيت بينك وبينه اتحادا في البداءة ويشهد لك ~~به اتحاد كما في الكون ومعناه من وجه آخر أن الوجود يشرك بين الموجودات كما ~~تقوله الحكماء فتود أن يمتزج بمشاهدات فيه الكمال لتتحد به بل تروم النفس ~~حينئذ الخروج عن الوهم إلى الحقيقة التي هي اتحاد المبدإ والكون ولما كان ~~أنسب الأشياء إلى الإنسان وأقربها إلى أن يدرك الكمال في تناسب موضوعها هو ~~شكله الإنساني كان إدراكه للجمال والحسن في تخاطيطه وأصواته من المدارك ~~التي هي أقرب إلى فطرته فيلهج كل إنسان بالحسن من المرئي أو المسموع بمقتضى ~~الفطرة والحسن في المسموع أن تكون الأصوات متناسبة لا متنافرة وذلك أن ~~الأصوات لها كيفيات من الهمس والجهر والرخاوة والشدة والقلقلة والضغط وغير ~~ذلك والتناسب فيها هو الذي يوجب لها الحسن فأولا أن لا يخرج من الصوت إلى ~~مده دفعة بل يتدرج ثم يرجع كذلك وهكذا إلى المثل بل لا بد من توسط المغاير ~~بين الصوتين وتأمل هذا من افتتاح أهل اللسان التراكيب من الحروف المتنافرة ~~أو المتقاربة المخارج فإنه من بابه وثانيا تناسبها في الأجزاء كما مر أول ~~الباب فيخرج من الصوت إلى نصفه أو ثلثه أو جزء من كذا منه على حسب ما يكون ~~التنقل متناسبا على ما حصره أهل الصناعة فإذا كانت الأصوات على تناسب في ~~الكيفيات كما ذكره أهل تلك الصناعة كانت ملائمة ملذوذة ومن هذا التناسب ما ~~يكون بسيطا ويكون الكثير من الناس مطبوعا عليه لا يحتاجون فيه إلى تعليم ~~ولا صناعة كما نجد المطبوعين على الموازين الشعرية وتوقيع الرقص وأمثال ذلك ~~وتسمى العامة هذه القابلية بالمضمار وكثير من القراء بهذه المثابة يقرأون ~~القرآن فيجيدون في تلاحين أصواتهم كأنها المزامير فيطربون بحسن مساقهم ~~وتناسب نغماتهم ومن هذا التناسب ما يحدث بالتركيب وليس كل الناس يستوي في ~~معرفته ولا كل ms450 الطباع توافق صاحبها في العمل به إذا علم وهذا هو التلحين ~~الذي يتكفل به علم الموسيقى كما نشرحه بعد عند ذكر العلوم وقد أنكر مالك ~~رحمه الله تعالى القراءة بالتلحين وأجازها الشافعي رضي الله تعالى عنه وليس ~~المراد تلحين الموسيقى الصناعي فإنه لا ينبغي أن يختلف في حظره إذ صناعة ~~الغناء مباينة للقرآن بكل وجه لأن القراءة والأداء تحتاج إلى مقدار من ~~الصوت لتعين أداء الحروف لا PageV01P425 من حيث اتباع الحركات في موضعها ~~ومقدار المد عند من يطلقه أو يقصره وأمثال ذلك والتلحين أيضا يتعين له ~~مقدار من الصوت لا يتم إلا به من أجل التناسب الذي قلناه في حقيقة التلحين ~~واعتبار أحدهما قد يخل بالآخر إذا تعارضا وتقديم الرواية متعين من تغيير ~~الرواية المنقولة في القرآن فلا يمكن اجتماع التلحين والأداء المعتبر في ~~القرآن بوجه وإنما مرادهم التلحين البسيط الذي يهتدي إليه صاحب المضمار ~~بطبعه كما قدمناه فيردد أصواته ترديدا على نسب يدركها العالم بالغناء وغيره ~~ولا ينبغي ذلك بوجه كما قاله مالك هذا هو محل الخلاف والظاهر تنزيه القرآن ~~عن هذا كله كما ذهب إليه الإمام رحمه الله تعالى لأن القرآن محل خشوع بذكر ~~الموت وما بعده وليس مقام التذاذ بإدراك الحسن من الأصوات وهكذا كانت قراءة ~~الصحابة رضي الله عنهم كما في أخبارهم وأما قوله صلى الله عليه وسلم لقد ~~أوتى مزمارا من مزامير آل داود فليس المراد به الترديد والتلحين إنما معناه ~~حسن الصوت وأداء القراءة والإبانة في مخارج الحروف والنطق بها وإذا قد ~~ذكرنا معنى الغناء فاعلم أنه يحدث في العمران إذا توفر وتجاوز حد الضروري ~~إلى الحاجي ثم إلى الكمالي وتفننوا فتحدث هذه الصناعة لأنه لا يستدعيها إلا ~~من فرغ من جميع حاجاته الضرورية والمهمة من المعاش والمنزل وغيره فلا ~~يطلبها إلا الفارغون عن سائر أحوالهم تفننا في مذاهب الملذوذات وكان في ~~سلطان العجم قبل الملة منها بحر زاخر في أمصارهم ومدنهم وكان ملوكهم يتخذون ~~ذلك ويولعون به حتى لقد كان لملوك الفرس اهتمام ms451 بأهل هذه الصناعة ولهم مكان ~~في دولتهم وكانوا يحضرون مشاهدهم ومجامعهم ويغنون فيها وهذا شأن العجم لهذا ~~العهد في كل أفق من آفاقهم ومملكة من ممالكهم وأما العرب فكان لهم أولا فن ~~الشعر يؤلفون فيه الكلام أجزاء متساوية على تناسب بينها في عدة حروفها ~~المتحركة والساكنة ويفصلون الكلام في تلك الأجزاء تفصيلا يكون كل جزء منها ~~مستقلا بالإفادة لا ينعطف على الآخر ويسمونه البيت فتلائم الطبع بالتجزئة ~~أولا ثم بتناسب الأجزاء في المقاطع والمبادىء ثم بتأدية المعنى المقصود ~~وتطبيق الكلام عليها فلهجوا به فامتاز من بين كلامهم بحظ من الشرف ليس ~~لغيره لأجل اختصاصه بهذا التناسب وجعلوه ديوانا لأخبارهم PageV01P426 ~~وحكمهم وشرفهم ومحكا لقرائحهم في إصابة المعاني وإجادة الأساليب واستمروا ~~على ذلك وهذا التناسب الذي من أجل الأجزاء والمتحرك والساكن من الحروف قطرة ~~من بحر من تناسب الأصوات كما هو معروف في كتب الموسيقى إلا أنهم لم يشعروا ~~بما سواه لأنهم حينئذ لم ينتحلوا علما ولا عرفوا صناعة وكانت البداوة أغلب ~~نحلهم ثم تغنى الحداة منهم في حداء إبلهم والفتيان في فضاء خلواتهم فرجعوا ~~الأصوات وترنموا وكانوا يسمون الترنم إذا كان بالشعر غناء وإذا كان ~~بالتهليل أو نوع القراءة تغبيرا بالغين المعجمة والباء الموحدة وعللها أبو ~~إسحاق الزجاج بأنها تذكر بالغابر وهو الباقي أي بأحوال الآخرة وربما ناسبوا ~~في غنائهم بين النغمات مناسبة بسيطة كما ذكره ابن رشيق آخر كتاب العمدة ~~وغيره وكانوا يسمونه السناد وكان أكثر ما يكون منهم في الخفيف الذي يرقص ~~عليه ويمشي بالدف والمزمار فيضطرب ويستخف الحلوم وكانوا يسمون هذا الهزج ~~وهذا البسيط كله من التلاحين هو من أوائلها ولا يبعد أن تتفطن له الطباع من ~~غير تعليم شأن البسائط كلها من الصنائع ولم يزل هذا شأن العرب في بداوتهم ~~وجاهليتهم فلما جاء الإسلام واستولوا على ممالك الدنيا وحازوا سلطان العجم ~~وغلبوهم عليه وكانوا من البداوة والغضاضة على الحال التي عرفت لهم مع غضارة ~~الدين وشدته في ترك أحوال الفراغ وما ليس بنافع في دين ولا معاش ms452 فهجروا ذلك ~~شيئا ما ولم يكن الملذوذ عندهم إلا ترجيع القراءة والترنم بالشعر الذي هو ~~دينهم ومذهبهم فلما جاءهم الترف وغلب عليهم الرفة بما حصل لهم من غنائم ~~الأمم صاروا إلى نضارة العيش ورقة الحاشية واستحلاء الفراغ وافترق المغنون ~~من الفرس والروم فوقعوا إلى الحجاز وصاروا موالي العرب وغنوا جميعا ~~بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير وسمع العرب تلحينهم للأصوات فلحنوا ~~عليها أشعارهم وظهر بالمدينة نشيط الفارسي وطويس وسائب بن جابر مولى عبيد ~~الله ابن جعفر فسمعوا شعر العرب ولحنوه وأجادوا فيه وطار لهم ذكر ثم أخذ ~~عنهم معبد وطبقته وابن شريح وأنظاره وما زالت تتدرج إلى أن كملت أيام بني ~~العباس عند إبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق وابنه حماد ~~وكان من ذلك في دولتهم ببغداد ما تبعه الحديث بعده به وبمجالسه لهذا العهد ~~وأمعنوا في اللهو PageV01P427 واللعب واتخذت آلات الرقص في الملبس والقضبان ~~والأشعار التي يترنم بها عليه وجعل صنفا وحده واتخذت آلات أخرى للرقص تسمى ~~بالكرج وهي تماثيل خيل مسرجة من الخشب معلقة بأطراف أقبية يلبسها النسوان ~~ويحاكين بها امتطاء الخيل فيكرون ويفرون ويثاقفون وأمثال ذلك من اللعب ~~المعد للولائم والأعراس وأيام الأعياد ومجالس الفراغ واللهو وكثر ذلك ~~ببغداد وأمصار العراق وانتشر منها إلى غيرها وكان للموصليين غلام اسمه ~~زرياب أخذ عنهم الغناء فأجاد فصرفوه إلى المغرب غيرة منه فلحق بالحكم بن ~~هشام بن عبد الرحن الداخل أمير الأندلس فبالغ في تكرمته وركب للقائه وأسنى ~~له الجوائز والإقطاعات والجرايات وأحله من دولته وندمائه بمكان فأورث ~~بالأندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه إلى أزمان الطوائف وطما منها بأشبيلية ~~بحر زاخر وتناقل منها بعد ذهاب غضارتها إلى بلاد العدوة بأفريقية والمغرب ~~وانقسم على أمصارها وبها الآن منها صبابة على تراجع عمرانها وتناقص دولها ~~وهذه الصناعة آخر ما يحصل في العمران من الصنائع لأنها كمالية في غير وظيفة ~~من الوظائف إلا وظيفة الفراغ والفرح وهو أيضا أول ما ينقطع من العمران عند ~~اختلاله وتراجعه والله أعلم # | الفصل الثالث والثلاثون # في ان ms453 الصنائع تكسب صاحبها عقلا وخصوصا الكتابة والحساب # قد ذكرنا في الكتاب أن النفس الناطقة للإنسان إنما توجد فيه بالقوة وأن ~~خروجها من القوة إلى الفعل إنما هو بتجدد العلوم والإدراكات عن المحسوسات ~~أولا ثم ما يكتسب بعدها بالقوة النظرية إلى أن يصير إدراكا بالفعل وعقلا ~~محضا فتكون ذاتا روحانية ويستكمل حينئذ وجودها فوجب لذلك أن يكون كل نوع من ~~العلم والنظر يفيدها عقلا فريدا والصنائع أبدا يحصل عنها وعن ملكتها قانون ~~علمي مستفاد من تلك الملكة فلهذا كانت الحنكة في التجربة تفيد عقلا ~~والحضارة الكاملة تفيد عقلا لأنها مجتمعه من صنائع في شأن تدبير المنزل ~~ومعاشرة أبناء الجنس وتحصيل الآداب في مخالطتهم ثم القيام بأمور الدين ~~واعتبار آدابها وشرائطها وهذه كلها قوانين تنتظم علوما فيحصل منها زيادة ~~عقل والكتابة من بين الصنائع PageV01P428 أكثر إفادة لذلك لأنها تشتمل على ~~العلوم والأنظار بخلاف الصنائع وبيانه أن في الكتابة انتقالا من الحروف ~~الخطية إلى الكلمات اللفظية في الخيال ومن الكلمات اللفظية في الخيال إلى ~~المعاني التي في النفس ذلك دائما فيحصل لها ملكة الانتقال من الأدلة إلى ~~المدلولات وهو معنى النظر العقلي الذي يكسب العلوم المجهولة فيكسب بذلك ~~ملكة من التعقل تكون زيادة عقل ويحصل به قوة فظنه وكيس في الأمور لما ~~تعودوه من ذلك الانتقال ولذلك قال كسرى في كتابة لما رآهم بتلك الفطنة ~~والكيس فقال ديوانه أي شياطين وجنون قالوا وذلك أصل اشتقاق الديوان لأهل ~~الكتابة ويلحق بذلك الحساب فإن في صناعة الحساب نوع تصرف في العدد بالضم ~~والتفريق يحتاج فيه إلى استدلال كثير فيبقى متعودا للاستدلال والنظر وهو ~~معنى العقل والله أعلم # | الفصل السادس # من الكتاب الاول # | في العلوم واصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه وما يعرض في ذلك كله من ~~الاحوال وفيه مقدمة ولواحق # الفصل الاول $ في ان العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري # وذلك أن الإنسان قد شاركته جميع الحيوانات في حيوانيته من الحس والحركة ~~والغذاء والكن وغير ذلك وإنما تميز عنها بالفكر الذي يهتدي به لتحصيل معاشه ~~والتعاون ms454 عليه بأبناء جنسه والاجتماع المهيء لذلك التعاون وقبول ما جاءت به ~~الأنبياء عن الله تعالى والعمل به واتباع صلاح أخراه فهو مفكر في ذلك كله ~~دائما لا يفتر عن الفكر فيه طرفة عين بل اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر ~~وعن هذا الفكر تنشأ العلوم وما قدمناه من الصنائع ثم لأجل هذا الفكر وما ~~جبل عليه الإنسان بل الحيوان من تحصيل ما تستدعيه الطباع فيكون الفكر راغبا ~~في تحصيل ما ليس PageV01P429 عنده من الإدراكات فيرجع إلى من سبقه بعلم أو ~~زاد عليه بمعرفة أو إدراك أو أخذه ممن تقدمه من الأنبياء الذين يبلغونه لمن ~~تلقاه فيلقن ذلك عنهم ويحرص على أخذه وعلمه ثم إن فكره ونظره يتوجه إلى ~~واحد واحد من الحقائق وينظر ما يعرض له لذاته واحدا بعد آخر ويتمرن على ذلك ~~حتى يصير إلحاق العوارض بتلك الحقيقة ملكة له فيكون حينئذ علمه بما يعرض ~~لتلك الحقيقة علما مخصوصا وتتشوف نفوس أهل الجيل الناشىء إلى تحصيل ذلك ~~فيفزعون إلى أهل معرفته ويجيء التعليم من هذا فقد تبين بذلك أن العلم ~~والتعليم طبيعي في البشر # | الفصل الثاني # في ان التعليم للعلم من جملة الصنائع # وذلك أن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة ~~في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله ~~وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن المتناول حاصلا وهذه ~~الملكة هي في غير الفهم والوعي لأنا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن ~~الواحد ووعيها مشتركا بين من شدا في ذلك الفن وبين من هو مبتدىء فيه وبين ~~العامي الذي لم يعرف علما وبين العالم النحرير والملكة إنما هي للعالم أو ~~الشادي في الفنون دون من سواهما فدل على أن هذه الملكة غير الفهم والوعي ~~والملكات كلها جسمانية سواء كانت في البدن أو في الدماغ من الفكر وغيره ~~كالحساب والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعليم ولهذا كان السند في ~~التعليم في كل علم أو صناعة إلى مشاهير المعلمين ms455 فيها معتبرا من الأئمة ~~المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به شأن الصنائع كلها فدل على أن ذلك ~~الاصطلاح ليس من العلم وإلا لكان واحدا عند جميعهم ألا ترى إلى علم الكلام ~~كيف تخالف في تعليمه اصطلاح المتقدمين والمتأخرين وكذا أصول الفقه وكذا ~~العربية وكذا كل علم يتوجه إلى مطالعته تجد الاصطلاحات في تعليمه متخالفة ~~فدل على أنها صناعات في التعليم والعلم واحد في نفسه وإذا تقرر ذلك فاعلم ~~أن سند تعليم العلم لهذا العهد قد كاد ينقطع عن أهل المغرب PageV01P430 ~~باختلال عمرانه وتناقص الدول فيه وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع وفقدانها ~~كما مر وذلك أن القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس واستجر ~~عمرانهما وكان فيهما للعلوم والصنائع أسواق نافقة وبحور زاخرة ورسخ فيهما ~~التعليم لامتداد عصورهما وما كان فيهما من الحضارة فلما خربتا انقطع ~~التعليم من المغرب إلا قليلا كان في دولة الموحدين بمراكش مستفادا منها ولم ~~ترسخ الحضارة بمراكش لبداوة الدولة الموحدية في أولها وقرب عهد انقراضها ~~بمبدإها فلم تتصل أحوال الحضارة فيها إلا في الأقل وبعد انقراض الدولة ~~بمراكش ارتحل إلى المشرق من أفريقية القاضي أبو القاسم بن زيتون لعهد أواسط ~~المائة السابعة فأدرك تلميذ الإمام ابن الخطيب فأخذ عنهم ولقن تعليمهم وحذق ~~في العقليات والنقليات ورجع إلى تونس بعلم كثير وتعليم حسن وجاء على أثره ~~من المشرق أبو عبد الله بن شعيب الدكالي كان ارتحل إليه من الغرب فأخذ عن ~~مشيخة مصر ورجع إلى تونس واستقر بها وكان تعليمه مفيدا فأخذ عنهما أهل تونس ~~واتصل سند تعليمهما في تلاميذهما جيلا بعد جيل حتى انتهى إلى القاضي محمد ~~بن عبد السلام شارح بن الحاجب وتلميذه وانتقل من تونس إلى تلمسان في ابن ~~الإمام وتلميذه فانه قرأ مع ابن عبد السلام على مشيخة واحدة في مجالس ~~بأعيانها وتلميذ ابن عبد السلام بتونس وابن الإمام بتلمسان لهذا العهد إلا ~~أنهم من القلة بحيث يخشى انقطاع سندهم ثم ارتحل من زواوة في آخر المائة ~~السابعة أبو علي ناصر الدين ms456 المشدالي وأدرك تلميذ أبي عمرو بن الحاجب وأخذ ~~عنهم ولقن تعليمهم وقرأ مع شهاب الدين القرافي في مجالس واحدة وحذق في ~~العقليات والنقليات ورجع إلى المغرب بعلم كثير وتعليم مفيد ونزل ببجاية ~~واتصل سند تعليمه في طلبتها وربما انتقل إلى تلمسان عمران المشدالي من ~~تلميذه وأوطنها وبث طريقته فيها وتلميذه لهذا العهد ببجاية وتلمسان قليل أو ~~أقل من القليل وبقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حسن التعليم من لدن ~~انقراض تعليم قرطبة والقيروان ولم يتصل سند التعليم فعسر عليهم حصول الملكة ~~والحذق في العلوم وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في ~~المسائل العلمية فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها فتجد طالب العلم منهم ~~بعد PageV01P431 ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا ~~لا ينطقون ولا يفاوضون وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة فلا يحصلون على طائل ~~من ملكة التصرف في العلم والتعليم ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصل تجد ~~ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر أو علم وما أتاهم القصور إلا من قبل ~~التعليم وانقطاع سنده وإلا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم لشدة عنايتهم به وظنهم ~~أنه المقصود من الملكة العلمية وليس كذلك ومما يشهد بذلك في المغرب أن ~~المدة المعينة لسكنى طلبة العلم بالمدارس عندهم ست عشرة سنة وهي بتونس خمس ~~سنين وهذه المدة بالمدارس على المتعارف هي أقل ما يتأتى فيها لطالب العلم ~~حصول مبتغاه من الملكة العلمية أو اليأس من تحصيلها فطال أمدها في المغرب ~~لهذه المدة لأجل عسرها من قلة الجودة في التعليم خاصة لا مما سوى ذلك وأما ~~أهل الأندلس فذهب رسم التعليم من بينهم وذهبت عنايتهم بالعلوم لتناقص عمران ~~المسلمين بها منذ مئين من السنين ولم يبق من رسم العلم فيهم إلا فن العربية ~~والأدب اقتصروا عليه وانحفظ سند تعليمه بينهم فانحفظ بحفظه وأما الفقه ~~بينهم فرسم خلو وأثر بعد عين وأما العقليات فلا أثر ولا عين وما ذاك إلا ~~لانقطاع سند التعليم فيها بتناقص العمران ms457 وتغلب العدو على عامتها إلا قليلا ~~بسيف البحر شغلهم بمعايشهم أكثر من شغلهم بما بعدها والله غالب على أمره ~~وأما المشرق فلم ينقطع سند التعليم فيه بل أسواقه نافقة وبحوره زاخرة ~~لاتصال العمران الموفور واتصال السند فيه وإن كانت الأمصار العظيمة التي ~~كانت معادن العلم قد خربت مثل بغداد والبصرة والكوفة إلا أن الله تعالى قد ~~أدال منها بأمصار أعظم من تلك وانتقل العلم منها إلى عراق العجم بخراسان ~~وما وراء النهر من المشرق ثم إلى القاهرة وما إليها من المغرب فلم تزل ~~موفورة وعمرانها متصلا وسند التعليم بها قائما فأهل المشرق على الجملة أرسخ ~~في صناعة تعليم العلم وفي سائر الصنائع حتى أنه ليظن كثير من رحالة أهل ~~المغرب إلى المشرق في طلب العلم أن عقولهم على الجملة أكمل من عقول أهل ~~المغرب وأنهم اشد نباهة وأعظم كيسا بفطرتهم الأولى وأن نفوسهم الناطقة أكمل ~~بفطرتها من نفوس أهل المغرب ويعتقدون التفاوت بيننا وبينهم في حقيقة ~~الإنسانية ويتشيعون لذلك PageV01P432 ويولعون به لما يرون من كيسهم في ~~العلوم والصنائع وليس كذلك وليس بين قطر المشرق والمغرب تفاوت بهذا المقدار ~~الذي هو تفاوت في الحقيقة الواحدة اللهم إلا الأقاليم المنحرفة مثل الأول ~~والسابع فإن الأمزجة فيها منحرفة والنفوس على نسبتها كما مر وإنما الذي فضل ~~به أهل المشرق أهل المغرب هو ما يحصل في النفس من آثار الحضارة من العقل ~~المزيد كما تقدم في الصنائع ونزيده الآن تحقيقا وذلك أن الحضر لهم آداب في ~~أحوالهم في المعاش والمسكن والبناء وأمور الدين والدنيا وكذا سائر أعمالهم ~~وعاداتهم ومعاملاتهم وجميع تصرفاتهم فلهم في ذلك كله آداب يوقف عندها في ~~جميع ما يتناولونه ويتلبسون به من أخذ وترك حتى كأنها حدود لا تتعدى وهي مع ~~ذلك صنائع يتلقاها الآخر عن الأول منهم ولا شك أن كل صناعة مرتبة يرجع منها ~~إلى النفس أثر يكسبها عقلا جديدا تستعد به لقبول صناعة أخرى ويتهيأ بها ~~العقل بسرعة الإدراك للمعارف ولقد بلغنا في تعليم الصنائع عن أهل مصر ms458 غايات ~~لا تدرك مثل أنهم يعلمون الحمر الإنسية والحيوانات العجم من الماشي والطائر ~~مفردات من الكلام والأفعال يستغرب ندورها ويعجز أهل المغرب عن فهمها وحسن ~~الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية يزيد الإنسان ذكاء في ~~عقله وإضاءة في فكره بكثرة الملكات الحاصلة للنفس إذ قدمنا أن لما يرجع إلى ~~النفس من الآثار العلمية فيظنه العامي تفاوتا في الحقيقة الإنسانية وليس ~~كذلك ألا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو كيف تجد الحضري متحليا بالذكاء ~~ممتلئا من الكيس حتى إن البدوي ليظنه أنه قد فاته في حقيقة إنسانيتة وعقله ~~وليس كذلك وما ذاك إلا لإجادته في ملكات الصنائع والآداب في العوائد ~~والأحوال الحضرية ما لا يعرفه البدوي فلما امتلأ الحضري من الصنائع ~~وملكاتها وحسن تعليمها ظن كل من قصر عن تلك الملكات أنها لكمال في عقله وأن ~~نفوس أهل البدو قاصرة بفطرتها وجبلتها عن فطرته وليس كذلك فإنا نجد من أهل ~~البدو من هو في أعلى رتبة من الفهم والكمال في عقله وفطرته إنما الذي ظهر ~~على أهل الحضر من PageV01P433 ذلك هو رونق الصنائع والتعليم فإن لها آثارا ~~ترجع إلى النفس كما قدمناه وكذا أهل المشرق لما كانوا في التعليم والصنائع ~~أرسخ رتبة وأعلى قدما وكان أهل المغرب أقرب إلى البداوة لما قدمناه في ~~الفصل قبل هذا ظن المغفلون في بادىء الرأي أنه لكمال في حقيقة الإنسانية ~~اختصوا به عن أهل المغرب وليس ذلك بصحيح فتفهمه والله يزيد في الخلق ما ~~يشاء وهوإله السموات والأرض # | الفصل الثالث # في ان العلوم انما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة # والسبب في ذلك أن تعليم العلم كما قدمناه من جملة الصنائع وقد كنا قدمنا ~~أن الصنائع إنما تكثر في الأمصار وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة ~~والحضارة والترف يكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة لأنه أمر زائد على ~~المعاش فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انضرفت إلى ما وراء المعاش ~~من التصرف في خاصية الإنسان وهي العلوم والصنائع ومن تشوف بفطرته إلى ms459 العلم ~~ممن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدنة فلا يجد فيها التعليم الذي هو ~~صناعي لفقدان الصنائع في أهل البدو كما قدمناه ولا بد له من الرحلة في طلبه ~~إلى الأمصار المستبحرة شأن الصنائع كلها واعتبر ما قررناه بحال بغداد ~~وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لما كثر عمرانها صدر الإسلام واستوت فيها ~~الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم وتفننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف ~~العلوم واستنباط المسائل والفنون حتى أربوا على المتقدمين وفاتوا المتأخرين ~~ولما تناقص عمرانها وابذعر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة وفقد ~~العلم بها والتعليم وانتقل إلى غيرها من أمصار الإسلام ونحن لهذا العهد نرى ~~أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر لما أن عمرانها مستجر ~~وحضارتها مستحكمة منذ آلاف من السنين فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت ومن ~~جملتها تعليم العلم وأكد ذلك فيها وحفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين ~~من السنين في دولة الترك من أيام صلاح الدين بن أيوب وهلم جرا وذلك أن ~~أمراء الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفونه من ذريتهم لما ~~له عليهم من الرق أو الولاء ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته فاستكثروا من ~~بناء المدارس PageV01P434 والزوايا والربط ووقفوا عليها الأوقاف المغلة ~~يجعلون فيها شركا لولدهم ينظر عليها أو يصيب منها مع ما فيهم غالبا من ~~الجنوح إلى الخير والتماس الأجور في المقاصد والأفعال فكثرت الأوقاف لذلك ~~وعظمت الغلات والفوائد وكثر طالب العلم ومعلمه بكثرة جرايتهم منها وارتحل ~~إليها الناس في طلب العلم من العراق والمغرب ونفقت بها أسواق العلوم وزخرت ~~بحارها والله يخلق ما يشاء # | الفصل الرابع # في اصناف العلوم الواقعة في العمران لهذا العهد # إعلم أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلا ~~وتعليما هي على صنفين صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره وصنف نقلي يأخذه ~~عمن وضعه والأول هي العلوم الحكمية الفلسفية وهي التي يمكن أن يقف عليها ~~الإنسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء ~~براهينها ووجوه تعليمها حتى ms460 يقفه نظره ويحثه على الصواب من الخطأ فيها من ~~حيث هو إنسان ذو فكر والثاني هي العلوم النقلية الوضعية وهي كلها مستندة ~~إلى الخبر عن الواضع الشرعي ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من ~~مسائلها بالأصول لأن الجزئيات الحادثة المتعاقبة لا تندرج تحت النقل الكلي ~~بمجرد وضعه فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسي إلا أن هذا القياس يتفرع عن ~~الخبر بثبوت الحكم في الأصل وهو نقلي فرجع هذا القياس إلى النقل لتفرعه عنه ~~وأصل هذه العلوم النقلية كلها هي الشرعيات من الكتاب والسنة التي هي مشروعة ~~لنا من الله ورسوله وما يتعلق بذلك من العلوم التي تهيئوها للإفادة ثم ~~يستتبع ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملة وبه نزل القرآن وأصناف ~~هذه العلوم النقلية كثيرة لأن المكلف يجب عليه أن يعرف أحكام الله تعالى ~~المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه وهي مأخوذة من الكتاب والسنة بالنص أو ~~بالإجماع أو بالإلحاق فلا بد من النظر بالكتاب ببيان ألفاظه أولا وهذا هو ~~علم التفسير ثم بإسناد نقله وروايته إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء ~~به من عند الله واختلاف PageV01P435 روايات القراء في قراءته وهذا هو علم ~~القراءات ثم بإسناد السنة إلى صاحبها والكلام في الرواة الناقلين لها ~~ومعرفة أحوالهم وعدالتهم ليقع الوثوق بأخبارهم بعلم ما يجب العمل بمقتضاه ~~من ذلك وهذه هي علوم الحديث ثم لا بد في استنباط هذه الأحكام من أصولها من ~~وجه قانوني يفيد العلم بكيفية هذا الاستنباط وهذا هو أصول الفقه وبعد هذا ~~تحصل الثمرة بمعرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين وهذا هو الفقه ثم ~~إن التكاليف منها بدني ومنها قلبي وهو المختص بالإيمان وما يجب أن يعتقد ~~مما لا يعتقد وهذه هي العقائد الإيمانية في الذات والصفات وأمور الحشر ~~والنعيم والعذاب والقدر والحجاج عن هذه بالأدلة العقلية هو علم الكلام ثم ~~النظر في القرآن والحديث لا بد أن تتقدمه العلوم اللسانية لأنه متوقف عليها ~~وهي أصناف فمنها علم اللغة وعلم النحو وعلم البيان ms461 وعلم الآداب حسبما نتكلم ~~عليها كلها وهذه العلوم النقلية كلها مختصة بالملة الإسلامية وأهلها وإن ~~كانت كل ملة على الجملة لا بد فيها من مثل ذلك فهي مشاركة لها في الجنس ~~البعيد من حيث إنها العلوم الشرعية المنزلة من عند الله تعالى على صاحب ~~الشريعة المبلغ لها وأما على الخصوص فمباينة لجميع الملل لأنها ناسخة لها ~~وكل ما قبلها من علوم الملل فمهجورة والنظر فيها محظور فقد نهى الشرع عن ~~النظر في الكتب المنزلة غير القرآن قال صلى الله عليه وسلم لا تصدقوا أهل ~~الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل علينا وأنزل إليكم وإلهنا ~~وإلهكم واحد ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في يد عمر رضي الله عنه ورقة من ~~التوراة فغضب حتى تبين الغضب في وجهه ثم قال ألم آتكم بها بيضاء نقية والله ~~لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي ثم إن هذه العلوم الشرعية النقلية قد ~~نفقت أسواقها في هذه الملة بما لا مزيد عليه وانتهت فيما مدارك الناظرين ~~إلى الغاية التي لا شيء فوقها وهذبت الاصطلاحات ورتبت الفنون فجاءت من وراء ~~الغاية في الحسن والتنميق وكان لكل فن رجال يرجع إليهم فيه وأوضاع يستفاد ~~منها التعليم واختص المشرق من ذلك والمغرب بما هو مشهور منها حسبما نذكره ~~الآن عند تعديد هذه الفنون وقد كسدت لهذا العهد أسواق العلم بالمغرب لتناقص ~~العمران فيه وانقطاع سند العلم والتعليم كما قدمناه في الفصل قبله وما أدري ~~ما فعل الله PageV01P436 بالمشرق والظن به نفاق العلم فيه واتصال التعليم ~~في العلوم وفي سائر الصنائع الضرورية والكمالية لكثرة عمرانه والحضارة ~~ووجود الإعانة لطالب العلم بالجراية من الأوقاف التي اتسعت بها أرزاقهم ~~والله سبحانه وتعالى هو الفعال لما يريد وبيده التوفيق والإعانة $ الفصل ~~الخامس في علوم القرآن من التفسير والقراءات # القرآن هو كلام الله المنزل على نبيه المكتوب بين دفتي المصحف وهو متواتر ~~بين الأمة إلا أن الصحابة رووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على طرق ~~مختلفة في بعض ms462 ألفاظه وكيفيات الحروف في أدائها وتنوقل ذلك واشتهر إلى أن ~~استقرت منها سبع طرق معينة تواتر نقلها أيضا بأدائها واختصت بالانتساب إلى ~~من اشتهر بروايتها من الجم الغفير فصارت هذه القراءات السبع أصولا للقراءة ~~وربما زيد بعد ذلك قراءات أخر لحقت بالسبع إلا أنها عند أئمة القراءة لا ~~تقوى قوتها في النقل وهذه القراءات السبع معروفة في كتبها وقد خالف بعض ~~الناس في تواتر طرقها لأنها عندهم كيفيات للأداء وهو غير منضبط وليس ذلك ~~عندهم بقادح في تواتر القرآن وأباه الأكثر وقالوا بتواترها وقال آخرون ~~بتواتر غير الأداء منها كالمد والتسهيل لعدم الوقوف على كيفيته بالسمع وهو ~~الصحيح ولم يزل القراء يتداولون هذه القراءات وروايتها إلى أن كتبت العلوم ~~ودونت فكتبت فيما كتب من العلوم وصارت صناعة مخصوصة وعلما منفردا وتناقله ~~الناس بالمشرق والأندلس في جيل بعد جيل إلى أن ملك بشرق الأندلس مجاهد من ~~موالي العامريين وكان معتنيا بهذا الفن من بين فنون القرآن لما أخذه به ~~مولاه المنصور بن أبي العامر واجتهد في تعليمه وعرضه على من كان من أئمة ~~القراء بحضرته فكان سهمه في ذلك وافرا واختص مجاهد بعد ذلك بإمارة دانية ~~والجزائر الشرقية فنفقت بها سوق القراءة لما كان هو من أئمتها وبما كان له ~~من العناية بسائر العلوم عموما وبالقراءات خصوصا فظهر لعهده أبو عمرو ~~الداني وبلغ الغاية فيها ووفقت عليه معرفتها وانتهت إلى روايته أسانيدها ~~وتعددت تآليفه فيها وعول الناس عليها وعدلوا عن غيرها واعتمدوا PageV01P437 ~~من بينها كتاب التيسير له ثم ظهر بعد ذلك فيما يليه من العصور والأجيال أبو ~~القاسم ابن فيره من أهل شاطبة فعمد إلى تهذيب ما دونه أبو عمرو وتلخيصه ~~فنظم ذلك كله في قصيدة لغز فيها أسماء القراء بحروف ا ب ج د ترتيبا أحكمه ~~ليتيسر عليه ما قصده من الاختصار وليكون أسهل للحفظ لأجل نظمها فاستوعب ~~فيها الفن استيعابا حسنا وعني الناس بحفظها وتلقينها للولدان المتعلمين ~~وجرى العمل على ذلك في أمصار المغرب والأندلس وربما أضيف إلى فن ms463 القراءات ~~فن الرسم أيضا وهي أوضاع حروف القرآن في المصحف ورسومه الخطية لأن فيه ~~حروفا كثيرة وقع رسمها على غير المعروف من قياس الخط كزيادة الياء في بابيد ~~وزيادة الألف في لاأذبحنه ولا أوضعوا والواو في جزاء والظالمين وحذف ~~الألفات في مواضع دون أخرى وما رسم فيه من التاءات ممدودا والأصل فيه مربوط ~~على شكل الهاء وغير ذلك وقد مر تعليل هذا الرسم المصحفي عند الكلام في الخط ~~فلما جاءت هذه المخالفة لأوضاع الخط وقانونه احتيج إلى حصرها فكتب الناس ~~فيها أيضا عند كتبهم في العلوم وانتهت بالمغرب إلى أبي عمر الداني المذكور ~~فكتب فيها كتبا من أشهرها كتاب المقنع وأخذ به الناس وعولوا عليه ونظمه أبو ~~القاسم الشاطبي في قصيدته المشهورة على روي الراء وولع الناس بحفظها ثم كثر ~~الخلاف في الرسم في كلمات وحروف أخرى ذكرها أبو داود سليمان بن نجاح من ~~موالي مجاهد في كتبه وهو من تلاميذ أبي عمرو الداني والمشتهر بحمل علومه ~~ورواية كتبه ثم نقل بعده خلاف آخر فنظم الخراز من المتأخرين بالمغرب أرجوزة ~~أخرى زاد فيها على المقنع خلافا كثيرا وعزاه لناقليه واشتهرت بالمغرب ~~واقتصر الناس على حفظها وهجروا بها كتب أبي داود وأبي عمرو والشاطبي في ~~الرسم # واما التفسير فاعلم أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم فكانوا ~~كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه وكان ينزل جملا جملا ~~وايات آيات لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع ومنها ما هو في ~~العقائد الإيمانية ومنها ما هو في أحكام الجوارح ومنها ما يتقدم ومنها ما ~~يتأخر ويكون فاسخا له وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين المجمل ويميز ~~الناسخ من المنسوخ PageV01P438 ويعرفه أصحابه فعرفوه وعرفوا سبب نزول ~~الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه كما علم من قوله تعالى إذا جاء نصر ~~الله والفتح إنها نعي النبي صلى الله عليه وسلم وأمثال ذلك ونقل ذلك عن ~~الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وتداول ذلك التابعون من بعدهم ونقل ~~ذلك عنهم ولم يزل متناقلا ms464 بين الصدر الأول والسلف حتى صارت المعارف علوما ~~ودونت الكتب فكتب الكثير من ذلك ونقلت الآثار الواردة فيه عن الصحابة ~~والتابعين وانتهى ذلك إلى الطبري والواقدي والثعالبي وأمثال ذلك من ~~المفسرين فكتبوا فيه ما شاء الله أن يكتبوه من الآثار ثم صارت علوم اللسان ~~صناعية من الكلام في موضوعات اللغة وأحكام الإعراب والبلاغة في التراكيب ~~فوضعت الدواوين في ذلك بعد أن كانت ملكات للعرب لا يرجع فيها إلى نقل ولا ~~كتاب فتنوسي ذلك وصارت تتلقى من كتب أهل اللسان فاحتيج إلى ذلك في تفسير ~~القرآن لأنه بلسان العرب وعلى منهاج بلاغتهم وصار التفسير على صنفين تفسير ~~نقلي مسندا إلى الآثار المنقولة عن السلف وهي معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب ~~النزول ومقاصد الآي وكل ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين وقد ~~جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث ~~والسمين والمقبول والمردود والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا ~~علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق ~~إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما ~~يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم وهم أهل التوراة من اليهود ~~ومن تبع دينهم من النصارى وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ~~ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير ~~الذين أخذوا بدين اليهودية فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق ~~له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى ~~الحدثان والملاحم وأمثال ذلك وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد ~~الله بن سلام وأمثالهم فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه ~~الأغراض أخبار موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام فتتحرى في الصحة ~~التي يجب بها العمل وتساهل المفسرون في PageV01P439 مثل ذلك وملأوا كتب ~~التفسير بهذه المنقولات وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون ~~البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ms465 ينقلونه من ذلك إلا أنهم بعد صيتهم ~~وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة فتلقيت بالقبول ~~من يومئذ فلما رجع الناس إلى التحقيق والتمحيص وجاء أبو محمد بن عطية من ~~المتأخرين بالمغرب فلخص تلك التفاسير كلها وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها ~~ووضع ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب والأندلس حسن المنحى وتبعه القرطبي ~~في تلك الطريقة على منهاج واحد في كتاب آخر مشهور بالمشرق والصنف الآخر من ~~التفسير وهو ما يرجع إلى اللسان من معرفة اللغة والإعراب والبلاغة في تأدية ~~المعنى بحسب المقاصد والأساليب وهذا الصنف من التفسير قل أن ينفرد عن الأول ~~إذ الأول هو المقصود بالذات وإنما جاء هذا بعد أن صار اللسان وعلومه صناعة ~~نعم قد يكون في بعض التفاسير غالبا من أحسن ما اشتمل عليه هذا الفن من ~~التفاسير كتاب الكشاف للزمخشري من أهل خوارزم العراق إلا أن مؤلفه من أهل ~~الاعتزال في العقائد فيأتي بالحجاج على مذاهبهم الفاسدة حيث تعرض في آي ~~القرآن من طرق البلاغة فصار ذلك للمحققين من أهل السنة انحراف عنه وتحذير ~~للجمهور من مكامنه مع إقرارهم برسوخ قدمه فيما يتعلق باللسان والبلاغة وإذا ~~كان الناظر فيه واقفا مع ذلك على المذاهب السنية محسنا للحجاج عنها فلا جرم ~~إنه مأمون من غوائله فلتغتنم مطالعته لغرابة فنونه في اللسان ولقد وصل ~~إلينا في هذه العصور تأليف لبعض العراقيين وهو شرف الدين الطيبي من أهل ~~توريز من عراق العجم شرح فيه كتاب الزمخشري هذا وتتبع ألفاظه وتعرض لمذاهبه ~~في الاعتزال بأدلة تزيفها ويبين أن البلاغة إنما تقع في الآية على ما يراه ~~أهل السنة لا على ما يراه المعتزلة فأحسن في ذلك ما شاء مع إمتاعه في سائر ~~فنون البلاغة وفوق كل ذي علم عليم # | الفصل السادس # في علوم الحديث # وأما علوم الحديث فهي كثيرة ومتنوعة لأن منها ما ينظر في ناسخه ومنسوخه ~~PageV01P440 وذلك بما ثبت في شريعتنا من جواز النسخ ووقوعه لطفا من الله ~~بعباده وتخفيفا عنهم ms466 باعتبار مصالحهم التي تكفل لهم بها قال تعالى ما تنسخ ~~من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها فإذا تعارض الخبران بالنفي ~~والإثبات وتعذر الجمع بينهما ببعض التأويل وعلم تقدم أحدهما تعين أن ~~المتأخر ناسخ ومعرفة الناسخ والمنسوخ من أهم علوم الحديث وأصعبها قال ~~الزهري أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من منسوخه وكان للشافعي رضي الله عنه فيه قدم راسخة ومن علوم الأحاديث ~~النظر في الأسانيد ومعرفة ما يجب العمل به من الأحاديث بوقوعه على السند ~~الكامل الشروط لأن العمل إنما وجب بما يغلب على الظن صدقه من اخبار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيجتهد في الطريق التي تحصل ذلك الظن وهو بمعرفة ~~رواة الحديث بالعدالة والضبط وإنما يثبت ذلك بالنقل عن أعلام الدين ~~بتعديلهم وبراءتهم من الجرح والغفلة ويكون لنا ذلك دليلا على القبول أو ~~الترك وكذلك مراتب هؤلاء النقلة من الصحابة والتابعين وتفاوتهم في ذلك ~~وتميزهم فيه واحدا واحدا وكذلك الأسانيد تتفاوت باتصالها وانقطاعها بأن ~~يكون الراوي لم يلق الراوي الذي نقل عنه وبسلامتها من العلل الموهنة لها ~~وتنتهي بالتفاوت إلى طرفين فحكم بقبول الأعلى ورد الأسفل ويختلف في المتوسط ~~بحسب المنقول عن أئمة الشأن ولهم في ذلك ألفاظ اصطلحوا على وضعها لهذه ~~المراتب المرتبة مثل الصحيح والحسن والضعيف والمرسل والمنقطع والمعضل ~~والشاذ والغريب وغير ذلك من ألقابه المتداولة بينهم وبوبوا على كل واحد ~~منها ونقلوا ما فيه من الخلاف لأئمة اللسان أو الوفاق ثم النظر في كيفية ~~أخذ الرواية بعضهم عن بعض بقراءة أو كتابة أو مناولة أو إجازة وتفاوت رتبها ~~وما للعلماء في ذلك من الخلاف بالقبول والرد ثم اتبعوا ذلك بكلام في ألفاظ ~~تقع في متون الحديث من غريب أو مشكل أو تصحيف أو مفترق منها أو مختلف وما ~~يناسب ذلك هذا معظم ما ينظر فيه أهل الحديث وغالبه وكانت أحوال نقلة الحديث ~~في عصور السلف من الصحابة والتابعين معروفة عند أهل بلده فمنهم بالحجاز ms467 ~~ومنهم بالبصرة والكوفة من العراق ومنهم بالشام ومصر بالجميع معروفون ~~مشهورون في أعصارهم وكانت طريقة أهل الحجاز PageV01P441 في أعصارهم في ~~الأسانيد أعلى ممن سواهم وأمتن في الصحة لاستبدادهم في شروط النقل من ~~العدالة والضبط وتجافيهم عن قبول المجهول الحال في ذلك وسند الطريقة ~~الحجازية بعد السلف الإمام مالك علم المدينة رضي الله تعالى عنه ثم أصحابه ~~مثل الإمام محمد بن أدريس الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وأمثالهم وكان علم ~~الشريعة في مبدإ هذا الأمر نقلا صرفا شمر لها السلف وتحروا الصحيح حتى ~~أكملوها وكتب مالك رحمه الله كتاب الموطإ أودعه أصول الأحكام من الصحيح ~~المتفق عليه ورتبه على أبواب الفقه ثم عني الحافظ بمعرفة طرق الأحاديث ~~وأسانيدها المختلفة وربما يقع إسناد الحديث من طرق متعددة عن رواة مختلفين ~~وقد يقع الحديث أيضا في أبواب متعددة باختلاف المعاني التي اشتمل عليها ~~وجاء محمد بن إسماعيل البخاري إمام المحدثين في عصره فخرج أحاديث السنة على ~~أبوابها في مسنده الصحيح بجميع الطرق التي للحجازيين والعراقيين والشاميين ~~واعتمدوا منها ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه وكرر الأحاديث يسوقها في ~~كل باب بمعنى ذلك الباب الذي تضمنه الحديث فتكررت لذلك أحاديثه حتى يقال ~~إنه اشتمل على تسعة آلاف حديث ومائتين منها ثلاثة آلاف متكررة وفرق الطرق ~~والأسانيد عليها مختلفة في كل باب ثم جاء الإمام مسلم بن الحجاج القشيري ~~رحمه الله تعالى فألف مسنده الصحيح حذا فيه حذو البخاري في نقل المجمع عليه ~~وحذف المتكرر منها وجمع الطرق والأسانيد وبوبه على أبواب الفقه وتراجمه ومع ~~ذلك فلم يستوعبا الصحيح كله وقد استدرك الناس عليهما في ذلك ثم كتب أبو ~~داود السجستاني وأبو عيسى الترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي في السنن بأوسع ~~من الصحيح وقصدوا ما توفرت فيه شروط العمل إما من الرتبة العالية في ~~الأسانيد وهو الصحيح كما هو معروف وإما من الذي دونه من الحسن وغيره ليكون ~~ذلك إماما للسنة والعمل وهذه هي المسانيد المشهورة في الملة وهي أمهات كتب ~~الحديث في السنة ms468 فإنها وإن تعددت ترجع إلى هذه في الأغلب ومعرفة هذه الشروط ~~والاصطلاحات كلها هي علم الحديث وربما يفرد عنها الناسخ والمنسوخ فيجعل فنا ~~برأسه وكذا الغريب وللناس فيه تآليف مشهورة PageV01P442 ثم المؤتلف ~~والمختلف وقد الف الناس في علوم الحديث وأكثروا ومن فحول علمائه وأئمتهم ~~أبو عبدالله الحاكم وتآليفه فيه مشهورة وهو الذي هذبه وأظهر محاسنه وأشهر ~~كتاب للمتأخرين فيه كتاب أبي عمرو بن الصلاح كان لعهد أوائل المائة السابعة ~~وتلاه محي الدين النووي بمثل ذلك والفن شريف في مغزاه لأنه معرفة يحفظ به ~~السنن المنقولة عن صاحب الشريعة وقد انقطع لهذا العهد تخريج شيء من ~~الأحاديث واستدراكها على المتقدمين إذ العادة تشهد بأن هؤلاء الأئمة على ~~تعددهم وتلاحق عصورهم وكفايتهم واجتهادهم لم يكونوا ليغفلوا شيئا من السنة ~~أو يتركوه حتى يعثر عليه المتأخر هذا بعيد عنهم وإنما تنصرف العناية لهذا ~~العهد إلى تصحيح الأمهات المكتوبة وضبطها بالرواية عن مصنفيها والنظر في ~~أسانيدها إلى مؤلفها وعرض ذلك على ما تقرر في علم الحديث من الشروط ~~والأحكام لتتصل الأسانيد محكمة إلى منتهاها ولم يزيدوا في ذلك على العناية ~~بأكثر من هذه الأمهات الخمس إلا في القليل فأما البخاري وهو اعلاها رتبة ~~فاستصعب الناس شرحه واستغلقوا منحاه من أجل ما يحتاج إليه من معرفة الطرق ~~المتعددة ورجالها من أهل الحجاز والشام والعراق ومعرفة أحوالهم واختلاف ~~الناس فيهم ولذلك يحتاج إلى إمعان النظر في التفقه في تراجمه لأنه يترجم ~~الترجمة ويورد فيها الحديث مسند أو طريق ثم يترجم أخرى ويورد فيها ذلك ~~الحديث بعينه لما تضمنه من المعنى الذي ترجم به الباب وكذلك في ترجمة ~~وترجمة إلى أن يتكرر الحديث في أبواب كثيرة بحسب معانيه واختلافها ومن شرحه ~~ولم يستوف هذا فيه فلم يوف حق الشرح كابن بطال وابن المهلب وابن التين ~~ونحوهم ولقد سمعت كثيرا من شيوخنا رحمهم الله يقولون شرح كتاب البخاري دين ~~على الأمة يعنون أن أحدا من علماء الأمة لم يوف ما يجب له من الشرح بهذا ~~الاعتبار وأما صحيح ms469 مسلم فكثرت عناية علماء المغرب به وأكبوا عليه وأجمعوا ~~على تفضيله على كتاب البخاري من غير الصحيح مما لم يكن على شرطه وأكثر ما ~~وقع له في التراجم وأملى الإمام المارزي من فقهاء المالكية عليه شرحا وسماه ~~المعلم بفوائد مسلم اشتمل على عيون من علم الحديث وفنون من الفقه ثم أكمله ~~القاضي عياض من بعده وتممه وسماه إكمال PageV01P443 المعلم وتلاهما محي ~~الدين النووي بشرح استوفى ما في الكتابين وزاد عليهما فجاء شرحا وافيا وأما ~~كتب السنن الأخرى وفيها معظم مآخذ الفقهاء فأكثر شرحها في كتب الفقه إلا ما ~~يختص بعلم الحديث فكتب الناس عليها واستوفوا من ذلك ما يحتاج إليه من علم ~~الحديث وموضوعاتها والأسانيد التي اشتملت على الأحاديث المعمول بها من ~~السنة واعلم أن الأحاديث قد تميزت مراتبها لهذا العهد بين صحيح وحسن وضعيف ~~ومعلول وغيرها تنزلها أئمة الحديث وجها بذاته وعرفوها ولم يبق طريق في ~~تصحيح ما يصح من قبل ولقد كان الأئمة في الحديث يعرفون الأحاديث بطرقها ~~وأسانيدها بحيث لو روي حديث بغير سنده وطريقه يفطنون إلى أنه قد قلب عن ~~وضعه ولقد وقع مثل ذلك للإمام محمد بن إسماعيل البخاري حين ورد على بغداد ~~وقصد المحدثون امتحانه فسألوه عن أحاديث قبلوا أسانيدها فقال لا أعرف هذه ~~ولكن حدثني فلان ثم أتى بجميع تلك الأحاديث على الوضع الصحيح ورد كل متن ~~إلى سنده وأقروا له بالإمامة واعلم أيضا أن الأئمة المجتهدين تفاوتوا في ~~الإكثار من هذه الصناعة والإقلال فأبوا حنيفة رضي الله تعالى عنه يقال بلغت ~~روايته إلى سبعة عشر حديثا أو نحوها ومالك رحمه الله إنما صح عنده ما في ~~كتاب الموطأ وغايتها ثلثمائة حديث أو نحوها وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ~~في مسنده خمسون ألف حديث ولكل ما أداه إليه اجتهاده في ذلك وقد تقول بعض ~~المبغضين المتعسفين إلى أن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث فلهذا قلت ~~روايته ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة لأن الشريعة إنما تؤخذ من ~~الكتاب ms470 والسنة ومن كان قليل البضاعة من الحديث فيتعين عليه طلبه وروايته ~~والجد والتشمير في ذلك ليأخذ الدين عن أصول صحيحه ويتلقى الأحكام عن صاحبها ~~المبلغ لها وإنما قلل منهم من قلل الرواية لاجل المطاعن التي تعترضه فيها ~~والعلل التي تعرض في طرقها سيما والجرح مقدم عند الأكثر فيؤديه الاجتهاد ~~إلى ترك الأخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الأحاديث وطرق الأسانيد ويكثر ذلك ~~فتقل روايته PageV01P444 لضعف في الطرق هذا مع أن أهل الحجاز أكثر رواية ~~للحديث من أهل العراق لأن المدينة دار الهجرة ومأوى الصحابة ومن انتقل منهم ~~إلى العراق كان شغلهم بالجهاد أكثر والإمام أبو حنيفة إنما قلت روايته لما ~~شدد في شروط الرواية والتحمل وضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل ~~النفسي وقلت من أجلها رواية فقل حديثه لأنه ترك رواية الحديث متعمدا فحاشاه ~~من ذلك ويدل على أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم ~~والتعويل عليه واعتباره ردا وقبولا وأما غيره من المحدثين وهم الجمهور ~~فتوسعوا في الشروط وكثر حديثهم والكل عن اجتهاد وقد توسع أصحابه من بعده في ~~الشروط وكثرت