######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_011068 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن الجزري #META# 010.AuthorNAME :: ابن الجزري شمس الدين محمد بن محمد (المتوفى : 833هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 838 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مناقب الأسد الغالب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب متنوعة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: مناقب الأسد الغالب #META# 030.LibURI :: JK_011068 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # مع المصطفى عليه الصلاة والسلام الدكتورة عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ) ~~استاذة الدراسات القرآنية بكلية الشريعة ودار الحديث جامعة القرويين: ~~المغرب الناشر دار الكتاب العربي بيروت - لبنان PageV01P003 جميع الحقوق ~~محفوظة لدار الكتاب العربي بيروت الطبعة الاولى 1392 ه 1972 م PageV01P004 ~~بسم الله الرحمن الرحيم هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين * ~~وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم * ذلك فضل # الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم * مثل الذين حملوا التوراة ثم ~~لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ~~والله لا يهدي القوم الظالمين * صدق الله العظيم PageV01P005 دليل - هذا ~~الكتاب..9 1 - اليتيم الهاشمي..13 - أم القرى والبيت العتيق..15 - ~~المولد...25 - من مهد مولده إلى غار حراء..40 2 - مع المصطفى. # في دار مبعثه..49 - مع المصطفى، في ليلة القدر..51 - السابقون ~~الاولون..58 - والليل إذا يغشى..66 - أم يقولون: افتراه ؟..85 - هجرة إلى ~~الحبشة..104 - الحصار. # وعام الحزن..120 - الاسراء..130 PageV01P007 3 - بوادر التحول..139 # - نجران. # ويثرب..141 - أبواب موصدة..157 - بيعة العقبة ومتجه الاحداث..162 4 - مع ~~المصطفى. # في دار هجرته..183 - هجرة وتاريخ..185 - يوم بدر، وموازين القوى..230 - ~~درس من أحد. # ورسالة من شهيد..253 - الاسلام في الجبهات الثلاث: 1 - في الجبهة ~~اليهودية: من قلب المدينة، إلى خيبر..262 2 - في الجبهة القرشية: من هدنة ~~الحديبية إلى الفتح..278 3 - مع المنافقين..305 - ودخل الناس في دين الله ~~افواجا..323 PageV01P008 هذا الكتاب مع المصطفى عشت من يوم مولدي، آيات ~~معجزته كانت أول ما يصل إلى سمعي مع نور الفجر، يتلوها والدي التقي العابد، ~~في تهجده وصلاته. # وأحاديثه الشريفة كانت مع آيات القرآن، الزاد الروحي الذي تعيش به بيئتي ~~المتدينة، من قبل أن أعرف الدنيا. # وسيرته الزكية العطرة، كانت أنس دنيانا، من قبل أن تحل عني تمائم الصبا. # والمدائح النبوية والاناشيد الصوفية، كانت أول ما لمس وجدانى # وأرهف إحساسي، من يوم بدأت خطوتي الاولى على درب الحياة..ومع المصطفى عشت ~~وأنا أستقرئ ما وعى التاريخ من تراجم سيدات بيت النبوة، ms001 فأجتلي ملامح ~~شخصيته صبيا في (أم النبي) PageV01P009 وزوجا في (نساء النبي) وأبا في ~~(بنات النبي). # وأتمثل حياته صلى الله عليه وسلم في بيته، حيث تلاقت البشرية بالنبوة، ~~واتصلت الارض بالسماء. # ثم، مع المصطفى نبيا رسولا، أمضيت حياتي العلمية منذ استشرف بى أستاذي ~~(أمين الخولي) إلى الافق الرحب الذي طمحت إليه في دراساتي القرآنية، وقاد ~~خطاي على الطريق الصعب لاجتلي أسرار البيان المعجز..وإذ بسر الله وأعان، ~~فقدمت إلى المكتبة الاسلامية محاولتي المنهجية في (التفسير البياني للقرآن ~~الكريم) ودراستي القرآنية (مقال في الانسان) وأتممت دراستي لما شغلني ~~أعواما من (الاعجاز البياني للقرآن). # استروحت إلى صحبة المصطفى عليه الصلاة والسلام، فإذا بي في فيض من سناه، ~~قد طويت أبعاد المكان وآماد الزمان، إلى مسرح الاحداث الكبار التي بدأ بها ~~عصر جديد للانسان، وعشت بوجداني وفكري مع المصطفى من مهد مولده إلى غار ~~حراء، ثم إلى مثواه في المدينة المنورة. # ثم لم أشأ، بل لم أستطع، أن أنصرف عن هذه الصحبة مع المصطفى، فكأني إذ ~~أعكف على كتابتها أطيل مدى أنسي بها، وألتمس من مشاركة أصدقائي القراء، ما ~~يضاعف لي عطاءها السخي. PageV01P010 وما أقدمه إلى قومي من حديث هذه الرحلة ~~(مع المصطفى) عليه الصلاة والسلام، ليس التاريخ وليس السيرة، وانما هي ~~مشاهد مما اجتليت سيطرت على وجداني، ومواقف شدت إليها تأملي بجاذبية آسرة، ~~وارتبط فيها الماضي الحي بالحاضر المشهود، فما تتجلى لنا رؤيا الامس إلا في ~~غمرة من ظلال اليوم، ولا نستروح عطر التاريخ مع المصطفى، إلا مشوبا بأنفاس ~~الواقع الكابي الذى تعيشه أمة الاسلام، في صراعها مع أعداء النور وأولياء ~~الشيطان: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل ~~الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا). # صدق الله العظيم PageV01P011 (1) اليتيم الهاشمي - أم القرى والبيت ~~العتيق - المولد - من مهد مولده إلى غار حراء PageV01P013 أم القرى، والبيت ~~العتيق (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى، ~~وعهدنا إلى إبرهيم واسمعيل أن طهرا بيتي للطائفين # والعاكفين والركع السجود. ms002 # (صدق الله العظيم) تاريخ الاديان يعي تماما، ما سبق الاسلام من بوادر ~~آذنت بوشك فجر جديد لا بد أن ينسخ ما تراكم على أفق الدنيا من ظلمات ليل ~~طال...ولكنه قد يضع هذا السؤال: لماذا كانت مكة أرضا لمبعث خاتم الانبياء، ~~وقد كانت مركز PageV01P015 الوثنية العربية، وليست في ظاهر الحال أولى من ~~بلاد أخرى كانت مهدا للانبياء، ومبعثا لرسالات دينية سبقت الاسلام ؟ ~~المؤمنون لا يترددون في أن يتلوا كلمته تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) ~~ثم لا يجدون حرجا في أن يتدبروا، كما أمرهم دينهم، حكمته تعالى في سننه، ~~وأن ينظروا في واقع الحياة قبل المبعث، وموضع منزل الوحي في عالم كان، ~~حينذاك، يريد أن ينقض ! وتاريخنا الديني يمكن أن يعطينا ما ندرك منه الحكمة ~~في اصطفاء مكة لمبعث خاتم المرسلين. # وقد كانت من قديم العصور والآباد حرما مقدسا، وعلى أرضها قام أول بيت عبد ~~فيه الله سبحانه على الارض. # ولا ندري تماما، الظروف التي تداعى فيها بنيان ذلك البيت العتيق، ونفذت ~~إليه ظلال وثنية دنست حرمه، حتى تلقى (ابرهيم الخليل) أمر ربه بأن يرفع، هو ~~وولده اسماعيل، القواعد من البيت ويطهراه للطائفين والعاكفين والركع ~~السجود. # وبأمر الله تعالى، أذن ابرهيم في الناس بالحج إلى البيت العتيق، فأتوه ~~رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. # ومن ذلك الزمن الموغل في الماضي السحيق، رسخت مكانة مكة في تاريخنا ~~الدينى. # ولكن الوثنية عادت فتسللت إلى حرمها، مع أوثان وأصنام كانت في أول الامر ~~رموزا للخالق المعبود، ثم فقدت رمزيتها وصارت معبودات. PageV01P016 وظل ~~لمكة مع ذلك، مركزها الديني لا تنازعها فيه بلدة أخرى. # وبقيت مثابة حج العرب في الجاهلية الوثنية، على مر الحقب والادهار. # وكأنما كان البيت العتيق فيها، ذكرى شاخصة من عهد إيمانها القديم، يحمي ~~بقية من الوعي كامنة في العمق الغائر من ضمير الجاهليين، عبدة الاوثان ~~والكواكب: (ولئن سألتهم من خلق السموات والارض وسخر الشمس والقمر ليقولن ~~الله). # ومع رسوخ الوثنية العربية في مكة إبان الجاهلية، لم تستطع قط أن ms003 تطوي ~~تماما ذكريات ماضيها الديني وتلقي به في متاهة النسيان. # وكان الزمن كلما تقدم بها هزتها رجفة الوعي فخامرها ريب في تلك الاوثان ~~التى تكدست في حرم بيتها العتيق، لم تنس بها خالقها، وإن أشركتها معه، ~~سبحانه، في التعبد. # وكانت القبائل العربية تحج إلى الكعبة في الموسم، وتطيف كل قبيلة بوثنها ~~ضارعة ملبية، فتذكر الله من حيث تدري أو لا تدري، وترفع إليه الضراعة ~~والنجوى، إما بمنطق الشرك كتلبية # أهل فدك، وفيها أصنام: لبيك إن الحمد لك * والملك لا شريك لك إلا شريك هو ~~لك * تملكه وما ملك أبو بنات بفدك أو على وجه الملاذ إليه وحده في الحج، ~~وترك أصنامهم، في PageV01P017 منازل القبيلة، ابتغاء رضوانه، كتلبية ~~(همدان) في الجاهلية لبيك رب همدان * من شاحط ومن دان جئناك نبغي الاحسان * ~~بكل حرف مذعان نطوي إليك الغيطان * نأمل فضل الغفران لبيك مع كل قبيل لبوك ~~* همدان أبناء الملوك تدعوك قد تركوا أصنامهم وانتابوك * فاسمع دعاء في ~~جميع الاملوك (1) ومؤرخو الاسلام يذكرون ما راج في المنطقة قبل المبعث، من ~~إرهاصات عن نبي آن مبعثه، ولا نجادل من يستريب من أبناء عصرنا في هذه ~~المرويات ويحملها على منحولات الرواة وإضافات السمار، غير أن الواقع ~~التاريخي يؤكد أنها، على أي وجه رضيناه لها وحملناه عليها، تكشف عن تطلع ~~الحياة قبيل الاسلام، إلى تحول جديد وحاسم. # وتاريخ الاديان العام، يمكن أن يضيف إضاءة أخرى إلى ما قدمه مؤرخونا عن ~~أرض المبعث: الجزيرة العربية عرفت بصورة أو بأخرى، كل الاديان والعقائد ~~التى كانت البشرية تعتنقها قبل الاسلام. # عرفت المسيحية في نجران والحيرة وغسان وتخوم الحبشة، # __________ # (1) تجد في (رسالة الغفران) نصوصا مع هذه، من تلبيات العرب في الجاهلية: ~~ص 534 وما بعدها. # ط خامسة، ذخائر العرب. # [ * ] PageV01P018 واليهودية في يثرب وما حولها من مستعمرات يهود شمال ~~الحجاز. # وعرفت الصابئة عبدة النجوم والكواكب، وسمعت عن المجوسية بحكم اتصال إمارة ~~المناذرة العربية بالفرس...وتلاقت هذه الاديان الوافدة، مع الوثنية ~~العربية، ومع البقية من دين ابرهيم قاومت الضياع قرونا وأدهارا، فتمثلت ms004 في ~~قلة من الحنفاء رفضوا عبادة الاوثان في أخريات الجاهلية، وتجد أخبارهم ~~بتفصيل، في الجزء الاول من (السيرة النبوية لابن هشام). # والتقاء هذه الاديان والعبادات في المنطقة الواحدة، يمنحها فرصة التنبه ~~إلى ما بينها من مظاهر التفاوت والخلاف، ومثار الخصومة والتنازع. # كما أن توزع أهل الجزيرة العربية بين هاتيك الاديان، في فترة من حياتهم ~~كانت تقتضي التجمع والترابط لمواجهة التهديد الخارجي من فرس وروم وحبشة، ~~أرهف حسهم لما داخل تدين كل طائفة من شوائب الانحراف والتعصب. # فإن لم يصل بهم إلى مستوى التمييز، فأدنى أثره أن يجعل المنطقة في حيرة ~~وتردد، لا تدري أي تلك الطوائف على حق وأيها على باطل. # ولم تكن الفطرة العربية، قد أفسدها ما تسلط على الفرس والروم من ترف باذخ ~~وانحلال منهك، ولا قهرها ما تسلط على شعوب المناطق # حولها - في الشام ومصر وما وراءها من أقطار الشمال الافريقي - من باهظ ~~الاحتلال الذي جثم عليها قرابة ألف عام، لم تنج منه سوى PageV01P019 ~~الجزيرة العربية التى اعتصمت بمنعتها الطبيعية، وحمتها بواديها الجرداء من ~~مطامع الغزاة. # وإنما ألقت الوثنية غشاوة على بصيرة العربي، فتابع آباءه على دينهم تعصبا ~~وتوقيرا، لا يريد أن يتصور أن أسلافه الكرام كانوا جميعا على سفه وضلال. # وتراث الشعر الجاهلي لقرنين قبل الاسلام، يؤكد مع ذلك، ما كان يجتاح ~~الوجدان العربي من قلق وحيرة، وتطلع إلى نور جديد يمزق الغشاوة ويسقط أقنعة ~~الزيف عن عقم الوثنية ومهانة الشرك وخلل الاوضاع. # لا في ديوان المتحنفين فحسب، ولكن في ديوان تلك الفترة بوجه عام. # وفيها كان (قس بن ساعدة) يقف في سوق عكاظ بالموسم، فيهز الضمير العربي ~~بحكمته ومواعظه. # وفيها كانت آفاق الجزيرة ترجع ما يأتيها من أسواق أم القرى في مواسم ~~الحج، مثل قول (زهير بن أبي سلمى): فلا تكتمن الله ما في نفوسكم * ليخفى، ~~ومهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر * ليوم الحساب أو يعجل ~~فينقم وأعلم علم اليوم والامس قبله * # ولكننى عن علم ما في غد عم PageV01P020 ومن هاب أسباب ms005 المنايا ينلنه * ~~ولو رام أسباب السماء بسلم ومن يوف لا يذمم ومن يهد قلبه * إلى مطمئن البر ~~لا يتجمجم ومهما تكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على الناس تعلم ~~ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى * من الامر أو يبدو لهم ما بدا ليا بدا ~~لي أن الله حق فزادني * إلى الحق تقوى الله ما كان باديا وأني متى أهبط من ~~الارض تلعة * أجد أثرا قبلي، جديدا وباليا أرانى إذا ما بت بت على هوى * ~~وأني إذا أصبحت أصبحت غاديا إلى حفرة أهدى إليها مقيمة * يحث إليها سائق من ~~ورائيا كأني وقد خلفت تسعين حجة * خلعت بها عن منكبي ردائيا أراني إذا ما ~~شئت لاقيت آية * تذكرني بعد الذي كنت ناسيا PageV01P021 ألم تر أن الله ~~أهلك تبعا * وأهلك لقمان بن عاد وعاديا وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترى * ~~وفرعون جبارا طغى والنجاشيا الا لا أرى ذا إمة أصبحت به * فتتركه الايام ~~وهى كما هيا ألم تر للنعمان كان بنجوة * من الشر لو ان امرءا كان ناجيا ~~فغير منه ملك عشرين حجة * من الدهر يوم واحد كان غاويا فلم أر مسلوبا له ~~مثل ملكه * أقل صديقا باذلا أو مواسيا وقول (النابغة الذبياني) في اعتذاره ~~للنعمان بن المنذر: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء الله للمرء مذهب ~~لئن كنت قد بلغت عني وشاية * لمبلغك الواشي أغش وأكذب وقول (لبيد بن ~~ربيعة): بلينا وما تبلى النجوم الطوالع * وتبقى الديار بعدنا والمصانع ~~PageV01P022 وما المرء إلا كالشهاب وضوئه * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع وما ~~المال والاهلون إلا ودائع * ولا بد يوما أن ترد الودائع وكانت حرمة البيت ~~العتيق تفرض على العرب جميعا حرمة حماه في أم القرى، ورسخ في اعتقادهم (أن ~~مكة لا تقر فيها ظلما ولا بغيا، ولا يبغي فيها أحد على أحد إلا أخرجته، ولا ~~يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك مكانه. # فيقال إنها ما سميت ببكة، إلا لانها كانت تبك - تكسر - أعناق الجبابرة ~~إذا أحدثوا فيها ms006 شيئا) (1). # وبلغ من حرمة مكة عند القوم، أن تناقلت الاجيال إلى عصر المبعث ما تذكره ~~السيدة عائشة أم المؤمنين فتقول: (ما زلنا نسمع أن أسافا ونائلة - من أصنام ~~العرب في الجاهلية - كانا رجلا وامرأة من جرهم، أحدثا في الكعبة فمسخهما ~~الله تعالى حجرين) (2). # وكانت لمكة أشهر حرم لا يحل فيها قتال، وشهدت قبيل المبعث (حلف الفضول) ~~في دار ابن جدعان، حيث تحالفت عشائر قريش # __________ # (1)، (2) السيرة لابن هشام: الجزء الاول. # وانظر معه (الروض الانف) للسهيلي: 1 / 27 ط الجمالية بالقاهرة. # [ * ] PageV01P023 - وفيها الوظائف الدينية بالحرم - ألا يوجد بمكة مظلوم ~~من أهلها أو غيرهم، إلا كانت معه على ظالمه حتى ترد مظلمته. # في هذه البلدة المرهفة الحس الدينى، المضناة بالقلق والحيرة، المتطلعة ~~إلى حياة جديدة، كان مولد محمد بن عبدالله ومبعث نبى الاسلام عليه الصلاة ~~والسلام. PageV01P024 المولد (إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد). # محمد بن عبدالله في مكة كان مولده، وضعته أمه بشرا سويا في دار أبيه ~~(عبدالله بن عبدالمطلب الهاشمي) بجوار البيت العتيق. # ونور الفجر يبشر بصبح جديد، والدنيا تتفتح لموكب الشروق، وتستقبل مع ~~أنفاس الصبح أنفاس ألوف وألوف من بني البشر، ولدتهم أمهاتهم من مختلف ~~الاجناس وشتى البقاع، في تلك الليلة القمراء من ربيع الاول. PageV01P025 ~~منهم من ولدوا في قصور مصر والشام وفارس والروم. # ومنهم من ولدوا في مجاهل القفر ونجوع البوادي وأدغال الغابات وكهوف ~~الجبال..تباعدت بهم الاصول والانساب. # وتفاوتت الالوان والاجناس، وتناءت الطبقات وجمعتهم بنوتهم للبشر، # وتماثلت فيهم آية الخلق، وتشابهت مخاطر الحمل وآلام المخاض ولم تر فيهم ~~الفطرة الانسانية إلا انتصارا لارادة البقاء وامتدادا للحياة، على ما بينهم ~~من تفاوت بعيد. # وما كان أحد ليلتفت إلى وليد منهم، وضعته أمه يتيما في حي بني هاشم بجوار ~~الحرم المكي، في تلك الليلة التى بوركت به، لولا أن حفت بمولده ظروف غير ~~مألوفة، جعلت أم القرى تتلقى البشرى بكثير من التأمل والتفكير، ثم تحرص على ~~أن تستوعب كل ما حف بها أو لابسها من ظروف، وأن تتابع سير ms007 الحياة بهذا ~~الوليد إلى أن بلغ أشده واصطفي خاتما للانبياء. # وحين آن للتاريخ العام أن ينصرف عن أحداث الدنيا في فجر المبعث ليرقب هذا ~~المصطفى للنبوة، وجد في ذاكرة أم القرى ما PageV01P026 يملا صفحات المرحلة ~~ما بين مولده ومبعثه. # الليلة من بدئها كانت مقمرة واعدة. # ينيرها قمر أوشك أن يكتمل بدرا وتؤنسها أطياف ورؤى، ظلت تتجلى لآمنة بنت ~~وهب، طوال شهور حملها، فتعينها على احتمال تجربة المخاض. # فمنذ حملت بهذا الجنين، وهى لا تكف عن التفكير فيما كان من أمرها وأمره، ~~بعد أن مات أبوه (عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم) في طريق أوبته إليها من ~~رحلة صيف إلى بلاد الشام. # ولم يكن حين ودعها، قبل بضعة أشهر، يتوجس خيفة من عائق يطيل أمد غيابه في ~~رحلته، عن ميعادها الموقوت. # ولا كانت (آمنة) في هواجس وحشتها لفراقه، تتوقع أمرا يحبسه عنها بعد ~~انتهاء الرحلة. # في عنفوان قوته وفتوة شبابه ونضرة حيويته، مضى مع قافلة قريش إلى الشام. # ومكة ما تزال تتجاوب بأصداء الاحتفال المشهود بعرسه، وتجتر مشاهد القصة ~~المثيرة لافتدائه من الذبح قربانا لرب الكعبة، وفاء بنذر أبيه عبدالمطلب. # كان عبدالمطلب منذ ولي شرف السقاية لوفود الحجيج إلى البيت العتيق، يشغله ~~هم التفكير فيما يتجشم ويتجشمون في الموسم، PageV01P027 من شح الماء في ~~الوادي الاجرد غير ذى الزرع. # وذكر بئر زمزم التى أنقذت جده (اسماعيل بن ابرهيم الخليل) من الهلاك ظمأ، ~~وجذبت إلى مكة القوافل من العرب، فعمرت بهم بعد خراب. # وقد طمرت زمزم رمال الزمن، فلو أن عبدالمطلب عثر على موضعها، لكانت ~~لسقاية الحجيج موردا مباركا. # وقوي تعلقه بالامل في الاهتداء إلى موضعها، حتى صار مشغلة تفكيره ليل ~~نهار. # وخايلته الرؤى في منامه، تبشره بتحقيق أمله، وتوجه خطاه نحو موضع بعينه، ~~بين وثني (أساف ونائلة). # وغدا ذات صباح بمعوله إلى الموضع الذى وجهته إليه رؤياه، # ومعه ابنه (الحارث) ليس له يومئذ ولد غيره. # فلما هم بالحفر تصدت له قريش تأبى أن يحفر بين وثنيها، وتعجب لجرأته ~~عليها وليس له غير ms008 ولد واحد. # يومها، نذر عبدالمطلب: لئن ولد له عشرة أبناء ثم بلغوا معه بحيث يمنعونه، ~~لينحرن أحدهم عند الكعبة قربانا. # وتوافى بنوه عشرة، وكان أصغرهم (عبدالله) فتلبث أبوهم زمانا حتى بلغوا، ~~ودعاهم إلى الوفاء بنذره، وخرج بهم إلى الكعبة وقد حمل كل منهم قدحا عليه ~~اسمه. # وقدموها إلى صاحب القداح هناك، وأبوهم ينقل بصره بينهم، فتستقر نظراته ~~لحظة على أصغرهم (عبدالله) فيفيض قلبه رقة ورحمة، ويتمنى أن يخطئه السهم. ~~PageV01P028 حتى ضرب صاحب القداح على بني عبدالمطلب، فخرج القدح على ~~(عبدالله) وأبوه قائم يدعو في ضراعة وخشوع. # ولم يملك الشيخ ان يتراجع، بل أمسك بيد صغيره الغالى وتقدم يريد الوفاء ~~بنذره. # ثم لم يكد يدنى الشفرة من منحره حتى تكاثرت عليه قريش، وقد هالها أن يضع ~~عبدالمطلب بتضحية ولده، تقليدا يؤثر ويتبع، (فما بقاء الناس على هذا ؟. # وما زالت به حتى قبل أن يستشيروا في أمره عرافة لهم بخيبر. # سألتهم العرافة بعد أن سمعت القصة: - كم الدية فيكم ؟ قالوا: - عشرة من ~~الابل. # فكانت مشورتها أن يرجعوا إلى الكعبة فيضربوا القداح على عبد # الله وعلى عشر من الابل، فان خرج القدح عليه زادوا عشرا ثم عشرا حتى يرضى ~~ربهم، وإن خرجت على الابل نحروها عنه. # وعادوا ففعلوا، فما زالوا يزيدون الابل عشرا بعد عشر، والقدح يخرج على ~~عبدالله. # إلى أن بلغت الابل مائة، وخرج القدح لاول مرة عليها. # هتف الجمع من قريش: - قد انتهى رضى ربك يا عبدالمطلب. # لكنه، لصدق إيمانه، أبى إلا أن يكرر التجربة ثلاث مرات، والقدح يخرج على ~~الابل. # وعندئذ اطمأن قلبه، ونحرت الابل PageV01P029 المائة ثم تركت في حمى ~~الحرم، لا يصد عنها انسان ولا سبع (1). # وانصرف عبد المطلب بولده عبدالله، فمضى إلى سيد بنى زهرة نسبا وشرفا (وهب ~~بن عبد مناف بن زهرة) (2) فخطب إليه ابنته (آمنة) عروسا لعبد الله المفتدى. # وكانت قصة الفداء قد هزت قلوب المكيين تعلقا بالشاب الهاشمي الذى مست ~~الشفرة منحره وهو صابر مستسلم، حتى إذا لم يبق بينه وبين الذبح إلا أن ~~تتحرك ms009 الشفرة، أنقذه رب الكعبة بأغلى فدية عرفها العرب. # وأضيئت المشاعل في أم القرى، وسهرت مسامر البلدة المباركة تسترجع ذكرى ~~قصة الذبيح الاول (اسماعيل بن ابراهيم) حين مضى به أبوه إلى قمة الجبل لكى ~~يذبحه طاعة وتعبدا، ففداه ربه (بذبح عظيم) بعد ذلك البلاء المبين (3). # إنها القصة التى تناقلتها العرب العدنانية، بنو اسماعيل، طبقة بعد طبقة ~~وجيلا من بعد جيل، تعود فتتكرر على ساحة البيت العتيق الذى رفع القواعد منه ~~ابرهيم واسماعيل، وطهراه للطائفين والعاكفين والركع والسجود. # __________ # (1) القصة بتفصيل في: السيرة لابن هشام 1 / 162 وتاريخ الطبري 2 / 173. # (2) السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 165 - ونسب قريش للزبيري 14 وجمهرة ~~أنساب العرب لابن حزم: 12، 119 ط الذخائر. # (3) سورة الصافات، الآيات 101: 111. # [ * ] PageV01P030 والمفتدى هذه المرة الاخرى: حفيد أصيل من ذرية ~~اسماعيل، جيرة الحرم المكي. # وغير مستبعد أن يكون من السمار من ربطوا في ليلة العرس بين الذبيحين ~~(اسماعيل بن ابرهيم، وعبد الله بن عبدالمطلب) وأن يتوقع ذوو الحس المرهف ~~منهم والرؤية الوجدانية الصافية، أمرا جليلا لعبد الله، كذلك الذي كان لجده ~~الاعلى اسماعيل، بعد الفداء. # وغير مستغرب كذلك، في مثل هذا المناخ الديني للبلد العتيق، أن تهفو قلوب ~~نساء من قريش إلى (عبدالله) وأن يلمحن على وجهه مخايل غده الموعود، فيعرضن ~~له في طريقه من الكعبة إلى بيت سيد بني زهرة، وكل منهن تحاول أن تهبه نفسها ~~أو أن تظفر به زوجا. # عرضت له بنت نوفل الاسدية القرشية، أخت نوفل، فقالت له: - لك مثل الابل ~~التي نحرت عنك اليوم إن قبلت أن أهب نفسي لك. # ودعته (فاطمة بنت مر) إلى نكاحها، وكانت من أجمل النساء # وأعفهن، وفى بعض الروايات أنها كانت كاهنة من خثعم (1). # وكذلك عرضت (ليلى العدوية) نفسها عليه، وهي تتحدث عن النور الذي في وجهه. # وفي الخبر أنه مر بهن بعد أن تزوج (آمنة بنت وهب) فانصرفن عنه زاهدات ~~فيه، فعجب لامرهن وبدا له أن يسألهن فيه، فكان جواب بنت نوفل: # __________ # (1) تاريخ الطبري: 2 / 174. # [ * ] PageV01P031 (فارقك النور الذي كان معك بالامس ms010 فليس لي بك اليوم ~~حاجة). # وقالت فاطمة بنت مر: (قد كان ذلك مرة فاليوم لا. # والله ما أنا بصاحبة ريبة، ولكني رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون لي، ~~فأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد). # وردت ليلى العدوية: (مررت بي وبين عينيك غرة بيضاء فدعوتك فأبيت علي، ~~ودخلت على آمنة فذهبت بها) (1). # وقد وصلت أخبارهن وأقوالهن إلى مسمع عروسه (آمنة بنت وهب) وبلغ من تأثرها ~~بها، بعد الذي كان من قصة الفداء، أن رأت في منامها ليلة عرسها، كأن شعاعا ~~من النور يشع من كيانها اللطيف فيضئ الدنيا حولها، وسمعت هاتفا يبشرها ~~بأنها حملت بسيد البشر. # وحين ودعها عبدالله بعد أشهر في رحلته إلى الشام، كان لها من رؤياها ما ~~يؤنس وحشة فراق لم يدر العروسان أنه فراق لا لقاء بعده، # ولا خطر لهما على بال أنها رحلة بغير مآب. # في طريق الاياب ألمت بعبد الله وعكة طارئة، فتخلف عن قافلة قريش في دار ~~أخواله بني النجار بيثرب، ريثما يسترد صحته وعافيته. # فلم يلبث إلا قليلا حتى غاله الموت، ودفن هناك في ثرى يثرب. # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 1 / 165 وتاريخ الطبري: 2 / 174. # [ * ] PageV01P032 ولم يقبل فيه هذه المرة أي فداء. # ولبست مكة ثوب الحداد على الفتى الهاشمي، وضحلت من النواح عليه حلوق بحت ~~من الهتاف له حين احتفلت أم القرى بفدائه وعرسه، قبل شهرين أو ثلاثة. # وترملت زهرة قريش: آمنة بنت وهب، ولما يزل في كفيها خضاب العرس. # وانفض المأتم، لكن القوم لم يفرغوا من صاحبه الثاوي في لحده بعيدا في ثرى ~~يثرب. # من كان يظن، حين نحرت عنه الابل المائة، أن المنايا واقفة بالمرصاد لهذا ~~المفتدى ؟ وخيف على آمنة من وطأة الحزن، وقد رفضت أن تقبل في فقيدها ~~العزاء. # ولبثت مكة شهرا وبعض شهر، ترقب في قلق إلى أين ينتهي الحزن الساحق ~~بالارملة العروس..حتى كانت ليلة من ليالي شوال، أحاط فيها العواد من آل ~~هاشم وبني زهرة بفراش آمنة، وهي لا تفتأ تسأل كل عائد منهم وعائدة: # - فيم ms011 كان فداؤه والموت منه وشيك ؟ وفيم كان العرس المشهود ويد القدر تخط ~~له لحده بيثرب، والمنايا تحث خطاها نحوه ؟ وأغفت مجهدة من إعياء، وعيون ~~الساهرين عليها. # ولم تطل غفوتها، أيقظتها منها انتفاضة مرهفة، وقد أحست PageV01P033 خفقة ~~حياة جديدة في أعماقها، فأشرق وجهها بنور الالهام، وكأنها عرفت سر الذي ~~كان: إن عبدالله لم يفتد من الذبح عبثا. # كانت مهلة، ما بين فدائه وموته، أودع فيها عروسه آمنة هذا الجنين الذى ~~تحس نبض حياته في رحمها، والذي من أجله يجب أن تتجلد وتعيش. # ومن تلك اللحظة، أنزل الله سكينته عليها فطوت حزنها وشجنها، وبدأت تفكر ~~في هذا الجنين الذى يعطي حادث الفداء تفسيره ومنطقه، ويجعل لوجودها بعد ~~عبدالله، قيمة ومعنى. # مضت فترة الحمل والجزيرة العربية تموج بإرهاصات عن نبي منتظر حان زمانه، ~~وما أرتاب في أن آمنة ألقت إليها كل سمعها وفكرها، فما نسيت قط أن زوجها هو ~~الذي استأثر من دون بني عبدالمطلب، صفوة العرب العدنانية، بمجد الفداء الذي ~~لم يتكرر منذ افتدي جدهم الاعلى اسماعيل بن ابرهيم الخليل. # وفى سمعها كذلك، صدى لم يغب من حكاية النساء اللائى عرضن أنفسهن على ~~عبدالله يوم فدائه - وفيهن الكاهنة من خثعم، وأخت ورقة الذى قرأ الكتب وبشر ~~بنبي منتظر - وكلامهن عن النور # الذي انتقل من عبدالله إثر زواجه، والغرة التى ذهبت بها بنت وهب فلم تدع ~~لغيرها من النساء في عبدالله مأربا. PageV01P034 ثم هي قبل هذا كله، سيدة ~~من صميم البيت القرشى الذى يحظى بالسيادة في أم القرى، وينفرد بشرف الوظائف ~~الدينية الكبرى في مثابة حج العرب ومهوى أفئدتهم. # ومن شأن النساء في هذه البيئة أن يرجون للاجنة في بطونهن، مجدا لم يكن ~~لاحد من قبل. # وعلى مدى شهور الحمل، لم تغب عن آمنة رؤاها فيما سيكون لابن عبدالله من ~~شأن عظيم، ولم تتخل عنها هواتف البشرى بأمومتها لهذا اليتيم الهاشمي الذى ~~لم يزل ينتقل من الاصلاب الطيبة إلى الارحام الطاهرة مصفى مهذبا، وتلقى ~~ميراث آبائه الهاشميين وأخواله الزهريين، واجتمع له عز المنافين ms012 (عبد مناف ~~بن قصي) جده الثالث لابيه، و (عبد مناف بن زهرة بن كلاب) جد أمه. # (1) وكتاب السيرة النبوية ومؤرخو الاسلام الاولون، ينقلون أخبار تلك ~~الهواتف والرؤى عمن لا يتهمون من الاخباريين والرواة. # وقد يشكك فيها بعض المحدثين، وقد يرفضها آخرون منهم رفضا باتا، فلا نجاول ~~هؤلاء ولا هؤلاء، إلا أن يتكلموا باسم العصرية والعلم فيعدوها من (الخرافات ~~التى لا يقبلها عقل) كما قال (بودلي) في كتابه (الرسول) (2). # __________ # (1) نسب قريش: 14، وجمهرة أنساب العرب: 12 ذخائر. # (2) ص 25 من الترجمة العربية للسحار. # وقد ناقشت هذه القضية بمزيد تفصيل في الفصل الخامس # من كتابي (أم النبي) ط دار الهلال بالقاهرة. # [ * ] PageV01P035 ومن عجب أن ينكروا على آمنة، أم محمد، ما يجوز على ~~سائر الامهات من البشر، وكأن ليس من حقها أن تستشرف رؤاها لجنينها، حفيد ~~المنافين وابن الذبيح المفتدى، إلى أقصى ما تسعف عليه بيئة يعرف تاريخ ~~العرب عزها وشرفها وعراقتها، وظروف فريدة حفت بهذا الجنين لم تعرف دنياه ~~لها مثيلا. # وإنما الذي يرفضه العقل حقا، هو أن نجرد (آمنة) من بشريتها وأماني ~~أمومتها، وكل الحوامل قبلها وبعدها عرفن ويعرفن الهواتف والرؤى في فترات ~~الحمل، وإنما يتفاوت مدى الطموح فيها، بقدر ما تسعف عليه ظروف كل حامل، ~~وتحتمله بيئتها وتستشرف إليه آمالها. # من نبض حياته في كيانها، كانت تستمد طاقة الحياة. # ومن هواتف البشرى في تأملاتها ورؤاها، كانت تجد ما يؤنس وحشتها ويهون ~~عليها تجربة الحمل الاولى. # حتى إذا أوشك حملها أن يتم أجله، روعت كما روعت الجزيرة كلها، بغزو ~~(أبرهة الحبشي) لام القرى، يريد أن يصرف عنها حج العرب، إلى كنيسة بناها في ~~(صنعاء) وجلب إليها (الرخام المجزع والحجارة المنقوشة بالذهب، من بقايا قصر ~~بلقيس، وكان على فراسخ من موضع الكنيسة، وفيه البقايا من آثار مملكة سبأ. # ونصب أبرهة الاشرم في كنيسته صلبانا من الذهب والفضة، PageV01P036 ومنابر ~~من العاج والآبنس. # وكتب إلى مولاه نجاشي الحبشة: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن ~~مثلها لمليك كان قبلك. # ولست نمنته حتى ms013 أصرف إليها حج العرب) (1). # وإذ رأى أمير مكة (عبدالمطلب بن هاشم) ألا قبل لاهلها بالجيش الزاحف، رأى ~~أن يتحرز بهم في شعف الجبال والشعاب تخوفا من معرة الجيش الذي جاء به ~~(أبرهة) من اليمن. # وشق على (آمنة) أن تضع وليدها بعيدا عن الحرم المكي، وفي غير دار أبيه ~~عبدالله بن عبدالمطلب. # ولاذت بإيمانها بأن الله مانع بيته، فليس لطاغية الاحباش إليه من سبيل. # فقر عزمها على ألا تبرح مكانها في جوار الحرم، إلى أن يقضي الله أمره. # وفيما كانت تحسب حسابا لما يتوقع من مجرى الاحداث، جاءتها البشرى أن الله ~~سلط على الغزاة أصحاب الفيل نقمته، فانتشر فيهم وباء غريب حاصد، رمتهم ~~بجراثيمه المهلكة طير أبابيل (فتركهم كعصف مأكول). # ولم تكن أرض العرب قد شهدت وباء الحصبة والجدري قبل ذلك العام المشهود، ~~فيما روى (ابن هشام) في السيرة النبوية عن (ابن اسحاق). # (وقد ولى الاحباش مذعورين يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مهلك. # وأبرهة معهم ينتثر جسمه وتسقط أنامله أنملة أنملة) (2). # __________ # (1) السهيلي: الروض الانف، 1 / 30. # (2) ابن هشام: السيرة النبوية 1 / 51. # [ * ] PageV01P037 وأقبلت قريش على كعبتها المقدسة تطيف بها ملبية عابدة، # وتجاوبت آفاق البلد الامين بدعوات المصلين وتلبيات المحتفلين وأناشيد ~~الشعراء. # وآمنة في بيت عبدالله، تصغي إلى ما يبلغ سمعها من دعاء وهتاف، فتحس سكينة ~~وغبطة: أن استجاب الله لها فلن تضع وليدها بعيدا عن الحرم الآمن. # بعد فترة قصيرة من هلاك أبرهة عام الفيل، ذاعت في أم القرى بشرى المولد. # حدد قوم هذه الفترة بخمسين يوما (وهو الاكثر والاشهر) على ما نقل ~~(السهيلي) في (الروض الانف) (1). # واكتفى آخرون بأن المولد كان في عام الفيل. # جاءها المخاض في وقت السحر من تلك الليلة المقمرة، فأرهف شعورها بالترقب ~~والتطلع، مع إحساس برهبة من تجربة الوضع التي طالما سمعت الامهات يتحدثن عن ~~آلامها ومخاطرها. # لكنها ما لبثت أن صرفت بالها كله إلى ما يغمر الدنيا حولها من نور بازغ، ~~وصرفت سمعها كله إلى هواتف البشرى، فتجلدت للحظة الحاسمة. # وما كاد نور الفجر يهل على ms014 الافق، حتى كانت قد وضعت وليدها كما تضع كل ~~والدة من البشر. # __________ # (1) وانظر الزرقاني في المولد: 1 / 130، والنويري في نهاية الارب 6 / 68 ~~دار الكتب المصرية. # [ * ] PageV01P038 وتألقت دنياها نورا وأنسا، وهي ترنو إلى وليدها ~~المبارك، وتذكر به أباه الحبيب الذي أودعها إياه ثم ودعها ورحل. # وكانت مكة حين ذاعت فيها بشرى مولد ابن عبدالله، ما تزال # تحتفل بما أتاح الله لها من النجاة من أصحاب الفيل، من حيث لا تحتسب. # فرأى القوم في مولد محمد آنذاك، آية تذكر بأخرى، يوم اختير أبوه عبدالله ~~قربانا لرب الكعبة، ثم افتدي بالابل المائة. # وإن لم يتوقع أحد في مكة، أو في الدنيا كلها يومئذ، أن تلك الليلة ~~المقمرة الغراء من ربيع الاول عام الفيل، التي ولد فيها ألوف وألوف من شتى ~~الاجناس والالوان ومختلف الملل والمذاهب ومتفاوت الطبقات والدرجات، قد خلدت ~~وبوركت بمولد يتيم هاشمي في أم القرى، ابن امرأة من قريش تأكل القديد، ~~يصطفى للنبوة فتكون رسالته ختام الاديان، وتغدو أقواله وأفعاله سنة وشريعة ~~لملايين الناس على امتداد الزمان والمكان. PageV01P039 من مهد مولده إلى ~~غار حراء (والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك ~~من الاولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى * ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضالا ~~فهدى * ووجدك عائلا فأغنى * فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر * ~~وأما بنعمة ربك فحدث). # (صدق الله العظيم) ومضى التاريخ لم يطل الوقوف بمكة مهد مولده. # شغلته عنها وعن يتيمها الهاشمي، أحداث جسام كانت تجري PageV01P040 على ~~مسرح الدنيا في الثلث الاخير من القرن السادس لميلاد المسيح عليه السلام. # وراح يرصد نذر الانهيار في عالم يريد أن ينقص. # ويتابع الجولات الاخيرة للصراع بين قطبي ذلك العالم القديم، حيث كانت ~~دولتا الفرس والرومان تخوضان حربا طاحنة، على مراكز السلطة والنفوذ. # وإحدى الدولتين قد أعشت نار المجوسية بصرها وبصيرتها، فما عاد يعنيها سوى ~~أن تجعل من ساحة الشرق كله معبدا لتلك النار، تصلاها شعوب المنطقة بالعسف ~~والاكراه. # والاخرى قد أثخنتها جراح الحرب وهدتها ms015 أمراض الشيخوخة، واستنزفت بقايا ~~قوتها فتنة الصراع الطائفي بين القائلين بناسوتية السيد المسيح والقائلين ~~بلاهوتيته، فتهاوى النسر الروماني على الارض يجثم على أنفاس خلق الله، ~~ويتسلط على مستعمراته في الشرق الاوسط - والشمال الافريقي بالارهاب ~~والطغيان، في محاولة يائسة تستبقي له من الهيبة ما يستر وهنه، ويعوضه عن ~~قواه المستنزفة. # حتى بلغ ذلك اليتيم الهاشمي المكي الاربعين من عمره، وتلقى رسالة الوحي ~~في شهر رمضان بعد ستة قرون ونحو عشر سنين من ميلاد المسيح عليه السلام، ~~فالتفت التاريخ إلى مكة، وتوقف برهة يجمع كل ما وعت ذاكرتها عن ذلك المصطفى ~~وآبائه وعشيرته، وعاد يصحبه من مهد مولده في دار أبيه عبدالله بجوار البيت ~~العتيق. PageV01P041 ولم تكن ذاكرة مكة قد أفلتت شيئا ذا بال، من أخبار ~~يتيمها الهاشمي من مولده إلى مبعثه، وقد تعلقت به تتابع خطاه على درب ~~الحياة. # وهي التي أعطت التاريخ ما احتاج إليه بعد المبعث، من أخبار سيرته في ~~المراحل الاولى من حياته، إذ تفد المراضع من بني سعد بن بكر ليحملن رضعاء ~~قريش بعيدا عن جو مكة القاسي، ويعرض عليهن (محمد بن عبدالله) فيزهدهن فيه ~~يتمه، وأن لم يكن ذا ثراء يكافئ نسبه الشريف في البيت الهاشمي القرشي، وقد ~~مات أبوه في مقتبل العمر قبل أن يتأثل لنفسه مالا، لم يترك لولده اليتيم ~~وأمه، سوى جاريته الحبشية (بركة، أم أيمن) وقطعة يسيرة من الابل والغنم. # وأحزن (آمنة) أن ترى المراضع يوشكن أن يعدن إلى البادية زاهدات في وليدها ~~الشريف اليتيم، مؤثرات عليه أطفال الاحياء ممن يرجى منهم الخير الوافر. # غير أن واحدة منهن: (حليمة بنت أبي ذؤيب السعدي، وزوج الحارث بن ~~عبدالعزى، من سعد بن بكر بن هوازن)، رجعت إلى أم محمد تطلبه رضيعا لها، بعد ~~أن انصرفت عنه أول ذاك النهار. # وحفظت مكة من قصة الرضاعة، ما نقله التاريخ بعد المبعث، من رواية عبدالله ~~بن جعفر بن أبي طالب: (كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم التي أرضعته، تحدث أنها ms016 خرجت من بلدها، بادية بني ~~PageV01P042 سعد، مع زوجها وابن لها صغير ترضعه، في نسوة من بني سعد بن بكر ~~تلتمس الرضعاء. # قالت: وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئا. # فخرجت على أتان لي - عجفاء - معنا شارف لنا - ناقة مسنة - والله ما تبض ~~بقطرة، وما ننام ليلتنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع، وما ~~في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه. # ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج. # فخرجت على أتاني تلك، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا ~~وقد عرض عليها محمد - رسول الله صلى الله عليه وسلم - فتأباه إذا قيل لها ~~إنه يتيم. # وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول: يتيم ؟ وما عسى ~~أن تصنع أمه وجده ؟ (فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا، غيري. # فلما أجمعنا على الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لاكره أن أرجع من بين ~~صواحبي ولم آخذ رضيعا. # والله لاذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. # (قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. # (فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره. # فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما ~~شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي. # ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك. # وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا هي حائل، فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى ~~انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة. PageV01P043 (يقول صاحبي حين أصبحنا: ~~تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت # نسمة مباركة. # فقلت: والله إني لارجو ذلك. # ثم خرجنا وركبت أتاني وحملت محمدا عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما ~~يقدر عليها شئ من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: - يا ابنة أبي ذؤيب، ~~ويحك، اربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها ؟ فأقول لهن: بلى ~~والله، إنها لهي هي. # فيقلن: والله إن لها لشأنا. # (ثم قدمنا منازلنا، من بلاد بني سعد، ms017 وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب ~~منها. # فكانت غنمي تروح علي، حين قدمنا بمحمد معنا، شباعا لبنا فنحلب ونشرب، وما ~~يحلب إنسان غيرنا قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع. # حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعي ~~بنت أبي ذؤيب ! فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا ~~لبنا. # فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير، حتى مضت سنتاه وفصلته). # وتحفظ مكة للتاريخ من أخبار صباه، رحلته مع أمه إلى يثرب في السادسة من ~~عمره: كانت مشوقة إلى زيارة قبر والده الثاوي هناك، وقد طال عليها الانتظار ~~ريثما جاوز صغيرها مرحلة الطفولة الغضة، PageV01P044 ليحتمل مشقة الرحلة، ~~وفي يثرب تعرف إلى أخواله بني النجار وانطلق مع لداته من صبيتهم في دروب ~~المدينة التي ستكون دار هجرته. # وأمضت # أمه أيامها على قبر الحبيب، تبث طيفه أشجانها ومواجدها ونجواها، وتتزود ~~من ثراه لفراق قد يطول. # وفى طريق العودة إلى مكة، ألمت بها وعكة طارئة لم تطل: انطفأت فيها ~~الحياة بين يدي صغيرها اليتيم، وعلى مرأى منه أضجعوها في قبر حفروه لها ~~بقرية (الابواء) وهالوا عليها الرمال. # واستأنف سيره، مع بركة، إلى مكة محزونا مضاعف اليتم، ليروع بعد قليل بموت ~~جده عبدالمطلب الذى كان له أبا. # وينتقل إلى دار عمه (أبي طالب) فيجد فيه العوض عن جده وأبيه، ولا عوض عن ~~الام ! وتمضي الاعوام وقلبه ينزع نحو مرقدها الاخير بالابواء، ولم يستطع ~~ضجيج الحياة في أم القرى أن ينسيه مشهد موتها الفاجع، أو يبعد عن مسمعه ~~حشرجة احتضارها في جوف الفلاة. # ويبلغ مع عمه مبلغ السعي، فيصحبه معه في رحلة قريش إلى الشام، ثم يقترح ~~عليه بعدها أن يخرج إلى الشام في مال (السيدة خديجة بنت خويلد) فتبدأ مرحلة ~~جديدة من حياة الشاب الهاشمي، تملا أعوامه ما بين الخامسة والعشرين، ~~والاربعين، بنعمة الزوجية السعيدة الهانئة، وتقر عيناه بثمرتها المباركة: ~~زينب ورقية وأم كلثوم، وفاطمة، والقاسم وعبد الله. PageV01P045 وأرخى الزمن ~~للزوجين السعيدين خمسة عشر عاما، ارتوى فيها محمد ms018 من نبع الحنان معوضا ~~حرمان ماض جاف ظامئ، ومتزودا لغد مقبل، حافل بالجهاد والشواغل الجسام. # ووعت مكة من أخبار تلك المرحلة، مشهد محمد بن عبدالله إذ يدخل البيت ~~العتيق ذات يوم، وهو في نحو الخامسة والثلاثين من عمره، فإذا الاحياء من ~~قريش هناك في ساحة الحرم، قد احتدمت بينهم خصومة أنذرت بشر: كانت الكعبة، ~~قبل ذلك اليوم، قد مستها شرارة تطايرت من مجمرة إحدى النساء، فأحرقت ~~ستائرها وأوهت بنيانها. # ووقفت قريش تجاه حرمها الاقدس مكتوفة الايدى لا تدري ماذا تصنع، حتى شاع ~~خبر عن سفينة رومية جنحت إلى جدة، فسعى إليها رجال من قريش، وعادوا بأخشاب ~~السفينة، ومعهم رجل قبطي كان فيها، نجار بناء. # وتم الاستعداد لتجديد الكعبة، ولكن قريشا عادت فتهيبت أن تهدم بقايا ~~البناء القديم. # حتى قام (الوليد بن المغيرة المخزومي) فأخذ المعول وقال: (اللهم لم نزغ، ~~اللهم إنا لا نريد إلا الخير). # ثم أهوى بالمعول والقوم ينظرون إليه مرتاعين، خائفين عليه وعلى أنفسهم ~~جميعا. # فلما لم يصبه سوء، أبوا إلا أن يتربصوا ليلتهم تلك ليروا عاقبة ما كان. # وأصبح (الوليد) بخير لم يمسسه سوء، فهدم وهدم الناس معه. PageV01P046 ~~وتنافست القبائل في العمل، وشارك (محمد) فيه فكان ينقل الحجارة مع ~~الناقلين، حتى إذا تم البناء، اختلفت أحياء قريش، فيمن يكون له شرف رفع ~~الحجر الاسود إلى موضعه، ومكثت على الخصومة أربع ليال أو خمسا، ونذر الخطر ~~تشتد منذرة بحرب، # لولا أن اقترح عليهم (أبو أمية بن المغيرة المخزومي) - وهو يومئذ أسن ~~قريش، أن يحكموا بينهم أول من يدخل من باب المسجد الحرام. # فقبلوا، وتعلقت عيونهم بالباب، فكان محمد بن عبدالله أول من دخل. # هتفوا جميعا حين رأوه: (هذا الامين، هذا محمد بن عبدالله الهاشمي، رضينا ~~بحكمه). # وحدثوه عما اشتجر بينهم من خلاف، فطلب ثوبا ثم تناول الحجر الاسود فوضعه ~~بيده في الثوب وقال: (لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا). # ولما بلغوا موضع الحجر، وضعه محمد بيده، نقلا من الثوب. # ثم آب إلى بيته، فكان أول ms019 ما استقبله هناك، بشرى مولد ابنته فاطمة، ~~فاقترن مولدها بنجاة قريش، على يد الامين، مما كان يخشى عليها من صدام وحرب ~~(1). # بعد ذلك المشهد في البيت العتيق، يرهف التاريخ سمعه مستوعبا # __________ # (1) ابن هشام: السيرة النبوية 1 / 209). # (*) PageV01P047 أخبار مكة عن (محمد) قبيل بلوغه الاربعين من عمره، ويحدق ~~في آثار خطاه ما بين بيته في جوار الحرم، وغار حراء بظاهر أم القرى، حيث ~~اعتاد الامين أن يعتزل الناس ليخلو إلى تأملاته، بعيدا عن ضجيج المجتمع ~~وصخب الزحام. # وآن للتاريخ أن يمضي مع المصطفى في عصر المبعث، على معبر التحول الخطير ~~ما بين ليل الجاهلية وفجر الاسلام.. PageV01P048 (2) مع المصطفى. # في دار مبعثه - مع المصطفى في ليلة القدر. # - السابقون الاولون. # - والليل إذا يغشى ! - أم يقولون: افتراه ؟ - هجرة إلى الحبشة. # - الحصار. # وعام الحزن. # - الاسراء. # مع المصطفى - 4 PageV01P049 مع المصطفى في ليلة القدر (سلام هي حتى مطلع ~~الفجر) غشى الكون ليل ثقيل، ولف أم القرى صمت مكدود لا يكاد يسمع فيه غير ~~أنفاس الليل مختلطة بهمهمة صلوات وثنية، كانت لا تزال تتردد في البيت ~~العتيق. # وقمر رمضان قد توارى واحتجب، فليس على الافق المعتم سوى ضوء شاحب تكاد ~~تحجبه عن مكة جبالها الصخرية التي تبدو كأنها كتل ماردة من ظلمات متكاتفة ~~متراكمة..ونامت الدنيا، لا تلقي بالا إلى رجل من بني هاشم، ابن امرأة من ~~قريش تأكل القديد، قد أوى إلى غار هناك مستغرقا في تأمله، # يلتمس في العتمة الداجية شعاعا من نور الحق، وينشد في خلوته أنس الهدى ~~وراحة اليقين، وخواطره تحوم حول البيت العتيق الذي PageV01P051 رفع ابرهيم ~~القواعد منه واسماعيل وطهراه للطائفين والعاكفين والركع السجود، فلم يلبث ~~أن صار مع الزمن مثوى لاوثان ممسوخة شتى، لكل قبيلة من العرب وثنها تحج ~~إليه وتطيف به، وترفع إليه الدعاء وتقدم القرابين..وغير بعيد من غار حراء، ~~هجعت مكة تجتر ذكريات مجدها الديني الغابر طوته وثنية عمياء، وتساورها من ~~حين إلى حين رجفة من قلق الوعي، لا تلبث أن تهمد تحت وطأة الكابوس الجاثم، ~~لا تحسب حسابا لهذا ms020 المختلي في غار حراء، وقد ألفت أن تراه ينسحب من زحام ~~المجتمع المكي، عازفا عن تلك الاوثان التي يعبدها قومه، لانهم وجدوا آباءهم ~~لها عابدين. # وماذا على القوم أن عزف محمد بن عبدالله عن أوثانهم وأبى أن يعبدها ؟ ~~كذلك فعل نفر غيره من الحنفاء، ليس عددهم بالذي يدخل في الحساب بزيادة أو ~~نقصان، في الحشود من الحجيج الذين ينثالون إلى مكة من كل فج عميق، ليطيفوا ~~بأوثانهم في البيت العتيق ويؤدوا طقوس عبادتهم جيلا بعد جيل..