######OpenITI# #META# المؤلف: القاضي أبي العباس أحمد الشماع الهنتاتي (ت 833ه) #META# bkid: 36197 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : مطالع التمام ونصائح الأنام ومنجاة الخواص والعوام في رد إباحة إغرام ذوي الجنايات والإجرام زيادة على ما شرع الله من الحدود والأحكام ¶ المؤلف : القاضي أبي العباس أحمد الشماع الهنتاتي (ت 833ه) ¶ دراسة وتحقيق : الدكتور عبد الخالق أحمدون ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# auth: الهنتاتي #META# Lng: الهنتاتي #META# max: 362 #META# bk: مطالع التمام ونصائح الأنام ومنجاة الخواص والعوام في رد إباحة إغرام ذوي الجنايات والإجرام #META# authinf: القاضي أبو العباس أحمد الشماع الهنتاتي (ت 833ه) #META# ndata: مطالع الF595D4DD ... 329 #META# bkord: 10330 #META# archive: 23 #META# دراسة وتحقيق: الدكتور عبد الخالق أحمدون #META# الكتاب: مطالع التمام ونصائح الأنام ومنجاة الخواص والعوام في رد إباحة إغرام ذوي الجنايات والإجرام زيادة على ما شرع الله من الحدود والأحكام #META# authno: 3584 #META# ad: 833 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: 833 #META# cat: بحوث ومسائل - مرقم آليا #META# iso: مطالع التمام ونصائح الانام ومنجاه الخواص والعوام في رد اباحه اغرام ذوي الجنايات والاجرام #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ... ... وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد # وعلى آله وصحبه وسلم تسليما PageV01P082 ~~قال قاضي المحلة، ومفتي الحضرة التونسية، أبو العباس أحمد الشماع رحمه ~~الله: الحمد لله الذي أقام لدينه العلماء المهتدين، والخلفاء الراشدين، في ~~كل عصر حفظه، وجعل الشياطين على السنة الجهلاء والحائرين في كل دهر ~~لفظه(¬1)، ليبلو بعض العباد ببعض، فيميز من أضاع دينه ممن حفظه. # وصلى الله على سيدنا محمد النبي الآتي ابلغ بيان وأكمل عظه. ورضي الله عن ~~أصحابه الذين جاهدوا في الله باليد واللسان أشد الجهاد أغلطه، فنبهوا ~~الغافل، وعلموا الجاهل، وردعوا الظالم، وبعثوا النائم عن غمرات الموت إلى ~~اليقظة، وعن التابعين لهم بإحسان، الناصحين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ~~ولائمة المسلمين وعامة أهل الإيمان، الذين أخبر عنهم الصادق الامين صلى ~~الله عليه وسلم أنهم "لايزالون على الحق ظاهرين إلى أن يأتي أمر الله"(¬2)، PageV01P083 ~~ولو اجتمع عليه الثقلان، الآتين من الحجة والبيان، والمدافعين بالسيف ~~والسنان، أشد ذلك على الشيطان وأغيظه. # سبب تأليف الكتاب # وبعد: # فلما كان بيان ما التبس من الدين، والذب عن شرائع المرسلين، وحفظ عقائد ~~المسلمين، مما أخذ الله فيه على العلماء الميثاق، وشدد فيه من العبد ~~الوثائق، وذمهم أبلغ الذم على ترك البيان، ووبخهم غاية التوبيخ على نبذ ~~الكتاب وراء الظهر، وبيعه بالقليل من الاثمان، وتوعد على السكوت والكتمان ~~بتسعير النيران، وعلى ترك النصيحة بحرمان الجنان، والبعد عن جوار الرحمان. ~~وكان في بعض هذا أبلغ رادع عن السكوت، وأتم قامع عن التغافل والخفوت. ووقع ~~في بعض ما علم تحريمه بضرورة الدين، واستوى فيه علم اليقين وعين اليقين، ~~تلبيس من كبير في الزمان، حيث أطلق فيه العنان، وكانت أكثر الطباع مجبولة ~~على التقليد لفقدانه النظر السديد، وتعرفه الحق بالرجال، لا يميز الجائز ~~والمحال، وكتب فيه من الهذيان والوسواس ما جاز بهرجه على كثير من الناس. ~~وكان مما يجب على الانام، اعتقاد ما اشتمل عليه الكتاب والسنة من الاحكام. ~~فمن استحل شيئا مما حرمه الله، عالما به، فخارج بإجماع عن الدين ms001 والإسلام، ~~ولم يشترط العلم به، بل قال في باطل أنه حق وواجب أو لازم، وأنه كان في بعض ~~العلماء الاعلام. PageV01P084 # ولما وجب تغيير هذا المنكر الفضيع، ورد هذا المنكر الشنيع، وكلت الكلام فيه ~~مرة لأهل الباس في الدين والشدة، واستنجدت في ذلك من استنجدني ممن اعتقد أن ~~لديه الحمية الإيمانية بأوفر نصيب، وقلت لعل الله يكفي بما شاء، فلم أر من ~~تعرض لذلك من مخطئ ولامصيب، بل كلهم أحجم وقال هذا يوم عصيب، وعلمت أن خيرا ~~مما عند الناس ماعند الله، وتحققت انه إذا ظهرت البدع وسكت العالم، فعليه ~~لعنة الله. فاستخرت الله تعالى فيما انبه به الغافل، وأبصر به الجاهل، رجاء ~~الموعود به فيمن دعا إلى الهدى، وأن يكون ذلك لأمر الله عز وجل وادا، وحسنة ~~باقية على مر المدى. وكم نصحت في ذلك وأفصحت، وبينت وأوضحت، والشياطين تجرف ~~من السطوات، وتحذر من الهفوات، فأقول مجيبا: # أشد على الكتيبة لا أبالي ... ... احتفي كان فيها ام سواها # فليتك تحلو والحياة مريرة ... ... وليتك ترضى والأنام غضاب # وليت الذي بيني وبينك عامر ... ... وبيني وبين العالمين خراب # إذا صح منك الود فالكل هين ... ... وكل الذي فوق التراب تراب(¬1) # وهذا حين اشرع فيما اجملته على التفصيل، مؤكدا بالبرهان والدليل، معتمدا ~~على الله حسبي ونعم الوكيل. PageV01P085 # والقضية التي وقعت فيها المنازعة، وكثرت فيها المراجعة، حرمة المغرم المسمى ~~بافريقية في هذه الأعصر بالخطايا، المتضمن لأجناس البلايا(¬1)وأنواع ~~الرزايا، وهو عبارة عن أخذ المال من ذوي الجنايات، كالفتل والجرح والقطع ~~والسرقة، وسائر الفواحش، كم عطل بسببه من الحدود التي وصف الرب سبحانه ~~بالظلم متعديها، وتتبع لأجله من العورات التي اشتد وعيد متتبعها ومبديها، ~~وتطرق منه إلى اتهام الرئ، وبحث لأجله على المستور والخفي، واجترأ ذو السعة ~~بها على الشهوات، وهناك ما شاء من الآيات، وأخذ فيها بقول قائل، وتوصل ~~إليها مما ليس تحته طائل، وطلت بها الجراح والدماء، وصار الحكام من أجلها ~~في عمى وعمه. لطالما اشتدت إليها الأطماع، واشتهرت حتى قدرت بالمد والصاع، ~~وأخذ فيها الجر بالجار، ms002 والمتبوع بالاتباع، وصارت سنن وأحكام الشريعة فيها ~~ابتداع، كأن لم يقرع نهي الله سبحانه عن أكل المال بالباطل قط الاسماع، ولم ~~يجمع بينه وبين القتل في النهي حتى لم يبق فيه اتساع. وكأن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ما عظم تحريمه بمحضر الاشهاد في خطبة حجة الوداع، وكأن المال لم ~~يجمع على تحريمه على كل التقدير والأوضاع، وكأنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يقل: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا ~~منى دماءهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله"(¬2)، وقد انعقد على صحته ~~الإجماع. لكن منع عين الحرص يعوذ الشعاع، وحب الشيء يعمي الابصار ويصم ~~الاسماع، وما لما رفعه الله من واضع، وما لما وضعه الله من ارتفاع. PageV01P086 # إلى أن وفق لقطعها من الهمه الله رشده، وقرن باتباع أحكامها الكتاب ~~والشريعة يمنه وسعده، وشد بأدعية المؤمنين ملكه وأيده، وصدقه الله في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وعده فاعلى كعبه ومجده، وأذل أعداءه، وأعز ~~أولياءه وجنده، أمير المؤمنين، المهدي لاحياء سنة المرسلين، أبو فارس عبد ~~العزيز، جعله الله في حصن حصين وحرز حريز، انه عرف ما فيها من الغوائل، وما ~~دخل على المسلمين فيها من الدخائل(¬1)، ولم يخف عنه فيها ان الاسم هو ~~المسمى، وانكشف له انكشافا، لم يفتقر معه إلى إخراج المعمى، وتجلى له الحق، ~~وكيف يخفى إلا عن بصيرة أعماها حب دنياها واتباع هواها؟ ومن كان في هذه ~~أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا(¬2)، PageV01P087 ~~فأثر النجاة من شرها والسلامة، وتبرأ من موجبات الخزي والندامة، وشهر ~~إسقاطها رجاء أن يثقل ميزانه في عرصات القيامة، وأمر بالسياسة الشرعية التي ~~مضى عليها الخلفاء الراشدون، ومن يرتضي من أهل الإمامة، وأنفذ ذلك من حكمه ~~وقضائه، وعزمه الصادق في تحقيق الحقائق وإمضائه، وثبت ذلك في ديوان ~~المكرمات التي أفادها، والمظالم التي محاها وأبادها، والسنن التي أميتت ~~فأحياها وأعادها، ملأ الله قلبه خشية ورحمة، وشرح صدره بنور العلم والحكمة، ~~وضرب عليه سرادق الحفظ والعصمة، فصفر منها وطاب المعتدين، ms003 وحسده الشيطان ~~اللعين، فخيل إليهم أنهم إليها غير عائدين، الا أن يجمعوا مكر الماكرين ~~وكيد الكائدين 3/185 ب، فأجمعوا أمرهم على امهال الرعية، وامهال الشريعة، ~~وامهال السياسية الشرعية، وترك حدود الله غير محفوظة ولا مرعية، وإن بعثوا ~~من كل ناحية شكية، ويوذنوا أن كثرة الفساد قطع الخطية. وسبق القلم على من ~~ذكر، فألقى إليهم الاباحة فتمت لهم الامنية، وقد كانوا قبل ذلك في محاورة ~~ومصانعة، ومقاولة ومراجعة، فاستطاعوا ان ينزلوا الخليفة أيده الله عن تلك ~~المنقبة العلية، والرتبة الرفيعة المرضية، حتى زل معينهم في مزلة الهوى، ~~وأغوى لما غوى. # وأنا أسأل الله أن يعصم أمير المسلمين من سواهم، وينجيه من مكيدة ~~إلباسهم. وإليه أضرع في ذلك، فهو الذي بيده أزمة الالسنة والقلوب، وهو الذي ~~يصعد إليه الكلم الطيب غير محجوب. # مسألة علم حكمها من الحرمة بضرورة الأديان، فكيف تفتقر إلى دليل، ويقام ~~على المحسوس برهان؟ قالوا إذا لم يكن ردعهم إلا بالمال(¬1)، PageV01P088 ~~قلنا هذه دعوى عرية(¬1)عن الاستدلال، في مقابلة الدليل العاصم للمال، ~~والروادع الشرعية أردع على التفصيل والاجمال. قالوا: (هذا من)(¬2)المصالح ~~المرسلة. قلنا: هذا من الغباوة والبله(¬3)، المرسل ما لم يقم دليله على ~~اعتباره وإلغائه(¬4)، وتحريم أكل المال(¬5)ضروري من الدين، لا سبيل إلى ~~انتفائه، مع أن عقوبات الجنايات في الشرع مشهورة، وفي كتب الشرائع مسطورة. ~~أفتزيدون في شرائع ربكم؟ أم تريدون ان تأتوا بها من عندكم؟، أأنتم أعلم أم ~~الله؟، أأنتم أحكم أم ليس الأحكام لسواه؟، أخطأتم بالطول من المصالح ~~والعرض؟، أم تنبئون الله بما لا يعلم ما في السموات والأرض ؟، أتجهلون الله ~~في علمه؟، أم تجورونه في حكمه، ما الفرق بينكم وبين من يبدل الجلد بالقطع؟ ~~أو يزيد عليه؟، والقتل بالقطع أو العكس، أو يضيفه إليه؟. أليس هذا من ~~المصالح انما يصير ما زاده مرجوحا، وما زدتموه الراجح. ولو ساغت الزيادة في ~~المشروع لكنتم أولى منه بالنزول إليه والرجوع، لأنه وان أمر بالزيادة، فما ~~خالف في الحق اعتقاده. PageV01P089 # هذا، وما رأه أردع عن المفاسد مما رأيتم، وأقرب للشريعة عمارمتهم، ms004 لأن ~~العقوبات البدنية في الجنايات كثيرة مشهورة، والمالية جمع على تركها، وعلى ~~القول بها في بعض الأنواع محصورة، والوارد منها متأول على وجوه ظاهرة، ~~والنصوص على تحريم أكل المال بالباطل قطعية متظاهرة. فما لكلمات الله ~~تبديل، وليس لقضاء الله تحويل، وتلاشت علوم العالمين في عمله، والله يحكم ~~لامعقب لحكمه. فقفوا عند أحكام الله ولا تكونوا من الجاهلين، "إن الحكم إلا ~~لله، يقص الحق، وهو خير الفاصلين"(¬1)؟. هل يتعدى الحدود أو يزيد عليها إلا ~~من فقد عقله وحسه؟، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه"(¬2). أي عذر لكم إن ~~زدتم على حكم ربكم أو نقصتم؟ ، وأي خلاص؟ وقد سمعتم الله تعالى يقول: ~~"وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص"(¬3). أما سمعتم الله يقول في هذه ~~الجنايات: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وأولئك هم ~~الظالمون، وأولئك هم الفاسقون(¬4)؟ هذه أردية من أراد أن يزيد أو ينقص في ~~شريعة ربه، فإن استطعتم، فارتدوها وأنتم هالكون خاسرون. و"تلك حدود الله ~~فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون"(¬5). # وهذه الظلمات التي أوجبت الغرور، ونحن إن شاء الله نتتبعها. بما يشفي ~~الصدور (4=186/أ) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # عنوان الكتاب PageV01P090 ~~وسميته: بمطالع التمام ونصائح الأنام، ومنجاة الخواص والعوام، في رد القول ~~بإباحة اغرام ذوي الجنايات والإجرام، زيادة على ما شرع الله من الحدود ~~والأحكام(¬1). وإن شئت، قسميه: بالنصائح الجلية في فضائح القول بتحليل ~~الخطيئة. وان شئت : فنصح البريئة في تخطية من حلل الخطية(¬2). وإن شئت: فرد ~~الرأي المضلل في الظلم المحلل(¬3). وان شئت: فالرماح الخطية في دفع القول ~~بتحليل الخطية. وان شئت: العضب الباترة للآراء الخاسرة. وإن شئت فطعان ~~الأسنة لمن خالف الكتاب والسنة(¬4). وإن شئت: فرمى السهام لمن ضلل الحكام. ~~وإن شئت: فالعذب السلسال في تحقيق الحق في منع العقوبة بالمال. وإن شئت: ~~فنصح الخلفاء في التحصن بحصون الوفاء، والاعراض عن مقالات أهل الغلو ~~والجفاء، اتباعا لشريعة ms005 المصطفى صلى الله عليه وسلم. فكلها أسماء وافقت ~~معناها، وطابقت مسماها. والله المسؤول أن يجعل ذلك خالصا لوجهه الكريم، ~~وسببا للنجاة من طعام الأثيم وغل الجحيم، ولدخول جناة النعيم، فهو البر ~~الرحيم، الجواد الكريم. # طرح المسألة في مجلس الخليفة أبي فارس PageV01P091 ~~قال المفتي المذكور: وقعت المسألة بين يدي الخليفة أمير المؤمنين، الملك ~~الصالح، العدل المجاهد في سبيل الله، أبي فراس عبد العزيز، أيده الله ~~ونصره، وهي ما يعاقب به الجاني ارتكب جرحا أو قطعا أو هروبا بامرأة، أو أخذ ~~مالا بسرقة او خيانة، او بحرابة أو نحو ذلك من التعدي والغضب. وهي مسألة ~~مشهورة بافريقية بالعقوبة بالمال في هذه الجنايات. PageV01P092 # أقول: إن أراد انها مشهورة الحرمة بين العلماء، يذكرونها في مجالسهم ~~ومذاكراتهم ويأنفون من وقوعها فصحيح، وهو حجة عليه فيما رام من التحليل. ~~وان أراد بانها مشهورة بأنها من الحق والعدل، فبهتان مبين، ولاحجة في ~~السكوت عن التغيير على الحكام لما علم أنه لا ينفع الانكار عليهم، بل وبما ~~صار حرمة الخطايا من ضروريات الشرائع. ومن خفي عليه مدرك الضرورة في ذلك، ~~فعليه باستقراء مواقع الأحكام، فيجد الله تعالى قد حكم بالقصاص. وان أراد ~~أنها مشهورة الوقوع، وشهرة وقوعها بافريقة دليل على تحليلها، فهذا استدلال ~~باطل، وكلام عن الحقيقة حائل. فكم اشتهر بالبلاد من المظالم والمكوس ~~والمنكرات والمحرمات بالإجماع؟. فوقوع الفعل من المكلفين، لايدل على ~~الإباحة والجواز، إلا في حق من ثبتت عصمته، وهذا جلي عن أن يفتقر إلى دليل، ~~لمن له أدنى فهم ودين. لكنه ربما استمر المنكر فخف وقعه على القلوب، فتنوسي ~~انكاره، لاعتياده واعتياد السكوت عنه، فيعتقد البعداء عن الشريعة حقيقته، ~~ويسندون ذلك الوهم إلى أنه لو كان منكرا لما اشتهر، ولو كان منكرا لأنكره ~~علماء العصر، أو لم كان منكرا لأنكره فلان العالم، وفلان الصالح، وفلان ~~المعتقد، وما يلقون البال إلى مانع الانكار، ولا إلى ما للساكتين من ~~الاعذار، وإلى ما يقع لهم من انكار ذلك لي مجالس التعليم والمذاكرة، بل ~~يجازفون (5 = 186 / ب بذلك) ms006 القول مجازفة الجاهلية في قولهم: "إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون"(¬1). وقد انتهى الأمر إلى أن صار ~~انكار المنكر اغراء عليه، وتنبيها على المسارعة إليه، للقوة الغضبية، وبعثا ~~للعصبية على تحليله، وتفسيق من قال: يستوي قولهم وتضليله. فكيف لا يسكت ~~الناس عن تغيير المنكر خوف الزيادة؟، وقد صار هذا المشار إليه بالعلم يستدل ~~على التحليل بالشهرة والعادة. PageV01P093 # وان اراد أنها مشهورة الوقوع، وليس ذلك بدليل على الإباحة، فهو كلام لا ~~يفيد إلا مجرد التلبيس، وإيهام الباطل، وليس هكذا أخذ الله على العلماء، ~~إنه لا يفعل هذا إلا منسلخ من الآيات، مخلد إلى الأرض، أرض الشهوات. وليس ~~يحتمل الكلام من الإقناع غير هذا. # قال : وقد أسقطها كما أسقط غيرها من المظالم أثابه الله الحسنى # أقول: هذا الذي تقدمت الإشارة إليه، وهو صحيح في أن الخطايا مظالم أن ~~ثبتت عليه، ثبتنا الله وإياكم بالقول الثابت. # قال: فلما أسقطها، كثر الضرر وعلا وارتفع، وصار الذي يقتل ويجرح تحت والي ~~الجور، يرشيه ويقع التجاوز عنه. # أقول: ان أراد أن كثرة سبب الضرر عند إسقاطها، دخول الجاني تحت والي ~~الجور وقبول الرشوة على إسقاط الجنايات، فصحيح. والعلة في كثرة الضرر ~~حينئذ، جور الولاة، وقبول الرشا على الجنايات. وهذا الداء موجود مع إسقاط ~~الخطايا، ومع وجودها أكثر، إذا لم ينه عنها، كان أقل نفرة منها، بل أخذ ~~المال من الجاني يبرد غليلهم، ويشفي غيضهم، فكيف يتنقمون منه لله تعالى بعد ~~ذلك؟ فإذا كوقت الجاني، ومنع الوالي من الجور وقبول الرشا، وأمر بإقامة ~~الحدود، وإنصاف المظلوم، انحسم الداء واستقام الأمر وقل الضرر، كما قال ~~تعالى: "ولكم في القصاص حياة"(¬1)، ولا مبدل لكلمات الله. وقد قالت العرب ~~في جاهليتها: "القتل أنفى للقتل"(¬2)، ولم يقولوا: الدنانير والدراهم أنفى ~~للقتل، ولا قال الله تعالى: ولكم في الدنانير والدراهم حياة. PageV01P094 # وإذا أراد أن سبب الضرر وعلوه وارتفاعه، هو الإسقاط لذلك الظلم، كما دلت ~~عليه آنفا، ولما مر كلامه، لا جور الولاة وإهمال الحدود، فهذا قول يدفع ~~بعضه بعضا، ms007 ويعقب الإبرام فيه نقضا. فإنه إذا ثبت أن أخذ المال في ذلك ظلم، ~~كما دل عليه سابق كلامه، فإسقاط الظلم واجب في جميع الملل، لا تختلف فيه ~~أمة من الأمم، وذلك معلوم من الأديان بالضرورة، لا يقبل نسخا ولارفعا، ~~ولايجوز أن يكون دينا ولا شرعا، ومنكر ذلك والشاك فيه كافر. فإذا ثبت أنه ~~محرم بإجماع، وكل محرم مأمور بتركه، وكل مأمور بتركه فالأمر به عدل، أن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان، والعدل مالا ضرر فيه ولاحيف. وإذا كان ترك عدلا ~~في حكمه تعالى، امتنع أن يحدث منه ضرر، فضلا عن علوه وارتفاعه، لأنه لو حدث ~~منه الضرر العالي المرتفع، لم يكن عدلا، وما ليس بعدل فهو جور، فيلزم أن ~~يكون العدل عند الله جورا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. من اعتقد هذا فقد ~~جهل الله في علمه، وجوره في حكمه، وغنما نشأ هذا من اعتقاد أن إسقاط ~~الخطايا هو السبب في كثرة الفساد. إنما السبب في ذلك، هو ترك الحدود ~~بالرشا، وإهمال العباد. هل الخير كله إلا في العدل، وهل الشر كله إلا في ~~الجور؟، وهذا اعتقاد ينزه عنه كل ذي قلب سليم، والله يدعو إلى دار السلام، ~~ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. # قال: فأعاد ذكر المسألة في المجلس المذكور في أوائل من محرم فاتح عام ~~ثمانية وعشرين وثمانمائة، لينظر حسم (6 = 18 /أ) هذا الباب وقطعه، لعظيم ~~مصيبته. # أقول: مراده بهذا الباب الذي وصفه بعظيم المصيبة، والله أعلم، هو ما أشار ~~إليه من كثرة الضرر وعلوه وارتفاعه عند إسقاط الخطايا. # قال: منحه الله التوفيق، وهدانا وإياه إلى أقوم طريق : فقال بعض من ينتمي ~~للطلب بسد الباب. PageV01P095 # أقول: أما القيام لله فواجب، قال الله تعالى: "قل إنما أعظكم بواحدة، أن ~~تقوموا لله مثنى وفرادى"(¬1). وما فعله هذا المنتمي للطلب من سد باب الظلم ~~الذي اعترف به هذا المفتى بأنه ظلم، ودعا لأمير المؤمنين إذ قطعه، فرض الله ~~على جميع من حضر، ومن بلغه ذلك ممن غاب، ونصحه لله تعالى ms008 في نصرة دينه، ~~ولكتابة فيما دل عليه من أحكامه، ولرسوله صلى الله عليه وسلم في لزوم ~~شريعته، ولأئمة المسلمين في عدم غشهم والتغرير بهم، وتخييل الباطل لهم حقه ~~والجور عدلا، ولعامتهم في حفظ دينهم وحدودهم وأموالهم وأعراضهم، وحملهم على ~~سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وحفظ عقائدهم من أن يعتقدوا حلية ما حرم الله. # فان قلت: من أراد بقوله: بعض من ينتمي للطلب؟ # قلت: الذي سد الباب أولا، وقال لا أصل لها في الشريعة، قاضي الجماعة ~~بالحضرة العلية(¬2)في تاريخ النازلة، ومنزلته في الفقه معلومة، والشيخ أبو ~~عبد الله بن مرزوق(¬3)، ورتبته في التحقيق والعلم معروفة، ومعلق هذا الشرح. ~~ونسأل الله أن يحقق لنا النسبة إلى طلاب العلم العالمين، ويحشرنا مع ~~العلماء الراسخين. # فان قلت: فكيف قال هذا المفتى: بعض من ينتمي إلى العلم، هل هذا إلا ~~بمنزلة من نقول لصحيح النسب: يا دعي، مع أن قطع النسب الديني أعظم من قطع ~~النسب الظني؟ # أبي الإسلام لا أب لي سواه ... ... إذا افتخروا بقيس أو تميم(¬4) PageV01P096 ~~يا عبد نادني عبد زهر ... ... يعرفه السامع والرائي # لاتدعي بيا عبدها ... ... فإنه أشرف أسمائي(¬1) # قلت : الغضب غول العقل. وهذا ما نحسبه عند الله ونتركه لوجه الله، ولو لا ~~حماية الشريعة، ما استجزنا مراجعته، ولا اخترنا منازعته. لكن كما قال ~~الحكيم: تخاصم الحق وأفلاطون وكلاهما صديق، والحق أصدق منه. # ... قال: وتابعه على ذلك بعض من الطلبة، لعدم تظلعهم في العلوم، واستنباط ~~الأحكام من قواعد العلم. # أقول، وأما متابعة بعضهم على ذلك، فمتابعة الحق أمر واجب، وضربة لازب. ~~وهو قد أقر أن الخطايا ظلم، ودعا لأمير المؤمنين إذ أسقطها، فكيف يذم ~~بالمتابعة على سد بابها؟. # فإن قلت: ما له يقلل اتباعهم الحق بعد تضلعهم في العلوم، واستنباط ~~الأحكام من قواعد العلم؟ وما الذي فاتهم في هذه المسألة؟. # قلت: ما فاتهم إلا إقامة الحجج على كتاب الله، وعلى القواطع من سنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، إهمال الوقوف عند حدود الله، والزيادة في الشرائع ~~وتغييرها، بحيث لا يزعهم ms009 عن ذلك وازع. والسلامة من هذا العلم غنيمة المؤمن ~~ورأس ماله، وخير صفات العالم وأحسن خلاله. ولله در قول القائل: # إذا لم يفدك العلم خيرا ... ... فخير منه أن لو قد جهلت # وإن ألقاك فهمك في مها و... ... فليتك ثم ليتك ما فهمت # فإن قلت : ما بال ضاء انقلبت ظاءا؟. # قلت : لاعتب على المملي في ذلك، وإنما العتب على الكاتب. # فإن قلت: هلا أثبتها أنت على الصواب # قلت : إلا حسن أن يحكى الكلام على هينته، مم ينبه على علته. PageV01P097 # فإن قلت: ما معنى التضلع في العلوم، وكان اللفظ يقتضي عظمة إضلاعه فيها، ~~وما لهذا معنى؟، وإنما العبارة المتداولة الدالة على الامتلاء (7=187/ب) من ~~الشيء، أن يقال: تصلع من كذا لا تضلع فيه.(¬1) # قلت : هذا مما ينبغي عنه الأعراض، والمسامحة في حق الشيخ. # فإن قلت : ما معنى استنباطه الأحكام من قواعد العلم، والاحكام تستنبط من ~~أدلتها التي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس ونحوها، وإنما القواعد آلة ~~للاستنباط. # قلت : وهذا أيضا مما ينبغي أن ينظر إلى مثله في هذا الكلام. # فإن قلت: من هؤلاء الطلبة التابعون، الذين لم يتضلعوا في العلم واستنباط ~~الأحكام من قواعد العلم. # قلت: هم رؤساء العصر وفقهاء الزمان، النازلون من الدهر منزلة الأرواح من ~~الأبدان، والنظر من عين الإنسان. فإن النازلة كانت في محفل مشهود، ومنهل مورود. # فإن قلت: فهذا إذن غض من نصابهم، وتنقص لجنابهم. على أنه لم نعلم منهم ~~إلا اتباع الحق، والنطق بالصدق، مع أن القضية تشهد بثقوب أفهامهم، ورسوخ ~~أقدامهم. # قلت: ما من القوم من تؤاخذه بمثل هذا العلم سنه، وتقادم نظره في مسائل ~~الفقه وفنه، وكلهم يوقره توقير الآباء، لولا ما ظهر منه في هذه المسألة من ~~الآباء. ولولا أنها تهدم من أصول الشرائع أصلا كبيرا، فلم يسمع من أحد منهم ~~قليلا ولا كثيرا، ولبقوا كما كانوا تعزيزا وتوقيرا. # فإن قلت: وتضمن كلامهم أيضا فخرا على غيره بالتضلع في العلوم، واستنباط ~~الأحكام من قواعد العلم. # قلت: لا شك ولا ارتياب أنه في طلب العلم ms010 شب شارب، ولكن العلوم منح الهية، ~~ومواهب ربانية. وليس في كل أن تأتي على قدر الكبر والاكتساب، فالناس بين ~~مكدود محدود، ومعان مجذود، ومقرب ومطرود. نسأل الله خاتمة السعداء وميتة ~~الشهداء. # فإن قلت: مابالك لا تالو لمناقبه تصحيحا، وهو يغض من الحاضرين تارة ~~تعريضا وتلويحا، وتارة تنصيص وتصريحا؟، فما حملك على ذلك؟. PageV01P098 # قلت : قول القائل: # وإن الذي بيني وبين بني أبي ... ... وبين بني عمي لمختلف جدا # إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا # لولا الاغترار بكلامه في تحليل ما علم تحريمه، ما كنا لنتعرض إليه بوجه، ~~وقد اختلط بالبر عليمه. # قال: فقلت له على وجه المذاكرة. # أقول: لو أنصف، بصره الله، لقال: فقلت على وجه الفتوى والإشارة، ولا سيما ~~أنه وقع في غير هذه النسخة من الإملاء، أن أمير المؤمنين استشار في هذه ~~القضية. # قلت: وما يستشير إلا ليقف على الحق، وجواب المستفتي والمستشير إنما هو ~~الفتوى والإشارة لا المذاكرة. وتبريه من الواقع الذي هو الفتوى، مشعر بأنه ~~بين له ضعف ما فاه من الدعوى. فليت شعري ! ما الذي حمله على أن نبذ بالعراء ~~ما طوقه وحمله؟، فبدأ في المسألة وأعاد، وطول، فما أجدى ولا أفاد، وزاد ~~وأكثر، فما قل منه خير مما كثر، من غير مبالاة فيما جاء به من التناقض، ما ~~اشتمل عليه الكلام من التدافع والتعارض. ثم هو يجيء في استدلاله، إنما هو ~~بمتروك، أو بمنسوخ، أو بمأول، أو بمردود، أو بضعيف، أو بباطل، فيكتم ما ~~أوجب الله من البيان، ويركض فيما لا يعتمد عليه من ذلك ملء العنان. وهيهات، ~~فما لشمس الضحى من خفاء، وما لنور الله من انطفاء، وصولة الحق للباطل ~~دامغة، ولله الحجة البالغة. لايثبت للباطل مع الحق قدم، والدجاج فيه غايته ~~الملامة، وعقابه الندم. # بناء المسألة على قاعدة المصالح المرسلة والجواب عنه من وجوه # قال: هذه المسألة ينبغي أن تجري على حكم المصالح المرسلة، وهو الوصف ~~المناسب الذي لم يشهد له الشرع بإهدار ولا باعتبار. # أقول: هذا الكلام فاسد، ms011 وقول عن سبيل (8=188/أ) الحق حائد، وذلك من وجوه: PageV01P099 # الأول: أن الكلام مفروض على ما حكاه أول كلامه فيما يعاقب به الجاني إذا ~~ارتكب جرحا، أو قطعا، أو قتلا، أو هروبا بامرأة، أو أخذ مالا بسرقة، أو ~~خيانة، او بحرابة، او نحو ذلك من التعدي والغضب. هذا نصه وعين لفظة. وإذا ~~كان هذا فرض المسائل المسؤول عنها، فأحكامها من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ~~قطعا على وجه من التنصيص، لايحتمل التأويل، وليس إلى تبديله والزيادة عليه، ~~أو النقص منه من سبيل. ومن قواعده التي أشار إلى أن غيره لم يتضلع فيها، ~~وهو وحده تضلع فيها، أنه لا يحل الاجتهاد ولا يصح، بل لا يعقد إلا فيما لم ~~يعلم حكمه من كتاب ولا سنة نصا، ولا من الإجماع. ثم أن المصالح المرسلة، من ~~أغمض طرق الاجتهاد. ثم هي، على القول بدلالتها، من أضعف الأدلة، ولذلك ~~اتفقت الشافعية والحنفية وأكثر الفقهاء على امتناع التمسك بها(¬1). ~~والاجتهاد في العقوبة الرادعة لهذه الجنايات، فضلا عن بنائها على المصالح ~~المرسلة، مع القطع بأحكامها من الكتاب الوسنة، خارج عن المعقول، مخالف ~~لاجماع أهل الفروع والأصول، سيما في مسائل الحدود، لدخول التعبد في ~~مقدارها، والتشديد الوارد في الشريعة في حق من لم يلزم أحكامها في إيراد ~~وإصدارها. # والدليل على ما قلناه من كتاب الله، قوله تعالى: "وما كان لمومن ولا ~~مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ~~ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا(¬2). وقد دل على حرمة الاجتهاد فيه، نص الله ~~وقضاء رسوله صلى الله عليه وسلم من وجوه: # الأول : أنه سبحانه جعل ذلك منافيا لوصف الإيمان. # الثاني : سجل على فاعل ذلك العصيان. PageV01P100 # الثالث: أنه سبحانه حكم عليه بالضلال المبين، وذلك غاية الخسران. # وأيضا فقد علمت أن من هذه الجنايات الزنا، وما في الصحيح(¬1)من أن بني ~~اسرائيل قد انزل الله عليهم في التوراة أن يرجم الزاني، فكثر في إشراف بني ~~اسرائيل، فكانوا إذا أخذوا الشريف تركوه، وإذا أخذوا الضعيف أقاموا عليه ms012 ~~الحد، ثم رأوا أن ذلك جور، فنظروا بنظر المصالح حكما يعدلون به بين الشريف ~~والمشروف والقوي والضعيف، واصطلحوا على أن يجعلوا ذلك التحميم والجلد، ~~فذمهم الله تعالى، إذ عدلوا إلى الاجتهاد مع وجود النص، بقوله سبحانه:"وكيف ~~يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك، وما أولئك ~~بالمومنين"(¬2)مع أن اجتهاد بني اسرائيل في هذه النازلة، أقرب إلى الصحة ~~ممن يرى أن يغرم في مسائل الحدود المال من ثلاثة أوجه: # الأول: أن حكم المصلحة الذي(¬3)اعتبروه، شهد الشرع بجنسه من العقوبات ~~البدنية، وبنوعه الذي هو الجلد. وحكم المصلحة التي اعتبر هذا الذي يريد أن ~~يجعل المسألة اجتهادية، لم يشهد الشرع بها في حد من الحدود. # الثاني: أن الردع بالجلد والتحميم أبلغ من الردع بأخذ المال، لأن العلق ~~يفدي بدنه وعرضه بماله، لا ماله ببدنه. ولذلك قيل: # أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... ... لابارك الله بعد العرض في المال # أحتال للمال أن أردى فأجمعه ... ... وليس للعرض أن أردى محتال # الثالث: أن اجتهاد بني اسرائيل أفضى بهم إلى نوع من الردع لم ينهوا عنه ~~بالتنصيص، وهو الجلد والتحميم، وأما الذي يريد أن يجتهد ليشرع أخذ المال في ~~الجنايات، فيفضي به الاجتهاد إلى ما علم تحريمه بالضرورة من الشرائع، وهو ~~أكل المال بالباطل. PageV01P101 # فإن قال: ما قلت بتعطيل الحد الواجب، كما فعله بنو اسرائيل، لأن الحدود إذا ~~وجبت لم يكن غيرها، ولا يحل اغرام المال فيها، بل يجب على من ولاه الله ~~إقامتها. وإنما أقول بذلك فيما لم يجب فيه الحد، لعدم ثبوت ما يجب به. أو ~~قال: إنما نقول بالمال زيادة على الحد المشروع. وقد صرح المملي بهذا، ~~والتزمه في بعض مراجعاته: لابد منه. # فالجواب: إنه أن أراد ذلك، وجب عليه أن يبين الموضع الذي يريد أن شرع ~~بالمصلحة فيه (9=188/ب) الردع، ولايطلق في موضع التقييد، ولا يعمم في محل ~~التخصيص. # فان قيل: اعتمد في التقييد على المتعارف المعتاد. # قلت: هو يعلم وغيره أن المعتاد بذلك غير منضبط، بل الأمر عندنا من يباشر ms013 ~~ذلك في ازدياد، لايقال: اعتمد على ما عرف الشريعة من أن تعطيل الحدود غير ~~جائز. قلنا: واقعات الوجود الخارجي لا تتغير بالتعارف من الشريعة، وهو قد ~~أجرى على المصلحة المرسلة العقوبة بالمال المشتهرة بقوله في مفتتح كلامه: ~~مال يعاقب به الجاني، وهي مسألة مشهورة بالعقوبة بالمال(¬1). وفي آخره قال: ~~ينبغي أن يجري على المصالح المرسلة. فما هذا ممن أنصف واتقى، إلا تصريح ~~بالاجتهاد في الأمر الخارجي المعتاد. # قال: إباحته من المصلحة. ثم هذا ليس بالذي ينجيه، فإن الجهة التي تعلق ~~الذم بها، الاجتهاد في موضع النص، وهذا قدر مشترك، سواء جعل أخذ المال من ~~الجناة زائد على الحد أو بدل، مع أن الزيادة فيها تعد الحدود الله، "ومن ~~يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون"(¬2). # فان قال: أنا لا أقول بإغرام المال إذا ثبت موجب الحد بوجه، وإنما أقول ~~به إذا لم يثبت، وأرجع عما اقتضى ثم ظاهر الكلام، لأن الرجوع إلى الحق خير ~~من التمادي على الباطل. PageV01P102 # قلنا: وهذا أيضا لا ينجيك، حتى ترجع عن المقالة بأسرها، فان حرمة أكل المال ~~بالباطل معلوم بالأدلة القاطعة من الشريعة، بل بالضرورة الدينية، لم تختلف ~~فيها ملة من الملل، ولا قال بخلاف ذلك أحد من أهل النحل. وقد صرحت أيها ~~المملي في آخر كلامك، أن من أحل ما دل على تحريمه القاطع فقد كفر، ولا ~~تمتري أنت وغيرك في أن من شك في كفر هذا فهو مثله. وما لم يثبت من هذه ~~الجنايات على صاحبه، فأخذ المال فيه أيضا أكل للمال بالباطل، لأن الباطل ما ~~ليس بحق، وكل ما لم يثبت فليس بحق، لأن الحق عبارة عن الثابت باتفاق علماء ~~اللسان والشريعة. فنقول: أن أخذ المال فيما لم يثبت من الجنايات أخذ له بما ~~ليس بحق، وكل أكل للمال بما ليس بحق، فهو أكل للمال بالباطل، وكل أكل للمال ~~بالباطل، فهو محرم قطعا وضرورة، فأخذ المال فيما لم يثبت من الجنايات محرم ~~قطعا وضرورة، وكل من أحل ما هو محرم قطعا وضرورة فقد ms014 كفر. فمن أحل أخذ مال ~~الجاني الذي لم يثبت جنايته فقد كفر. ولذلك حكم الله على بني اسرائيل ~~بالكفر والفسق والظلم، حيث اجتهدوا فيما يعاقبون به الجاني، غير ما شرع ~~الله لهم. وقد بين لك مما سبق، أن اجتهادهم أقرب من اجتهاد من أراد أن يشرع ~~الزجر بالمال. وهذه جزئية ما اشتمل عليه قوله صلى الله علية وسلم: "لتتبعن ~~سنن من قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب ~~لدخلتموه"(¬1). فصل الله على هذا النبي الشريف، الذي لا تنقطع على مدى ~~الدهر معجزاته، ولا تنقضي آياته. PageV01P103 # فان قلت: فما سر ذلك الضب دون سائر الحيوانات في سياق التحذير والإعلام ~~لنفوذ القضاء في هذا الاتباع، الذي هو غايته راجع لترك المعلوم، والتحيز ~~ونسيان ما أمر الله به في عدم الهداية إلى الطريق المستقيم، والمخادعة عن ~~الحق، وقطع ما أمر الله به أن يوصل من اتباعه، مع الركاكة والخبث، وتعاطي ~~ما تعافه القلوب، بل العقول السليمة، والبلادة، والبعد عن العلم النافع. # أما التحيز والنسيان والضلال، إلى آخره، فلأنه يضرب به المثل في ذلك، ~~فيقال: أضل من ضب(¬1)ولذلك يحفر جحره عنه أكمة أو صخرة لئلا يضل إذا خرج ~~لمطعمه. ويقولون: أخدع من ضب(¬2)ومن خداعه، أنه يوادد العقارب، ويهينها في ~~جحره لتلسع المحترش إذا أدخل يده لأخذه. # قال: وأخدع من ضب إذا جاء حارش أعد له عند الذئابة عقربا(¬3). # وأما العقوق فيقال: أعق من ضب(¬4)، وذلك أن انثاه تأكل أولادها مع ~~كثرتها، وذلك أنها تبيض (10=189/أ) نحو السبعين في التراب وتتغذاها كل يوم ~~حتى تخرج في نحو أربعين يوما. # وفي ذلك يقول الشاعر: # أكلت بنيك أكل الضب حتى ... تركت بنيك ليس لهم عديد(¬5) PageV01P104 ~~وأما الخبث وتعاطي ما تعافه النفوس الشريفة، فلأنه يرجع في قيئه كالكلب، ~~ويأكل رجيعه، وفي الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم، لما رأى الضبين ~~"فأجدني أعافه"(¬1)، وفي أبي داود "أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما رأى ~~الضنين المشويين كف فقال خالد: يارسول الله أراك تقذرته"(¬2)الحديث. وروى ~~عنه ms015 أنه صلى الله وسلم من طريق عبد الرحمان بن حسنة: نزلنا أرضا كثيرة ~~الضباب فأصابتنا مجاعة فطبخنا منها، وان القدر لتغلي إذ جاءنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟، فقلنا: ضباب أصبناها، فقال: إن أمة من ~~بني اسرائيل مسخت دواب في الأرض، فأنا أخشى أن يكون هذا منها فلم أكلها ولم ~~أنه عنا(¬3). # وأما البلادة فإنه يقال أيضا: أبلد من ضب. وهو في الخلق شبيه بالورل ~~والوزع والحرباء وشحمة الأرض. # وأما البعد عن العلم، فلأنه لا يرد الماء، وهو مثال للعلم والهدي. وتقول ~~العرب: لا أفعله حتى يرد الضب(¬4). ويقولون: قالت السمكة : رد يا ضب، فقال: ~~أصبح قلبي مردا، لا يشتهي أن يردا، الاعراد عردا، وصليانا بردا، وعنكشا ~~ملتبدا(¬5). PageV01P105 # ولما تعرف العرب من البلادة ما عرفوه، صنع السلمي بالضب ما صنع من قوله: لا ~~أومن بك أو يومن هذا الضب، فأنطلق الله الضب بالإيمان، فكان له صلى الله ~~عليه وسلم من أكبر معجز. روى الدارقطني والبيهقي وشيخه الحاكم وشيخه ابن ~~عدي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في محفل من ~~أصحابه، إذ جاءه أعرابي من بني سليم قد صاد شيئا وجعله في كمه، فذهب به إلى ~~رحله، ورأى جماعة محتفين بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال)(¬1): على من ~~هؤلاء الجماعة؟، قالوا : على هذا الذي يزعم أنه نبي، فأتاه(¬2)فقال: يا ~~محمد ما اشتملت النساء على ذي لهجة أكذب منك، فلولا أن تسميني العرب عجولا ~~لقتلتك، فسررت بذلك الناس أجمعين. فقال عمر: دعني أقتله يا رسول الله، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا، ثم أقبل ~~الأعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: واللات والعزى لا آمنت بك ~~ان(¬3)يومن هذا الضب، وأخرج الضب من كمه فطرحه بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: ان آمن بك آمنت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ~~ضب، كلمه الضب بلسان فصيح عربي مبين تفهمه ms016 القوم أجمعين(¬4): لبيك وسعديك ~~يا رسول الله، يا رسول رب العالمين. PageV01P106 # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تعبد؟ قال: الذي في السماء عرشه، ~~وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عذابه. ~~قال: من أنا يا ضب؟، قال أنت رسول الله رب العالمين وخاتم النبيئين، قد ~~أفلح من صدقك، وقد خاب من كذبك. فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله ~~وانك محمد رسول الله حقا، لقد أتيتك وما على وجه الأرض أحد أبغض إلي منك، ~~والله لأنت الساعة أحب إلي من نفسي وولدي، فقد آمن بك شعري وبشري وداخلي ~~وخارجي، وسري وعلانيتي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحمد لله الذي ~~هداك إلى هذا الدين الذي يعلو ولا يعلى عليه، ولا يقبله الله الا بصلاة، ~~ولا يقبل الصلاة الا بقرآن، قال: فعلمني. فعلمه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سورة الحمد، وقل هو الله أحد. فقال: يا رسول الله صلى عليه وسلم، ~~الحمد لله هو لك؟، ما سمعت في (البسيط)(¬1)ولا في الوجيز أحسن من هذا. فقال ~~صلى الله عليه وسلم: هذا كلام رب العالمين وليس بشعر، إذا قرأت قل هو الله ~~أحد فكأنما قرأت ثلث القرآن، وان قرأتها مرتين فكأنما قرأت القرآن كله. ~~فقال الأعرابي: الله يقبل اليسير ويعطي أكثر(¬2)ثم قال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ألك مال؟، فقال: ما في بني سليم قاطبة أفقر مني، فقال صلى الله ~~عليه وسلم لأصحابه: أعطوه، فأعطوه حتى أبطروه. فقال عبد الرحمن بن عوف: ~~يارسول الله، إني أعطيه ناقة عشراء تلحق ولاتلحق، أهديت لي يوم تبوك. قال: ~~وصفت ما تعلم، وأصف لك ما يعطيك الله جزاء؟ قال: نعم. PageV01P107 # قال: لك ناقة من درة جوفاء، قوائمها من زمرد أخضر، وعيناها من زبرجد أخضر، ~~عليها هودج، على الهودج السندس والاستبرق، تمر بك على الصراط كالبرق ~~الخاطف، فخرج الأعرابي من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقته ألف ~~أعرابي على ألف دابة بألف رمح سيف، فقال لهم ms017 : أين تريدون؟ قالوا: نريد هذا ~~الذي يكذب ويزعم انه نبي. فقال الأعرابي: أني اشهد ألا إله الله وأن محمدا ~~رسول، الله، قالوا: صبوت. فحدثهم بحديثه، فقالوا كلهم: لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله. ثم قالوا : يا رسول الله مرنا بأمرك، فقال: كونوا تحت راية ~~خالد بن الوليد. فلم يومن من العرب ولا من غيرهم ألف غيرهم(¬1). # وسر الحكمة في ذلك التنبيه على منشأ هذه البدعة المشار إليها طول العمر ~~واستمرار الوقت، وذلك أن الضب يضرب به المثل في ذلك، ومن ثم صادق الحيات ~~ولا يراد به أنه غير واقع بحمد الله تعالى، فلم يبق إلا ما دون ذلك من ~~البدع في العقائد الفاسدة والأعمال. نسأل الله تعالى العصمة والتوفيق. PageV01P108 # فإذا تقرر وجه الشبه في هذه البدعة المتبعة وبين جحر الضب من صعوبته، وعبثه ~~وقدراته، وضيقه، وغير ذلك ولا أضيف مولجا ممن أراد أن يدخل بين الله وبين ~~عباده في أحكامه التي أحكمها، وحدوده التي حدها، ولا أضيق جحرا، ولا أخبث ~~ممن أراد أن يتحكم على الله أو يحكم بمصلحة رآها برأيه مع نهي ربه عنها، ~~ولا أضيق مولجا ممن أراد أن يبدل عقائد عباد الله المؤمنين فيما حرمه رب ~~العالمين. PageV01P109 # فاللطيفة التي نشير إليها، وفائدة نقل الحديث عليها، وهو أنه لم يبق إلا ما ~~ينتظر من اتباع بني اسرائيل، بل هذا هو الغاية والنهاية. نسأل الله سبحانه ~~النجاة والوقاية. وذلك أنه صلى الله عليه وسلم جعل أتباعهم في دخول جحر ~~الضب غاية الاتباع، ولا لما قضى الله من واق، وما عنه من دفاع. غير أنا ~~الآن لسنا في مقام التكفير بإحلال المحرم، وإنما المقصود من هذا بيان قيام ~~القاطع المانع من أخذ المال في جميع وجوه الجنايات، كيفما تصرفت وتنوعت، ~~حتى يتبين أن هذا ليس هو بموضع الاجتهاد البتة، لأنه لا يصح الاجتهاد مع ~~النص. ومن الاجتهاد المعارض للنص، ما حكاه الله عن أكل الربا في قوله: ~~"الذين يأكلون الربا لايقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ms018 ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا(¬1). فقاسوه عليه، والجامع بينهما ~~ظاهر، وهو أن كل واحد منهما عقد معاوضة عن تراض، وهذا وصف مناسب ملائم أو ~~مؤثر، وقد علق سبحانه به الحلية فقال: "إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم"(¬2)، فذمهم تعالى وتوعدهم بقوله: "لايقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس"220 وعلل ذلك الذم العظيم والعذاب الأليم بقوله: "إنما ~~البيع مثل الربا"220، وبين أن جهة الذم والوعيد الاجتهاد عند وجود النص ~~بقوله: "وأحل الله البيع وحرم الربا"220، يعني قد حرمت الربا، فما لكم ~~تجتهدون وتستنبطون حليته بالاجتهاد بعدما سمعتم تحريمه. فكذلك يقول سبحانه ~~لمن أراد أن يجتهد حتى يستنبط حلية شيء من أخذ المال بالباطل: قد حرمت ~~عليكم أكل المال بالباطل، فكيف يسوغ لكم الاستنباط والاجتهاد لتحللوا ما ~~حرمت عليكم؟. PageV01P110 # هذا، والقياس دليل عند أكثر الأمة أو كلها، لاتفاق الصحابة رضي الله عنهم ~~عليه، والاستنباط به عند المعارضة غير ممتنع عند الجميع. والمصالح المرسلة ~~أكثر الأئمة على أنها ليست بدليل، فإذا ذم هؤلاء على المعارضة بالدليل ~~الأقوى، فكيف لمن أراد معارضة النصوص بالذي هو أدنى، فإن قلت: لعل هؤلاء ~~أرادوا الربا جملة، وهذا الذي رأى أن يحلل أخذ المال من الجناة بالمصلحة، ~~إنما أراد أن يشرع بعض الباطل لأكله. وكثير ما بين التعطيل والتخصيص، قلت: ~~الباطل والظلم لا يقبل المشروعية عقلا عند خلق، وشرعا عند الكثير، "وما ربك ~~بظلام للعبيد"(¬1). # فإن قلت: وهذا بناء على أن ما يؤخذ من الجناة ظلم وباطل، وهذا المملي ~~يمنع من ذلك. قلت: قد أقمنا الدليل القاطع على أنه ظلم وباطل من قبل، ~~والمملي لم يخالف في هذا، بل وافق في أول كلامه وآخره على أنه ظلم وأكل ~~للمال بالباطل، إلا أنه أراد أن يشرعه من باب ارتكاب الضرر الأدنى لرفع ~~الضرر الأعلى بزعمه، وهذا مما تبدع بهذا الجواب، وإلا فالقدر المشترك هو ~~الاجتهاد مع وجود النص، وهو غاية الذم والوعيد حسبما دل عليه التعبير بقوله ~~تعالى: "ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل ms019 الربا، وأحل الله البيع وحرم ~~الربا". والواو واو الحال، أي قالوا ذلك في حال أن الله تعالى قد حرم ~~الربا، أي قاسوا في مقابلة النص، وبيان ذلك أن الله قد شرع البيع ونهى عن ~~الربا، كما شرع الحد ونهى عن أكل المال بالباطل. PageV01P111 # فالذي يريد أن يشرع أكل المال بالمصلحة المرسلة زيادة على الحد، كالذي يريد ~~أن يشرع أكل الربا بالقياس الذي هو أقوى من المصلحة المرسلة قياسا على ~~البيع، فيكون الاجتهاد هنا باطلا لوجود النص ومن الاجتهاد مع النص قصة ~~السجود لآدم. فإن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، وكان ابليس ~~مندرجا في الأمر العام، فأراد أن يخصص ذلك العام بنوع من القياس أو المصالح ~~في زعمه، وهو أول من صنع ذلك، أعني الاجتهاد في مقابلة النص بالقياس الذي ~~دل عليه قوله: "خلقتني من نار وخلقته من طين"(¬1). فإنه رأى جوهر النار ~~لطيفا علويا شفافا نورانيا فاعلا قاهرا، وجوهر الطين كثيفا سفليا مظلما ~~منفعلا مقهورا، فصح عنده أن جوهر النار أشرف. ثم أضاف إلى ذلك مقدمة أخرى، ~~وهي أن المخلوق من الأشرف أشرف، فصح عنده أنه أشرف. ثم رأى أن من الحكمة أن ~~يسجد المشروف للأشرف، لا الأشرف لغيره، فصح عنده أنه أحق بالسجود له من آدم ~~عليه السلام. وأقل الدرجات هي اعتقاده أن لايكون آدم أهلا لأن يسجد له. ~~وهذا المعنى الذي لاحظه من اعتبار صفة الشرف في كونه مسجودا له، اعتبر ~~الشرع نوعه فيما هو سبب السجود، وهو الولاية، إذ كل ما زاد شرفا كان أحق ~~بالولاية من غيره. وهذا أقوى من اعتبار المصلحة في أخذ المال في مسائل ~~الحدود، ومع ذلك ذمه الله ولعنه وطرده حيث اجتهد مع وجود النص، وكان ~~اجتهاده مفضيا إلى إبطال الأمر جملة في حق كل من تعلق به الأمر في زعمه إلى ~~إخراج بعض المأمورين منه. كما أن الذي يجتهد مع وجود النص على تحريم أكل ~~المال بالباطل في تخصيص بعض متعلقات هذا النهي. PageV01P112 # وأدلة القرآن الكريم على إبطال الاجتهاد ms020 مع وجود النص أكثر من أن تحصى، ~~وفيما أجلبناه من ذلك كفاية لمن كانت بغيته معرفة الحق واتباعه. ويدل أيضا ~~على ما قلناه من السنة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذ بن جبل إلى ~~اليمن قاضيا، معلما القرآن وشرائع الإسلام، وجعل إليه قبض الصدقات من ~~العمال الذين كانوا باليمين. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم حين وجهه: ~~بم تقضي أو بما تحكم؟ قال: بما في كتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: بما في ~~سنة رسول الله، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي(¬1)، فهذا خبر تلقته ~~علماء الأمة بالقبول. واستدل به على ما قلناه من أن الاجتهاد مع وجود النص ~~باطل على ما قاله علماء الأصول(¬2)، وهو صحيح في معناه، صريح في مبناه، ~~فقال المفتي في هذه المسألة وإجرائه إياها على المصالح المرسلة مع وجود ~~أحكامها في الكتاب والسنة وإجماع الأمة. # فإن قلت: ما لمعاذ لم يذكر الإجماع؟ # قلت : لأنه لم ينعقد ما دام الوحي ليس له انقطاع. # فان قلت: قد عرفنا دليل ذلك من الكتاب والسنة، اعني دليل أنه لايهم ~~الاجتهاد مع وجود النص، فأين الإجماع على ذلك، وأين دليل الإجماع؟ PageV01P113 # قلت: أما الإجماع، فما من علماء الإسلام إلا بين ذلك، واشترطه في الاجتهاد. ~~ولا يفتقر الإجماع إلى الإطلاع على مستند أهله، فإنه حجة شرعية بالدلائل ~~القطعية(¬1)، ولكن لا بأس بذكر شيء تزداد به بصيرة. # فمن ذلك أنه لما توفي صلى الله عليه وسلم(¬2)، وهمت الأنصار ببيعة سعد بن ~~عبادة رضي الله عنه، وقال فليؤم منا أمير ومنكم أمير، احتج عليه أبو بكر ~~وعمر رضي الله عنهما بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش"(¬3)، ~~فترك الانصار وغيرهم الاجتهاد ومنازعة قريش في الخلافة، وقد عدها أهل ~~الإجماع في مسائل الإجماع(¬4)، وعليها مضت القرون الأولى، فلا ينقض ذلك ~~خلاف النظام والخوارج، أعني أن الامامة هل تتعين لقريش، كذا في الاكمال ~~وغيره، والا فلا خلاف فيما قلناه من أن الاجتهاد لا يكون الا حيث نهي ولا ms021 إجماع. PageV01P114 # وأيضا، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اختلف عليه المسلمون في الاقدام على ~~أرض الوباء، اذ استشارهم في ذلك، حتى جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ~~فأخبرهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهيه عن القدوم عليه فرجعوا ~~كلهم وسقط الخلاف(¬1). PageV01P115 # وكذلك جميع وقائع الصحابة رضي الله عنهم كلما شرعوا في الاجتهاد فعرفوا ~~النص أقصروا عن النظر، ووقفوا عندما نقل عنه صلى الله عليه وسلم من الخبر. ~~وجاء عن رسول الله صلى اله عليه وسلم "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، ~~وأعظمهم على أمتي قوم يقيسون كلامه بآرائهم، فضلوا وأضلوا(¬1). حمل الحديث ~~علماء الأصول على من اجتهد بالقياس في معارضة النص، فمن باب أحرى من عارضه ~~بالمصالح المرسلة ! # وفي رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله ~~عنه، وهي التي نقلها عدة من نقلة الأخبار(¬2)، واتخذها الحكام عمدة في ~~الأحكام، إليها يرجعون وعليها ويعولون. ولنقتصر على موضع الحاجة منها، طلبا ~~للاختصار، ورفقا بالطباع التي لاتتحمل الإكثار. قال له فيها رضي الله عنه: ~~"الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم أعرف الأشباه ~~والأمثال، وقس الأمور بعضها ببعض، وأعمد إلى أقربها إلى الحق وأشبهها ~~بالصواب،(¬3)فها هو هذا رضي الله عنه إنما أباح له القياس والاجتهاد عند ~~فقد النظر من الكتاب والسنة، وإذا خرج القياس مع وجود الحكم فيهما، وهو ~~دليل عند أكثر الأمة والأئمة، فكيف بالمصالح المرسلة التي هي بالعكس منه. PageV01P116 # وروى الأئمة عن ابن شهاب قال: أصاب الناس طاعون بالجابية فقام (14=191/أ) ~~عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال: تفرقوا عنه فانه بمنزلة نار، فقام معاذ ~~بن جبل فقال: لقد كنت فينا راشدا ولأنت أضل من حمار أهلك، سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "هو رحمة لهذه الأمة" اللهم فاذكر معاذ وآل معاذ فيمن ~~تذكره بهذه الرحمة(¬1). PageV01P117 # فها هو عمرو بن العاص رضي الله عنه قاس الوباء على النار بجامع أن كلا ~~منهما يهلك ms022 أهلاكا، وينتشر فيما حوله لامتوانيا ولابطيئا، ليستنتج حكم ~~الفرار، كما يفر وجوبا من النار. فلما سمع ذلك لم يخرجوا، بل وهكذا فرض ~~الله سبحانه على أهل الإيمان، وجعله من اللوازم التي لا تنفك عن الأديان. ~~وقال تعالى محذرا في ذلك من العصيان، ومتوعدا، ومسجلا بالضلال عليه: "وما ~~كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من ~~أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا"(¬1). قال علماء الأصول ~~النص للشافعي: كيفية الاجتهاد إذا رفعت إليه واقعة أن يعرضها على نصوص ~~الكتاب، فان أعوزه فعلى الأخبار المتواترة ثم على لآحاد، فان اعوزه لم يخضي ~~في القياس، بل يلتفت إلى ظواهر القرآن، فإن وجد ظاهرا نظر في المخصصات من ~~خبر أو قياس، فإن لم يجد مخصصا حكم به، وان لم يعثر على لفظه من كتب وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم نظر في المذاهب، فان وجدها مجمعا عليها اتبع ~~الإجماع، وان لم يجد إجماعا خاص في القياس(¬2). قالوا: وإنما أخر الشافعي ~~الاجماع وهو مقدم في العمل، لأنه لابد أن يتضمن نصا أو يستند إليه، وإذا ~~أعوزه الجميع رجح إلى البراءة الأصلية. هذا نص العلماء، وإذا أعوزه الجميع ~~رجح إلى البراءة الأصلية. هذا نص العلماء. PageV01P118 # ومملي هذه الفتوى، القائل أن ما يعاقب به الجناة من القاتلين والقاطعين ~~والسراق والزناة، لو وقف عندما جاء في الكتاب والسنة، وأجمعت عليه الأمة، ~~ورتبه في طريق الاجتهاد الأئمة، لعرض هذه النازلة التي سئل عنها، وهي ما ~~يعاقب به القاتلون والجارحون والمحاربون والسراق والزناة وغيرهم وعلى كتاب ~~الله، لوجد ما يعاقبون به مبينا في كتاب الله، يعرفه الصبيان، وكل من سمع ~~القرآن وعرف الأديان. ولو عرض هذه المسائل على سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، لوجدها على أكمل وجه وأتمه بيانا، ولو عرضها على الإجماع الواجب ~~الاتباع، لوجده أجلى من الشمس، لا يخفى إلا على من ليس له حس. لو عرضها على ~~آخره مرتبة الأدلة، وهي البراءة الأصلية، لتخلص وخلص من هذه ms023 البلية. وعندما ~~يجد ما يعاقب به الجاني على هذا الوجه، فيجب عليه الجواب. ثم ينظر في ~~استبدال هذه الحدود بالمال أو زيادة المال عليها، فيجده أيضا منهيا عنه في ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وتدل عليه البراءة الأصلية. فإن كل نهي أو ~~وعيد أوعذاب متعلقه الظلم وأكل المال بالباطل وصريحات النهي المؤكد تحريمه ~~إلى الغاية القصوى، كما قال عليه الصلاة والسلام في خطبة يوم الحج الأكبر ~~في حجة الوداع: "أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ~~في شهركم هذا، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ألا هل بلغت، ثم قال صلى الله ~~عليه وسلم: "اللهم أشهد على ذلك"(¬1). # والحاصل أن تحريم أكل المال بالباطل والظلم معلوم في الرؤساء بالضرورة، ~~والاستدلال على الضروريات يزيدها غموضا. PageV01P119 # فإن قلت : إنما وجود ما يعاقب به هؤلاء الجناة في الكتاب والسنة فقطعي، ~~وأما تناول هذه العمومات في تحريم الظلم وأكل المال بالباطل لهذه المسائل ~~فمعلوم، ولاشك في حرمة تبديل الحد الزيادة عليه، ولا في عدم مشروعية شيء من ~~الظلم، لأن الرب سبحانه قدس نفسه عنه، وهو محال عليه، وأن هذه العمومات ~~لاتقبل التخصيص بإغرام الجناة الأموال، ولادليل شرعا يخصص به، لكن هل هناك ~~ما يدل على التنصيص على نفس العقوبة (15= 191/ب) بالمال في هذه الحدود أو ~~في غيرها مما ثبت ولم يثبت، ووصل إلى حد التهمة أو لم يصل؟ فإن مثل هذا ~~أردع للمعائد وأبين عند الغي. # قلت: نعم، أجمعت الأمة، ودلت دلائل الكتاب والسنة، أن الكفر بعد الإسلام ~~أكبر ما يرتكبه المسلم، وانعقد إجماع الأمة على أن من ارتد لايوخذ ماله، ~~ولايوضع في بيت المال ولا غيره، ولا يزول ملكه عنه، إلى أن يموت بمنيته أو ~~يقتل على ردته. قال ابن المنذر في كتاب الأشراف: "أجمع كل من يحفظ عنه ~~العلم أن المرتد لايزول ملكه عنه لارتداده، وانه إذا راجع الاسلام يرد ~~اليه"(¬1). وإذا كان المرتد لايخرج ملكه عنه بإجماع الأمة، فكيف يحل لأحد ~~أن يقول: أن أخذ المال من العصاة والجناة ينبغي ms024 أن يجري على المصالح ~~المرسلة فيعارض الإجماع، لأنه انعقد الإجماع على أن أكبر الجنايات لا يبيح ~~المال، فكيف بما دون ذلك. # فإن قلت: لاشك في الأحروية، وانه يلزم من الاجماع على عدم نزع المال في ~~الكفر بالاجماع على ما دونه من باب أحرى. فهل ثم نص معين فيما دون الكفر ~~ليحفظ، والا فقد حصل الاكتفاء وأتيت بالغاية من الشفاء. # قلت: نعم، أكبر الجنايات بعد الكفر: القتل والحرابة والفساد في الأرض ~~والخروج على أئمة العدل والبغي عليهم. # فان قلت: فقد نقل غيره الخلاف في مال المرتد، وأنه لا يعود إلبه بعد ~~الوقف، ولو راجع الإسلام. PageV01P120 # قلت: ان صحت الرواية، فوجهه أن الردة لما كانت تحبط العمل، وتحل عصم ~~الزوجات وترفع الملك عنه، سرى ذلك إلى رفع الملك عن المتمولات، فبطل الملك ~~وبقي ماله ضائعا، فمن ثم جعل في بيت المال، وليس من العقوبة بالمال في شيء، ~~ولا يصح إجراء باب المعاصي عليه بوجه، لأن المعاصي لا تحبط، ولايكفر ~~مرتكبها، ولا ترفع ملكه عن شيء مما يملك، ولا عصمة مملوكاته ومتمولاته البتة. # وفي كتاب الإجماع لابن القطان(¬1)من المراتب ما نصه: "واتفقوا أن من قاتل ~~الفئة الباغية ممن له أن يقاتلها، وهي خارجة ظلما واعتداء على إمام عدل ~~واجب الطاعة صحيح الإمامة، فلم يتبع مدبرا، ولا أجهز على جريح، ولا اخذ لهم ~~مالا، وأنه قد فعل في القتل ما يحل"(¬2). # فهو هذا قد اشترط في حلية القتال أن لايأخذ للبغاة على الإمام العدل ~~الصحيح الامامة، وان كانوا قد اتصفوا بالافساد والمحاربة مالا، لا ممن كانت ~~جنايته أخف من هؤلاء. كيف يصح أن يقال: يؤخذ ماله بالمصالح المرسلة؟ وأي ~~مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأئمة وقواطع الأدلة أكبر من هذا؟ # وفي كتاب الإجماع لابن القطان في الفصل المذكور: "واتفقوا على أن لا يحل ~~تملك شيء من أموالهم ما داموا في الحرب، ما عدا السلاح والكراع، فانهم ~~اختلفوا في الانتفاع بسلاحهم وخيلهم مدة حربهم، وفي تخميسها وقسمها إذا ظفر ~~بهم"(¬3). PageV01P121 # فانظر هل اعظم من هذا الذنب ms025 بعد الكفر ذنب. وها هو ذا إجماع المسلمين على ~~أنه لا يؤخذ شيء من أموالهم، ما عدا الكراع والسلاح في زمان الحرب، على ~~اختلاف فيه. فإذا كان هؤلاء لايؤخذ شيء من مالهم بالإجماع، ويختلف في ~~السلاح الذي يحاربون بها، وفي الخيل التي يقاتلون عليها، فكيف يحل لمن خاف ~~مقام ربه أن يعرض أموال المسلمين بدون من هذه الجناية لمن يأخذها بغير حق، ~~ويفتي بالتحليل بالمصلحة، مع مراغمة هذه القواطع الجليلات الجليات. وكيف ~~يدعي العاقل هذا أنه يفلح في العلم والقواعد التي استنبط منها. ويرحم الله ~~إمام العلماء مالك بن أنس في قوله: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم ~~نور يقذفه الله في القلوب(¬1). وقال سبحانه "يهدي الله لنوره من يشاء"(¬2). ~~اللهم اهدنا لنورك بقدرتك، واهد بنا من قسمت له الهداية في سابق علمك، ~~واعذنا مما يكون من العلم عيالا، لا يألو صاحبه خبالا واضلالا (16=192/أ). # ليس العلوم بكثرة الانقال ... ... والجمع والتكثير والاقوال # والاخذ بالرأي السقيم ... ... وكل ما ترويه السن الكبير العال # العلم كشف الشك عند وروده ... ... وإزاحة الالباس والاشكال # نور به صور الحقائق تنجلي ... ... فيميزها عن باطل ومحال # فضل الإله ينيله من شاءه ... ... والله اهل الجود والافضال # ميراث تقوى الله يشهد بالذي ... ... قد قلت ما في سورة الانفال PageV01P122 ~~وفي كتاب الاكمال للقاضي أبي الفضل عياض رحمه الله وغيره، واللفظ للاكمال: ~~جمهور العلماء وأئمة الفتوى والامصار أن الغال يعزر بقدر اجتهاد الامام، ~~ولا يحرق رحله. ولم يثبت عندهم الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما في تحريق ~~رحله. ولم يثبت عندهم الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما في تحريق رحله، ~~لأنه مما انفرد به صالح بن محمد عن سالم. # ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرق رحل الرجل الذي وجد عنده الخرزة ~~والعباءة. وقال قوم، لحديث ابن عمر على تفصيل ذكره. قال الطحاوي: "ولو صح ~~حديث ابن عمر لمحمد على أنه كان إذ كانت العقوبة في الأموال، كما جاء في ~~التضعيف على مانع الزكاة وضالة الابل وسارق التمر. قال ms026 الطحاوي: والعقوبة ~~بالمال منسوخة(¬1)، فهذا أيضا الطحاوي حكى بالنسخ، وتلقته الأئمة الذين ~~نقلوه عنه بالقبول، فكيف يحل لهذا المفتي بعدما اتفق أهل مذهبه وغيرهم علي ~~النسخ. ما قال بالمال في مسائل الحدود أحد من أهل الأديان، وإنما كان على ~~القول به فيما لأحد فيه، وفيما لاوقعت فيه المعصية، إنما هذا إتلاف لمحل ~~المعصية ثم نسخ الإتلاف. وسيأتي تفاصيل تلك الوقائع أن شاء الله تعالى. PageV01P123 # فان قلت: حاصل ما قدرته وأبديته وأوضحته إذا وقع الاجتهاد في غير محله، ~~وأجرى النظر، والإجراء على المصالح في غير مجراه، وفي ضمن هذا انك سلمت ~~بلوغه رتبة الاجتهاد، وهذا أمر يئس الناس منه منذ زمان، وقد قال العلماء، ~~وهو نص القاضي أبي الفضل عياض رحمه الله: أن الواصل إلى هذا الطريق، وهو ~~طريق الاجتهاد والحكم به في الشرع قليل، وأقل من القليل بعد الصدر الأول ~~والسلف الصالح والقرون المحمودة الثلاثة. وقد قال الامام المازري: انه ~~انقطع الاجتهاد منذ مئين من السنين، وشهد بانقطاعه العيان(¬1)، وقد سمعت ~~شيخنا أبا عبد الله محمد بن عرفة(¬2)الامام يحكي عن أشياخه الاعلام أنه قد ~~انقطع المجتهدون منذ توفي عز الدين بن عبد السلام. أو رأيته، وان فاته ~~الاجتهاد المطلق، فقد وصل إلى رتبة الاجتهاد في المذهب لما نقح منه وحقق. ~~وهذا علم الله رتبة سامية، ودرجة منيفة عالية، لم يصل إليها إلا أهل ~~التحقيق، وناهيك برتبة تلحق بمثل ابن القاسم وأشهب وأبي يوسف ومحمد بن ~~الحسن وابن سريج والامام ابي حامد، فهلا حسمت الباب من هاهنا، فإنه ممن لا ~~يظن به أنه يدعي أنه في رتبة هؤلاء. # قلت: هذا مما تركناه اختصارا، ولئلا يظن من لايميز رتب العلماء انا قصرنا ~~في ذلك تنقيصا واستقصارا. وما أوردنا من فقد شرط الاجتهاد في المجتهد فيه ~~من أي صنف كان، مجتهدا أو مقلدا. PageV01P124 # فان قلت: هذه النصوص كافية اتم كفاية، فهل لامامة في كتب مذهبه نص فيما يحق ~~فيه، حتى يكون ممنوعا من الفتيا بغيره؟، ولو كانت؟، فالفرض والتقدير خلافه. # قلت:لامعنى لفرض الاختلاف ms027 مع وجود الاجماع، ولكن أردت زيادة تنصيص الامام ~~وتخصيص في كتاب السلطان من العتبية من سماع أشهب، أن مالكا رحمه الله سئل ~~هل يجوز انهاب متاع أهل السوق إذا خالفوا ما أمروا به؟، فقال: "لايحل ذنب ~~من الذنوب مال انسان، وان قتل (17=192/أ) نفسا، وأرى أن يضرب من انهب او ~~انتهب"(¬1). فانظر إلى عموم قوله: لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان، وإلى ~~الغاية في قوله: وان قتل نفسا، وإلى الحكم بالضرب على من أمر بالنهب وعلى ~~من أطاعه. فهذا أيضا نص يمنعه من تعديه إلى بناء آخر الخطايا على المصالح ~~المرسلة وعلى غيرها، لأن النص المذهبي المقلد بمنزلة النص النبوي للمجتهد ~~المطلق(¬2). وقد نقل أبو الفضل عياض رحمه الله في كتابه المدارك عن بعض ~~المشايخ: أن الإمام لمن التزم تقليد مذهبه كالنبي عليه السلام مع امته، لا ~~تحل مخالفته، قال: وهذا الصحيح في الاعتبار، وبما شرطناه وبسطناه يظهر ~~صوابه لأولى البصائر والابصار(¬3). PageV01P125 # وفي وثائق ابن فتوح(¬1)وأكثر كتب الأحكام: قال محمد بن عمر يعني ابن ~~الفخار(¬2): لانعلم ذنبا يوجب استباحة مال الإنسان إلا الكفر ~~وحده(¬3)وتلقاه الائمة بالقبول. # قلت: ولابد من تقييد أن كان كفرا بعد إسلام، يكون قتل على ردته أو مات، ~~وأما مادام حيا فلا، كما تقدم فيه من الإجماع على أن الردة لاترفع ملك ~~المال إلا بالشرط المذكور. وهذا المنقول عن ابن الفخار انما سببه انه سمع ~~قول غيره(¬4)ممن دعاه خصمه فألد حتى أحوجه إلى غرم أجرة العون، فقال: اللدد ~~والمطل ذنب، والذنوب والمعاصي لا تحل مال العاصي. وإنما قال غيره: أنه يؤدي ~~أجرة العون لكونه تسبب في غرم خصمه، وأما لكونه أذنب بالمطل واللدد عن ~~القاضي فلم يقل به أحد. PageV01P126 # وفي كتاب الأحكام لابن العربي رحمه الله: لا عقوبة في المال، ولكن يؤدب ~~لجنايته بالاجماع، قاله في سورة آل عمران وسورة الانفال(¬1). من أحكامه ~~أيضا: العقوبة بالمال لاتجوز بحال. # وفي كتاب النهاية والتمام أن ما ورد من العقوبات في الأموال منسوخ ~~كله(¬2). # وفي جامع البيان لابن رشد ms028 أيضا: لا يحل مال أحد بذنب من الذنوب وأن قتل. ~~وفيه: أن العقوبة في الأموال أمر كان في أول الإسلام. من ذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم في مانع الزكاة: أنا آخذوها وشطر ماله عزمه من عزمات ربنا، ثم ~~نسخ ذلك وعادت العقوبات على الجرائم في الأبدان(¬3). وفيه: قد قال صلى الله ~~عليه وسلم: "لايحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس(¬4)، استدلال على نفي ~~العقوبة في المال. # وفي كتاب السلطان من البيان أيضا أن كل ما ورد من العقوبات في الاموال ~~منسوخ كله بالإجماع على أن ذلك لا يجب. وقد قال في موضع آخر، وأظنه في ~~الحدود: أن ذلك كله كان في أول الإسلام، وحكم به عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه ثم انعقد الاجماع بان ذلك لا يجب(¬5). PageV01P127 # وفي الاستذكار لأبي عمر بن عبد البر: خرج قاسم بن أصبغ، أن عمر بلغه أن ~~امراة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها، فأرسل إليها ففرق بينهما وقال: ~~لاينكحها أبدا، وجعل صداقها في بيت المال، وفشا ذلك في الناس، فلما بلغ ~~عليا قال يرحم الله أمير المؤمنين، ما بال الصداق وبيت المال، إذا جهلا ~~فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة. قيل: فما تقول أنت فيها؟، قال لها ~~الصداق بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما، ولاجلد عليهما، وتكمل عدتها من ~~الأول، ثم تعتد من الثاني عدة كاملة ثلاثة أقراء، ثم يخطبها إن شاء الله. ~~فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فخطب الناس فقال: "يا أيها الناس، ردوا ~~الجهالات إلى السنة" # وروى الثوري أن عمر جعل لها مهرها، وجعلهما يجتمعان(¬1). # قلت: وإلى نحو من هذا، والله أعلم، أشار القاضي ابن لاشد أنه حكم أولا، ~~ثم انعقد الاجماع بأن ذلك لا يجب. وكذلك في طرح عمر اللبن المغشوش، ولذلك ~~انكره مالك(¬2). # وفي سماع أشهب وابن نافع أيضا من كتاب الحدود: وسئل مالك: أيحرق بيت ~~الخمار الذي يوجد فيه الخمر يبيعها؟، قال: لا قال القاضي ابن رشد رحمه ~~الله: هذا صحيح (18-193/أ) على ms029 المعلوم من مذهبه أنه لايرى العقوبات على ~~الجرائم في الأموال، وانما يراها في الابدان(¬3). وقال في سماع أشهب في ~~كتاب السلطان: لايحل ذنب من الذنوب مال أحد من الناس ولو قتل نفسا، وذكر ~~أنه كان في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك كله بالإجماع على أنه لايجب، وعادت ~~العقوبات على الجرائم في الأبدان لا في الأموال(¬4). PageV01P128 # فان قلت: هذا الذي حكاه القاضي ابن رشد من الإجماع انما يدل على نسخ ~~الوجوب، فترجع المسألة إلى الخلاف، هل يبقى الجواز بعد نسخ الوجوب؟، ~~والأكثر على بقائه. # قلت: ليس المراد ما فهمته، وإنما أرشدك إلى صحة ما نقله من الإجماع، لأنه ~~لم يقل أحد بوجوب العقوبة في المال، وليس من العقوبات والزواجر ما هو في ~~حكم الاباحة، فالعقوبات كلها واجبة، الا أن منها ما يصح العفو عنه مما يرجع ~~إلى حقوق المخلوق، ومنها ما ورد الشرع بالتحايد عنه أو بالتخفيف فيه ~~بالنسبة إلى غيره، وتحقيق ذلك يرجع إلى أن القدر الذي أمر الشارع بالتخفيف ~~فيه والتجاوز عنه لم يجب في موضع الأمر بالتجاوز، وأيضا فلا يلزم من بقاء ~~الجواز في غير هذا بقاؤه في هذه، أنه إذا نسخ الوجوب رجع أخذ المال إلى ~~أصله المشروع، وأصله المعلوم المقطوع به، حرمة أخذه بغير حق. ولذلك اتبعه ~~ابن رشد رحمه الله في بعض المواضع التي نقل فيها هذا الاجماع على هذه ~~الصورة بقوله صلى الله عليه وسلم: "لايحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب ~~نفس(¬1)، احترازا من هذا الوهم العارض. # وأيضا، فإن ما سبق ذكره من الاجماعات ليس فيها تقييد بنسخ الوجوب، فكانما ~~صورة الكلام، لو كانت العقوبة في المال صحيحة كانت واجبة، لكنها لا تجب ~~اجماعا فليست بصحيحة. وبرهانه أن الأصل تحريم مال الغير الا عن رضى منه. PageV01P129 # وأيضا فنقول: كل مال مأخوذ كرها فلا يصح أخذه من صاحبه، إلا أن يكون الأخذ ~~واجبا، كالزكاة من مانعها، والدين مما هو في ذمته، وقيم المتلفات من الغصاب ~~والمعتدين، وليس في الشريعة إكراه على جائز على أخذ ms030 المال، فلا يجب الإكراه ~~أبدا، إلا فيما كان فيه واجبا حقا. وهذا الإكراه لم يقل به أحد من الأئمة ~~بوجه، فوجب أن يكون باطلا، لان اللزم المساوي له الوجوب، ويلزم من نفي ~~اللزم المساوي نفي مساويه. وإنما أوردنا هذا السؤال والجواب، لان هذا ~~المفتي أراد أن يضعف هذا الاجماع بما يخيل في السؤال، وهيهات !فلا تبطل ~~الحقيقة بالخيال. # وكذلك قال: أن هذا بناء على أن الاجماع يكون ناسخا، والاجماع لاينسخ ~~ولاينسخ به(¬1). وهذا الكلام هنا في غاية العجب، فإنه قال في حكاية ~~الاجماع: انعقد الاجماع على النسخ أو على أنه لايجب، وإنما يعني انها ~~منسوخة عند جميع العلماء، لا أن الاجماع ناسخ. نعم، إجماع العلماء تضمن ~~ناسخا، لانهم لايجمعون إلا عن دليل. وإلى متى تمن النفس على أن هذه المسائل ~~المسؤول عنها لا يحل لمجتهد كهذا فضلا عمن لم يصل إلى درجة الاجتهاد أن ~~يستدل، ولا أن يستنبط حكما فيها، لوجود أحكام الله ورسوله فيها نفيا ~~وإثباتا. # فان قلت: وقد سبق من كلامه أن الاجتهاد في مثل هذا غير معقول بما معناه. # قلت: الاجتهاد عبارة عن بذل من له أهلية الاجتهاد جهده، وإفراغه وسعه في ~~طلب الحكم الشرعي(¬2). فإذا كان الحكم حاصلا، فكيف يطلب ما هو حاصل؟ PageV01P130 # الوجه الثاني: ما يدل على فساد قوله: تجري هذه المسائل على المصالح ~~المرسلة، وهو أنه قد سبق منه، ويأتي التصريح بأن هذه الخطايا ظلم، ودعا ~~لأمير المؤمنين أيده الله اذ أسقطه، والظلم لا مصلحة فيه اجماعا، فكيف يصح ~~مخرجه على المصالح. هذا قياس معكوس، وعلى أم رأسه منكوس، ولا عجب من أمر ~~الله، ولا من نفوذ قدره وقضائه (19=193/ب). # الوجه الثالث: أنه قد سبق من كلامه أن سبب كثرة الفساد جور الولاة، وأخذ ~~الرشا، والتغافل عن حدود الله وحقوق العباد، ومن أراد الخلاص من ضرر ~~التبعات، أن ينظر إلى علته وأصل الداء ويستفرغه، فإذا هو ذاهب. فالواجب على ~~مقتضى العقل والحكمة، وما لزم العباد من اتباع الكتاب والسنة، وما وجب من ~~النصح لله ms031 ورسوله ولائمة المسلمين ولسائر الأمة، أن يشير أو يفتي بتولية ~~الثقات، ويأخذ عليهم موليهم العهد بإقامة الحدود وتخليص الحقوق، وإنصاف ~~المظلوم من الظالم، والمنع من قبول الرشا وتفقدهم، فمن استقام على الطريقة ~~أكرمه وشرفه، ومن اعوج وكان مرجو التقويم، قومه، ومن اعقل حماره ولم ينفع ~~فيه دواء، أخذ فيه بما أشبه من عقوبة مثله وابرأه وعزله. وقد جاء في الحديث ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "لعن من الرشوة ثلاثة: الراشي والمرتشي ~~والرائش"(¬1). # ومن ظهر له فساد في عمالته، دل على ضعفه أو خيانته، وهو لاخير في ولايته، ~~قال الله في كتابه المبين "إن خير من استأجرت القوي الأمين"(¬2). # هذا هو السبيل إلى حسم الفساد وقطع العناد، وإصلاح البلاد والعباد. وأما ~~فتح باب الأعواض في الجنايات، فوسيلة إلى قضاء الاغراض والخيانات، إذ هو ~~أصل الادء. والعالم بمنزلة الطبيب، والطبيب من دبر إزالة الداء ونقصانه، لا ~~زيادته وطغيانه. PageV01P131 # دع الملام فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء(¬1) # نسأل الله تعالى التوفيق والسداد، وأن يلهمنا إلى فيه الصلاح والرشاد. # "ومن يضلل الله فما له من هاد، ومن يهد الله فما له من مضل"(¬2). # رب كلمة يقال لصاحبها دعني. # المستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم(¬3). # قال صلى الله عليه وسلم: "الدين نصيحة" قيل: لمن يا رسول الله، قال: لله ~~ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"(¬4). # ليس من النصيحة الغرور، وعدم التنبيه على مواقع الشرور. وليس من النصيحة ~~لعامة المسلمين أن يحلل أموالهم، إلا بحق واضح مبين. وليس من النصيحة اضلال ~~الحكام، ولا إباحة أخذ الأموال في الاحكام. # "لولا ينهاهم الربانيون والاحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت، لبيس ما ~~كانوا يصنعون"(¬5). # وهذا ذم الله لمن ترك من الربانيين والاحبار النهي عن قول الاثم وأكل ~~السحت، فكيف يكون ذمه لمن زاد على ذلك، ولم يكتف بالسكوت، أمر بقول الاثم، ~~والافتراء على الله بالتصريح بحلية ما حرمه، وبأكل السحت من أخذ الأموال في ~~الذنوب؟، فقياس على الاغترار، وبقاء على شفا جرف هار. # "فويل للذين يكتبون ms032 الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ~~ثمنا قليلا، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون"(¬6). PageV01P132 # "إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعدما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك لعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ~~فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم"(¬1). # "واذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولاتكتمونه فنبذوه ~~وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا، فبيس ما يشترون"(¬2). # "من سئل من علم فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة"(¬3). # "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، ~~فاحكم بينهم بما أنزل الله"(¬4). # "يا داود أنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع ~~الهوى فيضلك عن سبيل الله"(¬5). # إذا جعلت أرزاق الولاة في الخطايا والمغارم، أحبوا كثرة وقوع الناس في ~~المآثم، لأنها منابة أرزاقهم، فهم يلحظونها بألحاظهم. ومن أحب كثرة الفساد ~~والعصيان، فهو في الحقيقة شيطان، وان كان في صورة إنسان. "من دعا إلى هدي ~~كان له من الأجر مثل من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئان من دعا إلى ظلال ~~كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم ~~شيئا"(20=194/أ)(¬6). # "أن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، ~~يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه. وان الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط ~~الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه يوم يلقاه"(¬7). PageV01P133 # هذه الكلمة باتفاق أهل التحقيق، ومن شهد له بالنظر الصائب الدقيق، ممن ~~تعاطى تفسير الحديث في القديم والحديث، هي الكلمة عند الأمير تنقله من ~~الجور إلى العدل، وتحضه عليه، أو من العدل إلى الجور أو تميله إليه(¬1). # كان الشافعي رحمه الله إذا سئل سكت، فسئل عن سكوته قال: حتى أنظر إلى ~~السلامة في السكوت أو في الجواب، "رحم الله عبدا قال خيرا أو صمت"(¬2)، رحم ~~الله عبدا تكلم فغنم، او سكت ms033 فسلم"(¬3)، "لاخير في كثير من نجواهم إلا من ~~أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس" الآية(¬4). # فان قلت: المراد بكون هذه الغرامات مصلحة، أن أخذ المال معنى مناسب للزجر ~~عن المفاسد، لأن أخذه شاق على النفوس، وما كان زاجرا انبغى أن يكون مشروعا. PageV01P134 # قلت: فنعود معك إلى جميع الوجوه السالفة فنزيدك هنا بيانا، وهو أن غرم ~~المال لاينهض زاجرا عن الشهوات والأهواء الغالبة، إذ مخالفة الهوى أصعب شيء ~~على المرء، ألا ترى من عرضت له شهوة الانتقام من عدوه ينفق عليه الأموال، ~~وستسهل في طلبه المشقات والأهوال، وقد لا يظفر به، ثم لا يزعه ذلك من ~~معاودة الطلب والجد في قضاء الأرب. وهذا مما يدل على أن شهوة الانتقام ~~ولذته، تفوق لذة المال ومحبته، وكذلك من غلبت عليه شهوة فرجه، لايبالي بما ~~أخرج في الوصول إليها من مال، ولا ما آل إليه أمره من الافتقار والإقلال. ~~فعن الشهوة الأولى يتولد القطع والجرح والقتل والقذف، وعن الثانية تتولد ~~الفواحش، وكل شهوة تمكنت وعلاقة استحكمت، سهل على صاحبها بذل المال ~~لتحصيلها. ولذلك يجري على ألسنة الناس: الأموال تحتاج إما للأمراض وإما ~~للأغراض(¬1). والاموال مبلغة النفوس إلى الهوى. والمعاصي للقلوب علل ~~وأدواء، ومن شرط الدافع أن يكون أقهر وأقوى. فكيف شرع الداء لإزالته ~~ونقصانه، وهو لا يألو في زيادته وطغيانه؟. وإذا صار غرم المال لأهل ~~الولايات في الفواحش والجنايات معنى صحيحا مؤثرا لتحصيل الأغراض والشهوات، ~~فكيف يستجير العاقل أن يشرعه عالم الخفيات، والذي أحاط بما تغيب الأرض ~~والسماوات. جلت أحكام العليم الخبير أن يكون فيها نقص في الحكمة، أو يصحبها تقصير. # ما قلنا لك هذا إلا ليتأيد لك المنقول بالمعقول، ولتعلم أنا لحكمة ما قال ~~الله والرسول، ولينزاح عنك الالباس، ويذهب ما رام من الوسواس. وإلا فقد ~~علمت أن من علم الله ورسوله فرفض أمرا وأخذ يبحث برأيه، فقد أتى أمرا إمرا، ~~وجاء منكرا أنكرا. PageV01P135 # قال إمام الحرمين رحمه الله: ثم الاستدلال المقبول هو المعنى المناسب الذي ~~لايخالف أصلا من أصول الشريعة(¬1). ms034 وقد علمت مما سبق أن هذا الاستدلال ~~مخالف لنصوصها القطعية المتواترة، وأدلتها الجلية الظاهرة، وإجماعاتها ~~الصحيحة المتواترة، زيادة على مخالفة أصولها، وما يلزم من اعتبار هذه ~~المصلحة من غروب شمس الشريعة وأفولها. ولقد اعترض في الحصول على من أفتى ~~الملك في كفارة الفطر في رمضان بالصوم، وعلل ذلك بأنه لو أفتاه بغيره لما ~~شق عليه الإطعام والعتق في الفطر، فإنه قد خالف النص، وأوهم الملك إذا عرف ~~ذلك أن ما يفتي به العلماء تحريف من جهتهم، فلا تحصل الثقة بأقوالهم(¬2). PageV01P136 # ومن المعلوم ما عليه حكام الزمان من أخذ المال من العصاة وإعطائهم الامان. ~~ولقد سمعت (21=194/ب) أمير المؤمنين أيده الله يحكي أنهم مروا بشيخ معه ~~ماشية كثيرة فسألوه، فقال: والله مالي بها من حاجة، إلا أن لي أولادا ~~يفعلون ويصنعون، فأنا في نماء هذه الماشية لنؤدي عنهم من الخطايا مابه ~~يطلبون. # الوجه الرابع:(¬1)نص شهاب الدين القرافي، وهي قاعدة أصولية، أن مالكا ~~رحمه الله اشترط في الاخذ بالمصلحة أهلية الاجتهاد، ليكون الناظر مكتفيا ~~بأخلاق الشريعة فينبو طبعه وعقله عما يخالفها(¬2). بخلاف العالم ~~بالسياسيات، إذا لم يكن كذلك، فإنه يهجم على مخالفة أصل الشريعة من غير ~~شعور. ورتبة الاجتهاد ما في أشياخه وأشياخ أشياخه من يدعيها، وشروطها ~~مفقودة منه قطعا. # سلمنا جدلا أن المسألة اجتهادية، وان المتكلم فيها عن أهل الاجتهاد، ~~قوله: مصلحة مرسلة باطل، لأن المرسل ما لم يشهد الشرع بإلغائه. والمرسل عند ~~ابن الحاجب ما لم يعتبره الشرع ثم منه غريب وملغى، وكلاهما مردود ~~باتفاق(¬3)والغريب هو ما لم يعتبر جنسه البعيد في جنس الحكم، فان اعتبر كان ~~ملائما، كحرمة قليل الخمر بكثيره، لعلة أن قليله يدعو إلى كثيره. # وهذا وان لم يكن جنسه القريب، فقد اعتبر في تحريم الخلوة بالأجنبية، لأنه ~~داعية اليه. لهذا اتفق الجمهور على المقيس بدليل، وهو مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي، وذكر عن مالك(¬4)وانكره أصحاب مالك عنه، والمختار رده من ~~الشيرازي(¬5). # والشرع زاد على الإلغاء في هذا الموضع بان رحم أخذ المال بالباطل، حتى ~~على وجه الأخذ ms035 بالعقوبة. ولا معنى للإطالة في هذا، وقد سبق ما يكفي. فان ~~النهي والتحريم منصوص ومجمع عليه، قد تقدم كثير منه فراجعه. PageV01P137 # سلمنا جدلا أنه مرسل، فالمرسل الصحيح أنه لا يستند الحكم إليه، قال الآمدي: ~~اتفقت الحنفية والشافعية وغيرهم على لغو المصالح المرسلة، وهو الحق. وعن ~~مالك أنه قال به، وأنكر أصحابه أن يكون قاله. ولعله ان صح عنه، إنما قاله ~~في المصالح الضرورية الكلية الحاصلة قطعا، كتتريس الكفار بجمع من المسلمين، ~~بحيث لو تركنا فعلهم، غلب الكفار واستأصلوا المسلمين، وان قتلنا الترس ~~استأصلناهم، وهو موجب لقتل مسلم لا حرمة له(¬1)، وهذا لم يصدر من الشرع فيه ~~اعتبار ولا إهدار(¬2). # قلت: وقد تقدم أنه هذه الصورة لا تكون إن شاء الله، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم:"دعوت الله أن لايسلط على أمتي عدوا من غيرهم يستأصل بيضتهم، ~~فأعطيناها"(¬3). # القول بجواز قتل الثلث لمصلحة الثلثين والجواب عنه من عدة وجوه. # قوله : لما قيل لا بأس بإفساد الثلث لإصلاح الثلثين # أقول : هذا كلام باطل # قال : هذا كلام العامة أو كلام شرعي # أقول: قال المحكي شارح كلام الحاكي # قلت له: هذه كلمة عامية، أو قالها أحد العلماء. فما أبدى حينئذ جوابا، ~~ولا أدار خاطبا. # وزدته أن قلت له: أن من الناس من ينقل عن الامام المهدي بعض الوقائع، ~~ويليق هذا به، ولا ينبغي أن يصحح عنه لعلو شأنه. # قال: لقلة نظره في العلوم الشرعية. # أقول: لا تقبل دعوى الخصوم، لاسيما عند هيجان الحمية. # قال: وما علم المسكين أنه من قول مالك، وجرة عليه عمله. # أقول: بل علمت أنه ليس من قوله ولاجرى عليه عمله، بل قال بخلافه وجرى ~~عليه عمله. ولا أنفر من مسكين، فنسأل الله أن يحييني ويميتني ويحشرني فيهم ~~وعلى صحبتهم. # قال: في مسائل كثيرة # أقول:تأمل ما جاء به فيه شيء من القول بفساد الثلث في صلاح الثلثين. # قال: في مسائل أذكرها PageV01P138 ~~أقول: لم يف من هذا الوعد بشيء. # قال: ففي شرح المعالم لابن التلمساني(¬1)قال: مما اختلف في العمل به، ~~المصالح المرسلة، والمعني ms036 به لكل وصف مناسب لم يلف للشرع ما يدل عليه ~~اعتبارا(22=195/أ) وإهدارا، ولا بطريق تأثير ولا بطريق ملاءمة، فالبقلاني ~~والاكثرون على منعه، واعتمده قوم ويعزى إلى مالك. ونسبه الامام إلى أنه ~~استرسل فيه حتى رأى قتل ثلث الأمة لاستصلاح تلثيها(¬2). # أقول: زاد الباء في: بإهداره، فأفسد تركيبه. وهذه حجة على إثبات هذا ~~القول لمالك لاغير. فانظر بين دعواه: وما علم المسكين انه من قول مالك وجرى ~~عليه عمله، واقتصاره على هذا النص فقط، وهو كلام باطل من وجوه: # الأول: أن الدعوى أن مالكا قال: لابأس بافساد الثلث في إصلاح الثلثين ~~مطلقا، والذي نقل من كلام ابن التلمساني حاكيا عن الامام، انما هو ثلث ~~الأمة وثلثها، لا الثلث والثلثين مطلقا. وهذا لو صح عن مالك، فبين ~~العبارتين فرق كبير. PageV01P139 # المسألة التي ألزمه الامام أو نقلها عنه، لاتقرر الا في مثل ماقاله الامام ~~الغزالي رحمه الله أن المسألة إذا كانت ضرورية قطعية عامة، كما إذا لم يبق ~~من المسلمين إلا طائفة واحدة وتترس العدو بمسلمين، وعلمنا انا ان لم نقتل ~~الترس قتلونا وقتلوه قطعنا بذلك، فلا يبعد أن يقول قال هذا: ومعنى أنها ~~ضرورية، أي لاتكميلية ولاحاجية، فان المؤمن أجل الضروريات من المصالح. ~~ومعنى أنها قطعية، أي لاشك في قتلهم الترس وقتلنا. ومعنى انها عامة، أنه ~~يخشى منها على جميع المسلمين(¬1). وقد قال بعض المتأخرين من المالكية أنه ~~لا ينبغي مخالفته في هذه، مع أن هذا انما يذكر على سبيل الفرض، والا فالأمة ~~أن شاء الله مأمونة منه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوت الله أن ~~يسلط عليهم عدوا من غيرهم يستأصل بيضتهم فأعطانيها"(¬2). # الثاني: إن هذا الذي زعمه الامام لم ينقله أحد من أصحاب مالك عنه، ولا هو ~~في مسألة، وهذا مما يدل على بطلانه. # الثالث: إنه ما أخبر عنه رواه، لعله(¬3)انما ألزمه ذلك. # الرابع: أن هذا مما تتوفر الدعاوي على نقله، فلا يقبل فيه الواحد، ولو ~~كان ممن لقي مالكا وأخذ عنه، فكيف وبينه وبينه أعصار. # الخامس: إن ms037 مذاهب الأئمة لامعول على ما وجد منها في كتب المخالفين لهم. PageV01P140 # السادس: إن هذا الناقل الذي انفرد بنقله عن مالك، وهو إمام الحرمين لعله ~~انما نقلها عن مالك على الصورة التي حكينا لا على الصورة التي أداها المفتي ~~الاعلى أنها زلة. وهذا نصه في كتاب البرهان، قال: إن مالكا زل في نظره. كان ~~أثر زلله تجويز قتل ثلث الأمة(¬1). وزلات العلماء لاينبغي أن تعد لهم ~~مذهبا. وهذا الذي حملنا على أنكار هذا عليك. # السابع: أن إمام الحرمين رد هذه الزلة بالقطع بتحرز الأولين عن أراقة ~~محجمة من دم من غير سبب متأصل في الشريعة. PageV01P141 # الثامن: إن إمام الحرمين اضطرب في نقله. وهذا نصه في البرهان، قال: إذا ~~وجدنا أصلا واستنبطنا منه معنى مناسبا لحكم، فيكفي، والحالة هذه(¬1)فيه أن ~~لا يناقضه أصل من أصول الشريعة. فيكفي في الضبط فيه استناده إلى اصل متفق ~~على الحكم فيه. ومرجوعنا في ذلك إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مسترسلين(¬2)في استنباط المصالح من أصول الشريعة، ثم ترقى كلامه إلى أن ~~قال: ولايجوز التعلق به في كل مصلحة عندنا، ولم يرد ذلك أحد من العلماء، ~~ومن ظن ذلك بمالك رضي الله عنه فقد أخطأ، فإنه قد اتخذ اقضية الصحابة وشبه ~~بها مأخذ الوقائع(¬3). فمال فيما قال إلى فتاويهم وأقضيتهم، فإذا لم ير ~~الاسترسال في المصالح، وهذا كبنائه قواعد على سيرة عمر رضي الله عنه في ~~أخذه شطر مال خالد وعمرو، وقدر ذلك تأديبا له. وهذا زلل، فإنه لا يمتنع أنه ~~رآهما أنهما (آخذان)(¬4). من مال الله تعالى ما لا يستحقان أخذه على ظن ~~وحسبان، فكان يراعي طبقات الرعية بالعين الكالئة، فاللائق بشهامته وإيالته، ~~أن نظره الثاقب كان بالمرصاد، وكانوا مولين(¬5)على مال الله، فمتى أمكن ~~ذلك، وهو الظاهر، فحمله على التأديب لاوجه له، ولو صح عنه أنه أخذ مال رجل ~~غير متصرف في مال الله لكان يظهر (23=195/ب) ما تخيله مالك. # وكذلك كل واقعة ربط مالك أصلا من أصوله بها، فإنه لايراه استحداث أمر، ~~وهو ms038 عند الباحثين ينعطف على أبلغ وجه إلى قواعد الشريعة. PageV01P142 # فخرج من ذلك أن مالكا رضي الله عنه ضم وقائع الصحابة إلى الأمور الظاهرة في ~~الشريعة، ولم يظن بهم افتتاح أمر من تلقاء أنفسهم، ولكنه قال: الأخبار ~~محمولة على ما ينقل صريحا، وعلى ما فهم ضمنا، فأنا لا نظن بأئمة الصحابة ~~استقلالهم بأنفسهم في تأسيس الأصول. فهذا بيان مذهبه. # ثم قال: فالاستدلال المقبول هو الذي(¬1)لا يخالف أصلا من أصول الشريعةن ~~كما ذكرنا في المعنى المستنبط من الأصول. # ثم قال: كل معنى يلزم من طرده ما لم يكن مثله في الزمان الأطول، دل على ~~خروج المعنى عن كونه معتبرا(¬2). # فانظر هذا الامام الذي نقل هذه المقالة عن مالك لم ينقلها على الوجه الذي ~~نقله المملي، الا من نقلها عنه، ثم اعترف أنها زلة، ولم ينقلها أحد من ~~علماء المذهب، ولا كثر عند المخالفين(¬3). ثم إنه في هذا الكلام الذي ~~سردناه عنه اشترط فيما يعتبر من الأوصاف أن لايناقض مقتضاه أصلا من أصول ~~الشريعة، وكذلك قوله: ولايجوز التعلق بكل مصلحة، ومن ظن ذلك بمالك فقد ~~أخطأ. ثم قال: إن مالكا انما بنى مأخذه على أقوال الصحابة، وأنه لم يسترسل ~~في المصالح، وصدق فيما قال، فانه لم يقل برأيه إلا في نوازل قليلة بالنسبة ~~إلى ما أخذ عن السلف. والظاهر من حاله انما كان يختار في فتاويهم. PageV01P143 # وهذا الذي أراد أن يجتهد مع فقد شرط الاجتهاد، وشرط عمله كما سبق، أضاف إلى ~~ذلك، أن استدل بالمصلحة استدلالا أخرجه إلى مخالفة أصول الشريعة، وقد تقدم ~~أن ما أخرج إلى خلاف الأصول فهو باطل، ثم نسبه هذا إلى مالك خطأ بنص ~~الامام. # ثم هذا الاجتهاد أخرج إلى شيء لم يقل به أحد، ولم يوجد مثله على تطاول ~~الاعصار، ولم يوجد في أقوال الصحابة. ومالك على ما قاله الامام، انما جاء ~~بما جاء منها اتباعا لأقوالهم رضي الله عنهم، وهذا الاستدلال مخالف لأقوال ~~الصحابة ومن بعدهم هذه النوازل من الجراح، والقتل، والزنا، والحرابة، ~~والغضب، ومافيه من الكتاب ms039 والسنة حدا وعقوبة من مبدأ الإسلام إلى اليوم ~~ثمانمائة سنة وثمان وعشرون(¬1)سنة ونيف، فلم يسمع بهذا القول مع تكرر هذه ~~الوقائع. # فهذه فتوى بديعة، خارجة خروجا كليا عن النصوص والاجماع والاصول من ~~الشريعة، هذا امام الحرمين في كتبه، والفخر بن الطيب في محصوله وغيرهم ~~خطأوا من أفتى الملك الذي أفطر عمدا في رمضان بالصيام، لمخالفته الحكم، ~~واعتذاره بأنه لو أفتاه بالعتق والاطعام، لكان ذلك ذاعية لاستحقاره ذلك في ~~قضاء شهوته، فقالوا: هذه فتوى باطلة، لانها على خلاف حكم الله، لمصلحة ~~تخيلها الانسام بحسب رأيه، وان كان القاضي بن العربي أجاب بابن إمام ~~الحرمين خفي عنه مذهب مالك أن كفارة الافطار على التخيير. # فإن كان هذا المفتى مالكيا، لم يخالف حكما. وأنت ترى أن كلام الجميع ~~يقتضي أن كل اجتهاد بالمصلحة أدى إلى اعتبار ألغاه الشرع، أو إلى خلاف ما ~~حكم به، فهو باطل. PageV01P144 # قال الفخر في المحصول- تتميما للتغيير على هذا المفتى : فإذا عرف ذلك من ~~جميع العلماء تحصل الثقة بفتواهم، وظنوا أن كل ما يفتون به فهو تحريف في ~~جهتهم(¬1). # التاسع(¬2): أن المنصوص عن مالك خلاف ما نقل إمام الحرميين. قال الشهاب ~~في شرح المحصول: ما نقل إمام الحرميين في البرهان أن مالك يجيز قتل ثلث ~~الأمة في استصلاح ثلثها، المالكية ينكرون ذلك انكارا شديدا، ولم يوجد ذلك ~~في كتبهم، إنما نقله المخالف، وهم لم يجدوه أصلا.(¬3) # العاشر(¬4): أن الكتاب العزيز يدل على بطلان هذا القول، وهذا النوع من ~~الاجتهاد بطلانا يقينيا. أعين قول القائل بإفساد الثلث في صلاح الثلثين. # وقد قدمنا أن الذي نسب على مالك على أنه لم يقل ولا أصحابه لا هذا ولا ~~هذا: فساد ثلث الأمة (24=196/ا) في صلاح ثلثيها. وقد قدمنا ما بين ~~العبارتين من الفرق. قال الله تعالى: "ولولا رجال مومنون ونساء مومنات لم ~~تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من ~~يشاء، لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما"(¬5). PageV01P145 # وبيان وجه الدلالة منها، أن المراد بالرجال والنساء ms040 من كان من المستضعفين ~~بمكة يكتم إيمانه، فبين سبحناه أنه لم يعذب الكافرين من أهل مكة بأيدي ~~المومنين، يكون بعضهم معهم، أو بعض المسلمين فيهم، فهؤلاء كانوا أناسا ~~قليلين، كالوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام. وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لهم، فروعي الكافر في حرمة المؤمن إذا كان ~~اذاية الكافر يخاف منها اصابة المؤمن، وقد علم أن مصلحة المؤمنين في تعذيب ~~الكافرين وقهرهم علما قاطعا، وان قتال الكفار واجب قطعا، ونكايتهم وعدم ~~الابقاء عليهم متحتم شرعا، وان في ذلك صلاحا للإسلام بجملته، وللمسلمين ~~بجملتهم، فمنع الله سبحانه مما قد يؤدي إلى فساد هذا العديد، الذي هو أقل ~~القليل في مصلحة الإسلام والمسلمين والجم الغفير(¬1). # ومن المعلوم في هذا من قول القائل والعياذ بالله لا بأس بإفساد الثلث ~~في صلاح الثلثين يقتضي العموم، لو كان فساد الثلث محققا وصلاح الثلثين ~~مضنونا. وهذا قول خارج عن دين الإسلام.(¬2) PageV01P146 ~~وبيانه من الآية، أن صلاح دين الإسلام والمسلمين على كثرتهم بتعذيب الكفار ~~أمر قطعي، وهلاك من كان فيهم من ضعفاء المؤمنين عند قتالهم أمر قد يكون أو ~~لا يكون، ولذلك يقدرون، أعني علماء اللسان والمعاني وأهل التفسير، في مثل ~~هذا التركيب، خشية أن يصيبوهم، فان كان أقل قليل يخشى فساده مع عدم تحققه، ~~ولا يجوز إفساده لأجل صلاح أكثر الكثير مع تحققها، فكيف يجوز اهلاك الثلث ~~محققا لاجل صلاح الثلثين المضنون أو المحقق، وكيف يجترئ المرء أن ينقل هذا ~~عن إمام العلماء، ثم يجعله أصلا من أصول فتواه. فانا لله وأنا إليه راجعون ~~على فقد العلماء. "ان الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكن ينزعه بقبض ~~العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير ~~علم، فضلوا وأضلوا"(¬1). # الحادث عشر: أن قول القائل: فساد الثلث في صلاح الثلثين يقتضي انه يجوز ~~الاقدام على علم فساد الثلث لإصلاح الثلثين، وهذه أيضا فتوى خارجة عن ~~الدين،(¬2)والدليل عليه، قوله تعالى: "لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم ~~معرة ms041 بغير علم "فدل أن هذا الفساد والإصابة في القليل من المومنين أن وقعت ~~في قتال الكفار، فإنها تقع بغير علم، ومع ذلك حمى الله الكفار ومنعهم، لئلا ~~يصاب معهم العدد القليل على غير علم ممن أصابه، فكيف يجوز للمومن الذي يخاف ~~ربه أن يطلق لسانه: " لابأس بإفساد الثلث في صلاح الثلثين" إطلاقا؟. يقتضي ~~أن إفساد الثلث المعلوم للمفسد في إصلاح الثلثين لا بأس به.(¬3) PageV01P147 ~~الثاني عشر: أن قول القائل: لا بأس بإفساد الثلث في صلاح الثلثين يقتضي ~~جواز القصد إلى ذلك، والآية رد عليه، لأن الله تعالى حمى الكافرين لأجل ~~مافيهم من العدد القليل من المؤمنين، اتقاء أن يخطئ مخطئ بقتلهم، أو يقتل ~~أحدا منهم على وجه الخطأ لا على وجه العمد، فإذا كانت هذه المصلحة العظمى ~~من قتل الكفار وصلاح الإسلام والمسلمين حمى الكافر معها، خشية أن يصاب ~~المؤمن خطأ، فكيف يستجيز المؤمن أن يبيح إصابة مؤمن عمدا لصلاح غيره، أو ~~يطلق هذه العبارة التي تقتضي ذلك؟(¬1). # الثالث عشر: أن الآية صريحة في سد الذرائع. فتجنب المصلحة المحققة في ~~الكثير خشية مفسدة متوهمة في القليل، هو أصل محقق عند مالك لم يختلف عنه ~~فيه، والإجماع على أنه مذهبه، فكيف يليق (25=196/ب) هذا بمن خاف الله ووقر ~~العلماء، وهو يعلم من مذهب مالك رحمه الله سد الذرائع على هذا النحو، ثم ~~ينقل عنه فساد الثلث في صلاح الثلثين؟