روايتهم وروى الطحطاوي فأكثر وكتب مسنده وهو جليل القدر إلا ~~أنه لا يعدل الصحيحين لأن الشروط التي اعتمدها البخاري ومسلم في كتابيهما ~~مجمع عليها بين الأمة كما قالوه وشروط الطحطاوي غير متفق عليها كالرواية عن ~~المستور الحال وغيره فلهذا قدم الصحيحان بل وكتب السنن المعروفة عليه لتأخر ~~شرطه عن شروطهم ومن أجل هذا قيل في الصحيحين بالإجماع على قبولهما من جهة ~~الإجماع على صحة ما فيهما من الشروط المتفق عليها فلا تأخذك ريبة في ذلك ~~فألقوم أحق الناس بالظن الجميل بهم والتماس المخارج الصحيحة لهم والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بما في حقائق الأمور $ الفصل السابع # في علم الفقه وما يتبعه من الفرائض # ألفقه معرفة أحكام الله تعالى في افعال المكلفين بالوجوب والجهر والندب ~~والكراهة والإباحة وهي متلقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها ~~من الأدلة فإذا استخرجت الأحكام من تلك الأدلة قيل ms471 لها فقه وكان السلف ~~يستخرجونها من تلك الأدلة على اختلاف فيما بينهم ولا بد من وقوعه ضرورة أن ~~الأدلة غالبها من النصوص وهي بلغة العرب وفي اقتضاءات ألفاظها لكثير من ~~معانيها اختلاف بينهم معروف وأيضا فالسنة مختلفة الطرق في الثبوت وتتعارض ~~في الأكثر أحكامها فتحتاج إلى الترجيح وهو مختلف أيضا فالادلة من غير ~~النصوص مختلف فيها وأيضا فالوقائع المتجددة لا توفى بها النصوص وما كان ~~منها غير ظاهر في المنصوص PageV01P445 فيحمل على المنصوص لمشابهة بينهما ~~وهذه كلها إشارات للخلاف ضرورية الوقوع ومن هنا وقع الخلاف بين السلف ~~والأئمة من بعدهم ثم إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا ولا كان الدين ~~يؤخذ عن جميعهم وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ~~ومنسوخه ومتشابهة ومحكمة وسائر دلالته بما تلقوه من النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو ممن سمعه منهم ومن عليتهم وكانوا يسمون لذلك القراء أي الذين ~~يقرأون الكتاب لأن العرب كانوا أمة أمية فاختص من كان منهم قارئا للكتاب ~~بهذا الاسم لغرابته يومئذ وبقي الأمر كذلك صدر الملة ثم عظمت أمصار الإسلام ~~وذهبت الأمية من العرب بممارسة الكتاب وتمكن الاستنباط وكمل الفقه وأصبح ~~صناعة وعلما فبدلوا باسم الفقهاء والعلماء من القراء وانقسم الفقه فيهم إلى ~~طريقتين طريقة أهل الرأي والقياس وهم أهل العراق وطريقة أهل الحديث وهم أهل ~~الحجاز وكان الحديث قليلا في أهل العراق لما قدمناه فاسنكثروا من القياس ~~ومهروا فيه فلذلك قيل أهل الرأي ومقدم جماعتهم الذي استقر المذهب فيه وفي ~~أصحابه أبو حنيفة وإمام أهل الحجاز مالك بن أنس والشافعي من بعده ثم أنكر ~~القياس طائفة من العلماء وأبطلوا العمل به وهم الظاهرية وجعلوا المدارك ~~كلها منحصرة في النصوص والإجماع وردوا القياس الجلي والعلة المنصوصة إلى ~~النص لأن النص على العلة نص على الحكم في جميع محالها وكان إمام هذا المذهب ~~داود ابن علي وابنه وأصحابهما وكانت هذه المذاهب الثلاثة هي مذاهب الجمهور ~~المشتهرة بين الأمة وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به وبنوه ~~على ms472 مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح وعلى قولهم بعصمة الأئمة ورفع ~~الخلاف عن أقوالهم وهي كلها أصول واهية وشذ بمثل ذلك الخوارج ولم يحتفل ~~الجمهور بمذاهبهم بل أوسعوها جانب الإنكار والقدح فلا نعرف شيئا من مذاهبهم ~~ولا نروي كتبهم ولا أثر لشيء منها إلا في مواطنهم فكتب الشيعة فل بلادهم ~~وحيث كانت دولتهم قائمة في المغرب والمشرق واليمن والخوارج كذلك ولكل منهم ~~كتب وتآليف وآراء في الفقه غريبة ثم درس مذهب أهل الظاهر اليوم بدروس أئمته ~~وإنكار الجمهور على منتحله ولم يبق إلا في الكتب المجلدة وربما بما يعكف ~~كثير من الطالبين PageV01P446 ممن تكلف بانتحال مذهبهم على تلك الكتب يروم ~~أخذ فقههم منها ومذهبهم فلا يخلو بطائل ويصير إلى مخالفة الجمهور وإنكارهم ~~عليه وربما عد بهذه النحلة من أهل البدع بنقله العلم من الكتب من غير مفتاح ~~المعلمين وقد فعل ذلك ابن حزم بالأندلس على علو رتبته في حفظ الحديث وصار ~~إلى مذهب أهل الظاهر ومهر فيه باجتهاد زعمه في أقوالهم وخالف إمامهم داود ~~وتعرض للكثير من الأئمة المسلمين فنقم الناس ذلك عليه وأوسعوا مذهبه ~~استهجانا وإنكارا وتلقوا كتبه بالإغفال والترك حتى إنها ليحصر بيعها ~~بالاسواق وربما تمزق في بعض الأحيان ولم يبق إلا مذهب أهل الرأي من العراق ~~وأهل الحديث من الحجاز فأما أهل العراق فإمامهم الذي استقرت عنده مذاهبهم ~~أبو حنيفة النعمان بن ثابت ومقامه في الفقه لا يلحق شهد له بذلك أهل جلدته ~~وخصوصا مالك والشافعي وأما أهل الحجاز فكان إمامهم مالك ابن انس الأصبحي ~~إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى واختص بزيادة مدرك آخر للإحكام غير ~~المدارك المعتبرة عند غيره وهو عمل أهل المدينة لأنه رأى أنهم فيما ينفسون ~~عليه من فعل أو ترك متابعون لمن قبلهم ضرورة لدينهم واقتدائهم وهكذا إلى ~~الجيل المباشرين لفعل النبي صلى الله عليه وسلم الآخذين ذلك عنه وصار ذلك ~~عنده من اصول الأدلة الشرعية وظن كثيرا أن ذلك من مسائل الإجماع فأنكره لأن ~~دليل الإجماع لا يخص أهل المدينة من ms473 سواهم بل هو شامل للأمة واعلم أن ~~الإجماع إنما هو الانفاق على الأمر الديني عن اجتهاد ومالك رحمه الله تعالى ~~لم يعتبر عمل أهل المدينة من هذا المعنى وإنما اعتبره من حيث اتباع الجيل ~~بالمشاهدة للجيل إلى أن ينتهي إلى الشارع صلوات الله وسلامه عليه وضرورة ~~اقتدائهم بعين ذلك يعم الملة ذكرت في باب الإجماع والأبواب بها من حيث ما ~~فيها من الاتفاق الجامع بينها وبين الإجماع إلا أن اتفاق أهل الإجماع عن ~~نظر واجتهاد في الأدلة واتفاق هؤلاء في فعل أو ترك مستندين إلى مشاهدة من ~~قبلهم ولو ذكرت المسألة في باب فعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره أو مع ~~الأدلة المختلف فيها مثل مذهب الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب لكان أليق ~~ثم كان من بعد مالك بن أنس محمد بن أدريس المطلبي الشافعي رحمهما الله ~~تعالى رحل إلى العراق PageV01P447 من بعد مالك ولقي أصحاب الإمام أبي حنيفة ~~وأخذ عنهم ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق واختص بمذهب وخالف ~~مالكا رحمه الله تعالى في كثير من مذهبه وجاء من بعدهما أحمد بن حنبل رحمه ~~الله وكان من عليه المحدثين وقرا أصحابه على أصحاب الإمام أبي حنيفة مع ~~وفور بضاعتهم من الحديث فاختصوا بمذهب آخر ووقف التقليد في الأمصار عند ~~هؤلاء الأربعة ودرس المقلدون لمن سواهم وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر ~~تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما علق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد ولما خشي ~~من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه فصرحوا بالعجز ~~والإعواز وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء كل من اختص به المقلدين وحظروا أن ~~يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب ولم يبق إلا نقل مذاهبهم وعمل كل مقلد ~~بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية لا محصول اليوم ~~للفقه غير هذا ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده وقد ~~صار أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة فأما أحمد بن حنبل ~~فمقلده قليل ms474 لبعد مذهبه عن الاجتهاد وأصالته في معاضدة الرواية وللأخبار ~~بعضها ببعض وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد ونواحيها وهم أكثر الناس حفظا ~~للسنة ورواية الحديث وأما أبو حنيفة فقلده اليوم أهل العراق ومسلمة الهند ~~والصين وما وراء النهر وبلاد العجم كلها لما كان مذهبه أخص بالعراق ودار ~~السلام وكان تلميذه صحابة الخلفاء من بني العباس فكثرت تآليفهم ومناظراتهم ~~مع الشافعية وحسنت مباحثهم في الخلافيات وجاءوا منها بعلم مستظرف وأنظار ~~غريبة وهي بين أيدي الناس وبالمغرب منها شيء قليل نقله إليه القاضي بن ~~العربي وأبو الوليد الباجي في رحلتهما وأما الشافعي فمقلدوه بمصر أكثر مما ~~سواها وقد كان انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وما وراء النهر وقاسموا الحنفية ~~في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار وعظمت مجالس المناظرات بينهم وشحنت كتب ~~الخلافيات بأنواع استدلالاتهم ثم درس ذلك كله بدروس المشرق وأقطاره وكان ~~الإمام محمد بن أدريس الشافعي لما نزل على بني عبد الحكم بمصر أخذ عنه ~~جماعة من بني عبد الحكم وأشهب وابن القاسم PageV01P448 # وأبن المواز وغيرهم ثم الحارس بن مسكين وبنوه ثم انقرض فقه أهل السنة من ~~مصر بظهور دولة الرافضة وتداول بها فقه أهل البيت وتلاشي من سواهم إلى أن ~~ذهبت دولة العبيديين من الرافضة على يد صلاح الدين يوسف بن ايوب ورجع إليهم ~~فقه الشافعي وأصحابه من أهل العراق والشام فعاد إلى أحسن ما كان ونفقت سوقه ~~واشتهر منهم محي الدين النووي من الحلبة التي ربيت في ظل الدولة الأيوبية ~~بالشام وعز الدين بن عبد السلام أيضا ثم ابن الرقعة بمصر وتقي الدين بن ~~دقيق العيد ثم تقي الدين السبكي بعدهما إلى أن انتهى ذلك إلى شيخ الإسلام ~~بمصر لهذا العهد وهو سراج الدين البلقيني فهو اليوم أكبر الشافعية بمصر ~~كبير العلماء بل أكبر العلماء من أهل العصر وأما مالك رحمه الله تعالى ~~فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس وإن كان يوجد في غيرهم إلا أنهم لم ~~يقلدوا غيره إلا في القليل لما أن رحلتهم كانت غالبا إلى الحجاز وهو منتهى ~~سفرهم ms475 والمدينة يومئذ دار العلم ومنها خرج إلى العراق ولم يكن العراق في ~~طريقهم فاقتصروا عن الأخذ عن علماء المدينة يومئذ وإمامهم مالك وشيوخه من ~~قبله وتلميذه من بعده فرجع إليه أهل المغرب والأندلس وقلدوه دون غيره ممن ~~لم تصل إليهم طريقته وايضا فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس ~~ولم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق فكانوا إلى أهل الحجاز أميل ~~لمناسبة البدواة ولهذا لم يزل المذهب المالكي غضا عندهم ولم يأخذه تنقيح ~~الحضارة وتهذيبها كما وقع في غيره من المذاهب ولما صار مذهب كل أمام علما ~~مخصوصا عند أهل مذهبه ولم يكن لهم سبيلا إلى الاجتهاد والقياس فاحتاجوا إلى ~~تنظير المسائل في الإلحاق وتفريقها عند الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول ~~المقررة من مذاهب إمامهم وصار ذلك كله يحتاج إلى ملكه راسخة يقتدربها على ~~ذلك النوع من التنظير اوالتفرقة واتباع مذهب إمامهم فيهما ما استطاعوا وهذه ~~الملكة هي علم الفقه لهذا العهد وأهل المغرب جميعا مقلدون لمالك رحمه الله ~~وقد كان تلاميذه افترقوا بمصر والعراق فكان بالعراق منهم القاضي إسماعيل ~~وطبقته مثل ابن خويز منداد وابن اللبان والقاضي وابي بكر الأبهري والقاضي ~~أبي حسين بن القصار والقاضي عبد الوهاب ومن بعدهم وكان PageV01P449 # بمصر أبن القاسم وأشهب وأبن عبد الحكم والحارث بن مسكين وطبقتهم ورحل من ~~الأندلس عبد الملك بن حبيب فاخذ عن ابن القاسم وطبقته وبث مذهب مالك في ~~الأندلس ودون فيه كتاب الواضحة ثم دون العتبي من تلامذته كتاب العتبية ورحل ~~من أفريقية أسد بن الفرات فكتب عن اصحاب أبي حنيفة أولا ثم انتقل إلى مذهب ~~مالك وكتب علي ابن القاسم في سائر أبواب الفقه وجاء إلى القيروان بكتابه ~~وسمي الأسدية نسبة إلى اسد بن الفرات فقرا بها سحنون على اسد ثم أرتحل إلى ~~المشرق ولقي أبن القاسم وأخذ عنه وعارضه بمسائل الأسدية فرجع عن كثير منها ~~وكتب سحنون مسائلها ودونها وأثبت ما رجع عنه وكتب لأسد أن يأخذ بكتاب سحنون ~~فأنف من ذلك فترك الناس كتابه وأتبعوا مدونة ms476 سحنون على ما كان فيها من ~~أختلاط المسائل في الأبواب فكانت تسمى المدونة والمختلطة وعكف أهل القيروان ~~على هذه المدونة وأهل الأندلس على الواضحة والعتبية ثم اختصر ابن أبي زيد ~~المدونة والمختلطة في كتابه المسمى بالمختصر ولخصه أيضا أو سعيد البرادعي ~~من فقهاء القيروان في كتابه المسمى بالتهذيب واعتمده المشيخة من أهل ~~أفريقية واخذوا به وتركوا ما سواه وكذلك اعتمد أهل الأندلس كتاب العتبية ~~وهجروا الواضحة وما سواها ولم تزل علماء المذهب يتعاهدون هذه الأمهات ~~بالشرح والإيضاح والجمع فكتب أهل أفريقية على المدونة ما شاء الله أن ~~يكتبوا مثل ابن يونس واللخمي وابن محرز التونسي وأبن بشير وأمثالهم وكتب ~~أهل الأندلس على العتبية ما شاء الله أن يكتبوا مثل ابن رشد وامثاله وجمع ~~ابن أبي زيد جميع ما في الأمهات من المسائل والخلاف والأقوال في كتاب ~~النوادر فاشتمل على جميع أقوال المذاهب وفرع الأمهات كلها في هذا الكتاب ~~ونقل ابن يونس معظمه في كتابه على المدونة وزخرت بحار المذاهب المالكي في ~~الأفقين إلى انقراض دولة قرطبة والقيروان ثم تمسك بهما أهل المغرب بعد ذلك ~~إلى ان جاء كتاب أبي عمرو بن الحاجب لخص فيه طرق اهل المذهب في كل باب ~~وتعديد أقوالهم في كل مسئلة فجاء كالبرنامج للمذهب وكانت الطريقة المالكية ~~بقيت في مصر من لدن الحارث بن مسكين وابن المبشر وابن اللهبت وابن الرشيق ~~وابن شاس وكانت بالإسكندرية في بني عوف PageV01P450 # وبني سند وابن عطاء الله ولم أدر عمن أخذها أبو عمرو بن الحاجب لكنه جاء ~~بعد انقراض دولة العبيريين وذهاب فقه أهل البيت وظهور فقهاء السنة من ~~الشافعية والمالكية ولما جاء كتابه إلى المغرب آخر المائة السابعة عكف عليه ~~الكثير من طلبة المغرب وخصوصا أهل بجاية لما كان كبير مشيختهم أبو علي ناصر ~~الدين الزواوي هو الذي جلبه إلى المغرب فإنه كان قرأ على أصحابه بمصر ونسخ ~~مختصره ذلك فجاء به وانتشر بقطر بجاية في تلميذة ومنهم انتقل إلى سائر ~~الأمصار المغربية وطلبة الفقه بالمغرب لهذا العهد يتداولون ms477 قراءته ~~ويتدارسونه لما يؤثر عن الشيخ ناصر الدين من الترغيب فيه وقد شرحه جماعة من ~~شيوخهم كإبن عبد السلام وابن رشد وابن هارون وكلهم من مشيخة أهل تونس وسابق ~~في حلبتهم في الإجادة في ذلك أبن عبد السلام وهم مع ذلك يتعاهدون كتاب ~~التهذيب في دروسهم والله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم $ الفصل الثامن في ~~علم الفرائض # وهو معرفة فروض الوراثة وتصحيح سهام الفريضة مما تصح باعتبار فروضها ~~الأصول أو مناسختها وذلك إذا هلك أحد الورثة وانكسرت سهامه على فروض ورثته ~~فإنه حينئذ يحتاج إلى حسب تصحيح الفريضة الأولى حتى يصل أهل الفروض جميعا ~~في الفريضتين إلى فروضهم من غير تجزئة وقد تكون هذه المناسخات أكثر من واحد ~~واثنين وتتعدد لذلك بعدد أكثر زيقدر ما تحتاج إلى الحسبان وكذلك إذا كانت ~~فريضة ذات وجهين مثل ان يقر بعض الورثة بوارث وينكره الآخر فتصحح على ~~الوجهين وينظر مبلغ السهام ثم تقسم التركة على نسب سهام الورثة من اصل ~~الفريضة وكل ذلك يحتاج إلى الحسبان وكان غالبا فيه وجعلوه فنا مفردا وللناس ~~فيه تأليف كثيرة أشهر ما عند المالكية من متأخري الأندلس كتاب أبن ثابت ~~ومختصره القاضي أبي القاسم الخوفي الجعدي ومن متأخري أفريقية ابن النمر ~~الطرابلسي وأمثالهم واما الشافعية والحنفية والحنابلة فلهم نية تآليف كثيرة ~~واعمال عظيمة صعبة شاهدة لهم باتساع الباع في الفقه والحساب PageV01P451 # وخصوصا أبا المعالي رضي الله تعالى عنه وأمثاله من اهل المذاهب وهو فن ~~شريف لجمعه بين المعقول والمنقول والوصول به إلى الحقوق في الوراثات بوجوه ~~يقينية عند ما تجهل الحظوظ وتشكل على القاسمين وللعلماء أهل الأمصار بها ~~عناية ومن المصنفين من يحتاج فيها الغلو في الحساب وفرض المسائل التي تحتاج ~~إلى استخراج المجهولات من فنون الحساب كالجبر والمقابلة والتصرف في الجذور ~~وامثال ذلك فيملأون بها تآليفهم وهو وإن لم يكن متداولا بين الناس ولا يفيد ~~فيما يتداولونه من وراثتهم لغرابته وقلة وقوعه فهو يفيد المران وتحصيل ~~الملكة المتداول على أكمل الوجوه وقد يحتج الأكثر من ms478 أهل هذا الفن على فضله ~~بالحديث المنقول عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الفرائض ثلث العلم وانها أول ~~ما ينسي وفي رواية نصف العلم خرجه أبو نعيم الحافظ واحتج به اهل الفرائض ~~بناء على أن المراد بالفرائض فروض الوراثة والذي يظهر أن هذا المحل بعيد ~~وإن المراد بالفرائض إنما هي الفرائض التكليفية في العبادات والعادات ~~والمواريث وغيرها وبهذا المعنى يصح فيها التصفية والثلثية واما فروض ~~الوراثة فهي اقل من ذلك كله بالنسبة إلى علم الشريعة كلها ويعين هذا المراد ~~أن حمل لفظ الفرائض على هذا الفن المخصوص أو تخصيصه بفروض الوراثة إنما هو ~~اصطلاح ناشيء للفقهاء عند حدوث الفنون والاصطلاحات ولم يكن صدر الأسلام ~~يطلق على هذا إلا على عمومة مشتقا من الفرض الذي هو لغة التقدير أو القطع ~~وما كان المراد به في وسلم كانت الأحكام تتلقى بما يوحي إليه من القرآن ~~ويبينه بقوله وفعله PageV01P452 # بخطاب شفاهي لا يحتاج إلى نقل ولا إلى نظر وقياس ومن بعده صلوات الله ~~وسلامه عليه تعذر الخطاب الشفاهي وانحفظ القرآن بالتواتر وأما السنة فاجمع ~~الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على وجوب العمل بما يصل إلينا منها قولا أو ~~فعلا بالنقل الصحيح الذي يغلب على الظن صدقة وتعينت دلالة الشرع في الكتاب ~~والسنة بهذا الأعتبار ثم ينزل الإجماع منزلتهما لإجماع الصحابة على النكير ~~على مخالفيهم ولا يكون ذلك إلا عن مستند لأن مثلهم لا يتفقون من غير دليل ~~ثابت مع شهادة الأدلة بعصمة الجماعة فصار الإجماع دليلا ثابتا في الشرعيات ~~ثم نظرنا في طرق استدلال الصحابة والسلف بالكتاب والسنة فإذا هم يقيسون ~~الأشباة بالأشباة منهما ويناظرون الأمثال بالأمثال بإجماع منهم وتسليهم ~~بعضهم لبعض في ذلك فإن كثيرا من الواقعات بعده صلوات الله وسلامه عليه لم ~~تندرج في النصوص الثابتة فقاسوها بما ثبت والحقوها بما نص عليه بشروط في ~~ذلك الإلحاق تصحيح تلك المساواة بين الشبيهين أو المثلين حتى يغلب على الظن ~~أن حكم الله تعالى فيهما واحد وصار ذلك دليلا شرعيا بإجماعهم عليه ms479 وهو ~~القياس وهو رابع الإدلة واتفق جمهور العلماء على أن هذه هي أصول الأدلة وإن ~~خالف بعضهم في الإجماع والقياس إلا أنه شذوذ وألحق بعضهم بهذه الأربعة أدلة ~~أخرى لا حاجة بنا إلى ذكرها لضعف مداركها وشذوذ القول فيها فكان أول مباحث ~~هذا الفن النظر في كون هذه أدلة فأما الكتاب فدليله المعجزة القاطعة في ~~متنه والتواتر في نقله فلم يبق فيه مجال للاحتمال وأما السنة وما نقل إلينا ~~منها فالإجماع على وجوب العمل بما يصح منها كما قلناه معتضدا بما كان عليه ~~العمل في حياته صلوات الله وسلامه عليه من إنقاذ الكتب والرسل إلى النواحي ~~بالأحكام والشرائع أمرا وناهيا وأما الإجماع فلاتفاقهم رضوان الله تعالى ~~عليهم على إنكار مخالفتهم مع العصمة الثابتة للأمة وأما القياس فبإجماع ~~الصحابة رضي الله عنهم عليه كما قدمناه هذه أصول الأدلة ثم أن المنقول من ~~السنة محتاج إلى تصحيح الخبر بالنظر من طرق النقل وعدالة الناقلين لتتميز ~~الحالة المحصلة للظن بصدقه الذي هو مناط وجوب العمل وهذه أيضا من قواعد ~~الفن ويلحق بذلك عند التعارض بين الخبرين وطلب المتقدم منهما PageV01P453 # معرفة الناسخ والمنسوخ وهي من فصوله أيضا وأبوابه ثم بعد ذلك يتعين النظر ~~في دلالة الألفاظ وذلك أن استفادة المعاني على الإطلاق من تراكيب الكلام ~~على الإطلاق يتوقف على معرفة الدلالات الوضعية مفردة ومركبة والقوانين ~~اللسانية في ذلك هي علوم النحو والتصريف والبيان وحين كان الكلام ملكه ~~لأهله لم تكن هذه علوما ولا قوانين ولم يكن الفقه حينئذ يحتاج إليها لأنها ~~جبلة وملكة فلما فسدت الملكة في لسان العرب قيدها الجهابذة المتجردون لذلك ~~بنقل صحيح ومقايس مستنبطة صحيحة وصارت علوما يحتاج إليها الفقيه في معرفة ~~أحكام الله تعالى ثم إن هناك استفادات أخرى خاصة من تراكيب الكلام وهي ~~استفادة الأحكام الشرعية بين المعاني من أدلتها الخاصة من تراكيب الكلام ~~وهو الفقه ولا يكفي فيه معرفة الدلالات الوضعية على الإطلاق بل لا بد من ~~معرفة أمور أخرى تتوقف عليها تلك الدلالات الخاصة وفيها تستفاد الأحكام ms480 ~~بحسب ما اصل أهل الشرع وجهابذة العلم من ذلك وجعلوه قوانين لهذه الأستفاده ~~مثل أن اللغة لا تثبت قياسا والمشترك لا يراد به معناه معا والواو لا تقتضي ~~الترتيب والعام إذا أخرجت أفراد الخاص منه هل يبقى حجة فيما عداها والأمر ~~للوجوب أو الندب وللفور أو التراخي والنهي يقتضي الفساد أو الصحة والمطلق ~~هل يحمل على المقيد والنص على العلة كاف في التعدد أم لا وأمثال هذه فكانت ~~كلها من قواعد هذا الفن ولكونها من مباحث الدلالة كانت لغوية ثم إن النظر ~~في القياس من اعظم قواعد هذا الفن لأن فيه تحقيق الأصل والفرع فيما يقاس ~~ويماثل من الأحكام وينفتح الوصف الذي يغلب على الظن أن الحكم علق به في ~~الأصل من تبين أوصاف ذلك المحل أو وجود ذلك الوصف والفرع من معارض يمنع من ~~ترتيب الحكم عليه في مسائل أخرى من توابع ذلك كلها قواعد لهذا الفن واعلم ~~أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة وكان السلف في غنية عنه بما أن ~~استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة ~~اللسانية وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصا فمنهم ~~أخذ معظمها وأما الاسانيد فلم يكونوا يحتاجون إلى النظر فيها لقرب العصر ~~وممارسة النقلة وخبرتهم بهم فلما انقرض السلف وذهب PageV01P454 # الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة كما قررنا من قبل احتاج الفقهاء ~~والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة ~~فكتبوها فنا قائما برأسه سموه أصول الفقه وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي ~~الله تعالى عنه أملي فيه رسالته المشهورة تكلم فيها في الأوامر والنواهي ~~والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس ثم كتب فقهاء الحنفية ~~فيه وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها وكتب المتكلمون أيضا كذلك إلا ~~أن كتابة الفقهاء فيها أمس بالفقه وأليق بالفروع لكثرة الأمثلة منها ~~والشواهد وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية والمتكلمون يجردون صور تلك ~~المسائل على الفقه ويميلون إلى الاستدلال العقلي ما ms481 أمكن لأنه غالب فنونهم ~~ومقتضى طريقتهم فكان لفقهاء الحنفية فيها اليد الطولى من الغوص على النكت ~~الفقهية والتقاط هذه القوانين من مسائل الفقه ما أمكن وجاء أبو زيد الدبوسي ~~من ائمتهم فكتب في القياس بأوسع من جميعهم وتمم الأبحاث والشروط التي يحتاج ~~إليها فيه وكملت صناعة أصول الفقه بكمالة وتهذبت مسائلة وتمهدت قواعده وعني ~~الناس بطريقة المتكلمين فيه وكان من أحسن ما كتب فيه المتكلمون كتاب ~~البرهان لإمام الحرمين والمستصفى للغزالي وهما من الأشعرية وكتاب العهد ~~لعبد الجبار وشرحه المعتمد لأبي الحسين البصري وهما من المعتزلة وكانت ~~الأربعة قواعد هذا الفن وأركانه ثم لخص هذه الكتب الأربعة فحلان من ~~المتكلمين المتأخرين وهما الإمام فخر الدين بن الخطيب في كتاب المحصول وسيف ~~الدين الأمدي في كتاب الأحكام واختلفت طرائقهما في الفن بين التحقيق ~~والحجاج فأبن الخطيب أميل إلى الاستكثار من الأدلة والاحتجاج والأمدي مولع ~~بتحقيق المذاهب وتفريع المسائل وأما كتاب المحصول فاختصره تلميذ الإمام ~~سراج الدين الأرموي في كتاب التحصيل وتاج الدين الأرموي في كتاب الحاصل ~~واقتطف شهاب الدين القرافي منهما مقدمات وقواعد في كتاب صغير سماه ~~التنقيحات وكذلك فعل البيضاوي في كتاب المنهاج وعني المبتدئون بهذين ~~الكتابين وشرحهما كثير من الناس وأما كتاب الإحكام للآمدي وهو أكثر تحقيقا ~~في المسائل فلخصه أبو عمر بن الحاجب في كتابه PageV01P455 # المعروف بالمختصر الكبير ثم اختصره في كتاب آخر تداوله طلبه العلم وعني ~~أهل المشرق والمغرب به وبمطالعته وشرحه وحصلت زبدة طريقة المتكلمين في هذا ~~الفن في هذه المختصرات واما طريقة الحنفية فكتبوا فيها كثيرا وكان من احسن ~~كتابة فيها للمتقدمين تأليف أبي زيد الدبوسي وأحسن كتابة المتأخرين فيها ~~تأليف سيف الإسلام البزدوي من إئمتهم وهو مستوعب وجاء ابن الساعاتي من ~~فقهاء الحنفية فجمع بين كتاب الإحكام وكتاب البزدوي في الطريقتين وسمي ~~كتابه بالبدائع فجاء من احسن الأوضاع وأبدعها وأئمة العلماء لهذا العهد ~~يتداولونه قراءة وبحثا وأولع كثير من علماء العجم بشرحه والحال على ذلك ~~لهذا العهد هذه حقيقة هذا الفن وتعيين موضوعاته وتعديد ms482 التأليف المشهور ~~لهذا العهد فيه والله ينفعنا بالعلم ويجعلنا من أهله بمنه وكرمه إنه على كل ~~شيء قدير واما الخلافات فأعلم أن هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر ~~فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم خلافا لابد من وقوعه ~~لما قدمناه واتسع في ذلك الملة اتساعا عظيما وكان للمقلدين أن يقلدوا من ~~شاءوا منهم ثم لما انتهى ذلك إلى الأئمة الأربعة من علماء الأمصار وكانوا ~~بمكان من حسن الظن بهم اقتصر الناس على تقليدهم ومنعوا من تقليد سواهم ~~لذهاب الاجتهاد لصعوبته وتشعب العلوم التي هي مواده باتصال الزمان وافتقاد ~~من يقوم على سوى هذه المذاهب الأربعة فأقيمت هذه المذاهب الأربعة أصول ~~الملة وأجري الخلاف بين المتمسكين بها والآخذين باجكامها مجرى الخلاف في ~~النصوص الشرعية والأصول الفقهية وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم ~~مذهب إمامه تجري على اصول صحيحة وطرائق قويمة يحتج بها كل على مذهبه الذي ~~قلده وتمسك به وأجريت في مسائل الشريعة كلها وفي كل باب من ابواب الفقه ~~فتارة يكون الخلاف بين الشافعي ومالك وأبو حنيفة يوافق إحدهما وتارة بين ~~مالك وأبي حنيفة والشافعي يوافق احدهما وتارة بين الشافعي وأبي حنيفة ومالك ~~يوافق إحدهما وكان في هذه المناظرات بيان مآخذ هؤلاء الأئمة ومثارات ~~اختلافهم ومواقع اجتهادهم كان هذا الصنف من العلم يسمى بالخلافيات ولا بد ~~لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها PageV01P456 # إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد إلا أن المجتهد يحتاج إليها ~~للاستنباط وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من ان ~~يهدمها المخالف بأدلته وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة ~~وأدلتهم ومران المطالعين له على الاستدلال عليه وتأليف الحنفية والشافعية ~~فيه أكثر من تأليف المالكية لأن القياس عند الحنفية أصل للكثير من فروع ~~مذهبهم كما عرفت فهم لذلك أهل النظر والبحث وأما المالكية فالأثر أكثر ~~معتمدهم وليسوا بأهل نظر وأيضا فأكثرهم أهل الغرب وهم بادية غفل من الصنائع ~~إلا في الأقل وللغزالي رحمه الله تعالى فيه كتاب المآخذ ولأبي ms483 زيد الدبوسي ~~كتاب التعليقة ولأبن القصار من شيوخ المالكية عيون الأدلة وقد جمع أبن ~~الساعاتي في مختصره في أصول الفقه جميع ما ينبني عليها من الفقه الخلافي ~~مدرجا في كل مسألة ما ينبنى عليها من الخلافيات وأما الجدال وهو معرفة آداب ~~المناظرة التي تجري بين اهل المذاهب الفقهية وغيرهم فإنه لما كان باب ~~المناظرة في الرد والقبول متسعا وكل واحد من المتناظرين في الاستدلال ~~والجواب يرسل عنانه في الاحتجاج ومنه ما يكون صوابا ومنه ما يكون خطأ ~~فاحتاج الأئمة إلى ان يضعوا آدابا وأحكاما يقف المتناظران عند حدودها في ~~الرد والقبول وكيف يكون حال المستدل والمجيب وحيث يسوغ له أن يكون مستدلا ~~وكيف يكون مخصوصا منقطعا ومحل اعتراضه أو معارضته وأين يجب عليه السكوت ~~ولخصمه الكلام والاستدلال ولذلك قيل فيه إنه معرفة بالقواعد من الحدود ~~والآداب في الاستدلال التي يتوصل بها إلى حفظ رأي وهدمه سواء كان ذلك الرأي ~~من الفقه أو غيره وهي طريقتان طريقة البزدوي وهي خاصة بالأدلة الشرعية من ~~النص والإجماع والاستدلال وطريقة العميدي وهي عامة في كل دليل يستدل به من ~~اي علم كان أو أكثره استدلال وهو من المناحي الحسنة والمغالطات فيه في نفس ~~الأمر كثيرة وإذا اعتبرنا النظر المنطقي كان في الغالب أشبه بالقياس ~~المغالطي والسوفسطائي إلا أن صور الأدلة والأقيسة فيه محفوظة مراعاة تتحرى ~~فيها طرق الآستدلال كما ينبغي وهذا العميدي هو أول من كتب فيها ونسبت ~~الطريقة إليه وضع الكتاب المسمى بالإرشاد مختصرا وتبعه من بعده PageV01P457 # سن المتأخرين كالنسفي وغيره جاءوا على اثره وسلكوا مسلكه وكثرت في ~~الطريقة التآليف وهي لهذا العهد مهجورة لنقص العلم والتعليم في الأمصار ~~الإسلامية وهي مع ذلك كمالية وليست ضرورية والله سبحانه وتعالى أعلم وبه ~~التوفيق $ الفصل العاشر في علم الكلام # هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الأيمانية بالأدلة العقلية والرد على ~~المتبدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة وسر هذه ~~العقائد الإيمانية هو التوحيد فلنقدم هنا لطيفة في برهان عقلي يكشف لنا عن ~~التوحيد ms484 على أقرب الطرق والمآخذ ثم نرجع إلى تحقيق علمه وفيما ينظر ويشير ~~إلى حدوثه في الملة وما دعا إلى وضعه فنقول إن الحوادث في عالم الكائنات ~~سواء كانت من الذوات أو من الأفعال البشرية أو الحيوانية فلا بد لها من ~~أسباب متقدمة عليها بها تقع في مستقر العادة وعنها يتم كونه وكل واحد من ~~هذه الأسباب حادث أيضا فلا بد له من اسباب أخر ولا تزال تلك الأسباب مرتقية ~~حتى تنتهي إلى مسبب الأسباب وموجدها وخالقها سبحانه من لا اله في إدراكها ~~وتعديدها فإذا لا يحصرها إلا العلم المحيط سيما الأفعال البشرية والحيوانية ~~فإن من جملة أسبابها في الشاهد القصود والإرادات إذ لا يتم كون الفعل الا ~~بإرادته والقصد إليه والقصود والإرادات أمور نفسانية ناشئة في الغالب عن ~~تصورات سابقة يتلو بعضها بعضا وتلك التصورات هي أسباب قصد الفعل وقد تكون ~~أسباب تلك التصورات تصورات اخرى وكل ما يقع في النفس من التصورات مجهول ~~سببه إذ لا يطلع أحد على مبادئ الأمور النفسانية ولا على ترتيبها إنما هي ~~أشياء يلقيها الله في الفكر يتبع بعضها بعض والأنسان عاجز عن معرفة مبادئها ~~وغاياتها وإنما يحيط علما في الغالب بالأسباب التي هي طبيعة ظاهرة ويقع في ~~مداركها على نظام وترتيب لأن الطبيعة محصورة للنفس وتحت طورها واما ~~التصورات فنطاقها أوسع من النفس لأنها للعقل الذي هو فرق طور النفس فلا ~~تدرك الكثير منها فضلا عن الإحاطة ونأمل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن ~~النظر PageV01P458 # إلى الأسباب والوقوف معها فإنه واد يهيم فيه الفكر ولا يحلو منه بطائل ~~ولا يظفر بحقيقه قال الله @QB@ ثم ذرهم في خوضهم يلعبون @QE@ وربما انقطع ~~في وقوفه عن الارتقاء إلى ما فوقه فزلت قدمه واصبح من الضالين الهالكين ~~نعوذ بالله من الحرمان والخسران المبين ولا يحسبن أن هذا الوقوف أو الرجوع ~~عنه في قدرتك وأختيارك بل هو لون يحصل للنفس وصبغة تستحكم من الخوض في ~~الأسباب على نسبه لا نعلمها إذ لو علمناها لتحررنا منها فلنتحرز من ms485 ذلك ~~بقطع النظر عنها جملة وايضا فوجه تأثير هذه الأسباب في الكثير من مسبباتها ~~مجهول لأنها إنما يوقف عليها بالعادة لاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر ~~وحقيقة التأثير وكيفيته مجهولة وما أوتيتم من العلم إلا قليلا فلذلك أمرنا ~~بقطع النظر عنها وإلغائها جملة والتوجه إلى مسبب الأسباب كلها وفاعلها ~~وموجدها لترسخ صفة التوحيد في النفس على ما علمنا الشارع الذي هو أعرف ~~بمصالح ديننا وطرق سعادتنا لأطلاعه إلى ما وراء الحس قال صلى الله عليه ~~وسلم من مات يشهد أن لا اله إلا الله دخل الجنة فإن وقف عند تلك الأسباب ~~فقد انقطع وحقت عليه كلمة الكفر وان سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن ~~أسبابها وتأثيراتها واحدا بعد واحد فأنا الضامن له أن لا يعود إلا بالخيبة ~~فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب وامرنا بالتوحيد المطلق قل هو الله ~~أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوأ أحد ولا تثقن بما يزعم لك ~~الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات واسبابها والوقوف على تفصيل ~~الوجود كله وسفه رأيه في ذلك واعلم أن الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه ~~منحصر في مداركه لا يعدوها والأمر في نفسه بخلاف ذلك والحق من ورائه ألا ~~ترى الأصم كيف ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربع والمعقولات ويسقط من ~~الوجود عنده صنف المسموعات وكذلك الأعمى أيضا يسقط عنده صنف المرئيات ولولا ~~ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من اهل عصرهم والكافة لما أقروا به ~~لكنهم يتبعون الكافة في إثبات هذه الأصناف لا بمقتضى فطرتهم وطبيعة إدراكهم ~~ولو سئل الحيوان الأعجم ونطق لوجدناه منكرا للمعقولات وساقطة لديه بالكلية ~~فإذا علمت هذا فلعل هناك ضربا من الإدراك غير مدركاتنا لأن إدراكاتنا ~~مخلوقة PageV01P459 محدثة وخلق الله أكبر من خلق الناس والحصر مجهول ~~والوجود أوسع نطاقا من ذلك والله من ورائهم محيط فاتهم إدراكك ومحركاتك في ~~الحصر واتبع ما أمرك الشارع به من اعتقادك وعملك فهو أحرص على سعادتك وأعلم ~~بما ينفعك لأنه ms486 من طور فوق إدراكك ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك وليس ذلك ~~بقادح في العقل ومداركه بل العقل ميزان صحيح فأحكامه يقينية لا كذب فيها ~~غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والأخرة وحقيقة النبوة وحقائق ~~الصفات الإلهية وكل ما وراء طورة فإن ذلك في محال ومثال ذلك مثال رجل رأى ~~الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال وهذا لا يدرك على أن ~~الميزان في أحكامه غير صادق لكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدي طوره حتى يكون ~~له أن يحيط بالله وبصفاته فإنه ذرة من ذلاات الوجود الحاصل منه وتفطن في ~~هذا الغلط ومن يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا وقصور فهمه ~~واضمحلال رأيه فقد تبين لك الحق ذلك وإذ تبين ذلك فلعل الأسباب إذا تجاوزت ~~في الأرتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا خرجت عن أن تكون مدركة فيضل العقل في ~~بيدأ الأوهام ويحار وينقطع فإذا التوحيد اوالعجز عن إدراك الأسباب وكيفيات ~~تأثيرها وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها إذ لا فاعل غيره وكلها ترتقي ~~إليه وترجع إلى قدرته وعلمنا به إنما هو من حيث صدورنا عنه وهذا معنى ما ~~نقل عن بعض الصديقين العجز عن الإدراك إدراك ثم إن المعتبر في هذا التوحيد ~~ليس هو الأيمان فقط الذي هو تصديق حكمي فإن ذلك من حديث النفس وإنما الكمال ~~فيه حصول صفة منه تتكيف بها النفس كما أن المطلوب من الأعمال والعبادات ~~أيضا حصول ملكه الطاعة والانقياد وتفريغ القلب عن شواغل ما سوى المعبود حتى ~~ينقلب المريد السالك ربانيا والفرق بين الحال والعلم في العقائد فرق ما بين ~~القول والأتصاف وشرحه أن كثيرا من الناس يعلم أن رحمة اليتيم والمسكين قربه ~~إلى الله تعالى مندوب إليها ويقول بذلك ويعترف به ويذكر مأخذه من الشريعة ~~وهو لو رأى يتيما أو مسكينا من ابناء المستضعفين لفر عنه واستنكف أن يباشره ~~فضلا عن التمسح عليه للرحمة وما بعد ذلك من مقامات العطف والحنو والصدقة ~~فهذا إنما حصل ms487 له PageV01P460 # من رحمة اليتيم مقام العلم ولم يحصل له مقام الحال والاتصاف ومن الناس من ~~يحصل له مع مقام العلم والاعتراف بأن رحمة المسكين قربه إلى الله تعالى ~~مقام آخر اعلى من الأول وهو الإتصاف بالرحمة وحصول ملكتها فمتى رأى يتيما ~~أو مسكينا بادر إليه ومسح عليه والتمس الثواب في الشفقة عليه لا يكاد يصير ~~عن ذلك ولو دفع عنه ثم يتصدق بما حضره من ذات يده وكذا علمك بالتوحيد مع ~~اتصافك به والعلم حاصل عن الأتصاف ضرورة وهو أوثق مبني من العلم الحاصل قبل ~~الاتصاف وليس الاتصاف بحاصل عن مجرد العلم حتى يقع العمل ويتكرر مرارا غير ~~منحصرة فترسخ الملكة ويحصل الاتصاف والتحقيق ويجيء العلم الثاني النافع في ~~الآخرة فإن العلم الأول المجرد عن الأتصاف قليل الجدوى والنفع وهذا علم ~~أكثر النظار والمطلوب إنما هو العلم الحالي الناشيء عن العادة واعلم ان ~~الكمال عند الشارع في كل ما كلف به انما هو في هذا فما طلب اعتقاده فالكمال ~~فيه هو العلم الثاني الحاصل عن الاتصاف وما طلب عمله من العبادات فالكمال ~~فيها في حصول الاتصاف والتحقق بها ثم إن الإقبال على العبادات والمواظبة ~~عليها هو المحصل لهذه الثمرة الشريفة قال صلى الله عليه وسلم في راس ~~العبادات جعلت قرة عيني في الصلاة فإن الصلاة صارت له صفة وحالا فيها منتهى ~~لذاته وقرة عينه وأين هذا من صلاة الناس ومن لهم بها فويل للمصلين الذين هم ~~عن صلاتهم ساهون اللهم وفقنا واهدنا الصراط المستقيم الذين انعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين فقد تبين لك من جميع ما قررناه أن المطلوب في ~~التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس يحصل عنها علم اضطراري للنفس هو ~~التوحيد وهو العقيدة الإيمانية وهو الذي تحصل به السعادة وأن ذلك سواء في ~~التكاليف القلبية والبدنية ويتفهم منه أن الإيمان الذي هو اصل التكاليف ~~وينبوعها هو بهذه المثابة ذو مراتب أولها التصديق القلبي الموافق للسان ~~واعلاها حصول كيفية من ذلك الإعتقاد القلبي وما يتبعه من ms488 العمل مستولية على ~~القلب فيستتبع الجوارح وتندرج في طاعتها جميع التصرفات حتى تنخرط الأفعال ~~كلها في طاعة ذلك التصديق الإيماني وهذا أرفع مراتب الإيمان وهو الايمان ~~الكامل لا يقارف المؤمن PageV01P461 # معه صغيرة ولا كبيرة اذ حصول الملكة ورسوخها مانع من الأنحراف عن مناهجه ~~طرفة عين قال صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وفي ~~حديث هرقل لما سال أبا سفيان بن حرب عن النبي صلى الله عليه وسلم واحواله ~~فقال في أصحابه هل يرتد أحد منهم سخطه لدينه قال لا قال وكذلك الإيمان حين ~~تخالط بشاشتة القلوب ومعناه أن ملكه الإيمان إذا استقرت عسر على النفس ~~مخالفتها شأن الملكات إذا استقرت فإنها تحصل بمثابة الجبلة والفطرة وهذه هي ~~المرتبة العالية من الأيمان وهي في المرتبة الثانية من العصمة لأن العصمه ~~واجبة للأنبياء وجوبا سابقا وهذه حاصلة للمؤمنية حصولا تابعا لأعمالهم ~~وتصديقهم وبهذه الملكة ورسوخها يقع التفاوت في الأيمان كالذي يتلى عليك من ~~اقاويل السلف وفي تراجم البخاري رضي الله عنه في باب الإيمان كثير منه مثل ~~أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص وان الصلاة والصيام من الأيمان وأن تطوع ~~رمضان من الأيمان والحياء من الإيمان والمراد بهذا كله الأيمان الكامل الذي ~~أشرنا إليه وإلى ملكته وهو فعلى وأما التصديق الذي هو أول مراتبه فلا تفاوت ~~فيه فمن اعتبر أوائل الأسماء وحملة على التصديق منع من التفاوت كما قال ~~أئمة المتكلمين ومن اعتبر أواخر الأسماء وحملة على هذه الملكة التي هي ~~الإيمان الكامل ظهر له في التفاوت وليس ذلك بقادح في اتحاد حقيقته الأولى ~~التي هي التصديق إذ التصديق موجود في جميع رتبه لأنه اقل ما يطلق عليه اسم ~~إلأيمان وهو المخلص من عهده الكفر والفيصل بين الكافر والمسلم فلا يجزي أقل ~~منه وهو في نفسه حقيقه واحدة لا تتفاوت وإنما التفاوت في الحال الحاصلة عن ~~الأعمال كما قلناه فافهم واعلم أن الشارع وصف لنا هذا الأيمان الذي في ~~المرتبة الأولى الذي هو تصديق وعين أمورا مخصوصة ms489 كلفنا التصديق بها بقلوبنا ~~واعتقدادها في أنفسنا مع الإقرار بالسنتنا وهي العقائد التي تقررت في الدين ~~قال صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الأيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره وهذه هي العقائد ~~الأيمانية المقررة في علم الكلام ولنشر إليها مجلة لتبين لك حقيقة هذا الفن ~~وكيفية حدوثه فنقول إعلم أن الشارع لما أمرنا بلايمان بهذا الخالق الذي رد ~~PageV01P462 الأفعال كلها إليه وأفرده به كما قدمناه أنه عالم قادر فبذلك ~~تتم الأفعال شاهد قضيته لكمال إلأتحاد والخلق ومريد وإلا لم يخصص شيء من ~~المخلوقات ومقدر لكل كائن وإلا فالإرادة حادثة وانه يعيدنا بعد الموت ~~تكميلا لعنايته بالإيجاد ولو كان لأمر فان كان عبثا فهو للبقاء السرمدي بعد ~~الموت ثم اعتقاد بعثه الرسل للنجاة من شقاء هذا المعاد لاختلاف أحواله ~~بالشقاء والسعادة وعدم معرفتنا بذلك وتمام لطفه بنا في الايتاء بذلك وبيان ~~الطريقين و أن الجنة للنعيم وجهنم للعذاب هذه أمهات العقائد الإيمانية ~~معللة بأدلتها العقلية وادلتها من الكتاب والسنة كثير وعن تلك الأدلة أخذها ~~السلف وارشد إليها العلماء وحققها الائمة إلا أنه عرض بعد ذلك خلاف في ~~تفاصيل هذه العقائد أكثر مثارها من الاي المتشابهة فدعا ذلك إلى الخصام ~~والتناظر والاستدلال بالعقل وزيادة إلى النقل فحدث بذلك علم الكلام ولنبين ~~لك تفصيل هذا المجمل وذلك أن القرآن ورد فيه وصف المعبود بالتنزيه المطلق ~~الظاهر الدلالة من غير تأويل في آي كثيرة وهي سلوب كلها وصريحة في بابها ~~فوجب الايمان بها ووقع في كلام الشارع صلوات الله عليه وكلام آلصحابة ~~والتابعين تفسيرها على ظاهرها ثم وردت في القرآن اي أخرى قليلة توهم ~~التشبيه وقضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها ~~ببحث ولا تأويل وهذا معنى قول الكثير منهم إقرأوها كما جاءت أي آمنوا بأنها ~~من عند الله ولاتتعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها لجواز ان تكون ابتلاء فيجب ~~الوقف والأذعان له وشد لعصرهم مبتدعة اتبعوا ما تشابه من الآيات وتوغلوا في ms490 ~~التشبيه ففريق أشبهوا في الذات باعتقاد اليد والقدم والوجه عملا بظواهر ~~وردت بذلك فوقعوا في التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق التي هي ~~أكثر موارد واوضح دلالة لأن معقولية الجسم تقتضي النقص والافتقار وتغليب ~~PageV01P463 # آيات السلوب في التنزيه المطلق التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة أولى من ~~التعلق بظواهر هذه التي لنا عنها غنية وجمع بين الدليلن بتاويلهم ثم يفرون ~~من شناعة ذلك بقولهم جسم لا كالأجسام وليس ذلك بدافع عنهم لأنه قول متنلقص ~~وجمع بين نفي وإثبات إن كان بالمعقولية واحدة من الجسم وإن خالفوا بينهما ~~ونفوا المعقولية المتقاربة فقد وافقونا في التنزيه ولم يبق لا جعلهم لفظ ~~الجسم اسما من اسمائه ويتوقف مثله على الأذن وفريق ومنهم ذهبوا إلى التشبيه ~~في الصفات كإثبات الجهة والاستواء والنزول والصوت والحرف وامثال ذلك أولى ~~قولهم إلى التجسيم فنزعوا مثل الأولين إلى قولهم صوت لا كالأصوات جهة لا ~~كالجهات نزول لا كالنزول يعنون من الأجسام واندفع ذلك بما اندفع به والأول ~~ولم يبق في هذه الظاهر إلا اعتقادات السلف ومذاهبهم والإيمان بها كما هي ~~لئلا يكر النفي على معانيها بنفيها مع أنها صحيحة ثابتة من القرآن ولهذا ~~تنظر ما تراه في عقيدة الرسالة لأبن أبي زيد وكتاب المختصر له وفي كتاب ~~الحافظ أبن عبد البر وغيرهم فإنهم يحرمون على هذا المغنى ولا تغمض عينيك عن ~~القرائن الدالة على ذلك في غضون كلامهم ثم لما كثرت العلوم والصنائع وولع ~~الناس بالتدوين والبحث في سائر الأنحاء وألف المتكلمون في التنزيه حدثت ~~البدعة المعتزلة في تعميم هذه التنزيه في آي السلوب فقضوا بنفي صفات ~~المعاني من العلم والقدرة ولإرادة والحياة زائدة على احكامها لما يلزم على ~~ذلك من تعدد القديم بزعمهم وهو مردود بأن الصفات ليست عين الذات ولا غيرها ~~وقضوا بنفي السمع والبصر لكونهما من عوارض الأجسام وهو مردود لعدم اشتراط ~~البينة في مدلول هذا اللفظ وإنما هو إدراك المسموع أو المبصر وقضوا بنفي ~~الكلام لشبه ما في السمع والبصر ولم يعقلوا صفة الكلام ms491 التي تقوم بالنفس ~~فقضوا بأن القرآن مخلوق بدعة صرح السلف بخلافها وعظم ضرر هذه البدعة ولقنها ~~بعض الخلفاء عن أئمتهم فحمل الناس عليها وخالقهم أئمة السلف فاستحل لخلافهم ~~إيسار كثير منهم ودماؤهم وكان ذلك سببا لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية ~~على هذه العقائد دفعا في صدور هذه البدع وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري ~~إمام المتكلمين فتوسط بين الطرف وتقي التشبيه واثبت الصفات PageV01P464 # المعونة وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف وشهدت له الأدلة المخصصة ~~لعمومه فأثبت الصفات الأربع المعنوية والسمع واتلبصر والكلام القائم بالنفس ~~بطريق النقل والعقل ورد على المبتدعة في في ذلك كله متكلم معهم فيما مهدوه ~~لهذا البدع من القول بالصلاح والأصلح ولتحسين والتنقيح كما العاقائد في ~~البعثة واحوال الجنة والنر والثواب والعقاب وألحق بذلك الكلام في الإمامة ~~لما ظهر حينئذ من بدعة افمامية من قولهم إنها من عقائد الإيمان وأنه يجب ~~على النبي تعيينها والخروج عن العهده في ذلك لمن هي له وذكلك على الأمة ~~وقصارى أمر إمامة أنها قضة مصلحة إجماعية ولا تلحق بالعقائد فلذلك ألحقوها ~~بمسائل هذا الفن وسموا مجموعة علم الكلام إما لما فيه من المناظرة على ~~البدع وهي كلام صرف وليست براجعة إلى عمل وإنا لأن سبب وضعه والخوص فيه وهو ~~تنازعهم في إثبات الكلام النفسي وكثر اتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري واقتفى ~~طريقته من بعده تلميذه كابن مجاهد وغيره واخذ عنهم القاضي أبو بكر ~~الباقلاني فتصدر للإمامة في طريقتهم وهذبهم ووضع المقدمات العقلية التي ~~تتوقف عليها الإدلة والأنظار وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء وان ~~العرض لا يقوم بالعرض وانه لا يبقى زمانين وأمثال ذلك مما تتوقف عليه ~~أدلتهم وجعل هذه القواعد تبعا للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها لتوقف ~~تلك الألة عليها وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول وحملت هذه الطريقة ~~وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية إلا أن صور الأدلة تعتبر بها ~~الأقيسة ولم تكن حينئذ ظاهرة في الملة ولو ظهر منها بعض الشيء فلم يأخذ منه ~~المتكلمون لملابستها ms492 للعلوم الفلسفية المباينة للعقائد الشرعية بالجملة ~~فكانت مهجورة عندهم لذلك ثم جاء بعد القاضي أبي بكر الباقلاني إمام الحرمين ~~أبو المعالي فأملى في الطريقة كتاب الشامل وأوسع القول فيه ثم لخصه في كتاب ~~الإرشاد واتخذه الناس إماما لعقائدهم ثم انتشرت من بعد ذلك علوم المنطق في ~~الملة وقرأه الناس وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية بأنه قانون ومعيار ~~للأدلة فقط يسير به الأدلة منها كما يسير من سواها ثم نظروا في تلك القواعد ~~المقدمات في فن الكلام للأقدمين فخالفوا الكثير منها بالبراهين التي ~~PageV01P465 أدلت إلى ذلك وربما أن كثيرا منها مقتبس من كلام الفلاسفة في ~~الطبيعات وإلهيات فلما سبروها بمعيار المنطق ردهم إلى ذلك فيها ولم يعتقدوا ~~بطلان المدلول من بطلان دليله كما صار إليه القاضي فصارت هذه الطريقة من ~~مصطلحهم مباينة للطريقة الأولى وتسمى طريقة المتأخرين وربما أدخلوا فيها ~~الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه من العقائد إيمانية وجعلوهم من خصوم ~~العقائد لتناسب الكبير من مذاهب المبتدعة ومذاهبهم واول من كتب في طريقة ~~الكلام على هذا المنحي الغزالي رحمه الله وتبعه الإمام أبن الخطيب وجماعة ~~قفوا اثرهم واعتمدوا وتقليدهم ثم توغل المتأخرون من بعدهم في مخالطة كتب ~~الفلاسفة والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين فحسبوه فيهما واحا من أشباه ~~المسائل فيهما وأعلم أن المتكلمين لما كانوا يستدلون في أكثر أحوالهم ~~بالكائنات وأحوالها على وجود الباري وصفاته وهو نوع من استدلالهم غالبا ~~والجسم الطبيعي ينظر فيه الفيلسوف في الطبيعيات وهو بعض هذه الكائنات إلا ~~أن نظرة فيها مخالف لنظر المتكلم وهو ينظر في الجسم من حيث يتحرك ويسكن ~~والمتكلم ينظر فيه من حيث يدل على الفاعل وكذا نظر الفيلسوف في الإلهيات ~~وإنما هو نظر في الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته ونظر المتكلم في الوجود من ~~حيث إنه يدل على الموجد بالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو ~~العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها ~~بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك ولتشبيه عن تلك العقائد ms493 وإذا ~~تأملت حال الفن في حدوثه وكيف تدرج كلام الناس فيه صدرا بعد صدر وكلهم يفرض ~~العقائد صحيحة ويستنهض الحجج والأدلة علمت حينئذ ما قررناه لك في موضوع ~~الفن وأنه لا يعدوه ولقد اختلطت الطريقتان عند هؤلاء المتأخرين والتبست ~~مسائل الكلام بمسائل الفلسفة بحيث لا تتميز أحد الفنيين من الآخر ولا يحصل ~~عليه طالبه من كسبهم كما فعله البيضاوي في الطوالع ومن جاء بعده من علماء ~~العجم في جميع تآليفهم إلا أن هذه الطريقة قد يغني بها بعض طلبه العلم ~~للإطلاع على المذاهب والإغراق في معرفة الحجاج لوفور ذلك فيها وأما محاذاة ~~السلف بعقائد علم الكلام فإنما هو للطريقة القديمة PageV01P466 # للمتكلمين واصلها كتاب الإرشاد وما حذوه ومن أراد إدخال الرد على ~~الفلاسفة في عقائد فعليه بكتب الغزالي والإمام ابن الخطيب فإنها وإن وقع ~~فيها مخالفة للإصلاح القديم فليس فيها من الاختلاط في المسائل والالتباس في ~~الموضوع ما في طريقة هؤلاء المتأخرين من بعدهم وعلى الجملة فينبغي أن يعلم ~~أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم إذ ~~الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ~~ودونوا الأدلة إنما احتاجوا حين دافعوا وانصرفوا وأما لأن فلم يبق منها إلا ~~كلام تنزه البارئ عن كثير إيهامه وإطلاقه ولقد سئل الجنيد رحمه الله عن قوم ~~مر بهم بعض المتكلمين يفيضون فيه فقال ما هؤلاء فقيل قوم ينزهون الله ~~بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص فقال نفي العيب حيث يستحل العيب عيب ~~لكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة إذ لا يحسن بحامل السنة ~~الجهل بالحجج النظرية على عقائدهم والله ولي المؤمنين $ الفصل الحادي عشر ~~في علم التصوف # هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة وأصله أن طريقة هؤلاء ~~القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة ~~الحق والهداية واصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى ~~والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه ms494 الجمهور من لذة ~~ومال وجاه والانفراد عن الخلق للعبادة وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف ~~فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس ف إلى ~~مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفية وقال ~~القشيري رحمه الله ولا يشهد لهذا الأسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس ~~والظاهر أنه لقب ومن قال اشتقاقه من الصفا أو من الصفة فبعد من جهة القياس ~~اللغوي وقال كذلك من لصوف لأنهم لم يختصموا بلبسه قلت والأظهر إن قيل ~~بالاشتقاق أنه الصوف وهم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من مخالفة ~~الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف PageV01P467 # فلما اختص هؤلاء بمذهب الزهد والانفراد عن الخلق والإقبال على العبادة ~~اختصوا بمآخذ مدركة لهم وذلك أن الأنسان بما هو إنسان إنما يتيمز عن سائر ~~الحيوان بالإدراك وإدراكه نوعان إدراك للعلوم والمعارف من اليقين والظن ~~والشك والوهم وإدراك للأحوال القائمة من الفرج والحزن والقبض والبسط والرضى ~~والغضب والصبر والشكر وأمثال ذلك فالروح العاقل والمتصرف في البدن تنشأ من ~~إدراكا كان وإرادات وأحوال وهي التي يتميز بها الإنسان وبعضها ينشأ من بعض ~~كما ينشأ العلم من الأدلة والفرح والحزن عن إدراك المؤلم أو المتلذذ به ~~والنشاط عن الحمام والكسل على الإعياء وكذلك المريد في مجاهدته وعبادته لا ~~بد وان شنشأ له عن كل مجاهد حال نتيجة تلك المجاهدة وتلك الحال إما إن تكون ~~نوع عبادة فترسخ وتصير مقاما للمريد وإما أن لا تكون عبادة وإنما تكون صفة ~~حاصلة للنفس من حزن أو سرور أو نشاط أو كسل أو غير ذلك من المقامات ولا ~~يزال المريد يرتقي من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة ~~التي هي الغاية المطلوبة به للسعادة قال صلى الله عليه وسلم من مات يشهد أن ~~لا إله إلا الله دخل الجنة فالمرتد لا بد له من الترقي في هذه الأطوار ~~وأصلها كلها الطاعة والأخلاص ويتقدمها الإيمان ويصاحبها وتنشأ عنها الأحوال ~~والصفات نتائج وثمرات ثم ms495 تنشأ عنها أخرى وأخرى إلى مقام التوحيد والعرفان ~~وإذا وقع تقصير في النتيجة أو خلل فنعلم أنه إنما أتى من قبل التقصير في ~~الذي قبله وكذلك في الخواطر النفسانية والواردات القلبية فلهذا يحتاج ~~المرتد إلى محاسبة نفسه في سائر أعماله وينظر في حقائقها لأن حصول النتائج ~~عن الأعمال ضروري وقصورها من الخلل فيها كذلك والمريد يجد ذلك بذوقه ويحاسب ~~نفسه على أسبابه ولا يشاركهم في ذلك إلا القليل من الناس لأن الغفلة عن هذا ~~كأنها شاملة وغاية أهل العبادات إذا لا ينتهوا إلى هذا النوع أنهم يأتون ~~بالطاعات مخلصة من نظر الفقه في الأجزاء والامثال أو لا فظهر يبحثون عن ~~نتائجها بالأذواق والمواجد ليطلعوا على أنها خالصة من التقصير أو لا فظهر ~~أن أصل طريقتهم كلها محاسبة النفس على الأفعال والتروك والكلام في هذه ~~الأذواق والمواجد التي يحصل عن المجاهدات ثم تستقر للمريد PageV01P468 # مقاما يترقى منها إلى غيرها ثم لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ~~ألفاظ تدور بينهم إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة فإذا عرض ~~من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمه منه ~~فلهذا اختص هؤلاء بهذا النوع من العلم الذي ليس لواحد غيرهم من أهل الشريعة ~~الكلام فيه وصار علم الشريعة على صنفين صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا وهي ~~الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات وصنف مخصوص بالقوم في ~~القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد ~~العارضة في طريقها وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي ~~تدور بينهم في ذلك فلما كتب العلوم ودونت وألف الفقهاء في الفقه وأصوله ~~والكلام والتفسير وغير ذلك كتب رجال من أهل هذه الطريقة في طريقهم فمنهم من ~~كتب في الورع ومحاسبة النفس على الإقتداء في الأخذ والترك كما فعله القشيرى ~~في كتاب الرسالة والسهروردي في كتاب عوارف المعارف وأمثالهم وجمع الغزالي ~~رحمه الله بين الأمرين في كتاب الأحياء فدون فيه أحكام الورع والإقتداء ثم ~~بين آداب القوم ms496 وسننهم وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم وصار علم التصرف في ~~الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط وكانت أحكامها إنما تتلقى ~~من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير ~~والحديث والفقه والأوصول وغير ذلك ثم إن هذه المجاهدة والخلوة والذكر ~~يتبعها عالما كشف حجاب الحس والإطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس ~~إدراك شيء منها والروح من تلك العوالم وسبب هذا الكشف أن الروح إذا رجع عن ~~الحس الظاهر إلى الباطن ضعفت أحوال الحس وقويت أحوال الروح وغلب سلطانه ~~وتجدد نشوه واعان على ذلك الذكر فإنه كالعداء لتنمية الروح ولا يزال في ~~نموه وتزيد إلى أن يصير بعد أن كان علما ويكشف حجاب الحس ويتم وجود النفس ~~الذي لها من ذاتها وهو عين الإدراك فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية والعلوم ~~اللدنية والفتح الإلهي وتقرب ذاته في تحقيق حقيقتها من الأفق الأعلى أفتى ~~الملائكة وهذا الكشف كثير ما يعرض لأهل المجاهدة فيدركون من حقائق ~~PageV01P469 # الوجوه ما لا يدرك سواهم وكذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها ~~ويتصرفون بهممهم وقوى نفوسهم في الموجودات السلفية وتصير طوع إرادتهم ~~فالعظماء منهم لا يعتبرون هذا الكشف ولا يتصرفون ولا يخبرون عن حقيقة شيء ~~لم يؤمروا بالتكلم فيه بل يعدون ما يقع لهم من ذلك محنة ويتعوذون منه إذا ~~هاجمهم وقد كان الصحابة رضي الله عنهم على مثل هذه المجاهدة وكان حظهم من ~~هذه الكرامات أوفر الحظوظ لكنهم لم يقع لهم بها عناية وفي فضائل أبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي أوفر الحظوظ لكنهم لم يقع لهم بها عناية وفي فضائل أبي ~~بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كثير منها وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ~~ممن أشتملت رسالة القشيري على ذكرهم ومن تبع طريقتهم من بهدهم ثم إن قوما ~~من المتأخرين انصرفت عنايتهم إلى الكشف الحجاب والمدارك التي وراء واختلفت ~~طرق الرياضة عنهم في ذلك باختلاف تعليمهم في إماته القوى الحسية وتغذية ~~الروح العاقل بالذكر حتى يحصل للنفس إدراكها ms497 الذي لها من ذواتها بتمام ~~نشوتها وتغذيتها فإذا حصل ذلك زعموا أن الوجود قد انحصر في مداركهما حينئذ ~~وأنهم كشفوا ذوات الوجود وتصوروا حقائقها كلها في العرش إلى الطش هكذا قال ~~الغزالي رحمه الله في كتاب بعد أن ذكر صورة الرياضة ثم إن هذا الكشف لا ~~يكون صحيحا كاملا عندهم إلا إذا كان ناشئا عن الاستقامة لأن الكشف قد يحصل ~~لصاحب الجوع والخلوة وإن لم يكن هناك استقامة كالشجرة وغيرهم من المرتاضين ~~وليس مرادنا إلا الكشف الناشىء عن الاستقامة ومثاله أن المرآة الصقيلة إذا ~~كانت محدبة أو مقعرة وحوذي بها جهة المرئي فإنه يشكل فيه معوجا على غير ~~صورته وإن كانت مسطحة تشكل فيها المرئي صحيحا فالاستقامة للنفس كالإنبساط ~~للمرأة فيما ينطبع فيها من الأحوال ولما غني المتأخرون بهذا النوع من الكشف ~~تكلموا في حقائق الموجودات العلوية والسفلية وحقائق الملك والروح والعرش ~~والكرسي وأمثال ذلك وقصرت مدارك من لم يشاركهم في طريقهم عن فهم أذواقهم ~~وموجوداتهم وأهل الفتيا بين منكر عليهم ومسلم لهم وليس البرهان والدليل ~~بنلفع في هذا الطريق ردا وقوبلا إذ من قبيل الوجدانيات وربما قصد بعض ~~المصنفين بيان مذهبهم في كشف الوجود وترتيب حقائقه فأتى بالأغمض ~~PageV01P470 # فالأغمض بالنسبة إلى أهل النظر والاصطلاحات والعلوم كما فعل الفرغاني ~~شارح قصية أبن الفارض في الديباجة التي كتبها في صدر ذلك الشرح فإنه ذكر في ~~صدور الوجود عن الفاعل وترتيبه أن الوجود كله صادر عن صفة الوحدانية التي ~~هي مظهر الأحدية وهما معا صادران عن الذات الكريمة التي هي عين الوحدة غير ~~ويسمون هذا الصدور بالتجلي وأول مراتب التجليات عندهم تجلي الذات على نفسه ~~وهو يتضمن الكمال بإفاضة الإيحاء والظهور لقوله في الحديث الذي يتناقلونه ~~كنت كنزا مخفيا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق ليعرفوني وهذا الكمال في افيحاء ~~المتنازل في الوجود وتفصيل الحقائق وهو عندهم عالم المعاني والخضرة والكمال ~~والحقيقة المحمدية وفيها حقائق الصفات واللوح والقلم وحقائق الأنبياء ~~والرسل أجمعين والكمل من أهل الملة المحمدية وهذا كله تفصيل الحقيقة ~~المحمدية ويصدر ms498 عن هذه الحقائق أخرى في الخضرة الهبائية وهي مرتبة المثال ~~ثم عنها العرش ثم الكرسي ثم الأفلاك ثم عالم العناصر ثم عالم التركيب هذا ~~في عالم الرتق فإذا تجلت فهي في عالم الفتق ويسمى هذذ المذهب مذهب أهل ~~التجلي والمظاهر والخضروات وهو كلام لا يقتدر أهل النظر إلى تحصيله مقتضاه ~~لغموضه ولغلاقه وبعد ما بين كلام صاحب المشاهدة والوجدان وصاحب الدليل ~~وربما أنكر بظاهر الشرع هذا الترتيب وكذلك ذهب أخرون منهم إلى القول ~~بالوحدة المطلقة وهو رأي أغرب من ألول في تعلقه وتفاريعه يزعمون فيه أن ~~الوجود له قوى في تفاصيله بها كانت حقائق الموجودات وصورها وموارها ~~والعناصر إنما كانت بما فيها من القوى وكذلك مادتها لها في نفسها قوة بها ~~كان وجودها ثم إن المركبات فيها تلك القوى متضمنة في القوة التي كانت بها ~~التركيب كالقوة المعدنية فيها قوى العناصر بهيولاها وزيادة القوة المعدنية ~~ثم القوة الحيوانية تتضمن القوة المعدنية وزيادة قوتها في نفسها وكذا القوة ~~الإنسانية مع الحيوانية ثم الفلك يتضمن القوة الإنسانية وزيادة وكذا الذوات ~~الروحانية والقوة الجامعة للكل من غير تفصيل هي القوة الإلهية التي انبتت ~~في جميع الموجودات كلية وجزئية وجمعتها وأحاطت بها من كل وجه لا من جهة ~~الظهور ولا من جهة الخفاء ولا من جهة الصورة ولا من PageV01P471 # جهة المادة فالكل واحد وهو نفس الذات الإلهية وهي في الحقيقة واحدة بسيطة ~~والاعتبار هو المفصل لها كالإنسانية مع الجيوانية ألا ترى أنها مندرجة فيها ~~وكائنة بكونها فتارة يمثلونها بالجنس مع النوع في كل موجود كما ذكرناه ~~وتارة بالكل مع الجزء على طريقة المثال وهو في هذا كله يفرون من التركيب ~~والكثرة بوجه من الوجوه وإنما أوجبها الوهم والخيال الذي يظهر من كلامه ابن ~~دهقان في تقرير هذا المذهب أن حقيقة ما يقولونه في الوحدة شبيه بما تقوله ~~الحكماء في الألوان من وجودها مشروط بالضوء فإذا عدم الضوء لم تكن الألوان ~~موجودة بوجه وكذا عندهم الموجودات المحسوسة كلها مشروطة بوجود المدرك ~~العقلي ف ألا ترى ms499 أنها مندرجة فيها وكائنة بكونها فتارة يمثلونها بالجنس مع ~~النوع في كل موجود كما ذكرناه وتارة بالكل مع الجزء على طريقة المثال وهو ~~في هذا كله يفرون من التركيب والكثرة بوجه من الوجوه وإنما أوجبها الوهم ~~والخيال الذي يظهر من كلامه ابن دهقان في تقرير هذا المذهب أن حقيقة ما ~~يقولونه في الوحدة شبيه بما تقوله الحكماء في الألوان من وجودها مشروط ~~بالضوء فإذا عدم الضوء لم تكن الألوان موجودة بوجه وكذا عندهم الموجودات ~~المحسوسة كلها مشروطة بوجود المدرك العقلي فإذا الوجود المفصل كله مشروط ~~بوجود المدرك البشري فلو فرضنا عدم المدرك البشري جملة لم يكن هناك تفصيل ~~الوجود بل هو بسيط واحد فالحر والبرد والصلابة واللين بل والأرض والماء ~~والسماء والكواكب إنما وجدت لوجود الحواس المدركة لها جعل في المدرك من ~~التفصيل الذي ليس في الموجود وإنما هو في المدارك فقط فإذا فقدت المدارك ~~المفصلة فلا تفصل إنما هو إدراك واحد وهو أنا لا غيره ويعتبرون ذلك بحال ~~النائم فإنه وفقد الحس الظاهر فقد كل محسوس وهو في تلك الحالة إلا ما يفصله ~~له الخيال قالوا فكذا اليقظان إنما يعتبر تلك المدركات كلها على التفصيل ~~بنوع مدركة البشرية ولو قدر فقط مدركة فقد التفصيل وهذا هو معنى قولهم ~~الموهم لا الوهم الذي هو من جملة المدرك البشرية هذا ملخص رايهم على ما ~~يفهم من كلام ابن دهقان وهو في غاية السقوط لآنا نقطع بوجود البلد الذي نحن ~~مسافرون عنه وإليه يقينا مع غيبته عن اعيننا وبوجود السماء المظلة والكواكب ~~وسائر الأشياء الفالية عنا والإنسان قاطع بذلك ولا يكابر أحد نفسه في ~~اليقين مع أن المحققين من المتصوفية المتأخرين يقولون إن المريد عند الكشف ~~ربما يعرض له بوهم هذه الوحدة وتسمى ذلك عندهم مقام الجميع ثم يترقى عنه ~~إلى التمييز بين الموجودات ويعبرون عن ذلك بمقام الفرق وهو مقام العارف ~~المحقق ولا بد للمريد عندهم من عقبة الجمع وهي عقبة صعبة لأنه يخشى على ~~المريد من وقوفه عندها فتخسر صفقته ms500 فقد تبينت مراتب أهل هذه الطريقة ثم ~~PageV01P472 أن هؤلاء المتأخرين من المتصوفية المتكلمين في الكشف وفيما ~~وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا ~~إليه وملأوا الصحف منه مثل الهروي في كتاب المقامات له وغيره وتبيعهم أبن ~~العربي وابن سبعين وتلميذها أبن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في ~~قصائدهم وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين ~~أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبا لم يعرف لأولهم فأشرب كل زاحد من ~~الفريقين مذهب الأخر واختلط كلامهم وتشا بهت عقائدهم وظهر في كلام ~~المتصوفية القول بالقطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه ~~أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ثم يورث مقامه لأخر من اهل العرفان ~~وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الإشارات في فصول التصوف منها فقال جل ~~الحق أن يكون شرعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد وهذا كلام ~~لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ~~ما تقوله الرافضة ودانوا به ثم قالوا بترتيب وجود بعد هذا القطب كما قاله ~~الشيعة في النقباء حتى أنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا ~~لطريقتهم وتخليهم رفعوه إلى على رضي الله عنه وهو من هذا المعنى أيضا وإلا ~~فعلى رضي الله عنه لم يختص من بين الصحابة بتخليه ولا طريقة في لباس ولا ~~حال بل كان أبو يكر وعمرو رضي الله عنهما أزهد الناس بعد رسول الله صلى ~~عليه وسلم وأكثرهم عبادة ولم يختص أحد منهم في الدين بشيء ويؤثر عنه في ~~الخصوص بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد والمجاهدة يشهد لذلك من ~~كلام هؤلاء المتصرفة في أمر الفاطمي وما شحنوا كتبهم في ذلك مما ليس لسلف ~~المتصرفية فيه كلام بنفي أو إثبات وإنما هو مأخوذ من كلام الشيعة والرافضة ~~ومذاهبهم في كتبهم والله يهدي إلى الحق ثم إن كثيرا من الفقهاء وأهل الفتيا ~~انتدبوا للرد على هؤلاء المتأخرين ms501 في هذه المقالات وأمثالها وشملوا بالنكير ~~وستئر ما وقع لهم في الطريقة والحق أن كلامهم معهم فيه تفصيل فإن كلامهم في ~~أربعة مواضع أحدها الكلام على المجاهدات وما يحصل من الأذواق والمواجد ~~ومحاسنه النفس على الأعمال لتحصل تلك الأذواق التي PageV01P473 # تصير مقاما ويترقى منه إلى غيره كما قلناه وثانيها الكلام في الكشف ~~والحقيقة المدركة من عالم الغيب مثل الصفات الربانية والعرش والكرسي ~~والملائكة والوحي والنبوة والروح وحقائق كل موجود غائب أو شاهد وتركيب ~~الأكوان في صدورها عن موجودها بكونها كما مر وثالثها التصرفات في العوالم ~~والاكوان بأنواع الكرامات ورابعها ألفاظ موهمة الظاهر صدرت من الكثير من ~~أئمة القوم يعبرون عنها في اصطلاحهم بالشطحات تستشكل ظواهرها فمنكر ومحسن ~~ومتاول فأما الكلام في المجاهدات والمقامات وما يحصل من الأذواق والمواجد ~~في نتائجها ونجاسة النفس على التقصير في أسبابها فأمر لا مدفع فيه لأحد ~~وأذواقهم فيه صحيحة والتحقيق بها هو غين السعادة واما الكلام في كرامات ~~القوم وأخبراهم بالمغيبات وتصرفهم في الكائنات فأمر صحيح غير منكر وإن مال ~~بعض العلماء إلى إنكارها فليس ذلك من الحق وما احتج به الأستاذ أبو اسحاق ~~الإسفرائيني من أئمة الشعرية على إنكارها لالتباسها فقد فرق المحققون من ~~أهل السنة بينهما بالتحدي وهو دعوى وقوع المعجزة على وفق ما جاء به قالوا ~~إن وقوعها على وفق دعوى الكاذب غير مقدور لأن دلالة المعجزة على الصدق ~~عقلية فإن صفة نفسها التصديق فلو وقعت مع الكاذب لتبدلت صفة نفسها وهو محال ~~هذا مع أن الوجود شاهد بوقوع الكثير من هذا الكرامات وإنكارها نوع مكابرة ~~وقد وقع للصحابة أكابر السلف كثير من ذلك وهو معلوم مشهور واما الكلام في ~~الكشف وإعطاء حقائق العلويات وترتيب صدور الكائنات فأكثر كلامهم فيه نوع من ~~المتشابه لما أنه وجداني عندهم وفاقد الوجدان بمعزل عن أذواقهم فيه واللغاب ~~لا تعطي له دولة على مرادهم منه لأنها لم توضع للمتعارف وأكثره من ~~المحسوسات فينبغي أن لا تتعرض لكلامهم في ذلك وتتركه فيما تركناه من ~~المتشابه ومن رزقه ms502 الله فهم شيء من هذه الكلمات على الوجه الموافق لظاهر ~~الشريعة فأكرم بها سعادة وأما الألفاظ الموهمة التي يعبرون عنها بالشطحات ~~ويؤآخذهم بها أهل الشرع فاعلم أن الإنصاف في شأن القوم أنهم أهل غيبة عن ~~الحس والواردات تملكهم حتى ينطقوا عنها بما لا يقصدونه وصاحب الغيبة غير ~~مخاطب والمجبون معذور فمن PageV01P474 # علم منهم فضله وإقتداؤه حمل على القصد الجميل من هذا أن العبارة عن ~~المؤاخذ صعبة لفقدان الوضع لها كما وقع لأبي يزيد وأمثاله ومن لم يعلم فضله ~~ولا أشتهر فمواخذ بما صدر عنه من ذلك إذا لم يتبين لنا ما يحملنا على تأويل ~~كلامه وأما من تكلم بمثلها وهو حاضر في حسه ولم يملكه الحال فموآخذ أيضا ~~ولهذا افتى الفقهاء وأكابر المتصوفية بقتل الحلاج لأنه تكلم في حضور وهو ~~مالك لحالة والله أعلم وسلف المتصوفية من أهل الرسالة أعلام الملة الذين ~~أشرنا إليهم من قبل لم يكن لهم حرص على كشف الحجاب ولا هذا النوع من ~~الإدراك إنما همهم الأتباع والإقتداء ما استطاعوا ومن عرض له شيء من ذلك ~~أعرض عنه ولم يحفل به بل يقدرون منه ويرون انه من العوالق والمحن وأنه ~~إدراك من إدراكات النفس مخلوق أحادث وأن الموجودات لا تنحصر في مدرك ~~الإنسان وعلم الله أوسع وخلقه أكبر وشريعته بالهداية أملك فلا ينطقون شيء ~~مما يدركون بل حظروا الخوض في ذلك ومنعوا من يكشف له الحجاب من أصحابهم من ~~الخوض فيه والوقوف عنده بل يلتزمون طريقتهم كما كانوا في عالم الحس قبل ~~الكشف من الإتباع والإقتداء ويأمرون أصحابهم بالتزامها وهكذا ينبغي أن يكون ~~حال المريد والله الموفق للصواب $ الفصل الثاني عشر في علم تعبير الرؤيا # هذا العلم من العلوم الشرعية وهو حادث في الملة عندما صارت العلوم صنائع ~~وكتب الناس فيها وأما الرؤيا والتعبير لها فقد كان موجودا في السلف كما هو ~~في الخلف وربما كان في المملوك والأمم من قبل إلا أنه لم يصل إلينا ~~للاكتفاء فيه بكلام المعبرين من أهل الإسلام وإلا فالرؤيا موجودة ms503 في صنف ~~البشر على الإطلاق ولا بد من تعبيرها فلقد كان يوسف الصديق صلوات الله عليه ~~يعبر الرؤيا كما وقع في القرآن وكذلك ثبت عن الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعن أبي بكر رضي الله عنه والرؤيا مدرك من مدارك الغيب وقال صلى الله ~~عليه وسلم الرؤيا الصالة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وقال لم يبق من ~~المبشرات إلا الرؤيا PageV01P475 # الصالحة لا يراها الرجل الصالح أو ترى له وأول ما بدأ به النبي صلى الله ~~عليه وسلم من الوحي الرؤيا فكان لايرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا انفتل من صلاة الغداة يقول لأصحابه هل راى ~~أحد منكم الليلة رؤيا يسألهم عن ذلك ليستبشر بما وقع من ذلك مما فيه ظهور ~~الدين وإعزره وأما السبب في كون الرؤيا مدركا للغيب فهو أن الروح القلبي ~~وهو البخار اللطيف المبعث من تجويف القلب المحمي ينتشر في الشريانات ومع ~~الدم في سائر البدن وبه تكمل افعال القوى الحيوانية وإحسانها فإذا أدركه ~~الملاك بكثرة التصرف في افحساس بالحواس الخمس وتصريف القوى الظاهرة وغشى ~~سطح البدن ما يغشاه من برد الليل انجس الروح من سائر أقطار البدن إلى مركزه ~~القلبي فيستحم بذلك لمعاودة فتعاد فتعطلت الحواس الظاهر كلها وذلك هو معنى ~~النوم كما تقدم في أول الكتاب ثم إن هذا الروح القلبي هو مطية للروح العاقل ~~من الإنسان والروح العاقل مدرك لجميع ما في عالم الأمر بذاته إذ حقيقته ~~وذاته عين الإدراك وإنما يمنع من تعقله للمدرك الغيبية ما هو فيه من حجاب ~~الاشتغال بالبدن وقواه وحواسه فلو قد خلا هذا الحجاب وتجرد عنه لرجع إلى ~~حقيقته وهو عين الإدراك فيعقل كل مدرك فإذا اتجرد عن بعضها خفت شواغله فلا ~~بد له من إدراك لمحة من عالمه بقدر ما تجرد له وهو في الحالة قد خفت شواغل ~~الحس الظاهر كلها وهي الشاغل الأعظم فاستعد لقبول ما هنالك من المدارك ~~اللأئقة من عالمه وإذا ادرك ms504 ما يدرك من عواللمه رجع إلى بدنه إذ هو ما دام ~~في بدنه جسماني لا يملكنه التصرف إلا بالمدارك الجسمانية والمدارك الجسماني ~~للعلم إنما هي الدماغية والمتصرف منها هو الخيال فإنه يينتزع من الصور ~~المحسوسة صورا خيالية ثم يدفعها إلى الحافظة تحفظها له إلى وقت الحاجة ~~إليها عند النظر والاستدلال وكذلك تجرد النفس منها صورا أخرى نفسانية عقلية ~~فيرتقي التجريد من المحسوس إلى المعقول والخيال واسطه بينهما ولذلك إذا ~~ادركت النفس من عالمها ما تدركه القته إلى الخيال فيصوره بالصورة المناسبة ~~له ويدفعه إلى الحس المشترك فيراه النائم كأنه محسوس فينتزل المدرك من ~~الروح العقلي إلى الحسي والخيال أيضا واسطة هذه حقيقة PageV01P476 الرؤيا ~~ومن هذا التقرير يظهر لك الفرق بين الرؤيا الصالحة وأضغاث الأحلام الكاذبة ~~فإنها كلها صور في الخيال حالة النوم ولكن إن كان كانت الصور منزلة من ~~الروح العقلي المدرك فهو رؤيا وإن كانت مأخوذة من الصور في الحافظة التي ~~كان الخيال أدعها إياها منذ اليقظة فهو رؤيا وإن كانت مأخوذة من الصور التي ~~في الحافظة التي كان الخيال أودعها إياها منذ اليقظة فهي أضغاث أحلام وأما ~~معنى التعبير فاعلم أن الروح العقلي إذا أدرك مدركه وإلقاه إلى الخيال ~~قصورة فإنما يصوره في الصور المناسبة لذلك المعنى بعض الشيء كما يدرك معنى ~~السلطان الأعظم فيصوره الخيال البحر أو يدرك العداوة فيصورها الخيال في ~~صورة الحية فإذا استيقظ وهو لم يعلم من أمره إلا انه رأى البحر أو الحية ~~فينظر المعتبر بقوة التسبيه بعد أن يتيقن أن البحر صورة محسوسة وإن المدرك ~~وراءها وهو يهتدي بقرائن أخرى تعيين له المدرك فيقول مثلا هو السلطان لأن ~~البحر خلق عظيم يناسب أن يشبه بها السلطان وكذلك الحية يناسب أن تشبه ~~بالعدو لعظم ضررها وكذا الأواني تشبه النساء لأنهن أوعية وأمثال ذلك ومن ~~المربى ما يكون صريحا لا يفتقر إلى تعبير لجلائها ووضوحها أو لقرب الشبه ~~فيها بين المدرك وشبهه لهذا وقع في الصحيح الرؤيا ثلاث رؤيا من الله ورؤيا ~~من الملك ms505 ورؤيا من الشيطان فالرؤيا التي من الله هي الصريحة التي لا يفتقر ~~إلى تأويل والتي من الملك هي الرؤيا الصادقة تفتقر إلى التعبير والرؤيا ~~التي من الشيكان هي الأضغاث وعلم أن الجبال إذا القى إليه الروح مدركة ~~فإنما يصوره في القوالب المعتاد للحس وما لم يكن الحس أدركه قط فلا يصور ~~فيه فلا يمكن من ولد أعمى أن يصور له السلطان بالبحر ولا العدو بالحية ولا ~~النساء بالأواني لأنه لم يدرك شيئا من هذا وإنما يصور له الخيال أمثال هذه ~~في شبهها ومناسبها من جنس مداركه التي هي المستموعات والمشمومات وليتحفظ ~~المعبر من مثل هذا فربما اختلط به التعبير وفسد قانون ثم إن علم التعبير ~~علم بقوانين كلية يبني عليها المعتبر عبارة ما يقص عليه وتأويله كما ~~يقولونه البحر يدل على السلطان وفي موضع ى خر يقولون البحر يدل على الغيظ ~~وفي موضع آخر يقولون البحر يدل على الهم والأمر الفادح ومثل ما يقولون ~~الحية تدل على العدو وفي موضع آخر يقولون هي كاتم سر وفي موضع آخر يقولون ~~تدل على PageV01P477 # الحياة وأمثال ذلك فيحفظ المعبر هذه القوانين الكلية ويعبر في كل موضع ~~بما تقتضيه القرائن التي يتعين من هذه القوانين ما هو أليق بالرؤيا وتلك ~~القرائن منها في اليقظة ومنها في المنام ومنها ما ينقدح في نفس المعبر ~~بالخاصة التي خلقت فيه وكل ميسر لما خلق له ولم يزل هذا العلم متنافلا بين ~~السلف وكان محمد بن سيرين فيه من أشهر العلماء وكتب عنه في ذلك القوانين ~~وتناقلها الناس لهذا العهد وألف الكرماني فيه بعده ثم ألف المتكلمون ~~المتأخرون وأكثروا والمتداول بين اهل المغرب لهذا العهد كتب أبن أبي طالب ~~القيرواني من علماء القيروان مثل الممتع وغيره وكتاب الإشارة للسالمي وهو ~~علم مضيء بنور النبوة للمناسبة التي بينهما وقع في الصحيح والله علام ~~الغيوب $ الفصل الثالث عشر في العلوم العقلية واصنافها # وأما العلوم العقلية التي هي طبيعة للأنسان من حيث إنه ذو فكر فهي غير ~~مختصة بملة بل بوجخ ms506 النظر فيها إلى أهل الملل كلهم ويستوون في مداركهم ~~ومباحثهم وهي موجودة في النوع الإنسانئ منذ كان عمران الخليقة وتسمى هذه ~~العلوم علوم الفلسفة والحكمة وهي مشتملة على أربعة علوم الأول علم المنطق ~~وهو علم يعصم الذهن عن الخطأ في اقتناص المطالب المجهولة من الأمور الحاصلة ~~المعلومة وفائدته تمييز الخطأ من الصواب فيما يلتمسه الناظر في الموجودات ~~وعوارضها ليقف على تحقيق الحق في الكائنات بمنتهى فكرة ثم النظر بعد ذلك ~~عندهم إما في المحسوسات من الأجسام العنصرية والمكونة عنها من المعدن ~~والنبات والحيوان والأجسام الفلكية والحركات الطبيعية والنفس التي تنبعث ~~عنها الحركات وغير ذلك ويسمى هذا الفن بالعلم الطبيعي والنفس التي تنبعث ~~عنها الحركات وغير ذلك ويسمى هذا الفن بالعلم الطبيعي وهو الثاني منها وإما ~~إن يكون النظر في الأمور التي وراء الطبيعة من الروحانيات ويبسمونه العلم ~~الإلهي وهو الثالث منها والعلم الرابع وهو الناظر في المقادير ويشتمل على ~~أربعة علوم وتسمى التعاليم أولها الهندسة وهو النظر في المقادير على ~~الإطلاق إما المنفصلة من حيث كونها معدودة أو المتصلة وهي إما ذو بعد واحد ~~وهو الخط أو ذوز بعدين وهو السطح أو ذو أبعاد ثلاثة وهو PageV01P478 # الجسم التعليمي ينظر في هذه المقادير وما يعرض لها إما من حيث ذاتها أو ~~من حيث نسبة بعضها إلى بعض وثانيها علم الآرتماطبقي وهو معرفة ما يعرض للكم ~~المنفصل الذي هو العدد ويؤخذ من الخوارص والعوارض اللاحقة وثالثها علم ~~الموسيقى وهو معرفة نسب الأصوات والنعم وبعضها من بعض وتقديرها بالعدد ~~وثمرته معرفة ثلاحين الغناء ورابعها الهيئة وهو وتعين الأشكال للإفلاك وحصر ~~أوضاعها وتعددها لكل موكب من السيارات والقيام على معرفة ذلك من قبل ~~الحركات السماوية المشاهدة الموجودة لكل واحد منها ومن رجوعها واستقامتها ~~وإقبالها وإذ بارها فهذا أصول العلم والفلسفة وهي سبعة المنطق وهو المتقدم ~~منها وبعده التعاليم قالارثما طبقي أولا ثم الهندسة ثم الهيئة ثم الموسيقى ~~ثم الطبيعيات ثم الإلهيات ولكل واحد منها فروع تتفرع عنه فمن فروع ~~الطبيعيات الطب ومن فروع علم ms507 العدد علم الحساب والفرائض والمعاملات ومن ~~فروع الهيئة الأرباح وهي قوانبن الحساب حركات الكواكب والمعاملات ومن فروع ~~الهيئة الأرباح وهي قوانين لحساب حركات الكواكب وتعديلها للوقوف على ~~مواضعها متى قصد ذلك ومن فروعها النظر في النجوم على الأحكام النجومية ونحن ~~نتكلم عليها واحدا بعد واحد إلى آخرها وأعلم أن اكثر من عني بها في الأجيال ~~الذين عرفنا أخبارهم الأمتنان العظيمتان في الدولة قبل الإسلام وهما فارس ~~والروم فكانت أسواق العلوم نافقة لديهم على ما بلغنا لما كان العمران ~~موفورا فيهم والدولة والسلطان قبل الإسلام وعصره لهم فكان لهذه العلوم بحور ~~زاخرة في آفاقهم وأمصارهم وكان للكذابيين ومن قبلهم من السرياينين ومن ~~عاصرهم من القبط عناية بالسحر والنجامة وما يتبعها من الطلاسم وأخذ ذلك ~~عنهم الأمم من فارس ويونان فاختص بها القبط وطمي بحرها فيهم كما وقع في ~~المتلو من خبر هاروت وماروت وشأن السحرة وما نقله أهل العلم من شأن البراري ~~بصعيد مصر ثم تتابعت الملك بحظر ذلك وتحريمه فدرست علومه وبطلت كأن لم تكن ~~إلا بقايا يتناقلها منتحلوا هذه الصنائع والله أعلم بصحتها مع أن سيوف ~~الشرع قائمة على ظهورها مانعة من اختيارها وأما الفرس فكان شأن هذه العلوم ~~العقلية عندهم عظيما ونطاقها متسعا لما كانت عليه دولتهم من الضخامة واتصال ~~الملك ولقد يقال إن هذه العلوم إنما وصلت إلى يونان منهم PageV01P479 # حين قتل الإسكندر دارا وغلب على مملكة الكينية فاستولى إلى كتبهم وعلومهم ~~مما لا يأخذوه الحصر ولما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبا كثيرة كتب سعد ~~أبن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها وتنقلها للمسلمين فكتب ~~إليه عمر أن اطرحوها في الماء فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى ~~منه فإن يكن ضلالا فقد كفانا الله فطرحوها في الماء أو في النار وذهبت علوم ~~الفرس فيها عن أن تصل إلينا وأما الروم فكانت الدولة منهم ليونان أولا وكان ~~لهذا العلوم بينهم مجال رحب وحملها مشاهير من رجالهم مثل أساطين الحكمة ~~وغيرهم واختص ms508 فيها المشاءون منهم أصحاب الرواق بطريقة حسنة في التعليم ~~كانوا يقرأون في رواق يظلهم من الشمس والبرد على ما زعموا واتصل فيها سند ~~تعليمهم على ما يزعمون من لدن لقمان الحكيم في تلميذه بقراط الدن ثم إلى ~~تلميذه أفلاطون ثم إلى تلميذه أرسطو ثم إلى تلميذه الإسكندر الأفردوسي ~~وتامسيطون وغيرهم وكان أرسطو معلما للأسكندر ملكهم الذي غلب الفرس على ~~ملكهم وانتزع الملك من بين أيديهم وكان أرسخهم في هذه العلوم قدما وأبعدهم ~~فيه صيتا وكان يسمى المعلم الأول فطار له في العالم ذكر ولما انقرض أمر ~~اليونان وصار الأمر للقياصرة وأخذا بدين النصرانية هجروا تلك العلوم كما ~~تقتضيه الملل والشرائع فيها وبقيت في صحفها ودواوينها مخلدة وباقية في ~~خزائنهم قد ملكوا الشام وكتب هذه العلوم باقية فيهم ثم جاء الأسلام وكان ~~لأهله الظهور الذي لا كفاء له وابتزوا الروم ملكهم فيما ابتزوه للأمم ~~وابتدأ أمرهم بالسذاجة والغفلة عن الصنائع حتى إذا تبحبح السلطان والدولة ~~وأخذوا الحضارة بالحظ الذي لم يكن لغيرهم من الأمم وتفننوا في الصنائع ~~والعلوم تشوقوا إلى الإطلاع على هذه العلوم الحكيمة بما سمعوا من الأساقفة ~~والأقيسة المعاهدين بعض ذكر منها وبما تسموا إليه أفكار الإنسان فيها فبعث ~~أبو جعفر المنصور إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة فيها ~~فبعث إليه بكتاب أو قليدس وبعض كتب الطبيعيات فقرأها المسلمون وأطلعوا على ~~ما فيها مازدادوا حرصا على الظفر بما بقي منها وجاء المأمون بعد ذلك وكانت ~~له في العلم رغبة بما كان ينتحله فانبعث لهذه العلوم حرصا وأدوا الرسل على ~~ملوك الروم PageV01P480 # في استخراج علوم اليونانيين وانتساخها بالخط العربي وبعث المترجمين لذلك ~~فأوعى منه واستوعب وعكف عليها النظار من أهل الإسلام وحذفوا في فنونها ~~وانتهت إلى الغاية أنظارهم فيها وخالفوا كثيرا من آراء المعلم الأول ~~واختصوه بالرد والقبول بوقوف الشهرة عنده ودونوا في ذلك الدواوين وأربوا ~~على من تقدمهم في هذه العلوم وكان من أكابرهم في الملة أبو نصر الفارابي ~~وأبو علي بن سينا بالمشرق والقاضي أبو ms509 الوليد بن رشد أبو بكر الصائغ ~~بالأندلس إلى آخرين بلغوا الغاية في هذه العلوم واختص هؤلاء بالشهرة والذكر ~~واقتصر كثيرون على انتحال التعاليم وما ينضاف إليها من علوم النجامة والسحر ~~والطلسمات ووقف الشهرة في هذا المنتحل على مسلمة بن أحمد المجريطي من اهل ~~الأندلس وتلميذه ودخل على الملة من هذه العلوم وأهلها داخلة واستهوت الكثير ~~من الناس بما حتجوا إليها وقلدوا آراءها والذنب في ذلك لمن ارتكبه ولو شاء ~~الله ما فعلوه ثم إن المغرب والأندلس لما ركدت ريح العمران وتناقصت العلوم ~~بتناقصه اضمحل ذلك منهما إلا قليلا من رسومه تجدها في تفاريق من الناس وتحت ~~رقبة من علماء السنة ويبلغنا عن أهل المشرق أن بضائع هذه العلوم لم تزل ~~عندهم موفورة وخصوصا في عراق العجم وما بعده فيما وراء النهر وانهم على بج ~~من العلوم العقلية لتوفير عمرانهم واستحكام الحضارة فيهم ولقد وقفت بمصر ~~على تآليف متعددة لرجل من عظماء هراة من بلاد خراسان يشهر بسعد الدين ~~التفازاني منها في علم الكلام وأصول الفقه والبيان تشهد بأن له ملكه راسخة ~~في هذه العلوم وفي أثنائها ما يدل على أن له اطلاعا على العلوم الحكمية ~~وقدما عالية في سائر الفنون العقلية والله يؤيد بنصره من يشاء كذلك بلغنا ~~لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد الإفرنجة من أرض رومة وما إليها ~~من العدوة الشمالية نافقة الأسواق وأن رسومها هناك متجددة ومجالس تعليمها ~~متعددة ودويتها جامعة متوفرة وطلبتها متكثرة والله أعلم بما هنالك وهو يخلق ~~ما شاء ويختار PageV01P481 $ الفصل الرابع عشر في العلوم العددية # وأولها الأرتماطيقي وهو معرفة خواص الأعداد من حيث التأليف إما على ~~التوالي أو بالتضعيف مثل إن الأعداد إذا توالت متفاضلة بعدد واحد فإن جمع ~~الطرفين منها مساو لجمع كل عددين بعدهما من الطرفين بعد واحد ومثل ضعف ~~الواسطة إن كانت عدة تلك الأعداد فردا مثل الأفراد على تواليها والأزواج ~~على تواليها ومثل أن الأعداد إذا توالت على نسبة واحدة يكون أولها نصف ~~ثانيها وثانيها نصف ثالثها الخ ms510 أو يكون إذا أولها ثلث ثانيها وثانيها وثلث ~~ثالثها الخ فإن ضرب الطرفين أحدهما في الأخر كضرب كل عددين بعدهما من ~~الطرفين بعد واحد أحدهما في الآخر ومثل مربع الواسطة إن كانت العدة فردا ~~وذلك مثل أعداد زوج الزوج المتوالية من اثنين فأربعة فثمانية فستة عشر ومثل ~~ما يحدث من الخواص العددية في وضع المثلثات العددية والمرتعات والمخمسات ~~والمسدسات إذا وضعت متتالية في سطورها بأن يجمع من الة أحد إلى العدد ~~الأخير فتكون مثله وتتوالى المثلثات هكذا في سطر تحت الأضلاع ثم تزيد على ~~كل مثلث ثلث الضلع الذي قبله فتكون مرتعة وتزيد على كل مرتع مثلث الضلع ~~الذي قبله فتكون بخمسة وهلم جرا وتتوالى الأشكال على توالي الأضلاع ويحدث ~~جدول ذو طول وعرض ففي عرضه الأعداد على تواليها ثم المثلثات على تواليها ثم ~~المربعات ثم المخمسات الخ وفي طوله كل عدد وأشكاله بالغا ما بلغ وتحدث في ~~جمعها وقسمة بعضها على بعض طولا وعرضا خواص غريبة استقريت منها وتقررت في ~~دواوينهم مسائلها كذلك ما يحدث للزوج والفرد وزوج الزوج وزوج الفرد وزوج ~~الفرد الزوج والفرد فإن لكل منها خواص مختصة به تضمنها هذا الفن وليست في ~~غيره وهذا الفن أول أجزاء التعاليم واثبتها ويدخل في براهين الحساب ~~وللحكماء المتقدمين والمتأخرين فيه تى ليف وأكثرهم يدرجونه في التعاليم ولا ~~يفردونه بالتآليف فعل ذلك ابن سبنا في كتاب الشفاء والنجا وغيره من ~~المتقدمين وأما المتأخرين فهو عندهم مهجور إذ هو غير متداول ومنفعة في ~~البراهين لا في الحساب فهجروه لذلك بعد أن استخلصوا زبدته في البراهين ~~الحسابية PageV01P482 # كما فعله ابن البناء في كتاب رفع الحجاب والله سبحانه وتعالى أعلم ومن ~~فروع علم العدد صناعة الحساب وهي صناعة علمية في حساب الأعداد بالضم ~~والتفريق فالضم يكون في الأعداد وبالأفراد وهو الجمع أو بالتضعيف تضاعف ~~عددا بآحاد عدد آخر وهذا هو الضرب والتفريق أيضا يكون في الأعداد إما ~~بالإفراد مثل إزالة عدد من عدد ومعرفة الباقي وهو الطرح أو تفصيل عدد ~~بأجزاء متساوية ms511 وتكون عدتها محصلة وهو القسممة وسواء كان هذا الضم والتفريق ~~في الصحيح من العدد أو الكسر ومعنى الكسر نسبة عدد إلى عدد وتلك النسبة ~~تسمى كسرا وكذلك يكون بالضم والتفريق في الجذور ومعناها العدد الذي يضرب في ~~مثله فيكون منه العدد المرتع فإن تلك الجذور أيضا يدخلها الضم والتفريق ~~وهذه الصناعة حادثة احتج إليها للحساب في المعاملات وألف الناس فيها كثيرا ~~وتداولوها في الأمصار بالتعليم للولدان ومن أحس التعليم عندهم الأبتداء بها ~~لأنها معارف متضحة وبراهين منتظمة فينشأ عنها في الغالب عقل مضيء ودرب على ~~الصواب وقد يقال من أخذ نفسه بتعليم الحساب أول أمره إنه يغلب عليه الصدق ~~لما في الحساب من صحة المباني ومناقشة النفس فيصير ذلك حقا ويتعود بالصدق ~~ويلازمه مذهبا ومن أحسن التآليف المبسوطة فيها لهذا العهد بالمغرب كتاب ~~الحصار الصغير ولأبن البناء المراكشي فيه تلخيص ضابط لقوانين أعمال مفيد ثم ~~شرحه بكتاب سماه رفع الحجاب وهو مستغلق على المبتدئ بما فيه من البراهين ~~الوثيقة المباني وهو كتاب جليل القدر أدركنا المسيحة تعظيمه وهو كتاب جديد ~~بذلك وإنما جاءه الاستغلاق من طريق البرهان ببيان علوم التعاليم لأن ~~مسائلها وأعمالها واضحة كلها وإذا قصد شرحها فإنما هو إعطاء العلل في تلك ~~الأعمال وفي ذلك العسر على الفهم مالا يوجد في إعمال المسائل فتأمله والله ~~يهدي بنوره من يشاء وهو القوي المتين ومن فروعه الجبر والمقابلة وهي صناعة ~~يستخرج بها العدد المجهول من قبل المعلوم المفروض إذا كان بينهما نسبة ~~تقتضي ذلك فاصطلحوا فيها على أن جعلوا للمجهولات مراتب من طريق التضعيف ~~بالضرب أولها العدد لأنه به يتعين المطلوب المجهول باستخراجه من نسبة ~~المجهول إليه وثانيها الشيء لأن كلا مجهول فهو من جهة إبهامه وهو أيضا جذر ~~لما يلزم من تضعيفه PageV01P483 # في المرتبة الثانية وثالثها المال وهو أمر مبهم وما بعد ذلك فعلى نسبة ~~الأس في المضروبين ثم يقع العمل المفروض في المسألة فتخرج إلى معادلة بين ~~مختلفين أو أكثر من هذه الأجناس فيقابلون بعضها ببعض ويجبرون ما ms512 فيها من ~~الكسر حتى يصير صحيحا ويحطون مراتب إلى أقل الأسوس إن أمكن حتى يصير إلى ~~الثلاثة التي عليها مدار الجبر عندهم وهي العدد والشيء والمال فإن كانت ~~المعادلة بين واحد تعين فالمال والجذر يزول بمعادلة العدد ويتعين والمال إن ~~عادل الجذور فيتعين بعدتها وإن كانت المعادلة بين واحد واثنين أخرجه العمل ~~الهندسي من طريق تفصيل الضرب في الأثنين وهي مبهمة فيعينها ذلك الضرب ~~المفضل ولا يمكن المعادلة بين اثنين واثنتين وأكثر ما انتهت المعادلة بينهم ~~إلى ست مسائل لأن المعادلة بين عدد وجذر ومال مفردة أو مركبة بجيء ستة وأول ~~من كتب في هذا الفن أبو عبد الله الخوارزمي وبعده أبو كامل شجاع بن أسلم ~~وجاء الناس عللى أثره فيه وكتابه في مسائله الست من أحسن الكتب الموضوعة ~~فيه وشرحه كثير من أهل الأندلس فأجادوا ومن أحسن شروحاته كتاب القرشي وقد ~~بلغنا أن بعض أئمة التعاليم من اهل المشرق وأنهى المعاملات إلى أكثر من هذه ~~الستة ألجناس وبلغها إلى فوق العشرين واستخراج لها كلها أعمالا وأتبعه ~~لببراهين هندسية والله يزيد في الخلق ما يشاء سبحانه وتعالى ومن فروعه أيضا ~~المعاملات وهو تصريف الحساب في معاملات المدن في البياعات والمساحات ~~والزكوات وسائر ما يعرض فيه العدد من المعاملات يصرف في صناعتنا ذلك بحساب ~~في المجهول والمعلوم والكسر والصحيح والجذور وغيرها والغرض من تكثير ~~المسائل المفروضة فيها حصول المران والدرابة بتكرار العمل حتى يرسخ الملكة ~~في صناعة الحساب ولأهل الصناعة الحسابية أهل الأندلس تآليف فيها متعددة من ~~أشهرها معاملات الزهراوي وأبن السمح وأبي مسلم بن خلدون من تلميذ مسلمة ~~المجر يطي وأمثالهم ومن فروعه أيضا الفرائض وهي صناعة حسابية في تصحيح ~~السهام لذوي الفروض في الورثات إذا تعددت وهلك بعض الوارثين وانكسرت سهامه ~~على ورثته أو زادت الفروض عند إجتماعها على المال كله أو كان في الفريضة ~~إقرار PageV01P484 # وإنكار من بعض الورثة فتحتاج في ذلك كله إلى عمل يعين به سهام الفريضة من ~~كم تصح وسهام الورثة من كل بطن مصححا ms513 حتى تكون حظوظ الوارثين من المال على ~~نسبة سهامهم من جملة سهام الفريضة فيدخلها من صناعة الحساب جزء كبير من ~~صحيحه وكسره وجذور معلومة ومجهولة وترتيب على ترتيب أبواب الفرائض الفقهية ~~ومسائلها فتشمل حينئذ هذه الصناعة على جزء من الفقه وهو أحكام الوراثة من ~~الفروض والعول والإقرار والإنكار والوصايا والتدبير وغير ذلك من مسائلها ~~وعلى جزء من الحساب وهو تصحيح السهمان باعتبار الحكم الفقهي وهي من أجل ~~العلوم وقد يورد أهلها أحاديث نبوية تشهد بفضلها مثل الفرائض ثلث العلم ~~وأنها أول ما يرفع من العلوم وغير ذلك وعندي أن ظواهر تلك الأحاديث كلها ~~إنما هي في الفرائض العينية كما تقدم لا فرائض الوراثات فإنها أقل من أن ~~تكون في كميتها ثلث الفرائض وأما الفرائض العينية فتكثره وقد الف الناس في ~~هذا الفن قديما وحديثا وأوعيوا ومن أحسن التآليف فيه على مذهب مالك رحمه ~~الله كتاب أبن ثابت ومختصره القاضي أبي القاسم الحوفي وكتاب أبن المنمر ~~والجعدي والصردي وغيرهم لكن الفضل للحوفي فكتابة مقدم على جمعها وقد شرحه ~~من شيوخنا أبو عبد الله سليمان الشطي كبير مشيخة فارس فأوضح وأوعب الإمام ~~الحرمين فيها تآليف على مذهب الشافعي تشهد باتساع باعة في العلوم ورسوخ ~~قدمه وكذا للحنفية والحنابلة ومقامات الناس في