وأوغل الليل ~~قبل أن يطلع فجر هذه الليلة من رمضان، وينشر نوره البهي على القمم والسفوح ~~والاودية والقيعان، فيضئ الظلمة الداجية. # ومع نور الفجر الوليد من الليلة الغراء، تجلى الوحي على المختلي # في الغار، وألقى إليه الكلمة: (اقرأ). PageV01P052 وما كان محمد بقارئ، ~~وما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه. # (اقرأ باسم ربك الذي خلق. # خلق الانسان من علق. # اقرأ وربك الاكرم، الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم). # وبدأ تاريخ جديد: الرجل الذي سرى في الليل إلى غار حراء، على مألوف عادته ~~منذ أنكر موضع الاصنام في البيت العتيق، وأيقن أن حياة الناس لا يمكن أن ~~تمضي هكذا على سفه وضلال، خرج مع الفجر من الغار، نبيا مبعوثا بختام ~~الرسالات. # والكلمات الاولى التي تلقاها في تلك الليلة من وحي ربه، كانت بداية كتاب ~~معجز، وآية نبي بشر، ولواء عقيدة وجهت التاريخ وحررت الانسان، وصنعت أمة ~~وقادت حضارة. # خرج المصطفى من الغار، واتجهت به خطاه نحو بيته، والكون من حوله ساج ~~خاشع، وعلى الافق الاعلى نور الفجر الجديد ينسخ ظلمات ليل طال، ويوشح البيت ~~العتيق بسنى وضاء. # يكشف عما تكدس في رحابه من أصنام وأوثان، فتبدو على حقيقتها العارية، ~~ممسوخة بلهاء. # وكان لها من ظلام الليل ستر كثيف أصم، يخدع البصر ويزيف الرؤية.. ~~PageV01P053 النور ملء قلبه وبصيرته، والكلمات ملء فكره ومسمعه. # ولكنه في حيرة من أمره، يعييه أن يستوعب السر الاعظم الذي تجلى له، ~~ويأخذه من جلاله ما يشبه الدوار، فيكاد لفرط ms021 دهشته وعجبه وانبهاره، لا يدري ~~ما إذا كان في وعي يقظته أم تلك رؤيا بصيرة أرهفها طول التأمل في آيات ~~القدرة، وطول التطلع إلى اجتلاء سر هذا الكون وخالقه ؟ وأحس وطأة العبء ~~الثقيل تجهده وترهقه، فما بلغ بيته حتى بدا مكدودا مرتعدا شاحبا، كأنه عائد ~~من سفر شاق طويل. # ولمحها هناك في انتظاره: (خديجة) التي كانت له على مدى خمس عشرة سنة زوجا ~~وأما، وكانت له منذ تزوجها ملاذا وسكنا. # ودون تفكير أو تردد ألفى نفسه يفضي إليها بما رأى وما سمع، وهو يحدق في ~~ملامحها إذ تصغي إليه بسمعها وقلبها، محاولا أن يستبين وقع هذا الامر على ~~أقرب أهله إليه، وأعزهم عليه، وأصفاهم له ودا وأرشدهم نصحا ورأيا. # وقالتها على الفور، بكل اليقين والثقة: (الله يرعانا يا أبا القاسم. # أبشر يا ابن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لارجو أن تكون نبي هذه ~~الامة. # والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري ~~الضيف وتعين على نوائب الحق). # فنفذ صوتها الحار الواثق إلى قلبه، وأحس راحة الامن والطمأنينة، ~~PageV01P054 وزوجه تقوده في رفق وحنو إلى مضجعه فتدثره وتبقى إلى جانبه ~~رانية إليه حانية عليه حتى ينام. # (نبي هذه الامة) ؟ ! ما الذي ألقى إلى بال (خديجة بنت خويلد) الاسدية ~~القرشية. # بتلك الكلمة الكبرى، حين كانت الوثنية غاشية، والعرب قبائل شتى والناس ~~طوائف وأمما متناحرة متناكرة ؟ أهي من تعبير التاريخ الاسلامي عن إدراك أم ~~المؤمنين الاولى لجلال الامر وبعد نظرها لما بعده، بمجرد أن سمعت زوجها ~~المصطفى يحدثها عن أول الوحى ؟ أم كانت الكلمة تعبيرا عن واقع لم يكن قد ~~انجلى بعد تماما في تلك الليلة من رمضان، تمثل بها الاخباريون المسلمون ~~موقف زوج المصطفى الاولى، في ضوء الواقع التاريخي بعد ليلة القدر ؟ لا أرى ~~كلمة غريبة على الموقف، فما كانت السيدة خديجة وهي من صمم قريش وجيرة ~~الحرم، بحيث يفوتها شئ مما ماجت به بيئتها قبيل المبعث من تطلعات إلى تحول ~~خطير رنا إليه حكماء العرب ms022 وحنفاؤهم وشعراؤهم ومن إرهاصات عن نبي جديد حان ~~مبعثه، تناقلها الرواة والسمار عن رهبان النصارى في الشام ونجران، وأحبار ~~يهود في يثرب وشمال الحجاز. # ومكة على الخصوص، كانت المركز الذي تتلاقى فيه تلك PageV01P055 التطلعات ~~والارهاصات، وتتجمع روافدها من هنا ومن هناك وهنالك، لتصب حول البيت ~~العتيق، وتحوم حول حي بعينه من أحياء قريش هو حي بني هاشم بن عبد مناف بن ~~قصي، وترنو إلى شخص بذاته من الهاشميين، هو محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب ~~بن هاشم. # وقد كان لمكة من واقعها ورؤاها وذكرياتها، ما تضيفه إلى تلك الارهاصات ~~الوافدة من شمال وجنوب وشرق. # فمن عهد ابرهيم واسماعيل، وبيتها العتيق مثابة الحج والعبادة، يرتفع منه ~~الدعاء (لبيك اللهم لبيك) فتتجاوب به أوديتها والبطاح، وتخشع له جبالها ~~الصخرية، وتعنو هامات البدو الصلاب أبناء الصحراء ومع الزمن تأصلت حرمة ذلك ~~البيت العتيق، ورسخت تقاليد إعظامه وطقوس إجلاله، ومنه أخذت قريش مكانة ~~السيادة لجوارها الحرم المكى، واستأثرت بوظائف الشرف الدينية، وراثة عن ~~جدها قصي بن كلاب المضري العدناني. # وإذا كانت مكة قد استرجعت بفداء عبدالله بن عبدالمطلب، ذكرى الفداء ~~الاولى لاسماعيل جد العرب العدنانية، فليست بحيث يفوتها غداة ليلة القدر، ~~أن تربط ما بين محمد بن عبدالله، واسماعيل ابن ابرهيم، برباط نسجته يد ~~الزمن على مدى قرون وأدهار. # وتربطها كذلك، في وعي السيدة خديجة، بما آنست من شمائل زوجها وما رأت من ~~ميل زوجها إلى التأمل والخلوة في غار حراء، وما عرفت من رفضه الاصنام التي ~~تكدست في الحرم، ومن حيرته في أمر PageV01P056 قومه كيف ضلت عنهم أحلامهم ~~فنسوا أنهم الذين صنعوا الاوثان بأيديهم، وجعلوا منها آلهة وأربابا مع الله ~~! وفي هذا كله كانت (خديجة) تفكر، وهي تخرج من البيت إثر سماعها بشرى ~~الوحي، ساعية إلى ابن عمها (ورقة بن نوفل) تلتمس لديه الرأي، وترجو أن تجد ~~من علمه بالكتب والاديان ما # تطمئن به إلى حقيقة الفكرة الملهمة التي سيطرت على وعيها المرهف وبصيرتها ~~الثاقبة: أن يكون زوجها المصطفى نبي هذه الامة. # وقال ورقة ms023 بن نوفل، وهو يوشك أن يتهم سمعه: (قدوس قدوس) والذي نفس ورقة ~~بيده، لئن كنت صدقتني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الاكبر الذي كان يأتي ~~موسى وعيسى، وإنه لنبي هذه الامة، فقولي له فليثبت). PageV01P057 السابقون ~~الاولون (والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم * ثلة من ~~الاولين * وقليل من الآخرين) (صدق الله العظيم) أصبحت مكة غداة ليلة القدر، ~~وليس على وجه الارض كلها من يدين بالاسلام، غير النبي المصطفى، وزوجه ~~السيدة خديجة بنت خويلد، أم المؤمنين الاولى. # ثم آمن ثلاثة: اثنان منهم فتيان في مستهل الصبا، كان محمد عليه الصلاة ~~والسلام ينزلهما من بيته وقلبه منزلة الابناء: PageV01P058 (علي بن أبي ~~طالب) وكان محمد، بعد زواجه من خديجة واستقرار حياته المادية، قد ضمه إليه ~~ليخفف العبء عن كاهل أبيه العم أبي طالب، برا بعمه ووفاء ببعض حقه عليه، ~~وهو الذي # كفله بعد وفاة جده عبدالمطلب، وأسبغ عليه من رعايته وحنانه ما لم يحظ ~~بمثله بنوه. # و (زيد بن حارثة) ولده بالتبني. # وكانت أم زيد قد خرجت به صبيا تزور أهلها، فضل منها في الطريق فالتقطه من ~~باعه رقيقا في إحدى أسواق العرب، واشتراه (حكيم بن حزام بن خويلد الاسدي) ~~لعمته السيدة خديجة. # فطابت لزيد الحياة في البيت الكريم. # حتى جاء أبو زيد (حارثة بن شرحبيل الكلبي) ينشد ولده بعد أن طال بحثه ~~عنه. # فترك (محمد بن عبدالله) الامر كله لزيد: إذا شاء بقي حيث هو في بيت محمد ~~على الرحب والسعة، وإن أراد ذهب مع أبيه حارثة. # واختار زيد محمدا، فما لبث أن انطلق به إلى الملا من قريش، وأشهدهم على ~~أن زيدا ولده بالتبني (1). # وأسلم كذلك (أبو بكر بن قحافة) وكان له وضع آخر: إذ ليس هو من عشيرة ~~المصطفى وذوي قرباه، ولا كان في فتوة الصبا كعلي وزيد، وإنما هو من رجال ~~بني تيم بن مرة بن كعب، وقد بلغ سن الكهولة وأخذ مكانته في المجتمع المكى ~~القرشي، سيدا مهيبا وقورا، مشهودا له بالفضل والمروءة ودماثة الطبع ورجحان ~~العقل. # وكان ms024 # __________ # (1) ابن هشام: السيرة النبوية 1 / 262. # [ * ] PageV01P059 أنسب قريش لقريش وأعلمها بأخبارها، فلما سبق إلى ~~الاسلام بمجرد أن دعاه المصطفى إليه، توقعت قريش أن يكون لهذا الامر ما ~~بعده. # وصح ما توقعت: استطاع أبو بكر بجاذبية شخصيته ووقار سنه وسداد رأيه، أن ~~يكسب للدين الجديد خمسة من رجال قريش # الاعلام: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، والزبير ابن ~~العوام الاسدي المخزومي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص الزهربان، ~~وطلحة بن عبيد الله التيمي. # فهؤلاء النفر الثمانية، هم طليعة السابقين الاولين الذين اختاروا لواء ~~المصطفى وبدأ بهم الاسلام خطوته الاولى على الطريق الطويل. # ومنهم تأسست الكتيبة الاولى لحزب الله في مستهل الدعوة، ليلقى العصبة ~~الباغية من المشركين وحزب الشيطان، في صراع مرير بين حق وباطل. # ولقد تهيب المصطفى عليه الصلاة والسلام في أول الامر أن يلقى قريشا ~~بدعوته جهرا، فأسر بها إلى من آنس فيهم الاستعداد لقبولها والايمان بها. # وما أسرع ما استجاب له الموالي الارقاء الذين وجدوا في الاسلام ملاذا لهم ~~من الوضع المهين الذى مسخ آدميتهم وأهدر إنسانيتهم. # وكذلك أسلم عدد من أحرار المكيين، الرجال والنساء. # وكانوا إذا أرادوا الصلاة تحاشوا الكعبة، وتحاشوا كذلك أن PageV01P060 ~~يصلوا في بيوتهم، وذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم عن قومهم، إذ كانوا ~~قلة، وفي بيوتهم من لا يدينون بغير ما وجدوا عليه آباءهم. # لكن أمر الاسلام لم يكن بحيث يخفى طويلا بعد أن فشا. # وتلقى الرسول المصطفى أمر الله سبحانه (1) فجهر بالدعوة وبادى قومه بها. # ولعلهم استخفوا به أول الامر، وكبر عليهم أن يظهروا غيظهم منه. # حتى ذكر المصطفى آلهتهم وعابها، فناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته، الا ~~القلة التي ترددت فيه. # ماذا تستطيع قريش، لمن آمنوا بمحمد، من صميم بيوتها وسادة عشائرها ؟ لئن ~~أعياها أن تثب عليهم أو تنالهم بأكثر من السخرية والمقاطعة والوعيد، فقد ~~بقي الموالي المستضعفون تنفس فيهم عن قهرها وغيظها، وتتسلط عليهم بأبشع ~~ضروب التعذيب والفتنة. # ولم يفتها وهي ترى مواليها يسارعون إلى الاستجابة للاسلام، أن ms025 تلمح ما ~~وراء هذه البادرة من خطر يهدد الوضع الطبقي الذي قامت عليه حياة قريش جيلا ~~بعد جيل. # كما لم يفتها أن تدرك ما يتطلع إليه الارقاء من خلاص بهذا الدين الجديد ~~الذي يقرر أن الناس جميعا إخوة، ويبطل عبودية البشر لغير خالقهم. # __________ # (1) في سورة المدثر، رابعة السور في ترتيب النزول، على المشهور. # وانظر السيرة: 1 / 280 مع تاريخ الطبري: 2 / 230. # [ * ] PageV01P061 وقامت قائمة قريش، وائتمروا فيما بينهم فوثب كل حي من ~~أحيائها على من فيه من الموالي الذين أسلموا، فكانوا إذا حميت الظهيرة ~~يخرجونهم إلى بطحاء مكة فيطرحونهم على ظهورهم، ثم يأمرون بالصخرة الضخمة ~~فتلقى على صدر الرجل منهم، ويقول له سيده: - لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر ~~بمحمد وتعبد اللات والعزى. # فيرد العبد المؤمن وهو في هذا البلاء: # (أحد أحد). # في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بآل ياسر وقد أخرجهم سادتهم ~~من بني مخزوم إلى بطحاء مكة وتفننوا في تعذيبهم. # فلم يستطع عليه الصلاة والسلام أن يدفع البلاء عن هذه الاسرة المؤمنة، ~~وقال مواسيا: (صبرا آل ياسر) وصبروا حتى استشهدت (سمية) وهي تأبى إلا ~~الاسلام. # ورووا أن أبا بكر مر بجارية لبني عدي بن كعب، وعمر بن الخطاب - قبل ~~إسلامه - يعذبها على جمر الصخور الملتهبة بالقيظ ليفتنها عن دينها. # فما زال يضربها حتى مل، فكف عنها وهو يقول لها: - إني أعتذر إليك، فلم ~~أتركك إلا عن ملالة ! وألح أبو بكر على عمر، حتى باعه إياها. # فأعتقها لوجه الله كما أعتق عددا غيرها من المستضعفين بعد أن اشتراهم. # قال له أبوه (قحافة) يحاوره: PageV01P062 - إني أراك يا بني تعتق رقابا ~~ضعافا، فلو أنك فعلت ما فعلت، أعتقت رجالا أشداء يمنعونك ويقومون دونك ؟ رد ~~الصديق أبو بكر: - يا أبت، إني إنما أريد ما أريد لوجه الله (1). # فيروى أن هذه الآيات من سورة الليل نزلت فيه (2): (إن علينا للهدى. # وان لنا للاخرة والاولى. # فانذرتكم نارا تلظى. # لا يصلها الا الاشقى. # الذى كذب وتولى. # وسيجنبها # الاتقى. # الذي يؤتى ms026 ماله يتزكى. # وما لاحد عنده من نعمة تجزى. # الا ابتغاء وجه ربه الاعلى. # ولسوف يرضى. # ) (صدق الله العظيم) أسلم (خباب بن الارت) وأعيا قريشا أن تفتنه عن دينه ~~(3). # وكان من أمهر الموالي الصناع، يعمل السيوف بمكة للسادة القرشيين، وقل أن ~~يجدوا من يدانيه حذقا للصنعة وتواضعا في الاجر. # واحتاج في محنة الفتنة والاضطهاد، إلى مال يفتدي به نفسه، فذهب إلى السيد ~~(العاص بن وائل السهمي) يتقاضاه أجر سيوف كان # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 1 / 341. # (2) تفسير الطبري: سورة الليل. # (3) المشهور أن خباب بن الارت لحقه سباء في الجاهلية، فاشترته امرأة من ~~خزاعة وأعتقته. # وانظر السيرة لابن هشام: 1 / 383. # [ * ] PageV01P063 قد عملها له. # فنظر إليه السيد الشريف مليا ثم قال يسأله ساخرا: - أليس يزعم محمد ~~صاحبكم، هذا الذي أنت على دينه، أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب وفضة ؟ ~~رد (خباب) وهو لا يدري وجه السؤال: بلى. # قال العاص بن وائل: - فأمهلني إلى يوم القيامة يا خباب، حتى أرجع إلى تلك ~~الدار الآخرة فأقضيك هنالك حقك، فوالله لا تكون أنت وصاحبك محمد يا خباب، ~~آثر عند الله مني ولا أعظم حظا من ذلك. # وانصرف خباب، وعوضه على الله سبحانه. # وراح العاص بن وائل يباهي في مجامع قريش بحيلته الذكية الماكرة التي أصاب ~~فيها عصفورين بحجر واحد: أكل مال خباب عقابا له على إسلامه، واستهزأ بدينه ~~وصاحبه ! ولم يمض وقت طويل حتى كان المصطفى يتلو في مكة من وحي ربه: (وإذا ~~تتلى عليهم اياتنا بينات قال الذين كفروا للذين امنوا اي الفريقين خير ~~مقاما وأحسن نديا * وكم اهلكنا قبلهم من قرن هم احسن أثاثا ورئيا * قل من ~~كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا * حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب ~~وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا * ويزيد الله الذين اهتدوا ~~هدى، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا * أفرأيت الذي كفر ~~بآياتنا وقال PageV01P064 لاوتين مالا وولدا - اطلع الغيب ام اتخذ عند ~~الرحمن عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد ms027 له من العذاب مدا * ونرثه ما يقول ~~ويأتينا فردا * واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون ~~بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا *) (صدق الله العظيم) PageV01P065 والليل إذا ~~يغشى (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته، سيصيب الذين أجرموا صغار # عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون *) (صدق الله العظيم) عجب أي عجب ! ~~الجزيرة كلها كانت من سنين، تتحدث عن إرهاصات بنبي حان زمانه. # ومكة على وجه الخصوص، كانت تترقب أن يكون هناك مبعثه. # والعيون كلها كانت ترمقه في مهده وصباه وشبابه، رانية إلى PageV01P066 ما ~~تفرد به من مخايل وشمائل، متفائلة بيمنه وبركته. # ولكن الامر حين جاء، كان أعظم من أن يصدق وأخطر من أن يتلقى بالتسليم ~~والاقرار. # ولقد قالها (ورقة بن نوفل) للمصطفى، غداة المبعث: والذي نفسي بيده، إنك ~~لنبي هذه الامة، ولتكذبن ولتؤذين ولتخرجن. # سأله عليه الصلاة والسلام: (أو مخرجي هم ؟). # فقال ورقة: - نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي (1). # وكان (ورقة) ينطق بما قرأ من تاريخ الاديان، وعرف من طبيعة الشعوب ~~والجماعات: لم يأت رجل قط بمثل ما جاء به محمد رسول الله، الا عودي. # وليست العرب أقل عنادا وتمسكا بدين الآباء، من أمم قبلها كذبت # بالحق لما جاءها. # وهذه قريش، لم تصدق سمعها حين جهر فيها المصطفى بدعوته. # وكان في حسابها أن تلقاه مجتمعة على الرفض والتكذيب. # أما وقد آمن به من آمن، فقد وجدت الكثرة الضالة ما تقوله تخديرا لضميرها ~~بمنطق عنادها ومقاييس مجتمعها: # __________ # (1) ابن هشام: السيرة 1 / 254. # [ * ] PageV01P067 أيؤثر (محمد بن عبدالله) بالنبوة، وما عرفت له قريش ~~مالا ممدودا ولا بنين شهودا، وإن عرفت له شرف المنبت وكرم الخلق ونقاء ~~السيرة ؟ أينزل عليه هذا القرآن، ولا ينزل على رجل عظيم من أصحاب الثراء ~~والعدد والجاه والنفوذ، في مكة أو في الطائف ؟ لقد أمضى شبابه كله لم يجمع ~~مالا، ولا تهالك على ما كان قومه يتهالكون عليه من وظائف السيادة ms028 ومراكز ~~الجاه في المجتمع القرشي بأم القرى. # ثم هو أب لبنات أربع، لم يولد له من البنين غير عبدالله والقاسم، وقد ~~ماتا صغيرين في سن الرضاعة. # وزوجه خديجة شارفت سن اليأس بعد أن بلغت الخامسة والخمسين من عمرها، ولا ~~يبدو عليه أنه يفكر في أن يستبدل زوجا أخرى مكانها أو يتزوج عليها، وهي أنس ~~دنياه وموضع حبه وإعزازه، وحياتهما الزوجية مضرب الامثال في حسن العشرة ~~وصدق المودة وعمق التفاهم والاخلاص. # ولا تذكر قريش أنه شارك فيما يشغلها من صراع على مراكز القوى # والجاه، إلا يوم جددت بناء الكعبة، قبل المبعث بخمس سنوات، وارتضت حكمه ~~فيما شجر بين قبائلها من خلاف على الحجر الاسود، حسمه الامين بحكمته. # ثم لم يعد المجتمع المكي يرى محمدا في الزحام، حتى مضت خمس سنين وخرج من ~~غار حراء يتلو كلمات الوحي. # قال الوليد بن المغيرة المخزومي، أبو خالد: PageV01P068 أينزل القرآن على ~~محمد، وأترك وأنا كبير قريش، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير سيد ثقيف، ونحن ~~عظيما القريتين ؟ وذاعت كلمته في أهل القريتين: مكة والطائف، فتركتهم في ~~حيرة قد تشابه عليهم الامر في مقاييس العظمة التي يفضل بها المصطفى، عظيمي ~~القريتين. # وتلقى عليه الصلاة والسلام من كلمات ربه: (بل متعت هؤلاء وآبائهم حتى ~~جاءهم الحق ورسول مبين * ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون * ~~وقالوا لولا نزل هذا القران على رجل من القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمة ~~ربك، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا، ورحمة ربك خير مما يجمعون *) (صدق الله ~~العظيم) وكذلك أنكر (أمية بن أبي الصلت) أن يصطفى محمد بن عبدالله نبيا، ~~وكان أمية يرى نفسه أهلا لهذا الاصطفاء ! في أخريات الجاهلية، كان ابن أبي ~~الصلت من الفئة القليلة # التي أنكرت عبادة الاوثان، وهم الحنفاء الذين لمحت فيهم أم القرى بقية ~~ميراث من ذكرى دين ابرهيم الحنيف. PageV01P069 قالوا: ما حجر نطوف به لا ~~يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع ؟ يا قوم، ms029 التمسوا لكم دينا فإن قومكم على ~~سفه وضلال. # ثم تفرقت بهم السبل: بعضهم مال إلى النصرانية وأقام في الحبشة أو في بلاد ~~الروم. # وبعضهم قرأ الكتب فلم يدخل في نصرانية ولا يهودية، واكتفى باعتزال ~~الاوثان والذبائح التي تذبح قربانا لها، ونهى عن قتل الموؤودة وقال: أعبد ~~رب ابرهيم. # من هؤلاء، كان أمية بن أبي الصلت: شاعر ثقيف وحكيمها. # وأمه من صميم البيت القرشي: رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف. # وعبد مناف هو الجد الثالث للمصطفى: محمد بن عبدالله ابن عبدالمطلب ابن ~~هاشم بن عبد مناف. # لم يذهب أمية إلى روم أو حبشة، بل قرأ كتب الدين ورغب عن عبادة الاوثان، ~~وأقام في قومه يتنبأ لهم بدين جديد آن وقته، ويتحدث فيهم عن نبي مرسل حان ~~مبعثه، ويشدو في ليل الجاهلية بدعاء الفجر المرتقب: إن آيات ربنا ظاهرات * ~~ما يماري فيهن إلا الكفور حبس الفيل بالمغمس حتى * ظل يحبو كأنه معقور كل ~~دين يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفة زور وبزغ النور الذى بشر به ~~أمية. # وجاء دين التوحيد الذى أرهص به وشدا له. PageV01P070 وإذا به يرفض ويأبى ~~ويستكبر، ويجاهر المصطفى بأشد العداوة والبغضاء. # وانكشف موقفه: لقد كان يبشر بنبي جديد وهو يرجو أن يكونه. # فلما تخطاه الاصطفاء إلى محمد بن عبدالله الهاشمي، نكص على عقبيه كافرا ~~بدين الحق. # وظاهر الوثنية القرشية في حربها للدين الحنيف، حتى مات على الكفر تدمغه ~~كلمة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيه: (آمن لسانه وكفر قلبه. # ) بعث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وثلاث من بناته الاربع حديثات عهد ~~بالزواج في أعز بيوت قريش: كبراهن (زينب) تزوجها ابن خالتها هالة بنت ~~خويلد: (أبو العاص بن الربيع بن عبدالعزى) حفيد قصي، الجد الرابع للمصطفى. # وكان أبو العاص سريا نبيلا، مع عراقة نسبه وشرف موضعه. # و (رقية وأم كلثوم) عروسان لابني عم المصطفى: عتبة وعتيبة ابني عبدالعزى ~~بن عبدالمطلب بن هاشم، من زوجه أم جميل بنت حرب بن أمية بن عبد شمس. # أما صغراهن (فاطمة) فلم ms030 تكن بلغت سن الزواج بعد، وقد ولدت قبل المبعث ~~بخمس سنوات. PageV01P071 وأسلمت بنات المصطفى، وأزواجهن الثلاثة على الشرك. # وكره المصطفى أن يخرج بناته المسلمات من بيوت أزواجهن الكفار. # ولم يكن الاسلام قد شرع بعد، تحريم زواج مؤمنة بكافر، ولا نزلت آيات ~~القرآن في التفريق بين المؤمنات والكفار. # ووجدتها قريش فرصة سانحة، لتؤذي المصطفى في بناته. # قال بعضهم لبعض: - إنكم قد فرغتم محمدا من همه، فردوا عليه بناته فأشغلوه ~~بهن. # ومشوا إلى أصهاره صلى الله عليه وسلم، واحدا بعد الآخر، فقالوا لكل منهم: ~~- فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت. # فأما أبو العاص بن الربيع، فأبى أن يفارق زوجه (زينب بنت محمد) ورد على ~~من كلموه في فراقها بقوله: (والله ما أحب أن لي بها امرأة أخرى من قريش). # وأما ابنا عبدالعزى بن عبدالمطلب، فطلقا رقية وأم كلثوم، بإلحاح من أمهما ~~بنت حرب، أخت أبى سفيان. # وخاب ظن قريش وكيد بنت حرب. # لم يشغل المصطفى ببناته عن دعوته. # ولم يشق عليه رجوع بنتيه رقية وأم كلثوم إلى بيته، وقد أراد الله بهما ~~خيرا فنجاهما من معاشرة ابني أبي لهب، ومحنة العيش مع امرأته حمالة الحطب. # ثم أبدلهما الله، بعد حين، خيرا منهما: PageV01P072 تزوج رقية عثمان بن ~~عفان أحد السابقين الاولين إلى الاسلام، # وهاجرت معه إلى الحبشة ثم إلى المدينة، فلما توفيت يوم بدر خلفتها أختها ~~أم كلثوم، زوجا لعثمان ذي النورين). # بئست الكنية أبو لهب، لعبد العزى بن عبدالمطلب بن هاشم. # قبل أربعين عاما من المبعث، تلقى عبدالعزى بشرى مولد محمد، ابن أخيه ~~الراحل عبدالله بن عبدالمطلب. # حملتها إليه مولاة له تدعى (ثويبة) فأعتقها ببشراها ! ثم لما بلغ الوليد ~~أشده واصطفاه الله تعالى رسولا، لم يعد عبد العزى يعرف باسمه، وإنما غلبت ~~عليه كنيته أبو لهب ! كما لصق بامرأته أم جميل بنت حرب، لقب حمالة الحطب ~~منذ نزلت فيهما آيات المسد: (تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما ~~كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب ms031 * في جيدها حبل من مسد). # لم يكتف الملعون بأن يرفض دعوة ابن أخيه ويرد إليه ابنتيه رقية وأم كلثوم ~~طالقين. # بل تصدى له بالتكذيب والاستهزاء، من الفترة الاولى التي كان المصطفى ~~يتهيب فيها الجهر بدعوته في الناس، ويكتفي بتبليغها إلى من يأنس لديه ~~قبولا. PageV01P073 وتلقى المصطفى من كلمات الوحي: (وأنذر عشيرتك الاقربين، ~~واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين * وقل إني أنا النذير المبين. # ) # وغدا صلى الله عليه وسلم فأتى الصفا فصعد عليه ونادى ينذر عشيرته ~~الاقربين من بني هاشم وقريش: (واصباحاه) فلما اجتمع له القوم ابتدرهم ~~قائلا: (أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي ؟). # أجابوا من غير تردد: (ما جربنا عليك كذبا قط). # قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب أليم). # عندئذ انبرى له عمه عبدالعزى قائلا: (تبا لك ! ألهذا جمعتنا ؟). # ومضى على غلوائه، فكان من أشد الكفار عداوة للاسلام وإيذاء للنبي، ابن ~~أخيه، عليه الصلاة والسلام. # ومن ورائه امرأته أم جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان. # وقد غاظها أن تسمع ما نزل فيها وفى زوجها أبي لهب من القرآن، فخرجت تطلب ~~المصطفى وفى يدها فهر، حجارة تملا الكف. # وسمعت أنه صلى الله عليه وسلم في الكعبة، فاندفعت نحوه في شراسة وهي تهدر ~~صاخبة بالوعيد، لكن بصرها تخطى المصطفى PageV01P074 فلم تره، ورأت صاحبه ~~أبا بكر هناك، فسألته: - أين صاحبك ؟ فقد بلغني أنه يهجوني. # والله لو وجدته لضربته بهذا الفهر، إنه إن يكن شاعرا فإني لشاعرة. # وانصرفت وهي ترتجز: # مذمما * عصينا وأمره * قلينا ودينه * أبينا قال الصديق للمصطفى: - يا ~~رسول الله، أما تراها رأتك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: - (ما رأتني، لقد ~~أخذ الله ببصرها عني). # وحدث مرة أن أخذت أبا لهب حمية الدم الهاشمي، فغضب لما رأى من جور قريش ~~على بني هاشم الذين أبوا أن يخذلوا ابن عبدالله ابن عبدالمطلب، وإن لم ~~يتابعوه على دينه، كراهة أن يعقوا أوثانا وجدوا آباءهم لها عابدين. # في خبر أن أبا سلمة المخزومي، ابن برة بنت عبدالمطلب، استجار بخاله ms032 أبي ~~طالب حين أراد قومه أن يفتنوه عن إسلامه. # فمشي رجال من بني مخزوم إلى أبي طالب فقالوا له في غلظة: - لقد منعت منا ~~ابن أخيك محمدا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا ؟ PageV01P075 قال: إنه استجار ~~بي، وهو ابن أختي. # فإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي. # وكان أبو لهب حاضرا فقال مغضبا، وقد أخزاه أن يضام أخوه - ولم يسلم - على ~~مرأى منه ومسمع: - يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ. # ما تزالون تتوثبون # عليه في جواره من قومه. # والله لتنتهن عنه أو لنقومن معه في كل ما قام فيه. # فآثروا الابقاء على أبي لهب في حزبهم، وقالوا يسترضونه: - بل ننصرف عما ~~تكره يا أبا عتبة (1). # لكن أبا عتبة الذى كره أن يضام أخوه أبو طالب، وليس على دين محمد لم يكره ~~أن يعق محمدا ابن أخيه عبدالله، ويخذله ويؤذيه. # أعشى سحر أم جميل بصره وأمات مروءته ونخوته، فتسلط بالاذى على المصطفى، ~~ابن أخيه ومن اتبعه. # فيقول الشاعر الاحوص في حمالة الحطب، امرأة أبي لهب: ما ذات حبل يراه ~~الناس كلهم * وسط الجحيم ولا يخفى على أحد كل الحبال، حبال الناس، من شعر * ~~وحبلها وسط أهل النار من مسد # __________ # (1) السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 10. # [ * ] PageV01P076 ضاقت بهم ساحة البيت العتيق وقد تجمعوا هناك يهدرون ~~بالوعيد، فيكاد من يراهم يحسبهم محتشدين تأهبا لقتال. # وجاء العدو، فردا أعزل إلا من إيمانه..أقبل المصطفى على الحرم يمشي خاشعا ~~حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالكعبة لا يلقي إليهم بالا. # وقصرت عنه أيديهم ورماحهم، وطالت ألسنتهم يلمزونه ببعض القول. # ومضى في طوافه، فكلما مر بهم تطاولت ألسنتهم بالغمز واللمز، # حتى أتم الطواف فواجههم فردا، ليس معه سلاح غير كلمات ربه. # وتلا كلمة، وقعت عليهم كالصاعقة فما منهم رجل إلا كأن على رأسه طائرا ~~وقع. # وانكمشوا متضائلين، حتى ليقول من كان أصخبهم هديرا وأنكرهم صوتا: (انصرف ~~يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولا). # وانصرف أبو القاسم عليه الصلاة والسلام، فما كاد ms033 يغيب عن أبصارهم حتى ~~عادوا أسودا غضابا، يقول بعضهم لبعض متلاومين: - ذكرتم ما أصابكم من أمر ~~محمد، حتى إذا باداكم بكلمة مما تكرهون تركتموه ؟ وأجمعوا أمرهم من جديد ~~للقاء العدو ! فلما كان الغد وجاء المصطفى يصحبه أبو بكر، لم يمهلوه حتى ~~PageV01P077 يلقاهم بكلمة تصدعهم، بل وثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به ~~يقولون متوعدين: - أنت الذي تقول كذا وكذا ؟ وأعادوا عليه ما قال في إنكار ~~أوثانهم وتسفيه عقولهم وضلال آبائهم، والمصطفى يجيب: (نعم، أنا الذي أقول ~~ذلك). # وهموا به يتجاذبون رداءه، فقام أبو بكر دونه يدفعهم عنه ويقول: - أتقتلون ~~رجلا أن يقول ربي الله ؟ فتحول أسود القطيع إلى أبي بكر يجبذون لحيته، ~~وتكاثروا عليه # فما تركوه يومئذ إلا وقد صدعوا فرق رأسه..(1) وبدا لقريش أن توفد رجالا ~~منها إلى أبي طالب، عم المصطفى وشيخ بني هاشم، لعلهم يستطيعون إقناعه بأن ~~يحمل ابن أخيه على أن يكف عن دعوته التي فرقت كلمتهم ومزقت شملهم. # ومشى وفدهم إلى أبي طالب فقالوا في تودد: - يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد ~~سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا. # فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من ~~خلافه، فنكفيكه. # فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 1 / 310. # [ * ] PageV01P078 وهم يرجون أن ينتهى هذا الامر الذى أرق ليلهم وشغل ~~نهارهم..لكن المصطفى مضى على ما هو عليه. # يظهر دين الله ويدعو إليه، حتى اشتد الموقف بين المسلمين والمشركين ~~تباعدا وتضاغنا، ولم يعد لقريش حديث إلا عن محمد، يحض بعضهم عليه بعضا. # وعاودوا الكلام مع عمه فقالوا: - يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة ~~فينا. # وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا. # وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، ~~حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. # وعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم تطاوعه نفسه على ms034 خذلان ابن ~~أخيه..- وجاء المصطفى فسمع حديث عمه عن شكوى قومه، ثم قال: (يا عم، إني ~~أريدهم على كلمة واحدة). # قالوا بصوت واحد: - كلمة واحدة ؟ نعم وأبيك، وعشر كلمات ! فما هي ؟ قال: ~~(لا إله إلا الله). # فانتفضوا مذعورين وخرجوا غضابا ينفضون ثيابهم ويهزون رؤوسهم في رفض ~~وإنكار: (أجعل الآلهة إلها واحدا. # إن هذا الشئ عجاب). # قال له عمه بعد خروجهم: PageV01P079 - يا ابن أخى، أبق علي وعلى نفسك، ~~ولا تحملني من الامر ما لا أطيق. # رد المصطفى، وقد ظن أن عمه ضعف عن نصرته: (يا عم، والله لو وضعوا الشمس ~~في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك ~~فيه ما تركته). # واستعبر لم يملك دمعه، وهو يوشك أن يفارق عمه الذى كان له أبا وكافلا ~~وراعيا وصديقا. # ناداه عمه وقد رآه يمضي حزينا أسفا: - أقبل يا ابن أخي. # فأقبل عليه الصلاة والسلام ليسمع كلمة عمه أبي طالب: - اذهب يا ابن أخي ~~فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشئ أبدا. # عرفت قريش أن أبا طالب لن يتخلى عن نصرة أبن أخيه ولن # يخذله، فليس لها إليه من سبيل إلا أن تخوض حربا مع بني هاشم. # وفي سورة غيظها وقهرها، زين لها سفهها رأيا أحمق: ماذا لو ساومت أبا طالب ~~على محمد، ابن أخيه، وتعطيه فتى من فتيانها بديلا عنه ؟ وليكن هذا البديل ~~(عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي) زين شباب بني مخزوم فتوة وعقلا. # وقبل عمارة، رجاء أن تنحسم به الفتنة التي مزقت قومه قريشا. PageV01P080 ~~وبقي أن يرضى أبو طالب ! ومشوا إليه بعمارة بن الوليد فقالوا: - يا أبا ~~طالب، هذا عمارة بن الوليد، أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، ~~واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن اخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين ~~آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم، فنقتله فإنما هو رجل برجل. # ولم يصدق أبو طالب سمعه ! كيف بلغ بهم السفه أن يساوموه على ابن أخيه ~~بمثل هذه الصفقة الحمقاء ؟ لقد ms035 أضاعت قريش رشدها ورب الكعبة ! قال في تؤدة: ~~- والله لبئس ما تساومونني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني ~~تقتلونه ؟ هذا والله ما لا يكون أبدا. # قال له (المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف): - والله يا أبا طالب لقد ~~أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما # تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا. # ورد أبو طالب على المطعم، حفيد عبد مناف بن قصي: والله ما أنصفوني، ولكنك ~~قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك. # وانصرف القوم على يأس. # وكذلك نفض أبو طالب يده من بني عمومته، آل عبد شمس. PageV01P081 ونوفل، ~~ومن أصهاره وذوي قرباه في تيم ومخزوم وزهرة، وأدرك أن القوم قد تظاهروا على ~~من يمنعون محمدا، من بني عبدالمطلب وبني هاشم. # ووثبت القبائل من قريش على من فيها من أصحاب المصطفى الذين أسلموا معه، ~~يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. # وبقي بنو هاشم على نصرة محمد بن عبدالله، إلا قليلا منهم مع أبي لهب تبت ~~يداه. # أقبل الفارس عائدا من رحلة صيد. # قد توشح قوسه وأطلق عنان فرسه، حتى إذا دنا من البيت الحرام ترجل إجلالا ~~للكعبة، ثم انطلق متمهلا في شموخ وزهو. # وفي طريقه إلى بيته، مر بأندية قريش يتلقى حيثما سار تحية الاعجاب بفتوته ~~وفروسيته. # وازدهاه أن ترى قريش فيه: حمزة بن عبد المطلب الهاشمي، أعز فتى فيها ~~وأشدها شكيمة. # قرب الصفا، استوقفته مولاة لعبد الله بن جدعان التيمي، فتمهل # ملقيا إليها بعض سمعه، وفي ظنه أن الفتاة مأخوذة ببهاء فتوته. # قالت وهي تسدد إليه نظرة ثاقبة: - يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك ~~محمد آنفا من أبي PageV01P082 الحكم بن هشام ؟ وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبه ~~وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف لم يكلمه محمد، صلى الله عليه وسلم. # ولم يرد عليها الفارس بكلمة. # لوى عنان فرسه وقد احتمله الغضب، فلم يتوقف حتى بلغ البيت العتيق، ولمح ~~أبا جهل بن هشام جالسا هناك بين القوم يتشدق بما آذى به محمد بن عبدالله. # فشق ms036 حمزة طريقه إليه صامتا لا يتكلم، إلى أن قام على رأسه فرفع قوسه وشجه ~~بها شجة منكرة وهو يقول متحديا: - أتشتم محمدا وأنا على دينه أقول ما يقول ~~؟ فرد ذلك علي إن استطعت ! وغشي القوم دوار ما كادوا يفيقون منه حتى أدركوا ~~أن السهم قد نفذ ! أسلم حمزة، وكان حتى تلك اللحظة على دين آبائه. # وعرفت قريش أن محمدا ازداد به عزا ومنعة، فلن يلبث حمزة أن يدخل المعترك ~~بينه وبين المشركين، فارسا لا يلحق به غبار، وأسدا لا يغلب. # وأوى حمزة إلى بيته فبات ليلته مؤرقا، يدعو الله أن يشرح صدره للدين ~~الجديد الذي أعلن دخوله فيه، مدفوعا بمروءته وشهامته ونجدته. # حتى تنفس الصبح، فغدا حمزة إلى الكعبة فما استقبلها إلا وقد اطمأن قلبه ~~وتفتح لنور الحق. PageV01P083 وسعى من فوره إلى بيت ابن أخيه المصطفى ~~فبايعه. # ثم خاض معه معركته الباسلة، أسد الله وأسد رسوله. # وبسيفه الصارم المنصور جندل رءوسا من طواغيت قريش يوم بدر، ومن بعده قاتل ~~يوم أحد حتى اغتالته حربة غادرة سددها إليه (وحشي) بتحريض من (هند بنت ~~عتبة، زوج أبي سفيان بن حرب). # ورقصت هند على مصرع الفارس البطل، وانتزعت كبده فلاكتها، وذهبت في تاريخ ~~الاسلام بلقب آكلة الاكباد. # وذهب الفارس البطل، بلقب سيد الشهداء. PageV01P084 أم يقولون: افتراه ؟ ~~(فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون. # إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر، قليلا ما تؤمنون * ولا بقول ~~كاهن، قليلا ما تذكرون * تنزيل من رب العالمين) (صدق الله العظيم) الدنيا ~~ليل. # ومكة مؤرقة بسهدها، تشهد ائتمار قريش بالمصطفى ومن معه. # لا عن ارتياب في صدقه وأمانته، ولكن خافت أن تفقد الوثنية سلطانها على ~~العرب. # وعليها كانت قريش تعتمد في ترسيخ نفوذها # وتضخم ثرائها، منذ جعلت المواسم الدينية في أم القرى، مواسم للتجارة. ~~PageV01P085 وهذا الموسم على وشك اقتراب، ومحمد يجهر بدعوته لا يبالي أحدا. # وقد سمعت قريش ما تلاه من كلمات ربه، فأدركت من فورها أنها المعجزة التي ~~لا يملك أي عربي يصغي إليها، أن يصرف ms037 عنها سمعه وقلبه وضميره. # فإن خلت قريش بين محمد والقبائل الوافدة على الموسم، يتلو فيها هذا ~~القرآن، فإن العرب لن يترددوا في الايمان بالمعجزة. # وفي دار الندوة بمكة، حيث اعتادت قريش من عهد جدها (قصي بن كلاب) أن تعقد ~~فيها مجالسها كلما أهمها أمر واحتاجت فيه إلى المدارسة وتبادل الرأى، اجتمع ~~نفر من طواغيت قريش وقام فيهم (الوليد بن المغيرة المخزومي) فقال: - يا ~~معشر قريش، إن وفود العرب ستقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا ~~فيه رأيا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا. # قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به. # قال: بل أنتم فقولوا اسمع. # قالوا: نقول، كاهن. # ورد عليهم الوليد بن المغيرة: - لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان ~~فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. # قالوا: فنقول، مجنون. PageV01P086 ورد عليهم: ما هو بمجنون. # لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. # قالوا: فنقول، شاعر. # ورد عليهم: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وقصيده، وهزجه وقريضه، ~~ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. # قالوا: فنقول، ساحر. # ورد عليهم: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا ~~عقدهم. # وغلبوا على أمرهم لا يدرون ما يقولون في المصطفى ومعجزته، فسألوا الوليد: ~~- فما تقول أنت يا أبا عبد شمس ؟ أجاب: والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله ~~لعذق وإن فرعه لجناة. # وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل. # وإن أقرب القول فيه أن تقولوا: ساحر جاء بقول هو السحر، يفرق بين المرء ~~وأبيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. # (1) وانفض المجلس بعد أن أجمعوا على أن يترصدوا للوفود على مداخل مكة ~~فيأخذوا سبل الناس لا يمر بهم أحد إلا حذروه أن يسمع ما يتلو محمد من كلمات ~~هي السحر. # والمصطفى يتلو من آيات ربه: # __________ # (1) ابن هشام: السيرة النبوية 1 / 288. # [ * ] PageV01P087 (ن، والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون * ~~وان لك لاجرا غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم * فستبصر ms038 ويبصرون * بايكم ~~المفتون * إن ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين. # ) وأوجس أبو طالب في نفسه خيفة، أن يظاهر عامة العرب قومه على ابن أخيه ~~فيجتمعوا ألبا عليه وعلى من ينصره من بني عبدالمطلب وهاشم، فأنشد في الموسم ~~قصيدة مطولة، يتعوذ فيها بحرم مكة ومكان المصطفى منها، ويعتب على أشراف ~~قومه ناشدا مروءتهم، ومعلنا في الوقت نفسه، أنه لن يخذل ابن أخيه ولن يتركه ~~لشئ أبدا أو يهلك دونه. # قال: إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها وإن حصلت ~~أشراف عبد منافها * ففى هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فإن محمدا * هو ~~المصطفى من سرها وكريمها تداعت قريش غثها وسمينها * علينا فلم تظفر وطاشت ~~حلومها PageV01P088 وكنا قديما لا نقر ظلامة * إذا ما ثنوا صعر الخدود ~~نقيمها # ونحمى حماها كل يوم كريهة * ونضرب عن أحجارها من يرومها. # وصدرت القبائل من ذلك الموسم بأمر المصطفى، فانتشر ذكره في بلاد العرب. # الايام تمضي. # وحزب الله يزداد على الاذى والاضطهاد قوة وثباتا. # وقريش تكاد تموت بغيظها، وما تلمح على المصطفى وأصحابه بادرة ضعف أو ~~تردد. # وفي نادى قريش، كان الزعماء يتدارسون الموقف الصعب، حين رأوا المصطفى ~~يأخذ طريقه إلى المسجد الحرام، وحيدا ليس معه صاحب. # قال لهم (عتبة بن ربيعة بن عبد شمس): - ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض ~~عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا ؟ قالوا وقد داخلهم ~~الخوف من إسلام حمزة بن عبدالمطلب: - بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه. # وقام عتبة حتى جلس إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال له متلطفا ~~متوددا: PageV01P089 - يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من الشرف في ~~العشيرة والمكان في النسب. # وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به ~~آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم. # فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها # بعضها. # قال عليه الصلاة والسلام: (قل يا أبا الوليد، أسمع). # وقال أبو الوليد: ms039 - يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا ~~الامر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا. # وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك. # وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا. # وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب ~~وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى ~~يداوى منه. # سأله المصطفى: (أقد فرغت يا أبا الوليد ؟) قال: نعم. # قال المصطفى: (فاسمع مني)، وتلا عليه الصلاة والسلام من سورة فصلت: (بسم ~~الله الرحمن الرحيم (حم، تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآنا ~~PageV01P090 عربيا لقوم يعلمون * بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ~~* وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب فاعمل إننا عاملون * قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى الي أنما إلهكم إله ~~واحد فاستقيموا إليه واستغفروه، وويل للمشركين). # وكان عتبة ينصت لها وقد ألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما # يسمع من المصطفى. # فلما انتهى صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: (ومن آياته الليل والنهار ~~والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذى خلقهن إن كنتم ~~إياه تعبدون). # سجد محمد عليه الصلاة والسلام، ثم قال لعتبة: (قد سمعت يا أبا الوليد ما ~~سمعت، فأنت وذاك). # ومضى عتبة مأخوذا بما سمع، حتى إذا دنا من مجلس أصحابه عرفوا أنه جاء ~~بغير الوجه الذى ذهب به. # فلما جلس إليهم سألوه: - ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال: ورائي أني قد ~~سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط. # والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. # يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ~~فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم. # فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه ~~عزكم وكنتم أسعد الناس به. PageV01P091 قالوا جميعا: سحرك والله يا أبا ms040 ~~الوليد بلسانه. # ورد عليهم: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم. # وبقي عتبة، مع ذلك، على دينهم ودين آبائهم..أسلم النهار أنفاسه مرهقا ~~مكدودا كأنه يتعجل الليل ليسدل ستارا من ظلامه على المشهد الفاجع للمؤمنين ~~المستضعفين من موالى قريش، وقد شدتهم بوثاق إلى جمر الصخور الملتهبة في لظى ~~الرمضاء، لعلهم يرتدون عن دين محمد، عليه الصلاة والسلام. # وبدا لقريش، وقد غربت الشمس، أن تدعو محمدا إلى مجلس زعمائها مجتمعين، ~~لعله يلين. # لقد فشلت المفاوضات مع عمه أبي طالب فلم يكفه عنهم ولم يسلمه إليهم. # وفشلت كذلك المساومة التي عرضها عليه أبو الوليد عتبة بن ربيعة. # وبقي أن يجربوا مواجهته لرؤسائهم مجتمعين، فيخاصموه حتى يعذروا فيه. # وحشدوا له فئة منهم، أعلاهم في قومهم كلمة وألدهم في الجدل والخصومة. # فيهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، ~~والنضر بن الحارث بن كلدة، وابو البختري بن هشام، وأبو الحكم، أبو جهل بن ~~هشام، والعاص بن وائل، وأمية ابن خلف.. PageV01P092 وأجاب المصطفى دعوتهم، ~~فجاء إلى حيث أخذوا مجالسهم بظهير الكعبة، وهو يرجو أن يكونوا قد تابوا إلى ~~رشدهم، وكان حريصا على هداهم يعز عليه عنتهم وضلالهم. # قالوا: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا ولله ما نعلم رجلا من ~~العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك: لقد شتمت الآباء وعيبت الدين وشتمت ~~الآلهة وسفهت الاحلام وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا جئته فيما بيننا ~~وبينك. # ومضوا في الحديث فعرضوا عليه ما سبق أن عرضه وافدهم إليه (عتبة بن ربيعة) ~~من مال وسيادة وملك وطب. # ورد المصطفى: (ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا ~~الشرف فيكم ولا الملك عليكم. # ولكن الله بعثنى إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني ان أكون لكم بشيرا ~~ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم. # فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي ~~أصبر لامر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. # ) قالوا مقترحين، يريدون إعناته: ms041 - يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا ~~مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أن ليس من الناس أحد أضيق بلدا ولا أقل ماء ~~ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه ~~الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهارا ~~PageV01P093 كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ~~فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول، أحق ~~هو أم باطل ؟ فإن صدقوك وصنعت لنا ما سألناك، صدقناك وعرفنا به منزلتك من ~~الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول. # قال عليه الصلاة والسلام، يرد على مقترحاتهم: (ما بهذا بعثت إليكم. # إنما جئتكم من الله بما بعثني به. # وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم. # فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وان تردوه علي أصبر لامر الله ~~حتى يحكم بيني وبينكم). # قالوا: - فإذ لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك: سل ربك أن يبعث معك ملكا # يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك. # وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك ~~تبتغي، فإنك تقوم بالاسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف ~~فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم. # وقال المصطفى كلمته: (ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما ~~بعثت بهذا. # ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا ~~والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لامر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم). # ولجوا في العناد فقالوا: PageV01P094 - فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت ~~أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل. # ورد المصطفى عليه الصلاة والسلام: (ذلك إلى الله، إن شاء أن يفعله بكم ~~فعله). # قالوا: يا محمد، أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب ~~منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك ~~بنا إذ لم نقبل ms042 ما جئتنا به ؟ إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل ~~باليمامة يقال له الرحمن، وإذا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا. # فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو ~~تهلكنا، فلن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا. # وأيقن المصطفى ألا معنى للمضي في ذلك الجدل العقيم. # فقام عنهم وقام معه ابن عمته عاتكة: عبدالله بن أبي أمية بن المغيرة ~~المخزومي، فقال له مخاصما: - يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله ~~منهم. # ثم سألوك لانفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ~~ويتبعوك فلم تفعل. # ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم ~~تفعل. # ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، فوالله لا أو ~~من بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى ~~تأتيها، ثم تأتي PageV01P095 معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما ~~تقول. # وايم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك: (1) وانصرف المصطفى إلى أهله ~~حزينا أسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه. # حتى آنسه الوحي بكلمات ربه: (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القران لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (89) ولقد صرفنا ~~للناس في هذا القران من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا (90) وقالوا لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا (91) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الانهار خلالها تفجيرا (92) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو ~~تأتي بالله والملئكة قبيلا (93) أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ~~ولن نؤمن لرقيك حتى # تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا (94) وما منع ~~الناس ان يؤمنوا إذ جاءهم الهدى الا ان قالوا أبعث الله بشرا رسولا (95) قل ~~لو كان في الارض ملئكة يمشون مطمئنين لنزلنا ms043 عليهم من السماء ملكا رسولا * ~~قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم، إنه كان بعباده خبيرا بصيرا. # ) (صدق الله العظيم) # __________ # (1) السيرة النبوية، عن ابن اسحاق: 1 / 315. # [ * ] PageV01P096 هل كان الكفار من قريش في تكذيبهم بالمصطفى وجحدهم ~~المعجزة، بحيث يغيب عنهم أن هذا القرآن ليس من قول البشر ؟ فيم إذن كان ~~عناؤهم بالاسلام وإعناتهم الرسول، وحرصهم على أن يأخذوا سبل الناس إلى مكة ~~في الموسم، ليصدوا العرب عن سماع هذا القرآن ؟. # وفيم كانت حيرتهم فيه لا يدرون بم يصفونه، وإنهم لعلى يقين من أنه ليس ~~بشعر ولا سحر ولا كهانة ؟ وزعموا أن محمد افتراه ؟ لقد عاجزهم القرآن، بآية ~~الاسراء، ومعهم من يظاهرهم من جن قيل إنها تلهم فحول شعرائهم روائع القصيد: ~~(قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا). # ثم تحداهم بعدها، في سورة يونس، أن يأتوا بسورة مثله، واحدة فحسب، ~~وليدعوا معهم من استطاعوا إن كانوا صادقين في زعم # الافتراء: (وما كان هذا القرآن ان يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون افتراه، قل ~~فاتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين) * بل ~~لماذا، وقد زعموا أن محمدا افتراه، لا يأتون بعشر سور مثله PageV01P097 ~~مفتريات، وإنه لبشر مثلهم ؟ بهذا تحدتهم آية هود: (أم يقولون افتريه قل ~~فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين ~~* فان لم يستجيبوا لكم فاعلموا انما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل ~~أنتم مسلمون *) بل لماذا وقد زعموا أنه تقوله، لا يتقولون مثل هذا الكتاب ~~العربي المبين، والعربية لغتهم والبيان طوع ألسنتهم ؟ وإنه ليتحداهم، بآية ~~الطور، أن يفعلوا: (فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون * أم يقولون ~~شاعر نتربص به ريب المنون * قل تربصوا فإني معكم من المتربصين * أم تأمرهم ~~أحلامهم بهذا، أم هم قوم طاغون * أم يقولون تقوله، بل ms044 لا يؤمنون * فليأتوا ~~بحديث مثله إن كانوا صادقين *. # ) ولقد كان فيهم كهان يتسلطون عليهم بسحر السجع، وخطباء بلغاء وشعراء ~~فحول، زعموا أن لهم توابع من الجن. # وأعياهم مع ذلك أن # يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن، كانت تعفيهم، لو استطاعوا مجتمعين أن ~~يأتوا بها، من مثل ذلك الجدل العقيم، والمفاوضات والمساومات، والمحاولات ~~المضنية لصرف العرب عن سماع القرآن، والتسلط على المسلمين بالاذى ~~والاضطهاد. # وتعفيهم مما كانوا يكرهون من تسفيه آبائهم وسب آلهتهم، ومما PageV01P098 ~~كانوا يوجسون في أنفسهم خيفة من صدام مسلح يتوقع بين لحظة وأخرى، وحرب تحصد ~~الرؤوس وتأكل الاهل والعشيرة، وتهدر حرمة البيت العتيق والبلد الحرام. # وهؤلاء هم، بكل جبروتهم وعنفوان عنادهم، يحتشدون لمقاومة بشر رسول، ~~معجزته كلمات من وحي ربه، يعلمون علم اليقين أنها ليست من قول البشر، ~~ويدركون حق الادراك أنهم لو خلوا بين المصطفى والعرب يتلو فيهم هذا الكتاب ~~العربي المبين، لما ترددوا في الايمان بالمعجزة. # وماذا عساهم، لو آمن العرب بدين التوحيد، صانعين بأوثانهم التي جعلت من ~~أم القرى المركز الاكبر للعبادة والتجارة ؟ وبالاوضاع السائدة والتقاليد ~~والاعراف الراسخة، التي ضمنت لقريش نفوذها وثراءها ؟ بينهم وبين هذا القرآن ~~حجاب: (ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون * ومنهم ~~من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون) # (حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته قرانا عربيا لقوم يعلمون ~~* بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون * وقالوا قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه وفي اذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إنا عاملون * قل ~~إنما أنا بشر مثلكم PageV01P099 يوحى الي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا ~~إليه واستغفروه وويل للمشركين *) (صدق الله العظيم) سجا الليل وهجعت أم ~~القرى، والمصطفى في بيته قائم لربه يتهجد بالقرآن حتى انبلج الفجر فصلى، ~~والنور البازغ يهل من شرق الافق. # وغير بعيد من بيته صلى الله عليه وسلم، التقى ثلاثة من مشركي قريش على ~~غير موعد: أبو سفيان بن حرب الاموى، وأبو جهل بن هشام المخزومي، والاخنس بن ms045 ~~شريق الثقفي. # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون فيم الخروج في هذا الوقت ؟ وإذا كل واحد ~~منهم قد تسلل في الليل مستترا بالظلام، فبات ليلته قريبا من بيت محمد، ~~ليستمع إليه وهو يصلي ويتلو القرآن ! فتلاوموا، وتعاهدوا على ألا يعودوا ~~إلى مثلها، لئلا يراهم بعض السفهاء فيوقعوا في نفسه شيئا، أو يقتفي خطاهم ~~فتنفذ كلمات القرآن إلى سمعه وقلبه وتملك عليه أمره. # في الليلة التالية، عاد كل رجل منهم خفية إلى موضعه قرب بيت المصطفى، وفي ~~حسابه أن صاحبيه على عهدهما ألا يخرجا إلى هذا الموقف # حتى طلع الفجر وتفرقوا فجمعهم الطريق، فتلاوموا وانصرفوا على مثل عهدهم ~~أول ليلة. PageV01P100 لكنهم عادوا خفية في الليلة الثالثة. # فأخذ كل منهم مجلسه هناك، فباتوا يستمعون إلى القرآن حتى مطلع الفجر، لا ~~يدري أحد منهم بمكان صاحبيه. # فلما جمعهم الطريق تناكروا واشتدوا على أنفسهم في التلاوم، وصمموا على ~~ألا يبرحوا مكانهم إلا على عهد وثيق ألا يعودوا لمثلها أبدا. # وأصبح الصبح فخرج (الاخنس بن شريق) من بيته مبكرا، يريد أن يحسم الامر. # أتى أبا سفيان في داره فابتدره قائلا: - أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك ~~فيما سمعت من محمد. # قال أبو سفيان، في حيرة وتعثر، وقد بوغت بالسؤال: - يا أبا ثعلبة، والله ~~لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ~~ما يراد بها. # ثم أمسك لم يزد. # فتركه الاخنس لم يدر ما رأيه، ومضى إلى أبي الحكم بن هشام يسأله الرأي ~~فيما سمع من محمد. # قال أبو جهل، في أخذة المباغتة: - ما سمعت ؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف ~~الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا. # حتى إذا كنا كفرسي رهان قالوا: (منا نبي يأتيه الوحي من السماء) فمتى ~~ندرك هذه ؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه (1). # __________ # (1) السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 337. # (*) PageV01P101 وانصرف الاخنس وقد انكشف له المستور من أمر أبي جهل. # تسامعت قريش بخروج سيد بني دوس: (الطفيل بن عمرو الدوسي) حاجا إلى مكة في ~~الموسم، فأسرع ms046 رجال منهم يستقبلونه على مشارفهما قبل أن يدخلها، وهم يحسبون ~~له ألف حساب. # كان شاعرا شريفا لبيبا مطاعا في قومه، فلو أن مشركي قريش تركوه يستمع إلى ~~القرآن، لاسلم وأسلمت من ورائه قبيلة دوس كلها. # قالوا: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل ~~بنا، وقد فرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين ~~أبيه وأخيه وزوجه وبنيه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا ~~تكلمنه ولا تسمعن له شيئا. # ثم ما زالوا به، ينصحون ويحذرون، حتى أقنعوه. # فاطمأنوا إلى وعده وقد أجمع ألا يكلم محمدا ولا يسمع منه. # واتجه طفيل إلى الكعبة وقد حشا أذنيه قطنا، يتقي به أن يبلغ سمعه صوت ~~الداعي إلى الاسلام. # غير أنه ما كاد يلمح المصطفى قائما يصلي عند الكعبة حتى اقترب منه على ~~غير قصد، فنفذت إلى سمعه كلمات من القرآن لم يصدها ما حشا به أذنيه. # قال يحدث نفسه مسترجعا: واثكل أمي ! والله إنى لرجل لبيب PageV01P102 ~~شاعر ما يخفى القول علي، فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما # يقول، فإن كان حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته ؟ وانتظر حتى انصرف ~~المصطفى إلى بيته، فاتبعه ودخل عليه فقال: - يا محمد، إن قومك قد قالوا لي ~~كذا وكذا. # فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني لئلا أسمع قولك. # ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك فسمعته قولا حسنا، فاعرض علي أمرك. # وعرض المصطفى عليه الاسلام، وتلا عليه القرآن. # فيقول الطفيل: (فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه. # فأسلمت وشهدت شهادة الحق. # وقلت: يا نبي الله، إني امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى ~~الاسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون عونا عليهم فيما أدعوهم إليه) ودعا ~~له المصطفى عليه الصلاة والسلام. # ورجع (الطفيل) إلى قومه ووجهه يتألق بنور الايمان، فأقام فيهم يدعوهم إلى ~~الاسلام. # حتى كانت غزوة خيبر - في مستهل السنة السابعة للهجرة ms047 - فوفد (الطفيل بن ~~عمرو الدوسي) على النبي صلى الله عليه وسلم في دار هجرته، ومعه سبعون أو ~~ثمانون بيتا أسلموا من بني دوس. # وبقي الطفيل في صحبة المصطفى حتى لحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الاعلى، ~~فقاتل صاحبه الطفيل مجاهدا في حرب الردة، حتى قتل شهيدا في (اليمامة) رضي ~~الله عنه. PageV01P103 هجرة إلى الحبشة (والذين هاجروا في الله من بعد ما ~~ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولاجر # الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون). # (صدق الله العظيم) ضري اضطهاد المشركين للمسلمين في مكة، وشق على المصطفى ~~صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم ~~منه، ولم يؤمر بقتال. # فنصح لهم قائلا: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده ~~أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه. # ) فخرج الفوج الاول من مهاجرة الحبشة، وفيهم (رقية بنت محمد) PageV01P104 ~~صلى الله عليه وسلم، مع زوجها (عثمان بن عفان) وابن خالها (الزبير ابن ~~العوام بن خويلد الاسد). # ومعهم من بني هاشم: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف. # ومن بني عبد شمس: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة - أخو هند وصهر أبي سفيان ~~بن حرب - تصحبه زوجه: سهيلة بنت سهيل بن عمرو العامري. # ومن بني زهرة، أخوال المصطفى: عبدالرحمن بن عوف الزهري. # ومن بني مخزوم، أصهار المصطفى: أبو سلمة بن عبد الاسد بن هلال، ابن عمة ~~المصطفى: برة بنت عبد المطلب. # معه زوجه (أم سلمة، هند بنت زاد الركب أبي أمية بن المغيرة المخزومي) ~~التي تزوجها محمد عليه الصلاة والسلام، بعد وفاة أبي سلمة من أثر جرح أصابه ~~في أحد. # وفصل الركب من أم القرى مودعا مغاني الصبا وديار الاهل والعشيرة. # وأخذوا طريق الجنوب وقد هون عليهم مشقة الاغتراب وشجن الفراق، أن هاجروا ~~في سبيل عقيدة آمنوا بها. # والتمسوا العوض عمن فارقوا من أهل وأحباب، في هؤلاء الصحب الكرام، رفاق ~~السفر والاخوة في الدين والهجرة. # رحبت الحبشة بالمهاجرين الاولين، ثم ms048 ما لبثت أن استقبلت أفواجا جديدة من ~~الصحابة المؤمنين، فيهم: جعفر بن أبي طالب - ابن عم المصطفى - وزوجه أسماء ~~بنت عميس، وعمرو بن سعيد بن العاص PageV01P105 الاموي، وأخوه خالد. # وعبد الله بن جحش - ابن عمة المصطفى أميمة بنت عبدالمطلب - معه امرأته ~~(رملة بنت أبي سفيان) أم، حبيبة ابنته، التى ولدتها له في الحبشة. # وعامر بن أبي وقاص الزهري. # والسكران بن عمرو العامري، معه امرأته (سودة بنت زمعة بن قيس) التي ترملت ~~وتزوجها المصطفى بعد عام الحزن. # وبلغت عدة المهاجرين ثلاثة وثمانين رجلا، خرجوا من ديارهم وأموالهم ~~مهاجرين بدينهم. # وجاءت الانباء من الحبشة، أنهم وجدوا فيها دارا ومأمنا، وتناشد المسلمون ~~في مكة قصيدة المهاجر (عبدالله بن الحارث بن قيس) وفيها يقول: يا راكبا ~~بلغن عني مغلغلة * من كان يرجو بلاغ الله والدين كل امرئ من عباد الله ~~مضطهد * ببطن مكة مقهور ومفتون # إنا وجدنا بلاد الله واسعة * تنجي من الذل والمخزاة والهون فلا تقيموا ~~على ذل الحياة وخز * ي في الممات وعيب غير مأمون PageV01P106 جن غيظ قريش، ~~فندبت اثنين من دهاتها: عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، ليرحلا إلى ~~الحبشة فيفسدا ما بين النجاشي والمهاجرين المغتربين، ويسعيا لديه حتى ~~يخذلهم ويسلمهم إلى قومهم. # وبعثت معهما الهدايا مما يستطرف من أسواق مكة، رشوة إلى النجاشي ~~وبطارقته، فانطلقا بها على مرأى ومسمع من المصطفى عليه الصلاة والسلام ~~والذين معه في أم القرى. # وأشفق أبو طالب من مكيدة الرجلين، على من بأرض الحبشة من المهاجرين، ~~وفيهم ابنه جعفر، وولدا بنتيه برة وأميمة، وحفيدة أخيه عبدالله رقية بنت ~~محمد، وابن عمه مصعب بن عمير. # فأنشد شعرا رجا أن يبلغ سمع النجاشي: ألا ليت شعري كيف في النأي جعفر * ~~وعمرو، وأعداء العدو الاقارب وهل نالت أفعال النجاشي جعفرا * وأصحابه، أو ~~عاق ذلك شاغب تعلم أبيت اللعن أنك ماجد * كريم فلا يشقى لديك المجانب وأنك ~~فيض ذو سجال غزيرة * # ينال الاعادي نفعها والاقارب فهزت قريش رؤوسها لما سمعت نداءه، وقال ~~قائلها مستهزئا: ما يبلغ صوت الشيخ ms049 أبي طالب من مكيدة عمرو وصاحبه ؟ وما ~~يجدي PageV01P107 الشعر مع الهدايا التي حملاها من مكة رشوة إلى النجاشي ~~وبطارقته ؟ بدأ وافدا قريش بالبطارقة، فقبل كل بطريق هديته ووعد خيرا. # ثم تقدما إلى النجاشي فوضعا الهدايا بين يديه وقالا له: (أيها الملك، إنه ~~قد ضوى إلى بلدك غلمان منا سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، ~~وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت. # وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم ~~إليهم، فهم أبصر بهم وأعلم بما عابوا عليه وعاتبوهم فيه). # وأيد البطارقة المرتشون التماس الرجلين وقالوا للنجاشي: (صدقا أيها ~~الملك. # قومهم أعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فيرداهم إلى بلادهم وقومهم). # لكن النجاشي أبى أن يسلمهم قبل أن ينظر في أمرهم ويسمع ما يقولون. # وأمر باستدعاء رجال منهم فجاءوا وقد دعا النجاشي أساقفته ومعهم كتبهم ~~الدينية. # سأل المهاجرين: - ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في دينى ~~ولا في دين أحد من هذه الملل ؟ فأجاب عنهم جعفر بن أبي طالب: (أيها الملك، ~~كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الاصنام وناكل الميتة # ونأتي الفواحش ونقطع الارحام ونسئ الجوار ويأكل القوي منا الضعيف. ~~PageV01P108 فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه ~~وأمانته وعفافه. # فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من ~~الحجارة والاوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الامانة وصلة الرحم وحسن ~~الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال ~~اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا ~~بالصلاة والزكاة والصيام. # فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم ~~نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا. # فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الاوثان ~~وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. # فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى ~~بلادك واخترناك على ms050 من سواك ورغبنا في جوارك، ورجونا ان لا نظلم عندك أيها ~~الملك). # سأله النجاشي: - هل معك مما جاء به عن الله من شئ فتقرأه علي ؟ فقرأ جعفر ~~بن أبي طالب آيات من سورة مريم، لم تكد تترجم وتنفذ إلى سمع النجاشي حتى ~~اغرورقت عيناه بالدمع خشوعا وتأثرا. # وكذلك بكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم. # وقال النجاشي، موجها خطابه إلى وافدي قريش: (إن هذا، الذى سمعت، والذى ~~جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. # انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون). PageV01P109 وانصرفا، ~~أما عبدالله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين - فساوره ما يشبه القلق، لما ~~رأى من خشوع النجاشي وأساقفته عندما سمعوا القرآن. # وأخجله أن يكون هذ الملك لغريب أبر بالمهاجرين من قومهم وذوي أرحامهم. # وأما عمرو بن العاص فلم يجد في موقف النجاشي ما يدعو إلى يأس، وله من ~~ذكاء الحيلة وبراعة الدهاء ما يغريه بمعاودة الكرة. # قال لصاحبه: (ولله لآتين النجاشي غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم). # ورد عبد لله: (لا تفعل، فإن لهم أرحاما وإن كانوا خالفونا). # فلم يبال عمرو تراجع صاحبه، بل قال كمن لم يسمع رده: (ولله لاخبرنه أنهم ~~يزعمون أن عيسى بن مريم عبد). # وسعى في الغد إلى قصر النجاشي فاستأذن في الدخول وقال بعد أن حياه: - ~~أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلهم ~~عما يقولون فيه. # وأمر النجاشي فجئ بجعفر بن أبي طالب وصحبه من وفد المهاجرين، وقد سمعوا ~~بمكيدة عمرو، وأجمعوا أمرهم على أنهم إذا سئلوا عما يقولون في عيسى بن ~~مريم، لم يجيبوا بغير ما جاءهم به المصطفى من وحي ربه. # فلما اجتمع المجلس ابتدرهم النجاشي يسأل: - ماذا تقولون في عيسى بن مريم ~~؟ PageV01P110 أجاب جعفر: - نقول والله ما قال الله وما جاءنا به نبينا صلى ~~الله عليه وسلم: هو عبدالله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء ~~البتول. # فمد النجاشي يده فالتقط عودا من الارض ثم قال لجعفر وصحبه: والله ما عدا ~~عيسى بن مريم ما ms051 قلت هذا العود. # اذهبوا فأنتم آمنون بأرضي، من سبكم غرم، وما أحب أن لي جبلا من ذهب وأني ~~آذيت رجلا منكم. # ثم التفت إلى بطارقته وقال وهو يشير إلى وافدي قريش: (ردوا عليهما ~~هداياهما فلا حاجة لي بها. # فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه. # وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه) (1). # مع المهاجرين إلى الحبشة، كانت (رملة بنت أبي سفيان بن حرب) في صحبة ~~زوجها (عبيد الله بن جحش الاسدي) ابن عمة المصطفى، أمية بنت عبدالمطلب. # خشيت أذى أبيها قائد المشركين في حربهم للاسلام، فرحلت مهاجرة، وتركته ~~بمكة قد جن غيظه وقهره، أن أسلمت ابنته وليس له إليها سبيل. # وفي الحبشة، وضعت رملة بنتها (حبيبة بنت عبيد الله) فما # __________ # (1) من حديث الهجرة. # رواه ابن اسحاق - (السيرة النبوية: 1 / 357) - بإسناد عن (أم سلمة) وكانت ~~رضي الله عنها إحدى المهاجرات. # [ * ] PageV01P111 كادت تأنس بها عمن فارقت في مكة من أهل ووطن، حتى روعت ~~بما لم تروع به مسلمة غيرها: # ارتد عبيد الله عن دينه الذي هاجر به إلى الحبشة، واعتنق النصرانية دين ~~الاحباش. # وكادت (أم حبيبة) تهلك غما وحسرة: فيم كانت هجرة عبيد الله، ومحنة البلاء ~~بأذى قومه ؟ لقد كان أكرم له أن يبقى على دين آبائه وأن يناضل عنه مع أهله ~~وعشيرته، دفاعا عن مقدسات موروثة. # أما أن يكفر بدين قومه ويرضى الاسلام دينا، ليصبأ في الحبشة ويستبدل ~~بالاسلام دينا لقوم غرباء، كمن يبدل ثوبا بثوب، فأية مهانة وأي عار ؟ وهذه ~~الوليدة الحبيبة، ما ذنبها لتبتلى بأب صابئ مرتد ؟ وما جريرتها لتبدأ ~~الحياة في أرض غريبة وقد انبت ما بين أبويها وتمزق شمل أهلها وتوزعتهم ملل ~~شتى: فأبوها نصراني، وأمها مسلمة، وجدها مشرك عدو للاسلام ؟ واعتزلت (أم ~~حبيبة) الناس بابنتها، مضاعفة الغربة، قد تقوض بيتها في منازل المهاجرين، ~~ولا سبيل لها إلى أرض الوطن، وأبوها هناك يضطهد الدين الذي آمنت به، ويؤذي ~~النبي الذى صدقته واتبعته. # وأين تراها تقيم في أم القرى لو عادت ؟ PageV01P112 أفي ms052 بيت أبويها وقد ~~حيل بينها وبينه منذ أسلمت ؟ أم في دار آل جحش رهط زوجها، وقد أوصدت ~~أبوابها وصارت منهم مقفرة خلاء ؟ # لقد بلغها من أنباء مكة أن (عتبة بن أبي ربيعة، والعباس بن عبدالمطلب، ~~وأبا جهل بن هشام بن المغيرة) مروا بدار بني جحش وهم مصعدون إلى أعلى مكة، ~~فنظر إليها (عتبة) تخفق أبوابها يبابا ليس فيها ساكن، ثم تنفس الصعداء وقال ~~معتبرا: وكل دار وإن طالت سلامتها * يوما ستدركها النوباء والحوب أصبحت دار ~~بني جحش خلاء من أهلها). # فقال أبو جهل: (وما تبكي عليه ؟) ثم استطرد: (هذا عمل ابن أخي، فرق ~~جماعتنا وشتت أمرنا وقطع بيننا) (1). # كلا، لا سبيل لرملة إلى مكة والمعركة محتدمة بين أبيها والنبي الذي ~~تصدقه، ودار بني جحش تخفق أبوابها يبابا ! في عزلتها الحزينة، جاءتها رسالة ~~النجاشي مع مولاة له: (إن الملك يقول لك: وكلي من يزوجك من نبي العرب، فقد ~~أرسل إليه ليخطبك له !). # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 2 / 115. # (*) PageV01P113 لم تصدق أم حبيبة سمعها، فلما أعادت عليها مولاة النجاشي ~~الرسالة التي جاءتها بها، استيقنت من البشرى فنزعت سوارين لها من فضة، ~~قدمتهما إلى أبرهة حلاوة البشرى (1). # ثم أرسلت إلى (خالد ابن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس) - كبير ~~المهاجرين من قومها بني أمية، فوكلته في زواجها. # وتم عقد الزواج، وأولم النجاشي وليمته لشهود العقد من المسلمين ~~المهاجرين. # وباتت أم حبيبة ليلتها وهي أم المؤمنين. # وفي الصباح حملت إليها مولاة النجاشي هدايا نسائه من عود وعنبر وطيب. # فقالت أم المؤمنين وهي تقدم إليها خمسين دينارا، من صداقها: (كنت أعطيتك ~~السوارين أمس وليس بيدي شئ من المال، وقد جاءني الله عزوجل بهذا). # فأبت الفتاة أن تمس الدنانير، وردت السوارين قائلة إن الملك أجزل لها ~~العطاء وأمرها ألا تأخذ من السيدة زوج النبي العربي شيئا، كما أمر نساءه أن ~~يبعثن إليها مما عندهن من طيب. # وتقبلت أم المؤمنين الهدية شاكرة، فاحتفظت بها حتى حملتها معها إلى بيت ~~النبي حين تركت الحبشة إلى المدينة في ms053 السنة السادسة للهجرة، فكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يرى عندها طيب الحبشة وعودها فلا ينكره. # (1) # __________ # (1) الاصابة: الجزء الثامن. # وتاريخ الطبري 3 / 89. # والسمط الثمين للمحب الطبري: 97، 98. # (*) PageV01P114 في انتظار عودة عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من ~~الحبشة، التمست قريش غفوة تنسى فيها قهرها وهمها، وتستمرئ مذاق أحلامها ~~برجوع وافديها إلى النجاشي، ومعهما المهاجرون مطرودين من جواره وأرضه، ~~لتسومهم سوء العذاب فيكونوا عبرة لغيرهم من المسلمين، لا رجاء لاحد منهم ~~بعدها في مهرب، وقريش من ورائهم تطاردهم فتدركهم حيثما ذهبوا، فكأنهم ~~وإياها نابغة بني ذبيان إذ يقول للنعمان ابن المنذر: # فإنك كالليل الذى هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع لكنها غفوة لم ~~تطل: خبر تردد في أحياء مكة، هز مضاجع الغافين وأطار النوم من عيونهم ومزق ~~أحلامهم بددا. # واسترابوا في يقظتهم تحت صدمة المباغتة، فخيل إليهم أن ما يسمعون عن (عمر ~~بن الخطاب) لا يعدو أن يكون من أضغاث الهواجس وهذيان الوهم. # أيمكن أن يسلم عمر ؟ لا بد أن من نقل الخبر وهم فيه كما وهمت (أم عبدالله ~~بن عامر) حين مر بها عمر بن الخطاب وهي وأهلها يترحلون إلى أرض الحبشة، وقد ~~خرج زوجها عامر بن ربيعة في بعض حاجاتهم. # قال لهم عمر: إنه للانطلاق يا أم عبدالله ؟ PageV01P115 فردت عليه وقد ~~ذكرت ما كانوا يلقون من البلاء والاذى: - نعم والله، لنخرجن في أرض الله. # آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله مخرجا. # فما زاد عمر على أن قال: صحبكم الله ! فأحست منه رقة لم تكن تراها من ~~قبل، وتحدثت بذلك إلى زوجها عامر حين عاد، وقالت فيما قالت: - يا أبا ~~عبدالله، لو رأيت عمر آنفا، ورقته وحزنه علينا ؟ # سألها زوجها مستخفا بسذاجتها وطيب قلبها: - أطمعت في إسلامه ؟ أجابت: ~~نعم. # قال عامر: فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار ابن الخطاب ! وتناقل ~~المشركون كلمته، وما منهم إلا وهو على رأي عامر بن ربيعة، يأسا من إسلام ~~عمر بن الخطاب، لما كان يرى من غلظته وشدة قسوته على الاسلام. ms054 # وما كان الذي ظنته (أم عبدالله بن عامر) من رقته إلا وهما. # أو هذا هو ما تعلل به المشركون وهم يسمعون ما أنكرت آذانهم من القصة ~~الغريبة عن إسلام عمر بن الخطاب. # خرج متوشحا سيفه، وأخذ مسراه إلى (الصفا) وفي عينيه بريق يتوهج. ~~PageV01P116 فهناك عند الصفا بيت يعرفه، سمع أن محمدا يجتمع فيه مع رهط من ~~صحابته، نحو أربعين، ليعبدوا رب محمد. # وفي طريقه إلى هذا البيت عند الصفا، لقيه (نعيم بن عبدالله) فسأله: أين ~~تريد يا عمر ؟ أجاب: أريد محمدا هذا الصابئ الذى فرق أمر قريش وسفه أحلامها ~~وعاب دينها وسب آلهتها، فأقتله. # قال له نعيم: - غرتك نفسك يا عمر ! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على ~~الارض وقد قتلت محمدا ؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟ سأله عمر ~~مستريبا: # - وأي أهل بيتي ؟ قال نعيم: - صهرك وابن عمك، سعيد بن زيد بن عمر، وزوجه ~~فاطمة بنت الخطاب. # أختك. # فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما. # وصك الخبر مسمع عمر، فعدل عن طريق الصفا وانطلق إلى بيت صهره وابن عمه، ~~يهدر بالغضب والوعيد. # فلما دنا من البيت، توقف يصغي إلى تلاوة خافتة، ثم اقتحم الباب فلمح أخته ~~فاطمة تخفي صحيفة معها. # سأل وهو ينقل بصره بينها وبين زوجها سعيد: PageV01P117 - ما هذه الهيمنة ~~التي سمعت ؟ لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه. # وبطش بابن عمه سعيد بن زيد، فقامت فاطمة لتكفه عن زوجها فضربها فشجها، ~~وعندئذ قالا معا، في تحد وإصرار: - نعم لقد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، ~~فاصنع ما بدا لك. # وفجأة تراخت قبضة عمر عن سعيد، وكأنما أخذ بإيمانهما أو كأنه ندم حين رأى ~~دم أخته يتدفق من أثر شجته. # قال لها مسترجعا: - أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرأون منها آنفا، ~~أنظر ما هذا الذي جاء به محمد. # وأقسم لها بآلهته، ليردن الصحيفة إليها بعد أن ينظر ما فيها. # لكنها أبت عليه أن يمسها حتى تطهر، فأعطته إياها وفيها (سورة طه) # وقرأها عمر فبدا عليه الخشوع وقال: ms055 - ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ! وعاد ~~الساري فأخذ طريقه إلى الصفا. # طرق باب البيت على المصطفى وصحابته، فقام رجل منهم فنظر من خلل الباب، ثم ~~أقبل على المصطفى فقال وما يخفي فزعه: - يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب ~~متوشحا السيف. # قال عليه الصلاة والسلام: (ائذن له). # ونهض إليه فلقيه في الحجرة وسأله: - ما جاء بك يا ابن الخطاب ؟ ~~PageV01P118 أجاب عمر: جئتك لاومن بالله، وبرسوله، وبما جاء من عند الله. # عندئذ كبر المصطفى عليه الصلاة والسلام تكبيرة عرف منها أهل البيت من ~~الصحابة (أن عمر قد أسلم). # وسرى صداها في أرجاء مكة بخبر إسلام عمر، فبات المشركون بين مصدق ومكذب. # حتى غدا (عمر) عليهم في أنديتهم حول الكعبة، وقد تقدمه ابن معمر الجمحي، ~~فصاح بأعلى صوته: - يا معشر قريش، ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ. # قال (عمر) من خلفه: - كذب، ولكني أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا عبده ورسوله. # وثاروا إليه، فواجههم فردا لا يباليهم، ثم أخذ مجلسه قرب الكعبة # وهو يقول: - افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد ~~تركناها لكم أو تركتموها لنا !. PageV01P119 الحصار. # وعام الحزن (ما عندكم ينفذ وما عند الله باق، وليجزين الذين صبروا أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون). # (صدق الله العظيم) لم يكن المشركون من قريش قد أفاقوا من صدمة إسلام عمر ~~بن الخطاب، حين عاد وافداهم إلى النجاشي، يحملان إلى مكة صدمة الخيبة وفشل ~~المسعى. # فهل لم يبق إلا الحرب ؟ لقد رفض المصطفى كل ما عرضوه عليه من مقترحات ~~ليكف عن دعوته، وأبى أن يساوموه على دينه. PageV01P120 وكذلك فشلت كل ~~المفاوضات مع أبي طالب، ليكف عنهم ابن أخيه أو يخلي بينهم وبينه. # والاسلام يفشو في القبائل، وزعامة قريش تهتز وتترنح، وتوشك أن تفقد ~~سيطرتها على الموقف، وقد اعتز الاسلام بحمزة بن عبدالمطلب وعمر بن الخطاب، ~~ومثلهما في الرجال قليل. # وهذا النجاشي يفتح بلاده لمن يهاجر من المسلمين، ويؤمن كل من يلجأ إليه ~~منهم، ويأبى أن يمسهم ms056 أذى في جواره. # وبدأت قريش تتأهب لجولة حاسمة، ولمح أبو طالب نذر الشر فدعا عشيرته ~~الاقربين إلى منع محمد - صلى الله عليه وسلم - والقيام دونه، فأجابوه، إلا ~~أبا لهب، عبد العزى ابن عبدالمطلب بن هاشم. # لكن قريشا، وقد عيل صبرها من صبر المسلمين، كرهت أن تخوض حربا مسلحة مع ~~آل عبدالمطلب وبني هاشم، وهم من صميمها. # واستقر الرأي بعد طول مداولات، على أن تفرض عليهم حصارا اقتصاديا ~~واجتماعيا لا يرحم. # واجتمع زعماء قريش فائتمروا فيما بينهم على مقاطعة بني هاشم: لا يصهرون ~~إليهم ولا يبيعونهم شيئا ولا يبتاعون منهم. # وسجلوا حلف التعاقد في صحيفة علقوها في جوف الكعبة، توثيقا لحرمتها ~~وتوكيدا على أنفسهم في التزامها (1). # __________ # (1) السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 379 وتاريخ الطبري: 2 / 225. # [ * ] PageV01P121 وأقاموا على ذلك الحلف المشئوم زمنا، سنتين أو ثلاثا، ~~لقي فيها المسلمون والهاشميون من جهد الحصار ما لا يحتمل، وحيل بينهم، وقد ~~انحازوا إلى شعب أبي طالب، وبين الطعام والشراب يشترونه من التجار الوافدين ~~على أسواق مكة، وقد يأتي أحد المنحازين إلى الشعب سوق مكة يلتمس قوتا ~~يشتريه لعياله، فيقوم أبو لهب ويصيح بالتجار: (غالوا على أصحاب محمد حتى لا ~~يدركوا معكم شيئا، وقد علمتم مالي ووفاء ذمتي). # فيزيد التجار ثمن السلعة أضعافا مضاعفة، ويرجع أصحاب محمد إلى صبيتهم ~~بالشعب وليس في أيديهم طعام، ويرجع التجار إلى أبي لهب فيفيهم ثمن ما غالوا ~~فيه على المحاصرين فلم يدركوه. # وبلغ منهم الجوع وجهد الحصار مبلغا يصوره قول (سعد بن أبي وقاص) بعد محنة ~~الحصار بسنين: (لقد جعت حتى إني وطئت ذات ليلة على شئ رطب فوضعته في فمي ~~وبلعته، وما أدري ما هو حتى الآن). # وكانت التمرة الواحدة ربما وقعت لاثنين منهم يقتسمانها فيكون أحسنهما حظا ~~من وقعت نواة التمرة في قسمه، يلوكها بقية يومه ! وإنما كان طعامهم الخبط ~~وورق السمر، وما قد يأتيهم به سرا بعض ذوي رحمهم، بدافع من المروءة ~~والنجدة، مستخفيا به من طواغيت قريش الساهرين على إحكام الحصار وإنفاذ ~~وثيقة المقاطعة. # نقل ms057 ابن هشام في (السيرة النبوية) والطبري في (تاريخه) أن أبا ~~PageV01P122 جهل بن هشام لقي (حكيم بن حزام بن خويلد الاسدي) معه غلام يحمل ~~قمحا، يريد به عمته (خديجة بنت خويلد) مع زوجها المصطفى في شعب أبي طالب. # فتعلق أبو جهل بحكيم وقال له: - أتذهب بالطعام إلى بني هاشم ؟ والله لا ~~تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة. # ولمحهما (أبوالبختري بن هاشم الاسدي) فجاء يسأل أبا جهل: مالك وله ؟ قال: ~~يحمل الطعام إلى بني هاشم. # فما راعه إلا أن قال أبوالبختري: (وما في هذا ؟ طعام كان لعمته عنده، ~~بعثت إليه فيه. # أفتمنعه أن يأتيها بطعامها ؟ خل سبيل الرجل). # فرفض أبو جهل أن يستجيب له، وتشادا فأخذ أبوالبختري لحي بعير فضربه به ~~فشجه، ووطئه وطئا شديدا. # وحمزة بن عبدالمطلب يرى ذلك من قرب، ويتأهب للبطش بأبي جهل. # وهم يكرهون مع هذا ان يبلغ خبر ذلك ومثله، رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه بالشعب. # ثم كان لليل الحصار آخر: اهتزت ضمائر نفر من قريش فأنكروا الحلف المشئوم ~~الذي تورطوا PageV01P123 في التعاقد عليه منفعلين بعاطفة الجماعة وغريزة ~~القطيع. # وقد صبروا عليه طويلا مكرهين، حتى بلغ ذروته القاسية في مثل ما كان من ~~أبي جهل بن هشام مع حكيم بن حزام. # وكان أول من تكلم في الحلف وسعى في نقضه (هشام بن عمرو ابن ربيعة ~~العامري) وكانت تربطه بالهاشميين صلة رحم، فهو ابن أخي نضلة بن هاشم، لامه. # وقد دأب طول مدة الحصار، على أن يصلهم. # فكان يأتي ليلا بالبعير قد أوقره طعاما أو ثيابا، حتى إذا بلغ به مدخل ~~الشعب خلع خطامه من رأسه وضربه على جنبه، فيدخل البعير الشعب على من فيه، ~~بما يحمل. # فلما طال عليهم جهد الحصار، مشى هشام بن عمرو بن ربيعة العامري، إلى ~~(زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي زاد الركب) # وأمه عاتكة بنت عبدالمطلب، عمة المصطفى. # قال له هشام: (يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح ~~النساء، وأخوالك حيث علمت، لا يباعون ولا يبتاع ms058 منهم، ولا ينكحون ولا ينكح ~~إليهم ؟ أما إني أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته ~~إلى مثل ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدا). # ففكر زهير مليا ثم سأل: (ويحك يا هشام، فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد. # والله لو كان PageV01P124 معي رجل آخر لقمت في نقض الصحيفة حتى أنقضها). # قال هشام: قد وجدت رجلا. # فسأله: من هو ؟ أجاب: أنا ! قال زهير: ابغنا رجلا ثالثا. # فذهب هشام إلى (المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف) فقال له: (يا مطعم، ~~أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش ~~فيه ؟ أما والله لئن أمكنتموهم من هذه، لتجدنهم إليها منكم سراعا). # فكان جواب مطعم كجواب زهير. # وخرج هشام يبغي رجلا رابعا، فاختار (أبا البختري بن هشام الاسدي) لما عرف ~~من مروءته ونخوته، وما ذاع من خبره مع أبي جهل # حين أراد أن يحول بين حكيم بن حزام الاسدي، والذهاب بالطعام إلى عمته. # حدثه هشام العامري بمثل ما حدث به صاحبيه زهيرا ومطعما، وسأله ~~أبوالبختري: هل أجد من يعين على هذا ؟ أجاب هشام: نعم، زهير بن أبي أمية ~~المخزومي زاد الركب، ومطعم بن عدي بن نوفل، وأنا، معك). # فنظر أبوالبختري بعيدا إلى ما يتوقع من حمق قريش في غضبها للحلف المعقود ~~الموثق، وطلب إلى هشام أن يبغي مؤيدا خامسا، فذهب PageV01P125 إلى (زمعة بن ~~الاسود بن عبدالمطلب الاسدي) فكلمه في بني هاشم، وذكر له قرابتهم منه وحقهم ~~عليه. # فأجاب زمعة. # وتواعد الرجال الخمسة على اللقاء ليلا بخطم الحجون، أعلى مكة. # وهنالك أجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام في أمر الصحيفة الظالمة حتى ~~ينقضوها. # واختاروا من بينهم (زهير بن أبي أمية المخزومي. # ليكون أول من يجاهر برفض الصحيفة ونقض الحلف، في مجتمع قريش بأم القرى. # فلما أصبحوا وغدت قريش إلى أنديتها، غدا (زهير) عليه حلة، فطاف بالبيت ~~العتيق سبعا ثم أقبل على الناس فقال: (يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس ~~الثياب وبنو هاشم ms059 هلكى لا يباع لهم ولا يبتاع منهم ؟ والله لا أقعد حتى تشق ~~هذه الصحيفة القاطعة الظالمة). # صاح أبو جهل بن هشام، وكان في ناحية من البيت الحرام: # (كذبت، والله لا تشق). # فرد عليه زمعة بن الاسود: (أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حيث كتبت !) ~~وثنى أبوالبختري: (صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقره). # وأيدهما مطعم بن عدى: (صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ~~ومما كتب فيها). PageV01P126 وتكلم هشام بن عمرو، فقال نحو ما قالوا. # وبهت أبو جهل، والاصوات تأتيه من كل ناحية بالتكذيب والرفض، فنقل بصره ~~حائرا بين هؤلاء الرجال الخمسة، ثم لم يجد في أخذة المباغتة بموقفهم سوى أن ~~يقول: (هذا أمر قضي فيه بليل، تشوور فيه بغير هذا المكان). # لم يلقوا إليه بالا، وقام المطعم على مرأى من الجمع، وأبو طالب هناك قد ~~انتحى ناحية من المسجد - فانتزع الصحيفة من مكانها في جوف الكعبة ليشقها، ~~فإذا بالارضة قد أكلتها وأتلفتها، لم تدع منها إلا كلمة: (باسمك اللهم) !. # وجمت قريش، ونهض أبو طالب يسعى إلى من في شعبه بالبشرى، وقد ذكر وهو في ~~طريقه من البيت العتيق، بنيه الذين هاجروا إلى الحبشة، فهتف منشدا، يرجو أن ~~يبلغهم هنالك صدى صوته: ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا * # على نأيهم، والله بالناس أرود فيخبرهم أن الصحيفة مزقت * وأن كل ما لم ~~يرضه الله مفسد تراوحها إفك وسحر مجمع * ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد ~~PageV01P127 جزى الله رهطا بالحجون تتابعوا * على ملا، يهدي لحزم ويرشد ~~قعودا لدى خطم الحجون كأنهم * مقاولة، بل هم أعز وأمجد قضوا ما قضوا في ~~ليلهم ثم أصبحوا * على مهل إذ سائر الناس رقد وكنا قديما لا نقر ظلامة * ~~وندرك ما شئنا ولا نتشدد فيا لقصي هل لكم في نفوسكم * وهل لكم فيما يجئ به ~~غد فإني وإياكم كما قال قائل: * (لديك البيان لو تكلمت أسود) (1) وأيقظ ~~صوته كل من في الشعب، فهللوا للبشرى وهتف المسلمون منهم: (الله أكبر). # وسعوا إلى الكعبة ms060 فطافوا بها، ثم آبوا إلى بيوتهم في أم القرى، ينتظرون ~~ماذا يكون من أمر قريش بعد أن تهاوى الحصار. # __________ # (1) حديث الحصار هنا، منقول من (السيرة النبوية) 1 / 379 و (تاريخ ~~الطبري) 2 / 225. # [ * ] PageV01P128 لكن محنة الحصار لم تنجل إلا لتسلم إلى ليل طويل لا ~~يبدو له آخر. # ماتت (السيدة خديجة) أم المؤمنين الاولى، وزوج نبيهم المصطفى وسكنه ~~ووزيره، في العاشر من رمضان سنة عشر من المبعث. # ومات في العام نفسه (أبو طالب) عم المصطفى وكافله ومانعه، ومن كان له ~~عضدا وحرزا وناصرا على قومه. # فأحيا موتهما ما مات من أمل المشركين في النصر بعد تهاوي الحصار، فعادت ~~وطأة الاضطهاد إلى أشد ما كانت عليه قبل (عام الحزن). # وأحس المصطفى وحشة الغربة في بيته وأرض مبعثه، واشتدت عليه وطأة الحزن ~~لفقدهما، حتى خيل لاعدائه أن النصر عليه جد قريب، ما دروا أن الظلمة تشتد ~~قبيل الفجر ! أدرك عليه الصلاة والسلام أن الموقف لا بد أن يتخذ متجها آخر. # وراح يمد بصره إلى ما وراء مكة، يستوعب أبعاد الرؤية لما يحتمل من متجه ~~الاحداث. PageV01P129 الاسراپء (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا، إنه هو السميع ~~البصير). # (صدق الله العظيم) # قبل الهجرة كانت رحلة الاسراء، وقد اقترب أوان التحرك إلى موقع جديد، بعد ~~أن بلغت الجولة المكية ذروة تعقدها. # واحتاج مثل ذلك التحول الخطير إلى عملية امتحان قبله، تستخلص الصفوة ~~المؤمنة التي تصلح لاجتياز معبر التحول، وتقدر على حمل تكاليف الجهاد في ~~الجولة الصعبة التي كانت تنتظر الاسلام في دار هجرته. PageV01P130 وفى ~~الواقع التاريخي، أن السنوات العشر الاولى من المبعث، مضت تمتحن المسلمين ~~الاولين بالفتنة والاذى والاضطهاد. # وقد تأخر الاذن لهم في القتال، ريثما تتم عملية الامتحان والتمحيص، فكان ~~الثبات لوطأة الفتنة وجهد الحصار، يستصفي للاسلام جنده المخلصين. # ثم جاءت آية الاسراء، تتمة حاسمة لهذا الاستصفاء. # لم تكد الليلة في أولها، تختلف عن ليال سابقات تتابعت على مدى سنين، من ~~ليلة المبعث: طواغيت ms061 المشركين من قريش مجتمعون في دار الندوة، يحورون ~~ويدورون في حلقة مفرغة، التماسا لوسيلة أو ثغرة ينفذون منها عبر الطريق ~~المسدود. # والمصطفى عليه الصلاة والسلام، قد أقام صلاة العشاء فيمن كان معه من آله ~~وصحبه، وأوى إلى خلوته يتعبد ويتهجد كعادته في كل ليلة، وما من أحد يتوقع ~~أن يأتي الفجر القريب بجديد غير المعهود المألوف في أم القرى. # وبزغ نور الفجر، والمصطفى حيث تركه آله وأصحابه بعد صلاة # العشاء، وقام عليه الصلاة والسلام فصلى بمن معه، ثم جلس فيهم بعد الصلاة ~~يحدثهم أنه قد أسري به في ليلته تلك، من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى. ~~PageV01P131 واشرأبت إليه قلوبهم، وشدت أسماعهم إلى حديث الاسراء، ولو ~~استطاعوا لامسكوا أنفاسهم المبهورة، لكي يخلص إليهم صوت نبيهم في أنقى ~~صفائه وتفرده. # وانتهى الحديث، وران عليهم صمت خاشع، أخذهم فيه العجب كل مأخذ وهم ~~يستعيدون فيما بينهم وبين أنفسهم حديث الاسراء، ويحاولون أن يستوعبوا أبعاد ~~رؤياه الباهرة، ويتمثلوا مشاهده المثيرة. # ولعلهم ما كانوا ليجرحوا هذا الصمت، لولا أن رأوا النبي عليه الصلاة ~~والسلام يقوم من مصلاه، آخذا طريقه إلى حيث كان أهل مكة قد بدأوا حركتهم ~~اليومية مع مشرق الصبح. # عندئذ قامت (أم هانئ بنت أبي طالب) فتشبشت بابن عمها المصطفى، تضرع إليه ~~ألا يحدث الناس بما رأى، لئلا يكذبوه. # وتلبث عليه الصلاة والسلام يسمع ما تقول بنت عمه، وقد أدرك ما يساورها من ~~قلق وخوف. # ثم استأنف سيره ليلقى القوم، مسلمين ومشركين، بحديث الاسراء. # ماذا قال عليه الصلاة والسلام عن مسراه في تلك الليلة ؟ وما الذى نزل في ~~الاسراء من آيات القرآن ؟ في صحيح الحديث تفصيل لرحلة الاسراء من بدئها في ~~المسجد # الحرام: PageV01P132 جاء (جبريل) أمين الوحي، والمصطفى نائم. # فأيقظه من نومه وحمله على البراق - دابة بين البغل والحمار - وانطلق يسري ~~به حتى وصل إلى بيت المقدس، حيث وجد فيه ابراهيم وموسى وعيسى، في نفر من ~~الانبياء عليهم السلام، فأمهم المصطفى للصلاة. # ومن الصحابة من يقتصر - فيما نقل ابن هشام عن ابن اسحاق ms062 في: السيرة ~~النبوية - على هذه الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى، ذهابا ~~وأوبة. # ومنهم كثير، يروون معها قصة المعراج من بيت المقدس صعودا في السماء إلى ~~سدرة المنتهى، ثم عودة إليه حيث ينطلق البراق ساريا بالمصطفى إلى موضعه ~~الاول، بالمسجد الحرام (1). # وهذا الحديث مروي بإسناد عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم، وقد يختلفون ~~في بعض التفاصيل، لكن الحديث في جملته ليس موضع خلاف: ففي المكان الذي بدأ ~~منه الاسراء، هناك رواية تقول إن المصطفى كان نائما بالحجر حين أتاه جبريل ~~فأيقظه. # وتؤيدها آية الاسراء بصريح قوله تعالى: (من المسجد الحرام). # وهناك رواية أخرى عن (أم هانئ بنت أبى طالب) قالت: (ما أسري برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي: نام عندي تلك الليلة فصلى العشاء ~~الآخرة، ثم نام ونمنا. # فلما كان قبيل # __________ # (1) أنظر تفصيل الاسراء والمعراج، في (السيرة النبوية لابن هشام): 2 / 36 ~~ط الحلبي. # [ * ] PageV01P133 الفجر أهبنا صلى الله عليه وسلم، فلما صلى الصبح ~~وصلينا معه قال: يا أم هانئ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا ~~الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه. # ثم قد صليت صلاة الغداة معكم كما ترين). # ومع نص آية الاسراء: (من المسجد الحرام) حمل المفسرون رواية أم هانئ، على ~~أن المسجد الحرام يمكن أن يتأول في معنى الحرم، والحرم كله مسجد. # ولم يذكر القرآن الكريم تفصيلا لمشاهد الاسراء، فليس في سورته إلا آيتها ~~الاولى التي تحدد مجال الاسراء وغايته: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو ~~السميع البصير) ومعها، آية الرؤيا من سورة الاسراء: (وما جعلنا الرؤيا التى ~~أريناك إلا فتنة للناس). # فهل كان الاسراء من تجلي الرؤيا، أو كان حقيقة بالجسد ؟ ذلك ما اختلف فيه ~~الصحابة أنفسهم: في رواية عن (ابن عباس): (إنها رؤيا عين أريها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وليست رؤيا منام). # ورواية أخرى عن السيدة (عائشة أم المؤمنين) تقول: PageV01P134 (ما ms063 فقد ~~جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله أسرى # بروحه). # وقد نقل ابن إسحاق هذا الخلاف بين أن يكون الاسراء بالجسد حقيقة، أو ~~بالروح رؤيا، ثم قال: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني، ~~يقول: تنام عيناي وقلبي يقظان. # (والله أعلم أي ذلك كان قد جاءه، وعاين فيه ما عاين من أمر الله، على أي ~~حاليه كان: نائما أو يقظان، كل ذلك حق وصدق) (1). # وكان ما أراد الله للاسراء برسوله، من (فتنة للناس) وابتلاء لمن آمنوا ~~منهم، وللذين أسلموا ولم يدخل الايمان في قلوبهم. # وقد يكفي لبيان ما كان من فتنة الاسراء، أن نقرأ ما نقل (ابن هشام) رواية ~~عن ابن إسحاق: (فلما أصبح صلى الله عليه وسلم، غدا على قريش فأخبرهم الخبر. # فقال أكثر الناس: (هذا والله العجب البين. # والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرا مقبلة، أفيذهب ~~ذلك محمد في ليلة واحدة، ويرجع إلى مكة ؟). # (فارتد كثير ممن كان أسلم. # وذهب الناس إلى أبى بكر - ولم يكن قد سمع بعد حديث المصطفى عن الاسراء - ~~فقالوا له: # __________ # (1) ابن هشام: السيرة، 2 / 37 واقرأ معه: تفسير الطبري لآية الاسراء. # [ * ] PageV01P135 - هل لك يا أبا بكر في صاحبك ؟ يزعم أنه قد جاء هذه ~~الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة ! فقال لهم أبو بكر: # - إنكم تكذبون عليه. # قالوا: بلى، ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس. # قال أبو بكر: - والله لئن كان قاله، لقد صدق. # فما يعجبكم من ذلك ؟ فوالله إنه ليخبرني أن الوحي ليأتيه من السماء إلى ~~الارض في ساعة من ليل أو نهار، فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه) (1). # وغير بعيد من رواية (السيرة) ما نقله (الامام الطبري) في تفسيره: (قال ~~المشركون من قريش: تعشى - فينا بمكة - وأصبح فينا، ثم زعم أنه جاء الشام في ~~ليلة ثم رجع ! وايم الله إن الحدأة لتجيئها في شهرين: شهرا مقبلة وشهرا ~~مدبرة. # ما كان محمد لينتهي حتى يأتي بكذبة تخرج من أقطارها. ms064 # (فأتوا أبا بكر فقالوا له: - هذا صاحبك يزعم أنه أتى الشام في ليلته فصلى ~~ببيت المقدس ثم رجع ! فرد أبو بكر: - أو قد قال ذلك ؟ والله لئن كان قاله ~~لقد صدق). # __________ # (1) ابن هشام: السيرة النبوية: 2 / 39. # [ * ] PageV01P136 فلما جادلوه فيه، قال: أصدقه بخبر السماء - وحيا - ~~والسماء أبعد من بيت المقدس، ولا أصدقه بخبر بيت المقدس ؟ (ثم أقبل أبو بكر ~~حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله: # - يا نبي الله، أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة ؟ قال ~~عليه الصلاة والسلام: نعم. # فسأله أبو بكر أن يصفه له، فجعل رسول الله يصفه لابي بكر، فكلما وصف منه ~~شيئا قال أبو بكر: - صدقت، أشهد أنك رسول الله. # قال عليه الصلاة والسلام لصاحبه: - وأنت يا أبا بكر الصديق) (1). # وحقق الاسراء آيته: فتنة وابتلاء وتمحيصا: نحى عن حزب الله من رابهم أمر ~~الاسراء بالمصطفى، وليس أعجب من الوحي يأتيه من الله سبحانه. # واستصفى للاسلام جنده المخلصين، ممن صح إيمانهم وصدقت عقيدتهم. # وصدق الله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس). # __________ # (1) تفسير الطبري: ج 15 (سورة الاسراء). # [ * ] PageV01P137 (3) بوادر التحول - نجران. # ويثرب - ابواب موصدة - بيعة العقبة ومتجه الاحداث PageV01P139 نجران. # ويثرب (قتل أصحاب الاخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم ~~على ما يفعلون بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد). # (صدق الله العظيم) حتى عام الحزن، كانت نجران ويثرب تبدوان بعيدتين عن ~~مسرح الاحداث. # وفى نجران مركز النصرانية في بلاد العرب. # وفى يثرب وما حولها من شمال الحجاز، مستعمرات يهود. # وقد يظن ألا يختلف موقف نصارى نجران من الاسلام عن موقف PageV01P141 يهود ~~الشمال، وهؤلاء وأولئك أهل كتاب يتلون التوراة والانجيل ويصدقون برسالات ~~الله. # لكن موقفهما في الواقع التاريخي كان جد مختلف: نصارى نجران عرب مؤمنون، ~~فيهم رهبان بررة كانوا هناك ملء القلوب والاسماع، إخلاصا في العبادة وعزوفا ~~عن الشهوات وعزوفا عن أعراض الدنيا. # ويهود يثرب أجانب طارئون دخلاء، يدعون الموسوية ذريعة استغلال، وفيهم ms065 ~~أحبار ذوو عدد، شغلوا عن الدين بالدنيا. # راب نصارى نجران قبيل الاسلام، أن كان اليهود ممن روجوا لبشرى المبعث. # فهل قصدوا بهذا إلى أن يلقوا غشاوة على أبصار العرب، # كيلا تلمح على سحنتهم بصمة الجريمة النكراء للائتمار بالسيد المسيح عليه ~~السلام ؟ لقد بعد العهد بها، كما بعد مسرحها في القرية الظالمة عن بلاد ~~الحجاز وأرض المبعث، لكن النصارى بوجه عام لم يكونوا لينسوا هذه الجريمة، ~~فضلا عن أن ينسى نصارى نجران جريمة أخرى لم يتقادم عليها الزمن، بلغ ~~ضحاياها عشرين ألفا من نصارى العرب في نجران، أول عهدها بالنصرانية. # المأساة بدأت حين وفد على ديارهم راهب نصراني صالح، ابتنى له خيمة بضواحي ~~نجران وعكف على عبادة الله. # فمال إليه فتى عربي من أهلها، وكانوا على دين العرب أهل شرك، قد اتخذوا ~~نخلة باسقة PageV01P142 وثنا لهم، وجعلوا لها يوم عيد يعكفون فيه على ~~نخلتهم ويعلقون عليهم أحسن ثيابهم وحلى نسائهم. # واسم الفتى العربي (عبدالله بن الثامر) وكان أبوه يرسله إلى ساحر مشهور ~~هناك ليلقنه أسرار الصنعة، فكلما مر في طريقه إلى الساحر بخيمة الراهب، ~~أطال الوقوف قريبا من بابه، يصغي إلى تراتيله وصلواته. # وعلى يد (ابن الثامر) تنصر أكثر عرب نجران، فسار إليهم (ذو نواس) بتحريض ~~من يهود اليمن، فدعاهم إلى اليهودية وخيرهم بينها وبين القتل، فاختاروا أن ~~يموتوا على دينهم، شهداء. # وأمر ذو نواس جنوده، وكلهم يهود، فحفروا أخدودا عميقا أوقدوا فيه النار، ~~وسيق ألوف من النصارى المؤمنين فألقوا في نار # الاخدود، والمجرمون محيطون بهم يقتلون كل من يحاول الخلاص من الحريق، ~~ضربا بالسيف. # وظلت مأساة الضحايا الشهداء - وفى الخبر أنهم قاربوا عشرين ألفا من ~~الرجال والنساء - تؤرق نجران حتى أوان المبعث. # وفى أولئك الضحايا المؤمنين، وفى السفاحين من أصحاب الاخدود، نزلت آيات ~~البروج: (والسماء ذات البروج * واليوم الموعود * وشاهد ومشهود * قتل أصحاب ~~الاخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون ~~بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله PageV01P143 العزيز ~~الحميد * الذي له ملك السموات ms066 والارض، والله على كل شئ شهيد * إن الذين ~~فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق *) ~~وعرب الحجاز كانوا قبل الاسلام بعيدا عن مأساة الاخدود، فألقوا أسماعهم إلى ~~ما روج يهود من بشرى مبعث نبي حان زمانه، غير مستريبين فيما وراء هذه ~~البشرى من قصد. # لكن نصارى نجران، رابهم الامر من يهود عقوا نبيهم موسى، وكفروا بالمسيح ~~وائتمروا به وبمن اتبعه من المؤمنين. # وبعث المصطفى عليه الصلاة والسلام، ونجران على نصرانيتها. # وكان نصاراها بشهادة مؤرخي الاسلام: (أهل فضل وتقوى واستقامة) وقد سمعوا ~~بأخبار المبعث من جيرانهم وأهل ملتهم نصارى الحبشة، وتوقعوا أن يكون ليهود ~~دور خبيث مع الدين الجديد، وإن لم يكن # هذا الدور قد بدأ بعد. # وكان لا بد لنصارى نجران من أن يطمئنوا إلى رأى في الاسلام ونبيه العربي ~~الامي وذلك ما لا سبيل إليه في دوامة الاخبار والشائعات التى تتعثر وتضطرب ~~في طريقها إليهم، فتأتيهم مشوشة مختلطة. # وكان أن قرروا إرسال وفد منهم إلى مكة، يأتيهم بالخبر اليقين عن هذا ~~الدين الجديد، ليكونوا منه على بينة. PageV01P144 أخذ الوفد طريقه شمالا ~~إلى مكة، عشرين رجلا من أهل الرأي والعلم فيهم، يلتمسون أن يلقوا نبي ~~الاسلام ويكلموه وينظروا فيما جاء به، بعد ستة قرون وبعض قرن، من ميلاد ~~المسيح عليه السلام. # وفى الحرم المكي، كان اللقاء. # دنوا من المصطفى وقد أخذ مجلسه عند الكعبة، فسألوه في دينه. # وحدثهم عليه الصلاة والسلام عن الاسلام فعرفوا أنه الحق من ربهم. # وتلا عليهم القرآن ففاضت أعينهم من الدمع خشوعا، وتفتحت قلوبهم المؤمنة ~~لتلك الكلمات تخشع لها صم الجبال. # واستجابوا لله. # وفى طريقهم من مجلس المصطفى إلى باب البيت العتيق، عرض لهم أبو جهل بن ~~هشام في نفر من طواغيت قريش، شق عليهم أن يصدق هؤلاء النصارى، وهم أهل ~~كتاب، بنبوة محمد، فيوقعوا الريبة في نفوس العرب، من تكذيب المشركين من ~~قريش. # قالوا لهم: # (خيبكم الله من ركب ! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم ~~بخبر الرجل، ms067 فلم يطمئن مجلسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال. # ما نعلم ركبا أحمق منكم). # رد المؤمنون: (سلام عليكم، لا نجاهلكم. # لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه. PageV01P145 لم نأل أنفسنا وقومنا ~~خيرا) (1) فيروى أن هذه الآيات، من سورة المائدة المكية، نزلت فيهم: (لتجدن ~~أشد الناس عداوة للذين امنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة ~~للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق، يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين * وما لنا لا نؤمن ~~بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين *) (صدق ~~الله العظيم) فماذا عن (يثرب) عاصمة شمال الحجاز ؟ ماذا عن موقف عصابات ~~يهود من نبى الاسلام الذى طالما بشروا بمبعثه مصدقا لما معهم من التوراة ~~والانجيل، وما عرفهم التاريخ إلا قتلة الانبياء وأعداء كل دين ؟ كمنوا هناك ~~في مستعمراتهم بالشمال الحجازى، يرصدون المواجهة الاولى بين الاسلام ~~والوثنية، وأسماعهم مشدودة إلى مكة تلتقط أنباء الصراع الدائر هناك، وفى ~~حسابهم أن قريشا سوف تتكفل بالقضاء على # الدعوة الجديدة في مهدها، فتريح اليهود الذين ما هدأ لهم بال منذ # __________ # (1) ابن هشام: السيرة النبوية 2 / 32. # [ * ] PageV01P146 نزلت الكلمات الاولى من كتاب الاسلام، خوفا من أن يكشف ~~عما زيفت يهود من الديانة الموسوية، وما حرفت من التوراة التي اتجروا بها ~~وراحوا يمنون على العرب الاميين بأنهم أهل كتاب. # وإن مثلهم فيما حملوا من التوراة ثم لم يحملوها: (كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا، بئس مثل الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين). # وإذ ألقت قريش بكل ثقلها في مقاومة الاسلام، توارت يثرب عن مسرح الاحداث، ~~حتى كانت أم القرى هي التي اتصلت بها، والجولة المكية في عنفوان احتدامها: ~~لقد راب قريشا في أمر الدين الجديد الذي تصدت لمقاومته في بغي وعناد، ثبات ~~المصطفى والذين معه في وجه الوثنية الطاغية، وتفانيهم في سبيل عقيدتهم لم ~~يردهم عنها أذى ms068 مهلك ولا حصار منهك، ولم تفلح معهم مساومة ولا مفاوضة. # ولقد جاوزت قريش المدى في اضطهاد الدعوة، والمسلمون يزدادون على الاذى ~~صمودا واستبسالا، وإن أحدهم ليلقى الموت في سبيل دينه، ووجهه يتألق بنور ~~الايمان والغبطة والرضى. # أفيمكن أن يكون هذا كله، في سبيل دعوة كاذبة ورسالة مفتراة ! ؟ وما الذي ~~يعد به محمد أصحابه ؟ إنه لا يملك أن يرد عن نفسه أذى قريش إلا أن يشاء ~~ربه، فضلا # عن أن يرده عمن اتبعوه وآمنوا برسالته. # وهو قد باع الدنيا ليدعو PageV01P147 إلى ربه، فليس لديه مال يعوض به ~~الذين أوذوا في سبيل دعوته وخرجوا من ديارهم وأموالهم مهاجرين بدينهم من ~~الفتنة والبلاء. # إنما يعدهم محمد ثواب الآخرة ويبشرهم برضوان من ربه. # وفي الذين صدقوه من عرفوا بالحكمة وسداد الرأي، فهل كانوا بحيث يقبلون ~~هذه الصفقة يبيعون فيها دنياهم بالآخرة، لو لم يكونوا موقنين من صدق الوعد ~~؟ وقريش تفهم أن يجود العربي بحياته دفاعا عن شرفه وذودا عن حماه، وتفهم ~~كذلك أن يبذل العربي حياته غضبا لموروث العقائد والتقاليد والاعراف، لكنها ~~ما عهدت قط مثل ذلك الجود السخي الباذل، جهادا في سبيل عقيدة طارئة غير ~~موروثة، يدعو إليها بشر مثلهم يأكل الطعام ويمشي في الاسواق ! ورابها أكثر، ~~أنه ما من عربي لقي محمدا وأصغى إليه غير معاند، إلا آمن بنبوته وصدق ~~برسالته، وبايعه على الجهاد معه بالنفس والمال ! فماذا لو استفتت أحبار ~~يهود بيثرب، في أمر هذا النبي البشر، لعلهم يحسمون هذا الهاجس من قلق ~~وارتياب ؟ إنهم أهل كتاب، لديهم ما ليس لدى العرب الاميين من علم بالنبوة ~~والانبياء، وعندهم تستطيع قريش أن تلتمس ما تطمئن به إلى PageV01P148 ~~موقفها العدائى من بشر يدعو إلى دين جديد، وما جربت على هذا الداعي كذبا ~~قط، وإنه فيها للصادق الامين. # والكلمات التى يتلوها من وحي ربه، ليست مما يستطيعون أن يأتوا بمثلها. # وكان الامد قد طال على يهود في انتظار ما توقعت من حرب بمكة، تقضي على ~~الاسلام وتنهك قريشا ان لم تحصدها حصدا، فتفتح ليهود ms069 أبواب أم القرى، وتمكن ~~لهم من النفاذ إلى المركز التجاري الاكبر في بلاد العرب. # وغاظ اليهود أن تشتد وطأة قريش على المسلمين فلا ينفد لهم احتمال ولا ~~يغلب لهم صبر ! كما غاظهم أن يطول صبر قريش على الموقف، فتلجأ إلى المساومة ~~والمفاوضة، والى الايذاء والاضطهاد، ثم إلى المقاطعة والحصار، دون أن ~~تتجاوز بالموقف حافة الحرب ! فمتى يفلت الزمام من أيدي المكيين فتخرج ~~السيوف من أغمادها لتنهي الصراع الذي طال سنين ؟ في مثل هذا كانت يهود ~~تفكر، حين جاءها خبر من مكة عن تشاور قريش في إرسال وفد منها إلى يثرب، ~~يستفتي لها أحبار يهود في أمر النبي، بما لديهم من علم الكتاب. # واستعدت يهود للفرصة المواتية: شهدتهم مستعمراتهم في يثرب وتيماء وخيبر ~~وفدك ووادي القرى. # يجتمعون إلى أحبارهم ويتدارسون. PageV01P149 وتذاكروا فيما بينهم أنهم ~~الذين روجوا في العرب لبشرى نبي حان مبعثه، وأنهم كذلك، طالما منوا على ~~العرب الاميين بأنهم أهل كتاب ودين، وهذا النبي العربي يدعو إلى دين مصدق ~~لما بين يديه من التوراة والانجيل، فكيف السبيل إلى تكذيب اليهود بمن بشروا ~~بمبعثه ؟ ومن أي طريق يظاهرون عبدة الاوثان على داع إلى عبادة الله، رب ~~موسى وعيسى، وابراهيم وإسحق وكل الانبياء المرسلين ! ؟ الموقف بالغ التعقيد ~~والحرج، ولكن هل يخونهم دهاؤهم فلا يسعفهم بما يحتالون به عليه ؟ إنها فرصة ~~سانحة للكيد للاسلام وقريش معا، لو تركوها تفلت منهم لعقوا دماءهم. # من هنا التشاور والمدارسة والتواطؤ، احتيالا على الموقف الصعب والتماسا ~~لمخرج منه، وإعدادا للفتوى يقدمونها إلى وفد قريش المنتظر. # تسامع بنو هاشم بما عزمت عليه قريش من استفتاء يهود يثرب في نبوة محمد بن ~~عبدالله، فتوجسوا شرا من هذه العصابة الخبيثة، واسترجعوا ذكرى بعيدة للعم ~~أبى طالب بن عبدالمطلب، حين مر بالراهب (بحيرى) في طريقه إلى الشام في رحلة ~~صيف. # وكان قد صحب معه ابن أخيه محمدا، غلاما لم يبلغ العاشرة بعد. # فلما رآه الراهب بحيرى توسم فيه مخايل غد موعود، ونصح لعمه (أن يعود ~~PageV01P150 به إلى بلده، وأن يحذر عليه ms070 شر يهود !) (1). # وقد مر على ذلك التحذير نحو أربعين سنة، نسي فيها بنو هاشم # ما كان، وغاب صوت الراهب التقي العابد في ضجيج الاحداث وكر السنين. # حتى بدا لقريش ان تستفتي في أمر محمد، هؤلاء اليهود الذين ذكرهم الراهب ~~بحيرى لعمه أبي طالب، وحذره على ابن أخيه من شرهم. # وإذ لم يكن في استطاعة بنى هاشم أن يردوا قومهم قريشا عما أرادوا، وقد ~~فسد ما بينهم منذ انحازوا إلى أبى طالب في منع محمد ابن عبدالله من قريش، ~~لم يبق إلا أن ينتظروا وتنتظر مكة كلها، ما يكون من فتوى يهود. # أخذ (النضر بن الحارث، وعقبة بن معيط) طريقهما إلى يثرب، موفدين من قريش ~~إلى أحبار يهود، التماسا لرأيهم في أمر محمد ودعوته. # وكانت يهود قد استعدت للقائهما وأعدت فتواها. # أسعفها مكرها فلم تفجأ قريشا بجحد صريح لنبوة طالما بشرت بها، وإنكار ~~مباشر لدين يرفض عبادة الاوثان ويدعو إلى عبادة رب موسى وسائر الانبياء. # وآثرت أن تشغل القوم بمسائل تبلبل أفكارهم وتعنت نبى الاسلام. # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 1 / 191. # [ * ] PageV01P151 فكانت فتوى الاحبار للنضر وعقبة، أن يعودا إلى قومهم ~~فليسألوا هذا الداعي عن ثلاث. # قالوا: (سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الاول، ما كان أمرهم ؟ فإنه قد كان ~~لهم حديث عجيب. # (وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الارض ومغاربها، ما كان # نبؤه ؟ (وسلوه عن الروح ما هي ؟ فإن أخبركم بذلك فاتبعوه، وإن لم يفعل ~~فهو رجل متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم) (1). # وعاد الرجلان إلى مكة، فاتجها فور وصولهما إلى منتدى قريش، فأبلغاهم فتوى ~~الاحبار. # وعجلوا إلى النبي الامي - عليه الصلاة والسلام - يعنتونه بالمسائل ~~الثلاث، فما درى عليه الصلاة والسلام بم يجيب عنها، وما كان يتلو من قبل ~~القرآن من كتاب ولا يخطه بيمينه. # واستمهلهم في الجواب عما سألوا عنه، عساه يتلقى الوحي بما يقول فيها. # لكنهم ألحوا عليه بإعناتهم، وقد عرفوا ألا جواب لديه عما يسألون من فتوى ~~أحبار يهود. # حتى نزلت آية الاسراء (85) في الروح: # __________ # (1) السيرة: ms071 1 / 321. # [ * ] PageV01P152 (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا). # وبعدها نزلت سورة الكهف، وفيها الخبر عن أمر الفتية أصحاب الكهف: (أم ~~حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا * إذ أوى الفتية إلى ~~الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا # من أمرنا رشدا * فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا * ثم بعثناهم ~~لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا * نحن نقص عليك نبأهم بالحق، إنهم ~~فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. # ) الآيات 9 - 12. # ومعها الآيات عن ذي القرنين الطواف: (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو ~~عليكم منه ذكرا * إنا مكنا له في الارض وآتيناه من كل شئ سببا، فأتبع سببا. # حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما، قلنا يا ~~ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا) إلى آخر الآيات من سورة ~~الكهف 83 - 98. # وخاب مكر يهود وحبط سعيهم، وصدق الله تعالى: (قل هل ننبئكم بالاخسرين ~~أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * ~~أولئك PageV01P153 الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم ~~لهم يوم القيمة وزنا * ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا ~~*) الكهف 103 - 106. # وعادت يثرب فتوارت عن مسرح الاحداث إلى حين، دون أن تصرف سمعها عن الصراع ~~الدائر بين الاسلام والوثنية بمكة، وهو يدنو من ذروة تعقده مؤذنا بوشك تحول ~~في متجه الاحداث. # بل لقد بدا في ظاهر الامر أن (يثرب) حددت موقفها بالرفض البات للدعوة ~~الاسلامية، حين أوشكت أن تصل إليها من بعيد. # وكان الخزرج، لا اليهود، هم الذين ردوها بحد السيف. # حدث أن قدم (سويد بن الصامت الاوسي) مكة حاجا في الموسم، فلقيه المصطفى ~~حين سمع بمقدمه، ودعاه إلى الاسلام. # قال سويد: (فلعل الذي معك مثل الذي معي ؟). # ولما سأله النبي صلى الله عليه وسلم عما معه ؟ قال: (مجلة لقمان) - يعنى ~~صحيفة حكمته. # فتلا عليه المصطفى آيات من القرآن، فلم يبعد منه ms072 حتى عاد إليه وقال: (إن ~~هذا لقول حسن). # وانصرف وهو يتدبر ما سمع من القرآن، وكان شاعرا حكيما PageV01P154 لا ~~يخفى عليه وجه القول، فقدم يثرب على قومه وراح يتحدث إليهم عن معجزة الكتاب ~~العربي المبين، فلم تلبث الخزرج أن قتلته، وفي حسابها أن يثرب ليست بحيث ~~تحتمل وطأة دين جديد، وحسبها ما لقيت من شر يهود، يزعمون أنهم أهل كتاب ! ~~(1). # وتكرر المشهد مع وفد آخر من الاوس جاءوا من يثرب، وإن اختلفت الاشخاص ~~واختلف المكان. # وكان الاوس، هذه المرة، هم الذين ردوا الاسلام عن يثرب ! قدم (أنس بن ~~رافع) مكة ومعه فتية من بني عبد الاشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف ~~من قريش على قومهم الاعداء من لخزرج. # وسمع بهم المصطفى عليه الصلاة والسلام، فأتاهم حيث نزلوا # بأم القرى، فعرض عليهم الاسلام وتلا فيهم آيات من القرآن. # قال إياس بن معاذ، وكان فتى حدثا سليم الفطرة: (أي قوم، هذا والله خير ~~مما جئتم فيه، فما كان من زعيم الوفد، أنس بن رافع، إلا أن أخذ حفنة من ~~تراب البطحاء فضرب بها وجه الفتى وهو يقول زاجرا: (دعنا منك، فلعمري لقد ~~جئنا لغير هذا) (2). # فصمت إياس، # __________ # (1، 2) السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 67، 70. # [ * ] PageV01P155 وقام عنهم المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد هموا ~~بارتحال عائدين إلى يثرب. # لكن منطق التاريخ لم يكن ليبقي يثرب طويلا بمعزل عن الاحداث، مهما يبد من ~~ظاهر هذا الموقف أو ذاك. PageV01P156 أبواب موصدة (قد نعلم إنه ليحزنك الذي ~~يقولون، فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون * ولقد كذبت رسل ~~من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا، ولا مبدل لكلمات الله ~~ولقد جاءك من نباءي المرسلين) (صدق الله العظيم) # حتى عام الحزن، في السنة العاشرة من المبعث، لم يكن المصطفى عليه الصلاة ~~والسلام قد خرج بدعوته من أم القرى، مهد مولده ومنزل مبعثه، إلا أن يلقى ~~بعض الوافدين على الموسم فيدعوهم إلى الاسلام. PageV01P157 ففي مكة قبل ~~سواها، كان ينبغي أن تستقر الدعوة، بحكم التاريخ ms073 الديني العريق للبلد ~~الحرام والبيت العتيق. # لكن عشر سنين من الصراع المرير بين الاسلام والوثنية القرشية، بلغت ~~بالجولة المكية ذروة تعقدها وفرضت أن تأخذ الاحداث متجها آخر. # وبدأ المصطفى بالطائف، فخرج من مكة يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من ~~قومه، ويرجو أن يقبلوا منه دعوته التي تصدت لها قريش بالمقاومة والاضطهاد، ~~بغيا وعنادا..خرج وحده، فلما انتهى إلى الطائف اتجه إلى ثلاثة إخوة، أبناء ~~عمرو بن عمير الثقفي، هم يومئذ سادة ثقيف. # وكان أحدهم زوجا لقرشية من بني جمح. # فجلس إليهم صلى الله عليه وسلم حيث وجدهم في بستان لهم ودعاهم إلى ~~الاسلام والتمس نصرتهم. # فكان رد أولهم، أنه يمرط ثياب الكعبة - أي ينزعها ويرمي بها - إن كان ~~الله قد أرسله ! ورد الثاني: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك ؟ وقال ثالثهم: ~~والله لا أكلمك أبدا ! لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لانت أعظم خطرا من ~~أن أرد عليك الكلام. # ولئن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك. # فقام صلى الله عليه وسلم من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف. # وأقصى ما طمع فيه منهم، أن يستجيبوا لرجائه في أن يكتموا أمره معهم، كيلا ~~تزداد قريش جرأة عليه. PageV01P158 لكنهم أغروا به سفهاءهم يسبونه ويصيحون ~~به، حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهما ~~فيه. # فجلس عليه الصلاة والسلام هناك ريثما ينصرف عنه الناس، وابنا ربيعة ~~ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف. # رفع المصطفى وجهه إلى السماء وقال في ضراعة وابتهال: (اللهم إليك أشكو ~~ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين. # أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ~~ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. # أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من ~~أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك. # لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة ms074 إلا بك !). # فكأنما تحركت لضراعته رحم ابني ربيعة، فبعثا إليه بعض العنب مع غلام لهما ~~نصراني يدعى (عداس). # ودهش عداس، حين سمع المصطفى يقول: باسم الله. # قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. # ولما حدثه المصطفى عن الاسلام، أكب عليه يقبل رأسه ويديه وقدميه. # لمحه سيداه، فانتظرا حتى عاد إليهما وسألاه: # - مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟ PageV01P159 أجاب: يا سيدي، ما ~~في الارض خير من هذا، لقد أخبرني بما لا يقوله غير نبي. # قالا: ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه. # رجع المصطفى إلى مكة محزونا يائسا من خير ثقيف، والموسم قد أهل. # فمضى على عادته يعرض دعوته على وفود القبائل العربية التي سعت إلى أم ~~القرى. # وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه، إلا قليلا ممن آمن به. # وبدت الجولة في أولها مدعاة إلى يأس وقنوط: سعى إلى (منى) حيث مجتمع ~~الحاج، فوقف على الحشود هناك يقول: (يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، ~~يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه ~~وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به). # فخرج له من جمع قريش رجل أحول وضئ، له غديرتان وعليه حلة عدنية، فقام في ~~الناس وقال: (يا بني فلان، إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى ~~من أعناقكم إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه). # سأل سائل لا يعرفه: PageV01P160 - من هذا الذى يتبع محمدا ويرد عليه ما ~~يقول ؟ # وأجاب مجيب: - ذاك عمه، عبدالعزى، أبو لهب، بن عبدالمطلب. # وانتظر المصطفى حتى انصرفت القبائل من (منى) إلى منازلها في مكة، فأتى ~~كندة فدعاهم إلى الاسلام فأبوا عليه. # وكذلك رده بنو كلب، لم يقبلوا منه دعوته. # ثم أتى بني حنيفة في منازلهم، فلم يكن أحد من العرب أقبح ردا منهم. # وانتقل بدعوته إلى بني عامر بن صعصعة، فتداولوا أمره فيما بينهم، وإن ~~أحدهم، فراس ms075 بن عبدالله بن سلمة العامري، ليقول: (والله لو أني أخذت هذا ~~الفتى من قريش لاكلت به العرب). # ثم قام إلى المصطفى فقال يساومه: (أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم ~~أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الامر من بعدك ؟). # قال عليه الصلاة والسلام: (الامر إلى الله يضعه حيث يشاء). # ورد المساوم عن بني عامر: (أفتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله ~~كان الامر لغيرنا ؟ لا حاجة لنا بأمرك !). PageV01P161 بيعة العقبة ومتجه ~~الاحداث (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~كنتم أعداء # فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون). # (صدق الله العظيم) ومن حيث بدت الابواب كلها موصدة في وجه الاسلام، ظهرت ~~يثرب على الافق الشمالي البعيد، تجذب إليها مجرى الاحداث من دائرته المقفلة ~~في أم القرى. PageV01P162 خرج المصطفى في الموسم كدأبه في كل موسم، يعرض ~~الاسلام على وفود القبائل. # وبلغ العقبة فلقي رهطا من العرب، سألهم لما عرف أنهم من الخزرج: - أمن ~~موالي يهود ؟ قالوا: نعم. # قال: أفلا تجلسون أكلمكم ؟ جلسوا، فدعاهم إلى الله عزوجل، وعرض عليهم ~~الاسلام وتلا عليهم القرآن. # وذكروا ما طالما سمعوا من اليهود الذين غزوهم ببلادهم، عن نبي حان زمانه، ~~يظاهرونه على عرب يثرب من أوس وخزرج فيقتلونهم. # قال بعضهم لبعض: (يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي الذى توعدكم به يهود، ~~فلا يسبقنكم إليه). # وأجابوه صلى الله عليه وسلم إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: (إنا قد تركنا ~~قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم. # فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذى ~~أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك). # ثم أخذوا طريقهم إلى الشمال عائدين إلى بلادهم وقد آمنوا بالله ورسوله ~~عليه الصلاة والسلام. PageV01P163 وشغلت يثرب بأمر الاسلام، منذ عاد إليها ~~الخزرجيون الذين بايعوا المصطفى: العرب من أوس وخزرج، يلقون أسماعهم إلى ~~حديث هؤلاء ms076 الانصار، ولا يكاد يفرغ لهم عجب لما يشهدون من حماستهم للدعوة، ~~وصدق حبهم للرسول وإيمانهم برسالته. # ويهود، في شغل شاغل بهذه البادرة الخطرة. # كان الخزرجيون أصحاب البيعة الاولى، ستة نفر أو سبعة، لم يكن عددهم هو ~~الذي شغل يهود، بقدر ما شغلهم أن الدين الاسلامي وصل إلى يثرب وكان الظن أن ~~يبقى محصورا في مكة بين أحياء قريش يمزقها بددا. # وقد راحوا يترصدون خطوات الدعاة الاولين من الانصار، متعلقين بالرجاء في ~~أن عرب يثرب لن يلبثوا أن يختلفوا على الاسلام، وأن الاوس لن ترضى عن دعوة ~~حملها رهط من الخزرج، ومثل هذا الخلاف المتوقع مرجو لان يلهب نار العداوة ~~والبغضاء بينهم، ويمدها بوقود يزيدها حدة وضراما: # لكن عاما مضى والانصار الخزرجيون ماضون في دعوتهم لا يصدهم عنها من قومهم ~~صاد. # حتى إذا حل موسم الحج، ذاع خبر من مكة ان اثني عشر يثربيا ممن وافوا ~~الموسم، لقوا نبي الاسلام عند العقبة وبايعوه. # وجن غيظ يهود وهي ترى في هذه البوادر إيذانا بتحول خطير في حركة الدعوة ~~الاسلامية التى عاشت في مكة أكثر من عشر سنين، PageV01P164 صامدة لكل ما ~~قاومتها به الوثنية القرشية من أذى واضطهاد وحصار وفتنة، رافضة كل ما عرضت ~~عليها من مساومات. # وانتظرت يثرب حتى عاد هؤلاء الرهط من الانصار، وفي الظن أنهم خزرجيون ~~كسابقيهم أصحاب البيعة الاولى. # فكانت المفاجأة، أن فيهم ثلاثة من زعماء الاوس، مع تسعة من أحياء الخزرج. # جمعهم الاسلام ووحد بينهم وألف بين قلوبهم، وقد كانوا من قبل متباغضين، ~~بعضهم لبعض عدو. # استقبلت يثرب مع الانصار العائدين من بيعة العقبة، صحابيا جليلا من صميم ~~قريش، هو (مصعب بن عمير بن هاشم) موفدا من قبل المصطفى عليه الصلاة ~~والسلام، مع الذين بايعوه من اليثربيين، ليقرئهم القرآن ويفقههم في الدين. # ونزل مصعب على أنصاري من سادة الخزرج: (أسعد بن زرارة) كبير بني النجار، ~~أخوال عبدالله بن عبد المطلب، والد المصطفى..وكانت يثرب قد تسامعت قبل ذلك ~~بما شاع وذاع من أمر مصعب بن عمير. # قبل إسلامه، كان ms077 فتى مكة شبابا وجمالا وزهوا، تلتمس له أمه، # لفرط شغفها به، أفخر الثياب وأندر العطور، حتى ليذكره النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيقول: PageV01P165 (ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق ولا أنعم ~~نعمة، من مصعب ابن عمير). # بلغ مصعبا يوما أن محمد بن عبدالله الهاشمي، في دار الارقم يدعو إلى ~~الاسلام. # فاتجه إليه من تلقاء نفسه فبايعه. # وكتم إسلامه إشفاقا على أبويه اللذين شغفهما حبا. # حتى بصر به (عثمان بن طلحة) يصلي صلاة المسلمين، فأخبر قومه فأخذوه ~~وحبسوه ليفتنوه عن دينه. # فلم يزل محبوسا إلى أن لاحت له فرصة الافلات فهاجر بدينه إلى أرض الحبشة. # وعاد إلى مكة مع من عادوا من مهاجرة الحبشة حين بلغتهم بشرى انهيار ~~الحصار المنهك الذى ضربه المشركون على المسلمين ومن والاهم من بني هاشم. # فما رأت مكة فتى مثل مصعب، استبدل بأناقة المظهر بهاء الايمان، وبخيلاء ~~النعمة جلال التقى وتواضع الخشوع. # واختاره المصطفى من بين أصحابه ليكون إمام الانصار في يثرب، فأقام عاما ~~هناك يتنقل بين دورها: يؤم المسلمين في الصلاة ويعلمهم الدين ويتلو القرآن، ~~فتخشع له القلوب والضمائر متفتحة لنور الهدى. # خرج مصعب يوما مع (أسعد بن زرارة) سيد الخزرج، وكان منزله عليه، إلى حي ~~بني عبد الاشهل، واجتمع إليهما رجال من الانصار. # فسمع بمقدمهما (سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير) وهما يومئذ سيدا قومهما، ~~وكلاهما على الشرك، دين العشيرة والآباء. PageV01P166 وتحرج سعد بن معاذ من ~~مواجهة أسعد بن زرارة، وهو ابن خالته. # فحرض أسيد بن حضير على أن يقوم فيرده وصاحبه عن الحي. # قال: (لا أبا لك ! انطلق إلى هذين الرجلين - أسعد ومصعب - اللذين أتيا ~~دارينا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أن ~~أسعد بن زرارة مني حيث علمت، كفيتك ذلك. # هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما). # فالتقط أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهما فقال متوعدا: (ما جاء بكما ~~إلينا تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة). # قال له مصعب بن عمير: (أو تجلس فتسمع، ms078 فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف ~~عنك ما تكره ؟). # فركز أسيد حربته وجلس متكئا عليها يسمع حديث مصعب عن الاسلام وتلاوته ~~القرآن، وقد زايله تقبضه وتجهمه. # ثم قال متهلل الاسارير: (ما أحسن هذا الكلام وأجمله !). # وأسلم. # وانطلق عائدا إلى حيث ترك (سعد بن معاذ) ينتظره في الجمع من قومه. # فما لمحه سعد حتى قال لمن حوله: (أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير ~~الوجه الذي ذهب به من عندكم). PageV01P167 ثم سأله عما فعل بأسعد بن زرارة ~~وضيفه مصعب، فرد أسيد محاذرا: (كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا ! ~~وقد نهيتهما، وإني لاخشى على ابن خالتك من بعض القوم). # فقام سعد مغضبا، فما أبعد حتى رأى أسعد ومصعبا يتجهان إليه مطمئنين، فعرف ~~أن أسيد بن حضير إنما أراد له أن يسمع منهما. # وتجاهل مصعبا وقال لاسعد، ابن خالته: (يا أبا أمامة، أما والله لولا ما ~~بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني. # أتغشانا في ديارنا بما نكره). # همس أسعد لصاحبه: (أي مصعب، جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك ~~لا يتخلف عنك اثنان). # وأقبل مصعب على سعد بن معاذ فقال له مثل الذى قال لاسيد بن حضير: (أو ~~تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره ~~؟). # قال ابن معاذ: (أنصفت). # وتكلم مصعب وقرأ القرآن. # وقبل أن يلفظ سعد بكلمة، عرف القوم الاسلام في وجهه، لاشراقه وتهلله. ~~PageV01P168 وأسلم سعد، ومضى من فوره إلى قومه فسألهم: # (كيف تعلمون أمري فيكم) ؟ قالوا: (سيدنا، وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة). # فدعاهم إلى الاسلام فأجابوا جميعا، فما أمسى في حي بني عبد الاشهل رجل ~~ولا امرأة، إلا مسلما ومسلمة (1). # وكانت دور المسلمين تتجاوب منذ أول بيعة في العقبة، بشعر في السعدين: سعد ~~بن عبادة وسعد بن معاذ، قبل إسلامهما: فإن يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة ~~لا يخشى خلاف المخالف فيا سعد، سعد الاوس، كن أنت ناصرا * ويا سعد، سعد ~~الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا * على ms079 الله في الفردوس منية ~~عارف دون أن يعرف لمن الشعر، وكأنما هو هاتف يشدو بما كان المسلمون يرجونه ~~من إسلام هذين الرجلين. # (2) وهذا سعد الاوس قد أسلم. # وبعده، في بيعة العقبة الكبرى، أسلم سعد الخزرج، ابن عبادة، وكان أحد ~~اثني عشر نقيبا لاصحاب البيعة الكبرى. # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 1 / 80. # (2) الابيات رواها الطبري في تاريخه: 2 / 248. # والسمهودي في (وفاء الوفا): 1 / 228. # [ * ] PageV01P169 وتوقعت يهود، بل توقعت يثرب كلها والحجاز، أن يكون ~~لهذا الامر ما بعده. # بعد إسلام (سعد بن معاذ) وكل قومه من بني عبد الاشهل، فشا الاسلام في ~~يثرب فما من دار للعرب هناك، إلا وفيها للدين الجديد ذكر. # وأهل موسم الحج، لاثنتي عشرة سنة بعد المبعث. # وخرج إمام يثرب (مصعب بن عمير) ساعيا إلى أم القرى، يصحب رهطا من ~~الانصار، فيهم من لم يكن لقي المصطفى بعد. # وفي الركب اليثربي، حجاج آخرون غير مسلمين..ودنا الركب من مشارف مكة، ~~فتهللت وجوه الانصار ورنت قلوبهم إلى لقاء نبيهم عليه الصلاة والسلام، وهم ~~على موعد معه بالعقبة، في ليلة حدودها من ليالي التشريق، دون أن يعلم بقية ~~اليثربيين بهذا الموعد. # فيما عدا (عبدالله بن عمرو) الذي آنس فيه الانصار خيرا، فأسروا إليه ~~بموعدهم مع نبيهم المصطفى وقالوا له: (يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا ~~وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه) (1). # __________ # (1) السيرة لابن هشام، وتاريخ الطبري. # وقد أسلم أبو جابر وشهد العقبة الكبرى، وكان من نقبائها. # [ * ] PageV01P170 في الليلة الموعودة، أوى الانصار إلى مضاجعهم حيث ~~نزلوا مع سائر قومهم في رحالهم. # فلما مضى ثلث الليل خرجوا لميعاد النبي صلى الله عليه وسلم، يتسللون تسلل ~~القطا مستخفين، حتى وافوه عند العقبة. # كانوا ثلاثة وسبعين رجلا، فيهم أبو جابر عبدالله بن عمرو # وامرأتان: أم عمارة، نسيبة بنت كعب المازنية. # وأم منيع، أسماء بنت عمرو بن عدي، من بني سلمة. # قال العباس بن عبادة بن فضلة يخاطب قومه: (يا معشر الخزرج، هل تدرون علام ~~تبايعون هذا الرجل ؟) قالوا: نعم. # قال: (إنكم تبايعونه ms080 على حرب الاحمر والاسود من الناس، فإن كنتم ترون ~~أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن: فهو والله ~~خزي الدنيا والآخرة. # وإن كنتم ترون إنكم وافون له بما دعوتموه إليه فخذوه، فهو والله خير ~~الدنيا والآخرة). # قالوا للمصطفى: ابسط يدك. # فبسط عليه الصلاة والسلام يده فبايعوه، الخزرج منهم والاوس. # وأمرهم صلى الله عليه وسلم فاختاروا من بينهم اثني عشر نقيبا: تسعة من ~~الخزرج وثلاثة من الاوس. # قال أحد النقباء، العباس بن عبادة: PageV01P171 (يا رسول الله، والله ~~الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى، من المشركين، غدا بأسيافنا). # فرد عليه الصلاة والسلام: (لم نؤمر بذلك، لكن ارجعوا إلى رحالكم. # ورجعوا إلى رحالهم فتسللوا إلى مضاجعهم فناموا مطمئنين، والدنيا من حولهم ~~ساهرة لا تنام. # لم يكن النبأ الخطير لبيعة العقبة الكبرى، بحيث يخفى على المشركين من ~~قريش، وأصحاب العقبة هذه المرة، خمسة وسبعون من الخزرج والاوس، بايعوا نبي ~~الاسلام على أن ينصروه ويمنعوه. # ومتى ؟ وأين ؟ في ليلة من ليالى التشريق بموسم الحج، وفى مكة، معقل قريش ~~والعاصمة الدينية للوثنية العربية. # وقبل أن يسفر الصبح، تسرب النبأ إلى مكة فهاج غضب المشركين. # وإذ ظنوا أن المبايعين من الخزرج دون الاوس، بادر إليهم نفر من طواغيت ~~قريش فقالوا بين وعد ووعيد: (يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى ~~صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا. # وإنه والله ما من حي من العرب أبغض الينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم، ~~منكم). PageV01P172 فهب مشركو الخزرج يحلفون لهم أنه ما كان من ذلك شئ، وما ~~علموه. # ولم يطمئن القرشيون، بل ذهبوا إلى (عبدالله بن أبي بن سلول الخزرجي). # وكان يمني نفسه بملك يثرب تؤازره يهود. # فسأله فأنكر الامر كله إنكارا باتا، وقال لقريش: (إن هذا الامر لجسيم، ما ~~كان قومي ليتفوتوا علي بمثله، وما علمته كان). # وانصرفوا وما يزال في نفوسهم ريب مما بلغهم من الامر الجسيم، # فما زالوا يتثبتون حتى علموا يقينا أنه قد كان لقاء في العقبة ms081 على موعد ~~بين محمد وأنصاره، وأن بضعة وسبعين يثربيا من الاوس والخزرج قد بايعوه، وأن ~~أحد نقبائهم قال له فيما قال: (نعم والذى بعثك بالحق لنمنعنك. # فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة، ورثناها ~~كابرا عن كابر). # وكرت قريش راجعة إلى منزل الحجاج من يثرب، فإذا بهم قد شدوا رحالهم ~~وأبعدوا في طريقهم إلى شمال الحجاز. # والاسلام معهم، قد بدأ ببيعة العقبة الكبرى مرحلة جديدة مؤذنة بتحول حاسم ~~في اتجاه الاحداث: في قلب الحجاز معقل الوثنية القرشية والعربية، وفي ~~الشمال، بيثرب وما حولها، وكانت حتى ذلك الحين معقلا ليهود. PageV01P173 ~~ببيعة العقبة الكبرى، أوشكت الجولة الاولى من جولات الصراع بين الاسلام ~~والوثنية، أن تنتهي في مكة لتبدأ جولة أخرى. # بعد أن استنفذت تلك المواجهة الاولى، كل ما لدى قريش من وسائل وذرائع ~~لمقاومة الدعوة، دون أن تنتقل من موقفها على حافة الحرب إلى صدام مسلح. # وبدأ التاريخ يلتفت إلى يثرب التي يتجه إليها مؤشر التحول، ويستعيد ما ~~طوى من قديم أخبارها (1). # من قديم بعيد موغل في أعماق الماضي إلى عصر ما بعد الطوفان، بدأ الوجود ~~العربي في يثرب والحجاز. # الرواية العربية تقول إن (سفينة نوح) رست قريبا من بابل في # موضع سمي (سوق الثمانين) بعدد من كانوا في السفينة الناجية من الطوفان. # وقد مكثوا هناك حتى كثروا وضاقت بهم المنطقة، فتفرقوا. # اتجه بنو عبيل، أخى عاد، إلى موضع يثرب، وهو اسم أحد أبناء عبيل، فنزلوا ~~به وعمروه. # ثم مالوا إلى موضع آخر في المنطقة دهمهم فيه سيل جاحف، فسمي الجحفة. # وظلت يثرب مهجورة إلى أن عمرتها قبيلة من العرب القحطانية العاربة، بعد ~~تصدع سد مأرب. # هذه القبيلة العربية الصميمة، هي الاوس والخزرج. # __________ # (1) مادة هذا الفصل، مستخلصة من كتاب (وفاء الوفا، بأخبار مدينة المصطفى) ~~للسمهودي. # مع مراجعة السيرة لابن هشام، وتاريخ الطبري. # [ * ] PageV01P174 أخوان شقيقان، أبوهما (عمرو بن عامر) آخر ملوك سبأ قبل ~~خرابها. # وأمهما (قيلة) التي ينسب إليها عرب يثرب، بنو قيلة. # ونزح إخوتهم (بنو جفنة بن غسان) ms082 إلى أرض الشام فأسسوا بها إمارة الغساسنة ~~العربية. # وآخرون من جرهم، نزلوا حول مكة. # وهم الذين أصهر إليهم (إسماعيل بن ابرهيم) جد العرب العدنانية. # أقام بنو قيلة في يثرب دهرا طويلا في أمن وسلام ورخاء ونعمة، والمنطقة ~~خالصة لهم. # حتى طرأت عليهم من الشمال شراذم من فلول يهود، فارين من وطأة الرومان ~~الساحقة، بعد المؤامرة على السيد المسيح عليه السلام. # وحطوا على أخصب منطقة هناك، فما لبثوا أن أنشبوا مخالبهم # فيها واستنزفوا خيرها. # وأقاموا لهم مستعمرات حصينة في يثرب وقريظة وخيبر وفدك وتيماء ووادى ~~القرى، وأثروا ثراء فاحشا على حساب الوجود العربي الذي بدأ يتصدع من وطأة ~~الغزاة (1). # حاول العرب أول الامر أن يأمنوا شر يهود، بعقد حلف جوار معهم. # وفى ظل ذلك الحلف استطلع بنو قيلة أن يواصلوا حياتهم ويمارسوا نشاطهم. # فخافت يهود على وجودها المغتصب، وقطعت الحلف الذي بينهم، وصرح الشر منهم ~~حتى خاف بنو قيلة أن تجليهم يهود عن أرضهم. # __________ # (1) ولفنسون: تاريخ اليهود في جزيرة العرب: 9، 18 ط لجنة التأليف ~~والترجمة والنشر. # [ * ] PageV01P175 إلى أن شب (مالك بن العجلان) أخو بني سالم بن عوف بن ~~الخزرج، وسوده الحيان من بني قيلة، فكان الذي تصدى لافاعي يهود وقتل بضعة ~~وثمانين من رؤوسها، فانكمشوا خائفين يلعنونه في بيعهم ومعابدهم كلما ~~دخلوها. # ولجأوا إلى أحياء العرب يستجدون الحماية والجوار (وقد ذلوا وانكسرت ~~شوكتهم وقل امتناعهم). # وإنما مكن لهم من يثرب بعد ذلك، ما شب بين الاوس والخزرج من خصام خب فيه ~~يهود ووضعوا، وسهروا على إلهاب ضرامه لتخلو لهم الارض الطيبة. # وبدأت مرحلة مظلمة في تاريخ يثرب، استغرقت بضعة قرون قبل الاسلام - من ~~القرن الاول إلى السادس للميلاد - لم تنطفئ فيها نار الحروب بين الاوس ~~والخزرج، في كل حرب منها نلمح أثر اليهود في تدمير الوجود العربي هناك (1). # وآذن العصر الجاهلي بمغيب، وهذا العدو الخبيث يتربص بالاوس والخزرج ~~الداوئر، ليميل مع المنتصر منهما ويسلب المهزوم. # والمستعمرات اليهودية في شمال الحجاز تزداد ثراء بما تستنزف من خير ~~الارض. # ومرافق البلاد الحيوية ms083 في قبضة مخالب الذئاب الفارة من مخالب النسر ~~الروماني. # وقد كانت آخر حرب بين الاوس والخزرج، يوم بعاث قبل بيعة العقبة الكبرى ~~بأربع سنوات. # ودور يهود فيها معروف مشهور: # __________ # (1) بمزيد تفصيل، في الباب الثاني من كتابي (أعداء البشر). # [ * ] PageV01P176 فحين ظهرت بوادر الحرب بين بني قيلة، تدخل يهود بني ~~قريظة يلهبونها بالتواطؤ سرا مع الاوس. # فلما علم الخزرج بهذا التواطؤ، بعثوا إلى يهود منذرين: (إنكم إن فعلتم لم ~~ننم عن الطلب أبدا. # وأسلم لكم أن تدعونا وتخلوا بيننا وبين إخواننا). # رد يهود على نذير الخزرج: (إنه قد كان الذي بلغكم، والتمست الاوس نصرنا، ~~وما كنا لننصرهم عليكم أبدا). # لكن الخزرج أصروا على أن يأخذوا رهائن من غلمان بني قريظة، ضمانا لعدم ~~غدرهم. # فدفعوا إليهم أربعين غلاما يهوديا، وإن قائلهم ليقول: (خلوهم يقتلوا ~~الرهن، إن هي إلا ليلة يصيب فيها أحدكم امرأته، حتى يولد له غلام مثل ~~الرهن) (1). # وغدرت يهود بوعدها للخزرج، حين لمحت غلبة الاوس عليهم. # وانهزمت الخزرج يوم بعاث، ووضعت فيها الاوس السلاح، وسلبتهم قريظة ~~والنضير. # اجتاحت العصابة اليهودية دور الخزرج تنهب وتسلب، حتى أتوا دار (عبد الله ~~بن أبي بن سلول) ليهدموها، فاشترى منهم الامان بدفع رهائنهم إليهم ! # __________ # (1) السمهودي: وفاء الوفا: 1 / 218. # [ * ] PageV01P177 ومن ذلك اليوم بدأ بينه وبينهم حلف الشيطان. # وكان لا بد من حرب جديدة يصلاها عرب يثرب، تصفية ليوم بعاث. # والامر في مثلها لا يعدو انطلاق شرارة من هنا أو من هناك، تؤجج ضرام ~~الجذوة التي لبثت متقدة قرونا، تلتمس بين حين وآخر من ينفخ فيها، لتستعر ~~بوقود من رجال الاوس والخزرج. # وقد كان الخزرجيون أصحاب الثأر لبعاث، ومن هنا كان سعي الاوس إلى مكة ~~التماسا لحلف قريش على الخزرج. # ومن حيث توقعت يثرب أن تلتهب الجذوة بشرارة هذا الحلف، وألقت عاصمة ~~الشمال سمعها إلى مكة في انتظار عواقب المفاوضة بين وفد الاوس وزعماء قريش. # جاءت المعجزة من هناك فأطفأت الجذوة وبددت رمادها هباء منثورا. # وكان عجبا من العجب، أن تأتي (يثرب) بشرى السلام من ms084 مكة، في الوقت الذي ~~بلغت فيه معركتها بين الاسلام والوثنية ذروة احتدامها. # وحين هم التاريخ بأن يضيف حربا جديدة إلى الحروب التي مزقت الاوس ~~والخزرج، وقف بعد بيعة العقبة الكبرى فطوى الصفحات الداميات التي خضبت حياة ~~يثرب قرونا ستة، ليبدأ صفحة جديدة بآية الاسلام التي من الله بها على ~~المؤمنين الانصار، فأصبحوا بنعمته إخوانا. PageV01P178 وكانت عبرة، أن تجمع ~~العقيدة ما تفرق وانتثر من شتات القوم، وأن تزيل ما تراكم في قلوبهم من ~~ثارات وأحقاد، وتنسخ جاهليتهم المخضبة بالدماء..وفى ظل هذه العقيدة الجامعة ~~المؤلفة للقلوب، وتحت لوائها المبارك الميمون، التقى الاوس والخزرج إخوانا ~~في الدين وعادوا بعد بيعة العقبة الكبرى أنصارا للاسلام ونبيه عليه الصلاة ~~والسلام، فكانوا هم الدعاة الاولين الذين حملوا نوره إلى عاصمة الشمال في ~~الحجاز، وهيأوها لاستقبال المهاجر العظيم عليه الصلاة والسلام. # وما يزال اليهود، حتى عصرنا هذا، يقفون عند بيعة العقبة مأخوذين بما كان ~~من جسيم خطرها وبعد أثرها. # وإن فيهم من يعدها بدء التاريخ الاسلامي، ويراها أولى بذاك من عام الهجرة ~~التي هي في رأيهم أثر للبيعة الكبرى. # قال المؤرخ اليهودي (اسرائيل ولفنسون، أبو ذؤيب): (ومهما يكن من شأن هذه ~~البيعة العظيمة فإنها من الحوادث ذات النتائج الخطيرة في التاريخ الاسلامي. # وإني أعتقد أنه كان من الحق على المسلمين أن يبتدئوا تاريخهم من تلك ~~السنة، لان قيمتها لم تكن # أقل شأنا من قيمة هجرة الرسول إلى يثرب) (1). # وما كان لليهود يومها أمل، إلا (أن يفلح زعماء قريش في استمالة # __________ # (1، 2) تاريخ اليهود في جزيرة العرب: 109. # [ * ] PageV01P179 زعماء الخزرج (؟) وإلا فإنهم لا بد ذاهبون للتقرب من ~~بعض زعماء اليهود ليعملوا على إحباط أعمال المسلمين في المدينة) ! (1). # تلاحقت الاحداث بعد بيعة العقبة الكبرى. # فقدت قريش ما بقي من رشدها، فصبت على المسلمين حمما من الاذى والاضطهاد. # والتقطت يهود أنفاسها، أملا في أن تشتعل نار الحرب فتأكل الجمعين من أهل ~~مكة. # لكنهم فوجئوا بتدفق المهاجرين من مسلمي مكة نحو يثرب، بتوجيه من المصطفى ~~عليه الصلاة والسلام، حيث نزلوا على الانصار ms085 إخوانهم في الدين، بمأمن من ~~قريش. # وأمست دور المهاجرين في مكة، موحشة خلاء. # لم يبق منهم في أم القرى، غير من حبس أو فتن، إلا الرسول عليه الصلاة ~~والسلام، وصاحباه الصديق أبو بكر، وعلي بن أبي طالب. # (2) وتوقعت قريش أن يلحقوا بالمسلمين في دار الهجرة، فهل تدع الامر يفلت ~~من يدها بعد ثلاث عشرة سنة من الصراع المرير المنهك ؟ لا بد من ضربة باترة، ~~تحسم الامر كله. # وقد حاولتها قريش، في جنون غيظها وقهرها. # __________ # (1) المرجع السابق. # (2) السيرة لابن هشام: 2 / 111 وتاريخ الطبري: 2 / 242. # [ * ] PageV01P180 نقل كتاب السيرة ومؤرخو الاسلام، أن قريشا (لما رأت أن ~~محمدا، صلى الله عليه وسلم، قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ~~ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا بيثرب دارا ~~وأصابوا منهم منعة. # فحذروا خروج الرسول إليهم وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم. # فاجتمعوا في دار الندوة - وهي دار جدهم قصي بن كلاب. # حيث كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها - يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر ~~محمد، عليه الصلاة والسلام، حين خافوه. # (قال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ~~ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن اتبعه من غيرنا. # فأجمعوا فيه رأيا). # وتعددت مقترحاتهم، طائشة هوجاء. # حتى قال أبو جهل بن هشام: (والله إن لي رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد). # سألوه: (وما هو يا أبا الحكم ؟). # قال: (أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا فينا، ثم نعطي كل ~~فتى منهم سيفا صارما فيعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح ~~منه. # فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف ~~على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم) - يعني الدية (1). # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 2 / 125 وتاريخ الطبري: 2 / 243 وفيهما أسماء من ~~حضروا الندوة من طواغيت قريش. # [ * ] PageV01P181 وانصرفوا وهم مجمعون على هذا الرأى المخبول، وحددوا ~~ليلتهم لذلك موعدا. # وفى تلك الليلة، ms086 خرج المصطفى عليه الصلاة والسلام ناجيا إلى دار هجرته.. ~~PageV01P182 (4) مع المصطفى. # في دار هجرته - هجرة. # وتاريخ - أبعاد الموقف في ميدان الصراع - يوم بدر، وموازين القوى - درس ~~من أحد. # ورسالة من شهيد - الاسلام في الجبهات الثلاث: مع عصابات يهود مع الوثنية ~~القرشية مع المنافقين (ودخل الناس في دين الله أفواجا PageV01P183 هجرة. # وتاريخ (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه # الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله ~~معنا، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا ~~السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم). # (صدق الله العظيم) في السنة الثالثة عشرة للمبعث، كانت الهجرة التاريخية ~~التي اختارها، بعد، ثاني الخلفاء الراشدين (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه، ~~بداية للتاريخ الاسلامي. PageV01P185 تقديرا لجلال الحدث الذي كان منطلق ~~تحول حاسم وخطير، في تاريخ الاسلام. # وعلى امتداد الزمان، يحتفل المسلمون حيثما كانوا، بمستهل عام الهجرة، دون ~~أن يفوتهم لمح ما كان لها من أثر بعيد في حركة سير الدعوة الاسلامية. # ودون أن يخطئهم إدراك ما أعقب تلك الهجرة التاريخية من تغير في موازين ~~القوى بين حزب الله، وبين الوثنية الباغية من قريش. # وإن فاتهم، أو فات كثيرا منهم، وعي حركة التحول ذاتها، وأعوزهم فهم ~~التفسير التاريخي لتلك الهجرة الفاصلة بين أخطر المرحلتين من عصر المبعث. # ولقد مضى عليها ما يقرب من ألف وأربعمائة عام، وكلما بدأت السنة القمرية ~~بهلال المحرم، تحركت أقلام تحيي الذكرى الخالدة، وشدت # أبصار وقلوب إلى خطوات المهاجر العظيم ما بين مكة ويثرب، منذ خرج صلى ~~الله عليه وسلم من بيته في مكة ذات نهار - وقد بلغت محنة الاضطهاد أقصى ~~مداها، بعد ثلاث عشرة سنة من المبعث - فاتجه إلى بيت صاحبه الصديق أبي بكر، ~~وأسر إليه أن الله تعالى قد أذن له في الخروج والهجرة. # هتف الصديق: (الصحبة يا رسول الله. # الصحبة). # وبدأ التأهب لرحيل عاجل: بعث أبو بكر يدعو (عبدالله بن أريقيط) وكان ~~دليلا ثقة، PageV01P186 خبيرا بمجاهل الطريق، فدفع ms087 إليه براحلتين يرعاهما ~~لميعاد موقوت. # ودعا المصطفى ابن عمه (علي بن أبي طالب) فاستخلفه بمكة ليؤدي عنه ودائع ~~كانت للناس. # ثم لما حانت ساعة الرحيل، وقف صلى الله عليه وسلم على مرتفع هناك ببيت ~~صاحبه، فرنا إلى البيت العتيق طويلا، ثم أشرف على أم القرى فاستوعبها بنظرة ~~حزينة وقال مودعا: (والله إنك لاحب أرض الله إلى الله، وإنك لاحب أرض الله ~~الي. # ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت). # وتسللل الصاحبان من خوخة في ظهر الدار، فأخذا طريقهما إلى غار يعرفانه في ~~جبل ثور بأسفل مكة، فأقاما فيه ينتظران ما يكون من أصداء الرحيل. # وجاء اليوم التالي يحمل إليهما في الغار، الانباء عن خروج نفر من # طواغيت قريش لمطاردة المصطفى عليه الصلاة والسلام. # وفى الخبر أنهم بلغوا غار ثور فتلبثوا عنده وهموا بأن يدخلوه، لولا أن ~~صدهم عنه نسيج عنكبوت على مدخله، وحمامتان وحشيتان وقعتا عليه (1). # قال الصديق للمصطفى: (لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لرآنا). # فكان جوابه، صلى الله عليه وسلم: # __________ # (1) تفصيل الهجرة، في الحزء الثاني من: السيرة لابن هشام، وطبقات ابن ~~سعد، وتاريخ الطبري. # [ * ] PageV01P187 (لا تحزن إن الله معنا). # وفى هدأة المساء من الليلة الثالثة لمقامهما في الغار، جاء الدليل يسوق ~~الراحلتين حذرا، فأناخ قريبا من فتحته. # وخرج المصطفى وصاحبه. # وجاءت أسماء بنت أبي بكر بطعام لهما، فلما أعوزها عصام تشد به الزاد إلى ~~الرحل، حلت نطاقها فشقته نصفين، علقت الزاد بأحدهما وانتطقت بالشق الآخر. # وسرى الركب في تلك الليلة التاريخية، آخذا طريق الجنوب من أسفل مكة، وكان ~~غير مطروق. # وودعتهما (أسماء) ذات النطاقين، ثم تلبثت تتبعهما بصرها وقلبها حتى ~~أبعدا، فعادت إلى بيت أبيها مستخفية حذرة، وهي توجس خيفة من المطاردين. # ولم تمض لحظات حتى فوجئت بطرقات عنيفة تلح على باب الدار، وإذا نفر من ~~قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، يسألونها في غلظة: # (أين أبوك يا بنت أبي بكر ؟) أجابت: (لا أدري والله أين أبي). # وما كذبت، فقد كان آخر عهدها بأبيها مع المصطفى عليه ms088 الصلاة والسلام، ~~منطلقين من الغار إلى حيث لا تدري أين بلغ بهما المسرى في مجاهل الفلاة. ~~PageV01P188 وفجأة، بغتتها لطمة فاحشة على خدها، من يد أبي جهل، طرحت ~~قرطها. # وانصرف بمن معه، يتهددون ويتوعدون. # ومضت أيام وليال لم يكن لمكة فيها شاغل، غير تلك المطاردة العنيفة، تعدو ~~فيها قريش وراء مهاجر أعزل إلا من إيمانه. # وتضاربت الانباء في الطريق التي أخذها -، حتى جاء الخبر من يثرب أن النبي ~~عليه الصلاة والسلام بلغ دار هجرته آمنا. # ووعت أذن الزمان ما لا نزال نردده في كل عيد للهجرة، من هتاف المدينة ~~ترحيبا بالمهاجر العظيم، وما وجد في دار هجرته من مأمن ونصر..وفي واقع ~~التاريخ أن الهجرة لم تنه الجولة الفاصلة بين الاسلام والذين تصدوا له ~~بالعداوة والكيد والحرب. # وإنما كانت بداية لهذه الجولة الفاصلة، بقدر ما كانت أثرا لما سبقها من ~~أحداث، وتحركا إلى موقع جديد، بعد جولة مريرة وطويلة، في البلد العتيق. # فإذا كان في الناس من يتصورون أن منافذ الخطر قد سدت بمجرد انتقال ~~المصطفى من دار مبعثه، وأن الاسلام صار بمأمن من كيد أعدائه # بمجرد أن تلقاه الانصار في دار هجرته، فالذي يعرفه الواقع التاريخي أن ~~الصدام المسلح بين الاسلام والوثنية PageV01P189 القرشية لم يبدأ إلا بعد ~~الهجرة، وبدأ معه في الوقت نفسه، نضال شاق بالغ الصعوبة والحرج، مع عصابات ~~يهود التي تصدت للاسلام بعد الهجرة، بكل ما تملك من أسلحة خبيثة مسمومة. # والذي تعرفه السيرة النبوية، أن النبي والذين آمنوا معه من المهاجرين ~~والانصار، واجهوا مع الهجرة مرحلة خطرة معقدة، كان عليهم فيها أن يخوضوا ~~حربا في أكثر من جبهة، وأن يستبسلوا في الجهاد تحت لواء عقيدتهم من حيث ~~يأتيها الخطر: من مواقع مكشوفة سافرة، وأخرى خفية ماكرة. # والتحول التاريخي لموقع المعركة، لا يمكن فهمه على الوجه الشائع الذي ~~يحسب أن الهجرة عزلت مكة عن مسرح الاحداث، بل تظل مكة في صميم الصراع ~~الدائر مهما ينتقل موقعه إلى شمال الحجاز. # ويظل البيت العتيق مهوى أفئدة المهاجرين والانصار في دار الهجرة، ms089 كما كان ~~مثابة حج العرب من قديم العصور والآباد. # وفى مكة كان مهد المصطفى ومبعثه. # وفيها مستقر الوثنية العربية من قديم موغل في القدم. # ولم تكن الارستقراطية القرشية التي ورثت وظائف الشرف الدينية في أم القرى ~~وحققت بها نفوذها وسلطانها، مستعدة لان تتخلى عن نضالها للابقاء على ~~الاوضاع الموروثة والاعراف الراسخة، والدفاع عن دين الاسلاف. PageV01P190 ~~وما تجنبت الصدام المسلح مع الاسلام في مكة، إلا رعاية لما للبلد العتيق من ~~حرمة جعلته معبد القبائل العربية ومركز مواسمها التجارية. # كان في حسابها أن تواجه الخطر بالمفاوضة والمساومة، ثم بإلالحاح في إيذاء ~~المسلمين وتعذيب المستضعفين منهم، وتحذير كل وافد إلى مكة في الموسم، من ~~الاصغاء إلى ما يتلو محمد - صلى الله عليه وسلم - من كتاب الاسلام. # ثم كان الحصار المنهك وسيلة أخرى من وسائلهم في مقاومة الدعوة، والترصد ~~لمن يحاول الهجرة من المسلمين، ومطاردتهم حيثما ذهبوا. # حتى كان عام الحزن، إيذانا بحتمية التماس منفذ من الاسوار التي سدت ~~الطريق. # أحس المصطفى بموت زوجه السيدة خديجة وعمه أبي طالب، فراغ مكانهما في ~~دنياه، إحساسا شديد الوطأة، حتى لتقول إحدى الصحابيات (خولة بنت حكيم ~~السلمية): (يا رسول الله، كأني أراك قد دخلتك خلة لفقد خديجة). # وثقل عليه شعور بالغربة، في بلده وبين أهله وعشيرته. # لكن بيعة العقبة الكبرى هي التي وجهت مؤشر الاحداث نحو يثرب. # دون أن تنأى بمكة عن مكانها في مركز الثقل لمصير التحول. # احتشدت يثرب في انتظار المهاجر العظيم الذي لم يكن هناك أدنى PageV01P191 ~~شك في وجهته، برغم ما ذاع من توغل المطاردين في طريق مكة إلى # يثرب، دون أن يظفروا بأثر منه. # اليهود أرسلوا راصدهم يرقب مقدم النبي المهاجر، فأخذ مكانه على مشارف ~~يثرب. # وغير بعيد منه كان المهاجرون والانصار من أوس وخزرج، يخرجون كل صباح بعد ~~الصلاة إلى ظاهر المدينة، فما يزالون ينتظرون حتى تغلبهم الشمس على الظلال ~~فيعودوا إلى دورهم. # واليهودى قائم هناك في مرصده لا يريم. # وإذ هم يدخلون بيوتهم ذات يوم بعد أن لم يبق ظل، سمعوا ms090 اليهودي يصرخ ~~بأعلى صوته: (يا بني قيلة، هذا جدكم قد جاء). # وسرت البشرى في أنحاء دار الهجرة، فتعالى الهتاف من الاحياء العربية يشق ~~أجواز الفضاء ترحيبا بالمهاجر العظيم. # صرخة اليهودي المعلنة بأعلى الصوت، عن وصول المصطفى إلى دار هجرته، زلزلت ~~الارض تحت يهود في مستعمراتهم الناشبة في شمال الحجاز: من حي بني قينقاع في ~~قلب يثرب، إلى قريظة وخيبر وفدك وتيماء ووادي القرى. # ورج صداها حصون الابلق والوطيح والسلالم وناعم والقموص، وعشرات غيرها من ~~الحصون المنيعة والآطام العازلة التي (أقاموها على PageV01P192 رءوس الجبال ~~والقلاع ليتحصنوا بها وقت الخطر (1). # وبدأ من اليوم الاول للهجرة، تأهبهم لدورهم الخبيث في مقاومة الاسلام. # وقبل أن نمضي مع المصطفى عليه الصلاة والسلام في دار هجرته، نقف عند نقطة ~~التحول لنتدبر منطقه ونلمح أبعاده، دون إيغال فيها. # لم تكن الهجرة الاولى إلى الحبشة، ضنا بحياة ذلك الرهط من المسلمين ~~الاولين، وإنما كانت هجرة في سبيل العقيدة بذلا واحتمالا، وسلاحا شهروه في ~~وجه الوثنية الغاشمة، لتدرك مدى ما يطيق المؤمنون احتماله من التضحية ~~والبذل في سبيل ما آمنوا به. # أما الهجرة التاريخية إلى يثرب، فلم تكن بذلا واحتمالا فحسب، بل كانت ~~كذلك تحركا إلى موقع خطير على حافة الحرب، فقد أذن الله في القتال للمسلمين ~~الذين أوذوا وظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله. # وكان الاذن بالقتال، من حيث لم تتوقع قريش أو تحتسب. # وقد مضى على المبعث أكثر من عشر سنين ونبي الاسلام يدعو إلى سبيل ربه ~~بالحكمة والموعظة الحسنة، ويواجه جبروت الوثنية بكلمات من وحي ربه، كانت ~~على المدى الطويل سلاحه الذي يشهره في وجه الوثنية. # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 2 / 137. # وتاريخ الطبري: 2 / 248. # ووفاء الوفا للسمهودي: 1 / 244 - وقابل عليها ما في (تاريخ اليهود في ~~جزيرة العرب) لاسرائيل ولفنسون: 157، 111. # [ * ] PageV01P193 وقد أمنت قريش جانب المسلمين فيما تحرص عليه من تجنب ~~الحرب في البلد الحرام. # فلم يخطر لها على بال، أن نبي الاسلام يمكن أن يخوض بالقلة العزلاء من ~~صحابته، معركة حربية ms091 مع الوثنية المعتزة بما لها من سلطان، ودونها قوة ~~باطشة من العدد والسلاح. # من هنا أنكر سمعهم آيات الاذن للمسلمين في القتال، وأقبل # بعضهم على بعض يتساءلون: أو يريد محمد أن يفرض عقيدته بالسيف ؟ كأنه لم ~~يتل من قبل، من كلمات ربه: (لكم دينكم ولي دين). # (فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا، إن عليك إلا البلاغ). # (ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين) ؟ وفي أخذة المباغتة، فاتهم أن يدركوا مغزى الاذن للمسلمين في ~~القتال: دفاعا عن دينهم، وتقريرا لمبدإ الاسلام في حرية العقيدة. # وانتصارا للذين أوذوا وأخرجوا من ديارهم بغير حق (إلا أن يقولوا ربنا ~~الله). # وإلزاما بتكليف الجهاد في سبيل الحق والخير، في مواجهة الحشد الكاثر ~~والقوى الباغية: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * ~~الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا إن يقولوا ربنا الله ولولا PageV01P194 ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم ~~الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في ~~الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله ~~عاقبة الامور * وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم ~~ابرهيم وقوم لوط * وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم # فكيف كان نكير * فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها ~~وبئر معطلة وقصر مشيد * أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو ~~آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. # (صدق الله العظيم) وهذه هي الجبهة الاولى التي كان على الاسلام أن يخوض ~~معركته معها إثر الهجرة. # ضد الوثنية القرشية الباغية التي وعت منطق الهجرة أتم الوعي، فانكفأت بعد ~~خيبة المطاردة الشرسة، تعبئ قواها استعدادا للصدام. # دون أن يتصور أحد من الفريقين أن الهجرة كانت نهاية مريحة للجولة المكية ~~التي استغرقت ثلاث عشرة سنة، أجهدت المسلمين أذى وفتنة واضطهادا ومقاطعة ms092 ~~وحصارا، بقدر ما أجهدت قريشا وأرقت لياليها واستنفدت كل ما لديها من وسائل. # وهل كانت قريش بحيث تغمض عينها وتنام، وقد أعجزها، PageV01P195 بكل عتوها ~~وجبروتها أن تنال من دعوة أذلت كبرياءها وسفهت أحلامها وحقرت آلهتها ؟. # أو كانت بحيث تأمن على وجودها الجاهلي ودينها الموروث، وهذا النبي ~~المهاجر قد أخذ موقعه الجديد في عاصمة الشمال، يهدد طريقها التجارية إلى ~~الشام، مصمما على أن ينسخ برسالته دين قومه ويدك صروح وثنيتهم، ومعه رجال ~~مؤمنون قد باعوا الدنيا بالآخرة، فهم يرون الموت في سبيل عقيدتهم شهادة ~~وحياة وانتصارا ؟ # هيهات هيهات. # ولو ترك القطا ليلا لنام ! على أن هذه الجبهة لم تكن أخطر ولا أضرى من ~~جبهة ثانية كانت تنتظر الاسلام في دار هجرته. # يهود كانوا هناك، يرصدون مجرى الاحداث في ذعر وقلق: لقد لبثوا طوال العهد ~~المكي يتعلقون بالامل في أن ينهك الصراع أهل مكة، مسلمين ومشركين، فيخلو ~~ليهود الطريق إلى أم القرى، وفيها أسواق العرب التجارية الكبرى: عكاظ ومجنة ~~وذو المجاز. # لكن بيعة العقبة الكبرى خيبت هذا الرجاء، كما خيبت الهجرة أملهم في أن ~~يبقى الاسلام محصورا في البلد العتيق، بعيدا عن شمال الحجاز. # ولم يبق لهم إلا أن يتربصوا بالاسلام ويكيدوا له، بكل ما وسعهم من خبث ~~وشر ودهاء. PageV01P196 ثم كانت هناك جبهة ثالثة من المنافقين الذين ابتلي ~~بهم الاسلام في دار هجرته، ولقي المصطفى صلى الله عليه وسلم من عنتهم ~~ونفاقهم وتخاذلهم، أشد مما لقي من طواغيت المشركين. # وكان رأس المنافقين في المدينة: عبدالله بن أبي بن سلول، مولى يهود وحليف ~~الشيطان. # ذلك هو منطق الهجرة: بذلا واحتمالا واستبسالا، وتحركا إلى موقع جديد خاض ~~فيه المسلمون معركتهم في الجبهات الثلاث، جهادا بالنفس والمال، حتى جاء نصر ~~الله والفتح. # استحدثت (يثرب) بهجرة المصطفى إليها، اسما إسلاميا جديدا # هو (المدينة المنورة): مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام. # وكان وصوله إليها قبيل الظهر من يوم الاثنين، وقد مضت اثنتا عشرة ليلة من ~~ربيع الاول، في السنة الثالثة عشرة للمبعث. # وأقام في (قباء) بظاهر المدينة، ms093 في بني عمرو بن عوف، أيام الاثنين ~~والثلاثاء والاربعاء والخميس، أسس فيها بقباء أول مسجد في الاسلام. # ثم ركب ناقته (القصواء) يوم الجمعة، وسط حشد من المهاجرين والانصار، ~~فأدركته صلاة الجمعة في حي بني عوف بن سالم، فصلى بالصحابة أول جمعة ~~بالمدينة المنورة. # وأرخى العنان لناقته وهي تشق أمواج الزحام، ولم يدر أحد يومها أين يكون ~~منزل المصطفى، وكل بيوت المدينة مفتوحة له ترحب به، PageV01P197 وإن لم يكن ~~له صلى الله عليه وسلم دار هناك. # وبدا الموقف صعبا: كلما مر عليه الصلاة والسلام بحي من أحياء الانصار ~~بادر إليه الرجال يسألونه شرف النزول فيهم، وهو عليه الصلاة والسلام يتحرج ~~من إيثار حي على آخر أو دار على دار، فيقول معتذرا شاكرا: (خلوا سبيل ~~ناقتي). # حتى إذا مر بحي بني عدي بن النجار، توقعوا أن يكون لهم من خئولتهم لابيه ~~عبدالله بن عبدالمطلب، حق الحظوة بالشرف الذي رنت إليه كل بيوت الانصار. # هتفوا: (يا رسول الله، هلم إلى أخوالك، إلى العدد والعدة والمنعة). # وتلبث عليه الصلاة والسلام برهة يملا عينيه من هذا الحي، ويسترجع ذكريات ~~رحلته الاولى إلى يثرب، حين جاءت به أمه (آمنة بنت وهب) من مكة وهو في ~~السادسة من عمره، لتزيره قبر أبيه الثاوي هناك. # وتخطى بصره الجموع الزاخرة التي حفت بركابه، وتعلق بطيف أمه، ماثلا شاخصا ~~لا يغيب. # ومع الذكريات، طوى سبعة وأربعين عاما من عمره، ليجد نفسه غلاما غض الصبا، ~~يعود مع أمه في رحلة الاياب إلى أم القرى، ومعهما (بركة أم أيمن) فما قطعوا ~~بعض مراحل الطريق حتى وعكت أمه، ثم أسلمت الروح بين يديه في بقعة موحشة من ~~الفلاة، بين يثرب ومكة. PageV01P198 وحملت (بركة) جثمان (آمنة) إلى قرية ~~الابواء فدفنوها هناك. # واستأنف الرحلة إلى مكة واجما صامتا محزونا مضاعف اليتم. # ومن وراء نحو نصف قرن، أتاه صدى من حشرجة الاحتضار التي روعته في الفلاة، ~~مختلطة بهتاف الترحيب وأناشيد الاستقبال. # وبنو النجار يكررون دعوته: (هلم إلى أخوالك. # ). # قال وما يزال يملا عينيه من ساحة الحي ms094 التي كانت ملعب حداثته أياما، مع ~~لداته من صبية بني النجار: (خلوا سبيل ناقتي). # إلى أين إذن ؟ إلى حيث تمضي به ناقته القصواء. # وقد خطت وئيدا تشق الزحام حتى توقفت غير بعيد، وبركت في مربد هناك لسهل ~~وسهيل، ابني عمرو. # فحط المهاجر رحله، وقام يصلي. # على ساحة المربد الذي بركت فيه (القصواء) حين دخل المصطفى دار هجرته، أمر ~~عليه الصلاة والسلام أن يبنى هناك مسجده، ثاني الحرمين ومزار المسلمين على ~~مر السنين والدهور. # وتنافس المهاجرون والانصار في بنائه بما تيسر من مواد البناء: ~~PageV01P199 اللبن والجريد والليف، وبعض الحجارة والخشب. # والمصطفى معهم، يشارك ويوجه ويعين. # وقد يمد يده فينفض الغبار عن لحى بعض صحابته، داعيا للمهاجرين منهم ~~والانصار فيرددون دعاءه مرتجزين: لا عيش إلا عيش الآخره اللهم ارحم الانصار ~~والمهاجره ولم يستغرق البناء أكثر من أيام معدودات. # ومن حول المسجد بنيت تسع حجرات تفتح على ساحته، لتكون دار المصطفى ~~المهاجر. # وكان مبنى المسجد والحجرات بسيطا متواضعا: بعضه من حجارة مرصوصة، وبعضه ~~من جريد يمسكه الطين. # والسقف كله من جريد. # ذكره سبط المصطفى عليه الصلاة والسلام: (الحسن بن علي بن أبي طالب) فقال: ~~(كنت أدخل بيوت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلام مراهق، # فأنال السقف بيدي). # وشدت خشبات بالليف، فكانت سريرا لمن اصطفاه الله تعالى خاتما لرسل ~~الانبياء. # وغير بعيد من المدينة والحجاز، كانت قصور الحكام والامراء والاغنياء، في ~~الحيرة وغسان واليمن، وفى فارس ومصر والحبشة، تعلو سامقة شامخة، ساطعة ~~ببريق البذخ والترف، فتخطف أبصار PageV01P200 الدنيا عن ذلك المبنى البسيط ~~المتواضع الذي لم يلبث سنا جلاله أن كسف كل ما عرفت الدنيا من قصور لكسرى ~~وقيصر وفرعون، أو نجاشي وملك وامبراطور. # وفى الاحياء اليهودية الناشبة في المدينة وما حولها من مستعمراتهم شمالي ~~الحجاز، دور مشيدة وحصون منيعة، تطل على المبنى البسيط المتواضع لنبي ~~الاسلام، فيبدو لها فقيرا أشد الفقر. # ويلتقط أهلها ما يتلو المصطفى من كلمات ربه في الحث على الانفاق في سبيل ~~الخير، قرضا لله تعالى، فتذيع قالتهم الفاحشة: (إن ms095 الله فقير ونحن أغنياء) ~~! في تلك الايام الاولى بدار الهجرة، نزل المصطفى صلى الله عليه وسلم بدار ~~صاحبه (أبي أيوب الانصاري) ريثما تم بناء المسجد والحجرات حوله. # أما صحابته المهاجرون، فنزلوا على الانصار من الاوس والخزرج، وقد آخى ~~الرسول بينهم. # واختار صلى الله عليه وسلم ابن عمه (علي بن أبي طالب) فجعله أخاه. # وهكذا ذهب كل أنصاري بأخ له من المهاجرين، وذهب علي بن أبي طالب بالمصطفى ~~أخا. # وأغلقت دور المهاجرين بمكة. # وتركت مهجورة موحشة خلاء. PageV01P201 بعد أن تم بناء بيت المصطفى في دار ~~هجرته، بدت الحاجة إلى زوج تملا هذا البيت، وتهيئ للمصطفى سكنا وراحة، فيما ~~يواجه من أعباء الرسالة في مرحلتها الحرجة الصعبة. # وكانت (عائشة بنت أبي بكر) قد لحقت بأبيها في المدينة مهاجرة. # وقبل الهجرة بثلاث سنين، كان المصطفى قد عقد عليها بمكة، ثم تمهل لم ~~ينقلها إلى بيته هناك، إذ كانت ظروفهما كليهما، لا تعين على التعجيل بإتمام ~~الزواج. # وقد سبقتها إلى بيت المصطفى في المدينة، أم المؤمنين (سودة بنت زمعة بن ~~قيس بن عبد شمس) التى مات عنها زوجها (السكران ابن عمرو) إثر عودتهما من ~~هجرة الحبشة، فأشفق عليها المصطفى، وتزوجها ليحمل عبئها الذي لقيت من غربة ~~وترمل. # (1) وقنعت (سودة) بحظها من زوجها المصطفى: بر ورحمة، لا حب وتآلف وسكن. # وأرضاها كل الرضى أن يشرفها النبي عليه الصلاة والسلام فيدخلها بيته أما ~~للمؤمنين. # وبقيت حياة محمد - عليه الصلاة والسلام - في بيته، تقتات من ذكريات الزوج ~~الحبيبة الراحلة (خديجة بنت خويلد) التي أوحشت # دنياه منذ رحيلها، في عام الحزن، بعد أنس عشرة هنيئة امتدت خمسا # __________ # (1) تراجم أمهات المؤمنين، مفصلة في (طبقات الصحابة) ومعها (نساء النبي) ~~(طبعة دار الكتاب العربي) بيروت. # [ * ] PageV01P202 وعشرين سنة، لم تشاركها فيها زوج أخرى في بيت زوجها، ~~أو في قلبه ودنياه. # وتهيأ مجتمع المدينة ليزف إلى محمد صلى الله عليه وسلم، عروسه الصبية ~~المليحة الذكية (عائشة بنت أبي بكر) وتعلق بها الامل أن تملا في بيته ~~وقلبه، ذلك الفراغ الموحش الذى تركته ms096 أم المؤمنين الاولى. # وتم حفل العرس بسيطا غاية البساطة. # مضى محمد صلى الله عليه وسلم، إلى منزل صهره الصديق، فجاءت (أم رومان: ~~زوج أبي بكر) بابنتها العروس بعد أن سوت شعرها وغسلت وجهها وطيبتها، ~~وقدمتها إلى زوجها المصطفى وهي تدعو الله أن يبارك له فيها ويبارك لها فيه. # ولم تنحر جزور ولا ذبحت شاة، بل كان طعام العرس جفنة من طعام، هدية من ~~(سعد بن عبادة الخزرجي الانصاري) وقدحا من لبن، شرب المصطفى بعضه ثم قدمه ~~إلى عروسه فشربت منه. # ونقلها إلى بيتها الجديد، وما كان هذا البيت سوى حجرة من الحجرات البسيطة ~~التى شيدت حول المسجد النبوى من اللبن والجريد. # وأثاثه فراش من أدم حشوه ليف، ليس بينه وبين الارض إلا الحصير. # وفى مدخل الحجرة، أسدل على فتحة الباب ستار من وبر وشعر. # وفى هذا البيت البسيط المتواضع، بدأت (عائشة) حياتها الزوجية الحافلة، ~~وشغلت مكانها المرموق في حياة الرسول والاسلام. # ولم يكن وجود (سودة) على مقربة منها، في بيت الزوج الذى أحبته عائشة ~~بقلبها البكر ووجد انها المرهف وعاطفتها المتوهجة، يشغل PageV01P203 بالها ~~في كثير أو قليل. # فما غاب عنها أن ليس لسودة في قلب زوجها مكان ! وإنما الذي كان يشغل ~~عائشة، هو ذلك الحب العميق الذي حظيت به (خديجة) قبلها من الزوج المصطفى، ~~وتلك الذكرى الحية لمن استأثرت بكل عواطفه ربع قرن من الزمان. # والزوج الحبيب يروض عائشة على أن ترضى منه بحظوتها لديه، ومنزلتها في ~~قلبه وفي حياته. # هل كانت (عائشة) طفلة، كما يحلو لبعض المستشرقين أن ينعتوها، وهم يقيسون ~~نضج المرأة في المجتمع العربي مند أربعة عشر قرنا، بمقاييس المجتمع الغربي ~~في عصرنا ؟ الذي يعرفه تاريخنا، هو أن عائشة في صباها الغض وأنوثتها ~~الذكية، بدأت من اليوم الاول لحياتها الزوجية، تحقق وجودها في بيتها الجديد ~~وتعي دورها الفذ في حياة زوجها الرسول عليه الصلاة والسلام، وتفرض شخصيتها ~~على المجتمع المدني، ثم على التاريخ الاسلامي الذي عرف لها أعمق الاثر في ~~الحياة الفقهية والسياسية والاجتماعية للامة الاسلامية. # هل ms097 نسى المهاجرون وطنهم الاول في البلد العتيق، مهد مولدهم ومغنى صباهم ~~ومثوى آبائهم من قديم الزمان ؟ PageV01P204 هل انقطع ما بينهم وبين أم ~~القرى، وطووا ما كان لهم فيها من ذكريات ؟ كلا ! بل بقيت مكة مهوى أفئدتهم ~~كما هي مهوى أفئدة الانصار وسائر العرب. # وما كان الفراق سهلا، ولا كان في المهاجرين من ودعها إلا وقلبه مثقل ~~بالشجن. # وكأنما كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يعبر عما يجدون، حين وقف ساعة ~~خروجه للهجرة يستوعب مكة بنظرة حزينة ويقول مودعا: (والله إنك لاحب أرض ~~الله إلى الله، وإنك أحب أرض الله الي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما ~~خرجت). # ورغم ما حفلت به الايام الاولى في دار الهجرة، من مراسم الترحيب والاخاء ~~وشواغل التنظيم للمجتمع الاسلامي الجديد، كانت وطأة الحنين ترهق أكثرهم ~~فترهف حساسيتهم لتغير الجو ! وألم بكثير منهم سقم وأجهدتهم الحمى. # وفي هذيان الحمى كان المطوي من أشواقهم ومكبوت حنينهم، يتنفس مفلتا من ~~أعماق أفئدتهم، إلى ألسنتهم. # تتحدث أم المؤمنين (عائشة بنت أبي بكر) عن أول عهدهم بالمدينة فتقول: ~~(كان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال، في بيت واحد. # فأصابتهم الحمى فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب PageV01P205 علينا ~~الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك. # فدنوت من # أبي فقلت له: - كيف تجدك يا أبت ؟ فرد مرتجزا: كل امرئ مصبح في أهله ~~والموت أدنى من شراك نعله فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول. # ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت له: - كيف تجدك يا عامر ؟ فرد منشدا: لقد ~~وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه قلت: والله ما يدري عامر ما ~~يقول. # وكان بلال إذا تركته الحمى، اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته، يذكر مكة ~~وربوعها: ألا ليت شعري هل أبيتهن ليلة * بفخ وحولي إذخر وجليل وهل أردن ~~يوما مياه مجنة * وهل تبدون لي شامة وطفيل فذكرت لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما سمعت منهم فقلت: - إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى. ~~PageV01P206 فقال ms098 صلى الله عليه وسلم: - اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت ~~إلينا مكة أو أشد) (1). # ويح المشركين من أهل مكة، ضلوا وظلموا، واشتطوا في عتوهم وعنادهم وبغيهم، ~~وأسرفوا على من أسلموا منهم. # وبقيت مكة مهوى الافئدة: لم يسل عنها من هاجروا منها بدينهم، ولم يغض من ~~شأنها عتو الوثنية الطاغية. # وإن مكة لمهد النبوة ودار المبعث، ومثابة حج العرب من عهد ابرهيم ~~واسماعيل. # __________ # (1) بنصه، عن ابن إسحاق. # من السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 233. # [ * ] PageV01P207 أبعاد الموقف في ميدان الصراع (لتبلون في أموالكم ~~وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ~~كثيرا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الامور). # (صدق الله العظيم) في حساب التاريخ أن المواجهة الاولى بين الاسلام ~~والوثنية في مكة، تختلف تماما عما يواجهه في المدينة من معركة معقدة بينه ~~وبين أعدائه، في ميدان ذى جبهات ثلاث، يلقى فيه حشود قريش في صدام مسلح، ~~وعصابات يهود في أوكارهم الخطرة، وجيوب المنافقين الذين حالفوا الشيطان. ~~PageV01P208 وتتداخل هذه الجبهات زمانا ومكانا، فيزداد الموقف تعقيدا # وصعوبة وحرجا، من حيث لا يستطيع المؤمنون أن يتفرغوا للجهاد في إحدى ~~الجبهات ثم ينتقلوا إلى أخرى منها فيكون الامر عليهم أخف عبئا وأيسر مشقة. # وكذلك يشق علينا، فيما نحاول من متابعة المسير مع المصطفى في دار هجرته، ~~أن نمضي مع الاحداث من موقع إلى اخر في ميدان المعركة الكبرى المعقدة، ~~بمعزل عن غيره من المواقع. # ويمكن القول مع ذلك، إن الجبهة اليهودية بدأت تشحذ أسلحتها المسمومة لحرب ~~الاسلام، من أول يوم للهجرة. # بينما تأخر الصدام المسلح مع الوثنية القرشية، ريثما يتحدد مجاله ما بين ~~مكة والمدينة، ويتم التأهب له والاحتشاد، فلم يبدأ إلا في السنة الثانية ~~للهجرة. # وكذلك تأخر ظهور الجيوب الخطرة للمنافقين، ريثما سرى فيها سم الشيطان ~~بطيئا خفيا لم يكد يلحظ إلا بعد أن ضري واستشرى، يهدد الوجود الاسلامي في ~~أحرج المواقف. # ذلك كله مما كان يدخل في حساب التاريخ، حين بدا ظاهر الامر أن مكة وحدها ~~هي مركز ms099 الخطر على الاسلام، وأن له في يثرب مأمنا من كل خطر. # فلنمض مع الاحداث إلى حيث نرقب منطق الحرب في الجبهة اليهودية التي لم ~~تطق الصبر على الاسلام منذ تحول إلى دار الهجرة، PageV01P209 بل أخذت زمام ~~المبادرة إلى الكيد له، من اليوم الاول. # وقد اقتضت طبيعة الجبهة، أن يأخذ الصراع فيها # جولتين. # أولاهما إثر الهجرة، بكل سلاح يهودي إلا الحرب والقتال. # والاخرى بعد بدر وأحد والخندق، حيث فرض الوضع المواجهة بالسيف في حرب ~~معلنة. # ومن الجولة الاولى، ينكشف موضع جديد للخطر، لافتا إلى موقع في الميدان لم ~~يكن له حساب في العهد المكي قبل الهجرة. # لم يكن قد مضى على المصطفى في دار هجرته يوم وبعض يوم، حين انكمش يهود في ~~دورهم ومجامعهم يرصدون أبعاد الموقف الطارئ، ويحسبون ألف حساب لما وراءه من ~~تهديد لوجودهم المغتصب هناك. # أقرب الخطر أن ألف بين قلوب عرب المدينة من أوس وخزرج، وأطفأ ما أوقد ~~يهود بينها من نار العداوة والبغضاء. # ووراءه أن ينير الاسلام بصائر العرب الاميين ويعلمهم الكتاب والحكمة، ~~فينكشف لهم ما عق يهود من الدين الموسوي وحرفوا من التوراة، وقتلوا من ~~أنبياء، واقترفوا من جرائم وحشية أرقت البشرية على اختلاف الاجناس ~~والازمان. # من أول يوم للهجرة، بدأ قلقهم وكيدهم. # وفى بيت زعيمهم (حيي بن أخطب) كانت العصابة في شغل شاغل PageV01P210 بهذا ~~المهاجر الذي صرخ راصدهم معلنا عن قدومه، فاحتشد عرب يثرب لاستقباله. # وبدا لابن أخطب أن يتسلل هو وأخوه (أبو ياسر) في غلس الفجر، ليتحققا من ~~شخصية هذا النبي العربي ويستوثقا من أمره في ضوء ما # أعطت التوراة من ملامح النبوة. # وكانت (صفية بنت حيي) هناك، صبية مدللة ما تزال في بيت أبيها، لم تر ~~النبي العربي بعد. # قالت بعد أن أسلمت ودخلت بيت المصطفى، تسترجع ذكرياتها عن يوم الهجرة. # (كنت أحب ولد أبي إليه والى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولدهما إلا ~~أخذاني دونه. # فلما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة، غدا عليه أبي وعمي ~~مغلسين ms100 بين الفجر والصبح، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس. # فأتيا متعبين ساقطين يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت إصنع، فوالله ~~ما التفت واحد منهما الي، مع ما بهما من الغم. # وسمعت عمي أبا ياسر، وهو يقول لابي: - أهو هو ؟ قال: نعم، إنه هو. # سأله عمي: أتعرفه وتثبته ؟ قال: نعم أعرفه. PageV01P211 وسأل عمي: فما في ~~نفسك منه ؟ ورد أبي: عداوته ما بقيت) (1). # وكأنما كانت كلمته، أول يوم للهجرة، إيذانا بفتح جبهة جديدة، أخطر وأضرى ~~من الجبهة المكشوفة مع المشركين من قريش. # كان هم يهود، أن يوادعهم الاسلام ريثما يفيقون من صدمة # الهجرة، ويتدبرون وسيلة الخلاص من هذا الدين الذي لا يمكن أن يسالموه. # وتعلق أملهم في الموادعة، بأنهم في ظاهر أمرهم أهل كتاب وأتباع نبي مرسل. # والقرآن فيما سمعوا من آياته، يقرر أنه مصدق لما بين يديه من التوراة ~~والانجيل، مقر بنبوة عيسى وموسى ويعقوب واسحاق وابرهيم وسائر الانبياء لا ~~يفرق بين أحد منهم. # وفي خبث ومسكنة، تقدموا يرحبون بالنبي المهاجر ويسألونه الموادعة ~~والامان، وله عليهم أن يكونوا مع أهل المدينة ضد أي عدوان عليها من وثنيي ~~مكة. # وكان الضمان، ما ليهود في المنطقة من مستعمرات غنية وتجارة رابحة وحصون ~~مكدسة بالاموال، فهم أحرص الناس على سلام المدينة وأمن المنطقة. # __________ # (1) السمهودي: وفاء الوفا: 1 / 270. # والسيرة لابن هشام: 2 / 165. # [ * ] PageV01P212 وأعطاهم المصطفى عهده بالموادعة والامان على أموالهم ~~وأنفسهم وحرية عقيدتهم، مسجلا في كتابه إلى أهل المدينة إثر هجرته عليه ~~الصلاة والسلام. # ومما جاء فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم. # هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من ~~قريش ويثرب - المهاجرين والانصار - ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم ~~أمة واحدة. # (وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. # وإن المؤمنين على من بغى # منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين. # وان المؤمنين أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم. # ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ولا ينصر كافرا على مؤمن. # (وإن ذمة ms101 الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وان المؤمنين بعضهم موالي بعض ~~دون الناس. # (وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصرين ~~عليهم. # وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله ~~إلا على سواء وعدل بينهم..