(¬2). # الرابع عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم في جماعة المسلمين، أن كانت ~~مصلحتهم في تعذيب من كان من الكافرين بمكة، والنبي صلى الله عليه وسلم يرجع ~~بأمته وأضعافهم، فإذا كان الله عز وجل قد حمى الكافرين خشية أن يخطئ ~~المسلمون فيصيبوا مسلما، ولو كان في ذلك مصلحة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~عن جلالة قدره ورفعة شأنه، فتصير نسبة ذلك القليل بالنسبة إليه صلى الله ~~عليه وسلم قريبا من العدم، فكيف يصوغ لمومن بعد هذا أن يقول بفساد الثلث في ~~صلاح الثلثين؟. # الخامس عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ms042 معه يومئذ عترته الاكرمون، ~~والخلفاء الراشدون، وبقية العشرة، وجميع من بايع تحت الشجرة وأهل بدر وأحد، ~~وماعسى أن تكون نسبة من بمكة من ضعفاء المؤمنين إلى إبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه وحده الذي رجح إيمانه بإيمان الجميع، فضلا عمن سواه معه. PageV01P148 # فإذا كان أكثر المسلمين وصدورهم الأكرمون عند الله يمنعون من قتل الكافرين، ~~وهو واجب عليهم، خشية أن يصيبوا مومنا خطأ، فكيف يستجيز مسلم بعد هذا أن ~~يقول أثرا، او ذاكرا مفتيا، أو مشيرا أو مذاكرا: لا بأس بفساد الثلث في ~~صلاح الثلثين؟ # السادس عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم يجب على كل مومن أن يفديه بنفسه ~~وأن يحميه بها، لو كان من شوكة تصيبه كما قال خباب(¬1)، وقد هيء للقتل ~~فقيل: أتحب محمدا مكانك وأنت في أهلك؟، فقال: والله ما سرني أني في أهلي ~~ويشاك محمد صلى الله عليه وسلم بشوكة. # وما كان يلاقي عليه الصلاة والسلام من المشركين في ذات الله من القتال ~~والأذى بكل وجه أمكنهم أعظم من الشوكة، فأي مصلحة أعظم من وقاية النبي صلى ~~الله عليه وسلم ونصرته وخلاصه من أعدائه، وإهلاك من بمكة من الضعفاء ~~بالنسبة إلى هذه المصالح، لو كان الهلاك محققا، فضلا عن كونه مظنونا أو ~~مشكوكا أو متوهما؟. # فإذا لم يجز فساد المشركين خوف إصابة هذا النزر القليل، لأجل وقاية محمد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، الذي ارتفع قدره عن جميع العالمين، فكيف تسمع ~~الآذان قول من ألقى على لسانه الشيطان: لا بأس بفساد الثلث في صلاح ~~الثلثين.(¬2). PageV01P149 # السابع عشر : في الآية أدل دليل على حرمة المؤمن، ومساواة حرمة القليل ~~لحرمة الكثير والواحد للجماعة، لو عظمت، لو زادت من أوصاف الرفعة وخصال ~~الشرف، وارتقت الغاية، ولهذا جاء عنه صلى الله عليه وسلم "أنه لو اجتمع أهل ~~السماوات والأرض على قتل رجل مومن واحد لأدخلهم الله النار"(¬1). # وكيف يسوغ لعاقل بعد هذا أن يقول: لا بأس بإفساد الثلث في إصلاح الثلثين، ~~وهو نص قوله تعالى: "من أجل ذلك كتبنا على ms043 بني اسرائيل أنه من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيى ~~الناس جميعا"(¬2). PageV01P150 # الثامن عشر: أن هذه المقالة لو ثبتت، لكانت بناء على القول بالمصلحة ~~المرسلة، اذ لا أصل لها غير ذلك، وبناؤها على المصلحة المرسلة باطل، لأن ~~المرسل من شرطه أن لا يكون ثبت إلغاؤه، ووصف الكثرة التي فضل بها الثلثين ~~على الثلث ملغى بدليل الآية، لأنها اقتضت أن حرمة الواحد كحرمة الجماعة، ~~وحرمة القليل كحرمة الكثير، لأن الجماعة إذا تمالؤوا على قتل واحد قتلوا ~~كلهم، عذبوا كلهم على ما اقتضاه الحديث السابق آنفا. وإذا كان (26=197/أ) ~~وصف الكثرة ملغى شرعا، فكيف يصح المبني ويبطل ما بني عليه، ولأنها قضية ~~بديعة خارجة عن أحكام الإسلام وأصول الشريعة لم يعهد مثلها في الأولين. قال ~~إمام الحرمين: "وأما التأديب بالقتل لضبط الدول وضبط السياسة لمن عادات ~~الجبابرة، وماحدثت إلا بعد العصر الأول"(¬1). # التاسع عشر: يكفيك من بطلان المقالة، اعني: فساد الثلث في إصلاح الثلثين، ~~أنها لم توجد على هذه الصفة، والموجود منها وهو فساد ثلث الأمة في صلاح ~~ثلثيها تبرأ منه جميع أهل المذاهب. وما نقله إمام الحرمين على أنه زلة، ~~وشنع به ولم يعرفه، وأنكره المالكية على ما سبق. # العشرون: مما يدل على بطلانه، أعني: هذا النقل عن مالك رحمه الله، أعني ~~قول القائل: لابأس بإفساد الثلث في صلاح الثلثين، أن مالكا رحمه الله سئل ~~عن حصن العدو يكون فيه مسلم، ومركب العدو يكون فيه مسلم، قيل: أيجوز أن ~~يحرق ويغرق؟، فقال: لا(¬2)واحد من الحصن والسفينة أقل من الثلث، وكيف يقول ~~بإفساد الثلث في إصلاح الثلثين، ويدعي أنه مذهبه الذي جرت عليه أحكامه مع هذا؟. PageV01P151 # الحادي والعشرون: انه رأى الآية محكمة فيما دلت عليه من مساواة القليل ~~بالكثير في الحرمة، وبطلان القول بأن فساد الثلث في صلاح الثلثين جائز. ~~والدليل على ذلك أنه استدل بها حسبما أثبت عنه في المدونة وغيرها. # الثاني والعشرون: مما يدل على بطلان نسبة هذا القول إليه، ms044 أنه قال: إذا ~~كان حصن العدو ليس فيه إلا المقاتلة، فلا بأس أن يحرق أو يغرق إذا كان معهم ~~ذرية، أونساء، فلا يعجبني(¬1)، ومن المعلوم أن حرمة المومن أعظم من حرمة ~~ذرية المشركين ونسائهم. فإذا منع من إفسادهم لمصلحة المسلمين ولم ير ذلك، ~~فيكف يصح عنه القول بفساد الثلث في صلاح الثلثين، أو ثلث الأمة في صلاح ثلثها. # الثالث والعشرون: انه يلزم على طرد هذه المقالة، أن الإنسان لو اضطر إلى ~~فلقة من فخذه جاز له أن يقطعها، ولو كانوا ثلاثة جاز لهم أن يأكلوا أحدهم، ~~ولا قائل به من أهل الإسلام، وان كان بعض الشافعية ذكر وجها ضعيفا فيما إذا ~~تلاشى ضرر الفلقة بالنسبة إلى حالة في المخمصة(¬2). # قال: ولا خلاف انه لا يجوز أن يفعل ذلك بنفسه. # فكيف يدعي هو هذا على المذهب المالكي أن فساد الثلث في صلاح الثلثين ~~جائز، ويؤثر به رفيقه المضطرد. PageV01P152 # الرابع والعشرون: مما يدل على فساد هذه المقالة، أن أصحاب مالك لا يعرفونها ~~عنه ولا يعولون عليها، أعني قول القائل: لا بأس بإفساد الثلث في صلاح ~~الثلثين. ما وقع للقاضي ابن رشد رحمه الله في كتاب الأسئلة. وهذا فقد قال: ~~وأم السؤال عن العدو أهلكه الله، لو قدم البيت الحرام، أو قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال للمسلمين: أما دفعتم إلينا رجلا منكم، يسمونه، وإلا ~~هدمنا البيت ونبشنا نبيكم. فهي من المسائل التي بثها في الناس أهل الزيغ ~~والتعطيل، حتى يلزموهم بزعمهم قتل النفس المحرمة، واستباحة حرمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فيسخروا بهم وبدينهم. والنبي صلى الله عليه وسلم اكرم على ~~الله من أن يمكن أعدائه الكفرة من استباحة حرمته ونبشه من مضجعه، وكما عصمه ~~الله عز وجل ممن أراد سوءا او مكروها في حياته، فكذلك عصمه ممن أراد ~~استباحة الشيء من حرمته بعد وفاته، ويهلك من تعرض إلى شيء من ذلك، ولو ~~يصلوا إلى قبره، والله يعيذ من ذلك، لهابوه وعظموه وحفظوه وتمسحوا بترابه ~~واستشفعوا بضريحه. الا ترى أن الروم ms045 إلى اليوم على قبر أبي أيوب ~~الأنصاري(¬1)يستصبحون ويستسقون إذا اجذبوا لمكانه من النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فكيف به صلى الله عليه وسلم (27-187/ب). # ولما وقع السؤال عن هذا، امتنع بفضل الله المحال، ولم يكن به من الجواب ~~عن رفع شبهة من رام الطعن في الدين، لأن ذلك لا يخشى وقوعه بفضل الله ~~ومنته، فيفتقر إلى معرفة الحكم. PageV01P153 # فنقول: أن الجواب: كان يكون على جميع المسلمين في ذلك أو يموتوا عن آخرهم، ~~دون استباحة حرمة النبي صلى الله عليه وسلم، وشرف وكرم، ولا يدفع إليهم ~~الرجل الذي طلبوه ليقتلوه، إذ ليس هو أولى من أن يكون فداء لحرمته سمن كل ~~واحد منهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم، والخبر تفسير بيده، "لايومن أحدكم ~~حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين"(¬1). # وقال سعد بن أبي الربيع(¬2)رضي الله عنه يوم أحد ليأتيه بخبره: اقرأه ~~السلام عني، وأخبره أني قد طعنت ثلاث عشرة طعنة، وأني قد أنفذت مقاتلتي، ~~وأخبر قومك انه لا عذر لهم عند الله أن قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وواحد منهم(¬3). وحرمته صلى الله عليه وسلم حيا وميتا سواء. وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم "كسر عظم المومن ميتا ككسره حيا"، يريد في الاثم(¬4). فكيف ~~به صلى الله عليه وسلم في ذلك، وبالله التوفيق. انتهى نص السؤال ~~فانظره(¬5). # لأن نسبة رجل واحد من الأمة بالنسبة إليهم، والنسبة بالنسبة إلى حرمته ~~صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لا يسلم إلى العدو، والرجل الذي طلبوه وان كان ~~وقاية للمومنين ولجسد نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك، لم يجز ~~إسلامه. PageV01P154 # الخامس والعشرون: إن هذه المقالة لا مدخل لها في المسائل التي سئل عنها ~~فيما يعاقب به الجاني من المخرج المسمى الخطايا، فإنه لا ثلث فيها ~~ولاثلثين. # نسبة المقالة السابقة إلى المهدي بن تومرت والجواب عنه: # قال المفتي المذكور: وكذلك حفظ من كلام المهدي إمام الموحدين وقاعدتهم، ~~وكان قام بالمعروف والنهي عن المنكر، وعمل بذلك في بعض ms046 أمور وقضاياه على ما ~~ذكره المؤرخون، ظهر له بالاجتهاد(¬1). # أقول : هذا مردود من أوجه: # الأول: أن الأحكام الشرعية، ولاسيما في مثل هذه المسائل المعضلة، لاتبنى ~~على كلام المؤرخين، لما علم من استرسالهم وتساهلهم في تلقي أخبار الدول ~~وعدم الوثوق بأكثرهم. والإمام المهدي غير معدود في المنفردين بالمذاهب، فإن ~~كان على مذهب أبي حنيفة والشافعي، فهذا لايصح عنه والقول عندهم به من أشنع ~~شنيع، وإن كان على مذهب مالك فقد تقدم أن مالكا لم يقل به، وانما قال بضده ~~على ما سبق من الأوجه المذكورة قبل هذا، وأن أئمة المذهب ينكرون عنه ذلك، ~~فلم يوجد في مسائله دليل عليه. وما نسب المؤرخون إلى الإمام المهدي هو الذي ~~أشرنا إليه حتى نطق هذا المفتى به في مقام تحليل ما علم تحريمه من أكل ~~المال بالباطل، وأراد أن يبني عليه إباحة الخطايا، لأنه من كلام العامة، إذ ~~لا يصح هذا عن الإمام بعدما علم من قيامه بالعدل، وصح والحمد لله أنه كلام ~~لم ينزل في كتاب الله، ولا جاء به رسول عن الله، ولم يقله أحد من علماء ~~الملة. وما نقل عن مالك في ذلك فباطل حسبما صرح به أصحاب مالك، وما دلت ~~عليه مسائله إلى ما دل على بطلانه من كتاب الله تعالى. PageV01P155 # الثاني: إن ذلك لا يليق به على ما هو معروف به من الورع، حتى ذكر من عرف به ~~أنه كانت له أخت، وكان يأكل من غزلها وكان شديدا في ذات الله، غليظا على ~~أهل المنكر. فكيف يصح عنه أنه كان يقول بفساد الثلث في صلاح الثلثين، ويلزم ~~ما فيه من الشناعات والمخالفة للكتاب والسنة وما عليه علماء الأمة، لكن من ~~استجاز أن يجعل مذهب مالك غير ما هو مذهبه يستجيز مثله في الامام المهدي. ~~وانظر كيف لم يجد عاملا على زعمه بين مالك والامام المهدي على كثرة الأئمة ~~والاعلام. # الثالث: إن الناس اختلفوا (28-198/أ) في قول الصحابي هل يكون حجة أم لا؟، ~~ولم يختلفوا في قول غير الصحابي رضي ms047 الله عنهم. # قال: ظهر له ذلك بالاجتهاد # أقول: ما أبعد هذا في حقه، ولاسيما قد قرأ على الغزالي، وهو لا يقول وأحد ~~من الأئمة على ما سبق بأخذ المال من الجناة، وهو حرام على ما تقدم بالكتاب ~~والسنة وإجماع الأمة، ولا سيما في مسال الحدود. وكيف يليق ذلك وقد ورد في ~~نبأه أنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا؟. وأين العدل من بيع الحدود ~~بالأموال وزيادتها عليها. # قال: والأعمال بالنيات. # أقول: هي الأعمال الصحيحة الجارية على وفق الشريعة، وأما الأعمال التي لا ~~على وفق كتاب ولا سنة، فنيتها لا تزيدها إلا فسادا. وحاشى الامام المهدي من ~~ذلك. ومن كلام الشيخ أبي محمد في رسالته رحمه الله: "ولا قول ولا عمل ولا ~~نية إلا بموافقة السنة"(¬1). # فليت شعري بأي كتاب من كتب الله أهتدي؟، وبأي سنة من سنن الرسول صلوات ~~الله عليه وسلامه أقتدي؟، ولكن الزلل وان كان من العمل والنية تشد عقده، ~~وتنجز لصاحبها من التمادي في الغي وعده. PageV01P156 # قال: وأصله من السوس الأقصى، ودخل جده في جيش موسى بن نصير وانتشرت ذريته، ~~فكان هذا منها، وقرأ العلم في أقصى المغرب، وعلى فقهاء الأندلس في زمن بن ~~رشد رحمه الله، وحج ولحق بغداد وقرأ على الغزالي، وقام بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر لدثور الشريعة عنده في ذلك الزمان وذكر أصحابه أنه المعني ~~في الخطبة، الذي يملأ البسيطة ... إلى آخره. وقدم إلى المهدية، وكان يحضر ~~مجلس الامام المازري، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وطاف في نواحي ~~افريقية وبلاد المغرب إلى أن انتهى إلى بلاد تينمل وجبال الدرن، فمن ثم ظهر ~~أمره وفعل ما فعل من المصالح المرسلة.(¬1) # أقول: إن ما كان رأى من التغيير والجور والعتو ما حمله على تغيير المنكر ~~فقام بذلك إلى أن كان من أمر الله ما كان. ودفع المنكر باليد ليس من ~~المصالح المرسلة لمن أقدره الله عليه، بل من المصالح المعتبرة المأمور بها ~~على شروط معروفة من أهل العلم. # اشتهار المسألة في بلاد الموحدين والجواب عنه ms048 من وجوه: # قال: وقد تكون هذه القضية المذكورة من أفعاله، لشهرتها في بلاد الموحدين، ~~وقد تكون على كيفية خاصة مما يقبله الشرع والعقل، وإنما غيرها ولاة الجور ~~حتى زادوا فيها وعال أمرها. # أقول: هذا من عجيب الأمر من وجوه: # الأول : إن الإمام يثني عليه، ويرضى عنه في خطبته، ويعترف له بالامامة، ~~ثم ينسب إليه ما اعترف أولا انه ظلم في قوله: أسقطها كما أسقط غيرها من ~~المظالم أثابه الله. # الثاني: أنه اعترف أن الخطايا الموجودة اليوم على كيفية لا يقبلها الشرع ~~ولا العقل، ثم هو قبل هذا يعتب على ما سد الباب فيها ونسبه إلى الجهل، ~~ويقول يجري على المصالح المرسلة، وفساد الثلث في صلاح الثلثين. # الثالث: انه أولا نسبة إلى المهدي تحقيقا وأنه فعلها، ثم هو الآن يقول: ~~وقد يكون من أفعاله، واستدل على أنها من أفعاله شهرتها في بلاد الموحدين. PageV01P157 # الرابع: انه أراد أن يثبت قوله بالتعصب، فهجا هؤلاء الخلفاء لأنها منتشرة ~~في بلادهم على وجوه لا يقبلها الشرع ولا العقل، إذ ولوا ولاة الجور، وفي ~~ضمن ذلك تجويرهم. # الخامس: كيف يحل له أن يسند قولا إلى مظنون به بالخير، بمجرد التجويز ~~واستصحاب الحالة اللاحقة، ولا تعرف هذه الخطايا للقدماء من الموحدين ولا ~~يظن ذلك بهم. PageV01P158 # سمعت الشيخ العالم أبا العباس أحمد بن القصار(¬1)يقول: بعث الأمير أبو ~~زكريا أول ولايته إلى أعيان بلد تونس، فسألهم عما يكسون أهاليهم ليقتدي بهم ~~في ذلك، حتى لا يأكل وينتفع من بيت المال إلا بالمعروف. فمن كان على هذه ~~الحالة في الصرف، فكيف يرضى في الجمع بإدخال ما لا يقبله شرع ولا عقل؟، ~~وهذا حال متأخري الموحدين، فانظر كيف حال متقدميهم، والعدل جديد لم يخلق. ~~ثم انظر على هذا المفتي هو الآن (29=198/ب) يرى إثبات قاعدة هي بزعمه ~~شرعية، بنى عليها من الأحكام ما يملأ بين السماء والأرض، يبنى أساسها على ~~نقل مجرد عن مخالف شنع بها واعترف أنها زلة، وهي منكرة عند المالكية، دلت ~~قواعد الشريعة والمذهب على خلافها، ثم يثبتها ms049 عن الامام المهدي بالتقدير ~~والحذر، فكم بين هذا وبين عدد من رد عليه بعدها، بأنه يرد قوله، وهو باطل ~~مجمع عليه، بالحذر والتخمين،"فأي الفريقين أحق بالأمن أن كنتم تعلمون"(¬2)، ~~وما قاله والله أشنع. فان المثبت مطالب بالدليل، والنافي غير مطالب به، ~~وإثبات قاعدة في الدين بالحذر والتخمين عظيم في الدين"فويل للذين يكتبون ~~الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، فويل لهم ~~مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون"(¬3). PageV01P159 # ثم انه ينسب إلى المهدي أنه خالف النصوص من الكتاب والسنة، وزاد في الحدود، ~~وتحكم على مولاه، وأراد أن يشرع بهواه أحسن مما شرع الله. ثم أن هذا الكلام ~~يقتضي أن رسوما غير هذا المنهاج، مسألة الخطايا من بقايا تلك الرسوم. ~~فأعجبوا لمثل هذا المدح بمثل هذا الذم، والرفع بمثل هذا الوضع، وأعجب منه ~~قوله: وقد تكون على كيفية خاصة وقبلها الشرع والعقل. # السادس: أن العقل لا مدخل له في الأحكام الشرعية، ولكنه وقع هنا تسامحا وسهوا. # فتوى البرزلي والجواب عنها من وجوه: # قال: والذي أقوله الآن في بوادي افريقية واعرابها، والبلاد النائية عنها ~~من الحواضر التي هي محل بث الشرع، وغلب عليهم الجهل، والتعرض للأموال، ~~والأخذ بالدماء، والهروب بالحريم، وأخذ الأموال بالخيانة والغش والحرابة ~~والمعاملات الفاسدة، أن يفعل بهم ما يقطع هذه المفاسد من التعرض لبعض مال ~~الجناة وبدنه وسجنه، عقوبة له، فيوقف من ماله ما يحسم به مادته، أما ~~بإعطائه للمجني عليه، أو يرد عليه أن أحسنت حاله، أو يوضع في بيت المال، أو ~~يتصدق به، كما هو في بعض المسائل الآتي ذكرها. وهذا الذي تدل عليه بعض ~~المسائل المالكية والقواعد الشرعية والاجتهادية. # أقول: هذا كلام فاسد من وجوه: PageV01P160 # الأول : موضوع الكلام، والمسؤول عنه، كما فرضه هو، ما يعاقب به الجاني إذا ~~ارتكب قطعا، أو قتلا أو جرحا، أو حرابة، أو هروبا بامرأة، أو غصبا، أو ~~تعديا، كما فرضه في أول كلامه. فهذه الجنايات التي كان تجوز المعاقبة عليها ~~بالمال لأجل الجناية، بلا فرق أن ms050 يكون الجاني بدويا، أو أعرابيا، أوحضريا ~~ببلاد قريبة من الحواضر أو بعيدة عنها، لأن الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ~~أن أحكام المسلمين في هذه الجنايات على وتيرة واحدة، ولذلك كان صلى الله ~~عليه وسلم يقول فيمن أسلم من الأعراب والبوادي أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ~~ما عليهم، وأنهم يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المسلمين. فافتراق ~~البدو والحضر في موجبات الحدود والجنايات لا أصل له. # الثاني : هؤلاء الذين أباح أخذ بعض أموالهم، لا يخلوا ما أن يكون جنوا ~~شيئا من تلك الجنايات أولا، فإن كانوا جنوا، فإن كانت جنايتهم القتل، أو ~~السرقة، أو القطع، أو الجراح، أو الحرابة، أو الزنا، أو القذف، أو شرب ~~الخمر، أو إما فيه حد معين من الشارع أولا، فإن كان الأول، فالقول بأخذ ~~المال فيه خروج عن الشرع والدين، وإن جنايات مالية، كالسرقة والحرابة، فقد ~~علم ما فيها، وأما غير ذلك من الاختلاس والغضب والتعدي والخديعة، فالعقوبة ~~في هذا محله الضرب والسجن، هذا المنصوص للعلماء، ولم يقل أحد تكون العقوبة ~~فيها مالا. # الثالث: أن هذا الذي عللوا به، كثير منه في الحواضر، لا سيما المعاملات ~~الفاسدة، مع أن الناس اليوم بافريقية، بحمد الله تعالى في غاية الطاعة، ~~أقرب منهم (30=199/أ) من الحواضر، وما بعد كلهم تنالهم أحكام الخلافة، بل ~~البعيد منهم أتم أذعانا، لبعد نصرتهم، وقد يكون التقي لله فيما بعد من ~~البلاد وما قرب، والمسلم لا تستباح نفسه، ولا عرضه، ولا ماله لمجرد الشك. PageV01P161 # فإن كان أراد أنهم تؤخذ أموالهم أو بعضها، وان ارتكبوا شيئا من هذه ~~الجنايات، لان الغالب عليهم الجهل، إلى آخره، فهذا خطأ أيضا، لأن دار ~~الإسلام تمنع ما فيها، والمسلم معصوم الدم والمال قطعا، فلا تستباح إلا ~~بيقين بالحق أنه أن ثبت أن منهم من استغرق ماله الغصب والنهب ونحو ذلك وكان ~~المظلوم معدوما، أخذ من الظالم وأعطي للمظلوم، أعني إذا كان الظلم أخذ مال، ~~لا كما قال المفتي: إذا كان جنى عليه بقتل أو جرح أو هروب، وإن ms051 لم يعرف ~~المظلوم كان بمنزلة الأموال الضائعة، لايتفق على اختصاص الفقراء بها. وما ~~أدري كيف يفهم قوله صلى الله عليه وسلم: "الحدود كفارة لأهلها"(¬1)، إذا ~~كان يقول: يؤخذ من مالهم؟، فإنه مما يدل على بطلان أخذ المال، لأنه يلزم ~~عليه ألا يكون يجزيه في الكفارات. # الرابع: انه قد تقدم أن أخذ أموال مرتكبي الجنايات لا أصل له، وحكينا ~~الإجماع في غيرما موضع على أن ما كان من العقوبة بالمال، أن كان منه شيء ~~فهو منسوخ. فأن تنزلنا، قلنا: سلمنا جدلا أنه غير منسوخ. فقد تقدم أن القول ~~به في مسائل الحدود وما شرع حكمه نصا استحال، لما علم تحريمه القاطع، وهو ~~كفر. وأقمنا الدلالة أيضا، على أنه لا عقوبة في غير مسائل الحدود بالمال. PageV01P162 # سلمنا انه يعاقب في غير الحدود في المال، فما معنى: فيعرض لبعض مال ~~الجاني؟، فما الذي يبيح البعض دون الكل؟، وكم هو هذا البعض؟، وفي أي شيء ~~هو؟، وهو يكون بمقدار واحد في الجنايات، أو يختلف؟، وهل يختلف بالغنى ~~والفقر أو لا؟، وإذا اختلف بالغنى والفقر، فهل درجة الأغنياء فيه واحدة ~~جنايتهم، وإيجاب الغرم سواء، أو يختلف كما تختلف الزكاة، أم يكون ذلك ~~بالاجتهاد من الوالي؟، وهل يشترط في المجتهد في ذلك أن قال به أن يكون ~~عدلا، أو كيفما كان؟، كما هو اليوم. هل هذا الأعين الضلال، والله أمركم ~~بهذا، أم تقولون على الله ما لاتعلمون؟، الله أذن لكم، أم على الله ~~تفترون؟،"أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ولولا كلمة ~~الفصل لقضي بينهم، وان الظالمين لهم عذاب أليم"(¬1). # الخامس: إن كان المال رادعا، فلم زاد البدن؟، وإن كان عقوبة البدن رادعة، ~~كنا اقتضت الشريعة، فلم زاد المال؟. # السادس: انه قال: يوقف من ماله ما تحسم به مادته، اما بإعطاءه المجني ~~عليه، واما بوضعه في بيت المال، واما بالصدقة به. فهل في هذه الأقسام ~~الثلاثة شيء من الإيقاف؟. فلفظ الإيقاف يوهم به أنه لا يقول بأخذ المال، ثم ~~يعرض عنها، ms052 ويفسرها بالتصرف في المال. يريد بذلك أن يجعل فتياه ذات نفقين، ~~فان نازعه علماء الشريعة، قال: ما قلت الا بوقف، وان كان مع الأمراء، قال: ~~ضعوه في بيت المال، أو اعطوه للمجني عليه، أو تصدقوا به. ثم هذا كله تمويه، ~~وإلا فهو، والله، يعلم انهم يأخذون أعواض هذه الجنايات لأنفسهم، فيصرفونها ~~كيفما شاءوا. # وكذلك قوله في الأعراب، أن ما جاء به ليهينه لمن يعدله في مخالفة الشرع. ~~يقول: قلته في الاعراب، وهو يعلم أن الخطايا إنما هي من الرعايا أهل ~~المواشي والعمال بأنفسهم، وأكثر مكاسبهم حلال، بل هي أحل من أرزاق كثير من ~~أهل الحواضر أو أكثرهم. PageV01P163 # وكذلك قوله: البلاد البعيدة، لا يخلو من أن يكونوا تحت الإيالة والطاعة ~~أولا. فإن كان الأول، فلم لا يسار فيهم بسيرة الإسلام، من إقامة الحدود، ~~وتوفية الحقوق. فإن كانوا على خلاف ذلك، فلا يستطاع أخذ المال منهم ولا ~~غيره. ثم كبر حد هذا البعد، ما هذا إلا ليوهم الرعاع من الطلبة (31=199/ب)، ~~وأهل التحريف والميل إلى الهوى والشهوات، إلى الاعتذار عنه بأنه ما أفتى ~~بالعقوبة بالمال، وما أفتى فيها إلا في مستغرقي الذمم، والكلام معه وما سئل ~~وشوور واستفتي وذوكر، على زعمه، إلا في الواقع، وهو أن المرتكب جرحا، أو ~~قطعا، أو سرقة، أو حرابة، أو زنى، أو هروبا بامرأة، أو تعديا، أو نحو هذا، ~~كما ذكر أولا، كان مستغرق الذمة أو لم يكن، وهو يعلم أن مستغرقي الذمة ~~لايوصل منهم إلا إلى المستضعف، وإنما هذه الخطايا على ضعفة الرعايا. فهو ~~يريد أن يجعل لفتياه وجهين، أن نظرها أهل الهوى وجدوا فيها متمسكهم، وفيه ~~أكمل متسع، وان احتاج هو إلى دفع أهل الشريعة عن الإنكار عليه دفع، وما ~~يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، وسيعلم غب هذه الفتيا يوم ~~يخضر الخلائق بين يدي الله خصماء. PageV01P164 # السابع: قوله: إنه يؤخذ من ماله ما يعطي للمجني عليه، أخذ للمال بغير ما ~~أنزل الله، وإطعام السحت وما حرم الله، وقد قال صلى ms053 الله عليه وسلم: "لعن ~~الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه"(¬1). والدليل على ذلك في الصحيح ~~من قول الرجل: يا رسول الله إن ابني كان عسيفا على هذا وانه زنى بامرأته، ~~فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، ثم سألت أهل العلم، فأخبروني انما على ابن ~~جلد مائة وتغريب عام، وان على امرأة هذا الرجم، فقال صلى الله وسلم:"والذي ~~نفسي بيده، لأفضين بينكما بكتاب الله، أما الغنم والوليدة فرد عليك، واغديا ~~انيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" الحديث.(¬2)فلو كان مال الجاني ~~يحل أخذه ودفعه للمجني عليه، كيف ينتزع النبي صلى الله عليه وسلم المال من ~~زوج هذه المرأة، وقد زنى بها؟، وإذا كان يجوز أن يكره على هذا، فكيف يرد ~~إليه، وقد أخرجه طوعا عن ولده؟. PageV01P165 # وهذا الذي أمر به هذا المفتى هو الذي يسميه أهل العرف اليوم الحشمة. وهذا ~~أن يهرب الرجل بزوجة الرجل، فإذا وجد، أخذ امرأته منه، ودفع له مالا عوضا ~~عما أصاب منها، يسمونه الحشمة، وهذا هو مهر البغي، الذي نص الرسول صلى الله ~~عليه وسلم على تحريمه(¬1)، وهو قد أدرجه في هذه الجنايات التي يؤخذ فيها ~~مال الجاني ويعطي للمجني عليه. فإنا لله وإنا إليه راجعون، على ذهاب العلم ~~والعلماء، "إن الله لا ينزع العلم انتزاعا، ولكن ينزعه بموت العلماء، حتى ~~إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا ~~وأضلوا"(¬2). PageV01P166 # وقد ترجم البخاري رحمه الله باب إذا اصطلحوا على صلح جور فهو مردود، ثم ~~قال: الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، ~~قال: "جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ~~اقض بيننا بكتاب الله، فقام خصمه فقال: صدق، أقض بيننا بكتاب الله، فقام ~~الأعرابي فقال: إن ابني عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، فقالوا لي: علي ابنك ~~الرجم، ففديت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم، فقالوا: ~~إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام. فقال النبي صلى الله ms054 عليه وسلم: لأقضين ~~بينكما بكتاب الله، أما الوليدة والغنم فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة ~~وتغريب عام. وأما أنت يا أنيس فاغد على امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها، ~~فغدا عليها أنيس فرجمها"(¬1). # ودل هذا الحديث على بطلان هذه الفتوى من وجوه: # الأول: تسمية أخذ المال في هذا جورا، ولم يخالفه أحد في ذلك من العلماء، ~~ولم ينكر عليه. # الثاني: إذا كان جورا، وهو مأخوذ بالرضا، فما بالك بالمأخوذ كرها. # الثالث: ما دل عليه الحديث بالفحوى مرات، وبالنظر تارات (32=200/ا) من أن ~~أخذ المال هنا مخالف لكتاب الله فانظر إلى قول الأول: اقض بيننا بكتاب ~~الله، ثم إلى قول الثاني: صدق، فاقض بيننا بكتاب الله ثم إلى قول الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ذلك القضاء بقوله: أما الغنم والوليدة فرد عليك، بما ~~يقتضي كتاب الله رده، ولو أخذ عن رضا، كيف يقتضي إكراه من رد إليه، ودفعه ~~إلى من رده، ويدعي المفتي، مع ذلك، انه ناقل عن الله؟"فويل للذين يكتبون ~~الكتاب بأيديهم، وويل لهم مما يكسبون"(¬2). PageV01P167 # ثم الخطايا التي يريد أن يستدل على تحليها، تؤخذ كرها، مع إنكار الجاني ~~لمجرد الرمي أو التهمة، قويت أوضعفت، مع إنكار المرمي والمتهم. وهذا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد رد المال المأخوذ في الجناية على المقر، فكيف ~~أنه يقتضي أخذه كرها من المنكر المرمي، بحق رمي أو باطل، "ومن يضلل الله ~~فما له من هاد"(¬1). # الرابع: قوله: سألت أهل العلم ... إلى آخره، ولم ينكر عليه السلام سؤاله ~~ولاجوابهم فأقره وحكم به. # الخامس: قوله: فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام. وانما موضوعة ~~للحصر، يقتضي أنه لا شيء عليه من المال ولا من غيره، غير الحد. # السادس: اتباعه عليه الصلاة والسلام هذه الدلالات بصريح الحكم النافي ~~للمال في جانبي الرجل والمرأة. وإذا تبين هذا، كان القضاء بأخذ المال من ~~الجاني بالعصيان، وإعطائه للمجني عليه في غير المقدمات والمتلفات المالية ~~والبدنية، كالجراح والنفوس والأعضاء، إلا على معنى الصلح فيما يجوز فيه، ~~جورا مردودا على ms055 قائله، مضروبابه وجهه. # في البخاري عنه صلى الله عليه وسلم، في الباب بعينه، وفي غيره من روايته ~~عن يعقوب بن محمد قال: حدثنا ابراهيم بن سعد عن أبيه عن القاسم بن محمد عن ~~عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في ~~أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد"(¬2). PageV01P168 # السابع: نقض النبي صلى الله عليه وسلم الصلح، يدل على حرمة أخذ المال من ~~الجاني ودفعه إلى المجني عليه كرها من باب أخرى كما سبق. والدليل عليه، ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا حرم حلالا، ~~أو أحل حراما، والمسلمون على شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا، أو أحل حراما". ~~هذا لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن(¬1). # الثامن: قوله: أو يريد عليه أن حسنت حاله. يدل على أنه حجر على الرشيد ~~بمجرد وقوع زلة منه في غير المال، وهذا لم يقله أحد بحال. وليت شعري، ماذا ~~يقول إذا حبس عنه ماله، هل يرزق فيه ويكسي بالمعروف، كما أمر الله في ~~اليتيم؟، أويترك هزلا، وماله محبوس. وربما يكون هو محبوس أيضا، فتكون هذه ~~الأحكام البديعة ناسخة لما علم بالقطع من الشريعة. PageV01P169 # التاسع: قوله: أو يوضع في بيت المال، ينبغي أن يسأل في أي بيوت المال ~~يجعل؟، أفي بيت مال الصدقات؟، أو في بيت مال الفيء والجزية والخراج وخمس ~~الغنيمة؟، فإنه لا بد من تمييز ذلك، وكل باطل وخلاف الإجماع، والدليل عليه ~~ما خرجه قاسم بن أصبغ "أن عمر رضي الله عنه بلغه أن امرأة تزوجت في العدة، ~~فبعث فيها وفي زوجها، وفرق بينهما، ووضع الصداق في بيت المال، وانتشر ~~الخبر، وبلغ عليا رضي الله عنه فقال: يرحم الله أمير المؤمنين ما للصداق ~~وبيت المال؟، فخطب عمر الناس وقال: "أيها الناس ردوا الجهالات إلى السنة، ~~وردوا على المرأة الصداق"،(¬1)ولم ينكر ذلك أحد، فكان إجماعا. هذا وصداق ~~المعتدة دفعه الزوج برضاه، واستمتع به، إلا أن العقد لا يحل، فأشبه من وجه ~~ثمن الخمر ونحوه، فأكنه رأى ms056 أن المرأة لا يحل لها أخذه شرعا، والرجل دفعه ~~لعوض أبانه، فسار كالمال (33=200/ب) الضائع، فطرحه في بيت المال، ثم لما ~~أنكر ذلك عليه رده، وخطب به عن رؤوس الإشهاد، فكيف يسوغ أن يقال: يؤخذ من ~~الإنسان ماله كرها بسبب معصية فيها حد أو تعزيز، ويوضع في بيت المال؟، هذا ~~أمر بديع لم يسمع قط من عالم. هذه ثمانية وعشرون وثمانمائة سنة، مع تكرر ~~هذه الوقائع في الاعصار وانتشارها في الامصار. PageV01P170 # العاشر: قوله: أو يتصدق به. هذه صدق يصرف بها المال في غير حقه كما أخذ من ~~غير وجهه. وما أدري ما يقول ان كان يزعم أن لهذه الصدقة ثوابا، لمن يكون ~~ثوابا؟، لصاحب المال؟، أم للوالي؟، أم للمسلمين؟، والثلاثة باطلة، أما ~~الوالي فلا حق له فيها البتة، ولا ملك له عليها، وأما المسلمون فليست لهم، ~~ولا يدعي أحد منهم فيها ملكا، وأما صاحب المال فلا يثاب على الصدقة، لأنه ~~لم يتصدق، فهي، إذن، صدقة لا ثواب لها باطلة، فهذه باطلة، أما الأولى، فلما ~~تقدم، وأما الثانية، فلأن الثواب لازمها غير المنفك عنها، كلما انتفى ~~اللازم انتفى الملزوم. # فان قلت: أليس المأخوذ منه مأجورا على ما أصابه؟. # قلت: بلى، ولكنه ثواب المصيبة لا الصدقة. # فإن قلت: فما تصنع بالمسائل التي ورد فيها الصدقة في المذاهب من هذا ~~الباب؟. # قلت : هذا إنما فيما خرج عنه دافعه بعوض رضيه، لم يبق فيه مطمع بعده، ولا ~~يحل لأخذه، لأنه عوض عما لا يحل فسار مالا ضائعا لا مدعي له، فوجب ~~للمسلمين، فإما أن يصرفه في مصالحهم، وإما أن تسد به خلة فقرائهم فيكونون ~~مثابين على ذلك، أما ما كان مملوكا محترما شرعا، فلا سبيل إلى الصدقة به، ~~وقد ورد في ذلك من الوعيد ما هو معلوم. PageV01P171 # الحادي عشر: إن هؤلاء الذين أراد أن يشرع أخذ المال منهم، لايخلو أما أن ~~يكون ثبت عليهم موجبات الحدود أولا، فإن زعم أنهم الذين ثبتت عليهم موجبات ~~الحدود، فذلك خروج عن الإسلام، كما قاله جماعة من الأئمة ms057 الاعلام في نظير ~~هذا الكلام، وإن كان شرع منهم الأخذ بمجرد الدعوى أو بها، وبالتهمة الضعيفة ~~أو القوية، فهذا باطل أيضا، وذلك لأن حرمة المال أقوى من حرمة الحدود، إذ ~~أثبت موجباتها، ثم عارض ذلك بشبهة درء الحد الواجب بالشبهة، وليس المال ~~كذلك، فإنه أسقط الحد الذي وجب ما درأه من الشبهة، فلأن يسقط غرم المال ~~الذي لا أصل له للزومه أولى وأيضا، فإن الحد يسقط بعد الإقرار بالرجوع، ~~بخلاف المال. وأيضا، فإن المقر بالحد يستفسر لعل له تأويلا ولو بعد، بخلاف ~~المال. وأيضا، فإن العبد يقر بالحد فيقام عليه، بخلاف المال. فدل على أن ~~حرمة المال أقوى من حرمة الحد، فكيف يجب الحد حيث لا يجب المال؟ # قوله:وهذا الذي تدل عليه بعض المسائل المالكية، والقواعد الشرعية ~~والاجتهادية. # أقول: حاشى لله أن تشهد لذلك مسألة أو قاعدة، بل الشريعة طافحة بمنع ~~الظلم أو أكل أموال الناس بالباطل، وهذا كله قطعي، حسبما تقف على أدلته. PageV01P172 # قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب الاستشفاء(¬1)، في القياس: "إن من ~~يقول: عن الوظائف الشرعية، والزكوات، والجزية، وغيرها لاتقوم بحفظ النظام ~~إلا بزيادة عليها، فهو بمثابة من يقول: أن الحدود الموضوعة للزجر من قبل ~~الشرع لاتفي بكف الطغاة، فلابد من تعديها إلى قطع من لم تثبت سرقته، وقتل ~~من لم يصح قتله". # نعوذ بالله من هذه المقالة، فما وضع الحكيم هذه الزواجر إلا نهاية في ~~الحكمة وغاية في الزجر والمصلحة، ولا يمكن حكيما عليما بصيرا بالعواقب، ~~مطلعا على الموارد والمصالح، محيطا بالجليات والخفيات أن يصنع فوق هذا ~~النظام. فقائل ذلك خارج عن دين الإسلام. # فإن قيل: ما يال الحدود لا تفي ولا تقوم بالردع. # قلنا: لأنها لا تستوفي، ولكن تباع وتشترى، وحكمة الله وحكمه في من ظهر ~~عليه الحد (34=201/أ) انفاذه فيه، ومن خشيت معرته، وقويت ظنته، ولم يثبت ~~عليه شيء، حبس حتى يموت أو يتوب، والمحبوسون يجب أن يكونوا أضعاف ~~المقتولين، لأن التهمات أضعف من البينات، ولا جعل الله لهم تحقيقه، ولا شرع ms058 ~~لأحد ذلك عدولا عن طريقه. # فإن قلت: فكيف قد جاء "تحدث للناس أقضية بقدر ما يحدث من الفجور"(¬2). # قلت : عن هذا ثلاثة أجوبة: PageV01P173 # الأول: إن هذا قول ليس له في الدين أصل، ولا في الشريعة فصل. # الثاني: إن محققا لا يد معينا في الدين بقول من لايعرف قوله من التابعين. # الثالث: إنه إذا حسن الظن برواية، فحمله على أنه يؤخذ بالأغلظ من أقوال ~~العلماء كما اتفق في مدينة السلام وقد جيء ببعض الباطنية وأحضروا مجلس ~~الخليفة، وأحضر العلماء، فأفتى كل منهم بمذهبه، والخليفة وراء ستر فخرج ~~الأمر بأن يؤخذ فيهم بفتيا أهل مذهب مالك. انتهى. # قلت: ومما شهد لما قاله، قضية الخمر، فانظر ما نقل ابن عباس في ذلك من ~~الاستذكار، وحقق أن معنى الأثر فيما ليس فيه حد معلوم، فتبلغ العقوبة فيه ~~إلى حد لا يتجاوز ما هو أعظم مفسدة منه، فإنه بسبب ذلك بلغ أربعين على عهد ~~أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم ثمانين بإشارة علي رضي الله عنه. وانظر ~~فتيا علي فيمن حلل الخمر بتأويل، وزعم أنه لاحد فيها في الاستذكار(¬1). # وانقل مثل ذلك الحكم فيمن حلل الخطايا، فإنه ينتقل أحرويا لقوة دليل: ~~"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا"الآية(¬2)، عن ~~الاستدلال بالمصالح المرسلة، والاستشهاد بالأقوال الضعيفة وبالأحاديث ~~المنسوخة في مقابله. فاعلم دلالته على الحرمة قطعا. # قال:كما فعله عز الدين والقرافي وغيرهم ممن ألف في القواعد الشرعية ~~وأصولها في ذكر المصالح الشرعية والأمور الفرعية. PageV01P174 # أقول: هذا أغرب وأعجب. والله ما قال عز الدين ولا القرافي ولا غيرهم من ~~علماء الأمة ولا مالك ولا المنذري، ولا صاحب أصول ولا فروع: أن من جرح، أو ~~قتل أو زنى، أو سرق، أو حارب، أو قذف، أوقارف شيئا من الذنوب، يؤخذ قطعة من ~~ماله، أو يؤخذ ماله فيوقف حتى تحسن حاله، أو يعطي للمجني عليه، أو يوضع في ~~بيت المال، أو يتصدق به، ولا يجده ولو بحث عنه هو وسائر المبطلين. وما أدري ~~أيهما أعجب، أنقله أواستدلاله. # قال: ms059 ولايقال: هذا لا ينضبط، ولا يتوقف عليه الأمراء، من غير زيادة، لأنا ~~نقول:عن هذا قطع مفسدة ظاهرة معلومة بارتكاب ما هو أخف منها على يد ثقة، ~~وتقرير الزيادة فيها في المستقبل مشكوك فيه، فلا تسقط مصلحة ظاهرة بأمر قد ~~يكون وقد لا يكون. # أقول: وأما كونه لا ينضبط، فهو من أصله غير منضبط، ولا يغني عنه، إلا أن ~~يقدر ما بكل ذنب من مقدار الدنانير والدراهم، وهل الغني والفقير في ذلك ~~سواء؟، فإنه رب إنسان يضره درهم وآخر لا يضره مائة ألف. فإذا عرف الولي ما ~~يطلبه وكان ثقة، كما يزعم فإنه تؤمن زيادته. ولابد أيضا من أن يبين هل ~~يستوي في ذلك من أقيم عليه الحد وغيره، أو من عوقب في بدنه أو غيره؟. وهذا ~~إبراء ما بعده. فإنا لله وإنا إليه راجعون. PageV01P175 # وأما أنه قطع مفسدة ظاهرة فكلا، بل زيادة مفسدة، واحداث بيع وشراء في ~~الحدود والحقوق والأعراض، وفتح لباب السحت والرشا، وأخذ لاثمان المعاصي، ~~سواء أخذها من عصى الله أومن عصي فيه الله، ومراغمة النصوص القطعية الدالة ~~على تحريم أكل المال بالباطل، وإفساد لمجابي المسلمين بإدخال الغصوب فيها ~~واثمان الحدود والمحرمات، وتمكين لتغيير عقائد أهل الإيمان في اعتقادهم ~~تحليل ما حرم الله وإخراجهم من حيز الإيمان بذلك، وتسبب لتنافي الحدود ~~والزواجر الشرعية، وتغيير الشرائع التي شرع الله تعالى، واعتقاد أن ما شرعه ~~لا يفي بزجر العباد، وأن ما أحدث من أخذ (35=201/ب) الأموال هو الرادع، ~~وتسهيل طريق العصيان على من أراد برفع القليل من الإيمان وتمكين حب المعاصي ~~من قلوب الولاة والعمال إذا انتهى إليهم جناية أو معصية، يأخذون فيها ~~المال، وذلك كله مسبب لسخط الرحمن، واستجلاب النيران، وحرمان الجنان. وإلى ~~متى نمد العنان فيما هو ضروري بالمشاهدة والعيان. هدى الله هو الهدى، ومن ~~اتبع رسول الله فقد اهتدى، وإياكم والمحدثين وما أحدثوا فإنهم عن آرائهم ~~التي لم يشهد لها كتاب ولا سنة حدثوا، أتوا من الافتراء بكل أعجوبة، ~~وقلوبهم عن الأنوار محجوبة، وقد قال صلى الله ms060 عليه وسلم: "ستفترق أمتي على ~~ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: ومن هم يا رسول الله، قال: ~~ما أنا عليه وأصحابي"(¬1). PageV01P176 # خير الهدى كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~إن شر هؤلاء الفرق قوم يقيسون الأمور بآرائهم. قال الامام فخر الدين ~~الرازي، هم الذين يقيسون مع النص(¬1). # وأما قوله : فلا تسقط مصلحة ظاهرة بأمر قد يكون وقد لا يكون، فهذا تعام ~~عما علم من الدين ضرورة من ولاة الزمان، وأنه قد كان وهو كذلك في الحال. # قال: ولا يقال: أنه تعرض لأكل المال بالباطل. # أقول: لا والله، بل هو عين أكل المال بالباطل، وأي باطل، بوجوه ظاهرة ~~ودلائل، ولكن ما دون ما قضى الله من حائل. # قال: لانا نقول: انما ذلك لظلم يظهر له وجه صواب، يقابله من المصالح ~~الشرعية. # أقول: هذا أيضا من الغرائب وبديع العجائب. أن الباطل والظلم يتضمن ~~المصالح !،وناهيك ممن يقر بالظلم أنه ظلم ويشرعه !، ولا يترك وجها مع ذلك ~~بالباطل والظلم ولايدعه. # قال: ولاسيما من أموال هؤلاء البوادي. # أقول: قد تقدم أن مكاسب البوادي اليوم أطهر من مكاسب كثيرة ممن يتعامل ~~بالربا، ويأكل الرشا، ولاسيما وأكثر كسبهم الماشية والحرث، ويؤدون من ~~المغارم ما لا يوفيه غيرهم، ولهم أقرب إلى أكل الحلال من أهل الحواضر، ~~لوجدوا من يدعوهم إلى الله، يؤكد عليهم، ويعلمهم ما جهلوا. وهب أن في ~~أموالهم شيئا من الحرام، أقل أو أكثر من غيرهم، ما الكلام في أخذ مال من ~~استغرق ذمته الحرام من هذه الجهة، انما الكلام في أن الجنايات هل لها عقوبة ~~مالية؟، ولايجدونه إلا في مسائل معدودة. # قال: قواعد الشريعة عند أهل التحقيق مردودة، والمثبتون منها قاعدة الزجر ~~بالمال، كان ذلك عندهم في أول الحال ثم نسخ، والمنسوخ لا تقوم به حجة. # بناء المسالة على أربع قواعد والجواب عنه: # قال: ويحضرني الآن في هذه المسألة أربع قواعد: # الأول منه : المصالح المرسلة PageV01P177 ~~أقول: هذا شروع في الاجتهاد المطلق. وهيهات فيما ادعاه قبلك ms061 بإعصار ممن ~~أنصف وحقق !شرائط الاجتهاد محفوظة. وهي في فقهاء هذا العصر منبوذة بالعراء. ~~غير ملحوظة. أكبر فقهائهم من اشتغل: بجمع المسائل، وأكثر علمائهم من يتهم ~~بحفظ الحاصل، وربما تعلق بقول ليس تحته طائل. هذا شيخنا الإمام يقول، ومن ~~قلبه،: وانقطع الاجتهاد بموت عز الدين ابن عبد السلام. وهذا الامام المازري ~~والفخر ابن الطيب نص على ذلك، مع أن الدعوى تخصصها الشواهد، وكم من نائم ~~يتخيل أنه نائم، وهو قاعد أو راقد. # قال: فأقول بها، كما قال الامام مالك. # أقول: سبحان الله، لقد كان يكفيه أن يقول: فأبني عليها، إذ هي أصل مالك، ~~فربما يقال: أن هذا اجتهاد في المذهب ولم يظفر أيضا في هذا العصر أحد بهذا ~~المطلب، إنما يبلغ إلى هذا من نقح وحقق، وأمعن النظر في أصول مذهبه وفروعه ~~ودقق. وأما من اشتغل بجمع أضغاث (36=202/أ) الأقاويل من غير استبصار، هو ~~مخرج منها بغير وزن ومقدار، حتى لا يحفظ عنه قط قول: لا أدري، بل أجوبة ~~كمياه الحدور تجري بصبب عن كل ما عنه يسأل، ويحمل من غير انتفاء من كل ما يحمل. # ولقد حدثتي هذا المملي عن بعض أذكياء أعراب الزمان ممن خالط الفقهاء، أنه ~~قال: عجبت من مالك ومن الفقهاء، قال: وكيف؟، قال:علمهم بمنزلة المسك عند ~~صاحب العطر، وعلمك كجوالق الحطب، ولقد كان دراكا رحمه الله . # وأغرب من هذا !، فهم هذه الحكاية على معنى المدح والسرور بها، والتبجيح بها. # قال : وحاصلها يرجع إلى درء مفسدة، هي أقل منها عند الموازنة. PageV01P178 # أقول : ليس هذا بشيء، لأنه ان أراد تفسير المصلحة بما هي مصلحة أعم من أن ~~تكون معتبرة أو ملغاة، فليس ما ذكر حاصلها. إذ من أقسام المصالح مطلقا: ~~معتبرها، وملغاها، ومرسلها ما كان خالصا عن المفسدة، كما أن منها: ما كان ~~راجحا، وهو جلب خير الخيرين، ودفع شر الشرين. وان أراد تفسيرها بغير كونها ~~مرسلة، فمعنى الإرسال الا يشهد لنوعها أولجنسها القريب شاهد، اعتبارا ~~وإلغاء. ثم هذا ليس فيه على زعمه الا تقسيم المصالح المرسلة ms062 وقد مضى ما فيه. # فإن أراد أن أخذ المال للردع شر قليل يدفع به شر كثير، فقد بينا أن شرع ~~أخذ الخطايا، وهي المال، في الجنايات شر كبير كثير يشمل على مناكر ومحرمان ~~سبق ذكرها. ثم هو داعية إلى كثرة المعاصي لا وازع عنها. فإن شئت، فراجع ما ~~سبق، يتبين لك ذلك. # قال: والقاعدة الثانية: الكليات التي أجمعت الملل على حفظها. الأولى حفظ ~~الأديان، ومن أصلها شرع الجهاد، وهي آكدها، ثم حفظ الأبدان، ومن أجل ذلك ~~شرع القصاص. # أقول: لذلك تزيد المال في الجراح والقطع والقتل، وتجعله عوضا عن القصاص. ~~ولو علم الله خيرا فيما قلته، لشرعه. # قال: لقوله "ولكم في القصاص حياة"(¬1) # أقول: نعم، ولم يقل: ولكم في أخذ الدنانير والدراهم حياة، ولا: ولكم في ~~أخذها من الجاني، وجعلها في بيت المال حياة، ولا: ولكم في حبسها عن صاحبها، ~~حتى يصلح حاله حياة، ولا: في الصدقة بها حياة، وهذا جميع الذي قلت، تأخذ به. # قال: وإذا كان الإنسان يعلم انه إذا قتل قتل، كان ذلك أبعد له عن القتل. # أقول: وان علم أنه أن قتل غرم المال، فانه اقرب وأدعى إلى القتل. # أقول: قالته العرب في جاهليتها، ولم يسع في عقولها أن تجعل غرم المال ~~زاجرا عن القتل وغيره، كما زعمت. # قال: ثم حفظ الانساب، ومن ثم شرع الحد. PageV01P179 # أقول: ولم يشرع فيمن هرب بامرأة رجل أن يؤخذ منه المال ويعطي لزوج المرأة، ~~أو يوضع في بيت المال، أو يتصدق به، فيوكل مهر البغي وقد صح النهي عنه، ولا ~~يخالف غيره فيه، ولكنك أتيت به. # قال: ثم حفظ الأعراض، ومن أجل ذلك شرع حد القذف. # أقول: ولم يشرع أخذ المال من القاذف، لا للمقذوف، ولا لبيت المال، ولا ~~للمساكين. # قال: ثم حفظ العقول، ومن أجل ذلك شرع حد الخمر. # أقول: دون أخذ المال، لأنه يردعه، لأن الخمر يغلو أو يرخص فما يدفع عن ~~ماله يحسب أنه زيادة في الثمن. # قال: ثم حفظ الأموال، ومن أجل ذلك شرع القطع في ms063 السرقة، وقتل المحارب. # أقول: ولم يشرع الزجر عن ذلك بالمال الزائد على مقدار أخذ الجاني، خلافا ~~لما تقوله. # وانظر أما اعجب حال هذا الرجل !. هذه الواجبات التي وجبت المحافظة عليها ~~هل ذكر منها أنه شرع أخذ المال في شيء منها؟، فهو يحكي المشروع، ثم يخالفه، ~~هل ذكر منها أنه شرع أخذ المال في شيء منها؟، فهو يحكي المشروع، ثم يخالفه، ~~ما يكون هذا وفي العقل مسكة. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ~~والله، لقد أتعب نفسه وغيره وضلل من ضلل بمجرد كبر السن. وإنا لله وإنا ~~إليه راجعون. # وحد السرقة مشروع لحفظ الأعراض، لئلا يلطخ عرضه برذيلة السرقة، على ~~(37=202/ب) ما في كتب من حقق من أهل الأصول. وبهذا يجاب على قول القائل: # يد بخمس مئين عسجدوديت ... ... ما لابالها قطعت في ربع دينار(¬1) # عز الأمانة أغلاها، وأرخصها ... ... ذل الخيانة، فافهم حكمة الباري(¬2) PageV01P180 ~~قال: فأقواها حفظ الأديان، وأضعفها حفظ الأموال، فإذا تعارض حفظ الأديان ~~بحفظ الأموال، فمراعاة حفظ الأديان أولى، ويسقط الأبدان وما بعده حفظ ~~الأموال، فمراعاة حفظ الأبدان وما بعده أولى من حفظ الأموال من حيث الجملة. ~~وهذه المسألة من هذا المعنى. # أقول: مراده أنه لما كانت أموال في المرتبة الأخيرة، كان حفظ جميع ما ~~قبلها أكد منها، فتحفظ تلك الأمور كلها بالمال. فهذا نص أن العقوبة المالية ~~تكون في جميع ما قبل. المال من الكليات المتفق عليها، فشرع الخطايا لحفظها. ~~فعلى هذا تكون الخطايا في الردة والقتل والجرح وشرب الخمر والزنا والقذف. # والكلام على هذا، مع ما فيه من الفضائح، وأخذ المال في الجميع اما مع ~~الحدود أو دونها، ومراغمة الشرع بكل وجه، وفساد الحكمة من الردع بالأهون ~~والأخف على النفوس من الأصعب والأشد عليها. وهو، كما سبق غير مرة، ينقلب ~~سببا لوقوع الفساد وكثرته، فإن النفس تفدى بكل شيء، ولا شك أن كثيرا من ~~العلم يضر كثيرا من الناس، كما تضر رياح الورد بالجعل. # ويعمي بصائرهم، كما يعمي الخفاش نور الشمس، فليث الإنسان إذا حاول أمرا، ms064 ~~فصعب عليه تركه، واشتغل بما يقدر عليه، فالعلم رحمة قسمها بنفسه، ولم يكل ~~قسمتها إلى غيره، والفهم نور الله الذي يمد به من يشاء من عباده، كما قسم ~~الأرزاق سبحانه: "نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم ~~فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا، ورحمة ربك خير مما يجمعون"(¬1). # ولله در الأصمعي، فإنه رغب إلى الخليل في تعليم العروض، فزاوله معه، فرأى ~~بعدا عن فهمه، فقال له يوما كيف تقطع: # إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع(¬2) # فترك ذلك. PageV01P181 # وهذا سمع الناس يقولون: عن حفظ الأديان آكد، ثم الأبدان، إلى آخرها .. أي ~~إذا نزل أمران، ولم يوجد من أحدهما تخلص، اختير الأدنى على الأعلى، وتكون ~~مصيبة يصبر عليها. كما إذا ملكان، أحدهما كافر والآخر سفاك أو ظالم، فإنه ~~يطلب الفرار إلى الظالم عن الكافر. فتوهم أن مرادهم أنه شرع الأدنى زاجرا ~~للأعلى، فشرع هو العقوبة المالية لحفظ الجميع، أي جميع ما قبلها من ~~المفاسد، وهذا غير معقول، كما سبق. ثم لايغنيه، فإن مفسدة المال أيضا، ~~تحتاج رادعا، ثم هو جعل القتل في المحارب، والقطع في السارق لحفظ المال، ~~فالمال في آخر الرتب، فإذا كان الزاجر عنه شرعا العقوبات البدنية لا ~~المالية، فكيف ما هو أهم منه؟. # قال: القاعدة الثالثة: تقابل الضررين، فينفي الأصغر الأكبر، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: "إذا التقا ضرران نفى الأصغر الأكبر"(¬1). # أقول: الذي يجب، ومضى عليه العمل، التحرز والتحصيل، لا يقال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا فيما صح عنده. ثم إن قاعدة نفي أصغر الضررين ~~لأكبرهما ألا تطاول بالكلام على هذا الاستدلال، فإنه إنما يلزم ارتكاب أخف ~~الضررين، إذا كان لا محيص عنهما، وضرر إخراج المال عن الحدود والجنايات على ~~غير ضمان المتلف أمر لم يضطر إليه، وكفى الله عنه بما شرع من الحدود ~~والزواجر. # ثم هو لا يفيد كما سبق غير مرة الا اغراء على الشهوات وضروب الجنايات، ~~فان المال ليس مقصودا لنفسه، وإنما هو لتحصيل اللذات، ms065 ودفع الآلام. # قال: القاعدة الرابعة الرخصة، وهي ارتكاب المحظور مع قيام المانع ~~للضرورة. # أقول: ماهي الضرورة التي الجأت إلى استباحة (38 = 203/أ) الأموال من غير ~~وجهها، والتصرف لشرع الغرامات في غير محلها؟، فما شرعه الله اتم رادع. PageV01P182 # قال: وبيان هذه الجملة في مسائل نذكرها على مذهب مالك في طريقته، مع أحاديث ~~نبوية، فمنها: رمي الترس. وهي إذا تترس الكفار بأسارى المسلمين، ويخاف على ~~جيش المسلمين أن لم يرموا بالنار، على ما نص عليه اللخمي. وكذلك قطع الماء ~~أو إرساله، والرمي بالمنجنيق، ووفيهم النساء والذرية، على ما قيل في ذلك. ~~ومنها: الإلقاء بالقرعة من السفن، أن خيف عليهم الغرق، وان كان الغزالي لم ~~يرتض هذا، لكونهم في معينين(¬1). # أقول: إن كان المقصود من هذا إثبات عقوبة الجناة بالمال والاستدلال عليه، ~~فقد بينا من قبل أن الاستدلال والاجتهاد في مواضع النص والإجماع وبعد النسخ ~~باطل. وقد بينا أن العقوبات الشرعية في تلك الجنايات التي جعلها المملي فرض ~~المسألة، وكذا النهي في الموانع ثبتت كلها بالقواطع. فلا مدخل للاجتهاد ~~فيها، لمن ثبتت له أهلية الاجتهاد، فضلا عمن لم تثبت له. # وإن كان القصد الاستدلال على أن مالكا يقول بإفساد الثلث في صلاح ~~الثلثين، فقد قدمنا أن الروايات عن مالك بنقيض ذلك في مسألة التغريق ~~والتحريق للحصن أو المركب يكون فيه مسلم أو فيه ذرية المشركين ونساؤهم. قال ~~القاضي أبو بكر بن العربي في مسألة السفينة: "هذا ما قاله مالك قط، ولا أحد ~~من أصحابه، بيد أن القوم لما سمعوا أن مالكا يقول بالمصالح ألزموه هذه ~~الصورة ولا تلزمه، إنما ترمي من السفينة الأموال لصيانة الأنفس، أما رمي ~~الأنفس لصيانة الأنفس فلا تشرع صيانة نفس بنفس. ولذلك قلنا: إذا أكره رجل، ~~لزمه أن يصبر على البلاء، ولا يفدي نفسه بقتل ذلك المبتلي". صح من كتاب ~~الاستشفاء. PageV01P183 # قال بعض أئمة الشافعية: مسألة سفينة هذه مما تساوت فيه رتب المفاسد، فإذا ~~اغتلم البحر بحيث ركبان السفينة لا نجاة لهم إلا بتغريق شطرهم لتخف ~~السفينة، فإنه لا ms066 يجوز إلقاء واحد منهم بقرعة ولا بغيرها، لأنهم مستوون في ~~العصمة، وان أدى ذلك إلا إهلاك الجميع. نعم، لو تفاوتت رتب المفاسد، قدمنا ~~الأخف فالأخف، كما أنه إذا كان في السفينة مال وحيوان محترم، فإنه يجب ~~إلقاء المال ثم الحيوان المحترم دفعا لمفسدة إتلاف الآدميين.(¬1) # فإن قلت: ما نقله، وإن لم يكن قول مالك، فهو قول من اخذ بمذهب مالك والتف ~~على طريقته. # قلت: عن هذا أجوبة: # الأول : اختيارات اللخمي كثير منها خرج فيه عن مذهب مالك، فلا يثبت ~~باختياره قول مالك، ولا جرى على طريقته، وقد علم منه ذلك(¬2). # الثاني : أن اللخمي لم يقطع بذلك، وإنما قال: أرجو. # الثالث: إن اللخمي لم يقل بذلك، إلا إذا كان العدو طالبا بجيش المسلمين، ~~واضطروا إلى الدفع عن أنفسهم، والقتل في قتال الدفع لا حرج فيه، وأما لو لم ~~يتبعهم العدو وإنما أرادوا افتتاح حصنهم، أو أخذ سفينتهم، فليس يباح لهم أن ~~يصنعوا ما يؤدي إلى قتل مسلم اتفاقا. PageV01P184 # الرابع: إن هذا الذي قاله اللخمي، انفرد به وأنكر عليه كل المحققين. ففي ~~كتاب التنبيه: "ولاشك أنه متى خالطهم ذرية أو مسلمون، فإنا لانحرقهم، إلا ~~أن يخاف على المسلمين في مسألة الذرية، فإن خفنا وخالطهم مسلمون فلا ~~نحرقهم. ورأى أبو الحسن اللخمي أنه متى خفنا على جماعة كثيرة، وقل من معهم ~~من المسلمين، فأن نحرقهم"(¬1). وهذا لعل رأيه في الشرح، من السفن بالقرعة ~~إذا حقت الضرورة إلى طرح الرجال. وهذا مما انفرد به، وقد أنكر عليه كل ~~المحققين، لتساوي الحرمة، ولا نظر (39-204/أ) في الكثرة والقلة، فإن كل ~~إنسان في نفسه محترم، ولا يفيده بقاء العالم. # والذي وقع للتونسي، هل الخمي في ذلك أنه جعلها محل نظر؟، شرط أن يكون ~~المسلمون أهل الجيش وعدد كثير، والذين في الكفار من المسلمين الاثنان فقط، ~~وفي هذا يقول اللخمي: # أرجو، لأن عادته أن ما يجعله التونسي محل نظر يقول به هو، فتارة يصادف ~~صوابا، يخرج باختياره عن المذهب، مع أن الشيخ نقل من الواضحة أنه لو ms067 كان ~~الاسرى بركب العدو، ورمونا بالنار، فإنهم يرمون بها عند أشهب، خلافا لابن ~~القاسم. وما تقدم عن مالك في الحصن أو المركب يكون فيه أحد من المسلمين، ~~فظاهره كان العدو طالبا للمسلمين أو لم يكونوا طالبين. PageV01P185 # فحاصل هذا الفعل أنه إذا لم يكن العدو طاليا للمسلمين وفيهم مسلمون، فلا ~~يمرمون بالنار ولايغرقون، قولا واحدا إجماعا، وان كانوا طالبين لنا، لم نجد ~~ملجأ للدفع إلا بما يخشى منه هلاك من معهم من المسلمين وهم قليل، فهذه هي ~~التي جعلها التونسي محل نظر، وقال اللخمي فيها: أرجو. ومذهب مالك وأصحابه ~~المنع. وأجاز أشهب أن يرموا بالنار أن رموا بها. وقال ابن شاس(¬1): "ولو ~~تترس كافر بمسلم، وخفنا على أنفسنا، لم نرم، ولم نقصد الترس، لأن دم المسلم ~~لا يباح بالخوف. ولو تترسوا في الصف، أن تركوا انهدم المسلمون، وخيف ~~استئصال قاعدة الاسلام، أو جمهور المسلمين، وأهل القوة منهم، وجب الدفع، ~~وسقطت حرمة الترس. والذي نقله ابن الحاجب: انه ان كان ترك الترس يؤدي إلى ~~هلاك كل الأمة لا جمهورها، ففيه خلاف للشافعية، يتلخص أيضا أنه على القول ~~بالدفع عند الاضطرار لا لقصد المسلم، وإنما يقصد الدفع، وأما قتل المسلم ~~لاحياء أكثر منه، أو لجلب مصلحة لأكثر منه، لا على معنى الدفع عن النفس، ~~فهذا لم يقل به أحد. أما القائل بالدفع فلا يقول بقصد المسلم بالقتل، وانما ~~أباح الدفع، ولو أدى إلى قتل مسلم، كما يباح الدفع للباغي، ولو أدى إلى ذلك ~~وقد يكون مراده بالبغي المال، وانتهاك حرمة دون النفس، والدافع لايقصد قتل ~~الباغي، وإنما يقصد دفعه، فإن مات في أثناء الدفع".(¬2) PageV01P186 ~~والحاصل في هذا كله، أنه ليس في الشريعة قتل مسلم لاحياء مسلمين ولا أكثر، ~~ولا بمصلحة من كان أكثر، وأما في الدفع عن النفس فأمر آخر. قال الامام ~~القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله : "الاقتراع على إلقاء الآدمي في ~~البحر لايجوز، فكيف بالمسلم. وإنما كان ذلك في يونس عليه السلام مقدمة ~~لتحقيق برهانه، وزيادة في إيمانه، فانه لا ms068 يجوز لمن كان عاصيا أن يقتل ولا ~~أن يرمي به في النار والبحر، وإنما تجري عليه الحدود والتعزيز على قدر ~~جنايته. وإنما وقفت السفينة وأشرفت على الموت، فقالوا: هذا من حادث فينا، ~~فلم يتعين، فسلطوا عليهم مسبارا لأشكال، وهي القرعة، فلما خرجوا بالقرعة ~~إليه مرة بعد أخرى، علم أنه لا بد من رميهم إياه، فرمى هو نفسه، وأيقن أنه ~~بلاء من ربه، ورجا حسن العاقبة. وظن بعض الناس أن البحر إذا هال على قوم، ~~واضطروا إلى تخفيف السفينة، أن القرعة تضرب عليهم، فيطرح بعضهم تخفيفا، ~~وهذا فاسد، فإنها لا تخف برمي بعض الرجال، وإنما ذلك في الأموال، ولكنهم ~~يصبرون على قضاء الله". # فتبين أنه لا حجة فيما جلبه على أخذ الخطايا، وليست مما يصح إقامة الدليل ~~عليه، لمعارضة ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولا على ما استطرده، ~~وذكر من فساد الثلث في صلاح الثلثين. PageV01P187 # ولا حاجة بنا في الجنايات، ولا ضرورة إلى أخذ الأموال، قد شرع الله ورسوله ~~فيها من الحدود والتعزيرات ما هو أردع من أخذ المال، لو كان أخذ المال ~~رادعا. لكنا بينا أنه انقلب باعثا، فلم يبق إلا محض الشهوة وحب الدرهم ~~(40=204/أ) والدينار. سلط الله عليه من سلط تلك الشهوة على أن يتوسل إلى ~~جمعه بأدنى شيء، أو بلا شيء مصور في صورة شيء، فهو بلاء يصبر عليه، كما قال ~~الله تعالى: "لتبلون في أموالكم وأنفسكم"(¬1)، فما للمفتي والافتاء بجوازه، ~~وإيهام حليته، ليزدادوا إقداما على البلاء بفتواه. وفي العبارة والمعنى ~~ومصادمته للمنقول من خارج في هذه الجملة التي تكلمنا عليها، لأن من كلامه ~~ما لا يخفى على المتأمل، فرأينا التشاغل به من العناء. # قال: ومنها ما ذكرناه عن أبى عمران: إذا قال الأمير لرجل اضرب هذا خمسين ~~سوطا وإلا ضربت عنقه، فإنه يضرب به خمسين سوطا من باب تقليل المفسدة. PageV01P188 # أقول: ولعله سرى إلى ذهنه أن من حصل، ان لم يفتد منه بالمال، سلط عليه ~~أنواع العذاب، من القتل فما دونه، فأراد أن يبين أن ms069 الافتاء بالمال من بلاء ~~أعظم منه جائز. وهذا شبه ما إذا طلب الشيء الخفيف، فإن كان أراد هذا فالأمر ~~خفيف، وهو من دفع الجنايات. وفي أي معنى اشتركا؟، وما تحرير هذا القياس؟، ~~وأين أركانه؟، اما يفرق بين الإقدام على الشر ظلما، كإقدام الأمير على ~~الضرب أو القتل، وبين أن يقول الفقيه للأمير: كل مال هذا إذ جنا ليرتدع؟. ~~ما أبعد باب دفع البلاء النازل ممن لا يلتفت إلى قول قائل، ولا يتوقف على ~~حكم من الله نازل، من أمر يشرع لغير فاعله من غير حاصل. ثم يقال له: إذا ~~شرعت هذا الزاجر بزعمك المالي، أتوجب ذلك أم تجعل الوالي فيه بالخيار، ان ~~شاء أن يأخذ المال أو يترك فإن زعمت أنه يجب عليه ذلك فالاجماع أنه لا يجب ~~وإن زعمت أنه فيه بالخيار، خالفت قاعدة الزجر، لأنه واجب المفاسد، ولا يحل ~~تركه إلا حيث خفف الشرع أمره، فلم يوجبه. كذي المروءة يهفوا الهفوة، ويعثر ~~العثرة. # فان قلت: انه مخير بين العقوبة بالمال أو البدن. # قلت : فالعقوبة بالبدن تكفي إذن، ولاضرورة لأخذ المال. وإذا كانت كافية، ~~فمن أين أبحث أخذ المال من الجاني، والأصل تحريمه؟. أكنت قبل هذا تزعم أنه ~~لازاجر غيره، ثم بدا لك أن ثم زاجرا آخر، وهو عقوبة البدن؟، أم كنت إلى ~~الآن في نوع ووسن؟، أم طغى على عقلك الهوى حتى خالفت في حكم منزل الفرائض ~~والسنن. # قال: ومنها من وجب عليه قصاص، وهو في جيش بأرض العدو، ويخاف على الجيش أن ~~اقتض منه، فإنه يوخذ إلى بلد الإسلام. PageV01P189 # أقول: في كتاب القطع في السرقة من المدونة "ويقيم أمير الجيش الحدود ببلد ~~الحرب على أهل الجيش في السرقة وغيرها، وذلك أقوى له على الحق"(¬1). وإنما ~~وقع السؤال عن هذا لحديث بشر بن أرطأة بن أبي أرطأة قال: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "لاتقطع الأيدي في الغزو"(¬2). # وقال القاضي أبو بكر بن العربي: "تكلم الناس فيه، وقيل: طعن يحيى بن معين ~~فيه، وغمزه الدارقطني. واختلف الناس ms070 فيه على قولين: أحدهما: رده لضعفه، ~~والحكم بعموم القطع على كل سارق، وحيث كان من البلاد. والثاني: قبوله ~~واختلف في تعليله على وجهين: # الأول: أنه لا تقطع يد من سرق في الغزو أي من الغنيمة، لأنه شريك بسهمه ~~فيه، كذلك ان زنى، لايحد. وقال عبد الله: ان كان في الذي سرق من الغنيمة ~~مكا يزيد ربع دينار على نصيبه، قطع. قاله ابن الماجشون وغيره. # الثاني: انه لا يقطع، لئلا يفر إلى العدو، ويكون ذلك على معنى تأخير ~~الحد، خوف وقوع ما هو أعظم منه، قاله الأوزاعي. وهذا ما لا أعلم له أصلا في ~~الشريعة، والحدود تقام على أهلها، كان فيها ماكان ومثل هذه التقية لا تراعى ~~في الآحاد (41=204/ب)، وإنما تراعى في العموم لما يتقي فيه من العصبية ~~وترامي الحال، كما يقال في أحد التأويلات: أن عليا رضي الله عنه إنما أخر ~~القصاص عن قتلة عثمان طالبا لوقت يتوطأ فيه الحال حتى يتمكن منهم دون ~~عصبية"(¬3). # قال: وليس يعارض لما وقع في المدونة: أن أمير الجيش يقيم الحدود بأرض ~~العدو، ومعناه أن أمنت المفسدة. # أقول: قد تقدم من كلام القاضي أنه لم ينسب ذلك إلا للأوزاعي. وقوله: لا ~~أعلم لهذا أصلا في الشريعة، إلى آخره... # فانظر هذا المقر بأمن المفسدة، أي مفسدة يعني، المفسدة العامة أم ~~الخاصة؟. وبذلك قال المملي لهذا التقييد. PageV01P190 # ثم أقول: هذا وإن صح، فلا متمسك فيه للمعنى المقصود من هذا الإملاء، وهو ~~توظيف الأموال على الجناة، فإنه ليس منها. وإن أريد الاستدلال به على فساد ~~الثلث في صلاح الثلثين أيضا، فليس منه. وان أريد الاستدلال على المصالح ~~المرسلة، فمالك وان كان يقول بها، فليس هذا منها، لأن المرسل ما لم يعتبر. ~~وإقامة الحد إذا أدى إلى إضرار الغير، الحكم بتأخيره له شاهد من تأخير حد ~~الحامل والمرضع إذا خيف ضياع الولد. وكذلك إذا كان الحد يقضي إلى ما لم ~~توجبه الجناية، فإنه يؤخر أن رجي زوال المانع بالتأخير، ويسقط أن لم ترج. ~~فالاول: كمن سرق في ms071 شدة البرد فخيف عليه الموت في القطاع، واختلف في شدة ~~الحر على أنه متلف أو لا. والثاني: المرض المخوف، والضعيف الجسم يخاف عليه ~~الموت، يسقط الحد، ويعاقب ويسجن، وان كان القطاع عن القصاص، رجع إلى الدية. ~~وكذلك من وجب عليه حدان، فخيف عليه من جمعهما، ونحو ذلك. # قال: ومن هذا المعنى: إذا بعث القاضي رجلا لسجن، ويعلم أنه لايوصل إليه ~~إلا بالدراهم، وقال: لابد للقضاة من هذا. # أقول: هذا هو الفرع الذي احتج به المملي المذكور في المجلس الذي كان أصل ~~هذه المسألة على جواز العقوبة بالمال، وهو في غاية السقوط عن درجة ~~الاستدلال. لان القاضي إنما حكم بالسجن على من وجب عليه السجن لمن وجب له، ~~ولم يحكم بغرم الدراهم، ولا أمر به، ولا يقدر على منع المظلومين أن كانت ~~الدراهم تؤخذ منهم في ذلك ظلما. وان كان المراد أجرة موصلة إلى السجن ~~فالأول أن أجرة العون في ذلك وغيره من بيوت الأموال، فإن لم يفعل من هي ~~بيده، كانت أجرته على القاضي، فإن لم يفعل أو تعذر عليه، كانت على رب الحق. # قال: وكذلك من لد وبعث له الأعوان، ان اجارته عليه. PageV01P191 # أقول: قد قدمنا هذه المسألة(¬1)وانكار أبي عبد الله محمد بن الفخار على أن ~~الملد يغرم أجرة العون. فان اللدد معصية، والمعاصي لاتحل مال العاصي. قال: ~~ولا أعلم ذنبا من الذنوب يحل مال المذنب إلا الكفر. وان من قال: انه لايغرم ~~الملد، فليس عذره من جهة العقوبة بالامل اتفاقا منهم، ولا خالف ابن الفخار ~~أحد منهم، أي من مخالفيه، فيما احتج به من أن المعاصي لا تحل مال العاصي، ~~إلا الكفر، على تفصيل فيه. وإنما نزاعهم معه في أن هذا ليس من باب إحلال ~~مال المذنب بالذنب، وإنما هو من باب غرم المتلف. والإتلاف كما يكون ~~بالمباشرة يكون بالتسبب. وهذا قد تسبب بلدده وتغيبه في اغرام غريمه أجرة العون. # فان قلت : ما الصواب من هذا الخلاف. # قلت: الملد وان تسبب، فلم يتسبب بفعل وإنما تسبب بترك الانقياد ms072 إلى ~~الحكم، فيردد النظر أولا في أن الترك فعل أم لا؟. ثم إذا تحقق أنه فعل، ~~فيبقى النظر في هذا اللدد هل يسوغ له؟، ولا شك أنه يحرم عليه، أن كان الحق ~~جليا، وكان هوبما يطالب به مليئا، والحاكم المدعو إليه (42-205/أ) من حكام ~~العدل. فان تبين مثل هذا، فالصواب والله أعلم اغرامه، لأنه ظالم بلدده. ~~وان كان له عذر ظاهر من عدم، ويخاف أن يسجن، إذ لا يعرف عدمه، وكان طالبه ~~آخذا له شهادة زور مثلا، أو كان الحاكم من حكام الجور فخاف سطوته، أو غير ~~ذلك. من الاعذار، فلا غرم عليه. وان لم تعرف حقيقة الأمر في ذلك، فالأصل ~~عصمة مال المسلم، فلا يباح بالاحتمال والشك، إذ لايرتفع اليقين إلا ~~بيقين(¬2). والله سبحانه أعلم. PageV01P192 # قال: وكذلك سمعت من شيخنا الفقيه المحدث الراوية الرحال أبي عبد الله بن ~~محمد بن مرزوق التلمساني(¬1) رحمه الله تعالى فقال في مجلس تدريسه في حدود ~~عام سبعين وسبعمائة (770ه) أو قبل ذاك، عند قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تمنعوا اماء الله مساجد الله"(¬2)من حديث عائشة رضي الله عنها. قال: أن ~~الشيخ "أبا الحسن الصغير(¬3) رحمه الله ولي قضاء فاس، وكان نساء البلد ~~يخرجن كثيرا، فجعل أعوانا في كل شارع يمنعون النساء من الخروج، فخاف مفسدة ~~مباشرتهن من الأعوان، فجعل محابس من الغراء في كل شارع يلطخون أكسية من جاز ~~من النساء بها، فانتهين عن ذلك، ورآه من العقوبة بمفسدة المال. # أقول: بل رآه من باب شهرة أرباب المخالفات، إذا تمادوا عليها، بعلامة ~~يعرفون بها، وهو نوع من الردع مشروع في حق من لم يرعو، وله أصول في السنة، ~~وليس فيه شيء مما قاله المملي، وهو أنه يؤخذ بعض مال الجاني فيوضع في بيت ~~المال، أو يحبس عنه إلى أن يتوب وتحسن حاله، أو يتصدق به. وليس فيه كبير ~~إفساد في المال، وليس هو المقصود، إنما المقصود شهرتهن ليرتدعن، وما يصيب ~~الاكسية من الغراء يزول بالغسل. PageV01P193 # قال: ومنها ما حكاه ابن الصيرفي في ms073 تاريخ لمتونة(¬1)أن ابن العربي أوتي ~~بزامر في أيام قضائه فثقب شدقيه حتى أفسد الهواء، ولعله أخذه من قول عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه في نزع ثنية ابن عمرو حين أسر يوم بدر، وكان خطيب ~~قريش، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لعله يقوم مقاما يسرك يا عمر"، ~~فقام بمكة حين بلغتهم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فخطب كخطبة أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه بالمدينة، وأمسك الناس عن الردة. ولابن العربي أحكام ~~شديدة استنبطها من الأحكام المرسلة، حتى أدت إلى قيام العامة عليه. # أقول: (الأول)(¬2)أما نسبة القول بالمصالح المرسلة إلى مذهب مالك، فقد ~~علمت ما فيه من الخلاف. والظاهر أن ابن العربي إنما اعتمد في تقويل مالك ~~بها على ما في البرهان لإمام الحرمين فقط. فإنه قد ذكر في كتاب الاستشفاء ~~الذي له في القياس أن أهل المذهب أنكروا ذلك من مالك، وأنكروا أن تدل ~~مسائله عليه، حتى أغرب هو عليهم بما في البرهان. PageV01P194 # وصاحب البرهان لم يقطع به قول مالك، إنما قال: نقل عن مالك الأخذ ~~بها(¬1)وهذا بناء من صيغ التمريض، والتحري نسبة القول إلى مالك، ولكن ابن ~~العربي ادعى أن مالكا يقول بها، وجلب مسائل كلها أو أكثرها لم يقل فيها ~~مالك برأيه. ونحن لاننكر أن مالكا يقول بهذا الأصل من المصالح المرسلة، ~~ولاندعيه له على التحقيق، ولكن أكثر أصحابه على انكاره، إذ لايوجد في تآليف ~~المالكية، وإنما تبع ابن العربي فيه ماقاله الامام في البرهان على صيغة ~~التمريض. لكن ابن العربي كلامه يقتضي تحقيقه لذلك من مذهب مالك، وثبوت هذه ~~القضية عن ابن العربي بمجرد وجود ذلك في تاريخ تقويل ابن العربي، فيه نظر، ~~لأنه لا يحل نسبة القول إلى قائل بمجرد ذلك. لكن المملي قد نسب إلى المهدي ~~من قبل أن عقوبة أهل الجنايات ذوات الحدود بالمال من مذهبه، بقوله: وقد ~~يكون ذلك من بقايا رسومه. # فهذا وجه من الاعتراض على هذا النقل. # الثاني: أن ابن العربي لم يصادم نصا من نصوص الشريعة ms074 على تقدير أن ~~(43-205/ب)يثبت ذلك عنه، وهو قد قال في غير موضع أن شرط الاجتهاد بالمصلحة ~~وغيرها أن لايكون الحكم منصوصا، كما هو معلوم من القواعد. وعقوبة المشتهر ~~بالغناء غير محدودة، أما أنتم فقد اجتهدتم في مجال النصوص، رمتهم زيادة على ~~المشروع، أو تبديلا فيه. # الثالث: أن ابن العربي قد سلم له رتبة الاجتهاد، أم أنتم فلا تدعونها ولا ~~تدعى لكم. # الرابع: انه اجتهد في عقوبة بدنية بإفساد آلة المنكر على من لا يرعوي ~~بدون ذلك. والعقوبات البدنية لا نزاع في مشروعيتها ابتداء، ثم في عدم ~~نسخها، بل الصحيح والحق، انها أن كانت، فهي منسوخة. PageV01P195 # الخامس: أن تعطيل آلة المنكر، كأيدي السراق والمحاربين وأرجلهم، أمر معهود، ~~فهذا مما اعتبر جنسه في جنس الحكم. أما أنتم فلا تجدون من الشرع اعتبار ~~اغرام المال زاجرا عن الفواحش البتة. # استدلال البرزلي على المسألة بأدلة شرعية والجواب عنها # الأول: الحديث : "لقد هممت أن أخالف على أقوام فأحرق عليهم بيوتهم .." # قال : وأما العقوبة بالمال، فمنها: قوله صلى الله عليه وسلم "لقد هممت أن ~~أخالف إلى أقوام فأحرق عليهم بيوتهم لتركهم الجمعة"(¬1). ولا يهم إلا بحق. # أقول: الكلام عليه وجوه # الأول: هذا أيضا نوع من الاجتهاد، فيطالب بحصول رتبته، وليس لمفتي ~~المذاهب استنباط الأحكام من الأحاديث، لا سيما أصحاب مالك. وقد علموا أنه ~~ترك أحاديث كثيرة قدم العمل عليها. # الثاني : إن هذا خرج مخرج الوعيد والتهديد وتقبيح التخلف على فاعله، ~~فيؤخذ زبدة الأمر الذي سبق الكلام له فقط. ولذلك أخذ منه العلماء بالأخف ~~إذا أمكن. # الثالث: أن عبارة ابن رشد وغيره من أئمة المذاهب أنهم يقولون: العقوبة في ~~المال لا بالمال أي في المال الذي عصى الله في، لا أنه زاجر عن معصية أخرى. PageV01P196 # الرابع: أن إخراجهم إلى الصلاة واجب، فإحراق البيوت عليهم ليس المقصود منه ~~إتلاف المال، إنما المقصود إبرازهم وإخراجهم عن التستر بالبيوت، حتى إذا ~~برزوا حملهم ذلك على شهود الصلاة، وليس هذا من العقوبة في المال ولا به. ~~وإلى هذا ذهب البخاري رحمه ms075 الله فإنه ترجم عليه باب إخراج أهل المعاصي ~~والخصوم من البيوت بعد المعرفة.(¬1)وأين هذا من إنسان يجني جناية، فيها حد ~~أو لا حد فيها، أجنبية عن المال، فيغرم مالا ويترك. # الخامس: إن هذا الذي هم به رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتضي تحريق ~~البيوت عليهم وهو فيها، يدل على أنهم منافقون، ولأنه لاتسمح نفس المومن ~~بترك الصلاة خلفه صلى الله وسلم. والدليل عليه أن في بعض طرق الحديث: فأحرق ~~بيوتا على من فيها، ولا يقول أحد من العلماء: أن تارك الجمعة والجماعة ~~يقتل، فدل على أنه غير معمول به، بل منسوخ. # قال القاضي عياض: قال الإمام: فيه العقوبة بالمال، قال القاضي: قال ~~الباجي: ويحتمل أن يكون شبه عقوبتهم بعقوبة أهل الكفر في تحريق بيوتهم، ~~وتخريب ديارهم(¬2)وقد ذكره غيره. # والإجماع على منع العقوبة بتحريق البيوت إلا في المتخلف عن الصلاة، ومن ~~غل من المغانم، ففيه خلاف. لكن قوله: عليهم، دليل على أن العقوبة ليست ~~قاصرة على المال، ففيه قتل تارك الصلاة متهاونا، وقد نقل الإجماع في ذلك ~~سراح الأمة أبو حفص عمر الأنصاري(¬3)في شرحه لكتاب البخاري، قال: وفيه ~~العقوبة بالمال، وعزي إلى مالك، وكان في أول الإسلام ثم نسخ عند ~~الجمهور(¬4). PageV01P197 # السادس : إن إحراق العاصي ليس في الشرع بوجه، فدل على أن الحديث أيضا غير ~~معمول به فيما أردت استخراجه منه. # السابع: عن التعذيب بالنار منسوخ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال ~~(44=206/أ) لسرية سرة بها:"إذا ألقيتهم فلانا وفلانا، فأحرفهما بالنار، ~~وأنه لا يعذب بالنار إلا الله، فإن ألقيتموهم(¬1)فدل هذا صريحا على أن ~~الحديث منسوخ، لا يصح الاستدلال به(¬2). # الثامن: أئمة عدة من العلماء الراسخين نصوا على أن العقوبة بالمال ان كان ~~وقع ومنها شيء فهو منسوخ، فراجعه حيث تكلمنا على قوله: تجري على المصالح ~~المرسلة(¬3). # الثاني : الحديث: "من غل فإنه يحرق رحله" # قال: ومنها، قوله: "من غل فإنه يحرق رحله". # أقول: هلا قال: صلى الله عليه وسلم، ان كان أراد الحديث. وهل عدل عن لفظ ~~قوله الذي يدل على ms076 أنه حكى لفظ الحديث؟، وهل صلى الله عليه وسلم نقله بهذا ~~اللفظ، ولا نقل عنه؟. وإنما لفظ الحديث:"إذا وجدتم الرجل الذي قد غل ~~فاحرقوا متاعه واضربوه" وفي بعض ألفاظه: "واضربوا عنقه، واحرقوا ~~متاعه"(¬4). PageV01P198 # قال جماعة من الأئمة، منهم الشيخ أبو محمد عبد الحق الاشبيلي(¬1)، والقاضي ~~أبوالفضل عياض والنووي، واللفظ لعبد الحق: "هذا حديث يدور على صالح بن ~~محمد، وهو منكر الحديث، ضعيف لا يحتج به، ضعفه البخاري وغيره.(¬2) # وفي المنتقى للقاضي ابي الوليد الباجي:"فان ظهر على الغال، أدب وتصدق ~~برحله، قاله محمد عن مالك. وأنكر مالك أن يحرق رحله. وبه قال أبو حنيفة ~~والشافعي"(¬3)وقال أبو عمر بن عبد البر في استذكاره: "وقال اللييث ~~والشافعي: لايحرق رحله، ويؤدب أن كان عالما بالنهي. والحديث الذي جاء: من ~~غل فاحرق متاعه، انفرد به صالح بن محمد بن زائدة، وليس ممن يحتج ~~بحديثه"(¬4). # وفي الاكمال:"جمهور العلماء، وأئمة الفتوى، وفقهاء الأمصار أنه يعزر بقدر ~~اجتهاد الإمام، ولا يحرق رحله. ولم يثبت عندهم الحديث، ولان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يحرق رحل الذي وجد عنده الخرز ولا رحل الذي وجد عنده العباءة. ~~ونقل عن مكحول والحسن والأوزاعي أن رحله يحرق، على تفصيل. ثم قال الطحاوي: ~~لو صح حديث ابن عمر، لحمل على انه كان إذ كانت العقوبة في المال، كما جاء ~~في التضعيف على مانع الزكاة، وضالة الإبل، وسارق التمر، وذلك كله ~~منسوخ"(¬5). PageV01P199 # الثالث : جزاء الصيد في الحرم: # قال : ومنه جزاء الصيد في الحرم # أقول: صيد الحرم لما جعله الله محترما، جعل له جزاءه، كالدية في الآدمي ~~الحر، والقيمة في العبد، وحيوان الغير، ولذلك لا يجزي الخنزير، ولا ما لا ~~يؤكل لحمه. ولذلك سماه الله جزاء، وسمى الطعام فيه كفارة. وان هذا ممن يحيا ~~بإتلاف مقوم، فيغرم مالا آخر. ولو صح القياس على جزاء الصيد واستنباط ~~العقوبة المالية منه، لصح استنباطه من العتق والإطعام في الكفارات من باب ~~أولى، فإنه لامقوم هناك من ظهار ولايمين وحنث، وما وقع لابن بشير(¬1)من ~~تخريج ذلك على الكفارات سيأتي ms077 الكلام عليه عند ذكر هذا المملي له ان شاء ~~الله(¬2). # ثم إن الله جعله من باب غرامة المتلفات المحترمة، فكيف يصح أن يقاس عليه ~~ما ليس بمقوم؟، ثم كيف يصح القياس مع وجود النص في مسائل الجنايات؟. # الرابع : أخذ سلب الصائد في حرم المدينة: # قال : وسلب الذي صاد في حرم المدينة(¬3) # أقول: قد نص جمهور من العلماء الراسخين أن هذا مما نسخ، قاله القاضي ابن ~~رشد في مواضع عديدة من البيان، والمتيطي في كتاب النهاية والقاضي عياض في ~~إكماله والنووي في شرحه في كتاب مسلم عن الطحاوي: "أن العقوبة في المال ~~منسوخة"(¬4). PageV01P200 # وفي الكلام على هذا الحديث من الاكمال: "لم يثبت عند أئمة الفتوى هذا، يعني ~~أخذ سلب الصائد في حرم المدينة، فلم يقل به أحد منهم، يعني من الصحابة، إلا ~~الشافعي في قوله القديم(¬1). # ثم إن الاصطياد، إن صح القياس عليه، لم يرد في العقوبة تحديد ولا حد معين ~~حتى يمنع الاجتهاد فيه. # الخامس : أخذ شطر المال من مانع الزكاة # قال: ومنه ما في الأحكام السلطانية عن مالك وأحمد: أنه يؤخذ من مانع ~~الزكاة شطر ماله إذا كان كتمه ليغلها، كقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من ~~غل صدقة، فانا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات الله تعالى، ليس لآل محمد ~~فيها نصيب"(¬2)فإن كان تأوله (45=206/ب) هو، فإنه خرج مخرج الزجر والإرهاب، ~~لا على ظاهرة من الإيجاب. # أقول: هذا لاينقله أصحاب مالك عنه، وهو أعرف بمذهبه ممن يخالفه. بل أهل ~~المذهب ينقلون في غير هذه النازلة وغيرها مما يوهم العقوبة بالمال أنها ~~منسوخة، وممن نص على ذلك ابن رشد رحمه الله في كتاب السلطان، ونص ابن رشد ~~في غيرما موضع من بيانه أن مذهب مالك والمعلوم من مذهبه أنه يرى العقوبة ~~بالمال(¬3). PageV01P201 # ولئن سلمنا صحة هذا القول عن مالك وأحمد، فيكون وجهه أن الذي غل زكاته يجب ~~أخذ ما وجب عليه في الحال، والباقي بعد الزكاة يتطرق إليه الاحتمال أن يكون ~~لربه تدليس له، وذلك أن الرجل إذا ظهر منه ms078 شبهة، دل على أن له عنده أخوات، ~~فهذا إذا ظهر من أمره أنه معتاد بمنع الزكاة، والمعتاد كثيرا ما تستغرق ~~ماله الزكاة، فصار ماله في حيز الشك فشوطر فيه، كما شاطر عمر رضي الله عنه ~~العمال. # الإجماع على نسخ العقوبة المالية : # قال: وقول ابن رشد أن هذا قد نسخ بالإجماع على أنه لا يجب، وعادت في ~~الأبدان(¬1)، فنفي الوجوب لا يستلزم نفي الجواز. ويرد الإجماع بما نقله ~~الماوردي عن احمد ومالك، وبأنه لاينسخ ولا ينسخ به، وبالظواهر التي ~~نقلناها. # أقول: أما قوله: أن نفي الوجوب لا يستلزم نفي الجواز، فهو بناء على أنه ~~أراد به حكاية الإجماع على عدم الوجوب فقط، وهو إنما أراد أن يستدل على ~~وقوع النسخ في العقوبات المالية، وأنه لا عقوبة في المال بوجه، حسبما صرح ~~هو وغيره بذلك. ووجه الدليل أنه لامخالف في أن أخذ مال الجاني ليس بواجب، ~~لأن القائل قائلان، أما محرم له، وأما قائل بجوازه في أن أخذ مال الجاني ~~ليس بواجب، لأن القائل قائلان، أما محرم له، وأما قائل بجوازه غير موجب له. ~~فالقدر المشترك بين القائلين، وهو عدم الوجوب، مجمع عليه. وإذا كانت ~~العقوبة بالمال غير واجبة إجماعا، كانت غير جائزة، لأن الأصل تحريم أخذ مال ~~الشخص إلا عن رضى منه. وهذا أصل مقطوع به، فإذا عوقب به فلابد أن يؤخذ منه ~~كرها، ولا يصح الإكراه إلا على واجب الديون الحالة على الغرماء، والزكاة ~~الوجبة على الأغنياء، والغرامات على أهل الغصب والاعتداء، فلازم الإكراه ~~المساوي هو وجوب ما أكره عليه على المكره، لكن هذا اللزوم المساوي منتف ~~إجماعا، فلينتف ملزوما المساوي. PageV01P202 # قلنا: ولهذا اتبع ابن رشد رحمه الله هذا الاستدلال بقوله صلى الله عليه ~~وسلم:"لايحل ما امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه"(¬1) # لا يقال: قولكم أن لازم الإكراه المساوي هو وجب ما أكره عليه المكره صحيح. # قولكم : لكن العقوبة بالمال غير واجبة على المكره إجماعا ممنوع. # قولكم: إن الإجماع انعقد على أنها ليست بواجبة، أن أردتم ليست بواجبة على ms079 ~~الوالي أن يعاقب بها فمسلم، ولاينفي ذلك وجوبها على الجاني، وإنما تكون ~~أيضا جائزة، ففي حق الحاكم باعتبار أن الحاكم مخير، إن شاء أن يعاقب بها، ~~وإن شاء أن يتركها إلى عقوبة أخرى، فتحقيق القول فيها أنها من الواجب ~~المخير بالنسبة إلى الحاكم، كما في مسائل العقوبات التي فوضت إلى اجتهاده، ~~فقد يعرض نوعان من العقوبات لا يترجح أحدهما على الآخر، فيكون مخير فيها، ~~وصار ذلك بمنزلة الدين الواجب ليتم على مديان، فإن شاء ربه أخذه بعينه، أو ~~باعه ممن هو عليه، أو غيره. لأنا نقول يلزم على هذا أن تكون الجنايات معمرة ~~لذمم الجناة بالأموال، وأنما ينبغي الخيار للحاكم الأخذ كرها، أو يأخذ عوضا ~~عنه ما رآه عنه من العقوبات البدنية، وهذا معنى لاقائل به، ولايصح القول به ~~لوجهين: # الأول: من خير بين مسألتين يعد منقلا، فصار هذا بيعا للعقوبات الواجبة ~~بالإثمان. # الثاني: إن أصل الاثمان تحريم أخذه، إلا عن رضى من معطيه، وأما الدين ~~(46=207/أ) والإتلاف، فهما سيان من قبل الدين والمتلف، دلا على رضاه، وما ~~كان من الإتلاف عن خطا أو سهو، وما تعلق بالمال من الزكوات والحقوق الواجبة ~~فدليل قطعي. أما رفع ما علم قطعا من حرمة أكل المال بالباطل، فأحاديث ~~منسوخة، نص على نسخها أكثر الأمة، وهي مع ذلك مختلفة التخريج على وجه صحيح ~~ترجع إلى قواعد الدين، فلا يتم. PageV01P203 # ثم التخيير في أخذ المال لآخذ من غيره جبرا، انما يكون فيما تقرر وجوبه ~~سابقا بالذات أو بالزمان على تخييره سبب الإيجاب ذلك عليه عند اختياره ~~لممنوع. ألا ترى أن تحقق شرعا فبل اختيار الحاكم، أما المال فليس بثابت ~~شرعا على الجاني بغير إتلاف للمتمولات إجماعا. وإذا ثبت ذلك، انتفى كونه ~~عقوبة، لأنه ليس شيء من العقوبات غير واجب على التعيين ولا على البدلية. ~~فهذا، والله أعلم، معنى قوله: فالإجماع على أنه لا يجب. # ثم إنا قد قدمنا أنا إذا حملنا اللفظ على ظاهره، وقلنا: إن الإجماع انعقد ~~على نسخ العقوبة بالمال، أي علي وجوبها، ms080 لا يصح هنا أن يبقى الجواز بعد ~~الوجوب، كأن المال المعصوم كالبدن والدم المعصوم، فإذا ارتفع وجوب التهلكة، ~~رجع إلى أصل العصمة. وإنما ذلك أعني بقاء الجواز بعد الوجوب فيما ليس الأصل ~~تحريمه. # وأيضا، فإن ابن رشد وغيره متى حكوا هذا الإجماع، يقولون: وصارت العقوبة ~~في الأبدان لا في الأموال. فهذا من تمام المنقول في سياق الإجماع، ودخوله ~~أصوب. فأي جواز يبقى بعد هذا؟. # وأما قوله: ويرد الإجماع بما نقل عن أحمد ومالك. # أقول: الإجماع دليل على ما نقل عن أحمد ومالك، فإن كانا لم يقولا به، وهو ~~الظاهر، فإن أصحاب مالك أولى بان ينقلوا هذا القول، لو ثبت عن الماوردي، ~~وكذلك أصحاب أحمد. ولا يصح به الفتاوي على المذاهب المرتبة على نقل قول ~~المخالف، لاسيما فيما لم يعرفه أهل ذلك المذهب. أما كثرتهم، أو يحمل ~~التأويل. فإن المخالفين مولعون بضروب من التشنيعات والالزامات. PageV01P204 # سلمنا انهما قالاه، فهذا الإجماع دليل عليهما، فإن مخالفة أحمد ومالك ~~وغيرهما إنما يمنع انعقاد إجماع انعقد في عصرهما، أما إجماع سبق المجتهد، ~~فإنه يجب عليه الرجوع إليه وإذا كان يجب على المجتهد الرجوع للنص، فما بالك ~~بالإجماع؟، وهو مقدم عليه؟. وقد اتفق لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره ~~من الصحابة الرجوع في مسائل كثيرة لما ذكرناه، يطول تعداد ذكرها أو بعضها. # وأما قوله: وبأنه لا ينسخ به، فهو بناء على فهمه أن الإجماع ناسخ، وليس ~~كذلك. أنما مرادا بن رشد وغيره ممن حكي ذلك أن الإجماع انعقد على النسخ ~~بسبب انعقاده على أن العقوبات في المال غير واجبة. وفرق كبير بين انعقاد ~~الإجماع على النسخ، وبين كونه ناسخا. # وهذه الحكاية في الإجماع تكررت في مواضع من البيان، من كتاب الحدود وكتاب ~~السلطان وكتاب الجامع. ووقفت في كتاب الحدود في القذف من سماع ابن القاسم ~~على وجه يرفع الأشكال عما قلناه بلفظ: انعقد الإجماع على النسخ، لا بلفظ: ~~أنه منسوخ بالإجماع، حتى يوهم ذلك، وسننقل إن شاء الله نصها عند ذكره لقضية مروان. # قوله: وبالظواهر ms081 التي نقلناها. # فأقول: وقد أبطلنا الاعتماد على تلك الظواهر بما سبق. # قال: وقد حكى ابن رشد في البيان(¬1)أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكم ~~بذلك. وان مروان ابن الحكم فعل ذلك في امرأة ادعت على رجل أنه كشفها، وقد ~~سجنه، فأبى من إطلاقه حتى ينقدها ألف درهم بما كشف منها. وأنه يوتي بالرجل ~~قد قبل المرأة فينزع ثنيته، وهو نحوما قدمناه عن ابن العربي. # أقول: وقد نص في البيان أنه انعقد الإجماع على النسخ. وقال عقب قصة مروان ~~ما نصه، بل هذا نص على الرواية. PageV01P205 # فقال ابن القاسم: قيل لمالك افترى هذا (47=207/ب) من القضاء الذي يعمل ~~به،؟. فقال:ليس هذا عندي من القضاء الذي يعمل به(¬1)، ولكن على غلظة من ~~مروان في الحدود. ولقد كان مروان(¬2)يوتي بالرجل يقبل المرأة فينزع ثنيته، ~~فلم ير مالك(¬3)مع التهمة البينة(¬4)أن يؤخذ بها، ولكن يطال سجن المتهم ~~رجاء أن توجد عليه بينة. هذا تمام الرواية. # ويقول: ما فعل مروان ليس من باب العقوبة في شيء، ولا فهم مالك ذلك منه، ~~ولا من نقل الرواية عن مالك. ألا ترى قول الراوي وهو ابن القاسم: فلم ير ~~مالك مع التهمة البينة(¬5)أن يؤخذ بها، ولكن يطال سجنه رجاء أن توجد عليه ~~بينة. فهذا يدلك على كل وجه ما أنكره مالك من هذا القضاء. وبيانه: أن مروان ~~إنما حكم بالمال لما كشفها على وجه غرمه للغاصب صدا للمصابة غصبا. وهذا ~~القضاء لو ثبت سببه لم ينكر، لكنه لم يثبت إلا بالقرائن المجردة عن البينة ~~المفيدة قوة التهمة والظنة، فرأى مالك أن مروان قضى مستندا إلى قوة التهمة ~~من غير تثبت. وهذا ليس عنده سبب يستقل، تبني الأحكام عليه عن كان مرجحا ~~لقول المدعى. وأما القضاء بالصداق لم ينكره لو ثبت سبب، فتبين لك حينئذ وجه ~~الانكار انما هو بناء الغرم الواجب على مصيب المرأة غصبا على مجرد الظنة ~~والتهمة من غير بينة، والخطأ على هذا ليس في الحكم بالمال، إنما الخطأ في ~~طريقه. هذا نص الراوي ولا ينبغي ms082 العدول عنه مع صحته. PageV01P206 # ولقائل أن يقول: إنما وجه ما صدر من مروان ليس هو على القضاء بها لمجرد ~~التهمة، كما أنكره مالك، أن حمله عليه، وإنما هو لأن مروان وان كان رأى ~~إطالة سجنه للتهمة وقوتها، لأن صحة القرائن دليل على صحة الدعوى، وإنكار ~~المدعى عليه حينئذ لدد ظاهر، والملد مستحق طول السجن ليرجع عن لدده، أو ~~تقوم البينة بما هو معلوم. ثم إن أبا لرجل المصيب للمرأة جاء وكلمه، حسبما ~~وقع في السماع وما كلمه في إطلاقه، فقال مروان: لاها الله، إذن لايخرج منه ~~حتى ينقذها ألف درهم لما كشف منها. يريد: لايخرج عاجلا كما طلبت، لأنه الذي ~~يقتضيه سياق الكلام. فقال أبوه: هي علي، فأمر به مروان فأخرج في الحال. ~~وهذا بين لاشك، فلأنه يقول: لابد من سجنه لقوة التهمة حتى تثبت عليه الدعوى ~~بالبينة أو يعترف فيغرمه صداقها، فلما قال الأب: هو علي، يعني الألف الذي ~~هو الصداق، لم ير مروان رحمه الله لإطالة السجن فائدة، لان البينة التي ~~توجب عليه حد الزنا ليست تم. والاعتراف بالزنا لا يوجب الحد إلا مع ~~التمادي، ولا يلزم سجن المتهم بالزنا ليقر، ليحد، ولا يصح. فلم يكن للسجن ~~ثمرة إلا غرم الصداق، فلما تطوع الأب به سقطت ثمرة طول السجن. والدليل عليه ~~أن مروان لم يلزم ذلك، بل الأب من تلقاء نفسه قال: هي علي. يريد بذلك ألا ~~يطيل سجن ابنه في حق المرأة. فإذا تأملت، لم يكن فيها من مروان إلا التصلب ~~في القدر الواجب للمرأة المكشوفة. # ومما يتبين ذلك به نص السماع، وسنبين لك ذلك بنص السماع، وهو سماع ابن ~~القاسم في رسم كتاب مسجد القبائل من كتاب الحدود في القذف: PageV01P207 # "حدثني مالك عن يحيى بن سعيد أن امرأة خرجت إلى بعض الحرار، فلما نزلت ~~قرقوة عرض لها رجل من أصحاب الحمر، فنزل إليها ثم أرادها عن نفسها وكشف ~~ثيابها عنها فامتنعت منه فرمته بحجر فشجته ثم صاحت، فذهب، فأتت مروان بن ~~الحكم فقال لها: أتعرفينه إذا ms083 رأيته؟، قالت: نعم، فأدخلت بيتا، ثم قال: ~~إيتوني بالمكارين الذين يكرون الحمر، وقال: لايبقى أحد منهم إلا جئتموني ~~به، فأتي بهم، فجعل يدخلهم عليها رجلا رجلا، فتقول: ليس هو هذا، حتى أدخل ~~عليها مشجوجا، (48-208/أ) فقالت: هو هذا، فأمر به مروان أن يحبس في السجن، ~~فأتاه أبوه فكلمه، فقال له مروان: # جانيك من يجني عليك وقد ... يعدي الصحاح مبارك الجرب # فلرب مأخوذ بذنب عشيره ... ... ونجى المقارف صاحب الذنب # فقال له ليس ذلك، قال الله تعالى: "ولاتزر وازرة وزر أخرى"(¬1)، فقال له ~~مروان: لاها الله، إذن لايخرج من السجن حتى ينقدها ألف درهم لما كشف منها، ~~قال أبوه: هي علي، فأمر به مروان فأخرج. # قال ابن القاسم: قبل لمالك: أترى هذا من القضاء الذي يعمل به؟، قال: ليس ~~هذا عندي من القضاء الذي يعمل به"(¬2)، إلى آخر ما تقدم ذكره. # فانظر إلى المحاورة التي وقعت بين مروان وبين أب المسجون، وقول مروان لا ~~يخرج حتى ينقدها، أي بإقراره أو بقيام البينة، وقول الأب: هي علي. # فإن قلت: فما قوله: جانيك من يجني عليك ... إلا آخر البيت؟ PageV01P208 # قلت: تفرس إن الأب تحمله الرقة على ابنه على أن يعجل خروجه من السجن، وأن ~~الولد لا يقر، خشية زيادة العقوبة عليه، ولايتأتى ذلك إلا بغرم حق المرأة. ~~ثم ما تفرس به وقع. وقوله: لاها الله إذن، أي إن كنت تتبرأ من جناية ابنك ~~فلك ذلك، لقول الله تعالى: "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، فأنا لا أدع حق هذه ~~المرأة فأطيل سجنه، فلا يخرج حتى ينقدها إن شاء الله، أو يطول سجنه. فلم ير ~~مالك ولا ابن القاسم ذلك من العقوبة بالمال في شيء. وإنما تكلما في قضية ~~مروان بناء على أنه قضى على الولد بالألف، فالتزم الأب دفعها، ولو تأول قول ~~مروان بما قلناه لم يكن في ذلك ما أنكره مالك، غير أن ابن رشد رحمه الله ~~سرة ذهنه إلى إغرام المال في المهر قبل الثبوت من باب العقوبة بالمال، ~~وتحرز رحمه الله في ms084 ذلك بناء على فهم حقيقة القضاء من مروان. ولو تأمل ~~لما وجده إلا من باب الاغرام لما وجب فبل ثبوت سببه، لكنه استطرد ذكر ذلك، ~~وبين أنه منسوخ إجماعا. ولعل مروان رأى أن وجود الجرح بالرجل كما وصفت ~~المرأة، وأنها بلغت من فضح نفسها بصياحها أولا، واستصراخها حتى فرعنها، ~~وبمجيئها للأمير ثانيا بما كان عنده بمنزلة الشاهد على صدق دعواها، فلم يبق ~~القضاء موقوفا إلا على إقراره، أو بيمينها، أو يرى ما اتفق لها من الأمر ~~ليس بأقل دلالة على صدقها ما لو أتت متعلقة بالرجل، وهو ممن تليق به ~~الدعوى، أو رأى أن دلالة ما ذكر على صدقها ليس بأقل من دلالة غيبته عليها ~~على صدقها. # ففي رسم الاقضية من كتاب الحدود في القذف، قال سحنون: قال لي ابن القاسم: ~~ولو شهد رجلان أنهما رأيا امرأة اعتصبها رجل فأدخلها منزله وغاب عليها ~~فشهدا بذلك، فادعت المرأة أنه أصابها، وأنكر ذلك الرجل، فحلفت المرأة مع ~~شاهديها، واستوجبت الصداق وأن لم يكن عليه في ذلك حد. PageV01P209 # قال القاضي ابن رشد: أما إذا ثبت اغتصابه لها وغيبته عليها فلا اختلاف في ~~أن القول قولها في أنه وطئها وأنها تستوجب بذلك صداق مثلها، وكذلك إذا ~~كانوا جماعة، ادعت على كل واحد منهم أنه وطئها، أخذت من كل واحد صداق ~~مثلها، قيل: بيمين، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، وقيل: بغير يمين، ~~وهو قول مالك في كتاب محمد بن المواز(¬1). وقول مالك في سماع أشهب من كتاب ~~الغصب: ويثبت اغتصابه لها وغيبته عليها بشهادة شاهدين، على ما قاله في ~~رواية سحنون هذه عنه، وفي رواية مرة عن ابن القاسم أن المغتصبة التي يجب ~~هلا الصداق على من اعتصبها، لايجب لها إلا بما يجب به الحدود، وذلك أربعة ~~شهداء، معناه على معاينة الوطء. وذلك بين من قوله: وإلا كانوا قذفة يجلدون ~~الحد، فالصداق يجب لها (49=208/ب) مع ثبوت مغيبه عليها، أو لايجب عليه الحد ~~بذلك، وإنما يجب الحد بمعاينة أربعة شهداء، فإذا وجب الحد ms085 وجب الصداق. # وأما إذا ادعت عليه أنه اغتصبها وغاب عليها ولم يعلم ذلك إلا بقولها، فإن ~~الأمر يفترق في ذلك بين أن تأتي متشبهة به وهي تدمى إن كانت بكرا، أو ~~لاتاتي متشبهة بهن وبين أن تدعي ذلك على من يليق به ام لا، على ما مضى ~~بيانه في سماع أشهب من كتاب الغصب منها.