العلوم مختلفة والله يهدي من ~~يشاء بمنه وكرمه لا رب سواه $ الفصل الخامس عشر في العلوم الهندسية # هذا العلم هو النظر في المقادير أما المتصلة كالخط والسطح والجسم وإما ~~المنفصلة كالأعداد وفيما يعرض لها من العوارض الذاتية مثل إن كل مثلث ~~فزواياه مثل قائمتين ومثل أن كلا من خطين متوازيين لا يلتقيان في وجه ولو ~~خرجا إلى غير نهاية ومثل أن كلا خطين متقاطعين فالزوايتان المتقابلتان ~~منهما متساويتان ومثل أن الأربعة مقادير المتناسبة ضرب الأول منها في ~~الثالث كضرب الثاني في الرباع وأمثال ذلك والكتاب المترجم لليوناننين في ~~هذه الصناعة كتاب أو قلديس ويسمى PageV01P485 # كتب الأصول وكتاب الأركان وهو أبسط ما وضع فيها للمتعلمين وأول ما ترجم ~~من كتبا اليونانين في ms514 الملة أيام أبي جعفر المنصور ونسخه مختلفة باختلاف ~~المترجمين فمنها لحنين بن إسحاق ولثابث بن قرة وليوسف بن الحجاج ويشتمل على ~~خمس عشرة مقالة أربع في السطوح وواحدة في الأقدار المتناسبة وأخرى في نسب ~~السطوح بعضها إلى بعض وثلاث في العدد والعاشرة في المنطقات والقوى على ~~المنطقات ومعناه الجذور وخمس في التجسمات وقد اختصره الناس اختصارات كثيرة ~~كما فعله ابن سينا في تعاليم الشفاء أفرد له جزءا منها أختصه به وبذلك ابن ~~الصلت في كتاب الاقتصار وغيرهم آخرون شروحا كثيرة وهو مبتدأ العلوم ~~الهندسية بإطلاق واعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقاله واستقامة في ~~فكره لأن براهينها كلها بينة الانتظام جلية الترتيب لا يكاد الغلط يدخل ~~أقيستها لترتيبها وانتظامها فيبعد الفكر بممارستها على الخطأ وينشأ لصاحبها ~~عقل على ذلك المهيع وقد زاعموا أنه كان مكتوبا على باب أفلاطون من لم يكن ~~مهندسا فلا يدخل منزلنا وكان شيوخنا رحمهم الله يقولون ممارسة علم الهندسة ~~للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل منه الأقذار وينفيه من الأوصار ~~والأردان وإنما ذلك لما أشرنها إليه من ترتيبه وانتظامه ومن فروع هذال الفن ~~الهندسة المخصوصة بالأشكال الكروية والمخروطات أما الأشكال الكروية ففيها ~~كتابان من كتب اليونانيين لثاودوسيوس وميلاوش في سطوحها وقطوعها وكتاب ~~ثادوسيوس مقد في التعليم على كتاب ميلاوش لتوقف كثير من براهينه عليه ولا ~~بد منهما لمن يريد الخوض في علم الهيئة لأن براهينها متوقفة عليه فالكلام ~~في الهيئة كله كلام في الكرات السماوية وما يعرض فيها من القطوع والدوائر ~~بأسباب الحركات كما نذكره فقد يتوقف على احكام الأشكال الكروية سطوحها ~~وقطوعها وأما المخروطات فهو من فروع الهندسة أيضا وهو علم ينظر فيما يقع في ~~الأجسام المخروطة من الأشكال والقطوع وتبرهن على ما يعرض لذلك من العوارض ~~ببراهين هندسية متوقفة على التعلينم الأول وفائدتها تظهر في الصنائع ~~العملية التي موادها الأجسام مثل النجارة والبناء وكيف تصنع التماثيل ~~والهياكل وكيف يتحيل على جر الأثقال ونقل الهياكل PageV01P486 # بالهندام والميخال وأمثال ذلك وقد أفرد بعض المؤلفين في ms515 هذا الفن كتابا ~~في الحيل العلمية يتضمن من الصناعات الغريبة والحيل المستطرفة كل عجيبة ~~وربما استغلق على المفهوم لصعوبة براهينه الهندسية وهو مأخوذ بأيدي الناس ~~ينسبونه إلى بني شاكر والله تعالى أعلم ومن فروعه الهندسة المساحة وهو فن ~~يحتاج إليه في مسح الأرض ومعناه استخراج مقدار من الأرض المعلومة بنسبة شبر ~~أو ذراع أو غيرهما ونسبة أرض من أرض إذ قويست بمثل ذلك يحتاج إلى ذلك في ~~توظيف الخراج على المزارع والفدن وبساتين الغراسة وفي قسمة الحوائط ~~والأراضي بين الشركاء أو الورثة وأمثال ذلك وللناس فيها موضوعات حسنة ~~وكثيرة والله الموفق للصواب بمنة وكرمه المناظرة من فروع الهندسة وهو علم ~~يتبين به اسباب الغلط في الإدراك البصري بمعرفة كيفية وقوعها بناء على أن ~~إدراك البصر يكون بمخروط شعاعي راسه يقطعه الباصر وقاعدته المرئي ثم يقع ~~الغلط كثيرا في رؤية القريب كبيرا والبعيد صغيرا أو كذا رؤية الأشباح ~~الصغيرة تحت الماء ووراء الأجسام الشفافة كبيرة ورؤية انتقطه النازلة من ~~المطر خطأ مستقيما والسلقة دائرة وأمثال ذلك فيتبين في هذا العلم اسباب ذلك ~~وكيفاته بالبراهين الهندسية ويتبين به ايضا اختلاف المنظر في القمر باختلاف ~~العروض الذي ييبني عليه معرفة رؤية الأهلة وحصول الكشوفات وكثير من أمثال ~~هذا وقد ألف كثير من اليونانين واشهر من الف فيه من الإسلاميين ابن الهيثم ~~ولغيره أيضا تآليف وهو من هذه الرياضة وتفاريعها $ الفصل السادس عشر في علم ~~الهيئة # وهو علم ينظر في حرمات الكواكب الثابتة والمتحركة والمتحيزة ويستدل من ~~تلك الحركات على أشكال وأوضاع للأفلاك لزمت عنها لهذه الحركات المحسوسة ~~بطرق هندسية كما يبرهن على أن مركز الأرض مباين لمركز فلك الشمس بوجود حركة ~~الإقبال والإدبار وكما يستدل بالرجوع والاستقامة للكواكب على وجود افلاك ~~صغيرة حاملة لها متحركة داخل فلكها الأعظم وكما يبرهن على وجود الفلك لثامن ~~بحركة الكواكب الثابتة وكما يبرهن على تعدد الأفلاك للكواكب PageV01P487 # الواحد بتعداد الميول له وامثال ذلك وإدراك الموجود من الحركات وكيفياتها ~~وأجناسها إنما هو بالرصد فإنما هو الرصد فأنا علمنا ms516 حركة الأقبال والإدبار ~~به وكذا تركيب الأفلاك في طبقاتها وكذا الرجوع والاستقامة وامثال ذلك وكان ~~اليونانيون يعتنون بالرصد كثيرا ويتخذون له الآلات التي توضع ليرصد بها ~~حركة الكواكب المعين وكانت تسمي عندهم ذات الحلق وصناعة عملها والبراهين ~~عليه في مطابقته حركتها بحركة الفلك منقول بأيدي الناس وأما في الإسلام فلم ~~يقع به عناية إلا في القليل وكان أيام المأمون شيء منه وصنع لا له المعروفة ~~للرصد المسماة ذات الحلق وشرع في ذلك فلم يتم مات ذهب رسمه وأغفل واعتمد من ~~بعده على الأرصاد القديمة وليست بمغنية لاختلاف الحركات باتصال الآحقاب وأن ~~مطابقة حركة الآلة للرصد بحركة الأفلاك والكواكب الحقيقية بل إنما تعطي أن ~~هذه الصور الهيئات للأفلاك لزمت عن هذه الحركات وأنت تعلم أنه لا يبعد أن ~~يكون الشئ الواحد لازما لمختلفين وإن قلنا أن الحركات لازمة فهو استدلال ~~باللازوم على وجود الملزوم ولا تعطي الحقيقة بوجه على أنه علم جليل وهو أخذ ~~اركان التعاليم ومن أحسن التآليف فيه كتاب المحسطي لبطليموس وليس من ملوك ~~اليونان الذين أسماؤهم بطليموس على ما حققه شراح الكتاب وقد اختصره الأئمة ~~من حكماء الإسلام كما فعله ابن سينا وأدرجه في تعاليم الشفاء ولخصه ابن رشد ~~أيضا من حكماء الأندلس وأبن السمح وأبن الصلت في كتاب الاقتصار ولأبن ~~الفرغاني هيئة ملخصة قربها وحذف براهينها الهندسية والله أعلم الإنسان ما ~~لم يعلم سبحانه لا إله إلا هو رب العالمين ومن فروعه علم الأزياج وهي صناعة ~~حسابية على قوانين عددية فيما يخص كل كوكب من طريق حركته وما أدري إليه ~~برهان الهيئة في وضعه من شرعته وبطء وأستقامة ورجوع وغير ذلك يعرف به مواضع ~~الكواكب في أفلاكها لأي وقت فرض من قبل حسان حركاتها على تلك القوانين ~~المستخرجه من كتب الهيئة الصناعة قوانين كالمتقدمات والأصول لها في معرفة ~~الشهور والأيام PageV01P488 # والتواريخ الماضية وأصول متقررة من معرفة الأوج والحضيض والميول وأصناف ~~الحركات واستخراج بعضها من بعض يضعونها في جداول مرتبة تسهيلا على ~~المتعلمين وتسمى الأزياج ويمسى استخراج مواضع ms517 الكواكب للوقت المفروض لهذه ~~الصناعة تعديلا وتقويما وللناس فيه تآليف كثيرة للمتقدمين والمتأخرين مثل ~~البيتاني وابن الكماد وقد عول االمتأخرين لهذا العهد بالمغرب على ريج منسوب ~~لأبن إسحق من منجمي يونس أول المائة السابعة ويزعمون أن إبن إسحاق عول فيه ~~على الرصد وأن يهوديا كان بصقلية ماهرا في الهيئة والتعاليم وكان قد عني ~~بالرصد وكان يبعث إليه بما يقع في ذلك من أحوال الكواكب وحركاتها فكان أهل ~~المغرب لذلك عنوا مبناه على ما يزعمون ولخصه ابن البناء في آخر سماه ~~المنهاج فولع به الناس لما سهل من الأعمال فيه وإنما يحتاج إلى مواضع ~~الكواكب من الفلك لثنبني عليها الأحكام النجومية وهو معرفة الآبار التي ~~تحدث عنها بأوضاعها في عالم الإنسان من الملك والدول والمواليد البشرية كما ~~بينه بعد ونوضح فيه ادلتهم إن شاء الله تعالى والله الموفق لما يحبه ويرضاه ~~لا معبود سواه $ الفصل السابع عشر في علم المنطق # وهو قوانين يعرف بها الصحيح من الفاسد في الحدود المفرفة للماهيات والحجج ~~المفيدة للتصديقات وذلك أن الأصل في الإدراك إنما هو المحسوسات بالحواس ~~الخمس وجميع الحيوانات مشتركة في هذا الإدراك من الناطق وغيره وإنما يتميز ~~الإنسان عنها بإدراك الكليات وهي مجردة من المحسوسات وذلك بإن يحصل في ~~الخيال من الأشخاص المتفقة صورة منطبقة على جميع الأشخاص المحسوسة وهي ~~الكلي ثم ينظر الذهن بين تلك الأشخاص المتفقة وأشخاص أخرى توافقها في بعض ~~فيحصل له صورة تنطبق أيضا عليهما باعتبار ما أتفقنا فيه ولا يزال يرتقي في ~~التجريد إلى الكل الذي لا يجد كليا آخر معه يوافقه فيكون لأجل ذلك بسيطا ~~وهذا مثل ما يجرد من أشخاص الإنسان صورة النوع المنطبقة عليها ثم ينظر بينه ~~PageV01P489 # وبين الحيوان ويجرد صورة الجنس المنطبقة عليها ثم بينهما وبين النبات إلى ~~أن ينتهي إلى الجنس العالي وهو الجوهر في شيء فيقف العقل هنالك عن التجريد ~~ثم إن الإنسان لما خلق الله له الفكر إلى به يدرك العلوم والصنائع وكان ~~العلم إما تصورا للماهيات ويعني به إدراك ساذج ms518 من غير حكم معه وإما تصديقا ~~أي حكما بثبوت أمر لأمر فصار سعي الفكر في تحصيل المطلوبات إما بأن تجمع ~~تلك الكليات بعضها إلى بعض على جهة التأليف لتحصل صورة في الذهن كلية ~~منطبقة على أفراد في الخارج فتكون تلك الصورة الذهنية مفيدة لمعرفة ماهية ~~تلك الأشخاص وأما بأن يحكم بأمر على أمر فيثبت له ويكون ذلك تصديقا وغايته ~~في الحقيقة راجعة إلى التصور لأن فائدة ذلك إذا حصل إنما هي معرفة حقائق ~~الأشباه التي هي مقتضى العلم وهذا السعي من الفكر قد يكون بطريق صحيح وقد ~~يكون بطريق فاسد فاقتضى ذلك تمييز الطريق الذي يسعى به الفكر في تحصيل ~~المطالب العلمية ليتميز الصحيح من الفاسد فكان ذلك قانون المنطبق وتكلم فيه ~~المتقدمون أول ما تكلموا به جملا جملا ومفترقا ولم تهذب طرقه ولم تجمع ~~مسائلة حتى يظهر في يونان أرسطوا فهذب مباحثه ورتب مسائله وفصوله وجعله أول ~~العلوم الحكمية وفاتحها ولذلك يسمى بالمعلم الأول وكتابه المخصوصة بالمنطق ~~يسمى النص وهو يشتمل على ثمانية كتب أربعة منها في صورة القياس وأربعة في ~~مادته وذلك أن المطالب التصديقية على أنحاء فمنها ما يكون المطلوب فيه ~~اليقين بطبعه ومنها ما يكون المطلوب فيه الظن وهو على مراتب فينظر في ~~القياس من حيث المطلوب الذي يفيده وما ينبغي أن تكون مقدماته بذلك الاعتبار ~~ومن أي جنس يكون من العلم الذي يفيده وما ينبغي أن تكون مقدماته بذلك ~~الأعتبار ومن أي جنس يكون ومن أي جنس يكون من العلم أو من الظن وقد ينظر في ~~القياس لا باعتبار مطلوب مخصوص بل من جهة إنتاجه خاصة ويقال للنظر وقد ينظر ~~في القياس لا باعتبار مطلوب بل من جهة إنتاجه خاصة ويقال للنظر الأول إنه ~~من حيث المادة وتغني به المادة النتجة للمطلوب المخصوص من يقين أو ظن ويقال ~~للنظر الثاني إنه من حيث الصورة وإنتاج القياس على الإطلاق فكانت لذلك كتب ~~المنطق ثمانية الأول في الأجناس العالية التي ينتهي ليها تجريد المحسوسات ~~وهي التي ليس ms519 فوقها جنس ويسمى كتاب المقولات والثاني في القضايا التصديقية ~~وأصنافها ويمسى كتاب العبارة والثالث في القياس وصورة إنتاجه على ~~PageV01P490 # الإطلاق ويسمى كتاب القياس وهذا آخر النظر من حيث الصورة ثم الرابع كتاب ~~البرهان وهو النظر في القياس المنتج لليقين وكيف يجب أن تكون مقدماته ~~يقينية ويختص بشروط أخرى لإقادة اليقين مذكورة فيه مثل كونها ذاتية وأولية ~~وغير ذلك وفي هذا الكتاب الكلام في المعرفات والحدود إذ المطلوب فيها إنما ~~هو الليقين لوجود المطابقة بين الحد والمحدود لا يحتمل غيرها فلذلك اختصت ~~عند المتقدمين بهذا الكتاب والخامس كتاب الجدل وهو القياس المفيد قطع ~~المشاغب وإفحام الخصم وما يجب أن يستعمل فيه من المشهورات ويختص أيضا من ~~جهة إفادته لهذا الغرض بشروط أخرى من حيث إفادته لهذا الغرض وهي مذكورة ~~هناك وفي هذا الكتاب يذكر المواضع التي يستنبط منها صاحب القياس قياسه وفيه ~~عكوس القضايا والسادس كتاب السفسطة وهو القياس الذي يفيد خى ف الحق ويغالط ~~به المناظر صاحبه وهو فاسد وهذا إنما كتب ليعرف به القياس المفيد ترغيب ~~الجمهور وحملهم على المراد منهم وما يجب أن يستعمل في ذلك من المقالات ~~والثامن كتاب الشعر وهو القياس الذي يفيد التمثيل والتشبيه خاصة للأقبال ~~على الشيء أو النفرة عنه وما يجب أن يستعمل فيه من القضايا التخيلية هذه هي ~~كتب المنطق الثمانية عند المتقدمين ثم إن حكماء اليونانين بعد أن تهذبت ~~الصناعة ورتبت رأوا أنه لا بد من الكلام في الكليات الخمس المفيدة للتصور ~~فاستدركوا فيها مقالة تختص بها مقدمة بين يدي الفن فصارت تسعا وترجمت كلها ~~في الملة الإسلامية وكتبها وتداولها فلاسفة الإسلام بالشرح والتلخيص كما ~~فعله الفارابي وابن سبنا ثن ابن رشد من فلاسفة الأندلس ولأبن سينا كتاب ~~الشفاءا استوعب فيه علوم الفلسفة السبعة كلها ثم جاء المتأخرون فغيروا ~~اصطلاح المنطق وألحقوا بالنظر في الكليات الخمس ثمرته وهي الكلام في الحدود ~~والرسوم نقلوها من كتاب البرهان وحذفوا كتاب المقولات لأن نظر المنطقي فيه ~~بالعرض لا بالذات أو الحقوا في كتاب العبارة ms520 الكلام في العكس لأنه من توابع ~~الكلام في القضايا ببعض الوجوه ثم تكلموا في القياس من حيث إنتاجه للمطالب ~~على العموم لا بحسب مادة وحدقوا النظر فيه PageV01P491 # بحسب المادة وهي الكتب الخمسة البرهان والجدل والخطابة والشعر والسفسطة ~~وربما يلم بعضهم باليسير منها إلماما واغفلوها كان لم تكن هي المهم المعتمد ~~في الفن ثم تكلموا فيها وضعوه من ذلك كلام مستبحرا ونظروا فيه من حيث إنه ~~فن برأسه لا من حيث إنه آلة للعلوم فطال الكلام فيه واتسع وأول من فعل ذلك ~~الإمام فخر الدين بن الخطيب ومن بعده أفضل الدين الخونجي وعلى كتبه معتمد ~~المشاقة لهذا العهد وله في هذه الصناعة وله في هذه الصناعة كتاب كشف ~~الأسرار وهو طويل واختصر فيها مختصر الموجز وهو حسن في التعليم ثم مختصر ~~الجمل في قدر أربعة أوراق أخذ بمجامع الفن وأصوله فتداوله المتعلمون لهذا ~~العهد فينتفعون به وهجرت كتب المتقدمين وطرفهم كأن لم تكن وهي ممتلئة من ~~ثمرة المنطق وفائدته كما قلناه والله الهادي للصواب $ الفصل الثامن عشر في ~~الطبيعيات # وهو علم يبحث عن الجسم من جهة ما يلحقه من الحركة والسكون فينظر في ~~الأجسام السماوية والعنصرية وما يتولد عنها من حيوان وإنسان ونبات ومعدن ~~وما يتكون في الأرض من العيون والزلازل وفي الجو من السحاب والبحار والرعد ~~والبرق والصواعق وكتب أرسطو فيه موجودة بين أيدي الناس ترجمت مع ما ترجم من ~~علوم الفلسفة أيام المأمون وألف الناس على حذوها وأوعب من ألف في ذلك أبن ~~سينا في كتاب الشفاء جمع فيه العلوم السبعة للفلاسفة كما قدمناه ثم لخصه في ~~كتاب النجا وفي كتاب الإرشادات وكأنه يخالف أرسطو في الكثير من مسائلها ~~ويقول براءته فيها وأما ابن رشد فلخص كتب أرسطو وشرحها متبعا له غير مخالف ~~والف الناس في ذلك كثير لكن هذه هي المشهورة لهذا العهد والمعتبرة في ~~الصناعة ولأهل المشرق عناية بكتاب الإرشادات لأبن سينا وللإمام ابن الخطيب ~~عليه شرح حسن وكذا الآمدي وشرحه أيضا نصير الدين الطوسي المعروف بخواجه ms521 من ~~أهل المشرق وبحث مع الإمام في كثير من مسائله فأوفى على أنظاره وبحوثه وفوق ~~كل ذي علم عليم PageV01P492 # والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم $ الفصل التاسع عشر في علم الطب # ومن فروع الطبيعيات صناعة الطب وهي صناعة تنظر في بدن الإنسان من حيث ~~يمرض ويصح فيحاول صاحبها الصحة وبرء المرض بالأدوية والأغذية بعد أن يتبين ~~المرض الذي يخص كل عضوين من أعضاء البدن واسباب تلك الأمراض التي تنشأ عنها ~~وما لكل مرض من الأدوية مستدلين على ذلك بأمزجة الأدوية وقواها وعلى المرض ~~بالعلاقات المؤذنة بنضجه وقبولها الدواء أولا في السجية والفضلات والنبض ~~يحاذيها لذلك قوة الطبيعة فإنها المدبرة في حالتي الصحة والمرضى ولإنما ~~الطبيب يحاذيها ويعينها بعض الشيء بحسب ما يقتضيه طبيعة المادة والفضل ~~والسن ويسمى العلم الجامع لهذا كله علم الطب وربما أفردوا بعض الأعضاء ~~بالكلام وجعلوه خاصا كالعين وعللها وأ كحالها وكذلك ألحقوا بالفن من منافع ~~الأعضاء ومعناه المنفعة التي لأجلها خلق كل عضو من أعضاء البدن الحيواني ~~وإن لم يكن ذلك من موضوع علم الطب إلا أنهم جعلوه من لواحقه وتوابعه وإمام ~~هذه الصناعة التي ترجمت كتبه فيها من الأقدمين جالينوس يقال إنه كان معاصرا ~~لعيسى عليه السلام ويقال إنه مات بصقلية في سبيل تغلب ومطاوعة اغترب ~~وتآليفه فيها هي الأمهات التي أقتدى بها جميع الأطباء بعده كان في الإسلام ~~في هذه الصناعة أئمة جاءوا من وراء الغاية مثل الرازي والمجوسي وابن سينا ~~ومن أهل الأندلس أيضا كثير وأشهرهم أبن زهر وهي لهذا العهد في المدن ~~الأسلامية كأنها نقصت لوقوف العمران وتناقصه وهي من الصنائع التي لا ~~تستدعيها إلا الحضارة والترف كما تبينه بعد وللبادية من أهل العمران طب ~~بينونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص متوارثا عن مشايخ ~~الحي وعجائزه وربما يصح منه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي ولا على ~~موافقة المزاج وكان عند العرب من هذا الطب كثير وكان فيهم أطباء معروفون ~~كالحارث بن كلده وغيره والطب المنقول ms522 في الشرعيات من هذا القبيل من الوحي ~~في شيء وإنما هو أمر كان عاديا للعرب ووقع في PageV01P493 # ذكر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم من نوع ذكر أحواله التي هي عادة ~~وجبلة لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل فإنه صلى الله عليه ~~وسلم إنما بعث ليعلمنا الشرائع ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات ~~وقد وقع له في شأن تلقيح النخل وما وقع فقال أنتم أعلم بأمور ديناكم فلا ~~ينبغي أن يحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنه مشروع ~~فليس هنالك ما يدل عليه اللهم إلا إذا استعمل على جهة التبرك وصدق العقد ~~الإيماني فيكون له أثر عظيم في النفع وليي ذلك في الطب المزاجي وإنما هو من ~~آثار الكلمة الإيمانية كما وقع في مداواة المبطون بالعسل والله الهادي إلى ~~الصواب لا رب سواه $ الفصل العشرون في الفلاحة # هذه الصناعة من فروع الطبيعيات وهي النظر في النبات من حيث تنميته ونشؤه ~~بالسقي والعلاج وتعهده بمثل ذلك وكان للمتقدمين بها عناية كثيرة وكان النظر ~~فيها عندهم عاما في النبات من جهة غرسه وتنميته ومن جهة خواصه وروحانيته ~~ومشاكلتها لروحانيات الكواكب والهياكل المستعمل ذلك كله في باب السحر فعظمت ~~عنايتهم به لأجل ذلك وترجم من كتب اليونانيين كتاب الفلاحة النبطية منسوبة ~~لعلماء النبط مشتملة من ذلك على علم كبير ولما نظر أهل الملة فيما اشتمل ~~عليه هذا الكتاب وكان باب السحر مسدودا والنظر فيه محظورا فاقتصروا منه على ~~الكلام في النبات من جهة غرسه وعلاجه وما يعرض له في ذلك وحذفوا الكلام في ~~الفن الآخر منه جملة واختصر أبن العوام كتاب الفلاحة النبكية على هذا ~~المنهاج وبقي الفن الآخر منه مغفلا نقل منه مسلمة في كتبه السحرية أمهات من ~~مسائلة كما نذكره عند الكلام على السحر إن شاء الله تعالى وكتب المتأخرين ~~في الفلاحة كثيرة ولا يعدون فيها الكلام في الغراس والعلاج وحفظ النبات من ~~حوائجه وعوائقه وما يعرض في ذلك كله ms523 وهي موجودة PageV01P494 $ الفصل الحادي ~~والعشرون في علم الالهيات # وهو علم ينظر في الوجود المطلق فأولا في الأمور العامة للجسمانيات ~~والروحانيات من الماهيات والوحدة والكثرة والوجوب والإمكان وغير ذلك ثم ~~ينظر في مبادئ الموجودات وأنها روحانيات ثم كيفية صدرو الموجودات عنها ~~ومراتبها ثم في أحوال النفس بعد مفارقة الأجسام وعودها إلى المبدأ وهو ~~عندهم علم شريف يزعمون أنه يوفقهم على معرفة الوجود على ما هو عليه وغن ذلك ~~عين السعادة في زعمهم وسيأتي الرد عليهم وهو تال للطبيعيات في ترتيبهم ~~ولذلك يسمونه علم وراء الطبيعة وكتب المعلم الأول فيه موجودة بين أيدي ~~الناس ولحظة ابن سينما في كتاب الشفاء والنجا وكذلك لحظة ابن رشد من حكماء ~~الأندلس ولما وضع المتأخرون في علوم القوم ودونوا فيها ورد عليهم الغزالي ~~ما رد منها ثم خلط المتأخرون من المتكلمين مسائل علم الكلام بموضوع ~~الإلهيات ومسائلة بمسائلها فصارت كأناها فن واحد ثم غيروا ترتيب الحكماء في ~~مسائل الطبيعيات والإلهيات وخلصوها فناد واحد قدموا الكلام في الأمور ~~العامة ثم أتبعوه بالجسمانيات وتوابعها ثم بالروحانيات وتوابعها إلى آخر ~~العلم كما فعله الإمام أبن الخطيب في المباحث المشرقية وجميع من بعده من ~~علماء الكلام وصار علم الكلام مختلطا بمسائل الحكمة وكتبه محشوة بها كأن ~~الغرض من موضوعهما ومسائلهما واحد والتبي ذلك على الناس وهو صواب لأن مسائل ~~علم الكلام إنما هي عقائد متلقاة من الشريعة كما نقلها السلف من غير رجوع ~~غفيها إلى العقل ولا تعويل عليه بمعنى أنها لا تثبت لا به فإن العقل معزول ~~عن الشرع وانظاره وما يحدث فيه المتكلمون من إقامة الحجج فليس بحثا عن الحق ~~فالتعليل بالدليل بعد إن لم يكن معلوما هو شأن الفلسفة بل إنما هو التماس ~~حجة عقلية عقائد الإيمان ومذاهب السلف فيها وتدفع شبه أهل البدع عنها الذين ~~زعموا أن مداركهم فيها عقلية وذلك بعد إن تفرض صحيحة بالأدلة النقلية كما ~~تلقاها السلف واعتقدها وكثير ما بين المقامين وذلك أن مدارك صاحب الشريعة ~~أوسع لاتساع نطاقها عن مدارك الأنظار ms524 العقلية PageV01P495 # فهي فوقها ومحيطة بها لاستمدادها من الأنوار الإلهية قد تدخل تحت قانون ~~النظر الضعيف والمدارك المحاط بها فإذا أهدانا الشارع إلى مدرك فينبغي أن ~~تقدمه على مداركنا ونثق به دونها ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ولو ~~عارضة بل نعتمد ما أمرنا اعتقادا وعلما ونسكت عما لم نفهم من ذلك ونفوضه ~~إلى الشارع ونعزل العقل عنه والمتكلمون إنما دعاهم إلى ذلك كلام أهل ~~الإلحاد في معارضات العقائد السلفية بالبدع النظرية فاحتاجوا إلى الرد ~~عليهم من جنس معارضتهم واستدعى ذلك الحجج النظرية ومحاذاة العقائد السلفية ~~بها وأما النظر في مسائل الطبيعيات ولإلهيات بالتصحيح والبطلان من موضوع ~~علم الكلام ولا من جنس أنظار المتكلمين فاعلم ذلك لتمييز به بين الفنيني ~~فإنهما مختلطان عند المتأخرين في الوضع والتأليف والحق مغايرة كل منهما ~~لصاحبه بالموضوع والمسائل وإنما جاء الألتباس من اتحاد المطالب عند ~~الاستدلال وصار احتجاج أهل الكلام كأنه إنشاء الطلب بالدليل وليس كذلك بل ~~إنما هو رد على المتحدثين والمطلوب مفروض الصدق معلومة وكذا جاء المتأخرون ~~من علاة المتصوفية المتكلمين بالمواجد أيضا فخلصوا مسائل الفنيين بفنهم ~~وجعلوا الكلام فيها كلها مثل كلامهم في النبواءات والاتحاد والحلول والوحدة ~~وغير ذلك والمدارك في هذه الفنون الثلاثة متعايرة مختلفة وأبعدها من جنس ~~الفنون والعلوم مدارك المتصوفية لأنهم يدعون فيها الواجدون ويفرون عن ~~الدليل والوجدان بعيد عن المدارك العلمية وأبحاثها وتوابعها كما بيناه ~~وتبينه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقسم والله أعلم بالصواب $ الفصل ~~الثاني والعشرون في علوم السحر والطلسمات # وهي علوم بكيفية استعدادات تقتدر البشرية بها على التأثيرات في عالم ~~العناصر إما بغير معين أو بمعين من الأمور السماوية والأول هو السحر ~~والثاني هو الطلسمات ولما كانت هذه العلوم مهجورة عند الشرائع لما فيها من ~~الضرر ولما يشترط فيها من الوجهة إلى غير الله من كوكب أو غيره كانت كتبها ~~كالمفقودة بين الناس PageV01P496 # إلا ما وجد في كتب الأمم الأقدمين فيما قبل نبوة موسى عليه السلام مثل ~~النبط والكلدانيين فإن جمع من تقدمه من ms525 الأنبياء يشرعوا الشرائع ولا جاءوا ~~بالأحكام إنما كانت كتبهم مواعظ وتوحيدا لله وتذكيرا بالجنة والنار وكانت ~~هذه العلوم في أهل بابل من السريانيين والكلدانيين وفي أهل مصر من القبط ~~وغيرهم وكان لهم فيها التآليف والآثار لم يترجم لنا من كتبهم فيها إلا ~~القليل مثل الفلاحة النبطية من أوضاع أهل بابل فأخذ الناس منها هذا العلم ~~وتفننوا فيه ووضعت ذلك الأوضاع مثل مصاحف الكواكب السبعة وكتاب طمطم الهندي ~~في صور الدرج والكواكب وغيرها ثم ظهر بالكشرق جابر بن حيان كبير السحرة في ~~هذه الملة فتصفح كتب القوم واستخراج الصناعة وغاص في زبدتها واستخراجها ~~ووضع فيها غيرها من التآليف وأكثر الكلام فيها وفي صناعة السيمياء لأنها من ~~توابعها لأن إحالة الأجسام النوعية من صورة إلى أخرى إنما يكون بالقوة ~~النفسية لا بالصناعة العملية فهو من قبيل السحر كما نذكره في موضعه ثم جاء ~~مسلمة بن أحمد المجربطي إمام أهل الأندلس في التعاليم والسحريات فلخص جميع ~~تلك الكتب وهذبها وجمع طرفها في كتابه الذي سماه غاية الحكيم ولم يكتب أحد ~~في هذا العلم بعده ولنقدم هنا مقدمة يتبين بها حقيقة السحر وذلك أن النفوس ~~البشرية وإن كانت واحدة بالنوع فهي مختلفة بالخواص وهي أصناف كل صنف مختص ~~بخاصية واحدة بالنوع لا توجد في الصنف لآخر وصارت تلك الخواص فطرة وجبلة ~~لصنفها فنفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لها خاصة تستعد بها للمعرفة ~~والربانية ومخاطبة الملائكة عليهم السلام عن الله سبحانه وتعالى كما ومر ~~وما يتسع في ذلك من التأثير في الأكوان واستحلاب روحانية الكواكب للتصرف ~~فيها والتأثير بقوة نفسانية أو شيطانية فأما تأثير الأنبياء فمدد إلهي ~~وخاصية ربابية ونفوس الكهنة لها خاصية الإطلاع على المغيبات بقوى شيطانية ~~وهكذا كل صنف مختص بخاصية ولا توجد في الآخر والنفس الساحرة على مراتب ثلاث ~~يأتي شرحها فأولها المؤثرة بالهمة فقط منن غير آله ولا معين وهذا هو تسمية ~~الفلاسفة السحر الثاني بمعين من مزاج الأفلاك والعناصر أو خواص الأعداد ~~يسمونه PageV01P497 الطلسمات وهو أضعف من الأول والثالث تأثير ms526 في القوى ~~المختلفة يعمد صاحب هذا التأثير إلى القوى المتخيلة فيتصرف فيها بنوع من ~~التصرف ويلقى فيها أنواعا من الخيالات والمحاكاة مما يقصده من ذلك ثم ~~ينزلها إلى الحس من الرائين بقوة نفسية المؤثرة فيه فينظر الراون كأنها في ~~الخارج وليس هناك شيء من ذلك كما يحكى عن بعضهم أنه يرى البساتين والأنهار ~~والقصور وليس هناك شيء من ذلك وتسمى هذا عند الفلاسفة الشعوذة أو الشعبذة ~~هذا تفصيل مراتبه ثم هذه تفصيل مراتبة ثم هذه الخاصية تكون في الساحر ~~بالقوة شأن القوى البشرية كلها وإنما يخرخ إلى الفعل بالرياضة ورياضة السحر ~~كلها إنما تكون بالتوجيه إلى الإفلاك والكواكب والعوالم العلوية والشياطين ~~بإنواع التعظيم والعبادة والخضوع والتذلل فهي لذلك وجه إلى غير الله وسجود ~~له والوجهة إلى غير الله كفر لهذا كان السحر كفرا والكفر من مواده وأسبابه ~~كما رأيت ولها اختلفت الفقهاء في قتل الساحر هل الكفرة السابق على فعله أو ~~لتصرفه بالإفساد وما ينشأ عنه من الفساد في الأكوان والكل حاصل منه ولما ~~كانت المرتبتان الأوليان من السحر لها حقيقة في الخارج والمرتبة الأخيرة ~~الثالثة لا حقيقة لها اختلفت العلماء في السحر هل هو حقيقة أو إنما هو ~~تخييل فالقائلون بأن له حقيقة نظروا إلى المرتبتين الأوليين والقائلون بأن ~~لا حقيقة له نظروا إلأى المرتبة الثالثة الأخيرة فليس بينهم اختلاف في نفس ~~الأمر بل إنما جاء من قبل اشتباه وهذا المراتب والله أعلم واعلم أن وجود ~~السحر لإمرية فيه من بين العقلاء من أجل التأثير الذي ذكرناه وقد نطق به ~~القرآن قال الله تعالى ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما انزل ~~على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ~~فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من ~~أحد إلا بإذن الله وسحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان يخيل إليه ~~أنه يفعل الشيء ولا يفعله وجعل سحره في مشط ومشاقة وجف طلعه ودفن ms527 في بئر ذر ~~وأن فانزل الله عز وجل عليه المعوذتين ومن شر النفاثات في العقد قالت عائشة ~~رضي الله عنها كان لا يقرأ على عقدة من تلك العقد التي سحر فيها إلا وانحلت ~~وأما وجود السحر في أهل بابل وهو الكلدانييون من النبط والسريانيين ~~PageV01P498 فكثير ونطق به القرآن وجاءت به الاخبار وكان للسحر في باب ومصر ~~أزمان بعثه موسى عليه السلام أسواق نافقة ولهذا كانت معجزة موسى من جنس ما ~~يدعون ويتنازعون فيه وبقي من آثار ذلك في البراري بصعيد مصر شواهد دالة على ~~ذلك ورأينا بالعيلن من يصور صورة الشخص المسحور بخواص اشياء مقابلة لما ~~نواه وحاوله موجودة بالمسحور وأمثال تلك المعاني من أسماء وصفات في التأليف ~~والتفريق ثم يتكلم على تلك الصورة التي أقامها مقام الشخص المسحور عينا أو ~~معنى ثم ينفث من ريقه بعد اجثماء في فيه بتكرير مخارج تلك الحروف من الكلام ~~السوء ويعقد على ذلك المعنى في سبب أعده لذلك تفاؤلا بالعقد واللزام وأخذ ~~العهد على من أشرك به من الجن في نفثه في فعله ذلك استشعارا للعزيمة بالعزم ~~ولتلك البينة والأسماء السيئة روح خبيثة تخرج منه مع النفخ متعلقة بريقه ~~الخارج من فيه بالنفث فتنزل عنها أرواح خبيثة ويقع عن ذلك بالمسحور ما ~~يحاوله الساحر وشاهدنا أيضا من المنتحلين للسحر وعمله من يشير إلى كساء أو ~~جلد ويتكلم عليه في سره فإذا هو مقطوع متخرق ويشير إلى بطون الغنم كذلك في ~~مراعيها بالبعج فرذا أمعاؤها ساقطة من بطونها إلى الأرض وسمعنا أن بأرض ~~الهند لهذا العهد من يشير إلى إنسان فيتحتت قلبه ويقع ميتا وينقلب عن قلبه ~~فلا يوجد في حشاه ويشير إلى الرمانة وتفتح فلا يوجد من حبوبها شيء وكذلك ~~سمعنا أن بأرض السودان وأرض الترك من يسحر السحاب فيمطر الأرض المخصوصة ~~وكذلك رأينا من عمل الطلسمات عجائب في الأعداد المتحابة وهي ر ك ر ف د أحد ~~العددين مائتان وعشرون والآخر مائتان وأربعة وثمانون ومعنى المتحابة أن ~~أجزاء كل واحد التي فيه ms528 من نصف وثلث وربع وسدس وخمس وأمثالها إذا جمع كان ~~متساويا للعدد الآخر صاحبه فتسمى لأجل ذلك المتحابة ونقل أصحاب الطلسمات أن ~~لتلك الأعداد أثرا في الإلفة بين المتحابين واجتماعهما إذا وضع لهما مثالان ~~أحدهما بطالع الزهرة وهي في بيتها أو شرفها ناظرة إلى القمر نظر مودة وقبول ~~ويجعل طالع الثاني سابع الأول ويضع على أحد التمثالين أحد العددين والآخر ~~على الآخر ويقصد بالأكثر الذي يراد ائتلافه أعني المحبوب ما أدري الأكثر ~~كمية أو الأكثر أجزاء فيكون لذلك PageV01P499 من التألف العظيم بين ~~المتحابين ما لا يكاد ينفك أحدهما عن الآخر قاله صاحب الغاية وغيره من أئمة ~~هذا الشأن وشهدت له التجربة وكذا طابع الأسد ويسمى أيضا طابع الحصى وهو أن ~~يرسم في قالب هند اصبع صورة أسد شائلا ذنبه عاضا على حصاة فد قسمها بنصفين ~~وبين يديه صورة حية منسابة من رجليه إلى قبالة وجهه فاغرة فاها فيه وعلى ~~ظهره صورة عقرب تدب ويتحين برسمه حلول الشمس بالوجه الأول أو الثالث من ~~الاسد بشرط صلاح النيرين وسلامتهما من النحوس فإذا وجذ ذلك وعثر عليه طبع ~~في ذلك الوقت في مقدار المثقال فما دونه من الذهب وغمس بعد في الزعفران ~~محلولا بماء الورد ورفع في خرقة حرير صفراء فإنهم يزعمون أن لممسكه من العز ~~على السلاطين في مباشرتهم وخدمتهم وتسخيرهم له ما لا يعبر وكذلك للسلاطين ~~فيه من القوة والعز على من تحت أيديهم ذكر ذلك أيضا أهل هذا الشأن في ~~الغاية وغيرها له التجربة وكذلك وفق المسدس المختص بالشمس ذكروا أنه يوضع ~~عند الشمس في شرفها وسلامتها من النحوس وسلامة القمر بطالع ملوكي يعتبر فيه ~~نظر صاحب العاشر لصاحب الطالع نظر مودة وقبول ويصلح فيها ما يكون من مواليد ~~المملوك من الأدلة الشريفة ويرفع في خرقة حرير صفراء بعد أن يغمس في الطيب ~~فزعموا أن له أثرا في صحابة الملوك وخدمتهم ومعاشرتهم وأمثال ذلك كثير ~~وكتاب الغاية لمسلمة بن أحمد المجريطي هو مدونة هذه الصناعة وفيه استيفاؤها ~~وكمال مسائلها وذكر ms529 لنا أن الامام الفخر بن الخطيب وضع كتابا في ذلك وسماه ~~بالسر المكتوم وأنه بالمشرق يتداوله أهله ونحن لم نقف عليه والامام لم يكن ~~من أئمة هذا الشأن فيما نظن ولعل الأمر بخلاف ذلك وبالمغرب صنف من هؤلاء ~~المنتحلين لهذه الأعمال السحرية يعرفون وهم الذين ذكرت أولا أنهم يشيرون ~~إلى بطون الغنم بالبعج فتبعج ويسمى أحدهم لهذا العهد باسم البعاج لأن أكثر ~~ما ينتحل من السحر بعج الانعام يرهب بذلك أهلها ليعطوه من فضلها وهم ~~مستترون بذلك في الغاية خوفا على أنفسهم من الحكام لقيت منهم جماعة وشاهدت ~~من أفعالهم هذه بذلك وأخبروني أن لهم وجهة ورياضة PageV01P500 خاصة بدعوات ~~كفرية وإشراك الروحانيات الجن والكواكب فيها صحيفة عندهم تسمى الخريرية ~~يتدارسونها وأنهم بهده الرياضة والوجهة يصلون إلى حصول هذه الأفعال لهم وأن ~~التأثير الذي لهم فيما سوى الإنسان الحر من المتاع والحيوان والرفيق ~~ويعبرون عن ذلك بقولهم إنما نفعل فيما تمشي فيه الدراهم أي ما يملك ويباع ~~ويشتري من سائر المتملكات هذا ما زعموه وسألت بعضهم فأخبرني به وأما ~~أفعالهم فظاهرة موجودة وقفنا على الكثير منها وعاينتها من غير ريبة في ذلك ~~هذا شأن السحر والطلسمات وأثارهما في العالم فأما الفلاسفة ففرقوا بين ~~السحر والطلسمات بعد أن أثبتوا أنهما جميعا أثر للنفس الإنسانية واستدلوا ~~على وجود الأثر للنفس الإنسانية بأن لها آثارا في بدنها على غير المجرى ~~الطبيعي وأسبابه الجسمانية بل آثار عارضة من كيفيات الأرواح تارة كالسخونة ~~الحادثة عن الفرح والسرور وبين جهة النصورات النفسانية أخرى كالذي يقع من ~~قبل التوهم فإن الماشي على حرف حائط أو على حبل منتصب اذا قوي عنده توهم ~~السقوط سقط بلا شك ولهذا نجد كثيرا من الناس يعودون أنفسهم حتى يذهب عنهم ~~هذا الوهم فتجدهم يمشون على حرف الحائط والحبل المنتصب ولا يخافون السقوط ~~فثبت أن ذلك من اثار النفس الإنسانية وتصورها للسقوط من أجل الوهم وإذا كان ~~ذلك أثرا للنفس في بدنها من غير الأسباب الجسمانية الطبيعية فجائز أن يكون ~~لها مثل هذا ms530 الأثر في غير بدنها إذ نسبتها إلى الأبدان في ذلك النوع من ~~التأثير واحدة لأنها غير حالة في البدن ولا منطبعة فيه فثبت أنها مؤثرة في ~~سائر الأجسام وأما التفرقة عندهم بين السحر والطلسمات فهو أن السحر لايحتاج ~~الساحر فيه إلى عين وصاحب الطلسمتات يستعين بروحانيات الكواكب وأسرار ~~الأعداد وخواص الموجودات وأوضاع الفلك المؤثرة في عالم العناصر كما يقوله ~~المنجمون ويقولون السحر اتحاد روح بروح والطلسم اتحاد روح بجسم ومعناه ~~عندهم ربط الطبائع العلوية السماوية بالطبائع السفلية والطبائع العلوية هي ~~روحانيات الكواكب ولذلك يستعين صاحب في غالب الأمر بالنجامة والساحر عندهم ~~غير مكتسب لسحره بل هو مفطور عندهم على تلك الجبلة المختصة بذلك النوع من ~~التأثير والفراق عندهم PageV01P501 بين المعجزة والسحر أن المعجزة قوة ~~إلهية تبعث على النفس ذلك التأثير فهو مؤيد بروح الله على فعله ذلك والساحر ~~إنما يفعل ذلك من لدن نفسه وبقوته النفسانية وبإمداد الشياطين في بعض ~~الأحوال فبينهما الفرق في المعقولية والحقيقة والذات في نفس الأمر وإنما ~~نستدل نحن على التفرقة بالعلامات الظاهرة وهي وجود المعجزة لصاحب الخير وفي ~~مقاصد الخير وللنفوس المثمحصة للخير والتحدي بها على دعوى النبؤة والسحر ~~إنما يوجد لصاحب الشر وفي أفعال الشر في الغالب من التفريق بين الزوجين ~~وضرر الأعداد وأمثال ذلك وللنفوس المتمحصة للشر هذا هو الفرق بينهما عند ~~الحكماء الإلهيين وقد يوجد لبعض المتصوفة وأصحاب الكرامات تأثير أيضا في ~~أحوال العالم وليس معدودا من جنس السحر وإنما هو بالإمداد الإلهي لأن ~~طريقتهم ونحلتهم من آثار النبؤة وتوابعها ولهم في المدد الإلهي حفظ على قدر ~~حالهم وإيمانهم وتمسكهم بكلمة الله وإذا اقتدر أحد منهم على أفعال الشر لا ~~يأتيها لأنه متقيد فيما يأتيه يذره للأمر الإلهي فما لا يقع لهم فيه الإذن ~~لا ياتونه بوجه ومن أتاه منهم فقد عدل عن طريق الحق وربما سلب حاله ولما ~~كانت المعجزة بإمداد روح الله والقوى الإلهية فلذلك لا يعارضها شيء من ~~السحر وانظر شأن سحره فرعون مع موسى في معجزة العصا كيف ms531 تلقفت ما كانوا به ~~يأفكون وذهب سحرهم واضمحل كان لم يكن وكذلك لما أنزل على النبي صلى اله ~~عليه وسلم في المعوذتين ومن شر النفاثات في العقد قالت عائشة رضي الله عنها ~~فكان لا يقرأها على عقدة من العقد التي سحر فيها إلا انحلت فالسحر لا يثبت ~~مع اسم الله وذكره وقد نقل المؤرخون أن زركش كاويان وهي رواية كسرى كان ~~فيها الوفق المئيني العددي منسوجا بالذهب في أوضاع فلكية رصدت لذلك الوفق ~~ووجدت الراية يوم قتل رستم بالقادسية واقعة على الأرض بعد انهزام أهل فارس ~~وشتاتهم وهو فيما تزعم أهل الطلسمات والأوفاق مخصوص بالغلب في الحروب وأن ~~الراية التيي يكون فيها أو معها لا تنهزم أصلا إلا أن هذه عارضها المدد ~~الإلهي من إيمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمسكهم بكلمة الله ~~فانحل معها كل عقد سحري ولم يثبت وبطل ما كانوا يعملون وأما الشريعة فلم ~~تفرق بيبن السحر والطلسمات وجعلته كله بابا واحدا محظورا PageV01P502 لأن ~~الأفعال إنما أباح لنا الشارع منها ما يهمنا في ديننا الذي فيه صلاح آخرتنا ~~أو في معاشنا الذي فيه صلاح دنيانا وما لا يهمنا في شيء منهما فإن كان فيه ~~ضرار أو نوع ضرر كالسحر الحاصل ضرره بالوقوع ويلحق به الطلسمات لأن أثرهما ~~واحد وكالمجامة التي فيها نوع ضرر باعتقاد التأثير فتفسد العقيدة الإيمانية ~~برد الأمور إلى غير الله فيكون حينئذ ذلك الفعل محظورا على نسبته في الضرر ~~وإن لم يكن مهما علينا ولا فيه ضرر فلا أقل من تركه قربة إلى الله فإن من ~~حسن إسلام المرء تركه مالا يعينه فجعلت الشريعة باب السحر والطلسمات ~~والشعوذة بابا واحدا لما فيها من الضرر وخصته بالحظر والتحريم وأما الفرق ~~عندهم بين المعجزة والسحر فالذي ذكره المتكلمون أنه راجع إلى التحدي وهو ~~دعوى وقوعها على وفق ما ادعاه قالوا والساحر مصروف عن مثل هذا التحدي فلا ~~يقع منه ووقوع المعجزة على وفق دعوى الكاذب غير مقدور لأن دلالة المعجزة ~~على الصدق عقلية لأن ms532 صفة نفسها التصديق فلو وقعت مع الكذي لاستحال الصادق ~~كاذبا وهو محال فرذا لا تقع المعجزة مع الكاذب بإطلاق وأما الحكماء فالفرق ~~بينهما عندهم كما ذكرناه فرق ما بين الخير والشر في نهاية الطرفين فالسحر ~~لا يصدر منه الخير ولا يستعمل في أسباب الخير وصاحب المعجزة لا يصدر منه ~~الشر ولا يستعمل في أسباب الشر وكأنهما علي طرفي النقيض في أصل فطرتهما ~~والله يهدي من يشاء وهو القوي العزيز لا رب سواه ومنم قبيل هذه التأثيرات ~~النفسية الإصابة بالعين وهو تأثير من نفس المعيان عندما يستحسن بعينه مدركا ~~من الذوات أو الأحوال ويفرط في استحسانه وينشأ عن ذلك الاستحسان حينئذ أنه ~~يروم معه سلب ذلك الشيء عمن اتصف به فيؤثر فساده وهو جبلة فطرية أعني هذه ~~الإصابة بالعين والفرق بينهما وبين التأثيرات وإن كان منها ما لا يكتسب ~~فصدورها راجع إلى اختيار فاعلها والفطري منها قوة صدورها ولهذا القاتل ~~بالسحر أو بالكرامة يقتل والقاتل بالعين لا يقتل وما ذلك رلا أنه ليس مما ~~يريده ويقصده أو يتركه وإنما هو مجبور في صدوره عنه والله أعلم بما في ~~الغيوب ومطلع على ما في السرائر PageV01P503 $ الفصل الثالث والعشرون # في علم الكيمياء # وهو علم ينطر في المادة التي يتم بها كون الذهب والفضة بالصناعة ويشرح ~~العمل الذي يوصل إلي ذلك فيتصفحون المكونات كلها بعد معرفة أمزجتها وقواها ~~لعلهم يعثرون علي المادة المستعدة لذلك حتى من العضلات الحيوانية كالعظام ~~والريش والبيض والعذرات فضلا عن المعادن ثم يشرح الأعمال التي تخرج بها تلك ~~المادة من القوة إلى الفعل مثل حل الأجسام إلى أجزائها الطبيعية بالتصعيد ~~والتقطير وجمد الذائب منها بالتكليس وإمهاء الصلب بالقهر والصلابة وأمثال ~~ذلك وفي زعمهم أنه يخرج بهذه الصناعات كلهم جسم طبيعي يسمونه الإكسيرا وأنه ~~يلقى منه على الجسم المعدني المستعد لقبول صورة الذهب أو الفضة بالاستعداد ~~القريب من الفعل مثل الرصاص والقصدير والنحاس بعد أن يحمي بالنار فيعود ~~ذهبا إبريزا ويكنون عن ذلك الإكسير رذا ألغزوا في آصطلاحاتهم بالروح وعن ~~الجسم ms533 الذي يلقى عليه بالجسد فشرح هذه الاصطلاحات وصورة هذا العمل الصناعي ~~الذي يقلب هذه الأجسام المستعدة رلى صورة الذهب والفضة هو علم الكيمياء وما ~~زال الناس يؤلفون فيها قديما وحديثا وربما يعزى الكلام فيها إلى من ليس من ~~أهلها وإمام المدونين فيها جابر بن حيان حتى إنهم يخصونها به فيسمونها علم ~~جابر وله فيها سبعون رسالة كلها شبيهة بالالغاز وزعموا انه لا يفتح مقفلها ~~إلا من أحاط علما بجميع ما فيها والطغراءي من حكماء المشرق المتأخرين له ~~فيه دواوين ومناظرات مع أهلها وغيرهم من الحكماء وكتب فيها مسلمة المجريطي ~~من حكماء الأندلس كتابة الذي سماه رتبة الحكيم وجله قرينا لكتابه الآخر في ~~السحر والطلسمات الذي سماه غاية الحكيم وزعم أن هاتين الصناعتين هما ~~نتيجتان للحكمة وثمرتان للعلوم ومن لم يقف عليهما فهو فاقد ثمرة العلم ~~والحكمة أجمع وكلامه في ذلك الكتاب وكلامهم أجمع في تآليفهم هي زلغاز فهمها ~~على من لم يعن اصطلاحاتهم في ذلك ونحن نذكر سبب عدولهم إلى هذه الرموز ~~والألغاز ولا بن المغيربي من أئمة هذا الشأن كلمات شعرية على حروف المعجم ~~من أبدع ما يجي PageV01P504 في الشعر ملغوزة كلها لغز الأجاجي والمعاياة ~~فلا تكاد تفهم وقد ينسبون للغزالي رحمه الله بعص التاليف فيها وليس بصحيح ~~لأن الرجل لم لكن مداركه العالية لتقف عن خطأ ما يذهبون إليه حتى بنتحله ~~وربما نسبوا بعض المذاهب والأوقوال فيها لخالد بن يزيد بن معاوية ربيب ~~مروان بن الحكم ومن المعلوم البين أن خالدا من الجيل العربي والبداوة إليه ~~أقرب فهو بعيد عن العلوم والصنائع فكيف له بصناعة غربية المنحى مبنية على ~~معرفة طبائع المركابت وأمزجتها وكتب الناظرين في ذلك من الطبيعيات والطب لم ~~تظهر بعد ولم تترجم اللهم إل أن يكون خالد بن يزيد آخر من أهل المدارك ~~الصناعية تشبه باسمه فممكن وأنا أنقل لك هنا رسالة أبي بكر بن بشرون لأبي ~~السمح في هذه الصناعة وكلاهما من تلاميذ مسلمة فيستدل من كلامه فيها على ما ~~ذهب إليه في شأنها ms534 إذا أعطيته حقه من التأمل قال ابن بشرون بعد صدر من ~~الرسالة خارج عن الغرض والمقدمات التي لهذه الصناعة الكريمة قد ذكرها ~~الأولون واقتص جميعها أهل الفلسفة من معرفة تكوين المعادن وتخلق الأججار ~~والجواهر وطباع البقاع والأماكن فمنعنا اشتهارها من ذكرها ولكن أبين لك من ~~هذه الصنعة ما يحتاج إليه فتبدأ بمعرفته فقد قالوا ينبغي لطلاب هذا العلم ~~أن يعلموا أولا ثلاث خصال أولها هل تكون والثانية من أي تكون والثالثة من ~~أي كيف تكون فإذا عرف هذه الثلاثة وأحكمها فقد ظفر بمطلوبه وبلغ نهايته من ~~هذا العلم وأما البحث عن وجودها والاستدلال عن كونها فقد كفينا كه بما ~~بعثنا به إليك من الإكسير وأما من أي شيء تكون فإنما يريدون بذلك البحث عن ~~الحجر الذي يمكنه العمل وإن كان العمل موجودا من كل شيء بالقوة لأنها من ~~الطبائع الأربع منها تركبت ابتداء وإليها ترجع انتهاء ولكن من الأشياء ما ~~يكون فيه بالقوة ولا يكون بالفعل وذلك أن منها ما يمكن تفصيلها تعالج وتدبر ~~وهي التي تخرج من القوة إلي الفعل والتي لا يمكن تفصيلها لا تعالج ولا تدبر ~~لأنها فيها بالقوة فقط وإنما لم يمكن تفصيلها لاستغراق طبائعها في بعض وفضل ~~قوة الكبير منها علي الصغير فينبغي لك وفقك الله أن يعرف أوفق الأحجار ~~المنفصلة التي يمكن فيها العمل وجنسه وقوته وعمله وما يدبر من الحل والعقد ~~PageV01P505 والتنقية والتكليس والتنشيف والتقليب فإن من لم يعرف هذه ~~الأصول التي هي عماد هذه الصنعة لم ينجح ولم يظفر بخير أبدا وينبغي لك أن ~~تعلم هل يمكن أن يستعان عليه بغيره أم يكتفي به وحده وهل هو واحد في ~~الابتداء أو شاركه غيره فصار في التدبير واحدا فسمي حجرا وينبغي لك أن تعلم ~~كيفية عمله ومكمية أوزانه وأزمانه وكيف تركيب الروح فيه وإدخال النفس عليه ~~وهل تقدر النار على تفصيلها منه بعد تركيبها فإن لم تقدر فلأي علة وما ~~السبب الموجب لذلك فإن هذا هو المطلوب فافهم واعلم أن الفلاسفة كلها مدحت ms535 ~~النفس وزعمت أنها المدبرة للجسد والحاملة له والدافعة عنه والفاعلة فيه ~~وذلك أن الجسد إذا خرجت النفس منه مات وبرد فلم يقدر على الحركة والمتناع ~~من غيره لأنه لا حياة فيه ولا نور وأنما ذكرت الجسد والنفس لأن هذه الصفات ~~سشبيهة بجسد الإنسان الذي تركيبه على الغذاء والعشاء وقوامه وتمامه بالنفس ~~الجية النورانية التي بها يفعل العظائم والأشياء تركيب طبائعه ولو اتفقت ~~طبائعه لسلمت من الأعراض والتضاد ولم تقدر النفس على الخروج من بدنه ولكن ~~خالدا باقيا فسبحان مدبر الأشياء تعالى واعلم أن الطبائع التي يحدث عنها ~~هذا العمل كيفية دافعة في الابتداء فيضيه محتاجة إلى الانهاء وليس لها إذا ~~صارت في هذا الحد أن تستحيل إلى ما منه تركبت كما قلناه آفنا في الإنسان ~~لأن طبائع هذا الجوهر قد لزم بعضها بعضا وصارت شيئا واحدا شبيها بالنفس في ~~قوتها وفعلها وبالجسد في تركيبه ومجسته بعد أن كانت طبائع مفردة بأعيانها ~~فيا عجبا من أفاعيل الطبائع إن القوة للضعيف الذي يقوى على تفصيل الأشياء ~~وتركيبها وتمامها فلذلك قلت قوي وضعيف وإنما وقع التغيير والفناء في ~~التركيب الأول للاختلاف وعدم ذلك في الثاني للإتفاق وقد قال بعض