(وإن المؤمنين المتقين على إحسن هدى وأقومه، وإنه ~~لا يجير مشرك - من أهل المدينة وما حولها - مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول ~~دونه على مؤمن. # وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول. # وان المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه. PageV01P213 (وإنه ~~لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر ~~محدثا ولا يؤويه (1). # وإنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه ~~صرف ولا عدل. # وإنكم مهما اختلفتم فيه من شئ فإن مرده إلى الله عزوجل، والى محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # (وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة ~~مع المؤمنين. # لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم أو أثم فإنه ~~لا يوتغ - يهلك - إلا نفسه وأهل بيته. # وإن جفنة - بطن من بني ثعلبة - كأنفسهم. # وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الاثم. # وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم. # (وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم. # وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. # وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الاثم. # وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع ~~المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لاهل هذه الصحيفة، وإن ~~الجار كالنفس غير مضار ولا آثم. # وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها. # (وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف # __________ # (1) المحدث: من أحدث في الاسلام بدعة أو ضلالة أو فتنة. # [ * ] PageV01P214 فساده فإن مرده إلى الله عزوجل، والى محمد رسول ms102 الله ~~صلى الله عليه وسلم. # (وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره (وإنه لا تجار قريش ولا من ~~نصرها. # (وإن بينهم النصر على من دهم يثرب. # وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه. # وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين. # على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم. # (وإن يهود الاوس، مواليهم وأنفسهم، على مثل ما لاهل هذه الصحيفة مع البر ~~المحض من أهل هذه الصحيفة. # (وإن البر دون الاثم. # لا يكسب كاسب إلا على نفسه وإن الله على أصدق # ما في هذه الصحيفة وأبره. # وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم. # وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم. # وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم) (1). # والصحيفة وثيقة تاريخية شاهدة على استجابة نبي الاسلام صلى الله عليه ~~وسلم لما طلب يهود من موادعة وأمان وحلف وجوار، وعلى احترام الاسلام حريتهم ~~في العقيدة، لهم دينهم وللمسلمين دينهم، وتأمينهم على أموالهم وأنفسهم ~~ومواليهم وبطانتهم، إلا أن يأثموا ويظلموا، ويخونوا العهد فيظاهروا عدوا ~~على أهل المدينة من المهاجرين والانصار. # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 2 / 149 وتاريخ الطبري: السنة الاولى للهجرة. # [ * ] PageV01P215 بقدر ما هي شاهدة على أبعاد الجبهة اليهودية، ومدى ~~تغلغلهم في يثرب. # ولم تذكر مع ذلك غير البطون الناشبة في أحياء العرب هناك، والمعدودة من ~~مواليها. # دون تعرض للمستعمرات اليهودية في خيبر وبني النضير وبني قريظة، وتيماء ~~وفدك ووادي القرى. # بل لم تذكر كذلك الاحياء الخاصة بهم في صميم المدينة، مثل حي بني قينقاع. # فلنتابع الاحداث. # المدينة التي فتحت قلبها للمهاجر العظيم وبايعته على الاسلام والنصرة ~~والبذل، كانت تتوجس الشر من عصابات يهود التي مزقت الوجود العربي هناك قبل ~~الاسلام. # وبنو قيلة، الاوس والخزرج، الذين فتحوا دورهم لاخوانهم المهاجرين من مكة، ~~كانوا في ضيق بنفر من أشراف المدينة، ترددوا في الترحيب بهذه الهجرة التي ~~غيرت الاوضاع وحولت مجرى ms103 الاحداث. # ثم تابعوا قومهم على الاسلام، بعد تردد وارتياب دون أن يدخل الايمان في ~~قلوبهم عقيدة ودينا. # وعلى رأس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول الخزرجي، حليف اليهود من يوم ~~بعاث. # لقد افتدى نفسه وماله بدفع رهائن اليهود إليهم، حين هجموا بعد انتصار ~~الاوس، على دور الخزرج يذبحون وينهبون. PageV01P216 ومن يومها صار حليفهم ~~الذي يدين لهم بحياته، ويجدون فيه عميلا يسخرونه في قضاء مأربهم، حتى فكروا ~~في أن يتوجوه ملكا على يثرب، وعكف بعض صناعهم في حي الصاغة اليهودي، على ~~إعداد تاج لهذا الموالي الحليف. # وجاءت الهجرة فبددت أمله وأملهم، وشحنت نفسه حسرة على تاجه المسلوب. # ذات صباح، من الايام الاولى للهجرة، ركب المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى ~~بيت صاحبه (سعد بن عبادة الخزرجي الانصاري) يعوده من مرض ألم به. # وفى طريقه إلى بيت سعد، مر بعبد الله بن أبي، في مجلس له وحوله رجال من ~~أهله. # فكره عليه الصلاة والسلام أن يجاوز المجلس دون أن ينزل. # فنزل وسلم على القوم، ثم جلس قليلا فتلا آيات # من القرآن الكريم، وذكر بالله وحذر، وبشر وأنذر. # وابن أبي بن سلول، صامت واجم. # حتى إذا فرغ المصطفى مما أراد أن يقول، بادره (ابن أبي) قائلا في جفوة ~~وغلظة: - يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقا. # فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغشه في مجلسه بما ~~يكره منه ! PageV01P217 ولم يدعه الانصار يتم قولته المنكرة الفاحشة. # وانتفض الشاعر الخزرجي الانصاري (عبدالله بن رواحة) يعقب على كلام ابن ~~أبي، متحديا: - بلى يا رسول الله، فاغشنا بحديثك وائتنا في مجالسنا ودورنا ~~وبيوتنا، فهو والله مما نحب، ومما أكرمنا الله به وهدانا له. # وغض ابن أبي بن سلول من بصره وهو يتمثل بقول (خفاف بن ندية السلمي): متى ~~ما يكن مولاك خصمك لا تزل * تذل ويصرعك الذين تصارع وهل ينهض البازي بغير ~~جناحه * وإن جذ يوما ريشه فهو واقع وقام المصطفى فتابع سيره حتى دخل على ~~صاحبه (سعد بن ms104 عبادة) وفى وجهه - صلى الله عليه وسلم - ملامح ضيق لما سمع ~~من ابن أبي بن سلول، عدو الله. # سأل سعد: (والله يا رسول إني لارى في وجهك شيئا، لكأنك سمعت شيئا تكرهه). # فأخبره صلى الله عليه وسلم بما كان. # وقال سعد: (يا رسول الله، ارفق به فوالله لقد جاءنا الله بك وإنا لننظم ~~الخرز PageV01P218 لنتوجه، فوالله إنه ليرى أن قد سلبته ملكا) (1). # لم يكد اليهود يطمئنون إلى موادعة نبي الاسلام إياهم، حتى عادوا إلى ~~أوكارهم يدبرون لحرب الاسلام في معركة غير مكشوفة، يتقون بها المواجهة ~~المعلنة. # وكان أقسى ما غاظهم من هذا الاسلام، أن أطفأ نار العداوة والبغضاء بين ~~عرب المدينة، الاوس والخزرج، بعد أن سهرت أجيال من السلالة اليهودية على ~~إلهابها بوقود من الدس والفتنة والتواطؤ. # فهل يمكن إيقاظ الفتنة بين الاوس والخزرج، وإهاجة الشر بينهم بعد أن حسمه ~~الاسلام ونسخ ثارات لهم وأحقادا تراكمت على مدى خمسة قرون قبل المبعث ؟ لا ~~بأس من المحاولة، على أن تبدو حادثا فرديا عارضا، لا يحمل اليهود إثمه. # نقل ابن إسحاق والطبري، فيما نقلا من أحداث السنة الاولى للهجرة: (مر شاس ~~بن قيس - وكان شيخا عظيم الكفر شديد الضغن على # المسلمين والحسد لهم - على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~من الاوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاضه ما رأى من ألفتهم ~~وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الاسلام، # __________ # (1) السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 237. # [ * ] PageV01P219 بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. # فقال، يحدث نفسه أو قومه: - قد اجتمع ملا بني قيلة بهذه البلاد، وما لنا ~~إذا اجتمع أمرهم من قرار ! ثم أمر فتى شابا من يهود كان معه، فقال: - اعمد ~~إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث وما كان قبله من حروب بينهم، وأنشدهم ~~بعض ما تقاولوا فيه من أشعار). # ففعل الشاب اليهودي ما أمره به شيخه، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا ~~وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين وقال أحدهما لصاحبه: - إن شئتم ~~رددناها الآن جذعة. ms105 # فغضب الفريقان جميعا وصاحوا: - قد فعلنا. # وتواعدوا على أن يلتقوا في يومهم ذاك. # بموضع (الحرة) واندفعوا في دروب المدينة يتداعون إلى الحرب وهم يتصايحون: ~~السلاح السلاح. # وجمت دار الهجرة وهي تسمع صيحة الحرب. # وجاء المصطفى في # جمع من صحابته، فأدرك القوم في (الحرة) وقد هموا بقتال. # فقال عليه الصلاة والسلام: (يا معشر المسلمين، الله الله ! أبدعوى ~~الجاهلية وأنا بين أظهركم، PageV01P220 بعد أن هداكم الله للاسلام وقطع ~~عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر، وألف بين قلوبكم) ؟ ونفذ صوت ~~المصطفى من مسامعهم إلى أفئدتهم وضمائرهم وعقولهم، (وعرفوا أنها مكيدة ~~عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الاوس والخزرج بعضهم بعضا). # وبطل سم هذه الفتنة، وخاب كيد يهود. # والمصطفى يتلو من آيات (آل عمران) ثانية السور التي نزلت بالمدينة بعد ~~الهجرة: (قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون ~~* قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء ~~وما الله بغافل عما تعملون * يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين ~~أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين * وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ~~ايات الله وفيكم رسوله، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم * يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف ~~بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم ~~منها، كذلك # يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون * ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون * PageV01P221 ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب ~~عظيم *) صدق الله العظيم وخشع المؤمنون لآيات ربهم، وانكمشت العصابة ~~الملعونة تفتش في جعبتها عن سهام أخرى يمكن أن تصيب من حيث ارتد سهم الفتنة ~~هذه المرة إلى صدورهم، يؤجج ما انطوت عليه من ضغينة وغدر وحقد. # على أن تبدو المكيدة حادثا فرديا عارضا، ms106 لا يحمل اليهود كلهم إثمه..في ~~أوكار يهود الناشبة في دار الهجرة وما حولها، تمت تعبئة الاحبار ليكيدوا ~~للاسلام كيدا، دون أن يواجهوه بحرب معلنة: يتظاهر نفر منهم بالاسلام، ثم ~~يندسون بين الصحابة في صميم المجتمع الاسلامي بالمدينة، ليبذروا بذور الشر ~~التى تؤتى ثمرها الخبيث على المدى الطويل، ويشربوا ضعاف النفوس من بني قيلة ~~سم النفاق، واثقين من نتيجته وإن يكن بطئ الاثر. # وآخرون منهم يتصدون لمجادلة نبي الاسلام، التماسا للعلم في ظاهر الامر، ~~وقصدا إلى إحراجه، صلى الله عليه وسلم، وإعناته ! PageV01P222 جاءه نفر ~~منهم، وهو صلى الله عليه وسلم في مجلسه مع صحابته، فقالوا: (1) - يا محمد، ~~أخبرنا عن أربع نسألك عنهن، فإن فعلت ذلك اتبعناك وصدقناك. # سألهم عليه الصلاة والسلام: ما هي ؟ قال كبير منهم: - أخبرنا كيف يشبه ~~الولد أمه وإنما النطفة من الرجل ؟ - وأخبرنا كيف نومك ؟ - وماذا حرم ~~اسرائيل على نفسه ؟ وأخبرنا عن الروح. # - وجاءه (أبوصلوبا الفيطوني) فقال: - يا محمد، ما جئتنا بشئ نعرفه - من ~~دلائل النبوة - ما أنزل الله عليك من آية فنتبعك لها. # وعقب (ابن حريملة) فاقترح على المصطفى مثل ما اقترحه عليه الوثنيون من ~~قريش. # قال: - يا محمد، إن كنت رسولا من الله كما تقول، فقل له فليكلمنا حتى ~~نسمع كلامه. # وأضاف آخر مقترحا: - يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا السماء نقرؤه، ~~وإلا جئناك بمثل ما أتيتنا به ! # __________ # (1) تجد نصوص أسئلتهم والرد عليها في (السيرة لابن هشام) 2 / 91 وما ~~بعدها. PageV01P223 تلا المصطفى من وحي ربه: # (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية، كذلك قال الذين ~~من قبلهم مثل قولهم، تشابهت قلوبهم، قد بينا الآيات لقوم يوقنون). # وجاءه (جبل بن أبي قشيرة، وشمويل بن زيد) فقالا: - يا محمد، أخبرنا متى ~~تقوم الساعة إن كنت نبيا كما تقول. # ولم يجب الرسول عليه الصلاة والسلام بغير ما نزل عليه من كلمات ربه: ~~(يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها ~~إلا هو، ثقلت في السموات والارض لا تأتيكم إلا ms107 بغتة، يسألونك كأنك حفي ~~عنها، قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون). # وجاءه صلى الله عليه وسلم، جمع منهم، فيهم (ابن أبي عزير، وسلام بن مشكم، ~~وابن أضاء فسألوا: - أحق يا محمد أن هذا الذي جئت به لحق من عند الله، فإنا ~~لا لا نراه متسقا كما تتسق التوراة ؟ وأضاف (فنحاص، وابن صوريا، وابن ~~صلوبا، وشمويل بن زيد): - يا محمد، أما يعلمك هذا إنس ولا جن ؟ ورد عليه ~~الصلاة والسلام: PageV01P224 (أما والله إنكم لتعرفون أنه الحق من عند ~~الله..ولو اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثله، ما جاءوا به). # وكرروا سؤالهم عن ذي القرنين وأهل الكهف، وكانوا قد اقترحوا على مشركي ~~قريش أن يسألوه عن (خبر فتية كان لهم حديث عجب، وعن رجل طواف في الارض ما ~~شأنه ؟). # وأجاب صلى الله عليه وسلم، بمثل ما أجاب به قريشا، مما تلقى من آيات سورة ~~الكهف في العهد المكي. # وأتى رهط منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه معنتين: - يا محمد، ~~هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله ؟ فغضب النبي عليه الصلاة والسلام حتى ~~تغير لونه، وهم بهم يريد أن يبطش بهم غضبا لله سبحانه، لكنه تمالك غضبه ~~وراح يتلو: (قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد ولم يكن له ~~كفوا أحد). # وغرهم حلمه صلى الله عليه وسلم، فمضوا في جدلهم الوقح: - فصف لنا يا محمد ~~كيف خلقه - تعالى - ؟ كيف ذراعه وكيف عضده ؟ عندئذ اشتد غضب المصطفى ~~وساورهم، ثم انصرف عنهم يائسا من جدوى مثل ذلك الجدل العقيم.. PageV01P225 ~~لكنهم لم يكفوا عن جدلهم الخبيث، يبثون سمومه في المجتمع المدني آمنين من ~~جانب نبي الاسلام، محتمين بعهده الموثق. # حتى ضج الصحابة من شرهم ومكرهم، فمضوا يساورونهم ويزجرونهم، عساهم ~~يرتدعون. # دخل (أبو بكر الصديق) بيت المدارس الذي يجتمعون فيه إلى # أحبارهم ويتدارسون في أسفارهم، فوجد عصابة منهم قد اجتمعت إلى حبرين من ~~رؤوسهم: (أشيع وفنحاص) فقال الصديق منذرا: (ويحك يا فنحاص اتق الله، فوالله ~~إنك لتعلم أن ms108 محمدا رسول الله قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم ~~في التوراة والانجيل) رد عدو الله، وقد ذكر ما يتلو المسلمون من آيات ~~القرآن في البر والرحمة، والبذل للخير قرضا حسنا يضاعفه الله لهم: (والله ~~يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من فقر وإنه إلينا لفقير ! وما نتضرع إليه كما ~~يتضرع إلينا، وإنا عنه لاغنياء وما هو عنا بغني ! ولو كان غنيا ما استقرضنا ~~أموالنا كما يزعم صاحبكم ! ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان عنا غنيا ما ~~أعطانا الربا) ! فلم يملك أبو بكر غضبه، ولطم وجه فنحاص وقال: (والذي نفسي ~~بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك، أي عدو الله). # وأسرع الخبيث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه صاحبه الصديق أبا ~~بكر، وينكر أن يكون قال شيئا مما أغضبه. PageV01P226 ونزلت كلمات الله، من ~~سورة آل عمران: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ~~سنكتب ما قالوا، وقتلهم الانبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق). # ولجوا في عنادهم ومكرهم، حتى اجترأوا فأنكروا أن يكونوا قد بشروا بقرب ~~مبعث نبي ! ولم يسكت الانصار على هذا الانكار الجرئ، وطالما من عليهم يهود ~~بأنهم أهل كتاب، وشغلوهم بالكلام عن نبي حان زمانه. # وقد تصدى لهم من الانصار (معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب) ~~قالوا: - يا معشر يهود، اتقوا الله فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، ~~ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته). # فرد منهم رافع بن حريملة، ووهب بن يهوذا: - ما قلنا لكم هذا قط، وما أنزل ~~الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده ! وبدا أن المجتمع ~~المدني في حاجة إلى تطهير مما نفثوا فيه من سموم الشر والنفاق، لكن عهد ~~الموادعة بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم، كان يرخي لهم في أملهم أن يكيدوا ~~للاسلام دون أن يواجهوه في معركة مكشوفة لم يكن أوانها قد حان بعد. ~~PageV01P227 حتى شهر رجب من السنة الثانية للهجرة، كان ms109 المصطفى والذين ~~آمنوا معه، يتجهون في صلاتهم مستقبلين الشمال، شطر بيت المقدس. # ولم يكن صلى الله عليه وسلم راضيا عن تلك القبلة الاولى، وطالما رنا في ~~تأملاته إلى البيت العتيق يرجوه قبلة لامته، لكنه لم يكن يملك أن يغير قبلة ~~المسلمين من تلقاء نفسه، فليس له إلا أن ينتظر أمر الله سبحانه وتعالى. # واستجاب الله لرسوله فولاه القبلة التي يرضاها. # وصلى المصطفى والصحابة في دار الهجرة، مستقبلين المسجد الحرام منذ نزلت ~~آية البقرة، أولى السور المدنية: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك ~~قبلة ترضاها، # فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره، وإن الذين ~~أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم، وما الله بغافل عما يعملون). # ولم يمض هذا التحول الهام دون جدل من يهود: ذهب نفر من أحبارهم إلى ~~المصطفى عليه الصلاة والسلام يسألونه مساومين: - يا محمد، ما ولاك عن قبلتك ~~التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة ابرهيم ودينه ؟ ارجع إلى قبلتك التي ~~كنت عليها نتبعك ونصدقك ! وتلا المصطفى من وحي ربه: PageV01P228 (سيقول ~~السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل لله المشرق ~~والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) وانصرف اليهود بغيظهم لم ينالوا ~~شيئا بحيلتهم الماكرة ومساومتهم المكشوفة الكاذبة. # وتسامع طواغيت المشركين من قريش في مكة، بنبإ تحول المسلمين عن قبلتهم ~~الاولى إلى المسجد الحرام، فلم يرضهم ما في هذا التحول من تأييد الزعامة ~~الدينية لام القرى وترسيخ حرمة البيت العتيق، بل أوجسوا في أنفسهم خيفة أن ~~تكون مكة متجه الدعوة الاسلامية التي حسبوا أنها خرجت منها إلى يثرب، مع ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين المكيين من صحابته. # وساورهم القلق وهم يحسون نذر المواجهة المحتومة المتحدية، كلما حان موعد ~~الصلاة خمس مرات كل يوم، فتمثلوا المسلمين هناك في # دار هجرتهم يقيمون صلاتهم وقبلتهم المسجد الحرام في أم القرى. ~~PageV01P229 يوم بدر وموازين القوى (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين * يا أيها النبي حرض المؤمنين على ms110 القتال إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم ~~قوم لا يفقهون). # (صدق الله العظيم) في أي الجبهات الثلاث، يبدأ الصدام المسلح الذى لم يكن ~~منه بد، لتأمين الوجود الاسلامي وحماية حرية عقيدته ؟ ليس مع يهود قطعا، ~~فما هو من طبيعتهم ولا في إمكانهم. # وليس مع المنافقين، كذلك، وداؤهم لا يزال في مرحلة الحضانة PageV01P230 ~~والتفريخ، والذى يبدو من بوادره يمكن تداركه أو الغض عنه تجنبا لفتح جبهة ~~خطرة في صميم المجتمع الاسلامي بالمدينة، ولما يفرغ من أعدائه الوثنيين ~~ويهود. # إنما الصدام المسلح من الخصوم من قريش التي لم يعد أمامها سواه، بعد أن ~~تجنبته جهدها طويلا، على الرغم منها، حفاظا على السلام في أم القرى وأمن ~~الحمى الحرام في البيت العتيق. # لقد كان في حساب الوثنية القرشية أن تفرغ من القلة المؤمنة في الجولة ~~الاولى بأرض المبعث، دون حاجة إلى قتال وحرب. # وقد غرها أن نبي الاسلام عليه الصلاة والسلام، لبث بضعة عشر عاما في مكة، ~~لا يحمل سلاحا غير عقيدته، ولا يلقى طواغيت المشركين بغير كلمات ربه. # لكن طبيعة الاشياء فرضت حتمية الصدام، وقررت كذلك مصيره من تلك الجولة ~~المكية الاولى، وإن بدا أن المعركة لم تحسم إلا يوم الفتح في السنة الثامنة ~~للهجرة. # ماذا عسى التاريخ أن يعطي من تفسير منطقي لحركة الدعوة الاسلامية إذ تأخذ ~~منطلقها من فجر المبعث، فيحتمل المصطفى عليه الصلاة والسلام والذين آمنوا ~~معه، وطأة الوثنية العاتية الشرسة، دون أن يؤذن لهم بقتال ؟ لا يمكن أن ~~يكون المؤمنون مظنة أن يكرهوا القتال حذرا من معركة PageV01P231 تبدو غير ~~متكافئة، وهم الذين باعوا الدنيا بالآخرة، وبايعوا المصطفى عليه الصلاة ~~والسلام على الجهاد معه في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وليس فيهم من دخل ~~في دينه إلا وهو على بينة من أمره. # المهاجرون خرجوا من ديارهم وأموالهم. # والانصار أصحاب العقبة الكبرى، بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام (على ~~نهكة الاموال وقتل الاشراف) وودوا لو قاتلوا الوثنية عن دينهم من يوم ms111 ~~العقبة، لولا أن قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (لم نؤمر بذلك، ولكن ~~ارجعوا إلى رحالكم). # ليس التفسير إذن، أنهم كانوا مظنة التردد في القتال أو الخوف من قوة ~~عدوهم وكثرته. # وإنما اقتضت سنة الله سبحانه، أن تطول تلك الجولة المكية الاولى بغير ~~قتال، ليؤمن من يؤمن عن عقيدة خالصة واقتناع حر، ويكون الابتلاء بوطأة ~~المشركين تمحيصا للصفوة من المؤمنين، وتمزيقا لغشاوة الغفلة عن بصيرة قريش، ~~بما تشهد من هذا الاستبسال الصامد الذى لا يمكن إلا أن يكون عن إيمان بحق. # وتتابعت آيات القرآن تقصر مهمة الرسول على البلاغ: يدعو إلى سبيل ربه ~~بالحكمة والموعظة الحسنة. # وأسلم من أسلم، بمحض إرادته واختياره، دون تورط أو إكراه أو مسايرة. # وما كان بعيدا في منطق الحياة أن تغلب القلة المؤمنة كثرة كافرة، ~~PageV01P232 لكن الاسلام بتقريره حرية العقيدة وعدم الاكراه في الدين، أصلا ~~من أصول دعوته، استصفى من قريش والموالي بمكة وسابقي الانصار، الجنود ~~الاولين لحزب الله: لم ينتظروا حتى يحسبوا حسابا لمكسب أو خسارة، بل ~~استجابوا لداعي الاسلام بمحض إرادتهم، عن اعتقاد راسخ وضمير حر، فما عادوا ~~بحيث يخشون فيه لومة لائم، أو يبالون الموت في سبيل ما آمنوا أنه الحق من ~~ربهم. # وزودهم إيمانهم الصادق بطاقة فذة، نفذ أثرها إلى صميم الجبهة القرشية، ~~فكان منها المدد المتصل المتتابع، لكتيبة المؤمنين. # وتصدع بنيان الوثنية من قبل أن تلقى الاسلام في الصدام المسلح الذى فرضته ~~طبيعة الموقف، وقد أذن للمسلمين في القتال إقرارا لمبدأ حرية العقيدة، ~~وغضبا لحرمات الله، ودفعا لما سيموا من أذى # واضطهاد. # وقررت كذلك مصيره: ينتصر الحق على الباطل فيزهقه، وينسخ النور الظلام ~~فتنجلي غواشي الوثنية عن أم القرى والبيت العتيق. # على ساحة (بدر) كانت أولى جولات هذا الصدام، وموقعة بدر لم تأت فجأة، بل ~~سبقتها نذر تراكمت على الافق ما بين دار المبعث ودار الهجرة، معلنة عن ~~حتمية الحرب بين الاسلام والوثنية، إذ ليس من طبيعة الاشياء أن يتهادن حق ~~وباطل. # وقد أذن للمسلمين في القتال، بعد طول صبر واحتمال. ms112 PageV01P233 لكن ~~القتال لم يبدأ مع ذلك في عام الهجرة الاول، الذى مضى كله احتشادا للجهاد ~~وتنظيما للمجتمع الاسلامي في مركزه بالمدينة، واكتشافا لابعاد الميدان في ~~منطقة كانت، حتى المبعث ولمدى خمسة قرون قبله، ترعى فيها الذئاب من يهود. # ولم يكن هينا على المهاجرين والانصار، أن يأتي موسم الحج في عام الهجرة ~~الاول، وقد حيل بينهم وبين أداء فريضة الحج والسعي إلى بيت الله الحرام ~~الذى يسيطر عليه المشركون وكدسوا أوثانهم في ساحته، وأباحوه لكل الوثنيين ~~العرب، وصدوا عنه المؤمنين الذين يعبدون رب هذا البيت لا يشركون به شيئا. # ومع مطلع السنة الثانية للهجرة، بدأ المصطفى عليه الصلاة والسلام يخرج في ~~غزوات قصار، تدريبا لجنده من حزب الله، وإقرارا لهيبة الاسلام في موقعه ~~الجديد. # كما بدأ عليه الصلاة والسلام يبعث سراياه لتجوب المنطقة ما بين مكة # والمدينة، وأولاهما مركز الوثنية العربية، والاخرى مركز الدعوة ~~الاسلامية. # ولم تكن هذه السرايا قاصدة إلى قتال، وإنما كانت دوريات استطلاع تترصد ~~أبناء قريش في منطقة الحجاز (1). # __________ # (1) حديث هذه السرايا بتفصيل، في الجزء الثاني من السيرة النبوية لابن ~~هشام، وطبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري. # [ * ] PageV01P234 أولى السرايا، سرية (عبيدة بن الحارث) إلى مشارف ~~الحجاز، وقد لقي جمعا من قريش فلم ينشب بينهم قتال، إلا أن (سعد بن أبي ~~وقاص) من جنود السرية، رمى بسهم فكان أول سهم رمي به في الاسلام. # وقد اعتز به سعد فأنشد معتدا: ألا هل أتى رسول الله أني * حميت صحابتي ~~بصدور نبلي فما يعتد رام في عدو * بسهم يا رسول الله مثلي بعد سرية (عبيدة ~~بن الحارث) بعث المصطفى سرية عمه (حمزة ابن عبدالمطلب) إلى سيف البحر، في ~~ثلاثين راكبا من المهاجرين، ثم تلتها سرية (سعد بن أبى وقاص) فبلغت غايتها ~~في أرض الحجاز، ثم عادت لم تلق كيدا. # بعدها كانت سرية (عبدالله بن جحش) - ابن عمة المصطفى: أميمة بنت عبد ~~المطلب. # ومن هذه السرية اندلع الشرر الذى أوقد الضرام الكامن فتوهج مشتعلا على ~~ساحة بدر. # خرج (عبدالله بن جحش) في ms113 ثمانية من المهاجرين، في أوائل رجب من السنة ~~الثانية للهجرة، ورجب من الاشهر الحرم التي لا يحل فيها # قتال. # وكانت أوامر المصطفى إلى ابن عمته أن يمضي بالسرية حتى ينزل بموضع (نخلة) ~~ما بين مكة والطائف، فيترصد بها قريشا ويستطلع أخبارها. PageV01P235 وحدث ~~في مرحلة من الطريق أن خرج (سعد بن أبى وقاص وعتبة ابن غزوان) ينشدان بعيرا ~~لهما ضل. # ثم تخلفا لم يرجعا إلى منزل السرية، وبدا أن قريشا أخذتهما على غرة ~~فأسرتهما. # ومضى أمير السرية بمن بقي معه من المهاجرين حتى نزل بنخلة كما أمره ~~المصطفى عليه الصلاة والسلام. # فمرت عير تجارية لقريش، فيها (عمرو بن الحضرمي) وتحاشى المسلمون القتال ~~حفاظا على حرمة الشهر الحرام. # لكن تجنب الصدام مع المواجهة، لم يكن مستطاعا، وأطلق الصحابي (واقد بن ~~عبدالله) سهما أصاب عمرو بن الحضرمي فقتله. # وعندئذ فرت قريش من عيرها وقتيلها، وعن أسيرين منها. # وعادت السرية الظافرة إلى المدينة بالمغانم والاسيرين، وهى ترجو أن يفتدى ~~بهما سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان. # غير أنها ما كادت تدخل المدينة حتى استقبلت بوجوم ذهب بفرحة النصر. # وقال المصطفى لابن عمته، أمير السرية: (ما أمرتكم بقتال في الشهر ~~الحرام). # ثم أعرض صلى الله عليه وسلم عما جاءت به السرية من مغانم، ونحى الاسيرين ~~القرشيين. # فظن عبدالله بن جحش وأصحابه أنهم أثموا وهلكوا. # واشتد الصحابة من المهاجرين والانصار في لومهم، ونقلوا إليهم ما تقول ~~قريش في مكة: (لقد استحل محمد وأصحابه حرمة الشهر الحرام). # وتسللت الافاعي من الاوكار اليهودية، فراحت تطوف بأحياء المدينة وهى ~~تهمهم في حقد واشتفاء: PageV01P236 (عمرو بن الحضرمي، قتله واقد بن ~~عبدالله. # (عمرو: عمرت الحرب. # (الحضرمي: حضرت الحرب. # (واقد: وقدت الحرب). # حتى حسم القرآن ذلك الموقف المعقد وأنهى كل جدل فيه بكلمات الله البينات: ~~(يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من ~~القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن ms114 استطاعوا، ومن يرتدد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون * إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله، والله غفور رحيم *). # وبهذه الآيات استرد جنود السرية طمأنينة بالهم، وطاب لهم النصر على ~~عدوهم، وأنشد عبدالله بن جحش: تعدون قتلا في الحرام عظيمة * وأعظم منه، لو ~~يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد * وكفر به، والله راء وشاهد ~~PageV01P237 وإخراجكم من مسجد الله أهله * لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا ~~وإن عيرتمونا بقتله * وأرجف بالاسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي ~~رماحنا * بنخلة لما أوقد الحرب واقد بعد شهرين اثنين، في شهر رمضان من ~~السنة الثانية للهجرة، كانت غزوة بدر الكبرى التى وجهت مجرى الاحداث وحددت ~~موازين القوى، لا بين الاسلام والوثنية فحسب، بل في كل صراع كذلك، بين حق ~~وباطل ! (أبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس) في طريقه من الشام إلى مكة ~~عائدا بعير قريش..وصيحة تعلو في مكة: (يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة ! ~~أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أنكم مدركوها). # وترد أصوات من هنا ومن هناك: (أيظن محمد وأصحابه أن تكون عير أبي سفيان ~~كعير ابن الحضرمي ؟ كلا والله ليعلمن غير ذلك). # وخرجت جموع قريش من مكة مزهوة بعددها وعدتها، تريد PageV01P238 القضاء ~~على المسلمين في دار الهجرة، وهي ترى الامر هينا بسيطا، # وكأنها خارجة في رحلة صيد. # ماذا كان من أمر المسلمين حين قال لهم الناس: (إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) ؟. # جمع المصطفى صحابته من المهاجرين والانصار، وعرض عليهم الموقف من مختلف ~~نواحيه، ثم قال يطلب مشورتهم: (أشيروا علي أيها الناس). # فقام أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، فتحدثا ما شاء لهما إيمانهما، عن ~~فريضة الجهاد والثقة في النصر، ثم قام (المقداد ابن عمرو) - وكان خرج من ~~قريش ولحق بالمسلمين في سرية عبيدة ابن الحارث ms115 - ودنا من المصطفى، وقال: - ~~يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو ~~إسرائيل لموسى: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون)، ولكن اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. # فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - بأقصى الجنوب - لجالدنا ~~معك دونه حتى تبلغه. # دعا له المصطفى بخير، ثم التفت صلى الله عليه وسلم إلى الانصار ~~PageV01P239 ولم يكن أحد منهم قد تكلم بعد، وعاد يقول: (أشيروا علي أيها ~~الناس). # سأل نقيبهم (سعد بن معاذ) - أحد السعدين: (والله لكأنك تريدنا يا رسول ~~الله ؟). # أجاب المصطفى: (أجل). # فقال سعد: (فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك ~~على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة. # فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك. # فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف ~~منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب صدق في ~~اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله). # وسار بهم المصطفى على بركة الله حتى نزل بماء بدر، ليسمع أن في جيش ~~المشركين بالعدوة القصوى صناديد قريش: عتبة بن ربيعة، شيبة بن ربيعة، ~~الوليد بن عتبة، الحكم بن هشام، نوفل وحكيم ابني خويلد، النضر بن الحارث، ~~أمية بن خلف. # فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وقال: (هذه مكة قد أخرجت لكم أفلاذ ~~أكبادها). # ثم لمح قريشا تندفع من وراء كثيب هناك. # هادرة بزئير الوعيد، PageV01P240 ثملة بنشوة الغرور ومتعة الصيد، فرفع ~~صلى الله عليه وسلم وجهه إلى السماء وقال يدعو ربه: (اللهم هذه قريش قد ~~أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك. # اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة). # كم كان عدد المشركين الزاحفين من مكة ؟ ألف مقاتل كاملو العدة والسلاح أو ~~يزيدون، ومعهم مائة فرس # مدربة على القتال. # وتجاههم، بالعدوة الدنيا، كان جنود المصطفى من حزب الله: ثلاثمائة وأربعة ~~عشر لا يزيدون: من ms116 المهاجرين ثلاثة وثمانون ومن الاوس واحد وتسعون، ومن ~~الخزرج مائة وأربعون. # ومعهم من الخيل ثلاثة أفراس فحسب ! استضعف المشركون جند الاسلام، فتقدم ~~أحد صناديدهم في صلف وخيلاء، يريد أن يقتحم عسكر المسلمين إلى ماء بدر، فلم ~~يمهله (حمزة بن عبدالمطلب) فسقط مضرجا بدمائه دون بدر. # واستكبر طواغيت قريش أن يخوضوا معركة مع هذه القلة المستبسلة: إن انتصروا ~~عليها ضاع النصر في ميزان فقدان التكافؤ، وإذا هزموا قضت عليهم الهزيمة ~~بعار الدهر وكانوا سبة في العرب. # وبدا لكبيرهم (عتبة بن ربيعة) فخرج من صف المشركين يختال PageV01P241 بين ~~أخيه شيبة عن يمينه وابنه الوليد عن يساره، وسأل في استخفاف: - هل من مبارز ~~؟ فخرج إليه ثلاثة من الانصار، زهد في مبارزتهم عندما سألهم من يكونون ~~فعرفوه بنسبهم في بنى قيلة. # قال: (مالنا بكم حاجة) ! ثم نادى: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. # فأخرج إليه المصطفى ثلاثة من صميم البيت الهاشمي القرشى: عمه، حمزة بن ~~عبدالمطلب. # وابني عمه: على بن أبى طالب، وعبيدة بن الحارث. # ولم تطل المبارزة، وسقط عتبة بن ربيعة، وشيبة أخوه، وابنه الوليد ابن ~~عتبة، صرعى مجندلين على ساحة بدر ! عندئذ تزاحف الناس وحميت المعركة، فأخذ ~~المصطفى براحته حفنة من حصباء بدر قذف بها عسكر المشركين وهو يقول: (شاهت ~~الوجوه). # ثم التفت صلى الله عليه وسلم إلى جنده فقال: (شدوا) ! وشدوا على المشركين ~~فما تركوهم إلا بين قتيل وأسير، وهارب يشترى النجاة بعار الفرار. # وصدق الله وعده ونصر من نصروه، وألقى الرعب في قلوب عدوهم فذهبوا عبرة ~~ومثلا. # وعاد الجيش الظافر إلى المدينة بالاسرى والمغانم. PageV01P242 وعادت فلول ~~المشركين إلى مكة بالهزيمة والذل. # أحصى (ابن هشام) في السيرة النبوية قتلى قريش في بدر سبعين رجلا، وبلغ ~~أسراهم نحو ذلك العدد، فكانوا ستة وستين أسيرا والباقون من الجيش المغلوب ~~لاذوا بالفرار. # أما المسلمون فاستشهد منهم يوم بدر أربعة عشر شهيدا: ستة من المهاجرين ~~وثمانية من الانصار، بذلوا أنفسهم فداء عقيدتهم فذهبوا بمجد الشهادة وشرف ~~الجهاد وثواب الآخرة: (ولا تحسبن الذين قتلوا في ms117 سبيل الله أمواتا بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون # بنعمة من الله وفضل، وان الله لا يضيع اجر المؤمنين * الذين استجابوا لله ~~والرسول من بعد ما أصابهم القرح، للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * ~~الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ~~واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم). # (صدق الله العظيم) وتجاوبت آفاق الحجاز بقصائد حماسية بعيدة الصدى، ~~للشعراء الذين أخذوا أماكنهم في الموقع الوجداني للميدان، يناضلون بسلاح ~~الكلمة لتعبئة الوجدان العام. PageV01P243 في مدينة الرسول كان شعراء ~~الاسلام الذين جندهم المصطفى عليه الصلاة والسلام لنصر الدعوة بألسنتهم، ~~يشدون بآية النصر في بدر، ويرمون المشركين بشعر وصفه المصطفى فقال إن وقعه ~~عليهم أشد من نضح النبل. # فمن شعر حسان بن ثابت الانصاري: - ألا ليت شعري هل أتى أهل مكة * إبادتنا ~~الكفار في ساعة العسر قتلنا سراة القوم عند مجالنا * فلم يرجعوا إلا بقاصمة ~~الظهر تركناهم للعاديات ينبنهم * ويصلون نارا بعد حامية القعر # لعمرك ما حامت فوارس مالك * وأشياعهم يوم التقينا على بدر ومن قصيدة لكعب ~~بن مالك الانصاري: ألا هل أتى غسان من نأي دارها * وأخبر شئ بالامور عليمها ~~بأن قد رمتنا عن قسي عداوة * معد معا، إذ أتانا زعيمها نبي له في قومه إرث ~~عزة * وأعراق صدق هذبتها أرومها PageV01P244 فساروا وسرنا فالتقينا كأننا * ~~أسود لقاء لا يرجى كليمها ضربناهم حتى هوى في مكرنا * لمنخر سوء من لؤي ~~عظيمها فولوا ودسناهم ببيض صوارم * سواء علينا حلفها وصميمها وفى مكة، كان ~~شعراء المشركين يهدرون بطلب الثأر، ويبكون مصارع الصناديد الذين جندلوا على ~~ساحة بدر. # قال ضرار بن الخطاب يرثي أبا الحكم بن هشام، أبا جهل، ويستنفر للثأر: ألا ~~من لعين باتت الليل لم تنم * تراقب نجما في سواد من الظلم # كأن قذى فيها، وليس بها ms118 قذى * سوى عبرة من جائل الدمع تنسجم فآليت لا ~~تنفك عيني بعبرة * على هالك بعد الرئيس أبي الحكم على هالك أشجى لؤي بن ~~غالب * أتته المنايا يوم بدر فلم يرم PageV01P245 فلا تجزعوا آل المغيرة ~~واصبروا * عليه، ومن يجزع عليه فلم يلم وجدوا فإن الموت مكرمة لكم * وما ~~بعده في آخر العيش من ندم وقال (أمية بن أبي الصلت) - ذاك الذى آمن لسانه ~~قبل المبعث وكفر قلبه - قصيدة طويلة ينوح فيها على قتلى بدر من صناديد ~~قريش..وكذلك أخذت الشاعرات من الفريقين مكانهن في المعركة. # روى (ابن اسحاق) في (السيرة النبوية) أربع قصائد لهند بنت عتبة وقصيدتين ~~لصفية بنت مسافر حفيدة أمية بن عبد شمس. # كما روى قصيدة لهند بنت أثاثة، حفيدة عبدالمطلب، ترثى شهيدا لها من شهداء ~~بدر، وأخرى لقتيلة بنت الحارث في النضر ابن الحارث الذى قتل صبرا بعد ~~المعركة، في (الاثيل) بين بدر والمدينة. # وفيها تقول: # يا راكبا إن الاثيل مظنة * من صبح خامسة وأنت موفق أبلغ بها ميتا بأن ~~تحية * ما إن تزال بها النجائب تخفق PageV01P246 مني إليك، وعبرة مسفوحة * ~~جادت بواكفها وأخرى تخنق هل يسمعني النضر إن ناديته * أم كيف يسمع ميت لا ~~ينطق أمحمد يا خير ضنء كريمة * في قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو ~~مننت وربما * من الفتى وهو المغيظ المحنق أو كنت قابل فدية فليفدين * بأعز ~~ما يغلو به ما ينفق فالنضر أقرب من أسرت قرابة * وأحقهم إن كان عتق يعتق ~~فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه شعر قتيلة في النضر ابن ~~الحارث قال: (لو بلغني هذا قبل قتله، لمننت عليه). # وبدا النصر عجيبا وغريبا، فما تصورت قريش وهي تحتشد في ألف مقاتل كاملي ~~العدة والسلاح، أن يغلبهم القائد الرسول في ثلاثمائة من صحابته. # ولكن سنن الحياة لا ترى في هذا النصر أي شذوذ أو غرابة. # القتال في بدر لم يكن بين فئتين متكافئتين: PageV01P247 من حيث العدد ~~والسلاح، كان القرشيون يزيدون أضعافا مضاعفة. # ولكن المعركة لم تكن متكافئة ms119 كذلك من حيث القوى المعنوية: المشركون خرجوا ~~للقتال بطرا ورئاء الناس، وإمعانا في البغي والعدوان، وتأمينا لطريق ~~تجارتهم إلى الشام، وانتقاما من المصطفى والذين هاجروا معه والذين آووه ~~ونصروه لا يبالون غضب قريش ! والمسلمون خرجوا جهادا في سبيل دينهم، وتأمينا ~~لحقهم في حرية العقيدة، وغضبا لما سامتهم الوثنية القرشية من أذى واضطهاد. # ومتى كان القتال بين حق وباطل، بين مستبسل في سبيل ما يؤمن أنه الحق، ~~وبين ممعن في البغي والضلال، فإن العشرين من المؤمنين يغلبون المائة، ~~والمائة يغلبون الالف. # وتحددت ببدر موازين القوى: فلم يكن الامر فيها بين كثرة وقلة فحسب، ولكنه ~~كان بين كثرة يعوزها سلاح الايمان، ليس فيها من يقاتل إلا وهو يفكر في ~~حماية الجاه الموروث ويرى في خصومة المسلمين صيدا سهلا، وبين قلة مؤمنة ~~صابرة ليس فيها من يقاتل إلا وهو يرجو انتصار الحق ورضوان الله، ويرى الموت ~~في سبيل عقيدته التى آمن بها، حياة ومجدا ونصرا. # وحزب الله لم يتردد في دخول المعركة حتى يقيس قوته إلى قوة PageV01P248 ~~عدوه، ولم يتهيب القتال خوفا من كثرة مسلحة مزهوة بعددها وعدتها، بل بادر ~~جنود الاسلام إلى لقاء عدوهم بعد أن جمعوا له كل ما استطاعوا من قوة، ~~ورحبوا بالجهاد لا يبالي أحدهم حين يقتل مسلما، كيف ولا أنى يقتل: ولست ~~أبالي حين أقتل مسلما * على أي جنب كان في الله مصرعي سيق أسرى بدر إلى ~~المدينة في أعقاب الفئة الظافرة، فتأملهم المصطفى مليا، ثم نحى منهم صهره ~~(أبا العاص بن الربيع) وفرق الباقين بين أصحابه وقال: (استوصوا بالاسارى ~~خيرا). # وبقي أبو العاص عند المصطفى، وقلبه مشدود إلى مكة، حيث ترك هناك زوجه ~~الحبيبة (زينب بنت محمد) مع صغيريهما (علي وأمامة)، ولم يكن الاسلام قد فرق ~~بعد بين زوجة مؤمنة وزوج مشرك. # حتى جاءت رسل قريش في فداء أسراها. # وغالوا في الفداء، حتى إن امرأة لتسأل عن أغلى ما فدي به قرشي فيقال لها: ~~أربعة آلاف درهم، فتبعث بمثلها في فداء ابنها. # وتقدم عمرو بن الربيع فقال ms120 للمصطفى: - بعثتني (زينب بنت محمد) بهذا في ~~فداء زوجها، أخى: أبي العاص بن الربيع. PageV01P249 وأخرج من ثيابه صرة ~~وضعها بين يدى الرسول، ففتحها صلى الله عليه وسلم فإذا فيها قلادة لم يكد ~~يراها حتى رق لها رقة شديدة، وخفق قلبه للذكرى: لقد كانت قلادة (خديجة) ~~أهدتها ابنتها (زينب) يوم عرسها، حين زفت إلى (أبي العاص بن الربيع) ابن ~~خالتها هالة بنت خويلد. # وأطرق أصحاب المصطفى خشعا وقد أخذوا بجلال الموقف ! قلادة الحبيبة، ~~تبعثها بنت النبي إلى أبيها في فداء زوج حبيب ! وتكلم النبي الاب بعد فترة ~~صمت فقال: (إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها، فافعلوا). # أجابوا جميعا: - نعم يا رسول الله. # وأدنى المصطفى إليه صهره الذى غلبه التأثر لهيبة الموقف، فأسر إليه ~~حديثا، فحنى أبو العاص رأسه موافقا، ثم حيا ومضى. # فلما أبعد التفت المصطفى إلى أصحابه من حوله، فأثنى على أبي العاص وقال: ~~(والله ما ذممناه صهرا) (1). # وعاد (أبو العاص) إلى مكة ليجهز زوجه الحبيبة كى تلحق بأبيها المصطفى، ~~وفاء بوعد قطعه على نفسه، يوم ودع أباها عليه الصلاة والسلام بالمدينة، بعد ~~بدر. # __________ # (1) السيرة لابن هشام 2 / 308. # [ * ] PageV01P250 وكان الفراق قاسيا صعبا، وقد خانه تجلده يوم رحليها، ~~فترك أخاه (كنانة بن الربيع) يصحبها إلى خارج مكة، حيث كان (زيد # ابن حارثة) في انتظارها. # وانطلق (كنانة) يقود بعيرها نهارا وقد أخذ قوسه وكنانته متأهبا، فهال ~~قريشا أن يخرج بها هكذا في وضح النهار على مرأى منهم ومسمع، وخرج بعضهم في ~~أثر المهاجرة حتى أدركوها بذى طوى، فكان أسبقهم إليها (هبار بن الاسود ~~الاسدي) الذى روعها بالرمح، وقد جن حزنه على إخوة له ثلاثة صرعوا جميعا في ~~بدر بأيدى أصحاب محمد. # ونخس البعير، فألقى بزينب على صخرة هناك، وعندئذ برك (كنانة بن الربيع) ~~دونها ونثر كنانته وهو يزأر متوعدا: - والله لا يدنو منها رجل إلا وضعت فيه ~~سهما. # فتراجعوا، ووقف أبو سفيان بن حرب بعيدا يقول لكنانة: - كف عنا نبلك حتى ~~نكلمك. # فكف كنانة، ودنا أبو سفيان منه ms121 فقال: (إنك لم تصب يا ابن الربيع: خرجت ~~بالمرأة على رءوس الناس علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من ~~محمد، فيظن الناس أن ذلك عن ذل أصابنا وأن ذلك منا ضعف ووهن. # ولعمري مالنا بحبسها عن أبيها من حاجة، ولكن ارجع بها حتى إذا هدأت ~~الاصوات وتحدث الناس أن قد رددناها، فتسلل بها سرا فألحقها بأبيها). ~~PageV01P251 فكبر على كنانة أن يردها ليعود فيتسلل بها سرا بعد أن يذاع في ~~الناس أن قد ردتها قريش. # وهم ليمضي بها، فراعه أن رآها تنزف دما، وقد طرحت جنينها على أديم ~~الصحراء ! # وعاد بها إلى مكة، حيث سهر أبو العاص على رعايتها وتمريضها لا يفارقها ~~لحظة من ليل أو نهار، حتى إذا استردت بعض قواها، ودعها للمرة الثانية وداع ~~محب مقهور. # وخرج بها كنانة حتى بلغت مأمنها. # ولم يتبعها في هذه المرة طالب، بل أغمض الذين طاردوها بالامس أعينهم، وقد ~~ركبهم الخزي والعار من قول هند بنت عتبة تعيرهم، وتذكرهم بهزيمتهم في بدر: ~~أفي السلم أعيار، جفاء وغلظة، * وفى الحرب أشباه النساء العوارك ؟ استقبلت ~~دار الهجرة بنت المصطفى بترحاب بالغ، شابت فرحة اللقاء فيه سورة الغضب لما ~~أصابها عند خروجها من مكة، وعاشت زينب في رعاية أبيها المصطفى على أمل لم ~~يغلبها عليه اليأس قط: أن يشرح الله صدر أبي العاص للاسلام، فيلتئم الشمل ~~الممزق. # وكان عليها أن تنتظر ست سنوات طوال ليتحقق هذا الامل الغالي، ثم لا يكاد ~~الشمل يلتئم حتى ترحل عن الدنيا بعد عام وبعض عام من اسلام أبي العاص، ~~فيكون فراق لا لقاء بعده على هذه الارض. PageV01P252 درس من أحد. # ورسالة من شهيد (يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * ~~فادخلي في عبادي وادخلي جنتي). # (صدق الله العظيم) # ما أبهظ أعباء النصر ! وما أسرع ما يتعرض للضياع بأدنى بادرة من تهاون أو ~~تفريط، يستمرئ فيها المنتصر فرحته فيغفل عن موقعه تجاه عدوه، ويتهاون في ~~تقدير طاقة التحدي في المهزوم ! والنصر في (بدر) قد ألقى على المسلمين ms122 ~~تبعاته وأعباءه، بقدر ما أثقل على قريش بخزي العار، وعبأها لاسترجاع شرفها ~~الضائع، PageV01P253 والثأر لقتلاها الذين جندلهم المسلمون على ساحة بدر. # وقد احتاج المشركون إلى سنة كاملة ريثما عبأوا قواهم واحتشدوا لمعركة ~~الثأر. # خرجوا من مكة بحدهم وحديدهم وأحابيشهم ومن والاهم من بني كنانة وأهل ~~تهامة. # وخرجت معهم نساؤهم يقطعن على الرجال سبيل النكوص. # و (هند بنت عتبة) في نسوة بني أمية وقريش، يضربن الدفوف على صوت هند: ~~ويها بني عبد الدار * ويها حماة الادبار ضربا بكل بتار أن تقبلوا نعانق * ~~ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق ولم تكن هند قد نامت قط على ~~ثأرها، وفى قتلى بدر: حنظلة بن أبى سفيان، وأبو هند (عتبة بن ربيعة) وأخوها ~~الوليد، وعمها شيبة. # ثلاثة منهم صرعوا على ساحة بدر، بسيف الفارس حمزة بن # عبدالمطلب. # حتى إذا دنوا من المدينة، خرج إليهم المصطفى عليه الصلاة والسلام في ألف ~~من المسلمين، لم يلبثوا أن نقصوا بضع مئات قبل أن يلتقي الجمعان في أحد، في ~~منتصف شوال من السنة الثالثة للهجرة. PageV01P254 انخذل عن الجيش كبير ~~المنافقين (عبدالله بن أبي بن سلول) بمن معه من منافقي المدينة، وكانوا نحو ~~ثلث الجيش. # قال لهم: ما ندري علام نقتل أنفسنا وقد أهلكنا أموالنا ؟ ولم يجد المصطفى ~~ضيرا من هذا التخاذل، فلقد نحى المنافقين ومرضى القلوب والايمان، عن جنده ~~المخلصين. # فواجه بهم وما يزيد عددهم على سبعمائة، ثلاثة آلاف من المشركين يقودهم ~~أبو سفيان بن حرب، معهم كتيبة من الفرسان على مائتي فرس، بقيادة خالد بن ~~الوليد بن المغيرة. # ألا تغلب مائة من المؤمنين الصابرين، ألفا من الذين كفروا ؟ في الحساب ~~إذن، أن يغلب سبعمائة سبعة آلاف، لا ثلاثة آلاف فحسب ! والتحم الجيشان، ولم ~~تختل موازين القوى التى تحددت من قبل يوم بدر: كان النصر في (أحد) للمؤمنين ~~لا شك فيه، وقد كشفوا المشركين عن عسكرهم فولوا الادبار تاركين لواءهم على ~~الساحة صريعا. # لكن المسلمين تعجلوا الموقف فتركوا مواقعهم في الميدان، وأسرعوا # يهجمون عسكر قريش بعد انكشافهم ms123 عنه. # وتركوا القائد الرسول حيث هو في صميم الجبهة، ليس معه إلا نفر قليل ~~استجابوا له فثبتوا في موقعهم حوله. # ولاحت الفرصة لخالد بن الوليد، وكان يترقبها بنظرة ثاقبة، PageV01P255 ~~فهجم بالخيل بغتة، من الثغرة التى كشفها المسلمون أنفسهم. # وكرت فلول قريش راجعة إلى الميدان الذى سيطر عليه خالد، وتقدمت إحدى ~~نسائهم: (عمرة بنت علقمة الحارثية) فالتقطت لواءهم الصريع فرفعته لهم. # وكان ما لا بد أن يكون: تغير وجه المعركة، وضاع النصر من المسلمين وقد ~~كان لهم دون ريب. # ولولا ثبات القائد المصطفى صلى الله عليه وسلم، والنفر البواسل من أصحابه ~~المؤمنين، لكانت الكارثة. # واطردت المقاييس لا تتخلف. # استرد المسلمون وعيهم للموقف بعد أن ساورهم اليأس منه، إذ أرجف المشركون ~~أن (محمدا قد قتل). # لكنه، صلى الله عليه وسلم، كان هناك، جريحا مخضب الوجه بالدماء، يوجه ~~جنده من مكانه في قلب الميدان لم يبرحه. # ومن حوله النفر المؤمنون، قد جعلوا من أجسادهم دروعا وتروسا لوقاية ~~قائدهم النبي. # وما إن صاح أحدهم ببشرى حياته صلى الله عليه وسلم، حتى عاد المسلمون ~~جميعا فأخذوا مواقعهم في الجبهة. # وتقهقر جيش المشركين قانعا بالنصر المخطوف. PageV01P256 في خشوع، رجع ~~المصطفى وجنده إلى المدينة، فدخل المسجد وصلى بهم قاعدا، من أثر الجراح ~~التى أصابته في أحد. # وذهبت أحد عبرة ومثلا: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفئن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا، ~~وسيجزي الله الشاكرين * وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله كتابا مؤجلا، ~~ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها، وسنجزي ~~الشاكرين). # (صدق الله العظيم) اكتفى المشركون بنصرهم المخطوف يوم أحد. # وابتدروا الطريق عائدين إلى مكة، لا يكادون يصدقون ما كان. # وفرغ المسلمون لقتلاهم الشهداء، فمضى المصطفى يلتمس عمه الفارس الشهيد ~~(حمزة بن عبدالمطلب) فوجده هناك ببطن الوادي، قد اغتالته حربة غادرة، سددها ~~إليه (وحشي، مولى جبير بن مطعم)، وجاءت (هند بنت عتبة، زوج أبي سفيان) آكلة ~~الاكباد، ms124 فرقصت على مصرع الفارس الشهيد ومثلت بجثته أبشع تمثيل: بقر بطنه ~~عن كبده فلاكتها، وجدع أنفه وأذناه فاتخذت منها حليا، بدلا من حليها التى ~~دفعتها إلى (وحشي) من ثمن الصفقة الغادرة. # قال عليه الصلاة والسلام حين رأى ما رأى: (لن أصاب بمثلك PageV01P257 ~~أبدا. # ما وقفت موقفا قط أغيظ الي من هذا). # وأمر صلى الله عليه وسلم فسجوا حمزة ببردته، وصلى عليه مكبرا سبع ~~تكبيرات. # ثم جئ بالشهداء فكانوا يوضعون واحدا بعد الآخر إلى جانب حمزة، فيصلي ~~النبي عليهم وعليه، حتى بلغت مرات الصلاة على سيد الشهداء اثنتين وسبعين، ~~بعدد الشهداء يوم أحد. # وتجاوبت أرجاء الحجاز، ما بين أم القرى ودار الهجرة، بأصداء المعركة، في ~~نقائض الشعراء من الحزبين: المشركون بمكة يهزجون بقصائد شعرائهم، ويترنمون ~~برسالة (عبد الله بن الزبعرى السهمى) - ولم يكن أسلم بعد - إلى حسان بن ~~ثابت الانصاري: يا غراب البين أسمعت فقل * إنما تنطق شيئا قد فعل إن للخير ~~وللشر مدى * وكلا ذلك وجه وقبل أبلغا حسان عني آية * فقريض الشعر يشفي ذا ~~الغلل كم ترى بالجر من جمجمة * وأكف قد أترت ورجل PageV01P258 وسرابيل حسان ~~سريت * عن كماة أهلكوا في المنتزل # كم قتلنا من كريم سيد * ماجد الجدين مقدام بطل ليت أشياخي ببدر شهدوا * ~~جزع الخزرج من وقع الاسل حين حكت بقباء بركها * واستحر القتل في عبد الاشل ~~فقتلنا الضعف من أشرافهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل فيرد عليه، من حزب الله، ~~صوت حسان، شاعر المصطفى: ذهبت يا ابن الزبعري وقعة * كان منا الفضل فيها لو ~~عدل ولقد نلتم ونلنا منكم * وكذاك الحرب أحيانا دول نضع الاسياف في أكنافكم ~~* حيث نهوى عللا بعد نهل إذ تولون على أعقابكم * هربا في الشعب أمثال الرسل ~~إذ شددنا شدة صادقة * فأجأناكم إلى سفح الجبل وتركنا في قريش عورة * يوم ~~بدر، وأحاديث المثل والاصداء تتلاقى وتتصادم، كاشفة في وهج الصراع المحتدم، ~~PageV01P259 عن أبعاد الميدان وأسلحته لمعركة طويلة المدى. # في ذلك اليوم العصيب، افتقد المصطفى عليه الصلاة والسلام صاحبه (سعد بن ~~الربيع الانصاري) - أحد ms125 النقباء في بيعة العقبة الكبرى - فقال لمن حوله: ~~(من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع، أفي الاحياء هو أم في # الاموات) ؟ فذهب رجل من الانصار ينظر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~فعل سعد، فألفاه على ساحة القتال جريحا وبه رمق. # فأخبره عما كان من افتقاد المصطفى إياه وسؤاله عنه، فجمع (سعد) ما بقي له ~~من طاقة المحتضر وقال: (أبلغ رسول الله صلى الله وسلم عني السلام، وقل له: ~~إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته. # وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر ~~لكم عند الله إن خلص العدو إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم، ومنكم عين تطرف). # وأسلم الروح مطمئنا، بعد أن بعث رسالته إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ~~والى قومه الانصار. # ولم ينس المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه (سعد ابن الربيع). ~~PageV01P260 ولا نسيه تاريخ الاسلام الذى استوعب رسالة هذا الجندي الشهيد، ~~وعرف مغزاها ودلالتها، ورصد موقعها من نفوس المؤمنين: تزيدهم ثباتا وقوة ~~واستبسالا وإصرارا. # ومن نفوس أعدائهم: تهز ثقتهم في جدوى معركة خاسرة بلا ريب، يخوضونها مع ~~أمثال هؤلاء الجنود المؤمنين الذين يرون الموت في سبيل عقيدتهم: شرفا ~~وحياة. # روى (ابن هشام) في السيرة النبوية، أن رجلا دخل على (أبي # بكر الصديق) رضى الله عنه، وقد ضم طفلة صغيرة إلى صدره وأقبل عليها ~~يلاعبها ويقبلها. # فسأل الرجل: (من هذه ؟). # أجاب الصديق: (هذه بنت رجل خير مني: سعد بن الربيع. # كان من النقباء يوم العقبة، وشهد بدرا، واستشهد يوم أحد). # وكل نفس ذائقة الموت، ولكن الصفوة من عباد الله المؤمنين هم الذين ~~يستقبلون الموت في سبيل الله راضين مطمئنين: (يا أيتها النفس المطمئنة * ~~ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي وادخلي جنتي). # (صدق الله العظيم) PageV01P261 الاسلام في الجبهات الثلاث 1 - في الجبهة ~~اليهودية: من قلب المدينة، إلى خيبر. # (هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ms126 لاول الحشر، ما ظننتم ~~أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولى الابصار *). # (صدق الله العظيم) مصير المعركة العنيفة بين الاسلام والوثنية، قد تقرر ~~يوم بدر، وإن طال مداها سنين عددا وتعددت جولاتها حتى حسمت يوم الفتح # في السنة الثامنة للهجرة. PageV01P262 وكذلك تقرر، من يوم بدر، مصير ~~الصراع في جبهة أخرى أخطر وأضرى من الجبهة القرشية، والمعركة فيها سافرة ~~مكشوفة والاسلحة مألوفة معروفة. # لقد كان العرب القرشيون يقاتلون ببسالة، دفاعا عن أوضاع موروثة وتقاليد ~~راسخة واعراف مقررة، وغضبا لحرمة أسلافهم، من حيث لم يهن عليهم أن يتصوروا ~~أن أولئك الآباء الكرام، من أمثال عبدالمطلب وهاشم وعبد مناف وقصي والمغيرة ~~وزهرة، إلى فهر ومضر وعدنان، كانوا على سفه وضلال. # وعلى مدى السنين العشرين التى استغرقتها المعركة بين العرب المشركين ~~والمسلمين، في جولتيها المكية والمدنية، كان الاسلام يستقبل من يصغي من ~~قريش إلى ما يتلو المصطفى عليه الصلاة والسلام من آيات معجزته، فيؤمن ~~برسالته ويبايعه على الاسلام والبذل والجهاد. # وحزب الله الذى بدأ فجر ليلة القدر من شهر رمضان، بالمسلمة الاولى السيدة ~~خديجة زوج المصطفى وأم المؤمنين، ثم انضم إليه السابقون الاولون، كان ~~يستقبل كل يوم جنديا جديدا من الجبهة القرشية والعربية، يعزه الله بالاسلام ~~ويعز الاسلام به، والمئات الثلاث من المجاهدين والانصار الذين شهدوا بدرا ~~تحت لواء المصطفى، لم يلبثوا أن كثروا بمن انضم إليهم من العرب، فدخل صلى ~~الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، في عشرة آلاف من الصحابة، PageV01P263 فيهم ~~من كان قبل أن يشرح الله صدره للحق، أشد الناس عداوة للاسلام وحربا للمصطفى ~~والذين آمنوا معه. # والذين تأخر إسلامهم إلى عام الفتح وغزوة حنين والطائف بعده، وعام الوفود ~~في السنة التاسعة للهجرة، لم يلبثوا أن خرجوا مع الكتائب المجاهدة في ~~الفتوح الكبرى التى حملت لواء الاسلام إلى أقصى المشرق وأقصى المغرب. # كلا، لم تكن الجبهة القرشية العربية أخطر ما واجه الاسلام ms127 في عصر المبعث، ~~والجبهة فيها مكشوفة والسلاح معروف، ومنها كان يأتي المدد تباعا إلى حزب ~~الله، إنما كان الخطر الاكبر في الجبهة الخبيثة لاعداء البشر ومن شرب سمهم ~~من المنافقين في المدينة: لقد حرص اليهود على ألا يواجهوا الاسلام في معركة ~~مكشوفة، وسهرت عصاباتهم في أوكارها الناشبة في شمال الحجاز، تنفث سم النفاق ~~في المدينة، ثم تمادى بها الشر فسعت إلى قريش، تؤلب الاحزاب منها وتستنفرها ~~لقتال المسلمين بالمدينة، على وعد النصرة من يهود الذين وادعهم المصطفى ~~وأمنهم على دينهم وأموالهم. # وكانت موقعة بدر، هي التى كشفت المستور من غدرهم بعهدهم للمصطفى وفيه ~~النص الصريح: (وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم ~~النصر PageV01P264 على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصر على من ~~دهم يثرب). # إنه الغدر ! فجيش قريش لم يخرج من مكة إلا ليدهم يثرب. # والغدر من طبيعة يهود، وهو متوقع ومحسوب. # وأملى لهم المصطفى، واكتفى صلى الله عليه وسلم بأن جمع يهود المدينة بسوق ~~بني قينقاع، وحذرهم من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة. # وحين يقتصر الامر على الانذار أو ما هو أشد منه، فإن يهود تتطاول وتجترئ، ~~ما بقيت السيوف في أغمادها. # وغدا بنو قينقاع إلى سوقهم بالمدينة يأكلون المال، ويكيدون للاسلام لا ~~يبالون نذيرا من الله ورسوله. # وبدا لنفر منهم أن يعرضوا لاحدى المسلمات يريدونها على أمر تكرهه، ثم ~~احتالوا حتى كشفوا ثوبها في السوق عن عورتها، فصاحت تستصرخ العرب، ووقع ~~الشر بين من في السوق من المسلمين، ويهود بني قينقاع. # وأقبل المصطفى في جمع من الانصار فحاصر اليهود خمس عشرة ليلة، حتى ~~استسلموا ونزلوا على حكمه. # وعندئذ تقدم المنافق (عبد الله بن أبي سلول) فقال للمصطفى على الملا من ~~الناس: (يا محمد، أحسن الي في موالي !). # وأعرض عنه المصطفى، لكن المنافق مضى في لجاجته، مصرا على استنقاذهم ! ~~PageV01P265 قال عليه الصلاة والسلام: (هم لك !). # واكتفى بأن جردهم من سلاحهم، وأمهلهم ثلاثة أيام يجلون بعدها عن المدينة. # فخرجوا أذلة مقهورين إلى وادي القرى، ms128 حيث # نزلوا على عصابتهم هناك وتطهرت دار الهجرة بجلاء بني قينقاع عنها بعد ~~(يوم بدر) في السنة الثانية للهجرة ! وتتابعت أحداث فردية، تعكس صدى الرعب ~~في قلوب يهود، وتنم عن كيدهم وحقدهم. # وقد تعلق أملهم، بأن تثأر قريش لقتلاها في بدر، فما كانت لتسكت عليه كما ~~سكتت يهود على إجلاء بني قينقاع. # بعد عام واحد، في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة، كانت موقعة أحد، ~~وكان من أمرها ما كان. # نقضت يهود ميثاقها مع الرسول هذه المرة أيضا، فلم تكن (على النصر ضد من ~~حارب أهل هذه الصحيفة). # وبنو النضير، كانوا في منطقة المدينة. # وقد لبثوا في أوكارهم يرقبون سير المعركة في أحد. # وطاب لهم ما لقي المسلمون من عدوهم، وتأهبوا لكي يرجفوا في المدينة ~~بقالتهم الخبيثة: - انهزم محمد وأصحابه، ويقول إنه نبي مرسل ؟ لو كان نبيا ~~ما انتصر عليه الوثنيون ! PageV01P266 ثم هموا بأن يغتالوا الرسول ! خرج ~~عليه الصلاة والسلام إلى بني النضير، يستعينهم في دية قتيلين من بني عامر، ~~وكان بينهم وبين بني النضير حلف وجوار. # (قالت يهود: نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت. # ثم خلا بعضهم إلى بعض فقالوا: (إنكم لن تجدوا الرجل على # مثل حاله هذه - ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم ~~قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه) ؟. # وصعد يهودى فألقى الصخرة، لكن بعد أن كان المصطفى قد تحرك من مكانه. # ولم تزده فعلتهم علما بغدرهم. # لكنها زادته تصميما على حسم شرهم. # وعاد إليهم صلى الله عليه وسلم، فحاصرهم ست ليال من شهر ربيع الاول، من ~~السنة الرابعة للهجرة. # واستسلموا، بغير قتال، لحكم المصطفى عليهم بالجلاء. # وتضرعوا إليه أن يدعهم يذهبون بما حملت الابل. # فسمح لهم بها الرسول المنتصر. # وبلغ بهم الحرص، أن راحوا ينزعون الاخشاب من دورهم ليحملوها معهم. # ومضوا بالنساء والاولاد وما حملت الابل من مال ومتاع إلى عشيرتهم في ~~خيبر، ولم يكن دورها قد حان بعد. PageV01P267 فكأنما كانوا في خروج الجلاء، ms129 ~~في ضغطة الحشر ! وصدق الله تعالى: (هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ~~من ديارهم لاول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من ~~الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الابصار. # ولو لا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في # الآخرة عذاب النار * ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله ~~شديد العقاب *). # خانهم المعهود من حذرهم، فسعوا إلى حتفهم بأظلافهم ومخالبهم ! لقد ضاقوا ~~بطول الانتظار، وعدوهم نبى الاسلام يبدو كمن لا يقهر، وإنه ليوشك أن يقذف ~~بهم إلى تيه تشردهم القديم، بعد أن طاب لهم المقام في مستعمراتهم بالارض ~~الطيبة، شمال الحجاز، أكثر من خمسة قرون. # أزمة (أحد) لم تكسر من معنوية جنوده، بل أعطتهم الدرس والعبرة، وزادتهم ~~إيمانا وثباتا وإصرارا. # وقريش تبدو حذرة مترددة، وتود لو أعفتها الظروف من الصدام مع جند ~~الاسلام، خوفا من أن يضيع النصر الذى اختطفته في (أحد) من حيث توقعت أن ~~تبوء بالهزيمة والعار. PageV01P268 ولم يجد عليها هذا النصر المخطوف، وإنها ~~لتعلم علم اليقين أن بين رجالها من اهتز إيمانهم بالاوثان، فلن يلبثوا أن ~~يلحقوا بإخوانهم الذين سبقوهم إلى الاسلام ! ولاحت الفرصة ليهود بنى قريظة: ~~بعثت وفدا من أحبارها إلى مكة، يرد على المرتابين إيمانهم بآلهتهم ويغري ~~الوثنية العربية بحرب دين التوحيد. # قالوا لقريش: - دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. # حاربوه ونحن معكم ! # فلما اطمأنوا إلى أن المشركين نشطوا لما دعوهم إليه من حرب نبى الاسلام، ~~خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان فدعوهم إلى مثل ما دعوا إليه ~~قريشا، ووعدوهم المؤازرة والنصرة. # ثم تسللوا عائدين إلى أوكارهم في شمال الحجاز، ومن ورائهم جيش المشركين: ~~قريش وعليها أبو سفيان بن حرب، والاحزاب من غطفان: بني فزارة، وبني مرة، ~~وبني أشجع بن ريث. # لكن مثل هذا التواطؤ لم يكن بحيث يخفى أمره، وقد علم المصطفى بمسعى يهود ~~وما بيتت من ms130 غدر، فانتظر عليه الصلاة والسلام حتى فرغ من الاحزاب يوم ~~الخندق، ورجع بجنده إلى المدينة في ساعة الظهيرة فما كادوا ينفضون عن ~~ثيابهم غبار المعركة الظافرة، حتى سمعوا PageV01P269 دعاء المصطفى يعلو به ~~صوت مؤذنه من المسجد النبوي: (أيها الناس، من كان سامعا مطيعا فلا يصلين ~~العصر إلا في بني قريظة). # وتدفقت جموع المؤمنين إلى موعد الرسول: صلاة العصر في بني قريظة. # وصلوا هناك، وقد لاذ اليهود الجبناء بحصونهم التى ظنوا أنها مانعتهم من ~~الله. # وامتد الحصار خمسا وعشرين ليلة، ثم أخرجهم الرعب منها مستسلمين لحكم نبى ~~الاسلام. # لكنه صلى الله عليه وسلم، ترك الحكم لسعد بن معاذ، نقيب الاوس. # وقد حاول نفر من قومه أن يحملوه على الرفق بأعداء الاسلام وطالما ظاهروهم ~~على الخزرج في الجاهلية. # قالوا لسعد: # - يا أبا عمرو، أحسن إلى مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ~~ولاك ذلك لتحسن إليهم. # فلما أكثروا عليه، ردهم بقوله: (آن لسعد ألا تأخذه في الله لامة لائم). # ونطق (سعد بن معاذ) بحكمه الصارم العادل على رجال بني قريظة، دون النساء ~~والصبية. # حسما لشرهم الوبيل، وجزاء وفاقا على ما كان من غدرهم وكيدهم. PageV01P270 ~~وذهبت بنو قريظة، قصة وعبرة ومثلا. # وتجاوبت الجزيرة بأصداء القصائد التى قالها الشعراء فيهم وفيمن حزبوا من ~~المشركين يوم الخندق، وفى المنافقين. # وتلا المصطفى من وحى ربه، من سورة الاحزاب: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها، وكان ~~الله بما تعملون بصيرا * إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت ~~الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون ~~وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا ~~الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم ~~فارجعوا، ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن ~~يريدون إلا فرارا * ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لاتوها وما ~~تلبثوا بها إلا ms131 يسيرا * ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار ~~وكان عهد الله # مسئولا * قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون ~~إلا قليلا * قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة، ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا * قد يعلم الله المعوقين ~~منكم والقائلين لاخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا * أشحة ~~عليكم، فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من ~~الموت فإذا ذهب PageV01P271 الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير، ~~أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم، وكان ذلك على الله يسيرا * يحسبون ~~الاحزاب لم يذهبوا وإن يأت الاحزاب يودوا لو أنهم بادون في الاعراب يسئلون ~~عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا * لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا * ولما رءا ~~المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما ~~زادهم إلا إيمانا وتسليما * من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ~~فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا * ليجزي الله الصادقين ~~بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم، إن الله كان غفورا رحيما * ~~ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال، ~~وكان الله قويا عزيزا * وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف ~~في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا * وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شئ قديرا *. # (صدق الله العظيم) إذن فقد بدأ سم النفاق يحدث أثره ويهدد الجبهة ~~الاسلامية من داخلها، في الوقت الذى كانت تخوض فيه معركتها مع العرب ~~المشركين والعصابات من يهود. # لكن المنافقين الذين انكشفوا يوم الخندق في غزوة الاحزاب، PageV01P272 لم ~~يلبثوا بوسوسة من يهود، أن شغلوا المجتمع الاسلامي عنهم بفرية الافك، التى ~~هزت المدينة هزا هزا لمدى شهر كامل من أيام شعبان ورمضان ms132 من السنة السادسة ~~للهجرة. # قبلها كان النبي عليه الصلاة والسلام قد خرج غازيا إلى بني المصطلق، ~~وصحبته أم المؤمنين السيدة عائشة بنت الصديق. # وفي طريق العودة أناخ الركب قرب المدينة فباتوا بعض الليل ثم ارتحلوا، ~~وما يدرون أن أم المؤمنين تخلفت عنهم، حتى افتقدوها في هودجها حين بلغوا ~~المدينة في الصبح. # وقبل أن يشتد القلق عليها، وصلت على بعير يقوده (صفوان ابن المعطل ~~السلمى) وحدثت زوجها المصطفى عن سبب تخلفها فما أنكر منه شيئا: كانت قد ~~خرجت من هودجها من العسكر لبعض حاجتها، قبل أن يؤذن فيه بالرحيل. # وكان في عنقها عقد من جزع انسل منها فالتمسته حتى وجدته، واتجهت إلى ~~هودجها فإذا الركب قد رحلوا واحتملوه، لم يحسوا أنها ليست فيه، لخفة وزنها. # تلفعت بجلبابها وانتظرت في مكانها واثقة أنهم لن يلبثوا أن # يفتقدوها فيرجعوا إليها. # وحدث أن مر بها (صفوان) فأنكر أن يتركها وحدها في الخلاء، وقدم بعيره ~~إليها ثم استأخر عنها حتى ركبت، فانطلق يقود بها حتى أبلغها مأمنها في ~~المدينة. # ونسج المنافقون واليهود فرية الافك، من هذا الحادث العارض. PageV01P273 ~~ورددها ناس من المسلمين فبلغت سمع زوجها المصطفى وأبيها الصديق وأمها، أم ~~رومان. # فصكت آذانهم، وإن لم يجرؤ أحد منهم على مواجهة السيدة عائشة بالشائعة ~~الخبيثة، إذ كانت تشكو من علة. # ولما أحست جفوة من زوجها المصطفى استأذنته في الانتقال إلى أمها لتمرضها، ~~فأذن لها. # بعد بضع وعشرين ليلة، نقهت من علتها فخرجت من بيت أبيها لبعض حاجتها، ~~ومعها (أم مسطح بنت أبى رهم بن المطلب بن عبد مناف) وإذ هما في الطريق عثرت ~~السيدة عائشة في مرطها، فقالت رفيقتها: (تعس مسطح). # فأنكرت السيدة ما سمعت، وقالت: (بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين ~~قد شهد بدرا). # سألتها أم مسطح: (أوما بلغك الخبر يا بنت أبى بكر ؟) ولاول مرة، سمعت ~~السيدة عائشة بفرية الافك، فارتاعت وهرعت إلى أمها، تسألها باكية: (يغفر ~~الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لى من # ذلك شيئا ؟). # فلم تملك ms133 أمها إلا أن تقول: (أي بنية، خفضي عليك الشأن، فوالله لقلما ~~كانت امرأة PageV01P274 حسناء عند رجل يحبها، لها ضرائر، إلا كثرن وكثر ~~الناس عليها). # لكن ذلك لم يهون عليها من محنة الفرية الخبيثة التى امتحنت بها، وإن لم ~~تدر ماذا عساها أن تصنع، إلا أن تكل أمرها إلى الله سبحانه. # وفى المسجد النبوى، كان زوجها عليه الصلاة والسلام، يحاول أن يرد عنها ~~ألسنة السوء، فيقول: (يا أيها الناس، ما بال رجال يؤذوننى في أهلى ويقولون ~~عليهم غير الحق ؟ والله ما علمت منهم إلا خيرا. # ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، وما يدخل بيتا من بيوتي ~~إلا وهو معي). # فتنفذ كلماته إلى قلوب المؤمنين، ويثورون غضبا للسيدة الكريمة، ويتماسك ~~الاوس والخزرج متصايحين مطالبين بأعناق أصحاب الافك من هؤلاء وهؤلاء. # حتى كاد يكون بين الحيين شر) (1). # وخيف على المجتمع الاسلامي من التصدع، وخيف على السيدة عائشة من وطأة ~~الحزن والقهر. # حتى حسم القرآن الكريم تلك الفرية الفاحشة بآيات النور: (إن الذين جاءوا ~~بالافك عصبة منكم، لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير، لكم لكل امرئ منهم ما ~~اكتسب من الاثم والذي تولى كبره # __________ # (1) تفصيل حديث الافك، في (صحيح البخاري) 4 / 27 ط الشرفية، وفي السيرة ~~لابن هشام # وتاريخ الطبري (حوادث السنة السادسة للهجرة) ومعها (السمط الثمين، للمحب ~~الطبري) ص 63. # [ * ] PageV01P275 منهم له عذاب عظيم * لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا أفك مبين *). # إلى قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم ~~في ما أفضتم فيه عذاب عظيم * إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس ~~لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم * ولولا إذ سمعتموه قلتم ما ~~يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم * يعظكم الله أن تعودوا ~~لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين * ويبين الله لكم الايات، والله عليم حكيم * إن ~~الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا ~~والآخرة، والله يعلم وأنتم لا ms134 تعلمون *). # (صدق الله العظيم) وكان (عبدالله بن أبي بن سلول) هو الذى تولى كبر ذلك ~~الافك. # في أم المؤمنين عائشة، أحب أزواج المصطفى إليه وأحظاهم عنده. # بنت أبي بكر الصديق، أقرب الصحابة إلى المصطفى وأعزهم عليه، وأول ~~السابقين إلى الاسلام ! فهل حانت المواجهة الحاسمة، مع مرضى القلوب ~~المنافقين ؟ كلا، بل يمكن أن تنتظر ريثما يأمن الاسلام شر يهود ويحسم ~~المعركة مع الوثنية العربية. PageV01P276 وهذه المعركة أيضا تحتمل الهدنة ~~بعض الوقت، وقد عقدت الهدنة في (الحديبية) في أواخر السنة السادسة للهجرة. # وبعدها، في مستهل السنة السابعة، كان مسير المصطفى إلى يهود خيبر الذين ~~سارعوا إلى حصونهم يحتمون بها، فتساقطت حصنا بعد حصن، حتى إذا لم يبق لهم ~~سوى حصني الوطيح والسلالم، بعثوا وافدهم إلى نبي الاسلام، يسألونه أن يحقن ~~دماءهم ويكتفي منهم بالجلاء. # وأجاب المصطفى سؤلهم، وتركهم يجلون عن (خيبر) هائمين على وجوههم في ~~الفلاة. # بعد سقوط خيبر، انتهت قصة الاستعمار اليهودي لشمال الحجاز، لم يبق من ~~عصاباتهم سوى فلول مبعثرة في فدك ووادي القرى وتيماء، حتى كان أمير ~~المؤمنين (عمر بن الخطاب) هو الذى طهر جزيرة العرب من بقاياهم. # وعاد اليهودي التائه إلى ضلاله القديم، يضرب في التيه من بادية الشام، ~~تلفظه الارض حيث أقام، وتطارده اللعنة أينما حط أو سار. # (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله ~~كثيرا، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأعتدنا ~~للكافرين منهم عذابا أليما). # (صدق الله العظيم) PageV01P277 2 - في الجبهة القرشية: # من هدنة الحديبية إلى الفتح. # (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) (سورة الاسراء) كانت ~~غزوة خيبر، في السنة السابعة للهجرة. # قبلها، في آخر السنة السادسة، كانت هدنة الحديبية مع قريش، وبيعة ~~الرضوان. # أقام المصطفى بالمدينة شهري رمضان وشوال، ثم خرج في ذي القعدة قاصدا إلى ~~العمرة، لا يريد حربا. # ومعه مئات من الصحابة، المهاجرين والانصار: في رواية أنهم كانوا سبعمائة، ~~وفي أخرى أنهم زادوا على ذلك بضع مئات (1). # وسار الركب النبوي ms135 من المدينة، يحدوه الشوق إلى زيارة (البيت # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 3 / 322. # [ * ] PageV01P278 الحرام) مهوى أفئدتهم وقبلة صلاتهم، والحنين إلى (أم ~~القرى) بعد ست سنين من الهجرة والاغتراب. # في الطريق إلى مكة، لقي الرسول عليه الصلاة والسلام من أنبأه بخبر احتشاد ~~قريش لصده ومن معه عن المسجد الحرام، فتطوع رجل من الصحابة، وسلك بالركب ~~طريقا وعرا غير الطريق التى لقريش. # حتى وصلوا إلى (الحديبية) من أسفل مكة، وعندئذ لمحتهم خيل قريش، فطارت ~~إلى مكة بالنبأ. # من مكة، جاء وافد خزاعي (بديل بن ورقاء) مع نفر من قومه، # يسألون المصطفى: - ما الذي جاء بك ؟ فأخبرهم عليه الصلاة والسلام أنه لم ~~يأت يريد حربا، وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته. # وعاد الخزاعيون إلى مكة، يؤكدون لقريش أنه ما جاء لقتال، وينصحون لهم ألا ~~يعجلوا عليه، وأن يدعوه وما جاء له من زيارة البيت العتيق. # فاتهمهم طواغيت المشركين، وردوا في عناد وسفه: (وإن كان جاء ولا يريد ~~قتالا، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ولا تتحدث بذلك عنا العرب). ~~PageV01P279 وتتابعت رسل قريش، تحاول أن ترد المصطفى عما جاء له، وهو عليه ~~الصلاة والسلام يؤكد لكل وافد منهم، أنه ما جاء لقتال. # ويعودون إلى طواغيت قريش بما قاله عليه الصلاة والسلام فيلقونهم بالمكروه ~~من القول والاتهام. # حتى ضاق ذوو الحلم بهذا التمادي في السفة والاعنات. # قال أحدهم - الحليس بن علقمة، وكان سيد أحابيش مكة - غاضبا متوعدا: (يا ~~معشر قريش ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم. # أيصد عن بيت الله من جاء معظما له ؟ والذى نفس الحليس بيده، لتخلن بين ~~محمد وبين ما جاء له، أو لانفرن بالاحابيش نفرة رجل واحد). # وقال (عروة بن مسعود الثقفي) قبل أن يستجيب لهم فيخرج إلى # المصطفى، في محاولة أخيرة لحسم الموقف دون قتال: (يا معشر قريش، إني قد ~~رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم، من التعنيف وسوء اللفظ. # وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد - أمه: سبيعة بنت عبد شمس - وقد سمعت بالذي ~~نابكم، ms136 فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي). # قالوا يحثونه على مفاوضة المصطفى، عنهم، ليحول دون مكة والحرب: (صدقت، ما ~~أنت عندنا بمتهم) (1). # __________ # (1) السيرة: 3 / 327، تاريخ الطبري: السنة السادسة. # [ * ] PageV01P280 خرج (عروة) حتى أتى المصطفى عليه الصلاة والسلام في ~~مناخه عند الحديبية، فجلس بين يديه وقال في تؤدة، يذكر محمد بن عبدالله بما ~~يهدد بلدته، أم القرى: (يا محمد، أجمعت أوشاب الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك ~~لتفضها بهم ؟ إنها قريش، قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود ~~النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا. # وايم الله لكأني بهؤلاء - الذين معك - قد انكشفوا عنك غدا). # وأنكر أبو بكر الصديق ما سمع، فاعترض يقول من مكانه خلف الرسول: أنحن ~~ننكشف عنه ؟ ورد (عروة) وقد عرفه: (أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك ~~بها، ولكن هذه بها). # وحف الصحابة بالمصطفى وهو يرد على وافد قريش، بمثل ما # قاله لمن سبقوه: إنه لم يأت يريد حربا. # وعاد (عروة) إلى قريش، يحدثها عما رأى وما سمع، من حب أصحاب محمد لمحمد، ~~وتفانيهم في القيام دونه: (يا معشر قريش، إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر ~~في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط، مثل محمد ~~في أصحابه. # ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشئ أبدا، فروا رأيكم). PageV01P281 ولاحت ~~النذر: بعثت قريش أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا. # وأخذتهم فئة من الصحابة أخذا، فجئ بهم إلى المصطفى فعفا عنهم وخلى ~~سبيلهم، بعد أن رموا في عسكر المسلمين بالحجارة والنبل. # وجاء دور المصطفى ليحاول رد قريش عن غيها، كي تخلي طريقه إلى البيت ~~الحرام. # بعث إليهم صاحبه وصهره: عثمان بن عفان - وهو من صميم عبد شمس - ليكرر ~~عليهم أن المصطفى لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا البيت، ومعظما لحرمته. # قالت قريش لعثمان تسترضيه، بعد أن أدى رسالة المصطفى: (إن شئت أن تطوف ms137 ~~بالبيت فطف). # ورد رضي الله عنه: (ما كنت لافعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم). # وبدا لقريش، فاحتبست عثمان عندها، لعل ذلك يجدي عليها من حيث فشل مسعاها. # وخرجت من مكة شائعة تقول: إن عثمان بن عفان قد قتل. # فما بلغت سمع النبي حتى قال عليه الصلاة والسلام: (لا نبرح حتى نناجز ~~القوم). PageV01P282 ودعا أصحابه إلى البيعة على ذلك، فكانت (بيعة الرضوان) ~~تحت الشجرة هناك. # وفيها نزلت آيات الفتح: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله ~~فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله ~~فسيؤتيه أجرا عظيما). # ولكن الخبر اليقين ما لبث أن جاء بأن (عثمان لم يقتل) وكانت بيعة الرضوان ~~قد رابت قريشا، وأكدت لها تصميم هذه القلة المؤمنة، على الصمود والاستبسال. # ومهما يكن من حمية قريش الجاهلية، فليست بحيث تستبعد أن ينتصروا عليها، ~~لو نشب قتال. # قبلها، انتصروا في (بدر) وكانوا أقل عددا، وكانت قريش، على عددها وعدتها ~~أقوى أملا في الغلبة. # كلا. # ما ينبغي أن ينشب قتال، بعد عبرة بدر التى تحددت فيها موازين القوى. # من مكة، جاء (سهيل بن عمرو) مبعوثا من قريش، للمفاوضة على الصلح. # وتركت لسهيل حرية التصرف، لم تشترط عليه في الصلح، (إلا أن يرجع محمد عن ~~مكة عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها عليهم عنوة أبدا). ~~PageV01P283 ودارت المفاوضة بين المصطفى وبين مبعوث قريش، وتراضيا على أن ~~يرجع محمد بأصحابه عن مكة هذا العام، على أن يعودوا في الموسم القابل ~~فيدخلوها ويقيموا بها ثلاث ليال، بغير سلاح إلا سلاح الراكب: السيوف في ~~القرب. # واتفقا على هدنة مداها عشر سنين، من جاء المسلمين من قريش فيها ردوه ~~إليهم، ومن جاء قريشا من المسلمين لم يردوه. # وكان أصحاب المصطفى يتابعون هذه المفاوضة بينه صلى الله عليه وسلم، وبين ~~سهيل بن عمرو. # وقد غاب عن بعضهم مغزى شروطها وحكمتها: هدنة، تسمح للمصطفى أن يفرغ ~~للعصابات اليهودية ويحسم شرها. # ولا بأس على من يرد إلى ms138 قريش، فذاك ابتلاء لعقيدته. # ولا خير فيمن يجئ قريشا من المسلمين، فلا جدوى من رده إليهم، ولا حاجة ~~لهم إليه. # وإذ تم التراضي على شروط الصلح ولم يبق إلا أن يكتب، وثب عمر بن الخطاب ~~فقال لابي بكر: - يا أبا بكر، أليس برسول الله ؟ قال الصديق: بلى. # وتابع عمر أسئلته: (ألسنا بالمسلمين ؟ # (أليسوا بالمشركين ؟ PageV01P284 (فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟) وأبو ~~بكر، يحاول رده إلى التسليم بحكمة ما يرضى به رسول الله. # ويمضي (عمر) إلى المصطفى فيسأله مثل ما سأل أبا بكر: - يا رسول الله، ~~ألست برسول الله ؟ - أو لسنا بالمسلمين ؟ - أو ليسوا بالمشركين ؟ - فعلام ~~نعطى الدنية في ديننا ؟ وانتظر عليه الصلاة والسلام حتى فرغ صاحبه من كل ما ~~أراد ان يقول، ثم لم يزد على أن قال: (أنا عبدالله ورسوله، لن أخالف أمره، ~~ولن يضيعني). # ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابن عمه (علي بن أبي طالب) وأملى ~~عليه نص وثيقة الهدنة فكتبها (1) وأشهد على الصلح رجالا من المسلمين، ~~وآخرين من المشركين. # ثم قام عليه الصلاة والسلام إلى هديه فنحره، وحلق شعره. # وكان قد دعا أصحابه إلى أن يفعلوا، فتردد منهم من لم يكونوا راضين عن ~~شروط الصلح، ثم ما هو إلا أن رأوا المصطفى ينحر هديه ويحلق شعره، حتى ~~تواثبوا جميعا ينحرون ويحلقون (2). # __________ # (1) تجد النص، في السيرة لابن هشام: 3 / 332، وتاريخ الطبري: 30 / 80، ~~وطبقات ابن سعد: ح 2. # (2) السيرة لابن هشام: 3 / 333. # [ * ] PageV01P285 وما لبثوا أن أدركوا حكمة هذا الصلح الخطير الذى عده ~~القرآن فتحا مبينا. # وفيه نزلت سورة الفتح، يقول فيها تعالى لرسوله المصطفى: (لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ~~وأثابهم فتحا قريبا * ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما * وعدكم ~~الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية ~~للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما * وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها، ~~وكان الله على كل شئ قديرا *). # (صدق الله العظيم) بعدها كان ms139 السير إلى خيبر. # هل هلال المحرم من السنة السابعة للهجرة، وقد رجع المصطفى صلى الله عليه ~~وسلم من الحديبية، والمدينة في موقف ترقب وانتظار. # من طريق مكة، جاء رجل يسعى، عرفت فيه المدينة (أبا العاص ابن الربيع) ~~فكأنها كانت في انتظاره. # ولم يكن قد مضى غير سبعة أشهر على وداعها إياه ! مر قريبا منها، في جمادى ~~الاولى من السنة السادسة، في طريق عودته من الشام إلى أم القرى، في مال له ~~ولقريش. # فعرضت له سرية إسلامية أصابت كل ما معه، وأفلت منها مع الفجر إلى أم ~~ولديه، بنت خالته (زينب PageV01P286 بنت محمد) عليه الصلاة والسلام، ~~مستجيرا بها. # ولم تكن رضي الله عنها قد رأته منذ ودعها إلى دار الهجرة وقد فرق الاسلام ~~بينهما، بعد أن افتدته من الاسر يوم بدر، بقلادة أمها وأم المؤمنين، خالته ~~السيدة خديجة. # وفى هدأة الفجر سرى صوت زينب: (أيها الناس، إنى قد أجرت أبا العاص بن ~~الربيع) فبلغ سمع أبيها عليه الصلاة والسلام وهو يصلي بالناس في مسجد ~~المدينة، فلما سلم سأل من حوله إن كانوا قد سمعوا ما سمع ؟ أجابوا: نعم يا ~~رسول الله. # قال: أما والذى نفس محمد بيده، ما علمت بشئ من ذلك حتى سمعت ما سمعتم. # وأضاف بعد صمت قصير: (إنه يجير على المسلمين أدناهم، وقد أجرنا من ~~أجارت). # ثم انصرف عليه الصلاة والسلام فدخل على ابنته وعندها ابن خالتها أبو ~~ولديها (علي، وأمامة) فما كادت ترى أباها حتى قالت توضح موقفها: (يا رسول ~~الله، إن أبا العاص إن قرب فابن عم، وإن بعد فأبو ولد، وإنى قد أجرته). # قال الاب عليه الصلاة والسلام: (أي بنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصن إليك ~~فإنك لا تحلين له) وتركهما وما يدريان علام استقر رأيه فيهما. PageV01P287 ~~ولاحت لهما من بعيد رؤيا ماضيهما السعيد والشمل مجتمع والبال خلي، وتذكرت ~~زينب أن قد طال عليهما الامد - سنين عددا - في # انتظار تحقق أملها الذى لم تتخل عنه قط: أن يشرح الله سبحانه صدر أبي ~~العاص للاسلام. # وسمعته يقول: ms140 (لقد عرضوا علي بالامس أن أسلم وآخذ ما معي من أموال فإنها ~~أموال المشركين، فأبيت قائلا: بئس ما أبدأ به إسلامي، أن أخون أمانتي). # فرنت إليه زينب، تفكر في مغزى ما سمعت. # وفى الصبح، بعث المصطفى عليه الصلاة والسلام من صحب أبا العاص إلى ~~المسجد، وفيه رجال السرية الذين أصابوا مال أبى العاص. # قال لهم عليه الصلاة والسلام: (إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم ~~له مالا، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذى له فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فئ ~~الله الذى أفاء عليكم وأنتم أحق به. # ) أجابوا جميعا: يا رسول الله، بل نرده عليه. # وتأهب أبو العاص للرحيل إلى مكة، فقال عليه الصلاة والسلام وهو يودعه: ~~(حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي) PageV01P288 وتوقعت دار الهجرة أن يعود ~~إليها. # وهذا هو قد عاد مع هلال السنة الهجرية السابعة. # بعد أن صفى حسابه بمكة، ودفع إلى أهلها ما خرج فيه من مالهم إلى الشام. # ثم وقف في الحرم المكي هناك، يسأل بأعلى صوته: # (يا معشر قريش، هل بقي لاحد منكم عندي مال لم يأخذه ؟) قالوا: (لا، فجزاك ~~الله خيرا، فقد وجدناك وفيا كريما). # فأدار بصره في الجمع الحاشد، ثم قال على مهل: (فأنا أشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعني من الاسلام إلا تخوف أن تظنوا ~~أني إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم، وفرغت منها، أسلمت) ~~(1). # وخلف القوم واجمين كأنما انقضت عليهم صاعقة، وانطلق مستقبلا دار الهجرة ~~وكأنه معها على موعد. # اتجه فور وصوله إلى المسجد النبوى، فهلل المسلمون وكبروا حين رأوه يبايع ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وحفوا به مهنئين مرحبين، لكنه كان مشغول البال ~~عنهم بأمر أهمه: أترى يرد إليه المصطفى ابنته الحبيبة (زينب) زوجا، بعد ~~الذى كان ؟ # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 2 / 312، تاريخ الطبري 1 / 293، الاستيعاب لابن ~~عبد البر: 4 / 73. # 1 - ط الحلبي. # [ * ] PageV01P289 وساوره قلق، ثم ذكر أن الاسلام يجب عما قبله، فتقدم ~~إلى المصطفى يلتمس أن يجيبه ms141 إلى حاجته في استرجاع (زينب). # أثنى المصطفى عليه خيرا، ثم قام صلى الله عليه وسلم وسار إلى بيته، ومعه ~~ابن الربيع. # ودعا إليه ابنته، فردها على أبي العاص. # واجتمع الشمل الممزق، بعد فراق طال. # ومضى عام واحد، ثم كان الفراق الذى لا لقاء بعده في هذه # الدنيا. # ماتت (زينب) في مستهل السنة الثامنة للهجرة، وتركت لزوجها أبى العاص ~~ذكراها الحية، وولديها عليا وأمامة، حتى لحق بها بعد أربع سنين. # في فترة الهدنة مع قريش، وبعد أن تطهرت المنطقة الاسلامية من الوباء ~~اليهودي. # اتجه تفكير المصطفى إلى نشر دعوته خارج بلاد العرب، فبعث رسلا من أصحابه ~~بكتب منه إلى الملوك والحكام لعهده، يدعوهم إلى الاسلام بالحسنى، امتثالا ~~لامر الله الذى بعثه إلى الناس كافة: أرسل المصطفى: (دحية بن خليفة الكلبي) ~~إلى قيصر، امبراطور الروم. # و (عبدالله بن حذافة السهمي) إلى كسرى فارس. PageV01P290 و (عمرو بن أمية ~~الضمري) إلى نجاشي الحبشة. # و (حاطب بن أبي بلتعة) إلى المقوقس عظيم القبط. # و (عمرو بن العاص) إلى ملكي عمان. # و (سليط بن عمرو) إلى ملكي اليمامة. # و (العلاء بن الحضرمي) إلى المنذر العبدي ملك البحرين. # و (شجاع بن وهب الاسدي) إلى الحارث الغساني بالشام. # و (المهاجر بن أبى أمية المخزومي) إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك ~~اليمن. # ثم وجه المصطفى عليه الصلاة والسلام، عناية خاصة إلى بلاد الشام، # حيث تمد إمبراطورية الروم سلطانها إلى شمال الجزيرة العربية، وتفرض ~~نفوذها المادي والمعنوي على أهل المنطقة، بالبطش والارهاب. # وفى جمادى الاولى من سنة ثمان للهجرة، جهز عليه الصلاة والسلام جيشا ~~لغزوة مؤتة، أول غزوة سيرها المصطفى إلى خارج بلاد العرب، تأمينا لحدودها ~~من ناحية الروم، وتدريبا لجند الاسلام على لقاء عدو ذي صولة وصلف، واتجاها ~~بالدعوة الاسلامية إلى ما وراء الحدود. # واختار صلى الله عليه وسلم (زيد بن حارثة) أميرا على الجيش وقال: (إن ~~أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة على ~~الناس). PageV01P291 كان عددهم ثلاثة آلاف، أسلحتهم ms142 الحربية السيوف والقسي ~~والرماح والنبل والسهام، وزادهم التمر والخبز الجاف وما قد يتيسر لهم من ~~صيد. # وساروا حتى نزلوا (معان) من أرض الشام، فبلغهم أن (هرقل) قد نزل مآب من ~~أرض البلقاء، في مائة ألف من الروم، انضمت إليهم ألوف وألوف من لخم وجذام ~~والقين وبهراء وبلى. # وتشاور المسلمون في خطر الموقف، وكان رأى عدد منهم ألا يجازفوا بلقاء ~~الروم في معركة تفني جند الصحابة. # وأن يكتبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، عسى أن يمدهم بالرجال أو ~~يأمرهم بالعودة إلى المدينة. # لكن (عبدالله بن رواحة) أبى إلا أن يتقدموا للقتال لا ينكصون، # قال: (يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة. # وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي ~~أكرمنا الله به. # فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة). # هتف جند الاسلام: قد والله صدق ابن رواحة. # ومضوا حتى إذا بلغوا تخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل، فانحاز المسلمون إلى ~~قرية (مؤتة) وقاتل (زيد بن حارثة) بلواء المصطفى حتى استشهد، فتلقى جعفر بن ~~أبي طالب اللواء بيمينه، فقاتل به حتى PageV01P292 قطعت، فأخذه بشماله حتى ~~قطعت، فاحتضنه بعضديه حتى استشهد. # وتلقى اللواء من بعده (عبدالله بن رواحة) فما تخلى عنه حتى استشهد، فكانت ~~له إحدى الحسنيين التى أراد. # واختار المسلمون (خالد بن الوليد قائدا)، فلم ير أن يعرض جنده للهلاك، ~~وظل يدافع الروم في بسالة ومهارة وهو ينحاز بجنده حتى نجا بهم، لم يتركوا ~~من ورائهم غير ثمانية شهداء، كانت دماؤهم الزكية هي التي مهدت أرض الشام ~~للفتح الاسلامي بعد نحو عشر سنين ! استقبلت المدينة الجيش العائد من مؤتة ~~بالغضب والانكار، وجعل الناس يحثون التراب على جنود خالد بن الوليد ~~ويقولون: - يا فرار، فررتم في سبيل الله ؟ والمصطفى يرد عنهم الناس ويقول: ~~(ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله) # ويمضي وقت، نحو شهرين: جمادى الاخرة ورجب، في بطء مرهق بالتوتر، وعلى ~~الافق نذر. # لم يكن هناك يهود يلوكون حديث مؤتة، ولكن ms143 المنافقين كانوا هناك في صميم ~~المجتمع المدني، لا يكتمون شماتتهم ولا يكفون عن سخرية بما حسبوه تطاولا من ~~المؤمنين إلى تخوم الروم. # وقريش تزداد حمقا وتطاولا، فتظاهر بكرا على خزاعة وترفدها PageV01P293 ~~بالسلاح، لا تبالي عهد الحديبية، وفيه النص على (أنه من أحب أن يدخل في عقد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فليدخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش ~~وعهدهم فليدخل فيه). # وخزاعة كانت قد اختارت الدخول في عقد الرسول وحلفه، فبيتتها (بكر) ~~بالوتير، وأمعنت فيها قتلا بسلاح قريش ! وتمهل المصطفى، لعل قريشا ترجع عن ~~غيها فيما نقضت من عهد الحديبية، بما ظاهرت بكرا على خزاعة، وهي في عقد ~~الرسول وعهده ! (المدينة) تهدر بالغضب والقلق والترقب. # والمصطفى هناك قد أخذ مجلسه بين أصحابه في مسجده، وما يدري أحد خطوته ~~التالية. # وفجأة، تعلقت الابصار برجل، يشق طريقه في زحام الناس حتى يصل إلى مجلس ~~الرسول عليه الصلاة والسلام، فيقف عليه، ويلتقط أنفاسه من سفر بعيد. # وعرف المهاجرون فيه (عمرو بن سالم الخزاعي). # وانتظروا ماذا يكون من أمره، فانصرف عمرو عنهم وابتدر المصطفى # ينشده مرتجزا: يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الا تلدا قد كنتم ~~ولدا وكنا والدا PageV01P294 ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا ~~أعتدا وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا إن سيم خسفا وجهه ~~تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك ~~المؤكدا وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا ~~وقتلونا ركعا وسجدا قال عليه الصلاة والسلام: (نصرت يا عمرو بن سالم) ثم ~~قام يتجهز لفتح مكة. # (1) الوقت مساء. # المدينة ساهرة تحتشد للتعبئة، وقد أوشك جند الاسلام على المسير # إلى مكة. # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 4 / 36 وتاريخ الطبري، السنة الثامنة ه. # [ * ] PageV01P295 ووافد من مكة جاء يسعى حثيثا حتى بلغ بيت أم المؤمنين ~~(أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان) في دور النبي المحيطة بمسجده. # واستأذن فدخل، وأم المؤمنين لا تكاد ms144 تصدق أنه والدها (أبو سفيان بن حرب) ~~! هل جاء مبايعا، بعد أن طال ضلاله وأهلك قومه ؟ لو كان قد جاء مسلما، لما ~~تردد في أن يعجل إليها بالبشرى، فيضع حدا لما كابدته من هم، في موقفها بين ~~زوجها وأبيها ! وقد كان الموقف صعبا: من قبل أن تشرف (رملة) بالزواج من ~~المصطفى، آمنت به نبيا مع زوجها الاول (عبيد الله بن جحش) وهاجرت معه إلى ~~الحبشة. # فلم يلبث أن ارتد عن الاسلام، وتركها تموت بقهرها، لولا أن واساها عليه ~~الصلاة والسلام، وشرفها بأن أرسل إلى ابن عمه (جعفر ابن أبي طالب) فخطبها ~~إليه في بلد النجاشي. # وعادت من مهاجرها مع جعفر، يوم فتح خيبر، وأخذت مكانها الرفيع في بيت ~~النبي، فما كانت امرأة أعز منها بزوج وأشقى بأب ! فإن لم يكن أبوها قد جاء ~~من مكة مبايعا، فلعله موفد من مشركي قريش، يتوسل بابنته إلى زوجها نبي ~~الاسلام، ليجدد الهدنة التى نقضها القرشيون ! وانتظرت أم المؤمنين، لم تدع ~~أباها إلى الجلوس حتى تعلم فيم # جاء ! PageV01P296 وتقدم هو من تلقاء نفسه، فهم بالجلوس على فراش هناك، ~~فسبقته إليه أم المؤمنين وطوته عنه. # سألها وهو يتجاهل مغزى ما فعلت: - يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا ~~الفراش، أم رغبت به عني ؟ فما راعه إلا أن أجابت: (بل هو فراش رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأنت مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراشه صلى الله ~~عليه وسلم). # قال أبو سفيان مقهورا: - والله يا بنية، لقد أصابك بعدي شر ! (1) وخرج ~~بحسرته، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد مع جمع من أصحابه، ~~فيهم أبو بكر وعمر. # ووقف بين يدى المصطفى، يعتذر عن قريش ويسأله أن يستبقي الهدنة، فما رد ~~عليه المصطفى بكلمة. # واتجه أبو سفيان إلى الصديق أبى بكر، يرجوه في أن يكلم النبي عليه الصلاة ~~والسلام، فما زاد الصديق على أن قال: (ما أنا بفاعل !). # والتمس أبو سفيان الشفاعة عند الرسول، من عمر بن الخطاب، فكان رد عمر: ~~(أأنا ms145 أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فوالله لو لم # __________ # (1) السيرة: 4 / 38، تاريخ الطبري 3 / 112. # السمط الثمين 100. # [ * ] PageV01P297 أجد إلا الدر لجاهدتكم به !). # ونقل أبو سفيان بصره في القوم، فما وجد ألا الصد والجفاء. # وقاوم يأسه، فخرج متعثرا في حيرته حتى بلغ بيت (علي بن أبي طالب) صهر ~~المصطفى وابن عمه، فقص عليه ما كان من أمره مع ابنته رملة، ثم مع الرسول ~~وصاحبيه أبى بكر وعمر. # وقال يستنجد بابن أبي طالب، ويذكر جدهما (قصي بن كلاب) والد عبد مناف ~~وعبد شمس: (يا علي، إنك أمس القوم بي رحما، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعن ~~كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى صهرك وابن عمك). # رد علي، كرم الله وجهه: (ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه). # فالتفت أبو سفيان إلى (الزهراء) وكانت حتى هذه اللحظة صامتة لا تشارك في ~~حديث، فقال لها وهو يشير إلى ابنها (الحسن بن علي) سبط النبي: (يا ابنة ~~محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر ~~الدهر ؟) ردت الزهراء: (والله ما بلغ بني أن يجير بين الناس، وما يجير أحد ~~على رسول PageV01P298 الله صلى الله عليه وسلم). # ولم يبق إلا أن ينصرف. # غير أنه لم يكن يدري إلى أين، وقد أوصدت الابواب في وجهه. # وتمهل برهة فقال لعلي: - يا أبا الحسن، إني أرى الامور قد اشتدت علي، ~~فانصحني. # قال علي: (والله ما أعلم لك شيئا يغني عنك شيئا، ولكنك سيد في بني كنانة، ~~فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك). # سأله: (أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا ؟) فرد علي: (لا والله ما أظنه، ولكني ~~لا أجد لك غير ذلك) (1). # على ناقته (القصواء) التي خرجت به من غار ثور، قبل ثماني سنين، طريدا ~~مستخفيا مهاجرا، أعزل إلا من إيمانه، ليس معه غير صاحبه أبي بكر، والله ~~ثالثهما. # دخل صلى الله عليه وسلم مكة يوم ms146 الفتح، في عشرة آلاف من جند الله. # وفتحت أم القرى قلبها للنبي العائد، ومن معه من أبنائها المهاجرين # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 4 / 39 - تاريخ الطبري: 3 / 113. # [ * ] PageV01P299 وأصحابه الانصار. # ولم يدر يومها قتال، وكأنما عاشت أم القرى في انتظار هذه اللحظة ~~التاريخية، لتتحرر من أغلال الوثنية. # وكأنما كان أهلها، جيرة الحرم الاقدس، يتطلعون إلى اليوم الذى يكفون فيه ~~عن حرب عقيم، بعد أن فقدوا إيمانهم بالاوثان التي حاربوا من أجلها، فما ~~أغنت عنهم شيئا ! وعلى راحلته، طاف عليه الصلاة والسلام بالبيت العتيق ~~سبعا، وسط الجموع الحاشدة من الناس، ثم ترجل فدخل البيت خاشعا، وقام يصلي ~~بالمسلمين في الحرم المكي الذي تطهر يومئذ من رجس الاوثان. # وتجاوبت الآفاق بدعائه: (الله أكبر، لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، ~~وأعز جنده، وهزم الاحزاب وحده). # والجموع من حوله تردد الدعاء فتخشع له صم الجبال. # والتفت إلى أهل مكة، بعد أن خطب خطبة الفتح، فقال: (يا معشر قريش، ما ~~ترون أني فاعل بكم ؟) قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. # فقال عليه الصلاة والسلام: (اذهبوا فأنتم الطلقاء !) PageV01P300 وباتت ~~مكة يوم الفتح، وليس في حرمها رجل ولا امرأة، إلا مسلما أو مسلمة. # وأصبح الناس ذات يوم بعد الفتح، وقد خرجت قالة من منازل الانصار، تعبر عن ~~قلقهم، أن يبقى المصطفى في مكة، بعد أن رأوه يسخو في عطاء المكيين، تأليفا ~~لقلوبهم وهم حديثو عهد بالاسلام. # قالوا: (لقد لقي والله رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه). # وبلغت قالتهم سمع المصطفى، نقلها إليه (سعد بن عبادة) شاكيا له عليه ~~الصلاة والسلام ما تجد الانصار من قلق وضيق. # سأله المصطفى: (فأين أنت من ذلك يا سعد ؟) ورد نقيب الانصار: - يا رسول ~~الله، ما أنا إلا من قومي ! فلم يضق عليه الصلاة والسلام بصاحبه، بل طلب ~~إليه أن يجمع له قومه من الانصار، ثم خرج إليهم المصطفى فقال بعد أن حمد ~~الله وأثنى عليه: (يا معشر الانصار، ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها علي ~~في أنفسكم ؟ ألم آتكم ms147 ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف ~~بين قلوبكم ؟). # أجابوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل. PageV01P301 سألهم: (ألا تجيبونني ~~يا معشر الانصار ؟). # فسألوا بدورهم: بماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ولرسوله المن والفضل. # قال عليه الصلاة والسلام: (أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: ~~أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، ~~أوجدتم يا معشر الانصار في أنفسكم، في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ~~ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ؟ ألا ترضون يا معشر الانصار أن يذهب الناس ~~بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد # بيده، لولا الهجرة لكنت إمرأ من الانصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت ~~الانصار شعبا، لسلكت شعب الانصار ! اللهم ارحم الانصار، وأبناء الانصار، ~~وأبناء أبناء الانصار). # فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وهتفوا جميعا: - رضينا برسول الله قسما ~~وحظا (1). # وكذلك بكى أهل مكة، وقد علموا أن المصطفى يوشك أن ينصرف إلى دار الهجرة ~~التى اختارها منزلا ومقاما. # ولكنه صلى الله عليه وسلم، تمهل في العودة مع الانصار إلى المدينة، ريثما ~~يقضي على فلول الوثنية الناشبة في بعض القبائل العربية، ومن أهمها: هوازن ~~وثقيف. # __________ # (1) السيرة لابن هشام 4 / 143، طبقات ابن سعد 2 / 98. # [ * ] PageV01P302 وخرج المصطفى في غزوة حنين إلى هوازن، في الآلاف ~~العشرة الذين شهدوا معه فتح مكة، ومعهم ألفان من أهل مكة. # وكادت مأساة (أحد) تتكرر. # بلغ القائد الرسول بجنده منحدرا في واد من تهامة، سبقهم إليه المشركون من ~~هوازن وأحلافها، فكمنوا لهم في شعابه وأحنائه ومضايقه، ثم انحطوا بغتة في ~~عماية الصبح، فشدوا عليهم، فولوا راجعين لا يلوي أحد على أحد، لم يبق منهم ~~مع المصطفى سوى نفر من المهاجرين والانصار وأهل بيته. # يومها تكلم رجال من المنافقين ومن المكيين حديثي العهد بالاسلام بما في ~~أنفسهم من الضغن، وقال أبو سفيان في شماتة: لا تنتهي هزيمتهم # دون البحر. # وعقب آخر، جبلة بن الحنبل: ألا بطل السحر اليوم ! وبطل السحر حقا، لكنه ~~سحر الغفلة والضلال. # تدارك المصطفى الموقف، فأمر عمه (العباس بن عبدالمطلب) - وكان ms148 جهير الصوت ~~- فصاح بالمسلمين يستنفرهم للجهاد مع نبيهم المصطفى، ويسترجعهم إلى أماكنهم ~~حوله، وإن واحدة من الصحابيات (أم سليم بنت ملحان) لتثبت مع القلة المؤمنة ~~وإنها لحامل بعبد الله ابن أبى طلحة، وقد حزمت وسطها ببرد تتقي الاجهاض، ~~ومعها خنجر مشهر، فيقول صلى الله عليه وسلم: (أم سليم ؟) وتجيب: نعم، بأبي ~~أنت وأمي يا رسول الله. # اقتل هؤلاء الذين PageV01P303 ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، ~~فإنهم لذلك أهل. # قال عليه الصلاة والسلام: (أو يكفي الله يا أم سليم ؟) (1) ويسألها زوجها ~~أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم ؟ أجابت: خنجر أخذته، إن دنا مني ~~أحد من المشركين بعجته به. # وعاد المسلمون على صوت النفير، والتحم الفريقان وحمي الوطيس، فكان النصر ~~للمؤمنين. # وكانت تجربة أخرى، يذكرهم الله بها بعد غزوة تبوك، في السنة التالية، ~~التاسعة للهجرة، فيقول تعالى في سورة التوبة: (لقد نصركم الله في مواطن ~~كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض ~~بما رحبت ثم # وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا ~~لم تروها وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين * ثم يتوب الله من بعد ذلك ~~على من يشاء، والله غفور رحيم). # (صدق الله العظيم) # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 4 / 88. # [ * ] PageV01P304 3 - مع المنافقين. # (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ~~ورسوله وماتوا وهم فاسقون). # (سورة التوبة) استغرقت تلك الاحداث الكبار، ما بين غزوة مؤتة وفتح مكة ~~وغزوة حنين، شهور السنة الثامنة للهجرة، من جمادى الاولى إلى ذي القعدة. # واعتمر المصطفى وعاد إلى المدينة كوعده للانصار، فأقام بها إلى آخر صفر ~~من سنة تسع، وقد نجم النفاق هناك وكثر الحديث عن (مؤتة) يلوك المنافقون فيه ~~ما كان من غلبة الروم، ويتندرون PageV01P305 بسذاجة الآلاف الثلاثة من ~~المسلمين، يطمعون في منازلة الامبراطور هرقل، في مائة ألف من جنده ! وآن ~~الاوان لتطهير دار الاسلام من جيوب النفاق التى كانت # تهدده في الصميم، بعد أن انتصر ms149 على المشركين من العرب والاعداء من يهود. # لقد كمن السم في أول الامر، وإن ظهرت بوادر منه في مثل إصرار (عبدالله بن ~~أبي بن سلول) على أن يجير مواليه من يهود بني قينقاع، وانخذاله بمن معه من ~~منافقي المدينة، عن جند المصطفى يوم أحد، ثم نشاطه الخبيث في فرية الافك ~~الذي تولى كبره. # وتتابعت البوادر مع ثقل أعباء الجهاد وتكاليفه، في غزوة الاحزاب وغزوة ~~مؤتة، ويوم حنين، دون أن يملك أحد أن ينفي المنافقين عن الاسلام وهم ~~يتظاهرون به ويشهدون بألسنتهم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~يحقنون بهذه الشهادة دماءهم ويعتصمون بها من أن يرجمهم مؤمن بلعنة الردة. # والنوايا لله، هو وحده الذى يعلم سرهم ونجواهم فليس للرسول إلا أن يكلهم ~~إليه سبحانه، يحمي دينه منهم ويكشف المستور من كفرهم. # وقد جاءت (غزوة تبوك) فمزقت أقنعتهم، بعد أن توالت النذر منبهة إلى أن ~~النفاق قد تمكن من مرضى القلوب حتى صار داء عياء لا PageV01P306 يجدي فيه ~~غير البتر والتطهير. # في مستهل رجب من السنة التاسعة للهجرة، أمر المصطفى أصحابه بالتهيؤ لغزو ~~الروم، تثبيتا لجند الله في لقاء عدو مرهوب، وليزيل التهيب الذي تركته ~~التجربة الاولى في مؤتة. # وأراد الله سبحانه أن تكون هذه الغزوة امتحانا لايمان المؤمنين، # وفاضحة لزيف المنافقين المحسوبين على الاسلام زورا وادعاء. # ولم يكن من عادة الرسول القائد، أن يصرح بوجهته في كل مرة يخرج فيها ~~بأصحابه للجهاد، بل يكتفي بالتكنية عنها، تدريبا لجند الاسلام على الامتثال ~~لامر الله والرسول. # لكنه في هذه المرة، صرح بوجهته لم يكن عنها، لبعد المسير وشدة الوقت ~~وكثرة العدو الذى يصمد له، حتى يتأهب المسلمون لذلك أهبتهم (1). # وذلك في زمان من عسرة الناس وشدة من الحر، وحين طابت الثمار بعد جدب، ~~فطاب للناس المقام في ثمارهم وظلالهم. # وبدأ المنافقون منهم ينتحلون الاعذار للتخلف والقعود، حتى إن أحدهم ليقول ~~للمصطفى: - يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني ؟ فوالله لقد عرف قومي # __________ # (1) تفصيل الحديث عن غزوة تبوك، ms150 في: السيرة لابن هشام: 4 / 159، والجزء ~~الثاني من طبقات ابن سعد، والثالث من تاريخ الطبري. # [ * ] PageV01P307 أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى أن ~~رأيت نساء بني الاصفر - الروم - أن لا أصبر ! فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم ~~وقال: (قد أذنت لك). # ومشى بعضهم إلى بعض، يتواصون بالقعود قائلين: (لا تنفروا في الحر). # زهدا في الجهاد وشكا في المصير، وإرجافا برسول الله صلى الله # عليه وسلم. # وانبث نفر منهم في أحياء المدينة يخذلون قومهم ويقولون: (أتحسبون جلاد ~~بني الاصفر كقتال العرب بعضهم بعضا ؟). # ولكن هؤلاء وهؤلاء، لم يبلغوا من التخذيل والارجاف، ما بلغته مكيدة ~~كبيرهم (عبدالله بن أبي): لقد وجد اللعين فرصة العمر التى طال انتظاره لها، ~~فتظاهر بالتأهب للخروج، وجمع إليه حشدا من شيعته أهل النفاق ومن اغتر بهم، ~~ثم ضرب عسكره على حدة وانتظر حتى تمت التعبئة للجهاد وخرج المصطفى بجنده من ~~مكة، وما يشك أحد في أن (ابن أبي بن سلول) ماض وراءه بعسكره، ولم يكن أقل ~~العسكرين ! لكن الخبيث تحرك، لا إلى الشمال في طريق الجيش المجاهد، وإنما ~~انحاز بعسكره من أسفل مكة إلى الطريق المضاد !. # ومضى المصطفى بالمؤمنين من جند الاسلام، وتخلف كل المنافقين، PageV01P308 ~~وتخلف معهم نفر قليل من ذوي العذر، ومن استثقلوا العبء، عن غير شك ولا نفاق ~~! وفى الطريق لحق بالمصطفى من لم يطيقوا القعود ولهم عذر فيه. # منهم اثنان من البكائين، وهم سبعة من الصحابة التمسوا من رسول الله أن ~~يحملهم وكانوا أهل حاجة، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا أجد ما أحملكم ~~عليه). # فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. # وحدث أن مر اثنان منهم بابن عمير بن كعب النضري وهما يبكيان، # فسألهما عن أمرهما فقالا: - جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا ~~فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه. # فأعطاهما بعيرا له، وزودهما شيئا من تمر، فارتحلا البعير ولحقا بجند ~~المصطفى ! وكذلك لحق بهم من صحا ضميره من ms151 غفوته، فكره أن يقعد مع القاعدين ~~وليس من أهل النفاق. # في الخبر أن (أبا خيثمة الانصاري، مالك بن قيس) رجع ذات يوم حار بعد مسير ~~الرسول بأيام. # فوجد امرأتين له في عريشين ببستانه، قد رشت كل منهما عريشها وبردت له فيه ~~ماء، وهيأت له طعاما، فلما رأى ذلك كله أنكره، وقال يحدث نفسه: PageV01P309 ~~- رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل ~~بارد وطعام مهيإ وامرأة حسناء، في ماله مقيم ؟ ما هذا بالنصف !. # ثم التفت إلى امرأتيه وقال: (والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيئا لي زادا). # وركب راحلته، وخرج يغذ السير حتى لحق بجند الاسلام في تبوك (1). # وفى الطريق أيضا، تخلف الرجل بعد الرجل، ممن خرجوا في أول الامر مكرهين، ~~ثم استثقلوا مشقة السفر وعبء الجهاد. # ويقول الصحابة للمصطفى وهو ماض في طريقه إلى وجهته: - يا رسول الله، تخلف ~~فلان. # فيقول عليه الصلاة والسلام: (دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى ~~بكم. # وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه). # حتى قيل له مرة: - يا رسول الله، قد تخلف (أبو ذر) وأبطأ به بعيره. # فقال المصطفى، مثل ما كان يقوله في الرجل يتخلف. # __________ # (1) السيرة النبوية: 4 / 164. # [ * ] PageV01P310 لكن أبا ذر لم يتخلف مختارا، وإنما خذله بعيره بعد أن ~~أبطأ به، فما كان منه رضي الله عنه إلا أن أخذ متاعه فحمله على ظهره، ومشى ~~يتبع أثر الركب المجاهد. # فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزل ببعض مراحل الطريق، نظر ناظر ~~من المسلمين فلمح من بعيد شخصا يمشي، فقال: - يا رسول الله، إن هذا الرجل ~~يمشي على الطريق وحده. # قال عليه الصلاة والسلام وهو ينظر إلى الجهة التى يشير إليها صاحبه: (كن ~~أبا ذر). # فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر ! ورد المصطفى: ~~(رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده. # ) (1) بلغ المصطفى بجنده المؤمنين مدينة (تبوك). # وهناك ms152 أتاه (يوحنه) صاحب أيلة، فصالح نبي الاسلام وأعطاه الجزية. # وكذلك أتاه أهل جرباء وأذرح، فصالحوه على الجزية. # وتخلف (أكيدر بن عبدالملك النصراني) صاحب (دومة) فندب له المصطفى (خالد ~~بن الوليد) في كتيبة من جنده. # فأخرج (أكيدر) أخاه في فرسان دومة للقاء كتيبة خالد، ودار قتال سقط فيه ~~أخو أكيدر # __________ # (1) السيرة: 4 / 167، وانظر أبا ذر الغفاري في طبقات الصحابة. # [ * ] PageV01P311 قتيلا، وانهزم فرسانه..وعاد خالد بن الوليد إلى معسكر ~~المسلمين، ومعه (أكيدر) قد نزع عنه قباؤه. # وكان من ديباج مخوص بالذهب. # قال المصطفى وقد رأى أصحابه يلمسون القباء بأيديهم ويتعجبون منه: ~~(أتعجبون من هذا ؟ فوالذي نفسي بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة، أحسن ~~من هذا) (1). # ثم أطلق المصطفى صاحب دومة، بمصالحة على الجزية. # ورجع المصطفى إلى المدينة، بعد أن بنى مسجدا في (تبوك) وأقام بها بضع ~~عشرة ليلة، لم يجاوزها إلى ما وراءها من أرض الروم. # فماذا عمن تخلفوا بالمدينة لم يخرجوا للجهاد ؟ أتاه المنافقون منهم، ~~يحلفون له ويعتذرون، فلم يملك صلى الله عليه وسلم إلا أن يقبل ظاهر عذرهم، ~~مفوضا أمرهم إلى العليم بما يسرون وما يعلنون. # وأما الذين تخلفوا تكاسلا، عن غير شك ولا نفاق، فلم يجدوا ما يعتذرون به، ~~وكرهوا أن يضيفوا إلى ذنب القعود عن الجهاد، وزر اختلاق عذر يقدمونه إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، كما فعل المنافقون. # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 4 / 170. # [ * ] PageV01P312 وأنكر صلى الله عليه وسلم موقفهم، ونهى أصحابه أن ~~يكلموا أحدا منهم حتى يقضي الله فيهم، وكانوا ثلاثة: (كعب بن مالك، ومرارة ~~بن الربيع، وهلال بن أمية) صدقوه القول أن لم يكن لهم عذر. # ونبذهم المجتمع الاسلامي نبذا أليما، وكابدوا من تأنيب النفس اللوامة، ما ~~الموت أهون منه وأرحم، وأترك لاحدهم (كعب بن مالك الانصاري) أن يصف محنته ~~وصاحبيه، فيما روى ابن اسحق بالسيرة النبوية، عن الزهري عن عبدالرحمن بن ~~كعب عن أبيه قال: (ما تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها ~~قط، غير أني تخلفت عنه في بدر، ms153 وكانت غزوة لم يعاتب الله ولا رسوله أحدا ~~تخلف عنها. # (ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة وحين تواثقنا على ~~الاسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت غزوة بدر هي أذكر في الناس ~~منها - يعني: من العقبة. # (وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ~~أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة. # (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى ~~بغيرها. # حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا ~~بعيدا، واستقبل غزو عدو كثير، فجلى للناس أمرهم ليتأهبوا لذلك أهبته، ~~والمسلمون كثير، لا يجمعهم PageV01P313 كتاب حافظ - أي ديوان مكتوب - فقل ~~رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ذلك، ما لم ينزل فيه وحي من الله. # (فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجهز المسلمون معه، وجعلت أغدو ~~لاتجهز معهم فأرجع ولم أقض حاجة فأقول في نفسي: (أنا قادر على ذلك إذا ~~أردت) فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمر بالناس الجد فأصبح صلى الله عليه وسلم ~~غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: (أتجهز بعده بيوم أو ~~يومين ثم ألحق بهم). # فغدوت بعد أن فصلوا لاتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض ~~شيئا. # فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفرط الغزو - يعنى فات وسبق - فهممت ~~أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم أفعل. # (وجعلت إذا خرجت في الناس بالمدينة بعد خروج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فطفت فيهم، يحزنني أني لا أرى إلا رجلا مطعونا عليه في النفاق، أو ~~رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. # (ولم يذكرني صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم: ~~(ما فعل كعب بن مالك ؟) فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه ~~والنظر في عطفيه. # فقال له معاذ بن ms154 جبل: # بئس ما قلت ! والله يا رسول الله ما علمنا منه إلا خيرا. # فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. # (فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من ~~PageV01P314 تبوك، حضرني بثي، فجعلت أتذكر الكذب وأقول: (بماذا أخرج من ~~سخطة رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا ؟) وأستعين على ذلك كل ذي رأي من ~~أهلي. # فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما، زاح عني الباطل ~~وعرفت أني لا أنجو إلا بالصدق، فأجمعت أن أصدقه. # وصبح رسول الله بالمدينة، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ~~ركعتين ثم جلس للناس. # فلما فعل جاءه المخلفون فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، وكانوا بضعة وثمانين ~~رجلا. # فيقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وأيمانهم ويستغفر لهم، ~~ويكل سرائرهم إلى الله تعالى. # حتى جئت فسلمت، فتبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: (تعاله) فجئت أمشي حتى ~~جلست بين يديه فقال لي: (ما خلفك ؟ ألم تكن ابتعت ظهرك ؟) قلت: إني يا رسول ~~الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ~~ولقد أعطيت جدلا. # ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كذبا لترضين عني، وليوشكن ~~الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديثا صدقا تجد علي فيه، إني لارجو عقباي من ~~الله فيه. # لا والله ما كان لي عذر ! والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت ~~عنك ! (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدقت فيه، # فقم حتى يقضي الله فيك. # فقمت، وثار معي رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: PageV01P315 - ~~والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت عن أن لا تكون اعتذرت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به إليه المخلفون، قد كان ~~كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. # (فوالله ما زالوا بي حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله ms155 عليه وسلم ~~فأكذب نفسي. # ثم قلت لهم: - هل لقي هذا أحد غيري ؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثلك: مرارة ~~بن الربيع، وهلال بن أمية الواقفي. # (فذكروا لي رجلين صالحين فيهما أسوة، فصمت حين ذكروهما لي. # ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيما الثلاثة، من بين من ~~تخلف عنه. # فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي نفسي والارض، فما هي بالارض ~~التي كنت أعرف. # فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. # فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما، وأما أنا فكنت أشب القوم ~~وأجلدهم، فكنت أخرج وأشهد الصلوات مع المسلمين وأطوف بالاسواق ولا يكلمني ~~أحد. # وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ~~فأقول في نفسي: (هل حرك شفتيه يرد السلام علي أو لا ؟) ثم أصلي قريبا منه ~~فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر الي، وإذا التفت نحوه أعرض عني. # (حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت PageV01P316 جدار ~~حائط (أبي قتادة) وهو ابن عمي وأحب الناس الي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي ~~السلام. # فقلت: - يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ فسكت. # فعدت فناشدته مرة بعد مرة، فسكت عني، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله ~~أعلم. # (ففاضت عيناي، ووثبت فتسورت الحائط ثم غدوت إلى السوق. # فبينا أنا أمشي إذا نبطي يسأل عني من نبط الشام، فجعل الناس يشيرون الي، ~~حتى جاءني فدفع الي كتابا من ملك غسان، فيه: (أما بعد، فإنه قد بلغنا أن ~~صاحبك قد جفاك. # فالحق بنا نواسك). # * قلت حين قرأتها: وهذا من البلاء أيضا، قد بلغ بي ما وقعت فيه أن طمع في ~~رجل من أهل الشرك ! (فعمدت بالرسالة إلى تنور فسجرته بها. # فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة، من الخمسين، إذا رسول رسول الله ~~يأتيني بأمره أن أعتزل امرأتي. # قلت: أأطلقها أم ماذا ؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها. # وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. # فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى ms156 يقضي الله في هذا الامر ما هو ~~قاض. # وجاءت امرأة (هلال بن أمية) رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~PageV01P317 - يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع لا خادم له، ~~أفتكره أن أخدمه ؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك. # قالت: والله يا رسول الله ما به من حركة الي، والله ما زال يبكي منذ كان ~~من أمره ما كان إلى يومنا هذا، ولقد تخوفت على بصره. # (فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله لامرأتك، فقد أذن لامرأة هلال ~~بن أمية أن تخدمه. # قلت: والله لا أستأذنه بها، ما أدري ما يقول صلى الله عليه وسلم لي إذا ~~استأذنته فيها، وأنا رجل شاب. # (فلبثنا بعد ذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ~~المسلمين عن كلامنا. # ثم صليت الصبح، صبح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا. # إذ سمعت صوت صارخ أوفى على ظهر سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، ~~أبشر. # فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج. # (ونزعت ثوبي فكسوتهما من جاء يبشرني، والله ما أملك يومئذ غيرهما، ~~واستعرت ثوبين فلبستهما ثم انطلقت أتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وتلقاني الناس يبشرونني بالتوبة. # حتى دخلت المسجد، فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لي ~~ووجهه يبرق من السرور: - أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. PageV01P318 ~~قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال: بل من عند الله. # قلت: يا رسول الله، إن من توبتي إلى الله عزوجل أن أنخلع من مالي، صدقة ~~إلى الله والى رسوله. # قال صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. # وقلت: يا رسول الله، إن الله نجاني بالصدق، وإن من توبتي إلى الله أن لا ~~أحدث إلا صدقا ما حييت) (1). # الآيات التى بشر بها هؤلاء الثلاثة الذين خلفهم الرسول حتى يقضي الله ~~فيهم، هي آيات التوبة: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين ~~اتبعوه ms157 في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم، ~~إنه بهم رؤوف رحيم * وعلى الثلثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما ~~رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا، إن الله هو التواب الرحيم *). # (صدق الله العظيم) ونزلت معها، من سورة التوبة في أواخر العهد المدني بعد ~~غزوة تبوك، الآيات البينات (الفاضحة) لزيف المنافقين الممزقة لكل # __________ # (1) من السيرة: 1 / 175. # بإسناد إلى الزهري عن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك. # [ * ] PageV01P319 أقنعتهم. # وفيها يعتب الله سبحانه على رسوله أن أذن لهم في التخلف. # وكان، لو لم يفعل، بحيث يكشف عن خبث سريرتهم ويتبين له كفرهم وارتيابهم: # (لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة، ~~وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم ~~لكاذبون * عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين * لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين * إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون * ولو أرادوا ~~الخروج لاعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع ~~القاعدين * لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولاوضعوا خلالكم يبغونكم ~~الفتنة وفيكم سماعون لهم، والله عليم بالظالمين * لقد ابتغوا الفتنة من قبل ~~وقلبوا لك الامور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون * ومنهم من يقول ~~ائذن لي ولا تفتني، ألا في الفتنة سقطوا، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين * إن ~~تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد اخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم ~~فرحون * قل لن يصيبنا ألا ما كتب الله لنا هو مولنا، وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون * قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم ~~الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون *). PageV01P320 ~~وتمضي الآيات بحكم الله فيهم: تنفيهم عن الاسلام أحياء وأمواتا، ms158 وتعزلهم عن ~~مخالطة المؤمنين، وتحرم خروجهم معهم إذا خرجوا للجهاد، حسما لشر الفتنة، ~~وتنهى نبى الاسلام نهيا باتا عن أن يستغفر لهم أو يصلي على أحد منهم مات ~~أبدا أو يقوم على قبره: # (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله ~~لهم، ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله، والله لا يهدى القوم الفاسقين * فرح ~~المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر، قل نار جهنم أشد حرا، لو كانوا يفقهون ~~* فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون * فإن رجعك الله إلى ~~طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوا ~~إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين * ولا تصل على أحد منهم ~~مات أبدا ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون *. # (صدق الله العظيم) ثم يقول الله جل شأنه في نفس السورة: (ليس على الضعفاء ~~ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله، وما على المحسنين من سبيل والله عفور رحيم * ولا على الذين إذا ما ~~أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما PageV01P321 أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من ~~الدمع حزنا إلا يجدوا ما ينفقون * إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم ~~أغنياء، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون * ~~يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم، قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله ~~من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون * سيحلفون بالله لكم # إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأوهم جهنم جزاء ~~بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا ~~يرضى عن القوم الفاسقين *). # (صدق الله العظيم) PageV01P322 سنة الوفود ودخل الناس في دين الله أفواجا ~~كانت غزوة تبوك في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة. # بعدها فيما ms159 بقي من شهور السنة، تتابعت وفود القبائل العربية على دار ~~الهجرة، ساعية إليها من كل وجه، تبايع الرسول صلى الله عليه وسلم على ~~الاسلام. # أسلمت (ثقيف) وكانت قد امتنعت بالطائف يوم حنين. # وقدم وفد (همدان) على رسول الله عليه الصلاة والسلام، مرجعه من تبوك. # وجاء وفد (تميم) وفيه: (قيس بن عاصم، وعطارد بن حاجب، والاقرع بن حابس، ~~وعمرو بن الاهتم، والزبرقان بن بدر). # وجاء ضمام بن ثعلبة، في وفد (بنى سعد بن بكر). # والجارود بن عمرو، في وفد (عبدالقيس) والاشعث بن قيس في وفد (كندة) وصرد ~~بن عبدالله، في وفد (الازد). PageV01P323 كما قدم وفد (طئ) وفيهم سيدهم ~~الفارس (زيد الخيل) الذى قال فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: # (ما ذكر لي رجل من العرب ثم جاءني، إلا رأيته دون ما يقال فيه. # إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل ما كان فيه). # ودعاه المصطفى: زيد الخير. # وجاء رجال من (بنى زبيد) فيهم عمرو بن معديكرب. # ووفد بنى حنيفة، فيهم مسيلمة بن حبيب (1). # قال (ابن اسحاق) في سنة الوفود (2): (وإنما كانت العرب تربص بالاسلام أمر ~~هذا الحي من قريش وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام، وصريح ولد ~~إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وقادة العرب لا ينكر ذلك. # وكانت قريش هي التى نصبت لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه، فلما ~~افتتحت مكة ودانت له قريش. # دخلوا في دين الله، كما قال عزوجل، أفواجا، يضربون إليه من كل وجه. # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء نصر الله والفتح * ~~ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان ~~توابا). # (صدق الله العظيم) # __________ # (1) هو مسيلمة الكذاب، الذى ارتد وادعى النبوة بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وقتل الكذاب في حروب الردة. # (2) والطبري في تاريخه، السنة التاسعة. # [ * ] PageV01P324 الوداع # والرحيل ! (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفئن مات أو قتل ~~انقلبتم على ms160 أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا، وسيجزي الله ~~الشاكرين). # (صدق الله العظيم) PageV01P325 تطهرت ديار الاسلام من وباء اليهود، أعداء ~~البشر. # وتطهرت أرض المبعث وبلاد العرب من رجس الوثنية، وسقطت أقنعة المنافقين، ~~وعزلوا عن المجتمع الاسلامي، ودخل الناس في دين الله أفواجا. # فهل بقي من رسالة المصطفى ما يؤديه في عصر مبعثه ؟ بعد سنة الوفود، حج ~~صلى الله عليه وسلم حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة، وعلم المسلمين ~~مناسك الحج، وخطب فيهم خطبته المشهورة التى كانت الوصية الاخيرة إلى ~~المسلمين من نبيهم المصطفى عليه الصلاة والسلام، قال بعد أن حمد الله وأثنى ~~عليه: (أيها الناس، اسمعوا قولي فإني لا أدرى لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ~~بهذا الموقف أبدا. # أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، ~~PageV01P327 كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا. # وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة ~~فليؤدها إلى من ائتمنه # عليها. # وإن كان ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. # قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبدالمطلب موضوع كله. # وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع. # وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب - وكان مسترضعا ~~في بنى ليث فقتلته هذيل - فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية. # (أما بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا. # ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي بما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على ~~دينكم). # وبعد أن بين المصطفى إبطال الاسلام للنسئ، وحدد الاشهر الاربعة الحرم، ~~أوصى بالنساء خيرا، ثم ختم خطبة الوداع بقوله: (فاعقلوا أيها الناس قولي ~~فإنى قد بلغت. # وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: أمرا بينا، كتاب الله ~~وسنة نبيه. # أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن ~~المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا ~~تظلمن ms161 أنفسكم، اللهم هل بلغت ؟). # هتف المسلمون جميعا، ممن شهدوا حجة الوداع: - اللهم نعم. PageV01P328 ~~فقال عليه الصلاة والسلام: (اللهم اشهد) (1). # ثم أقام المصطفى بالمدينة بقية ذى الحجة والمحرم وصفر. # وفيها جهز (أسامة بن زيد بن حارثة) ليخرج إلى الشام في جند الاسلام، # ومعه المهاجرون الاولون. # وأمره صلى الله عليه وسلم، أن يصل بالاسلام إلى تخوم البلقاء والداروم من ~~أرض فلسطين. # وبدا كأن المصطفى أتم رسالته، وترك للمؤمنين من بعده أن ينشروا الدين ~~الحق في الآفاق، وأن يحملوا لواءه الميمون إلى المشرق والمغرب !. # ثم يموت محمد بن عبدالله، ويحيا المصطفى في رسالته، نبى الاسلام المبعوث ~~خاتما للانبياء ومصدقا لما بين يديه من الدين كله. # وتكون آيته، بعد أن أتم رسالته، أن يجوز عليه المرض والموت، كما جازت ~~عليه أعراض البشرية وهمومها وعواطفها، من حزن وثكل وكره وضيق وكرب، مثلما ~~تجوز على سائر البشر. # لكيلا يفتن به المسلمون فينسوا أنه بشر رسول، كما فتن من قبلهم، فاتخذوا ~~نبيهم مع الله إلها. # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 4 / 252. # [ * ] PageV01P329 في ليال بقين من صفر، في السنة الحادية عشرة للهجرة، ~~شكا المصطفى من مرض ألم به، فحسب آل البيت النبوى والمسلمون معهم، أنها ~~وعكة طارئة لا تلبث أن تزول، دون أن يتصور أحد منهم أنه مرض الموت. # وثقل المرض على (محمد بن عبدالله) فاستأذن نساءه أمهات المؤمنين أن يمرض ~~في بيت عائشة، وقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس). # ولم يطل عليه المرض. # أهل شهر ربيع الاول، وخرج أهل المدينة لصلاة الصبح من يوم الاثنين، فبينا ~~هم في المسجد وأبو بكر يصلى بهم، رفع الستر من باب بيت أم المؤمنين عائشة، ~~وخرج المصطفى عاصبا رأسه، فما كاد الناس يلمحونه حتى كادوا يفتنون في ~~صلاتهم برؤيته فرحا به، لولا أن أشار إليهم أن (اثبتوا على صلاتكم). # وشعر أبو بكر بما كان من المصلين خلفه، فعرف أنهم لم يصنعوا ذلك إلا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكص عن مصلاه يفسح مكانه للمصطفى، لكنه ~~دفعه وقال: (صل بالناس). # وجلس صلى ms162 الله عليه وسلم عن يمين أبى بكر، فصلى قاعدا، حتى إذا قضيت ~~الصلاة أقبل المسلمون على نبيهم المصطفى فرحين مستبشرين، يهللون ويدعون ~~ويباركون. PageV01P330 لم يدروا أنها صحوة الموت ! دخل المصطفى بيته والوقت ~~ضحى، فاضطجع على فراشه في حجر زوجه عائشة، فما راعها إلا أن ثقل في حجرها، ~~ونظرت في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول: (بل الرفيق الاعلى من الجنة) (1) ~~من بيت المصطفى علا نحيب النساء فصك مسمع المدينة التى كانت قد استبشرت ~~برؤية الرسول عليه الصلاة والسلام في صلاة الصبح من ذلك اليوم ! وفى ذهول ~~المباغتة، وجم الناس بين مصدق ومكذب، وكان (عمر بن الخطاب) أشد من أنكروا ~~أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم # قد مات ! وجاء أبو بكر، وعمر في المسجد يتوعد من يزعم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد مات، قال: عفا الله عنه: (إن رجالا من المنافقين يزعمون ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفى ! وإن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن ~~قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى، فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم زعموا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مات !). # __________ # (1) السيرة لابن هشام: 4 / 304. # [ * ] PageV01P331 تركه أبو بكر لم يكلمه، ومضى لا يلتفت إلى شئ حتى دخل ~~على المصطفى في بيت ابنته عائشة، فإذا هو مسجى هناك، فأقبل عليه محزونا حتى ~~كشف عن وجهه فقبله، وقال: (بأبى أنت وأمى، أما الموتة التى كتب الله عليك، ~~فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا). # ثم رد البرد على الوجه الحبيب. # وخرج إلى الناس المحتشدين في المسجد، و (عمر بن الخطاب) ما يزال يكلمهم ~~فدنا منه وقال مترفقا، قد أحس ما أخذ ابن الخطاب من وقع الصدمة: - على رسلك ~~يا عمر، أنصت ! فلما لم يلتفت إليه، أقبل على الناس فحمد ms163 الله وأثنى عليه، ~~ثم قال: # (أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن ~~الله حى لا يموت). # ثم تلا الآية، من سورة آل عمران: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ~~الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين). # فكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ. ~~PageV01P332 أما عمر بن الخطاب، فما هو إلا أن سمع أبا بكر تلاها، حتى وقع ~~إلى الارض ما تحمله رجلاه، وقد عرف أن محمدا قد مات. # جهزوه للرحيل يوم الثلاثاء. # ثم فتحوا باب بيته لالوف المسلمين فدخلوا عليه يودعونه ويصلون عليه ~~أرسالا: الرجال منهم أولا، ثم الناس، ثم الصبيان. # ودفنوه حيث قبض، في بيت زوجه عائشة بنت أبى بكر. # رفعوا فراشه فحفر له تحته، ثم أضجعوه هناك في ليل الاربعاء من ذلك الشهر، ~~ربيع الاول، السنة الحادية عشرة من هجرته. # دفنوا محمد بن عبدالله الهاشمي القرشى. # وعاش الرسول صلى الله عليه وسلم، خاتم الانبياء. # ذاك الذى اصطفاه الله فأرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو ~~كره الكافرون. # في فجر تلك الليلة الغراء من شهر رمضان المبارك، التى خرج فيها # أما عمر بن الخطاب، فما هو إلا أن سمع أبا بكر تلاها، حتى وقع إلى الارض ~~ما تحمله رجلاه، وقد عرف أن محمدا قد مات. # جهزوه للرحيل يوم الثلاثاء. # ثم فتحوا باب بيته لالوف المسلمين فدخلوا عليه يودعونه ويصلون عليه ~~أرسالا: الرجال منهم أولا، ثم الناس، ثم الصبيان. # ودفنوه حيث قبض، في بيت زوجه عائشة بنت أبى بكر. # رفعوا فراشه فحفر له تحته، ثم أضجعوه هناك في ليل الاربعاء من ذلك الشهر، ~~ربيع الاول، السنة الحادية عشرة من هجرته. # دفنوا محمد بن عبدالله الهاشمي القرشى. # وعاش الرسول صلى الله عليه وسلم، خاتم الانبياء. # ذاك الذى اصطفاه الله فأرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو ~~كره الكافرون. # في ms164 فجر تلك الليلة الغراء من شهر رمضان المبارك، التى خرج فيها مع النور ~~البازغ يتلو الكلمات الاولى من هذا القرآن: معجرة نبوة، وكتاب شريعة، ولواء ~~عقيدة وجهت التاريخ وحررت الانسان. # والنور الذى حدا مسرى البشرية الامية من ليل الجاهلية. # وقاد مسعاها إلى آفاق المثل العليا للحق والخير والجمال. PageV01P333 (هو ~~الذى بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة، وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين). # صدق الله العظيم PageV01P334 ms165