(¬2)والذي في كتاب الغصب من سماع ~~أشهب وابن نافع: أنها إذا تعلقت به بكرا كانت تدمى أو ثيبا، أنها تصدق بغير ~~يمين. فقيده ابن رشد انه ممن يليق به ذلك. فلذلك سقط عنها حد القذف والزنا، ~~وإن ظهر الحمل لما بلغته من فضيحة نفسها، إلا أن تسمع في الأمة الفارهة، ~~وفي كتاب أبن المواز، وكذلك الوغدة. واختلف في وجوب الصداق على ثلاثة أقوال: # مالك في رواية أشهب: يجب # وابن القاسم في رواية عيسى عن كتاب الحدود: لا يجب. # الثالث لابن الماجشون: يجب للحرة لا للأمة. PageV01P210 # وعلى القول بالوجوب فبغير يمين في رواية أشهب، وقال ابن القاسم باليمين، ~~وهو أصح. # قال ابن رشد: وهذا الاختلاف في اليمين في الفارهة، وأما الوغدة فلا ترها ~~منه والله أعلم. # قال: وتحصيل القول: أن ادعت غير متشبثة به، وهو ممن لايشار إليه بالفسق ~~بل من أهل الصلاح، حدت للقذف والزنا، وإن ظهر بها حمل، وإن لم يظهر فعلى ~~الخلاف فيمن أقر بوطء حرة وادعى نكاحها، أو أمة وادعى ملكها. فعلى ابن ~~القاسم: تحد، إلا أن ترجع، وقول أشهب: لاتحد وان كان معلوما بالفسق سقط ~~عنها الحد، إلا أن يظهر بها حمل، يعني فتجري على الخلاف، ويكشف الإمام عن ~~أمره، فإن لم يظهر له شيء استحلفه، فإن نكل حلفت وأخذت صداق مثلها. فإن كان ~~مجهول الحال وهي من أهل الصدق، تخرج حدها للقذف على قولين، على القول بأنها ~~لا تحد له بحلف، فإن نكل حلفت وأخذت صداق المثل، وإن جاءت متعلقة به، وهو ~~من أهل الصلاح، بكرا تدمى أو ثيبا، سقط عنها حد الزنا لما بلغته من فضيحة ~~نفسها وان ظهر بها ms086 الحمل. وفي حد القذف قولان: أوجبه ابن القاسم، ونفاه ابن ~~حبيب، وعلى أنها لا تحد يحلف، فإن نكل حلفت واستحقت صداق مثلها، وهذا إن ~~كانت ممن تبالي فضيحة نفسها، بالصياح عليه والمجيء إلى الأمير والا ~~حدت(¬1). # قال: وإن كان معلوما بالفسق فعل ما ذكر له أولا(¬2). فلعل مروان رأى أن ~~ما بلغته من فضيحة نفسها بالصياح عليه والمجيء إلى الأمير، وقرينة الشجة، ~~وأنه ممن يليق به ذلك، رأى أن يعطيها بغير يمين. # لا يقال: هذه التوجيهات كلها بناء على أن معنى كشفها: أصابها. ولعله أنما ~~كشف الثوب. PageV01P211 # قلت: لم يقع من مالك إنكار سبب الغرم، أي غرم الصداق. إنما أنكر على مروان ~~القضاء، مثل أن يثبت بالشاهدين، بل بمجرد الدعوى حسبما صرح به ابن القاسم. ~~فلو كانت الدعوى أيضا لاتوجب عليه غرم الصداق لكان إنكاره لذلك ألزم وأظهر، ~~فبانحصار جهة الإنكار في القضاء قبل قيام البينة، دليل على أنه قد أتى في ~~دعواها ما يوجب عليه الغرم للصداق. # قال محمد بن رشد: ما تضمنته هذه الحكاية من أن مروان قضى للمرأة بدعواها ~~على الكري الذي ادعت عليه أنه أرادها عن نفسها وكشف عنها ثيابها مع الشبهة ~~التي ألحقت به التهمة وتحققت التهمة والظنة هو من القضاء الذي لا يأخذ به ~~مالك، ولايرى العمل عليه، ولا يرى القضاء به، إذ لايرى العقوبات في ~~الأموال، لأن العقوبات في الأموال أمر كان في أول الإسلام ثم نسخ. من ذلك ~~ما روي عن النبي (50=209/أ) صلى الله عليه وسلم في مانع الزكاة "أنا آخذوها ~~وشطر وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا"، وماروي عنه في حريسة الجبل "أن فيها ~~غرامة مثيلها وجلدات نكال"، وما روي عنه أيضا: "من وجدتموه يصيد في الحرم ~~فسلبه لمن وجده"، كل ذلك كان في أول الإسلام وحكم به عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه، ثم انعقد الإجماع على أن ذلك لا يجب وعادت العقوبات على الجرائم ~~في الأبدان. وقد أنكر ذلك على مروان بن الحكم، فقال على وجه الإنكار عليه: ms087 ~~ولقد كان يوتي بالرجل يقبل المرأة فينزع ثنيته. وهذه نهاية في الإنكار ~~والعقوبات على الجرائم عند مالك إنما هي في الأبدان على قدر اجتهاد الوالي ~~وعظم جرم الجاني(¬1). # فانظر كيف بتر هذا الكلام، فنقل عن صاحب البيان أن عمر رضي الله عنه ~~حكم به، ولم يذكر النسخ. ونقل أن مروان بن الحكم حكم به، ولم يذكر إنكار ~~مالك لذلك. هذا كله ليوهم أن هذه الأشياء التي جاء بها معمول بها، وهي على ~~العكس من ذلك. PageV01P212 # ومما يصحح قوله في الإجماع، رجوع عمر رضي الله عنه عما يوهم ذلك، حسبما ~~رواه القاسم بن أصبغ عنه في المعتدة التي تزوجت، وقد تقدم، ذكرها. # وتخريجنا المسألة على أنه رأى الصداق أولا من قبيل المال الضائع، لأن ~~الزوج دفعه عوضا عن الاستمتاع، وقد استمع والزوجة أخذته عوضا عن محرم، فلم ~~ير لها تملكه حتى بلغه خبر علي، فخطب وقال: ردوا الجهالات إلى السنة، وردوا ~~إلى المرأة صداقها. # وما وعدنا بذكره عند قوله: الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، من أن ابن رشد ~~أنما أراد أن الإجماع انعقد على النسخ، لا أن الإجماع ناسخ. هو ما أنصح به ~~في هذا المحل من قوله: ثم انعقد الإجماع. # وأما نزع مروان ثنيه المقبل للمرأة فليس فيه عقوبة بالمال بل في البدن ~~على أنه من غلظته في الحدود. وما ذكره مالك إلا في غلظته مروان، حتى خرج ~~فيها عن النظير. # السادس : الحديث : "أصبت عمي ومعه راية..." PageV01P213 # قال: خرج النسائي فيما نقل عنه ابن بزيزة(¬1)في شرح الأحكام عن البراء بن ~~عازب قال:"أصبت عمي ومعه راية، فقلت: أين تريد، فقال: بعثني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ~~ماله"(¬2). فقال ابن بزيزة: هذا الحديث يدل على أن للإمام أن يجتهد ويعاقب ~~بحسب ما يراه في الدماء والأموال. # أقول: الكلام عليه من وجوه # الأول: إن النسائي ذكر عقوبة من أتى ذات محرم وذكر اختلاف الناقلين لخبر ~~البراء بن عازب فيه، فذكره من ms088 رواية أبي الجهم عن البراء، ومن رواية عدي بن ~~ثابت عن البراء. ونص الأول: أنا هناد بن السري عن أبي زيد عن مطرف عن أبي ~~الجهم عن البراء، وذكر كلمة معناها: "إني لأطوف في تلك الأحياء على إبل لي ~~ضلت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رهط معهم لواؤهم، فجعل ~~الأعراب يلوذون بي، لمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستخرجوا ~~رجلا فضربوا عنقه، فسألت عن قصته فقيل: عرس بامرأة أبيه"(¬3). PageV01P214 # ونص الثاني: أنا يحيى بن حكيم البصري قال: فأحمد بن جعفر قال: ناشعبة عن ~~الربيع بن البراء بن الربيع عن عدي بن ثابت قال: "مر بنا ناس ينطلقون فقلنا ~~لهم: أين تريدون؟، قالوا: بعثنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل يأتي ~~امرأة أبيه أن نقتله"(¬1). أنا أحمد بن عثمان بن حكيم الكرمي قال: حدثنا ~~أبو نعيم قال: نا الحسن بن صالح عن السدي عن عدي بن ثابت قال:"لقيت خالي ~~ومعه الراية، فقلت، أين تريد؟، قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله"(¬2). وفي مثله وفي ~~مسند ابن أبي شيبة على ما نقله الشيخ أبو عبد الله محمد بن فرج بن ~~الطلاع(¬3)في كتاب الأقضية(¬4). # وفي النسائي أيضا: أخبرنا محمد بن رافع قال: نا عبد الرزاق قال: نا معمر ~~عن أشعث عن عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء عن أبيه قال: "لقيني عمي ومعه ~~الراية، فقلت: أين تريد؟، فقال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل ~~تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أقلته"(¬5). # وهذا جميع مانقلته في هذا الفصل عن البراء، وليس (51=209/ب) فيه ذكر أخذه ~~ماله بوجه(¬6). PageV01P215 # وكذلك خرجه الترمذي في كتاب الأقضية: عن سعيد بن الأشج نا خفص بن غياث عن ~~أشعث عن عدي بن ثابت عن البراء قال:"مر بي خالي أبو بردة ومعه لواء، فقلت: ~~أين تريد، فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة ~~أبيه ms089 أن آتيه برأسه"، فلم يذكر أيضا الترمذي أخذ ماله بوجه. قال أبو عيسى: ~~حديث البراء حسن غريب. وقد روى محمد بن اسحاق عن عدي بن ثابت عن عبد الله ~~بن يزيد عن البراء عن أبيه، وروي عن أشعت عن يزيد بن البراء عن خاله.(¬1) # الثاني: إن الحديث في سنن أبي داود قال حدثنا احمد بن قسيط الرضى قال: نا ~~عبد الله بن عمرو عن يزيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن ثابت عن يزيد بن البراء ~~عن أبيه قال: لقيت عمي ومعه ثلاثة فقلت: أين تريد؟، فقال: بعثني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ~~ماله"(¬2). # نعم، في النسائي: أخبرنا العباس بن محمد الدوري قال: نا يوسف بن منزل ~~قال: نا عبد الله بن ادريس قال: نا خالد بن أبي كريمة عن معاوية بن قرة عن ~~أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أباه جد معاوية إلى رجل عرس ~~بامرأة أبيه فضرب عنقه وخمس ماله"(¬3). قال ابن الطلاع: وفي غير الكتابين، ~~يعني لنسائي ومسند أبي شيبة: "أن أجيء برأسه وأستفيء ماله". قال: وفي كتاب ~~الصحابة لابن السكن، وذكره أيضا ابن أبي خيثمة: أن خالد بن أبي كريمة حدث ~~عن معاوية بن قرة عن أبيه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أباه جد ~~معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه فضرب عنقه وخمس ماله"، قال يحيى بن معين: ~~هذا حديث صحيح(¬4). PageV01P216 # الثالث: الحديث ذكره عبد الحق عن النسائي وابن بزيزة شارح كتابه، فلا معنى ~~لنقله عن ابن بزيزة وهو موجود في الأم(¬1). # الرابع: إنه لاحجة في هذا الحديث على العقوبة بالمال لوجوه: # الأول: لو يقل بظاهر الحديث إلا أهل الظاهر وأحمد، وأما غيرهم فمن قائل ~~بالحد المعروف مالك والشافعي وأبي حنيفة وسفيان والحسن البصري وأبي يوسف ~~ومحمد ابن الحسن، ولايرون العقوبة شبهة تدرأ عنه الحد. وقال سفيان يدرأ عنه ~~الحد إذا كان التزويج بشهوده. وقال ابو حنيفة يعزر ولايحد. فهذا ms090 يمنع ~~الاستدلال على إثبات العقوبة بالمال في هذا الحديث على أن يجعل مذهبا لمالك ~~ومن ذكر معه. # الثاني: إن هذا على خلاف القاعدة المعلومة من حد الزاني إجماعا. إن ~~الزاني كان غير محصن فحده الجلد إجماعا، وإن كان محصنا فحده الرجم إجماعا، ~~قال أبو عمر بن عبد البر: والسنة أن الزاني إذا لم يحصن حده الجلد، وأجمعوا ~~أن المحصن من الزناة حده الرجم. قاله في حديث العسيف. وقال أيضا فيه، ونقل ~~ابن القطان أن الإجماع في حد الزنا إذا لم يحصن الجلد دون الرجم، ولا خلاف ~~بين الأئمة فيه، قال الله تعالى:"الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة"(¬2). وأجمعوا أن هذا الخطاب يدخل فيه الأبكار(¬3). # وفي الإشراف لابن المنذر(¬4) PageV01P217 ~~نقله عنه ابن القطان أيضا: وثبتت الأخبار عن رسوله الله صلى عليه وسلم أنه ~~أمر بالرجم ورجم. فالرجم ثابت بسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم باتفاق ~~عوام أهل العلم، مالك وأهل المدينة والاوزاعي وأهل الشام والثوري وأهل ~~العراق، وهو قول عوام أهل القياس وعلماء الامصار(¬1). # وفي الاستذكار أيضا، ونقله ابن القطان: وأجمع الجمهور من الصحابة ومن ~~بعدهم أن المحصن حده الرجم، واختلفوا هل الجلد معه، وأما المبتدعة كالخوارج ~~والمعتزلة فلا يرون رجم الزاني وأن أحصن ذلك، وإنما حده الجلد. ولايعرج ~~عليهم، ولا يعتبر خلافهم(¬2). وإذا ثبت الإجماع على أن البكر تجلد فقط، ~~والثيب المحصن ترجم، فهذا الحد الوارد في الحديث (52=210/أ) على خلاف هذا ~~الإجماع، فهو متروك العمل، فلا يكون حجة، لان ضرب العنق هو الذي ثبت فيه. # الثالث: إن الظاهر أن هذا كان مستحيلا لذلك، فيكون باستحلاله مرتدا. ~~والدليل عليه أنه مذهب أهل الجاهلية. كان أحدهم يرى أنه أولى بامرأة أبيه ~~من الأجنبي فيرثها كما يرث ماله، فقتل للردة وأخذ ماله، لأنه لا يرثه ~~ورتثه. وأيضا بمخالفة حد الزنا فيه من الجلد والرجم دليل على ذلك. وأيضا ~~فقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحد على جماعة، وإقامة الصحابة بعده، ~~ولم يأخذوا شيئا من أموالهم، ولا أقامه النبي ms091 صلى الله عليه وسلم، ولا ~~أقاموه في الزنا قط بضرب العنق، فدل هذا على أنه أمر وراء الزنا. PageV01P218 # الرابع: أن هذا لو كان حدا للزنا لا للردة، لكان الزنا الصرف الذي لا عقد ~~نكاح فيه أولى مما فيه عقد النكاح، ولو كان على محرم، والدليل على هذه ~~الأولوية أن من العلماء من لم ير إقامة الحد في نكاح ذات المحرم، قال أبو ~~حنيفة: يعزر ولايحد(¬1)، وقال سفيان: إذا كان شهود لا يحد(¬2). فهذا قد ~~اختلف العلماء في أنه زنا أولا. فإذا وقع التغليط في ذلك بضرب العنق وأخذ ~~المال، فما كان من زنا مجمعا عليه لا عقد فيه يوجب الشبهة عند قائل أولى أن ~~يؤخذ فيه بذلك، ولم يقل أحد بذلك. # لايقال: أن هذه الحرمة زوجة الأب، وقوة ذلك عما سواه من الزنا بالأجنبية ~~لتأكد الحرمة. # لأنا نقول: ولنفرض ذلك فيما إذا زنى بأمه، فإن من قال بضرب العنق وأخذ ~~المال هو أحمد وإسحاق، وما قالا بذلك إلا في نكاح ذات المحرم، اتباعا ~~للظاهر وقصر الحكم عل موردها. # لايقال: أن النكاح الوارد في الحديث المراد به الوطء لا العقد. PageV01P219 # لأنا نقول: ذلك مردود، لأن من طرق حديث البراء ما رواه أبو داود قال: نا ~~مسدد قال: حدثنا خالد بن عبد الله نا مطرف عن أبي الجهم عن البراء بن عازب ~~قال: بينما أنا أطوف على ابل لي ضلت إذ أقبل ركب أو فوارس معه لواء، فجعل ~~الاعراب يطيفون بي لمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتوا قبة ~~فاستخرجوا منها رجلا فضربوا عنقه. فسألت فذكروا أنه عرس بامرأة أبيه(¬1). ~~قال الإمام أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: أن قوله في الحديث عرس ~~كناية عن النكاح والبناء على الأهل، وحقيقته الإلمام بالعروس بليل، ويدل ~~على أن المراد بالنكاح العقد. أن أحمد بن هشام الحميدي نا أحمد بن عبد ~~الجبار العطاردي نا حفص بن غياث عن أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت عن البراء ~~بن عازب قال: مر بي ms092 خالي ومعه لواء فقلت: أين تذهب؟ قال: "بعثني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه. قال: فهذا قد جاء ~~بلفظ التزويج كما ترى(¬2). لذلك أتى أيضا في الترمذي بلفظ التزويج كما سبق. # لايقال: لو جاز تأويل القتل بالاستحلال لجاز تأويل الرجم بالاستحلال، فقد ~~كان أهل الجاهلية يستحلون الزنا. # لانا نقول: علم من الكتاب والسنة والإجماع أن الرجم على من أحصن من ~~المسلمين، ولرجم من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان والتوبة التي ~~أحد مقامات اليقين، فلا محوج إلى التأويل، ثم لا مصحح له، لو تأول لما صح ~~وثبت بالوجوه السابقة من رجم من أحصن من المسلمين. # السادس: مما يدل على استحلاله أنه عقد النكاح وبنى بامرأة أبيه، ولو كان ~~غير مستحل لقدم على هذه المعصية كما يقدم سائر العصاة على المعاصي في تستر ~~وتخف، لا بإشهاد على ما راموه من ذلك الإشهار له، والعقد ليس مما يخفى. PageV01P220 # السابع: إن في أحد الحديث: وأستفيء ماله، فلو كان مسلما لم يسم ماله فينا ~~قال الله تعالى:"وما أفاء الله على رسوله منهم"الآية(¬1)، ولا تجد في كتاب ~~الله ولا سنة رسوله تسمية مال المومن فينا، وذلك لمعنى صحيح وهو أن ~~(53-210/ب) معنى أفاء في اللغة: رجع، وأفاء: أرجع، فما أخذ من مال الكفار ~~يسمى فيئا، لأنه برجوعه إلى المؤمنين رجع إلى مقره وأصله ومحل ملكه. ~~والدليل عليه قوله تعالى:"قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات ~~من الزرق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا"(¬2)، ووجه الدلالة أن ~~المراد بالعباد المخرج ذلك الرزق والزينة لهم المومنون، بدليل قوله: "قل هي ~~للذين آمنوا في الحياة الدنيا"، واللازم لام التمليك، فدل أيضا على أن تلك ~~الزينة وطيبات الرزق مقرون بالإيمان، فما حصل بأيدي الكفار لم يحصل على وجه ~~الإذن الشرعي، إنما هو بالتقدير والقضاء، كما يقع غير ذلك مما هو جار على ~~المنهاج الشرعي، ولما أراد الله من عمارة العالم وابتلاء البعض بالبعض، ~~فإذا انفصل شيء من ms093 أموال الكفار عن أمر منهم إلى المسلمين، فقد رجع الملك ~~إليهم فيسمى فيئا، أي راجعا لهذا المعنى. أنا المؤمن فما بيده من مال مأذون ~~له فيه شرعا، ما لم يكتسبه من وجه غير جائز، فإذا أخرج من يده، فلا معنى ~~لتسميته فيئا، ولذلك لا يطلق هذا الاسم على المواريث، بل ولا على الأموال ~~الضائعة التي لا يعلم مالكها من أهل الإسلام، كأموال المستغرقين. وإنما ~~اختلف العلماء هل يكون حكمها حكم الصدقات أو حكم الفيء، أما إطلاق الفيء ~~على ذلك، فلم يقل به أحد من الناس. # الثامن : إن في حديث معاوية بن قرة عن أبيه جد معاوية ضرب عنقه وخمس ~~ماله، والخمس مخصوص بما أغنم من أموال الكفار لا ما أخذ من أموال المسلمين، ~~ورجال الحديث مشهورون، وهذا أيضا يدل على أن الفاعل لذلك مستحل كافر. PageV01P221 # فان قلت: هي قصة واحدة وهما قصتان، فإن كانا قصة واحدة فما الجمع بين مختلف ~~الحديثين؟، وإن كانا قصتين، فما وجه التفريق بين حكميهما والجناية واحدة؟. # قلت: يحتمل أن تكون القصة واحدة، ولكون جد معاوية مرسل مع البراء، وهما ~~مأموران معا، فقد كانوا جميعا وعقدوا الراية، فلا تنافي حينئذ بين أمر ~~البراء وجد معاوية. وأما قول البراء: وأخذ ماله، ومرة قال: وأستفيء ماله، ~~وقول معاوية: وخمس ماله، أطلق مجازا على أخذ المال، على أن المأخوذ منه ~~المال كافر، وهو وإن مرة يؤخذ على وجه الفيء، ومرة على وجه الغنيمة التي ~~تخمس، فذلك لا يمنع إطلاق اسم أحدهما على الآخر، فتكون الحقيقة: أخذه فيئا ~~ثم استعير له اسم الغنيمة، ولم يصرح بتلك الاستعارة، وإنما كنى عنها بقوله: ~~وخمس ماله. وهذا بناء على أن ما أخذ من مال المرتدين ولو تحيزوا بدراهم على ~~وجه القتال والإيجاف بالخيل والركاب يكون فيئا، ولايغنمون كما لايسبون ~~ولايسترقون، ويحتمل العكس، وهو أن يكون قول البراء: وآخذ ماله، وأستفيئ ~~ماله المراد به أخذه على وجه الغنيمة، كما يفعل بأهل الحرب غير المرتدين، ~~فيرجع بهذا التأويل إلى قول معاوية بن قرة: وخمس ماله. ms094 # وهذا بناء على أموالهم تغنم ويسبون، وتكون أرضهم فيئا كعبدة الأوثان من ~~العرب، لأن دراهم صارت بالردة دار حرب، والقولان للعلماء في هذه المسألة. ~~وهذا بناء على أن أخذ مال هذا المستحيل احتاج للإيجاف، بقرينة الجمع له ~~والراية التي تدل على نصب القتال. ويحتمل أن تكونا قصتين، وأن قصة البراء: ~~آخذ فيها جميع المال، لأن المأخوذ عنه ذلك مرتد لم يحتج إلى قتال، فكان ~~ماله فيئا لا يفتقر إلى خمس، كأموال المرتدين، غيره، وقصة جد معاوية بن قرة ~~افتقر فيها إلى نصب قتال وكان المأخوذ غنيمة فخمس. PageV01P222 # إنا قد جمعنا لك الألفاظ التي قد ورد الحديث بها فيما وجدناه واحتج به هذا ~~المحتج، وليس في شيء منها أن الرجل المبعوث إليه كان مسلما. ولعله كان من ~~الأعراب الذين لم يسلموا بعد، أو هو بنفسه ظهر (54=211/أ) أنه لم يلتزم ~~شرائع الإسلام من قبل بما أظهر من هذا الفعل الجاهلي، وهو نكاح امرأة أبيه، ~~فلم يكن عنده عهد يمنعه، ولا إسلام يعصمه، فأبيح دمع وماله. بل نقول: إنه ~~الظاهر من الوجوه التي سلفت، وكونه أعرابيا أقدم على هذا الصنع خرج عن ~~صنائع أهل الإسلام، وحملت الراية في الخروج إليه، وضربت عنقه، ولم يجد حد ~~الإسلام، وأخذ ماله، وما صنع ذلك بمسلم واتبع معصية الزنا في ذات محرم ولا ~~غير هذا. # التاسع:(¬1)هذا لحديث على أية وجه فهم، وبأي معنى استقر ليس من العقوبة ~~بالمال في شيء. وبيانه أن هذا الرجل المقتول لنكاح امرأة أبيه، لا يخلو أن ~~يكون كافرا أصليا أو مسلما لم يرتد، نصا أو حكما، أو مرتدا. فإن كان الأول، ~~فأخذ مال الكافر على وجه الغنيمة والفيء خارج عن العقوبة بالمال بالمعنى ~~المتنازع فيه، وكذلك إن كان مرتدا، لان المرتد ميراثه لبيت المال في القول ~~الصحيح مطلقا، فإن كان الثالث فليس من العقوبة في المال في شيء، لأن أخذ ~~المال بعد الموت، وهو بعد زهوق نفسه بالقتل خرج المال عن أن يكون ملكا له، ~~وكل ما لم يكن ملكا له ms095 تعقل عقوبته به. # العاشر: إن القول بأن هذا عقوبة بالمال خلف من القول، لأنه بعد الموت ~~ملكه لوارثه، سواء كان مسلما فيرثه ورثته، أو مرتدا فيكون لبيت المال، ~~فالعقوبة لو صحت بالمال لكانت عقوبة للوارث بأخذ ماله لأجل جناية الموروث، ~~وهذا على خلاف حكم الله تعالى بقوله "ولاتزر وازرة وزر أخرى". PageV01P223 # الحادي عشر: إنه قول على خلاف المعقول، لأن العقوبات بالمال للجاني لاتعقل ~~بعد موته، إذ لايتصور عقاب بعد الموت إلا في عالم الآخرة، وأما قي الدنيا فلا. # الثاني عشر: لو صح أن هذا من العقوبة بالمال لكان مندرجا فيما صح نسخه من ~~ذلك. وقد تقدمت نصوص العلماء بنسخ العقوبة بالمال جملة، فلا معنى لإعادتها. # الثالث عشر: لو يصح النسخ لكان يكفي في ردها الذي يقتضيه الخبر، أنه خبر ~~واحد على خلاف الأصول، وقد سبق من دفع الأصول له ما فيه كفاية، فلا معنى ~~لإعادته. # الرابع عشر: يرد الاستدلال به ما تقدم من الإجماعات على أن الذنوب لاتحل ~~مال المذنب. # فإن قلت: قد سبق الإجماع الذي نقلته من كتاب الإشراف أن الردة لا تبيح ~~المال فضلا عما سواها، وأنت في هذا الكلام على هذا الحديث قد نقلت أخذ مال ~~المرتد من الخلاف في أنه غنيمة أولا. # قلت: الجواب عن ذلك أنه إنما الإجماع بشرطين، الأول: مادام جاء، الثاني: ~~ما لم يتحيز ويحتاج فيها إلى حربهم، أما إذا تحيزوا واحتيج إلى حربهم صارت ~~دراهم بالردة دار حرب على القول به، فاعلم ذلك. # السابع : حديث: "الصفحة التي كسرها بعض أزواج النبي..." # قال: ومنها الصحفة التي كسرها بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لبعض ~~أزواجه، فأعطاها صحفتها ولم يبال هل كانت قيمتها أكثر أو أقل، وان تأول إن ~~ذلك كله كان في بيته وتأول الجوزي(¬1)الحديث بأن فعله صلى الله عليه وسلم ~~كان عقوبة للكاسرة. قال: والعقوبة بالمال مشروعة، وذكر أحاديث، منها ما ~~قدمناه من تحريق رحل الغال، قال: وكل ذلك حكم باق عندنا(¬2). # أقول: الكلام عليه من وجوه: PageV01P224 # الأول: قصة القصعة رواها ms096 أنس، وخرجه البخاري قال: "نا مسدد قال: نا يحيى ~~ابن سعيد عن حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه، ~~فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بقصعة فيها طعام وقال: كلوا، وحبس القصعة ~~والرسول حتى فرغوا، فدفع الصفحة الصحيحة وحبس المكسورة". وهذا نصه من كتاب ~~المظالم، فترجم عليه باب إذا كسر قصعة أو شيئا لغيره(¬1). # وفي باب الغيرة من كتاب النكاح قال: حدثنا علي نا ابن علية عن حميد عن ~~أنس قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نساء، فأرسلت إحدى ~~(55=211/ب) أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى عليه ~~وسلم في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع الني صلى الله عليه ~~وسلم فلق الصفحة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارت ~~أمكم، ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة ~~الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت فيه"(¬2). PageV01P225 # وخرجه أبو داود في السنن في أبواب الضمان بالسند المذكور أولا عند البخاري. ~~ومن روايته أيضا عن محمد بن المثني عن خالد عن حميد(¬1)وخرجه أيضا من رواية ~~عند مسدد عن يحيى عن سفيان قال: حدثني فليت العامري عن جسرة بنت دجاجة قال: ~~قالت عائشة رضي الله عنها:"ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية، صنعت للنبي صلى ~~الله عليه وسلم طعاما فبعثت به إليه، فأخذتني الغيرة فكسرت الإناء، فقلت: ~~يارسول الله ما كفارة ما صنعت؟، قال: إناء مثل إناء وطعام مثل طعام"(¬2). ~~فيستفاد من هذا الحديث أن باعثة الطاعم صفية، وكاسرة القصعة عائشة رضي الله عنها. # وكذلك خرجه الترمذي في كتاب القضاء، وترجم عليه: باب ما جاء فيمن كسر له ~~الشيء ما يحكم له به من مل الكاسر. ونصه: حدثنا محمد بن غيلان نا أبو داود ~~الجعبري عن سفيان الثوري عن حميد عن أنس قال: "أهدت بعض أزواج النبي صلى ~~عليه وسلم طعاما في قصعة، فضربت عائشة القصعة(¬3)بيدها فألقت ما فيها، فقال ms097 ~~النبي صلى الله عليه وسلم: طعام بطعام وإناء بإناء. قال أبو عيسى هذا حديث ~~حسن صحيح، وأردفه بقوله: نا علي بن حجر أن سويد بن عبد العزيز عن حميد عن ~~أنس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار قصعة فضاعت فضمنها لهم"(¬4). PageV01P226 # وخرجه النسائي أيضا عن محمد عن المثني عن عبد العزيز عن سفيان عن فليت عن ~~جسرة بنت دجاجة عن عائشة رضي الله عنها قالت:"ما رأيت صانعة طعاما مثل ~~صفية، أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إناء فيه طعام، فما ملكت نفسي أن ~~كسرته. فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن كفارته، فقال: إناء كإناء وطعام ~~كطعام"(¬1). # وقال: انا محمد بن المثني نا خالد نا حميد قال أنس: "كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم عند إحدى أمهات المومنين، فأرسلت أخرى بقصعة فيها طعام، فضربت يد ~~الرسول فسقطت القصعة فأنكرت، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم ~~إحداهما إلى أخرى، فجعل يجمع فيها الطعام ويقول: غارت أمكم، كلوا. فأكلوا ~~حتى جاءت بقصعتها التي في بيتها فدفعت القصعة الصحيحة إلى الرسول وترك ~~المكسورة في بيت التي كسرتها"(¬2). # أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا أسد بن موسى نا حماد بن سلمة عن ثابت عن ~~أبي المتوكل عن أم سلمة أنها أتت بطعام في صحفة لها إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فهر ففلقت به الصحفة، ~~فجمع النبي صلى الله عليه وسلم وبين فلقتي الصحفة وهو يقول: كلوا، غارت ~~أمكن مرتين ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحفة عائشة فبعث بها إلى ~~أم سلمة وأعطى صحفة أم سلمة لعائشة" انتهى(¬3). وهذا يدل على أن المكسور ~~صحفتها هي أم سلمة رضي الله عنها، ويحتمل تكرار القضية لحامل الغيرة والله ~~أعلم، وبذلك تتفق الأحاديث، إذا الطرق اختلفت. PageV01P227 # الثاني: إن هذا ليس من باب الحكم بين الناس وما يحملون عليه، وإنما هو من ~~باب تصرف النبي صلى الله عليه وسلم في ملكه، لأن البيتين له صلى الله ms098 عليه ~~وسلم. والظاهر أن ما فيهما من طعام وآنية له. وإذا لم يكن هذا من باب الحكم ~~في شيء، فالعقوبة بالمال أو غيره فرع الحكم وأخص منه، وإذا انتفى الأعم ~~انتفى الأخص. # الثالث: سلمنا أن الطعام (56=212/أ) والإناء للكاسرة، فهو خارج مخرج ~~الإصلاح لا مخرج الحكم، أنه صلى الله عليه وسلم في هذه القضية دفع المثل في ~~المقوم. # قال الأمام سليمان الخطابي رحمه الله :"ولا أعلم أحدا من الفقهاء ذهب ~~إلى أنه يجب في غير المكيل والموزون المثل، إلا حكي عن داود أنه يوجب في ~~الحيوان المثل، فأوجب في العين العين وفي العصفور العصفور، وشبهه بجزاء ~~الصيد". قال الشيخ أبو سليمان الخطابي:"الذي ذهب إليه من ذلك خلاف مذاهب ~~عامة العلماء. والحكم في جزاء الصيد خاص، وحقوق الله سبحانه تجري فيها ~~المساهلة ولا تحمل على الاستقصاء وكمال الاستيفاء لحقوق الآدميين، وقد أوجب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في العتق شركا له في عبد القيمة لا المثل، ~~فدل على فساد ما ذهب إليه، قال علي: أن في إسناد الحديث، يعني حديث جسرة ~~مقالا" انتهى(¬1). # وقوله: إن حقوق الله تعالى تجري فيها المساهلة إلى آخره، يعني أن المثل ~~في المقوم كجزاء الصيد، فيه نوع من المساهلة، لأن المثل في المثليات قائم ~~مقامها لتحقق المماثلة، وأما المقومات التي تتعلق الأغراض بأعيانها وتقصد ~~بأشخاصها وإيجاب المثل فيها، فيه نوع من المساهلة، فلا يقضي به في حقوق ~~الآدميين، انتهى. هي مبنية على الاستقصاء وكمال الاستيفاء، وإذا صح أن دفع ~~المثل على خلاف القاعدة في أحكام الآدميين، والحديث مشتمل عليه، دل على أن ~~ذلك من الإصلاح لا من باب الحكم. PageV01P228 # الرابع:(¬1)إن عدم أخذ الجمهور بالقضاء بالمثل من هذا الحديث يدل على أنه ~~غير معمول به في باب الحكم، فضلا عن كونه عقوبة بالمال، ولاوجه إلا حمله ~~على الإصلاح أو على أن المال ماله صلى الله عليه وسلم. على أن القضاء في ~~اليسير من ذوات القيم وقع منه في المذهب المالكي ما يدل على الأخذ بهذا ~~الحديث، ms099 ويبقى ما قاله الخطابي من أنه: لايعلم من قال بذلك الكثير من ~~المقومات، وزعم بعض المتأخرين أن الحكم على من حرق الثوب برفوه، من الحكم ~~بالمثل في يسير المقومات. ورده اللخمي(¬2)بأنه لو كان كذلك ما غرم النقص ~~بعد إصلاحه. # فإن قلت: فما تصنع بحديث جريح؟، فإن ظاهر حكايته صلى الله عليه وسلم ~~لقصته أنه حكم به فيها من إعادة صومعته طينا كما كانت،(¬3)جار على منهاج ~~الصواب، وهو قضاء بالمثل. PageV01P229 # قلت: ليس من باب الحكم بالمثل في المقومات لوجهين: # الأول: أنا نمنع كونه حكم، أو أنهم احتاجوا معه بعدما ظهرت براءته ~~وكرامته على الله تعالى بنطق الصبي في مهد ببراءته، بدليل قولهم: نبني لك ~~صومعتك من ذهب وفضة، فتواضع عليهم، قال: بل أعيدوها طينا كما كانت، والحكم ~~إنما يحتاج له عند التشاح. # الثاني: سلمنا أنه من باب الحكم، فهم إنما تعدوا على الصومعة بهدم ما ~~هدموا منها حتى أخرجوه، ومثل هذا لايبعد القضاء فيه بالبناء، حسبما تشهد له ~~مسائل التعدي، ويبقى النظر في أن الصومعة بعد الرم هل نقصت قيمتها، ولكن ما ~~كان الرجل يستقصي معهم في مثل هذا، ولا هم بالذين يقصرون في بنائها حتى ~~تنقص قيمتها، وإذا كان ما نقص البناء بعد الرم إنما سقط لكونهم سومحوا فيه ~~وأتوا به على أحسن وجه حتى لم ينقص، هذا من القضاء بالمثل حسبما أشار إليه ~~اللخمي في مسألة الثوب. # وفي الإكمال: القضاء على من هدم حائطا ببناء مثله مذهب الكوفيين والشافعي ~~وأبي ثور(¬1). وفي العتبية عن مالك مثله(¬2). ومذهب أهل الظاهر في كل ~~متلف(¬3). ومشهور مذهب مالك وأصحابه وجماعة من العلماء أن فيه وفي سائر ~~المتلفات المضمونة القيمة، إلا ما يرجع إلى الكيل والوزن، ولاحجة لأولئك في ~~الحديث، لأنه في شرع غيرنا، وليس فيه أن نبينا صلى الله عليه وسلم أمر ~~بذلك، ولعله بتراضيهما. ألا ترى إلى قولهم: نبنيها لك بالذهب(¬4). PageV01P230 # الخامس: من وجوه الكلام على الاستدلال على العقوبة بالمال بحديث الصحفة ~~(57=212/ب) أن نقول أن المال لكاسرة الصحفة، فليس ذلك ms100 من قبيل الحكم، بل ~~إنما الكاسرة اختارت ذلك وطلبته من النبي صلى الله عليه وسلم على معنى ~~التكفير لما فعلت، بدليل ما خرجه أبو داود والنسائي من قولها للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: ما كفارة ماصنعت؟، فسألت النبي عن كفارته. # السادس: من الدليل أيضا على أنه ليس بحكم، قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~إناء كإناء وطعام كطعام، وإن كان الطعام والإناء ملكا لصفية أو لأم سلمة ~~رضي الله عنهما فقد خرجت عن الطعام ببعثه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو في بيت عائشة رضي الله عنها وإن كانت العادة تقتضي رد الصحفة، فإنها ~~لا تقتضي رد الطعام، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم: وطعام كطعام. ولذلك ~~بعثت صحفتها، ولم يذكر أنها بعثت طعاما. وما ذلك إلا لأن الطعام لم يبق فيه ~~حق لمن كسرت صحفتها بوصوله إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وما صار إخراج ~~عائشة الطعام إلا على معنى الكفارة، والقاعدة تقتضي أن طعام الكفارة ~~للفقراء، فلذلك والله أعلم لم تبعث الطعام في الصحفة. # السابع: أنه صلى الله عليه وسلم قد ضم الطعام وأمر من كان معه من أصحابه ~~بأكله، فلم يتلف الطعام، وهذا ما يبين أن إلزام الطعام ليس على معنى الحكم. # الثامن: سلمنا أن الطعام والصحفة لمن بعثه، وأن هذا ليس على معنى الصلح، ~~بل على معنى الحكم، فهو من باب ضمان المتلف لا من باب عقوبة الجناة بالمال، ~~كما توهمه المستدل. والدليل على ذلك أن البخاري رحمه الله ذكره في كتاب ~~المظالم وترجم عليه: باب ما إذا كسر قصعة أو شيئا لغيره، يعني ماذا يحكم به ~~على المتلف في ذلك عوضا عن ذلك. PageV01P231 # إن الترمذي خرجه في باب القضاء وترجم عليه: ما جار فيمن يكسر له الشيء ما ~~يحكم له به من مال الكاسر(¬1)، ولذلك استدل الظاهرية به على إلزام المثل في ~~المقومات أو في بعضها(¬2). واستدل به من يرى القضاء بالمثل في يسير ~~المقومات. ولم يقل أحد منهم باب عقوبة من جنى ms101 بالمال، ولا باب من أفسد شيئا ~~يعاقب بمال زائد على التلف، ولا باب من يكسر له الشيء يؤخذ من مال الكاسر ~~ما يوضع في بيت المال ويوقف ويعطي للمجني عليه زائدا على المتلف، كما صدرت ~~به هذه الفتيا البديعة التي لم تسبق إلى مثلها. # التاسع: إن غرم المتلفات قاعدة متفق عليها، والعقوبة بالمال لا على معنى ~~غرم المتلفات قاعدة مختلف في وجودها شرعا. ثم على القول بوجودها، فالجمهور ~~على نسخها. وفي المحل من القرائن الصارفة النازلة عن باب الغرم إلى باب ~~العقوبة بالمال عدول عن صرف مصرف الشارع إلى حكم وافق الأصول وأجمع على ~~صحته، وشهدت قرائن الحال والمفتي به ماهو بالضد من ذلك إلى ما ليس كذلك، ~~وذلك تحريف للكلام عن مواضعه، وتعصب بارد غير مقبول ببداهة العقول. # العاشر: قوله: وتأول الحديث الجوزي بأن فعله صلى الله عليه وسلم كان ~~عقوبة للكاسرة. # أقول: إن صح هذا عنه، فإن كان أراد ما قصده هذا المملي من العقوبة بالمال ~~على الجنايات لا على غرم المتلفات على متلفيها، فكل ما أوردناه وارد عليه، ~~والظاهر أنه لم يرده لوجوه: # الأول: ما علم من ذكائه # الثاني: إن هذا المعني جلي لا يحيد عنه إلا غبي أو متغاب. # الثالث: إنهم يعدون غرم المتلفات من التعزيزات، ويسمونه عقوبة بالمال. ~~وهو بهذا المعنى مجمع على صحته، ولم يبق إلا الإطلاق اللفظي، لا مشاحة في ~~الألفاظ، فاعتنى هذا المملي بالاشتراك اللفظي، وهو لايفيد مقصوده. # فإن قلت: ما سند هذه الدعوى، أعني الدليل على صحة هذا الإطلاق بهذا ~~الاصطلاح (58=213/أ). PageV01P232 # قلت: أما تقسيم الجنايات على ما يوجب الغرم وغيره فأمر أشهر من أن يستدل ~~عليه، وأما إطلاق العقوبة عليه فصحيح لغة وشرعا واصطلاحا. # أما لغة، فالعقوبة أن يجريه معاقبه ما فعل، هذا تفسير أهل اللغة. # أما شرعا، فقد قال تعالى: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به"(¬1). # أي أن صنع بكم صنيع سوء فعاقبوا أن عاقبتم بمثله ولا تزيدوا عيله. ويسمى ~~الفعل الأول باسم الثاني للمشاكلة(¬2). وقد يطلق عليهما ms102 للمزاجة. PageV01P233 # وجمهور المفسرين أن الآية مدنية، نزلت في شأن الممثل بحمزة رضي الله عنه ~~يوم أحد، وروى الدارقطني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لما انصرف ~~المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى منظرا ~~أساءه، رأى حمزة قد شق بطنه، واصطلم أنفه، وجدعت أذناه، وقال: لولا أن يحزن ~~النساء أو تكون سنة لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطيور، ولأمثلن ~~بسبعين رجلا، ثم دعا (ببردة)(¬1)وغطى بها وجهه، فخرجت رجلاه، فغطى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وجهه، وجعل من الادخر على رجليه، ثم قدمه فكبر ~~عليه عشرا، ثم جعل يجاء بالرجل وحمزة مكانه حتى صلى عليه سبعين صلاة، وكان ~~القتلى سبعين، فلما دفنوا وفرغ منهم نزلت "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة ... إلى قوله: "واصبر وما صبرك إلا بالله"(¬2). فصبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولم يمثل بأحد(¬3). # وخرجه اسماعيل بن إسحاق من حديث أبي هريرة وحديث ابن عباس رضي الله عنهم . # قال الطبري: وقالت فرقة: إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لاينال ~~من ظالمه إذا تمكن إلا بمثل ظلامته، لا يتعداه إلى غيره. ومن قاله به ابن ~~سيرين ومجاهد وحكاه الماوردي(¬4). # فها هو لفظ العقوبة شرعا وسنة يطلق على الاقتصاص من الظالم بمثل ما ظلم ~~على تفصيل فيه يطول ذكره. PageV01P234 # وترجم البخاري رحمه الله باب قصاص إذا وجد مال ظالمه. وقال ابن سيرين: ~~يقاصه، وقرأ: "وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به":أخبرنا أبو اليمان ~~قال: أنا شعيب عن الزهري قال: حدثتي عروة أن عائشة قالت: "جاءت هند بنت ~~عتبة بن ربيعة فقالت: يا رسول الله، أن أبا سفيان رجل مسيك، فهل علي حرج أن ~~أطعم من الذي له عيالنا؟، فقال: لاحرج عليك أن تطعميهم بالمعروف"(¬1). # نا عبد الله يوسف نا الليث حدثني يزيد عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: ~~"قلنا للنبي صلى الله عليه وسلم أنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا، فقال ~~لنا: أن نزلتم بقوم فأمر ms103 لكم بما ينبغي للضيف فأقبلوا، فان لم يفعلوا، ~~فخذوا منهم حق الضيف" انتهى(¬2). # فأنت ترى كيف أطلق المعاقبة على أخذ ما وجب من الحق على منعه، وأدرجه في ~~معنى الآية. فإذا صح إطلاق المعاقبة على أخذ ما ترك من الحق، كان إطلاقه ~~على إغرام ما أتلف على ريه أولى. فإذا كان هذا الإطلاق صحيحا من كل وجه، ~~وقضية الصحفة وإن كانت من باب الحكم على كاسرتها، فما هو إلا حكم بالغرم ~~للمتلف، لا للمعاقبة على الجناية بمال لا على معنى الغرم. وهو بهذا المعنى ~~مجمع عليه، لم يكن في قول الجوزي: هذا عقوبة للكاسرة دليل على المعنى ~~المقصود الاستدلال عليه من أن من جنى جناية أجنبية على إتلاف المال يغرم ~~مالا لبيت المال وللمجني عليه، أو للإيقاف، إلا لمن أفحش في الغلط أو قصد ~~المغالطة. # قوله : قال: والعقوبة بالمال مشروعة # أقول : الكلام عليه من وجوه. PageV01P235 # الأول : أنه أن أراد، إن صح النقل عنه، أن العقوبة بالمال، أي إغرام المتلف ~~لما أتلفه مشروع، فهو كلام صحيح. وان أراد المعنى الذي أفتى به المفتي ~~آنفا، فهو كلام باطل إجماعا، كما سبق غير مرة، أعني أخذ مال المذنبين على ~~غير نظام الوقائع التي نقلت. وإن كان أراد المعاقبة فيما عصى الله به من غش ~~بإتلافه أو التصدق به والإفساد بمحال المعاصي على النمو الوارد منه، فهو ~~متأول عند الجمهور، وما أوهم ذلك عندهم من الجزئيات مردود إلى ما علم من ~~أصول الشريعة ردا ظاهرا في أكثر الوقائع، وبالتأويل في أقلها المختلفة ~~(59=213/ب)، الأصول، وهو صحيح عند غيرهم. ثم الذين صححوا، جمهورهم نقلوا ~~نسخة، وأنه أمر كان في أول الإسلام ثم نسخ. # الثاني: أن قصد هذا المملي أن يجعل نقل الجوزي هذا دليلا على أنه يرى ~~العقوبة بالمال في مسائل الحدود وغيرها، وليس في كلامه هذا دليل على ذلك، ~~بل نقله لهذه الجزئيات التي رآها دليلا، وزعمه بقاء حكمها، دليل على أنه ~~إنما أراد إنكار نسخ بقاء الحكم فيه. # الثالث: ان كان يرى القياس ms104 على ما ورد من ذلك، فلا بد من مراعاة شرائطه. ~~وما قصد إليه هذا المملي قياس فاسد الوضع، فلا يقول به الجوزي ولا غيره. # الرابع: ينظر هذا الجوزي من هو، فإن عنى به ابن قيم الجوزية، فالذي نقل ~~عنه ما تقل عنه أن العقوبة بالمال من باب التعزيرات. وقد نقل هو اتفاق ~~العلماء على أنها في غير مسائل الحدود. وهذا نصه، قال: PageV01P236 # الفصل التاسع: في الزواجر الشرعية:"التعزيرات والعقوبة بالحبس وهو تأديب ~~واستصلاح وزجر على الذنوب التي لم يشرع فيهاحدود ولاكفارات". قال ابن قيم ~~الجوزية: "اتفق العلماء على أن التعزيز مشروع في كل معصية ليس فيها حد، ~~بحسب الجناية في الكبر والصغر، وبحسب الجاني في الشر وغيره" انتهى(¬1). # هذا كلامه في التعزير المتفق على صحته ووجوده، فكيف تتوزع في صحته؟، ~~والجمهور على عدمها، ثم جمهور من قال بوجوده على ثبوت نسخه، ومنهم جماعة ~~حكوا انعقاد الإجماع على نسخه. # الخامس: إن هذا من هذا المفتي نوع من الاجتهاد لم يسبق إلى مثله، يريد أن ~~يثبت في مذهبه قولا، نصوص امامه متظاهرة على نقيضه، "فإنه لاذنب من الذنوب ~~يحل مال إنسان ولو قتل نفسا"(¬2). ونصوص أئمة مذهبه على ذلك، فقياس فاسد في ~~محل الإجماع، فكلام وقع لمخالف لمذهب امامه لم يعطه من الفهم حقه، ولا ~~أنزله منزلته من مراد قائله. سبحان الذي يحول بين المرء وقلبه. # قوله: وذكر أحاديث، منها ما قدمناه من تحريق رحل الغال. # أقول: وقد قدمنا الكلام فيما ذكره هذا المملي من ذلك على التفصيل، ~~وأرشدنا إلى ما لم نذكره من ذلك، وجهة رده على الإجماع. # قال: وكل ذلك حكم باق عندنا. PageV01P237 # أقول: وهو أن قال ذلك، فلا حجة لك فيها أيها المملي لما أردته، لإنكار أكثر ~~العلماء العقوبة بالمال، والإجماع على أن النسخ فيما وقع من ذلك حسبما قال ~~أكثر من قال بصحة ذلك في أول الإسلام. وتغافل عن رد الوقائع إلى الأصول ~~المعلومة شرعا، ولأن القياس بعد تسليم البقاء الحكم إلى ما رمته باطل ~~بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ms105 حسبما تقدم. # الثامن: تخريج ابن بشير العقوبة بالمال على الكفارات. # قال: وإلى هذا ونحو منه أشار ابن البشير(¬1)فقال: الصدقة بالمال الكثير ~~عقوبة بالمال، وقد وردت العقوبة به في الكفارات، وبين الأصوليين خلاف في ~~المقدرات.(¬2) # أقول : والكلام على هذا أيضا من وجوه :(¬3) PageV01P238 ~~الأول: إنه قد تقرر من قول مالك رحمه الله نصا لا يحتمل التأويل بوجه أن ~~ذنبا من الذنوب لا يحل ماله إنسان، وإن قتل نفسا. فهذا كما تراه نفي ~~للعقوبة بالاموال. وعلى هذا النص تبعه إعلام من أئمة مذهبه، وهو النص الذي ~~يعضده إجماع الأمة كما حكيناه كثيرا من هذا أول كلامنا معه حيث أراد البقاء ~~على المصالح المرسلة، ويعضده قواطع الكتاب والسنة التي دلت على تحريم أكل ~~المال بالباطل، وعصمة المال بالإسلام، وتشديد حرمة الأموال حتى قدمت على ~~الأعراض، وجمعت مع النفوس في وعيد واحد، فراجع ما سبق إن شئت، فالعقوبة ~~بالمال إنما أصل مقطوع بنفيه مذهبا وشريعة متيقنة جزما، ولم ينقل مما يعارض ~~ذلك ويوهم خلافه، الأجزئيات محتملة للتأويل تأولها جمهور الأئمة، وردوها ~~إلى ما علم من يقين الشرائع، وما عسر عليهم من ذلك حكموا بنسخه، أو بأنه من ~~القضايا العينية التي لا تتعدى (60=214/أ) أحكامها إلى غيرها. ألا ترى أنه ~~لا يوجد قط عن مالك صريحا أن الذنب يحل المال، ولا أن العقوبة بالمال ~~جائزة، ولا يوجد ذلك أيضا عن لفظ عمر ولا غيره من خلفاء النبوة، ولا من ~~متقدمي العلماء؟، ووإنما وقع ذلك على شهادتهم إن امام مذهبهم لم يقل به قط، ~~وإنما خرجوه وألزموه ذلك من جزئيات، لو سمع ذلك منهم ما التزمه ولا قال به. PageV01P239 # ألا ترى إلى قوله في الرواية: "وأرى أن يؤدب من أنهب وانتهب"(¬1)، مع أنه ~~لم يسأل عن ذلك وإنما جاء به عن طريق "قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والاقريبن"(¬2)دليلا على تعظيمه لحرمة المال، وأنه لا يجترئ على عقوبة مسلم ~~إلا بقاطع، لا سيما ولم يسأل عن ذلك، فمن أبعد بعيد أن يخالف قوله في ذلك. ~~غير أن ms106 وقائع الصحابة ربما أنس بها فيما أراده من الاستدلال، فيوهم من لم ~~يحط بحقيقتها أنه يرى العقوبة بالمال. ألا ترى إلى كلام ابن بشير الذي نقله ~~هذا المملي، وهو واقع في كتاب الصرف من تنبيه كيف قال: والصدقة بالمال ~~الكثير عقوبة بالمال، وقد وردت العقوبة في الكفارات، إلى آخره؟. # فانظر كيف التجأ إلى تخريج العقوبة في المال على الكفارات على فساد هذا ~~التخريج، حسبما أبينه لك إن شاء الله تعالى. فلو وجد أصلا من أصول الشريعة ~~يشهد له أبين من هذا لجاء به، ولو جد نصا لامامه أوخلاف لقوله:"لاتحل ~~الذنوب مال إنسان ولو قتل نفسا" لاتى به. # والكلام معه في كون هذا عقوبة بالمال ثم في التخريج، وإذا علمت هذا تبين ~~لك ضعف إطلاق من أطلق وجود العقوبة بالمال في المذهب ونسبته إلى مالك رحمه الله-. # الثاني: إن الذي دعا ابن بشير إلى ما قاله في ذلك ما وقع في المدونة في ~~مسألة الدراهم الستوق. قال: "ولايعجبني أن يباع الدرهم الستوق الرديء بدرهم ~~فضة وزنا ولا بعرض، لأن ذلك داعية إلى إدخال الغش وإفساد لأسواق المسلمين، ~~وقد طرح عمر رضي الله عنه في الأرض لبنا غش أدبا لصاحبه، لكن يقطعه، فإذا ~~قطعه جاز بيعه إذا لم يغر به الناس ولم يكن يجوز بينهم". زاد عن أشهب أنه ~~إذا خاف بعد كسرة أن يسيل فيجعل دراهم أو يباع على وجه الفضة، لم يبع حتى ~~يصفوه، فتباع فضته على حدة ونحاسه على حده" انتهى(¬3). PageV01P240 # فوجه إدخاله مافعله عمر من طرح اللبن المغشوش انه حكم أن الدرهم المغشوش لا ~~يباع البتة بعين ولا بعرض لما رأى بيعه ذريعة إلى إدخال الغش وفساد ~~الأسواق، وذريعة المحرم الموصلة غالبا إليه عنده محرمة، رأى أن يرد عليه أن ~~يقال: أن في ذلك تعطيلا للمرء عن الانتفاع بماله، والأصل إباحة الانتفاع ~~للمالك، فاجاب عن ذلك بقوله: وقد طرح .. إلى آخره. # ووجه الاستشهاد بما فعله عمر أن يقال: مغشوش وجب صرف مفسدته عن المسلمين، ~~ولا يتأتى إلا بكسره ms107 أو بتصفيته، فوجب من باب ما لايتوصل إلى الواجب إلا به ~~قياسا على ما صنع عمر رضي الله عنه في اللبن المغشوش، وهو احروي، لأن طرح ~~اللبن إتلاف له جملة، بخلاف كسر الدرهم فقد فعله عمر رضي الله عنه وحكم ~~به في مثل ما حكمت به. ألا ترى كيف أبطل منفعته باللبن المغشوش لما كان ~~تركه بيده ذريعة إلى أن يغش به غيره؟. # ثم ما قلته من كسر الدرهم المبطل لغشه ثم يباع بعد ذلك، أسهل مما صنعه ~~عمر، إذ عطل جميع وجوه الانتفاع به. فمالك رحمه الله لم يستشهد بالأثر عن ~~عمر على العقوبة على الذنب بالمال، بل على أنه لم يتأت صرف مفسدة الدرهم ~~عقوبة عن المسلمين إلا بتعطيل منفعة المغشوش صير إليه. فليس كسر الدرهم ~~عقوبة للذي غشه، ولا طرح اللبن متمحض لذلك، وإنما المقصود الأول من ذلك ~~إذهاب الغش، ولو تأتي تخليص ما غش به الدرهم واللبن من غير إتلاف ولا كسر، ~~لما فعل في المال ذلك، وإنما يعاقب بغيره ذلك من عقوبات الأبدان. ألا تراه ~~أجاز بيعه بعد الكسر وأنه خيف الغش به مكسورا أجاز بيعه بعد تصفيته؟. ألا ~~ترى أنه لم يقل هنا" يتصدق بالدرهم الستوق (61=214/ب)، ولا: يوضع في بيت ~~المال، ولا: يوقف، كما قال هذا المملي في احكامه البديعة التي خالف بها ~~الشريعة؟. # فان قلت: فما وجه ما فعله عمر من طرح اللبن مع إمكان أن يتركه لصاحبه ~~فيشتريه أويتصدق به، إن لم يكن من باب العقوبة بالمال كما زعمته؟. PageV01P241 # قلت وجهه أن اللبن لما كان بعد غشه لا يتأتى تخليصه من الغش، وكان من غشه ~~غير مأمون عليه أن يبيعه، لم يتأتى بقاؤه بيده لا لينتفع به، ولا ليتصدق ~~به، فانحصر الأمر بحكم الحال بعد ذلك على وجهيين، أما أن يطرح، وأما أن ~~يتصدق به، فرأى عمر رضي الله عنه ترك الصدقة به وطرحه. اما لان الصدقة ~~بمال الغير على خلاف الأصل، اما لأن ذهاب الغش بإبطال المغشوش الذي لا ~~يتأتى ms108 تمييزه، أما لأن الصدقة لا يومن معها أن يغش المتصدق عليه به غيره ~~ببيعه له، وأما لأنه رأى خلطه بالماء على وجه أخرجه عن حرمة الطعام، فصار ~~طرحه كطرح الماء مع إذهاب الغش، واما انه لم يجد في الحال من يتصدق به ~~عليه، اما لأنه خبيثا فلا يصلح للصدقة، واما لأنه رأى ذلك أخف من أن يأمر ~~صاحبه بشربه، إذ لايشتهيه، أو يضر به، أو لغير ذلك مما شاء الله. فهذا هو ~~المقصود الأول من ذلك، إذ لو لم يغش اللبن ما تصرف فيه بذلك. # فإن قلت: فقد قال أدبا لصاحبه. # قلت: نعم، والأدب حاصل في ضمن ما لا يتوصل إلى إزالة الغش إلا به، ~~فمصاحبته للمقصود الأصلي ليس بالذي يصيره مقصودا، وليس بالذي يبيح القياس ~~عليه مع إلغاء أصله. فإذا فهمت ذلك علمت أن ما قيل من أن هذا عقوبة بالمال، ~~كلام خرج على غير أصل، ولا تحصيل مع معارضته القواطع الشرعية والبراهين ~~النقلية. فهل يسوغ، مع إمكان رد هذه الوقائع الجزئية إلى الأصول الشرعية، ~~هدم ما علم من الدين ضرورة بمجرد تحميلها على وجه لايسعها من القواعد أصل ~~ولا من صحيح التوجيه. # فإن قلت: فهل يقول مالك في اللبن بما قاله عمر رضي الله عنه من طرحه؟. # قلت: في العتبية في رسم مالك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب ~~السلطان: وسئل مالك عن الرجل يشتري الزعفران فيجده مغشوشا افترى له أن ~~يرده؟