الأولين ~~التفصيل والتقطيع في هذا العمل حياة وبقاء والتركيب موت وفناء وهذا الكلام ~~دقيق المعنى لأن الحكيم أراد بقوله حياة وبقاء خروجه من العدم إلى الوجود ~~لأنه ما دام على تركيبه الأول فهو فان لا محالة فإذا ركب التركيب الثاني ~~عدم الفناء والتركيب الثاني لا يكون رلا بعد التفصيل والتقطيع فإذا التفصيل ~~والتقطيع في هذا العمل خاصة فإذا بقي الجسد PageV01P506 المحلول انبسط فيه ~~لعدم الصورة لأنه قدذ صار في الجسد بمنزلة النفس التي لا صورة لها وذلك أنه ~~لا وزن له فيه وسترى ذلك إن شاء الله تعالى وقد ينبغي لك أن تعلم أن اختلاط ~~بالطيف باللطيف أهون من اختلاط الغليظ بالغليظ وإنما أريد بذلك التشاكل في ~~الأرواح والأجساد لأن الأشياء تتصل بأشكالها وذكرت لك ذلك لتعلم أن العمل ~~أوفق وأيسر من الطبائع اللطائف ms536 الروحانية منها من الغليظة لجسمانية وقد ~~يتصور في العقل أن الأحجار أقوى وأصبر على انار من الأرواح كما ترى الذهب ~~والحديد والنحاس أصبر على النار من لكبريت والزئبق وغيرهما من الأرواح ~~فأقول إن الأجساد قد كانت أرواحا بدنها فلما أصابها حر الكيان قلبها أجسادا ~~لزجة غليظة فلم تقدر النار على أكلها لإفراط غلظها وتلزجها فإذا افرطت ~~النار عليها صيرتها أرواحا كما كانت أول خلقها وإن تلك الأرواح اللطيفة رذا ~~أصابتها النار أبقت ولم تقدر على البقاء عليها فينبغي لك أن تعلم ما صير ~~الأجساد في هذه الحالة وصير الأرواح في هذه الحال فهو أجل ما تعرفه أقول ~~إنما أبقت تلك الأرواح لاشتعالها ولطافتها وإنما اشتعلت لكثرة رطوبتها ولأن ~~النار إذا أحست بالرطوبة فعلقت بها لأنها هوائية تشاكل النار ولا تزال ~~تغتذي بها إلى أن تفنى وكذلك الأجساد إذا أحست بوصول النار إليها لقلة ~~تلزجها وغلظها وإنما صارت تلك الأجساد لا تشتعل لأنها مركبة من أرض وماء ~~صابر على النار فلطيفه متحد بكثيفة لطول الطبخ اللبن المازج للأشياء وذلك ~~أن كل متلاش إنما يتلاشى بالنار لمفارقة لطيفه من كثيفة ودخول بعضه في بعض ~~على غير التحليل والموافقة فصار ذلك الانضمام والتداخل مجاورة لا ممازجة ~~فسهل بذلك افتراقهما كالماء والدهن وما أشبههما وإنما وصفت ذلك ذلك لتستدل ~~به على تركيب الطبائع وتقابلها فإذا علمت ذلك علما شافيا فقد أخذت حظك منها ~~وينبغي لك أن تعلم أن الاخلاط التي هي طبائع هذه الصناعة موافقة بعضها لبعض ~~مفصلة من جوهر واحد يجمعها نظام واحد بتدبير واحد لا يدخل عليه غريب في ~~الجزء منه ولا في الكل كما قال الفيلسوف إنك إذا أحكمت تدبير الطبائع ~~وتآليفها ولم تدخل عليها غريبا فقد أحكمت ما أردت إحكامه وقوامه إذا ~~الطبيعة واحدة لا غريب فيها فمن أدخل عليها غريبا PageV01P507 فقد زاغ عنها ~~ووقع في الخطإ واعلم أن هذه الطبيعة إذا حل لها جسد من قرائنها على ما ~~ينبغي في الحل حتى يشاكلها في الرقة واللطافة انبسطت فيه وجرت ms537 معه حيثما ~~جرى لأن الاجساد ما دامت غليظة جافية لا تنبسط ولا تتزاوج وحل الاجساد لا ~~يكون بغير الأرواح فافهم هداك الله هذا القول واعلم هداك الله أن هذا الحل ~~في جسد الحيوان هو الحق الذي لا يضمحل ولا ينقص وهو الذي يقلب الطبائع ~~ويمسكها ويظهر لها ألوانا وأزهارا عجيبة وليس كل جسد يحل خلاف هذا هو الحل ~~التام لأنه مخالف للحياة وإنما حله بما يوافقه ويدفع عنه حرق النار حتى ~~يزول عن الغلظ وتنقلب الطبائع عن حالاتها إلى ما لها أن تنقلب من اللطافه ~~والغلظ فإذا بلغت الأجساد نهايتها من التحليل والتلطيف ظهرت لها هنالك قوة ~~تمسك وتغوص وتقلب وتنفذ وكل عمل لا يرى له مصداق في أوله فلا خير فيه وأعلم ~~أن البارد من الطبائع هو يبس الاشياء ويعقد رطوبتها والحار منها يظهر ~~رطوبتها ويعقد بها وإنما أفردت الحر والبرد لأنهما فاعلان والرطوبة واليبس ~~منفعلان وعلى انفعال كل واحد منهما لصاحبه تحدث الاجسام وتتكون وإن كان ~~الحر أكثر فعلا في ذلك من البرد لأن البرد ليس له نقل الاشياء ولا تحوكها ~~والحر هو علة الحرة ومتى ضعف علة الكون وهو الحرارة لم يتم منها شيء أبدا ~~كما أنه إذا أفرطت الحرارة على شيء ولم يكن ثم برد أحرقته وأهلكته فمن أجل ~~هذه العلة احتيج إلى البارد في هذه الاعمال ليقوى به كل ضد على ضده ويدفع ~~عنه حر النار ولم يحذر الفلاسفة أكبر شيء إلا من النيران المحرقة وأمرت ~~بتطهير الطبائع والأنفاس وإخراج دنسها ورطوبتها ونفي آفاتها وأوساخها عنها ~~على ذلك استقام رأيهم وتدبيرهم فإنما عملهم إنما هو جمع النار أولا وإليها ~~يصير أخيرا فلذلك قالوا إياكم والنيران المحرقات وإنما أرادوا بذلك نفي ~~الآفات التي معها فتجمع على الجسد آفتين فتكون أسرع لهلاكه وكذلك كل شيء ~~إنما يتلاشى ويفسد من ذاته لتضاد طبائعه واختلافه فيتوسط بين شيئين فلم يجد ~~ما يقويه ويعينه إلا قهرته الآفة وأهلكته وأعلم أن الحكماء كلها ذكرت ترداد ~~الأزواج على الاجساد مرارا ليكون ألزم ms538 إليها وأقوى على قتال النار إذا هي ~~باشرتها عند الإلفة أعني بذلك النار العنصرية فاعلمه ولنقل الآن على الحجر ~~الذي PageV01P508 يمكن منه العمل على ما ذكرته الفلاسفة فقد اختلفوا فيه ~~فمنهم من زعم أنه في الحيوان ومنهم من زعم أنه في النبات ومنهم من زعم أنه ~~في المعادن ومنهم من زعم أنه في الجميع وهذه الدعاوى ليست بنا حاجة إلى ~~استقصائها ومناظرة أهلها عليها لأن الكلام يطول جدا وقد قلت فيما تقدم إن ~~العمل يكون في كل شيء بالقوة والفعل فتقصد إلى ما قاله الحراني إن الصبغ ~~كله أحد صبغين إما صبغ جسد كالزعفران في الثوب الأبيض حتى يحول فيه وهو ~~مضمحمل منتقض التركيب والصبغ الثاني تقليب الجوهر من جوهر نفسه إلى جوهر ~~غيره ولونه كتقليب الشجر بل التراب إلى نفسه وقلب الحيوان والنبات إلى نفسه ~~حتى يصير التراب نباتا والنبات حيوانا ولا يكون إلا بالروح الحي والكيان ~~الفاعل الذي له توليد الاجرام وقلب الأعيان فإذا كان هذا هكذا فنقول إن ~~العمل لا بد أن يكون إما في الحيوان وإما في النبات وبرهان ذلك أنهما ~~مطبوعان على الغذاء وبه قوامهما وتمامهما فأما النبات فليس فيه ما في ~~الحيوان من اللطافة والقوة ولذلك فل خوض الحكماء فيه وأما الحيوان فهو آخر ~~الاستحالات الثلاث ونهايتها وذلك أن المعدن يستحيل نباتا والنبات يستحيل ~~حيوانا والحيوان لا يستحيل إلى شيء هو الطف منه إلا ان ينعكس راجعا إلى ~~الغلظ وأنه أيضا لا يوجد في العالم شيء تتعلق فيه الروح الحية غيره والروح ~~الطف ما في العالم ولم تتعلق الروح بالحيوان إلا بمشاكلته إياها فأما الروح ~~التي في النبات فإنها يسيرة فيها غلظ وكثافة وهي مع ذلك مستفرقة كامنة فيه ~~لغلظها جسد النبات فلم يقدر على الحركة لغلظه وغلظ روحه والروح المتحركة ~~الطف من الروح الكامنة كثيرا وذلك أن المتحركة لها قبول الغذاء والتنقل ~~والتنفس وليس للكامنة غير قبول الغذاء وحده ولا تجري إذا قيست بالروح الحية ~~إلا كالأرض عند الماء كذلك النبات عند الحيوان ms539 فالعمل في الحيوان أعلى ~~وأرفع وأهون وأيسر فينبغي للعاقل اذا عرف ذلك أن يجرب ما كان سهلا ويترك ما ~~يخشى فيه عسرا واعلم أن الحيوان عند الحكماء ينقسم أقساما من الأمهات التي ~~هي الطبائع والحديثة التي هيا لمواليد وهذ معروف متيسر الفهم فلذلك قسمت ~~PageV01P509 الحكماء العناصر والمواليد أقساما حية وأقساما ميتة فجعلوا كل ~~متحرك فاعلا حيا وكل ساكن مفعولا ميتا وقسموا ذلك في جميع الأشياء وفي ~~الاجساء الذائبة وفي العقاقير المعدنية فسموا كل شيء يذوب في النار ويطير ~~ويشتعل حيا وما كان على خلاف ذلك سموه ميتا فأما الحيوان والنبات فسموا كل ~~ما انفصل منها طبائع أربعا حيا وما لم ينفصل سموه ميتا ثم إنهم طلبوا جميع ~~الاقسام الحية فلم يجدوا لوفق هذه الصناعة مما ينفصل فصولا أربعة ظاهرة ~~للعيان ولم يجدوا غير الحجر الذي في الحيوان فبحثوا عن جنسه حتى عرفوه ~~وأخذوه ودبروه فتكيف لهم منه الذي أرادوا وقد يتكيف مثل هذا في المعادن ~~والنبات بعد جمع العقاقير وخلطها ثم تفصل بعد ذلك فأما النبات فمنه ما ~~ينفصل ببعض هذه الفصول مثل الاشتان وأما المعادن ففيها أجساد وأرواح وأنفاس ~~إذا مزجت ودبرت كل منها ماله تأثير وقد دبرنا كل ذلك فكان الحيوان منها على ~~وأرفع وتدبيره أسهل وأيسر فينبغي لك أن تعلم ما هو الحجر الموجود في ~~الحيوان وطريق وجوده إنا بينا أن الحيوان أرفع المواليد وكذا ما تركب منه ~~فهو ألطف منه كالنبات من الأرض وإنما كان النبات ألطف من الأرض لأنه إنما ~~يكون من جوهر والصافي وجسده اللطيف فوجب له بذلك اللطافة والرقة وكذا هذا ~~الحجر الحيواني بمنزلة النبات في التراب وبالجملة فانه ليس من الحيوان شيء ~~ينفصل طبائع أربعا غيره فافهم هذا القول فإنه لا يكاد يخفى إلا على جاهل ~~بين الجهالة ومن لا عقل له فقد أخبرتك ماهية هذا الحجر وأعلمتك جنسه وأنا ~~أبين لك وجوه تدبيره وحتى يكمل الذي شرطناه على انفسنا من الإنصاف إن شاء ~~الله سبحانه # التدبير على بركة الله خذ الحجر ms540 الكريم فأودعه القرعة والإنبيق وفصل ~~طبائعه الأربع التي هي النار والهواء والأرض والماء وهي الجسد والصبغ فإذا ~~عزلت الماء عن التراب والهواء عن النار فارفع كل واحد في إنائه على حدة وخذ ~~الهابط أسفل الإناء وهو الثفل فاغسله بالنار الحارة حتى تذهب النار عنه ~~سواده ويزول غلظه وجفاؤه وبيضه تبيضا محكما وطير عنه فضول الرطوبات ~~المستجنة فيه فإنه يصير عند ذلك ماء أبيض لا ظلمة فيه ولا وسخ ولا تضاد ثم ~~أغمد إلى تلك الطبائع الأول الصاعدة منه فطهرها أيضا من السواد والتضار ~~وكرر عليها الغسل والتصعيد PageV01P510 حتى تلطف وترق وتصفو فإذا فعلت ذلك ~~فقد فتح الله عليك فابدأ بالتركيب الذي عليه مدار العمل وذلك أن التركيب لا ~~يكون إلا بالتزويج والتعفين فأما التزويج فهو اختلاط اللطيف بالغليظ وأما ~~التعفين فهو التمشيه والسحق حتى يختلط بعضه ببعض ويصير شيئا واحدا لا ~~اختلاف فيه ولا نقصان بمنزلة الامتزاج بالماء فعند ذلك يقوى الغليظ على ~~إمساك اللطيف وتقوى النفس على الغوص في الاجساد والدبيب فيها وإنما وجد ذلك ~~بعد التركيب لأن الجسد المحلول لما أزدوج بالروح مازجه بجميع أجزائه ودخل ~~بعضها في بعض لتثاكلها فصار شيئا واحدا ووجب من ذلك أن يعرض للروح من ~~الصلاح والفساد والبقاء والثبوت وما يعرض للجسد لموضع الامتزاج وكذلك النفس ~~إذا امتزجت بهما ودخلت فيهما بخدمة التدبير اختلطت أجزاؤها بجميع أجزاء ~~الآخرين أعني الروح والجسد وصارت هي وهما شيئا واحدا لا اختلاف فيه بمنزلة ~~الجزء الكليالذي سلمت طبائعه واتفقت أجزاؤه فإذا ألقى هذا المركب الجسد ~~المحلول وألح عليه النار وأظهر ما فيه من الرطوبة على وجه ذاب في الجسد ~~المحلول ومن شأن الرطوبة الاشتعال وتعلق النار بها فإذا أرادت النار التعلق ~~بها منعها من الاتحاد بالنفس ممازجة الماء لها فإن النار لا تتحد بالدهن ~~حتى يكون خالصا وكذلك الماء من شأنه النفور من النار فإذا الحت عليه النار ~~وأرادت تطييره حبسه الجسد اليابس الممازج له في جوفه فمنعه من الطيران فكان ~~الجسد علة لإمساك الماء والماء علة ms541 لبقاء الدهن والدهن علة لثبات الصيغ ~~والصيغ علة لظهور الدهن واظهار الدهنية في الاشياء المظلمة التي لا نور لها ~~ولا حياة فيها فهذا هو الجسد المستقيم وهكذا يكون العمل وهذه التصفيه التي ~~سألت عنها وهي التي سمتها الحكماء بيضة وإياها بعنون لا بيضة الدجاج وأعلم ~~أن الحكماء لم تسمها بهذا الاسم لغير معنى بل أشبهتها ولقد سألت مسلمة عن ~~ذلك يوما وليس عنده غيري فقلت له ايها الحكيم الفاضل أخبرني لاي شيء سمت ~~الحكماء مركب الحيوان بيضة اختيارا منهم لذلك أم لمعنى دعاهم اليه فقال بل ~~لمعنى غامض فقلت أيها الحكيم وما ظهر لهم من ذلك من المنفعة والاستدلال على ~~الصناعة حتى شبهوه وسموها بيضة فقال لشبهها وقرابتها من المركب ففكر فيه ~~فإنه سيظهر لك معناه PageV01P511 فبقيت بين يديه منكرا لا اقدر على الوصول ~~إلى معناه فلما رأى ما بي من الفكر وأن نفسي قد مضت فيها أخذ بعضدي وهزني ~~هزة خفيفة وقال لي يا أبا بكر ذلك للنسبة التي بينهما في كمية الألوان عند ~~امتزاج الطبائع وتأليفها فلما قال ذلك أنجلت عني الظلمة وأضاء لي نور قلبي ~~وقوي عقلي على فهمه فنهضت شاكرا الله عليه إلى منزلي وأقمت على ذلك شكلا ~~هندسيا يبرهن فيه على صحة ما قاله مسلمه وأنا واضعه لك في هذا الكتاب مثال ~~ذلك أن المركب إذا تم وكمل كان نسبة بما فيه من طبيعة الهواء كنسبة ما في ~~المركب من طبيعة النار إلى ما في البيضة من طبيعة النار وكذلك الطبيعتان ~~الأخريان الأرض والماء فأقول إن كل شيئين متناسبين على هذه الصفه هما ~~متشابهان ومثال ذلك أن تجعل لسطح البيضة هزوح فإذا أردنا ذلك فإنا نأخذ أقل ~~طبائع المركب وهي طبيعة اليبوسة ونضيف إليها مثلها من طبيعة الرطوبة ~~وندبرهما حتى تنشف طبيعة اليبوسة طبيعة الرطوبة وتقبل قوتها وكأن في هذا ~~الكلام رمزا ولكنه لا يخفى عليك ثم نحمل عليهما جميعا مثليهما من الروح وهو ~~الماء فيكون الجميع ستة أمثال ثم تحمل على الجميع بعد التدبير ms542 مثلا من ~~طبيعة الهواء التي هي النفس وذلك ثلاثة أجزاء فيكون الجميع تسعة أمثال ~~اليبوسة بالقوة وتجعل تحت كل ضلعين من المركب الذي طبيعته تحيطه بسطح ~~المركب طبيعتين فتجعل أولا الضلعين المحيطين بسطحه طبيعة الماء وطبيعة ~~الهواء وهما ضلها اح د وسطح ابجد وكذلك الضلعان المحيطان بسطح البيضة ~~اللذان هما الماء والهواء ضلعا هزوح فأقول إن سطح ابجد يشبه سطح هزوح طبيعة ~~الهواء التي تسمى نفسا وكذلك بج من سطح المركب والحكماء لم تسم شيئا باسم ~~شيء إلا لشبهه به والكلمات التي سألت عن شرحها الأرض المقدسة وهي المنعقدة ~~من الطبائع العلوية والسفلية والنحاس هو الذي أخرج سواده وقطع حتى صار هباء ~~ثم حمر بالزلج حتى صار نحاسيا والمغنيسيا حجرهم الذي تجمد فيه الارواح ~~وتخرجه الطبيعة العلوية التي تستجن فيها الأرواح لتقابل عليها النار ~~والفرفرة لون أحمر فان يحدثه الكيان والرصاص حجر له ثلاث قوى مختلفة الشخوص ~~ولكنها متشاكلة ومتجانسة فالواحدة روحانية نبرة صافية وهي الفاعله والثانية ~~نفسانية وهي متحركة حساسة PageV01P512 غير أنها اغلظ من الأولى ومركزها دون ~~مركز الأولى والثالثة قوة أرضية حاسة قابضة منعكسة إلى مركز الأرض لثقلها ~~وهي الماسكة الروحانية والنفسانية جميعا والمحيطة بهما وأما سائر الباقية ~~فمبتدعة ومخترعة إلباسا على الجاهل ومن عرف المقدمات استغنى عن غيرها فهذا ~~جميع ما سألتني عنه وقد بعثت به إليك مفسرا ونرجو بتوفيق الله أن تبلغ أملك ~~والسلام أنتهى كلام ابن بشرون وهو من كبار تلاميذ مسلمة المجريطي شيخ ~~الاندلس في علوم الكيمياء والسيمياء والسحر في القرن الثالث وما بعده وأنت ~~ترى كيف صرف ألفاظهم كلها في الصناعة إلى الرمز والالغاز التي لا تكاد تبين ~~ولا تعرف وذلك دليل على أنها ليست بصناعة طبيعية والذي يجب أن يعتقد في أمر ~~الكيمياء وهو الحق الذي يعضده الواقع أنها من جنس آثار النفوس الروحانية ~~وتصرفها في عالم الطبيعة إما من نوع الكرامة إن كانت النفوس خيرة أو من ~~السحر إن كانت النفوس شريرة فاجرة فأما الكرامة فظاهرة وأما السحر فلأن ~~الساحر كما ms543 ثبت في مكان تحقيقه يقلب الاعيان المادية بقوته السحرية ولا بد ~~له مع ذلك عندهم من مادة يقع فعله السحري فيها كتخليق بعض الحيوانات من ~~مادة التراب أو الشجر والنبات وبالجملة من غير مادتها المخصوصة بها كما وقع ~~لسحرة فرعون في الحبال والعصي وكما ينقل عن سحرة السودان والهنود في قاصبة ~~الجنوب والترك في قاصية الشمال أنهم يسحرون الجو للأمطار وغير ذلك ولما ~~كانت هذه تخليقا للذهب في غير مادته الخاصة به كان من قبل السحر والمتكلمون ~~فيه من أعلام الحكماء مثل جابر ومسلمة ومن كان قبلهم من حكماء الأمم إنما ~~نحو هذا المنحي ولهذا كان كلامهم فيه ألغازا حذرا عليها من إنكار الشرائع ~~على السحر وأنواعه لا أن ذلك يرجع إلى الضنانة بها كما هو رأي من لم يذهب ~~إلى التحقيق في ذلك وأنظر كيف سمى مسلمة كتابه فيها رتبة الحكيم وسمى كتابه ~~في السحر والطلسمات غاية الحكيم إشارة إلى عموم موضوع الغاية وخصوص موضوع ~~هذه لأن الغاية أعلى من الرتبة فكأن مسائل الرتبة بعض من مسائل الغاية ~~وتشاركها في الموضوعات ومن كلامه في الفنين بتبين ما قلناه ونحن نبين فيما ~~بعد غلط من يزعم أن مدارك هذا الأمر بالصناعة PageV01P513 الطبيعية واللع ~~العليم الخبير $ الفصل الرابع والعشرون # في ابطال الفلسفة وفساد منتجها # هذا الفصل وما بعده مهم لأن هذه العلوم عارضة في العمران كثيرة في المدن ~~وضرره في الدين كثير فوجب أن يصدع بشأنها ويكشف عن المعتقد الحق فيها وذلك ~~أن قوما من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله الحسي منه وما وراء ~~الحسي تدرك أدواته وأحواله بأسبابها وعللها بالانظار الفكرية والأقيسة ~~العقلية وأن تصحيح العقائد الايمانية من قبل النظر لا من جهة السمع فإنها ~~بعض من مدارك العقل وهؤلاء يسمون فلاسفة جمع فيلسوف وهو باللسان اليوناني ~~محب الحكمة فبحثوا عن ذلك وشمروا له وحوموا على إصابة الغرض منه ووضعوا ~~قانونا يهدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق ~~ويحصل ذلك أن النظر الذي ms544 يفيد تمييز الحق من الباطل إنما هو للذهن في ~~المعاني المتزنة من الموجودات الشخصية فيجرد منها أولا صور مطبقة على جميع ~~الاشخاص كما ينطبق الطابع على جميع النقوش التي ترسمها في طين أو شمع وهذه ~~مجردة من المحسوسات تسمى المعقولات الأوائل ثم تجرد من تلك المعاني الكلية ~~إذا كانت مشتركة مع معان أخرى وقد تميزت عنها في الذهن فتجرد منها معان ~~أخرى وهي التي اشتركت بها ثم تجرد ثانيا إن شاركها غيرها وثالثا إلى أن ~~ينتهي الفجر يد إلى المعاني البسيطة الكلية المنطبقة على جميع المعاني ~~والأشخاص ولا يكون منها تجريد بعد هذا وهي الاجناس العالية وهذه المجردات ~~كلها من غير المحسوسات هي من حيث تأليف بعضها مع بعض لتحصيل العلوم منها ~~تسمى المعقولات الثواني فإذا نظر الفكر في هذه المعقولات المجردة وطلب تصور ~~الوجود كما هو فلا بد للذهن من إضافة ببعضها إلى بعض ونفي بعضها بالبرهان ~~العقلي اليقيني ليحصل تصور الوجود تصورا صحيحا مطابقا إذا كان ذلك بقانون ~~صحيح كما مر وصنف التصديق الذي هو تلك الإضافة والحكم متقدم عندهم على صنف ~~التصور في النهاية والتصور متقدم عليه في البداءة والتعليم لأن التصور ~~التام عندهم هو غاية الطلب الإدراكي وإنما PageV01P514 التصديق وسيلة له ~~وما تسمعه في كتب المنطقيين من تقدم التصور وتوقف التصديق عليه فبمعنى ~~الشعور لا بمعنى العلم التام وهذا هو مذهب كبيرهم أرسطو ثم يزعمون أن ~~السعادة في إدراك الموجودات كلها ما في الحس وما وراء الحس بهذا انظر وتلك ~~البراهين وحاصل مداركهم في الوجود على الجملة وما آلت إليه وهو الذي فرعوا ~~عليه قضايا أنظارهم وأنهم عثروا أولا على الجسم السفلي بحكم الشهود والحس ~~ثم ترقى إدراكهم قليلا فشعروا بوجود النفس من قبل الحركة والحس في ~~الحيوانات ثم أحسوا من قوى النفس بسلطان العقل ووقفت إدراكهم فقضوا على ~~الجسم العالي السماوي بنحو من الفضاء على أمر الذات الإنسانية ووجب عندهم ~~أن يكون للفلك نفس وعقل كما للإنسان ثم أنهوا ذلك نهاية عدد الآحاد وهي ~~العشر ms545 تسع مفصلة ذواتها جمل وواحد أول مفرد وهو العاشر ويزعمون أن السعادة ~~في إدراك الوجود على هذا النحو من القضاء مع تهذيب النفس وتخلقها بالفضائل ~~وأن ذلك ممكن للإنسان ولو لم يرد شرع لتمييزه بين الفضيلة والرذيلة من ~~الأفعال بمقتضى عقله ونظره وميله إلى المحمود منها واجتنابه للمذموم بفطرته ~~وأن ذلك إذا حصل للنفس حصلت لها البهجة واللذة وأن الجهل بذلك هو الشقاء ~~السرمدي وهذا عندهم هو معنى النعيم والعذاب في الآخرة إلى خط لهم في تفاصيل ~~ذلك معروف في كلماتهم وإما هذه المذاهب الذي حصل مسائلها ودون علمها وسطر ~~حججها فيما بلغنا في هذه الأحقاب هو أرسطو المقدوني من أهل مقدونية من بلاد ~~الروم من تلاميذ أفلاطون وهو معلم الإسكندر ويسمونه المعلم الأول على ~~الإطلاق يعنون معلم صناعة المنطق إذ لم تكن قبله مهذبة وهو أول من رتب ~~قانونها واستوفى مسائلها وأحسن بسطها ولقد أحسن في ذلك القانون ما شاء لو ~~تكفل له بقصدهم في الإلهيات ثم كان من بعده في الإسلام من أخذ بتلك المذاهب ~~واتبع فيها راية حذو النعل بالنعل إلا في القليل وذلك أن كتب أولئك ~~المتقدمين لما ترجمها الخلفاء من بني العباس من اللسان اليوناني إلى اللسان ~~العربي تصفحها كثير من أهل الملة وأخذ من مذهبهم من أضله الله من منتحلي ~~العلوم وجادلوا عنها واختلفوا في مسائل من تفاريعها وكان من أشهرهم أبو نصر ~~الفارابي في المائة الرابعة لعهد سيف الدولة وأبو علي بن سينا في المائة ~~الخامسة لعهد نظام PageV01P515 الملك من بني بويه بأصبهان وغيرهما واعلم ان ~~هذا الرأي الذي ذهبوا إليه باطل بجميع وجوهه فأما إسنادهم الموجودات كلها ~~إلى العقل الأول واكتفاؤهم به في الترقي إلى الواجب فهو قصور عما وراء ذلك ~~من رتب خلق الله فالوجود أوسع نطاقا من ذلك ويخلق ما لا تعلمون وكأنهم في ~~اقتصارهم على إثبات العقل فقط والغفلة عما وراءه بمثابة الطبيعين المقتصرين ~~على إثبات الأجسام خاصة المعرضين عن النقل والعقل المعتقدين أنه ليس وراء ~~الجسم في حكمة ms546 الله شيء وأما البراهين التي يزعمونها على مدعياتهم في ~~الموجودات ويعرضونها على معيار المنطق وقانونه فهي قاصرة وغير وافية بالغرض ~~أما ما كان منها في الموجودات الجسمانية ويسمونه العلم الطبيعي فوجه قصوره ~~أن المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود والأقيسة كما في ~~زعمهم وبين ما في الخارج غير يقيني لأن تلك أحكام ذهنية كلية عامة ~~والموجودات الخارجية متشخصة بموادها ولعل في المواد ما يمنع مطابقة الذهني ~~الكلي للخارجي الشخصي اللهم إلا ما لا يشهد له الحس من ذلك فدليله شهوده لا ~~تلك البراهين فاين اليقين الذي يجدونه فيها وربما يكون تصرف الذهن أيضا في ~~المعقولات الأول المطابقة للشخصيات بالصور الخيالية لا في المعقولات ~~الثواني التي تجريدها في الرتبة الثانية فيكون الحكم حينئذ يقينيا بمثابة ~~المحسوسات إذ المعقولات الأول أقرب إلى مطابقة الخارج لكمال الانطباق فيها ~~فنسلم لهم حينئذ دعاويهم في ذلك إلا أنه ينبغي لنا الإعراض عن النظر فيها ~~إذ هو من ترك المسلم لما لا يعنيه فإن مسائل الطبيعيات لاتهمنا في ديننا ~~ولا معاشنا فوجب علينا تركها # وأما ما كان منها في الموجودات التي وراء الحس وهي الروحانيات ويسمونه ~~العلم الالهي وعلم ما تعد الطبيعة فإن ذواتها مجهولة رأسا ولا يمكن التوصل ~~إليها ولا البرهان عليها لأن تجريد المعقولات من الموجودات الخارجية ~~الشخصية إنما هو ممكن فيها هو مدرك لنا ونحن لا ندرك الذوات الروحانية حتى ~~نجرد منها ماهيات أخرى بحجاب الحس بيننا وبينها فلا يتأتي لنا برهان عليها ~~ولا مدرك لنا في إثبات وجودها على الجملة إلا ما نجده بين جنبينا من أمر ~~النفس الإنسانية وأحوال مداركها وخصوصا في الرؤيا التي هي وجدانية لكل أحد ~~وما وراء ذلك من حقيقتها وصفاتها PageV01P516 فأمر غامض لا سبيل إلى الوقوف ~~عليه وقد صرح بذلك محققوهم حيث ذهبوا إلى أن مالا مادة له لا يمكن البرهان ~~عليه لأن مقدمات البرهان من شرطها أن تكون ذاتية وقال كبيرهم أفلاطون إن ~~الإلهيات لا يوصل فيها إلى اليقين وإنما يقال فيها بالاخلق والأولى ms547 يعني ~~الظن وإذا كنا إنما نحصل بعد التعب والنصب على الظن فقط فيكفينا الظن الذي ~~كان أولا فأي فائدة لهذه العلوم والاشتغال بها ونحن عنايتنا بتحصيل اليقين ~~فيما وراء الحس من الموجودات وهذه هي غاية الأفكار الإنسانية عندهم وأما ~~قولهم إن السعادة في إدراك الموجودات على ما هي عليه بتلك البراهين فقول ~~مزيف مزدود وتفسيره أن الإنسان مركب من جزءين أحدهما جسماني والآخر روحاني ~~ممتزج به ولكل واحد من الجزءين مدرك مختصة به والمدرك مختصة به والمدرك ~~فيهما واحد وهي الجزء الروحاني يدرك تارة مدارك روحانية وتارة مدارك ~~جسمانية إلا أن المدارك الروحانية يدركها بذاته بغير واسطة والمدارك ~~الجسمانية بواسطة آلات الجسم من الدماغ والحواس وكل مدرك فله ابتهاج بما ~~يدركه واعتبره بحال الصبي في أول مداركه الجسمانية التي هي بواسطة كيف ~~يبتهج بما يبصره من الضوء وبما يسمعه من الأصوات فلا شك أن الابتهاج ~~بالادراك الذي للنفس من ذاتها بغير واسطة يكون أشد وألذ فالنفس الروحانية ~~إذا شعرت بإدراكها الذي لها من ذاتها بغير واسطة حصل لها ابتهاج ولذة لا ~~يعبر عنهما وهذا الإدراك لا يحصل بنظر ولا علم وإنما يحصل بكشف حجاب الحسن ~~ونسيان المدارك الجسمانية بالجملة والمتصوفة كثيرا ما يعنون بحصول هذا ~~الإدراك للنفس بحصول هذه البجة فيحاولون بالرياضة إمانة القوى الجسمانية ~~ومداركها حتى الفكر من الدماغ وليحصل للنفس إدراكها الذي لها من ذاتها عند ~~زوال الشواغب والموانع الجسمانية يحصل لهم بهجة ولذة لا يعبر عنهما وهذا ~~الذي زعموه بتقدير صحته مسلم لهم وهو مع ذلك عير واف بمقصودهم فأما قولهم ~~إن البراهين والأدلة العقلية محصلة لهذا النوع من الإدراك والابتهاج عنه ~~فباطل كما رأيته إذ البراهين والأدلة من جملة المدارك الجسمانية لأنها ~~بالقوى الدماغية من الخيال والفكر والذكر ونحن نقول إن أول شيء نعني به في ~~تحصيل هذا الإدراك إمانة هذه القوى الدماغية كلها لأنها منازعة له قادحة ~~فيه وتجد الماهر منهم عاكفا PageV01P517 على كتاب الشفاء والإشارات والنجاء ~~وتلاخيص ابن رشد للقص من تأليف أرسطو وغيره ms548 يبعثر أوراقها ويتوثق من ~~براهينها ويلتمس هذا القسط من السعادة فيها ولا يعلم أنه يستكثر بذلك من ~~الموانع عنها ومستندهم في ذلك من الموانع عنها ومستندهم في ذلك ما ينقلونه ~~عن أرسطو والفارابي وأبن سينا أن من حصل له إدراك العقل الفعال واتصل به في ~~حياته فقد حصل حظه من هذه السعادة والعقل الفعال عندهم عبارة عن أول رتبة ~~ينكشف عنه الحس من رتب الروحانيات ويحملون الاتصال بالعقل الفعال على ~~الإدراك العلمي وقد رأيت فساده وإنما يعني أرسطو وأصحابه بذلك الاتصال ~~والإدراك إدراك النفس الذي لها من ذاتها وبغير واسطة وهو لا يحصل إلا بكشف ~~حجاب الحس وأما قولهم إن البهجة الناشئة عن هذا الإدراك هي عين السعادة ~~الموعود بها فباطل أيضا لأنا إنما تبين لنا بما قرروه أن وراء الحس مدركا ~~آخر للنفس من غير واسطة وأنها تبتهج بإدراكها ذلك ابتهاجا شديدا وذلك لا ~~يعين لنا أنه عين السعادة الأخروية ولا بد بل هي من جملة الملاذ التي لتلك ~~السعادة وأما قولهم إن السعادة في إدراك هذه الموجودات على ما هي عليه فقول ~~باطل مبني على ما كنا قدمناه في أصل التوحيد من الأوهام والأغلاظ في أن ~~الوجود عند كل مدرك منحصر في مداركه وبينا فساد ذلك وإن الوجود أوسع من إن ~~يحاط به أو يستوفى إدراكه بجملته روحانيا أو جسمانيا والذي يحصل من جميع ما ~~قررناه من مذاهبهم أن الجزء الروحاني إذا فارق القوى الجسمانية أدرك إدراكا ~~ذاتيا له مختصا بصنف من المدارك وهي الموجودات التي أحاط بها علمنا وليس ~~بعام الإدراك في الموجودات كلها إذ لم تنحصر وأنه يبتهج بذلك النحو من ~~الإدراك ابتهاجا شديدا كما يبتهج الصبي بمداركه الحسية في أول نشوءه ومن ~~لنا بعد ذلك بإدراك جميع الموجودات أو بحصول السعادة التي وعدنا بها الشارع ~~إن لم نعمل لها هيهات هيهات لما توعدون وأما قولهم إن الإنسان مستقل بتهذيب ~~نفسه وإصلاحها بملابسة المحمود من الخلق ومجانبة المذموم فأمر مبني على أن ~~ابتهاج للنفس بإدراكها الذي ms549 لها من ذاتها هو عين السعادة الموعود بها لأن ~~الرذائل عائقة للنفس عن تمام إدراكها ذلك بما يحصل لها من الملكات ~~الجسمانية وألوانها وقد بينا أن أثر السعادة والشقاوة وراء الإدراكات ~~الجسمانية والروحانية PageV01P518 فهذا التهذيب الذي توصلوا إلى معرفته ~~إنما نفعه في البهجة الناشئة عن الإدراك الروحاني فقط الذي هو على المقادير ~~وقوانين وأما ما وراء ذلك من السعادة التي وعدنا بها الشارع على امتثال ما ~~أمر به من الأعمال والأخلاق فأمر لا يحيط به مدارك المدركين وقد تنبه لذلك ~~زعيمهم أبو علي ابن سينا فقال في كتاب المبدا والمعاد ما معناه إن المعاد ~~الروحاني وأحواله هو ما يتوصل اليه بالبراهين العقلية والمقاييس لأنه على ~~نسبة طبيعية محفوظ ووتيرة وحدة قلنا في البراهين عليه سعة وأما المعاد ~~الجسماني وأحواله فلا يمكن إدراكه بالبرهان لأنه ليس على نسبة واحدة وقد ~~بسطته لنا الشريعة الحقة المحمدية فلينظر فيها وليرجع في أحواله إليه فهذا ~~العلم كما رأيته غير وف بمقاصدهم التي حرموا عليها مع ما فيه من مخالفة ~~الشرائع وظواهرها وليس له فيما علمنا إلا ثمرة واحدة وهي شحذ الذهن في ~~ترتيب الأدلة والحجج لتحصيل ملكو الجودة والصواب في البراهين وذلك أن نظم ~~المقايس وتركيبها على وجه الإحكام والإتقان هو كما شرطوه في صناعتهم ~~المنطقية وقولهم بذلك في علومهم الطبيعية وهم كثيرا ما يستعملونها في ~~علومهم الحكمية من الطبيعيات والتعاليم وما بعدها فيستولي الناظر فيها ~~بكثرة استعمال البراهين بشروطها على ملكة الإتقان والصواب في الحجج ~~والاستدلالات لأنها وإن كانت غير وافية بمقصودهم فهي أصح ما علمناه من ~~قوانين الأنظار هذه ثمرة هذه الصناعة مع الاطلاع على مذاهب أهل العلم ~~وآرائهم ومضارها ما علمت فليكن الناظر فيها متحرزا جهده من معاطبها وليكن ~~نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه ~~ولا يكبن أحد عليها وهو خلو من علوم الملة فقل أن يسلم لذلك من معاطبها ~~والله الموفق للصواب وللحق والهادي إليه كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله $ ~~الفصل الخامس والعشرون ms550 # في ابطال صناعة النجوم وضعف مداركها وفساد غايتها # هذه الصناعة يزعم أصحابها أنهم يعرفون بها الكائنات في عالم العناصر قبل ~~حدوثها من قبل معرفة قوى الكواكب وتأثيرها في المولدات العنصرية مفردة ~~ومجتمعة فتكون لذلك أوضاع الأفلاك والكواكب دالة على ما سيحدث من نوع من ~~أنواع PageV01P519 الكائنات الكلية والشخصية فالمتقدمون منهم يرون أن معرفة ~~قوى الكواكب وتأثيراتها بالتجربة وهو أمر تقصر الأعمار كلها لو اجتمعت عن ~~تحصيله إذ التجربة إنما تحصل في المرات المتعددة بالتكرار ليحصل عنها العلم ~~أو الظن وأدوار الكواكب منها ما هو طويل الزمن فيحتاج تكرره إلى آملد ~~وأحقاب متطاولة يتقاصر عنها ما هو طويل من أعمار العالم وربما ذهب ضعفاء ~~منهم إلى أن معرفة قوى الكواكب وتأثيراتها كانت بالوحي وهو رأى قائل وقد ~~كفونا مؤنة إبطاله ومن أوضح الأدلة فيه أن تعلم أن الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام أبعد الناس عن الصنائع وأنهم لا يتعرضون للاخبار عن الغيب إلا أن ~~يكون عن الله فكيف يدعون استنباطه بالصناعة ويشيرون بذلك لتابعيهم من الخلق ~~وأما بطليمس ومن تبعه من المتأخرين فيرون أن دلالة الكواكب على ذلك دلالة ~~طبيعية من قبل مزاج يحصل للكواكب في الكائنات العنصرية قال لأن فعل النيرين ~~وأثرهما في العنصريات ظاهو لا يسع أحدا جحده مثل فعل الشمس في تبدل الفصول ~~وأمزجتها ونضج الثمار والزرع وغير ذلك وفعل القمر في الرطوبات والماء ~~وإنضاج المواد المتعفنة وفواكة الفناء وسائر افعاله ثم قال ولنا فيما بعدها ~~من الكواكب طريقان الأولى التقليد لمن نفل ذلك عنه من أئمة الصناعة إلا أنه ~~غير مقنع للنفس الثانية الحدس والتجربة بقيلس كل واحد منها إلى النبر ~~الأعظم الذي عرفنا طبيعته وأثره معرفة ظاهرة فتنظر هل يزيد لك الكوكب عند ~~القران في قوته ومزاجه فتعرف موافقته له في الطبيعة أو ينقص عنها فتعرف ~~مضادته ثم إذا عرفنا قواها مفردة عرفناها مركبة وذلك عند تناظرها بأشكال ~~التثليث والتربيع وغيرهما ومعرفة ذلك من قبل طبائع البروج بالقياس أيضا إلى ~~النبر الأعظم وإذا عرفنا قوى الكواكب كلها ms551 فهي مؤثرة في الهواء وذلك ظاهر ~~والمزاج الذي يحصل منها للهواء لما تحته من المولدات وتتخلق به النطف ~~والبزر فتصير حالا للبدن المتكون عنها وللنفس المتعلقة به الفائضة عليه ~~المكتسبة لما لها منه ولما يتبع النفس والبدن من الأحوال لأن كيفيات البزرة ~~والنطفة كيفيات لما يتولد عنهما وينشأ منهما قال وهو مع ذلك ظني وليس هو ~~أيضا من القضاء الإلهي يعني القدر إنما هو من جملة الأسباب PageV01P520 ~~الطبيعية للكائن والقضاء الإلهي سابق على كل شيء هذا محصل كلام بطليمس ~~وأصحابه وهو منصوص في كتابه الأربع وغير ومنه يتبين ضعف مدرك هذه الصناعة ~~وذلك أن العلم الكائن أو الظن به إنما يحصل عن العلم بجملة أسبابه من ~~الفاعل والقابل والصورة والغاية على ما يتبين في موضعه والقوى النجومية على ~~ما قرروه إنما هي فاعل فقط والجزء العنصري هو القابل ثم إن القوى النجومية ~~ليست هي الفاعل بجملتها بل هناك قوى أخرى فاعلة معها في الجزء المادي مثل ~~قوة التوليد للأب والنوع التي في النطفة وقوى الخاصة التي تميز بها صنف من ~~النوع وغير ذلك فالقوى النجومية إذا حصل كمالها وحصل العلم فيها إنما هي ~~فاعل واحد من جملة الاسباب الفاعلة للكائن ثم إنه يشترط مع العلم بقوى ~~النجوم وتأثيراتها مزيد حدس وتخمين وحينئذ يحصل عنده الظن بوقوع الكائن ~~والحدس والتخمين قوى للناظر في فكره وليس من علل الكائن ولا من أصول ~~الصناعة فإذا فقد هذا الحدس والتخمين رجعت أدراجها على الظن إلى الشك هذا ~~إذا حصل العلم بالقوى النجومية على سداد ولم تعترضه آفة وهذا معوز لما فيه ~~من معرفة حسبانات الكواكب في سيرها لتتعرف به أوضاعها ولما أن اختصاص كل ~~كوكب بقوة لا دليل عليه ومدرك بطليمس في إثبات القوى للكواكب الخمسة ~~بقياسها إلى الشمس مدرك ضعيف لأن قوة الشمس غالبة لجميع القوى من الكواكب ~~ومستولية عليها فقل أن يشعر بالزيادة فيها أو النقصان منها عند المقارنة ~~كما قال وهذه كلها فادحة في تعريف الكائنات الواقعة في عالم العناصر بهذه ms552 ~~الصناعة ثم إن تأثير الكواكب فيما تحتها باطل إذ قد تبين في باب التوحيد أن ~~لا فاعل إلا الله بطريق استدلالي كما رأيته واحتج له أهل علم الكلام بما هو ~~غني عن البيان من أن إسناد الأسباب إلى المسببات مجهول الكيفية والعقل على ~~ما يقضى به يظهر بادىء الرأي من التأثير فلعل استنادها على غير صورة ~~التأثير المتعارف والقدرة الإلهية رابطة بينهما كما ربطت جميع الكائنات ~~علوا وسفلا سيما والشرع يرد الحوادث كلها إلى قدرة الله تعالى ويبرا مما ~~سوى ذلك والنبؤات أيضا منكرة لشأن النجوم وتأثيراتها واستقراء الشرعيات ~~شاهد بذلك في مثل قوله إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا PageV01P521 ~~لحياته وفي قوله أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ~~ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا فذلك كافر ~~بي مؤمن بالكواكب الحديث الصحيح فقد بان لك بطلان هذه الصناعة من طريق ~~الشرع وضعف مداركها مع ذلك من طريق العقل مع مالها من المضار في العمران ~~الإنساني بما تبعث من عقائد العوام من الفساد إذا اتفق الصدق من أحكامها في ~~بعض الأحايين أتفاقا لا يرجع إلى تعليل ولا تحقيق فيدهج بذلك من لا معرفة ~~له ويظن أطراد الصدق في سائر أحكامها وليس كذلك فيقع في رد الأشياء إلى غير ~~خالقها ثم ما ينشأ عنها كثيرا في الدول من توقع القواطع وما بعث عليه ذلك ~~لتوقع من تطول الاعداء والمتربصين بالدولة إلى الفتك والثورة وقد شاهدنا من ~~ذلك كثيرا فينبغي أن تخظر هذه الصناعة على جميع أهل العمران لما ينشأ عنها ~~من المضار في الدين والدول ولا يقدح في ذلك كون وجودها طبييعا للبشر بمقتضى ~~مداركهم وعلومهم فالخير والشر طبيعتان موجودتان في العالم لا يمكن نزعهما ~~وإنما يتعلق التكليف بأسباب حصولهما فيتعين السعي في اكتساب الخير بأسبابه ~~ودفع أسباب الشر والمضار هذا هو الواجب على من عرف مفاسد هذا العلم ومضاره ~~وليعلم من ذلك أنها وإن كانت صحيحة في ms553 نفسها فلا يمكن أحدا من أهل الملة ~~تحصيل علمها ولا ملكتها بل إن نظر فيها ناظر وظن الاحاطة بها فهو في غاية ~~القصور في نفس الامر فإن الشريعة لما حظرت النظر فيها فقد الاجتماع من أهل ~~العمران لقراءتها والتحليق لنعليهما وصار المولع بها من الناس وهم الأقل من ~~الأقل إنما يطالع كتبها ومقالاتها في كسر بيته متسترا عن الناس وتحت ريقه ~~الجمهور مع تشعب الصناعة وكثرة فروعها واعتياصها على افم فكيف يحصل منها ~~على طائل ونحن تجد الفقه الذي عم نفعه دينا ودنيا وسهلت مآخذه من الكتاب ~~والسنة وعكفت الجمهور على قراءته وتعليمه ثم بعد التحقيق والتجميع وطول ~~المدارسة وكثرة المجالس وتعددها إنما يحذف فيه الواحد بعد الواحد في ~~الاعصار والاجيال فكيف يعلم مهجور للشريعة مضروب دونه سد الخطر والتحريم ~~مكتوم عن الجمهور صعب المآخذ محتاج بعد الممارسة والتحصيل لاصوله وفروعه ~~إلى مزيد حدس وتخمين PageV01P522 يكتنفان به من الناظر فأين التحصيل والحدق ~~فيه مع هذه كلها ومدعى ذلك من الناس مردود على عقبه ولا شاهد له يقوم بذلك ~~لغرابة الفن بين أهل الملة وقلة حملته فاعتبر ذلك يتبين لك صحة ما ذهبنا ~~إليه والله أعلم بالغيب فلا يظهر على غيبة احدا ومما وقع في هذه المعنى لبض ~~أصحابنا من أهل العصر عندما غلب العرب عساكر السلطان أبي الحسن وحاصروه ~~بالقيروان وكثر ارجاف الفريقين الأولياء والاعداء وقال في ذلك أبو القاسم ~~الروحي من شعراء أهل تونس # % استغفر الله كل حين % قد ذهب العيش والهناء % اصبح في تونس وأمسى % ~~والصبح لله والمساء % الخوف والجوع والمنايا % يحدثها الهرج والوباء % ~~والناس في مرية وحرب % وما عسى ينفع المراء % فأحمدي يرى عليا % حل به ~~الهلك والتواء % وآخر قال سوف يأتي % به اليكم صبا رخاء % والله من فوق ذا ~~وهذا % يقضي لعبديه ما يشاء % يا راصد الخنس الجواري % ما فعلت هذه السماء ~~% مطلتمونا وقد زعمتم % أنكم اليوم أملياء % مر خميس على خميس % وجاء سبت ~~وأربعاء % ونصف شهر وعشر ثان % وثالث ضمه القضاء % ولا نرى غير زور ms554 قول % ~~أذاك جهل أم أزدراء % إنا إلى الله قد علمنا % أن ليس يستدفع القضاء % رضيت ~~بالله لي إلها % حبسكم البدر أو ذكاه % ما هذه لأنجم السواري % إلا عباديد ~~أو إماء % يقضي عليها وليس تقضي % ومالها في الورى اقتضاء % ضلت عقول ترى ~~قديما % ما شأنه الجرم والفناء % وحكمت في الوجود طبعا % يحدثه الماء ~~والهواء % لم تر حلوا إزاء مر % تغذوهم تزية وماء PageV01P523 % الله ربي ~~ولست أدري % ما الجوهر الفرد والخلاء % ولا الهيولى التي تنادي % ما لي عن ~~صورة عراء % ولا وجود ولا انعدام % ولا ثبوت ولا انتفاء % والكسب لم ادر ~~فيه إلا % ما جلب البيع والشراء % وإنما مذهبي وديني % ما كان للناس أولياء ~~% إذ لا فصول ولا أصول % ولا جدال ول رياء % ما تبع الصدر وافتفينا % يا ~~حبذا كان الافتاء % كانوا كما يعلمون منهم % ولم يكن ذلك الهداء % يا أشعري ~~الزمان اني % أشعرني الصيف والشتاء % لم أجز بالشر غير شر % والخير عن مثله ~~جزاء % وإنني إن أكن مطيعا % فلست أعصى ولي رجاء % وإنني تحت حكم بر % ~~أطاعه العرش والثراء % ليس انتصار بكم ولكن % أتاحه الحكم والقضاء % لو حدث ~~الأشعري عمن % له إلى رأيه انتماء % لقال أخبرهم بأني % مما يقولونه براء $ ~~الفصل السادس والعشرون # في انكار ثمرة الكيميا واستحالة وجودها وما ينشأ من المفاسد عن انتحالها ~~إعلم أن كثيرا من العاجزين عن معاشهم تحملهم المطامع عن انتحال هذه الصنائع ~~ويرون أنها أحد مذاهب المعاش ووجوهه وأن أقتناء المال منها أيسر واسهل على ~~مبتغيه فيرتكبون فيها من المتاعب والمشاق ومعاناة الصعاب وعسف الحكام ~~وخسارة الاموال في النفقات زيادة على النبل من غرضه والعطب آخرا إذا ظهر ~~على خيبة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وإنما أطعمهم في ذلك رؤية أن المعادن ~~تستحيل وينقلب بعضها إلى بعض للمادة المشتركة فيحاولون بالعلاج صيرورة ~~الفضة ذهبا والنحاس والقصدير فضة ويحسبون أنها من مكنات عالم الطبيعة ولهم ~~في علاج ذلك طرق مختلفة لاختلاف مذاهبهم في التدبير وصورته PageV01P524 وفي ~~المادة الموضوعة عندهم للعلاج المسماة عندهم بالحجر المكرم هل هي ms555 العذرة أو ~~الدم أو الشعراء أو البيض أو كذا مما سوى ذلك وجملة التدبير عندهم بعد تعين ~~المادة أن تمهى بالفهر على حجر صلد أملس وتسقى أثناء إمهائها بالماء وبعد ~~أن يضاف إليها من العقاقير والأدوية ما يناسب القصد منها ويؤثر في انقلابها ~~إلى المعدن المطلوب ثم تجفف بالشمس من بعد السقي أو تطبخ بالنار أو تصعد أو ~~تكلس لاستخراج مائها أو ترابها فإذا رضي بذلك كله من علاجها وتم تدبيره على ~~ما اقتضته أصول صنعته حصل من ذلك كله تراب أو مائع يسمونه الاكبر ويزعمون ~~أنه إذا ألقي على الفضة الممحاة بالنار عادت ذهبا أو النحاس المحمى بالنار ~~عاد فضة ما قصد به في عمله ويزعم المحققون منهم أن ذلك الإكسير مادة مركبة ~~من العناصر الأربعة حصل فيها بذلك العلاج الخاص والتدبير مزاج ذو قوى ~~طبيعية تصرف ما حصلت فيه إليها وتقلبه إلى صورتها ومزاجها وتبث فيه ما حصل ~~فيها من الكيفيات والقوى كالحميرة للخبز تقلب العجين إلى ذاتها وتعمل فيه ~~ما حصل لها من الانقشاش والهشاشة ليحسن هضمه في المعدة ويستحيل سريعا إلى ~~الغذاء وكذلك إكسيد الذهب والفضة فيما يحصل فيه من المعادن يصرفه آليهما ~~ويقلبه إلى صورتهما هذا محصل زعمهم على الجملة فتجدهم عاكفين على هذا ~~العلاج يبتغون الرزق والمعاش فيه ويتناقلون أحكامه وقواعده من كتب لأئمة ~~الصاعة من قبلهم يتداولونها بينهم ويتناظرون في فهم لعوزها وكشف أسرارها إذ ~~هي في الأكثر تشبه المعمى كتآليف جابر بن حيان في رسائله السبعين ومسلمة ~~البحر يعطي في كتابة رتبة الحكيم والطغراني والمغيربي في قصائده العريقة في ~~إجادة النظم وأمثالها ولا يحلون من بعد هذا كله بطائل منها ففاوضت يوم ~~شيخنا أبا البركات التلفيقي كبير مشيخة الأندلس في مثل ذلك ووفقته علي بعض ~~التآليف فيها فتصفحه طويلا ثم رده إلي وقال لي وأنا الضامن له أن لا يعود ~~إلى بيته إلا بالخيبة ثم منهم من يقتصر في ذلك على الدلسة فقط وأما الظاهرة ~~كتمويه الفضة بالذهب أو النحاس بالفضة أو ms556 خلطهما على نسبة جزء أو جزءين أو ~~ثلاثة أو الخفية كإلقاء الشبه بين المعادن بالصناعة مث تبييض النحاس ~~وتلبيسه بالزوق المصعد فيجيء جسما معدنيا PageV01P525 شبيها بالفضة ويخفى ~~إلا على النقاد المهرة فيقدر اصحاب هذه الدلس مع دلستهم هذه سكة يسربونها ~~في الناس ويطبعونها بطابع السلطان تمويها على الجمهور بالخلاص وهؤلاء أخس ~~الناس حرفة وأسوأهم عاقبة لتلبسهم بسرقة أموال الناس فإن صاحب هذه الدلسة ~~إنما هو يدفع نحاسا في الفضة وفضة في الذهب ليستخلصها لنفسه فهو سارق أو شر ~~من السارق ومعظم هذا الصنف لدينا بالمغرب من طلبة البربر المنتبذين بأطراف ~~البقاع ومساكن الاعمار يأوون إلى مساجد البادية ويموهون على الأغنياء منهم ~~بأن بأيديهم صناعة الذهب والفضة والنفوس مولعة بحبهما والاستهلاك في طلبهما ~~فيحصلون من ذلك على معاش ثم يبقى ذلك عندهم تحت الخوف والرقبة إلى أن يظهر ~~العجز وتقع الفضيحة فيفرون إلى موضع آخر ويستجدون حالا أخرى في استهواء بعض ~~أهل الدنيا بأطماعهم فيما لديهم ولا يزالون كذلك في ابتغاء معاشهم وهذا ~~الصنف لا كلام معهم لأنهم بلغوا الغاية في الجهل والرداءة والاحتراف ~~بالسرقة ولا حاسم لعلتهم إلا اشتداد الحكام عليهم وتناولهم من حيث كانوا ~~وقطع ايديهم متى ظهروا على شأنهم لأن فيه إفسادا للسكة التي تعم بها البلوى ~~وهي متمول الناس كافة والسلطان مكلف بإصلاحها والاحتياط عليها والاشتداد ~~على مفسديها وأما من انتحل هذه الصناعة ولم يرض بحال الدلسة بل استنكف عنها ~~ونزه نفسه عن إفساد سكة المسلمين ونقودهم وانما يطلب إحالة الفضة للذهب ~~والرصاص والنحاس والقصدير إلى الفضة بذلك النحو من العلاج وبالأكسير الحاصل ~~عنده فلنا مع هؤلاء متكلم وبحث في مداركهم لذلك مع أنا لا نعلم أن أحدا من ~~أهل العالم يتم له هذا الغرض أو حصل منه على بغية انما تذهب أعمارهم في ~~التدبير والفهر والصلابة والتصعيد والتكليس واعتيام الأخطار بجمع العقاقير ~~والبحث عنها ويتناقلون في ذلك حكايات وقعت لغيرهم ممن تم له الغرض منها أو ~~وقف على الوصول يقنعون باستماعها والمفاوات فيها ولا يستريبون في ms557 تصديقها ~~شأن الكلفين المغرمين بوساوس الأخبار فيما يكلفون به فإذا سئلوا عن تحقيق ~~ذلك بالمعاينة أنكروه وقالوا إنما سمعنا ولم نر هكذا شأنهم في كل عصر وجيل ~~وأعلم أن انتحال هذه الصنعة قديم في العالم وقد تكلم الناس فيها من ~~المتقدمين والمتأخرين فلننقل مذاهبهم في ذلك PageV01P526 ثم نتلوه بما يظهر ~~فيها من التحقيق الذي عليه الأمر في نفسه فنقول إن مبنى الكلام في هذه ~~الصناعة عند الحكماء على حال المعادن السبعه المتطرقة وهي الذهب والفضة ~~والرصاص والقصدير والنحاس والحديد والخارصين هل هي مختلفات بالفصول وكلها ~~أنواع قائمة بأنفسها أو إنها مختلفة بخواص من الكيفيات وهي كلها أصناف لنوع ~~واحد فالذي ذهب إليه أبو النصر الفارابي وتابعه عليه حكماء الاندلس أنها ~~نوع واحد وأن اختلافها إنما هو بالكيفيات من الرطوبة واليبوسة واللين ~~والصلابة والألوان من الصفرة والبياض والسواد وهي كلها أصناف لذلك النوع ~~الواحد والذي ذهب اليه ابن سينا وتابعه عليه حكماء المشرق أنها مختلفة ~~بالفصول وأنها أنواع متباينة كل واحد منها قائم بنفسه متحقق بحقيقته له فصل ~~وجنس شان سائر الأنواع وبنى أبو نصر الفارابي على مذهبه في اتفاقها بالنوع ~~إمكان انقلاب بعضها إلى بعض لإمكان تبدل الاعراض حينئذ وعلاجها بالصنعة فمن ~~هذا الوجه كانت صناعة الكيمياء عنده ممكنة سهلة المأخذ وبنى أبو علي بن ~~سينا على مذهبه في اختلافها بالنوع إنكار هذه الصنعة واستحالة وجودها بناء ~~على أن الفصل لا سبيل بالصناعة إليه وإنما يخلقه خالق الأشياء ومقدرها وهو ~~الله عز وجل والفصول مجهولة الحقائق رأسا بالتصور فكيف يحاول أنقلابها ~~بالصنعة وغلطه