، قال: نعم، أرى له أن يرده، وليس عن هذا صاحب السوق، إنما سألني عمل ~~أراه من أنه يحرق المغشوش بالنار لما فيه من الغش، فنهيته عن ذلك. PageV01P242 # وسئل مالك عمن يغش اللبن، أترى أن يهراق؟، فقال: لا، ولكني أرى أن يتصدق به ~~على المساكين بغير ثمن، إذا كان هو الذي غشه. قيل له: فالزعفران والمسك ~~أتراه مثله؟، قال: مايشبهه بذلك إذا كان هو الذي غشه. # وسئل ابن القاسم عن هذا قال: أما الشيء الخفيف فلا أرى به بأسا، وأما إذا ~~كثر منه فلا أرى ms109 ذلك، وأرى على صاحبه العقوبة، لأنه تذهب في ذلك أموال عظام. # قال ابن رشد رحمه الله "لم ير مالك رضي الله عنه أن يحرق الزعفران ~~المغشوش على صاحبه بالنار، ولا أن يهراق اللبن المغشوش على الذي غشه. قال ~~في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب: وأرى أن يضرب من أنهب وانتهب، وأرى أن ~~يتصدق به على المساكين أدبا له. فسواء كان على مذهبه يسيرا أو كثيرا، لأنه ~~ساوى في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره. وخالف ابن القاسم في ~~ذلك، فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا باليسير، وذلك إذا كان هو الذي غشه، وأما ~~من وجد عنده شيء من ذلك مغشوش لم يغشه هو، وإنما اشتراه أو وهبه أو تصدق به ~~عليه أو ورثه، فلا اختلاف في أنه لا يتصدق بشيء من ذلك، الواجب أن يباع لمن ~~يومن أن يبيعه من غيره مدلسا بذلك، وكذلك أوجب أن يتصدق به من المسك ~~والزعفران على الذي غشه، يباع ممن يومن أن يغش به ويتصدق بالثمن أدبا للغاش ~~الذي غش به. PageV01P243 # وقول ابن القاسم: انه لايتصدق من ذلك على الغاش إلا بالشيء اليسير أحسن من ~~قول مالك، لأن الصدقة بذلك إنما هي من باب العقوبات (62=215/أ) في الأموال، ~~والعقوبات في الأموال أمر كان في الإسلام، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ~~في مانع الزكاة "انا آخذوها منه وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا"، وماروي عنه ~~في حريسة الجبل من أن "فيه غرامة مثيلها وجلدات نكال"، وماروي عنه من أن ~~"من أخذ الصيد في الحرم فإن سلبه للذي يأخذه". ومثل هذا كثير، نسخ ذلك كله ~~بالإجماع على أن ذلك لا يجب، وعادت العقوبات في الأبدان، فكان قول ابن ~~القاسم أولى بالصواب استحسانا، والقياس أن لا يتصدق بشيء من ذلك، لا ~~بالقليل ولا بالكثير"(¬1). # هذا نص هذا السماع وكلام القاضي عليه، وهو وإن كان المقصود منه نقل قول ~~مالك انه لا يطرح اللبن المغشوش، لكن رأينا الاتيان به على التمام لما ~~يحتاج ms110 منه إلى الكلام عليه فيما يأتي من الكلام إن شاء الله. PageV01P244 # فإن قلت: فإذا كان مالك رحمه الله لا يرى بطرح اللبن المغشوش، فكيف يصح ~~له الاستدلال بتلك القضية العمرية بكسر الدرهم؟، فهو يقيس على أصل يخالف ~~فيه، وهذا امر لايصح فمن شرط القياس أن يتحد نوعه، فإن اختلف حكم الفرع ~~والأصل لم يصح، وها هو ذا مختلف، لأن الحكم في الفرع الكسر، والحكم في ~~الأصل على مذهب عمر رضي الله عنه الطرح، وعلى مذهبه هو الصدقة. وأيضا، ~~ضمن شرط حكم الأصل أن لايكون منسوخا. وقد نقل الائمة النسخ فيما وقع من ~~العقوبات المالية، وعد منها هذا باللزم أحد هذين الأمرين، أما بطلان قياس ~~مالك، وأما أن لاتكون العقوبة المالية منسوخة. وأيضا، فان الحكم في ~~المسلمين منوط بالغش، وتحريم الغش وصرف الضرر عن المسلمين أدلة متناولة ~~الأصل كما هي للفرع، فنسبتها إلى الأدلة الشرعية نسبة واحدة، فكيف يصح ومن ~~شروط الأصل أن يكون دليلا قاصرا عليه دفعا للحكم. # فالجواب: أن نختار أن الحكم عند مالك ثبت لا بهذا القياس، بل بالدليل ~~الدال على دفع الضرر وإبطال الغش وحسم الفساد، وقد قال الله تعالى: ~~"ولاتبخسوا الناس أشياءهم ولاتعتوا في الأرض مفسدين"(¬1)، وجاء"لاضرر ولا ~~ضرار"(¬2)، ومن ضار مسلما فعليه لعنة الله. والإجماع على أن الغش منكر، ~~وعلى تغيير المنكر باليد لمن قدر عليه، وهذا من تغييره باليد، وهذا ذريعة ~~للمحرم وصلة إليه غالبا، فأدلة حسم الذرائع تتناوله، فلا بد من رفع الفساد ~~بأقل ما يمكن، وأقله هنا كسر الدرهم، وهو أن أبطل انتفاعا بصورة الدرهم غير ~~ممتنع إذ لا يتأتى الوصول إلى الواجب إلا به، بل أن كان لايكفي فلابد من ~~تصفيته كما قال أشهب. PageV01P245 # وإنما جاء مالك رحمه الله بمسألة اللبن ليتبين أن رفع الغش والفساد وان ~~أدى إلى إبطال المال المغشوش جملة، فلا يكون ذلك الإبطال مانعا من رفع ~~الفساد به، ودلالته على كسر الدرهم أحروية كما سبق، فكان الفرع إنما جاء به ~~لإزالة تخيل المانعية كما توهم مانعا. # سلمنا ms111 انه أراد إثبات الحكم بالقياس، فالحكم المستنتج بالقياس إبطال للغش ~~الذي هو أعلم من الطرح والإتلاف، لاخصوصية الإتلاف. وهذا المستنتج بالقياس ~~لاينازع مالك فيه في مسألة اللبن، لكنه يرى الصدقة كافية في إبطال الغش، ~~وأرجح من اراقته، والمستنج بالقياس لا يخالف فيه مالك، وليس بخلاف حكم ~~الفرع، ولا هو أيضا معاقبة بالمال، وإنما هو إبطال للغش بالقصد الأول، فجاء ~~إتلافه والتصدق به من حيث ما حصل به إبطال الغش، لا من حيث المجازاة عل ذنب ~~بغرم المال. ألا ترى أنه لما أمكن إبطال الغش بكسر الدرهم لم يتصدق به على ~~الذي غشه ولم يطرح. وهذا المعنى من إبطال الغش ليس بمنسوخ، وإطلاق من أطلق ~~عليه عقوبة بالمال أن أراد ماقصده المملي فقد تبين بطلانه، وإن أراد إبطال ~~الغش حيث لم يتأت إلا بإتلاف المال وبعض منافعه صير إليه، فصار في صورة ~~العقوبة بالمال، وليس منه بصحيح ى نص. وكذلك ترى عبارة ابن رشد في هذا وابن ~~بشير وغيرهما بالعقوبة في المال (63=215/ب) لا بالعقوبة بالمال، كما قاله ~~المملي عنهم. فالعقوبة في المال أقرب، لأن هذه العبارة تقتضي: الذي وقعت ~~فيه المعصية يوقع فيه ما يزيل ضرر تلك المعصية، لا أن من أذنب ذنبا يوخذ ~~منه مال لبيت المال، كما زعمه المملي، وخلص من هذا الجواب عن مالك الاسئلة ~~بأسرها. # فإن قلت: فلم عاد مالك رحمه الله في اللبن إلى الصدقة ، وترك قول عمر ~~رضي الله عنه بالطرح؟. PageV01P246 # قلت: يرى أن غشه لا يقبل الزوال، ولايصح بقاؤه بيد من غش، لأنه غير مأمون ~~عليه أن يغش به، ورأى له حرمة الطعام التي يمنع طرحه. ولعله فيما خف ما ~~خولط به من الماء، فصار بمنزلة الاموال الضائعة، فصرف للفقراء. # فان قلت: قول عمر رضي الله عنه أشفى للنفس، وأذهب للغش، لايومن ممن ~~يتصدق عليه أن يغش به، ولاسيما على ما قاله القاضي ابن رشد: أن ما كان ~~للصدقة من المغشوش يباع ممن لا يغش به ويتصدق به. فإذا بيع ممن لايغش به، ms112 ~~فهب أنه لايغش، ولكن قد يبيعه ممن يغش. لكن مالكا رأى أنه إذا لم يبق بيد ~~الذي غش واعتاد الغش كان من المحذور مظنونا. # فإن قلت: ان لم يكن هذا من باب العقوبة بالمال، فهلا قال: يباع ممن يغش. PageV01P247 # قلت: فإتلافه أذهب الغش من أسواق المسلمين، ويمنع من بيعه، أن الغش إذا لم ~~يتأت انفصاله، ولم يعرف مقداره رفض بيعه، مع ذريعة بقاء الغش به إلى بيع ~~مجهول، لأنه لا يعرف مقدار الغش فيه. وأيضا، فإذا بيع الدرهم المغشوش ~~بغيره، والدينار المغشوش بالدينار الجيد من باب بيع الفضة بالفضة والنحاس، ~~والذهب بالذهب والفضة والنحاس، وذلك لا يجوز. ولهذا منع أشهب في المدونة ~~بيعه، ولم يجزه إلا في المبادلة على وجه المعروف.(¬1)وهو الذي نسبه ابن ~~رزق(¬2)إلى مالك وقال: لايجوز على مذهبه بيع العبادية بالعبادية والشرقية ~~بالشرقية، لأنه ذهب وفضة بذهب وفضة، وذهب ونحاس بذهب ونحاس، حسبما حكاه ابن ~~رشد، وهو الذي نسبه المازري لبعض الشيوخ، وان كان ابن محرز(¬3)رأى أن ذكر ~~الوزن يدل على أن المراد بالمبادلة عنده في هذا المراطلة بالمغشوش كغيره ~~بالغش فيه، كما نص ومال إليه معظمهم. والأول هو الذي صححوه فاعلمه. # فإن قلت: ما نقله المملي عن ابن بشير من أن الصدقة بالكثير عقوبة بالمال ~~يقتضي أن التصدق بالقليل ليس كذلك، فهل الامر بالقليل كذلك أم لا؟ # قلت: لافرق بين التصدق بالقليل والكثير في ذلك؟ ولذلك رأى ابن رشد تفريق ~~ابن القاسم بين القليل والكثير من المغشوش استحسانا، وقال: القياس أن ~~لايتصدق بشيء من ذلك قليلا كان أو كثيرا. PageV01P248 # والحاصل أن نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة واعلام الأئمة أن الإسلام يعصم ~~المال عصمة محققة، وان الذنوب وان عظمت لا تحل مال مسلم، وان التخيل فيه ~~أنه عقوبة بالمال مردود بالتأويل عند أكثر العلماء إلى أصل يخرجه عن ~~العقوبة بالمال، ومنسوخ عند من لم يهتد إلى رد تلك الشوارد إلى أصولها، ~~حسبما نص عليه الجمهور. # فمالك أصل مدركه في الصدقة بالمغشوش أنه معنى يذهب الغش من أسواق ~~المسلمين، ms113 وهو الذي حمل عمر رضي الله عنه على إراقة اللبن، وهو الذي حمل ~~صاحب السوق على أن يسأل عن حرق الزعفران المغشوش، إذ رآه أقرب إلى قضاء عمر ~~رضي الله عنه ، إذ لا يتأتى تخليصه من الغش كما يتأتى سبك المغشوش من ~~النقدين وتخليصه، ولايحاط بمقدار الغش حتى يصح بيعه ممن لا يغش. فرأى أن ~~حرقه، كطرح اللبن. ورأى مالك انه بقي فيه وجه من وجوه النفع، وهو ارفاق ~~الفقراء به بغير ثمن، إذ الوجوه المذكورة إنما منعت أخذ العوض عنه، ورأى ~~غيره أنه قد يكون الغش مما يخلط به فلا ينتفع يبيعه للجهل بل لخشية الغش ~~فقط. وهذا المحذور يتوصل إلى زواله ببيعه ممن لا يغش. # فمدرك الحكم عند عمر رضي الله عنه (64=216/أ) ومالك وابن القاسم وغيرهم ~~رحمهم الله إنما هو إبطال الغش، وصرف الضرر عن أسواق المسلمين. وكل هذه ~~الوجوه التي ذهبوا إليها مبطل للغش، ومحصل للقصد، وأن تفاوتت في ذلك كما عرفت. PageV01P249 # فإذا علمت مدرك الامام، وما قصد إليه بالذات، فكيف يسوغ الإعراض عن المقصود ~~بالذات، وشد اليد على ما حصل بالعرض، يتخرج لامامك منه ما نص على خلافه، ~~ودلت القواطع الشرعية على نفيه، وانت تعلم أن إتلاف المغشوش على ربه إنما ~~كان لإذهاب مفسدة الغش؟. فليس لك أن تنقض مبنى حكمه وأساس مدركه، وإنما لك ~~النظر في استقامة بنائه أو اعوجاجه، فترده إلى أصله، وأنت بين أمرين: إن ~~كنت مجتهدا في المذهب، فليس لك هدم أصل امامك، أو كنت مجتهدا مطلقا، فليس ~~لك هدم أصل نبيك محمد صلى الله عليه وسلم من العصمة المحققة للمال ~~بالإسلام. لا يغرنك ما وقع في لفظ من ذكر الأدب في ذلك، فقد تقدم تأويله ~~بما فيه الشفاء. # ونزيدك بيانا، وهو أن الشارع متى ما قصد إلى تحصيل مصلحة بقاعدة، أسسها ~~عما في طريقها مما ليس مقصودا، بل أفضى إليه الأمر على غير عمد. ألا ترى أن ~~من حد الحد الواجب عليه، وعزر التعزير اللائق به من غير تعد، وأفضى ms114 الأمر ~~زهوق نفسه لا يودي. وكذلك أن أدى صرف الفساد وصور الغش إلى إتلاف المغشوش ~~من المال لانعتبره. فالتحقيق صرف هذه التصرفات عن العقوبة بالمال جملة، ~~ولايحتاج حينئذ إلى ذكر نسخ، ولا إلى تخريج وتصحيح لما خالف الأصول. وقد ~~أشار إمام الحرمين في البرهان وأشار غيره إلى أن ما أوهم شيئا من ذلك انبغى ~~رده إلى أصل معلوم، لا احداث أصل به يخالف ما حقق وحصل من القواعد. # قالوا: وانما ذلك لو أنه اتفق أن جنى إنسان جناية غير مالية فأخذ عمر أو ~~غيره ماله، وتأولوا ما ورد عن عمر وغيره مما أوهم ذلك، كمشاطرته العمال، ~~بما أوقفناك عليه عند ذكر المملي لذلك، والله المستعان. # فإن قلت: فهذا ابن بشير خرج العقوبة بالمال على الكفارات، إذ قال: ~~والصدقة بالمغشوش عقوبة بالمال، فما قولك فيه؟. # قلت: كلامه مشتمل على قضيتين:(¬1) PageV01P250 ~~الأولى: قوله: والصدقة بالمال المغشوش عقوبة بالمال. وقد علمت بطلان هذه ~~القضية، فلا حاجة إلى التكرار، وإذا بطلت بطل تخريجها. فإنه ما أراد بذلك ~~التخريج احداث حكم، وإنما أراد به توجيه واقع بزعمه، إذ كتابه ليس موضوعا ~~لأحداث أحكام، بل لتوجيه ماوجد منها. فإذا كان ذلك واقعا لم يصرح به أمامه، ~~بل صرح بنقيضه وأمكن تخريج الفرع الذي استخرجه هو منه وألزمه إياه على مدرك ~~لايناقض ما صرح به، فوجب المصير إلى الجمع، والعدول عن تناقض القول وتدافع ~~المذهب. فسقط التخريج. # فإن قلت: وان كان ساقطا بحسب قصده، فمن قصد إلى إثبات العقوبة بالمال ~~تخريجا من الكفارات وقياسا عليها؟، فهل يصح قياسه وحكمه أو يبطل؟ # قلت: لا بل يبطل من وجوه. # الأول: انه قياس في معرض النصوص القاطعة بعصمة المال بالإسلام. # الثاني: انه أن أراد القياس، فلاد بد أن يكون الحكم المستنتج بالقياس لا ~~يخالف الإجماع. وقد تقرر الإجماع كما دل النص، فراجع مواقعه أن شئت. # الثالث: ما أشار إليه ابن بشير من الخلاف بطل القول يمنع القياس في ~~الحدود والكفارات والمقدرات. فهو أيضا قياس فاسد الوضع، ولو لم يكن ثم ms115 نص ~~ولا إجماع. # الرابع: انه قياس في الاسباب، لأن كون الجناية سببا لإخراج مال هو ~~المقصود بهذا القياس المستنتج. # الخامس: إن القياس في الأسباب إنما يستنتج به الحكم بالسببية على شيء ~~المسبب الذي في ثبت أنه في الأصل سبب. وهاهنا المسبب في الفرع غير ما في ~~الأصل، لأن العقوبة على الكفارة. # سلمنا جدلا أن الحكم ليس بمنصوص ولامجمع على نفيه، ولاممنوع القياس فيه ~~لمانع التقدير والكفارات عند من قال به، فهذا قياس استتنتج (65=216/ب) به ~~خلاف حكم الأصل، وصفه يشعر بنقيض حكمه، لأن حكم العقوبة الجبر عليها، وحكم ~~الكفارة غرم الجبر عليها. PageV01P251 # فالقياس إما أن يقول: في الجراح مثلا وفي الزنا والسرقة، أو في الحرابة ~~جناية، فتشرع فيها الكفارة قياسا على القتل. فالكفارة غير العقوبة، لما ~~تقدم من افتراقها في الجبر، وفي أن الكفارة شرعت رافعة لا ثم سبق، والحدود ~~زاجرة عن مفسدة يتوقع العود إليها، أما من الجاني أو غيره. والكفارة تفتقر ~~إلى النية وقصد التقرب. فالعقوبة نكال يوقع بالجاني بالرغم والاكراه، إلى ~~ما في ذلك من القياس في الأسباب، وما يلزمه من العكس في كفارات الإيمان ~~مثلا. فيقال: دفع مال يكون باحياء الاثم يوجب الجبر عليه، قياسا على ~~الزكوات(¬1). # والحاصل أن الشرع جعلها أبوابا مفترقة ذوات الاحكام، متباعدة متضادة، فلا ~~يصح قياس بعضها على بعض، وثبت أن هذا كله لا تأويل له. فليس لهذا المملي ~~فيه صحة، أنه لم يجعل اللبن ولا ثمنه في بيت المال، ولا المسك ولا الزعفران ~~المغشوش في بيت المال، ولا كرها عن أحد من أهل المال. # التاسع: طرح عمر رضي الله عنه اللبن المغشوش وأحرق البيت الذي فيه الخمر # قال: ومنها طرح عمر اللبن الذي غش أدبا لصاحبه. # أقول: تقدم الكلام عليه بما فيه كفاية، وأنه ليس من العقوبة بالمال، انما ~~هو إزالة الغش والفساد، وإن استلزم إتلاف المال. # قال: وإحراق بيت رويشد، ذكره في آخر كتاب السلطان. وقد رواه يحيى بن يحيى ~~عن مالك أنه: حرق بيت الخمار. وروي عنه أن مالكا ms116 كان يستحب أن يحرق بين ~~المسلم الذي يبيع فيه الخمر، وكذللك النصراني بعد التقدم إليه. PageV01P252 # أقول: وقع هذا الذي ذكره في كتاب السلطان، ووقع في كتاب الحدود في القذف من ~~سماع أشهب وابن نافع باتم من هذا، ونصه: # "وسئل مالك أيحرق بيت الرجل الذي وجد فيه الخمر يبيعه؟، قال: لا. # قال القاضي ابن رشد رحمه الله : إنما وقع السؤال عن هذا لما جاء عن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه أنه أحرق بيت رجل من ثقيف يقال له رويشد الثقفي، ~~كان يبيع فيه الخمر، فوجد في بيته خمرا، فاتى به فحرق بيته وقال: أنت فويسق ~~ولست برويشد. إذ قوله في الرواية: لايحرق بيته صحيح على المعلوم من مذهبه، ~~لانه لا يرى العقوبات على الجرائم في الأموال، إنما يراها في الابدان. وقال ~~في سماع أشهب من كتاب السلطان: وأرى أن يضرب من انهب وانتهب. وقد حكى ابن ~~لبابة عن يحيى بن يحيى أنه قال: أرى أن يحرق بيت الخمار. وحكى يحيى بن عمر ~~أنه بلغه عن بعض أصحاب مالك أن مالك استحب أن يحرق بيت المسلم الخمار الذي ~~يبيع فيه الخمر. قيل له: فالنصراني يبيع الخمر من المسلمين؟ قال: أرى أن ~~يتقدم إليه الا يفعل، فإن لم ينته، رأيت أن يحرق بيته بالنار، واحتج بفعل ~~عمر. وهذه روايات شذوذ في المذهب، لأن العقوبات على الجرائم في الأموال أمر ~~كان في أول الإسلام، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في مانع الزكاة "انا ~~أخذوها منه وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا"، وقوله في حريسة الجبل يسرقها ~~الرجل"أن فيها غرامة مثليها وجلدات نكال"، وروي من أن من وجد يصيد في الحرم ~~فسلبه لمن وجده، ومثل هذا كثير، ثم نسخ ذلك كله بالإجماع على أنه لايجب، ~~وعادت العقوبات على الجرائم في الأبدان لا في الأموال" انتهى(¬1). # إذا عرفت هذا، ففيما جاء به أجوبة: # الأول: إن هذه الروايات شذوذ كما نص عليه ابن رشد. # الثاني: إنها مع شذوذها غير صحيحة، لنسخ العقوبة في الاموال. ms117 PageV01P253 # الثالث: إذا كان المعلوم من مذهبه كما نص عليه القاضي ابن رشد أنه لا يرى ~~العقوبات على الجرائم منه، فإنه سمع (66=217/أ) حكمه بضرب من انهب وانتهب. # فبعد أن يخالف القول إلى ما يضاده مع قطعه بأصله ودليله، وتناصر الأدلة ~~عليه من تحريم أكل المال بالباطل وعصمته بالإسلام، فحينئذ نقول: أما إحراق ~~عمر رضي الله عنه بيت رويشد، الوجود الخمر فيه، واتخاذ البيت لبيعه، ~~وستره في ذلك المعصية به، فصار البيت باعتبار إعداده لهذا المنكر كإناء ~~الخمر، فلما جاز كسره جاز إخراق البيت، وكآلة المعصية، فلما كسر آلات ~~الغناء جاز حرقها، وكسلاح المحارب، فلما جاز إفسادها جاز إحراقها، ولأن ~~المقصود بالذات إخراجه من البيت كما يخرج أهل الدعارة والفسوق من بيوتهم، ~~فكما يجوز إخراجه وإكراؤها عليه أوبيعها، يجوز إخراجه بإحراقها، وصار ~~كإحراق البيوت على المتخلفين عن الجماعات(¬1). وقد بوب البخاري عليه: باب ~~إخراج الخصوم من البيوت أونحو هذا، كما قد سبق. # والحاصل أنه إذا كان المقصود إخراجه من البيت جاز الوصول إلى إرخاجه بما ~~يتسر للمجتهد في وقت الحكم. وتلف المال في طريق دفع المفسدة لا يبالي به، ~~ولا سيما إذا كان دفع المفسدة أبلغ بما يفضي إلى تلف ملحل المعصية، لو كان ~~متمولا. PageV01P254 # الرابع: إن هذا لوسلمت صحته فهو عقوبة بإتلاف محل المعصية، وأن هذا من أخذ ~~المال منه وجلعه في بيت المال أو تحجيره عليه، إلى أن يتوب أو يتصدق به. ~~ولهذا وقعت عبارة ابن رشد في المواضع كلها بالعقوبة في المال لا بالعقوبة ~~بالمال، وإتلاف محل المعصية لا يناقض ما علم من مذهب مالك وغيره، وانعقد ~~الاجماع أن الذنب لا يحل مال المسلم لعصمته، فإنه ليس في الإتلاف استحلال ~~بوجه، بخلاف ما جاء به المملي، فإنه مخالف لتلك النصوص والإجماعات من وقوع ~~العقوبة فيه تابعة لدرء المفسدة الذي هو المقصود بالذات، لا ينافي قواعد ~~الشرع بوجه. ولهذا رجحنا طرح عمر رضي الله عنه للمغشوش، واذهاب الغش ~~بالاتلاف أن لم يتأت غيره عن التصدق به. على أن هذا ms118 حجة على أن المستدل في ~~قول مالك، فإنه لم ير في هذا عقوبة غير إحراق البيت، مع أن هذا الخمار ~~المعتاد لبيع الخمر الغالب عليه استغراق ذمته بثمن الخمر وكان جديرا بأن ~~يؤخذ ماله أو ما يظن به ذلك، أعني حصل ماله من أثمان الخمر ويتصدق به. إلا ~~أن مالكا رحمه الله أقوم سبيلا من أن يستبيح مال المسلم بالشك العارض، مع ~~أن يقين العصمة له بالإسلام، فليس ممن يطرح يقينا، لاشك بشك لايقين فيه. ~~وعدوله عن مثل ما حكم به المملي إلى ما رآه من الإتلاف في شاذ قوله، وعدوله ~~أيضا عن الإحراق في مشهور قوله، مانع من أن يخرج له ذلك الذي عدل عنه، وهو ~~على خلاف نصه، فلا معنى لحمل نصوصه على التدافع والتناقض، مع انتفاء ذلك ~~عنها في أصول شرعية محققة إجماعية. # قال: قلت: وعليه اجراها ذوو البغاة من الزناة بتونس اليوم إذ اشتهر ذلك عنهم. # أقول: هذا يقتضي أن ذلك أما حكم شرعي في المسألة، أو صادف فاعله حكما ~~شرعيا، وفيهما معا نظر. PageV01P255 # أما الأول: فإن هذا الواقع مايعلم انه صدرت به فتيا أمام للمتعاطين لذلك من ~~أهل السياسات الجبروتية، إنما يتعاطون ذلك بحسب آرائهم، ومثلهم، ولو صادف ~~الصواب لايخرج على أفعالهم ولا أقولهم، ولا تخرج أفعالهم وأقوالهم، ولاتكون ~~عليهم حجة بإجماع المسلمين. # اختلف الناس في عمل أهل المدينة في القرن الأول على ساكنها السلام وهو ~~من القوة على ما لايخفى، فمابالك بعمل غيرهم ومن ليس من أهل العلم، ولا ~~يتوقف في سياستهم على فتيا أهل العلم، في القرن التاسع، بل ربما في تلك ~~الامور (67=217/ب) بأنفسهم من غير مشورة الخليفة، وفي غالب الأمر مايصنعونه ~~إلا إذا إيهاما على الأوهام القاصرة التي لاتعرف حقائق أمورهم، وإلا ~~فالمتولون لذلك في غالب الأمر ما يصنعونه إلا إذا إيهاما على الأوهام ~~القاصرة التي لاتعرف حقائق أمورهم، وإلا فالمتولون لذلك في غالب الأمر ~~يومنون أهل المفاسد من البغاء والقمار ونحوها بما يأخذون منهم، حسبما يعلم ~~هذا المملي أتم علم ms119 وغيره. وقد بلغني عن بعض أئمة الهدى أنه بلغه أن بعض ~~الأمراء ورفعت إليه مسألة فصادف فيها الصواب من مقالات العلماء فزجره ذلك ~~الإمام واشتد غضبه عليه وقال له: من اذن لك أن تتعاطى ما ليس لك من الاحكام ~~الشرعية، وما ليس لك مراده. فسئل الامام عن ذلك وقيل له: فما هذا الانكار ~~وقد صادف الحق، فقال: أخاف أن يتغير فيحكم بهواه بالباطل. # وأقول: أن مثل هذا من المنكر المحرم نصا وإجماعا، أعني الحكم على جهل، ~~سواء صادف الحق أو لم يصادف، لحديث "القضاة ثلاثة: قاضي في الجنة، وقاضيان ~~في النار"، وفيه أن أحد القاضين اللذين في النار: رجل قصى على جهل(¬1). ~~فهذا إذن قد انكر المنكر، فلا ينبغي استحسانه ولا السكوت عنه، فضلا عن ~~تخريجه على الشريعة. PageV01P256 # وأما الثاني: وهو هل وافق فعلهم ذلك الحكم الشرعي أو لا؟. ففي سماع أبي زيد ~~لابن القاسم آخر كتاب السلطان من العتبية قال أبو زيد: قال ابن القاسم: سئل ~~مالك عن فاسق يأوي إليه أهل الفسق والخمر ما يصنع به؟، قال: يخرج من منزله ~~وتكرى عليه الدار والبيوت. قال: قلت: فلا تباع عليه؟، قال: لا، لعله يتوب ~~فيرجع إلى منزله. قال ابن القاسم: يتقدم إليه المرة بعد المرة ثلاث مرات، ~~فان لم ينته أخرج وأكري عليه منزله. قال القاضي ابن رشد: وقال مالك في ~~الواضحة: انها تباع، خلاف قوله في هذه الرواية، وقوله فيها أصح، لما ذكره ~~من أنه يتوب فيرجع إلى منزله، ولو لم تكن الدار له وكان فيها بكراء أخرج ~~منها وأكريت عليه ولم يفسخ كراؤه، فيما قاله في كتاب كراء الدور والأرضين ~~من المدونة(¬1). وقد روى يحيى بن يحيى .. فذكر ما تقدم من حرق بيت الخمار ~~وبيت المسلم الذي يبيع فيه الخمر، والنصراني إذا تقدم إليه، وحرق عمر رضي ~~الله عنه بيت رويشد، وقد تقدم الكلام في هذا، وذكر شذوذ هذه الرويات قبيل ~~هذا(¬2). PageV01P257 # فأنت ترى أن الرويات ليست في المذهب بهدم دار البغاة، إنما فيه بيعها إن ~~كانت ms120 ملكا، وكراؤها، كانت ملكا أو بكراء. وان كانت تعقيب ابن رشد في ~~المسألة بحرق بيت الخمار يحتمل أن يكون القصد به تقوية الروايات بالبيع ~~والكراء كما فعل مالك، حيث استدل على قطع المغشوش من الدراهم بطرح عمر ~~اللبن المغشوش، وإن كان لايقول بطرحه كما سبق ويحتمل أن يكون جاء بذلك ~~لينظر فيه ولم يقطع به. ولكن على كل حال، ولو قيل بالقياس على هذه الرواية ~~الشاذة في بيت المال، فينبغي التفريق بين أن يكون الدار ملكا لهم أو بكراء ~~ولكن إذا خطر لهم هذا الخاطر، لم يبالوا كانوا بكراء او في ملك. على أن في ~~القياس، أعني قياس دور البغاة على دار الخمر نظر، فأن الخمر إذا كانت تصنع ~~في الدار أوتباع فيها مظنة لخفائها حتى لا يستطاع تغييرها، فصارت الدار آلة ~~لذلك الإخفاء. وكذلك المسكر المعينة عليه، وأما الزنا فعلى كل حال لايكون ~~إلا خفية. وإنما يكون له في الشيء من ذلك حجة لو وردت الروايات بأخذ دورهم ~~للمخزن أو بيعها وجعل أثمانها فيها، لكنها إنماجاءت (68=218/أ) بتحريق محل ~~المعصية وإفساده ثم بيع الدار وإكراؤها أصرف للضرر من هدمها أو هدم شيء ~~منها، فإن صاحب الدار يبني ما هدم منها ويسكن مع وجود الهدم، وقد لا ينصرف ~~ضرره عن الجيران كما هو الواقع، فالاصرف للضرر إخراجه والاكراء والبيع ~~عليه، والله سبحانه أعلم. # قال: وكذلك التصدق بالمسك إذا وقع الغش به كما وقع فيه. # أقول: انظر ما سر مجيء الباء مرة داخلة على الضمير ومرة في على، ويعود ~~الضمير الثاني، فأن كان على المسك كما عاد الأول، فما فائدة هذا الكلام. ~~وقد تقدم الجواب عن الصدقة بالمغشوش وإفساده قبل هذا؟، فلا معنى لإعادته. # العاشر: عتق العبد بالمثلة # قال: وعتق العبد بالمثلة # أقول: الكلام عليه من وجوه: PageV01P258 # الأول: إن على القول بالعتق بها، فالشارع جعلها سببا من أسباب العتق، كعتق ~~البعض من غير تملكه أو بعضه، كما جعل الحنث والإفطار والقتل والظهار سببا ~~للكفارة من خواص العتق وأحكامه الجعلية التي تخصه، ms121 فلا يتعدى إلى غيرها، ~~ولا سيما على إحدى الروايتين عن مالك أنه يكون الممثل به حرا بنفس المثلة، ~~لاتحتاج إلى حكم، لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "من مثل بعبده عتق ~~عليه"(¬1)، ولقوله: "من مثل بعبده فهو حر"(¬2)، وإن كان البزار قد رواه عن ~~السليماني عن ابن عمر، وهو ضعيف عنه، وروى أيضا عن أبن عباس، وفي سنده عمرو ~~بن عيسى وهو مجهول(¬3). PageV01P259 # الثاني: إن ذلك على منهاج اتباع الحسنة السيئة لمحو أثرها، لا على معنى ~~العقوبة بمال يخرج عن الجاني للصدقة، أو يحجز عليه إلى أن يتوب كما قال ~~المملي، أو يوضع في بيت المال. والدليل عليه أن الكفارة والخلوص من الاثم ~~والنار مشروع فيما دون المثلة، لما رواه أبو مسعود الانصاري قال: "كنت اضرب ~~غلاما لي، فسمعت من خلفي صوتا: اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه، ~~فالتفت، فإذا هو النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يارسول الله هو حر لوجه ~~الله، فقال: اما انك لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار"(¬1)، ولحديث ~~سويد بن مقرن رضي الله عنه :"لقد رأيتنا سبعة من ولد مقرن، ما لنا إلا ~~خادم، للظم أصغرنا وجهها، فأمر النبي فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعتقها"(¬2)، ولما رواه أبو صالح بن ذكوان عن زاد أن قال: "أتيت ابن عمر ~~رضي الله عنهما وقد أعتق مملوكا له، فأخذ من الأرض عودا أو شيئا، فقال: ~~مالي فيه من الأجر ما يساوي هذا، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من ~~لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه"(¬3). # فإن قلت: فقد وقع لبعض العلماء إطلاق العقوبة على العتق بالمثلة. # قلت : عنه جوابان: # الأول: لا عبرة بإطلاق غير الرسول صلى الله عليه وسلم مع إطلاقه، لأن ~~العصمة واقية من الخطأ في حقه عليه الصلاة والسلام، لوم يثبت ذلك لغيره. PageV01P260 # الثاني : إن إطلاق العقوبة ممن أطلقه مجاز، إذ قد يطلق ذلك على الكفارة ~~باعتبار أنها وان كان أصل مشروعيتها ماحية للآثم، فإذا علم ممن رام الاثم ~~أنه ms122 لا براءة له إلا به، ربما كف أن لايحتاج إلى الكفارة وان سهل عليه الاثم. # الثالث : من وجوه الكلام على أصل الاستدلال بتعق المثلة أنه لو كان عقوبة ~~على غير معنى التكفير، لما كان الورء له، وانعقاد الولاء له دليل على أنه ~~لم يخرج عن ملكه، لأن الولاء لازم العتق الذي هو فرع الملك. وإذا لم يخرج ~~عن ملكه، فأين العقوبة بالمال على النحو الذي شرعتم من أخذ المال من الجاني ~~وجعله في بيت مال المسلمين؟. # لايقال: لو كانت كفارة لما أجبر (69=218/ب) عليها. # لانا نقول: عن ذلك جوابان: # الأول: إنا نمنع كون الكفارات لايجبر عليها مطلقا، بل إنما ذلك ما كان ~~منها على التراخي فقط، على أن اللخمي خصص هذا الصيام بأن قال: إنما لا يجبر ~~إذا علم أنه يخرج أو يعتقد وجوب الكفارة، أما من ينكر وجوب ذلك عليه فإنه ~~يجبر. واحتج بجبر مانع الزكاة وغير ذلك على ما يأتي. # الثاني: أن في العتق بالمثلة روايتين: # الاولى: أنه يكون الرقيق بنفس وقوعها حرا، حكما جعليا، كملك الغريب ~~ونحوه، فهذا لايعقل فيه الجبر ولا الاختيار، لأنه حكم من الله لزم مع وجود ~~سببه لايفتقر إلى إجبار حاكم، ولايتوقف على اختيار مكلف. PageV01P261 # والرواية الثانية: أنه يفتقر إلى الحكم(¬1)، فعلى هذه الرواية، فالجواب: أن ~~الاجبار والحكم بحصول سببه، فألحق بما هو من صنفه أو نوعه القريب، وهو ~~العتق بسبب أحدثه المالك في المعتق. فإلحاقه به أولى من إلحاقه بالكفارات ~~التي هي مسببات لأسباب في غير محل تلك المسببات، فإن القتل والظهار والحنث ~~وان كانت أسباب للعتق ليست فيمن يحكم بعتقه، وليس ذلك لمخرج لها على جنس ~~الكفارات، بل الكفارات ضربان، ضرب سببه في غير متعلقه، وضرب سببه في ~~متعلقه، وهو ما نحن فيه. فكما أن من أعتق شقصا من عبده يستتم عليه ما فيه، ~~كذلك ما نحن فيه. # الرابع: سلمنا أنه عقوبة بالمال جدلا، لكن على غرم المتلفات وتعدي المرء ~~على ما لايملك، والغرم بالتعدي والإتلاف أمر لا خلاف فيه، وقد ms123 تقدم صحة ~~إطلاق العقوبة عليه لغة وشرعا وعرفا. فمن تعدى على مملوك غيره أو على مملوك ~~له، فغرمه للمتلف على الأوضاع التي قدرها الشرع أمر لا يتنازع فيه، ومن ثم ~~منعنا الاستدلال على عقوبة الجاني إذا سرق أوزنى أو أتى معصية خارجة عن باب ~~إتلاف الممتلكات بأخذ ماله أو شيء منه، ووضعه في بيت المال ونحوه، إذ هو ~~اغترار بلفظ مشترك تحته معنيان، أحدهما مجمع على صحته والآخر مجمع على ~~بطلانه كما سبق. # فإن قلت: هذا صحيح في نفسه، أعني أن باب الغرامات على الأوضاع التي قدرها ~~الشرع في التعدي على ملك الغير من المتمولات، أو على ما يملكه المتعدي من ~~مال الغير، بغير اغرام المال على الذنب، فإنه خارج من ذلك. ولكن بقي عليك ~~تحقيق العتق بالمثلة من ذلك القبيل، وإخراجه عن الذنوب القاصرة، فانا نعرف ~~من غير شك أن العبد ملك سيده، وما مثل إلا بعبده، وما تصرف إلا في ملكه، ~~فاعتاقه عنه اتلاف لماله عقوبة لذنبه ليرتدع هو وأمثاله عن العود إلى مثل ذلك. PageV01P262 # قلت: بل تصرف في ملك غيره، وتعدى على ما لا يملكه. وبيانه أن العبد ملك ~~الله على الحقيقة، ملك الحر من عباده أن ينتفع بخدمته وخراجه على التأبيد، ~~ولم يملك الذوات لأحد من خلقه. ويدل عليها قوله صلى الله عليه وسلم: ~~إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم" الحديث(¬1)والدلالة فيه من وجوه: # الأول: جعلهم إخواننا، والإخوة تنافي الملك، وإذا أذن في الانتفاع لم يبق ~~وجه من الشبه إلا نفي الملك عن الذوات. # الثاني: قوله صلى الله ليعه وسلم: خولكم، وهو يطلق على العبيد بالمعنى ~~الذي يطلق على غيرهم، فيقال أيضا في حاشية الرجل: خولة، لأنهم يحفظونه ~~ويرعونه ويخدمونه، وكما يقال: خال الراعي يخول خولا، إذا حفظ والراعي: خائل ~~وخولي، وتخولت (70=219/أ) الرجل: تعهدته(¬2). وهذا أولى من جعل اللفظ من ~~قبيل المشترك. # الثالث : قوله صلى الله عليه وسلم: جعلهم الله تحت أيديكم، أي لا يتصرفون ~~إلا عن إذنكم وتحت إيالتكم، وأنفذ فيهم آثار قدرتكم، فصاروا ms124 لكم كالآلة ~~التي تجلبون بها لأنفسكم، وتدفعون بها عنها، وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأبي ذر رضي الله عنه :"أنهم إخوانكم فضلكم الله عليهم، فمن لم ~~يلائمكم منهم فبيعوه، ولاتعذبوا خلق الله، إلى غير ذلك. # ووجه الدلالة من جميع ذلك لايخفى، فالحاصل أن السيد لم يملكه الله من ~~العبد إلا ضروبا من الانتفاع على أقدار شرعها الله من الأمور التي لايمنعها ~~الشرع، ولاتخرج عن الطاقة. أما الذات فلم تملك لأحد، فإذا تعدى السيد على ~~ذات العبد بالتمثيل والتشويه لخلقه، فقد تعدى على ما يملكه، فإخراج العبد ~~عنه إلى الحرية كإلزام الجزاء في الصيد ونحوه، من باب الغرامة والتكفير. ان ~~الاغراض حيث عينها الشارع تعينت، فكما جعل جزاء الصيد مثله من النعم، كذلك ~~جعل أرش المثلة ما ملك من منافع العبد وخدمته. PageV01P263 # لايقال: لو لم يكن في الذات تصرف للزمه بأدنى تصرف فيها ما يلزم كل متعدي ~~على ما يملك. # قلت: الأمر كذلك أولى، إن الله تعالى أذن في التأديب للاستصلاح، كما أذن ~~في ضرب الزوجات والأولاد وغيرهم ممن يراد استصلاحه مع انتفاء المالكية ~~للمأذون له في التأديب على المأذون فيه. # الخامس: من وجوه الكلام على أصل الاستدلال أن هذا ليس مما أراد المملي ~~شرعه في ورد ولا صدر، فأين العتق المكفر للآثام من أخذ مال المذنب لبيت ~~المال أو دفعه لغيره، اوتحجيره عليه كما يحجر على السفهاء والأيتام؟. # السادس: سلمنا أنه من باب العقوبة، فهي في المال الذي وقعت فيه المعصية، ~~لاالمعاقبة على ذنب بأكل مال. وعلى هذا احتج اللخمي في كتاب الصرف كما احتج ~~باكفاء القدور التي طبخ فيها لحم ما لم يقسم من الغنيمة. # السابع: أن جميع ما أوردناه مانع من الاجتهاد في المسألة من معارضة ~~النصوص والاجماعات، وغير ذلك مانع من الالتفات إلى كل استدلال بأي نوع كان ~~من الأدلة على التعيين. # الحادي عشر: منع القاتل عمدا من الميراث # قال: ومنع القاتل عمدا للميراث. PageV01P264 # أقول: يعني عمدا عدوانا، لئلا يدخل في ذلك من قتله في ms125 حد ثبت عليه بإقرار ~~أو بينة، وإن وجد الخلاف في الجملة. والعقوبة بالمال نزع المال من مالكه، ~~فهي إذن فرع الملك، وملك المال المورورث فرع عن ارثه، والارث هنا باطل، فلا ~~ملك للمال الموروث للقاتل، ولا إخراج له عن مالكه، ولانزع لماله منه. وفرق ~~بين منع المال بالسبب الذي يملكه به من ليس له مانع ونزع المال بعد الملك. ~~ولو صح جعل هذا من العقوبة بالمال لانصرف مثله إلى جميع الموانع من الرق ~~والكفر والشك، وان صح إطلاقه في الكفر، لم يصح إطلاقه في الشك، أنه لا أثر ~~فيه للمكلف، فالتحقيق أن منع المانع للميراث والملك ليس من العقوبة بالمال ~~في شيء. ولايغرنك إطلاق من أطلق عليه المعاقبة بنقيض المقصود، فانه أن كان ~~كلاما صحيحا في نفسه، ليس له دلالة على العقوبة بالمال، لأن المقصود بالقتل ~~أن يرث، فعةقب بحرمان الإرث، وفرق بين حرمان الإرث المانع من حصول الملك، ~~وإخراج المملوك بعد ملكه، وانما تكون العقوبة بالمال في حق هذا، أو كان إذا ~~قتل موروثه أو غيره أخذ مال القاتل وجعل في بيت المال كما قاله المملي، أو ~~وقف ماله حتى يتوب كما زعم، أو أعطي للمظلوم. وأما منع الميراث (71=219ب) ~~فمن باب سد الذرائع، لئلا يتخذ القتل وسيلة إلى إرث المقتول. فلما كان هذا ~~التوسل من الأمور الظاهرة بالأكثرية، أي أن الوارث يستعجل موروثه فيقتله ~~ليتصل بإرث المال، منع الشارع من إرثه حتى لايبقى له هذا الحامل على قتله. # الثاني عشر: التصدق باجارة من آجر نفسه فيما لايجوز بثمن الخمر وأراقته. # قال: والتصدق باجارة من اجر نفسه فيما لايجوز بثمن الخمر واراقته على ~~مشتريه او بائعه، ولايقال: أنه ثمن ما لايجوز، لأنه لم يرده إليه. PageV01P265 # أقول: الاجبارات المحرمة والفاسدة، والبياعات الفاسدة، والبياعات المحرمة ~~والفاسدة إما أن تقع فيما لايجوز تملكه أو فيما يجوز تملكه، لكن وقعت على ~~الوجه الممنوع. فأما الثاني فلم يقل به احد بأن يتصدق بثمنه، وسواء كان ذلك ~~الشيء المبيع مما لايجوز بيعه كالآبق والشارد، أو ms126 مما يجوز لكن وقع على وجه ~~فاسد، والحكم في جميع ذلك فسخ البيع ورد المبيع للبائع والثمن للمشتري مع ~~القيام ولزومه القيمة مع الفوات، وأما ما لايجوز تملكه كالخمر والخنزير وما ~~لايجوز فعله كقتل النفس ظلما وحمل الخمر ونحوه، فهذا هو الذي قيل فيه ~~بالصدقة بالثمن، وبالاجارة في بعض صوره. وما أن للعوض عليه محرم، وإلا يقل ~~بالصدقة في كل عقد فاسد، فإذا باع المسلم خمرا من مسلم فعثر على ذلك الخمر ~~بيد البائع لم يدفعها إلى المشتري بعد كسرت عليه وانتقض البيع وسقط الثمن ~~عن المشتري ان كان لم يدفعه، قولا واحدا. ولو كانت هناك عقوبة بالمال لأخذ ~~ثمن الخمر منه أو غيرها وتصدق به عليه، وكذلك أيضا، لو كان باعها المسلم من ~~نصراني ولم يدفعها له ولم يقبض الثمن، لكان الحكم كذلك، فإن العقوبة بالمال ~~ها هنا. # فإن قلت: العقوبة بالمال كسر الخمر، كما قال المملي، واراقتها. فاحتج ~~باراقة الخمر على بائعها أو مشتريها على العقوبة بالمال. # قلت: هذا نهاية الغباوة أو التغابي. إذا كان يقال باراقة الخمر من ~~العقوبة بالمال، والخمر غير متملكة، وما لا يملك ليس بمال. # فان قلت: هذا وان تم لك في المسلم، فقد تكسر على مبتاعها النصراني في بعض ~~الصور وفي بعض الاقوال، والنصراني يملك الخمر. # قلت: إنما يكون ذلك إذا اشتراها من مسلم، وإذا كان الأمر كذلك لم يقع ~~عليها ملك بوجه. PageV01P266 # بيانه: أن الملك الحادث للنصراني ليس إلا بالنقل من المسلم، والمسلم لا ~~يملك الخمر اتفاقا، وإذا لم يكن ثم ملك للمسلم، لم يكن ما ينتقل للكافر ~~ملكا، فليست الخمر حينئذ متملكة البتة، فلا تكون اراقة الخمر في هذه الوجوه ~~من العقوبة بالمال في شيء، ولم يبق النظر إلا في الصدقة بالثمن عند من يقول ~~به حيث يقول به. وقد تقدم حكم ما إذا باعها المسلم من مسلم أو نصراني ولم ~~يقبضها المبتاع لو يدفع الثمن، وأن الخمر تكسر على المسلم ويبقى الثمن على ~~المشتري، ولايوخذ منه، ولايتصدق به، ولايغرم مالا ms127 غيره. # فأما ان كان المشتري قد دفع الثمن للبائع، فها هنا اختلف، فقيل: يرد ~~الثمن إليه، وقيل: يتصدق به على المساكين. فأما رده إليه فعلى المعروف من ~~المذهب أن المبيع بيعا فاسدا لا يضمنه مشتريه إلا بالقبض، ولا عقوبة بالمال ~~على هذا القول ولاما يوهمها. وأما القول بأنه يتصدق به فمبني على القول بأن ~~ضمان المبيع بيعا فاسدا من مبتعاه بقبض البائع ثمنه، وعلى هذا القول فإذا ~~قبض البائع الثمن انتقل الملك إلى ضمان المبتاع، والملك لازم الضمان ~~(72=220/أ) فينتقل الملك. وإذا كان الأمر كذلك، فإذا أريقت الخمر بعد قبض ~~الثمن فصل ذمة المبتاع، وإذا أريقت على ذمة المبتاع لم يرد الثمن إليه، إذ ~~لا يجمع الثمن والمتمون، ولا يحل الثمن ايصا للبائع، فصار من الخمر على هذا ~~التقرير كالمال الضائع، إذ لا يحل للبائع ولايمكن منه المشتري فصرف للصدقة. ~~وإذا كان الأمر على ذلك، لم يكن من العقوبة بالمال في شيء، بل من الصدقة ~~بثمن لا يصح للمشتري ولا يحل للبائع. PageV01P267 # وهذا هو الجواب عن قول المملي: انه لو كان من الصدقة بثمن ما لايحل لرد ~~للمشتري. والقول الذي نبني عليه هذه المسألة، أعني أن الضمان في الفاسد ~~ونقل الملك يكونان بقبض البائع الثمن، وهو قول أشهب فيما نقله أبو عمران ~~وابن محرز، وكذلك عنده التمكين من القبض ينزل منزلة القبض في نقل الضمان ~~والملك، وإذا لوحظ التمكين أيضا في هذه المسألة انبغى أن يكون الحكم فيه ~~كقبض الثمن، فيجري فيه الخلاف السابق. # ولابن قاسم في العتيبة من سماع سحنون:من اشترى زرعا بعد يبسه بثمن فاسد ~~فأصابته عاهة فتلف قبل حصاده مصيبته من مشتريه، وهو قابض. بخلاف مشتريه قبل ~~بدو صلاحه،على أن يتركه فيصاب بعد يبسه فمصيبته من بائعه،قال القاضي ابن ~~رشد:لأنه إذا ابتاعه بعد يبسه بثمن فاسد يحل بالعقد في ضمانه ،إذ لا توفية ~~فيه على البائع لأنه جزاف، كما لو اشتراه شراء صحيحا فضمنه بالعقد،لأن ~~حصاده عليه ولا جانحة فيه،فهو كصبرة جزافا، انتهى.(¬1)وهذا أيضا كقول أشهب: ~~أن ms128 الفاسد من المبيع ينتقل الضمان فيه والملك بالتمكين. # وفي العتيبة أيضا، لابن القاسم من سماع أبي زيد فيمن ابتاع كلبا فهلك ~~بيده ضمانه من بائعه.قالوا: وعليه يرد المبتاع مما انتفع به من الخراج، ~~لحديث " الخراج بالضمان ".(¬2) # ولابن القاسم أيضا من سماع عيسى في مسلم اشترى من مسلم خنزيرا يرد ثمنه ~~لمشتريه ويقتل، فظاهره من البائع، وقيل: يقتل على مشتريه إن ~~قبضه،فعليه،يكون ضمان الكلب من مشتريه، والأول هو المعروف.انتهى(¬3) PageV01P268 ~~ومثل هذا أيضا ما لو اشترى الخمر من مسلم ولم يعثر على ذلك حتى قبضها ~~المبتاع، فقيل: إنها تكسر على البائع أيضا، وينتقض البيع، ويكون الحكم في ~~الثمن على هذا أن يرد إلى المشتري إن كان قد دفعه، ويسقط عنه إن كان لم ~~يدفعه، وقيل يتصدق به، وهذا أيضا بناء على أنها كسرت على ذمة المشتري، أو ~~على مراعاة الفعل به، وأجرى ابن رشد رضي الله عنه كسرها على ذمة المشتري ~~للتصدق بالثمن، قبض أو لم يقبض، على إمضاء البيع، فقال:وقيل:أنه يمضي في ~~البيع ويتصدق بالثمن، قبض أو لم يقبض، إذ لا يحل للبائع، ولا يصح تركه ~~للمشتري. يعني أنه لا يجمع له بين له بين العوض والمعوض منه.(¬1)وإذا كان ~~هكذا صار ثمنا لا ملك له، فصار بمنزلة الأموال الضائعة فيتصدق به على ~~الفقراء. وعلى هذا التقدير أيضا، فلاعقوبة بالمال. # هذا حكم المسألة فيما باعه المسلم من خمر فعثر عليه قبل قبض الثمن ~~والخمر، أو بعد قبض الثمن فقط، أو بعد قبض الخمر فقط، أو بعد قبضهما وقبل ~~الاستهلاك. أما إذا لم يعثر على ذلك حتى استهلك المشتري الخمر، فإن كان ~~المبتاع مسلما تصدق بالثمن على المساكين، قبض أو لم يقبض، قولا واحدا،إذ لا ~~سبيل إلى نقض البيع بإغرام المسلم مثل الخمر الذي استهلكه وكسرها على ~~البائع، وإن كان نصرانيا، فقيل:إنه يغرم مثل الخمر ويكسر على البائع،فينتقض ~~البيع ويسقط الثمن عنه إذا كان لم يدفعه ،وإن كان قد دفعه رد إليه أو تصدق ~~به على المساكين. قال ابن رشد: أدبا له، على ms129 الاختلاف المذكور(¬2). PageV01P269 # وأقول: تأويله والله أعلم أن الصدقة به بها وقع أدب، أي لزم عنها في ~~الواقع، لا أنه الباعث على حكم الصدقة به على القول بها، لأن الخمر إذا ~~استهلكت (73=220/ب) لمسلم لا حق له في المطالبة بها،ولا يقبلها ملكه،واستقر ~~عليها، إلا أن تكسر على ذمته، ولو كان استهلاكها على وجه العداء، كيف وهو ~~في هذا بتسليطه ودفعه لها بيده، وإنما ألزم النصراني أن يأتي بخمر ~~فتكسر،لئلا يكون ترك ذلك إمضاء للبيع، وقد وقع فاسدا، فإذا أتى بالخمر ~~تستهلك ولم تخرج بعد عن كونها مقبوضة لمن يرى ضمان الفاسد من مشتريه ~~بالقبض، يقول به هاهنا أحرويا، فصار كسرها على هذا التقدير على ذمة ~~المشتري، فلا جمع له بين العوض والمعوض عنه، ولا يحل تركه للمسلم، فصار إلى ~~ما علم من حكم الأموال الضائعة، تصرف للفقراء لا على ذمة البائع ، لأنه لا ~~يحل له، ولا على ذمة المشتري، لأنه لا يرد له. ولذلك لم يكن لواحد منهما ~~ثواب فيها، وجبر الكافر على الصدقة غير معقول، لأنه لا يعقل تقربه مع كفره، ~~وإذا كان الأمر كذلك، لم يكن أيضا في هذا عقوبة بمال البتة. PageV01P270 # ومما يحقق عندك هذا التأويل، تفريقه في هذا الموضع بين أن يشتريها مسلم أو ~~نصراني باتفاقهم على أن المسلم المشتري لا يلزم بأن يأتي بخمر لينقض البيع، ~~ولو كان اشتراها على الكيل، واختلافهم فيما إذا كان نصرانيا هل يلزم أن ~~يأتي بها أولا؟