الطغرائي من أكابر أهل هذه الصناعة في هذا القول ورد عليه ~~بأن التدبير والعلاج ليس في تخليق الفصل وإبداعه وإنما هو في إعداد المادة ~~لقبوله خاصة والفصل يأتي من بعد الإعداد من لدن خالقه وبارئه كما يفيض ~~النور على الأجسام بالصقل والإمهاء ولا حاجة بنا في ذلك إلى تصوره ومعرفته ~~قال وإذا كنا قد عثرنا على تخليق بعض الحيوانات مع الجهل بفصولها مثل ~~العقرب من التراب والنثن ms558 ومثل الحيات المتكونة من الشعر ومثل ما ذكره أصحاب ~~الفلاحة من تكوين النحل إذا فقدت من عجاجيل البقر وتكوين القصب من قرون ~~ذوات الظلف وتصييره سكرا بحشو القرون بالعسل بين يدي ذلك الفلح للقرون فما ~~المانع إذا من العثور على مثل ذلك في الذهب والفضة فتتخذ مادة تضيفها ~~للتدبير بعد أن يكون فيها استعداد أول لقبول صورة الذهب والفضة ثم تحاولها ~~بالعلاج إلى أن يتم فيها الاستعداد لقبول فصلها انتهى كلام الطغرائي بمعناه ~~وهو PageV01P527 الذي ذكره في الرد على ابن سينا صحيح لكن لنا في الرد على ~~أهل هذه الصناعة مأخذا آخر يتبين منه استحالة وجودها وبطلان مزعمهم أجمعين ~~لا الطغرائي ولا ابن سينا وذلك أن حاصل علاجهم أنهم بعد الوقوف على المادة ~~المستعدة بالاستعداد الأول يجعلونها موضوعا ويحاذون في تدبيرها وعلاجها ~~تدبير الطبيعة في الجسم المعدني حتى أحالته ذهبا أو فضة ويضاعفون القوى ~~الفاعلة والمنفعلة ليتم في زمان أقصر لأنه تبين في موضوعه أن مضاعفة قوة ~~الفاعل تنقص من زمن فعله وتبين أن الذهب إنما يتم كونه في معدنه ألف ~~وثمانين من السنين دورة الشمس الكبرى فاذا تضاعفت القوى والكيفيات في ~~العلاج كان زمن كونه أقصر من ذلك ضرورة على ما قلناه أو يتحرون بعلاجهم ذلك ~~حصول صورة مزاجية لتلك المادة تصيرها كالخميرة فتفعل في الجسم المعالج ~~الأفاعيل المطلوبة في إحالته وذلك هو الإكسير على ما تقدم وأعلم أن كل ~~متكون من المولدات العنصرية فلابد فيه من اجتماع العناصر الأربعة على نسبة ~~متفاوتة إذ لو كانت متكافئة في النسبة لما تم امتزاجها فلا بد من الجزء ~~الغالب على الكل ولا بد في كل ممتزج من المولدات من حرارة غريزية هي ~~الفاعلة لكونه الحافظة لصورته ثم كل متكون في زمان فلا بد من اختلاف أطواره ~~وانتقاله في زمن التكوين من طور إلى طور حتى ينتهي إلى غايته وانظر شان ~~الإنسان في طور النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم التصوير ثم الجنين ثم ~~المولود ثم الرضيع ثم إلى نهايته ونسب الأجزاء ms559 في كل طور تختلف في مقاديرها ~~وكيفياتها وإلا لكان الطور الأول بعينه هو الآخر وكذا الحرارة الغريزية في ~~كل طور مخالفة لها في الطور الآخر فانظر إلى الذهب ما يكون له في معدينه من ~~الأطوار منذ ألف سنة وثمانين وما ينتقل فيه من الأحوال فيحتاج صاحب ~~الكيمياء إلى أن يساوق فعل الطبيعة في المعدن ويحاذيه بتدبيره وعلاجه إلى ~~أن يتم ومن شرط الصناعة أبدا تصور ما يقصد اليه بالصنعة فمن الأمثال ~~السائرة للحكماء أول العمل آخر الفكرة وآخر الفكرة أول العمل فلا بد من ~~تصور هذه الحالات للذهب في أحواله المتعددة ونسبها المتفاوتة في كل طور ~~واختلاف الحار الغريزي عند اختلافها ومقدار الزمان في كل طور وما ينوب عنه ~~من مقدار القوى المضاعفة ويقوم PageV01P528 مقامه حتى يحاذي بذلك كله فعل ~~الطبيعة في المعدن أو تعد لبعض المواد صورة مزاجية كصورة الخميرة للخبز ~~وتفعل في هذه المادة بالمناسبة لقواها ومقاديرها وهذه كلها إنما يحصرها ~~العلم المحيط والعلوم البشرية قاصرة عن ذلك وإنما حال من يدعي حصوله على ~~الذهب بهذه الصنعة بمثابة من يدعي بالصنعة تخليق إنسان من المني ونحن إذا ~~سلمنا له الإحاطة بأجزائه ونسبته وأطواره وكيفية تخليقه في رحمه وعلم ذلك ~~علما محصلا بتفاصيله حتى لا يشذ منه شيء عن علمه سلمنا له تخليق هذا ~~الإنسان وأنا له ذلك ولنقرب هذا البرهان بالاختصار ليسهل فهمه فنقول حاصل ~~صناعة الكيمياء وما يدعونه بهذا التدبير أنه مساوقه الطبيعة المعدنية ~~بالفعل الصناعي ومحاذاتها به إلى أن يتم كون الجسم المعدني أو تخليق مادة ~~بقوى وأفعال وصورة مزاجية تفعل في الجسم فعلا طبيعيا فتصيره وتقبله إلى ~~صورتها والفعل الصناعي مسبوق بتصورات أحوال الطبيعة المعدنية التي يقصد ~~مساوقتها أو محاذاتها أو فعل الماده ذات القوى فيها تصورا مفصلا واحدة بعد ~~أخرى وتلك الأحوال لا نهاية لها والعلم البشري عاجز عن الإحاطة بما دونها ~~وهو بمثابة من يقصد تخليق إنسان أو حيوان أو نبات هذا محصل هذا البرهان وهو ~~اوثق ما علمته وليست الاستحالة فيه من ms560 جهة الفصول كما رأيته ولا من الطبيعة ~~إنما هو من تعذر الإحاطة وقصور البشر عنها وما ذكره ابن سينا بمعزل عن ذلك ~~وله وجه آخر في الاستحالة من جهة غايته وذلك أن حكمة الله في الحجرين ~~وندورهما أنهما قيم لمكاسب الناس ومتمولاتهم فلو حصل عليهما بالصنعة لبطلت ~~حكمة الله في ذلك وكثر وجودهما حتى لا يحصل أحد من اقتنائهما على شيء وله ~~وجه آخر من الاستحالة أيضا وهو أن الطبيعة لا تترك أقرب الطريق في أفعالها ~~وترتكب الاعواض والابعد فلو كان هذا الطريق الصناعي الذي يزعمون انه صحيح ~~وأنه أقرب من طريق الطبيعة في معدتها أو أقل زمانا لما تركته الطبيعة إلى ~~طريقها الذي سلكته في كون الفضة والذهب وتخلقهما وأما تشبيه الطغراءي هذا ~~التدبير بما عثر عليه من مفردات لأمثاله في الطبيعة كالعقرب والنحل والحية ~~وتخليقها فأمر صحيح في هذه أدى اليه العثور كما زعم وأما الكيمياء فلم ينقل ~~عن أحد من أهل العالم أنه عثر عليها ولا على طريقها وما زال متنحلوها ~~يخبطون PageV01P529 فيها عشواء إلى هلم جرا ولا يظفرون إلا بالحكايات ~~الكاذبة ولو صح ذلك لأحد منهم لحفظه عنه أولاده أو تلميذه وأصحابه وتنوقل ~~في الأصدقاء وضمن تصديقه صحة العمل بعده إلى أن ينتشر ويبلغ إلينا وإلى ~~غيرنا وأما قولهم إن الإكسير بمثابة الخميرة وإنه مركب يحيل ما يحصل فيه ~~ويقلبه إلى ذلك فاعلم أن الخميرة إنما تقلب العجين وتعده للهضم وهو فساد ~~والفساد في المواد سهل يقع بأيسر شيء من الأفعال والطبائع والمطلوب ~~بالإكسير قلب المعدن إلى ما هو أشرف منه وأعلى فهو تكوين وصلاح والتكوين ~~أصعب من الفساد فلا يقاس الإكسير بالخميرة وتحقيق الامر في ذلك أن الكيمياء ~~إن صح وجودها كما تزعم الحكماء المتكلمون فيها مثل جابر بن حيان ومسلمة بن ~~أحمد المجريطي وأمثالهم فليست من باب الصنائع الطبيعية ولا تتم بأمر صناعي ~~وليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات إنما هو من منحى كلامهم في الأمور ~~السحرية وسائر الخوارق وما كان من ذلك للحلاج ms561 وغيره وقد ذكر مسلمة في كتاب ~~الغاية ما يشبه ذلك وكلامه فيها في كتاب رتبة الحكيم من هذا المنحى وهذا ~~كلام جابر في رسائله ونحو كلامهم فيه معروف ولا حاجة بنا إلى شرحه وبالجملة ~~فأمرها عندهم من كليات المواد الخارجة عن حكم الصنائع فكما لا يتدبر ما منه ~~الخشب والحيوان في يوم أو شهر خشبا أو حيوانا فيما عدا مجرى تخليقه كذلك لا ~~يتدبر ذهب من مادة الذهب في يوم ولا شهر ولا يتغير طريق عادته إلا بارفاد ~~ما وراء عالم الطبائع وعمل الصنائع فكذلك من طلب الكيمياء طلبا صناعيا ضيع ~~ماله وعمله ويقال لهذا التدبير الصناعي التدبير العقيم لأن نيله إن كان ~~صحيحا فهو واقع مما وراء الطبائع والصنائع كالمشي على الماء وامتطاء الهواء ~~والنفوذ في كثائف الأجساد ونحو ذلك من كرامات الأولياء الخارقة للعادة أو ~~مثل تخليق الطير ونحوها من معجزات الأنبياء قال تعالى @QB@ وإذ تخلق من ~~الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا @QE@ وعلى ذلك فسبيل ~~تيسيرها مختلف بحسب حال من يؤتاها فربما أوتيها الصالح ويؤتيها غيره فتكون ~~عنده معارة وربما أوتيها الصالح ولا يملك إيتاءها فلا تتم في يد غيره ومن ~~هذا الباب يكون عملها سحريا فقد تبين أنها إنما تقع بتأثيرات النفوس وخوارق ~~العادة إما معجزة أو PageV01P530 سحرا ولهذا كان كلام الحكماء كلهم فيها ~~إلغازا لا يظفر بحقيقته إلا من خاض لجة من علم السحر وأطلع على تصرفات ~~النفس في عالم الطبيعة وأمور خرق العادة غير منحصرة ولا يقصد أحد إلى ~~تحصيلها والله بما يعملون محيط وأكثر ما يحمل على التماس هذه الصناعة ~~وانتحالها هو كما قلناه العجز عن الطرق الطبيعية للمعاش وابتغاؤه من غير ~~وجوهه الطبيعية كالفلاحة والتجارة والصناعة فيستصعب العاجز ابتغاءه من هذه ~~ويروم الحصول على الكثير من المال دفعه بوجوه غير طبيعية من الكيمياء ~~وغيرها وأكثر من يعنى بذلك الفقراء من أهل العمران حتى في الحكماء ~~المتكلمين في إنكارهما واستحالتها فإن ابن سينا القائل باستحالتها كان عليه ~~الوزراء فكان من أهل ms562 الغنى والثروة والفارابي القائل بإمكانها كان من أهل ~~الفقر الذين يعوزهم أدنى بلغة من المعاش وأسبابه وهذه تهمة ظاهرة في أنظار ~~النفوس المولعة بطرقها وانتحالها والله الرازق ذو القوة المتين لا رب سواه # | الفصل السابع والعشرون # في أن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل اعلم أنه مما أضر بالناس ~~في تحصيل العلم والوقوف على غاياته كثرة التآليف واختلاف الاصطلاحات في ~~التعاليم وتعدد طرقها ثم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك وحينئذ يسلم ~~له منصب التحصيل فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها ومراعاة طرقها ~~ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها فيقع القصور ولا بد دون ~~رتبة التحصيل ويمثل ذلك من شأن الفقه في المذهب المالكي بالكتب المدونة ~~مثلا وما كتب عليها من الشروحات الفقهية مثل كتاب ابن يونس واللخمي وابن ~~بشير والتنبيهات والمقدمات والبيان والتحصيل على العتبية وكذلك كتاب ابن ~~الحاجب وما كتب عليه ثم إنه يحتاج إلى تمييز الطريقة القيروانية من ~~القرطبية والبغدادية والمصرية وطرق المتأخرين عنهم والإحاطة بذلك كله ~~وحينئذ يسلم له منصب الفتيا وهي كلها متكررة والمعنى واحد والمتعلم مطالب ~~باستحضار جميعها وتمييز ما بينها والعمر ينقضي في واحد منها ولو اقتصر ~~المعلمون بالمتعلمين على المسائل المذهبية فقط لكان الأمر دون ذلك بكثير ~~وكان التعليم سهلا ومأخذه PageV01P531 قريبا ولكنه داء لا يرتفع لاستقرار ~~العوائد عليه فصارت كالطبيعة التي لا يمكن نقلها ولا تحويلها ويمثل أيضا ~~علم العربية من كتاب سيبويه وجميع ما كتب عليه وطرق البصريين والكوفيين ~~والبغداديين والأندلسيين من بعدهم وطرق المتقدمين والمتأخرين مثل ابن ~~الحاجب وابن مالك وجميع ما كتب في ذلك كيف يطالب به المتعلم وينقضي عمره ~~دونه ولا يطمع أحد في الغاية منه إلا في القليل النادر مثل ما وصل إلينا ~~بالمغرب لهذا العهد من تآليف رجل من أهل صناعة العربية من أهل مصر يعرف ~~بابن هاشم ظهر من كلامه فيها أنه استولى على غاية من ملكه تلك الصناعة لم ~~تحصل إلا لسيبويه وابن جني وأهل طبقتهما لعظم ms563 ملكته وما أحاط به من أصول ~~ذلك الفن وتفاريعه وحسن تصرفه فيه ودل على أن الفضل ليس منحصرا في ~~المتقدمين سيما مع ما قدمناه من كثرة الشواغب بتعدد المذاهب والطرق ~~والتآليف ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء وهذا نادر من نوادر الوجود وإلا ~~فالظاهر أن المتعلم ولو قطع عمره في هذا كله فلا يفي له بتحصيل علم العربية ~~مثلا الذي هو آلة من الآلات ووسيلة فكيف يكون في المقصود الذي هو الثمرة ~~ولكن الله يهدي من يشاء # | الفصل الثامن والعشرون # في أن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم ذهب كثير من ~~المتأخرين إلى اختصار الطرق والأنحاء في العلوم يولعون بها ويدونون منها ~~برنامجا مختصرا في كل علم يشتمل على حصر مسائله وأدلتها باختصار في الألفاظ ~~وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفن وصار ذلك مخلا بالبلاغة ~~وعسرا على الفهم وربما عمدوا إلى الكتب الأمهات المطولة في الفنون للتفسير ~~والبيان فاختصروها تقريبا للحفظ كما فعله ابن الحاجب في الفقه وابن مالك في ~~العربية والخونجي في المنطق وأمثالهم وهو فساد في التعليم وفيه إخلال ~~بالتحصيل وذلك لأن فيه تخليطا على المبتديء بإلقاء الغايات من العلم عليه ~~وهو لم يستعد لقبولها بعد وهو من سوء التعليم كما سيأتي ثم فيه مع ذلك شغل ~~كبير على المتعلم بتتبع الفاظ الاختصار العويصة للفهم بتزاحم المعاني عليها ~~وصعوبة استخراج المسائل PageV01P532 من بينها لأن ألفاظ المختصرات تجدها ~~لأجل ذلك صعبة عويصة فينقطع في فهمها حظ صالح عن الوقت ثم بعد ذلك فالملكة ~~الحاصلة من التعليم في تلك المختصرات إذا تم على سداده ولم تعقبه آفة فهي ~~ملكة قاصرة عن الملكات التي تحصل من الموضوعات البسيطة المطولة بكثرة ما ~~يقع في تلك من التكرار والإحالة المفيدين لحصول الملكة التامة وإذا اقتصر ~~على التكرار قصرت الملكة لقلته كشأن هذه الموضوعات المختصرة فقصدوا إلى ~~تسهيل الحفظ على المتعلمين فأركبوهم صعبا يقطعهم عن تحصيل الملكات النافعة ~~وتمكنها ومن يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له والله ms564 سبحانه وتعالى ~~أعلم # | الفصل التاسع والعشرون # في وجه الصواب في تعليم العلوم وطريق افادته إعلم أن تلقين العلوم ~~للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا وقليلا قليلا ~~يلقى عليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب ويقرب له في ~~شرحها على سبيل الإجمال ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد ~~عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن وعند ذلك يحصل له ملكه في ذلك العلم إلا أنها ~~جزئية وضعيفة وغايتها أنها هيأتها لفهم الفن وتحصيل مسائله ثم يرجع به إلى ~~الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها ويستوفي الشرح ~~والبيان ويخرج عن الإجمال ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي ~~إلى آخر الفن فتجود ملكته ثم يرجع به وقد شد فلا يترك عويصا ولا مهما ولا ~~مغلقا إلا وضحه وفتح له مقفله فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته هذا وجه ~~التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات وقد يحصل للبعض في ~~أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا ~~العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفاداته ويحضرون للمتعلم في أول ~~تعليمه المسائل المقفلة من العلم ويطالبونه باحضار ذهنه في حلها ويحسبون ~~ذلك مرانا على التعليم وصوابا فيه ويكلفونه رعي ذلك وتحصيله ويخلطون عليه ~~بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها وقبل أن يستعد لفهمها فإن قبول ~~العلم والاستعدادات PageV01P533 لفهمه تنشأ تدريجا ويكون المتعلم أول الأمر ~~عاجزا عن الفهم بالجملة إلا في الأقل وعلى سبيل التقريب والإجمال والأمثال ~~الحسية ثم لا يزال الاستعداد فيه يتدرج قليلا قليلا بمخالفة مسائل ذلك الفن ~~وتكرارها عليه والاستعداد ثم في التحصيل ويحيط هو بمسائل الفن وإذا ألقيت ~~عليه الغايات في البداءات وهو حينئذ عاجز عن الفهم والوعي وبعيد عن ~~الاستعداد له كل ذهنه عنها وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه فتكاسل عنه ~~وانحرف عن قبوله وتمادى في هجرانه ms565 وإنما أتى ذلك من سوء التعليم ولا ينبغي ~~للعلم أن يزيد متعلمه على فهم كتابه الذي أكب على التعليم منه بحسب طاقته ~~وعلى نسبة قبوله للتعليم مبتدئا كان أو منتهيا ولا يخلط مسائل الكتاب ~~بغيرها حتى يعيه من أوله إلى آخره ويحصل أغراضه ويستولي منه على ملكه بها ~~ينفذ في غيره لأن المتعلم إذا حصل ملكه ما في علم من العلوم استعد بها ~~لقبول ما بقي وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق حتى يستولي ~~على غايات العلم وإذا خلط عليه الأمر عجز عن الفهم وأدركه الكلال وانطمس ~~فكره ويئس من التحصيل وهجر العلم والتعليم والله يهدي من يشاء وكذلك ينبغي ~~لك أن لا تطول على المتعلم في الفن الواحد بتفريق المجالس وتقطيع ما بينها ~~لأنه ذريعة إلى النسيان وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض فيعسر حصول الملكة ~~بتفريقها وإذا كانت أوائل العلم وأواخره حاضرة عند الفكرة مجانبة للنسيان ~~كانت الملكة أيسر حصولا وأحكم ارتباطا وأقرب صبغة لأن الملكات إنما تحصل ~~بتتابع الفعل وتكراره وإذا تنوسي الفعل تنوسيت الملكة الناشئة عنه والله ~~علمكم ما لم تكونوا تعلمون ومن المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم ~~أن لا يخلط على المتعلم علمان معا فإنه حينئذ قل أن يظفر بواحد منهما لما ~~فيه من تقسيم البال وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهم الآخر فيستغلقان ~~معا ويستصعبان ويعود منهما بالخيبة وإذا تفرغ الفكر لتعليم ما هو بسبيله ~~مقتصرا عليه فربما كان ذلك أجدر لتحصيله والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب ~~وأعلم أيها المتعلم أني أتحفك بفائدة في تعلمك فإن تلقيتها بالقبول ~~وأمسكتها بيد الصناعة ظفرت بكنز عظيم وذخيرة شريفة وأقدم لك مقدمة تعينك في ~~فهمها وذلك أن الفكر PageV01P534 الإنساني طبيعة مخصوصة فطرها الله كما فطر ~~سائر مبتدعاته وهو وجدان حركة للنفس في البطن الأوسط من الدماغ تارة يكون ~~مبدأ للأفعال الإنسانية على نظام وترتيب وتارة يكون مبدأ لعلم ما لم يكن ~~حاصلا بأن يتوجه إلى المطلوب وقد يصور طرفيه يروم نفيه ms566 أو إثباته فيلوح له ~~الوسط الذي يجمع بينهما أسرع من لمح البصر إن كان واحدا أو ينتقل إلى تحصيل ~~آخر إن كان متعددا ويصير إلى الظفر بمطلوب هذا شأن هذه الطبيعة الفكرية ~~التي تميز بها البشر من بين سائر الحيوانات ثم الصناعة المنطقية هي كيفية ~~فعل هذه الطبيعة الفكرية النظرية تصفه لتعلم سداده من خطائه وأنها وإن كان ~~الصواب لها ذاتيا إلا أنه قد يعرض لها الخطأ في الأقل من تصور الطرفين على ~~غير صورتهما من اشتباه الهيئات في نظم القضايا وترتيبها للنتاج فتعين ~~المنطق للتخلص من ورطة هذا الفساد إذا عرض فالمنطق إذا أمر صناعي مساوق ~~للطبيعة الفكرية ومنطبق على صورة فعلها ولكونه أمرا صناعيا استغني عنه في ~~الأكثر ولذلك تجد كثيرا من فحول النظار في الخليقة يحصلون على المطالب في ~~العلوم دون صناعة المنطق ولا سيما مع صدق النية والتعرض لرحمة الله فإن ذلك ~~أعظم معنى ويسلكون بالطبيعة الفكرية على سدادها فيفضي بالطبع إلى حصول ~~الوسط والعلم بالمطلوب كما فطرها الله عليه ثم من دون هذا الأمر الصناعي ~~الذي هو المنطق مقدمة أخرى من التعلم وهي معرفة الألفاظ ودلالتها على ~~المعاني الذهنية تردها من مشافهة الرسوم بالكتاب ومشافهة اللسان بالخطاب ~~فلا بد ايها المتعلم من مجاوزتك هذه الحجب كلها إلى الفكر في مطلوبك فأولا ~~دلالة الكتابة المرسومة على الألفاظ المقولة وهي أخفها ثم دلالة الألفاظ ~~المقولة على المعاني المطلوبة ثم القوانين في ترتيب المعاني للاستدلال في ~~قوالبها المعروفة في صناعة المنطق ثم تلك المعاني مجردة في الفكر اشتراطا ~~يقتنص بها المطلوب بالطبيعة الفكرية بالتعرض لرحمة الله ومواهبه وليس كل ~~أحد يتجاوز هذه المراتب بسرعة ولا يقطع هذه الحجب في التعليم بسهولة بل ~~ربما وقف الذهن في حجب الألفاظ بالمناقشات أو عثر في اشتراك الأدلة بشغب ~~الجدال والشبهات وقعد عن تحصيل المطلوب ولم يكد يتخلص من تلك الغمرة إلا ~~قليل ممن هداه الله فإذا ابتليت بمثل ذلك وعرض لك ارتباك في فهمك أو ~~PageV01P535 تشغيب بالشبهات في ذهنك فاطرح ذلك ms567 وانتبذ حجب الألفاظ وعوائق ~~الشبهات واترك الأمر الصناعي جملة واخلص إلى فضاء الفكر الطبيعي الذي فطرت ~~عليه وسرح نظرك فيه وفرغ ذهنك فيه للغوص على مرامك منه واضعا لها لها حيث ~~وضعها أكابر النظار قبلك مستعرضا للفتح من الله كما فتح عليهم من ذهنهم من ~~رحمته وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون فإذا فعلت ذلك أشرقت عليك أنوار الفتح من ~~الله بالظفر بمطلوبك وحصل الإمام الوسط الذي جعله الله من مقتضيات هذا ~~الفكر ونظره عليه كما قلناه وحينئذ فارجع به إلى قوالب الأدلة وصورها ~~فأفرغه فيها ووفه حقه من القانون الصناعي ثم أكسه صور الألفاظ وأبرزه إلى ~~عالم الخطاب والمشافهة وثيق العرى صحيح البنيان وأما إن وقفت عند المناقشة ~~والشبهة في الأدلة الصناعية وتمحيص صوابها من خطائها وهذه أمور صناعية ~~وضعية تستوي جهاتها المتعددة وتتشابه لأجل الوضع والاصطلاح فلا تتميز جهة ~~الحق منها إذ جهة الحق إنما تستبين إذا كانت بالطبع فيستمر ما حصل من الشك ~~والارتياب وتسدل الحجب على المطلوب وتقعد بالناظر عن تحصيله وهذا شأن ~~الأكثرين من النظار والمتأخرين سيما من سبقت له عجمة في لسانه فربطت عن ~~ذهنه ومن حصل له شغب بالقانون المنطقي تعصب له فاعتقد أنه الذريعة إلى ~~إدراك الحق بالطبع فيقع في الحيرة بين شبه الأدلة وشكوكها ولا يكاد يخلص ~~منها والذريعة إلى أدراك الحق بالطبع إنما هو الفكر الطبيعي كما قلناه إذا ~~جرد عن جميع الأوهام وتعرض الناظر فيه إلى رحمة الله تعالى وأما المنطق ~~فإنما هو واصف لفعل هذا الفكر فيساوقه في الأكثر فاعتبر ذلك واستمطر رحمة ~~الله تعالى متى أعوزك فهم المسائل تشرق عليك انواره بالإلهام إلى الصواب ~~والله الهادي إلى رحمته وما العلم إلا من عند الله # | الفصل الثلاثون # في ان العلوم الالهية لا توسع فيها الانظار ولا تفرع المسائل إعلم أن ~~العلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين علوم مقصودة بالذات كالشرعيات ~~من التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام وكالطبيعيات والإلهيات PageV01P536 ~~من الفلسفة وعلوم هي وسيلة آلية لهذه العلوم كالعربية والحساب ms568 وغيرهما ~~للشرعيات كالمنطق للفلسفة وربما كان آلة لعلم الكلام ولأصول الفقه على ~~طريقة المتأخرين فأما العلوم التي هي مقاصد فلا حرج في توسعة الكلام فيها ~~وتفريع المسائل واستكشاف الأدلة والأنظار فإن ذلك يزيد طالبها تمكنا في ~~ملكته وإيضاحا لمعانيها المقصودة وأما العلوم التي هي آلة لغيرها مثل ~~العربية والمنطق وأمثالها فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك ~~الغير فقط ولا يوسع فيها الكلام ولا تفرع المسائل لأن ذلك مخرج لها عن ~~المقصود إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير فكلما خرجت عن ذلك خرجت عن ~~المقصود وصار الاشتغال بها لغوا مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها ~~بطولها وكثرة فروعها وربما يكون ذلك عائقا عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات ~~لطول وسائلها مع أن شأنها أهم والعمر يقصر عن تحصيل الجميع على هذه الصورة ~~فيكون الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعا للعمر وشغلا بما لا يعني وهذا ~~كما فعل المتأخرون في صناعة النحو وصناعة المنطق وأصول الفقه لأنهم أوسعوا ~~دائرة الكلام فيها وأكثروا من التفاريع والاستدلالات بما أخرجها عن كونها ~~آلة وصيرها من المقاصد وربما يقع فيها أنظار لا حاجة بها في العلوم ~~المقصودة فهي من نوع اللغو وهي أيضا مضرة بالمتعلمين على الإطلاق لأن ~~المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها فاذا قطعوا ~~العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد فلهذا يجب على المعلمين لهذه ~~العلوم الآلية أن لا يستبحروا في شأنها وينبهوا المتعلم على الغرض منها ~~ويقفوا به عنده فمن نزعت به همته بعد ذلك إلى شيء من التوغل فليرق له ما ~~شاء من المراقي صعبا أو سهلا وكل ميسر لما خلق له # | الفصل الواحد والثلاثون # في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الاسلامية في طرقه اعلم أن تعليم ~~الولدان للقرآن شعار الدين أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم ~~لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون ~~الاحاديث وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني ms569 عليه PageV01P537 ما يحصل بعد ~~من الملكات وسبب ذلك أن التعليم في الصغر أشد رسوخا وهو أصل لما بعده لأن ~~السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات وعلى حسب الأساس وأساليبه يكون حال من ~~ينبني عليه واختلفت طرقهم في تعليم القرآن للولدان واختلافهم باعتبار ما ~~ينشأ عن ذلك التعليم من الملكات فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان ~~الاقتصار على تعليم القرآن فقط وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله ~~واختلاف حملة القرآن فيه لايخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم لا من ~~حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب إلى أن يحذق فيه أو ينقطع ~~دونه فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة وهذا مذهب أهل ~~الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر أمم المغرب في ولدانهم إلى أن ~~يجاوز واحد البلوغ إلى الشبيبة وكذا في الكبير إذا رجع مدارسة القرآن يعد ~~طائفة من عمره فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم وأما اهل ~~الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو وهذا هو الذي يراعونه في ~~التعليم إلا أنه لما كان القرآن أصل ذلك وأسه ومنبع الدين والعلوم جعلوه ~~أصلا في التعليم فلا يقتصرون لذلك عليه فقط بل يخلطون في تعليمهم للولدان ~~رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجويد الخط ~~والكتاب ولا تختص عنايتهم فيه بالخط أكثر من جميعها إلى أن يخرج الولد من ~~عمر البلوغ إلى الشبيبة وقد شدا بعض الشيء في العربية والشعر والبصر بهما ~~وبرز في الخط والكتاب وتعلق بأذيال العلم على الجملة لو كان فيها سند ~~لتعليم العلوم لكنهم ينقطعون عن ذلك لانقطاع سند التعليم في آفاقهم ولا ~~يحصل بأيديهم إلا ما حصل من ذلك التعليم الأول وفيه كفاية لمن أرشده الله ~~تعالى واستعداد إذا وجد المعلم وأما أهل أفريقية فيخلطون في تعليمهم ~~للولدان القران بالحديث في الغالب ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض ~~مسائلها إلا أن عنايتهم بالقرآن واستنظار الولدان إياه ووقوفهم على اختلاف ~~رواياته وقراءاته أكثر مما سواه ms570 وعنايتهم بالخط تبع لذلك وبالجملة فطريقهم ~~في تعليم القرآن أقرب إلى طريقة أهل الأندلس واستقروا بتونس وعنهم أخذ ~~ولدانهم بعد ذلك وأما أهل المشرق فيخلطون في التعليم كذلك على ما يبلغنا ~~PageV01P538 ولا أدري بم عنايتهم منها والذي ينقل لنا أن عنايتهم بدراسة ~~القرآن وصحف العلم وقوانينه في زمن الشبيبة ولا يخلطون بتعليم الخط بل ~~لتعليم الخط عندهم قانون ومعلمون له على انفراده كما تتعلم سائر الصنائع ~~ولا يتداولونها في مكاتب الصبيان وإذا كتبوا لهم الألواح فبخط قاصر عن ~~الإجادة ومن أراد تعلم الخط فعلى قدر ما يسنح له بعد ذلك من الهمة في طلبه ~~ويبتغيه من أهل صنعته فأما أهل أفريقية والمغرب فأفادهم الاقتصار على ~~القرآن القصور عن ملكه اللسان جملة وذلك أن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ~~ملكة لما أن البشر مصروفون عن الإتيان بمثله فهم مصروفون لذلك عن الاستعمال ~~على أساليبه والاحتذاء بها وليس لهم ملكة في غير أساليبه فلا يحصل لصاحبه ~~ملكة في اللسان العربي وحظه الجمود في العبارات وقلة التصرف في الكلام ~~وربما كان أهل أفريقية في ذلك أخف من أهل المغرب لما يخلطون في تعليمهم ~~القرآن بعبارات العلوم في قوانينها كما قلناه فيقتدرون على شيء من التصرف ~~ومحاذاة المثل بالمثل إلا أن ملكتهم في ذلك قاصرة عن البلاغة كما سيأتي في ~~فصله وأما أهل الأندلس فأفادهم التفنن في التعليم وكثرة رواية الشعر ~~والترسل ومدارسة العربية من أول العمر حصول ملكة صاروا بها أعرف في اللسان ~~العربي وقصروا في سائر العلوم لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث الذي هو أصل ~~العلوم وأساسها فكانوا لذلك أهل حظ وأدب بارع أو مقصر على حسب ما يكون ~~التعليم الثاني من بعد تعليم الصبي وقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في ~~كتاب رحلته إلى طريقة غريبة في وجه التعليم وأعاد في ذلك وأبدأ وقدم تعليم ~~العربية والشعر على سائر العلوم كما هو مذهب أهل الأندلس قال لأن الشعر ~~ديوان العرب ويدعو على تقديمه وتعليم العربية في التعليم ضرورة فساد ms571 اللغة ~~ثم ينتقل منه إلى الحساب فيتمرن فيه حتى يرى القوانين ثم ينتقل إلى درس ~~القرآن فإنه يتيسر عليك بهذه المقدمة ثم قال ويا غفلة أهل بلادنا في أن ~~يؤخذ الصبي بكتاب الله في أوامره يقرأ ما لا يفهم وينصب في أمر غيره أهم ما ~~عليه ثم قال ينظر في أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الجدل ثم الحديث وعلومه ~~ونهي مع ذلك أن يخلط في التعليم علمان إلا أن يكون المتعلم قابلا لذلك ~~بجودة الفهم وا لنشاط هذا ما أشار إليه القاضي PageV01P539 أبو بكر رحمه ~~الله وهو لعمري مذهب حسن إلا أن العوائد لا تساعد عليه وهي أملك بالأحوال ~~ووجه ما اختصت به العوائد من تقدم دراسة القرآن إيثارا للتبرك والثواب ~~وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبي من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته ~~القرآن لأنه ما دام في الحجر منقاد للحكم فإذا تجاوز البلوغ وانحل من ربقه ~~القهر فربما عصفت به رياح الشبيبة فألقته بساحل البطالة فيغتنمون في زمان ~~الحجر وربقة الحكم تحصيل القرآن لئلا يذهب خلوا منه ولو حصل اليقين ~~باستمراره في طلب العلم وقبوله التعليم لكان هذا المذهب الذي ذكره القاضي ~~أولى ما أخذ به أهل المغرب والمشرق ولكن الله يحكم ما يشاء لا معقب لحكمه # | الفصل الثاني والثلاثون # في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم # وذلك أن إرهاف الحد بالتعليم مضر بالمتعلم سيما في أصاغر الولد لأنه من ~~سوء الملكة ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم ~~سطا به القهر وضيق عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل ~~على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي ~~بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا وفسدت ~~معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن وهي الحمية والمدافعة عن ~~نفسه ومنزله وصار عيالا على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل ~~والخلق الجميل فانقبضت عن غابتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد ms572 في أسفل ~~السافلين وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره في ~~كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به وتجد ذلك فيهم ~~استقراء وانظره في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق السوء حتى أنهم يوصفون ~~في كل أفق وعصر بالحرج ومعناه في الاصطلاح المشهور التخابث والكيد وسببه ما ~~قلناه فينبغي للمعلم في متعلمه والوالد في ولده أن لا يستبدا عليهما في ~~التأديب وقد قال محمد بن أبي زيد في كتابه الذي ألفه في حكم المعلمين ~~والمتعلمين لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم إذا احتاجوا اليه على ~~ثلاثة أسواط شيئا ومن PageV01P540 كلام عمر رضي الله عنه من لم يؤدبه الشرع ~~لا أدبه الله حرصا على صون النفوس عن مذلة التأديب وعلما بأن المقدار الذي ~~عينه الشرع لذلك أملك له فإنه أعلم بمصلحته ومن أحسن مذاهب التعليم ما تقدم ~~به الرشيد لمعلم ولده محمد الامين فقال يا أحمر إن أمير المؤمنين قد دفع ~~إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة وكن له ~~بحيث وضعك أمير المؤمنين أقرئه القرآن وعرفه الأخبار وروه الأشعار وعلمه ~~السنن وبصره بمواقع الكلام وبدئه وامنعه من الضحك إلا في أوقاته وخذه ~~بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه ~~ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ~~ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستجلي الفراغ ويألفه وقومه ما استطعت بالقرب ~~والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة انتهى # | الفصل الثالث والثلاثون # في أن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعلم والسبب في ~~ذلك أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلون به من المذاهب والفضائل ~~تارة علما وتعليما وإلقاء وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة إلا أن حصول ~~الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا فعلى قدر كثرة ~~الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها والاصطلاحات أيضا في تعليم العلوم مخلطة ~~على ms573 المتعلم حتى لقد يظن كثير منهم أنها جزء من العلم ولا يدفع عنه ذلك إلا ~~مباشرته لاختلاف الطرق فيها من المعلمين فلقاء أهل العلوم وتعدد المشايخ ~~يفيده تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها فيجرد العلم عنها ~~ويعلم أنها أنحاء تعليم وطرق توصل وتنهض قواه إلى الرسوخ والاستحكام في ~~المكان وتصحح معارفه وتميزها عن سواها مع تقوية ملكته بالمباشرة والتلقين ~~وكثرتهما من المشيخة عند تعددهم وتنوعهم وهذا لمن يسر الله عليه طرق العلم ~~والهداية فالرحلة لا بد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء ~~المشايخ ومباشرة الرجال والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم PageV01P541 # | الفصل الرابع والثلاثون # في ان العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها والسبب في ذلك أنهم ~~معتادون النظر الفكري والغوص على المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها ~~في الذهن أمورا كلية عامة ليحكم عليها بأمر العموم لا بخصوص مادة ولا شخص ~~ولا جيل ولا أمة ولا صنف من الناس ويطبقون من بعد ذلك الكلي على الخارجيات ~~وأيضا يقيسون الأمور على أشباهها وأمثالها بما اعتادوه من القياس الفقهي ~~فلا تزال أحكامهم وأنظارهم كلها في الذهن ولا تصير إلى المطابقة إلا بعد ~~الفراغ من البحث والنظر ولا تصير بالجملة إلى المطابقة وإنما يتفرع ما في ~~الخارج عما في الذهن من ذلك كالأحكام الشرعية فإنها فروع عما في الذهن من ~~ذلك كالأحكام الشرعية فإنها فروع عما في المحفوظ من أدلة الكتاب والسنة ~~فتطلب مطابقة ما في الخارج لها عكس الأنظار في العلوم العقلية التي تطلب في ~~صحتها مطابقتها لما في الخارج فهم متعودون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية ~~والأنظار الفكرية لا يعرفون سواها والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في ~~الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها فإنها خفية ولعل أن يكون فيها ما ~~يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال وينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها ولا ~~يقاس شيء من أحوال العمران على الاخر كما اشتبها في أمر واحد فلعلهما ~~اختلفا في أمور فتكون العلماء لأجل ما تعودوه ms574 من تعميم الأحكام وقياس ~~الأمور بعضها على بعض إذا نظروا في السياسة افرغوا ذلك في قالب أنظارهم ~~ونوع استدلالاتهم فيقعون في الغلط كثيرا ولا يؤمن عليهم ويلحق بهم أهل ~~الذكاء والكيس من أهل العمران لأنهم ينزعون بثقوب أذهانهم إلى مثل شأن ~~الفقهاء من الغوص على المعاني والقياس والمحاكاة فيقعون في الغلط والعامي ~~السليم الطبع المتوسط الكيس لقصور فكره عن ذلك وعدم اعتياده إياه يقتصر لكل ~~مادة على حكمها وفي كل صنف من الأحوال والأشخاص على ما اختص به ولا يعدي ~~الحكم بقياس ولا تعميم ولا يفارق في أكثر نظره المواد المحسوسة ولا يجاوزها ~~في ذهنه كالسابح لا يفارق البر عند الموج قال الشاعر % فلا توغلن إذا ما ~~سبحت % فإن السلامة في الساحل % # | PageV01P542 فيكون مأمونا من النظر في سياسته مستقيم النظر في معاملة ~~أبناء جنسه فيحسن معاشه وتندفع آفاته ومضاره باستقامة نظره وفوق كل ذي علم ~~عليم ومن هنا يتبين أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط لكثرة ما فيها من ~~الانتزاع وبعدها عن المحسوس فإنها تنظر في المعقولات الثواني ولعل المواد ~~فيها ما يمانع تلك الأحكام وينافيها عند مراعاة التطبيق اليقيني وأما النظر ~~في المقولات الأول وهي التي تجريدها قريب فليس كذلك لأنها خيالية وصور ~~المحسوسات حافظة مؤذنة بتصديق انطباقه والله سبحانه وتعالى أعلم وبه ~~التوفيق # الفصل الخامس والثلاثون $ في ان حملة العلم في الاسلام اكثرهم العجم # من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم لا من ~~العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية إلا في القليل النادر وإن كان منهم ~~العربي في نسبته فهو عجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب ~~شريعتها عربي والسبب في ذلك أن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة ~~لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة وإنما أحكام الشريعة التي هي أوامر الله ~~ونواهيه كان الرجال ينقلونها في صدورهم وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسنة ~~بما تلقوه من صاحب الشرع وأصحابه والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم ~~والتأليف والتدوين ولا ms575 دفعوا إليه ولا دعتهم إليه حاجة وجرى الأمر على ذلك ~~زمن الصحابة والتابعين وكانوا يسمون المختصين بحمل ذلك ونقله إلى القراء أي ~~الذين يقرأون الكتاب وليسوا أميين لأن الأمية يومئذ صفة عامة في الصحابة ~~بما كانوا عربا فقيل لحملة القرآن يومئذ قراء إشارة إلى هذا فهم قراء لكتاب ~~الله والسنة المأثورة عن الله لأنهم لم يعرفوا الأحكام الشرعية إلا منه ومن ~~الحديث الذي هو في غالب موارده تفسير له وشرح قال صلى الله عليه وسلم تركت ~~فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي فلما بعد النقل من لدن ~~دولة الرشيد فما بعد احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية وتقييد الحديث مخافة ~~ضياعه ثم احتيج إلى معرفة الأسانيد وتعديل الناقلين للتمييز بين الصحيح من ~~الأسانيد وما دونه ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من PageV01P543 الكتاب ~~والسنة وفسد مع ذلك اللسان فاحتيج إلى وضع القوانين النحوية وصارت العلوم ~~الشرعية كلها ملكات في الاستنباطات والاستخراج والتنظير والقياس واحتاجت ~~إلى علوم أخرى وهي الوسائل لها من معرفة قوانين العربية وقوانين ذلك ~~الاستنباط والقياس والذب عن العقائد الإيمانية بالأدلة لكثرة البدع ~~والإلحاد فصارت هذه العلوم كلها علوما ذات ملكات محتاجة إلى التعليم ~~فاندرجت في جملة الصنائع وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر وأن ~~العرب أبعد الناس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية وبعد عنها العرب وعن سوقها ~~والحضر لذلك العهد هم العجم أو من هم في معناهم من الموالي وأهل الحواضر ~~الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصنائع والحرف لأنهم ~~أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس فكان صاحب صناعة النحو ~~سيبويه والفارسي من بعده والزجاج من بعدهما وكلهم عجم في أنسابهم وإنما ~~ربوا في اللسان العربي فاكتسبوه بالمربى ومخالطة العرب وصيروه قوانين وفنا ~~لمن بعدهم وكذا حملة الحديث الذين حفظوه عن أهل الإسلام أكثرهم عجم أو ~~مستعجمون باللغة والمربي وكان علماء أصول الفقه كلهم عجما كما يعرف وكذا ~~حملة علم الكلام وكذا أكثر المفسرين ولم يقم بحفظ ms576 العلم وتدوينه إلا ~~الأعاجم وظهر مصداق قوله صلى الله عليه وسلم لو تعلق العلم بأكناف السماء ~~لناله قوم من أهل فارس وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها وخرجوا ~~إليها عن البداوة فشغلتهم الرئاسة في الدولة وحاميتها وأولي سياستها مع ما ~~يلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم حينئذ بما صار من جملة الصنائع والرؤساء ~~ابدا يستنكفون عن الصنائع والمهن وما يجر إليها ودفعوا ذلك إلى من قام به ~~من العجم والمولدين وما زالوا يرون لهم حق القيام به فإنه دينهم وعلومهم ~~ولا يحتقرون حملتها كل الاحتقار حتى إذا خرج الأمر من العرب جملة وصار ~~للعجم صارت العلوم الشرعية غريبة النسبة عند أهل الملك بما هم عليه من ~~البعد عن نسبتها وامتهن حملتها بما يرون أنهم بعداء عنهم مشتغلين بما لا ~~يغني ولا يجدي عنهم في الملك والسياسة كما ذكرناه في نقل المراتب الدينية ~~فهذا الذي قررناه هو السبب في أن حملة الشريعة أو عامتهم من العجم وأما ~~العلوم العقلية أيضا فلم تظهر في الملة إلا بعد أن أيضا فلم تظهر في الملة ~~إلا بعد أن PageV01P544 تميز حملة العلم ومؤلفوه واستقر العلم كله صناعة ~~فاختصت بالعجم وتركتها العرب وانصرفوا عن انتحالها فلم يحملها إلا المعربون ~~من العجم شأن الضائع كما قلناه أولا فلم يزل ذلك في الأمصار ما دامت ~~الحضارة في العجم وبلادهم من العراق وخراسان وما وراء النهر فلما خربت تلك ~~الأمصار وذهب منها الحضارة التي هي سر الله في حصول العلم والصنائع ذهب ~~العلم من العجم جملة لما شملهم من البداوة واختص العلم بالأمصار الموفورة ~~الخضارة ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر فهي أم العالم وإيوان الإسلام ~~وينبوع العلم والصنائع وبقى بعض الحضارة في ما وراء النهر لما هناك من ~~الحضارة بالدولة التي فيها فلهم بذلك حصة من العلوم والصنائع لا تنكر قد ~~دلنا على ذلك كلام بعض علمائهم من تآليف وصلت إلينا إلى هذه البلاد وهو سعد ~~الدين التفتازاني وأما غيره من العجم فلم نر لهم من ms577 بعد الإمام أبن الخطيب ~~ونصير الدين الطوسي كلاما يعول على نهايته في الإصابة فاعتبر ذلك وتأمله تر ~~عجبا في أحوال الخليقة والله يخلق ما يشاء لا شريك له له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله # | الفصل السادس والثلاثون في علوم اللسان العربي # أركانه أربعة وهي اللغة والنحو والبيان والأدب ومعرفتها ضرورية على أهل ~~الشريعة إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة وهي بلغة العرب ~~ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب وشرح مشكلاتها من لغاتهم فلا بد من معرفة ~~العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة وتفاوت في التأكيد ~~بتفاوت مراتبها في التوفية بمقصود الكلام حسبما يتبين في الكلام عليها فنا ~~فنا والذي يتحصل أن الأهم المقدم منها هو النحو إذ به تتبين أصول المقاصد ~~بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر والولاه الجهل به ~~تتبين أصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر ~~والولاه لجهل أصل الإفادة وكان من حق علم اللغة والتقدم لولا أن أكثر ~~الأوضاع باقية في موضوعاتها لم تتغير بخلاف الإعراب الدال على الإسناد ~~والمسند والمسند إليه فإنه تغير بالجملة ولم يبق له أثر فلذلك كان علم ~~النحو أهم من اللغة إذ في جهلة الإخلال بالتفاهم جملة وليست كذلك ~~PageV01P545 اللغة والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق # | علم النحو # إعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصودة وتلك العبارة فعل ~~لساني فلا بد أن تصبر ملكه متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان وهو في ~~كل أمة بحسب اصطلاحاتهم وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن المملكات ~~وأوضحها إبانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني من ~~المجرور أعني المضاف ومثل الحروف التي تفضي بالأفعال إلى الذوات من غير ~~تكلف ألفاظ أخرى وليس يوجد ذلك إلا في لغة العرب وأما غيرها من اللغات فكل ~~معنى أو حال لا بد له من ألفاظ تخصه بالدلألة ولذلك نجد كلام العجم من ~~مخاطباتهم أطول ms578 مما لقدرة بكلام العرب وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم أوتين جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصار فصار للحروف في لغتهم ~~والحركات والهيئات أي الأوضاع اعتبار في الدلالة على المقصود غير متكلفين ~~فيه لصناعة يستفيدون ذلك منها إنما هي ملكة في ألسنتهم يأخذها الآخر عن ~~الأول كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغاتنا فلما جاء الإسلام وفارقوا الحجاز ~~لطلب الملك الذي كان في أيدي الأمم والدول وخالطوا العجم تغيرت تلك الملكة ~~بما ألقى اليها السمع من المخالفات التي للمستعر بين والسمع أبو الملكت ~~اللسانية ففسدت بما ألقي إليها مما يغايرها لجنوحها إليه باعتياد السمع ~~وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسا ويطول العهد بها فينغلق ~~القرآن والحديث على المفهوم فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة ~~مطردة شبة الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام ويلحقون ~~الأشباه بالأشباه مثل أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب والمبتدأ مرفوع ثم ~~رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات فاصطلحوا على تسمية إعرابا ~~وتسمية الموجب لذلك التغير عاملا وأمثال ذلك وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم ~~فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو ~~وأول من كتب فيها أبو الأسود الدولي من بني كنانة ويقال باشارة علي رضي ~~الله عنه لأنه رأى تغير الملكة فأشار عليه بحفظها ففزع إلى PageV01P546 ~~ضبطها بالقوانين الحاضرة المسترأة ثم كتب فها الناس من بعده إلى أن انتهت ~~إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي أيام الرشيد وكان الناس أحوج إليها لذهاب تلك ~~الملكة من العرب فهذب الصناعة وكمل أبوابها وأخذها عنه سيبوية فكمل ~~تفاريعها واستكثر من أدلتها وشوهدها ووضع فيها كتابه المشهور الذي صار ~~إماما لكل ما كتب فيها من بعده ثم وضع أبو علي الفارسي وأبو القاسم الزجاج ~~كتبا مختصرة للمتعليمن يحذون فيها حذو الإمام في كتابه ثم طال الكلام في ~~هذه الصناعة وحدث الخلاف بين أهلا في الكوفة والبصرة المصرين القديمين ~~للعرب وكثرت الأدلة والحجاج