، ويتصدق بها على المساكين، قبض أو لم يقبض، يدل على ما ~~قلناه، إذ لا فرق. إلا أن المسلم لا يتصور أن يملكها فيأتي بها، بخلاف ~~النصراني، فكما لم يعقل ذلك من جانب المسلم إذا كان مشتريا، فكذلك إذا كان ~~بائعا، ووجه ابن رشد القول الثاني في هذه المسألة، وهو أنه لا يلزم ~~النصراني المشتري إذا استهلك الخمر المشتراة من المسلم أن يأتي بها إمضاء ~~للبيع.فقال: وقيل يمضي البيع ويتصدق بالثمن على المساكين، قبض أولم يقبض، ~~يعني لأنه لا يحل للبائع ولا يترك للمشتري(¬1). وهذا ms130 أحرى لإمضاء البيع ~~واستهلاكه المبيع، فإذا كان ليس لهذا ولا لهذا، صار إلى ما تقدم من كونه ~~مالا ضائعا فيتصدق به. فهذا حكم بيع المسلم الخمر من مسلم أو نصراني. وأما ~~بيع النصراني لها من مسلم وهي مسألة المدونة، ففيها: وإذا ابتاع مسلم خمرا ~~من نصراني كسرتها على المسلم، فإن لم يقبض الذمي الثمن تصدقت به أدبا له، ~~ولا أنتزعه منه إن قبضه، وكذلك إن ابتاعها نصراني لمسلم، والنصراني عالم ~~بذلك، فإما إن لم يعلم فالثمن له. وفرق بين أن يقبض الذمي ثمن الخمر فلا ~~ينتزع منه، وبين أن لا يقبضها فتصدق به(¬2). PageV01P271 # وهذا مما يدلك على أن الأدب ليس هو العلة الحقيقية، إذ لو كان الأمر كذلك، ~~لم يكن فرق بين أن يقبض الثمن أو لا. فما الفرق على مذهب ابن قاسم إلا أنه ~~إذا كسرت الخمر على المسلم تبين أن ضمانها منه، وأنها لا تقر بيده حتى ترد ~~إلى النصراني، وما بقي إلا مطالبة النصراني للمسلم بثمن الخمر. فالمسلم لا ~~يحل له دفع ثمن الخمر، والنصراني لا يمكن من ذلك لنهيه عن أن يبيع الخمر من ~~مسلم. لكن هذا النهي لا يخرج الخمر عن أن تكون ملكا له، فما بات بين ~~المسلم، ثم لما عاق عن صرفه إلى النصراني أنه لا يمكن شرعا من ثمن خمر من ~~مسلم، صار ذلك المتمول بمنزلة المال الضائع أيضا، فيتصدق به، وإن كانت ~~راجعة لصرف الأموال الضائعة للفقراء أدبا للذمي، لأنه إذا لم يرجح أخذ ~~الأثمان لما يبيعه من خمر لمسلم،لم يبق له باعث على البيع به.فليس إذن من ~~العقوبة بالمال على الذنب في شيء، ولو كان المقصود ذلك، أخذ من ماله أو من ~~مال المسلم، وعرفنا به، سواء كان ثمن خمر وخنزير أو لا. # ومما يدلك على ما قلناه، ما وقع لعبد الحق في النكت.(¬1)قال: سألت بعض ~~شيوخنا من غير أهل بلدنا عن النصراني يبيع خمرا من مسلم فيجب أن يتصدق ~~بالثمن عليه {74=221/أ}إن لم يقبضه. فقلت أرأيت إن كان عليه ms131 دين هل يكون ~~الثمن لأهل دينه، لأن الصدقة عليه إنما هي من باب العقوبة، وهذا لو حصل له ~~الثمن في يده لم ينزع منه، فلا يضر بأهل الدين بالصدقة به منعه منه.فقال ~~لي: ليس بشيء لأهل دينه ما يتملكه ويكون له قبضه، فلا حق لأهل دينه ~~فيه.انتهى(¬2). PageV01P272 # فهذا دليل صريح أنه ليس من باب العقوبة بالصدقة، بل إنما تصدق به لأنه ليس ~~له قبضه ولا أن يتملكه. فهو نص في أن ثمن الخمر للمحكوم بصدقته غير متملك ~~بإطلاق الأدب والعقوبة عليه، إنما هو بالمجاز لا بالحقيقة، وبالعرض لا ~~بالذات، لأنه معاقبته به فرع عن كونها له، لكنه ليس بمال له، فلا تكون ~~الصدقة به عقوبة له. وهذا معنى تعليل ابن رشد رحمه الله الصدقة بثمن ~~الخمر فيما تقدم بقوله:إذ لا يحل للبائع ولا يصح تركه للمشتري، فتأمله. ~~فمال المشتري غير ثمن الخمر، فعوقبا به، ولم يقل به أحد. # وقوله: وإن قبضه النصراني فلم ينزع منه، إنما كان ذلك لأنه مال لا طالب ~~له، حصل عليه حوز النصراني إلقاء النظر إلى كونه ثمن خمر باعه من مسلم، ~~بناء على أن الحكم بالثمنية لما كان باطلا شرعا، صار دخولهما من كونه ثمنا ~~وعقدهما على ذلك كل عقد. قال سحنون: ينزع من النصراني وإن أخذه، ويتصدق به ~~بناء على أنه إنما قبضه أنه ثمن خمر بيع من مسلم، وهذا لا يقر ولا يمضي، ~~فإذا نزع منه رجع إلى الحال التي قبل القبض، كما لا يبقى بيد المسلم، لا ~~يرد إليه ولايمكن منه النصراني، وصرف للفقراء على حكم الأموال الضائعة، ~~وإجرائها مجرى الزكاة. ولو كانت العلة الحقيقية عند سحنون أيضا الزجر ~~بالمال من غير سبب سواه، فحكم بأخذ شيء من مال البائع أو هما معا، وعوقبا ~~به بأن يجعل في بيت المال كما يقوله المفتي، أو يتصدق به. PageV01P273 # وفي المسألة قول ثالث: أنه لا يتصدق بالثمن إذا كانت الخمر قائمة، بل إن ~~كان النصراني لم يقبضه ترك للمسلم، وكسرت الخمر على النصراني،وإن كان قد ms132 ~~قبضه ترك له، وكسرت الخمر على المسلم، فقال: إن عثر على ذلك والخمر قائمة ~~بيد النصراني البائع قد أبرزها المسلم، فإنها تكسر على البائع النصراني، ~~ويسقط الثمن عن البائع المسلم إن كان لم يدفعه للبائع، وإن كان قد دفعه ~~إليه، فقيل:يرد إلى المبتاع، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وقيل أنه لا يرد ~~إليه ويتصدق به عليه أدبا له(¬1). # وهلا يأتي على ما في المدونة أنه إذا كسرت الخمر على المسلم بعد قبضها ~~وبل فوتها واستهلاكها، وكان النصراني قد قبض الثمن ترك له بمنع المسلم من ~~الرجوع في الثمن على البائع قبل الاستهلاك. وتلك حالة يأتي فيها الفسخ على ~~المشهور ويرد الثمن إلى المشتري، فكذلك قبل القبض. قال ابن رشد:وإن لم يعثر ~~على ذلك حتى قبضها المبتاع، فقيل إنها تكسر على المبتاع، ويتصدق بالثمن إن ~~لم يقبضه البائع أدبا له، وإن قبضه ترك له عند ابن قاسم، وعند سحنون يتصدق ~~به، قبضه أو لم يقبضه أدبا له، وقيل أنها تكسر على البائع ويفسخ البيع، ~~فيسقط الثمن عن المبتاع إن كان لم ينقده، وإن كان قد نقده كسرت على المبتاع ~~ومضى الثمن للبائع ولم يؤخذ منه، وهذا قول ابن حبيب في الواضحة، إن لم يعثر ~~على ذلك حتى قبض المسلم الخمر وفاتت عنده أخذ منه الثمن وتصدق به على ~~المساكين، إن كان لم يدفعه {75=221/ب}إلى النصراني أدبا له، وإن كان قد ~~دفعه إليه ترك له ولم يؤخذ منه عند ابن قاسم وابن حبيب، وعند سحنون يتصدق ~~به على كل حال أدبا له.انتهى(¬2). PageV01P274 # ولا يخفى عليك، لأن توجيه الصدقة بثمن الخمر حيث قيل به إلا تأويل ما أطلق ~~من الأدب. فقد قدمنا من ذلك ما فيه كفاية وبالله التوفيق. ثم لا يخفى عليك ~~أن أحدا من أهل المذهب لم يقصد في هذه إلى المعاتبة على الذنب بغرم المال، ~~إذ لو قصدوا إلى ذلك ما صح منهم التفصيل في الموضع الذي تسوغ فيه الصدقة ~~بثمن الخمر والعمل الحرام، وألزموا الصدققة بالثمن على كل ms133 حال، قبض الثمن ~~أو المثمون أو لا، استهلك المثمون أو لا. بل كانوا لا يقتصرون على ثمن ~~الخمر، وأغرموا العاقدين ما لا يحل من أصول أموالهما ما يكون ردعا لهم. # فالعجب من استخراج حكم عام أو مطلق مما نص على تخصيصه أو تقييده بمعنى ~~يخص الخاص، والمقيد لا يوجد في العام والمطلق مع ظهور التعاليل فيما خصوا ~~في ذلك الحكم به من التفاصيل!، ولقد كان العلم في غنى عمن يفسد الذكية ~~بالخداع دون اشتباه واجتماع، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # ثم قد علمت غير ما مرة أن تتبعها لهذه الجزئيات المستدل بها محض تبرع، ~~لئلا يغتر بكثرتها غمر، وإلا فقد تبين خروج موضوع الكلام مع هذا المفتي عن ~~محل الاجتهاد مطلقا، وعن اجتهاده خصوصا، بما نحن نرى الإشارة إليه عيا، ~~لولا اغترار من شاء الله. # ثم هو يقول: إن العقوبة بالمال من المصالح المرسلة، ثم يأتي بأدلة على ~~زعمه على اعتبار العقوبة بالمال، فإن صح له الاختيار خرجت عن حيز الإرسال، ~~فاعجب بما شئت من تدافع وتناقض اشتمل عليه هذا الاستدلال!. PageV01P275 # قال: وكذلك إذا كان يأخذ الدراهم على صحبة الأحداث على ما حكاه ~~الداودي،(¬1)وكان شيخنا رحمه الله يقول:الصواب التصدق به كثمن الخمر. # أقول: إن كان أراد بأخذ الدراهم على صحبة الأحداث أن يكون أخذها على أن ~~يقودهم إلى من أعطاه إياها فهو من معنى الاستئجار على المحرم، والاستئجار ~~عليه كبيعه، وقد سبق ما يكفي فيه. # الثالث عشر: الإجبار على الكفارات. # قال: ومنها ما أحفظه عن اللخمي في تبصرته أنه من ظهر عليه الفطر في رمضان ~~فإنه يعاقب عقوبة موجعة ويجبر على الكفارة، وكذلك سائر الكفارات من الظهار ~~والقتل، وإن كان ابن بشير تعقب الأول بأن العقوبة بالمال لا تضاف إليها ~~العقوبة بالأبدان، وبالقياس على المقدرات، ولإجراء اللخمي مسألة الفطر على ~~شاهد الزور، وإذا جاء تائبا من تلقاء نفسه. # أقول: إن كان مراده الاستدلال على العقوبة بالمال بشرع الكفارات، فقد ~~تقدم رده حيث نقل ذلك القياس عن ابن بشير، وإن ms134 كان مراده وهو الظاهر ~~الاستدلال بالجبر على الكفارة، فهو مردود من وجوه: PageV01P276 # الأول: أن الجبر على الكفارة على خلاف الأصل، فإن الإكراه عليها يخرجها على ~~أن تكون منوية، إذ المكره الذي ليس معه باعث على الفعل والإكراه لا نية له، ~~وفقد النية يخرجها عن كونها قرب، وفقد القرب يفقد معنى التكفير.فإن هذه ~~العبادات من الصدقة والعتق والصيام إنما كانت مكفرة بالفطر انتهاكا في ~~رمضان وغيره من الأيام لأن القلب بإقدامه على الفطر انتهاكا، استجوب بعدا ~~من الله تعالى، وما فقد من التعظيم للمحرمات فلهذا أتى المكلف بشيء من هذه ~~الكفارات، تعظيما لله وخوفا من عقابه.فجبر ثلم الجرأة وفقد التعظيم السابق، ~~وكفر أيضا العمل،اتبع السيئة حسنة تمحها. # الثاني: وإن كان يتخرج الجبر على الكفارات من الجبر على الزكاة بناء على ~~القول أن الكفارة لا تفتقر إلى نية ،لكن القائل بذلك إلى ما يريد والله ~~أعلم إلحاقها بقصد الوزر ونحوه مما صوره فعله كافية لتحصيل مصلحته، فإن في ~~الكفارات شائبة من ذلك لتعلق حق الفقراء بها كتعلق حقهم بالزكاة. # والتحقيق، أن الذي يفتقر إلى النية وصول الحق إلى مستحقه، والذي يفتقر ~~إلى النية معنى التعبد والتقرب، وما عليه الثواب لم يحصل دون نية - والله ~~أعلم - فالجبر على الكفارة ليس فيها مال زائد على الكفارة حتى يحتج بها ~~ويقال: أنه عقوبة بالمال. PageV01P277 # الثالث: أنه لو صح الاستبدال بالجبر على الكفارة على العقوبة للمال لصح ~~الاستدلال بالجبر على الزكاة، لا سيما والذي قال به وهو اللخمي بها استدل. ~~وهذا نصه:قال أهل المذهب إنما تجب الكفارة على من قصد الفطر جرأة وانتهاكا ~~وإذا كان ذلك نظر إلى من له فطر بتأويل، فإن جاء مستغيثا، ولم يظهر عليه ~~صدق فيما يدعيه، وإن لم يفعل ذلك جرأة فلا كفارة عليه، وإن ظهر عليه نظر ~~فيما يدعيه: فإن كان ما يرى أن مثله يجهله صدق وإن أتى بما لا يشبه لم ~~يصدق، وألزم الكفارة، وهذا فائدة قولهم أن هذا ينوي ولا ينوي ويجبر على ~~الكفارة إليه إذا ادعى ms135 ما لا يشبه لم يكن للتفرقة وجه.وهذا الأصل في الحقوق ~~لله عز وجل في الأموال فبمن كان لا يؤدي زكاتها ووجبت عليه كفارة أو عتق عن ~~ظهار أو قتل أو هدي فامتنع من أداء ذلك، انه يجبر على أدائه وانقياده، ~~وقاله محمد ابن المواز فيمن وجب عليه الكفارة فمات قبل إخراج ذلك أنها تؤخذ ~~من تركته إذا لم يفرط. # فإن قيل: الكفارة يختلف فيها هل هي على الفور أو على التراخي، قيل: يصح ~~أن يؤخر بها إذا معتقدا أنه يخرجها، فأما من علم منهم جحودها وأنه يقول لا ~~شيء علي فلا يؤخر بها، وهذا في الحقوق التي تجب عليه لله ولم يوجبها على ~~نفسه، واختلف فيما تطوع بايجابه على نفسه، فقال مالك: صدقة للمساكين في غير ~~يمين، فقال ابن القاسم: لا يجبر على انفاد ذلك، وقال في كتاب الصدقة من ~~كتاب محمد يجبر.انتهى كتاب اللخمي في هذا القصل.(¬1) # وله في فصل آخر: ومن ظهر عليه أنه أكل أو شرب في رمضان عوقب على قدر ما ~~رأى أن فيه ردعا له ولغيره من الضرب والسجن.أو يجمع عليه الوجهان جميعا ~~الضرب والسجن، والكفارة ثابتة بعد ذلك، مجمع عليه العقوبة في المال ~~والجسم(¬2). PageV01P278 # وفي قول اللخمي: لم يجبر على الكفارة، لما كان للتفرقة وجه نظر، لأن ~~التفرقة فيمن ظهر عليه فاعتذر بما يعذر به مثله راجعة إلى ترك عقوبته دون ~~من لم يصدق، فإنه يعاقب. وهذا كاف في الفرق ولو لم يجبر على الكفارة. # وفي احتجاجه أيضا بمسألة من مات قبل إخراج الكفارة ولم يفرط نظر لأنه إذا ~~لم يفرط تبين أنه من الواجب المضيق، فصارت كالزكاة. فلايلزم الجبر على ~~الكفارة وهي على التأخير، والله سبحانه أعلم، وكذلك قوله: وأما من علم منه ~~جحودها إذاك لا يخرجها على التراخي، على القول به إلا بدليل. وأما تعقب ابن ~~بشير على اللخمي بأن العقوبة بالمال لا يضاف إليها العقوبة بالأبدان، ~~فحامله عليه قول اللخمي: يعاقب بالضرب أو السجن أو بهما والكفارة ثابتة، ~~يخرج عليه العقوبة ms136 بالمال والجسم.وإنما مراد اللخمي رحمه الله أن العقوبة ~~على المعصية التي ظهرت بالسجن والضرب لا ترفع الكفارة التي شرعت ماحية ~~لاثمة الانتهاك بمجرده، من غير إظهار لهولا ظهور عليه. وتسمى الكفارة عقوبة ~~بمعناها اللغوي، لأنها آتية عقب الذنب،ومرتبة عليه،ولم يرد أنه يؤخذ منه ~~مال غير الكفارة التي شرعت. # فإن اعترض (77=222/ب) ابن بشير الجمع بين العقوبة والكفارة الجواب:أن ~~الكفارة لمطلق الانتهاك.ألا ترى أنها واجبة على من انتهك حرمة الشهر في ~~خلوة، والعقوبة بالسجن والضرب إذا ظهر على المنتهك وأشهر ذلك تعظيم جرءته. ~~فما لأجله الكفارة في التحقيق غير ما لأجله العقوبة. PageV01P279 # ثم انظر إلى هذا المفتي المملي كيف يحتج بما هو حجة عليه. هذا اللخمي يقول: ~~فمن ظهر عليه أنه أكل أو شرب في رمضان ولم يعذر، أنه يعاقب بالضرب والسجن، ~~ويجبر على الكفارة حيث لا تكون الكفارة على التراخي لحجود من هي عليه ~~بزعمه، والكفارة مشروعة(¬1)، والمملي يسمع: يعاقب بالسجن والضرب، ويقول ~~يعاقب المذنب بوضع ماله في بيت المال وبالحجز عليه أو بالصدقة. وهل درى لو ~~استقر أنواع الذنوب وأصنافها وأجناسها، وما اتفق من جزئيات للمفتين قبلهم، ~~لوجدهم ينصون على العقوبة بالضرب والسجن والتعزيز بما دون ذلك على الاجتهاد ~~فيما ليس فيه حد من حدود الله سبحانه، وبالحدود فيما علمت فيه من غير زيادة ~~مال، حيث لم يشرعه الله تعالى. ومسائل الغش والتصرف في المال بما يحرمه ~~غالب ما يتحيل فيه العقوبة بالمال، وما ذلك إلا إفساد للمغشوش وإذهاب ~~للباطل، ليس من العقوبة بالمال التي انتصب هذا المستدل ليستدل عليها في شيء. # ثم كلما وجد كلاما من مؤلف أو شبهه بمسألة لا يجد قائلها ينفي نسخ ~~العقوبة بالمال فإذا عورض ذلك الجم الغفير الذي انكروها جملة، لم ينص جمهور ~~من سواهم على النسخ، اضمحل الخيال ولم يبق له منه شيء مما جيء به من ذلك ~~على المعارضة، سيما والنصوص المتظافرة القاطعة على عصمة مال المسلم ~~بالإسلام ومنع ماله إلا برضى تكاد تخرج عم الحصر؟. # هذا المفتي لا شيء بعد ms137 وجه يحتمل التأويل. وفي وقائع الأئمة وتفاصيل ~~سالمة عن لمعارضة ولم يهدم أصلا من أصول الشريعة، ولا صرح بها تصريحه. # وأما ذكر المملي قول اللخمي فيمن جاء مستفتيا، وإجراؤه على شاهد الزور ~~فاستطراد غير بعيد ولا نافع فيما هو بصدده ولا ضار، فلا معنى للتشاغل به. # قال: وإن كان ابن بشير تعقب الأول بأن العقوبة بالمال لا تضاف إليها ~~العقوبة بالأبدان، وبالقياس على المقدرات. PageV01P280 # أقول: أفلا تنظر أنت المملي وتعتبر، هذا اللخمي يقول بالكفارة الواجبة شرعا ~~لانتهاك دون إظهار، ويقول بالعقوبة فيمن ظهر عليه الذنب فصرف له الإنكار، ~~فكيف بمن يقول بزيادة إغرام المال فوق الحدود فيجمع بين الحد والمال؟، أليس ~~الجمع بين عقوبة البدن، وهي موكولة إلى الاجتهاد، والمال المشروع أسهل من ~~الجمع بين الحد الممنوع فيه من الزيادة وأخد مال ليس له إلى قواعد الشريعة رجوع؟. # الرابع عشر: انتزاع النبي صلى الله عليه وسلم المال من ابن اللتبية # قال: ومنها انتزاع النبي صلى الله عليه وسلم المال الذي وهب لابن ~~اللتبية، ولم يجىء في الأحاديث أنه رد ذلك إلى أربابه. # أقول: الحديث خرجه الشيخان وأبو داود عن أبي عروة عن أبيه حميد الساعدي ~~رضي الله عنا قال: " استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من السد ~~يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما تقدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، ~~قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وقال: ما بال ~~عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي؟، أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت ~~أمه حتى ينظر أيهدى له أم لا؟، والذي نفس محمد بيده لا ينال أحدكم منها ~~سيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله، على عنقه بعير له رغاء، أو بقرة لها ~~خوار، أو شاة تيعر. ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي أبطه ثم قال: هل بلغت، ~~مرتين " هكذا رواه سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة. (78=223/أ). # ورواه معمر عن الزهري عن عروة فقال فيه: "فجاء بالمال ms138 فدفع إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: هذا مالكم، وهذه هدية أهديت لي، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فتنظر أيهدى لك أم لا؟. ثم قام صلى ~~الله عليه وسلم خطيبا" ثم ذكر نحو حديث سفيان. PageV01P281 # ورواه مسلم من طريق هشام عن أبيه فقال: "استعمل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجلا من الاسد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه ~~قال: هذا مالكم وهذا هدية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلا جلست ~~في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هدية إن كنت صادقا، ثم خطبنا فحمد الله ~~...الحديث "(¬1). # فلم يقع في الحديث ذكر بنزع المال كله، وإنما فيه لأنه حاسبه، وكان هذا ~~قبل موعظته صلى الله عليه وسلم للعامل وخطبته، فأفضت المحاسبة إلى أن يأخذ ~~العامل بعضا وحبس بعض، فيحتمل نزع جميع المال منه، ويحتمل أن يكون صلى الله ~~عليه وسلم اقتصر على الموعضة ليستخرج بها ما كان من غلول: وأما حبسه الرجل ~~وقال: هذا أهذي لي: إن كان كله مال الله. # قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله وقد ذكر الحديث: وذلك والله ~~أعلم أنه استكثر الهدية واستشرف صلى الله عليه وسلم إلى أنه زادت على طريق ~~المعروف، فيتوقع أن يكون تصنعا أو استرواعا لباطل، أو لجلب ما لا يجوز من ~~الصدقة. # قال: ولا يخلو قصد المهدي من المهدي إليه وده أو عونه أو ماله. فإن قصد ~~ماله أو وده فذلك، لكن قصد الود أفضل، وأما طلب العون على أمر، فإن كان ~~معصية فلا يحن، وهو الرشوة، وإن كان طاعة فذلك جائز يريد والله أعلم ما ~~لم تكن الطاعة واجبة عينا. PageV01P282 # قال:وإن كان دفع مظلمة، فإن كان قادرا على دفعها عنه بالحكم والأمر والنهي ~~والإيعاز والإيزاع كانت رشوة، وإن كان بسعي وحيلة وتخدم ورغبة فذلك جائز، ~~لأن دفع المظالم عن الخلق من مفروض الأعيان على ذوي الأمر، ومن مفروض ~~الكفاية على غيرهم، فإن قام به واحد ms139 سقط عن الباقين، وإن تخلى عن المظلوم ~~واحد من الناس وأعانه آخر لم يأثم المتخلي حتى ولو تخلى الناس كلهم عنه ~~أثموا. وإذا لم يكن ذلك فرض عين لم يمتنع أن يقبل عليه مكافأة، وفي ذلك ~~آثار وأدلة. # وقال: كل ذي أمر إنما يتلقاه من المأمور الأول، والمأمور الأول به نقتضي ~~وبهديه نهتدي، وعلى القيام بسنته نروح ونغتدي. ومن أجل الأعمال بعد الفرائض ~~مما يتعلق بالمصالح ويعود بالألفة امتثال حديثه في الهدية في حديث الكراع، ~~وقد جاء في الصحيح: ولو فر سن شاة. وكان صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية من ~~اللبن وغيره من جيران من الأنصار. وكان إذا جاء طعام سئل عنه، فإن كان صدقة ~~قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل معهم، وإن كان هدية أكل معهم. وكان يخص ~~بالهدايا في يوم عائشة رضي الله عنها. وكان يقبل لهدية ويكافئ عليها، ولا ~~يرد الطيب. جميع هذا في الصحيح. # قال: والفرق بين الهدية والرشوة، أن الرشوة كل مال دفع ليبتاع به من ذي ~~جاه عونا على ما لا يجوز، والهدية كل ما أعطي على محبة أو مودة يثبتها أو ~~يستديمها. قال والهدية ما بدلت عفوا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"هدايا الأمراء غلول" انتهى(¬1). PageV01P283 # وإذا كان الأمر على هذا، انقسمت هدية الأمير إلى ما يهدي إليه من أجل ~~الإمارة، فهو الذي جاء التحدير منه، وعليه نزل قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أفلا جلس في بيت أبيه. فهو يدل على أن ما يهدي إليه لو كان في بيت ~~أبيه قبل الإمارة لا يحرم عليه بعدها، ولما جاء هذا العامل سواد كثير دلت ~~الحال على أنه إنما أخده بالإمرة ، أو ليدع ظلما، أو ليترك حقا. فإن صح أنه ~~لم ينتزع منه بمجرد دلالة الحال فلا حجة فيه إن صح منه انتزاع، فموجب ~~الانتزاع أنه غلول، وانتزاع الغلول ممن غله واجب، وليس بشيء من العقوبة في ~~المال، اللهم لو انتزع منه ما غل وأغرمه شيءا آخر لم يكن لغرمه سبب شرعي، ms140 ~~احتمل أن يكون من العقوبة بالمال، وما غله الغال (79=223/ب) يجب التنصل ~~منه، ولو تاب لأخرجه مما يجب عليه. # وأما قول المملي: ولم يجيء في الأحاديث أنه رده على أربابه، فنقول: ولم ~~يجيء في الأحاديث التصريح بانتزاعه، ولئن جاء فلا حجة في ذلك لأنه لم يتظلم ~~منه أحد، ولم يقر هو بأنه ظلم أحدا إنما ادعى أنه أهدي إليه منكرا للغلول ~~والظلم. فلذا صح أن ما بيده ليست له، فإنه أيضا ليس لغيره معينا هذا إن ~~أخذه من غير ما جاء به من الصدقات، أمل إذا كان من مال الصدقات فأبين. # الخامس عشر: مشاطرة عمر رضي الله عنه العمال أموالهم. # قال: وكذلك مشاطرة عمر رضي الله عنه العمال، ولم يأت أنه رده لأربابه. PageV01P284 # أقول: عمال عمر رضي الله عنه أكثرهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكل ~~ولاته عدول، إذ لا يجوز تولية غير العدل، وليس عمر رضي الله عنه ممن ~~يتعاطى ما لا يجوز، فمرتبته الثقوى ونهاية العدل والنصيحة معلومة بالضرورة. ~~وإذا كان الأمر كذلك، فليس لما بأيديهم طالب، ولم يظلموا أحدا ولم يتظلم ~~منهم أحد، ولم يطلبهم فيما في أيديهم. غير أنه رضي الله عنه استكثر ما ~~بأيديهم ورأى فاضلا على ما رزقوه، فأشكل عليه أن يكون مكتسبا بالجاه وغيره، ~~فصار كما لو تنازعه أثناء. أو رأي أنهم إن اكتسبوا ذلك بنوع من التنمية ~~سائغ، إلا أن رأس المال كان لبيت المال فرأى أن يجعله مضاربة كما فعل مع ولده. # ثم انظر كيف يستقيم من له عقل سليم أن يستدل بهذا والذي قبله على أن من ~~سرق أو زنى أو حارب أو هرب بامرأة أو جرح أو قتل أو قطع يأخذ من ماله ما ~~يكون عقوبة؟. وليت شعري، ما الذنب الذي ارتكب عمال عمر رضي الله عنهم حتى ~~عاقبهم بأخذ شطر أموالهم؟، وما هو الذنب الذي أخذ لأجله مال ابن اللتبية ~~غير ما وعظ النبي صلى الله عله وسلم فيه من الغلول الذي لعله لم يكن يعرف ~~حكمه؟، ms141 أو هل أخذ له مال قط إن كان أخذ ما بيده؟، فما أخذهما مال الصدقة. # قال: وأحفظ عنه في جامع الموطأ أو جامع البيان لابن عبد البر ذكره أنه ~~أخذ مال رجل وطرحه في بيت المال(¬1). PageV01P285 # أقول:كان يجب عليه تحقيق النقل.ولم أخذ عمر مال هذا الرجل؟، وهل أخذه بغير ~~سبب؟، ولكنه أجل من أن يصنع هذا بغير سبب، وهم أجل من أن ينقلوا هذا عن غير ~~عمر، فضلا عن عمر، فلم يبق إلا يبين سبب أخذ المال أن المأخوذ منه أتى ذنبا ~~من الذنوب غير مال، بقي ماله معه على حال عصمة الإسلام له، ثم استجاز ذلك ~~لأجل الذنب. وهيهات! فلا يظفر بمثل هذا، ولا يلتفت في هذه قاعدة من قواعد ~~الدين، وهي عصمة مال المسلم إلا بحقها، ورفع يقينها بمجرد الظن والتخمين من ~~غير تحقيق ولا تعيين. # السادس عشر: إنها من مسائل المالكية في باب رعي المصالح العامة. # قال: فهذه مسائل المالكية في باب رعي المصالح العامة. # أقول: الشريعة كلها مصالح ونصائح. فإن أراد الاستدلال بهذه المسائل على ~~ما أراد إحداثه، فقد بينا بطلانه. وإن كان مقصوده الاستدلال على القول ~~بالمصالح المراسلة التي لم يعتبرها الشرع، فقد بينا رجوع ما جاء به من ~~المسائل التي استدل بها إلى ما اعتبره الشرع لا إلى ما ألغاه، ولا إلى ما ~~سكت عنه، وأن ذلك بمعزل عن ما أراد هو إثباته وقياسه. وإن أراد الاستدلال ~~على اعتبار المصلحة شرعا، فالاستدلال على هذا عي عند العلماء لأن ذلك ضروري ~~من الدين معرفته. ثم لا يفيد ذلك في مقصوده الذي يريد أن يركب عليه، وهو أن ~~في أخد المال من الجنات مصالح فيجب أخذه، لأنا نمنع أولا وجود المصلحة في ~~ذلك، بل هو عين المفسدة، لما صار الأخذ منه وسيلة إلى تمام الأغراض في ~~الشهوات، وبيع الجرائم من أهل الشرورات. # وتاليا، فإنا وإن سلمنا وجود مصلحة في الجملة، فليس كل مصلحة يجب ~~اعتبارها، والذي يجب اعتباره منها له شرائط لا يعرفها إلا من أتعب ms142 نفسه ~~(80=224/أ) في تحصيل وفهم أسرارها. ولو صح الاستناد إلى مجرد المصلحة لصح ~~الاجتهاد من كل من يميز المصلحة من المفسدة، ولم يكن شرط الاجتهاد إلا مطلق ~~التمييز. PageV01P286 # قال: ومنها التلقي للركبان لمصلحة العامة وإن كان الله أباح البيع من حيث ~~الجملة على العموم أو على الإجماع. ومنها جبر المجاورين للجامع على بيع ~~رياعهم للتوسعة في الجامع، وحكى المازري الإجماع عليه، وحكى ابن رشد الخلاف ~~فيه(¬1). ومنها القسمة بالقرعة في المتجانس، وكذلك الشفعة وسائر مسائل ~~الضرر إذا تعارضت نفى الأصغر منها الأكبر. وكان المازري يحكي عن عبد الحميد ~~هذا الطريق، يعادل بين الضرر الحادث والقديم، فما رآه أرجح رجحه. وكذلك غير ~~هذا من مسائل المالكية في باب رعاية الأصلح. PageV01P287 # أقول: هذا أيضا الاستدلال على أن الشريعة جاءت برعي المصالح ورفع الضرر ~~الأعلى ولو بضرر دونه. وهذا ما لا نزاع فيه في الجملة. ولكن ارتكاب ضرر ~~لرفع أكبر منه، أو تحصيل مصلحة تربي عليه بعد ثبوت أن هذا الضرر صارف لما ~~هو أعظم منه، وأن لا ينصرف إلا به بحكم الحال، وإلا شرع الله ما هو أصرف ~~للضرر على تقدير أوضاع رتبتها الشريعة، أما الاسترسال في صرف الضرر ربما ~~يخيل أنه صارف له وليس بصارف، بل هو جالب له ومسهل لطريقه، كشرع أخذ المال ~~في المعاصي التي تشتهيها النفوس، ويسهل عليها فيها بدل الدنانير والدراهم ~~والفلوس فلا صرف في الضرر الذي هو أخذ المال ولا دفع عن هذه المعاصي وإن ~~دفعت من لم تتمكن شهوته، وعظمت بالدنانير والدراهم والفلوس علاقته بعض ~~الدفع. وكذلك أيضا، شرط ارتكاب الضرر الأدنى لرفع الضرر الأعلى بعينه طريق ~~إليه بعد تحقق كونه وازعا وصارفا، وأخذ المال في المعاصي غير متعين الصرف. ~~وكذلك أيضا، الشرط أن لا يكون غير ما يخيل صارفا أقوى منه في الصرف ~~والعقوبات البدنية أردع عما. وكذلك هذا أيضا مشروط بأن يكون الشرع إما قد ~~اعتبر ذلك النوع من الضرر في الصرف عما هو أعلى منه، وليست مسألتنا من ذلك. ~~كذلك أيضا، أنه ms143 لم يبلغ ذلك النوع من الاستصلاح، وقد بينا أنه ألغاه، فما ~~تصلح بنا إعادته. وكذلك أيضا، يشترط في ذلك النوع من الاستصلاح أن لا يكون ~~الشرع تكفل بغيره واستصلح العباد به، ومسائلنا مما تولى الله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم الاستصلاح بما شرع فيها من الحدود والزواجر، فلا ندع أمره ~~ولا نزيد عليه ولا نستقصر حكمته ولا نسفه حكمه، ولا نضع النصوص القرآنية ~~والأخبار النبوية لآراء فاسدة وأوهام مضمحلة نشأت عن هوى راسخ في حب المال، ~~وما جبلت عليه النفوس من الظلم. PageV01P288 # فلو فتحنا باب صرف كل ضرر لكل من تخيل، تبت أو لم ثببت أنه صارف، أو شرعناه ~~بغير تحديد ولا تقدير، لكانت سياسات الفرسية والزواجر الجاهلية أنسب بما ~~رآه هذا المملي "أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم ~~يوقنون"(¬1). # قال: وأصله من القرآن قصة الخضر مع موسى عليه السلام في قتل الغلام، ~~لقوله: "فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا "(¬2).وخرق السفينة. وإن كان هذا ~~شرع من قبلنا والقياس على أفعال الله تعالى، فإن مالكا قال به في قصة ~~البقرة، ورجم فاعل فاحشة قوم لوط. وكذا إرساله النبي صلى الله عليه وسلم، ~~بعثه الله على رأس أربعين سنة، فبلغ الرسالة صلى الله عليه وسلم، ودعا إلى ~~الإسلام والإيمان وما يجب لله، وسب ألهتهم وسفه أحلامهم، وبقي على ذلك ~~عشرين سنة بل عشر سنين أو أكثر على الخلاف في قدر إقامته بمكة بعد البعثة، ~~وما آمن معه إلا القليل، فحينئد شرع الجهاد (81=224/ب) في حق الله تعالى، ~~فقتل مقتل وسبى الذرية وأخذ الأموال وفرض الجزية على من لا يومن صغارا لهم ~~لكي يرجعوا إلى الله، وأشار القرافي إليه كله في حق الله تعالى(¬3)، ثم جاء ~~أبو بكر رضي الله عنه فقاتل مانعي الزكاة، فمنهم من قال أن الزكاة كانت ~~أخت الجزية، ومنهم من قال: إنما خوطب بأخذها النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ومنهم من منعها ضنا بها، ومنهم من توقف حتى يرى مآل الأمر، فطوى رضي الله ~~عنه أمرهم، ms144 ورأى الأقل تبعا للأكثر، فقتل مقاتله، وأخذ أموالهم، وسبا ~~ذريتهم، وجعلهم كالكفار المتأصلين. وإن كان عمر رضي الله عنه رد بعض هذا، ~~فلعله استطاب أنفس بعض بأنفس من حصل بيده من هذا شيء.ومنها إذا ارتد أهل ~~مصر وفيهم النساء والصبيان والشيخ الكبير لم يتعرض لجميعهم أم لا؟. PageV01P289 # اختلف في ذلك أصحاب مالك وهي شبه قضية أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~.ومنها خروج عبد الرحمان ابن الأشعت مع فقهاء العراق على الحجاج وخروج ~~فقهاء القيروان مع أبي يزيد مخلد ابن كيداد الزناتي الخارجي الأباضي على ~~أبي عبيد، رأو أن بدعتهم أخف من بدعته(¬1)إلى غير ذلك من القضايا مما خرج ~~فيه الأصلح عن غيره. # والحاصل مما قدمناه: إذا ثبت جنس العلة في الأصل واطراد جنسها في الفرع ~~وكان قوي الرجحان، فيجب أن تعتبر المصلحة الراجحة المحظة، لأن ترك الخير ~~الكثير للشر القليل شر كثير، وترك مصلحة عدم الإقدام على القتل لأجل أخد ~~مال يسير من الجاني مرجوح لاشتهار هذه المسألة في الوطن وانتشارها في ~~البوادي والقبائل. # أقول: زبدة هذا الكلام بحسب مقصوده إقامة الدلالة على أن الشريعة منوطة ~~بالمصالح ورجوع الضرر، ثم تحرر دلالته على إباحته أخذ أموال المذنبين ~~بزعمه. أما الأول فلا نزاع فيه، وهو معلوم بالضرورة، وكل من لتفت إلى ~~التضلع بحكم الشرع في أحكام فهو في غنى عن الاستدلال به. ثم إنه أنصف نفسه ~~للاستدلال عليه، ففي اقتصاره على ما ذكر قصور ظاهر. PageV01P290 # أما قصة الخضر عليه السلام فمبناها على العلم اللذن والأمر الرباني المنوط ~~بما غيبت حكمته على العباد وخفي فلم يعد ولم يطلع الله سبحانه عليه إلا من ~~أراد، وهنا أحكام الشريعة العامة على الأمور الظاهرة المنضبطة سواء كان ~~باطنها على ما يقتضيه ظاهرها فب علم الغيب أم لا، " أمرت أن أحكم بالظاهر ~~"(¬1)، ( إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له ~~على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له ~~قطعة من النار(¬2)، "ولا ms145 تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى ~~الحكام لتاكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون"(¬3). ولذلك كان ~~الحق أن حكم الحاكم لا يحل حراما، وهي مسألة اجتماعية في الأموال، وإن خالف ~~أبو حنيفة في الفروج. لذلك قال الله تعالى لموسى عليه السلام: بل عبد من ~~عبيدي بمجمع البحرين أعلم منك. وعلم من تفسير الخضر أنه ليس هذا على عموم، ~~وإنما المراد أنه خفي عنك بعض علومه، وإن كنت النبي المكرم والرفيع النصاب ~~والمصطفى للرسالة المعظم، بقوله "يا موسى إنك على علم من علم الله علمك لا ~~أعلمه، وأنا على علم علمنيه لا تعلمه. ولما بين العلمين وقع الإنكار من ~~موسى عليه السلام بعد التزام الصبر، وفي ذلك لعامة المؤمنين أنواع من اللطف ~~ظاهرة، وآيات لمن غاب عن علم الكشف باهرة. PageV01P291 # فإنا نرى الأحكام ملوطة بالمصالح ومحوطة (82=225/أ) باطراح المرجوح وإتباع ~~الراجح، ونرى من الأفعال ما لا نفهم حكمته ولا نتصور علته، كإيلام البريء، ~~وتوفير السعادات الدنيوية على الغبي، وإرخاء عنان المفسر الجريء، وجعل زمام ~~الرشيد بيد القوي، مع قيام البرهان على أن الرب تعالى أحكم الحاكمين وأعلم ~~العالمين، والقطع بجريان أفعاله على وفق الحكمة ومنهاج الرحمة، وإن كان لا ~~يسأل تعالى عن أفعاله وتتبلد الأفكار خيفة من جلاله، ويجب الرضا بأفعاله ~~وقضائه، كما يجب الشكر لمنواله ونعمانه. فكانت القضايا الخضرية كالبرزخ بين ~~الأحكام الشرعية والأفعال الإلهية، وضربت مثالا للفعل الإلهي والقضاء ~~الربي، لا تضطرب النفوس عند وقوع الآثار، وتطمئن وإن خفي عليها وجه الحكمة ~~فيما يخلقه الرب جل جلاله ويختار، وان الشريعة والحقيقة لولا ارخاء الجحاب، ~~لما عقل بينهما افتراق، وإنه عندما ينكشف الغطاء يدركما بينهما الإتساق ~~والإتفاق. فكذلك الأفعال الإلهية، كله جارية على ألطاف خفية وآثار رحمانية، ~~وأن أقلق النفوس ظواهرها، وخفيت عن العقول سرائرها، ثم أن كلا لما أبرزه ~~لطيف التدبير، لم يصدر إلا عن أمر اللطيف الخبير، رحمة من ربك "وما فعلته ~~عن أمري"،(¬1)أي لم يكفيني في الإقدام على شيء من ذلك فألقي إلي من علمه ms146 إذ ~~لا يحكم الحاكم بما يعلمه، بل لولا الأمر الحتم والقضاء الحزم، ما قلت ولا ~~خرقت ولا أقمت جدار القرية إذ كل مفعول عن غير أمر الله فرية ما فيها مرية. PageV01P292 # وذلك من أسرار ما قص علينا من أخبارهما، وبقي بأيدينا من أنبائهما ~~وآثارهما، ولم يحد ذلك، أعني ما اتفق من الخضر عليه السلام عن أمر الذي ~~بيده النقض والإبرام، من خرق السفينة، وإقامة الجدار وقتل الغلام، لما ~~يتوقع من غضب هذه ورفق هذين وخروج هذا عن الإيمان والإسلام لولا أمر الذي ~~بيده تدبير الأنام، مجري الشرع والمشروع، والقانون الموضوع، والمنهج ~~المتبوع، لما يلزم عليه من قتل ما لم يجن قبل جنايته وإتلاف البريء قبل ~~غوايته، وإهلاك كذا دفعا لما يتوقع من آفاته، والتصرف في ملك الغير اعتمادا ~~على غايته. وهذا معنى لم يرسم في الشرائع، وإنما هو لعمر الله من الأحكام ~~المخصوصة بخصوص الوقائع، توجه فيها الأمر الإلهي، وثبت الأمر على ما علم من ~~العلم أللدني.ومثل هذا تولى الرب سبحانه صنعه، ولا جعله سبيلا لخلقه ولا ~~شرعه، وهذا من أسرار التعقيب بقول:" وما فعلته عن أمري" لأن البناء الأول ~~وهو أن السفينة كانت لمساكين يعملون في البحر وراءهم غاصب يأخذ كل سفينة ~~صالحة غصبا، وأن الجدار تحته كنز يستخرجه صاحباه، أبيح للمرء خرقها قبل أن ~~يأذن أهلها، ولا قامته قبل أن يأذن صاحباه، ولو كان ذلك عائدا عليهم ~~بالصلاح، إذ هو تصرف في ملك الغير بظاهر ممنوع شرعا، وإن كان في الباطن من ~~الاستصلاح، وأن الغلام يخشى أن يرهق الأبوين طغيانا وكفرا، ويرجى أن يبدلا ~~خيرا منه زكاة وأقرب رحمة، ليس بالذي يبيح في الشرائع المرسومة القدوم على ~~قتله قبل ظهور طغيانه وصريح كفرانه، فلابد من الإذن ممن لا مالك معه في ~~الممالك، فاحتيج إلى الجواب بقوله:" وما فعلته عن أمري ". فهذا إذن من نهج ~~الحقيقة التي خفيت أسرارها، لا من نهج الشريعة التي تتبع آثارها. PageV01P293 # فصار تلقي الخضر عليه السلام الأمر عن الله في هذه الأشياء تلقي ملائكة ms147 ~~(83=225/ب) التصريف لا تلقي شرائع التكليف، وإطلاع موسى عليه السلام على ~~ذلك إطلاع تنبيه وتعريف، والالزم وجود مثله في الشرائع: وكان موسى عليه ~~السلام المتبوع لا التابع. # وإذا كان الأمر على ما قلناه، تخرجت القصة على ما قصدناه، لم يصح القياس ~~عليها ولا إسناد شيء من الأحكام الظاهرة إليها، وعند ذلك صار النظر في ~~كونها من شرع من قبلنا أو شرعنا، وهل شرع من قبلنا شرع لنا؟(¬1) # فإن قلت: قد ذكر في أخبار القاضي منذر بن سعيد البلوطي(¬2)أنه كان تحت ~~يده يتيم له منزل مالك، وكان يأمر بنقض بعض ما في ذلك المنزل وبيعه، فأنكر ~~عليه ذلك وسأل الحجة عليه، فتلا:" أما السفينة..." الى آخر الآية، وهو من ~~أئمة النظار، وفيما قيد قد استدل بالآية واستنبط منها. # قلت: لم يكن استنباطه هذا حكما حكم به على دار اليتيم ببيع نقضها وهدمها، ~~وإن المكان ما فعل من ذلك من وجه النظر المصلحي كما ينظر الأب والوصي في ~~مال ولده ويتيمه لذلك، فلا يعد ذلك من نظره حكما، كما ينظر الإنسان في ماله ~~فيخفيه من ظالم أو يغير هيئته حتى يزهد فيه ذلك الظالم. PageV01P294 # والمقام الآن مقام استنباطه الحكم الشرعي لا مقام لاستبدال على أن هذا من ~~النظر المصلحي. وقد بدأناك بتبيان أن الأحكام الربية والقضايا الإلاهية لا ~~تعرى عن المصالح التي تقتضي الحكمة الإلهية، وإن خفيت مداركها، وضاقت عن ~~الأفهام مسالكها، فلابد أن يعلم الإنسان أن الحامل لمن يريد قهره على ماله ~~نوع من الأنواع المثيرة لغبطته، وأن إزالة ما به الغبطة أصلح له وأعود ~~بنفعه، وكذلك في مال ولده ويتيمه قاضيا كان أو وصيا، وأذكر منهما ولي ~~اليتيم والتحاكم في أن هذا مصلحي أو لا، شهادة أهل النظر في الأموال، ~~والتعارف في ذلك بينهم، فلم يبق في ذلك إلا تلاوة الآية على معنى ~~الاستئناس، وقطع ضرب من عسى أن تشتد شكيمته في ذلك من الناس. وأين هذا مما ~~تختلف فيه الشرائح، أعني كون الشيء أعود على المال بالبقاء، وكون المصالح ms148 ~~سببا لاستبقاء. ولإن سلم أن الآية في باب الحكم الشرعي، وأنه مما تحل فيه ~~الشرائع، فإن شرع من قبلنا شرع لنا، فأين العقوبة بالمال؟، وأي نوع هذا من ~~أنواع الاستدلال؟. هاهنا إلا قتل من علم قطعا ما هو عليه من الكفر ~~والطغيان، وخرق السفينة مصلحة لأهلها، وإقامة جدار اليتيمين من الإحسان. # فإن قلت : إن كان الأمر على ما قلت دليلا مضمحلا، وعيا على قائله وكلا، ~~فما تصنع في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه كتب إلى نجدة، إذ كتب إليه ~~يسأله: هل كان رسول الله صللى الله عليه وسلم يقتل الصبيان، وكتب: تسألني ~~عن قاتل الولدان، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقتله، وأنت فلا ~~تقتلهم إلا أن تعلم ما علم صاحب موسى عليه السلام من الغلام فقتله(¬1). ~~وظاهر هذا أنه عرض الآية لاستنباطه حكم القتل منها. PageV01P295 # قلت: إنما خشي ابن عباس رضي الله عنه أن يستدل بالآية على قتل الصبيان ~~ولا دليل فيها، وكان من عادته وعادة الخوارج تأويل القرآن في غير كنهه. ~~ويدل على ذلك قول ابن عباس - رضي الله عنه : لولا أن يقع في أحموقة ما كتبت ~~إليه، ورأى رضي الله عنه صده عن ذلك مما لا يتأتى له معه نزاع، لأن علمه ~~من الصبيان ما علمه صاحبه موسى عليه السلام من قبيل الممتنع عادة، إذ لا ~~سبيل إلى ذلك إلا بالوحي، وقد انقطع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وليس قوله: إلا تعلم... إلخ من قبل التوقيف على آخر شروط القتل حتى أنه لو ~~فرض أنه يعلم (84=226/أ) لجاز له القتل، لأن ذلك ليس بمشروع، بدليل أنه صلى ~~الله عليه وسلم لم يستثن ذلك في الصبيان، بل نهي عن قتلهم مطلقا وكف الأيدي ~~عنهم وهو موجود صلى الله عليه وسلم، قادر على استعلام أمرهم من الله تعالى ~~حتى يقتل منهم من يعلم ذلك منه، بل ربما علم صلى الله عليه وسلم من غير ~~الصبيان من المنافقين بإعلام الله تعالى له ما ms149 علم، ومع ذلك كف عنهم إجراء ~~الأحكام على الظواهر. # لا يقال: إنما ذلك لما علله عليه الصلاة والسلام في قوله: " لا يتحدث أع ~~محمدا يقتل أصحابه "(¬1) PageV01P296 ~~لأنا نقول: إنما ذكر صلى الله عليه وسلم هذه العلة فيمن بان نفاقه وظهر ~~عناده وشقاقه فاستأذن في قتله والكلام الآن في العلم الذي لم يزل في حيز ~~الغيب، ولم يخرج بعد إلى الشهادة فلا يصح قتل من علم أنه صائر إلى الكفر ~~إلا بإذن من الله تعالى خاص، كما أذن الخضر عليه السلام، إذ ليس ذلك بمشروع ~~البتة، وإنما هي وقائع خاصة لا يقاس عليها، ولا يستند الأحكام الظاهرة ~~إليها والحكمة أن الله سبحانه لو شرع للأنبياء بناء الأحكام على ما علمه من ~~الغيوب لم يتأتى الاتساء بهم والإقتداء في ذلك، ولم تورت عنه تلك الشرائع، ~~وإنما أراد الله سبحانه نصبهم إعلاما لهداية خلقه والقيام بحقه، فأمرهم ~~بإجراء الأحكام على الظواهر، وتولى هو سبحانه أمر السرائر. # وأما قوله: والفياس على أفعال الله تعالى، فتركيب كلامه يقتضي أن الأصل ~~رعاية الأصلح، والقياس على أفعال الله دليل على رعاية الأصلح، كما أن قصة ~~موسى عليه السلام دليل على رعاية الأصلح لعطفه عليه، فتكون رعاية الأصلح في ~~الأحكام حكم ثبت بالقياس على أفعال الله تعالى، وحينئد لركب عليه فنقول: ~~أخذ المال من المذنبين أصلح فيجب اعتباره في حكم الله قياسا على مراعاة ~~الأصلح في أفعاله. فأما رعاية الأصلح ثبت بالقياس فلا يصح، لأن رعاية ~~الاصلح في أحكام الله تعالى، أي هل تتعين رعاية الأصلح، أو لا؟ فمسألة ~~اعتقاده، والمسائل الاعتقادية لا تثبت بالقياس التمثيلي. وأيضا فمذهب أهل ~~السنة أنه لا يجب على الله تعالى رعاية الأصلح في حق العباد، لأن له أن ~~يفعل ما يشاء، وإن كانت أفعاله وأحكامه منوطة بالحكم، إلا أن الحكمة في ~~الفعل والحكم عبارة عن كونه موصلا إلى المراد على الوجه الأتم. وأما أن أخذ ~~المال من المذنبين أصلح، فقد تقدم رده غيرما مرة، وبيان ما في ضمنه من عظيم ~~المفسدة، فصلا ms150 عن كونه أصلح، وتقدم من منع استنتاجه بالاجتهاد ما فيه كفاية. PageV01P297 # أما قوله:إن مالكا قال به في سورة البقرة، يعني بالقياس في أفعال الله في ~~قصة البقرة، فهو كلام غير صحيح من وجهيين: # الأول: إن قصة البقرة ليس لمالك فيها قول. فإن قلت: مراده القول بأعمال ~~التدمية قلت: وهو # الثاني: إنما مالكا قال في قصة البقرة بقياس على الأفعال، وإن كان احتج ~~بها في أعمال التدمية. لأن أعمال التدمية. لأن أعمال التدمية وقول القتيل ~~الذي حيي بالضرب ببعض البقرة: قتلني فلان من قبل الأحكام لا من قبيل ~~الأعمال، إنما الفعل إحياء الله لذلك الميت، ,أما أخذ القاتل بقوله فهو من ~~قبيل الحكم. غير أن المسألة من شرع قبلنا، ومسائل مالك تدل على اعتماد ما ~~صح من ذلك. لا يقال: نطق هذا أية ومعجزة فلا يصح الاعتماد عليها في سائر ~~الأحيان. # لأنا نقول: المعجزة إحياء الميت، فإذا صار حيا كان نطقه كنطق غيره من ~~الأحيائ. # فإن قيل: فيلزمكم أن تقتلوا القاتل بمجرد التدمية من غير قسامة كما في ~~القصة، لأنه ليس فيها قسامة. قلنا: وليس فيها ترك القسامة، مع أنا لا نحتاج ~~إلى ذلك، فإن مالكا رحمه الله لم يحتج بها على ثبوت القسامة، إنما المراد ~~الاحتجاج على أن نقول فلان مما لا يصح اعتماده في الأحكام في الجملة، إما ~~أنه اعتمد كان مستقلا أو غير مستقل فأمر آخر وراء ذلك، ولأا يلزم من اتياث ~~الأخص (85=226/ب) ولا نفيه، ويحتج على عدم الاستقلال بثبوت القسامة بالسنة. PageV01P298 # سلمنا أن القصة ألغي فيها حكم القسامة، فهو بناء على أن موسى عليه السلام ~~حكم بما علم وعلم الحاضرون، وأن ذلك الخبر أوجب القطع للحاضرين بأن القاتل ~~هو المدمى عليه، والسبب المقطوع به بخلاف المظنون أو علم موسى عليه بذلك ~~كاف، فيكون من حكم الحاكم بعلمه على ما فيه من الخلاف بين أئمة ~~المسلمين(¬1). # ثم انظر إلى بعد هذه المسألة عن العقوبة بالمال وإلى هذه المجازفة في ~~الاستدلال، وكذلك أيضا ذكره لمقام رسول الله عليه ms151 وسلم بمكة ثم هجرة... إلى ~~آخره، إلا أن يريد أن يدقق الاستدلال بضرب الجزية على الكفار وإحلال ~~الغنائم والسبي المسلمين إذا أذنبوا بجامع، وأن يقول: لا فرق في ذلك بين ~~الكافر والمسلم، فحينئذ يقال لهز قد أحل الله أموال المحاربين وعصم أموال ~~المسلمين، بل أموال المعاهدين كما قال تعالى: "ذلك بأنهم قالوا إنما البيع ~~مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا"(¬2). # لا يقال: قصده من ذلك تعريف أن الشريعة مبني على المصالح. # لأن نقول: فليأت بشريعة من أولها إلى آخرها ومن الذي نازعه في ذلك حتى ~~يستدل عليه؟. # انظر إلى قوله: وذكر هذا كله القرافي في حق الله تعالى، ما هو هذا كله؟، ~~وما خصوصه القرافي بهذا المذكور، وهو لا يخلو من كتاب من كتب السير؟، وبم ~~يتعلق قوله في حق الله تعالى؟. واستدل بذلك في قوله على التضلع في العلوم ~~واستنباطه الأحكام من قواعد العلم. PageV01P299 # وأما استدلاله بأن أبا بكر رضي الله عنه طوى أمر مانعي الزكاة وأهل الردة ~~فقابل جميعهم ... إلى آخره، فأما قتالهم فحق مجمع عليه لا خلاف فيه، أعني ~~قتال أهل الردة، ومن حجد وجوب الزكاة كأنه مرتد، وكذلك قتال من اعترف ~~بوجوبها وامتنع من أدائها، إلا أن حكم هذا حكم الباغي يقاتل على منعها، وإن ~~كان لأبي حنيفة فيه خلاف، فهو محجوج بفعل الصحابة رضي الله عنه ، إلا أن ~~يتأول أن الذين قاتلهم الصحابة كلهم كفار، فإن الذين منعوها شحا على ~~أموالهم واعتقدو انقطاعها لوفاة النبي صلى الله عليه وسلم بدليل قول ~~قائلهم: أطعنا رسول الله ما كان بيننا. فيا عجبا أكان مالك أبا بكر؟!. وهذا ~~يقتضي أنه أنكر وجوب أداء الزكاة لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأنكر وجوبه بعده صلى الله عليه وسلم. وبهذا ونحوه استدل على أن هؤلاء ما ~~يزالو مقرين بالوحدانية والرسالة. فإذا كان مآل قولهم القول بانقطاع وجوبها ~~صاروا بذلك كحكم أهل الردة، وكذلك من منعها حتى ينظر ما يؤول إليه الأمر ~~دليل على أنه مرتاب غير مومن، فضلا ms152 عن كونه مقرا بوجوب الزكاة وهذا هو الذي ~~يومن إن آمن الناس ويكفر إن كفروا. # والكلام الأن فيمن يقر بوجوبها ودوامه، أو يتركها شحا ويمنعها بخلا. وإذا ~~كان الأمر على ما ذكر من الردة لم يكره طي غير المرتد إليه بل كلهم مرتدون ~~وإن كانوا درجاة، ولم يكن الحكم فيهم بحكم المحاربين إذا تميزوا وقاتلو ~~بقريب، وهو مذهب أبي بكر رضي الله عنه وبه أخذ أصبغ من أهل مذهبه فيما ~~نقل عن ابن حبيب. PageV01P300 # وأما قوله: وإن كان عمر رضي الله عنه رد هذا، فلعله استطاب نفس من حصل بيده ~~منه شيء، فهذا بناء على أن الشيء قد قسم. وفي الاكتفاء لأبي الربيع بن ~~سالم(¬1).