بينهم وتباينت الطرق في التعليم وكثر الاختلاف ~~في إعراب كثير ms579 من آي القرآن باختلافهم في تلك القواعد وطال ذلك على ~~المتعلمين وجاء المتأخرون بمذاهبهم في الاختصار فاختصروا كثير من ذلك على ~~المتعلمين وجاء المتأخرون بمذاهبهم في الاختصار فاختصروا كثير من ذلك الطول ~~مع استيعابهم لجميع ما نقل كما فعله الزمخشري في المفصل وابن الحاجب في ~~المقدمة له وربما نظموا ذلك نظما مثل ابن مالك في الأرجوزتين الكبرى ~~والصغرى وابن مطعي في الأرجوزة الألفية وبالجملة فالتاليف في هذا الفن أكثر ~~من أن تحصى أو يحاط بها وطرق التعليم فيها مختلفة فطريقة المتقدمين مغايرة ~~لطريقة المتأخرين والكوفيون والبصريون والبغداديون والأندلسيون مختلفة ~~طرقهم كذلك وقد كادت هذه الصناعة تؤذن بالذهاب لما رأينا من النقص في سائر ~~العلوم والصنائع بتناقص العمران ووصل إلينا بالمغرب هذه العصور ديوان من ~~مصر منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها استوفى فيه أحكام الإعراب ~~مجملة ومفصلة وتكلم على الحروف والمفردات والجمل وحذف ما في الصناعة من ~~المتكرر في اكثر أبوابها وسمأه بالمغني في الإعراب وأشار إلى نكت إعراب ~~القرآن كلها وضبطها بأبواب وفصول وقواعد انتظم سائرها فوقفنا منه على علم ~~الجم يشهد بعلو قدره في هذه الصناعة ووفور بضاعته منها وكأنه ينجو في ~~طريقته منحاة أهل الموصل الذي اقتفوا أثر أبن جني واتبعوا مصطلح تعليمه ~~فأتى من ذلك بشيء عجيب دال على قوة ملكته وأطلاعه والله يزيد في الخلق ما ~~يشاء PageV01P547 # | علم اللغة # هذا العلم هو بيان الموضوعات اللغوية وذلك أنه لما فسدت ملكة اللسان ~~العربي في الحركات المسماة عند أهل النحو بالأعراب واستنبطت القوانين ~~لحفظها كما قلناه ثم استمر ذلك الفساد بملابسة العجم ومخالطتهم حتى تأدى ~~الفساد إلى موضوعات الألفاظ فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضوعه ~~عندهم ميلا مع هجنة المستعمر في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية فاحتيج ~~إلى حفظ الموضوعات اللغوية بالكتاب والتدوين خشية الدروس وما ينشأ عنه من ~~الجهل بالقرآن والحديث فشمر كثير من أئمة اللسان لذلك وأملوا فيه الدواوين ~~وكان سابق الحلبة في ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي ألف فيها كتاب العين ms580 ~~فحصر فيه مركبات حروف المعجم كلها من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي ~~وهو غاية ما ينتهى إليه التركيب في اللسان العربي وتأتى له حصر ذلك بوجوه ~~عديدة حاضرة وذلك أن جملة الكلمات الثنائية تخرج من جميع الأعداد على ~~التوالي من واحد إلى سبعة وعشرين وهو دون نهاية حروف المعجم بواحد لأن ~~الحرف الواحد منها يؤخذ مع كل واحد من السبعة والعشرين فتكون سبعة وعشرين ~~كلمة ثنائية ثم يؤخذ الثاني مع الستة والعشرين كذلك ثم الثالث والرابع ثم ~~يؤخذ السابع والعشرون مع الثامن والعشرين فيكون واحدا فتكون كلها أعدادا ~~على توالي العدد من واحد إلى سبعة وعشرين فتجمع كما هي بالعمل المعروف عند ~~أهل الحساب ثم تضاعف لأجل قلب الثنائي لأن التقديم والتأخير بين الحروف ~~معتبر في التركيب فيكون الخارج جملة الثنائيات فيما يجمع من واحد إلى ستة ~~وعشرين لأن كل ثنائية يزيد عليها حرفا فتكون ثلاثية فتكون الثنائية بمنزلة ~~الحرف الواحد مع كل واحد من الحروف الباقية وهي ستة وعشرون حرفا بعد ~~الثنائية فتجمع من واحد إلى ستة وعشرين على توالي العدد ويضرب فيه جملة ~~الثنائيات ثم تضرب الخارج في ستة جملة مقلوبات الكلمة الثلاثية فيخرج مجموع ~~تراكيبها من حروف المعجم وكذلك في الرباعي والخماسي فانحصرت له التراكيب ~~بهذا الوجه ورتب أبوابه على حروف المعجم بالترتيب المتعارف واعتمد فيه ~~ترتيب المخارج فبدا بحروف الحلق ثم بعده من حروف الحنك ثم الأضراس ثم ~~PageV01P548 الشفة وجعل حروف العلة آخر وهي الحروف الهوائية وبدا من حروف ~~الحلق بالعين لأنه الأقصر منها فلذلك سمي كتابة بالعين لأن المتقدمين كانوا ~~يذهبون في تسمية دواوينهم إلى مثل هذا وهو تسميته بأول ما يقع فيه من ~~الكلمات والألفاظ ثم بين المهمل منها من المستعمل وكان المهمل في الرباعي ~~والخماسي أثر لقلة استعمال العرب له لثقله ولحق به الثنائي لقلة دورانه ~~وكان الاستعمال في الثلاثي أغلب فكانت اوضاعه أكثر الدورانة وضمن الخليل ~~ذلك كله في كتاب العين واستوعبه احسن استيعاب وأوعاه وجاء أبو بكر الزبيدي ~~وكتب لهشام المؤيد بالأندلس ms581 في المائة الرابعة فاختصره مع المحافظة على ~~الاستيعاب وحذف منه المهمل كله وكثير من شواهد المستعمل ولخصه للحفظ أحسن ~~تلخيص وألف الجوهري من المشارقة كتاب الصحاح على الترتيب المتعارف لحروف ~~المعجم فجعل البداء منها # بالهمزة وجعل الترجمة بالحروف على الحرف الأخير من الكلمة لأضطرار الناس ~~في الأكثر إلى أواخر الكلم وحصر اللغة اقتداء بحصر الخليل ثم ألف فيها من ~~الأندلسيين ابن سيده من اهل دانية في دولة علي بن مجاهد كتاب المحكم على ~~ذلك المنحى من الاستيعاب وعلى نحو ترتيب كتاب العين وزاد فيه التعرض ~~لاشتقاقات الكلم وتصاريفها فجاء من أحسن الدواوين ولخصه محمد بن أبي الحسين ~~صاحب المستنصر من ملوك الدولة الحفصية بتونس وقلب ترتيبه إلى ترتيب كتاب ~~الصحاح في اعتبار أواخر الكلم وبناء التراجم عليها فكانا توأمي رحم وسليلي ~~أبوة هذه أصول كتب اللغة فيما علمناه وهناك مختصرات أخرى مختصة بصنف من ~~الكلم ومستوعبة لبعض الأبواب أو لكلها إلا أن وجه الحصر فيها خفي ووجه ~~الحصر في تلك جلي من قبل التراكيب كما رأيت ومن الكتب الموضوعة أيضا في ~~اللغة كتاب الزمخشري في المجاز بين فيه كل ما تجوزت به العرب من الألفاظ ~~وفيما تجوزت به من المدلولات وهو كتاب شريف الإفادة ثم لما كانت العرب تضع ~~الشي على العموم ثم تستعمل في الأمور الخاصة ألفاظ أخرى خاصة بها فوق ذلك ~~عندنا بين الوضع والاستعمال واحتاج إلى فقه في اللغة عزيز المأخذ كما وضع ~~الأبيض بالوضع العام لكل ما فيه بياض ثم اختص ما فيه بياض من الخيل بالأشهب ~~ومن الإنسان بالأزهر ومن الغنم بالأملح حتى صار استعمال PageV01P549 الأبيض ~~في هذه كلها لحنا وخروجا عن لسان العرب واختص بالتأليف في هذا المنحى ~~الثعالبي وأفرده في كتاب له سماه فقة اللغة وهو من اكد ما يأخذ به اللغوي ~~نفسه أن يحرف استعمال العرب عن مواضعه فليس معرفة الوضع الأول بكاف في ~~الترتيب حتى يشهد له استعمال العرب لذلك وأكثر ما يحتاج إلى ذلك الأديب في ~~فني نظمه ونثره حذرا ms582 من أن يكثر لحنه في الموضوعات اللغوية في مفرداتها ~~وتراكيبها وهو أشد من اللحن في الإعراب وأفحش وكذلك ألف بعض المتأخرين في ~~الألفاظ المشتركة وتكلف بحصرها وإن لم تبلغ إلى النهاية في ذلك فهو مستوعب ~~لأكثر وأما المختصرات الموجودة في هذا الفن المخصوصة بالمتداول من اللغة ~~الكثير الاستعمال تسهيلا لحفظها على الطالب فكثيرة مثل الألفاظ لابن السكيت ~~والفصيح لثعلب وغيرهما وبعضها أقل لغة من بعض لاختلاف نظرهم في الأهم على ~~الطالب للحفظ والله الخلاق العليم لا رب سواه # | علم البيان # هذا علم حادث في الملة بعد علم العربية واللغة وهو من العلوم اللسانية ~~لأنه متعلق بالألفاظ وما تفيده ويقصد بها الدلالة عليه من المعاني وذلك أن ~~الأمور التي يقصد المتكلم بها إفادة السامع من كلامه هي إما تصور مفردات ~~تسند ويسند إليها ويفضي بعضها إلى بعض والدالة على هذه هي المفردات من ~~الأسماء والأفعال والحروف وإما تمييز المسندات من المسند إليها والأزمنة ~~ويدل عليها بتغير الحركات من الإعراب وأبنية الكلمات وهذه كلها هي صناعة ~~النحو يبقى من الأمور المكتنفة بالواقعات المحتاجة للدلالة أحوال ~~المتخاطبين أو الفاعلين وما يقتضيه حال الفعل وهو محتاج إلى الدلالة عليه ~~لأنه من تمام الإفادة وإذا حصلت للمتكلم فقد بلغ غاية الإفادة في كلامه ~~وإذا لم يشتمل على شيء منها فليس من جنس كلام العرب فإن كلامهم واسع ولك ~~مقام عندهم يختص به بعد كمال الإعراب والإبانه ألا ترى أن قولهم زيد جاءني ~~لقولهم جاءني زيد من قبل أن المتقدم منهما هو الأهم عند المتكلم فمن قال ~~جاءني زيد أفاد أن أهتمامه بالمجيء قبل الشخص المسند إليه ومن قال زيد ~~جاءني أفاد أن اهتمامه بالشخص PageV01P550 قبل المجيء المسند وكذا التعبير ~~عن أجزاء الجملة بما يناسب المقام من موصول أو مبهم أو معرفة وكذا تأكيد ~~الإسناد على الجملة كقولهم زيد قائم وإن زيد قائم وإن زيد القائم متغايرة ~~كلها في الدلالة وإن استوت من طريق الإعراب فإن الأول العاري عن التأكيد ~~إنما يفيد الخالي الذهن والثاني المؤكد ms583 بإن يفيد المتردد والثالث يفيد ~~المنكر فهي مختلفة وكذلك تقول جاءني الرجل ثم تقول مكانه بعينه جاءني رجل ~~إذا قصدت بذلك التنكير تعظيمه وأنه رجل لا يعادله أحد من الرجال ثم الجملة ~~الإسنادية تكون خبرية وهي التي لها خارج تطابقه أولا إنشائيه وهي التي لا ~~خارج لها كالطلب وأنواعه ثم قد يتعين ترك العاطف بين الجملتين إذا كان ~~للثانية محل من الإعراب فيشرك بذلك منزلة التابع المفرد نعتا وتوكيدا وبدلا ~~بلا عطف أو يتعين العطف إذا لم يكن للثانية محل من الإعراب ثم يقتضي المحل ~~الإطناب والإيجاز فيورد الكلام عليهما ثم قد يدل باللفظ ولا يراد منطوقه ~~ويراد لازمه إن كان مفردا كما تقول زيد أسد فلا تريد حقيقة الأسد المنطوقة ~~وإنما تريد شجاعته اللازمة وتسندها إلى زيد وتسمى هذه استعارة وقد تريد ~~باللفظ المركب الدلالة على ملزومه كما تقول زيد كثير الرماد وتريد ما لزم ~~ذلك عنه من الجود وقرى الضيف لأن كثرة الرماد ناشئة عنهما فهي دالة عليهما ~~وهذه كلها دلالة زائدة على دلالة الألفاظ من المفرد والمركب وإنما هي هيئات ~~وأحوال الواقعات جعلت للدلالة عليها أحوال وهيئات في الألفاظ كل بحسب ما ~~يقتضي مقامه فاشتمل هذا العلم المسمى بالبيان على البحث عن هذه الدلالة ~~التي للهيئات والأحوال والمقامات وجعل على ثلاثة أصناف الصنف الأول يبحث ~~فيه عن هذه الهيئات والأحوال التي تطابق باللفظ جميع مقتضيات الحال ويسمى ~~علم البلاغة والصنف الثاني يبحث فيه عن الدلالة على اللازم اللفظي وملزومه ~~وهي الاستعارة والكناية كما قلناه ويسمى علم البيان وألحقوا بهما صنفا آخر ~~وهو النظر في تزيين الكلام وتحسينه بنوع من التنميق إما بسجع يفصله أو ~~تجنيس يشابه بين ألفاظه أو ترصيع يقطع أو تورية عن المعنى المقصود بإيهام ~~معنى أخفى منه لاشتراك اللفظ بينهما وأمثال ذلك وسمى عندهم علم البديع ~~وأطلق على الأصناف الثلاثة عند المحدثين أسم PageV01P551 البيان وهو اسم ~~الصنف الثاني لأن الاقدمين أول من تكلموا فيه ثم تلاحقت مسائل الفن واحدة ~~بعد أخرى وكتب فيها جعفر ms584 بن يحيى والجاحظ وقدامه وأمثالهم إملاءات غير ~~وافية فيها ثم لم تزل مسائل الفن تكمل شيئا فشيئا إلى أن محص السكاكي زبدته ~~وهذب مسائلة ورتب أبوابه على نحو ما ذكرناه آنفا من الترتيب وألف كتابه ~~المسمى بالمفتاح في النحو والتصريف والبيان فجعل هذا الفن من بعض أجزائه ~~وأخذه المتأخرون من كتابه ولخصوا منه أمهات هي المتداولة لهذا العهد كما ~~فعله السكاكي في كتاب التبيان وابن مالك في كتاب المصباح وجلال الدين ~~القزويني في كتاب الإيضاح والتلخيص هو أصغر حجما من الإيضاح والعناية به ~~لهذا العهد عند أهل المشرق في الشرح والتعليم منه أكثر من غيره وبالجملة ~~فالمشارقة على هذا الفن أقوم من المغاربة وسببه والله أعلم أنه كمالي في ~~العلوم اللسانية والصنائع الكمالية توجد في العمران والمشرق أوفر عمرانا من ~~المغرب كما ذكرناه أو نقول لعناية العجم وهم معظم أهل المشرق كتفسير ~~الزمخشري وهو كله مبني على هذا الفن وهو أصله وإنما اختص بأهل المغرب من ~~أصنافه علم البديع خاصة وجعلوه من جملة علوم الأدب الشعرية وفرعوا له ~~ألقابا وعددوا أبوابا ونوعوا أنواعا وزعموا أنهم أحصوها من لسان العرب ~~وإنما حملهم على ذلك الولوع بتزيين الألفاظ وأن علم البديع سهل المآخذ ~~وصعبت عليهم مآخذ البلاغة والبيان لدقة أنظارهما وغموض معانيهما فتجافوا ~~عنهما وممن ألف في البديع من أهل أفريقية ابن رشيق وكتاب العمدة له مشهور ~~وجرى كثير من أهل أفريقية والأندلس على منحاه واعلم أن ثمرة هذا الفن إنما ~~هي في فهم الإعجاز من القرآن لأن إعجازه في وفاء الدلالة منه بجميع مقتضيات ~~الأحوال منطوقة ومفهومة هي أعلى مراتب الكلام مع الكمال فيما يختص بالألفاظ ~~في انتقائها وجودة رصفها وتركيبها وهذا هو الإعجاز الذي تقصر الأفهام عن ~~إدراكه وإنما يدرك بعض الشيء منه كان له ذواق بمخالطة اللسان العربي وحصول ~~ملكته فيدرك من إعجازه على قدر ذوقه فلهذا كانت مدارك العرب الذين سمعوه من ~~مبالغة أعلى مقاما في ذلك لأنهم فرسان الكلام وجها بذاته والذوق عندهم ~~موجود بأوفر ما يكون ms585 وأصحه وأحوج ما يكون إلى هذا PageV01P552 الفن ~~المفسرون أكثر تفاسير المتقدمين غفل عنه ظهر جار الله الزمخشري ووضع كتابه ~~في التفسير وتتبع آي القرآن بأحكام هذا الفن بما يبدي البعض من إعجازه ~~فانفرد بهذا الفضل على جميع التفاسير لولا أنه يؤيد عقائد أهل البدع عند ~~اقتباسها من القرآن بوجوه البلاغة ولأجل هذا يتحاماه كثير من أهل السنة مع ~~وفور بضاعته من البلاغة فمن أحكم عقائد السنة وشارك في هذا الفن بعض ~~المشاركة حتى يقتدر على الرد عليه من جنس كلامه أو يعلم أنه بدعة فيعرض ~~عنها ولا تضر في معتقده فإنه يتعين عليه النظر في هذا الكتاب للظفر بشيء من ~~الإعجاز مع السلامة من البدع والأهواء والله الهادي من يشاء إلى سواء ~~السبيل # | علم الادب # هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها وإنما المقصود منه ~~عند أهل اللسان ثمرته وهي الإجادة في فني المنظور والمنثور على أساليب ~~العرب ومناحيهم فيجمعون لذلك من الكلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة من ~~شعر عالي الطبقة وسجع متساو في الإجادة ومسائل من اللغة والنحو مبثوثه ~~أثناء ذلك متفرقة يستقري منها الناظر في الغالب معظم قوانين العرب مع ذكر ~~بعض من أيام العرب يفهم به ما يقع في أشعارهم منها وكذلك ذكر المهم من ~~الأنساب الشهيرة والأخبار العامة والمقصود بذلك كله أن لا يخفى على الناظر ~~فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه لأنه لا تحصل ~~الملكة من حفظه إلا بعد فهمه فيحتاج إلى تقديم جميع ما يتوقف عليه فهمه ثم ~~إنهم إذا أرادوا حد هذا الفن قالوا الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها ~~والأخذ من كل علم بطرف يريدون من علوم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث ~~متونها فقط وهي القرآن والحديث إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلام ~~العرب إلا ما ذهب إليه المتأخرون عند كلفهم بصناعة البديع من التورية في ~~أشعارهم وترسلهم بالاصطلاحات العلمية فاحتاح صاحب هذا الفن حينئذ إلى معرفة ~~اصطلاحات ms586 العلوم ليكون قائما على فهمها وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم ~~أن أصول هذا الفن واركانه أربعة دواوين وهي أدب الكتاب لابن قتيبة وكتاب ~~الكامل للمبرد وكتاب البيان والتبيين للجاحظ PageV01P553 وكتاب النوادر ~~لأبي علي القالي البغدادي وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها وكتب ~~المحدثين في ذلك كثيرة وكان الغناء في الصدر الأول من أجزاء هذا الفن لما ~~تابع للشعر إذا لغناء إنما هو تلحينه وكان الكتاب والفضلاء من الخواص في ~~الدولة العباسية يأخذون أنفسهم به حرصا على تحصيل أساليب الشعر وفنونه فلم ~~يكن انتحاله قادحا في العدالة والمروءة وقد ألفت القاضي أبو الفرج ~~الأصبهاني كتابه في الأغاني جمع فيه أخبار العرب واشعارهم وأنسابهم وأيامهم ~~ودولهم وجعل مبناه على الغناء في المائة صوتا التي أختارها المغنون للرشيد ~~فأستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه ولعمرى إنه ديوان العرب وجامع أشتات ~~المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر ~~والأحوال ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه وهو الغاية التي يسمو إليها ~~الأديب ويقف عندها وأنى له بها ونحن الآن نرجع بالتحقيق على الإجمال فيما ~~تكلمنا عليه من علوم اللسان والله الهادي للصواب $ الفصل السابع والثلاثون ~~في أن اللغة ملكة صناعية # إعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة إذ هي ملكات في اللسان للعبارة ~~عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها وليس ذلك بالنظر ~~إلى المفردات وإنما هو بالنظر إلى التراكيب فإذا حصلت الملكة التامة في ~~تركيب الالفاظ المفردة للعبير به عن المعاني المقصودة ومراعاة التأليف الذي ~~يطبق الكلام على مقتضى الحال بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده ~~للسامع وهذا هو معنى البلاغة والملكت لا تحصل إلا بتكرار الأفعال لأن الفعل ~~يقع أولا وتعود منه للذات صفة ثم تتكرر فتكون حالا ومعنى الحال أنها صفة ~~غير راسخة ثم يزيد التكرار فتكون ملكة أي صفة راسخة فالمتكلم من العرب حين ~~كانت ملكته اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في ~~مخاطباتهم ms587 وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصبي استعمال المفردات في ~~معانيها فيلقنها أولا بالترف والغنى بخلاف الاعمال الأصليه التي تختص ~~بالمعاش فالمحر إذا فضل بعمران واحد ففضله بالأندلس لاتصال الدولة العظيمة ~~فيها للقوط ثم ما أعقبها من والمغرب فلم يكن بها قبل الإسلام ملك ضخم إنما ~~قطع الإفرنجية إلى افريقية البحر وملكوا الساحل وكنت للروح لغلبة الحرارة ~~فيها التي هي مزاج الروح القلبي وأما المرئيات والمسموعات فالملائم فيها ~~تناسب الأوضاع في أشكالها وكيفياتها فهو أنسب عند النفس وأشد ملاءمة لها ~~فإذا كان المرئي متناسبا في عند كل أهل أفق وجيل ويدل أيضا على أن تعليم ~~العلم صناعة أختلاف الأصطلاحات فيه فلكل إمام الليل والنهار والسبب الطبيعي ~~الاول في ذلك على الجملة أن الدولة والملك للعمران بمثابة الصورة للمادة ~~وهو وعرفنا أن في هذا الإيمان نجاتنا عند الموت إذا حضرنا لم يعرفنا بكنه ~~حقيقة هذا الخالق المعبود وهو إذ ذاك متعذر على إدراكنا ومن فوق طورنا ~~فكلفنا أولا اعتقاد تنزيهه عن مشابهة المخلوقين وإلا لما صح أنه خالق لهم ~~لعدم الفارق على هذا التقدير ثم تنزيهه عن صفات النقص وإلا لشابه المخلوقين ~~ثم توحيده بالأيجاد والا لم يتم الخلق للتمانع اعتقاد ثم يسمع التراكيب ~~بعدها فيلقنها كذلك ثم لا يزال PageV01P554 سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ~~ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكه وصفة راسخة ويكون ~~كأحدهم هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل وتعلمها العجم والأطفال ~~وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع أي بالملكة الأولى ~~التي أخذت عنهم ولم يأخذوها عن غيرهم ثم إنه لما فسدت هذه الملكة لمضر ~~بمخالطتهم الأعاجم وسبب فسادها أن الناشيء من الجيل صار يسمع في العبارة عن ~~المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب فيعبر بها عن مقصوده ~~لكثرة المخالطين للعرب من غيرهم ويسمع كيفيات العرب أيضا فاختلط عليه الأمر ~~وأخذ من هذه وهذه فاستحدث ملكة وكانت ناقصة عن الأولى وهذا معنى فساد ~~اللسان العربي ms588 ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها لبعدهم عن ~~بلاد العجم من جميع جهاتهم ثم من اكتنفهم من ثقيف وهذيل وخزاعة وبني كنانة ~~وغطفان وبني أسد وبني تميم وأما من بعد عنهم من ربيعة ولخم وجذام وغسان ~~وإياد وقضاعة وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة فلم تكن ~~لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم وعلى نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج ~~بلغاتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية والله سبحانه وتعالى ~~أعلم وبه التوفيق # | الفصل الثامن والثلاثون # في ان لغة العرب لهذا العهد مستقلة مغايرة للغة مضر وحمير # وذلك أنا نجدها في بيان المقاصد والوفاء بالدلالة على سنن اللسان المضري ~~ولم يفقد منها إلا دلالة الحركات على تعين الفاعل من المفعول فاعتاضوا منها ~~بالتقديم والتأخير وبقرائن تدل على خصوصيات المقاصد إلا أن البيان والبلاغة ~~في اللسان المضري أكثر وأعرف لأن الألفاظ بأعيانها دالة على المعاني ~~بأعيانها ويبقى ما تقتضيه الأحوال ويسمى بساط الحال محتاجا إلى ما يدل عليه ~~وكل معنى لا بد وأن تكتنفه أحوال تخصه فيجب أن تعتبر تلك الأحوال في تأدية ~~المقصود لأنها صفاته وتلك الأحوال في جميع الألسن أكثر ما يدل عليها بألفاظ ~~تخصها بالوضع وأما في اللسان العربي فإنما يدل عليها بأحوال وكيفيات في ~~تراكيب الألفاظ وتأليفها من PageV01P555 تقديم أو تأخير أو حذف أو حركة ~~أعراب وقد يدل عليها بالحروف غير المستقلة ولذلك تفاوتت طبقات الكلام في ~~اللسان العربي بحسب تفاوت الدلالة على تلك الكيفيات كما قدمناه فكان الكلام ~~العربي لذلك أوجز وأقل ألفاظا وعبارة من جميع الألسن وهذا معنى قوله صلى ~~الله عليه وسلم أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا واعتبر ذلك بما ~~يحكى عن عيسى بن عمر وقد قال له بعض النحاة إني أجد في كلام العرب تكرارا ~~في قولهم زيد قائم وإن زيدا قائم وإن زيدا لقائم والمعنى واحد فقال له إن ~~معانيها مختلفة فالأول لإفادة الخالي الذهن من قيام زيد والثاني لمن سمعه ~~فتردد فيه والثالث لمن عرف بالإصرار على ms589 إنكاره فاختلفت الدلالة باختلاف ~~الأحوال وما زالت هذه البلاغة والبيان ديدن العرب ومذهبهم لهذا العهد ولا ~~تلتفتن في ذلك إلى خرفشة النحاة اهل صناعة الإعراب القاصرة مداركهم عن ~~التحقيق حيث يزعمون أن البلاغة لهذا العهد ذهبت وأن اللسان العربي فسد ~~اعتبارا بما وقع في أواخر الكلم من فساد الإعراب الذي يتدارسون قوانينه وهي ~~مقالة دسها التشيع في طباعهم وألقاها القصور في أفئدتهم وإلا فنحن نجد ~~اليوم الكثير من ألفاظ العرب لم تزل في موضوعاتها الأولى والتعبير عن ~~المقاصد والتعاون فيه بتفاوت الإبانة موجود في كلامهم لهذا العهد وأساليب ~~اللسان وفنونه من النظم والنثر موجودة في مخاطباتهم وفهم الخطيب المصقع في ~~محافلهم ومجامعهم والشاعر المغلق على أساليب لغتهم والذوق الصحيح والطبع ~~السليم شاهدان بذلك ولم يفقد من أحوال اللسان المدون إلا حركات الإعراب في ~~أواخر الكلم فقط الذي لزم في لسان مضر طريقة واحدة ومهيعا معروفا وهو ~~الإعراب وهو بعض من أحكام اللسان وإنما وقعت العناية بلسان مضر لما فسد ~~بمخالطتهم الأعاجم حين استولوا على ممالك العراق والشام ومصر والمغرب وصارت ~~ملكته على غير الصورة التي كانت أولا فانقلب لغة أخرى وكان القرآن منزلا به ~~والحديث النبوي منقولا بلغته وهما أصلا الدين والملة فخشي تناسيهما وانغلاق ~~الأفهام عنهما بفقدان اللسان الذي نزلا به فاحتيج إلى تدوين أحكامه ووضع ~~مقاييسه واستنباط قوانينه وصار علما ذا فصول وأبواب ومقدمات ومسائل سماه ~~أهله بعلم النحو وصناعة PageV01P556 العربية فأصبح فنا محفوظا وعلما مكتوبا ~~وسلما إلى فهم كتاب الله وسنة رسوله وافيا ولعلنا لو اعتنينا بهذا اللسان ~~العربي لهذا العهد واستقرينا أحكامه نعتاض عن الحركات الإعرابية في دلالتها ~~بأمور أخرى موجودة فيه تكون بها قوانين تخصها ولعلها تكون في أواخره على ~~غير المنهاج الأول في لغة مضر فليست اللغات وملكاتها مجانا ولقد كان اللسان ~~المضري مع اللسان الحميري بهذه المثابة وتغير عند مضر كثير من موضوعات ~~اللسان الحميري وتصاريف كلماته تشهد بذلك الأنقال الموجودة لدينا خلافا لمن ~~يحمله القصور على أنها لغة واحدة ويلتمس إجراء اللغة ms590 الحميرية على مقاييس ~~اللغة المضرية وقوانينها كما يزعم بعضهم في اشتقاق القيل في اللسان الحميري ~~أنه من القول وكثير من أشباه هذا وليس ذلك بصحيح ولغة حمير لغة أخرى مغايرة ~~للغة مضر في الكثير من أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها كما هي لغة العرب ~~لعهدنا مع لغة مضر إلا أن العناية بلسان مضر من أجل الشريعة كما قلناه حمل ~~ذلك على الاستنباط والاستقراء وليس عندنا لهذا العهد ما يحملنا على مثل ذلك ~~ويدعونا إليه ومما وقع في لغة هذا الجيل العربي لهذا العهد من الأقطار ~~شأنهم في النطق بالقاف فإنهم لا ينطقون بها من مخرج القاف عند أهل الأمصار ~~كما هو مذكور في كتب العربية أنه من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى ~~وما ينطقون بها أيضا من مخرج الكاف وإن كان أسفل من موضع القاف وما يليه من ~~الحنك الأعلى كما هي بل يجيئون بها متوسطة بين الكاف والقاف وهو موجود ~~للجيل أجمع حيث كانوا من غرب أو شرق حتى صار ذلك علامة عليهم من بين الأمم ~~والأجيال مختصا بهم لا يشاركهم بها غيرهم حتى إن من يريد التقرب والانتساب ~~إلى الجيل والدخول فيه يحاكيهم في النطق بها وعندهم أنه إنما يتميز العربي ~~الصريح من الدخيل في العروبية والحضري بالنطق بهذه القاف ويظهر بذلك أنها ~~لغة مضر بعينها فإن هذا الجيل الباقين معظمهم ورؤساؤهم شرقا وغربا في ولد ~~منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان من سليم بن منصور ومن بني عامر ابن ~~صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور وهم لهذا العهد أكثر الأمم في ~~المعمور وأغلبهم وهم من أعقاب مضر وسائر الجيل منهم في النطق بهذه القاف ~~PageV01P557 أسوة وهذه اللغة لم يبتدعها هذا الجيل بل هي متوارثة فيهم ~~متعاقبة ويظهر من ذلك أنها لغة مضر الأولين ولعلها لغة النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعينها قد ادعى ذلك فقهاء أهل البيت وزعموا أن من قرأ في أم القرآن ~~إهدنا إلى الصراط المستقيم بغير القاف ms591 التي لهذا الجيل فقد لحن وأفسد صلاته ~~ولم أدر من أين جاء هذا فإن لغة أهل الأمصار أيضا لم يستحدثوها وإنما ~~تناقلوها من لدن سلفهم وكان أكثرهم من مضر لما نزلوا الأمصار من لدن الفتح ~~وأهل الجيل أيضا لم يستحدثوها إلا أنهم أبعد من مخالطة الأعاجم من أهل ~~الأمصار فهذا يرجح فيما يوجد من اللغة لديهم أنه من لغة سلفهم هذا مع اتفاق ~~أهل الجيل كلهم شرقا وغربا في النطق بها وأنها الخاصية التي يتميز بها ~~العربي من الهجين والحضري فتفهم ذلك والله الهادي المبين # | الفصل التاسع والثلاثون # في ان لغة اهل الحضر والأمصار لغة قائمة بنفسها للغة مضر # إعلم أن عرف التخاطب في الأمصار وبين الحضر ليس بلغة مضر القديمة ولا ~~بلغة أهل الجيل بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة هذا ~~الجيل العربي الذي لعهدنا وهي عن لغة مضر أبعد فأما إنها لغة قائمة بنفسها ~~فهو ظاهر يشهد له ما فيها من التغاير الذي يعد عند صناعة أهل النحو لحنا ~~وهي مع ذلك تختلف باختلاف الأمصار في اصطلاحاتهم فلغة أهل المشرق مباينة ~~بعض الشيء للغة أهل المغرب وكذا أهل الأندلس معهما وكل منهم متوصل بلغته ~~إلى تأدية مقصودة والإبانة عما في نفسه وهذا معنى اللسان واللغة وفقدان ~~الإعراب ليس بضائر لهم كما قلناه في لغة العرب لهذا العهد وأما إنها أبعد ~~عن اللسان الأول من لغة هذا الجيل فلأن البعد عن اللسان إنما هو بمخالطة ~~العجمة فمن خالط العجم أكثر كانت لغته عن ذلك اللسان الأصلي أبعد لأن ~~الملكة انما تحصل بالتعليم كما قلناه وهذه ملكة ممتزجة من الملكة الأولى ~~التي كانت للعرب ومن الملكة الثانية التي للعجم فعلى مقدار ما يسمعونه من ~~العجم ويربون عليه يبعدون عن الملكة الأولى واعتبر ذلك في أمصار أفريقية ~~والمغرب والأندلس والمشرق أما أفريقية والمغرب فخالطت العرب فيها البرابرة ~~من العجم بوفور عمرانها بهم ولم يكد يخلو عنهم مصر PageV01P558 ولا جيل ~~فغلبت العجمة فيها على اللسان العربي ms592 الذي كان لهم وصارت لغة أخرى ممتزجة ~~والعجمة فيها أغلب لما ذكرناه فهي عن اللسان الأول أبعد وكذا المشرق لما ~~غلب العرب على أممه من فارس والترك فخالطوهم وتداولت بينهم لغاتهم في ~~الأكره والفلاحين والسبي الذين اتخذوهم خولا ودايات وأظارا ومراضع ففسدت ~~لغتهم بفساد الملكه حتى انقلبت لغة أخرى وكذا أهل الأندلس مع عجم الجلالقة ~~والإفرنجة وصار أهل الأمصار كلهم من هذه الأقاليم أهل لغة أخرى مخصوصة بهم ~~تخالف لغة مضر ويخالف أيضا بعضهم بعضا كما نذكره وكأنه لغة أخرى لاستحكام ~~ملكتها في أجيالهم والله يخلق ما يشاء ويقدر # | الفصل الاربعون # في تعليم اللسان المضري # إعلم أن ملكة اللسان المضري لهذا العهد قد ذهبت وفسدت ولغة أهل الجيل ~~كلهم مغايرة للغة مضر التي نزل بها القرآن وإنما هي لغة أخرى من امتزاج ~~العجمة بها كما قدمناه إلا أن اللغات لما كانت ملكات كما مر كان تعلمها ~~ممكنا شأن سائر الملكات ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها ~~أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث ~~وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولدين أيضا ~~في سائر فنونهم حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من ~~نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما ~~في ضميره علي حسب عباراتهم وتأليف كلماتهم وما وعاه وحفظه من أساليبهم ~~وترتيب ألفاظهم فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال ويزداد بكثرتهما ~~رسوخا وقوة ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم الحسن لمنازع العرب ~~وأساليبهم في التراكيب ومراعاة التطبيق بينها وبين مقتضيات الأحوال والذوق ~~يشهد بذلك وهو ينشأ ما بين هذه الملكة والطبع السليم فيهما كما نذكر وعلى ~~قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظما ونثرا ومن حصل ~~على هذه الملكات فقد حصل على لغة مصر وهو الناقد البصير بالبلاغة فيها ~~وهكذا ينبغي PageV01P559 أن يكون تعلمها والله يهدي من يشاء بفضله وكرمه # | الفصل الحادي والاربعون # في ان ملكة هذا ms593 اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم # والسبب في ذلك أن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ~~ومقاييسها خاصة فهو علم بكيفية لانفس كيفية فليست نفس الملكة وانما هي ~~بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع علما ولا يحكمها عملا مثل أن يقول بصير ~~بالخياطة غير محكم لملكتها في التعبير عن بعض أنواعها الخياطة هي أن يدخل ~~الخيط في خرت الإبرة ثم يغرزها في لفقي الثوب مجتمعين ويخرجها من الجانب ~~الاخر بمقدار كذا ثم يردها إلى حيث ابتدأت ثم يتمادى على ذلك إلى آخر العمل ~~ويعطي صورة الحبك والتثبيت والتفتيح وسائر أنواع الخياطة وأعمالها وهو إذا ~~طولب أن يعمل ذلك بيده لا يحكم منه شيئا وكذا لو سئل عالم بالنجارة عن ~~تفصيل الخشب فيقول هو أن تضع المنشار على رأس الخشبة وتمسك بطرفه وآخر ~~قبالتك ممسك بطرفه الآخر وتتعاقبانه بينكما وأطرافه المضرسة المحددة تقطع ~~ما مرت عليه ذاهبة وجائية إلى أن ينتهي إلى آخر الخشبة وهو لو طولب بهذا ~~العمل أو شيء منه لم يحكمه وهكذا العلم بقوانين الإعراب مع هذه الملكة في ~~نفسها فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل ولذلك نجد كثيرا ~~من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين ~~إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامة أو قصد من ~~قصوده أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن ولم يجد تأليف الكلام لذلك ~~والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي وكذا نجد كثيرا ممن يحسن هذه ~~الملكة ويجيد الفنين من المنظوم والمنثور وهو لا يحسن إعراب الفاعل من ~~المفعول ولا المفعول من المجرور ولا شيئا من قوانين صناعة العربية فمن هذا ~~تعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية وأنها مستغنية عنها بالجملة وقد ~~نجد بعض المهرة في صناعة الإعراب بصيرا بحال هذه الملكة وهو قليل واتفاقي ~~وأكثر ما يقع للمخالطين لكتاب سيبويه فإنه لم يقتصر على قوانين الإعراب فقط ~~PageV01P560 بل ملأ كتابه من أمثال ms594 العرب وشواهد أشعارهم وعباراتهم فكان ~~فيه جزء صالح من تعليم هذه الملكة فتجد العاكف عليه والمحصل له قد حصل على ~~حظ من كلام العرب واندرج في محفوظه في أماكنه ومفاصل حاجاته وتنبه به لشأن ~~الملكة فاستوفى تعليمها فكان أبلغ في الإفادة ومن هؤلاء المخالطين لكتاب ~~سيبويه من يغفل عن التفطن لهذا فيحصل على علم اللسان صناعة ولا يحصل عليه ~~ملكة وأما المخالطون لكتب المتأخرين العارية عن ذلك إلا من القوانين ~~النحوية مجردة عن أشعار العرب وكلامهم فقل ما يشعرون لذلك بأمر هذه الملكة ~~أو ينتبهون لشأنها فتجدهم يحسبون أنهم قد حصلوا على رتبة في لسان العرب وهم ~~أبعد الناس عنه وأهل صناعة العربية بالأندلس ومعلموها اقرب إلى تحصيل هذه ~~الملكة و تعليمها من سواهم لقيامهم فيها على شواهد العرب و امثالهم و ~~الثفقه في الكثير من التراكيب في مجالس تعليمهم فيسبق إلى المبتديء كثير من ~~الملكة اثناء التعليم فتنقطع النفس لها و تستعد إلى تحصيلها و قبولها و اما ~~من سواهم من اهل المغرب وافريقية و غيرهم فاجروا صناعة العربية مجرى العلوم ~~بحثا و قطعوا النظر عن التفقه في تراكيب كلام العرب الا ان اعربوا شاهدا أو ~~رجحوا مذهبا من جهة الاقتضاء الذهني لا من جهة محامل اللسان و تراكيبه ~~فاصبحت صناعة العربية كانها من جملة قوانين المنطق العقلية أو الجدل و بعدت ~~عن مناحي اللسان و ملكته و ما ذلك الا لعدولهم عن البحث في شواهد اللسان و ~~تراكيبه و تمييز اساليبه و غفلتهم عن المران في ذلك للمتعلم فهو احسن ما ~~تفيده الملكة في اللسان و تلك القوانين انما هي وسائل للتعليم لكنهم اجروها ~~على غير ما قصد بها واصاروها علما بحتا و بعدوا عن ثمرتها و تعلم مما ~~قررناه في هذا الباب ان حصول ملكة اللسان العربي انما هو بكثرة الحفظ من ~~كلام العرب حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو ~~عليه و يتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم و خالط عباراتهم في ms595 كلامهم حتى حصلت ~~له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم و الله مقدر ~~الأمور كلها و الله اعلم بالغيب PageV01P561 # | الفصل الثاني و الأربعون # في تفسير الذوق في مصطلح اهل البيان و تحقيق معناه و بيان انه لا يحصل ~~للمستعربين من العجم # اعلم ان لفظة الذوق يتداولها المعتنون بفنون البيان و معناها حصول ملكة ~~البلاغة للسان وقد مر تفسير البلاغة وانها مطابقة الكلام للمعنى من جميع ~~وجوهه بخواص تقع للتراكيب في افادة ذلك للمتكلم بلسان العرب والبليغ فيه ~~يتحرى الهيئة المفيدة لذلك على اساليب العرب و انحاء مخاطباتهم وينظم ~~الكلام على ذلك الوجه جهده فاذا اتصلت مقاماته بمخالطة كلام العرب حصلت له ~~الملكة في نظم الكلام على ذلك الوجه وسهل عليه امر التركيب حتى لا يكاد ~~ينحو في غير منحى البلاغة التي للعرب وان سمع تركيبا غير جار على ذلك ~~المنحى مجه و نبا عنه سمعه بادنى فكر بل و يغير فكر الا بما استفاد من حصول ~~هذه الملكة فان الملكات اذا استقرت ورسخت يظن كثير من المغفلين ممن لم يعرف ~~شأن الملكات ان الصواب للعرب في لغتهم اعرابا و بلاغة امر طبيعي و يقول ~~كانت العرب تنطق بالطبع و ليس كذلك وانما هي ملكة لسانية في نظم الكلام ~~تمكنت ورسخت فظهرت في باديء الراي انها جبلة وطبع وهذه الملكة كما تقدم ~~انما تحصل بممارسة كلام العرب و كرره على السمع و التفطن لخواص تراكيبه و ~~ليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك التي استنبطها اهل صناعة اللسان ~~فان هذه القوانين انما تفيد علما بذلك اللسان ولا تفيد حصول الملكة بالفعل ~~في محلها وقد مر ذلك واذا تقرر ذلك مملكة البلاغة في اللسان تهدي البليغ ~~إلى وجود النظم و حسن التركيب الموافق لتراكيب العرب في لغتهم ونظم كلامهم ~~ولو رام صاحب هذه الملكة حيدا عن هذه السبل المعينة والتراكيب المخصوصة لما ~~قدر عليه ولا وافقه عليه لسانه لأنه لا يعتاده ولا تهديه اليه ملكته ~~الراسخة عنده واذا عرض ms596 عليه الكلام حائدا عن اسلوب العرب و بلاغتهم في نظم ~~كلامهم اعرض عنه و مجه و علم انه ليس من كلام العرب الذين مارس كلامهم و ~~ربما يعجز عن الاحتجاج لذلك كما تصنع اهل القوانين النحوية PageV01P562 ~~والبيانية فان ذلك استدلال بما حصل من القوانين المفادة بالاستقراء وهذا ~~امر وجداني حاصل بممارسة كلام العرب حتى يصير كواحد منهم و مثاله لو فرضنا ~~صبيا من صبيانهم نشأ وربي في جيلهم فانه يتعلم لغتهم و يحكم شأن الاعرب ~~والبلاغة فيها حتى يستولي على غايتها وليس من العلم القانوني في شيء وانما ~~هو بحصول هذه الملكة في لسانه و نطقه وكذلك تحصل هذه الملكة لمن بعد ذلك ~~الجيل بحفظ كلامهم واشعارهم وخطبهم والمداومة على ذلك بحيث يحصل الملكة و ~~يصير كواحد ممن نشأ في جيلهم و ربي بين اجيالهم والقوانين بمعزل عن هذا ~~واستعير لهذه الملكة عندما ترسخ و تستقر اسم الذوق الذي اصطلح عليه اهل ~~صناعة البيان وانما هو موضوع لادراك الطعوم لكن لما كان محل هذه المكلة في ~~اللسان من حيث النطق بالكلام كما هو محل لادراك الطعوم استعير لها اسمه و ~~ايضا فهو وجداني اللسان كما ان الطعوم محسوسة له فقيل له ذوق واذا تبين لك ~~ذلك وعلمت منه ان الاعاجم الداخلين في اللسان العربي الطارئين عليه ~~المضطرين إلى النطق به لمخالطة اهله كالفرس والروم والترك بالمشرق وكالبربر ~~بالمغرب فانه لا يحصل لهم هذا الذوق لقصور حظهم في هذه الملكة التي قررنا ~~امرها لأن قصاراهم بعد طائفة من العمر و سبق ملكة اخرى إلى اللسان و هي ~~لغاتهم ان يعتنوا بما يتداوله اهل مصر بينهم في المحاورة من مفرد و مركب ~~لما يضطرون اليه من ذلك و هذه الملكة قد ذهبت لأهل الأمصار وبعدوا عنها كما ~~تقدم وإنما لهم في ذلك ملكة أخرى وليست هي ملكة اللسان المطلوبة ومن عرف ~~تلك الملكة من القوانين المسطرة في الكتب فليس من تحصيل الملكة في شيء انما ~~حصل احكامها كما عرفت وانما تحصل هذه ms597 الملكة بالممارسة والاعتياد بالاعتياد ~~والتكرر لكلام العرب فان عرض لك ما تسمعه من ان سيبويه و الفارسي و ~~الزمخشري و امثالهم من فرسان الكلام كانوا اعجاما مع حصول هذه الملكة فاعلم ~~أن أولئك القوم الذين تسمع عنهم إنما كانوا عجما في نسبهم فقط و اما المربى ~~والنشاة فكانت بين اهل هذه الملكة من العرب و من تعلمها منهم فاستولوا بذلك ~~من الكلام على غاية لا شيء وراءها و كأنهم في اول نشاتهم من العرب الذين ~~نشأوا في اجيالهم PageV01P563 حتى ادركوا كنه اللغة و صاروا من اهلها فهم ~~وان كانوا عجما في النسب فليسوا بأعجام في اللغة والكلام لانهم ادركوا ~~الملة في عنفوانها واللغة في شبابها و لم تذهب اثار الملكة و لا من اهل ~~الامصار ثم عكفوا على الممارسة و المدارسة لكلام العرب حتى استولوا على ~~غايته و اليوم الواحد من العجم اذا خالط اهل اللسان العربي بالأمصار فاول ~~ما يجد تلك الملكة المقصودة من اللسان العربي ممتحية الاثار ويجد ملكتهم ~~الخاصة بهم ملكة أخرى مخالفة لملكة اللسان العربي ثم إذا فرضنا أنه أقبل ~~على الممارسة لكلام العرب واشعارهم بالمدارسة والحفظ يستفيد تحصيلها فقل ان ~~يحصل له ما قدمنا من أن الملكة اذا سبقتها ملكة اخرى في المحل فلا تحصل ~~اللسان العجمي بالكلية وذهب إلى تعلم هذه الملكة بالمدارسة فربما يحصل له ~~ذلك لكنه من الندور بحيث لا يخفى عليك بما تقرر و ربما يدعي كثير ممن ينظر ~~في هذه القوانين البيانية حصول هذا الذوق له بها و هو غلطة أو مغالطة وانما ~~حصلت له الملكة ان حصلت في تلك القوانين البيانية وليست من ملكة العبارة في ~~شيء و الله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم # | الفصل الثالث والاربعون # في ان اهل الأمصار على الاطلاق قاصرون في تحصيل هذه الملكة اللسانية التي ~~تستفاد بالتعليم ومن كان منهم ابعد عن اللسان العربي كان حصولها له اصعب ~~واعسر # و السبب في ذلك ما يسبق إلى المتعلم من حصول ملكة منافية للملكة المطلوبة ms598 ~~بما سبق اليه من اللسان الحضري الذي افادته العجمة حتى نزل بها اللسان عن ~~ملكته الأولى إلى ملكة اخرى هي لغة الحضر لهذا العهد و لهذا نجد المعلمين ~~يذهبون إلى المسابقة بتعليم اللسان للولدان و تعتقد النحاة ان هذه المسابقة ~~بصناعتهم و ليس كذلك وانما هي بتعليم هذه الملكة بمخالطة اللسان و كلام ~~العرب نعم صناعة النحو اقرب إلى مخالطة ذلك و ما كان من لغات اهل الأمصار ~~اعرق في العجمة وابعد عن لسان مضر قصر بصاحبه عن تعلم اللغة المضرية و حصول ~~PageV01P564 ملكتها لتمكن المنافاة حينئذ واعتبر ذلك في اهل الأمصار فاهل ~~افريقية والمغرب لما كانوا اعرق في العجمة وابعد عن اللسان الأول كان لهم ~~قصور تام في تحصيل ملكته بالتعليم و لقد نقل ابن الرفيق ان بعض كتاب ~~القيروان كتب إلى صاحب له يا اخي و من لا عدمت فقده اعلمني أبو سعيد كلاما ~~انك كنت ذكرت انك تكون مع الذين تأتي وعاقنا اليوم فلم يتهيأ لنا الخروج و ~~اما اهل المنزل الكلاب من من امر الشين فقد كذبوا هذا باطلا ليس من هذا ~~حرفا واحدا و كتابي اليك و انا مشتاق اليك ان شاء الله و هكذا كانت ملكتهم ~~في اللسان المضري شبيه بما ذكرنا و كذلك اشعارهم كانت بعيدة عن الملكة ~~نازلة عن الطبقة و لم تزل كذلك لهذا العهد و لهذا ما كان بأفريقية من ~~مشاهير الشعراء الا ابن رشيق و ابن شرف و اكثر ما يكون فيها الشعراء طارئين ~~عليها و لم تزل طبقتهم في البلاغة حتى الان مائلة إلى القصور و اهل الاندلس ~~اقرب منهم إلى تحصيل هذه الملة بكثرة معاناتهم و امتلائهم من المحفوظات ~~اللغوية نظما ونثرا وكان فيهم ابن حيان المؤرخ إمام أهل الصناعة في هذه ~~الملكة و رافع الراية لهم فيها و ابن عبد ربه و القسطلي و امثالهم من شعراء ~~ملوك الطوائف لما زخرت فيها بحار اللسان و الادب و تناول ذلك فيهم مئين من ~~السنين حتى امكن الانقضاض ms599 و الجلاء ايام تغلب النصرانية و شغلوا عن تعلم ~~ذلك و تناقص العمران فتناقص لذلك شان الصانع كلها فقصرت الملكة فيهم عن ~~شانها حتى بلغت الحضيض و مكان من اخرهم صالح بن شريف و مالك بن مرجل من ~~تلاميذ الطبقة كالاشبيليين بسبتة و كتاب دولة بني الاحمر في اولها و القت ~~الاندلس افلاذ اكبادها من اهل تلك الملكة إلى الجلاء إلى العدوة لعدوة ~~الاشبيلية إلى سبتة و من شرقي الاندلس إلى افريقية و لم يلبثوا إلى ان ~~انقرضوا و انقرض و انقطع سند تعليمهم في هذه الصناعة لعسر قبول العدوة لها ~~و صعوبتها عليهم بعوج السنتهم و رسوخهم في العجمية البربرية و هي منافية ~~لما قلناه ثم عادت الملكة من بعدها ذلك إلى الاندلس كما كانت و نجم بها ابن ~~شيرين و ابن جابر و ابن الحياب و طبقتهم ثم إبراهيم الساحلي الطريحي و ~~طبقته و قفاهم ابن الخطيب من بعدهم الهالك لهذا العهد شهيدا بسماية اعدائه ~~و كان له في اللسان ملكة لا تدرك و اتبع اثره تلميذه و بالجملة PageV01P565 ~~فشان هذه الملكة بالاندلس اكثر و تعليمها ايسر و اسهل بما لهم فيها عليه ~~لهذا العهد كما قدمناه من معاناة علوم اللسان و محافظتهم عليها و على علوم ~~الادب و سند تعليمها و لان اهل اللسان العجمي الذين تفسد ملكتهم انما هم ~~طارئون عليهم و ليست عجمتهم اصلا للغة اهل الاندلس و البربر في هذه العدوة ~~و هم اهلها و لسانهم لسانها الا في الامصار فقط و هم فيها منغمسون في بحر ~~عجمتهم و رطانتهم البربرية فيصعب عليهم تحصيل الملكة اللسانية بالتعليم ~~بخلاف اهل الاندلس و اعتبر ذلك بحال اهل المشرق لعهد الدولة الاموية و ~~العباسية فمكان شانهم شان اهل الاندلس في تمام هذه الملكة و اجادتها لبعدهم ~~لذلك العهد عن الاعاجم و مخالطتهم الا في قليل فكام امر هذه الملكة في ذلك ~~العهد عن الاعاجم و مخاطتهم الا في القليل فكان امر تلك الملكة في ذلك ~~العهد اقوم ms600 و فحول الشعراء و الكتاب اوفر لتوفر العرب و ابنائهم بالمشرق و ~~انظر ما اشتمل عليه كتاب الاغاني من نظمهم و نثرهم فان ذلك الكتاب هو كتاب ~~العرب و ديوانهم و فيه لغتهم و اخبارهم و ايامهم و ملتهم العربية و سرتهم و ~~اذار خلفائهم و ملوكهم و اشعارهم و غناؤهم و سائر معانيهم له فلا كتاب اوعب ~~منه لاحوال العرب و بقي امر هذه الملكة مستحكما في المشرق في الدولتين و ~~ربما كانت فيهم ابلغ من سواهم من كان في الجاهلية كما نذكره بعد حتى تلاشى ~~امر العرب و درست لغتهم و فسد كلامهم و انقضى امرهم و دولتهم و صار الامر ~~للاعاجم و الملك في ايديهم و التغلب لهم و ذلك في دولة الديلم و السلجوقية ~~و خالطوا اهل الامصار و الحواضر حتى بعدوا عن اللسان العربي و ملكته و صار ~~متعلمها منهم مقتصرا عن تحصيلها و على ذلك نجد لسانهم لهذه العهد في فني ~~المنظوم و المنثور و ان كانوا مكثرين منه و الله يخلق ما يشاء و يختار و ~~الله سبحانه و تعالى اعلم و به التوفيق و لا رب سواه $ الفصل الرابع و ~~الاربعون # في انقسام الكلام إلى فني النظر و النثر # اعلم ان لسان العرب و كلامهم على فنين في الشعر و المنظوم و هو الكلام ~~الموزون المقفى و معناه الذي تكون اوزانه ملها على روي واحد وهو القافية و ~~في النثر و هو الكلام غير الموزون و كل واحد من الفنين يشتمكل على فنون و ~~مذاهب PageV01P566 في الكلام فاما اشعر فمنه المدح و الهجاء و الرثاء و اما ~~النثر فمنه السجع الذي يؤتى به قطعا و يلتزم في كلل كلمتين منه قافية واحدة ~~يسمى سجعا و منه المرسل و هو الذي يطلق فيه الكلام اطلاقا و لا يقطع اجزاءه ~~بل يرسل ارسالا من غير تقييد بقافية و لا غيرها و يستعمل في الخطب و الدعاء ~~و ترغيب الجمهور و ترهيبهم و اام القران ms601 و ان كان كل من المنثورالا انه ~~خارج عن الوصفين و ليس يسمى مرسلا مطلقا و لا مسجعا بل تفصيل آيات ينتهي ~~إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها ثم يعاد الكلم في الاية الاخرى ~~بعدها و يثنى من غير التزام حرف يكون سجعا و لا قافية و هو معنى قوله تعالى ~~@QB@ نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ~~@QE@ و قال @QB@ قد فصلنا الآيات لقوم @QE@ و يسمى اخر الايات منها الفواصل ~~اذ ليست اسجاع و لم يلتزم فيها ما يلتزم في السجع و لا هي ايضا قواف و اطلق ~~اسم المثاني على آيات القران كلها على العموم لما ذكرناه و اختصت بام ~~القران لغلبة فيها كالنجم للثريا و لهذا سميت السبع المثاني و انظر هذا مع ~~ما قاله المفسرون في تعليل تسميتها بالمثاني يشهد لك الحق برجحان ما قلناه ~~و اعلم ان لكل واحد من هذه الفنون اساليب تختص به عند اهله و لا تستعمل فيه ~~مثل النسيب المختص بالشعر و الحمد و الدعاء المتختص بالخطب و الدعاء المختص ~~بالمخاطبات و امثال ذلك و قد استعمل المتاخرون اسليب الشعر و موازينه في ~~المنثور من كثرة الاسجاع و التزام التقفية و تقديم النسنسيب بين الايدي ~~الاغراض و صار هذا المنثور اذا تاملته من باب الشعر و فنه و لم يقترفا الا ~~في الموازن و استمر المتاخرون من الكتاب على هذه الطريقة و استعملوها في ~~المخاطبات السلطانية وقصروا الإستعمال في المنثور كله على هذا الفن الذي ~~ارتضوه وخلطوا الأساليب فيه وهجروا المرسل وتناسوه وخصوصا أهل المشرق وصارت ~~المخاطبات السلطانية لهذه العهد عند الكتاب الغفل جارية على هذا الاسلوب ~~الذي اشرنا اليه و هو غير صواب من جهة البلاغة لما يلاحظ في تطبيق الكلام ~~على مقتضى الحال من احوال المخاطب و المخاطب و هذا الفن المنثور المقفى ~~ادخل المتاخرون فيه اسليب الشعر فوجب ان تنزه المخاطبات السلطانية عنه اذ ~~اساليب الشعر تنافيها اللوذعية و خلط الجد بالهزل و ms602 الاطناب في PageV01P567 ~~الاوصاف و ضرب الامثال و كثرة التشبيهات و الاستعارات حيث لا تدعو ضرورة ~~إلى ذلك في الخطاب و التزام التقفية ايضا من اللوذعة و التزيين و جلال ~~الملك و السلكان و خطاب الجمهور عن الملوك بالترغيب و الترهيب ينافي ذلك و ~~يباينه و المحمود في المخاطبات السلطانية الترسل و هو اطلاق الكلام و ~~ارساله من غير تسجيع الا في الاقل النادر و حيث ترسله الملكة ارسالا من غير ~~تكلف له ثم اعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال فان المقامات مختلفة ~~و لكل مقام اسلوب يخصه من اطناب و ايجاز أو حذف أو اثبات أو تصريح أو اشارة ~~أو كناية و استعارة و مام اجراء المخاطبات السلطانية على هذا النحو الذي هو ~~على اساليب الشعر فمذمكوم و ما حمل عليه اهل العصر الا استيلاء العجمية على ~~السنتهم و قصورهم لذلك عن اعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال فعجزوا ~~عن الكلام المرسل لبعد امده في البلغة و انفساح خطوبه و ولعوا بها المسجع ~~يلفقون به ما نقصهم من نقصهم من تطبيق الكلام على المقصود و مقتضى الحال و ~~يجبرونه بذلك القدر من التزيين بالاسجاع و الاقاب البديعة و يغفلون عما سوى ~~ذلك و اكثر من اخذ بهذا الفن و بالغ فيه في سائر انحاء الكلامهم كتاب ~~المشرق و شعراؤه لهذا العهد حتى انهم ليخلون بالاعراب في الكلمات و التصريف ~~اذا دخلت لهم في تجنيس أو مطابقة لا يجتمعان معها فيربحون ذلك الصنف من ~~التجنيس و يدعون الاعراب و يفسدون بنية الكلمة عساها تصادف التجنيس فتامل ~~ذلك بما قدمناه لك تقف على صحة ما ذكرناه و الله الموفق للصواب بمنه و كرمه ~~و الله تعالاى اعلم $ الفصل الخامس و الاربعون # في ان لا تتفق الاجادة في فني المنظوم و المنثور معا للاقل # و السبب في ذلك انه كما بيناه ملكة في اللسان فاذا تسبقت إلى محله ملكة ~~اخرى قصرت بالمحل عن تمام الملكة اللاحقة لان تمام الملكات و حصولها ms603 ~~للطبائع التي على الفطرة الاولى اشسهل و ايسر و اذا تقدمتها ملكة اخرى كانت ~~منازعة لها في المادة القابلة و عائقة عن سرعة القبول فوقعت المنافاة و ~~تعذر التمام في الملكات الصناعية كلها على الاطلاق و قد برهنا عليه في ~~موضعه بنحو من هذا PageV01P568 البرهان فاعتبر مثله في اللغات فانها ملكات ~~اللسان و هي بمنزلة الصناعة و انظر من تقدم له شيء من العجمة كيف يكون ~~قاصرا في اللسان العربي ابدا فالاعجمي الذي سبقت له الغة الفارسية لا ~~يستولي على ملكة اللسان العربي و لا يزال قاصرا فيه و لو تعلمه و كذا ~~البربري و الرومي و الافرنجي قل ان تجد احدا منهم محكما لملكة اللسان ~~العربي و ما ذلك الا لما سبق إلى السنتهم من ملكة اللسان الاخر حتى ان طالب ~~العلم من اله هذه االسن اذا طلبه بين اله اللسان العربي جاء مقصرا في ~~معارفه هذه الالسن اذا طلبه بين اهل اللسان العربي جاء مقصرا في معارفه عن ~~الغاية و التحصيل و ما واتي الا من قبل اللسان و قد تقدم لك من قبل ان ~~الالسن و اللغات شبيهة بالصنائع و قد تقدم لك ان الصنائع و ملكاتها لا ~~تزدحم و ان من سبقت له اجادة في صناعة فقل ان يجد في اخرى أو يستولي فيها ~~على الغاية و الله خلقكم و ما تعملون $ الفصل السادس و الاربعون # في صناعة الشعر و وجه تعلمه # هذا الفن من فنون كلام العرب و هو اسمى بالشعر عندهم و يوجد في سائر ~~اللغات الا اننا الان انما نتكلم في الشعر الذي للعرب فان امكن ان تجد فيه ~~اهل الالسن الاخرى مقصودهم من كامهم و الا فلكل لسان احكام في البلغة تخصه ~~و هو في لسان العرب غريب النزعة عزيز المنحى اذ هو كلام مفصل قطعا قطعا ~~متساوية في الوزن متحدة و في الحرف الاخير من كل قطعة من هذه القطعات عندهم ~~بيتا و يسمى الحرف الاخير الذي تتفق فيه رويا و ms604 قافية و يسمى جملة الكلام ~~إلى اخره قصيدة و كلمة و ينفرد كل بيت منه بافادته في تراكيبه حتى كانه ~~كلام وحده مستقل عما قبله و ما بعده و اذا افرد كان تاما في بابه في مدح أو ~~تشبيب أو رثاء فيحرص الشاعر على اعطاء ذلك البيت ما يستقل في افادته ثم ~~يستانف في البيت الاخر كلاما اخر كذلك و يستطرد للخروج من فن إلى فن و من ~~مقصود إلى مقصود بان يوطئ المقصود الاول و معانيه إلى ان تناسب المقصود ~~الثاني و يبعد الكلام عن التنافر كما يستطرد من التشبيب إلى المدح و من وصف ~~البيداء و الطلول إلى وصف الركاب أو الخيل أو الطيف و من وصف الممدوح إلى ~~وصف PageV01P569 قومه و عساكره و من التفجع و العزاء في الرثاء و إلى ~~التاثر و امثال ذلك و يراعي فيه اتفاق القصيدة كلها في الوزن الواحد حذرا ~~من ان يتساهل الطبع في الخروج من وزن إلى وزن يقاربه فقد يخفى ذلك من اجل ~~المقاربة به على كثير من الناس و لهذه الموازين شروط و احكام تضمنها علم ~~العروض و ليس كل وزن يتفق في الطبع استعملته العرب في هذا الفن و نما هي ~~اوزان مخصوصة تسميها اهل تلك الصناعة البحور و قد حصروها في خمسة عشرا بحرا ~~بمعنى انهم لم يجدوا للعرب في غيرها من الموازين الطبيعية نظما و اعلم ان ~~فن الشعر من بين الكلام كان شريفا عند العرب و لذلك جعلوه ديوان علومهم و ~~اخبارهم و شاهد صوابهم و خطائهم و اصلا يرجعون اليه في الكثير من علومهم و ~~حكمهم و كانت ملكته مستحكمة فيهم شان الكلكات كلها و الملكات اللسانية كلها ~~انما تكتسب بالصناعة و الارتياض في كلامهم حتى يحصل شبه حتى يحصل شبه في ~~تلك الملكة و الشعر من بين كلام صعب الماخذ على من يريد اكتساب ملكته ~~بالصناعة من المتاخرين لاستقلال كل بيت منه بانه كلام تام في مقصوده و ~~ينصلح ان ينفرد دون ms605 ما سواه فيحتاج من اجل ذلك إلى نوع تلطف في تلك الملكة ~~حتى يفرغ الاكالام الشعري في قوالبه التي عرفت له في ذلك المحنى من شعر ~~العرب و يبرزه مستقلا بنفسه ثم ياتي بيبت اخر كذلك ثم ببيت و يستكمل الفنون ~~الوافية بمقصوده ثم يناسب بين البيوت في موالاة بعضها مع بعض بحسب اختلاف ~~الفنون التي في القصيدة و لصعوبة منحاه و غرابة فنه كان محكا للقرائح في ~~استجادة اساليبه و شحذ الافكار في تنزيل الكلام في قوالبه و لا يكفي فيه ~~ملكة الكلام العربي على الاطلاق بل يحتاج بخصوصه إلى تلطف و محاولة في ~~رعاية الاساليب التي اختصته العرب بها و استعماهلها و لنذكر هنا سلوك ~~الاسلوب عند اهل هذه الصناعة و ما يريدون بها في اطلاقهم اعلم انها عبارة ~~عندهم عن المنوال الذي ينسج فيه التراكيب أو القالب الذي يفرغ به و لا يرجع ~~إلى الكلام باعتبار افادته اصل المعنى الذي هو وظيفة الاعراب لا باعتبار ~~افادته كمال المعنى من خواص التراكيب الذي هو وظيفة الاعراب لا باعتبار ~~افادته كمال المعنى من خواص التاركيب الذي هو وظيفة البلغة و البيان لا ~~باعتبار الوزن كما استعمله العرب فيه الذي هو وزظظيفة العروض فهذه العلوم ~~PageV01P570 الثلاثة خارجة عن هذه الصناعة الشعرية و انما يرجع إلى صورة ~~ذهنية للتراكيب المنتظمة باعتبار انطباقها على تركيب خاص و تلك الصورة ~~ينتزعها الذهن من اعيان التراكيب و اشخاصها و بصيرها في الخيال كالقالب أو ~~المنوال ثم ينتقي التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الاعراب و البيان ~~فيرصها فيها رصا كما يفعله البناء في القالب أو النساج في النمنوال حتى ~~يتسع القالب بحصول التراكيب الوافية بمقصود الكلام و يقع على الصورة ~~الصحيحة باعتبار ملكة اللسان العربي فيه فان لكل فن من الكلام اساليب تختص ~~به و توجد فيه على انحء مختلفة فسؤال الطلول في الشعر يكون بخطاب الطلول ~~كقوله يا دار مية بالعلياء فالسند و يكون باستدعاء الصحب للوقوف و السؤال ~~كقوله قفا نسال الدار التي ms606 خف اهلها أو باستبكاء الصحب على الطلل كقوله قفا ~~نبك من ذكرى حبيب و منزل أو الاستفهام عمن الجواب لمخاطب غير معين كقوله ~~الن تسال فتخبرك الرسوم و مثل تحية الطلول بالامر لمخاطب غير معين بتحيتها ~~كقوله حي الديار بجانب الغزل أو الدعاء لها بالسقيا كقوله % اسقى طلولهم ~~اجش هزيم % و غدت عليهم نضرة و نعيم % # أو سؤاله السقيا لها من البرق كقوله % يا برق طالع منزلا بالابرق % واحد ~~السحاب لها حداء الاينق % # أو مثل متفجع في الجزع باستدعاء البكاء كقوله % كذا فليجل الخطب و ليفدح ~~الامر % و ليس لعين لم يفض ماؤها عذر # أو باستعظام الحتادث كقوله ارايت من حملوا على الاعواد أو بالتسجيل على ~~الاكوان بالمصيبة لفقده كقوله % منابت العشب لا حام و لا راع % مضى الردي ~~بطويل الرمح و الباع # أو بالانكار على من لم يتفجع له من الجمادات كقوله الخارجية % ايا شجر ~~الخابور مالك مورفا % كانك م تجزع على ابن طريف # أو بتهنئة فريقه بالراحلة من ثقل وطاته كقوله % القى الرماح ربيعة بن ~~نزار % اودى الردى بفريقك المغوار % PageV01P571 و امثال ذلك كثير من سائر ~~فنون الكلام و مذاهبه و تنتظم التراكيب فيه بالجمل و غير الجمل انشائية و ~~خبرية اسمية و فعلية مثقفة و غير متفقة مفصولة و موصولة على ما هو شان ~~التراكيب في الكلام العربي في مكان كل كلمة من الاخرى يعرفك فيه ما تستفيده ~~بالارتياض في اشعار العرب من القالب الكلي المجرد في الذهن من التراكيب ~~المعينة التي ينطبق ذلك القالب على جميعها فان مؤلف الكلام هو كالبناء أو ~~النساج و الصورة الذهنية المطابقة المنطبقة كالقالب الذي يبنى فيه أو ~~المنوال الذي ينسج عليه فان خرج عن القالب في بنائه أو عن المنوال في نسجه ~~كان فاسدا و لا تقولن ان معرفة قوانين البلاغة كافية لذلك لانا نقول قوانين ~~البلاغة انما هي قواعد علمية قياسية تفيد جواز استعمال التراكيب على هيئتها ~~الخاصة بالقياس و هو قياس علمي صحيح مطرد كما هو قياس القوانين ms607 الاعرابية و ~~هذه الاساليب التي نحن نقررها ليست من القياس في شيء انما هي هيئة ترسخ في ~~النفس من تتبع التراكيب فس شعر العرب لجريانها على اللسان حتى تستحكم ~~صورتها فيستفيد بها العمل على مثالها و الاحتذاء بها في كل تركيب من الشعر ~~كما قدمنا ذلك في الكلام باطلاق و ان القوانين العلمية من العربية و البيان ~~لا يفيد تعليمه بوجه و ليس كل ما يصح في قياس كلام العرب و قوانينه العلمية ~~استعملوه و انما المستعمل عندهم من ذلك انحاء معروفة يطلع عليها الحافظون ~~لكلامهم تندرج صورتها تلك القوانين القياسية فاذا نظر في شعر العرب على هذا ~~النحو و بهذه الاساليب الذهنية التي تصير كالقوالب كان نظرا في المستعمل من ~~تراكيبهم لا فيما يقتضيه القياس و لهذا ان المحصل لهذه القوالب في الذهن ~~انما هو حفظ اشعار العرب و كلامهم و هذه القوالب كما تكون في المنظوم تكون ~~في المنثور فان العرب استعملوا كلامهم في كلا الفنين وجاؤا به مفصلا في ~~النوعين ففي الشعر بالقطع الموزونة و القوا في المقيدة و استقلال الكلام في ~~كل قطعة و في المنثور يعتبرون الموازنة و التشابه بين القطع غالبا و قد ~~يقيدونه بالاسجاع و قد يرسلونه و كل واحدجة من هذه معروفة في لسان العرب و ~~المستعمل منها عندهم هو الذي يبني مؤلف الكلام عليه تاليفه و لا يعرفه الا ~~من حفظ كلامهم حتى يتجرد في ذهنه من القوالب المعينة الشخصية PageV01P572 ~~قالب كلي مطلق يحذو حذوة في التاليف كما يحذو البناء على القالب و النساج ~~على المنوال فلهذا كان من تاليف الكلام منفردا عن نظر النحوي و البياني و ~~العروضي نعم ان مراعاة قوانين هذه العلوم شرط فيه لا يتم بدونها فاذا تحصلت ~~هذه الصفات كلها في الكلام اختص بنوع من النظر لطيف في هذه القوالب التي ~~يسمونها اساليب و لا يفيده الا حفظ كلام العرب نظما و نثرا و اذا تقرر معنى ~~الاسلوب ما هو فلنذكر بعده حدا أو رسما للشعر ms608 به تفهم على حقيقته على صعوبة ~~هذا الغرض فانا لم نقف عليه لاحد من المتقدمين فيما رايناه و قول العروضيين ~~في حده انه الكلام الموزون المقفى ليس بحد لهذا الشعر الذي نحن بصدره و لا ~~رسم له و صناعتها انما تنظر في الشعر باعتباره ما فيه من الاعراب و البلاغة ~~و الوزن و القوالب الخاصة فلا جرم ان حدهم ذلك لا يصلح له عندنا فلا بد من ~~تعريف يعطينا حقيقته من هذه الحيثية فنقول الشعر هو الكلام البليغ المبني ~~على ى الاستعارة و الاوصاف المفصل باجزاء متفقة في الوزن و الوي مستقل كل ~~جزء منها في غرضه و مقصده عما قبله و بعده الجاري على اساليب العرب ~~المخصوصة به فقولنا الكلام البليغ جنس و قولنا المبني على الاستعارة و ~~الاوصاف فصل عما يخلو من هذه فان الغالب ليس بشعر و قولنا المفصل باجزائه ~~متفقة الوزن و الروي فصل له عن الكلام المنثور الذي ليس بشعر عند الكل و ~~قولنا مستقل كل جزء منها في غرضه و مقصده عما قبله و بعده بيان للحقيقة لان ~~الشعر لا تكون ابياته الا كذلك و لم يفصل به شيء و قولنا الجتاري على ~~الاساليب المخصوصة به فصل به شيء و قولنا الجاري على الاساليب المخصوصة به ~~فصل له عما لم يجر منه على الاساليب المخصوصة به فصل له عما لم يج منه على ~~اساليب العرب المعروفة فانه حينئذ لا يكون شعرا انما هو كلام منظوم لان ~~الششعر له اساليب تخصه لا تكون للمنثور و كذا اساليب المنثور لا تكون للشعر ~~فما كان من الكلام منظوما و ليس على تلك الاساليب فلا يكون شعرا أو بهذا ~~الاعتبار كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة الادبية يرون ان ~~نظم المتنبي و المعري ليس هو من الشعر في شيء لانهما لم يجريا على اساليب ~~العرب من الامم عندما يرى ان الشعر يوجد للعرب و غيرهم و من يرى انه لا ~~يوجد لغيرهم فلا يحتاج إلى ms609 ذلك و يقول مكانه الجاري على الاساليب المخصوصة ~~و اذ قد فرغنا من الكلام على حقيقة الشعر فلنرجع PageV01P573 لي الكلام على ~~كيفية عمله فنقول اعلم ان لعمل الشعر و احكام صناعته شروطا اولها لحفظه من ~~جنسه أي جنس من جنس شعر العرب حتى تنشا في النفس ملكة ينسج على منوالها و ~~يتخير المحفوظ من الحر النقي الكثير الاساليب و هذا المحفوظ المختار اقل ما ~~يكفي فيه شعر شاعر من الفحول الاسلاميين مثل ابن أبي ربيعة و كثير و ذي ~~الرمة و جرير و أبي نواس و حبيب و البحتري و الرضي و أبي فراس و اكثره شعر ~~كتب الاغاني لانه جمع شعر شعر اهل الطبقة الاسلامية كله و المختار من شعر ~~الجاهلية و من كان خاليا و من كان خاليا من المحفوظ فنظمه قاصر رديء و لا ~~يعطيه الرونق و الحلاوة الا كثرة المحفوظ فمن قل حفظه أو عدم لم يكن له شعر ~~و انما هو نظم ساقط و اجتناب الشعر اولى بمن لم يكن له محفوظ ثم بعد ~~الامتلاء من الحفظ و شحذ القرحة للنسج على الممنوال يقبل على النظم و ~~بالاكثار منه تستحكم ملكته و ترسخ و ربما يقال ان من شرطه نسيان ذلك ~~المحفوظ لتحمى رسومه الحرفية الظاهرة اذ هي صادرة عن استعمالها بعينها فاذا ~~نسيها و قد تكيفت النفس بها انتقش الاسلوب فيها كانه منوال يؤخذ بالنسج ~~عليه بامثالها من كلمات اخرى ضرورة ثم لا بد له من الخلوة و استجادة المكان ~~المنظور فيه من المياه و الازهار و كذا المسموع لاستنارة القريحة ~~باستجماعها و تنشيطها بملاذ السرور ثم مع هذا كله فشرطه ان يكون على جمام و ~~نشاط فلذلك اجمع له و انشطه للقريحة ان تاتي بمثل ذلك المنوال الذي في حفظه ~~قالوا و خير الاوقات لذلك اوقات البكر عند الهبوب من النوم و فراغ المعدة و ~~نشاط الفكر و في هؤلائء الجمام و ربما قالوا ان من نزعته من بواعثه العشق و ~~الانتشاء ذكر ms610 ذلم ابن رشيق في كتاب العمدة و هو الكتاب الذي انفرد بهذه ~~الصناعة و اعطاء حقها و لم يكتب فيها أحد قبله و لا بعده مثله قالوا فان ~~استصعب عليه يعد هذا كله فليتركه إلى وقت اخر و لا يكره نفسه عليه و ليكن ~~بناء البيت على القافية من اوله صوغه و نسجه بعضها و يبني الكلام عليها إلى ~~اخره لانه ان غفل عن بناء البيت على القافية صعب عليه وضعها في محلها فربما ~~تجيء نافرة قلقة و اذا سمح الخاطر بالبيت و لم يناسب الذي عنده فليتركه إلى ~~موضعه الاليق به فانه كل بيت مستقل بنفسه و لم تبق الا المناسبة فليتخير ~~فيها كما يشاء و ليراجع شعره بعد PageV01P574 الخلاص منه بالتنقيح و النقد ~~و لا يضن به على الترك اذا لم يبلغ الاجادة فان الانسان مفتون بشعره اذ هو ~~نبات فكره و اختراع فريحته و لا يستعمل فيه من الكلام الا الافصح من ~~التراكيب و الخالص من اتلضرورات اللسانية فليهجرها فانها تنزل بالكلام عن ~~طبقة البلاغة و قد حصر ائمة اللسان المولد من ارتكاب الضرورة اذ هو في سعة ~~منها بالعدول عنها إلى الطريقة المثلى من الملكة و يجتنب ايضا المعقد من ~~التراكيب جهده و انما يقصد منها ما كانت معانيه تسابق الفاظه إلى الفهم و ~~كذلك كثرة المعاني في البيت الواحد فتن فيه نوع تعقيد على الفهم و انما ~~المختار منه ما كانت الفاظه طبقا على معانيه أو اوفى فان كانت المعاني ~~كثيرة كان حشوا و استعمل الذهن بالغوص عليها فمنع الذوق عن استيفاء مدركه ~~من البلغة و لا يكون الشعر سهلا الا اذا كانت معانيه تسابق الفاظه إلى ~~الذهن و لهذا كان شيوخنا رحمهم الله يعيبون شعر أبي بكر بن خفاجة شاعر ~~الاندلس لكثرة معانيه و ازدحامها في البيت الواحد كما كانوا يعيبون شعر ~~المتنبي و المعري بعدم النسج على الاساليب العربية كام مر فكان شعرهما ~~كلاما منظوما نازلا عن طبقة الشعر و الحاكم بذلك هو ms611 الذوق و ليتجنب الشار ~~ايضا الحوشي من الالفاظ و المقصر و كذلك السوقي المبتذل بالتداول ~~بالاستعمال فنه ينزل بالكلام إلى عن طبقة البلاغة ايضا فيصير مبتذلا و يقرب ~~من عدم الافادة كقولهم النار حارة و السماء فوقنا و بمقدار ما يقرب من مدار ~~طبقة عدم الافادة يبعد عن رتبة البلاغة اذ هما طرفان و لهذا كان الشعر في ~~الربانيات و النبويات قليل الاجادة في الغالب و لا يحذق فيه الا الفحول و ~~في القيلي على الشعر لان معانيها متداولة بين الجمهور فتصير مبتذلة لذلك و ~~اذا تعذر الشعر بعد هذا كله فليراوضه و يعاوده فان القريحة مثل الضرع يدر ~~بالانمتراء و يجف بالترك و الاهمال و بالجملة فهذه الصناعة وتعلمها مستوفى ~~في كتاب العمدة لابن رشيق وقد ذكرنا منها ما حضرنا بحسب الجهد و من اراد ~~استيفاء ذلك فعليه بذلك الكتاب ففيعه البغبية من ذلك و هذه نبذة كافية و ~~الله المعين و قد نظم الناس في امر هذه الصناعة الشعرية ما يجب فيها و من ~~احسن ما قيل في ذلك و اظنه لابن رشيق PageV01P575 % لعن الله صنعة الشعر ~~ماذا % % من صنوف الجهال منه لقينا % % يؤثرون الغريب منه على ما % % كان ~~سهلا للسامعين مبينا % % و يرون المحال معنى صحيحا % % ? < و خسيس الكلام ~~شيئا ثمينا % يجهلون الصواب منه و لا يدم % % رون للجهل انهم يجهلونا % فهم ~~عند من سوانا يلامون % % و في الحق عندنا يعذرونا % انام الشعر ما يناسب في ~~النظم % % و ان كان في الصفات فنونا % فاتى بعضه يشاكل بعضا % % و اقانمت ~~له الصدور المتونا % كل معنى اتاك منه على ما % % تتمنى و لم يكن ان يكونا ~~% % فتناهى من البيان إلى ان % % كاد حسنا يبين للنظرينا % % فكان الالفاظ ~~منه وجوه % % و المعاني ركبن فيها عيونا % % انما في المرام حسب الاماني % ~~% و يتحلى بحسنه المنشدونا % % فاذا مدحت بالشعر حرا % % رمت فيه مذاهب ~~المشتهينا % % فجعلت النسيب سهلا قريبا % % و جعلت المديح صدقا مبينا % % و ~~تنكبت ما يهجن في السمع % % و ان كان ms612 لفظه موزونا % % و اذا ما عرضته بهجاء ~~% % عبت فيه مذاهب المرقبينا % % فجعلت التصريح منه دواء % % و جعلت ~~التعريض داء دفينا % % و اذا ما بكيت في على العا % دين يوما للبين و ~~الظاعنينا % حلت دون الاسى و ذللت ما كا % % ن من المع في العيون مصونا % ~~ثم ان كنت عاتبا جئت بالوعد % % وعيدا و بالصعوبة بينا % % فتركت الذي عتبت ~~عليه % % حذرا امنا عزيزا مهينا % % و اصح القريض ما قارب النظم % % و ان ~~كان واضحا مستبينا % % فاذا قيل اطمع الناس طرا % % و اذا ريم اعجز ~~المعجزينا % # و من ذلك قوله ايضا ققول بعضهم % الشعر ما قومت ربع صدوره % % و شددت ~~بالتهذيب اس متونه % % و رايت بالاطناب شعب صدوعه % % و فتحت بالايجاز عور ~~عيونه % PageV01P576 % و جمعت بين قريبه و بعيده % % و جمعت بين محمه و ~~معينه % % و اذا مدحت به جوادا ماجدا % % و قضيته بالشكر حق ديونه % % ~~اصفيته بتفتش و رضيته % % و خصصته بحظيرة و ثمينه % % فيكون جزلا في مساق ~~صنوفه % % و يكون سهلا باتفاق فنونه % % و اذا بكيت به الديار و اهلها % % ~~اجريت للمحزون ماء شؤونه % % و اذا اردا كناية عن ريبة % % باينت للمحزون ~~ماء شؤونه % % فجعلت سامعه يششوب شكوكه % % بثبوته و ظنونه بيقينه % $ ~~الفصل السابع و الاربعون # في ان صناعة النظم و النثر انما هي في الالفاظ لا في الكعاني # اعلم ان صناعة الكلام نظما و نثرا انما هي الالفاظ لا في الامعاني و انما ~~المعاني تبع لها و هي اصل فالصانع الذي يحاول ملكة الكلام في النظم و النثر ~~انما يحاولها في الالفاظ بحفظ امثالها من كلالم العرب ليكثر استعماله و ~~جريه على لسانه حتى تستقر له الملكة في لسان مضر و يتخلص من العجمة التي ~~ربي عليها في جيله و يفرض نفسه مثل وليد ينشا في جيل العرب و يلقن لغتهم ~~كما يلقنها الصبي حتى يصير كانه واحد منهم في لسانهم و ذلك انا قدمنا ان ~~اللسان ملكة من الملكات في النطق يحاول تحصيلها بتكرارها عل السان حتى تحصل ms613 ~~و الذي في اللسان و النطق انما هو الاالفاظ و اما المعاني فهي في الضمائر و ~~ايضا فمالمعاني موجودة عند كل واحد و في طوع كل فكر منها ما يشاء و يرضى ~~فلا يحتاج إلى صناعة و تاليف الكلام للعبارة عنها هو المحتادج للصناعة كما ~~قلناه و هو بمثابة القالبب للمعاني فكما ان الاواني التي يغترف به الماء من ~~البحر منها انية الذهب و الفضة و الصدف و الزجاج و الخزف والماء واحد في ~~نفسه وتحتلف الجودة في الأواني المملوءة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف ~~الماء كذلك جودة الغة و بلاغتها في الاستعمال يختلف باختلاف طبقة الكلام في ~~تاليفه باعتبار تطبيقه على المقاصد و المعاني واحدة في نفسها و انما الجاهل ~~بتاليف الكلام و اساليبه على مقتضى ملكة اللسان اذا حاول العبارة عن مقصوده ~~و لم يحسن بمثابة المقعد الذي يروم النهوض PageV01P577 و لا يستطيعه القدرة ~~عليه لفقدان القدرة عليه و الله يعلمكن ما لم تكونوا تعلمون $ الفصل الثامن ~~و الاربعون # في ان حصول هذه الملكة بكثرة الحفظ و جودتها بجودة المحفوظ # قد قدمنا انه لا بد من كثرة الحفظ لمن يروم تعلم اللسان العربيب و على ~~قدر جودة المحفوظ و طبقته في جنسه و كثرته من قلته تكون جودة الملكة ~~الحاصلة عنه للحافظ فمن كان محفوظه سعر حبيب أو العتابي و ابن المعتز و ابن ~~هانئ أو الشريف الرضي أو رسائل ابن المقفع أو سهل ابن هارون و ابن الزيات ~~أو البديع أو الصابئ تكون ملكته اجود و العى مقاما و رتبة في البلغة ممن ~~يحفظ شعر ابن سهل من المتاخرين أو ابن النبية و رتبة في البلغة أو ترسل ~~البيساني أو العماد الاصبهاني لنزول طبقة هؤلاء عن اولئك يظهر ذلك للبصير ~~لالناقد صاحب الذوق و على مقدار جودة المحفوظ أو المسموع تكون الاجادة جودة ~~الاستعمال من بعده ثم اجادة الملكة من بعدهما فبارتقاء المحفوظ في طبقته من ~~الكلام ترتقي الملكة الحاصلة لان الطبع انما ينسخ على منوالها وتنموا ms614 قوى ~~الملكة بتغذيتعها و ذلك ان النفس و ان كانت في جبلتها واحدة بالنوع فهي ~~تختلف في البشر و القوة و الضعف في الادرامكات و اختلافاتها انما هو ~~باختلاف ما يرد عليها من الادراكات و الملكات و الاولان التي تكيفها منن ~~خارج فبهذه يتم وجودها و تخرج من القوة إلى الفعل صورتها و الملكات التي ~~تحصل لها انما تحصل على التدريج كما قدمناه فالملكة الشعرية تنشا بحفظ ~~الشعر و ملكة الكتابة بحفظ الاسجاع و الترسيل و العلمية يمخالطة الامكالمات ~~و العلومو الادراكاتة و الابحاث و الانظار الفقهية بمخالطة الفقه و تنظير ~~المسائل و تفريعها و تخريج الفروع على الاصول و التصوفية الربانية ~~بالعبادات و الاذكار و تعطيل الحواس الظاهرة بالخلوة و الانفراد عن الخلق ~~ما استطاع حتى تحصل له ملكة الرجوع إلى حسه الباطن و روحه و ينقلب ربانيا و ~~كذا سائرها و للنفس في كل واحدة منها لون تتكيف به و على حسب ما نشات ~~الملكة عليه من جودة أو رداءة تكون الملكة في نفسها فملكة البلاغة العالية ~~الطبقة في جنسها انما تحصل بحفظ العالي في طبقته من الكلام و لهذا كان ~~الفقهاء و اهل العلوم كلما قارين في البلغة و ما ذلك الا لكا PageV01P578 ~~يسبق إلى محفوظهم و يمتلئ به من القوانين العلمية و العبارات الفقهية ~~الخارجة عن اسلوب البلاغة النازلة عن الطبقة لان العبارات عن القوانين و ~~العلوم لاحظ لها في البلاغة فاذا سبق ذلك المحفوظ إلى الفكر و كثر و تلونت ~~به النفس جاءت الملكة الناشئة عنه غاية القصور ة انحرفت عبابراته عن اساليب ~~العرب في كلامهم و هكذا نجد شعر الفقهاء و النحاة و المتكلمين و النظار و ~~غيرهم من لم يمتلئ من حفظ النقي الحر من كلام العرب اخبرني صاحبنا الفاضل ~~أبو القاسم بن رضوان كاتب العلامة بالدولة المزنية قال ذكرت يوما صاحبنا ~~أبا العباس بن شعيب كاتب السلطان أبي الحسن و كان المقدم في البصر باللسان ~~لعهده فانشته مطلع قصيدة ابن النحوي و ms615 لن انسبها اليه و هو هذا % لم ادر ~~حين وقفت بالاطلال % % ما الفرق بين جديدها و البالي % # فقال لي على البديهة هذا شاعر فقيه فقلت له و من اين لك ذلك فقال من قوله ~~ما الفرق اذ هي من عبارات الفهاء و ليست من اساليب الكلام العرب فقلت له ~~لله ابوك انه ابن النحوي و اما الكتاب و الشعراء فليسوا كذلك لتخيرهم في ~~محفوظهم و مخالطتهم كلام العرب و اساليبهم في الترسل و انتقائهم لهم الجيد ~~مم الكلام ذاكرت يوما صاحبنا أبا عبد الله بن الخطيب وزير الملوك بالاندلس ~~من بني الاحمر و كان صدلار المقدم في الشعر و الكتتابة فقلت له اجد ~~استصعابا علي في نظم الشعر مكتى رمته مع بصري به و حفظي للجيد من الكلام من ~~القران و الحديث و فنون من كلام العرب و ان محفوظي قليلا و الما اتيت و ~~الله اعلم من قبل ما حصل في حفظي من الاشعار العلمية والقوانين التأليفية ~~فإني حفظت قصيدتي الشاطبي الكبرى والصغرى في القراءات و تدارست كتابي ابن ~~الحاجب في الفقه و الاصول و جمل الخونجي في المنطقو بعض كتاب التسهيل و ~~كثيرا من القوانين التهعليم في المجالس فامتلا محفوظي من ذلك و خدش وجه ~~الملكة التي استعددت لها بالمحفوظ الجيد من القران و الحديث و كلام العرب ~~تعاق القريحة عن بلوغها فنظر الي ساعة معجبا ثم قال لله انت و هل يقول هذا ~~الا مثلك و يظهر من هذا الفضل و ما تقرر فيه سر اخر و هخو اعطاء السبب في ~~ان الكلام الاسلاميين من العرب اعلى طبقة في البلاغة و اذواقها PageV01P579 ~~من كلام الجاهلية في منثورهم و منظومهم فانا نجد شعر حسان بن ثابت و عمر بن ~~أبي ربيعة و الحطيئة و جرير و الفرزدق و نصيب و غيلان ذي الرمة و الاحوص و ~~بشار ثك كلام السلف من العرب في الدولة الاموية و صدرا من الدولة العباسية ~~في غير خطبهم و ترسيلهم و محاوراتهم للملوك ms616 ارفع طبقة من البلاغة من شعر ~~النابغة و عنترة و ابن كلثوم و زهير و علقمة بن عبده و طرفة بن العبد و ~~منكلام الجاهلية في منثورهم و محاوراتهم و الطبع السليم و الذوق الصحيح ~~شاهدان بذلك الناقد البصير بالابلاغة و السبب قفي ذلك ان هؤلاء الذين ~~ادركوا الاسلام سمعوا الطبقة العاية من الكلام في القران و الحديث اللذين ~~عجز البشر عن الاتيان بمثلهما لكونهما ولجت في قلوبهم و نشات على اساليب ~~نفوسهم فنهضت طباعهم و ارتقت ملكاتهم في الملكات على البلغة من قبلهم في ~~الجاهلية ممن لم يسمع هذه الطبقة و لا نشا عليها فكان كللالامهم في نظمهم و ~~نثرهم احسن ديباجة و اصفى رونقا من اولئك و ارصف مبنى و اعدل تثقيفا بما ~~استفادوه من الكلام العالي الكبقة و تامل ذلك يشهد لك به ذوقك ان كنت من ~~اهل الذوق و البصر و البلاغة و لقد سالت يوما شيخنا الشريف أبا القاسم قاضي ~~غرطانة لعهدنا و كان شيخ الصناعة اخذ بسبته عن جماعة من مشيختنا من تلاميذ ~~الشلوبين و استجر في علمك السان و جاء من وراء الغاية فيه فسالته يوما ما ~~بال اعرب الاسلاميين اعلى طبقة في البلاغة من الجاهليين و لم يكن ليستنكر ~~ذلك بذوقه فسكت طويلا ثم قال لي و الله ما ادري فقلت اعرض عليك شيئا ظهر لي ~~في ذلك و لعله السب فيه ذكرت له هذا الذي كتبت فسكت معجبا ثم قال لي ا فقيه ~~هذا كلمنا من حقه ان يكتب بالذهب وكان من بعدها يؤثر محلي و يصيخ في مجالس ~~العم التعليم بقولي و يشهد لي بالنباهة في العلوم و الله خلق الانسان و ~~علمه البيان $ الفصل التاسع و الربعون # في ترفع اهل امراتب عن انتحال الشعر # اعلم ان الشعر كان ديوانا للعرب فيه علومهم و اخبارهم و كحمهم و كان ~~رؤساء العرب منافسين فيه و كانوا يقفون بسوق عهكاظ لانشاده و عرض كل واحد ~~منهم PageV01P580 ديباجته على فحول الشان و اهل ms617 البصر لتمييز حوله حتى ~~انتهى انتهوا إلى المعاناة في تعليق اشعارهم باركان البيت الحرام موضع حجهم ~~و بيت إبراهيم عليه السلام كما فعل امرؤ القيس ابن حجر و النابغة الذبياني ~~و زهير أبي سلمى و عنترة بن شداد و طرفة بن العبد و علقمة بن عبدة و الاعشى ~~و غيرهم ما اصحاب المعلقات السبع فانه كما كان يتوصل إلى تعليق الشعر كان ~~له قدروة على ذلك بقومه و عصبيته و مكانه مضر على ما قيل في سبب تسميتها ~~بالمعلقات ثم انصرف العرب عن ذلك اولالاسلام بما شغلهم من امر دينهم و ~~النبوة و الوحي و ما ادهشهم من اسلوب القران العظيم و نظمه فاخرسوا عن ذلك ~~و سكتوا عن الخوض في النظر و المنثر زمانا ثم استقر ذلك و اونس الرشد من ~~الملة و لم ينزل الوحي في تحريم و حظره و سمعهخ النبي صلى الله عليه و سلم ~~و اثاب عليه فرجعوا حينئذ اللى ديدنهم و منه و كان لعمر ابن أبي ربيعة كبير ~~قرؤيش لذلك العهد مقامات فيه عالية و طبقة مرتفعة و طكان مثيرا ما يعرض ~~شعره شعره على ابن عباس فيقف لاستماعه معجبا به ثم جاء من بعد ذلك الملك و ~~الدولة العزيزة و تقرب اليهم العرب في اشعارهم يمتدحونهم و يجزيهم الخلفاء ~~باعظم الجوائز على نسبة الجودة في اشعارهم و ككانهم من قومعهم و يحرصون على ~~استهداء اشعارهم يطلعون منها على الاثار و الاخبار و اللغة و شرف اللسان و ~~العرب يطالبون ولدهم بحفظها و لم يزل هذا الشان ايام بني امية و صدرا من ~~دولة بني العباس و انظر ما نقله صاحب العقد في مسامرة الرشيد لاصمعي في باب ~~الشعر و الشعراء تجد ماكنا عليه الرشيد من المعرفة و رسوخ في و العناية ~~بانتحاله و التنبصير بجيد و الكلام و رديئه و كثرة محفوظه منه ثم جاء خلق ~~من بعدهم لم يكن اللسان لسانهم من اجل العجمة و تقصيرها باللسان و انما ~~تعلموه صناعة ms618 ثم مدحوا باشعارهم امراء العجم الذي ليس لسانهم اللسان لهم ~~طالبين معروفهم فقط لا سوى ذلك من الاغراض كما فعله حبيب و البحتري و ~~المتنبي و ابن هخانئ و من بعدهم و هلم جرا فصار غرض الشعر في الغالب انما ~~هو الكذب و الاستجداء لهاب النافع التي كانت فيه للاولين كما ذكرناه انفا و ~~انف منه لذلك اهل الهمم و المراتب من المكتاخرين و تغير الحال و اصبح ~~تعاطيه هجنة في الرئاسة و مذمة لاهل المناصب الكبيرة و الله مقلب الليل و ~~النهار PageV01P581 $ الفصل الخمسون # في اشعار العغرب و اهل الامصار لهذا العهد # اعلم ان الشعر لا يختص باللسان العربي فقط بل هو موجود في كل لغة سواء ~~كانت عربية أو اعجمية و قد كان في الفرس شعراء و في يونان كذلك و ذكر بعضهم ~~منهم ارسطو في كتاب المنطق و اوميروس الشاعر و اثني عليه و كان في حمير ~~ايضا شعراء متقدمون و لكا فسد لسان مضر و لغتهم التي دونت مقاييسها و ~~قوانين اعرابها و فسدت اللغات من بعد بحسب ما خالطها و مازجها من العجمة ~~فكانت تحيل العرب بانفسهم لغة خالفت لغة سلفهم من مضر في الارباب جملة و في ~~كثير نمتن الموضوعات اللغوية و بناء الكلمات و كذلك الحضر من اهل الامصار ~~نشات فيهم لغة اخرى خالفت لسان مضر في الاعراب جملة و في كثير من الموضوعات ~~اللغوية و بناء الكلمات و كذلك الحضر و اكثر الاوضاع و التصاريف حالفت ~~ايضتا لغة الجيل من العرب لهخذا العهد و اختلفت هي نفسها بحسب اصطلاحات اه ~~الافاق فلاهل الشرق امصاره لغة غير لغة اعهل المغرب و امصاره و تخالفها ~~ايضا لغة اهل الاندلس و امصاره قم لما كان الشعر موجودا بالطبع في اهل كل ~~لسان لان الموازين على نسبة واحدة في اعداد المتحركات و السواكن و تقابلها ~~موجودة في طباع البشر فلم يهجر الشعر بفقدان لغة واحدة و هي لغة مضر الذين ~~كانوا يحملون فحوله و فرسان ميدانه ms619 حسبما اشتهر بين اهل الخليقة بل كل جيل ~~و اعهل كل لغة من العرب و المستعجمين و الحضر اهل الامصار يتعاطون منه ما ~~يعاطوهم في انتحاله و رصف بنائه على مهيع كلامهم فاما العرب اهل هذا الجيل ~~المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر فيقرضون الشعر لهذا العهد في سائر الاعاريض ~~على ما كان عليه سلفهم المستعربون و ياتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب ~~الشعر و اغراضه من النسيب و المدح وز الرثاء و الهجاء و يستطردون في الخروج ~~من فن إلى فن في الكلام زو ربما هجكوا على المقصود لاول كلامهم و اكثر ~~ابتدائهم في قصائدهم باسم الشاعر ثم عد ذلك ينسبون فاهل امصار المغرب من ~~العرب يسمكون هذه القصائد بالاصمعيات نسبة إلى الاصمعي رواية العرب في ~~اشعارهم و اهل المشرق من العرب يسمون هذا النوع من الشعر البدوي و ربما ~~يلحنون في الحانا بسيطة لا على طريقة الصناعة الموسيقية ثم PageV01P582 ~~يغنون به و يسمونه الغناء به اسم الحوراني نسبة إلى حوران من اطراف العراق ~~و الشام و هي منازل العرب البادية و مساكنهم إلى هذا العهد و لهم فن اخر ~~كثير التداول في نظمهم يجيئون به معصبا على اربعة اجزاء يخالف اخرها ~~الثلاثة في رويه و يلتزمون القافية الرابعة في كل بيت إلى اخر القصيدة ~~شبيها بالمربع و المخمس الذي احدثه المتاخرون و لهؤلاء العرب في هذا الحديث ~~الشعر بلاغة قائقة و فيهم الفحول و المتاخرون و فيهم الكثير من من ~~المنتحلين للعلوم لهذا العهد و خصوصا علم اللسان يستنمكر صاحبها هذه الفنون ~~التي لهم اذا سمعوا و يمج نظمهم اذا انشد و يعتقد ان ذوقه انما نبا عنها ~~لاستهجانها و فقدان الاعراب منها و هذا انما اتى من فقدان الملكة في لغتهم ~~فلو حصلت له ملكة من ملكاتهم لشهد له طبعه و ذوقه ببلاغتها ان كان سليما من ~~الافات في فطرته و نظره و الاا فالاعراب لا مدخل له في البلاغة انام ~~البلاغة مطاقة الكلام للمقصود لمقتضى الحال ms620 من الوجود فيه سواؤ كان الرفع ~~دالا على الفاعل النصب و دالا على المفعول أو بالعكس و انما يدل على ذلك ~~قرائن الكلام كما هو في لغتهم هذه فالدلالة بحسب ما يصطلح عليه اهخل الملكة ~~ى فاذا عرف اصطلاحه في ملكة و اشتهر صحة الدلالة و اذا طابقت تلك الدلالة ~~المقصود و المقضتى الحال صحت البلاغة و لا عبرة بقوانين النحاة في ذلك و ~~اساليب الشعر و فنونه موجودة في اشعارهم هذه ما عدا حركات الاعراب في اواخر ~~الكلم فان غالب كلماتهم موقوفة الاخر و يتميز عندهم الفاعل من المفعول و ~~المبتدا من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الاعراب # الموشحات و الازجال للندلس # و اما اله الاندلس فلما كثر الشعر في قطرهم و تذهبت مناحيه و فنونه و بلغ ~~التنميق فيه الغاية و استحدث المتاخرون منهم فنا منه سموه بالموشح ينظمونه ~~اسماطا اسماطا و اغصانا اغصانا و يكثون من اعاريضه الامختلفة و يسمون ~~المتعدد منها بيتا واحد و يلتزمون عند قوافي تلك الاغصان و اوزانها متتاليا ~~فيما بعدج إلى اخر القطعة و اكثر ما تنتهي عندهم إلى سبعة ابيات و يشتمل كل ~~بيت على اغصان عددها بحسب الاغراس و المذاهب و ينسبون فيها و يمدحون كما ~~يفعل في القصتائد و تجاور PageV01P583 في ذلك إلى الغاية و استظرفه الناس ~~جملة الخاصة و الكافة لسهولى ة تناوزله و قرب طريقته و كان المخترع لها في ~~جزيرة الاندلس مقدم بن معافر الفريري من شعراء الامير عبد الله بن محمد ~~المرواني و اخذ ذلك عنه أبو عبد الله أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد و لم ~~يظهر لما معع المتاخرين ذكر و كسدت موشحجاتهما فكان اول من برع في ذها ~~الشان عبادة القوزاز شاعر المعتصم بن صنادح صاحب المرية % بدر تم شمس ضحى % ~~% غصن نقى مسك شم % % ما اتم ما اوضحا % % مما اورقا ماء نم % % لا جزم من ~~لحى % % قدر عشق قد حرم % # و زعموا انهم لم يسبقه وشاح من معاصريه الذين كانوا ms621 زمن الطوائف و ذكر ~~غير واحدة من المشايخ ان اهل هذا الشان بالاندلس يذكرون ان جماعة من ~~الوشاحين اجتمعوا في مجلس باشبيلية و كان كل واحدمنهم اصطنع موشحة و تانق ~~فيها فتقدم الاعمى الطليطلي للانشاد فلما افتتح موشحته المشهورة بقوله ضاحك ~~عن جمان سافر عن در ضاق عنه الزمان و حواه صدري صرف ابن بقي موشحته و تبعهخ ~~الباقون و ذكر الاعلم البطليوسي انه سمع ابن زهير يقول ما حسدت قط وشاحا ~~على لا قول الا ابن بقي عين وقع له % اما ترى أحمد في مجده العالي لا يلحق ~~% اطلعه الغرب فارنا مثله يا مشرقي % # و كان في عصرهما من الموشحين المطبوعين أبو بكر الابيض ة و كان فب عصرها ~~ايضا الحكيم أبو بكر ابن باجة صاحب التلاحين المعروفة و من الحكايات ~~المشهخورة انه حضر مجلس مخدومه ابن كفلويه صاحب سر قسطة فالقى على بعض ~~قيناته موشحته % جرر الذيل ايما جر % % و صلي الشكر منك بالشكر % # فطرب الممدوح لذلك لما ختمها بقوله عقد الله راية النصر لامير العلى أبي ~~بكر فلما طرق ذلك التلحين سمع ابن تفلويه صاح و اطرباه و شق ثيابه و قال ما ~~احسن ما بدات و ختمت و خلف بالايمان المغلظة لا يمشي ابن باجة إلى داره الا ~~على الذهب فاحتال بان جعل ذهبا في نعله و مشى عليه PageV01P584 و ذكر أبو ~~الخطاب ابن زهر انه جرى في مجلس أبي بكر بن زهير ذكر أبي بكر الابيض الوشاح ~~المتقدم الذكر فغص منه بعض الحاضرين فقال كيف تغصص ممن يقول % ما لذ لي ~~شراب راح على رياض الاقاح % % لولا هضيم الوشاح اذا اسى في الصباح % % أو ~~في الاصيل اضحى يقول % % ما للسمول لطمت خدي % % و للشمال هبت فما لي % % ~~غصن اعتدال ضمه بردي % % مما اباد القلوب يمشي لنا مستريبا % % يا لحظه رد ~~نوبا و يا لماه الشنيب % % برد غليل صب عليل لا يستحيل فيه عن عهدي % و لا ~~يزال في كل حال يرجو الوصال و هو في ms622 الصد % # و اشتهر بعض هؤلاء في صدر دولة الموحدين محمد بن أبي الفضل بن شرف قال ~~الحسن بن جويدة رايت حاتم بن سعيد على هذا الافتتاح % شمس قاربت بدرا % % ~~راح و نديم % و ابن بهردوس الذي له % % يا ليلة الوصل و السعود بالله عودي ~~% % و ابن مؤهل الاذي له % % ما العيد في حلة و طاق % % ما العيد في حلة و ~~طاق و شم وطيبو انما العيد في التلاقي مع الحبيب # و أبو إسحاق الرويني و قال ابن سعيد سمعت أبا الحسن سهل ابن مالك يقول ~~انه دخل على ابن زهير و قد اسن و عليه زي البادية اذا كان يسكن بحصن سبتة ~~فلم يعرفه فجلس حيث انتهى به المجلسو جرد المحاضرة فانشد لنفسه موشحة وقع ~~فيها % كحل الدجى يجري من مقلة الفجر على الصباح % % و مكعصم النهر في حلل ~~خضر من البطاح % # فتحرك ابن زهير و قال انت تقول هذا اختبر قال و نم تكون فعرفه فقال ارتفع ~~فوالله ما عرفتك قال ابن سعيد و سابق الحلبة الذي ادرك هؤلاء أبو بكر بن ~~زهير و قد شرقت موشحاته و غربت قال و سمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول قيل ~~لابن زهير لو قيل لك ما ابدع و ارفع ما وقع لك في التوشيح قال كنت اقول ما ~~للمولة من سكره لا يفيق يا له سكران من خمر ما للكئيب المشوق يندب الاوطان ~~% هل تستعاد ايامنا % % بالخليج و ليالينا % % أو نستفاد مكن النسم الاريج ~~مسك دارينا % PageV01P585 % واد يكاد حسن المكان البهيج ان يحيينا % نهر ~~اضله لوح عليه انيق مورق فغي الفينان و الماء يجري و عائم و وريق من جني ~~الريحان # و من محاسن الموشحات للمتاخرين موشحة ابن سهل شاعر اشبيلية و سبتة من ~~بعدها فمنها قوله % هل درى ظبي الحمى ان قد حمى % % قلب صب حله عن مكنس % % ~~فهو في نار و خفق مثلما % % لعبت ريح الصبا بالقبس % و قد نسج على منواله ~~فيها صاحبنا الوزير أبو عبد الله ms623 بن الخطيب شاعر الاندلس و المغرب لعصره و ~~قد ملار 1 ذكره فقال % جادك الغيث اذا الغيث همى يا زمان الوصل بالاندلس % ~~لم يكن وصلك الا حلما في الكر ى % % أو خلسة المختلس % % اذ يقود الدهر ~~اشتات المنى % % ينقل الخطو على ما يرسم % % زمرا بين فرادى و ثنى % % ~~مثلما يدعوا الفود الموسم % % و الحيا قد جلل الروض سنا % % فثغور الزهر ~~فيه تبسم % % و روى النعمان عن ماء السما % % كيف يروي مالك عن انس % % ~~فكساه الحسن ثوبا معلما % % يزدهي منه بابهى ملبس % % في ليال كتمت سر ~~الهوى % % في الدجى لولا شموس الغرر % % مال نجم الكاس فيها و هوى % % ~~مستقيم السير سعد الاثر % % وطر ما فيه من عيب سوى % % انه مر مر كلمح ~~البصر % % حين لذ النوم منا أو كما % % هجم الصبح هجوم الحرس % % غارت ~~الشهب بنا أو ربما % % اثرت فينا عيون النرجس % % أي شيء لامرء قد خلصا % % ~~فيكون الروض قد مكن فيه % % تنهب الازهار فيه الفرص % % امنت من مكره ما ~~تتقيه % % فاذا الماء يناجي و الحصا % % و خلا كل خليل باخيه 5 % تبصر ~~الورد غيورا برما % % يكتسي من غيظه ما يكتسيه % % و ترى الاسي لبيبا فهما ~~% % يسرق الدمع باني فرس % PageV01P586 % يا اهيل الحي من وادي الغضا % % و ~~بقلبي مسكن انتب به % % ضاق عن وجدي بكم رحب الفضى % % لا ابالي شرقه من ~~غربه % % فاعيدوا عهد انس قد مضى % % تنقذوا عانيكم من كربه % % و اتقوا ~~الله و احيوا مغرما % % يتلاشى نفسا في نفس % % حسر القلب عليكم كرما % % ~~افترضون قراب المحبس % % و بقلبي منكم مقترب % % باحاديث المنى و هو بعيد % ~~% قمرا اطلع منه المغرب % % شقوة المغرى به و هو سعيد % % قد تساوى محسن أو ~~مذنب % % في هواه بين وعد و وعيد % ساحر المقلة مغسول اللمى % % جال في ~~النفس مجال النفس % % سدد السهم فاصمى اذ رمى % % بفؤادي نبلة المفترس % % ~~ان يكن جار و خاب الامل % % و فؤاد الصب بالشوق يذوب % % فهو من نفسي حبيب ~~اول % % ليس في الحب لمحبوب ذنوب % % امره معتمل ممتثل % % في ضلوع ms624 قد ~~براها و قلوب % % حكم للحظ بها فاحتكما % لم يراقب في ضعاف الانفس % % ينصف ~~المظلوم ممن ظلما % % و يجازي البر مننها و المسيء % % ما لقلبي كلما هبت ~~صبا % % عاده عيد من الشوق جديد % % كان في اللوح له مكتتبا % % قوله ان ~~عذابي لشديد % % جلب الهم له و الوصبا % % فهو للاشجان في جهد جهيد % % ~~لاعج في اضلعي قد اضرما % % فهي نار في هشيم اليبس % % لم يدع من مهجتي الا ~~الدما % % كبقاء الصبح بعد الغلس % % سلمي يا نفس في حكم القضا % % و اعبري ~~الوقت برجعلى و متاب % % و اتركي ذكرا زمان قد مضى % % بين عتبي قد تقضت و ~~عتاب % % و اصر في القول إلى المولى الرضى % % ملهم التوفيق في أم الكتاب % ~~% الكريم المنتهى و المتمى % % اسدي السرج و بدر المجلس % % ينزل النصر ~~عليه مثلما % % ينزل الوحي بروح القدس PageV01P587 واعلم ان الاذواق كلها ~~في نعرفة البلاغة انما تحصل لمن خالط تلك اللغة و كثر # استعماله لها و مخاطبته بين اجيالها حتى يحصل ملكتها كما قلناه في اللغة ~~العربية فلا الاندلسي بالبلاغة التي في شعر اهل المغر و لا المغربي ~~بالبلاغة التي في شعر اهل الاندلس و لا المشرقي بالبلاغة التي في شعر ~~الاندلس و المغرب لان اللسان الحضري وو تراكيبه مختلفة فيهم و كل واحدمنهم ~~مدرك بلاغة لغته و ذائق لمحاسن الشعر من اهل جلدته و في خلق السماوات و ~~الأرض و اختلاف السنتكم و الوانكم لاياتة و قد كدنا نخرج عن الغرض و لذلك ~~عزمنا ان نقبض العنان عن القول في هذا الكتاب الاول الذي هو طبيعة العمران ~~و ما يعرض فيه و قد استوفينا من مسائله ما حسبناه كفاية و لعل ما ياتي ~~بعدنا ممن يقيده الله بفكر صحيح و علم مبين يغوص عن مسائله على اكثر مما ~~كتبنا فليس على مستنبط الفن احصاء مسائله و انما عليه تعيين موضع العلم و ~~تنويع اصوله و ما يتكلم فيه و المتاخرون بيلحقون المسائل من بعذه شيئا ~~فشيئا إلى ان يكمل و الله يعلم ms625 و أنتم لا تعلمون قال مؤلف الكتاب عفا الله ~~عنه اتممت هذا الجزء الاول بالوضع و التاليف قبل التنقيح و التهذيب في مدة ~~خمسة اشهر اخرها منتصف عام تسعة و سبعين و سبع مائة ثم نقحته بعد ذلك و ~~هذبته و الحقت به تواريخ الامم كما ذكرت في اوله و شرطته و ما العلم الا من ~~عند الله العزيز الحكيم وشيخهم PageV01P588 ms626