أن حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه قال سبي أهل ديار أزد عمال ~~المدينة وهم ثلاثمائة مقاتل وأربعمائة من النساء والذرية، فأوثقهم أبو بكر ~~بدار رملة بيت الحارث يريد قتل المقاتلة، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله ~~صلى الله وسلم: قوم مومنون، وإنما شحوا لأموالهم وقالوا: والله ما رجعنا عن ~~الإسلام فلم يدعهم أبو بكر (86=227/أ) بهذا القول، فتولى رضي الله عنه ~~وهم موثقون فلما ولي عمر سرحهم، وكان فيهم أبو صفرة والد المهلب(¬2). # فهذا يقتضي أن أبا بكر رضي الله عنه لم ينجز فيهم الحكم، فلا يسلم في ~~غير المرتدين، وأما رد عمر رضي الله عنه السبي إلى عشائرهم وتسريحهم فهو ~~من الحق الذي خير فيه الإمام إن كان قبل الحكم بالاسترقاق، كما حكاه أبو ~~الربيع ابن سالم، وهو ظاهر ما حكاه ابن رشد والشيخ أبو محمد عن ابن حبيب، ~~وإن كان رأيه فيهم غير ذلك، ولكنه رآه حكما مضى عليهم؛ وإن كان بعد ~~الاسترقاق والحكم فلابد من الاعتدار عنه بأن المسترقين طيبت نفوسهم بعوض أو ~~دونه لألا يكون نقضا لحكم الحاكم قبله، ولا يصح. PageV01P301 # وأما أهل الحصن يرتدون، فقد تقدم ما في المرتدين. وأما القتال مع أمراء ~~الجور لمن يقصدهم، فإن كان القائم عدلا وجب الخروج معه ليظهر دين الله، على ~~ما نص ms153 عليه سحنون وصوبه القاضي أبو الحسن، وإن كان القائم عليه ظالما غير ~~عدل لم يجز دفعه عنه، ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما، قاله ~~مالك. وظاهره أن غير العدل لا يعان مطلقا. وقال عز الدين بن عبد السلام: ~~يجوز القتال مع الفاسق دفعا لفسق أعظم من فسقه(¬1)، قال: وفيه وقفة أشكال ~~من جهة أنه أعانه على معصية، ولكن درأها هو أشر بجوره، قال شيخنا أبو عبد ~~الله بن عرفة رحمه الله : وعليه خروج فقهاء القيروان مع أبي يزيد على ~~إسماعيل العبيدي لكفره وفسق أبي يزيد. # قلت: إن كفر كفرا بواحا وجب قتله، ويقاتل العدو مع كل بر وفاجر من ~~الولاة. وموضع الأشكال فيها دون الكفر من المعاصي، كما كان أحدهم يتعرض إلى ~~النفوس ويقاتل مع دافعه إذا كان لا يتعرض إلا للأبضاع، ويقاتل من دفعهما ~~إذا كان يتعرض للأموال. # قال: والحاصل ما قدمناه... إلى آخره. كأن هذا إشارة إلى أن القول بتحصيل ~~المغارم في مسائل الحدود من باب القياس، وعبر عن ذلك بقوله: إذا ثبت جنس ~~العلة في الأصل وانطرد، وجنسها في الفرع، وكان قوي الرجحان، فيجب اعتبار ~~المصلحة المحضة والراجحة. وقوله: ثبت جنس العلة، إن أراد تبث وجود جنس ~~العلة...إلى آخره، كما هو ظاهر الكلام، لأن ثبوت ثبت انتسابه إلى سيء، كان ~~عبارة عن وجوده أو دوامه، فالقياس لا يصححه وجود الوصف حتى يكون ذلك الوصف ~~غير ملغى عند قوم، ومعتبر عند الأكثر، ولعله اكتفى في ذلك باسم العلة. PageV01P302 # ثم القياس يتوقف على وجود العلة، ولا معنى لقول القائل: وجد جنس العلة، فإن ~~الأجناس لا وجود لها إلا في الأشخاص، وإنما يحتاج إلى العبارة بالجنس في ~~مقام تفصيل اعتبار العلة، لأنها تارة يعتبر الشرع عينها في عين الحكم، ~~وتارة يعتبر جنسها في جنس الحكم، وتارة عينها في الجنس والعكس. فسمعهم ~~يعبرون بالجنس ولم يرد ما مرادهم به، فعبر بذلك في غير محله. # وانظر إلى تكرار لفظ الجنس في الفرع، وهل للإتيان بالظاهر هنا معنى، وإلى ~~العبارة ms154 بقوله: وانظر جنسها في الفرع، فإن حقيقة هذا اللفظ: انتفى، لأنه ~~مضارع طرد، وطرد بمعنى انتفى. وإنما سمعهم يعبرون بالاطراد، فيقول أحدهم: ~~اطرد الحكم أو العلة أو نحو هذا، واطراد في اللغة معناه: تتابع، ومنه اطراد ~~الأنهار، فلم يحسن في ذلك سمعا ولا فهما. # وانظر إلى قوله: وكان قوي الرجحان، ما المفسر لاسم كان. والذي سبق مما ~~يحتمل عود الضمير إليه: الأصل (87/227/ب) والفرع وجنس العلة والاطراد، ولا ~~واحد منها يصلح للتفسير، ولا معنى له ولا حاجة إليه، فإنه إذا وجدت العلة ~~في الفرع على وجه التحقيق كفى ذلك في الإلحاق. وأما هذا الرجحان الذي ~~اشترطه المجتهد وقواه فهو بديع في بديع اجتهاده. # ثم انظر أيضا إلى هذا المرتب المعقب بالفاء في قوله: فيجب أن تعتبر ~~المصلحة المحظة والراجحة، كيف جعله ناشئا عن ثبوت العلة في الأصل واطراد ~~ذاك الجنس في الفرع. وليته قال: من الفرع حتى يأخذ بعض هذا الكلام بأعناق ~~بعض، ويتألف ثم ائتلاف عمد في كلماته. وإذا وجدت العلة التي ركب الحكم ~~عليها في الأصل في الفرع ترتب عن ذلك الإلحاق بالقياس، إذ النظر في ترتيب ~~جانب المصلحة على ذرء مفسدة دونها فمقام آخر لا يترتب ولا ينبني على تبوت ~~العلة في الفرع. PageV01P303 # ثم انظر نتيجة هذا كله عند قوله: وترك مصلحة عدم الإقدام على القتل لأجل ~~أخذ مال يسير من الجاني مرجوح، لاشتهار هذه المفسدة في الوطن وانتشارها في ~~البوادي والقبائل؛ كيف صرح كما به افتتح أن القتلة المشروع فيه القصاص يؤخذ ~~فيه مال يسير من الجاني لتنشأ عنه هذه المصلحة بزعمه وهي الكف عن القتل، ~~فكيف رأى ما شرع الله من القصاص غير كاف إن كان يقول بالقصاص، وإن كان جعل ~~المال بدلا منه؟، فأدخل في الكفر. وليته قدر هذا اليسير أو بين على أنه على ~~قدر المقتول أو القاتل أو المال. ولعل هذه الشريعة خاصة بأصحاب الأموال أو ~~عامة، فمن لا مال له تعمر به ذمته أو تؤدى عنه، كما هو المتعارف اليوم. # فانظر ms155 على هذا المفتي كيف يريد أن يشرع غير ما شرع الله، ثم يراه أردع ~~مما به ردع الله. وليت شعري كيف يتلو "وكتبنا علهم فيها أن النفس بالنفس"، ~~الآية(¬1)؟، أيبدل النفس بالمال أن يزيد عليها المال؟، فيكون على الأول ~~نسخا بالإجماع، وعلى الثاني عند الحنفية. وما هذا الناسخ؟، أهو اجتهاد أم ~~غيره؟. وكيف خفي هذا العلم الذي تعم به البلوى عن الصحابة والتابعين إلى أن ~~ذهب ثلث القرن التاسع؟. وكيف غاص على هذه النكتة التي حلل بها ما حرم الله ~~من أكل المال بالباطل، وعصمه الله بكلمة الإسلام وانعقد الإجماع الواجب ~~الاتباع على حرمته، ثم لا يستقيل من عثرته ولا يرجع عن زلته؟. # هذا الزمان الذي كنا نحاذره ... في قول كعب وفي قول بن مسعود # إن دام هذا ولم يرجى له فرج ... لم يبك ميت ولم يفرح لمولود # وهذا كله يدلك على التحقيق بالعلوم والتضلع فيها واستنباطه لأحكام من ~~القواعد العلم!، وهذه أضغات هذا الكلام كما تراها على غير نظام، وليس بينها ~~اتصال ولا التئام، وإليك الخيرة بعد هذا أن تتلقى من مثل هذا المفتي ~~الأحكام، وينقض بقوله ما استحكم ففيه من كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم وإجماع الأمة العقد والإبرام. PageV01P304 # ولقد حدثني ممليه وفقه الله عن الشيخ أبي يحيى ابن أبي بكر الظاعني(¬1)، ~~وكان من نبلاء الأعراب أنه قال لي يوما يا سيدي أبا القاسم علم العلماء مثل ~~المسك عند العطار، وعلمك مثل جوالق الحطب. ولكن هذا الشيخ المملي فهم أن ~~هذا الكلام غيره يغالي بعلمه، وهو عندك أنت مبدول، تعطي كل مسؤول. واللفظ ~~كاف في تفسير معناه والإشارة إلى مبناه. # ولقد حدثني ثقات ذو عدل أن شيخنا الإمام ابن عرفة رحمه الله كان يدعو ~~غير مرة ربه أن يحفظ دين نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من البرزلي(¬2). PageV01P305 # قال: والذي أوجب هذا التقييد إنكار من يدعي المعرفة (88=228/أ) بالأصول، ~~وقد أنكر المصالح المرسلة لإنكاره صورة مشهورة فيها، وإن هلاك الثلث في ~~إصلاح الثلثين جائز، ms156 وادعى أنه من كلام العامة، وقد نص عليه إمام مذهبه ~~مالك ابن أنس، وعليه تدل مسائل مذهبه، وجعلها كما ذكرناه في المسائل ~~المذكورة، وقد أخذ به واقتدى الإمام المهدي أمام طائفة الموحدين ومن جاء ~~بعده من أتباعه، وعاقبوا بالقتل وغيره لمصلحة الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر عندهم، واستقر ذلك بطريقتهم، حتى جعلوا أتباع السنة وذهاب البدعة في ~~أرض إفريقية، وكما أشاروا إليه في خطبة الجمعة والعيد حسب ما ذكرناه، وقد ~~حدثني الشيخ عبد الكريم البرجيني(¬1)من نسخة الشيخ أبي يوسف يعقوب حفيد ~~الشيخ الصالح أبي يوسف يعقوب الشهير بالدهماني(¬2)أن لإفريقية لا تزال على ~~السنة والجماعة ما دامت دولة بني الشيخ المعظم أبي حفص فيها، وإن كان بعض ~~ولاتهم يتعرضون لأهل السنة بوجه من الوجوه. PageV01P306 # وبقي الأمر على هذا حتى جاء الله بهذا الملك الصالح العادل على رأس القرن ~~التاسع وابتدائه، فأزاح المظالم، حتى ذكر أنه أسقط من حضرته العلية تونس ~~نحو الأربع وتسعين وظيفة من المظالم، ومنها هذه: مظلمة العقوبة بالمال. ~~فعظمت حينئد المفسدة المذكورة وطلب في (إزالتها)(¬1)، فظهر لي ما ذكر، ولأن ~~درء مفسدة الدماء والحدود والأعراض مع ارتكاب أخذ بعض المال من الجاني ~~ليرتدع عنها أولى، بدليل ما قدمناه في حفظ الكليات، وتأكد بعضها على بعض. # أقول: أن قوله. والذي أوجب هذا التقييد إنكار من يدعي المعرفة بالأصول، ~~حذف مفعول إنكار ما أفتى به من تحليل الخطايا. ولعمري إنه منكر، والسكوت ~~على إنكاره أنكر. وأما ادعاء معرفة الأصول، فأرجو الله أن لا يسألني عن ~~الادعاء. # وأما قوله: وقد أنكر المصالح المرسلة لإنكاره مسألة مشهورة فيها، فإن ~~فساد الثلث في صلاح الثلثين جائز انظر هذا الاستدلال العجيب على إنكار هذه ~~المسألة، كأن القول بها من لوازم التي تنفك عنها، وقد علمت مما سبق بطلانها ~~نقلا ودليلا. وانظر ما أراد بإنكار المصالح المرسلة قبل إنكار ذكرها في كتب ~~الأصول، وإنكار وجودها، أو إنكارالقول باعتبارها مطلقا، أو باعتبارها في ~~تحليل الخطايا. # فأما الوجوه الأولى فلم يقع إنكارها بوجه. وأما الاستدلال بها في ms157 تحليل ~~الخطايا فانكر عليه. وجود الإنكار سلفت في افتتاح كلامه فلا نطيل بتكرارها، ~~على اعتبار إنكارها غير منكر، فإنه مذهب الأكثر. PageV01P307 # انظر إلى ادعائه أنها مسألة مشهورة، فإن أراد عند نقله المقالات والعلماء ~~بأنواع الدلالات، فقد قال ما ليس بصحيح. فإنها مقالة لم ينقلها أحد من ~~العلماء عن أحد بالصورة التي نقلها هذا المملي. نعم، انفرد إمام الحرمين ~~بها بلفظ ثلث الأمة وثلثيها، لا الثلث والثلثين مطلقا. وقد عرفت الفرق بين ~~العبارتين مما سبق على أنه نقلها على وجه التشنيع على مالك، وقال: زل مالك، ~~ولعله إنما ألزمه ذلك إلزاما، وقد تقدم ما فيه كفاية. # وأما قوله: وادعى أنه من كلام العامة، فالذي وقع من ذلك، أو قلت له: هذه ~~كلمة من كلام العلماء هي من كلام العامة؟، لأنه إنما أعرف إطلاقا هكذا من ~~غير تقييد بكل المة فيما نسمع، وينسب ذلك للإمام المهدي أبي عبد الله بن ~~تومرت، فالله حسيب من نسبه إليه في قضية شنيعة ينزه عنها من له دين. # وأما قوله: إن مالك بن أنس إمام مذهبنا نص عليه. فأما على الوجه الذي ~~نقله فلم ينسبها أحد (89=228/ب) إليه ولإ إلى غيره. وأما على الوجه الذي ~~نقله أمام الحرمين، فقد تقدم أن ذلك النقل عن مالك زور منكر عند أصحاب مالك ~~الذين هم أعلم بمذهبه. # وأما قوله: وعليه تدل مسائل مذهبه أو جلبها كما ذكرناه في المسائل ~~المذكورة، فقد تقدم أنه ليس منه ولا من غيرها مسألة تدل على صحة ما نسب ~~إليه، بل أقواله واستدلاله بأية سورة الفتح ونصوصه تدل على ضد ذلك وأنه ~~لجماعة العلماء. # وأما قوله: وقد اخذ به وأفتى الإمام المهدي أمام طائفة الموحدين ومن جاء ~~بعده من أتباعه، فهذا سوء ظن به ونسبته على ما لم يصح القول به، ولا يليق ~~بورعه كيف لم ينقل القول بذلك عن أخذ من أئمة مذهب مالك؟. ويكفي في رد هذا ~~على تقدير صحته أن أصحابه لم يقل أحد منهم به. PageV01P308 # وأما قوله: أنهم عاقبوا بالقتل ms158 وغيره لمصلحة الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، فالأئمة إذا لم تستطع إزالة المنكر إلا بالقتل فلهم أن ينصبوا ~~القتال حيث شرع لهم من ذلك، فمن مات في القتال فهدر. وإن كان عني إنهم ~~يعاقبون بالقتل من لم يحب عليه القتل، فقد تقدم من قول إمام الحرمين أن هذا ~~إنما أحدثه الجبابرة، وعلى ذلك تدل نصوص الكتاب والسنة. والأصل العصمة ~~للمال والدم بالإسلام، حتى يدل دليل على سقوطها، وفي قوله: عندهم، ما يدل ~~على أنهم على غير ذلك غير موافقين ولا هو بموافق لهم، حيث تبرأ بقوله: ~~عندهم، ولم تجر قط عادة عالم بالإستشهاد بفعل الولاة منذ انقرض الخلفاء ~~الراشدون، وجاء ما صح الوعد به من الملك العضوض. وإنما قصد هذا المملي ~~بالاستشهاد بهذا أن يبقى الكلام فيه، خيفة أن تأخذ الملوك الحمية، فسول لهم ~~الشيطان أن الناظر في ذلك بين أمره، إما أن يخالف فيسكت، وإما أن يتكلم ~~فينتقم منه، وهكذا يكون المكر في آية الله عز وجل "ومكروا ومكر الله، والله ~~خير الماكرين"(¬1). PageV01P309 # وانظر قوله: حتى جعلوا أتباع السنة وذهاب البدعة، ما مفهوم جعلوا الثاني؟، ~~وإن كان المجرور في قوله: في أرض إفريقية. فانظر هذا الجعل بأي معنى هو؟. ~~وانظر ما خصوصية لأرض إفريقية؟، كأنهم مالهم دعوة في القديم والحديث إلا ~~بها، وهم قد ملكوا المغارب بأسرها. وهذا الكلام يقتضي أنهم ما جعلوا في أرض ~~إفريقية إتباع السنة وذهاب البدعة حتى قالوا من لا يستحق القتل، وكفى بها ~~شرا وبدعة، وأما الحكاية التي عن حفيد الشيخ سيدي ابن يوسف من أن لإفريقية ~~لا تزال على السنة والجماعة مادام بنو الشيخ أبي حفص فيها فأسأل الله أن ~~يجعل ذلك كذلك، وأن يرينا الحق حقا، وأن لا يزيغ قلوبنا، وإني لأرجو صحة ~~ذلك فإن هذا الذي قصده إليه المملي من تغيير عقائدهم في تحليل ما علم ~~تحريمه من مغرم الخطايا لم يخف بطلانه عن أمير المؤمنين أيده الله ونصره، ~~ولاعن الأذكياء نمن عماله وفقهم الله للخير والحق وإتباعه، بل ربما نطق ms159 ~~بذلك بعضهم عند الفراغ من قراءة ما أملاه وسماعه. وإنما حملني على هذا ~~المكتوب ميل كثير من رعاع طلبته وغيره إلى مقالته، وما يتوقع على مرور ~~الزمان من سريان دائه في النفوس وآفته. PageV01P310 # وأما ثناءه على أمير المؤمنين أيده الله ونصره يإسقاطه كثير من المظالم ~~وأنها نحو الأربع والتسعين، ومنها هذه: مظلمة العقوبة بالمال. انظر كيف ~~يأبى إلا أن ينطق على لسانه أصرح قول بأن العقوبة بالمال مظلمة؟ وانظر إلى ~~مدحه لأمير المؤمنين حيث أسقط هذه المظالم ولم يستفت (90=229/أ) فيها هذا ~~ولا من على منهاجه، وأقسم بالله أن منهاج هذه الفتية يقتضي انه لو شاورهم ~~في شيء منها لأحلوه، فإنها أقرب لإقامة شبهات التحليل فيها من الخطايا، ~~وأخف ضررا على الشريعة وعلى الأمة، فما منها شيء غير حدودا ولا أوجب تركها. ~~إنما كان مغارم موظفة على أموال من الأعشار وغيرها، وأخذ المال عن المال ~~أقرب من أخذ المال في الذنوب والحدود. فالحمد لله الذي ظهر ذلك عن إشارة ~~المتفقهة والمتعلمة، لطفا بالبرية ونظرا للخليقة. وإني لأرى الشيطان قد عظم ~~حسده له في هذه أعظم مما حسده في غيرها، لأن أخذ المال هنا يزعم آخذه ردعا ~~للجناة وقمعا للشهوات فيحسب أنه يحسن صنعا، وأنه لا يألو لأحكام الله رفعا، ~~ولحدود الله بيعا، ولمنهاج السنة إخمادا أو وضعا، وبقاءها يكفيه عن جميع ~~المظالم، ولا يحتاج معها إلى الوقوع في شيء من الزلات والمآتم. ومما رويناه ~~عن بعض أئمتنا: لعن الله الشيعة ومغيري الشريعة. وليتها رفعت وحمل الناس ~~على سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم في حدودهم وعقوبات ذنوبهم، وأخذ منهم ~~أضعاف ما كان يأخذ من المغارم المالية المتعلقة بالمال، فإن ذلك غير ضار في ~~الدين ولا مبدل لعقائد المسلمين، وإنما هي مظالم يأجرون عليها ويرحمون بها. PageV01P311 # أما هذه الخطايا صار الاعتقاد وصار عامة الخلق يتوهمون أنها لم تدرأ ~~الفساد، ونسيت حدود الله عز وجل حتى لا تذكر إلا على وجه التمليح، وإن ~~ذكرت، سارع الناس في أخذ الأموال على الترجيح، وأنه ms160 القانون المستقيم ~~والمذهب الصحيح. وتزيد الشيطان بؤسا ودهاء إن ذلك هو الحق الصريح. وقد شمت ~~الشيطان بنا وشفى غيظه وبرد من غليله أعراضنا عن الحق وعن سماع دليله، ونبذ ~~بالعراء لقول ربنا عز وجل: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبع السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله"(¬1). # وأما قوله: فعظمت المفسدة، فقد تقدم أن هذا قول باطل، لا يعقل أن سبب ~~كثرة الفساد قطع الظلم، بل بقاؤه، فإنه وسيلة على أخذ الرشا وعدم الأخذ ~~بالحدود والاستيفاء وصيرورتها إلى أن تباع بالبخس من الأثمان وتشترى. # وأما قوله: فطلب بإزالتها، باطنه توهم بعربية أو همته تعدى الفعل بغيره، ~~إن كان لا يشم كثيرا من ذلك، ولكن هذا يوجبه الواقع، قصد أو لم يقصد. # وأما قوله: فظهر لي ما ذكر وأخذه مما ذكر، لأن ذرأ مفسدة الدماء والحدود ~~والأعراض مع ارتكاب أخذ بعض المال من الجاني ليرتدع عنها أولى، تصريح، وهو ~~خاتمة كلامه ونتيجة نظامه، بغرم الأموال في مسائل الحدود بأسرها درءا ~~لمفسدتها بزعمه. والمخرج إلى التنبيه على صراح هذا اللفظ في مدلوله أن ~~ممليه يتلون، فتارة يقول: وسمعته منه في آخر موطن نزله أنه يزاد غرم ~~الأموال على الحدود. وكل هذا منكر من القول باطل، فإن المال ثبتت عصمته ~~بالإسلام: والحدود كافية في الردع لو كانت تقام، ونصوص العلماء متواترة على ~~أن الذنوب ولو كثرت لا تحل الأموال، والشوارد التي قدرت في الشريعة متأولة ~~عند قول العلماء على أوجه لا تنافي اصل العصمة للمال، ومن لم يتأولها اعترف ~~جمهورهم بأنها منسوخة، فلم يبقى غلا تركه الحجة والإتيان بما ترك العمل به ~~أو لم يصح سنده أو شذ عن قائله مما ليس فيه حجة. PageV01P312 # وقوله: وتأكد بعضها على بعض، استعمل " على " فيه، بمعنى عن. # قال: وقد جاء الله بهذا الخليفة المبارك في الوقت الذي جاء فيه، صادف قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث على رأس كل قرن (91=229/أ) من ~~يحيى السنة ويميت البدعة"(¬1). # أقول: لا أدخل الآن تحت هذه العهدة في ms161 هذا الحديث أنه بهذا اللفظ، ولعله ~~"على رأس كل سنة من يجدد لهذه الأمة دينها" أو قريب من هذا أو نحوه(¬2)، ~~ولم تيسر الآن مراجعته. # قال: وقد رأينا ذلك عيانا. # أقول: صدق في هذا، ولكنه لم يجد على الخير أعوانا. # قال: والله يديم دولته بخير وعافية، ويطيل عمره. # أقول: في الطاعات بمنه آمين. # قال: وبالجملة، فالمنكرون لهذه المسألة لهم باع في العلوم. # أقول: إن عني: ليس لهم باع في علوم التخليط وجمع الأضغاث والخروج عن ~~المنهاج الواجب على العلماء، فنسأل الله السلامة من تلك العلوم وجمعها، فإن ~~ضررها أكثر من نفعها. PageV01P313 # قال: لا سيما في كتاب القياس ونحوه، ولم تكن لهم قوة حفظ في الفقهيان، ولا ~~طول عمر في الجزئيان، حتى يطردوا فيه القياس التمثيلي الذي هو عمدة ~~الفقهاء، ولا القياس الحقيقي عند الأصوليين، وهو استنباط الكليات من ~~الجزئيات وتطبيقه عليها، وخطهم المنع والإعتراض بالتخمين، وردهم الكلام ~~المستدل عليه بغير نقل ولا دليل ولكن بالخطة التي ارتكبوها للضرورة التي ~~دعت إليهم، وربما كان بعضهم ضيق العطن يعتقد أن العلم في المسائل التي ~~جعلها، وربما وقعت له خطابات قولية لا طائل تحتها، وربما كانت فارغة، فإنا ~~لله وإنا إليه راجعون من فقد الأحباب وذهاب الأتراب. وقد ذكر التادلي في ~~شرح العقيدة عند قوله: وترك كل ما أحدثه المحدثون، قال: البدعة المحرمة ~~إجماعا، وهي ما تناولته أدلة التحريم وقواعده، كالمكوس والمظالم، وتقديم ~~لجهال على العلماء، وتولية المناصب الشرعية بالتوارث والجاه لمن لا يصلح ها. # أقول: طالما أثنى هذا الشيخ على نفسه، وحلاها حلى جرد غيره عنها، وتشبع ~~بما لم يعطه منها. فانظر كيف نسب نفسه إلى معرفة كتاب القياس وإحسان ~~الاستدلال، وتولي المناصب بالاستحقاق واتساع العطن والكلام المحكم المباني ~~والمفهوم المعاني، وغاية ما يشهد له بحفظ الجزئيات. # وأما الجري على القواعد ونفوذ الذهن في القياس، فشأن تقدم عليه فيه من ~~الناس، وليس له من العقل المطبوع كبير نصي، ولا هو في اكثر كلامه بمصيب. # وأما تأسفه على فقد الأحباب وذهاب الأتراب، فمن ms162 رأس عليه بعدم أحق بالأسف ~~عليهم منه، لما كانوا عليه من حماية الدين، ووقاية المسلمين، والوقوف على ~~الحق المبين. وما نقله عن التادلي من البدع المحرمة فحجة عليه فيما حلله من ~~مظلمة الخطايا، فإنها شر من المكوس كما سبق. PageV01P314 # وأما ما عرض به من تقديم الجهال على العلماء، وانحصر العلم فيه بزعمه، ~~فكذلك الخطط من الفتيا والخطابة والتدريس والإمامة، وما للناس بعده إلا ما ~~فضل بعده، والمومن الذي إذا غضب لا يحمله غضبه أن يخرج عن الحق، وإذا رضي ~~لا يحمله رضاه على الدخول في باطل. وانظر كيف يصف من خالفه في تحليل هذه ~~المظلمة الشنيعة بأوصاف تخرجه عن جميع العلوم والكمالات؟، وهو مع ذلك ~~متواتر عنه التحلية بالفقه والسؤدد، فمن لاهل المكوس والخيانات. # قال. وفي مثل هذا القسم أنشد الشيخ أبو حيان رحمه الله : # بلينا بقوم صدروا في المجالس ... لاقراء علم ضل عنهم مراشده # لقد أخر التصدير عن مستحقه ... ... وقدم غمر جامد الذهن خامده (92=230/أ) # وسوف يلاقى من سعى في جلوسهم ... من الله عقبى ما أكنت عقائده # علا عقله فيهم هواه أما درى ... بأن هوى الإنسان للنار قائده(¬1) # أقول: انظر إلى عظيم ما ارتكب هذا السيخ من التعويض لأمير المومنين بأنه ~~قدم الجهال على العلماء، والجهال على زعمه كل من خالفه في هذه القضية، وهو ~~عالم الدنيا وحده في زعمه. ثم انظر إلى تمثله بقوله: وسوف يلاقي من سعى في ~~جلوسهم... إلى آخره، هل قصد به غير أمير المؤمنين أيده الله؟ الذي أجمع أهل ~~عصره على فضله. ثم انظر إلى قوله: علا عقله فيهم هواه، كيف نسبه إلى أن ~~هواه غلب عقله، ثم انظر إلى قوله: وقدم غمر جامد العين خامده، هل ترك من ~~الهجو شيئا؟ فزن هذا بما تقدم من النظم يتبين لك أيهما أهجى. على أن ما ~~تقدم لنا من الكلام إنما هو في المسألة والمقالة، وتبيين الحق والتحذير ~~منها. وقلت جوابا للتمثيل: # بلاؤك في فتواك أكبر محنة ... ... ولكنما مقويك دقت مكائده # وتصديرك الخطب العظيم ولم تزل ms163 ... ... جريئا على الحق المبين تعانده # وما الغمر الامن يزيغ عن الهدى ... ... ويجهل أن قد زاغ والحق كائده PageV01P315 ~~وسوف تلاقي غب أمرك كله ... ... وما سطرت يمناك فالله شاهده # جعلت الهوى فوق الحجا وتعيب من ... ... نهي وتحليه بما أنت واجده # خليفتنا خير الخلائف بيننا ... ... وأطهر سر سره وعقائده # قال: وقلت. ولله در القائل. (الكامل) # ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... ... والمنكرون لكل أمر منكر # وبقيت في خلف يزين بعضهم ... ... بعضا ليستر معور عن معور(¬1)، # أقول. وتممتها بأبيات فقلت. # الخلف من لم تنهه صلواته ... ... عن سيء يأتيه أو عن منكر # ويقول غير الحق ميلا للهوى ... ... وإذا نهي عن غيه لم يقصر # هذا الذي في مريم تفسيره ... ... وبسورة الأعراف فاتل وفكر # قال: وقول الآخر. # ذهب الزان بجملة العلماء ... ... وبقيت في ظلما وفي عمياء # وقلت: # وخلت لك الأجواء حتى نلت ما ... ... قد شئته من رتبة الرؤساء # فلذاك زغت عن الطريق ونهجه ... وخبطت في عشوا وفي ظلماء(¬2)، # قال: نسأل الله أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل، ونستعيد من هفوات ~~ذنوبنا وقبيح أعمالنا، ويجعل (93=230/ب) أعمالنا كلها خالصة لوجه الكريم، ~~وينفعنا بالعلم يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. # أقول: إن قلت: إن الرب سبحانه يجيب الدعاء كما وعد، وهو الذي لا يخلف ~~وعده، فما بال الفرق على اختلافها تدعوا بالعصمة من الزلل، ثم ترى زللها ~~مستمرا؟. # قلت: لان الداعي لم يدع بكف ذلك اللبس، ولا بالعصمة من ذلك الزلل، ولا هو ~~مندرج في عموم دعائه، لأن كل حزب بما لديهم فرحون، فهم يرون ما انتحلوه هدى ~~واستقامة، لا زللا وخزيا وندامة، فلذلك استمروا على أهواءهم، إذ لم يندرج ~~ما هووه في دعائهم. PageV01P316 # فإن قلت: لا يضر مع الإخلاص في العمل ما فيه من الزلل. # قلت: أما ما كان من الزلل راجعا لكون العمل على خلاف السنة، فهو بين ~~الضرر ومستطير الشرر، لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل عمل ليس عليه أمرنا ~~فهو رد"(¬1). نعم، ويزيده الإخلاص شرا، والإخلاص توجيه العمل لله وحده، ms164 وما ~~كان على خلاف الحق والسنة لا يرضاه الله، وما لا يرضاه لا يحب توجيهه إليه. ~~فلو أنه وجه لغيره لكان اخف شرا، وقد قال الشيخ في الرسالة: "ولا ينفع قول ~~الإيمان إلا بالعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة ~~السنة"(¬2). # وكذلك الدعاء بالنفع بالعلم لا معنى له إلا أن يكون العلم النافع، وأما ~~العلم الضار الذي يصل به صاحبه لإقامة حجج الله تعالى على كتابه وتغيير ~~شريعته فالدعاء بالنفع به غير مقبول، والرجاء فيه خائب غير مأمول. # هجاء المؤلف للشيخ البرزلى # وهذه مقالة هدمت من الدين ركنا عظيما، وركب بها قائلها خطبا جسيما، يجب ~~التبري منها، وأن يعذر الله من نفسه كل من أتاه الله علما بإظهار التنصل ~~والتنحي عنها. وهذا الذي حملني أن قلت: (الوافر). # برئت إلى الذي برأ البرايا ... من الفتوى بتحليل لخطايا # لقد عظمت مصيبتها وجلت ... وحلت بالأنامي بها الرزايا # فذونك أيها المفتي تهيأ ... لعذرك يوم تختبر الخفايا # رجعت القهقرا وخبطت عشوا ... وخالفت القواطع والجلايا # طويت شريعة الإسلام طيا ... ... ولم تخف الذي علم الطوايا # وراغمت الكتابة ومن تلاه ... ... وسنة خير من ركب المطايا # جلبت على شريعته جيوشا ... ... وجهزت العساكر والسرايا # متى قلنا:الشريعة قلت: زيدوا ... ... فإني مخرج لكم الخبايا # حدود الله لا تكفي قفارا ... ... وخير أدائها غرم الخطايا # تعديت الحدود وزدت فيها ... ... وما أبقيت فيها من مزايا PageV01P317 ~~بوسواس هديت به جهارا ... ... ركبت به العظائم والبلايا # لقد غرتك أمال ومنت ... ... وقد غرتك أوهام الثرايا # تنبه ثم راجع قبل تطوى ... ... صحيفتك التي ملئت خطايا(¬1)، # فقالوا: هجا، فقلت: (المتقارب) # نصرنا الشريعة قالوا هجا ... ... إلى الله لا غيره المرتجا # وهذا زمان حللنا به ... ... يرى المستقيم به أعوجا # فإن شئت فاصبر وإلا فكن ... ... صريعا لسكر الهوى أهوجا # فالصبر خير فإن لله ... ... إذا ما انتهت شدة فرجا # يبين لنا الرب أحكامه ... ... فنفسح ما فيه قد حرجا # تزيد المغارم فوق الحدود ... ... وتصحبها باطلا لجلجا # عذرت الذين يشكون في ... ... جلي الأمور لفقد الحجا # إذا فقد القلب أنواره ... ... تشابه شمس الضحى ms165 والدجا # إلى الله عودوا وأحكامه ... ... ولا تسمون الهدى بالهجا # ولا تكتموا ما علمتم فما ... ... يجوز على الله من بهرجا # فقالوا: وهذا هجاء، وهجوت فقلت: (94=231/أ) [ بسيط ] # قالوا:هجوت إمام العصر قلت لهم: ... كلا ولكن نصرت الحق بالحجج # فإن الإمام إمام ما استقام وإن ... يعوج فقومه من زيغ ومن عوج # فإن يراجع قبلناه على حذر ... وإن يلح رفضناه مع الهمج # هذا أبو بكر الصديق سيد من ... بعد الرسول على الأحقاب والحجج # يقول إن زغت فيكم قوموا أودي ... ولا تبالوا بمن قد زل عن نهج # إن الرسول رسول الله سن لنا ... من الشريعة نهجا واضح البلج # فمن يبدل، يبدل من كرامته ... ... إهانة ويلاق أضيق الحرج # الانتصار لدين الله منقبة ... ... والنظم يجمع ثغر الحق والفلج # لي أسوة في الآلي من قبل قد رجوا ... في الصالحين فإن تهو الهدى فلج # وإن هجوت ففي ذات الاله وما ... يضر ناصر الحق أن يكون هج # حار الدليل وخفنا أن يحل بكم ... في ظلمة الظلم والأهوى بلا سرج # وفي السفينة ملاح أراد بها ... ... قطع الشراع لهلك القوم في اللجج # أنجيتكم بسلاحي من مكائده ... حتى استقام مسير الفلك بالتبج # وأنشأ الله ريحا من خزائنه ... ... تجري رخاء وهزا مبدأ الفرج # قال: ولعلي ارتكبت في هذه ما لا يغنيني. PageV01P318 # أقول: أي والله، وهو مع كونه لا يغني عنك من الله شيئا # قال: وإنما كان على وجه المذاكرة لتحصيل ما يجري على أصل المذهب في ذلك، ~~والمباحثة في مجالس العلماء، وما ينتج فيه من ذلك من الحق. # أقول: لا والله، ما كان إلا على وجه الإشارة والاستفتاء من أمير المؤمنين ~~أيده الله، وما كان الكلام من غيره إلا على وجه الفتوى، وفي مقام يعود فيه ~~على المنقول، وبعثنا فيه بجواب المسؤول.لكنها الكلمة التي يهوي بها صاحبها ~~في جهنم، وهو لا يلقي لها بالا كما ورد،فصلى الله على سيدنا محمد الذي لم ~~يدع شرا إلا حذر منه ولا خيرا إلا ندب إليه. # قال: كما قال القائل: # إذا اجتمعوا جاءوا بكل فضيلة ... ويزداد بعض القوم ms166 من بعضهم علما. # لا سيما من مثل من كبرت سنه،وكلت جوارحه وحواسه وبعد عن المطالعة والنظر ~~في المسائل. PageV01P319 # وقد قال ابن زرب(¬1): إذا كبرت سن الحافظ للعلوم فحظه معرفة موضع ~~المسائل.ورضي الله عن ابن هرمز عبد الرحمن ابن هرمز الأعرج(¬2)أنه كان يجلس ~~في آخر عمره إلى مالك ابن أنس وابن أبي ذنب ويقول لهما: إذا أفتيت في ~~المسألة انظر فيها، إني أخاف أن يكون ضعف علمي كما ضعف جسمي(¬3)وبالله ~~التوفيق. PageV01P320 # أقول: هذه مسألة لم تكن على المذاكرة، وإنما كانت على وجه الاستفتاء، وهو ~~رئيس القوم وأكبرهم سنا، والمصدر للفتوى، وما كان ينبغي له إلا أن يحمي حمى ~~الله من محارمه التي هي مظالم العباد، وأكل المال بالباطل، والخلق كلهم في ~~غنى عن كلماته التي أباح بها غرم الأموال في مسائل الحدود وفي غير هذا. فأي ~~علم ازداد الناس؟؛ ازدادوا والله عين الجهل. كانوا على شريعة من الدين ~~واضحة، يعتقدون حرمة أكل المال بالباطل، وأن ما يؤخذ من الجناة ثبتت عليهم ~~الجنايات أولم تثبت لا أصل له، وأن إقامة الحدود واجبة وكافية في ردع ~~الجناة، حتى لو علم الله أنها لا تكفي لزاد. والله لو كان هذا من الأمور ~~السائغة شرعا ما ساغ لمن يتقي الله أن يبيح لهم هذه الأمور التي هي معلوم ~~وجودها من الدين بالضرورة الا يألوها زيادة، وأن يأتوها على غير وجوهها. ~~فكيف يباح التعرض لأموال الناس بالتجني والتعسف؟، وما أجدر بك على كبر سنك ~~أن تتودا في مثل هذا، وأن تنظر فيما تتكلم به، وما به تلقى الله. فرب كلمة ~~تقول لصاحبها دعني. وهلا اقتديت بابن هرمز، فإذا رد الناس عليك رجعت ولم ~~تبصر غلطتك، وحملت منك على وجه الهفوة والزلة، ثم ما يغنيك إلا أن تؤسسها ~~وتستدل عليها بشواذ ومنسوخات، وتترك النصيحة لله عز وجل في ذكر ما عقبها به ~~العلماء من ذكر النسخ والشذوذ والبطلان، حتى يتوهم من لا خبرة له بحقائق ~~الأمور أنك مصيب.فإذا جنيت على نفسك بالجناية على كتاب الله وسنة رسوله ms167 ~~(95=231/ب) صلى الله عليه وسلم وأمته وأمير المؤمنين وعامة المسلمين هلا ~~عليك بأنك لا تعلم ولم تقف عليه، لكن غلبك الهوى وحملك على أن تلبس الحق ~~بالباطل على علم منك، "لتتبعن سنن من قبلكم"، ثم لم تتبع حتى جهلت من وقف ~~مع الحق وأراد حسم الداء وقرأت بمحضر الاشهاد واخترت لقراءته صدى الصوت ~~جهيره، ليلا تترك من النصيحة للغوي شعيرة. ثم أنت مع ذلك تزعم وترى أنك على ~~هدى، وأنك مظلوم، وأنك لم توقر. PageV01P321 # فليت الأمة فقدتك قبل أن تقول ما قلت، وليت أمك لم تلدك، وليتها إذ ولدتك ~~لم تتعلم، وليتك إذ تعلمت لم تتكلم، وليتك إذ تكلمت لم تلج لجاجك، ولم تقم ~~على هدم الشريعة حجاجك، وليتك إذ تكلمت لم تصدر للأخذ عنك، وليتك إذ صدرت، ~~وأنت لا تحسن ما صدرت له في ورد ولا في صدر، لم تقبل، وليتك إذ قبلت أمسكت ~~عنانك عما لا يغني، واتبعت جنانك ليتبين لك ما أنت على الدين تجني. ولقد ~~بلغني تواتر عن شيخنا الإمام رحمه الله مقالات، جملة من جملتها أنه سأل ~~الله أن يحمي دينه منك، ولتعلمن نبأه بعد حين. # قال: قال أبو القاسم ابن أحمد البرزلي لطف الله به: أمليت هذه الجملة من ~~حفظي على بعض من كتبه بين يدي من الطلبة في قدر ساعتين أو أقل إلا شيئا ~~قليلا، حتى حفظته من موضعه # أقول: يريد قدر ساعتين، إلا أن العبارة عبارة جهال العامة. وصرح المملي ~~هنا باسمه تنويها بذكر اسمه وابتهاجا بحفظه، ولا إشكال في حفظه. وإنما ~~الكلام معه في استعمال محفوظه على الوجه السائغ، وقدر ساعتين يغني عن قوله: ~~أو أقل، وهما معا يغنيان عن قوله: إلا شيئا قليلا. وقوله: حتى حققته عن ~~موضعه غير ملتئم مع ما قبله، ولكن شبه الشيء منجذب إليه. فالتصرف منه في ~~المعاني وفي الألفاظ قريب من قريب من قريب. PageV01P322 # قال: فمن عارض ذلك وأفتى بخلافه وصححه، وأبطل ما قلناه وجب الرجوع إليه، ~~فالحق أحق أن يتبع، ما يزال الناس بخير ms168 ما رجعوا إلى الصواب، ونضر الله ~~امرءا قدم إلي معرفة عيوبي فاجتنبتها، فالرجوع إلى الحق واجب، والحكم به ~~لازم ويرحم ويرحم الله الأصيلي فإنه كان يقول: لا أحب أن أخطئ، فإذا أخطأت ~~لا أحب أن أمادى على خطئي، واتباع الباطل حرام.وإن كان سنده قطعيا، فهو ~~كفران اعتقد حليته، لقوله تعالى "ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم ~~الكافرون والظالمون والفاسقون"(¬1)، في الكفار كلها على قدر ما ورد في ~~الأحاديث. وتحليل ما حرم الله،أو تحريم ما أحل الله داخل في معناها، "ومن ~~أحسن من الله حكما لقوم يوقنون"(¬2). # فنسأل الله أن يهدينا إلى الصواب، ويرزقنا حسن المآب ويستعملنا بأعمال ~~أهل الثواب، ويعيدنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويجعلنا ممن طال عمره ~~وحسن عمله، ويختم لنا بخاتمة الإسلام، بحرمة نبينا عليه الصلاة والسلام، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والسلام الاتم على من يقف عليه ~~ورحمة الله وبركاته. # أقول: إلى هنا انتهى هذا الإملاء.وقد كتبت هذه الجملة على نحو ما وجدتها، ~~سوى أنه أسقط اسم الله تعالى بعد قوله: نسأل، فكتبته، إلا بما فيها من ~~اللحن، فقد تقدم أمثاله. # وأما ما زعم من أنه يرجع إن عورض بأدلة صحيحة، ويتبين له بطلان ما أتى ~~به، ولكنه من الكلام الذي ظاهره الإنصاف، وباطنه خلي عما يقارب ذلك من ~~الأوصاف. ولقد اجتمعت بممليه بعد ما اشتد النكير عليه مني، وتأول أهل الوقت ~~فيما جاء به إلا القليل، فأخذ يذكر شدائد الإنكار عليه، وأنه يرغب إلى الله. PageV01P323 # قلت: وأخبرك أيضا(96=232/أ) أني أرغب إلى الله، لكن شتان ما بيننا أنا أسأل ~~الله صلاحك، وأن يمن علينا بالرجوع إلى الحق، وأن لا يتوفاك وهي في صحيفتك. ~~وهذا بعد محاورة ومراجعة بين له منها خطأه في المسألة، ونقل له فيها في درب ~~من الإجمال ما تقدم به من الاستدلال.فقال ما يعرف أحد شيئا كانت بعد ~~صحيفتي.فعرفت أنه لم يرد بهذا الكلام الاسترشاد، وقد كنت اغتررت به حتى لج ~~في المكابرة والعناد لكنه على ms169 الجملة شعر بأنه سفه نفسه، وقوله: ولكنه ~~منعه من الرجوع ما منع غيره القبول للحق والنزوع، وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم:"الكبر بطر الحق وغمط الناس"(¬1)، يريد صلى الله عليه وسلم أن التواضع ~~في قبول الحق وإنصاف الخلق، لا في البزة واللباس. وما أتى به من قوله: ~~"فالحق أحق أن يتبع" إلى آخره كلمات انتحل لفظها، ولم يحسن لحظها، فأضرت به ~~كما تضر رياح الورد بالجعل : وما قال علي-رضي الله عنه-مما يذكر عنه: # فإن العقل عقلان ... ... فمطبوع ومسموع # ولا ينفع مسمع ... ... اذا لم يكن مطبوع # كما لا تنفع الشمس ... ... وضوء العين ممنوع(¬2) # وقد قال تعالى في أهدى هاد" يضل به ويهدي به "(¬3) # وأما قوله: واتباع الباطل حرام، فهو قضية معلمة بالضرورة من كل دين. # وأما قوله: وإن كان سنده قطعي فهو كفر.صوابه قطعيا، فإن من الكفر تكذيب ~~الله ورسوله،ومخالفة القواطع تتضمن ذلك. PageV01P324 # وهذا يدل على أن ما أنكره علينا من قوله فيه: وراغمت الكتاب ، ليس بمنكر ~~فإنها مبنية على مقدمتين، إحداهما مستدل عليها أنه خالف القاطع، والثانية ~~مسلمة وهي قوله: من خالف القاطع فقد كفر. # قصيدة نظم فيها المؤلف ما تقدم ذكره في المسألة. # ومما قدمناه من الاستدلال على تحرير هذا المحلل، ورد الرأي المضلل ~~كفاية.وقد جمعنا ذلك في منظوم جعلناه كالفذلكة لكتابنا والتذكرة، خاطبنا به ~~إمام الدهر وخليفة العصر، ذا الأيام الزهر والوقائع الغر، أبقاه الله حاميا ~~للإسلام، واقيا للانام، راقيا إلى دار السلام وأرفع ما رقت إليه ~~الأقدام.(¬1)[ الوافر] # 1 ... أيا ملك الأنام ومن إليه ... تناهى العز والشرف الخطير # 2 ... ومن عظمت وقائعه وجلت ... صنائعه فتم به السرور # [على أساس فخرك في البرايا ... وجب الريدك في التقى نصر](¬2) # 3 ... شددت الملك بالتقوى فتمت ... خصال المجد وانتظم النفير # 4 ... وشيدت المباني إذ بناها ... بنو حفص فعز لك النظير # 5 ... عززت نصرت عاديت الأعادي ... ظفرت وفزت والله النصير # 6 ... عقدت العزم في ترك الخطايا ... ومثلك لا يحور ولا يجور # 7 ... وأشهدت العبيد بذلك أن لا ... أن لا يغرك حاسد أو ms170 كفور # 8 ... فوف بما عقدت ولا تماطل ... فما تدري متى يأتي السفير # 9 ... ولا تتبع هوى من لا يبالي ... بما يريد فالمولى غيور # 10 ... فقد وضح السبيل لمن يراه ... وبان الحق واتجه المسير # 11 ... وإن الحد لا يعتاض منه ... ولا معه فتيل أو نقير # 12 ... حدود الله كافية لزجر ... ومن قد قال لا تكفي كفور # 13 ... كما شرع الإله لنا وفيها ... إذا لم تبع فاعلم ظهور(¬3) # 14 ... أقيموا الدين قال الله حقا ... وعما به شرعت فلا تجور. PageV01P325 # 15 ... فلا يخدعكم عنها خيال ... ووسواس يلم به الغرور # 16 ... يقيس مع النصوص وذاك خرق ... تعاطاه مع النهي الغرور # 17 ... إذا ما قد قضى الرحمن أمرا ... تقاصرت المذاهب والأمور # 18 ... وقول المال أردع فارفضوه ... فما نصح المجيب ولا المشير # 19 ... أليس المال للأهواء عونا ... وللشهوات وهو لها مثير # 20 ... يروح الأغنياء بما اشتهوه ... ويبقى غلف حسرته الفقير # 21 ... يجل الرب أن يختار حكما ... به سفه وجهل أو قصور # 22 ... ومن رام العقوبة بالخطايا ... فقول ظاهر البطلان بور # 23 ... وفي الاسراف أجمع من تسمى ... من أهل العلم وهو به شهير # 24 ... بأن المال للمرتد حتى ... يراجع أو يزار به القبور(97=232 ب) # 25 ... ولا ينزاح عنه بارتداد ... وذاك وقلتم الجرم كبير # 26 ... أيوخذ مال من يعصي انتقاما ... ويعصم مال ذاو هو الكفور(¬1) # 27 ... فلا تعبأ بقول غير هذا ... ولو ضمته في الطرس السطور(¬2) # 28 ... فكم زورا من الشيطان ألقى ... على غار تضيق به الصدور # 29 ... فهذا الزور لجلج ذو التباس ... وقول الحق أبيض مستنير # 30 ... وعقبى ذاك شر وافتضاح ... وميراث التقى كرم وخير # 31 ... نعم وحكى ابن حزم أن من قد ... بغى وبه تكاملت الشرور # 32 ... بعدوان الخروج على إمام ... تقي لا يحيف ولا يجور # 33 ... وقد صحت إمامته وحقت ... يدايع بالقتال ولا يشير(¬3) # 34 ... بأخذ المال منه قال هذا ... جميع العاملين ولم يحور # 35 ... يملك مالهم إلا سلاحا ... وخيلا لا يحل ولا يصير # 36 ... وفي هذين بينهم اختلاف ... ووجه الحق متضح منير # 37 ... وقد ms171 قال الإمام الحبر أعني ... بذلك مالكا وهو الأمير # 38 ... وصرح لا يبيح الذنب مالا ... ولو قتل النفوس، فلا يجور # 39 ... نعم، ورأى وأفتى وهو حق ... بضرب مبيحه وهو الخبير # 40 ... فمن يبح المغارم بالمعاصي ... أقل جزائه فاعلم جدير # 41 ... فلا تجزع مبيح الغرم مما ... رأى إمامك الحبر البصير # 42 ... وما علم الأئمة أن ذنبا ... يبيح المال، قال بذا كثير PageV01P326 ~~43 ... وتابعه الجماعة ليس يبدو ... لهم في قوله هذا نكير(¬1) # 44 ... وفي الأحكام تنصيص صريح ... بان عقوبة الأموال زور # 45 ... وفيها لا يجوز وباتفاق ... على حال ومن هذا كثير # 46 ... وهذا قطب مذهبنا عليه ... جواب إمامنا فاعلم يدور # 47 ... كذا قال ابن رشد في بيان ... مرارا، والرواة له ظهير # 48 ... فكم حبر يصدقه عليه ... وما لمخالف فيه نصير(¬2) # 49 ... على هذا فعول لا تعاقب ... بمال فهو خسران كبير # 50 ... وإذا أوتيت ملتبسا فدعه ... بتأويل أحاط به خبير # 51 ... يرد به إلى أصل صحيح ... بنور بصيرة، والعلم نور(¬3) # 52 ... على أن الذي قد جاء منه ... حكى نسخا له الجم الغفير(¬4) # 53 ... ففي الأحكام والإكمال نص ... وفي التوضيح وهو له وزير # 54 ... نعم، وحكاه أحمد والنووي ... كذاك نهاية، وله ظهور # 55 ... وفي كتب البيان حكى اتفاقا ... واجماعا، وذا أمر شهير # 56 ... وخرج قاسم فيما روى عن ... أبي حفص إذ أخبره خبير(¬5) # 57 ... بانكاح جرى قبل اعتداد ... ففرق بين ما دخل العشير # 58 ... وألقى مهرها في بيت مال ... رآه لا يحل ولا يصير # 59 ... لزوج إذ أصاب، فنم هذا ... إلى أقضى القضاة ومن يشير # 60 ... خفي العلم ملتبسا فيبدو ... على صفحاته قمر منير # 61 ... أبو حسن علي ذو المعالي ... إمام الحق والحبر الكبير # 62 ... فأنكر وضعه في بيت مال ... وبث نكيره خلق كثير # 63 ... إلى عمر الإمام فقال قولا ... ... بمنبره غدا مثلا يسير # 64 ... رأيه بلأنام: ألا فردوا ... جهالات لسنة من يجير # 65 ... لسنة أحمد الآتي بعدل ... يلوذ به الضعيف المستجير # 66 ... فصل ربنا أبدا عليه ... وسلم كلما نم العبير # 67 ... وذا أيضا صريح ms172 في اجتماع ... من الصحب الكرام، ولا نكير # 68 ... وتحقيق الأئمة مثل هذا ... يصدق ما حكى الجم الغفير # 69 ... من الاجماع: والشبهات جهل ... رأيك لا يتابعها بصير PageV01P327 ~~70 ... بذلت نصيحتي شغفا وحبا ... وألجأ إلى الله وأستجير # 71 ... به من شر من يردي ويعدي ... فما لله ضد أو نظير(¬1) # 72 ... فلا تحتج لأكل المال ظلما ... فظلم الناس شر مسطير # 73 ... ولا يغررك غرار فيوم ... عبوس من ورائك قمطرير # 74 ... ولا ترجع بما عاملت ربا ... ... به إن التجارة لا تبور # 75 ... وقم بالشكر إن الله يرضى ... بشكر عباده وهو الشكور98=233/أوأما ~~استدلاله على أن المخالفة بتحليل المحرم كفر بالآية فصحيح، بل الدلالة ~~أحروية،لأن الله سبحانه رتب الكفر والظلم والفسق بصحيح الآية على من ترك ~~الحكم بما أنزل الله فقط، فتأول الآية بظاهرها أنه يكفي في علوق هذه ~~الأوصاف بصاحبها إعراضه عن حكم الله، ولو لم يحكم هؤلاء بغيره، فكيف بمن ~~ترك حكم الله وحكم بسواه؟، كإهمال الحدود في الخطايا، أوزيادتها ~~عليها،اتباعا للمصالح التي رأى القائل بها أنه اهتدى إليها وخفيت على ~~الأولين. # على أنا قد بينا من قبل أن نظر اليهود في التسخيم والجلد عوض الرجم أقرب ~~وأدفع للمفسدة ممن رام شرع المال في ذلك، لما تقدم من العقوبة البدنية، ولا ~~سيما الجلد، وشهرة الجاني مشروعة في الجملة، بخلاف العقوبة بالمال وأخذه في ~~الجنايات بخلاف المال، وأردع عن المعاصي، لأن كل ذي جاه يود فداء نفسه ~~وبدنه بماله. # وتعجب مما شئت من تلاوة هذه الآيات، وعدم الانتفاع بها، بل بتلاوتها مع ~~الاتصال بضد ما دلت عليه، حتى يتحقق أن خالق الهدايات هو الله تعالى. # وأما قوله: في الكفار كلها، كأنها جملة اعتراضية قصد بها نقض ما أراده من ~~الاستدلال، فلذلك صار تركيبه ظاهر الاعتلال، بادي الاختلال. لأنها إذا كانت ~~في الكفار، كيف يستدل بها على تكفير من قال بتحليل المحرم من غير الكفار من ~~مدعي الإسلام؟. # لا يقال: وجه الدلالة أنها إذا كانت في الكفار كيف يستدل على أن ترك ~~الحكم بما أنزل الله ms173 كفر؟. PageV01P328 # لأنا نقول: إذا كانوا كفارا بغير ذلك من جحود الرسالات، وادعاء الابن لله ~~تعالى، فمن أين يعلم أنهم ما سجل عليهم بالكفر إلا لأجل ذلك الوصف؟ # لا يقال: ترتيب الحكم على على الوصف المناسب يشعر بالعلية، لأن الكلام ~~أولا في مناسبته، وهذا بناء على أن الاية قاصرة على أهل الكفر. انظر إلى ~~تعقيبه هذا الكلام بقوله: وفي معناه من حلل المحرم ونحوه، كأنه أراد إلحاقه ~~بالقياس، وعلى تعقيبه بقوله: "ومن أحسن من الله حكما لقول يوقنون"(¬1)، كيف ~~هذا الرجل مجازف في القول مجازفة من لم يعرف ما يقوله لفظه، إذ لو تأمل ~~فيما تلاه لعرف أن الآية رد عليه، إذ زيادة المغارم على الحدود أو جعلها ~~بدلا منها، وبيع الفواحش منها، كسنة الحاكمين بالخطايا، ليس مما أنزل الله ~~قطعا ضرورة. # وإليك الخيرة أيها الناظر بعد في هذا الإملاء وما عليه انطوى، بأي ~~السببين تهتدي، وبأي الكلامين تقتدي. وأسأل الذي به تقليب القلوب أن يرينا ~~وإياك الحق حقا، ويحول بيننا وبين من يحول بين الحق وأهله، بمنه وطوله، ~~وقوته وحوله.والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وصلى الله على سيدنا ~~ومولانا محمد نبيه المصطفى. # كمل بحمد الله.وكان الفراغ منه يوم الاثنين التاسع والعشرين جمادى الأولى ~~عام خمسة وثمانين وثمانمئة على يد العبد المستغفر الفقير إلى الله تعالى ~~أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد الونشريسي وفقه الله وغفر له ~~(99=233/ب). # فهارس الكتاب ms174